{"ً":{"ٌ":23688,"ٍ":"التراتيب الإدارية = نظام الحكومة النبوية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"السياسة الشرعية والقضاء/نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية - الكتاني - ت الخالدي - ط الأرقم 01-02","files":["00_106253.pdf|الغلاف","01_106253.pdf","02_106254.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية\nالمؤلف: محمد عَبْد الحَيّ بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني (ت ١٣٨٢هـ)\nالمحقق: عبد الله الخالدي\nالناشر: دار الأرقم - بيروت\nالطبعة: الثانية\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":327,"ٕ":20,"ٖ":1770154522,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة التحقيق","level":2,"page":2},{"title":"من هو السيد محمد عبد الحي الكتاني","level":3,"page":3},{"title":"الإهداء","level":2,"page":4},{"title":"المقدمة الأولى","level":2,"page":5},{"title":"اسم مؤلف كتاب التخريج ونسبه وبلده","level":3,"page":28},{"title":"مولده ومشيخته:","level":3,"page":29},{"title":"ذكر ما حلي به:","level":3,"page":29},{"title":"ذكر شيء من شعره:","level":3,"page":29},{"title":"ذكر الرواة عنه وسندنا المتصل به","level":3,"page":32},{"title":"بلده ووفاته ومدفنه","level":3,"page":34},{"title":"نسخ كتاب التخريج الموجودة في المكاتب ومن نقل منه","level":3,"page":35},{"title":"أول خطبة كتاب التخريج","level":3,"page":36},{"title":"مقصده من تدوينه","level":3,"page":36},{"title":"تاريخ اشتغاله بتدوينه وكلمة جامعة في أبي الحسن الخزاعي","level":3,"page":37},{"title":"السلطان الذي قدمه إليه","level":3,"page":38},{"title":"خطته في الدولة المرينية","level":3,"page":38},{"title":"اصطلاح الخزاعي في كتابه التخريج وصنيعه","level":3,"page":39},{"title":"الأصول التي استمد منها في كتابه ونقل عنها","level":3,"page":41},{"title":"المقدمة الثانية","level":2,"page":43},{"title":"برنامج القسم الأول","level":3,"page":43},{"title":"ذكر مواليه الذين أعتقهم في مرض موته","level":4,"page":44},{"title":"برنامج القسم الثاني من كتاب الخزاعي","level":3,"page":44},{"title":"(ومما استدركت عليه في هذا القسم خلال تراجمه من الأبواب):","level":4,"page":45},{"title":"القسم الثالث من كتاب الخزاعي","level":3,"page":46},{"title":"برنامج القسم الرابع من كتاب الخزاعي","level":3,"page":47},{"title":"برنامج القسم الخامس من كتاب الخزاعي","level":3,"page":49},{"title":"برنامج القسم السادس من كتاب الخزاعي","level":3,"page":52},{"title":"برنامج القسم السابع من كتاب الخزاعي","level":3,"page":52},{"title":"برنامج القسم الثامن عند الخزاعي","level":3,"page":53},{"title":"برنامج القسم التاسع من كتاب الخزاعي","level":3,"page":54},{"title":"القسم العاشر من كتاب الخزاعي","level":3,"page":58},{"title":"المقصد الأول","level":4,"page":59},{"title":"المقصد الثاني","level":4,"page":64},{"title":"القسم الأول في الخلافة والوزارة (الصدارة)","level":2,"page":71},{"title":"الخلافة","level":3,"page":72},{"title":"ذكر الفرق بين الخليفة والملك والسلطان من حيث الشرع والاصطلاح","level":3,"page":78},{"title":"الوزير","level":3,"page":81},{"title":"ذكر صاحب السر","level":3,"page":83},{"title":"في ذكر الآذن [الحاجب]","level":3,"page":83},{"title":"ذكر حبس بعض الوافدين عن الآذن","level":3,"page":83},{"title":"الحاجب","level":3,"page":84},{"title":"البواب","level":3,"page":84},{"title":"ذكر من تولى خدمة رسول الله ﷺ من الأحرار والموالي","level":3,"page":87},{"title":"ذكر من كان يخدمه ﵇ من مواليه","level":3,"page":87},{"title":"ذكر الموالي الذين أعتقهم ﵇ في مرضه","level":3,"page":87},{"title":"ذكر من كان يوقظه ﵇ إذا نام ويستره إذا اغتسل","level":3,"page":88},{"title":"ذكر من كان يخدم النبي ﷺ إذا أراد حاجته داخل منزله","level":3,"page":88},{"title":"ذكر من كان يبيت على باب رسول الله ﷺ من الرجال","level":3,"page":88},{"title":"استخدامه ﵇ في ذلك امرأة","level":3,"page":88},{"title":"استخدامه ﵇ غلاما يهوديا","level":3,"page":89},{"title":"الأشياء التي كان ﵇ لا يكلها إلى أحد من خدمه","level":3,"page":89},{"title":"ذكر الذين قام بخدمتهم المصطفى بنفسه","level":3,"page":89},{"title":"ذكر صاحب الوساد [المخدة]","level":3,"page":90},{"title":"في إدناء النبي ﷺ الوساد للداخل","level":3,"page":90},{"title":"ذكر صاحب النعلين","level":3,"page":91},{"title":"مضحك رسول الله ﷺ","level":3,"page":93},{"title":"ملاعبة الإمام أقاربه الصغار","level":3,"page":93},{"title":"الرجل يعلم الوفد كيف يحيون المصطفى ﷺ","level":3,"page":93},{"title":"القسم الثاني في العمليات الفقهية وأعمال العبادات","level":2,"page":94},{"title":"في العمليات الفقهية وأعمال العبادات","level":3,"page":95},{"title":"ذكر معلم القرآن وفيه فصول","level":3,"page":95},{"title":"«الفصل الأول:","level":4,"page":95},{"title":"الفصل الثاني:","level":4,"page":95},{"title":"الفصل الثالث:","level":4,"page":96},{"title":"ذكر من نقل عنه وجوه القراءة من الصحابة","level":3,"page":99},{"title":"ذكر معلم الناس الكتابة في زمن رسول الله ﷺ ذكر المعلم من الرجال - المعلم المسلم","level":3,"page":100},{"title":"المعلم الكافر","level":3,"page":100},{"title":"ذكر المعلمة من النساء","level":3,"page":101},{"title":"اتخاذ الدار ينزلها القراء ويستخرج منه اتخاذ المدارس","level":3,"page":104},{"title":"ذكر المفتين على عهد رسول الله ﷺ","level":3,"page":104},{"title":"ذكر من كان يتوسط بين المصطفى وبين الصحابة إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء","level":3,"page":106},{"title":"ذكر من كان يعبر الرؤيا في زمن رسول الله ﷺ","level":3,"page":106},{"title":"الإمام في صلاة الفريضة","level":3,"page":109},{"title":"ذكر استخلاف رسول الله ﷺ لأبي بكر الصديق على الصلاة وكم من صلاة صلاها","level":3,"page":110},{"title":"استخلاف المصطفى على الحج","level":3,"page":111},{"title":"اتخاذ المنبر","level":3,"page":111},{"title":"خطبته ﵇ في حجة الوداع على الدواب","level":3,"page":113},{"title":"اتخاذه ﷺ عليا يعبر عنه","level":4,"page":113},{"title":"أمره ﵇ باستنصات الناس رجلا أطول الناس قامة وأبلغهم وأنداهم صوتا","level":3,"page":114},{"title":"تكليف الإمام عظيما من أصحابه يحشر له قومه","level":3,"page":114},{"title":"ارساله ﵇ عليا يبلغ عنه نزول أول سورة القتال","level":3,"page":114},{"title":"الإمام في صلاة رمضان","level":3,"page":115},{"title":"ذكر مؤذن النبي ﷺ","level":3,"page":116},{"title":"فائدة:","level":4,"page":117},{"title":"ذكر الموقت","level":3,"page":118},{"title":"فصل في اقتداء المساجد في صلاتهم بمؤذن المسجد الجامع","level":3,"page":118},{"title":"على أي شيء كانوا يؤذنون","level":3,"page":119},{"title":"ذكر صاحب الخمرة","level":3,"page":120},{"title":"الذي يحمل العنزة","level":3,"page":121},{"title":"الذي كان يحمل العصا بين يديه ﵇ ويتقدم إذا أراد أن يدخل منزله الكريم","level":3,"page":121},{"title":"المسرج وهو الموقد","level":3,"page":122},{"title":"هل أوقدت الشموع في المدينة على عهده ﵇","level":3,"page":123},{"title":"المجمر","level":3,"page":124},{"title":"الذي يقم المسجد ويلتقط الخرق والقذي والعيدان منه","level":3,"page":124},{"title":"الرجل يأخذ الناس بالصلاة في الجماعة ويشتد عليهم في تركها","level":3,"page":126},{"title":"الرجل يتقدم إلى المصلين يرتب صفوفهم ويضربهم على ذلك","level":3,"page":126},{"title":"الرجل يمنع الناس عن المنازعة واللغط في المسجد","level":3,"page":126},{"title":"صاحب الطهور","level":3,"page":127},{"title":"ذكر من كان يتولى ذلك لرسول الله ﷺ","level":3,"page":127},{"title":"هل كان ﷺ يستعمل الماء السخن أو دخل الحمام","level":3,"page":128},{"title":"وضوؤه ﵇ في آنية زجاج","level":3,"page":129},{"title":"وضوؤه ﷺ في الطست من صفر وغيره","level":3,"page":129},{"title":"صاحب السواك","level":3,"page":130},{"title":"اتخاذ رسول الله ﷺ الكرسي","level":3,"page":130},{"title":"ذكر جلوس النبي ﷺ على الكرسي","level":3,"page":130},{"title":"في السقاء وفيه فصول","level":3,"page":131},{"title":"فصل في سقي الماء له ﵇ من الآبار الطيبة بالمدينة","level":3,"page":132},{"title":"فصل فيما جاء أنه ﷺ كان يبرد له الماء","level":3,"page":132},{"title":"فصل في طلبه ﵇ ماء زمزم من مكة إلى المدينة وتحريضه على التعجيل بأصرح عبارة","level":3,"page":132},{"title":"فصل في الروايا تسافر مع المصطفى ﷺ، ومن كان يذهب يملأها","level":3,"page":133},{"title":"فصل في ساقي النبي ﷺ من المسلمين","level":3,"page":133},{"title":"فصل في ساقيه ﵇ من اليهود","level":3,"page":133},{"title":"فصل في سقي الماء","level":3,"page":133},{"title":"الانتباذ في الاواني الخضر","level":3,"page":134},{"title":"دعاء المصطفى ﷺ لمن أزال شعرة من مائه","level":3,"page":134},{"title":"الخادم يخدم عند الأكل","level":3,"page":134},{"title":"أوانيه ﵇","level":3,"page":134},{"title":"هل كانوا يهنئون الشارب في الزمن النبوي","level":3,"page":134},{"title":"الامارة على الحج","level":3,"page":137},{"title":"صاحب البدن","level":3,"page":137},{"title":"حجابة البيت وهي العمارة والسدانة فصل في ذكر من وليها في زمن رسول الله ﷺ","level":3,"page":138},{"title":"السقاية","level":3,"page":139},{"title":"مباشرته ﵇ لنحر الهدي بيده الكريمة في حجة الوداع واذنه لعلي في إتمام البقية","level":3,"page":140},{"title":"القسم الثالث في العمليات الكتابية","level":2,"page":141},{"title":"الباب الأول في كتاب الوحي وفيه فصول:","level":3,"page":141},{"title":"العمليات الكتابية","level":4,"page":142},{"title":"باب كتابه ﵇ مطلقا","level":4,"page":142},{"title":"باب في خليفة كل كاتب من كتابه ﵇","level":4,"page":144},{"title":"باب في كتاب السر","level":4,"page":145},{"title":"فصل في ذكر كتاب الرسائل والإقطاع","level":5,"page":145},{"title":"باب فيمن كان يكتب عن النبي ﷺ للبوادي","level":4,"page":146},{"title":"فصل في كتابته ﵇ في الجلد ومقداره","level":5,"page":146},{"title":"فصل في كتاب العهود والصلح","level":5,"page":147},{"title":"فصل فيمن كان يكتب لرسول الله ﷺ أموره الخصوصية","level":5,"page":147},{"title":"نظرة إجمالية في الكتاب","level":6,"page":147},{"title":"باب في تعليم المصطفى لكتابه أدب وضع القلم ومحل وضعه ورسم الحروف وتقويمها نحو ذلك","level":4,"page":148},{"title":"باب في ندب المصطفى ﵇ الكتبة إلى تتريب الكتابة","level":4,"page":149},{"title":"فصل في اصطلاح المكاتيب النبوية","level":5,"page":150},{"title":"فصل في كيفية مخاطبة الملوك وغيرهم من المعاصرين له (﵇ في زمانه)","level":5,"page":151},{"title":"فصل في عنوان المكاتب إليه ﵇ في ذلك الزمن","level":5,"page":151},{"title":"فصل في عنوان كتبه ﵇","level":5,"page":152},{"title":"فصل بما كان يفتتح كتبه ﵇","level":5,"page":152},{"title":"فصل في التزامه ﵇ أما بعد في صدور كتبه وخطبه","level":5,"page":152},{"title":"احتياطه ﵇ في مكاتيبه الرسمية","level":6,"page":153},{"title":"باب اتخاذه ﵇ أما بعد لفصل من فصول الكتاب ورؤوس المسائل","level":4,"page":153},{"title":"فصل في أصح كتاب حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه ﵇","level":5,"page":154},{"title":"آخر مكتوب نبوي حفظ التاريخ عينه لنا من كتبه ﵇ لأهل الإسلام وتحافظهم عليه","level":6,"page":154},{"title":"فصل في آخر كتاب حفظ التاريخ لنا عينه من كتبه ﵇ (لأهل الكفر ومحافظتهم عليه)","level":5,"page":156},{"title":"فصل في أجمع وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه من كتبه (﵇ الأحكامية)","level":5,"page":156},{"title":"ما كتبه ﵇ ولم يخرجه","level":6,"page":158},{"title":"فصل هل كتب ﵇ بنفسه شيئا وامضى بعض كتبه (بيمينه الشريفة أم لا)","level":5,"page":159},{"title":"فصل في ذكر صاحب الخاتم ومن أي شيء كان وما كان نقشه","level":5,"page":161},{"title":"فصل فيمن كان صاحب خاتمه ﷺ","level":5,"page":161},{"title":"باب في عمله ﵇ إذا لم يحضره الخاتم","level":4,"page":162},{"title":"باب في مسائل تتعلق بالخاتم النبوي","level":4,"page":162},{"title":"باب في وضع التاريخ وأصله","level":4,"page":163},{"title":"باب في الرسول (السفير) وفيه فصول فصل في صفات رسله ﵇ من وفور العقل وطلاقة اللسان وقوة الحجة المقنعة للخصم","level":4,"page":164},{"title":"اختياره ﵇ لرسله أن يكونوا أحسن الناس وجها","level":5,"page":169},{"title":"وصايته ﵇ لكل من بعثه لجهة من الجهات من سفرائه وأمرائه ورسله","level":5,"page":169},{"title":"اتخاذ البريد في زمن الخلفاء الراشدين","level":5,"page":170},{"title":"فصل في الرسول يبعث يدعو إلى الإسلام","level":5,"page":171},{"title":"فصل في بعث الرسول في الصلح","level":5,"page":172},{"title":"فصل في بعث الرسول بالأمان ذكر من بعثه المصطفى ﷺ في ذلك من الرجال","level":5,"page":172},{"title":"فصل في الرسول يبعث إلى الملوك (ليبعث من عنده في بلاده من المسلمين)","level":5,"page":173},{"title":"في الرسول يبعث إلى الملك ليزوج الإمام المرأة من المسلمين (تكون ببلاده ويبعثها)","level":6,"page":173},{"title":"في الرسول يبعث بالهدية","level":6,"page":174},{"title":"باب في جائزة المصطفى لرسول غيره له","level":4,"page":175},{"title":"باب في الرسول يتوجه إلى الملك منذرا له بالحرب إن هو لم يؤمن","level":4,"page":175},{"title":"باب في الترجمان الذي كان يترجم لرسول الله ﷺ ذكر من كان يترجم له باللسان العجمي","level":4,"page":176},{"title":"ذكر من كان يترجم له ﷺ بالكتاب كتاب السريانية","level":5,"page":176},{"title":"كتاب اليهود","level":5,"page":177},{"title":"باب في تعليم السريانية","level":5,"page":177},{"title":"أقول وبهذا يعلم حكم تعلم اللغات الأجنبية.","level":5,"page":178},{"title":"باب في الشاعر وفيه فصول فصل في ذكر شعراء النبي ﷺ","level":4,"page":181},{"title":"باب في استنشاده ﷺ شعر الهالكين في غير موضع","level":4,"page":183},{"title":"سماعه ﵇ الشعر المتضمن التشبيب والغزل","level":5,"page":183},{"title":"الشعراء من الصحابة والصحابيات الذين رثوه ﵇ بعد موته","level":5,"page":184},{"title":"باب تكرمه ﵇ بأعظم سبي سبي له بسبب أبيات شعرية قدمت له ﵇","level":4,"page":184},{"title":"باب في ذكر الخطيب في غير الصلوات ذكر من كان خطيب رسول الله ﷺ","level":4,"page":186},{"title":"هل خطب ﵇ أو خطب الصحابة بغير اللغة العربية","level":5,"page":186},{"title":"باب في كتاب الجيش وفيه فصول","level":4,"page":188},{"title":"فصل في البيعة ومعناها المعاقدة والمعاهدة","level":5,"page":188},{"title":"فصل فيمن تولى ذلك على عهد رسول الله ﷺ","level":5,"page":190},{"title":"فصل في ثبوت العطاء في عهد رسول الله ﷺ","level":5,"page":190},{"title":"فصل في وضع عمر الديوان والسبب في ذلك","level":5,"page":191},{"title":"تسامح المسلمين في صدر الإسلام","level":6,"page":193},{"title":"فصل في أي سن يجيز الإمام من يرسم في الديوان","level":5,"page":194},{"title":"فصل في عرض الناس كل سنة","level":5,"page":195},{"title":"باب في رده ﵇ في الإستعراض من لم يستأذن أبويه","level":4,"page":195},{"title":"فصل في العريش يا بنى للرئيس يشرف منه على عسكره","level":5,"page":195},{"title":"باب في تكليف الإمام من يجلس برئيس ليرى جنود الإسلام (وهو الإستعراض الذي يراد منه اليوم إظهار القوة)","level":4,"page":196},{"title":"باب في ذكر العرفاء وهم رؤساء الأجناد وقوادهم","level":4,"page":196},{"title":"باب في النقباء","level":4,"page":197},{"title":"باب في المحاسب","level":4,"page":198},{"title":"باب في الأوصياء والوصاية","level":4,"page":198},{"title":"القسم الرابع في العمليات الأحكامية وما ينضاف إليها وفيه عدة أبواب","level":2,"page":200},{"title":"العمليات الإحكامية","level":3,"page":201},{"title":"باب في الإمارة العامة على النواحي ذكر من ولاه النبي ﷺ على النواحي","level":4,"page":201},{"title":"باب كيف كان يوصي ﵇ (عماله في صفة البريد الذي يبردون إليه)","level":4,"page":205},{"title":"باب في اشتراطه ﵇ مثل ذلك في عماله","level":4,"page":205},{"title":"باب في كيفية عهد رسول الله ﷺ إلى أمرائه","level":4,"page":205},{"title":"باب في القاضي وفيه فصول","level":4,"page":207},{"title":"فصل في قضاء رسول الله ﷺ بين الناس","level":5,"page":207},{"title":"ذكر من دون في النوازل التي نزلت في حياته ﵇ وحكم فيها","level":6,"page":208},{"title":"باب في ذكر تراجم وأصول الأبواب التي قضى فيها ﵇ وأفتى","level":6,"page":209},{"title":"فصل في قضاة رسول الله ﷺ","level":5,"page":211},{"title":"هل كان ﵇ يشترط السن المديد فيمن يوليه القضاء","level":6,"page":214},{"title":"هل كان للولاة والقضاة راتب","level":6,"page":216},{"title":"النظر في المظالم (العدلية)","level":6,"page":217},{"title":"باب أين كان يجلس القاضي للحكم والفصل","level":4,"page":220},{"title":"باب في الشهادة وكتابة الشروط","level":4,"page":221},{"title":"باب في شهادة الصبيان وكتابة أسمائهم في الكتب النبوية والعقود المصطفوية","level":4,"page":222},{"title":"باب في سياق عقد من عقود ذلك العصر الطاهر وهو عقد عتق أبي رافع مولاه ﵇","level":4,"page":223},{"title":"باب فيمن كان يكتب بين الناس في قبائلهم ومياههم في الزمن النبوي","level":4,"page":223},{"title":"باب في ذكر من كان يكتب العقود والمعاملات زيادة على ما سبق","level":4,"page":223},{"title":"باب في فارض الموارث ذكر من كان فارضا في عهد رسول الله ﷺ","level":4,"page":225},{"title":"باب في الوكيل في غير الأمور المالية ذكر من وكله رسول الله ﷺ","level":4,"page":226},{"title":"باب في ذكر البصير بالبناء وهو الرجل يكون له البصر بالبناء يبعثه الإمام يحكم بين المتنازعين فيؤخذ بقوله ذكر من كان كذلك في زمن رسول الله ﷺ","level":4,"page":226},{"title":"معرفته ﵇ وأهل الصدر الأول بأمور الهندسة والبناء وإصلاح الطرقات","level":5,"page":227},{"title":"باب في القسام","level":4,"page":229},{"title":"باب في المحتسب","level":4,"page":229},{"title":"فصل فيما جاء عن رسول الله ﷺ في الحسبة","level":5,"page":229},{"title":"فصل فيمن ولاه رسول الله ﷺ أمر السوق وكيف كان يضرب من يعمل بالربا في الأسواق على عهده ﷺ","level":5,"page":229},{"title":"باب في المنادي وهو الذي يقال لصوته البريح","level":4,"page":233},{"title":"باب في صاحب العسس بالمدينة","level":4,"page":234},{"title":"ذكر من ولي ذلك في زمن رسول الله ﷺ","level":5,"page":234},{"title":"باب في السجن","level":4,"page":235},{"title":"في سجن الرجال","level":5,"page":235},{"title":"سجن النساء","level":5,"page":239},{"title":"هل كانوا يجرون على المساجين أرزاقا","level":5,"page":239},{"title":"باب في التأديب","level":4,"page":239},{"title":"في التأديب بالضرب","level":5,"page":239},{"title":"التأديب بالنفي","level":5,"page":240},{"title":"الأدب بالهجران","level":5,"page":240},{"title":"باب في معاملته ﷺ للمستحق بالتعبيس ونحوه","level":4,"page":243},{"title":"باب في قتله ﵇ بيده","level":4,"page":245},{"title":"باب في تعذيبه ﵇ بالإحراق والهدم ومن بعثه لذلك","level":4,"page":245},{"title":"باب في معاملته ﵇ المستحق بسمل الأعين والإلقاء في الحرة وقطع الأيدي والأرجل ونحو ذلك","level":4,"page":246},{"title":"باب في الرجل يجعل على الأساري","level":4,"page":247},{"title":"باب في المقيمين للحدود ومن كان يتولى ذلك (في عهد رسول الله ﷺ)","level":4,"page":248},{"title":"باب في الرجل يجعل لقطع الأشجار في الغزو","level":4,"page":248},{"title":"القسم الخامس في ذكر العمليات الحربية وما يتشعب عنها وما يتصل بها وفيها أبواب","level":2,"page":249},{"title":"العمليات الحربية","level":3,"page":250},{"title":"باب في الإمارة على الجهاد وفيه فصول فصل في مخرج النبي ﷺ بنفسه وكم غزوة غزاها","level":4,"page":250},{"title":"فصل في بعثه ﷺ عليه وسلم الأمراء للغزو وفيه عدد بعوثه ﷺ وسراياه","level":5,"page":250},{"title":"باب في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج عنها للغزو أو غيره","level":4,"page":250},{"title":"باب في الرجل يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر","level":4,"page":251},{"title":"باب في الرجل يستخلفه الإمام في طريق يظن أن العدو يستعمل له فيها مكيدة","level":4,"page":252},{"title":"باب في المستنفر","level":4,"page":252},{"title":"باب في صاحب اللواء وفيه فصول فصل في ذكر أول لواء رفع بين يديه ﷺ","level":4,"page":252},{"title":"فصل في ذكر من حمل رايته ولواءه ﷺ بين يديه (ومن حملها ليقاتل بها)","level":5,"page":253},{"title":"فصل في جواز القبائل على راياتهم وانفراد كل قبيلة برايتها","level":5,"page":253},{"title":"فصل في عقده ﷺ الرايات لأمراء البعوث والسرايا (وذكر أول راية عقدها ﷺ في الإسلام ولمن عقدت)","level":5,"page":253},{"title":"(فصل في مقدار الراية)","level":5,"page":254},{"title":"فصل في رسم الهلال فيها","level":5,"page":254},{"title":"فصل في ألوان ألويته وراياته ﷺ واسم رايته وما كتب على لوائه الأبيض","level":5,"page":254},{"title":"راية الصوف","level":6,"page":255},{"title":"الراية من النمرة","level":6,"page":255},{"title":"ما كان مكتوبا فيها","level":6,"page":255},{"title":"اسم رايته ﷺ","level":6,"page":255},{"title":"باب في لون راية الأنصار","level":4,"page":255},{"title":"باب في تعميم الإمام للصبي","level":4,"page":256},{"title":"باب في انقسام الجيش إلى خمسة أقسام المقدمة والمجنبتين والقلب والساقة وكون الرئيس في القلب منها","level":4,"page":257},{"title":"باب في أمير الرماة","level":4,"page":257},{"title":"باب في الرجل يقيمه الإمام يوم لقاء العدو بمكانه من قلب الجيش","level":4,"page":257},{"title":"باب فيمن كان على مواقف الجيش ميمنة وميسرة وقلبا وفي المقدمة","level":4,"page":258},{"title":"باب في شعار المحاربين والعلامة التي يتعارفون بها في الحرب","level":4,"page":258},{"title":"باب في الوازع الذي يتقدم إلى الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر","level":4,"page":259},{"title":"باب في اتخاذ الخيل","level":4,"page":260},{"title":"ذكر خيله ﷺ","level":5,"page":261},{"title":"باب في المسرج","level":4,"page":262},{"title":"باب من أي شيء كان سرج رسول الله ﷺ","level":4,"page":262},{"title":"باب في ذكر من أخذ بركاب رسول الله ﷺ عند ركوبه","level":4,"page":262},{"title":"ما جاء في ضم ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه","level":5,"page":262},{"title":"باب في الرجل يركب خيل الإمام يسابق عليه وفيه فصول فصل في أنه ﷺ كان يسابق بين الخيل","level":4,"page":263},{"title":"فصل في ذكر مسابقة النبي ﷺ بخليه وذكر من ركبها من الصحابة للمسابقة بها","level":5,"page":263},{"title":"باب في صاحب الراحلة الناقة","level":4,"page":263},{"title":"باب في صحاب البغلة","level":4,"page":264},{"title":"باب في القائد","level":4,"page":264},{"title":"باب فيمن كان يسوق به ﷺ","level":4,"page":265},{"title":"باب في سائق بدن النبي ﷺ","level":4,"page":265},{"title":"باب في صاحب بدن النبي ﷺ","level":4,"page":265},{"title":"باب في راعي لقاح النبي ﷺ","level":4,"page":265},{"title":"باب فيمن كان يقوم بلقاحه ﷺ","level":4,"page":265},{"title":"باب فيمن كانت عنده خيل النبي ﷺ","level":4,"page":265},{"title":"باب في جماله ﵇","level":4,"page":266},{"title":"باب فيمن كان يمسك دابة المصطفى في خيبر عن القتال","level":4,"page":266},{"title":"باب فيمن كان يأخذ بركابه ﵇ وهو على الناقة","level":4,"page":266},{"title":"باب فيمن كان يأخذ بخطام ناقته ﵇","level":4,"page":266},{"title":"باب في الحادي","level":4,"page":267},{"title":"من كان على هديه ﵇ في حجة الوداع","level":5,"page":268},{"title":"باب في صاحب السلاح وفيه ذكر سلاحه ﵇","level":4,"page":268},{"title":"أين كان ﵇ يجعل السيف منه","level":5,"page":268},{"title":"باب في حامل الحربة بين يديه ﵇","level":4,"page":269},{"title":"باب في حامل السيف","level":4,"page":269},{"title":"باب فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه ﷺ","level":4,"page":270},{"title":"باب في الصيقل","level":4,"page":270},{"title":"باب في الدليل في الطريق دليله ﷺ في الهجرة","level":4,"page":271},{"title":"باب في البناء في المفازات التي يسلكها الإمام إعلاما بوصول قدمه هناك (ويتخذ علما لبلوغ دعوته ثمة)","level":4,"page":272},{"title":"باب في مسهل الطريق","level":4,"page":272},{"title":"باب في ذكر من يطأطأ هامته للإمام ليركب","level":4,"page":272},{"title":"باب في صاحب المظلة","level":4,"page":273},{"title":"باب في ذكر صاحب الثقل متاع المسافر وحشمه","level":4,"page":273},{"title":"باب ذكر فسطاطه ﵇","level":4,"page":273},{"title":"باب فيمن كان يضرب قبته ﵇","level":4,"page":275},{"title":"باب فيمن يكتنف الإمام إذا أراد الدخول إلى الحضرة","level":4,"page":275},{"title":"باب في الأمين على الحرم في ذكر أمين رسول الله ﷺ على حرمه","level":4,"page":275},{"title":"باب من كان يقود أو يسوق نساء المصطفى ﷺ في حجه","level":4,"page":276},{"title":"باب في ارتياد الموضع لنزول الجيش وتخيره لهم من ماء وكلأ","level":4,"page":276},{"title":"باب في الحارس ذكر من حرسه ﷺ بالمدينة","level":4,"page":276},{"title":"فصل في الإمام يخرج للغزو فيترك الحرس خلفه في عاصمته","level":5,"page":277},{"title":"حراس عسكره ﷺ","level":6,"page":277},{"title":"الرجل يلازم المصطفى من خلفه","level":6,"page":278},{"title":"الرجل يتقدم أمام المصطفى ﷺ ينشد شعرا","level":6,"page":278},{"title":"باب في طلائع الجيش","level":4,"page":279},{"title":"باب في المتجسس ذكر من بعثه ﷺ متجسسا","level":4,"page":279},{"title":"باب في الرجل يتخذ في بلد العدو عينا يكتب بأخبارهم إلى الإمام","level":4,"page":280},{"title":"باب في جعل الإمام العين على الناس في بلده","level":4,"page":280},{"title":"باب في المخذل","level":4,"page":282},{"title":"باب في النمام","level":4,"page":283},{"title":"باب في استعمال السفن البحرية وفيه فصول ذكر من استعمل فيها في زمن رسول الله ﷺ","level":4,"page":284},{"title":"باب في صانع المنجنيق التي ترمى بها الحجارة معربة","level":4,"page":287},{"title":"باب في الدبابات","level":4,"page":288},{"title":"باب في القوم يحرقون الأشجار ويقطعونها","level":4,"page":288},{"title":"باب في حفر الخندق الحفير","level":4,"page":288},{"title":"باب في صاحب المغانم وفيه ذكر من ولي جمعها وحفظها حتى قسمت يوم بدر","level":4,"page":291},{"title":"باب في ذكر من كان يكتب غنائم المصطفى ﵇","level":4,"page":291},{"title":"ذكر من تولى بيع ما احتيج إلى بيعه من المغانم","level":5,"page":291},{"title":"باب في هبة الإمام جنس حيوان من غزاهم","level":4,"page":292},{"title":"باب في صاحب الخمس","level":4,"page":292},{"title":"باب في الرجل يبعثه الإمام مبشرا بالفتح وفيه تلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة للإمام في الطريق يهنئونه به","level":4,"page":292},{"title":"باب الطعام عند القدوم","level":4,"page":292},{"title":"باب في قول رسول الله ﷺ إذا رجع من سفره","level":4,"page":293},{"title":"باب في قول النبي ﷺ عند كل قرية أراد أن يدخلها","level":4,"page":293},{"title":"كيف كان حال كفار جزيرة العرب معه ﵇","level":5,"page":293},{"title":"كيفية معاملته ﷺ مع كفار زمانه","level":5,"page":295},{"title":"القسم السادس في العمالات الجبائية ويشتمل على أبواب","level":2,"page":298},{"title":"العمالات الجبائية","level":3,"page":299},{"title":"باب في صاحب الجزية","level":4,"page":299},{"title":"كيفية أخذ النبي ﷺ الجزية وممن أخذها","level":5,"page":299},{"title":"باب في صاحب الأعشار ما جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ","level":4,"page":299},{"title":"باب في متولي خراج الأرضين","level":4,"page":300},{"title":"باب في العامل على الزكاة","level":4,"page":302},{"title":"باب في ذكر من كان يكتب الصدقات لرسول الله ﷺ","level":4,"page":303},{"title":"باب في الخارص","level":4,"page":304},{"title":"باب في الوقف","level":4,"page":305},{"title":"باب في المستوفي (وهو الرجل يبعثه الإمام ليقبض المال من العمال ويتخلصه منهم) (ويقدم به عليه)","level":4,"page":311},{"title":"باب خروجه ﵇ بنفسه إلى البادية في إبل الصدقة","level":4,"page":312},{"title":"باب ذكر من وكله ﵇ لحفظ زكاة رمضان","level":4,"page":312},{"title":"باب ذكر من جعله ﵇ على قبض مغانمه","level":4,"page":312},{"title":"باب من كان على خمسه ﵇","level":4,"page":312},{"title":"القسم السابع في العمالات الإختزانية وما أضيف إليها وفيه فصول","level":2,"page":313},{"title":"العمالات الاختزانية","level":3,"page":314},{"title":"خازن الطعام","level":4,"page":314},{"title":"الكيال","level":4,"page":314},{"title":"ذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة على عهده ﵇","level":4,"page":315},{"title":"ذكر الدرهم واستعماله","level":4,"page":315},{"title":"ذكر أسماء الأكيال المستعملة في عهده ﵇","level":4,"page":324},{"title":"باب في اتخاذ الإبل والغنم","level":4,"page":326},{"title":"ذكر الوسام","level":5,"page":326},{"title":"في الحمى يحميه الإمام","level":4,"page":327},{"title":"القسم الثامن في سائر العمالات وفيه عشر أبواب","level":2,"page":328},{"title":"سائر العمالات","level":3,"page":329},{"title":"باب في المنفق على رسول الله ﷺ","level":4,"page":329},{"title":"باب في الوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية","level":4,"page":329},{"title":"باب في أمر المصطفى الرجل أن يحبس السبايا والأموال في الغزو","level":4,"page":330},{"title":"باب في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما يأمره به (من وجوه مصارفه في غير الحضرة)","level":4,"page":330},{"title":"باب في انزال الوفد وفيه فصول ولها مقدمة","level":4,"page":330},{"title":"فصل في اتخاذ الدار لنزول الوفد في زمانه ﵇ (وبنائه ﷺ فيها بنفسه)","level":5,"page":331},{"title":"فصل في انزال الوفد في قبة ضربت لهم في زمانه ﵇","level":5,"page":332},{"title":"فصل في انزال الوفد عند بعض أصحاب رسول الله ﷺ","level":5,"page":333},{"title":"فصل في ذكر من ولي النظر في أمر الوفود في زمنه ﵇","level":5,"page":334},{"title":"أمره ﵇ بالزاد للوفود","level":6,"page":334},{"title":"جوائزه ﵇ للوفود","level":6,"page":334},{"title":"باب تجمله ﵇ للوفود وأجازتهم","level":4,"page":335},{"title":"باب في الخانات (الفنادق) لنزول المسافرين","level":4,"page":336},{"title":"باب في المارستان (دار المرضى والمستشفى اليوم) وقيام النساء (الصحابيات به في زمنه ﵇)","level":4,"page":336},{"title":"باب في الطبيب","level":4,"page":337},{"title":"باب في قاطع العروق","level":4,"page":343},{"title":"باب في الكي","level":4,"page":343},{"title":"باب في أمر الرجل بذكر اسم الله على الجرح ثم التفل فيه","level":4,"page":344},{"title":"باب كون من لا يعرف بالطب لم يكن يباح له أن يعالج الناس","level":4,"page":344},{"title":"باب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة","level":4,"page":344},{"title":"النسوة الممرضات","level":5,"page":345},{"title":"(باب في الحكيم)","level":4,"page":345},{"title":"باب في المنجم","level":4,"page":347},{"title":"باب في القافي","level":4,"page":348},{"title":"باب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويتخرج منه الأصل لهذه الزوايا التي تتخذ للفقراء والمنقطعين","level":4,"page":348},{"title":"إختصاص أبي بكر برسول الله ﷺ للمداولة في الأمر يعرض","level":5,"page":353},{"title":"فهرس المحتويات","level":2,"page":354},{"title":"نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية","level":1,"page":370},{"title":"القسم التاسع في ذكر حرف وصناعات كانت في عهد رسول الله ص وذكر من عملها من الصحابة","level":2,"page":370},{"title":"المقدمات","level":3,"page":371},{"title":"(المقدمة الأولى)","level":4,"page":371},{"title":"(المقدمة الثانية)","level":4,"page":371},{"title":"(المقدمة الثالثة)","level":4,"page":372},{"title":"(المقدمة الرابعة)","level":4,"page":372},{"title":"باب ما ذكر في الأسواق","level":5,"page":372},{"title":"(المقدمة الخامسة)","level":4,"page":375},{"title":"(المقدمة السادسة)","level":4,"page":377},{"title":"(المقدمة السابعة)","level":4,"page":377},{"title":"(المقدمة الثامنة)","level":4,"page":378},{"title":"(المقدمة التاسعة)","level":4,"page":379},{"title":"باب كون الناس كانوا أول الإسلام لا يتعاطون البيع والشراء حتى يتعلموا أحكامه وآدابه وما ينجي من الربا","level":5,"page":380},{"title":"باب تشديد عمر على الصحابة في تركهم الاتجار لغيرهم من العامة والاخلاط","level":5,"page":382},{"title":"باب ايثار الصحابة التكبير في الخروج للتجارة","level":5,"page":383},{"title":"باب أمر عمر بالسعي وحضه الناس على التكسب","level":5,"page":383},{"title":"باب قول عمر إذا رأى غلاما فأعجبه","level":5,"page":384},{"title":"باب قول عمر في التكسب والغزو ورأيه في التفاضل بينهما بالنسبة إلى نفسه","level":5,"page":384},{"title":"الباب الأول في ذكر من كان يتجر في زمن رسول الله ص ثم من اتجر من كبار الصحابة بعده","level":3,"page":385},{"title":"ذكر أصل تسمية البيع والشراء تجارة","level":4,"page":388},{"title":"باب في ذكر من كان بزازا في عهد رسول الله ﷺ","level":4,"page":389},{"title":"باب في سوق البزازين في المدينة على عهده ﵇","level":4,"page":390},{"title":"باب في العطار","level":4,"page":390},{"title":"باب في الوزان في زمنه ﵇","level":4,"page":391},{"title":"باب في الصراف ذكر من كان يتجر في الصرف على عهد رسول الله ﷺ","level":4,"page":392},{"title":"التجارة في العنبر والزئبق","level":4,"page":392},{"title":"حفر معدن الذهب","level":4,"page":393},{"title":"باب في بائع الرماح","level":4,"page":393},{"title":"باب في بائع الطعام","level":4,"page":393},{"title":"باب بيع الصبيان","level":4,"page":394},{"title":"باب في بيع السكر","level":4,"page":394},{"title":"بيع العقاقير","level":4,"page":394},{"title":"المرأة تبيع العطر","level":4,"page":394},{"title":"الزراعة والغراسة","level":4,"page":394},{"title":"الخرازة","level":4,"page":402},{"title":"باب في الثمار","level":4,"page":402},{"title":"المسافة التي كان يأتي منها الزرع وغيره","level":4,"page":402},{"title":"بائع الدباغ","level":4,"page":404},{"title":"باب في الأديم [الجلد الطائفي]","level":4,"page":405},{"title":"الحطاب","level":4,"page":405},{"title":"الدلال وهو السمسار","level":4,"page":405},{"title":"النساج","level":4,"page":406},{"title":"الخياط","level":4,"page":407},{"title":"النجار","level":4,"page":407},{"title":"المهد للصبيان","level":4,"page":408},{"title":"صانع الأقداح من الخشب للشرب","level":4,"page":408},{"title":"الصواغ","level":4,"page":408},{"title":"النقاش","level":4,"page":409},{"title":"صنع الأنف من ذهب","level":4,"page":410},{"title":"إحداث الرحى الهوائية في آخر خلافة عثمان والصحابة متوافرون","level":4,"page":410},{"title":"المصور","level":4,"page":411},{"title":"اتخاذ الشحم للإستصباح ودهن السفن وغيرها","level":4,"page":414},{"title":"بيع اللبن","level":4,"page":414},{"title":"الحداد","level":4,"page":415},{"title":"البناء البناآت النبوية","level":4,"page":416},{"title":"الأصل في وضع الرؤساء والملوك أول حجر للمعاهد العلمية والدينية والقومية","level":4,"page":416},{"title":"تعيين الإمام موضع المسجد وتعيين محل القبلة","level":4,"page":416},{"title":"أمر الإمام من ينوب عنه في تسمية البقعة مسجدا","level":4,"page":417},{"title":"مسجد المدينة","level":4,"page":417},{"title":"بناؤه ﷺ المسجد ثلاث مرات منها ما لبنه بالأنثى والذكر","level":4,"page":417},{"title":"مساكنه ﵇","level":4,"page":417},{"title":"الدكة لجلوسه ﵇","level":4,"page":418},{"title":"أول بناء كان في الإسلام","level":4,"page":419},{"title":"امره ﵇ في البناآت أن تكون على مقتضى القواعد الصحية","level":4,"page":419},{"title":"هدمه ﵇ مسجد الضرار","level":4,"page":419},{"title":"في الرجل يحسن الشيء من عمل البناء فيوكل لعمله","level":4,"page":420},{"title":"الصباغ","level":5,"page":425},{"title":"الجلاب","level":5,"page":425},{"title":"ذكر من كان من الصحابة يتجر في بحر الشام","level":5,"page":425},{"title":"الدباغ","level":5,"page":426},{"title":"الخواص","level":5,"page":426},{"title":"العوام","level":5,"page":426},{"title":"بيع الماء","level":5,"page":428},{"title":"باب في الصيد وهو على أنواع","level":4,"page":428},{"title":"ذكر من كان يتصيد بالكلاب","level":5,"page":428},{"title":"ذكر من كان يتصبد بالبزاة","level":5,"page":428},{"title":"ذكر من صاد بالرمح","level":5,"page":428},{"title":"الصيد بالسهام","level":5,"page":428},{"title":"الصيد بالمعراض","level":5,"page":429},{"title":"الصيد باليد","level":5,"page":429},{"title":"الصيد بالآلات","level":5,"page":429},{"title":"منع الصيد في جهة معينة أو وقت مخصوص كما يقع اليوم","level":5,"page":429},{"title":"الصياد في البحر","level":5,"page":429},{"title":"باب لم يتصيد ﵇ بنفسه الكريمة ولا اشترى صيدا","level":4,"page":430},{"title":"اعتناء البدوي بطرف بلاده يهديها له ﵇ والعكس","level":4,"page":431},{"title":"العمال في الحوائط","level":4,"page":431},{"title":"من كان من الصحابة يعطي أرضه بالربع والثلث","level":4,"page":432},{"title":"المستدل على محل الماء من تحت الأرض وإستخراجه","level":4,"page":432},{"title":"السقاء الذي يحمل الماء على ظهره","level":4,"page":433},{"title":"الحمل على الظهر","level":4,"page":433},{"title":"الحجام والحلاق","level":4,"page":433},{"title":"اللحام وهو الجزار والقصاب","level":4,"page":434},{"title":"الحرف الممتهنة في نظره ﵇","level":4,"page":434},{"title":"الطباخ","level":4,"page":434},{"title":"صنيعة الخزيرة","level":4,"page":435},{"title":"الشواء","level":4,"page":435},{"title":"صاحب الخبز","level":4,"page":435},{"title":"هل كانت الأقراص النبوية صغارا","level":4,"page":436},{"title":"الماشطة","level":4,"page":437},{"title":"المحرشة بين النساء","level":4,"page":438},{"title":"المرأة تذهب لجس نبض الرجل هل له بزواج فلانة أرب؟","level":4,"page":438},{"title":"النساء الممرضات اللائي كن يرافقن المصطفى ﵇ في الغزو وما كان الصحابيات يظهرن من ضروب الشجاعة وخفة الحركة ومساعدة الغزاة","level":4,"page":438},{"title":"النسوة التاجرات","level":4,"page":441},{"title":"القابلة","level":4,"page":441},{"title":"الخافضة","level":4,"page":442},{"title":"المرضعة","level":4,"page":442},{"title":"المرأة تمثل النسوة في المجلس النبوي","level":4,"page":442},{"title":"المغزل","level":4,"page":442},{"title":"في المغنين (ذكر المغنين في الأعياد) .","level":4,"page":443},{"title":"هل كانت الدفوف في الزمن النبوي بالجلاجل (وهل سمع الصحابة العود والوتر)","level":4,"page":444},{"title":"ذكر أسماء المغنيات في المدينة في العهد النبوي","level":4,"page":445},{"title":"ذكر ما كانوا يغنون به","level":4,"page":446},{"title":"ذكر من غنى في وليمة النكاح","level":4,"page":447},{"title":"ذكر تلقي رسول الله ﷺ عند إيابه","level":4,"page":449},{"title":"ذكر من غنى قوما اجتمعوا عند صاحب لهم وسمع النبي ﷺ فأقرهم ولم ينكره","level":4,"page":450},{"title":"هل كان لبعض السلف اعتناء بعلم الموسيقى","level":4,"page":452},{"title":"ذكر قينة غنت بين يدي رسول الله ﷺ عن إذنه لتسمع أم المؤمنين عائشة","level":4,"page":452},{"title":"ذكر الغناء والإنشاد","level":4,"page":453},{"title":"ما كان يقوله الذين يذهبون بالعروس لدار زوجها","level":4,"page":453},{"title":"ذكر لعب الحبشة بحرابهم فرحا بقدوم النبي ﷺ","level":4,"page":454},{"title":"لعب البنات مع عائشة","level":4,"page":455},{"title":"لعبها بالتماثيل مع البنات","level":4,"page":455},{"title":"رقص الحبشة في المسجد النبوي إمامه ﵇","level":4,"page":456},{"title":"قوله ﵇ اقدروا قدر الجارية الحديثة السن","level":4,"page":458},{"title":"باب مرور أحد الصحابة على الحبشة يلعبون في الطريق واعطائهم","level":4,"page":459},{"title":"المسابقة","level":4,"page":459},{"title":"المصارعة","level":4,"page":459},{"title":"حجل بعض كبار الصحابة بين يديه ﷺ","level":4,"page":461},{"title":"حبس الطير للعب الصبيان به","level":4,"page":461},{"title":"اتخاذ الوحش في المسكن","level":4,"page":464},{"title":"نهب اللوز والسكر ونثره في العرس","level":4,"page":465},{"title":"اللهو واللعب المأذون فيه","level":4,"page":466},{"title":"ذكر جعل الوليمة في العرس سبعا","level":4,"page":466},{"title":"جلب دقيق الحواري","level":4,"page":467},{"title":"والسمن والعسل من الشام إلى المدينة وأكل المصطفى ﵇ منه","level":4,"page":467},{"title":"جلب الجبن الرومي وأكله ﵇ منه وقطعه بالسكين","level":4,"page":469},{"title":"اختياره ﵇ محل السوق","level":4,"page":469},{"title":"باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام","level":4,"page":469},{"title":"صانع السيوف","level":4,"page":470},{"title":"باب ذكر من كان يبري النبل","level":4,"page":470},{"title":"في الحفار للقبور","level":4,"page":470},{"title":"اتفاق القوم على من يمثلهم في محفل رسمي أو مأتم ديني","level":4,"page":471},{"title":"باب أخذ ستر المرأة في نعشها وهي ميتة عن الحبشة ومن حبذ ذلك","level":4,"page":471},{"title":"المرأة الكبيرة السن تلازم القبر","level":4,"page":471},{"title":"القسم العاشر من كتاب الخزاعي ويتضمن أربعة أبواب","level":2,"page":473},{"title":"الباب الثالث في ما جاء في أرزاق الخلفاء والأمراء والعمال وفيه خمسة فصول","level":3,"page":473},{"title":"الفصل الأول في أن لكل من شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على شغله ذلك","level":4,"page":474},{"title":"الفصل الثاني في أن ما يأخذه العامل زيادة على ما يرزقه الإمام فهو غلول","level":4,"page":475},{"title":"الفصل الثالث كيف كان رسول الله ﷺ يفعل في نفقته ونفقة أهله","level":4,"page":475},{"title":"الفصل الرابع في أرزاق الخلفاء بعده ﷺ ورضي عنهم","level":4,"page":475},{"title":"الفصل الخامس في الأموال التي يرزق منها ولاة الناس","level":4,"page":476},{"title":"الباب الرابع في ذكر أسماء التواليف المخرج منها ما تضمنه هذا الكتاب","level":3,"page":477},{"title":"فمن ذلك من كتب تفسير كتاب الله العزيز، شرفه الله تعالى:","level":4,"page":477},{"title":"ومن كتب الحديث:","level":4,"page":477},{"title":"ومن كتب الأغربة:","level":4,"page":478},{"title":"ومن كتب شرح الحديث:","level":4,"page":478},{"title":"ومن كتب ضبط الأسماء","level":4,"page":479},{"title":"ومن كتب الأنساب:","level":4,"page":479},{"title":"ومن كتب الفقه:","level":4,"page":479},{"title":"ومن كتب أصول الفقه:","level":4,"page":480},{"title":"ومن كتب التصوف والوعظ:","level":4,"page":480},{"title":"ومن كتب السير والتواريخ:","level":4,"page":480},{"title":"ومن كتب اللغة:","level":4,"page":481},{"title":"ومن كتب العربية:","level":4,"page":482},{"title":"ومن كتب الأدب:","level":4,"page":482},{"title":"ومن كتب الأشعار:","level":4,"page":483},{"title":"المستدرك على كتاب الخزاعي ﵀ (في تشخيص الحالة العلمية على عهده ﵇)","level":3,"page":484},{"title":"(المقصد الأول) في تشخيص الحالة العلمية على عهده ﵇","level":4,"page":484},{"title":"الباب الأول من المقصد الأول","level":5,"page":484},{"title":"باب في أن السنة بنت القرآن وأن الحديث الصحيح يتطلب لفظه أو بعضه أو معناه في القرآن","level":6,"page":503},{"title":"باب مقدار الأحاديث الواردة عنه ﷺ","level":6,"page":504},{"title":"باب هل تصدى أحد من المتأخرين إلى جمع جميع السنة","level":6,"page":509},{"title":"باب في كيفية تلقي الصحابة للعلم وأنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي","level":6,"page":514},{"title":"باب في وقوفه ﵇ على حلق العلم لأصحابه وجلوسه فيها معهم وإيثارها على حلق الذكر","level":6,"page":515},{"title":"باب فيمن كان يخلف المصطفى بعد قيامه من مجلسه للتذكير والفقه","level":6,"page":516},{"title":"باب في تدارسهم القرآن وتفسير المصطفى لهم آية","level":6,"page":516},{"title":"باب في أن الصحابة كانوا يعتنون بما يبلغهم من العلم بالحفظ والمذاكرة فيه","level":6,"page":517},{"title":"باب في الأمر بالاعتناء بالسند في نقل السنة","level":6,"page":518},{"title":"باب إباحته ﵇ التحديث بالأخبار الإسرائيلية وعجائب الأمم الماضية","level":6,"page":518},{"title":"باب في إرشاد النبي ﷺ الناس إلى ما تميز بفضيلة من أصحابه ليؤخذ عنه","level":6,"page":520},{"title":"باب في إطلاق العلامة في العصر النبوي على أعلم الناس بأنساب العرب والشعر","level":6,"page":522},{"title":"باب في ذكر اختبار المصطفى قوابل أصحابه ومبلغهم من الذكاء والفهم في العلم","level":6,"page":523},{"title":"باب في تخصيصه ﷺ لأهل العلم أياما معلومة","level":6,"page":524},{"title":"باب في أن العلم كانوا يحملونه تدريجيا وأنه يؤخذ الأوكد والأسهل، فالأصعب، والمبادي قبل غيرها","level":6,"page":524},{"title":"باب في حرص الصحابة على التعلم وهم كبار","level":6,"page":525},{"title":"باب في أمرهم بطلب العلم قبل التزوج","level":6,"page":525},{"title":"باب في ذكر أن التاجر منهم كان يتعلم والمتعلم منهم كان يتجر","level":6,"page":525},{"title":"باب في كون الصحابة كانوا يعلمون نساءهم وإماءهم وأن المصطفى كان يجعل للنساء يوما على حدة","level":6,"page":525},{"title":"باب في اعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعون منه ﵇ وكيفية ذلك","level":6,"page":526},{"title":"باب في كون الصحابة كانوا إذا سمعوا ما لم يفهموا من العلم استعادوه حتى يفهموه","level":6,"page":527},{"title":"باب في بناء أمرهم على تبليغ الشاهد الغائب","level":6,"page":527},{"title":"باب تعاطيهم العلم ليلا ونهارا","level":6,"page":527},{"title":"باب في احتفاظ المصطفى على قلوب المبتدئين فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين","level":6,"page":528},{"title":"باب من حق الأبناء على الآباء تعليمهم الكتابة","level":6,"page":528},{"title":"باب في القلم والدواة في العصر النبوي","level":6,"page":529},{"title":"باب الأقلام القصبية في زمن الصحابة","level":6,"page":530},{"title":"باب في اتخاذ الكاغد من القطن في أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب","level":6,"page":530},{"title":"باب في كتابة الصحابة للحديث وأمر المصطفى لهم بالتقييد","level":6,"page":532},{"title":"باب هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة واتباعهم التدوين والتصنيف؟","level":6,"page":535},{"title":"باب في اعتناء قواد الصحابة برفع التقارير الجغرافية للخلفاء الراشدين عن البلاد التي يفتحونها","level":6,"page":545},{"title":"باب في أن ترجمة الكتب القديم العلوم العمرانية من طب وكيمياء وصناعات ونحوها وقع الاعتناء به أواخر أيام الصحابة","level":6,"page":546},{"title":"باب في أن أول من تكلم في علوم القوم الصحابة","level":6,"page":548},{"title":"باب في أن أول من وضع علم النحو في الإسلام الصحابة","level":6,"page":549},{"title":"أول من أفادنا النحو علي","level":7,"page":550},{"title":"باب في أن عليا كرم الله وجهه هو أول من نطق بالتصحيف أحد أنواع البديع","level":6,"page":551},{"title":"باب في أن الصحابة تكلموا في علم الكلام قبل أن يتكلم فيه ويدون الإمام الأشعري","level":6,"page":552},{"title":"باب املاء الصحابة على من يكتب عنهم","level":6,"page":552},{"title":"باب وقت بروزه ﵇ للجواب عن أسئلة السائلين وأغلب ما كانوا يسألونه عنه","level":6,"page":552},{"title":"باب في مراجعتهم الحديث فيما بينهم إذا فارقهم المصطفى ﵇","level":6,"page":553},{"title":"باب في أنهم كانوا إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة من القرآن","level":6,"page":553},{"title":"باب في أن العالم منهم قد يأمر تلميذه بالتحديث بمحضره","level":6,"page":553},{"title":"باب في أخذهم القرآن مع التفقه في معانيه تدريجيا","level":6,"page":553},{"title":"باب في أول من أطلق على سفر القرآن المصحف","level":6,"page":555},{"title":"باب فتوى الصحابة في حكم أجرة نسخ المصاحف","level":6,"page":555},{"title":"باب في اعتناء الصحابة ومن كان في زمنهم بنسخ المصاحف وتلاوتهم القرآن فيها","level":6,"page":555},{"title":"باب في اعتناء الصحابة بمصاحبة المصاحف لهم في أسفارهم","level":6,"page":558},{"title":"باب هل كانوا يحلون المصاحف","level":6,"page":559},{"title":"باب في أن حفظ المصاحف كان له ولاة مختصون به في زمن أبي بكر ﵁","level":6,"page":559},{"title":"باب هل كانوا يقبلون المصاحف؟","level":6,"page":559},{"title":"باب كون الصحابة كانوا يستحبون أن لا يخرج الرجل من منزله صباحا إلا وقد نظر في المصحف","level":6,"page":560},{"title":"باب في أن معاوية كان له غلمان وكلوا بحفظ دفاتر التاريخ","level":6,"page":560},{"title":"باب في تعلمهم القرآن في زمنه ﵇ وتسويغه أخذ الأجرة عليه","level":6,"page":561},{"title":"باب هل كانت المصاحف تباع في زمنهم","level":6,"page":562},{"title":"باب في المكاتب لقراءة الصبيان","level":6,"page":562},{"title":"باب أين كانوا يصبون الماء الذي يغسل الصبيان به ألواحهم","level":6,"page":563},{"title":"باب هل هناك ما يدل على السن الذي كانوا يبتدئون فيه تعليم الصبي عن السلف","level":6,"page":564},{"title":"باب من كان يعلم القرآن في المدينة ومن كان يبعثه ﵇ إلى الجهات لذلك وحفاظ القرآن من الصحابة ومعلم الناس الكتابة من الرجال والنساء مؤمنين وكافرين والمفتين على عهده ﵇ ومعبري الرؤيا واتخاذ الدار في ذلك الزمن ينزلها القراء","level":6,"page":565},{"title":"باب في تعاطي علم الخط","level":6,"page":565},{"title":"باب في حضهم على تعاطي الشعر","level":6,"page":566},{"title":"باب في علم الأنساب","level":6,"page":567},{"title":"باب في رواج علم الفرائض في الزمن النبوي وحضه ﵇ الناس على تعلمه وتعليمه","level":6,"page":569},{"title":"باب في ذكر من كان يحال عليه الأمور الحسابية في زمن الخلفاء الراشدين","level":6,"page":573},{"title":"باب في أخذ أهل أوروبا الأرقام العربية عن العرب ودخولها إلى بلادهم في زمن علي كرم الله وجهه","level":6,"page":574},{"title":"باب ايثارهم في أخذ العلم القرشي علي غيره","level":6,"page":574},{"title":"باب الأمر بتعليم علم النجوم","level":6,"page":574},{"title":"باب أمرهم بتعلم علم الرماية والسباحة","level":6,"page":575},{"title":"باب في أمرهم بتعلم العربية","level":6,"page":576},{"title":"باب في أمر عمر لعماله بضرب كتابهم إذا لحنوا وتأخيرهم","level":6,"page":576},{"title":"باب في تعاطي الصحابة للحكمة والتنجيم والقافة والموسيقي والطب والإدارة والحرب والسياسة والترجمة والإملاء والتجارة والصناعة ونحو ذلك","level":6,"page":576},{"title":"باب في كونهم كانوا يتجنبون في التحديث والرواية ما يضر سماعه بالعامة والمبتدئين","level":6,"page":577},{"title":"باب في وصاية رسول الله ﷺ بالشباب من طلبة العلم","level":6,"page":577},{"title":"باب في اهتبال علماء الصحابة بالآخذين عنهم والإهتمام بوقايتهم من الأهواء وحنوهم عليهم","level":6,"page":578},{"title":"باب في ذكر الوصف الذي كان يحمله المنقطع للعلم في ذلك الزمن تعلما وتعليما","level":6,"page":578},{"title":"باب في تسميته ﵇ حملة الحديث ونقلته عنه خلفاء له ﵇","level":6,"page":578},{"title":"باب عنوان القرآن وبرنامجه وهو الأصل في وضع المسلمين العناوين للمصنفات","level":6,"page":579},{"title":"باب في حضه ﵇ طلبة العلم على السؤال عما لم يفهموا","level":6,"page":580},{"title":"باب في اجابته ﵇ السائلين على حسب قوابلهم وتنويعه الخطب على حسب الحال والمقام","level":6,"page":580},{"title":"باب في روايته ﷺ عن أصحابه وتحديثه عنهم","level":6,"page":581},{"title":"باب في أخذ الصحابة العلم بعضهم عن بعض","level":6,"page":581},{"title":"باب في أن جلالة بعضهم عند بعض كانت لا تمنع من المخالفة فيما لم يؤدهم إليه اجتهادهم","level":6,"page":582},{"title":"باب في أدب الصحابة مع من يتعلمون منه أيضا","level":6,"page":582},{"title":"باب في رواية الصحابة عن التابعين","level":6,"page":583},{"title":"باب في أخذ كبار الصحابة العالم عن الموالي","level":6,"page":583},{"title":"باب أخذ الصحابة من العرب عمن أسلم من اليهود","level":6,"page":583},{"title":"باب في رجوع الصحابة للحق إذا ظهر لهم واعترافهم به","level":6,"page":584},{"title":"باب في تأديب النبي ﷺ للصحابة في التعليم واقتفاء الصحابة أثره في ذلك","level":6,"page":584},{"title":"باب مناظرة الصحابة بين يدي المصطفى ﷺ","level":6,"page":585},{"title":"باب في آداب طالب العلم المنصوص عليها لأهل القرون الأولى ومنها تعلم الآداب المعروفة لطالب العلم في زمن النبوة","level":6,"page":585},{"title":"باب في أن الصحابة كانوا يعرفون حق أكابرهم","level":6,"page":587},{"title":"باب في إنزال النبي ص الناس ساعة التعليم منازلهم من تقديم الأكثر علما أو سنا","level":6,"page":588},{"title":"باب رحلة الصحابة في طلب العلم أو رغبة في علو السند","level":6,"page":588},{"title":"باب ترغيب الصحابة بعضهم بعضا وغيرهم من الناس إلى حضور الميراث النبوي يريدون العلم لأن الأنبياء لم يخلفوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم وذلك بعد انتقاله ﵇","level":6,"page":589},{"title":"باب في القاص في الزمن النبوي وجلوسه ﵇ مجلسه","level":6,"page":589},{"title":"باب في ذكر ما بثه ﵇ من الفرائض الطبية والعلوم الحكمية المتعلقة بالأغذية والأدوية وعلاج الأمراض حتى دونت فيه الدواوين","level":6,"page":591},{"title":"باب في ذكر توسعه ﵇ مع أصحابه في ذكر الوقائع التاريخية وأخبار الأمم السالفة واتخاذه لذلك وقتا وهو أصل تعاطي الدروس اليوم في شبه ذلك","level":6,"page":595},{"title":"باب اتخاذ الأنصار ما بين العشاءين لتعلم الرماية","level":6,"page":597},{"title":"باب اتخاذ معاوية ﵁ وقت السمر لسماع كتب التاريخ وأخبار الأمم والأجيال","level":6,"page":597},{"title":"باب في بناء أمرهم في التعليم على أن يتلقوا العلم ممن وجدوه عنده ولو كان صغيرا أو مشركا","level":6,"page":597},{"title":"باب تحريض علي بن أبي طالب على العلم وتنبيهه على شرفه بأبلغ تعبير","level":6,"page":598},{"title":"باب في ترتيب العلم في الأخذ عن الصحابة ومن كانوا يقدمون ويؤخرون من المجتمعين للطلب","level":6,"page":599},{"title":"باب في أن الصحابة كانوا يروحون القلوب ساعة فساعة","level":6,"page":599},{"title":"باب في حديث خرافة","level":6,"page":600},{"title":"باب في حديث أم زرع","level":6,"page":600},{"title":"المضحكون والمضحكات في الزمن النبوي","level":6,"page":602},{"title":"المقصد الثاني","level":4,"page":605},{"title":"باب في اجتهاد الصحابة","level":5,"page":605},{"title":"باب في تحريهم في الفتوى ومدافعتهم لها وكراهتهم الكلام في المسألة قبل نزولها","level":5,"page":608},{"title":"باب من كان يوسم بأعلم الصحبة وأذكاهم","level":5,"page":608},{"title":"باب من كان يعرف فيهم بباب مدينة العلم","level":5,"page":609},{"title":"باب من كان يلقب منهم بأسد الله","level":5,"page":611},{"title":"باب الملقب فيهم بشيخ الإسلام","level":5,"page":611},{"title":"باب الملقب فيهم بسيف الله","level":5,"page":612},{"title":"باب في الذي يضرب به المثل في العدل منهم","level":5,"page":612},{"title":"باب فيمن كان يضرب به المثل في الهيبة من الصحابة","level":5,"page":613},{"title":"باب فيمن كان يضرب به المثل في الفضائل كلها من الصحابة","level":5,"page":614},{"title":"باب فيمن كان يضرب به المثل في الصدق","level":5,"page":614},{"title":"باب فيمن كان يضرب به المثل في المشية من الصحابة","level":5,"page":614},{"title":"باب فيمن كان يضرب به المثل في الفقه من الصحابة","level":5,"page":615},{"title":"باب في الحائز لقب أمين الأمة من الصحابة","level":5,"page":616},{"title":"باب فيمن أولم وليمة بقي يضرب بها المثل","level":5,"page":616},{"title":"باب في من كان يضرب به المثل في الحلم من الصحابة","level":5,"page":617},{"title":"باب في من كانت تستحي منهم ملائكة الرحمن من الصحابة","level":5,"page":618},{"title":"باب في ذي الرأي من الصحابة","level":5,"page":618},{"title":"باب في ذي اليدين من الصحابة","level":5,"page":619},{"title":"باب في ذي العمامة","level":5,"page":619},{"title":"باب فيمن كان يضرب المثل بسيفه من الصحابة","level":5,"page":619},{"title":"باب من كان من الصحابة يعد صوته في الجيش بألف رجل","level":5,"page":620},{"title":"باب فيمن كان يسبق الفرس شدا على قدميه من الصحابة","level":5,"page":620},{"title":"باب فيمن عرف بالدهاء من الصحابة بحيث كان يضرب به المثل","level":5,"page":620},{"title":"باب فيمن عرف من الصحابة بالقوى المدهشة حتى باهى به العرب فارس والروم","level":5,"page":621},{"title":"باب فيمن كان من الصحابة في نهاية الطول","level":5,"page":621},{"title":"باب من كان من الصحابة في غاية القصر","level":5,"page":622},{"title":"باب من كان من الصحابة فردا في زمانه بحيث يضرب به المثل","level":5,"page":622},{"title":"باب من كان يضرب به المثل من الصحابة في الجمال","level":5,"page":623},{"title":"أخوة سبعة كلهم من الصحابة تباعدت قبورهم","level":5,"page":624},{"title":"باب في صحابي أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة","level":5,"page":624},{"title":"باب من كان من الصحابة بيده سيف الفتح بحيث فنصب في عهده اثنا عشر ألف منبر","level":5,"page":625},{"title":"باب من كان من الصحابة له ألف مملوك يؤدون له الخراج","level":5,"page":625},{"title":"باب فيمن كان يحفظ مائة لغة متباينة من الصحابة","level":5,"page":625},{"title":"باب فيمن مات من الصحابة فمات بموته تسعة أعشار العلم","level":5,"page":626},{"title":"باب في ذكر صحابي مات فقال فيه عمر مات سيد المسلمين","level":5,"page":626},{"title":"باب في ذكر الأغنياء من الصحابة ومن توسع منهم في الأمور الدنيوية","level":5,"page":626},{"title":"باب فيمن تغالى من الصحابة في صداقه لما تزوج بعلوية","level":5,"page":631},{"title":"باب في ذكر عدد الصحابة","level":5,"page":631},{"title":"باب في ذكر عدد من كان بالمدينة من الصحابة معه ﵇ آخر الأمر","level":5,"page":632},{"title":"باب في المكثرين الرواية عنه ﷺ من الصحابة","level":5,"page":632},{"title":"باب في ذكر أحفظ الصحابة وأول محدث في الإسلام","level":5,"page":634},{"title":"باب في ذكر أئمة الفتوى من الصحابة","level":5,"page":635},{"title":"باب في ذكر من كان أكثر الصحابة فتيا ومن جمع من فتاويه سبع مجلدات والمخصوص منهم بلقب البحر وحبر القرآن ورباني الأمة والغواص ومن كان يعرف ممره من الطريق ومن وجم الناس عن تعزيته عن أبيه هيبة له وإجلالا","level":5,"page":636},{"title":"باب في ذكر من كان في الصحابة له أتباع يقلدونهم في فتواهم","level":5,"page":638},{"title":"باب في ذكر الذين انتهى إليهم العلم من الصحابة","level":5,"page":639},{"title":"باب من عرف بالكرم والجود من الصحابة","level":5,"page":640},{"title":"باب في ذكر أعلم الأمة بالفرائض من الصحابة","level":5,"page":643},{"title":"باب في ذكر المعروف في الصحابة بحسن الصوت وتجويد التلاوة","level":5,"page":643},{"title":"باب فيمن قيل فيه من الصحابة أخطب أهل الدنيا","level":5,"page":644},{"title":"باب في المخصوص من الصحابة بلقب حكيم الأمة","level":5,"page":644},{"title":"باب في ذكر من كان يقرأ الكتب القديمة من الصحابة ويعلم ما فيها","level":5,"page":644},{"title":"باب ذكر من قيل فيه أعلم الناس من نساء الصحابة","level":5,"page":647},{"title":"باب في ذكر من قيل فيه من نساء الصحابة: لو كان رجلا لصلح للخلافة","level":5,"page":648},{"title":"باب ذكر أن من الصحابة مولى قال عمر: لو كان حيا لاستخلفته","level":5,"page":648},{"title":"باب من قيل فيه أفصح الناس وأفخمهم نطقا من الصحابة","level":5,"page":649},{"title":"باب ذكر من كان أعلم الناس بالمناسك من الصحابة","level":5,"page":649},{"title":"باب فيمن أفتى الناس ستين سنة من الصحابة","level":5,"page":649},{"title":"باب من كان يطلق عليه الحبر وهو العالم في الزمن النبوي","level":5,"page":649},{"title":"باب أمره ﵇ الصحابة بالقيام إلى العالم منهم وأخذ ركابه","level":5,"page":649},{"title":"باب من كان من الصحابة يقبل تلاميذه يده","level":5,"page":650},{"title":"باب من قبل من الصحابة يد تلميذه لكونه من أهل البيت","level":5,"page":650},{"title":"باب صحابي قال فيه عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأسه","level":5,"page":650},{"title":"باب صحابي قال فيه عمر: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير منه","level":5,"page":651},{"title":"باب صحابي قدم المدينة في خلافة عمر فأمر عمر الناس أن يخرجوا معه للقائه","level":5,"page":651},{"title":"باب الصحابة الطلس ومن استخلف منهم","level":5,"page":651},{"title":"باب في الخصي","level":5,"page":652},{"title":"باب المخنث","level":5,"page":652},{"title":"باب في المجبوب","level":5,"page":655},{"title":"باب هل كان السلف يحتفظون بالآثار القديمة","level":5,"page":655},{"title":"باب في حديث ابن أبي هالة","level":5,"page":656},{"title":"خاتمة","level":3,"page":659},{"title":"فهرس الموضوعات","level":2,"page":670}],"ٛ":{"1,5":1,"1,7":2,"1,8":3,"1,9":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,13":7,"1,14":8,"1,15":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,151":142,"1,152":143,"1,153":144,"1,154":145,"1,155":146,"1,156":147,"1,157":148,"1,158":149,"1,159":150,"1,160":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,176":167,"1,177":168,"1,178":169,"1,179":170,"1,180":171,"1,181":172,"1,182":173,"1,183":174,"1,184":175,"1,185":176,"1,186":177,"1,187":178,"1,188":179,"1,189":180,"1,190":181,"1,191":182,"1,192":183,"1,193":184,"1,194":185,"1,195":186,"1,196":187,"1,197":188,"1,198":189,"1,199":190,"1,200":191,"1,201":192,"1,202":193,"1,203":194,"1,204":195,"1,205":196,"1,206":197,"1,207":198,"1,208":199,"1,209":200,"1,211":201,"1,212":202,"1,213":203,"1,214":204,"1,215":205,"1,216":206,"1,217":207,"1,218":208,"1,219":209,"1,220":210,"1,221":211,"1,222":212,"1,223":213,"1,224":214,"1,225":215,"1,226":216,"1,227":217,"1,228":218,"1,229":219,"1,230":220,"1,231":221,"1,232":222,"1,233":223,"1,234":224,"1,235":225,"1,236":226,"1,237":227,"1,238":228,"1,239":229,"1,240":230,"1,241":231,"1,242":232,"1,243":233,"1,244":234,"1,245":235,"1,246":236,"1,247":237,"1,248":238,"1,249":239,"1,250":240,"1,251":241,"1,252":242,"1,253":243,"1,254":244,"1,255":245,"1,256":246,"1,257":247,"1,258":248,"1,259":249,"1,261":250,"1,262":251,"1,263":252,"1,264":253,"1,265":254,"1,266":255,"1,267":256,"1,268":257,"1,269":258,"1,270":259,"1,271":260,"1,272":261,"1,273":262,"1,274":263,"1,275":264,"1,276":265,"1,277":266,"1,278":267,"1,279":268,"1,280":269,"1,281":270,"1,282":271,"1,283":272,"1,284":273,"1,285":274,"1,286":275,"1,287":276,"1,288":277,"1,289":278,"1,290":279,"1,291":280,"1,292":281,"1,293":282,"1,294":283,"1,295":284,"1,296":285,"1,297":286,"1,298":287,"1,299":288,"1,300":289,"1,301":290,"1,302":291,"1,303":292,"1,304":293,"1,305":294,"1,306":295,"1,307":296,"1,308":297,"1,309":298,"1,311":299,"1,312":300,"1,313":301,"1,314":302,"1,315":303,"1,316":304,"1,317":305,"1,318":306,"1,319":307,"1,320":308,"1,321":309,"1,322":310,"1,323":311,"1,324":312,"1,325":313,"1,327":314,"1,328":315,"1,329":316,"1,330":317,"1,331":318,"1,332":319,"1,333":320,"1,334":321,"1,335":322,"1,336":323,"1,337":324,"1,338":325,"1,339":326,"1,340":327,"1,341":328,"1,343":329,"1,344":330,"1,345":331,"1,346":332,"1,347":333,"1,348":334,"1,349":335,"1,350":336,"1,351":337,"1,352":338,"1,353":339,"1,354":340,"1,355":341,"1,356":342,"1,357":343,"1,358":344,"1,359":345,"1,360":346,"1,361":347,"1,362":348,"1,363":349,"1,364":350,"1,365":351,"1,366":352,"1,367":353,"1,368":354,"1,369":355,"1,370":356,"1,371":357,"1,372":358,"1,373":359,"1,374":360,"1,375":361,"1,376":362,"1,377":363,"1,378":364,"1,379":365,"1,380":366,"1,381":367,"1,382":368,"1,383":369,"2,5":370,"2,7":371,"2,8":372,"2,9":373,"2,10":374,"2,11":375,"2,12":376,"2,13":377,"2,14":378,"2,15":379,"2,16":380,"2,17":381,"2,18":382,"2,19":383,"2,20":384,"2,21":385,"2,22":386,"2,23":387,"2,24":388,"2,25":389,"2,26":390,"2,27":391,"2,28":392,"2,29":393,"2,30":394,"2,31":395,"2,32":396,"2,33":397,"2,34":398,"2,35":399,"2,36":400,"2,37":401,"2,38":402,"2,39":403,"2,40":404,"2,41":405,"2,42":406,"2,43":407,"2,44":408,"2,45":409,"2,46":410,"2,47":411,"2,48":412,"2,49":413,"2,50":414,"2,51":415,"2,52":416,"2,53":417,"2,54":418,"2,55":419,"2,56":420,"2,57":421,"2,58":422,"2,59":423,"2,60":424,"2,61":425,"2,62":426,"2,63":427,"2,64":428,"2,65":429,"2,66":430,"2,67":431,"2,68":432,"2,69":433,"2,70":434,"2,71":435,"2,72":436,"2,73":437,"2,74":438,"2,75":439,"2,76":440,"2,77":441,"2,78":442,"2,79":443,"2,80":444,"2,81":445,"2,82":446,"2,83":447,"2,84":448,"2,85":449,"2,86":450,"2,87":451,"2,88":452,"2,89":453,"2,90":454,"2,91":455,"2,92":456,"2,93":457,"2,94":458,"2,95":459,"2,96":460,"2,97":461,"2,98":462,"2,99":463,"2,100":464,"2,101":465,"2,102":466,"2,103":467,"2,104":468,"2,105":469,"2,106":470,"2,107":471,"2,108":472,"2,109":473,"2,111":474,"2,112":475,"2,113":476,"2,114":477,"2,115":478,"2,116":479,"2,117":480,"2,118":481,"2,119":482,"2,120":483,"2,121":484,"2,122":485,"2,123":486,"2,124":487,"2,125":488,"2,126":489,"2,127":490,"2,128":491,"2,129":492,"2,130":493,"2,131":494,"2,132":495,"2,133":496,"2,134":497,"2,135":498,"2,136":499,"2,137":500,"2,138":501,"2,139":502,"2,140":503,"2,141":504,"2,142":505,"2,143":506,"2,144":507,"2,145":508,"2,146":509,"2,147":510,"2,148":511,"2,149":512,"2,150":513,"2,151":514,"2,152":515,"2,153":516,"2,154":517,"2,155":518,"2,156":519,"2,157":520,"2,158":521,"2,159":522,"2,160":523,"2,161":524,"2,162":525,"2,163":526,"2,164":527,"2,165":528,"2,166":529,"2,167":530,"2,168":531,"2,169":532,"2,170":533,"2,171":534,"2,172":535,"2,173":536,"2,174":537,"2,175":538,"2,176":539,"2,177":540,"2,178":541,"2,179":542,"2,180":543,"2,181":544,"2,182":545,"2,183":546,"2,184":547,"2,185":548,"2,186":549,"2,187":550,"2,188":551,"2,189":552,"2,190":553,"2,191":554,"2,192":555,"2,193":556,"2,194":557,"2,195":558,"2,196":559,"2,197":560,"2,198":561,"2,199":562,"2,200":563,"2,201":564,"2,202":565,"2,203":566,"2,204":567,"2,205":568,"2,206":569,"2,207":570,"2,208":571,"2,209":572,"2,210":573,"2,211":574,"2,212":575,"2,213":576,"2,214":577,"2,215":578,"2,216":579,"2,217":580,"2,218":581,"2,219":582,"2,220":583,"2,221":584,"2,222":585,"2,223":586,"2,224":587,"2,225":588,"2,226":589,"2,227":590,"2,228":591,"2,229":592,"2,230":593,"2,231":594,"2,232":595,"2,233":596,"2,234":597,"2,235":598,"2,236":599,"2,237":600,"2,238":601,"2,239":602,"2,240":603,"2,241":604,"2,242":605,"2,243":606,"2,244":607,"2,245":608,"2,246":609,"2,247":610,"2,248":611,"2,249":612,"2,250":613,"2,251":614,"2,252":615,"2,253":616,"2,254":617,"2,255":618,"2,256":619,"2,257":620,"2,258":621,"2,259":622,"2,260":623,"2,261":624,"2,262":625,"2,263":626,"2,264":627,"2,265":628,"2,266":629,"2,267":630,"2,268":631,"2,269":632,"2,270":633,"2,271":634,"2,272":635,"2,273":636,"2,274":637,"2,275":638,"2,276":639,"2,277":640,"2,278":641,"2,279":642,"2,280":643,"2,281":644,"2,282":645,"2,283":646,"2,284":647,"2,285":648,"2,286":649,"2,287":650,"2,288":651,"2,289":652,"2,290":653,"2,291":654,"2,292":655,"2,293":656,"2,294":657,"2,295":658,"2,296":659,"2,297":660,"2,298":661,"2,299":662,"2,300":663,"2,301":664,"2,302":665,"2,303":666,"2,304":667,"2,305":668,"2,306":669,"2,307":670,"2,308":671,"2,309":672,"2,310":673,"2,311":674,"2,312":675,"2,313":676,"2,314":677,"2,315":678,"2,316":679,"2,317":680,"2,318":681,"2,319":682},"ٜ":{"1":[5,383],"2":[5,319]},"ٝ":["1,5","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","2,5","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319"],"ٞ":{"2":[1,2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"28":[6],"29":[7,8,9],"32":[10],"34":[11],"35":[12],"36":[13,14],"37":[15],"38":[16,17],"39":[18],"41":[19],"43":[20,21],"44":[22,23],"45":[24],"46":[25],"47":[26],"49":[27],"52":[28,29],"53":[30],"54":[31],"58":[32],"59":[33],"64":[34],"71":[35],"72":[36],"78":[37],"81":[38],"83":[39,40,41],"84":[42,43],"87":[44,45,46],"88":[47,48,49,50],"89":[51,52,53],"90":[54,55],"91":[56],"93":[57,58,59],"94":[60],"95":[61,62,63,64],"96":[65],"99":[66],"100":[67,68],"101":[69],"104":[70,71],"106":[72,73],"109":[74],"110":[75],"111":[76,77],"113":[78,79],"114":[80,81,82],"115":[83],"116":[84],"117":[85],"118":[86,87],"119":[88],"120":[89],"121":[90,91],"122":[92],"123":[93],"124":[94,95],"126":[96,97,98],"127":[99,100],"128":[101],"129":[102,103],"130":[104,105,106],"131":[107],"132":[108,109,110],"133":[111,112,113,114],"134":[115,116,117,118,119],"137":[120,121],"138":[122],"139":[123],"140":[124],"141":[125,126],"142":[127,128],"144":[129],"145":[130,131],"146":[132,133],"147":[134,135,136],"148":[137],"149":[138],"150":[139],"151":[140,141],"152":[142,143,144],"153":[145,146],"154":[147,148],"156":[149,150],"158":[151],"159":[152],"161":[153,154],"162":[155,156],"163":[157],"164":[158],"169":[159,160],"170":[161],"171":[162],"172":[163,164],"173":[165,166],"174":[167],"175":[168,169],"176":[170,171],"177":[172,173],"178":[174],"181":[175],"183":[176,177],"184":[178,179],"186":[180,181],"188":[182,183],"190":[184,185],"191":[186],"193":[187],"194":[188],"195":[189,190,191],"196":[192,193],"197":[194],"198":[195,196],"200":[197],"201":[198,199],"205":[200,201,202],"207":[203,204],"208":[205],"209":[206],"211":[207],"214":[208],"216":[209],"217":[210],"220":[211],"221":[212],"222":[213],"223":[214,215,216],"225":[217],"226":[218,219],"227":[220],"229":[221,222,223,224],"233":[225],"234":[226,227],"235":[228,229],"239":[230,231,232,233],"240":[234,235],"243":[236],"245":[237,238],"246":[239],"247":[240],"248":[241,242],"249":[243],"250":[244,245,246,247],"251":[248],"252":[249,250,251],"253":[252,253,254],"254":[255,256,257],"255":[258,259,260,261,262],"256":[263],"257":[264,265,266],"258":[267,268],"259":[269],"260":[270],"261":[271],"262":[272,273,274,275],"263":[276,277,278],"264":[279,280],"265":[281,282,283,284,285,286],"266":[287,288,289,290],"267":[291],"268":[292,293,294],"269":[295,296],"270":[297,298],"271":[299],"272":[300,301,302],"273":[303,304,305],"275":[306,307,308],"276":[309,310,311],"277":[312,313],"278":[314,315],"279":[316,317],"280":[318,319],"282":[320],"283":[321],"284":[322],"287":[323],"288":[324,325,326],"291":[327,328,329],"292":[330,331,332,333],"293":[334,335,336],"295":[337],"298":[338],"299":[339,340,341,342],"300":[343],"302":[344],"303":[345],"304":[346],"305":[347],"311":[348],"312":[349,350,351,352],"313":[353],"314":[354,355,356],"315":[357,358],"324":[359],"326":[360,361],"327":[362],"328":[363],"329":[364,365,366],"330":[367,368,369],"331":[370],"332":[371],"333":[372],"334":[373,374,375],"335":[376],"336":[377,378],"337":[379],"343":[380,381],"344":[382,383,384],"345":[385,386],"347":[387],"348":[388,389],"353":[390],"354":[391],"370":[392,393],"371":[394,395,396],"372":[397,398,399],"375":[400],"377":[401,402],"378":[403],"379":[404],"380":[405],"382":[406],"383":[407,408],"384":[409,410],"385":[411],"388":[412],"389":[413],"390":[414,415],"391":[416],"392":[417,418],"393":[419,420,421],"394":[422,423,424,425,426],"402":[427,428,429],"404":[430],"405":[431,432,433],"406":[434],"407":[435,436],"408":[437,438,439],"409":[440],"410":[441,442],"411":[443],"414":[444,445],"415":[446],"416":[447,448,449],"417":[450,451,452,453],"418":[454],"419":[455,456,457],"420":[458],"425":[459,460,461],"426":[462,463,464],"428":[465,466,467,468,469,470],"429":[471,472,473,474,475],"430":[476],"431":[477,478],"432":[479,480],"433":[481,482,483],"434":[484,485,486],"435":[487,488,489],"436":[490],"437":[491],"438":[492,493,494],"441":[495,496],"442":[497,498,499,500],"443":[501],"444":[502],"445":[503],"446":[504],"447":[505],"449":[506],"450":[507],"452":[508,509],"453":[510,511],"454":[512],"455":[513,514],"456":[515],"458":[516],"459":[517,518,519],"461":[520,521],"464":[522],"465":[523],"466":[524,525],"467":[526,527],"469":[528,529,530],"470":[531,532,533],"471":[534,535,536],"473":[537,538],"474":[539],"475":[540,541,542],"476":[543],"477":[544,545,546],"478":[547,548],"479":[549,550,551],"480":[552,553,554],"481":[555],"482":[556,557],"483":[558],"484":[559,560,561],"503":[562],"504":[563],"509":[564],"514":[565],"515":[566],"516":[567,568],"517":[569],"518":[570,571],"520":[572],"522":[573],"523":[574],"524":[575,576],"525":[577,578,579,580],"526":[581],"527":[582,583,584],"528":[585,586],"529":[587],"530":[588,589],"532":[590],"535":[591],"545":[592],"546":[593],"548":[594],"549":[595],"550":[596],"551":[597],"552":[598,599,600],"553":[601,602,603,604],"555":[605,606,607],"558":[608],"559":[609,610,611],"560":[612,613],"561":[614],"562":[615,616],"563":[617],"564":[618],"565":[619,620],"566":[621],"567":[622],"569":[623],"573":[624],"574":[625,626,627],"575":[628],"576":[629,630,631],"577":[632,633],"578":[634,635,636],"579":[637],"580":[638,639],"581":[640,641],"582":[642,643],"583":[644,645,646],"584":[647,648],"585":[649,650],"587":[651],"588":[652,653],"589":[654,655],"591":[656],"595":[657],"597":[658,659,660],"598":[661],"599":[662,663],"600":[664,665],"602":[666],"605":[667,668],"608":[669,670],"609":[671],"611":[672,673],"612":[674,675],"613":[676],"614":[677,678,679],"615":[680],"616":[681,682],"617":[683],"618":[684,685],"619":[686,687,688],"620":[689,690,691],"621":[692,693],"622":[694,695],"623":[696],"624":[697,698],"625":[699,700,701],"626":[702,703,704],"631":[705,706],"632":[707,708],"634":[709],"635":[710],"636":[711],"638":[712],"639":[713],"640":[714],"643":[715,716],"644":[717,718,719],"647":[720],"648":[721,722],"649":[723,724,725,726,727],"650":[728,729,730],"651":[731,732,733],"652":[734,735],"655":[736,737],"656":[738],"659":[739],"670":[740]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"[نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية]\nكتاب التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية لحافظ العصر ومحدثه وإمام التاريخ وفلسفته مسند الزمان ونسابته أبي الأسعاد وأبي الأقبال الشيخ مولانا عبد الحيّ بن شمس الأفاق الوافع على جلالته الأطباق والإتفاق الشيخ أبي المكارم مولانا عبد الكبير بن القطب الشهير الشيخ أبي المفاخر سيدي محمد الحسني الإدريسي الكتاني الفاسي رحم الله الجميع ونفعنا ببركاتهم وعلومهم آمين\nالجزء الأول","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة التحقيق</span>\nلا زلت أذكر بعض أساتذتي «١» في المرحلة الثانوية حينما كان يوجه الطلبة، قبيل افتتاح الدروس فكان ينقل لنا نصوصا رائعة من الشعر والنثر، مما أثار حماستنا آنذاك، وذات مرة سألناه عن المصدر فقال: إنه التراتيب الإدارية للعلامة الحافظ مسند الدنيا السيد محمد عبد الحي الكتاني- وكان لا زال على قيد الحياة- وأطرى مقامه العلمي وقوة حافظته، وسعة مكتبته، بحيث لا تضارعها مكتبة خاصة في الدنيا، فقد حوت من نفائس المخطوطات ما يعد من أندر النوادر.\nثم حصلت على كتاب التراتيب وقرأت فيه وأعجبت به أيما إعجاب، حتى كان في نيتي أن أطبع مقدمته ونشرها لكثرة فوائدها.\nوبما أن الكتاب قد طبع في عام ١٣٤٦ هـ أي قبل سبعين سنة في مدينة فاس، وقد امتلأ بالأخطاء المطبعية، ثم أعيد تصويره أكثر من مرة دون تصحيح.\nوشاء الله أن أتعرف إلى أخ كريم هو الحاج أكرم الطبّاع صاحب دار الأرقم بن أبي الأرقم، فذكرت له كتاب التراتيب وأهميته وضرورة إخراجه بصورة لائقة فأبدى استعداده وعهد إلي بمهمة تصحيح الكتاب وتحقيقه وتخريج آياته القرآنية وأحاديثه النبوية. فبادرت لذلك وطالعت الكتاب مطالعة دقيقة خرجت فيها الآيات القرآنية وعزوت الأحاديث إلى مصادرها في أحد الكتب التسعة المطبوعة في استانبول وفقا للمعجم المفهرس. وصححت أكثر الأخطاء التي ظهر لي وجه الصواب فيها. وتركت قسما منها إلى طبعة تالية إن شاء الله نظرا لقلة المصادر بين يدي وأضفت الجزء الناقص من كتاب الخزاعي في محله.\nهذا وقد كان العلامة الكتاني قد سمع بكتاب تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية تأليف أبي الحسن علي بن محمد الخزاعي. فسعى بكل ما أوتي من جهد وحرص للحصول على نسخة منه، فظفر ببغيته في مكتبة الزيتونة بتونس من أوقاف المرحوم المشير أحمد باشا فاستنسخها وكان ينقصها الجزء العاشر والأخير، وكم تحسر لذلك وحاول استدراك هذا النقص فلم يوفق فزاد من عنده بمقدار أصل الخزاعي وزيادة، نظرا لوفرة المصادر بين يديه ولرغبته القوية في إيصال فكرة مؤداها: أن الحضارة الإسلامية التي نمت وأورقت في العهد الأموي ثم العباسي إنما\n_________\n(١) هو المرحوم الشيخ سعدي ياسين ﵀.","vol":"1","page":7},{"text":"وضعت أسسها وزرعت بذورها في عهد النبوة ما من أمر من أمور الحياة المعاشية والإدارية إلا وله في صدر الإسلام أصل يرجع إليه. وكتب مقدمة لكتابه غاية في النفاسة.\nوقد اختار العلامة الكتاني نصوصا من كتاب التخريج وجعل تحتها خطا لتمييزها عما أضافه هو إليها. ثم استدرك عليه كثيرا من الأبواب والتفاصيل.\nيقول الأستاذ الكبير المحقق الدكتور إحسان عباس الذي حقق كتاب التخريج للخزاعي والمطبوع عام ١٤٠٥ هـ- ١٩٨٥ م لدى دار الغرب الإسلامي.\n[ولا ريب في أن ما أضافه الكتاني مفيد في معظمه وإن كان في جوانب منه تزيد لا تخفى] ص ١٥ المقدمة ومما تجب الإشارة إليه أني وجدت المؤلف ﵀ قد استرسل في بعض الأحيان وأسهب إسهابا كثيرا في بعض المواضيع فأجزت لنفسي حذف الزائد من الكلام وأشرت لذلك بالهامش. وذلك احتراما لقيمة الكتاب من اشتماله على ما لا فائدة فيه لقارئه.\nأما الأعلام وأسماء المؤلفات التي رجع إليها فهي من الكثرة بحيث تحتاج إلى مجلد قائم بذاته لذلك تركت هذا الأمر لفرصة قادمة إن شاء الله. وأنتقل الآن لإعطاء نبذة يسيرة تعريفا بالمؤلف ﵀.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>من هو السيد محمد عبد الحي الكتاني</span>\n١٣٠٥ هـ/ ١٨٨٨ م- ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٢ م إنه العلم الشامخ والجبل الراسخ، وحيد العصر، وفريد الدهر النابغة في هذا القرن الرابع عشر، سليل الأسرة الإدريسية الشريفة، ورث العلم كابرا عن كابر، مما ورث شرف المحتد، فكان أعجوبة الزمان، قرأ العلم على والده الجليل السيد عبد الكبير الكتاني وعلى خاله جعفر الكتاني وعلى علماء فاس وهم كثر وظهر نبوغه المبكر وأظهر اهتماما زائدا بعلم الحديث ورجاله، ثم شد الرحال إلى بلاد الشرق فدخل مصر والشام والحجاز فأدهش العلماء الفحول وهو في العشرين من عمره فأجازهم وأجازوه، ولم يبق في تلك الديار من لم يعرف قدره وكاتب علماء اليمن والهند وكاتبوه ثم اشترى كميات هائلة من الكتاب المخطوطة وعاد إلى المغرب.\nوكان له إلى جانب نشاطه العلمي جانب سياسي فخاض في غمارها ولم يحالفه التوفيق، مما أغضب الكثيرين وفيهم أقاربه، ثم صودرت مكتبته الثمينة فسافر إلى فرنسا وأقام بها إلى وافته المنية عام ١٩٦٢.\nترك الكتاني آثار كثيرة تزيد عن مائة وثلاثين ما بين كتاب ورسالة وأهمها فهرس الفهارس في مجلدين وفيه بيان شيوخه ومن أخذ عنهم وأخذوا عنه وهو كاف للتعريف به وبفضله.\n﵀ رحمة واسعة، وشكر له سعيه، ونفعنا بعلمه وفضله آمين\nالمحقق خادم أهل العلم\nعبد الله الخالدي","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الإهداء</span>\nأهديت هذا الديوان إلى روح شيخنا الاستاذ الوالد رحمه الله تعالى مخاطبا له متمثلا بقول ابن طباطبا العلوي:\nلا تنكرن إهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه\nفالله ﷿ يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه\nوقول الحافظ ابن حجر:\nهنيئا لأصحاب خير الورى ... وطوبى لأصحاب أخباره\nأولئك فازوا بتذكيره ... ونحن سعدنا بتذكاره\nوهم سبقونا إلى نصره ... وها نحن أتباع أنصاره\nولما حرمنا لقى عينه ... عكفنا على حفظ آثاره","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>[المقدمة الأولى]</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى\nأما بعد:\nفإن الذين اعتنوا بتدوين المدنية العربية والتراتيب الإدارية لخلفاء المملكة الإسلامية، وذكروا ما كان لأمراء الإسلام على عهد الدولة الأموية والخلافة العباسية، من الرتب والوظائف والعمالات والعمال أهملوا ما كان من ذلك على عهد رسول الله ﷺ؛ مع أنه ﵇ حيث كان يشغل منصب النبوة الديني على قاعدة جمع دينه القويم بين سياسة الدين والدنيا جمعا مزج بين السلطتين، بحيث كادا أن يدخلا تحت مسمى واحد وهو الدين. وكذلك وقع.\nكانت الإدارات اللازمة للسياستين على عهده صولجانها دائر، والعمالات بأتم أعمالها إلى الترقي والعمل سائر، بحيث يجد المتتبع أن وظائف حاشية الملك اليوم، الخاصة بشخصه من صاحب الوضوء والفراش والنعال والإصطبل والحاجب وغير ذلك، كانت موجودة عند النبي ﷺ. ولعل عن ذلك العهد أخذها ملوك الإسلام. كما إذا التفت إلى ما يتعلق بالمراتب الإدارية من وزارة بأنواعها، وكتابة بأنواعها، والرسائل والإقطاعات، وكتابة العهود والصلح، والرسل والترجمان، وكتّاب الجيش والقضاة، وصاحب المظالم وفارض النفقات، وفارض المواريث، وصاحب العسس في المدينة والسجان، والعيون والجواسيس، والمارستان والمدارس والزوايا، ونصب الأوصياء والممرضات والجراحين، والصيارفة وصاحب بيت المال، ومتولي خراج الأرض وقاسم الأرض، وصانع المنجنيقات والرامي بها وصاحب الدبابات، وحافر الخنادق والصوّاغين وأنواع المتاجر والصناعات والحرف، تجد أن مدّته ﵇ مع قصرها لم تخل عن أعمال هذه الوظائف، وإدارة هذه العمالات. وتجد أنها كانت مسنده للأكفاء من أصحابه وأعوانه ﵇.\nوربما يستغرب السامع هذا القدر على البديهة إذا سمعه خصوصا ممن اقتصر على مطالعة بعض كتب السير للمتأخرين، وظن أنها خالية عن أمثال هذه الأمور، فإنه ربما يحيص حيصة الاستغراب، ولكن لا ضير فإن أكثر الذين يتعاطون السير اليوم غاية ما","vol":"1","page":11},{"text":"يقرأون من كتبها الهمزية بشرحها لبنيس، فلذلك لا يستغرب أن يشذّ عن أبصارهم أمثال هذه الوظائف والمراتب والإدارات.\nوربما استبعد ذلك آخرون من حيث أن الكتاب الذين تصدروا أخيرا للبحث في المدنية الإسلامية العربية ودونوا فيها المدونات العدة من المسلمين والمسيحيين غاية ما ينسبون من التمدن للإسلام؛ يذكرون ما وجد على عهد الدولة العباسية والأموية مثلا، مع ما أوجدته بعد ذلك ممالك العجم والديلم والترك والفرس والبربر وغيرهم، من ملوك الدول الإسلامية بالشرق والغرب. بل وربما كانوا يأتون بنسبة المدنية في الإسلام لبني العباس، ليتسنى لهم بعد التصريح بأنهم أخذوا ذلك عن اليونان والفرس، لا عن القرآن والنبي ﷺ. بل وقع لبعض الكتاب الشاميين في رسالة له في انتشار الأديان التصريح بأن التمدن الإسلامي قام عن الشريعة الإسلامية ولم يقم معها اهـ. وهو غلط فادح نتج لصاحبه عن جهله بالسير والحديث، أو من عدم تشخصه لحقيقة ينابيع المدنية التي جعل الحكماء أساسا لها. أما النظر إلى الأبنية لأنها عنوان رقي الجماعات، الذين يسكنونها، أو إلى المخلفات العلمية والأدبية والفلسفة؛ لأنها مجلى حقيقة ما كانوا عليه من المدارك، أو الثروة التي كانوا يتنعمون بها، لأنها تدل على اقتدارهم في الصناعة والزراعة والتجارة، وبالأخير إلى شرائعها، لأن الشرائع أعظم دليل على ما كان في تلك الأمة من الأخلاق الراقية وعدمها، ومن المساوات أو التفاوت في المقامات، ومن العدل أو الظلم، ومن الآداب الحسنة أو الأخلاق السيئة، ومن عرف نهضة الإسلام وتعاليم النبي ﵇ وأمعن النظر في تلك النهضة تحقق أن ليس هناك من أساليب التمدن ما لم يكن الإسلام في وقت ظهوره أصلا له، وينبوعا فمن تأمل ما بثه النبي ﷺ من التعاليم، وأنواع الإرشاد، وما حوى القرآن من آداب الاجتماع، وسنّ من طرق التعارف والتمازج، وما أودع الله غضون كلماته الجوهرية من أحكام الطبيعة وأسرار الوجود وفرائد الكائنات، وما ضبط من الحقوق وسنّ من أنظمة الحياة وما تلته به السنة النبوية من تهذيب النفوس والأخلاق، والإرشاد للأخذ بالأحسن فالأحسن وأحكمته من سنن الإرتقاء والأخاء البشري والتمتع بضروب الحرية علم أن التمدن الإسلامي في إبان ظهوره قامت معه تلك الأعمال لتأثير تلك التعاليم على قلوب سامعيها في ذلك الحين.\nنعم.\nلا ننكر أن التمدن الإسلامي جرى مجرى النشوء الطبيعي في كل شيء، وسار سيرا تدريجيا إلى أن وصل إلى أوجه في السمو، فمن لم يتأمل ذلك ولم يحط نظرا في الموضوع بما له وعليه، لا بد أن يغيب عن علمه ما بلغته الإدارات، والعمالات والصناعة والتجارة في تلك العشر سنوات، التي قضاها ﷺ في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية، وأن الترقي والعمران وصل فيها إلى إحداث ما يعرف من الوظائف اليوم في إدارة الكتابة والحساب والقضاء والحرب والصحة ونحو ذلك خصوصا من غاية علمه عن ذلك الدور أن","vol":"1","page":12},{"text":"أهله كانوا يمشون حفاة، وإذا أكلوا مسحوا أيديهم في أقدامهم، خصوصا وقد وقعت لبعض الأعلام فلتات إن لم نقل سقطات وهفوات، حتى إن الولي ابن خالدون قال في مقدمة العبر في مواضع:\n«إن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة، وإنما أحكام الشريعة التي هي أوامر الله ونواهيه كان الرجال ينقلونها في صدورهم، وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما نقلوه عن صاحب الشرع وأصحابه، والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين، ولا رجعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة وجرى الأمر على ذلك زمن الصحابة والتابعين» . انظر ص ٤٧٧ من مقدمة تاريخه طبعة مصر ونحو هذه العبارات للأمير صديق حسن خان القنوجي في كتابه «الحطة في ذكر الصحاح الستة» من غير عزو لابن خالدون انظر ص ١١ منها.\nولكن من واصل ليله بنهاره، واطلع وطالع بالدقة وحسن الروية، يجد أن المدنية وأسباب الرقي الحقيقي، التي وصل إليها العصر النبوي الإسلامي في عشر سنوات، من حيث العلم والكتابة والتربية وقوة الجامعة وعظيم الاتحاد وتنشيط الناشئة، وما قدر عليه رجال ذلك العهد الطاهر، وما أتوه من الاعمال واستولوا عليه من الممالك، وما بثوا من حسن الدعوة وبليغ الحكمة ومتمكن الموعظة، لم تبلغها أمة من الأمم ولا دولة من الدول في مئات من السنين، بل جميع ما وجد من ذلك إلى هذا الحين عند سائر الأمم، كلها على مباني تلك الأسس الضخمة الإسلامية انتشأ. فلولا تلك الصروح الهائلة والعقول الكبيرة، وما بثوه من العلوم وقاموا به من الأعمال المخلدة الذكر، لما استطاعت المدنيات المحدثة أن تنهض لما له نهضت وارتقت.\nأحدق ببصرك وبصيرتك إلى الدور الذي وجد فيه ﵇ تجد أن الخراب والدمار والظلم كان أثبت في كل جهة من جهات العالم، من الشرق إلى الغرب. فدولة الروم هرمت مع الضعف الذي استولى على ملوكها؛ بمجاوزتهم الحد في الترف، والإنهماك في اللذات، والفتن الداخلية والخارجية، والأمة الفارسية سقطت قوتها بسبب حروبها الطويلة مع الروم مع الفتن الأهلية، والشعوب العربية في انحطاط تام وجهل عام. بين هذا الوسط نبعت تلك الشعلة النورية النبوية، فأضاءت دفعة [فجأة] من أول وهلة على العالم، فأحدثت فيه حركة ونهضة بعد العهد بمثلها في جهة من الجهات، أما في جميع أطراف العالم «١» التأمت تلك الشعلة واستفحلت وعرفت كيف تربي رجالا عظاما لنشر مباديها الحقة والقيام بالعالم من وهدة السقوط فأولئك الذين كانوا أنفسهم قبل الإسلام لا يعرفون من دنياهم إلا البارحة وتربية الماشية والعيش على أخس بداوة قد انقلبوا بعد الإسلام إلى قواد\n_________\n(١) بياض بالأصل ويسحن وضع كلمة «ثم» .","vol":"1","page":13},{"text":"محنكين ودهاة وحماء سياسيين وعمال أمناء إداريين، حتى قال القرافي في الفروق ص ١٦٧ من الجزء ٤:\n«أصحاب رسول الله ﷺ كانوا بحارا في العلوم على اختلاف أنواعها، من الشرعيات والعقليات والحسابيات، والسياسيات والعلوم الباطنة والظاهرة، حتى يروى أن عليا جلس عند ابن عباس في الباء من بسم الله، من العشاء إلى أن طلع الفجر، مع أنهم لم يدرسوا ورقة ولا قرأوا كتابا، ولا تفرغوا من الجهاد وقتل الأعداء، ومع ذلك كانوا على هذه الحالة حتى قال بعض الأصوليين: لو لم يكن لرسول الله ﷺ معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته» .\nوقد أفرد فضائلهم بالتأليف جماعة من أيمة السلف؛ كأبي محمد خيثمة بن سليمان الطرابلسي، وأبي محمد طراد بن محمد الزينبي، وأبي القاسم حمزة بن يوسف الجرجاني، وأحمد بن محمد بن المهندس، وأبي الحسن أحمد بن حمزة الموازيني.\nوأفرد فضائل الخلفاء الأربعة فقط أبو نعيم الأصبهاني وأبو الحسن أحمد بن محمد بن زنجويه.\nوفضائل أبي بكر لأبي طاهر محمد بن علي العشاري وفضل أبي بكر وعمر لأسد بن موسى.\nوفضائل العباس لأبي الحسن محمد بن المظفر الحافظ ولأبي محمد حمزة بن يوسف السهميّ ولأبي القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي. وفضائل معاوية لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم.\nوفضائل العشرة المحب الطبري وهو مطبوع. ولأبي الحسن مروان بن عثمان المكي قصيدة في فضل الصحابة ولأبي علي الحسن بن محمد الخلال الحافظ كتاب كرامات الصحابة وللضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي مناقب جعفر بن أبي طالب وللموفق بن قدامة المقدسي الاستبصار في أنساب الأنصار.\nوكان العلم الذي تعلموه في مدرسة القرآن والسنة أصبحوا به لا ندّلهم في كل رجال العصر، بل والأعصر بعد الذي كانوا فيه، سواء في الحكمة التي ساسوا بها الشعوب، أو في القوة التي سادوا بها على الممالك، ذلك العلم الصحيح الذي لانت له في أسرع وقت القلوب، التي كانت بالأمس أقسى من الصخر، وأوعر من الوعر، فحلّ الوئام محل الخصام، والأخاء محل العداوة، والإحسان بدل التعدي والظلم، فلم تمض تلك المدة اليسيرة على تلك الشعلة النورية حتى عمّت أرجاء الكرة الأرضية، لا جرم لمّا كثر المستظلون بذلك اللواء، والمستكنون في أمانه، أراد ﵇ أن يضبط أمورهم بنظامات سنّها، وولايات نصبها، وعمالات أسسها، تلك النظامات [الأنظمة] التي لا يستقيم ملك لملك ولا أمر لأمة بدونها.","vol":"1","page":14},{"text":"لذلك أرى من الواجبات الكفائية، إن لم نقل العينية على المسلمين العلم بهذه الأمور، لتكون منوالا تنسج عليه الأمة، أو منبها يحرك فيها باعث الجد لاسترجاع ما فات، والتوثق من حفظ استقلالها وصون حياتها مما هو آت، أو ليعلموا على الأقل شرف دين متبوعهم الأعظم ﵇ وليزدادوا فيه حبا وله تعظيما. ولما دعاهم إليه تمسكا.\nقال بعض العلماء: «إن أساسات الدين الإسلامي باعتقاد الحق، وإقامة البرهان على المعتقد وتعميم المعاملات والأخاء، وتخويل عموم الأفراد حرية محضة محدودة بحدود موافقة للحكمة بحيث تحفظ الحياة الإجتماعية ما دام في الوجود موجود، مانعة ذويها من الإفراط والتفريط، ثم أوجب بينهم حفظ المراتب والدرجات، وأوجب رعايتها عليهم ورفع بعضهم فوق بعض درجات، بمقتضى الاستحقاق والقابلية، ثم ألزمهم رعاية مصالح سواهم، وحبّب اشتراك غيرهم معهم، في نعمة هذه المدنية العظمى.\nوكانت الزراعة معتنّى بها في زمانه ﵇، وهو الذي يأمر بها ويحض عليها، وكذلك الصناعة، فإنه أمر بها وبتعلمها، وأمر بمبادي التعليم وأمر بأخذ العلوم، ولو من ديار الكفار. وأدخل بعض الأمور التي وصله خبرها من الأمور النافعة، التي يستعملها كفار الفرس وغيرهم؛ مثل عمل الخندق واستحسان تنوير المسجد من قبل تميم الداري، حين أو قد قنديلا ومصباحا أحضره معه من سياحته بعد أن كان يستضاء في المسجد النبوي بالحرق، وأمر بنشر العلوم والمعارف، وتقسيم الوظائف وإيجاب الأخاء، وتقدير الرجال وتنظيم القوى الدفاعية والهجومية، وأسس وجوب ذلك وقرر وجوب حفظ الأبدان والطب والتشريح وأنواع الحكمة الطبيعية وتعميم الآداب ومكارم الأخلاق، والتاريخ والجفرافية والسياحة والاستكشافات، والسعي في الاختراعات والنجوم والحساب والقصص والروايات وآداب المحاضرات والمسامرات، وقرر مع كل هذا وظائف الأعمال الإدارية وألزم بالاقتصاد الإداري، والمالي، وكل ما يكون في الأمم المتمدنة حتى قرر وجوب الإحصاء.\nأما التجارة فقد استعملها ﵇ بذاته، هذا ما كان من أمر الشؤون الداخلية- وأما الشؤون الخارجية فقد دعا بالبلاغ المبين وقرر أصول الحقوق الدولية والحقوق الملّيّة [الوطنية] وأوجب أصول الحروب والهدنة والمسالمة والمعاهدة والمقاولة والمكاتبة ورعاية الموازنة السياسية، والمعاهدات وأصول أهل الحماية وحقوق الجوار ومعاملة رعايا الأجانب [الدول الأجنبية] وأهل الذمة وتخويل كل فرقة حقا محدودا بالحكمة، محوطا بالصواب.\nفيجب على من يريد درك الحقيقة من هذا الدين المتين، أن يراجع نصوصه المبينة في كل حادث زماني أو مكاني أو علمي أو عملي، ويكون له من الاقتدار على التطبيق الشرعي صلاحية كافية، فإنه يرى الحكمة تنجلي بين يديه، مجردة عن كل تردد واحتجاب «١» اهـ.\n_________\n(١) انظر رسالة حجة الكرام في محجة أهل الإسلام.","vol":"1","page":15},{"text":"وقال غيره أيضا: «سنّ ﷺ من القوانين والنظامات والأنظمة ما يأمن معه كل ذي حق على حقه، ويدفع التعدي من الأشرار، وذوي الأطماع على أحد من الأمة، أو أهل الذمة، ومن أحكام الزوجية بالطريقة المرضية على أكمل نظام، وأبدع إحكام، وبيّن حقوق الزوجين على بعضهما، مجتمعين أو مفترقين، وسنّ أحكام المعاملات من نحو البيع والشراء والإجارة والشركة والمداينة، وقسم التركات على طريقة الحكمة، وسنّ بعض العقوبات والقصاصات والتعازير لتحفظ بها الأنفس والأموال والأعراض، وسنّ جميع الآداب من كل باب كاداب الأكل والشرب، وآداب النوم وآداب الكلام، وآداب المجالسة والمحادثة والزيارة، وآداب الحضر والسفر، وآداب الزوجية، وآداب ذوي الأرحام مع بعضهم، وآداب الجيران، وآداب الأصحاب، وآداب جميع المسلمين مع بعضهم، وآدابهم مع أهل ذمتهم، إلى غير ذلك من الآداب.\nفبعد أن يبحث في كل ما جاء به النبي ﷺ وما سنه من القوانين والنظامات [والأنظمة] التي هي في غاية الأحكام والإتقان والإبداع، يجزم بأن إتيانه ﷺ بها، وهو أمي نشأ بين أمة أمية بدوية جاهلية لم يفارق أوطانه إلا أشهرا قلائل لا تصلح (مدته) «١» لتحصيل أقل القليل من العلوم، ولم يجتمع على أحد من أهل المعارف في مدة حياته في بلده، ولم يشاهد أنه عانى تعلم شيء من الشرائع، وقوانين الدول. فأنّى له بأن يستنبط عقله هذا الترتيب الغريب العجيب، الذي أحاط بكل حكمة باهرة، واحتوى على كل خصلة جميلة فاخرة، وتكفل بنظام حال البشر وصالح أحوالهم، وطهارة نفوسهم وعمار ديارهم، وكف أشرارهم، وبكل شيء يعود عليهم بالخير ويدفع عنهم الضر لا يصحح العقل إمكان التصديق باقتداره ﷺ على الإحاطة بجميع ما جاء به؛ فإذا لا بد أن يكون مرسلا من عند الله، وهو الذي هداه إلى جميع ذلك وأطلعه عليه، وفهّمه أسراره وأمره بتبليغه اهـ.\nولله در الحافظ أبي القاسم السهيلي إذ قال في الروض الأنف بعد ذكر حريفات «٢» من السيرة ما نصه: فهذه جملة تشرئب إلى معرفتها أنفس الطالبين، وترتاح بالمذاكرة بها قلوب المتأدبين، وكل ما كان من باب المعرفة لنبينا ﷺ ومتصلا بأخبار سيرته مما يونق الأسماع ويهزّ بأرواح المحبة الطباع، والحمد لله على ما علم من ذلك اهـ ص ٩٣ من الجزء الثاني.\nوقد قال الإمام القاضي أبو عبد الله محمد بن الأصبغ المعروف بابن المناصف القرطبي الأزدي في الدرر السنية في المعالم السنية في المعلم الرابع من السيرة النبوية:\nوإن أولى ما تحلى المسلم ... بعد كتاب الله أو يقدم\nعلم بأيام رسول الله ... من لدن النشء إلى التناهي\nوحفظ ما يحق أن لا يجهلا ... من أمره وحاله مفصلا\n_________\n(١) حذف ما بين القوسين أنسب.\n(٢) كذا في الأصل.","vol":"1","page":16},{"text":"فلنقتضب من ذاك ما لا يسع ... في الحق أن يجهل ذاك الأورع\nوما يكون شرف المجالس ... جلا العلا للحافظ المدارس\nتعلو به الرتبة عن يقين ... في شرف الدنيا وحكم الدين\nوقال الإمام أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي في مختصره في السير أوله: «هذا ذكر ما يحق على المرء المسلم حفظه، ويجب على ذي الدين معرفته، من نسب رسول الله ﷺ، ومولده ومنشئه وشيعته، وذكر أحواله في مغازيه ومعرفة أسماء ولده، وعمومته وأزواجه. فإن للعارف بذلك رتبة تعلو على رتبة من جهله، كما أن للعلم به حلاوة في الصدر، ولم تعمر مجالس الخير بعد كتاب الله بأحسن من أخبار رسول الله ﷺ» منها قال الإمام أبو العباس العزفي السبتي في الدر المنظم بعد نقل كلام ابن فارس مشيرا إلى قوله يجب: «فهذا إمام من أئمة المسلمين قضى بوجوب معرفة مولده على المؤمنين» .\nوقال أبو عيسى المهدي بن أحمد بن علي الفاسي في شرحه الوسط على الدلائل إثر كلام ابن فارس: والوجوب في كلامه يحتمل الوجوب الشرعي أو العرفي بمعنى ينبغي مرجعه إلى اعتبار الأولى والأخلق وقد حمله العزفي على الوجوب الشرعي والله أعلم.\nوعليه فيحتمل وجوب معرفة جميع ما ذكر أو بعضه وباقيه استطراد وزيادة خير للعارف به رتبة كما قال تعلو على رتبة من جهله والله أعلم.\nوالظاهر حمل الوجوب على الشرعي، وأنه يتعلق بجميع ما عدد. وللقرافي في الذخيرة وأشار إليه في شرح الأربعين: أن جملة الأحوال المتعلقة بالرسول، كلها فضلا عمّا به يتعين يرجع إلى العقائد لا إلى العمل، فيجب البحث عن ذلك ليحصل كمال المعتقد.\nومشخصاته هي معرفة اسمه ونسبه وزمانه ومكانه وصفته ﵇ وقال مفخرة الشام ابن القيم الجوزية في زاد المعاد بعد أن بين اضطرار العباد إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر وطاعته فوق ما أمر ونصه: «وإذا كانت سعادة الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ، فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه» .\nانظر بقية كلامه ولا شك أن المسلم إذا تتبع السيرة على الوجه الذي توخيناه، لم يبق له شك في أن نبيه جاء بعمارة الدنيا والعمل للآخرة، لا بخراب العالم والانقطاع عن العمل، حاشا وكلّا. نعم جاء ﵇ بعدم تعمير القلب بالدنيا تعميرا يغافل به المسلم عن ربه وتوحيده، ولكن أمرك أن تجد وتجتهد حتى تملأ منها يدك وتترك قلبك لله، وما يرضيه منك من وجوه مبرات وحسنات لبني جلدتك خالدات، بهذا جاء الدين لا بعكسه.\nويدلّك لذلك أن ثلث الشريعة الإسلامية عبادات، وأسرار تلك العبادات تتضمن سعادة بذلك وحياة روحك زيادة على إخلاص العمل لوجه الله، وبقية الثلثين معاملات دنيوية وكيفية الأخذ منها والرّد بالقسط. انظر إلى أجزاء الزرقاني مثلا على المختصر الثمانية فإن أحكام","vol":"1","page":17},{"text":"العبادة منها لا يزيد على جزءين وبقية الأجزاء الستة أحكام المعاملات الدنيوية. بل قال بعض الكتاب: إنّ في القرآن الكريم من آيات العلوم الكونية ما يزيد على سبعمائة وخمسين آية، أما علم الفقه فلا تزيد آياته، الصريحة عن مائة وخمسين آية اهـ. وفي حديث أخرجه ابن عساكر عن أنس قال الحافظ السيوطي في الحاوي: صحيح من وجوه:\n«ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ الآخرة ولا تكونوا كلّا على الناس» .\nوقد أخرجه ابن عساكر عن عمر بن قيس قال: كان عبد الله بن الزبير إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين، وإذا نظرت في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين أنظر ترجمة ابن الزبير في تاريخ الخلفاء [للسيوطي] .\nوفي حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من رزق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وأقام الصلاة وآتى الزكاة مات والله عنه راض» أخرجه «ابن عبد البر في جامع العلم.\nوقال ابن عمر: لو كان عندي أحد ذهبا أعلم عدده وأخرج زكاته ما كرهت ذلك وما خشيت [أن] يضرني. وقال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه ويصل رحمه ويكف به وجهه.\nوأخرج الديلمي عن جابر رفعه: «نعم العون على تقوى الله المال» . وقال عمر بن الخطاب: من أراد أن يسأل عن المال فليأتنا فإن الله جعلني خزانا. وقال ﷺ لسيدنا سعد [ابن أبي وقاص] كما في الصحيح لما أراد أن يتصدق بأكثر ماله: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس» «١» .\nوقال لكعب بن مالك حيث استشاره في الخروج عن ماله كله: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» «٢» . وقال قيس بن عاصم [المنقري التميمي] حين حضرته الوفاة لبنيه:\nيا بني عليكم بالمال واصطناعه فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم. وللصحابي الجليل سيدنا النمر بن تولب العكلي في الحث على الكسب ومدح المال والزجر عن القعود عن التكسب وذم الفقر:\nخاطر بنفسك كي تصيب رغيبة ... إن القعود مع النساء قبيح\nفالمال فيه عزة ومهابة ... والفقر فيه مذلة وفضوح\nأنشدهما له الحافظ ابن عبد البر في كتابه بهجة المجالس.\n_________\n(١) رواه مسلم في كتاب الوصية ج ٢ ص ١٢٥١. وأحمد ج ١ ص ١٦٨ بمعناه.\n(٢) رواه البخاري كتاب الزكاة وباب ١٨ ص ١١٧/ ٢. ورواه مسلم في كتاب التوبة ج ٣ ص ٢٢٢٧.","vol":"1","page":18},{"text":"وقال الثوري مرة لما عاتبه في تقليب الدنانير: لولا هذه لتمندل بنا بنو العباس «١» .\nوقال أيضا: لأن أخلف عدة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إليّ من أن احتاج إلى الناس. وجاء عنه أنه قال: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن.\nوقال سفيان بن عيينة: من كان له مال فليصلحه. ذكر هذه الآثار عنهم الحافظ السخاوي في جواب له في الباب. وفيه أيضا عن أبي الدرداء: من فقه الرجل استصلاحه معيشته. وأورد الزمخشري في الكشاف عند قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا [النساء: ٥] شيئا من هذا. وكيفما كان الحال؛ فإن ذلك مما يدل ولا إشكال على اهتمام الشريعة الإسلامية بنظام حياتك، وإرشادك إلى استثمار ينابيع الثروة، وأساليب المعيشة الهنيئة. ذلك النظام الذي سنّه لك الإسلام؛ وهو مادة نظام العالم المتمدن اليوم، إن لم يكن جميعه فمعظمه. وأنت أيها المسلم ساه لاه.\nوفي «الروض الأنف» أن العلاء بن الحضرمي لما قدم على المنذر بن ساوى وخاطبه في الإسلام وشرائعه أجابه المنذر بقوله: قد نظرت في هذا الأمر الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده وإن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله انظر ص ٣٥٦ من الجزء الثاني. وفيه أيضا أن الجلندى لما قدم عليه عمرو بن العاص قال له: انظر في هذا النبي الأمي الذي جاء بالدنيا والآخرة.\nلهذا وشبهه عنّ لنا أن تكون عنايتنا في التدوين بالتراتيب الإدارية، والحرف والصنائع والمتاجر وأنواع العلوم والمشخصات التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية النبوية، حتى يعلم الناس من أبناء ملتنا وعشق التاريخ من غيرهم، أن النبي العربي قد مدّن الشعوب، ورقّى الأمم بما أسس لهم من مباني العمران وسنّ من أنظمة التقدم وأنه يمر بك كثيرا أن النبي ﷺ جاء بهذا الرقي والعمران بما أنزل الله عليه من آي ذلك وأساليبه. ولكن غفلوا عن ذكر كيفية تمشية ذلك النظام في ذلك الزمان، وحراس تلك التمشية، الذين كانوا يسهلون على الشعب العمل باداب ذلك وأساليبه، ويسهرون على تمسك الأفراد بها.\nوقد يقال: إنك أسأت الأدب وقرعت أبواب العطن بذكرك في سمرك هذا المصطفى ﷺ نظاميا ملكا وأصحابه قوادا وولاة.\nقلت: هذا من ضيق العطن ورمي الفطن وإلا فالبشر كلهم بشر ولكن فيهم الصالح والطالح في بشريتهم، والكامل والأكمل والنبيه والأنبه، والرذيل والأرذل. فأصحاب رسول الله ﷺ قائدهم لا كالقواد، وأميرهم لا كالأمراء لمكانهم من القرب من رسول الله ﷺ، ولسماعهم الوحي الطري والعلم الصحيح، كما أن المصطفى ﷺ بشر لا كالبشر، وملك لا\n_________\n(١) ربما الصواب هو: قال عبد الله بن المبارك للثوري.","vol":"1","page":19},{"text":"كالملوك، وقد قال فيلسوف الإسلام الغزالي في الإحياء: «ومن خصائصه ﵇ أنه جمع له بين النبوة والسلطنة» اهـ وإلى كلامه هذا أشار الحافظ الأسيوطي في أنموذج اللبيب حيث قال: وجمع له بين النبوة والسلطنة، ولم تجمع لنبي قبله «١» . عد هذا الغزالي ﵀ في الأحياء. ولما تكلم الإمام السهيلي في الروض على قول أبي سفيان للعباس لما حبسه في محتبس الوادي يوم الفتح: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. ورد عليه العباس بقوله إنها النبوة قال: فنعم إذا. ذكر عن القاضي أبي بكر بن العربي إنما أنكر العباس ذكر ذلك الملك مجردا من النبوة، مع أنه كان في أول دخوله في الإسلام، وإلا فجائز أن يسمّى مثله ملكا وإن كان لنبي فقد قال تعالى: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ [ص: ٢٠] وقال سليمان ﵇ وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥] .\nغير أن الكراهة أظهر في تسمية حال نبينا ﷺ ملكا، لما في الحديث أنه خيّر بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فأشار إليه أن تواضع فقال: بل نبيا عبدا «٢» .\nقلت: كلام ابن العربي هذا وجدته في الأحكام: ص ١٩٩ من الجزء الأول. ولا شك أن ما نحن فيه ليس مما ينكر ولا ينكره أحد وقد قال الشهاب الخفاجي على حديث أبي مسعود البدري أن رجلا قام بين يديه ﵇ فأرعد من الفرق فقال: هون عليك فإني لست بملك «٣» ما نصه: يعني لست من الملوك الجبابرة حتى تخاف مني لأن جبريل جاءه من الله وخيّره بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فاختار أن يكون نبيا عبدا ولم يرض بوصفه بالملك وكذا الخلفاء الأربعة. وأول من ملك في الإسلام معاوية فلا وجه لقول بعضهم هنا: إن هذا لا ينافي أنه ظهر ملكه وإن كان ملكه نبوة فإنه لم يرد إلا نفي أنّه ملك كسائر الملوك عند المخاطب.\nوقال الخفاجي أيضا على حديث ابن أبي هالة الذي فيه ﵇ كان يقول:\nأبلغوني حاحة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبّت الله قدميه يوم القيامة «٤» . قيل يريد إن أبلغ سلطانا حاجة جوزي بهذا، فكيف بمن يبلغه ﷺ، وإلا فهو أجل من أن يكون ملكا أو سلطانا وقد قال: لست بملك.\n_________\n(١) إذا كانت السلطنة تعني القدرة والملك فقد جمعت لسيدنا داود وابنه سليمان، مصححه.\n(٢) روى الإمام أحمد حديثا عن أبي هريرة أوله: جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك. أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: بل عبدا رسولا ج ٢/ ٢٣١ والإسلامي: ٣٠٤/ ٢.\n(٣) روى ابن ماجه ج ٢ ص ١١٠١ حديثا عن أبي مسعود البدري أوله: هوّن عليك فإن لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد.\n(٤) ذكره في التيسير وعزاه للطبراني وأبي الشيخ عن أبي الدرداء وقال: فيه من لا يعرف.","vol":"1","page":20},{"text":"قلت: فيه نظر؛ لأن المراد بالسلطان هنا الإمام الأعظم خليفة الله، وقد أطلق الفقهاء ذلك عليه كما بيناه. وفي حكمه بالسلطنة والفتيا والقضاء المذكور في القواعد للسبكي كما سيأتي اهـ منه.\nوقال الإمام فخر المالكية، أبو العباس القرافي في الفروق في الفرق السادس والثلاثين، بين قاعدة تصرفه ﷺ بالقضاء، وبين قاعدة تصرفه بالفتوى، وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإمامة: إعلم أن رسول الله ﷺ هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم والمفتي الأعلم، فهو ﷺ إمام الأيمة وقاضي القضاة وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوّضها الله إليه في رسالته، وهو أعظم من كل من تولّى منصبا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلا وهو متصف به في أعلى رتبة، غير أن غالب تصرفه ﷺ بالتبليغ والفتوى إجماعا.\nومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدا، فمنهم من تغلب عليه رتبته ومنهم من تغلب عليه أخرى، ثم تصرفاته ﵇ بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة.\nاهـ كلامه الجليل فقف عليه ص ٣٤٦. من الجزء الأول.\nوقد عدّ القاضي عياض في الشفا من أسمائه ﷺ السلطان. قال الشهاب الخفاجي في شرحها: وله معان منها البرهان والملك والنبوة والغلبة، ويعم إرادة كل منها هنا وسمّي ﷺ بهذا في كتاب شعيب وبعض الكتب القديمة اهـ وفي همزية البوصيري في حق الصحابة:\nوبأصحابك الذين هم بع ... ك فينا الهداة والأوصياء\nأحسنوا بعدك الخلافة في الد ... ين وكل لما تولى إزاء\nأغنياء نزاهة فقراء ... علماء أيمة أمراء\nأرخصوا في الدنا نفوس ملوك ... حاربوها أشلاءها أشلاء\nقال الشمس ابن عبد الرحمن في شرحه على قوله: أمراء تولوا الإمارة وأمور المسلمين، في حياته وبعد وفاته ﵇. وقاموا فيها بحق الله كما يجب وينبغي، فهو على أقوم موازين العدل وأحقها.\nوقال الحافظ في الفتح على حديث الصحيح «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ما لا فسلطه على هلكته في الحق وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» «١» . في الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه، وقوي على إعمال الحق، ووجد له أعوانا لما فيه الأمر بالمعروف ونصر المظلوم، وأداء الحق لمستحقه، وكف يد الظالم، والإصلاح\n_________\n(١) هو الحافظ العراقي في شرحه لصحيح الإمام البخاري المشهور واسمه فتح الباري والحديث في كتاب الزكاة ج ٢ ص ١١٢ من حديث ابن مسعود.","vol":"1","page":21},{"text":"بين الناس، وكل ذلك من القربات، ولذلك تولاه الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين، ومن ثم اتفقوا على أنه من فروض الكفاية، لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه.\nوقال الحافظ أيضا على باب ما يكره من الحرص على الإمارة؛ هو في حق من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم، كما تضافرت به الأخبار اهـ.\nوفي المواهب كان قيس بن سعد بن عبادة بين يديه ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة، قال الزرقاني في شرح المواهب بضم المعجمة والراء وقد تفتح الراء: الواحد شرطي أو بمنزلة كبيرهم، وهم أعوان الولاة، سمّوا بذلك لأنهم الأشداء الأقوياء من الجند، قيل: لأنهم نخبة الجند، وشرطة كل شيء: خياره. وقيل: لأن لهم علامات يعرفون بها، وهذا الحديث كله رواه الطبراني، وروى القطعة الأخيرة منه البخاري عن أنس قال: «إن قيس بن سعد كان يكون بين يدي النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير» «١» .\nوقال الإمام أبو الحسن السندي المدني في حواشيه على مسند أحمد: الشرط جمع شرطة وشرطي، وهم أعوان السلطان لتتبع أحوال الناس وحفظهم، ولإقامة الحدود.\nوقيل: هم أول الجيش ممن يتقدم بين يدي الأمير، لتنفيذ أوامره. وقيل: هم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم اهـ.\nويرحم الله الإمام أبا الحسن الخزاعي حيث قال في كتابه الآتي ذكره: وذكرت في كل عمالة منها من ولاه رسول الله ﷺ عليها من الصحابة ليعلم ذلك من يليها الآن، فيشكر الله على أن استعمله في عمل شرعي، كان يتولاه البعض من أصحاب رسول الله ﷺ، وأقامه مقامه ويجتهد في إقامة الحق فيه مما يوجب الشرع ويقتضيه، فيكون قد أحيا سنة وأحرز حسنة» .\nوأصله ما ذكره أبو موسى المديني وأبو الربيع الكلاعي في الاكتفاء ثم ابن الأثير في أسد الغابة وابن حجر في الإصابة في ترجمة أميمة والدة أبي هريرة ﵁ ويقال:\nإسمها ميمونة: عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله (يوليه) فأبى أن يعمل له، فقال له أتكره العمل وقد طلبه من كان خيرا منك؟ قال: من ذاك؟ قال: يوسف بن يعقوب. قال: يوسف: نبي بن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة. انظر ص ٢١ من جزء النساء من الإصابة.\nوفي رحلة الأديب الكاتب أبي محمد الشرقي بن محمد الإسحاقي الحجازية على قوله تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا [الفرقان: ٧٤] قال بعض العلماء: يؤخذ من هذه الآية؛ أنه يجوز للإنسان أن يطلب المراتب العلية في الدين، كالولاية والعلم مثلا والتقدم فيه اهـ.\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الأحكام ج ٨ ص ١٠٨.","vol":"1","page":22},{"text":"بل قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه العجيب المسمى الأكليل على استنباط التنزيل على قول يوسف ﵇: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] استدل بها على جواز طلب الولاية كالقضاء ونحوه لمن وثق من نفسه القيام بحقوقه وجواز التولية عن الكافر والظالم اهـ وقال ابن عطية في تفسيره: «وطلب يوسف للعمل إنما هو لرغبته أن يقع العدل. ونحو هذا دخول أبي بكر في الخلافة، مع نهيه الحثيث من الأنصار عن أن يتأمر على اثنين. الحديث «١» فجائز للفاضل أن يعمل ويطلب العمل إذا رأى أن لا عوض عنه» .\nوقد نص الحافظ ابن حجر في عدة مواضع من الإصابة أن الخلفاء الراشدين كانوا لا يؤثرون بالولايات غير الصحابة.\nورأيت في طبقات ابن سعد لما ترجم للحنظل ابن الحصين البارقي الأزدي عنه قال:\nسمعت عمر بن الخطاب يقول: قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب؛ إذا ساس أمرهم من لم يصحب الرسول، ولم يعالج أمر الجاهلية انظر ٦/ ٨٨.\nوأورد ابن أبي شيبة في مصنفه أنهم كانوا في الفتوحات لا يؤمرون غير الصحابة.\nولما كان لكل شيء مادة، فمادة كتابتنا هذه من الوجهة الحديثية الكتب الستة التي هي معصم الإسلام وساعده، وشروحها خصوصا فتح الباري، لسيد الحفاظ ابن حجر وعمدة القاري للبدر العيني. والتنقيح للبدر الزركشي. وتوشيح الحافظ السيوطي.\nواختصاره والمصابيح للبدر الدماميني. وبهجة النفوس للعارف ابن أبي جمرة. وإرشاد الساري للشهاب القسطلاني. وحاشيتي ابن غازي. ورفيقه الإمام الجامع أبي العباس أحمد زرّوق دفين مصراته (في ليبيا) وتشنيف المسامع للعارف الفاسي. وتعليق حفيد أخيه أبي زيد الفاسي. وحواشي أبي عبد الله ابن زكري. وتلميذ تلميذه أبي عبد الله محمد التاودي ابن سودة. وشرح أبي زيد المجاجي على مختصر ابن أبي جمرة. ونفحة المسك الداري شرح نظم مقدمة فتح الباري لأبي الفيض حمدون ابن الحاج. والفجر الساطع على الصحيح الجامع لشيخنا أبي عبد الله محمد الفضيل الإدريسي الزرهوني. وشروح مسلم للنووي وعياض والأبي وابن المشاط والسنوسي والسيوطي وحواشي السيوطي على الكتب الستة خصوصا قوت المغتذي على جامع الترمذي وعون الودود على سنن أبي داود لأبي الحسنات محمد بن عبد الله الفنجابي الهندي والتعليق المحمود على سنن أبي داود للشيخ فخر الحسن الكنكوهي الهندي وإنجاح الحاجة على سنن ابن ماجه لشيخ كثير من شيوخنا محدث المدينة المنورة الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي المدني، والحطة في ذكر الصحاح الستة للأمير الطيب الذكر السيد صديق حسن خان البوهبالي الهندي والموطأ لإمام دار الهجرة وشروحها خصوصا المنتقى للإمام أبي الوليد الباجي والقبس على موطأ مالك بن\n_________\n(١) حديث أبي ذر: «يا أبا ذر لا تولّينّ مال يتيم ولا تأمرّنّ على اثنين» . رواه أحمد ج ٥ ص ١٨٠.","vol":"1","page":23},{"text":"أنس للإمام أبي بكر بن العربي المعافري وحاشية السيوطي وموطأ محمد بن الحسن بحاشيتهما لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي ومسند أحمد بن حنبل وحاشيته لمحدث المدينة أبي الحسن السندي ومسند أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ومسند الخليفة عمر بن عبد العزيز تخريج أبي بكر محمد بن محمد الباغندي وهو مطبوع بالهند وإن يكن طابعه لم يذكر جامعه وهو عجيب، والأدب المفرد للبخاري والعلل للإمام أبي محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم الحنظلي ومجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي والجامع الكبير للحافظ الأسيوطي والجامع الصغير وشروحه كفتح القدير والتيسير كلاهما للمناوي والعزيزي وحواشيه للشمسين العقلي والحفني وكنز العمال لابن الهندي ومختصره منتخب كنز العمال ونصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للحافظ جمال الدين الزيلعي الحنفي واختصارها للحافظ ابن حجر وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للحافظ ابن حجر أيضا ومشكاة المصابيح وشرحها للشيخ علي بن سلطان المعروف بالقاري الحنفي المسمى بالمفاتيح على المصابيح ومنتقى الأخبار للشيخ مجد الدين بن تيمية وشرحه نيل الأوطار للقاضي محمد بن علي الشوكاني الصنعاني وشرح حديث أم زرع لفخر المغرب القاضي أبي الفضل عياض ﵀ ورضي عنه والمقاصد الحسنة للحافظ السخاوي وعروس الأفراح في معنى حديث الأرواح للشمس محمد بن أحمد بن عقيلة المكي وشرح الأربعين النووية للشهاب بن حجر الهيتمي والبرهان للشبرخيتي ومشكل الحديث لأبي محمد ابن قتيبة وتوجيه النظر لصاحبنا الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي والفتاوي الحديثية لابن حجر الهيثمي وكتاب أقضية رسول الله ﷺ لابن الطلاع القرطبي والدرر اللوامع في الكلام على أحاديث جمع الجوامع للحافظ أبي العلاء العراقي الحسيني الفاسي وبلوغ السول في أقضية الرسول للأمير صديق حسن خان البوهبالي وكشف الغمة للعارف أبي محمد عبد الوهاب الشعراني المصري الشافعي ونبراس العقول الذكية في شرح الأربعين حديثا النبوية للشمس محمد بن مصطفى الكرماني الحنفي والمعتصر من المختصر تلخيص القاضي أبي المحاسن يوسف بن موسى الحنفي من اختصار الباجي لمشكل الآثار للطحاوي وشرح مسند أبي حنيفة رواية الحصكفي لأبي الحسن علي القاري المعروف بابن سلطان المكي والذهب الإبريز على المعجم الوجيز للشيخ أبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الحنفي الطرابلسي الشامي.\nومن كتب السيرة النبوية شمائل الترمذي وشروحها لابن حجر والمناوي وحاشية السيوطي وسيرة ابن إسحاق التي هي أول سيرة ألفت في الإسلام وتهذيبها لابن هشام وشرح غريبها لأبي ذر الخشني وشرحها لأبي القاسم السهيلي الضرير دفين مراكش وسيرة الحافظ أبي عمر بن عبد البر المسماة بالدرر في المغازي والسير وقد نقل عنها الحافظ ابن حجر في مواضع من الإصابة بواسطة، فكأنها لم تكن بيده إذ ذاك والاكتفاء لأبي الربيع الكلاعي والشفا وشروحها خصوصا علي القاري المعروف بابن سلطان ونسيم الرياض","vol":"1","page":24},{"text":"للشهاب الخفاجي واختصاره لابن عبد السلام بناني والحريشي والمنهل الأصفا على الشفا أيضا لابن التلمساني والدرر المنظم في مولد النبي المعظم للحافظ أبي القاسم العزفي السبتي وهو أكبر مولد رأيناه أو سمعنا به وبهجة المحافل للعاملي وحاشيتها لابن الأشخر اليمني وسيرة ابن سيد الناس وحاشيتها نور النبراس للحافظ برهان الدين الحلبي وميرة الشريف الطبري وألفية الحافظ زين الدين العراقي وشرحها للمناوي والشيخ الطيب ابن كيران والمواهب اللدنية للشهاب القسطلاني وهو كتاب جامع مسبوك تداولته الأيدي وخدمه الناس. ومن الغريب أنا نجد نصفه مأخوذا من فتح الباري بعزو وغيره، كما نبّه على ذلك شارحه الزرقاني ص ١٩ من الجزء الأول، كما قال قبل ذلك: إن المصنف اقتبس من الشفا في غالب التقاسيم والأبواب، حتى إنه اقتفى أثره في صدر الخطبة فقال: المنفرد مع ما فيه من النزاع منشدا بلسان حال:\nوهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد\nوشرحها للشمس محمد بن عبد الباقي الزرقاني وحاشيتها لشيخه النور علي الشبرملسي الشافعي المصري والهدي النبوي لابن القيم والسيرة الحلبية لنور الدين علي بن برهان الدين الحلبي المصري والشامية لخاتمة الحفاظ محمد بن يوسف الشامي، وهي أجمع السير وأوسعها مادة وأكثرها مجلدات وهي عندي بحمد الله وسيرة ابن فارس اللغوي وشرحها للقاضي المحدث أبي علي ابن أبي القاسم ابن باديس القسمطيني المسمى فوائد الدرر وفرائد الفكر في شرح مختصر السير وهو في مجلد ضخم واسع البحث غزير المادة والمقالات السنية في مدح خير البرية للعلامة عثمان بن علي، وهي سيرة منظومة فيها تسعة عشر ألف بيت من أعجب ما ألف في الإسلام، وأبدع ما نظم نفاخر بها نظم الإلياذة والدرة السنية في المعالم السنية للقاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى بن أصبغ الأزدي المعروف بابن المناصف القرطبي وهي نظم عجيب نحو سبعة آلاف بيت من الرجز ومنحة واهب الهبات البهية والصلات الفاخرة في مدحة صاحب الآيات السنية والمعجزات الباهرة وهي همزية جيدة في نحو خمسة آلاف بيت من البلاغة والغرابة بمكان وفتح المتعال في مدح النعال لأبي العباس المقري واختصاره وأنموذج اللبيب في خصائص الحبيب للسيوطي وشرحه للشمس محمد بن عمر الروضي المالكي الأزهري وخصائص القطب الخيري وهو الكتاب الذي صرح الخفاجي في مواضع من شرح الشفا أنه لم يصنف مثله وسمط الجوهر الفاخر في مفاخر سيد الأوائل والأواخر لأبي عيسى المهدي بن أحمد الفاسي والمولد الكبير للشهاب الحلواني ووفاء الوفاء للسيد السمهودي وخلاصة الوفا له أيضا وتاريخ المسجد النبوي للسيد جعفر البرزنجي وتحفة المحبين والأحباب فيما للمدنيين من الأنساب لأبي زيد عبد الرحمن بن عبد الكريم الأنصاري المدني وهو من الكتب النادرة في المدينة المنورة ونجوم المهتدين في دلائل نبوة سيد المرسلين للشيخ أبي المحاسن يوسف النبهاني البيروتي الشامي والهمزية لشرف الدين البوصيري وشروحها للشمس الجوجري والشهاب ابن حجر","vol":"1","page":25},{"text":"الهيثمي والشمس الحفني وأبي عبد الله محمد زنيبر السلوي وأبي عبد الله محمد بن أحمد الحضيكي السوسي وأبي محمد عبد القادر السجلماسي قاضي مكناس وأبي عبد الله محمد بنيس الفاسي وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الصومعي التادلي والشيخ سليمان الجمل المصري وأبي العباس الصاوي المصري وغيرهم من شروحها وشرح البردة لأبي العباس الجادري.\nومن كتب تراجم الصحابة كتاب الطبقات الكبرى للإمام ابن سعد طبعت في ثمان مجلدات بأوروبا، ولعلها أول كتاب ألف في طبقات الصحابة في الإسلام. وكل من ألف فيهم بعده إنما على أثره نسج. ثم الاستيعاب للحافظ أبي عمر بن عبد البر واختصاره المسمى أنوار أولي الألباب في اختصار الاستيعاب وأسد الغابة لابن الأثير والإصابة لسيد الحفاظ ابن حجر وهي أوسع المواد لأنها البحر الزاخر الذي يجد به كل باحث قصده في سائر الأبواب من الأوائل والأواخر. واختصارها لأبي زيد عبد الرحمن بن محدث فاس والمغرب أبي العلاء العراقي الحسيني والتجريد للحافظ الذهبي ودر السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة للأسيوطي والرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة لأبي زكريا يحيى العامري صاحب البهجة وظل الغمامة وطوق الحمامة في مناقب من خصه رسول الله ﷺ بالكرامة للإمام مفخرة وقته ذي الوزارتين أبي عبد الله محمد الغافقي الأندلسي المقول فيه: لم يطلق اسم كاتب بالأندلس على رجل مثله والاستبصار في أنساب الأنصار للإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة الحنبلي المقدسي وسيرة عمر بن الخطاب للحافظ ابن الجوزي وأسنى المطالب في مناقب سيدنا علي بن أبي طالب للحافظ ابن الجزري وذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري شيخ الحرم وحافظ الحجاز وجواهر العقدين في فضل الشرفين شرف العلم والنسب للإمام مؤرخ المدينة المنورة نور الدين علي السمهودي الشافعي المدني الشامي.\nومن كتب التاريخ والأدب والأنساب تاريخ الإسلام لحافظ الإسلام أبي القاسم بن عساكر والعبر لولي الدين ابن خالدون الحضرمي ومقدمته وجمهرة الحافظ أبي محمد بن حزم الأندلسي والفهرست أبي الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق النديم الشيعي وصبح الأعشى في صناعة الإنشا للشهاب أحمد القلقشندي وهو من أعظم ما ألف في التاريخ الإسلامي ومدنيته وآداب لغته وطبعه من أبدع حسنات هذا العصر والمعارف لابن قتيبة ووفيات الأعيان للقاضي ابن خلكان وتاريخ الخلفاء ولب الألباب في الأنساب وطبقات اللغويين والنحاة وآكام العقيان في الخصيان وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة وتدريب الراوي في شرح تقريب النووي ورسالة الزجر في الهجر والمسارعة إلى المصارعة والأجر الجزل في الغزل التسعة «١» للحافظ الأسيوطي والدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة وسمط اللآلي في بيان ما اشتمل عليه كتاب الشفا من الرجال للشيخ قويسم التونسي في أحد\n_________\n(١) وجدت في كتاب هدية العارفين اسم كتاب للسيوطي وعنوانه: أجر الجزل في العزل. ص ٥٣٥/ ٥.","vol":"1","page":26},{"text":"عشر مجلدا عندي منه أربع مجلدات وطالعت غيرها وهو من الكتب الجامعة النادرة الوجود والعقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي وعيون الأنباء في طبقات الأطباء لموفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم السعدي الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي الحنبلي وكتاب أخبار الدول وآثار الأول لأبي العباس أحمد بن يوسف بن أحمد الدمشقي الشهير بالقرماني «١» وخطط مصر للمقريزي وعلي مبارك باشا وكتاب أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة لصديقنا الكاتب المعتبر رفيق بك العظم الدمشقي نزيل مصر وشرح بديعية البيان للحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي في طبقات الحفاظ المسمى التبيان وطبقات الشافعية الكبرى للقاضي تاج الدين السبكي الشافعي والأنساب لابن السمعاني ونكت الهميان في أخبار العميان للصلاح الصفدي ونهاية الأرب في معرفة أنساب العرب لصاحب صبح الأعشى والديباج المذهب لابن فرحون وذيليه لأبي العباس السوداني النيل والكفاية وطبقات الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الحضيكي السوسي وطبقات الحنفية للعلامة بن قطلوبغا الحنفي وروض القرطاس لابن أبي زرع والتعريف بالمصطلح الشريف لابن فضل الله العمري وهو مادة القلقشندي في صبحه ومسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله المذكور أيضا والأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل لمجير الدين الحنبلي وتكملة الحافظ ابن الأبار الأندلسي وغيره لصلة ابن بشكوال وروضة النسرين في دلوة بني مرين لأبي الوليد إسماعيل بن الأمير يوسف المعروف بابن الأحمر ومستودع العلامة لابن الأحمر أيضا وتذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي وتاريخ الإسلام له والتعريف بالرجال المذكورين في مختصر ابن الحاجب الفرعي لمحمد بن عبد السلام بن إسحاق الأموي المالكي وتاريخ الدولتين الموحدية والحفصية لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم اللؤلؤي الزركشي والاعلاق النفيسة لأبي علي أحمد بن عمر بن رسته وذيل بشائر الإيمان في فتوحات آل عثمان لرئيس ديوان الإنشاء في الدولة التونسية الشيخ المؤرخ حسين خوجه الحنفي التونسي ونفح الطيب وأزهار الرياض في أخبار عياض كلاهما للمقري وجذوة الاقتباس لأبي العباس ابن القاضي ودرة الحجال ولقط الفرائد كلاهما له أيضا والخبر المعرب للشيخ أبي راس المعسكري وري الظما فيمن قال الشعر من الإما للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي والتلقيح وتلبيس إبليس له أيضا وسلك الدرر في أهل القرن الثاني عشر للشمس محمد خليل المرادي الدمشقي وثمار القلوب في المضاف والمنسوب لأبي منصور الثعالبي وهو من أبدع كتبه وإرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد للشمس محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري الأكفاني ومفتاح السعادة ومصباح السيادة لأحمد بن مصطفى (طاشكبري زاده) والأزهار الطيبة النشر في بعض مبادىء العلوم العشر للقاضي أبي الفتح محمد الطالب ابن الشيخ أبي الفيض حمدون بن الحاج السلمي الفاسي والاستقصاء لفخر سلا أبي العباس\n_________\n(١) طبع مؤخرا في بيروت في دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":27},{"text":"الناصري السلاوي وخلاصة تاريخ العرب للمؤرخ الفرنسوي الشهير سيديو والتحفة القادرية لأبي محمد عبد السلام بن الخياط القادري الفاسي والأشراف على من بفاس من مشاهير الأشراف للقاضي أبي الفتح ابن الحاج وتحفة الأكابر في مناقب الشيخ عبد القادر لأبي زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي والدر النفيس فيمن بفاس من أبناء محمد ابن إدريس لأبي محمد الوليد بن العربي العراقي الفاسي وسلوة الأنفاس فيمن أقبر من العلماء والصالحين بمدينة فاس لابن خالنا أبي عبد الله محمد بن جعفر الكتاني الفاسي وكشف الظنون للمنلا كاتب چلبي ورحلة الإمام الحافظ أبي القاسم التجيبي ورحلة أبي محمد عبد الله التجاني وماء الموائد رحلة الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد أعياش وورحلة الإسحاقي الحجازية ورحلة خاتمة الحفاظ بالمغرب الأقصى أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي ورحلة الشيخ أبي راس المعسكري حافظ المغرب الأوسط وفواتح الأنس في الرحلة إلى القدس للشيخ مصطفى أسعد اللقيمي والترجمانة الكبرى اسم رحلة الكاتب أبي القاسم الزياني الفاسي وروضة البسام في الرحلة إلى بلاد الشام لمحمد بن عبد الجواد القاياتي المصري ورحلة الحبشة لصادق باشا المؤيد العظم وتلخيص الإبريز للشيخ رفاعة الطهطاوي المصري والرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر لحافظ الشام الشمس محمد بن ناصر الدين الدمشقي الشافعي والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لأبي المحاسن المطبوع بليدن سنة ١٨٥١ م وتاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان وانتقاده نبش الهذيان من تاريخ جرجي زيدان وجوابه وأوائل السيوطي والدر النفيس لجدنا من قبل الأم أحمد بن عبد الحي الحلبي والدرر المرصعة في صلحاء درعة لأبي عبد الله محمد المكي بن موسى بن محمد الناصري والأنيس المطرب فيمن لقيته من أدباء المغرب لأبي عبد الله محمد بن الطيب العلمي دفين مصر والرد المتين على منتقص الشيخ محي الدين للشيخ عبد الغني النابلسي وتاريخ الدولة الحسنية العلوية لأبي العباس ابن الحاج وتاريخ بيوتات فاس لأبي زيد الفاسي ورياض الورد فيما انتمى إلى هذا الجوهر الفرد للقاضي ابن الحاج والجيش العرمرم الخماسي لأبي عبد الله أكنسوس السوسي المراكشي والبحر الزاخر في تاريخ العالم وأخبار الأوائل الأواخر لمحمود فهمي المصري وهو في عدة مجلدات ورسالة النقود الإسلامية للتقي المقريزي.\nومن كتب التفسير والفقه والأصول والتصوف واللغة والسياسة والطب والحكمة أحكام القرآن للإمام أبي بكر أحمد بن علي الجصاص الحنفي البغدادي وهو من أول من ألف في أحكام القرآن من أهل القرن الرابع والقاضي أبي بكر بن العربي المعافري المالكي وتفسير ابن عطية والقرطبي والكشاف للزمخشري وتفسير ابن عرفة التونسي وتفسير المولى أبي السعود الحنفي والدر المنثور للحافظ السيوطي والإتقان في علوم القرآن له أيضا والإكليل في استنباط التنزيل له أيضا وتفسير الشيخ محمد نووي الجاوي المسمى مراح لبيد والمحاذي؟ للأستاذ المقري أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الفاسي.","vol":"1","page":28},{"text":"ومن كتب الفقه المالكي المدونة والرسالة لابن أبي زيد وشروحها لأبي يحيى التازي وابن ناجي وزروق الأجهوري وجسوس وغيرهم والكافي لأبي عمر بن عبد البر والبيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد والقوانين لأبي القاسم ابن جزي وشرح أبي العباس القباب على قواعد عياض والمعيار المعرب للحافظ الونشريسي وشرح أبي عبد الله المواق الغرناطي والحطاب المكي على المختصر والزرقاني والشبرخيتي عليه أيضا وأبي علي ابن رحال المعداني وحاشية الرهوني والشيخ الأمير المالكي المصري عليه وحاشية الأمير المذكور أيضا على شرحه لمجموعه وحاشية الشمس الدسوقي على شرح الدردير على المختصر أيضا وتنبيه الغافل للتفجروتي وألغاز ابن فرحون وشرح المنظومة التلمسانية في الفرائض للإمام أبي يوسف يعقوب بن موسى بن يعقوب بن عبد الله الستاني وهو من أشياخ بعض مشائخ ابن غازي والتبصرة لابن فرحون وشرح أبي عبد الله محمد بن الطيب القادري على المرشد المعين وتحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغير المناكر للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم العقباني التلمساني وسراج الملوك لأبي الوليد الطرطوشي والمصباح الوهاج المغني عن سراج الداج لأبي عبد الله محمد التهامي بن محمد المدعو شهبون اليالصوتي الشفشاوني وفتح الوهاب على هداية الطلّاب للشيخ سيدي المختار بن أحمد بن أبي بكر الكنتي وفتاوى شيخ بعض شيوخنا العلّامة الصالح أبي عبد الله محمد بن أحمد عليش المالكي والتيسير في أحكام التسعير للقاضي أبي العباس أحمد بن سعيد المجليدي قاضي فاس الجديد وشرح جامع خليل للشيخ التاودي بن سودة الفاسي وشرح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي السوسي على نظمه في الذريعة وحاشية فقيه الشام ومفتيه شيخ بعض شيوخنا الشمس محمد بن عابدين الحنفي على الدر المختار شرح تنوير الأبصار وهو أجمع كتاب ألفه المتأخرون في الفقه الحنفي والدر المختار شرح تنوير الأبصار المذكور وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام علاء الدين بن مسعود الكاساني وهو كتاب عظيم ليس له نظير في كتب الحنفية والحديقة الندية في شرح الطريقة المحمدية للعلامة الأستاذ الكبير الشيخ عبد الغني بن الشيخ إسماعيل النابلسي الحنفي الدمشقي والوسيلة الأحمدية والوزيعة السرمدية في شرح الطريقة المحمدية للحاج رحب بن أحمد التركي والبريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية للشيخ أبي سعيد الخادمي الحنفي ونهاية الأحكام فيما للنية من الأحكام لصديقنا السيد أحمد الحسيني الشافعي المصري وكشاف القناع على متن الإقناع للشيخ منصور بن إدريس الحنبلي من كبار كتب الفقه الحنبلي وفتاوى الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي الفقهية وفتاوى الشهاب أحمد الرملي الشافعي المصري والمواقف للعضد وشرحها للسيد [الشريف الجرجاني] وقوت القلوب لأبي طالب المكي والإحياء للغزالي وتخريج أحاديثها للحافظ العراقي وشرحها لفخر المتأخرين وعلم المحدثين المسند السيد مرتضى الزبيدي دفين مصر ومختصر كتاب المومل في الرد على الأمر الأول للحافظ أبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الشافعي","vol":"1","page":29},{"text":"والقواصم والعواصم للإمام أبي بكر بن العربي المعافري دفين فاس والابتهاج في شرح المنهاج للإمام تقي الدين السبكي الأنصاري الشافعي وشرح الحافظ السيوطي على نظمه جمع الجوامع المسمى بالكوكب الساطع ونسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على متن أصول المنار لشيخ بعض شيوخنا مفتي دمشق ونحريرها الشمس محمد بن أحمد بن عابدين الحنفي الدمشقي وفواتح الرحموت على مسلم الثبوت للعلّامة عبد العلي بن نظام الدين الأنصاري الهندي وشرح جمع الجوامع لأبي العباس أحمد حلولو القيرواني المسمى بالضياء اللامع ومتنه وشرحه للجلال المحلي وحاشيته لأبي علي العطار المصري والمدخل لأبي عبد الله بن الحاج العبدري والفروق للإمام أبي العباس القرافي وسنن المهتدين للمواق والعلم الشامخ في إيثار الحق على الأباء والمشايخ للنظار الشيخ صالح المقبلي اليمني وبدائع السلك في ترتيب الملك للقاضي أبي عبد الله بن الأزرق الغرناطي وأدب الدنيا والدين للماوردي والإنالة العلمية في طريقة الفقراء المتجردين من الصوفية للأستاذ العالم أبي عثمان سعيد بن أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن ليون التجيبي والأجوبة المهمة لمن له بأمر دينه همة لعالم صحراء افريقية الشيخ المختار بن أبي بكر الكنتي صاحب الطريقة المشهورة به وكتاب الآداب الشرعية الكبرى للإمام أبي محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي وهو من أوسع المؤلفات في آداب الإسلام اشتمل على مجلدين ضخمين ومنظومة الإمام محمد بن عبد القوى المرداوي الحنبلي وشرحها غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب لمحدث الشام وعالمه في القرن الثاني عشر أبي عبد الله محمد بن أحمد السفاريني النابلسي الحنبلي وهو أيضا في مجلدين ما أوسع إطلاعه وأندر إتقانه بالنسبة لمعاصريه وبلوغ أقصى المرام في شرف العلم وما يتعلق به من الأحكام للعلامة أبي عبد الله محمد بن مسعود الطرنباطي الفاسي وسعود المطالع والفواكه الجنوية والقصر المبني على حواشي المغني ثلاثتها للنحرير الشيخ عبد الهادي الإبياري المصري والشرح الجلي على بيتي الموصلي للشهاب أحمد البربير البيروتي وهداية الضال من القيل والقال وهو شرح ابن عمنا المؤرخ المدرس الأديب أبي محمد المأمون بن عمر الكتاني الحسني على بيتي ابن فارس اللغوي:\nإذا كنت في حاجة مرسلا ... رسولا وأنت بها مغرم\nوالمواهب الفتحية في علوم اللغة العربية للشيخ حمزة فتح الله المصري وكناشة أبي العباس أحمد بن عاشر الحافي السلاوي وشرح خطبة المختصر لأبي العباس الهلالي السلجماسي وشرح الحافظ السخاوي على ألفية العراقي في الاصطلاح واليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر للشيخ عبد الرؤوف المناوي المصري ومقدمة تاريخ شهاب الدين المرجاني الغازاني المسمى وفيات الأسلاف وتحية الأخلاف وهي مقدمة نفيسة أراد أن يضاهي بها مقدمة ابن خالدون لتاريخه ومقدمة تاريخ الوزير جودت باشا التركي وآكام النفائس في آداب الأذكار بلسان فارس لسمّينا أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي الهندي ومشارق الأنوار للقاضي عياض ونهاية ابن الأثير ومجمع بحار الأنوار للشيخ محمد طاهر","vol":"1","page":30},{"text":"الفتني وتهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي وشرح الشواهد الكبرى لمحمود العيني المصري والمطالع النصرية في الأصول الخطية لأبي الوفاء نصر الهوريني المصري وروضة الاعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام لآخر قضاة الأندلس أبي عبد الله محمد بن علي بن الأزرق المتوفى على قضاء بيت المقدس وهو كتاب عظيم قال عنه المقري في نفح الطيب لم يؤلف في فنه مثله اهـ والقاموس وحاشيته للإمام محمد بن الطيب الشركي الفاسي وشرح خطبته المسمى فتح القدوس للإمام أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي وشرحه تاج العروس لخاتمة الحفاظ أبي الفيض الزبيدي المصري والمصباح والصحاح ومفاتيح العلوم لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب الخوارزمي وإتحاف ذوي الاستحقاق ببعض مراد المرادي وزوائد أبي إسحاق اسم حاشية ابن غازي على ألفية ابن مالك والنوافح العالية في المدائح السليمانية لأبي الفيض حمدون بن الحاج المرداسي والرد على ابن المطهر الحلي للحافظ ابن تيمية الحنبلي الدمشقي والصارم المسلول على شاتم الرسول له أيضا والطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم وكتاب البركة في فضل السعي والحركة لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحبشي اليمني وشرح الشيخ أبي سالم العياشي المسمى إرشاد المتسبب على نظمه لبيوع ابن جماعة التونسي المسمى معونة المكتسب وبغية التاجر والمحتسب والوافي في المسألة الشرقية ومتعلقاتها لأمين إبراهيم شميل المطبوع سنة ١٢٩٦ لم أقف منه إلا على المجلد الأول وهو في ٤٨٥ صحيفة وفهرس العلّامة المحدث المسند أبي العباس أحمد بن قاسم البوني التميمي ومعجم الحافظ السيد مرتضى الزبيدي الحسيني شارح الاحياء وفهرسة الحافظ أبي بكر بن خير الأموي والفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة للإمام أبي زيد عبد الرحمن التمنارتي وصلة الخلف بموصول السلف لابن سليمان الرداني دفين دمشق الشام وفهرس الشيخ عبد الباقي الحنبلي الدمشقي المسمى رياض أهل الجنة في آثار أهل السنة، والمنح الباذية في الأسانيد العالية لأبي عبد الله محمد الصغير الفاسي وحصر الشارد في أسانيد محمد عابد لشيخ بعض شيوخنا محدث الحجاز الشيخ محمد عابد السندي الأنصاري المدني وإفراد ذوي الاستعداد إلى معالي الرواية والإسناد للشيخ أبي محمد عبد القادر ابن أحمد الكوهن الفاسي وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المدايني وتثقيف اللسان وتلقيح الجنان لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي قاضي تونس من الكتب النادرة حتى إن صاحب كشف الظنون والبلغة لم يذكراه وتسريح الأبصار فيما يحتوي لبنان من الآثار للقس هنري لا بسنس اليسوعي وكناشة المؤرخ النسابة الرحالة أبي عبد الله محمد بن الخياط بن إبراهيم الفاسي وكناشة أبي الفضل عباس بن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن السجلماسي الفاسي والامتاع بأحكام السماع لكمال الدين أبي الفضل جعفر ابن ثعلب الأدفوي الشافعي والنفس اليماني والروح الروحاني في إجازة القضاة الثلاثة بني الشوكاني لمفتي زبيد ومسندها السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدل ﵀ وفتح المنة في التلبيس بالسنة للشعراني وطبقاته","vol":"1","page":31},{"text":"الكبرى والمنن وتنبيه المغترين له وتحديد الأسنّة في الذبّ عن السنة لشيخنا وولي نعمتنا الأستاذ الوالد الشيخ أبي المكارم عبد الكبير بن محمد الكتاني الحسني والتوفيق من الرب القريب في عدد شيبه وفي خضاب النبي الحبيب له أيضا ومناهج الأخلاق السنية في مباهج الأخلاق السنية للعلّامة الشيخ عبد القادر الفاكهي المكّي وعين العلم اختصار الاحياء للشمس محمد بن عثمان البلخي وشرحه للمنلا علي القاري المعروف بابن سلطان المكي الحنفي وضياء النهار المجلي لقائح الأبصار لأبي القاسم بن خجو الحساني أمير فاس وتشييد المكانة لمن حفظ الأمانة للعلّامة العارف أبي المعارف مصطفى بن كمال الدين البكري الصديقي الحنفي الدمشقي والوابل الصيب في الكلم الطيب للحافظ ابن القيم الزرعي الدمشقي وبدائع الفرائد له أيضا وحجة الكرام في محجة أهل الإسلام والمحاضرات والقانون كلاهما للعلامة النظار أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي ومناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية للشيخ رفاعة الطهطاوي المصري وبذل الكرامة لقراء المقامة لصاحبنا الشمس محمد بن عبد الرحمن البوسعادي الجزائري ومقدمة أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك تأليف الوزير خير الدين باشا التونسي والدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة لأبي الحسن علي بن يوسف بن أبي الحسن الكومي الفاسي والتاج للإمام أبي عثمان بن بحر الجاحظ في أخلاق الملوك وآدابهم وهو كتاب لا ينبغي أن يختلف في نسبته للجاحظ لأن بيدي منه أوراقا بخط قديم في رق غليظ يغلب على ظني أنها كتبت في حياة الجاحظ نفسه أو بعده بقريب عنوانها الجزء الثامن من كتاب التاج تأليف أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ للفتح بن خاقان مولى أمير المؤمنين اهـ باللفظ. ولو ظفر بهذه الأوراق منه الأستاذ أحمد زكي باشا المصري طابعه لطرب وزال عنه كل شك وريب وربما اختلج في ظني أن العنوان المنقول نصه هنا هو مكتوب بخط الفتح بن خاقان نفسه والبيان والتبيين ورسالة في مدح التجار وذم عمل السلطان كلاهما للجاحظ أيضا وحسن الصناعة في علم الزراعة وغير ذلك من الرسائل والمصنفات.\nومن أعظم ما اعتمدته وسايرته كتاب تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية وإن كنت لم أقف عليه كاملا ولكن على ترتيب ما وقفت عليه منه اعتمدت وعليه أضعاف أضعاف فصوله وأصوله ونقوله زدت واستدركت مع تمييز الزيادات عليه غالبا برسم حرف الزاي قبلها، أو قلت كما فعل ابن حجر في الإصابة فيما زاده على الذين دونوا قبله فيما دون فيه، وجعلت خطوطا بالمداد الأسود (شرطات) على كلامه ليظهر كلامه من زياداتي فكلما رأيت التأشير متصلا بالمداد الأسود من فوق فهو كلام الخزاعي، وابتداء كلامي من رسم حرف الزاي ثم قلت وإن رسمت الزاي وبعدها قلت قبل الترجمة فاعلم أنها وما فيها من استدراكاتي، وإن رسمت الزاي وبعدها قلت بعد كتب الترجمة فاعلم أن","vol":"1","page":32},{"text":"الترجمة للخزاعي والزيادة والاستدراك كلها من زياداتي «١» .\nوقد عملت على الكتابة في هذا الموضوع بلسان يناسب روح العصر وقلم يرمي إلى ترجيح مهيع الاختصار، والاقتصار على الأرجح، والأفيد من غير خروج عن الموضوع.\nوقد كنت فيما مضى وانقضى شديد التطلب لهذا الكتاب تخريج الدلالات العظيم الشأن الذي اهتم به مؤلفه بما لم يهتم به أحد قبله ولا بعده فيما نعلم، وهو تدوين المدنية الإسلامية على عهد تأسيسها الأول، جازما أن صاحبه ألهم الخوض في مشروع يستلفت الأنظار، ويستوجب مزيد الشكر وأن يبقى له به أعظم تذكار، ومع ذلك أجد أن طول الزمن أخنى على مؤلفه ومؤلّفه فدفنا معا في زوايا النسيان، وألقي عليهما الإهمال بكلكله في أودية النكران، فبقيت في تشوق وتلهف للكتاب المذكور، أوالي عنه البحث والتفتيش من أقصى وادي نون إلى بلاد العريش، حتى ظفرت به في مكتبة تونس الزاهرة لما رحلت إليها سنة ١٣٣٩ هـ[حوالي ١٩٢٠] فأخرجته من مكتبتها بقصد الانتساخ.\nوممن ساعدني على استعارته، بهجة تلك الحاضرة الذي هو فيها الشامة النادرة، الشيخ محمد طاهر عاشور قاضيها لهذا العهد، وقد عجبت أكبر إعجاب لوجود ذلك الكنز، في تلك الحاضرة الزاهرة، التي يتردد إليها كثير من أهل العلم، من أهل بلدنا ومن غيرهم ولم يحيه أحد باستنساخه وجلبه، فضلا عن نشره وطبعه. ولكن بكل أسف لم يوجد اسم المؤلف على ظهر النسخة التونسية ولا في برنامجها. ومع كوني طالما تأبطت به هنا وهناك، وأطلت الحديث عليه باحتباك، ذاكرا من ترجمه وعرف به، فلم أجد قط من يصغي إلى شيء من ذلك أو به يهتبل وينتبه، ومع كوني في هيامي به وحيدا، وسمري به وسهري فريدا، بقيت مهتما به أي اهتمام، قياما بواجب حق مؤلفه الذي خدم الإسلام، وبموضوعه الذي هو حاجتنا اليوم القصوى، ودفع ما به عمّت الأمم الإسلامية البلوى، فأقمت عليه بعد وصوله ليدي بفاس أياما وليالي، أميز أبوابه من فصوله، وأشير على رؤوس الكلام وأصوله، وأصحح ما غلط فيه ناسخه، الذي وجدته لم يعتبره ولا عرف له قيمة، ولا فهم أنه يكون مني ومن عشاق الآثار الإسلامية من أكبر الكتب القيّمة.\nوقد كنت طالما طالعته وسامرته، وصاحبته معي في أسفاري وفي كل موطن منها أحضرته، أجد أنه لو نسج على منواله، واعتني بالزيادة عليه والاستدراك طبق آماله، لكان الموضوع قابلا للزيادة عند من يعتني بالإفادة والإجادة، خصوصا وقد انتشرت الكتب اليوم في الأرض طولها والعرض، وعمّ منها المشرق والمغرب ما كانت يد الظنة به قبل تغرب،\n_________\n(١) في هده الصبعة تم الاكتفاء بأن جعل كلام الخزاعي بي هلالين «» بخط أسود أوضح من سائر الكلام، وبقية الكتاب هو من كلام المؤلف ﵀ بالخط العادي وذلك نظرا لكون كتاب التخريج قد طبع كاملا محققا من قبل الأستاذ الكبير إحسان عباس ولاختلاف أساليب الطباعة في زماننا عن الأيام. مصححة.","vol":"1","page":33},{"text":"خصوصا حين نهضة الأمم الإسلامية الأخيرة، وما جادت به المطابع وما سهلته مخترعات العصر من أدوات الانتقال والرحلة بما أصبحت به يسيرة، بعد أن كانت شاقة كثيرة، وآمادها وأيامها كبيرة، فانتهزت فرصة من فرص الزمان الذي كان بها قبل بخل وضنّ، وجمعت هذه الرسالة التي استغرقت فيها أربعة أشهر أو أزيد، وطالعت عليها جل مكتبتي التي فيها والحمد لله ما هو أجمع وأفيد، فجاءت في الجمع أكبر آية والغاية القصوى التي يتطلبها أهل البادية والنهاية، أتيت فيها على جميع النافع من كتاب التخريج، وزدت عليه ما هو أمتع وأنفع من الزهر الأريج، مقدما قبل نجواي ما سبق وآتيا بمقدمتين الأولى في التعريف بكتاب التخريج ومؤلفه، وذكر اصطلاحه ومقصده وغايته ومادته، لخلو أكثر الدواوين من التعريف به، وجهل جملة أهل العصر به، لولا أفراد استرقوا السمع مني، ثم أدلوا بما سمعوا هنالك مظهرين أنهم استغنوا عني في ذلك، وإلا فهم بين قن وخادم لولا أنا ما ذهبوا ولا جاؤوا، ولبقوا في خمول أصحاب الماثم على أن من تطور على غير شكله فإنما شهد بخساسة أصله، ومن لبس حلية غيره مولول بأنه متشبع بما لم يعطه سيان في فرضه أو نفله.\nالثانية: في ذكر برنامج [فهرس المطالب] الكتابين لتظهر خدمة السابقين واللاحقين للفئتين فأقول والله المستعان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>اسم مؤلف كتاب التخريج ونسبه وبلده</span>\nمؤلفه أبو الحسن علي بن ذي الوزارتين محمد بن أحمد بن موسى بن مسعود بن موسى بن أبي غفرة الخزاعي. ترجمه ابن القاضي في درة الحجال التي ذيل بها تاريخ ابن خلكان وكتابه الآخر جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الاعلام بمدينة فاس، فأما الدرة فقال فيها: علي بن مسعود الخزاعي التلمساني ولم يزد على ذلك في نسبه شيئا. وفي الجذوة قال: علي بن ذي الوزارتين محمد بن مسعود الخزاعي التلمساني المولد، الفاسي الوفاة، الأندلسي الأدب والسلف، وقد بحثت عن اسم والده ذي الوزارتين محمد بن مسعود الخزاعي وترجمته في كثير من المصنفات، فلم أوفق للعثور عليها إلى الآن، ثم وجدت تحليته في ترجمة ابنه أبي الحسن من كتاب مستودع العلامة لابن الأحمر فوصفه:\nبذي الوزارتين القائد الفقيه الكاتب، صاحب الأشغال السلطانية محمد بن الفقيه القاضي موسى بن مسعود الخزاعي، قال: جمع أبوه بين الخطتين السيف والقلم، وكان رسوخ قدمه في الفروسية والعلم أثبت من علم، وكان من آبائه بالأندلس جملة قضاة وأرباب تحصيل العلوم، وحلل مرتضاة وعبر البحر منهم للعدوة [شاطىء المغرب] فاستقر بتلمسان، فقلد بها الوزارة والقيادة والكتابة، إذ نجم منه الإحسان. والخزاعي كما في لب اللباب في تحرير الأنساب للحافظ الأسيوطي نسبة إلي خزاعة قبيلة من الأزد اهـ. وفي القاموس: خزاعة حي من الأزد، سمّوا بذلك لأنهم تخزعوا من قومهم، وأقاموا بمكة اهـ.","vol":"1","page":34},{"text":"وفي الصحاح: لأن الأزد لما خرجت من مكة لتتفرق في البلاد تخلفت عنهم خزاعة، وأقامت بها. وفي العبر: كانت مواطنهم بمكة ومرّ الظهران وما بينهما اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>مولده ومشيخته:</span>\nولد كما في فهرسة أبي زكريا السراج سنة عشر وسبعمائة وأخذ كما فيها عن الخطيب الراوية المكثر أبي عبد الله بن أحمد بن مرزوق التلمساني وأجاز له، وعن المحدث قاضي الجماعة بالجزيرة أبي البركات محمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم البلفيقي.\nقلت: وكأني به كان قليل الرواية أو إنما روى واستجاز في كبره، لأن وفاته قريبة من وفاة شيخيه المذكورين، فأما الخطيب بن مرزوق فقال عنه ابن فرحون في الديباج: توفي بعد الثمانين وسبعمائة. وفي العبر أنه توفي سنة ٧٨١ وأما أبو البركات ابن الحاج فتوفي كما في فهرسة أبي عبد الله الحضرمي سنة ٧٧١ وعجيب أن يكون حافظ لا يذكر من مشيخته إلا من مات قبله بنحو عشر سنوات أوهم من أقرانه في السن، فإذا علمت مولد الخزاعي ومولد هؤلاء ظهر لك قرب ما بينهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ذكر ما حليّ به:</span>\nحلّاه [وصفه] تلميذه الإمام الصوفي محدث فاس وراويتها أبو زكريا يحيى بن أحمد بن محمد السراج الحميري الفاسي المتوفى بفاس سنة ٨٠٥ في فهرسته بالشيخ الجليل الحافظ اللغوي التاريخي المصنف الناظم التاثر ثم قال: كان شيخا جليلا فاضلا لغويا شاعرا مجيدا مقدما في التاريخ كثير الصدقة والإيثار، لم يكن في زمانه من يضاهيه فيها، فذا في طريقته اهـ ووصفه ابن الأحمر في كتابه مستودع العلامة بالفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى، ثم قال عنه: تلقى راية الفخر باليمين، وهو واسطة عقد المفاخر الثمين، من أعلام كتاب العذوتين [أي الضفتين ضفة الأندلس وضفة المغرب] ومعرفته بالحساب تستغرق العقول، إذ أربت عن حد الحصر والمنقول، وأما اللغة فمسلكه في سبلها أسكت ابن السكيت، وبكّت فهمه المدرك في حفظها أي تبكيت، والعربية هو على رياستها العلمية، وقد برز في إجادتها الإدراكية العلمية، ولم يكن في معرفة الفقه بالمقصر كما نظر عن إنسان عين الحديث المبصر، وكفه بإرسال المواهب لم تكن جانحة إلى التقصير، ولا قيل لطول جودها جدعت أنف الفضائل عن بخل يا قصير «١» اهـ كلام ابن الأحمر واقتصر أبو العباس ابن القاضي في الجذوة على تحليته بالفقيه الكاتب ولم يزد عليها، وكذلك فعل في الدرة إلا أنه زاد في حقه الأديب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ذكر شيء من شعره:</span>\nقال ابن القاضي في الجذوة وهو القائل لما كبا بموسى أبي عنان المريني فرسه بالشماعين.\n_________\n(١) قصير هو وزير الزبّاء ملكة تدمر وقد جدع أنفه ليحتال بذلك على جذيمة الأبرش.","vol":"1","page":35},{"text":"مولاي لا ذنب للشقراء إن عثرت ... ومن يلمها لعمري فهو ظالمها\nوهالها ما اعتراها من مهابتكم ... من أجل ذلك لم تثبت قوائمها\nولم تزل عادة الفرسان مذ ركبوا ... تكبو الجياد ولم تنبو عزائمها\nوفي النبي رسول الله إسوتنا ... أعلى النبيئين مقدارا وخاتمها\nكبا به فرس أبقى بسقطته ... في جنبه خدشة تبدو مراسمها\nحتى لصلى صلاة جالسا ثبتت ... لنا بها سنة لاحت معالمها\nصلى عليه الإله دائما أبدا ... أزكى صلاة تحييها نواسمها\nوقال في القصة الولي أبو عبد الله محمد بن عباد الرندي الحميري:\nإن الجواد ما كبا ... إلا لما فيه نبا\nذاك قبول ما به ... أمامنا تقربا\nوقد خمسها أبو الوليد ابن الأحمر فقال:\nقل للذي ما نكبا ... عما أتى وارتكبا\nوفي اعتراض أوكبا ... إن الجواد ما كبا\nإلا لما به نبا\nلا تجز عن لنا به ... قد خر في منابه\nإذ التقى سما به ... ذاك قبول ما به\nإمامنا تقربا\nموسى بصافي ذهنه ... ونبله ودهنه\nوقد أودى به ردى ... رهبته في يومه «١»\nوقال فيه أبو سرحان مسعود بن محمد بن أبي الطلّاق:\nإن الجواد ما كبا ... إلا لفتح قربا\nفإنه صلى ومن ... صلى ينال الأربا\nوإنما صلاته ... صلاة نصر وجبا\nاهـ ما في الجذوة.\nثم وجدت القصة عند الإمام الجادري في شرح البردة عند قول البوصيري:\n«من لي بردّ جماح من غوايتها»\nقائلا ما نصه: وقد كبت فرس شقراء بالسلطان أمير المؤمنين موسى بن أمير المؤمنين أبي عنان المريني إثر صلاة الجمعة، فقال في ذلك الكاتب ابن الحسن علي بن محمد\n_________\n(١) كذا في الأصل.","vol":"1","page":36},{"text":"المسعودي: مولاي لا ذنب الخ وانشد الأبيات الستة حاذفا البيت الثالث عند ابن القاضي وهو: ولم تزل عادة الفرسان الخ ... وعنده في البيت الخامس: كبا به فرس أبدى بسقطته وعند ابن القاضي أبقى وفي البيت الأخير عند الجادري صلى الإله عليه ثم ذكر أبيات ابن عباد وابن الطلاق.\nووجدت في مجموعة عندي بخط المؤرخ النسابة الرحالة أبي العباس أحمد بن محمد الخياط بن إبراهيم الفاسي صاحب سلسلة الذهب المنقود في ذكر الاعلام من الأسلاف والجدود سياق هذه القصة قائلا: يحكى أن السلطان موسى المريني أخا أبي عنان لما سقط عن فرسه بالشماعين استحى من الناس كثيرا، لما وقع به وكان هذا بعد خروجه من صلاة الجمعة بالقرويين، خلف الولي الصالح أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن عباد الرندي المتوفى سنة ٧٩٢. فأزال عنه الخجل كاتبه أبو السعود فقال: مولاي لا تلم الشقراء إن عثرت الخ فساق الأبيات إلا بعض كلمات كالشطر الأول فإنه عند ابن القاضي: مولاي لا ذنب للشقراء الخ وبخط ابن إبراهيم مولاي لا تلم الشقراء وبخطه أيضا في الشطر الثاني من البيت ثبت وأبدل تنبو بدل تكبو وفي الشطر الأخير من البيت السادس لنا بها سنة تحيي معالمها وفي الشطر الأخير تحيه بدل تحييها. وأثر الأبيات المذكورة أيضا بخط ابن إبراهيم أيضا: وأزال عنه الخجل الشيخ ابن عباد ﵁ فقال: إن الجواد ما كبا فساقها إلا أنه ساقها أبياتا ثلاثا والثالث عنده\nفي يومه فليهنه ... أجر ونصر وجبا\nوكذا وجدت القصة على الوجه المذكور والسياق الأخير المسطور في كناشة العدل الجمّاع المقيد أبي محمد عباس بن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن السجلماسي الفاسي وكلاهما وصف موسى بأخ أبي عنان، وهو غلط فإن موسى ابنه كما تقدم وهو الصواب. فانظر كيف نسبا أبيات: مولاي لا ذنب للشقراء لأبي السعود كاتب السلطان موسى، فإما أن يكون الخزاعي كان يلقب بأبي السعود وإما أنهما أرادا غيره والله أعلم.\nثم وجدت في مستودع العلامة لابن الأحمر لما ترجم للكاتب صاحب القلم الأعلى محمد بن الحاجب الكاتب أبي الفضل محمد التميمي صاحب السلطان أبي فارس المريني تخميس أبيات ابن عباد في القصة انظرها فيه.\nكما وقع في تونس أن أميرها مصطفى باي لما هوى به فرسه إلى الأرض، فانسلّ بسبب ذلك حسامه وانجرح فقال في القصة الشيخ أحمد زروق الكافي:\nتحمي علوّ مكانك الأقدار ... وتعز في الآخرى وهذي الدار\nإلى أن قال:\nما خان راكبه الجواد ولا ونى ... به عن سبيل القصد منه عثار","vol":"1","page":37},{"text":"لكن عرته لهيبة لك خشية ... لم يستقر بها لديه قرار\nفهوى إلى وجه الصعيد بوجهه ... ولواه عما قد نراه خرار\nوأحاله عن حال طبعه «١» عارض ... للرعب منك عراه منه نفار\nانظر الكشكول في محاسن الغول للأديب الكاتب المؤرخ أبي عبد الله محمد السنوسي التونسي صاحب مسامرة الظريف.\nووقفت في كتاب المراسلات للأمراء والوزراء والسلاطين لأبي علي الحسن بن زيد الأنصاري الذي عندي نسخة منه بخط الشهاب القسطلاني، فرغ منها سنة ٨٧٩ هـ على صورة مكاتب التهنئة بالسلامة من السقوط عن الفرس، وهي أربعة: واحد للسلطان، وآخر مثله، وكتاب آخر من معناه إلى السلطان أو ولده، وكتاب من معناه إلى الخليفة فقف عليه.\nورأيت في بعض المجاميع لبعض وزراء الدولة السعدية ما قاله في يوم السبت من ١٤ جمادى ٢ عام ١٠٣٧ لما تكسر رمح السلطان مولاي أحمد بن مولاي زيدان حين ركب للميز:\nتطاول الرمح على ... سيف الأمير وافتخر\nتاه بطول قده ... وبالقوام المعتبر\nوالسيف من أوصافه ... فيه اعوجاج وقصر\nقال له السيف اقتصر ... أنت قضيب من شجر\nوليس للرمح سوى ... طعن ببعد إن قدر\nوهو لا يصحب من ... كان مقيما مستقر\nوالسيف في يوم الوغى ... للضرب والطعن ابتدر\nوصاحب ملازم ... في حضر أو في سفر\nوفعله قال لنا ... ليس العيان كالخبر\nفثبت الفضل إلى ... سيف على رمح ظهر\nوالرمح خر ساجدا ... من أجل ذلك انكسر\nوالله يبقي نصركم ... ما لاح نجم أو قمر\nوكتب بطرة القصة المذكورة قصة موسى المريني وما قيل فيها كما سبق عن الجادري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ذكر الرواة عنه وسندنا المتصل به</span>\nلم أقف على من روى عنه الآن دون أبي زكريا السراج فإنه قال: سمعت من لفظه بعض تاليفه المسمى تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من\n_________\n(١) الوزن مضطرب وإصلاحه: وأحاله عن حال طبع عارض.","vol":"1","page":38},{"text":"الحرف والصنائع والعمالات الشرعية وناولني جمعه وأجازني إجازة عامة اهـ.\nواتصالنا بجميع ما يصح لأبي زكريا السراج روايته خصوصا ما تضمنته فهرسته المذكورة من طرق:\nمنها روايتنا عن محدث المدينة المنورة العالم اللغوي الأديب المسند المعمر الرحالة أبي اليسر فالح بن محمد الظاهري المهنوي المدني المتوفى سنة ١٣٢٨ فيما أجاز فيه مكاتبة ثم شفاها بها سنة ١٣٢٤ عن خاتمة المحدثين أبي عبد الله محمد بن علي السنوسي، دفين واد الجغابيب عن قاضي مكة عبد الحفيط بن درويش العجيمي المكي.\n(ح) وأخبرني أعلى بدرجة مسند الديار الهندية، نور الحسنين بن محمد حيدر الأيوبي الأنصاري الحيدر آباد، فيما كتب به إلي من حيدر آباد الدكن إجازة عامة، عن شيخ والده القاضي عبد الحفيظ المذكور، عن خاتمة الحفاظ أبي الفيض مرتضى الزبيدي الحسيني (ح) ومنها روايتي عن المعمرين الكنزين المدّخرين أبي محمد عبد الله بن درويش الركابي السكري، ومحمد سعيد الحبال، شفاها من كل منهما بدمشق، عن مسند الديار الشامية عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، الدمشقي.\n(ح) ومساو له عن أبي العباس أحمد بن سالم النهطيهي المصري الشافعي عن مسند الديار المصرية أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف البهي الطندتائي.\n(ح) وأعلى منه بدرجة روايتنا عن العلّامة المعمر، أحمد بن صالح السويدي البغدادي، فيما كتب به إلي من مكة لما حج سنة ١٣٢١.\nقال العجيمي والبهي والكزبري والسويدي أخبرنا خاتمة الحفاظ أبو الفيض محمد مرتضى الزبيدي الحسيني المصري إجازة خاصة للثلاثة الأولين وإجازة عامة لجد الرابع وذريته قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الطيب الشركي الفاسي، عن الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي التمكروتي، عن أبيه عن أبي عبد الله محمد المصمودي، عن مفتي فاس أبي زكريا يحيى السراج، عن أبي الحسن علي بن محمد بن هارون الفاسي.\n(ح) وأنا عاليا مسند الإسكندرية أبو محمد عبد الله بن محمد بن صالح البنا الحنفي الإسكندري، شفاها بها سنة ١٣٢٣ عن أبيه، عن مسند المدينة السيد زين العابدين جمل الليل المدني.\n(ح) وأخبرنا أيضا الشيخ خضر بن عثمان الرضوي الحيدر آباد كتابة، من حيدر آباد قال: أنبأنا شهاب الدين العمري القندهاري قال: أنا رفيع الدين القندهاري كلاهما عن محمد بن محمد بن عبد الله المغربي المدني، أنا مسند الحجاز عبد الله بن سالم البصري المكي، عن أبي مهدي عيسى بن محمد الثعالبي المكي، عن سعيد بن محمد قدورة الجزائري، عن سعيد بن محمد المقري، أنا سفيان العاصمي السفياني قال: هو وابن هارون","vol":"1","page":39},{"text":"أنبأنا أبو عبد الله بن غازي، عن الشيخ المبارك أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم محمد بن يحيى النفزي الحميري الشهير بالسراج الفاسي، عن أبيه أبي القاسم محمد عن جده الحافظ الراوية المكثر الصوفي الأكمل أبي زكريا السراج عن أبي الحسن الخزاعي ﵀.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>بلده ووفاته ومدفنه</span>\nفي الدرة ولقط الفرائد كلاهما لابن القاضي أنه توفي سنة ٧٨٩ هـ. وقال تلميذه أبو زكريا السراج: «وتوفي بعد صلاة العصر من يوم الأحد الخامس من ذي القعدة سنة ٧٨٩ ودفن من غده يوم الاثنين» .\nفمدفنه على هذا بفاس وقد سبق قول صاحب الجذوة فيه: «التلمساني المولد الفاسي الوفاة الأندلسي الأب والسلف» اهـ أما في الدرة فلم يزد فيها على وصفه بالتلمساني. فإذا ضممنا وصف الجذوة له بالفاسي الوفاة إلى قول السراج ودفن من غد وفاته نقطع بأنه فاسي المدفن.\nوالعنوان الذي جعله لكتابه.\nتخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية. ينمّ عن بلده ومسقط رأسه ومحل تربيته، فإن استعمال جملة الدلالات مع وصفها بالسمعية، وجعلها عنوانا لكتاب لا يصدر غالبا إلا ممن قصر نفسه على علم الكلام، أو زاوله مزاولة طويلة. وهذا الشأن كان في التلمسانيين؛ حتى نقل أبو العباس المقري في «أزهار الرياض» عن بعض المتأخرين من كلام له في صناعة التأليف: نجد أثر العلوم النظرية بتلمسان اهـ.\nوحيث جزمنا بأنه فاسي المدفن فبكل أسف لا يعرف مضجعه الأبدي على التعيين، والظاهر أنه بمطرح الأجلة خارج باب الفتوح بفاس، فقد قال الإمام المقري في ترجمة الإمام ابن رشيد الفهري، من أزهار الرياض لما ذكر أنه دفن خارج باب الفتوح، بالروضة المباركة المعروفة بمطرح الجلة، حيث تدفن العلماء والصلحاء، الواردون على فاس من الغرباء.\nوالعجب من أبي زكريا السراج تلميذ الخزاعي، كيف لم يذكر بلده لا أولا ولا أخيرا، ولا مدفنه ولا المحل الذي اجتمع فيه عليه. فإذا لا نعجب من إهمال ابن أبي مريم ترجمته في البستان في علماء تلمسان مع أنه تلمساني الدار، ولا إهمال ابن خالنا «١» لترجمته في سلوة الأنفاس، مع أنه فاسي المدفن، ولا إهمال أبي إسحاق ابن فرحون لذكره في الديباج وقد عاش ابن فرحون بعده بمدة، ولا أبي العباس السوداني لترجمته في نيل\n_________\n(١) هو السيد الجليل العلامة المحدث السيد محمد بن جعفر الكتاني ﵀ جد الأسرة الكتانية الحسنية بدمشق.","vol":"1","page":40},{"text":"الابتهاج وكفاية المحتاج كلاهما ذيله على الديباج، ولا إهمال البدر القرافي لترجمته في التوشيح اسم ذيله على الديباج أيضا، مع أنه مالكي، ولا إهمال أبي العباس ابن عجيبة لذكره في طبقات المالكية بل، ولا إهمال الحافظ ابن حجر له حين ترجم لمن مات سنة ٧٨٩ من الأعيان في كتابه أنباء الغمر بحوادث العمر بالأحرى، ولا إهمال أبي العباس ابن قنفذ القسمطيني لذكره في وفياته مع دخوله في مدته لتلمسان وفاس، وذكره لأقرانه، ولا إهمال صاحب كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون، ومن ذيله لذكر كتابه من جملة الكتب في حرف التاء، ولا إهمال شيخ بعض شيوخنا، محدث الحجاز الشيخ محمد عابد الأنصاري السندي لذكر كتابه هذا في حرف التاء من حصر الشارد من أسانيد محمد عابد، ولا إهمال نادرة المغرب أبي عبد الله محمد بن سليمان الرداني في حرف التاء من ثبته صلة الخلف بموصول السلف مع إطالته لذكر مصنفات المشارقة والمغاربة في هذا الحرف، ولا إهمال القاضي المحدث الأثري، محمد بن علي الشوكاني لذكره في حرف التاء من كتابه إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر. وكذا في حرف الميم، حين ذكر أسماء المؤلفين تحت عنوان مصنفات كما فعل عصريه وتلميذه صاحب حصر الشارد، ولا إهمال الحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي لذكره في منظومته بديعية البيان وشرحها التبيان وهي من أنفس كتب الرجال واجمعها، ولا إهمال الحافظ ابن حجر لذكره في ذيله عليه، ولا إهمال الحافظ الأسيوطي لذكره في طبقات الحفاظ الذي جمع فيه ما للذهبي وابن حجر وابن ناصر، وزاد عليهم من وصف أبي زكريا السراج للخزاعي كما سبق؛ بالحافظ، ولا إغفال أبي العباس المقري في أزهار الرياض في أخبار عياض، وكذا في نفح الطيب وفي فتح المتعال فإنه لم يجر له ذكر فيها مع اعتنائه باستطراد أخبار التلمسانيين، وولوعه بالنقل عنهم والكمال لله وحده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>نسخ كتاب التخريج الموجودة في المكاتب ومن نقل منه</span>\nكنت وجدت بخط مجيزنا العلّامة قاضي مكناس، أبي العباس أحمد بن الطالب بن سودة، في كناشة له النص على وجود نسخة من كتاب التخريج بخزانة الأحباس، بمكناسة الزيتون، ولكن لم نجدها فيها بعد البحث المتكرر المتوالي في عدة سنوات ووجدت اسمه أيضا في برنامج المكتبة المخزنية بفاس الجديد، الذي قيد أيام الدولة الحفيظية «١»، ولا أدري أين هو الان. وأخبرني راحل إلى باريز من قضاة العصر، وقد دخل إلى مكتبتها أنه رأى اسمه في برنامجها [فهرست أسماء الكتب] والنسخة التي ظفرت بها منه هي النسخة التونسية، وهي موجودة بمكتبة جامع الزيتونة تحت رقم ٧٥٧٢ من تحبيس [أوقاف] المشير أحمد باشا بتاريخ ١٢٥٦ هـ وهي ناقصة مخصوصة من القسم العاشر، ومنها استخرجت\n_________\n(١) لعل مراده أيام السلطان مولاي عبد الحفيظ وكان سلطانا في بلاد المغرب أوائل القرن الحالي.","vol":"1","page":41},{"text":"هذه النسخة التي بيدي وقد سبق ذكرها، فهذه نسخ خمسة لا أعلم لها في الخزائن التي دخلتها في المشارق والمغارب، بالحجاز ومصر والشام وتونس والجزائر والمغرب الأقصى، أو فيما طالعت برنامجه من الخزائن الآخرى سادسة. أما النقل عنه فلا أحفظ ولا أستحضر الآن ناقلا عنه، أو ذاكرا له من رجال التدوين والجمع من أيمة الحديث ونحوه، في شيء من الكتب التي وقفت عليها، إلا ما علمته أخيرا من أن العالم المتفنن الشيخ رفاعة الطهطاوي المصري، لخصه وأتى على المفيد منه، والمقصود بالذات في كتابه نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز. وهذا الكتاب مطبوع في المطبعة الحجرية بمصر قديما من ص ٣٠٥ إلى ص ٥٣١ منه. ولكن لم يصل الكتاب المذكور إلى بلادنا، ولا رأينا من رآه، وأول من رأيناه ينقل عنه الكاتب السيد محمد ابن الخوجة الجزائري في مقدمته، التي جعلها للقانون الجزائري. وفي زماننا هذا الذي كثر الكلام فيه حول الخلافة وسلطتها ابتدأ العصريون ينقلون عنه بواسطة الطهطاوي المذكور والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أول خطبة كتاب التخريج</span>\nقال أبو الحسن الخزاعي صدر ديوانه:\n«الحمد لله الذي خلق الخلق من غير افتقار إليهم. وبسط الرزق جودا منه عليهم.\nوبعث فيهم رسلا منهم أقاموا لهم على وجوده ووحدانيته أوضح حجة. وحملهم بالإيمان به وامتثال أوامره ونواهيه على أفسح محجة. وخصّنا منهم بأعظمهم قدرا. وأرفعهم ذكرا أولهم في الجلالة. وآخرهم في الرسالة. مسك الختام. ولبنة التمام. سيدنا ومولانا محمد نبيه الكريم. الرؤوف بالمؤمنين الرحيم. فأدى إلينا ﷺ أمانة ما حمّل. وبلّغ ما عليه أنزل.\nوأرشد ونصح. وبيّن وأوضح» الخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>مقصده من تدوينه</span>\n(قال ﵀) وبعد: فلما رأيت كثيرا ممن لم ترسخ في المعارف قدمه، وليس لديه من أدوات الطالب إلا مداده وقلمه، يحسبون من دفع في كثير من تلك الأعمال، في هذا الأوان مبتدعا لا متبعا، ومتوغلا في خطة دينية ليس عاملا في عمالة سنية، استخرت الله في أن أجمع ما تأدى في علمي من تلك العمالات، في كتاب يوضح نشرها، ويبين للجاهل أمرها، فيعرف الجاهل وينصف المتحامل، فألفت هذا الكتاب، وذكرت في كل عمالة منها من ولاه رسول الله ﷺ عليها، من الصحابة ونسبه وأخباره، ليعلم ذلك فيشكر الله ﷿ على أن استعمله في عمل شرعي، كان يتولاه من أصحاب رسول الله ﷺ، وأقامه مقامه ويجتهد في إقامة الحق فيه، مما يوجبه الشرع ويقتضيه، فيكون قد أحيا سنة وأحرز حسنة، وإني لأرجو مما تحملته من التعب في جمع هذا التأليف، حتى أتيت بجميع ما تضمنه من الحرف والصنائع والعمالات النبوية والتشريف، بالنسبة الشرعية، والتنزيه عن الظنة السيئة","vol":"1","page":42},{"text":"الدعية، اقتناء للأجر الجليل عند الله تعالى، بفضله ورحمته في الآخرى، واجتناء الشكر الجميل، وبقاء للأجر الطويل، من أربابها في الدنيا إن شاء الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>تاريخ اشتغاله بتدوينه وكلمة جامعة في أبي الحسن الخزاعي</span>\nقال ﵀: وكنت اشتغلت باقتناص شوارده من مكامنها، والتقاط فوائده من أماكنها أيام عزلتي عن العمل، وعطلتي عن الشغل والفشل، فما زلت أؤلف وأصنف، وأبوب وأرتب، وأصحح وأنقح حتى سطع في رياض الإجادة زهره، ولمع من أفق الإفادة بدره، وذلك في أول سنة ٧٨٦ فجمعت على فريدته يد الضنين، ومنعت خريدته من لمح العيون الخ.\nفصرّح بأنه أكمله سنة ٧٨٦ فعاش ﵀ بعد إكماله نحو ثلاث سنين.\nومن وقف مثل موقف أبي الحسن الخزاعي مثلي، يتحقق أنه ﵀ تعب تعبا شديدا، وشغل فكره أمدا مديدا، ينم عن ذلك كثرة تراجمه وأبوابه، فإن أكثرها يتردد النظر في أي قسم يلحق، ولذلك لا يكون إلا أكثر من التردد والرجوع بعد الجزم، كما يقتضيه حال عظيم التأمل قوي العزم، ولا عجب ولا غرابة فقد قال العماد الكاتب «١»: ما ألف أحد كتابا إلا قال في غده: لو قدمت أو أخرت، وهو ما يدل على عجز عموم البشر والتفرد بالكمال لواهب القوى والقدر. وقال حمّاد الرواية: ما أتم ذو الرمّة قصيدته التي مطلعها:\nما بال عينيك منها الماء ينسكب\nحتى آخر حياته.\nأقول: ومع ذلك لا يزال كثير من تراجم كتاب الخزاعي يحتمل إدخاله في قسم وكان غيره الآن به أنسب، وللإصابة أقرب. شأن البشر الذي يكثر التردد فيما يأتي وما يذر.\nوربما صحبه فيما عزم عليه كبير خور. وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] وبذلك يتحقق الإنسان أن موضوعا كهذا، يتناوله عدة مرجحات وموجبات، وأطراف عديدة لا أصعب من التصنيف فيه والتدوين، وفي مثله قيل: من ألّف فقد استهدف. وقيل من ألّف فقد جعل عقله في طبق وعرضه على الناس.\nوأنا أقول: التصنيف في الموضوع البعيد الأطراف، الذي يتناوله الوصف والإشراف، كوة صغيرة يطل منها على مخيلة المصنف وأمد صبره وانتهاء نبله ومقدار اختياره واستقلاله الفكري.\n_________\n(١) هو العماد الكاتب الأصفهاني أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج المتوفى بدمشق ٥٩٧ خدم أولا في العراق ثم الدولة النورية والأيوبية بدمشق. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ج ٥ ص ١٤٧ وكذلك مرآة الزمان والكامل لابن الأثير ج ١٢، والروضتين ومعجم الأدباء ج ١٨، ص ١١، وطبقات الشافعية للسبكي ج ٤ ص ٩٧، والعبر للذهبي ج ٤ ص ٢٩٩.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>السلطان الذي قدمه إليه</span>\nقال: ولما منّ الله على هذا الصقع المغربي، بقدوم مولانا أمير المؤمنين، المتوكل على الله أبي فارس موسى بن مولانا أمير المؤمنين، المتوكل على الله أبي عنان فارس بن موالينا الخلفاء الراشدين، أسود العرين، وملوك بني مرين، أيدهم الله ورضي عنهم، أهديته لمقامه الكريم أسماه الله، جريا على العادة في إتحاف الخادم المملوك لمولاه القادم الخ.\nوأبو فارس موسى بن أبي عنان المذكور، هو السلطان الملقب بالمتوكل على الله، بن السلطان أبي عنان. بويع يوم الخميس ثاني ربيع الأول عام ٧٨٦ وكانت بيعته كما للقاضي ابن السكاك في تأليفه الوسط في آل البيت بفاس الجديد، ثم ارتحل إلى مكناس، فمات مسموما عام ٧٨٨.\nقال ابن خالدون في العبر: في جمادى الآخرة طرقه المرض فهلك ليوم وليلة لثلاث سنين من خلافته، وكان الناس يرمون يعيش وزيره بأنه سمه اهـ منه ص ٣٥٢ من الجزء السابع.\nووقع في ترجمته من الاستقصا أن موته كان في رمضان وأن مدة دولته نحو سنتين وأربعة أشهر. وترجمه أبو الوليد بن الأحمر في روضة النسرين في دولة بني مرين. وقال:\nبويع يوم الخميس الموفى عشرين لشهر ربيع الأول، ومات مسموما يوم الجمعة شهر «١» عام ٧٨٨ وله إحدى وثلاثون سنة. قال: وكانت دولته سنتين وأربعة أشهر.\nوالسلطان موسى المذكور هو الذي لما كبا به فرسه بالشماعين بفاس لما قصد الصلاة بجامع القرويين قال في ذلك أبو الحسن الخزاعي وابن عباد وغيرهم كما سبق «وانظر تاريخنا للقرويين» فقد ذكرت فيه ذلك؛ لأن الحادثة وقعت ببابه، والسلطان المذكور هو الذي امتدحه الشاعر المشهور أبو عبد الله بن زمرك بموشح ساقه أبو العباس المقري في أزهار الرياض فأنظره فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>خطته في الدولة المرينية</span>\nيؤخذ من تحلية [ترجمة] ابن القاضي له أنه كان يكتب لأحد ملوكهم، ممن كان معاصرا له. وقد بحثت في كتّاب وقضاة أبي فارس موسى بن أبي عنان؛ فوجدت أن ابن الأحمر في روضة النسرين تعرض لوزيره وسماه مسعود بن رحون بن قاسي. وتعرض لكتّابة فسمّي محمد بن محمد بن أبي عمر التميمي، وأبا القاسم محمد بن سودة المري. وتعرض لقاضيه فسمّي محمد المغيلي مقتصرا على ذلك. ثم تتبعت من سمّي في هذه الخطط لمن قبل أبي فارس من ملوك بني مرين، فوجدت اسمه في كتاب المستعين بالله إبراهيم بن أبي الحسن المريني المبايع يوم الجمعة منتصف شعبان عام ستين وسبعمائة، المقتول يوم الخميس ٢١ من\n_________\n(١) كذا في الأصل بدون تعيين اسم الشهر.","vol":"1","page":44},{"text":"ذي قعدة عام ٧٦٣ فلما ترجم في روضة النسرين لكتّابه قال: كتابه أبو القاسم بن يوسف بن رضوان، وعلي بن محمد بن مسعود الخزاعي اهـ ثم وجدت ابن الأحمر ترجمه في أعتاب الكتاب فقال عنه: كاتب علامة أمير المسلمين أبي سالم إبراهيم، بن أمير المؤمنين أبي الحسن علي، بن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان، بن أمير المؤمنين يعقوب بن عبد الحق المريني ملك المغرب. وكتب في حضرة بني عبد الواد، فكان صدرا لتلك المحافل والنوادي. ثم استقر كاتب الأشغال في حضرة بني مرين، ثم احتوى على الكتابة بذلك العرين، واعترف له بالإصابة في الخطتين أعلام من هناك من العدوّتين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>اصطلاح الخزاعي في كتابه التخريج وصنيعه</span>\nقسم كتابه إلى أقسام عشرة، وجعل تحت كل قسم عدة أبواب، تحت غالب الأبواب عدة فصول، وتحت غالب الفصول عدة مسائل. قال هو عن كتابه: «طالعته وضمنته فوائدي في شرح جملة من الألفاظ اللغوية الواردة فيها، وضبطت ما أشكل فيها بالمواضع التي نقلت منها، جميع ما اشتمل عليه من كتب العلماء ﵏، ليقف عليها هنا من تطمح نفسه لذلك، فأبرأ من عهدة النقل وأسلم من تبعة النقد اهـ وقد زيّن له ﵀ التوسع في المواد اللغوية، وذكر النظير حذاء النظير، كأن كتبها كانت قليلة في زمانه، وتعمّد كثيرا من الاستطرادات والمتشابهات ومهما وقع له ذكر صحابي إلا وبسط ترجمته ونسبه، مقلدا صاحب الاستيعاب، مستوعبا ما عنده في ذلك الصحابي، ثم يفسّر غريب ما وقع في ذكر نسبه وترجمته على طريق الإسهاب. ومع أن موضوع كتابه العمالات والصناعات التي وجدت في زمانه ﵇، يأتي بذكر ما حدث بعده على عهد الخلفاء الراشدين.\nومن أمعن النظر في كتاب التخريج وتأمل في مضامنه بجدّ يتحقق أن كثيرا من التخاريج التي ذكرها إما تستند إلى ضعيف الأخبار أو متكلف الاستنتاج. ويظهر بتتبع الكتاب أيضا أن مؤلفه أبا الحسن ﵀ لم يكن عظيم المزاولة للصناعة الحديثية، فلذلك تراه يصدر الأحاديث غالبا بلفظ روي، وقد يستعمل ذلك ويطلقه حتى في أحاديث الصحيحين، مع أن روي إنما تستعمل في الأحاديث الضعيفة، كما لابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم ونبّه على ذلك المنذري في أول الترغيب والترهيب. كما لاحظت عليه أنه يعزو الحديث لمسلم كثيرا وهو في صحيح البخاري. والقاعدة عندهم أي علماء الحديث أنه لا يقدم أحد على البخاري في العزو، ويعزون الحديث للصحيحين إذا كان فيهما، ولكن يسوقون لفظه لمسلم لشدّة محافظته على الألفاظ النبوية. وإذا تعجلت الطلب للحقيقة فانظر إلى أول حديث صدّر به الخزاعي مطلقا، وذلك أنه لما صرح بأنه قدم كتابه لأمير وقته موسى المريني قال: جريا على العادة في إتحاف الخادم لمولاه القادم، وعملا على ما جاء عن النبي ﷺ من الحض على","vol":"1","page":45},{"text":"الهدية والأمر بها وأملا فيما أخبر به وخبره الحق ووعد الصدق من إنشاء المحبة بسببها قال ﷺ: تهادوا تحابوا وقال ﷺ: تهادوا تزدادوا حبا ذكره القاضي محمد بن سلامة في كتابه الشهاب، فرضاهم أعزهم الله غاية السول ونهاية المأمول الخ.\nوهذا عجيب صدوره من مالكي ومحدث، فأما مالكي فلأن الحديث في الموطأ لإمامه بن أنس: في باب ما جاء في المهاجرة من جامع الموطأ «١» مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ: «تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» . وأما محدث فلأن البخاريّ خرجه في كتاب الأدب المفرد، وأبو يعلى والنسائي في الكنى وابن عبد البر في التمهيد بإسناد حسن عن أبي هريرة وغيره، بلفظ: تهادوا تحابوا تهادوا تذهب الشحناء. وحديث مخرّج في كثير من السنن والمعاجم، كيف يعزوه للقضاعي في الشهاب؟ ويقول ذكره وقد أورده الأسيوطي في الجامع الصغير بلفظ: تهادوا تحابوا وعزاه لأبي يعلى عن أبي هريرة قال المناوي في شرحه الكبير: وظاهر صنيعه أنه لم يره مخرجا لأحد من الستة، وإلا لما عدل عنه وليس كذلك، فقد رواه النسائي في الكنى والبخاريّ في الأدب، قال الزين العراقي: والسند جيد. وقال ابن حجر: حسن. وقد أورده في جمع الجوامع بألفاظ منها: تهادوا تزدادوا حبا وهاجروا تورثوا لأبنائكم مجدا وأقيلوا الكرام عثراتهم، وعزاه للطبراني في الكبير، والعسكري في الأمثال عن عائشة وأورده أيضا فيه بلفظ: تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر (غلّه وغشه) وعزاه لأحمد في مسنده، والترمذي عن أبي هريرة.\nأخرجه الترمذي في كتابه: الولاء والهبة من طريق أبي معشر وقال: غريب، أبو معشر ضعيف. وقال البخاريّ: منكر الحديث. ثم أورد له هذا الخبر. وقال ابن حجر: في إسناده أبو معشر المدني تفرد به وهو ضعيف جدا، وأورده السيوطي أيضا بلفظ: تهادوا فإن الهدية تخرج الضغائن من القلوب، وعزاه للقضاعي أي في مسند الشهاب والخطيب عن عائشة، وأورده أيضا فيه بلفظ: تهادوا فإن الهدية تضاعف الحب وتذهب بغوائل الصدر.\nوعزاه للطبراني في الكبير وابن الضريس عن سمرة. وفي نسخة أخرى من الجامع عزوه لأبي نعيم في الحلية عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية. وأورده أيضا فيه بلفظ: تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعة لأرزاقكم في عجيل الخلف وجسيم الثواب يوم القيامة، وعزاه للديلمي عن ابن عباس وأورده في الجامع الصغير أيضا بهذا اللفظ، وعزاه لمن ذكر.\nوزاد المناوي عزوه للديلمي في مسند الفردوس. وأورده في الصغير أيضا بلفظ: تهادوا تزدادوا حبا الخ. واقتصر على عزوه لابن عساكر عن عائشة قال المناوي في شرحه الكبير:\nقال ابن حجر في إسناده نظر. وقضية صنيع المصنف أن هذا لم يره مخرجا لأحد من الذين\n_________\n(١) رواه في كتاب حسن الخلق ص ٩٠٨/ ٢.","vol":"1","page":46},{"text":"وضع لهم الرموز، مع أن الطبراني خرّجه عن عائشة قال الهيثمي فيه المثنى أبو حاتم لم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات.\nسبق عزو السيوطي له للطبراني في الكبير، فاقتصر في الصغير لأجل الاختصار، وأورده في الجامع الصغير بلفظ: تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة، (الحقد في النفس) .\nولو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع لقبلت، وعزاه للبيهقي في الشعب. قال المناوي: من حديث محمد بن مندة عن بكر بن بكار عن عابد بن شريح عن أنس.\nفتحصل أنه ورد عن جماعة من الصحابة عن أبي هريرة وعائشة وسمرة وأم حكيم الخزاعية وابن عباس وأنس مرفوعا، وعن عطاء مرسلا. أخرجه من طريقهم جماعة: مالك وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وابن عساكر في الأمثال، والقضاعي في مسند الشهاب، والخطيب وابن الضريس والديلمي في مسند الشهاب «١» والبيهقي في الشعب، وغيرهم فغافل الخزاعي عن كل هؤلاء المخرجين، واقتصر على قوله: ذكره القضاعي في الشهاب، مع أن الشهاب لا يعزى له، وإنما يعزون لمسنده؛ لأن الأول كتاب بلا إسناد ولكنّ الكمال لله سبحانه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الأصول التي استمد منها في كتابه ونقل عنها</span>\nعقد لهذا القدر الخزاعي بابا من الأبواب الأربعة التي جعلها في القسم العاشر من كتابه، ولكن بكل أسف، لم أقف على هذا القسم في النسخة الوحيدة التي ظفرت بها في تونس «٢» وهو باب مفيد جدا، ولكن بتتبعنا للكتاب تكرارا ومرارا علمنا أن جلّ اعتماده في ذكر الحرف والصنائع والعمالات وأصحابها وتراجمهم وأنسابهم على كتاب الاستيعاب لأبي عمر بن عبد البر بحيث لك أن تقول: إن نصف الكتاب مأخوذ منه، وأكثر من ثلثي ما بوّب وترجم مقام منه ومن ذيله لابن فتحون فهما هجيّراه وأبوا مثواه «٣»، وباقي ما فيه مفرق.\nفما فيه من التفسير مأخوذ من أحكام القرآن لابن العربي والكشاف للزمخشري والتحبير للقشيري. وتفسير الرازي والثعلبي وابن عطية وغريب القرآن. ومعانيه وأحكامه واختلاف العلماء في حلاله وحرامه للقاضي منذر بن سعيد.\nوما فيه من الحديثيات ومتعلقاتها فالموطأ والصحيحين وسنن أبي داود والنسائي وجامع الترمذي وشمائله، وكتاب أخلاق النبي ﷺ لابن حيان الأصبهاني، ومشكل الصحيحين لابن الجوزي، وكشف المشاكل له أيضا، واقتباس الأنوار للرشاطي في\n_________\n(١) الصواب: الفردوس.\n(٢) بعد وفاة المؤلف ﵀ وجدت نسخة كاملة من كتاب التخريج المذكور وقد حققها الدكتور إحسان عباس وطبعت في دار الغرب الإسلامي طبعة متقنة سنة ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.\n(٣) فهما هجّيراه أي جل اعتماده عليهما.","vol":"1","page":47},{"text":"الأنساب ومعالم السنن للخطابي والإكمال لعياض، وتفسير المبهمات لابن بشكوال؛ ومنتقى الباجي، والاكتفاء في شرح الموطأ لأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي، وشرح العمدة لابن دقيق العيد وغيرها.\nوما فيه من التاريخ واللغة والأدب والنكت الصوفية فعن ابن هشام، والسهيلي، وكأني به لم يستوعبه أو لم يكن بيده كاملا، ونفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل، وهو كتاب يعتمده كثيرا ولا يسمي مؤلفه، ولم أر له ذكرا في كشف الظنون، ولا ذكره السيوطي في أوائله وغيره ومختصر السير لابن جماعة، ومولد العزفي السبتي، وجمهرة ابن حزم، وأبي عبيد القاسم بن سلام وخلاصة الطبري، وجوامع السيرة لابن حزم، والعمدة لأبي عبد الله التلمساني وهو كتاب ينقل عنه كثيرا. ولا يزيد في النقل منه على ما ذكر. ولم أجد له ذكرا في كشف الظنون ولا غيره كالبستان. نعم: ينقل عنه قليلا ابن باديس في شرح سيرة ابن فارس ومرة ذكر عنه شيئا فقال: لا أعتمد على كتاب عمدته، وإنما ذكرته تنبيها على انفرادها باجتلابها وتمييزه باتقاء جلبابها. أنظره وصفوة ابن الجوزي والتلقيح والمدهش له أيضا، وتاريخ الخطيب، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والمعارف له، والمشرع الروي، وحلية المحاضرة للحاتمي، وكتاب أنباء الأنبياء للقضاعي وكتاب الموالي للجاحظ، وبهجة النفس لابن هشام، وبلغة الظرفاء لأبي السرور الروحي، والكامل لابن الأثير، وطبقات الفقهاء للشيرازي، وكتاب أشعار الخلفاء، لأبي بكر محمد ابن بحر الصولي، واليواقيت للمطرزي، وبهجة المجالس لابن عبد البر، وطبقات صاعد، ورحلة ابن جبير وكتاب المراتب والأخطار للجاحظ، وكتاب العائد لأبي الفتح كشاجم، وكتاب الخيل لابن الدراج، والأصمعي، وصلة ابن عبد الملك، وبغية الأديب لأبي الحسن الحراني، والاستنصارات لعبد المهيمن الحضرمي، ومسامرة الأمراء للصالوني، والفرائد في التشبيهات للكاتب الأصبحي، ورسالة القشيري، وصفوة التصوف لمحمد بن طاهر المقدسي، وكتاب السماع للأصبهاني، وكتاب الصحاح والمشارق، وغريب أبي عبيد، وأفعال ابن القوطية وابن طريف، وغريب السيرة لابن دراكتني، والمحكم وديوان الأدب، ومثلث ابن السيد، وتفسير الألفاظ الطبية لابن الخشاب، وصناعة الكتابة لابن النحاس، واليواقيت للمطرزي، والتسهيل وشرحه لابن هاني، والبسيط لابن أبي الربيع، وجامع القزاز، وديوان الأدب.\nوما فيه من الفقهيات والأحكام فمن التنبيهات والبيان والتحصيل لابن رشد، وشرح الرسالة للزناتي، وكتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، وتهذيب البرادعي، والأحكام السلطانية للماوردي، والكافي لابن عبد البر، والجواهر لابن شاس، والكفاية والغناء في أحكام الغناء لابن الدراج، وكتاب الأثبات للفقيه أبي العباس العزفي، والتبصرة للتلمساني، ومقالة ابن القطان، وابن عطية، وأبي العباس ابن البنا، وأبي بكر بن خلف الأنصاري وغير ذلك.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المقدمة الثانية</span>\nفي برنامج [فهرس] الكتابين لتظهر خدمة السابق واللاحق للفئتين، وهذه المقدمة واجبة الذكر لشيئين:\nالأول: لتسهل المراجعة على المطالع والباحث.\nالثاني: ليعلم الفرق بين الجمعين في الزمانين (فأقول والله المستعان): قسم أبو الحسن الخزاعي كتابه إلى عشرة أجزاء، فيها عنده مائة وثمانية وسبعون بابا، تشتمل على مائة وستة وخمسين خطة، من الحرف والعمالات والصناعات عنده، أما نحن فقسمناه أيضا على عشرة أقسام:\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>برنامج القسم الأول</span>\nعند الخزاعي في الخلافة والوزارة وما يضاف إلى ذلك وفيه عنده سبعة أبواب:\nباب في ذكر خليفة رسول الله ﷺ.\nباب في الوزير.\nباب في صاحب السر.\nباب في الآذن وهو الحاجب والبواب.\nباب في الخادم.\nباب في صاحب الوساد.\nباب في صاحب النعلين.\n(ذكرت هذه الأبواب مهذبة محررة عزوا وسياقا واختصارا) . (ومما زدت عليه في هذا القسم خلال أبوابه) .\nباب في ذكر الفرق بين الخليفة والسلطان والملك من حيث الشرع والاصطلاح.\nباب في ذكر حبس بعض الوافدين عن الأذن.\nباب في ذكر من خدم المصطفى من الأحرار.\nباب في من كان يخدمه ﵇ من مواليه ذكورا وإناثا.\nباب ذكر من كان يوقظه ﵇ إذا نام ويستره إذا اغتسل.\nذكر من كان يبيت على باب رسول الله ﷺ من الرجال.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>ذكر مواليه الذين أعتقهم في مرض موته</span>\nباب ذكر من كان يخدم المصطفى إذا أراد حاجته داخل منزله.\nباب استخدامه ﵇ في ذلك امرأة.\nباب استخدامه ﵇ غلاما يهوديا.\nباب ما كان ﵇ لا يكله إلى أحد من خدمه.\nباب ذكر الذين قام بخدمتهم المصطفى بنفسه.\nباب ذكر قيام المهاجرين يفرجون عنه ﵇ عند الازدحام.\nباب سيرته ﵇ في غمز الظهر.\nباب الرجل يعلم الوفد كيف يحيونه ﵇.\nباب مضحكه ﵇.\nباب ملاعبته ﵇ أقاربه.\nباب على أي شيء كانوا يؤذنون في العهد النبوي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>برنامج القسم الثاني من كتاب الخزاعي</span>\nفي العمليات الفقهية وأعمال العبادات وما ينضاف إليها من عمليات المسجد وعمليات الطهارة وما يقرب منها وفي الإمارة على الحج وما يتصل بها وفيه عنده أبواب:\nباب في معلم القرآن.\nباب في معلم الكتابة.\nباب في التفقه في الدين.\nباب في اتخاذ الذار ينزلها القراء ويستخرج منه اتخاذ المدارس.\nباب في المفتي.\nباب في العابر للرؤيا.\nباب في إمام صلاة الفريضة.\nباب في القيام في صلاة رمضان.\nباب في المؤذن.\nباب في الموقت.\nباب في صاحب الخمرة.\nباب في صاحب العنزة.\nباب في المسرج.\nباب في المجمر.\nباب في الذي يقمّ المسجد ويلتقط الخرق والعيدان منه.","vol":"1","page":50},{"text":"باب في الذي يشتد على الناس في الصلاة جماعة.\nباب في الذي يمنع الناس من اللغط والمنازعة في المسجد.\nباب في صاحب الطهور.\nباب في صاحب السواك.\nباب في صاحب الكرسي.\nباب في الساقي.\nباب في الإمارة على الحج.\nباب في صاحب البدن.\nباب في حجابة البيت.\nباب في السقاية.\n(فذكرت هذه الأبواب كلها مختصرة مهذبة عزوا وسياقا) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>(ومما استدركت عليه في هذا القسم خلال تراجمه من الأبواب):</span>\nباب أمره ﵇ الناس أن يتعلموا الفقه والقرآن من جيرانهم.\nباب من كان يحفظ القرآن على عهده ﵇.\nباب من نقل عنه وجوه القراءت من الصحابة.\nباب حكم تعليم المرأة عنه ﵇.\nباب من كان يتوسط بين الصحابة وبينه ﵇.\nباب من كان يصلي بالناس ويخطب مدة مرضه ﵇.\nباب اتخاذه ﵇ عليا يعبر عنه بمحضره.\nباب خطبته ﵇ في حجة الوداع على الدواب.\nباب أمره ﵇ باستنصاب الناس له رجلا أطول الناس قامة، وأنداهم صوتا.\nباب تكليف الإمام عظيما من أصحابه يحشر له قومه.\nباب إرساله ﵇ عليا يبلغ عنه في غيبته سورة القتال (براءة) .\nباب في الذي كان يحمل العصا بين يديه ﵇ إذا قام أو أراد دخول منزله.\nباب هل أوقدت الشموع في المدينة على عهده ﵇.\nباب الرجل يتقدم إلى المصلين يرتب صفوفهم ويضربهم على ذلك.\nباب هل توضأ ﵇ بالماء السخن أو دخل الحمام.\nباب وضوئه ﵇ بانية زجاج.\nباب وضوئه ﵇ من الطشت.\nباب سقي الماء له ﵇ من الآبار الطيبة.\nباب طلبه ﵇ ماء زمزم من مكة إلى المدينة.","vol":"1","page":51},{"text":"باب الروايا تسافر معه ﵇ ومن كان يذهب يملأها.\nباب ساقيه ﵇ من اليهود.\nباب هل كانوا يهنئون الشارب.\nباب في الانتباذ في الأواني الخضر.\nباب دعاء المصطفى لمن أزال شعرة من مائه.\nباب الخادم يخدمه ﵇ عند الأكل.\nباب أوانيه ﵇.\nباب مباشرته ﵇ لنحر الهدي بيده وإذنه لعلي في إكمال الباقي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>القسم الثالث من كتاب الخزاعي</span>\nفي العمليات الكتابية وما يشبهها وما ينضاف إليها وفيه عنده أبواب:\nباب في كتاب الوحي.\nباب في كتاب الرسائل والإقطاع.\nباب في كتاب العهود والصلح.\nباب في صاحب المغانم.\nباب في الرسول.\nباب في حامل الكتاب.\nباب في الترجمان الذي يترجم كتب أهل الكتاب ويكتب إليهم بخطهم ولسانهم.\nباب في الشاعر.\nباب في الخطيب في غير الصلوات.\nباب في كاتب الجيش.\nباب في العرفاء.\nباب في المنادي وهو الذي يدعو الناس في وقت الغرض.\nباب في المحاسب.\n(فذكرت هذه الأبواب مهذبة مختصرة عزوا وسياقا) . (واستدركت خلال تراجمه):\nباب من كان يكتب له ﵇ للبوادي.\nكتابته في الجلد ومقداره.\nباب من كان يكتب له ﵇ أموره الخصوصية.\nمن كان يكتب بين الناس وقبائلهم ومياههم.\nباب خليفة كل كاتب من كتابه ﵇.\nباب ذكر مسائل تتعلق بالختم والخاتم.\nباب تعليم المصطفى لكتابه أدب القلم ومحل وضعه.","vol":"1","page":52},{"text":"باب ندبه ﵇ كتابه لتتريب الكتابة.\nباب آخر مكتوب نبوي حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه ﵇ لأهل الإسلام وتحافظهم عليه.\nباب ذكر أصح مكتوب.\nباب ذكر أصح مكتوب حفظ التاريخ لنا عينه عنه ﵇ لأهل الكفر.\nباب ذكر الكتاب الذي تداولته المجلّات المصرية والتونسية أخيرا.\nباب ذكر أجمع وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه من كتبه ﵇ الإحكامية.\nباب هل كتب ﵇ بخطه شيئا.\nباب ذكر ما كان يفتح به كتبه ﵇.\nباب اتخاذه ﷺ أما بعد للفصل بين فصول الكتاب ورؤوس المسائل.\nباب ذكر التزامه ﵇ فيه أما بعد.\nباب ذكر اصطلاح المكاتب النبوية.\nباب ذكر عنوان مكاتبه ﵇.\nباب ذكر كيفيه مخاطبته ﵇ للمعاصرين له من الملوك.\nباب ذكر عنوان المكاتب التي كانت توجه له ﵇.\nباب ذكر عمله ﵇ إذا لم يحضره الختم.\nباب ذكر التاريخ في المكاتب وأصل وضعه.\nباب ذكر الشعراء من الصحابة الذين مدحوه ﵇.\nباب استشهاده ﵇ بشعر الهالكين.\nباب استشهاده ﵇ لشعر الكفار.\nباب ذكر انصاته ﵇ لشعر فيه التشبيب والغزل وقبوله له.\nباب تكرمه ﵇ بأعظم سبي سبي له بسبب أبيات شعرية قدمت له.\nباب الشعراء من الصحابة والصحابيات الذين رثوه ﵇ بعد موته.\nباب ذكر البيعة التي كان يأخذها ﵇ على أصحابه وأصلها.\nباب تكليفه ﵇ من يجلس برئيس ليرى جنود الإسلام.\nباب رده ﵇ في الاستعراض من لم يستأذن أبويه.\nباب ذكر الأوصياء.\nباب ذكر النقباء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>برنامج القسم الرابع من كتاب الخزاعي</span>\nفي ذكر العمالات الأحكامية وما ينضاف إليها وفيها عنده أبواب:\nباب في الإمارة العامة على النواحي.","vol":"1","page":53},{"text":"باب في القاضي.\nباب في صاحب المظالم.\nباب في قاضي المناكح.\nباب في الشاهد وكاتب الشروط.\nباب في فارض المواريث.\nباب في فارض النفقات.\nباب في الوكيل يوكله الإمام في غير الأمور المالية.\nباب في البصير بأمور البناء.\nباب في القسام.\nباب في المحتسب.\nباب في المنادي.\nباب في صاحب العسس بالمدينة.\nباب في الرجل يتولى حراسة أبواب المدينة في وقت الهرج.\nباب في الرجل يكون ربيئة القوم في زمن الهرج.\n(وهذه من الأبواب التي لم يقف فيها الخزاعي على أصل فاستدركناه عليه) .\nباب في السجان- سجن الرجال- سجن النساء.\nباب في مقيم الحدود.\n(فذكرت هذه الأبواب مختصرة مهذبة محررة عزوا وسياقا) وزدت عليه عدة أبواب وهي:\nباب كيف كان يوصي ﵇ عماله في صفة البريد الذي يوجهونه له.\nباب اشتراطه ﵇ مثل ذلك في عماله.\nباب كيف كان عهده ﵇ إلى عماله وأمرائه.\nباب ذكر الكلام على من دوّن النوازل التي نزلت في حياته ﷺ وحكم فيها.\nباب ذكر تراجم وأصول الأبواب التي قضى فيها ﵇ وأفتى.\nباب هل كان ﵇ يشترط السن المديد فيمن يوليه القضاء.\nباب أين كان يجلس القاضي للحكم والفصل.\nباب هل كان للقضاء والولاة راتب.\nباب سياق نص بعض العقود النبوية.\nباب ذكر شهادة الصبيان وكتابة أسمائهم في السجلّات.\nباب الرجل يجعل على الأسارى.\nباب هل كانوا يجرون على المساجين أرزاقا.","vol":"1","page":54},{"text":"باب الرجل يجعل على قطع الأشجار.\nباب ذكر مقابلته ﷺ للمستحق بالتعبيس ونحوه.\nباب إقامته ﵇ الحد بالضرب.\nباب تأديبه ﵇ بالهجران.\nباب ذكر قتله ﵇ بيده من اشتد غضب الله عليه.\nباب تعذيبه ﵇ بالإحراق والهدم.\nباب معاملته ﵇ المستحق بسمل الأعين والإلقاء في الحرة.\nباب ولاية المظالم.\nباب معرفته ﵇ بأمور الهندسة والبناء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>برنامج القسم الخامس من كتاب الخزاعي</span>\nفي ذكر العمالات الحربية وما يتشعب عنها وما يتصل بها وفيه عنده أبواب:\nباب في الإمارة في الغزو.\nباب في المستخلف على الحضرة إذا خرج الإمام إلى الغزو.\nباب في الذي يستخلفه الإمام على أهله.\nباب في المستنفر.\nباب في حامل اللواء.\nباب في قسم الجيش إلى خمسة أقسام وكون الإمام في القلب من تلك الأقسام.\nباب في الرجل يقيمه الإمام يوم لقي العدو بمكانه من قلب الجيش ويلبس الإمام لأمته ويلبس هو لأمة الإمام حياطة على الإمام.\nباب في صاحب المقدمة.\nباب في صاحب الميمنة.\nباب في صاحب الميسرة.\nباب في صاحب الساقة.\nباب في المقدم على الرماة.\nباب في المقدم على الرجالة.\nباب في الوازع.\nباب في صاحب الخيل.\nباب في المسرج.\nباب الذي يأخذ الركاب عند الركوب وذكر ما جاء في ضم ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه.\nباب في الرجل يركب خيل الإمام يسابق عليها.","vol":"1","page":55},{"text":"باب في صاحب الراحلة.\nباب في صاحب البغلة.\nباب في القائد.\nباب في الخادم.\nباب في صاحب السلاح.\nباب في حامل الحربة.\nباب في حامل السيف.\nباب في الصيقل.\nباب في الدليل.\nباب في مسهل الطريق.\nباب في صاحب المظلة.\nباب في صاحب الثقل.\nباب في الأمين على الحريم.\nباب في الحارس.\nباب في المتجسس.\nباب في الرجل يتخذ في دار الحرب ليكتب بالأخبار إلى الإمام.\nباب في المخذّل.\nباب في صانع السفن.\nباب في المستعمل فيها.\nباب في صانع المنجنيق.\nباب في الرامي بالمنجنيق.\nباب في صفة الدبابات.\nباب في قاطع الشجر.\nباب في حفر الخندق.\nباب في صاحب المغانم.\nباب في صاحب الخمس.\nباب في المبشر بالفتح وفي خروج أهل الحضرة للقاء الإمام يهنئونه (فذكرت هذه الأبواب مختصرة مهذبة عزوا وسياقا) . واستدركت عليها خلالها:\nباب الرجل يستخلفه الإمام في طريق يظن أن العدو سيعمل فيها مكيدة.\nباب تعميم الإمام للصبيان.\nباب رايات الأنصار.","vol":"1","page":56},{"text":"باب أمير الرماة.\nباب شعار المحاربين.\nباب من كان يسوق به ﵇.\nباب سائق بدنه ﵇.\nباب راعي بدنه ﵇.\nباب من كان يقوم بلقاحه ﵇.\nباب من كانت عنده خيله ﵇.\nباب جماله ﵇.\nباب من كان يأخذ بركابه ﵇ وهو على الناقة.\nباب من كان يأخذ بخطام ناقته ﵇.\nباب صاحب بدنه ﵇.\nباب من كان على هديه ﵇.\nباب صاحب سلاحه ﵇.\nباب أين كان يعلق السيف منه ﵇.\nباب من كان يضرب الأعناق بين يديه.\nباب البناء في المفازات التي يسلكها الإمام إعلاما بوصول قدمه هناك.\nباب ذكر من كان يطأطىء له ﵇ ليركب ناقته.\nباب ذكر فسطاطه ﵇.\nباب من كان يضرب له القباب.\nباب من أي شيء كانت الخزائن إذ ذاك.\nباب من كان يكتنفه ﵇ إذا أراد الدخول للحضرة.\nباب ارتياد المواضع لنزول الجيش.\nباب من كان يقود أو يسوق بنسائه ﵇.\nباب الإمام يخرج للغزو فيترك الحرس بعده في العاصمة.\nباب الرجل يلازم الإمام من خلفه في السفر.\nباب الرجل يتقدم أمامه ﵇ ينشده شعرا يوم الفتح.\nباب طلائع الجيش.\nباب الرجل يتخذه الإمام في البعد عينا له على الناس..\nباب النمام.\nباب هبة الإمام جنس حيوان من غزاهم.\nباب ذكر من كان يكتب غنائم المصطفى ﵇.","vol":"1","page":57},{"text":"باب الطعام عند القدوم.\nباب قوله ﵇ إذا رجع من سفر.\nباب قوله ﵇ عند كل قرية أراد دخولها.\nباب تلخيص حالة كفار جزيرة العرب معه.\nباب تلخيص معاملته ﵇ مع كفار زمانه من استعمال الشدة في محلها واللطف والملاينة في إبانها ومداراته ﵇ وما شرعه في ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>برنامج القسم السادس من كتاب الخزاعي</span>\nفي العمالات الجبائية وهذا القسم يشتمل على أبواب:\nباب في صاحب الجزية.\nباب في صاحب الأعشار.\nباب الذي يترجم على أهل الذمة وقت نزولهم بلد المسلمين.\nباب في متولي خراج الأرضين.\nباب في المساحة.\nباب في العامل على الزكاة.\nباب في كاتب أموال الصدقات.\nباب في الخارص.\nباب في صاحب الأوقاف.\nباب في صاحب المواريث.\nباب في المستوفي.\nباب في المشرف.\n(فذكرت هذه الأبواب مهذبة محررة معزوة) وزدت عليه:\nباب خروج النبي ﷺ بنفسه إلى البادية في إبل الصدقة.\nباب ذكر من وكله ﵇ بحفظ زكاة رمضان.\nباب من جعله ﵇ على قبض مغانمه.\nباب من كان على خمسه ﵇.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>برنامج القسم السابع من كتاب الخزاعي</span>\nفي العمالات الاختزانية وما أضيف إليها وفيه أبواب:\nباب في فضل الخازن الأمين.\nباب في خازن النقد وهو صاحب بيت المال.\nباب في الوزان.","vol":"1","page":58},{"text":"باب في خازن الطعام.\nباب في الكيال.\nباب في ذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة في عهده ﵇.\nباب في صاحب السكة ويقال له صاحب دار الضرب.\nباب في اتخاذ الإبل.\nباب في اتخاذ الغنم.\nباب في الوسام.\nباب في الحمى يحميه الإمام.\n(فذكرت كل هذه مختصرة مهذبة معزوة وحررت القول فيما ساقه خصوصا الكلام على المسكوكات والنقود والصاع والمد النبوي المريني الموجود في مكتبتنا وهو من أعظم ذخائرها) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>برنامج القسم الثامن عند الخزاعي</span>\nفي سائر العمليات وفيه عنده أبواب:\nباب في المنفق.\nباب في الوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية.\nباب في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما يأمره به من وجوه مصاريف الإمام في غير الحضرة.\nباب في إنزال الوفود.\nباب في المارستان.\nباب في الطب.\nباب في الراقي.\nباب في القاطع للعروق.\nباب في الكواء.\nباب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويستخرج منه اتخاذ الزوايا (فذكرت هذه الأبواب مهذبة محررة معزوة) واستدركت أثناءها فرائد وأبوابا منها:\nباب أمر المصطفى الرجل أن يحبس السبايا والأموال في الغزو.\nباب جوائزه ﵇ للوفود.\nباب تجمله ﵇ للوفود.\nباب أمر الرجل بذكر اسم الله على الجرح ثم التفل فيه.\nباب كون من لا يعرف بالطب لم يكن يباح له أن يعالج الناس.\nباب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة.","vol":"1","page":59},{"text":"باب في المنجم.\nباب في القافي.\nباب إقامة الخانات من القرآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>برنامج القسم التاسع من كتاب الخزاعي</span>\nفي ذكر حرف وصناعات كانت في عهد رسول الله ﷺ وذكر من عملها من الصحابة وفيه أبواب دون ما سر فيها تقدم من الأقسام في مواضع هي بها عنده أليق وهذه عناوينها:\nباب في التجارة.\nباب في البزاز.\nباب في العطار.\nباب في العراف.\nباب في بائع الرماح.\nباب في بائع الطعام.\nباب في الثمار.\nباب في بائع الدباغ.\nباب في الدلال.\nباب في النساج.\nباب في الخياط.\nباب في النجار.\nباب في ناحت الأقداح.\nباب في الصواغ.\nباب في البناء.\nباب في الحداد.\nباب في الدباغ.\nباب في الخراص.\nباب في الصيد في البر.\nباب في الصيد في البحر.\nباب في العامل في الحوائط.\nباب في السقاء الذي يستقي بالأجر.\nباب في الحمال على الظهر.\nباب في الحجام.","vol":"1","page":60},{"text":"باب في الجزار.\nباب في الطباخ.\nباب في الشواء.\nباب في الماشطة.\nباب في القابلة.\nباب في الخافضة.\nباب في المرضعة.\nباب في المغني.\nباب في حافر القبور.\nباب غسل الموتى.\n(فذكرت أبوابه مهذبة محررة معزوة) . واستدركت عليها خلالها:\nباب ذكر أصل تسمية متعاطي البيع والشراء تاجرا.\nباب سوق البزازين بالمدينة على عهده ﵇.\nباب تعيينه ﵇ محل السوق ووقوفه عليه بنفسه.\nباب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام.\nباب في المزارعين والزراعة.\nباب كون الناس كانوا في أول الإسلام لا يتعاطون البيع والشراء إلا بعد علمهم بأحكامه.\nباب تشديد عمر للصحابة على تركهم الاشتغال بالتجارة لغيرهم من العامة والأخلاط.\nباب قول عمر إذا رأى غلاما فأعجبه.\nباب قول عمر في التكسب والغزو ورأيه في التفاضل بينها بالنسبة إلى نفسه.\nباب أمر عمر للفقراء وغيرهم بالسعي والتكسب.\nباب الجلاب.\nباب ذكر من كان يتجر من الصحابة في بحر الشام.\nباب جلب دقيق الحوّار والسمن والعسل من الشام إلى المدينة.\nباب منع إخراج التمر من المدينة في العهد النبوي لأمر طارىء.\nباب المسافة التي كان يأتي منها الزرع ونحوه إلى المدينة.\nباب التجارة في العنبر والزئبق.\nباب حفر معدن الذهب.\nباب تبايع الصبيان.\nباب بيع السكر.","vol":"1","page":61},{"text":"باب بيع العطر.\nباب بيع العقاقير الطبية.\nباب الخراز.\nباب الجلد الطائفي.\nباب المهد للصبيان.\nباب صنع الأنف من ذهب.\nباب إحداث الرحى الهوائية.\nباب المصور.\nباب الأصل لوضع الرؤساء للحجر الأساسي في البناآت القومية والمعاهد الدينية.\nباب ذكر بنائه ﵇ لمسجده ثلاث مرار منها ما بني بالأنثى والذكر [التعشيق] .\nباب تعيين الإمام موضع المسجد وتعليمه محل القبلة.\nباب أمر الإمام من ينوب عنه في اتخاذ القبلة مسجدا.\nباب ذكر دوره ﵇ ومساكن أزواجه.\nباب ذكر خريطه مسكن مارية بالعوالي.\nباب أمره ﵇ في البناآت أن تكون على مقتضى القواعد الصحية وجعله ﵇ للجيران قواعد عليهم أن لا يتعدوها.\nباب هدمه ﵇ لمسجد الضرار.\nباب ذكر الصباغ.\nباب ذكر السباحة.\nباب ذكر بيع الماء.\nباب ذكر بيع اللبن.\nباب ذكر اتخاذ الشحم للاستصباح ودهن السفن ونحوها.\nباب المستدل على محل الماء واستخراجه.\nباب صانعة الحريرة.\nباب الخباز.\nباب كيف كانت أقراص خبزه ﵇.\nباب ذكر اعتناء البدوي بطرف بلاده يهديها له ﵇ في الحضر والعكس.\nباب منع الصيد في جهة.\nباب كونه ﵇ لم يصد بنفسه ولا اشترى صيدا.\nباب ذكر الغزل.\nباب المضحكة.","vol":"1","page":62},{"text":"باب ذكر أسماء المغنيات في المدينة على العهد النبوي.\nهل كانت الدفوف في الزمن النبوي بالجلاجل وهل سمع الصحابة العود.\nهل كان لبعض السلف اعتناء بعلم الموسيقى.\nباب ذكر ما كانوا يغنون به.\nباب ذكر رقص الحبشة في المسجد النبوي أمامه ﵇.\nباب ذكر رقص الحبشة بحرابهم عند قدومه ﵇.\nباب ذكر حجل بعض كبار الصحابة بين يديه ﷺ.\nباب السماع والإنشاد ونحوه.\nباب ذكر المرأة الكبيرة السن تلازم القبر.\nباب ذكر المسابقة.\nباب ذكر المصارعة.\nباب ذكر الرماية.\nباب ذكر لعب البنات.\nباب ذكر لعبهم بالتصاوير.\nباب اتخاذ الوحش في المسكن.\nباب قوله ﵇ اقدروا قدر الجارية الحديثة السن.\nباب حبس الطير للعب الصبيان.\nباب نهب اللوز والسكر ونثره في العرس.\nباب مرور أحد الصحابة على الحيشة يلعبون في الطريق.\nباب النساء الممرضات اللاتي كنّ يرافقن المصطفى في الغزو وما كان الصحابيات يظهرن من ضروب الشجاعة وخفة الحركة ومساعدة الغزاة.\nالتاجرات منهن.\nالمرأة تمثل النسوة في المجلس النبوي.\nباب ما كانوا يقولونه عند ذهابهم بالعروس إلى بيت زوجها.\nباب ذكر جعل الوليمة في العرس سبعا.\nباب ذكر بائع السيوف.\nباب اتفاق القوم على من يمثلهم تمثيلا رسميا في محفل ديني رسمي.\nباب ذكر من كان يبري النبل.\nباب أصل ستر المرأة في نعشها وهي ميتة ومن حبذ ذلك.\nوبوقوفك على ما اجتهد الخزاعي في جمعه وتفصيله في ديوانه من الحرف والصنائع التي كانت في عهده ﵇ حتى أوصلها إلى نحو الثلاثين واستدركت عليها نحو هذا","vol":"1","page":63},{"text":"العدد أيضا تعلم أن المتأخر ربما يأتي بما لم يأت به المتقدم فهذا شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري غاية ما ترجم له في كتاب البيوع من صحيحه من الحرف والصنائع نحو العشرة وهي: الصواغ والقين والخياط والنساج والنجار وبائع السلاح والعطار والحجام ونحو ذلك وربما كان البخاري اقتصر على هذا القدر لأنه الذي بلغه على شرطه ولكن على كل حال همة المتأخر لا تنكر ويجب أن تذكر فتشكر وإن كان للأوائل فتح أبواب فللمتأخرين الجري على المنوال ضعفا وقوة من غير ارتياب وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [القصص: ٦٨] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>القسم العاشر من كتاب الخزاعي</span>\nوبه كمل التأليف في ذكر أمور متفرقة وفيه أبواب:\nباب في معنى الحرفة والصناعة.\nباب في النهي عن استعمال غير المسلمين من الكفار من أهل الكتاب وغيرهم.\nباب فيما جاء في أرزاق العمال.\nباب في ذكر الكتب التي استخرج منها ما تضمنه كتابه التخريج. وهذا القسم لم أقف عليه ولا يوجد في النسخة التونسية «١» . فأما [الكلام في] الباب في معنى الحرفة والصناعة فقد قدمنا من ذلك ما نظنه كافيا أول القسم التاسع. وأما حكم استعمال الكفار وأرزاق العمال فمحله على طريق البسط كتب الفقه فأما الباب الرابع الذي عقده لذكر الكتب التي استخرج منها كتابه فهذا الباب مفيد جدا ولكن وإن لم أقف عليه من قلم المؤلف فبتتبع الكتاب يستغنى عنه. وقد تتبعته فوجدت اعتماده في أكثر الصنائع والحرف والعمالات وولاتها على الاستيعاب وذيله لابن فتحون كما سبق. وقد عقدت فيما سبق فصلا ذكرت فيه الكتب التي ينقل عنها في مصنفه وأنت بالخيار إما أن تثبت ذلك الفصل هنا أو تبقيه وتقرؤه هناك. ولما كان الكتاب قد بني على عشرة أقسام (أجزاء) كما يقول الخزاعي أردت أن لا أحرم القراء من قسم عاشر هو من الأهمية بمكان ربما يضارع جل أجزاء المؤلف أو يفوقها أهمية فنقول والله المستعان:\nالقسم العاشر فى تشخيص الحالة العلمية على عهده ﵇ تعلما وتعليما والحالة الاجتماعية من حيث النبوغ وسعة المدارك والأخلاق والعوائد والأزياء، ويتركب هذا القسم من مقصدين:\nالمقصد الأول: في تشخيص الحالة الاجتماعية على عهده ﵇، وذكر ما حازه أصحابه من السبقيات في أنواع النبوغ وسعة المدارك والكيفيات وغير ذلك، مما يعرفك أن المدينة المنورة في الزمن الأول؛ كانت مجموعة مهولة بصنوف واختلاف\n_________\n(١) سنضيفه لا حقا في مكانه من طبعة دار الغرب الإسلامي إن شاء الله.","vol":"1","page":64},{"text":"الأعمال، والأفكار والصفات والأشغال الحياتية، والتوسعة العائلية التي لا بد منها في كل بلد مصر، واتخذ عاصمة لمدنية عظمى سادت على العالم في أقرب وقت. وتحت كل مقصد أبواب:\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المقصد الأول</span>\nفي تشخيص الحالة العلمية الرائجة في زمنه ﵇ تعلما وتعليما وفيه أبواب:\nالباب الأول في الإشارة إلى أن أوسع دائرة للمعارف تناولها البشر [هي] القرآن الكريم الباب الثاني في أن السنة فرع عن القرآن وأن الحديث الصحيح يتطلب لفظه أو بعضه أو معناه منه.\nالباب الثالث في مقدار الأحاديث الواردة عنه ﷺ.\nالباب الرابع في ذكر من تصدى لجمع جميع السنة.\nالباب الخامس في كيفية تلقي الصحابة للعلم وأنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي.\nالباب السادس في وقوفه ﵇ على حلق العلم وإيثاره الجلوس فيها على حلق الذكر.\nالباب السابع فيمن كان يخلف المصطفى ﵇ بعد قيامه من مجالس الذكر والفقه فيجلس فيها.\nالباب الثامن في كيفية تدارس الصحابة للقرآن وتفسير المصطفى ﵇ لهم آيه الكريمة.\nالباب التاسع في اعتناء الصحابة بما يبلغهم من العلم بالحفظ والمذاكرة فيه.\nالباب العاشر في أمره ﵇ أصحابه بنقل الحديث بالسند.\nالباب الحادي عشر في إباحته ﵇ لأصحابه التحديث بالأخبار الإسرائيلية من عجائب الأمم الماضية.\nالباب الثاني عشر في تعريف النبي ﵌ وأصحابه بمن امتاز بعلم من الفنون أو غلبت عليه فضيلة مخصوصة ليؤخذ كل شيء عن أربابه.\nالباب الثالث عشر في إطلاق العلامة في العصر النبوي على أعلم الناس بأنساب العرب والشعر.\nالباب الرابع عشر في كيفية اختباره ﵌ قوابل أصحابه ليعرفهم فيما بينهم مبلغهم في الذكاء والفهم والعلم.\nالباب الخامس عشر في تخصيصه ﵌ لأهل العلم أياما معلومة.\nالباب السادس عشر في بيان أن الصحابة كانوا يتحملون العلم تدريجيا فيأخذون الآكد والأقرب إلى الفهم ثم الأصعب.","vol":"1","page":65},{"text":"الباب السابع عشر في حرص الصحابة على التعلم وهم كبار.\nالباب الثامن عشر في أمرهم بطلب العلم قبل التزوج.\nالباب التاسع عشر في ذكر أن التاجر منهم كان يتعلم والمتعلم منهم كان يتجر.\nالباب الموفي عشرين في بيان أن الصحابة كانوا يعلمون نساءهم وإماءهم وأن المصطفى ﵌ كان يجعل للنساء يوما على حدة.\nالباب الحادي والعشرون في كيفية إعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعونه منه ﵌.\nالباب الثاني والعشرون في بيان أن الصحابة كانوا إذا سمعوا ما لم يفهموا من العلم استعادوه حتى يفهموه.\nالباب الثالث والعشرون في بناء أمرهم على تبليغ الشاهد الغائب ﵃.\nالباب الرابع والعشرون في تعاطيهم العلم ليلا ونهارا.\nالباب الخامس والعشرون في احتفاظ المصطفى صلى الله عليه واله وسلم على قلوب المبتدئين فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين.\nالباب السادس والعشرون في الإشارة إلى أن تعليم الكتابة من حقوق الأبناء على الأباء.\nالباب السابع والعشرون في القلم والدواة في العصر النبوي.\nالباب الثامن والعشرون في وجود الأقلام القصبية في عصر الصحابة وكذا الحبر.\nالباب التاسع والعشرون في اختراع اتخاذ الكاغد [الورق] من القطن أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب.\nالباب الموفي ثلاثين في كتابة الصحابة للحديث وأمر المصطفى ﵌ لهم بالتقييد.\nالباب الحادي والثلاثون هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة وأتباعهم في زمانهم التدوين والتصنيف.\nالباب الثاني والثلاثون في اعتناء القواد من الصحابة برفع التقارير الجغرافية للخلفاء الراشدين عن البلاد التي يدخلونها.\nالباب الثالث والثلاثون في بيان أن ترجمة الكتب القديمة للعلوم العمرانية من طب وكيمياء وصناعات ونحوها وقع الاعتناء به أيام الصحابة.\nالباب الرابع والثلاثون في أن أول من تكلم في علوم القوم الصحابة رضي الله عن جميعهم.","vol":"1","page":66},{"text":"الباب الخامس والثلاثون في أن أول من وضع فن النحو في الإسلام الصحابة.\nالباب السادس والثلاثون في أن الصحابة تكلموا في علم الكلام قبل أن يتكلم ويدون فيه الأشعري.\nالباب السابع والثلاثون في بيان أن عليا كرم الله وجهه هو أول من نطق بالتصحيف أحد أنواع البديع.\nالباب الثامن والثلاثون في إملاء الصحابة للحديث على من يكتب عنهم.\nالباب التاسع والثلاثون في وقت بروزه ﵌ ليجيب عن أسئلة السائلين وأغلب ما كانوا يسألونه عنه.\nالباب الموفي أربعين في مراجعتهم للحديث فيما بينهم إذا فارقهم المصطفى ﵌.\nالباب الحادي والأربعون في أنهم كانوا إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة من القرآن.\nالباب الثاني والأربعون في أن العالم منهم قد يأمر تلميذه بالتحديث بمحضره.\nالباب الثالث والأربعون في أخذهم القرآن مع التفقه في معانيه تدريجيا.\nالباب الرابع والأربعون في أول من أطلق على القرآن المصحف.\nالباب الخامس والأربعون في استفتاء الصحابة في حكم نسخ المصاحف.\nالباب السادس والأربعون في اعتناء الصحابة ومن كان في زمنهم بنسخ المصاحف وتلاوتهم القرآن فيها.\nالباب السابع والأربعون في اعتناء الصحابة بمصاحبة المصاحف في أسفارهم.\nالباب الثامن والأربعون هل كانوا يحلّون المصاحف.\nالباب التاسع والأربعون هل كانوا يقبلون المصاحف.\nالباب الموفي خمسين في بيان أن المصاحف كانت لها ولاة يحفظونها في زمن أبي بكر ﵁\nالباب الحادي والخمسون في أن الصحابة كانوا يحبون أن لا يخرج الرجل من منزله صباحا حتى ينظر في المصحف.\nالباب الثاني والخمسون في أن سيدنا معاوية كان له غلمان وكلوا بحفظ دفاتر التاريخ.\nالباب الثالث والخمسون في تعليمهم القرآن في زمنه ﵇ وتسويغه لهم أخذ الأجرة.","vol":"1","page":67},{"text":"الباب الرابع والخمسون هل كانت المصاحف تباع في عهدهم.\nالباب الخامس والخمسون في اتخاذهم المكاتب لقراءة الصبيان.\nالباب السادس والخمسون أين كان الصبيان يصبون الماء الذي يغسلون به ألواحهم.\nالباب السابع والخمسون هل هناك ما يدل على السن الذي كانوا يبتدئون فيه تعليم الصبي.\nالباب الثامن والخمسون في بيان من كان منهم يعلم القرآن بالمدينة ومن كان يبعثه ﵇ إلى الجهات لذلك وحفاظ القرآن منهم ومعلم الناس الكتابة من الرجال والنساء مؤمنين وكافرين والمفتين في عهده ﵇ ومعبري الرؤيا واتخاذ الدار في ذلك الزمن ينزلها القراء كالمدارس اليوم وغير ذلك.\nالباب التاسع والخمسون في تعاطي علم الخط.\nالباب الموفي ستين في حضهم على تعاطي الشعر.\nالباب الحادي والستون في تعاطي علم الأنساب.\nالباب الثاني والستون في روجان علم الفرائض في العهد النبوي وحضّ النبي ﵌ الناس على تعلمه وتعليمه.\nالباب الثالث والستون في ذكر من كان يحال عليه في الأمور الحسابية في زمن الخلفاء الراشدين.\nالباب الرابع والستون في أخذ أهل أوروبا بالأرقام العربية عن العرب ودخولها إلى بلادهم في زمن علي كرم الله وجهه.\nالباب الخامس والستون في إيثارهم القرشي على غيره في أخذ العلم.\nالباب السادس والستون في الأمر بتعلم علم النجوم.\nالباب السابع والستون في أمرهم بتعلم علم الرماية والسباحة.\nالباب الثامن والستون في أمرهم بتعلم العربية وأمر عمر عماله بضرب اللحانة من الكتّاب أو تأخيره.\nالباب التاسع والستون في تعاطي الصحابة للحكمة والتنجيم والقافة والموسيقى والطب والإدارة والحرب والسياسة والترجمة والإملاء والتجارة والصناعة ونحو ذلك.\nالباب الموفي سبعين في كونهم كانوا يتجنبون في التحديث والرواية ما يضر سماعه بالعامة والمبتدئين.\nالباب الحادي والسبعون في وصاية رسول الله ﵌ بالشباب من طلبة العلم.","vol":"1","page":68},{"text":"الباب الثاني والسبعون في اهتبال علماء الصحابة بالآخذين عنهم والاهتمام بوقايتهم من الأسواء وحنوهم عليهم.\nالباب الثالث والسبعون في الوصف الذي كان يحمله المنقطع للعلم في ذلك العهد تعلما وتعليما.\nالباب الرابع والسبعون في تسميته ﵇ حملة الحديث ونقلته خلفاء له ﵇.\nالباب الخامس والسبعون في عنوان القرآن وبرنامجه وهو الأصل في وضع المسلمين العناوين للمصنفات.\nالباب السادس والسبعون في حضه ﵇ طلبة العلم على السؤال عمّا لم يفهموا.\nالباب السابع والسبعون في إجابته ﵇ السائلين على حسب قوابلهم وتنويعه الخطب على حسب الحال والمقام.\nالباب الثامن والسبعون في إجابته ﵇ السائلين على حسب سبقيتهم.\nالباب التاسع والسبعون في روايته ﵌ عن أصحابه وتحديثه عنهم.\nالباب الموفي ثمانين في أخذ الصحابة بعضهم عن بعض.\nالباب الحادي والثمانون في أن جلالة بعضهم عند بعض كانت لا تمنع من المخالفة فيما لم يودّهم إليه اجتهادهم.\nالباب الثاني والثمانون في أدب الصحابة مع من يتعلمون منهم أيضا.\nالباب الثالث والثمانون في رواية الصحابة عن التابعين.\nالباب الرابع والثمانون في أخذ كبار الصحابة العلم عن الموالي.\nالباب الخامس والثمانون في أخذ الصحابة من العرب عمن أسلم من اليهود.\nالباب السادس والثمانون في رجوع الصحابة للحق إذا ظهر لهم واعترافهم به.\nالباب السابع والثمانون في تأديب النبي ﵌ للصحابة في التعليم واقتفائهم أثره في ذلك.\nالباب الثامن والثمانون في مناظرة الصحابة بين يدي النبي ﵌.\nالباب التاسع والثمانون في آداب طالب العلم المنصوص عليها لأهل القرون الأولى.","vol":"1","page":69},{"text":"الباب الموفي تسعين في أن الصحابة كانوا يعرفون حق أكابرهم في العلم والسن.\nالباب الحادي والتسعون في إنزال النبي ﷺ الناس ساعة التعليم منازلهم من تقديم الأكبر علما أو سنا.\nالباب الثاني والتسعون في رحلة الصحابة لبعضهم في طلب العلم أو رغبة في علو السند.\nالباب الثالث والتسعون في دعاء الصحابة بعضهم بعضا وغيرهم من الناس إلى حضور الميراث النبوي.\nالباب الرابع والتسعون في القاص في زمنه ﵇ وجلوسه مجلسه.\nالباب الخامس والتسعون في ذكر ما بثه ﵇ من الفرائد الطيبة والعلوم الحكمية المتعلقة بالأغذية والأدوية وعلاج الأمراض حتى دونت فيها الدواوين.\nالباب السادس والتسعون في توسعه ﵇ مع أصحابه في ذكر الوقائع التاريخية وأخبار الأمم السالفة واتخاذه لذلك وقتا وهو أصل تعاطي الدورس اليوم في شبه ذلك.\nالباب السابع والتسعون في اتخاذ الأنصار ما بين العشاءين لتعلم الرماية.\nالباب الثامن والتسعون في اتخاذ معاوية ﵁ وقت السمر لسماع كتب التاريخ وأخبار الأمم والأجيال.\nالباب التاسع والتسعون في بناء أمرهم على أخذ العلم ممن وجدوه عنده ولو كان كافرا أو صغيرا.\nالباب الموفي مائة في تحريض سيدنا علي كرم الله وجهه على العلم وتنبيهه على شرفه بأبلغ تعبير.\nالباب الحادي والمائة في ترتيبهم العلوم في الأخذ ومن كانوا يقدمون ويؤخرون من المجتمعين للطلب.\nالباب الثاني والمائة في أن الصحابة كانوا يروحون القلوب ساعة فساعة.\nالباب الثالث والمائة في حديث خرافة.\nالباب الرابع والمائة في حديث أم زرع.\nالباب الخامس والمائة في المضحكين والمضحكات في الزمن النبوي دون ما سبق في القسم الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المقصد الثاني</span>\nفيما حازه أصحابه ﵇ من السبقيات، وما تميّز به أفرادهم من علو المدارك والكيفيات، مما يعرفك أن المدينة المنورة كانت في الزمن الأول مجموعة","vol":"1","page":70},{"text":"مهولة، بصنوف واختلاف الأعمال والأفكار والصفات والأشغال الحياتية، التي لا بد منها في كل بلد مصر اتخذ عاصمة لمدنية عظمى، سادت على العالم في أقرب وقت، وما وصل إليه ذلك العصر الزاهر والمصر الطاهر، من الاختلاط والاختلاف في الأحوال، والاتفاق في الآمال، وأنه من أندر ما حفظ التاريخ عن الأجيال والدهور وتحته أبواب:\nالباب الأول في أن الصحابة كانوا أهل اجتهاد في الأحكام، وقدرة على استنباطها، والتبصر بمواقع الخطابات التشريعية ومحاملها.\nالباب الثاني في تحرّيهم في الفتوى وتدافعهم لها، وكراهتهم الكلام في المسألة قبل نزولها.\nالباب الثالث فيمن كان يوسم بأعلم الصحابة.\nالباب الرابع فيمن كان يعرف منهم بباب مدينة العلم.\nالباب الخامس فيمن كان يلقب منهم بأسد الله.\nالباب السادس في الملقب فيهم بشيخ الإسلام.\nالباب السابع في الملقب فيهم بسيف الله.\nالباب الثامن في الذي يضرب به المثل في العدل منهم.\nالباب التاسع في الذي يضرب به المثل في الهيبة منهم.\nالباب العاشر في الذي يضرب به المثل في الفضائل كلها من الصحابة.\nالباب الحادي عشر في الذي يضرب به المثل في الصدق منهم.\nالباب الثاني عشر في الذي يضرب به المثل في المشية منهم.\nالباب الثالث عشر في الذي يضرب به المثل في الفقه منهم.\nالباب الرابع عشر في المحصل على لقب أمين الأمة.\nالباب الخامس عشر فيمن أو لم وليمة بقي يضرب بها المثل.\nالباب السادس عشر في الذي يضرب به المثل في الحلم منهم.\nالباب السابع عشر فيمن كانت تستحيي منه ملائكة الرحمن منهم.\nالباب الثامن عشر في ذي الرأي من الصحابة.\nالباب التاسع عشر في ذي اليدين من الصحابة.\nالباب الموفي عشرين في ذي العمامة.\nالباب الحادي والعشرون في الذي يضرب به المثل بسيفه من الصحابة.\nالباب الثاني والعشرون فيمن كان يعد صوته في الجيش بألف رجل.\nالباب الثالث والعشرون في الذي يسبق الفرس شدا على قدميه من الصحابة.\nالباب الرابع والعشرون فيمن عرف بالدهاء من الصحابة بحيث كان يضرب به المثل.","vol":"1","page":71},{"text":"الباب الخامس والعشرون فيمن عرف بالقوى المدهشة من الصحابة، حتى باهى العرب به فارس والروم.\nالباب السادس والعشرون فيمن كان من الصحابة في نهاية الطول.\nالباب السابع والعشرون فيمن عرف بالقصر من الصحابة.\nالباب الثامن والعشرون فيمن كان من الصحابة فردا في زمانه بحيث يضرب به المثل.\nالباب التاسع والعشرون فيمن كان يضرب به المثل في الجمال من الصحابة.\nالباب الموفي ثلاثين فيمن كان من الصحابة يعمل بيديه.\nالباب الحادي والثلاثون في أخوة سبعة كلهم من الصحابة تباعدت قبورهم [وهم أبناء العباس] .\nالباب الثاني والثلاثون في صحابي أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة.\nالباب الثالث والثلاثون فيمن كان بيده سيف الفتح، بحيث نصب في عهده اثنا عشر ألف منبر للخطبة.\nالباب الرابع والثلاثون في صحابي كان له ألف مملوك يؤدون له الخراج [الزبير] .\nالباب الخامس والثلاثون فيمن كان يحفظ مائة لغة متباينة من الصحابة.\nالباب السادس والثلاثون فيمن مات من الصحابة فمات بموته تسعة أعشار العلم.\nالباب السابع والثلاثون في صحابي مات فقال فيه عمر مات سيد المسلمين.\nالباب الثامن والثلاثون في ذكر الأغنياء من الصحابة ومن توسع منهم في الأمور الدنيوية.\nالباب التاسع والثلاثون فيمن تغالى منهم في الصداق حين تزوج بعلوية فاطمية.\nالباب الموفي أربعين في عدد الصحابة.\nالباب الحادي والأربعون في عدد من كان بالمدينة من الصحابة معه ﵇ آخر الأمر.\nالباب الثاني والأربعون في المكثر الرواية عنه ﷺ من الصحابة.\nالباب الثالث والأربعون في احفظ الصحابة وأول محدّث في الإسلام.\nالباب الرابع والأربعون في ذكر ائمة الفتوى من الصحابة.\nالباب الخامس والأربعون في ذكر من كان أكثر الصحابة فتيا، ومن جمع من فتاويه سبع مجلدات، والمخصوص منهم بلقب البحر وحبر القرآن، ورباني الأمة والغواص، ومن كان يعرف ممره في الطريق، ومن وجم الناس عن تعزيته شهرا هيبة له وإجلالا.\nالباب السادس والأربعون في ذكر من كان له من الصحابة أتباع يقلدونه في فتواه، كالمقلد مع المجتهد في الطريق.\nالباب السابع والأربعون في ذكر من انتهى إليهم العلم من الصحابة.\nالباب الثامن والأربعون فيمن عرف بالكرم والجود من الصحابة.\nالباب التاسع والأربعون في ذكر أعلم الأمة بالفرائض منهم.","vol":"1","page":72},{"text":"الباب الموفي خمسين في ذكر المعروف في الصحابة بحسن الصوت وتجويد التلاوة.\nالباب الحادي والخمسون فيمن قيل فيه من الصحابة أخطب أهل الدنيا.\nالباب الثاني والخمسون في المخصوص من الصحابة بلقب حكيم الأمة.\nالباب الثالث والخمسون في ذكر من كان يقرأ الكتب القديمة من الصحابة ويعلم ما فيها.\nالباب الرابع والخمسون في ذكر من قيل فيه أعلم الناس من نساء الصحابة.\nالباب الخامس والخمسون في ذكر من قيل فيها من نساء الصحابة لو كان رجلا لصلح للخلافة.\nالباب السادس والخمسون في ذكر مولى من الصحابة قال عمر في حقه: لو كان حيا لاستخلفته.\nالباب السابع والخمسون في ذكر من قيل فيه: أفصح الناس وأفخمهم نطقا من الصحابة.\nالباب الثامن والخمسون في ذكر من كان أعلم الناس بالمناسك من الصحابة.\nالباب التاسع والخمسون فيمن أفتى الناس ستين سنة من الصحابة.\nالباب الموفي الستين فيمن كان يطلق عليه الحبر وهو العالم في الزمن النبوي.\nالباب الحادي والستين في أمره ﵇ الصحابة بالقيام إلى العالم منهم.\nالباب الثاني والستون فيمن كان من الصحابة يمكن لتلاميذه من يده يقبلونها.\nالباب الثالث والستون من قبّل من علماء الصحابة يد تلميذه لكونه من آل البيت.\nالباب الرابع والستون في صحابي قال فيه عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأسه، الباب الخامس والستون في صحابي قدم المدينة في خلافة عمر فأمر عمر الناس أن يخرجوا معه للقائه.\nالباب السادس والستون في الصحابة الطلس ومن استخلف منهم.\nالباب السابع والستون في الخصي.\nالباب الثامن والستون في المخنثين.\nالباب التاسع والستون في المجبوب.\nالباب الموفي سبعين هل كان السلف يحتفظون بالآثار القديمة.\nالباب الحادي والسبعون جعلته خاتمة- الأبواب وزبدة الكتاب- في حديث ابن أبي هالة الذي هو أجمع حديث عندي في صفاته ﵇ الخلقية والخلقية.\nوبتتبعه لا يستغرب الجاهل بأحوال نبي الإسلام؛ أن يربي صاحب تلك الأحوال والتراتيب والأخلاق رجالا يصلحون لإرشاد الخليقة والقيام بسياسة الكون.","vol":"1","page":73},{"text":"ثم الخاتمة- فيها فوائد في تقدم العرب في الاختراعات والفنون، وكونهم أساتذة أوروبا باعتراف ساستهم والمنصفين من محققيهم.\nوبتتبعك لأبواب الكتاب، ووقوفك على الحقيقة في المدونين تعلم أننا أتينا على زبدة كتاب الخزاعي، وحذفنا مكرره واستطراده، وما لا حجة أو حاجة فيه. وزدت عليه أضعاف أضعاف ما ذكر من كل قسم، من الحرف والصنائع والعمالات والصفات، بحيث وفقنا (والحمد لله) لكثير من المظان التي لا تخطر ببال ولا كانت في الحسبان. ولم أقلد أبا الحسن الخزاعي في غالب عزوه، ولذلك إن كان الكتاب الذي نقل عنه مطبوعا أذكر الصحيفة الواقع فيها ما نقل منه. ولا شك أن مواد هذا الموضوع سهلت الآن بما أظهرته مطابع الشرق والغرب، من الضنائن التي بتتبع أسماء فهارس المطبوعات شرقا وغربا، لا يبقى ريب في أنه يتيسر اليوم ما عسر أدراكه على كثير ممن سبق، وليس بعد العيان بيان.\nوبذلك تتحقق بأحقية قول الجاحظ: ما على الناس شيء أضر من قولهم: ما ترك الأول للآخر شيئا.\nوقد قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر وقد نقل قول علي كرم الله وجهه: قيمة كل امرىء ما يحسن فقال: إنه لم يسبق إليه أحد قال: وأي كلمة أحض على طلب العلم منها؟\nقال: وما كان أضر بالعلم وبالعلماء وبالمتعلمين من قول القائل: ما ترك الأول للآخر شيئا اهـ وقال أبو الحسن المسعودي في كتابه «النبيه» المطبوع في أوروبا وقد تشترك الخواطر وتتفق الضمائر وربما كان الأخير أحسن تأليفا وأمتن تصنيفا لحكمة التجارب وخشية التتبع والاحتراس من موانع المضار؛ ومن هاهنا صارت العلوم نامية غير متناهية، لوجود الأخير ما لا يجده الأول وذلك إلى غير غاية محصورة ولا نهاية محدودة.\nعلى أن من شيم كثير من الناس إطراء المتقدمين، وتعظيم كتب السالفين ومدح الماضي وذم الباقي، وإن كان في كتب المحدثين ما هو أعظم فائدة وأكثر عائدة. ثم حكي عن الجاحظ على جلالة قدره بين الكتاب والبلغاء أنه قال: كنت أؤلف الكتاب الكثير المعاني الحسن النظم، وأنسبه إلى نفسي، فلا أرى الأسماع تصغي إليه، ولا الإرادات تبتسم نحوه، ثم أؤلف ما هو أنقص منه رتبة وأقل فائدة، وأنحله عبد الله بن المقفع، أو سهل بن هارون، أو غيرهما من المتقدمين ممن سارت أسماؤهم بين المصنفين، فيقبلون على كتبها، ويسارعون إلى نسخها، لا لشيء إلا نسبتها للمتقدمين. ولما يداخل أهل هذا العصر من حسد من هو في عصرهم، ومنافسته على المناقب التي عزّ تشييدها. قال: «وهذه الطائفة لا يعبأ بها كبار الناس، وإنما العمل على أهل النظر والتأمل، الذين أعطوا كل شيء حقه من القول، ووفوه قسطه من الحق، فلم يرفعوا المتقدم إذا كان ناقصا، ولم ينقصوا المتأخر إذا كان زائدا، فلمثل هولاء تصنف العلوم وتدون الكتب» .\nوإذا كان هذا في ذلك الزمن زمن نفاق أسواق العلم، ورجحان أهله بالمدارك والغايات، فكيف بزماننا هذا زمن التأخر والانحطاط والتقليد الأعمى لكل مستهجن، وغلبة","vol":"1","page":74},{"text":"الأغراض السافلة والمقاومة للكمال والكاملين، والتشبث بأذيال الناقصين والساقطين، سخطا على الفضيلة ومقاومة لها. وإذا كان الإمام حافظ الأندلس أبو محمد ابن حزم يقول في رسالته في المفاضلة بين علماء الأندلس وغيرهم: أما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر: أزهد الناس في العالم أهله. وقد قرأت في الإنجيل أن عيسى ﵇ قال: لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده. وقد تيقنا ذلك بما لقي النبي ﷺ من قريش، وهم أوفر الناس أحلاما وأصحهم عقولا، وأشدهم تثبتا مع ما خصوا به من سكناهم أفضل البقاع، وتقديسهم بالحرم الجباه؛ حتى خصّ الله الأوس والخزرج بالفضيلة التي أبانهم بها عن جميع الناس، ولا سيما أندلسنا فإنها خصّت من حسد أهلها العالم الظاهر فيهم، الماهر منهم واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم ما يأتي من حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته، وأكثر ذلك مدة حياته بأضعاف ما في سائر البلدان؛ إن أجاد قالوا سارق مغير، وإن انتحل قذع وإن توسّط قالوا: غث بارد وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق، قالوا: متى كان هذا ومتى تعلم؟ وفي أي زمان قرأ ولأمّه الهبل. وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقتين إما شفوفا دائما يعليه على نظرائه، أو سلوكا في غير السبيل التي عاهدوها فهنالك حمي الوطيس على اليائس، وصار غرضا للأقوال وهدفا للمطالب، وعرضا للتطرق إلى عرضه، وربّما نحل ما لم يقل، وطوق ما لم يتقلد، وألحق به ما لم يفه به، ولا اعتقده قلبه، فإن لم يتعلق بالسلطان بحظ لا يسلم من المتالف، ولا ينجو من المخالف، فإن تعرض لتأليف غمز ولمز، وتعرض وهمز وسترت فضائله وهتف ونودي بما أغفل فتسكن لذلك همته، وتكل نفسه وتبرد حميته. الخ كلامه انظر بقيته في رسالته المثبوتة في نفح الطيب.\nفليت شعري ما يقال بعد خراب الأندلس وضعف الإسلام في القرن الرابع عشر.\nوجماع القول أن من جهل شيئا عاداه، والمزكوم لا يجد رائحة العطر بل يأباه، ويرحم الله أبا الثناء محمود بن عبد الله الألوسي البغدادي صاحب روح المعاني إذ يقول:\nوإذا الفتى بلغ السماء بفضله ... كانت كأعداد النجوم عداه\nورموه عن حسد بكل كريهة ... لكنّهم لا ينقصون علاه\nولولا تفكري في أمر أبي الحسن الخزاعي، وأن ما أحياه من ماثر الأسلاف، وإن قضى عليه الزمن الأخير بالنكران، فقد قيضتني الأقدار، بعد أن مضى على موته نحو من ستمائة سنة بلا اختيار، لإحياء مراسمه والاهتبال، بمعالمه، والانفعال لعوامله في مثل ذلك الزمن والآتي مع غض الطرف عن هذا الذي نحن فيه وليس بمواتي، لكنت قد أضربت عن هذا العمل ونبذته وفارقته تماما وقاطعته، ولكن فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ [الأنعام: ٨٩] فإلى المؤمنين بفضائل المعاصرين يجر الحديث وإلى من يؤمن بكرامة الموتى من الآتين نجتهد في بث ما علمناه ونسير السير الحثيث فإليكم","vol":"1","page":75},{"text":"معاشر الآتين وأرواح أفراد من الماضين أسوق هذه المجموعة النفيسة التي هي كمرآة مكبرة تتجلّى لكم منها الحالة الاجتماعية والسياسية والحربية والعلمية والأخلاقية والعائلية التي كانت في زمن مصدر النبوة، وإبان فيضان الكمال بأتم معانيه، في وقت الرسالة المحمدية فخذوها شاكرين. واقرؤوها بالخير ذاكرين والله المستعان وعليه لا على غيره التكلان وهذا حين الشروع في المقصود مستعينا بالرب المعبود سبحانه «١» .\n_________\n(١) جزى الله المؤلف خيرا فقد صدق في قوله، وأرجو أن يحقق الله بالآتين ظنه، فكتابه من أنفس ما كتب في بابه، وأوسع ما يمكن لذي قلم أن يجمع من ثمره ولبابه. ﵀ رحمة واسعة، وألحقه بشجرته الطيبة المباركة من آل الكتاني الكرام، سلاسة سيدنا الحسن بن علي ﵃ وألحقنا بركابهم آمين. مصححه.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>القسم الأول في الخلافة والوزارة (الصدارة)</span>\nوما يضاف إلى ذلك من الخدمات النبوية الشخصية التي كان يقوم بها أفراد من الصحابة","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الخلافة</span>\n«قال الفخر الرازي: الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه. وفي صناعة الكتابة لابن النحاس: وعلى هذا خوطب الصديق فقيل له: يا خليفة رسول الله وهو أول من ولي الخلافة في الإسلام» خزاعي.\nالخلافة هي الرياسة العظمى، والولاية العامة الجامعة، القائمة بحراسة الدين والدنيا، والقائم بها يسمّى الخليفة، لأنه خليفة عن رسول الله ﷺ، والإمام لأن الإمامة والخطبة في عهد الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين لازمة له، لا يقوم بها غيره إلا بطريق النيابة عنه؛ كالقضاء والحكومة، ويسمّى أيضا أمير المؤمنين. وهو الوالي الأعظم لا والي فوقه ولا يشاركه في مقامه غيره، وأول خلافة انعقدت على حقيقتها ووجهها في الأرض، خلافة أبي بكر ﵁. أخرج ابن عديّ عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي الرشيد: يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق؟ قلت: يا أمير المؤمنين، سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون، فقال: والله ما زدتني إلا غما. قال: يا أمير المؤمنين مرض النبي ﷺ ثمانية أيام، فدخل عليه بلال فقال: يا رسول الله من يصلي بالناس؟ فقال: مر أبا بكر يصلي بالناس فصلى أبو بكر ثمانية أيام والوحي ينزل، فسكت رسول الله ﷺ لسكوت الله وسكت المسلمون لسكوت رسول الله ﷺ، فأعجبه فقال: بارك الله فيك.\nوقد استنبط جماعة من العلماء خلافة أبي بكر من آيات القرآن، فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] قال: هو والله أبو بكر وأصحابه لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير في قوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الفتح: ١٦] قال: هم بنو حنيفة. قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة: هذه الآية حجة على خلافة الصديق، لأنه الذي دعا إلى قتالهم، وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: سمعت أبا العباس بن شريح يقول: خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية، قال: لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه إلّا دعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة، ومن منع الزكاة. قال: فدلّ ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته، إذ أخبر الله أن المتولي عن ذلك يعذّب عذابا أليما. قال الحافظ بن كثير: ومن فسّر القوم بأنهم فارس","vol":"1","page":79},{"text":"والروم فالصديق هو الذي جهز الجيش إليهم، وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان، وهما فرعا الصديق، وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: ٥٥] الآية قال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة أبي بكر.\nوأخرج البيهقي عن ابن الزعفراني قال: سمعت الشافعي يقول: أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق، وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول الله ﷺ، فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم. وفي الفروق لأبي العباس القرافي ص ١٨٢ من الجزء الثاني قال العلماء: إن قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤] إنه الخلافة وأنه ﷺ كان يطوف على القبائل في أول أمره لينصروه، فيقولون له: ويكون لنا الأمر من بعدك: فيقول ﷺ: إني قد منعت من ذلك، وإنه قد أنزل عليه وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ الزخرف: ٤٤] فلم يكن للأنصار في هذا الشأن شيء، وقد سئل بعض علماء القيروان من كان مستحقا للخلافة بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: سبحان الله إنا بالقيروان نعلم من هو أصلح منا للقضاء، ومن هو أصلح منّا للفتيا، ومن هو أصلح منا للإمامة، أيخفى ذلك عن أصحاب رسول الله ﷺ؟ إنما يسأل عن هذه المسائل أهل العراق. وصدق ﵁ فيما قاله اهـ.\nوهو ﵁ أول من أسلم، وأول من جمع القرآن وأول من سمّاه مصحفا، وأول من سمّي خليفة. أخرج أحمد عن أبي بكر ابن مليكة قال: قيل لأبي بكر: يا خليفة الله قال: أنا خليفة رسول الله ﷺ، وأنا راض به. وأول من ولي الخلافة وأبوه حي وأول خليفة فرض له رعيته العطاء.\nأخرج البخاري عن عائشة قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين، وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: لما بويع أبو بكر أصبح وفي ساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق. فقال عمر: أين تريد؟ قال: إلى السوق. قال: أتصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قال:\nانطلق يفرض لك أبو عبيدة فانطلقا إلى أبي عبيدة فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين، ليس بأفضلهم ولا أركسهم، وكسوة الشتاء والصيف، إذا أخلقت شيئا رددته وأخذت غيره، ففرض له كل يوم نصف شاة، وما كساه في الرأس والبطن، وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين. قال: زيدوني لأن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة. وهو أول من اتخذ بيت المال كما سبق. قال الحاكم: أول لقب في الإسلام لقّب أبي بكر عتيقا قال الحافظ السخاوي: وهو أول من لقب بشيخ الإسلام اهـ وقال الشهاب أحمد حلولو في شرحه على «جمع الجوامع»: أما","vol":"1","page":80},{"text":"كون أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ؛ فقد اتفقت الصحابة على إطلاقه، وذلك لما اقتضته الأدلة من الاستخلاف، وهي كثيرة جدا مبسوطة في الكتب المطولّة، متواطئة على معنى واحد، غير أنه ليس فيها نص صريح؛ لأنه لو كان لما وقع التردد منهم أولا في يوم السقيفة، وأما تسمية بقية الخلفاء بأمراء المؤمنين فبإطلاق الصحابة اهـ.\nوقال الحافظ ابن حزم في «نقط العروس»: من ولي الخلافة بعهد اختلف الناس في أبي بكر. والذي أدين الله به: أنه ولي الخلافة بعهد من رسول الله ﷺ إليه، ونص عليه لإجماع أهل الإسلام على تسميته خليفة رسول الله، ولم يسمّ أحد بهذا الإسم أحدا غيره، ولا ممن استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة، ولا ممن استخلفه على الصلوات في غزواته وحجته، وللخبر الثابت «١» الذي رويناه من طرق ثابتة في قصة المرأة التي قالت: يا رسول الله، فإن رجعت ولم أجدك كأنها تريد الموت قال: «فأبو بكر»، هكذا نص الحديث كما أوردناه، ولغير هذا مما ذكرناه في كتاب «الفيصل» ولله الحمد اهـ وقال ابن جزيّ في «القوانين»: الدليل على إثبات إمامة الخلفاء الأربعة من ثلاثة أوجه: أحدها أن كل واحد منهم جمع شروط الإمامة على الكمال، والآخر أن كل واحد منهم أجمع المسلمون على بيعته والدخول تحت طاعته والإجماع حجة، والثالث ما سبق لكل واحد منهم من الصحبة، والهجرة والمناقب الجليلة، وثناء الله عليهم وشهادة الصادق لهم بالجنة، ثم إن أبا بكر وعمر أشار رسول الله ﷺ إلى خلافتهما وأمر بالإقتداء بهما، وقدم أبا بكر على حجة الوداع وعلى الصلاة بالناس في مرض موته، وذلك دليل على إمامته ثم استخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الأمر شورى بين ستة نفر، فاتفقوا على تقديم عثمان. إلى أن قتل مظلوما، ثم كان أحقّ الناس بها بعده علي لمرتبته الشريفة وفضائله المنيفة.\nوأول من سمّي بأمير المؤمنين من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب اتفاقا، وذلك أن أبا بكر لما بويع كانوا يسمونه خليفة رسول الله، فلما بويع عمر كانوا يدعونه خليفة خليفة رسول الله فاستثقلوا ذلك، وكرهوا تزايده داعيا إلى أن يؤدي إلى الاستهجان، ويذهب التمييز المقصود به لكثرتها وطول إضافتها، فاتفق أن دعا بعض الصحابة عمر بن الخطاب بأمير المؤمنين فيما كتبه إليه أبو موسى الأشعري، وفيما خاطبه مشافهة عدي بن حاتم الطائي أو المغيرة بن شعبة أو عمرو بن العاص أو غيرهم، فاستحسنه الناس واستصوبوه، وكان رسول الله ﷺ أطلق هذا الاسم قبله على عبد الله بن جحش حين بعثه في سرية.\nوقال الحافظ السيوطي كما في «المصباح الوهاج»، حين ذكر أن أبا بكر بعد موته ﵇ بعث أسامة على جيش للشام، فكان الصحابة في ذلك السفر يدعونه أمير\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب أصحاب النبي ﷺ باب ٥ ص ١٩١/ ٤ ونصه: إن لم تجديني فأتي أبا بكر.","vol":"1","page":81},{"text":"المؤمنين. وروي عن سيدنا عمر أنه كان إذا رأى أسامة قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فيقول أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين تقول لي هذا فيقول لا أزال أدعوك الأمير ما عشت. مات رسول الله ﷺ وأنت عليّ أمير اهـ.\nووقع في الأسئلة التي قدمها الشيخ تاج الدين السبكي للصلاح الصفدي:\nمن عدّ من أمراء المؤمنين ولم ... يحكم على الناس من بدو ومن حضر\nولم يكن قرشيا حين عدّ ولا ... يجوز أن يتولى إمرة البشر؟\nومن جواب الحافظ السيوطي عن الأسئلة المذكورة:\nثم المسمى أمير المؤمنين ولم ... يحكم على الناس من بدو ومن حضر\nأسامة حين ولاه النبي على ... سرية لقبوه ذاك في السفر\nثم توارث الخلفاء هذا اللقب سمة لا يشاركهم فيها أحد وتنافسوا فيها؛ خصوصا ملوك بني أمية، ثم بني العباس الذين كانوا ببغداد، إلا من رأى أنه أحق منهم بالخلافة ببقية الأقطار، كإمام المغرب أبي العلاء، مولانا إدريس بن عبد الله الكامل، قدس الله روحه الزكيّة، فإنه قام بالأمر هنا، بإيصاء أخيه محمد النفس الزكية له بالأمر، وقد كان بويع في المدينة بالخلافة قبل بيعة أبي جعفر المنصور العباسي، فكان هو الخليفة الشرعي، وفي شرح ابن زكري على همزيته: إن النفس الزكية انعقدت له الإمامة قبل بني العباس، ولهذا كان مالك وأبو حنيفة يجنحان إليه ويرجّحان إمامته على بني العباس ويريان أن إمامته أصحّ من إمامة أبي جعفر لانعقاد هذه البيعة من قبل اهـ وأصله للحافظ التنسي في الدر والعقيان.\nوقال غيرهما: بيعة بني العباس هي غير المنعقدة لأنهم خارجون، وبيعة مولانا إدريس ثابتة، ولذلك ثبت أن مولانا إدريس الأكبر قال في خطبته حين بيعته: إن الذي تجدونه عندنا لا تجدونه عند غيرنا، وفي كنز الأسرار للمقري: سبب اشتهار مذهب مالك بالمغرب واقتصارهم عليه وأمر مولانا إدريس لهم باتباعه: رواية مالك في الموطأ عن جده عبد الله الكامل، وفتياه بخلع أبي جعفر المنصور العباسي، وبيعته لمحمد النفس الزكية وعهده لأخيه إدريس الأكبر بالخلافة بعده قاله ابن خالدون.\nفكان مالك هو السبب في ولايتهم الملك، فقال إدريس نحن أحق باتباع مذهبه وقراءة كتابه يعني الموطأ، وأمر بذلك في جميع عمالته اهـ وانظر الدر النفيس. وكعبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموي المتوفّى سنة خمسين وثلاثمائة.\nقال ابن جزيّ في قوانينه: هو أول من دعي بالأندلس أمير المؤمنين اهـ قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: هو أول من تسمى بالأندلس بالخلافة وبأمير المؤمنين لما وهت الدولة العباسية في أيام المقتدر، وكان الذين قبله إنما يتسمون بالأمير فقط اهـ وفي أزهار الرياض:\nوالناصر هو من تسمّى بأمير المؤمنين من بني أمية بالأندلس، لأن الدولة عظمت في أيامه، حين اختلط نظام ملك العباسيين بالمشرق وتغلبت عليه الأعاجم اهـ منه. وإنما أعلن الناصر","vol":"1","page":82},{"text":"بذلك لما رأى من ضعف أمر الخلفاء العباسيين ببغداد، إذ لقب نفسه أمير المؤمنين، وأورث من عقبه هذا اللقب، واستهل خطيبه بجامع قرطبة خطبة الجمعة بذلك سنة ٣١٦، وأنفذ منشوره بذلك لعماله جاء فيه: وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو لهذا الاسم منتحل له ودخيل ومتسم بما لا يستحقه، وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه واسم ثابت أسقطناه، فمر الخطيب لموضعك أن يقول به، وأجر مخاطبتك لنا عليه اهـ.\nولما قام عبيد الله المهدي أول ملوك العبيدين بأفريقية تسمّى بأمير المؤمنين لأنه كان رأى أنه أحق بالخلافة من بني العباس المعاصرين له بالمشرق، قال صاحب تاريخ دول الإسلام: فهو أول من زاحم الخليفة بهذا اللقب اهـ ثم تبعه على ذلك عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس، ورأى أن له الحق في الخلافة، اقتداء بسلفه الذين كانوا خلفاء بالمشرق، ثم لم يتجاسر أحد لا من ملوك العجم بالمشرق، ولا من ملوك البربر بالمغرب على التلقب بأمير المؤمنين، لأنه لقب الخليفة الأعظم القرشي، إلى أن جاءت دولة المرابطين وكان منهم يوسف بن تاشفين واستولى على المغربين، والأندلس وعظم سلطانه واتسعت مملكته، وخاطب الخليفة العباسي بالمشرق، فولاه على ما بيده وتسمى بأمير المسلمين، أدبا مع الخليفة، وقيل: أول من دعاه بها المعتمد بن عباد صاحب ملك الأندلس، فاستحسن ذلك منه. ثم لقبّه بها صاحب بغداد، ثم جرت على من بعده.\nولما تكلم ابن أبي زرع على وقعة الزلاقة وكانت سنة ٤٧٩ وما أوتيه فيه من النصر قال:\nوفي اليوم نفسه سمّي يوسف بن تاشفين بأمير المسلمين، ولم يكن يدعى بها قبل ذلك اهـ.\nقلت: مثل ما لابن أبي زرع لغير واحد. نعم في كتاب أخبار الدول وآثار الأول للقرماني أن عبد الله بن ياسين ممهد دولة الموحدين، سمّى أبا بكر بن عمر رأس قبيلة اللمتون لما بايعه بأمير المسلمين، ولا شك أن بيعته كانت قبل وقعة الزلاقة بكثير فيحتمل أن يكون الملقب أولا ابن عمر، ثم اشتهر على يوسف المبايع بعده لما لقبه به رسميا في الأندلس المعتمد بن عباد في وقعة الزلاقة، ثم أقره عليه الخليفة العباسي والله أعلم، وصار اللقب بأمير المسلمين شعار المرابطين ففي مكتبتنا طرف من الموطأ انتسخت في الرق لعلي بن يوسف بن تاشفين سنة ٥٣٠ على أول بعض أجزائها: مما كتب لخزانة أمير المؤمنين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين أدام الله تأييده ونصره يحيى بن محمد بن عباد اللخمي اهـ من خطه.\nوفي مكتبتنا في قسم السكك دراهم ليوسف بن تاشفين، رسم عليها وصفه بأمير المؤمنين. وهو يؤيد ما في كتاب أخبار الدول وآثار الأول. لأحمد بن يوسف القرماني الدمشقي في ترجمة يوسف بن تاشفين أنه تلقب بأمير المؤمنين اهـ انظر ص ٢٥٤ طبع بغداد.","vol":"1","page":83},{"text":"ورأيت عياضا وصف ولده علي بن يوسف بن تاشفين مرارا في الغنية بأمير المؤمنين، ولما أعقبت دولة المرابطين الدولة الموحدية أعلنت بما تهوى قال ابن جزيّ في قوانينه عن عبد المؤمن بن علي الموحدي تسمى بأمير المؤمنين اهـ.\nوأفاد صاحب تاريخ دول الإسلام أن عبد المؤمن تسمّى بأمير المؤمنين سنة ٥٢٨ واتسم بوسم الخليفة، وتبعه على ذلك بنوه، ففي مكتبتنا نسخة من اختصار الموطأ للمهدي بن تومرت وأماليه، انتسخت بفاس سنة ٥٨٨ طالعتها وفيها تحلية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بأمير المؤمنين، ولا يستغرب ذلك في الدولة الموحدية، لأنهم تجاوزوا ذلك إلى إدعاء العصمة والمهدوية، في إمامهم ابن تومرت.\nومن العجيب ما وقع في باب الأيمة من قريش من فتح الباري من أن قطري أحد أيمة الخوارج تسمى بأمير المؤمنين قال: وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج؛ ممن قام على الحجاج كابن الأشعث، ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من الأقطار في وقت ما، فتسمى بالخلافة وليس بقرشي كبني عباد وغيرهم بالأندلس، كعبد المؤمن وذريته ببلاد المغرب كلها اهـ منه.\nولكن لما جاءت الدولة المرينية محت ذلك واقتصر ملوكها على التلقيب بأمير المسلمين، وبذلك كان يدعى ملوكهم، ولذلك نجد على بناآتهم وآثارهم الوصف بأمير المسلمين لا المؤمنين تمييزا لهم عن لقب الخلفاء بالمشرق، وفي مكتبتنا مد لإخراج زكاة الفطر من آثارهم نقش في صدره ما نصه.\nالحمد لله- أمر بتعديل هذا المد المبارك مولانا أمير المسلمين أبو الحسن بن مولانا أمير المسلمين أبي سعيد بن مولانا أمير المؤمنين أبي يوسف بن عبد الحق أيده الله ونصره الخ.\nوفي مكتبتنا أيضا أوراق من ربعة مصحف كريم في الرق في آخره بالذهب: كمل الجزء السادس عشر، مما نسخ لمولانا الملك العادل التقى الأطهر، أمير المسلمين وخليفة رب العالمين، أبو سعيد بن مولانا المقدس يوسف بن عبد الحق الخ واقتدى بهم في ذلك ملوك بني زيان بتلمسان، ففي مكتبتنا ربعة مصحف انتسخها بيده السلطان أبو زيان محمد بن أبي حم سنة ٨٠١ ووقع في آخرها وصفه بأمير المسلمين.\nولكن لما كانت انقطعت الخلافة ببغداد وكثر الأمراء في الجهات واستقل كل في جهته الحال الذي وصفه ابن الخطيب بقوله:\nحتى إذا سلك الخلافة انتثر ... وذهب العين جميعا والأثر\nقام بكل بقعة مليك ... وصاح فوق كل غصن ديك\nتوسع ملوك الأطراف في التلقيب بأمير المؤمنين، وتهافتوا عليه فيما بعد وخصوصا ملوك الدولة السعدية، ففي عقود تحبيساتهم في مكتبة القرويين وصفهم بأمير المؤمنين","vol":"1","page":84},{"text":"كثيرا، وبالأخص يتيمة عقدهم أبو العباس المنصور، مع احترامه لملوك الترك العثمانيين وكونهم أولياء نعمته وشيوخه نراه يكتب فوق كثير من عقود التحبيس عن نفسه أمير المؤمنين ذاهبا بها قلمه كيف شاء، وهكذا الحال إلى الآن وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠] .\nوفي مقدمة العبر لدى فصل إن اللقب بأمير المؤمنين من شعار الخلافة وأنه محدث، منذ عهد الخلفاء أنه لما تعطل دستها، وثار بالمغرب من قبائل البربر يوسف بن تاشفين ملك لمتونة ملك العدوتين، وكان من أهل الخير والاقتداء نزعت به همته إلى الدخول في طاعة الخليفة، تكميلا لمراسم دينه فخاطب المستظهر العباسي، وأوفد عليه ببيعته عبد الله بن العربي، وولده القاضي أبا بكر من مشيخة أشبيلية، يطلبان توليته إياه على المغرب، وتقليده ذلك فانقلبوا إليه بعهد الخلافة له على المغرب، واستعار زيهم في لبوس رتبة وخاطبه فيه بأمير المؤمنين تشريفا له واختصاصا، فاتخذه لقبا. ويقال إنه كان دعا له بأمير المؤمنين من قبل أدبا مع رتبة الخلافة، لما كانت عليه هو وقومه المرابطون من انتحال الدين واتباع السنة، ثم انتحل عبد المؤمن الموحدي اللقب بأمير المؤمنين، وجرى عليه من بعده خلفاء بني عبد المؤمن، وآل ابن حفص من بعدهم، استيثارا بهم عمّن سواهم، ولما انتقض الأمر بالمغرب وانتزعه زناتة «١»، ذهب أولهم مذهب البداوة والسذاجة، واتباع لمتونة في انتحال اللقب بأمير المؤمنين، أدبا مع رتبة الخلافة التي كانوا على طاعتها لبني عبد المؤمن أولا، وبني حفص من بعدهم، ثم انتزع المتأخرون منهم إلى اللقب بأمير المؤمنين، وانتحلوه إلى هذا العهد اهـ وقوله المؤمنين لدى كلامه على يوسف بن تاشفين، وبني مرين هو كذلك في طبعتي مصر الأولى والثانية وهو تصحيف وصوابه: أمير المسلمين وهو المعروف كما أن ما ذكره من أن يوسف بن تاشفين أوفد على المستظهر العباسي ببيعته عبد الله بن العربي وولده القاضي أبا بكر الخ منقوض بأن ابن العربي ووالده ذهبا للمشرق فرارا من يوسف بن تاشفين لما سقطت دولة المعتمد بن عباد، بدليل أن عبد الله بقي بالمشرق متجولا إلى أن مات هناك إجماعا، وولده أبو بكر بقي بعده ورجع لبلده لا لمراكش وفي مدة انتقالهما وجولانهما بالمشرق اعتقلت أملاكهما عليهما إلى أن رجع أبو بكر فتشفع في ردها عليه الحافظ أبو علي الصدفي. انظر كتابنا حول كتاب العواصم لابن العربي المذكور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ذكر الفرق بين الخليفة والملك والسلطان من حيث الشرع والاصطلاح</span>\nهكذا ترجم الأسيوطي [السيوطي] في حسن المحاضرة ص ١٠٨ من الجزء الثاني فذكر عن ابن سعد في الطبقات أن عمر بن الخطاب قال لسلمان: أملك أنا أم خليفة؟ فقال\n_________\n(١) زنانة: اسم قبيلة بربرية معروفة.","vol":"1","page":85},{"text":"له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر، وخرّج أيضا عن عمر قال: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم. قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا. قال:\nما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا فسكت عمر، وأما السلطان من حيث الإصطلاح فقال ابن فضل الله في المسالك: ذكر علي بن سعيد أن الإصطلاح أن لا تطلق هذه التسمية (السلطان) إلا على من يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك فيملك مثلا مصر وأهل الشام أو مثلا إفريقية والأندلس، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها فإن زاد بلادا أو عددا في الجيش كان أعظم في السلطنة، وجاز أن يطلق عليه السلطان الأعظم، فإن خطب له في مثل مصر والشام والجزيرة ومثل خراسان وعراق العجم وفارس ومثل إفريقية والمغرب الأوسط والأندلس كان سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية اهـ انظر حسن المحاضرة وتاريخ القرماني ص ٢٢١.\n«لطيفة» وفي مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية أن أبا جعفر المنصور أحضر ليلة عبد الله بن علي وصالح بن علي في نفر معهما فقال عبد الله بن علي يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن مروان لما هرب إلى بلاد النوبة «١» جرى بينه وبين ملكها كلام فيه أعجوبة سقط عني حفظه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يرسل إليه بحضرتنا، ويسأله عما ذهب عنا، وكان في الجيش. فأرسل إليه أبو جعفر فلما دخل قال له: أخبرني بحديثك وحديث ملك النوبة. قال: يا أمير المؤمنين هربت بمن تبعني بأثاث سلم لي إلى بلاد النوبة، فلما دخلت بلادهم فرشت تلك الأثاث، فجاء أهل النوبة ينظرون معجبين إلى أن بلغ الخبر إلى ملكهم فجاءني فلما وصل قعد على الأرض قال: إنكم تشربون الخمر وهو محرم عليكم، فقلت: عبيدنا وأتباعنا يفعلون ذلك بالجهل منهم. فقال: فلم تلبسون الديباج والحرير، وتتحلون الذهب وهو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك وإنقطعت المادة واستنصرنا بقوم من الأعاجم كان هذا زيهم فكرهنا الخلاف عليهم، فأطرق يقلب يده ويقول: عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا. يكرر الكلام على نفسه. ثم نظر إليّ وقال: ليس ذلك كما تقول، ولكنكم قوم ملكتم فظلمتم، وتركتم ما به أمرتم، وركنتم إلى ما عنه نهيتم، فسلبكم الله العز وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وإني أخاف أن تنزل بكم النقمة، وأنتم ببلدي فتصيا بني معكم، فارتحلوا عن جواري، فقام أبو جعفر وقيد من كلامه قال تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا\n[الإسراء: ١٦] اهـ.\nوقد ذكر القصة بمعناها أيضا المسعودي في مروج الذهب، ثم ابن خالدون في مقدمة\n_________\n(١) بلاد النوبة هي في أقصى الصعيد المصري. مصححه.","vol":"1","page":86},{"text":"العبر، وانظر المسند الصحيح الحسن في ماثر أمير المؤمنين أبي الحسن، وإيضاح المراشد في أجوبة أبي راشد كلاهما للخطيب بن مرزوق، ومقدمة كتاب القضاء من شرح التقليد للماوردي المالكي؛ فإنه حرر مواضع الخلافة، وهذب طرقها وما يحتاج إليه من ذلك، وكتاب إمام الحرمين الجويني في الخلافة، الذي سماه غياث الأمم في التياث الظلم وهو عنده مرتب على ثلاثة أركان: الركن الأول في الإمامة وما يليق بها من الأبواب، والركن الثاني في تقدير خلوّ الزمان عن الأيمة وولاة الأمة والركن الثالث: في تعذير إنقراض حملة الشريعة جملة. صنفه لغياث الدولة وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر، وانظر مقدمة كتاب: نصيحة الصفا في قواعد الخلفا لأبي العباس أحمد بن محمد بن يعقوب وهو مشتمل على أبواب خمسة: الأول في معنى الخلافة الثاني في حرزها الثالث في إستقرارها الرابع في كمالها وحربها الخامس في جعلها وسيلة للفوز بالخلافة الآخروية.\nلطيفة أخرى: في ثمار القلوب للثعالبي: كان أبو الفتح البستي يستحسن قولي في كتاب المبهج: الملك خلافة عن الله في عباده وبلاده، ولن تستقيم خلافته مع مخالفته اهـ.\nوفي ترجمة أبي عبد الله المقري التلمساني من تكملة الديباج عنه أنه قال: سألني بعض الفقراء عن سوء بخت المسلمين في ملوكهم؛ إذ لم يلهم من سلك بهم الجادة، بل من يغتر بدنياه غافل عن عقباه، لا يرقب في مؤمن إلا ذمة، فأجبته بأن الملك ليس في شرعنا، بل هو شرع من قبلنا قال تعالى ممتنا على بني إسرائيل: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا [المائدة: ٢٠] وقال: قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا [البقرة: ٢٤٧] وقال: وَهَبْ لِي مُلْكًا [ص: ٣٥] ولم يشرع لنا إلا الخلافة، فأبو بكر خليفته ﵇، كما فهم الناس عنه. وأجمعوا عليه، واستخلف عمر؛ فخرج عن طريق الملك الذي يرثه ولد عن والد، إلى الخلافة التي هي النظر والإختيار. ثم اتفق أهل الشورى على عثمان، وأخرجها عمر عن بنيه؛ لأنها ليست ملكا. ثم تعين علي بعد إذ لم يبق مثله، فبايعه من آثر الحق على الهوى، والآخرة على الدنيا، ثم الحسن كذلك، ثم كان معاوية أولّ من حوّلها ملكا.\nوالخشونة لينا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٠] فصارت ميراثا. ثم لما خرجت عن وصفها لم تستقم ملكا.\nوكان عمر بن عبد العزيز خليفة لأن سليمان آثر حق المسلمين، فرغب عن بني أبيه، وعلم اجتماع الناس إليه فلم يسلك طريق الإستقامة إلا خليفة، وأما الملوك فكما ذكرت إلا من قل، وغالب حاله غير مرضي اهـ.\nقال الحافظ في أول كتاب الأحكام من الفتح: ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية؛ لما قال له: أليس الله أمركم أن تطيعوني. في قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] فقال له: أليس قد نزعت عنكم يعني الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [النساء: ٥٩]","vol":"1","page":87},{"text":"قال الطيبي أعاد الفعل في قوله: أطيعوا الرسول إشارة إلى إستقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته ثم بين ذلك بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الوزير</span>\n«قال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن: الوزارة عبارة عن رجل موثوق به في دينه وعقله يشاوره الخليفة فيما يعن له من الأمور اهـ وقد صرح ابن العربي في سراج المريدين والأحكام بتحسين حديث فيه أن أبا بكر وعمر وزراء النبي ﷺ من أهل الأرض» .\nقلت: وفي القوانين لابن جزي في حق عمر: وكان هو وأبو بكر وزيرين لرسول الله ﷺ في حياته اهـ منها. ولا شك أن حالهما كان مع رسول الله ﷺ لا يعطي إلا ذلك، وبما وصلاه من هذه الرتبة العظيمة إستخلفهما المسلمون بعده، وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال: كان أبو بكر من النبي ﷺ مكان الوزير؛ فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام، وثانيه في الغار، وثانيه في العريش يوم بدر، وثانيه في القبر، ولم يكن رسول الله ﷺ يقدم عليه أحدا. انظر ص ٢٣ من تاريخ الخلفاء للسيوطي، وقد جاء ذكر الوزير في كثير من الأحاديث؛ أخرج النسائي عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: من وليّ منكم عملا فأراد به خيرا جعل له وزيرا صالحا فإن نسي ذكره وإن ذكره أعانه «١» .\nوخرّج أبو داود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا أراد الله بالأمير خيرا حعل الله له وزير صدق إن نسى ذكره وإن ذكر أعانه وإن أراد الله به غير ذلك جعل الله له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه» «٢» . وأصله في الصحيح.\nترجم على الحديث المذكور أبو داود في سننه باب إتخاذ الوزير وأورده في الجامع الصغير، وعزاه لأبي داود والبيهقي قال المناوي في التيسير: رمز المؤلف لحسنه، ولعله لشواهده. وإلا فقد جزم الحافظ العراقي بضعفه اهـ وقال الشمس العلقمي في حواشي الجامع المسماة بالكوكب المنير بجانبه علامة الحسن، وقال أيضا قوله: وزير، الوزير هو الذي يوازر الأمير، فيحمل عنه ما يحمله من الأثقال، والذي يلتجىء الأمير إلى رأيه، فهو ملجأ له ومفزع انظر بقيته فيه، وفي عون الودود على سنن أبي داود للفنجابي: الحديث يدل على إستحباب إتخاذ الوزير عند الحاجة لأمور السياسة اهـ.\nوكان على الخزاعي أن يذكر هنا قول عبد الله بن مسعود وهو عند أحمد والبزار والطبراني في الكبير قال النور الهيثمي ورجاله موثّقون: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد\n_________\n(١) رواه النسائي في كتاب البيعة رقم ٣٩- ٣٣ ج ٧ ص ١٥٩.\n(٢) رواه أبو داود تحت رقم ٢٩٣٢ ج ٣ ص ٣٤٥.","vol":"1","page":88},{"text":"قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، ونظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سييء وأن يذكر أيضا ما خرّجه الآجري في أربعينه، عن عبد الرحمن بن خديج بن ساعدة رفعه: إن الله إختارني واختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.\nوفي أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب للحافظ السيوطي أيضا: وأيد ﵇ بأربعة وزراء جبريل وميكائيل وأبي بكر وعمر، وأعطي من أصحابه أربعة عشر نجباء، وكل نبي أعطي سبعة اهـ قال البدر الروضي في شرحه عليه قلت: قد جاء بيان هذه الأربعة عشر في الحديث من طرق مع إختلاف الأسماء فمنها ما جاء: لم يكن نبي قط إلا أعطي سبعة نجباء ووزراء رفقاء، وأعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وأبا بكر وعمر وعليا والحسن والحسين وعبد الله بن مسعود وسلمان وعمار بن ياسر وحذيفة وأبا ذر وبلالا ومصعبا اهـ.\nوفي سيرة ابن فارس: وأما رفقاؤه النجباء فعلي وابناه وحمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وأبو ذر والمقداد وسلمان وحذيفة وابن مسعود وعمار بن ياسر وبلال.\nوفي الاستيعاب ورد عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: إنه لم يكن نبي إلا أعطي سبعة نجباء وزراء ورفقاء، وإني أعطيت أربعة عشر فذكرهم بأسمائهم لكنه مرة قدّم بعضهم ومرة أخر. والمقصود التسمية والعدد.\nوبذلك كله تعلم ما في قول أبي عبد الله اكنسوس في الجيش لما جاء الإسلام، وصار الملك خلافه، وذهب رسم الملك، وذهبت تلك الخطط اللازمة بذهابه، وبقيت المعاونة بالرأي والمفاوضة بالمصالح المستجلبة، والمفاسد المستدفعة، فلم يمكن زوال هذا. إذ هو أمر طبيعي لا بد منه، فكان ﷺ يشاور أصحابه، ويفاوضهم في المهمات العامة والخاصة، ويخص أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى كان بعض العرب الذين عرفوا دول العجم قبل الإسلام كسرى وقيصر والنجاشي؛ يسمون أبا بكر وزير النبي ﷺ. وكذلك كان عمر مع أبي بكر، وعلي وعثمان مع عمر، ولم تكن العرب تعرف لفظ الوزير في هذه المرتبة، وإنما علمها منهم من خالط العجم، هذا حاصل ما ذكره ابن خالدون اهـ وتعلم أيضا ما في نقل القلقشندي في صبح الأعشي عن القضاعي وغيره: أن أول من لقب بالوزارة في الإسلام أبو سلمة حفص بن سليمان الخلالّ وزير أبي العباس السفاح، أول خلفاء بني العباس، ولم يكن ذلك قبله. ثم جرى الأمر على ذلك في إتخاذ الخلفاء والملوك الوزراء اهـ سيما وإستعمال الوزير وقع في القرآن حكاية عن الأنبياء قبل. فعن موسى ﵇:\nوَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي [طه: ٢٩] وقال تعالى: وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا [الفرقان: ٣٥] فتأمل ذلك.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>ذكر صاحب السر</span>\n«صرّح الخطيب في تاريخ بغداد: أن حذيفة بن اليمان كان صاحب سرّ رسول الله ﷺ، ووقع تسميته بذلك أيضا في سنن النسائي، في قصة ذهاب علقمة للشام ولقائه في دمشق لأبي الدرداء فإن أبا الدرداء قال له: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟» .\nقال في أسد الغابة: حذيفة صاحب سرّ رسول الله ﷺ في المنافقين، لم يعلمهم أحد إلا حذيفة، أعلمه بهم رسول الله ﷺ، وسأله عمر أفي عمالي أحد من المنافقين؟ قال:\nنعم، واحد قال: من هو؟ قال: لا أذكره. قال حذيفة: فعزله فكأنما دل عليه اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>في ذكر الآذن [الحاجب]</span>\nقلت: قال الشبراملسي في حواشي المواهب قوله: ويأذن عليه أن يراجع النبي ﷺ فيمن يريد الدخول عليه، ثم يأذن له إذا علم رضى النبي بذلك، وأما من كان يأذن على رسول الله ﷺ.\n«فخرّج مسلم «١» عن جابر بن عبد الله قال: جاء أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس جلسوا ببابه ولم يؤذن لهم قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن له، وفي كتاب أنباء الأنبياء للقضاعي: آذنه أنس بن مالك. قال ابن العربي في الأحكام: كان أنس بن مالك يستأذن على رسول الله ﷺ، فيعمل على قوله وفي ذلك دليل على أنه يجوز من الصغير، وفي الصحيح مطولا في كتاب النكاح من حديث الحسن فقال لغلام له أسود:\nأستأذن لعمر. وفي مختصر السير لإبن جماعة: وآذن ﵇ رباح الأسود وأنسه مولاه» .\nاستيذان رباح الأسود المذكور على النبي ﷺ لعمر «١»، لما كان في المشربة في صحيح مسلم أيضا، وأسد مولاه ترجمه في الإصابة ص ٣٢ نقلا عن تاريخ جمعه العباس بن محمد الأندلسي للمعتصم بن صمادح وفيه: وكان أنس ومولاه أسد يستأذن عليه اهـ وأنسه المذكور يكنى أبا يشرح، ويقال أبا يسروح وكان يأذن على رسول الله ﷺ إذا جلس، فيما حكاه مصعب الزبيري. ومات في خلافة أبي بكر ﵁. وذكر ذلك في ترجمته في الإصابة ناقلا له أيضا عن خليفة. وذكر فيه التردد هل هو أنيس أو أنسه أو التعدد، ورباح مولى النبي ﷺ قال في الإستيعاب: كان أسود، وربما آذن على النبي ﷺ أحيانا إذا انفرد رسول الله ﷺ كان يأخذ عليه الإذن، وترجم في الإصابة لعبد الله بن زغب الأيادي فقال: ويقال إنه كان يأذن على النبي ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ذكر حبس بعض الوافدين عن الآذن</span>\nترجم في الإصابة لمالك بن أبي العيزار فقال هو مذكور عند إبراهيم الحربي في\n_________\n(١) انظر كتاب النكاح من البخاري ج ٦ ص ١٤٩. وكتاب الطلاق في مسلم ص ١١٠٤/ ٢.","vol":"1","page":90},{"text":"غريب الحديث عن عائذ بن سعيد الجسري قال: وفدنا على النبي ﷺ فلقينا الضحاك بن سفيان وابن ذي اللحية الكلابي لم يؤذن لهما فقال: يا مالك وهو أحد الوفد إن جسرا قد أتى بها، فإذا دخلت على رسول الله ﷺ فقل كذا وقل كذا فقال: أنا إلى الإذن أحوج مني إلى التلقين، ثم نادى مالك إئذن لوفد جسر يا رسول الله فأذن لنا. الحديث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الحاجب</span>\nفي العقد الفريد لإبن عبد ربه وحاجبه ﵇ أبو أنسه مولاه اهـ منه ص ١٧٤ من ج ٢ وقد تكلم في صبح الأعشى على الحجابة فقال: كان موضوعها عند الخلفاء الراشدين حفظ باب الخليفة، والإستيذان للداخلين عليه، لا للتعدي للحكم في المظالم.\nوقد ذكر القضاعي في تاريخ الخلائف ما يقتضي أن الخلائف لا تزال تتخذ الحجاب من لدن الصديق فمن بعده، فسمى هو وغيره شديدا وشريف مولى أبي بكر كان حاجبه، ويرفأ حاجب عمر بن الخطاب، وحمران مولى عثمان كان حاجبه أيضا نائل مولاه، وحاجب علي كرم الله وجهه قنبر، وكان قبله بشر مولاه أيضا، وفي فتح الباري: أما إتخاذ الحاجب فقد ثبت في قصة عمر في منازعة العباس وعلي أنه كان له حاجب يقال له: يرفأ ومضى ذلك في فرض الخمس واضحا اهـ من كتاب الأحكام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>البواب</span>\n«في الصحيح عن أنس قال: مرّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: إتقي الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي ﷺ، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى» «١» .\nقلت: بالأفراد عند البخاري في الأحكام وله في الجنائز، فلم تجد عنده بوابين بالجمع، وفائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه رسول الله ﷺ إستشعرت خوفا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه كالملوك، له حاجب وبوّاب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته. كذا قال الطيبي.\nأقول: يخطر بالبال أن مرادها لم تجد بوّابه في تلك الحالة حاضرا. فلا ينافي أنه كان له من يدخل الناس عليه ﵇ بدليل ما سبق في الآذان، وفي المواهب اللدنية: ومن تواضعه ﵇: أنه لم يكن له بواب راتب، ثم ذكر حديث المرأة المذكورة. قال الزرقاني: فلا ينافي وجود بوّاب أحيانا لأمر ما. ثم قال في المتن: لكن في حديث أبي موسى الأشعري: أنه كان بوابا للنبي ﷺ؛ لما جلس على القف بضم الفاء (الدكة تجعل\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الجنائز ج ٢ ص ٧٩.","vol":"1","page":91},{"text":"حول البير، أو حافة البئر) وهي قصة بير أريس، فإن فيها كما في الصحيحين: فجلست عند الباب فقلت: لأكوننّ بواب رسول الله ﷺ اليوم. زاد البخاري في الأدب: ولم يأمرني.\nالحديث في مجيء أبي بكر ثم عمر ثم عثمان واستيذانه عليهم، وقوله ﵇ في كل:\nإفتح له وبشره بالجنة «١» . وفي رواية أبي عوانة: أملك على الباب فلا يدخل عليّ أحد. قال القسطلاني وجمع بين القصتين: بأنه كان ﵇ إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا انفراد من أمره، كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة. أي: وإذا اشتغل بأمر نفسه اتخذ بوابا. قاله الزرقاني.\nوفي حديث عمر حين إستأذن له رباح الأسود حين آلى من نسائه شهرا كفاية اهـ وفي باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها من كتاب النكاح من فتح الباري على قول عمر فقلت لغلام له أسود: إستأذن على عمر فدخل الغلام، فكلم النبي ﷺ ثم رجع فقال: كلمات النبي ﷺ وذكرتك له فسكت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فقلت للغلام إستأذن لعمر فدخل ثم رجع فقال قد ذكرتك، فصمت فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت إستأذن لعمر فدخل ثم رجع إليّ فقال قد ذكرتك له فصمت فلما وليت منصرفا قال: إذا الغلام يدعوني فقال قد أذن لك رسول الله ﷺ فدخلت على رسول الله ﷺ «٢» . قال الحافظ على قوله:\nفقلت لغلام له أسود وفي رواية عبيد بن حنين فإذا رسول الله ﷺ في مشربة يرقى عليها بعجلة وغلام لرسول الله ﷺ أسود على رأس العجلة، واسم هذا الغلام رباح بفتح الراء وتخفيف الموحدة، سماه ضحاك في روايته ولفظه: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدا على أسكفة المشربة مدلي رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقي عليه رسول الله ﷺ وينحدر وعرف بهذا تفسير العجلة المذكورة في رواية غيره والأسكفة في رواية: بضم الهمزة والكاف بينهما مهملة، ثم فاء مشددة وهي عتبة الباب السفلى وقوله:\nعلى نقير بنون ثم قاف بوزن عظيم أي منقور ووقع في بعض روايات مسلم بفاء بدل النون وهو الذي جعلت فيه بين كالدرج اهـ.\nثم قال الحافظ آخر الترجمة وفيه: جواز إتخاذ الحاكم عند الخلوة بوابا يمنع من يدخل إليه بغير إذنه، ويكون قول أنس الماضي في كتاب الجنائز، في المرأة التي وعظها رسول الله ﷺ فلم تعرفه، ثم جاءت إليه فلم تجد له بوابين، محمولا على الأوقات التي يحلس فيها للناس. قال المهلب: وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته، عند الأمر يطرقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه، ويخرج إلى الناس وهو نشيط إليهم. فإن الكسير إذا إحتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذنه، ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر عظيم المنزلة عنده اهـ.\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الأدب ج ٧ ص ١٢٣، ج ٤ ص ٢٠١.\n(٢) رواه البخاري مختصرا في كتاب تفسير القرآن سورة التحريم: ج ٦ ص ٧٠ بدون المقدمة.","vol":"1","page":92},{"text":"ثم قال الحافظ: وفيه أن الحاجب إذا علم منع الآذن بسكوت المحجوب لم يأذن، وفيه مشروعية الإستيذان على الإنسان وإن كان وحده لإحتمال أن يكون على حالة يكره الإطلاع عليها، وفيه جواز تكرار الإستيذان لمن لم يؤذن له إذا رجا حصول الإذن، وأن لا يتجاوز به ثلاث مرات كما سيأتي إيضاحه في كتاب الإستيذان في قصة أبي موسى مع عمر، ولا إستدراك على عمر في هذه القصة؛ لأن الذي وقع من الإذن له في المرة الثالثة وقع إتفاقا ولو لم يؤذن له فالذي يظهر أنه كان يعود إلى الإستيذان لأنه صرح كما سيأتي أنه لم يبلغه ذلك الحكم اهـ من الفتح.\nوفي كتاب الأحكام من الفتح أيضا على قول البخاري باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بواب قال المهلب: لم يكن للنبي ﷺ بواب راتب، يعني: فلا يرد ما مضى في المناقب من حديث أبي موسى أنه كان بوابا للنبي ﷺ لما جلس على القف، قال: فالجمع بينهما أنه إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا إنفراد لشيء من أمره، أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس، ويبرز لطالب الحاجة إليه. وقال الطبري: دل حديث عمر حين إستأذن له الأسود أنه ﵇ كان في وقت خلوته يتخذ بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه اهـ انظر بقيته فيه.\nتنبيه: لما قسم القرافي البدع إلى أقسام خمسة، وذكر القسم الثالث وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته قال: كإقامة صور للأيمة والقضاة وولاة الأمور؛ على خلاف ما كان عليه الصحابة، بسبب أن المقاصد الشرعية والمصالح لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم إنما هو بالدين، ومن سابق الهجرة حتى اختل النظام، وذهب ذلك القرن، وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور، فتعين تفخيم الصور كي تحصل المصالح، وكان عمر يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم، لعلمه أن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس، وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى تحفظ النظام، ولذلك لما قدم الشام وجد معاوية قد اتخذ حاجبا واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية، وسلك ما سلكه الملوك، سأله عن ذلك فقال له: إنا في أرض ونحن فيها محتاجون لهذا، فقال: لا آمرك ولا أنهاك «١» . ومعناه: أنت اعلم بحالك هل محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فلا يكون حسنا. فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأيمة وولاة الأمر تختلف باختلاف الأمصار، والأعصار والقرون والأحوال، فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما، وربما وجبت في بعض الأحوال اهـ ونقله المنجور [كذا] في المنهج وأقره وزاد أن الأيمة في كلامه شمل الإمامة الكبرى والصغرى وهو حسن جدا.\n_________\n(١) رحم الله عمر لو كان نهاه لكان منسجما مع قولته المعروفة: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. مصححه.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>ذكر من تولى خدمة رسول الله ﷺ من الأحرار والموالي</span>\nقلت: قال في شرح المواهب: الخادم كان غلاما أو جارية اهـ وقد عدهم العامري في بهجة المحافل أحد عشر.\n«وقال ابن جماعة في مختصر السير في ذكر من خدم رسول الله ﷺ منهم: أبو حمزة أنس بن مالك وهند وأسماء إبنة حارثة الأسلميان، وربيعة بن كعب الأسلمي، قال أبو الفرج ابن الجوزي في مختصر الحلية: ربيعة بن كعب الأسلمي كان يخدم رسول الله ﷺ ويبيت على بابه لحوائجه. وفي الإستيعاب: كان يلزم رسول الله ﷺ في السفر والحضر» .\nقلت: وفي مسلم عنه قال: كنت أبيت على باب رسول الله ﷺ، وأعطيه الوضوء، وفي شرح المواهب قال الواقدي: لم يزل مع النبي ﷺ إلى أن قبض فخرج من المدينة.\nوترجم في در السحابة لمهاجر مولى أم سلمة يكنى أبا حذيفة فقال: خدمت رسول الله ﷺ خمس سنين لم يقل لشيء صنعته لم صنعته؟ ولم يقل لشيء تركته لم تركته؟ اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>ذكر من كان يخدمه ﵇ من مواليه</span>\n(والموالى) جمع مولى، يطلق على المعتق بالكسر والمعتق بالفتح وهو المراد هنا.\nوفي بهجة الخ: إعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي ﷺ، بل كل شخص منهم في وقت. وفي بهجة المحافل في فصل مواليه ﷺ أنهم وصلوا إلى واحد وثلاثين. وعد منهم زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وأبا أنجشه ثم أنيسة ثم شقران ورباح، ويسار وأبو رافع القبطي، أبو مويهبة كركرة، زيد، هلال بن يساف، طهمان، مأبور القبطي، واقد أبو واقد، هشام، وأبو ضميرة عيب [كذا] عبيدة، أبو هند، أنجشة، أبو لبابة، رويفع.\nوكان له من الإماء سبع إحدا هن سلمى، وأوصلهم إلى العدد المذكور أيضا المحب الطبري في الخلاصة وفي المواهب عن ابن الجوزي مواليه ٤٣ واماؤه إحدى عشرة قال الزرقاني: زاد غيره عليه عشرة فيهما، وأفرد ذلك بالتصنيف اهـ انظر الألفية وشروحها وسمط الجوهر الفاخر.\nتنبيه: قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: إعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي ﷺ، بل كان بعض منهم في وقت والله أعلم اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>ذكر الموالي الذين أعتقهم ﵇ في مرضه</span>\nوفي نور النبراس نقلا عن أبي طاهر المخلص راويا بسنده إلى سهل بن يوسف عن أبيه عن جده قال: أعتق رسول الله ﷺ في مرضه أربعين رقبة، ووقف على نور النبراس الحافظ أبو العلاء العراقي بخطه: أعتق ﷺ في مرضه أربعين رقبة اهـ وعقد في سمط الجوهر الفاخر ترجمة لذكر مواليه ﷺ الذين أعتقهم إشتملت على أربع ورقات. ونقل عصرينا المحدث الأثري نور الحسن خان بن الأمير صديق حسن خان في شرحه على بلوغ المرام عن النجم الوهاج أنه ﷺ أعتق ٦٣ نسمة عدد سني عمره ﵇، وسماهم","vol":"1","page":94},{"text":"قال: وأعتقت عائشة ٦٩ وعاشت كذلك وأعتق أبو بكر كثيرا وأعتق العباس سبعين عبدا رواه الحاكم. وأعتق عثمان وهو محاصر عشرين وأعتق حكيم بن حزام مائة مطوقين بالفضة، وأعتق عبد الله بن عمر ألفا وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف نسمة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ذكر من كان يوقظه ﵇ إذا نام ويستره إذا اغتسل</span>\nفي سمط الجوهر الفاخر في حق عبد الله بن مسعود قيل: كان يوقظه ﵇ إذا نام، ويستره إذا اغتسل، ويرحل له راحلته إذا سافر، ويماشيه الأرض اهـ وفي قصة الفتح واغتساله ﵇: وإذا فاطمة بنته تستره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>ذكر من كان يخدم النبي ﷺ إذا أراد حاجته داخل منزله</span>\nكان يتولى له ذلك ﵇ أهله، صرّح بذلك الحافظ ابن حجر في الفتح قائلا:\nالأخلية التي في البيوت كانت خدمته فيها متعلقة بأهله اهـ راجع باب حمل العنزة ص ٢٢١ من ط الأولى ونحوه للقسطلاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>ذكر من كان يبيت على باب رسول الله ﷺ من الرجال</span>\nفي طبقات ابن سعد عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت عند باب رسول الله ﷺ، أعطيه وضوءه فأسمع الهويّ من الليل: سمع الله لمن حمده، وأسمع الهويّ من الليل: الحمد لله رب العالمين انظر ص ٤٤ من ج ٤ «١» .\nوحديث كعب المذكور خرّجه أبو داود في باب وقت قيام النبي ﷺ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ آتيه بوضوئه وبحاجته قال: سلني. قلت: مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قال فأعني على نفسك بكثرة السجود «٢» . قال المنذري في إختصارها أخرجه مسلم والنسائي وأخرج الترمذي وابن ماجه طرفا منه وليس لربيعة في كتبهم سوى هذا الحديث.\nوفي ترجمة الهيثم ابن نصر الأسلمي من الإصابة عنه قال: خدمت النبي ﷺ ولزمت بابه في قوم محاويج، فكنت آتيه بالماء من بير أبي الهيثم، وكان ماؤها طيبا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>استخدامه ﵇ في ذلك امرأة</span>\nأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والحاكم والدارقطني وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت: قام رسول الله ﷺ في الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها، وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي ﷺ قال يا أم أيمن: قومي فأهرقي ما في تلك الفخارة.\n_________\n(١) ورواه أحمد أيضا ج ٤ ص ٧٨. طبعة المكتب الإسلامي ومسلم في كتاب الصلاة باب ٤٣ ص ٣٥٣/ ١.\n(٢) رواه أبو داود في كتاب التطوع ج ٢ ص ٧٨ ورقمه ١٣٢٠.","vol":"1","page":95},{"text":"فقلت: قد والله شربت ما فيها، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال: أما والله لا يجعر أي لا يصيب بطنك أبدا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>استخدامه ﵇ غلاما يهوديا</span>\nففي الصحيح عن أنس أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي ﷺ فمرض، فعاده ﵇ فعرض عليه الإسلام فأسلم فمات [انظر: كتاب الجنائز ج ٢ ص ٩٧] .\nوفي العتبية من أمهات المذهب المالكي: عن زياد بن شبطون من أصحاب مالك أن اسم هذا الغلام عبد القدوس؛ انظر من اسمه عبد القدوس في الإصابة، وترجمه العلامة ابن زكري في كتابه: الفوائد المتبعة في العوائد المبتدعة فانظره.\nتنبيه: بعد أن ذكر الحافظ الشامي عدة أحاديث فيها أنه ﵇ كان ربما يحلب شاته، ويخيط ثوبه ويسلخ شاته، ويخدم نفسه قال: وهذا يتعين حمله على أوقات، فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة بنفسه وتارة بغيره وتارة بالمشاركة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الأشياء التي كان ﵇ لا يكلها إلى أحد من خدمه</span>\nخرج ابن سبع عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يكل صدقته إلى غير نفسه حتى يكون هو الذي يضعها في يد السائل. ورواه ابن ماجه عن ابن عباس، وروى ابن سعد بن زياد مولى عياش بن أبي ربيعة قال: خصلتان كان لا يكلهما رسول الله ﷺ لأحد؛ الوضوء من الليل حين يقوم، والسائل يقوم حتى يعطيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>ذكر الذين قام بخدمتهم المصطفى بنفسه</span>\nقال في المقالات السنية:\nوالمصطفى غيثه عمّ الوجود فمن ... هـ الكون في نصح والخلق في نعم\nبادي البشاشة للوفود، راحته ... أنمى لدى آمل من هاطل الديم\nوفد النجاشي طه قام يخدمهم ... بنفسه حين حلّوا ساحة الكرم\nقالت صحابته: نكفيك قال: أنا ... أحق للمكرمين الصحب بالخدم\nأما هم المكرمو صحبي وقد ذهبوا ... مهاجرين إليهم، في ديارهم\nوقال ابن ليون التجيبي في الانالة: الأصل في خدمة المشايخ من دونهم؛ أنه ﵇ قام يخدم وفد النجاشي.\nقلت: قيام المهاجرين يفرجون عنه ﷺ عند الإزدحام؛ في مسند عائشة من مسند أحمد عروة عن عائشة قالت: إن أمداد العرب كثروا على النبي ﷺ حتى غموه وقام إليه المهاجرون يفرجون عنه حتى قام على عتبة عائشة فرهقوه فأسلم رداءه في أيديهم ووثب على العتبة فدخل وقال: اللهم ألعنهم فقالت عائشة يا رسول الله هلك القوم فقال كلا والله يا بنت أبي بكر لقد إشترطت على ربي ﷿ شرطا لا خلف له، فقلت إنما أنا بشر","vol":"1","page":96},{"text":"أضيق كما يضيق البشر فأي المؤمنين بدرت إليه مني بادرة فأجعلها له كفارة انظر ص ١٠٧ من الجزء السادس «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>ذكر صاحب الوساد [المخدة]</span>\nقلت: وهي بكسر الواو واقتصر عليه في المصباح، وفي القاموس: أنه يثلث كان ابن مسعود هو المولى لها في عهد النبي ﷺ، «وقع ذلك في الصحيح، في قصة ذهاب علقمة إلى الشام ولقائه لأبي الدرداء» .\nقلت: في كتاب الوضوء من الصحيح، من قول أبي الدرداء خطابا لأهل العراق:\nفيكم صاحب الطهور والوساد، بلا هاء وهي المخدة كما للقسطلاني. وقال الخفاجي في شرح الشفا الوسادة: ما يتوسد أي يوضع تحت الرأس، وهي التي تسمى مخدة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>في إدناء النبي ﷺ الوساد للداخل</span>\n«أدناها النبي ﷺ إلى سلمان حين دخل عليه وقع ذلك في كتاب أخلاق النبي ﷺ لابن حيان الأصبهاني» .\nقلت: وفي السيرة الشامية معزوا إلى ابن سعد أن عديّ بن حاتم، قدم على النبي ﷺ، فسلّم عليه وهو في المسجد. ثم قال: من الرجل؟ قال: عدي بن حاتم. فانطلق به إلى بيته، وألقى له وسادة. وقال: إجلس عليها. قال الخفاجي على الشفا: وهذا يدل على أن الوسادة فراش لا مخدة، ولا عبرة بتفسير الجوهري لها بالمخدة فقط اهـ.\nوأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس وضعفّ: أن عدي بن حاتم لما دخل على المصطفى ألقى إليه وسادة وجلس هو على الأرض، فقال: أشهد أنك لا تبغي علوا في الأرض ولا فسادا، ثم أسلم. وفي رواية أخرى فقيل له: يا نبي الله لقد رأينا منظرا لم نره لأحد. فقال: هذا نعم هذا كريم. فإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وقد روى الحديث المذكور من طريق عدي بن حاتم الدولابي في كتاب الكنى والألقاب، وقال الذهبي: في الميزان عنه أنه منكر، وقد ذكره في الجامع الصغير من طرق عدة من الصحابة ولكن قال الذهبي في مختصر المدخل: طرقه كلها ضعيفة، وله شاهد مرسل وحكم ابن الجوزي بوضعه، وتعقبه العراقي ثم تلميذه ابن حجر بأنه ضعيف لا موضوع، وخرّجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد. والوسادة إحدى الأمور التي نهى ﷺ عن ردها، في حديث الترمذي: ثلاث لا ترد اللبن والوساد والدهن «٢» . وأنشد بعضهم:\nقد كان من سيرة خير الورى ... صلى عليه الله طول الزمن\nأن لا يرد الطيب والمتكا ... والتمر واللحم معا واللبن\n_________\n(١) وفي طبعة المكتب الإسلامي: ج ٦ ص ١٢٤.\n(٢) ذكره في التيسير وعزاه للترمذي عن ابن عمر وحسنّه.","vol":"1","page":97},{"text":"وأوصلها الحافظ السيوطي إلى سبع فقال:\nعن المصطفى سبع يسنّ قبولها ... إذا ما بها قد أتحف المرء خلّان\nفحلوّ وألبان ودهن وسادة ... ورزق لمحتاج، وطيب وريحان\nوفي طبقات الشعراني عن سفيان بن عيينة: ماء زمزم بمنزلة الطيب لا يرد، وفي الرسالة العلمية لابن ليون التجيبي: وأما الإتكاء ففي سنن أبي داود «١» عن جابر بن حمزه قال دخلت على النبي ﷺ في بيته فرأيته متكئا ووسادة على يساره، وكان أبو سعيد الخدري يجلس على البساط ويتكىء على الوسادة. وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي نقلا عن الهداية من كبار كتب الحنفية: روي أن النبي ﷺ جلس على مرفقة حرير، وهي بضم الميم وسادة الإتكاء، وخرّج ابن سعد في الطبقات؛ في ترجمة ابن عباس عن راشد مولى لبني عامر قال: رأيت على فراش ابن عباس مرفقة حرير. وخرّج أيضا عن مؤذن بني وداعة قال: دخلت على ابن عباس وهو متكىء على مرفقة حرير، وسعيد بن جبير عند رجليه وهو يقول: أنظر كيف تحدث عني، فإنك حفظت عني كثيرا اهـ وفي أصول البدائع في أصول الشرائع لأبي بكر الكاساني، بعد ذكره قصة ابن عباس: وروي أن أنسا حضر وليمة فجلس على وسادة حرير، عليها طيور فدل فعله على رخصة الجلوس على الحرير، وعلى الوسادة الصغيرة التي عليها صور اهـ انظر باب الإستحسان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>ذكر صاحب النعلين</span>\n«في مختصر السير لإبن جماعة ونحوه في المواهب وغيرهما: كان عبد الله بن مسعود صاحب نعلي رسول الله ﷺ، إذا قام ﷺ ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم» .\nقلت: خرّج ذلك الحرث وابن أبي عمر من مرسل القاسم بن عبد الرحمن وزاد: فإذا قام ألبسه نعليه في رجليه، ومشى حتى يدخل الحجرة قبله. قال الزرقاني على المواهب:\nعلى قوله: جعلهما في ذراعيه: وكان حكمة ذلك تخلية يديه لخدمة المصطفى إن احتاج، ويشغلهما بالطاعة إذا أرادها بهما اهـ ص ٣٤١ وأصله لشيخه الشبراملسي.\nوفي فتح المتعال للإمام أبي العباس المقري: ثبت أن عبد الله بن مسعود كان صاحب النعلين والسواك والوساد والطهور كما في الصحيح، وكان يلي ذلك من رسول الله ﷺ، وكان يلبس رسول الله ﷺ نعليه إذا قام، ويجعلهما في ذراعيه إذا جلس حتى يقوم النبي ﷺ. وروى محمد بن يحيى عن القاسم قال: كان عبد الله بن مسعود يقوم إذا جلس النبي ﷺ؛ ينزع نعليه من رجليه، ويدخلها في ذراعيه، فإذا قام ألبسه إياهما فيمشي بالعصا أمامه حتى يدخل الحجرة. وقد ذكر جماعة منهم ابن سعد أن أنس بن مالك كان صاحب نعلي رسول الله ﷺ وإداوته. قال الحافظ بن حجر عند ما تكلم على حديث: أليس فيكم\n_________\n(١) أخرجه في كتاب اللباس ص ٣٨٠/ ٤.","vol":"1","page":98},{"text":"صاحب النعلين ما نصه: والمراد بصاحب النعلين وما ذكر معهما عبد الله بن مسعود، لأنه كان يتولى خدمة النبي ﷺ في ذلك. فصاحب النعلين في الحقيقة هو النبي ﷺ. وقيل لإبن مسعود: صاحب النعلين مجازا لكونه كان يحملهما اهـ.\nوقال البيضاوي كما في قوت المغتذي على جامع الترمذي: أي كان يخدم المصطفى ويلازمه في حالاته كلها، فيحمل مطهرته في قيامه لوضوئه، ويأخذ نعليه فيضعهما صونا لوقت اللبس اهـ.\nوفي كون ابن مسعود كان صاحب النعال [أنشدني] بوصيري العصر أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل النبهاني البيروتي لنفسه ببيروت سنة ١٣٢٤:\nإني خدمت مثال نعل المصطفى ... لأعيش في الدارين تحت ظلالها\nسعد بن مسعود بخدمة نعله ... وأنا السعيد لخدمتي لمثالها\nوفي المقالة الحادية والعشرين من المقالات السنية في مدح خير البرية ناظما لمحصل ما نقلنا عن المقري:\nيقوم ينزع نعلي ذي الوسيلة من ... رجليه يدخلهما الهمام ذو النعم\nأي في ذراعيه حتى قام ألبسه ... إياهما ثم يمشي ثابت القدم\nأمام أحمد بالعصا فيدخله ... للحجرة إحدى الهدى المخصوص بالخدم\nتنبيه: في ابن غازي على الصحيح أن العرب في الجاهلية كانوا يلبسون النعال غير مدبوغة، إلا أهل السعة منهم اهـ ولذا إستغرب من رأى ابن عمر يلبس النعال السبتية، وهي التي ليس فيها شعر. فقال: رأيت النبي ﷺ يلبسها اهـ وقد أفرد ما يتعلق بالنعال النبوية بالتأليف جماعة من الأعلام؛ كأبي اليمن بن عساكر، والسراج البلقيني، والبستي والشمس محمد بن عيسى المقري صاحب كتاب قرة العينين في تحقيق أمر النعلين وغيرهم، وأشهرهم الإمام أبو العباس المقري التلمساني دفين مصر له النفحات العنبرية في وصف نعلي خير البرية «١» . كما أن تأليفه في العمامة النبوية ألفه عند رأسه ﵇ بالمسجد النبوي.\nقلت: في السيرة الشامية (سيرته ﷺ في غمز الظهر من السقطة والقدمين) .\nروى أبو نعيم في الطب عن عمر قال: دخلت على النبي ﷺ وحبشي يغمز ظهره.\nقلت: ما هذا يا رسول الله. قال: إن الناقة تقحمت بي البارحة، وفي لفظ يغمز ظهره فسأل عمر فقال النبي ﷺ: إن الناقة أتعبتني.\nالحديث المذكور خرّجه الطبراني في المعجم الصغير، فيمن إسمه إبراهيم. وكذا في الأوسط. قال القاري في شرح عين العلم: إسناده ضعيف اهـ.\n_________\n(١) ذكر المؤلف ﵀ هنا اسم كتاب آخر في الموضوع نفسه رأيت حذفه تجنبا للتكرار من جهة وكراهية للجناس والسجع بين اسم من أسماء الله الحسنى وبين ما يلبس في الرجل. مصححه.","vol":"1","page":99},{"text":"وفي المقاصد الحسنة حديث غمز القدم ونحوه أورده الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس، قال: كنت عند أبي ابن كعب أغمز، فذكر حديثا في قراءة آية وروى فيه عن أبي زيد قال أتيت النبي ﷺ فقال: أدن فامسح ظهري فدنوت ومسحت ظهره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>مضحك رسول الله ﷺ</span>\nترجم في الإصابة حمارا فذكر عن الصحيح أن إسمه عبد الله، ويلقب بحمار، وكان يضحك رسول الله ﷺ. وعن أبي يعلى عن زيد بن أسلم؛ أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ العكة من السمن، أو العسل، ثم يجيء بصاحبها فيقول: أعطه الثمن. قال الحافظ: وقع نحو ذلك للنعمان فيما ذكره الزبير بن بكار في كتاب «الفكاهة والمزاح» . وترجم في الإصابة أيضا لسويبط بن حرملة العبدري، وذكر قضايا من أفعاله، فذكر أن النبي ﷺ ضحك هو وأصحابه منها حولا. وفي فوائد الدرر وفرائد الفكر، في شرح مختصر السير، للفقيه المحدث القاضي أبي علي حسن بن بلقاسم بن باديس القسمطيني، لما ترجم لسودة زوجه ﵇ قال: وكانت تضحك النبي ﷺ؛ قالت له: صليت البارحة خلفك يا رسول الله، فركعت فأمسكت بأنفي مخافة الدم أن يقطر فضحك اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>ملاعبة الإمام أقاربه الصغار</span>\nترجم في الإصابة لكثير بن عباس بن عبد المطلب فقال: خرّج أبو علي بن السكن وابن مندة عن كثير بن العباس قال: كان النبي ﷺ يجمعنا أنا وعبد الله وقثم وآخر فيفرج بين يديه ويقول: من سبق فله كذا، وخالفه غيره فقال: كان يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا أولاد العباس ويقول: من سبق فله كذا وهذا أقوى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الرجل يعلم الوفد كيف يحيّون المصطفى ﷺ</span>\nذكر ابن إسحاق في قصة وفد ثقيف سنة تسع أنه خرج بهم عبد ياليل وهو صاحب أمرهم، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة وجدوا المغيرة بن شعبة، فانثاب «١» ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقيه أبو بكر فقال: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله، حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج إليهم فروّح الظهر معهم، فعلمهم كيف يحيّون رسول الله ﷺ فلم يفعلوا إلا تحيّة الجاهلية. انظر الهدى لإبن القيم ص ٤٥٨ ج ١ وعلى المواهب ص ٦ من ج الرابع وفي تفسير المولى أبي السعود الحنفي: كان أبو بكر ﵁ إذا قدم على رسول الله ﷺ الوفود أرسل من يعلمهم كيف يسلّمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله ﷺ اهـ وهذا يفهمنا أيضا أن أبا بكر كان يشغل أيضا وظيفة [تشبه] مدير التشريفات اليوم.\n_________\n(١) وردت في سيرة ابن هشام: ضبر بمعنى وثب.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>القسم الثاني في العمليات الفقهية وأعمال العبادات</span>\nوما يضاف إليها من عمالات المسجد وعمالات الطهارة وما يقرب منها، وفي الإمارة على الحج وما يتصل بها وفيه وظائف:","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>في العمليات الفقهية وأعمال العبادات</span>\nقلت: هاهنا قاعدة في الموظفين الشرعيين:\nيصلح للمناصب الدينية كما في الفوائد كل وضيع وشريف إذا كان ذا دين وعلم، ولا يصلح لها فاسق وإن كان قرشيا، نعم يقع الترجيح إذا اجتمعا في شخص وانفرد الآخر فيما سوى النسب اهـ وقد احتج من لم يشترط القرشية في الإمام بتأمير النبي ﷺ عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة، وأسامة بن زيد وغيرهم في الحروب. وأجاب الجمهور بأن ذلك ليس من الإمامة العظمى في شيء. لأنه يجوز للخليفة إستنابة غير القرشي ولهذا ألغز التاج السبكي بقوله:\nمن عدّ من أمراء المؤمنين ولم ... يحكم على الناس من بدو ومن حضر\nولم يكن قرشيا حين عدّ ولا ... يجوز أن يتولى إمرة البشر؟\nقال السيوطي: الجواب أنه أسامة بن زيد، مولى النبي ﷺ أمّره على جيش فيه أبو بكر وعمر فلم ينفذ حتى توفي رسول الله ﷺ، فبعثه أبو بكر إلى الشام. انظر المصباح الوهاج.\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>ذكر معلم القرآن وفيه فصول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>«الفصل الأول:</span>\nفيمن كان يعلم ذلك بالمدينة والنبي ﷺ بها ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه مشكل الصحيحين: عبادة بن الصامت فقال: كان يعلم أهل الصفة القرآن (والصفة) دكة في ظهر المسجد النبوي كان يأوي إليها المساكين وإليها ينسب أهل الصفة» .\nقلت: وترجم في الإصابة لوردان جد الفرات بن يزيد بن وردان، فذكر عن الواقدي أن النبي ﷺ أسلمه إلى أبان بن سعيد بن العاصي؛ ليمونه ويعلمه القرآن. وأخرج ابن عساكر عن ابن ثعلبة قال: لقيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إدفعني إلى رجل حسن التعليم، فدفعني إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم قال: دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك، انظر فضائل أبي ثعلبة الخشني من كنز العمال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفصل الثاني:</span>\nوكان ﵇ يأمر الناس أن يتعلموا الفقه والقرآن من جيرانهم؛ فقد ترجم في الإصابة لأبزى الخزاعي فخرج عنه أنه ﵇ خطب الناس، فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا ثم قال: ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم، ولا يتفقهون؟","vol":"1","page":103},{"text":"وعزاه لإبن السكن وإسحاق ابن راهواه، وقد ساق الحديث مطولا الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: تحت باب تعليم من لا يعلم. ثم قال عن علقمة بن سعد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله ﷺ ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا ثم قال: ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم، ولا يتفقهون، ولا يتعظون، والله ليعلمن قوما جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم، ويتفقهون ويتعظون أو أعاجلنهم العقوبة، ثم تولى. فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء؟ قال: الأشعريين. هم قوم فقهاء، ولهم جيران جفاة من أهل المياه من الأعراب، فبلغ ذلك الأشعريين فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذكرت قوما بخير وذكرتنا بشر، ما بالنا. قال: ليعلمن قوم جيرانهم وليفقهنهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا فقالوا: يا رسول الله أنفطن غيرنا؟ فأعاد قولهم عليه وأعادوا أقوالهم أنفطن غيرنا؟ فقال ذلك أيضا فقالوا: أمهلنا سنة، فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم. ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ [المائدة: ٧٨] الآية ورواه الطبراني في الكبير، وفيه بكر بن معزوف قال خ إرم به ووثقه أحمد في رواية وضعفه في أخرى وقال عدي أرجو أنه لا بأس به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>الفصل الثالث:</span>\nذكر من بعثه النبي ﷺ إلى الجهات يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين.\nقلت: إستفتح الخزاعي فصل الفقه في الدين بفصول، أولها: في الحض على التفقه في الدين، صدّره بحديث معاوية: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين «١»، مقتصرا على عزوه لمسلم مع أنه في البخاري. وهذا معيب منه ﵀، لما تقرر أن الحديث إذا كان في البخاري لا يعزى إلى غيره، وثانيها: كيف كان الناس يسألون النبي ﷺ في أمور الدين، وثالثها: سؤال النساء. وهذه الفصول في نظري إستطرادية. ثم ترجم لمن بعثه النبي ﷺ مفقها في الدين فمنهم عنده: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف. في سيرة ابن إسحاق؛ لما انصرف النبي ﷺ من القوم الذين بايعوه في العقبة الأولى، قال: وهم إثنا عشر بعث معهم مصعبا، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، وكان يسمى المقريء بالمدينة.\nقلت: في الإستبصار لإبن قدامة المقدسي: لما قدم مصعب بن عمير المدينة نزل على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور الأنصار، يقرئهم القرآن ويدعوهم إلى الله ﷿، فأسلم على يديهما جماعة؛ منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وغيرهما. اهـ\n_________\n(١) الحديث المذكور رواه البخاري في موضعين في كتاب فرض الخمس ج ٤ ص ٤٩ وفي ج ٨ ص ١٤٩ كتاب الاعتصام بالسنة.","vol":"1","page":104},{"text":"وفي التهذيب للنووي لدى ترجمة مصعب هذا: هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى، ليعلّم الناس القرآن ويصلي بهم، بعثه رسول الله ﷺ مع الإثنى عشر أهل العقبة الثانية، ليفقه أهل المدينة ويقرئهم القرآن، فنزل على أسعد بن زرارة اهـ «ومنهم معاذ بن جبل في الإكتفاء لأبي الربيع الكلاعي: إستخلف رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن» .\nخرّجه ابن سعد في الطبقات عن مجاهد انظر ص ١٠٨ ج ٢ من القسم ٢.\nقلت: «وفي الإستيعاب: بعثه النبي ﷺ قاضيا على الجند من اليمن، يعلّم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال، الذين باليمن عام فتح مكة، ومنهم؛ عمرو بن حزم الخزرجي النجاري؛ في الإستيعاب إستعمله النبي ﷺ على نجران ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن، ويأخذ صدقاتهم. وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا، وكتب له كتابا في الفرائض والسنن والصدقات والديات اهـ» .\nقلت: يصح أن يستدرك هنا من المعلمين جماعة فمنهم: أبو عبيدة بن الجراح، أخرج أحمد في مسنده عن أنس قال: لما وفد أهل اليمن على رسول الله ﷺ قالوا: إبعث معنا رجلا يعلّمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال: «هذا أمين هذه الأمة»، وسيّره «١» إلى الشام أميرا فكان فتح أكثر الشام على يده، ومنهم رافع بن مالك الأنصاري، ترجمه في الإصابة فذكر عن ابن إسحاق أنه: أول من قدم المدينة بسورة يوسف، وأن الزبير بن بكار روى في أخبار المدينة أن رافعا لما لقي المصطفى ﷺ بالعقبة، أعطاه ما أنزل إليه في العشر سنين التي خلت، فقدم به رافع إلى المدينة، ثم جمع قومه فقرأ عليه في موضعه قال: وعجب المصطفى ﷺ من إعتدال قلبه، ومنهم أسيد بن حضير ترجم في الإصابة لإبراهيم بن جابر فقال فيه: كان من جملة العبيد الذين نزلوا على النبي ﷺ أيام حصاره الطائف، فأعتقه وبعثه إلى أسيد بن حضير، وأمره أن يمونه ويعلمه. ذكره الواقدي واستدركه ابن فتحون.\nوترجم في الإصابة أيضا للأزرق بن عقبة الثقفي، من عبيد الحارث بن كلدة الثقفي فذكر: أنه ممن نزل على النبي ﷺ في حصار الطائف، وأنه أسلم وأعتقه وسلمه لخالد بن سعيد بن العاصي ليمونه ويعلمه، ومنهم عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري قال في الإستبصار في أنساب الأنصار: إستعمله رسول الله ﷺ على نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة عشر اهـ.\nأقول: يجب أن يذكر هنا من كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله ﷺ وهم ستة من\n_________\n(١) الضمير في سيّره هو لعمر بن الخطاب والحديث في ج ٣ ص ٢٨٦ وفي طبعة المكتب الإسلامي ج ٣ ص ٣٦٢.","vol":"1","page":105},{"text":"الأنصار عدّهم البيهقي هكذا: أبي بن كعب، زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ وأبو الدرداء وسعد بن عبادة، رواه الطبراني والبيهقي مقيدا بالأنصار فلا ينافي أنه حفظه كثيرون، وفي الصحيحين عن أنس أنه جمع القرآن أي حفظ جميعه على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي ومعاذ وأبو زيد بن ثابت. قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومته.\nأبو زيد المذكور هو قيس بن السكن يكنى أبا زيد كنيته غالبة عليه ولا عقب له، نبّه على ذلك الموفق بن قدامة في الإستبصار في أنساب الأنصار. وفي ترجمة ثابت بن زيد بن مالك الأنصاري من الإستبصار أيضا يروي عن يحيى بن معين أنه أبو زيد الذي جمع القرآن وغير ذلك أولى اهـ منه، وفي ترجمة حنظلة بن أبي عامر من الإستبصار أيضا. روى قتادة عن أنس قال: إفتخرت الأوس فقالوا: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب. ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت، ومنا من كانت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومنا من إهتز عرش الرحمن لموته سعد بن معاذ فقال الخزرجيون: منا أربعة قرؤا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لم يقرأه غيرهم، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد وأبو حنظلة اهـ.\nقلت: ومراد من حصرهم في أربعة من حضر في ذهنه، فلا ينافي وجود غيرهم من حفظته، كأبي بكر، وفي الفجر الساطع لدى باب القراء من أصحاب رسول الله ﷺ قول أنس: لم يجمع القرآن غير أربعة أستشكل هذا فإنه قد جمعه سواهم، ذكر أبو عبيد منهم الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة الأربعة وغيرهم، وأجيب باحتمال: أن المراد لم يجمعه على جميع وجوهه من القراآت التي أنزل بها إلّا أولئك، وأن أنسا قاله بحسب ما وصل إليه علمه، وإن كان الواقع خلافه اهـ وفي فتح الباري: الذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياته ﵇، وقد صح حديث «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «١»، وقد قدمه النبي ﷺ في مرضه إماما للمهاجرين والأنصار، فدل على أنه كان أقرأهم، وكسيدنا علي فإنه جمع القرآن على ترتيب النزول، عقب موت النبي ﷺ أخرجه ابن أبي داود «وانظر فتح الباري» .\nوفي تاريخ الخلفاء للسيوطي: أخرج الخطيب في التاريخ بسنده عن محمد بن عباد قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون اهـ. وهذا الحصر ممنوع؛ بل حفظه أيضا الصديق على الصحيح، وصرّح به جماعة منهم النووي في تهذيبه، وعليّ وورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي ﷺ.\nوفي الرياض المستطابة: جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله ﷺ عشرة: علي،\n_________\n(١) أخرجه أحمد عن أبي مسعود الأنصاري وأنس وعمرو بن سلمة انظر ج ٤ ص ١١٨ والمكتب الإسلامي ج ٤ ص ١٦٤.","vol":"1","page":106},{"text":"وعثمان، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد الأنصاري، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وأبو أيوب اهـ.\nورأيت في ترجمة مجمع بن حارثة من طبقات ابن سعد ص ٣٤ ج ١: روى الكوفيون أنه جمع القرآن على عهد النبي ﷺ إلّا سورة أو سورتين منه. وفي ترجمته من الإستبصار قال ابن إسحاق: كان مجمع غلاما حدثا قد جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ اهـ.\nوفي ترجمة شهاب القرشي مولاهم نزيل حمص من الإصابة روى ابن منده عن عبد الله بن زغب: كان شهاب القرشي أقرأه النبي ﷺ القرآن كله، فكان عامة الناس بحمص يقرأون منه. وانظر فتح الباري، وارشاد ابن غازي، والإتقان، وشرح المواهب ص ٣٦٦ من الجزء الثالث، وانظر شرح الراية للجعبري، وحاشية الشبراملسي على المواهب أيضا.\n(عجيبة) وبعد أن أطال في الإتقان في هذه المسألة قال: فائدة: ظفرت بامرأة صحابية جمعت القرآن، لم يعدها أحد ممن تكلم على ذلك. فأخرج ابن سعد في الطبقات عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري وكان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، إن رسول الله ﷺ حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة؟ قال: إن الله عهد لك شهادة، وكان ﷺ أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن غلام لها وجارية كانت قد دبّرتها «١»، فقاتلاها في إمارة عمر. فقال عمر صدق رسول الله ﷺ. كان يقول: إنطلقوا بنا نزور الشهيدة.\nوذكر السيوطي في الجمع نحو ما ذكر وعزاه لإبن راهواه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي. قال: وروى أبو داود بعضه اهـ.\nقلت: ومن تأمل هذه الترجمة علم بالضرورة أن الصحابة لم يكونوا كلهم يعلمون جميع القرآن، وإنما غالبهم كان يعلم البعض دون البعض، وممن صرح بهذا القدر بعينه الاستاذ النابلسي، في شرح الطريقة المحمدية انظر ص ٢٥٣ جزء ١.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>ذكر من نقل عنه وجوه القراءة من الصحابة</span>\nذكر خاتمة أيمة القراآت بفاس الشمس بن عبد السلام الفاسي في محاذيه عن شرح الجعبري على الشاطبية ما نصه: الأيمة الذين نقل عنهم وجوه القراءة كثيرون في كل عصر، لا يكادون يحصون، فمنهم من الصحابة المهاجرون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وابن مسعود وحذيفة وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس\n_________\n(١) التدبير هنا هو اصطلاح فقهي معناه: أن يصير العبد حرا متى مات سيده.","vol":"1","page":107},{"text":"وعمرو بن العاص وإبنه عبد الله، ومعاوية وابن الزبير وعبد الله بن السائب وعائشة وحفصة وأبو سلمة، ومن الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو الدرداء، وأبو زيد ومجمع بن حارثة وأنس بن مالك ﵃ أجمعين اهـ منه ومن خط مؤلفه نقلت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>ذكر معلم الناس الكتابة في زمن رسول الله ﷺ ذكر المعلم من الرجال- المعلم المسلم</span>\n«ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب في ص ٣٩٣ من مطبعة الهند عبد الله بن سعيد بن العاصي فقال: أمره رسول الله ﷺ أن يعلم الناس الكتابة بالمدينة وكان كاتبا محسنا وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة الكتابة والقرآن» .\nقلت: ونحو ما سبق عن الإستيعاب في الإصابة في ترجمة الحكم بن سعيد بن العاص بن أمية؛ نقلا عن الزبير في نسب قريش.\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المعلم الكافر</span>\nفي الروض الأنف للسهيلي في الكلام على غزوة بدر ص ٩٢ من الجزء الثاني قال «كان من الأسارى يوم بدر من يكتب، ولم يكن من الأنصار يومئذ أحد يحسن الكتابة، فكان منهم من لا مال له، فيقبل منه أن يعلم عشرة من الغلمان الكتابة ويخلى سبيله، فيومئذ تعلم الكتابة زيد بن ثابت في جماعة من غلمان الأنصار» .\nوفي المطالع النصرية في الأصول الخطية لأبي الوفاء نصر الهوريني المصري: لم تكثر الكتابة العربية في المدينة إلا بعد الهجرة النبوية بأكثر من سنة، وذلك أنه لما أسرت الأنصار سبعين رجلا من صناديد قريش وغيرهم، في غزوة بدر السنة الثانية من الهجرة، جعلوا على كل واحد من الأسرى فداء من المال. وعلى كل من عجز عن الإفتداء بالمال أن يعلم الكتابة لغيره من صبيان المدينة، فلا يطلقونهم إلا بعد تعليمهم، فبذلك كثرت فيهم الكتابة، وصارت تنتشر في كل ناحية فتحها الإسلام، في حياته ﵇ وبعده، حتى بلغت عدة كتّابه ﵇ ٤٢ رجلا اهـ.\nوذكر الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين نقلا عن ابن قتيبة أن العرب «كانت تعظم قدر الخط وتعده من أجل نافع «١» حتى قال عكرمة: بلغ فداء أهل بدر أربعة الاف، حتى إن الرجل ليفادي على أنه يعلم الخط؛ لما هو مستقر في نفوسهم من عظم خطره وجلالة قدره وظهور نفعه وأثره وقد قال الله لنبيه: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق: ٣- ٤] فوصف نفسه بأن علم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم، وعد ذلك من نعمه العظام، ومن\n_________\n(١) كذا في أصل أدب الدنيا والدين.","vol":"1","page":108},{"text":"آياته الجسام، حتى أقسم به في كتابه فقال: ن وَالْقَلَمِ فأقسم بالقلم وما يخط بالقلم» .\nوقد روي عن ابن عباس في قوله: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: ٤]، قال يعني الخط. وروي عن مجاهد في قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦٩]، يعني الخط وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:\n٢٦٩]، يعني الخط اهـ بتقديم وتأخير. قال بعضهم: وهذا يبطل ما قاله ابن خالدون عن جهلهم بالخط، فإن عكرمة كان يتكلم عن مشاهدة وابن خالدون قال ما قال عن تخمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>ذكر المعلمة من النساء</span>\n«قال في الإستيعاب والإصابة: الشفاء أم سليمان بن أبي حتمة قال لها رسول الله ﷺ:\nعلّمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة، خرّج ذلك عنها أبو داود عن الشفا. قالت:\nدخل علي النبي ﷺ وأنا عند حفصة، فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة قال الخطابي في معالم السنن. في هذا الحديث دليل على أن تعلم النساء الكتابة غير مكروه اهـ» .\nنقل كلام الخطابي المذكور وأقره جماعة منهم ابن طرخان في الأحكام النبوية، ونحوه للأردبيلي في الأزهار شرح المصابيح، وابن القيم في الهدى وغيرهما، وفي نور النبراس أنه وقع في عهده بدمشق أن فقيها سئل: هل يجوز أن يتعلم النساء الكتابة؟ فأجابه:\nلا يجوز تعليمهن الكتابة. قال الحافظ برهان الدين الحلبي: وغفل هذا المفتي عن الحديث الذي في سنن أبي داود في الطب، وقد سكت عليه أبو داود. فهو صالح عنده ثم ذكر حديث الشفا هذا اهـ.\nوقال الإمام مجد الدين بن تيمية في المنتقى عقب حديث الشفا المذكور في هذه الترجمة: وهو دليل على جواز تعلم النساء للكتابة. قال شارحه القاضي الشوكاني في نيل الأوطار: وأما حديث لا تعلّموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف وعلموهن سورة النور فالنهي عن تعلميهن الكتابة في هذا الحديث محمول على من يخشى من تعليمهن الفتنة اهـ منه.\nوفي الفتاوي الحديثية للشهاب بن حجر الهيثمي الشافعي المصري أنه سئل ما حكم تعلم النساء الكتابة؟ وفي وسيط الواحدي أول سورة النور ما يدل على عدم الإستحباب هل هو صحيح أو ضعيف؟ فأجاب بقوله: هو صحيح فقد روى الحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة رفعته لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، يعني النساء وعلموهن الغزل وسورة النور، لما فيهن من الأحكام الكثيرة المتعلقة بهن المؤدي حفظها وعلمها، إلى غاية حفظهن عن كل فتنة وريبة كما هو ظاهر.\nوأخرج الحكيم الترمذي عن ابن مسعود رفعه: مرّ لقمان على جارية في الكتّاب،","vol":"1","page":109},{"text":"فقال لمن يصقل هذا السيف؟ أي حتى يذبح به. وحينئذ فيكون فيه إشارة إلى علة النهي عن الكتابة، وهي أن المرأة إذا تعلمتها توصلت بها إلى أغراضها الفاسدة.\nواعلم: إن النهي عن تعليم النساء للكتابة لا ينافي طلب تعليمهن القرآن والعلوم والآداب، لأن هذه مصالح عامة من غير خشية مفاسد تتولد عليها بخلاف الكتابة. فإن قلت أخرج أبو داود عن الشفا وذكر حديث الترجمة وفيه علميها الرقية كما علمتها الكتابة وهذا يدل تعليم النساء الكتابة قلت ليس فيه دلالة على طلب تعليمن الكتابة وإنما فيه دليل على جواز تعليمهن الكتابة ونحن تقول به، وإنما غاية الأمر فيه أن النهي عنه تنزيه لما تقرر من المفاسد المترتبة عليه اهـ وحديث الشفا هذا أورده الحافظ السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: علمي حفصة رقية النملة، وعزاه إلى أبي عبيد في الغريب عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حتمة قال المناوي في شرحه الكبير فتح القدير: ورقيتها كما في الفائق قروح تخرج بالجنب فترقى فتذهب. ورده بعض أذكياء المغاربة بأنه من الخرافات التي كان ينهى عنها، فكيف يأمر بها؟ وإنما أراد الأول وأراد تأديب حفصة حيث أشاعت السر الذي استودعها إياه على ما نطق به التنزيل بقوله: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا [التحريم: ٣] .\nوقال في التيسير: ورقيتها؛ (العروس تحتفل، وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل، غير أن لا تعصى الرجل) اهـ وفي النهاية قيل: إن هذا من لغز الكلام ومزاحه، كقوله للعجوز:\nلا تدخل الجنة عجوز إذ رقية النملة شيء كانت تستعمله النساء، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع اهـ. «١»\nوفي حواشي البدر الدماميني على البخاري على حديث: ثلاث لهم أجران، رجل كانت عنده أمة يطأها فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها «٢»، الحديث في باب تعليم الرجل امته وأهله شرائع الدين، لأن هذا الحديث ينسحب على تعليم الإماء، فكيف بالحرائر والأقارب؟ قاله ابن المنير اهـ.\nوترجم البخاري عقب الترجمة السابقة باب عظة الإمام النساء وتعليمهن فذكر فيها قول ابن عباس أن المصطفي ﵇ خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع فوعظهن. قال الدماميني: هذا أصل في حضور النساء المواعيد ومجالس الخير بشرط السلامة من الفتنة اهـ.\nوفي الفجر الساطع على هذه الترجمة أي مطلوبية ذلك ونبه على أنه كما يطلب من الرجل أن يعلم أهله يطلب من الإمام أو نائبه أن يعلم النساء اهـ.\nثم بوّب البخاري أيضا بعد ترجمتين بقوله باب هل يجعل للنساء يوما على حدة في\n_________\n(١) حذفت هنا كلاما مفاده منع تعليم النساء وفيه بيتان من الشعر لا يناسب مضمونهما قيمة هذا الكتاب. مصححه.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير ج ٤ ص ٢٠ من حديث أبي موسى وأوله: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين.","vol":"1","page":110},{"text":"العلم؟ قال في الفجر الساطع: أي تعليمه وجواب هل محذوف تقديره: نعم يجعل لهن ذلك اهـ وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي: وليس من التشبه المذموم دخول المرأة في شيء من طلب العلم وتعليمه وتربية المريدين، فقد كانت عائشة تعبر العلوم وتورد الإشكالات على الفحول، وقد استدركت على جماعة من الصحابة في كثير من الأحاديث، فاستدركت على عمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن الزبير وزيد وأبي الدرداء وأبي سعيد والبراء وفاطمة بنت قيس وغيرهم، وألّف في ذلك جمع من العلماء آخرهم الحافظ السيوطي كتابه «الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة» وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدا أعلم بالحلال والحرام، والعلم والشعر والطب من عائشة. وقال مسروق: لقد رأيت الصحابة يسألون عائشة عن الفرائض.\nرواهما الحاكم، وكذلك بقية أزواج النبي ﷺ، والنساء الصحابيات كأم سليم وأم الدرداء وفاطمة بنت قيس، وسائر النساء الصالحات والعارفات، كرابعة العدوية ورابعة الشامية وشقوانة فإنهم كانوا يأخذون العلم والأدب والزهد عنهن، كما كانوا يحملونه عن الرجال، كما يؤخذ ذلك من سيرهن المذكورة في كتب الحديث والتاريخ. وقد رئي من اجتهادهن في العبادة وتدقيقهن في الورع، ما عجزت عنه الرجال اهـ منه.\nوقد ثبت عن كثير من نساء أهل الصحراء الأفريقية خصوصا شنقيط موريتانيا وتنبكتو وكنت العجب، حتى جاء أن الشيخ المختار الكنتي الشهير صاحب الطريقة الشهيرة به ختم المختصر الخليلي يوما للرجال وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء، وفيهما ألف ولدهما الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن الشيخ المختار كتابه «الطريفة والتالدة في مناقب الشيخ الوالد والشيخة الوالدة» وهو في مجلد ضخم، وانظر الكلام على حكم تعليم النساء في شرح المجاجي على مختصر بن أبي جمرة للصحيح، والآداب الكبرى لابن مفلح الحنبلي، ورسالة عصرينا محدث الهند الشيخ محمد شمس الحق الألهابادي المسماة: عقود الجمان في جواز الكتابة للنسوان، وهي مطبوعة وشرح الوغليسية لزرّوق، وشرح أبي علي بن رحال على المختصر، ثم كتاب الدر المنثور في طبقات ربات الخدور، لإحدى الكاتبات المصريات المتأخرات زينب بنت فواز وهو في مجلد ضخم، ويعجبني أن أثبت هنا قول عصرينا الشاعر المصري المشهور وهو الشيخ مصطفى صادق الرافعي «١»:\nيا قوم لم تخلق بنات الورى ... للدرس والطرس وقال وقيل\nلنا علوم ولها غيرها ... فعلموها كيف نشر الغسيل\nوالثوب والإبرة في كفها ... طرس عليه كل خط جميل\n_________\n(١) إعجاب المؤلف بأبيات الرافعي فيها عجب، فقد ذكر النقيضين، فهو من جهة يؤيد تعليم النساء ومرة أخرى يعجب بمن يعارض ذلك؟. مصححه.","vol":"1","page":111},{"text":"فائدة: ظفرت في تونس بجزء للحافظ أبي الفرج بن الجوزي سماه «ري الظما فيمن قال الشعر من الإماء» قال في أوله: كان الوزير أطال الله بقاءه ذاكرني منذ أيام فيمن قال الشعر من الإماء المماليك، وأمرني أن أجمع له ما وقع من أخبارهم، في الدولتين الأموية والعباسية، ولم أجد في الدولة الأموية منهن شاعرة مذكورة ولا خاملة، لأن القوم لم يكونوا يجيزون من في شعره لين، ولا رضوا إلا بما يجري من الشعر مجرى الجزل المختار الفصيح، وإنما شاع هذا في دولة بني هاشم، فذكرت منهم من وقع إلي له خبر مستحسن، أو شعر صالح. ورسمت ذلك على قدر مراتبهن في أشعارهن وأزمانهن، وبالتتبع وجدته ذكر فيه أخبار وأشعار نحو الثلاثين شاعرة من الإماء، ولا يذكر عنهم إلا ما اتصل به إسناده. وهذا يدل على حفظ كبير وإطلاع تام.\nترجم في الإصابة للشفاء المذكورة فقال: كانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وكان النبي ﷺ يأتيها ويقيل عندها في بيتها، وكانت قد اتخذت له فراشا ينام فيه، فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منهم مروان، وأقطعها رسول الله ﷺ دارها عند الخياطين، وكان يقدمها في الدار ويرضاها ويفضلها، وربما ولاها شيئا من السوق اهـ ونحوه للمنذري في اختصار سنن أبي داود.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>اتخاذ الدار ينزلها القراء ويستخرج منه اتخاذ المدارس</span>\n«ذكر أبو عمر بن عبد البر في باب «العبادلة» من الإستيعاب: ص ٣٤٧ عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، القرشي العامري، فقال نقلا عن الواقدي: قدم المدينة مع مصعب بن عمير بعد بدر بيسير فنزل دار القرّاء اهـ» .\nفي ترجمة ابن أم مكتوم من طبقات ابن سعد: قدم المدينة مهاجرا بعد بدر بيسير، فنزل دار القراء. وهي دار مخرمة بن نوفل اهـ انظر ص ١٥٠ ج ٤.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>ذكر المفتين على عهد رسول الله ﷺ</span>\nوقع في الموطأ «١» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ، فذكر أحدهما لرسول الله ﷺ: إني سألت أهل العلم فأخبروني الخ. القصة وهي صريحة في أن هناك من كان يترافع إليه الناس في زمنه ﵇، ثم إذ لم يرضهم الحكم ترافعوا (استأنفوا) النازلة عنده ﵇.\n«وقد ترجم أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المدهش فقال: تسمية من كان يفتي في زمن رسول الله ﷺ: أبو بكر، عمر، عثمان، علي، عبد الرحمن بن عوف، ابن مسعود، معاذ بن جبل، حذيفة زيد بن ثابت، أبو الدرداء، أبو موسى، سلمان» .\n_________\n(١) انظر كتاب الحدود رقم ٤١ ص ٨٢٢ ج ٢.","vol":"1","page":112},{"text":"قلت: وهكذا سمّاهم ابن الجوزي في كتابه العجيب المسمى بالتلقيح أيضا، وهو كتاب عجيب من أندر كتبه وعندي منه نسخة.\nوفي ترجمة أبي بن كعب من الإصابة: أن عمر كان يسأله عن النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات اهـ منها ص ١٦.\nوفي الإحياء لم ينصب أحد من الصحابة نفسه للفتوى إلا بضعة عشر رجلا «١»، قال في شرحها كابن عباس، وابن مسعود وأبي الدرداء، وعلي وحذيفة، ومعاذ وأبي هريرة وأنس وزيد بن ثابت وعمر بن الخطاب وعائشة اهـ.\nوأصل عبارة الإحياء في القوت وزاد: ولا حملت عنه القضايا والأحكام.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات من حديث سهل بن أبي خيثمة: إن الذين كانوا يفتون على عهد النبي ﷺ: ثلاثة من المهاجرين، عمر علي عثمان، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وفي حديث ابن عمر قال: كان أبو بكر وعمر يفتيان في زمن النبي ﷺ، ومن حديث خراش الأسلمي: كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في زمن النبي ﷺ.\nوفي خاتمة مجمع بحار الأنوار للفتني: لم ينكر النبي ﷺ فتوى غيره في زمانه، لأنه صدر عن تعليمه. ولذلك كان يفتي في زمنه ﵇ أربعة عشر من الصحابة. وأما بحضوره فلم يكن يفتي أحد سوى الصديق اهـ.\nوقد نظم من كان يفتي في عهده ﵇ الحافظ الأسيوطي، كما في كتابه قلائد الفرائد وآداب الفتوى، وفي كتابه الحاوي أيضا فقال:\nوقد كان في عصر النبي جماعة ... يقومون في الإفتاء قومة قانت\nفأربعة أهل الخلافة منهم ... معاذ أبي وابن عوف وثابت\nوابن عوف بالرفع وثابت معطوف على عوف مدخول لقوله ابن أي وزيد بن ثابت.\nوممن نظمهم أيضا الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون؛ صاحب تصحيح المنهاج.\nقال النجم الغزي في الكواكب السائرة في أهل المائة العاشرة: أخبرنا شيخ الإسلام الوالد قال: أنا شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون، عن أخيه شيخ الإسلام نجم الدين ابن قاضي عجلون لنفسه:\nلقد كان يفتي في زمان نبيّنا ... مع الخلفاء الراشدين أيمة\nمعاذ وعمار وزيد بن ثابت ... أبي ابن مسعود ابن عوف حذيفة\nومنهم أبو موسى وسلمان حبرهم ... كذاك أبو الدرداء وهو تتمة\n_________\n(١) انظر الإحياء ص ٢٣ ج ١ تحت عنوان: العلم المحمود والمذموم.","vol":"1","page":113},{"text":"وأفتى بميراث أبو بكر الرضى ... وصدّقه فيها، وتلك مزية\nوانظر كتاب العلم من شرح الإحياء، ونقل السيوطي في «تدريب الراوي» عن ابن حزم: أكثر الصحابة فتوى مطلقا ستة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة، قال: ويمكن الجمع من فتوى كل واحد من هؤلاء مجلدا ضخما قال:\nويليهم عشرون: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة، قال: ويمكن أن يجمع من فتياكل واحد منهم جزآ صغيرا، قال:\nوفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسا يقلّون في الفتيا جدا اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>ذكر من كان يتوسط بين المصطفى وبين الصحابة إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء</span>\nترجم في «الإصابة» لثابت بن معاذ الأنصاري فقال: جاء ذكره في حديث لأنس ضعيف السند، ذكره الخطيب في المؤتلف، من طريق القاسم بن خليفة، حدثنا أبو يحيى التميمي عن إسماعيل بن إبراهيم، عن مطين بن خالد عن أنس بن مالك قال: كنا إذا أردنا أن نسأل رسول الله ﷺ، عن شيء أمرنا عليا أو سلمان أو ثابت بن معاذ، لأنهم كانوا أجرا أصحابه عليه، فلما نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] فذكر حديثا في فضل علي قال الحافظ نقلا عن الخطيب: مطين مجهول، وأبو يحيى التميمي: ضعيف جدا اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>ذكر من كان يعبر الرؤيا في زمن رسول الله ﷺ</span>\n«ذكر علي بن سعد الخولاني القيرواني في كتابه في التعبير: أن رسول الله ﷺ قال:\nأعبر أمتي للرؤيا أبو بكر، وأسماء بنت عميس. وفي الصحيحين: ذكر مراءي تقدم أبو بكر لتعبيرها، ثم سأل رسول الله ﷺ عن تعبيره فقال له: أصبت بعضا وأخطأت بعضا «١»» .\nوقد رأى ﵇ مرة رؤيا قال عنها: رأيت أني لقمت لقمة من حيس «٢» فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها، فأدخل علي يده فنزعه، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذه سرية من سراياك يأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله. فكانت سرية خالد إلى تهامة ووقع ما لم يرضه ﵇،\n_________\n(١) انظر صحيح البخاري ج ٨ كتاب التعبير باب ٤٧ ص ٨٣- ٨٤.\n(٢) هو التمر ينزع منه النوى ويقلى بالسمن ومنه البيت الطريف التالي:\nوإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب\nومعناه: إذا أمر صعب قالوا لي تعال يا فلان. وأما إذا صنعوا الحيس فيدعى غيري.","vol":"1","page":114},{"text":"فبعث عليا. قال ابن باديس: أمر النبي ﷺ على تعبير الرؤيا أبا بكر، وظاهره أنه أقدم على تعبيرها مبادئا، ولم يسأله النبي ﷺ عن ذلك. وفيه جواز مثل ذلك عند العالم ممن هو دونه، لأن أهل الإمداد والوصول إلى الفوائد إنما هو بوساطة ذلك العالم وتعليمه، وما أناله الله على يده صلوات الله وسلامه عليه اهـ.\nوفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء للسيوطي: وكان الصديق غاية في علم تعبير الرؤيا، وكان يعبر الرؤيا في زمن النبي ﷺ. وقد قال محمد بن سيرين، وهو المقدم في هذا العلم بالإتفاق: كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي ﷺ أخرجه ابن سعد.\nوأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ:\nأمرت أن أولي الرؤيا أبا بكر اهـ.\nوترجم في الإصابة لأسماء بنت أبي بكر فقال: كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا، ونقل عنها أشياء من ذلك ومن غيره اهـ وقال القسطلاني على باب غسل الدم من الصحيح في حق أسماء: كانت عارفة بتعبير الرؤيا حتى قيل أخذ ابن سيرين التعبير عن ابن المسيب، وأخذه ابن المسيب عن أسماء، وأخذته أسماء عن أبيها اهـ وأصله في طبقات ابن سعد عن الواقدي.\nوللحسين الخلال الحافظ كتاب طبقات المعبرين: ذكر فيه خمسة الاف وخمسمائة معبر من المشاهير، الذين ضربوا في هذا العلم، وأخذوا منه بقسم، وجعلها خمسة عشر قسما:\nالأول من الأنبياء والثاني: من الصحابة والثالث من التابعين والرابع من الفقهاء والخامس من المذكرين الوعاظ والسادس من المؤلفين انظر كشف الظنون.\nوفي الرسالة: ولا ينبغي أن يعبر الرؤيا من لا علم له بها. قال التادلي: إلا إذا كان عالما بأصول التفسير، وهي الكتاب والسنة، وكلام العرب وأشعارها، وأمثالها، وكان له فضل وصلاح وفراسة، ولا يعبرها بالنظر في كتب العبارات، ويعني بذلك على جهة التقليد لذلك: فإن ذلك لا يجوز لأنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال.\nقال الفاكهاني: ولا ينبغي على التحريم لأنه يكون كاذبا أو مخمنا قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] اهـ من ابن ناجي عليها «١» .\nوفي شرح أقرب المسالك للدردير: والعلم بتعبير الرؤيا ليس من كتب، كما يقع للناس من التعبير من ابن سيرين فيحرم تعبيرها بما فيه، بل يكون بفهم الأحوال والأوقات وفراسة علم بالمعاني اهـ.\n_________\n(١) كذا في الأصل. ولعل في الكلام تصحيف أو نقص.","vol":"1","page":115},{"text":"ومن شرح الشيخ زروق على الرسالة: قيل لمالك: أيعبر الرؤيا من لا علم له بها؟\nقال: أبالنبوة يلعب؟ وقال جسوس: أي لأن النبي ﷺ جعل الرؤيا جزآ من أجزاء النبوة.\nوقد أخذ ﷺ الحكم من مرائي أصحابه، كما في رؤيا الأذان، ورؤيا ليلة القدر. وكل ذلك بناء على أنها وحي، كما أشار إليه القرطبي. ونقله الآبي اهـ.\nوقال الشيخ أبو يحيى التازي عليها فإن قيل: فالذي ينظر في الفروع التي وضعها من ألف في تعبير المنام كعلي بن أبي طالب القيرواني وغيره، فيجد نص من رأى والجواب عليه. قيل: هذا كالمقلد في الفروع، ينظر نص المسألة وجوابها. وقد يغلط في التنظير اهـ انظر فيه بقيته.\nتنبيه: الكتب المنسوبة إلى ابن سيرين في علم تعبير الرؤيا من أهجن ما كذب على السلف، ولا يتصور من التابعين أن يكون هذا أول ما ألفوا فيه من أبواب العلم، والتصنيف إنما شاع بعد ذلك والله أعلم وقال الشهاب المرجاني في وفية الأسلاف ص ٢٩٨: ألف فيه أي علم التعبير إبراهيم بن عبد الله الكرماني، ثم صنف فيه علماء الإسلام وأكثروا، ونسب الغالب منها في زماننا هذا إلى ابن سيرين، يقولون: ذكر فيه لما أن المذكور فيه هو قوله، والذاكر هو المصنف لذلك الكتاب لا ابن سيرين، كما يقال: ذكر محمد في نوادر هشام، والشافعي في البويطي، لما أنا المذكور فيه هو قول محمد أو الشافعي. والذاكر هو هشام أو البويطي من هذا القبيل.\nوفي الطرق الحكمية لابن القيم ص ٢٥٦ لما تكلم على الذين أنكروا من السلف التدوين ما نصه: وكان ابن سيرين وأصحابه لا يكتبون الحديث فكيف بالرؤيا اهـ وانظر ترجمته من طبقات ابن سعد، فإذا كان ابن سيرين لا يرى كتابة الحديث فكيف يدون تعبير الرؤيا، إن هذا إلّا حلم يحتاج إلى مؤولين ولسنا بتأويل الأحلام بعالمين.\nثم وجدت المسند الشمس ابن سليمان الرداني ذكره في حرف العين من: صلة الخلف بموصول السلف تحت عنوان «كتاب عبارة الرؤيا لأبي بكر محمد بن سيرين المعبر» قال في جزءين. وذكر أنه يرويه الفخر ابن البخاري عن أبي الفتح محمد الميداني عن هبة الله بن محمد بن الحصين، عن علي بن المحسن التنوخي، عن إبراهيم بن أحمد الطبري، عن محمد بن موسى الأنصاري، عن أحمد بن حمدية الزاهد عن محمود بن محمد الحلبي، عن مخلد بن عبد الواحد المعبر عن هشام عنه، وعلى كل حال؛ فالأمر موقوف على معرفة هشام الراوي عن ابن سيرين. وهل ابن سيرين المعلوم هو المعني عنده بأبي بكر المعبر أو غيره. فتأمل ذلك.\nووجه ذكر هذا الترجمة تلو باب المفتي، أن التعبير من باب الفتيا وكذلك سماه تعالى في قصة ملك مصر، فقال تعالى يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] اهـ.","vol":"1","page":116},{"text":"وقد قال الراغب الأصبهاني في الذريعة: ومن علم الفراسة علم الرؤيا، وقد عظم الله أمرها في جميع الكتب المنزلة. والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم يكن لها حقيقة لم يكن لإيجاد هذه القوى في الإنسان فائدة والله يتعالى عن الباطل. وهي ضربان: ضرب وهو الأكثر أضغاث أحلام، وأحاديث النفس بالخواطر الردية، لكون النفس في تلك الحال كالماء المتموج لا يقبل صورة. وضرب هو الأقل صحيح، وذلك قسمان: قسم لا يحتاج إلى تأويل، ولذلك يحتاج المعبر إلى مهارة يفرق بين الأضغاث وغيرها، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية، ويفرق بين طبقات الناس، إذ كان فيهم من لا تصح له رؤيا، وفيهم من تصح رؤياه، ثم من صح له ذلك؛ منهم من يرشح أن يلقي إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطيرة، ومنهم من لا يرشح له ذلك. ولهذا قال اليونانيون: يجب أن يشتغل المعبر بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام، وذلك لأن له حظا من النبوّة انظر بقيته فيه وانظر مقدمة العبر لإبن خالدون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الإمام في صلاة الفريضة</span>\n«السلطان أحق بالإمامة في الصلاة، إلا أن يأذن لغيره في ذلك. قال ابن العربي في الأحكام: ولاية الصلاة أصل في نفسها، فإن النبي ﷺ كان إذا بعث أميرا جعل الصلاة إليه ولكن لما فسدت الولاة ولم يكن فيهم من ترضى حالته للإمامة، بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة وقدّم للصلاة من ترضى حالته سياسة منهم للناس، وإبقاء على أنفسهم. فقد كان بنو أمية حين كانوا يصلون بأنفسهم يخرج أهل الفضل من الصلاة خلفهم، ويخرجون من الأبواب، فيأخذهم سياط الحرس فيصبرون عليه اهـ» .\nإشتهر في كتب المتأخرين أن إتخاذ المحاريب في المساجد لوقوف الأيمة بدعة، وأفرد ذلك الحافظ السيوطي بمؤلف. وفي عون المعبود على سنن أبي داود: ما قاله القاري من أن المحاريب من المحدثات بعده ﵇ فيه نظر؛ لأن وجود المحراب في زمنه ﵇ يثبت من بعض الروايات، أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن وائل بن حجر قال: حضرت رسول الله ﷺ نهض إلى المسجد فدخل المحراب، ثم رفع يديه للتكبير.\nوقال ابن الهمام: لا يخفي أن إمتياز الإمام مقرر مطلوب شرعا، وثبتت المحاريب في المسجد من لدن رسول الله ﷺ اهـ انظر العون.\nفائدة: وفي فوائد الفكر لدى قصة الفتح، ذكروا أن العباس لما احتمل أبا سفيان معه إلى قبته أصبح وقد رأى الناس ثائرين إلى طهورهم، فقال يا أبا الفضل: ما للناس أأمروا فيّ بشيء؟ قال: لا، ولكن قاموا إلى الصلاة. فأمره فتوضأ فلما رأى تكبير الناس بتكبير النبي ﷺ وركوعهم بركوعه قال: ما رأيت كاليوم؛ قوم جميعهم من هنا، وهاهنا، ولا فارس والروم ذات القرون بأطوع منهم له اهـ.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>ذكر استخلاف رسول الله ﷺ لأبي بكر الصديق على الصلاة وكم من صلاة صلّاها</span>\n«أمر النبي ﷺ في مرض موته أبا بكر أن يصلي بالناس فكان يصلي بهم في الصحيحين وغيرهما وفي الدر المنظم لأحمد بن محمد بن أحمد اللخمي العزفي قال ابن الهاشمي: صلى أبو بكر بالناس في مرض رسول الله ﷺ سبعة عشر صلاة وقال: هكذا روى الدولابي «١»» .\nوروى الدارقطني من مراسيل الحسن البصري: أن أبا بكر صلى بالناس في مرض موته ﷺ تسعة أيام، وخرج النبي ﷺ في اليوم العاشر، وصلى خلف أبي بكر، قال الزرقاني في شرح المواهب: ومدة مرضه ﵇ إثنا عشر يوما؛ فيها ستون صلاة أو نحو ذلك اهـ.\nوقال الحافظ ابن تيمية في رده على ابن مطهر الحلي: ولم تكن الصلاة التي صلّاها أبو بكر بالمسلمين في مرض النبي ﷺ صلاة ولا صلاتين، ولا صلاة يوم ولا يومين، وأقل ما قيل: إنه صلى سبعة عشر صلاة، صلى بهم العشاء الأخيرة ليلة الجمعة، وخطب بهم يوم الجمعة هذا ما تواترت به الأحاديث الصحيحة اهـ منه.\nونقله الحافظ برهان الدين الحلبي في نور النبراس وأقره، فاستفدنا منه فائدة وأي فائدة! وهي أن أبا بكر هو الذي خطب بالناس يوم الجمعة في مرض موت النبي ﷺ، وقد كنت أو مأت إلى التوقف في ذلك في اختصار الشمائل تبعا لشيخنا الشبيهي، الذي قال في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به من الفجر الساطع: لم أقف على من ذكر حال صلاة الجمعة الواقعة في مرضه ﵇، وما وقع فيها من خطبة وغيرها اهـ فلم يبق الآن إلا البحث في موضوع خطبته إذ ذاك.\nتنبيه: بما وقع عليه الإجماع من كون أبي بكر قدّمه ﵇ للصلاة بالناس في مدة مرضه، ردّ الحافظ ابن تيمية في كتابه في الرّد على ابن المطهر ما ذكره من أنه ﵇ وجّه أبا بكر في الجيش الذي أمرّ عليه أسامة فقال: لم ينقل أحد من أهل العلم أنه ﵇ أرسل أبا بكر وعثمان في جيش أسامة، وكيف يرسل أبا بكر، وقد استخلفه يصلي بالناس مدة إلى أن مات، وكيف يتصور أن يأمره بالخروج في الغزاة، وهو يأمره بالصلاة بالناس اهـ واعترضه الحافظ الشامي في سيرته من وجهين: الأول قوله: إنه لم ينقله أحد من أهل العلم الخ بأنه قد ذكره محمد بن عمر الأسلمي وابن سعد، وهما من أئمة المغازي. وجرى عليه في المورد وجزم به في العيون والفتح في مناقب زيد بن حارثة الثاني قوله: وكيف يرسل أبا بكر في جيش أسامة ليس بلازم، وأن إرادة النبي ﷺ بعث\n_________\n(١) انظر كتاب تخريج الدلائل السمعية ففيه تفصيل لهذا الموضوع ص ١١٠.","vol":"1","page":118},{"text":"جيش أسامة كان قبل ابتداء مرض النبي ﷺ، فلما اشتد به المرض استثنى أبا بكر وأمره بالصلاة بالناس اهـ.\nفائدة: الصلاة جماعة من خصائص أمته ﵇، ذكره في أنموذج اللبيب، قال الروضي في شرحه: قال العلماء: قد مكث ﵇ بمكة ثلاث عشرة سنة، يصلي بغير جماعة، لأن الصحابة كانوا مقهورين يصلون في بيوتهم، فلما هاجر ﵇ أقام الجماعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>استخلاف المصطفى على الحج</span>\nفي نور النبراس: إعلم أن أول من أقام للناس الحج عتّاب بن أسيد سنة ثمان من الهجرة، وهي عام الفتح وحج بالناس تلك السنة على ما كانت عليه العرب في الجاهلية، قال الأزرقي: لم يبلغنا أنه استعمله على الحج هذه السنة، فلما كان وقت الحج حجّ المسلمون والمشركون، وكان المسلمون بمعزل يدفع بهم عتاب بن أسيد، ويقف بهم المواقف لأنه أمير البلد، وذكر الماوردي في حاويه في السير: أنه ﵇ لما فتح مكة استعمل عتاب بن أسيد عليها للصلاة والحج، وذكره أيضا في كتاب الحج: وهذا إثبات لم يبلغ الأزرقي. ثم حج أبو بكر سنة تسع اهـ وفي أحكام ابن العربي: وأما ولاية الحج فهي مخصوصة ببلاد الحج، وأول أمير بعثه ﵇ أبو بكر الصديق بعثه ﵇ سنة تسع قبل حجة الوداع، وأرسله بسورة براءة ثم أردفه عليا كما سبق اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>اتخاذ المنبر</span>\n«روى البخاري «١» عن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا قال: إن شئت فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صنع له. قال ابن بشكوال في كتاب ما أنبهم من الأسماء: إسم هذا الغلام النجار مينا، قال ويقال: إن الذي صنع المنبر لرسول الله ﷺ «باقوم» مولى العاصي بن أمية صنعه من طرفاء ثلاث درجات، فلما قدم المدينة زاد فيه وقيل: صنعه ميمون النجار. وقيل صنعه صباح غلام العباس بن عبد المطلب. وذكر ابن فتحون قبيصة المخزومي في كتابه وقال: هو الذي عمل غلامه منبر النبي ﷺ. وفي المقدمات لإبن رشد: وفي سنة سبع إتخذ النبي ﷺ المنبر. وقيل في ثمان عمله له غلام لسعد بن عبادة. وقيل غلام لإمرأة من الأنصار. وقيل غلام للعباس بن عبد المطلب. قال ابن رشد ولعلهم اجتمعوا كلهم على عمله» .\nوترجم في الإصابة إبراهيم النجار فذكر عن الطبراني في الأوسط عن جابر؛ أن النبي\n_________\n(١) وجدت في كتاب الجمعة من صحيح البخاري ج ١ ص ٢٢٠ حديثا عن سهل بن سعد الساعدي حول المنبر. فانظره إن شئت هناك. ثم وجدت حديث الباب في البخاري ٣/ ١٤ من كتاب البيوع باب ٣١- ٣٣. مصححه.","vol":"1","page":119},{"text":"ﷺ: كان يخطب إلى جذع، فذكر الحديث في إتخاذ المنبر، وفيه فدعا رجلا فقال: ما اسمك؟ قال: إبراهيم قال: خذ في صنعته استدركه أبو موسى وقال في رواية أخرى: إن اسم النجار باقوم، فيحتمل أن يكون إبراهيم إسمه وباقوم لقبه، قال الحافظ: على تقدير الصحة وإلا ففي الإسناد العلاء بن الرواس وقد كذبوه.\nوترجم في الإصابة لباقوم المذكور فذكر أنه بالميم ويقال باللام، ووصفه بالنجار، ثم نقل أن باقوم النجار كان روميا وهو الذي بنى لقريش الكعبة انظر ص ١٤١.\nوترجم فيها أيضا لكلّاب مولى العباس بن عبد المطلب، فذكر أن ابن سعد خرج بسند فيه الواقدي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائما. فقال: إن القيام قد شقّ علي. فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام، فشاور المصطفى المسلمين في ذلك؛ فرأوا أن يتخذه. فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلّاب أعمل الناس فقال: مره أن يعمله، وفي صبح الأعشى:\nأول من عمل المنبر تميم الداري عمله للنبي ﷺ، وكان قد رأى منابر الكنائس بالشام اهـ.\nقال الحافظ السيوطي في التوشيح على قول المصطفى: مر غلامك النجار يعمل لي أعوادا. ما نصه: هل صانعه ميمون وصحح أو باقول بلام أو باقوم بميم أو صباح بصاد فموحدة كغراب، أو قبيصة أو كلّاب مولى العباس أو تميم الداري أو ميناء بميم فنون فهمز كميقات تسعة أقوال. وهل في سنة سبع أو ثمان اهـ.\nوأنشد محدث الشام الشيخ عبد الباقي الحنبلي الأثري في ثبته رياض الجنة لشيخه محدث الشام نجم الدين الغزي الشافعي قوله:\nصانع منبر المدينة الذي ... كان عليه يخطب النبي\nصلى وسلّم عليه دائما «١» ... إلهنا المهيمن العلي\nقيل اسمه ميمون أو باقول ... أو باقون أو تميم الداري\nوقيل إبراهيم أو قبيصة ... والقول الأوّل هو القوي\nقال الشيخ عبد الباقي وزدت متبعا فقلت مبينا:\nمينا صباح قيصرهم باقوهم «٢» ... كلامهم مينا هو القوي\nاهـ ثم قال في التوشيح: وكان ثلاث درجات إلى أن زاده مروان في خلافه معاوية ست درجات؛ بسبب أن معاوية كتب إليه أن يحمله إليه، فقلعه فأظلمت طيبة، وكسفت الشمس. حتى رأوا النجوم. فخرج مروان فخطب فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين لأن أرفعه. فدعا نجارا فزاده الست. فقال: إنما زدت به أذكر الناس أخرجه الزبير بن بكار في\n_________\n(١) هذا المصراع فيه خلل وتصويبه: صلى عليه دائما وسلما.\n(٢) هذا المصراع فيه خلل وتصويبه: مينا صباح قيصر باقوم. والله أعلم.","vol":"1","page":120},{"text":"أخبار طيبة من طرق. قال ابن النجار: فاستمر على ذلك إلى أن أحرق المسجد النبوي سنة ٦٥٤. فاحترق فكان إشارة إلى زوال دولة بني العباس، إذا انقرضت عقبه بقليل [٦٥٦ اهـ] في فتنة التتر اهـ.\nوفي المنهل الأصفى: أنه إحترق أول ليلة من رمضان عام ٦٥٤. وكان ذلك من أعظم المصائب على الناس.\nوللحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي تأليف سماه «عرف العنبر في وصف المنبر» ذكره له الرداني في صلته انظره.\nفائدة: في التوشيح للأسيوطي: كان اليهود يسمون الاسبوع كله سبتا، وقد وقع ذلك في حديث أنس في الإستسقاء، فحدث في الإسلام تسميته جمعة نظرا لليوم الأشرف [انظر كتاب الاستسقاء في مسلم ٨ ص ٦١٢/ ١] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>خطبته ﵇ في حجة الوداع على الدواب</span>\nفي أبي داود عن رافع بن عمرو المزني «١»: رأيت رسول الله ﷺ يخطب بمنى حين ارتفعت الضحى، على بغلة شهباء. وعلي يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد، وفيه أيضا عن غيره: رأيته ﷺ وهو على المنبر بعرفة «٢»، قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: وهذا حديث لا يثبت لأنه عن مجهول، وقد ذكر أبو داود والنسائي وغيرهما: أنه خطب على بعير وهو الصحيح المشهور «٣» .\nأقول: بوّب الشامي في سيرته:\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>اتخاذه ﷺ عليا يعبر عنه</span>\nروى مسدد برجال ثقات عن هلال بن عامر المزني عن أبيه فقال: رأيت رسول الله ﷺ بمنى على بغلته وعليه برد أحمر، وعلي أمامه يعبر عنه ما يقول، فجئت حتى دخلت بين شراك النبي ﷺ وقدمه فجعلت أعجب من بردها رواه أحمد «٤» وأبو داود مختصرا.\nوروى الطبراني برجال ثقات عن ابن عباس قال: لما وقف رسول الله ﷺ بعرفة: أمر ربيع بن أمية بن خلف فقام تحت يدي الناقة، وكان رجلا صيّتا فقال: أصرخ أيها الناس:\nأتدرون أي شهر هذا؟ فصرخ فقال الناس: الشهر الحرام. قال أصرخ أي بلد هذا؟ قالوا:\nالبلد الحرام. قال: أصرخ أي يوم هذا؟ قالوا: الحج الأكبر. قال أصرخ فقل: إن رسول\n_________\n(١) هو في سنن أبي داود. انظره ج ٢ ص ٤٨٩ رقم الحديث ١٩٥٦.\n(٢) هو برقم ١٩١٥ ج ٢ من كتاب المناسك.\n(٣) انظر أيضا كتاب المناسك لأبي داود برقم ١٩١٦/ ١٩١٧.\n(٤) انظر في ج ٣ ص ٤٧٧ وطبعة المكتب الإسلامي. ٦٢٥/ ٣.","vol":"1","page":121},{"text":"الله ﷺ قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا. الحديث.\nوأحاديث هذه الترجمة هي الأصل في الإملاء، الذي كان مستعملا عند المحدثين، واتخاذ المحدث المستملي إذا كثر الجمع؛ وهو من يبلغ عنه. وفي الصحيح «١» عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس والناس، فإذا كثر الجمع بحيث لا يكفي مستمل إتخذ مستمليين فأكثر، فقد أملي أبو مسلم الكجي في رحبة غسان، وكان في مجلسه سبعة مستملون، يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه، وحضر عنده نيف وأربعون ألف محبرة، سوى من ينظر فقط. وكان يحضر مجلس عاصم بن علي أكثر من مائة ألف إنسان.\nقلت: يتعين أن يستدرك هنا على الشامي أيضا:\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>أمره ﵇ باستنصات الناس رجلا أطول الناس قامة وأبلغهم وأنداهم صوتا</span>\nففي الصحيح مكررا قوله ﵇ لجرير بن عبد الله البجلي: استنصت لي الناس في حجة الوداع «٢»، وكان حاله كذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>تكليف الإمام عظيما من أصحابه يحشر له قومه</span>\nترجم في الإصابة للحكم بن منهال، فذكر أن أبا يعلى خرّج من طريق أبي الحويرث، أنه سمع الحكم بن منهال أن رسول الله ﷺ قال لعمر: إجمع لي قريشا. وترجم فيها للفضل بن عباس، فذكر أن البغوي خرج من طريقه قال: جاءني رسول الله ﷺ فقال:\nخذ بيدي وقد عصب رأسه، فأخذت بيده فأقبل حتى جلس على المنبر فقال: ناد في الناس، فصحت فيهم فاجتمعوا له، فذكر الحديث.\nتنبيه: قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: لم يكن النبي ﷺ يأخذ بيده في الخطبة سيفا، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس؛ قبل إتخاذ المنبر على عادتهم، ولم يحفظ أنه إعتمد على سيف. وما يظنه بعض الجهلة من أنه إعتمد على السيف إشارة إلى أن الدين قام بالسيف فمن فرط جهله، فإنه لم ينقل أصلا. وتبعه الزركشي ونقله السخاوي في القول التام وأقره اهـ كذا في الفوائد الجنوية للأبياري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>ارساله ﵇ عليا يبلّغ عنه نزول أول سورة القتال</span>\nوذلك أنه في مرجعه ﵇ من تبوك، بعث أبا بكر أميرا ليقيم الحج للناس، فخرج. ونزلت براءة فيمن نقض العهد العام، الذي بين النبي ﷺ، وبين المشركين، وبين\n_________\n(١) انظر كتاب العلم باب ٢٥/ ج ١/ ٣٠.\n(٢) رواه البخاري في كتاب المغازي باب ٧٧ ج ٥ ص ١٢٦.","vol":"1","page":122},{"text":"قبائل من العرب على أمور مخصوصة، فلما نزلت براءة: إنكشفت فيها سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، حتى كانت السورة تسمى المبعثرة، فبعث ﷺ بصدرها علي بن أبي طالب، وقال: أخرج بهذه القضية فأذن في الناس يوم النحر: إذا اجتمعوا بمنى إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته، فخرج على ناقته العضباء فلما أدرك أبا بكر بالطريق قال: أمير أو مأمور قال: مأمور ومضيا. فأقام أبو بكر الحج وقام علي يوم النحر بما أمر به، وأجّل الناس أربعة أشهر من يومئذ، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة؛ إلا من كان له عهد خاص إلى مدة فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف عريان، وكان العهد العام أن لا يصدّ أحد يريد البيت عنه ولا يخاف في الأشهر الحرم.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي عن بعض العلماء: إن النبي ﷺ إنما أرسل عليّا ببراءة لأنها تضمنت نقض العهد الذي كان عقده، فأراد قطع ألسنة العرب بأن يرسل ابن عمه من بيته لينقض العهد؛ حتى لا يبقى لهم متكلم. قال: وهذا بديع اهـ.\nوحكي الإمام فخر الدين في تفسيره عن الجاحظ أنه قال في قوله ﵇: «لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي» «١»، لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر، وإنما عامل العرب بما يتعارفونه بينهم؛ أن السيد الكبير إذا عقد لقوم عهدا، فإنه لا يحل ذلك الأمر إلا رجل من أقاربه المقربين، كأخ أو عم. وقد كان أبو بكر الإمام والخطيب يومئذ، وعلي مؤتما به. انظر ما سيأتي في الكلام على المنادي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>الإمام في صلاة رمضان</span>\n«في الموطأ عن عائشة أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى في القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح قال: لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم ذلك في رمضان. وفيها أيضا أن عمر خرج إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرج الناس يصلون بصلاة قارئهم. فقال عمر: نعمت البدعة هذه «٢»» .\n_________\n(١) الحديث رواه أحمد عن أنس ج ٣ ص ٢٨٣، ونصه عن أنس: بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة قال: ثم دعاه فبعث بها عليا قال: لا يبلغها إلا رجل من أهلي. ص ٣٥٩ ج ٣ من طبعة المكتب الإسلامي.\n(٢) روى مالك في الموطأ الحديثين في كتاب «الصلاة في رمضان» ص ١١٣- ١١٤.","vol":"1","page":123},{"text":"قلت: ترجم في الإصابة لزيد بن قنفذ بن زيد بن جدعان التميمي فقال: وجدت له خبرا يدل على صحبته. قال عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج: حدثت أنه أول من قام بالناس بمكة في خلافة عمر، وكان من شاء قام لنفسه، ومن شاء طاف، وذكر أبو عمر في التمهيد: أن أول ما جمع عمر الناس على امام في رمضان كان في سنة أربع عشرة اهـ وفي طبقات ابن سعد أن عمر أول من جمع الناس للصلاة في رمضان، وجعل للرجال من يؤمهم، وللنساء من يؤمهم على حدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>ذكر مؤذّن النبي ﷺ</span>\n«في صحيح مسلم «١»: كان لرسول الله ﷺ مؤذّنان، بلال وابن أم مكتوم، وقال عياض: يعني في وقت واحد، وإلا فقد كان له ﵇ غير هما. أذّن له أبو محذورة في مكة، ورتبه لأذانه وسعد القرظ أذّن بقباء ثلاث مرات، ولكن هذان لازما الأذان بالمدينة» .\nوفي مختصر ابن يونس الفقهي قال ابن حبيب: وقد أذن للنبي ﷺ أربعة: بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم وسعد القرظ اهـ بواسطة أبي الحسن على المدونة.\nوفي السيرة الحلبية: وأذّن بين يديه ﷺ: زياد بن الحارث الصدائي، وعبد العزيز بن الأصم أذّن بين يديه مرة واحدة.\nقلت: عدّه عبد العزيز بن الأصم من جملة مؤذّنيه فيه ما فيه، وإن وقع لجماعة من المتأخرين. وأصله ما في مسند الحارث بن أبي أسامة عن ابن عمر: كان للنبي ﷺ مؤذّنان أحدهما بلال، والآخر عبد العزيز ابن الأصم، ولكن قال في الإصابة: هو غريب جدا.\nوفيه موسى بن عبيد ضعيف. ثم ظهرت لي علته وهو: أن أبا قرة موسى بن طارق أخرج مثله. وزاد: وكان بلال يؤذّن بليل يوقظ النائم، وكان ابن أم مكتوم يتوخّى الفجر، فلا يخطه «٢» فظهر من هذه الرواية أن عبد العزيز اسم ابن أم مكتوم. والمشهور في إسمه عمرو. وقيل: عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم، فالأصم جد أبيه، نسب إليه في هذه الرواية.\nوفي شرح أنموذج اللبيب: للشمس محمد الروضي المصري المالكي: روى أصحاب السنن أن مؤذّنيه ﵇ كان عدتهم أربعة. وعدّهم في نور النبراس كذلك أربعة ثم قال: وزيد عليهم أيضا إثنان فصاروا ستة. والأربعة بلال وعبد الله بن أم مكتوم، وسعد القرظ، وأبو محذورة أوس «٣»، والإثنان زياد بن الحارث الصدّائي فإنه أذّن مرة وأقام في\n_________\n(١) ذكره مسلم في كتاب الصلاة رقم الباب ٤. عن ابن عمر ج ١/ ٢٨٧\n(٢) كذا وردت يخطه ولعل الصواب: يخطئه.\n(٣) هو أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح وكنيته أبو محذورة، أقامه النبي ﷺ مؤذنا بمكة وبقي كذلك وهو وعقبه حتى انقرضوا أيام الرشيد. انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ١٦٢.","vol":"1","page":124},{"text":"صلاة الصبح، وكان بلال غائبا. فأراد أن يقيم فقال ﵇: إن أخا صداء. أذّن ومن أذّن فليقم «١» . والسادس: عبد العزيز بن الأصم أذّن مرة اهـ ما نقله.\nقال بعضهم كان المؤذّنون في زمانه ﵇ مؤذّنين؛ بلال، وابن أم مكتوم. فلما كان زمن عثمان جعلهم أربعة. وزاد الناس بعده. وروي: لما مات ﵇ ترك بلال الأذان ولحق بالشام، ولم يؤذّن لأحد بعده ﵇. وروي أنه كان يأتي كل عام المدينة لزيارته ﵇ لما أن عاتبه ﵇ في المنام وقال له: أنت جفوتنا يا بلال؟ لم لا تزورنا؟.\nولما أن ذهب بلال إلى الشام أتي بسعد القرظ كان يؤذّن بقبا، ثم صار يؤذّن بمسجده ﵇ اهـ راجع بقيته فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>فائدة:</span>\nأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن القاسم بن عبد الرحمن: أول من أذّن في الإسلام بلال، وأخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس. وزاد: أول من أقام عبد الله بن زيد.\nوانظر خير البشر بأذان خير البشر. وفي خطط المقريزي قال الواقدي: كان بلال يقف على باب رسول الله ﷺ. يعني: بعد الأذان فيقول: السلام عليك يا رسول الله، وربما قال:\nالسلام عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة. السلام عليك يا رسول الله. قال البلاذري وقال غيره: كان يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، الصلاة يا رسول الله. فلما ولي أبو بكر الخلافة، كان سعد القرظ يقف على بابه فيقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته. حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا خليفة رسول الله.\nقلت: ظفرت بمؤذّن سابع له ﵇ وهو ثوبان. فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن ثوبان مولى النبي ﷺ قال: أذّنت مرة فدخلت على النبي ﷺ فقلت: قد أذّنت يا رسول الله فقال: لا تؤذّن حتى تصبح، ثم جئته أيضا فقلت: قد أذّنت. فقال: لا تؤذّن حتى ترى الفجر. ثم جئته الثالثة. فقلت: قد أذّنت. فقال: لا تؤذن حتى تراه هكذا، وجمع بين يديه ثم فرقهما. انظر كنز العمال. فهذا مؤذّن سابع له ﵇.\nوقد ظفرت بمؤذّن ثامن في خطط المقريزي. جاء أن عثمان بن عفان كان يؤذّن بين يدي رسول الله ﷺ عند المنبر اهـ منها ص ٤٣ من الجزء الرابع طبع مصر سنة ١٣٢٦ ولم أر من ذكر عثمان ولا ثوبان المذكور في المؤذّنين. فإن معظم الأئمة إقتصر على أربعة، ومنهم من عدهم خمسة، وهو المشهور لدى المتأخرين. وأما عدهم سبعة أو ثمانية كما ذكرنا فلم أسبق إليه. والحمد الله وقد نظم أسماء الخمسة دون عبد العزيز بن الأصم البرماوي فقال كما في حاشية الرهوني على الزرقاني:\n_________\n(١) ورد في مسند أحمد حديث من رواية زياد بن الحارث الصدائي: يقيم أخو صداء فإن من أذّن فهو يقيم ج ٤ ص ١٦٩.","vol":"1","page":125},{"text":"لخير الورى خمس من الغر أذّنوا ... بلال ندي الصوت بدا يعين\nوعمرو الذي أم لمكتوم أمه ... وبالقرظ أذكر سعدهم إذ تبين\nوأوس أبو محذورة وبمكة ... زياد الصداء نجل حارث يعلن\nونظمهم الشيخ التاودي ابن سودة أيضا فقال:\nعمرو بلال وأبو محذورة ... سعد زياد خمسة مذكورة\nقد أذنو جميعهم للمصطفى ... نالوا بذاك رتبة وشرفا\nتنبيه: أبو محذورة المؤذّن، أمره المصطفى ﵇ بالآذان بمكة، عند منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذّن فيها. وبقي الآذان بمكة في نسل أبي محذورة وأولاده قرنا بعد قرن إلى زمن الشافعي- انظر ترجمته من تهذيب النووي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>ذكر الموقت</span>\n«في أمر النبي ﷺ بلالا بحفظ الوقت في الموطأ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ حين قفل من خيبر أسرى، حتى إذا كان من آخر الليل عرّس. وقال لبلال: إكلأ لنا الصبح. ونام رسول الله ﷺ، وكلأ بلال ما قدر له. الحديث في قصة نوم الوادي» .\nولأبي داود والطبراني من حديث عمرو بن أمية قصة أخرى. وفيها: أن الذي كلأ «١» لهم الفجر ذو مخبر. ولإبن حبّان عن ابن مسعود أنه كلأ لهم الفجر. وهذا يدل على تعدّد القصة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>فصل في اقتداء المساجد في صلاتهم بمؤذّن المسجد الجامع</span>\n«في الروض الأنف: كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسجد رسول الله ﷺ، كلهم يصلون بأذان بلال كذلك قال: بكير بن عبد الله بن الأشحم فيما روي عنه أبو داود في مراسله، والدارقطني في سننه» .\nقال في نور النبراس عقبه: وقد رأيت المزّي في أطرافه عزاه إلى المراسيل أخرج فيها عن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب عن ابن لهيعة، أن بكير بن الأشحم حدثه بهذا اهـ وأقربها مسجد بني عمرو بن النجار ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابح من بني عبد الأشهل، ومسجد بني زريق، ومسجد غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة. وشك في التاسع كذا قال والمشكوك فيه إذا عاشر انظر النور ولا بد.\nفائدة: قال الحافظ السيوطي في التوشيح، في تاريخ ابن عساكر بسند ضعيف: إن أول من قدّر الليل والنهار إثنى عشر ساعة نوح ﵇، حين كان بالسفينة، وفي الإكليل له\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة ج ١/ ٣٠٩ ورقمه: ٤٤٥. وذو مخبر الحبشي أحد خدام النبي ﷺ.","vol":"1","page":126},{"text":"على قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [الإسراء: ١٢] الآية أصل في علم المواقيت والهيئة والتاريخ اهـ وفيه أيضا على قوله تعالى: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ [يونس: ٥] أصل في علم التوقيت والحساب ومنازل القمر والتاريخ اهـ وقد أخرج أبو الشيخ بسند فيه مجهول عن ابن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج: ٢٧] فأذن رسول الله ﷺ. قال الشيخ زرّوق في حواشي الصحيح: لا يبعد أن يكون أحد المقويات لرؤياهم حتى سكن إليها دون آرائهم المتقدمة إذ لا منافاة، وسواء قلنا: جاء به الوحي أم لا. لإحتمال أن يكون الوحي ورد بعد ذلك؛ مؤكدا لما عندهم من الرؤيا والنظر اهـ.\nوفي خطط مصر للتقي المقريزي، قال أبو عمرو الكندي: في ذكر من عرف على المؤذّنين بجامع عمرو بن العاص بمصر: كان أول من عرف على المؤذّنين: أبو مسلم سالم بن عامر بن عبد المرادي وهو من أصحاب رسول الله ﷺ، وقد أذن لعمر، ثم عرف أخوه شرحبيل بن عامر، وكانت له صحبة. وذكر عن عثمان أنه أول من رزق المؤذّنين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>على أي شيء كانوا يؤذّنون</span>\nفي كتاب الجمعة من تشنيف السامع على قول الراوي في الصحيح: فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، والزوراء قيل إنه مرتفع كالمنارة، وفي النزهة الثمينة في أخبار المدينة لإبن النحاس: وروى ابن إسحاق أن إمرأة من بني النجار قالت:\nكان بيتي أطول من بيت حذاء المسجد، وكان بلال يؤذّن عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك قالت: ثم يؤذّن، وذكر أهل السير أن بلالا كان يؤذّن على أسطوان في قبلة المسجد، يرقي إليها بأقتاب فيها، وكانت خارجة من المسجد، وهي قائمة إلى الآن في مسجد عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.\nوروى نافع عن ابن عمر قال: كان بلال يؤذّن على منارة في دار حفصة بنت عمر التي تلي المسجد. قال: فكان يرقى على أقتاب فيها. وكانت خارجة من مسجد رسول الله ﷺ، لم تكن فيه وليست فيه اليوم، وفي غير النزهة: إنه لم يكن منار في زمانه ﵇ وإنما هو من سنة الصحابة، وكانوا في عهده يؤذّنون عند باب المسجد لا بين يدي الإمام.\nفإنما فعله هشام وذلك مكروه لأنه محدث أحدثه هشام. كما نقل الذي كان بالزوراء إلى المسجد اهـ ونحوه في الوفاء للسيد السمهوني قائلا: يظهر من سياق ما سبق له: أن أول ما جعل المنار في المسجد كان في زيادة الوليد، ثم لما ذكر ما سبق من أن بلالا كان يؤذّن على منارة في دار حفصة قال: الظاهر أن الراوي تجوّز في تسميته الأسطوان منارة. على أن الراوي لذلك إحترقت كتبه، فكان يروي من حفظه فذكره. والظاهر أن عمر وعثمان لم يتخذا منارة وإلا لنقل اهـ.","vol":"1","page":127},{"text":"وفي البحر [الرائق] من كتب الحنفية: لم تكن في زمنه ﵇ مئذنة اهـ ولما نقله الشمس ابن عابدين في «ردّ المختار» قال إثره: وفي شرح إسماعيل عن الأوائل للسيوطي أن الماذن بنيت بأمر معاوية ولم تكن قبل اهـ منه.\nقلت: انظر هذا مع ما نقله الزرقاني على المواهب عن الشيخ خليل في التوضيح:\nإختلف النقل هل كان يؤذّن بين يدي النبي ﷺ أو على المنار الذي نقله أصحابنا؛ أنه على المنار. نقله عبد الرحمن بن القاسم في المجموعة، وفي المرقاة عن ابن القاسم عن مالك:\nأن الأذان في زمنه ﵇ كان على المنارة وفي المدخل لأبي عبد الله بن الحاج:\nالسنة في أذان الجمعة إذا صعد الإمام على المنبر أن يكون المؤذّن على المنار. كذلك كان في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر اهـ وفي المدخل أيضا: المنار عند السلف بناء يبنونه على سطح المسجد اهـ.\nتتمة في الدرر المرصعة في صلحاء درعة، نقلا عن كتاب إنارة البصائر في مناقب الشيخ بن ناصر، وحزبه الهداة الأكابر، ما نصه: كان يعني الشيخ سيدي محمد بن ناصر يقتصر يوم الجمعة على مؤذّن واحد وأذان واحد غير الإقامة أسوة برسول الله ﷺ إذ لم يكن أي التعدي في زمنه ولا في زمن أبي بكر ﵁ على ما هو الأشهر وصدر من خلافة عثمان، وكان لا يؤذّن في زمنه ﵇ إلا مؤذّن واحد هذا هو الصحيح والمعتمد كما في فتح الباري والآبي اهـ ولا يعكر عليه ما في المدخل لإبن الحاج وكان المؤذّنون ثلاثة يؤذّنون واحدا بعد واحد لقول صاحب عون المعبود على سنن أبي داود إثره: لم أقف على نقل صريح أن المؤذّنين كانوا ثلاثة على عهد رسول الله ﷺ وكلهم يؤذّنون يوم الجمعة واحدا بعد واحد بل سيجيء أنه لم يكن لرسول الله ﷺ إلا مؤذّن واحد بلال اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>ذكر صاحب الخمرة</span>\n«الخمرة هي كالحصير الصغير من سعف النخل يضفر بالسيور ونحوها بقدر الوجه والكفين وهي أصغر من المصلي، وفي المعالم للخطابي: الخمرة السجادة التي يسجد عليها المصلي. روى البخاري عن ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ يصلي على الخمرة. اهـ. وروى مسلم رحمه الله تعالى؛ عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ:\nناوليني الخمرة من المسجد «١» . وروى النسائي عن ميمونة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا فيتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي حائض. اهـ.»\nقلت: أفرد شيخنا الوالد مسألة صلاته ﵇ على الخمرة والحصير بتأليف فانظره.\n_________\n(١) هو في مسلم ج ١ ص ٢٤٥ من كتاب الحيض.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الذي يحمل العنزة</span>\n«في الصحيح «١» عن ابن عمر، كان رسول الله ﷺ يغدو إلى المصلى، والعنزة تحمل بين يديه ويصلي إليها، والعنزة عصا قدر نصف الرمح أو أكبر لها ساق مثل ساق الرمح» .\nوفي كتاب الوضوء من الصحيح باب: من حمل العنزة مع الماء الإستنجاء. خرج عن أنس قال: كان النبي ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة. قال ابن باديس في الفوائد: العنزة بتحريك النون أطول من العصا، ودون الرمح، فيها زج كزج الرمح، وفي المشكاة: العنزة: المحجن؛ عصا قدر الذراع؛ وكان يمشي وهي في يده ﵇. وتحمل بين يديه الكريمتين في العيدين حتى تركز أمامه سترة يصلي إليها. ويقال:\nإنها بقيت بالمدينة إلى أيام المأمون. وفي عيون المعارف: كانت له عنزة أخرى؛ أخذها من الزبير بن العوام. وكان الزبير أخذها من النجاشي اهـ.\nوقال الحافظ السيوطي في التوشيح: فائدة: روى عمر بن شبّة في أخبار المدينة عن سعد القرظ أن النجاشي أهدى إليه ﷺ حربة، فأمسكها لنفسه، فهي التي يمشي بها مع الإمام يوم العيد، ومن طريق الليث أنه بلغه أن العنزة التي كانت بين يديه ﷺ؛ كانت لرجل مشرك، فقتله الزبير بن العوام يوم أحد فأخذها منه النبي ﷺ. وكان ينصها بين يديه إذا صلى، وجمع بأنّ عنزة الزبير كانت أولا قبل حربة النجاشي اهـ.\nوفي سيرة ابن فارس أيضا: وكان له محجن ومخصرة تسمى العرجون، وقضيب يسمى الممشوق. قال شارحه: المحجن بالتحريك الإعوجاج والمحجن كالصولجان.\nوقيل: المحجن دون العنزة قدر ذراع، أو أكثر، معوّج الطرف، كان يمشي به ويعلقه بين يديه على البعير، والمخصرة كالسوط، وكل ما اختصر الإنسان بيده وأمسكه؛ من عصا ونحوها. وقيل: هي كالقضيب تستعمله العرب والأشراف في أيديها؛ للتشاغل به وحك ما بعدت اليد عنه من الظهر. والعرجون: أصل العذق، وكان هذا القضيب إقتطع من موضعه، وهو باق ببغداد عند خلفاء بني العباس اهـ كلام الفوائد.\nوفي طبقات ابن سعد: كان بلال يحمل العنزة بين يدي رسول الله ﷺ يوم العيد والإستسقاء. انظر ترجمة بلال فيها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>الذي كان يحمل العصا بين يديه ﵇ ويتقدم إذا أراد أن يدخل منزله الكريم</span>\nقد سبق عن فتح المتعال للمقري؛ أنه ﵇ كان إذا قام ألبسه عبد الله بن مسعود نعليه، ثم يمشي بالعصا أمامه حتى يدخل الحجرة. وانظر ص ٣٦ من جواهر البحار\n_________\n(١) البخاري كتاب العيدين باب ١٤ ص ٨/ ٢.","vol":"1","page":129},{"text":"من رسالة مؤلفه مسماة بلوغ الآمال في مدح النعال. وللحافظ السيوطي رسالة سماها:\nالأنباء بأن العصا من سنن الإنبياء وفي كتاب البيان والتبيين. أنه كان له ﷺ، مخصرة وقضيب وعنزة تحمل بين يديه. وهكذا كانت عادة عظاماء العرب اهـ.\nوفي الرسالة العلمية لأبي عثمان التجيبي: وأما حمل الإشارة والقضيب، فالإشارة المخصرة وهي عود أرق من العصا، وأغلظ من القضيب، طوله أربعة أشبار أو نحوها.\nيحملها الفقراء بين أيديهم، ويحملون أيضا السهم. والأصل فيها السترة في الصلاة. وكان له ﵇ مخصره وقضيب وعصية وعنزة. وكانت العرب تحمل المخاصر وتخطب وهي في أيديها ويتخذونها في مجالسهم اهـ وفي المجمل: والمخصرة قضيب يكون مع الخطيب أو الملك إذا تكلم اهـ.\nفائدة: وفي جمع الجوامع عازيا للبيهقي وابن عساكر عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك: أنه كان عنده عصية لرسول الله ﷺ فمات، فدفنت معه بين جنبيه وقميصه- انظر ص ١٠ من الجزء السابع من كنز العمال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسرج وهو الموقد</span>\n«في الإستيعاب: سراج مولى تميم الداري قدم على النبي ﷺ في خمسة غلمان لتميم، وأنه أسرج للنبي ﷺ بقنديل الزيت، وكانوا لا يسرجون قبل ذلك سعف النخل.\nفقال رسول الله ﷺ: من أسرج مسجدنا؟ فقال تميم: غلامي هذا. فقال ما اسمه قال: فتح.\nقال النبي ﷺ: بل اسمه سراج. قال: فسماني رسول الله ﷺ سراجا» .\nوخرّجه الخطيب بسند ساقه في الإصابة في ترجمته، وفيه: كان يسرج مسجد رسول الله ﷺ بسعف النخل، فقدمنا بالقناديل والزيت والحبال، فأسرجت المسجد- راجع ترجمته في الإصابة.\nوترجم في الإصابة أيضا لأبي البراء غلام تميم الداري فقال: ذكره المستغفري في الصحابة.\nوأخرج من طريق محمد بن الحسن بن قتيبة، عن سعيد بن فائد عن أبيه عن جده عن أبي هند قال: حمل تميم الداري معه من الشام إلى المدينة قناديل وزيتا ومقطا، فلما انتهى إلى المدينة، وافق ذلك يوم الجمعة، فأمر غلاما له يقال له: أبو البراء. فقام فشد المقط.\nوهو بضم الميم وسكون القاف وهو الحبل، وعلق القناديل وصب الماء «١» . فيها وجعل فيها المفتل، فلما غربت الشمس أسرجها، فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فإذا هو يزهر فقال: من جعل هذا قالوا تميم يا رسول الله. قال: نورت الإسلام نوّر الله عليك في الدنيا\n_________\n(١) وصبّ الماء فيها: كذا في الأصل. ولعله يوجد سهو. والصواب: وصبّ الزيت فيها.","vol":"1","page":130},{"text":"والآخرة. أما إنه لو كان لي إبنة لزوجتكها. فقال نوفل بن الحرث بن عبد المطلب: لي إبنة يا رسول الله تسمى أم المغيرة بنت نوفل، فافعل فيها ما أردت، فأنكحه إياها على المكان.\nوسنده ضعيف اهـ.\nوفي التجريد للذهبي أبو البراء غلام تميم الداري ذكر في حديث منكر اهـ.\nوفي سنن ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري «١»، وقد ذكر الحديث السابق عنه أيضا عيسى بن إسماعيل الرعيني في كتابه:\n«الجامع لما في المصنفات الجوامع» قال في تحفة الأكابر: عليه يوخذ منه أنه إذا وردت مصابيح من عند الكفار، وقد كانت معلقة في كنائسهم، وعلى رؤوس صلبانهم جاز تعليقها في مساجد المسلمين. ومعتمد الجواز: إباحة الإنتفاع بأواني أهل الكتاب كما هو مقرر في الشريعة الخ- انظر بقيته فيها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>هل أوقدت الشموع في المدينة على عهده ﵇</span>\nفي السنن عن ابن مسعود قال: رأيت ونحن في غزوة تبوك شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين «٢» المزني قد مات، وإذا هم حفروا له ورسول الله ﷺ في حفرته، وفي جامع الترمذي في باب الدفن بالليل: عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج «٣» .\nالحديث. قال الحافظ السيوطي: قوله شعلة نار أي: ضوء الشمعة. وذلك أنه أجاب من سأله: هل الشمع وقد عنده ﷺ؟ وأفرد ذلك برسالة سماها مسامرة السموع في ضوء الشموع- انظر الفتاوي الحديثية لابن حجر الهيثمي ص ١٢١ والسيرة الحلبية.\nوفي باب الصلاة على الفراش من الصحيح عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي النبي ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها. قالت:\nوالبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، قال الحافظ في الفتح وقولها: والبيوت ليس فيها يومئذ مصابيح؛ كأنها أرادت به الإعتذار عن نومها على تلك الصفة، قال ابن بطال: وفيه إشعار بأنهم صاروا بعد ذلك يستصبحون اهـ ص ٤١٤ من الجزء الأول.\nوفي السيرة الشامية جاء أنه ﷺ كان لا يجلس في بيت مظلم؛ إلا أسرج له فيه أخرج البزار وأبو الحسن بن الضحاك عن عائشة: كان ﷺ لا يجلس في بيت مظلم إلا أسرج له فيه سراج، وأخرج ابن سعد عنها نحوه.\n_________\n(١) رقم الحديث في الجزء الأول ٧٦٠ ص ٢٥٠ من كتاب المساجد والجماعات.\n(٢) انظر ترجمته في الإصابة ج ١ ص ٣٣٨ واسمه عبد الله بن عبد نهم.\n(٣) انظر كتاب الجنائز باب ٦٢ ص ٣٧٢/ ٣.","vol":"1","page":131},{"text":"وفي البيان والتبيين للجاحظ؛ أن جذيمة الأبرش «١» آخر ملوك قضاعة بالحيرة هو أول من رفع الشمع، وفي شرح المنهج للمنجور أن البرزلي سئل عن جعل الثريا والقناديل في المسجد فأجاب: إن جعل الحصر ومطلق الإستصباح من باب ترفيع المساجد، وقد ورد ثواب جزيل في إستصباحه.\nوحكى الزمخشري في تفسير قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ [التوبة: ١٨] الآية عن أنس: من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوء، وقال: العمارة تتناول تجديد ما استرم منها، وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها وإعتبارها للعبادة والذكر. وأما كثرة المصابيح في رمضان فقد طعن فيه بعض المغاربة بأنه بدعة، والصواب أنه من باب ترفيع المساجد اهـ انظر بقيته في نوازل البرزلي وشرح المنهج ولا بد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المجمر</span>\n«في سنن أبي داود «٢» عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تطيب وتنظف» .\nقلت: ثبت ذلك أيضا في مسند أحمد وابن ماجه وصحيح ابن خزيمة وغيرهم.\n«وفي كتاب الجامع من البيان والتحصيل لابن رشد: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال:\nجمروا مساجدكم، وفي التمهيد: عبد الله المجمر مولى عمر بن الخطاب كان يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، وقد قيل إنه كان من الذين يجمرون الكعبة والأول أصح والتجمير: التبخير» .\nوفي فتح الباري على باب فضل الوضوء: نعيم المجمر بضم الميم وإسكان الجيم هو ابن عبد الله المزني، وصف هو وأبوه بذلك؛ لكونهما كانا يبخران مسجد النبي ﷺ، وزعم بعض العلماء أن وصف عبد الله بذلك حقيقة ووصف نعيم إبنه بذلك مجاز، وفيه نظر فقد جزم إبراهيم الحربي بأن نعيما كان يباشر ذلك اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>الذي يقمّ المسجد ويلتقط الخرق والقذي والعيدان منه</span>\n«خرّج البخاري «٣» ومسلم عن أبي هريرة: أن إمرأة سوداء كانت تقم المسجد ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها فقالوا: ماتت قال: أفلا كنتم آذنتموني. قال: فكأنهم صغروا أمرها. فقال: دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها» .\n_________\n(١) جذيمة الأبرش هو ابن مالك بن فهم من الأزد كما في الجمهرة لابن حزم ٣٧٩.\n(٢) وهو في كتاب الصلاة ورقمه ٤٥٥ ص ٣١٤ ج ١.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب ٧٢ ج ١/ ١١٨.","vol":"1","page":132},{"text":"ورواه ابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: إن إمرأة كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد. ورواه ابن خزيمة أيضا وابن ماجه عن أبي سعيد قال: كانت سوداء تقم المسجد فتوفيت ليلا فلما أصبح رسول الله ﷺ أخبر بها. فقال: ألا آذنتموني فخرج بأصحابه فوقف على قبرها، فكبر عليها والناس خلفه ودعا لها ثم انصرف «١» .\nوخرّج الطبراني في الكبير عن ابن عباس: أن إمرأة كانت تلتقط القذى من المسجد فتوفيت فلم يؤذن رسول الله ﷺ بدفنها فقال النبي ﷺ إذا مات لكم ميت فاذنوني وصلى عليها. وقال: رأيتها في الجنة تلقط القذى من المسجد. وروى أبو الشيخ عن عبيد بن مرزوق قال: كانت إمرأة في المدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها النبي ﷺ فمر على قبرها. فقال ما هذا القبر فقالوا: أم محجن فقال التي كانت تقم المسجد؟ قالوا: نعم.\nفصف الناس فصلى عليها. ثم قال: أي العمل وجدت أفضل؟ قالوا: يا رسول الله أتسمع؟\nقال: وما أنتم بأسمع منها. فذكر أنها أجابته. وهذا مرسل. وقمّ المسجد بالقاف وتشديد الميم كنسه.\nوقد ترجم ابن السكن في الصحابة ثم من بعده: الخرقاء فساق عن أبي السفر عن الخرقاء. قال: وكانت إمرأة حبشية تلقط القذى وتميط الأذى عن مسجد رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: لها كفلان من الأجر. وترجم في الإصابة محجنة وقيل: أم محجن فقال:\nإمرأة سوداء كانت تقم المسجد. وقع ذكرها في الصحيح بغير تسمية. وسماها يحيى بن أبي أنيسة وهو متروك عن علقمة بن مرثد عن رجل من أهل المدينة قال: كانت إمرأة من أهل المدينة يقال لها: محجنة تقم المسجد فتفقدها ﵇ الحديث. وأخرج الطبراني في الكبير- وأشار المنذري إلى ضعفه- عن أبي قرصافة أنه سمع النبي ﷺ يقول: إبنو المساجد وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة فقال رجل: يا رسول الله، وهذه المساجد التي تبنى في الطرق، قال: نعم وإخراج القمامة منها؛ مهور الحور العين.\nوفي الآداب الكبرى لابن مفلح: أنه ينبغي أن يكون الكنس ونحوه يوم الخميس فهو سنة.\nتنبيه: نقل الشمس السفاريني عن فتاوي الحافظ ابن تميمة لما تكلم على من يقيم في المساجد إقامة مشروعة وكالمرأة التي كانت تقم المسجد وكان لها حفش فيه والحفش كما في المطالع بالحاء المهملة والفاء فشين معجمة الدرج وجمعه حفاش وفي الحديث: هلّا جلس في حفش أمه أي بيتها. شبّه ببيت أمه في صغره به، وقال الشافعي: هو البيت القريب السمك، وقال مالك: هو الصغير الخرب، وقيل: الحفش شبه القبة، تجمع فيه\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز باب ٣٢ ص ٤٩٠/ ١ ورقمه ١٥٣٣.","vol":"1","page":133},{"text":"المرأة غزلها وسقطها، كالدرج يصنع من الخوص يشبه به البيت الصغير الحقير، قال ابن تيمية: فإذا احتاج أحد هؤلاء إلى سترة كخيمة سعد، وحفش المرأة كان جائزا. فأما أن يتخذ المسجد مسكنا دائما ويتخذه مبيتا ومقيلا ويختص بالحجرة إختصاص أهل الدور بدورهم دائما فهذا يقرب من إخراج هذه البقعة عن حكم المسجد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>الرجل يأخذ الناس بالصلاة في الجماعة ويشتد عليهم في تركها</span>\n«كان ﷺ يباشر ذلك بنفسه، حتى إنه همّ بحرق الدور على الذين لم يشهدوا معه الجماعات كما في الصحيحين وغيرهما. وذكر الزمخشري في الكشاف: أن المصطفى إستعمل عتّاب بن أسيد على أهل مكة، وقال: فقد أستعملتك على أهل الله، فكان شديدا على المنافقين هينا على المؤمنين. وقال: والله لا أعلم متخلفا عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق» .\nوقال أبو زيد المجاجي في شرحه على مختصر ابن أبي جمرة: ذكر غير واحد ممن ألف في السير، أن عمر بن الخطاب وعليا كانا من عادتهما، إذا طلع الفجر يوقظان الناس لصلاة الصبح. وأن ذلك سبب قتلهما فيؤخذ منه أن إيقاظ الناس ليس بمكروه، ولا محرم بل هو من باب التعاون على البر، وكذا يؤخذ من قول عمر: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان.\nأقول: هذا مستند السلطان أبي عنان المريني. ففي تاريخ بيوتات فاس لأبي زيد الفاسي لدى كلامه على بيت بني زنبق بفتح الزاي وسكون النون وفتح الباء منهم أبو المكارم منديل بن زنبق وهو محرض الناس على الصلاة في أوقاتها، ويضرب عليها بالسياط والمقاريع بأمر أمير المؤمنين أبي عنان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>الرجل يتقدم إلى المصلين يرتب صفوفهم ويضربهم على ذلك</span>\nقال الإمام أحمد في كتاب الصلاة ص ١٤: أن بلالا كان يسوي الصفوف ويضرب عراقبهم بالدرة حتى يستوون، قال بعض العلماء: قد يشبه أن يكون هذا من بلال على عهد رسول الله ﷺ عند إقامته، قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث جاء عن بلال أنه لم يؤذّن لأحد بعد النبي ﷺ؛ إلا يوما واحدا عند مرجعه من الشام في مدة أبي بكر اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الرجل يمنع الناس عن المنازعة واللغط في المسجد</span>\n«في الصحيح عن السائب بن يزيد قال: كنت نائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: فاذهب فأتني بهاذين فجئته بهما فقال: من أنتما ومن أين أتيتما، قالا: من أهل الطائف فقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما. ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ. وفي الموطأ: أن عمر بن الخطاب بنى رحبة في المسجد تسمى البطيحاء وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج","vol":"1","page":134},{"text":"إلى الرحبة «١» . وفي الإستيعاب ص ٢٩٧ أن العباس عم النبي ﷺ. كان في الجاهلية رئيسا على قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام، ولا يقول فيه هجرا يحملهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعا؛ لأنه كان ملأ قريش إجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، فكانوا له أعوانا وسلموا ذلك إليه. ذكر ذلك الزبير وغيره من العلماء بالخبر والنسب» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>صاحب الطهور</span>\nقال الشبراملسي: قوله صاحب وضوئه؛ لعل المراد أنه كان يباشره في وضوئه؛ إذا توضأ، كان يعاونه بصب الماء عليه إذا احتاج إليه اهـ (أقول) بل أعم من ذلك، فصاحب الطهور والوضوء: يهيء له الماء لوضوئه واستنجائه، ويحمله له إذا ذهب وأبعد، ويعينه بالصب ونحوه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>ذكر من كان يتولى ذلك لرسول الله ﷺ</span>\n«منهم ابن مسعود؛ كان معروفا بكونه صاحب طهور رسول الله ﷺ ونعليه، وفي مسلم عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يتبرز لحاجته، فاتيه بالماء فيغتسل به، وفي البخاري عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام ومعه إداوة ماء؛ يعني يستنجي بها، قال ابن الجوزي في كشف المشاكل: إداوة: إناء من جلد كالر كوة» .\nأقول: قوله: أنا وغلام زاد في رواية البخاري: منا أو من الأنصار، وبه صرّح الإسماعيلي. ولمسلم: نحوي أي مقارب لي في السن. والغلام هو المترعرع، قاله أبو عبيد، وفي المحكم: من لدن الفطام إلى سبع سنين، وفي الأساس: الغلام الصغير إلى حد الإلتحاء، فإن قيل له بعده: غلام فمجاز، قيل: الغلام ابن مسعود لقول أبي الدرداء لعلقمة بن قيس: أليس فيكم صاحب الطهور؟ يعني ابن مسعود. فيكون أنس سماه غلاما مجازا.\nويكون معنى قوله: منا أي من الصحابة، أو من خدمه ﵇. وقوله في رواية الإسماعيلي: من الأنصار لعلها من تصرف الراوي أو رأى في الرواية منا. فحملها على القبيلة. فرواها على المعنى؛ أو لأن إطلاق الأنصار على جميع الصحابة سائغ، وإن خصه العرف بالأوس والخزرج لكن يبعده رواية مسلم: غلام نحوي، فوصفه بالصغر، ويحتمل:\nأنه أبو هريرة، فعنه كان ﷺ: إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى، ويؤيده ما رواه البخاري في قصة الجن عن أبي هريرة: أنه كان يحمل مع النبي ﷺ الإداوة لوضوئه وحاجته، ويكون المراد بقول أنس: نحوي. أي في الحال لقرب عهده بالإسلام. ويحتمل أنه جابر، ففي مسلم أنه ﷺ إنطلق لحاجته، فاتبعه جابر بإداوة سيما وجابر أنصاري. ووقع للإسماعيلي في روايته فاتبعته وأنا غلام بتقديم الواو فتكون حالية لكن تعقبها الإسماعيلي بأن الصحيح أنا وغلام بواو العطف انظر الفتح وترجم في الإصابة لأميمة مولاة رسول الله\n_________\n(١) روى مالك في الموطأ هذا الحديث في كتاب قصر الصلاة في السفر باب ٩٣ ص ١٧٥ ج ١.","vol":"1","page":135},{"text":"ﷺ فذكر أنه أخرج محمد بن نصر وابن السكن والحسن بن سفيان وغيرهم عن أميمة المذكورة أنها كانت توضىء النبي ﷺ قالت فأفرغ على يديه الماء إذ دخل عليه رجل فقال إني أريد اللحوق بأهلي الحديث- راجع ص ٢١ من جزء النساء، وذكر في المواهب خير والد عبد الله بن خير مولى العباس ﵁ قال كان يخدم النبي ﷺ ثم وهبه لعمه العباس. قال شارحها رواه سمويه يعني في فوائده والبخاري في التاريخ أن حنينا كان غلاما للنبي ﷺ فوهبه للعباس عمه فأعتقه فكان يخدم النبي ﷺ وكان إذا توضأ خرج بوضوئه لأصحابه فحبسه حنين فشكوه إلى النبي ﷺ فقال حبسته لأشربه. وأخرج ابن ماجه عن أم عياش مولاة رقية بنت النبي ﷺ قالت كنت أوضىء النبي ﷺ أنا قائمة وهو قاعد. وفي الإستيعاب أميمة خادمة وحديثها أنها كانت توضىء النبي ﷺ أخرجه ابن عساكر والحسن بن سفيان وغيرهما. وفي السيرة الشامية أن أم أيمن حاضنة النبي ﷺ كانت على مطهرة رسول الله ﷺ وتعاطي حاجته. وفي باب الإستنجاء بالحجارة من الصحيح «١» عن أبي هريرة اتبعت النبي ﷺ، وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت فدنوت منه فقال: إبغني أحجارا أستنفض بها ولا تأتني بعظم ولا روث، فأتيته بأحجار بطرف ثيابي، فوضعتها إلى جنبه وأعرضت، فلما قضى أتبعته بهن، قال في الفتح: وفي الحديث جواز إستتباع السادات، وإن لم يأمروا بذلك، واستخدام الإمام بعض رعيته، والإعانة على إحضار ما يستنجي به وإعداده عنده، لئلا يحتاج إلى طلبها بعد الفراغ، فلا يأمن اللوث اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>هل كان ﷺ يستعمل الماء السخن أو دخل الحمام</span>\nوجدت بخط شيخنا الاستاذ الوالد على الفتح في باب وضوء الرجل مع إمرأته لدى قول البخاري: وتوضأ عمر بالحميم ما نصه: ذكر أبو عمر بن عبد البر أنه ﷺ لم يستعمل الماء السخن، لا في وضوء ولا في غسل اهـ.\nوفي الفجر الساطع لشيخنا الشبيهي على الترجمة المذكورة ما نصه: وأما النبي ﷺ فلم يثبت أنه إستعمله في وضوء ولا غسل. قاله ابن زكري اهـ منه. وفي المواهب:\nالحديث الذي يروي أن النبي ﷺ دخل حمام الجحفة. (بالضم ميقات أهل الشام) فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، كما قاله الحافظ ابن كثير؛ بل لم تعرف العرب الحمام ببلادهم إلا بعد موته ﵇ اهـ قال الزرقاني في شرحها: وما ذكره الديلمي بلا سند عن ابن عمر؛ أنه ﷺ قال لأبي بكر وعمر: طاب حمامكما، فمحمول إن صحّ على الماء المسخن خاصة من عين ونحوها. وكذا كل ما جاء فيه ذكر الحمام. قاله السخاوي. وأورد عليه ما رواه الخرائطي، ويعقوب بن سفيان في تاريخه، وابن عساكر عن محمد بن زياد الالهاني قال: كان ثوبان جارا لي، وكان يدخل الحمام، فقلت وأنت صاحب رسول الله\n_________\n(١) في البخاري من كتاب مناقب الأنصار ج ٤ ص ٢٤٠ ورد الحديث المذكور بألفاظ قريبة.","vol":"1","page":136},{"text":"ﷺ تدخل الحمام؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يدخل الحمام، فهذا يمنع تأويله بما قال. إذ لا ينكر محمد بن زياد إستعمال المسخن على ثوبان، ولكن إسناده ضعيف جدا اهـ منه ص ٢٤٧ من الجزء الرابع.\nوذكر ابن حجر الهيثمي في شرح الشمائل؛ أنه وقع كلام الدميري وغيره دخوله ﷺ للحمام، وممن نقل ذلك عن الدميري الشيخ التاودي في شرح جامع خليل. وقال عقبه:\nقال النووي في شرح المهذب: هو حديث ضعيف. اهـ فلم يجزم بالبطلان كعبارة المواهب السابقة.\nوربما يستروح وجوده في الزمن النبوي من الأحاديث الواردة في أحكامه، انظر كتب السنن، ورسالتنا: الإلمام بما ورد في الحمام. وفي كشف الغمة للعارف الشعراني: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتطهرون بالماء المسخن بالنار، ويكرهون التطهير بالماء المشمّس اهـ وفي الأحياء: دخل الصحابة لحمامات الشام، وقال ابن عمر: الحمام من النعيم الذي أحدثوه. وعن أبي الدرداء وأبي أيوب: نعم البيت الحمام يطهر البدن ويذكر النار اهـ.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: أن جماعة من الصحابة كانوا يغتسلون بالماء الحار منهم: عمر وولده عبد الله، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، والأسلع بن شريك. وغيرهم- انظر الكلام على قول عائشة: أسخنت لرسول الله ﷺ ماء في الشمس ليغتسل به، فقال لي: «يا حميراء لا تفعلي، فإنه يورث البرص» . في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، وتخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير لابن حجر، وانظر السعاية على الوقاية لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي ص ٣٣٦ وص ١٩٢ منه أيضا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>وضوؤه ﵇ في آنية زجاج</span>\nبوّب ابن خزيمة في صحيحه: الوضوء من آنية الزجاج. وروى من طريق أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد عن أنس؛ أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء فأتي بقدح من زجاج. قال ز على هب: مثلث الزاي كما في النور اهـ وقال الحافظ في الفتح بزاي مضمومة وجيمين.\nوتبويب ابن خزيمة ضد قول من زعم من الصوفية: أن ذلك إسراف، لإسراع الكسر إليه.\nوفي مسند أحمد عن ابن عباس أن المقوقس أهدى للنبي ﷺ قدحا من زجاج، لكن في إسناده مقالا. وفي المواهب: بعث به إليه النجاشي فكان يشرب منه، زاد الشامي: وآخر من فخار اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>وضوؤه ﷺ في الطست من صفر وغيره</span>\nفي الصحيح عن أنس أن رسول الله ﷺ؛ دعا بإناء من ماء فأتي بقدح رحراح، فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه. قال الحافظ رحراح بمهملات مفتوحة بعدها سكون أي متسع الفم. قال الخطابي: الرحراح: الإناء الواسع الصحن القريب القعر، وهذه الصفة شبيهة بالطست اهـ منه وأخرج البيهقي في الشعب والخطيب البغدادي والديلمي في مسند","vol":"1","page":137},{"text":"الفردوس، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رفعه: أترعوا الطسوس وخالفوا المجوس.\nأترعوا: أي إملأوا والطسوس من جموع الطست. الإناء المعروف وقد ثبت أنه ﷺ توضأ في المخضب، وهو ما يغسل فيه الثياب من الخشب أو الحجارة. وفي القدح أواني الخشب والحجارة، وفي تور شبه الطست إناء من صفر، وفي آنية النحاس، وفي قدح من زجاج، وقد ترجم لكل ذلك البخاري في كتاب الوضوء «١»، وفي سنن أبي داود: باب الوضوء في آنية الصفر، وبوّب الحافظ نور الدين الهيثمي في المجمع: باب الوضوء من النحاس، وانظر تأليفنا في حديث: أترعوا الطسوس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>صاحب السواك</span>\n«في البخاري أن صاحب السواك والوساد ابن مسعود» .\nوترجم في الإصابة لبريرة، مولاة رسول الله ﷺ، فذكر أن ابن أبي شيبة، خرّج عن عبد الله بن بريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا استيقظ من الليل، دعا جارية له يقال لها:\nبريرة بالسواك، وانظر تأليف سيدنا الخال في السواك وما يتعلق به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>اتخاذ رسول الله ﷺ الكرسي</span>\n«ذكر الدارقطني في العلل، من حديث علي، قال: كنت آتي رسول الله ﷺ كل غداة؛ إذا تنحنح دخلت، وإذا سكت لم أدخل قال: فخرج إليّ فقال: حدث البارحة أمر سمعت خشخشة في الدار، وذكر قصة فيها، فإذا بجرو للحسن تحت كرسي لنا، وفي «المشرع الروي»: الكرسي هو الذي يجلس عليه، وقيل لا يفضل عن مقعد القاعد» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>ذكر جلوس النبي ﷺ على الكرسي</span>\n«في صحيح مسلم «٢» وسنن النسائي والنص لمسلم: عن حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة العدوي: إنتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه. قال: فأقبل عليّ رسول الله ﷺ، وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديدا قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها» .\nالحديث المذكور أغفله السيوطي في الجمع، والهندي في الكنز فاقتصرا على عزوه للطبراني في الكبير، وأبي نعيم، مع أنه كما علمت في مسلم، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وفيه جلوسه ﷺ على كرسي قوائمه من حديد، حتى في المسجد والناس ينظرون، ففيه جواز ذلك، وأنه لا يعد مذموما، وقد قربت مرة إلى رجل من الصالحين كرسيا لجلوسه، فأبى ورأى أنه من التشبه المذموم.\n_________\n(١) هو في البخاري كتاب الوضوء باب ٤٥، ٤٦. ج ١ ص ٥٧، ٥٨.\n(٢) في الجزء الأول كتاب الجمعة باب ١٥ ص ٥٩٧.","vol":"1","page":138},{"text":"وقد ترجم البخاري في الأدب المفرد باب الجلوس على السرير. فذكر قصة جلوس معاوية على سرير، وقول أبي قرة: جلست مع ابن عباس على السرير. وقول أبي جمرة:\nكنت أقعد مع ابن عباس فكان يقعدني على سريره. فقال لي: أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي فأقمت عنده شهرين، وقصة جلوس أنس مع أمير البصرة الحكم على سرير، وقصة أبي رفاعة العدوي السابقة عن مسلم، وفيها فأتى بكرسي خلت قوائمه من حديد. قال حميد: ولكن: زاد أراه خشبا أسودّ حسبته حديدا، فقعد عليه. وعن موسي بن دهقان قال: رأيت ابن عمر جالسا على سرير عروس عليه ثياب حمر. وعن عمران بن مسلم قال: رأيت أنسا جالسا على سرير واضعا إحدى رجليه على الآخرى والله أعلم.\n«وقد ذكر المبرد في الكامل في قصة حبس عمر بن الخطاب للحطيئة على هجوه للزبرقان قال: إن عمر دعا بكرسي فجلس عليه، ودعا بالحطيئة فأجلس بين يديه، ودعا بالة القطع يوهمه أنه عامل على قطع لسانه الخ القصة، وفي سنن النسائي عن عبد خير قال:\nشهدت عليا دعا بكرسي فقعد عليه، ثم دعا بماء في تور فغسل يديه ثلاثا الخ القصة» «١» .\nوفي تاريخ الوزير جودت باشا التركي نقلا عن تاريخ واصف أفندي التركي، أن سيدنا يوسف ﵇، كان يجري الأحكام وهو جالس على كرسيه، وأن سيدنا سليمان ﵇ كان ينفذ الأحكام أيضا، وهو على كرسي مرتفع، وأن سيدنا معاوية إتخذ لنفسه دائرة خصوصية، كان يجلس فيها على كرسي مثل التخت، ويجري الأحكام اهـ.\nوأخرج أبو نعيم في الحلية، عن يحيى بن أيوب، عن الكناني رسول عمر إلى هرقل، وكان يقال له جثامة بن مساحق بن الربيع بن قيس الكناني قال: جلست فلم أدر ما تحتي، فإذا تحتي كرسي من ذهب، فلما رأيته نزلت عنه، فضحك فقال لي: نزلت عن هذا الذي أكرمناك به؟ فقلت: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا- انظر ترجمة جثامة بن مساحق من فضائل الصحابة من كنز العمال.\nفانظر كيف جلس على الكرسي أولا ثم نزل عنه، لا لأنه كرسي بل لما رآه من ذهب، فلو وجده من غيره مما يباح إستعماله لاسترسل جالسا عليه. والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>في السقّاء وفيه فصول</span>\nفصل في أنه ﵊ كان يستعذب له الماء.\n«في باب أخلاق النبي ﷺ للأصبهاني عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستعذب له الماء من بيوت السقيا قال قتيبة: وهي عين بينها وبين المدينة يومان اهـ «٢»» .\nقال السيد السمهودي في الخلاصة حين ذكره حديث عائشة المذكور: رواه أبو داود\n_________\n(١) انظره في ج ١ ص ٨٣ ورقمه ١١٣ من سنن أبي داود وص ٦٩/ ١ من النسائي.\n(٢) هو في آخر كتاب الأشربة من الجزء الرابع ص ١١٩ ورقمه: ٣٧٣٥.","vol":"1","page":139},{"text":"بهذا اللفظ وسنده جيد وصححه الحاكم. وللواقدي من حديث سلمى إمرأة أبي رافع، قالت: كان أبو أيوب، حين نزل عنده رسول الله ﷺ، يستعذب له الماء من بير مالك بن النضر، والد أنس، ثم كان أنس وحارثه أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا، وكان رباح عبده الأسود يسقي له من بير عرس مدة، ومن بير السقيا التي ذكرها المطيري أنها آخر منزلة السقاء على يسار السالك إلى بير علي بالمحرم، ثم قال بعد تفسير قتادة السابق ما نصه: العين المذكورة معروفة بطريق مكة القديمة، وهي من عمل الفرع.\nوعلى ما قاله المجد: ألا أنها ليست المرادة هنا، فكأنه لم يطلع على أن بالمدينة سقيا اهـ راجع ص ٢٢٣ وص ٢٢٨ من الخلاصة وأصلها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>فصل في سقي الماء له ﵇ من الآبار الطيبة بالمدينة</span>\nترجم في الإصابة للهيثم بن نصر بن زاهر الأسلمي فقال: ذكره الواقدي ممن خدم النبي ﷺ. وأخرج بسند له عنه قال: خدمت النبي ﷺ، ولزمت بابه في قوم محاويج، فكنت آتيه بالماء من بير أبي الهيثم بن التيهان جارهم، وكان ماؤها طيبا، ولقد دخل يوما ضائفا على أبي الهيثم ومعه أبو بكر فذكر القصة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>فصل فيما جاء أنه ﷺ كان يبرّد له الماء</span>\n«في صحيح مسلم عن جابر في حديثه الطويل، في سيرة النبي ﷺ يقول فيه: يعني جابر، فأتينا العسكر فقال رسول الله ﷺ: يا جابر ناد بوضوء قال: قلت يا رسول الله، ما وجدت في الركب من قطرة. وكان رجل من الأنصار يبرّد لرسول الله ﷺ الماء في أشجاب له على حمارة من جريد، وفي المشارق: أشجاب جمع شجب بسكون الجيم وفتح الشين وهو ما قدم من الغرب، والحمارة وتسمى الحمار، وهي الأعواد التي تعلق عليها هالة القربة، والجريد سعف النخل» [انظر كتاب الزهد ص ٢٣٠٧ ج/ ٣] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>فصل في طلبه ﵇ ماء زمزم من مكة إلى المدينة وتحريضه على التعجيل بأصرح عبارة</span>\nترجم في الاصابة لأثيلة الخزاعي فذكر عن أبي قرة موسى بن طارق أن النبي ﷺ، كتب إلى سهيل بن عمرو: إن جاءك كتابي ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسين، حتى تبعث إلي من ماء زمزم. قال: فاستعان سهيل بأثيلة الخزاعي، حتى جعل مزادتين ملأهما سهيل من ماء زمزم، وبعث بهما على بعيره «١»، ورواه المفضل بن محمد الجنوي. ثم ترجم في الاصابة أيضا: أزيهر؛ مولى سهيل بن عمرو له صحبة، أرسله مولاه سهيل إلى النبي ﷺ بماء زمزم،\n_________\n(١) لا شك بأن هذه الرسالة: إنما كانت بعد فتح مكة سنة ٨ للهجرة لأن سهيلا المذكور إنما أسلم عام الفتح.","vol":"1","page":140},{"text":"وروى الفاكهي من طريق محمد بن سليمان عن حرام بن هشام عن أبيه عن أم معبد قال: مرّ بي بخيمتي غلام سهيل أزيهر ومعه قربتا ماء، فقلت: ما هذا؟ فقال إن النبي ﷺ كتب إلى مولاه سهيل يستهديه ماء زمزم، فإني أعجل السير، لكيلا تنشف القرب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>فصل في الروايا تسافر مع المصطفى ﷺ، ومن كان يذهب يملأها</span>\nترجم في الاصابة لفائد مولى عبد الله بن سلام فقال: أخرج له المفيد بن النعمان الرافضي في مناقب علي حديثا من طريق ابراهيم بن عمرو عمن حدثه عن فائد مولى عبد الله بن سلام قال: نزل النبي ﷺ الجحفة في غزوة الحديبية، فلم يجد ماء فبعث سعد بن مالك فرجع بالروايا واعتذر، فبعث النبي ﷺ عليا فلم يرجع حتى ملأها، ورمز لهذه الترجمة بحرف الزاي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>فصل في ساقي النبي ﷺ من المسلمين</span>\nخرّج مسلم عن انس قال: لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشراب كله، العسل والنبيذ والماء واللبن. [انظر كتاب الأشربة ج ٢ ص ١٥٩١] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>فصل في ساقيه ﵇ من اليهود</span>\nفي صبح الاعشى ص ٣٤٤ من الجزء السادس؛ أنه ﵇ استسقى فسقاه يهودي فقال له: جمّلك الله فما رأي الشيب في وجهه حتى مات، وأخذ منه جواز الدعاء للكفار في المخاطبات.\nقلت: كأن هذه القصة هي الآتية تحت ترجمة دعاء المصطفى ﷺ لمن أزال شعرة من مائه.\nومن باب استخدامه ﵇ ليهودي ما في طبقات ابن سعد في ترجمة أسق اليهودي مولى عمر بن الخطاب؛ أنه كان مملوكا لعمر بن الخطاب وكان يعرض عليه الإسلام فيأبى فقال له عمر: لا إكراه في الدين، فلما حضرت عمر الوفاة أعتقه، وهو نصراني وقال: إذهب حيث شئت. انظر ص ١٠٩ من ج ٦.\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>فصل في سقي الماء</span>\n«في الصحيح عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مزط جيد، فقال له بعض يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، فقال عمر: أم سليط احق، أم سليط من نساء الانصار ممن بايع رسول الله ﷺ، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد، وفي المشارق: تزفر لنا القرب أي تحملها على ظهرها تسقي الناس منها» . [انظر صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير ج ٣ ص ٢٢٢]","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الانتباذ في الاواني الخضر</span>\nترجم ابن الاثير في أسد الغابة وابن حجر في الاصابة مسلم بن عمير الثقفي، فذكر أن الطبراني أخرج عن عمير قال: أهديت إلى رسول الله ﷺ جرة خضراء فيها كافور، فقسمه بين المهاجرين والأنصار وقال: يا أم حليمة انتبذي لنا منها، وفي التجريد للذهبي:\nمسلم بن عمير الثقفي روى عنه مزاحم بن عبد العزيز إن صح الحديث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>دعاء المصطفى ﷺ لمن أزال شعرة من مائه</span>\nترجم الحافظ في الاصابة لأبي زيد بن أخطب، فذكر أن أحمد خرّج عنه قال:\nاستسقى النبي ﷺ ماء، فأتيته بقدح فيه ماء، فكانت فيه شعرة فأخذتها، فقال: اللهم جمّله.\nقال فرأيته ابن أربعة وتسعين، ليس في لحيته شعرة بيضاء، وصححه ابن حبان والحاكم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الخادم يخدم عند الأكل</span>\nذكر أبو عمرو صاحب التهذيب في مواليه ﵇ أبا عبيد وقال: هو الذي قال له ﵇: ناولني الذراع فقال: كم للشاة من ذراع؟ فقال: فو الذي نفسي بيده لو سكتّ لناولتني الذراع ما دعوت، أخرجه في الشمائل قال أبو عمرو: يقال إنه خادمه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>أوانيه ﵇</span>\nقال العاملي في بهجة المحافل: كان له ﵇ قصعة يقال لها الغرّاء يحملها أربعة رجال، لها أربع حلق. قال العلامة ابن الأشخر اليمني في شرحها: رواه أبو داود عن عبد الله بن بشر، ورواه الطبراني عن عبد الله بن زيد قال العامري: وكان له خشب بثلاث ضبات من فضة وقيل من حديد وفيه حلق تعلق به، وكان بعده عند أنس بن مالك، ثم عند بنته بعد، وكان له قدح من زجاج. قال ابن الأشخر: يشرب فيه. كما رواه ابن ماجه عن ابن عباس وقال: من قوارير اهـ وكان له قدح آخر يقال له: الريان (قدح من الحجارة) ومخضب من شبه، يكون فيه الحناء والكتم يوضع منه على رأسه إذا وجد حرا، وكان له مغتسل من صفر، وصاع يخرج به فطرته ﵇. قال ابن الأشخر: وكان له سرج يسمى الراج بالمهملة والجيم وكان له بساط يسمى الكز بالكاف والزاي، وكان له ركوة تسمى الصادر. أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس. وكان له قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل. أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن أميمة بنت رقية، والعيدان بفتح المهملة جمع عيدانة وهي النخلة الطويلة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>هل كانوا يهنئون الشارب في الزمن النبوي</span>\nعن ابن جريج قال: أخبرت أن النبي ﷺ كان يبول في قدح من عيدان وهي الطوال من النخل، ثم توضع تحت سريره فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء. فقال: لإمرأة يقال لها","vol":"1","page":142},{"text":"بركة، كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة أين البول الذي كان في القدح؟\nقالت: شربته قال: صحة يا أم يوسف فما مرضت قط، حتى كان مرضها الذي ماتت فيه رواه عبد الرزاق في مصنفه. وأبو داود متصلا عن ابن جريج، عن حكيمة عن أمها أميمة.\nوصحح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لإمرأتين وقد وضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن، وهو الذي ذهب إليه البلقيني قلت: وحكيمة المذكورة بضم الحاء المهملة وفتح الكاف مصغر كما في التبصير وغيره تابعية، وفي الاصابة عن أبي نعيم: لم يرو عنها إلا ابن جريج ونحوه في مختصر التهذيب، فإنه لم يذكر لها راويا سواه، وفي مرقاة الصعود للسيوطي: لم يرو عن حكيمة إلا ابن جريج. زاد الذهبي: روي عنها بصيغة عن أي وهو مدلس فيتقي من حديثه ما عنعن فيه. وكذا لأبي داود وأبي نعيم. لكن في الإستيعاب وجامع الرّعيني بصيغة التحديث. فإن ثبت، فلم يبق إلا الجهل بحكيمة فقد قال الذهبي في الميزان: في ترجمة حكيمة: غير معروفة، قال الزرقاني المالكي على قوله ﵇ لها:\nصحة بكسر الصاد والنصب أي جعله الله صحة، أو الرفع أي ما شربته صحة أي سبب لها.\nوفيه إن قول ذلك مستحب للشارب، ويقاس عليه الأكل. وحكمته: أنه يخشى منهما السقم ونحوه كما قيل:\nفإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب\nاهـ منه ص ٢٦٨ من الجزء الرابع.\nوقال الشهاب الخفاجي في شرح الشفا على الحديث المذكور ص ٤٥١ من الجزء الأول ما نصه: في قوله ﵇: صحة. ما يدل على أن الدعاء به بعد الشرب سنة لا بدعة اهـ ثم وجّه بما سبق عن الزرقاني، وأنشد البيت المذكور أيضا. وفي حاشية النور على الشبراملسي على المواهب على قوله: صحة أيضا: يوخذ منه أن قول صحة سنة، وينبغي أن يكون مثل الشرب الأكل اهـ.\nوقال الإمام أبو عبد الله محمد بن الحاج العبدري المالكي في المدخل ص ١٩٦ من الجزء الأول: قول: صحة لمن يفرغ من الشرب، وإن كان دعاء حسنا، فاتخاذه عند الشرب بدعة. فإن قيل: إن النبي ﷺ قال لأم أيمن، لما أن شربت بوله: صحة فهذا ليس فيه حجة، فإنه لم يكن ثم ماء يشرب، وإنما هو البول وهو إذا شرب عاد بالضرر، فقال ﵇: صحة لينفي عنها ما تتوقعه، مما جرت به العادة من بول غيره بخلاف شرب الماء. ويدل على ذلك أنّه لم ينقل عنه ﵇ هذا اللفظ في غير هذا الموطن، ولا عن أحد من الصحابة والسلف فلم يبق إلا أن يكون بدعة اهـ وهو وجيه، إلّا أن آداب الإسلام لا تنافي التهنئة بالشراب والأكل. وقول صحة للشارب جرت مجرى الليل والنهار، في المغرب الأوسط، حتى ربما كنت أستثقل هناك الشراب لأجل تهافتهم على تهنئة الشارب بها من أفواه جميع من حضر. وفي الحجاز ومصر يقولون: هنيئا مريئا. وربما يقام","vol":"1","page":143},{"text":"لهم الدليل علي ذلك من حكايته سبحانه عن تهنئة أهل الجنة لمن يأكل فيها من الداخلين:\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ [الحاقة: ٢٤] . وقد رأيت في رحلة عالم المغرب الأوسط الشيخ أبي راس المعسكري، أنه لما دخل إلى فاس حضر وليمة بها، فشرب بعض الطلبة بمحضره. قال: فبادرته بلفظ: صحة فضحك مني من حضر، حتى قرعت سن الندم. ثم قلت: ما سندكم في الترك؟ فقالوا: تلك عادتنا. فقلت: تستدلون بنقل على ذلك؟ فقالوا بأجمعهم: وأي نقل في هذا؟ فقلت: إن شهاب الدين الخفاجي نصّ على السنة، وصاحب المدخل على عكسه. وكان الشيخ الطيب بن كيران متكئا. ولما سمع النقل استوى كاستواء المأمون لما لحنه النضر بن شميل وقال: أيوجد النقل على ذلك والإختلاف على ما هنالك؟ فقلت: نعم وأحلتهم على كلام الشهاب والمدخل، قال فاعترفوا بفضلي وبصحة نقلي اهـ كلامه ملخصا.\nوقد علمت مما سبق أن الزرقاني من محدثي المالكية صرّح باستحباب التهنئة، وتصريح شيخه النور الشبراملسي الشافعي بالإستحباب، فتأيد تصريح الشهاب الخفاجي مع العمل المتوارث بالمشرق وغيره اليوم.\nوفي شرح منظومة الآداب للمحدث السفاريني الحنبلي؛ ذكرهم أي فقهاء الحنابلة أن الحامد أي بعد الأكل يدعى له: يدل على أنه يدعى للآكل والشارب بما يناسب الحال.\nوالقول بالإستحباب مطلقا هو مقتضى كلام ابن الجوزي. اهـ انظر بقيته في ص ١٣٤ من الجزء الثاني وهو ملخص من كلام مطوّل في المسألة للإمام بن مفلح في كتابه: الآداب الكبرى انظرها ولا بد. والله أعلم.\nثم بعد هذا بمدة، وقفت على كلام في الباب للشهاب بن حجر الهيثمي في فتاويه الفقهية؛ لا أجمع منه ولا أجود، وهذا سياقه ﵀: سئل عما اعتيد من قول الإنسان لمن يفرغ من شربه: صحة ونحو ذلك، هل له أصل أو هو بدعة؟ فأجاب بقوله: يمكن أن يقال إن له أصلا ويحتج بقوله ﷺ لأم أيمن لما شربت بوله ﷺ: صحة يا أم أيمن لن يلج النار بطنك، ووجه القياس أن المختار عند كثير من أئمتنا طهارة فضلاته ﵇، وأن بوله شفاء أي شفاء. فإذا قال ذلك لشاربته، فلا بدع أن يقاس عليه قول مثله لشارب الماء، لا يقال لم ينقل عنه ﷺ قول ذلك في غير هذه الواقعة لأنا نقول: لا يشترط في الإقتداء به ﷺ فيما يفعله على جهة التشريع تكرّر ذلك الفعل منه ﷺ؛ بل يكفي صدور ذلك منه كذلك ولو مرة، كما هو واضح، على أن عدم النقل في غير هذه الواقعة لا يدل على عدم الوجود. وليس هذا مما تتوفر الدواعي على نقله، وبقولنا: إن بوله ﷺ شفاء اندفع ما قيل هذا لا حجة فيه، لأنه لم يكن ثم ما يشرب، وإنما هو البول، وهو إذا شرب عاد بالضرر.\nفقال: صحة لينفي عنها ما تتوقعه مما جرت به العادة من بول غيره ﵇، فتضمن ذلك دعاء وإخبارا بخلاف شرب الماء اهـ فقوله: لينفي عنها ما تتوقعه، يردّ بأنه تقرر عند","vol":"1","page":144},{"text":"أم أيمن وغيرها أنه شفاء، ولم تقصد بشربه إلا ذلك، فاندفع جميع ما ذكره، ويمكن أن يقال: لا حجة فيه لا لما ذكره هذا القائل، بل لكونه ﷺ لم يقل ذلك إلّا تحقيقا لما قصدته من شرب البول، فإنها إنما شربته للتداوي وطلب الشفاء، فقال لها ﷺ: صحة تحقيقا لقصدها، وإجابة لما مر لها، وإخبارا بأن ما قصدته من الصحة قد حصل وتحقق، وهذا معنى ظاهر إرادته من اللفظ، وعند ذلك لا يبقى في الخبر دلالة ظاهرة على أن فيه دليلا لندب ذلك عند شرب الماء، نعم فيه دلالة ظاهرة لندبه عند شرب الدواء لأنه على طبق النص فلا فارق بينهما اهـ منها ص ١١٧ من الجزء الثالث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>الامارة على الحج</span>\n«قال عياض في الإكمال: أول من أقام للمسلمين الحج عتاب بن أسيد سنة ثمان، ثم أبو بكر سنة تسع، وحج ﷺ سنة عشر، وقال ابن جماعة في مختصر السير: إنه ﷺ حج سنة عشر، معه مائة ألف وعشرون ألفا» .\nوانظر ما سبق عن نور النبراس، وفي حواشي الشبراملسي على المواهب بعد أن ضبط لفظ عتّاب بتشديد المثناة وفتح العين المهملة وأسيد بوزن أمير قال ما نصه: وكان عتاب أميرا على مكة، ومعه معاذ بن جبل يعلمهم الفقه والسنن، وكان عمر عتّاب إذ ذاك قريبا من عشرين سنة اهـ.\nوفي الاصابة أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي ﷺ على مكة، لما سار إلى حنين واستمر. وقيل: إنما استعمله بعد أن رجع من الطائف وحج بالناس سنة الفتح، وأقره أبو بكر على مكة إلى أن مات عتاب يوم مات أبو بكر. ذكر جميع ذلك الواقدي وغيره. وكان عمره حين استعمله نيفا وعشرين اهـ.\nوفي أسد الغابة: أقام للناس الحج سنة ثمان وحج المشركون على ما كانوا، وحج أبو بكر سنة تسع، فقيل: كان أبو بكر أولّ أمير في الإسلام، وقيل: كان عتاب اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>صاحب البدن</span>\n«في الموطأ «١» عن هشام بن عروة عن أبيه أن صاحب هدي النبي ﷺ قال: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟ فقال له النبي ﷺ: كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها، ثم ألق قلائدها «٢» في دمها، ثم خلّ بينها وبين الناس يأكلونها. وفي النسائي عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فقال: انحرها.\nالحديث» .\n_________\n(١) انظر الموطأ كتاب الحج باب ٤٧ ص ٣٨٠ رقم الحديث ١٤٨.\n(٢) في الأصل: قلائدها، وفي الموطأ: قلادتها.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>حجابة البيت وهي العمارة والسدانة فصل في ذكر من وليها في زمن رسول الله ﷺ</span>\n«قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية في التفسير: عمارة البيت هي السدانة، وكان يتولاها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وشيبة بن عثمان، وهذان هما اللذان دفع إليهما رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة، في ثاني يوم الفتح، بعد أن طلبه العباس وعلي، وقال لعثمان وشيبة: يوم وفاء وبر؛ خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم يعني السدانة» .\nوفي رواية: خذوها أي سدانة الكعبة خالدة تالدة، قال المحب الطبري: لعل تالدة من التالد وهو المال القديم، أي هي لكم من أول الأمر وآخره. واتباعها لخالدة بمعناها.\nثم قال: لا ينزعها منكم إلا ظالم. وفي رواية لا يظلمكموها إلا كافر، أي كافر نعمة الله العظيم عليه. ويحتمل الحقيقة أي إن استحل. ثم قال: يا عثمان إن الله إستأمنكم على بيته، فكلوا مما يصلكم من هذا البيت بالمعروف، أي بسبب خدمته على سبيل الشرع والبر.\nقال المحب الطبري في الباب الثامن والعشرين، من كتاب القرى: ربما تعلق بعض الجهال به في جواز أخذ الأجر على دخول الكعبة، ولا خلاف في تحريمه، وأنه من أشنع البدع. وهذا أي قوله: فكلوا مما يصل، إن صح احتمل أن معناه ما يأخذونه من بيت المال على خدمته، والقيام بمصالحه، ولا يحل لهم إلا قدر ما يستحقونه، وما يقصدون به من البر والصلة على وجه التبرر بهم فلهم أخذه، وفي ذلك أكل بالمعروف اهـ.\nوحكى على هذا الزرقاني في شرح المختصر الإجماع. ووجهه: أن أخذ الأجرة إنما يجوز على ما يختص الإنسان بمنفعته، والإنتفاع به، والبيت لا يختص به أحد دون أحد، فلا يجوز لهم أخذ الأجرة على فتحه، وإنما لهم الولاية على فتحه وإغلاقه، في الأوقات التي جرت العادة بفتحه فيها، ولا يجوز لهم إغلاقه ومنع الناس دائما. قاله الشيخ أبو عبد الله الحطاب الرعيني المكي المالكي في شرح المختصر، ثم قال: والظاهر، وإن لم أقف على نص، أن حكم فتح المقام وأخذ الأجرة عليه كذلك، وقال الحطاب في باب النذر من شرح المختصر أيضا: والمحرم إنما هو نزع المفتاح منهم، لا منعهم من إنتهاك حرمة البيت، وما فيه أدب فهذا واجب لا خلاف فيه. لا كما يعتقده الجهلة أنه لا ولاية لأحد عليهم، وأنهم يفعلون في البيت ما شاؤوا. فهذا لا يقوله أحد من المسلمين.\nوقال الحطاب أيضا بعد ذكره عدة روايات من قصة تسليم المصطفى لهم المفتاح:\nهذه الأخبار كلها دليل على بقاء عقبهم إلى الآن، ولا التفات إلى قول بعض المؤرخين؛ وهو الشريف محمد بن أسعد الحراني النسابة في كتابه «الجوهر المكنون في القبائل والبطون» أن عقبهم إنقطع في خلافة هشام بن عبد الملك، فإنه غلط لقول مالك أي: في","vol":"1","page":146},{"text":"كتاب النذور من المدونة: لا يشرك مع الحجبة في الخزانة (بكسر الخاء هي أمانة البيت قاله في التنبيهات) أحد، لأنها ولاية منه ﷺ، ومالك ولد بعد هشام، وذكر ابن حزم وابن عبد البر جماعة منهم في زمانهم وعاشا إلى بعد نصف المائة الخامسة، وكذا ذكر العلامة القلقشندي (صاحب صبح الأعشى) وعاش إلى ٨٢١. ولا دلالة لزعمهم انقراضهم في إخدام معاوية عبيدا؛ لأن إخدامها غير ولاية فتحها كما هو معلوم، وكثيرا ما يقع في كلام المؤرخين كالأزرقي والفاكهي ذكر الحجبة ثم الخدمة بما يدل على التغاير بينهما اهـ ملخصا.\nغريبة في بعض الروايات أنه ﷺ، لما أنزل عليه الأمر برد الأمانة إلى أهلها، ناول عثمان الشيبي مفتاح الكعبة وقال له: غيبه، وفي رواية الواقدي عن مشيخته أنه ﵇ أعطاه المفتاح، ورسول الله مضطبع بثوبه عليه وقال: غيبوه، إن الله رضي لكم بها في الجاهلية والإسلام.\nوذكر الفاكهي في اخبار مكة؛ أنه دفعه إليه من وراء الثوب وقال: غيبوه. قال الزهري: فلذلك تغيب المفتاح. قال الحطاب: فلذلك والله أعلم: يرخون البيوت عند فتحه وعند إغلاقه اهـ.\nقلت: ورد ذلك من حديث السائب بن يزيد، ومحمد بن جبير بن مطعم وابن سابط خرجه الطبراني في الكبير، وابن عساكر وابن أبي شيبة وغيره- انظر كنز العمال في باب فضائل الكعبة.\nوفي خطبته ﵇ في زمن الفتح: ألا كلّ مأثرة أو ذي مال، فهو تحت قدمي هاتين. إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.\nقال ابن باديس: طرح ﵇ كل مأثرة، وهي المكرمة التي كانت الجاهلية تتكبر بها، وتفاخر وقوله: تحت قدمي أي مطروح ملقى من قول العرب: جعلت هذا الأمر تحت قدمي. أي لم ألتفت إليه، كما لا يلتفت إلى ما وضع تحت الأقدام لهوانه، واستثنى من ذلك السدانة و<span data-type=\"title\" id=toc-123>السقاية</span>، لأن فيها تعظيم حرمات الله من حفظ البيت والقيام عليه، واختصت السدانة ببني شيبة ولاية من النبي ﷺ لهم عليها، فتبقى دائمة لهم ولذراريهم أبدا، ولا ينازعوا ولا يشاركوا ما داموا موجودين صالحين لها لقوله: لا ينزعها منكم إلا ظالم اهـ.\nالسقاية\n«كانت قبل الإسلام لبني عبد المطلب، فأقرها النبي ﷺ لهم في الإسلام «١»، حتى قال لهم ﵇؛ وقد أتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد\n_________\n(١) أصل الحديث في مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه في باب حجة النبي ﷺ ج ١ ص ٨٩٢ رقم الباب ١٩.","vol":"1","page":147},{"text":"المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>مباشرته ﵇ لنحر الهدي بيده الكريمة في حجة الوداع واذنه لعلي في إتمام البقية</span>\nفي صحيح مسلم؛ أن النبي ﷺ نحر ثلاثا وستين ناقة بيده. أي باشرها بيده، وهي رواية الجماعة، قال القاضي عياض وعند ابن ماهان بدنة مكان بيده وكلاهما صواب. لكن نحره بيده هو المروي لقوله: ثم أعطى عليا فنحر ما بقي، وكانت عدتها مائة على ما جاء في الحديث. واختصت الثلاثة والستون به قيل: لأنه أتى بها معه من المدينة على ما ذكره الترمذي. قال القاضي: وذكر بعض أصحاب المعاني أن نحره ﵇ تلك بيده، كان إشارة إلى منتهى عمره، فيكون قد نحر عن كل عام من عمره بدنة اهـ قاله في الفوائد.\nوفي سنن النسائي أنه ﵇ أشرك عليا في بدنه، ثم أخذ من كل بدنة بضعة، فجعلت في قدر، فطبخت فأكل ﷺ وعلي من لحمها، وشرب من مرقها.\nقلت: وهذا يدل على كثرة من حضر الموقف، وعظيم العمارة بمكة، لأن من يأكل مائة ناقة كثير.\nتنبيه: ألف في حجة الوداع، التي هي آخر حجاته ﵇ الحافظ أبو محمد بن المنذر، والحافظ أبو جعفر أحمد بن عبد الله الطبري، وأبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعيون، وأبو محمد بن حزم الظاهري، وبسط الكلام عليها الحافظ ابن القيم في الهدي النبوي، والحافظ ابن كثير الشافعي في كتابه: السيرة من تاريخه المسمى «البداية والنهاية» وهو أوسع من الذي قبله، وكل منهم ذكر أشياء لم يذكرها الآخر. وجمع ذلك كله وزاد عليه الحافظ الشامي في سيرته فتتبع وقائعها قدما بقدم؛ كأنه حضرها جزاه الله خيرا. وممن ساقها سياقا عجيبا مختصرا مفيدا الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي في المحاضرات، اعتمد فيها سياق ابن حزم فانظرها.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>القسم الثالث في العمليات الكتابية</span>\nوما يشبهها وما يضاف إليها وفيه أبواب:\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>الباب الأول في كتّاب الوحي وفيه فصول:</span>","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>العمليات الكتابية</span>\n«في كتاب «١» «أنباء الأنبياء، وتواريخ الخلفاء، وولايات الملوك والأمراء»: كان عثمان بن عفان وعلي يكتبان الوحي لرسول الله ﷺ، فإن غابا كتب أبي بن كعب وزيد بن ثابت اهـ وفي الإستيعاب ص ٢٦ ج ١ وكان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله ﷺ الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا، وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي، وكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، وكان أبي وزيد يكتبان الوحي بين يدي رسول الله ﷺ اهـ» .\nونحوه في العقد الفريد لابن عبد ربه انظر ص ١٤٣ من الجزء الثاني قال القضاعي:\nفإن لم يحضر أحد منهم، كتب الوحي من حضر من الكتاب وهم: معاوية، وجابر بن سعيد بن العاصي، وابان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، وحنظلة بن الربيع، وكان عبد الله بن أبي سرح يكتب الوحي أيضا، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، فلما فتحت مكة استأمن له عثمان بن عفان، فأمّنه رسول الله ﷺ وحسن اسلامه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>باب كتابه ﵇ مطلقا</span>\nذكرهم الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فأوصلهم إلى ثلاث وعشرين، وترجم لهم في بهجة المحافل، فأوصلهم إلى خمسة وعشرين، فذكر منهم عليا وأبا بكر وعمر وعثمان وعامر بن فهيرة وعبد الله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاصي، وأخاه حبان «٢» وحنظلة بن أبي عامر الأسدي وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول والزبير بن العوام ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي والمغيرة بن شعبة وخالد بن الوليد والعلاء بن الحضرمي وعمرو بن العاصي وجهيم بن الصلت، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكأنه قلد في ذلك ابن عبد البر، فقد أوصلهم إلى العدد المذكور في ترجمة زيد من الإستيعاب، وأوصلهم القرطبي في تفسيره إلى ستة وعشرين، وأوصلهم الشبراملسي في كتاب القضاء، من حاشيته على المنهج في\n_________\n(١) هو للقاضي محمد بن سلامة القضاعي. نقلا عن كتاب الخزاعي ص ١٧١.\n(٢) بل هو أبان، والتصحيح من جمهرة الأنساب لابن حزم ص ٨١.","vol":"1","page":151},{"text":"فقه الشافعية إلى أربعين، وأوصلهم العراقي إلى اثنين وأربعين فقال:\nكتّابه؛ اثنان وأربعونا ... زيد بن ثابت وكان حينا\nكاتبه، وبعده، معاوية ... ابن أبي سفيان كان واعيه\nكذا أبو بكر، كذا علي، ... عمر، عثمان، كذا أبي\nوابن سعيد خالد، وحنظله ... كذا شرحبيل حسنه «١»\nوعامر وثابت بن قيس ... كذا ابن ارقم بغير لبس\nواقتصر المزيّ مع عبد الغني ... منهم على ذا العدد المبيّن\nوزدت من مفترقات السير ... جمعا كثيرا فاضبطنه واحصري\nطلحة والزبير وابن الحضرمي ... وابن رواحة وجهما فاضمم\nوابن الوليد خالدا وحاطبا ... هو ابن عمرو وكذا حويطبا\nحذيفة بريدة أبان ... ابن سعيد وأبا سفيان\nكذا ابنه يزيد بعض مسلمه ... الفتح مع محمد بن مسلمه\nعمرو هو ابن العاصي مع مغيرة ... كذا السجل مع أبي سلمه\nكذا أبو أيوب الأنصاريّ ... كذا معيقيب هو الدوسي\nوابن أبي الارقم فيهم أعدد ... كذاك ابن سلول المهتدي\nكذا ابن زيد إسمه عبد الله ... والجد عبد ربه بلا اشتباه\nواعدد جهيما والعلا ابن عتبة ... كذا حصين ابن نمير أثبت\nوذكروا ثلاثة قد كتبوا ... وارتدّ كل منهم وانقلبوا\nابن أبي سرح مع ابن خطل ... وآخر أبهم لم يسمّ لي\nولم يعد منهم إلى الدين سوى ... ابن أبي سرح وباقيهم غوى\nاهـ وعدهم البرهان الحلبي في الحواشي الشفا فأوصلهم إلى ثلاثة وأربعين، قال الهوريني في المطالع النصرية: ولكن لم يكونوا كلهم كتاب وحي؛ وإنما كان أكثرهم مداومة على ذلك بعد الهجرة؛ زيد بن ثابت، ثم معاوية بعد الفتح اهـ وأصله للنووي قال في التهذيب: قالوا: وكان أكثرهم كتابة زيد بن ثابت، ومعاوية اهـ.\nوقال الحافظ ابن عبد البر في بهجة المجالس: كتب لرسول الله ﷺ جماعة، وكان كاتبه المواظب على الرسائل والأجوبة، والذي كتب الوحي كله زيد بن ثابت اهـ.\nوقد ترجم البخاري في كتاب الأحكام «٢» باب: ما يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا، وذكر فيها قصة زيد بن ثابت مع أبي بكر وعمر، في جمع القرآن، وقول أبي بكر\n_________\n(١) في الشطر الثاني بياض ولا بد من ضبط الوزن أن يقال: كذا شرحبيل هو ابن حسنه.\n(٢) انظر: باب ٣٧ في الجزء الثامن/ ١١٩.","vol":"1","page":152},{"text":"لسيدنا زيد: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن واجمعه، قال الحافظ في الفتح: لأنه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله لما استكتبه النبي ﷺ الوحي، وإنما وصفه بالعقل وعدم الإتهام دون ما عداهما إشارة إلى إستمرار ذلك له اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>باب في خليفة كل كاتب من كتّابه ﵇</span>\nذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد، أن حنظلة بن الربيع كان خليفة كل كاتب من كتّابه ﵇ إذا غاب عن عمله اهـ انظر ص ١٤٤ من الجزء الثاني.\nفائدة: شرحبيل بن حسنة هو أول كاتب لرسول الله ﷺ، قاله في المواهب. وفيها أيضا نقلا عن الحافظ بن حجر: أول من كتب له ﵇ بالمدينة أبيّ بن كعب قبل زيد وغيره، وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري. قال الزرقاني: خرج شرحبيل بن حسنة لأنه كندي فلا يرد على قوله: إنه أول من كتب اهـ.\nوفي صبح الأعشى ص ٨٩ من الجزء الأول في الباب الرابع من المقدمة في التعريف بحقيقة ديوان الإنشاء: واصل وضعه في الإسلام- بعد أن بين أن الديوان اسم الموضع الذي يجلس فيه الكتّاب- قال: الفصل الثاني في أصل وضعه في الإسلام، وتفرقه بعد ذلك في الممالك ما نصه: إعلم أن هذا الديوان أول ديوان وضع في الإسلام، وذلك أن النبي ﷺ كان يكاتب أمراءه، وأصحاب سراياه من الصحابة ويكاتبونه، وكتب إلى من قرب من ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وبعث إليهم رسله بكتبه، وكتب لعمرو بن حزم عهدا حين وجهه إلى اليمن، وكتب لتميم الداري وإخوته بإقطاع بالشام، وكتب كتاب القضية بعقد الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية، وكتب الأمانات أحيانا إلى غير ذلك، مما سيأتي ذكره في الاستشهاد به في مواضع، وهذه المكتوبات كلها متعلّقها ديوان الإنشاء، بخلاف ديوان الجيش، فإن أول من وضعه ورتبه عمر بن الخطاب في خلافته اهـ.\nوفي كتاب مفتاح السعادة ومصباح السيادة للشيخ عصام الدين أحمد بن مصطفى المعروف بطاشكبري زاده: علم الشروط والسجلات وهو العلم ١٥ منه قال: وهو من فروع الفقه، وهو علم باحث عن كيفية إثبات الأحكام الثابتة عند القاضي في الكتب والسجلات، على وجه يصح الاحتجاج به عند اقتضاء شهود الحال، وموضوعه تلك الأحكام من حيث الكتابة، وبعض مباديه مأخوذ من الفقه وبعضها من علم الإنشاء، وبعضها من الرسوم والعادات والأمور الاستحسانية، ولمحمد بن الصافي تأليف حسن في هذا العلم، والذي يوافق عرف هذا الزمن تأليف محمد بن أفلاطون، واعلم أن هذا العلم من فروع علم الأدب؛ باعتبار تحسين الألفاظ وإخراجها على مقتضى الحال، وقد يجعل من فروع علم الفقه من حيث تراتيب معانيه على وجه يوافق قوانين الشرع، وهذا أوردناه في القسم الأدبي. وفي القسم العلمي أخرى فلا تأخذ في نفسك شيئا قبل أن تقف على حقيقة","vol":"1","page":153},{"text":"الحال اهـ ونحوه في كشف الظنون، بعد أن ذكر من ألف فيه، ومنهم؛ أبو زيد أحمد بن زيد الشروطي الحنبلي، وذكر الجرجاني في ترجيح مذهب أبي حنيفة؛ أن الشروطي لم يسبقه أحد، وأجاب أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي في رده بأن النبي ﷺ أول من أملى كتب العهود والمواثيق؛ منها عهده لنصارى أيلة بخط علي بن أبي طالب اهـ ص ٥٦ الجزء الثاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>باب في كتاب السر</span>\nقال المقريزي في الخطط: كتّاب السر رتبة قديمة لها أصل في السنة، فقد خرج أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني في كتاب المصاحف عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تتعلّم كتاب العبرانية أو قال السريانية؟ فقلت: نعم فتعلمتها في سبع عشرة ليلة «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>فصل في ذكر كتاب الرسائل والإقطاع</span>\n«في الاستيعاب ص ٢٦ من ج ١، والإصابة عن الواقدي: أول من كتب لرسول الله ﷺ الوحي مقدمه المدينة أبي بن كعب وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتبه فلان.\nوكان إذا لم يحضر دعا زيد بن ثابت فكتب، وكان أبي وزيد يكتبان بين يديه ﷺ ويكتبان كتبه للناس وما يقطع وغير ذلك، قال أبو عمر: كان من المواظبين على كتب الرسائل عبد الله بن الأرقم الزهري، وذكر عن ابن إسحاق أنه قال: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك أيضا. وكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى أمراء الأجناد والملوك، أو إلى إنسان بقطيعة أمر من حضر أن يكتب له. والإقطاع كما في المشارق: تسويغ الإمام من مال الله لمن يراه أهلا لذلك.\nوفي الاستيعاب: وكتب زيد بعد رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر. وكان على بيت المال في خلافة عثمان، وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير؛ أن رسول الله ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم، فكان يجيب عنه إلى الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمره أن يطيّنه ويختمه وما يقرؤه لأمانته عنده» .\nوما نقله عن ابن إسحاق في حق عبد الله بن الأرقم خرّجه البيهقي.\nقال الحافظ في كتاب الأحكام من الفتح بإسناد حسن وخرّجه أيضا البغوي وقال\n_________\n(١) وفي البخاري روى في كتاب الأحكام باب ٤٠ عن زيد بن ثابت إن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه ج ٨ ص ١٢٠. وروى الترمذي أيضا في كتاب الاستئذان ج ٥ ص ٦٧ حديثا بمعناه وأوله: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم له كتاب يهود الخ. فانظره هناك في الباب رقم ٢٢ رقم الحديث ٢٧١٥.","vol":"1","page":154},{"text":"مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال عمر: كتب إلى رسول الله كتاب فقال لعبد الله بن الأرقم الزهري: أجب هؤلاء عني، فأجابهم ثم جاء به فعرضه عليه ﵇ فقال:\nأصبت بما كتبت. قال عمر فما زالت في نفسي حتى جعلته على بيت المال، وذكر هذه القصة في العتبية وزاد: قال عمر: ما رأيت أخشى لله منه، حاشا رسول الله ﷺ.\nوروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم، - وكان له على بيت المال- بثلاثين ألفا فأبى أن يقبلها. وروي أنه بلغ من أمانته عند رسول الله ﷺ أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمره أن يطيّنه ويختمه ما يقرؤه لأمانته عنده اهـ من البيان والتحصيل لابن رشد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>باب فيمن كان يكتب عن النبي ﷺ للبوادي</span>\nكان يكتب له للبوادي معاوية، فقد قال المدائني كما في شرح المواهب: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، ومعاوية يكتب للنبي ﷺ فيما بينه وبين العرب انظر ص ٣٦٩ من الجزء الثالث.\nتنبيه: في الشفا؛ أن رجلا قال للمعافى بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية؟ يعني أيهما أفضل وخصهما بالسواء لأنهما أمويان، فغضب المعافى على السائل وقال: لا يقاس بأصحاب النبي ﷺ أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحيه، لأنه لو لم يستأمنه ما استكتبه الوحي، وكفاه بهذا مرتبة لم يصل إليها عمر بن عبد العزيز وأضرابه، قال الشهاب في نسيم الرياض: والمعافى رجل منطق فما صح عنه يرد ما قيل:\nإنه لم يكتب له شيئا من الوحي، وإنما كان يكتب له إلى القبائل والجهات اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>فصل في كتابته ﵇ في الجلد ومقداره</span>\nترجم في الإصابة لمالك بن أحمر الجذامي العوفي، فذكر أن ابن شاهين أخرج بسنده عنه؛ أنه لما بلغهم مقدم النبي ﷺ تبوك، وفد إليه مالك بن أحمر فأسلم، وسأله أن يكتب له كتابا يدعوه إلى الإسلام فكتب له في رقعة من أدم (جلد) . وفي طريق آخر:\nعرضها أربعة أصابع وطولها قدر شبر، وقد انمحى ما فيها، وكذا أخرجه البغوي والطبراني في الأوسط.\nوهاهنا تنبيه: ترجم في صبح الأعشى لما نطق به القرآن مما يكتب فيه فذكر اللوح، وذلك قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١- ٢٢] الثاني:\nالرق بفتح الراء قال تعالى: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ والرق ما يرقق من الجلد ليكتب فيه، الثالث: القرطاس والصحيفة، وهو الكاغذ. ثم عقد فصلا آخر لما كانت الأمم السالفة تكتب فيه، فذكر أن أهل الصين كانوا يكتبون في رق مصنوعة من الحشيش، وعنهم أخذ الناس صناعة الورق، وأهل الهند يكتبون في خرق الحرير الأبيض، والفرس يكتبون","vol":"1","page":155},{"text":"في الجلود المدبوغة من جلود الجواميس والبقر والغنم والوحوش، وكذلك كانوا يكتبون في اللخاف بالخاء المعجمة وهي حجارة بيض رقاق، وفي النحاس والحديد ونحوهما.\nوفي عسيب النخل وهي الجريد الذي لا خوص فيه. وفي عظم أكتاف الإبل والغنم، وعلى هذا الأسلوب، كانت العرب لقربهم منهم. واستمر ذلك إلى أن بعث النبي ﷺ، ونزل القرآن والعرب على ذلك. وربما كتب النبي ﷺ بعض مكاتباته في الأدم. وأجمع الصحابة على كتابة القرآن في الرق لطول بقائه، أو لأنه الموجود عندهم حينئذ إلى زمن الرشيد، فأمر أن لا يكتب الناس إلا في الكاغد اه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>فصل في كتّاب العهود والصلح</span>\n«قال أبو عمر: كان الكاتب لعهوده ﷺ إذا عاهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب، وكتب له في قصة الهجرة عامر بن فهيرة عهدا في رقعة من أدم لسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وفي بعض الروايات إن الذي كتب له أبو بكر» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>فصل فيمن كان يكتب لرسول الله ﷺ أموره الخصوصية</span>\nترجم في الإصابة لحصين بن نمير، فنقل عن أبي علي بن مسكويه في كتابه «تجارب الأمم»: الحصين بن نمير في جملة من كان يكتب لرسول الله ﷺ، وقال: كذا ذكره العباس بن محمد الأندلسي في التاريخ الذي جمعه للمعتصم بن صمادح. قال: وكان هو والمغيرة بن شعبة يكتبان في حوائجه، وكذا ذكره جماعة من المتأخرين منهم القرطبي المفسر في المولد النبوي، والقطب الحلبي في شرح السيرة، وأشار إلى أن ذلك مأخوذ من كتاب القضاعي الذي صنفه في كتاب النبي ﷺ، وفيه أنهما كانا يكتبان المداينات والمعاملات، فلا أدري هل أراد هذا أو الذي قبله؟ وانظر من كان يكتب للمصطفى أموال الصدقات وخرص النخل. وفي المحاضرات للشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي: كان الزبير العوام وجهم بن الصلت يكتبان أموال الصدقات، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص النخل، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتب المداينات والمعاملات، وكان شرحبيل بن حسنة يكتب التوقيعات إلى الملوك اهـ ص ٢٩.\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>نظرة إجمالية في الكتّاب</span>\nقال في المواهب: أما كتابه ﷺ فجمع كثير وجمّ غفير، ذكر بعض المحدثين في تأليف له بديع استوعب فيه جمّا من أخبارهم، ونبذا من سيرهم وآثارهم، وصدّر فيه بالخلفاء الأربعة الكرام خواص حضرته ﵇ اهـ.\nقلت: وممن ألف فيهم القضاعي، ذكر ذلك الحافظ في ترجمة حصين بن نمير من الإصابة. وممن ألف فيهم أيضا عمر بن شبة؛ نقل عنه ابن عبد البر في الاستيعاب. وللإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري «المصباح المضيء","vol":"1","page":156},{"text":"في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي» وجعله على قسمين الأول في كتابه ﵇، الثاني: في رسله ومكاتباته إلى الملوك فرغ من تأليفه سنة ٦٧٩ بمصر بالخانقاه الصالحة «١» . وممن ألف فيهم أيضا الجمال الأنصاري، ذكر ذلك تلميذه البرهان الحلبي في حواشيه على الشفا، ولعله المذكور قبله ويحتمل أنه غيره. وممن ألف فيهم أيضا ابن أبي الجعد، وقف عليه الشهاب الخفاجي كما في شرحه على الشفا وقال: كأنه لم يقف عليه البرهان الحلبي.\nفائدة: وبعد أن تكلم في نور النبراس على كتّابه ﵇ قال: المداوم على الكتابة معاوية وزيد بن ثابت، قال غير واحد من الحفاظ: كذا قالوا. وينبغي أن يقيد: بما بعد الفتح لأن معاوية من مسلمة الفتح، وأما زيد فقبل الفتح وبعده اهـ وفي المواهب:\nوممن كتب في الجملة أكثر من غيره الخلفاء الأربعة وأبان وخالد ابنا سعيد بن العاصي بن أمية اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>باب في تعليم المصطفى لكتّابه أدب وضع القلم ومحل وضعه ورسم الحروف وتقويمها نحو ذلك</span>\nخرّج الحافظ السيوطي في آخر طبقات اللغويين والنحاة حديثا مسلسلا بالكتّاب، فساقه من طريق عبد الحميد الكاتب قال: حدثني سالم بن هشام الكاتب، حدثنا عبد الملك بن مروان الكاتب، حدثنا زيد بن ثابت كاتب الوحي قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كتبتم بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه، قال السيوطي إثره: هذا حديث مسلسل بالكتاب في أكثره اهـ.\nوفي صبح الأعشى نقلا عن محمد بن علي المدائني: يستحب للكاتب في كتابته؛ إذا فكر في حاجته أن يضع القلم على أذنه، وساق بسنده إلى أنس بن مالك، أن معاوية بن أبي سفيان كان يكتب للنبي ﷺ، فكان إذا رأى من النبي ﷺ إعراضا وضع القلم في فيه. فنظر إليه ﷺ وقال: يا معاوية إذا كنت كاتبا فضع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك وللمملي.\nوساق بسنده أيضا إلى زيد بن ثابت، أن رسول الله ﷺ نظر إليه وهو يكتب في حوائجه فقال له: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك.\nوأخرج أيضا من رواية أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ لكاتبه: ضع القلم على أذنك يكن أذكر لك. وفي رواية عن أنس: كان معاوية كاتبا للنبي ﷺ، فرآه يوما قد وضع القلم على الأرض، فقال: يا معاوية إذا كنت كاتبا فضع القلم على أذنك اهـ.\nقلت: ساق في الجامع الصغير حديث: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملي،\n_________\n(١) كذا ولعلها: الصالحية.","vol":"1","page":157},{"text":"وعزاه «١» للترمذي عن زيد بن ثابت. قال دخلت على المصطفى ﷺ، وبين يديه كاتب فذكره.\nوأورده الحافظ السيوطي في الجامع الكبير أيضا وعزاه للترمذي أيضا. وقال: ضعيف وابن سعيد وسمويه عن زيد ثابت اهـ.\nقلت: خرّجه الترمذي في الاستئذان في باب تتريب الكتاب «٢» ومن طريق زيد أيضا أخرجه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة عنبسة. وفي فيض القدير: زعم ابن الجوزي وضعه، ورده ابن حجر بأنه ورد من طريق أخرى، ووروده بسندين مختلفين يخرجه عن الوضع اهـ.\nقال المناوي في التيسير: ضع ندبا أو إرشادا القلم على أذنك حال الكتابة فإنه أذكر للمملي، أي أسرع تذكرا سيما فيما يريد إنشاءه من العبارة والمقاصد، لأن القلم أحد اللسانين المعبرين عما في القلب اهـ وزاد في الفيض قال عياض: وفي هذا الخبر وشبهه دلالة على معرفته ﷺ حروف الخط وحسن تصويرها اهـ.\nوقال القاضي في الشفا «٣»، إثر حديث ضع القلم المذكور: هذا مع أنه ﷺ كان لا يكتب ولكنه أوتي علم كل شيء، حتى وردت آثار بمعرفته حروف الخط، ثم حسن تصويرها، كقوله: لا تمد بسم الله الرحمان الرحيم. رواه ابن شعبان من طريق عن ابن عباس. وقوله في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه فقال له:\nألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسّن الله. ومد الرحمان وجوّد الرحيم. وهذا وإن لم تصح الرواية أنه ﵇ كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع الكتابة والقراءة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>باب في ندب المصطفى ﵇ الكتبة إلى تتريب الكتابة</span>\nترجم لذلك القلقشندي ص ٢٧١ من الجزء السادس قائلا: لا نزاع أن تتريب الكتابة بعد الفراغ منه، بإلقاء الرمل ونحوه عليه مطلوب، وفيه معنيان: المعنى الأول التبرك طلبا لنج المقاصد، فقد روى محمد بن عمر المدائني في كتابه القلم والدواة، بسنده إلى إسماعيل بن محمد بن وهب عن هشام بن خالد، وهو أبو مروان الأزدي عن بقية بن الوليد عن عطاء عن ابن جريج، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ترّبوا الكتاب ونحوه من أسفله فإنه أعظم للبركة وأنجح للحاجة. وفي حديث: إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه فإنه مبارك وهو أنجح لحاجته رواه الترمذي في كتاب الاستئذان باب ٢٠ ص ٦٦/ ٥.\nومن كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: ترّبوا الكتاب. ويؤيد ذلك ما روي أن النبي ﷺ؛\n_________\n(١) انظر ج ٥ ص ٦٧ باب ٢١ و٢٢ من كتاب الاستئذان.\n(٢) انظر ج ٥ ص ٦٧ باب ٢١ و٢٢ من كتاب الاستئذان.\n(٣) انظر ص ٣٥٧/ ١.","vol":"1","page":158},{"text":"كتب كتابين إلى أهل قريتين فترب إحدهما ولم يترب الآخر فأسلمت القرية التي ترّب كتابها.\nوهذا المعنى موجود في المكاتبات والولايات وغيرهما، لطلب البركة والنجاح في جميع ذلك؛ ولا فرق في ذلك بين أن يكون المكتوب قد جفّ أم لا؛ لأن القصد إنما هو للنجح والبركة. المعنى الثاني: التجفيف لما كتبه بطرح التراب عليه كي لا ينمحي بما يصيبه قبل الجفاف، وهذا المعنى أضعف من الأول. ومقتضاه إذا جفّ الكتاب لا يترب.\nوعليه عمل كتاب الزمان، ومن هنا يضعون التراب على آخر الكتاب من حيث إنه أقرب عهدا بالكتابة إلى التجفيف بخلاف أول الكتاب، فإنه يكون قد جفّ عند نهاية الكتابة غالبا، لا سيما في الزمن الحار أو مع طول الكتابة وامتداد زمن كتابته. على أن صاحب مواد البيان وغيره من قدماء الكتاب قد صرّحوا بأنه: يستحب وضع التراب على البسملة، ثم يمره الكاتب منها على سائر المكتوب لتعم الكتابة بركة البسملة اهـ «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>فصل في اصطلاح المكاتيب النبوية </span>«٢»\nعنون عن هذا الفصل القلقشندي فقال: ذكر ترتيب كتبه ﷺ في الرسائل على سبيل الإجمال. كان ﷺ يفتتح أكثر كتبه بلفظ: (من محمد رسول الله) إلى فلان. وربما افتتحها بلفظ: أما بعد. وربما افتتحها بلفظ: هذا كتاب. وربما افتتحها بلفظ: سلم أنت. وكان يصرح في الغالب باسم المكتوب في أول المكاتبات. وربما اكتفى بشهرته (أي بما اشتهر به كالقيصر ونحوه) فإن كان المكتوب إليه ملكا كتب بعد ذكر اسمه عظيم القوم الفلانيين.\nوربما كتب ملك القوم الفلانيين. وربما كتب: صاحب مملكة كذا. وكان يعبر عن نفسه ﷺ في أثناء كتبه بلفظ الافراد مثل: إني ولي وجاءني ووفد علي وما أشبه ذلك. وربما أتى بلفظ الجمع مثل بلغنا وجاءنا ونحو ذلك، وكان يخاطب المكتوب إليه عند الافراد بكاف الخطاب مثل لك وعليك وتاء المخاطب مثل أنت قلت كذا وكذا وجعلت كذا وعند التثنية بلفظها مثل أنهما ولكما وعليكما. وعند الجمع بلفظة مثل: أنتم ولكم وعليكم وما أشبه ذلك. وكان يأتي في صدور كتبه بالسلام فيقول في خطاب المسلم: سلام عليك. وربما قال: السلام على من ابتع الهدى. وربما أسقط السلام في صدر الكتاب، وكان يأتي في صدور المكاتب بالتحميد بعد السلام فيقول: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.\nوربما تركه. وقد يأتي بعد التحميد بالتشهد، وقد لا يأتى به وكان يتخلص في صدر الكتاب إلى المقصود تارة بأما بعد، وتارة بغيرها، وكان يختم كتابه بالسلام تارة فيقول في خطاب\n_________\n(١) وهنا أفاض المؤلف ﵀ في بيان فضيلة تتريب الكتاب وبيان الأحاديث الواردة فيه ونقد رجالها في تسع صفحات تقريبا مما وجدت ضرورة اختصاره والاكتفاء بما ذكره أعلاه. مصححه.\n(٢) لقد جمع العلامة الدكتور محمد حميد الله جميع المكاتب النبوية تحت عنوان: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة وطبع في بيروت عن دار النفائس طبعة متقنة ١٩٨٧","vol":"1","page":159},{"text":"المسلم: والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وربما اقتصر على السلام، ويقول في خطاب الكافر: والسلام على من اتبع الهدى، وربما أسقط السلام في آخر كتبه اه ثم عقد فصلا مهما في كتبه ﵇ إلى أهل الإسلام، وجعلها على ثلاثة أساليب:\nالأسلوب الأول: أن يفتتح الكتاب بلفظ من محمد رسول الله إلى فلان، ثم مثّل لهذا القسم عدة كتب نبوية بنصها.\nالأسلوب الثاني: أن يفتتح المكاتبة بلفظ: هذا كتاب ويذكر المقصد فيما بعد، قال وهو قليل الوقوع في المكاتبات.\nالأسلوب الثالث: أن تفتتح المكاتبة بلفظ هذا كتاب.\nثم عقد فصلا آخر في كتبه ﵇ إلى أهل الكفر للدعاية إلى الإسلام، قال وهو على ثلاثة أساليب:\nالأسلوب الأول: أن يفتتح الكتاب بلفظ: من محمد رسول الله إلى فلان كما في الأسلوب الأول من كتبه إلى أهل الإسلام.\nالأسلوب الثاني: أن يفتتح بلفظ: أما بعد وهو أقل وقوعا مما قبله.\nالأسلوب الثالث: أن يفتتح الكتاب بلفظ هذا كتاب. ثم مثّل لكل- راجع ص ٣٦٥ إلى ٣٨٢ من الجزء السادس.\nقلت: ومن تتبّع نصوص المكاتيب النبوية المذكورة في طبقات ابن سعد، وجد الكاتب يسمي نفسه آخرها، لعله ليكون شاهدا على صدورها منه ﵇.\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>فصل في كيفية مخاطبة الملوك وغيرهم من المعاصرين له (﵇ في زمانه)</span>\nترجم لذلك القلقشندي إثر ما سبق ص ٤٦٤ من الجزء السادس فقال: كانت أمراء سراياه ﷺ، ومن أسلم من الملوك، تفتتح المكاتبة إليه ﷺ باسمه، ويثنّون بأنفسهم، ويأتون بالتحميد والسلام عليه ﷺ، ويتخلصون إلى المقصود بأما بعد أو بغيرها ويختمون بالسلام. وملوك الكفر يبتدئون بأنفسهم وربما بدأوا باسمه ﷺ، وكان المكتوب عنه منهم يعبر عن نفسه بنون الجمع إن كان المكتوب عنه مسلما خاطبه ﵇ بلفظ الرسالة والنبوءة مع كاف الخطاب وتاء المخاطب، وإن كان كافرا خاطبه بالكاف والتاء المذكورين، وربما خاطبه باسمه فإن كان المكتوب عنه مسلما ختم الكتاب بالسلام عليه ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>فصل في عنوان المكاتب إليه ﵇ في ذلك الزمن</span>\nقال في صبح الأعشى: أما عنونة هذه الكتب، فيظهر أنها إن فتحت باسمه ﵇ وثنى باسم المكتوب إليه عنونته كذلك، فيكتب في الجانب الأيمن محمد رسول الله","vol":"1","page":160},{"text":"أو نحو ذلك وفي الجانب الآخر من فلان. وإن كانت ممن يفتتح الكتابة باسم نفسه، عنونته على العكس من ذلك اه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>فصل في عنوان كتبه ﵇</span>\nقال القلقشندي لم أقف على نص صريح في ذلك، والذي يظهر أنه ﷺ كان يعنون كتبه بلفظ: من محمد رسول الله إلى فلان على نحو ما في الصدر، وتكون كتابته من محمد رسول الله عن يمين الكاتب وإلى فلان عن يساره، وعليه يدل ما تقدم من كلام صاحب مواد البيان في الأصل الثاني عشر من أصول المكاتبات، حيث ذكر الكلام على العنوان:\nالأصل أن يبتدأ باسم المكتوب عنه، ويثني باسم المكتوب إليه، ثم قال: وعلى هذا كانت كتب رسول الله ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>فصل بما كان يفتتح كتبه ﵇</span>\nالمقرّر في السير أنه ﵇ كان يفتتح مكاتيبه كلها من عقد أو صلح ونحوه بالبسملة، وهي مشروعة في الإسلام في ابتداء الأمور من قول أو فعل؛ تبركا واستنجاحا، وذكر الغافقي عن أبي عبيد أن الشعبي قال: باسمك اللهم. ذاك الكتاب الأول، كتب به النبي ﷺ ما شاء أن يجري، ثم نزل بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: ٤١] فكتب بسم الله ما شاء الله ثم نزلت قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: ١١٠] فجرت بذلك ما شاء الله ثم نزلت إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: ٣٠] فكتب بذلك.\nوعن ابن المسيب لما أتى قيصر كتاب النبي ﷺ؛ وفيه البسملة قرأه وقال: هذا الكتاب لم أره بعد سليمان بن داود يعني البسملة، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:\nلم تجر العادة الشرعية ولا العرفية بابتداء المراسلات بالحمد، وقد جمعت كتبه ﵇ إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في شيء منها البداءة بالحمد بل بالبسملة اه من باب قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ [آل عمران: ٦٤] في تفسير سورة آل عمران من التفسير.\nوقال القاضي ابن باديس على قصة افتتاحه ﵇ بالبسملة كتابه إلى يوحنّه بن رؤبة صاحب أيلة، وكان نصرانيا: فيه جواز كتب البسملة فيما يحصل بأيدي الكفار، فإن الكفار استقر بأيديهم وتداولوه، ففيه دليل على جواز النقوش في الدنانير والدراهم، التي تستقر بأيديهم ويحملونه إلى بلادهم من أرض المسلمين اه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>فصل في التزامه ﵇ أما بعد في صدور كتبه وخطبه</span>\nقال الشمس السفاريني في شرح منظومة الآداب: يستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات، لأنه ﵇ كان يقولها في خطبه ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم، كما هو","vol":"1","page":161},{"text":"معروف مثل؛ كتابه إلى قيصر، وكسرى، والمقوقس، وغيرهم، وذكر الإمام القاضي علي بن سليمان المرداوي في شرح التجريد؛ أنه نقل إتيانه ﷺ بأما بعد في خطبه ونحوها خمسة وثلاثون صحابيا اه.\nوقال الزرقاني في شرح المواهب: ثبت أنه ﷺ كان يقول: أما بعد في خطبه وشبهها، كما روى ذلك أربعون صحابيا، كما أفاده الرهاوي في أربعينه المتباينة الأسانيد.\nوما أدري وجه اقتصار كثيرين على الظرف، ولا يكفي الاعتذار أن المدار عليه أو روما للاختصار، لأن المدار على اتباع ما جاءت به السنة، لا سيما والاطناب مطلوب في الخطب، وكون المدار عليه يحتاج إلى وحي يسفر عنه اه منه [كذا] .\nوفي شرح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي السوسي على منظومته في أحكام الوزيعة: وقع لأخينا العلامة الدراكة أبي العباس أحمد بن إبراهيم الكتّاني المراكشي مع العلامة الشربيني أحد أئمة الشافعية بمصر، عام حجنا. كان يدرس مع تلاميذه شرح السعد على العقائد النسفية فقال: أصل وبعد: أما بعد. فحذفت كلمة أما، وعوض عنها الواو.\nفقال له أبو العباس أحمد المذكور: أين الدليل على أن الواو تعوض عن أما، ولم يقع في كلامه ﵇ الذي هو أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء فيما رأينا إلا أما بعد. وكذا رسائل أصحابه، وكان الشافعي المذكور ضيّق الصدر، فخاطب أبا العباس المذكور خطابا لا ينبغي أن يصدر من مثله، ولم يجب بشيء غير السب والثلب، ولو أجابه بأن استعمال المحققين من المصنفين ذلك طوالع [مقدمة] تواليفهم يكفي دليلا على جوازه لكان كافيا اه.\nقلت: السنة حجة على الجميع، وقد أومأ إلى ذلك الزرقاني، بما سبق عنه من أن المدار على اتباع ما جاءت به، فانظره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>احتياطه ﵇ في مكاتيبه الرسمية</span>\nقال الشيخ زروق في حواشيه على الصحيح: إنما قال ﷺ في كتابه لهرقل: عظيم الروم، ولم يقل ملك الروم. لئلّا يكون تقريرا لملكه اه وقال الخفاجي في شرح الشفا:\nوقال ﷺ عظيم الروم وعظيم القبط، لم يقل ملك الروم ولا ملك القبط؛ لأنه لا يستحق ذلك العنوان إلا من كان مسلما، ومع ذلك فلم يخل يتعظيمهما، تليينا لقلوبهما في أول الدعوة إلى الحق اه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>باب اتخاذه ﵇ أما بعد لفصل من فصول الكتاب ورؤوس المسائل</span>\nترجم البخاري في الأدب المفرد باب: أما بعد، فذكر فيها عن هشام بن عروة قال:\nرأيت رسائل من رسائله ﷺ، كلما انقضت قصة قال: أما بعد اه.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>فصل في أصح كتاب حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه ﵇</span>\nأصح كتاب حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه ﵇ كتابه إلى هرقل، وهو في الصحيح ونصه:\nبسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ؛ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «١» [آل عمران: ٦٤] اه من أصح المصادر وهو صحيح البخاري ساقه فيه هكذا مكررا في مواضع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>آخر مكتوب نبوي حفظ التاريخ عينه لنا من كتبه ﵇ لأهل الإسلام وتحافظهم عليه</span>\nآخر مكتوب حفظ التاريخ جلده المكتوب فيه بعينه له ﵇ الكتاب الذي أقطع به تميم الداري أرضا بالشام، وهو مكتوب مشهور معروف في العصور السابقة، تكلم عليه أهل الحديث والتاريخ والفقه وغيرهم.\nففي ترجمة تميم من تاريخ ابن عساكر بسنده إلى أبي هند الداري قال: قدمنا على رسول الله ﷺ ونحن ستة نفر، - وفي سيرة ابن هشام عدهم ثمانية: تميم بن أوس، ونعيم بن أوس أخوه، ويزيد بن قيس، وأبو هند بن عبد الله، وهو صاحب الحديث وأخوه الطيب بن عبد الله، كان اسمه برا فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وفاكه بن النعمان، وسألنا رسول الله ﷺ أن يقطعنا أرضا من أرض الشام، فقال رسول الله ﷺ: حيث شئتم. فقال: تميم أرى أن نسأله بيت المقدس وكورها، فقال أبو هند هذا محل ملك العجم، وكذلك يكون فيه ملك العرب، وأخاف أن لا يتم لنا هذا. فقال تميم: بيت جرين وكورها. فقال أبو هند: هذا أكبر وأكبر، فقال: فأي شيء نسأله؟ فقال: أرى أن نسأله القرى التي يقع بها تل مع آثار إبراهيم، فقال تميم: أصبت ووفقت. قال: فقال رسول الله ﷺ: لتميم: أتحب أن تخبرني بما كنتم فيه أو أخبرك؟ فقال تميم: بل أخبرنا يا رسول الله نزداد إيمانا. فقال رسول الله ﷺ: أردتم أمرا فأراد هذا غيره. ونعم الرأي رأى، قال: فدعا رسول الله ﷺ بقطعة جلد من أدم فكتب لنا كتابا نسخته:\n_________\n(١) نص هذا الكتاب محفوظ بعينه على رق من الجلد في متحف طوبقبو في استانبول وانظر كتاب: «الوثائق السياسية للعهد النبوي للأستاذ محمد حميد الله إخراج دار النفائس بيروت ١٩٨٧ وقد اشتمل على كل الرسائل والعهود والإقطاعات النبوية ويعد بحق من أنفس المطبوعات ورقم الصفحة في كتاب النفائس ١٠٨- ١٠٩ وانظره في البخاري في كتاب بدء الوحي ص ٦/ ١.","vol":"1","page":163},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب ذكر فيه ما وهب رسول الله للداريين، إذا أعطاه الله الأرض وهب لهم بيت عيون وحبرون والمرطوم، وبيت إبراهيم ومن فيهم إلى الأبد شهد عباس بن عبد المطلب، وخزيمة بن قيس، وشرحبيل بن حسنة. وكتب قال ثم دخل بالكتاب إلى منزله، فعالج في زاوية الرقعة، وغشه بشيء لا يعرف وعقده من خارج الرقعة بسير أو عقدتين وخرج به إلينا مطويا وهو يقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا بأني قد هاجرت، قال أبو هند انصرفنا، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، قدمنا عليه فسألناه أن يجدد لنا كتابا، فكتب لنا كتابا نسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه، إني أعطيتكم عينون وجيرون والرطومة، وبيت إبراهيم برمته، وجميع ما فيه عطية بت وسلمت ذلك لهم، ولأعقابهم من بعدهم، أبد الأبد فمن آذاهم فيها آذاه الله. شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان «١» .\nوقد تعرض بعض الولاة لآل تميم وأراد انتزاع الأرض منهم ورفع أمرهم إلى القاضي أبي حاتم الهروي الحنفي قاضي القدس الشريف فاحتج الداريون بالكتاب فقال القاضي هذا الكتاب ليس بلازم، لأن النبي ﷺ أقطع تميما ما لم يملك فاستفتى الوالي الفقهاء وكان أبو حامد الغزالي ﵀ حينئذ ببيت المقدس قبل استيلاء الفرنج عليه فقال: هذا القاضي كافر لأن النبي ﷺ قال: زويت لي الأرض كلها، وكان يقطع في الجنة فيقول: قصر كذا لفلان، فوعده ﷺ صدق، وعطاؤه حق. فخزي القاضي والوالي وبقي آل تميم على ما بأيديهم وكانت هذه الحادثة لما كان القاضي أبو بكر بن العربي بالشام اه.\nولا زالت ذرية الداريين هؤلاء بالقدس وجهاته وهم إلى الآن أهل علم وفضل، وممن لقيته منهم ببلد الخليل لما زرته عام ١٣٢٤ في رحلتنا الحجازية الشامية خطيب الحرم الخليلي الشيخ عبد الحي بن الخطيب الحاج عبد الفتاح التميمي الداري، وكان عالم الخليل قريبا من ذلك التاريخ ومفتيه الشيخ خليل الداري الأزهري من مشاهير ذلك العصر في الجهات الفلسطينية.\n_________\n(١) أطال المؤلف ﵀ في هذا الموضوع جدا أكثر من عشر صفحات، وإن دل ذلك على شيء فعلى سعة اطلاعه ووفور علمه، ولكن لا حاجة أبدا للإطالة في مثل هذا الباب لذلك حذفت ما رأيت حذفه لازما وانظر كتاب الوثائق السياسية ص ١٣٠ ونص الكتاب التالي: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لتميم بن أوس الداري. أن له قرية حبرون وبيت عينون قريتهما كلهما، وسهلهما وجيلهما وماءهما وحرثهما وأنباطهما وبقرهما ولعقبه من بعده، لا يحاقّه فيهما أحد، ولا يلجهما عليهم أحد بظلم فمن ظلم وأخذ منهم شيئا فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ...","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>فصل في آخر كتاب حفظ التاريخ لنا عينه من كتبه ﵇ (لأهل الكفر ومحافظتهم عليه)</span>\nآخر مكتوب نبوي حفظ التاريخ لنا عينه، مكتوبه ﵇ إلى هر قل السابق نصه، وأول ما رأيته تكلم على بقائه ووجوده إلى زمانه الحافظ السهيلي في الروض ص ٣٢١ من الجزء الثاني ونصه: وقد روي أن هرقل وضع كتاب النبي ﷺ الذي كتب إليه في قصبة من ذهب تعظيما له، وهم لم يزالوا يتوارثونه كابرا عن كابر، في أرفع صوان وأعز مكان، حتى كان عند الأدفونش الذي تغلب على طليطلة، وما أخذ من بلاد الأندلس، ثم كان عند ابن بنته المعروف بابن السليطن.\nحدثني بعض أصحابنا أنه حدثه من سأله رأيته من قواد أجناد المسلمين كان يعرف بعبد الملك بن سعيد قال: فأخرجه إليّ فاستعرته وأردت تقبيله، وأخذه بيدي فمنعني من ذلك صيانة له وضنا به علي اه وقد كانت وفاة السهيلي بمراكش سنة ٥٨١ وقد نقل كلامه هذا ملخصا الكرماني في الكواكب الدراري والحافظ ابن حجر في فتح الباري، والبرهان الحلبي في نور النبراس، وابن غازي في حاشية الصحيح، والشيخ أبو زيد الفاسي في تشنيف المسامع، والعلامة الجماع الشيخ قويسم التونسي في سمط اللآلي وغيرهم، وقوله عبد الملك بن سعيد كذا هو في النسخة المطبوعة من الروض ونحوه بخط الشيخ قويسم في سمط اللآلي، ووقع في فتح الباري نقلا عن السهيلي عبد الملك بن سعد بسكون العين «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>فصل في أجمع وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه من كتبه (﵇ الأحكامية)</span>\nأجمع وأوعب وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه كتابه ﵇ لعمرو بن حزم وهو كتاب جليل فيه من أنواع الفقه، في الزكاة والديات والأحكام، وذكر الكبائر والطلاق والعتاق وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والإحتباء فيه ومس المصحف وغير ذلك.\nقال النووي في التهذيب في ترجمة عمرو المذكور: استعمله النبي ﷺ على نجران باليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، وبعث معه كتابا فيه الفرائض، والسنن والصدقات والجروح والديات، وكتابه هذا مشهور في كتب السنن رواه أبو داود والنسائي وغير هما مفرقا، وأكملهم له رواية النسائي في الديات ولم يستوفه أحد منهم في موضع اه.\nوقد ذكر طرقه الحافظ ابن كثير في إرشاده وقال: بعد ذكر الإختلاف في بعض\n_________\n(١) وهنا أيضا جال المؤلف في إحدى عشرة صفحة لا ضرورة لاثباتها لأنها إطالة بدون طائل فالرسالة محفوظة في متحف طربقبو في استانبول. وانظر صورتها في كتاب الوثائق السياسية ص ١٠٨.","vol":"1","page":165},{"text":"طرقه: وعلى كل تقدير فهذا الكتاب متداول بين أيمة الإسلام قديما وحديثا يعتمدون عليه يرجعون في مهمات هذا الباب إليه كما قال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم، كان الصحابة والتابعون يرجعون إليه، ويدعون آراءهم، وصح أن عمر ترك رأيه ورجع إليه. قال ابن كثير: رواه الشافعي والتابعون بإسناد صحيح إلى ابن المسيب، قال ابن إبراهيم الوزير في الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم إثر كلام ابن كثير: ظاهر كلام الحافظين يعقوب بن سفيان وابن كثير، دعوى إجماع الصدر الأول على قبول حديث عمرو بن حزم، وذلك يقتضي دعوى الإجماع على جواز العمل بالوجادة اه.\nوقال القسطلاني في المواهب: واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات، وقد رواه النسائي متصلا، ورواه أبو حاتم في الصحيح وغيره متصلا، وقد وقع في الموطأ ذكره في مواضع في كتاب العقول، وفي كتاب الصلاة، قال الباجي: هو أصل في كتابة العلم وتحصينه في الكتب، وقال أبو عمر بن عبد البر: وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم، معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد اهـ وقال أيضا: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روي مسندا من وجه صالح. ورواه معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده. ورواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن، كتابا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقدم به على أهل اليمن، وهذه نسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمن محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن كلال قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان أما بعد\nقلت: وأنا أسوقه هنا معتمدا سياق الحافظ السيوطي في حواشيه على الموطأ، ففيها:\nأخرج البيهقي في دلائل النبوة، من طريق بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيهم أمره، فكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، عهدا من رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ الحق، كما أمره أن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلمهم القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس فلا يمسّ أحد القرآن إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، قال: ألا لعنة الله على الظالمين، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين،","vol":"1","page":166},{"text":"ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغيرا، إلّا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ويفضي إلى السماء بفرجه، ولا يعقد شعر رأسه إذا غفا في قفاه، وينهى الناس إذا كان بينهم هيج أن يدعو إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى العشائر والقبائل فليقطفوا بالسيف، حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله، وأمره بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، وأن يغلس بالصبح ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر- والشمس في الأرض مدبرة- والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، وأمرهم بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من الغنائم خمس الله، وما كتبه الله على المؤمنين في الصدقة، من العقار فيما سقت السماء العشر، وفيما سقت الغرب نصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين أربع وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة شاة، فإنها فريضة الله التي افترضها على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الإسلام، فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يغيّر عنها وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب، فمن أدّى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» .\nقال البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري، عن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث، موصولا بزيادات كثيرة في الزكاة والديات وغير ذلك، ونقصان عن بعض ما ذكرناه، قلت وسأسوقه في كتاب العقول اهـ كلام السيوطي.\nقلت: يستفاد من طبقات ابن سعد أن كاتب كتاب عمرو بن حزم هذا أبي بن كعب ﵁ [انظر ص ٢٠٧ من كتاب الوثائق السياسية] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>ما كتبه ﵇ ولم يخرجه</span>\nخرّج أبو داود عن ابن عمر أن المصطفى ﵇ كتب كتاب الصدقات ولم يخرجه، فعمل به أبو بكر ثم عمر. «تتمة» أخرج ابن سعد في الطبقات عن مسلم بن الحارث التميمي الصحابي، نزيل الشام أن النبي ﷺ قال له بعد رجوعه من سرية: تلطف إلى أن لم يرق فيها دم فشكر ذلك له المصطفى، وقال له؛ أكتب لك كتابا أوصي بك أيمة المسلمين بعدي، فكتب لي كتابا وختمه، فلما قبض النبي ﷺ أتيت أبا بكر بالكتاب، ففضه","vol":"1","page":167},{"text":"وأعطاني شيئا ثم ختمه، فلما استخلف عثمان أتيته بالكتاب ففضه وقرأه وأعطاني شيئا، ثم ختمه فلما استخلف عثمان أتيته بالكتاب ففضه وقرأه وأعطاني شيئا، ثم ختمه فلما استخلف عمر بن عبد العزيز بعث إلى ولده الحارث بن مسلم، فأتاه فأعطاه شيئا وقال: لو أردت لوصلت إليك، ولكني أردت أن تحدثني بحديثك عن أبيك عن النبي ﷺ، فحدثته به، وانظر ترجمة سندر مولى رسول الله ﷺ من طبقات بن سعد ص ١٩٦ من الجزء السابع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>فصل هل كتب ﵇ بنفسه شيئا وامضى بعض كتبه (بيمينه الشريفة أم لا)</span>\nوقع في قصة صلح الحديبية من الصحيح وغيره، أنه لما عقد مع كفار قريش ما عقد دعا عليّا وقال: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: لا أعرف هذا ولكن اكتب:\nباسمك اللهم فقال: أكتب فكتبها ثم قال: أكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال سهيل: لو شهدت إنك رسول لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله ﷺ: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي أمح محمد رسول الله قال: لا والله لا أمحوك فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب هذا: ما قاضى محمد بن عبد الله، ولفظ الصحيح. كتب وهو لا يحسن الكتابة، فتمسك بظاهره الإمام أبو الوليد الباجي وجزم بأنه ﷺ كتب، وذكر الحافظ ابن دحية، كما في خصائص القطب الخيضري، أن جماعة من العلماء وافقوه على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، وقد سبقهم إلى ذلك جميعا عمر بن شبة فقال في كتاب الكتاب له؛ كتب النبي ﷺ بيده يوم الحديبية، ومما استدل به الباجي ومن وافقه ما أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: ما مات النبي ﷺ حتى كتب وقرأ. قال عجالة فذكرت ذلك للشافعي فقال: صدق سمعنا قوما يذكرون ذلك اهـ.\nوفي فيض القدير على حديث: «ضع القلم على أذنك فإنه اذكر للمملي وأخذ القاضي من قصة الحديبية أنه ﷺ كتب بعد أن لم يحسن الكتابة، ثم إنه أشار لمذهب الباجي ومن عارضه، قال: والنصر له بأن الأمية لا تنافيه، بل يقتضي تقييده النفي بما قبل ورود القرآن، وبعد ما تحققت أميته وتقررت معجزته، لا مانع من كتابته بالتعليم فتكون معجزة أخرى، وروى ابن أبي شيبة عن عوف: ما مات ﷺ حتى كتب وقرأ اهـ كلام المناوي في الفيض، وهو ملخص من كلام القاضي أبي بكر بن العربي في «سراج المريدين» فإنه لما تكلم على الغربة قال: وأشد أنواعها فقد النظير، وعدم المساعد، والإضطرار إلى صحبة الجاهل، ثم نظّر ببقي بن مخلد، ومحمد بن موهب، وما لقيا من أهل بلدهما بعد الرجوع من الرحلة حسدا على ما رجعا به. قال: وهذا أبو الوليد الباجي رحل وأبعد وجلب علما جمّا وقرىء عليه البخاري، وفيه أن النبي ﷺ محا وكتب فقيل له:\nعلى من يعود قوله: وكتب. فقال: على النبي فقيل له: وكتب بيده؟ قال: نعم. ألا ترونه","vol":"1","page":168},{"text":"يقول في الحديث: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، وليس يحسن الكتابة فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فقوّلوا عليه، وحملوا كل تكذيب وتعطيل عليه، وانتدب جاهل من المقرئين، فأخبرني أبو محمد عبد الله بن أبي عصام بالمسجد الأقصى قال: رأيته يصيح في المسجد الجامع، ويعلن بالزندقة إليه بيد أن الأمير كان متثبتا فدعا بالفقهاء، فاتفقوا على أن هذا القول كفر، فاستظهر الباجي ببعض الحجة في ذلك وقال للأمير:\nهؤلاء جهلة ولكن اكتب إلى علماء الآفاق، فكتب إلى إفريقية وصقلية، فجاء الجواب: إن يكتب بعد أميته فيكون ذلك من معجزته، لا يطعن أحد بذلك عليه، لأنهم تحققوا أميته ثم شاهدوا معجزته، فوقفوا ولم يطعنوا اهـ كلام ابن العربي. ومن نسخة عندي عليها خطه نقلت.\nوفي ترجمة الباجي من «الديباج المذهب» للبرهان بن فرحون أن الذي أنكر على الباجي وكفره أبو بكر بن الصائغ الزاهد، قال ابن فرحون: وتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه اللعن، فلما رأى ذلك الباجي، ألف رسالته المسماة بتحقيق المذهب، بين فيها المسألة لمن يفهمها، وأنها لا تقدح في المعجزة، كما لا تقدح القراءة في ذلك، فوافقه أهل التحقيق بأسرار العلم، وكتب بها لشيوخ صقلية فأنكروا على ابن الصائغ ووافقوا أبا الوليد على ما ذكره اهـ كلام ابن فرحون.\nوقد ساق قصة الباجي هذه الحافظ الذهبي في ترجمته من تذكرة الحفاظ، وذكر أن الباجي لما ألف رسالته التي بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، رجع بها جماعة. ثم قال: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا، لأنه لا يسمى كاتبا، وجماعة من الملوك قد أدمنوا على كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال ﵇ إنا أمة أمية أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] اهـ كلام الذهبي. وهو وجيه لا غبار عليه.\nوخرّج الذهبي في التذكرة أيضا في ترجمة ابن مندة ص ٣٥ من الجزء الثاني، بسنده إلى عوف بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: ما مات النبي ﷺ حتى قرأ وكتب، ثم قال الذهبي عقبه: قلت: وما المانع من جواز تعلم النبي ﷺ يسير الكتابة، بعد أن كان أميا لا يدري ما الكتابة؟ فلعله لكثرة ما أملى على كتاب الوحي، وكتاب السنن والكتب إلى الملوك، عرف من الخط وفهمه وكتب الكلمة والكلمتين، كما كتب اسمه الشريف يوم الحديبية (محمد بن عبد الله) وليست كتابته لهذا القدر اليسير، مما يخرجه عن كونه أميّا، ككثير من الملوك أميين ويكتبون العلامة اهـ من التذكرة بلفظها. وما أشار إليه الذهبي أقوى صدمة للمعارض من كون كتابته ﵇ كانت معجزة، وإن سبق إليها ابن العربي كما تقدم، ثم الحافظ ابن الجوزي في المشكل فإنه قال: إطلاق يده بالكتابة ولم يحسنها","vol":"1","page":169},{"text":"كالمعجزة له، ولا ينافي هذا كونه أميا لا يحسن الكتابة، لأنه ما حرّك يده تحريك من يحسن الكتابة، إنما حركها فجاء المكتوب صوابا. اهـ.\nقال ابن باديس إثره في الفرائد: هذا تأويل منه حسن يجمع بين المذهبين من غير تناقض في الخبر اهـ.\nوقال ابن التلمساني في شرح الشفا بعد ذكر مذهب الباجي: وصوّب أهل الحق مقالته، أنه لا يقدح في المعجزة كونه كتب مرة، وفي البخاري في باب عمرة القضاء:\nفأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب، قال القرطبي في مختصره: قوله فأخذ الكتاب فكتب، ظاهر قوي في أنه ﵇ كتب بيده. وقد أنكر قوم تمسكا بقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨] قال: ولا نكرة فيه فإن الخط المنفي الخط المكتسب عن التعليم، وهذا خط خارق للعادة، أجراه الله على أنامل النبي ﷺ مع بقائه لا يحسن الكتابة المكتسبة وهذا زيادة في صحة نبوته. قلت: احسن منه ما سبق عن الذهبي في ترجمة ابن منده فاعتبره «١» .\n(فائدة) في الخطط للمقريزي أن آل بلال بن الحارث جاؤا لعمر بن عبد العزيز بكتاب النبي ﷺ لهم بإقطاع في جريدة فقبلها عمر وفتح ومسح بها عينيه انظر ص ١٥٥ من الجزء الأول طبع مصر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>فصل في ذكر صاحب الخاتم ومن أي شيء كان وما كان نقشه</span>\n«أخرج البخاري «٢» عن أنس قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم فقيل له إنهم لن يقرؤوا كتابك إذا لم يكن مختوما فاتخذ خاتما من فضة ونقشه (محمد رسول الله) فكأنما أنظر إلى بياضه في يده ﷺ. وأخرج الترمذي في الشمائل:\nبل هو في الصحيح أيضا، فكان الأولى أن ينسب إليه عن أنس كان خاتم النبي ﷺ:\nمحمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، قال المهلب: كان ﵇ لا يستغنى عن الختم به في الكتب إلى البلدان وأجوبة العمال وقواد السرايا» .\nوفي أوائل السيوطي: أول من ختم الكتاب من قريش وأهل الحجاز رسول الله ﷺ، حين أراد مكاتبه الملوك فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما اهـ «٣» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>فصل فيمن كان صاحب خاتمه ﷺ</span>\nقال الشبراملسي في حواشي المواهب: قوله: وخاتمه أي من كان يتولاها إذا قلعها\n_________\n(١) وهنا تكرار لا طائل منه حوالي صفحة حذفته تخفيفا عن القارىء.\n(٢) في آخر كتاب الجهاد والسير باب ١٠١ ج ٣ ص ٢٣٥.\n(٣) وهنا بضعة أسطر مكررة محذوفة.","vol":"1","page":170},{"text":"النبي ﷺ، من يحفظها، ويعيدها إليه عند إرادتها اهـ «خرج البخاري في التاريخ من طريق محمد بن بشار عن إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده معيقيب قال: كان خاتم رسول الله ﷺ من حديد ملون عليه فضة، فربما كان بيدي، وكان المعيقيب على خاتم رسول الله ﷺ» .\nوفي الإصابة أنه كان على بيت المال لعمر، ثم كان على خاتم عثمان.\nوفي العقد الفريد لابن عبد ربه أنه ﵇ كان يضع خاتمه عند حنظلة بن الربيع بن صيفي، ابن أخي اكثم بن صيفي الأسدي انظر ص ١٢٢ من الجزء الثاي وفي العقد الفريد أيضا ص ١٧٤ من الجزء الثاني أنه كان على خاتمه ﵇ معيقيب بن أبي فاطمة نحو ما سبق وعرف لغيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>باب في عمله ﵇ إذا لم يحضره الخاتم</span>\nفي ترجمة عبد الملك بن أكيدر من الإصابة عنه قال: كتب لرسول الله ﷺ كتاب ولم يكن معه خاتم فختمه بظفره، وفي الإصابة أيضا لدى ترجمة وهب بن أكيدر دومه أن ابن عساكر أخرج من طريقه قال كتب رسول الله ﷺ كتابا ولم يكن معه خاتمه فختمه بطينة.\nقلت: وبذلك تعلم ما في قول القلقشندي في صبح الأعشى: أول من اتخذ الطين لختم الكتاب عمر بن الخطاب، قاله الثعالبي في لطائف المعارف اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>باب في مسائل تتعلق بالخاتم النبوي</span>\nكان ﵇ اتخذ خاتما من ذهب حين كان مباحا ثم نبذه، ولم يراجعه وكان له خاتم من ورق، أي من فضة وكان فصّه حبشيا كما في مسلم، عن أنس والحبشي حجر من جزع أو عقيق، فإن معدنهما بالحبشة واليمن، وقيل: لونه حبشي أي أسود. وفي البخاري عن أنس، أن فصه كان منه، ففيه جواز جعل الخاتم فصا من فضة وكره من الذهب. ولأبي داود والنسائي أن خاتمه كان من حديد ملونا عليه فضة، وهو محمول على التعدد. وكان نقشه (محمد رسول الله) وهو في الصحيح. ففيه جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحبه ونقش اسم الله تعالى. وذكر الزبير بن بكار أن نقش خاتم أبي بكر: (نعم القادر الله) وقال غيره كان نقش خاتمه (عبد ذليل لرب جليل) . وفي طبقات ابن سعد عن ابن سيرين مرسلا أن نقش الخاتم كان: (بسم الله محمد رسول الله)، ولم يتابع على هذه الزيادة. ولأبي الشيخ من حديث أنس (لا إله إلا الله محمد رسول الله) قال الحافظ السيوطي في التوشيح على الجامع الصحيح: وهي زيادة شاذة.\nوفي الصحيح أن صفة النقش: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. قال الأسنوي في المهمات: وفي حفظي أنها كانت تقرأ من أسفل فصاعدا ليكون اسم الله فوق الجميع. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث. وفي الصحيحين وغيرهما: النهي عن أن ينقش أحد على نقش خاتمه ﷺ وسبب النهي أنه إنما","vol":"1","page":171},{"text":"اتخذ الخاتم ونقش فيه ليختم به كتبه، فلو نقش غيره مثله لدخلت المفسدة وحصل الخلل.\nقال في التوشيح: وهذا يفهم اختصاص ذلك بحياته ﷺ. وفي الديباج: النهي تحريم مؤبدا إلى يوم القيامة، وليس ذلك بظاهر. وجاء فيها أنه كان يجعل فصه مما يلي كفه أي ليكون أبعد من التزين. وفي رواية لأبي داود وجعل فصه في ظهر كفه، فإن صحت قلعله كان يعمل هذا لبيان الجواز نادرا وجاء أنه كان يتختم به في اليد اليمنى وفي أحاديث أخر أنه في اليسار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>باب في وضع التاريخ وأصله</span>\nالمعروف أن التاريخ بالهجرة النبوية حدث في خلافة عمر بن الخطاب، ولكن حكى أبو جعفر بن النحاس في كتابه صناعة الكتابة، وحكاه عنه القلقشندي في صبح الأعشى ٢٤٠ من الجزء السادس عن محمد بن جرير، أنه روى بسنده إلى ابن شهاب أن النبي ﷺ، لما قدم المدينة وقدمها في شهر ربيع الأول أمر بالتاريخ. قال القلقشندي: وعلى هذا يكون ابتداء التاريخ في عام الهجرة هـ.\nوفي المواهب وأمر ﷺ بالتاريخ. فكتب من حين الهجرة قال الزرقاني: رواه الحاكم في الإكليل عن الزهري معضّلا، والمشهور خلافه، وأن ذلك في زمن عمر كما قال الحافظ اهـ.\nوقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي: رأيت في مجموع بخط ابن القماح عن ابن الصلاح أنه قال: ذكر أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي في تاريخ الشروط: أن رسول الله ﷺ أرّخ بالهجرة حين كتب الكتاب لنصارى نجران، وأمر عليا أن يكتب فيه حين كتب عنه أنه كتب لخمس من الهجرة. قال فالمؤرخ بهذا إذا رسول الله ﷺ وعمر تبعه في ذلك، قال: وقد أشبعت الكلام على ذلك في مؤلف مستقل مختصر بهذه المسألة اهـ (قلت) سماه «الشماريخ في علم التاريخ» .\nقال السخاوي: فإن ثبت فيكون عمر متبعا لا مبتكرا اهـ وقال الإمام السهيلي في الروض، ص ١١ من الجزء الثاني: تأسيس مسجد قبا كان أول يوم من حلول رسول الله ﷺ دار هجرته، والبلد الذي هو مهاجره، وفي قوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: ٨- ١٠] وقد علم أنه ليس أول الأيام كلها، ولا إضافة إلى شيء في اللفظ الظاهر. ففيه من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة مع عمر، حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عام الهجرة، لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والذي أمر فيه النبي ﷺ، وأسس المساجد وعبّد الله آمنا، كما يحبه. فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل. وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله سبحانه مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: ٨٠] أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي نؤرخ به الآن، فإن كان أصحاب رسول الله ﷺ أخذوا هذا من الآية، فهو الظن","vol":"1","page":172},{"text":"بأفهامهم، فهم أعلم الناس بكتاب الله وبتأويله، وافهمهم بما في القرآن من اشارات وافصاح، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد، فقد علم ذلك قبل أن يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل: فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم، أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم، وليس هاهنا إضافة في المعنى، إلا إلى هذا التاريخ المعلوم، لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ، أو قرينة حال. فتدبره ففيه معتبر لمن ادّكر، وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر والحمد الله اهـ.\nوقد نقل كلامه ملخصا الحافظ في الفتح وقال عقبه: كذا قال: والمتبادر أن معنى قوله: من أول يوم، أي دخل النبي ﷺ وأصحابه المدينة اهـ وقال ابن المنير: كلام السهيلي كلام تكلف وتعسف وخروج عن تقدير الأقدمين فإنهم قدروه من تأسيس أول يوم كأنه قيل: من أول يوم وقع فيه التأسيس، وهذا تأسيس تقتضيه العربية وتشهد له الآية اهـ.\nقلت: كلام السهيلي ظاهر المأخذ، جلي الإستنتاج والذين استبشعوه كأنهم لم يذوقوه، فتأمله بإنصاف، ترى الحق مع ما أملاه الأعمى لا ما كتبه البصراء «١»، ولذا اقتصر عليه معجبا به المولى شهاب الملة والدين الخفاجي في عناية الراضي وكفاية القاضي فانظرها فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا [الإسراء: ٨٤] .\nواختيرت الهجرة للإبتداء بها دون وقت الولادة والبعثة، لإختلافهم فيها دونها، ووقت الوفاة وإن شارك الهجرة في الإتفاق، لا يحسن الإبتداء بها عقلا لما ينشأ عنه من تهيج الحزن والأسف بخلاف وقت الهجرة، فإنه يتبرك به لكونه وقت استقامة ملة الإسلام، واختير لإفتتاح السنة المحرم دون غيره لكونه شهر الله، وأحد الأشهر الحرم، وفيه تنصرف الناس من الحج.\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>باب في الرسول (السفير) وفيه فصول فصل في صفات رسله ﵇ من وفور العقل وطلاقة اللسان وقوة الحجة المقنعة للخصم</span>\nقال السهيلي في الروض ص ٣٥٥ من الجزء الثاني: لما قدم دحية على قيصر قال:\nيا قيصر أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله هو خير منه ومنك، فاسمع بذل ثم أجب بنصح. فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف. قال: هات قال: هل تعلم أكان المسيح يصلي قال: نعم قال: فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له، وأدعوك إلى من دبّر خلق السموات والأرض، والمسيح في بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى، وبشر به عيسى ابن مريم بعده، وعندك من ذلك أثارة من علم، تكفي\n_________\n(١) هنا إشارة لكون الإمام السهيلي ﵀ كان مكفوف البصر.","vol":"1","page":173},{"text":"عن العيان، وتشفي من الخبر. فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ذهبت عنك الآخرة، وشوركت في الدنيا، واعلم أن لك ربا يقصم الجبابرة، ويغير النعم.\nفأخذ قيصر الكتاب ووضعه على عينيه ورأسه وقبله ثم قال: أما والله ما تركت كتابا إلا وقرأته، ولا عالما إلّا وسألته، فما رأيت إلا خيرا فأمهلني حتى أنظر من كان المسيح يصلي له، فإني أكره أن أجيبك اليوم، بأمر أرى غدا ما هو أحسن منه، فأرجع عنه فيضرني ذلك، ولا ينفعني، أقم حتى أنظر. فلم يلبث أن أتاه وفاة النبي ﷺ.\nوفي الروض أيضا: أن حاطبا لما قدم على المقوقس ملك مصر قاله له: إنه قد كان رجل قبلك يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك غيرك، قال: هات قال: إن لك دينا لن تدعه إلا لمن هو خير منه، وهو الإسلام إليه الكافي به الله فقد ما سواه.\nإن هذا النبي ﷺ دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى. ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا، كبشارة عيسى بمحمد. وما دعاؤنا إياك للقرآن، إلّا كدعاء أهل التوراة إلى الإنجيل. وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكن نأمرك به.\nوفيه أيضا أن العلاء بن الحضرمي لما قدم على المنذر بن ساوى بكتابه ﵇ قال له: يا منذر، إنك عظيم في الدنيا، فلا تصغرنّ عن الآخرة، إن هذه المجوسية ليس فيها تكرم العرب، ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكره عن أكله، ويعبدون في الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، هل ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدقه؟ ولمن لا يخون أن لا تأمنه؟ ولمن لا يخلف ألا تثق به؟ فإن كان هذا هكذا؛ فهو هذا النبي الأمي، الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه أو نقص من عقابه إنّ كلّ ذلك منه على أمنية أهل العقل، وفكر أهل البصر.\nوفيه أيضا أن عمرو بن العاص لما قدم على على الجلندى قال له: يا جلندى، إنك وإن كنت منا بعيدا؛ فإنك من الله غير بعيد، إن الذي تفرّد بخلقك أهل أن تفرد بعبادتك، وأن لا تشرك به من لم يشركه فيك، واعلم أنه يميتك الذي أحياك، ويعيدك الذي بدأك.\nفانظر في هذا النبي الأمي الذي جاء بالدنيا والآخرة، (فإن كان ما يريد به أجرا فامنعه، أو يميل به هوى فدعه ثم ينظر فيما يجيء به يشبه ما تجيء به الناس فإن كان يشبهه فسله العيان وتخيّر عليه في الخير) وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال، وخف ما وعد.\nوفيه أيضا أن شجاع بن وهب لما قدم على جبلة بن الأيهم قال له: يا جبلة إن قومك","vol":"1","page":174},{"text":"نقلوا هذا النبي الأمي من داره إلى دارهم، - يعني: الأنصار- فاووه ومنعوه، وإن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك، ولكنك ملكت الشام وجاورت بها الروم، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس لملك العراق، وقد أقر بهذا النبي الأمي من أهل دينك من إن فضلناه عليك لم يغضبك، وإن فضلناك عليه لم يضرك، فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك الروم، وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا ولك الآخرة، وكنت قد استبدلت المساجد بالبيع، والأذان بالناقوس، والقبلة بالصليب. وكان ما عند الله خير وأبقى.\nوفيه أيضا أن المهاجر بن أبي أمية، لما قدم على الحارث بن عبد كلال قال له: يا حارث، إنك كنت أوّل من عرض عليه المصطفى نفسه، فخطأت عنه، وأنت أعظم الملوك قدرّا، فإذا نظرت في غلبة الملوك فانظر في غالب الملوك، وإذا سرّك يومك فخف غدك، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا وأمّلوا بعيدا، وتزودوا قليلا. منهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم، وأنا أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس شيء أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك ربا يميت الحي ويحيي الميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.\nومما قاله دحية في قدومه على قيصر:\nألا هل أتاها على نابها ... فإني قدمت على قيصر\nفقدرته بصلاة المسيح ... وكانت من الجواهر الأحمر\nوتدبير ربك أمر السما ... ء والأرض فأغضى ولم ينكر\nوقلت تقر ببشري المسي ... ح فقال: سأنظر، قلت: انظر\nفكاد يقرّ بأمر الرسو ... ل، فمال إلى البدل الأعور\nفشك وجاشت له نفسه ... وجاشت نفوس بني الأصفر\nعلى وضعه بيديه الكتا ... ب على الرأس والعين والمنخر\nفأصبح قيصر من أمره ... بمنزلة الفرس الأشقر\nيريد بالفرس الأشقر مثلا للعرب فيمن يتردد عن الشيء، لا يريد ما يرجح فيه انظر ص ٣٥٥ من الجزء الثاني من الروض.\nوفي ص ٣٥٩ من الجزء السادس من صبح الأعشى من غريب ما يروى، ما ذكره ابن عبد الحكم، أن النبي ﷺ لما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، وبلغه كتاب النبي ﷺ قال له: ما منعه أن يدعو عليّ فيسلط علي؟ قاله له حاطب: ما منع عيسى أن يدعو على من أبي عليه أن يفعل ويفعل. فوجم ساعة ثم استعادها فأعادها عليه حاطب، فسكت.\nويروى أنه حين سأله عن أمر النبي ﷺ في حروب قومه وذكر له أن الحرب تكون","vol":"1","page":175},{"text":"بينهم سجالا تارة له وتارة عليه، قال له المقوقس: النبي يغلب؟ فقال له حاطب: فالإله يصلب؟ يشير بذلك إلى ما تزعمه النصارى من أن المسيح ﵇ صلب مع دعواهم فيه أنه إله؟\nوفي ترجمة سيدنا عبادة بن الصامت من الاستبصار للموفق بن قدامة، روي أن المقوقس صاحب مصر بعث إلى عمرو أن أبعث لي رسلا أكلمهم، فبعث إليه نفرا منهم عبادة بن الصامت، وأمره أن يكون هو المتكلم، وكان عبادة أسود شديد السواد، فلما دخلوا على الملك تقدم عبادة، فقال الملك: ما فيكم من يتكلم غير هذا؟ فقال القوم: هو أفضلنا وأقدمنا صحبة لنبينا، ومع هذا فقد أمره أميرنا. هو المتكلم قال: فليتقدم إذا. فإنما هبته لسواده. فقال عبادة: فإن كنت هبتني لسوادي وقد ولى شبابي، وذهبت قوتي فكيف بك لو رأيت عسكرنا وفيه أكثر من ألف أشد مني سوادا، وأقوى أبدانا وأعظم أجسادا؟\nفطلب منه الملك الصلح. فقال عبادة: إنا لا نقبل منكم إلا إحدى خلال ثلاث: إما أن تسلموا، فتكونوا إخواننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإما أن تؤدوا الجزية إلينا،.\nوتعتقدوا منا الذمة، فنقبل منكم ونكف عنكم، وإما أن تبرزوا لنا حتى يحكم الله بيننا وبينكم. فقال الملك: لا تقبلوا غير هذه الخلال الثلاث؟ فرفع عبادة يديه فقال: لا ورب السماء، لا ورب هذه الأرض، لا نقبل منكم غيرها. فقال الملك لأصحابه: ما ترون فيما قال؟ فأبوا. فقال الملك: والله لئن لم تقبلوا منهم إحدى هذه الخلال قبل قتل الرجال وسبي الحريم، لتقبلنه منهم بعد ذلك وأنتم راغمون فصالحهم.\nووجه عمر عبادة إلى الشام قاضيا ومعلما اهـ.\nثم استطرد القلقشندي، أن بعض ملوك الروم كتب إلى خليفة زمانه يطلب منه من يناظر علماء النصرانية عنده، فإن قطعهم أسلموا، فوجه إليهم بالقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني المالكي، فلما حضر المجلس، واجتمع لديه علماء النصارى قال له بعضهم: إن معتقدكم أن الأنبياء معصومون في الفراش، وقد رميت عائشة بما رميت به، فإن كان ما رميت به حقا كان ناقضا لأصلكم الذي أطلقتموه في عصمة الأنبياء في الفراش. وإن كان غير حق كان مؤثرا في إيمان من وقع منه. فقال له القاضي، أبو بكر: امرأتان حصينتان رميتا بالفرية؛ إحداهما لها زوج ولا ولد لها. والآخرى لها ولد ولا زوج لها. يشير بالأولى إلى عائشة، وبالثانية إلى مريم فسجدوا له على عادة تحيتهم في ذلك. وقد رأيت في ترجمة الباقلاني من تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي هذه القصة على وجه آخر؛ وذلك أنه ذكر أنه جرت له أمور منها؛ أن الملك أدخله عليه من باب خوخة ليدخل راكعا للملك، ففطن لها ودخل بظهره ومنها أنه قال لراهبه: كيف الأهل والأولاد فقال له الملك: أما علمت أن الراهب يتنزه عن هذا؟ فقال: تنزهونه عن هذا ولا تنزهون الله عن الصاحبة والولد؟\nوقيل: إن طاغية الروم سأله كيف جرى لعائشة. وقصد توبيخه فقال: كما جرى","vol":"1","page":176},{"text":"لمريم وبرأ الله المرأتين، ولم تأت عائشة بولد، فأفحمه ولم يدر جوابا اهـ من تاريخ الإسلام.\nوأحفظ أيضا أن الباقلاني سأله ملك الروم أيضا. قال له: تزعمون أن القمر انشق لنبيكم، فهل للقمر قرابة حتى ترونه دون غيركم؟ فقال: وهل بينكم وبين المائدة إخوة ونسب إذ رأيتموها، ولم ترها اليهود واليونان والمجوس، الذين أنكروها وهم في جواركم؟\nفأفحم ولم يدر جوابا.\nوقد ذكر القصة مبسوطة ابن التلمساني في شرح الشفا قائلا: ذكر بعضهم أن الإمام العالم الأعرف أبا بكر بن الطيب، لما وجهه صاحب الدولة سفيرا إلى ملك الروم، ليظهر به رفعة الإسلام، وبغض النصرانية. وجرت في تلك الوجهة، في القسطنطينية بينه وبين ملكها، مع بطارقته ونبلاء ملته مناظرات ومحاورات، منها: أن الملك قال له هذا الذي تدّعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قال: هو صحيح عندنا.\nانشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رآه الناس، وإنما رآه من الحضور من اتفق نظره إليه في تلك الحال. فقال الملك: وكيف لم يره جميع الناس؟ قال: الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لحضوره. قال. وهذا القمر بينكم وبينه قرابة لأي شيء لم يعرفه الروم وغيرهم من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟ قال: فهذه المائدة بينكم وبينها نسب، وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة واهل الإلحاد واليونان جيرانكم؛ فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن فتحير الملك وقال في كلامه: سبحان الله، وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني، وقال: نحن لا نطيقه، فلم أشعر إذ جاؤا بالرجل كالدب أشقر الشعر، فقعد وحكيت له المسألة فقال: الذي قال المسلم لازم لا أعرف له جوابا إلا ما ذكره، فقلت:\nله: إن الكسوف إذا كان يراه جميع أهل الأرض أم يراه أهل الإقليم الذي في محاذاته؟\nفقال: لا يراه إلا من كان في محاذاته. قلت: فما أنكرت من انشقاق القمر كذلك إذا كان من ناحية لا يراه إلا أهل تلك الناحية، ومن تأهب للنظر. وأما من أعرض عنه، أو كان في الأمكنة التي لا يرى القمر فيها فلا يراه فقال: هو كما قلت. لا يدفعك عنه دافع. وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوا. فأما الطعن في هذه الوجه فليس بصحيح، فقال الملك:\nوكيف يطعن في النقلة؟ فقال النصراني: شبه هذا من الآيات إذا صح وجب أن ينقله الجم الغفير، حتى يتصل بنا العلم به، ولو كان كذلك لوقع لنا العلم الضروري به، فلما لم يقع دلّ على أنه أكبر مفتعل باطل، فالتفت الملك إلي وقال: الجواب. فقلت: يلزمه في نزول الملائكة بالمائدة ما لزمني في انشاق القمر. ويقال له: لو كان نزول المائدة صحيحا لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا ويعلم هذا بالضرورة، ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة، دل أن الخبر كذب فبهت النصراني والملك ومن ضمه المجلس وانفصل للوطن على هذا اهـ.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>اختياره ﵇ لرسله أن يكونوا أحسن الناس وجها</span>\nسيأتي أمره لعماله أن يبردوا له البريد كذلك، ومن أشهر رسله ﵇ للملوك دحية الكلبي. قال العيني: في عمدة القاري ص ٩٣ من الجزء الأول: كان دحية من أجمل الصحابة وجها، وكان جبريل يأتي النبي ﷺ في صورته، وذكر السهيلي عن ابن سلام في قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١١] قال: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، وروي أنه كان إذا قدم إلى الشام لم تبق مخدرة إلا خرجت لتنظر إليه اهـ.\nوفي الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي أن دحية كان أجمل أهل زمانه، وبلغ من أثر جماله في الخلق، أنه لما قدم المدينة واستقبله الناس، ما رأته امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها اهـ وذكر العيني في العمدة أيضا: أن دحية هذا كان يمشي متلثما خشية أن تفتتن به النساء اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>وصايته ﵇ لكل من بعثه لجهة من الجهات من سفرائه وأمرائه ورسله</span>\nفي سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابا فيه ذكر بعث رسول الله ﷺ إلى البلدان وملوك العرب والعجم، وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه وفيه: أن رسول الله ﷺ، خرج على أصحابه فقال لهم: إن الله بعثني رحمة فأدّوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم. قالوا: وكيف يا رسول الله كان اختلافهم؟ قال: دعاهم لمثل ما دعوتكم له، فأما من قرب به فأحب وسلّم، ومن بعد به فكره وأبى، فشكى ذلك عيسى منهم إلى الله، فأصبحوا وكلّ رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم اهـ.\nوفي باب صب الماء على البول في المسجد؛ أنه ﵇ قال للصحابة لما تناولوا الأعرابي الذي بال في المسجد: إنما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسّرين. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وكان ذلك شأنه ﵇، في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات، يقول: يسروا ولا تعسروا اهـ ص ٢٧٩ من الجزء الأول.\nوقع ذلك في مسلم عن أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ؛ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا»، وأخرج البزار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ، أرسل معاذا وأبا موسى فقال: تشاورا وتطاوعا ويسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>اتّخاذ البريد في زمن الخلفاء الراشدين</span>\nالبريد «١» اسم للمسافة التي بين كل محطة وأخرى من محطات البريد، وهي أربعة فراسخ «٢»، أو اثنا عشر ميلا، ثم أطلق على حامل الرسائل، وتوسعوا فيه الآن فأطلقوه على أكياس البريد، وأصله من وضع الفرس، ثم استعمل في الإسلام وأقيم له عامل مخصوص يسمى عامل البريد، ينقل أخبار الولاة والبلاد لدار الخلافة والعكس.\nوالمشهور أن أول من وضعه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان، ولعله أول من رتبه على طرق ومناهج مخصوصة، رتب له الخيل والمحطات، وإلا فالبريد معروف عند من قبله من الخلفاء الراشدين، واشتهر أمره في مدة سيدنا عمر بن الخطاب، وفي الصحيح «٣» لدى باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، وصلى أبو موسى في دار البريد قال الحافظ: دار البريد المذكورة موضع بالكوفة؛ كانت الرسل تنزل فيه إذا حضرت من الأمراء إلى الخلفاء، وكان أبو موسى أميرا على الكوفة في زمن عمر، وفي زمن عثمان وكانت الدار في طرف البلد، وقال المطرزي: البريد في الأصل الدابة المرتبة في الرباط، ثم سمي به الرسول المحمول عليها، ثم سميت به المسافة المشهورة.\nوفي سيرة عمر للحافظ ابن الجوزي في الباب الرابع والثلاثين في ذكر عسسه بالمدينة، وبعض ما جرى له في ذلك، أن عمر لما أبعد نصر بن الحجاج عن المدينة إلى البصرة، وكتب عمر إلى عاملة عتبة بن فرقد كتابا وأقام أياما ثم نادى مناديه: ألا إن بريد المسلمين يريد أن يخرج فمن كانت له حاجة فليكتب فكتب إليه نصر بن الحجاج كتابا إلى أمير المؤمنين انظر ص ١٠٥.\nوفي القصة الآتية وهي عند ابن جرير في تاريخه عن الرسول الذي أتى بالعقد هدية من عند امرأة قيصر الروم إلى زوج عمر أنه بريد المسلمين. وفي كتاب الطائر الغريد في وصف البريد: للعرب في نظام البريد فضل مثل مالهم في غيره، ولذلك قد شرح المؤرخون عن أحواله عندهم أكثر من باقي البريد، وأول ما استعمل العرب لنقل البريد الإبل، ثم استبدلوها بالبغال، ثم بالخيل لسرعتها، وكان لكل سفر بريد يتولى قيادة المسافرين، وميل العرب للتنقل بالأسفار وكان أعظم مساعد على اطراد سير البريد الطويل ما بين البلاد الشاسعة بكل ضبط، وهذه الوظيفة كانت عندهم من الوظائف\n_________\n(١) البريد: كان من اصطلاح الفرس أن يقطعوا أذناب الخيل المخصصة لحمل البريد وقالوا لها: بريدة دم: مقطوعة الذنب. ومن ثم أطلق الوصف على الخيول التي تحمل الرسائل خيل البريد. مصححه. عن كتاب النظم الإسلامية للشيخ صبحي الصالح.\n(٢) فراسخ: كلمة فارسية جمعت جمع تكسير عربي وأصلها. فرسخ، ولا زالت مستعملة في بلاد إيران وتقدر بستة كيلو مترات. مصححه.\n(٣) انظر كتاب الوضوء باب ٦٦ ص ٦٣/ ١.","vol":"1","page":179},{"text":"العالية، التي لا يوليها إلا الخليفة نفسه، ولا يتولاها إلا ذو الأهلية.\nوجاء في كتب الإفرنج أن ابتداء ترتيب البريد عند العرب بعد الهجرة النبوية بأمر أول خليفة، وكان يتسع باتساع فتوحاتهم، التي بلغت مسافات شاسعة، وأعظم اتساع ونظام في بريد العرب تمّ في عهد الخلفاء العباسيين، بلغت محطات البريد نحو ألف محطة، كانت تسمى عندهم بالسكك، ومع هذا الاتساع كانت الأشغال سائرة بكل دقة، في مواعيد السفر والوصول والأمنية، فقد كان لكل محطة رئيس لملاحظة سير السعاة، والخيالة وحالة المحطات، وكان جميع هؤلاء الرؤساء مضطرين أن يقدموا تقاريرهم عن كل ما يحدث في الخطوط إلى عموم الإدارة في بغداد، التي كانت النقطة المركزية والرئيس العالي يعرض ذلك على الخليفة نفسه، الذي كان يهتم بالبحث عن أحوال البريد، وكان للبريد لائحة عمومية، تحتوي على قوانين البريد، في سيره وجغرافية الطرق، وكان ينفق على البريد مبالغ وافرة، قيل: إن نفقة فرع اليمن فقط؛ كانت تبلغ نحو أربعة ملايين درهم سنويا، وهي عبارة عن أربعة ملايين ونصف من الفرنكات، ومن ذلك يعلم قدر نفقات باقي الخطوط، وما كان يبذله العرب لتنظيم البريد وقدر أهميته عندهم، وفي ص ٩٥ من الكتاب المذكور اتخذ العرب العلامات لرسل البريد، وفي عهد الخلفاء العباسيين كانت علاماتهم قطعة من الفضة بقدر الكف، قد كتب على أحد صفحتيها البسملة واسم الخليفة، وعلى الصفحة الثانية هذه الآية: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] هـ.\n«مهمّة» في الخطط للتقي المقريزي، أن إبراهيم بن الأغلب لما ولي على أفريقية سنة ٢٦١، كانت القوافل والتجار تسير في الطرق وهي آمنة، والحصون والمحارس على ساحل البحر، حتى كانت توقد النار من مدينة سبتة إلى الإسكندرية، فيصل الخبر منها إلى الاسكندرية في ليلة واحدة وبينهما مسيرة أشهر هـ منها ص ٢٨٠ من الجزء الأول.\nقلت: لعمري إن هذه الطريقة في التعجيل بالإخبار أغرب وأعجب من التلغراف والتلفون. ولله في خلقه شؤون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>فصل في الرسول يبعث يدعو إلى الإسلام</span>\n«بعث دحية بن خليفة الكلبي، وبعثه بكتابه وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس. وبعث عمرو بن أمية إلى النجاشي ملك الحبشة. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية. وبعث سليط بن عمرو واحد بني سليط عامر بن لؤي إلي ثمامة بن أثال.\nوبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلي الحرث بن أبي شمر الغساني. وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلي الحارث ملك اليمن. قال ابن جماعة بعث رسول الله ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع» .","vol":"1","page":180},{"text":"قلت: وفي شرح الزرقاني على المواهب وشرح الألفية لابن كيران: وبعث ستة نفر في يوم واحد، إلى الملوك وأصبح كل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم، كذا لابن سعد وغيره، وهذه معجزة أخرى هـ منهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>فصل في بعث الرسول في الصلح</span>\nبعث رسول الله ﷺ خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش «١» بمكة، وحمله على بعير له، وأمره أن يبلغ أشرافهم ما جاء به، فعقروا به جمل رسول الله ﷺ، وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله. ثم أرسل المصطفى ﷺ في ذلك عثمان بن عفان بإشارة عمر فنجا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>فصل في بعث الرسول بالأمان ذكر من بعثه المصطفى ﷺ في ذلك من الرجال</span>\n«في السير في خبر فتح مكة قال ابن إسحاق: خرج صفوان بن أمية يوم فتح مكة يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا رسول الله؛ إن صفوان بن أمية سيد قومي، وقد خرج هاربا منك ليقذف بنفسه في البحر. فأمّنه ﷺ وقال: هو آمن. قال يا رسول الله فأعطني آية ليعرف بها أمانك، فأعطاني رسول الله ﷺ عمامته التي دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه، وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك، أن تهلك، فهذا أمان من رسول الله ﷺ، قد جئتك به، قال: ويحك أبعد عني فلا تكلمني إني أخاف على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع معه حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتني، قال صدق. قال فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر.\nوقال أبو عمر بن عبد البر: كان عمير بن وهب بن خلف قد استأذن له رسول الله ﷺ حين هرب يوم الفتح هو وابنه وهب بن عمير فأمنه رسول الله ﷺ لهما، وبعث له وهب بن عمير بردائه الكريم أمانا له وجاء به بنحو ما ذكر لمن قبله» .\nذكر من توجه في ذلك من النساء\n«قال ابن عبد البر في الاستيعاب: أم حكيم بنت الحارث بن هشام زوج عكرمة بن أبي جهل بن عمها، أسلمت يوم الفتح واستأمنت النبي ﷺ لزوجها عكرمة، حين فر إلى اليمن وخرجت في طلبه، فردته حتى أسلم وثبتا على نكاحهما، وقال له رسول الله ﷺ، حين رآه لما أتت به: مرحبا بالراكب المهاجر، وقال لأصحابه: إن عكرمة يأتيكم فإذا رأيتموه فلا تسبوا أباه، فإن سبّ الميت يؤذي الحي» .\n_________\n(١) قبل توقيع صلح الحديبية. مصححه.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>فصل في الرسول يبعث إلى الملوك (ليبعث من عنده في بلاده من المسلمين)</span>\n«قال ابن إسحاق: كان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ، حتى بعث فيهم رسول الله ﷺ إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، فحملهم في سفينتين، فقدم بهم عليه، وهو بخيبر بعد الحديبية ستة عشر رجلا منهم جعفر بن أبي طالب» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>في الرسول يبعث إلى الملك ليزوج الإمام المرأة من المسلمين (تكون ببلاده ويبعثها)</span>\n«ذكر ابن جماعة في مختصر السير: أن المصطفى ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، واسمه أصحمة وكتب له كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذه النجاشي فوضعه على عينيه ونزل عن سريره، فجلس على الأرض ثم أسلم، وشهد شهادة الحق وفي الكتاب الآخر أن يزوجه أم حبيبة، وأمره أن يبعث بمن قبله من أصحابه ويحملهم، ففعل ودعا بحق من عاج، فجعل فيه كتاب النبي ﷺ وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها» .\nوفي ترجمة عمرو من الإصابة: بعثه النبي ﷺ إلى النجاشي في زواج أم حبيبة، وإلى مكة فحمل خبيبا من خشبته، وذكر الحافظ في ترجمة أم حبيبة من الإصابة: أن النجاشي أرسل إليها جارية له يقال لها أبرهة فقالت: إن الملك يقول لك: وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن الوليد فوكلته، وأعطت لأبرهة سوارين من فضة، فلما كان العشي أمر النجاشي بإحضار جعفر بن أبي طالب، ومن معه من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: أما بعد فإن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة فأجبت، وقد، أصدقتها أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير، فخطب خالد فقال: قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، وزوجته أم حبيبة وقبض الدنانير، وعمل لهم النجاشي طعاما فأكلوا. قالت أم حبيبة: فلما وصل إلي المال أعطيت أبرهة خمسين دينارا قال: فردتها علي. وقالت: إن الملك عزم علي بذلك وردت علي ما كنت أعطيتها. أولا، ثم جاءتني من الغد بعود وورس وعنبر وزباد، عنبر، فقدمت به على رسول الله ﷺ.\nوفي شرح ابن باديس على مختصر ابن فارس وفي اللباب: هي أول امرأة أوثرت في الإسلام بهذا المبلغ اهـ.\nوفي ظل الغمامة لأبي عبد الله الغافقي في حق أم حبيبة المذكورة: حاز رضي الله ورضى رسوله ﷺ في أداء مهرها العبد الصالح أصحمة، وقد كتب في قلبه الإيمان والمرحمة، وألقى عليها الصون والأمنة حتى أداها إليه ﷺ شرحبيل بن حسنة، يكلؤها في","vol":"1","page":182},{"text":"زفافها ويغدق عليها قناعة الإيمان، ويتقارب بمراحلها على بعد الزمان، فحمدت عند الصباح سراها، وجرت السوانح ببشراها، وأهدت سواريها وخواتمها لمن أعلمها بنكاح رسول الله ﷺ لها. اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>في الرسول يبعث بالهدية</span>\n«قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان بن حرب بهدية إلى مكة، وخرّج أبو عبيد القاسم بن سلام أن هذه الهدية كانت تمر عجوة، وكتب إليه ﷺ يستهديه أدما فأهداه إليه أبو سفيان. وكانت في الهدنة بين رسول الله ﷺ وبين أهل مكة قبل فتحها» .\nوقد أفرد رسل رسول الله ﷺ إلى الجهات أبو الحسن المدائني؛ ذكر ذلك الحافظ في ترجمة الحارث بن عبد كلال من الإصابة وغيرها، وأشار إليهم الحافظ العراقي في ألفيته فقال:\nذكر رسله ﵊ إلى الملوك:\nأول من أرسله النبي ... لملك عمرو هو الضمري\nإلى النجاشي فلما قدّم ... نزل عن فراشه فأسلم\nفأركب المهاجرين البحرا ... إليه في سفينتين طرّا\nزوّجه رملة عمرو قبله ... له ومهرها النجاشي بذله\nودحية أرسله لقيصرا ... وهو هرقل فعصى واستكبرا\nوابن حذافة مضى لكسرى ... فمزّق الكتاب غيّا نكرا\nوحاطب أرسل للمقوقس ... فقال: خيرا ودنا لم يؤيس\nأهدى له مارية القبطية ... وأختها سيرين مع هدية\nمن ذهب وقدح ومن عسل ... وطرف من مصر من بنها العسل\nوأرسل ابن العاصي حتى أدّى ... كتابه إلى ابني الجلندا\nفأسلما وصدّقا وخلّيا ... ما بين عمرو، والزكاة أهديا\nوأرسل السليط لليمامة ... لهوذة ملك بني حنيفة\nفأكرم الرسول إذ أنزله ... وقال: ما أحسن ما يدعو له\nوسال أن يجعل بعض الأمر ... له فلم يعط مضى في الكفر\nكذا شجاع الأسدي يلقى ... الحارث الغساني ملك البلقا\nرمى الكتاب قال: إني سائرّ ... إليه، رده هرقل قيصر\nوقيل: بل أرسله لجبله ... فقارب الأمر ولكن شغله\nالملك، ثم في زمان عمر! ... أسلم، ثم ارتدّ حتى كفرا","vol":"1","page":183},{"text":"وابن أبي أمية المهاجرا ... أرسله للحارث بن حميرا\nعبد كلال أبه فرددا ... أنظر في أمري وبعد وفدا\nعلى النبي مسلما، فاعتنقه ... وفرش الردا له، وومقه\nوأرسل العلاء بن الحضرمي ... لمنذر وهو ابن ساوى الدارمي\nكان مع العلاء أبو هريرة ... فانقاد منذر لخير ملة\nووفد المنذر عام الفتح أو ... في عام تسعة خلافا قد حكوا\nكذاك أرسل معاذا وأبا ... موسى إلى مخالف فاقتربا\nوقال: يسّرا ولا تعسّرا ... وبشّرا طوعا، ولا تنفّرا\nكذا جرير نحو ذي الكلاع ... ونحو ذي عمرو ونعم الداعي\nوعمرو الضمري إلى مسيلمه ... فلم يؤب عن كذبه ولزمه\nأرسل له كتابه مع سائب ... ثانية، فلم يكن بالتائب\nوبعده عياشا أيضا أرسلا ... إلى بني عبد كلال قبلا\nكلهم كتابه، وأسلموا ... نعيم والحار ومسروح هم\nوأرسل النبي أيضا إذ كتب ... لعدة لم يسم من بها ذهب\nلفروة بن عامر الجذامي ... أفلح إذ أقر بالإسلام\nولبني عمرو وهم من حمير ... كذا لمعدي كرب المشتهر\nولأساقف بنجران كتب ... كذا لمن أسلم من حدس عرب\nوابن ضماد خالد الأزدي ... ولابن حزم عمرو الرضي\nولأخي تميم أوس كتبا ... وهو لدى أولاده ما ذهبا\nوليزيد بن الطفيل الحارث ... ولبني زياد بن الحارث\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>باب في جائزة المصطفى لرسول غيره له</span>\nترجم في الإصابة ٤١١/ ٣ لمسعود بن سعد الجذامي، رسول فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر على عمّان، فذكر أنه ورد عليه ﵇ بإسلامه وهديته، فقبل ذلك المصطفى ﷺ وأجاز رسوله بخسمائة درهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>باب في الرسول يتوجه إلى الملك منذرا له بالحرب إن هو لم يؤمن</span>\nفي سيرة ابن إسحاق أنه ﵇ بعث عمرو بن العاص إلى الجلندى بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون والقصر كذا في فتح الباري اسم ملك عمان، يدعوه إلى الإسلام، ومحاورة عمرو بن العاص له طويلة، ساقها أصحاب السير، وفيها خطابا للملك: ما أعلم أحدا بقي غيرك، وإن لم تسلم اليوم يوطئك الخيل، وتبيد خضراؤك، فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك. قال الشيخ الطيب بن كيران في شرح الألفية: قلت في هذا قوة","vol":"1","page":184},{"text":"نفس عمرو إذ خاطبه بهذا الخطاب، وأنذره بالحرب والهلاك في محل ملكه، بحضرة أعوانه مع أنه واقف بين يديه، لم يتمكن من الجلوس. وانظر قصته في الشرح المذكور وغيره.\nوفي طبقات ابن سعد؛ أنه ﵇ كتب إلى يحنة بن رؤبة وسروات أهل أيلة:\nإن أردتم أن يأمن البر والبحر فأطع الله ورسوله، وإنك إن رددتهم يعني رسله ولم ترضهم، لا آخذ منكم شيئا حتى أقاتلكم فأسبي الصغير وأقتل الكبير فإني رسول الله بالحق لخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>باب في الترجمان الذي كان يترجم لرسول الله ﷺ ذكر من كان يترجم له باللسان العجمي</span>\n«في العمدة للتلمساني: زيد بن ثابت الأنصاري النجاري، كان يكتب للملوك، ويجيب بحضرة النبي ﷺ، وكان ترجمانه بالفارسية والرومية، والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن وذكر ابن هشام في البهجة نحوه.\nونحوه في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب لابن عبد السلام في ترجمة زيد، وفي آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس: لسمينا «١» أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي، أن بعض الصحابة كزيد بن ثابت، قد كان تعلم اللسان العجمي والرومي والحبشي وعيرها من الألسنة، كما صرح به في الإعلام بسيرة النبي ﵊ وغيره من كتب الإعلام اهـ.\nوفي ص ١٤٤ من الجزء الثاني من العقد الفريد لابن عبد ربه وقيل: إنه أي زيدا تعلم الفارسية من رسول كسرى، والرومية من حاجب النبي ﷺ، والحبشية من خادم النبي ﷺ، والقبطية من خادمته ﵇ اهـ منه.\nوفي صحيح البخاري لدى باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد من كتاب الأحكام؟ وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت، إن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود. [انظر كتاب الأحكام باب ٣٩ ج ٨/ ١٢٠] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>ذكر من كان يترجم له ﷺ بالكتاب كتاب السريانية</span>\n«في الإستيعاب: كانت ترد على رسول الله ﷺ كتب بالسريانية، فأمر زيد بن ثابت بتعلمها، فتعلمها في بضعة عشر يوما. وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت قال لي رسول الله ﷺ: أتحسن السريانية، إنه تأتيني كتب؟ قال: قلت: لا. قال: فتعلمها. قال:\nفتعلمتها في سبعة عشر يوما.\n_________\n(١) ولو قال: ابن عمنا لكان صادقا؛ فهو حسني النسب أيضا ولكنه من أهل الهند.","vol":"1","page":185},{"text":"وفي الأحكام الصغرى: ذكر أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن زيد بن ثابت قال:\nقال رسول الله ﷺ: إنّه تأتيني كتب من أناس لا أحب أن يقرأهن كل واحد «١» فهل تستطيع أن تتعلم السريانية! قال: قلت نعم. فتعلمتها في سبعة عشر يوما» .\nوفي بهجة المحافل لابن عبد البر: أنه تعلمها في ثمانية عشر يوما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>كتاب اليهود</span>\n«في صحيح البخاري في شواهده، والتاريخ، والنص له عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ قال له «٢»: تعلم كتاب اليهود، فإني ما آمن يهوديا على كتابة، فتعلمته في نصف شهر، حتى كتبت له إلى يهود، وأقرأته إذا كتبوا إليه، وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت أنه قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم كتاب يهود، فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمت، وقال لي رسول الله ﷺ: والله ما آمن يهوديا على كتابي، ولما تعلمت كنت أكتب إلى يهود إذا كتب إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتبهم» .\nخرّجه البخاري معلقا في باب ترجمة الحكام. وهل يجوز ترجمان واحد! من كتاب الأحكام ولفظه: وقال خارجة بن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا له، قال الحافظ في الفتح: وصله مطولا في كتاب التاريخ، ثم ساق وصله من طرق.\nوبوّب عليه الترمذي في كتاب الأدب من جامعه فقال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>باب في تعليم السريانية</span>\nحدثنا علي بن حجر، أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود، وقال:\nإني والله لا آمن يهود على كتابي. قال فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمت كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتبهم، وقال حديث حسن صحيح. قال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن زيد بن ثابت، وقد رواه الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم السريانية.\nوأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: كان زيد بن ثابت يتعلم مدراس ماسكة فتعلم كتبهم في خمس عشرة ليلة، حتى كان يعلم ما حرفوا وبدلوا.\n_________\n(١) في التخريج للخزاعي: وردت: لا أحب أن يقرأها كل أحد. ص ٢١٩.\n(٢) وفي كتاب التخريج للخزاعي ص ٢١٩ ورد هذا النص كما يلي: «تعلم كتاب يهود، فإني ما آمن يهود على كتابي فتعلمت في نصف شهر حتى كتبت إلى يهود واقرأ له إذا كتبوا إليه» . وعزاه لتاريخ البخاري.","vol":"1","page":186},{"text":"وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله ﷺ: إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تتعلم كتاب العبرانية؟ أو قال السريانية فقلت نعم فتعلمتها في ١٧ يوما. وأخرج أبو يعلى وابن أبي داود في المصاحف وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال قال لي النبي ﷺ أتحسن السريانية؟ فإنها تأتيني كتب قلت لا قال: فتعلمها فتعلمتها في سبعة عشر يوما. وأخرج الإمام أحمد عن زيد بن ثابت رفعه: يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهوديا على كتابي، وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت رفعه: إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا أو ينقصوا فتعلم السريانية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>أقول وبهذا يعلم حكم تعلم اللغات الأجنبية</span>.\nوفي الجزء الثالث من صبح الأعشى: ينبغي للكاتب أن يتعلم لغة من يحتاج إلى مخاطبته، أو مكاتبته من اللغات غير العربية، فكذلك ينبغي أن يتعلم من الخطوط غير العربية، ما يحتاج إليه من ذلك فقد قال محمد بن عمر المدائني في كتاب القلم والدواة: إنه يجب عليه أن يتعلم الهندية وغيرها من الخطوط العجمية، ويؤيد ذلك ما تقدم في الكلام على اللغة أن النبي ﷺ، أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود من السريانية، أو العبرانية، وكان يقرأ على النبي ﷺ كتبهم ويجيبهم عنه اهـ.\nوقد استفسر ابن رشد ما جاء عن مالك وعن سيدنا عمر من ذم تعاطي لغة الأعاجم.\nفتبين من كلامه في كتاب البيان والتحصيل أن الذي كره مالك من تعلم خط العجم ولسانهم هو ما لا يكون في تعلمه منفعة، وأما ما فيه منفعة كتعلمه لترجمة ما يحتاجه الإمام كما تعلمه زيد بأمر النبي ﷺ، أو لما يحتاج إليه القاضي للفصل بين الخصوم، وإثبات الحقوق، أو العاشر الذي يعشر أهل الذمة وتجار الحربيين، لطلب ما يعشر عندهم لبيت المال، أو لما يحتاج إليه من فكاك أسير، وما أشبه ذلك مما تدعو إليه الضرورة فغير مكروه.\nوقال ابن يونس حين تكلم على قول المدونة ونهي عمر عن رطانة الأعاجم أي تكلمهم بلسانهم فقيل: معنى النهي عن ذلك أنها يتكلمون بها في المساجد، وقيل: معنى النهي أنهم إذا تكلموا بها بحضرة من لا يفهمها، فيكون من تناجي الإثنين دون واحد. وقد كره ذلك. قال الشيخ أبو الحسن عليها «١»: والتاويل الآخر أسدّ. وأما الأول فلماذا كرهه هل لأنها من اللغو الذي تنزه المساجد عنه؟ اهـ وكأنه توقف في ذلك وقال في التوضيح:\nإنما كرهها في المساجد لأن مالكا كره أن يتكلم في المساجد بألسنة العجم وإليه ذهب ابن يونس اهـ.\nوفي المدخل لابن الحاج: قد كره مالك ما هو أخف من هذا يعني الأكل في\n_________\n(١) في المتن نقص والله أعلم.","vol":"1","page":187},{"text":"المسجد، وهو التكلم بغير لسان العرب سيما لمن يحسن العربية اهـ انظر المجاجي على مختصر بن أبي جمرة لدى الحديث الثالث.\nقلت: فظهر أن نهي عمر وكراهة مالك التكلم برطانة العجم لمن في المسجد لا في غيره، أو حتى في غيره بالنسبة لمن لم تدعه لها ضرورة، أو كان تعليمه اللغة الأجنبية مع ازدرائه للغته وآدابها وعلومها، هذا مع اعترافنا اليوم بأن لغات العجم صارت اليوم مفتاح العلوم الكونية، التي أصبحت ضرورية لمجارات العجم والترقي بين الأمم وصارت أيضا مفتاحا للتعارف الذي أصبح ضروريا للعيش وأمن الإنسان على حقوقه حين الإختلاط، وللشيخ صفي الدين الحلي وهو ممن كان يحفظ عدة لغات:\nبقدر لغات المرء يكثر نفعه ... وتلك له عند الملمات أعوان\nفبادر إلى حفظ اللغات مسارعا ... فكل لسان في الحقيقة إنسان\nنسبهما له صاحب الجوهر المحسوس في ترجمة شارح القاموس.\nومن أغرب ما يذكر في هذا الباب، ما وجدته في طبقات ابن سعد من أن جفنة النصراني أحد المشاركين لغلام المغيرة في قتل سيدنا عمر، كان ظئرا لسعد بن أبي وقاص، وكان يعلم الكتاب بالمدينة انظر ص ٢٥٨ من الجزء الثالث. فربما يقال كان يعلم في الكتاب لغة أجنبية أما العربية مثلا أو القرآن فمن المحال أن يحتاجوا في تعلمها إذ ذاك لنصراني فليتأمل، ومن أحسن ما يذكر في هذا الباب ما رأيته في تفسير الشيخ محمد نووي الجاوي المكي المسمى مراح لبيد في كشف معنى قرآن مجيد على قوله تعالى: عن يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] قال عليم بوجوه التصرف في الأموال، وبجميع ألسن الغرباء الذين يأتوني اهـ منه ص ٤٠٣.\nوقد ترجم البخاري في الصحيح «١» باب من تكلم بالفارسية والرطانة قال: في الفجر الساطع أي الكلام الغير العربي، فهو من عطف الأعم أي جواز ذلك عند الحاجة إليه كما دلت عليه الآيتان، وأشار إلى ضعف ما ورد من الأحاديث في كراهة الكلام بالفارسية، ووجه إدخال هذه الترجمة في الجهاد أن ذلك يحتاج إليه المسلمون مع رسل العجم وأمرائهم اهـ.\nومن أغرب ما يتعين ذكره في هذا الباب ما قرأته في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي حين تكلم على موالي عبد الله بن الزبير قال: قال هشام كان له مائة غلام كل غلام يتكلم بلغة، وكان ابن الزبير يكلم كل أحد بلغته اهـ وفي ص ٨٣ من تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي عزو ما ذكر لابن عساكر عن عمر بن قيس انظره فهذا أعجب ما سمعت في معرفة اللغات وتعدادها عن الصحابة وتابعيهم.\n_________\n(١) انظر كتاب الجهاد باب ١٨٨ ج ٤/ ٣٦.","vol":"1","page":188},{"text":"وقد جاء أنه كان لوالد ابن الزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فلا يستغرب مثل هذا القدر عن ابنه لأنه لا أجل من بيتهم في الإسلام بعد الهاشميين وراجع تأليف ابن خالنا العلامة المحدث أبي عبد الله «١» بن جعفر الكتاني نزيل دمشق الآن المسمى بالمطالب العزيزة الوافية في تكلمه ﵇ بغير اللغة العربية. ورسالة الشرنبلالي الحنفي المسماة، بالنفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية. ورسالة العلامة أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس. وانظر أيضا فتح الباري في كتاب الجهاد على قول البخاري باب من تكلم بالفارسية ونصه: كأنه أشار إلى أن النبي ﷺ كان يعرف الألسنة، لأنه أرسل إلى الأمم كلها، على اختلاف ألسنتهم، فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته، فاقتضى أن يعرف ألسنتهم، ليفهم عنهم ويفهموا عنه، ويحتمل أن يقال: لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة، لإمكان الترجمان الموثوق به عندهم اهـ وانظر أيضا إتحاف نجباء العصر بالجواب عن المسائل العشر. لخالنا العلامة ﵀ «١» .\n(تكملة) في انموذج اللبيب من خصائص المصطفى ﵇، أن القرآن نزل بكل لغة، عدّ هذا ابن النقيب. وقال السيوطي أيضا في الإتقان: قال أبو بكر الواسطي في الإرشاد: في القرآن من اللغات خمسون لغة منها لغة قريش وهذيل، وكنانة، وخثعم، والخزرج، ومذحج، وخزاعة، وغطفان، ومزينة، وثقيف، وهوازن، وأشعر ونمير وقيس، وعيلان، وجرهم وأيمن، وأزدشنوءة، وكندة، وتميم، وحمير، ومدين، ولخم، وسعد العشيرة، وحضرموت، وسدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، وسبأ، وعمان، وبني حنيفة، وتغلب، وطيء، وعامر بن صعصعة، وأوس، وجذام، وعروة والنّمر، واليمامة.\nومن غير العربية: الفرس، والروم، والقبط، والحبشة، والبربر، والسريانية، والعبرانية، والقبط اهـ.\nوفي مكتبتنا رسالة للحافظ السيوطي سماها: المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب رتبها على حروف المعجم، وهي في نحو كراسة، ورسالة له أخرى في الباب. وفي شرح الانموذج للروضي؛ فائدة. استنبط العلماء من هذه الآية وهي قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ: ٢٨] وقوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] أنه ﵇ كان يعرف جميع اللغات، انظر شرح البلقيني لمجلس الشيخ الشوني رحمهما الله اهـ وفي شرح الشفا للخفاجي أنه ﷺ علمه الله جميع اللغات قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] وهو ﷺ مرسل للجميع اهـ. انظر ص ٤٨٠ من الجزء الأول.\n_________\n(١) هو السيد الجليل محمد بن جعفر الكتاني جد الأسرة الكتانية فرع دمشق، وهو صاحب الرسالة المستطرفة فيمن خدم السنة المشرفة ﵀.","vol":"1","page":189},{"text":"وفي فصل: إحتياج الكاتب إلى معرفة اللغات العجمية، من صبح الأعشى ص ١٦٥ نقلا عن محمد بن عمر المدائني قيل: إنه ﷺ، كان يفهم اللغات كلها، وإن كان عربيا لأن الله بعثه إلى الناس كافة، ولم يكن الله بالذي يبعث نبيا إلى قوم لا يفهم عنهم، ولذلك كلم سلمان بالفارسية، وساق بسنده إلى عكرمة، قال: سئل ابن عباس: هل تكلم رسول الله ﷺ بالفارسية؟ قال: نعم. دخل عليه سلمان فقال درسته وسادته، قال محمد بن إميل أظنه مرحبا وأهلا «١» . وحسّنه، فيكون النبي ﷺ إنما أمر زيدا أن يتعلم كتابة السريانية، أو العبرانية لتحريم الكتابة عليه، لا أنه أمره بتعلم لغتهم.\nوفي رحلة الحافظ ابن عبد السلام الناصري الكبرى في ترجمة شيخه: الإمام محمد بن محمد النجاري النابلسي الأثري: أنه ذاكره في كونه ﵇ هل تكلم بالفارسية، وأن صاحب القاموس أنكر ذلك في سفر السعادة فقال: الصواب ثبوت كلامه ﷺ بالفارسية، وأوقفني على كراسين له، في الرد على صاحب القاموس. أملاه في سفره هذا لما سئل عنه اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>باب في الشاعر وفيه فصول فصل في ذكر شعراء النبي ﷺ</span>\n«في الإستيعاب قال ابن سيرين: كان شعراء المسلمين حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وأما شعراء المشركين فعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث، قال أبو عمر بن عبد البر: قيل: لعلي بن أبي طالب أهج عنا القوم الذين يهجوننا، فقال إن أذن لي النبي ﷺ فعلت، فقالوا: يا رسول الله إيذن له فقال رسول الله ﷺ: إن عليا ليس عنده ما يراد في ذلك منه، أو ليس في ذلك هنالك، ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله ﷺ بسلاحهم أن ينصرونه بألسنتهم؟ قال ابن سيرين: وانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار: حسان، وكعب، وعبد الله بن رواحة، فكان حسان وكعب يعرضان بهم في الوقائع الأيام والماثر، ويذكران مثالبهم. وكان عبد الله بن رواحة يعيّرهم بعبادة ما لا ينفع، فكان قوله أهون عليهم يومئذ. وكان قول حسان وكعب أشدّ القول عليهم، فلما أسلموا وفقهوا كان أشدّ القول عليهم قول عبد الله بن رواحة» .\nقلت: في ترجمة حسان من الإصابة: قال أبو عبيدة فضّل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاثة: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ، في أيام النبوة. وشاعر اليمن كلها في الإسلام.\nوفي الشرح الجلي للشهاب البربير: الصحابة كانوا معدن الشعر ومنبعه، وكان\n_________\n(١) إن صح سند هذا الحديث فليس المعنى ما ذكر وربما كان النقل محرفا. مصححه.","vol":"1","page":190},{"text":"أشعرهم الخلفاء الأربعة، وكان أشعر الخلفاء الصديق وقد رأيت شيخ مشايخنا السيد مصطفى البكري الصديقي، جمع لجده الصديق من كلامه ديوانا تعجز عن تقريظه أفواه المحابر، والسنة الأقلام رتبه على حروف المعجم، وكان ابنته عائشة أشعر من الخنساء، وكانت تروي من كلام الشعراء ما لا يحفظه الرجال، فضلا عن النساء. ولا يخفى أن من شعراء الصحابة حسان بن ثابت، الذي كان إذا مد لسانه بلغ انفه وكان يحلف بالله أنه لو أمره على شعر [لحلقه] . أو على صخر لخرقه، ومنهم النابغة الجعدي، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، والزبرقان، والعباس بن مرداس، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن رواحة، وضرار بن الخطاب، والعباس عمه ﵇، وابنه عبد الله بن عباس، ولبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبوه أبو سفيان، والمغيرة بن شعبة وغيرهم.\nوكان يحث حسان على إنشاء الشعر وهجو المشركين ويقول: إنه أنكى [بهم] من وقع الحسام، وكان يستنشد أصحابه الأشعار. وثبت أنه ﷺ حقن بالشعر دم كعب بن زهير بعد الإهدار، وأنه أجاز حسان بسيرين القبطية جاريته اهـ.\nقلت: الشعراء من الصحابة الذين مدحوه ﷺ، بين رجال ونساء جمعهم الحافظ فتح الدين محمد بن محمد الأندلسي، المعروف بابن سيد الناس، المتوفى عام ٧٣٤ في قصيدة ميمية ثم شرحها في مجلد سماه منح المدح أو فتح المدح، ورتبهم على حروف المعجم قارب بهم المائتين «١»، ولعصرينا الأديب أبي الحسن علي بن شاكر الموستاري، المعروف بجابي زاده نزيل الآستانة «٢» كتاب نفيس سماه: حسن الصحابة في شرح أشعار الصحابة، طبع الجزء الأول منه في ص ٣٦٢ رتبه على القوافي يترجم الصحابي ويذكر أشعاره في التوحيد، والثناء على الله، ومدح المصطفى ﵇، وبيان معجزاته ونحو ذلك أثبت فيه لأكثر من مائتي صحابي، ما بين بيت مفرد وقصيد. ثم شرح مفردات الجميع.\nوأما ما مدح به ﵇ من شعراء أمته بعد الصحابة فشيء يجل عن الحصر، ولو جمع له الناس في كل بلد أو مصر، إذ قلّ أن يجمع مسلم ديوانا إلا وصدّره أو كل حرف منه بالإمداح النبوية، وفي الرحلة العياشية أن صاحبها وقف في مكة على السفر السابع من كتاب منتهي السول في مدح الرسول، كتب سنة ٦٧٣ قال أبو سالم: هذا التأليف لم يقصد به جامعة جمع كلامه أو كلام مخصوص، بل ما انتهى إليه علمه من الإمداح النبوية، وما شاكلها والله أعلم كم بقي لتمام الكتاب اهـ وفي عصرنا هذا جمع صديقنا نادرة العصر وحسّانه الشيخ أبو المحاسن [يوسف بن إسماعيل] النبهاني الشامي مجموعة في الامداح\n_________\n(١) طبع الكتاب بعد تحقيقه من قبل: عفت وصال حمزة وصدر عن دار الفكر بدمشق ١٩٨٧.\n(٢) الآستانة هو اسم من الأسماء التي تطلق على استنابول عاصمة الدولة العثمانية كما يطلق عليها دار السعادة واسمها قبل الإسلام: القسطنطينية.","vol":"1","page":191},{"text":"النبوية رتبها على حروف المعجم، وقد طبعت في أربع مجلدات، وهي على كل حال قلّ من كثر ونقطة من بحر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>باب في استنشاده ﷺ شعر الهالكين في غير موضع</span>\nخرّج مسلم «١» والبخاري في الأدب المفرد عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال:\nاستنشدني النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشدته مائة قافية أو بيت. وفي مسلم أيضا من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه؛ ردفت النبي ﷺ يوما فقال: هل معك من شعر أمية؟ قلت: نعم. قال: هيه فأنشدته بيتا. قال: هيه، فأنشدته بيتا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: إن كاد ليسلم «٢» . قال القرطبي فيه دليل على حفظ الأشعار والإعنتاء بها إذا تضمنت حكما ومعاني مستحسنة شرعا وطبعا.\nقلت: استنشاده ﵇ شعر الكفار يؤخذ مما سبق، لأن أمية بن أبي الصلت هو الذي قال فيه المصطفى: آمن شعره وكفر قلبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>سماعه ﵇ الشعر المتضمن التشبيب والغزل</span>\nكتشبيه الريق بالراح، وغير ذلك من أنواع التشبيبات.\nقصة إنشاد كعب بن زهير للنبي ﷺ قصيدته: بانت سعاد. مشهورة فحقن ﷺ دمه بها بعد الإهدار، وأجازه بعد بمائة من الإبل. ومنّ عليه ببردته، وقد اشترى تلك البردة منه معاوية بثلاثين ألف درهم وكانت عنده من أجلّ ملكه وأعظم، وكانت أمراء بني أمية يتبركون بلبسها في الأعياد والمواسم، ويعدّونها أفخر لباس حتى وصلت مع الدولة لبني العباس، وكان للأمة الإسلامية كبير إعتناء بهذه القصيدة اللامية البديعة؛ حفظا واستنشادا وشرحا ومعارضة.\nقال الشيخ الأديب أبو جعفر البصير الألبيري الأندلسي لما ذكر الكعبية هذه: وهذه القصيدة لها الشرف الراسخ، والحكم الذي لم يوجد له ناسخ، أنشدها كعب في مسجده ﵇ بحضرته، وحضرة أصحابه وتوسل بها، فوصل إلى العفو عن عقابة، فسدّ ﷺ خلّته، وخلع عليه حلّته، وكفّ عنه كفّ من أراده، وأبلغه في نفسه وأهله مراده، وذلك بعد إهدار دمه، وما سبق من هذر كلمه محت حسناتها تلك الذنوب، وسترت محاسنها وجه تلك العيوب، ولولاها لمنع المدح والغزل، وقطع من أخذ الجوائز على الشعراء الأمل، فهي حجة الشعراء فيما سلكوه، وملاك أمرهم فيما ملكوه، حدثني بعض شيوخنا بالإسكندرية، أن بعض العلماء كان لا يفتتح مجلسه إلا بقصيدة كعب. فقيل له في ذلك.\n_________\n(١) انظر أول كتاب الشعر في صحيح مسلم ص ١٧٦٧/ ٢.\n(٢) أخرجه مسلم في أول كتاب الشعر ج ٢ ص ١٧٦٧.","vol":"1","page":192},{"text":"فقال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم، قلت: يا رسول الله قصيدة كعب أنشدها بين يديك؟\nفقال: نعم. أنا أحبها وأحب من يحبها. قال: فعاهدت الله أن لا أخلو من قراءتها كل يوم ولم تزل الشعراء من ذلك الوقت إلى الآن، ينسجون على منوالها، ويقتدون بأقوالها، تبركا بمن أنشدت بين يديه، ونسب مدحها إليه.\nولما صنع القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، قصيدة في مدح النبي ﷺ على وزن بانت سعاد قال:\nلقد قال كعب في النبي قصيدة ... وقلنا: عسى في مدحه نتشارك\nفإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة كعب فهو كعب مبارك\nاهـ بواسطة نفح الطيب للمقري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الشعراء من الصحابة والصحابيات الذين رثوه ﵇ بعد موته</span>\nأثبت الحافظ العزفي في آخر مولده عدّة مراثي للصحابة فيه ﵇ بعد موته، منهم أبو بكر وعمر وعلي وصفية بنت عبد المطلب، وأم حكيم بنت عبد المطلب، وهند بنت المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وحسان، وكعب بن مالك، وأبو الهيثم بن التيهان، وعبد الله بن أنيس، وعمرو بن سالم الخزاعي، والزبرقان بن بدر، وعبد الله بن مالك الأرحبي، وابن ذي مدان من سادات همدان، وعبد الله بن سلمة الهمداني، وسواد بن قارب الدوسي، وعبد الحارث بن أنس بن الريان، وغيرهم وذلك مقدار كراسة من المولد المذكور، وقد عقد الحافظ الشامي في السبل أبوابا منها قوله: جماع أبواب سيرته ﵇ في الشعر، الباب الأول في مدحه ﷺ حسن الشعر، وذمه لقبيحه، وتنفيره من الإكثار منه. الباب الثاني: في استماعه ﷺ لشعر بعض أصحابه في المسجد وخارجه. الباب الثالث في أمره ﵇ بعض أصحابه بهجاء المشركين. الباب الرابع فيما تمثل به رسول الله ﷺ من الشعر. الباب الخامس فيما طلب استنشاده من غيره فانظرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>باب تكرمه ﵇ بأعظم سبي سبي له بسبب أبيات شعرية قدمت له ﵇</span>\nهذه القصة غريبة في بابها، عزيز إسنادها، افتتن المحدثون وتهافتوا على روايته، لأنه أعلى ما حصل للمتأخرين؛ كالحافظين السيوطي، والسخاوي، وأمثالهما، ممن أدرك المائة العاشرة وروياه عشاريا بينهم وبين النبي ﷺ فيه عشرة وسائط. قال السخاوي في فتح المغيث: تقع لي العشاريات بالسند المتماسك، من المعجم الصغير للطبراني وغيره، ولا يكون في الدنيا أقل من هذا العدد اهـ.\nوقال السيوطي في التدريب: أعلى ما يقع لنا ولأضرابنا في هذا الزمان من الأحاديث","vol":"1","page":193},{"text":"الصحاح، المتصلة بالسماع، ما بيننا وبين النبي ﷺ فيه اثنا عشر رجلا، وبالإجازة في الطريق أحد عشر، وذلك كثير، وبضعف يسير غير واه عشرة. ولم يقع لنا بذلك إلا أحاديث قليلة جدا في معجم الطبراني الصغير اهـ.\nقلت: حبب إلي أن أسوقها هنا بأعلى ما حصل لنا ولأقراننا في قرننا هذا الرابع عشر، وذلك ما أخبرنا به مسند الدنيا، البدر عبد الله بن درويش بن إبراهيم السكري الدمشقي بها عام ١٣٢٤ قال: أخبرنا مسند الدنيا الوجيه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، أنا المعمر مصطفى الرحمتي الدمشقي، عن العارف عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الصالحي، عن نجم الدين محمد بن محمد الغزي عن أبيه البدر محمد بن محمد الغزي العامري الدمشقي، أنا الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي قال: أنا مسند الدنيا محمد بن مقبل الحلبي إجازة مكاتبة عام ٨٦٩ عن محمد بن إبراهيم بن أبي عمر المقدسي، وهو آخر من حدث عنه بالإجازة، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن البخاري، وهو آخر من حدث عنه، عن أبي القاسم الصيدلاني وهو آخر من حديث عنه، أتنا أم إبراهيم بنت عبد الله، وأبو الفضل الثقفي سماعا، عليهما قالا، أنا أبو بكر بن ربدة، أنا أبو القاسم الطبراني، ثنا بن عبد الله بن رما حسن عام ٢٧٤، ثنا أبو عمرو زياد بن طارق، وكان قد أتت عليه مائة وعشرون سنة قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم هوازن ذهب يفرق السبي فأتيته، فقلت:\nأمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر\nأمنن على بيضة قد عاقها قدر ... مشتت شملها في دهرها غير\nأبقت لنا الدهر هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر\nإن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس علما حين يختبر\nأمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر\nلا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنّا معشر زهر\nإنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر\nفألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك، إنّ العفو مشتهر\nيا خير من مرحت كمت الجيادبه ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر\nإنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية إذ تعفو وتنتصر\nفاعف عفا الله عما أنت واهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر\nقال فلما سممع النبي ﷺ هذا الشعر قال: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم «١»، وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ورسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام ج ٢/ ٤٨٨ حول إعادة السبي والأموال إلى هوازن.","vol":"1","page":194},{"text":"ورسوله، قال السيوطي في التدريب: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، عشاري أخرجه أبو سعيد الأعرابي في معجمه عن ابن رمّاحسن وابن قار عن عبيد الله بن علي الخواص، عن ابن رماحسن وله شاهد من رواية ابن إسحاق في المغازي، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة من حديث زهير، واستشهد له بحديث عمرو بن شعيب فهو عنده على شرط الحسن، ثم أتى السيوطي بكلام الذهبي وابن عبد البر، واقتصر عليه كما اقتصر عليه قبله شيخ شيوخه الحافظ العراقي في كتابه الأربعين العشاريات الإسناد، وغفلوا جميعا عن طرقه التي جمعها له سيد الحفاظ ابن حجر في لسان الميزان. انظر ترجمة عبد الله بن رماحسن منه ص ٩٦ من الجزء الرابع تر عجبا، وقد انفصل على كون الحديث حسن الإسناد، وفي فتح الباري له: هو حديث حسن وقد وهم من زعم أنه منقطع. وفي الإصابة أيضا وهّن ابن عبد البر إسناده من غير قادح، وقد أوضحته في لسان الميزان في ترجمة زياد بن طارق. وانظر غنيمة الواجد لأبي زيد الثعالبي. وكان عدد السبي الذي رده ﵇ على هوازن، لما استشفعوا له بهذه الأبيات، كما في المنح المكية للشهاب ابن حجر: من النساء والذراري ٦٠٠٠ رأس، والإبل ٢٤٠٠، والغنم ٤٠٠٠٠، و٤٠٠٠ أوقية فضة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>باب في ذكر الخطيب في غير الصلوات ذكر من كان خطيب رسول الله ﷺ</span>\n«في الجمهرة [ص ٣٦٤] لابن حزم: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي ﷺ، وفي الاستيعاب: كان ثابت خطيب النبي ﷺ، وخطيب الأنصار، كما يقال لحسان بن ثابت: شاعر رسول الله ﷺ» .\nقلت: ألف أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية كتاب: طبقات الخطباء ذكر ذلك الحافظ في ترجمة سحبان من الإصابة. وفي ترجمة أبي بكر الصديق من تاريخ الخلفاء عن ابن كثير: وكان أي أبو بكر من أفصح الناس وأخطبهم. قال الزبير بن بكار: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>هل خطب ﵇ أو خطب الصحابة بغير اللغة العربية</span>\nوقال عالم الهند أبو الحسنات اللكنوي في رسالته «آكام النفائس» . النبي ﷺ وأصحابه خطبوا دائما باللغة العربية، ولم ينقل عن أحد منهم أنهم خطبوا خطبة ولو غير الجمعة بغير العربية، وكان يحضر في مجالس الخطب النبوية رجال من الفرس، والروم والحبش، والعجم، لم يبدل النبي ﷺ خطبته أبدا ولا علمه أحد، ومن المعلوم أن منهم من لم يكن يفهم لسان العرب مطلقا، ومنهم من لا يقدر على فهم الكثير منه، وإن فهم قدرا. ولا يتوهم أنه لم يكن النبي ﷺ يعلم اللغة العجمية وغيرها من اللغات العربية، ولو كان علمها","vol":"1","page":195},{"text":"لخطب بها، لأنا نقول بعد تسليم ذلك: أن بعض الصحابة كزيد قد كان يعلم اللسان العجمي، والرومي، والحبشي، وغيرها من الألسنة فلم لم يأمره النبي ﷺ بأن يخطبهم ويعظهم بألسنتهم.\nوبالجملة فالاحتياج إلى الخطبة بغير العربية لتفهيم أصحاب العجمية كان موجودا في القرون الثلاثة، ومع ذلك فلم يرد أحد من أحد في تلك الأزمنة «١» اهـ منه ص ٣٣ طبعة سنة ١٣٠٣ الهندية.\nوفي غاية المقصود على سنن أبي داود: لا بد للخطيب أن يقرأ القرآن ويعظ به في خطبته، فإن كان السامعون عجما يترجم بلسانهم، فإن أثر التذكير والوعظ في غير بلاد العرب لا يحصل ولا يفيد إلا بالترجمة بلسانهم، وقد قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] قال في جامع البيان: أي يبين لهم ما أمروا به فيفهموه بلا كلفة، ورسول الله ﷺ بعث إلى الأحمر والأسود، لكن الأولى أن يكون بلغة من هو منهم حتى يفهموه ثم ينقلوه ويترجموه اهـ.\nفلا بد للخطيب أن يفهم معاني القرآن بعد قراءته، ويذكر السامعين بلسانهم، وإلا فيفوت مقصود الخطبة، هكذا قاله شيخنا نذير حسين المحدث الدهلوي اهـ مختصرا.\nقلت: سيأتي أن الدولة الموحدية كان خطباؤها في جامع القرويين بفاس وغيرها، يخطبون باللسان البربري والله أعلم.\nفوائد: الأولى: في طبقات الحنفية، للحافظ قاسم بن قطلوبغا، لدى ترجمة جعفر بن محمد بن المعز بن المستغفر النسفي المستغفري، المولود سنة خمسين وأربعمائة، أن من مصنفاته كتاب: خطب النبي ﷺ انظر ص ١٠.\nالثانية: خطبه ﵇ كانت عارية عن السجع وهي الأصل الأصيل، واقتفى آثارها الخلفاء الراشدون، وأكثر السلف وإنما التزمت الإسجاع في هذه الأزمان التي كثر تكلفاتها، وضلت من الخير والرشاد صفاتها، قاله أبو عبد الله بن الطيب الشرقي في حواشيه على القاموس.\nالفائدة الثالثة: حضر ﵇ خطبة قس بن ساعدة الايادي «٢»، قبل النبوة وقال: كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أحمر الحديث. قال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: إن له ولقومه بذلك فضيلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول\n_________\n(١) كذا في الأصل، ولعل في الكلام نقصا أو خطأ مطبعيا وإصلاحه: لم يرو أحد عن أحد في تلك الأزمنة أنه خطب بغير العربية. والله أعلم.\n(٢) راجع حول قس بن ساعدة ما كتبه السيد محمود الآلوسي في كتابه: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب ج ٢/ ٢٤٤.","vol":"1","page":196},{"text":"الله ﷺ روى كلامه وموقفه على جمله بعكاظ، وموعظته وعجب من حسن كلامه، وأظهر تصويبه فهذا أشرف تعظيم، تعجز عنه الأماني وتنقطع دون الآمال. وإنما وفق الله ذلك لقس لاحتجاجه للتوحيد، وإظهاره الإخلاص وإيمانه بالبعث، ومن ثم كان قس خطيب العرب قاطبة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>باب في كتاب الجيش وفيه فصول</span>\nفصل: في أمر النبي ﷺ بكتب الناس، وثبوت العمل بذلك في عصره ﷺ.\n«في صحيح البخاري «١» بسنده عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: أكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس، فكتبت له ألفا وخمسمائة رجل، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال ارجع فحجّ مع امرأتك، وهو في الصحيح أيضا بلفظ إني كتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة» [قال فانطلق فحج مع امرأتك. كتاب الحج باب ٧٤ ج ١/ ٩٧٨] .\nقلت: قال الحافظ في الفتح على ترجمة باب كتابة الإمام الناس، أي من المقاتلة وغيرهم، والمراد ما هو أعم من كتابته هو نفسه أو بأمره، ثم قال: وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش. وقال على قول الرجل: إني كتبت في كذا مشعر بأنه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي اهـ.\nقال التقي المقريزي في الخطط: إعلم أن كتابة الديوان على ثلاثة أقسام: كتابة الجيوش، وكتابة الإنشاء والمكاتبات، ولا بدّ لكل دولة من استعمال هذه الأقسام الثلاثة، وقد أفرد العلماء في كتابة الخراج، وكتابة الإنشاء عدة مصنفات، ولم أر أحدا جمع شيئا في كتابة الجيوش والعساكر، وكانت كتابة الديوان في صدر الإسلام أن يجعل ما يكتب فيه صحفا مدرجة اهـ منها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>فصل في البيعة ومعناها المعاقدة والمعاهدة</span>\nوهي شبيهة بالبيع الحقيقي، قال ابن الأثير في النهاية: كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، ودخيلة أمره. والأصل في ذلك:\nأنه كان من عادة العرب أنه إذا تبايع اثنان صفق أحدهما بيده على صاحبه، وقد عظم الله شأن البيعة، وحذّر من نكثها فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ، فَسَيُؤْتِيهِ\n_________\n(١) كتاب الجهاد ح ٤/ ٣٤.","vol":"1","page":197},{"text":"أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ١٠] «١» وأمر بمبايعة المؤمنات في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة: ١٢] وبايع النبي ﷺ الصحابة بيعتين، قال المرجاني: ومعنى البيعة في عرف اللغة ومقصود الشرع: العهد على الطاعة، على أنهم يسلمون لربها النظر في أمور أنفسهم، لا ينازعونه في شيء من ذلك، ويطيعونه فيما يكلفهم به من الأمر، على المنشط والمكره شبهت حالهم في مصافحتهم بأيديهم، تأكيدا لعهدهم بفعل البائع والمشتري، وسميت بيعة. وعلى هذا النحو؛ كانت بيعة النبي ﷺ ليلة العقبة وعند الشجرة، وحيثما وردت هذه اللفظة.\nوقد ترجم البخاري: كيف يبايع الإمام الناس؛ والمراد الصيغ القولية لا الفعلية، فذكر فيها البيعة على السمع والطاعة، وعلى الهجرة، وعلى الجهاد، وعلى الصبر، وعلى عدم الفرار، ولو وقع الموت، وعلى بيعة النساء، وعلى الإسلام، وكل ذلك وقع عند البيعة بينهم فيه بالقول.\nوقال الحافظ بن الجوزي: جملة من أحصي من المبايعات له ﵇ من النساء أربعمائة وسبع وخمسون امرأة، لم يصافح على البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام اهـ.\nثم إنه ﵇ لم يكن يشترط في المبايعين البلوغ، فقد بايع النبي ﷺ عبد الله بن الزبير، وهو ابن سبع سنين. قال القرطبي: كانت مبايعته ﷺ لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر اهـ.\nوكان أول ما يشترط في البيعة بعد التوحيد إقامة الصلاة، ثم الزكاة، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمسّ.\nوفي الصحيح عن جابر «٢»: بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وإنما بايع جابرا على النصيحة لأنه كان سيد قومه، فأرشده إلى تعليمهم، والنصح لهم. وقد بوّب البخاري باب من بايع مرتين، وباب بيعة الاعراب، وباب بيعة الصغير، وباب من بايع ثم استقال البيعة، وباب من بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا، وباب بيعة النساء، وباب من نكث بيعته فانظره.\nوكان الخلفاء من بني أمية وبني العباس يؤكدون البيعة بالاستحلاف، واستيعاب أنحاء الإيمان، وربما كانت على الإكراه، ولما أفتى مالك بسقوط يمين المكره ناله من المحنة ما\n_________\n(١) قراءة نافع: فسنؤتيه. وأما قراءة حفص وغيره: فسيؤتيه. مصححه.\n(٢) رأيت في البخاري اسم جرير بن عبد الله البجلي مرتين: في كتاب الصلاة ج ١ ص ١٣٣ وفي كتاب الزكاة ج ٢ ص ١١٠. وفي مسلم كتاب الايمان باب ٢٣: عن جرير: ج ١/ ص ٧٥.","vol":"1","page":198},{"text":"ناله، ثم صارت البيعة كسروية من تقبيل الأرض، أو الرجل أو الذيل استغناء عن المصافحة، لما فيها من التنزل والابتذال المنافيين للرياسة، وصون الرتبة السلطانية إلا للخواص، وهي اليوم عبارة عن وضع المبايع خطه في صك يتضمن الاعتراف للمبايع بالسلطنة، وذلك فيمن يحسن الكتابة وإلا أشهد عليه في صك يبقى بيد المبايع، وفي فوائد الدرر قال القاضي أبو بكر: إن البيعة كانت في صدر الإسلام مقولة، وهي اليوم مكتوبة، إذ كان في ذلك العصر لا يكتب إلا القرآن، وقد اختلفت في السنة وكان ﵇ لا يكتب أصحابه ولا يجمع لهم ديوانا، إلا أنه يوما قال: اكتبوا من تلفظ بالإسلام، لأمر عرض له، وأما اليوم فيكتب إسلام الكفرة كما يكتب سائر معالم الدين والتوابع، لضرورة حفظها حين فسد الناس وخفت أمانتهم ومرج أمرهم الخ كلامه فانظره في الفوائد فإنه نفيس.\nوفي ترجمة سلمة بن الأكوع منها عن عبد الرحمن بن زيد العراقي قال: أتيت سلمة بن الأكوع فأخرج إلينا يده ضخمة كأنها خف البعير، قال: بايعت رسول الله ﷺ بيدي هذه فأخذنا يده فقبلناها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>فصل فيمن تولى ذلك على عهد رسول الله ﷺ</span>\n«متوليه في زمن رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان، كما سبق عند البخاري، وفي الاستيعاب: كان حذيفة من كبار الكتاب مع رسول الله ﷺ، وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله ﷺ» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>فصل في ثبوت العطاء في عهد رسول الله ﷺ</span>\n«خرّج أبو داود عن عوف بن مالك أن رسول الله ﷺ: كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى صاحب الأهل حظين، وأعطى الأعزب حظا فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين وكان لي أهل، ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا.\nوفي الموطأ أن أبا بكر كان إذا أعطى الناس أعطياتهم سأل الرجل: هل عندك من مال وجبت عليك. فيه الزكاة؟ فإن قال: نعم. أخذ من عطائه زكاة ذلك المال وإن قال: لا.\nأسلم إليه عطاءه ولم يأخذ منه شيئا» .\nوقال الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج: لم يكن في حياة رسول الله ﷺ مرتبة معينة للجنود الذين كانوا يتألفون من جميع أمراء المسلمين، وإنما كانوا يأخذون مالهم في أربعة أخماس ما يغنمون، وفيما يرد من خراج الأرض التي أبقيت في أيدي أهلها كأرض خيبر، ولما ولي أبو بكر أعطى الناس وسوّى بينهم في العطاء، قائلا: هذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة، فلما ولي عمر رأى في ذلك غير رأي أبي بكر، وقسم العطاء مفضلا الأسبق فالأسبق الخ كلامه. وفي ترجمة عمرو بن الفغواء؛ من طبقات ابن سعد عنه قال: دعاني رسول الله ﷺ، وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان، يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح، فقال: إلتمس صاحبا الخ القصة.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>فصل في وضع عمر الديوان والسبب في ذلك</span>\nالديوان: دفتر يكتب فيه أسماء أهل العطاء والعساكر، على القبائل والبطون. وفي النهاية: الديوان دفتر يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. ذكر أبو هلال العسكري في الأوائل، والماوردي في الأحكام السلطانية، أن أول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب ﵁. انظر صبح الأعشى ص ١٠٦ من الجزء الثالث عشر.\nوفي ترجمة عمر في تهذيب الأسماء للنووي: وكان عمر هو أول من دوّن الديوان للمسلمين، ورتب الناس على سابقتهم في العطاء، وفي الإذن، والإكرام، فكان أهل بدر أوّل الناس دخولا عليه، وكان علي بن أبي طالب أوّلهم. وأثبت أسماءهم في الديوان، على قربهم من رسول الله ﷺ، فبدأ ببني هاشم، وبني المطلب، ثم الأقرب فالأقرب اهـ.\nوفي ص ٤١٣ من ج ١ من صبح الأعشى أيضا ما نصه: هو- أي عمر- أول من رتّب بيت المال فيما ذكره العسكري، لكنه ذكر في موضع آخر؛ أن عمر كان على بيت المال من قبل أبي بكر، فيكون أبو بكر قد سبقه إلى ذلك اهـ.\nوفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء للسيوطي، في فصل أولياته ومنها: أنه أول من اتخذ بيت المال، أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة وغيره: أن أبا بكر كان له بيت مال بالسّنح ليس يحرسه أحد. فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل، فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ، فلما انتقل إلى المدينة حوّله فجعله في داره، فقدم عليه مال فكان يقسمه على فقراء الناس، فيسوي بين الناس في القسم. وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله، واشترى قطائف أتي بها من المدائن، ففرقها في أرامل المدينة، فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت أبي بكر، منهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، ففتحوا بيت المال، فلم يجدوا فيه شيئا، لا دينارا ولا درهما.\nوبهذا الأثر يرد قول العسكري في الأوائل: إن أول من اتخذ بيت المال عمر، وقد رددت عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل، ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر، من كتابه فقال: إن أول من ولي بيت المال أبو عبيدة بن الجراح لأبي بكر ص ٣١.\nويمكن الجمع بأن أبا بكر أوّل من اتخذ بيت المال، من غير إحصاء ولا تدوين، وعمر أوّل من دوّن مثلا.\n«وفي تاريخ الكامل لابن الأثير: وفي سنة ١٥ من الهجرة فرض عمر الفروض، ودوّن الدواوين، وأعطى العطايا. وفي الأحكام السلطانية للماوردي أقوال في السبب الذي حمل عمر على ذلك منها: أن أبا هريرة قدم إليه بمال من البحرين، فقال عمر: ماذا جئت به؟ قال خمسمائة ألف درهم. فاستكثره عمر وقال أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مائة ألف خمس مرات، فصعد عمر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم","vol":"1","page":200},{"text":"كلناه لكم كيلا، وإن شئتم عددناه لكم عدا. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدونون لهم ديوانا فدوّن أنت ديوانا، فاستشار عمر ﵁ الناس في تدوين الديوان، فقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا، حتى يعلم من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر، فقال خالد بن الوليد: قد كنت بالشام فرأيت ملوكا لهم دواوين، وجندوا أجنادا فدوّن ديوانا وجنّد جنودا. فأخذ عمر بقوله، ودعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وكانوا من شبّان قريش فقال: اكتبوا الناس على منازلهم» .\nوفي وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص ٣٦٨: وأول من وضع ديوان العساكر في الدولة الإسلامية عمر، في محرم سنة عشرين. أمر عقيل بن أبي طالب، ومخرمة وجبيرا من كتاب قريش، فكتبوا ديوان الجيش، بالابتداء من رسول الله ﷺ، وما بعدها «١»، على ترتيب الأنساب الأقرب فالأقرب اهـ وقد استظهر الخزاعي هنا، وفصّل أن كتابة الناس في عصر النبي ﷺ وتدوينهم، إنما كانت في أوقات مخصوصة؛ نحو كتبهم حين أمر حذيفة بإحصاء الناس، وكذلك العطاء في عصره ﵇ لم يكن له وقت معين، ولا مقدار معين. فلما كثر الناس في خلافة عمر، وجبيت الأموال، وتأكدت الحاجة إلى ضبطهم وضع الديوان بعد مشاورة الصحابة، على ترتيب الأنساب الأقرب فالأقرب اهـ ولكن وجدت في كتاب بدائع الصنائع: للإمام علاء الدين الكاساني الحنفي، حين تكلم على ما كان يعطيه رسول الله ﷺ لرؤساء قريش، وصناديدهم مثل: أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس التميمي وأمثالهم، وذكر أن أبا بكر وعمر ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا. قال: فإنه روى أنه لما قبض رسول الله ﷺ، جاؤوا إلى أبي بكر، واستبدلوا الخط منه لسهامهم، فبدل لهم الخط. ثم جاؤوا إلى عمر وأخبروه بذلك فأخذ الخط من يدهم ومزقه. وقال إن رسول الله ﷺ كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعز الله دينه. فانصرفوا إلى أبي بكر فأخبروه ما صنع عمر، وقالوا: أنت الخليفة أم هو؟\nفقال: إن شاء الله هو، فلم ينكر أبو بكر قوله وفعله، وبلغ الصحابة فلم ينكروا اهـ انظر ص ٤٥ من الجزء الثاني.\nوهذا يدل على أن الناس في زمنه ﵇ كانوا يأخذون العطاء بالضبط والتقييد، فيدل ذلك على وقوع التدوين، وجعل قوائم للمعطون، وهذا هو الديوان بعينه. فتأمل ذلك.\nوفي صبح الأعشى ص ١١ من ج ١، بعد أن نقل عن القضاعي، أن الزبير بن العوام، وجهم بن الصلت، كانا يكتبان له ﵇ أموال الصدقات، وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب له خرص النخل ما نصه: فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين قد وضعت في زمانه ﵇ اهـ.\n_________\n(١) كذا والصواب، وما بعده. والله أعلم.","vol":"1","page":201},{"text":"وانظر الفصل الأول من باب كتاب الجيش، وما نقل فيه عن الحافظ في الفتح: مما يؤول جميعه بخلاف ما للمتأخرين في هذه الترجمة.\nوفي الأحكام لابن العربي: وأما ولاية الديوان؛ فهي الكتابة، وقد كان للنبي ﷺ كتاب، وللخلفاء بعد؛ وهي ضبط الجيوش لمعرفة أرزاقهم، والأموال لتحصيل فوائدها لمن يستحقها اهـ منها. وفي ترجمة عبد الرحمن بن عبد القاري من الإصابة، أنه كان على بيت المال لعمر. وأخرج البزار قال السيوطي في الجمع: وضعف عن عمر قال: كتب إلى رسول الله ﷺ. فقال لعبد الله بن أرقم: أجب هؤلاء، فأخذه عبد الله بن أرقم فكتبه، ثم جاء بالكتاب فعرضه على رسول الله ﷺ، فقال: أحسنت. فما زال ذلك في نفسي حتى وليت فجعلته في بيت المال.\nوأخرج البيهقي في السنن عن أبي وائل أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال.\nوذكر المناوي في شرح الشمائل، في ترجمة أبي جحيفة وهب السوائي؛ أن عليا كان يحبه ويسميه وهب الخير وجعله على بيت المال اهـ وفي الخطط للتقى المقريزي أن معاوية جعل على كل قبيلة من قبائل العرب بمصر رجلا يصبح كل يوم فيدور على المجالس فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ فيقال: ولد لفلان غلام، ولفلان جارية. فيكتب أسماءهم. ويقال: نزل بهم رجل من أهل كذا بعياله فيسميه وعياله، فإذا فرغ من القبيلة أتى إلى الديوان ليثبت ذلك اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>تسامح المسلمين في صدر الإسلام</span>\nمما يدل على تسامح الأمراء الأمويين والعباسيين في أول الإسلام، أن الدواوين كانت بغير اللغة العربية، ففي صبح الأعشى ص ٤٢٣ من ج ١: أن أول من نقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية الحجاج بن يوسف، في خلافة عبد الملك بن مروان، نقله له صالح بن عبد الرحمن، وفيه أيضا: أوّل من نقل ديوان الشام من الرومية إلى العربية عبد الملك بن مروان، نقله له سليمان بن سعيد، مولى الحسين كاتب رسائل عبد الملك. فولاه عبد الملك جميع دواوين الشام. وفيه أيضا: أول من نقل ديوان مصر من القبطية إلى العربية عبد العزيز بن مروان في إمارته على مصر. ذكره صاحب المنهاج في صنعة الخراج اهـ.\nوقال الشهاب المرجاني في الوفية: وأما ديوان الجبايات بعد الإسلام فديوان العراق بقي على الفارسية، وديوان الشام على الرومية، على ما كان عليه قبله، وكتاب الدواوين كان من أهل العهد من الفريقين، إلى أن أمر عبد الملك بن مروان سليمان بن سعد، أن ينقل ديوان الشام إلى العربية، فأكمله لسنة من يوم ابتدائه، وأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن، أن ينقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية اهـ منه ص ٣٦٨.\nوكأن العرب لتسامحهم كانوا يتخذون كتابا لتدوين الدواوين بلغتهم، أو للغة السائدة","vol":"1","page":202},{"text":"في البلاد التي يدونون أمورها، ونظير هذا في الغرابة ما في الروض القرطاس «١» لدى كلامه على القرويين وخطبائها ص ٤٥؛ أن الدولة الموحدية لما حكم رجالها فاس، عزلوا خطيبها وقدموا غيره؛ لأجل حفظه اللسان البربري، قال ابن أبي زرع: لأنهم كانوا لا يقدمون للخطابة والإمامة إلا من يحفظ التوحيد باللسان البربري اهـ منه.\nوعبارة ابن القاضي في الجذوة ص ٣٣ ثم دخل الموحدون المدينة؛ يعني فاس.\nفصرفوه أي الخطيب الذي وجدوه عن الخطبة، وقدموا مكانة أبا الحسن بن عطية، لأجل حفظه اللسان البربري فخطب به اهـ.\nتنبيه: قد سبق العرب علماء أوروبا في حل رموز الخطوط القديمة، وترجمة كتبها إلى اللغة العربية، وبواسطة كتب العرب في ذلك وصلت أوروبا إلى ما وصلت إليه، في معرفة اللغات والخطوط القديمة، وقد ألف في القرن الرابع أو أواخر الثالث أحمد بن وحشية النبطي المتوفى سنة ٣٢٢ كتابه شوق المستهام إلى معرفة رموز الأقلام، وهو كتاب عجيب جمع فيه مؤلفه صور الخطوط القديمة التي تداولتها الأمم الماضية، وترجم جميعها إلى اللغة العربية، ووضعها بطريقة تسهل للمطلع عليها، أن يترجم ما على الآثارات من الكتابة، على اختلاف أنواعها إلى اللغة العربية، في زمن لا يتجاوز للنبيه أربع ساعات، وقد ترجم الإنكليز هذا الكتاب منذ مائة وثلاثين سنة، وبانتشاره سهل الإطلاع على ما كان مجهولا من أخبار وأحوال وعلوم الأمم الماضية لأهل القرون الخالية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>فصل في أي سن يجيز الإمام من يرسم في الديوان</span>\n«خرّج الترمذي عن نافع عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله ﷺ في جيش وأنا ابن أربع عشرة فلم يقبلني، ثم عرضت عليه من قابل في جيش وأنا ابن خمسة عشر فقبلني، فحدثت عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث فقال: هذا حد ما بين الصغير والكبير:\nثم كتب أن يفرض لمن بلغ الخامسة عشرة» .\nقلت: ترجم في الإصابة نافع بن خديج فقال: عرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره، وأجازه يوم أحد، وترجم أيضا لزيد بن حارثة الأنصاري، فذكر أن ابن منده روى أن المصطفى استصغر ناسا يوم أحد، منهم زيد بن حارثة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم وسعد بن جبية «٢»، وابن عمر، وجابر، وترجم فيها أيضا لعمرو بن أبي وقاص القرشي، فذكر أن الحاكم أخرج من طريق إسماعيل بن محمد بن سعد عن عمه عامر بن سعد عن أبيه قال: عرض رسول الله ﷺ جيش يوم بدر، فرد عمرو بن أبي وقاص فبكى عمرو، فأجازه معه وعليه حمائل سيفه، وأخرج ابن سعد عن سعد قال: رأيت أخي عمرو بن أبي وقاص قبل أن يعرض رسول الله ﷺ يوم بدر متواريا فقلت: مالك يا أخي؟ قال:\n_________\n(١) هكذا في الأصل المطبوع: الروض القرطاس.\n(٢) كذا ولم أعثر عليه في الإصابة ولا في سيرة ابن هشام. مصححه.","vol":"1","page":203},{"text":"إني أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال فعرض على رسول الله ﷺ فاستصغره فرده فبكى فأجازه. فكان سعد يقول: فكنت أعقد حمائل سيفي من صغري فقتل وهو ابن ست عشرة سنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>فصل في عرض الناس كل سنة</span>\n«ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب، عند ذكره سمرة بن جندب أن النبي ﷺ، كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام، فمرّ به غلام فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرة بن جندب من بعده فرده، قال سمرة: فقلت يا رسول الله، لقد أجزت غلاما، ورددتني ولو صارعته لصرعته، قال: فصارعه فصارعته فصرعته، فأجازني في البعث» .\nنحوه في الإصابة نقلا عن ابن إسحاق. وقال الإمام الشافعي: رد ﷺ سبعة عشر صحابيا عرضوا عليه، وهم أبناء أربع عشرة سنة، لأنه لم يرهم بلغوا وعرضوا عليه، وهم أبناء خمس عشرة فأجازهم.\nقال البرهان: ويحتمل أن يريد ردهم في أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذا السن في غزواته وفي كل منهما فائدة، وظاهر الشامي احتمال الأول فإنه عدّ من رده في أحد سبعة عشر ثم أجاز منهم اثنين. وأوصلهم شارح المواهب إلى عشرين. انظر ص ٢٤ من الجزء الثاني، وكان ﷺ في الاستعراض يقف الناس أمامه صفوفا صفوفا. ففي طبقات ابن سعد في قصة قدوم العباس بن مرداس السّلمي على رسول الله ﷺ في تسعمائة من قومه على الخيول والقنا والدروع الظاهرة، ليحضروا معه غزو الفتح. قال العباس: فصففنا لرسول الله ﷺ وإلى جنبه أبو بكر وعمر، انظر ص ١٥ من ج ٤ من الطبقات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>باب في رده ﵇ في الإستعراض من لم يستأذن أبويه</span>\nروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن رجلا هاجر إلى النبي ﷺ من اليمن فقال:\nهل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي. قال: أذنا لك؟ قال: لا قال إرجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرّهما.\nوأخرج أحمد والنسائي عن معاوية السّلمي أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: إلزمها، فإن الجنة عند رجلها «١» . انظر السيرة الشامية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>فصل في العريش يا بنى للرئيس يشرف منه على عسكره</span>\n«كان أبو بكر مع رسول الله ﷺ في العريش، يعني العريش يوم بدر» .\n_________\n(١) هذا نص رواية الإمام أحمد عن معاوية بن جاهمة السلمي ٣/ ٤٢٩ والإسلامي ٣/ ٥٥٣ والناس يقولون: الجنة تحت أقدام الأمهات أخذا من هذا الحديث. مصححه.","vol":"1","page":204},{"text":"وفي سيرة ابن إسحاق وتهذيب ابن هشام: أن سعد بن معاذ قال لرسول الله ﷺ في بدر يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الآخرة جلست على ركابك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له بخير ثم بنى رسول الله ﷺ عريشا فكان فيه هـ ص ٦٦ من الجزء الثاني قال ابن باديس: العريش شبه الهودج وليس به وهو أيضا خيمة من خشب، والجمع عرّش. كقليب وقلب ومنه قيل لبيوت مكة: العرش لأنه عيدان تنصب ويظلل عليها، وقال السهيلي: ذكر أبو حنيفة أن العريش أربع نخلات أو خمس في أصل واحد هـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>باب في تكليف الإمام من يجلس برئيس ليرى جنود الإسلام (وهو الإستعراض الذي يراد منه اليوم إظهار القوة)</span>\nفي قصة الفتح «١» قال المصطفى للعباس: يا عباس إحبسه، يعني أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل، وهو ما تضايق منه، حتى تمر به جنود الله فكان كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول بنو فلان. فيقول: ما لي ولبني فلان، حتى مر به النبي ﷺ في كتيبته الخضراء، أي لكثرة الحديد، وظهوره فيها. والمهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال: من هؤلاء؟ قلت: رسول الله في المهاجرين والأنصار، قال ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. والقصة معروفة في السير. قوله: ما لي ولبني فلان قال صاحب الصلة هو كلام يقوله الرجل: إذا خاف من شيء أو شعر منه ضررا، وهو من باب البلاغة، والأصل فيه ما السبب الباعث على إضراري. قال في الفوائد: فيه إرهاب العدو بنظره لجيش المسلمين، وإن كان قد أسلم ودخل فيهم ليكون أقوى لإيمانه وأبلغ فيما يتحدث به إلى قومه عن معاينة، وليعلم أن الله نصر دينه وأعز رسوله، وصدق وعده، ومن هذا الباب أمر النبي ﷺ وسلم بإيقاد النيران ليلة الدخول لمكة في قصة الفتح هذه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>باب في ذكر العرفاء وهم رؤساء الأجناد وقوادهم</span>\n«ولعلهم سموا بذلك لأنّ بهم يتعرف أحوال الجيش. قاله الباجي في المنتقى» .\nوقال غيره: العريف بوزن عظيم، وفي النهاية: العريف القيم بأمور القبيلة والجماعة من الناس، يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم هـ قال الحافظ: وسمي بذلك لكونه يتعرف أحوالهم حتى يعرف بها من فوقه عند الإحتياج هـ.\n«في الصحيح «٢» في قصة مجيء وفد هوازن مسلمين فسألوا أن يرد إليهم أموالهم\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام ج ٢/ ص ٤٠٣.\n(٢) انظر كتاب العتق في البخاري باب ١٣ ص ١٢١/ ٣.","vol":"1","page":205},{"text":"وسبيهم، فأحب رسول الله ﷺ أن يرد إليهم السبي دون المال، فخطب في الناس لأجل ذلك فقال الناس: قد رضينا ذلك. فقال لهم رسول الله ﷺ: إنا لا ندري من أذن لكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه برضاهم» .\nترجم أبو داود في سننه في كتاب الخراج والإمارة: باب في العرافة وذكر حديث المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ﷺ ضرب على منكبه ثم قال له: أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا، ثم عقبه بحديث إن العرافة حق، ولا بد للناس من العرفاء ولكن العرفاء في النار «١»، قال الفنجابي في عون الودود: فيه أن الخبر الوارد في ذمّ العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء. وقال ابن بطال: في حديث الصحيح دليل على مشروعية إقامة العرفاء، لأن الإمام لا يمكنه أن بياشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه هـ.\nوقال أيضا على قوله: العرفاء في النار، يشعر بأن العرافة على خطر، ومن باشرها غير آمن [من] الوقوع في المحذور، فينبغي للعامل أن يتقي الله، وأما قوله: العرافة حق، فالمراد به أصل نصبهم، فإن المصلحة تقتضيه لما يحتاج إليه الأمير من المعاونة على ما يتعاطاه بنفسه، ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي، كما دلّ عليه حديث البخاري هـ.\nوأصله في الفتح على قول البخاري «٢»: باب العرفاء للناس. ترجم في الإصابة جندب بن النعمان الأزدي فنقل عن تاريخ ابن عساكر قال: قدم أبو عزيز على النبي ﷺ فأسلم، وحسن إسلامه وجعله عريف قومه، وترجم فيها أيضا رافع بن خديج الأنصاري فذكر أنه كان عريف قومه، وترجم فيها أيضا رافع بن خديج الأنصاري فذكر أنه كان عريف قومه بالمدينة، وقد أخذ بعض من ذاكرناه في مراكش من حديث الترجمة: الأصل لتحمل الكبار بالصغار والرؤساء بالمرؤوسين في الحروب والضمانات وسائر المعاملات. وهو تفقه ظاهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>باب في النقباء</span>\nترجم في الإصابة [٣٤/ ١]، لأسعد بن زرارة فخرج في ترجمته من طريق الحاكم، أنه لما مات جاء بنو النجار فقالوا: يا رسول الله مات نقيبنا، فنقب عليها قال: أنا نقيبكم الخ، ونحوه في ترجمته من «الإستبصار في أنساب الأنصار» لإبن قدامة المقدسي.\n_________\n(١) انظر سنن أبي داود ج ٣ ص ٣٤٦ رقم الحديث ٢٩٣٣.\n(٢) في كتاب الأحكام باب ٢٦ ص ١٨٥/ ٨.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>باب في المحاسب</span>\nذكر محاسبة النبي ﷺ رجلا من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية.\n«خرّج مسلم عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه فقال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ: فهلا جلست في بيت أبيك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا. ثم خطب ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل، فيأتيني فيقول هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه، إلا لقي الله ﷿ يحمله يوم القيامة الحديث» «١» .\nوفي الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ص ٢٢٧: وكان النبي ﷺ يستوفي الحساب على عمله، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي، ثم ذكر قصة ابن اللتبية المذكورة. فأغفل الخزاعي عزوها للبخاري، وهي فيها ترجم عليها في كتاب الأحكام بقوله: باب محاسبة الإمام عماله، وخرّجه أيضا مستوفى في باب هدايا العمال فانظرهما. وقد كان الخلفاء بعده ﵇ على طريقته في ذلك.\nقال ابن قتيبة في عيون الأخبار: قدم معاذ من اليمن بعد وفاة النبي ﷺ على أبي بكر فقال: ارفع حسابك فقال له: أحسابان؟ حساب الله وحساب منكم والله لا ألي لكم عملا أبدا.\nوفي الإكتفاء للكلاعي: كان عمر في كل سنة ملازما للحج في سني خلافته كلها، وكان من سيرته أن يأخذ عماله لموافاته لكل سنة في موسم الحج، ليحجزهم بذلك من الرعية، ويحجز عنهم الظلم، ويتعرّف أحوالهم من قرب، وليكون للرّعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>باب في الأوصياء والوصاية</span>\nأخرج الحاكم من طريق السراج في تاريخه، ثم من طريق محمد بن عمارة عن زينب بنت نبيط، أن المصطفى حلّى أمها وخالتها أثاثا من تبر وذهب فيه لؤلؤ، وكان أبوها أسعد بن زرارة أوصى بهما إلى رسول الله ﷺ. انظر ترجمة أسعد من الإصابة، والإستبصار لأبن قدامة المقدسي. قال وزينب بنت نبيط، قد ذكرت في الصحابة من أجل روايتها لهذا\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الأحكام بألفاظ قريبة منه انظره ص ١٢١/ ٨ رقم الباب ٤١ واللفظ له. ورواه مسلم في كتاب الإمارة باب تحريم هدايا العمال ١٤٦٣/ ٢.","vol":"1","page":207},{"text":"الحديث. وفي نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، للقلقشندي صاحب صبح الأعشى لدى كلامه على الجعافرة، أبناء سيدنا جعفر بن أبي طالب قال: كان له أولاد محمد وعبد الله، مسح النبي ﷺ على رؤوسهم حين جاء نعي أبيهم جعفر، وقال أنا وليهم في الدنيا والآخرة هـ.\nوترجم في سمط الجوهر الفاخر لذكر الأيتام الذين كان ﷺ وصيا عليهم فكانوا في حجره، وهم محمد بن عبد الله بن جحش، مات أبوه في أحد، وأوصى به للنبي ﷺ، فاشترى له مالا بخيبر وأقطعه دارا بسوق الرقيق بالمدينة، ثم ذكر قصة بنات أبي أمامة اسعد بن زرارة السابقة وقال: وكان في حجره ﷺ امرأة من بني ليث بن بكر يقال لها: الصمينة بضم الصاد المهملة على وزن جهينة الليثية، وكانت عائشة استوهبت عبد الله بن الزبير من أبويه فكان في حجرها، يدعوها أما، وتقدم أن علي بن أبي طالب ضمه إليه فلم يزل معه إلى أن زوّجه بنته فاطمة بالمدينة. وروى يعقوب بن سفيان عن مطيع بن الأسود أنه أوصى إلى الزبير فأبى، فقال أسألك بالله والرحم إلا قبلت، فإني سمعت عمر يقول: الزبير ركن من أركان الدين.\nوروى الحميدي في النوادر أنه أوصي إليه عثمان وأوصى إلى الزبير سبعة من أصحاب النبي ﷺ، منهم عثمان وعبد الرحمن بن عوف، والمقداد، وابن مسعود، وابن عوف، وغيرهم. فكان يحفظ أموالهم وينفق على أولادهم من ماله. ونحوه في أسد الغابة عن هشام بن عروة وزاد الزبير بن بكار كما في الإصابة مطيع بن الأسود وأبو العاص بن الربيع. ووقع في شرح أبي عبد الله زنيبر السلوي على الهمزية ما نصه: وأوصى إليه سبعون من الصحابة بأموالهم وأولادهم، فحفظها وكان ينفق عليهم من ماله هـ منه.\nتنبيه: خرّج البخاري «١» عن أبي هريرة وأحمد وأبو داود عن رسول الله ﷺ قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته. وكان ﷺ يؤتى في أول الإسلام بالرجل المتوفى فيسأل: هل عليه دين؟ وهل له وفاء؟ فإن قالوا له؛ عليه دين وليس له وفاء قال: صلوا على صاحبكم وإلا صلى عليه.\nفلما فتح الله بالفتوح والغنائم قال ﵇: من مات وعليه دين فعلي قضاؤه. فقيل: إنه كان واجبا عليه. وارتضى إمام الحرمين والماوردي أنه لم يكن واجبا عليه، وإنما كان يفعله تكرما. وهل كان ﷺ يقضيه من الغنائم أو من خالص ماله؟ احتمالان.\nقاله: في نسيم الرياض.\n_________\n(١) انظر كتاب الفرائض باب ٤، ١٥ ج ٨/ ٥، ٨ وكتاب النفقات ج ٦/ ١٩٥.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>القسم الرابع في العمليات الأحكامية وما ينضاف إليها وفيه عدة أبواب</span>","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>العمليات الإحكامية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>باب في الإمارة العامة على النواحي ذكر من ولاه النبي ﷺ على النواحي</span>\nقال الزرقاني في شرح المواهب: أمراؤه ﵇ ولاته الذين ولا هم على البلاد والقضاء والصدقات هـ. الأمراء الذين وجههم رسول الله ﷺ على الجهات كثيرون.\n«منهم أمير مكة عتّاب بن أسيد. قال ابن جماعة: أمّر رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد على مكة وإقامة الموسم والحج بالمسلمين سنة ثمان» .\nقال ابن القيم في الهدى: وهو دون العشرين سنة. «ونقل الثعلبي في تفسيره على قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا [الإسراء: ٨٠] قال الكلبي إنه قال:\nسلطانا نصيرا عتّاب بن أسيد، وذكر توليته ﷺ له على مكة» .\nفي الإصابة؛ أورد العقيلي في ترجمة هشام بن محمد بن السائر الكلبي، بسنده إليه، عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا قال هو عتاب بن أسيد هـ وفي كتاب «صلة الجمع وعائد التذييل لموصول كتابي الإعلام والتكميل، للحافظ أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الأوسي الشهير بالبلنسي ابن عسكر، على الآية: خرّج أبو بكر الذهبي في تاريخه بسنده إلى ابن عباس قال: هو عتّاب بن أسيد هـ «ومنهم باذان ويقال باذام ملك اليمن» .\nوفي صبح الأعشى: لما أسلم باذان نائب كسرى ولّاه النبي ﷺ على جميع مخاليف اليمن، وكان منزله بصنعاء مملكة التبابعة، وبقي حتى مات بعد حجة الوداع، فولي النبي ﷺ ابنه شهر بن باذان على صنعاء، وولي على كل جهة واحدا من أصحابه.\n«وذكر الثعلبي في باذام أنه أول من أسلم من ملوك العجم، وأول أمير للإسلام على اليمن» .\nقلت: نحوه نقل الزرقاني على المواهب عن الثعلبي وأقره، وانظره مع ما سبق في الإمارة على الحج، من أن أبا بكر كان أولّ أمير في الإسلام وقيل: عتّاب بن أسيد.\nوفي ترجمة عبد الله بن جحش من الإصابة عن البغوي: أنه أول أمير في الإسلام، ويحتمل أن يكون ذلك باعتبار ما ذكر من الجهات.","vol":"1","page":211},{"text":"ولما مات باذان استعمل النبي ﷺ على صنعاء ابنه شهر. ذكره الواقدي وابن إسحاق والطبري.\nوترجم في الإصابة لعامر بن شهر الهمذاني أنه أحد عمال النبي ﷺ على اليمن.\nوترجم فيها أيضا لعبد الله بن عمرو بن سبيع الثعلبي، فذكر عن الشّعبي أن المصطفى استعمله على بني ثعلبة وعبس، وبني عبد الله بن غطفان.\nوفي ترجمة أبي موسى الأشعري أنه ﵇ استعمله على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما. وترجم في الإصابة للحارث بن بلال المزني، فنقل عن سيف في الفتوح أنه كان عامل رسول الله ﷺ على نصف جديلة بني طيء، وترجم أيضا للحرث بن نوفل الهاشمي، فذكر عن ابن حبان في الصحابة ولاه المصطفى ﷺ بعض أعمال مكة. قال:\nوكذا قال: الزبير بن بكار ثم نقل عن ابن سعد: صحب الحارث المصطفى ﵇ فاستعمله على بعض عمله بمكة، وأقره أبو بكر، وعمر، وعثمان.\nوترجم أيضا لحصين بن نيار فقال: كان أحد عمال النبي ﷺ، ذكره سيف، والطبري، واستدركه ابن فتحون، وترجم فيها أيضا للحارث بن عبد المطلب، فذكر عن ابن أبي حازم: أنه صحب المصطفى ﷺ، واستعمله على بعض أعمال مكة، وولاه أبو بكر وعثمان هـ ثم حرر أن الترجمة لحفيده الحارث بن نوفل السابق.\nوترجم أيضا لرافع بن عمرو الطائي فذكر أن الحاكم خرج أنه لما كانت غزوة السلاسل، استعمل رسول الله ﷺ عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر، وترجم فيها لزياد الباهلي والد الهرماس فذكر عن الدارقطني عن الهرماس قال: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي فولاه على عشيرته من باهلة، وترجم أيضا للسائب بن عثمان، عن ابن إسحاق: أنه استعمله النبي ﷺ على المدينة، في غزوة بواط. وترجم لسعد الدوسي، فذكر أن أحمد وابن أبي شيبة خرّجا عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ أسلمت فاستعملني على قومي، وجعل لهم ما أسلموا عليه من أموالهم. الحديث.\nوترجم أيضا لسعيد بن خفاف التميمي فقال: ذكره سيف في الفتوح، وأنه كان عاملا للنبي ﷺ على بطون تميم، وأقرّه أبو بكر.\nوترجم أيضا لسعد بن عبد الله بن ربيعة، فذكر عن ابن أبي شيبة أنه ﵇ استعمله على الطائف. وترجم أيضا لسلمة بن يزيد الجعفي، فذكر أنه ﵇ استعمله على الطائف. وترجم أيضا لسلمة بن يزيد الجعفي، فذكر أنه ﵇ استعمله على بني مروان وكتب له كتابا. وترجم أيضا لصيفي بن عامر من بني ثعلبة فقال: أمّره النبي ﷺ على قومه. وترجم أيضا للضحاك بن قيس فقال فيه: عامل النبي ﷺ.\nوترجم لامرىء القيس بن الأصبغ الكلبي فقال: كان زعيم قومه، وبعثه النبي ﷺ","vol":"1","page":212},{"text":"عاملا على كلب في حين إرساله إلى قضاعة، ونقل عن سيف في الفتوح: لما مات رسول الله ﷺ، كانت عماله على قضاعة من كلب، امريء القيس بن الأصبغ الكلبي من بني عبد الله. وترجم أيضا للحارث بن بلال المزني فقال: عامل رسول الله ﷺ في ص ٣٨٨، وترجم فيها أيضا لعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، فنقل عن ابن السكن فقال: استعمله النبي ﷺ على خراسان «١» وترجم أيضا عثمان بن أبي العاص، فقال: استعمله ﵇ على الطائف، وأقره أبو بكر وعمر. وفي عكاشة بن ثور أنه كان عامل المصطفى على السكاسك والسكون. وفي العلاء بن الحضرمي أنه ﵇، استعمله على البحرين.\nوفي عمرو بن حزم الأنصاري استعمله ﵇ على نجران، وروى عنه كتابا كتبه له في الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك، أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والدارمي وغير واحد. وفي أسد الغابة: استعمله ﵇ على أهل نجران وهو ابن سبع عشرة سنة، بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا هـ ونحوه للنووي في ترجمته من التهذيب.\nوفي عمرو بن الحكم القضاعي أنه ﵇ بعثه عاملا على بني القيس، وفي عمرو بن سعيد بن العاص كان النبي ﷺ استعمله على وادي القرى وغيرها، وقبض (أي توفي النبي ﷺ) وهو عليها. وفي عمرو بن محجوب العامري، أنه كان من عمال النبي ﷺ، وفي عوف الوركاني أنه كان من عمال رسول الله ﷺ. وفي عبد الله بن زيد الكندي أنه كان عامل المصطفى على اليمن. وفي عبد الله بن سوار أنه من عمال المصطفى على البحرين. وفي فروة بن مسيك استعمله المصطفى على مراد ومذحج وزبيد كلها.\nوفي قردة بن نفاثة السلولي أنه قدم على النبي ﷺ، في جماعة من بني سلول، فأسلموا وأمّره عليهم. وترجم السيوطي في در السحابة لأبي جديع المرادي فقال: ذكره ابن وزير وعبد العزيز بن ميسرة، أنه كان عاملا النبي ﷺ، وأنه كان من أهل مصر هـ.\nوفي ترجمة قضاعة بن عامر الدوسي، أنه كان عامل النبي ﷺ على بني أسد. وفي الترجمة بعدها: أنه ولي عليهم أيضا سنان بن أبي سنان، وفي ترجمة قيس بن مالك الأرحبي أنه لما أسلم وأسلم قومه، كتب له ﵇ عهدا على قومه همذان عربها ومواليها، وخلائطها أن يسمعوا له ويطيعوا، أن لهم ذمة الله ما أقاموا الصلاة، وساق فيها أيضا أن المصطفى كتب إلى قيس بن مالك: سلام عليك. أما بعد: فإني استعملتك على قومك الحديث وفي مالك بن عوف النصري، استعمله ﵇ على من أسلم من قومه، ومن تلك القبائل من أعماله فكان يقاتل بهم ثقيفا، فكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى يصبح.\nوفي المنذر بن ساوى الدارمي قال ابن منده: كان عامل النبي ﷺ على هجر، وفي\n_________\n(١) كذا وهي كذلك في الإصابة ص ٣٨٩ ج ٢ الطبعة الأولى ١٣٢٨ ولا شك بأنها خطأ.","vol":"1","page":213},{"text":"ترجمة أبي هيضم المزني نقلا عن الزبير بن بكار، عن أبيه محمد قال: دعا رسول الله ﷺ فقال: اللهم إني مستعمله على هذا الوادي، فمن جاءك «١» من هاهنا وهاهنا فامنعه. قال سعد: فراجعه فعمل عليه. وفي ترجمة سواد بن غزية البلوي الأنصاري من الإستبصار لابن قدامة: كان عامل رسول الله ﷺ على خيبر، فأتاه بتمر جنيب قد أخذ منه صاعا بصاعين من الجمع، وفي ترجمة عمر بن أبي ربيعة الشاعر من تهذيب النووي، أن المصطفى ﷺ، ولّى والده عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي الجند بفتح الجيم والنون بلد باليمن- ومخاليفها، فلم يزل عليها حتى قتل عمر بن الخطاب، ثم ولاه عثمان. وأنه كان من أحسن الناس وجها، وهو الذي بعثته قريش مع عمرو بن العاص، إلى النجاشي.\nوفي السيرة الشامية تراجم تضمنت تأمير النبي ﷺ خالد بن الوليد على صنعاء وأعمالها، وتأميره للمهاجر بن أبي أمية المخزومي على كندة، وتأميره زياد بن لبيب على حضرموت، وتأميره لأبي موسى الأشعري على زبيد وعدن [وتوابعهما]، ومعاذ بن جبل على الجند وأبا سفيان على نجران، وأبا زيد بن سفيان على غيرها.\nوفي ألفيه الحافظ العراقي ذكر أمرائه ﵇. قال ابن كيران: المراد الولاة الذين ولا هم المصطفى ﷺ على البلاد والقضاء والصدقات والحج:\nأمّر باذان بلاد اليمن ... ثم ابنه شهرا بصنعا يمن\nوابن أبي أمية المهاجرا ... كندة والصدق فقبل أن سرى\nلعمله قضى النبي بالموت ... كذا زياد بن لبيد حضر موت\nكذا أبو موسى زبيدا وعدن ... ونافع الساحل من أرض اليمن\nكذاك قد ولّى معاذا الجند ... كذاك عتابا على خير البلد\nكذاك قد ولى أبا سفيانا ... صخر بن حرب بعد ذا نجرانا\nكذا ابنه يزيد أي تيماء ... وابن سعيد خالدا صنعاء\nكذاك عمرا أخذوا وادي القرى ... وحكما أخاهما على قرى\nعرينه كذاك أيضا أعطى ... أخاهما أبان منه الخطّا\nكذاك ابن العاص عمرا بعمان ... كذا على الطائف ولّى عثمان\nابن أبي العاصي كذاك وليا ... محمية الأخماس ثم وليا\nعليّ القضاء والأخماسا ... بيمن، وكان فيه راسا\nكذاك أمّر ابن حاتم عدي ... في صدقات طي وأسد\nوغيره من أمراء الصّدقه ... تجمع من قبائل مفرقه\nوأمر الصديق في الحج لدى ... سنة تسع، وعلي في الندا\n_________\n(١) يلزم عود الضمير على المدعو له والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":214},{"text":"ألّا يحجّ بعد عام مشرك ... فقرأ السورة خاب المشرك\nأما الألى أمرهم بالبعث ... فذكروا في كل بعث بعث\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>باب كيف كان يوصي ﵇ (عماله في صفة البريد الذي يبردون إليه)</span>\nصرّح السهيلي في الروض ونقله عنه ابن باديس: أنه ﵇ كان يكتب إلى أمرائه: إذا أبردتم إليّ بريدا فابردوه حسن الوجه حسن الإسم. وقال: ذكره البزار من رواية بريدة مرفوعا. وقد أورد الحديث المذكور في الجامع الصغير، وعزاه لمن ذكر قال المناوي في التيسير: وطرقه كلها ضعيفة كما قال الهيثمي، لكن له شواهد قوية، وقال العلقمي في الكوكب بجانبه علامة الحسن، وقال في الكبير: وصحح. ولعله عند الشيخ حسن. نقل التصحيح غيره هـ منه.\nوقال المناوي في كبيره قوله: إذا أبردتم إلي بريدا أي أرسلتم إلي رسولا.\nقال الزمخشري: البريد الرسول المستعجل، وفي محل آخر: فارسية، وهي في الأصل البغلة أصلها بريدة [دم] أي محذوفة الذنب لأن بغال البريد كانت كذلك، فعربت وخففت ثم سمي الرجل الرسول الذي يركبه بريدا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>باب في اشتراطه ﵇ مثل ذلك في عماله</span>\nقال ابن باديس: وكان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به ويرى بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه. وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإذا أعجبه فرح به، ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية ذلك في وجهه.\nوفي طبقات ابن سعد: أنه ﵇ كتب إلى الحارث ومسروح ونعيم بن عبد كلال من حمير، وبعث بالكتاب مع عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وقال: إذا جئت أرضهم فلا تدخل ليلا حتى تصبح، ثم تطهر فأحسن طهورك وصل ركعتين، وسل الله النجاح والقبول، واستعد لذلك، وخذ كتابي بيمينك، وادفعه بيمينك في أيمانهم فإنهم قابلون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>باب في كيفية عهد رسول الله ﷺ إلى أمرائه</span>\nترجم القلقشندي لأصل مشروعية عهود الخلفاء في ص ٣٩٨ من الجزء التاسع فقال:\nالأصل فيها ما رواه ابن إسحاق وغيره، أنه لما رجع وفد بني الحارث بن كعب إلى قومهم باليمن، بعد وفودهم على رسول الله ﷺ، بعث إليهم رسول الله ﷺ، بعد أن ولّى عليهم عمرو بن حزم، يفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم","vol":"1","page":215},{"text":"وكتب له كتابا عهد فيه عهده وأمره فيه أمره على ما سيأتي، ذكره في أول نسخ العهود الواردة في هذا الكتاب، فقد فوض ﷺ أمر اليمن في حياته إلى عمرو بن حزم، وذلك أصرح دليل وأقوى شاهد لما نحن فيه هـ.\nونص كتاب النبي ﷺ في المحل الذي أحال عليه، وهو في ص ٨ من الجزء العاشر، بعد البسملة فيما ذكر ابن هشام:\nهذا بيان من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهدا من محمد النبي، رسول الله لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذي اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، فقال: ألا لعنة الله على الظالمين، ويبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفريضته، وما أمر الله به من الحج الأكبر، والحج الأصغر هو العمرة، وينهى الناس أن يصلي أحد في ثوب واحد صغير، إلّا أن يكون ثوبا يثني طرفيه على عاتقيه، وينهى الناس أن يحتبي أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء، وينهى أن لا يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله ﷿ وحده، لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر، فليقطعوا «١» بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وارجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود والخشوع، ويغلّس بالصبح ويهجّر بالظهر حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. وأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي إليها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة، في العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «٢» نصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر، بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة. وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة. ة فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو له، وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه\n_________\n(١) في ابن هشام: يقطفوا ص ٥٩٥/ ٢.\n(٢) الغرب: هو الدلو الذي يملأ بالماء من الآبار.","vol":"1","page":216},{"text":"مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.\nتنبيه هذا المكتوب وأمثاله، هو أصل كتب الظهير للمتولي، يستظهر به لدى من ولّي عليهم ليطيعوا أمره، وكانوا في القديم يعبرون عما يكتب بذلك بالظهائر والصكوك، فالظهائر جمع ظهير، وهو المعين سمي «١» مرسوم الخليفة، أو السلطان ظهيرا لما يقع به من المعاونة لما كتب له، والصكوك جمع صك وهو الكتاب. قال الجوهري: وهو فارسي معرب والجمع: أصك، وصكاك وصكوك، ثم تحامي المتأخرون منهم لفظ الصك لما جرى به عرف العامة من غلبة الإستعمال في أحد معني الإشتراك فيه وهو الصفع، واقتصروا على استعمال لفظ الظهير هـ أنظر ص ٢٢٩ من الجزء العاشر من صبح الأعشى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>باب في القاضي وفيه فصول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>فصل في قضاء رسول الله ﷺ بين الناس</span>\n«في الموطا «٢» عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار، قوله: ألحن بحجته أي افطن لها» .\nفائدة- في الشهاب على الشفا ص ٣٠١ من الجزء الرابع عن السيوطي، أنه ﵇ كان له حكم الباطن كالظاهر، وحكمه في الظاهر كان تارة في القضاء، وتارة بالسياسة والسلطنة، أي الإمارة العظمى، وتارة بالفتوى. كما فصله ابن السبكي في قواعده هـ من الفواكه الجنوية.\nوفي الأنموذج: وجمع له بين الشريعة والحقيقة، ولم يجمع للأنبياء ﵈ إلا أحدها، بدليل قصة موسى مع الخضر، وقوله: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه، وأنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه هـ.\nقال الروضي في شرحه: المراد بالشريعة والحقيقة الحكم بالظاهر والباطن، وقد اعترض العلامة القسطلاني قول المؤلف: وجمع له بين الشريعة والحقيقة الخ. ما نصه:\n_________\n(١) كذا في الأصل! قلت: في اصطلاح أهل المغرب يقال: الظهير بمعنى المرسوم في لغة أهل المشرق جمع مراسيم.\n(٢) انظره ص ٧١٩ كتاب الأقضية. وقد صححته عن نص الموطأ.","vol":"1","page":217},{"text":"هذه غفلة عظيمة، وجرأة على الأنبياء، إذ يلزم منه خلوّ بعض أهل العزم ﵈ من علم الحقيقة، الذي لا يجوز خلو بعض آحاد الأولياء عنه، وخلو الخضر بل بقية بعض الأنبياء عن علم الحقيقة، وأعجب من ذلك أنه بين له وجه الخطأ فأجاب بقوله: مرادي الجمع بين الحكم والقضاء هـ.\nوقد أجاب المؤلف الجلال عن هذا الإعتراض في مؤلف له سماه: الباهر في حكم النبي ﷺ بالباطن والظاهر، ثم أتى بملخص التأليف وأمثلة حكمه ﵇ بالظاهر والباطن، وبأحدهما فقط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>ذكر من دوّن في النوازل التي نزلت في حياته ﵇ وحكم فيها</span>\nأفرد النوازل التي نزلت في حياته ﵇، وحكم فيها جماعة من الأئمة بالتأليف أشهرها شيخ الفقهاء في عصره، الإمام محمد بن فرج، مولى ابن الطلاع الأندلسي المتوفى سنة ٤٩٧، وهو ممن رحل إليه الناس من كل قطر، واستجازه الحافظ أبو علي الصدفي، وأبو الربيع الكلاعي، وترجمه ابن فرحون في الديباج ص ٢٧٥. ويعرف كتاب ابن الطلاع في الموضوع: بكتاب أقضية رسول الله ﷺ، وهو كتاب عظيم الشأن نادر الوجود، ظفرت بنسخة منه في تونس في غاية التصحيف، ثم ظفرت منه بنسخة أخرى عتيقة بفاس صحيحة، إلا أنها مخروقة وهو في مجلدة متوسطة في أوله بعد الفاتحة: هذا كتاب أذكر فيه ما انتهى إليّ من أقضية رسول الله ﷺ، التي قضي فيها أو أمر بالقضاء فيها، إذ لا يحل لمن تقلد الحكم بين الناس، أن يحكم إلا كما أمر الله ﷿ في كتابه، أو بما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه حكم به، أو بما أجمع العلماء عليه، أو بدليل من هذه الوجوه الثلاثة الخ.\nورأيي في هذا الكتاب أن مطالعته متعينة على كل مسلم، وبالأسف: أن أكثر من يمكنه أن يطالعه إذا طالعه اليوم لا ليحكم بما فيه، ولكن يعتبر به كما يعتبر بسائر الماجريات القديمة، وقد ذكر في آخره؛ أن الذي حمله على جمعه أنه وجد لأبي بكر بن أبي شيبة صاحب المسند، كتابا ترجمه بكتاب: أقضية رسول الله ﷺ ولم يذكر فيه، إلا أقضية قليلة وهو كتاب صغير، ثم نقل عن ابن أبي شيبة قوله: نظرت فيما قضى فيه رسول الله ﷺ أو أمر بالقضاء فيه، فلم نجد إلا نحو مائة حديث، فرأيت أن أتتبع أقضيته ﵇ تبركا ومحبة فيها، وحرصا على الاقتداء بها ووقوفا عند أوامره ونواهيه، ثم عدد الكتب التي استمد منها، وهي أربعة وثلاثون مصنفا، فأنت تراه وقع له مع ابن أبي شيبة مثل ما وقع لي مع الخزاعي في التخريج، وفي النية إن شاء الله الإلتفات إلى كتابة ابن الطلاع هذه، وتقديمها للعالم الإسلامي هدية بعد تحرير القول فيها، وجمع ما يصح استدراكه عليه، كما فعلنا في هذا الموضوع نسأل الله التيسير.","vol":"1","page":218},{"text":"ومنهم ظهير الدين علي بن عبد العزيز بن عبد الرزاق المرغيناني الحنفي، المتوفى سنة ٥٠٦ له كتاب أقضية الرسول ﵊ ذكره في كشف الظنون وقال: وله شروح، ومنهم الإمام أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن محمد بن إبراهيم الأنصاري، المعروف بابن أبي مروان الاشبيلي، المتوفى سنة ٥٤٩ بلبلة شهيدا ترجمه ابن الأبّار في تكملة الصلة، فقال: تأليف مفيد وسماه المنتخب المنتقى، جمع فيه ما افترق في أمهات المسندات، من نوازل الشرع. وعليه بنى كتابه أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي، في الأحكام، ومنه استفاد وكان صاحبا لأبي جعفر هذا وملازما له اهـ ص ٧٢.\nومنهم العلامة أبو علي حسين بن المبارك بن يوسف الموصلي، المتوفي سنة ٧٤٢ له الفتاوى النبوية في المسائل الدينية والدنيوية انتخب فيه من الفتاوى النبوية، مسائل سئل عنها المصطفى ﵇، فأجاب عنها بأجوبة قطعية، ورتبها على ترتيب الكتب الفقهية، وهو في مجلد توجد منه نسخة بالمكتبة الخديوية بمصر، ومنهم الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أبي بكر الزرعي، المعروف بابن القيم الحنبلي الدمشقي، المتوفى سنة ٧٥١ استوعب ما ورد من فتاويه ﷺ وأجوبته وأحكامه، ختم بها كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين، وقد جردها منه، وأفردها بتأليف الأمير الطيب الذكر السيد صديق حسن خان ملك بهوبال من أرض الهند المتوفى سنة ١٣٠٧ سماه بلوغ السول في أقضية الرسول، وقد طبع بالهند، هو وتفسير آيات الأحكام، المسمى نيل المرام بايات الأحكام، للأمير المذكور وجمعا في مجلدة واحدة. لو لم تنشر الأمة الهندية أثرا غير هذه المجموعة المقدسة لكان كافيا، وأرى أن التأبط بها على كل مسلم متعين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>باب في ذكر تراجم وأصول الأبواب التي قضى فيها ﵇ وأفتى</span>\nترجم لهذا الفصل الحافظ الشامي في سيرته فقال: جماع أبواب سيرته ﷺ في أحكامه وأقضيته وقال: ليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام، وإن كانت أقضيته الخاصة شرعا عاما، وإنما الغرض ذكر سيرته ﷺ في الأحكام الجزئية، التي فصل فيها بين الخصوم، وكيف كانت سيرته ﷺ بين الناس، ولنذكر تراجم أبوابه وفصوله المتعلقة بهذا الفصل، وذلك أنه عقد أولا ترجمة جماع أبواب سيرته ﷺ في أحكامه وأقضيته وفتاويه، ثم الباب الأول في أحكامه ﵇ وأقضيته في المراسلات، وما يلحق به، وفيه أبواب:\nالأول في تحذيره ﷺ من القضاء بين الناس.\nالثاني في تقسيمه ﷺ القضاء إلى ثلاثة أقسام.\nالثالث في نهيه ﷺ عن الحكم في حال الغضب والجوع.\nالرابع في وعظه ﷺ الخصمين.","vol":"1","page":219},{"text":"الخامس في حبسه ﷺ في تهمة.\nالسادس في أمره ﷺ بملازمة غريمة.\nالسابع في نفيه ﷺ أهل الريب.\nالثامن في امتناعه ﷺ من كلام المجذومين وأهل المعاصي.\nالتاسع في سيرته ﷺ في التحكيم.\nالعاشر في حجره ﷺ على المفلس.\nالحادي عشر في سيرته ﷺ في المعاملات؟\nالباب الثاني في أحكامه وأقضيته ﵇ في الوصايا والفرائض.\nالباب الثالث في أحكامه ﷺ في النكاح والطلاق والخلع والرجعة، والإيلاء واللعان وإلحاق الولد وغير ذلك.\nالباب الرابع في أحكامه، وأقضيته في الحدود وفيه أنواع: الأول في الشفاعة وفي الحدود الثاني في درء الحدود وسرها الثالث في حكمه ﵇ في التعزير الرابع في نهيه ﵇ عن إقامة الحدود في المسجد الخامس فيمن ذكر ﷺ أنه لا حد عليه السادس في كيفية إقامته ﷺ على الضعيف السابع في إشارته ﷺ لمن أتى ما يوجب الحد بالرجوع عن الإقرار أو الإنكار الثامن في عدم إقامة الحد على من اعترف به ولم يذكر ما سبب الحد التاسع في حكمه ﵇ في المرتدين والمحاربين العاشر في حكمه ﵇ في الزاني الحادي عشر في حكمه في المكره الثاني عشر في حكمه ﵇ في وصل السفيه الثالث عشر في حكمه ﷺ فيمن تزوج امرأة أبيه الرابع عشر في الذين حدهم ﵇ الخامس عشر في حكمه ﵇ فيمن عمل عمل قوم لوط السادس عشر في حكمه في حد القذف السابع عشر في حكمه في حد السرقة الثامن عشر في حكمه في السكران.\nالباب الخامس في أحكامه ﵇ وأقضيته في الجنايات والقصاص والديات والجراحات وفيه فصول.\nالباب السادس في سيرته ﷺ في الدعاوي والبينات والخصومات.\nالباب السابع في قضايا شتى غير ما سبق.\nالباب الثامن في فتاويه ﵇ وفيه أنواع وذكر فيه اثني عشر بابا من أبواب الأمور الدينية.\nالحادي والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الكسب والمعاش.\nالثاني والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في البيوع والمعاملات وما يتعلق بهما.\nالثالث والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في اللقيط واللقطة والهبة والهدية والوصية.\nالرابع والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الفرائض والمواريث.","vol":"1","page":220},{"text":"الخامس والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في العتق وما يتعلق به.\nالسادس والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في النكاح وما يتعلق به.\nالسابع والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان وإلحاق الولد وما يتعلق بذلك.\nالثامن والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الجنايات والحدود.\nالتاسع والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الأيمان والنذور.\nالثلاثون في بعض فتاويه ﷺ في الصيد والذبائح.\nالحادي والثلاثون في بعض فتاويه ﷺ في الأشربة وما يحل منها وما يحرم.\nالثاني والثلاثون في بعض فتاويه ﷺ في الإمارة وما يتعلق بها.\nالثالث والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في الجهاد والغزو وما يتعلق به.\nالرابع والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في الحب في الله والصحبة وملاحظة الناس.\nالخامس والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في المرض والطب وما يتعلق بهما.\nالسادس والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في الرقائق.\nالسابع والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في التفسير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>فصل في قضاة رسول الله ﷺ</span>\n«منهم عمر بن الخطاب، ففي سنن الترمذي أن عثمان قال لعبد الله بن عمر: اذهب فاقض بين الناس، قال: أو تعافني يا أمير المؤمنين قال وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي» «١» .\nساقه الشامي في سيرته في باب قضاته ﷺ عازيا له لأحمد وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن حبان قال ابن العربي في العارضة: قول عثمان لعبد الله: إن أباك كان قاضيا يعني لرسول الله ﷺ، وكذلك روى عنه ولم يرد به عثمان قضاءه في خلافته ولا فهم ذلك عنه عمر ﵁.\n«ومنهم علي بن أبي طالب في الاستيعاب بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وهو شاب يقضي بينهم، وقال له: إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضي بينهم حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبيّن لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد. وروي أن المغيرة بن شعبة حلف بالله ما أخطأ في قضاء قط» «٢» .\nأخرج الحاكم في المستدرك أوائل كتاب الأحكام من طريق ابن عباس قال: بعث\n_________\n(١) انظره في كتاب الأحكام باب ١ ص ٦١٢/ ٣.\n(٢) راجع سنن أبي داود ج ٤/ ١١ كتاب الأقضية باب ٦.","vol":"1","page":221},{"text":"النبي ﷺ عليا إلى اليمن فقال: علمهم الشرائع، واقض بينهم. فقال: لا علم لي بالقضاء، فدفع في صدره وقال: اللهم اهده للقضاء. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقصة بعثه ﵇ عليا قاضيا لليمن خرجها أبو داود في سننه وأحمد وإسحاق بن راهواه، وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم وغيرهم، انظر نصب الراية، وتلخيص الحبير.\nوبوّب عليه الحافظ محب الدين الطبري، في كتابه «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» باب: ذكر دعاء رسول الله ﷺ له رضوان الله عليه؛ حين ولاه قضاء اليمن، ثم ساق عن علي قال: لما بعثني رسول الله إلى اليمن قاضيا، وأنا حديث السن فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء، فقال ﷺ: إن الله سيهدي لسانك، ويثبت قلبك، قال فما شككت في قضاء بين اثنين. أخرجه أحمد. قال الطبري: والمراد بالأحداث: الأمور الحادثة اهـ.\nوفي أحكام ابن العربي: وأما ولايته القضاء؛ فقدم النبي ﷺ في حياته علي بن أبي طالب، حين بعثه إلى اليمن. وقدم النبي ﷺ غيره من ولاته اهـ منها.\nوقد قال القرافي في الفروق: يقدم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشرعية، وأشد تفطنا لحجج الخصوم وخدعهم، وهو معنى قوله ﵇: أقضاكم علي. أي هو أشد تفطنا لحجج الخصوم وخدع المتحاكمين. وبه يظهر الجمع بينه وبين قوله ﵇ أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وإذا كان معاذ أعرف بالحلال والحرام كان أقضى الناس، غير أن القضاء لما كان يرجع إلى معرفة الحجج والتفطن لها كان أمرا زائدا على معرفة الحلال والحرام، فقد يكون الإنسان شديد المعرفة بالحلال والحرام، وهو يخدع بأيسر الشبهات، فالقضاء عبارة عن هذا التفطن اهـ.\n«ومنهم معاذ بن جبل بعثه النبي ﷺ كما في الاستيعاب إلى الجند، يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل له قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وذلك عام فتح مكة» .\nأخرج الطبراني؛ قال الشامي برجال الصحيح عن مسروق قال: كان أصحاب القضاء على عهد رسول الله ﷺ ستا عمر، وعليا وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري.\nوأخرج أحمد «١» والحاكم عن معقل بن يسار: أمرني رسول الله ﷺ أن أقضي [بين قوم فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله] . قال: إن الله مع القاضي ما لم يحف عمدا، وجاءه ﷺ خصمان فقال لعمر: إقض بينهما، وكذا قال لعقبة في خصمين جاآه: إقض\n_________\n(١) رواه في ٥/ ٢٦.","vol":"1","page":222},{"text":"بينهما. رواه أحمد وغيره. وفي ترجمة معاذ بن جبل من الاستبصار لابن قدامة المقدسي:\nبعثه رسول الله ﷺ قاضيا على اليمن، وأميرا وجابيا للصدقات الخ.\nوقال ابن إبراهيم الوزير اليمني في الزهر الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم: النبي ﷺ ولى أبا موسى الأشعري على اليمن، مصدقا أي جامعا للصدقات، وقاضيا. وكان يقضي ويفتي في حياة رسول الله ﷺ في زمنه، وفي أيام الخلفاء الراشدين اهـ منه.\nوفي درّ السحابة في ترجمة المغيرة بن شعبة قال الشعبي: القضاة أربعة أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو موسى. وبذلك كله تعلم ما في قول الحافظ الشامي وتبعه شارح هب أنه ﷺ: لم يستقض شخصا معينا للقضاء بين الناس، وإنما استقضى جماعة في أشياء خاصة اهـ وفي صبح الأعشى: القاضي عبارة عمن يتولى فصل الأمور بين المتداعيين في الأحكام الشرعية، وهي وظيفة قديمة كانت في زمن النبي ﷺ، فقد ذكر القضاعي أنه ﷺ: ولّى القضاء باليمن علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري، وأن أبا بكر ولّى القضاء عمر اهـ.\nوفي وفيات الأسلاف ص ٣٦٦ أول من نصب القاضي رسول الله ﷺ حين بعث عليا ومعاذا إلى اليمن، وأول من دفعه إل غيره من الخلفاء عمر، فولى أبا الدرداء بالمدينة، وأبا موسى الأشعري بالكوفة، وشريحا بالبصرة، تخفيفا لنفسه في القيام بأعباء الخلافة والسياسة اهـ.\nوفي طبقات ابن سعد: أول من استقضى القضاة في الأمصار عمر، ولما ذكر أبو عمر بن عبد البر في ترجمة زيد بن الخطاب من الاستيعاب قول مالك: أول من استقضى معاوية، وأنه كان ينكر أن يكون أوّل من استقضى أحد من الخلفاء الأربعة. قال: وهذا عندنا محمول على حضرتهم لا على من نأى عنهم، وأمروا عليهم من أعمالهم غيرهم، لأن استقضاء عمر لشريح على الكوفة أشهر عند علمائها من كل شهرة وحجة اهـ منه، ولما وقع في العتبية عن مالك: ما استقضى أبو بكر ولا عمر ولا عثمان قاضيا وما كان ينظر في أمور الناس غيرهم؛ كتب عليها ابن رشد: هذا أصل ما تقدم أن أول من استقضى معاوية يريد أنه أول من استقضى في موضعه الذي كان فيه، لاشتغاله بما هو سوى ذلك من أمور المسلمين، كبعث البعوث وسد الثغور، وفرض العطاء، فقد ولّى عمر بن الخطاب على قضاء البصرة أبا شريح الحنفي «١» وولّى كعب بن سور اللقيطي، فلم يزل قاضيا ختى قتل عمر، وولّى شريحا قضاء الكوفة يدل على صحة ما تأولناه، إذ لا يصح أن ينظروا بأنفسهم إلا في مواضعهم، لا فيما بعد من البلاد اهـ منه.\nوفي فتح الباري: أن البيهقي خرج بسند قوي؛ أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولّى عمر\n_________\n(١) الصواب أبو مريم الحنفي واسمه إياس بن صبيح. انظر أخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع ص ٢٦٩/ ١ المطبوع في بيروت- عالم الكتب.","vol":"1","page":223},{"text":"القضاء، قال: وبسند آخر قوي أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء. وكتب عمر إلى عماله استعملوا صالحيكم على القضاء، واكفوهم. قال وبسند آخر لين أن معاوية سأل أبا الدرداء. وكان يقضي بدمشق من لهذا الأمر بعدك؟ فقال: فضالة بن عبيد. قال:\nوهؤلاء من أكابر الصحابة وفضلائهم اهـ انظر باب أجر من قضى بالحكمة من كتاب الأحكام.\nوفي المدونة قال مالك: وليس علم القضاء كغيره من العلوم، ولم يكن بهذ البلد أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن، وكان قد أخذ شيئا من علم القضاء عن أبان بن عثمان، وأخذ ذلك أبان من أبيه عثمان اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>هل كان ﵇ يشترط السن المديد فيمن يوليه القضاء</span>\nخرّج أبو داود عن علي بن أبي طالب قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله ﷺ، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضينّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء من بعد «١» هذا. ونحوه أخرج أحمد والحاكم وصححه والترمذي وابن ماجه وغيرهم جاء أن يحيى بن أكثم، لما ولّي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة قيل له: كم سن القاضي؟ قال مثل عتّاب بن أسيد حين ولّاه النبي ﷺ إمارة مكة وقضاءها يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل، حين وجّه به رسول الله ﷺ قاضيا على اليمن، قال الحافظ العراقي في المغني: خرجه الخطيب في التاريخ بإسناد فيه نظر، وما ذكره ابن أكثم صحيح بالنسبة إلى عتّاب بن أسيد، فإنه كان حين الولاية ابن عشرين سنة. ففي منحة واهب الهبات البهية:\nعشرين حولا كان سن أسامة ... لما توفي خاتم الأمناء\nفي الصفوة الجوزي يرويه كذا ... ك الواقديّ الحبر في الأنباء\nوأما بالنسبة إلى معاذ، فإنه لم يتم له ذلك على قول يحيى بن سعد الأنصاري ومالك وابن أبي حاتم، أنه كان حين مات ابن ثلاث وثلاثين سنة في الطاعون سنة ثمانية عشر والله أعلم، وفي باب أخذ الصدقة من الأغنياء وردّها على الفقراء من فتح الباري ما نصه:\nاختلف هل كان معاذ واليا أو قاضيا؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول اهـ منه.\nوفي ترجمة أسامة بن زيد من أسد الغابة: استعمله النبي ﷺ وهو ابن ١٨ سنة اهـ.\nوقال القسطلاني في الإرشاد على قصة بعث أسامة على جيش فيه جماعة من الكبار:\n_________\n(١) انظره في ج ٤ ص ١١ كتاب الأقضية باب ٦ كيف القضاء.","vol":"1","page":224},{"text":"في الحديث جواز تولية المولى وتولية الصغير على الكبير، والمفضول على الفاضل اهـ.\nوقد رأيت لبعض المعتنين من أصحابنا بفاس رسالة في بعض من ورد تقديمه في الأمور الشرعية، قبل الإبّان الذي الشأن فيه أن لا توجد فيه الأهلية، وذكر فيه ما جاء في ترجمة إبراهيم بن النبي ﷺ وعلي، وابن عباس، وزيد بن حارثة، وابنه أسامة، وعتاب بن أسيد، ومعاذ بن جبل، وكعب بن سور، وباذان بن ساسان وابنه شهر، وعمرو بن حزم، وعبد الله بن عامر بن كريز، وزيد بن ثابت، وقيس بن سعد بن عبادة، وزيد بن قنفذ بن زيد بن جدعان. وغالب اعتماده في تراجمهم على الأسد والإصابة فقف عليه.\nوهاهنا غريبة: في تاريخ مصر لابن أبي إياس الحنفي المصري ص ٣٠٦ من الجزء الثاني: وفيها من الحوادث أن الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز عهد للشيخ جلال الدين السيوطي بوظيفة لم يسمع بها قط وهو أنه جعله على القضاة قاضيا كبيرا يولي منهم من يشاء ويعزل منهم من يشاء مطلقا في سائر ممالك الإسلام، وهذه الوظيفة لم يلها قط سوى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز في دولة بني أيوب، فلما بلغ القضاة ذلك شق عليهم واستخفوا عقل الخليفة في ذلك. وقالوا: ليس للخليفة مع وجود السلطان حل ولا ربط، ولا ولاية ولا عزل، ولكن الخليفة استخف بالسلطان لكونه صغيرا، فلما قامت الدائرة والألسنة على الخليفة رجع عن ذلك، وبعث أخذ العهد الذي كان كتبه لجلال الدين السيوطي، وكادت أن تكون فتنة كبيرة بسبب ذلك. ووقعت أمور يطول شرحها. ثم سكن الحال بعد مدة اهـ.\nوفي قوله: لم يسمع بمثلها قط نظر؛ ففي تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي: كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ببلدهم القضاء لجميع الأقاليم، والبلاد التي تحت ملكهم، ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كل إقليم، وفي كل بلد، ولهذا كان يلقب بقاضي القضاة، ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة، ومن عداه بالقاضي فقط، أو قاضي بلد كذا اهـ.\nومن خط ابن الطيب القادري نقلت، وفي ترجمة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من طبقات الحنفية للحافظ قاسم بن قطلوبغا ص ٦٥: أنه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء:\nالمهدي، والهادي، والرشيد، وكان إليه توليه القضاء بالمشرق والمغرب، وأنه أول من خوطب بقاضي القضاة، وذلك كله في خلافة الرشيد اهـ وعبارة غيره في حق أبي يوسف:\nوهو أوّل من دعي في الإسلام بقاضي القضاة. وكان أيضا يقال له: قاضي قضاة الدنيا؛ لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم، التي يحكم بها الخليفة، وفي منظومة الشيخ عبد الغني النابلسي في الشطرنج:\nولا بأس بالشطرنج وهو رواية ... عن الحبر قاضي الشرق والغرب تؤثر","vol":"1","page":225},{"text":"قال في شرح البيت المذكور: وهو أبو يوسف، لأن ولايته شملت المشارق والمغارب، لأنه كان قاضي الخليفة الرشيد اهـ انظر الحديقة الندية له ص ٢٩٦ ج ٢.\nوفي ترجمة أبي شجاع نجم الدين التركي؛ مولى الإمام الناصر لدين الله المهدي بعد الخمس وستمائة، من طبقات ابن قطلوبغا أيضا: أنه عرض عليه الخليفة المنتصر قضاء القضاة فامتنع اهـ.\nوفي وفية الأسلاف وتحية الأخلاف لعالم قازان شهاب الدين المرجاني في ص ٢٧٧ لدى كلامه على قاضي القضاة: وأنه أطلق على خلق كثير، من أجلة القضاة ولم يوجد حقيقة معناه كوجوده في اثنين، وليا قضاء جميع البلاد الإسلامية من مشارقها ومغاربها، وكان جميع قضاة الدنيا في عصرهما يحكمان بحكم النيابة عنهما، أولهما أبو يوسف في خلافة الرشيد، وثانيهما أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد بن مالك الايادي في خلافة المعتصم «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>هل كان للولاة والقضاة راتب</span>\nفي الهداية روي عنه ﵇ أنه بعث عتّاب بن أسيد إلى مكة وفرض له. قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: غريب. ثم ذكر عن ابن سعد في الطبقات أن عتّاب قال:\nما أصبت منذ وليت عملي هذا إلا ثوبين كسوتهما مولاي كيسان اهـ ثم قال: وذكر أصحابنا أنه ﵇ فرض له كل سنة أربعين أوقية، والأوقية أربعون درهما، وذكر أبو الربيع بن سالم أنه ﵇ فرض له كل يوم درهما، وفي طبقات ابن سعد أن عمر رزق عياض بن غنم حين ولاه جند حمص كل يوم دينارا وشاة ومدّا.\nوفي البخاري في باب رزق الحكام والعاملين عليها: وكان شريح يأخذ على القضاء أجرا، وقالت عائشة: يأكل الوصي بقدر عمالته وأكل أبو بكر وعمر اهـ. وفي مصنف عبد الرزاق؛ الحسن بن عمارة عن الحكم أن عمر بن الخطاب رزق شريحا، وسليمان بن ربيعة الباهلي على القضاء اهـ. وروى ابن سعد في الطبقات بلغني أن عليا رزق شريحا خمسمائة، وأن عمر بن الخطاب استعمل زيد بن ثابت على القضاء، وفرض له رزقا ولما تخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق، فلقيه وأبو عبيدة فقالا: انطلق حتى نفرض لك شيئا. وأن أبا بكر لما استخلف جعلوا له ألفين فقال: زيدونا فزادوه خمسمائة.\n_________\n(١) يضاف إلى ذلك أن منصب قاضي القضاة كان في الدولة العثمانية معمولا به وكان يسند إلى شيخ الإسلام الذي يتولى جميع شؤون الدولة الدينية كالأوقاف والمدارس والمحاكم وعنه كانت تصدر مراسيم التعيين والعزل للقضاة والمفتيين لمختلف الولايات والمدن في دولة آل عثمان التي دامت أكثر من ستمائة سنة. والله أعلم. انظر رسالة: مؤسسة شيخ الإسلام في الدولة العثمانية ترجمة الدكتور هاشم الأيوبي. منشورات جروس برس طرابلس لبنان ١٩٩٢. مصححه.","vol":"1","page":226},{"text":"أقول: كان الحافظ الزيلعي، والحافظ ابن حجر، لم يستحضرا في هذا الموطن حديث أبي داود والحاكم عن بريدة رفعه: أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول «١» . عزاه لهما الحافظ في تلخيص الحبير. وقد وجدت أبا داود بوّب عليه في أبواب الخراج والإمارة: باب في أرزاق العمال، ثم أخرجه بلفظ: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول. ثم أخرج عن المسور بن شداد رفعه:\nمن كان لنا عاملا فليكتسب زوجة فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن مسكن فليكتسب مسكنا، قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ قال: من اتخذ غير ذلك فهو غالّ أو سارق «٢» .\nوفي عون الودود على الحديث الأول: سكت عنه أبو داود: والمنذري. ورجاله ثقات، وفيه بينة على جواز أخذ العامل حقه من تحت يده، فيقبض من نفسه لنفسه، ثم نقل عن الطيبي على الحديث الثاني: فيه أنه يحل له أن يأخذ مما في تصرفه من بيت المال قدر مهر زوجته ونفقتها وكسوتها، وكذا ما لا بد له منه من غير إسراف وتنعم اهـ.\nثم أخرج أبو داود عن ابن الساعدي قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت أمر لي بعمالة (ما يأخذه العامل من الأجرة) فقلت: إنما عملت لله. فقال: خذ ما أعطيت؛ فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعمّلني أي أعطاني عمالتي «٣» . قال الكنكوهي في التعليق المحمود على سنن أبي داود: عليه فيه جواز أخذ العوض من بيت المال على العمل العام، كالتدريس والقضاء وغيرهما، بل يجب على الإمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم من بيت المال. وظاهر هذا الحديث وغيره مما يبين وجوب قبول ما أعطيه الإنسان من غير سؤال، ولا إشراف نفس، وبه قال أحمد وغيره، وحمل الجمهور على الاستحباب والإباحة اهـ انظر الباب ٤٩ من سراج الملوك والموفي خمسين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>النظر في المظالم (العدلية)</span>\nقال المرجاني في وفية الأسلاف ص ٣٦٦: النظر في المظالم وظيفة أوسع من وظيفة القاضي، ممتزجة من السطوة السلطانية ونصفة القضاة، بعلو بيّن وعظيم رغبة، تقمع الظالم من الخصمين. وتزجر المتعدي ويمضي ما عجز القضاة ومن دونهم عن إمضائه، ويكون نظره في البينات والتقرير واعتماد القرائن، والأمارات وتأخير الحكم في استجلاء الحق، وحمل الخصم على الصلح، واستحلاف الشهود. وكان الخلفاء يباشرونها بأنفسهم؛ إلى أيام المهتدي بالله، وربما سلموها إلى قضاتهم اهـ.\n_________\n(١) رواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة، باب في أرزاق العمال: ج ٣ ص ٣٥٣، ٣٥٤ وأوله: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول.\n(٢) رواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة، باب في أرزاق العمال: ج ٣ ص ٣٥٣، ٣٥٤ وأوله: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول.\n(٣) انظر سنن أبي داود ٣/ ٣٥٣.","vol":"1","page":227},{"text":"هذه الوظيفة كان يليها المصطفى بنفسه، لأنه كان ينتقد أحكام قضائه وعماله ويناقشهم.\nلما تكلم الشهاب أحمد النويري في نهاية الارب على ولاية المظالم قال: نظر رسول الله ﷺ في المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام، ورجل من الأنصار، في شراج (جمع: شرج بالفتح وهو مسيل الماء من الحرّة إلى السهل)، فحضره رسول الله ﷺ بنفسه اهـ انظر ص ٢٦٨ ج ٦، وكذلك الخلفاء من بعده، كما ذكر المرجاني وناهيك بما سبق.\nوفي سيرة عمر من هذا الباب كثير وناهيك بما كان يفعله كل سنة في الحج الأكبر من تقصيه البحث عن أعمال الولاة، وسؤاله الناس بنفسه عن عمالهم وحكامهم، انظر ما سبق في باب المحاسبة. وذلك أصل مجالس الاستئناف والعدلية.\nوفي ص ١٠٩ من الجزء الثالث من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المدائني:\nوقال عمر في خلافته: لئن عشت إن شاء الله لأسيرنّ في الرعية دولا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقتطع دوني، أما عمالهم فلا يرفعونها إليّ، وأماهم فلا يصلون إليّ. أسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة، فأقيم بها شهرين، والله لنعم الحول هذا.\nوقال: وقد خطب الناس والذي بعث محمدا بالهدى: لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات خشيت أن يسأل الله آل الخطاب. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني بال الخطاب نفسه ما يعني غيرها اهـ.\nوفي سيرة عمر أيضا أنه أول من عيّن شخصا مخصوصا لاقتصاص أخبار العمال، وتحقيق الشكايات التي تصل إلى الخليفة من عماله، وهو محمد بن مسلمة اهـ.\nوفي سراج الملوك للطرطوشي: كان عمر إذا أحب أن يؤتي بالأمر كما هو عليه بعثه اهـ.\nوأخرج ابن راهواه والحارث بن أبي أسامة، ومسدد، قال السيوطي: في الجمع:\nوصحح عن عبد الله بن بريدة في خطبة ربيع بن زياد، بين يدي عمر بن الخطاب، بمحضر الوفود، وإيثار عمر له بولايته وأنه قال في الملأ: لا يأتينّ عليكم وال إلا تعاهدت منه عمله، وكتب إليّ بسيرته في عمله، حتى كأني أنا الذي أستعمله. انظر ص ٣٦ من ج ٧ من كنز العمال.\nوفي سراج الملوك للطرطوشي قال إبراهيم النخعي: كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسعارهم، وعمن يعرف من أهل البلاد، وعن أميرهم هل يدخل عليه الضعيف؟ وهل يعود المرضى؟ فإن قالوا: نعم. حمد الله. وإن قالوا: لا. كتب إليه أن أقبل.","vol":"1","page":228},{"text":"وفيه أيضا: كان عمر بن الخطاب يأمر إذا قدم عليه العمال أن يدخلوا نهارا، ولا يدخلوا ليلا كي لا يحتجنوا شيئا من الأموال.\nوعزى العقباني في تحفة الناظر لجامع الموطأ أن عمر بن الخطاب: كان يذهب إلى العوالي كل يوم سبت، فإذا وجد العبد في عمل ثقيل، لا يطيقه. وضع عنه منه بقدر ما يظهر له.\nوفي العتبية قال مالك: إن عمر بن الخطاب مرّ بحمار عليه لبن فوضع عنه طوبتين، فأتت سيدته لعمر فقالت: يا عمر، ما لك ولحماري؟ ألك عليه سلطان؟ قال: فما يقعدني في هذا الموضع؟ ثم ذكر القصة في خروجه إلى الحوائط بالعوالي.\nقال ابن رشد: المعنى في هذا بيّن، لأن المصطفى ﵇ قال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته. وقد قال عمر في هذا: لو مات جمل بشاطىء الفرات ضياعا، لخشيت أن يسألني الله عنه اهـ من البيان والتحصيل.\nوبذلك كله تعلم ما في الخطط للمقريزي: أول من نظر في المظالم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأوّل من أفرد للظلامات يوما بتصفح قصص المتظلمين من غير مباشرة النظر عبد الملك بن مروان، ثم زاد الجور فكان عمر بن عبد العزيز أوّل من ندب نفسه للنظر في المظالم فردها، ثم جلس لها خلفاء بني العباس اهـ أيضا ما في قول النويري في نهاية الإرب: لم ينتدب أحد من الخلفاء للمظالم، وإنما كانت المنازعات تجري بين الناس فيفصلها حكم القضاة اهـ فإنهم غفلوا جميعا عن سيرة المصطفى وعمر وبذلك كله تعلم ما في نقل الخزاعي في هذه الترجمة، عن ابن العربي في الأحكام من أن هذه الولاية غريبة محدثة، فإنه غفلة منه، عما نقله بنفسه عن الكلاعي في الاكتفاء في باب محاسبة أبي بكر عماله، وكذا قول النويري في النهاية: لم ينتدب أحد للمظالم من الخلفاء، وإنما كانت المنازعات تجري بين الناس فيفصلها حكم القضاء.\nتنبيه: في تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية للزركشي؛ أن عمر بن الخطاب أوصى حين كتب عهده، أنه لا يولّى العامل أكثر من عامين، استشهد بذلك حين ذكر عن الشيخ أبي محمد عبد الواحد الغرياني عمن يوثق به، أن من عادة الموحدين قديما بتونس، أنهم كانوا لا يولون القضاء أكثر من عامين. وأيضا فإنهم يرون أن القاضي إذا طالت مدة قضائه أكثر الأصحاب والإخوان، وإذا كان بمظنة العزل لا يغتر، وأيضا فإن الحال إذا كان هكذا ظهرت مخايل المعرفة بين الأقران، وكثر فيهم القضاة بتدربهم على الوقائع فيبقى الحال محفوظا، بخلاف ما إذا استبد الواحد بعمل؛ فإنه لا يقع فيهم تناصف، ولا يحصل لمن يلي بعده النفوذ بوظيفة ما قدم إليه إلا بعد حين وتنطمس القلوب الطلبة كذا لا ياسهم من الولاية إلا بعد مشقة اهـ منه ص ٤٤.\nوفي طبقات ابن سعد: أن عمر كان إذا بعث عاملا على مدينة كتب ماله، وقد قاسم","vol":"1","page":229},{"text":"غير واحد منهم ماله إذا عزله، منهم سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة. وكان يستعمل الرجل من أصحاب النبي ﷺ مثل عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، ويدع من هو أفضل منهم، مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف ونظرائهم «١» لقوة أولئك على العمل، والبصر به ولإشراف عمر عليهم، وهيبتهم له، وقيل له: مالك لا تولي الأكابر من أصحاب المصطفى ﵇ فقال: أكره أن أدنسهم بالعمل اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>باب أين كان يجلس القاضي للحكم والفصل</span>\nوفي الهداية من كتب الحنفية: أنه ﵇ كان يفصل الخصومات في معتكفه، قال الحافظ بن حجر في اختصار نصب الراية: كأنه يشير إلى حديث كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا في المسجد، وفيه أن النبي ﷺ كشف سجوف حجرته فناداه يا كعب: أن ضع الستر وفي الباب حديث ابن عباس: بينا رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال: أقم علي الحد وفي حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين قال:\nفتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد عليه، وفي الهداية أيضا روي أن الخلفاء الأربعة الراشدين كانوا يجلسون في المسجد لفصل الخصومات، قال الحافظ في تخريج أحاديثها: فيه آثار؛ منها ما ذكره البخاري قال: ولا عن عمر عند منبر النبي ﷺ، وقضى مروان على زيد بن ثابت بالمنبر اهـ.\nوقال الجمال الزيلعي في نصب الراية عن ابن تيمية، في المنتقى على حديث كعب:\nفيه جواز الحكم في المسجد اهـ.\nوفي الصحيح: «٢» باب من قضى ولا عن في المسجد ولا عن عمر عند منبر رسول الله ﷺ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر اهـ وفي الهداية أيضا؛ قال ﵇: إنما بنيت المساجد لذكر الله وللحكم. قال الزيلعي غريب بهذا اللفظ اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر في اختصاره: لم أجده هكذا اهـ منه وفي التيسير في أحكام التسعير: للقاضي ابن سعيد المجيلدي: وقد كان بعض أصحاب الشافعي لما قدم لها أي الحسبة ببغداد، أقام قاضيا وجده يقضي في المسجد، فقال له ألم تسمع قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور: ٣٦] . ولكن هذا يخالف ما روي من استحباب مالك الجلوس للقاضي في المسجد؛ ليتوصل إليه القوي والضعيف والصغير والكبير اهـ.\n_________\n(١) إن أكابر الصحابة هم بمثابة رجال الشورى للخليفة، فمهمتهم أكبر ورتبتهم أعظم من رتبة العمال والولاة. والله أعلم. مصححه.\n(٢) انظر كتاب الطلاق ٦/ ١٧٩ باب ٣٠.","vol":"1","page":230},{"text":"وقال في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم، وفي الحق والصواب. قال مالك: لأنه يرضى فيه بالدون من المجلس. وهو أقرب على الناس في شهودهم، ويصل إليه الضعيف والمرأة نقله ابن فرحون في تبصرته، وفيها أيضا عن ابن حبيب: أحب إليّ أن يجلس في رحاب المسجد اللاصقة به، من غير تضييق بالجلوس في غيرها، وما كان من مضى يجلسون إلا في رحاب المسجد، خارجا عنه. أما عند مواضع الجنائز يريد بالمدينة المنورة؛ وهو الآن الموضع المعروف بمصلى الجنائز خارج باب جبريل، وإما في رحبة دار مروان، وهي التي تسمى رحبه القضاء. وقد جعل ذلك في هذا الوقت ميضأة، وهي على باب السلام.\nقال ابن أبي زيد: واحتج بعض أصحابنا في قضاة المسجد بقوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ص: ٢١] . فدل على أن حكم الحكومة وقعت عنده في مسجده.\nوروي أن النبي ﷺ قضى في المسجد، وفيها أيضا عن تنبيه الحكام لابن المناصف:\nيكره للقاضي الجلوس في داره، وقد أنكره عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشعري، وأمر بإضرام داره عليه نارا، فدعا واستقال ولم يعد إلى ذلك اهـ.\nوفي تاريخ ابن عساكر عن أبي صالح مولى العباس قال: أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه فأتيته في دار القضاء، قال بعضهم: إذا صح هذا يكون عثمان هو أول من اتخذ في الإسلام دار القضاء اهـ.\nوفي جامع التحصيل لابن رشد: المساجد إنما وضعت لذكر الله، قال الله فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٦] فوجب أن ترفع وتنزه ولا تتخذ لغير ما وضعت له، وقد اتخذ عمر بن الخطاب رحبة بناحية المسجد تسمى البطحاء، فقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>باب في الشهادة وكتابة الشروط</span>\n«أمر الله تعالى بالكتاب والإشهاد في بيوع الآجال فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. ثم قال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ؛ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: ٢٨٢] وكذلك أمر سبحانه بالإشهاد في الطلاق والرجعة وعلى الزنى» .\nومع ذلك قال اللسان ابن الخطيب في رسالته «مثلى الطريقة في ذم الوثيقة»: أن الصحابة لم ينقل عنهم أن شاهدا اتخذ حانوتا وطلب على الشهادة أجرا، إنما كان الناس يشهدون بينهم، ويستوثقون بخيارهم وفضلائهم. وفي قوله ﷿: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ","vol":"1","page":231},{"text":"فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة: ٢٨٢] في آية الدين وكتابته دليل على أن المقصود غير متخذي الدكاكين؛ لبعد ذلك وامتناعه في حق المرأة اهـ منها.\nوقد أخرج الترمذي «١» عن عبد الحميد بن وهب قال: قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ قلت: بلى. فأخرج لي كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد من رسول الله ﷺ، اشترى منه عبدا أو أمة لاداء ولا غائلة. يعني خديعة ولا خبثة (وما كان طيب الأصل وكل حرام خبيث) بيع المسلم للمسلم قال الترمذي حديث حسن غريب. وفي الصحيح هذا ما اشترى محمد رسول الله ﷺ من العداء بن خالد بيع المسلم المسلم، لاداء ولا خبثة، ولا غائلة. قال قتادة: الغائلة الزنى والسرقة والإباق «٢» .\nقال عياض في المشارق: وهو مقلوب إذ العداء هو المشتري، ولا يبعد أن يكون من باب: شرى واشترى، وباع وابتاع، بمعنى يستعملان جميعا ونحوه للزركشي نقلا عن المطرزي وغيره، قال: وهو عكس ما ذكره البخاري هنا. وزاد الدماميني: أو يحمل على تعدد الواقعة فلا معارضة اهـ.\nوقال ابن زكريا: الظاهر أن هذا لفظ الوثيقة المكتوبة، المشتملة على بيان الثمن والمثمن اهـ وشرح ابن العربي على ما وقع في الترمذي فقال: فيه البداءة باسم المفضول في الشروط إذا كان هو المشتري. قال: وكتب رسول الله ﷺ ذلك وهو ممن لا يجوز عليه نقض عهده لتعليم الخلق قال: ثم ذلك على سبيل الإستحباب؛ لأنه قد يتعاطى صفقات كثيرة بغير عهدة، وفيه كتاب الإسم واسم الأب والجد، إلا أن يكون مشهورا بصفة تخصه ولذلك قال:\nمحمد رسول الله فاستغنى بصفته عن نسبه، ونسب العداء بن خالد. «وعبارة الخزاعي هنا:\nوإذا ثبت هذا كان حجة لمن يرى من الموثقين تقديم الأشرف بائعا كان أو مشتريا» .\nسبقه إلى ذلك ابن الفخار، ففي ابن التلمساني على الشفا قال ابن العطار في وثائقه:\nمن حق كاتب الوثيقة أن يقدم الشريف على المشروف، لمزيته بائعا كان أو مبتاعا. ورده ابن الفخار بنص الحديث؛ فإنه قدم فيه اسم المشروف على الشريف فتأمله اهـ من المنهل الأصفى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>باب في شهادة الصبيان وكتابة أسمائهم في الكتب النبوية والعقود المصطفوية</span>\nذكر السهيلي كتابه ﵇ لثقيف، وقد ساقه أبو عبيد في كتاب الأموال، وذكر فيه أي أبو عبيد شهادة على وابنيه الحسن والحسين، قال أبو عبيد: فيه من الفقه شهادة\n_________\n(١) انظر كتاب البيوع ص ٥٢٠/ ٣ دون عبارة: وما كان طيب الأصل، وكان حرام خبيث.\n(٢) رواه البخاري في كتاب البيوع باب ١٩ ص ١٠ ج ٣.","vol":"1","page":232},{"text":"الصبيان وكتابة أسمائهم قبل البلوغ، وإنما تقبل شهادتهم إذا أدّوها بعد البلوغ. وفيها أيضا شهادة الابن أيضا مع شهادة أبيه في عقد واحد اهـ نقله في نور النبراس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>باب في سياق عقد من عقود ذلك العصر الطاهر وهو عقد عتق أبي رافع مولاه ﵇</span>\nقال القاضي ابن باديس، في شرح مختصر ابن فارس، نقلا عن العمدة لابي عبد الله التلمساني: الصحيح في اسمه أسلم لأجل عقد عتقه. ونصه بخط الحكم المنتصر بالله أمير المؤمنين بن عبد الرحمن الناصر المرواني:\nبسم الله الرحمن الرحيم كتاب من محمد رسول الله لفتاه أسلم إني أعتقك لله عتقا مبتولا الله أعتقك وله المن علي وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك إلا سبيل الإسلام، وعصمة الإيمان شهد بذلك أبو بكر وشهد عثمان وشهد عليّ وكتب معاوية بن أبي سفيان كان في الكتاب معاوية اهـ ما كان بخط الحكم. قال الشيخ أبو عبد الله كتبته من منقول نقل من خط الحكم اهـ.\nفهذا عقد في عتق نبوي بنصه من الذخائر المكنونة، والكنوز الثمينة فتلقه شاكرا وللمغاربة ذاكرا، حيث إن كلا من الحكم المنتصر وصاحب العمدة وفوائد الدرر مغاربة، وكأنه لم يقف عليه أحد من أعلام المشرق فلذلك لا تراه في مدوناتهم الأثرية. وسيأتي في باب الوقف ما يقتضي أن الصحابة كانوا يكتبون أوقافهم وسياق بعض نصوصها فانتظره في محله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>باب فيمن كان يكتب بين الناس في قبائلهم ومياههم في الزمن النبوي</span>\nوفي العقد الفريد لابن عبد ربه: وكان زيد بن أرقم والعلاء بن عقبة، يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء اهـ ص ١٤٤/ ٢.\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>باب في ذكر من كان يكتب العقود والمعاملات زيادة على ما سبق</span>\n«قال القاضي القضاعي في كتاب الأنباء: كان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير، وقيل: ابن بشر يكتبان المداينات والمعاملات. وقاله ابن حزم أيضا في كتاب: جوامع السيرة» .\nوذكر ذلك أيضا الحافظ في ترجمة حصين انظر ما سبق عنه. وفي ترجمة العلاء بن عقبة من الإصابة أيضا: قرأت في التاريخ المصنف للمعتصم بن صمادح أن العلاء بن عقبة، والأرقم كانا يكتبان بين الناس المداينات والعهود والمعاملات اهـ ص ٢٥ ج ٣.\nومن عجيب الإتفاق أن ما كان يبحث عن جمعه وتدوينه الخزاعي في القرن الثامن وفق له أيضا أبو زيد العراقي الفاسي في أول القرن الثالث عشر فإنه في اختصاره للإصابة؛","vol":"1","page":233},{"text":"يشير للإيقاف على أمثال هذه التراجم، فإنه في ترجمة العلاء، المذكور وقف بقلم غليظ ما نصه: من كان يكتب المداينات والمعاملات والعهود بين الناس.\nوفي شرح الشيخ الطيب بن كيران على ألفية العراقي في ترجمة الكاتب التاسع والثلاثين حصين بن نمير (مصغرين) هو والمغيرة كانا يكتبان المعاملات والمداينات ذكره القرطبي والقضاعي اهـ. فزاد العزو للقرطبي، وفي زمن التابعين قال مصعب: كما في طبقات الفقهاء للشيرازي: كان خارجة بن زيد وطلحة بن عبد الله في زمانهما، يستفتيان وينتهى إلى قولهما. ويقسمان المواريث بين أهلها من الدور والنخيل والأموال، ويكتبان الوثائق للناس.\nوبذلك كله وما سبق في التراجم قبل؛ تعلم ما في قول الإمام الرافعي في شرح الوجيز: كان النبي ﵇ ومن بعده من الأئمة يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات اهـ.\nوالعجب أن الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديثه المسمى بتلخيص الحبير، لم يتعقبه بأكثر من قوله؛ هو مستفاد من الأحاديث السابقة في هذا الكتاب، لكن قد كتب النبي ﷺ لجماعة وأقطع لهم.\nوفي البخاري «١» من حديث أنس: أنه دعا الأنصار ليقطع لهم، وأراد أن يكتب لهم كتابا اهـ منه.\nوقد ألف الإمام لسان الدين والدنيا ابن الخطيب السلماني كتابه «مثلى الطريقة في ذم الوثيقة» مدّ فيه القلم في ذم الموثقين، وذكر مثالبهم بما لا يخلو عن مبالغة.\nوقد كتب الإمام حافظ المذهب أبو العباس الونشريسي صاحب المفيد على أوله بخطه: جامع هذا الكلام قد كدّ نفسه في شيء لا يعني الأفاضل، ولا يعود عليه في القيامة ولا في الدنيا بطائل، وأفنى طائفة من نفيس عمره في التماس مساوى طائفة بهم تستباح الفروج والبروج، وجعلهم أضحوكة لذوي الفتك والمجانة، وانتزع عنهم جلباب الصدق والديانة، سامحه الله وغفر له. قاله وخطه بيمنى يده عبد ربه أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي، خار سبحانه له اهـ بواسطة أزهار الرياض.\nوقد وقعت إليّ نسخة من رسالة ابن الخطيب بخط العلامة أبي عبد الله محمد بن الطيب القادري الفاسي: وهي في نحو كراسين تتبعها الكاتب المذكور مرة بالنقد ومرة بذكر النظائر والمماثلات وذكر أنه نقلها من خط الونشريسي.\nتنبيه لشريح بن يونس كتاب القضاء ولابي عبيد كتاب القضاء وآداب الحكام، ولأبي\n_________\n(١) انظر كتاب مناقب الأنصار باب ٨ ج ٤/ ٢٢٥.","vol":"1","page":234},{"text":"بكر النقاش كتاب القضاة والشهود، ذكر هذه الكتب وأسانيدها الشيخ عابد السندي في حصر الشارد. انظر حرف القاف وصلة الرداني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>باب في فارض الموارث ذكر من كان فارضا في عهد رسول الله ﷺ</span>\n«في جامع الترمذي عن رسول الله ﷺ: أفرضكم زيد، قال الترمذي: حسن صحيح.\nوفي الإستيعاب: كان زيد أحد فقهاء الصحابة الجلة الفرّاض» .\nوفي الإصابة أن ابن سعد يروي من طريق قبيصة قال: كان زيد رئيسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض اهـ.\nوفي مسند الدارمي «١» عن ابن شهاب: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمه غيرهما.\nوخرج أيضا عن مسلم: سألنا مسروقا: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والذي لا إله غيره، لقد رأيت الأكابر من أصحاب محمد يسألونها عن الفرائض.\nوقال أبو يوسف الستاني في شرح التلمسانية: الإختيار أن يؤخذ في الفرائض بمذهب زيد بن ثابت، فإنه أفرض هذه الأمة، بشهادة رسول الله ﷺ. قال السهيلي: وكان عمر أيام كان بالشام يكتب إلى زيد بن ثابت وهو بالمدينة، فيبدأ باسمه قبل اسمه. وحين أشكلت عليه مسألة الجد مشى بنفسه إلى منزل زيد يستفهمه فيها اهـ.\nوروى عاصم الأحوال عن الشعبي قال: غلب زيد الناس على اثنين؛ الفرائض والقرآن. ذكره الذهبي في التذكرة. ونقل فيها أيضا عن سليمان بن يسار قال: ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا في الفتوى والفرائض والقراءة اهـ.\nوانظر ما يأتي في القسم العاشر في فصوله. وفي كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام؛ أن عمر بن الخطاب خطب في الناس بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله قد جعلني له خازنا وقاسما، إني بادىء بأزواج النبي ﷺ فمعطيهن.\nوترجم في القسم الثالث من الإصابة للأكيدر بن حمام اللخمي: وذكر أن له إدراكا ثم نقل عن أبي عمر الكندي في كتاب الخندق؛ أنه كان ذا دين وفضل وفقه في الدين وجالس الصحابة. وروى عنهم وهو صاحب الفريضة التي تسمى الأكدرية. ثم ذكر عن ابن أبي شيبة أنه قيل للأعمش: لم سميت الفريضة الأكدرية فقال: طرحها عبد الملك بن مروان على رجل يقال له الأكدر، وكان ينظر في الفرائض فأخطأ فيها. قال وكيع: وكنا نسمع قبل ذلك أن قول زيد بن ثابت تكدر فيها. قال الحافظ: فلعلّ عبد الملك طرحها على الأكدر\n_________\n(١) انظر مسند الدارمي ج ٢ ص ٦٤٥ أو كتاب الفرائض.","vol":"1","page":235},{"text":"قديما وعبد الملك يطلب العلم بالمدينة. وترجم فيها أيضا عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي فذكر أن مسلما خرج عن علي؛ أن عمر قال لنافع بن عبد الحارث الخزاعي: من استعملت على مكة؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال استعملت عليهم مولى؟ كما في الإصابة قال إنه قارىء لكتاب الله عالم بالفرائض. وترجم فيه أيضا لعقبة بن عامر الجهني فنقل عن ابن يونس: كان قارئا للقرآن عالما بالفرائض والفقه، فصيح اللسان شاعرا كاتبا. وفيها في ترجمة عائشة قال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر بسألونها عن الفرائض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>باب في الوكيل في غير الأمور المالية ذكر من وكله رسول الله ﷺ</span>\n«ذكر ابن العربي في الأحكام له أن النبي ﷺ، وكّل عمرو بن أمية الضمري، على عقد نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان عند النجاشي، ووكّل أبا رافع على نكاح ميمونة في إحدى الروايتين. وقصة توكيل عليّ ﵁ عبد الله بن جعفر، على طلحة بن عبيد الله في شأن ضفير بين ضيعتهما فتنازعا في الخصومة أمام عثمان قصة عجيبة، ذكرها ابن رشد في البيان والتحصيل» .\nوجدتها لابن رشد في جامع البيان والتحصيل أيضا، في كتاب الجامع الرابع تحت عنوان: إن الإمام لا ينظر في أمر قد قضى فيه من قبله من الأيمة العدول، وعنه سقتها في باب الزراعة في القسم التاسع، إذ رأيت القصة هناك أنسب فارجع إليها هناك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>باب في ذكر البصير بالبناء وهو الرجل يكون له البصر بالبناء يبعثه الإمام يحكم بين المتنازعين فيؤخذ بقوله ذكر من كان كذلك في زمن رسول الله ﷺ</span>\n«ذكر أبو عمر في الأستيعاب، في ص ٩٧ من الجزء الأول عن جارية بن ظفر اليمامي؛ أن دارا كانت بين أخوين فحظرا في ذلك حظارا، والحظار كل شيء مانع بين شيئين فهو حظار، ثم هلكا وتركا عقبا فأدعى عقب كل منهما أن الحظار له من دون صاحبه، فاختصم عقباهما إلى النبي ﷺ، فأرسل حذيفة بن اليمان يقضي بينهما، فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط تليه، ثم رجع فأخبر مولانا رسول الله ﷺ فقال: أصبت أو أحسنت. وأصله في تاريخ البخاري» .\nالقصة مخرجة أيضا في طبقات ابن سعد في ترجمة جارية المذكور بلفظ: إن قوما اختصموا في خص، فارتفعوا إلى النبي ﷺ فبعث معهم حذيفة، فقضى به حذيفة للذين يليهم القمط، فرجع إلى النبي فذكر ذلك له فأجازه انظر ص ٤٠٣ من الجزء الخامس.","vol":"1","page":236},{"text":"والخص كما في القاموس بالضم، البيت من القصب، أو البيت يسقف بخشبة كالأزج جمع خصاص وخصوص.\nوفي ترجمة العلاء بن عقبة من الإصابة ذكره المرزباني فقال: كان النبي ﷺ يبعثه هو والأرقم في دور الأنصار اهـ.\nوقد وقع لأبي زيد العراقي إجحاف في اختصار هذا المحل من الإصابة فإنه قال ما نصه: العلاء بن عقبة ممن كان في عهد عمرو بن حزم، وبعثه مع الأرقم لدور الأنصار اهـ وعبارة الأصل تفيد ما لم يفده الإختصار فتأمله.\nوفي ترجمة تميم بن أسد الخزاعي من طبقات ابن سعد أن النبي ﷺ بعثه عام الفتح فجدّد أنصاب الحرم.\nوفي ترجمة الصحابي مخرمة بن نوفل؛ من تهذيب النووي: كان له سن وعلم بأيام الناس وبقريش خاصة، وهو أحد من أقام أنصاب الحرم في خلافة عمر بن الخطاب، أرسله عمر وأزهر بن عبد عوف وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزي فجددوها اهـ منه.\nونحوه في ترجمة المسور بن مخرمة من التهذيب أيضا.\nوفي الخطط للمقريزي: قال القضاعي: ولما رجع عمرو من الأسكندرية، ونزل موضع فسطاطه انضمت القبائل بعضها إلى بعض فتنافسوا في المواضع فولى عمرو على الخطط معاوية بن خديج التجيبي، وشريك بن سمي الغطيفي، وعمر وقحزم الخولاني وحيويل بن ناشرة المعافري «١»، وكانوا هم الذين أنزلوا الناس، وفصلوا بين القبائل. وذلك في سنة أحدى وعشرين اهـ.\nوإن تعجب فاعجب لقول «بطلر» أحد المشتغلين بتاريخ الإسلام من الأوروبيين:\nالظاهر أن الذي قام بتنفيذ هذا الأمر إنما هم القبط لدرايتهم بفن العمارة التي كان يجهلها العرب اهـ وما ذلك إلا من التعصب على العرب وإرادة طمس معلوماتهم وحب القضاء على آثارهم، وأي حاجة بقيت للتعقل بعد تصريح المقريزي بأسمائهم وأنسابهم، وفيما سيأتي في باب البناآت كفاية في الدلالة على علم العرب بالبناء الصحي الهندسي وأساليبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>معرفته ﵇ وأهل الصدر الأول بأمور الهندسة والبناء وإصلاح الطرقات</span>\nفي طبقات ابن سعد: لما أقطع ﵇ الدور بالمدينة، خطّ لعثمان بن عفان داره اليوم، ويقال: إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم وجاه باب النبي ﵇، الذي كان المصطفى ﵇ يخرج منه إذا دخل دار عثمان.\n_________\n(١) انظر الجزء الأول من خطط المقريزي ص ٢٩٧ طبعة دار صادر المصورة.","vol":"1","page":237},{"text":"وفي أزهار الرياض للإمام أبي العباس المقري، نقلا عن خط أبي زيد عبد الرحمن الغرناطي؛ على هامش الشفا عند ذكر عياض أنه ﵇ قال وهو بموضع: نعم موضع الحمام هذا. ما نصه: هو داخل في معرفته ﷺ بالهندسة والبناء، ذكره أبو نعيم في رياضة المتعلمين. ورواه عن أبي رافع قال: مرّ رسول الله ﷺ على موضع فقال: نعم: الحديث قال: فبني فيه الحمام اهـ.\nوقال الخفاجي في نسيم الرياض على هذا المحل: فيه الأخبار بحال البناء ومهابّ الأهوية اهـ وسيأتي في باب المنادي: عن سنن أبي داود «١» أن النبي ﷺ: بعث أن ينادى في معسكره: أنّ من ضيّق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له، وذلك لما ضيق الناس المنازل وقطعوا الطرق. فيؤخذ منه أنه ﵇ كان يحب النظام حتى في نصب الأخبية في السفر، فكيف لا يحب ذلك في محل الأستيطان والبناء المشيد؟ قال شارح السنن: فيه أنه لا يجوز لأحد تضييق الطريق التي يمر منها الناس، ونفي جهاد من فعل ذلك على طريق المبالغة في الزجر والتنفير، وكذلك لا يجوز تضييق المنازل لما في ذلك من الأضرار اهـ.\nوفي سيرة عمر أنه لما أذن ببناء البصرة والكوفة؛ خطوا الشوارع على عرض عشرين ذراعا، وطول أربعين ذراعا، والأزقة تسعة أذرع، والقطائع ستين ذراعا. وبنوا المسجد الجامع بالوسط بحيث تتفرع الشوارع، وذلك بأمر عمر ﵁، وهذا يدل على نفاق سوق الهندسة حتى في البناء في الزمن الأول سفرا وحضرا وتخطيطا، وفي سيرة عمر أيضا: أنه لما جاء الشام سنة ١٧ رتب الشواتي والصوائف؛ أي الجنود التي تغزو في الصيف والجنود التي تغزو في الشياء، وسد فروج الشام ومساكنها وهي: النقط العسكرية وخطوط الدفاع.\nوفي فتوح البلدان: أن معاوية كتب إلى عمر بعد موت أخيه يزيد يصف له سوء حال الشام، فكتب إليه في حرمة حصونها وترتيب المقاتلة فيها، وإقامة الحرس على مناظيرها، واتخاذ المواقيد لها (والمناظير قباب مبنية على رؤوس الجبال العالية، وبين كل بلد وآخر بحيث يتقارب بعضها، ويشرف بعضها على بعض، ويقام فيها حراس يوقدون النيران عند ما يرون إقبال العدو من جهتهم، فيوقد حراس المناظير الذين يلونهم كذلك، وهكذا حتى يصل الخبر إلى المدينة، أو الثغر أو المسلحة في زمن قليل، فيسرعون لإمداد الجهة التي أقبل منها العدو، وهذا كذلك يدل على نفاق أسواق الهندسة في البناآت الحربية، والمراكز العسكرية) .\nوفي فتوح البلدان أيضا: أن عمر كان يشترط على أهل الذمة إصلاح الجسور والطرق.\n_________\n(١) انظر ج ٣/ ٩٥ من كتاب الجهاد باب ٨٨.","vol":"1","page":238},{"text":"وفي باب المفعول فيه من حاشية ابن غازي على الألفية «لطيفة» ذكر أبو حيان عن السهيلي عن قاسم بن ثابت قال: سمي الميل ميلا لأنهم كانوا ينصبون على الطرق أميالا كانوا يعرفون بها الخطى التي مشوها، فيجعلون على رأس كل ثلاث آلاف ذراع بناء كهيئة الميل، يكتبون فيه العدد الذي مشوه. وقال هشام لأعرابي كان يسير معه: أنظر في الميل كم مشينا، وكان الأعرابي أميا لا يقرأ فنظر ثم جاء فقال: فيه مخطف وحلقة وثلاثة كأطباء الكلبة، وهامة كهامة القطا، فضحك هشام. وعلم أن في الميل خمسة اهـ وهذا يدل على عبرهم للطرق وضبطهم المسافات للذاهب والجائي ومعقول أنهم ما عرفوا وعبروا بالفرسخ والميل، حتى كتبوا الأعداد ورسموها خشية الغلط. وانظر المصباح المنير للفيومي.\nوفي الخطط للمقريزي ص ٣٣٩ الجزء الأول أن عبد العزيز بن مروان، كانت له وهو على مصر ألف جفنة كل يوم تنصب حول داره، وكانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل على العجل اهـ وهذا يدل على نجر الطرق وترصيفها، لتجري فيها العجل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>باب في القسام</span>\n«قال ابن إسحاق: كانت المقاسم على أموال خيبر، وكانت عدة الذين قسمت عليهم أموال خيبر من أصحاب رسول الله ﷺ ألفي سهم وثمانمائة سهم برجالهم وخيلهم، الرجال أربع عشرة مائة، والخيل مائتا فرس، فكان لكل فرس سهمان ولفارسه سهم، ولكل رأس سهم جمع إليه مائة رجل فكانت ثمانية عشر سهما» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>باب في المحتسب</span>\nفي المحكم: أحتسب فلان؛ أنكر عليه قبيح عمله، وأنه يحسن الأمر (أي جيد التدبير والنظر) وفيه فصول:\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>فصل فيما جاء عن رسول الله ﷺ في الحسبة</span>\n«خرج الترمذي عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ مرّ على صبرة من طعام؛ (الصبرة واحدة صبر الطعام، يقال: اشتريت صبرة أي بلا وزن ولا كيل) فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: يا صاحب الطعام ما هذا؟ قال أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ ثم قال: من غش فليس منا قال الترمذي حسن صحيح [ج ٣/ ٦٠٦ من كتاب البيوع باب ٧٤] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>فصل فيمن ولاه رسول الله ﷺ أمر السوق وكيف كان يضرب من يعمل بالرّبا في الأسواق على عهده ﷺ</span>\n«في الصحيح عن ابن عمر أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله ﷺ، فبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع","vol":"1","page":239},{"text":"الطعام «١»، وفيه أيضا عن سالم عن أبيه: رأينا الذين يبيعون الطعام مجازفة (والمجازفة بيع الشيء بغير كيل ولا وزن ولا عدد) يضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه، حتى يذهبوا به إلى رحالهم. قال ابن عبد البر في الإستيعاب: إستعمل رسول الله ﷺ سعيد بن سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة» .\nقلت: ترجمه في الإصابة وذكر أن ابن شاهين ذكر عن بعض شيوخه: أن إسلامه كان قبل الفتح بيسير، فاستعمله رسول الله ﷺ على سوق مكة، وفي الإستيعاب: سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت النبي ﷺ، وعمرت، وكانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس عن ذلك بسوط معها.\nوفي التيسير في أحكام التسعير للقاضي أبي العباس أحمد بن سعيد: من شرط المحتسب أن يكون ذكرا إذ الداعي للذكورة أسباب لا تحصى وأمور لا تستقصى، ولا يرد ما ذكر ابن هارون: أن عمر ولى الحسبة في سوق من الأسواق امرأة تسمى الشفاء، وهي أم سليمان بن أبي حثمة الأنصارية، لأن الحكم للغالب والنادر لا حكم له. وتلك القضية من الندور بمكان، ولعله في أمر خاص يتعلق بأمور النسوة اهـ.\nعبارة ابن عبد البر: وكانت تمر في الأسواق، وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس.\nصريحة في خلاف تأويله؛ نعم: عبارته كالصريحة في أنها لم تولّ ذلك في زمنه ﵇، ويؤيده ما في جمهرة ابن حزم: كان عمر إستعملها على السوق.\nوفي أحكام القرآن لابن العربي على قوله تعالى: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [النمل: ٢٣] وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق ولم يصح، قلا تلتفتوا إليه.\nوإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث اهـ منها.\nومما سبق عن ابن عبد البر من الجزم بما ذكر في ترجمة سمراء. وعن القاضي ابن سعيد من توجيه أن ولايتها كانت في أمر خاص يتعلق بأمر النساء ما ينحلّ به إيراد ابن العربي، وإلا فهو وجيه؛ لأن المرأة كما قال هو أيضا في الأحكام لا يتأتى لها أن تبرز إلى المجالس، وتخالط الرجال وتفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجألة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم ولم يعلم قط من تصور هذا ولا أعتقده اهـ منها.\nوفي التيسير لابن سعيد أيضا: إعلم أن الحسبة من أعظم الخطط الدينية، فلعموم مصلحتها وعظيم منفعتها، تولى أمرها الخلفاء الراشدون. لم يكلوا أمرها إلى غيرهم، مع ما كانوا فيه من شغل الجهاد، وتجهيز الجيوش للمكافحة والجلاد اهـ منه.\n_________\n(١) انظر كتاب البيوع باب ٤٩ ص ٢٠/ ٣.","vol":"1","page":240},{"text":"وفي السيرة الحلبية ص ٣٥٤ من الجزء الثالث في ذكر من ولي السوق في زمنه ﷺ؛ أن هذه الولاية تعرف بالحسبة ومولّاها بالمحتسب، كان رسول الله ﷺ إستعمل سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر على سوق المدينة اهـ وبذلك تعلم ما في قول القلقشندي في صبح الأعشي: أول من قام بهذا الأمر يعني الحسبة وصنع الدرة عمر بن الخطاب في خلافته اهـ من ص ٤٥٢ من الجزء الخامس فإن كان مراده الأولية في كل منهما مع التقييد بمدة خلافة عمر فلا إشكال أنه تقصير، لأن عمر كان يحمل الدرة في العهد النبوي، كما أن تكليفه بالسوق كان في زمنه ﵇. كما كلف غيره بذلك إذ ذاك.\nوفي كشف الظنون: علم الإحتساب علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم، اللاتي لا يتم التمدن بدونها، من حيث إجراؤها على القانون المعدل، بحيث يتم التراضي بين المتعاملين، وعن سياسة العباد بنهي المنكر وأمر المعروف، بحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد بحسب ما رآه الخليفة من الزجر والمنع، ومباديه بعضها فقهي، وبعضها أمور استحسانية، ناشئة من رأي الخليفة. والغرض منه تحصيل الملكة في تلك الأمور، وفائدته: إجراء أمور المدن في المجاري على الوجه الأتم وهذا أدق العلوم، ولا يدركه إلا من له فهم ثاقب، وحدس صائب، إذ الأشخاص والأزمان والأحوال ليست على وتيرة واحدة، بل لا بد لكل واحد من الأزمان والأحوال سياسة خاصة، وذلك من أصعب الأمور. فلذلك لا يليق بمنصبها إلا من له قوة قدسية مجردة عن الهوى، كعمر بن الخطاب. كان عالما في هذا الشأن. كذا في موضوع لطف الله اهـ وفيه عدة تاليف، ذكرت في حروفها من كشف الظنون فانظره.\n«مهمة» يعوز كثيرا من العلماء تحرير القول في الدرة، التي كان سيدنا عمر يحملها ويضرب المستحق بها في مدة حسبته وخلافته.\nولم أر من حرر القول فيها كشيخنا الأستاذ الوالد في كتابه المسمى «التوفيق من الرب القريب. في عدد شيب وخضاب النبي الحبيب» وهذا ملخص ما له فيها:\nما اشتهر من أن سيدنا عمر كانت له درة صحيح وقع ذلك في كتاب العتق، وكتاب الديات من صحيح البخاري، وفي الأخير. وأقاد عمر من ضربه بالدرة، ولم يبين حقيقة هذه الدرة عياض في المشارق، وابن الأثير في النهاية، ولا شروح البخاري كالحافظ، والزركشي، والسيوطي وغيرهم. واقتصر في القاموس والصحاح والمصباح ولسان العرب والمخصص لابن سيدة على ما لا يفيد، وعبارة الصحاح: الدرة التي يضرب بها اهـ وفي القاموس: قوله ممزوجا بشرحه درة السلطان التي يضرب بها. وقال الخفاجي في شرح الشفا: الدرة بكسر الدال وتشديد الراء المهملتين: وهي سوط عريض يضرب به اهـ وقال أبو عبد الله جسوس على تصوف ابن عاشر: ذكر بعض شرّاح الرسالة أن عمر كان إذا جنّ","vol":"1","page":241},{"text":"عليه الليل حاسب نفسه، وربما ضرب نفسه بالدرة قال: ولعلها عود في رأسه سوط اهـ؛ وكلام الفقهاء في باب الشرب صريح في المغايرة بينها وبين السوط: ففي المواق لدى قول خليل: والحدود بسوط من المدونة. ولا يجزي الضرب في الحدود بقضيب وشراك ولا درة، ولكن السوط، وإنما كانت درة عمر للأدب اهـ ونحوه للحطاب وغيره.\nوأغرب صاحب الفتح الرباني في عنق المعترض على القطب الجيلاني حيث قال:\nكان عمر كثيرا ما يؤدب الناس بالسوط المشهور بالدرة، وهو بكسر الدال: جلد مركب بعضه على بعض اهـ ومثله في الغرابة ما وجدته بخط الشيخ مصطفى بن محمد البناني المصري على هامش تأليفه: روضة الطالبين لأسماء الصحابة البدريين، ونصه: الدرة بكسر الدال وتشديد الراء؛ كانت من نعل رسول الله ﷺ، وقيل أنه ما ضرب بها أحد على ذنب وعاد له فاعله اهـ.\nوقال الدسوقي في حواشيه على شرح الدردير على المختصر: الدرة سوط رفيع مجدول أي معتدل من الجلد اهـ ونحوه للصاوي في حواشيه على أقرب المسالك، وفيه أيضا أنها كانت من جلد مركب بعضه فوق بعض اهـ وهو بعيد عندي؛ لأنها تدخل إذ ذاك فيما في صحيح مسلم، ومسند أحمد عن أبي هريرة، رفعه: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس» . «١» وفي حديث آخر لمسلم:\n«إن طالت بك مدة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنة الله، في أيديهم مثل أذناب البقر» . «٢» قال المناوي قوله: كأذناب البقر تسمى في ديار العرب بالمقاريع، جمع مقرعة وهو جلدة طرفها مشدودة وعرضها كالأصبع يضربون بها الناس اهـ ونحوه في روح البيان.\nأقول: اتخاذ عمر لها للإذن له في حملها، والضرب على حسب ما حدّ له، فلم يكن يصل في الضرب بها إلى حد ما أنذر به الشارع، وكما كانت الدرة لعمر كانت لعثمان أيضا، إلا أنها أشد من الدرة العمرية كما في أوائل السيوطي وغيره. وفي سراج الملوك للطرطوشي قال الحسن: رأيت عثمان بن عفان وقد جمع الحصباء في مسجد رسول الله ﷺ عند رأسه، وقد وضع أحد جانبي ردائه عليه، وهو يومئذ أمير المؤمنين، ما عنده أحد من الناس ودرته بين يديه اهـ وكان لسيدنا علي أيضا درة فقد أخرج عبد بن حميد في مسنده عن مطرف قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي من خلفي:\nإرفع إزارك فإنه أنقى لثوبك، وأبقى له فمشيت خلفه، وهو بين يدي مؤتزر بإزار مرتد برداء، ومعه الدرة كأنه أعرابي بدوي فقلت من هذا؟ فقال لي رجل: هذا علي بن أبي\n_________\n(١) انظر مسلم: كتاب اللباس باب ٣٤ ص ١٦٨٠/ ٢.\n(٢) انظر كتاب الجنة ونعيمها باب ١٣ ج ٣/ ٢١٩٣.","vol":"1","page":242},{"text":"طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى الإبل، فقال: بيعوا ولا تحلفوا، فإن اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة، ثم أتى إلى أصحاب التمر، فإذا خادم يبكي فقال: ما يبكيك قال: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده على مولاي، فقال له علي: خذ تمرك وأعطه درهمه فإنه ليس له من الأمر شيء، فدفعه ... الحديث بطوله، فعلى هذا كانت الدرة للخلفاء الثلاثة، وقد رأيت من يطلق عليها درة السلطان يضرب بها. انظر ما سبق عن القاموس وشروحه.\nثم وجدت في ابن سلطان على مسند أبي حنيفة: وصف السوط الذي ضرب به عمر في الحد أنه أتى بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا، فأتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشدّ من هذا فأتى بسوط بين سوطين، وفي رواية فدعا بسوط، ثم أمر به فدقت تمرته بين حجرين حتى صارت درة، ثم نقل القاري المذكور عن القاموس تعريف الدرة بما سبق عنه وقال عقبه: لا يخفي أنه تعريف قاصر اهـ وهو كذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>باب في المنادي وهو الذي يقال لصوته البريح</span>\n«في الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: إن الصلاة جامعة، وفي الصحيح أيضا عن أنس: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت قال فجرت في سكك المدينة، وفي الصحيح أيضا عن زاهر الأسلمي قال إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى منادي النبي ﷺ إن رسول الله ﷺ ينهاكم عن لحوم الحمر. وفي سنن أبي داود عن معاذ الجهني قال غزوت مع النبي ﷺ فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق فبعث المصطفى مناديا ينادي في الناس: إن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له «١» .\nوفي الإصابة روى ابن منده من طريق الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن رفاعة قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أطوف في الناس. لا ينبذنّ أحد في المقيّر. وإسناده ضعيف. وترجم فيها أيضا لأوس بن الحدثان فذكر أن مسلما خرّج من طريق أبي الزبير، عن كعب بن مالك عن أبيه أن النبي ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان يناديان أيام التشريق: إن أيام منى أيام أكل وشرب «٢» . قال ابن منده هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوترجم فيها أيضا لبديل بن ورقاء الخزاعي فذكر أن أبا نعيم خرج عن أم الحارث بنت عياش بن أبي ربيعة أنها رأت بديل بن ورقاء يطوف على جمل أورق بمنى يقول: إن\n_________\n(١) أخرجه في ج ٣٩٥ في كتاب الجهاد باب ٨٨.\n(٢) رواه مسلم في كتاب الصيام باب ٢٣ رقم الحديث ١٤٥ ص ٨٠٠.","vol":"1","page":243},{"text":"رسول الله ﷺ: ينهاكم أن تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب. ورواه البغوي أيضا.\nوفي رواية لإبن السكن أن النبي ﷺ أمر بديلا فذكر نحوه. وترجم فيها أيضا لربيعة بن أمية بن خلف القرشي في القسم الرابع، فذكر عن ابن شاهين عن ربيعة المذكور قال: أمرني رسول الله ﷺ، أن أقف تحت صدر راحلته، وهو واقف بالموقف بعرفة، وكان رجلا حييا فقال: يا ربيعة قل: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ يقول لكم: تدرون أي بلد هذا؟\nالحديث. ولغيره أن المصطفى أمر أمية وهو الصواب.\nوقد وقع هكذا في الكلام على حجة الوداع من الفرائد قائلا بعد ذكر الخطبة: وكان الذي يصرخ في الناس بقوله ﷺ، وهو على عرفة حينئذ ربيعة بن أمية بن خلف لكن قال بعد ذلك: وذكر أن الذي كان يصرخ بخطتبه ﵇ ربيعة بن أمية بن خلف لم أقف على ترجمته في كتاب الصحابة لأبي عمر اهـ.\nوترجم فيها أيضا لسجيج فذكر عن ابن شاهين: أنه ﵇ قال لعلي ومعاذ بن جبل وبديل بن ورقاء وسجيج أن: نادوا في الناس فانهوهم أن يصوموا أيام التشريق فإنها أيام أكل وشرب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>باب في صاحب العسس بالمدينة</span>\nوكان يسمى في المغرب قديما بالحاكم، وفي الأندلس بصاحب المدينة وفي تونس والقيروان بالعريف.\nواليوم بمقدمي الحارات، وفي خطط المقريزي: السلف كانوا يسمونها: الشرطة وبعضهم يقول: صاحب العسس. والعسس: الطواف بالليل لتتبع أهل الريب، يقول: عسّ يعس عسّا وعسسا اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>ذكر من ولي ذلك في زمن رسول الله ﷺ</span>\n«خرّج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: سمر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلا يحرسنا الليلة، فبينما نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح فقال:\nمن هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله ﷺ: ما جاء بك قال سعد: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله ﷺ ثم قال الترمذي:\nحسن صحيح، وكان المولّي ذلك في زمن أبي بكر عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وفي زمن عمر كان يتولى العسس بنفسه ويستصحب معه أسلم مولاه، وربما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف» .\nوقد ذكر الخزاعي هنا أنه لم يجد نصا في متولى حراسة أبواب المدينة زمن الهرج في زمنه ﵇. «قال: لكنها نستخرج من حديث حراسة سعد. ثم نقل عن كشف مشكل الصحيحين لابن الجوزي في قصة ادّعاء طليحة بن خويلد للنبوة، وتواثب الناس فأمر أبو","vol":"1","page":244},{"text":"بكر عليا بالقيام على نقب من أنقاب المدينة، وأمر الزبير بالقيام على نقب آخر، وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر، وأمر عبد الله بن مسعود يعس ما وراء ذلك بالليل، ثم ترجم الخزاعي في الباب الخامس عشر في الرجل يكون ربيئة القوم (طليعة فوق شرف) في زمن الهرج وقال: هذا العمل كالعمل قبله في عدم النص في كونه في زمن النبي ﷺ، ولكنه استخرج من حديث سعد الذي تقدم، ونقل أيضا أن أبا بكر أمر ابن مسعود في العسس بالليل والإرتباء بالنهار، والإرتباء الإرتفاع» .\nوغاب عن الخزاعي ﵀ ما جاء في الإصابة (ج ١، ص ٨٢) ففيها عن ذيل ابن فتحون، أنه ﵇ خلف بديل بن ورقاء في حرس المدينة هو وأوس بن ثابت وأوس بن عرابة ورافع بن خديج انظر الكلام على الحارس من القسم الخامس.\nوفي درر الفوائد المنظمة، في أخبار الحج ومكة المعظمة، للشمس محمد بن عبد القادر الأنصاري الحنبلي، لما تكلم على وظائف أمير المحمل الشريف: وذكر منها اتخاذ العسس الذين يطوفون ليلا مع الحجيج، يتعرفون الأخبار، ويمنعون ما عسى يقع من الشجار. قال: وأول من عسّ ليلا عبد الله بن مسعود، أمره على ذلك أبو بكر الصديق ﵁ اهـ.\nوفي الخطط للمقريزي: أول من عسّ ليلا عبد الله بن مسعود أمره أبو بكر الصديق بعس المدينة. خرّج أبو داود عن الأعمش عن زيد قال: أتي عبد الله بن مسعود فقيل له:\nهذا فلان تقطر لحيته خمرا فقال عبد الله: إنا نهينا عن التجسس، لكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به، وكان عمر في خلافته يتولى العسس بنفسه، ومعه مولاه أسلم. وكان ربما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف اهـ. [انظر كتاب الأدب باب ٨٨ ج ٥/ ٢٠٠] .\nوفي طبقات ابن سعد: عمر أول من اشتد على أهل الرّيب والتهم، وأحرق بيت رويشد الثقفي، وكان حانوتا وغرّب ربيعة بن أمية بن خلف إلى خيبر، وكان صاحب شراب. وهو أول من عس في عمله بالمدينة، وحمل الدرة وأدّب بها، ولقد قيل بعد:\nلدرة عمر أهيب من سيفكم اهـ (ج ٣ ص ٢٠٢ القسم ١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>[باب في السجن]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>في سجن الرجال</span>\n«خرج أبو داود «١» عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة: وفي جامع الترمذي مثله، وقال حديث حسن، وفي الصحيح «٢» أنه قال بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، الحديث. وذكر ابن إسحاق خبر بني قريظة حين\n_________\n(١) انظر كتاب الأقضية باب ٢٩ ص ٤٦/ ٤.\n(٢) انظر البخاري كتاب الصلاة ١١٨/ ١.","vol":"1","page":245},{"text":"نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فحبسهم بالمدينة في دار بنت الحرث، امرأة من الأنصار، ثم خرج رسول الله إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم أرسالا» [انظر سيرة ابن هشام ج ٢/ ٢٤٠] .\nقال الماوردي في الأحكام السلطانية؛ الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان يتولى نفس الخصم أو وكيله عليه ملازمته له، ولهذا سماه النبي ﷺ أسيرا، كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: إلزمه ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريده أن تفعل بأسيرك؟\nوفي رواية ابن ماجه: ثم مرّ رسول الله ﷺ في آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟ وهذا كان هو الحبس على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر الصديق. ولم يكن له محبس معد ليحبس الخصوم.\nوتنازع العلماء هل يتخذ الإمام حبسا على قولين: فمن قال لا يتخذ حبسا احتج بأنه لم يكن لرسول الله ﷺ ولا لخليفته بعده حبس، ولكن يعوضه «١» بمكان من الأمكنة أو يقيم عليه حافظا وهو الذي يسمى الترسيم، أو يأمر غريمه بملازمته، ومن قال: له أن يتخذ حبسا احتج بفعل عمر.\nوأما الحبس الذي هو الآن فإنه لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك أنه يجمع الجمع الكثير، في موضع يضيق عنهم غير متمكنين، من الوضوء والصلاة وقد يرى بعضهم عورة بعض، ويؤذيهم الحر والصيف.\nوقال الإمام أبو عبد الله بن فرج مولى ابن الطلاع في كتاب الأقضية: اختلف أهل العلم هل سجن رسول الله ﷺ وأبو بكر أحدا قط أم لا؟ فذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ لم يكن له سجن ولا سجن أحدا قط، وذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ سجن في المدينة في تهمة. رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وذكر أبو داود عنه في مصنفه قال: حبس رسول الله ناسا من قومي في تهمة بدم، وبهز بن حكيم مجهول عند بعض أهل العلم، وأدخله البخاري في كتاب الوضوء فدل على أنه معروف.\nوفي غير المصنف عن عبد الرزاق بهذا السند أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلّى عنه.\nووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان، أن رسول الله ﷺ\n_________\n(١) هكذا في الأصل! وينبغي وضع كلمة بمعنى: يلزمه. أو يعوقه. فلتحرر.","vol":"1","page":246},{"text":"سجن رجلا أعتق شريكا له في عبد، فأوجب عليه استتمام عتقه، وقال في الحديث: حتى باع غنما كانت له. وقال ابن شعبان في كتابه: وقد رويت عن النبي ﷺ أنه حكم بالسجن والضرب.\nواحتج بعض العلماء ممن يرى السجن بقول الله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥] وبقول النبي ﷺ في الذي أمسك رجلا لآخر حتى قتله: أقتلوا القاتل واصبروا الصابر. قال أبو عبيد قوله: واصبروا الصابر يعني: احبسوا الذي حبسه الموت حتى يموت اهـ وفي بدائع السلك للقاضي ابن الأزرق؛ نقلا عن ابن فرحون، عن ابن قيم الجوزية: إن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف، كان في بيت أو مسجد أو ملازمة الغريم له، ولهذا سماه النبي ﷺ أسيرا. وفي سنن أبي داود عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: إلزمه ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك «١»؟ قال: وكان هذا هو السجن في زمنه ﵇، وزمن أبي بكر ﵁ اهـ.\nوفي اتحاف الرواة بمسلسل القضاة للإمام أحمد بن الشلبي الحنفي لدى ذكره أوليات علي: وأول من بني السجن في الإسلام، وكانت الخلفاء قبله يحبسون في الآبار اهـ.\nوفي شفاء الغليل للخفاجي: السجن لم يكن في زمن رسول الله ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان سجن، وكان يحبس في المسجد أو في الدهاليز حيث أمكن. فلما كان زمن علي أحدث السجن وكان أول من أحدثه في الإسلام وسماه نافعا، ولم يكن حصينا فانفلت الناس منه، فبنى آخر وسماه مخيسا بالخاء المعجمة والياء المشددة فتحا وكسرا وإنما ذكرته هنا لأن هذه الأسماء حدثت بعد العصر الأول اهـ.\nفالمحصل من كلامهم أن السجن بمعنى حبس الغريم غريمه مثلا، كان موجودا وأما اتخاذ محل معين بني لذلك خصيصا فلم يكن إلا في زمن عمر.\nتنبيه- ذكر الخزاعي هنا سجن عمر للحطيئة عن بهجة المجالس، لأبي عمر بن عبد البر، أن عليا بني سجنا بالكوفة ولم يستوعب ما يجب أن يذكر في الباب، فقد أخرج قصة سجن عمر للحطيئة الزبير بن بكار في الموفقيات وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني انظر الإمتاع للأدفوي ووقع في شرح الشواهد الكبرى للبدر محمود العيني: أن الزبرقان كان استعدى عليه عمر الخطاب وزعم أنه هجاه فلما أنشد عمر ﵁.\nواقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\n_________\n(١) انظر كتاب الأقضية ج ٤/ ٤٦.","vol":"1","page":247},{"text":"قال: ما أراه قال لك بأسا قال الزبرقان: سل ابن الفريعة يعني حسان بن ثابت الأنصاري، فإن لم يكن هجاني فلا سبيل عليه، فأرسل إلى حسان فسأله هل هجاه بقوله: واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قال قد هجاه فحبسه فقال: الحطيئة وهو محبوس:\nماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر\nألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر\nأنت الأمير الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النهى البشر\nلم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بها الخير\nقال العيني: وكانت السجون آبارا فأول من بنى السجن علي بن أبي طالب. ثم قال على قوله: في قعر مظلمة أي: بير مظلمة، وقد قلنا: إن السجون كانت آبارا اهـ منه ص ٥٢٥ من الجزء الرابع الذي بهامش خزانة الأدب. ولعل عمر كان يحبس في الآبار، قبل شراء الدار التي أعدها للسجن، فقد أخرج البيهقي من حديث نافع بن عبد الحارث، أنه اشترى من صفوان بن أمية دار السجن عمر بن الخطاب بأربعة آلاف، وعلقه البخاري. انظر تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر، ونحوه في ترجمة نافع بن الحارث الخزاعي من تهذيب النووي، نقلا عن المهذب ونحوه للمقريزي في الخطط.\nوفي بدائع السلك لابن فرحون عن ابن القيم: بعد ما سبق عنه أنه لما اشتدت الرعية في زمن عمر، ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا وفيه دليل على جواز اتخاذه اهـ ملخصا.\nوقد كان السلطان أبو الأملاك المولى اسماعيل بن الشريف العلوي دفين مكناس سأل علماء فاس؛ القاضي بردلة والمسناوي وابن رحال وغيرهم من أول من أحدث السجن؟ وكيف كان الناس يسجنون في الآبار؟ وكيف الجمع بين ما ذكره السيوطي من أن أول من أحدث السجن علي وبين ما ذكره ابن فرحون، من أنه عمر لما اتسعت مملكته فأجاب الشيخ المسناوي بأن التعارض يدفع ما بين ابن فرحون والسيوطي بحمل كلام السيوطي على أن عليا أول من أحدث له مكانا مخصوصا، واتخذه بقصده في ابتداء «١»، وما كان من عمر فإنه كان في تأني حال، وعارضا للدار المتخذة بالقصد الأول لغيره من السكنى ونحوها، وأما استكشال السجن في الآبار فإن المراد بها السراديب والمطامير، المتخذة تحت الأرض. وقد تكون من الإتساع بحيث تحمل المئين من الناس، لا سيما مصانع ملوك الأمم السالفة، فإنها كانت على قدر قواهم التي لا نسبة بينها وبين من جاء بعدهم. وتسمية ذلك بالآبار للشبه الصوري بالكون\n_________\n(١) فراغ ويتم المعنى بوضع كلمة: (الأمر) .","vol":"1","page":248},{"text":"تحت الأرض مع ضيق أبوابها ومداخلها، وقد تكون مع هذا متعددة ومتكثرة على قدر الحاجة إلخ انظر نوازل الشيخ المسناوي.\nتنبيه- قال القاضي ابن سعيد في التيسير في أحكام التسعير: من عرّض من الكتاب والشعراء بسبّ أحد أو هجوه سجن وأدّب. وقد فعل ذلك عمر بالحطيئة سجنه حين عرّض بالزبرقان بن بدر التميمي بقوله: اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>سجن النساء</span>\n«في كتب السيرة من خبر إسلام عدي بن حاتم، وفراره إلى الشام حين سمع بجيش رسول الله ﷺ، وطىء بلادهم فخرج يتبعه خيل رسول الله ﷺ، فأصابت بنت حاتم ممن أصابه فقدم بها في سبايا طيء، وقد بلغ رسول الله ﷺ أنه هرب إلى الشام، فجعلت بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد، وكانت النساء تحتبس فيها» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>هل كانوا يجرون على المساجين أرزاقا</span>\nقال الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج: لم تزل الخلفاء تجري على أهل السجون ما يقوتهم في طعامهم وإدامهم، وكسوتهم الشتاء والصيف، وأول من فعل ذلك علي بن أبي طالب بالعراق، ثم فعله معاوية بالشام، ثم فعله الخلفاء بعده اهـ.\nوانظر ترجمة عمر بن عبد العزيز من طبقات ابن سعد، وفي خطط المقريزي قيل:\nأول من وضع السجن والحرس معاوية اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>[باب في التأديب]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>في التأديب بالضرب</span>\nفي كتاب الأقضية لابن الطلاع عن كتاب لابن شعبان عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن رجلا قتل عبده متعمدا. فجلده النبي ﷺ مائة جلدة. ونفاه سنة وأمره أن يعتق رقبة، وقال ابن شعبان في كتابه: وقد رويت عن النبي ﷺ أنه حكم بالسجن والضرب اهـ.\nوفي نور النبراس على قصة الإفك: اختلف في جلدهم على قولين، والذي يظهر أنه ﵇ جلدهم، وقد جزم البخاري في آخر تاريخه بذلك في باب: قوله الله تعالى وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨] وقد روى أصحاب السنن الأربعة، من حديث عمرة عن عائشة: أنها لما نزل فيها أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم «١» . قال الترمذي:\nحسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق. وقد جزم ابن عبد البر في الإستيعاب، في ترجمة مسطح بأنه جلد الحد. وفي ترجمة حمنة بأنها جلدت مع من جلد عند من\n_________\n(١) انظر مسند أحمد ٦/ ٦١ ونقطة؛ لما نزلت براءتي قام رسول الله ﷺ على المنبر فدعاهم وحدّهم.","vol":"1","page":249},{"text":"صحح جلدهم. وفي الطبراني عن عائشة عن عبد الله بن أبي جلد مائة وستين، قال عبد الله بن عمر: وهكذا يفعل في كل من قذف زوجة نبي اه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>التأديب بالنفي</span>\nنفي ﵇ الحكم بن أبي العاص إلى الطائف، لكونه حاكاه في مشيته، وفي بعض حركاته فسبه وطرده وقال له: كذلك فلتكن، فكان الحكم متخلجا يرتعش. وقد عير عبد الرحمن بن ثابت مروان بن الحكم بذلك فقال يهجوه:\nإن اللعين أبوه فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلجا مجنونا\nيمشي خميص البطن من عمل التقى ... ويظل من عمل الخبيث بطينا\nقال ابن إبراهيم الوزير في الروض الباسم: ولم يخبر ﵇ أهل الطائف أنه يحرم عليهم مجاورة الحكم، ويجب عليهم نفيه. وهم مسلمون ممتثلون لأوامره اهـ وفي زمان سيدنا عثمان رده إلى المدينة قيل: بنص عنده في ذلك، وقيل: لأجل القرابة وبلوغ العقوبة حدّها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>الأدب بالهجران</span>\nفي الصحيح أن في غزوة تبوك تخلف عنه ﷺ عن غير شك في الدين ولا ارتياب:\nكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، لا يتهمون في إسلامهم، ثم لحقوا به ﵇ يعتذرون ويحلفون فصفح عنهم، ولم يعذرهم. وقال للصحابة: لا تكلمنّ أحدا من هؤلاء الثلاثة، يعني كعبا وصاحبيه. فبقوا خمسين ليلة، على ما هو مبسوط في السيرة، والصحيحين من حديث كعب «١» بطوله حتى تاب الله عليهم، وقد قاسوا من هجر المصطفى وأصحابه لهم ما أخبر عنه القرآن بقوله: ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة: ١٨] قوله تعالى: بما رحبت أي مع رحبها، أي سعتها فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه قلقا وجزعا تمثل لحيرتهم في أمرهم، وضاقت عليهم أنفسهم، قلوبهم للغم والوحشة بتأخير توبتهم، فلا يسعها سرور ولا أنس.\nوفي حديث كعب: حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف وفي رواية: وتنكرت لنا الحيطان، حتى ما هي بالحيطان التي نعرف. وهذا يجده الحزين والمهموم في كل شيء، حتى قد يجده في نفسه. وعند ابن عائد: حتى وجلوا أشد الوجل، وصاروا مثل الرهبان. وللبيهقي في الدلائل قال: كانوا عشرة رهط، تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما رجع ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري\n_________\n(١) انظر صحيح البخاري ج ٥ ص ١٣٠ من كتاب المغازي باب ٧٩.","vol":"1","page":250},{"text":"المسجد، وكان ﵇ ممره إذا رجع في المسجد عليهم فقال: من هؤلاء؟ قال:\nهذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم، قال:\nأقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو، فأنزل الله وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ [التوبة: ١٠٢] فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم، وعذرهم إلا أبا لبابة لم يرض أن يطلقه إلا النبي ﷺ بيده ففعل، ولما نزلت توبتهم نادى البشير كعبا فخر ساجدا لله، وقام إليه طلحة بن عبيد الله فحياه وما شاه ولم يقم إليه أحد ممن كان في مجلس رسول الله ﷺ غيره، فقال له ﷺ أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك قال النووي: أي سوى يوم إسلامك، وإنما لم ينبه لأنه معلوم لا بد منه.\nوفي ترجمة حمزة بن عمر الأسلمي من طبقات ابن سعد، أن حمزة بن عمر هو الذي بشر كعب بن مالك بتوبته وما نزل فيه من القرآن، فنزع كعب ثوبين كانا عليه فكساهما إيّاه قال كعب: والله ما كان لي غيرهما قال فاستعرت ثوبين من أبي قتادة.\nيؤخذ من هذه القصة الخلع على المبشر والمنشد، إذا أثر بإنشاده، قال القاضي ابن باديس: كنت بمكة في موسم سنة ٧٥٥ وكان هناك قاضي قضاة الديار المصرية، عز الدين بن عبد العزيز بن القاضي بدر الدين أبي عبد الله محمد بن جماعة، وشيخ القدس الشريف الحافظ صلاح الدين العلائي وجماعة من الفضلاء، فوقعت مسألة لبعض الشيوخ الساكنين بالحرم من المتصوفة نقل عنه قصيد يقول فيه:\nفيا ليلة فيها السعادة والمنى ... لقد صغرت في جنبها ليلة القدر\nفعقدوا عليه بذلك الشهادة، وأفتى بعض أهل الثغر ممن كان هناك بالتشديد عليه، حتى تجاوز بعضهم إلى ما هو أشد، فأراد قاضي القضاة الإيقاع بالقائل. قال لي الشيخ صلاح الدين: فلم أزل أخفض منه وألتمس وجوه السلامة وأقول للقاضي: لا أحب منك التعرض للمتصوفة، ولا المبادرة فيما لم يتحقق الأمر فيه، واستشهد بقول النبي ﷺ: أبشر بخير يوم مر عليك، ومعلوم أنه مرت عليه ليلة القدر، فجعل النبي ﷺ أنها خير ليلة مرت عليه، لأن الله تاب عليه فيها، فهذه إنما هي بالنسبة لكل شخص وهو مراد القائل اهـ.\nإنما استطردت هذه الفائدة هنا ليعلم مقدار تسامح المحدثين والحفاظ في القديم مع الصوفية، ونزوعهم إلى تدعيم شطحاتهم ومبالغتهم من السنة، قال ابن باديس: نهي النبي ﷺ الصحابة عن كلام كعب وصاحبيه دليل وجوب هجران من ظهرت معصيته، أو بدعته ومقاطعتهم، وعدم السلام عليهم إلى أن يقلعوا وتظهر توبتهم تحقيرا لهم وزجرا.","vol":"1","page":251},{"text":"وقال الطبراني: حديث كعب أصل في هجران أهل المعاصي والفسوق والبدع، ألا ترى نهيه عن كلامهم لتخلفهم، ولم يكن ذلك كفرا ولا ارتدادا، وإنما كان معصية ارتكبوها فهجروا حتى تاب الله عليهم، ثم أمر بمراجعتهم فكذا كل من أذنب ذنبا خالف به أمر الله ورسوله مما لا تأويل له، وركب معصية علم منه أنها معصية أن يهجر غضبا لله ورسوله، ولا يكلم حتى يتوب توبة ظاهرة معلومة ولا يلزم هذا في المشركين فإن الإجماع منعقد على جواز مبايعتهم ومعاملتهم. ولا يهجرون.\nوذلك وقع من الرسول في هؤلاء وإن كانوا مقرين بالتوحيد والرسالة مع ارتكابهم معصية.\nوفي تشنيف المسامع على حديث: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث «١» قال ابن زرقون في شرح الموطأ: هذا مخصوص بحديث كعب بن مالك، وهو أصل في هجر أهل البدع، ومن أحدث في الدين ما لا يرضى، ومن خشي من مجالسته الضرر في الدين، أو في الدنيا، والزيادة في العداوة والبغضاء، فهجرته والبعد عنه خير من قربه، لأنه يحفظ عليك زلاتك ويماريك في صوابك، وربما صرم جميل خير من مخالطة مؤذية.\nوانظر الإحياء في كتاب العزلة فقد ذكر حديث: لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث، قال: إلا أن يكون ممن لا تؤمن بوائقه وعليه ينزل قول الحسن: هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى، فإن ذلك يدوم إلى الموت، إذ الحماقة لا ينتظر علاجها.\nوقال ابن فرحون في التبصرة: قد عزّر النبي ﷺ بالهجر، وذلك في حق الثلاثة الذين خلفوا، وأمر عمر بن الخطاب بهجر صبيغ، الذي كان يسأل عن مشكلات القرآن، فكان لا يكلمه أحد اهـ.\nولما ذكر أبو داود حديث تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله في ذلك اليوم، لكل امرىء لا يشرك بالله شيئا إلا امرآ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا قال: وإذا كانت الهجرة لله فليس شيء من هذا، فإن رسول الله ﷺ هجر بعض نسائه أربعين صباحا. وهجر ابن عمر ابنا له حتى مات اهـ.\nوقال النووي وردت الأحاديث بهجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة اهـ وقال الزرقاني على الموطأ وأصله للسيوطي: وما زالت الصحابة والتابعون ومن بعدهم يهجرون من خالف السنة أو من دخل عليهم من كلامه مفسدة اه.\n_________\n(١) حديث: لا يحل لرجل. رواه الإمام مالك في الموطأ في كتاب حسن الخلق ص ٩٠٦ عن أبي أيوب الأنصاري ونصه: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال.","vol":"1","page":252},{"text":"وفي الحطّاب عن التادلي أنه قال: ويجب أن لا يواصل من لم ترج مودته وائتلافه، وإن طلبك في المواصلة لأن فائدة المواصلة إنما هو تطييب القلوب، وأما من يظهر الود ويكتم البغض فيجب هجرانه اهـ وفي ألغاز ابن فرحون عن أبي بكر الوراق في جامع مختصره الكبير: أن الرجل إذا علم من إنسان أنه يستثقل سلامه فإنه يجوز له ترك السلام عليه، ولا يدخل في الهجرة المنهي عنها اهـ انظر كتاب الجامع من درة الغواص.\nعندي في مجموعة رسالة للحافظ السيوطي سماها: الزجر في الهجر، نحو كراسة ملأها نقلا وإسنادا فيما يرجع للتهاجر في الله، وفي هجر أهل البدع في الأعمال، أو الأقوال أو الإعتقاد من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم، صدّرها بقصة كعب وأصحابه وقال فيها؛ جمع بعضهم أسماء من كان يزجر بالهجر من الصحابة فذكر منهم: عائشة وحفصة وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. انظرها وقف على صدر جواهر العقدين في فضل الشرفين للسيد السمهودي ترعجبا لكن قال الشيخ جسوس لدى كلامه على هجران المبتدع: إذا كان لا يصل إلى عقوبته ولا يقدر على موعظته لكن يخاف منه إذا هجره وترك مخالطته كان له مخالطته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>باب في معاملته ﷺ للمستحق بالتعبيس ونحوه</span>\nفي الموطأ وغيرها عن هشام بن عروة عن أبيه موقوفا، ووصله الترمذي من طريق سعد بن يحيى الأموي، عن أبيه عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت أنزلت «عبس وتولّى» في عبد الله بن أم مكتوم، جاء إلى رسول الله ﷺ يقول: يا محمد أرشدني وعنده رجل من عظاماء المشركين، في مسند أبي يعلى، أنه أبي بن خلف، وفي تفسير ابن جرير أنه كان يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، فجعل النبي ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأسا فيقول: لا والدماء لا أرى بما تقول بأسا فأنزلت: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) «١» .\nقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره في سورة عبس: الظاهر أنه كان ﷺ مأذونا له أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة، وكيف لا يكون ذلك، وهو إنما بعث ليؤدبهم ويعلمهم محاسن الآداب، وإذا كان ذلك كذلك، كان التعبيس داخلا في تأديب أصحابه فكيف وقعت المعاتبة؟ أي في قوله تعالى: (عبس وتولى أن جاءه\n_________\n(١) انظر الموطأ، كتاب القرآن ص ٢٠٣ ج ١ رقم الحديث ٨.","vol":"1","page":253},{"text":"الأعمى) قال: والجواب: أنه ﷺ كان مأذونا له في تأديب أصحابه، لكن هاهنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وكان ذلك يوهم ترجيح الدنيا على الدين فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة اهـ.\n«لطيفة» قال الصلاح الصفدي إثره في نكت الهميان: ليس هذا مما فيه إيهام تقديم الدنيا على الدين لأن أولئك الكفار؛ لو أسلموا لأسلم بإسلامهم جمع عظيم من أشياعهم وأزواجهم ومن يقول بقولهم، ولهذا المعنى رغب ﷺ في إسلامهم، وطمع فيها وذلك غاية في الدين اهـ «١» .\nوقد أخرج أبو يعلى عن أنس: فكان النبي ﷺ بعد ذلك يكرم ابن أم مكتوم بعد نزول هذه الآية زاد غيره كما في نكت الهميان للصلاح الصفدي، ويقول ﷺ إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين.\nقلت: بل في شرح منظومة الآداب للسفاريني نقلا عن الخطابي في باب: الضرير يولى في كتاب الإمارة، أن النبي ﷺ كان يقوم لإبن أم مكتوم كلما أقبل، ويقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. قال وذكره جماعة من غير الخطابي بغير لفظ القيام؛ انظر ص ٢٧٩ من الجزء الأول.\n«نكتة» أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كان يقال لو أن رسول الله ﷺ كتم من الوحي شيئا كتم هذا عن نفسه.\n«نكتة أخرى» في كتاب السماع من الإحياء، لدى الكلام على قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان: ٦] لو قرىء القرآن ليضل به عن سبيل الله كان حراما، كما حكي عن بعض المنافقين، أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا سورة عبس؛ لما فيها من العتاب مع رسول الله ﷺ، فهمّ عمر بقتله، ورأى فعله حراما لما فيه من الإضلال اهـ منها ص ٥١٧ ج ٦ من شرحها طبع مصر.\nوفي المجاجي على مختصر ابن أبي جمرة نقلا عن ابن فرحون: لا يجوز للإمام أن يداوم على قراءة سورة معينة، ويقصد بذلك إضلال الناس كقراءة سورة عبس، وآية الجهاد ونحوها اهـ منه وانظر ألغاز ابن فرحون.\n«نكتة» وقد كان الشيخ الوالد ﵀ عاتب مرة بعض مريديه في وجهه فعرض له بأن المصطفى كان لا يواجه أحدا بما يكره في وجهه، ولكن كان يقول: ما بال أقوام فأجبته بقول المصطفى لأبي ذر، كما في الصحيح: فيك خصلة من خصال الجاهلية، وتعبيسه ﵇ في وجه ابن أم مكتوم، هذا وجماع القول في الباب أنه ﵇ كان\n_________\n(١) انظر نكت الهميان في مقدمته الرابعة ص ٢٧ الطبعة الأولى.","vol":"1","page":254},{"text":"يختلف حاله باختلاف الناس بين راسخ الود ثابت الإعتقاد، وبين غيره من المذبذبين فكان يخاطب كل واحد على حسب منزلته وإيمانه والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>باب في قتله ﵇ بيده</span>\nقتل ﵇ بيده الكريمة أبي بن خلف، في غزوة أحد. وذلك أنه ﵇، تناول الحربة من يد الحرث بن الصمة فأخذها ﵇ وانتفض بها انتفاضة، تطاير منها من حضر تطاير الشّعراء (ذباب صغير له لدغ) عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله ﵇ فطعنه طعنة في عنقه، وقع بها عن فرسه، فكسر ضلعا من إضلاعه فمات بسرف.\nوذكر الحافظ البابلي في سيرته: أنه ﵇ لم يقتل بيده إلا هذا، وأصله لابن تيمية، كما نقله الزرقاني على المواهب في مواضع. انظر ص ٥٦ من الجزء الأول، وص ٥٤ من الجزء الثاني أيضا وص ٣٠٤ من ج ٤.\nوفي مفاتيح العلوم، للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف، الكاتب الخوارزمي، لما تكلم على الحربة التي أهدى النجاشي إلى النبي ﷺ قال: وكانت تقدم بين يديه إذا خرج إلى المصلى يوم العيد. قال: وهي الحربة التي قتل بها النبي ﷺ أبي بن خلف بيده يوم أحد، وتسمى العنزة أيضا، فأفاد أن الحربة الحبشية هي التي قتل بها ﵇.\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>باب في تعذيبه ﵇ بالإحراق والهدم ومن بعثه لذلك</span>\nروى ابن هشام «١» عن عبد الله بن حاتم عن أبيه قال: بلغ رسول الله ﷺ، أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس عن تبوك، فبعث ﷺ طلحة بن عبيد الله، في نفر وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل، واقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا.\nوفي غزوة تبوك جاءه ﵇ خبر مسجد الضرار من السماء، فدعا مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي العجلاني، فقال: انطلق إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدمه وأحرقه، فخرجا فحرقاه وهدماه، وفي رواية: فدعا مالكا ومعنا وأخاه، زاد البغوي: وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة، وزاد في التجريد: سويد بن عباس الأنصاري، فقال:\nانطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه. قال الزرقاني في شرح المواهب:\nفيحتمل أنه أرسلهما أولا وخاطبهما بلفظ التثنية، وعززهما بالأربعة، وخاطبهم بالجمع،\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٥١٧ تحت عنوان: تحريق بيت سويلم وشعر الضحاك في ذلك طبعة البابي الحلبي ١٩٥٥.","vol":"1","page":255},{"text":"فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، فخرجا قال ابن إسحاق: أتيا بني سالم بن عوف رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدّان حتى دخلاه، وفيه أهله فحرقاه وهدماه، وفي رواية: فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم فأخذ مالك سعفا وأشعله، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوه بين المغرب والعشاء، وفيه أهله فحرقوه وهدموه حتى وضعوه في الأرض. وتفرق عنه أصحابه. وراجع ما سيأتي في القسم التاسع لدى الكلام على البناء وصناعته.\nوفي الصحيح «١» أن المصطفى ﵇ أمر بقطع نخل بني النضير، وقال الإمام أبو عبد الله بن غازي، في تكميل التقييد على قول المدونة، وقد قطع النبي ﷺ نخل بني النضير، وأحرق قراهم. روى ابن وهب أن النبي ﷺ قطع نخل بني النضير وهي البويرة (اسم موضع) وفيها يقول حسان:\nوهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير\nوليس في الأمهات شعر إلا هذا البيت، ولهذا قال الشيخ أبو الفضل ابن النحوي.\nأصحبت فيمن له دين بلا أدب ... ومن له أدب عار عن الدين\nأصبحت فيهم غريب الشكل منفردا ... كبيت حسان في ديوان سحنون\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>باب في معاملته ﵇ المستحق بسمل الأعين والإلقاء في الحرة وقطع الأيدي والأرجل ونحو ذلك</span>\nقصة العرنيين مشهورة خرجها البخاري في مواضع، ولنسقها من باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها عن أنس قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، أي استوخموها فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ، وساقوا الغنم. فجاء الخبر في أول النهار، فقمنا في آثارهم فلما ارتفع النهار، جيء بهم فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرّة (أرض ذات حجاة سود) يستسقون فلا يسقون زاد فيه الأوزاعي: حتى ماتوا. وعند ابن أبي عوانة من رواية عقيل عن أنس فيه: فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين، فإن كان محفوظا فعقوبتهم كانت موزعة، وقال جماعة منهم ابن الجوزي: إن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص، وفي الصحيح قال: أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله.\n_________\n(١) انظر كتاب الجهاد ج ٤/ ٢٣ باب ١٥٤.","vol":"1","page":256},{"text":"وخرج مسلم «١» عن أنس قال: إنما سمل النبي ﷺ أعين العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء، وإلى هذه الرواية أشار البخاري في كتاب الجهاد بتبويبه باب: إذا أحرق المشرك المسلم هل يحرق، وقيل: السبب في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء، من الجوع والوخم، لأن المصطفى دعا بالعطش على من عطّش آل بيته، في قصة رواها النسائي فيحتمل أن يكون في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبي ﷺ من لقاحه، في كل ليلة كما ذكر ذلك ابن سعد، قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري.\nوروى الطبراني والبارودي وابن عدي وغيرهم، من طريق زيد بن الحريش عن عبيد الله بن عمر عن أيوب وعن نافع عن ابن عمر قال: أتي النبي ﷺ بسارق فقطعه، وكان غريبا في شدة البرد، فقام رجل يقال له فاتك، فضرب عليه خيمة، وأوقد له نويرة، فخرج النبي ﷺ فأخبر بذلك فقال: اللهم اغفر لفاتك كما اوى عبدك هذا المصاب.\nتنبيه: في شرحي الشفا للخفاجي وابن عبد السلام بناني الفاسي: سئل العتبي عن قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [المائدة: ٤٤] وقوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥] أي مناسبة بين ذلك وبين الحديد، وما هو إلا كما يجمع بين الضب والنون، فأجاب بأن ملك الملوك سبحانه أرسل رسوله لإجراء أوامره ونواهيه بين عباده، وهما قسمان عقلاء ذوو بصيرة، وإرشادهم بالكتب الإلهية وما حوته من الأدلة القطعية، وجهلة وتسخيرهم بالقهر والإرهاب بالسيف والسنان، فصار المعنى أرسلناهم لضبط العامة والخاصة وأي مناسبة أتم من هذه اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>باب في الرجل يجعل على الأساري</span>\nترجم في الإصابة أسلم بن بجرة «٢» الأنصاري، فذكر أنه خرج الطبراني في الصغير من طريق الزبير بن بكار عن عبد الله بن عمرو الفهري عن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم الأنصاري قال: جعلني النبي ﷺ على أسارى بني قريظة الحديث.\nوترجم فيها أيضا لبديل بن ورقاء «٣» فذكر أن البخاري خرج في تاريخه، عن ابن بديل بن ورقاء عن أبيه أن النبي ﷺ: أمره بحبس السبايا والأموال بالجعرانة، حتى يقدم عليه ففعل وقال إنه حديث حسن انظر ص ١٤١ من الجزء الأول. وترجم فيها أيضا لمسلم بن أسلم بن بجرة الأنصاري الخزرجي فذكر أن ابن أبي عاصم خرج عنه أن النبي ﷺ جعله\n_________\n(١) انظر كتاب الجهاد للبخاري ج ٤/ ٢٢ باب ١٥٢ ومسلم كتاب القسامة ص ١٢٩٦/ ٢.\n(٢) انظر ج ١ ص ٣٧ من الطبعة الأولى سنة ١٣٢٨ هـ في مصر.\n(٣) انظر ج ١ ص ١٤١ من الطبعة الأولى.","vol":"1","page":257},{"text":"على أسارى بني قريظة، ينظر إلى فرج الغلام فإذا رآه أنبت ضرب عنقه. وقد أخرجه الطبراني عن أحمد بن المعلى عن هشام.\nوفي طبقات ابن سعد أن المصطفى ﵇ أمر بأسارى المريسيع فكتفوا وجعلوا ناحية واستعمل بريدة بن الخصيب عليهم، وفيها في ترجمة شقران مولى رسول الله أنه ﵇ استعمله على جميع ما وجد في رحال أهل المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم والشاء وجيمع الذرية ناحية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>باب في المقيمين للحدود ومن كان يتولى ذلك (في عهد رسول الله ﷺ)</span>\n«قال ابن العربي في الأحكام: الحدود على قسمين الأول إيجابها وذلك للقضاة، وتناول إستيفائها: وقد جعله النبي ﷺ لقوم منهم علي بن أبي طالب، ومحمد بن مسلمة» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>باب في الرجل يجعل لقطع الأشجار في الغزو</span>\nفي ترجمة عبد الغني بن كعب المزني من الإصابة، أنه ﵇ استعمل أبا ليلى المزني، وعبد الله بن سلام على قطع نخل بني النضير.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>القسم الخامس في ذكر العمليات الحربية وما يتشعب عنها وما يتصل بها وفيها أبواب</span>","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>العمليات الحربية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>باب في الإمارة على الجهاد وفيه فصول فصل في مخرج النبي ﷺ بنفسه وكم غزوة غزاها</span>\n«قال في الإستيعاب: أكثر ما قيل في ذلك أن غزواته بنفسه كانت ستة وعشرين غزوة، وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين غزوة بدر الكبرى، حيث قتل صناديد قريش، وظهر دينه من يومئذ» .\nقلت: هاهنا نكتة لطيفة: لشاعر مصر أحمد بك شوقي في سيرته:\nقالوا غزوت ورسل الله ما بعثت ... لقتل نفس ولا جاءت لسفك دم\nجهل وتضليل أحلام وسفسفة ... فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم\nلما أتى لك عفوا كل ذي حسب ... تكفل السيف بالجهال والعمم\nوالشر إن تلقه بالخير ضقت به ... والشران تلقه بالسيف ينحسم\nعلمتهم كل شيء يجهلون به ... حتى القتال وما فيه من الذمم\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>فصل في بعثه ﷺ عليه وسلم الأمراء للغزو وفيه عدد بعوثه ﷺ وسراياه</span>\n«قال أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب: كانت بعوثه ﷺ وسراياه خمسا وثلاثين من بين بعث وسرية اهـ وقال غيره: بلغت ستا وخمسين كما ذكر الحافظ الدمياطي، وقيل ثمانية وأربعين، وقيل سبعا وأربعين. وقيل: ستا وثلاثين» .!\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>باب في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج عنها للغزو أو غيره</span>\n«كان يستخلف المصطفى ﷺ في كل غزواته، وآخرها غزوة تبوك استخلف محمد بن مسلمة الأنصاري» .\nوفي الإصابة نقلا عن ابن عبد البر، وجماعة من أهل العلم بالنسب والسير: أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة، حتى في تبوك وخروجه لحجة الوداع وفي خروجه إلى بدر، ثم استخلف أبا لبابة لما رده من الطريق اهـ وفيها أيضا في ترجمة جعال","vol":"1","page":261},{"text":"ابن سراقة الضمري «١» نقلا عن ابن إسحاق: لما غزا رسول الله ﷺ بني المصطلق، في شعبان سنة ست استعمل على المدينة جعالا الضمري.\nوفيها لما ترجم لسباع بن عرفطة الغفاري ذكر أنه ﵇ استخلفه على المدينة لما ذهب لغزوة خيبر.\nوفيها في ترجمة أبي رهم الغفاري استخلفه النبي ﷺ على المدينة في غزوة الفتح.\nوفي المواهب وشرحها واستخلف النبي ﷺ على المدينة في غزوة تبوك على ما قال ابن هشام: محمد بن مسلمة الأنصاري قال الدمياطي تبعا للواقدي: وهو عنده أثبت ممن قال استخلف عليا أو سالما أو ابن أم مكتوم.\nولكن قال الحافظ زين الدين العراقي: في ترجمة علي من شرح التقريب، لم يتخلف علي عن المشاهد إلا تبوك، فإن النبي ﷺ خلّفه على المدينة، كما رواه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح، عن سعد بن أبي وقاص. ولفظه: إن رسول الله ﷺ لما خرج إلى تبوك استخلف على المدينة علي بن أبي طالب.\nوفي الإستيعاب: كان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة يستخلف عليا في أكثر غزواته.\nوفي محاضرات الأبرار للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي: نوابه ﷺ الذين استعملهم على المدينة في وقت خروجه لغزوة أو عمرة أبو لبابة، وبشير بن المنذر، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن أم مكتوم، وأبوذر وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، وسباع بن عرفطة، ونميلة بن عبد الله الليثي، وعريف بن اضبط الديلمي، وأبو رهم ومحمد ابن مسلمة الأنصاري، وزيد بن حارثة، والسائب بن عثمان بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وسعد بن عبادة، وأبو دجانة الساعدي، ثم فصل ولاية كل واحد من هؤلاء انظر ص ٢٨ منها ولا بد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>باب في الرجل يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر</span>\n«خلف المصطفى في غزوة تبوك علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم» .\nوفي المواهب نقلا عن شرح التقريب. أن النبي ﷺ استخلف عليا على المدينة وخلفه على عياله اهـ قال الزرقاني: خلّفه على عياله فقال: يا علي اخلفني في أهلي، واضرب وخذ وأعط، ثم دعا نساءه فقال: اسمعن لعلي وأطعن. رواه الحاكم في الأكليل من مرسل عطاء بن أبي رباح.\nوأخرج ابن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص: خلّف ﷺ عليا على أمر أهله وأمره بالإقامة فيهم اهـ وفي طبقات ابن سعد، لدى ترجمة صفية بنت عبد المطلب: أن النبي\n_________\n(١) انظر الإصابة ج ١ ص ٢٣٥ من الطبعة الأولى ١٣٢٨.","vol":"1","page":262},{"text":"﵇ كان إذا خرج لقتال عدوه من المدينة رفع أزواجه ونساءه في أطم حسان بن ثابت، لأنه كان من أحصن آطام المدينة، وتخلف حسان يوم أحد فجاء يهودي، فلصق بالأطم يستمع ويختبر، فقالت: صفية بنت عبد المطلب لحسان: إنزل إلى هذا اليهودي فاقتله فكأنه هاب ذلك، فأخذت عمودا فنزلت فختلته حتى فتحت الباب قليلا قليلا، ثم حملت عليه فضربته بالعمود فقتلته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>باب في الرجل يستخلفه الإمام في طريق يظن أن العدو يستعمل له فيها مكيدة</span>\nترجم في الإصابة «١» لأوس بن خولي الأنصاري، فذكر عن المدائني وغيره أن النبي ﷺ: خلفه في عمرة القضاء بذي طوى، ليقطع كيدا إن كادته به قريش، وخلف بشر بن سعد بممر الظهران.\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>باب في المستنفر</span>\n«بعث النبي ﷺ بسر بن سفيان الخزاعي، مع بديل بن أم اصرم، إلى خزاعة يستنفرهم إلى قتال أهل مكة عام الفتح، ذكره في الإستيعاب وفيه أيضا، أن بديل بن أم أصرم الخزاعي هو الذي بعثه ﷺ إلى بني كعب يستنفرهم لغزو مكة، هو وبسر بن سفيان الخزاعي ونحوه» .\nونقله عنه في الإصابة انظر ص ١٤٩ وفي ترجمة أبي رهم الغفاري منها عن ابن سعد: كان بعثه ﷺ يستنفر قومه إلى تبوك. وفي طبقات ابن سعد أن النبي ﷺ بعث بريدة بن الحصيب حين أراد غزوة تبوك إلى أسلم يستنفرهم إلى عدوهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>باب في صاحب اللواء وفيه فصول فصل في ذكر أول لواء رفع بين يديه ﷺ</span>\n«في كتاب أخلاق النبي ﷺ لابن حيان الأصبهاني في ذكر قصة الهجرة، ولحاق بريدة به وإسلامه فقال- النبي ﷺ: لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء، قال: فحلّ عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه ثم دخل المدينة» .\nقلت: اللواء بكسر اللام والمد روى أبو يعلى عن انس: إن الله أكرم أمتي في الألوية وسنده ضعيف، كما في فتح الباري. وهو العلم الذي يحمل في الحرب، ليعرف به موضع صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم العسكر، وفي الفتح أيضا في كتاب الجهاد: اللواء: الراية ويسمى أيضا العلم، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم\n_________\n(١) انظر الإصابة ج ١ ص ٨٤.","vol":"1","page":263},{"text":"صارت تحمل على رأسه، وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف الراية واللواء فقالوا: في كل منهما علم الجيش ويقال: أصل الراية الهمزة وآثر العرب تركه تخفيفا. ومنهم من ينكر هذا القول ويقول: لم يسمع الهمز، لكن رواه أحمد والترمذي عن بن عباس: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض. ومثله عند الطبراني عن بريدة، ومثله عند ابن عدي عن أبي هريرة، وهو ظاهر في التغاير بين اللواء والراية. وبه جزم ابن العربي فقال: اللواء غير الراية فاللواء: ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح. وقيل: اللواء دون الراية. وقيل: اللواء العلم الضخم، والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار. والراية يتولاها صاحب الحرب، فلعل التفرقة فيه عرفية فلا يخالف ما صرح به الجماعة من الترادف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>فصل في ذكر من حمل رايته ولواءه ﷺ بين يديه (ومن حملها ليقاتل بها)</span>\n«فمنهم أبو بكر وعمر، وعلي والزبير بن العوام، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وقيس بن سعد بن عبادة، ومصعب بن عمير، وذلك مفرق في غزواته ﷺ» . أنظر سيرة ابن هشام والروض وغيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>فصل في جواز القبائل على راياتهم وانفراد كل قبيلة برايتها</span>\n«في الصحيح: لما ساق قصة الفتح وقول النبي ﷺ للعباس: إحبس أبا سفيان عند الوادي، ليرى جيوش الله، فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ كتيبة كتيبة، على أبي سفيان فمرت كتيبة فقال: من هذه فقال: هذه غفار، ثم مرت جهينة، ثم مرت سليم، حتى مرت كتيبة لم ير مثلها فقال من هذه؟ قال: هذه الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، حتى جاءت كتيبة فيها رسول الله ﷺ، وأصحابه وراية النبي ﷺ مع الزبير» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>فصل في عقده ﷺ الرايات لأمراء البعوث والسرايا (وذكر أول راية عقدها ﷺ في الإسلام ولمن عقدت)</span>\n«في السنة الثانية من الهجرة، بعث ﷺ عبيدة بن الحرث بن المطلب بن عبد مناف، على سرية وعقد له راية قال ابن إسحاق: فكانت فيما بلغنا أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين، وبعث في تلك المدة أيضا حمزة بن عبد المطلب، إلى جهة أخرى فقال بعض الناس أيضا: إنها أول راية عقدت ويحتمل التوفيق بأن بعثهما متوافق متقارب» .\nوروى السراج من طربق زر بن حبيش قال: أول راية عقدت في الإسلام لعبد الله بن جحش.\nأقول: وبذلك تعلم ما في قول السيوطي في أوائله: أول ما عقدت الرايات يوم","vol":"1","page":264},{"text":"خيبر، وكانت قبل ذلك الألوية، وعزا ذلك الحافظ في الفتح لإبن إسحاق، وأبي الأسود عن عروة قال الزرقاني في شرح المواهب: وهذا ظاهر في التغاير بينهما انظر ص ٤٥٣ من الجزء الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>(فصل في مقدار الراية)</span>\nخرج إسحاق بن إبراهيم الرملي في الأفراد من أحاديث بادية الشام من طريق حرام بن عبد الرحمن الخثعمي عن أبي زرعة الفزعى «١» ثم الثمالي أن رسول الله ﷺ عقد له راية رقعة بيضاء ذراعا في ذراع هذا لفظ ابن منده، وفي رواية الدولابي راية بيضاء وقال: اذهب يا أبا زرعة إلى قومك فناد فيهم: من دخل تحت راية أبي زرعة فهو آمن. ففعلت» «٢» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>فصل في رسم الهلال فيها</span>\nترجم في الإصابة لسعد بن مالك الأزدي فنقل عن ابن يونس: وفد على النبي ﷺ، وعقد له راية على قومه سوداء، وفيها هلال أبيض. وشهد فتح مصر وله بها عقب. فيؤخذ من هذا أصل رسم صورة الهلال في الراية الإسلامية، وبذلك تعلم ما وقع لصاحب وفيات الأسلاف فإنه قال في ص ٣٨٠: إن وضع رسم صورة الهلال على رؤوس منارات المساجد بدعة، وإنما يتداول ملوك الدولة العثمانية رسم الهلال علامة رسمية أخذا من القياصرة.\nوأصله أن فيلبس المقدوني والد الإسكند الأكبر لما هجم بعسكره على بزنطية وهي القسطنطية في بعض الليالي دافعه أهلها وغلبوا عليه، وطردوه عن البلد، وصادف ذلك وقت السحر.\nفتفاءلوا به واتخذوا رسم الهلال في علمهم الرسمي تذكيرا للحادثة. وورث ذلك منهم القياصرة، ثم العثمانية لما غلبوا عليها، ثم حدث ذلك في بلاد قازان اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>فصل في ألوان ألويته وراياته ﷺ واسم رايته وما كتب على لوائه الأبيض</span>\n«قال ابن إسحاق: دفع ﷺ اللواء يوم غزوة بدر الكبرى إلى مصعب بن عمير، وكان أبيض. وفي سنن النسائي وأبي داود عن جابر: أنه كان لواؤه ﷺ يوم دخول مكة أبيض:\nوفي سنن أبي داود «٣» عن سماك بن حرب، عن رجال من قومه، عن واحد منهم قال:\nرأيت راية النبي ﷺ صفراء. الأغبر: ذكر ابن جماعة في مختصر السير في باب سلاح رسول الله أنه كان له لواء أغبر. الأسود: قال ابن إسحاق في أخبار غزوة بدر وكان أمام رسول الله ﷺ رايتان سوداوان؛ إحدا هما مع علي بن أبي طالب والآخرى مع بعض الأنصار.\n_________\n(١) ذكره في الإصابة ثم قال والصواب: أيو رويحة واسمه عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي. ٤/ ٧٢.\n(٢) لم أعثر على هذا النص في كتاب التخريج للخزاعي.\n(٣) انظر كتاب الجهاد ج ٣/ ٧٢ والنسائي ٥/ ٢٠٠.","vol":"1","page":265},{"text":"وذكر عبد الله بن حيان الأصبهاني في كتاب أخلاق النبي ﷺ عن الحسن كانت راية النبي ﷺ سوداء تسمى العقاب. وفي تاريخ البخاري عن الحرث بن حسان قال: دخلت المسجد فرأيت النبي ﷺ قائما على المنبر يخطب وفلان قائم متقلد السيف وإذا رايات سود تخفق قلت: ما هذا؟ قالوا عمرو بن العاص قدم من جيش ذات السلاسل» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>راية الصوف</span>\n«قال القضاعي في كتاب «الأنباء» كانت لرسول الله ﷺ راية تدعى العقاب من صوف أسود» .\nقلت: جمع الحفاظ بين هذه الروايات باختلاف الأوقات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>الراية من النمرة</span>\n«وهي شملة مخططة من صوف وقيل فيها مثال الأهلة، وفي المحكم النمرة: النكتة من أي لون كان، والأنمر الذي فيه نمرة بيضاء وأخرى سوداء، والنمرة شملة فيها خطوط بيض وسود. قال ابن جماعة في مختصر السير له: وكان لرسول الله ﷺ راية سوداء مربعة من نمرة مخملة يقال لها العقاب» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>ما كان مكتوبا فيها</span>\n«ذكر أبو عبد الله بن محمد بن حيان الأصبهاني في كتاب أخلاق النبي ﷺ عن بريدة أن راية النبي ﷺ كانت سوداء ولواؤه أبيض زاد ابن عباس مكتوب على لوائه لا إله إلا الله محمد رسول الله» .\nقلت: هذا من تقصير الخزاعي في العزو، وإلا فالحديث في مسند أحمد، والترمذي عن ابن عباس، ومثله عند الطبراني عن بريدة الأسلمي وعند ابن عدي عن أبي هريرة أيضا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>اسم رايته ﷺ</span>\n«قال قاسم بن ثابت السرقسطي في الدلائل كان اسم راية النبي ﷺ العقاب» .\nوفي فتح الباري وقيل: كانت له راية تسمى العقاب سوداء مربعة، وراية تسمى الريبة بيضاء، وربما جعل فيها شيئا أسود اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>باب في لون راية الأنصار</span>\nترجم في الإصابة «١» لمزيدة العصري فقال ذكرها أبو نعيم وأخرج عنه أن رسول الله ﷺ عقد رايات الأنصار وجعلها صفراء.\n_________\n(١) انظر ص ٤٠٦ ج ٣. وهو مزيدة بن جابر العبدي العصري.","vol":"1","page":266},{"text":"وفي طبقات ابن سعد أن وفد سليم لما وردوا على النبي ﷺ قالوا له: اجعل لواءنا أحمر وشعارنا مقدم ففعل ذلك بهم.\nتنبيه- في تاريخ الوزير جودت باشا التركي الشهير نقلا عن تاريخ واصف افندي مقالة يبين فيها ما كان للألوية من الإعتبار في الدول، صدّرها بقوله: إن السر في أحداث السنجق واللواء: هو أنه إذا اجتمع قوم تحت لواء واحد يجعل بينهم الإتحاد، بمعنى أن هذا اللواء يكون علامة على اجتماع كلمتهم ودلالة على اتحاد قلوبهم، فيكونون كالجسم الواحد، ويألف بعضهم بعضا أشد من ائتلاف ذوي الأرحام، وإذا كانوا في معركة القتال لا ييأسون من الظفر، ما دام لواؤهم، منشورا بل تقوى همتهم ويشتد عزمهم، فإذا سقط لواؤهم أخذوا من جانب العدو، وباتوا موضوعا للخوف والرهبة فيهزم بعضهم ويتبدد البعض الآخر، بخلاف ما إذا كان علمهم مرفوعا خافقا مزدهيا تبتهج به نفوسهم فتأخذهم شدة الفرح والبسالة، وتتسلط على أعدائهم هزمة الرعب، فتأخذ بمجامع قلوبهم، وكما أن الموسيقى العسكرية تنعش أرواحهم، وتحثهم على الإقدام والشجاعة، كذلك مناظر الألوية وتموجها فإنها تحدث فيهم دواعي العزة، وتجلب لأعدائهم الدهشة والفتور، وكان لجميع الأمم السالفة والدول الماضية آلات موسيقية، وأعلام عديدة ولم يكن في زمن النبي ﷺ موسيقى بل أعلام فقط الخ انظر بقيته في ص ٣٥ من مقدمة التاريخ المذكور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>باب في تعميم الإمام للصبي</span>\nترجم في الإصابة لقرط ويقال له قريط بن أبي رمثة البلوي، فذكر عن أبي موسى في ذيله عن ابن منده أنه هاجر مع أبيه فلما دخلوا على النبي ﷺ قال لأبي رمثة ابنك هذا قال نعم أشهد به قال إنه لا يجني عليك ولا تجني ودعا بقرط فأجلسه في حجره ودعا له بالبركة ومسح رأسه وعممه بعمامة سوداء، وهو والد لاهز بن قريط أحد الرؤساء الذين كانوا مع أبي مسلم الخراساني.\nأقول: إن صحت هذه القصة كان فيها الدليل لما كنا نرى الشيخ الوالد يعتني به من تعميم من في سن البلوغ أو قريب منه مع إرخاء العذبات، وبذلك تعلم ما في توقف بعضهم في ذلك قائلا: لم أقف على شيء من الأحاديث، ولا من نصوص الفقهاء على الوقت الذي يطلب فيه التعميم. هل هو من بلوغ السبع أو العشر أو حين البلوغ أو حين بدء طلوع اللحية لخ انظر إلى ص ٢٩ من الدعامة في أحكام العمامة. وأهل الحجاز إلى الآن يعتنون بتعميم الصغار، وكأنه عمل قديم متوارث، بدليل ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن مالك قال: لا ينبغي أن تترك العمامة، ولقد أعتميت وما في وجهي شعرة. وفي المدارك قال أبو مصعب: سمعت مالكا يقول: إني لأذكر وما في وجهي شعر، وما منا أحد يدخل المسجد إلا متعمما إجلالا لرسول الله ﷺ.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>باب في انقسام الجيش إلى خمسة أقسام المقدمة والمجنبتين والقلب والساقة وكون الرئيس في القلب منها</span>\n«كان العرب يسمون الجيش خميسا لقسمه على خمسة أقسام قلب وميمنة وميسرة ومقدمة وساقة قال ابن إسحاق في السير في أخبار يوم فتح مكة حدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوي أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى وكان الزبير على المجنبة اليسرى وأمر سعد بن عبادة الأنصاري أن يدخل في بعض الناس من كدى وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من العرب وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين بين يدي رسول الله ﷺ ودخل ﷺ حتى نزل بأعلى مكة وضربت له هناك قبة» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>باب في أمير الرماة</span>\nترجم في الإصابة لعبد الله بن جبير الأنصاري فقال: كان أمير الرماة في أحد، ثبت ذكره في حديث البراء بن عازب في الصحيح «١»، وفيه أن المشركين لما انهزموا ذهبت الرماة ليأخذوا من الغنيمة، فنهاهم عبد الله بن جبير فمضوا وتركوه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>باب في الرجل يقيمه الإمام يوم لقاء العدو بمكانه من قلب الجيش</span>\nويلبس الإمام لأمته، ويلبس هو لأمة الإمام حياطة للإمام حتى لا يعرف فيقصد.\n«في الإستيعاب: كان كعب بن مالك يوم أحد لبس لأمة النبي ﵌، وكانت صفراء. ولبس النبي ﷺ لأمته فجرح كعب بن مالك أحد عشر جرحا» .\nوينبغي أن يذكر هنا أيضا ما وقع في قصة الهجرة، فإن عليا نام على فراش رسول الله ﷺ، فكان قريش يظنونه ﵇، فلما أصبح الصباح خرج عليهم علي وذلك ليطمئن بال كفار قريش حتى لا يتبعوه ﵇، والقصة شهيرة. وفيها نزل قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: ٣٠] الآية حتى قال الإمام أبو عثمان عمرو بن بحر المشهور بالجاحظ في كتابه العجيب: التاج في أخلاق الملوك ص ١٢٤: يجب على ملوكنا حفظ مقامهم، وصيانته عن كل عين تطرف، وأذن تسمع. ألا ترى أن النبي ﷺ فعله، وهو من الله بمكانه المخصوص من كلاءته إياه وحراسة الروح الأمين له، لقد كان يحق عليهم أن يقتدوا به ويمتثلوا فعله، وقد كان المشركون هموا بقتله، فأخبره جبريل بذلك فدعا علي بن أبي طالب فأنامه على فراشه، ونام هو ﷺ بمكان آخر. فلما جاء المشركون إلى فراشه فنهض منه علي انصرفوا عنه. ففي هذا أكبر الأدلة وأوضح الحجة على ما ذكرنا؛ إذ كانت\n_________\n(١) انظر كتاب المغازي باب ١٠ ص ١١/ ٥.","vol":"1","page":268},{"text":"أنفس الملوك هي الأنفس الخطيرة الرفيعة التي تزن كل من أظلت الخضراء وأقلت الغبراء وكانت الأعاجم تقول: لا ينبغي للملك أن يطّلع على موضع منامه إلا الوالدان فقط، أما من دونهما فالوحشة منه وترك الثقة به أبلغ في باب الحزم، وأوكد في سياسة الملك، وأوجب في الشريعة وأوقع في الهوينا اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>باب فيمن كان على مواقف الجيش ميمنة وميسرة وقلبا وفي المقدمة</span>\n«قال ابن إسحاق في السير: وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين في يوم الفتح، وفي الإستيعاب في ذكر خالد بن الوليد أنه كان على مقدمة رسول الله ﷺ يوم حنين في بني سليم، وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى يوم الفتح، والزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة بن الجراح على البيادقة، وهم الرجالة وهم أيضا أصحاب الملك والمتصرفون له وبطن الوادي. وفي غزوة بدر الكبرى وكان على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخو بني مازن بن النجار، وجعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>باب في شعار المحاربين والعلامة التي يتعارفون بها في الحرب</span>\nخرج أبو يعلى بسند جيد عن علي قال: كان شعار رسول الله ﷺ يا كل خير، وروى الطبراني عن عقبة بن فرقد أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه متأخرا فقال يا أصحاب سورة البقرة. وخرج الإمام أحمد وأبو داود عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع أبي بكر زمن رسول الله ﷺ فكان شعارنا: أمت أمت مرتين. [٣/ ٧٤ كتاب الجهاد] .\nوروى أبو الحسن بن الضحاك عن رجل من مزينة أو جهينة سمع رسول الله ﷺ قوما يقولون في شعارهم: يا حرام فقال رسول الله ﷺ يا حلال.\nوترجم في الإصابة لسنان بن وبرة الجهني فذكر أن الطبراني روى من طريق خارجة بن الحرث بن رافع الجهني عن أبيه سمعت سنان بن وبرة الجهني يقول: كنا مع النبي ﷺ في غزاة بني المصطلق وكان شعارنا: يا منصور أمت.\nوقال في الأوسط: لا يروى عن سنان إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن جهضم.\nقال البرهان الحلبي في نور النبراس: أمت. أمر من الموت، والمراد به التفاؤل بالنصر مع الأمر بالإماته مع حصول الغرض بالشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل اهـ.\nوفي الغريبين على حديث إذا بيتتم فقولوا حم لا ينصرون عن أبي عبيد أنه قال: كان المعنى اللهم لا ينصرون اهـ.\nوذكر في الإصابة أيضا: المهلب رجل غير منسوب فقال: ذكر ابن شاهين من طريق ذكوان مولى لنا قال: كان شعار المهلب: حم لا يُنْصَرُونَ. وقال المهلب: وكان شعاره ﷺ.","vol":"1","page":269},{"text":"وأخرج النسائي عن البراء أن رسول الله ﷺ قال: إنكم تلقون عدوكم غدا فليكن شعاركم: حم لا ينصرون دعوة بينهم «١» .\nوأخرج أبو داود «٢» والترمذي: إن بيّتكم العدو فقولوا: حم لا ينصرون.\nقال بعض الفضلاء من المشارقة قيل: إن معناه إن السور السبع التي فيها حم سورة لها شأن فتنبه صلوات الله وسلامه عليه أن ذكرها لشرف منزلها وفخامة شأنها، يستظهر به على إنزال رحمة الله في نصرة المسلمين، وقوله: لا ينصرون مستأنف كأنه حين قال: حم.\nقال له قائل: ماذا يكون إذا قلت هذه الكلمة؟ فقال: لا ينصرون. قال ابن حبيب: ولم يزل الشعار من أمر الناس.\nقال ابن عباس: كان الشعار يوم بدر: يا منصور. ويوم حنين: حم لا ينصرون.\nوشعارهم حين انهزموا: يا أصحاب سورة البقرة تخصيصا، حكاه ابن يونس عنه.\nقال بعض الشافعية وقد ذكر الحقوق المرتبة على أمير الجيش لهم فعدّ منها: أن يجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به، ليصيروا به متميزين، وبالإجتماع به متظافرين. قال:\nوروى عروة بن الزبير عن أبيه؛ أن النبي ﷺ قال: يا بني عبد الرحمن شعار الخزرج يا بني عبد الله، وشعار الأوس يا بني عبيد الله، وسمّى خيله خيل الله. قال: وجاء أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: تسوّموا فإن الملائكة قد تسومت وقد علّم أبو دجانة بعصابة حمراء يوم بدر حين أخذ السيف الذي قال فيه الرسول ﷺ: من يأخذه بحقه. الحديث انظر فوائد الدرر.\nوفي ترجمة أبي دجانة سماك بن حرشة من الإستبصار: أنه كان يعلم في الحرب بعصابة حمراء وكان إذا علم بعصابة حمراء يعصبها على رأسه علم الناس أنه سيقاتل. وفي ظل الغمامة لأبي عبد الله بن أبي الخصال الغافقي، في ترجمة سيدنا حمزة الذاهب بصيت الملاحم، وعلاء الأيام المعلم بريش النعامة، ووطيس الحرب في احتماء واحتدام، لتتراآه الأبطال علما من الأعلام يصادم الخميس العرمرم فردا ويبيد الأبطال الممنعين بدا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>باب في الوازع الذي يتقدم إلى الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر</span>\nيقال: وزعت الجيش، إذا حبست أولهم على آخرهم.\n«في الإكتفاء في قصة الفتح: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة، ولما وقف هنالك قال أبو قحافة وقد كفّ بصره لابنة له من\n_________\n(١) ورد في أبي داود ج ٣ ص ٧٤ عن المهلب بن أبي صفرة عمن سمع النبي ﷺ: إن بيّتم فليكن شعاركم: حم لا ينصرون. ورواه الترمذي في كتاب الجهاد ص ١٩٧ ج ٣ حسب النص الوارد أعلاه: إن بيتكم العدو فقولوا: (حم لا ينصرون) .\n(٢) عثرت عليه في أحمد ٤/ ٢٨٩.","vol":"1","page":270},{"text":"أصغر ولده: أي بنية إظهري على أبي قبيس فأشرفت به عليه فقال: أي بنية ماذا ترين؟\nقالت: أرى سوادا مجتمعا قال تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا يسعر بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا. قال: أي بنية ذلك الوازع يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها ثم قالت: قد والله انتشر ذلك السواد قال: إذا دفعت الخيل فأسرعي بي إلى بيتي الخ القصة» .\nوترجم في الإصابة «١» جندب بن الأعجم الأسلمي فذكر عن الواقدي في غزاة حنين قال: وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه ووضع الرايات والألوية الخ انظر ص ٢٥٦.\nوفي سيرة ابن إسحاق حدثني حبان بن واسع عن أشياخ له أن رسول الله ﷺ عدّل أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل الصفوف به فمر سواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو متنقل في الصف قال ابن هشام ويقال: مستنصل من الصف، فطعن في بطنه.\nوقال: استو يا سواد القصة انظرها فيه «٢» وفي ابن التلمساني على الشفا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>باب في اتخاذ الخيل</span>\n«في جامع الترمذي «٣» عن علي: كانت أموال بني النضير مما أفاه الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله ﷺ خالصا، وكان رسول الله ﷺ يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع: الخيل والسلاح عدة في سبيل الله. قال الترمذي: حسن صحيح. وذكر ابن إسحاق في غزوة بني قريظة أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بها خيلا وسلاحا» .\nحديث «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» رواه البخاري «٤» ومسلم من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر. قال الخطابي: فيه الإشارة إلى أن المال المكتسب بالخيل من خير وجوه الأموال وأطيبها، والعرب تسمي المال خيرا كما في قوله: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا [البقرة: ١٨٠] وقال ابن عبد البر: فيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب، لأنه لم يأت عنه ﷺ في شيء غيرها مثل هذا القول.\nوفي النسائي لم يكن شيء أحبّ إلى رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل، وانظر كتاب الخيل للحسن بن عرفة، وللحافظ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وللحافظ السيوطي كتاب جر الذيل من علم الخيل، وللشمس محمد بن الأمير عبد القادر الجزائري كتاب الصافنات الجياد وهو مطبوع أيضا. واختصر وهو مطبوع أيضا. وللشمس\n_________\n(١) انظر ص ٢٤٧ ج ١ من الإصابة الطبعة الأولى.\n(٢) انظر سيرة ابن هشام ص ٦٢٦ المجلد الأول.\n(٣) انظر الترمذي ج ٤ ص ٢١٦ من كتاب الجهاد رقم الحديث ١٧١٩.\n(٤) انظر صحيح البخاري ج ٣ ص ٢١٥ من كتاب الجهاد رقم الباب ٤٣- ٤٤.","vol":"1","page":271},{"text":"محمد بن محمد البخشي الخلوتي رشحات المداد فيما يتعلق بالصافنات الجياد وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر، وللحافظ ولي الدين أبي زرعة العراقي المصري «فضل الخيل» وما جاء فيها من الفضل والنيل. وللحافظ سراج الدين محمد بن رسلان البلقيني «قطر السيل في أمر الخيل» لخصه من تأليف الخافظ الدمياطي، وزاد عليه أشياء و«حلية الفرسان وشعار الشجعان» لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن المعروف بابن هذيل الأندلسي. وتحفة الأنفس وشعار سكان الأندلس، له أيضا وهو ينقسم إلى قسمين: الأول في الجهاد والثاني:\nفي الخيل والسلاح، وكتاب يقظة الناعس في تدريب المجاهد الفارس، وتهذيب الإمعان في الشجاعة والشجعان، وراحة القلوب والأرواح في الخيل والسلاح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>ذكر خيله ﷺ</span>\n«ذكر ابن جماعة في مختصر السير: خيل رسول الله ﷺ فقال: منها السكب، وهو أول فرس ملكه، اشتراه ﷺ من أعرابي وكان أغر محجلا طلق اليمين كميت، وقال ابن الأثير: كان أدهم، ثم عدّد أسماء أفراس سبعة متفق عليها، وقيل: كانت له ﷺ أفراس أخر ١٥ مختلف فيها، وكان ﵇ يسابق عليها ويجلس لذلك في الملأ العام، ويفرح للسابق وراكبه.\nوفي الأكتفاء كان عمر ﵁ قد اتخذ في كل مصر خيولا على قدره من فضول أموال المسلمين عدة لما يعرض فكان من ذلك بالكوفة أربعة آلاف فرس يشتّيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته في مكان لأجل ذلك يسمى الآري ويربعها فيما بين الفرات من الكوفة مما يلي العاقول فسمته الأعاجم آخور الشاهجان يعنون معلف الأمراء وكان قيّمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلي في نفر من أهل الكوفة يجريها كل يوم وبالبصرة نحو منها وقيمه عليها جزء بن معاوية وفي كل مصر من الأمصار على قدره.\nوفي الأستيعاب: معاوية أول من قيدت بين يديه النجائب» .\nوفي التهذيب للنووي كان له ﵇ أفراس فأول فرس ملكه السكب، بفتح السين المهملة وإسكان الكاف وبالباء الموحدة، وكان أغرّ محجلا طلق اليمنى، وهو أول فرس غزا عليه وفرس آخر يقال له سبقة، وهو الذي سابق عليه فسبق وفرس آخر يقال له المرتجز وهو الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له خزيمة بن ثابت، وقال سهل بن سعد: كان لرسول الله ﷺ ثلاثة أفراس: لزاز بكسر اللام وبزاءين والظرب بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء، واللحيف بضم اللام وفتح الحاء المهملة، وقيل: بالمعجمة فأما لزاز فأهداه له المقوقس، واللحيف أهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض، والظرب أهداه له فروة بن عمر الجذامي، وكان له فرس يقال له الورد أهداه له تميم الداري، وهبه لعمر. وكان له ﷺ دلدل يركبها في الأسفار، وعاشت بعده حتى كبرت وذهبت أسنانها، وكان يحش لها الشعير وماتت بينبع، وكان له ﷺ ناقته العضباء، ويقال لها الجدعاء","vol":"1","page":272},{"text":"والقصواء، وقيل هي ثلاث. وكان له حمار يقال له عفير، وكان له في وقت عشرون لقحة، ومائة شاة، وثلاثة أرماح وثلاثة أقواس وستة أسياف ودرعان وترس، وانظر كتاب أمتاع الإسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع للتقي المقريزي وهو في ست مجلدات.\nفائدة في حواشي ابن غازي على الصحيح نقلا عن ابن بطال على قول الراوي: كان السلف يستحبون الفحولة ما نصه: لم ينقل عن السلف ركوب الإناث، إلا عن سعد بن أبي وقاص فإنه كانت له فرس أنثى بلقاء.\nأعجوبة ترجم الحافظ في الإصابة للزبرقان بن بدر بن امرىء القيس التميمي السعدي الصحابي الجليل ذكر الكوكبي أنه وفد على عبد الملك، وقاد إليه خمسة عشرين فرسا ونسب كل فرس إلى آبائه وأمهاته، وحلف على كل فرس منها يمينا غير التي حلف بها على غيرها. فقال عبد الملك: عجبي من اختلاف أيمانه أشدّ من عجبي بمعرفته بأنساب الخيل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>باب في المسرج</span>\n«في كتاب أخلاق النبي ﷺ لابن حيان الإصبهاني، عن أبي عبد الرحمن الفهري قال:\nشهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين في يوم صائف شديد الحر فقال: يا بلال أسرج لي فرسي فأخرج سرجا رقيقا من لبد ما فيه بطر ولا أشر؛ وفي مسند أبي داود الطيالسي من حديث أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حنين، وذكر قصة فقال رسول الله ﷺ: يا بلال فثار من تحت الشجرة كأن ظله ظل طائر قال: لبيك وسعديك، وأنا قدامك قال: أسرج لي فرسي، فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>باب من أي شيء كان سرج رسول الله ﷺ</span>\n«في كتاب ابن حيان أنه من لبد وعن الطيالسي والسجستاني أنه من ليف، ولم يجىء في أشعار العرب في سروجها إلا أنها من لبد» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>باب في ذكر من أخذ بركاب رسول الله ﷺ عند ركوبه</span>\n«خرج النسائي عن عبد الله بن بشر عن أبيه أن رسول الله ﷺ نزل عليه فذكر قصة قال: ثم قام يركب بغلة له بيضاء فقمت لآخذ بركابه» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>ما جاء في ضم ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه</span>\n«ذكر الثعالبي في فقه اللغة، والمطرزي في اليواقيت، عن ابن عباس قال: بعث النبي ﷺ عليا في سرية فرأيته قد ألبسه ثيابه وعممه. فركب علي فرأيت النبي ﷺ يدعو له ويوصيه وصفن ثيابه في سرجها أي جمعها» .","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>باب في الرجل يركب خيل الإمام يسابق عليه وفيه فصول فصل في أنه ﷺ كان يسابق بين الخيل</span>\n«في البخاري عن ابن عمر قال: سابق رسول الله بين الخيل التي أضمرت فأرسلها، وكان ابن عمر ممن سابق عليها. سابق بين الخيل أجراها ليرى أيها اسبق» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>فصل في ذكر مسابقة النبي ﷺ بخليه وذكر من ركبها من الصحابة للمسابقة بها</span>\n«ذكر أبو عبيد البكري عن الزهري قال: سبق سهل بن سعد الساعدي على فرس لرسول الله ﷺ يقال له الظرب، فكساه رسول الله ﷺ بردا يمانيا. وسبق أبو أسيد الساعدي على فرس لرسول الله ﷺ فلما طلع الفرس جثا رسول الله ﷺ على ركبتيه، وأطلع من الصف وقال: كأنه بحر، وكسا أبا أسيد حلة يمانية» .\nوقد ترجم البخاري في الصحيح باب السبق بين الخيل «١» وباب إضمار الخيل للسبق وباب السباق للخيل المضمرة وترجم الترمذي باب المراهنة على الخيل. انظر فتح الباري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>باب في صاحب الراحلة الناقة</span>\n«ذكر ابن جماعة والقسطلاني في ذكر خدم رسول الله ﷺ أسلم بن شريك بن عوف قال: وكان صاحب راحلة ﷺ»\nقال الزرقاني: أي الذي كان ينزل الرحل عنها ويضعه عليها.\nوفي معجم الطبراني من طريق الهيثم بن رزين، عن أبيه عن الأسلع بن شريك الأشجعي، عن الربيع بن بدر، حدثني أبي عن أبيه، عن رجل يقال له الأسلع قال: كنت أخدم النبي ﷺ، وأرحّل له فقال لي ذات يوم: يا أسلع قم فارحل فقلت: يا رسول الله أصابتني جنابة، ثم خرج عنه أيضا قال: كنت أرحل ناقة النبي ﷺ، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقته وأنا على جنابة، فأسخنت ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله ﷺ وأصحابه فقال: يا أسلع مالي أرى راحلتك تغيرت، فقلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحّلها رجل من الأنصار قال: ولم؟ قلت: أصابتني جنابة فأمرته يرحلها.\nقال الحافظ في الإصابة: وقع للشيخ مغلطاي في شرح البخاري أول التيمم نسبة قصة الأسلع إلى الجاحظ في كتاب البرهان «٢»، وهذا تقصير شديد منه مع كثرة إطلاعه. وأخرج الحاكم أن البراء بن مالك أخا أنس بن مالك كان يرحل له ﷺ في بعض اسفاره، وفي\n_________\n(١) انظر كتاب الصلاة باب ٤١ ج ١/ ١٠٨.\n(٢) انظر الإصابة ج ١ ص ٣٧ في ترجمة الأسلع الأعرجي.","vol":"1","page":274},{"text":"ترجمة كلثوم بن الهدم من الإستبصار: صاحب رحل رسول الله ﷺ، يعرف بذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>باب في صحاب البغلة</span>\n«ذكر ابن جماعة في مختصر السير له في ذكر خادم رسول الله ﷺ: عقبة بن عامر الجهني، كان صاحب بغلة رسول الله ﷺ، ويقود به في الأسفار» .\nوقال الزرقاني في شرح المواهب: رفقا به ﷺ في صعود الدابة لمرتفع، وهبوطها منه أو خروجها عن الطريق، وأنه كان في سيره مشغولا بالعبادة كصلاة نافلة، واشتغاله بالدابة يشغله عن ذلك اهـ ص ٣٤١ من الجزء الثالث وأصله للشبراملسي قلت: وقع ذكر عقبة بذلك في مسند أحمد وأبي داود والنسائي وكان عامر المذكور عالما بالفقه والفرائض شاعرا مفوّها ولي مصر لمعاوية.\nفائدة: في أوائل السيوطي: أول بغلة ركبت في الإسلام دلدل، بغلة النبي ﷺ، أهداها إليه المقوقس، وعزا ذلك لابن سعد، عن محمد بن إبراهيم التميمي وفيها: أن أول بغلة شهباء رؤيت بالمدينة البغلة التي أهداها فروة بن عمرو الجذامي للنبي ﷺ.\nوترجم في الإصابة لبسر بن أبي بسر المازني فذكر أن ابن السكن خرّج عنه أن النبي ﷺ أتاهم وهو راكب على بغلة، كنا نسميها الحمارة الشامية انظر ص ١٥٣ وترجم فيها أيضا لفروه بن عامر الجذامي عامل الروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، فذكر إسلامه وإهداءه للمصطفى ﷺ بغلة بيضاء انظر ص ٢١٣/ ٣.\nوفي آخر كتاب بدء الخلق من تشنيف المسامع على الصحيح الجامع على قول الراوي: سئل النبي ﷺ عن الحمر. ابن العربي سؤال السائل عن الحمير لأنها لا كرّ فيها ولا فرّ كالخيل، ولأنهم لم تكن لهم بغال، ولا دخل الحجاز منها شيء، إلا بغلة النبي ﷺ دلدل التي أهداها إليه المقوقس اهـ.\nعبارة ابن سعد في الطبقات: لما ذكر إهداء المقوقس له ﵇ دلدل ولم يكن في العرب يومئذ غيرها، وذكر غيره بغالا كانت له ﵇ غير هذه، فعلها دخلت بعدها.\nوذكر في السير أنه كان المرتجز من أفراسه ﵇ أشهب، وكذلك كان حماره عفير أشهب أيضا، وكانت ناقته القصواء شهباء، وهي التي هاجر ﵇ عليها، وبغلة شهباء،\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>باب في القائد</span>\n«تقدم أن عقبة كان يقود به في الأسفار، وفي سنن أبي داود عن أم الحصين قالت: حججت مع النبي ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام النبي ﷺ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» «١» .\n_________\n(١) انظر كتاب الحج ج ٢/ ص ٤١٦ ورقمه ١٨٣٤. وأول الحديث: حججنا.","vol":"1","page":275},{"text":"وذكر الطبري أن حسان الأسلمي وخالد بن يسار الغفاري، كانا يقودان بالنبي ﷺ.\nانظر المواهب وشرحها ص ٣٤٥ الجزء الثالث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>باب فيمن كان يسوق به ﷺ</span>\nذكر في الإصابة حسان الأسلمي فنقل عن الطبري أنه كان يسوق بالنبي ﷺ هو وخالد بن يسار الغفاري وقال استدركه ابن فتحون انظر ص ١٠ الجزء الثاني «١» . وفي الإستبصار في أنساب الأنصار، أن الحارث بن الصمة، خرج مع رسول الله ﷺ يوم بدر، وكان يسوق به فقال الشاعر:\nيا رب إن الحارث بن الصمة ... أهل وفاء صادق وذمة\nأقبل في مهامه ملمة ... في ليلة ظلماء مدلهمة\nيسوق بالنبي هادي الأمة ... يلتمس الجنة في مؤتمة\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>باب في سائق بدن النبي ﷺ</span>\nترجم في الإصابة لخالد بن سيار بن عوف الغفاري، فنقل عن ابن الكلبي: كان سائق بدن النبي ﷺ، هو وحسان الأسلمي، ذكره ابن شاهين والطبري ابن شاهين والطبري انظر ص ٩٢ الجزء الثاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>باب في صاحب بدن النبي ﷺ</span>\nترجم في الإصابة لناجية بن جندب الأسلمي فقال فيه: كان صاحب بدن النبي ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>باب في راعي لقاح النبي ﷺ</span>\nترجم الحافظ في الإصابة لذر بن أبي ذر الغفاري، فقال: ذكر الحافظ شرف الدين الدمياطي في سيرته، أنه كان راعي لقاح رسول الله ﷺ، التي كانت بالغابة، وترجم في الإصابة أيضا لغريب [بوزن عظيم] المليكي فذكر عن ابن السكن فقال إنه كان راعي رسول الله ﷺ. انظر ص ٢٤٠ من الجزء الرابع. وفي الطبعة الأولى، ص ٤٧٩/ ٢.\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>باب فيمن كان يقوم بلقاحه ﷺ</span>\nترجم في الإصابة لرباح مولاه ﵇ فذكر عنه ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>باب فيمن كانت عنده خيل النبي ﷺ</span>\nترجم في الإصابة لسعد بن مالك الساعدي، فذكر أن أبا نعيم خرّج عن أبي العباس، عن أبيه عن جده قال كان للنبي ﷺ عند أبي أفراس.\n_________\n(١) من الطبعة الأولى ص ٣٢٨ ج ١ ورقم صاحب الترجمة ١٧١١.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>باب في جماله ﵇</span>\nترجم في الإصابة «١» لعبد الملك بن أبي بكر فقال: قدمت على النبي ﷺ مع تميم الداري وكنت جمّاله. استدركه ابن الأمين اهـ وهكذا في الإختصار: ونصه عبد الملك بن أبي كثير، وقد مع تميم الداري وكان جماله اهـ من خط مؤلفه ولكنه جعله ابن أبي كثير لا ابن أبي بكر كما بالنسخة المطبوعة بمصر ثم وجدته في التجريد على ما عند العراقي ابن أبي كثير ونقل نحو ما ذكر عن ابن بشكوال، إلا أن ما بعده تصحف في النسخة المطبوعة في الهند انظر ص ٣٨٧ منها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>باب فيمن كان يمسك دابة المصطفى في خيبر عن القتال</span>\nترجم في الإصابة لكركرة مولاه ﵇، فنقل عن الواقدي: كان يمسك دابة النبي ﷺ عند القتال في يوم خيبر\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>باب فيمن كان يأخذ بركابه ﵇ وهو على الناقة</span>\nترجم في الإصابة منقع بن الحصين التميمي السعدي فذكر أن ابن السكن أخرج عنه؛ أنه رأى النبي ﷺ على ناقة، وأسود آخذ بركابه، قد حاذى رأس رسول الله ﷺ، ما رأيت من الناس أطول منه «٢» .\nوفي مسلم في غزوة خيبر، عن العباس بن عبد المطلب، فطفق النبي ﷺ يركض بغلته نحو الكفار، وأنا آخذ بلجامها، وأبو سفيان بن الحرث آخذ بركابها. وقد بوّب البخاري في كتاب المغازي باب الركاب والغرز للدابة، قال في الفجر الساطع: الركاب:\nيكون من حديد أو من خشب، وهو للفرس. والغرز: جلد وهو للجمل بمنزلة الركاب للفرس، أي جواز اتخاذ ما ذكر. وأشار به إلى أن ما ورد عن عمر من قوله: إقطعوا الركاب، وثبوا على الخيل وثبا، ليس على منع اتخاذ الركاب أصلا وإنما أراد تدريبهم على الوثوب. قاله ابن بطال اهـ.\nوفي ابن التلمساني على الشفا: أول من ضرب الركاب من حديد المهلب بن أبي صفرة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>باب فيمن كان يأخذ بخطام ناقته ﵇</span>\nفي ترجمة أبي كامل الأحمسي من الإصابة عنه قال: رأيت النبي ﷺ، يخطب الناس يوم عيد على ناقة، وحبشي يمسك بخطامها. وأصله في طبقات ابن سعد انظر ص ٣٤٥/ ٦.\n_________\n(١) انظر الإصابة ج ٢ ص ٤٣١ رقم الترجمة: ٥٢٦٢.\n(٢) الإصابة ج ٣ ص ٤٦٤.","vol":"1","page":277},{"text":"وفي الصحيح في باب قول النبي ﷺ: ربّ مبلّغ أوعى من سامع، من كتاب العلم:\nعن أبي بكرة أنه ﵇ قعد على بعيره، وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه قال في فتح الباري: الشك من الراوي، والزمام والخطام بمعنى الخيط الذي تشد فيه الحلقة، التي تسمى بالبرة بضم الموحدة وتخفيف الراء المفتوحة في أنف البعير، وهذا الممسك سماه بعض الشراح بلالا واستند إلى ما رواه النسائى من طريق أم الحصين، قالت: حججت فرأيت بلالا يقود بخطام راحلة النبي ﷺ اهـ.\nووقع في السنن من طريق عمرو بن خارجة قال: كنت آخذا بزمام ناقة النبي ﷺ، فذكر بعض الخطبة، فهو أولى ما يفسر به المبهم من بلال، لكن الصواب أنه هنا أبو بكرة، فقد ثبت ذلك في رواية الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن ابن عون، ولفظه: رأيت رسول الله ﷺ على راحلته يوم النحر، وأمسكت إما قال بخطامها وإما قال بزمامها، واستفدنا من هذا أن الشك ممن دون أبي بكرة، لا منه وفائدة إمساك الخطام صون البعير عن الإضطراب، حتى لا يشوش على راكبه اهـ كلام الفتح.\nووجدت قصة في أسد الغابة تدل على أن الصحابة كانوا لا يحبون أحدا ينازع المكلف بشؤون رسول الله ﷺ، بل كان المصطفى «١» وهم يحبون اختصاص كل مكلف بما كلف به، وذلك أنه ترجم سعد بن الآخرم فقال: مختلف في صحبته، سكن الكوفة روى عنه ابنه المغيرة، روى عيسى بن يونس ويحيى بن عيسى عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن المغيرة بن سعد بن الآخرم عن أبيه أو عن عمه قال: أتيت النبي ﷺ، وأريد أن أسأله فقيل لي: هو بعرفة فاستقبلته فأخذت بزمام ناقته فصاح بن الناس، فقال: دعوه. ثم ذكر قصة انظرها ص ٢٦٧ من الجزء الثاني وفي آخر القصة قول المصطفى له: دع الناقة ثم قال ذكره أبو أحمد العسكري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>باب في الحادي</span>\n(الحدو سوق الإبل والغناء لها) .\n«في سنن النسائي عن عبد الله بن رواحة أنه كان مع رسول الله ﷺ في مسير له فقال له:\nيا ابن رواحة، إنزل فحرك الركاب، فقال: يا رسول الله قد تركت ذلك، فقال عمر، اسمع وأطع قال فرمى بنفسه فقال: اللهم لولا أنت ما اهتدينا.\nوفي النسائي عن عبد الله بن مسعود قال: كان معنا ليلة نام رسول الله ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس حاديان. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أنس: كان أنجشه يحدو بالنساء، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال، وكان أنجشة حسن الصوت، وكان إذا\n_________\n(١) قوله: بل كان المصطفى جملة معترضة غير تامة!","vol":"1","page":278},{"text":"حدا أسرعت الإبل، فقال النبي ﷺ: يا أنجشة رويدك (أي على مهل) بالقوارير (أواني الزجاج) الواحدة قارورة شبه النساء لضعف قلوبهن بقوارير الزجاج» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>من كان على هديه ﵇ في حجة الوداع</span>\nخرج ﵇ لحجة الوداع ومعه هدي كثير كان عليه كما قال ابن سعد ناجيه بن جندب الأسلمي، وكان على جميع الهدي الذي ساقه من المدينة. انظر الطبقات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>باب في صاحب السلاح وفيه ذكر سلاحه ﵇</span>\n«تقدم عن ابن إسحاق أنه ﷺ بعث سعيد بن زيد إلى نجد ليبتاع له الخيل والسلاح، واتخذ ﷺ أنواع السلاح التي كانت موجودة إذ ذاك عند الأمم. كان له من السيوف تسعة لكل واحد إسم يخصه» .\nقلت: قد نظمها الشيخ عبد الباسط سبط السراج البلقيني فقال:\nلهادينا من الأسياف تسع ... رسوب والمخذم ذو الفقار\nقضيب حتف والبتار عضب ... وقلعي ومأثور الفجار\nوحكمتها تناسب آي موسى ... وكلّ للعدا سبب البوار\nواستدرك بعضهم سيفا آخر سماه المعصوب، وقال البدر القرافي: هو من أسياف النبي ﷺ، واستدرك غيره سيفا آخر سماه الصمصامة انظر شرح ابن الطيب الشرقي على سيرة ابن الجزري، وانظر مادة حسم وعضب وفقر ورسب من حواشي ابن الطيب على القاموس «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>أين كان ﵇ يجعل السيف منه</span>\nوالسنة في حمله ﵇ السيف تقلده به في عنقه الكريم، كما قاله ابن الجوزي، لا شدّه في وسطه كما هو العرف الآن، ونقله الزرقان في شرح المواهب ص ٣٣٥ من ج ٤، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا، قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري، والسيف في عنقه وهو يقول: لن تراعوا وهو في الصحيحين وأبي داود والترمذي. قال الزرقاني على قوله: والسيف في عنقه أي حمائله معلقة في عنقه الشريف متقلدا به، وقال الخفاجي في شرح الشفا قوله والسيف في عنقه، أي حمائله معلقة في عنقه الشريف متقلدا به ﵇، وعلم أن هذا هو السنة في حمل السيف، كما قال ابن الجوزي لا شدة في وسطه، كما هو المعروف الآن اهـ.\n_________\n(١) في كتاب الخزاعي ص ٤١٦ تفصيل حسن لسيوف النبي ﷺ واسم كل منها ومتى وقع في يد النبي ﷺ. فليت المؤلف نقل كلام الخزاعي بتمامه.","vol":"1","page":279},{"text":"وقال الزرقاني في غزوة أحد: وتقلد سيفه، أي جعل علاقته على كتفه الأيمن، وهو تحت ابطه الأيسر، وعند ابن سعد: أظهر الدّرع وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل سيفه، وتقلد السيف وألقى الترس في ظهره اهـ.\nوكان يحلي السيف وآلة الحرب بالذهب والفضة، وكان له خمس أرماح وعدة حرب وغزاة ودروع ٧ وبيضة وقال ابن جماعة في سيرته: كان لرسول الله ﷺ ثلاث جباب يلبسها في الحرب؛ منها جبة سندس أخضر رقيق الديباج، ولبس ﷺ ضيقة الكمين، وكان لرسول الله منطقة (المنطقة ما شددت به وسطك من أديم جلد) مبشر وفيها ثلاث حلق من فضة، والأبزيم فضة والطرف من فضة، ونحوه لأبي الفتح اليعمري في سيرته وذكر ابن سعد وغيره أنه ﷺ يوم أحد: حزم وسطه بمنطقة وأقره اليعمري وغيره، قال الزرقاني في شرح المواهب فقول ابن تيمية لم يبلغنا أنه شد على وسطه بمنطة تقصير، فابن سعد ثقة حافظ فهو حجة على النافي، ولا سيما أنه نفى ولم يطلق النفي فدع عنك قيل وقال اهـ ودخل ﷺ عام الفتح مكة وعلى رأسه المغفر، والمغفر ما يجعل من الزرد على الرأس مثل القلنسوة والخمار، وهو حديث مشهور أفرده جماعة من الحفاظ بعدة مصنفات.\nلطيفة للشيخ علاء الدين علي بن محمد السعدي المتوفى عام ٧١٧ رسالة في المفاخرة بين السيف والرمح، ولأبي حفص أحمد بن محمد بن أحمد الكاتب الأندلسي، وكان حيا بعد عام ٤٠٤ مفاخرة بين السيف والقلم، ولعلي بن هبة الله بن ماكولا المفاخرة أيضا بين السيف والقلم والدينار، ولإبن نباتة أيضا وغيرهم.\nغريبة في شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي عن المرغيناني: لما استولى عمر على خزائن كسرى أمر سراقة وكان أطول أصحابه أن يلبس قباء كسرى فلبسه، ثم قال له تحزم فتحزم ثم قال تمنطق فشد المنطقة، وكانت مذهبة فيها فصوص من جواهر فدل على الجواز اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>باب في حامل الحربة بين يديه ﵇</span>\n«ذكر أبو محمد بن حيان الأصبهاني عن ابن يزيد قال: بعثني نجدة الحروري إلى ابن عباس أسأله: هل سيّر بين يدي رسول الله ﷺ بحربة قال: نعم مرجعه من حنين» .\nوتقدم أن النجاشي ملك الحبشة أهدى إلى النبي ﷺ حربة، وكانت تقدم بين يديه إذا خرج إلى المصلى يوم العيد، وتوارثها الخلفاء، وأنها الحربة التي قتل بها النبي ﷺ أبي بن خلف بيده يوم أحد، وتسمى العنزة أيضا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>باب في حامل السيف</span>\n«في الإستيعاب والروض الأنف ونور النبراس، أن الضحاك بن سفيان بن كعب، كان أحد الأبطال يقوم علي رسول الله ﷺ بسيفه، وكان يعد بمائة فارس وحده، وذكر ابن بدر:","vol":"1","page":280},{"text":"أن الضحاك بن سفيان كان سياف النبي ﷺ، قائما على رأسه متوشحا بسيفه» «١» . التوشح بالسيف التقلد به.\nوفي قصة صلح الحديبية أن عروة «٢» كان يكلم المصطفى ﷺ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ، ومعه السيف وعليه المغفر. قال الحافظ في الفتح؛ فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسيف لقصد الحراسة ونحوها، من ترهيب العدو. ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس، لأن محله إذا كان على وجه العظمة والكبر اهـ.\nوقال الإمام مجد الدين بن تيمية في المنتقى على قيام المغيرة المذكور: فيه استحباب الفخر والخيلاء في الحرب لإرهاب العدو، وأنه ليس بداخل في ذمّه لمن أحب أن يتمثل له الرجال قياما، وكذا قال غيره وقال الخطابي: فيه دليل عى أن إقامة الرئيس الرجال على رأسه في مقام الخوف، ومواطن الحروب جائز، وأن قول الرسول ﷺ: من أحبّ أن يتمثل له الرجال صفوفا فليتبوأ مقعده من النار، هو لمن قصد به الكبر، وذهب مذهب النخوة والجبرية اهـ.\nقال الإمام ابن مفلح في الآداب الكبرى: ولعل المراد أن من فعل ذلك لمقصد شرعي لا بأس به اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>باب فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه ﷺ</span>\nترجم لهم في سيرة ابن سيد الناس، فذكر خمسة وهم: علي بن أبي طالب والزبير، والمقداد، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن ثابت، وزاد ابن القيم: الضحاك بن سفيان الكلابي. قال في نور النبراس: ولم يذكر ابن سيد الناس منهم عويمر بن ساعدة، ولا عثمان، ولا شخصا من الأنصار. وقد ذكر المصدر (ابن سيد الناس) في غزوة أحد، في قصة الحرث بن سويد بن الصلت، أنه قدمه ﵇ فضرب عنقه، ضربه عويمر بن ساعدة، ولعل المراد من كان يتكرر ذلك منه اهـ.\nوفي المواهب: وكان يضرب الأعناق بين يديه ﷺ، علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، ومحمد بن مسلمة وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والضحّاك بن سفيان، والأخير كان شجاعا يعد بمائة فارس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>باب في الصيقل</span>\nصقل السيف حلاه. «في الإستيعاب: مرزوق الصيقل، مولى الأنصار، له صحبة صقل سيف رسول الله ﷺ» .\n_________\n(١) وانظر في الإصابة ج ٢ ص ٢٠٦ ترجمة الضحاك بن سفيان بن عوف الكلابي رقم الترجمة ٤١٦٦.\n(٢) هو عروة بن مسعود الثقفي، انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٣.","vol":"1","page":281},{"text":"وفي الإصابة أخرجه البغوي والطبراني من طريق محمد بن حمير قال: حدثنا أبو الحكم حدثني مرزوق الصيقل: أنه صقل سيف رسول الله ﷺ ذا الفقار، وكان له قبيعة من فضة وحلق في قيده وبكرة في وسطه من فضة، ثم تردد في الجزم بصحبته بعد أن نقل عن العسكري وغيره فيه: له صحبة. وعن ابن حبان يقال: إن له صحبة.\n«تنبيه» - الآلات القتالية من نبل وسيف وحربة هي التي كانت معروفة لذلك العهد، وأما المدافع وما يرجع إليها فحادث، ولأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد غانم الأندلسي كتاب سماه: العز الذائع في المجاهدين بالمدافع، وهو كتاب عديم الوجود توجد منه نسخة بمصر الآن، وللإمام الحافظ بدر الدين بن جماعة المقدسي كتاب سماه: مسند الأجناد في آلات الجهاد، ذكره له ابن سليمان الرداني في صلته.\n«تتمة» في فتح الوهاب على هداية الطلاب، للشيخ سيدي المختار بن أحمد الكنتي:\nمدينة الرسول ﷺ كانت في صدر الإسلام، لا يضع الرجل فيها سلاحه لقلة الأمن، لأن جميع أهل الأرض أعداء لهم.\nقلت: ويؤيده ما ورد من الترغيب في حمل السلاح، ولو في الصلاة. وانظر المدخل وغيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>باب في الدليل في الطريق دليله ﷺ في الهجرة</span>\n«استأجر رسول الله ﷺ في الهجرة كما في الصحيحين رجلا من بني هذيل هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش، دليله ﷺ في أحد: أبو حتمة بن الحارث، كما في ابن إسحاق، دليله في غزوة الحديبية رجل من أسلم» .\nترجم في الإستيعاب سعد العرفي فقال: كان دليله ﵇ إلى المدينة في هجرته «١»، وترجم في الإصابة: تبيع الحميري ابن امرأة كعب الأحبار، ونقل عن أبي بكر البغدادي أنه ذكره في الطبقات العليا من أهل حمص التي تلي الصحابة، وقال كان رجلا دليلا للنبي ﷺ. قال فعرض عليه الإسلام فلم يسلم حتى توفي رسول الله ﷺ. انظر ص ١٩٠ من الجزء الأول، وترجم فيها أيضا لثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري، فذكر ابن أبي داود وابن السكن خرّجا من طريق أبي بكر بن أبي الأسود: كان ثابت بن الضحاك رديف النبي ﷺ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد. انظر ص ٢٠١ وترجم فيها أيضا جبار الثعلبي فذكر عن الواقدي أنه كان دليل النبي ﷺ إلى غطفان انظر ص ٣٠٢ من الجزء\n_________\n(١) ذكر في الإصابة أثناء ترجمته لأم معبد الخزاعية ص ٤٩٧ ج ٤ اسم عبد الله بن أريقط الذي كان دليلا للنبي ﷺ في هجرته إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مولاه. وقد نقل ذلك عن الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة نفس الورقة!! محققه.","vol":"1","page":282},{"text":"الأول، وترجم فيها أيضا جميل الأشجعي، فذكر أنه ﵇ استأجره بعشرين صاعا ليدل أصحابه على طريق خيبر ففعل ثم أسلم، وترجم أيضا [٣٩٦/ ٣] مذكور العذري فنقل عن الواقدي أنه كان دليل المصطفى ﷺ ثم نقل عن الحاكم في الإكليل راويا بسنده لما أراد ﵇ أن يدنو من الشام ومعه دليل خريت هاد من بني عذرة الحديث انظر ص ٧٦ من ج ٦.\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>باب في البناء في المفازات التي يسلكها الإمام إعلاما بوصول قدمه هناك (ويتخذ علما لبلوغ دعوته ثمة)</span>\nفي السير «١» أنه ﵇ لما خرج في غزوة الطائف سلك على نخلة اليمانية بحرة الرّغاء فابتنى فيها مسجدا وصلى فيه قال: ابن باديس: فيه بناء المساجد في المفازات، والمواضع العامرة لتكون علما على الإسلام وبلوغ الدعوى اهـ.\nوفي المواهب لدى الكلام على غزوة تبوك: وبنى في طريقة مساجد. قال الزرقاني:\nعشرين أي كان سببا في بنائها للصلاة أي تلك الأماكن أو علّم عليها، فبنيت بعده اهـ وهو تكلف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>باب في مسهل الطريق</span>\n«في الإستيعاب غالب بن عبد الله الليثي هو الذي بعثه ﷺ يسهل له الطرق» .\nوعزا ذلك في الإصابة لتخريج البخاري في التاريخ والبغوي وزاد: ولأكون له عينا.\n[انظر الأصابة: ٣/ ١٨٣] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>باب في ذكر من يطأطأ هامته للإمام ليركب</span>\nترجم في الإستيعاب مارية خادمة رسول الله ﷺ فقال: تكنى أم الرباب حديثها عند أهل البصرة أنها تطأطأت للنبي ﷺ حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين اهـ منه ص ٧٧٨ وترجمها في الأصابة وزاد «٢» . قلت وأخرجه ابن منده من طريق يعلى بن أسد عن عبد الله بن خبيب عن أم سليمان عن أمها عن جدتها مارية قالت: تطأطأت لرسول الله ﷺ فذكره والعجب من الخزاعي كيف أهمل هذه الترجمة مع أن الإستيعاب كان بيده وهو معظم مادته والكمال لله.\nوينبغي أن يذكر هنا ما وقع في غزوة أحد، وهو أنه ﵇ لما كسرت رباعيته في سبيل الله، وشج وجهه الكريم، نهض إلى صخرة من جبل ليعلوها، وقد كان بدّن وظاهر يومئذ بدرعين، فلم يستطع فجلس تحته طلحة حتى استوى، فقال: أوجب طلحة.\nأي فعل فعلا يوجب له دخول الجنة.\n_________\n(١) انظر ابن هشام ج ٢ ص ٤٨٢.\n(٢) انظر ج ٤ ص ٤٠٥.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>باب في صاحب المظلة</span>\n«ذكر ابن إسحاق في خبر هجرة رسول الله ﷺ،. ووصوله إلى المدينة؛ وخروج الناس إليه سرعانا فلما زال الظل عن رسول الله ﷺ قام إليه أبو بكر فأظله بردائه، وفي صحيح مسلم عن أم الحصين بنت إسحاق الأخمصية أو الأخمسية قالت: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة بن زيد وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>باب في ذكر صاحب الثقل متاع المسافر وحشمه</span>\nقال الزرقاني في شرح المواهب بفتح المثلاثة وكسرها وفتح القاف اهـ وأصله في الصحاح وفي التهذيب أنه بضم القاف. «في الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: كان على ثقل رسول الله ﷺ رجل يقال له كركرة، وفي مسلم عن أبي رافع وكان على ثقل رسول الله ﷺ قال: لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكني جئت فضربت قبته فجاء فنزل» .\nوترجم في الإصابة لعبد الله بن زيد بن عمرو بن مازن الأنصاري فقال: ذكره ابن منده، وأخرجه من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق، أنه كان على ثقل رسول الله ﷺ، وتعقبه أبو الفتح بأن الذي كان على الثقل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول «١» وقوله على الثقل ذكره بالمثلاثة والقاف، وإنما هو بالنون والفاء ولا مانع من تعدد القصة، والحكم عليه بالتصحيف فيه صعوبة، لأن صورة الكلمتين محتملة. وترجم لعبد الله بن كعب الأنصاري، فذكر أنه كان على ثقل رسول الله ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>باب ذكر فسطاطه ﵇</span>\nقال سبحانه: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ [النحل: ٨٠] .\nومن المعلوم أن البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين: أحدهما البيوت المتخذة من الخشب، والطين، والآلات التي يمكن بها تسقيف البيوت، وإليها الإشارة بقوله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا» وهو ما يسكن إليه الإنسان أو يسكن فيه، وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقله، بل الإنسان ينتقل إليه القسم الثاني: الخيام والقباب والفساطيط، وإليه الإشارة بقوله «وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم» وهذا القسم من البيوت يمكن نقله وتحويله، والمراد بها الأنطاع يعني البسط المتخذة من الجلد، وما يعمّ البيوت منه، مما تستعمله العرب وغيرهم، من أهل البوادي.\n_________\n(١) انظر الإصابة ج ٢ ص ٣٦٢.","vol":"1","page":284},{"text":"والمعنى: يخفف عليكم في أسفاركم وإقامتكم، لا يثقل عليكم في الحالتين ويسمّى. أي الفسطاط: الكن. قاله ابن سيد الناس اليعمري، وفي الفوائد له: الفسطاط البيت من الشعر، والكن ما يستر من الحر والبرد، قال في نور النبراس والفسطاط بضم الفاء وكسرها، وبالطاء والتاء الخباء. قاله في المطالع اهـ ويقال له في المغرب الخزانة ومجموع ما يدخله الملك بأهله آفراك بلهجة المغاربة، والمكلفون به يسمون في حاشية الملك بالمغرب قديما «الفرايكية»، وكانت الخزائن في القديم تستعمل من جلد أو صوف أو شعر، وأول من عملها من كتان أحد أسلافنا، وهو يحيى بن عمران بن عبد الجليل بن يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس بن إدريس ﵁؛ لما بويع بزواوة من عمالة قسمطينة، أيام فرار الأدارسة من فاس، ومن هناك جرى على عائلتنا الكتانية اللقب بالكتاني، ونقل مؤرخ الدولة الحسنية العلوية، أبو العباس ابن الحاج في الدر المنتخب المستحسن نظما لأحد أعلام بيتنا جاء فيه.\nفجدنا يحيى وبالكتاني ... نسبته قائمة البرهان\nسببه جعل الخبا كتانا ... جرى على من بعد حتى الآنا\nوقت إمارة له فيما سلف ... وفي كنوز قد أتانا مؤتلف\nكذا تلقى ناظم اللآلي ... عن بعض أعيانهم الكمال\nوفي بهجة المحافل للعاملي: كانت له ﵇ قبة يضربها في إسفاره تسع أربعين رجلا اهـ انظر ص ١٧٢ منها.\nوفي المقالات السنية:\nروى الذين رأوا قبابا واحدة ... كانت مربعة حمراء من أدم\nمن شعر أخرى، وأخرى أربعين بها ... رأى من أصحابه في صحبة العلم\nحمراء من أدم أبو جحيفة ثم ... جابر مع عبد الله ذو القدم\nتنبيه- هذه الترجمة تعرفك أنه ﵇ كان يحس بالحر والبرد، وهو مقتضى غير ما حديث، ولما ساق في المواهب قول البدر الزركشي: أنه ﵇ كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس بالحر ولا بالبرد، وأنه كان في ظل غمامته، من اعتدال تبرأ منه بقوله: كذا قال ﵀. قال شارحها: لأنه منابذ لما تشهد به الأحاديث من أنه ﵇ كان يحس بالحر والبرد، ففي حديث الهجرة أن الشمس أصابته وظلله أبو بكر، وفي الصحيح أيضا أنه كان بالجعرانة، وعليه ترس قد أظل به. وروى ابن منده والبيهقي مرفوعا: لا نصبر على حر ولا برد وخرّج أحمد «١» بسند جيد أنه ﵇ وضع يده في\n_________\n(١) في أحمد ج ٤ ص ٤٧٤ من حديث أبي رهم الغفاري: غزوت مع النبي ﷺ غزوة تبوك فلما فصل سرى ليلة فسرت قريبا منه وألقي علي النعاس ... وقد دنت راحلتي من راحلته ... فأصابت رجله فلم أستيقظ إلا بقوله: حس. فرفعت رأسي فقلت: استغفر لي يا رسول الله.","vol":"1","page":285},{"text":"طعام حار فاحترقت أصابعه الشريفة فقال: حس، وحس بفتح الحاء المهملة وكسر السين بلا تنوين: كلمة تقال عند الألم من نحو إحراق كحز. قاله الحلواني في مولده الكبير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>باب فيمن كان يضرب قبته ﵇</span>\nيؤخذ من الترجمة السابقة أن أبا رافع كان يتولى ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>باب فيمن يكتنف الإمام إذا أراد الدخول إلى الحضرة</span>\nفي الصحيح «١»: عن أنس في قصة سقوط المصطفى عن راحلته هو وصفية، وفيه فركب، واكتنفنا رسول الله ﷺ. قال ابن غازي في حاشيته نقلا عن المهلب: فيه اكتناف الإمام عند دخول المدن وتلقي الناس، وفي ترجمة الورد بن خالد بن حذيفة من طبقات ابن سعد: صحب النبي ﷺ، وكان على ميمنته يوم الفتح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>باب في الأمين على الحرم في ذكر أمين رسول الله ﷺ على حرمه</span>\n«في الإستيعاب: كان عبد الرحمن بن عوف أمين رسول الله ﷺ على نسائه، وفي البهجة لابن هشام: وفي سنة ٢٣ من الهجرة حجّ عمر واستأذنه نساء النبي ﷺ في الحج، فأذن لهن فخرجوا في الهوادج عليهن الطيالسة، وكان أمامهن عبد الرحمن بن عوف، ووراءهن عثمان بن عفان، وكانا لا يدعان أحدا يدنو منهن» .\nوأخرج علي بن حرب في فوائده عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح: أن المصطفى ﵇ قال: إن الذي يحافظ على أزواجي من بعدي هو الصادق البار، فكان عبد الرحمن بن عوف يخرج بهن، ويحج معهن، ويجعل على هوادجهن الطيالسة وينزل بهن في الشعب الذي ليس له منفذ.\nوخرج ابن سعد في الطبقات عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده أن عمر أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج، فحملهن في الهوادج عليهن الأكسية الخضر، وبعث معهن عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، فكان عثمان يسير على راحلته أمامهن فلا يدع أحدا يدنو منهن، وكان عبد الرحمن يسير على راحلته من ورائهن، فلا يدع أحدا يدنو منهن، ينزلن مع عمر كل منزل.\nوفي رواية في الطبقات أيضا فكان عثمان يسير أمامهن فلا يترك أحدا يدنو منهن ولا يراهن إلا مدّ البصر، وعبد الرحمن كذلك.\nوفي رواية أخرى في طبقات ابن سعد أيضا: يسير أمامهن ابن عفان ويصيح إذا دنا\n_________\n(١) انظر البخاري كتاب الجهاد ج ٤/ ٣٩ باب ١٩٧.","vol":"1","page":286},{"text":"منهن أحد: إليك وابن عوف من ورائهن كذلك، فنزلن بقديد واعتزلن الناس، وقد ستروا عليهن الشجر من كل ناحية انظر ص ١٥١ من ج ٨ من طبقات ابن سعد.\nوفي التوشيح للسيوطي: كان عمر يتوقف أولا في الإذن لأمهات المؤمنين بالحج، اعتمادا على قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٣] يرى تحريم السفر عليهن، فظهر له جوازه، فأذن لهن في آخر خلافته، فكان عثمان يحج بهن في خلافته أيضا ووقف بعضهن عند ظاهر الآية، وهي زينب وسودة فقالتا: لا تحركهما دابة بعد رسول الله ﷺ اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>باب من كان يقود أو يسوق نساء المصطفى ﷺ في حجه</span>\nقال القاضي ابن باديس، في شرح مختصر ابن فارس، نقلا عن أبي عمر: أنجشة العبد الأسود، كان يسوق أو يقود نساء النبي ﷺ في حجة الوداع، ويحدو الإبل لتزيد في الحركة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>باب في ارتياد الموضع لنزول الجيش وتخيره لهم من ماء وكلأ</span>\nوهؤلاء يعرفون في جيش السلطان بالمغرب بالمهندسين والفرايكية، في قصة الحديبية، أنه ﵇ لما سلك ثنية المرار قال: انزلوا فقالوا ما بالوادي ماء، قال القاضي ابن باديس: فيه دليل ارتياد الموضع لنزول الجيش وتخيره لهم من الماء والكلأ.\nوفي البخاري عن البراء. نزلوا على بير اهـ وقصة الحباب بن المنذر في الباب مشهورة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>باب في الحارس ذكر من حرسه ﷺ بالمدينة</span>\n«قد تقدم قول سعد بن أبي وقاص لرسول الله ﷺ: جئت لأحرسك، وحرس يوم بدر سعد بن معاذ وغيره، كما في سيرة ابن إسحاق (وجزم به اليعمري تبعا لغيره) . ففيها أنه كان على باب العريش، الذي فيه رسول الله ﷺ، متوشحا بالسيف في نفر من الأنصار، يحرسون. وحرسه ﷺ حين أعرس بصفية بخيبر، أو ببعض الطريق أبو أيوب الأنصاري.\nففي ابن إسحاق أنه بات متوشحا سيفه يحرس رسول الله ﷺ، ويطوف بالقبة حتى أصبح رسول الله ﷺ فلما رأى مكانه قال: مالك يا أبا أيوب؟ قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك فزعموا أن مولانا رسول الله ﷺ قال: اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني وكان يحرسه ﵇ في مكة وهو يصلي بالحجر عمر بن الخطاب، كما في علل الدارقطني أنه كان يقوم بالسيف على رأسه حتى يصلي» .\nوترجم في الإصابة للأدرع السلمي فخرّج من طريق ابن ماجه عنه قال: جئت ليلة","vol":"1","page":287},{"text":"أحرس النبي ﷺ الخ القصة. وترجم أيضا لخشرم بن الحباب الأنصاري فنقل عن الطبري:\nكان حارس المصطفى ﵇ (الأصابة: ١/ ٤٢٨) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>فصل في الإمام يخرج للغزو فيترك الحرس خلفه في عاصمته</span>\nأخرج ابن فتحون، من طريق عبدان عن إسحاق بن الصيف، عن عبد بن يوسف عن إسماعيل بن عياش، عن نافع عن ابن عمر قال: كانت غزوة بدر وأنا ابن ثلاث عشرة، فلم أخرج وكانت غزو أحد وأنا ابن أربع عشرة فخرجت، فلما رآني النبي ﷺ استصغرني وردني وخلفني في حرس المدينة في نفر منهم أوس بن ثابت، وأوس بن عرابة، ورافع بن خديج، قال الحافظ في ترجمة أوس من الإصابة: هكذا أورده وقد أورده ابن أبي خيثمة عن عبد الوهاب بن نجدة عن إسماعيل بن عياش عن أبي بكر الهذلي عن نافع فقال: فيه زيد بن ثابت وعرابة بن أوس ويحتمل أن يكون محفوظا اهـ انظر ص ٢٢.\nوبذلك تعلم تقصير أبي الحسن الخزاعي في قوله: من باب حراسة أبواب المدينة في زمن الهرج، لم أجد فيهما نصا، أنهما كانتا في زمن النبي ﷺ، فإنهما يستخرجان مما ذكرنا فتأمله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>حراس عسكره ﷺ</span>\n«في الكلام على غزوة ذات الرقاع، في سيرة ابن إسحاق: فنزل ﷺ منزلا وقال: من يكلأنا الليلة؟ فانتدب رجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله.\nقال: فكونوا عند الشعب. قال: وكان رسول الله ﷺ في أصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي وهما عمار بن ياسر، وعبّاد بن بشر، وذكر قصة عجيبة.\nوذكر أيضا عند الكلام على غزوة بني قريظة: خرج من تلك يعني الليلة التي نزل في صبيحتها بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ عمرو القرظي فمر بحرس رسول الله ﷺ، وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة.\nغزوة الفتح في الصحيح: عن عروة أن أبا سفيان لما خرج يتجسس عن خبر رسول الله ﷺ ووجد النيران فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ» .\nفي ترجمة عباد بن بشر من طبقات ابن سعد: واستعمله ﵇ على حرسه بتبوك من يوم قدم إلى أن رحل، وكان أقام بها عشرين يوما اهـ وحرسه ﷺ في غزوة حنين: أنس بن أبي مرثد الغنوي خرج أبو داود والنسائي والبغوي والطبراني وابن منده من طريق أبي توبة عن معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثنا السلولي يعني أبا كبشة أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كان عشية فحضرت صلاة الظهر، فذكر الحديث. وفيه فقال رسول الله","vol":"1","page":288},{"text":"ﷺ: من يحرسنا الليلة؟ فقال ابن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله وفي آخر الحديث فقال له رسول الله ﷺ: هل نزلت الليلة؟ فقال: لا إلا مصليا أو قاضي حاجة فقال: قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها. إسناده على شرط الصحيح. قاله الحافظ في الإصابة في ترجمة أنس المذكور.\nوحرسه ﷺ جماعة سماهم الشامي في سيرته. وقال البرهان الحلبي: إن الباب قابل للزيادة فاكشف عنه اهـ.\nوفي سيرة ابن إسحاق في قصة قدوم ثقيف على رسول الله ﷺ سنة تسع: فلما دنوا من المدينة، ألفوا المغيرة بن شعبة يحرس في نوبته ركاب رسول الله ﷺ، وكانت رعيتها نوبا على أصحاب رسول الله ﷺ، فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين، وذهب يشتد ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه. (والركاب دواب السفر التي تحمل الأثقال عليها من الإبل وغيرها) .\nتنبيه: كان الصحابة يحرسونه ﵇ في أسفاره قبل أن ينزل عليه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] فلما نزلت منعهم من الحراسة، والآية لا تنافي ما أصابه ﵇ في غزوة أحد، لأن الآية نزلت بعدها أو المراد حفظه من القتل، كما فصله القطب الخيضري في خصائصه، وانظر نسيم الرياض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>الرجل يلازم المصطفى من خلفه</span>\nترجم في الإصابة لجبلة بن عامر البلوي، فذكر أن الرشاطي نقل عن ابن الكلبي: أنه كان صاحب خلف المصطفى ﷺ أنظر ص ٢٣٦.\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>الرجل يتقدم أمام المصطفى ﷺ ينشد شعرا</span>\nترجم النسائي «١» في السنن إنشاد الشعر في الحرم، والمشي بين يدي الإمام، ثم خرّج أنه ﵇ دخل مكة يوم الفتح، وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشده:\nخلّوا بني الكفار عن سبيله\nوهو في الترمذي أيضا وذكر فيه دخل في عمرة القضاء قال الترمذي: وروي في غير هذا الحديث وكعب بن مالك بين يديه، وهذا أصح لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤته، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك اهـ قال في نور النبراس: وهذا الذي قاله الترمذي فيه نظر، لأن عمرة القضاء كانت في السنة السابعة من ذي القعدة، ومؤته في جمادي الأول سنة ثمان اهـ.\n_________\n(١) كتاب المناسك ج ٥/ ٢٠٢.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>باب في طلائع الجيش</span>\nترجم الحافظ في الإصابة لسليط بن سفيان الأسلمي، فنقل عن أبي عمر: هو أحد الثلاثة الذين بعثهم رسول الله ﷺ طلائع في آثار المشركين يوم أحد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>باب في المتجسس ذكر من بعثه ﷺ متجسسا</span>\n«خرّج مسلم عن أنس قال: بعث رسول الله ﷺ بسبسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان» .\nبيبس المذكور روي بسيبسة مصغرا أو بسبس وبسبسة وجوه ثلاثة انظر الإصابة في ترجمته ج ١ ص ١٤٧، وفيها في ترجمة عدي بن أبي الزغباء الجهني أرسله ﵇ مع بسبسة بن عمرو يتجسسان خبر أبي سفيان في وقعة بدر، فسارا حتى أتيا قريبا من ساحل البحر. ذكره ابن عقبة عن ابن شهاب انظر ص ١٣٠ من ج ٤ ونحوه في الاستبصار: إلا أنه قال مع بسبس بن عمرو الجهني، وفي البخاري في قصة الهجرة عن عائشة قالت: وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار قريش وهو غلام شاب فطن، فكان يبيت عندهما ويخرج من السحر فيبيت مع قريش اهـ.\nوفي سيرة ابن إسحاق أنه ﵇ لما خرج إلى بدر، وبلغ قريبا من الصفراء بعث بسبسة بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة، وعدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار، إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره.\nوفي ابن إسحاق أيضا في غزوة بدر أنه ﵇ ركب بنفسه هو ورجل من أصحابه، (أبو بكر) حتى وقفا على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فأخبره. فلما فرغ من خبره قال لهما: ممن أنتما قال رسول الله ﷺ: من ماء. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وغيرهم إلى بدر يلتمسون له الخبر الخ انظر ص ٦٥ من ج ٢.\nوبعث ﷺ كما في الاستيعاب، قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر، طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة، فقدماها يوم وقعة بدر فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهميهما وبأجرهما.\nوفي ترجمة أبي تميم الأسلمي من طبقات ابن سعد هو أرسل غلامه مسعود بن هنيدة من العرج على قدميه، إلى رسول الله ﷺ، يخبره بقدوم قريش عليه، وما معهم من العدد والعدد والخيل والسلام ليوم أحد.","vol":"1","page":290},{"text":"وفي الاستيعاب لدى ترجمة حذيفة بن اليمان قال: هو الذي بعثه ﵇ يوم الخندق، ينظر إلى قريش فجاء بخبر رحيلهم اهـ ص ١٠٥.\nوفي سيرة ابن إسحاق أيضا في قصة هوازن ما اجتمعوا لينظروا في أمر رسول الله ﷺ قال: لما سمع بهم رسول الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ويأتيه بخبرهم. فانطلق ابن أبي حدرد حتى دخل فيهم فأقام بينهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله ﷺ، فأخبره الخبر ونحوه في المواهب وشرحها ص ٢ من ج ٣.\nوترجم في الإصابة لأمية بن خويلد، فذكر أن المصطفى بعثه عينا وحده إلى قريش قال: فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون، فرقيت فيها فحللت خبيبا.\nوترجم فيها أيضا لبشر بن سفيان العتكي، فذكر فيها أنه أرسله ﷺ إلى مكة؛ يتجسس له أخبار قريش.\nوترجم فيها أيضا لجبلة بن عامر البلوي، فذكر أنه كان عين المصطفى يوم الأحزاب، وترجم فيها أيضا لخبيب بن عدي الأنصاري، فذكر عن البخاري: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عينا وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، ثم نقل أيضا عن تخريج ابن أبي شيبة أنه ﵇ بعثه وحده عينا لقريش.\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>باب في الرجل يتخذ في بلد العدو عينا يكتب بأخبارهم إلى الإمام</span>\n«في الاستيعاب في ص ٤٢٦، في أخبار العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله ﷺ، أسلم العباس قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ، فكتب إليه إن مقامك بمكة خير» .\nوترجم في الإصابة لأنس بن أبي مرثد الغنوي، فنقل عن ابن سعد: هو كان عين النبي ﷺ بأوطاس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>باب في جعل الإمام العين على الناس في بلده</span>\nفي شمائل الترمذي من حديث ابن أبي هالة الطويل: كان ﷺ يسأل الناس عما في الناس قال ابن التلمساني في شرح الشفا: ليس من باب التجسس المنهي عنه، وإنما هو ليعرف به الفاضل من المفضول، فيكونون عنده في طبقاتهم، وليس هو من الغيبة المنهي عنها، وإنما هو من باب النصيحة المأمور بها هـ. وقال المناوي على الشمائل: وهذا إرشاد للحكام إلى أن يكشفوا ويتفحصوا، بل ولغيرهم ممن كثر أتباعه كالفقهاء والصالحين والأكابر، فلا يغافلوا عن ذلك لئلا يترتب عليه ما هو معروف من الضرر، الذي قد لا يمكن تدارك رفعه اهـ، وقال الحافظ في باب الصبر على الأذى، من الفتح على القصة التي قال فيها ﵇: رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من","vol":"1","page":291},{"text":"هذا فصبر: في هذا الحديث «١» جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم، ليحذروا القائل اهـ.\nوأخرج أسيد بن موسى في كتاب: فضائل الشيخين عن الحر قال: كان لعمر عيون على الناس.\nعجيبة في فوائد المناصحة في فعل المصافحة، للعلامة الصالح أبي العباس أحمد بن علي البوسعيدي: أخبرني سيدي علي بن بلقاسم البطيوي قال: بلغنا بأن الشيخ ابن غازي قد عيّن بعض أصحابه أن يكتب له كل ما جرى في البلد، وما قال وقيل من خميس إلى خميس، فيطالع ذلك. ويكون ذلك يوم الخميس الذي تفرّغ فيه من التدريس، فحمل هذا من الشيخ ابن غازي على معرفة الزمان وأهله المأذون فيه، أو المكلف به، لما تقرر أن من لم يعرف الزمان الخ كلامه، ومن خط مؤلفها نقلت.\nوفي المحاضرات للشيخ أبي علي اليوسي أن الأمير محمد الحاج الدلائي حدثه عن الحافظ أبي العباس المقري، أنه كان يوم مقامه بمصر، قد اتخذ رجلا بنفقته وكسوته، وما يحتاج على أن يكون كلما أصبح ذهب يخترق البلد، أسواقا ومساجد ورحابا وأزقة، وكلما رأى من أمر وقع أو سمع يقصه عليه في الليل اهـ.\nلا شك أن ابن غازي والمقري، لو ظهرت الجرائد في أيامهما لكانا أول المشتركين فيها، وكان الاشتراك عليهما في عشرة من الجرائد يومية مثلا أهون من نفقة الرجل المذكور وتوابعه والله أعلم.\nوفي الدرر المرصعة في صلحاء درعة، لأبي عبد الله محمد المكي بن موسى الناصري، في ترجمة الإمام السني القدوة أبي العباس أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي، عن بعض تلاميذه قال: كان الشيخ كثير السؤال والفحص عن أحوال الناس ومجرياتهم في الأقطار والمدائن، وكان يسألني عن ذلك كثيرا قال فقلت مرة في نفسي: ما للشيخ وما للأخبار؟ لو اشتغل بصلاته وصيامه وسبحته كان أحسن له من هذا. قال فلقيني بعد ذلك بقريب وقال لي: المؤمن يسأل عن إخوانه المسلمين وعن أحوالهم، فمن كان في خير دعا له بالزيادة والهناء، ومن كان في شر وفقر دعا له بخير ورحمة. قال صاحب الدرر: وكان على هذا القدم العارف الشعراني.\nوفي ترجمة عثمان من طبقات ابن سعد عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان بن عفان والمؤذن يؤذن وهو يحدث الناس يسألهم ويستخبرهم عن الأسعار والأخبار، وأخرج أيضا عن موسى قال: رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة فيجلس على المنبر، فيؤذن المؤذن وهو يتحدث يسأل الناس عن أسعارهم وعن قوامهم وعن مرضاهم، ثم إذا سكت المؤذن\n_________\n(١) انظره في البخاري ج ٧/ ٨٧ من كتاب الأدب والاستئذان ١٤٣.","vol":"1","page":292},{"text":"قام يتوكأ على عصا فيخطب، ثم يجلس جلسة فيبتدىء كلام الناس فيسائلهم كمسألته الأولى ثم يقوم فيخطب ثم ينزل ويقيم المؤذن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>باب في المخذل</span>\n(خذّل [عنه] أصحابه تخذيلا، أي حملهم على خذلانه، والخذلان ضد النصر.\nوالمراد به من يشتت الجموع بدهائه وسياسته) .\n«ذكر ابن حزم في الجمهرة نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي فقال فيه: هو الذي شتت جموع الأحزاب. وفي الاستيعاب: أسلم في الخندق، وهو الذي خذّل المشركين ببني قريظة، حتى صرف الله كيدهم، وخبره في تخذيل المشركين وبني قريظة عجيب في السيرة» .\nوقصة نعيم مبسوطة في ترجمته من طبقات ابن سعد؛ انظر ص ١٩ ج ٤.\nوفي الإصابة هو الذي أوقع الخلف بين الجيشين قريظة وغطفان في وقعة الخندق، فخالف بعضهم بعضا، ورحلوا من المدينة.\nوفي مبحث فصاحته ﷺ من المواهب، وقوله ﵇: الحرب خدعة. رواه البخاري «١» ومسلم، عن أبي هريرة قال سمى النبي ﷺ: الحرب خدعة وليس عند مسلم سمى. وقوله خدعة مثلث الخاء أشهرها فتح الخاء وإسكان الدال. قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي ﷺ، والثانية ضم الخاء وإسكان الدال، والثالثة ضم الخاء وفتح الدال. وقد قال ذلك النبي ﷺ يوم الأحزاب؛ لما بعث نعيم بن مسعود، وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، وأشار بذلك إلى أن المماكرة أنفع من المكاثرة اهـ.\nوقصة نعيم الأشجعي المذكور أنه أتى بني قريظة، وكان نديما لهم فقال: قد عرفتم ودي لكم، قالوا: صدقت قال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، به أموالكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان، جاؤا إلى حرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليهم، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، لأنهم إن رأوا ثمرة أصابوها، وإلا لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين محمد، ولا طاقة لكم به إن خلابكم، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم، فقالوا: أشرت بالرأي، ثم أتي قريشا فقال: قد عرفتم ودي وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر، رأيت حقا علي أن أبلغكموه نصحا لكم. إن يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا بذلك إلى محمد وقالوا: يرضيك أن نأخذ لك من أشراف قريش وغطفان رجالا تضرب أعناقهم، ثم نكون معك حتى تستأصل باقيهم، ثم أتى غطفان فقال لهم مثل ذلك. فأرسلوا إلى بني قريظة\n_________\n(١) في كتاب الجهاد ٤/ ٢٤ رقم الباب ١٥٧ من حديث أبي هريرة. ورواه مسلم في كتاب الجهاد ج ٢ ص ١٣٦١، عن جابر وأبي هريرة.","vol":"1","page":293},{"text":"عكرمة في نفر من القبيلتين، فقالوا: لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فقالت القبيلتان: إن الذي حدّثكم به نعيم لحق، وأرسلوا إليهم: لا ندفع إليكم رجلا واحدا. فقالت قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق.\nقال ابن باديس: يؤخذ منه جواز مخادعة العدو، والتحيل في دفع ضرره على المسلمين، لقوله لنعيم: خذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة وإذا أبيح كلام الخير في الصلح بين الاثنين من المسلمين، وإن لم يقله أحد منهما تأليفا للقلوب، فما بالك بمحق الكفار وحقن دماء أهل النصرة والدار، الباذلين أنفسهم في إظهار دين الله وسنة نبيه المختار، فهو من باب النصح للمسلمين والأمانة، لا من باب الكذب والخيانة اهـ.\nوخرّج ابن أبي حاتم في العلل عن النوّاس بن سمعان قال: بعث النبي ﷺ سرية فقال: تهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار، إن كل كذب مكتوب كذبا لا محالة، إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة.\nوفي التوشيح على قوله ﵇: الحرب خدعة بنقط حاء مثلث أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن، وقال ابن المنير: أي الحرب الكاملة في مقصودها، البالغة إنما هي مخادعة، لا مواجهة. وذلك لخطر المواجهة، وحصول الغرض: الظفر بالمخادعة بلا خطر اهـ.\nزاد أبو الحسن الدمنتي في اختصاره للتوشيح: أخبرني بعض علماء القسطنطينية أنهم قالوا للنصارى: إنا غلبناكم بالسلاح، وإنما غلبتم أنتم ملوكنا بحيلكم، وتزيين الملاهي والمحرمات، فاتبعوكم بإفساد الدين. فقالوا لهم: أليس بصحيح إخبار نبييكم: الحرب خدعة قلنا نعم. قالوا إذا إنما غلبناكم بشرعكم الخدعة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>باب في النمام</span>\nترجم في الإصابة لمسعود «١» فذكر أن ابن أبي شيبة، أخرج عن عروة قال: كان من أصحاب رسول الله ﷺ رجل يقال له مسعود، وكان نماما، فلما كان يوم الخندق بعثه أهل قريظة إلى أبي سفيان أن إبعث إلينا رجالا حتى نقاتل محمدا مما يلي المدينة، وتقاتله أنت مما يلي الخندق، فشق ذلك على رسول الله ﷺ لما بلغه أن يقاتل من جهتين، فقال: يا مسعود، نحن بعثنا إلى بني قريظة أن يرسلوا إلى أبي سفيان، فيرسل إليهم رجالا فإذا أتوهم، مكنوا منهم فقتلناهم، فلم يتمالك مسعود لما سمع بذلك أن أتى أبا سفيان فأخبره فقال: صدق والله محمد ما كذب قط، فلم يرسل إلى بني قريظة أحدا. قال الحافظ: وفي هذه القصة شبه بقصة نعيم بن مسعود الأشجعي والله أعلم اهـ.\n_________\n(١) انظر الإصابة ج ٣/ ٤١٣.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>باب في استعمال السفن البحرية وفيه فصول ذكر من استعمل فيها في زمن رسول الله ﷺ</span>\n«وقع في السيرة ذكر عدة سفن استعملها الصحابة في العهد النبوي، بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، سنة ست إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وأرسل إليه كل من أقام بأرض الحبشة من الصحابة، حين بعث فيهم رسول الله ﷺ إلى النجاشي وجعلهم في سفينتين، فقدم بهم عليه وهو في خيبر، منهم جعفر بن أبي طالب، وحمل معه في السفينة نساء من هلك هناك من المسلمين، وركب أبو موسى الأشعري وإخوانه وقومهم في هجرتهم إلى رسول الله ﷺ، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بالحبشة، فوافوا جعفر بن أبي طالب، وأصحابه عنده، فأقاموا معه حتى قدموا جميعا والقصة في الصحيح «١» .\nوفي الموطأ «٢» عن أبي هريرة: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا الماء القليل، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر قال:\nهو الطهور ماؤه الحل ميتته، وهو في جامع الترمذي وغيره أيضا.\nوأخبر النبي ﷺ فقال: إن ناسا من أمتي يركبون البحر غزاة في سبيل الله، ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، قال ذلك في بيت أم حرام بنت ملحان كما في الموطأ «٣»، فقالت أدع الله إن يجعلني منهم فقال أنت من الأولين، فركبت البحر في زمن معاوية، ونزلت في جزيرة قبرس ودفنت هناك» .\nالحديث الأخير بوّب عليه البخاري في كتاب الجهاد «٤»: باب غزو المرأة في البحر، وساقه بلفظ: ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأسرة، فقالت ابنة ملحان يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم فال: أنت مع الأولين ولست من الآخرين قال أنس فتزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحر مع بنت قرظة، فلما قفلت ركبت دابتها فوقصت بها، فسقطت عنها فماتت.\nنقل الحافظ عن موطأ ابن وهب عن ابن لهيعة: أن معاوية أول من ركب البحر للغزاة اهـ ونحوه للحافظ أيضا على باب ركوب البحر من كتاب الجهاد أيضا، انظره وفي جامع العتبية قال مالك: استأذن معاوية بن أبي سفيان عمر بن الخطاب في ركوب البحر فأبى أن يأذن له، فلما ولي عثمان كتب إليه يستأذنه فأبى، ثم رد عليه فكتب إليه عثمان: إن كنت\n_________\n(١) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ص ١٩٤٦/ ٢.\n(٢) رواه في كتاب الطهارة ورقمه ١٢ ص ٢٢/ ١.\n(٣) رواه في كتاب الجهاد ورقمه ٣٩ ص ٤٦٤.\n(٤) رواه في كتاب الجهاد باب ٣ ص ٢٠١/ ٣.","vol":"1","page":295},{"text":"تركب بأهلك وولدك فاركب فقد أذنت لك، فركب معاوية ومعه امرأته بنت قرظة [بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف]، وفيها أيضا قال مالك: أمّر عثمان بن عفان عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان: «عمرا على البر، ومعاوية على البحر وإذا اجتمعا فمعاوية الأمير، فلما بلغا رأس مغزا هما أرسل معاوية إلى عمرو أن يأتيه فأبى، فأرسل يعزم عليه فقال عمرو: أنا أعزم على نفسي أن لا آتيك. فقال معاوية: أدن مني على شاطىء البحر فأتى عمرو على قوس فكلمه ما شاء الله، فقال له معاوية: أفشات أنت فقال: قافلون.\nقال ابن رشد في البيان والتحصيل: وقع هذا في موطأ ابن وهب، وإنما لم يأت عمرو ومعاوية إذ عزم عليه في الإتيان إليه، من أجل أنه من حيث لم يجعل له عليه عثمان أمرا، ولعله قد كانت له في الإتيان إليه مشقة، ولما سأله أن يدنو منه أجابه لذلك لخفة الأمر اهـ وفي الخطط للمقريزي، لم يكن البحر يركب للغزو في حياة رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وعمر، وأول من ركب البحر للغزو العلاء بن الحضرمي، وكان على البحرين من قبل أبي بكر وعمر، فأحب أن يؤثر في الأعاجم أثرا يعز الله به الإسلام على يديه، فندب أهل البحرين إلى فارس فبادروا إلى ذلك، وفرقهم أجنادا على أحدهم الجارود بن المعلّى، وعلى الثاني سوار بن همّام، وعلى الثالث خليد بن المنذر بن ساوى، وجعل على عامة الناس خليدا فحملهم في البحر إلى فارس، بغير إذن عمر بن الخطاب، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوب البحر غازيا كراهية للتغرير بجنده، فلما فتح الله الشام ألحّ معاوية بن أبي سفيان، وهو يومئذ على جند دمشق والأردن- على عمر في ركوب البحر، ثم لما كانت خلافة عثمان غزا المسلمون في البحر. وكان أول من غزا فيه معاوية بن أبي سفيان، واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الحارثي حليف «١» بني فزارة، فغزا خمسين غزوة من بين شاتية وصائفة في البر والبحر، ولم ينكب فيه.\nوغزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح في البحر، لما أتاه قسطنطين بن هرقل عام ٣٤، في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار عبد الله في مائتي مركب أو يزيدون شيئا، وحاربه فكانت وقعة ذات الصواري فهزم قسطنطين وقتل جنده.\nوأغزى معاوية عقبة بن عامر الجهني في البحر، وأمره أن يتوجه إلى رودس فأتى إليها.\nوقد ذكر شيخنا ولي الدين ابن خالدون تعليل امتناع المسلمين من ركوب البحر للغزو في أول الأمر: أن العرب لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته وركوبه، فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم، وصارت أمم العجم خولا لهم، وتحت أيديهم وتقرّب كل ذي صنعة إليهم، تاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه، وانشأوا السفن وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح، وأمدوها بالعساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر، واختصوا لذلك من\n_________\n(١) ذكره في الإصابة ج ٩٣٣. وذكره أيضا الطبري ج ٣/ ٣١٧ من الطبعة ١٩٣٠٩ مطبعة الاستقامة والمكتبة التجارية لمصطفى محمد من حوادث سنة ٢٨ هـ.","vol":"1","page":296},{"text":"ممالكهم وثغورهم، ما كان أقرب إلى هذا البحر، وعلى ضفته مثل: الشام وأفريقية والمغرب والأندلس الخ.\nوقال الشيخ أبو راس المعسكري في الحلل السندسية: على قوله ﵇ لأم حرام: أنت من الأولين أي وهم من الآخرين، وهم الذين ركبوا لغزو الأندلس مثل:\nطريف، وطارق بن زياد، ويوسف بن تاشفين وابنه علي، وعبد المؤمن بن علي، وابنه وابن ابنه ويعقوب بن عبد الحق. فقد أعطي ﵇ جوامع الكلم اهـ.\nوقال الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالته التي ذكر فيها فضائل علماء الأندلس: لو لم يكن لأندلسنا إلا ما رسول الله ﷺ بشّر به ووصف أسلافنا المجاهدين فيه بصفات الملوك على الأسرة في الحديث، الذي رويناه من طريق أنس بن مالك أن خالته أم حرام حدثته عن النبي ﷺ، أنه أخبرها بذلك، لكفى شرفا بذلك، يسرّ عاجلة ويغبط آجله، فإن قال قائل: لعله ﷺ إنما عنى بذلك أهل صقلية واقريطش [كريت] وما الدليل على ما ادعيته من أنه ﷺ عنى الأندلس حتما، ومثل هذا من التأويل لا يتساهل فيه ذو ورع؟ فالجواب أنه ﷺ: قد أوتي جوامع الكلم، وفصل الخطاب، وأمر بالبيان لما أوحي إليه، وقد أخبر في ذلك الحديث المتصل سنده بالعدول عن العدول بطائفتين من أمته يركبون ثبج البحر، غزاة واحدة بعد واحدة، فسألته أم حرام أن يدعو ربه أن يجعلها منهم، فأخبرنا ﷺ، وخبره الحق أنها من الأولين. وهذا من إعلام نبوته ﷺ، وهو إخباره بالشي قبل كونه، وصح البرهان على رسالته بذلك، وكانت من الغزاة إلى قبرس، وخرّت عن بغلتها فتوفيت هناك. وهي أول غزاة ركب فيها المسلمون البحر، فثبت يقينا الغزاة إلى قبرس هم الأولون الذين بشر بهم ﷺ، وكانت أم حرام منهم، كما أخبر صلوات الله عليه، ولا سبيل أن يظن به، وقد أوتي من البلاغة والبيان أن يذكر طائفتين قد سمى إحدا هما أولي إلّا والتالية لها ثانية، فهذا من باب الإضافة وتركيب العدد وهذا مقتضى طبيعة صناعة المنطق، إذ لا تكون الأولى أولى إلا لثانية، ولا الثانية ثانية إلا لأولى، فلا سبيل لذكر ثالث، إلا بعد ثان ضرورة الخ. كلامه. وانظر بقيته في الرسالة المذكورة، وهي مثبوته في نفح الطيب أول المجلد الثاني.\nوفي تاريخ الخميس للديار بكري: لما تكلم على ما نقم الناس على سيدنا عثمان قال: السادس زعموا أنه حمى البحر؛ أن لا تخرج منه سفينة إلا في تجارته. جوابه: أما حمى البحر فعلى تقدير صحته يحمل على أنها كانت ملكا له، لأنه كان منبسطا في التجارات متسع الحال في الجاهلية والإسلام، فما حمى البحر وإنما حمى سفنه أن يحمل فيها متاع غير متاعه هـ ففيه أن عثمان كانت له سفن بحرية للتجارة.\nوترجم في الإصابة لبسر بن أرطاة فذكر أنه ولي البحر لمعاوية، فأخذ من ذلك أن إمارة البحر في زمن معاوية ضبطت وتوسع أمرها.\nوفي صناجة الطرب في تقدمات العرب: لما كان عهد معاوية بن أبي سفيان أذن","vol":"1","page":297},{"text":"للمسلمين في ركوب البحر، والجهاد على أعدائه، فاستخدموا حينئذ من النوتية، في حاجاتهم البحرية أمما تكررت ممارستهم للبحر، وأنشأوا السفن والشواني، جمع شونة، وهي مركب البحر إلى أن بلغت في أيامه ألفا وسبمعمائة مشحونة بالرجال والسلاح، اهـ ص ٣٢٧.\nوفي تسريح الأبصار فيما يحتوي لبنان من الآثار، للقس هنري لامنس اليسوعي، ص ١٨٤ ذكر تاوفانوس المؤرخ أن معاوية أول خلفاء بني أمية، ابتنى ١٧٠٠ سفينة شراعية، واتخذ أعوادها من جبل لبنان، ولم تمض سنوات قليلة بعد ذلك حتى جهز أيضا أسطولا ثانيا أكثر عددا وأشد هولا من الأول اهـ منه «١» .\nتنبيه: لعلي بن حرب العراقي كتاب البحار، نقل عنه الحافظ في الإصابة؛ انظر سلامه العذري ص ٦٠ ج ٢ ولبعض المعاصرين المصريين كتاب: سفن الأسطول الإسلامي، وتاريخها وأنواعها وأوصافها. وهو مطبوع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>باب في صانع المنجنيق التي ترمى بها الحجارة معربة</span>\nقال الخفاجي في نسيم الرياض: وهو بفتح الميم وكسرها آلة لرمي العدو بحجارة كبيرة بأن يشد سوار مرتفعة جدا من الخشب يوضع عليها ما يراد رميه، ثم تضرب سارية توصله لمكان بعيد جدا، وكانت هذه الآلة قديما قبل اختراع المدافع والبارود اهـ.\n«في السير أنه ﷺ حاصر أهل الطائف، ورماهم بالمنجنيق. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به أن رسول الله ﷺ أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق أهل الطائف» .\nقلت: وبذلك جزم أيضا السيوطي في أوائله فقال: أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام في غزوة الطائف وفي الكامل لابن الأثير أشار به سلمان الفارسي، وفي نور النبراس؛ حديث نصب المنجنيق على أهل الطائف هو مرسل، وهو في الترمذي كذلك، وقال: ضعيف ولكن هو في البيهقي من رواية أبي عبيدة.\nوفي الميزان في ترجمة عبد الله بن خراش أن له عن العوام عن إبراهيم التيمي عن أبيه أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف «٢» .\nأقول: صنع المنجنيق وحفر الخندق وإيجاد الدبابات، من علم الآلات الحربية التي عرفها العرب، ودوّنوا فيها.\nوقال ابن الأكفاني في إرشاد القاصد: علم الآلات الحربية علم يتبين منه كيفية إيجاد\n_________\n(١) بمراجعة الكتاب المذكور ص ١٨٤ قال: وكان إذا ذهبت الأنواء بقسم منها أسرع فجهز غيرها بدلا منها لأنه لم يشأ أن يكون أسطوله أقل من ٥٠٠ مركب. مصححه.\n(٢) وجدت ترجمته برقم ٢٤٨ ص ٣٣ في ميزان الاعتدال الطبعة الأولى ١٣٢٥/ هـ محمد أمين الخانجي الكتبي.","vol":"1","page":298},{"text":"الآلات الحربية، كالمجانيق وغيرها ومنفعته شديدة الغناء في حماية المدن، ودفع الأعداء ولموسى بن شاكر فيه كتاب مفيد اهـ.\nوذكر الجاحظ في البيان والتبيين أن جذيمة الأبرش التنوخي آخر ملوك قضاعة بالحيرة هو أول من اتخذ المنجنيق ووضعه على الحصون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>باب في الدبابات</span>\n(الدبابة بفتح الدال المهملة مخففة عن تاء التأنيث، آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبون إلى الأسوار ينقبون) قال في القاموس: الدبابة تتخذ للحروب فيدفع في أصل الحصن فيشنون وهم في جوفها اهـ وهي بيت صغير تعمل للحصون، يدخلها الرجال فينقبون من داخلها، ويكون سقفها حرزا لهم من الرمي اهـ.\n«في كتاب نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل: أول دبابة صنعت في الإسلام دبابة صنعت على الطائف حين حاصرها رسول الله ﷺ» .\nوفي طبقات ابن سعد لدى الكلام على وفد ثقيف: ولم يحضر عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة حصار الطائف كانا بجرش يتعلمان صنعة العرّادات والمنجنيق والدبابات، فقدما وقد انصرف رسول الله عن الطائف فنصبا المنجنيق والعرّادات والدبابات الخ.\nقلت: جرش: كما في القاموس بلد بالأردن قرب عمان، وكزمر: مخلاف باليمن منه الأديم، والعرّادات قال فيه أيضا: شيء أصغر من المنجنيق، وفي كتاب أقضية رسول الله ﷺ لابن الطلاع، في السير: أول من رمى بالمنجنيق رسول الله ﷺ أهل الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة، ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>باب في القوم يحرقون الأشجار ويقطعونها</span>\n«في صحيح مسلم «١» عن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ حرّق نخل بني النضير، فأنزل الله ﷿: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر: ٦]» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>باب في حفر الخندق الحفير</span>\n«(وخندق ما حوله حفر خندقا) ذكر ابن إسحاق في السيرة خبر اليهود الذين حزّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، وأن النبي ﷺ لما سمع بهم، وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله ﷺ؛ ترغيبا للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون.\nوذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده؛ أن رسول الله ﷺ؛ خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا فاحتج المهاجرون والأنصار\n_________\n(١) ج ٢ ص ١٣٦٥ من كتاب الجهاد والسير رقم الحديث ١٧٤٦.","vol":"1","page":299},{"text":"في سلمان ﵁ وكان رجلا قويا فقال المهاجرون: منا وقال الأنصار: منا فقال رسول الله ﷺ: منا أهل البيت.\n«وفي سيرة ابن إسحاق أنه ﷺ ضرب معهم، وحفر بنفسه الكريمة، وأقبل فوارس من قريش حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.\n«وفي ترجمة سلمان من الاستيعاب ص ٥٧٢ من ج ٢ أن سلمان هو الذي أشار به، وأن أبا سفيان هو الذي قال: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.\nوفي نفحة الحدائق: أول من ضرب الخندق في الإسلام رسول الله ﷺ على المدينة» .\nوقال: السهيلي أيضا: اتخاذ الخندق من مكايد الفرس في الحروب، ولذلك تفطن سلمان وأشار به، والفرس أول من خندق «١» وبختنصّر أول من اتخذ الكمائن. ويدل ذلك على جواز مثل هذا في التحرز من العدو، والأصل فيه قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦١] اهـ نقله ابن باديس.\nوفي ذلك أعظم دلالة، على أن المماليك والدول التي لا تنسج على منوال مجاوريها، فيما يتخذونه من الآلات الحربية، والتراتيب العسكرية والأنظمة العلمية والعملية الصناعية والزراعية، يوشك أن تكون غنيمة لهم ولو بعد حين، فحال نبينا الكريم كان يقضي بأخذه بالأحسن والأنفع في كل باب، سواء كان قومه يعلمونه ويعملون عليه أم لا، ولذلك ثببت أنه قال لعاصم بن ثابت: من قاتل فليقاتل كما يقاتل.\nوقال الحافظ ابن تيمية في رسالة عموم بعثته ﵇: ثبت عنه ﷺ أنه أمر بقتال الترك، وأن أمته ستقاتلهم، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية ولكن قوتلوا بالقسي العربية التي تشبه قوس القطر فلم تغن شيئا؛ بل استطالوا على المسلمين بقوة رميهم، فلا بد من قتالهم بما يقهرهم، وقد قال بعض المسلمين لعمر بن الخطاب: إن العدو إذا رأيناهم لبسوا الحرير وجدنا في قلوبنا روعة فقال: وأنتم فالبسوا كما لبسوا، وقد أمر النبي ﷺ أصحابه في عمرة القضاء بالرّمل والاضطباع، ليرى المشركون قوتهم، وإن لم يكن هذا مشروعا قبل هذا، ففعل لأجل الجهاد ما لم يكن مشروعا اهـ.\nويوضح هذا ما تضمنته وصية الصديق، لخالد بن الوليد حين بعثه لقتال المرتدين فقال: يا خالد، عليك بتقوى الله، والرفق بمن معك، إلى أن قال: ثم إذا لاقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به، السهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، قال في أقوم المسالك: ولو أدرك هذا الزمان لأبدل ذلك بذكر المدفع، والقنابل والسفينة المدرعة ونحو ذلك من المخترعات، التي تتوقف عليها المقاومة، ولا يتحصل بدونها الاستعداد الواجب شرعا الذي يلزم معرفة قوة المستعد له، والسعي في تهيئة مثلها أو خير منها، ومعرفة الأسباب المحصلة له اهـ.\n_________\n(١) خندق كلمة معربة عن كندك. بمعنى حفرة واليوم يقال في الفارسية: كنده. مصححه.","vol":"1","page":300},{"text":"ولأبي عبد الله محمد بن عبد القادر الكردودي الفاسي كتاب: «كشف الغمة في أن حرب النظام واجب على هذه الأمة» وهو مطبوع بفاس.\nوقد قال الزرقاني في شرح المختصر لدى قوله ونلتم نقلا عن العز بن عبد السلام:\nليس كل ما فعلته الجاهلية منهيا عن ملابسته، بل ما خالف فيه شرعنا، وقد حفر ﷺ الخندق ولم تكن العرب تعرفه، ومدح قسيّ العجم وقال: هم أقوى منكم رميا اهـ.\nوقال المواق في سنن المهتدين: كنت أبحث لأهل الفحص في لبسهم الرندين، كما قال مالك في المظال: ليست من لباس السلف وأباحها لأنها تقي من البرد، يعني فأفتيت بإباحتها، فشنّع عليّ في ذلك فكان من جوابي أن قلت: الرندين ثوب رومي يضمحل التشبه فيه بالعجم في جنب منفعته، إذ هو ثوب مقتصد ينتفع به ويقي من البرد، ونص من أثق به من الأيمة إنه: ليس كل ما فعلته الأعاجم نهينا عن ملابسته، إلا إذا نهت عنه الشريعة، ودلت القواعد على تركه، والمراد بالأعاجم الذين نهينا عن التشبه بهم أتباع الأكاسرة في ذلك الزمن، ويختص النهي بما يفعلونه على خلاف مقتضى شرعنا وأما ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب أو الإباحة في شرعنا فلا نترك ذلك لأجل تعاطيهم إياه، لأن الشرع لا ينهى عن التشبه بفعل ما أذن الله فيه، فقد حفر ﷺ الخندق على المدينة، تشبها بالأعاجم حتى تعجب الأحزاب منه، ثم علموا أنه بدلالة سلمان الفارسي الخ كلامه.\nوانظر تحديد الأسنة في الذب عن السنة لشيخنا الأستاذ الوالد ﵁.\nوفي حواشي الشمس بن عابدين على الدر المختار نقلا عن الذخيرة من كبار كتب الحنفية قال هشام: رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير، فقلت أترى بهذا الحديد بأسا قال: لا. قلت: سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك لأن فيه تشبها بالرهبان، فقال: كان رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس لها شعر، وإنها من لباس الرهبان، قال:\nفقد أشار إلى أن صورة المشابهة فيما تعلق به صلاح العباد لا يضر، فإن الأرض مما لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع اهـ منه ص ٤٣٨ الجزء الأول.\nوفي الزرقاني على المختصر لدى قوله: ونلتم عن بعضهم نهى النبي ﷺ العرب عن التشبه بالعجم، ولم يأت أنه نهى وافدا عليه من العجم عن زيهم وندبهم إلى زي العرب قال بعضهم: ومن هذا المعنى أن ما وافق الجاهلية ولم يرد نهي شرعنا عنه «١»، وصلة الناس أرحامهم في المباحات في النيروز والمهرجان، وقال مالك: لا بأس بلباس البرانس، وليست من لباس السلف.\nأبو عمر: الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يثبت النهي اهـ منه. وجعل الشيخ بناني قولة مالك في البرانس التي ذكر ز محرفة، وأن مالكا قال: إنها من لباس السلف، ولعل الموضوع مختلف.\n_________\n(١) ثمة نقص في الجملة وتكملته: فلا بأس به. والله أعلم.","vol":"1","page":301},{"text":"تنبيه قال الشيخ أبو سالم العياشي في كتابه الحكم بالعدل والإنصاف أن المواق في كتابه سنن المهتدين كسر شوكة من يرى أن كل ما لم يكن في الصدر الأول بدعة، وأن كل ما خالف المشهور ضلالة، ولم نزل نسمع من شيخنا أبي محمد عبد القادر الفاسي، أن المواق قصد تسهيل الأمر على الناس فيما ذكره ابن الحاج في مدخله من التشديد، وادخال كثير مما عملت به الأمة من القرب في حيز البدعة، حيث لم يكن في الصدر الأول مع أنها قد قال بها بعض الأيمة، وربما كان لها أصل في السنة، ولو ضعيفا. وأخذ من حديث أو فعل من أفعاله ﵇ أو حال من أحواله ولو من وجه بعيد، وكل ذلك يصدق عليه أنه مأخوذ منه ﵇. والنسبة تقع بأدنى شيء، والناس أطوار، وكلهم مستمد منه ﵇ فالقوي من قوته وصريح مقاله، والضعيف من مفهوم مقاله وإشارات بعيدة تؤخذ من بعض كلماته أو فعلاته ﵇، ولا يضل كل الضلال في جميع المسائل إلا من قطعت بينه وبينه ﵇ كل العرى والوسائل اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>باب في صاحب المغانم وفيه ذكر من ولي جمعها وحفظها حتى قسمت يوم بدر</span>\n«قال ابن إسحاق في أخبار يوم بدر: وجعل رسول الله ﷺ على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف. وقال ابن حزم في الجماهر ٤١١- ٣١٢ محمية بن جزء الزبيدي وقال: ولّاه رسول الله ﷺ الغنائم يوم بدر. وقال القضاعي في كتاب الأنباء: كان في يوم حنين من السبايا ستة آلف، ومن الأبل والغنم ما لا يدرك عدده، وروى ابن فارس «١» في كتابه مسند الزهري عن سعيد بن المسيب، أن النبي ﷺ: سبى يومئذ ستة آلاف بين امرأة وغلام، فجعل رسول الله ﷺ عليهم أبا سفيان بن حرب» .\nوقد سبق لنا استدراك أن بديل بن ورقاء أمر المصطفى ﷺ أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>باب في ذكر من كان يكتب غنائم المصطفى ﵇</span>\nفي العقد الفريد لابن عبد ربه: وكان معيقيب بن أبي فاطمة يكتب مغانم النبي ﷺ اهـ انظر ص ١٤٤ من الجزء الثاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>ذكر من تولى بيع ما احتيج إلى بيعه من المغانم</span>\n«ذكر أبو القاسم خلف بن بشكوال، في كتابه الذي ألفه في تفسير ما استعجم، من غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة عن مالك قال: أمر رسول الله\n_________\n(١) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي الحافظ النيسابوري، روى عنه البخاري. نقلا عن حاشية التخريج ص ٥٠١.","vol":"1","page":302},{"text":"ﷺ السعدين يوم خيبر أن يبيعا آنية من المغانم بذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا أو كل أربعة بثلاثة عينا فقال لهما رسول الله ﷺ: أربيتما فردا، قال ابن بشكوال السعدان المذكوران أولى ما قيل فيهما سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>باب في هبة الإمام جنس حيوان من غزاهم</span>\nترجم الحافظ للقيم الدجاج فقال: ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان وقال: إنه مدح المصطفى ﷺ في غزاة خيبر بشعر، فوهب له النبي ﷺ دجاج خيبر عن آخرها، فمن حينئذ قيل له: لقيم الدجاج «١» ذكر ذلك أبو عمرو الشيباني، والمدائني عن صالح بن كيسان، قال الحافظ: قلت: قصته مذكورة في السيرة لابن إسحاق لكنه قال ابن لقيم فيحتمل أن يكون وافق اسمه اسم أبيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>باب في صاحب الخمس</span>\nقال ابن عبد البر: كان على غنائم النبي ﷺ يوم بدر عبد الله بن كعب بن عمرو الأنصاري، وكان على خمس رسول الله ﷺ في غيرها. وفي صحيح مسلم من كتاب الزكاة؛ في ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة فقال: عن محمية بن جزء استعمله رسول الله ﷺ على الأخماس. انظر ترجمته من الإصابة. [ج ٣، ص ٣٨٨] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>باب في الرجل يبعثه الإمام مبشرا بالفتح وفيه تلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة للإمام في الطريق يهنئونه به</span>\n«قال ابن إسحاق في أخبار بدر: وبعث رسول الله ﷺ عند الفتح عبد الله بن رواحة مبشرا إلى أهل العالية (ما كان من جهة نجد من المدينة) . وفي طبقات ابن سعد: والعالية بنو عمرو بن عوف وخطمة ووائل بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة (السافلة ما كان من جهة تهامة) . قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة، حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه وما معه من المسلمين» .\nترجم البخاري في كتاب الجهاد: باب البشارة في الفتوح «٢» ثم خرّج أن المصطفى ﵇ وجه جرير بن عبد الله البجلي لهدم صنم ذي الخلصة المسمى كعبة اليمانية، وفيه أنه لما هدمه أرسل إلى النبي ﷺ يبشره، ثم ترجم باب ما يعطى للبشير، فذكر أن كعب بن مالك أعطى ثوبين حين بشر بالتوبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>باب الطعام عند القدوم</span>\nهكذا بّوب البخاري آخر كتاب الجهاد، فذكر فيها عن جابر أن النبي ﷺ لما قدم المدينة نحر جزورا أو بقرة، ثم ذكر عن جابر أن النبي ﷺ اشترى منه بعيرا بأوقيتين\n_________\n(١) انظر ترجمته في الإصابة ج ٣/ ٣٣١ ورقمها ٧٥٦٠.\n(٢) نظر ج ٤ ص ٣٧ باب ١٩٢.","vol":"1","page":303},{"text":"ودرهم، أو درهمين فلما قدم صرارا (موضع بظاهر المدينة على ثلاثة أميال منها من جهة المشرق) أمر ببقرة فذبحت، فأكلوا منها. قال ابن بطال: فيه إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف، ويسمى النقيعة وزن عظيمة، ونقل عن المهلب: أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أطعم من يأتيه اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>باب في قول رسول الله ﷺ إذا رجع من سفره</span>\nفي الموطأ عن ابن عمر: كان النبي ﵇ إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون (أي راجعون) تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>باب في قول النبي ﷺ عند كل قرية أراد أن يدخلها</span>\nفي كتب السير أنه ﵇ لما أشرف على خيبر قال: قفوا؛ اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله. وكان يقولها لكل قرية دخلها خرّجه النسائي «١» من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: قال كعب الأحبار: والذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثني أن محمدا رسول الله ﷺ؛ لم يرقرية يريد دخولها إلا قال حين يراها اللهم رب الخ الحديث. إلا أنه قال والأرضين السبع، ولم يذكر ابن إسحاق السبع إلا في السماوات قال كعب: والذي فلق البحر لموسى: أنها كانت دعوته حين يرى العدو، وذكر ابن عاث من طريق آخر زيادة في آخره: أسألك مودة خيارهم، وأن تحميني من شرارهم، وانظر أذكار النووي وشرحها لابن علّان المكي، وتخريج أحاديثها للحافظ ابن حجر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>كيف كان حال كفار جزيرة العرب معه ﵇</span>\nكان الكفار بعد الهجرة كما أفاده الحافظ في غزوة بني النضير وغيرها على ثلاثة أقسام.\nقسم وادعهم ﵇ على أن لا يحاربوه، ولا يؤلبوا عليه عدوا، وقيل على أن لا يكونوا معه ولا عليه، وقيل: على أن ينصروه ممن دهمه من عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وبنو قينقاع فنقض الثلاثة العهد، فمكن الله رسوله منهم فقاتل قريظة من أجل الآخرين.\nوقسم حاربوه ﷺ، ونصبوا له العداوة، كقريش فنصره الله عليهم وفتح مكة فصار\n_________\n(١) لم أعثر على الحديث في النسائي ووجدته في الأذكار للنووي ص ٢٣٨ وقد عزاه للنسائي وابن السني. وروى الترمذي حديث يقاربه لفظا ومعنى: ج ٥/ ٥٣٩ كتاب الدعوات.","vol":"1","page":304},{"text":"أعظمهم عليه أحوجهم إليه، ثم في حجة الوداع لم يبق أحد من قريش إلا أسلم وصاروا كلهم أتباعه.\nوقسم تركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف العرب، منهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا، ومنهم المنافقون فكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، ثم النضير ثم قريظة، فحاربهم المصطفى بعد وقعة بدر بشهر.\nوقال الحافظ ابن تيمية في كتابه: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٩٨: لا خلاف بين أهل السير أن جميع قبائل الأوس والخزرج لم يكن فيهم من يقاتل المصطفى بيد ولا لسان، ولا كان أحد بالمدينة يتمكن من إظهار ذلك، وإنما غاية الكافر أو المنافق منهم أن يثبط الناس عن اتباعه، أو يعين على رجوعه من المدينة إلى مكة ونحو ذلك مما فيه تخذيل عنه وحض على الكفر به، لا على قتاله.\nومن المعلوم من سيرة النبي ﷺ، الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة، أنه ﵇ لما قدم المدينة لم يحارب أحدا من أهل المدينة، بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس والخزرج، فإنه كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه، وكان الناس إذ قدمها على طبقات: منهم المؤمن وهم الأكثرون ومنهم الباقي على دينه، وهو متروك لا يحارب ولا يحارب، وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سلم لا أهل حرب، حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي ﷺ على حلفهم.\nقال موسى بن عقبة: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فيها دار من دور الأنصار، إلا فيها رهط من المسلمين، إلا بني خطمة، وبني واقف، وبني وائل، كانوا آخر الأنصار إسلاما. وحول المدينة حلفاء للأنصار كانوا يتظاهرون بهم في حربهم، فأمر المصطفى أن يخلوا حلف حلفائهم، للحرب التي كانت بينهم وبين النبي ﷺ وبين من عادوا الإسلام، وكان ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط فيهم المسلمون، الذين تجمعهم دعوة الإسلام، وفيهم أهل الحلقة والحصون، وفيهم حلفاء للحيين جميعا الأوس والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم.\nكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا. ومن المعلوم أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض، وكان فيهم المظهر للإسلام المبطن لخلافه، وكان الإسلام يفشو في بطون الأنصار بطنا بعد بطن، حتى لم يبق فيهم مظهر الكفر، بل صاروا إما مؤمنين أو منافقين.\nوكان من لم يسلم منهم بمنزلة اليهود موادع لهذين، أو هم أحسن حالا من اليهود، لما يعرف فيه من العصبية لقومه، وأن يهوى هواهم ولا يرى أن يخرج عن جماعتهم، وكان ﷺ يعاملهم بالكف عنهم، واحتمال أذاهم بأكثر مما يعامل به اليهود، لما كان يرجو منهم، ويخاف من تغير قلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع بهم، وهو في ذلك متبع قوله تعالى:","vol":"1","page":305},{"text":"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦] اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>كيفية معاملته ﷺ مع كفار زمانه</span>\nمن استعمال الشدة في وقتها والعطف والمجاملة في إبانها ومناسبتها زيادة على ما سبق.\nعن ابن تيمية: كان ﵇ في أول أمره يتحمل أذاهم، ويصبر على بلواهم حتى أذن الله له بالقتال، لاثني عشر ليلة مضت من صفر في السنة الثالة من الهجرة، قال الزهري:\nأول آية نزلت في الأذن بالقتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩] خرّجه النسائي بإسناد صحيح، قال أبو حيان في البحر: والمأذون فيه في الآية محذوف؛ أي في القتال لدلالة الذين يقاتلون عليه، وعلل بأنهم: ظلموا. كانوا يأتون من بين مضروب ومشجوج فيقول لهم: إصبروا، فإني لم أومر بقتال، حتى هاجر فأذن له بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية، وقال غيره: وإنما شرع الله الجهاد في الوقت الأليق، لأنهم كانوا بمكة، وكان المشركون أكثر عددا فلو أمر المسلمين وهم قليل بقتال الباغين لشق عليهم، فلما نفر المشركون وأخرجوه ﵇ من بين أظهرهم، وهموا بقتله واستقر ﵇ بالمدينة، واجتمع عليه أصحابه وقاموا بنصره، وصارت المدينة دار إسلام، ومعقلا يلجأون إليه، شرع الله الجهاد فبعث ﵇ البعوث والسرايا وغزا بنفسه وقاتل هو وأصحابه، وكان عدد مغازيه التي خرج فيها بنفسه ﵇ سبعا وعشرين، كما قاله أئمة المغازي، وجزم به ابن الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم، وقيل غير ذلك.\nقال ابن تيمية: ولا يعلم أنه ﵇ قاتل في غزاة إلا في أحد، ولم يقتل أحدا إلا أبي بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم: قاتل كذا أنه بنفسه، كما فهمه بعض الطلبة ممن لا إطلاع له على أحواله ﵇ اهـ.\nقال في النور: قد يرد على ابن تيمية حديث: كنا إذا التقينا كتيبة أو جيشا أول من يضرب رسول الله ﷺ، ويمكن تأويله، وكانت سراياه ﵇ التي بعث فيها سبعا وأربعين سرية. قال الشامي: الذي وقفت عليه في السرايا والبعوث يزيد على السبعين، وقال الحافظ: قرأت بخط مغلطاي: أن مجموع الغزوات والسرايا مائة، وهو كما قال اهـ.\nوقد جرت عادة المحدثين وأرباب السير أن يسموا كل عسكر حضره ﵇ بنفسه الكريمة غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضا من أصحابه إلى العدو سرية وبعثا، وفي حال جريان الأعمال الحربية مجراها أو السلم والصلح أو الهدنة، كان ﵇ يتألف كبار المشركين والكفار، ويلين لهم القول ويظهر لهم إذا قدموا عليه مزيد الإعتبار استيلافا لهم وليعرفوا خلقه، وناهيك بقصة (عبس وتولّى) المتقدمة، وفي بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم:\nأن الإمام أحمد سئل هل يكني الرجل أهل الذمة فقال: قد كنى النبي ﷺ أسقف نجران،","vol":"1","page":306},{"text":"وعمر فقال: يا أبا حسان لا بأس به انظر ص ١٢٢ الجزء الرابع، وكان يأمر الصحابة بذلك أيضا. قال المناوي في شرحه الكبير على الجامع الصغير لدى حديث: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، المخرج من ابن ماجه والبزار والطبراني، وابن عدي والبيهقي والحاكم عن عدة من الصحابة ما نصه: إذا أتاكم كريم قوم أي رئيسهم المعظم فيهم المعود منهم بإكبار الإعظام، وإكثار الإحترام فأكرموه، برفع مجلسه وإجزال عطيته ونحو ذلك، مما يليق به؛ لأن الله عوّده ذلك منه إبتلاء له، فمن استعمل معه غيره فقد إستهان به وجفاه، وأفسد عليه دينه؛ فإن ذلك يورث في قلبه الغل والحقد والبغضاء والعداوة، وذلك يجر إلى سفك الدماء. وفي إكرامه إتقاء شره، وإبقاء دينه، فإنه قد تعزز بدنياه وتكبروتاه وعظم في نفسه، فإذا أحقرته فقد أهلكته من حيث الدين والدنيا، وبه عرف أنه ليس المراد كريم القوم عالمهم أو صالحهم، كما وهم البعض، ألا ترى أنه لم ينسبه في الحديث إلى علم ولا دين.\nومن هذا السياق انكشف أن إستثناء الكافر والفاسق كما وقع لبعضهم منشؤه الغافلة عما تقرر، من أن الإكرام منوط بخوف محذور ديني أو دنيوي، أو تكون ضررا للفاعل أو المفعول معه، فمتى خيف شيء من ذلك شرع إكرامه بل يجب، فمن قدم عليه بعض الولاة الظلمة الفسقة فأقصر مجلسه وعامله معاملة الرغبة، فقد عرض نفسه وماله للبلاء، فإن أوذي ولم يصبر فقد خسر الدنيا والآخرة وقد قيل: دارهم ما دمت في دارهم، وحيهم ما دمت في حيهم. اهـ.\nوقال ﵇: بعثت نبيا مداريا «١» . ولهذا كان كثير من أكابر السلف المعروفين بمزيد الورع يقبلون جوائز الإمراء المظهرين للجور ويظهرون لهم البشاشة حفظا للدين ورفقا بالمسلمين، ورحمة بذلك الظالم المبتلي المتكبر، وهكذا كان أسلوب المصطفى ﵇ مع المؤلفة قلوبهم، وقد غلط في هذا الباب كثير غفلة عن معرفة تدبير الله ورسوله، والجمود على ظاهر: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج: ١٨] وما دروا أن السنة شرحت ذلك وبينته أحسن البيان بموضع طلب إهانة الفاسق والكافر للأمن من حصول مفسدة،\nوالحاصل أن الكامل إنما يكرم لله أو يهين لله. ولهذا قال بعض العارفين: ينبغي للفقير أن يكرم كل وارد عليه من الولاة، فإن أحدهم لم يزر الفقير حتى خلع عنه كبرياءه ورأى نفسه دونه، وإلا لما أتاه مع كونه من رعاياه، قال: فمن أتانا فقيرا حقيرا أكرمناه، كائنا من كان وإن كان ظالما فنحن ظالمون أنفسنا بالمعاصي وغيرها، ولو بسوء الظن فظالم قام لظالم، وأكرمه. وقد كان المصطفى يتواضع لأكابر كفار قريش ويكرمهم، ويرفع منزلتهم لأنهم مظاهر العزة الالهية ورؤي بعض الأولياء في النوم، وعليه حلة خضراء والأنبياء واقفون بين يديه فاستشكل ذلك الرائي فقصه على بعضهم فقال: لا تنكره فإن\n_________\n(١) ذكر في كشف الخفاء حديثا بمعناه: بعثت بمداراة الناس وعزاه للبيهقي عن جابر.","vol":"1","page":307},{"text":"تأدبهم مع من ألبسه الخلعة لامعه، ألا ترى أن السلطان إذا خلع على بعض غلمانه ركب أكابر الدولة في خدمته اهـ منه ص ٣٧.\nوفي الأكليل على قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه: ٤٤] أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب وغيره قال: كنّياه قولا له: يا أبا مرة، ففيه جواز كنية الكافر، وإستحباب إلانة القول للظالم عند وعظه لعله يرجع. وفيه أيضا على قوله في سورة مريم (سلام عليك) إستدل به من أجاز إبتداء الكافر بالسلام.\nوفي سيرة عمر: أنه بعد إتمام فتح الشام، جرت بينه وبين ملك الروم المكاتبات الودادية، وأن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وزوج عمر بن الخطاب، أرسلت مع رسول جاء إلى المدينة من قبل ملك الروم هدية من ألطاف المدينة إلى إمبراطورة الروم امرأة هرقل، وأرسلت هذه في نظيرها عقدا نفيسا من الجواهر، فأخذه منها عمر ورده إلى بيت المال، هذا على ما في رواية ساقها أين الهندي في كنز العمال.\nوفي تاريخ ابن جرير الطبري أن أم كلثوم أرسلت تلك الهدية مع بريد عمر، وأن امرأة هرقل جمعت نساءها وقالت: هذه هدية امرأة ملك العرب وبنت نبيهم، وكاتبتها وكافأتها وأهدته لها. انظر أخبار سنة ٢٨ من تاريخ ابن جرير، وسيرة سيدنا عمر للحافظ ابن الجوزي.\nوفي الخطط المقريزية: أن أسامة بن زيد التنوخي من رجال مصر في القرن الأول، وكان صاحب خراج مصر، إبتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار. كان كتب فيه الوليد بن عبد الملك ليهديه إلى صاحب الروم، وضرب الفلفل بدار بمصر كانت تعرف بدار الفلفل انظر ص ٣٠٤ الجزء الثالث. وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن علقمة الخزاعي عن أبيه قال: بعثني النبي ﷺ بمال لأبي سفيان بن حرب يفرقه في فقراء قريش وهم مشركون يتألفهم، فقدمت مكة ودفعت المال إلى أبي سفيان فجعل أبو سفيان يقول: من رأى أبر من هذا، ولا أوصل يعني النبي ﷺ إنا نجاهد ونطلب دمه وهو يبعث إلينا بالصلات يبرنا بها.\nأورده الحافظ السيوطي في الجمع، وابن الهندي في الكنز انظر ص ٤٢ من الجزء الخامس.\nوفي الهداية من كتب الحنفية: صح أن النبي ﷺ عاد يهوديا بجواره قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديثها: محمد بن الحسن في الآثار، أخبرنا أبو حنيفة عن علقمة بن مرثد، عن أبي بريدة عن أبيه قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فقال لنا: قوموا بنا نعود جارنا اليهودي فأتيناه فقال له: كيف أنت يا فلان؟ ثم عرض عليه الشهادتين ثلاث مرات فقال له أبوه: يا بني إشهد فشهد، فقال الحمد لله الذي أعتق به نسمة من النار، ومن هذا الوجه أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، وروى عبد الرزاق من مرسل ابن أبي حسين نحوه، وزاد فيه وغسله النبي ﷺ وكفّنه وحنّطه وصلّى عليه اهـ.\nوقعت لسيدنا الجد قصة تشبه هذه مع يهودي أيضا من يهود ملاح فاس.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>القسم السادس في العمالات الجبائية ويشتمل على أبواب</span>","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>العمالات الجبائية</span>\nقال القاضي عياض في الشفا: فتح على رسول الله ﷺ في حياته بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجبي إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء منه ولا أمسك منه درهما بل صرفه في مصارفه وأغنى به غيره وقوى به المسلمين اهـ وفيه عدة أبواب:\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>باب في صاحب الجزية</span>\nالجزية: الخراج المجعول على رأس الذمي، كأنه جزاء للمنّ عليه بالإعفاء من القتل، أو إكراهه على الإسلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>كيفية أخذ النبي ﷺ الجزية وممن أخذها</span>\n«قال الحافظ ابن المندر في الأشراف: قال الشافعي: صالح رسول الله ﷺ نصارى نجران على الجزية، وفيهم عرب وعجم، وصالح أهل اليمن على الجزية، وفيهم عرب وعجم، وقال ابن عبد البر في التمهيد عن ابن شهاب: أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران في عملنا، وكانوا نصارى. ثم قبل رسول الله ﷺ الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا، وممن تولّى قبض الجزية في عهد رسول الله ﷺ؛ أبو عبيدة بن الجراح، كما في البخاري، ومعاذ بن جبل كما في سنن أبي داود» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>باب في صاحب الأعشار ما جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ</span>\n«في سنن أبي داود «١» عن حرب بن عبيد الله بن عمير الثقفي عن جده قال: أتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلّمني الإسلام وعلمني كيف آخذ الصدقة من قومي ممن أسلم، ثم رجعت إليه فقلت يا رسول الله كلما علمتني خفظت إلا الصدقة أفأعشرهم قال لا» .\n_________\n(١) ذكره في كتاب الخرّاج والإمارة والفيء باب ٣١ ص ٤٣٥ ج ٣ ورقم الحديث ٣٠٤٩.","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>باب في متولي خراج الأرضين</span>\n«في صحيح مسلم «١» عن عمر: قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة.\nوما بقي جعله في الكراع والسلاح عدّة في سبيل الله قال عياض في الإكمال: قال الطبرى:\nكل ما أفاء الله على رسوله طعمة له من الله على أن يأكل منه هو وأهله إن احتاجوا، ويصرفوا ما فضل عن ذلك في تقوية المسلمين» .\n«وعن عمر بن عبد العزيز: كان ينفق منها على فقراء بني هاشم، ويزوج أيمهم.\nوقال المازري: ما أجلي عنه أهله من غير قتال فعندنا أنه لا يخمّس ويصرف في مصالح المسلمين «٢»، كما كان النبي ﷺ يصرف ما يؤخذ من بني النضير، وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال رسول الله ﷺ: أكلّ تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله ﷺ: لا تفعل، بع الجميع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا. حرّر بن بشكوال أن المذكور هو سواد بن غزية الأنصاري [من بني عدي] .\nوفي مدة عمر كان ولي عثمان بن حنيف الأنصاري مساحة الأرض وجبايتها وضرب الخراج والجزاية على أهلها وولاه عليّ البصرة» .\nوفي المجلد السابع من تصنيف أبي علي أحمد بن عمر بن رسته ص ١٠٤ وروي عن إسماعيل بن مجالد بن سعيد عن أبيه عن الشعبي؛ إن عمر بن الخطاب بعث عثمان بن حنيفة فمسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما وفقيزا، قال أبو عبيد: إن حد السواد الذي مسح عثمان بن حنيف هو من لدن تخوم الموصل. مادا إلى ساحل البحر من بلاد عبّادان، من شرق دجلة طولا وعرضا، من منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية، مما يلي العذيب من أرض العرب. وحدث غيره أن عمر بن الخطاب أمر بمساحة السواد كله، وطوله من القلب إلى عبادان، وهو مائة وخمسة وعشرون فرسخا وعرضه من عقبة حلوان إلى العذيب ثمانون فرسخا، فبلغ جربانه ستة وثلاثين ألف ألف جريب، جعل على كل جريب من أرض الشعر درهمين، وعل كل جريب من أرض الكرة والرطاب\n_________\n(١) انظر كتاب الجهاد والسير حديث رقم ٤٨ باب حكم الفيء ص ١٣٧٦/ ٢.\n(٢) كذا ورد في كتاب التخريج: لا يخمس. ص ٥٢٨ نقلا عن الإمام المازري.","vol":"1","page":312},{"text":"ستة دراهم، وعلى كل جريب من أرض النخل ثمانية دراهم، وختم على خمسمائة ألف إنسان للجزية على الطبقات، فجبى عمر السواد من الورق مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم اهـ.\nوفي روض الأعلام لابن الأزرق أن عمر لما وجّه إلى الكوفة عمّار بن ياسر على صلاتهم وجيوشهم وابن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وقد فرض لهم في كل يوم شاة شطرها وسواقطها لعمار، والشطر الآخر بين الآخرين، ثم قال: لا أرى قرية يؤخذ منها شاة كل يوم إلا سريعا في خرابها.\nوأصل ذلك في طبقات ابن سعد من عدة طرق إلا قوله: لا أرى قرية، فلم أره فيها، وقد أخذ من ذلك الأئمة إجراء الأرزاق على من يقوم بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين؛ من تعليم أو حكم أو غير ذلك. ومنه قول الإمام الغزالي في الإحياء في:\nكتاب الحلال والحرام؛ كل من يتولى أمرا تتقوى به مصلحة المسلمين، ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه، فله في بيت المال حق الكفاية، قال: ويدخل فيه العلوم كلها، أعني التي تتعلق بمصالح الدين، كعلم الفقه والحديث والتفسير والقراءة حتى يدخل فيه المعلمون وطلبة هذه العلوم يدخلون فيه، فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب اهـ.\nوقد حكى البرزالي عن القفصي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: أجروا على طلبة العلم الرزق وفرغوهم، قال: والمصلحة إما أن تتعلق بالدين أو بالدنيا، فبالعلماء حراسة الدين، وبالأجناد حراسة الدنيا، والدين والملك توأمان، فلا يستغني أحدهما عن الآخر، قال: وليس شرط في هؤلاء الحاجة، بل يجوز أن يعطوا مع الغنى، فإن الخلفاء الراشدين كانوا يعطون المهاجرين والأنصار، ولو لم يعرفوا بالحاجة اهـ.\nانظر ابن الأزرق فقد أطال وأطاب في المسألة. وقال الباجي في المنتقى على قوله ﵇: ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة: المراد بعامله كل عامل يعمل للمسلمين، من خليفة أو غيره، فإن كل من قام بأمر المسلمين وبشريعته فهو عامل له ﵇، فلا بد أن يكفى مؤونته وإلا لضاع اهـ بواسطة تنوير الحوالك للسيوطي.\nونقل الفاكهي في المناهج عن الغزالي: أنه يجب لحافظ القرآن في كل سنة من بيت مال المسلمين مائة دينار. ونقل صاحب الأجوبة المهمة عن الحافظ السيوطي: أن لمعلم الصبيان من بيت مال المسلمين مائة دينار، فإن لم يكن من بيت المال فعلى","vol":"1","page":313},{"text":"جماعة المسلمين، فإن لم تكن جماعة فعلى أهل الحسبة، لأن تعليم الصبيان فرض كفاية يحمله من قام به اهـ.\nوانظر ما سبق في ترجمة [هل كان للقضاة والولاة راتب في زمنه ﵇] . وقال الحافظ السخاوي: من السلف الصالح من كان يتجر يقصد القيام بمؤونة من قصر نفسه على بث العلم والحديث، ولم يتفرغ من أجل ذلك للتكسب لعياله؛ فعن ابن المبارك أنه كان يقول للفضيل بن عياض: لولا أنت وأصحابك وعنى بهم السفيانين وابن علية وابن السماك ما اتجرت اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>باب في العامل على الزكاة</span>\n«ذكر ابن إسحاق في السيرة أن رسول الله ﷺ، كان بعث عماله وامراءه على الصدقات، إلى كل ما وطىء الإسلام من البلدان، وعدّ منهم جملة، وذكر الكلاعي في السيرة أنه ﵇ لما صدر من الحج سنة عشر، وقدم المدينة حتى رأى هلال المحرم سنة ١١ بعث المصدقين في العرب، وذكر منهم جماعة من أشهرهم عمر بن الخطاب، وخالد بن سعيد بن العاصي، ومعاذ بن جبل، وعدي بن حاتم الطائي، والزبرقان بن بدر التميمي وغيرهم» .\nوترجم في الإصابة للأرقم بن أبي الأرقم الزهري، فذكر أن الطبراني خرّج أنه ﵇ إستعمله على السعاية. وترجم فيها أيضا كافية بن سبع الأسدي فنقل عن الواقدي؛ أن المصطفى ﵇ استعمله على صدقات قومه. وترجم أيضا لحذيفة بن اليمان الأزدي فنقل عن ابن سعد أنه ﵇ بعثه مصدقا على الأزد (مصدقا بتشديد الدال وكسرها أي عاملا يستوفي الزكاة من أربابها) وفي معالم السنن للخطابي، أن المصدق بتخفيف الصاد: العامل. قاله ابن الأثير مطولا. وفي المطالع: والمصدق بتخفيف الصاد آخذ الصدقة.\nقال ثابت ويقال أيضا للذي يعطيها من ماله، فإذا شددت الصاد فهو المتصدق لا غير اهـ من نور النبراس.\nوترجم في الإصابة أيضا لكهل بن مالك الهذلي فذكر أن المصطفى ﵇ استعمله على صدقات هذيل، وترجم فيها أيضا لخالد بن البرصاء فذكر أن أبا داود والنسائي خرجا من طريق معمر عن الزهري عن عائشة أن النبي ﷺ، بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا الحديث.\nوترجم لخالد بن سعيد بن العاص الأموي، فذكر أن المصطفى ﵇ استعمله على صدقات مذجح. وترجم أيضا لخزيمة بن عاصم العكلي، فذكر أن ابن قانع روى من طريق سيف بن عمر عن المستنير بن عبد الله بن عدس، أن عدسا وخزيمة وفدا على النبي ﷺ، فولّى خزيمة على الأحلاف: وكتب له بسم الله الرحمن الرحيم:","vol":"1","page":314},{"text":"من محمد رسول الله لخزيمة بن عاصم إني بعثتك ساعيا على قومك فلا يضاموا ولا يظلموا، ذكره الرشاطي وقال: أهمله أبو عمر.\nوترجم أيضا لرافع بن مكيث الجهني قال: استعمله النبي ﷺ على صدقات قومه.\nوترجم أيضا لسهل بن منجاب التميمي فنقل عن الطبري أنه كان من عمّال النبي ﷺ على صدقات بني تميم، فمات المصطفى ﵇ وهو على ذلك. وترجم لعكرمة بن أبي جهل فنقل عن الطبري أن النبي ﵇ استعمله على صدقات هوازن عام وفاته.\nوترجم لمالك بن نويرة فذكر أنه كان من أرداف الملوك، وأنه ﷺ استعمله على صدقات قومه. وترجم لمتمم بن نويرة التميمي فقال: بعثه ﵇ على صدقات بني تميم. وفي ترجمة مرداس بن مالك الغنوي أنه ﵇ ولاه صدقة قومه.\nوفي الهيثم والد قيس أنه ﵇ استعمله على صدقات قومه. (موعظة تبرهن عن عدل المصدقين في ذلك الزمن الطاهر) .\nقد أخرج ابن سعد في الطبقات [٦/ ٦٨] عن سويد بن غفلة قال أتانا مصدق رسول الله ﷺ فأخذت بيده فقرأت في عهده، فإذا فيه:\nأنه لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، فأتاه رجل بناقة عظيمة فأبى أن يأخذها ثم أتاه آخر بناقة دونها فأبي أن يأخذها، ثم قال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أتيت رسول الله ﷺ وقد أخذت خيار إبل امرىء مسلم. وانظر ترجمة قرة بن دعموص النميري من الطبقات ص ٣١ ج ٧.\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>باب في ذكر من كان يكتب الصدقات لرسول الله ﷺ</span>\n«قال ابن حزم في كتابه جوامع السيرة: كان كاتب رسول الله ﷺ في الصدقات الزبير بن العوام، فإن غاب أو اعتذر كتب جهم بن الصلت، وحذيفة بن اليمان» .\nونقل الحافظ في تلخيص الحبير عن القضاعي: كان الزبير وجهم يكتبان أموال الصدقات اهـ.\nوترجم الحافظ في الإصابة جهم بن سعد فقال: ذكره القضاعي في كتّاب النبي ﷺ، وأنه هو والزبير كانا يكتبان أموال الصدقة، وكذا ذكره القرطبي في المولد النبوي من تأليفه اهـ. منها ص ٢٦٦ من الجزء الأول.\nوفي اختصار الإصابة لأبي زيد العراقي: جهم بن سعد من كتبته، قيل: كان يكتب أموال الصدقات مع الزبير.\nوأقول: يأتي في جهيم مثل هذا وانظر لم لم يقل الحافظ: يأتي في جهيم اهـ وهو","vol":"1","page":315},{"text":"ظاهر، فإن الحافظ في ترجمة جهيم بن الصلت، ذكر نحو ما في ترجمة هذا، نقلا عن صاحب التاريخ الصمادحي، والظاهر أنهما اثنان.\nوفي صبح الأعشى ص ١١ من ج ١ نقلا عن عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف للقضاعي: أن الزبير بن العوام وجهم بن الصلت كانا يكتبان للنبي ﷺ أموال الصدقات، وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب له خرص النخل، فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين قد وضعت في زمانه ﵇ اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>باب في الخارص</span>\n«والخرص حزز ما على النخل من الرطب تمرا. في صحيح مسلم «١» عن عن أبي حميد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى، على حديقة لإمرأة فقال رسول الله ﷺ: أخرصوها فخرصناها، وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق (الوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ) وقال: أحصاها حتى نرجع إليك، إن شاء الله وانطلقنا حتى قدمنا تبوك: الحديث.\nوفي البخاري «٢» عن ابن عمر: عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وتمر فكان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون وسقا تمرا وعشرون وسقا شعيرا.\nوفي الموطأ «٣» أنه ﵇ كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه، وعن سلمان بن يسار قال:\nفجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر يهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها.\nفقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وكان الخرص في زمن النبي ﷺ من النخل والعنب والحبوب. خرّج أبو داود في سننه عن عتّاب بن أسيد أن النبي ﷺ بعثه وأمره أن يخرص العنب، كما يخرص النخل، وأن يأخذ زكاة العنب زبيبا كما يأخذ زكاة النخل تمرا» .\nترجم في الإصابة لزياد بن عبد الله الأنصاري، فذكر أن ابن منده روى عن زياد قال؛ لما بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة يخرص على أهل خيبر لم يجده أخطأ بحشفة «٤»، قال ابن منده: تفرد به عبيد بن إسحاق عن قيس.\n_________\n(١) انظر كتاب الفضائل باب ٣ ج ٢/ ١٧٨٥.\n(٢) انظر كتاب الحرث والمزارعة ج ٣/ ٦٨.\n(٣) انظر أول كتاب المساقاة ص ٧٠٣.\n(٤) الحشف: هو أردأ أنواع التمر. مصححه.","vol":"1","page":316},{"text":"وترجم أيضا لسهل بن أبي حثمة فقال: هو الذي بعثه النبي ﷺ خارصا. وترجم أيضا للصلت بن معديكرب الكندي، فذكر أن المصطفى ﵇ استعمله على الخرص، وترجم أيضا لفروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري البياضي، فذكر أن عبد الرزاق روى في الزكاة من مصنفه، عن معمر عن حسن بن عثمان عن جابر أن النبي ﷺ: كان يبعث رجلا من الأنصار من بني بياضة يقال له: فروة بن عمرو فيخرص تمر أهل المدينة. ومن طريق أخرى: فإذا دخل الحائط حسب ما فيه من الأقناء، ثم ضرب بعضها على بعض على ما يرى فيها فلا يخطىء.\nوترجم في الإستبصار لأبي خيثمة، عامر بن ساعدة والد سهيل بن أبي خيثمة فقال:\nبعثه رسول الله ﷺ خارصا إلى خيبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>باب في الوقف</span>\nقال في التنبيه: الوقف مصدر: وقفت الأرض وغيرها أقفها، هذه اللغة الفصحى الشهيرة اهـ ويعبر عنه بالحبس فيسمى: وقفا، لأن العين موقوفة وحبسا كما يفيده التنبيه:\nوهو جعل منفعة مملوك ولو بأجرة أو غلة لمتحقق بصيغة دالة عليه: كحبست ووقفت مدة ما يراه المحبّس فلا يشترط فيه التأبيد، وهو مندوب لأنه من البر وفعل الخير، قال تعالى:\nوَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧] .\nوقد حبس النبي ﷺ والمسلمون بعده، حتى صار الحبس في الإسلام من أعظم مصادر المال لنفع أهله، وموارده اليوم في سائر بلاده من أوسع دوائر الجبايات، قال الإمام الشافعي في الأم: حفظنا الصدقات عن عدد كبير من المهاجرين والأنصار، لقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم، أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة، لا يختلفون فيه وإن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات، فكما وصفت يتصدق بها المسلمون من السلف، وإن نقل الحديث بها كالمتكلف اهـ من الأم ص ٢٧٦ ج ٣.\n«وفي جامع ابن يونس أن النبي ﷺ حبس تسع حوائط (الحائط حديقة النخل) أوصى له بها مخيريق لما قتل يوم أحد بأن يضعها حيث أراه الله، فحبسها من أموال بني النضير. قال السهيلي: هي أول حبس في الإسلام، وكل ما ترك رسول الله ﷺ تصدق به.»\nوقال عمر بن شبة في أخبار المدينة، عن ابن سهل: كانت صدقات رسول الله ﷺ أموالا لمخيريق وصى بها لرسول الله ﷺ. أنظر ترجمته من الإصابة، وقد عقد السيد السمهودي في الوفا بابا في ص ١٥٢ لصدقاته ﵇، فتكلم فيها على أموال مخيريق المذكور، نقل فيها عن الواقدي: وقف النبي ﷺ الأعراف، وبرقة،","vol":"1","page":317},{"text":"وميت، والدلال، وحس، والصافية، ومشربة أم إبراهيم، سنة سبع من الهجرة.\nوروى الواقدي بسنده عن بعد الله بن كعب بن مالك قال: قال مخيريق يوم أحد: إن أصبت فأموالي لمحمد، يضعها حيث أراه الله، فهي عامة صدقاته ﵇. فانظر الوفا.\nوفي الصحيح «١»: أن عمر دفع إلى العباس وعلي صدقته ﵇ بالمدينة، وهي حوائط مخيريق، ونخل بني النضير، وما أعطاه له الأنصار، وأما خيبر وفدك فبقيت بيد عمر، كما في حديث عائشة في الصحيح أيضا، ولم يدفعها لغيره، وهي بيد عثمان إلى أن أقطعها لمروان فبقيت بيد ولده. قال القرطبي: دفعها إليهما على أن لا ينفرد أحدهما بالآخر بعمل، حتى يكون الآخر معه فيه، فشق عليهما ذلك، وطلبا قسمها بينهما حتى يستقل كل واحد بالنظر فيما يكون في يده، فأبى عمر عليهما ذلك، وخاف إن فعل ذلك أن يظن ظان أن ذلك قسمة ميراث بينهما، وهو موافق لنسبة القسمة بينهما فمنعهما حسما للمادة اهـ.\nوقال عياض في الإكمال: خرج أبو بكر البرقاني في صحيحه، قصة نزاعهما ثم قال:\nفغلب علي عليها العباس فكانت بيد علي، ثم بيد الحسن ثم بيد الحسين، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم تولاها بنو العباس اهـ.\nوروينا في صحيح البخاري عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها فيشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممّا تحبّون [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله أن الله يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحبّ أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ: بخ ذلك مالك رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين قال أبو طلحة أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه «٢»، وفي رواية فجعلها لأبي وحسان كان أقرب إليه مني.\nوفي رواية له أيضا عقب قوله: وإن أحب أموالي بيرحاء، وكانت حديقة كان رسول الله ﷺ يدخلها ويتظلل فيها، ويشرب من مائها، قال: فهي إلى الله ورسوله، أرجو برها\n_________\n(١) انظر البخاري كتاب النفقات باب ٣ ج ٦/ ١٩٠.\n(٢) روى البخاري هذا الحديث في أكثر من موضع في كتاب الزكاة: ج ٢ ص ١٢٦ والوكالة والتفسير والأشربة والوصايا.","vol":"1","page":318},{"text":"وذخرها، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ: بخ يا أبا طلحة. ذلك مال رابح قد قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين فتصدق به أبو طلحة على ذوي قربى رحمه قال: كان منهم أبي وحسان قال: فباع حسّان حصته منه من معاوية، فقيل له تبيع صدقة أبي طلحة، فقال ألا أبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم، وكانت الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية.\nقال الحافظ ابن حجر: وبيع حسان لحصته من معاوية دليل على أن أبا طلحة ملّكهم الحديقة المذكورة، ولم يوقفها عليهم، ويحتمل أنه أوقفها، واشترط أن من احتاج إلى بيع حصته جاز له. كما قال بجوازه علي وغيره اهـ. وفي ضبط بيرحاء اختلاف بين المحدثين، حتى أفرده بعضهم بمصنف لخصه المجد ثم السمهودي في تاريخ المدينة.\nوقال ابن رشد في المقدمات: حبس رسول الله ﷺ، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وابن عوف، وعلي، وطلحة والزبير، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن العاص.\nوقيل لمالك: إن شريحا كان لا يرى الحبس. فقال: تكلم شريح ببلاده ولم ير المدينة، فيرى آثار الأكابر من أزواجه ﷺ وأصحابه والتابعين، وهذه صدقات النبي ﷺ سبعة حوائط، وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبرا.\nوبهذا احتج مالك حين ناظره أبو يوسف بحضرة الرشيد فقال: هذه أحباس رسول الله ﷺ وصدقاته، ينقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن اهـ.\nوترجم أبو داود في سننه باب: في الرجل يوقف الوقف «١»، ثم أخرج عن نافع عن ابن عمر قال: أصاب عمر أيضا بخيبر فأتى النبيّ ﷺ فقال: أصبت أرضا لم أصب قط مالا أنفس عندي منه، فكيف تأمرني به؟ قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، للفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل، وزاد عن بشر: والضيف، ثم اتفقوا على أن لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقا غير متمول فيه. زاد عن بشر قال: وقال محمد: غير متأثل مالا.\nثم أخرج أبو داود من طريق الليث عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب قال نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.\n(بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب عبد الله بن عمر في تمغ) فقص من خبره نحو حديث نافع قال (غير متأثل مالا فما عفا عنه من تمره فهو للسائل والمحروم) قال وساق\n_________\n(١) انظر ج ٣/ ص ٢٩٨ من كتاب الوصايا رقم الباب ١٣.","vol":"1","page":319},{"text":"القصة قال وإن شاء ولي ثمغ اشترى من ثمره رقيقا لعمله وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم.\nبسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد الله بن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم التي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي تليه حفصة ما عاشت ثم ذوي الرأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى ولا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقا منه.\nفذكر أبو داود كما ترى لعمر وثيقة الوقف، وهما وثيقتان ذكرهما أيضا عمر بن شبة، فنسخ عبد الحميد ليحيى بن سعد كلا الكتابين، وقد بين ذلك عمر بن شبة عن أبي عثمان المدني قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفا حرفا. ونصها الثاني يقتضي أن عمر كتب الوقفية في خلافته، لأن معيقيب كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أن يكون وقف أولا في زمنه ﵇ باللفظ، وتولى هو النظر عليه ألى أن حضره الموت فكتب حينئذ.\nوثمغ بفتح المثلاثة وسكون الميم والعين المعجمة، وحكى النووي فتح الميم قال أبو عبيد البكري: هي أرض تلقاء المدينة كانت لعمر، وفي مراصد الإطلاع ثمغ بالفتح ثم السكون والغين معجمة، موضع مال لعمر بن الخطاب وقفه وقيده بعض المغاربة بالتحريك اهـ.\nوفي النهاية ثمغ وصرمة بن الأكوع مالان معروفان بالمدينة، كانا لعمر بن الخطاب فوقفهما اهـ.\nوقيل: المراد في حديث عمر بالصرمة: القطعة الخفيفة من النخل والإبل اهـ وفي نص الحبس المذكور، وهو من وهو إيصاء عمر بالنظر في حبسه إلى امرأة وهي بنته حفصه، وعند عمر بن شبة عن يزيد بن هارون عن ابن عون في آخر الوقف وأوصى به عمر إلى حفصة أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر ونحوه، في رواية عبيد الله بن عمر في رواية الدارقطني، وفي رواية أيوب عن نافع عند أحمد: يليه ذو الرأي من آل عمر، فكأنه كان أولا شرط أن النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثم عين عند وصيته لحفصة، وقد بين ذلك عمر بن شبة عن أبي غسان المدني قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفا حرفا. (وهذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ أنه لحفصة ما عاشت، تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها) .","vol":"1","page":320},{"text":"أقول: وقد أذكرتني وصية عمر ﵁، وجعله النظر في وقفه إلى الأقرب فالأقرب من أهله وصية عالم الدنيا الإمام أبي عبد الله، محمد بن مرزوق التلمساني، شارح البردة فقد رأيت بخط الحافظ أبي العباس أحمد الونشريسي ناقلا بعض فصول وصية ابن مرزوق المذكور، في تحبيس كتبه على أولاده ونص بذلك: إن جميع ما احتوت عليه غرفتي التي لم أفارقها إلا منذ ثلاثة أيام وما احتوى عليه مسكني الآن، من دواوين الكتب والمفردات والكراريس وسائر التاليف، وما هو معار عند الناس حسبما ذلك مقيد في أزمتي محبّس على من يتعاطى العلم وعرف بالإشتغال به من ذريتي، من أي جهة كانوا فينتفعون بمطالعة ما يحتاجون إليه منها، إلا أن أولادي الذكور وأولادهم أولى بالتقديم عند ازدحام حاجتهم إلى ما يطالع منها، كما إن الأولى فالأولى الأعلى فالأعلى من أولادي الذكور أولى عند ذلك أيضا، وإن متولي النظر في كتبي المذكورة الأقرب فالأقرب والأعلم الأدين، فإن لم يجتمع الوصفان فالأدين ثم الأعلم، ثم الأقرب مع أمانتهما عليها، فإن لم يؤمنا فالأمين كيف كان اهـ.\nومن خط الونشريسي نقلت واستفدت. وممن ثبت عنه الوقف من الصحابة سيدنا علي كرم الله وجهه، ففي مسند أحمد وغيره أن عليا قال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفا.\nوفي رواية أربعين ألف دينار «١» . وفي تهذيب الأسماء للنووي: قال العلماء لم يرد به زكاة مال يملكه، وإنما أراد الوقوف التي تصدق بها وجعلها صدقة جارية، وكان الحاصل من غلتها يبلغ هذا القدر اهـ.\nوفي الأم للشافعي أخرج إليّ والي المدينة صدقة علي بن أبي طالب، وأخبرني أنه أخذها من آل أبي رافع، وإنها كانت عندهم فأمرهم فقرئت علي اهـ أنظر الأم وممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة، سيدنا عثمان بن عفان، ففي طبقات ابن سعد، أنه ترك صدقات كان يتصدق بها ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار. وممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة سيدنا الزبير بن العوام، فقد خرج ابن سعد في ترجمته من الطبقات: أنه جعل دارا له حبسا على كل مردودة من بناته، وأنه أوصى بالثلث. وممن أوقف من كبار الصحابة سيدنا العباس عم النبي ﷺ، ة فقد ترجم الحافظ محب الدين الطبري في ذخائر العقبى، في ترجمة العباس بن عبد المطلب: فذكر صدقته ﵁ بداره على المسجد الشريف النبوي ليوسعه، عن كعب قال: كان للعباس دار، فلما أراد عمر توسعة المسجد قال العباس: قد جعلتها صدقة على مسجد المسلمين، قال الحافظ الطبري: حديث صحيح. وانظر ترجمته من طبقات ابن سعد.\n_________\n(١) انظر المسند الجزء الأول ١/ ١٥٩ وفي طبعة المكتب الإسلامي ١/ ١٩٦.","vol":"1","page":321},{"text":"ومنهم أبو الدحداح الأنصاري في الإستبصار: لما نزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا [البقرة: ٢٤٥] كان أبو الدحداح نازلا في حائط له هو وأهله، فجاء لامرأته فقال:\nأخرجي، فقد أقرضته ربي، فتصدق بحائطه على الفقراء.\nومنهم الأرقم بن أبي الأرقم وهو السابع ممن أسلم في طبقات ابن سعد: أن داره كانت بمكة على الصفا، وهي الدار التي كان النبي ﷺ يكون فيها أول الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام، ودعيت دار الإسلام تصدق بها الأرقم على ولده، وهذا نص الصدقة.\nبسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى الأرقم في ريعه ما حاز الصفا أنها محرمة بمكانها، من الحرم، لا تباع ولا تورث، شهد هشام ابن العاص وفلان مولى هشام بن العاص به ولم تزل بيد ولده صدقة قائمة فيها ولده يسكنون ويؤاجرون ويأخذون عليها، حتى كان زمن أبي جعفر المنصور فأخذها منهم، وابتاعها عليهم قهرا وظلما لأجل ميلانهم لمحمد النفس الزكية لما قام عليه.\nوممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة وسادات آل البيت فاطمة الزهراء ﵂، ففي الأم للشافعي: أخبرني محمد بن علي بن شافع قال: أخبرني عبد الله بن حسن بن حسين عن غير واحد من أهل بيته وأحسبه قال: زيد بن علي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ تصدقت بمالها على بني هاشم والمطلب، وإن عليا تصدق عليهم وأدخل معهم غيرهم.\nتنبيهان: الأول: في التوشيح للسيوطي فائدة: أخرج أحمد عن ابن عمر قال: أول صدقة أي موقوفة في الإسلام صدقة عمر، وأخرج عمر بن شبة عن عمر بن سعيد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس في الإسلام؟ فقال المهاجرون: صدقة عمر. وقال الأنصار صدقة رسول الله ﷺ اهـ.\nوالثاني: قال بعضهم: الوقف من خصائص الإسلام فلا يعرف وقوعه في الجاهلية اهـ.\nقلت: أصل ذلك للإمام الشافعي، قال: الوقف من الأمور التي اختص بها الإسلام، ولم يبلغني أن الجاهلية وقفوا دارا أو أرضا، ولا يرد بناء الكعبة وحفر زمزم لأنه كان على وجه التفاخر، لا التبرر. ذكره النووي قاله الأمير: في ضوء الشموع. ونقل عن شيخه البليدي في حواشيه على الزرقاني على قول خ أو على بنيه دون بناته، أن المنوي «١» على الخصائص بحث في قول الشافعي هذا بأن وقف الخصائص بحث في قول هذا بأن وقف\n_________\n(١) كذا في الأصل فلعل الصواب: النووي. فليحرر.","vol":"1","page":322},{"text":"الخليل باق إلى الآن. وكانت مصر وإقطاعها وقفا على كنيسة الروم، قال الشيخ الأمير عقبه: أقول إنما ادعى الشافعي أنه لم يثبت عن الجاهلية ولم ينفه عن الأنبياء، ولا عن أهل الكتاب المتقدمين فهو تخصيص نسبي اهـ.\nفائدة: في حواشي العلامة الشمس محمد بن عرفة الدسوقي المالكي المصري، على شرح الشهاب الدردير، على مختصر خليل ص ٦٩ ج ٤ نقلا عن حاشية شيخ مشايخه العلامة المعمر الشمس محمد البليدي المصري على ز على مختصر خ أنه كان في قيسارية فاس ألف أوقية من الذهب، موقوفة للسلف، فكانوا يردونها نحاسا فاضمحلت اهـ وممن ذكر ذلك من فقهاء فاس الشيخ أبو عبد الله التاودي بن سودة في شرح التحفة، لدى قولها: الحبس في الأصول جائز وفي الخ ونصه: وقد كان بقيسارية فاس دراهم موقوفة للسلف «١» . فلم يزالوا يتسلفونها ويردون فيها النحاس، والنقص حتى اندرست اهـ منه وهذا من أعظم ما يدلنا على الرقي في الزمن القديم، وعملهم على تنشيط الزارع والتاجر، ومدّيد المساعدة للفقير والصانع، فهذا مما سبقنا به أروبا بقرون، ولله في خلقه ما أراد من الشؤون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>باب في المستوفي (وهو الرجل يبعثه الإمام ليقبض المال من العمال ويتخلصه منهم) (ويقدم به عليه)</span>\n«في الصحيح «٢» عن بريدة أن النبي ﷺ بعث عليا إلى خالد ليقبض الخمس، قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب إلى أهل نجران يجمع صدقتهم، ويقدم عليه بجزيتهم، وذلك سنة عشر «٣» كما في الكامل ففعل وعاد ولقي النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع» .\nوترجم في الإصابة لحاجب بن زرارة الدارمي التميمي فذكر أنه ﵇ بعثه على صدقات بني تميم انظر ص ٢٨٨ من ج ١.\nتنبيه وقع في قصة حجة الوداع من صحيح مسلم، مقدم علي من سعايته، قال القاضي: أي من عمله في السعي في الصدقات، وقال بعضهم في غير مسلم: إنه بعثه أميرا لا عاملا، إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات. وفي النسائي عن البراء: كنت مع علي حين أمره النبي ﷺ على الصدقات، فصرّح بأنه أمره ولم يقل\n_________\n(١) للسلف: الظاهر أن معناها القرض. أي يستقرضونها ثم يعيدونها.\n(٢) رواه البخاري في ج ٥/ ص ١١٠ من كتاب المغازي رقم الباب ٦١ چ\n(٣) انظر السيرة لابن هشام ج ٢/ ٦٠٠.","vol":"1","page":323},{"text":"استعمله، قال القاضي ويحتمل أنه ولي الصدقات احتسابا أو أعطي عمالته عليها من غير الصدقة.\nقال بعضهم: السعاية تستعمل في مطلق الولاية فلا تدل على الصدقات خصوصا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>باب خروجه ﵇ بنفسه إلى البادية في إبل الصدقة</span>\nفي ص ١١٢ من ج ٦ من مسند أحمد عن عائشة قالت: خرج رسول الله ﷺ إلى البادية إلى إبل الصدقة، فأعطى نساءه بعيرا بعيرا غيري، فقلت يا رسول الله أعطيتهن بعيرا بعيرا غيري، فأعطاني بعيرا آدد صعبا لم يركب عليه، فقال: يا عائشة أرفقي به، فإن الرفق لا يخالط شيئا إلا زانه، ولا يفارق شيئا إلا شأنه «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>باب ذكر من وكله ﵇ لحفظ زكاة رمضان</span>\nفي سمط الجوهر الفاخر أنه ﵇ وكل ذلك لأبي هريرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>باب ذكر من جعله ﵇ على قبض مغانمه</span>\nكان عليها خزاعة بن عبد نهم المزني ذكر ذلك في سمط الجوهر الفاخر «٢» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>باب من كان على خمسه ﵇</span>\nكان عليه عبد الله بن كعب الأنصاري من بني مازن ابن النجار، كما في سمط الجوهر الفاخر أيضا، وفي ترجمته من الإستبصار: شهد بدرا وكان على الغنائم يومئذ، وشهد سائر المشاهد، وكان على خمس النبي ﷺ فيها اهـ.\n_________\n(١) هو في ص ١٢٩/ ٦ من طبعة المكتب الإسلامي في بيروت.\n(٢) وترجمته في الإصابة ١/ ٤٢٤.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>القسم السابع في العمالات الإختزانية وما أضيف إليها وفيه فصول</span>","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>العمالات الاختزانية</span>\n«(الموازين) في صحيح «١» مسلم عن جابر قال: اشترى مني النبي ﵇ بعيرا بأوقيتين وبدرهم، أو درهمين، فلما قدم المدينة وزن لي ثمن البعير فأرجح، وفي سنن النسائي فدعا بميزان فوزن لي وزادني، وفي أبي داود قوله ﵇ للوزان: زن وأرجح، وفي الإستيعاب: أن أبا سفيان بن حرب أعطاه رسول الله ﷺ من غنائم حنين وكان شهدها معه مائة بعير وأربعين أوقية وزنها له بلال» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>خازن الطعام</span>\n«في الصحيح «٢» أنه ﵇ كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنة، وفي جامع الترمذي أنه ﵇ كان يعزل نفقة أهله سنتهم. ومن المعروف عن الحسن ﵇ أنه قال: اذكر أنه ﵇ حملني على عاتقه فأدخلني في غرفة الصدقة فأخذت تمرة فجعلتها في فيّ فقال: ألقها أما علمت أن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، فأخرجتها من فمي» انظر مسلم كتاب الزكاة باب تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ ج ١/ ٧٥١.\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>الكيال</span>\n«في الصحيح عن المقدام بن معديكرب عن النبي ﷺ قال: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه «٣» . وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: أعطي رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق ثمانين وسقا من تمر وعشرون وسقا من شعير. [كتاب المساقاة، ج ٢/ ١١٨٦] .\nوفي مسلم عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله «٤» .\nوبوّب البخاري في كتاب البيوع باب ما يستحب من الكيل، ثم ذكر الحديث السابق قال في الفجر الساطع: أي الطعام المكيل، ويقاس عليه وزن الموزون وعدّ المعدود. وقال\n_________\n(١) انظر كتاب المساقاة ج ٢/ ١٢٢٣ ورقمه ١١٥.\n(٢) انظر البخاري كتاب النفقات ١٩٠/ ٦.\n(٣) انظر كتاب البيوع ج ٣ ص ٢٢.\n(٤) انظر كتاب البيوع ج ٢ ص ١١٦٠.","vol":"1","page":327},{"text":"على قوله: يبارك لكم أي فيه كما عند غيره، قال الحافظ: الذي يظهر أن الحديث محمول على الطعام الذي يشترى، والبركة تتحصل فيه بالكيل لإمتثال أمر الشارع.\nفالبركة الحاصلة فيه أما لسلامته من الجزاف، أو للتسمية عليه أو لإمتثال أمر الشارع، وحديث عائشة الآتي المتضمن أنها لما كالت طعامها فني، محمول على أنها كالت الباقي من المخرج للنفقة واختباره واستكثار ما خرج منه، فانتزعت منه البركة قاله ابن المنير اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>ذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة على عهده ﵇</span>\nوهي عشرة: الدرهم، والدينار، والمثقال، والدانق، والقيراط، والأوقية، والنش، والنواة، والرطل، والقنطار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>ذكر الدرهم واستعماله</span>\n«قال أبو محمد عبد الحق بن عطية في جواب سئله في سنة ٦١٦ قال أبو عبيد القاسم بن سلام عن بعض شيوخه أن الدراهم كانت على عهده ﵇ على نوعين السوداء الوافية ووزن الدرهم منها ثمانية دوانق والطبرية وزن الدرهم منها أربعة دوانق قال: وكان الناس يزكون بشطرين من الكبار والصغار. قال أبو العباس العزفي: قال أبو جعفر الداودي: وذكر قول من قال: إن الدرهم لم يكن معلوما في زمن النبي ﷺ هذا قول فاسد، لم يكن القوم ليجهلوا أصلا من أصول الدين، فلا يعلمون فيه نصّا. وقد كان النبي ﷺ يخرج السعاة، فلا يجوز أن يظن بهم جهل مثل هذا، ولم يأت ما قاله من طريق صحيح.\nوقال أبو عمر بن عبد البر وعياض؛ لا يجوز أن تكون الأوقية على عهد رسول الله ﷺ مجهولة المبلغ من الدراهم في الوزون ثم يوجب الزكاة عليها وهي لا يعلم مبلغ وزنها، وتقع بها البيوعات والأنكحة، وهذا يبين أن قول من قال: إن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك، حتى جمعها برأي الفقهاء وهم، وإنما معنى ذلك أنها لم تكن من ضرب أهل الإسلام، وعلى صفات لا تختلف، وإنما كانت مجموعات من ضرب فارس والروم وصغار وكبار أو قطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية وبعد ذلك في أيام عبد الملك كرهوا الضرب الجاري من ضرب الروم فردوها إلى ضرب الإسلام» .\nقال النووي في شرح المهذب: الصحيح الذي يتعين اعتماده واعتقاده أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله ﷺ كانت معروفة الوزن معلومة المقدار، وهي السابقة إلى الأفهام وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشرعية، ولا يمنع من هذا كونه كان هناك دراهم أخر أقل أو أكثر من هذا المقدار، فإطلاق النبي ﷺ الدراهم محمول على","vol":"1","page":328},{"text":"المفهوم من الإطلاق، وهو كل درهم ستة دوانق وكل عشرة سبعة مثاقيل، وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم إلى يومنا على هذا. ولا يجوز أن يجمع على خلاف ما كان في زمن رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين.\nوأما مقدار الدرهم والدينار فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عطية في كتاب الأحكام. قال ابن حزم: بحثت غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكل اتفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه مائتان وثمانية وعشرون درهما بالدراهم المذكورة، هذا كلام ابن حزم. وقال النووي بعد إيراده في شرح المهذب، وقال غير هؤلاء: وزن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع الدرهم، وهو تسعون مثقالا اهـ بواسطة سبل الرشاد للشامي.\nوقال أبو السعود الفاسي في إملآته على الصحيح، على قوله في كتاب النكاح: وزن نواة من ذهب، المراد بالنواة قيل نواة التمر، وقيل إسم لمقدار من الوزن كان عندهم، كما هو عند غيرهم. ولم تكن سكة عند النبي ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر، ولم يضربوا سكة في الإسلام حتى ضربها عبد الملك بن مروان، إلا إنهم كانوا يتعاملون بسكة فارس والروم، وكان لهم من ذلك درهمان، فجمع عبد الملك نصف هذا مع نصف هذا، وجعله درهما واحدا اهـ.\nوقال الحافظ السيوطي في رسالته: قطع المجادلة في تغير المعاملة، قال الخطابي: كان أهل المدينة يتعاملون بالدارهم وقت قدوم النبي ﷺ، ويدل عليه قول عائشة في قصة شرائها بريرة: إن شاء أهلك أن أعدّها لهم عدة واحدة فعدت الدراهم، فأرشدهم النبي ﵇ إلى الوزن وجعل الوزن عيار أهل مكة، وكان الوزن الجاري بينهم في الدرهم ستة دوانق، وكانوا يتعاملون بها وهو درهم الإسلام في جميع البلدان، وأما الدنانير فكانت تحمل إليهم من بلاد الروم، وقال ابن عبد البر في التمهيد: كانت الدنانير في الجاهلية وأول الإسلام بالشام، وعند عرب الحجاز كلها رومية، تضرب ببلاد الروم عليها صورة الملك، واسم الذي ضربت في أيامه مكتوبة بالرومية، وكانت الدراهم بأرض العراق، وأرض المشرق كلها كسروية، عليها صورة كسرى، واسمه فيها مكتوب بالفارسية اهـ.\nقال العزفي: قال الخطابي: كانت الدنانير تحمل إليهم في زمن رسول الله ﷺ من بلاد الروم، فكانت العرب تسميها الهرقلية.\nوهذه الدراهم مع إثبات صور ملوك الروم عليها كانوا في صدر الإسلام يصلون بها ويحملونها معهم، ولا يتنزهون عن ذلك، وقد كنت رأيت في سفري لتطوان عام ١٣٤١ درهما من هذه الدراهم الهرقلية منقوش عليها صورة هرقل، ثم اشتريت بعد ذلك درهما","vol":"1","page":329},{"text":"رسم عليه اسم قيصر وصورته، ولعله أحد القياصر المعاصرين لأول الإسلام، وفي فتاوي الشهاب الفقيه أحمد بن حجر الهيثمي جماعة ذكروا جواز حمل الدنانير التي تجلب من أرض الأفرنج، وعليها صورة حيوان حقيقة يقينا، واستدلوا على ذلك بأنها كانت تجلب من عندهم في زمن السلف، ولم ينهوا عن حملها في العمامة وغيرها لأن القصد منها النقد، لا تلك الصور ولتعذر إزالتها أو تعسره.\nفإذا جاز هذا في تلك الدنانير فجواز الكتابة في الورق الإفرنجي أولى، وإن تحقق أنه فيه صورة حيوان اهـ.\nوفي فتاوي الشهاب أحمد الرملي الشافعي المصري أنه سئل عن دنانير عليها صورة حيوان تامة، أيحرم حملها كحرمة الثياب المصورة؟ فأجاب بأنه لا يحرم حملها فقد قال ابن العراقي: عندي أن الدراهم الرومية التي عليها الصور من القسم الذي لا ينكر لإمتهانها بالإنفاق والمعاملة، وقد كان السلف يتعاملون بها من غير نكير، فلم تحدث الدراهم الإسلامية إلا في زمن عبد الملك بن مروان كما هو معروف اهـ منها.\nتنبيه: سبق أنه لم يكن في زمن رسول الله ﷺ سكة ولا زمن أبي بكر ولا عمر، والمعروف أن أول من ضرب السكة عبد الملك بن مروان، قال ابن سعد في الطبقات:\nحدثنا محمد بن عمر الواقدي حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمسة وسبعين، وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها، وفي أوائل العسكري: أنه نقش عليها اسمه، وأخرج ابن عساكر عن المغيرة: أول من ضرب الدراهم الزيوف عبيد الله بن زياد، ونقله السيوطي في أوائله والشامي في سيرته.\nوربما يعكر عليه وعلى ما سبق من أن الدراهم في الزمن النبوي لم تكن من ضرب أهل الإسلام ما وقع في سنن أبي داود. وابن ماجه من حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس بوّب عليه ابن ماجه بقوله: باب النهي عن كسر الدراهم والدنانير، وأبو داود بقوله: باب كسر الدراهم.\nوأخرجه أيضا أحمد والحاكم في المستدرك.\nقال الحافظ الشوكاني في نيل الأوطار: قوله سكة بكسر السين المهملة أي الدراهم المضروبة على سكة الحديد المنقوشة التي تطبع عليها الدراهم والدنانير، وقوله الجائزة بينهم يعني: النافقة في معاملتهم، وقوله: إلا من بأس، كأن تكون زيوفا وفي معنى كسر الدراهم كسر الدنانير والفلوس التي عليها سكة الإمام، لا سيما إذا كان التعامل بذلك جاريا بين المسلمين كثيرا اهـ.","vol":"1","page":330},{"text":"وقال شيخ كثير من شيوخنا محدث المدينة المنورة مسندها، الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي، في حاشيته على سنن ابن ماجه، المسماة انجاح الحاجة: في الحديث النهي عن الكسر بثلاثة شرائط الأول أن تكون سكة الإسلام، الثاني أن تكون رائجة، والثالث أن لا يكون فيها بأس وضرر على المسلمين، فلو أزال سكة الكفار لم يكن موردا للنهي، وكذا لو أزال السكة الغير الرائجة أو المزيفة اهـ ونقله عنه الكنكوهي في التعليق المحمود على سنن أبي داود وأقرّه.\nوهذا كما ترى كالصريح في أنه كان للمسلمين في الزمن النبيوي سكة مضروبة كانوا يتعاملون بها، ولله درّ صاحبنا العلامة السيد أحمد بن محمد الحسيني الشافعي المصري حيث قال: في ص ١٨١ من نهاية الإحكام فيما للنية من الأحكام، بعد أن ذكر حديث أبي داود هذا ونحوه: مقتضى هذا أن سكة المسلمين كانت معروفة ومستعملة في زمنه ﵇، وليس ما يخالفه من الأقوال الدالة على أن سكة المسلمين لم تضرب إلا في عهد عمر، أو في عهد من بعده أولى بالقبول منه إلا بمرجح وأين هو؟ اهـ بلفظه.\nوفي تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان ص ١٣٨: أما النقود التي ضربت في عهد الخلفاء الراشدين فكانت نحاسية، وفي غاية البساطة مما جرى في الشكل، وليس عليها من الكتابة إلا صورة الشهادة بالحرف الكوفي، ولم تضرب النقود القضية في الإسلام حتى أيام الخليفة عبد الملك ثم صور نقوده.\nوقد انتقده الرحالة الشيخ محمد أمين بن الشيخ حسن الحلواتي المدني في رسالته: نشر الهذيان من تاريخ جرجي زيدان بقوله: لم يثبت في الرواية الصحيحة أن أحدا من الخلفاء الأربعة ضرب سكة أصلا إلا علي بن أبي طالب، فإنه ضرب الدراهم على ما نقله صبحي باشا الموره لي في رسالة له: رسم فيها صورة ذلك الدرهم وعزا ذلك إلى لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة، وأما هذه الثلاثة المسكوكات التي رسمها جرجي زيدان فلا تثبت علي فرض وجودها، لأنه لم تكن عليها تواريخ دالة على زمانها، وأكبر شيء فيها دال على كذبها على الخلفاء كون أحدها فيه صورة شخص، وهذا مما تحرمه الديانة الإسلامية فكيف يفعل ذلك الخلفاء؟ وكون هذه المسكوكات مزورة غير بدع عن الإفرنج وبياعي الإنتيكات اهـ انظر ص ٥ منه طبع لكنو بالهند، فكان غاية جواب جرجي زيدان عن ذلك بأنه أخذ تلك الرسوم عن مؤلف إفرنسي وأحال على ص ٢٦ من تاريخ مصر لمارسا، أنظر ردّ رينان على نشر الهذيان.\nوكأنهم لم يروه في المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية للشيخ حمزة فتح الله المصري ص ١٥٢ ج ١ نقلا عن شرح العيني على البخاري أنه نقل عن المرغيناني:\nأن الدراهم كانت شبه النواة ودورت على عهد عمر، لما بعث معقل بن يسار وحفر","vol":"1","page":331},{"text":"نهره الذي قيل فيه: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ضرب حينئذ عمر الدراهم على نقش الكسروية وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها، الحمد لله وفي بعضها محمد رسول الله، وفي بعضها: لا إله إلا الله وحده، على وجه، وعلى الآخر عمر. فلما بويع لعثمان ضرب دراهم نقشها: الله أكبر، فلما اجتمع الأمر لمعاوية ضرب دنانير عليها تمثاله متقلدا سيفا، فلما قام عبد الله بن الزبير بمكة ضرب دراهم مدوّرة ثم غيّرها الحجاج.\nولما استقر الأمر لعبد الملك بعد ابن الزبير، ضرب الدنانير والدراهم في سنة ٧٦ من الهجرة اهـ ولا ما في رسالة النقود الإسلامية للمؤرخ الشهير التقي المقريزي فإن فيها نحو ما ذكر عن المواهب باللفظ وزاد: إن معاوية ضرب دنانير عليها تمثال متقلدا سيفا. وذكر أن عبد الملك بن مروان لما أمر الحجاج بضرب السكة ضربها، وقدمت مدينة الرسول ﷺ، وبها بقايا الصحابة فلم ينكروا منها شيئا سوى نقشها، فإن فيها صورة وكان سعيد بن المسيب يبيع بها ويشتري ولا يعيب من أمرها شيئا اهـ انظر ص ٥ منها، ونحوه في خطط مصر لوزير المعارف بمصر الشيخ علي بن مبارك باشا انظر ص ٦ من ج ٢٠ منها، وقد ساق كل كلام المقريزي المذكور محتجا به الشيخ عبد الغني النابلسي، في شرحه على الطريقة المحمدية انظر ص ٤٩٩ ج ٢، ووقع في وفيات الأسلاف ص ٣٦١ ما نصه: وأقدم سكة في الإسلام فيما وجد، ما ضرب في خلافه عثمان سنة ثمان وعشرين من الهجرة بقصبة هرتك من بلاد طبرستان، وكتب فيها بالخط الكوفي بسم الله ربي، وفي خلافة علي سنة ٣٧ وكتب فيها: ولي الله. وفي سنة ٣٨ و٣٩ بسم الله ربي. وفي درهم بالخط الكوفي في جانب منها: الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. وفي دورته: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وفي الجانب الآخر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي دورته: ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين، وفيها ضرب بدارابجرد سنة سبعين. وفي يزد سنة إحدى وسبعين بالخط الكوفي: بسم الله، وفي الطرف الآخر: بالخط البهلوي عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين، وقيل: أول من ضرب النقود مصعب بن الزبير سنة سبعين بأمر أخيه عبد الله، ونقل سعيد بن المسيب وأبو الزناد أنّ عبد الملك أمر الحجاج بضرب الدراهم، وتمييز المغشوش من الخالص سنة ٧٤. وقال المدائني: سنة ٧٥، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ٧٦. وهذه الدراهم ما وقع نظري عليها، وإنما نقلته عما نقله الثقات في هذا الشأن اهـ.\nثم وجدته أخذ ذلك من تاريخ الوزير جودت باشا التركي الشهير، فإنه نقل كل ما ذكر عن تاريخ واصف أفندي، وفيه أيضا ذكر واصف أفندي أنه نقل عن التواريخ،","vol":"1","page":332},{"text":"الموضوعة في أخبار سلاطين العرب، أن عمر بن الخطاب ضرب سكة في عام ١٨ على النقش الكبير، وكتب على بعضها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وعلى بعضها لا إله إلا الله، واسم عمر. ثم قال: إلا أنه ثبت نقلا أن حضرة عمر لم يضرب سكة باسمه والرواية المذكورة يحتمل أن تكون غلطا حصل من السكة التي ضربها أحد الأتراك بطبرستان، المسمى عمر على المنوال السابق، فالظاهر أن تاريخها المكتوب بالخط البهلوي لم يتمكنوا من قراءته، وأسندت إلى حضرة عمر عند ما قرىء اسم عمر. وكذلك السكة المنسوبة إل عبد الله بن الزبير، لم يطلع عليها أحد من أهل العلم.\nومن المسلم عند أهل العلم أن الذي أحدث ابتداء ضرب السكة العربية هو الحجاج. ولكن ظهر خلاف ذلك عند وجود الكشف الجديد في هذا الفن سنة ١٢٧٦، وذلك أن رجلا إيرانيا اسمه جواد أتى إلى دار السعادة بسكة فضية عربية، ضربت في البصرة سنة أربعين هجرية، وأنا الفقير رأيتها بين المسكوكات القديمة الإسلامية، عند صبحي باشا أفندي، مكتوب على أحد وجهيها بالخط الكوفي: اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وفي دورتها محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله، ولو كره المشركون. وعلى الوجه الآخر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي دورتها: ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين. ونقل عن بعض المؤرخين أنه ضرب على السكة صورة معاوية وخالد بن الوليد مقلدين سيفهما، وتابعهما واصف أفندي فأدرج ذلك في تاريخه، ولكن هذه الرواية المذكورة لم يصل نقلها إلى درجة الثبوت والصحة، ولكن أنا الفقير رأيت على وجه الترتيب، جميع المسكوكات الأموية المخلفة التي ضربت عندهم، في دور الضرب من الذهب والفضة، في كل سنة على الترتيب السابق؛ من سنة ٧٢ إلى تاريخ انقراض دولتهم سنة مائة واثنين وثلاثين هجرية، فلم يكن على أحدها اسم الخليفة اهـ راجع مقدمة التاريخ المذكور ص ٢٧٤.\nووقع في رسالة لصديقنا الكاتب الكبير الأصيل السيد توفيق البكري الصديقي المصري، في الموافقة بين الأعراف الأوروبية والأعراف العربية منقولة في شرح كتابه:\nصهاريج اللؤلؤ ص ٢٩٠ أن عمر بن الخطاب كان يستعمل الورق والجلود، مكان النقود للحاجة وأنشد لأبي تمام:\nلم ينتدب عمر للإبل يجعل من ... جلودها النقد حين عزه الذهب\nوبمكتبتنا في قسم النقود دراهم مكتوبة بالكوفي عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي آخر الكتابة إسم علي، يقطع الناظر المتأمل فيها، وفي كتابتها ونقشها القديم إنها لعلي بن أبي طالب ﵁.","vol":"1","page":333},{"text":"«تتمات» الأولى في أوائل الحافظ السيوطي: أول من ضرب الدراهم في بلاد المغرب عبد الرحمن بن الحكم الأموي، القائم بالأندلس في القرن الثالث وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من الدراهم الزيوف ذكره الذهبي في تاريخه اهـ ونحوه نقل عن الذهبي الشامي في سيرته سبل الرشاد.\nوعبد الرحمن بن الحكم هذا: هو عبد الرحمن الثاني بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الأموي الداخل إلى الأندلس سنة ١٣٨. وعلى كل حال فإن كان عنى بالمغرب الأندلس فقط فذاك، وإن كان يعني المغرب الأقصى أو القطر الإفريقي ففيه نظر، لأن الإمام إدريس بن إدريس ﵄، قد كان ضرب السكة أيام خلافته، آخر القرن الثاني من الهجرة، قبل ولاية عبد الرحمن بن الحكم، وقد عقد لذلك جدنا من قبل الأم الإمام أحمد بن عبد الحي الحلبي، ثم الفاسي فصلا في كتابه «الدر النفيس» وهو الفصل ٣٤ قال عنها: أما درهم الإمام إدريس بن إدريس، فمكتوب على دائرته: «محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون وتحت محمد رسول الله، في الدائرة، إدريس في الوسط، ومحمد في سطر، رسول الله في سطر، وذلك بالخط الكوفي. وفي الوجه الأخير مكتوب على دائرته: بسم الله، ضرب هذا الدرهم سنة ١٩٨. انظر ص ٢٢١ من الدر النفيس، طبعة فاس سنة ١٣١٤.\nثم وجدت الحافظ السيوطي قال في تاريخ الخلفاء: له عند الكلام على عبد الرحمن المذكور، المتوفي سنة ٢٣٩، أول من فخّم الملك بالأندلس من الأموية، وكساه أبهة الخلافة والجلالة، وفي أيامه أحدث بالأندلس ضرب الدراهم، ولم يكن بها دار ضرب منذ فتحها العرب، وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم أهل المشرق اهـ.\nفظهر أن كلامهم في الأندلس، ومولاي إدريس كان في العدوة.\nالثانية: قال الشيخ أبو سالم العياشي: في شرح على نظمه لبيوع ابن جماعة، المسمى إرشاد المتسبب إلى فهم معونة المكتسب، وأما الدرهم السني، فقد وجدت عند شيخنا سيدي عبد الواهب الفاسي أسماه الله درهما ورثه عن والده مكتوب عليه بالخط الكوفي، أنه ضرب بواسط سنة تسع ومائة، وذلك في خلافة هشام بن عبد الملك، وقد نص المؤرخون على أن أول من ضرب السكة في الإسلام عبد الملك بن مروان، وأنه بولغ في تحريرها وتحقيقها في خلافة ابنه هشام، فيكون هذا الدرهم من المضروب في أيام تجويد السكة.\nوقد ذكر سيدي العربي الفاسي، وهو ممن يوثق به في مثل ذلك، ويعتمد عليه أنه اختبر الدرهم المذكور، بما قاله الفقهاء فوجده: خمسين وخمسي حبة. بتحقيق كما قالوا،","vol":"1","page":334},{"text":"وقد وزنت عليه درهما عندي صنعته من صفر بمعاينة العدول، واستخرج لي شيخنا سيدي عبد الوهاب، من الدرهم وزن الدينار الشرعي، وهو ممن يرجع إليه في ذلك، وقد ذكر أبو الحسن بن باق الأندلسي في تأليف له، ما يتحقق به المكيال الشرعي على وجه سهل، لا يكاد أن يقع فيه شيء، مع مراعاته اختلاف «١» .\nالرابعة في مكتبتنا كتاب نادر الوجود اسمه: الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة، لم أكن أعرف مؤلفه، حتى ظفرت به في مجموعة «بأبي الجعد» «٢» في دخولي لها الثاني عام ١٣٣٧، بخط ابن أبي القاسم الرباطي شارح العمل، فإذا هو الإمام أبو الحسن علي بن يوسف الحكيم، ورتبه على أبواب.\nالباب الثالث: في المعادن وكيفية توليدها [التنقيب عنها] واستخراجها وتحصيلها ومنفعة كل منهم.\nالباب الرابع: في مقدار ما ينظم فيها من نفيس الأحجار، مع بقاء بهجة الصنعة من غير نقص لذلك.\nالباب الخامس: في أول من ضرب الدينار والدرهم، وأماكن طبعها وضوابط سكتها.\nالباب السادس: في مقدار الدينار والدرهم الخاصين بنا (المغرب) .\nالباب السابع: في التعامل بها صرفا ومراطلة.\nالباب الثامن: فيما يجوز استعماله منها للحمل وغيره.\nالباب التاسع: فيما وعد به سبحانه من الثواب لمنافقها.\nالباب العاشر: في تسمية ما يحدثه المفسدون من غش السكة، ويستفاد من آخر فصل من الباب السادس أن جد مؤلفه علي بن محمد الكومي الحكيم المديوني، كان أمين وناظر دار السكة بفاس، على عهد السلطان أبي يعقوب يوسف بن عبد الحق المريني، وتكلم في الفصل الثاني من الباب الخامس، على أول من ضرب الدراهم وأول من أقام دار الضرب بفاس، وذلك صاحب الدرهم هو أبو عبد الله المهدي القائم بأمر الموحدين. ثم قال: وكان لمدينة فاس (عدوة) القرويين و(عدوة) الأندلس دارا سكة، فنقلها الخليفة أبو عبد الله الناصر بن منصور الموحدي، لدار أعدها بقصبتها، جربناها سنة ستمائة، وأعد بها مودعا للأموال المندفعة بها، ولطوابع سكتها. فانظره فإنه مهم.\nالخامسة: كما ألف في الباب أيضا الحافظ السيوطي رسالة سماها قطع المجادلة في تغيير المعاملة وهي رسالة نفيسة، في نحو كراسة ذكر في أولها أن ابن أبي شيبة أخرج في\n_________\n(١) الكلام هنا ناقص، ولا سبيل إلى إصلاحه بالظن. ولم أجد فيه التتمة الثالثة.\n(٢) أبي الجعد: يبدو أنها اسم مكان.","vol":"1","page":335},{"text":"مصنفه عن كعب أن أول من ضرب الدينار والدرهم آدم ﵇، وذكر في آخرها أثرا يرمي إلى قطع المسكوكات النقدية وهو قوله: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: قرض الدرهم والدينار من الفساد في الأرض اهـ.\nقلت: وهو تقصير من الحافظ السيوطي ﵀ فإن الأثر في موطأ محمد بن الحسن، بوّب عليه بقوله: باب ما يكره من قطع الدرهم والدينار، ثم قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قطع الورق والذهب من الفساد في الأرض. قال محمد: قطع الدراهم والدنانير لغير منفعة اهـ منها.\nوعزا التقي المقريزي في رسالته في النقود الإسلامية، قول ابن المسيب هذا إلى تخريج مسدد، قال: حدثنا خالد بن عبد الله قال: حدثنا مالك عن ابن سعيد به، فذكره وهو في طبقات ابن سعد بلفظ: أنه سئل عن قطع الدراهم فقال: هو من الفساد في الأرض انظر ص ١٠٠ ج ٥.\nوقد اختلف في معنى كلام سعيد فقيل: كما في حاشية أبي الحسنات اللكنوي: مراد محمد من قطعها كسرها وإبطال صورها، وجعلها مصوغا معروف وهو ما مال إليه القاري في شرح الموطأ وقال التقي المقريزي عقب الأثر المذكور: يعني كسرهما اهـ.\nوقال بيري زاده في شرح الموطأ عن ابن الأثير: كانت المعاملات بها في صدر الإسلام عدّا لا وزنا، فكان بعضهم يقصّ أطرافها فنهوا عنه اهـ انظر اللكنوي. وما نقله عن ابن الأثير هو له في النهاية على حديث أبي داود نهى رسول الله ﷺ عن كسر السكة الجائزة بين المسلمين، إلا من بأس يعني الدنانير والدراهم المضروبة، أي لا تكسر أي من أمر يقتضي كسرها، إما لرداءتها أو شك في صحة نقدها، وكره ذلك لما فيه إسم الله، وقيل لأن فيه إضاعة المال، وقيل إنما نهى عن كسرها على أن تعاد تبرا، فأما للنفقة فلا وقيل:\nكانت المعاملة بها في صدر الإسلام عدّا لا وزنا، فكان بعضهم يقص أطرافها فنهوا عنه اهـ من النهاية واختصارها.\nوربما يكون المراد من قطعها استئصالها وعدم المصارفة بها وبأصلها رأسا، كما هو الحال في زماننا هذا في كثير من جهات الكرة الأرضية، بعد الحرب الطاحنة الكبرى، التي عمت العالم والله أعلم.\nالسادسة: ما ذكره السيوطي في أول من ضرب الدرهم والدينار نحوه في المواهب الفتحية، عن شرح الإمام النابلسي، على الطريقة المحمدية: أول من ضرب الدرهم والدينار آدم ﵇، وقال: لا تصح المعيشة إلا بهما اهـ وهو في الحلية لأبي نعيم عن معاوية بن عبد الله الجعبري، عن كعب الأحبار، عزاه لها الحلبي في الدر النفيس، ثم وجدت في مسند أبي حنيفة رواية الحصكفي، أن أبا حنيفة روى عن أبي سلمان قال: أول","vol":"1","page":336},{"text":"من ضرب الدنانير على الذهب تبّع، وأول من ضرب الدراهم تبّع الأصغر، وأول من ضرب الفلوس وأدارها في أيدي الناس نمروذ بن كنعان.\nوفي القاموس: التبابعة ملوك اليمن، الواحد ككسرى، ولا يسمى به إلا إذا كانت له حمير وحضرموت، ودار التبابعة بمكة، ولد فيها النبي ﷺ. وانظر شرح المسند المذكور لابن سلطان ص ٢٧٨.\nوقد أفرد الأوزان والمكاييل والنقود الشرعية بالتأليف جماعة من الأعلام، منهم:\nأبو محمد الحسن بن أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان، له مقالة أملاها سنة ٦٤٧. وأبو محمد عبد الحق بن عطية، وأبو بكر بن خلف الأنصاري، شهر بابن المواق، وأبو العباس بن البنا، وأبو العباس العزفي، له كتاب إثبات ما لابد لمريد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد، والتقي المقريزي «١» المصري، ورسالته مطبوعة والشيخ عبد الرؤوف المناوي، والشيخ مصطفى الذهبي المصري شيخ بعض شيوخنا المصريين، والشيخ عبد القادر الخطيب الطرابلسي المدني، ورسالة الأخيرين أيضا مطبوعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>ذكر أسماء الأكيال المستعملة في عهده ﵇</span>\n«وهي المدّ والصاع والفرق والعرق والوسق. أما المدّ فقد بوّب البخاري عليه بقوله: باب صاع المدينة، ومدّ النبي ﷺ، وبركته، وما توارثه أهل المدينة من ذلك، قرنا بعد قرن. وأما الصاع ففي الموطأ «٢» عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ: فرض زكاة الفطر في رمضان صاعا من تمر، وصاعا من شعير، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين. قال في المشارق: الصاع مكيال لأهل المدينة معلوم، فيه أربعة أمداد بمده ﵇» .\nوفي القاموس: نقلا عن الداودي معيارها الذي لا يختلف: أربع حفنات بكفيّي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين، ولا صغيرهما، إذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبي ﷺ اهـ.\nقال الفيروز آبادي: وجربت ذلك فوجدته صحيحا اهـ وفي لسان العرب: صاع النبي ﷺ الذي في المدينة أربعة أمداد بمدهم المعروف عندهم اهـ.\nفيؤخذ من كلامهم أن الصاع النبوي، كان موجودا إلى زمانهم إن لم يكن بعينه فالمقيس عليه المحقق.\n_________\n(١) أصله من مدينة بعلبك في الشام.\n(٢) انظر كتاب الزكاة ٢٨ ص ٢٨٤.","vol":"1","page":337},{"text":"وفي تنبيه الغافل لأبي محمد عبد الله بن محمد بن مسعود التفجزوتي وهو: أي صاع النبي ﷺ أربعة أمداد بمده ﵇. القباب الصاع: هو كيل مدينة فاس في وقتنا هذا، ورأيت للشيخ أبي القاسم الشاطبي: الصاع مد ممسوح من أمداد غرناطة، ويغرف الإنسان أربع حفنات بكلتي يديه.\nوعن الرجراجي شارح المدونة قال أبو محمد بن أبي زيد: وأحسن ما أخذنا عن المشايخ أن قدر مدّ «١» النبي ﷺ الذي لا يختلف فيه، ولا يعدم في سائر الأمصار أربع حفنات بحفنة الرجل الأوسط، لا بالطويل جدا ولا بالقصير جدا، ليست بمبسوطة الأصابع ولا بمقبوضها «٢» .\nكما أن أهل الحديث ببلاد الهند يتداولون أيضا أمدادا وصيعانا يرجع عيارهم للأمداد المرينية المغربية منها.\nوقد أشار إلى القصد الديني من هذه الإمداد من قال في أبيات وجدتها في كناشة أبي العباس أحمد بن عاشر السلوي الحافي وهي:\nفضائل ما حوى مدّ النبي ... فلا تخفى على فهم الذكي\nنبي وجهه بدر منير ... بدا للناس في ظلم وغي\nفأهدانا وأرشدنا سبيلا ... سبيل الفضل والدين الرضي\nفأول ما استفدنا منه علما ... رويناه عن الهادي السري\nوذلك أن هذا المدّ أعني ... به مد النبي الزمزمي\nفأربعة به في الفطر تجزي ... بحكم الشرع في نص جلي\nوعن كفارة الأيمان عشرا ... إذا أقسمت بالله العلي\nفهذا مستفاد العلم منه ... عظيم القدر مكيال النبي\nكما أن كلمة الأنصاف أن مباحث المكاييل والأوزان والدرهم والدينار من كتاب الخزاعي هنا لم أر أوعب منها ولا أجمع فيما رأيت ممن كتب في المسألة من أهل المشرق والمغرب بحيث لو لم يشتمل كتابه إلا عليها لكان جديرا بالإعتبار، وذلك أنه عقد تحت باب ذكر أسماء الأكيال والأوزان الشرعية عدة فصول أولها في قوله ﵇: الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة. الثاني في معرفة الأوزان في عهده ﵇، معرفة أقدارها وهي عشرة، ثم ترجم للدرهم بسبع مسائل الأولى في ذكر استعماله الثانية هل كان معلوم القدر أم لا؟ الثالثة في معرفة مقداره، الرابعة في الترجيح بين هذين القولين في عدة حبوب الدرهم الخامسة في الدليل على\n_________\n(١) هنا خطأ في النقل فقد ذكر المد والصواب: الصاع.\n(٢) استطرد المؤلف هنا أكثر من ثلاث صفحات مما لا داعي للإطالة فيه فحذفته. مصححه.","vol":"1","page":338},{"text":"استعمالهم حب الشعير في أوزانهم في الجاهلية والإسلام السادسة في معنى تسمية الدرهم بالشرعي، ثم ترجم لذكر الدرهم والمثقال ومعرفة مقداره وللقيراط واستعماله ومقداره والأوقية واستعمالها ومقدارها والنش واستعماله وقدره والنواة واستعمالها ومقدارها والرطل واستعماله ومقداره والقنطار واستعماله ومقداره ثم ترجم لأسماء الأكيال المستعملة في عهده ﵇ وهي المد والصاع والفرق والعرق والوسق وأوسع أيضا في استعمال كل ومقداره فقف عليه أو على اختصاره لكاتبه فإذا ضم ما زدناه عليه هنا لما عنده صح أفراده بمؤلف مستقل لا يكون أفيد منه في الموضوع «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>باب في اتخاذ الإبل والغنم</span>\n«ذكر ابن جماعة في مختصر السيرة له أنه كان لرسول الله ﷺ من النعم: الناقة التي هاجر عليها من مكة، اشتراها من أبي بكر بأربعمائة درهم، وكان له جمل يقال له الثعلب، وغنم يوم بدر جملا مهريا لأبي جهل وكانت له عشرون لقحة بالغابة على بريد من المدينة، من طريق الشام، يراح إليه ﷺ كل ليلة بقربتين من ألبانها، وكانت له خمس عشرة لقحة غزارا، كان يرعاها يسار مولى النبي ﷺ، وكان له سبع لقاح، وكانت لرسول الله ﷺ شياه عديدة منها سبعة أعنز ترعاهن أم أيمن وغيرها عند غيرها.\nوفي العتبية قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب اتخذ إبلا من مال الله يعطيها الناس يحجون عليها، فإذا رجعوا ردوها إليه، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: هذا من النظر الصحيح في مال الله لأن أولى ما صرف فيه مال الله ما يستعان به على أداء فرائض الله، فينبغي للأيمة أن يتأسوا به في ذلك اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>ذكر الوسّام</span>\n«ترجم البخاري «٢» باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده وخرج فيه عن أنس بن مالك قال: غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم، يسم به إبل الصدقة، وفي مسلم «٣» عن أنس يحدث أن أمه حين ولدت، انطلقت بالصبي إلى رسول الله ﷺ ليحنكه قال: فإذا النبي ﷺ في مربد يسم غنما. قال سبعة أو أكثر، علمي أنه قال في آذانها» .\nقلت: وفي ترجمة عكراش بن ذؤيب التميمي من طبقات ابن سعد قال: قدمت على\n_________\n(١) أطال المؤلف ﵀ في موضوع المد والمكيال إطالة بالغة فرأيت اختصارها إلى بضع صفحات فقط وليته نقل كلام العلامة الخزاعي لاختصاره وضبطه وإتقانه لكان أصوب.\n(٢) انظر كتاب الزكاة باب ٦٩ ص ١٣٨/ ٢.\n(٣) انظر كتاب اللباس والزينة باب ٣٠ ص/ ١٦٧٤/ ٢.","vol":"1","page":339},{"text":"النبي ﷺ بإبل الصدقة فأمر بها رسول الله ﷺ أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضم إليها انظر ص ٥٢ من ج ٧ «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>في الحمى يحميه الإمام</span>\n«في الصحيح «٢»، أن النبي ﷺ حمى البقيع، زاد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال: لخيل المسلمين. قال عياض: على عشرين فرسخا من المدينة، وهو صدر وادي العقيق، وهو أخصب واد هناك، وهو ميل في بريد، وفيه شجر ويستجم حتى يغيب فيه الراكب، ومتى ذكر البقيع بالباء دون إضافة فهو هذا، ومن المحدثين من جعله بالنون، والنقيع موضع كان ينقع فيه الماء وبه سمي هذا» .\nوترجم في الإصابة لعياض بن عبد الله الثقفي، فذكر أن البخاري وابن منده أخرجا عن عبد الله بن عياض عن أبيه قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل من بهز بعسل فقال:\nما هذا؟ قال: أهديته لك. فقبله فقال: احم لي بقيعي. قال فحماه له وكتب له كتابا، وفي تاريخ الخميس للديار بكري لما ذكر ما انتقد الطاعنون على سيدنا عثمان قال: الخامس:\nقالوا إنه حمى سوق المدينة في بعض ما كان يباع ويشترى، فقال: لا يشتري منه أحد النوبة حتى يشترى وكيله ويفرغ من شراء ما يحتاج إليه عثمان لعلف أبله، فهذا مما اختلق عليه، وعلى تقدير صحة ذلك يحمل على أنه فعله لإبل الصدقة وألحقه بحمى المرعى لها اهـ.\n_________\n(١) وهنا ينقل المؤلف فتوى غريبة عن البزازية بوسم الخيل في أفخاذها بجملة طويلة فحذفتها.\n(٢) انظر البخاري كتاب المساقاة باب ١١ ص ٧٨/ ٣.","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>القسم الثامن في سائر العمالات وفيه عشر أبواب</span>","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>سائر العمالات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>باب في المنفق على رسول الله ﷺ</span>\n«في مختصر السيرة لابن جماعة: كان بلال المؤذن على نفقات رسول الله ﷺ اهـ وفي سنن أبي داود «١» والبيهقي عن عبد الله الهوزني قال لقيت بلالا بحلب فقلت يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ قال ما كان له شيء وكنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله حتى توفي، وكان ﵇ إذا أتاه الإنسان مسلما يراه عاريا يأمرني فانطلق فأستقرض فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه، وروى ابن المنذر في الأشراف في كتاب النفقات بسنده عن مسروق عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا» .\nوفي ترجمة مروان بن قيس الدوسي، وتقصيره في أمر الغلامين، وأنهما شكيا إلى رسول الله ﷺ فأمر بلالا أن يقوم بنفقتهما.\nوفي ترجمة العباس بن مرداس من طبقات ابن سعد أن النبي ﷺ قال فيه: لأقطعنّ لسانك. وقال لبلال: إذا أمرتك أن تقطع لسانه فاعطه حلة، ثم قال: يا بلال إذهب به فاقطع لسانه، فأخذ بلال بيده ليذهب به، فقال: يا رسول الله أيقطع لساني يا معشر المهاجرين؟ أيقطع لساني يا للمهاجرين؟ أيقطع لساني وبلال يجره، فلما أكثر قال: إنما أمرني أن أكسوك حلة أقطع بها لسانك، فذهب به فأعطاه حلة.\nوفي السيرة الشامية كان بلال يلي أمر النفقة على العيال ومعه حاصل ما يكون من المال اهـ ونحوه في حاشية الشبراملسي على المواهب.\nوترجم في الإصابة لأبي نيزرولد النجاشي فقال: جاء وأسلم وكان مع النبي ﵇ في مؤونته ثم كان مع فاطمة ثم كان مع ولدها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>باب في الوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية</span>\nفي سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول\n_________\n(١) انظر كتاب الخراج والإمارة باب ٣٥ ص ٤٣٩/ ٤.","vol":"1","page":343},{"text":"الله ﷺ فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته [٤/ ٤٨ كتاب الأقضية] .\n«وترجم ابن فتحون في الذيل مروان بن الجذع الأنصاري فقال: كان أمين رسول الله ﷺ على سهمان خيبر (السهمان جمع سهم) وهو النصيب» .\nوقد ترجمه في الإصابة وذكره بذلك ناقلا عن ابن الكلبي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>باب في أمر المصطفى الرجل أن يحبس السبايا والأموال في الغزو</span>\nترجم في الإصابة لمسعود القارّي (بالتشديد من غير همز من القارة) فقال: كان على المغانم يوم خيبر، فأمره رسول الله ﷺ أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة وقال: كذا أورده أبو عمر مختصرا، والذي في جمهرة ابن الكلبي: عمر بن القاري استعمله رسول الله ﷺ على المغانم يوم حنين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>باب في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما يأمره به (من وجوه مصارفه في غير الحضرة)</span>\n«في سيرة ابن إسحاق «١» قصة بعثه ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة، وما أزهق من النفوس هناك، وتألمه ﵇ من ذلك، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي ﵁ حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى إذا لم يبق شيء من درهم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم: علي حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يؤد لكم؟ قالوا: لا فقال: إني أعطيكم هذه البقية من المال احتياطا لرسول الله ﷺ مما لا نعلم، ولا تعلمون ففعل، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فقال: أحسنت وأصبت، وفي سنن أبي داود «٢» عن عبد الله بن عمرو الخزاعي عن أبيه قال: دعاني رسول الله ﷺ، وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان بمكة قبل الفتح فقال: التمس صاحبا الحديث» .\nقلت: ترجم في الإصابة لسعد بن زيد بن مالك الأنصاري، فذكر أنه هو الذي بعثه المصطفى ﵇ بسبايا من بني قريظة، فاشترى بها من نجد خيلا وسلاحا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>باب في انزال الوفد وفيه فصول ولها مقدمة</span>\nقال ابن هشام في سيرته: قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه.\n_________\n(١) انظر سيرة ابن هشام ص ٤٣٠/ ٢.\n(٢) كتاب الأدب ج ٥/ ١٨٤.","vol":"1","page":344},{"text":"حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع وإنها كانت تسمى سنة الوفود قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس، وهاديهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوّخها الإسلام عرف العرب أنهم لا طاقه لهم بحرب رسول الله ﷺ، فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>فصل في اتخاذ الدار لنزول الوفد في زمانه ﵇ (وبنائه ﷺ فيها بنفسه)</span>\nفي الوفاء للسيد السمهودي ص ٥٥٥ من ج ١ ذكر ابن شبة في دور بني زهرة: أن من دور عبد الرحمن بن عوف التي اتخذها الدار التي يقال لها الدار الكبرى، دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وإنما سميت بالدار الكبرى، لأنها أول دار بناها أحد المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيوف رسول الله ﷺ، فكانت تسمى أيضا دار الضيفان، فسرق فيها بعض الضيفان، فشكى ذلك عبد الرحمن إلى رسول الله ﷺ، وقد بنى ﵇ فيها بيده فيما زعم الأعرج اهـ منها واختصر ذلك السمهودي في خلاصة الوفا راجع ص ١٨٧ منها.\n«ذكر أبو الربيع الكلاعي في الاكتفاء عن الواقدي، أن حبيب بن عمرو كان يحدث قال: قدمت وفد سلامان على رسول الله ﷺ ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد، فصادفنا رسول الله ﷺ خارجا منه، إلى جنازة دعي لها، فلما رأيناه قلنا: يا رسول الله السلام. فقال رسول الله: وعليكم السلام من أنتم؟ قلنا: قوم من سلامان قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد، فخرج ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار واسعة وفيها نخل، وفيها وفود من العرب، وإذا هي دار رملة بنت الحارث النجارية. وساق الحديث» .\nوقد ترجم في الإصابة لحبيب بن عمرو المذكور، وأورد قصته هذه وساق سند الواقدي فيها، وأفاد أن قدومه كان في شوال سنة عشر من الهجرة، وذكر ابن إسحاق أيضا في خبر بني قريظة، أنه لما حكم فيهم سعد بن معاذ حبسوا في دار رملة بنت الحارث النجارية، وذكر ابن فتحون أنه نزل فيها وفد تميم عيينة بن حصن ومن معه.\nوذكر الطبري أنه نزل عندها أيضا وفد بني كلاب وهم ثلاثة عشر رجلا.\nوترجم في الإصابة للحارث بن عوف المزني المشهور من فرسان الجاهلية، فذكر عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: قدم وفد بني مرة ثلاثة عشر رجلا رئيسهم الحارث بن عوف، وذلك منصرف رسول الله ﷺ من تبوك، فنزلوا بدار بنت الحارث الخ.","vol":"1","page":345},{"text":"وذكر في طبقات ابن سعد لدى كلامه على وفد بني حنيفة، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وأجريت عليهم ضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء. مرة خبزا ولحما ومرة خبزا ولبنا ومرة خبزا وسمنا.\nوفي المواهب: وقدوم الوفد المذكور، وفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة الكذاب، فكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار، من بني النجار. قال الزرقاني: منزلهم بفتح الميم والزاي مصدر ميمي أي نزولهم مضاف لفاعله، ويجوز ضم الميم مع فتح الزاي أيضا من إضافة المصدر لمفعوله فيفيد أن النبي أو أحد أصحابه أمر بإنزالهم.\nوقد ضبط البرهان الزاي بالفتح وسكت عن الميم فيشمل الضبطين، وإن كسر الزاي مع فتح الميم اسم للموضع، فكأنه ليس مرادا هنا لإيهامه موضعا معينا من الدار مع أن المراد مجرد النزول دون تعيين محل، وقوله: في دار امرأة من الأنصار من بني النجار، هي كما قال الحافظ رملة بنت الحدث بدال بعد الحاء المهملة لابراء قبلها ألف كما عند ابن سعيد وغيره، والحدث هو ابن ثعلبة بن الحدث بن زيد الأنصارية، كانت دارها دار الوفود، وهي صحابية زوجة معاذ بن عفراء. انظر الفتح ومقدمته، والرد على السهيلي في زعمه خلاف ذلك وما سبق عن الزرقاني من أنها رملة بنت الحدث بالدال ربما ينافي ما سبق مكررا من أنها بنت الحارث بالراء وقد ذكر في الإصابة والدها بالوجهين راجع ترجمتها في ص ٨٤ من جزء النساء.\nوقد جرى على ذلك سيدنا عمر فإنه أقام في خلافته دور الضيافة، وأدار عليها الأرزاق وجعل فيها الدقيق والسويق والتمر، وما يحتاج إليه، يعين به المنقطع. ووضع فيما بين مكة والمدينة في الطريق ما يصلح من ينقطع به، وفعل مثل ذلك بين الشام والحجاز انظر سيرته ﵁.\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>فصل في انزال الوفد في قبة ضربت لهم في زمانه ﵇</span>\n«قال ابن إسحاق في السيرة: قدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وذكر حديث قدومهم، وفيه: ولما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، كما يزعمون، فكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ.\nساق قصة هؤلاء في الإصابة في ترجمة سعيد بن رفاعة الثقفي، وعزاها لابن منده، وفيها أيضا في ترجمة علقمة بن سفيان عن تخريج يونس بن بكير في زيادات المغازي عن علقمة قال: كنت في الوفد من ثقيف، فضربت لنا قبة فكان بلال يأتينا بفطرنا من عند النبي ﷺ، وقال: أخرجه البغوي والطبراني من طريق يونس. قال الزرقاني في باب الوفود من شرح المواهب، على قوله: ضرب عليهم قبة، أي خيمة في ناحية المسجد، لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>فصل في انزال الوفد عند بعض أصحاب رسول الله ﷺ</span>\n«روى قاسم [بن ثابت السرقسطي] في الدلائل عن أوس بن حذيفة قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فنزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قبة، فكان يأتينا كل ليلة ونحوه في سنن أبي داود «١» .\nوعزاه الحافظ الشامي في سيرته لابن أبي خيثمة عن يحيى بن عبد الله بن أوس عن جده.\nوفي طبقات ابن سعد أن وفد ثقيف نزل من كان منهم من الأحلاف على المغيرة بن شبعة فأكرمهم، وضرب النبي ﷺ لمن كان فيهم من بني مالك قبة في المسجد، فكان رسول الله ﷺ يأتيهم كل ليلة بعد العشاء، فيقف عليهم ويحدثهم، حتى يراوح بين قدميه ويشكو قريشا، ويذكر الحرب التي كانت بينه وبينهم.\nوذكر في الطبقات أيضا في ترجمة عبد القيس أن وفد عبد القيس أناخوا رحالهم على باب رملة بنت الحدث، وكذلك كان الوفد يصنعون، فكانت ضيافة رسول الله ﷺ عليهم تجري عشرة أيام، وذكر في الإصابة قصة قدوم وفد نجران وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم نصارى، فأنزلهم ﵇ دار أبي أيوب الأنصاري.\nوترجم فيها أيضا لعبد الرحمن بن أبي مالك الهمذاني، فذكر أنه قدم على النبي ﷺ، وأنزله على يزيد بن أبي سفيان.\nوترجم فيها أيضا لقيس بن عاصم أحد دهاة العرب فذكر قصة وروده على النبي ﷺ وإسلامه، فسأله النعمان بن مقرن فقال: يا رسول الله إيذن لي أن يكون منزله على أمي.\nقال: نعم.\nوفي ترجمة يزيد بن عبيد السلمي من الإصابة أن ابن شاهين خرّج في الصحابة: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة، فيهم خارجة بن حصين، والحارث بن قيس، وهو أصغرهم فنزلوا في دار رملة بنت الحرث، وهذا مرسل.\nوفي ترجمة أبي صفرة الأزدي من الإصابة ما يدل على أن أبا بكر في أيام خلافته، كان ينزل الوفود في هذه الدار أيضا.\nوترجم فيها أيضا لأم شريك فذكر أنه وقع في صحيح مسلم، وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله تعالى، ينزل عليها الضيفان.\nوفي طبقات ابن سعد أن يحنه بن رؤبة ملك أيلة لما أقبل مع أهل الشام واليمن والبحر على رسول الله ﷺ، أمر بإنزاله عند بلال.\n_________\n(١) انظر كتاب شهر رمضان باب ٩ ص ١١٤/ ٢.","vol":"1","page":347},{"text":"وفي در السحابة حين ترجم لعثمان بن قيس بن أبي العاص التميمي فقال عنه: هو أول قاض بمصر، وكان شريفا سريا قال في: مرآة الزمان هو أول من بني بمصر دارا للضيافة للناس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>فصل في ذكر من ولي النظر في أمر الوفود في زمنه ﵇</span>\n«قد تقدم قبل أن خالد بن سعيد بن العاص كان يمشي بين وفد ثقيف وبين رسول الله ﷺ» .\nقلت: وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عنده ﷺ، حتى يأكل منه خالد. نقله الزرقاني في شرحه على المواهب. وفيه أيضا نقلا عن ابن إسحاق: أن بلالا كان يأتيهم بفطرهم وسحورهم، في الأيام التي صاموها مع رسول الله ﷺ من رمضان، وأن النبي ﵇ أمر ثوبان غلامه بإنزال وفد بني سلامان في الدار التي ينزلها الوفود.\nوفي طبقات بن سعد لدى كلامه على وفد تجيب؛ أن النبي ﷺ رحّب بهم وأكرم منزلهم وحباهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم، وأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفد. وفيها أيضا أن وائل بن حجر القيل أحد ملوك اليمن «١»، لما ورد على النبي ﷺ مسلما أمر ﷺ معاوية أن ينزله فأنزله منزلا بالحيرة «٢» ووقعت له معه قصة عجيبة، انظرها في الطبقات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>أمره ﵇ بالزاد للوفود</span>\nروى البيهقي عن النعمان بن مقرن المزني قال: قدمنا على رسول الله ﷺ أربعمائة رجل، فلما أردنا أن ننصرف قال: يا عمر زوّد القوم قال: ما عندي إلا شيء من تمر، ما أظنه يقع من القوم موقعا. قال: انطلق فزوّدهم، فانطلق بهم فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية (بكسر العين وضمها غرفة) فلما دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق (ما في لونه بياض إلى سواد وهو أطيب الإبل) فأخذ القوم منه حاجتهم، قال النعمان: وكنت في آخر من خرج، فنظرت وما أفقد موضع تمرة من مكانها، معجزة نبوية انظر ص ٤٣ من شرح المواهب في سفر الوفود.\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>جوائزه ﵇ للوفود</span>\nبوّب البخاري «٣» في كتاب الجهاد باب: جوائز الوفود، وخرّج عن ابن عباس:\nأوصى النبي ﷺ عند موته بثلاث: منها؛ وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم اهـ.\nوفي طبقات ابن سعد أجاز رسول فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر على عمان باثني عشر أوقية ونش، قال: وذلك خمسمائة درهم انظر ص ١٨ ج ١ من القسم الثان.\n_________\n(١) ترجمه في الإصابة ص ٦٢٨/ ٣.\n(٢) كذا في الأصل.\n(٣) كتاب الجهاد باب ١٧٥ ج ٤/ ٣١.","vol":"1","page":348},{"text":"وفيها أيضا أن وفد تميم لما وردوا على رسول الله أمر لهم بالجوائز، كما كان يجيز الوفد، وذكر أن امرأة من بني النجار قالت: أنا أنظر إلى الوفد يومئذ يأخذون جوائزهم عند بلال ثنتي عشرة أوقية ونشا، قلت: وقد رأيت غلاما أعطاه يومئذ، وهو أصغرهم خمس أواق يعني عمرو بن الأهتم.\nوفيها أيضا: أن وفد عبد القيس لما قدموا عليه ﵇، أمر لهم بجوائز وفضل عليهم عبد الله الأشج، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشا.\nوفي المواهب: أن وفد بهراء وهم قبيلة من قضاعة، وكانوا ثلاثة عشر رجلا أقاموا أياما، ثم ودعوا رسول الله ﷺ، فأمر لهم بجوائز، قال الزرقاني: لم يبين قدرها اهـ.\nوفي المواهب أيضا أن وفد غسان وكانوا ثلاثة عشر نفرا فأسلموا، وأجازهم ﵇ بجوائز، وانصرفوا وذكر فيها أيضا وفد سلامان بطن من قضاعة، كانوا سبعة نفر، فأمر لهم بالجوائز. ذكر الزرقاني، فأعطيت خمس أواقي فضة لكل رجل منها، واعتذر إلينا بلال وقال: ليس عنده مال اليوم، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه.\nوترجم فيها أيضا لوفد عامر بطن من الأزد باليمن، وكانوا عشرة، فأقروا بالإسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام، وأمر أبيّ بن كعب أن يعلمهم القرآن، وأجازهم ﵇، قال الزرقاني: كما كان يجيز الوفود، وهو تشبيه في أصل الجائزة، لأنه لم يكن له جائزة مخصوصة، وإنما يدفع ما اتفق وجوده وهو يتفاوت قلة وكثرة، فقد أجاز بخمس أواق وبعشر وباثني عشر، وبأزيد هـ.\nوفي طبقات ابن سعد لدى الكلام على وفد بني حنيفة: فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أمر لهم النبي ﷺ بجوائزهم، خمس أواق لكل رجل، فقالوا: يا رسول الله إنا خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له بمثل ما أمر به لأصحابه، وقال: ليس بشركم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم، وكان الرجل المذكور مسيلمة الكذاب.\nوفي الطبقات أيضا لدى ترجمة أشجّ عبد القيس وأمره ﵇ للوفد بالجوائز، وفضل عليهم عبد الله الأشج، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشا وكان ذلك أكثر ما كان رسول الله ﷺ يجيز به الوفد، وانظر السبل للحافظ الشامي ﵀.\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>باب تجمله ﵇ للوفود وأجازتهم</span>\nأخرج أبو نعيم والواقدي عن جندب بن مكيث الجهني أن النبي ﷺ، كان إذا قدم عليه الوفد لبس أحسن ثيابه وأمر أصحابه بذلك، فرأيته وفد عليه وفد كندة وعليه حلة يمانية، وعلى أبي بكر وعمر مثله ساقه ابن الهندي في الكنز في الوفود، وهو في طبقات ابن سعد في ترجمة: جندب بن مكيث، ولمحمد بن عمر الأسلمي شيخ ابن سعد كتاب","vol":"1","page":349},{"text":"الوفود قال الحافظ الشامي في سيرته: وفيه فوائد لم يلم بها ابن سعد اهـ وانظر ترجمة علقمة بن سفيان من الإصابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>باب في الخانات (الفنادق) لنزول المسافرين</span>\nقد استنبط بعضهم ذكر الخانات من قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [النور: ٢٩] ذكره غير واحد منهم الروضي في شرح الأنموذج.\nوفي طبقات ابن سعد: واتخذ عمر دار الرقيق، وقال بعضهم: الدقيق، فجعل فيها الدقيق والسويق، والتمر والزبيب، وما يحتاج إليه يعين به المنقطع والضيف ينزل بعمر، ووضع عمر في طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح من يقطع به، ويحمل من ماء إلى ماء اهـ ص ٢٠٣ ج ٣.\nوفيها أيضا أن عمر استأذنه أهل الطريق يبنون ما بين مكة والمدينة فأذن لهم وقال:\nابن السبيل أحق بالماء والظل اهـ ص ٢٢٠ ج ٣.\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>باب في المارستان (دار المرضى والمستشفى اليوم) وقيام النساء (الصحابيات به في زمنه ﵇)</span>\nقال الجوهري في الصحاح: المارستان «١» بيت المرضى معرب عن ابن السكيت. قال زاهد العلماء أبو سعيد نصر بن عيسى: أول من اخترع المارستان وأوجده بقراط، وذلك أنه عمل بالقرب من داره من بستان كان له موضعا مفردا للمرضى وجعل فيه خدما يقومون بمداواتهم.\n«في صحيح مسلم عن عائشة «٢» أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش فضرب رسول الله ﷺ في المسجد خيمة يعوده من قريب، وقال ابن إسحاق في السيرة:\nكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها: رفيدة في مسجده ﵇، كانت تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كان فيه ضيعة من المسلمين» .\nفهذا أوسع ما علمنا عن المستشفيات في حياته ﵇. «وأول من بني المارستان من ملوك الإسلام الوليد بن عبد الملك سنة ٨٨ هـ وجعل فيه الأطباء، وأجرى فيها الإنفاق «٣»، وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا وأجرى عليهم الأرزاق وعلى العميان.\nقلت: ولا شك أن معنى ذلك أن الوليد هو أول من اجتهد في توسعته وزخرفته،\n_________\n(١) الصحيح هو البيمارستان. معرب عن الفارسية.\n(٢) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب ٧٧/ ج ١/ ١١٩؛ ومسلم في كتاب الجهاد باب ٢٢ ص ١٣٨٩/ ٢.\n(٣) الأنفاق هكذا وجدتها في كتاب التخريج للخزاعي ص ٦٦٤ ومعناها: النفقات.","vol":"1","page":350},{"text":"والقيام بما يلزم له على حسب سعة الحال والمال في زمنه، وإلا ففي الإصابة: رفيدة الأنصارية أو الأسلمية ذكرها ابن إسحاق في قصة سعد بن معاذ، لما أصابه السهم بالخندق، فقال رسول الله ﷺ: اجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد، حتى أعوده من قريب، وكانت أمرأة تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على من كانت به ضيغة من المسلمين.\nوقال البخاري في الأدب المفرد: حدثنا أبو نعيم حدثنا ابن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: ولما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فقيل: حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، وكان رسول الله ﷺ إذا مر به يقول:\nكيف أصبحت كيف أمسيت فيخبره.\nوأورده في التاريخ في قصة وفاة سعد وسنده صحيح، وأورده المستغفري من طريق البخاري، وأبو موسى من طريق المستغفري اهـ.\nوفي الإصابة أيضا في حرف الكاف كعيبة بنت سعيد الأسلمية فذكرها بنحو ذلك، وكانت أخت رفيدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>باب في الطبيب</span>\n«ذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن هشام بن عروة قال عروة لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من علمك بالشعر، وأنت ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس ولكن أعجب من علمك بالطب، فضربته على منكبه وقالت: إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره، فكانت تقدم إليه وفود العرب من كل وجه، فينعت لهم الإنعات فكنت أعالجه فمن ثمّ» .\nوفي ترجمتها من الإصابة قال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. (وفي الأحكام النبوية لأبي الحسن بن طرخان الحموي، أن النبي ﷺ: كان يديم التطبب في حال صحته ومرضه، أما في صحته فباستعمال التدبير الحافظ لها من الرياضة وقلة المتناول، وأكله الرطب بالقثاء، والرطب بالبطيخ ويقول: يدفع حرّ هذا برد هذا وبرد هذا حرّ هذا. وإكحال عينيه بالأثمد كل ليلة عند النوم، وتأخير صلاة الظهر في زمن الحر القوي، ويقول: أبردوا بها. وأما تداويه في حال مرضه فثابت بما روي من ذلك في الأخبار الصحيحة منها من عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ كثرت أسقامه، وكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم، فيصفون له فنعالجه.\nوعنها قالت: إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات فكنت أعالجه بها.\nفثبت حينئذ ما ذكرناه من تداوي رسول الله ﷺ ومداومة تطببه في حال صحته ومرضه، وأمر بالمداواة في عدة أحاديث صحيحة اهـ.","vol":"1","page":351},{"text":"وفي المواهب كان رسول الله ﷺ يراعى صفات الأطعمة وطبائعها، ويراعي استعمالها على قاعدة الطب، فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى تحسين وتعديل لحرارته كسره وعدله، وهذا أصل كبير في المركبات والأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من غير إسراف اهـ.\nوفي آخر الجيش العرمرم الخماسي لأبي عبد الله أكنسوس المراكشي: شرع سيد المتوكلين التداوي، وكان يستعمله في نفسه ويأمر به غيره، حتى قيل: إن القدر التي تطبخ فيها أدويته ﵇ لا تكاد تنزل عن النار اهـ منه.\nوفي سنن أبي داود «١» عن سعد وهو ابن أبي وقاص قال: مرضت فأتاني النبي ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها في فؤادي، فقال إنك مفؤود أي مريض بفؤادك، ائت الحرث بن كلدة أخا ثقيف، فإنه رجل يتطبب أي يعرف الطب مطلقا، أو هذا النوع من المرض، فيكون مخصوصا بالمهارة والحذاقة. قاله شارح السنن.\nقال الحافظ الذهبي في التجريد، لما ترجم للحرث: قيل إنه عالج سعدا في حجة الوداع، وكان النبي ﷺ فيما ذكره ابن سعد بلا سند يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيسأله عن علته اهـ وقع ذلك في طبقات ابن سعد ص ٣٧٢ ج ٥.\nوقال ابن طرخان بعد أن ذكر قصة أكل الحارث بن كلدة مع أبي بكر، وقوله له:\nأكلنا سم سنة وإنهما ماتا في يوم واحد. وكان الحارث بن كلدة طبيبا من أفاضل أطباء العرب من أهل الطائف، رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل تلك الديار، ومن أهل جندي سابور وغيرها في الجاهلية، وأجاد في هذه الصناعة، وطبّ بأرض فارس وحصل له بذلك مال كثير، وشهد من رآه ببلد فارس بعلمه وشاع اسمه بينهم، ثم رجع إلى بلاده واشتهر طبه بين العرب، وأدرك الإسلام وكان رسول الله ﷺ يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيستوصفه اهـ.\nوقال ابن القيم في الهدى النبوي: عن الحارث المذكور أنه طبيب العرب. بل أطبهم. وكان فيهم كإبقراط في قومه اهـ.\nوأخرج ابن منده من طريق اسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال: مرض سعد فعاده النبي ﷺ فقال: إني لأرجو أن يشفيك الله، ثم قال للحارث بن كلدة: عالج سعدا.\nقال ابن سعد: لا يصح إسلام الحرث قال ابن عبد البر في الاستيعاب: فدل ذلك على أنه جائز أن يشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله اهـ.\nونقله الحافظ المنذري في اختصار السنن، والوزير أبو الحسن بن يوسف القفطي في\n_________\n(١) كتاب الطب ٤/ ٢٠٧ باب في تمرة العجوة.","vol":"1","page":352},{"text":"أخبار الحكماء، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وابن باديس في شرح المختصر، والخزاعي هنا وجماعة من الأيمة وأقروه.\nقال الحافظ في الإصابة: وهذا يدل على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب اهـ.\nوقد نقل عبارة الإصابة هذه النور على الشبراملسي في حواشي المواهب، بواسطة شيخه الشمس الشوبري الشافعي، ولكن عقبها بما نصه: أقول وفيه أنه مناف لما نص عليه الأئمة أنه لا يجوز التطبب بأهل الذمة إلا أن يقال: المنهي عنه تقليدهم في ذكر الدواء والعمل به، وهاهنا وقع الوصف من النبي ﷺ وإنما طلب الاستعانة به في تركيبه اهـ.\nوفي مسند أحمد ما هو كالصريح في الباب؛ وهو ما خرجه عن عروة بن الزبير عن خالته عائشة الصديقة قالت: إن النبي ﷺ كثرت أسقامه، فكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم، فيصفون له فنعالجه، هكذا عزاه إليه الشمس السفاريني في غذاء الألباب ص ٣٩٢ من ج ١.\nوفي طبقات ابن سعد عن عائشة: كان رسول الله ﷺ رجلا مسقاما، وكانت العرب تنعت له فيتداوى بما تنعت له العرب، وكانت العجم تنعت له فيتداوى اهـ ص ١١٦ ج ١ من القسم ٢.\nوتقدم عن الأحكام النبوية لابن طرخان أن قول عائشة هذا روي بأسانيد صحيحة، وقال في محل آخر بعد أن كرره: فيدل على أن النبي ﷺ كان يديم الطب.\nولا شك أن العجم إذ ذاك أو أغلبهم كفار، ومع ذلك كان يستوصفهم ﵇ بعد حصول الثقة بمن يثق به منهم إذ ذاك، واستفدنا من الحديث المذكور أن الأطباء من العجم كانوا يقدمون عليه ﵇.\nوانظر هل كانوا يردون عليه من قبل أنفسهم أو بطلب أو لغرض كسفارة مثلا والعبارة واسعة.\nولما عرف عياض في المدارك بالشيخ أبي إسحاق الجنبياني قال: قال أبو يحيى القابسي: لما خرجنا من عنده هربت من يد صبي دابة كان يمسكها لنا، فقلت أعطيتموها لصبي لا يقوم بها فضاعت، فقال لي أبو إسحاق: اغتبته فقلت له وصفته بحاله. وفي السنة ما يبيح ذلك وهو قوله ﵇ للتي شاورته في النكاح: أما أبوجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فرجل صعلوك لا مال له فقال لي: لا حجة فيها لأن المستشار مؤتمن، وأيضا إنما شاورته في أنه يدخلها في النكاح أو يصرفها عنه، ومسألتنا ليست كذلك بل في السنة وإن النبي ﷺ أتاه طبيبان، وكانا نصرانيين فلما خرجا قال: لولا أن تكون غيبة لأخبرتكم أيهما أطب. قال أبو الحسن: ولم أكن أعرف أنهما نصرانيان قبل ذلك اهـ.\nقال ابن عرفة في تفسيره لدى قوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا إثر هذه القصة: يحتمل","vol":"1","page":353},{"text":"أن يكون معنى الحديث في الطبيبين أنهما استويا في القدر المجزي منهما المحصل للغرض، وزاد أحدهما بأمور تكميلية لا يضر تركها، ولا ينقص من معرفة العلاج والمعاناة، فزاد بمعرفة الطبيعيات فحينئذ يكون تفضيل أحدهما على الآخر غيبة، وأما حيث يكون المرجوح منهما لا يحصل المقصود منه في التطبب؛ فالظاهر أن التعريف بذلك ليس غيبة اهـ منه. فاستفيد من القصة ذكر عياض عن القابسي قصة الطبيبين النصرانيين وحضور المصطفى ﵇ معهما.\nوقد أخرج ابن سعد في ترجمة معيقيب الدوسي من الطبقات: عن محمود بن لبيد في قصة الأكل مع المجذوم. وفيها: وكان عمر يطلب الطب من كل من سمع له تطبب، والقصة مبسوطة في كنز العمال ص ١٩١ من ج ٥.\nوخرّج مالك وابن أبي شيبة وابن جرير، والخرائطي في مكارم الأخلاق، والبيهقي عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ترقيها.\nفقال أبو بكر أرقيها بكتاب الله ﷿.\nوأخرج ابن جرير عن عمرة أن عائشة كانت ترقيها يهودية، فدخل عليها أبو بكر ﵁ وكان يكره الرقي فقال: ارقيها بكتاب الله.\nوقد عقد فصلا للتطبب بالكافر والذمي الإمام ابن مفلح الحنبلي في كتابه المسمى «الآداب الشرعية الكبرى» فنقل فيه عن الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عدلا جاز له أن يتطبب، كما يجوز له أن يودعه المال، وأن يعامله كما قال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران:\n٧٥] وفي الصحيح: أن النبي ﷺ لما هاجر استأجر رجلا يهوديا خريتا، والخرّيت الماهر بالهداية واستأمنه وأتمنه على نفسه وماله، وكانت خزاعة عيبة [أي وفية] لرسول الله ﷺ مسلمهم وكافرهم وقد روي أن النبي ﷺ أمر أن يستطب الحارث بن كلدة، وكان كافرا وإذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكيل أو استطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهودي والنصراني المنهي عنها، وإذا جاز طبه ومخاطبته بالتي هي أحسن كان حسنا قال تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦] اهـ كلامه.\nوقال الخطابي على حديث صلح الحديبية، وبعث النبي ﷺ عينا له من خزاعة وقبوله خبره، فيه دليل على جواز قبول المتطبب الكافر فيما يخبر به عن صفة العلة، ووجه العلاج إذا كان غير متهم بما يصفه، وكان غير مظنون به الريبة اهـ.\nوفي بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم، في استيئجار النبي ﷺ عبد الله بن أريقط الدؤلي هاديا في وقت الهجرة وهو كافر، دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل","vol":"1","page":354},{"text":"والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولايته تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة اهـ.\nوذكر ابن مفلح مثال ما ذكر عن المروزي: أدخلت على أبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل نصرانيا فجعل يصف، وأمر عبد الله بكتب ما وصفه ثم أمرني فاشتريته له اهـ من كتاب الآداب الكبرى وما أجمعه وأوسعه من كتاب.\nوقد ترجم ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء جماعة من أطباء النصارى من أهل القرن الأول الهجري؛ كان معاوية ومن بعده من ملوك الإسلام يتطببون بهم، فترجم لطبيب اسمه أبو الحكم فقال فيه: كان طبيبا نصرانيا عالما بأنواع العلاج، وله أعمال مذكورة.\nوكان يستطبه معاوية بن أبي سفيان، ويعتمد عليه في تركيب الأدوية لأغراض قصدها منه.\nوترجم فيها أيضا لابن أثال فقال: كان طبيبا متقدما من الأطباء الممتازين في دمشق نصراني المذهب. ولما ملك معاوية دمشق اصطفاه لنفسه وأحسن إليه، وكان كثير الاعتناء به والاعتقاد فيه، والمحادثة معه ليلا ونهارا. وكان ابن أثال خبيرا بالأدوية المفردة والمركبة وقواها، وما فيها من مسموم قاتل، وكان معاوية يقربه لذلك كثيرا. انظر عيون الأنباء وإلى هذه المسألة أشار أيضا الإمام محمد بن عبد القوي المرداوي الحنبلي في منظومته في الآداب فقال:\nومكروه استئماننا أهل ذمة ... لاحراز مال أو لقسمته اشهد\nومكروه استطبابهم لا ضرورة ... وما ركّبوه من دواء موصد\nقال السفاريني في شرحها على قوله: لا ضرورة لا يكره إستطباب أهل الذمة ضرورة أي لاجل الضرورة، لأن الحاجة داعية إليه ولأن إدخال الضرر من إستطبابهم متوهم، والعلة معلومة فلا يمنع من إتخاذ ما يزيل المعلوم من الضرر بخوف إدخال ضرر متوهم اهـ ثم نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق بواسطة ابن مفلح، وانظر شرح العارف النابلسي على الطريقة المحمدية ص ٢٣٦ الجزء الأول.\n«وفي الطبقات لابن جلجل وذكر أبا رمثة رفاعة فقال كان طبيبا على عهد رسول الله ﷺ، عالما بصناعة اليد وفي سنن أبي داود «١» عن جابر قال: بعث النبي ﷺ إلى أبيّ بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا اهـ وتقدم قول ابن إسحاق في رفيدة الأسلمية وأنها كانت تداوي الجرحي، وتحتسب نفسها على خدمة من كانت فيه ضيعة من المسلمين» .\nوترجم في الإصابة للشمردل بن قباب الكعبي النجراني فذكر عن الخطيب في المتفق أنه كان يتطبب، وأن المصطفى ﵇ ذاكره في مسائل طبية. وأخيرا قبّل الشمردل\n_________\n(١) كتاب الطب باب ٦ ج ٤/ ١٩٧.","vol":"1","page":355},{"text":"المذكور ركبة النبي ﷺ وقال: والذي بعثك بالحق أنت أعلم بالطب مني. قال الخطيب:\nفي إسناده نظر، وقال ابن الجوزي: في روايته مجاهيل.\nوترجم فيها لضماد بن ثعلبة الأزدي فقال: كان ضماد صديقا للنبي ﷺ، وكان عاقلا يتطبب ويرقي، وذكره بذلك أيضا ابن عبد البر في الإستيعاب.\nوقد عقد ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء بابا فقال: الباب السابع: في طبقات الأطباء الذين كانوا في أول ظهور الإسلام من أطباء العرب وغيرهم، فترجم فيها للحرث بن كلدة، وولده النضر بن الحرث، وابن أبي رمثة التميمي، فقال في الأخير: كان طبيبا على عهد رسول الله ﷺ مزاولا أعمال اليد أبي رمثة قال: أتيت النبي ﷺ فرأيت بين كتفيه الخاتم وذكر قصة فقال له النبي ﷺ: أنت رفيق والطبيب الله. قال سلمان بن حسان: علم رسول الله ﷺ أنه رفيق اليد ولم يكن فائقا في العلم، فبان ذلك من قوله الطبيب الله اهـ.\nفائدة: عرفت الحقنة في الصدر الأول، فقد أخرج أبو نعيم عن سعيد بن أيمن أن رجلا كان به وجع، فنعت له الناس الحقنة. فسأل عمر بن الخطاب عنه فزجره، فلما غلبه الوجع احتقن فبرىء من وجعه ذلك، فرآه عمر فسأله عن برئه فقال: احتقنت فقال عمر:\nإن عاد لك فعد لها، يعني احتقن. ساقه ابن الهندي في الكنز في كتاب الطب؛ فبوّب عليه الحقنة فأفاد ما يدل على أن العرب عوفوا الحقنة.\nوفي طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة: أن كسرى سأل الحارث بن كلدة طبيب العرب قال له: أتأمر لي بالحقنة. قال: نعم، قرأت في بعض كتب الحكماء أن الحقنة تنقي الجوف وتكسح الأدواء عنه، والعجب ممن احتقن كيف يهرم اهـ انظر ص ١١١ من الجزء الأول. وبذلك تعلم ما ذكره الحطّاب ونقله عنه الشيخ عليش في فتاويه ص ٢٤٦ الجزء الأول؛ من أن العرب كانت لا تعرف الحقنة وأنها من فعل العجم.\nوسئل مالك في مختصر ابن عبد الحكم عن الحقنة فقال: لا بأس بها «١» . الإبهري إنما قال ذلك لأنها ضرب من الدواء وفيها منفعة للناس، وقد أباح النبي ﷺ التداوي الخ انظر التوضيح.\nوفي تاريخ الخميس للديار بكري إن أول من لبس التبان تحت ثيابه لأجل الفتق عمار بن ياسر لما ضرب، فيؤخذ منه أن حمل الفتق على ما يقرب من الحال الآن عرفه الصحابة. ومما يدل على أهتمام الصحابة بالطب والعلاج ما أخرجه ابن جرير عن أم جميلة أنها دخلت على عائشة فقالت لها: إنّي امرأة أداوي من الكلف من الوجه، وقد تألمت منه فأردت تركه فما تأمرين فقالت لها عائشة: لقد كنا في زمن النبي ﷺ لو أن إحدانا كانت إحدى عينيها أحسن من الآخرى فقيل لها: إنزعيها وحوّليها مكان الآخرى، وانزعي\n_________\n(١) في الكلام نقص.","vol":"1","page":356},{"text":"الآخرى فحوليها مكانها ثم ظنت أن ذلك يسوغ لها ما رأينا به بأسا، فإذا زاولت فزاوليها، وهي لا تصلح ساقه ابن الهندي أول كتاب الطب من الكنز.\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>باب في قاطع العروق</span>\n«تقدم عن جابر قوله: بعث النبي ﷺ إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا، وعن ابن جلجل إن أبا رمثة كان عالما بصناعة اليد» العرق بكسر العين وسكون الراء من الحيوان الأجوف الذي يكون فيه الدم والعصب غير الأجوف قاله في النهاية، وقد استدل بحديث جابر هذا أن الطبيب يداوي بما ترجح عنده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>باب في الكي</span>\n«في صحيح مسلم «١» عن جابر قال: بعث البني ﷺ إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه عليه» .\nترجم في الإصابة أسعد بن زرارة فذكر عن عبد الرزاق أن النبي ﷺ دخل على أسعد ابن زرارة، وكان أحد النقباء ليلته، وقد أخذته الشوكة فكواه. وفي سنن أبي داود عن جابر أن النبي ﷺ كوى سعد بن معاذ من رميته، والمعنى أن الجراحة التي أصابت سعدا من أجل العدو الرامي له في أكحله كواها له النبي ﷺ، وفي مسلم: رمي سعد بن معاذ في أكحله قال: فحسمه النبي ﷺ بيده بمشقص، ثم ورمت فحسمه الثانية، وأخرج ابن ماجه أن رسول الله ﷺ كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين وأخرج ابن سعد في الطبقات عن أنس أن أبا طلحة اكتوى وكوى أنسا من اللقوة.\nوأخرج الحاكم وصححه والطحاوي عن أنس قال: كواني أبو طلحة في زمنه ﵇، وأصله في البخاري. وأنه كوى من ذوات الجنب. وعند الترمذي أنه ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في أثر صحيح أنه ﷺ إكتوى إلا القرطبي نسب إلى الطبري أنه ﷺ إكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روي أنه إكتوى للجرح الذي أصابه، والثابت في الصحيح كما تقدم في غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه، وليس هذا الكي المعهود. وجزم ابن التين أنه أكتوى. وعكس ابن القيم في الهدي اهـ.\nوقال الخطابي إنما كوى ﷺ سعد بن معاذ ليرقأ الدم عن جرحه، وخاف عليه أن ينزف فيهلك، والكي يستعمل في هذا الباب وهو من العلاج الذي تعرفه الخاصة وأكثر العامة، والعرب تستعمل الكي كثيرا فيما يعرض لها من الأدواء ويقال في أمثالها: آخر الدواء الكي. والكي داخل في جمله العلاج.\n_________\n(١) انظر ج ٢ كتاب السلام ص ١٧٣٠ رقم الحديث ٧٣.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>باب في أمر الرجل بذكر اسم الله على الجرح ثم التفل فيه</span>\nترجم في الإصابة لكهيل الأزدي فقال: كانت له صحبة، قال: أصيب الناس يوم أحد، وكثرت فيهم الجراحات، فأتى رجل النبي ﷺ فأخبره فقال: إنطلق فقم على الطريق، فلا يمر بك جريح إلا قلت: بسم الله ثم تفلت في جرحه. الحديث أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من رواية علقمة بن عبد الله عن القاسم بن محمد عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>باب كون من لا يعرف بالطب لم يكن يباح له أن يعالج الناس</span>\nخرج أبو داود «١» والنسائي والدارقطني عن عمرو بن شبة عن أبيه عن جده رفعه: من تطبب ولم يعلم منه الطب فهو ضامن، وفي رواية لأبي نعيم: من تطبب ولم يكن بالطب معروفا فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن، قال ابن طرخان: هذا الحديث فيه إحتياط وتحرز على الناس، وحكم سياسي مع ما فيه من الحكم الشرعي، وقوله: تطبب أي تعاطى علم الطب، ولم يكن من أهله، ومعناه: من تعاطى علم الطب ولم يتقدم له به استعمال ومزاولة وتدرب مع الفضلاء فقتل بطبه فهو ضامن اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>باب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة</span>\nفي الصحيحين «٢» وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وقد رجع عمر بن الخطاب بسبب هذا الحديث لما خرج إلى الشام، وأخبر أن الوباء قد وقع بها وأن عمر حمد الله وانصرف.\nقال ابن طرخان في نهيه ﷺ عن الدخول للأرض التي حلها الطاعون، فائدتان:\nأحداهما لئلا يستنشقوا الهواء الذي قد عفا وفسد فيمرضون. والثانية لئلا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فتتضاعف عليهم البلية، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: من القرف التلف. وفسر بأنه ملابسة الداء ومداناة المرضى. وبالجملة قوله: لا نقدموا عليه إثبات للحذر والنهي عن التعرض للتلف، وحديث أبي داود «٣» المذكور من حديث فروة بن مسيك قال: قلت يا رسول الله أرض عندنا يقال لها: أرض أبين (قرية إلى جانب البحر من ناحية اليمن) هي أرض ريفنا (كل أرض فيها زرع ونخل) وميرتنا (الطعام المجلوب من بلد إلى بلد) وإنها وبئة (كثيرة الوباء) أو قال: وباؤها شديد. فقال ﵇: دعها عنك فإن من القرف (ملابسة الداء ومداناة المرضى) التلف (الهلاك) قال الخطابي وابن الأثير: ليس\n_________\n(١) كتاب الديات باب ٢٣ ج ٤/ ٧١٠ ورقمه ٤٥٨٦.\n(٢) في البخاري كتاب الحيل ١٣ ج ٨/ ٦٤ وفي مسلم كتاب السلام باب ٣٢ ص ١٧٤٠/ ج ٢.\n(٣) كتاب الطب ج ٤/ ٢٣٨ ورقمه ٣٩٢٣.","vol":"1","page":358},{"text":"هذا من باب الطيرة والعدوى، وإنما هذا من باب الطب؛ لأن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أضرها وأسرعها إلى إسقام البدن عند الأطباء، وكل ذلك بإذن الله ومشيئته اهـ.\nومن هذا الباب ما أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي: كان النبي ﷺ إذا أرمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها.\nومن العجب ما وقفت عليه في مكتوب السلطان أبي العباس المنصور؛ كتب لولده أبي فارس وهو خليفته على مراكش بتاريخ ١٠١١ في أمر وباء حدث إذ ذاك بسوس قال فيه ما نصه [والبطاقة التي ترد عليكم من سوس من عند الحاكم أو ولد خالكم وغيرهما لا تقرأ ولا تدخل دارا بل تعطى لكاتبكم، هو يتولى قراءتها ويعرفكم مضمونها ولأجل أن كاتبكم يدخل مجلسكم ويلابس مقامكم حتى هو لا يفتحها إلا بعد أن تغمس في خل ثقيف وتنشر حتى تيبس، وحينئذ يقرؤها ويعرفكم بمضمونها إذ ليس يأتيكم من سوس ما يوجب الكتمان عن مثل كاتبكم] اهـ.\nوهذا هو عمل الأفرنج اليوم في تحفّظهم من الوباء المسمى عندهم ب [الكرنتينة] المعروفة في باب الوقاية ودوائر الصحة، وقد كانت وقعت المحاورة بين عالمي تونس أبي عبد الله محمد المناعي المالكي والشيخ أبي عبد الله محمد بيرم الحنفي في إباحتها وحصرها، فألف الأول في الحرمة وألف الثاني في الجواز مستدلا على ذلك بنصوص من الكتاب والسنة. انظر رحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي لباريز.\nوفي إرشاد الساري في تفسير سورة النساء لدى قوله تعالى (وخذوا حذركم) دل ذلك على وجوب الحذر من جميع المضار المظنونة. ومن ثمّ علم أن العلاج بالدواء والإحتراز عن الوباء والتحرز عن الجلوس تحت الجدار المائل واجب اهـ وانظر كلاما لصاحب الإستقصاء في النازلة جعل ذلك مقيدا بالوجه الذي ليس فيه مفسدة شرعية والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>النسوة الممرضات</span>\nانظر آخر القسم الثامن ترعجبا\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>(باب في الحكيم)</span>\nترجم في الإصابة لأبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الأصبحي الحميري، فنقل عن الرشاطي في الأنساب أنه وفد على النبي ﷺ ففرش له رداءه، وأنه كان بالشام، وكان يعد من الحكماء. حكاه الهمذاني في النسب قال: وكان يروي عن النبي ﷺ أحاديث اهـ.\nوترجمه أيضا كذلك الحافظ الذهبي في التجريد وقال: أفاده الحافظ قطب الدين وزاد أنه قتل مع علي في صفين.","vol":"1","page":359},{"text":"وترجم الحافظ أيضا فيها أكثم بن صيفي التميمي الحكيم المشهور ورد على ابن عبد البر إنكاره ذكره وذكر من خرّج أن قوله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ٩٩] ومكاتبة المصطفى له ونقل عن الخطيب فيه: كانت له حكمة وبلاغة، وفي ترجمة الحكم بن سعيد بن العاص من الإصابة نقلا عن السراج في مسنده: كان الحكم يعلم الحكمة.\nوانظر في الإصابة أيضا ترجمة حكيم العرب غيلان بن سلمة الثقفي.\nوفي ابن التلمساني على الشفا هو ممن وفد على كسرى، وخبره معه عجيب. قال له كسرى يوما: أي ولدك أحب إليك؟ فقال له غيلان: الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يؤوب [يقدم] فقال له كسرى: مالك ولهذا الكلام، وهذا كلام الحكماء وأنت من قوم جفاة لا حكمه بينهم، فما غذاؤك قال: خبز البر. قال: هذا العقل من البر، لا من اللبن والتمر، وكان شاعرا أسلم يوم الطائف، وتوفي في خلافة عمر ﵃.\nوفي نور النبراس للحافظ برهان الدين الحلبي عن تخريج الخطيب رفعه: يقدم عليكم الليلة رجل حكيم، فقدم عمرو بن العاص. وهو في مسند أحمد اهـ.\nوذكر أبو نعيم في كتاب معوفة الصحابة، وأبو موسى المديني من حديث أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله ﷺ، فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجب ما رأى من سمتنا وزيّنا فقال: من أنتم قلنا: مؤمنون، فتبسم النبيّ ﷺ، وقال: إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ قلنا: خمس عشرة خصلة؛ خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا، فقال لهم ﷺ ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي؟ فذكروا له قواعد الإيمان والإسلام. قال: فما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضى عن القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال ﷺ: حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، ثم قال: وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة: إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا زائلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون، وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخالدون فانصرفوا وقد حافظوا وصيته، وعملوا بها.\nوقال العراقي في المغني: أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد، والخطيب في التاريخ، من حديث سويد بن الحارث بإسناد ضيعف اهـ.\nوفي مشيخة الأنصاري فقال ﵇: أدباء حكماء علماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء.","vol":"1","page":360},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: هو في كتاب المعرفة لابي نعيم من رواية أبي سليمان الداراني عن زاهد بالشام سماه عن أبيه عن جده سويد اهـ.\nوقال الذهبي في الميزان: علقمة بن يزيد بن سويد عن أبيه عن جده لا يعرف أتى بخبر منكر لا يخبر به اهـ.\nقلت: وإن أقره شارح الأحياء ففيه إفراط والصواب: قول العراقي في المغني، والحديث في الحلية في ترجمة أبي سليمان الداراني انظره قال الزرقاني في شرح المواهب على قوله: حكماء علماء، وقدم الحكمة على العلم، لأنها الصفة القائمة بهم الدال علي كمال عقلهم، والعلم طريق إلى معرفة الحسن من القبيح اهـ.\nوأخرج الطبراني في الأوسط عن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلا رفعه: حكيم أمتى عويمر، وهو أبو الدرداء، الوارد فيه أيضا: لكل أمة حكيم وحكيم هذه الأمة أبو الدرداء.\nومعناه عالم الحكمة قاله القاوقجي في الذهب الأبريز.\nوفي الإستبصار في أنساب الأنصار؛ لما ترجم لابي الدرداء: وله حكم مشهورة منها قوله: الدنيا كدر وليس ينجو منها إلا أهل الحذر، ولله فيها علامات يتبعها الجاهلون، ويعتبر بها العالمون، ومن علاماتها فيها أن حفت بالشبهات، وارتطم فيها أهل الشهوات، ثم أعقبها بالآفات، فانتفع بذلك أهل العظات. ومزج حلالها بالمؤبات، وحرامها بالتبعات، فالمثري فيها تعب والمقل فيها نصب.\nقال ابن قدامة: وبلغنا عن أبي الدرداء أنه كان يقول: مساكين أهل الدنيا يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر معهم، فإذا كان يوم القيامة كان حسابها عليهم، ونحن منها براء اهـ.\nوفي المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية: من تبصر في أحوال العرب وأخلاقهم صح له من طريق العقل أن لا بدع في أن سيد الأنبياء لم يبعث من سواهم، كما يتضح له بطلان القول بأنهم لم يكن لجاهليتهم حظ في الفلسفة، فإن في تتبع أقوالهم وأحوالهم، ما يذهل عقول الحكماء، في جميع ضروب الحكمة اهـ منها ص ١٩٢ الجزء الأول.\nوقد حقق الصدر الشيرازي وغيره من المحققين أن ما جاءت به الفلسفة الصحيحة من العلوم العقلية أو السياسية عمرانية كانت أو كونية لا يخالف ما جاء به الكتاب والسنة، وأن ما كان يبدو من المخالفة في العصور الأولى إنما كان منشؤه الغلط، والخطأ في الترجمة فقط، وبعد أن ترجم الترجمة الصحيحة تبين الوفاق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>باب في المنجم</span>\nترجم في الإصابة للربيع بن زياد الحارثي الذي كان الحسن البصري كاتبا له فقال: لم يكن في عصره عربي ولا عجمي أعلم بالنجوم منه، وكان يتحرج أن يقضي، فكان يبصر حكم ما دله عليه النجوم.","vol":"1","page":361},{"text":"وفي الذيل لكتاب بشائر الإيمان في فتوحات آل عثمان، للشيخ حسين خوجه رئيس ديوان الإنشاء بتونس في ترجمة علامة تونس الشيخ قويسم بن علي صاحب سمط اللآلي أن له رسالة سماها: إصابة الغرض في الرد على من اعترض. موضوعها في مباحثة متعلقة بالوقت والنجوم، وبين أن له أصلا من السنة وذكر ما ورد في ذلك من الآثار اهـ انظر ص ١٠٣ من الذيل المذكور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>باب في القافي</span>\nترجم في الإصابة مجززا المدلجي الكناني، وهو مذكور في الصحيحين من طريق عائشة قالت: دخلت على النبي ﷺ فوجدته مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام من بعض، وفي رواية لابن قتيبة: مر على زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، قال الحافظ: لو كان كافرا لما اعتمده في حكم شرعي اهـ.\nوقد كان علم القيافة عند العرب ينقسم إلى نوعين: الإستدلال بأثر الماشي عليه، والإستدلال بتقاطيع الجسم على صحة النسب وبطلانه، وكان فيهم قبائل شهرت بذلك حتى كان قول الفرد منها حكما في الآثار والإنسان، كبني مدلج الذي منهم مجزز المذكورة قصته في الترجمة، وكان لهم في الفرع الثاني ما لا يقل عن الأول؛ يجيئون بالرجل والولد ويغطون جميع بدنهما ما عدا الأقدام كما في القصة المذكورة، والشريعة لم تلغ حكم القائفين، بل رضيه النبي ﷺ كما رأيت وسر به كما يراه من اعتبره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>باب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويتخرج منه الأصل لهذه الزوايا التي تتخذ للفقراء والمنقطعين</span>\nوالزوايا جمع زاوية مأخوذ إما من الانزواء، أي الإنقباض لانقباضهم عن الناس، أو من زاوية البيت الناحية لميلهم عن البعد عن الناس والخفاء، وهي حادثة بظهور طائفة التصوف في القرن الثالث واختصاصهم بهذا الإسم، وكانوا في زمن التابعين يسمون العباد، فكأنهم منسوبون إلى أهل الصفة. هؤلاء الذين كانوا في زمنه ﵇ قصروا أنفسهم على الطاعات، ولا يرجعون إلى أهل أو مال فيهم كما قيل: ضيوف الله والإسلام يسكنون فيها ليرتزقوا من أوقافها. قاله صاحب بذل الكرامة لقراء المقامة. وقال التقي المقريزي في الخطط: ولاتخاذ الربط والزوايا أصل من السنة وهو أن النبي ﷺ اتخذ لفقراء الصحابة الذين لا يأوون إلى أهل ولا مال مكانا من مسجده، كانوا يقيمون به عرفوا بأهل الصفة اهـ منه ص ٢٩٣ الجزء الرابع.\n«في صحيح البخاري عن أبي هريرة واصفا ما لاقى في صدر إسلامه من الشدة، وقول رسول الله ﷺ: إلحق أهل الصفة فأدعهم لي. قال وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون","vol":"1","page":362},{"text":"على أهل ولا على مال، ولا على أحد إذا أتته الصدقة، بعث إليهم بها. ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها» .\nأردت أن أبسط القول هنا على أهل الصفة وأحوالهم وعددهم ومن كان على طعامهم لتقصير الخزاعي هنا فأقول؛ قال عياض: الصفة بضم الصاد وتشديد الفاء ظلة في مؤخر مسجد رسول الله ﷺ يأوي إليها المساكين وإليها تنسب أهل الصفة على أشهر الأقاويل.\nوقال الحافظ الذهبي: إن القبلة قبل أن تتحول كانت في شمال المسجد فلما حولت القبلة بقي حائط القبلة الأعلى مكان أهل الصفة، وقال الحافظ ابن حجر: الصفة مكان في آخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يسافر، وقال المجد نقلا عن الدارقطني: الصفة هي ظلة كان المسجد في مؤخرها، وفي التوشيح للسيوطي: الصفة بصاد وفاء محل وراء الحجرة النبوية مظلل معد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل في مؤخر المسجد إلا أنه يحسب الآن في مؤخرهما معا، محاذيا للحجرة، فالكل داخل فيه في وقتنا اهـ.\nثم قال المجد وذكر ابن جبير في رحلته عند ذكر قباء قال: وفي آخر الغرفة تل مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه دار الصفة، حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة، وكأن هذا وهم والله أعلم، قال السيد السمهودي في الوفا: يظهر لي من قول عياض فيما قدمناه عنه على أشهر الأقوال أن في ذلك خوفا، فيكون ما ذكر ابن جبير أحد الأقوال لكنه مرجوح أو مؤول بأن من ذكر من أهل الصفة اتخذوا تلك الدار بعد فاشتهرت بذلك.\nوفي تلبيس إبليس لابن الجوزي: أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله ﷺ، وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله ﷺ. وقيل أهل الصفة.\nوأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي هريرة: كنت من أهل الصفة، وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله ﷺ فيأمر كل رجل فينصرف برجلين أو أكثر، فيبقى من بقي عشرة أو أكثر أو أقل فيؤتي النبي ﷺ بعشائه فيتعشى معهم، فإذا فرغنا قال ناموا في المسجد.\nوروى ابن شبة قال: كان من قدم المدينة فكان من له بها عريف (رئيس) نزل على عريفه، ومن لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فكنت ممن نزل الصفة، فرافقت رجلين كانا يجريان عليهما كل يوم مدّين من تمر رسول الله ﷺ.\nوقال ابن النجار: روى أهل السير أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند النبي ﷺ في المسجد فقال: نفرق هذا الأضياف في دور الأنصار، ونجعل لك في كل حائط قنوا ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام فقال رسول الله ﷺ؟ بلى فلما وجد ماله أتى بقنو، فجعله من المسجد بين ساريتين، ويجعل الإقناء على الحبل، ويجمع العشرين أو أكثر فيأكلون وينصرفون، ويأتي غيرهم فيفعل بهم مثل ذلك فإذا كان الليل فعل بهم مثل ذلك.","vol":"1","page":363},{"text":"وقد بّوب البخاري في القسمة وتعليق القنو في المسجد، ولم يذكر في الباب صريحا فأشار بذلك إلى ما رواه النسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرج رسول الله ﷺ وبيده عصا، وقد علق قنو حشف فجعل يطعم من ذلك القنو، ويقول: لو شاء ربّ هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا.\nوأخرج ثابت في الدلائل أن النبي ﷺ أمر من كل حائط بقنو يعلق في المسجد، يعني للمساكين. وفي رواية له: وكان عليها معاذ بن جبل، أي على حفظها أو قسمتها راجع الوفاء ص ٣٢٣.\nوفي ترجمة والد واثلة بن الأسقع من الإصابة أن أبا نعيم خرّج في الدلائل قال: كنا في الصفة وهم عشرون رجلا، فأصابنا جوع وكنت من أحدث أصحابي سنا فبعثوا بي إلى النبي ﷺ أشكو جوعهم، وفي المواهب: أنه كان ﵇ يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه ويبقى طائفة معه، قال الزرقاني: مواساة وتكرما. وفي حديث: أن فاطمة طلبت منه خادما فقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم.\nوفي تحفة الناظر للعقباني قال عز الدين: إنما يرخص في المبيت في المسجد لمن لا ينتهك حرمته من الضعفاء، فقد كان أصحاب الصفة يبيتون فيه مع القيام بحرمته اهـ.\nونقل ابن التلمساني على الشفا عن الكشاف: أصحاب الصفة كانوا نحو أربعمائة رجل من مهاجري قريش، لم يكن لهم مسكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله ﷺ، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى اهـ.\nوقال الحافظ ابن الجوزي في تلبيس إبليس: هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا. اهـ.\nولما تكلم الإمام أحمد بن قاسم الصومعي التادلي في كتاب «اللباب في معاملة الملك الوهاب» على أهل الصفة نقل عن قتادة: أنهم لزموه ﵇ لا يرجعون إلى تجارة، ولا إلى زرع ولا إلى ضرع، يصلون صلاة وينتظرون أخرى اهـ منه.\nوفي طبقات ابن سعد أن القراء في زمن رسول الله ﷺ، كانوا يقرأون القرآن ويتدارسون بالليل، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة، والفقراء. انظر ص ٧١ الجزء الثالث.\nوقال الأستاذ الصالح أبو عثمان سعيد بن أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن ليون التجيبي في رسالته الأنالة العلمية! إن الفقراء المتجردين من الصوفية، هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد، والرباط والتجرد وقلة التسبب، والناس ينكرون على الفقراء هذه","vol":"1","page":364},{"text":"الصفة وهي السنة لأن السنة في عرف الشرع ما أقره ﵇ أو عمله أو علّمه. وكان ﵇ يحسن إليهم ويؤنسهم، ولم يأمرهم بتكسب.\nوفي صحيح مسلم عن أنس قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ، فسألوه أن يبعث معهم رجالا يعلمونهم القرآن والسنة، فبعث معهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القرّاء منهم خالي حرام- بحاء مهملة وراء- يقرأون القرآن ويتدارسونه، وبالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة، والفقراء. فبعثهم إليهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فهؤلاء لم ينههم النبي ﷺ ولا نهى القراء عن خدمتهم، ثم ذكر حديث البخاري السابق وقال إثره: فصح أنهم كانوا فقراء متجردين يقرأون في المسجد غير متسببين، وهذه الصفة هي صفة الفقراء المتجردين اليوم.\nقال أبو طلحة: كنا نأتي المدينة فمن كان له بها عريف نزل عليه وإلا نزل بالصفة. وكان الراتبون بالصفة نحو أربعمائة رجل منهم أبو هريرة وابن أم مكتوم وصهيب وسلمان وخباب وبلال، والمؤمنون به ﵇ ومنهم من قام بالقراءة ومنهم من ركن للعبادة، وهم أهل الصفة والكل في عبادة وسنة، ولما كان المهاجرون والأنصار لهم قبائل وعشائر انضاف بعضهم إلى بعض، فجعلهم النبي ﷺ في الصفة وضمهم إليه إذ كانوا لا يملكون شيئا ولا لهم بيوت يسكنون فيها، ولا قبائل ينضافون إليها، فصاروا كالقبيلة الواحدة وكذلك الفقرا اليوم، ومنهم الذين قال تعالى فيهم:\nتَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٣] كانوا ضعفاء عن الجهاد قال تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الأنعام: ٥٢] ونزل في حق ابن أم مكتوم عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى فقد ظهرت صفة أهل الصفة الذين يقتدي بهم الفقراء المتجردون.\nيا طالبا من الإله الزلفة ... لا تنتحي لغير أهل الصفة\nوليّن القول لهم برأفة ... فإنهم أهل التقى والألفة\nوفي تكملة السيوطي لتفسير المحلي على قوله تعالى: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ٢٧٢] إنها نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا، ومعنى الذين أحصروا في سبيل الله: أي حبسوا أنفسهم على الجهاد وقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٧٣] أي للتجارة والمعاش لشغلهم بالجهاد اهـ.\nوقال ابن ليون التجيبي في محل آخر من رسالته: وفي الصحيح: أن أهل الصفة لم يتسببوا ولا اشتغلوا بغير الذكر والفكر والقعود في المسجد، وكان القرّاء يخدمونهم، والنبي ﷺ وأصحابه يطعمونهم وقال لهم: أبشروا يا أهل الصفة، فترك التسبب طريقة أقرها النبي","vol":"1","page":365},{"text":"ﷺ ولم يصح أنه أمرهم بالتسبب، وإنما أمرهم بالتوكل «١» اهـ وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية على قولها في حق الصحابة:\nزهدوا في الدنيا فما عرف المي ... ل إليها منهم ولا الرغباء\nالصحابة في الزهد فيها على قسمين: فأكثرهم ترك السعي في تحصيلها بالكلية واشتغل بالعلوم والمعارف ونشرها، وبالعبادات حتى لم يبق من أوقاته شيء إلا وهو مشغول بشيء من ذلك، وكثير منهم حصلوها لكن كانوا فيها خزانا لله تعالى كما مر اهـ ونقله عنه بنيس ونحوه لأبي عبد الله زنيبر السلوي عليها والصاوي في تقاريره عليها، ولو كان تعبيرهم في تاركي السعي من الصحابة قاصرا على أهل الصفة لكان أقوم وإلا فالصحابة كانوا أكثرهم أهل تكسب وسعي على ما سيأتي إلا أهل الضفة والله أعلم. ثم وجدت الشيخ سليمان الجمل أتى في حاشيته على الهمزية بتعبير لطيف: وذلك أنه قال في هذا الموضع: وكان الصحابة فيها على قسمين فأكثرهم كأهل الصفة ترك السعي في تحصيلها بالكلية واشتغل بالعلوم والمعارف والعبادات وكثير منهم حصلها اهـ ووجدت الشيخ محمد ابن عبد الرحمن الصومعي التادلي عبر في شرحه على الهمزية بما هو أسلم فقال: فمنهم من أعرض عنها بالكلية وأشتغل بالعلوم والمعارف، ومنهم من سعى في تحصيلها وحصلها بقدر نفع الغير بها اهـ وإنما جلبت النقول هنا في انقطاع أصحاب الصفة عن التكسب لتهجم متهور عليهم ﵃، فنسب لهم أيضا الجري وراء الدنيا معه وهو غالط أو متغافل عن نص القرآن في الواقعة وذلك قوله تعالى في حقهم: (لا يستطيعون ضربا في الأرض) وفي حواشي الشمس ابن عابدين الحنفي الدمشقي على الدر المختار، نقلا عن المصفي: الجلوس في المسجد للحديث مأذون فيه شرعا لأن أهل الصفة كانوا يلازمون المسجد، وكانوا ينامون ويتحدثون ولهذا لا يحل لأحد منعه، كذا قي الجامع البرهاني.\nفيؤخذ منه أن الأمر الممنوع منه إذا وجد بعد الدخول مقصدا لعبادة لا يتناوله اهـ.\nوفي أس المقاصد في تعظيم المساجد للشيخ علوان بن عطية الحموي: إن بعضهم تعلل عليه في نهيه عن الكلام في المسجد بأحوال أهل الصفة في زمانه ﵇ فقال؛ انظر أيها الأخ وتعجب ممن يقيس على أولئك الصحابة الأخيار هؤلاء الحثالة الأشرار! أترى كان إجتماع أهل الصفة على الحظوظ النفسانية، والأخلاق الشيطانية، واللهو واللعب والضحك والمزاح، وحديث الدنيا؟ اهـ.\nوقد اعتنى بجمع أسامي أصحاب الصفة ومناقبهم وأحوالهم ابن الأعرابي، والسلمي في كتاب تاريخ أهل الصفة، والحاكم والإكليل، وأبو نعيم في الحلية، فزادوا عنده على\n_________\n(١) أقول: في عصر الرسول ﷺ كانت وسائل العمل ضيقة فلم يأمرهم بالتسبب وأما إذا تغيرت الأحوال فالتسبب أولى من انتظار الصدقات بدليل قوله ﷺ: اليد العليّا خير من اليد السفلى، وبقية النصوص التي تحص على السعي والكسب. مصححه.","vol":"1","page":366},{"text":"مائة وعند كل ما ليس عند الآخر، وقال الحافظ ابن تيمية: جملة من آوى إلى أهل الصفة مع تفرقهم قيل أربعمائة. وقيل أكثر اهـ وعدّهم أربعمائة السيوطي كما سبق، ونحوه في تفسيره وسبقهم إلى ذلك السهروردي في العوارف، والزمخشري في الكشاف، قال الشهاب في شرح الشفا عقبه: ولا ينافي ما روي أنه رأى منهم نحو ثلاثين رجلا يصلون مع النبي ﷺ بلا أردية اهـ.\nوفي لب اللباب في معاملة الملك الوهاب للإمام أبي العباس أحمد بن قاسم الصومعي التادلي لدى كلامه على أهل الصفة: كانوا أربعين فبلغوا أربعمائة. وقال قتادة بلغوا تسعمائة رجل اهـ وانظر سمط الجوهر الفاخر فقد عدّ منهم أزيد من المائة مسميا لمن عند أبي نعيم في الحلية، وزاد عليه نحو الثلاثة، قال الخفاجي عقب ما سبق عنه: وهؤلاء يعني أهل الصفة هم صفوة الله. هنيئا لهم وإنا نتوسل بهم إلى الله أن يجعلنا في بركاتهم اهـ وإن فسح الله في الأجل أفردتهم بمؤلف وليس ذلك على الله بعظيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>إختصاص أبي بكر برسول الله ﷺ للمداولة في الأمر يعرض</span>\nخرج النسائي والترمذي «١» قال الحافظ ورجاله ثقات عن عمر: كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين.\n_________\n(١) انظر كتاب الصلاة باب ١٢ رقم الحديث ١٦٩ ج ١/ ٣١٥.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>فهرس المحتويات</span>\nمقدمة المحقق ٧\nإهداء الكتاب ٩\nاسم مؤلف كتاب التخريج ونسبه وبلده ٣٤\nبلده ووفاته ومدفنه ٣٩\nنسخ كتاب التخريج الموجودة في المكاتب ومن نقل منه ٤١\nأول خطبة كتاب التخريج ٤٢\nمقصده من تدوينه ٤٢\nتاريخ اشتغاله بتدوينه وكلمة جامعة في أبي الحسن الخزاعي ٤٢\nالسلطان الذي قدمه إليه ٤٣\nخطته في الدولة المرينية ٤٤\nاصطلاح الخزاعي في كتابه التخريج وصنيعه ٤٤\nالأصول التي استمد منها في كتابه ونقل عنها ٤٧\nالمقدمة الثانية ٤٩\nبرنامج القسم الأول ٤٩\nذكر مواليه الذين أعتقهم في مرض موته ٥٠\nبرنامج القسم الثاني من كتاب الخزاعي ٥٠\n(ومما استدركت عليه في هذا القسم خلال تراجمه من الأبواب) ٥١\nالقسم الثالث من كتاب الخزاعي ٥٢\nبرنامج القسم الرابع من كتاب الخزاعي ٥٣\nبرنامج القسم الخامس من كتاب الخزاعي ٥٥\nبرنامج القسم السادس من كتاب الخزاعي ٥٨","vol":"1","page":368},{"text":"برنامج القسم السابع من كتاب الخزاعي ٥٨\nبرنامج القسم الثامن عند الخزاعي ٥٩\nبرنامج القسم التاسع من كتاب الخزاعي ٦٠\nالقسم العاشر من كتاب الخزاعي ٦٤\nالمقصد الأول ٦٥\nالمقصد الثاني ٧٠\nالقسم الأول في الخلافة والوزارة (الصدارة) وما يضاف إلى ذلك من الخدمات النبوية الشخصية التي كان يقوم بها أفراد من الصحابة ٧٧\nالخلافة ٧٩\nذكر الفرق بين الخليفة والملك والسلطان من حيث الشرع والاصطلاح ٨٥\nالوزير ٨٨\nذكر صاحب السر ٩٠\nفي ذكر الآذن [الحاجب] ٩٠\nذكر حبس بعض الوافدين عن الآذن ٩٠\nالحاجب ٩١\nالبواب ٩١\nذكر من تولى خدمة رسول الله ﷺ من الأحرار والموالي ٩٤\nذكر من كان يخدمه ﵇ من مواليه ٩٤\nذكر الموالي الذين أعتقهم ﵇ في مرضه ٩٤\nذكر من كان يوقظه ﵇ إذا نام ويستره إذا اغتسل ٩٥\nذكر من كان يخدم النبي ﷺ إذا أراد حاجته داخل منزله ٩٥\nذكر من كان يبيت على باب رسول الله ﷺ من الرجال ٩٥\nاستخدامه ﵇ في ذلك امرأة ٩٥\nاستخدامه ﵇ غلاما يهوديا ٩٦\nالأشياء التي كان ﵇ لا يكلها إلى أحد من خدمه ٩٦\nذكر الذين قام بخدمتهم المصطفى بنفسه ٩٦\nذكر صاحب الوساد [المخدة] ٩٧","vol":"1","page":369},{"text":"في إدناء النبي ﷺ الوساد للداخل ٩٧\nذكر صاحب النعلين ٩٨\nمضحك رسول الله ﷺ ١٠٠\nملاعبة الإمام أقاربه الصغار ١٠٠\nالرجل يعلم الوفد كيف يحيّون المصطفى ﷺ ١٠٠\nالقسم الثاني في العمليات الفقهية وأعمال العبادات وما يضاف إليها من عمالات المسجد وعمالات الطهارة وما يقرب منها، وفي الإمارة على الحج وما يتصل بها وفيه وظائف ١٠١\nفي العمليات الفقهية وأعمال العبادات ١٠٣\nذكر معلم القرآن وفيه فصول ١٠٣\nذكر من نقل عنه وجوه القراءة من الصحابة ١٠٧\nذكر معلم الناس الكتابة في زمن رسول الله ﷺ ذكر المعلم من الرجال- المعلم المسلم ١٠٨\nالمعلم الكافر ١٠٨\nذكر المعلمة من النساء ١٠٩\nاتخاذ الدار ينزلها القراء ويستخرج منه اتخاذ المدارس ١١٢\nذكر المفتين على عهد رسول الله ﷺ ١١٢\nذكر من كان يتوسط بين المصطفى وبين الصحابة إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء ١١٤\nذكر من كان يعبر الرؤيا في زمن رسول الله ﷺ ١١٤\nالإمام في صلاة الفريضة ١١٧\nذكر استخلاف رسول الله ﷺ لأبي بكر الصديق على الصلاة وكم من صلاة صلّاها ١١٨\nاستخلاف المصطفى على الحج ١١٩\nاتخاذ المنبر ١١٩\nخطبته ﵇ في حجة الوداع على الدواب ١٢١\nاتخاذه ﷺ عليا يعبر عنه ١٢١","vol":"1","page":370},{"text":"أمره ﵇ باستنصات الناس رجلا أطول الناس قامة وأبلغهم وأنداهم صوتا ١٢٢\nتكليف الإمام عظيما من أصحابه يحشر له قومه ١٢٢\nارساله ﵇ عليا يبلّغ عنه نزول أول سورة القتال ١٢٢\nالإمام في صلاة رمضان ١٢٣\nذكر مؤذّن النبي ﷺ ١٢٤\nذكر الموقت ١٢٦\nفصل في اقتداء المساجد في صلاتهم بمؤذّن المسجد الجامع ١٢٦\nعلى أي شيء كانوا يؤذّنون ١٢٧\nذكر صاحب الخمرة ١٢٨\nالذي يحمل العنزة ١٢٩\nالذي كان يحمل العصا بين يديه ﵇ ويتقدم إذا أراد أن يدخل منزله الكريم ١٢٩\nالمسرج وهو الموقد ١٣٠\nهل أوقدت الشموع في المدينة على عهده ﵇ ١٣١\nالمجمر ١٣٢\nالذي يقمّ المسجد ويلتقط الخرق والقذي والعيدان منه ١٣٢\nالرجل يأخذ الناس بالصلاة في الجماعة ويشتد عليهم في تركها ١٣٤\nالرجل يتقدم إلى المصلين يرتب صفوفهم ويضربهم على ذلك ١٣٤\nالرجل يمنع الناس عن المنازعة واللغط في المسجد ١٣٤\nصاحب الطهور ١٣٥\nذكر من كان يتولى ذلك لرسول الله ﷺ ١٣٥\nهل كان ﷺ يستعمل الماء السخن أو دخل الحمام ١٣٦\nوضوؤه ﵇ في آنية زجاج ١٣٧\nوضوؤه ﷺ في الطست من صفر وغيره ١٣٧\nصاحب السواك ١٣٨\nاتخاذ رسول الله ﷺ الكرسي ١٣٨\nذكر جلوس النبي ﷺ على الكرسي ١٣٨","vol":"1","page":371},{"text":"في السقّاء وفيه فصول ١٣٩\nفصل في سقي الماء له ﵇ من الآبار الطيبة بالمدينة ١٤٠\nفصل فيما جاء أنه ﷺ كان يبرّد له الماء ١٤٠\nفصل في طلبه ﵇ ماء زمزم من مكة إلى المدينة وتحريضه على التعجيل بأصرح عبارة ١٤٠\nفصل في الروايا تسافر مع المصطفى ﷺ، ومن كان يذهب يملأها ١٤١\nفصل في ساقي النبي ﷺ من المسلمين ١٤١\nفصل في ساقيه ﵇ من اليهود ١٤١\nفصل في سقي الماء ١٤١\nالانتباذ في الاواني الخضر ١٤٢\nدعاء المصطفى ﷺ لمن أزال شعرة من مائه ١٤٢\nالخادم يخدم عند الأكل ١٤٢\nأوانيه ﵇ ١٤٢\nهل كانوا يهنئون الشارب في الزمن النبوي ١٤٢\nالامارة على الحج ١٤٥\nصاحب البدن ١٤٥\nحجابة البيت وهي العمارة والسدانة فصل في ذكر من وليها في زمن رسول الله ﷺ ١٤٦\nالسقاية ١٤٧\nمباشرته ﵇ لنحر الهدي بيده الكريمة في حجة الوداع واذنه لعلي في إتمام البقية ١٤٨\nالقسم الثالث في العمليات الكتابية وما يشبهها وما يضاف إليها وفيه أبواب ١٤٩\nالباب الأول في كتّاب الوحي وفيه فصول: ١٤٩\nالعمليات الكتابية ١٥١\nباب كتابه ﵇ مطلقا ١٥١\nباب في خليفة كل كاتب من كتّابه ﵇ ١٥٣\nباب في كتاب السر ١٥٤","vol":"1","page":372},{"text":"فصل في ذكر كتاب الرسائل والإقطاع ١٥٤\nباب فيمن كان يكتب عن النبي ﷺ للبوادي ١٥٥\nفصل في كتابته ﵇ في الجلد ومقداره ١٥٥\nفصل في كتّاب العهود والصلح ١٥٦\nفصل فيمن كان يكتب لرسول الله ﷺ أموره الخصوصية ١٥٦\nنظرة إجمالية في الكتّاب ١٥٦\nباب في تعليم المصطفى لكتّابه أدب وضع القلم ومحل وضعه ورسم الحروف وتقويمها نحو ذلك ١٥٧\nباب في ندب المصطفى ﵇ الكتبة إلى تتريب الكتابة ١٥٨\nفصل في اصطلاح المكاتيب النبوية ١٥٩\nفصل في كيفية مخاطبة الملوك وغيرهم من المعاصرين له (﵇ في زمانه) ١٦٠\nفصل في عنوان المكاتب إليه ﵇ في ذلك الزمن ١٦٠\nفصل في عنوان كتبه ﵇ ١٦١\nفصل بما كان يفتتح كتبه ﵇ ١٦١\nفصل في التزامه ﵇ أما بعد في صدور كتبه وخطبه ١٦١\nاحتياطه ﵇ في مكاتيبه الرسمية ١٦٢\nباب اتخاذه ﵇ أما بعد لفصل من فصول الكتاب ورؤوس المسائل ١٦٢\nفصل في أصح كتاب حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه ﵇ ١٦٣\nآخر مكتوب نبوي حفظ التاريخ عينه لنا من كتبه ﵇ لأهل الإسلام وتحافظهم عليه ١٦٣\nفصل في آخر كتاب حفظ التاريخ لنا عينه من كتبه ﵇ (لأهل الكفر ومحافظتهم عليه) ١٦٥\nفصل في أجمع وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه من كتبه (﵇ الأحكامية) كتاب ابن حزم ١٦٥\nما كتبه ﵇ ولم يخرجه ١٦٧\nفصل هل كتب ﵇ بنفسه شيئا وامضى بعض كتبه (بيمينه الشريفة أم لا) ١٦٨","vol":"1","page":373},{"text":"فصل في ذكر صاحب الخاتم ومن أي شيء كان وما كان نقشه ١٧٠\nفصل فيمن كان صاحب خاتمه ﷺ ١٧٠\nباب في عمله ﵇ إذا لم يحضره الخاتم ١٧١\nباب في مسائل تتعلق بالخاتم النبوي ١٧١\nباب في وضع التاريخ وأصله ١٧٢\nباب في الرسول (السفير) وفيه فصول فصل في صفات رسله ﵇ من وفور العقل وطلاقة اللسان وقوة الحجة المقنعة للخصم ١٧٣\nاختياره ﵇ لرسله أن يكونوا أحسن الناس وجها ١٧٨\nوصايته ﵇ لكل من بعثه لجهة من الجهات من سفرائه وأمرائه ورسله ١٧٨\nاتّخاذ البريد في زمن الخلفاء الراشدين ١٧٩\nفصل في الرسول يبعث يدعو إلى الإسلام ١٨٠\nفصل في بعث الرسول في الصلح ١٨١\nفصل في بعث الرسول بالأمان ذكر من بعثه المصطفى ﷺ في ذلك من الرجال ١٨١\nذكر من توجه في ذلك من النساء ١٨١\nفصل في الرسول يبعث إلى الملوك (ليبعث من عنده في بلاده من المسلمين) ١٨٢\nفي الرسول يبعث إلى الملك ليزوج الإمام المرأة من المسلمين (تكون ببلاده ويبعثها) ١٨٢\nفي الرسول يبعث بالهدية ١٨٣\nباب في جائزة المصطفى لرسول غيره له ١٨٤\nباب في الرسول يتوجه إلى الملك منذرا له بالحرب إن هو لم يؤمن ١٨٤\nباب في الترجمان الذي كان يترجم لرسول الله ﷺ ذكر من كان يترجم له باللسان العجمي ١٨٥\nذكر من كان يترجم له ﷺ بالكتاب كتاب السريانية ١٨٥\nكتاب اليهود ١٨٦\nباب في تعليم السريانية ١٨٦\nباب في الشاعر وفيه فصول فصل في ذكر شعراء النبي ﷺ ١٩٠","vol":"1","page":374},{"text":"باب في استنشاده ﷺ شعر الهالكين في غير موضع ١٩٢\nسماعه ﵇ الشعر المتضمن التشبيب والغزل ١٩٢\nالشعراء من الصحابة والصحابيات الذين رثوه ﵇ بعد موته ١٩٣\nباب تكرمه ﵇ بأعظم سبي سبي له بسبب أبيات شعرية قدمت له ﵇ ١٩٣\nباب في ذكر الخطيب في غير الصلوات ذكر من كان خطيب رسول الله ﷺ ١٩٥\nهل خطب ﵇ أو خطب الصحابة بغير اللغة العربية ١٩٥\nباب في كتاب الجيش وفيه فصول ١٩٧\nفصل في البيعة ومعناها المعاقدة والمعاهدة ١٩٧\nفصل فيمن تولى ذلك على عهد رسول الله ﷺ ١٩٩\nفصل في ثبوت العطاء في عهد رسول الله ﷺ ١٩٩\nفصل في وضع عمر الديوان والسبب في ذلك ٢٠٠\nتسامح المسلمين في صدر الإسلام ٢٠٢\nفصل في أي سن يجيز الإمام من يرسم في الديوان ٢٠٣\nفصل في عرض الناس كل سنة ٢٠٤\nباب في رده ﵇ في الإستعراض من لم يستأذن أبويه ٢٠٤\nفصل في العريش يا بنى للرئيس يشرف منه على عسكره ٢٠٤\nباب في تكليف الإمام من يجلس برئيس ليرى جنود الإسلام (وهو الإستعراض الذي يراد منه اليوم إظهار القوة) ٢٠٥\nباب في ذكر العرفاء وهم رؤساء الأجناد وقوادهم ٢٠٥\nباب في النقباء ٢٠٦\nباب في المحاسب ٢٠٧\nباب في الأوصياء والوصاية ٢٠٧\nالقسم الرابع في العمليات الأحكامية وما ينضاف إليها وفيه عدة أبواب ٢٠٩\nالعمليات الإحكامية ٢١١\nباب في الإمارة العامة على النواحي ذكر من ولاه النبي ﷺ على النواحي ٢١١\nباب كيف كان يوصي ﵇ (عماله في صفة البريد","vol":"1","page":375},{"text":"الذي يبردون إليه) ٢١٥\nباب في اشتراطه ﵇ مثل ذلك في عماله ٢١٥\nباب في كيفية عهد رسول الله ﷺ إلى أمرائه ٢١٥\nباب في القاضي وفيه فصول فصل في قضاء رسول الله ﷺ بين الناس ٢١٧\nذكر من دوّن في النوازل ٢١٨\nالتي نزلت في حياته ﵇ وحكم فيها ٢١٨\nباب في ذكر تراجم وأصول الأبواب التي قضى فيها ﵇ وأفتى ٢١٩\nفصل في قضاة رسول الله ﷺ ٢٢١\nهل كان ﵇ يشترط السن المديد فيمن يوليه القضاء ٢٢٤\nهل كان للولاة والقضاة راتب ٢٢٦\nالنظر في المظالم (العدلية) ٢٢٧\nباب أين كان يجلس القاضي للحكم والفصل ٢٣٠\nباب في الشهادة وكتابة الشروط ٢٣١\nباب في الشهادة الصبيان وكتابة أسمائهم في الكتب النبوية والعقود المصطفوية ٢٣٢\nباب في سياق عقد من عقود ذلك العصر الطاهر وهو عقد عتق أبي رافع مولاه ﵇ ٢٣٣\nباب فيمن كان يكتب بين الناس في قبائلهم ومياههم في الزمن النبوي ٢٣٣\nباب في ذكر من كان يكتب العقود والمعاملات زيادة على ما سبق ٢٣٣\nباب في فارض المواريث ذكر من كان فارضا في عهد رسول الله ﷺ ٢٣٥\nباب في الوكيل في غير الأمور المالية ذكر من وكله رسول الله ﷺ ٢٣٦\nباب في ذكر البصير بالبناء وهو الرجل يكون له البصر بالبناء يبعثه الإمام يحكم بين المتنازعين فيؤخذ بقوله ذكر من كان كذلك في زمن رسول الله ﷺ ٢٣٦\nمعرفته ﵇ وأهل الصدر الأول بأمور الهندسة والبناء وإصلاح الطرقات ٢٣٧\nباب في القسام ٢٣٩\nباب في المحتسب ٢٣٩","vol":"1","page":376},{"text":"فصل فيما جاء عن رسول الله ﷺ في الحسبة ٢٣٩\nفصل فيمن ولاه رسول الله ﷺ أمر السوق ٢٣٩\nوكيف كان يضرب من يعمل بالرّبا في الأسواق على عهده ﷺ ٢٣٩\nباب في المنادي وهو الذي يقال لصوته البريح ٢٤٣\nباب في صاحب العسس بالمدينة ٢٤٤\nذكر من ولي ذلك في زمن رسول الله ﷺ ٢٤٤\nباب في السجن للرجال ٢٤٥\nسجن النساء ٢٤٩\nهل كانوا يجرون على المساجين أرزاقا ٢٤٩\nباب في التأديب بالضرب ٢٤٩\nالتأديب بالنفي ٢٥٠\nالأدب بالهجران ٢٥٠\nباب في معاملته ﷺ للمستحق بالتعبيس ونحوه ٢٥٣\nباب في قتله ﵇ بيده ٢٥٥\nباب في تعذيبه ﵇ بالإحراق والهدم ومن بعثه لذلك ٢٥٥\nباب في معاملته ﵇ المستحق بسمل الأعين والإلقاء في الحرة وقطع الأيدي والأرجل ونحو ذلك ٢٥٦\nباب في الرجل يجعل على الأساري ٢٥٧\nباب في المقيمين للحدود ومن كان يتولى ذلك (في عهد رسول الله ﷺ) ٢٥٨\nباب في الرجل يجعل لقطع الأشجار في الغزو ٢٥٨\nالقسم الخامس في ذكر العمليات الحربية وما يتشعب عنها وما يتصل بها وفيها أبواب ٢٥٩\nالعمليات الحربية ٢٦١\nباب في الإمارة على الجهاد وفيه فصول ٢٦١\nفصل في مخرج النبي ﷺ بنفسه وكم غزوة غزاها ٢٦١\nفصل في بعثه ﷺ عليه وسلم الأمراء للغزو وفيه عدد بعوثه ﷺ وسراياه ٢٦١\nباب في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج عنها للغزو أو غيره ٢٦١\nباب في الرجل يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر ٢٦٢","vol":"1","page":377},{"text":"باب في الرجل يستخلفه الإمام في طريق يظن أن العدو يستعمل له فيها مكيدة ٢٦٣\nباب في المستنفر ٢٦٣\nباب في صاحب اللواء وفيه فصول ٢٦٣\nفصل في ذكر أول لواء رفع بين يديه ﷺ ٢٦٣\nفصل في ذكر من حمل رايته ولواءه ﷺ بين يديه (ومن حملها ليقاتل بها) ٢٦٤\nفصل في جواز القبائل على راياتهم وانفراد كل قبيلة برايتها ٢٦٤\nفصل في جواز القبائل على راياتهم وانفراد كل قبيلة برايتها ٢٦٤\nفصل في عقده ﷺ الرايات لأمراء البعوث والسرايا (وذكر أول راية عقدها ﷺ في الإسلام ولمن عقدت) ٢٦٤\n(فصل في مقدار الراية) ٢٦٥\nفصل في رسم الهلال فيها ٢٦٥\nفصل في ألوان ألويته وراياته ﷺ واسم رايته وما كتب على لوائه الأبيض ٢٦٥\nراية الصوف ٢٦٦\nالراية من النمرة ٢٦٦\nما كان مكتوبا فيها ٢٦٦\nاسم رايته ﷺ ٢٦٦\nباب في لون راية الأنصار ٢٦٦\nباب في تعميم الإمام للصبي ٢٦٧\nباب في انقسام الجيش إلى خمسة أقسام المقدمة والمجنبتين والقلب والساقة وكون الرئيس في القلب منها ٢٦٨\nباب في أمير الرماة ٢٦٨\nباب في الرجل يقيمه الإمام يوم لقاء العدو بمكانه من قلب الجيش ٢٦٨\nباب فيمن كان على مواقف الجيش ميمنة وميسرة وقلبا وفي المقدمة ٢٦٩\nباب في شعار المحاربين والعلامة التي يتعارفون بها في الحرب ٢٦٩\nباب في الوازع الذي يتقدم إلى الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر ٢٧٠\nباب في اتخاذ الخيل ٢٧١\nذكر خيله ﷺ ٢٧٢\nباب في المسرج ٢٧٣\nباب من أي شيء كان سرج رسول الله ﷺ ٢٧٣","vol":"1","page":378},{"text":"باب في ذكر من أخذ بركاب رسول الله ﷺ عند ركوبه ٢٧٣\nما جاء في ضم ثياب الفارس في سره عند ركوبه ٢٧٣\nباب في الرجل يركب خيل الإمام يسابق عليه وفيه فصول فصل في أنه ﷺ كان يسابق بين الخيل ٢٧٤\nفصل في ذكر مسابقة النبي ﷺ بخليه وذكر من ركبها من الصحابة للمسابقة بها ٢٧٤\nباب في صاحب الراحلة الناقة ٢٧٤\nباب في صاحب البغلة ٢٧٥\nباب في القائد ٢٧٥\nباب فيمن كان يسوق به ﷺ ٢٧٦\nباب في سائق بدن النبي ﷺ ٢٧٦\nباب في صاحب بدن النبي ﷺ ٢٧٦\nباب في راعي لقاح النبي ﷺ ٢٧٦\nباب فيمن كان يقوم بلقاحه ﷺ ٢٧٦\nباب فيمن كانت عنده خيل النبي ﷺ ٢٧٦\nباب في جماله ﵇ ٢٧٧\nباب فيمن كان يمسك دابة المصطفى في خيبر عن القتال ٢٧٧\nباب فيمن كان يأخذ بركابه ﵇ وهو على الناقة ٢٧٧\nباب فيمن كان يأخذ بخطام ناقته ﵇ ٢٧٧\nباب في الحادي ٢٧٨\nمن كان على هديه ﵇ في حجة الوداع ٢٧٩\nباب في صاحب السلاح وفيه ذكر سلاحه ﵇ ٢٧٩\nأين كان ﵇ يجعل السيف منه ٢٧٩\nباب في حامل الحربة بين يديه ﵇ ٢٨٠\nباب في حامل السيف ٢٨٠\nباب فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه ﷺ ٢٨١\nباب في الصيقل ٢٨١\nباب في الدليل في الطريق دليله ﷺ في الهجرة ٢٨٢\nباب في البناء في المفازات التي يسلكها الإمام إعلاما بوصول قدمه هناك","vol":"1","page":379},{"text":"(ويتخذ علما لبلوغ دعوته ثمة) ٢٨٣\nباب في مسهل الطريق ٢٨٣\nباب في ذكر من يطأطأ هامته للإمام ليركب ٢٨٣\nباب في صاحب المظلة ٢٨٤\nباب في ذكر صاحب الثقل متاع المسافر وحشمه ٢٨٤\nباب ذكر فسطاطه ﵇ ٢٨٤\nباب فيمن كان يضرب قبته ﵇ ٢٨٦\nباب فيمن يكتنف الإمام إذا أراد الدخول إلى الحضرة ٢٨٦\nباب في الأمين على الحرم في ذكر أمين رسول الله ﷺ على حرمه ٢٨٦\nباب من كان يقود أو يسوق نساء المصطفى ﷺ في حجه ٢٨٧\nباب في ارتياد الموضع لنزول الجيش وتخيره لهم من ماء وكلأ ٢٨٧\nباب في الحارس ذكر من حرسه ﷺ بالمدينة ٢٨٧\nفصل في الإمام يخرج للغزو فيترك الحرس خلفه في عاصمته ٢٨٨\nحراس عسكره ﷺ ٢٨٨\nالرجل يلازم المصطفى من خلفه ٢٨٩\nالرجل يتقدم أمام المصطفى ﷺ ينشد شعرا ٢٨٩\nباب في طلائع الجيش ٢٩٠\nباب في المتجسس ذكر من بعثه ﷺ متجسسا ٢٩٠\nباب في الرجل يتخذ في بلد العدو عينا يكتب بأخبارهم إلى الإمام ٢٩١\nباب في جعل الإمام العين على الناس في بلده ٢٩١\nباب في المخذل ٢٩٣\nباب في النمام ٢٩٤\nباب في استعمال السفن البحرية وفيه فصول ذكر من استعمل فيها في زمن رسول الله ﷺ ٢٩٥\nباب في صانع المنجنيق التي ترمى بها الحجارة معربة ٢٩٨\nباب في الدبابات ٢٩٩\nباب في القوم يحرقون الأشجار ويقطعونها ٢٩٩","vol":"1","page":380},{"text":"باب في حفر الخندق الحفير ٢٩٩\nباب في صاحب المغانم وفيه ذكر من ولي جمعها وحفظها حتى قسمت يوم بدر ٣٠٢\nباب في ذكر من كان يكتب غنائم المصطفى ﵇ ٣٠٢\nذكر من تولى بيع ما احتيج إلى بيعه من المغانم ٣٠٢\nباب في هبة الإمام جنس حيوان من غزاهم ٣٠٣\nباب في صاحب الخمس ٣٠٣\nباب في الرجل يبعثه الإمام مبشرا بالفتح وفيه تلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة للإمام في الطريق يهنئونه به ٣٠٣\nباب الطعام عند القدوم ٣٠٣\nباب في قول رسول الله ﷺ إذا رجع من سفره ٣٠٤\nباب في قول النبي ﷺ عند كل قرية أراد أن يدخلها ٣٠٤\nكيف كان حال كفار جزيرة العرب معه ﵇ ٣٠٤\nكيفية معاملته ﷺ مع كفار زمانه ٣٠٦\nالقسم السادس في العمالات الجبائية ويشتمل على أبواب ٣٠٩\nالعمالات الجبائية ٣١١\nباب في صاحب الجزية ٣١١\nكيفية أخذ النبي ﷺ الجزية وممن أخذها ٣١١\nباب في صاحب الأعشار ما جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ ٣١١\nباب في متولي خراج الأرضين ٣١٢\nباب في العامل على الزكاة ٣١٤\nباب في ذكر من كان يكتب الصدقات لرسول الله ﷺ ٣١٥\nباب في الخارص ٣١٦\nباب في الوقف ٣١٧\nباب في المستوفي (وهو الرجل يبعثه الإمام ليقبض المال من العمال ويتخلصه منهم) (ويقدم به عليه) ٣٢٣\nباب خروجه ﵇ بنفسه إلى البادية في إبل الصدقة ٣٢٤","vol":"1","page":381},{"text":"باب ذكر من وكله ﵇ لحفظ زكاة رمضان ٣٢٤\nباب ذكر من جعله ﵇ على قبض مغانمه ٣٢٤\nباب من كان على خمسه ﵇ ٣٢٤\nالقسم السابع في العمالات الإختزانية وما أضيف إليها وفيه فصول ٣٢٥\nالعمالات الاختزالية ٣٢٧\nخازن الطعام ٣٢٧\nالكيال ٣٢٧\nذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة على عهده ﵇ ٣٢٨\nذكر الدرهم واستعماله ٣٢٨\nذكر أسماء الأكيال المستعملة في عهده ﵇ ٣٣٧\nباب في اتخاذ الإبل والغنم ٣٣٩\nذكر الوسّام ٣٣٩\nفي الحمى يحميه الإمام ٣٤٠\nالقسم الثامن في سائر العمالات وفيه عشر أبواب ٣٤١\nالعمالات ٣٤٣\nباب في المنفق على رسول الله ﷺ ٣٤٣\nباب في الوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية ٣٤٣\nباب في أمر المصطفى الرجل أن يحبس السبايا والأموال في الغزو ٣٤٤\nباب في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما يأمره به (من وجوه مصارفه في غير الحضرة) ٣٤٤\nباب في انزال الوفد وفيه فصول ولها مقدمة ٣٤٤\nفصل في اتخاذ الدار لنزول الوفد في زمانه ﵇ ٣٤٥\n(وبنائه ﷺ فيها بنفسه) ٣٤٥\nفصل في انزال الوفد في قبة ضربت لهم في زمانه ﵇ ٣٤٦\nفصل في انزال الوفد عند بعض أصحاب رسول الله ﷺ ٣٤٧","vol":"1","page":382},{"text":"فصل في ذكر من ولي النظر في أمر الوفود في زمنه ﵇ ٣٤٨\nأمره ﵇ بالزاد للوفود ٣٤٨\nجوائزه ﵇ للوفود ٣٤٨\nباب تجمله ﵇ للوفود وأجازتهم ٣٤٩\nباب في الخانات (الفنادق) لنزول المسافرين ٣٥٠\nباب في المارستان (دار المرضى والمستشفى اليوم) وقيام النساء (الصحابيات به في زمنه ﵇) ٣٥٠\nباب في الطبيب ٣٥١\nباب في قاطع العروق ٣٥٧\nباب في الكي ٣٥٧\nباب في أمر الرجل بذكر اسم الله على الجرح ثم التفل فيه ٣٥٨\nباب كون من لا يعرف بالطب لم يكن يباح له أن يعالج الناس ٣٥٨\nباب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة [الحجر الصحي] ٣٥٨\nالنسوة الممرضات (باب في الحكيم) ٣٥٩\nباب في المنجم ٣٦١\nباب في القافي ٣٦٢\nباب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويتخرج منه الأصل لهذه الزوايا التي تتخذ للفقراء والمنقطعين ٣٦٢\nإختصاص أبي بكر برسول الله ﷺ للمداولة في الأمر يعرض ٣٦٧","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>[نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>القسم التاسع في ذكر حرف وصناعات كانت في عهد رسول الله ص وذكر من عملها من الصحابة</span>\nرضوان الله عليهم زيادة على ما تقدم وفيه عدة أبواب ومقدمات وهي ثمان في ست لم يأت عليها الإمام الخزاعي فاستدركتها عليه فأقول:","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>المقدمات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>(المقدمة الأولى)</span>\nقال الحافظ ابن القيم في الهدي النبوي إن النبي ﷺ باع واشترى وشراؤه أكثر، وآجر واستأجر وإيجاره أكثر، وضارب وشارك ووكّل وتوكّل وتوكيله أكثر وأهدى وأهدي له ووهب واستوهب واستدان واستعار وضمن عاما وخاصا ووقف وشفع فقبل تارة وردّ أخرى فلم يغضب ولا عتب، وحلف واستحلف ومضى في يمينه عدة، وكفّر أخرى ومازح وورّى ولم يقل إلا حقا وهو ﷺ القدوة والأسوة الخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>(المقدمة الثانية)</span>\nقال المواق في سنن المهتدين: الذي يتبين من الفقه أن الصناعات والتجارات والاشتغال بالعلم الزائد على فرض العين وعلى الطب كل ذلك أسباب شرعية فعلى هذا؛ فمن اشتغل بشيء من ذلك بلا نية فهو ظالم لنفسه وإن كان لا درك عليه، لكن فاته الأجر وإن قصد بذلك فرض الكفاية فهو سابق بالخيرات، وإن قصد بذلك الاستعفاف عن المسألة كان بذلك مقتصدا، وقال في موضع آخر: الذي هو من المقتصدين هو من جعله أي العلم سببا للدنيا المحتاج إليها من وجه حلال فمن قائل يقول: هو من خير الأسباب ومن قائل: طلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إليّ من طلبها بالعلم والدين اهـ بواسطة مختصر الرهوني لدى قول خليل في الاذان: وكره عليها.\nوفي عمدة الطالب: طلب التكسب واجب فريضة، كما أن طلب العلم فريضة، ثم التكسب أنواع: كسب مفروض وهو الكسب بقدر الكفاية لنفسه ولعياله وقضائه دينه.\nوكسب مستحب: وهو كسب الزيادة على أدنى الكفاية ليواسي به فقيرا أو يجازي به قريبا ثم قال: إنه أفضل حتى من التخلي لنفل العبادة، ثم قال: فافضل مكسوب التجارة، ثم الصناعة، ثم طلب العلم، ثم قال: فلو كان العلماء يتعلمون الحرف ما افتقروا حتى يطمعون في أموال الناس اهـ بواسطة هداية الضال المشتغل بالقيل والقال.\nوفي شرح الزرقاني على الموطأ على حديث: إن أحدا لن يموت حتى يستكمل رزقه فأجملوا في الطلب، فيه إن الطلب لا ينافي التوكل، وإن حديث الترمذي «١» والحاكم\n_________\n(١) رواه في كتاب الزهد باب ٣٣ ص ٥٧٣/ ٤ وأوله: لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير الخ.","vol":"2","page":7},{"text":"وصححاه عن عمر رفعه: لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. قال الإمام أحمد: فيه ما يدل على الطلب لا القعود.\nوعن أحمد أيضا في القائل: أجلس لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي ﷺ: إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي «١» . وقوله: تغدو خماصا وتروح بطانا. وكان الصحابة يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم وبهم القدوة اهـ الخ انظر جامع ما جاء في القدر من كتاب الجامع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>(المقدمة الثالثة)</span>\nقال العضد في صدر المواقف: قال بعض أكابر الأمة وأخبار الأئمة في معنى الخبر المشهور: اختلاف أمتي رحمة. يعني: اختلاف همتهم في العلوم، فهمة واحد في الفقه، والآخر في الكلام، كما اختلفت همم أصحاب الحرف، ليقوم كل واحد بحرفة فيتم النظام اهـ زاد السيد في شرحها: وهذا الاختلاف أيضا رحمة كما لا يخفى، لكن ذكر هنا تبعا ونظيرا اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>(المقدمة الرابعة)</span>\nوترجم البخاري في كتاب البيوع من صحيحه:\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>باب ما ذكر في الأسواق </span>«٢»\nوفي فتح الباري أيضا قال ابن بطال: أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الاشراف والفضلاء إلى الأسواق، وكأنه أشار إلى ما لم يثبت على شرطه، من أنها شر البقاع. وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق.\nوإسناده حسن. وأخرجه ابن حبان والحاكم أيضا من حديث ابن عمر قال ابن بطال: هذا خرج على الغالب، وإلّا فربّ سوق يذكر فيه اسم الله أكثر من كثير من المساجد اهـ.\nقلت: غفل سيدنا الحافظ ﵀ عن كون الحديث في صحيح مسلم، عن أبي هريرة بلفظ أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها. وهو من أفراد مسلم عن البخاري فإنه لم يخرجه خلافا لمن زعمه. وأخرج البخاري في هذه الترجمة قول عبد الرحمن بن عوف لما قدم المدينة: هل من سوق فيه تجارة؟ فقيل: سوق قينقاع، وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق. قال الحافظ الغرض منه ذكر السوق فقط، وكونه كان موجودا في زمن النبي ﷺ، وكان يتعاهده الفضلاء من الصحابة لتحصيل المعاش للكفاف\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الجهاد باب ٨٨ ص ٢٣٠/ ٣.\n(٢) إشارة إلى الحديث وفيه: وقال عبد الرحمن بن عوف لما قدمنا المدينة قلت: هل من سوق فيه تجارة. قال: سوق قينقاع وقال أنس: قال عبد الرحمن: دلوني على السوق. وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق. ص ١٩ ج ٣ من كتاب البيوع.","vol":"2","page":8},{"text":"والتعفف على الناس، وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٢٠] اهـ.\nوترجم ابن رشد في جامع البيان والتحصيل، في جواز دخول أهل الفضل الأسواق ومقاربتهم في البيع والشراء، ثم ذكر عن مالك أنه سئل عن الرجل له فضل وصلاح يحضر السوق يشتري لنفسه فيقارب في ذلك لفضله ولحاله، قال: لا بأس بذلك وقد كان عمر بن الخطاب يدخل السوق، وسالم بن عبد الله إن كان ليقعد في سوق الليل، ويجلس معه رجال وإن الحرس ليمرون بجلسائه فيقولون: يا أبا عمر أمن جلسائك؟ فقيل له ما بال الحرس؟ قال: يطردون منه السفه والعبث.\nقال ابن رشد: وأما جواز دخول الأسواق والمشي فيها، فكفى في الحجية في ذلك قول الله ﷿: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٢٠] . ردا لقول المشركين: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٧] .\nوقع في بعض الكتب: أمن جلسائك؟ والمعنى في ذلك إعلامهم إياه أنهم يحفظونهم بمجالستهم إياه فهم آمنون. والمعنى فيما داخل الكتاب الاستفهام في الرجل: هل هو من جلسائه؟ فيحفظونه من أهل السفه كما يحفظونه وجلساءه منه اهـ.\nثم ترجم البخاري أيضا باب السخب في الأسواق، وهو الصياح. نقل الدماميني عليها عن ابن المنير ترجم كثيرا على إباحة السوق ثم ترجم هنا على السخب فيها قال: وكان البخاري صاحب تجارة وزرع. وقال: يروي أنه أعطي ببضاعة له خمسة آلاف فذكر في نفسه ولم يتلفظ، فأعطي فيها بعد ذلك أضعاف الأولى ألوفا مؤلفة قال: لا، قد كنت ركنت إلى الأولى، فحاسب نفسه على الهواجس التي لا تلزم اهـ.\nقلت: وبذلك وبغيره مما تقدم ويأتي تعلم ما في قول أبي علي اليوسي في قانونه:\nتوفي رسول الله ﷺ عن ألوف من الصحابة ما كان يحسن الواحد منهم أن يشتري حاجة من السوق بقيراط، وهم فقهاء في دين الله اهـ فإن هذا الاطلاق بصيغة الشمول والاستغراق عجيب من مطلقه، وأغرب ما يذكر عن عالم مثله إلا أن يكون عنى أهل الصفة، الذين كانوا كما سبق انقطعوا للعبادة والتأله والتعلم، وهم لم يصلوا إلى الألوف، على أن اتقطاعهم لا عن جهل بالبيع والشراء، بل ايثارا لما يبقى على ما يفنى. وقد قال ابن الحاج في المدخل: أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في الأسواق يتجرون وفي حوائطهم يعملون، وقد ترجم البخاري أيضا باب: كسب الرجل وعمله بيديه، فذكر فيه عن عائشة لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف فيه للمسلمين، قال الحافظ: حديث أبي بكر هذا وإن كان ظاهره الوقف ولكنه بما اقتضاه من أنه قبل أن","vol":"2","page":9},{"text":"يستخلف كان يحترف لتحصيل مؤونة أهله يصير مرفوعا، لأنه يصير كقول الصحابي: كنا نفعل كذا على عهد النبي ﷺ، وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث أم سلمة أن أبا بكر خرج تاجرا إلى بصرى في عهد النبي ﷺ.\nوتقدم في حديث أبي هريرة في أول البيوع: إن إخواني من المهاجرين، كان يشغلهم الصفق بالأسواق، ويأتي حديث عائشة أن الصحابة كانوا عمال أنفسهم اهـ.\nوترجم البخاري أيضا باب التجارة في البر وغيره، وساق قوله سبحانه: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٧] ثم ذكر قول قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون لكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله. قال العيني في العمدة: أراد بالقوم الصحابة، فإنهم في بيعهم وشرائهم إذا سمعوا إقامة الصلاة يتبادرون إليها، لإقامة حق.\nويؤيد هذا ما أخرجه عبد الرزاق من كلام ابن عمر أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد. قال ابن عمر: فيهم نزلت فذكر الآية. قال ابن بطال: ورأيت في تفسير الآية قال: كانوا حدادين وخرازين، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الأشفى فسمع الأذان لم يخرج الأشفى من الغرزة، ولم يوقع المطرقة. ورمى بها وقام إلى الصلاة اهـ.\nوقال الحافظ على أثر كلام قتادة المذكور: لم أقف عليه موصولا عنه، وقد وقع لي موصولا من كلام ابن عمر أحرج عبد الرزاق عنه فساق ما سبق عن العيني.\nوقال القسطلاني في الارشاد: رواه ابن أبي حاتم وابن جرير فيما ذكر ابن كثير في تفسيره، ثم قال الحافظ: وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود نحوه. وفي الحلية عن سفيان الثوري: كانوا يتبايعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في الجماعة اهـ.\nوترجم البخاري أيضا باب الخروج في التجارة وقوله سبحانه: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١١] فذكر فيها قول عمر: ألهاني الصفق بالأسواق، يعني بذلك الخروج إلى تجارة. قال القسطلاني: وكان احتياج عمر إلى السوق لأجل الكسب لعياله، والتعفف عن الناس. وفي ذلك رد على من يتنطع في التجارة فلا يحضر الأسواق، ويتحرج منها، لكن يحتمل أن يتحرج من يتحرج لغلبة المنكرات في الأسواق، في هذه الأزمنة بخلاف الصدر الأول اهـ.\nوترجم البخاري أيضا باب قول الله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [البقرة:\n٢٦٧] قال القسطلاني عن مجاهد: المراد به التجارة. وقد ترجم البخاري في كتاب البيوع أيضا باب ذكر الصوّاغ، وباب ذكر القين، وباب الخياط، وباب النساج، وباب النجار، وباب بيع السلاح في الفتنة وغيرها، وباب العطار، وبيع المسك، وباب ذكر الحجام،","vol":"2","page":10},{"text":"وباب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء، فقال ابن المنير وابن حجر والدماميني والعيني والقسطلاني وغيرهم: فائدة الترجمة على هذه الصنائع التنبيه على ما كان في زمنه ﵇، وأقره مع العلم به، فيكون كالنص على جواز هذه الأنواع، وما عداها إنما يؤخذ بالقياس اهـ انظر ص ٢٦٧ من ج ٤ من الفتح وص ٤٤١ من ج ٥ من العيني وص ٣١ من ج ٤ من القسطلاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>(المقدمة الخامسة)</span>\nقد بوّب البخاري أيضا باب كسب الرجل وعمله بيده قال الحافظ:\nوقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه في مذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة، لأنها أقرب إلى التوكل، وتعقبه النووي بحديث المقدام وقد أدخله البخاري في الترجمة، وفيه: ما أكل أحد طعاما قط خيرا من إن يأكل من عمل يده، ثم خرج البخاري أيضا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إن داود كان لا يأكل إلا من عمل يده، قال النووي:\nالصواب أن أطيب المكاسب ما كان بعمل اليد، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب، ولأنه لا بد فيه في العادة أن يأكل منه بغير عوض، ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل، لما ذكرنا. قال الحافظ: والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص اهـ.\nقال الحافظ: ومن فضل العمل باليد الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو، وكسر النفس بذلك والتعفف عن ذلة السؤال، والحاجة إلى الغير، وفي الشرح الجلي قيل:\nالتجارة أفضل لأن المصطفى ﷺ اتجر ولم يزرع اهـ وفيه نظر، يعلم مما يأتي وعن رافع بن خديج قال: قيل يا رسول الله أي الكسب أفضل؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور.\nوأورده التبريزي في المشكاة وعزاه لأحمد، وعزاه القاري للبزار أيضا، وقال على قوله:\nبيده أي من زراعة أو تجارة أو كتابة أو صناعة اهـ وقال في محل آخر: أفضل أنواع التجارة البز، ثم العطر اهـ.\nوقد ورد في التجارة والتجار عدة أحاديث، أخرج ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر قال الحاكم صحيح واعترض: التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة «١»، وأخرج الترمذي «٢» والحاكم عن أبي سعيد قال الترمذي: حسن غريب. وقال الحاكم من مراسيل الحسن: التاجر الصدوق الأمين مع النبيئين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. وأخرج الأصبهاني في ترغيبه، والديلمي في الفردوس، عن أنس رفعه: التاجر الصدوق تحت ظل العرش يوم القيامة، وأخرج ابن النجار عن ابن عباس رفعه: التاجر الصدوق لا يحجب من أبواب الجنة. قال المناوي في التيسير: بل يدخل من أيها شاء لنفعه\n_________\n(١) رواه في كتاب التجارات ص ٧٢٤/ ٢.\n(٢) رواه في كتاب البيوع باب ٤ ج ٣/ ٥١٥.","vol":"2","page":11},{"text":"لنفسه ولصاحبه، وسراية نفعه إلى عموم الخلق. وأخرج القضاعي عن أنس قال المناوي بإسناد حسن رفعه: التاجر الجبان محروم، والتاجر الجسور مرزوق، وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي ويحيى بن جابر الطائي مرسلا قال المناوي: ورجاله ثقات: تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعشر في المواشي. يعني النتاج.\nوقال الإمام أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في رسالته في مدح التجار وذم عمل السلطان: وقد علم المسلمون أن خيرة الله من خلقه، وصفوته من عباده، والمؤتمن على وحيه من أهل بيت التجارة، وهي معوّلهم وعليها معتمدهم، وهي صناعة سلفهم وسيرة خلفهم. وبالتجارة كانوا يعرفون. ولذلك قالت كاهنة اليمن: لله الديار ولقريش التجار، اسم اشتق لهم من التجارة. والتقريش، فهو أفخم أسمائهم وأشرف أنسابهم، وهو الاسم الذي نوّه الله به في كتابه، وخصهم به في محكم وحيه وتنزيله، ولهم سوق عكاظ وفيهم يقول أبو ذؤيب:\nإذا ضربوا القباب على عكاظ ... وقام البيع واجتمع الألوف\nوقد بقي النبي ﷺ برهة من دهره تاجرا، وباع واشترى حاضرا اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] ولم يقسم الله مذهبا رضيا ولا خلقا زكيا، ولا عملا مرضيا إلا وخصه منه أوفر الحظوظ، وأقسمه فيه أجزل الأقسام، ولشهرة أمره في البيع والشراء قال المشركون: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٧] فأوحى الله إليه: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: ٢٠] فأخبر أن الأنبياء قبله كانت لهم صناعات وتجارات اهـ كلامه انظر بقيته فيه ضمن مجموعة من رسائل الجاحظ طبعت بمصر سنة ١٣٢٤.\nوأخرج الديلمي عن ابن عباس: أوصيكم بالتجار خيرا فإنهم برد الآفاق، وأمناء الله في الأرض. وهذا كالصريح في تفضيل التجارة على غيرها من المكاسب، وللإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن محمد الخلال، كتاب في الحثّ على التجارة، ذكره له ابن سليمان الرداني في صلته، في حرف الجيم، وذكر إسناده له، وقد استدل كثيرون بحديث الصحيح: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) «١»، على أن الزراعة أفضل المكاسب؛ لما فيها من النفع المتعدي. والنفع المتعدي أفضل من القاصر، وقال الحافظ ابن حجر: الصواب أن ذلك يختلف باختلاف الأوقات والأشخاص اهـ.\nوقال بعض الأعلام: وينبغي أن يختلف التفاضل بين الثلاثة باختلاف الحال؛ فإن\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الحرث والمزارعة ص ٦٦ ج ٣ من حديث أنس.","vol":"2","page":12},{"text":"احتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزراعة أفضل، وإن احتيج إلى المتجر لانقطاع الطرق تكون التجارة أفضل، وإن احتيج إلى الصنعة تكون أفضل، وهذا الخلاف في الأفضلية وإلّا فكلها فروض كفاية؛ كما في الاحياء، وجمع الجوامع، وغيرهما. وعبارة الغزالي: أما فرض الكفاية فكل علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا كالطب والحساب وأصول الصناعات والسياسة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>(المقدمة السادسة)</span>\nقال أبو عمر بن عبد البر في الكافي: من المكاسب المجمع على تحريمها؛ الربا ومهور البغايا والسحت والرشى وأخذ الأجرة على النياحة، وعلى الكهانة وادعاء الغيب، وأخبار السماء وعلى الزمر واللعب والباطل كله اهـ نقله القرطبي في التفسير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>(المقدمة السابعة)</span>\nإلى ما غلب في تجارة الناس اليوم أشار الشهاب البربير كما في الشرح الجلي له:\nأرى التجار سكارى ... من سكرهم ما أفاقوا\nوليلنا اسودّ منهم ... واحمرت الآفاق\nفالخسر عدوه ربحا ... غدا إليه يساقوا\nللصدق فيه كساد ... وللنفاق نفاق\nوقال أيضا:\nأبناء دهري طلقوا الأخ ... رى وما ندموا عليها\nإذا رأوا تجارة أو ... لهوا انفضوا إليها\nوقال أيضا:\nباتاجرا لازال يرجو ... ربحا ويخسر الخسارة\nعبادة الله كل حين ... خير من اللهو والتجارة\nفاعبده ما دمت واخش نارا ... وقودها الناس والحجارة\nقال الشهاب البربير: ما أشعرت به آية وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها. من ذمّ التجارة محمول على تجارة تشغل عن أمور الدين، وتصرفه عن أمور الآخرة، وتحمله على الاقبال والانهماك على الدنيا، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا [الجمعة: ١١] وأما إذا خلت عن ذلك فهي ممدوحة وذمها عارض، وعلى ما ذكرنا يحمل حديث البخاري: «هم الفجار» كما حمل حديث: «إذا زرعت هذه الأمة نزع منها النصر» وحديث: «الذل في اذناب البقر» المشعرين بذم الزراعة، على زراعة تحمل الناس بالاشتغال بها على ترك الغزو بالكلية، لأنها إذا فعلت ذلك هجم العدو عليها في أوطانها، وهي على غير أهبة فينالها بذلك الذل، وتحرم النصر على العدو. وأما إذا جمعت بين","vol":"2","page":13},{"text":"الزراعة والقدرة على دفع العدو فبالسنة أخذت، لأن خير المؤمنين من لا يترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرى للدنيا. بل يأخذ منهما كما قال تعالى: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا [القصص: ٧٧] اهـ وقد أنشد الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية ص ٥١.\nإن حزت علا فاتخذ حرفة ... تصون ماء الوجه لا يبذل\nولا تهنه أن ترى سائلا ... فشأن أهل العلم أن يسألوا\nودليله قول الأحنف بن قيس كما لابن الهندي في كتاب الرحمة في الطب والحكمة:\nلا ينبغي للعاقل أن يترك من علم يتزوده لمعاده، وصنعة يستعين بها على أمر دينه ودنياه، وعلم طب يذهب به الداء والعلة عن نفسه وعن جسده، وانظر رسالة كشف الزور والبهتان من صناعة بني ساسان على مبالغات فيها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>(المقدمة الثامنة)</span>\nوربما تعلل بعض جهال المتعبدين في ترك التكسب بغلبة الحرام، قال القاري في المرقاة: واعلم أن هذا الزمان لا يوجد الحلال في كثير من الأحوال، فليكتسب السالك من غيره بما يحفظ حياته لئلا يموت جوعا، قال بعض الظرفاء:\nيقول لي الجهول بغير علم ... دع المال الحرام وكن قنوعا\nفلما لم أجد مالا حلالا ... ولم آكل حراما مت جوعا\nلكن يجب أن يراعي درجات الحرام والشبهة، فمهما وجد ما يكون اقرب إلى الحلال لا يتناول مما يكون بعيدا عنه، حتى قال بعض المشايخ: المضطر إذا وجد غنما ميتا فلا يأكل من الحمار الميت، وإذا وجد الحمار فلا يأكل من الكلب، وإذا وجد الكلب لا يقرب من الخنزير، ولا ينبغي أن يساوي بين الأشياء كسفهاء الفقهاء حيث يقولون:\nالحلال ما حل بنا والحرام ما حرّم منا اهـ.\nوإن أردت بسط الكلام على أنواع المكاسب فقف على كتاب البركة في فضل السعي والحركة «١» وهو في مجلد اشتمل على سبعة أبواب:\nالباب الأول: في فضل الحرث والزرع والثمار وغرس الأشجار وحفر الأنهار وفيه عدة فصول.\nالباب الثاني: في فضل الغزل وفيه فصول.\nالباب الرابع: فيما ورد من الآثار في الطب والمنافع.\nالباب الخامس: في أربعين حديثا، كل حديث متضمن لفظ البركة وفيه فصول.\nالباب السادس: في اذكار وأدعية.\n_________\n(١) طبع الكتاب في بيروت ١٣٩٨- ١٩٧٨ بدار المعرفة.","vol":"2","page":14},{"text":"الباب السابع: في الأدعية والاذكار المتكررة في الأحوال والأعصار، وفيه أيضا عدة فصول، وهو كتاب جيد، كنت شديد البحث عن ترجمة مؤلفه حتى أفادنيها بمكة زينتها ومحدثها ومسندها وبركتها، شيخنا أبو علي حسين بن محمد بن حسين الحبشي الباعلوي، وأن اسمه محمد بن عبد الرحمن بن عمر الأصابي الحبشي اليمني، المولود سنة ٧١٢ هـ المتوفي سنة ٧٨٢ هـ وعدّد لنا كثيرا من مؤلفاته. انظرها في رحلتنا الحجازية.\nوكما أسهب الشهاب البربير في كتابه: الشرح الجلي على أنواع المتاجر والحرف والصنائع في موضعين، فتكلم على الزراعة والتجارة والخياطة والحياكة والقصارة والجزارة والطباخة والصباغة وغيرها، فقف عليه فإنه مفيد، وبسط القول فيها أيضا الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه: مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، وهو من أحسن ما كتب في هذا الباب وأفيد لأهل هذا الزمان، وكذا قف على شرح ابن عمنا العالم المؤرخ أبي محمد المأمون بن عمر الكتاني علي بيتي ابن فارس اللغوي:\nإذا كنت في حاجة مرسلا ... رسولا وأنت بها مغرم\nفدع عنك كل رسول سوى ... رسول يقال له الدرهم\nالمسمى هداية الضال فإنه مفيد جدا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>(المقدمة التاسعة)</span>\nالحرف والصناعات التي عرفها أهل الإسلام، واستعملوها ألف فيها جماعة، ففي أواخر عصر الصحابة ترجم بعض الكتب المصنفة فيها باللسان القديم خالد بن يزيد بن معاوية الأموي، كما سيأتي عن ابن أبي الحديد.\nومن أقدم من صنف فيها الإمام أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي سنة ٢٥٥، له كتاب: الأخطار والمراتب والصناعات، وله أيضا كتاب غش الصناعات قال عنه بعض أعدائه ما هو منقول في روضة الأعلام أفسد به على الناس أموالهم، وحثهم به على الغش والخيانة، وله أيضا رسالة في مدح التجار وذم عمل السلطان، طبعت بمصر ضمن مجموعة له.\nومنهم الشيخ أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي له الاشارة إلى محاسن التجارة ومعرفة جيد الأعراض ورديئها وغش المدلسين فيها، وهو مطبوع في ص ٢٧ بمصر.\nومنهم الشيخ شهاب الدين محمد بن حسن بن الصائغ الدمشقي المتوفي سنة ٧٢٠ له قصيدة ميمية في ألف بيت في الصنائع والفنون. ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي الخير الأرميوني الحسني المالكي له كتاب: النجوم الشارقات في بعض الصنائع المحتاج إليها في بعض الأوقات اشتمل على خمسة وعشرين بابا في نحو خمس كراريس، وقفت عليه في زاوية الهامل ببو سعادة بصحراء الجزائر، ومنهم أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن سعيد بن إسماعيل السعدي الهروي، له كتاب: الصناع من الفقهاء والمحدثين. ذكره الإمام","vol":"2","page":15},{"text":"الحافظ أبو سعيد عبد الكريم السمعاني المروزي في حرف السين من كتابه في الأنساب وقال رأيت من تصنيفه كتابا حسنا أظنه لم يسبق إليه سماه كتاب الصناع من الفقهاء والمحدثين اهـ من كتاب الأنساب له انظر ورقة ٢٩٨ من النسخة المأخوذة بالفتوغراف وتعرض لكثير من الحرف الإمام ابن الحاج في المدخل، واختصر كلامه فيها وزاد وبسط ما على المسلم في استعمالها من النيات الفقيه الصوفي أبو العباس أحمد بن عجيبة التطواني في تأليف مخصوص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>باب كون الناس كانوا أول الإسلام لا يتعاطون البيع والشراء حتى يتعلموا أحكامه وآدابه وما ينجي من الربا</span>\nحكى الإمام الشافعي في الرسالة، والغزالي في الأحياء الاجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، قال القرافي في الفروق: فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الاجارة، ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله في القراض، ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله في تلك الصلاة، ويدل على هذه القاعدة من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [هود: ٤٧] ومعناه ما ليس لي بجواز سؤاله علم، وذلك لكونه ﵇ عوتب على سؤال الله ﷿ لابنه أن يكون معه في السفينة، لكونه سأل قبل العلم بحال الولد، وأنه مما ينبغي طلبه أم لا. فالعتب والجواب كلاهما يدل على أنه لا بد من تقديم العلم، مما يريد الإنسان أن يشرع فيه.\nإذا تقرر هذا فمثله قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الاسراء: ٣٦] نهى الله نبيه عن اتباع غير المعلوم، فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم فيكون طلب العلم واجبا، على كل حالة ومنه قوله ﵇: طلب العلم فريضة على كل مسلم «١» قال الشافعي: طلب العلم قسمان؛ فرض عين، وفرض كفاية. ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها، وفرض الكفاية ما عدا ذلك اهـ.\nوفي الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة لأبي الحسن علي بن يوسف الحكيم الفاسي قال عمر: لا يدخل الأعاجم سوقنا حتى يتفقهوا في الدين. يريد والله أعلم فقه ما يلزمه في خاصة نفسه. قلت: أي من أحكام البيوع وأصل ذلك من فعله ﵇، فإنه كان يعلم كل من يتعاطى عملا أحكامه وتكاليفه اهـ.\nوقال المجاجي في شرح مختصر ابن أبي جمرة قال علماؤنا: لا يجوز أن يتولى البيع والشراء ويجلس في السوق لذلك إلا هو عالم بأحكام البيوع والشراء، وأن تعلم ذلك لمن\n_________\n(١) هذا الحديث ضعيف الإسناد وهو مشهور جدا على الألسنة انظر مقالة صاحب كشف الخفاء. وهو صحيح المعنى والله أعلم وقد رواه ابن ماجه في مقدمة كتابه ص ٨١ عن أنس بن مالك فانظره هناك.","vol":"2","page":16},{"text":"أراده فرض واجب متعين عليه، وحكى على هذا الاجماع. وبهذا قال مالك في كتاب القراض. وفي المدونة: ولا أحب مقارضة من يستحل الحرام، أو من لا يعرف الحلال من الحرام وإن كان مسلما. وقد روي أن عمر بعث من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه اهـ ونحوه لابن رشد في المقدمات وفي الشبراخيتي على المختصر قال القبّاب: لا يجوز للإنسان أن يجلس في السوق حتى يعلم أحكام البيع والشراء. وبعث عمر من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه اهـ.\nوفي المدخل لأبي عبد الله ابن الحاج: قد كان عمر بن الخطاب يضرب بالدرة من يقعد في السوق وهو لا يعرف الأحكام. ويقول: لا يقعد في سوقنا من لا يعرف الربا أو كما يقول. وقد أمر مالك بقيام من لا يعرف الأحكام من السوق لئلا يطعم الناس الربا.\nسمعت سيدي أبا محمد يذكر أنه أدرك المحتسب يمشي في الأسواق، ويقف على الدكان ويسأل صاحبه على الأحكام التي تلزمه في سلعته، من أين يدخل عليه الربا فيها؟ وكيف يحترز منها؟ فإن أجابه أبقاه في الدكان، وإن جهل شيئا من ذلك أقامه من الدكان ويقول:\nلا يمكنك أن تقعد في سوق المسلمين تطعم الناس الربا وما لا يجوز اهـ.\nوفي نهج البلاغة أن عليا ﵇ قال: من اتجر بغير فقه فقد ارتطح (ارتبك) في الربا. قال ابن أبي الحديد في شرحه لأن مسائل الدين مشتبهة بمسائل البيع ولا يفرق بينهما إلا الفقيه اهـ منه ص ٤٧٩ من المجلد الرابع.\nوفي قوت القلوب لأبي طالب مكي: كان عمر ﵁ يطوف بالأسواق، ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه، وإلا أكل الربا شاء أو أبى اهـ.\nوعزا بعض المتأخرين إلى الترمذي مرفوعا: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه في الدين، ولم أجده في كتاب البيوع من الجامع، ولا في الجامعين للسيوطي، ثم وجدته في كنز العمال، معزوا له انظر ص ٢١٨ من ج ١.\nوفي تنبيه المغترين: كان مالك يأمر الأمراء فيجمعون التجار والسوقة ويعرضونهم عليه، فإذا وجد أحدا منهم لا يفقه أحكام المعاملات، ولا يعرف الحلال من الحرام، أقامه من السوق وقال له: تعلم أحكام البيع والشراء، ثم اجلس في السوق، فإن لم يكن فقهيا أكل الربا.\nوقال الزرقاني في شرح المختصر عند قوله: وتجارة لأرض حرب عن مالك أنه: لا يجوز شهادة التجار في شيء من الأشياء، إلا أن يتعلموا أحكام البيع والشراء اهـ.\nوفي البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية للشيخ أبي سعيد الخادمي الحنفي: على التاجر أن يتعلم أحكام البيوع صحة وفسادا وبطلانا حلا وحرمة وربا وغيرها.","vol":"2","page":17},{"text":"قال في التتارخانية عن السراجية: لا ينبغي للرجل أن يشتغل بالتجارة ما لم يعلم أحكام البيع والشراء؛ ما يجوز وما لا يجوز.\nوعن البزازية: لا يحل لأحد أن يشتغل بالتجارة ما لم يحفظ كتاب البيوع، وكان التجار في القديم إذا سافروا استصحبوا معهم فقيها يرجعون إليه في أمورهم، وعن أئمة خوارزم أنه: لا بد للتاجر من فقيه صديق اهـ وانظر شرح الشيخ أبي سالم العياشي على نظمه في البيوع لدى قوله فيه:\nلا تجلسن في السوق حتى تعلما ... ما حلّ من بيع وما قد حرما\nوفي الشرا أيضا وذاك واجب ... أيضا على جميع من يسبب\nلنفسه أو غيره ما يعرف ... حكم الذي في فعله تصرف\nودفعك المال لمن لا يعلم ... حكم البياعات قراضا يحرم\nوانظر أيضا قول أبي زيد التلمساني في نظمه لبيوع ابن جماعة التونسي:\nولم يحل جلوسه في الشرع ... حتى يكون عارفا بالبيع\nأعني به في سائر الأسواق ... وذاك معلوم بالاتفاق\nوهكذا في كل علم يجهله ... في نفسه في كل شيء يفعله\nلا سيما القاضي مع الشهود ... وعممن واحذر من الوعيد\nولم يجز أن تدفع الأموالا ... لرجل لا يعرف الحلالا\nوذاك في القراض والبيوع ... وجملة الأحكام في المشروع\nقلت: وهذا هو الأصل في المدنية العصرية لعلم امساك الدفاتر والتخريج في المدارس التجارية والتحصيل على اجازاتها بعد المباراة في التحصيل على درجاتها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>باب تشديد عمر على الصحابة في تركهم الاتجار لغيرهم من العامة والاخلاط</span>\nفي العتبية قال مالك: قال عمر بن الخطاب: عليكم بالتجارة لا تفتنكم هذه الحمراء على دنياكم. قال أشهب: كانت قريش تتجر وكانت العرب تحقر التجارة، والحمراء يعني الموالي اهـ من البيان والتحصيل وفي المدخل لابن الحاج ورد أن عمر بن الخطاب دخل السوق في خلافته فلم ير فيه في الغالب إلا النبط، فاغتم لذلك فلما أن اجتمع الناس أخبرهم بذلك وعذلهم في ترك السوق فقالوا: إن الله أغنانا عن السوق بما فتح به علينا.\nفقال ﵁: والله لئن فعلتم ليحتاج رجالكم إلى رجالهم ونساؤكم إلى نسائهم، وقد كان بعض السلف إذا رأى بعض النبط يقرأون العلم يبكي إذ ذاك وما ذاك إلا أن العلم إذا وقع لغير أهله يدخله من المفاسد ما أنت تراه. والنبط، قال في المصباح: جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق، ثم استعمل في اخلاط الناس وعوامهم اهـ.","vol":"2","page":18},{"text":"قلت: صدقت فراسة عمر في هذه الأمة، فإنها لما تركت التجارة بطرقها المشروعه المرغوبة، وأساليبها الناجحة تلقفها الغير فأصبحت الأمة عالة على غيرها، رجالنا على رجالهم، ونساؤنا على نسائهم في كل شيء. من الإبرة والخيط إلى أرفع شيء وأثمنه. وما ذكره ابن الحاج عن بعض السلف ولم يسمه هو سفيان. فقد أخرج الخطيب عن محمد بن عبد الوهاب البسكري قال: كان سفيان إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون الحديث بغير وجهه يشتد عليه، فقلت له: يا أبا عبد الله نراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك. قال:\nكان العلم في العرب وسادة الناس، فإذا خرج من هؤلاء وصار في هؤلاء يعني النبط والسفل غيّروا الدين.\nوأخرج أيضا عن سفيان بن حسين قال: قدم على الأعمش بعض السواد فاجتمعوا إليه فأبى أن يحدثهم، فقيل له: يا أبا محمد لو حدثتهم؟ فقال: من يعلق الدرر على الخنازير. قال السيد السمهودي في جواهر العقدين: فيه الإشارة إلى أن الحكمة لا توضع في غير أهلها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>باب ايثار الصحابة التكبير في الخروج للتجارة</span>\nبوّب الترمذي «١» في جامعة باب: ما جاء في التبكير بالتجارة. حدثنا يعقوب ابن إبراهيم الدورقي، حدثنا هشيم حدثنا يعلى بن عطاء عن عمارة بن حديد عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله ﷺ: اللهم بارك لأمتي في بكورها، قال: وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار. وكان صخر رجلا تاجرا، وكان إذا بعث تجاره بعثهم أول النهار، فأثرى وكثر ماله. وفي الباب عن علي وبريدة وابن مسعود وأنس وابن عمر وابن عباس وجابر.\nوحديث صخر الغامدي حديث حسن ولا نعرف لصخر الغامدي غير هذا الحديث اهـ.\nقلت: «حديث الّلهم بارك لأمتي في بكورها» «٢» خرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان من حديث صخر وقد اعتنى الحافظ المنذري بجمع طرقه فبلغ عدد من جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفسا. وانظر باب الخروج بعد الظهر من فتح الباري في كتاب الجهاد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>باب أمر عمر بالسعي وحضه الناس على التكسب</span>\nسياتي قوله لاهل اليمن: إنما التوكل رجل ألقى حبه في الأرض وتوكل على الله، وفي كتاب مناقب عمر لابن الجوزي؛ عن محمد بن سيرين عن ابيه قال: شهدت مع عمر بن الخطاب المغرب فأتى علي ومعه رزيمة (تصغير رزمة وهي الكارة من الثياب) فقال ما هذا معك فقلت رزيمة أقوم في هذا السوق، فاشترى وأبيع فقال: يا معشر قريش لا\n_________\n(١) انظر كتاب البيوع باب ٦ ج ٣ ص ٥١٧ من سنن الترمذي.\n(٢) رواه أبو داود في كتاب الجهاد ٣/ ٨٠ ورقمه ٢٦٠٦.","vol":"2","page":19},{"text":"يغلبنكم هذا واشباهه على التجارة، فإنها ثلث الإمارة، وفيه أيضا عن الحسن قال: قال عمر: من اتجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب فيه شيئا، فليتحول إلى غيره. وفيه عن الاكيدر العارضي قال: قال عمر: تعلموا المهنة فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنة.\nوفي كنز العمّال معزوا إلى عمر: لولا هذه البيوع صرتم عالة على الناس. وفي المناقب عن بكر بن عبد الله قال: قال عمر: مكسبة فيها بعض دناءة خير من مسألة الناس.\nوفيه عن ذكوان قال: قال عمر: إذا اشترى أحدكم جملا فليشتره عظيما سمينا، فإن أخطأه خيره لم يخطئه سوقه.\nوخرج ابن الجوزي في تلبيس إبليس، ومناقب عمر عن خوّات التميمي قال: قال عمر: يا معشر الفقراء إرفعوا رؤوسكم، فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عالة على المسلمين.\nوفي العقد الفريد قال عمر بن الخطاب: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول:\nاللهم أرزقني. وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وأن الله إنما يرزق الناس بعضهم من بعض، وتلا قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة: ١٠] وفيه قال عمر: حسب الرجل ماله، وكرمه دينه، ومروءته خلقه.\nوأخرج ابن ماجه، من طريق عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث، عن أخيه سعد بن حريث قال: قال رسول الله ﷺ: من باع دارا ولم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له فيها «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>باب قول عمر إذا رأى غلاما فأعجبه</span>\nأخرج ابن الجوزي في تلبيس إبليس، ومناقب عمر أيضا عن محمد بن عاصم قال:\nبلغني أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل: هل له حرفة؟ فإن قيل: لا.\nقال: سقط من عيني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>باب قول عمر في التكسب والغزو ورأيه في التفاضل بينهما بالنسبة إلى نفسه</span>\nذكر ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس، عن عمر أنه قال: لأن أموت من سعيي على رجلي اطلب كفاف وجهي أحبّ إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله.\nوهنا انتهت الأبواب والمقدمات المستدرك كلها على الخزاعي.\nفلنرجع إلي سياق ما في الجزء التاسع عند الخزاعي من الأبواب.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في كتاب الرهن ص ٨٣٢/ ٢.","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>الباب الأول في ذكر من كان يتجر في زمن رسول الله ص ثم من اتجر من كبار الصحابة بعده</span>\n«منهم خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁، ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب، وابن قتيبة في المعارف من طريق الزهري قال: خرج أبو بكر في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي ﷺ بعام، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة وكان قد شهد بدرا وكان نعيمان على الزاد الخ القصة» .\nوفي ترجمته من الإصابة: كان أبو بكر معروفا بالتجارة، ولقد بعث رسول الله ﷺ، وعنده أربعون ألفا وكان يعتق منها ويعول المسلمين حتى قدم المدينة بخمسة آلاف، وما مات حتى ما ترك دينارا ولا درهما.\nأخرج ابن عساكر من أم سلمة قالت: لقد خرج أبو بكر على عهد رسول الله ﷺ تاجرا إلى بصرى، ولم يمنع أبا بكر الضن برسول الله ﷺ، وشحه على نصيبه منه من الشخوص إلى التجارة، وذلك لاعجابهم بكسب التجارة وحبهم التجارة. ولم يمنع رسول الله ﷺ أبا بكر من الشخوص في تجارته ومحبته وضنته بأبي بكر، وقد كان بصحابته معجبا لاستحباب رسول الله ﷺ التجارة وأعجابه بها.\nوقال ابن سعد: لما استخلف أبو بكر: أصبح غاديا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر بها. فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقالا: كيف تصنع هذا؟ وقد وليت أمر المسلمين. قال: فمن أين أطعم عيالي قال: نفرض لك. ففرضوا له كل يوم شطر شاه، قال ابن زكري على البخاري: وكل من شغلته مصالح المسلمين من قاض ومفت ومدرس كذلك اهـ.\n«ومنهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الصحيح في قضية استئذان أبي موسى الأشعري على عمر ورجوعه، واستدلاله لرجوعه بما خفي على عمر من الأثر فقال عمر:\nأخفى علي هذا من أمر رسول الله ﷺ، ألهانى الصفق في الأسواق يعني الخروج إلى التجارة» .\nوأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن عمر ﵁ قال: ما جاءني أجلي في مكان ما عدا الجهاد في سبيل الله أحب إلي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي، أطلب من فضل الله وتلا: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠] .\nومنهم عثمان بن عفان تعاطيه للتجارة معروف في دواوين السلف، وأخرج ابن سعد في الطبقات عن عبد الله قال: كان عثمان رجلا تاجرا في الجاهلية والإسلام، وكان يدفع","vol":"2","page":21},{"text":"ماله قراضا. وأخرج أيضا عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن عثمان دفع إليه مالا مضاربة على النصف.\nوفي مقدمات ابن رشد: أول قراض كان في الإسلام قراض يعقوب مولى الحرقة مع عثمان بن عفان، وذلك أن عمر بن الخطاب بعث من يقيم من السوق من ليس بفقيه. فأقيم يعقوب فيمن أقيم. فجاء إلى عثمان فأخبره فأعطاه مزود تبر قراضا على النصف، وقال له:\nإن جاءك من يعترضك فقل: المال لعثمان فقال ذلك. فلم يقم. فجاء بمزودين؛ مزود رأس المال ومزود ربح اهـ.\nقلت: ومنهم خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، فقد علم أنه كان لها مال كبير وتجارة تبعث إلى الشام، فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربة. ولما خرج ﵇ في تجارتها مع غلامها ميسرة قالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي قومك، ففعل رسول الله ﷺ، وخرج إلى سوق بصرى، وباع سلعته التي أخرج، واشترى غيرها، وقدم بها فربحت ضعف ما كانت تربح، فأربحت رسول الله ﷺ ضعف ما سمت له أنظر ترجمة خديجة من طبقات ابن سعد.\n«ومنهم الزبير بن العوام قال ابن عبد البر: كان الزبير تاجرا مجدودا «١» في التجارة.\nوقيل له يوما: أدركت في التجارة ما أدركت؟ فقال: لم أشتر عيبا ولم أرد ربحا والله يبارك لمن يشاء وذكر ابن عبد البر أيضا؛ كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج» .\n«ومنهم عبد الرحمن بن عوف في الصحيح: قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلّت تزوجتها. فقال له عبد الرحمن بن عوف: لا حاجة لي في ذلك. هل من سوق فيه من تجارة؟ فدله عليه قال فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بشيء باعه الغد واستفضل، ثم تابع الغد فما لبث أن جاء وعليه صفرة فقال رسول الله ﷺ: تزوجت؟ قال: نعم قال ابن عبد البركان عبد الرحمن بن عوف تاجرا مجدودا في التجارة، واكتسب مالا كثيرا فصولحت امرأته التي طلقها في مرضه، من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا. وروى ابن عيينة أنها صولحت عن ربع الثمن من ميراثه» .\nومنهم سعد بن عائذ المؤذن مولى عمار بن ياسر. ترجمه في الاصابة فقال: كان يتجر في القرظ، وهو ورق يدبغ به كقشر البلوط فقيل له سعد القرظ. وروى البغوي أنه اشتكى إلى النبي ﷺ قلة ذات يده، فأمره بالتجارة فخرج إلى السوق، فاشترى شيئا من قرظ فباعه فربح فيه. فذكر ذلك للنبي ﷺ، فأمره بلزوم ذلك.\nومنهم منقذ بن عمرو الأنصاري الصحابي المدني، روى ابن إسحاق عن محمد بن\n_________\n(١) مجدودا أي ذا جّد، وهو الحظ.","vol":"2","page":22},{"text":"يحيى بن حبان قال: كان جدي منقذ بن عمرو أصابته آفة في رأسه، فكسرت لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال إذا بعث فقل:\nلاخلابة وأنت في كل سلعة بعتها بالخيار ثلاث ليال، وكان في زمن عثمان حين كثر الناس يبتاع في السوق فيصير إلى أهله فيلومونه، فيرده ويقول: إن النبي ﷺ جعلني بالخيار ثلاثا. انظر ترجمته من تهذيب النووي.\nومنهم أبو معلق الأنصاري كان تاجرا يتجر بمال له ولغيره ويضرب في الأفاق وكان ناسكا ورعا مجاب الدعوة انظر ترجمته من الاصابة ص ١٨٢ ج ٤.\nومنهم عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب ﵃، في سراج الملوك للطرطوشي؛ لما دفع أبو موسى الأشعري مالا من بيت المال لعبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب بالبصرة، اشتريا منه بضاعة فزكت، فأراد عمر أن يأخذ جميع الربح، فراجعهم عبيد الله فحكم بينهم بنصف الربح فأخذا جميع نصف الربح وأخذ عمر النصف لبيت المال.\nوقال ابن رشد في المقدمات: يقال إن أول قراض كان في الإسلام قراضهما اهـ.\nوقد ذكر قضيتها في الموطأ وهي مشهورة. وفي الشبرخيتي على المختصر لدى باب القراض: عمل به النبي ﷺ لخديجة قبل البعث، وعمر وعثمان. فصدر الأمة وخيارها وأول من عمل به في الإسلام يعقوب مولى الحرقة لعثمان اهـ انظر ما سبق في ترجمة عثمان ﵁.\nومنهم أبو هريرة، في سراج الملوك قال مالك: كان عمر بن الخطاب يشاطر العمال فيأخذ نصف أموالهم، وشاطر أبا هريرة وقال له: من أين لك هذا المال؟ فقال أبو هريرة:\nدواب تناتجت وتجارات تداولت الخ القصة.\nومنهم حاطب بن أبي بلتعة، سفير المصطفى إلى المقوقس في ترجمته من طبقات ابن سعد: أنه ترك يوم مات أربعة آلاف دينار، ودراهم ودارا وغير ذلك، وكان تاجرا يبيع الطعام وغيره.\nومنهم المتجر في غزوة خيبر «١» ذكر حديثه أبو داود في سننه في باب التجارة في الغزو؛ ثم أخرج عن عبيد الله بن سلمان أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ حدثه قال: لما فتحنا خيبر أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي، فجعل الناس يتبايعون غنائمهم، فجاء رجل حين صلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد ربحت ربحا ما ربح اليوم مثله أحد من أهل هذا الوادي. قال: ويحك ما ربحت؟ قال ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية فقال رسول الله ﷺ: أنا أنبئك بخير رجل ربح قال وما هو يا رسول الله؟ قال؛ ركعتين بعد الصلاة، والحديث سكت عنه المنذري.\n_________\n(١) انظر ج ٣ من كتاب الجهاد ص ٢٢٢.","vol":"2","page":23},{"text":"وأخرج ابن ماجه من حديث خارجة بن زيد قال: رأيت رجلا سأل أبي عن الرجل يغزو ويشتري ويبيع ويتجر في غزوه فقال له: إنا كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك نشتري ونبيع، وهو يرانا ولا ينهانا، وفيهما دليل على جواز التجارة في الغزو. وعلى أن الغازي مع ذلك يستحق نصيبه من المغنم، وله الثواب الكامل بلا نقص، ولو كانت التجارة في الغزو موجبة لنقصان أجر الغازي لبينه ﷺ، فلما لم يبين ذلك بل قرره دل على عدم النقصان. ويؤيد ذلك جواز الاتجار في الحج لما ثبت في الحديث الصحيح: أنه لما تحرج جماعة من التجارة في سفر الحج أنزل الله ﷿: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨] قاله الشوكاني. [وانظر أبا داود كتاب المناسك ج ٢/ ٣٥٠ باب التجارة في الحج] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>ذكر أصل تسمية البيع والشراء تجارة</span>\nفي أول كتاب البيوع من أوائل السيوطي أخرج ابن ماجه والطبراني عن قيس بن أبي غرزة قال: كنا نسمّى في عهد رسول الله ﷺ السماسرة، فمر بنا رسول الله ﷺ فسمانا باسم هو أحسن منه فقال: يا معشر التجار إن البيع يحضره الحلف واللغو فشوبوه بالصدقة «١» زاد الطبراني فكان أول من سمانا التجار.\nقلت: عزاه الشامي في سبل الرشاد إلى أحمد والأربعة، واقتصر في مشكاة المصابيح على عزوه للأربعة دون أحمد، وقد بوّب على الحديث الترمذي في جامعه فقال: باب التجار «٢» وتسمية النبي ﷺ بذلك، ثم قال: وفي الباب عن اليمان ورفاعة ثم قال: حديث قريظة حسن صحيح. ولا نعرف له سواه. وبوّب على الحديث المذكور ابن ماجه في سننه فقال: باب التوقي في باب التجارة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن قيس بن أبي غرزة فذكره. ثم قال: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاتب حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده رفاعة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ؛ فإذا الناس يتبايعون بكثرة فناداهم: يا معشر التجار فلما رفعوا أبصارهم ومدوا أعناقهم قال: إن التجارة يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق «٣» .\nقال صاحب اللمعات: إنما كان اسم التجار أحسن من السماسرة لأن التجارة مذكورة في مواضع عديدة من القرآن في مقام المدح، والذي يتوسط بين البائع والمشتري يكون تابعا، وقد يكون مائلا عن الأمانة والديانة. وسماهم تجارا لكونهم مصاحبين لهم، مع شمول التجار التابعين أيضا اهـ.\n_________\n(١) انظره في ابن ماجه ص ٧٢٦ ج ٢ ورقم الحديث ٢١٤٥.\n(٢) انظر كتاب البيوع ج ٣ ص ٥١٤.\n(٣) انظره أيضا ابن ماجه ص ٧٢٦ ج ٢ ورقم الحديث ٢١٤٦.","vol":"2","page":24},{"text":"وقال القاري في شرح المشكاة على قوله: كنا نسمّى في عهد رسول الله ﷺ السماسرة، وهم الآن المتوسطون بين البائع والمشتري لإمضاء البيع، جمع سمسار. وهو في الأصل: القيم على الشيء الحافظ له، ثم استعمل في المتوسط، وقد يطلق على المقوم. فسمانا رسول الله ﷺ باسم هو أحسن من اسمنا الأول، قيل: لأن اسم التاجر أشرف من اسم السمسار في العرف العام، ولعل وجه الحسن أن السماسرة تطلق الآن على المكاسين، أو لعل هذا إسم في عهده ﵇ كان يطلق على من فيه نقص، والأحسن ما قاله: الطيبي وذلك أن التجارة عبارة عن التصرف في رأس المال طلبا للربح، والسمسرة كذلك لكن الله تعالى ذكر التجارة في كتابه غير مرة على سبيل المدح، كما قال تعالى:\nهَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [الصف: ١٠] وقوله: تِجارَةً عَنْ تَراضٍ [النساء: ٢٩] وقوله: تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: ٢٩] اهـ ولعله أيضا أراد قوله: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ [النور: ٣٧] تنبيها لهم بهذا الإسم، على أن يكونوا موصوفين بهذه النعوت، خصوصا وفي هذا الإسم إيماء إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١] الآية اهـ وسمّى السوق سوقا لنفاق السلع فيه قاله في المدخل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>باب في ذكر من كان بزازا في عهد رسول الله ﷺ</span>\nالبزّ نوع من الثياب، وقيل: الثياب خاصة من أمتعة البيت، قاله في المصباح وفي الصحيح: باب التجارة في البز وغيره. قال ابن العربي: إنما بوّب البخاري على التجارة في البز ردا على الذين يكرهون التوسعة في الدنيا، ويقولون: يجزي الثوب الخلق، والثوب الواحد.\nواخرج الخطيب عن أبي هريرة رفعه: عليكم بالبزّ فإن صاحب البز يعجبه أن يكون الناس بخير وفي خصب.\nواخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر رفعه: لو أذن الله لأهل الجنة في التجارة لا تجروا في البز والعطر. أوردها في جمع الجوامع.\n«فمنهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال ابن قتيبة في المعارف في صنائع الأشراف: كان عثمان بزازا وقال ابن عبد البر: جهز عثمان جيش العسرة تسعمائة وخمسين بعيرا وأتم الألف بخمسين فرسا وعن قتادة قال: حمل عثمان على ألف بعير وسبعين فرسا اهـ وكل ذلك مما اكتسب من المال بحرفة البزازة إذ لم يكن يحترف بغيرها.\nومنهم طلحة بن عبيد الله ذكر ابن قتيبة في المعارف وابن الجوزي في التلبيس: أنه كان بزازا.\nوذكر الزبير بن بكار أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلة طلحة بن عبيد الله","vol":"2","page":25},{"text":"ألفا وافية كل يوم. قال: والوافي وزن الدينار وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية.\nومنهم سويد بن قيس العبدي، ترجمه في الأصابة ص ١٠٠ ج ٢ فذكر أن سماك بن حرب روى عنه، أن النبي ﷺ: اشترى منه رجل-[كذا] سراويل أخرجه أحمد وأصحاب السنن وفي رواية عنه: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتيت مكة فجاءنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى فساومنا سراويل فبعناه منه فوزن ثمنه وقال للوازن: زن وأرجح. [المسند ٤/ ٣٥٢] .\nومنهم عبد الرحمن بن عوف، عدّة من البزازين ابن الجوزي في التلقيح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>باب في سوق البزازين في المدينة على عهده ﵇</span>\nفي حديث أبي يعلى الموصلي بسند ضعيف جدا عن أبي هريرة قال: دخلت السوق مع رسول الله ﷺ، فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزان يزن فقال له ﷺ: زن وارجح.، فقال الوزان: إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد القصة.\nقال الزرقاني في شرح المواهب على قوله: إلى البزازين نسبة إلى البز، الثياب أو متاع البيت من ثياب ونحوها، وبائعه البزاز كما في القاموس. وقد أخرج حديث الترجمة أبو سعد النيسابوري، في كتاب شرف المصطفى في تجارته ﵇.\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>باب في العطار</span>\n«بوّب البخاري في صحيحه لدى كتاب البيوع باب العطار «١» وبيع المسك وخرّج فيه عن أبي موسى الأشعري: مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك، وكير الحداد.\nلا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة.\nوذكر الثعالبي في كتاب التمثيل والمحاضرة عن عمر أنه قال: لو كنت تاجرا لما اخترت على العطر شيئا، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه» .\nقال العيني: العطار على وزن فعّال الذي يبيع العطر، وهو الطيب اهـ وقال الحافظ في الفتح ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك، وكأنه الحق العطار به لاشتراكهما في الرائحة الطبية اهـ.\n_________\n(١) ج ٣/ ١٦","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>باب في الوزان في زمنه ﵇</span>\nتقدم عن مسند أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة وكان لأهل السوق وزان يزن فقال له ﵇: زن وارجح، وهو في معجم الطبراني الأوسط أيضا. وأخرجه أحمد في مسنده وفي سنده ابن زياد هو وشيخه ضعيفان. قاله السيوطي في فتاويه. قال الخفاجي في شرح الشفا أقول: انجبر ضعفه بمتابعته اهـ.\nومعنى قوله ﵇: له زن أي زن الثمن وأرجحه أي زد عليه حتى ترجح الميزان أي بزيادة الكفة التي فيها الدراهم يقال وزن المعطي واتزن كالآخذ.\nوفي تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر لأبي عبد الله العقباني التلمساني؛ روى عن علي ﵁: أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له:\nأتم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت، كأنه أمره بالتسوية ليعتادها ويعمل الواجب، وعن ابن عباس: إنكم معاشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم؛ المكيال والميزان. وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعا. وكانا مفرقين في الحرمين كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون اهـ.\nوحديث أول الترجمة يدل على أنه ﵇ كان يتكلم مع كل صاحب حرفة بما يتعلق بحرفته، ويقول له ما يزيده بها اغتباطا، وبادابها وأحكامها أرتباطا، فهو أصل ما ذكره مسند اليمن ومفتيه الوجيه الأهدل في (النفس اليماني) لدى ترجمة شيخه عبد الصمد الجاوي، أنه كان من طريقه إذا وصل إليه الطالب، يسأله عن تفصيل حاله، فإذا عرف ملازمته لخصلة خير أطال له المقال في مدحها، وشرح له من أحكامها وآدابها ليزداد ملازمة لها، ويكون على بصيرة من أمره. قال: ولما وصلت إليه لم يزل يقرر لي آداب الفتوى، وأن المفتي لا ينبغي له أن يقتصر على مجرد السؤال، بل إذا كان له إلمام بالواقعة لاحظها في جوابه، فإن في ذلك مصالح دينية يعرفها الممارس في هذا الشأن.\nتتمة تمام الحديث السابق عند الطبراني وأبي يعلى أنه ﷺ اشترى سراويل باربعة دراهم، وكان للسوق وزان فقال له زن وارجح. وأخذ رسول الله ﷺ السراويل فذهبت لأحمل عنه فقال: صاحب الشيء أحق بحمل شيئه إلا أن يكون ضعيفا فيعجز عنه، فيعينه أخوه المسلم. فقلت: يا رسول الله إنك لتلبس السراويل؟ قال: أجل في السفر والحضر، وبالليل والنهار فإني أمرت بالستر، فلا أجد شيئا أستر منه.\nوالحديث المذكور مستند ابن القيم في الهدى في جزمه بأنه ﷺ لبس السراويل. ولذا قال الخفاجي في شرح الشفا: منه يعلم أن تخطئة ابن القيم لا وجه لها، وكونه اشتراها ولم يلبسها بعيد جدا، وقد لبسها عثمان وهو محاصر، وكون الثمن أربعة دراهم هو المروي، إلا ما في الأحياء من أنه بثلاثة اهـ وانظر تأليف سيدنا الخال في المسألة وهو مطبوع.","vol":"2","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>باب في الصراف ذكر من كان يتجر في الصرف على عهد رسول الله ﷺ</span>\n«في الصحيح عن أبي المنهال قال: كنت أتجر في الصرف فسألت زيد بن أرقم ﵁ والبراء بن عازب عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ، فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئا فلا يصلح، والصرف بيع الذهب بالفضة والنسأ التأخير» . كتاب البيوع ج ٣/ ص ٦.\nوفي زمن سيدنا عثمان كبر هذا السوق، واحتيج إلى مراقب. ففي تاريخ الخميس للديار بكري لما تعرض لما نقم على سيدنا عثمان: وأما دعواهم أنه جعل للحارث بن الحكم سوق المدينة، ليراعي أمر المثاقيل والموازين فتسلط بعد يومين أو ثلاثة على باعة النوى، واشتراه لنفسه فلما رفع ذلك لعثمان أنكره عليه وعزله، وقد روي أنه جعله على سوق المدينة وجعل له كل يوم درهمين الخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>التجارة في العنبر والزئبق</span>\nذكر صاحب عون المعبود على سنن أبي داود أن الزعفران والعنبر والمسك والعود هذه الأربعة كانت موجودة في زمنه ﵇، واستعملها الصحابة في حضرته، وكذا بعده ثم ذكر أن النسائي «١» أخرج عن محمد بن علي قال: سألت عائشة أكان النبي ﷺ يتطيب؟ قالت: نعم بذكارة بالكسر ما يصلح للرجال كالمسك والعنبر والعود. انظر ص ٢٤٨ ج ٣ وفي طبقات ابن سعد عن محمد بن علي قال قلت لعائشة يا أماه أكان رسول الله ﷺ يتطيب؟ قالت: نعم بذكارة الطيب قلت وما ذكارة الطيب قالت: المسك والعنبر.\nوفيها أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: ذكروا المسك لرسول الله ﷺ فقال أو ليس من أطيب الطيب.\nوفيها عن ابن عمر كان إذا استجمر يجعل الكافور على العود ثم يستجمر به ويقول:\nهكذا كان رسول الله ﷺ يستجمر.\nوفيها في ترجمة أم حبيبة زوج النبي ﷺ أن النجاشي لما زوّجها من النبي ﷺ، أمر نساءه أن يبعثن لها بكل ما عندهن من العطر، قالت: فلما كان من الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير، فقدمت بذلك كله على رسول الله ﷺ، فكان يراه عندي، وعليّ فلا ينكره.\nوفي شفاء الغليل للخفاجي نقل إن الغالية وقع ذكرها في الحديث، وعن عائشة كنت: أغلل لحية رسول الله ﷺ. قال الجاحظ: ومعجونات العطر كلها عربية مثل الغالية،\n_________\n(١) ج ٨ ص ١٥١ من كتاب الزينة رقم ٣١.","vol":"2","page":28},{"text":"والشاهرية والخلوق، واللخلخة والقطر، وهو العود المطري والدريرة اهـ وترجم في الإصابة لعمرو بن كريب الطائي فذكر أن له إدراكا، وابنه [شبيب] «١» هو الشاعر المشهور الذي أغار على الرواحي وهي ابل كانت تحمل امتعة التجار من العنبر والزئبق وغير ذلك في زمن الحجاج بالكوفة ذكر ذلك ابن الكلبي، ثم ترجم لعمرو بن كلاب فقال: له ادراك وهو الذي أنشد عمر يحرشه على عماله في أبيات:\nإذا التاجر الهندي جاء بفارة ... من المسك راحت في مفارقهم تجري\nذكره ابراهيم بن الحسن في غريبه، من طريق ابن اسحاق عن يعقوب ابن عتبة عن الكوثر بن زفر، حدثي أبو المختار وحدثني عمرو بذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>حفر معدن الذهب</span>\nترجم في الإصابة لأبي حصين السلمي فقال: ذكره البغوي وذكر أن الواقدي أخرج عن عبد الله بن يحيى عن عمر بن الحكم عن جابر قال: قدم أبو حصين السلمي بذهب من معدن فأتي به النبي ﷺ فذكر حديثا طويلا اهـ.\nقلت: بسطه ابن سعد في الطبقات؛ انظر ترجمة أبي حصين ص ٩ من ج ٤ وفي التجريد: أبو الحصين السلمي قدم على رسول الله ﷺ بذهب من معدن ذكره ابن عبد البر قال ابن سعد أبو حصين اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>باب في بائع الرماح</span>\nفي الإستيعاب كان نوفل بن الحرث بن عبد المطلب يتجر في الرماح، وبها فدى نفسه لما أسر في غزوة بدر، وكانت ألف رمح.\nوفي طبقات ابن سعد: لما أسر نوفل بن الحارث ببدر قال له النبي ﷺ: أفد نفسك برماحك التي بجدة. قال: أشهد أنك رسول الله ففدى نفسه بها، وكانت ألف رمح. وفيها أنه أعان النبي ﷺ يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، فقال رسول الله ﷺ: كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف في أصلاب المشركين، انظر ترجمته في ٣١/ ٤ من الطبقات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>باب في بائع الطعام</span>\n«في صحيح مسلم عن سالم بن عبد الله أن أباه قال: قد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم. ص ١١٦١ ج ٢.\nوانظر ما سبق في ترجمة حاطب بن أبي بلتعة من طبقات ابن سعد.\n_________\n(١) انظر الإصابة ج ٣ ص ٦٤٥ في ترجمة ورد بن منظور بن سيار الطائي.","vol":"2","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>باب بيع الصبيان</span>\nترجم في الإصابة لعبد الله بن جعفر فنقل أن البغوي خرج عن عمرو بن حريث، أن رسول الله ﷺ مرّ بعبد الله بن جعفر وهو يبيع مع الصبيان. فقال: اللهم بارك له في بيعه أو صفقته، وترجم فيها أيضا للجلاح العامري فذكر أن أبا داود والنسائي في الكبرى خرجا عنه: كنا غلمانا نعمل في السوق. الحديث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>باب في بيع السكر</span>\nأخرج الدارقطني في الأفراد من طريق؛ هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال:\nجلب رجل من التجار سكرا إلى المدينة فكسد عليه، فبلغ عبد الله بن جعفر فأمر قهرمانه أن يشتريه وينتهبه الناس. ذكره في الإصابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>بيع العقاقير</span>\nذكر ابن رشد المرافعة التي وقعت بين أبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود في التحريم برضاع الكبير، وان ابن مسعود قال لأبي موسى: إنما أنت مداوي. ونقله ابن أبي زمنين وفسره بأنه كان يبيع العقاقير كأنه نفاه عن العلم بشغله بذلك، انظر شرح أبي علي بن رحال علي المختصر في الرضاع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>المرأة تبيع العطر</span>\nترجم في الإصابة لأسماء بنت مخربة بالباء فذكر أن ابنها عباس بن عبد الله بن ربيعة كان بعث إليها من اليمن بعطر فكانت تبيعه. وفي الإستبصار في أنساب الأنصار: وروى عن الرّبيّع بنت معوذ بن عفراء قالت: كانت أسماء بنت مخربة تبيع العطر بالمدينة، وهي أم عباس وعبد الله بن أبي ربيعة، فدخلت علي ومعها عطرها. فسألتني فانتسبت لها فقالت أسماء أنت بنت قاتل سيده يعني أبا جهل. فقلت: بل أنا ابنة قاتل عبده قالت: حرام علي أن أبيعك من عطري شيئا. قلت: وحرام علي أن اشتري منك شيئا. فما وجدت لعطر نتنا غير عطرك، وإنما قلت ذلك في عطرها لأغيظها. وقد خرّج قصتها هذه ابن سعد في ترجمتها من الطبقات، وفيها من قول الربيّع: فلما جعلت لي في قواريري وزنت لي كما وزنت لصواحبي الخ القصة.\nوترجم في الإصابة أيضا للحولاء العطارة، فذكر أن أبا موسى أخرج من طريق أبي الشيخ بسنده إلى أنس قال: كانت بالمدينة امرأة عطارة تسمى حولاء بنت ثويب. وفي ترجمة مليكة والدة السائب بن الأقرع كانت تبيع العطر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>الزراعة والغراسة</span>\nانظر لم أغفل هذه الترجمة الخزاعي مع أهمية الزراعة في نظر الإسلام وكثرة اعتناء الصحابة بها. وقد أكثر سبحانه في كثير من الآيات التذكير بما أنعم به من إخراج الزرع","vol":"2","page":30},{"text":"والنباتات، ووصف نفسه سبحانه بأنه هو الذي أخرج للحاجات فقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ٩٩] أي بالماء نبت كل شيء فاخرجنا منه يعني الماء خضرا يعني أخضر نخرج به حبا متراكبا سنابل البر والشعير والأرز والذرة وسائر الحبوب يركب بعضه على بعض وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ [الأنعام: ١٤١] وهو ما انبسط على الأرض وانتشر كالعنب والقرع وهو شجر الدباء والبطيخ وغيرها. وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ [الأنعام ١٤١] ما قام على ساق كالنخل والزرع وسائر الأشجار ثم قال: وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ، أي ثمرة وطعمه الحامض والمر، والحلو، والردي، وقال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [الرعد: ٤] أي متقاربات متدانيات يقرب بعضها من بعض في الجوار ويختلف في التفاضل وجنات أي من بساتين من أعناب وزرع وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ والصنوان النخلات يجمعها أصل واحد تشعب منه الرؤوس فيكون نخلا وقال سبحانه: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ١١] وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [السجدة: ٢٧] وهي التي لا نبات فيها فنخرج به زرعا وقال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا [يس: ٣٣] وقال: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق: ٩] وقال: وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ [الرحمن: ١٠] فيها فاكهة إلى قوله والحب يعني جميع الحبوب مما تحرث الأرض من الحنطة والشعير وغيرهما ذو العصف يعني الورق أول ما يبدو وقال نخرج به: حَبًّا وَنَباتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا [عمّ: ١٦] يعني بساتين ملتفة وقال:\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا [عبس: ٢٥] الآية وقال: جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا [الكهف: ٣٢] يعني جعلنا حول الأعناب النخل ووسط الأعناب الزرع كذا ذكره الثعالبي وغيره.\nوفي أحكام القرآن للإمام الجصاص الحنفي على قوله تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [هود: ٦١] يعني أمدكم من عمارتها بما تحتاجون إليه وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية اهـ انظر ص ١٦٥ من ج ٣.\nوفي صحيح مسلم «١» أن النبي ﷺ دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها فقال:\nلا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة وهو في صحيح البخاري على وجه آخر، وبوب عليه بقوله: باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه وروى القرطبي وروى البزار وأبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «سبع يجري أجرهن للعبد وهو في قبره، من علم علما أو أجرى نهرا أو\n_________\n(١) انظر ج ٢ ص ١١٨٨ باب فضل الغرس والزرع من كتاب المساقاة والبخاري ج ٣/ ٦٦ أول كتاب الحرث.","vol":"2","page":31},{"text":"حفر بيرا، أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته» . قال أبو نعيم ولا يخالف الحديث الصحيح فقد قال فيه: «إلا من صدقة جارية» وهي تجمع ما ورد من الزيادة.\nقال المنذري: وقد رواه ابن ماجه «١» وابن خزيمة في صحيحه بنحوه من حديث أبي هريرة.\n[روى المؤلف هنا عن الإصابة رواية بإسناد واه عن سعد بن معاذ «٢» آخر حذفتها لكونها لا أصل لها] مصححه.\nوأخرج الحاكم وابن أبي الدنيا في التوكل، والعسكري في الأمثال، والدينوري في المجالسة، عن معاوية بن قرّة قال: لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن فقال: من أنتم فقالوا: متوكلون. قال: كذبتم ما أنتم متوكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في الأرض وتوكل على الله.\nوفي مسند عمر بن عبد العزيز، قال ابن شهاب: أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فقال: جاء سعد بن خالد بن عمرو بن عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أقطعني الشديد فإنه بلغني عن رسول الله ﷺ قال: ما من رجل غرس غرسا إلا أعطاه الله من الأجر عدد الغرس والثمر وأخذ بنفسي أسمعت هذا؟ فقلت: نعم وأشهد على عطاء بن يزيد أنه سمعه من أبي أيوب، يحدث عن رسول الله ﷺ.\nوأخرج أحمد والطبراني من طريق مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة «٣» . قال في المختار: المهر ولد الفرس والجمع أمهار، والأنثى مهرة، والمأبورة المصلحة، وفي المختار: وأبر نخلة: لقحه وأصلحه ومنه، سكة مأبورة اهـ.\nوفي الصحيح «٤» عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية، أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال الله تعالى: ألست فيما شئت؟\nفقال: بلى ولكن أحب أن أزرع، قال فأسرع وبذر أي ألق البذر على أهل الجنة فتبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال فيقول الله تعالى: دونك يا بن آدم فإنه لا يشبعك شيء. فقال الإعرابي: يا رسول الله لن تجده إلا قرشيّا أو انصاريا،\n_________\n(١) انظر في المقدمة ص ٨٨ ج ١ ورقمه ص ٢٤٢ ونصه: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته. يلحقه من بعد موته.\n(٢) هو غير سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس كما في الإصابة.\n(٣) رواه أحمد ج ٣ ص ٦١٠ من طبعة، المكتب الإسلامي وهو في ص ٤٦٨ ج ٣.\n(٤) انظر صحيح البخاري كتاب التوحيد باب ٣٨ ص ٢٠٦ ج ٨.","vol":"2","page":32},{"text":"فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي ﷺ.\nقال الحبشي في كتاب البركة: ففي هذا فوائد منها؛ دلالته على فضل الزرع، وفيه أن المهاجرين والأنصار كانوا مزارعين، لقول الإعرابي: إنك لن تجده إلا أنصاريا أو مهاجريا [ص ١٣] وهذا أكثر حجة ودلالة إذ المهاجرون والأنصار هم أفضل الأمة، كانوا أهل زرع لكن قال العارف الفاسي في تشنيف المسامع: المعروف بالزراعة إنما هم الأنصار، وأما قريش فإنما لهم التجارة لا الفلاحة، إذ ليست مكة بلاد زرع.\nقلت: ذلك صحيح بحسب الأصل، وإلا فالمهاجرون بعد الهجرة زرعوا، واتجروا.\nفالخبر على حاله.\nوأخرج أبو داود في مراسيله عن علي بن الحسين مرسلا: أحرثوا، فإن الحرث مبارك، وأكثروا فيه من الجماجم «١» وفي لفظ آخر: يا معشر قريش إنكم تحبون الماشية فأقلوا منها فإنكم بأقل الأرض مطرا، واحرثوا فإن الحرث مبارك، وأكثروا فيه من الجماجم. خرجه أبو داود أيضا والبيهقي.\nوأخرج الديلمي عن أبي مسعود رفعه لما خلق الله المعيشة جعل الله البركات في الحرث والغنم.\nوفي الصحيح عن أبي هريرة: وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم قال القسطلاني في الزراعة والغراسة.\nوفيه عن ابن عمر أنه ﵇ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر وبوّب عليه البخاري باب المزارعة مع اليهود. وفي الصحيح أيضا؛ وكان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون تمرا وعشرون شعيرا.\nوقسم عمر خيبر فخيّر أزواج النبي ﷺ أن يقطع لهن من الماء والأرض، أو يمضي لهن، فمنهن من اختارت الأرض ومنهن من اختارت الوسق، وكانت عائشة وحفصة ممن اختارت الأرض.\nقال القسطلاني: وفي هذا الحديث جواز الزراعة والتجارة، لتقرير النبي ﷺ لذلك، واستمراره في عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر. وبه قال ابن خزيمة وابن المنذر. وصنف فيه ابن خزيمة جزآ بيّن فيه علل الأحاديث الواردة اهـ.\nوقال الحبشي: وفي هذا فوائد منها اختيار عائشة وحفصة أفضل أزواجه ﵇ منهن الأرض، فيزدرعنها قال البخاري: وزارع عليّ وسعد وابن مسعود.\n_________\n(١) ذكره صاحب التيسير ص ٤٤ ج ١. وقال الجماجم هي البذور أو العظام التي تعلق على الزرع لدفع الطيور وغيرها عن الزرع.","vol":"2","page":33},{"text":"قال الحبشي: وقد عدّ العلماء الزراعات من فرض الكفاية في كثير من المصنفات، لأنه لا يقوم الدين والدنيا إلّا بها فإن تركها كل الناس أثموا كلهم. انظر كتاب البركة.\nوقال القاري في شرح المشكاة على حديث: (لا يدخل هذا أي المحراث بيت قوم إلا دخله الذل) «١» وهو في الصحيح عن أبي أمامة قال: بعض علمائنا: ظاهر هذا الحديث أن الزراعة تورث المذلة، وليس كذلك؛ لأن الزراعة مستحبة، لأن فيها نفعا للناس ولخبر:\n«اطلبوا الخير من خباياها» بل إنما قال ذلك لئلا يشتغل الصحابة بالعمارات وترك الجهاد فيغلب عليهم العدو، وأي ذلك أشد من ذلك؟ وقيل: هذا في حق من يقرب العدو، ولأنه لو اشتغل بالحرث وترك الجهاد لأدى إلى الذل بغلبة العدو عليه اهـ.\nوفي النهاية لابن الأثير على حديث ما دخلت السكة دار قوم الّا ذلوا أي التي تحرث بها الأرض، أي أن المسلمين إذا اقبلوا على الدهقنة والزراعة شغلوا عن الغزو وأخذ السلطان بالمطالبات والجبايات وقريب من هذا الحديث قوله: «العز في نواصي الخيل والذل في أذناب البقر» اهـ منها، ونقل الفتني في مجمع بحار الأنوار عن الكرماني، على الحديث المذكور: والحاصل أن فيها ذلك الدنيا وعز الآخرة لما فيها من الثواب بانتفاع ذي كبد، وهو أفضل المكاسب على الصحيح. ونقل عن الطيبي في شرح المشكاة: وجه الذل أن اختياره لجبن في النفس، أو قصور في الهمة، وأكثرهم يلزمون بالحقوق السلطانية، ولو آثروا الجهاد لدرت عليهم الأرزاق واتسعت المواهب اهـ.\nكما قرر ابن خالدون في مقدمة العبر أن الفلاحة من معاش المستضعفين من البدو، وعلل ذلك بسببين قال: الثاني أن منتحلها مخصوص بالهوان والذلة، ففي الحديث: أنه ﵇ قال وقد رأى السكة في بعض الأنصار: وما دخلت هذه دار قوم إلا دخلها الذل لكن حمله البخاري على الإستكثار منها قال وبه والله أعلم ما يتبعها من المضرة المفضي لتحكم اليد الغالبة إلى مذلة المغلوب وقهره اهـ قال ابن الأزرق إثره في بدائع السلك: ووجه آخر أن الإكثار منها مظنة لنسيان الدفاع عن البلاد، الذي به العز والحماية كما يلوح من توجيه البخاري، ويشهد له ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رفعه: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم اهـ وقال القسطلاني كان العمل في الأراضي أول ما فتحت على أهل الذمة، فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك.\nوقال في الفتح: وقد أشار البخاري إلى الجمع بين حديث أبي أمامة والحديث السابق في فضل الغرس والزرع وذلك بأحد امرين: إما أن يحمل على ما ورد من الذم على ذلك ومحله إذا اشتغل به فضيع ما أمر بحفظه، وأما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه اهـ.\n_________\n(١) هو في الصحيح للبخاري انظره ج ٣ ص ٦٦ من كتاب الحرث والمزارعة.","vol":"2","page":34},{"text":"وفي السير أنه ﵇ كان يعجبه الجلوس في الحيطان (البساتين) والصلاة فيها.\nوقد روى ابن سعد وابن المنذر قال في الفتح بإسناد صحيح: عن مسروق عن عائشة قالت: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وناضح كان يسقي بستانا له، ففيه أنه كان له بستان، وإنه كان يقوم عليه بالرعاية. وقال الإمام السخاوي: وقد تكون الكثرة التي دعا بها النبي ﷺ لأنس: باللهم أكثر ماله وولده هي الكثرة من المواشي، وكذا من الزرع والغرس، الذي قال ﷺ فيه كما في صحيح مسلم: ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة، وذلك كان أكثر أموال الأنصار.\nويستأنس له بما ورد أنه كان له بستان يحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك اهـ.\nوفي ترجمة ربيعة بن كعب الأسلمي من طبقات ابن سعد قصة عجيبة تدل على اهتمام كبار الصحابة بالأرض وغلتها وثمرها قال: أنا مسلم بن إبراهيم قال ثنا الحارث بن عبيد، ثنا أبو عمران الجوني أن النبي ﷺ أقطع أبا بكر وربيعة الأسلمي أرضا فيها نخلة مائلة أصلها في أرض ربيعة وفرعها في أرض أبي بكر، فقال أبو بكر: هي لي وقال ربيعة:\nهي لي، حتى أسرع إليه أبو بكر ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ وبدره ربيعة فقال له النبي ﷺ: أجل فلا ترد عليه. قال فحوّل أبو بكر وجهه إلى الحائط يبكي قال: وقضى النبي ﷺ بالفرع لمن له الأصل انظر ترجمة ربيعة بن كعب الأسلمي ص ٤٤ من ج ٤ ويظهر أن أبا بكر بكى على عدم إصابة ظنه أولا، وتسرعه إلى طلب ما لا حقّ له فيه حتى احتاج إلى التداعي والترافع إليه ﵇.\nوفي خطط المقريزي ص ١٥٤ من ج ١ أن سيدنا عمر قال: من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنوات لا يعمرها، فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها ونحوه في صناجة الطرب في تقدمات العرب، وزاد ووصل النيل لجون العرب بواسطة خليج القلزم كما كان صنع البطالسة والفراعنة، وخصص ثلث إيراد مصر لعمل الجسور والترع لإرواء الأرضي اهـ انظر ص ٣٠٦ منها.\nقلت: يؤخذ أن عمر خصص ثلث إيراد مصر، لعمل الجسور والترع لإصلاح الري من التقرير الجغرافي الذي بعثه عمرو بن العاص لسيدنا عمر، وقد أثبتناه بنصه في القسم العاشر العلمي، وانظره ولا بد بذلك تعلم أيضا أنه كان من مبدأ عمر تقوية الزراعة وتنشيط الزراع، وأما ما جاء في ترجمته من أنه كان تقدم للعمال بأن لا يأذنوا لأحد من جنود المسلمين أن يزرع أو يزارع في البلاد المفتوحة كما في تاريخ ابن جرير وغيره وأن لا يقطعوا أرضا لأحد منهم البتة، فذلك لأمور.","vol":"2","page":35},{"text":"أولها: كي لا يزاحم المسلمون أهل الذمة والعهد في أرضهم، ويضيقوا عليهم في معيشتهم.\nوالأمر الثاني: كي لا يألف الجنود العمل في الأرض في إبان الفتح فتميل نفوسهم إلى الراحة من عناء الحرب، والأمة حربية لم يأن لها أطراح لأمة القتال واعتزال الحرب «١» .\nالثالث: كي تبقى الأرض بيد أهلها مادة تستمد منها الدولة ما يقوم بشؤونها العسكرية والإدارية، ولا يحتكرها المقتطعون من الجند.\nوفي العتبية؛ قال مالك عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب كان يقول: من كانت له أرض فليعمرها، ومن كان له مال فليصلحه فيوشك أن يأتي من لا يعطي إلا من أحب.\nقال ابن رشد في البيان والتحصيل: إنما أوصى بحفظ أموالهم بالقيام عليها مخافة أن يضيعوها اتكالا منهم علي أعطيات الإمام. وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال، وهذا من إضاعة المال اهـ.\nوقد وقع في المدونة والعتبية أنه كان بين رجلين من الصحابة خصومة في أرض لهما فركب عثمان أيام خلافته وركب معه رجال، فلما ساروا قال له رجل: إن عمر قد قضى فيه فقال عثمان: ما أنظر في أمر قضى فيه عمر فرجع.\nقال ابن رشد في البيان والتحصيل أيضا: وكانت الخصومة بين علي بن أبي طالب وطلحة في ضفير سد بفحة [كذا] من الوادي بين ضيعتهما، فوكل علي عبد الله بن جعفر فتنازعا فيه الخصومة بين يدي عثمان، فركب من الغد في المهاجرين والأنصار ثم رجع لما بلغه أن عمر كان ذلك في أيامه. فلما أخبر بذلك عبد الله بن جعفر عليا قال له قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته فسر بذلك، ثم دعا بردائه ونعليه وقام معي حتى دخلنا على علي فرحب به وقال: الضفير لك فاصنع به ما بدا لك. فقال قد قبلت وبي حاجة فقال علي ما هي؟ قال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مني مع من فيها من الغلمان والدواب والآلة قال علي: قد قبلت قال: ففرح طلحة وتعانقا وتفرقا قال عبد الله: لا أدري أيهما أكرم أعلي إذ جاد بالضفير أم طلحة إذ جاد بالضيعة بعد ضنه بمسقاه؟ اهـ.\nفهذا يدل على أن الحراثة كانت شائعة وبلغ الإهتمام بها إلى درجة الخصومة فيها من مثل علي وطلحة، وتوكيل علي ابن أخيه وخروج الخليفة في المهاجرين والأنصار للفصل فيها.\n_________\n(١) هذا هو السبب في كراهة الزراعة للعرب الفاتحين فمهمتهم هي الحفاظ على البلاد المفتوحة والاستعداد الدائم للجهاد، وبالزراعة يتخلون عن واجبهم الذي كانوا يتقاضون عنه العطاء والله أعلم. مصححه.","vol":"2","page":36},{"text":"وفي الوفا للسيد السمهودي أنه كان بالمدينة وما حولها عيون كثيرة تجددت بعد النبي ﷺ، وكان لمعاوية اهتمام بهذا الباب، ولهذا كثرت في أيامه الغلال بأراضي المدينة. فقد نقل الواقدي في كتاب الحرة أنه كان بالمدينة في زمن معاوية صوافي كثيرة، وأن معاوية كان يحرث بالمدينة واعراضها مائة ألف وسق وخمسين ألف وسق ويحصد مائة ألف وسق حنطة اهـ منها ص ١٥٢ من ج ٢.\nوفي الكشاف لجار الله الزمخشري على قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [هود:\n٦١] وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار، وعمروا الأعمار الطوال مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل الله نبي من أنبياء زمانهم عن سبب تعميرهم فأوحى الله إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي.\nوعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر عمره فقيل له في ذلك فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل:\nليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار\nولم يذكر اسم الشاعر في الكشاف، وذكره في ربيع الأبرار في موضعين قال في الروضة الثانية عشر: غرس معاوية نخلا بمكة في آخر خلافته فقال: ما غرستها طمعا في إدراكها ولكن ذكرت قول الأسدي: ليس الفتى الخ.\nوقال في الروضة الثالثة عشرة قال بعض الأشراف لابنه: حسن آثارك في الدنيا واسمع قول الشاعر: ليس الفتى اخ انظر الطريفة والتالدة.\nوفي كتاب حسن الصناعة في البحث عن الزراعة: ومن الوصايا في إصلاح المرء ضيعته ما روي أنه قيل لأبي هريرة: ما المروءة قال: تقوى الله وإصلاح الضيعة، وقال قيس ابن عاصم لبنيه: عليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم، وقال عتبة بن أبي سفيان لمولاه إذ ولاه أمواله: تعهد صغير مالي فيكبر، ولا تضيع كبيره فيصغر.\nوفي شرح الحطاب وأبي علي بن رحال على المختصر ما نصه: قال الشيخ يوسف ابن عمر: من كانت له شجرة وضيعها بترك القيام بحقها فإنه يؤمر بالقيام بها، فإن لم يفعل فإنه مأثوم. وقاله الجزولي أيضا. وزاد ويقال له: ادفعها لمن يخدمها مساقاة بجميع الثمرة اهـ انظر باب النفقات.\nوقال الإمام ابن حزم الأندلسي: إعلموا أن الراحة واللذة والسلامة والعز والأجر في أصحاب فلاحة الأرض، وفلاحة الأرض، أهنأ المكاسب جملة اهـ.\nوفي كشف الظنون عن بعض العلماء: لو علم عباد الله رضاء الله في إحياء أرضه لم يبق في وجه الأرض موضع خراب.","vol":"2","page":37},{"text":"وإنما أطلت في هذه الترجمة للرد على من يشين الإسلام بكونه جاء ناهيا عن الزراعة حتى قال لي مرة بعض علماء الإفرنج: إن في القرآن لعن المحراث والحارث فقلت له:\nالقرآن جاء بعكس ما تنسب له وأرشدته إلى بعض ما سبق فعجب. وقد ألف المسلمون في علم الفلاحة واستخراج المياه من الأرض عدة مصنفات؛ كالكرخي وأبي حنيفة الدينوري له كتاب النبات والشجر؛ وأبي زكرياء يحيى بن محمد بن العوام الأندلسي الأشبيلي من أهل المائة السادسة له كتاب في الفلاحة، طبع بمدريد في جزأين، استعان في كتابه هذا بنيّف وستين من كتب اليونان والرومان والعرب، وكان يطبق ما فيه على الفلاحة العملية التي أجراها بأرض بقرب أشبيلية.\nوللشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي علم الملاحة في علم الفلاحة طبع بدمشق.\nولابن وحشية الكلداني كتاب في الفلاحة النبطية. وكان كلّف المستعين بالله العباسي في بغداد قسطا بن لوقا الطبيب البعلبكي بترجمة الكتب اليونانية، وله كتاب الفلاحة اليونانية ترجمة إلى العربية عن ترجمة سريانية وهو مطبوع بمصر. ولأهل الأندلس الكثير الطيب في هذا العلم وبمكتبتنا بعضها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>الخرازة</span>\nترجم ابن سعد في الطبقات وابن حجر في الإصابة لزينب بنت جحش فذكر أنها كانت امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله اهـ ونحوه في التوشيح للحافظ الأسيوطي انظر ص ١٥٠ من اختصاره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>باب في الثمار</span>\n«سمى ابن فتحون في كتابه في الصحابة نبهان فوصفه بالثمار وذكر قصة فيها بيعه للثمر» . وترجم في الإصابة لسمويه «١» ويقال: سيما البلقاوي كان نصرانيا قدم المدينة بالتجارة فأسلم وذكر عنه أنه حمل القمح من البلقاء إلى المدينة قال فبعنا وأردنا أن نشتري الثمر فمنعونا فأتينا رسول الله ﷺ فقال أما يكفيكم رخص هذا الطعام بغلاء هذا التمر الذي تحملونهم، ذروهم.\nفائدة في فتح الباري أصناف تمر المدينة كثيرة جدا فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق أنه كان بالمدينة فبلغه أنهم عدوا عند أميرها صنوف التمر الأسود خاصة فزاد على الستين قال والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>المسافة التي كان يأتي منها الزرع وغيره</span>\nكان يأتي من البلقاء وهي من أرض الشام إلى المدينة. يؤخذ ذلك من القصة\n_________\n(١) ترجمه في ج ٢ ص ١٠٤ برقم ٣٦٣٥.","vol":"2","page":38},{"text":"المذكورة عن الإصابة، وأخرج البخاري «١» في البيوع قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ، إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فنزلت: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١٠] .\nوانظر أيضا ترجمة جلب دقيق الحواري والسمن والعسل من الشام إلى المدينة فيما سيأتي وذلك يدل على أن المدينة صارت سوق العرب، تقصد بالبضائع من الأطراف البعيدة، وانظر ترجمة نبهان الأنصاري من الإصابة. وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي أن عمر أول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة (البحر الأحمر) إلى المدينة.\nقلت: وذلك في الخليج الذي فتح بعد فتح مصر وكان يمتد من الفسطاط إلى السويس والذي تولى حفره عمرو بن العاص في خلافة سيدنا عمر فعرف بخليج أمير المؤمنين، وصار الصلة العظمى بين مصر والبحر الأحمر والهند وسبب حفره على ما في الخطط للمقريزي أن الناس في المدينة قحطوا، فأعانهم عمرو بن العاص بعير أوّلها كان بالمدينة وآخرها بمصر فأمر معمر بفتح هذا الخليج، ليتيسر النقل في البحر بدل الظهر فلم يأت الحول حتى سارت فيه السفن، فصار يحمل فيه ما يراد للحرمين الشريفين ثم غلب عليه الرمل فانقطع آخر الدولة الأموية، انظر الخطط المقريزية والخطط التوفيقية ففيهما كلام مشبع عن هذا الخليج ونقل الثاني ص ١٢٠ من ج ١٩ عن الكندي في كتاب الجند العربي؛ أن عمرو بن العاص حفره في سنة ٢٣ وفرغ منه في ستة أشهر، وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السابع، ثم نقل عن ابن الطوير أن مسافته خمسة أيام وكانت المراكب النيلية تفرغ وتحمل منه من ديار مصر بالقلزم، فإذا فرغت حملت من القلزم ما وصل من الحجاز وغيره إلى مصر. وكان مسلك التجار وغيرهم.\nوذكر أيضا أنه بقي مفتوحا إلى زمن أبي جعفر المنصور ولما ظهر محمد النفس الزكية بالحجاز أمر عامله على مصر بردم خليج مصر، لقطع الميرة عن البلاد الحجازية، فردم وصار نسيا منسيا وبقي كذلك ألف سنة، إلى أن حفرت الترعة أخيرا «٢» وذكر أيضا أن عمر ربما توقف في فتح هذا الخليج قائلا: إن هذا الاتصال ربما أوجب اغارة الروم وهجومهم على الحجاز ولذا قال علي مبارك في ص ١٢٤ من ج ١٩ أن فتح ترعة البرزخ في زمانه آخر القرن المنصرم فتح على مصر أبوابا لم يكن من قدرتها إقفالها اهـ وقال غيره من الكتاب المعاصرين: إن فتح خليج السويس كان من أشد الآفات على ممالك الشرق اهـ فرضي الله عن عمر ما أصدق حدسه.\n_________\n(١) كتاب البيوع ج ٣/ ٦.\n(٢) في أيام الخديو إسماعيل ١٨٦٩.","vol":"2","page":39},{"text":"فائدة: بتأملك لهذه الترجمة تفهم أن سيدنا عمر ﵁ أذن أخيرا للمسلمين بعد إتقانهم للعلوم البحرية في ركوب البحر والجلب فيه، فما نقل عنه من نهيه الناس عن ركوب البحر، واستعماله كان وقت جهل المسلمين بعلومه، ولما كملت علومه لدى العرب، اتخذ معاوية الأسطول، كما سبق في محله عن ابن خالدون والمقريزي.\nوفي بدائع السلك للقاضي ابن الأزرق، أن ابن المناصف اعتذر عن عمر في منعه ركوب البحر، بأن العرب لم يكن لها إذ ذاك علم بأحواله، وبعد تبحرهم في علوم البحر حفر الخلجان والترع، واتخذها واستعملها كما في هذه الترجمة. وبعد هذا وجدت في ترجمة علقمة بن مجزز المدلجي، من الإصابة «١»، نقلا عن الطبري؛ أن في سنة ٢٠ بعث عمر علقمة في جيش إلى الحبشة في البحر فأصيبوا فجعل عمر على نفسه أن لا يحمل في البحر أحدا فأخذ من هذا السياق سبب منعه كأنه حداد على الغرقي. وبعده أصدر حفيده ومحيي أثره أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز منشوره العام إلى الأمة، الذي هو كالقانون الأساسي لدولته، ومن جملة ما جاء فيه وأما البحر فإننا نرى سبيله سبيل البر. قال: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [الجاثية: ١٢] فاذن أن يتجر فيه من شاء، وأرى أن لا تحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البحر والبر لله جميعا، سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله، فكيف تحول بين عباد الله وبين مكاسبهم؟ اهـ من فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>بائع الدباغ</span>\nترجم ابن عبد البر لسعد بن عائذ المؤذن مولى عمّار بن ياسر المعروف بسعد القرظ، وإنما قيل له سعد القرظ لأنه كان كلما اتجر في شيء وضع فيه، فاتجر في القرظ فربح فيه فلزم التجارة فيه.\nقلت: القرظ شجر يدبغ به، وفي مختار الصحاح: القرظ ورق السّلم يدبغ به، وقيل: قشر البلوط. وفي مادة سلم منه أيضا. والسلم: شجر من الغضاة، الواحدة: سلمة قال القاضي في المشارق: إن سعدا سمي به لأنه كان يتجر فيه.\nقلت: زاد في الإصابة أن البغوي روى عن القاسم بن الحسن بن محمد بن عمر بن حفص بن عمرو بن سعد القرظ عن آبائه أن سعدا اشتكى إلى النبي ﷺ قلة ذات يده، فأمره بالتجارة فخرج إلى السوق فاشترى شيئا من قرظ فباعه، فربح فيه فذكر ذلك للنبي ﷺ فأمره بلزوم ذلك، قال الشيخ الطيب بن كيران في شرح ألفية العراقي في السير: ففيه أن من رزق من باب فليلزمه اهـ.\n_________\n(١) ج ٢ ص ٥٠٥/ ٥٠٦.","vol":"2","page":40},{"text":"وقد سبق أن أم المؤمنين زينب بنت جحش كانت امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق.\nوفي طبقات ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت: أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه فأتى رسول الله ﷺ، ولقد هنأت يعني دبغت أربعين إهابا من أدم، وعجنت عجيني فدخل علي رسول الله ﷺ القصة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>باب في الأديم [الجلد الطائفي]</span>\nترجم في الإصابة خليسة جارية أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب فذكر فيها أن سودة إحدى أمهات المؤمنين كانت تعمل الأديم الطائفي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>الحطاب</span>\n«ذكر ابن رشد في البيان والتحصيل قصة أصلها في جامع الترمذي ج ٣ ص ٥٢٢ وسنن النسائي وهي أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ يشتكي إليه الفاقة ثم عاد فقال يا رسول الله لقد جئت من أهل بيت ما أرى أن أرجع إليهم حتى يموت بعضهم قال انطلق هل تجد من شيء فانطلق فجاء بحلس [حلس البيت ما يفرش تحت القتب ونحوه] فقدم فقال: يا رسول الله هذا الحلس كانوا يفرشون بعضه ويلتفون ببعضه وهذا القدح كانوا يشربون فيه فقال: من يأخذهما مني بدرهم فقال رجل: أنا فقال من يزيد على درهم فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فقال:\nهما لك فدعا بالرجل فقال اشتر بدرهم طعاما لأهلك وبدرهم فأسا ثم ائتني ففعل ثم جاء فقال: انطلق إلى هذا الوادي فلا تدعن شوكا ولا حطبا ولا تأتيني إلا بعد عشر ففعل، ثم أتاه فقال: بورك فيما أمرتني به فقال: هذا خير لك من أن تأتي يوم القيامة في وجهك نكتة من المسألة أو خموش من المسألة «١» . (الخموش الخدش في الوجه)» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>الدلال وهو السمسار</span>\n«في الصحيحين طاوس عن ابن عباس قال نهى رسول الله ﷺ أن يتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد وفي البخاري عن طاوس عن أبيه سألت ابن عباس ما معنى قوله: لا يبيعن حاضر لباد قال: لا يكون له سمسارا» «٢» .\nقلت: قال شيخنا في الفجر الساطع: المراد بالسمسار هنا هو المتولي العقد بين البائع والمشتري بأجر، كالسماسرة القاعدين بالحوانيت وليس المراد به كما سبق اهـ.\nوفي فتح الباري: السماسرة بمهملتين هو في الأصل القيّم بالأمر والحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره اهـ.\n_________\n(١) روى أبو داود هذه القصة في كتاب الزكاة ج ٢ ص ٢٩٢ بألفاظ مقاربة. عن أنس بن مالك.\n(٢) انظر كتاب البيوع ج ٣ ص ٢٨ من صحيح البخاري.","vol":"2","page":41},{"text":"وفي القاموس؛ السمسار: بالكسر المتوسط بين البائع والمشتري. قال الشمس ابن الطيب الفاسي في حواشيه: قلت هو الذي يسميه الناس الدلال، فإنه يدل المشتري على البائع. وهو لفظ أعجمي كما قاله الخطابي في معالم السنن وغيره واغفل المصنف ذلك اهـ وقد ألف في مسألة السماسرة وأحكامهم أبو العباس الأبياني التونسي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>النساج</span>\nقال العيني: بفتح النون وتشديد السين المهملة وفي آخره جيم ويلتبس بالنساخ بالخاء المعجمة «في الصحيح «١» عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة ببردة منسوجة قال:\nأتدرون ما البردة؟ كساء مخطط. وقيل: كساء مربع أسود، فقيل: نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها فقالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي فجئت أكسوكها فأخذها النبي ﷺ. الحديث» .\nقلت: ترجم على الحديث أيضا البخاري فقال في كتاب البيوع: باب النساج ثم ذكره. قال العيني: قولها منسوجة وقولها إني نسجت لا يدل على النساج ضرورة اهـ وأخرج الحديث المذكور أيضا البخاري في أبواب من استعد للكفن من أبواب الجنائز فانظره فيهما.\nوفي الأحياء في أواخر كتاب الفقر والزهد من ربع المنجيات، عن سنان بن سعد قال: حكت للنبي ﷺ جبة من صوف، وجعلت حاشيتها سوداء فلما لبسها قال: انظروا ما أحسنها وما أبهجها. فقام إليه أعرابي فقال يا رسول الله هبها لي. قال فكان إذا سئل شيئا لم يبخل به فدفعها إليه، وأمر أن تحاك له جبة أخرى، فمات وهي في المحاكة الخ قال العراقي في تخريج أحاديث الأحياء: أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث سهل بن سعد وهو عند الطبراني في القضية الأخيرة، ووقع في كثير من نسخ الإحياء سنان بن سعد وهو غلط اهـ ونقله الحافظ في الإصابة عنه وأقره.\nقلت: وبذلك تعلم ما في قول الحافظ ابن القيم في الطرق الحكمية: لم يكن في المدينة حائك بل كان يقدم عليهم بالثياب من اليمن والشام وغيرهما، فيشترونها ويلبسونها اهـ منه.\nقلت: خصوصا وفي القصة السابقة أن المصطفى ﵇ لما خرج بالبردة التي صنعت له المرأة فاستحسنها فلان، فكساه إياها قال الحافظ في الفتح: في الجنائز، وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح أن النبي ﷺ أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن تفرغ اهـ انظره.\nوأخرج أبو داود الطيالسي عن سعد بن سهل قال: توفي النبي ﷺ وله جبة صوف في\n_________\n(١) انظر في البخاري كتاب الجنائز ج ٢ ص ٧٨.","vol":"2","page":42},{"text":"الحياكة، وروى أبو الشيخ عنه قال خيطت للنبي ﷺ جبة من صوف أنمار فلبسها الحديث كما سبق الخ.\nوفي تلبيس إبليس للحافظ ابن الجوزي: كان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزازين، أي يعملون الخز وهي نساجة تنسج من صوف وإبريسم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>الخياط</span>\nقلت: هو بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء قال العيني في العمدة: ويلتبس هذا بالحناط بفتح الحاء المهملة وتشديد النون وهو بياع الحنطة، وبالخباط بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء وهو بياع الخبط، ومنهم عيسى ابن أبي عيسى كان خياطا ثم صار خباطا. وفي طبقات ابن سعد عن عائشة قالت: كان ﷺ يعمل عمل البيت، وكثيرا ما يعمل الخياطة.\nفي المعارف لابن قتيبة: كان عثمان بن طلحة الذي دفع إليه النبي ﷺ مفتاح الكعبة خياطا وذكره ابن دريد في الوشاح.\nقلت: ونحوه لابن الجوزي في تلبيس ابليس. وأخرج ابن عساكر والخطيب عن سهل بن سعد رفعه: عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل الأبرار من النساء المغزل.\nوفي الصحيح أن خياطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه له. قال فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام. وعليه بوّب البخاري في كتاب البيوع فقال: باب الخياط. وذكر الحديث المذكور. قال العيني في العمدة: قال الخطابي وفيه جواز الأجرة على الخياطة ردا على من أبطلها بعلة أنها ليست بأعيان مرئية ولا صفات معلومة، وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري، من ذكر القين والصائغ و<span data-type=\"title\" id=toc-436>النجار</span>؛ لأن هؤلاء الصناع إنما يكون منهم الصنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد والخشب والفضة والذهب وهي أمور من صنعة يوقف على حدها، ولا يختلط بها غيرها. والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده، فجمع إلى الصنعة الآلة وإحداهما معناها التجارة والآخرى الإجارة، وحصة أحدها لا تتميز من الآخرى، وكذلك هذا في الخراز والصباغ إذا كان يغرز بخيوطه، ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصناع، وجميع ذلك فاسد في القياس إلا أن النبي ﷺ وجدهم على هذه الحالة أول زمن الشريعة فلم يغيرها؛ إذ لو طولبوا بتغييرها لشق عليهم فصار بمعزل من موضع القياس والعمل به ماض صحيح لما فيه من الأرفاق اهـ.\nالنجار\nتقدم في ذكر المنبر النبوي الخلاف في اسم صانعه، وهنالك ما يدل على استظهار أن سبعة من المحترفين بهذه الصنعة اجتمعوا على صنعه، كما سبق قول العباس في غلام له نجار: إعمل للناس وكما سبق أنه ﷺ رمى أهل الطائف بالمنجنيق. وأن جماعة من الصحابة زحفوا إلى جدار الطائف ليحرقوه تحت دبابة، وأن نار هذه الدبابة أول دبابة","vol":"2","page":43},{"text":"صنعت في الإسلام، مما يدل على أن هذه الصناعة كانت نافقة في الزمن النبوي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>المهد للصبيان</span>\nوجدت في الإصابة في ترجمة إبراهيم بن المصطفى ﵇ إن إسماعيل السدي روى عن أنس قال: كان إبراهيم قد ملأ المهد فدل على وجوده في ذلك الزمن وعلى صانعه. وفي كتب السير والموالد ذكر المهد له ﵇، قال الشهاب الحلواني في مولده الكبير: المهد سرير المولود الذي يربى فيه ويحرك به لينام، ويطلق على الفراش أيضا مجازا مرسلا على زمن الطفولية.\nوفي الرقائق أن ابن أبي ذيب كلم المنصور فأغلظ له القول وقال: والله يا أمير المؤمنين إني أنصح لك من ابنك المهدي، ثم لقي سفيان فقال له: يا أبا الحرث لقد سرنا ما خاطبت به هذا الجبار، لكني ساءني قولك له: ابنك المهدي فقال: يغفر الله لك يا أبا عبد الله، كلنا مهدي كلنا كان في المهد اهـ.\nوفي الخصائص الكبرى للحافظ السيوطي قال ابن الطراح: رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله محمد بن المعلى الأزدي أن من شعر حليمة لما كانت ترقص لرسول الله ﷺ:\nيا ربّ إذ أعطيته فابقه ... وأعله إلى العلا وارقه\nوادحض أباطيل العدا بحقه\nوفي ترجمة عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب من الإصابة يقال: إن الزبير بن عبد المطلب كان يرقص النبي ﷺ وهو صغير ويقول:\nمحمد بن عبدم:\nعشت بعيش أنعم ... في عزّ فرع أسنم\nوفي ترجمة الشيماء بنت الحارث من الإصابة ذكر محمد بن المعلى الأزدي في كتابه الترقيص قال: وقالت الشماء ترقص النبي ﷺ:\nيا ربنا ابق لنا محمدا ... حتى أراه يافعا وأمردا\nثم أراه سيّدا مسوّدّا ... واكبت أعاديه معا والحسّدا\nوأعطه عزا يدوم أبدا\nقال فكان أبو عروة الأزدي إذا أنشد هذا يقول: ما أحسن ما أجاب الله دعاها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>صانع الأقداح من الخشب للشرب</span>\nفي سيرة ابن إسحاق من قصة لأبي رافع: وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حفرة زمزم، ونحوه في ترجمته من طبقات ابن سعد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>الصوّاغ</span>\nصاغ الشيء: صوغا وصياغة سبكه.\nوقال العيني في العمدة: الصوّاغ بفتح الصاد على وزن فعّال بالتشديد؛ هو الذي يعمل","vol":"2","page":44},{"text":"الصياغة، وبضم الصاد جمع صائغ اهـ وقال القسطلاني الصوّاغ صائغ الحلي. بوّب البخاري باب ما قيل في الصوّاغ ثم خرج عن علي أنه لما أراد أن يا بني بفاطمة ﵍ قال: وعدت رجلا صواغا من بني قينقاع (شعب من يهود المدينة) أن يرتحل معي فنأتي باذخر أردت أن أبيعه من الصواغين وأستعين به في وليمة عرسي وفي الصحيح أيضا قول العباس ﵁ لرسول الله ﷺ في تحريمه لنبات مكة إلا الأذخر لصاغتنا وسقفا لبيوتنا.\nقلت: قال الحافظ في الفتح على حديث الترجمة: يؤخذ منه جواز معاملة الصائغ ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنه يلزم من دخول الفساد في صنعة أن تترك معاملة صاحبها، ولو تعاطاها أراذل الناس مثلا. ولعل المصنف أومأ إلى حديث «أكذب الناس الصواغون، وهو حديث مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره اهـ «١» .\nثم قال: وغرض الترجمة ذكر الصياغة وتقرير المصطفى على ذلك. وقد ترجم في الإصابة لأبي رافع الصوّاغ، فذكر أن إبراهيم الحربي خرج في غريب الحديث بسند جيد عن أبي رافع قال: كان عمر يمازحني يقول: أكذب الناس الصائغ يقول اليوم: غدا.\nوقال البدر الدماميني على الصحيح، على باب الصواغ عن ابن المنير: وفي معاملة الصواغ تنبيه على أنها صنعة جيدة لا تجتنب معاملة صاحبها، لا من حيث الدين ولا من حيث المروءة، وربما كثر الفساد في صنعته، ويتعاطاها أراذل الناس كاليهود. فما ذلك يقدح فيمن يتناولها، ولا يحط من درجته في العدالة إلى أن قال: الظاهر أن الصناعة التي يصير تعاطيها عند أهل العرب علما على دناءة الهمة وسقوط المروءة قادحة فيمن يتعاطاها، في زمن يقرر ذلك العرف ومكانه. وقد قال ابن محرز من أصحابنا المالكية: لا ترد شهادة ذوي الحرف الدنية؛ كالكناس والدبّاغ والحجّام والحائك إلا من رضيها اختيارا ممن لا يليق به، لأنها تدل على شيء في عقله اهـ من المصابيح له.\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>النقاش</span>\nخرّج ابن أبي حاتم في العلل، من طريق العقيلي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أمه قالت: دخل رسول الله ﷺ على عقيل فوهب له خاتما أهداه إلى رسول الله ﷺ النجاشي، مثل الفلكة، فكتب رسول الله ﷺ فيه: قل هو الله أحد والمعوذتين وقال: قال أبي: حديث منكر، والعقيلي هو ابن عبد الله بن محمد بن عقيل. وحديثه ليس بشيء.\nوفي العلل أيضا وسألت أبي عن حديث رواه القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر أن النجاشي أهدى للنبي ﷺ خاتم فضة، فيه\n_________\n(١) انظره في الجزء الثاني من المسند ص ٢٩٢ وفي طبعة المكاتب الإسلامي ٣٨٥ ونصه: أكذب الناس أو من أكذب الناس الصواغون والصباغون من حديث أبي هريرة. وهو في سنن ابن ماجه ج ٢ ص ٧٢٨ ورقمه ٢١٥٢.","vol":"2","page":45},{"text":"تمثال فكتب النبي ﷺ حوله قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس قال أبي: حديث منكر والقاسم متروك الحديث اهـ.\nقلت: المنكر قد يطلق عندهم على الحديث الفرد، وإن كان أراد النكارة بمعناها فيغني في الباب أحاديث نقشه ﷺ اسمه الكريم على خاتمه للختم به، على مكاتيب الملوك ونحوهم. ففيه أن النقش وقع بالمدينة، ولا يكون إلا من نقاش وفي الاكتفاء للكلاعي في حق أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة أنه كان نقاشا حدادا نجارا الخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>صنع الأنف من ذهب</span>\nترجم في الإصابة للضحاك بن عرفجة السعدي، فذكر أن ابن منده روى عنه أنه أصيب أنفه يوم الكلاب، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب قال الحافظ هكذا أوردوا والمشهور أن الذي أصيب أنفه عرفجة وانظر ترجمة طرفة بن عرفجة أيضا من الإصابة من ص ٢٨٤ من ج ٣ وحديث عرفجة هذا في جامع الترمذي «١» . وقال وقد روي عن غير واحد من أهل العلم أنهم شدوا أسنانهم بالذهب فأشار النبي ﷺ إلى أن الذهب خاصيته أن لا ينتن.\nقلت: بوّب على حديثه أبو داود في السنن باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب، ثم خرج أن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب «٢» فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفا من ذهب.\nقلت: وهذا أعظم ما يدل على تقدم في دقة الصنعة والاتقان، لأن صنع الأنف من ذهب وتركبيه في محله ليس مما يستطيعه كل عامل أو صانع، وأخرج ابن سعد في الطبقات: أن عثمان كان يشد أسنانه بالذهب. وبذلك تعلم ما في عدّ بعضهم علم جراحة الأسنان وتركيبها من الاكتشافات الحديثة، كما حكاه البستاني في حرف السين من دائرة المعارف ص ١٢٥ ج ١٠. وهو مردود بما ذكر بأنه ورد في قصائد شعراء اليونان واللاتين ذكر الأسنان الاصطناعية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>إحداث الرحى الهوائية في آخر خلافة عثمان والصحابة متوافرون</span>\nفي وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص ٣٣٥ أن العرب أحدثوا الرحى الهوائية بالرياح المحدثة المترددة في الصناديق المتعددة، وكان ذلك سنة ٢٩ بعد الهجرة في خلافة عثمان.\n_________\n(١) عثرت عليه في مسند أحمد ج ٥ ص ٢٣ والمكتب الإسلامي ص ٤٦١ ج ٤ ونصه: عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذ أنفا من ورق (فضة) فانتن عليه فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب. وفي الترمذي كتاب اللباس ج ٤/ ٢٤٠.\n(٢) انظر أيام العرب في كتاب بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب للآلوسي ج ٢/ ٧٢.","vol":"2","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>المصور</span>\nترجم البخاري «١» في الصحيح باب: بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك، ثم أخرج عن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس إذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وأني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس بعد تحديثه بحديث النهي: إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح.\nوفي كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام ملك العلماء علاء الدين ابن مسعود الكاساني الحنفي ص ١١٧ من ج ١ عن ابن عباس أنه نهى مصورا عن التصوير.\nفقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ فقال إن لم يكن بد فعليك بتمثال الأشجار. وذكر فيه أن الصورة إذا كانت صغيرة لا تبدو للناظر من بعيد، فلا بأس بها لأن من يعبد الأصنام لا يعبد الصغير منها جدا. ونص على أن الصورة إذا كانت في البساط في مؤخر القبلة، أو تحت قدم المصلي قال: لا تكره الصلاة عليه. بل لا بأس. وقد روي أنه كان على خاتم لأبي موسى ذبابتان، وروي أنه لما وجد خاتم دانيال في عهد عمر كان على فصه أسدان بينهما رجل يلحسانه اهـ من البدائع.\nوفي مواكب ربيع أنه كان نقش خاتم دانيال ﵇ صورة أسدين يلحسانه لئلا ينسى نعمة ربه، وبه ظفر أبو موسى الأشعري حين وجد قبره بنهر السوس، كورة من كور الأهواز بين البصرة وفارس، أيام عمر. فأخرجه وكفنه وصلى عليه ثم أقبره في نهر السوس. وكان ذلك الخاتم في يد أبي بردة بن أبي موسى اهـ ص ١٩٢.\nوفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي ص ٣٠٨ من ج ٢ نقلا عن الكافي:\nكان على خاتم أبي هريرة ذبابتان، وعلى خاتم دانيال صورة أسد ولبوة وبينهما صبي يلحسانه، فلما نظر إليه عمر أغرورقت عيناه، وذلك أنه ألقي في غيضة وهو رضيع، فقيض الله له أسدا يحفظه ولبوة ترضعه وهما يلحسانه، فأراد بهذا النقش أن يحفظ منّه الله عليه.\nوكان لابن عباس كانون [موقد] محفوف بصور صغار، وقد وجد خاتم دانيال المذكور في عهد عمر فدفعه لأبي موسى، وذلك أن بختنصر قيل له: يولد مولود يكون هلاكك على يده، فجعل يقتل من يولد فلما ولدت أم دانيال ألقته في غيضة رجاء أن يسلم من القتل، فقيض الله له الأسد واللبوة كما ذكر في النهاية والفتح. ثم ذكر عن البحر واختلفوا فيما إذا كانت الصورة على الدراهم والدنانير. هل تمتنع الملائكة من دخول البيت بسببها؟ فذهب القاضي عياض إلى أنهم لا يمنعون، وأن الأحاديث مخصصة: وذهب الثوري إلى القول بالعموم. وفي الصميربي: إذا كانت التصاوير مستورة لا بأس بها ونحوه في الخلاصة،\n_________\n(١) انظر ج ٣ ص ٤٠ باب ١٠٤.","vol":"2","page":47},{"text":"وجامع الفتاوي. ولو كانت في يده تصاوير وأمّ لا تكره إمامته كما في خزائن الفتاوي. ولو هدم بيتا مصورا بالإصباغ ضمن قيمة البيت وأصباغ غير مصوريها، كما في التفاريق اهـ.\nونقل المناوي في شرح الشمائل؛ في باب الخاتم عن ابن جماعة: أخطأ في هذا المقام؛ من زعم أن خاتم المصطفى كان فيه صورة شخص، قال المناوي: وإطلاق الخطأ لا ينبغي. فقد قال الزين العراقي: قد ورد من حديث مرسل أو معضل وآثار موقوفة نقش الصورة على الخاتم، فأما الحديث المعضل أو المرسل فرواه عبد الرزاق عن معمر أن عبد الله بن محمد بن عقيل أخرج خاتما وزعم أن المصطفى كان يختم به فيه تمثال أسد. قال:\nفرأيت بعض أصحابنا غسله بالماء ثم شربه. وهذا مرسل أو معضل لا تقوم به حجة.\nوأما الموقوفات فخرّج ابن أبي شيبة في مصنفه عن حذيفة أنه كان في خاتمه كركيان متقابلان بينهما مكتوب: الحمد لله. وأخرج أيضا أنه كان نقش خاتم أنس أسدا وأنه أيضا كان خاتم عمران بن حصين نقشه: تمثال رجل متقلدا سيفا قال الزين العراقي: وهذه موقوفات لا حجة فيها، وبعضها لا يصح وليس فيها شيء بغير علة إلا أثر أنس، وهو معارض بالأحاديث الصحيحة في منع التصوير اهـ.\nقلت: قصة خاتم عمران هذه وما نقش فيه من تمثال رجل خرجه أيضا ابن سعد في الطبقات في ترجمته انظر ص ٥ ج ٦ وأثر أنس فيها أيضا بلفظ: كان في خاتم أنس ذيب أو ثعلب أنظر ص ١١ ج ٧. وفي ترجمة القاضي شريح منها كان نقش خاتم شريح أسدان بينهما شجرة، وفيها أيضا لدى ترجمة أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه كان في خاتمه رأس كركي أو نقش كركي بين أحبل انظر ص ١٤٦ ج ٦ وفيها أيضا في ترجمة الضحاك بن مزاحم الإمام العظيم الشأن أن خاتمه كان من فضة فيه فص شبه القوارير وكان نقشه صورة طائر انظر ص ٢١٠ من ج ٦.\nوفي المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية، للشيخ حمزة فتح الله المصري ص ٢٥٣ من ج ١ أن معاوية بن أبي سفيان ضرب دنانير عليها تمثاله متقلدا بسيفه اهـ ولكن قال العلامة الوزير جودت باشا التركي في مقدمة تاريخه أنه نقل بعض المؤرخين أنه ضرب على السكة صورة معاوية، وخالد بن الوليد متقلدين سيفهما وتابعهم واصف أفندي في ذلك.\nفأدرج في تاريخه أن معاوية كتب صورته على السكة متقلدا سيفه ولكن هذه الرواية المذكورة لم يصل نقلها إلى درجة الثبوت اهـ من تعريبه ص ٢٧٠ وانظر ما سبق في الوسادة لدى القسم الأول.\nوفي رحلة الحافظ أبي القاسم التجيبي أخبرنا المسند المعمر، الصدوق ناصر الدين أبو حفص بن عبد المنعم الدمشقي بقراءتي عليه، عن الشيخ الفقيه الإمام الفاضل موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، قال: روينا أن عمر بن الخطاب لما قدم الشام صنع أهل الكتاب له طعاما فدعوه فقال: أين هو فقالوا في الكنيسة،","vol":"2","page":48},{"text":"فكره دخولها وقال لعلي: اذهب بالناس، فذهب علي بالمسلمين فدخلوا وأكلوا «١»، وجعل علي ينظر إلى الصور وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل منها، وقد رأيت هذه القصة بعنيها في كتاب ذمّ الموسوسين وذم الوسوسة للإمام موفق الدين بن قدامة المذكور، انظر ص ١٩ منه طبعة مصر.\nوفي شرح كشف القناع على متن الإقناع للشيخ منصور بن إدريس الحنبلي، من كبار كتب الحنابلة، لما ذكر متنه أن المدعو للوليمة إن شاهد ستورا معلقة فيها صور حيوانات وأمكنه حطها أو قطع رأسها فعل، وإن لم يمكنه ذلك كره له الجلوس، إلا أن تزال، ما نصه: قال في الإنصاف: والمذهب لا يحرم اهـ لما روى أن النبي ﷺ دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم واسماعيل يستقسمان الأزلام، فقال: قاتلهم الله لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط رواه أبو داود «٢» ولأن دخول الكتاتيب والبيع غير محرم، وهي لا تخلو منها وكون الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة لا يوجب تحريم دخوله، كما لو كان فيه كلب ولا يحرم علينا صحبة رفقة فيها جرس، مع أن الملائكة لا تصحبهم، ويباح ترك الإجابة إذن عقوبة للفاعل وزجرا له عن فعله اهـ منه.\nووقع في كلام لبعض المصريين: اشتهر العرب في العصر العباسي بالتصوير على الجدران، وعلى صفحات الكتب بحروف تخطيطية كانت ذات اتقان زائد، وقد اطلعنا على كتاب قديم يرجع تاريخه إلى القرن الثالث الهجري، رسم فيه مؤلفه جماعة من النوابغ الإعلام، واطلعنا أخيرا على عدة كتب مصورة يرجع عهدها إلى القرن الرابع والخامس والسادس. ومن قرأ تاريخ الأندلس وجد أن الخليفة عبد الرحمن الناصر بني قصر الزهراء، الذي يضرب به المثل، وجعله مسكنا للزهراء جاريته، وسماه باسمها الزهراء. ونقش صورتها على بابه رمزا للرسم التخطيطي.\nوقال الشريف أبو عبد الله الجواني في كتاب النقط على الخطط أن الخليفة الآمر بأحكام الله، قد بنى قنطرة من الخشب مدهونة بالألوان، وصور فيها الشعراء كل شاعر وبلده، واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، وكتب ذلك عند رأس كل شاعر، وبجانب صورة كل واحد منهم رف لطيف مذهّب. فلما دخل الآمر هذه القنطرة وقرأ الأشعار ابتهجت نفسه، وأمر أن يوضع على كل رف صرّة مختومة، تحتوي على خمسين دينارا، وأن يدخل كل شاعر يأخذ صرته بيده، وكانوا عدة شعراء. وعثر في أطلال\n_________\n(١) ما قرأت في مكان آخر خبر دخول علي بن أبي طالب ﵁ إلى الشام. فهل كان بصحبة عمر حينما قدم إلى القدس. مأظن أن هذا الخبر إمدسوس. والله أعلم. مصححه.\n(٢) راجع البخاري كتاب الأنبياء ج ٤ ص ١١١ ونصه: عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قطّ.","vol":"2","page":49},{"text":"الحمراء بغرناطة في الأندلس، على صورة تمثل قضاة على طراز عربي، يظهر أنها من آثار القرن الثامن الهجري اهـ.\nقلت: صورة القضاة الأندلسيين التى ذكر، وقفت عليها منقولة عن الأصل المذكور بالفوتو غراف. وأخبرني بعض من دخل مكتبة باريز أنه رأى كتابا لبعض فلكيي القرن السادس والسابع في التاريخ اشتمل على صورة كثير من أعلام الإسلام؛ منها الصورة النبوية «١» والظاهر أنها صورة خيالية لا حقيقية. ورأيت المقريزي ينقل في الخطط عن كتاب سماه ضوء النبراس وأنس الجلاس في أخبار المزوقين من الناس قال: وأنه ألف في طبقات المصورين. وللزهراوي الطبيب كتاب في الجراحة يرجع تاريخه لسنة ٥٨٤ فيه صور الآلات الجراحية بالإتقان التام، ويستدل منها على أن بعضها كان مثل الآلات الجراحية التي يظن حدوثها منذ عهد قريب انظر مادة كتب من دائرة المعارف الوجدية. وكنت رأيت في دمشق صورة يدوية للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، وولي الدين ابن خالدون، والأخيرة ظفرت بها وهي عندي منقولة عن صورة وجدت بالأسكوريال من بلاد اسبانية والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>اتخاذ الشحم للإستصباح ودهن السفن وغيرها</span>\nفي الصحيح «٢» عن جابر أنه سمع النبي ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها أجملوه أي أذابوه ثم باعوه ثم أكلوا ثمنه. قال القاري في شرح المشكاة على قوله: تطلى بها السفن بضمتين جميع سفينة، أخشابها وقال النووي: الضمير في هو يعود إلى البيع، لا الإنتفاع وهذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه، وعند الجمهور: لا يجوز الإنتفاع به أصلا لعموم النهي إلا ما خص وهو الجلد المدبوغ، فالصحيح من مذهبنا جواز الإنتفاع بالإدهان النجسة من الخارج كالزيت والسمن وغيرهما بالإستصباح وغيره، بأن يجعل الزيت صابونا، أو يطعم النحل العسل المتنجس وأجاز أبو حنيفة وأصحابه بيع الزيت النجس إذا بينه اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>بيع اللبن</span>\nعن أبي بكر بن أبي مريم قال كانت للمقدام بن معدي كرب جارية تبيع اللبن ويقبض\n_________\n(١) في بلاد العجم يهتمون بالصور كثيرا، وخاصة على السجاد النفيس الذي يعلق على الجدران وقد صوروا الإمام علي وأبناءه كما أنهم رسموا للنبي ﷺ صورة في غاية البعد عما هو معروف من كتب الشمائل. والعجيب أن المؤلف يستشهد على إباحة الصور بما فعله الملوك وبعض المؤلفين، مع أن النصوص قاطعة بتحريمها. مصححه.\n(٢) انظر الجزء ٣ ص ٤٣ من كتاب البيوع باب ١١٢.","vol":"2","page":50},{"text":"المقدام ثمنه، فقيل له: سبحان الله أتبيع اللبن وتقبض الثمن؟ قال: نعم. وما بأس بذلك.\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: ليأتين على الناس زمان لا ينفع إلا الدينار والدرهم، أورده التبريزي في المشكاة وعزاه لأحمد «١» قال القاري: عليها نقل عن الطيبي معناه: لا ينفع الناس إلا التكسب إذ لو تركوه لوقعوا في الحرام.\nكما روي عن بعضهم أنه قيل له: إن التكسب يدنيك من الدنيا فقال: لئن أدناني من الدنيا فقد صانني عنها، وكان السلف يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وروي عن سفيان وكانت له بضاعة يقلبها ويقول: لولا هذه [الدنانير] لتمندل بي بنو العباس، أي جعلوني كالمنديل يمسحون بي أوساخهم اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>الحداد</span>\n«في الصحيح عن أنس بن مالك قال دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم (والدا له من الرضاعة) لأن زوجته أم بردة أرضعته بلبنه، وفي الإستيعاب، قال أنس في قصة موت إبراهيم بن النبي ﷺ فانطلق ﵇ وانطلقت معا فصادفنا أبا سيف ينفخ في كيره، وقد امتلأ البيت دخانا فأسرعت المشي أمام النبي ﷺ حتى انتهيت إلى أبي سيف فقلت: يا أبا سيف أمسك، جاء رسول الله ﷺ فأمسك القصة» .\nترجم البخاري في الصحيح باب ذكر القين والحداد «٢» قال الحافظ بفتح القاف، وقال ابن دريد: أصل القين الحداد ثم صار كل صانع عند العرب قينا، وقال الزجّاج: القين الذي يصلح الأسنة، والقين أيضا الحداد. وكان البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما، وليس في الحديث الذي أورده في الباب إلا ذكر القين، وكأنه ألحق الحداد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم اهـ.\nوالحديث الذي ذكره البخاري عن خبّاب قال؛ كنت قينا في الجاهلية وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث «٣» القصة.\nوقال العيني في العمدة: قال مقاتل: صاغ خبّاب للعاص شيئا من الحلي، فلما طلب منه الأجر قال: أنتم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة والولدان. قال خباب:\nنعم قال: العاصي فميعاد ما بيننا الجنة. وقال الواحدي وقال الكلبي ومقاتل: كان خباب قينا اهـ ثم قال العيني وفي الحديث: أن الحداد لا يضره مهنة صناعته إذا كان عدلا.\nقال أبو العتاهية:\nألا إنما التقوى هو العز والكرم ... وحبّك للدنيا هو الذل والعدم\n_________\n(١) انظره في المسند ج ٤ ص ١٨٣ من طبعة المكتب الإسلامي وص ١٣٣ ج ٤ من الطبعة الأولى.\n(٢) انظر كتاب البيوع ج ٣ ص ١٣ باب ٢٩.\n(٣) انظر كتاب البيوع ج ٣ ص ١٣ باب ٢٩.","vol":"2","page":51},{"text":"وليس على حر تقي نقيصة ... إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجم\nوترجم في الإصابة للأزرق بن عقبة الثقفي، مولى الحرث بن كلدة وأنه أسلم لما حاصر ﵇ الطائف وقال: ثم كان حدادا وقينا اهـ انظر ص ٢٧.\nوفي الأجوبة المهمة للشيخ الكنتي: أصل صناع الحديد والورق في الدولة الإسلامية أنه ﵇ لما افتتح خيبر سبى فيما سبى ثلاثين قينا وكانوا صناعا سماسر وحدادين فقال النبي ﷺ: اتركوهم بين المسلمين ينتفعون بصناعتهم، ويتقوون بها على جهاد عدوهم، فتركوا لذلك فمن تعلم عليهم الصناعة سمي صانعا أو معلما، ومن كان من أصلهم سمي قينا. فصاروا من يومئذ يلتجئون وينضوون إلى أكابر الناس أخرجه الخطيب القسطلاني اهـ منها.\nوترجم في الإصابة لبشر بن قيس التميمي فذكر أن ابن شاهي خرج عن بشر بن قيس أنه قدم على المصطفى ﷺ ومعه ابنه رجيح، وهما مقرونان في سلسلة كانت عليه، فقال:\nيا بشر إقطعها فليست عليك يمين فقطعها وأسلم.\nقلت: وقد غفل الحافظ في الفتح، لدى ترجمة باب الأسارى في السلاسل، من كتاب الجهاد عما عزاه لابن شاهين في الإصابة، فإنه نقل عن إبراهيم الحربي ما ينفي وجود السلسلة الحقيقية. وقد خرج البخاري في سورة آل عمران، من كتاب التفسير، عن أبي هريرة في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>البناء البناآت النبوية</span>\n«بنى ﷺ مسجد قباء أول ما ورد المدينة، ووقف على أساسه قال السهيلي في الروض: ذكر ابن أبي خيثمة أن رسول الله ﷺ، حين أسس مسجد قباء، كان هو أول من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبي بكر ثم أخذ الناس في البنيان فيستخرج هذا أول من بنى مسجدا في الإسلام» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>الأصل في وضع الرؤساء والملوك أول حجر للمعاهد العلمية والدينية والقومية</span>\nيؤخذ مما قبله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>تعيين الإمام موضع المسجد وتعيين محل القبلة</span>\nترجم في الإصابة أسامة الحنفي فذكر أن البارودي في الصحابة أخرج من طريق معاذ بن عبد الله بن خبيب عن رجل عن أسامة الحنفي قال لقيت رسول الله ﷺ في أصحابه في","vol":"2","page":52},{"text":"السوق فقلت لهم: أين يريد رسول الله ﷺ؟ قالوا: يريد أن يخط لقوم مسجدا. الحديث انظر ص ٣٢ ج ١.\nوترجم فيها أيضا جابر بن أسامة الجهني فذكر أن البخاري في تاريخه، وابن أبي عاصم والطبراني وغيرهم، خرّجوا من طريق أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن أسامة الجهني قال: لقيت رسول الله ﷺ بالسوق في أصحابه، فسألتهم أين يريد؟ قالوا: اتخذ لقومك مسجدا، فرجعت فإذا قومي فقالوا: خط لنا مسجدا وغرز في القبلة خشبة انظر ص ٢١١ ج ١.\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>أمر الإمام من ينوب عنه في تسمية البقعة مسجدا</span>\nذكر في الإصابة في ترجمة عبد الله بن عمير السدوسي، أن جده جاء بإداوة من عند النبي ﷺ، وأنه قال له: إذا أتيت بلادك رش به تلك البقعة، واتخذها مسجدا أخرجه الطبراني في الأوسط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>مسجد المدينة</span>\n«قال ﵇ كما في الصحيح «١»، وغيره إلى بني النجار بعد أن ارسل إليهم وكان موضع المسجد لهم: ثامنوني بحائطكم هذا. فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضاديته حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون قال ابن اسحاق: فعمل فيه النبي ﷺ ليرغب المسلمين في العمل وذكر ابن جماعة أن النبي ﷺ أمر ببناء المسجد فبنى باللبن، وجعلت عضادتاه بالحجارة، وسواريه جذوع النخل وسقفه الجريد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين الآخرين مثل ذلك، فهو مربع، وجعل الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللبن» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>بناؤه ﷺ المسجد ثلاث مرات منها ما لبنه بالأنثى والذكر</span>\nفي الفجر الساطع في باب بناء المسجد عن تفسير ابن عطية: بنى ﷺ مسجده ثلاث مرات، الأولى بالسميط وهو لبنة أمام لبنة، والثانية بالضفرة وهي لبنة ونصف في عرض الحائط، والثالثة بالأنثى والذكر، وهي لبنتان تعرض عليهما لبنتان اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>مساكنه ﵇</span>\nثم بنى ﷺ مساكنه إلى جنب المسجد باللبن، وسقفهما بجذوع النخل والجريد،\n_________\n(١) ورد هذا الحديث في أكثر من موضع في صحيح البخاري انظره في كتاب الصلاة ج ١ ص ١١١ وفي كتاب البيوع ج ٣ ص ١١٧ في كتاب الوصايا ج ٣ ص ١٩٦ وفي كتاب مناقب الأنصار ج ٤ ص ٢٦٦.","vol":"2","page":53},{"text":"وكان محيطها مبنيا باللبن، وقواطعها الداخلة من الحديد المكسو بالطين والمسوح الصوفية، وجعل لها أبواب منافذ متقنة الهواء، داعية إلى السهولة في الدخول والخروج وخفة الحركة، مع وفر الزمن والسرعة إلى المقصد وان منزل السيدة عائشة صفة إلى منزل السيدة فاطمة، وكان به فتحة إلى القبلة. يؤيد ذلك قول ابن زبالة: كان بين بيت حفصة ومنزل عائشة طريق، وكانتا تتهاديان الكلام، وهما في منزلهما من قرب ما بينهما، وكان بيت حفصة على يمين خوخة آل عمر، في جنوب بيت عائشة إلى الشرق، وكان من دونهما منازل بقية الأزواج الطاهرات. وكان بمنزل فاطمة شباك يطل على منزل أبيها وكان ﷺ يستطلع أمرها منه.\n«قال السهيلي في الروض: إن بيوت النبي ﷺ كانت تسعة بعضها من جريد مطين بالطين، وسقفها جريد وبعضها من حجارة موضوعة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا، وكان لكل بيت حجرة وهي أكسية من شعر مربوطة بخشب العرعر اهـ» .\nأقول: إذا علمت أنها تسعة وأن كل بيت لا بد له من محل لقضاء الحاجة، ومحل لمئونة السنة والطبخ ومحل للقاء الناس، ومحل لمبيت النبي ﷺ مع زوجته الطاهرة، وإن زدتها محل خزائن السلاح وأدوات النقل، ومحل الدواب والخيل والنعم والحمير، وغير ذلك من الممتلكات النبوية، وممتلكات بيت المال مع دار الضيوف، والسجن ومحل المرضى، ومحل أهل الصفة وغير ذلك من الضروريات ظهر لك عظم تلك المباني، وسعة تلك المرافق، وهذه الضروريات التي الإتساع في البناء ضروري لها يجهلها أكثر الناس اليوم. ويظنون أن مساكن النبي ﷺ كانت في نهاية الضيق والقلة. ولعمري إذا أمكنه ﷺ ذلك في المبادي، فكيف لا يتسع أكثر من ذلك في آخر امره ولو عاش في المدينة بعد الهجرة أكثر من عشر سنوات؟ وكان يشتغل فيها بغير الحروب وتوجيه البعوث وإرسال السرايا إلى الجهات فانظر ماذا كان يصنع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>الدكة لجلوسه ﵇</span>\n«ذكر أبو محمد ابن حيّان في أخلاق النبي ﷺ عن أبي هريرة وأبي ذر: كان ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا منه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه ونجلس بجانبيه» «١» .\nالحديث بذلك في صحيح مسلم في كتاب الإيمان في قصة مجيء جبريل، فاقتصار الخزاعي في العزو لمن ذكر ذهول وغفلة، وكان محل هذه الدكة هو الذي يعرف الآن في\n_________\n(١) عثرت على هذا الحديث في سنن أبي داود ج ٥ ص ٧٤ ورقمه ٤٦٩٨ وألفاظه قريبة جدا من النص أعلاه.","vol":"2","page":54},{"text":"المسجد النبوي باسطوانة الوفود. ففي تواريخ المسجد النبوي: أنها عرفت بذلك لأنه ﵇ كان يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته، وقد تكلم عليها السمهودي في الوفا، والسيد جعفر البرزنجي في النزهة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>أول بنّاء كان في الإسلام</span>\n«في نفحة الحدائق والخمائل في ذكر الإبتداع والإختراع للأوائل أول بنّاء كان في الإسلام عمار بن ياسر» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>امره ﵇ في البناآت أن تكون على مقتضى القواعد الصحية</span>\nقال البيهقي في شعب الإيمان: أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو محمد بن جعفر بن درستويه الفارسي حدثنا عتبة الحمصي ثنا اسماعيل هو ابن عياش عن أبي بكر الهذلي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله ما حق جاري علي؟ قال؛ إن مرض عدته، وإن مات شيعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن عري سترته، وإن أصابه خير هنيته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا ترفع بناءك فوق بنائه، فتسد عليه الريح، ولا توذّه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها. قال البيهقي: إسناده ضعيف وله شواهد. خرّج ابن عدي في الكامل من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رفعه نحوه وفيه: ولا تطيل عليه البناء، وتحجب عنه الريح إلا بإذنه. انظر آخر كتاب كوكب الروضة للحافظ السيوطي.\nوانظر ما سبق في معرفته ﵇ بهندسة البناء تر عجبا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>هدمه ﵇ مسجد الضرار</span>\nسمي مسجد الضرار لمحاولة الضرر ببنائه وكان الذين اتخذوه اثني عشر رجلا من المنافقين، وكان وعدهم النبي ﷺ أن يصلي لهم فيه، فنزل عليه الوحي بما أضمروه من التفريق بين المؤمنين، وإرادتهم به الطعن على الرسول، لتختلف الكلمة وذلك قوله تعالى:\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١٠٧] الآية فأمر ﵇ بتحريقه وأن يجعل محله كناسة يلقى فيها الجيف والأزبال، ودعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي العجلاني وقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه. وفي رواية فدعا مالكا ومعنا وأخاه زاد البغوي وعامر بن السكن، ووحشيا قاتل حمزة فأحرق حتى وضع إلى الأرض، وتفرق عنه أصحابه فلما قدم ﵇ المدينة عرضه على عاصم بن عدي ليتخذه دارا فقال: ما كنت اتخذه وقد أنزل الله فيه ما أنزل ولكن أعطه ثابت بن أقرن، فإنه لا منزل له فأعطاه فلم يولد في ذلك البيت مولود قط ولا حمام ولا دجاج.\nوروى ابن المنذر عن ابن جبير وابن جريج وقتادة قالوا: ذكر لنا أنه حفر في موضعه بقعة فأبصر الدخان يخرج منها وفي تفسير الواحدي قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكانوا اثني عشر رجلا، سرد ابن إسحاق وتبعه","vol":"2","page":55},{"text":"السهيلي والعمري وغيرهم أسماءهم انظر شرح المواهب، وراجع ما سبق في الكلام على الحدود، وفي أحكام القرآن لابن خويز منداد علي آية مسجد الضرار، وتضمنت الآية المنع من الضرر في المساجد، وفي بنيانها كذلك، قال أصحابنا: لا يجوز أن يا بنى مسجد إلى جنب مسجد لئلا يضر بأهل المسجد الأول، ويجب هدمه والمنع من بنائة، إلا أن تكون المحلة كبيرة ولا يكتفي أهلها بمسجد واحد فيا بنى الثاني.\nقالوا: ولا جامعان في المصر، ويجب منع الثاني ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه، وفي البيان والتحصيل للقاضي أبي الوليد ابن رشد: سئل مالك عن العشرة يكون لهم مسجد يصلون فيه، فيريد رجل أن يا بني قريبا مسجدا أيكون ذلك؟ فقال؛ لا خير في الضرار ولا سيما في المساجد خاصة، فأما مسجد بني لخير وصلاح فلا بأس به. وأما ضرار فلا خير فيه، قال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا لا خير في الضرار في شيء من الأشياء، وإنما القول في الآخر من المسجدين، قال ابن رشد: وهذا كما قال مالك أن من بنى مسجدا قرب آخر ليضرّ به أهل المسجد الأول، ويفرق به جماعتهم، فهو من أعظم الضرر، لأن الأضرار فيما يتعلق بالدين أشد فيما يتعلق بالنفس والمال، لا سيما في المسجد الذي يتخذ للصلاة التي هي عماد الدين، وقد أنزل الله تعالى في ذلك ما أنزل وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا إلى قوله: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وقوله: إنما القول أبدا في الأخير من المسجدين صحيح، لأنه هو الذي يجب أن ينظر فيه، فإن ثبت على بانيه أنه قصد به الإضرار وتفريق الجماعة لا وجها من أوجه البر، وجب أن يحرق ويهدم، ويترك مطروحا للأزبال، كما فعل رسول الله ﷺ بمسجد الضرار. فإن ثبت أن إقراره مضر بأهل المسجد الأول ولم يثبت على بانيه أنه قصد ذلك، وادعى أنه أراد القربة لم يهدم وترك مصلاه ولا يصلى فيه، إلا أن يحتاج إلى الصلاة فيه بأن يكثر أهل الموضع أو يهدم المسجد الأول.\nقلت: وعلى هذه النصوص اعتمدت في الأمر بالإحراق لزاوية بناها مضر يريد تفريق كلمة الفقراء الكتانيين، المجموعة في قبيلة أمزاب بالشاوية فأحرقت، وفقنا الله لصالح الأعمال آمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>في الرجل يحسن الشيء من عمل البناء فيوكل لعمله</span>\n«قال أبو بكر بن فتحون في كتابه ذيل الإستيعاب: وفد على النبي ﷺ قيس بن طلق الحنفي، وهو ﷺ يا بني مسجده فشهده معه، فوكله ﷺ بعمل الطين، لأنه رآه محسنا فيه» .\nقلت: ترجم في الإصابة لطلق بن علي التميمي فقال حديثه في السنن أنه بنى معهم في المسجد، فقال ﷺ: قربوا له الطين فإنه أعرف به وكذا ترجمه ابن سعد في الطبقات:\nوهذا سياقه عن طلق قال؛ قدمت على النبي ﷺ وهو يا بني مسجده، والمسلمون يعملون فيه معه، وكنت صاحب علاج وخلط طين، فأخذت المسحاة أخلط الطين ورسول الله ﷺ ينظر","vol":"2","page":56},{"text":"إلي ويقول: إن هذا الحنفي لصاحب طين. وحديثه الذي عزاه الخزاعي لابن فتحون خرّجه ابن حبان في صحيحه: عن طلق بن علي الحنفي قال: بنيت المسجد مع رسول الله ﷺ:\nفأخذت المسحاة بمخلطة الطين فكأنه اعجبه فقال: دعوا الحنفي والطين، فإنه اضبطكم للطين، وفي البيان والتحصيل لابن رشد، عن مالك أن رسول الله ﷺ: وقف على قبر فكأنه رأى باللبنة خلطا فأمر بأن يصلح وقال: إن الله يحب إذا عمل العبد عملا أن يحسنه ويتقنه «١» .\nقلت: هاهنا تتمات لتراجم البناء.\n(الأولى) وهنا نسوق قول الشيخ أبي محمد عبد القادر الفاسي، كما في التعليق الذي قيد عنه على الصحيح على قول الراوي: ما أكل ﵇ شاة مسموطة، ولم يكن ﷺ يترك هذا ومثله، مع وجوده إنما كان يأكل ما تيسر فلو سيق إليه المسموط وغيره لأكله، أو السكرجة وهي الأواني الرفيعة، أو الخوان وهي المائدة اهـ وكذا القول في بناآته ﷺ وهيئة مساكنه.\n(الثانية) في ذكر خريطة مسكن مارية بالعوالي، ترجم الحافظ ابن الأبار دفين تونس، في تكميل الصلة البشكوالية لمحمد بن حزم بن بكر التنوخي الطلمنكي، المعروف بابن المديني فقال: صحب محمد بن مسرة قديما واختص بمرافقته في طريق الحج، ولازمه بعد انصرافه وحكى عن ابن مسرة أنه كان في سكناه بالمدينة يتتبع آثار النبي ﷺ، قال ودله بعض أهل المدينة على دار مارية أم إبراهيم سرية النبي ﷺ، فقصد إليها فإذا دويرة لطيفة بين البساتين بشرق المدينة عرضها وطولها واحد قد شق في وسطها بحائط وفرش على حائطها خشب غليظ يرتقي إلى ذلك الفرش على خارج لطيف وفي أعلى ذلك بيتان وسقيفة كانت مقعد النبي ﷺ في الصيف، قال: فرأيت أبا عبد الله بعد ما صلى في البيتين والسقيفة، وفي كل ناحية من نواحي تلك الدار أخذ البيتين بشبره فكشفته بعد انصرافي، وهو ساكن في الجبل عن ذلك فقال: هذا البيت الذي تراه فيه بنيته على تلك الحكاية في العرض والطول بلا زيادة ولا نقصان اهـ من نسختي من التكملة العتيقة المنسوخة سنة نيف وثلاثين وستمائة وعليه جرى طبع الجزء الأول منها بباريز.\n(الثالثة) اذكر فيها توسع الحال عليه ﷺ، وما جاد به وأعطى لسائليه، مما لا يقدر عليه ملك كريم. قال الحافظ السخاوي، نقلا عن القاضي عياض في الشفا، أوتي ﷺ خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، ولم تحل لأحد قبله، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز، واليمن وجميع بلاد العرب وما دانى ذلك من الشام والعراق. وجلب إليه من أخماسه، وجزياتها، وصدقاتها، ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء ولا أمسك منه درهما، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره\n_________\n(١) قال المناوي في التيسير: رواه البيهقي في شعب الإيمان وإسناده ضعيف عن عائشة.","vol":"2","page":57},{"text":"وقوّى به المسلمين. وقال «١»: ما يسرني أن لي أحدا ذهبا ما يبيت عندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين.\nوكان يدخر مما أفاء الله عليه، في صفاياه وغيرها قوت سنة لعياله ونفسه، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح في سبيل الله اهـ.\nوثبت أنه ﵇ قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مائة ناقة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم وغير ذلك، كإعطائه جماعة كثيرة من خيبر. وقد فتح الله بها عليه، وفدك وقريظة والنضير وكانت خالصة له، وكان معه جماعة من أصحاب الأموال، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة بن عبيد الله والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن عبادة، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر بالصدقة، فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفه وحضّ على تجهيز جيش العسرة، فجهزهم عثمان بألف بعير وجاء بعشرة الاف درهم إلى النبي ﷺ، ووضعها بين يديه وروى أبو الشيخ وابن سعد من طريق علي بن زيد عن إسحاق بن عبد الله بن الحرث بن نوفل عن أبيه قال؛ اشترى رسول الله ﷺ حلة بسبع وعشرين ناقة، فلبسها ولفظ ابن سعد أوقيه ورجاله ثقات لكن لعلي واسحاق فيها كلام.\nوفي طبقات ابن سعد من طريق ابن سيرين، أن النبي ﷺ اشترى حلة وأما قال ثوبا بتسع وعشرين ناقة انظر ص ١٥٥ ج ١ من القسم الثاني.\nوفيها لدى ترجمة أسامة بن زيد، أن حكيم بن حزام أهدى إلى رسول الله ﷺ حلة، كانت لذي يزن، وهو يومئذ مشرك اشتراها بخمسين دينارا فقال رسول الله ﷺ: إنا لا نأخذ هدية من مشرك، ولكن إذ بعثت بها فنحن نأخذها بالثمن. بكم أخذتها؟ قال بخمسين دينارا قال فقبضها من رسول الله ﷺ، ثم لبسها رسول الله ﷺ، وجلس على المنبر للجمعة ثم نزل رسول الله ﷺ فكسا الحلة أسامة بن زيد.\nوفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي، نقلا عن والده الشيخ اسماعيل في شرحه على الدرر: خرج ﷺ ذات يوم وعليه رادء قيمته ألف درهم، وربما قام ﵇ إلى الصلاة وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم اهـ منه ص ٣٦٤ من ج ٢ ونقل نحوه الخادمي في شرحها عن التتارخانية من كتب الفقه الحنفي انظر ص ٣٦ من ج ٣ منه.\nواخرج ابن منده والمستغفري أن عبد العزيز بن سيف بن ذي يزن الحميري قدم على النبي ﷺ بهدية فدفع إليه حللا، فدفع منها النبي ﷺ حلة إلى عمر فقومت بعشرين بعيرا.\nانظر ترجمة عبد العزيز من الإصابة. وفيها في ترجمة هاني بن حبيب الداري، نقلا عن\n_________\n(١) ونصه في مسلم كتاب الزكاة ص ٦٨٧ عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ما يسرني أن لي أحدا ذهبا تأتي على ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين علي.","vol":"2","page":58},{"text":"الرشاطي قدم في وفد الداريين مع تميم الداري، واهدى لرسول الله ﷺ قباء مخوصا بالذهب، فاعطاه العباس فباعه من رجل يهودي بثمانية الاف.\nوفي باب مناقب أبي بكر من ارشاد الساري عن ابن عباس عن عائشة أن أبا بكر انفق على النبي ﷺ أربعين ألف درهم، وكان ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وأعطى غير واحد مائة من الإبل، والذين أعطاهم مائة ناس كثير منهم أبو سفيان وابنه معاوية، والحارث بن هشام وقد عدهم البرهان الحلبي وقال: إنهم يبلغون الستين من المؤلفة قلوبهم، وكذا ذكر الشيخ قاسم بن قطلوبغا في تخريج أحاديث الشفا، وأعطى صفوان بن أمية مائة ثم مائة، وذكر ابن فارس في كتاب أسماء النبي ﷺ أنه في يوم خيبر جاءت امرأة فانشدت شعرا تذكر أيام رضاعه في هوازن، فرد عليهم ما أخذه وأعطاهم عطاء كثيرا، حتى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف، قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الوجود.\nوفي الشفا وشرحها للشهاب: وردّ على هوازن سباياها، وكانوا ستة الاف نفس، من النساء والذرية، غير الأموال التي غنمها لما غزاهم، وكانت أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألف شاة من الغنم، وأربعة الاف أوقية من الفضة. الأوقية أربعون درهما.\nوقوّم ابن فارس ما وهبه لهوازن فكان خمسمائة ألف ألف، وقيل: ستمائة ألف ألف.\nوقال ابن حجر المكي في المنح المكية: كان السبي وهو النساء، والذراري ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم فوق الأربعين ألفا، وأربعة الاف أوقية فضة، وفي المقالات السنية.\nوردّ سبيا عظيما من هوازن إذ ... وافى إلى جوده جود مع الكرم\nيبغون اصغ لهم إذ قال قائلهم: ... امنن علينا رسول الله في كرم\nأنا لنشكر للنعماء إذ جحدت ... وعندنا الشكر ينمو غير منهضم\nيا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا حر الوطيس حم\nإنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية يا ذا المنهل الشبم\nفاصفح عفا الله عما أنت واهبه ... يوم القيامة والإنسان في ندم\nوامنن على نسوة قد كنت ترضعها ... طفلا يزينك أوفى الخلق بالذمم\nفكم هنالك من منّ ومن نعم ... وكم هنالك من إحسانه العمم\nخمس مئين الوف الف عطيته ... كانت لهم يومها من واسع العمم\nهذا نهاية جود في الوجود ولم ... يسمح به غير من قد خصّ بالكرم\nيعطي عطاء تقاصر عنه قيصر مع ... كسرى ولم يخش إقلالا من الحكم\nيعطي الكواعب والجرد السّلاهب وا ... البيض القواضب والآلاف من نعم\nالخ وفي البخاري من حديث أنس أنه ﷺ، أتي بمال من البحرين (بلدة بين البصرة","vol":"2","page":59},{"text":"وعمان) فقال: انزوه يعني صبوه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به ﷺ من الدراهم، أو من الخارج فلا ينافي أنه غنم في خيبر ما هو أكثر منه، وقسمه وخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء إليه فجلس فما كان يرى أحدا إلا أعطاه إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني فإني فديت نفسي وفديت عقيلا فقال له: خذ فحثى في ثوبه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي، قال: لا. قال: فارفعه أنت علي فقال: لا فنثر العباس منه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي قال. قال: فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم احتمله فالقاه على كاهله. قال ابن كثير: كان العباس شديدا طويلا نبيلا فاحتمل ما يقارب أربعين ألفا، فانطلق فما زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفي عليه عجبا من حرصه فما قام ﷺ وثمّ منها درهم.\nوفي رواية ابن أبي شبية: كان مائة ألف درهم، وأنه أرسله له العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل له ﷺ، وكان يبذل المال مرة للفقير، أو المحتاج. ومرة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيشة الفقراء. وربما ربط الحجر على بطنه، فلا تنافي بين أحواله من السعة والضيق، وبين ما ذكر أولا وأخيرا.\nقال الطبري كما في الفتح: إن ذلك كان في حالة دون حالة لا لعذر وضيق، قال الحليمي كما في شعب الإيمان، من تعظيمه ﵇ أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة فلا يقال كان فقيرا، وأنكر بعضهم إطلاق الزهد عليه. وقد ذكر القاضي عياض في الشفا، وعنه التقي السبكي: أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل صالح الطليطلي وصلبه، لتسميته النبي ﷺ يتيما، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أكلها اهـ.\nوذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن الشيخ تقي الدين السبكي، وحكاه عنه أيضا وله في التوشيح أنه كان يقول: لم يكن ﷺ فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله، وكان يقول في قوله. ﵇: اللهم أحيني مسكينا أن المراد به استكانة القلب، لا المسكنة التي هي أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته، وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك اهـ.\nولما نقله القسطلاني في المواهب قال الزرقاني في شرحها: وهو حسن نفيس. وأما اللفظ الشائع وهو: الفقر فخري وبه أفتخر. فقال الحافظ ابن تيمية والعراقي وابن حجر باطل موضوع اهـ.\nقال بعض العصريين: وعلى فرض وجود أصل له فمعناه الافتخار بالفقر وإيثاره على الغنى حالة نشأ الإسلام وتكوينه، فإن عقب الهجرة النبوية لم يكن في الإمكان تربية وإنشاء الثروة إذا ذاك، ولا ريب أن الفقر في سبيل الله غاية وفي سبيل الدولة والدين والوطن مزية","vol":"2","page":60},{"text":"شريفة توجب الفخر والشرف فشظف العيش والإقتصاد فخر المؤسسين اهـ أما بعد أن عظمت الفتوح، فكثرت مداخيل المال على الخلفاء الراشدين، وخصوصا في زمن عمر بن الخطاب حتى إنه دهش أخيرا حينما أبلغه أبو هريرة عند قدومه من البحرين أنه أتى بخمسمائة ألف درهم، ثم كثر الدخل على بيت المال حتى إن عمر كان يحمل في العام علي أربعين ألف بعير، كما في طبقات ابن سعد انظر ص ٢١٨ ج ٣ فأربعون ألف بعير باقتابها ومتعلقاتها وخدمتها شيء كبير، وملك عريض، وغنى واسع.\nوفي طبقات ابن سعد أيضا أن عمر بن الخطاب كان ينحر كل يوم على مائدته عشرين جزورا انظر ص ٢٢٧ ج ٣ والجزور كما في القاموس: البعير أو خاص بالناقة المجزورة جمع جزر وجزرات اهـ فهذا توسع كبير، وبساط عريض لا يمكن لأكبر ملك اليوم في الأرض أن يؤكل كل يوم على مائدته هذا العدد من اللحوم، والله الملك القيوم الفتاح ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [فاطر: ٢] .\nولننقلب لتميم الكلام على بقية الحرف في الزمن النبوي فنقول:\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>الصباغ</span>\nفي سنن ابن ماجه في باب الصناعات من أبواب التجارات، حدثنا عمرو بن رافع حدثنا عمرو بن هارون عن همام عن فرقد السنجي عن يزيد بن عبد الله بن الشخّير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: أكذب الناس الصباغون والصواغون «١» قال في النهاية: هم صباغو الثياب وصاغة الحلي، لأنهم يمطلون بالمواعيد، وقيل أراد الذين يصبغون الكلام ويصوغونه فيغيرونه لخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>الجلاب</span>\nفي سنن ابن ماجه «٢» باب الحكرة والجلب: حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أحمد حدثنا إسرائيل عن علي بن سالم بن ثوبان عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب، قال رسول الله ﷺ: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، وفي الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية؛ وكان في زمن النبي ﷺ في المدينة من قدم بالحب لا يتلقاه أحد بل يشتريه الناس من الجلابين. ولهذا جاء في الحديث الجالب مرزوق والمحتكر ملعون اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>ذكر من كان من الصحابة يتجر في بحر الشام</span>\nترجم البخاري «٣» في كتاب البيوع قال: باب التجارة في البحر وقال مطر: لا بأس\n_________\n(١) سبق تخريجه وهو في مسند أحمد ج ٢ ص ٢٩٢ وطبعة المكتب الإسلامي ص ٣٨٥ ج ٢ وهو في سنن ابن ماجه ص ٧٢٨ ج ٢ ورقمه ٢١٥٢.\n(٢) هو في ج ٢ ص ٧٢٨ ورقمه ٢١٥٣.\n(٣) انظر ج ٣/ ص ٧ كتاب البيوع.","vol":"2","page":61},{"text":"به، وما ذكره الله في القرآن إلا بحق ثم تلا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [النحل: ١٤] الفلك السفن وقال مجاهد: تمخر السفن الريح ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام، خرج ابن الجوزي في التلبيس عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في بحر الشام، منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد اهـ ونحوه ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد عن تخريج الإمام أحمد انظر ص ٧٤ ج ٤ وانظر ما سبق في الكلام على السفن البحرية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>الدباغ</span>\n«ذكر ابن دريد في الوشاح في باب الصناعات في باب من كان دباغا: الحرث بن حبيرة وقال في الإستيعاب: أبو وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن نهم: أسلم يوم الفتح هو وابنه» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>الخواص</span>\n«صنع القفاف ونحوها من الخوص وهو ورق النخل» .\nكانت حرفة «سلمان الفارسي حتى وهو أمير في المدائن فيعيش بها وكان يقول:\nأحب أن أعيش من عمل يدي؛ رغما عن راتبه. ذكره في الإستيعاب» .\nوفي ترجمته من الإصابة: كان سلمان إذا خرج عطاؤه تصدق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>العوام</span>\nترجم في الإصابة أحمد مولى أم سلمة فقال: روى ابن منده من طريق عمران النخلي عن أحمد مولى أم سلمة قال: كنا غزاة فجعلت أعبر الناس في واد أو نهر. فقال لي النبي ﷺ: ما كنت في هذا اليوم إلا سفينة. وأخرجه الماليني في ترجمة النخلي بالنون والخاء المعجمة. وروى الإمام الحافظ أبو مهدي عيسى بن سليمان الرّعيني الأندلس المالقي، نزيل دمشق في كتابه الجامع لما في المصنفات الجوامع، من أسماء الصحابة الأعلام أولي الفضل والأقدام بسنده عن سفينة مولاه ﵇ أنه قال: كنت معه ﵇ في غزوة فمررنا بواد أو نهر فكنت أعبر الناس فقال: - يعني النبي ﷺ- ما كنت منذ اليوم إلا سفينة.\nوترجم في الإصابة أيضا لسعد بن عبادة الأنصاري فنقل عن ابن سعد: كان في الجاهلية يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي، فكان يقال له الكامل.\nوترجم فيها أيضا لعبد الله بن الزبير، فذكر أنه جاء سيل بالبيت فطاف عبد الله بن الزبير سباحة.\nفائدة وفي حديث ابن عباس في السيرة أنه ﷺ قال: في المدينة أحسنت العوم في بير","vol":"2","page":62},{"text":"بني عدي بن النجار، قال الزرقاني في شرح المواهب: استدل به السيوطي على أنه ﵇ عام، رادا على القائل من معاصريه: الظاهر أنه لم يعمّ؛ لأنه لم يثبت أنه ﵇ سافر في بحر، ولا بالحرمين بحر.\nقال السيوطي: وروى ابن القاسم البغوي وابن عساكر مرسلا وابن شاهين موصولا عن ابن عباس: سبح ﷺ فقال: يسبح كل رجل إلى صاحبه فسبح ﷺ إلى أبي بكر حتى عانقه، وقال أنا وصاحبي أنا وصاحبي. انظر ص ١٩٢ ج ١ من السيرة الحلبية، مع الرسالة العلمية للتجيبي.\nواخرج ابن منده من طريق إسماعيل بن عياش عن سلمان بن عمرو الأنصاري عن بكر بن عبد الله بن ربيع الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: علموا أولادكم السباحة والرماية. الحديث قال الحافظ في الإصابة في ترجمة بكر بن عبد الله وإسماعيل: يضعف في غير أهل بلده وهذا منه وشيخه غير معروف انظر ص ١٨٠ ج ١.\nوقد أورد الحديث المذكور في الجامع الصغير بلفظ: علموا أولادكم السباحة والرماية، ونعم لهو المرأة المغزل، وإذا دعاك أبواك أجب أمّك. وعزاه لابن منده في المعرفة، وأبي موسى في الذيل والديلمي في مسند الفردوس، عن بكر بن عبد الله بن ربيع الأنصاري قال المناوي في التيسير: بإسناد ضعيف لكن له شواهد. وأورده في الجامع أيضا بلفظ: «علموا أولادكم السباحة والرماية والمرأة المغزل» وعزاه للبيهقي عن ابن عمرو قال في التيسير على قوله: السباحة بالكسر العوم؛ لأنه منجاة من الهلك، زاد في فتح القدير:\nقيل لأبي هاشم العوفي: فيما كنت؟ قال: في تعليمي ما لا ينسى، وليس لشيء من الحيوان عنه غنى، فقيل؛ ما هو؟ قال: السباحة فإنهم يجدون من يكتب عنهم ولا يجدون من يسبح عنهم اهـ.\nواخرج النسائي والبزار والبغوي والبارودي والطبراني وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب في كتابه «فضل الرمي» وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء عن عطاء بن رباح قال: جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصارى يرتميان، فملّ أحمدهما فجلس. فقال الآخر:\nكسلت، سمعت رسول الله ﷺ كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو وسهو، إلا أربع خصال مشى الرجل بين الغرضين، وتأدبيه فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة.\nوأخرج القراب من طريق مكحول أن عمر بن الخطاب كتب إلى أهل الشام أن علموا أولادكم السباحة والفروسية.\nوأخرج القراب عن سليمان التيمي قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يكون الرجل سابحا راميا. انظر الدر المنثور لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] وللحافظ السيوطي رسالة سماها الباحة في فضل السباحة، وفي الاكليل له","vol":"2","page":63},{"text":"على قوله تعالى في قصة يوسف: إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ [يوسف: ١٧] ونلعب فيه مشروعية المسابقة ورياضة النفس والدواب وتمرين الأعضاء على التصرف اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>بيع الماء</span>\nترجم في الإصابة «١» رومة الغفاري صاحب بير رومة فذكر أنه روى عبد الله بن عمر وابن ابان أنه لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكان لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة فكان يبيع القربة منها بالمد فقال له المصطفى ﵇ بعنيها بعين في الجنة فقال يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم وجعلها للمسلمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>باب في الصيد وهو على أنواع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>ذكر من كان يتصيد بالكلاب</span>\n«في الصحيح «٢» عن عدي سألت رسول الله ﷺ فقلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>ذكر من كان يتصبد بالبزاة</span>\n«في جامع الترمذي عن عدي بن حاتم سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فكل» . [كتاب الصيد باب ٣ ج ٤/ ٦٦] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>ذكر من صاد بالرمح</span>\n«في صحيح مسلم «٣» عن أبي قتادة كان مع النبي ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف عن أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه، وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا عليه، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ، وأبى بعضهم فأدركوا رسول الله ﷺ فسألوه عنه فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله.\nفي مسلم أيضا أنه ﵇ قال: فهل معكم منه شيء؟ فقالوا: معنا رجله فأخذها رسول الله ﷺ فأكلها» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>الصيد بالسهام</span>\n«في صحيح مسلم «٤» عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي ﷺ عن الصيد فقال: إذا\n_________\n(١) انظر ج ١ ص ٥٤٠.\n(٢) انظر البخاري ج ٦ رقم الباب ١٠ ص ٢٢١.\n(٣) انظر مسلم ج ١ ص ٨٥١ وما بعدها من كتاب الحج رقم الحديث ٥٧.\n(٤) انظر مسلم ج ٢ ص ١٥٣٤ من كتاب الصيد.","vol":"2","page":64},{"text":"رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده وقع في ماء. فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>الصيد بالمعراض</span>\n«خشبة محددة الطرف وقيل: في طرفها حديدة يرمى بها الصيد» .\nفي صحيح مسلم «١» عن عدى أيضا سألت النبي ﷺ عن المعراض قال: إذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل» . (أي هو ميتة قتل دون ذكاة)\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>الصيد باليد</span>\n«في مسلم عن أنس مررنا فاستنفجنا (أثرنا) أرنبا فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها فجئت بوركها وفخذها للنبي ﷺ فقبلها» . [كتاب الصيد باب ٩ ص ١٥٤٧/ ٢] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>الصيد بالآلات</span>\n«قال ابن عطية في تفسيره عند قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ [المائدة: ٩٤] الظاهر أنه سبحانه خص الأيدي بالذكر، لأنها معظم التصرف في الإصطياد، وفيها يدخل ما عمل باليد من فخاج وشباك اهـ وقد عقد أبو الفتح كشاجم في كتاب الصائد والطرائد باب المصائد التي يتوصل بها إلى الصيد والآلات المتخذة لذلك الصيد على ضروب من الحيل وبالات مختلفة» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>منع الصيد في جهة معينة أو وقت مخصوص كما يقع اليوم</span>\nترجم في الإصابة لضرار بن الأزور الأسدي فقال: يقال إن النبي ﷺ أرسله إلى منع الصيد من بني أسد اهـ منها ص ٢٠٨ ج ٢.\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>الصياد في البحر</span>\nقال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة: ٩٦] وقال تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [فاطر: ١٢] «في صحيح مسلم «٢» عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ فأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر. قال. انطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئه الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر ميتة قال فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى ولقد رأيتنا نغترف من وقبة عينه بالقلال الدهن (زيت السمك) فلقد أخذ أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في عينه وأخذ\n_________\n(١) انظر كتاب الصيد ج ٢ ص ١٥٣٠.\n(٢) من كتاب الصيد والذبائح ج ٢ ص ١٥٣٥ باب إباحة ميتات البحر.","vol":"2","page":65},{"text":"ضلعا من إضلاعه فأمالها ثم رحّل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه فلما قدمنا المدينة أتينا النبي ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله» .\nقلت: وفي طبقات ابن سعد أن المصطفى ﵇، كتب إلى بني جنبه وهم يهود بمقنا وإلى أهل مقنا، ومقنا قريب من إيلة كتابا جاء فيها: وإن عليكم ربع ما أخرجت نخلكم، وربع ما صادت عروككم. (والعروك خشب تلقى في البحر يركبون عليها فيلقون شباكهم يصيدون السمك) . [انظر الطبقات ج ١ ص ٢٧٦ طبعة دار صادر بيروت] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>باب لم يتصيد ﵇ بنفسه الكريمة ولا اشترى صيدا</span>\nقال الشعراني في كتابه منح المنة في التلبس بالسنة ص ٣٣: وكان ﵇ يأكل لحم الدجاج والطير الذي يصاد ولا يشتريه، ولا يصيده ويحب أن يصاد له فيؤتى به فيأكله اهـ.\nتنبيه من أجمع ما كتبه المتاخرون في الصيد واحكامه منظومة الإمام البارع أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الجبار بن أحمد الفجيجي المترجم في دوحة الناشر وغيرها التي أولها:\nيلومونني في الصيد والصيد جامع ... لاشياء للإنسان فيها منافع\nفأولها أكل الحلال به ... نصوص كتاب الله وهي مواضع «١»\nفصحة جسم ثم صحة ناظر ... وأحكام اجراء السوابق رابع\nوبعد عن الرذال مع صدق همة ... واغلاق باب القول والقال سابع\nوأيضا لعرض المرء فيه سلامة ... وخفظ لدينه «٢» وذلك تاسع\nوفيه لأهل الفضل والدين عبرة ... وتذكرة لها لديهم مواقع\nويورث طيب النفس والجود والسخا ... ويألف منه الصبر من هو جازع\nويشفي الهموم المهرمات عن الفتى ... ويقمع وجد الشيب كي لا يسارع\nويورث عند الإلتحام شجاعة ... وفيه من السر الخفي بدائع\nكرعي انتظام وافتقاد رعية ... وحفظ جناب من عدو ينازع\nوتدبير أمر الجيش والفتك بالعدا ... وصيد أسود الأنس والأمر ضارع\nويصفو دماغ المرء والجسم جملة ... من أخلاق سوء أو فضول تطاوع\nويغني عن الطب الضعيف علاجه ... وما مثله للحزن والسقم دافع\nوقد جاء سافروا تصحّوا وتغنموا ... وذلك من قول النبوة شائع\nوما ريىء مفلوجا مريعا طريده ... حكى من ذوي التجريد قوم بلائع\nوأيضا يزيد في الذكاء وفي الدها ... وذلك كلّ إلى العقل راجع\n_________\n(١) في الشطرة الأولى نقص اختل به الوزن.\n(٢) كلمة: لدينه هنا تخل بالوزن. ولو قال: بدنياه لاستقام.","vol":"2","page":66},{"text":"وفيه خظوظ النفس من كل بغية ... وكل سرور بالمباح فواسع\nوهي قصيدة نفيسة «١» سماها مؤلفها روضة السلوان وقد شرحها بشرح ممتع في مجلد وسط العلامة الجامع أبو محمد القاسم بن محمد بن عبد الجبار الفجيجي وهو من أعيان أهل المائة الحادية عشرة رحمهما الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>اعتناء البدوي بطرف بلاده يهديها له ﵇ والعكس</span>\nكان له ﵇ رجل من البادية يسمى زاهرا، كان يهادي النبي ﷺ بموجود البادية، أي بما يوجد حسنا من ثمارها وزهورها. وكان ﵇ يهاديه ويكافيه بموجود الحاضرة، وبما يستظرف منها فكان ﵇ يقول كما في الشمائل وغيرها: زاهر باديتنا «٢» ونحن حاضرته. أي ساكنها. وإذا تذكرناها سكن قلبنا برؤيتها، ونستفيد ما يستفيده الرجل من باديته من أنواع الثمار وصنوف النباتات، فكأنه صار باديتنا. وإذا احتجنا متاع البادية جاء به لنا فأغنانا عن السفر لها، وقوله: ونحن حاضرته أي يصل إليه منا ما يحتاج إليه من الحاضرة، وتوقف بعض فيه فإن المنعم لا يليق به ذكر انعامه، منع بأنه ليس من ذكر المن بالأنعام في شيء، بل أرشاد إلى مقابلة الهدية بمثلها أو أفضل. قال ابن سلطان في شرح الشمائل: وإنما ذكره مع ما فيه من الإيهام بذكر المنعم بإنعامه، لكونه مقتضى المقابلة الدالة على حسن المعاملة، تعليما لأمته في متابعة هذه المجاملة اهـ.\nوأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلا كان يهدي النبي ﷺ العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به النبي ﷺ فقال: أعط هذا متاعه فما يزيد النبي ﷺ أن يتبسم ويأمر به فيعطى؟ ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال: يا رسول الله هذا أهديته لك فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فيقول: أعط هذا الثمن. فيقول ألم تهده لي فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه، وقال ابن سلطان: كان هذا الصحابي من كمال محبته لرسول الله ﷺ؛ كلما رأى طرفة أعجبته أشتراها وآثره بها، وأهداها إليه على نية أداء ثمنها إذا حصل لديه، فلما عجز صار كالمكاتب فرجع إلى مولاه، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم فرجع بالمطالبة إلى سيدة ففعل هذا جد حق ممزوج بمزاح صدق، وانظر ترجمة نعيمان من الإصابة وأسد الغابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>العمال في الحوائط</span>\n«في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أنه كان يقول «٣»: ويقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون بمثل حديثي فسأخبركم إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل\n_________\n(١) رغم نفاستها فثمة أخطاء في الوزن، مصححه.\n(٢) ذكر في الإصابة ج ١ ص ٥٤٢ وسماه زاهر بن حزام الأشجعي.\n(٣) أول الحديث: يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر، والله الموعد، التخريج/ ٧٣٦.","vol":"2","page":67},{"text":"أراضيهم وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاسواق» . [مسلم ج ٢ ص ١٩٤٠ من كتاب فضائل الصحابة رقم الحديث: ١٦٠] .\nقلت: وذكر السيد السمهودي في جواهر العقدين عازيا للدار قطني قال: من طريق ابن أبي عمر؛ سمعت عبد الرحمن ابن أبي إسحاق المديني يحدث أن عمر بن الخطاب فقد عليا فقال: أين أبو الحسن؟ فقيل ذهب إلى أرض له فقال: إذهبوا بنا إليه فوجدوه يعمل فعملوا ساعة معه، ثم جلسوا يتحدثون فقال علي لعمر: يا أمير المؤمنين؛ أرأيت لو جاءك قوم من بني إسرائيل وقال لك أحدهم: أنا ابن عم رسول الله ﷺ أكانت له أثرة عندك؟ قال. نعم قال: فأنا أخو رسول الله ﷺ وابن عمه. قال: فنزع عمر رداء فبسطه فقال: لا والله لا يكون لك مجلس غيره حتى نفترق، فلم يزل جالسا عليه حتى تفرقوا. قال السيد السمهودي: إنما أراد علي بذلك الإعلام بما فعله عمر من التفقد له، ومجيئه إليه وعمله معه في أرضه، وهو أمير المؤمنين لقرابته من نبينا ﷺ، وإن الواحد من بني عم الأنبياء الماضي وإن بعد يستحق الأثرة على غيره، فكيف بمن كان له هذا القرب من نبينا ﷺ؟ اهـ.\nوفي إرشاد الساري عن محيي السنة: أن رجلا مر بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير، وهي لا تطعم إلا في كذا كذا عاما؟ فقال: ما علي أن يكون لي أجرها، ويأكل منها غيري؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>من كان من الصحابة يعطي أرضه بالربع والثلث</span>\nترجم في الإصابة لجبر بن عتيك الأنصاري، فذكر أن ابن منده روى في ترجمته؛ من طريق حجاج ابن أرطأة عن إبراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة قال: رأيت جبرا وسعدا وابن مسعود يعطون أرضهم بالربع والثلث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>المستدل على محل الماء من تحت الأرض وإستخراجه</span>\nترجم في الإصابة لعبد الله بن عامر بن كريز القرشي، فذكر أنه أتى به إلى النبي ﷺ، فجعل يتفل عليه ويعوده فجعل يتبلع ريق النبي ﷺ، فقال ﷺ: إنه لمسقي وكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء، حكاه ابن عبد البر. وذكر الحافظ أنه: أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى إليها الماء.\nقلت: يسمى هذا العلم علم الريافة، وعلم إنباط المياه وبالأخير عنون عنه ابن الأكفاني في إرشاد القاصد قال: هو علم يتعرف منه كيفية استخراج المياه الكامنة في الأرض وإظهارها، ومنفعة إحياء الأرض الميتة وفلاحتها. وللكرخي فيه كتاب مختصر، وفي خلال كتابه الفلاحة النبطيه مهمات هذا العلم اهـ.\nوقال من سماه علم الريافة: هو معرفة استنباط الماء من الأرض، بواسطة بعض الإمارات الدالة على وجوده فيعرف بعده وقربه بشم التراب، أو برائحة بعض النباتات فيه، أو بحركة حيوان مخصوص وهو من فروع الفراسه.","vol":"2","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>السقاء الذي يحمل الماء على ظهره</span>\n«أبو عقيل صاحب الصاع، ذكره أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب بذلك» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>الحمل على الظهر</span>\n«في سنن النسائي «١» عن ابن مسعود: كان النبي ﷺ يأمرنا بالصدقة فما يجد أحدنا ما يتصدق به، حتى ينطلق إلى السوق فيحمل على ظهره فيجيء الحديث» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>الحجام والحلاق</span>\n«أبو هند الذي قال فيه النبي ﷺ: إنما أبو هند «٢» أمرؤ من الأنصار فانكحوه وانكحوا إليه، وكان حجام رسول الله ﷺ، ذكره ابن إسحاق ص ٧٧ ج ٢ في غزوة بدر منصرفه ﷺ منها. وأبو طيبة «٣» حجّام النبي ﷺ وحديثه في الموطأ» .\nقلت: وقال السهيلي في الروض: وأما أبو طيبة الحجام فهو مولى بني حارثة، واسمه نافع وقيل: ميسرة ولم يشهد بدرا اهـ.\nوترجم في الإصابة خراش بن أمية فذكر أنه الذي حلق رسول الله ﷺ في المدينة، وفي العمرة التي تليها، ثم ترجم أيضا لخراش بن مالك فذكر أن علي بن سعد العسكري قال: احتجم النبي ﷺ فلما فرغ، قال: لقد عظمت أمانة رجل قام عن أوداج رسول الله ﷺ بحديدة قال في التجريد ولعله تابعي، ثم ترجم أيضا لسالم الحجام فنقل عن أبي عمر أنه حجم المصطفى ﷺ، وشرب دم المحجم. وترجم أيضا لمعمر بن نضلة، فذكر عنه أنه قال: قمت على رأس رسول الله ﷺ ومعي موسى لأحلق رأسه فقال: يا معمر مكّنك رسول الله ﷺ من شحمة أذنيه. قلت: ذاك من منن الله علي. قال: أجل. فحلقت رأسه، وترجم أيضا لأبي رحيمة بالحاء أو الخاء فقال: ذكره أبو نعيم وأخرج من طريق روح بن جناح عن عطاء بن نافع عن أبي رحمة قال: حجمت النبي ﷺ فأعطاني درهما وفي سنده ضعيف. وقد ترجم البخاري في كتاب البيوع، باب: ذكر الحجام وأدرج فيها حديث أبي طيبة. وفي فتح الباري قال ابن المنير: ليست هذه الترجمة تصويبا لصنعة الحجامة، فإنه ورد فيها حديث يخصها. وإن كان الحجام لا يظلم أجره، فالنهي على الصانع لا على المستعمل، والفرق بينهما ضرورة المحتجم للحجامة، وعدم ضرورة الحجام لكثرة الصنائع سواها. قال الحافظ إثره: إن أراد بالتصويب التحسين والندب إليها فهو كما قال، وإن أراد التجويز فلا، فإنه يجوز تعاطيها للضرورة، ومن لازم تعاطيها للمستعمل تعاطيها للصانع لها\n_________\n(١) انظر كتاب الزكاة باب ٤٩ ج ٥ ص ٥٩.\n(٢) ترجمة في الإصابة ج ٤ ص ٢١١ جهد المقل ورقمه ١١٩٣.\n(٣) ترجمة في الإصابة ج ٤ ص ١١٤ ورقمه ٦٨٢.","vol":"2","page":69},{"text":"فلا فرق، إلا بما اشرت إليه؛ إذ لا يلزم من كونها من المكاسب الدنية أن لا تشرع ولو تواطأ الناس على تركه لأضرّ بهم اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>اللحام وهو الجزار والقصاب</span>\n«في الصحيح «١» عن ابن مسعود قال: جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب فقال لغلام له قصاب: إجعل لي طعاما يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو رسول الله ﷺ خامس خمسة الحديث» .\nقلت: وهو في جامع الترمذي بلفظ لحام، قال محشيه: لحام بصيغة المبالغة بائع اللحم، وألفاظ الحرف واقعة بصيغة المبالغة، بناء على كثرة عملهم ومزاولتهم اهـ.\nوترجم في الإصابة لخالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي فنقل عن ابن دريد: كان جزارا وترجم فيها أيضا لكرام فقال: الجزار صاحب الزقاق المعروقة بالمدينة، ذكره عمرو بن شبة. وفي التلقيح للحافظ ابن الجوزي: كان الزبير وعمرو بن العاص وعامر بن كريز جزارين اهـ وفي الصحيح أيضا أن عليا أمره النبي ﷺ أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها لحومها والجلود. [كتاب الحج باب ١٢٠ ص ١٨٦/ ٢] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>الحرف الممتهنة في نظره ﵇</span>\nأخرج الطبراني من طريق عبد الرحمن بن عثمان الوقاصي، عن ابن المنكدر عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وهبت خالتي فاختة بنت عمرو غلاما وأمرتها أن لا تجعله جازرا ولا صائغا ولا حجاما. والوقاصي ضعيف. قاله الحافظ في ترجمتها من الإصابة. ولكن قال الذهبي في التجريد: فاختة وهبها ﵇ غلاما جاء في حديث واه. وفي سنن أبي داود: «إني وهبت لخالتي غلاما وإني أرجو أن يبارك لها فيه، فقلت لها: لا تسلميه حجاما ولا صائغا ولا قصابا» «٢» وقال أبو الحسن السندي في حواشي مسند أحمد قيل: إنما كره الحجام والقصاب لأجل النجاسة التي يباشرانها مع تعذر الإحتراز، وأما الصائغ فلما يدخل في صياغته من الغش، ولأنه يصوغ الذهب والفضة، وربما كان منه آنية أو حليّ للرجال، وهذا حرام أو لكثرة الوعد والكذب في كلامه اهـ وفي الذهب الإبريز للقاوقجي: وفيه إشعار بخسة هذه الصنائع اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>الطباخ</span>\n«في الشمائل عن أبي عبيدة طبخت للنبي ﷺ قدرا وفي الإستيعاب: أبو عبيد مولى رسول الله ﷺ: كان يطبخ لرسول الله ﷺ» .\n_________\n(١) انظر كتاب البيوع ج ٣ ص ١٠ باب ٢١.\n(٢) انظره في ج ٣ ص ٧١٢ من كتاب البيوع والإجارات باب في الصائع ٤١.","vol":"2","page":70},{"text":"وقد وقع حديثه بذلك في شمائل الترمذي وجامع الدارمي وفي الإصابة بريل مصغر أخرج ابن شاهين عن بريل السهالي قال اتى رسول الله ﷺ بمكة رجل يعالج لأصحابه طعاما فاذاه وهج النار فقال رسول الله ﷺ لن يصيبك حر من جهنم بعدها انظر ص ١٤٦ ج ١.\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>صنيعة الخزيرة</span>\nبخاء وزاي معجمتين فياء فراء فتاء تأنيث، ترجم في الإصابة لخولة بنت قيس الأنصارية الخزرجية، فذكر عن تخريج ابن منده عن خولة بنت قيس قالت: دخل عليّ النبي ﷺ فصنعت له خزيرة، فلما قدمت له وضع يده فيها فوجد حرها فقبضها، ثم قال: يا خولة لا نصبر على حر ولا نصبر على برد، وعن عائشة أتيت النبي ﷺ بخزيرة طبختها له وقلت لسودة والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي فأبت فقلت لها كلي فأبت فقلت لها إما كلي أو لألطخن بها وجهك فأبت فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها فضحك رسول ﷺ، فوضع فخذه لها وقال لسودة: الطخي وجهها فلطخت بها وجهي فضحك ﵇. الحديث رواه ابن غيلان من حديث الهاشمي «١»، وأخرجه الملا في سيرته.\nقال في المواهب: والخزيرة اللحم يقطع صغارا أو يصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق، هو في القاموس: الحريرة يعني بالإهمال: الدقيق يطبخ بلبن أو دسم. وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي المكي: وأكل ﷺ الخزيرة بخاء معجمة ثم راء مكسورة وبعد التحتانية راء، وهي لحم تقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق، وهو الذي صنعته عائشة وقدمته وعنده بعض نسائه، التي مزحت معها وقيل: هي شيء على هيئة العصيدة لكنها أرق. وفي جوهرة الغواص: هي بخاء معجمة إذا صنعت من نخالة، وبالمهملة إذا صنعت من اللبن، وفي موجبات الرحمة للرداد ترجيح الأول اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>الشواء</span>\nفي سنن النسائي عن أبي رافع قال: كنت أشوي لرسول الله ﷺ «٢» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>صاحب الخبز</span>\nترجم في الإصابة مرداس المعلم فقال: ذكره أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار بغير سند فقال: مرّ النبي ﷺ بمرداس المعلم فقال: إياك والخبز المرقق، والشرط على كتاب الله قال: وهذا لم اقف له على سند.\nقلت: إن ثبت هذا الخبر يرد به قول الحافظ ابن القيم في الطرق الحكمية: إنما لم\n_________\n(١) لا أدري مدى صحة هذه القصة وليت المؤلف أبدى رأيه في سندها.\n(٢) عثرت عليه في صحيح مسلم ج ١ ص ٢٧٤ من كتاب الحيض ورقمه ٩٤: عن أبي رافع قال: أشهد لكنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن الشاة ثم صلى ولم يتوضأ.","vol":"2","page":71},{"text":"يقع التسعير في زمن النبي ﷺ بالمدينة، لأنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا وخبزا بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم اهـ. منه ٢٣٣.\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>هل كانت الأقراص النبوية صغارا</span>\nفي المواهب وشرحها وقد تتبعت، هل كانت أقراص خبز النبي ﷺ صغارا أم كبارا، فلم أجد شيئا في ذلك بعد التفتيش، نعم: روي أمره بتصغيرها في حديث عند الديلمي عن عائشة رفعته بلفظ: صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه، وهو واه بحيث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال: إن المتهم به جابر بن سليم. وروي عن ابن عمر رفعه:\nالبركة في صغر القرص. ونقل عن النسائي أنه كذب.\nلكن روى البزار والطبراني في الكبير بسند ضعيف، كما قال الحافظ ابن حجر. وقال شيخه النور الهيثمي: فيه أبو بكر بن مريم، وقد اختلط وبقية رجاله ثقات عن أبي الدرداء مرفوع: قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه. قال في النهاية وحكى عن الأوزاعي أنه تصغير الأرغفة، وكذا حكى البزار عن إبراهيم بن عبد الله، عن بعض أهل العلم، أنه تصغير الأرغفة أشار إلى ذلك السخاوي في المقاصد.\nوفي باب ما يستحب من الكيل من فتح الباري على قوله ﵇: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه. قيل: في مسند البزار أن المراد بكيل الطعام تصغير الأرغفة، ولم أتحقق ذلك ولا خلافه اهـ.\nوفي موضوعات علي القاري؛ نقلا عن الزركشي حديث: الأمر بتصغير اللقمة، وتدقيق اللقمة، قال النووي لا يصح اهـ وفي منظومة إبن العماد في آداب الأكل والطعام:\nقالوا وما صح في طحن الطعام ولا ... تصغير لقمته شيء لذي أكل\nاهـ وأنت تعلم أن نفي الصحة لا يستلزم ما عداها. ثم قال في المواهب: ولعل هذا مستند أبي إسحاق إبراهيم المتبولي في تصغيره أرغفة سماطه كالشيخ أبي العباس البدوي والسادات الوفائية اهـ.\nوفي شرح المنتهى من كتب الفقه الحنبلي للشيخ منصور البهوتي الحنبلي، وعن أحمد: الخبز الكبار ليس فيه بركة، وذكر معمر أن أبا أسامة قدم لهم طعاما، فكسر الخبز قال أحمد لئلا يعرفوا كم يأكلون اهـ منه وإلى مضمون كلام القسطلاني في المواهب أشار صاحب المقالات السنية فإنه بعد أن ذكر حديث «صغروا طعامكم يبارك لكم فيه» «١» قال:\nروى الحديث بإسناد به ضعف ... عزا الرواية للأوزاعي ذي الرسم\n_________\n(١) قال في كشف الخفاء بعد ما ذكر حديث: صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه بأنه رواه الديلمي عن عائشة مرفوعا بسند واه. وعدّه ابن الجوزي في الموضوعات. ونقل أقوال العلماء في بطلان أصل الحديث.","vol":"2","page":72},{"text":"أن المراد به تصغير أرغفة ... البزار أيضا عن إبراهيم ذي النعم\nيدعى أبو الندب عبد الله والده ... الجنيد عن بعض أهل العلم والحكم\nأن المراد به تصغير أرغفة ... ولعل ذا سند للعارف الفهم\nشيخ الطريقة في تصغير أرغفة ... سماطه كأبي العباس ذي القدم\nوالاصطفا أحمد البدوي ثم أولي ... المواهب والسادات ذو القدم\nبنو الوفا والصفا أهل المعارف ... اكسير السعادات والسادات في الأزم\nوقد تتبع بعض الحافظين بأن ... يحيط علما بخبر خبز ذي النعم\nهل كانت أقراص خبز المجتبى صغرا ... أم كبارا فلم يوجد بكتبهم\nشيئا سوى صغروا الخبز الحديث عن ... رمتة صاحب المصطفى الرضى الفهم\nالديلمي رواه عن بعض وروي ... حديث أصدق الخلق في الرمم\nتنبيه: في ترجمة تملك التابعية الكوفية من طبقات ابن سعد أنها سألت أم سلمة قالت: إذا وضعت السكين في الخبز فاذكري اسم الله وكلي. النظر ص ٣٦٢ ج ٨ ففيه أنهم كانوا يقطعون الخبز بالسكين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>الماشطة</span>\n«قال ابن فتحون أم زفر ماشطة خديجة زوج النبي ﷺ كانت تأتي النبي ﷺ بعد ذلك، ويكرمها ويقول: إنها كانت تأتينا أيام خديجة. وقال ابن إسحاق في السيرة: لما أعرس رسول الله ﷺ بصفية بنت حييّ بن أخطب بخيبر أو ببعض الطريق كانت التي جمّلتها ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان» .\nقلت: في طبقات ابن سعد؛ أن المصطفى ﵇ لما اشترى صفية من دحية الكلبي دفعها إلى أم سليم حتى تهيئها وتصنعها وتعتد عندها.\nوترجم في الإصابة لآمنة بنت عفان بن أبي العاص أخت أمير المؤمنين عثمان، فذكر عن ابن الكلبي أنها كانت في الجاهلية ماشطة، وذكر فيها أيضا لشبرة بنت صفوان القرشية، فذكر عن ابن الكلبي أنها كانت ماشطة، تقني النساء بمكة.\nوترجم فيها أيضا لأم رعلة القشيرية فذكر عن المستغفري أنها كانت امرأة ذات لسان وفصاحة فقالت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، إنا ذوات الجدود ومحل أزهار البعول، ومن بنات الأولاد، ولا حظ لنا في الجيش فعلمنا شيئا يقربنا إلى الله وفيه فقالت: إني امرأة مقنية أقين النساء وأزينهن لأزواجهن. فهل هو حوب فاثبط عنه؟ فقال لها يا أم رعلة قينيهن وزينيهن الخ القصة.\nوفي رواية أخرى: فكان المصطفى بها متعجبا. وفي التجريد أم رعلة القشيرية، لها وفادة في حديث واه اهـ.","vol":"2","page":73},{"text":"وفي باب ذكر القن والحداد من فتح الباري: وأما قول أم أيمن: قنيت عائشة فمعناه:\nزينتها. قال الخليل: التقيين التزيين، ومنه سميت المغنية قينة، لأن من شأنها الزينة اهـ منه.\nتتمة خرج أبو داود في سننه عن عائشة قالت: أرادت أمي أن تسمنني لدخولي على رسول الله ﷺ، فلم أقبل عليها بشيء مما تريد، حتى أطعمتني القثاء بالرطب، فسمنت عليه أحسن السمن. ترجم عليه أبو داود باب السمنة «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>المحرشة بين النساء</span>\nترجم في الإصابة لحميدة بالتصغير، مولاة أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي والدة أشعب الطامع فقال: قيل: كانت تدخل بين أزواج النبي ﷺ وتحرّش بينهن، فأمر النبي ﷺ بتعزيرها، وقيل: دعا عليها فماتت. وهذا لا يصح، لأن أشعب ولد بعد النبي ﷺ بمدة، فلعلها أصابها بدعائه مرض اتصل بها إلى أن ماتت بعده بمدة وفي محل آخر من الإصابة أن ولدها أشعب افتخر بذلك. فقيل له: ويحك أو يفتخر بهذا أحد فقال: لو لم يكن موثوقا بها عندهن ما قبلن منها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>المرأة تذهب لجس نبض الرجل هل له بزواج فلانة أرب</span>؟\nفي ترجمة خديجة من الإصابة عن نفيسة بنت أمية أخت يعلى قالت: كانت خديجة امرأة شريفة، كثيرة المال ولما تأيمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، فلما سافر النبي ﷺ في تجارتها ورجع بربح وافر، رغبت فيه فأرسلتني دسيسا إليه فقلت: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي شيء. فقلت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال: ومن؟ قلت: خديجة فأجاب. وانظر ترجمتها من طبقات ابن سعد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>النساء الممرضات اللائي كن يرافقن المصطفى ﵇ في الغزو وما كان الصحابيات يظهرن من ضروب الشجاعة وخفة الحركة ومساعدة الغزاة</span>\nترجم في الإصابة للربيّع بنت معوّذ بن عفراء فنقل عن أبي عمر: كانت ربما غزت مع النبي ﵇. وأخرج البخاري «٢» والنسائي وأبو مسلم الكجي عن الربيّع قالت: كنا نغزو مع النبي ﷺ، فكنا نسقي القوم ونخدمهم. ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة.\nوترجم في الإصابة لرفيدة الأنصارية أو الأسلمية، فذكر عن ابن إسحاق في قصة سعد بن معاذ لما أصيب يوم الخندق فقال المصطفى ﷺ: اجعلوه في خيمة رفيدة التي في\n_________\n(١) انظره في كتاب الطب باب ٢٠ ص ٢٢٤ ج ٤.\n(٢) انظر كتاب الجهاد ج ٣/ ٢٢٢.","vol":"2","page":74},{"text":"المسجد حتى أعوده من قريب. وكانت امرأة تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كان ضيعة من المسلمين. ونحوه للبخاري في الأدب المفرد، وفي ترجمة كعيبة بنت سعد الأسلمية نقلا عن ابن سعد: هي التي كانت تكون في المسجد لها خيمة تداوي المرضى والجرحى وكان سعد بن معاذ حين رمى يوم الخندق عندها تداوي جرحه حتى مات وشهدت خيبر مع النبي ﷺ، فأسهم لها بسهم رجل.\nوفي ترجمة ليلى الغفارية كانت تخرج مع النبي ﷺ في مغازيه، تداوي الجرحى وتقوم على المرضى، وأخرج ابن مردويه في تفسيره عن معاذة الغفارية قالت: كنت أنيسا لرسول الله ﷺ، أخرج معه في الأسفار أقوم على المرضى وأداوي الجرحى ولكن في التجريد: ليلى الغفارية كانت تداوي في المغازي الجرحى في خبر باطل اهـ «١» .\nقلت: الخبر الباطل مبسوط في الإصابة، وفيها أيضا في ترجمة أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته، عن الواقدي: حضرت أم أيمن أحدا، وكانت تسقي الماء وتداوي الجرحى، وشهدت خيبر وترجم لأم زيادة الأشجعية «٢» . فذكر أنها خرجت مع المصطفى ﷺ في غزوة خيبر سادسة ست نسوة. قال: فبلغ النبي ﷺ فبعث إلينا قال: بإذن من خرجتن؟\nورأينا في وجهه الغضب. فقلن: خرجنا ومعنا دواء نداوي به الجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق. الحديث. وفيه أنه قسم لهن من التمر. أخرجه أبو داود والنسائي وابن أبي عاصم. [انظر كتاب الجهاد ج ٣ ص ١٧٠ لأبي داود] .\nوفي طبقات ابن سعد، في ترجمة أم سنان الأسلمية قالت: لما أراد رسول الله ﷺ الخروج إلى خيبر جئته قلت: يا رسول الله أخرج معك أخرز السقاء، وأداوي المريض والجريح إن كانت جراح، وأبصر الرحل فقال رسول الله ﷺ: أخرجي على بركة الله، فإن لك صواحب قد كلمنني وأذنت لهن من قومك، ومن غيرهم. فإن شئت فمع قومك، وإن شئت فمعنا قلت معك قال: فكوني مع أم سلمة زوجتي قالت فكنت معها.\nوانظر ترجمة أم كبشة القضاعية من الإصابة، وأم ورقة بنت عبد الله الأنصارية.\nوقد ترجم الشامي في سيرته استصحابه ﵇ بعض النساء لمصلحة المرضى والجرحى، ومنعه من ذلك في بعض الأوقات، فذكر قصة حديث ليلى الغفارية وعزاها للطبراني، ثم ذكر أن الطبراني خرّج برجال الصحيح عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يغزو بنا نسوة من الأنصار نسقي الماء ونداوي الجرحى، ثم ذكر أن الطبراني خرّج في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح، عن أم كبشة امرأة من بني عذرة قضاعة قالت:\nيا رسول الله إيذن لي أخرج في كذا جيش كذا وكذا قال: لا. قلت يا رسول الله إنه ليس أريد أن أقاتل، إنما أريد أن أداوي الجرحى والمرضى. قال: لولا أن يقال: فلانة خرجت\n_________\n(١) انظر الخبر في ص ٤٠٢ ج ٤.\n(٢) انظر الخبر في ص ٤٥٣ ج ٤.","vol":"2","page":75},{"text":"لأذنت لك، ولكن اجلسي فاقتصر على ما ذكر، فكأن ما ذكرناه لم يتيسر له والحمد لله.\nوقد بوّب البخاري في كتاب الجهاد «١»: جهاد النساء وباب غزو المراة في البحر وباب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه وباب غزو النساء وقتالهن مع الرجال وباب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو وباب مداواة النساء الجرحى في الغزو وباب رد النساء الجرحى والقتلى. وخرّج فيها عن أنس: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ، قال: ولقد رأيت عائشة وأم سليم مشمرتان أرى خدم سوقهما تنغزان القرب وقال غيره: تنقلان القرب على متونهما، ثم ترجعان فتملآنهما ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.\nوأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: كانت النساء تشهدن مع النبي ﷺ المشاهد ويسقين المقاتلة ويداوين الجرحى.\nولأبي داود «٢» من طريق حشرج بن زياد عن جدته أنهن خرجن مع النبي ﷺ في حنين، وفيه أن النبي ﷺ سألهن عن ذلك فقلن: خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ونداوي الجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق.\nووقع عند مسلم عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين وقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه.\nوذكر في ترجمة أم عمارة الأنصارية عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا وأنا أراها تقاتل دوني.\nوفي العتبية قال مالك: كان النساء يخرجن مع رسول الله ﷺ في غزوه؛ يسقين الماء ويداوين الجرحى. قال ابن رشد في البيان والتحصيل. لا خلاف في خروج النساء في الغزو، مع الجيش المأمون ليخدمن الغزاة اهـ.\nوقال شيخنا الشبيهي في الفجر الساطع، على قوله في هذه الترجمة: وتداوي الجرحى قال القرطبي: معناه أنهن يهيئن الأدوية للجراح ويصلحنها، ولا يلمسن من الرجال ما لا يحل. ثم أولئك النساء إما متجالات فيجوز لهن كشف وجههن، وأما الشواب فيحتجبن، وهذا كله على عادة نساء العرب في الانتهاض والنجدة، والجرأة والعفة، وخصوصا نساء الصحابة. فإن اضطر لمباشرتهن بأنفسهن جاز. والضرورات تبيح المحظورات. وقال ابن زكري: فيه معالجة الأجنبية للرجل للضرورة اهـ.\nونقل الشيخ عبد الغني النابلسي في شرح الطريقة المحمدية عن والده أنّ ابن\n_________\n(١) انظر صحيح البخاري ج ٣ ص ٢٢١ وما بعدها.\n(٢) انظر كتاب الجهاد ج ٣ ص ١٧٠ رقم الحديث ٢٧٢٩ وأوله: مع من خرجتن.","vol":"2","page":76},{"text":"الزبير لما مرض بمكة استأجر عجوزا لتمرضه فكانت تغمز رجله وتفلي رأسه اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>النسوة التاجرات</span>\nزيادة على ما سبق تقدم منهن، ويأتي جماعات وفي ترجمة قيلة الأنمارية من الإصابة عنها من تخريج ابن ماجه قلت: يا رسول الله إني امرأة أشتري وأبيع. الحديث «١» .\nوفي ترجمتها من طبقات ابن سعد اهـ ص ٢٣٨ من ج ٨ عن قيلة أم بني أنمار قالت: جاء النبي ﷺ إلى المروة ليحل في عمرة من عمره، فجئت أتوكأ على عصاه حتى جلست إليه فقلت يا رسول الله إني امرأة أبيع وأشتري، فربما أردت أن أشتري السلعة، فأعطي بها أقل مما أريد أن آخذها به ثم زدت ثم زدت حتى آخذها بالذي أريد أن آخذها به، وربما أردت أن أبيع السلعة فأستمت بها أكثر مما أريد أن أبيعها به ثم نقصت ثم نقصت حتى أبيعها بالذي أريد أن أبيعها به. فقال لي رسول الله ﷺ: لا تفعلي هكذا يا قيلة ولكن إذا أردت أن تشتري شيئا فأعطي به الذي تريدين أن تأخذيه به أعطيت أو منعت، وإذا أردت أن تبيعي شيئا فاستامي الذي تريدين أن تبيعيه به أعطيت أو منعت.\nوفي تحفة الناظر للقاضي العقباني: استشكال ما قيل من تأكد الأبعاد بين السماسرة والنساء، ولما يخشى من الفتنة مع ما جاء في المذهب من إباحة التجر للمرأة، وأن الزوج ليس له منعها من الخروج لذلك، وليس التجر وتعاطي أسبابه بمقصور على المأمون عليها إذ لها اقتناء الربح من أي رجل كان، وإلا لما كان تجرأ. ثم أجاب عنه بأنه لا يلزم من إباحة التجر لها أن تليه بنفسها، ولعلها توكل من يقوم به عنها من الأمناء؛ محرما أو غيره.\nقال: وما ذكرناه من أنه لا يمنعها من الخروج للتجارة نقله في الحادي عن المجموعة. قال بعض الشيوخ: يفهم من قوله: ليس له منعها من التجارة أنه لا يغلق عليها. وهو منصوص في الوثائق المجموعة في كتاب الوصايا اهـ.\nوفي شرح أبي يحيى التازي على الرسالة: وأما البيع والشراء فيمنعها من ذلك في الأسواق، ويجوز لها ذلك في الدار ويدخل إليها الرجال، لكن تبايعهم من وراء حجاب، ولا تفتقر فيه إلى إذن زوجها اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>القابلة</span>\n«قال في الاستيعاب عند ذكر إبراهيم بن النبي ﷺ: إن قابلته سلمى مولاة النبي ﷺ امرأة أبي رافع فبشر به أبو رافع النبي ﷺ، فوهب له عبدا وهي قابلة النبي ﷺ، وهي غسلت فاطمة ﵍ مع زوجها» .\nوفي ترجمة خديجة من الإصابة؛ وكانت قابلتها سلمى مولاة صفية، وكانت تسترضع\n_________\n(١) انظر كتاب التجارات في ابن ماجه ص ٧٤٣/ ٢ باب السوم/ ٢٩.","vol":"2","page":77},{"text":"لولدها، وتعد ذلك قبل أن تلد. وفي ترجمة سوداء من الإصابة: أنه جاء بإسناد فيه مجهول، أنها كانت قابلة لفاطمة حين وضعت الحسن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>الخافضة</span>\n«قال ﵊ لأم عطية، وكانت تخفض النساء: أشمّي (لا تستقصي) ولا تنهكي (لا تبالغي) فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج (أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها)» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>المرضعة</span>\n«ذكر في الاستيعاب أم بردة بنت المنذر بن زيد من بني عدي بن النجار فقالت: هي التي أرضعت إبراهيم بن النبي ﷺ دفعه لها ﷺ ساعة وضعته أمه فلم تزل ترضعه حتى مات عندها» [وهي زوج البراء بن أوس بن خالد] .\nقلت: ونحوه في الإصابة وعقبه بقوله: وقال أبو موسى: المشهور أن التي أرضعته أم سفيان ولعلهما جميعا أرضعتاه «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>المرأة تمثل النسوة في المجلس النبوي</span>\nفي ترجمة أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، من الاستبصار روي عنها أنها أتت النبي ﷺ فقالت: إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين، يقلن بقولي، وعلى مثل رأيي، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء، فامنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات، قواعد بيوت وموضع شهوات الرجال، وحاملات أولادكم، وأن الرجال فضلوا بالجماعات، وشهود الجنائز، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت رسول الله ﷺ بوجهه إلى أصحابه وقال لهم:\nهل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ. انصرفي يا أسماء. وأعلمي من ورائك من النساء، أن حسن تبعّل إحداكم لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، تعدل كلّ ما ذكرت. فانصرفت أسماء. وهي تهلل وتكبر، استبشارا بما قال لها رسول الله ﷺ اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>المغزل</span>\nأخرج أبو نعيم في المعرفة عن عبد الله بن ربيع الأنصاري، رفعه: علموا أبناءكم السباحة والرماية، ونعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل.\n_________\n(١) وروى البخاري في كتاب الجنائز ٤٤ ص ٨٥ ج ٢ عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه.","vol":"2","page":78},{"text":"وأخرج ابن عدي عن ابن عباس رفعه: لا تعلموا نساءكم الكتابة ولا تسكنوهن الغرف، وقال خير لهو المؤمن السباحة، وخير لهو المؤمنة الغزل. وخرّج الديلمي عن أنس رفعه: نعم لهو المرأة مغزلها. وتقدم حديث: عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء المغزل «١»، وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس رفعه: زينوا نساءكم بالمغزل. وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن بكار السكسكي، حدثنا موسى ابن عوف، حدثنا النفيلي حدثنا زياد بن السكن قال: دخلت على أم سلمة وبيدها مغزل تغزل به فقلت: كلما أتيتك وجدت في يدك مغزلا، فقالت: إنه يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس، وأنه بلغني أن رسول الله ﷺ قال: إن أعظمكن أجرا أطولكن طاقة.\nوأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن يزيد بن مروان، عن زياد بن عبد الله القرشي قال: دخلت على هند بنت المهلب بن أبي صفرة، وهي امرأة الحجاج بن يوسف، فرأيت في يدها مغزلا تغزل به، فقلت: أتغزلين وأنت ابنة أمير؟ قالت: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ: أطولكن طاقة أعظمكن أجرا، وهو يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس.\nوأخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ. لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل قال الحاكم: صحيح الإسناد، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق الحاكم. وأخرج ابن سعد عن أم صفية خولة قالت: كنا نكون في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر في المسجد نسوة قد تخاللن، وربما غزلت بعضنا فيه الخوص، فأخرجنا منه عمر. وقد أفرد هذه الترجمة الحافظ السيوطي بجزء سماه الأجر الجزل في الغزل، وهو عندي ومنه لخصت ما سقته هنا «٢»\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>في المغنين (ذكر المغنين في الأعياد) </span>.\n«في الصحيحين عن عائشة: جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد فدعاني ﷺ فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا الذي انصرف عن النظر إليهم وفيهما أيضا أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان بالدف ورسول الله ﷺ مسجى بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف رسول الله ﷺ رأسه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» «٣» .\n_________\n(١) حديث موضوع ذكره صاحب التيسير وعزاه للخطيب وابن لال وابن عساكر وفي إسناده كذاب وقال الذهبي: فقبح الله من وضعه.\n(٢) لا شك بأن عمل المرأة بشكل عام في مهنة شريفة كالخياطة أو الغزل هو مما يناسب حال المرأة، ولكن الزمان تغير كثيرا فمن يقنع النساء بملازمة البيت وعدم الخروج إلا لضرورة. مصححه.\n(٣) البخاري ج ٢ ص ١١ من كتاب العيدين باب ٢٥. وكذلك في مسلم ج ٣ ص ٦٠٨ كتاب العيدين.","vol":"2","page":79},{"text":"وخرج الإمام أحمد وابن ماجه عن قيس بن سعد بن عبادة قال: ما من شيء كان على عهد رسول الله ﷺ إلا قدر رأيته إلا شيئا واحدا أن رسول الله ﷺ كان يغلس له يوم الفطر وقال جابر: هو اللعب. وروى ابن ماجه عن عياض الأشعري أنه شهد عيدا بالأنبار فقال: ما لي لا أراكم تغلسون كما كان يغلس عند رسول الله ﷺ؟.\nوروى الطبراني عن أم سلمة قالت: دخلت على جارية لحسان بن ثابت يوم فطر، ناشرة شعرها معها دف، فزجرتها فقال رسول الله ﷺ: دعيها يا أم سلمة فإن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا.\n«وخرّج مسلم عن عائشة قالت: دخل علي أبو بكر وجاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث يوم معلوم بين الأوس والخزرج- فقالت وليستا بمغنيتين- قال أبو بكر أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وذلك في يوم عيد فقال رسول الله ﷺ. يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا وخرجه البخاري فقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ» .\nقال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري البغدادي في مؤلفه في السماع: من تمسك بتسمية أبي بكر مزمار الشيطان فقد أخطأ وأساء الفهم من وجوه؛ منها: تمسكه بقول أبي بكر مع رد النبي ﷺ له قوله، وزجره عن عنفه لهن ورجوع أبي بكر إلى إشارة المصطفى، ومنها إعراض هذا القائل عن إقراره ﷺ، واستماعه الذي لا احتمال فيه، أنه يقتضي الحل، والإطلاق إلى لفظ أبي بكر. ومحال أن يعتقد أبو بكر تحريم أمر حضره المصطفى وأقر عليه، مع علم الصديق أنه ﵇ لا يقر على باطل. والصحيح أن يفهم من قول أبي بكر ما يليق به. وهو أنه رأى ضرب الدف وإنشاد الشعر لعبا من جملة المباح الذي ليس فيه عبادة، فخشي باطنه الكريم من تعظيم حضرة النبوة واحترام منصب الرسالة وشدة الاحتشام ما حمله على تنزيه حضرته ﵇ عن صورة اللعب، ورأى أن الاشتغال بالذكر والعبادة في ذلك الموطن الكريم أولى، فزجر عنه احتراما لا تحريما فرد عليه النبي ﷺ إنكاره لأمرين، أحدهما: أن لا يعتقد تحريم ما أبيح في شرعه توسعه لأمته ورفقا بها، وتفسحا في بعض الأوقات. والثاني: إظهار الشارع مكارم الأخلاق وسعة الصدر لأهله وأمته، فتستريح قلوبهم ببعض المباح، فيكون أنشط لهم في العود إلى وظائف العبادة، كما قال لما قال أبو بكر: أقرآن وشعر؟ فقال ﷺ: ساعة من هذا وساعة من هذا اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>هل كانت الدفوف في الزمن النبوي بالجلاجل (وهل سمع الصحابة العود والوتر)</span>\nقال الخزاعي هنا:\n«لم أقف في شيء مما طالعته من الكتب ما استدل به على الدفوف، التي كانت الجواري يضربن بها في بيت النبي ﷺ، هل كان فيها جلاجل أم لا؟ ولكن يحتمل إجازة","vol":"2","page":80},{"text":"أبي حامد «١» استعمال ما فيه الجلاجل من الدفوف ثبوت استعمالها في عهده ﵇، ولذلك أباح استعمالها اهـ» .\nقلت: قد وجدت التلمساني في شرح الشفا المسمى المنهل الأصفى قال: كانت العرب تعمل في دفوفها الجلاجل، وانظر قوله في الحديث «٢»: وجويريات يلعبن بالدف.\nهل هو المدور أو ذو الجلاجل؟ اهـ وقال العلامة الكمال الأدفوي في الإمتاع: ما ادّعوه أن الدفوف التي كانت في زمنه ﵇ لم يكن لها جلاجل نفي يحتاج إلى الإثبات، ولو ثبت لم يكن فيه حجة، إنما الحجة أن لو كان ثم منع اهـ.\nوذكر الشيخ أبو المواهب التونسي في تأليف له في إباحة سماع الآلات أن جمعا من الصحابة والتابعين سمعوا نقر العود، فمن الصحابة ابن عمرو وعبد الله بن جعفر، وعبد الله ابن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم اهـ نقله عنه القاضي ابن الحاج في حواشي شرح المرشد.\nوفي رسالة إبطال دعوى الإجماع، على تحريم مطلق السماع، للحافظ الشوكاني؛ ذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع؛ أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأسا، ويسوغ الألحان لجواريه ويسمعها منهن على أوتاره. وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وقال إمام الحرمين في النهاية، وابن أبي الدم: نقل الأثبات من المؤرخين أن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوّادات وأن ابن عمر دخل عليه وإلى جنبه عود فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله ﷺ؟ فناوله إياه فتأمله ابن عمر وقال:\nهذا ميزان شامي. فقال ابن الزبير: توزن به العقول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>ذكر أسماء المغنيات في المدينة في العهد النبوي</span>\nتقدم في الحديث قبله: وجاريتان تغنيان من جواري الأنصار، قال في الفجر الساطع: جاريتان دون بلوغ لعبد الله بن أبي اسم إحداهما حمامة. قلت: سمى منهما حمامة في رواية ابن فليح عن ابن أبي الدنيا، عن هشام عن أبيه عن عائشة. انظر ترجمة حمامة من الإصابة، وترجم فيها لأرنب المغنية المدنية وقال: روينا في الجزء الثالث من أمالي المحاملي من طريق ابن جريج. أخبرنا أبو الأصبغ أن جميلة المغنية أخبرته؛ أنها سألت جابر بن عبد الله عن الغناء فقال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة فقال لها رسول الله ﷺ: أهديت عروسك؟ قالت: نعم. قال: فأرسلت معها بغناء، فإن الأنصار يحبونه قالت: لا. قال فأدركيها بأرنب امرأة كانت تغني بالمدينة، وترجم أيضا لزينب الأنصارية فقال: جاء أنها كانت تغني بالمدينة. فأخرج الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في\n_________\n(١) هو الإمام الغزالي ﵀ وانظر رأيه في السماع في إحياء علوم الدين ج ٢ ص ٢٨٢.\n(٢) انظر البخاري كتاب النكاح باب ٤٨ ص ٣٧/ ٦.","vol":"2","page":81},{"text":"كتاب الصفوة من طريق المحاملي أن جميلة أخبرته؛ أنها سألت جابر بن عبد الله عن الغناء. فقال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة، فذكر قصة تشبه التي قبلها وفيها قول المصطفى ﵇: فأدركيها بأرنب امرأة؛ كانت تغني بالمدينة وانظر ترجمة فريعة بنت معوذ بن عفراء. وقال الحافظ في كتاب النكاح، من الفتح على حديث النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها؛ ودعائهن بالبركة وفيه: فإن الأنصار يعجبهم اللهو.\nوفي حديث ابن عباس وجابر: قوم فيهم غزل وفي حديث جابر عند المحاملي:\nأدركيها بزينب. امرأة كانت تغني بالمدينة. ويستفاد منه تسمية المغنية الثانية في القصة التي وقعت في حديث عائشة الماضي في العيدين حيث جاء فيه: دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان. وكنت ذكرت هناك أن اسم إحداهما حمامة كما ذكره ابن أبي الدنيا في العيدين له بإسناد حسن. وإني لم أقف على اسم الآخرى، وقد جوّزت الآن أن تكون هي زينب هذه اهـ.\nقلت: انظر هذا مع ما نقله الخزاعي هنا عن المشارق على قوله جاريتان تغنيان. قال وليستا بمغنيتين الغناء الأول من الإنشاد، والثاني من الصفة اللازمة أي ليستا ممن اتصف بهذا واتخذه صناعة إلا كما ينشد الجواري وغيرهن من الرجال في خلواتهن ويترنمن به من الأشعار في شؤونهن. ويحتمل أن يكون ليستا بمغنيتين هذا الغناء المصنوع العجمي الخارج عن إنشاد العرب اهـ.\nقال الحافظ ابن الجوزي في تلبيس إبليس: الظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن، لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسير إليها الجواري يلعبن معها. ثم ذكر بعض طريق القصة وفيها ما كانوا يغنون به فقال: فبان بما ذكرناه ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب، ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم اهـ منه ص ٢٤٠.\nوقال النووي في شرح مسلم وقوله: وليستا بمغنيتين معناه ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به قال القاضي: وإنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة والظهور، وهذا لا يهيج الجواري على شر ولا انشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبا اهـ ونحوه للقسطلاني في الإرشاد وغيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>ذكر ما كانوا يغنون به</span>\nسبق أن جواري الأنصار كانوا يغنون بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، وبعاث بضم الباء وآخره مثلاثة والعين مهملة وإعجامها تصحيف، وهو اسم حصن وقع الحرب عنده بين الأوس والخزرج، قال الأستاذ المعمر أبو النجاة سالم بو حاجب المالكي أحد الأعلام من مشايخنا التونسيين في تعاليقه على الصحيح: لله درّ البخاري في إيراد خصوص اللعب المذكور يوم العيد، حيث يؤخذ منه أن اللهو الذي يرتكب لإظهار المسرة العيدية ينبغي أن","vol":"2","page":82},{"text":"لا يكون خاليا عن نحو مصلحة شرعية، حتى يخرج ذلك اللعب عن دائرة اللهو والباطل.\nوفي هذا إشارة إلى أصل عظيم من أصول تمدن الأمة، وهو أن تجعل الألعاب مشحونة بتربيات تمكن القلوب من حب الدين والوطن، وترتوي بمكارم الأخلاق حتى يكون الإنسان في مباشرة تلك الألعاب ومشاهدتها يتنزل عليه المثل المشهور «يسرّ حسوا في ارتغاء» «١» وهذا الذي لمح له البخاري هنا، يؤخذ من قوله ﵇: كل لهو ابن آدم باطل، إلا في ثلاث: تأديب الفرس، والرمي بالقوس، وملاعبة الزوجة. ولله در الصديقة حيث جمعت بين حديث الجاريتين وحديث الحبشة، فإن غناء بعاث يحرك الحماسة القلبية، ولعب الحبشة يعلم سرعة الحركات البدنية. والأمران هما ملاك التقدم في الحرب.\nفإن قيل: التدريب الحربي هو تعليم العلوم، والتعليم جدّ لا لعب، فكيف سماه البخاري لعبا؟ فالجواب كما أشار إليه ابن حجر: أنه شبّه اللعب من حيث الصورة، فإنك ترى أحد المتناضلين يظهر أنه يقصد طعن صاحبه ولا يفعل ويتهدده ولو كان أباه أو ابنه اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>ذكر من غنّى في وليمة النكاح</span>\n«في الصحيح «٢» عن عائشة أنها زفّت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله ﷺ: يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو» .\nقلت: وفي حديث عبد الله بن الزبير عند أحمد وصححه الحاكم وابن حبان: أعلنوا النكاح زاد الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة: واضربوا عليه بالدف. قال الحافظ في الفتح: واستدل بقوله: واضربوا على أن ذلك لا يختص بالنساء، لكن إسناده ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن بذلك للنساء، فلا يلحق بهن الرجال؛ لعموم النهي عن التشبه بهن اهـ وحديث ابن حاطب المذكور قال عبد الحق في الأحكام: وغير الترمذي يقول:\nصحيح. وخرج النسائي عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بنت كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يتغنين فقلت: أنتما صاحبا رسول الله ﷺ ومن أهل بدر يفعل هذا عندكم؟ فقال اجلس إن شئت فاسمع معنا وإن شئت اذهب، قد رخص لنا في اللهو عند العرس.\nوترجم في الإصابة لثابت بن يزيد الأنصاري فذكر أن البارودي وأبا نعيم خرّجا من طريق شريك عن ابن إسحاق عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بنت كعب وثابت بن يزيد وأبي مسعود وعندهم جوار وأشياء فقلت: تفعلون هذا وأنتم من الصحابة قالوا رخّص لنا في اللهو عند العرس انظر ص ٢١٧.\nوانظر ترجمة علي بن هبار الأسدي فيها أيضا. وترجم فيها أيضا لمعبد بن قيس فذكر\n_________\n(١) ومعناه: يحسو اللبن وهو يظهر أنه يأخذ الرغوة فقط.\n(٢) ج ٦/ ١٤٠ كتاب النكاح.","vol":"2","page":83},{"text":"أن ابن السكن خرج قال: دخل علينا رسول الله ﷺ وقد تزوجت، فقال: هل من لهو؟.\nوترجم البخاري «١» في الصحيح: باب ضرب الدف في النكاح والوليمة ثم خرج عن الربيّع بن معوذ بن عفراء قالت: جاء النبي ﷺ يدخل حين بني عليّ فجلس على فراشي فجعلت جويريات يضربن في الدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن:\nوفينا نبيّ يعلم ما في غد.\nفقال: دعي هذه وقولي الذي كنت تقولين.\nقال الحافظ في الفتح على قوله: جويريات لم أقف على أسمائهن، ووقع في رواية حماد بن سلمة بلفظ: جاريتان تغنيان، فيحتمل أن تكون اثنتان هما المغنيتان، ومعهما من يتبعهما، أو يساعدهما في ضرب الدف من غير غناء. وقال: قوله: ويندبن من الندبة، وهي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه، وتعديد محاسنه من الكرم والشجاعة ونحوها. وقال:\nقوله: وقولي بالتي كنت تقولين فيه إشارة إلى جواز سماع المدح، والمرثية مما ليس فيه مبالغة، تفضي إلى الغلو.\nوأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث عائشة: أن النبي ﷺ مرّ بنساء من الأنصار في عرس لهن وهنّ يغنين:\nوأهدى لها كبشا تنحنح في المربد ... وزوجك في البادي ويعلم ما في غد\nفقال: لا يعلم ما في غد إلا الله. قال المهلب: في هذا الحديث اعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح. وفيه إقبال الإمام إلى العرس، وإن كان فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح، وفيه جواز مدح الرجل في وجهه، ما لم يخرج إلى ما ليس فيه.\nوأغرب ابن التين فقال: إنما نهاها لأن مدحه حق والمطلوب في النكاح اللهو، فلما أدخلت الجد في اللهو منعها. كذا قال. وتمام الخبر الذي أشرت إليه يرد عليه. وسياق القصة يدل على أنها لو استمرت على المراثي لم ينهها. وإنما أنكر عليها ما ذكر من الأطراء حيث أطلق علم الغيب عليه، وهو صفة تختص بالله كما قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] وقوله: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعراف: ١٨٨] وقوله: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف: ١٨٨] وسائر ما كان النبي ﷺ يخبر به من الغيوب بإعلام الله تعالى له، لا أنه يستقل بعلم ذلك، كما قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: ٢٦، ٢٧] .\n_________\n(١) الحديث في البخاري ص ١٢٧ ج ٦ باب النكاح.","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>ذكر تلقي رسول الله ﷺ عند إيابه</span>\nمعروف خبر انشاد غلمان الأنصار بالدف والألحان عند قدوم رسول الله ﷺ:\nطلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع\nوجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع\nقلت هذا الشعر أنشد عند قدومه ﷺ المدينة، رواه البيهقي في الدلائل، وأبو بكر المقري في كتاب الشمائل، له عن ابن عائشة. وذكر الطبري في الرياض عن أبي الفضل الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه فذكره. وقال: خرّجه الحلواني على شرط الشيخين. وراجع المواهب وشرحها ص ٤١٧ من ج ١.\nوفي الكلام على غزوة تبوك من المواهب: ولما دنا رسول الله ﷺ من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا. وقد وهم بعض الرواة فقال: إنما كان هذا عند مقدمه المدينة، وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام كما قدمت ذلك اهـ.\nقال الزرقاني: وقد تقدم أن الولي العراقي قال: يحتمل أن الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع. وقدمت أن هذا يؤيده جمع الثنيات، إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم يجمع. ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر، مرة عند الهجرة ومرة عند قدومه من تبوك، فلا يحكم بغلط ابن عائشة لأنه ثقة. وانظر فتح الباري في الهجرة وغزوة تبوك. وزاد المعاد.\nوذكر المطرزي في اليواقيت عن ابن عباس قال: لما قدم المدينة النبي ﷺ استقبلته بنات الأنصار بأيديهن الدفوف يضربن بها ويقلن:\nنحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار\nوخرّج الترمذي عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت بريدة يقول: «خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله ﷺ: إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا. فجعلت تضرب» . قال الترمذي: حسن صحيح «١» .\nقال التوربشتى كما في قوت المغتذي على جامع الترمذي: إنما مكّنها من ضربه بين يديه إذ نذرت. فدل نذرها على أنها عدّت انصرافه على حال السلامة نعمة من نعم الله عليها؛ فانقلب الأمر فيه من صفة اللهو إلى صفة الحق ومن المكروه إلى المستحب اهـ.\n_________\n(١) انظر كتاب المناقب ج ٥ ص ٦٢٠ رقم الحديث ٣٦٩٠.","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>ذكر من غنى قوما اجتمعوا عند صاحب لهم وسمع النبي ﷺ فأقرهم ولم ينكره</span>\n«روى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب آداب السماع فقال: حدثنا عبد الله بن شبيب قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أبي عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: مرّ رسول الله ﷺ بحسان بن ثابت وهو بفناء أطمه ومعه سماطان من أصحابه وجاريته تغنيهم فانتهى إليها رسول الله ﷺ وهي تقول:\nهل عليّ ويحكما ... إن لهوت من حرج\n«فتبسم رسول الله ﷺ وقال: لا حرج وقد ذكر القصة ابن عبد ربه في العقد الفريد» .\nقلت: في ترجمة حسان من الإصابة أخرج أبو نعيم من طريق بشر بن محمد المؤدب عن أبي أويس عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: مرّ رسول عليه وسلم بحسان ومعه أصحابه سماطين وجارية له يقال لها سيرين، وهي تغنيهم فلم يأمرهم ولم ينههم رواه ابن وهب عن أبي أويس مثله لكن قال: وجارية طربة تغنيهم.\nوقد ألف في السماع والغناء جماعة منهم.\n(١) الإمام ابن قتيبة له كتاب الرخصة في السماع.\n(٢) الإمام أبو منصور التميمي البغدادي.\n(٣) الحافظ أبو محمد بن حزم الأندلسي.\n(٤) الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد ابن أحمد بن حبيب العامري البغدادي.\nوفي المنن الكبرى للشعراني بعد كلام: صنف الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي كتابا نقض فيها أقوال من قال بتحريم السماع، وجرح النقلة للحديث الذي أوهم التحريم، وذكر من جرّحهم من الحفاظ واستدل على إباحة السماع واليراع والدف والأوتار بالأحاديث الصحيحة، وجعل الدف سنة.\nقال الشيخ القوصي بن عبد الغفار القوصي: وقد قرأت ذلك على الحافظ شرف الدين الدمياطي وأجازني به عن الحافظ أبي طاهر السلفي الإصبهاني بسماعه من المصنف وقال: لا فرق بين سماع الأوتار وسماع صوت الهزار والبلبل، وكل طير حسن الصوت، فكما أن صوت الطير مباح سماعه فكذلك الأوتار اهـ.\nوكتاب المقدسي المذكور تأليف عجيب نادر الوجود واسع البحث، وقفت على نسخة منه بزاوية الهامل ببو سعادة من القطر الجزائري.\n(٦) لمحمد بن عمر بن محمد البستى المعروف بالدراج كتاب سماه الكفاية والغناء في أحكام الغناء.","vol":"2","page":86},{"text":"(٧) للإمام المؤرخ المطلع أبي الفضل كمال الدين جعفر الأدفوي الشافعي كتاب سماه الإمتاع بأحكام السماع وهو عندي في مجلد وهو كتاب لا نظير له في الباب، ونسب فيه:\n(٨) للشيخ أبي القاسم القشيري.\n(٩) الشيخ تاج الدين الفزاري.\n(١٠) الشيخ عز الدين بن عبد السلام.\n(١١) الشيخ تقي الدين ابن دقيق تأليف في الجواز مسميا كتاب الأخير باقتناء السوانح انظر وقد قال عن كتاب الأدفوي هذا الإمام الأسنوي في طبقات الشافعية: إنه كتاب نفيس أنبأ فيه عن اطلاع كثير اهـ وقال عنه الحافظ الشوكاني لم يؤلف مثله في بابه اهـ.\nقلت: لم أر له نظيرا فيما ألّف في المسألة ولا أعلى نقلا وأجود بحثا.\n(١٢) للأستاذ أبي المواهب التونسي «فرح الإسماع برخص السماع» .\n(١٣) للإمام أبي الفتوح أحمد الغزالي: بوارق الإلماع في تكفير من يحرم مطلق السماع.\n(١٤) للحافظ أبي عبد الله محمد بن علي تحريم مطلق السماع.\n(١٥) للقاضي أبي عيسى عبد الرحيم الكجراتي أحد شارحي خطبة القاموس رسالة أخرى وهذه الرسائل الأربعة مطبوعة بالهند.\n(١٦) للأستاذ عبد الغني النابلسي إيضاح الدلالات في سماع الآلات وقد طبع مرارا.\n(١٧) للعلامة العارف أبي زيد عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس اليمني المصري تشنيف الإسماع ببعض أسرار السماع.\n(١٨) للحافظ ابن رجب الحنبلي نزهة الإسماع في مسألة السماع.\nوانظر كتاب مواهب الأرب المبرأة من الجرب في السماع وآلات الطرب لخالنا أبي المواهب:\n(١٩) جعفر بن ادريس الكتاني وهو في مجلد واختصاره لأبي العباس.\n(٢٠) أحمد بن الخياط الزكاري الفاسي. وقد طبع بفاس.\nوقال الحافظ الشوكاني في رسالته «بطلان الإجماع على تحريم مطلق السماع»: روى الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة عمر كما رواه ابن عبد البر وغيره، وعثمان كما نقله الماوردي وصاحب البيان وحكاه الرافعي، وعبد الرحمن بن عوف، كما رواه ابن أبي شيبة وأبو عبيدة بن الجراح، كما أخرجه البيهقي وسعد بن أبي وقاص، كما أخرجه ابن قتيبة وأبو مسعود الأنصاري، كما أخرجه البيهقي وبلال وعبد الله بن الأرقم، وأسامة بن زيد كما أخرجه البيهقي وضمرة كما في الصحيح، وابن عمر كما أخرجه ابن طاهر، والبراء بن مالك","vol":"2","page":87},{"text":"كما أخرجه أبو نعيم وعبد الله بن جعفر، كما رواه ابن عبد البر وغيره وعبد الله بن الزبير كما نقله أبو طالب المكي. وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني، وعبد الله بن عمرو كما رواه الزبير بن بكار وغرضة بن كعب كذا كما رواه ابن قتيبة وخوّات بن جبير كما أخرجه صاحب الأغاني والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب المكي وعمرو بن العاص كما حكاه الماوردي، وعائشة والرّبيع كما في الصحيح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>هل كان لبعض السلف اعتناء بعلم الموسيقى</span>\nنقل صاحب الأنيس المطرب فيمن لقيته من أدباء المغرب، في ترجمة الأديب أبي عبد الله محمد البوعصامي، أنه أخبره أن علم الموسيقى كان في الصدر الأول عند من يعلم مقداره من أجل العلوم، ولم يكن يتناوله سوى أعيان العلماء واشرافهم. وذكر عنه أيضا أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي كان له اليد الطولى في العلوم، إلا أنه غلبت عليه شهرة الموسيقى، وأن الرشيد خرج يوما للعلماء وأمر بإحضارهم، وإدخال كل طبقة وحدها، وجعلوا يدخلون زمرا فكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي، كلما دخلت طائفة دخل معها فكان يقبض نصيبه مع كل طائفة حتى تردد إلى سفرة العطاء ٢٤ مرة انظر ص ١٦٣ منه.\nقلت: ونحوه في ترجمة أبي الأسود الدؤلي من الإصابة قال: كان يعدّ في التابعين والشعراء، والفقهاء والمحدثين والأشراف والفرسان والأمراء والنحاة، والحاضري الجواب والشيعة والصلع والبخر والبخلاء اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>ذكر قينة غنت بين يدي رسول الله ﷺ عن إذنه لتسمع أم المؤمنين عائشة</span>\nروى النسائي عن السائب بن يزيد أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقال: يا عائشة تعرفين هذه؛ قلت لا يا نبي الله قال: هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنيك فغنتها «١» .\nقلت: ترجم النسائي على هذا الحديث في سننه باب: إطلاق الرجل لزوجته سماع الغناء والضرب بالدف قال الأدفوي في الإمتاع: وسنده صحيح، وكذا قال الحافظ الشوكاني قال الأدفوي؛ وروينا هذا الحديث في معجم الطبراني الكبير، وهذا الحديث قوي الدلالة على إباحة الغناء من الرجال والنساء، وقوله: قينة يدل على أن هذه كانت صنعتها الغناء، فإن لفظة قينة مشهورة في ذلك، واستدعاء النبي ﷺ عن عائشة محبة أن تغنيها، ولم تسأله هي ذلك، وإنما ابتدأها به. وغناؤها لعائشة بحضرته ﵇ كل ذلك صريح في الإباحة اهـ.\n_________\n(١) عثرت عليه في مسند أحمد ج ٣ ص ٤٤٩ من حديث السائب بن يزيد وبقية الحديث: فأعطاها طبقا فغنتها فقال النبي ﷺ قد نفخ الشيطان في منخريها.","vol":"2","page":88},{"text":"قلت: ولكن تمام الحديث عند النسائي أنها لما غنت لعائشة قال النبي ﷺ: قد نفخ الشيطان في منخريها فانظر لم لم يتمم سياقه عن النسائي الخزاعي هنا والله اعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>ذكر الغناء والإنشاد</span>\nذكر أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب، وابن قدامة في الإستبصار، في ترجمة خوّات بن جبير الصحابي المعروف قال: خرجنا حجّاجا مع عمر فسرنا في ركب فيهم أبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف فقال القوم: غننا من شعر ضرار. فقال عمر:\nدعونا من شعر ضرار، فليغن من بنيات فؤاده، يعني من شعره قال: فما زلت أغنيهم حتى كان السحر. فقال عمر: إرفع لسانك يا خوات فقد سحرنا، وساق هذه القصة في الإصابة من طريق السراج في تاريخه، وفي الصحيح: عن بلال أنه رفع عقيرته ينشد شعرا قال ابن بطال كما في ءرشاد ابن غازي: هذا النوع من الغناء هو نشيد الأعراب للشعر بصوت رفيع.\nقال الطبري: هذا النوع من الغناء هو المطلق المباح بإجماع، وهو الذي غنت به الجاريتان في بيت رسول الله ﷺ، فلم ينه عنه. وقال عروة بن الزبير: نعم زاد الراكب الغناء نصبا. وقال عمر: الغناء من زاد الراكب ورأى أسامة بن زيد واضعا إحدى رجليه على الآخرى يغني النصب، قال الطبري: وهو الإنشاد بصوت رفيع، وفعل هذا اليوم هو المسمى بالسماع، وصاحبه بالمسمع وكان يقال له في القديم: المغني.\nقال ابن غازي وهو القوّال المسمع اهـ وفي القاموس: والمغبرة قوم يغبرون لذكر الله أي يهللون ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها، سموا بذلك لأنهم يرغبون الناس في المغابرة إلى الباقية اهـ.\nوفي كشف القناع على متن الإقناع من كبار كتب الحنابلة إثر ما ذكر: وفي المستوعب منع من اطلاق اسم البدعة عليه ومن تحريمه، لأنه شعر ملحن كالحداء والحدو للإبل ونحوه.\nونقل إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم قوما أفضل منهم، قيل: إنهم يسمعون ويتواجدون. قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغشى عليه؟ قال: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:\n٤٧] اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>ما كان يقوله الذين يذهبون بالعروس لدار زوجها</span>\nترجم في الإصابة لفارعة بنت أبي أمامة الأنصارية، فذكر أنه لما كانت الليلة التي زفت فيها قال لهم النبي ﷺ قولوا:\nأتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم\nوأخرجه ابن الأثير من طريق المعافى بن عمران: أنه روى في تاريخه عن عائشة","vol":"2","page":89},{"text":"قالت: أهديناا يتيمة من الأنصار، فلما رجعنا قال النبي ﷺ: ما قلتم: قلنا: سلمنا وانصرفنا. قال إن الأنصار قوم يعجبهم الغزل ألا قلت يا عائشة:\nأتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم\nوترجم في الإصابة لأم نبيط فرفع فيها إسناده لقصة لطيفة، أردت أن أربط سندي به، ثم أسوقها عنه موصولة فأقول:\nأخبرنا مسند الشام عبد الله بن درويش السكري الدمشقي شفاها عام ١٣٢٤ عن مسند الدنيا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، عن مصطفى الرحمتي أنا الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، أخبرنا نجم الدين محمد بن بدر الدين الغزي العامري، عن أبيه عن شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري أخبرنا شيخ الحفاظ ابن حجر قال: قرأت على فاطمة بنت المنجا عن سليمان بن حمزة وأبي نصر الشيرازي وإسماعيل بن يوسف بن مكتوم قالوا: أخبرنا أبو يعمر حمزة بن علي بن الحسن أخبرنا القاسم ابن أبي العلاء حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد، حدثنا عتبة بن الزبير من ولد كعب بن مالك، أنا محمد بن عبد الخالق حدثنا عبد الرحمن بن نبيط عن أبيه هو نبيط عن جابر عن جدته أم نبيط قالت:\nأهديناا جارية لنا من بني النجار إلى زوجها؛ فكنت مع نسوة من بني النجار ومعي دف أضرب به وأنا أقول.\nأتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحيّيكم\nولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم\nقالت: فوقف علينا رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا أم نبيط فقلت بأبي أنت وأمي يا نبي الله جارية منا من بني النجار نهديها إلى زوجها قال: فتقولين ماذا؟ قالت فأعدت عليه قولي فقال رسول الله ﷺ قولي:\nولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاراكم\nقال الحافظ هذا حديث غريب، أخرجه ابن منده وأخرجه ابن الأثير عن أبي البركات ابن عساكر، عن محمد بن الجليل بن فارس عن أبي القاسم بن أبي العلاء، فكان شيخنا سمعه منه.\nوقال أبو نعيم: تقدم ذكره يعني في ترجمته وذكر أبو نعيم أن اسمها نائلة بنت الحسحاس، وقد ذكرتها في حرف النون وأهملها وهي على شرطه اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>ذكر لعب الحبشة بحرابهم فرحا بقدوم النبي ﷺ</span>\nأخرج أبو داود عن أنس لما قدم النبي ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه ﵇. [انظر كتاب الأدب باب ٥١ ص ٢٢١/ ٥] .","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>لعب البنات مع عائشة</span>\nفي المواهب كان ﵇ يرسل إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها رواه الشيخان اهـ. [البخاري كتاب الأدب ج ٧/ ١٠٢\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>لعبها بالتماثيل مع البنات</span>\nفي الصحيح «١»: عن عائشة قالت كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان النبي ﷺ إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي.\nقال في المشارق: البنات هي اللعب والصور شبه الجواري التي يلعب بها الصبيان اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر في الفتح: استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات من اللعب، لأجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض. ونقله عن الجمهور. وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن في صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ اهـ.\nوروى أحمد عن عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها وهي تلعب بالبنات ومعها جوار فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: هذا خيل سليمان. قالت: فجعل يضحك من قولها. قال الإمام أحمد غريب.\nوفي الصحيح أنها كانت في متاع عائشة لما تزوجها ﷺ. قال ابن حزم كما نقله السفاريني: وجائز للصبيان خاصة اللعب بالصور، ولا يجوز لغيرهم، والصور محرمة إلا هذه وإلا ما كان رقما في ثوب. ونقل أيضا عن الأحكام السلطانية في فصل والي الحسبة:\nوأما اللعب فليس يقصد به المعاصي، وإنما يقصد به إلف البنات لتربية الأولاد، ففيها وجه من وجوه التدبير يقاربه معصية بتصوير ذوات الأرواح ومشابهة الأصنام فلا تمكن منها، وبحسب ما تقتضيه شواهد الحال يكون إقراره أو انكاره؛ يعني إن كانت قرينة الحال تقتضي المصلحة أقره وإلا أنكره انظر شرح قول المرداوي:\nوحلّ شراء لليتيمة لعبة ... بلا راس أن تطلب وبالراس فاصدد\nولا تشتري ما كان من ذاك صورة ... ومن ماله لا مالها في المجرد\nوأما مذهبنا فالتوسعة؛ ففي الفجر الساطع على باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، وما يكره من ذلك واستثنى العلماء من ذلك لعب الجواري، فأجازوا اتخاذها وبيعها، ولم يغيروا سوقها لأن المصطفى ﵇ أقر عائشة على اتخاذها لما فيه من تدريب الصبيان على تربية الأولاد ولكن كره الإمام مالك للرجل أن يشتري ذلك لابنه أي أنه ليس من أخلاق ذوي المروءة لا أنه كره اللعب بها هذا معناه قاله عياض وأقره الآبي اهـ.\n_________\n(١) انظر كتاب الأدب ج ٧ باب ٨١ ص ١٠٢.","vol":"2","page":91},{"text":"وفي الآبي قال عياض في قول عائشة: كنت ألعب بالبنات. الحديث: فيه جواز اللعب بها وتخصيص النهي عن اتخاذ الصور، لما فيها من تدريب النساء في صغرهن على النظر في بيوتهن وأولادهن، وقد أجاز العلماء بيعها وشراءها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>رقص الحبشة في المسجد النبوي إمامه ﵇</span>\nجاء الحبشة بحرابهم يلعبون في المسجد، فكان المصطفى ﷺ يريهم لعائشة، وهي متكئة على منكبه. خرّجه البخاري «١» في مواضع منها: باب نظر المرأة إلى الحبشة ونحوهم من غير ريبة من كتاب النكاح، وفي ترجمة انس من مسند أحمد: كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول الله ﷺ ويرقصون ويقولون: محمد عبد صالح فقال رسول الله ﷺ ما يقولون؟\nقالوا: يقولون: محمد عبد صالح اهـ انظر ص ١٥٢ من ج ٣.\nوفي جامع الترمذي «٢» بلفظ: قام ﷺ فإذا حبشية تزفن بفتح الفوقية وسكون الزاي وكسر الفاء وبالنون ترقص والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ، فجعلت أنظر إليها [أي إلى الحبشية] ما بين المنكب إلى رأسه فقال لي: أما شبعت أما شبعت؟ فجعلت أقول: لا لا وقال حسن صحيح غريب.\nقال الزرقاني في شرح المواهب ص ٣١١ من ج ٤ لعله أراها لعبهم لتضبطه وتعلمه فتنقله بعد للناس اهـ واصله لابن بطال قال: يمكن أن يكون تركها لتنظر اللعب بالحراب لتضبط السنة في ذلك، وتنقل الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من ابناء المسلمين، وتعرفهم بذلك اهـ نقله عنه شارح الإحياء.\nوقال القاضي عياض: فيه أقوى دليل على إباحة الرقص إذ زاد النبي ﷺ على إقراراهم أن أغراهم اهـ. نقله المواق في سنن المهتدين والونشريسي في المعيار، وأقراه وإذا علمت كما سبق عن مسند أحمد أنهم كانوا يرقصون ويقولون: محمد عبد صالح ظهر لك أن تسميته لعبا تجوّز، وإلا فذكر المصطفى لا يكون معه اللعب، وإنما يكون في الجد. وانظر لقول الغزالي في كتاب السماع من الأحياء:\nواجب أن يصان القرآن عن الضرب بالدف ونحوه، لأن صورة هذه الأمور صورة اللهو واللعب، والقرآن جدّ كله، فلا يجوز أن يمزج بالحق المحض ما هو لهو عند العامة، وصورته صورة اللهو عند الخاصة، وإن كانوا لا ينظرون إليها من حيث إنها لهو؛ ولذلك لا يجوز الضرب بالدف مع قراءة القرآن ليلة العرس، ولما دخل رسول الله ﷺ بيت الربيّع بنت معوّذ بن عفراء وعندها جوار يغنين، فسمع احداهين تقول: وفينا نبي يعلم ما في غد، على وجه الغناء فقال ﵇: دعي هذا وقولي ما كنت تقولين. وهذه شهادة بالنبوة،\n_________\n(١) انظر ج ٦ ص ١٥٩ من كتاب النكاح باب ١١٤.\n(٢) انظر ج ٥ ص ٦٢١ من كتاب المناقب باب ١٧ ورقم الحديث ٣٦٩١.","vol":"2","page":92},{"text":"فزجرها عنها، وردها إلى الغناء الذي هو لهو. ولأن هذا جدّ محض فلا يقرن بصورة اللهو. فواجب في الإحترام العدول إلى الغناء عن القرآن، كما وجب على تلك الجارية العدول عن شهادة النبوة إلى الغناء اهـ منها ونحوه لابن التين السفاقسي في شرحه على الصحيح.\nونظيره ما سبق في باب ذكر ما كانوا يغنون به فانظره، وفي الإرشاد للقسطلاني على قصة الربيع هذه: وقوله دعي هذه وقولي الخ ما نصه: فإن مفاتيح الغيب عند الله لا يعلمها إلا هو، وأيضا يحتمل أن يكون الممنوع أن يوصف ﵇ أثناء اللعب واللهو، إذ منصبه أجلّ واشرف من أن يذكر إلا في مجالس الجد اهـ.\nوكذلك نقول هنا: لو كان فعل الحبشة مجرد لعب لنهاهم ﵇ أن يقولوا وهم يلعبون: محمد عبد صالح. وحيث لم ينههم، بل أقرهم وأغراهم فهو ذكر قصد به التعبد وطاعة، وإظهار الفرح بالله وبرسوله، فلذلك أقرّهم ﵇ وعجب من فعلهم ونالوا غاية الرضى منه.\nوفي الشفا: كان السلف الصالح تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره ﵇ اهـ.\nومن جواب للشيخ أبي السعود الفاسي أن النبي ﷺ لا يحل أن يذكر إلا على قصد الثواب، ومواضع الفرجة فيجل ذكره عن ذلك كله اهـ.\nوأما قول الحافظ ابن حجر في الفتح: استدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص وسماع آلات اللهو، وطعن فيه الجمهور لاختلاف المقصدين، فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب، فلا يحتج به للرقص في اللهو. ففيه نظر لأن رقص القوم ليس من اللهو واللعب ولذا قال شيخنا أبو عبد الله محمد الفضيل الشبيهي في الفجر الساطع إثره: وفيه نظر، فإن الرقص الذي أثبته الصوفية ليس قصدهم منه اللهو، وحاشاهم من قصد ذلك، وانما قصدهم به الإجتماع على الذكر، والإقبال عليه بالقلب والقالب، واستغراق الجوارح كلها فيه وهو قصد صحيح، لما جاء من الترغيب في الإكثار من الذكر على أي حال كان الذاكر، فلا طعن في الإستدلال عليه برقص واقع لمقصد صحيح أيضا اهـ منه.\nأقول: غاية الرقص عند القوم ذكر من قيام، وهو مشروع بنص القرآن: اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، وتمايل واهتزاز وهو منقول عن الصحابة، فقد خرّج أبو نعيم في الحلية عن الفضيل بن عياض: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذكروا الله تمايلوا يمينا وشمالا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف إلى أمام، ثم ترجع إلى وراء انظر تأليف الرقص لشيخنا الأستاذ الوالد، وهو مطبوع واختصاره لشيخنا أبي العباس ابن الخياط الزكاري، وذيلنا على الأصل، ورسالة الحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي في المسألة وهي","vol":"2","page":93},{"text":"مطبوعة بفاس أيضا. وللحافظ أبي بكر ابن أبي الدنيا الشهير كتاب: الوجد ذكره له ابن سليمان الرداني في حرف الواو من صلته. وانظر باب الحجل فيما سيأتي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>قوله ﵇ اقدروا قدر الجارية الحديثة السن</span>\nخرّج أحمد «١» في مسنده عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بالحراب، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه؛ لأنظر إلى لعبهم من بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو. وفيه عن عائشة أيضا قالت: كنت ألعب باللعب فيأتي صواحبي فإذا دخل رسول الله فررن منه، فيأخذهن رسول الله فيردهن إلي. قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب السماع من الإحياء، بعد ذكر بعض هذه الأحاديث: وهو نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام، وفيها دلالة على أنواع من الرخص:\nالأول اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب.\nوالثاني فعل ذلك في المسجد.\nالثالث قوله ﵇: دونكم يا بني أرفدة، وهذا أمر باللعب والتماس له فكيف يقرر كونه حراما؟\nوالرابع: منعه لأبي بكر وعمر من الإنكار والتغيير، وتعليله بأنه يوم عيد أو وقت سرور.\nوالخامس وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك، وسماعه لموافقة عائشة وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب أحسن من خشونة الزهد والتقشف في الإمتناع.\nالسادس قوله ﵇: أتشتهين أن تنظري، ولم يكن ذلك عن اضطرار إلى مساعدة الأهل خوفا من غضب أو وحشة.\nوالسابع الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين، مع أنه شبه ذلك بمزمار الشيطان، وفيه بيان إن المزمار المحرم غير ذلك.\nالثامن أن رسول الله ﷺ كان يقرع سمعه صوت الجاريتين، وهو مضطجع فيدل هذا على أن صوت النساء إنما يحرم عند خوف الفتنة. فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء والرقص والضرب بالدف، واللعب بالدرق والحراب، والنظر إلى رقص الحبشة والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد اهـ.\n_________\n(١) انظره ج ٦/ ٢٤٧ والإسلامي ٢٨١/ ٦ دون الجملة الأخيرة (فاقدروا..) .","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>باب مرور أحد الصحابة على الحبشة يلعبون في الطريق واعطائهم</span>\nترجم البخاري في الأدب المفرد: باب لعب الصبيان، حدثنا موسى حدثنا عبد العزيز قال؛ حدثني شيخ من أهل الخير يكنى أبا عقبة قال: مررت مع ابن عمر مرة في الطريق، فمر بالحبش فرآهم يلعبون، فأخرج درهمين فأعطاهم. وفي الحسام المسنون في نصرة أهل السر المكنون لأبي عبد الله بن سودة، عن عكرمة لما ختن ابن عباس بنيه أرسلت الدعوة لللعابين، فلعبوا فأعطاهم ابن عباس أربعة دراهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>المسابقة</span>\nتقدم السباق في الخيل، وفي المواهب روي أنه ﷺ سابق زوجته عائشة في سفر فسبقته لخفة جسمها، ثم سابقها بعد ذلك في سفر آخر وقد سمنت فسبقها فقال ﵇ مطيبا لخاطرها: هذه بتلك،\nوخرج أحمد «١» عنها قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض اسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا فتقدموا ثم قال: حتى أسابقك فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى حملت اللحم وبدنت وسمنت وخرجت معهه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا فقال أسابقك فسبقني فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك.\nورواه أبو داود «٢» والنّسائي وابن ماجه من حديث عائشة، قاله في المغني.\nقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: أترى رسول الله ﷺ لما كان ينبسط مع عياله ويسابق عائشة أكان خارجا عن الأنس بالله؟ اهـ.\nوفي ترجمة واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب من طبقات ابن سعد عن نافع قال:\nمات واقد بن عبد الله بالسقيا فصلى عليه ابن عمر ودفنه، ثم دعا الأعراب فجعل يسبق بينهم فقلت: دفنت واقدا الساعة وأنت تسبق بين الأعراب؟ قال: ويحك يا نافع، إذا رأيت الله قد غلب على أمر فاله عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>المصارعة</span>\nذكر ابن اسحاق في سيرته وغيره أنه كان بمكة رجل شديد القوة يحسن الصراع، وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم، بينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكة، إذا لقيه النبي ﷺ فقال له: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ فقال له: يا محمد هل لك من شاهد على صدقك؟ قال: نعم، أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟\nقال: نعم يا محمد. فقال له تهيأ للمصارعة، فقال: تهيأت فدنا منه رسول الله ﷺ فصرعه.\n_________\n(١) انظر ج ٦ ص ٢٦٤.\n(٢) انظر كتاب الجهاد باب ٦١ ص ٦٦ ج ٣.","vol":"2","page":95},{"text":"قال؛ فتعجب ركانة، ثم سأله الإقالة والعودة، ففعل به ذلك ثانيا وثالثا فوقف ركانة متعجبا وقال: إن شأنك لعجيب رواه أبو نعيم والبيهقي، عن أبي أمامة من طريقين: مرفوعا ومرسلا.\nوركانة المذكور هو ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، القرشي المكي الصحابي الذي أسلم عام الفتح. وتوفي في المدينة في خلافة معاوية عام ٤٢. وكان شديد البأس قويا جسيما معروفا بالقوة في المصارعة بحيث إنه لم يصرعه أحد قط ولم يمس جلده الأرض مغلوبا قط، وقد صح أنه ﷺ صارعه فصرعه، قاله الخفاجي في النسيم. وفي حواشي ابن الطيب الفاسي على القاموس في ركانة: قصته مشهورة وصرع النبي ﷺ إياه من اعظم معجزاته، وكان ركانة أصرع أهل زمانه، وكان من شدته أنه يقف على جلد بعير لين جيد حين سلخه، فيجذبه من تحته عشرة فيتمزق الجلد ولا يتزحزح هو عن مكانه، كما في شروح الشفا والمواهب وغيرهما اهـ.\nقلت: قصة ركانة المذكورة رواها الحاكم في مستدركه، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة المصارع عن أبيه محمد لكن قال الحافظ ابن حجر في التقريب أبو جعفر بن محمد بن ركانة مجهول ومحمد بن ركانة قال عنه أيضا فيه مجهول، ووهم من ذكره من الصحابة، وروى المصارعة أبو داود والترمذي «١»: من طريق أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد ابن ركانة عن أبيه، أن ركانة صارع النبي ﷺ قال الترمذي: غريب وليس إسناده بالقائم. وقال ابن حبان في إسناد خبره في المصارعة نظر لا أعتمد على إسناد خبره قاله في الإصابة. وقد صارع ﷺ كما في المواهب جماعة غير ركانة منهم ابنه يزيد بن ركانة ومنهم أبو الأسود الجمحي كما قال السهيلي. ورواه البيهقي وكان شديدا بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتفرك الجلد ويتقطع ولا يتزحزح عنه، فدعا المصطفى ﷺ إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني آمنت بك فصرعه رسول الله ﷺ اهـ.\nوقال الحفني في حواشي شرح ابن حجر علي الهمزية قيل: وصارع أبا جهل ولكن لم يصح اهـ واصله للبرهان الحلبي في المقتفى، كما نقله عنه الخفاجي في نسيم الرياض في موضع. وفي محل آخر نقله عن المقدسي.\nوعندي رسالة لطيفة للحافظ السيوطي سماها المسارعة إلى المصارعة، ذكر فيها مصارعة النبي ﷺ لأبي ركانة من طرق، ومصارعة صغار الصحابة فيما بينهم لينجحوا في الأذن لهم في شهود الغزو، وأن أهل مكة كانوا لا يصارعون أحدا إلّا صرعوه، حتى رغبوا عن ماء زمزم. ومن طرق: مصارعة الحسن للحسين ﵉، بمرأى منه ﷺ. وقال\n_________\n(١) انظر كتاب اللباس في سنن أبي داود ج ٤/ ٣٤١ والترمذي أيضا ج ٤/ ٢٤٧.","vol":"2","page":96},{"text":"في نسيم الرياض على حديث ركانة: يقتضي جواز المصارعة إلا أنهم قالوا: بالمال حرام، كالمسابقة عليه أو أنه من خصائصه ﵇.\nتتمة وكان لركانة المذكور ابنه يزيد وابن ابنه علي، وكانت لهما قوة زائدة كأبيهما ركانة، وقد صارع يوما يزيد بن معاوية عليا هذا فصرعه عليّ صرعة لم يسمع بمثلها، وكان يزيد من أشد العرب، ثم حمل معاوية بعد ذلك عليا على فرس جموح لا يطاق، فعلم علي ما يراد به فلما جمح الفرس به ضم عليه فخذه ضمة انفتق به الفرس فمات. وذكر عنه أيضا أنه تأبط رجلين باليدين، ثم جرى بهما وهما تحت إبطه حتى صاحا: الموت الموت فأطلقهما. كذا في ابن التلمساني على الشفا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>حجل بعض كبار الصحابة بين يديه ﷺ</span>\nفي الصحيح «١» أنه ﵇ قال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي.\nوفي التوشيح زاد ابن سعد من مراسيل الباقر فقال جعفر: فحجل حول رسول الله ﷺ، أي دار فقال له النبي ﷺ: ما هذا؟ قال: شيء رأيت الحبشة يفعلونه لملوكهم. وفي طريق آخر: أن الثلاثة فعلوا ذلك والحجل بحاء فجيم فلام كسبب رقص على هيئة مخصوصة اهـ.\nوفي تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي: اختصم علي وجعفر وزيد بن حارثة في ابنة حمزة فقال لعلي: أنت مني وأنا منك فحجل، وقال لجعفر أشبهت خلقي فحجل، وقال لزيد أنت أخونا ومولانا فحجل الحديث. أخرجه أبو داود من حديث علي بإسناد حسن وهو عند البخاري «٢» دون ذكر الحجل. [ورواه أحمد ج/ ١ ص ١٠٨] .\nقال الحافظ السيوطي في الحاوي، لما تكلم على مسألة الرقص، بعد أن ذكر حجل من ذكر، عن مسند أحمد وذلك من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه ﷺ، فكان هذا أصلا في رقص الصوفية، يدركونه من لذة المواجيد اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>حبس الطير للعب الصبيان به</span>\nقال أنس: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل على رسول الله ﷺ ذات يوم حزينا فقال: ما شأنه؟ قال: مات نغزه. فقال له يا أبا عمير ما فعل النغير؟ خرّجه البخاري «٣» ومسلم والترمذي.\nقال الجوهري: النغير تصغير نغر، بوزن رطب. وهو طائر صغير كالعصفور. وقيل\n_________\n(١) انظر البخاري كتاب الصلح ج ٣ ص ١٦٨.\n(٢) انظر البخاري كتاب الصلح ج ٣ ص ١٦٨.\n(٣) انظر في البخاري ج ٧ ص ١٠٢ من كتاب الأدب.","vol":"2","page":97},{"text":"فراخ العصافير. قال عياض: والراجح أنه طائر أحمر المنقار، وأهل المدينة يسمونه البلبل.\nوقد أكثر الناس من استنباط الأحكام من هذا الحديث، وزاد أبو العباس بن القاص من الشافعية على مائة، وأفردها في جزء وقال ابن غازي: حدثني أبو الحسن ابن منون أنه بلغه أنه أي ابن الصباغ أملى في درسه بمكناس على حديث أبي عمير ما فعل النغير أربعمائة فائدة. وكان آخر ما أقرأ بها. قال وكنت تأملت هذا الحديث فانقدح لي زهاء مائتين وخمسين من الفوائد، فقيّدت رسومها ولم أجد فراغا لبسطها: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها اهـ وانظر ج ٤ من نفح الطيب، وترجمة أبي عبد الله بن الصباغ المكناسي من كفاية المحتاج لأبي العباس السوداني.\nوقال ابن غازي أيضا في حواشيه على الصحيح: مرّ بنا أن بعض العلماء استنبط منها زهاء ثلاثمائة فائدة، وسمعت من يذكر عن أبي الفضل ابن الصباغ المكناسي بلديّنا أكثر من ذلك، وكنت أعملت فيه الفكر فرسمت في مبيضة فوائد ما يزيد على المائتين، إلا أنها لا يخلو بعضها من تداخل والله أعلم اهـ.\nوفي حواشي ابن الشاط على مسلم لدى حديث الترجمة عن عياض فيه جواز لعب الصغير بالطيّر، ومعنى هذا اللعب عند العلماء إمساكه وتلهيته بمسكه لا بتعذيبه وعبثه.\nوقال الشيخ أبو علي بن رحال في باب الغصب، بعد أن ذكر أنه أخذ من المدونة جواز حبس الطير في القفص ما نصه: وما ذكر من حبس الطير إنما هو إذا لم يكن فيه تعذيب أو تجويع أو تعطيش، ولو بمظنة الغافلة عنه، أو بحبسه مع طير آخر ينقب رأسه، كما تفعله الديوك في الأقفاص، ينقب بعضها رأس بعض، حتى إن الديك يقتل آخر وهذا كله حرام بإجماع؛ لأن تعذيب الحيوان لغير فائدة لا يختلف في تحريمه. والفائدة يتأتى وجودها بلا تعذيب، وهذا إن كان يحبسه وحده أو مع لا ينقبه، أو يعمل بينهما حائلا، بحيث لا يصل بعضه إلى بعض، ويتفقده بالأكل والشرب، كما يتفقد أولاده ويضع للطير ما يركب عليه كخشبة. وأما أن يضعه على الأرض بلا شيء فذلك يضر به غاية في البرد. وهذه الأمور لا تحتاج إلى جلب نص فيها لوضوحها، وكم رأينا من يعذب الدجاج في الأقفاص على وجوه مختلفة من أنواع العذاب، وكذا حبس الكبش بلا أكل ولا شرب أو بغل، يربطه في موضع ويغلق عليه حتى يكاد يموت جوعا. ومن لا رحمة فيه لا يعتبر في الدفع عن الدواب إلا ما يقتلها أو يضعف بدنها. وأما عذابها في نفسها إذا سلمت مما ذكر فلا يبالي به. وذلك كله حرام وعقوبة في الدنيا والآخرة إن لم يعف الله، فإن هذه الحيوانات غير الإنسان لا تتكلم، فلا تنادي أنها في الحاجة في كذا إن لم تكن رحمة من مالكها. ومن مازج الناس وأمعن النظر بقلبه وتفكر ورأى من عذابه الحيوانات من هذه الجهة من لا يسامح فيه، إلا من له مائة رحمة ثم قال: فالحاصل أن هذا باب من العقاب ترك كثير الهروب منه، فينبغي لمن فيه رحمة أن ينبه على هذا كل من لا يعرفه، ثم قال: وكثير من الناس يسمع مثلا أن الطير","vol":"2","page":98},{"text":"يجوز حبسه وأن العصفور يجوز أن يلعب به ويستدل بحديث أبي عمير ما فعل النغير، ويعتمد على ذلك بلا شرط عدم تعذيبه وهذه مسألة عظيمة الأجر والعقاب، وكذا تحميل الدواب أكثر مما تقدر عليه بحسب العادة وغير ذلك، وذلك كله من نزع الرحمة من القلوب ولكن إنما يرحم الله من عباده الرحماء اهـ.\nوفي طبقات ابن سعد عن المسيب بن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمّالا وقال: لم تحمل بعيرك ما لا يطيق. ووجدت في فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم: أن عمر كتب إلى صاحب السكك أن لا يحملوا أحدا بلجام ثقيل من هذه الرستية، ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة، وكتب عمر إلى حيان بمصر: أنه بلغني أن بمصر إبلا نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل.\nوفي عون الودود على سنن أبي داود على حديث: (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) «١» الراحمون أي لمن في الأرض؛ من آدمي وحيوان لم يؤمر بقتله في الشفقة عليهم والاحسان إليهم اهـ.\nوفي طبقات ابن سعد أن المصطفى ﵇ قال لنقاده ابن عبد الله بن خلف الأسدي: يا نقادة ابغ لي ناقة حلبانة ركبانة، ولا تولّها على ولد «٢» .\nوفيها أيضا في ترجمة سوادة بن الربيع الجرمي عنه قال: أتيت النبي ﷺ بأمي، فأمر لي بشياه وقال لها: مري بنيك أن يقلموا أظفارهم خشية أن يوجعوا أو يعبطوا ضروع الغنم، ومري بنيك أن يحسنوا غذاء رباعهم.\nوفي طبقات ابن سعد أن عمر بن الخطاب؛ كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول:\nإني لخائف أن أسأل عما بك.\nولما قال ابن رشد: يقضى للعبد على سيده إن قصّر عما يجب له عليه بالمعروف؛ في مطعمه وملبسه خلاف ما يملكه من الدواب، فإنه يؤمر بتقوى الله في إجاعتها ولا يقضى عليه بعلفها، ردّه مستعظما له حطاب المغرب الشيخ أبو علي بن رحال في باب النفقات، من شرح المختصر. بنص ابن عبد البر في الكافي، والرفق بالدواب في ركوبها، والحمل عليها، واجب سنة فإنها عجم لا تشكو وفي كل ذي كبد رطب أجر. هذا قول رسول الله ﷺ. فإذا كان في الأحسان إليها أجر، فكذلك في الإساءة إليها وزر. ولا يحمل على الدواب أكثر من طاقتها، ولا تضرب وجوهها، ولا تتخذ ظهورها كراسي، ولا تقلد الأجراس، ولا تستعمل ليلا إلا أن يروح عنها نهارا، ولا يحل حبس بهيمة مربوطة عن السرح والانتشار بغير علف ولا طعام. قال ابن رحال: فإن قول ابن رشد: الدابة لا يقضى\n_________\n(١) رواه أبو داود في كتاب الأدب باب ٥٨ ص ٢٣١ ج ٥ ورقمه ٤٩٤١.\n(٢) روى أحمد في مسنده ج ٥ ص ٧٧ حديثا يقرب معناه من هذا الحديث.","vol":"2","page":99},{"text":"الخ يلزم ابن رشد أن الدابة إذا حمّلها مالكها ما لا تطيقه من الحمل أو اشتغل يعذبها عذابا شديدا، فلا فائدة أنه لا يقضى على المالك بترك ذلك، وأنه يترك هو واياها ويؤمر بتقوى الله فيها فقط. وذلك لا يحل أصلا مع مخالفة ذلك لكلام الناس، وحديث: (في كل ذي كبد رطبة أجر) رأيت أبا عمر قال: يلزم عليه أن الاساءة إليه فيها وزر، والوزر منكر، والمنكر يجب تغييره كما أشار إليه ابن عرفة، ولو كان الناس يزجرون بقول الإمام لهم:\nاتقوا الله في كذا ما شرعت الزواجر والقتل والسجون والتعزيرات الخ. كلام أبي علي بن رحال انظره لدى قول خ: إنما تجب نفقة رقيقة ودابته ما لم يكن مرعى، وإلا بيع كتكليفه من العمل ما لا يطيق، ويجوز من لبنها ما لا يضر نتاجها. فإن أبا علي جلب وحطب من الأنقال في المسألة ما يسوغ لنا أن نجعله في طليعة جمعيات الرفق بالحيوان العجم يتخذونه قدوة ونعم الأسوة، وإنما أطلت القول هنا لتعلم أن أهل الإسلام قبل بقرون تفطنوا لما تظاهرت به الآن، جميعات الرفق بالحيوان في أوروبا فخذه شاكرا.\n(لطيفة) كانت بالمدينة على عهد مالك ﵁ دار تعرف بدار قدامة، كان الناس يلعبون فيها بالحمام، وهي التي أشار إليها مالك حيث عاب على تلميذه ابن الماجشون سؤاله عن مسألة واضحة فقال له: أتعرف دار قدامة. قال ابن حارثة: كانت لابن الماجشون نفس أبية؛ كلّمه مالك يوما بكلمة خشنة فهجره عاما كاملا، استبعد عليه الفرق بين مسألتين فقال له: أتعرف دار قدامة؟ وكانت دارا يلعب فيها الأحداث بالحمام. وقال البرزلي قيل: إن مالكا رمى عبد الملك بدار قدامة، لأنه نسبه للصغر واللعب انظر تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطّاب وفتاوي الشيخ عليش ص ٢٦٧ ج ١.\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>اتخاذ الوحش في المسكن</span>\nفي مسند أحمد ص ١١٢ من ج ٦ عن عائشة قالت: كان لآل النبي ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحسّ برسول الله ﷺ قد دخل ربض، فلم يرمرم ما دام رسول الله ﷺ في البيت كراهية أن يؤذيه.\nوروى ابن عدي عن جابر رفعه: إذا كان أحدكم في بيته وحده خاليا فليتخذ فيه زوج حمام. وروى الطبراني بسند جيد عن عبادة بن الصامت قال: اشتكى رجل إلى رسول الله ﷺ الوحشة. فقال له رسول الله ﷺ: اتخذ زوجا من حمام.\nوروى ابن السني وابن عساكر عن معاذ بن جبل؛ أن عليا كرم الله وجهه شكا إلى النبي ﷺ الوحشة، فأمره أن يتخذ زوج حمام. ويذكر الله في هديره. وروى وكيع في الغرر وابن عدي عن علي أنه شكا إلى النبي ﷺ الوحشة فقال له: ألا اتخذت زوجا من حمام، فانسك وأكلت من فراخه، أو اتخذت ديكا فانسك وأيقظك للصلاة.\nمهمة في طبقات ابن سعد عن جابر بن عبد الله: أمر النبي ﷺ بقتل كلاب المدينة، فأتاه ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله إن منزلي شاسع، وأنا مكفوف البصر ولي كلب.","vol":"2","page":100},{"text":"قال: فرخص لي أياما، ثم أمره بقتل كلبه. انظر ص ١٥٣ من ج ٤. وهذه المهمة أشبه بادخالها في باب الحسبة أو أبواب الصحة ولكن هاهنا كتبت وأثبتت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>نهب اللوز والسكر ونثره في العرس</span>\nأخرج أبو جعفر الطحاوي، والبيهقي في سننه «١» من حديث، لمازة بن المغيرة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل أن المصطفى ﵇ حضر إملاك رجل من الأنصار لم يسم، زاد في رواية العقيلي فخطب ﷺ، وأنكح الأنصاري. وقال:\nعلى الألفة والخير والطائر الميمون. دففوا على رأسه فدفف عليه، فجاءت الجواري معهن الأطباق فيها اللوز والسكر، فنثر عليهم فأمسك القوم أيديهم فلم يمدوها إلى الأطباق فقال ﵇: ألا تنهبون؟ قالوا: أنت نهيت عن النهبة قال: إنما نهيت عن نهبة العساكر.\nأما العرسات فلا.\nوفي رواية العقيلي فأمسك القوم ولم ينتهبوا، فقال رسول الله ﷺ ما أزين الحلم؟ ألا تنتهبوا قالوا: نهيتنا عن نهبة يوم كذا وكذا. فقال إنما نهيتكم عن نبهة العساكر. ولا أنهاكم عن نهبة الولائم. ثم قال معاذ: فرأيت رسول الله ﷺ يجاذبهم ويجاذبونه في الانتهاب، واحتج به الطحاوي على أن النثار بنحو اللوز والسكر غير مكروه، كما ذهب إليه أبو حنيفة. وقضى به على الأحاديث الصحيحة التي فيها النهي. قال البيهقي بعد هذا الحديث وهذا لا يثبت. ثم قال: وروى من حديث عائشة عنه ﷺ نحوه ولا يثبت في هذا المعنى شيء. وشنّع على الطحاوي القول في ذلك جدا في كتاب المعرفة وقال: إنما يروي عن عون بن عمارة وعصمة بن سليمان وكلاهما لا يحتج به، وشيخهما لمازة بن المغيرة مجهول، فهاتان علتان كل منهما منفرة توجب ضعف الحديث، فكيف بهما مجتمعتان هذا وخالد بن معدان منقطع، ولا حجة في منقطع.\nوقد أخرج العقيلي من طريق عائشة قالت: حدثني معاذ بن جبل قال: شهد مع رسول الله ﷺ إملاك رجل من الأنصار الحديث. لكن قال عبد الحق: في إسناده بشر بن إبراهيم الأنصاري البصري وهو ضعيف، وذكر الحديث ابن عرفة في مختصره قائلا: ذكره العتبي ثم نقل عن عبد الحق ما ذكر، وعقبه بقوله: وفي ذكر ابن عبد السلام له دون ذكر قول عبد الحق إيهام بصحته. ولم يتعقبه ابن القطان بحال اهـ.\nوفي المواق على المختصر: هذا قيل من أبي عمر لاجازة النهبة، وقد قال ﵇: لم أنهكم عن نهبة الولائم. وانظر ابن حجر والمناوي على الشمائل، والمواهب وشرحها، وحواشي الرهوني على المختصر. وترجمة خطف الفاكهة ونهبها من رسالة ابن ليون التجيبي.\n_________\n(١) انظر الجزء السابع من الطبعة الهندية ص ٢٨٨ من كتاب الصداق. باب ما جاء في النثار في الفرح.","vol":"2","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>اللهو واللعب المأذون فيه</span>\nخرّج البيهقي عن المطلب بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: الهوا والعبوا فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة. وخرّج الحاكم عن عائشة رفعته: هل كان معكم من لهو؟\nفإن الأنصار يحبون اللهو. وخّرج أحمد عن روح بنت أبي لهب قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ فقال: هل من لهو؟ قال الشهاب أحمد بن حجر الهيثمي في كتابه «كف الرعاع» قوله ﵇: الهوا والعبوا، دليل لطلب ترويح النفس إذا سئمت، وجلاها إذا صدأت باللهو واللعب المباح. الخ كلامه. وانظر إيضاح الدلالات في سماع الآلات للشيخ عبد الغني النابلسي الشامي، ومنه اللعب بالأرجوحة وهي حبل يعلق ويركبه الصبيان. قاله ابن درستويه. وتبعه الفيروز آبادي في القاموس، والجمهور. وقال صاحب العين والمصباح:\nهي خشبة توضع من وسطها على تل ويعلق غلامان على طرفيها، وتترجح أي تميل تارة بهذا وتارة بهذا. وهذا الذي قاله ثعلب عن ابن الأعرابي، وقاله أهل الغريب في حديث عائشة: وأنا على أرجوحة. قال ابن الطيب في حواشي القاموس: وزاد لا بأس بنصب الأرجوحة واللعب بها، كما قاله في كتاب البركة ونقله شراح المختصر، وأيده الزرقاني بنقل القرافي عن غيره، أنها نافعة من وجع الظهر اهـ.\nوقد ترجم أبو داود في سننه باب في الأرجوحة «١»، وذكر حديث عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ تزوجني وأنا بنت سبع أو ست فلما قدم المدينة أتتني نسوة. وقال بشر «٢» فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة فذهبن بي وهيأنني وصنعنني فأتي بي رسول الله ﷺ فبنى بي وأنا ابنة تسع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>ذكر جعل الوليمة في العرس سبعا</span>\nبوّب البخاري «٣» في كتاب النكاح من الصحيح، باب حق اجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ونحوه. ولم يوقت النبي ﷺ يوما ولا يومين. قال الحافظ: يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار، دعا أبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما فكان أبي صائما فلما طعموا دعا أبي وانتثر. وأخرجه البيهقي من وجه آخر أتم سياقا منه وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر إلى حفصة وقال: فيه ثمانية أيام وإليه أشار المصنف بقوله ونحوه، لأن القصة واحدة وهذا وإن لم يذكره المصنف ولكن جنح إلى ترجيحه لإطلاق الأمر بإجابة الدعوة بغير تقييد وقد نبه على ذلك ابن المنير. وأفصح البخاري بمراده في تاريخه؛\n_________\n(١) انظر ج ٥ ص ٢٢٨ من كتاب الأدب رقم الحديث ٤٩٣٣.\n(٢) هو بشر بن خالد أحد رواة هذا الحديث.\n(٣) انظر ج ٦/ ١٤٣ باب/ ٧١.","vol":"2","page":102},{"text":"فإنه أورد في ترجمة زهير بن عثمان الحديث الذي أخرجه أبو داود «١» والنسائي من طريق قتادة قال: قال رسول الله ﷺ: الوليمة حق. أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث سمعة ورياء. قال البخاري: لا يصح إسناده. وقال ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ: إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب. ولم يخص أياما ولا غيرها. وهذا أصح. وقال ابن سيرين عن أبيه أنه بنى بأهله أو لم سبعة أيام، فدعا في ذلك أبي بن كعب فأجابه اهـ.\nوأخرج أبو يعلى بإسناد حسن عن أنس قال: تزوج النبي ﷺ صفية وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام. وإلى ما جنح إليه البخاري ذهب المالكية؛ قال عياض:\nاستحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعا وقال غيره: إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم وعند الأمن من الرياء والسمعة اهـ ملخصا من فتح الباري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>جلب دقيق الحواري</span>\nالأبيض الناصع النقي سمي به لنقائه من النخالة فهو خلاصة الدقيق ولبابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>والسمن والعسل من الشام إلى المدينة وأكل المصطفى ﵇ منه</span>\nعن الليث بن أبي سالم قال: أول من خبص في الإسلام عثمان بن عفان؛ قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما، وبعث به إلى النبي ﷺ فأكل فاستطابه. قال المحب الطبري في الرياض النضرة: أخرجه خيثمة في فضائل عثمان، وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان دقيق وسمن وعسل، فأتى به إلى النبي ﷺ.\nوفي رواية الحاكم وغيره، عن ابن سلام: خرج ﷺ إلى المربد فرأى عثمان يقود ناقة تحمل دقيقا حواريا وسمنا وعسلا، فقال له: أنخ فأناخ فدعا فيها بالبركة، ثم دعا ﷺ ببرمة فنصبت على النار، وجعل فيها من الدقيق والعسل والسمن، ثم عصد حتى نضج أو كاد أن ينضج. ثم أنزله فقال ﷺ: كلوا هذا شيء تسميه فارس الخبيص. قال الطبري: خرّجه تمام في فوائده، والطبراني في معجمه. قال الحافظ ابن حجر، وتبعه الحافظ الشامي. رجال الأوسط والصغير ثقات. وقد أخرجه الحاكم وصححه بقيّ بن مخلد «٢» اهـ.\nوقال الزرقاني في شرح المواهب: ومقتضاه أن أول من خبص في الإسلام النبي ﷺ، فخالف قوله أولا: أول من خبص في الإسلام عثمان، ويحتمل أن نسبته إليه لكونه كان سببا في فعله بإهدائه إليه، لكن روى الحرث بسند منقطع: صنع عثمان خبيصا بالعسل والسمن والبر، وأتى به في قصعة إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: هذا شيء تصنعه الأعاجم تسميه الخبيص. فأكل منه رسول الله ﷺ. ويمكن الجمع أيضا بتكرار ذلك فيكون عثمان فعله بنفسه، ثم عرضه على النبي ﷺ، فأمر أن يصنع له منه ففعل اهـ.\n_________\n(١) الحديث في كتاب الأطعمة ج ٤ ص ١٢٦.\n(٢) أحد كبار علماء الأندلس الثقات أهل الورع. ت ٢٧٦ هـ نقلا عن جذوة المقتبس للحميدي ص ٢٧٤/ ١.","vol":"2","page":103},{"text":"قال شيخنا الأستاذ الوالد في تحديد الأسنة، عقب حديث أكله ﵇ خالص الدقيق المذكور: فإن قلت خرّج الترمذي في الشمائل عن سهل بن سعد «١»، أنه قيل: أأكل رسول الله ﷺ النقي؟ يعني الحوار. قال سهل: ما رأى ﷺ النقي حتى لقي الله ﷿.\nقلت: أخبر ﵁ بحسب إطلاعه ومنتهى علمه، وإلا فالمثبت مقدم على النافي.\nومن أثبت حجة على من نفى. ولم يحط أحد بأحوال النبي ﷺ اهـ.\nوفي طبقات ابن سعد أن ابن عمر كان يستحب أن يطيّب زاده، وأنه قيل لنافع: أكان ابن عمر يصيب من هذا الطعام؟ فقال: كان ابن عمر يأكل الدجاج والفراخ، والخبيص في البرمة.\nوفي أوائل السيوطي: أول من خبص الخبيص عثمان، خلط العسل والنقي من الدقيق ثم بعث به إلى النبي ﷺ إلى منزل أم سلمة، وفيها أيضا: أول من أدخل الفالوذج ديار العرب أمية ابن أبي الصلت، أطعمه بعض الناس ذلك بالشام، فبلغ ذلك عبد الله بن جدعان فوجه إلى اليمن من جاء له بمن يعمل له الفالوذج بالعسل، وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي: وفي رواية جمع وصححها الحاكم، كما نبه عليه الشيخ محمد الشافعي في سيرته: أهدى ملك الهند إلى رسول الله ﷺ هدايا منها جرة فيها زنجبيل، فأطعم كل إنسان قطعة قطعة. قال أبو سعيد الخدري وأطعمني رسول الله ﷺ قطعتين اهـ.\nوقد قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه صيد الخواطر: بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم له طعام فقال: لا آكل. قيل له: لم؟ فقال لأن نفسي تشتهيه وأنا منذ سنين ما بلغت نفسي ما تشتهي. فقلت لقد خفيت طرق الصواب عن هذا من وجهين:\nوسبب خفائها عدم العلم. أما الوجه الأول فإن النبي ﷺ لم يكن على هذا ولا أصحابه، وقد كان ﵇ يأكل لحم الدجاج ويحب الحلوى والعسل. ودخل فرقد السنجي على الحسن وهو يأكل الفالوذج فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكله ولا أحب من يأكله فقال الحسن: لعاب النحل، بلباب البر، بسمن البقر هل يعيبه مسلم؟ وجاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال: ولم؟ قال: يقول لا أؤدي شكره فقال:\nإن جارك جاهل، وهل يؤدي شكر الماء البارد؟ وكان سفيان الثوري يحمل في سفره الفالوذج واللحم المشوي ويقول: إن الدابة إذا أحسن إليها عملت، وجيء إلى علي بفالوذج فأكل منه، وقال: ما هذا قالوا: نور النيروز. فقال: نورزونا في كل يوم. فينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقا ويطلب دليلها، وقد قالت رابعة: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكل منه، ولا تكن ممن يرى صور الزهد، فرب مشبع لا يريد الشبع وإنما يريد المصلحة، وليس كل بدن يقوى على الخشونة؛ خصوصا من قد لاقى الكل [الكلل] وأجهده الفكر.\n_________\n(١) انظر باب صفة خبز رسول ﷺ ص ٩٣ من الطبعة الأولى ١٣٤٤ هـ.","vol":"2","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>جلب الجبن الرومي وأكله ﵇ منه وقطعه بالسكين</span>\nفي حديث أبي داود «١» من حديث ابن عمر قال: أتي النبي ﷺ بجبنة في تبوك. قال الزرقاني في شرح المواهب من عمل النصارى فقيل: هذا تصنعه المجوس، فدعا بسكين فسمى وقطع، وعبارة الشبراملسي عليها أيضا فسمى وقطع، أي ولم ينظر لكونه من عمل النصاري. وروى الطيالسي عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما فتح مكة رأى جبنة فقال: ما هذا قالوا: طعام يصنع بأرض العجم. فقال ضعوا فيه السكين وكلوا.\nوروى أحمد والبيهقي عنه: أتي النبي ﷺ بجبنة في غزوة تبوك فقال: أين صنعت هذه؟ قالوا: بفارس ونحن نرى أنه يجعل فيها ميتة. فقال ﷺ: إطعنوا فيها بالسكين، واذكروا اسم الله تعالى وكلوا «٢» .\nقال الخطابي: أباحه ﷺ على ظاهر الحال، ولم يمتنع من أكله لأجل مشاركة المسلمين في عمله، وتعقبه المقريزي بتوقفه على نقل، إذ لم يكن بفارس والشام حينئذ أحد «٣» من المسلمين، قال الحافظ الشامي وهو ظاهر لا شك فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>اختياره ﵇ محل السوق</span>\nروى الطبراني من طريق الحسن بن علي بن الحسن ابن أبي الحسن أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت موضعا للسوق أفلا تنظر إليه؟ قال: بلى، فقام معه حتى جاء موضع السوق، فلما رآه أعجبه وركض برجله وقال: نعم سوقكم هذا، فلا ينقص ولا يضربن عليكم خراج.\nورواه ابن ماجه بلفظ: ذهب رسول الله ﷺ إلى سوق النبيط فنظر إليه فقال: ليس هذا لكم بسوق، ثم رجع إلى هذا السوق فطاف فيه ثم قال: هذا سوقكم، فلا ينتقصن ولا يضرب عليه خراج «٤» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام</span>\nهكذا ترجم البخاري «٥» في كتاب البيوع من الصحيح، ثم أخرج فيها عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قرأ ابن عباس كذا أي بزيادة مواسم الحج. وفي الإرشاد قال ابن\n_________\n(١) انظر كتاب الأطعمة باب ٣٨ ج ٤/ ١٦٩.\n(٢) في المسند ج ١ ص ٣٠٢ عن ابن عباس وهو في الصفحة ٣٧٦ من طبعة المكتب الإسلامي.\n(٣) كذا في الأصل. والسياق يقتضي أن يكون المعنى: والشام أقرب إلى المدينة من فارس.\n(٤) ابن ماجه ص ٧٥١/ ٢.\n(٥) انظر كتاب البيوع ج ٣/ ١٥.","vol":"2","page":105},{"text":"كثير: وكذا فسره مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم.\nوأخرجه أيضا في كتاب الحج «١»، وبوّب عليه باب التجارة أيام المواسم والبيع في أسواق الجاهلية. قال البدر الدماميني في المصابيح: يتساءل عن الفرق بين حجر ثمود وبين أسواق الجاهلية. حيث أسرع ﵇ لما دخل الحجر، وأمرهم أن لا ينتفعوا بشيء منه، لا يؤكل العجين الذي عجنوه بالماء، وأسواق الجاهلية طال مكثه فيها. والانتفاع بها.\nوالجواب أن أهل الأسواق لم يتعاطوا فيها إلا البيع المعتاد، وأما ثمود فإنهم تعاطوا عقر الناقة والكفر بالله ورسوله، ونزلت النقمة هناك. فهذا فرق ما بينهما اهـ.\nوقد تكلم الحافظ في كتاب الحج على هذه الأسواق وعيّن مواضعها من أرض الحجاز، وذكر أسواقا أخرى دونها، ثم نقل عن الفاكهي: لم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام، إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة ١٢٩، وآخر ما ترك منها سوق جامة في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسي في سنة ١٩٧. ثم ذكر عن ابن الكلبي؛ أن كل شريف كان إنما يحضر سوق بلده، إلا سوق عكاظ، فإنهم كانوا يتوافون لها من كل جهة، فكانت أعظم تلك الأسواق. وقد وقع ذكرها في أحاديث أخرى منها حديث ابن عباس: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ.\nوروى الزبير بن بكار في كتاب النسب من طريق حكيم بن حزام. أنها كانت تقام صبح هلال ذي القعدة؛ إلى أن يمضي عشرون يوما. قال: ثم يقام سوق مجنة عشرة أيام إلى هلال ذي الحجة ثم يقوم سوق ذي المجاز ثمانية أيام، ثم يتوجهون إلى الحج.\nوفي حديث ابن الزبير عن جابر أن النبي ﷺ لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم بمجنة وعكاظ يبلغ رسالة ربه الحديث أخرجه أحمد وغيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>صانع السيوف</span>\nترجم في الاصابة خبّاب بن الأرت فذكر أنه كان يعمل السيوف في الجاهلية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>باب ذكر من كان يبري النبل</span>\nفي تلبيس إبليس لابن الجوزي: أن سعد بن أبي وقاص كان يبري النبل اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>في الحفار للقبور</span>\nفي سيرة ابن إسحاق في قصة الحفر لقبر رسول الله ﷺ أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح لحفر مكة وأبا طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة فكان يلحد.\nوفي صيد الخواطر لابن الجوزي: كان أبو عبيدة بن الجراح وأبو طلحة يحفران\n_________\n(١) انظر كتاب الحج ص ١٩٧/ ٢.","vol":"2","page":106},{"text":"القبور. وترجم في الاصابة لأبي سعيد المقبري واسمه كيسان فقال له: أدرك وكان على عهد عمر فجعله على حفر القبور بالمدينة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>اتفاق القوم على من يمثلهم في محفل رسمي أو مأتم ديني</span>\nترجم الموفق بن قدامة في الاستبصار لأوس بن خولي الانصاري فقال: لما قبض رسول الله ﷺ، وأرادوا غسله حضرت الأنصار فنادت على الباب: الله الله فإنا أخواله فليحضره بعضنا، فقيل لهم: اجتمعوا على رجل منكم، فاجتمعوا على أوس بن خولي فحضر على غسل رسول الله ﷺ ودفنه مع أهل بيته اهـ وقصته هذه في ترجمة أوس من طبقات ابن سعد أيضا انظر ص ٦١ من ج ٣.\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>باب أخذ ستر المرأة في نعشها وهي ميتة عن الحبشة ومن حبّذ ذلك</span>\nخرج ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس قال: فاطمة أول من جعل لها النعش عملته لها أسماء بنت عميس، وكانت قد رأته يصنع بأرض الحبشة. وقال الوزير الأكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال الغافقي في كتابه «ظل الغمامة» في حق فاطمة الزهراء وموتها. استشعرت من وفاتها اليقين بما أنبأها به خاتم النبيئين، فانتظرت الوقت والحين، وأشفقت لمرأة توضع في نعشها وضع الرجال، فتصف الأكفان ما استترت به ربّات الحجال، وأخجلها ذلك لفرط الحياء أبرح الأخجال، وتشكت إلى أسماء بنت عميس ما تجده لذلك من عوارض الأوجال، فنفست عنها شغل البال، بما رأته في الحبشة من حسن التأني، برفع ما يهجس في البال ووضع ما ألهم الله به من محكم الأشكال، فدعت بجرائد رطبة، فعطفتها عطف قسي الضال وألبستها الثياب سابغة الأذيال، فصار خدرا للظعينة وحجابا للحرة الستيرة، فرضيت ﵂ عن تلك الحالة الحسنى والسيرة. فكانت أول من خصه الله بتلك الكرامة، وأول من زف بتلك الصيانة إلى دار المقامة، وما عند الله لها من الحجة البالغة، والنعمة السابغة أتقى وأنقى يوم القيامة، فعند ذلك طابت نفسها العلية عن المنية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>المرأة الكبيرة السن تلازم القبر</span>\nترجم في الاصابة لرقية مولاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: عمرت حتى جعلها الحسين بن علي مقيمة عند قبر سيدتها فاطمة، لأنه لم يكن بقي من يعرف القبر غيرها.\nقاله عمر بن شبة في أخبار المدينة.\nعجيبة: في ترجمة شبث بن ربعي التميمي أحد الراوين عن عثمان وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وطبقتهم من طبقات ابن سعد، أخبرنا الفضل ابن دكين حدثنا حفص بن غياث قال: سمعت الأعمش قال شهدت جنازة شبث فأقاموا العبيد على حدة والجواري على حدة، والخيل على حدة، والبخت على حدة، والنوق على حدة، وذكر الأصناف قال: ورأيتهم ينوحون عليه يلتدمون انظر ص ١٥٠ من ج ٦.","vol":"2","page":107},{"text":"غريبة: ترجم ابن سعد في الطبقات، في ذكر التابعين من أهل المدينة، الحارث بن عبد الله أبي ربيعة، والي البصرة لعبد الله بن الزبير أيام خلافته فقال: كان خطيبا عفيفا، وكان فيه سواد لأن أمه كانت حبشية نصرانية فماتت، فشهدها الحرث بن عبد الله وشهدها معه الناس، فكانوا ناحية وجاء أهل دينها بولدها وشهدها منهم جماعة كثيرة، وكانوا على حدة وترجم في الاصابة لحجار بن أبجر العجلي وقال: له ادراك فقال: ذكر المرزباني في الشعراء أن أبجر والده مات على نصرانيته، في زمن علي.\nوروى الطبراني من طريق إسماعيل بن راشد قال مرت جنازة أبجر بن جابر على عبد الرحمن بن ملجم وحجار بن أبجر يمشي في جانب مع أناس من المسلمين، ومع الجنازة نصارى يشيعونها.\nقلت: يجب أن تكتب هذه القضية والتي قبلها بهامش فتوى للشيخ عليش في باب الجنائز من نوازله انظر ص ١٣٣ من الجزء الأول. والمحفوظ عن تراجم السلف في جنائزهم؛ كالإمام أحمد بن حنبل أن الناس كانوا يحضرون جنائزهم، على اختلاف المذاهب والأديان.","vol":"2","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>القسم العاشر من كتاب الخزاعي ويتضمن أربعة أبواب </span>«١»\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>الباب الثالث في ما جاء في أرزاق الخلفاء والأمراء والعمال وفيه خمسة فصول</span>\n_________\n(١) رأيت ضرورة تضمين الباب الثالث والرابع منه في هذا المكان لأهميته ولكونه لم يكن في النسخة التونسية التي اعتمدها المؤلف ﵀ أما الباب الأول فبحث لغوي حول معنى الحرفة والصناعة والعمالة وما في معناها. والباب الثاني في النهي عن استعمال غير المسلمين والاستعانة بهم فلم أر ضرورة إضافتهما هاهنا والكتاب مطبوع فليرجع إليه من شاء في الصفحات ٧٧٥- ٧٨٢- مصححه.","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>الفصل الأول في أن لكلّ من شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على شغله ذلك</span>\nروى البخاري (٩: ٨٤- ٨٥) «١» رحمه الله تعالى عن عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقلت: بلى. فقال عمر: فما تريد إلى ذلك؟ فقلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه منّي، حتى أعطاني مرّة ثانية فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي ﷺ: خذه فتموّله وتصدق به. فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك. انتهى.\nقال ابن بطال، قال الطبري: في هذا الحديث الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك، وذلك كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم، لإعطاء رسول الله ﷺ عمر العمالة على عمله الذي استعمله عليه. فكذلك سبيل كلّ مشغول بشيء من أعمالهم له من الرزق على قدر استحقاقه عليه سبيل عمر رضي الله تعالى عنه في ذلك. انتهى.\nوفي «التهذيب»: ولا بأس بإرزاق القضاة والعمال إذا عملوا على حق، وكل عامل للمسلمين على حقّ، وما بعث فيه الإمام من أمور المسلمين فالرزق فيه من بيت المال، وأكره لقسّام القاضي والمغنم أن يأخذوا على أنفسهم أجرا، لأنه إنما يعرض لهم من أموال اليتامى وسائر الناس، كما أكره ارتزاق صاحب السوق من أموال الناس، فإن كانت أرزاق القسّام من بيت المال جاز. انتهى.\nقلت: والإستعمال: تولية العمل أيضا كالتعميل.\nفائدة ١- قوله ﷺ: «فرزقناه رزقا» الرزق هنا: ما يعطاه العامل من أجرة على عمله، وهو العمالة أيضا. قال الفارابي في «ديوان الأدب» (١: ٤٥٠) العمالة: رزق العامل بضم العين.\n_________\n(١) الحديث في كتاب الأحكام باب ١٧ ج ٨/ ١١١.","vol":"2","page":111},{"text":"فائدة ٢- قوله في حديث عمر الذي خرّجه البخاري: «غير مشرف ولا سائل» ترجم البخاري لهذا الحديث: باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس، وقال القاضي في «المشارق» من أخذه بإشراف نفس، قال الحربي: بطلب لذلك وارتفاع له وتعرّض إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>الفصل الثاني في أن ما يأخذه العامل زيادة على ما يرزقه الإمام فهو غلول</span>\nروى أبو داود رحمه الله تعالى عن رسول الله ﷺ قال: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>الفصل الثالث كيف كان رسول الله ﷺ يفعل في نفقته ونفقة أهله</span>\nقال البخاري (٤: ٤٩) رحمه الله تعالى: ويذكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ: جعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري.\n[من كتاب الجهاد والسير ج ٣ ص ٢٣٠ عن ابن عمر] .\nوروى البخاري رحمه الله تعالى عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبيّ ﷺ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ﷿. ج ٣ ص ٢٢٨.\nوخرجه البخاري رحمه الله تعالى مختصرا عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم. ج ٦ ص ١٩٠.\nوقال القاضي عياض في «الإكمال»، قال الطبري: كان مما أفاء الله على رسوله طعمة من الله له ﷺ على أن يأكل منه وأهله ما احتاجوا، ويصرف ما فضل عن ذلك في تقوية المسلمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>الفصل الرابع في أرزاق الخلفاء بعده ﷺ ورضي عنهم</span>\n١- أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه:\nاختلف في ذلك: فذكر أبو الفرج ابن الجوزي في «صفوة الصفوة» (١: ٩٧) عن عطاء بن السائب قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق، وعلى رقبته أثواب يتّجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنهم فقالا: أنّي تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قالا: أتصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم\n_________\n(١) انظر ج ٣ ص ٣٥٣ من كتاب الخراج والإمارة والفيء باب: ٩.","vol":"2","page":112},{"text":"عيالي؟ قالا: انطلق حتى نفرض لك شيئا، فانطلق معهما، ففرضا له كلّ يوم شطر شاة وماكسوه في الرأس والبطن.\nوذكر عن حميد بن هلال قال: لما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله ﷺ: افرضوا لخليفة رسول الله ﷺ ما يغنيه، قالوا: نعم، بردان إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف، قال أبو بكر: رضيت.\nوذكر ابن هشام في «البهجة» وابن الأثير في «تاريخه» (٢: ٤٢٤): أن الذي فرض له رضي الله تعالى عنه ستة آلاف درهم في السنة، قال ابن هشام: ولما حضرته الوفاة قال: ردّوا ما عندنا من مال المسلمين، فدفع إلى عمر بن الخطاب لقوح وعبد وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم، فقال عمر رضي الله تعالى عنهما: لقد أتعبت من بعدك، وقال ابن الأثير: (٢: ٢٤٢) ولما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له ويصرف ثمنها عوض ما أخذه من مال المسلمين.\n٢- عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:\nذكر ابن الأثير في «تاريخه» أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال للمسلمين:\nإني كنت امرآ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون أنه يحلّ لي في هذا المال؟ وعلي رضي الله تعالى عنه ساكت، فأكثر القوم، فقال: ما تقول يا علي؟ قال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف ليس لك غيره، فقال القوم: القول ما قاله علي، فأخذ قوته.\n٣- معاوية بن أبي سفيان:\nذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الإستيعاب» (١٤١٦) عن سليمان بن موسى عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رزق معاوية على عمله بالشام عشرة آلاف دينار في كلّ سنة.\nوذكر أيضا في الكتاب المذكور، عن صالح بن الوجيه قال: في سنة تسع عشرة كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى يزيد بن أبي سفيان يأمره بغزو قيسارية، فغزاها وبها بطارقة الروم فحاصرهم أياما، وكان بها معاوية أخوه فتخلّفه عليها، وسار يزيد يريد دمشق، فأقام معاوية على قيسارية حتى فتحها في شوال سنة تسع عشرة، وتوفي يزيد في ذي الحجة من ذلك العام في دمشق، واستخلف أخاه معاوية على ما كان يزيد يلي من عمل الشام، ورزقه ألف دينار في كل شهر، كذا قال صالح بن الوجيه. انتهى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>الفصل الخامس في الأموال التي يرزق منها ولاة الناس</span>\nروى أبو داود (٢: ١٢٣) رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ: كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه فأعطى الآهل «١» حظين، وأعطى العزب\n_________\n(١) الآهل: من كان له عيال.","vol":"2","page":113},{"text":"حظا، فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين وكان لي أهل، ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا «١» . قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في «المشارق» (٢: ١٦٥): فيء المسلمين: ما أفاء الله عليهم، أي رد عليهم من مال عدوهم.\nوفي «الجواهر» لابن شاس: الفيء هو كل ما فاء للمسلمين من الكفار من خمس وجزية أهل العقدة وأهل الصلح، وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون من هدنة، وما يؤخذ من تجار الحربيين وتجار أهل الذمة، وخمس الركاز، وخمس الغنائم.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب الأموال» (٢٤): وهو الذي يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم، فيكون في أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من أمور [الناس] بحسن النظر للإسلام [وأهله] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>الباب الرابع في ذكر أسماء التواليف المخرج منها ما تضمنه هذا الكتاب</span>\nوهي مائة ونيف وستون تأليفا:\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>فمن ذلك من كتب تفسير كتاب الله العزيز، شرفه الله تعالى:</span>\n١- تفسير أبي محمد عبد الحق بن عطية الأشبيلي.\n٢- وتفسير فخر الدين محمد بن عمر الرازي بن الخطيب.\n٣- وتفسير منذر بن سعيد البلّوطي.\n٤- وتفسير أبي إسحاق أحمد بن محمد الثّعلبي.\n٥- وتفسير أبي القاسم محمود بن عمر الزّمخشري.\n٦- وكتاب معاني القرآن لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء رحمه الله تعالى.\nومن كتب أحكام القرآن شرفه الله تعالى:\n٧- أحكام أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>ومن كتب الحديث:</span>\n٨- موطأ الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس.\n٩- وصحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.\n١٠- وصحيح أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.\n١١- وسنن أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة التّرمذي.\n١٢- وكتاب شمائل النبي ﷺ للترمذي أيضا.\n١٣- وسنن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني.\n١٤- وسنن أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النّسائي.\n_________\n(١) انظر كتاب الخراج والإمارة والفيء ج ٣ ورقمه: ٢٩٥٣.","vol":"2","page":114},{"text":"١٥- وسنن أبي عبد الله محمد بن مسلم بن شهاب الزّهري، صنعة محمد بن يحيى بن فارس الذّهلي.\n١٦- ومسند أبي داود سليمان بن داود الطّيالسي.\n١٧- ومختصر أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد من كتاب أبي جعفر الطحاوي.\n١٨- وكتاب الأحكام الصغرى لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي.\n١٩- وأخلاق النبي ﷺ لأبي محمد عبد الله بن حيان الأصبهاني.\n٢٠- ومسند محمد بن مخلد بن حفص العطار الدوري.\n٢١- وكتاب الشهاب للقاضي محمد بن سلامة القضاعي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>ومن كتب الأغربة:</span>\n٢٢- غريب القرآن شرفه الله تعالى لأبي بكر محمد بن عزيز السّجستاني.\n٢٣- والغريبان لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي.\n٢٤- والمشرع الروي في منزع كتاب الهروي لمحمد بن علي المعروف بابن عسكر المالقي.\n٢٥- وكتاب الدلائل لأبي محمد قاسم بن ثابت بن عبد العزيز السرقسطي.\n٢٦- وغريب الحديث للخطابي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>ومن كتب شرح الحديث:</span>\n٢٧- المنتقى لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي على الموطأ.\n٢٨- والتمهيد لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر على الموطأ.\n٢٩- والاستذكار لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر على الموطأ.\n٣٠- وكتاب أبي الحسن علي بن بطّال على البخاري.\n٣١- وأعلام الحديث لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي على البخاري أيضا.\n٣٢- ومعالم السنن له أيضا على كتاب أبي داود.\n٣٣- والمعلم لأبي عبد الله محمد بن علي المازري على مسلم.\n٣٤- والإكمال للقاضي عياض بن موسى بن عياض عليه أيضا.\n٣٥- ومشارق الأنوار على الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم له أيضا.\n٣٦- وعارضة الأحوذي على كتاب الترمذي لأبي بكر ابن العربي.\n٣٧- وشرح العمدة لمحمد بن علي بن وهب بن مطيع، شهر بابن دقيق العيد.\n٣٨- وكشف مشكل الصحيحين لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي.\n٣٩- وعلل الحديث لأبي الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني.\n٤٠- وتفسير ما استعجم من غوامض الأسماء في الأحاديث لأبي القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الأنصاري القرطبي.","vol":"2","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>ومن كتب ضبط الأسماء</span>\n: ٤١- الاشتقاق لأبي بكر محمد بن أبان بن سيد. [وفيه اختصر كتاب ابن دريد وقطرب وابن النحاس وابن قتيبة في الأدب] .\n٤٢- وجامع كتب الاشتقاق، لا أعلم من ألفه.\n٤٣- والمؤتلف والمختلف للحافظ عبد الغني بن سعيد بن علي بن مروان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>ومن كتب الأنساب:</span>\n٤٤- جماهر أبي عبيد القاسم بن سلّام.\n٤٥- وجماهر أبي محمد بن أحمد بن حزم. [وهو مطبوع باسم جمهرة أنساب العرب] .\n٤٦- واقتباس الأنوار لأبي محمد عبد الله بن علي بن عبيد الله الرّشاطي.\n٤٧- والموالي والعرب لعمرو بن بحر الجاحظ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>ومن كتب الفقه:</span>\n٤٨- التهذيب لأبي سعيد خلف بن أبي القاسم الأزدي البراذعي.\n٤٩- وكتاب أبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس.\n٥٠- والتبصرة لأبي الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللّخمي.\n٥١- وكتاب التنبيهات للقاضي أبي الفضل عياض.\n٥٢- والبيان والتحصيل للقاضي أبي الوليد ابن رشد.\n٥٣- وكتاب المقدمات له.\n٥٤- والكافي لأبي عمر ابن عبد البر.\n٥٥- والجواهر لعبد الله بن محمد بن شاس.\n٥٦- والشهاب الثاقب في شرح كتاب ابن الحاجب لأبي عبد الله محمد بن عبد الله راشد.\n٥٧- وشرح الكتاب المذكور للقاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام التونسي.\n٥٨- وشرح الرسالة لموسى بن علي الزناتي.\n٥٩- والتبصرة للتّلمساني في شرح كتاب ابن الحاجب.\n٦٠- والأموال لأبي القاسم بن سلام.\n٦١- والأموال لأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي.\n٦٢- وأقضية النبي ﷺ، لمحمد بن فرج الطّلاع.\n٦٣- والفرائض لأبي القاسم محمد بن خلف الحوفي.\n٦٤- وكتاب الإشراف لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر.\n٦٥- والأحكام السلطانية لأبي الحسن بن محمد حبيب الماوردي.\n٦٦- والمحلّى لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم.","vol":"2","page":116},{"text":"٦٧- وحجة الوداع له.\n٦٨- وجوامع السيرة له.\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>ومن كتب أصول الفقه:</span>\n٦٩- تنقيح الفصول في علم الأصول لشهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي.\nومن كتب الأوزان والأكيال الشرعية:\n٧٠- جواب أبي محمد ابن عطية على سؤال في ذلك.\n٧١- وإثبات ما ليس منه بدّ لأبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد العزفي.\n٧٢- ومقالة لأبي يحيى أبي بكر بن خلف بن المواق.\n٧٣- ومقالة لأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان.\n٧٤- ومقالة لولده حسن بن علي بن محمد.\n٧٥- ومقالة لأبي العباس أحمد بن عثمان بن البنّاء الأزديّ المراكشي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>ومن كتب التصوف والوعظ:</span>\n٧٦- كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى.\n٧٧- وسراج المريدين لأبي بكر ابن العربي.\n٧٨- والمدهش لأبي الفرح الجوزي.\n٧٩- ورسالة القشيري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>ومن كتب السير والتواريخ:</span>\n٨٠- السير لأبي عبد الله محمد بن إسحاق.\n٨١- وشرحه لأبي القاسم عبد الرحمن بن أبي الحسن السّهيلي المسمّى بالروض الأنف.\n٨٢- وغريبه لأبي ذرّ محمد بن مسعود الخشني.\n٨٣- وخلاصة السير لأحمد بن عبد الله الشريف الطبري.\n٨٤- ومختصر السير لعز الدين بن عبد العزيز بن جماعة.\n٨٥- والدرّ المنظم في مولد النبي المعظم لأبي العباس العزفي.\n٨٦- والاكتفاء لأبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي.\n٨٧- والاستيعاب في ذكر أسماء الأصحاب لأبي عمر ابن عبد البر.\n٨٨- وذيل الاستيعاب لأبي بكر محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون.\n٨٩- والتاريخ الكبير للبخاري.\n٩٠- وكتاب الصفوة لأبي الفرج الجوزي.\n٩١- وطبقات الفقهاء لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشّيرازي.\n٩٢- والكامل لأبي الحسن علي بن محمد بن الأثير.\n٩٣- وأنباء الأنبياء وتواريخ الخلفاء للقاضي محمد بن سلامة القضاعي.","vol":"2","page":117},{"text":"٩٤- والعمدة لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن موسى التلمساني.\n٩٥- وبهجة النفس لهشام بن عبد الله بن هشام الأزديّ.\n٩٦- وبلغة الظرفاء في تاريخ الخلفاء لأبي الحسن علي بن محمد بن أبي السرور.\n٩٧- وتاريخ بغداد لأبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب.\n٩٨- وكتاب معرفة مصر ومن دخلها من أصحاب رسول الله ﷺ تأليف أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي.\n٩٩- وطبقات الفلاسفة لسليمان بن جلجل.\n١٠٠- وطبقات الفلاسفة لصاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسيّ.\n١٠١- ونفحة الحدائق والخمائل، لا أعلم مؤلفه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>ومن كتب اللغة:</span>\n١٠٢- الصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري.\n١٠٣- والمحكم لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده.\n١٠٤- والمخصص له.\n١٠٥- وديوان الأدب لأبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي.\n١٠٦- وجامع اللغات لأبي عبد الله محمد بن جعفر التميمي القزّاز.\n١٠٧- ومختصر العين لأبي بكر محمد بن الحسن الزّبيدي.\n١٠٨- والغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام.\n١٠٩- وإصلاح المنطق لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت.\n١١٠- وأدب الكتاب لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة.\n١١١- والاقتضاب في شرح أدب الكتاب لأبي محمد عبد الله بن السيد.\n١١٢- وفقه اللغة لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثّعالبي.\n١١٣- والتأنيث والتذكير لأبي زكريا يحيى بن زكرياء الفراء.\n١١٤- والفصيح لأبي العباس أحمد بن يحيى «ثعلب» .\n١١٥- واليواقيت لأبي عمر محمد بن عبد الواحد المطرز.\n١١٦- وخلق الإنسان لعبد الملك بن قريب الأصمعي.\n١١٧- ونوادر ابن الأعرابي.\n١١٨- وخلق الأنساب لقطرب محمد بن المستنير.\n١١٩- ولحن العامة لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني.\n١٢٠- ولحن العامة لأبي بكر الزّبيدي.\n١٢١- والمقصور والممدود لأبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي.\n١٢٢- والمقصور والممدود لأبي بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز ابن القوطية.","vol":"2","page":118},{"text":"١٢٣- وكتاب الأفعال لابن القوطية المذكور.\n١٢٤- والأفعال لأبي مروان عبد الملك بن طريف.\n١٢٥- والأفعال لأبي عثمان سعيد بن محمد السرقسطي المعروف بالحمار.\n١٢٦- ومختصر زاهر ابن الأنباري، صنعة أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجّاجي.\n١٢٧- وكتاب الزينة لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي في منزع كتاب الزاهر.\n١٢٨- والمنتظم لأبي الحسن علي بن الحسن المعروف بالكراع.\n١٢٩- ومعجم ما استعجم لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري.\n١٣٠- والمستوعب لأسماء خيل العرب لأبي عبيد البكري أيضا.\n١٣١- ومجمل اللغة لابن فارس.\n١٣٢- والفرق بين الحروف الخمس المشتبهة لأبي محمد ابن السيد.\n١٣٣- وكتاب المثلث له أيضا.\n١٣٤- وكتاب الجمل المعقبة لأبي عبد الله محمد بن عيسى بن المناصف.\n١٣٥- وكفاية المتحفظ لإبراهيم بن إسماعيل الطرابلسي عرف بابن الأجدابي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>ومن كتب العربية:</span>\n١٣٦- المفصل للزمخشري.\n١٣٧- والتسهيل لأبي عبد الله محمد بن مالك.\n١٣٨- وشرحه لأبي عبد الله محمد بن علي بن هانىء اللخمي.\n١٣٩- والبسيط في شرح كتاب الجمل لأبي الحسن بن أبي الربيع.\n١٤٠- وشرح الجزولية للأبذي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>ومن كتب الأدب:</span>\n١٤١- الكامل لأبي العباس محمد بن يزيد المبرّد.\n١٤٢- والبيان والتبيين للجاحظ.\n١٤٣- والمراتب والأخطار له.\n١٤٤- والعقد الفريد لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه.\n١٤٥- وعيون الأخبار لابن قتيبة.\n١٤٦- والمعارف له.\n١٤٧- وكتاب زهر الآداب للحصري.\n١٤٨- وكتاب الوشاح لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد.\n١٤٩- وبهجة المجالس لأبي عمر ابن عبد البر.\n١٥٠- والكتاب المنسوب للمظفر أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس صاحب بطليوس.","vol":"2","page":119},{"text":"١٥١- وحلية المحاضرة للحاتمي.\n١٥٢- والخريدة لأبي حامد محمد بن محمد العماد الأصبهاني.\n١٥٣- وصناعة الكتابة لأبي جعفر أحمد بن محمد بن النّحّاس.\n١٥٤- وصناعة الكتابة لابن قتيبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>ومن كتب الأشعار:</span>\n١٥٥- شعر حاتم الطائي شرح ابن السكيت.\n١٥٦- وشعر الأعشى ميمون بن جندل.\n١٥٧- والحماسة لحبيب بن أوس الطائي، ترتيب الأعلم.\n١٥٨- والحماسة ليوسف بن إبراهيم البيّاسي.\n١٥٩- والورقة في أشعار الخلفاء لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي.\n١٦٠- وأشعار الستة ليوسف بن سليمان الأعلم.\n١٦١- وكتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه، لأبي علي حسن بن رشيق القيرواني.\n١٦٢- وشرح ابن السيد لسقط الزند من شعر المعري.\n١٦٣- ترتيب الأعمال السلطانية في الدول الأندلسية لأبي الحسن علي بن خيرة السموري الميورقي.\n١٦٤- والتحفة الفارسية في الآلات الفارسية، التي ألفت في سنة أربع وخمسين وسبعمائة.\n١٦٥- وتفسير الألفاظ الطبية لابن الحشا.\n١٦٦- وكتاب الكفاية والغناء في أحكام الغناء تأليف محمد بن عمر بن محمد السبتي المعروف بالدرّاج.\nكمل والحمد لله حمدا كثيرا. أكملته ولله الحمد والمنة والشكر على ما أولى، وأستزيده من فضله وكرمه كل خير من الدنيا والآخرة، فهو الجواد الذي لا يبخل، والغني الذي لا يفتقر، والمعطي الذي لا ينقضي عطاؤه، والمنعم الذي ينعم بغير حساب، جلّ وتعالى، وبه الاستعانة، وأستجير به في خطوب الدنيا والآخرة، وأستودعه نفسي وعقلي وديني ونعمته لديّ ورحمته بي ولطفه بي، إنه لا تجب [كذا] ودائعه. والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، وأسأله متوسلا بهذا الرسول الكريم عليه أن يصلي عليه في كل وقت ويسلم عليه وعلى آله وأصحابه، وأن يهب لنا العفو والرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nوكان الفراغ من نسخه في أواخر ربيع الثاني من عام ستة وسبعين وثماني ماية رزقنا الله خيره وخير ما بعده، لا ربّ غيره ولا معبود سواه «١» .\n_________\n(١) هذه الخاتمة وردت في آخر النسخة م. من كتاب تخرإيج الدلالات السمعية للخزاعي ص ٧٨٩.","vol":"2","page":120},{"text":"المستدرك على كتاب الخزاعي ﵀ «١» (في تشخيص الحالة العلمية على عهده ﵇)\n(وما كان عليه أصحابه في ذلك الزمان من السبق لكل فضيلة وسعة) (المدارك والأخلاق وجميل العوائد والأزياء ويتركب هذا القسم من مقصدين)\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>(المقصد الأول) في تشخيص الحالة العلمية على عهده ﵇</span>\nتعلما وتعليما وكتابة وأدواتها ونحو ذلك.\n(المقصد الثاني) في تشخيص الحالة الإجتماعية، من حيث ما حازه أصحاب النبي ﷺ، من السبقيات في أنواع النبوغ وسعة المدارك والكيفيات وغير ذلك وتحت كل مقصد أبواب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>الباب الأول من المقصد الأول</span>\nفي ذكر أن أوسع دائرة للمعارف تناولها البشر هي القرآن الكريم الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] ذلك الديوان العظيم، أول من قرأ في مدرسته وتربى بهديه واتخذه هجّيرا واهتدى بتربيته الصحابة الكرام، وكيف يرى أهل الإسلام استخراج جمع العلوم منه. عقد الحافظ السيوطي في كتاب الإتقان فصلا شائقا لهذا المعنى، وهو وإن كان مسهبا. ولكن نأت به لفرائده، قال ﵀:\nالنوع الحادي والستون في العلوم المستنبطة من القرآن. قال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] وقال ﷺ: ستكون فتن. قيل: وما المخرج منها؟\nقال: كتاب الله، فيه نبأ ما بعدكم، وخبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، أخرجه الترمذي وغيره. [كتاب فضائل القرآن باب ١٤ ص ١٧٢/ ٥] .\nوأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين. قال البيهقي: يعني أصول العلم.\n_________\n(١) نظرا لأن المؤلف لم ير القسم العاشر من كتاب الخزاعي لنقص النسخة التي اعتمد عليها، لذلك أضاف هذا القسم استدراكا لذلك النقص- مصححه.","vol":"2","page":121},{"text":"وأخرج البيهقي عن الحسن قال: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان وقال الإمام الشافعي ﵁: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة وجميع ما تقوله السنة شرح للقرآن، وقال أيضا: جميع ما حكم به النبي ﷺ فهو مما فهمه من القرآن.\nويؤيد هذا قوله ﷺ: إني لا أحل إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في الأم. وقال الشافعي أيضا: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، وقليل من الأحكام ما تثبت بالسنة ابتداء.\nقلت: ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة، لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول. وفرض علينا الأخذ بقوله.\nوقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عماشئتم أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر. وحدثنا سفيان عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أنه أمر بقتل المحرم الزنبور.\nوأخرج البخاري عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن، المغيّرات لخلق الله تعالى. فبلغ ذلك لامرأة من بني أسد فقالت له: بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت. فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ، وهو في كتاب الله.\nفقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول! قال لئن كنت قرأته، لقد وجدته، أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] قالت:\nبلى فقال: إنه نهى عنه.\nوحكى ابن سراقه في كتاب الإعجاز عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال يوما: ما من شيء في العالم إلا وهو في كتاب الله. فقيل له: فإن ذكر الخانات فيه؟ فقال في قوله:\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ [النور: ٢٩] فهي الخانات.\nوقال بعضهم ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه الله تعالى، حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي ﷺ ثلاثا وستين سنة، من قوله: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها [المنافقين: ١١] فإنّها رأس ثلاث وستين سورة. وعقبها التغابن ليظهر التغابن في فقده.\nوقال ابن أبي الفضل المرسي في تفسيره: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم بها حقيقة، ثم رسول الله ﷺ، خلا ما أستاثر به","vol":"2","page":122},{"text":"سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم؛ مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون، من علوم وسائر فنونه، فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه، وعددها وعد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته والتعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك، من حصر كلمات متشابهة، وآيات متماثلة من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه فسمّوا القراء، واعتنى النحاة بالمعرب منه من الأسماء والأفعال والحروف القابلة وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به حتى أن بعضهم أعرب مشكله وبعضهم كلمة كلمة.\nواعتنى المفسرون بألفاظه فوجدوا لفظا يدل على معنى واحد ولفظا يدل على معنيين، ولفظا على أكثر. فأجروا الأول حكمه وأوضحوا المعنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني، وأعمل المعنيين كل فكره، وقال ما اقتضاه نظره.\nواعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية، مثل قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، واستنبطوا منه أدلة على وحدانيته تعالى، ووجوده، وبقائه، وقدمه، وقدرته، وعلمه، وتنزيهه عما لا يليق به، وسمّوا هذا العلم بأصول الدين، فتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي الخصوص، ومنها ما يقتضي العموم، وتكلموا في التخصيص، والأخبار، والنص، والظاهر، والمجمل، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والنسخ إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والإستقراء. وسموا هذا الفن بأصول الفقه.\nوأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر، فيما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام؛ فأسسوا أصوله وفرّعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا، وسموه بعلم الفروع والفقه أيضا.\nوتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، والأمم الخالية ونقلوا أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم، حتى دوّنوا بدء الدنيا وأول الأشياء، وسموا ذلك بالتاريخ والقصص.\nوتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تغلغل قلوب الرجال، وتكاد تدك الجبال فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت والنشر، والمعاد والمحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار، فصولا من المواعظ، وأصولا من الزواجر، فسمّوا بذلك الخطباء والوعاظ.","vol":"2","page":123},{"text":"واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسموه تعبير الرؤيا واستنبطوا تعبير كل رؤيا من الكتاب، وإن عزّ عليهم إخراجها منه فمن السنة، وهي شارحة للكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال، ثم نظروا إلى اصطلاح الحكم والعوام في مخاطباتهم، وعرّف عادتهم، الذي أشار إليه القرآن بقوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ.\nوأخذ قوم لما في آيات المواريث، من ذكر السهام وأربابها، وغير ذلك وسمي علم الفرائض، واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث والربع والسدس والثمن حساب الفرائض، ومسائل العدل. واستخرجوا منه أحكام الوصايا.\nونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والبروج وعير ذلك، فاستخرجوا منه المواقيت.\nونظر الكتاب والشعراء، إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم وحسن السياق، والمبادي والمقاطع، والمخالص، والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك، واستنبطوا منه: المعاني والبيان والبديع.\nونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة؛ فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق وجعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها، مثل: الفناء والبقاء، والحضور والخوف، والهيبة، والإنس والوحشه، والقبض والبسط، وما أشبه ذلك.\nهذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل مثل الطب، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر والمقابلة، والنجامة، وغير ذلك.\nأما الطب فمداره علي حفظ الصحة، واستحكام القوة، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج، بتفاعل الكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة؛ وهي قوله: وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا [الفرقان: ٦٧] وعرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله، وحدوث الصفاء للبدن بعد اعتلاله، في قوله تعالى: شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: ٦٩] ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب، وشفاء الصدور.\nوأما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر ملكوت السماوات والأرض، وما بث في العالم العلوي والسفلي، من البراهين والمقدمات ونتائج المخلوقات.\nوأما الهندسة ففي قوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠] الآية.\nوأما الجدل فقد حوت آياتة من البراهن والمقدمات والنتائج، والقول بالموجب والمعارضة، وغير ذلك شيئا كثيرا. ومناظرة إبراهيم نمرود ومحاجته قومه أصل في ذلك عظيم.","vol":"2","page":124},{"text":"وأما الجبر والمقابلة فقد قيل: إن أوائل السور فيها عدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سابقة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقى مضروب بعضها في بعض.\nوأما النجامة ففي قوله: أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: ٤] وقد فسره ابن عباس بذلك.\nوفيه أصول الصنائع التي تدعو الضرورة إليها كالخياطة في قوله: وَطَفِقا يَخْصِفانِ [الأعراف: ٢٢] والحدادة آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:\n١٠] الآية والبناء في آيات والنجارة وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود: ٣٧] والغزل نَقَضَتْ غَزْلَها [النحل: ٩٢] والنسج كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا العنكبوت: ٤١] والفلاحة أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ\n[الواقعة: ٦٣] الآية والصيد في آيات والغوص كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [فاطر: ١٢] والصياغة وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا [الأعراف: ١٤٨] والزجاجةرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ\n[النمل: ٤٤] الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ [النور: ٣٥] والفخارة فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ [القصص: ٣٨] والملاحة أما السفينة الآية والكتاب علّم بالقلم والخبز أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا [يوسف: ٣٦] والطبخ بعجل حنيذ والغسل والقصارة وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: ٤] قال الحواريون وهم القصارون [والجزارة] إلا ما ذكيتم [والبيع والشراء] في آيات [والصبغ] صِبْغَةَ اللَّهِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ [والحجارة] وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا [الأعراف: ٧٤] [والكيالة والوزن] في آيات [والرمي] وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] وفيه من أسماء الأثاث وضروب المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وجميع ما وقع أو يقع في الكائنات، ما يحقق معنى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] اهـ. كلام المرسي ملخصا.\nوقال ابن سراقة: من بعض وجوه اعجاز القرآن، ما ذكره الله فيه من أعداد الحساب، والجمع والقسمة والضرب، والموافقة والتأليف والمناسبة، والتنصيف والمضاعفة، ليعلم بذلك أهل العلم بالحساب، أنه ﷺ صادق، وأن القرآن ليس من عنده، إذ لم يكن ممن خالط الفلاسفة، وأهل الهندسة ولا تلقى الحساب.\nوقال الراغب: إن الله لما جعل نبوة النبيين بنبينا ﵇ مختتمة، وشرائعهم منتسخة بشريعته من وجه، ومن وجه مكملة متممة؛ جعل كتابه المنزل عليه متضمنا لثمرة كتبه التي أولاها أولئك. كما نبه بقوله: يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: ٤] وجعل من معجزات هذا الكتاب، أنه مع قلة الحجم يتضمن المعنى الجم، بحيت تقصر الألباب والبشرية عن احصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه بقوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧] فهو وإن كان لا يخلو الناظر فيه من نور ما يريه ونفح ما يوليه:","vol":"2","page":125},{"text":"كالنور من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا باقيا «١»\nكالشمس في كبد السماء وضوؤها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا\nوأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن بن زياد بن انعم قال: قيل لموسى ﵇: يا موسى إنما مثل كتاب أحمد في الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن، كلما مخضته أخرجت زبدته.\nوقال القاضي أبو بكر بن العربي، في قانون التاويل في علوم القرآن:\nخمسون علما وأربعمائة علم وسبعة آلاف وسبعون ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحدّ ومطلع. وهذا مطلق دون اعتبار تركيبه، وما ينهي من روابط وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله.\nقال وأما علوم القرآن ثلاثة: توحيد، وتذكير، وأحكام. فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتذكير منه: الوعد، والوعيد، والجنة، والنار، وتصفية الظاهر، والباطن، والأحكام منها: التكاليف كلها، والمنافع، والمضار، والأمر والنهي، والندب. ولذلك كانت الفاتحة أم القرآن. فيها الأقسام الثلاثة.\nوسورة الإخلاص ثلثه لإشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة، وهو التوحيد.\nوقال ابن جرير: القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء التوحيد والأخبار والديانات. ولهذا كانت سورة الإخلاص ثلثه؛ لأنها تشمل التوحيد كله.\nوقال علي بن عيسى: القرآن يشتمل على ثلاثين شيئا؛ الأعلام والتنبيه والأمر والنهي والوعيد، ووصف الجنة والنار، وتعليم الأقرار بسم الله وبصفاته وأفعاله، وتعليم الإعتراف بإنعامه، والإحتجاج على المخالفين، والرد على الملحدين، والبيان عن الرغبة والرهبة، والخير والشر، والحسن والقبيح، ونعت الحكمة وفضل المعرفة، ومدح الأبرار وذم الفجار، والتسليم والتحسر، والتوكيد والتفريع. والبيان عن ذم الإخلاق، وشرف الآداب، وعلى التحقيق أن تلك الثلاثة التي قالها ابن جرير. تشمل هذه كلها بل أضعافها فإن القرآن لا يدرك ولا تحصى عجائبه.\nوأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله على كل شيء، أما أنواع العلوم، فليس فيها باب ولا مسألة هي أصل إلّا وهي في القرآن الكريم، وفيه ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وتحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل، والملائكة، وعيون أخبار الأمم، كالأخبار بقصة آدم مع إبليس في إخراجه. من الجنة، ورفع إدريس وإغراق قوم نوح، وقصة عاد الأولى والثانية، وثمود، والناقة وقوم يونس، وقوم شعيب، والأولين والآخرين، وقوم لوط، وقوم تبع، وأصحاب الرس، وقصة إبراهيم في مجادلته قومه، ومناظرته نمروذ. ووضعه ابنه إسماعيل مع أمه\n_________\n(١) كذا في الأصل، وبما أن البيت الثاني قافيته بائية فالصواب أن يقال: ثاقبا.","vol":"2","page":126},{"text":"بمكة، ومنامه وقصة الذبيح، وقصة يوسف وما أبسطها «١»، وقصة موسى في ولادته، وإلقائه في اليم، وقتل القبطي ومسيره إلى مدين، وتزوجه بنت شعيب، وكلامه تعالى بجانب الطور، ومجيئه إلى فرعون، وخروجه وإغراق عدوه، وقصة العجل، والقوم الذين خرجوا معه وأخذتهم الصاعقة، وقصة القتيل وذبح البقرة، وقصته مع الخضر، وقصته مع الجبارين، وقصة القوم الذين ساروا في سرب من الأرض، وإلى الصين، وقصة طالوت وداود مع جالوت، وفتنته وقصة سليمان وخبره مع ملكة سبأ وفتنته، وقصة القوم الذين خرجوا فرارا من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم، وقصة ذي القرنين، ومسيره إلى مغرب الشمس ومطلعها، وبنائه السد. وقصة أيوب، وذا الكفل، والياس، وقصة مريم وولادتها عيسى، وإرساله ورفعه، وقصة زكرياء وابنه يحيى، وقصة أصحاب الكهف، وقصة أصحاب الرقيم، وقصة بختنصر، وقصة الرجلين اللذين لأحدهما الجنة، وقصة أصحاب الجنة، وقصة أصحاب مؤمن آل ياسين، وقصة أصحاب الفيل، وفيه من شأن النبي ﷺ دعوة إبراهيم به، وبشارة عيسى، وبعثه وهجرته، ومن غزواته سرية ابن الحضرمي في البقرة، وغزوة بدر في الأنفال، وأحد في آل عمران، وبدر الصغرى فيها، والخندق في الأحزاب، والحديبية في الفتح، والنضير في الحشر، وتبوك وحنين في براءة، وحجة الوداع في المائدة، ونكاحه زينب بنت جحش وتحريم سريته، وتظاهر أزواجه عليه وقصة الافك، وقصة الإسراء وانشقاق القمر، وسحر اليهود إياه. وفيه بدء خلق الإنسان إلى موته، وكيفية الموت وما يفعل بالروح بعد، وصعودها إلى السماء وفتح الباب للمؤمنة، والغاء الكافرة.\nوعذاب القبر والسؤال فيه، ومقر الأرواح، واشراط الساعة الكبرى، وهي نزول عيسى وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج، والدابة والدخان، ورفع القرآن والخسف، وطلوع الشمس من مغربها، وغلق باب التوبة. وأحوال البعث من النفخات الثلاث، نفخة الفزع ونفخة الصعق، ونفخة القيام والحشر والنشر، وأهوال الموقف، وشدة حر الشمس وظل العرش والميزان والخوض والصراط والحساب لقوم، ونجاة آخرين وشهادة الأعضاء وإتيان الكتب بالإيمان وبالشمائل وخلف الظهر، والشفاعة والمقام المحمود، والجنة وأبوابها وما فيها؛ من الأنهار والأشجار، والثمار والحلي، والأواني والدرجات، ورؤيته تعالى والنار وأبوابها وما فيها، من الأودية وأنواع العقاب، وألوان العذاب. والزقوم والحميم، وفيه جميع أسمائه الحسنى كما ورد في حديث: ومن أسمائه مطلقا ألف اسم. ومن أسماء النبي ﷺ جملة، وفيه شعب الإيمان البضع والسبعون، وشرائع الإسلام والثلاثمائة والخمسة عشر، وفيه أنواع الكبائر، وكثير من الصغائر. وفيه تصديق كل حديث ورد عن النبي ﷺ إلى غير ذلك. مما يحتاج شرحه إلى مجلدات.\nوقد افرد الناس ما تضمنه القرآن من الأحكام كتبا كالقاضي إسماعيل، وأبي بكر بن\n_________\n(١) من البسط، أي ما أوسعها وليس من البساطة.","vol":"2","page":127},{"text":"العلاء، وأبي بكر الرازي، والكيا الهراسي، وأبي بكر بن العربي، وعبد المنعم بن الفرس، وابن خويز منداد، وأفرد آخرون كتبا فيما تضمنه من علم الباطن، وأفرد ابن برجان كتابا فيما تضمنه من معاضدة الأحاديث، وقد ألفت كتابا سميته الإكليل في استنباط التنزيل، ذكرت فيه كل ما استنبط منه من مسألة فقهية، أو أصلية أو اعتقادية، وبعضا مما سوى ذلك، كثير الفائدة، جمّ العائدة، فمن أراد الشرح لما أجملته في هذا الباب فليراجعه من أراد الوقوف عليه.\n(فصل) قال الغزالي وغيره: آيات الأحكام خمسمائة آية. وقال بعضهم: مائة وخمسون. قيل: ولعل مرادهم المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يستنبط منها كثير من الأحكام. قال عز الدين ابن عبد السلام في كتاب «الإمام في أدلة الأحكام»:\nمعظم آي القرآن لا تخلو عن أحكام مشتملة على آداب واخلاق جميلة حسنة، ثم في الآيات ما صرح فيها بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الإستنباط إما بلاضم لآية أخرى؛ كاستنباط صحة نكاح الكفار في قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وصحة صوم الجنب في وقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلى قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ [البقرة: ١٨٧] الآية وإما كاستنباط أقل الحمل ستة أشهر في قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: ١٤] قال ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر، وتارة بإخبار مثل قوله: أحل لكم، حرمت عليكم الميتة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وتارة لما رتب عليها في العاجل أو الآجل من خير أو شر، أو نفع أو ضر، وقد نوّع الشارع في ذلك أنواعا كثيرة ترغيبا إلى أذهانهم. فكان فعل عظّمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله لأجله، أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالإستقامة أو بالبركة أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله كالأقسام بالشفع والوتر، وبخيل المجاهدين وبالنفس اللوامة، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل، أو شكره له، أو لهدايته أياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله أو لنصرة فاعله، أو وعده بالأمر أو نصب سببا للولاية، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه أو بكونه قربة أو بصفة مدح كالحياة والنور والشفاء، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب.\nوكل فعل طلب الشارع تركه، وذمه أو ذم فاعله، أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه أو نفى محبة فاعله، أو الرضى به، أو عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم، أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى، أو من القبول، أو وصفه بسوء، أو كراهة، أو استعاذة الأنبياء منه، أو أبغضوه، أو جعل سببا لنفي الفلاح، أو لعذاب عاجل، أو آجل أو لوم أو ضلالة، أو معصية أو وصف لخبث، أو رجس أو نجس، أو بكونه فسقا، أو ضلالة أو سببا لإثم، أو رجس، أو لعن، أو غضب أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حد من الحدود، أو قسوة أو خزي، أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله، أو لمحاربته، أو لاستهزائه، أو سخريته أو جعله","vol":"2","page":128},{"text":"سببا لنسيان فاعله، أو وصفه نفسه بالصبر عليه، أو بالحلم أو بالصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث، أو احتقار أو نسبه إلى عمل الشيطان، أو تزيين الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم ككونه ظلما، أو عدوانا، أو بغيا أو إثما أو مرضا، أو تبرأ الأنبياء منه، أو من فاعله أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة، أو نهوا عن الأسف والحزن عليه، أو نصب سببا لخيبة فاعله، عاجلا أو آجلا، أو رتب عليه حرمان الجنة، وما فيها أو وصف فاعله بأنه عدو لله، أو أعلن فاعله بحرب من الله ورسوله، أو حمل فاعله إثم غيره، أو قيل فيه: لا ينبغي هذا أو لا تكون أو أمره بالتقوى عند السؤال عنه، أو أمر بفعل مضاد له أو هجر فاعله، أو لعن فاعلوه في الآخرة، أو تبرأ بعضهم من بعض، أو دعاء بعضهم على بعض، أو وصف فاعله بالضلالة أو أنه ليس من الله في شيء، أو ليس من الرسول وأصحابه، أو جعل إجتنابه سببا للفلاح، أو جعل سببا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين أو قيل: هل أنت منته؟ أو نهي الأنبياء عن الدعاء لفاعله، أو رتب عليه إبعاد أو طرد أو لفظة قتل من فاعله، أو قاتله الله أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله، ولا ينظر إليه ولا يزكيه يوم القيامة، ولا يصلح عمله ولا يهدي كيده، ولا يفلح أو قيض له الشيطان، أو جعل سببا لازاغة قلب فاعله، أو صرفه عن آيات الله، وسؤاله عن علة الفعل، فهو دليل على المنع من الفعل، ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة.\nوتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال، ونفي الجناح، والحرج والإثم، والمؤاخذة من الاذن، والعفو عنه، ومن الإمتنان بما في الأعيان من المنافع، ومن السكوت عن التحريم، بالإنكار على من حرم الشيء، من الأخبار بأنه خلق أو جعل لنا، والأخبار عن فعل من قبلنا غير ذام لهم عليه، فإن اقترن باخباره مدح دل على مشروعيته، وجوبا أو استحبابا اهـ كلام الشيخ عز الدين.\nوقال غيره: قد يستنبط من السكوت، وقد استدل جماعة بأن القرآن غير مخلوق، أن الله ذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعا وقال: إنه مخلوق. وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ولم يقل: إنه مخلوق. ولما جمع بينهما غاير فقال: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان اهـ من الإتقان وما أتمه وأوسعه ونحوه، في مقدمة الإكليل في استنباط التنزيل راجعه أيضا.\nوفي ترجمة أبي يوسف عبد السلام بن محمد بن بندار القزويني، المفسر المتوفى سنة ٤٨٨، أنه أهدى إلى نظام الملك «١» أربعة أشياء، لم يكن لأحد مثلها: منها؛ مصحف بخط بعض الكتاب المجودين بالخط الواضح، وقد كتب كاتبه اختلاف القراء بين سطوره\n_________\n(١) هو الوزير العالم خواجه نظام الملك السلجوقي مؤسس المدارس النظامية العشرة وأشهرها نظامية بغداد ٤٥٧ هـ وكان عالما فاضلا استشهد ﵀ عام ٤٨٤ هـ في صحنة على يد أحد الحشاشين قرب همدان من بلاد الجبل في إيران وكان الإمام الغزالي من أصدقائه.","vol":"2","page":129},{"text":"بالحمرة، وتفسير غريبه بالخضرة، وإعرابه بالزرقة، وكتب بالذهب العلامات على الآيات الوعد والوعيد وما يكتب في التعازي والتهاني اهـ.\nتتمة قدمنا أن أوسع موسوعات عرفها البشر القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والموسوعات وإصطلاح اليوم الكتب المجموع فيها الكلام على عدة علوم، وأنواع فهوم كدوائر المعارف، التي قصد فيها تدوين كل ما يخطر بالبال في الماضي والحال والإستقبال، وقد علمت مما ذكرناه عن القرآن وما بين طواياه أنه يجب أن يكون أول موسوعة ودائرة معارف عرفها البشر، وقد اعترف بذلك حتى فطاحلة الفرنج الدكتور (موريس) الفرنسي: القرآن بمثابة ندوة علمية للعلماء ومعجم لغة لللغويين وآجرومية لمن أراد تقويم لسانه، وكتاب عروض لمحب الشعر وتهذيب العواطف و(انسكلوبيديا) دائرة معارف عامة للشرائع والقوانين اهـ.\nوقال الدكتور (بوسورت سميت) في كتابه (حياة محمد) من حسن الحظ الوحيد في التاريخ دون غيره، أن محمدا أسس في وقت واحد ثلاثة أشياء: من عظائم الأمور وجلائل الأعمال، فإنه مؤسس لأمة وإمبراطورية وديانة، مع أنه أمي. وقلما كان يقدر أن يقرأ أو يكتب، ومع ذلك أتى بكتاب هو آية في البلاغة، ودستور للشرائع وللصلاة وللدين في آن واحد الخ كلامه.\nوقد قال الإمام فخر الدين الرازي طالعة [في مقدمة] تفسيره الكبير مفاتيح الغيب:\nإعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن سورة الفاتحة يمكن أن يستنبط من فوائدها عشرة آلاف عشرة آلاف مسألة، فاستبعد ذلك الحساد، فشرعت في تصنيف هذا الكتاب، وقدمت له مقدمة لتصير له كالبينة، على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول.\nوفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي المكي: حكى ابن عادل في تفسيره عن القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي: أنه استنبط منه بضع وسبعون ألف علم. قال: ولا يعزب عن علمك قول الأمام علي كرم الله وجهه: لو أردت أن أوقر على الفاتحة سبعين بعيرا لفعلت.\nأو كما قال بل سمعت عن شيخنا البكري، أنه تكلم على بعض علوم البسملة بكرة كل يوم في سنين في الأشهر الثلاثة منها، وأنه قال في بعض مجالسه: لو أردت التكلم على ذلك العمر كله لم يف أو كما قال اهـ.\nوفي ترجمة أبي الإكرام زين العابدين البكري، من مسالك الهداية لأبي سالم العياشي: نقلت من خط شيخ والدي سيدي أحمد إذ قال: إن العارف محمد البكري تكلم على نقطة البسملة في ألفي مجلس ومائتي مجلس اهـ.\nولأبي الحسن علي بن إبراهيم الحوفي كتاب في علوم القرآن، ذكره له ابن سليمان الردائي في صلته وقال: هو في مائة سفر. انظر حرف العين منها.","vol":"2","page":130},{"text":"وبعد القرآن أول من اعترف التاريخ لهم بتدوين الموسوعات علماء الإسلام، لكن ابتداء التدوين فيها كان موضوعه والغرض منه عندهم إحصاء العلوم المستعملة، ثم وقع التوسع في الموسوعات شأن كل مرمى جديد.\nوأول ما ظهر ذلك فيهم في القرن الرابع، ألّف الإمام أبو الرجاء محمد بن أحمد بن الربيع الأسواني الشافعي، المتوفي سنة ٣٣٥ المترجم في يتيمة الدهر للثعالبي وغيره، قصيدة في أخبار العالم، وقصص الأنبياء، والحديث والفلسفة والطب والفقه ومختصر المزني، وغير ذلك. ذكرها له في كشف الظنون المطبوع. وفيه: أنه سئل قبل موته كم بلغت قصيدتك إلى الآن؟ فقال: ثلاثين ألفا ومائة ألف بيت، وبقي علي أشياء تحتاج إلى زيادة. انظر كشف الظنون، والطالع السعيد، للكمال الأدفوي ص ٢٦٧. ولا تستغرب هذا العدد من النظم، عن أهل القرن الرابع، فقد جاء عن أهل القرن الثالث ما هو أعجب. ذكر أحمد بن يحيى ابن المرتضى: في باب ذكر المعتزلة من كتاب «المنية والأمل» في شرح كتاب الملل والنحل، في ترجمة بشر بن المعتمر الهلالي البغدادي، أن له قصيدة في أربعين ألف بيت، ردّ فيها على جميع المخالفين. وبشر هذا توفي سنة ٣١٠ كما أرخه بذلك الذهبي، وابن البخاري، وكيفما ظننا أن مادة الأعداد مبالغ فيها، فلا تكون كل واحدة من هذه القصائد إلا أكثر من عدد أبيات الإلياذة، التي عدد أبياتها زهاء ١٦ ألف بيت.\nوألف الإمام أبو نصر الفارابي المتوفي سنة ٣٣٩ كتابه في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، ووجوه الانتفاع بها، وفيه قال القاضي صاعد في طبقات الأمم: هو كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، لم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به وتقديم النظر فيه اهـ ص ٦٢.\nوقال عنه القاضي ابن الأزرق في روضة الأعلام: أحصى فيه العلوم القديمة وذكر فيه بعض علوم الإسلام اهـ وهو كتاب نادر الوجود توجد منه الآن نسخة خطية في إسبانيا، وهو مترجم إلى اللغة اللاتينية والعبرانية، ثم سمعت أنه طبع، ثم كتاب مفاتيح العلوم، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي المتوفي سنة ٣٨٧ ألفه لأبي الحسن عبيد الله بن أحمد العتبي، وقد قسمه إلى مقالتين: الأولى تشتمل على اثنين وخمسين فصلا، تجتمع في ستة أبواب، وهي الفقه، الكلام، النحو، الكتابة، الشعر، العروض، الأخبار. والمقالة الثانية اشتملت على اثنين وأربعين فصلا في أبواب: الفلسفة، المنطق، الطب، علم العدد، الهندسة، النجوم، الموسيقى، الخيال، الكيمياء. وقد طبع الكتاب المذكور في ليدن سنة ١٨٩٥ مسيحية، ثم في مصر وقد نقل عن هذا الكتاب المقريزي في الخطط؛ في تعريفه علم التاريخ فقال: قال محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف البلخي:\nفي كتاب مفاتيح العلوم: وهو كتاب جليل القدر اهـ انظر ص ١٥ من ج ٢ ولهم خوارزمي آخر له كتاب اسمه «مفيد العلوم ومبيد الهموم» ينقل عنه أبو سالم العياشي في كتابه «الحكم","vol":"2","page":131},{"text":"بالعدل والأنصاف» تحت عنوان قال: أبو بكر الخوارزمي الشافعي ﵁ في مفيد العلوم، وهو مطبوع أيضا بمصر وأكبر جرما من الذي قبله، وكثير من القاصرين لا يفهمون؛ أن أهل القرن الرابع دونوا مدخلا للعلوم والفنون، يشتمل على الموضوعات والمصطلحات العلمية الموجودة لذلك العهد.\nثم قاضي طليطلة صاعد بن أحمد الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٢ ألف كتابه طبقات الأمم وقد طبع أخيرا ومن وقف عليه يندهش لأسلوب وضعه، وواسع اطلاعه وبحثه، وجمعه باعتبار أنه بقلم أهل المائة الخامسة.\nثم الإمام أبو حامد الغزالي عدّد أنواع العلوم وفوائدها، وموضوعاتها في كثير من كتبه، وخصوصا في كتابه فاتحة العلوم والجواهر، ولما ذكر في كتابه الجواهر وكتاب الأربعين؛ أنواع العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز، واعتذر بعد ذلك عن إعراضه عن عدّها بأن القصد إنما هو ذكر ما يتعلق بالقرآن الكريم، ويتوقف على معرفته صلاح العباد والمعاش، قال بعد ذلك فيما يرجع لجنس تلك العلوم: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها، أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم لم تخرج إلى الوجود، وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها، وعلوما قد خرجت إلى الوجود، واندرست الآن، فلم يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها. وعلوما أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها. وكانت وفاته ﵀ سنة ٥٠٥.\nثم كتاب الفنون للإمام فخر العراق والحنابلة؛ أبي الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي، المتوفي سنة ٥١٣. قال سبط ابن الجوزي في ترجمته من مراة الزمان، وهو مائتا مجلد، جمعه طول عمره قال: واختصر منه جدي عشر مجلدات: فرّقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقف المأمونية نحو سبعين. وفيها حكايات ومناظرات وغرائب وعجائب.\nثم كتاب قيد الأوابد لمحمد بن حسين الزاغوكي الشافعي المتوفي سنة ٥٥٩ عن ٧٩، وهو كما في كشف الظنون المطبوع: مجموع ذكر فيه العلوم كالتفسير وعلوم الحديث والفقه واللغة الخ الخ. ورتبها ولعلها بلغت أربعمائة مجلد، وفي رحلة الزيادي نقلا عن القاموس الجزم بأنه في أربعمائة مجلد.\nثم جامع الفنون وقامع الظنون للوادياشي البرار المتوفي سنة ٥٩٦ منه الجزء التاسع في النجوم. وكتاب جامع العلوم لابن نسيب الحراني الحنبلي، المتوفي سنة ٦٩٥. ذكره في كشف الظنون. وكتاب جامع العلوم للفخر الرازي المتوفي سنة ٦٠٦. قال في كشف الظنون: وهو مجلد متوسط اشتمل على أربعين علما ألفه للسلطان علاء الدين تكش الخوارزمي، وهو كتاب مفيد جدا وفي ص ٥٧١ من ج ٢ من كشف الظنون: أن للفخر الرازي كتاب «حدائق الأنوار في حدائق الأسرار» أورد فيه ستين علما. ومن أعظم","vol":"2","page":132},{"text":"الموسوعات العربية التي جادت بها أقلام المسلمين في هذا التاريخ: الفتوحات المكية للشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي، وهي في ٨ مجلدات ضخمة. وأود لو وفق معتن لجعل برنامج عام لمسائلها، وعلومها الكونية وفلسفتها الدينية، ليظهر للعالم العجب العجاب المنطوي في طيات هذا الكتاب العظيم.\nوللسيد جلال الدين البخاري كتاب جامع العلوم ذكره صاحب الكشف أيضا.\nثم جاء بعد هؤلاء شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب البكري النويري الكندي الشافعي المتوفي سنة ٧٣٢ له نهاية الارب في فنون الأدب قال في كشف الظنون في نيف وثلاثين مجلدا، قسمها إلى خمسة فنون، وكل فن إلى أبواب: الفن الأول في السماء، والآثار العلوية والأرض والعالم السفلي، ويشتمل على خمسة أقسام. الثاني في الإنسان وما يتعلق به، الثالث في الحيوان الصامت. الرابع في النبات. والقسم الخامس في أنواع الطب وفي التاريخ، والقسم التاريخي ينتهي إلى سنة ٧٣١ وهو موجود كاملا في بعض مكاتب الاستانة، والمكتبة الخديوية بمصر وقد شرع في طبعه الآن بمصر «١» .\nثم جاء المؤرخ النقاد النسابة ابن فضل الله العمري، الكاتب الدمشقي المتوفي سنة ٧٤٨ له (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) في بضع وعشرين مجلدا، في الأدب والتاريخ والجغرافية والتاريخ الطبيعي، قسمه إلى قسمين: الأول في الأرض وما اشتملت عليه برا وبحرا، وهو نوعان الأول في ذكر المسالك، والثاني في ذكر الممالك. والقسم الثاني في سكان الأرض من طوائف الأمم، وتحت كل قسم أبواب. وتحت كل باب فصول. قال في كشف الظنون: هو في عشرين مجلدا كبارا، وذيله شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني، ذكره السيوطي في طبقات النحاة.\nثم جاء الإمام شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري المتوفي سنة ٧٤٩ فألف كتابه المسمى: ارشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، ذكر فيه أصناف العلوم وأنواعها، وجملة ما فيه ستون علما منها عشرة أصلية: سبعة نظرية وهي المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي بأقسامها. وثلاثة عملية وهي السياسة والأخلاق وتدبير المنزل.\nقال في كشف الظنون: وهو مأخذ مفتاح السعادة لطاشكبري زاده وقد ذكر في جملة العلوم أربعمائة تصنيف اهـ وقد طبع بمصر أيضا في جزء عام ١٣١٨ وعندي منه نسخة خطية سمعت في القرن الحادي عشر، على أبي مهدي عيسى الثعالبي المكي ﵀ بمكة.\nثم الإمام عبد الرحمن بن محمد البسطامي، ألف كتابا أورد فيه غرائب وعجائب حتى أورد فيه مقدار مائة علم، وذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والعربية.\n_________\n(١) وصل الطبع إلى الجزء ١٨ فقط. مصححه.","vol":"2","page":133},{"text":"ثم المولى لطف الله بن حسن التوقادي المقتول سنة ٩٠٠ ألف وللسلطان بايزيد كتابا جمع فيه نبذا من العلوم، ثم شرحه وسماه المطالب الإلهية.\nثم جاء الحافظ الأسيوطي فألف النقاية في أربعة عشر علما وهي مشروحة بقلم السيوطي وغيره، ومنظومة قديما وحديثا. ومن أشهر من نظمها الشهاب أحمد بن عبد الحق السنباطي المصري، من أهل القرن العاشر. وشرح هو النظم في مجلدين.\nثم جاء العلامة الأرتقي وهو في المائة العاشرة فألف مدينة العلوم، في تعريفات العلوم، وتراجم المؤلفين وهو كتاب مفيد يبحث في العلوم وأقسامها، وأشهر من ألف فيها بدأ بالخط فالكتابة وفروعها وعلومها، وتاريخ نشوئها، والشعر والأدب والعلوم الطبيعية والميكانيكية والسياسة والدين، وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر. ووقفت على نسخة من كتاب مدينة العلوم بالمغرب، وهي في مجلد وسط ولكنها منسوبة لعصام الدين أبي الخير أحمد بن الإمام مصلح الدين، وهو والله أعلم أبو الخير عصام الدين أحمد بن مصلح الدين مصطفى المعروف بطاشكبري زاده المتوفى سنة ٩٦٧، والمعروف للمذكور كتابه المسمى، مفتاح السعادة ومصباح السيادة تكلم فيه على العلوم وأقسامها وتفرعها، وجعله على طرفين: الأول في خلاصة العلم؛ والثاني في تعداد العلوم وضمنه ثلاثة أقسام الهية واعتقادية وعملية، وجعل علم الأخلاق ثمرة كل العلوم. قال في كشف الظنون: ذكر فيه مائة وخمسين فنا اهـ.\nقلت: وقعت لي منه نسخة خطية عتيقة فعددت العلوم المذكروة فيها فإذا هي مائة وخمسة وهذا برنامج ما فيه من العلوم لتستفاد:\nالدوحة الأولى: في العلوم الآلية ولها شعبتان: الشعبة الأولى في العلوم الآلية اللفظية العربية، وهي تنقسم إلى القسم اللفظي، وإلى القسم الخطي. القسم الأول في اللفظي:\nفمنها على مخارج الحروف، علم اللغة، علم الاشتقاق علم الصرف، علم التمييز، علم النحو، علم المعاني، علم المحاضرة، علم التواريخ، علم السير والمغازي، علم البيان، علم البديع، علم التصحيف، علم العروض، علم القوافي، علم قرض الشعر، علم مبادي الشعر، علم الإنشاء، علم الأمثال، علم وقائع الأمم ورسومهم على مسامرة الملوك، علم استعمالات الألفاظ، علم الأحاجي والأغلوطات، علم الترسل، علم السجلات.\nالقسم الثاني: من علم الأدب فيما يتعلق بالخط العربي من العلوم: علم قوانين الكتابة، علم ترتيب حروف التهجي في الكتاب، علم تحسين الحروف، علم كيفية تولد الخطوط عن أصولها، علم تراكيب الأشكال، بسائط الحروف، علم إملاء الألفاظ العربية.\nالشعبة الثانية في العلوم الآلية المعنوية: علم المنطق، علم النظر والمناظرة، علم الجدل، علم الخلاف.","vol":"2","page":134},{"text":"الدوحة الثانية في العلوم الإعتقادية: وفيها شعبتان: الشعبة الأولى في العلوم الشرعية.\nالاعتقادية: علم النواميس، علم القراءة، علم التجويد، علم الوقوف على رسم المصحف، علم الناسخ والمنسوخ، علم أسباب النزول، علم غرائب القرآن، علم دفع مطاعن القرآن، علم التفسير، علم التأويل، علم إشارات القرآن، علم دلائل الإعجاز مع خواص القرآن، علم أدب الدعاء وأوقاته، علم الخواص الروحانية، علم التصرف بالحروف والأسماء، علم متن الحديث، علم رجال الحديث، علم ناسخ الحديث ومنسوخه، علم أسباب ورود الأحاديث، علم شرح الحديث علم تأويل الحديث، علم رموز الحديث وإشاراته، علم غرائب لغات الحديث، علم مطاعن الحديث، علم تلفيق الأحاديث، علم طب النبي ﷺ، علم المواعظ، علم الأدعية والأوراد، علم الآثار، علم أصول الدين، علم أصول الفقه. الشعبة الثانية في العلوم الاعتقادية الحكمية والعلوم الفلسفية العلم الإلهي، علم التصوف، علم السير، علم الطير، علم الفناء والبقاء، علم الزهد والورع، علم البرزخ، علم الآخرة، علم الجفر والقضاء، علم الطبيعي، علم الطب، علم الباه، علم البيطرة والبيزرة، علم نوع النبات، علم الحيوان، علم الصيدلة، علم التشريح، علم الكحالة، علم الأطعمة والمزورات، علم الفراسة، علم الاختلاج، علم النظر في الكف، علم تعبير الرؤيا، علم قوس فزح، علم أحكام النجوم، علم الأدوار والأكوار، علم القرآآت، علم السّحر، علم الكهانة، علم كشف المدك كذا وإيضاح الشك، علم الحيل الساسانية علم الطلسمات، علم التبارج، علم استنزال الأرواح في قوالب الأشباح، علم العزائم، علم الكيميا، علم المعادن، علم معرفة الجواهر، علم الفلاحة، علم الرمل، علم الفال والقرعة.\nالعلوم الرياضية علم الهندسة، علم عقود الأبنية، علم المناظر، علم المرايا المحرقة، علم المراكز، علم الأثقال، علم المساحة، علم انبساط المياه، علم جر الأثقال، علم البنكامات، علم التعديل، علم الآلات الحرثية، علم الآلات الروحانية.\nالقسم الثاني في الهيئة علم الزيجات، والتقاويم، علم الجغرافية، علم المواقيت، علم كيفية الارصاد، علم تنظيم الارصاد، علم تسطيح الكرة، علم الآلات الظلية.\nالقسم الثالث العلم العددي ويسمى الارتماطيقي، علم الحساب، علم حساب التحت والميل، علم الجبر والمقابلة علم حساب الحظائر علم حساب الدور والوصايا علم حساب الدرهم والدينار علم خواص الأعداد علم التعابي العددية في الحروف، علم الحروف النورانية والظلمانية، علم التصريف بالإسم الأعظم، القسم الرابع علم الموسيقى، علم الرقص، علم الغنج.\n(العلوم العلمية) وهي على قسمين: الأول: علم الفقه، علم الفرائض، علم الشروط","vol":"2","page":135},{"text":"والسجلات، علم معرفة الساعات، علم معرفة قسم التركة، علم الموعظة، علم الأدعية والأوراد، علم الآثار.\nالقسم الثاني: علم الاحتساب، علم كيفية تحصيل ما لا يفي، علم كيفية ترتيب العساكر، علم الملاحة، علم الآلات الحربية.\nالنوع الثاني في الحكمة العملية: علم الأخلاق، علم تدبير المنزل، علم السياسة، وبها تم الكتاب فمجموع العلوم التي ذكر كما علمت ١٦٥.\nوقد وقع في تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج ٣ ص ٣١٦ إن عدد علومه نحو ٣٠، وكذا جاء، في ص ٣١٦ من الجزء الثاني انظره وكأنه اشتبه عليه كتاب طاشكبري، بكتاب ولده ففي كشف الظنون: بعد أن ذكر كتاب مفتاح العلوم، ثم ترجمه ولده المولى كمال الدين محمد المتوفي سنة ١٠٣٢ بإلحاقات كثيرة في مجلد كبير؛ فبلغ فيه من العلوم خمسمائة فن ولم يعرج جرجي زيدان على الذيل المذكور في التاريخ المذكور، وهو عجيب منه. ولعل الأصل والفرع؛ كل منهما يعرف بمفتاح العلوم؛ فقد يشيرون إلى الأصل، ويريدون الفرع والعكس. ولذلك وجدت صاحب كشف الظنون في فصل تقسيم العلوم؛ ذكر أيضا برنامج علوم كتاب طاشكبري، فأوصلها إلى ثلاثمائة وخمسة علوم، فلعله عنى به الذيل المذكور، أو غير ذلك. وقد وقفت على الذيل المذكور بمراكش سنة ١٣٣١، فإذا جرمه ضعف النسخة التي عندي، وقد طبع في الهند قريبا.\nرأيت ذلك في بعض الإعلانات والله أعلم.\nوممن فرّق بين ما للوالد والإبن الشيخ حمزة فتح الله المصري في كتاب المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية فإنه ذكر أن أحمد بن مصطفى الشهير بطاشكبري زاده له مفتاح السعادة الذي جمع فيه مائة وخمسين فنا، وزاده ابنه كمال الدين محمد المتوفي سنة ١٠٣٢ حتى بلغ خمسمائة فن. انظر ص ٢٢ من الجزء الأول وفيه أيضا: أحسن تقسيمات العلوم ما ذكره الإمام طاشكبري في مفتاح السعادة، وذكر أنه سرد من علوم النظر ثلاثمائة وخمسة، واعترض بأن في ذكره تكثيرا كذكره في فروع التفسير الأنواع المذكورة في إتقان السيوطي وأجيب بأن الإعتراض على المؤلفات سهل بالنسبة إلى تأليفها ووضعها وترصيفها، كما يشاهد في المباني الضخمة إذ يعترض على بانيها كل سخيف الفكر، لا يقدر أن يضع حجرا منها على حجر، ثم وجدت في ص ٥٧١ من كشف الظنون أن ابن طاشكبري المولى كمال الدين محمد؛ نقل مفتاح السعادة لوالده إلى التركية ببعض إلحاقات وتصرف في مجلد كبير، وإنه توفي سنة ١٠٣٢ فانظره والله أعلم. وذكر أيضا أن المولى محمد أمين بن صدر الدين الشرواني المتوفي سنة ١٠٣٦، جمع كتابا للسلطان أحمد العثماني أورد فيه ٥٣ علما من أنواع العلوم العقلية والنقلية، وسماه الفوائد الخاقانية لأحمد خانية، ورتبه على ميمنة وميسرة، وساقة وقلب، على نحو ترتيب جيش السلطان، المقدمة","vol":"2","page":136},{"text":"في ماهية العلم وتقسيمه، والقلب في العلوم الشرعية، والميمنة في العلوم الأدبية، والميسرة في العلوم العقلية، وأورد فيها ثلاثين علما، والساقة في علم آداب العلوم. وإنما اقتصر على ذلك العدد، ليكون موافقا لعدد اسم أحمد على حساب أبجد، ثم ألف بعد طاشكبري؛ الشيخ عبد القادر الطبري المكي كتابه: عيون المسائل من أعيان الرسائل، جمع فيه ٤٠ علما، ولكن الموجود من نسخته المطبوعة أقل منها، ثم ألف بعد ذلك مصطفى حاجي خليفة المتوفي في سنة ١٠٦٧ كتابه كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون، واستوعب فيه الكلام، على الفنون التي ذكرها طاشكبري زاده، في المفتاح الكبير والصغير، وما ألف فيها وكتاب الكشف هذا في مجلدين وله ذيول طبعت معه ولكن الطابعين لم يميزوا بين الأصل والفرع، فأوقعوا المطالع والناقل في الإشتباه، وسبب ذلك جهل المصححين والطابعين، أو قل المطالعين. ثم ألف بعده أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي المغربي المتوفي سنة ١١٠١ القانون، وهو في مجلد وسط، ألفه في أحكام العلم، وأحكام العالم، وأحكام المتعلم، فهذه ثلاثة أبواب. وفي الفصل العاشر من الباب الأول: عرّف العلم وتكلم على تقسيم العلوم، فذكر أولا أنها تقسم على الجملة إلى قديمة وحديثة، وفلسفية، أو جلية أو إما قديمة أو إسلامية. قال: وهو اضبط، ثم ساق العلوم، فقسمها إلى ما رآه وهو تقسيمها إلى: فلسفية أو إسلامية، فبدأ بالفلسفيات، ثم الشرعيات، وهو كتاب مفيد جدا، فيه كثير من الأبحاث والفرائد.\nوألف أيضا عصريّه أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي بلدا ولقبا المتوفي سنة ١٠٩٦؛ كتابه الأقنوم في مبادي العلوم، وهو نظم رجزي، في نحو السبعة عشر ألف بيت.\nوفي ترجمة مؤلفه من نشر المثاني للقادري: أنه اشتمل على مائة وخمسين علما أو أزيد.\nوفي الصفوة للأفراني: اشتمل على أزيد من ثلاثمائة علم: ولكن ناظمه لم يكمله.\nوهذا بيان ما في نظم الأقنوم من الفنون، مع بيان عدد أبيات كل فن: علم العقائد ٢٩ بيتا، علم التفسير ١٠٧، علم اصطلاح الحديث ٤٩، علم أصول الفقه ٥٢، علم فقه الفرائض ٣٠، علم النحو ٥٦، علم التصريف ٤٤، علم الخط ٢٦، علم المعاني ٧٣، علم البيان ٣١، علم البديع ٥٢، علم التشريح ٣٦، علم الطب ١٢٤، علم التصوف ٥٠، علم الكلام ٦٢، علم القرآات ٣٠٣، علم السير ١٩٦، علم الجدل، ١١٨ علم عمل الفرايض ٩٨، علم الجمل ٤٦، علم الرسم ١١٢، علم الضبط ٤٥، علم العروض ٧٨، علم القوافي ٢٤، علم الأدب ٢٤٥، علم الجراحات ١١٦، علم العلاج ١٤٦، علم آداب الدين ١٥١، علم المنطق ٦١، علم التجويد ١٣٢، علم الشمائل ٨٩، علم الخلافيات ٨٠، علم الفرائض بالكسور ٣٦، علم صنعة الإعراب ٩٤، علم اللغة ١٧١، علم الكتابة ٥٥، علم ميزان الشعر ٩١، علم أصول القوافي ٧٧، علم الموسيقى ٧٢، علم البيطرة ١١٥، علم طب الحيوان ٧٤، علم الأذكار النبوية ٥٩، علم المكونات ١٧٤، علم الوقف","vol":"2","page":137},{"text":"والابتداء ١٢٠، علم الحديث ١١٣، علم السفسطة ١٢١، علم الحساب ١١٨، علم أصول النحو ٣٣٥، علم نظائر النحو ٦٧، علم أسرار الرسم ١٥٥، علم كتابة الشعر ٣٣، علم أصول اللغة ٥١، علم قانون اللغة ٨٤، علم البيزرة ٦٩، علم طب الطير ٨٦، علم التربية بالإصطلاح ٤٤، علم الفلسفة ١٢١، علم آداب القراءة ١١، علم التاريخ ١٧٨، علم الفقه ٤٧٤، علم العدد ١٢٩، علم الجبر والمقابلة ١٧٠، علم التكسير ٥٠، علم الإرتماطيقي ١٣٨، علم الهندسة ١٨٤، علم الجغرافيا ١٥٩، علم الاختلاج ٨٠، علم الفراسة ٧٩، علم السياسة ٧٢، علم الرياسة ١٨٠، علم الإلهيات ١٥١، علم العشر ٨٧، علم الأحكام ٤٤٥، علم القضاء ١٥١، علم الفتيا ٤٨، علم التعبير ٨٨، علم الإسطرلاب ٥٨، علم الربع المجيب ٨١، علم الصفيحة الزرقالية ٦٩، علم الصفيحة الشكارية ٦٣، علم الربع المقنطر ١١٧، علم الاسطرلاب الجنوبي ٣٢، علم السيميا ٢٨٩، علم الحكمة ١١٣، علم الهيميا «١» ١٧٠، علم الطبيعيات ١٩٠، علم العاديات ١١٨، علم خط الرمل ٢٤٠، علم الكتف ٨١، علم الأوفاق ٨٤، علم الوثائق ٤٧، علم فرض النفقات ٤٨٠، علم البرهان ٢٩، علم الحسبة ٥٣٣، علم النظارة ٧٠، علم نظر المواريث ٦٤، علم الهيئة ٣٤٤، علم الفلك ١٤٧، علم المجسطي ٣١، علم جومطريقا ٢٤، علم الكلام العرفاني ١٤٢، علم أسرار الدين ١٠٤، علم الشهادة ١٧٢، علم النواميس ١٧٦، علم المناظر ٥٦، علم الأنساب ٣٦١، علم المساحة ٢٦، علم التوقيت ٥٩، علم الأرصاد ٤٣، علم التعديل ٥٤، علم أحكام النجوم ٦٢، علم أنساب الشرفاء ٦٥، علم العشر ١٨، علم الجمع الكبير ١٧، علم جمع الجمع ١٩، علم السبع الصغير ١٦، علم أصول الدين ٢٦، علم العقائد الحاتمية ٣٢، علم الأصول الوسطى ٣٧، علم الهيئة الحاتمية ٥، علم المولدات ٧٨، علم الدول ٢٠، علم عروض المولدين ١٨، علم التوقيت المأثور ٤٤، علم الرواية ٢٧، علم الطب النبوي ٣٩، علم الفقه الشافعي ٥٢٧، علم الفقه ٢٦٤، علم الفقه الحنبلي ٤٢٦، علم الهيئة السنية ١٦، علم النجوم ١٧، علم الطلسمات ١٩، علم الغراسة ١٦، علم الأسماء ١٩٠، علم الأزياج ١٥، علم الفلاحة ١٤، علم فلاحة النحل ١٥، علم فلاحة الدجاج ١٦، علم فلاحة الحمام ١٥، علم فلاحة الأوز والبرك ١٤٠، علم الحروف ١٦، علم الديميا ١٥، علم الكهانة ٢٩، علم ميزان الماء ١٦، علم الأمثال ١٧، علم القيافة ١٥، علم الإشارة ١٦، علم أسرار الخليقة ١٨، علم تشريح الطير ٧، علم تشريح الدواب ٢٠، علم فراسة الحيوان ١٥، علم أحكام الأهلّة ٢١، علم آل دشمان «٢» ٢٠، علم المسامتات ٧، علم طب النبات ١٧، علم أسرار الحروف ٣٣، علم الاستخدامات ٣٨، علم الطب بالألحان ٨، علم مساحة الأرض ١٥، علم إعراب المعجم\n_________\n(١) كذا في الأصل ولعل المقصود بها: الكيمياء. مصححه.\n(٢) دشمان لها بالفارسية معنى هو: العدو. ويحتمل: آل عثمان. مصححه.","vol":"2","page":138},{"text":"٨، علم حساب التحت والميل ٢١، علم عقود الأبنية ١، علم المطابقة ١٠، علم الموازنات ٩، علم المعاملات السكية ٢٢، علم المعاملات الطبية ١٧، علم المخارجات ١٧، علم أسرار العدد ١٦، علم الاقتباسات ٦، علم السياسة العقلية ٤، علم تدبير الطبيعة ٣٨، علم أرض الحقيقة ١، علم الرياضة ١، علم صور المعاني ١، علم اختلاف الصور ١، علم أسرار الطبيعة ١، علم التاريخ النجومي ٦، علم الاستعدادات ٣٧، علم الزجر ١٨، علم التفاؤل ١٧، علم الوفيات ٨، علم المناسبات ١٥، علم البنكمات ١، علم السيرة النجومية ١، علم الماديات ١، علم هيئة الأرض ١، علم التدريس ٨، علم الفراسة الروحانية ٤، علم التأليف ٦، علم هندسة الأشجار ١٨، علم التواريخ القرآنية ١٩، علم هندسة المخروطات ١، علم التشكيك ١، علم الطواعية ٥، علم التفاوت ١، علم السياسة الشرعية ٥، علم إعمار العقاقير ٧٤، علم إبدال العقاقير ٧٩، علم قوى العقاقير ١١، علم الأقرباذين ١٤، علم الشعوذة ١٤، علم نوريك ١٧، علم الشطارة ١٧٨، علم الشمعنة ١٥، علم النجامة ٣٩، علم أصول الطب ١٧، علم المساحة بالإسطرلاب ١٦، علم التعبير من الفلك ١٣، علم المساحة بالربع ١٥، علم الطب من الحروف ١٨، علم المساحة الفلكية ١٧، علم الهيئة التوقيتية ٢٣، علم استنباط المياه ٢٧ علم الضروريات ١٧، علم الاستحضار ٢٠، علم المساحة بالخطابين ٧، علم المساحة بالجبر ٧، علم الطب بالخيل ١٧، علم الهيئة الريحية ٤، علم حساب الجملة ٢٠، علم حساب التعديل ١٩، علم الاستنزالات ٣٨، علم الجليان ١٨، علم حساب العام ٥٣، علم الروحانيات ٣٢، علم الامتزاجات ٢٠، علم الاختبارات ١٨، علم حساب الخطأين ٨، علم الجدول ١٨، علم حساب الربع ١٦، علم العرافة ١٨، علم الاختبارات السنية ٧، علم المناظرة ٣٦، علم تضاد النبات ١، علم الخط المنصف ١، علم طب الخط ١٠، علم الخط المجرور ١، علم التقويمات ١٧، علم الاختيارات الطبية ٤٣، علم الطب النجومي ١٧، علم وضع الإسطرلاب ١٤، علم تخطيط الرخام ١٤، علم الإطريمونا ١٦، علم فلاحة الدواب ١٨، علم الخنقرطات ١٨، علم يداقبا ١٨، علم الزيرجة ١٩، علم السرجعة ١٧، علم السحر ١٩، مراكز الأثقال ١، علم المرايا المحرقة ١، علم جر الأثقال ١، علم المجسطي الحاتمية ١، علم الزجر ٣٨، علم ميزان الملحون ٨، علم الوجهتين ١، علم الإرتباطات ١، علم تدبير المنزل ١، علم الأخبار ٥٦، علم أخبار المكاشفة ١٠، علم رسم الرخام ٢٠، علم المرائي ٧١، علم الفروسية ١٩، علم تزبير الأشجار ١٨، علم الزراعة ١٩، علم وضع الجدول ١٧، علم التداخل ١، علم أنولوطيقا ١، علم طوريقا ١، علم الفراسة النبوية ١، علم حيل الشريعة ١، علم فراسة المسكي ١، علم المتقابلات ١، علم الاختيارات التجربية ١٨، علم التوسم ٨، علم الأخلاق ١١، علم الرقي ١، علم المخمس الخالي ٢٧، فجميع ما فيه ٢٧٨ فنا عدد أبياتها بعد ضم ٦٢ بيتا في الخطبة ١٧٣٨٣ بيتا.","vol":"2","page":139},{"text":"كما ألف العلامة الشيخ علي الموصلي: طوالع النجوم في مفاخرة العلوم، ضمنه المفاضلة بين ثلاثة وسبعين علما من العلوم.\nثم جاء بعدهم فاضي فاس، الشيخ الطالب بن حمدون بن الحاج المتوفي سنة ١٢٧٤ فألف كتابه الأزهار الطيبة النشر، فيما يتعلق ببعض العلوم من المبادي العشر، وهو مفيد جدا وقد طبع بفاس، وألف بعده نادرة علماء مصر الشيخ عبد الهادي الأبياري المتوفي سنة ١٣٠٦، كتابه سعود المطالع وشرحه في مجلدين مطبوعين بمصر، جمع فيه نحو الأربعين علما وهو مفيد جدا توسع فيه ما شاء، وأفاض وأطاب. ثم دائرة المعارف لمحمد فريد وجدي المصري وهي في عدة مجلدات طبعت مرارا وكتابه كنز العلوم واللغة أيضا وهما من أفيد ما ألف في عصرنا هذا، مما يناسب روح العصر، وتقريب الأقصى، بلفظ موجز مع حسن الترتيب والتبويب والتقسيم والتسهيل جزاهم الله خيرا آمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>باب في أن السنة بنت القرآن وأن الحديث الصحيح يتطلب لفظه أو بعضه أو معناه في القرآن</span>\nقال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله ﷺ إلا وجدت مصداقه في كتاب الله، وقال ابن مسعود: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله، أخرجها ابن أبي حاتم وقال ابن برهان: ما قال النبي ﷺ من شيء إلا وهو في القرآن، أو فيه أصله، قرب أو بعد، فهمه من فهمه، وعمي عنه من عمي. وكذا كل ما حكم به أو قضى به، وإنما يدرك الطالب من ذلك بمقدار اجتهاده، وبذل وسعه ومقدار فهمه.\nوفي أزهار الرياض لأبي العباس المقري، ناقلا عن خط أبي زيد عبد الرحمن بن القصير الغرناطي، على هامش الشفا، لشيخه عياض على قوله فيها: هو أي القرآن الفصل ليس بالهزل، قال عبد الرحمن: قال بعض من أدركنا من أهل العلم المتبحرين في العلوم:\nالحديث الصحيح اطلبوا لفظه أو بعض لفظه أو معناه في القرآن، تجدوه، هذا من ذلك القبيل اهـ.\nوذكر الإمام ابن مرزوق عن بعض شيوخه أنه كان كثيرا ما يشرح مضمون الأحاديث من الآيات. وقال ﵀، حين ذكر: الصبر عند الصدمة الأولى «١» . الحديث أن نظيره من القرآن قوله تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة: ١٧٦] اهـ كلام ابن مرزوق بمعناه.\nقلت: قد سلك هذه الطريقة من خيار عصرنا، الفقيه الصالح البركة العلامة العارف الصوفي، سيدي عبد الرحمن الفاسي حفظه الله، ذكر عنده حديث فاطمة في طلب الخادم من\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب ٤٣ ص ٨٤/ ٢.","vol":"2","page":140},{"text":"النبي ﷺ، وقول النبي ﷺ لها ولعلي: فذاك خير لكما من خادم، قال حفظه الله مصداق ذلك قوله تعالى: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا [الكهف: ٤٦] الآية اهـ.\nوفي نفحة المسك الداري، لجد جدنا من قبل الأم أبي الفيض حمدون بن الحاج على قوله في نظمه لمقدمة ابن حجر:\nكأن كتاب الله منسوج سندس ... ولفظ رسول الله طرز معلّم\nكأن كتاب الله من قوم عسجد ... ولفظ رسول الله غنج متمم «١»\nفكتب على شرحها بقلمه عن نفسه؛ أنه كان يدرس الصحيح، ويبين في كل باب أصله من الكتاب.\nوفي رياض الورد لولده خاتمة المحققين المطلعين بفاس، أبي عبد الله محمد، الطالب بن حمدون بن الحاج، الذي ألفه في ترجمة والده المذكور؛ أنه كان كثيرا ما يشرح مضمون أحاديث الصحيح من الآية، ويبين في كل ترجمة أصلها من الكتاب. قال: وهذه طريقة أهل العلم المتبحرين في العلوم اهـ منه.\nوقد سبق عن السيوطي أن ابن برهان وهو الإمام العارف أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن برجان المعروف بأبي الرجال، دفين مراكش بعد الثلاثين وخمسمائة، أفرد كتابا فيما تضمنه القرآن من معاضدة الأحاديث.\nقلت: وهذا الكتاب لابن برجان خاص بأحاديث صحيح مسلم وقفت على تسميته في ذيل على صلة ابن بشكوال عندي، بخط اندلسي لم أقف على اسم مؤلفه، وهذا سياقه في ترجمة ابن برجان، وألف كتاب الإرشاد، قصد به استخراج أحاديث صحيح مسلم بن الحجاج، من كتاب الله تعالى، فتارة يريك الحديث من نص آية، وتارة من فحواها، وتارة من إشارتها، ومن مجموع آيتين متوافقتين أو مفترقتين، ومن عدة آيات إلى أشباه هذه الماخذ، حتى وفي كتابه بالمقصد المذكور، بما عليه احتوى، وأراك عيان قوله تعالى: في نبيه ﷺ: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣] اهـ منه وهذا الكتاب من أنفس ما ألفه المسلمون وأغربه، وهو يلي كتاب الخزاعي عندي في الأهمية ولو ظفرت به لسموت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>باب مقدار الأحاديث الواردة عنه ﷺ</span>\nلا يخفى أن الإحصاء لها غير ممكن، ضرورة أن عدد الصحابة لم يحص إلا على وجه التقريب، لأن الناس في القرن الأول لم يعتنوا كلّ الإعتناء بالتدوين، كيف وفي الصحيح أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن تبوك، وأصحاب رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ يعني ديوان، وفي الفية العراقي:\n_________\n(١) هكذا ورد البيت في الأصل، والمعنى غير واضح فلعل فيه تصحيفا. مصححه.","vol":"2","page":141},{"text":"والعد لا يحصرهم فقد ظهر ... سبعون ألفا بتبوك وحضر\nأربعون ألفا وقبض ... عن دين مع أربع آلاف تنض\nومع ذلك لم يبلغ مجموع ما في تصانيف من صنف عشرة آلاف، وسبب ذلك أن الناس في القرون الأولى، لم يعتنوا بالتدوين في عددهم وضبطهم، ولكن بعلمك مقدار ما كان الأئمة يحفظونه تعلم مقدار السنة على وجه التقريب، ففي شرح بديعية البيان للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: أول محفوظ المحدثين من المتقدمين، كما قال أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يعد صاحب حديث اهـ.\nوفي القوت للإمام أبي طالب المكي قيل للإمام أحمد بن حنبل: إذا كتب الرجل مائة ألف حديث له أن يفتي؟ قال: لا. قيل فمائتي ألف حديث؟ قال: لا. قيل فثلاثمائة ألف حديث؟ قال: أرجو اهـ انظر اهـ ١٤٧ من ج ١.\nوفي ثمار مشتهى العقول في منتهى النقول، للأسيوطي كان أبو زرعة يحفظ ألف ألف حديث، والبخاري حفظ عشرها مائة ألف حديث، والكل من بعض محفوظ الإمام أحمد بن حنبل اهـ.\nوقال عبد الوهاب الوراق؛ كما في غذاء الألباب: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل.\nقالوا: وأي شيء بان لك من فضله وعلمه، على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة. فأجاب فيها بأن قال: حدثنا وأخبرنا، وروينا، وإلى هذا أشار الإمام الصرصري في لاميته بقوله:\nحوى الف ألف من أحاديث أسندت ... وأثبتها حفظا بقلب موصّل\nأجاب على ستين ألف قضية ... بأخبرنا لا من صحائف نقل\nقال السفاريني في ص ٣٥٩ من ج ٢ وهذه لا يعلم أحد من أيمة الدنيا فعلها ونقل في ص ٣٦٩ من ج ٢ عن صيد الخاطر لابن الجوزي؛ أن الإمام أحمد دار الدنيا مرتين حتى جمع المسند اهـ وذكر في محل آخر؛ أن مسنده ثلاثون ألف حديث غير المكرر، والتفسير مائة وعشرون ألفا. وذكر في محل آخر أنه ذكر غير واحد من الحفاظ منهم ابن حجر العسقلاني أنه لم يحط أحد بسنة المصطفى ﵇ غير الأمام أحمد بن حنبل.\nقال السفاريني: وهذه منقبة امتاز بها عن سائر هذه الأمة، وعمن مضى، وعمن بقي من الأيمة اهـ من ص ٢٥٨ من ج ١ من شرح منظومة الآداب قلت: وانظره مع ما نصّوا عليه؛ من أن الحاكم الذي هو لقب المحيط بالسنة، لم يوجد ولا يوجد. وانظر أبن نص على ذلك الحافظ فهو في عهدته ولكن الناقل أمين، وفي كشف الظنون لدى كلامه على جمع الجوامع: لا مجال إلى دعوى الإحاطة والاستيعاب، لتعذر الوصول إلى جميع الروايات والمسموعات اهـ.","vol":"2","page":142},{"text":"وقد قال الحافظ الأسيوطي أول تدريب الراوي له ص ٨: ومما روي في قدر حفظ الحفاظ قال أحمد بن حنبل: انتقيت المسند من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث. وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث قيل له وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب وقال يحيى بن معين: كتبت بيدي ألف ألف حديث. وقال البخاري:\nأحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال مسلم: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن. وقال الحاكم في المدخل: كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث. سمعت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت أبا عبد الله بن وارة يقول: كنت عند إسحاق بن إبراهيم بنيسابور، فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صح من الحديث سبعمائة ألف. وهذا الفتى يعني أبا زرعة قد حفظ سبعمائة. قال البيهقي: أراد ما صح من الأحاديث وأقاويل الصحابة والتابعين اهـ.\nقلت: رحم الله الحافظ البيهقي فقد أزال عن القلب غمة، ورفع عن الدين أكبر وصمة بهذه الإفادة التي شرح فيها هذه المقالة، فإن كثيرا من المتفقهين الآن يقولون: مع تكفل الله بالدين، أين هذا المقدار من السنة الآن؟ فهل لم يدون؟ فبيّن البيهقي أن مرادهم بهذه الأعداد العظيمة ما يشمل السنة وآثار الصحابة والتابعين، أو أنهم كانوا يريدون طرق الحديث المتنوعة، فيجعلون كل طريق حديثا، وكل حديث له طرق وروايات، فمرادهم بهذا العدد العديد طرق الحديث الواحد العديدة، ورواياته المتنوعة، وقد يكون الحديث واحدا ولكن باعتبار طرقه، واختلاف الفاظه وتعدد من رواه؛ يعدّ الحديث الواحد بالمائة؛ لأنهم كانوا يقولون: لو لم نكتب الحديث من عشرين وجها ما عرفناه.\nوفي صدي الخواطر للحافظ ابن الجوزي في فصل ١٧٥: جرى بيني وبين أصحاب الحديث كلام في قول الإمام أحمد: صح عن رسول الله ﷺ سبعمائة ألف حديث، فقلت له: إنما يعني به الطرق. فقال: لا المتون. فقلت: هذا بعيد التصور، ثم رأيت لأبي عبد الله الحاكم في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل كلاما فعجبت كيف خفي هذا على الحاكم، وهو يعلم أن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد وقد طاف الدنيا مرتين حتى حصله، وهو أربعون ألف حديث منها: عشرة آلالف مكررة قال أحمد: جمعته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث. أفترى يخفى على متيقظ أنه أراد غير الطرق؟ فإن السبعمائة ألف إن كانت كلام النبي ﷺ فكيف ضاعت ولم أهملت؟ وقد وصلت كلها إلى زمن أحمد، فانتقى منها ورمى الباقي، وأصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع والكذب، ولا يحسن أن يقال: إن الصحابة الذين رووها ماتوا، ولم يحدثوا بها التابعين.\nفإن الأمر قد وصل إلى أحمد وما كان الأمر ليذهب هكذا عاجلا.\nومعلوم أنه لو جمع الصحيح والمحال الموضوع وكل منقول عن رسول الله ﷺ ما","vol":"2","page":143},{"text":"بلغ خمسين ألفا فأين الباقي؟ ولا يجوز أن يقال: تلك الأحاديث كلام التابعين فإن الفقهاء نقلوا مذاهب القوم ودوّنوها وأخذوا بها، ولا وجه لتركها ففهم كل ذي لب أي الإشارة إلى الطرق وما توهمه الحاكم فاسد، ولو عرض هذا عليه وقيل له: فأين الباقي؟ لم يكن له جواب. لكن الفهم عزيز اهـ كلام ابن الجوزي باختصار.\nولما نقل الإمام أبو الحسن السندي المدني في حواشيه، على مسند أحمد عن الطيبي في شرح المشكاة أن أحمد قال: صح من الأحاديث سبعمائة ألف وكسر، عقّبه بقوله:\nوالمراد بهذه الأعداد الطرق لا المتون اهـ وأصله للسيد الجرجاني كما نقله عنه صاحب الحطة ص ٢٦.\nوفي كشف الظنون بعد ذكره بعض هذه الأعداد: هي ليست على الحقيقة وإنما المراد منها معنى الكثرة فقط اهـ.\nوقال المقبلي اليمنى في العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ، ص ٣٩٢ في ترجمة السيوطي «أنه قال: إنه يحفظ مائتي ألف حديث، ثم قال: ولا أظنه يوجد اليوم أكثر من هذا، فينتج مع ما مضى أن أحاديثه مائتا ألف، ولا يستشكل بما ذكره جماعة عن جماعة من المحدثين: أنه يحفظ ستمائة ألف حديث ونحو ذلك؛ لأن المحدثين على تسمية الحديث الواحد بحسب الصحابي، فقد يكون الواحد في كتاب السيوطي أربعة أو عشرة أو ستين حديثا باعتبارهم، وكذلك الموقوف عندهم. فليتنبه لما ذكرنا لئلا يتوهّم الناظر اهـ.\nولما عرّف المناوي أول شرحه على الشمائل الحافظ في اصطلاح المحدثين قال: هو من حفظ مائة ألف حديث متنا وإسنادا. ولو بتعدد الطرق والأسانيد اهـ.\nوبهذا تفهم مجمل محفوظ السلف وقياسه بالموجود الآن، والمدون أو يكون مرادهم بذلك العدد الكثير المروي، سواء صح أو لا، فإنه قد كذب الكثير عليه ﵇ في حياته وبعد موته، أو ما صحبه عمل، ومالا.\nوفي رحلة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي الكبرى: أحمد بن حنبل حافظ الدنيا على الإطلاق، يشهد لذلك مسنده، وقد سئل كم عدد المروي من الأحاديث؟ فقال: اثنا عشر مائة ألف حديث فيما بين صحيح وسقيم، فقيل: من يحفظها؟\nفقال: أنا وهذا الفتى لأبي زرعة الرازي يحفظ الثلثين اهـ ولما نقله الفقيه الواعظ النحوي سليل المحدثين أبو محمد عبد القادر بن أبي القاسم العراقي، فيما وجدته بخطه على أول نسخة بخط أحد سلفه عندي، من مسند الإمام أحمد قال: وإلى كون أبي زرعة الرازي يحفظ ثمانمائة ألف حديث إذ ذك، ثلثا ما كان يحفظ أحمد بن حنبل أشار صاحبنا الحوضي بقوله:\nللرازي جاء مائة ألف ألفا ... وعشر أحمد الإمام تلفى","vol":"2","page":144},{"text":"أو ألف ألف لابن خلكان ... ربّ ارحم الأيمة الأركان\nلكن اقتصر على أن أحمد كان يحفظ مائة ألف حديث، وأفاد يعني الحوضي في شرح نظمه أن مسنده فيه أربعون ألف حديث، ولم يلتزم الصحة فيه وإنما أخرج فيه من لم يجتمع الناس على تركه، وليس كل ما فيه صحيحا خلافا لمن زعمه اهـ وفي حواشي الإمام أبي الحسن السندي على مسند أحمد نقلا عن ابن عساكر في عدد أحاديثه أنها تبلغ ثلاثين ألفا سوى المعاد، وغير ما ألحق به ابنه عبد الله، ثم نقل عن أحمد قال أنه قال فيه: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة اهـ.\nوفي الحطة لصديق حسن الهندي؛ قال أبو المكارم علي بن شهاب الصديقي: الظاهر أن هذا القول موضوع على الإمام أحمد، لأن في الكتاب الصحيح من الأحاديث ما لم يوجد في المسند مع الإجماع على حجّتيها اهـ وفيه أن الصحيح عند قوم غير محتج به عند آخرين لاختلاف الاجتهاد والمدارك، وقد وقفت على بعض التقاييد المنقولة من إملاء حافط فاس والمغرب أبي العلاء العراقي الحسيني، أن أحمد بن حنبل قال: جملة ما روي عن النبي ﷺ: اثنا عشر مائة ألف، وهذا الرجل وأشار إلى أبي زرعة الرازي يحفظ منها ثمانمائة ألف، والباقي متكلم فيه. قال المناوي عن البيضاوي: وليس كل ما نسب إلى رسول الله ﷺ صدق، أو الاستدلال به جائز، فإنه روي عن أحمد وشعبة والبخاري ومسلم أن نصف الحديث كذب اهـ.\nوالوضاعون للحديث هم نيف وثلاثمائة ووجدوا لخمسة منهم من الحديث الموضوع خمسة وثلاثون ألفا اهـ.\nوقد أنشد محدث فاس أبو عبد الله محمد بن قاسم القصار لغيره في عدد الأحاديث الموضوعة التي أخبر بها حماد بن زيد:\nوقال حماد بن الورع ... جملة ما من الأحاديث وضع\nعلى نبينا الكريم اثني عشر ... ألف حديث كلها لا تعتبر\nوقال الحافظ العراقي: روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال: وضع الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث.\nقلت: على أن الإمام فخر المغرب القاضي أبا بكر ابن العربي المعافري قال: ما ضمن الله الحفظ لحديث النبي ﷺ، وإنما ضمن القرآن؛ على اختلاف أيضا بين العلماء في تأويل قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] اهـ من كتاب القواصم والعواصم له بلفظه.","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>باب هل تصدى أحد من المتأخرين إلى جمع جميع السنة</span>\nقال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي طالعة [في مقدمة] كتابه الجامع الصغير المشتمل على عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثين حديثا: هذا كتاب أودعت فيه من الكلم النبوية ألوفا، ومن الحكم المصطفوية صنوفا، اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة، ولخصت فيه من معادن الأثر إبريزه، وبالغت في تحرير التخريج، وصنته عما تفرد به كذاب أو وضاع، ففاق بذلك الكتب المؤلفة في هذا النوع، كالفائق والشهاب وحوى من نفائس الصناعة الحديثية، ما لم يودع قبله في كتاب، وسميته الجامع الصغير لأنه مقتضب من الكتاب الكبير، الذي سميته بجمع الجامع، وقصدت فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها اهـ.\nقال المناوي في شرحه الكبير على قوله بأسرها: أي لجميعها، وهذا بحسب ما اطلع عليه المؤلف لا باعتبار ما في نفس الأمر، لتعذر الإحاطة بها وإنافتها على ما جمعه الجامع المذكور لو تم، وقد اخترمته المنية قبل إكماله اهـ.\nقلت: وكتاب جمع الجوامع المذكور؛ كتاب عظيم الشأن، ولم يؤلف في الملة مثله، اشتمل على نحو ثمان مجلدات ضخمة، سبر ألفاظ النبوة سبرا ويسر للناس الوقوف على كلام نبيهم الكريم، وعرفهم بمخرجيها، ومظان أسانيدها، ورواتها، فمنته على جميع من تأخر بعده من المسلمين عظيمة، وشكره والاعتراف له بذلك من خلوص الإيمان.\nوقد قال العالم النظار الشيخ صالح المقبلي اليمنى في العلم الشامخ. ما زال الله يكرم كل متأخر بفضيلة يتضح نفعها في الدين، ويرتفق بها من وفق من المهتدين، وكنت أتمنى وأستغرب أنه لم يتصد لجمع الحديث النبوي على هذا الوجه المغرب أحد، وأقول لعلها كرامة ادخرها الله لبعض المتأخرين، وإذا الله أكرم بذلك وأهل له من لم يكد ير مثله في مثل ذلك الإمام السيوطي في كتابه المسمى بالجامع الكبير، صرح بهذا المقصد في أوله وفي أول الجامع الصغير اهـ منه ص ٣٩٢.\nوقال الإمام ابن الهندي طالعة كنزه: أنه وقف على كثير مما دونه الأئمة من كتب الحديث، فلم ير فيها أكبر جمعا منه بين أصول السنة، وأجاد مع كثرة الجدوى وحسن الألفاظ اهـ.\nقلت: وهذا سياق خطبة جمع الجوامع المذكور:\nهذا كتاب شريف حافل، ولباب منيف رافل، بجمع الأحاديث النبوية الشريفة كافل، قصدت فيه إلى استيعاب الأحاديث النبوية، وأرصدته مفتاحا لأبواب المسانيد العلية، وقسمته قسمين:\nالأول أسوق فيه لفظ المصطفى بنصه، وأطوق كل خاتم منه بفصه، وأتبع متن","vol":"2","page":146},{"text":"الحديث بذكر من خرّجه من الأئمة أصحاب الكتب المعتبرة ومن رواه من الصحابة من واحد إلى عشرة، أو أكثر من عشرة، سالكا طريقة يعرف منها: صحة الحديث، وحسنه، وضعفه.\nالثاني الأحاديث الفعلية المحضة أو المشتملة على قول أو فعل أو سبب أو مراجعة أو نحو ذلك مرتبا على مسانيد الصحابة، وسميته جمع الجوامع اهـ مختصرا.\nوفي التحفة القادرية للفقيه المؤرخ الجمّاع أبي محمد عبد السلام بن الخياط القادري الفاسي أن شيخ الإسلام بالمغرب أبا عبد الله القصار كان يقول في حقه: ما جمع أحد كجمعه فيه مع حسن الترتيب والتبويب اهـ.\nوفي محل آخر منها: ما جمع أحد كجمعه في هذا المصنف، ولا تفحص كتفحصه فيه، وقد أورد عدة من حفاظ المحدثين متون أحاديث مرسلة، ومعلقة من غير ذكر إسناد لها، فلما جاء السيوطي خرّجها بإسانيدها من طرق أخرى ومتابعات، وأوردها وبين الحكم في مراتبها اهـ.\nوعدد الأحاديث الموجودة في الجامع الكبير على ما في صدر الدرر اللوامع، على أحاديث جمع الجوامع، للحافظ أبي العلاء العراقي مائة ألف حديث اهـ.\nووجدت طرة على هامش رسالة للسيوطي في عدد مؤلفاته بخط بعض المشارقة على اسم جمع الجوامع هذا فيها ما نصه: مات ﵀ ولم يتمه، جمع فيه مائة ألف حديث، مع الحكم على كل حديث منها. وكان في غرضه أن يجمع فيه جميع الأحاديث النبوية بأسرها، فاخترمته المنية قبل ذلك اهـ.\nووجدت في بعض مجامعي منقولا عن بعض تلاميذ السيوطي ما نصه: عدد أحاديث الجامع الكبير ثمانون ألف حديث، وعددها في الدر المنثور له فيها ثلاثة وثلاثون ألفا اهـ.\nوقرأت في ثبت العلامة المسند المكثر أبي العباس أحمد بن قاسم بن محمد ساسي البوني التميمي حين ذكر السيوطي ما نصه: الذي حفظ ثلاثمائة ألف حديث قال: ولو وجدت أكثر لحفظته، وكان مراده أن يجمعها كلها في كتاب واحد، فجمع ثمانين ألف حديث في جامعه الكبير ومات، فلم يرد الله بجمع الأحاديث كلها في كتاب واحد اهـ منه.\nوقد وقع في أول نسختنا من الجامع الكبير تسمية الكتب التي أنهى السيوطي مطالعتها حال جمعه للجامع قال: خشيت أن تهجم المنية قبل تمامه على الوجه الذي قصدته فيقيض الله من يذيل عليه فإذا عرف ما أنهيت مطالعته استغنى عن مراجعته ونظر ما سواه من الكتب فسمى ثمانين مصنفا. ثم عقد فصلا آخر لبيان كتب وقع ذكرها في الجامع، ولم تذكر في هذه الترجمة، فسمّى ستا وسبعين مصنفا ولا أستحضر الآن أحدا اعتنى بالتذييل على جمع الجوامع من أهل المشرق والمغرب، لتراجع الأمة الإسلامية وتأخرها في القوة والعلم إلا","vol":"2","page":147},{"text":"ما كان من مفخرة فاس أبي العلاء العراقي الحسيني الفاسي المتوفي سنة ١١٨٣، فإنه اهتم بالجامع المذكور اهتماما عظيما، فألف في التعريف بالرجال المخرج لهم في الجامع الكبير، وهو عندي في مبيضته وألف أيضا الدرر اللوامع في الكلام على أحاديث جمع الجوامع لم يتممه، وعندي بعضه بخطه أيضا. واهتم بالتذييل عليه كما ذكر ذلك شيخ شيوخنا العلامة أبو محمد الوليد بن العربي العراقي في ترجمته من الدر النفيس، والقاضي ابن الحاج في الأشراف لما ترجماه، ولم يذكرا عدد المزيد ولا كيفيته ووقع في ترجمة الحافظ المذكور من سلوة الأنفاس أنه استدرك أحاديث كثيرة على الجامع الكبير للسيوطي تنيف على الخمسة آلاف اهـ.\nوأهمل صاحب السلوة «١» ذكر الذيل المذكور في رسالته المستطرفة، وكأنه بناه على ما كنت شافهته به، من أن الذيل المذكور لم يدونه العراقي ويفرده، إنما ألحق الحاقات بهامش نسخته.\nثم وجدت خاتمة الحفاظ بالمشرق الشيخ مرتضى الزبيدي المصري ترجم في معجمه لأبي العلاء العراقي المذكور قائلا بعد أن وصفه بحافظ العصر: حكى لي صاحبنا محمد بن عبد السلام بن ناصر، وهو أحد طلبته الملازمين له من رسوخه في الفن، وحسن ضبطه وحفظه ما يقضي به العجب، ولما أقرأ الجامع الكبير للحافظ السيوطي استدرك عليه نحو عشرة آلاف حديث، كان يقيدها في طرة نسخته بحيث لو نقل ذلك في كتاب لجاء مجلدا اهـ وابن عبد السلام الناصري أعرف الناس بأبي العلاء العراقي، لأنه أخذ عنه وعرف حاله فوصفه ووصف مصنفاته وصف السابرين.\nثم وقفت على كناشة ابن عبد السلام الناصري المذكور، المتضمنة لاجازته من مشائخه بخطوطهم، عقب استدعائه منهم فمنه استدعاؤه الإجازة من شيخه الحافظ العراقي المذكور وإجازته له عقبه بخطه فإذا فيه: واصفا ومحليا لشيخه العراقي بما نصه: ادعى صاحب جمع الجوامع أنه جمع الحديث كله، ثم استدرك عليه الشيخ المذكور أحاديث جمة فها هي مفرقة على هوامش أصله تبلغ عشرة آلاف من حفظه اهـ كلام ابن عبد السلام الناصري في استدعائه. وكان فيه بخطه استطرد فأصلحها شيخه العراقي بخطه استدرك، وأثر الاستدعاء المشتمل على ما ذكره وغيره إجازة شيخه العراقي بخطه ولعلها آخر ما كتب وقد اعتنى الشيخ علي المتقي المعروف بابن الهندي المكي بترتيب جمع الجوامع، والجامع الصغير على الأبواب الفقهية في عدة كتب: أكبرها كنز العمال، وقد اشتمل على خمسة وأربعين ألفا، وتسعمائة وتسعة وخمسين على عدّ مصححه، مع أن ابن الهندي يقول في صدره فمن ظفر بهذا التأليف فقد ظفر بجمع الجوامع مبويا مع أحاديث كثيرة ليست في\n_________\n(١) هو ابن خال المؤلف الحافظ السيد محمد بن جعفر الكتاني ﵀.","vol":"2","page":148},{"text":"جمع الجوامع؛ لأن المؤلف ﵀ زاد في الجامع الصغير وذيّله أحاديث لم تكن في جمع الجوامع اهـ.\nومن علم أن جمع الجوامع اشتمل علي ثمانين ألف حديث أو أكثر كما سبق وأن ابن الهندي غاية ما في كنزه نحو ستة وأربعين ألفا يظهر له إما أن جمع الجوامع الموجود بين أيدينا لم يشتمل على المقدار المذكور بل على قدر نصفه، أو أن ابن الهندي حذف منه المكرر ونحوه، وهذا أقرب على أن من تتبعه وجد فيه التكرار الكثير زيادة على كون الفائدة منه قليلة، ولعله زاد الأصل إغماضا وإيهاما، بحيث ربما تتيسر المراجعة في أصله ولا تسهل فيه، ولهذا الكنز مختصر اسمه منتخب كنز العمال وهو مطبوع بهامش مسند أحمد بمصر، وقد اشتمل المنتخب المذكور على نحو اثنين وثلاثين ألفا حديث، خالية عن التكرار، كما نقل عن العلامة الشمس الشوبري المصري.\nتنبيه: إسم الجامع الكبير جمع الجوامع، كما سبق لنا خطبته، وفي أول الدرر اللوامع لأبي العلاء العراقي أنه جمع الجوامع، ومعروف عند العامة بالجامع الكبير، وكتب بهامش الدرر بخطه أيضا: انظر هذا، وإنما هذه التسمية لابن حجر، وأما السيوطي فسماه جمع الجوامع اهـ.\nوكأنه اشتهر بذلك فرقا بينه وبين الجامع الصغير، والله أعلم. والجامع الكبير الذي ذكر لابن حجر هو؛ الجامع الكبير في سنن البشير النذير نسبه له ضمن مصنفاته المناوي، في: شرح توضيح النخبة المسمى باليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، ولم يذكره صاحب كشف الظنون، وكان على أبي العلاء العراقي أن يقول: إنما هذه التسمية أصلية للبخاري؛ ففي كشف الظنون: الجامع الكبير في الحديث للبخاري؛ ذكره ابن طاهر اهـ.\nتنبيه آخر: تقدم عن فهرس الشيخ أبي العباس البوني، أن الحافظ السيوطي بلغ محفوظه من الأحاديث ثلاثمائة ألف حديث، والذي سبق عنه بواسطة العلم الشامخ دون هذا. ووجدت بخط العلامة النحرير أبي عبد الله محمد بن عبد القادر الفاسي ناقلا له عن طبقات الشعراني الوسطى هو ما نصه: قال أي السيوطي: كان الحافظ ابن حجر يحفظ ما يزيد على مائتي ألف حديث. وكان الشيخ عثمان الديمي يحفظ عشرين ألف حديث، قال وأنا أحفظ مائتي ألف حديث، ولو وجدت أكثر لحفظته، ولعله لا يوجد على وجه الأرض أكثر من ذلك.\nقال الشعراني: وكان السيوطي أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، حافظا متقنا، ويعرف غريب ألفاظه واستنباط الأحكام منه، وقد بيّض ابن حجر لعدة أحاديث، لم يعرف من خرّجها ولا مرتبتها، فخرجها الشيخ وبين مرتبتها من حسن وضعف وغير ذلك اهـ.\nتنبيه ثالث: لا أعلم في الإسلام من اهتم بجمع الأحاديث فوصل جمعه إلى العدد الذي","vol":"2","page":149},{"text":"بلغه السيوطي، إلا ما رأيته في كشف الظنون، المطبوع بالاستانة ص ١١٨٥ من الجزء الأول؛ ففيه بحر الأسانيد للإمام الحافظ الحسن بن أحمد بن محمد السمرقندي المتوفى سنة ٤٩١ قال:\nوهو كتاب جمع فيه مائة ألف حديث، ورتبه وهذبه ولم يقع في الإسلام مثله.\nوذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، ولم أجد اسم الكتاب المذكور الآن في نسخة كشف الظنون الخطية عندي التي تم نسخها سنة ١٢٢٠، فلعله في أحد ذيوله الثلاثة التي جمع، وألحقت بالأصل، وطبع الجميع وعنون عنه بكشف الظنون، ونسب لحاجي خليفة تدليسا من أصحاب الطبع، وكان يجب عليهم أن ينبهوا لئلا يقع الناس في اللبس، وقد تأملت النسخة الخطية التي بيدي من الكشف، فإذا هي نحو ثلث المطبوع أو تزيد قليلا، وبهذا يزاح عنك إشكال وجود عدة مؤلفات في النسخة المطبوعة، لمن وجد في القرن الثاني عشر وأواخر الحادي عشر، مع أن مؤلف كشف الظنون مات سنة ١٠٦٧. كما في آكام المرجان في آثار هندستان.\nوقد رأيت بعضهم قال: لكشف الظنون ثلاثة ذيول، مزجت به فانحل الإشكال، وقد بحثت عن ترجمة أبي محمد الحسن السمرقندي المذكور في وفيات الأعيان، وذيلها فوات الوفيات للصلاح الكتبي، وطبقات الشافعية لابن السبكي فلم أجدها، ثم وجدته مترجما في شرح بديعية البيان للحافظ بن ناصر الدمشقي، قال فيه: الحسن بن أحمد بن محمد بن القاسم بن جعفر القاسمي أبو محمد المسرقندي الكوفيخني قوام السنة، نزيل نيسابور، تخرّج بجعفر المستغفري، أحد الأعيان وحدث عنه وعن خلق، وعنه خلق منهم: إسماعيل التميمي ووجيه الشحالي، وهو إمام حافظ، جليل رحال، ثقة نبيل. سمع وجمع وصنف وألف ومن مصنفاته: بحر الأسانيد في صحاح المسانيد يشتمل على مائة ألف من الأخبار، وهو في ثمانمائة جزء كبار وهي آثار الصحابة، وغيرها من الموقوفات، فأصبح مقصود السيوطي أسمى وأجمع.\nوترجم ابن عساكر في تاريخه: للحسين بن أحمد بن محمد بن الحسين بن ما سرجس النسيابوي الحافظ الماسرجسي المتوفي سنة ٣٦٥ فقال: صنف المسند الكبير في ألف وثمانمائة جزء مهذبا مبينا للعلل، ورأيت أنا مقدار مائة وخمسين جزآ منه، وعندي أنه لم يصنف في الإسلام مسند أكبر منه، فإنه وقع في خطه في ألف وثلاثمائة جزء.\nقلت: على التحقيق أنه يقع في خطوط الوراقين في أكثر من ثلاثة آلاف جزء، وكان مسند أبي بكر بخطه في بضعة عشر جزء، بعلله وشواهده فكتبه الوراقون في نيف وستين جزآ اهـ من اختصاره.\nوفي الزهر الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم للإمام محمد بن إبراهيم الوزير اليمني ص ٨٨ من الجزء الأول أن الحافظ الماسرجسي جمع المسند الكبير الذي فرغ في قدر ثلاثمائة مجلد كبار اهـ.\nتنبيه آخر: في شرح بديعية البيان؛ للحافظ ابن ناصر الدمشقي، لما ترجم ليعقوب بن","vol":"2","page":150},{"text":"شيبة السدوسي البصري، نزيل بغداد فقال فيه: صنف المسند ولم يكمله على منوال لم يصنف مثله، ولا رأى في العلل والكثرة شكله، فمسند، على ما قيل خمس مجلدات كبار لزمه على تخريجه عشرة آلاف دينار، وكان في بيته أربعون لحافا مرصدة لمبيت الوراقين الذين يبيّضون مسنده اهـ.\nواصل ذلك في طبقات الحفاظ للذهبي، وزاد في حق المسند المذكور أنه: ما صنف مسند أحسن منه. وقيل: إن نسخة من مسند أبي هريرة منه شوهدت بمصر فكان مائتي جزء. قال: والذي ظهر له من المسند مسند العشرة، وابن مسعود وبعض الموالي، وأرخ وفاته سنة ٢٦٢ ثم قال الذهبي: كان وقع لي في مسنده جزء. اهـ فانظر لهذه الهمم السامية والماثر الهامية فرحم الله السلف وألهم الخلف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>باب في كيفية تلقي الصحابة للعلم وأنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي</span>\nأخرج أبو نعيم في آداب العالم والمتعلم، والديلمي عن أبي هريرة رفعه: إذا جلستم إلى العالم أو [المعلم] فادنوا، وليجلس بعضكم خلف بعض ولا تجلسوا متفرقين، كما يجلس أهل الجاهلية. ذكره الحافظ السيوطي في الجمع. وبوّب الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: باب الجلوس عند العالم ثم قال: عن قرة إن رسول الله ﷺ: كان إذا جلس جلس إليه أصحابه حلقا حلقا. رواه البزار، وفيه سعيد بن سلام، وكذبه أحمد وعن يزيد الرقاشي قال: كان أنس مما يقول لنا إذا حدثنا هذا الحديث: إنه والله ما هو بالذي تصنع يعني أنت وأصحابك، يقعد أحدكم فتجتمعون حوله، فيخطب. إنما كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقا يقرؤون القرآن، ويتعلمون الفرائض والسنن، ويزيد الرقاشي ضعيف اهـ.\nوقد بوّب البخاري «١» في الصحيح باب الحلق والجلوس في المسجد. أي جواز ذلك فيه لتعلم العلم، وقراءة القرآن، والذكر ونحو ذلك، وإن استلزم ذلك استدبار بعضهم القبلة، وأما التحلق فيه في أمور الدنيا فغير جائز، وهو المراد بحديث ابن مسعود: سيكون في آخر الزمام قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا، أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم، فإنه ليس لله فيهم حاجة. ذكره الحافظ العراقي في شرح الترمذي وقال: إسناده ضعيف، وعليه أيضا يحمل حديث مسلم «٢» عن جابر: دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق فقال: ما لي أراكم عزين؟ قال ابن حجر: إنما أنكر تحلقهم على ما لا فائدة فيه، ولا منفعة بخلاف تحلقهم حوله فإنما كان لسماع العلم اهـ.\nوقد عقد الإمام اليوسي فصلا في قانونه ذكر فيه أصول طرق نشر العلم، فقال: أما التعليم بصورة التدريس فأصله ما كان ﷺ يفعله في مجالسه مع أصحابه، من تبيين الأحكام\n_________\n(١) انظر كتاب الصلاة باب ٨٤ ج ١/ ١٢١.\n(٢) انظر كتاب الصلاة باب ٢٧ ج ١/ ٣٢٢.","vol":"2","page":151},{"text":"والحكم والحقائق، وتفسير الآيات القرآنية، وذكر فضائلها وخواصها، وغير ذلك. وهم في ذلك مجتمعون عليه، فهذا تقرير وتبيين. قال تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:\n٤٤] وهذه حلقة العلم، ولم تزل حلق العلم على العلماء كذلك، وهلم جرا اهـ منه.\nوأخرج المروزي وابن أبي شيبة عن أبي معاوية الكندي قال: قدمت على عمر بالشام فسألني عن الناس فقال: لعل الرجل يدخل المسجد كالبعير النافر، فإن رأى مجلس قومه ورأى من يعرفهم جلس إليهم فقلت: لا ولكنها مجالس شتى يجلسون فيتعلمون الخير ويذكرونه. قال: لن تزالوا بخير ما دمتم كذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>باب في وقوفه ﵇ على حلق العلم لأصحابه وجلوسه فيها معهم وإيثارها على حلق الذكر</span>\nاتصل بنا في ذلك حديث مسلسل، بحرف العين في اسم كل راو أرويه، وأنا عبد الحي، عن والدنا الشيخ عبد الكبير الكتاني، سماعا عليه غير مرة، والشيخ عبد الجليل برادة المدني، والشيخ عبد الحق الإلهابادي الهندي ثم المكي، شفاها منهما بمكة ومسند المدينة المنورة أبي الحسن علي بن طاهر الوتري المدني كتابة منها وغيرهم، قالوا: حدثنا الشيخ عبد الغني ابن أبي سعيد الدهلوي المدني بها، قال أنا عابد السندي الأنصاري المدني، قال: إني الشيخ علي بن عبد الخالق المزجاجي قال: أخبرنا والدي قال أنبأنا عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجي، عن علاء الدين بن محمد باقي المزجاجي عن عبد الله بن سالم البصري، عن عيسى بن محمد الثعالبي، عن علي الاجهوري، عن عمر بن ألجاي، عن الحافظ عبد الرحمن الأسيوطي، أنا أبو هريرة عبد الرحمن بن الملقن، أنا علي بن أبي المجد، أنا عيسى بن عبد الرحمن بن مطعم، قال: أنا عبد الله بن عمر اللتي، أنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، أنا عبد الرحمن بن محمد الداودي، أنا عبد بن أحمد السرخسي، أنا عيسى بن عمر السمرقندي، أنا الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أنا عبد الله بن يزيد أنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ مرّ بمجلسين في مسجده فقال: كلاهما خير، وأحدهما أفضل من صاحبه؛ أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم، ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلما. قال: ثم جلس فيهم.\nقلت هكذا أورده الحافظ الدارمي في مقدمة مسنده تحت باب فضل العلم والعالم انظر ص ٨٤ من المطبعة الهندية الأولى «١» .\n_________\n(١) انظر ص ٨٣ من المقدمة باب (١٧) . طبعة استانبول.","vol":"2","page":152},{"text":"وقد أخرجه ابن ماجه في سننه تحت باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، وهذا سياقه: حدثنا بشر بن هلال الصواف حدثنا داود بن الزبرقان عن بكر بن خنيس، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم من بعض حجره، فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرأون القرآن ويدعون الله، والآخرى يتعلمون ويعلمون، فقال النبي ﷺ: كلّ على خير، هؤلاء يقرؤون القرآن ويدعون الله، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلمون، وإنما بعثت معلما فجلس معهم.\nقال الحافظ السخاوي كما في حصر الشارد قوله: هذا حديث غريب وابن أنعم الأفريقي ضعيف لسوء حفظه، ولكن للمتن شواهد، قال السيوطي: وأخرجه ابن ماجه من حديث بكر بن خنيس عن ابن زياد بن أنعم، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن الحبلي، فكان الحديث عن ابن أنعم عنهما معا عن ابن عمرو اهـ.\nقال ابن حجر الهيثمي في حواشي المشكاة، على قوله: مر بمجلسين؛ أي حلقتين اهـ.\nوفي ترجمة جابر بن عبد الله من در السحابة للسيوطي نقلا عن مصنف وكيع: كان لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد النبوي، يؤخذ عنه العلم اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>باب فيمن كان يخلف المصطفى بعد قيامه من مجلسه للتذكير والفقه</span>\nفي شرح الإحياء نقلا عن القوت: وكان عبد الله بن رواحة يقول لأصحاب رسول الله ﷺ: تعالوا حتى نؤمن من ساعة فيجلسون إليه، فيذكرهم العلم بالله، والتوحيد في الآخرة، وكان يخلف رسول الله ﷺ بعد قيامه، فيجمع الناس ويذكرهم الله، ويفقههم فيما قال رسول الله ﷺ. فربما خرج عليهم رسول الله ﷺ، وهم مجتمعون عنده، فيسكتون، فيقعد إليهم ويأمرهم أن يأخذوا فيما كانوا فيه. ويقول رسول الله ﷺ: بهذا أمرت ويروى نحو هذا عن معاذ بن جبل: وكان يتكلم في هذا العلم. وقد روينا هذا مفسرا في حديث جندب: كنا مع رسول الله ﷺ فيعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>باب في تدارسهم القرآن وتفسير المصطفى لهم آية</span>\nفي صحيح مسلم «١» وغيره من حديث طويل عن أبي هريرة: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتعلمون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. قال القاري في شرح المشكاة:\n«التدارس قراءة بعضهم على بعض؛ تصحيحا لألفاظه، أو كشفا لمعانيه، كذا قال ابن الملك. ويمكن أن يكون المراد بالتدارس: المدارس: المدارسة المتعارفة؛ بأن يقرأ\n_________\n(١) انظر كتاب الذكر ج ٣ ص ٢٠٧٤ رقم ٣٨. وأوله: عن أبي هريرة: من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا.","vol":"2","page":153},{"text":"بعضهم عشرا مثلا، وبعضهم عشرا آخر. وهكذا. فيكون أخصّ من التلاوة، أو مقابلا لها، والأظهر أنه شامل لجميع ما يناط بالقرآن، من التعلم والعلم» .\nفانظر أصل التدريس وتعاطي علوم القرآن، فإنه قديم. وقد ذكر السيوطي في الإتقان: أنه ﵇ بيّن لأصحابه جميع تفسير القرآن، أو غالبه. ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد وابن ماجه «١» عن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وأن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها. فدل فحوى الكلام على أنه كان ﵇ يفسر لهم كل ما نزل، وأنه إنما لم يفسر لهم هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها، وإلا لم يكن لتخصيصها وجه.\nوأما ما أخرجه البزار عن عائشة قالت: ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئا من القرآن، إلا آيات بعد أن علمه إياهن جبريل، فهو حديث منكر. كما قال الحافظ ابن كثير، وأوّله ابن جرير وغيره على أنها إشارات إلى آيات مشكلات، أشكلن عليه، فسأل الله عنهنّ، فأنزل إليه على لسان جبريل، وانظر الحديقة الندية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>باب في أن الصحابة كانوا يعتنون بما يبلغهم من العلم بالحفظ والمذاكرة فيه</span>\nخرّج أبو نعيم عن علي قال؛ تزاوروا وتذاكروا هذا الحديث؛ إن لا تفعلوا يدرس.\nوذكر أبو عمر بن عبد البر عن ابن مسعود قال: تذاكروا الحديث، فإنه يفهم بعضهم بعضا، وذكر أيضا عن عون بن عبد الله قال: لقد أتينا أم الدرداء فتحدثنا عندها فقلنا:\nأمللناك يا أم الدرداء فقالت: ما أمللتموني، لقد طلبت العبادة بالمدينة، فما وجدت أشهى لنفسي من مذاكرة العلم، أو قالت من مذاكرة الفقه.\nوروي عن عمر بن الخطاب قال: لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب، أو أجالس قوما يلتقطون أطيب القول، كما يلتقط طيب الثمر، لأحببت أن أكون قد لحقت بالله.\nوحكى ابن قتيبة أن معاوية قال لعمر: ما بقي من لذة الدنيا إلا محادثة الرجال أهل العلم، أو خبر صالح يأتيني من ضيعتي.\nوخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي سعيد الخدري قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قعدوا يتحدثون، وكان حديثهم الفقه، إلا أن يأمروا رجلا فيقرأ عليهم سورة، أو يقرأ رجل سورة من القرآن.\nوفي القاموس: الفقه بالكسر: العلم بالشيء والفهم له والفطنة، وغلب على علم الدين لشرفه اهـ.\n_________\n(١) انظر ابن ماجه كتاب التجارات ج ٢ ج ٧٦٤ ورقمه ٢٢٧٦ ونصه عن عمر بن الخطاب قال؛ إن آخر ما نزلت آية الربا، وأن رسول الله ﷺ قبض ولم يفسرها لنا. فدعوا الربا والريبة.","vol":"2","page":154},{"text":"وقال الشمس ابن الطيب في حواشيه: قيده جماعة بأنه العلم بالشيء الخفي، فلا يقال مثلا: فقهت السماء والأرض. وقيل: الفقه شدة الفهم والفطنة، وقيل: الفقه أنزل من العلم اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>باب في الأمر بالاعتناء بالسند في نقل السنة</span>\nأسند الديلمي عن علي مرفوعا: إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده. قال السيوطي في تدريب الراوي: وفي الباب أحاديث غير ذلك اهـ.\nوقال ابن حجر الهيثمي في شرح المشكاة على حديث الصحيحين وغيرهما: بلغوا عني ولو آية «١»، ولكون الإسناد يعرف به الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية، وقيل: بلغوا عني؛ يحتمل وجهين أحدهما: اتصال السند بنقل الثقة إلى مثله إلى منتهاه، لأن التبليغ من البلوغ. وهو انتهاء الشيء على غايته. والثاني: أداء اللفظ كما سمع من غير تغيير، والمطلوب في الحديث كلا الوجهين، لوقوع بلغوا: مقابلا لقوله: حدثوا عن بني إسرائيل اهـ بنقل من سلطان في المرقاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>باب إباحته ﵇ التحديث بالأخبار الإسرائيلية وعجائب الأمم الماضية</span>\nحديث الصحيحين عن أبي هريرة وابن عمر مشهور وفيه: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: الظاهر منه أنه ﵇ أباح التحدث عنهم بما يذكر فيهم من العجائب، وإن لم يأت ذلك بنقل العدل عن العدل، إذا كان من الكلام الحسن الذي لا يدفعه العقل، وأنه ليس تحته حكم فيلزم التثبت في روايته اهـ منه.\nوقال العلقمي: أي لا ضيق عليكم في التحديث عنهم؛ لأنهم كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم والنظر إلى كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدنيوية، خشية الفتنة ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار اهـ نقله القاوقجي في الذهب الأبريز، وهو حسن. وقال المناوي في التيسير: أي بلغوا عنهم القصص والمواعظ ونحو ذلك، ولا حرج عليكم في التحديث عنهم ولو بلا سند، لتعذره بطول الأمد، فيكفي غلبة الظن بأنه عنهم اهـ.\nوقال السيد جمال الدين كما في القاري على المشكاة: المراد بالتحديث هنا التحديث بالقصص من الآيات العجيبة، وكحكاية عوج بن عنق، وقتل بني إسرائيل أنفسهم، في\n_________\n(١) انظر صحيح البخاري كتاب الأنبياء باب ٥٠ ص ١٤٥ ج ٤. وبقية الحديث: وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.","vol":"2","page":155},{"text":"توبتهم من عبادة العجل، وتفصيل القصص المذكورة في القرآن، لأن في ذلك عبرة وموعظة لأولي الألباب.\nولكن أخبار عوج بن عنق موضوعة، أفرد الحافظ الأسيوطي الكلام عليها بمؤلف، انظره وفي تثقيف اللسان، وتلقيح الجنان؛ لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الحميري المازري، قاضي تونس في باب: ما تأول على غير تأويله وهو الباب ٤١ منه.\nومن ذلك توهمهم قول النبي ﷺ: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، أن معناه:\nحدثوا عن بني إسرائيل بما يصح عندكم وما لا يصح، وليس كذلك: قال لنا الشيخ أبو محمد عبد الحق أيده الله: إنما المعنى لا حرج عليكم أن لا تحدثوا عن بني إسرائيل، لأن أول واجب هو قوله: بلّغوا عني ولو آية وليس بواجب عليكم أن تحدتوا بما صح عندكم من حديث بني إسرائيل، إن شئتم حدثوا وإن شئتم فلا حرج عليكم، كما عليكم الحرج أن لا تبلغوا عني اهـ منه.\nوذكر الخطيب البغدادي؛ كما نقله عنه السخاوي في فتح المغيث: إن اطّراح أحاديث بني إسرائيل المأثورة عن أهل الكتاب، وما نقل عن أهل الكتاب واجب، والصدود عنه واجب قال: وأما ما حفظ من أخبار بني إسرائيل وغيرهم، من المتقدمين عن النبي ﷺ وأصحابه وعلماء السلف، فإن روايته تجوز ونقله غير محظور.\nثم روى عن الشافعي أن معنى: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج أي؛ لا بأس أن تحدثوا عنهم بما سمعتم، وإن استحال أن يكون في هذه الأمة. قال السخاوي: لكن قال بعض العلماء: إن قوله: ولا حرج في موضع الحال، أي حدثوا عنهم، حال كونه: لا حرج في التحديث بما حفظ من أخبارهم، عن النبي ﷺ يعني وعن أصحابه والعلماء. كما قاله الخطيب فإن روايته تجوز اهـ.\nوقد بينت ذلك واضحا في كتابي (الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل) اهـ.\nقلت: انظر ما سيأتي ممن كان من الصحابة يقرأ الكتب القديمة، وفي الدر المختار في شرح تنوير الأبصار، للعلامة الحصكفي الدمشقي من كتب فقه الحنفية حديث حدثوا عن بني إسرائيل يفيد حل سماع العجائب والغرائب من كل ما لا يتيقن كذبه، بقصد الفرجة لا الحجة بل وما يتيقن كذبه، لكن بقصد ضرب الأمثال والمواعظ، وتعليم نحو الشجاعة على لسان آدميين أو حيوانات ذكره ابن حجر اهـ.\nقال الشمس ابن عابدين في حواشيه عليه، المسماة رد المحتار على قوله: لكن بقصد ضرب الأمثال، وذلك كمقامات الحريري، فإن الظاهر أن الحكايات التي فيها عن الحرث ابن همام والسروجي لا أصل لها. وإنما أتى بها على هذا السياق العجيب لما لا يخفى","vol":"2","page":156},{"text":"على من طالعها، وهل يدخل في ذلك مثلا قصة عنترة والملك الظاهر، إذا قصد به ضرب الأمثال ونحوها فيحرر اهـ.\nقلت: ومنه قصص ألف ليلة وليلة، وألف يوم ويوم، فكل ذلك من معنى ما ذكر وأمثاله، مما يقصد به زيادة على تنشيط النفس العلم بما جريات من سبق، لأن القصص وإن كانت خرافية، فلا تخلو من إفادة عن حال واضعيها ومدونيها، أو من دوّنت على لسانهم والله أعلم.\nوفي فتاوى ابن حجر الهيثمي: مقامات الحريري على صورة الكذب ظاهرا ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، وإنما هي ضرب الأمثال، وإبراز الطرق الغريبة والأسرار العجيبة، والبديع الذي لم ينسج على منواله، ولا خطر بفكر أديب فشكر الله سعي واضعها، ومن أطلق عليها الكذب استهزاء بما فيها من العلوم كفر: فقد قال الأيمة من قال: قصعة من ثريد خير من العلم إنه يكفر، فإذا كفر بهذا سواء قصد استهزاء أم لا. فما ظنك بمن يستهزىء بالعلم ويجعله كذبا اهـ وانظر شرح النابلسي على الطريقة المحمدية ص ٢٥٠ من ج ٢.\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>باب في إرشاد النبي ﷺ الناس إلى ما تميز بفضيلة من أصحابه ليؤخذ عنه</span>\nقال الحافظ أبو نعيم: وإذا ظهر للعالم البلاغ والكمال في العلم من بعض أصحابه، دله على مكانه ومنزلته من العلم ليفزع الناس إليه بعده، إذا فقدوه ونزلت بهم الحوادث والمعضلات. واحتج لذلك بحديث حذيفة عن النبي ﷺ: اقتدوا باللذين من بعدي «١»، وأشار إلى أبي بكر، واهتدوا بهدي عمر، وإذا حدثكم ابن أم عبد فصدقوا، ومنه حديث:\nاستقرئوا القرآن من أبي وابن مسعود، فدل على من فيه الأهلية. وهي شهادة منه ﵇ لهم.\nومنه أخذ الشمس محمد بن مسعود الطرنباطي الفاسي الأصل للشهادات التي يعطيها الشيوخ لتلاميذهم، تعريفا بمعلوماتهم وتقديرا لمزاياهم. انظر بلوغ أقصى المرام في شرف العلم وما يتعلق به من الأحكام له. خرّج أحمد «٢» والترمذي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.\nوأخرجه أبو يعلى من حديث ابن عمر وزاد فيه: وأقضاهم علي، وأخرجه الديلمي\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب باب ١٦ ج ٥/ ٦٠٩.\n(٢) رواه أحمد ج ٣/ ٢٨١ والإسلامي ٣٥٦/ ٣ ورقمه فيه: ١٣٩٧٤.","vol":"2","page":157},{"text":"في مسند الفردوس، من حديث شدّاد بن أوس. وزاد: أبوذر أزهد أمتي وأصدقها، وأبو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها، ومعاوية بن أبي سفيان أحكم أمتي. وقد ذكر هذا الحديث أبو عمر بن عبد البر؛ في الاستيعاب من طرق مسندا ومرسلا وقال: روينا عن عمر من وجوه أنه قال: أقضانا علي، وأقرؤنا أبي اهـ.\nقال السيوطي عقبه في تاريخ الخلفاء: وقد سئل شيخنا الكافيجي عن هذه التفصيلات: هل تنافي تفضيل أبي بكر فأجاب بأنه لا منافاة اهـ.\nوقال الشافعي، كما في جمع الجوامع وشرحه للمحلي: أن الخبرين المتعارضين في مسألة الفرائض يرّجح منهما الموافق لزيد فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعلي، والمتعارضين في مسألة في غير الفرائض يرجح منهما الموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعلي، قال المحلي: وذكر الموافق للثلاثة على هذا الترتيب لترتيبهم، كذلك المأخوذ من الحديث السابق، فقول الصادق ﵇ فيه: أفرضكم زيد على عمومه، وقوله أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، يعني في غير الفرائض، وكذا قوله: أقضاكم علي يعني في غير الفرائض، واللفظ. في معاذ أصرح منه في علي، فقدم عليه في الفرائض وغيرها اهـ.\nقال العطار في حواشيه: توضيح ما ذكره أن الحلال والحرام علم، وعلم القضاء المستفاد من قوله: أقضاكم علي عام، والفرائض المستفاد من قوله أفرضكم خاص، والخاص مقدم على العام فيخص العام به، جمعا بين الدليلين. وقوله: أصرح منه يعني أن الحلال والحرام عام مصرح به، وعلم القضاء، غير مصرح به، بل مستفاد من قوله:\nأقضاكم علي. كما أوضح ذلك الناصر اهـ.\nوعن ابن عباس قال خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية وقال: أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت إلى أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني واليا قاسما. رواه الطبراني في الأوسط وفيه سليمان بن داود بن الحصين لم أر من ذكره قاله النور الهيثمي في مجمع الزوائد.\nقلت: وفي مرآة المحاسن، عن والد مؤلفها الشيخ أبي المحاسن، في وجه ذكر كل واحد من الخلفاء بوصف خاص، كما في حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها أن هذا كالطبائع الأربع، وإنما يحكم على الإنسان بالغالب، وعليه الخلفاء لم يخل أحد منهم بما يحكم به على الآخر اهـ.\nوفي المقتصر على المختصر للباجي على حديث: أقرؤكم أبي، وأفرضكم زيد، ليس في هذا الحديث ما يوجب كونه فوق الخلفاء الراشدين، وفوق أجلاء الصحابة فيما ذكروا به، وإنما المعنى أن من جلّت رتبته في معنى من المعاني، جاز أن يقال: إنه أفضل الناس","vol":"2","page":158},{"text":"في ذلك المعنى، وإن كان فيهم مثله، أو من هو فوقه، وكذا يجوز أن يقال عمن برع في العلم: إنه أعلم الناس، وإن كان لا يعرف الناس جميعا ولا مقدار علومهم اهـ منه ص ٣٩٤.\nوفي الوسيلة الأحمدية والذريعة السرمدية. في شرح الطريقة المحمدية للشيخ رجب بن أحمد التركي:\nالأولى في تفضيل الخلفاء الأربعة، أن كلّ واحد منهم أفضل من الآخر، باعتبار الوصف الذي اشتهر به، لأن فضيلة الإنسان ليست من حيث ذاته، بل باعتبار أوصافه.\nوعلى هذا نقول: إن أبا بكر أفضل من الصحابة، باعتبار كثرة صدقه واشتهاره فيما بينهم، وعمر أفضلهم من جهة العدل، وعثمان أفضلهم من جهة الحياء، وعلي أفضلهم من جهة العلم واشتهاره به، ويؤيده ما ذكره البزازي في كتاب أدب القاضي: بأن سيف الهدى كان بيد محمد ﵇، وسيف [القضاء على] الردة كان بيد أبي بكر الصديق، وسيف الفتح كان بيد عمر الفاروق، حيث نصب في عهده اثنا عشر ألف منبر، وسيف البغي كان بيد علي المرتضى اهـ.\nعلى أنه يمكن أن تكون فضيلة واحدة أرجح من فضائل كثيرة، إما بشرفها في نفسها، أو لزيادة كيفية. أنظر بقيته فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>باب في إطلاق العلّامة في العصر النبوي على أعلم الناس بأنساب العرب والشعر</span>\nفي الإحياء لدى كتاب العلم: مرّ رسول الله ﷺ برجل والناس مجتمعون عليه، فقال: ما هذا قالوا: رجل علامة، فقال: بماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب. قال: علم لا ينفع، وجهل لا يضر. قال الحافظ العراقي في المغني أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة، وضعفه. وفي آخر الحديث: إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة اهـ «١» .\nوفي التخريج الكبير للعراقي رواه أبو نعيم في رياض المتعلمين من رواية بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة، وفيه: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فرأى جمعا من الناس على رجل فقال: ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله رجل علامة؟ قال: وما العلامة؟ قالوا أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بالشعر، وما اختلفت فيه العرب. فقال: هذا علم لا\n_________\n(١) قال في تخريج أحاديث الأحياء ص ٣٠ ج ١: وهذه القطعة من الحديث في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ونصها في ابن ماجه ص ٢١ ج ١ من المقدمة باب ٨ والقلم ثلاثة فما وراء فلك فهو فضل؛ آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة. ورواها أبو داود في أول كتاب الفرائض ص ٣٠٦ ج ٣.","vol":"2","page":159},{"text":"ينفع وجهل لا يضر. ثم قال: العلم ثلاثة ما خلاهن فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة اهـ.\nقلت: وقد قدمنا عن شارح الإحياء: الإيماء، إلى الجمع بين الحديث المذكور، والحديث السابق الذي فيه: تعلموا من أنسابكم ما تصلونه به أرحامكم، بأن محل النهي، إنما هو في التوغل فيه، والاسترسال بحيث يشغل به عما هو أهم، وكأني به ﵇ أراد بخبر هذه الترجمة لمن يجعل الوسائل مقاصد، ويخلط بين المقامات. وكم من عالم يريد أن يشوّف الناس إلى علم ما يعلم، كعلمه فخرج ذلك منه ﵇ مخرج الحض على ذلك، وإلا فعلم أيام العرب وأشعارهم من أجل العلوم قدرا، وبه نهتدي إلى مواضع غوامض القرآن والسنة، والله أعلم.\nوفي القاموس ممزوجا بكلام التاج: ورجل عالم وعليم، جمع: علماء وعلّام.\nكجهال. وعلمه العلم تعليما وعلاما، ككذاب. والعلامة مشددة وكشدّاد وزنّار والتعلامة العالم جدا، والعلامة والعلّام النسابة وهو من العلم اهـ.\nوفي ترجمة عقبة بن عامر الجهني من التذكرة: كان فقيها علامة قارئا لكتاب الله بصيرا بالفرائض كبير القدر اهـ «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>باب في ذكر اختبار المصطفى قوابل أصحابه ومبلغهم من الذكاء والفهم في العلم</span>\nترجم البخاري «٢» على هذا القدر في كتاب العلم بقوله: باب طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم وذكر فيه قصة لغز المصطفى ﷺ في النخلة، وكان ابن عمر أصغر الحاضرين قال: فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قال: حدثنا ما هي يا رسول الله قال: هي النخلة وكان ابن عمر على ما في الفتح هو عاشر عشرة. قال الحافظ: فكان منهم أبو بكر وعمر وابن عمر وأبو هريرة وأنس. وفي الموطأ من رواية ابن القاسم قال عبد الله: حدثت بالذي وقع في نفسي من ذلك عمر بن الخطاب فقال عمر: أن تكن قلتها أحبّ إليّ من حمر النعم اهـ.\nقال البدر الزركشي في كتابه: عمل من طب لمن حب، أن النخلة لا يطلق عليها شجرة، وتأويل قوله ﵇: أن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها، أنه استعمله للألغاز اهـ وقد رده ابن الطيب الشركي في حواشيه على إرشاد القسطلاني وغيره: بأن الزجّاج وغيره نصّوا على أن العرب سموا النخل شجرا فانظره.\n_________\n(١) من العجيب كيف لم يشر المؤلف هنا وهو بحر إلى مكانة الصديق في معرفة أنساب العرب، حتى إن الرسول ﷺ أمر حسان ثابت أن يأخذ عنه مثالب قريش حين أراد الرد على هجائهم.\n(٢) انظر كتاب العلم للبخاري ج ١ ج ٢٦ باب ١٤.","vol":"2","page":160},{"text":"وقال أبو عبد الله ابن زكري على هذه الترجمة: ينبغي أن لا يبالغ في التعمية لئلا يوقعهم في الحيرة، وقد سألهم المصطفى وفي يده جمّار ففيه إشارة إلى وجه المخرج.\nوأما نهيه عن الأغلوطات فهي صعاب المسائل المعماة، أو ذلك محمول على ما لا يوقع فيه، أو خرج مخرج تعنيت المسؤول وتعجيزه اهـ.\nوفي ألغاز ابن فرحون المسماة درة الغواص في محاضرة الخواص قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على أنه ينبغي للعالم أن يميز أصحابه بألغاز المسائل العويصات عليهم، ليختبر أذهانهم في كشف المعضلات، وإيضاح المشكلات، وهذا النوع سمّته الفقهاء الألغاز، وأهل الفرائض سموه المعايات، والنحاة يسمونه الأحاجي، وقد ألف العلماء في ذلك تصانيف عديدة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>باب في تخصيصه ﷺ لأهل العلم أياما معلومة</span>\nترجم البخاري لهذا القدر أولا بقوله: ما كان ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم، كي لا ينفروا. فأخرج عن ابن مسعود: كأن ﷺ يتخّولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السامة علينا «١»، ثم أخرج عن أنس قال قال رسول الله ﷺ يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا «٢» ثم ترجم أيضا بقوله باب من حفظ لأهل العلم أياما معلومة فاسند إلى أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك تذكرنا في كل يوم. قال: أما أنه يمنعني من ذلك إني أكره أن أملّكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السامة علينا «٣» .\nقال الحافظ في الفتح: يستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في العمل أيضا، خشية الملل. وإن كانت المواظبة مطلوبة لكن على قسمين: إن كان يوم مع عدم التكلف، وإما يوما بعد يوم، الترك لأجل الراحة، ليقبل على الثاني بنشاط. وإما يوما في الجمعة ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط: الحاجة مع مراعاة وجود النشاط اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>باب في أن العلم كانوا يحملونه تدريجيا وأنه يؤخذ الأوكد والأسهل، فالأصعب، والمبادي قبل غيرها</span>\nذكر البخاري «٤» عن ابن عباس: كونوا ربانيين علماء فقهاء علماء قال البخاري:\nوالمراد بصغار العلم: ما وضح من مسائله، وبكباره: ما دق منها. وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده اهـ.\n_________\n(١) انظر كتاب العلم ج ١/ ص ٢٥ باب ١١.\n(٢) كتاب العلم ج ١ ص ٢٥ من الصحيح.\n(٣) كتاب العلم ج ١ ص ٢٥ من الصحيح.\n(٤) كتاب العلم ج ١ ص ٢٥ من الصحيح.","vol":"2","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>باب في حرص الصحابة على التعلم وهم كبار</span>\nقال البخاري في باب: الأغتباط بالعلم والحكمة: وقد تعلم أصحاب رسول الله ﷺ في كبر سنهم «١» .\nقلت: والشأن كان عندهم في طلب العلم صغر السن؛ للأثر المشهور التعلم في الصغر كالنقش في الحجر قيل: من كلام علي، وقيل: من كلام الحسن، وما تعلم ابن عباس وعلي إلا في صغرهما.\nوقال بعض الشيوخ كما في روضة الأعلام لابن الأزرق الغرناطي: تعليم الكبير آكد من تعليم الصغير، ولا يقول الكبير: لا أتعلم لأني لا أحفظ، لأن الصحابة تعلموا وهم كبار شيوخ، وكهال، واشتغلوا بالعلم فكانوا بحورا اهـ.\nوفي سراج الملوك للطوطوشي: كان أصحاب النبي ﷺ يسلمون شيوخا وكهولا وأحداثا. وكانوا يتعلمون العلم والقرآن والسنن، وهم بحور العلم، وأطواد الحكمة والفقه، غير أن العلم في الصغر أرسخ أصولا وأبسق فروعا اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>باب في أمرهم بطلب العلم قبل التزوج</span>\nذكر البخاري عن عمر ﵁ أنه قال: تعلموا قبل أن تسودوا «٢» . ونقل عياض عن بعض العلماء: أي أن تتزوجوا، لئلا تشغلكم أزواجكم وبيوتكم عن ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>باب في ذكر أن التاجر منهم كان يتعلم والمتعلم منهم كان يتجر</span>\nبوّب البخاري «٣» في صحيحه: باب التناوب في العلم، فذكر فيها قول عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار، نتناوب النزول على رسول الله ﷺ، ينزل يوما وأنزل يوما. فإذا نزلت يوما جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي. وإذا نزل فعل مثل ذلك. قال الحافظ: وفيه أن الطالب لا يغافل في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم، مع أخذه بالحزم في السؤال عما يقوله يوم غيبته، لما علم من حال عمر أنه كان يتعانى التجارة إذ ذلك اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>باب في كون الصحابة كانوا يعلمون نساءهم وإماءهم وأن المصطفى كان يجعل للنساء يوما على حدة</span>\nبوّب البخاري «٤» على هذا القدر بقوله: باب تعليم الرجل أمته وأهله، فذكر فيه قول النبي ﷺ: في الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين، ومنهم رجل كانت عنده أمة فأدبها\n_________\n(١) كتاب العلم ج ١ ص ٢٦ من الصحيح.\n(٢) كتاب العلم ص ٢٥/ ١.\n(٣) كتاب العلم ص ٣١/ ١.\n(٤) كتاب العلم ص ٣٢ ج ١ باب ٣١.","vol":"2","page":162},{"text":"وأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها. ثم بوب البخاري «١» أيضا باب عظة الأمام النساء وتعليمهن، فذكر فيه خروج المصطفى، ومعه بلال فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة.\nقال الحافظ: نبه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصا بأهلهن، بل ذلك مندوب إلى الإمام الأعظم، ومن ينوب عنه اهـ.\nثم بوّب البخاري «٢» أيضا باب: هل يجعل للنساء يوما على حدة؟ فذكر قول النساء لرسول الله ﷺ: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن اهـ.\nومن اللطائف أن الإمام أبا إسحاق الأسفرايني، ذهب إلى أن الأحكام والأحاديث التي يرويها الرجال والنساء إذا تعارضت، فالمقدم مروي المرأة. قال: وأضبطية جنس الذكر إنما تراعى حيث ظهرت في الآحاد، وإلا فكثير من النساء أضبط من كثير من الرجال، وصوّبه الزركشي، ونقله عنه العراقي وأقره. وعكس السبكي في جمع الجوامع؛ فجعل من المرجّحات كون الراوي ذكرا. قال المحلي: لأنه أضبط منها في الجملة، قال العبادي: ظاهر تقديم خبر الذكر حتى على خبر الأنثى التي علمت أضبطيتها. وفيه نظر ولا يبعد تخصيص هذا إذا جهل الحال. أما لو علمت اضبطية تلك الأنثى فيقدم خبرها اهـ.\nوثالثها: يرجحّ الذكر في غير أحكام النساء؛ بخلاف أحكامهن؛ لأنهن اضبط فيها. ومن الأئمة من فصّل: فجعل محل تقديم الذكر على الأنثى إن لم تكن الأنثى صاحبة الواقعة المروية، وذكر التاج السبكي في ترشيح التوشيح عن والده: أن السر في نكاح أكثر من أربع نسوة لرسول الله ﷺ أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يستحيا من ذكره وما لا يستحيا، وكان رسول الله ﷺ أشدّ الناس حياء، فجعل الله له نسوة؛ ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله، ويسمعنه من أقواله، التي قد يستحيا من الأفصاح بها بحضرة الرجال، فيتكمل نقل الشريعة. وكثر عدد النساء لتكثير الناقلين لهذا النوع. ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدة وغيرها، وأيضا فقد نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه، وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته، ومن جده واجتهاده في العبادة، ومن أمور يشهد كل ذي لب بأنها لا تكون إلا لنبي. وما كان يشاهدها غيرهن، فحصل بذلك خير عظيم. ثم نقل نحوه عن صاحب التعجيز. انظر حواشي العطار على المحلى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>باب في اعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعون منه ﵇ وكيفية ذلك</span>\nأخرج أبو نعيم عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه عند صلاة العشاء فقال:\n_________\n(١) كتاب العلم ص ٣٣ ج ١ باب ٣٢.\n(٢) كتاب العلم ص ٣٤ ج ١ باب ٣٦.","vol":"2","page":163},{"text":"احتشدوا للصلاة غدا فإن لي إليكم حاجة. فقال رفقة منهم: دونك أول كلمة يتكلم بها رسول الله ﷺ، وأنت التي تليها وأنت التي تليها؛ لئلا يفوتكم شيء من كلام رسول الله ﷺ.\nقلت: هذه أصول علم الإختزال اليوم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>باب في كون الصحابة كانوا إذا سمعوا ما لم يفهموا من العلم استعادوه حتى يفهموه</span>\nبوّب البخاري «١» على ذلك بقوله: باب من سمع شيئا فراجع فيه حتى يعرفه، فذكر فيه أن عائشة كانت لا تسمع شيئا إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وذكر الحافظ أبو نعيم من آداب طلبة العلم: أن يراجع بعضهم بعضا، ويفيد بعضهم بعضا، لما في ذلك من الإستعانة على الحفظ، ورسوخ التحصيل. ثم استظهر على ذلك بما أخرجه من طريق ابن كيسان بسنده إلى أنس بن مالك قال: كنا قعودا مع رسول الله ﷺ فعسى أن يكون ستين رجلا فيحدثنا الحديث، ثم نريد الحاجة فنراجعه شيئا ثم هذا ثم هذا فنقوم كأنما زرع في قلوبنا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>باب في بناء أمرهم على تبليغ الشاهد الغائب</span>\nترجم البخاري «٢» على ذلك بقوله: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ولولا حرصهم على التبليغ ما وصل الدين إلينا الآن في القرن الرابع عشر غضا طريا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>باب تعاطيهم العلم ليلا ونهارا</span>\nترجم البخاري «٣» على ذلك بقوله: باب العلم والموعظة بالليل، ثم ترجم باب السمر في العلم بالليل «٤» قال الحافظ: ويدخل في هذا الباب حديث أنس أن النبي ﷺ خطبهم بعد العشاء، وحديث عمر كان النبي ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين، أخرجه الترمذي «٥» والنسائي، ورجاله ثقات. وحديث عبد الله بن عمر: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم إلا إلى عظيم صلاة. رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. وأما حديث لا سمر إلا لمصل أو مسافر، فهو حديث عند أحمد فيه راو مجهول، وعلى تقدير ثبوته، فالسمر في العلم يلحق بالسمر في صلاة النافلة، وقد سمر عمر مع أبي موسى الأشعري في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة فقال عمر: إنا في صلاة اهـ.\n_________\n(١) كتاب العلم ص ٣٣ ج ١ باب ٣٥.\n(٢) كتاب العلم ص ٣٤ ج ١ باب ٣٧.\n(٣) كتاب العلم ص ٣٧ ج ١ باب ٤٠.\n(٤) كتاب العلم ص ٣٧ ج ١ باب ٤١.\n(٥) انظر كتاب الصلاة ج ١ ص ٣١٥ باب ١٢ وبقية الحديث وأنا معهما. وثمة تعليق نفيس لمصحح سنن الترمذي فانظره ص ٣١٦ ج ١.","vol":"2","page":164},{"text":"وقال الدماميني على الترجمة الأولى: أراد الإحتجاج على صحة تصرف الناس في الدروس بالليل والتذكير، ولا يدخل ذلك في النهي عن الحديث بعد العشاء اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>باب في احتفاظ المصطفى على قلوب المبتدئين فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين</span>\nترجم البخاري «١» على ذلك بقوله باب من خص بالعلم قوما دون آخرين كراهية أن لا يفهموا وقال حدثوا الناس بما يعرفون اتحبون أن يكذب الله ورسوله ثم ذكر قول معاذ للمصطفى ﷺ حين أخبره ببشارة دينية أفلا أخبر به الناس فيستبشروا قال: إذا يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما.\nوترجم البخاري أيضا بقوله باب في ترك بعض الإختبار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، فذكر فيه قول المصطفى لعائشة «٢»: لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر، لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس باب يخرجون. قال الحافظ: يستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، وإن الإمام يسوس رعيته بما فيه صلاحهم، ولو كان مفضولا ما لم يكن محرما اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>باب من حق الأبناء على الآباء تعليمهم الكتابة</span>\nفي الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ [الأنفال: ٦٠] الآية. أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي.\nوفي أحكام القرآن للجصاص على قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا [التحريم: ٦] هذا يدل على أن علينا أن نعلم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الآداب، وهو مثل قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [طه: ١٣٢] ونحو قوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] ويدل على أن للأقرب فالأقرب مزية، في لزومنا تعليمهم، وأمرهم بطاعة الله، ويشهد له قوله ﵇: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) «٣» .\n_________\n(١) انظر كتاب العلم ج ١ ص ٤٠ باب ٤٨.\n(٢) انظر البخاري كتاب الحج ج ٢ ص ١٥٦ وكتاب الأنبياء ٤/ ١١٨ والتفسير ٥/ ١٥٠. وقد رواه مسلم بتفصيل واف مع ما جرى لابن الزبير والحجاج في كتاب الحج باب ١٥ ص ٩٧٠ فانظره.\n(٣) رواه البخاري في عدة أبواب الجمعة ص ٢١٥ ج ١ والنكاح ص ١٤٦ ج ٦ والجنائز ص ٧٩ ج ٢ والعتق والاستعراض والوصايا.","vol":"2","page":165},{"text":"ومعلوم أن الراعي كما عليه حفظ من استرعي وحمايته والتماس مصالحه، فكذلك عليه تهذيبه وتعليمه. ثم خرّج بسنده عن عبد الله بن عمر رفعه: ما نحل والد ولده خيرا من أدب حسن «١» أخرجه من طرق.\nوأخرجه البيهقي عن عائشة رفعته: حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن موضعه ويحسن أدبه «٢» وفي حديث أبي هريرة عند أبي نعيم والديلمي رفعه: حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويزوجه إذا أدرك، ويعلمه الكتاب.\nقال الشمس القاوقجي في الذهب الابريز: يعني القرآن ويؤيده ما في رواية الديلمي:\nويعلمه الصلاة إذا عقل، ويحتمل إرادة الخط؛ ويؤيده ما رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو الشيخ في ثواب الأعمال، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي رافع مولى النبي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله للولد حق علينا كحقنا عليهم؟ قال حق الولد على الوالد، أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية، وأن لا يرزقه إلا طيبا. والمراد بالكتابة الخط، لقوي نفعه وجموع فضله، والسباحة العوم في الماء، والرماية بالقسي، وفي هذا الزمان بطل حكمه «٣» فيبدل بتعلم الرمي بالرصاص والبارود فتنبه اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>باب في القلم والدواة في العصر النبوي</span>\nبوّب النور الهيثمي في المجمع بقوله: باب فيمن كتب بقلمه أو غيره. ثم ذكر عن عطاء قال: كنت عند ابن عباس فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس ما تقول في؟ قال: وما عسى أن أقول فيك؟ فقال: إني عامل بقلم، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بصاحب القلم في تابوت من نار، قفل عليه باقفال من نار، فإن أجراه في طاعة الله ورضوانه، فكّ عنه التابوت، وإن أجراه في معصية الله هوى به التابوت سبعين خريفا حتى باري القلم ومصلحه، ولائق الدواة. رواه الطبراني في الأوسط والكبير. وفيه أبو أيوب الحيري عن إسماعيل بن عياش. والظاهر أن آفة هذا الحديث الحيري؛ لأن الطبراني في الأوسط قال: تفرّد به الحيري اهـ.\nوقوله: لائق الدواة؛ في مجمع بحار الأنوار: ألق الدواة بفتح الهمزة وكسر لام أمر من ألاق يليق إلاقة وهي لغة، والفصيح لقة الدواة، فهي ليقة كمبيعة إذا أصلحت مدادها اهـ والمحبرة في اللغة الدواة، يوضع فيها الحبر وفيها لغات منها؛ كسر الميم وفتح الباء كمعلقة اقتصر عليها الجوهري، وانكرها الفيروز آبادي وغلطه وهي صحيحة قياسا وسماعا،\n_________\n(١) رواه الترمذي في كتاب البر، ٣٣ ص ٣٣٨ ج ٤ وقال عنه: مرسل.\n(٢) قال المناوي: وفي رواية: مرضعه بدل موضعه. وسنده ضعيف جدا.\n(٣) الأولى أن يقال: لكل عصر وسائله، فيعلمه ما يمكنه من الدفاع عن نفسه حسب السلاح المستعمل في أي وقت.","vol":"2","page":166},{"text":"نص عليها جماعة كالفارابي في ديوان الأدب، والفيومي في المصباح، ونشوان في شمس العلوم، والنووي في التهذيب، قال: والمحبرة وعاء أكبر، وكعب الحبر. قال الفرّاء: إنما قيل له كعب الحبر لمكان هذا الحبر، والذي يكتب به؛ لأنه كان صاحب كتب. انظر الجاسوس على القاموس.\nوفي الخفاجي على الشفا في ترجمة كعب: وجه اطلاقه أنه من الحبر وهو المداد الذي يكتب به، وإليه نسب كعب المذكور، فقيل: كعب الحبر لكثرة كتابته بالحبر حكاه الأزهري اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>باب الأقلام القصبية في زمن الصحابة</span>\nوجدت في مسند الدارمي في باب: من رخص في كتابه العلم أثرا هذا سياقه: حدثنا محمد بن سعيد أنا وكيع، عن عبد الله بن حنش قال رأيتهم يكتبون عند البراء بأطراف القصب على أكفهم اهـ من ص ٦٩ «١» .\nوقد ترجم البخاري في كتاب العلم «٢» من الصحيح باب: كتابة العلم ثم ذكر فيه قول المصطفى ﷺ في مرض موته: إيتوني بكتاب أكتب لكم كتابا. قال في الفجر الساطع: أي بأدواته من قلم ودواة وكتف، ففيه مجاز الحذف اهـ.\nوخرّج أبو داود في سننه في باب السواك «٣» من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، قال أبو سلمة فرأيت زيدّا يجلس في المسجد، وأن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب [وبقية كلامه: فكلما قام إلى الصلاة استاك]، فلولا أن الكتّاب في ذلك الزمن الطاهر كان شأنهم وضع أقلامهم فوق آذانهم، ما شبّه بهم. وفيه احالتهم على معروفين بعلامة وميزة يتميزون بها، وتقدم في الجزء الأول في قسم الكتابة أن المصطفى؛ أمر معاوية أن يضع القلم على أذنه فإنه أذكر لخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>باب في اتخاذ الكاغد من القطن في أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب</span>\nفي وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص ٣٣٧ شيوع صنعة الكاغد وتوفيرها، واتخاذها من الأبريسم والقطن والقنب. اخترع يوسف بن عمرو المكّي اتخاذ الكاغد من القطن، في حدود ثمانين في الهجرة بالحجاز، وموسى بن نصير اتخذه من الكتان والقنب\n_________\n(١) وهو في الطبعة الجديدة في المقدمة ص ١٠٦ باب ٤٣ ورقمه ٥٠٩.\n(٢) انظر ص ٣٧ ج ١ باب ٣٩. من حديث ابن عباس.\n(٣) رواه أبو داود في كتاب الطهارة ص ٤٠ ج ١ ورقم الحديث ٤٧.","vol":"2","page":167},{"text":"في بلاد المغرب، وبالجملة وإن كان ابتداء هذه الصناعة في أهل الصين ولكن الأسلاميين إهتموا في إصلاحها، وبلغوها إلى غاية كمالها، ونشروها في الأقطار، وكثّروها في الأمصار، ومنهم انتقل إلى أوروبا. وكان قبل ظهور الإسلام يكتب في القضيم «١»، ولا يتيسر للأكثر لندرته وغلاء قيمته، فظهرت صناعة اتخاذ الكاغد في الإسلام، واعتنى أهله حتى جاؤوا من وراء الغاية، بحيث يظهر في الصفحة صورة الناظر، وتكون على ألوان مختلفة ونقوش مستحسنة اهـ.\nوفي المطالع النصرية للشيخ نصر الهوريني: وكان الصحابة ومن تبعهم قبل أن يكثر الكاغد أي الورق الذي كان يجلب من الهند، يكتبون آيات القرآن وغيرها على عسيب السعف، وهو الأصل العريض من جريدة النخل، وعلى الألواح من اكتاف الغنم وغيرها، من العظام الطاهرة، والخرق والأدم أي الجلود مثل رق الغزال، فقد جمعت بعض آيات قرآنية، وفي البخاري «٢» لما نزلت آية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٩٥] قال ﵇ للبراء بن معرور: أدع لي زيدا ليجيء باللوح والدواة والكتف لخ.\nوروي أن عثمان بعث إلى أبي بن كعب بكتف شاة مكتوب عليها بعض قرآن ليصلح بعض حروفه، وفي بعض روايات البخاري «٣»: أن المصطفى قال قبل موته بأربعة أيام:\nائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي. ويروى أن الشافعي كان كثيرا ما يكتب المسائل على العظام، لقلة الورق حتى ملأ منها الخبايا، ورأيت بعض مصاحف مكتوبة على رق الغزال.\nنعم المصاحف التي أمر عثمان بنسخها وإرسالها إلى الأمصار؛ كانت على الكاغد ما عدا المصحف الذي كان عنده بالمدينة، فإنه على رق الغزال كما شوهد بمصر اهـ منه على ما فيه.\nوفي فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم المصري أن عمر كتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم: أما بعد فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكر أنه كان يجري على من قبلك من أمراء المدينة من القراطيس لحوائج المسلمين كذا وكذا، فأبليت بحوائجك فيه فإذا جاءك كتابي هذا، فارق القلم وأجمع الخط، واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل أضر بيت مالهم والسلام عليك اهـ.\nهذا يدل على ما كان يفرق على أمراء العمالات والجهات في زمن سليمان بن عبد الملك من القراطيس للكتابة وذلك أواخر القرن الأول من الهجرة.\n_________\n(١) أي الجلد الأبيض كما في القاموس ويقال له أيضا رق الغزال.\n(٢) انظر كتاب فضائل القرآن ص ٩٩ ج ٦ باب ٤.\n(٣) انظر كتاب الجزية والموادعة ص ٦٦ ج ٤.","vol":"2","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>باب في كتابة الصحابة للحديث وأمر المصطفى لهم بالتقييد</span>\nخرّج الترمذي عن أبي هريرة قال: كان رجل يجلس إلى رسول الله ﷺ فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: استعن بيمينك، وأومأ بيده إلى الخط «١» . قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر ثم قال: هذا حديث ليس اسناده بذلك القائم.\nوأسند الرامهرمزي عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها، قال: أكتبوا ذلك ولا حرج.\nوعن عبد الله بن عمرو قال: كان عند رسول الله ﷺ ناس من أصحابه وأنا معهم، وأنا أصغر القوم فقال النبي ﷺ: من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. فلما خرج القوم قلت: كيف تحدثون عن رسول الله ﷺ وقد سمعتم ما قال؟ وأنتم تنهمكون في الحديث عن رسول الله ﷺ، فضحكوا وقالوا: يا ابن أخينا إن كل ما سمعنا منه عندنا في كتاب. رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.\nوعن أنس قال: شكا رجل إلى النبي ﷺ سوء الحفظ فقال: استعن بيمينك، وفيه إسماعيل بن يوسف وهو ضعيف.\nوعن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ سوء الحفظ فقال: استعن بيمينك على حفظك، رواه البزار وفيه الخطيب بن مجدر وهو كذاب.\nوفي ترجمة أنس من طبقات ابن سعد أنه قال لبنيه: يا بني قيّدوا العلم بالكتاب انظر ص ١٤ من ج ٧.\nوأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن عمر قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك أحاديث، أفتاذن لي أن أكتبها؟ قال: نعم فكان أول كتاب كتبته بيدي كتاب النبي ﷺ إلى أهل مكة.\nوأخرج ابن قانع من طريق عاصم بن مهاجر الكلاعي عن أبيه: قال رسول الله ﷺ:\nالخط الحسن يزيد الحق وضوحا. وساقه الحافظ في الإصابة في ترجمة مهاجر الكلاعي.\nوأخرج الحكيم والطبراني في الكبير وسمويه والخطيب في تقييد العلم عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها قال فذكره.\nوأخرج ابن الجوزي في العلل عن ابن عمر رفعه: من كتب عني أربعين حديثا رجاء أن يغفر الله له غفر له، وأعطاه ثواب الشهداء.\nوفي مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، من مسند الإمام أحمد ص ١٧٦ ج ٢ ثنا\n_________\n(١) رواه في كتاب العلم باب ١٢ ص ٣٩ ج ٥.","vol":"2","page":169},{"text":"يحيى بن إسحاق قال: ثنا يحيى بن أيوب قال: حدثني أبو قبيل قال: كنا عند عبد الله عمرو بن العاصي، وسئل أي المدينتين تفتح أولا قسطنطينية أو رومية، فدعا عبد الله بن عمرو بصندوق له حلق، فأخرج منه كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولا؟ أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ: مدينة هرقل تفتح أولا يعني قسطنطينية قال الشيخ أبو الحسن السندي في حواشيه: قوله: له حلق بحاء مهملة مكسورة جمع حلقة أو بخاء معجمة مفتوحة ولام مفتوحة صفة صندوق أي عتيق. وفي المجمع رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. غير أبي قبيل وهو ثقة اهـ.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن عمرو قال: استأذنت النبي ﷺ في كتاب ما سمعت منه فأذن لي فكتبته، فكان عبد الله يسمي صحيفته تلك الصادقة.\nوأخرج ابن سعد أيضا عن مجاهد قال: رأيت عند عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة فسألت عنها فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت عن رسول الله ﷺ، ليس بيني وبينه فيها أحد ص ١٢٥ ج ٢ من القسم ٣.\nوعن أبي هريرة قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، قال: كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستاذن رسول الله ﷺ في الكتابة فأذن له، رواه أحمد والترمذي. وقال حديث حسن صحيح، وأصله في الصحيح. وبوّب عليه الترمذي في كتاب العلم. من الجامع تحت باب: الرخصة في كتابة العلم ولفظ البخاري «١»: فإنه كان يكتب ولا أكتب قال الحافظ في الفتح على قوله: ولا أكتب: قد يعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية قال تحدث عند أبي هريرة بحديث، فأخذ بيدي إلى بيته فأراني كتبا من حديث رسول الله ﷺ فقال: هذا هو مكتوب عندي قال ابن عبد البر: ويمكن الجمع بأنه لم يكتب في العهد النبوي، ثم كتب بعده وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبا عنده أن يكون بخطه وقد ثبت أنه لم يكن يكتب فتعين أن المكتوب عنده بغير خطه اهـ منه.\nوقال الحافظ السيوطي في تدريب الراوي: وأباح كتابة الحديث طائفة وفعلوها منهم:\nعمر وعلي، وابنه الحسن، وابن عمرو، وأنس، وجابر، وابن عباس، وعمرو، وحكاه عياض عن أكثر الصحابة والتابعين اهـ.\nوأخرج البيهقي في المدخل وابن عساكر عن الحسن بن علي قال لبنيه وبني أخيه:\nإنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين: فتعلموا العلم فمن لم يحسن منكم أن يؤديه أو يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته.\n_________\n(١) كتاب العلم باب ٣٩ ص ٣٦/ ١.","vol":"2","page":170},{"text":"وأخرج البغوي في معجمه عن يزيد الرقاشي قال: كنا إذا أكثرنا على أنس بن مالك أتانا بمجال له فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديث سمعتها من رسول الله ﷺ، وكتبتها وعرضتها. أورده الحافظ السيوطي في التدريب انظر ص ١٤٣ منه.\nوقال محمد بن هارون الروياني في مسنده: حدثنا محمد بن زياد ثنا فضيل بن عياض عن عائد عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع قال: كان ابن عباس يأتي ابن رافع فيقول: ما صنع النبي ﷺ يوم كذا؟ ومع ابن عباس من يكتب ما يقول.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات عن سلمى قالت: رأيت ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئا من فعل رسول الله ﷺ.\nوقال الإمام أبو محمد ابن قتيبة في كتابه مشكل الحديث، بعد أن ذكر أحاديث النهي عن كتابة شيء دون القرآن، وقوله ﵇: قيّدوا العلم بالكتابة فقال: إن في هذا معنيين أحدهما: أن يكون من منسوخ السنة بالسنة؛ كأنه نهى في أول الأمر أن يكتب قوله، ثم رأى بعد لما علم أن السنن تكثر وتفوت الحفظ أن تكتب وتقيد، والمعنى الآخر أن يكون خصّ بهذا عبد الله بن عمرو بن العاص، لأنه كان قارئا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والإثنان. وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي، فلما خشي الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له. ثم أسند مرفوعا أن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويظهر القلم ويفشو التجار قال عمر: وإن كنا لنلتمس في الحواء العظيم (البيوت المجتمعة من الناس على ماء) الكاتب، ويبيع الرجل البيع فيقول: حتى استأمر تاجر بني فلان اهـ «١» .\nوفي الأكليل على قوله تعالى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [طه: ٥٢] أخرج ابن أبي حاتم عن أبي المليح قال: الناس يعيبون علينا الكتابة، وقد قال تعالى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى قال البلقيني: هذا أحسن استنباط لكتابة الحديث والعلم اهـ.\nوقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: لما علم الشارع أن حفظ القرآن والسنة يصعب أمر بكتابة المصحف، وكتابة الحديث، فأما القرآن فإن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه الآية دعا بالكاتب فأثبتها، وكانوا يكتبونها في العسب، والحجارة وعظم الكتف، ثم جمع القرآن بعده في المصحف أبو بكر صونا عليه ثم نسخ من ذلك عثمان وبقية الصحابة، وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ منه شيء. وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن، وقال: لا تكتبوا عني سوى القرآن، فلما كثرت الأحاديث ورأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة، ثم ذكر قول المصطفى ﷺ لأبي هريرة في رواية: لما شكا إليه قلة الحفظ: استعن على حفظك بيمينك يعني الكتابة. ثم ذكر حديث قيّدوا العلم بالكتابة انظر بقيته فيه.\n_________\n(١) انظر كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٢٨٦ المطبوع ١٩٦٦ بمصر.","vol":"2","page":171},{"text":"وفي العتبية قال مالك: كان عمر قد أراد أن يكتب الأحاديث وكتب منها ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: المعنى في هذا أن عمر كان أراد أن يكتب الأحاديث المأثورة عن رسول الله ﷺ ليجعلها أصلا يحمل الناس عليها، كما يفعل بالقرآن فتوقف عن ذلك، إذ لا يقطع على صحة نقل الأحاديث عن النبي ﷺ كما يقطع على صحة نقل القرآن الذي قد نقل بالتواتر، فرأى أن يكل أمر الأحاديث إلى الاجتهاد والنظر في صحتها، ووجوب العمل بها. وأما أن يكتب الرجل الحديث قد رواه ليتذكره ولا ينساه فلا كراهية في ذلك، وقد حدث رسول الله ﷺ بحديث فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله فقال: أكتبوا لأبي فلان. وقال أبو هريرة: ما من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب. ولولا أن العلماء قيدوا الحديث، ودوّنوه وضبطوه وميزوا الصحيح منه من السقيم لدرس العلم، وعمي أثر الدين فالله يجازيهم عن اجتهادهم في ذلك بافضل الجزاء اهـ منه وهو حسن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>باب هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة واتباعهم التدوين والتصنيف</span>؟\nقال الهروي في ذم الكلام: لم تكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث، إنما كانوا يدونونها حفظا ويأخدونها لفظا إلا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الإستقصاء اهـ بنقل صاحب الحطة ص ٢٧.\nوقال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: الصحابة كانت همتهم مصروفة إلى الجهاد، وإلى مجاهدة النفوس والعبادة، فلم يتفرغوا للتصنيف، وكذلك التابعون لم يصنفوا اهـ منه.\nوقال الإمام أبو علي اليوسي في قانونه: لما تكلم على أصول طرق نشر العلم، وأنها مأثورة قديمة قال: وأما التأليف فأصله ما كان ﷺ يفعله من كتب الوحي إذا نزل، وكتب الرسائل إلى الملوك وغيرهم، وكتاب الصدقات وقد جمع فيه مسائل، فهو علم مدون.\nوذلك هو التأليف. ولئن كان ﷺ لا يكتب بيده لما أغناه الله عن ذلك، لقد كان يأمر بالكتب. والمقصود: إنما هو وضع العلم وتدوينه وتخليده، سواء كتب العالم بيده أم لا وكم من عالم يملي ولا يكتب، ويكون ذلك تأليفا اهـ منه، وهو جيد.\nوفي سمط الجوهر الفاخر: كتب ﷺ بيده كتبا لأهل الإسلام في الشرائع والأحكام، منها كتابه ﷺ في الصدقات، كان عند أبي بكر، وكتابه ﷺ في نصاب الزكاة وغيرها الذي كان عند عمر، وكتابه ﷺ إلى أهل اليمن في أنواع من الفقه وأبواب مختلفة، هو كتاب جليل واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات اهـ.","vol":"2","page":172},{"text":"قلت: كتابه ﷺ في الصدقات، الذي ذكر أنه كان عند أبي بكر؛ خرّجه أحمد وأبو داود والترمذي [٤٠/ ٣] وحسنه، والحاكم من طريق سفيان بن حسين عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال:\nكتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقات، فلم يخرجه إلى عماله وقرنه بسيفه حتى قبض، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه: في كل خمس من الإبل شاة، فذكره قال الترمذي: وقد روى يونس وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث، ولم يرفعوه وإنما رفعه سفيان بن حسين، وعند البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث أنس، أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجّهه إلى البحرين، فذكره بنحوه، وفي رواية لأبي داود أن أبا بكر كتب لأنس وعليه خاتم النبي ﷺ؛ وقد ساقه مالك في الموطأ «١» في باب صدقة الماشية من كتاب الزكاة قائلا: حدثني يحي عن مالك أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة قال فوجدت فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب الصدقة فساقه. قال القاضي عياض: اعتمد مالك والعلماء والخلفاء قبلهم، على ما في هذا الكتاب، ولم يرد عن الصحابة إنكار شيء منه اهـ قال في الإستبصار في أنساب الأنصار، لدى ترجمة عمرو بن حزم الأنصاري: استعمله ﵇ على نجران، ليفقههم في الدين ويعلمهم، وكتب له كتابا في الفرائض والسنن والصدقات، وكتاب عمرو بن حزم مشهور، يحتج به العلماء قال أبو عمر: شهرته أقوى من الإسناد أو كما قال اهـ.\nقلت: وقد غاب عن علم الجميع في هذا الباب، وعن كل من تكلم على أول من دون في الإسلام ديوان العطاء الذي دوّن في زمن عمر ﵁ وبإذنه وانتدابه لكتبه عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وقال: اكتبوا الناس على منازلهم، يعني في العطاء فإنه ينبغي أن يكون هذا الديوان العمري، من أول ما دون في الإسلام. وإن اعتبرنا كتابة أول من أسلم قبل ذلك، في مدته ﵇، كما ذكر لك في موضعه، وهو الذي بوّب عليه البخاري بقوله في كتاب المغازي: باب كتابة الإمام الناس.\nوذكر فيه قوله ﵇: اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام. قال الدماميني: قيل: كان هذا عام الحديبية يمكننا الجزم بأن أول تدوين وقع هو ما ذكر ولا شك أن كتابة الناس على مراتبهم، في السبقية للإسلام والهجرة والنصرة هو المادة الأولى، لكتب تراجم الصحابة وتراجم زعماء الإسلام وابنائهم، فلذلك أرى أن يكون هذا أول ما دوّن، لأنه مادة كبرى وضعها من سبق لمن سيلحق. ألا ترى أن حوالات الأحباس [حجج الأوقاف] (سجلاته\n_________\n(١) انظر الموطأ ص ٢٥٧ ج ١ من طبعة استانبول الجديدة.","vol":"2","page":173},{"text":"الآن) نأخذ منها فائدة عظمى في معرفة زمن وجود المحبسين [الواقفين] مع ذكر الحدود والمجاورات، وحلا [وصف] البيوت ورجالاتها، فتدوين من أسلم، مع ديوان عمر هذا لو وجدا اليوم، لكانا أعظم مادة لرجال الإسلام، وقد ظفر ببقاياهما من سبق، فدونوا ما بأيدينا من ذلك انظر إلى قول ابن سعد في طبقاته، لما ترجم للنعمان بن مالك، وسبب تسمية آله قواقله؛ كذلك هم في الديوان يدعون بني قوقل، وكذلك قال لدى كلامه على بني جشم، وزيد بني الحارث بن الخزرج، ودعوتهما واحدة في الديوان الخ. وقد وجدت عبارة كتبها عن غير قصد صاحب اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ص ٤٧ نصها:\nبعد الفتح الإسلامي بوقت وجيز اضطرت شؤون الإدارة والأحكام إلى تكليف العمال والموظفين بالتقارير الجغرافية عن الأمصار والأقاليم، التي قد كان فتحها المسلمون. هذه هي مبادي الجغرافية عند العرب، وتوسعوا أيضا في معرفة جزيرة العرب، وأرض إيران أي العجم وهي بلاد فارس، وأرض بر الشام، وأتوا ببعض إيضاحات عن أقاليم التتار، وجنوبي روسيا، والصين، والهند، ومن هذه المبادي الصغيرة التي أنشأتها دواعي الإدارة السياسية، تولدت شيئا فشيئا آداب عربية جغرافية مسطرة واسعة وجامعة، نتمتع نحن أبناء هذا الجيل بمطالعتها مطبوعة اهـ فانتظره.\nومن أمثلة التقارير الجغرافية، التي كانوا يرفعونها للخلفاء، المكتوب الذي كتبه عمرو بن العاص لعمر بعد فتح مصر في وصفها: انظره في التواريخ المصرية، وسيأتي لنا سياقه بنصه، فانتظره قريبا.\nوفي تاريخ آداب العرب للرافعي المصري: أول ما عرف يعني في باب التدوين، أن ابن عباس كان يكتب الفتاوى التي يسأل عنها انظر ص ٢٨٧.\nوفي بلوغ اقصى المرام للعلامة الطرنباطي: لما علم مهرة الصحابة والتابعين، أن ليس كل أحد يقدر يفهم معاني القرآن، اشتغلوا بتفسيره ودوّنوا التفاسير، نصحا لمن بعدهم. ودونوا الأحاديث النبوية، لأن ذلك وسيلة إلى معرفة ما وقع به التكليف، وهو وسيلة إلى امتثال المقصود اهـ منه. ومثله في الأزهار الطيبة النشر للقاضي أبي الفتح ابن الحاج فانظرها.\nوفي أوائل الحافظ السيوطي: أول من صنف غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، أخذ ذلك من أسئلة ابن الأزرق لابن عباس اهـ.\nوفي آخر «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» للحافظ الزيلعي: أن الواقدي أسند عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته، فنسخته فإذا فيه: وأتى بنص كتاب المصطفى ﵇ للمنذر بن ساوى، وجواب المصطفى ﵇ له انظر ص ٣٨١ من المجلد ٢. فيؤخذ منه: أنه كان لابن عباس الكتب إما من تصنيفه، أو","vol":"2","page":174},{"text":"من جمعه فيفيد على كل حال ما قبله، ويفيد أيضا على الأقل أنهم كانوا يعددون النسخ، من مكاتيبه ويدخرونها وهو عين التدوين، ثم وجدته في ترجمة ابن سيرين من طبقات ابن سعد عنه أنه قال: لو كنت متخذا كتابا لا تخذت رسائل النبي ﷺ، انظر ص ١٤١ من ج ٢ من خطط المقريزي عن زيد بن أسلم قال: كان تابوت لعمر بن الخطاب فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فهذا يدل على أنهم كانوا يعتنون بجمع المكاتيب الرسمية، أو نظائرها. ثم وجدته في طبقات ابن سعد ص ٢١٦ من ج ٥ عن موسى ابن عقبة قال: وضع عندنا كريب بن أبي مسلم، مولى عبد الله بن عباس المتوفي بالمدينة سنة ٩٨ من الهجرة حمل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس. قال: فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه أن ابعث لي بصحيفة كذا وكذا قال: فينسخها فيبعث إليه بإحدهما. انظر ترجمة كريب مولى ابن عباس من الطبقات.\nوفي ترجمة سعيد بن جبير من الطبقات أيضا عنه قال: ربما أتيت ابن عباس فكتب في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي، وربما أتيته فلم أكتب حديثا حتى أرجع لا سأله أخذ شيء. وفيها أيضا: كنت آتي ابن عباس فأكتب عنه، فيها أيضا عنه قال: كنا إذا اختلفنا بالكوفة في شيء كتبت عندي حتى ألقى ابن عمر فأسأله عنه، وفيها أيضا عن وفاء بن أياس قال: رأيت عزرة يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب، ومعه الدواة انظر ص ١٨٦ من ج ٦.\nقلت: ويتداول الناس تفسيرا ينسبونه لعبد الله بن عباس، ولكن لم يدونه هو، وإنما جمع فيه ما نقل عنه، ومنه ما لا يصح.\nوممن جمع ما روي عن ابن عباس الإمام مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس بكتاب سماه تنوير المقياس من تفسير ابن عباس، وقد طبع مرارا بمصر والهند.\nوقد وقع في المعيار للونشريسي من جواب في فصل البدع ص ٣٧٧ من المجلد الثاني: وتكلم أهل النقل في صحة نسبة التفسير المنسوب لابن عباس اهـ منه.\nوفي إيثار الحق على الخلق للإمام محمد بن إبراهيم الوزير اليمني: قد جمع عنه تفسير كامل، ولم يتفق ذلك لغيره من الصدر الأول، الذين عليهم في مثل ذلك المعول، ومتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير اهـ.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة، وهو عامله على الكوفة أن: ادع من قبلك من الشعراء، فاستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية والإسلام، ثم اكتب بذلك إلي. انظر القصة في جمع الجوامع للحافظ الأسيوطي، ثم كنز العمال ص ١٧٦.\nوفي الخطط للتقي المقريزي ص ١٤٣ من الجزء الرابع طبع مصر سنة ١٣٢٦، قال","vol":"2","page":175},{"text":"أبو سعيد بن يونس، في تاريخ مصر، عن حياة بن شريح قال: دخلت على حسين بن شفي وهو يقول: فعل الله بفلان، فقلت ماله؟ قال: عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما من عبد الله بن عمرو بن العاص أحدهما قضى رسول الله ﷺ في كذا، وقال رسول الله ﷺ كذا والآخر، ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فأخذهما فرمى بهما بين الخولة والرباب، يعني بالخولة والرباب: مركبين كبيرين من سفن الجسر، كانا يكونان عند رئيس الجسر مما يلي الفسطاط اهـ.\nوقال الحافظ الذهبي في ترجمة جابر بن عبد الله من تذكرة الحفاظ: الفقيه مفتي المدينة في زمانه، حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا نافعا، وله منسك صغير أخرجه مسلم اهـ منها ص ٣٧ من ج ١.\nقلت: منسك جابر الذي أشار له الذهبي، خرجه مسلم في صحيحه مطولا في كتاب الحج، وهو عنده في نحو أربع ورقات، وعنون عليه فبّوب صحيح مسلم بقوله: حديث جابر الطويل. [وفي طبعة استانبول: باب حجة النبي ﷺ ص ٨٨٦/ ١] .\nوفي حواشي الأبي على مسلم عن عياض عليه: قد أكثر الناس الكلام على ما فيه من الفقه، وألف فيه ابن المنذر جزآ كبيرا، ذكر فيه مائة ونيفا وخمسين نوعا من الفقه، ولو استقصى لزاد على هذا العدد قريبا منه اهـ ونحوه للسيوطي في الديباج أيضا ولجابر صحيفة معروفة، وقع ذكرها في ترجمة مجاهد من طبقات ابن سعد قال: كانوا يرون أن مجاهدا يحدث عن صحيفة جابر. ومات مجاهد سنة ١٠٢، انظر ص ٣٤٤ من ج ٥.\nوذكر صديقنا البحاثة النادرة الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي في كتابه توجيه النظر إلى أصول الأثر ص ٨ قال: توهم أناس أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شيء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في علم الفرائض، وذكر البخاري في صحيحه أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث، وذكر مسلم في صحيحه كتابا ألف في عهد ابن عباس في قضاء علي، فقال: حدثنا داود. بن عمرو الضبي، حدثنا نافع عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني «١»، فقال: ولد ناصح أنا اختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه. قال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضلّ.\nوحدثنا عمرو الناقد قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجر عن طاوس قال: أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي فمحاه إلا قدر- وأشار سفيان بن عيينة- بذراعه، والظاهر أن الكتاب الذي محاه إلا قدر ذراع على هيئة درج مستطيل اهـ انظره وهو مفيد.\n_________\n(١) لعل الصواب: ولا يخفي عني. مصححه.","vol":"2","page":176},{"text":"وما استظهره في الكتاب الذي محاه ابن عباس، أنه كان على هيئة درج أصله للنووي، كما نقله السنوسي عنه في إكمال الإكمال، وكأنه ﵀ لم يستحضر ما في الصحيح في باب: كتابة العلم عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر اهـ. قال الحافظ في الفتح: وقوله الصحيفة أي الورقة المكتوبة، وللنسائي من طريق الأشتر: فأخرج كتابا من قراب سيفه قوله: العقل، أي الدية، والمراد أحكامها، ومقادريرها، وأصنافها، ووقع للبخاري «١» ومسلم: من طريق يزيد التيمي عن علي قال: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، فإذا فيها: المدينة حرام الحديث ولمسلم عن أبي طفيل عن علي: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء، لم يعم به الناس كافة، إلا ما في قراب سيفي هذا وأخرج صحيفة مكتوب فيها. لعن الله من ذبح لغير الله. الحديث. [ج ٢/ ١٥٦٧ كتاب الأضاحي] .\nوللنسائي [كتاب القسامة ١٠ ص ١٩/ ٨] من طريق الأشتر وغيره عن علي، فيها:\nالمؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. الحديث، ولأحمد من طريق طارق بن شهاب: فيها فرائض الصدقة، والجمع بين هذه الأحاديث، أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها، فنقل كل واحد من الرواة ما حفظه انتهى ملخصا.\nقال البدر الدماميني، في المصباح: على قوله: أو فهم أعطيه رجل قال ابن المنير:\nيعني بالفهم: التفقه والإستنباط والتأويل، وانظر هل يقتضي لفظه أن الفقه كان مكتوبا أولا؟\nوالظاهر أنه كان مكتوبا عندهم، لأن السائل قال لهم: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أو هذه الصحيفة. وكانت فيها أحاديث وأشياء من الفقه، والكتاب يدل على أن الفهم الذي هو الفقه كان حينئذ كتابا، وإلا كان استثناء من غير الجنس قطعا فالمعطوف منها مثلها أيضا وهو مرفوع. والإستثناء من غير الجنس لا يكون إلا فيه منصوبا، فيكون ذلك أصلا في كتابة الفقه اهـ.\nوانظر ما يأتي عن ابن ليون في كون أبي الأسود الدؤلي: أمره علي أن يضع علم النحو.\nوفي ترجمة الحسن البصري من طبقات ابن سعد ص ١١٥ من ج ٧ قال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة يعني ابن جندب التي يرويها الحسن عنه: سمعنا أنها من كتاب، وفيها أيضا عن حميد قال: كان علم الحسن في صحيفة مثل هذه، وعقد عفان، بالإبهامين والسبابتين. وفي ترجمة منها أيضا أخبرني موسى بن اسماعيل ثنا سهل بن حصين عن مسلم الباهلي قال: بعثت إلى عبد الله بن الحسن بن أبي الحسن ابعث إلي\n_________\n(١) انظر في البخاري كتاب العلم ج ١ ص ٣٦ باب ٣٩. وكتاب الجزية والموادعة ج ٤ ص ٦٧ باب ١٠، و١٧ ص ٦٩.","vol":"2","page":177},{"text":"بكتب أبيك فبعث إلي إنما لها ثقل قال: اجمعها لي. فجمعتها له، وما ندري ما يصنع بها، فأتيته بها فقال للخادم: اسجري التنور. ثم أمر بها فأحرقت غير صحيفة واحدة فبعث بها إلي ثم لقيته بعد ذلك فاخبرني مشافهة، بمثل الذي أخبرني الرسول.\nوفي ترجمة أبي قلابة منها أيضا أخبرنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد قال:\nأوصى أبو قلابة قال: ادفعوا كتبي إلى أيوب إن كان حيا وإلا فاحرقوها، ومات أبو قلابة سنة أربع أو خمس ومائة.\nوفي ترجمة الحارث الأعور من طبقات ابن سعد، من طريق علباء بن أحمد أن علي بن أبي طالب خطب الناس فقال: من يشتري علما بدرهم، فاشترى الحارث الأعور صحفا بدرهم، ثم جاء بها عليّا فكتب له علما كثيرا، ثم إن عليا خطب الناس بعد فقال: يا أهل الكوفة: غلبكم نصف رجل، انظر ص ١١٦ من ج ٦ وفي ترجمة حجر بن عدي الكندي أحد كبار أصحاب علي منها أيضا عن غلام لحجر قال: قلت لحجر: إني رأيت ابنك دخل الخلاء ولم يتوضأ قال ناولني الصحيفة من الكوة فقرأ.\nبسم الله الرحمن الرحيم وهذا ما سمعت علي بن أبي طالب يذكر أن الطهور شطر الإيمان، قال. وكان ثقة معروفا. انظر ص ١٥٤ من ج ٦ أيضا.\nوفي عقيدة السلف لشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني: أن صبيغ التميمي الذي كان يسأل عن المتشابه في أيام عمر، لما قدم المدينة كانت عنده كتب، ولما ترجم ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء للحارث بن كلدة الثقفي الطائفي قال فيه: وللحارث بن كلدة من الكتب كتاب المحاورة في الطب بينه وبين كسرى أنوشروان اهـ منه ص ١١٨ من ج ١ وذكر قبل ذلك، حين ذكر محاورته مع كسرى أحسن صلته وأمره بتدوين ما نطق به اهـ.\nقلت: والحارث المذكور ترجمه ابن سعد في الطبقات في ترجمة من نزل بالطائف من الصحابة، وترجمه الذهبي في الصحابة وقال فيه: اختلف في صحبة الحارث، ثم قال:\nوقيل: إن الحارث سافر إلى فارس وتعلم الطب وحذق فيه، واشتهر أمره ونال بالطب مالا وأدرك الإسلام اهـ.\nولكن لما ترجمه في الإصابة، نقل عن ابن أبي حاتم فيه؛ لا يصح إسلامه. ثم قال:\nووجدت له رواية في الجزء التاسع من الأمالي المحاملية، وفي التصحيف للعسكري فذكر بعض كلامه اهـ ولذا قال أبو زيد العراقي في اختصار الإصابة عقب ذلك: أقول ذكر المصنف في ولده أن ابن عبد البر قال: لا يصح إسلامه ثم قال؛ وهو قول ابن أبي حاتم، ويأتي الرد عليه فلم يذكر شيئا. ونقل العراقي حسبما هو بخط شيخنا عن ن وغيره إسلامه، فعلى إسلامه وصحبته ينتج أن صحابيا ألّف في الطب.","vol":"2","page":178},{"text":"وفي طبقات ابن أبي أصيبعة أيضا، لدى ترجمة تيادون الطبيب الفاضل المشهور، الذي كان في دولة بني أمية، المتوفى بواسط في نحو تسعين من الهجرة، له من الكتب كناش كبير، ألّفه لابنه، كتاب ابدال الأدوية وكيفية دقها، وانقاعها واذابتها، وشيء من تفسير أسماء الأدوية اهـ من عيون الأنباء ص ١٢٣ من ج ١.\nونقل صاحب الجاسوس على القاموس في ص ٥٠١ عن الفرّاء في كعب الحبر «١»، وهو كعب بن ماتع الحميري، كان يهوديا، وأدرك زمن النبي ﷺ، إنما قيل له كعب الحبر، لمكان هذا الحبر الذي يكتب به لأنه كان صاحب كتب اهـ وكانت وفاة كعب في خلافة عثمان، وفي ترجمة عبيدة بن قيس السلماني: ممن أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولكنه لم يلقه، ومات سنة ٧٢ من الهجرة، من طبقات ابن سعد بسنده إلى النعمان بن قيس قال:\nدعا عبيدة بكتبه عند موته فمحاها وقال: أخشى أن يليها أحد بعدي، فيضعونها في غير موضعها اهـ وعنه أيضا قال: لا تخلدن علي كتابا انظر ص ٦٣ من ج ٦.\nوفي ترجمة عروة بن الزبير، من طبقات ابن سعد أيضا، أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل، أنا عبد الرزاق بن همام، أنا معمر عن هشام بن عروة قال: أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له، فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إليّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي اهـ انظر ص ١٣٣ من ج ٥ ووقعة الحرة كانت سنة ٦٣ من الهجرة وكثير من الصحابة كانوا في الأحياء قال بعضهم: هل احترقت كتب عروة في اليوم الذي كتبت فيه، بل كتبت هي وغيرها من الكتب في غضون القرن الأول، فهل بقي شك في أن العرب دوّنوا علومهم في الصحف من ابتداء القرن الأول الهجري؟ اهـ.\nويؤيد هذا الظن القاضي بأن الكتب كثرت أول القرن الثاني، وآخر الأول: ما في ترجمة أبي عمرو بن العلاء، من ابن خلكان؛ أن كتبه التي كتبت عن العرب الفصحاء، قد ملأت بيتا غرفة إلى قريب من السقف، وولد المذكور سنة ٦٥، ومات وسط القرن الثاني.\nوفي ترجمة ابن شهاب الزهري، من تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر: قال معمر عن صالح بن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: تعال نكتب السنن قال: فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ. قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة قال: فكتب ولم أكتب فنجح وضيعت.\nونقل أيضا عن أبي الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس، هذا مع أن ابن شهاب ولد سنة خمسين أو بعدها بيسير، ومات سنة ١٢٣، وأدرك جماعة من الصحابة أخذ عنهم، كعبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، وجابر، وأبي الطفيل، والسائب بن يزيد، ومحمود بن الربيع، وأبي أمامة وغيرهم، أوصلهم أبو نعيم في الحلية لأزيد من العشرين.\n_________\n(١) قلت: وهو المشهور بكعب الأحبار. مصححه.","vol":"2","page":179},{"text":"فعلى هذا كتب السنن المرفوعة مجردة، ثم لما أفردها، كتب ما جاء عن الصحابة.\nوأخرج ابن سعد في ترجمة ابن شهاب، من طبقاته عنه قال: كنا نكره كتب العلم، حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا يمنعه أحد من المسلمين.\nوفي الطبقات عنه أيضا؛ عن معمر: كنا نرى أنا أكثرنا عن الزهري، حتى قتل الوليد. فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه. يقول: من علم الزهري.\nوفي طبقات ابن سعد أيضا عند ترجمة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كان ثقة قليل الحديث إلا مغازي رسول الله ﷺ، أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرا ما تقرأ ويأمرنا بتعلمها اهـ.\nوهذا يؤذن بأنها كانت عنده مدونة مجموعة.\nوفي ترجمة ابن شهاب من وفيات الأعيان لابن خلكان: أنه كان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما، والله لهذه الكتب اشد علي من ثلاث ضرائر اهـ.\nوفي كشف الظنون، أن لابن شهاب المذكور كتب المغازي. انظر ص ٣٠١ من ج ٢، وأعاد ذلك أيضا في ص ٤٧١ من ج ٢ أيضا. وفيه أيضا يقال: أول من صنف فيها يعني المغازي والسير، عروة بن الزبير، وجمعها أيضا وهب بن منبه، ولوهب بن منبه صاحب الأخبار والقصص، المتوفى سنة ١١٠ أو بعدها، كتاب في الملوك المتوجين من حمير وأخبارهم، وأشعارهم وقصصهم، قال ابن خلكان: إنه شاهده بنفسه، وأنه في مجلد واحد، وهو من الكتب المفيدة اهـ انظر ترجمة وهب بن منبه من وفيات الأعيان.\nوقال ابن خلكان في وفيات الأعيان حين ترجم لأبي هاشم خالد بن يزيد بن معاوية الأموي، المتوفى سنة ٨٥ من الهجرة بعد أن وصفه بأنه كان من أعلم قريش بفنون العلم ما نصه: له كلام في صنعة الكيمياء والطب، وكان بصيرا بهذين العالمين، متقنا لهما. وله رسائل دالة على معرفته، وأخذ الصنعة عن رجل من الرهبان يقال له: مريانس الرومي. وله فيها ثلاث رسائل، تضمنت إحدا هن ما جرى له مع مريانس المذكور، وصورة تعلمه منه، والرموز التي أشار إليها، وله فيها أشعار كثيرة مطولات، ومقاطع دالة على حسن تصرفه، وسعة علمه اهـ كلام ابن خلكان ص ١٦٨ من ج ١.\nوقد ذكر ابن النديم في فهرسته ص ٨٩، والسجستاني في كتاب المعمرين، أن عبيد بن شرية الجرهمي النسابة الأخباري، المعمر المتوفى سنة ٦٧، ألّف كتاب الملوك وأخبار الماضين، لمعاوية ابن أبي سفيان، وذلك أن معاوية استحضره من صنعاء اليمن، فسأله عن الأخبار المتقدمة، وملوك العرب والعجم، وسبب تبلبل الألسنة، وافتراق الناس في البلدان، ونحو ذلك، فلما أجابه أمر معاوية أن يدون قوله. ونسب إلى عبيد هذا. فكان","vol":"2","page":180},{"text":"ذلك أوّل ما دون في الأخبار. وسمى كتابه هذا كتاب الملوك وأخبار الماضين وألف كتابا آخر سمّوه أيضا كتاب الأمثال. وقد ترجم لعبيد المذكور الحافظ في الإصابة، ونقل عن الرشاطي عن الهمذاني: أن معاوية كان مستشرفا لأخبار حمير. فقال عمرو بن العاص: أين أنت عن عبيد بن شرية، فإنه أعلم من بقي بأخبارهم وأنسابهم، فكتب إليه فأخذ عنه الأخبار فألفها كتابا، وقد زيد فيه ونقص، فلا يوجد منه نسختان مستويتان اهـ.\nوذكر ابن النديم كتبا في مواضع مختلفة، ألفها أبو مخنف الأزدي من أصحاب علي، فيها تراجم المشاهير وغيرهم، وكان أبو مخنف هذا صاحب أخبار وأنساب والأخبار أغلب عليه، وكتاب ألفه عوانة بن الحكم الكلبي في التاريخ، وذكر ابن النديم أيضا أن زياد بن أبيه الداهية المشهور الذي استلحقه معاوية بنسبه، ليستعين به على أعدائه عمل في نسبه كتابا دفعه إلى ابنه. وفي شرح الشفا للقاضي الخفاجي ص ١٧٥ من ج ١: حين ترجم أبا العالية وهو رفيع بن مهران التابعي- أسلم في زمن أبي بكر ومات سنة ٩٠- ما نصه: وله تفسير.\nاهـ من نسيم الرياض.\nونسب صاحب كشف الظنون لمجاهد بن جبر المكي المتوفي سنة ١٠٤ تفسيرا، ولقتادة بن دعامة السدوسي تفسيرا أيضا، وزاد فيه خارجة بن مصعب: مقدار ألف حديث اهـ انظر ص ١٣ وصفحة ١٤ منه.\nوفي كشف الظنون أيضا لدى الكلام على الوجوه والنظائر في القرآن، نقلا عن الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، وقد نسب كتاب فيه إلي عكرمة عن ابن عباس، وكتاب آخر إلى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وألف فيه مقاتل بن سليمان اهـ انظر حرف الواو من الكشف ص ٦٢٨.\nوفيه أيضا في حرف الكاف كتاب الإخلاص للحسن البصري، ذكر الخطيب في ترجمة الحلاج من تاريخ بغداد أن القاضي أبا عمر المالكي توقف في أمره، أي الحلاج، حتى قرأ في كتاب له فوقف على أمر له فقال: له من كتاب الإخلاص للحسن فقال: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة، ولم يكن فيه شيء من هذا، ثم حكم بقتله. كذا في النكت الوفية، فهذا إقرار من القاضي أبي عمر أن كتاب الإخلاص للحسن فهو أول من صنف مطلقا اهـ من كشف الظنون ص ٢٥٩ من ج ٢.\nوفي ترجمة حميد الطويل، من طبقات ابن سعد: أخبرت عن حمّاد بن سلمة عن حميد أنه أخذ كتب الحسن فنسخها وردها عليه اهـ انظر ص ٧ من ج ٧ من القسم ٢.\nوفي طبقات ابن سعد، لما ترجم للحسن بن محمد بن الحنفية، المتوفي في أيام عمر بن عبد العزيز: عن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء فقال لزاذان: يا أبا عمر، لوددت أني كنت ميتا ولم أكتبه انظر ص ٢٤١ من ج ٥.","vol":"2","page":181},{"text":"وقد ذكر شيخ بعض شيوخنا حافظ الحجاز الشيخ محمد عابد الأنصاري السندي في ثبته حصر الشارد: إسناده لكتاب التفسير عن مجاهد واسناده لكتاب التفسير عن الضحاك وإسناده لكتاب التفسير عن روح بن عبادة. انظر حرف التاء. وبكل ذلك تعلم ما نقله الحافظ السيوطي في تنوير الحوالك على موطأ مالك عن الشيخ أبي طالب المكي في القوت: هذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين أو ثلاثين ومائة، فانظره ونص عبارة القوت ص ١٠٩ من ج ١: هذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين ومائة من التاريخ، وبعد وفاة كل الصحابة. وعلية التابعين، ثم قال بعد سنة عشرين أو أكثر من التاريخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>باب في اعتناء قوّاد الصحابة برفع التقارير الجغرافية للخلفاء الراشدين عن البلاد التي يفتحونها</span>\nفي صناجة الطرب في تقدمات العرب ص ٤١٩، أن الخلفاء صدر الإسلام أمروا أمراء جيوشهم وعمالهم، أن يرسم كل منهم خطط البلاد التي افتتحها واستولى عليها اهـ.\nقلت: ومن أمثلة تلك التقارير، أن عمرو بن العاص لما أتم فتح مصر أرسل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كتابا يصف له فيه مصر، وشرح له السياسة التي سيتخذها فيها ونصه:\nمصر تربة غبراء (سهلة الإنبات) وشجرة خضراء (كثيرة الشجر الأخضر) طولها شهر، وعرضها عشر (لعله يريد أن الماشي يقطعها طولا في شهر، وعرضا في عشرة أيام) يكتنفها جبل أغبر (يحيط بها جبل ضارب إلى السواد) ورمل أعفر (أبيض مائل إلى الحمرة أو الصفرة) يخط وسطها نهر ميمون الغدّوات مبارك الروحات (محمود الذهاب والإياب) يجري بالزيادة والنقصان، كجري الشمس والقمر. له أوان (يزيد وينقص في أزمنة معينة) تظهر به عيون الأرض وينابيعها حتى إذا عجّ عجيجه (معظم مائه) وتعظمت أمواجه (انقطعت وتسربت في الأرض) لم يكن وصول بعض أهل القرى إلى بعض إلا في خفاف القوارب وصغار المراكب، فإذا تكامل في زيادة نكص (رجع وذهب) على عقبه، كأول ما بدا في شدته، وطمى في حدّته (ونقص في شدة كما زاد بقوة) فعند ذلك يخرج القوم ليحرثوا بطون أوديته وروابيه (أعالي الأرض وأسافلها) يبذرون الحبّ ويرجون الثمار من الرب، حتى إذا أشرق وأشرف (ظهر وبان) سقاه من فوقه النّدى وغذاه من تحته الثرّى، فعند ذلك يدرّ حلابه ويغنّي ذبابه (يعظم محصوله) فبينما هي يا أمير المؤمنين درّة بيضاء إذا هي عنبرة سوداء، وإذا هي زبرجدة خضراء فتعالى الله الفعال لما يشاء، الذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر قاطنها فيها أن لا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وأن لا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها، فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال، والله تعالى يوفق في المبتدأ والمال اهـ.","vol":"2","page":182},{"text":"قال أبو المحاسن في النجوم الزاهرة: في ملوك مصر والقاهرة المطبوع بليدن سنة ١٨٥٠ م فلما ورد هذا الكتاب على عمر بن الخطاب قال: لله درك يا ابن العاص، لقد وصفت لي خبرا كأني أشاهده اهـ.\nوقد ترجم هذا التقرير ونشره إلى عدة لغات أجنبية الكاتب الفرنسوي الشهير (أو كتاف أوزان) في جريدة (الفيجارو) الفرنسوية ووصفه بقوله، إنه من أكبر آيات البلاغة، في كل لغات العالم، وقال عنه: إنه من الفرائد في إيجازه وإعجازه، واقترح وجوب تدريسه في جميع مدارس المعمورة، حتى يتعلموا منه مع قوة الوصف ومتانة التعبير، صحة الحكم على الأشياء وكيفية تنظيم الممالك وسياسة الإستعمار اهـ.\nوقد ترجم هذا الوصف من مؤرخي الإنجليز المؤرخ جيبون والدكتور بطلر انظر ص ١٣٠ من تاريخ عمرو بن العاص.\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>باب في أن ترجمة الكتب القديم العلوم العمرانية من طب وكيمياء وصناعات ونحوها وقع الاعتناء به أواخر أيام الصحابة</span>\nقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ في كتابه البيان والتبيين:\nوكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا، وفصيحا جامعا، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء اهـ منه ص ١٢٦ من ج ١ ط مصر سنة ١٣١٣.\nوذكر ابن أبي الحديد المدائني، في شرح نهج البلاغة، ص ٤٧٦ من ج ٣ طبعة مصر أن خالد بن يزيد بن معاوية كان أول من أعطى التراجمة والفلاسفة، وقرّب أهل الحكمة، ورؤساء أهل كل صناعة، وترجم كتب النجوم والطب، والكيمياء والحروب، والأداب والصناعات اهـ.\nولا شك أن خالدا المذكور مات سنة ٨٥ من القرن الأول، وقد عاش بعد هذا التاريخ كثير من الصحابة.\nوفي شرح الشمس محمد السفاريني على عقيدته؛ نقلا عن الصلاح الصفدي: لم يبتكر المأمون العباسي النقل والتعريب، بل فعل ذلك قبله كثير؛ فإن يحيى بن خالد عرّب من كتب الفرس كليلة ودمنة، وعرّب لأجله كتاب المجسطي، من كتب اليونان، والمشهور أن أول من عرّب كتب اليونان: خالد بن يزيد بن معاوية، لما ولع بكتب الكيمياء. ثم قال السفاريني بعد ص ١٠ أما خالد بن يزيد فعربت له كتب الطب والنجوم. وقيل: الذي عربت له كتب الطب والنجوم المنصور. وأما خالد فإنما ولهه في صنعة الكيمياء. وله في ذلك رسائل، وكان قد أخذ ذلك عن رجل من الرهبان يقال له: مريان الرومي اهـ منه.\nوفي كشف الظنون المطبوع: كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حاكم «١» آل\n_________\n(١) كذا ولعل الصواب: حكيم.","vol":"2","page":183},{"text":"مروان، خطر بباله الصنعة. فأحضر جماعة من الفلاسفة، فأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اليوناني إلى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام اهـ منه ص ٤٤٧ من ج ١.\nوفي أوائل السيوطي: أول من ترجمت له كتب الطب والنجوم خالد بن يزيد بن معاوية. وقيل: المنصور اهـ.\nوذكر ابن النديم في فهرسته: أن صناعة الكيمياء كانت رائجة في أيام خالد بن يزيد بن معاوية في مدرسة الاسكندرية، فاستقدم جماعة منهم راهب رومي اسمه اسطفان القديم انظر ص ٢٤٢ وص ٢٤٤ منها.\nوبكلام ابن أبي الحديد السابق تعلم ما في قول جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة العربية: لعلهم ترجموا لخالد بن يزيد شيئا في علم النجوم لم يصلنا خبره، وفي أخبار الحكماء لابن القفطي ص ٤٤٠ في ترجمة ابن السنبدي؛ أنه شاهد في خزائن الكتب بالقاهرة كرة نحاس، وعليها مكتوب: حملت هذه الكرة من الأمير خالد بن يزيد بن معاوية. [تاريخ الحكماء وهو مختصر الزوزني من أخبار العلماء طبعة ١٩٠٣ لينبريغ] .\nقلت: وبكل ما سبق عن الجاحظ، وابن النديم، وابن خلكان، وابن القفطي، وابن أبي الحديد، والصفدي، والسيوطي، وغيرهم تعلم ما في تعقل ابن خالدون البارد، وذلك في قوله: من المعلوم البيّين أن خالدا من الجيل العربي والبداوة إليه أقرب، فهو بعيد عن العلوم والصنائع بالجملة، فكيف له بصناعة غريبة المنحى مبنية على طبائع المركبات وأمزجتها، وكتب الناظرين في ذلك من الطبيعيات والطب لم تترجم بعد اهـ.\nويكفي في رد تهجمه قول ابن النديم: وهو من هو من القرب إلى ذلك الزمن والاطلاع العظيم أن صناعة الكيمياء كانت رائجة في زمن خالد. وبذلك يهوي تعقل ابن خالدون في الدرك الأسفل من الفساد والله أعلم.\nوفي تاريخ آداب اللغة العربية المذكور أن طبيبا كان معاصرا لمروان بن الحكم اسمه ماسرجوية سرياني الجنس يهودي المذهب، كان يقيم في البصرة، وظهر في أيامه، كتاب في الطب هو كناش (حاوي) من أفضل الكنانيش ألفّه القس أهرون بن أعين في اللغة السريانية، فنقله ماسرجوية إلى العربية. فلما تولى عمر بن عبد العزيز، وجد هذا الكتاب في خزائن الكتب في الشام، فحرضه بعضهم على إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به، فاستخار الله في ذلك أربعين يوما ثم أخرجه إلى الناس، وبثه في أيديهم انظر ص ٢٣٣ من ج ١.\nوفي شفاء الغليل: الكنّاش بضم الكاف العربية وتخفيف النون وآخره شين معجمة بوزن غراب لفظ سرياني: المجموعة والتذكرة وقد وقع هذا اللفظ كثيرا في كلام الحكماء، وسموا به بعض كتبهم كما يعرفه من طالع كتب الحكمة اهـ.","vol":"2","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>باب في أن أول من تكلم في علوم القوم الصحابة</span>\nقال ابن ليون التجيبي في الأنالة العلمية: أول من تكلم في علوم التصوف علي اهـ.\nوقال العالم الصالح أبو القاسم علي بن محمد بن خجو: في ضياء النهار: الصحابة كان علمهم بالله وبالآخرة، وكانوا أهل خوف وحزن، ومجاهدة، ومراقبة، وقناعة، وصبر، وتوكل، ورضى، وانقطاع إلى الله، واخلاص عميم، وكانوا مشغولين بتحصيل العبادة، من جهاد ومجاهدة النفوس، والايثار والبحث عن مكارم الأخلاق، والتوحيد والاخلاص، واليقين والذكر وهذا هو علم التصوف. ولم ترد جل خطب النبي ﷺ وجل وصاياه إلا بما اشتمل عليه علم التصوف، وكانت تتعاطاه الصحابة من الذكور والاناث. فالعلم الواجب على كل مكلف: هو ما كانت تتعاطاه الصحابة في وقته، وذلك علم التوحيد، والاخلاص، وسائر مقامات التصوف، من التوبة إلى انقضاء غايته اهـ.\nوبذلك تعلم أن ما وقع في المدخل من أن الحسن البصري أولّ من فتح الكلام في طريق القوم، وهو رضيع إحدى زوجاته ﵇، وهي أم سلمة يعني بعد علي، ثم وجدت القاضي ابن الحاج نقل في حواشيه على الدر الثمين عن التستري في رسالته العلمية أن الحسن البصري قال: أول من تكلم في التصوف والفقر علي. قال: ومن ثم جعله الوالد في نظمه للحكم واضعا لعلم التصوف فقال:\nوله علي واضع ... هو ذو العلم وذو الحكم\nاهـ ونحوه له في الأزهار الطيبة النشر، لدى كلامه على واضع علم التصوف، وفي الذهب الأبريز للقاوقجي: أبو ذر الغفاري هو أول من تكلم في علم البقا والفنا اهـ.\nوفي القوت للإمام أبي طالب المكي: كان الحسن البصري أول من نهج سبيل هذا العلم، وفتق الألسنة به، ونطق بمعانيه، وأظهر أنواره وكشف قناعه، وكان يتكلم فيه بكلام لم يسمعوه من أحد من اخوانه. فقيل له: يا أبا سعيد، أنت تتكلم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد غيرك فممن أخذت هذا؟ فقال من حذيفة بن اليمان. وقيل لحذيفة بن اليمان: نراك تتكلم في هذا العلم لا نسمعه من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، فممن أخذته قال: خصني به رسول الله ﷺ. اهـ منه.\nوقال: قيل: الحسن هو إمامنا في هذا العلم، الذي نتكلم فيه، أثره نقفو، وسبيله نقتفي ومن مشكاته نستضيء، أخذنا ذلك بإذن الله، وإمامنا عن إمام، إلى أن ينتهي ذلك إليه. وقد لقي سبعين بدريا، ورأى ثلاثمائة صحابي. ورأى عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب الخ وذكر قبل أنّ علي بن أبي طالب انتهى. في مسجد البصرة إلى حلقة الحسن البصري، وهو يتكلم في هذا العلم، فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه. انظر ص ١٤٨ و١٤٩ و١٥٠ من ج ١ من القوت. وبذلك تعلم كذب من زعم أن سيدنا عليا أخرجه من المسجد، ونهاه عن التكلم.","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>باب في أن أول من وضع علم النحو في الإسلام الصحابة</span>\nأخرج أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي في أماليه قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري؛ حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سعيد بن سالم الباهلي، حدثنا أبي عن جدي، عن أبي الأسود الدؤلي قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فرأيته مطرقا مفكرا فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية، ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها:\nبسم الله الرحمن الرحيم الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما انبنى على المسمى، والفعل ما انبنى على معنى؛ والحرف ليس باسم ولا فعل، ثم قال لي: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود؛ أن الأشياء ثلاثة، ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.\nقال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء عرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها إن وأن وليت ولعلّ وكأن، ولم أذكر لكن فقال لي لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها. قال: بلى هي منها، فزادني فيها «١» . هكذا ساق هذا الأثر الحافظ السيوطي في أوائله، وجمع الجوامع، وابن الهندي في الكنز؛ عن الزجاجي. كما ذكر. ولم أجده في أمالي الزجاجي المطبوعة، فلعله في غيرها، إذ له الأمالي الكبرى، والصغرى، والوسطى، والصغرى هي المطبوعة بمصر، أو لزجاجي آخر، لعله أبو إسحاق.\nوفي ترجمة أبي الأسود من الاصابة؛ نقلا عن أمالي أبي علي القالي: أول من وضع العربية، ونقط المصحف أبو الأسود. وقد سئل أبو الأسود عمن نهج له الطريق فقال:\nتلقيته من علي.\nوأخرج الأصبهاني في الأغاني، من طريق جعفر ابن أبي حرب ابن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه قال: قيل لأبي الأسود الدؤلي: من أين لك هذا العلم؟ يعني النحو.\nقال: أخذت حدوده عن علي.\nوأخرج البيهقي في الشعب، وابن عساكر، وابن النجار، عن صعصعة بن صوحان أن عليا قال لأبي الأسود: ضع للناس شيئا يستدلون به على صلاح ألسنتهم، فرسم له الرفع والنصب والخفض. انظر كتاب العلم من كنز العمال.\nولما رفع الشيخ أبو محمد عبد القادر بن أحمد الكوهن الفاسي، في فهرسته إسناده\n_________\n(١) انظر كنز العمال ج ١٠ ص ٢٨٣ وصححت منه بعض الأخطاء.","vol":"2","page":186},{"text":"في علم النحو إلى أبي الأسود، عن علي كرم الله وجهه قال: وهو أي علي واضعه؛ كما أخرجه الزجاجي في أماليه، والبيهقي في شعب الإيمان، وأبو الفرج في الأغاني، من طرق متعددة. وهذا مظهر قوله ﵇: أنا مدينة العلم وعلي بابها أخرجه الترمذي «١»، والحاكم، عن علي، وأخرجه الحاكم أيضا والطبراني عن ابن عباس اهـ ومن نسخة عليها خطه نقلت.\nوفي الأزهار الطيبة النشر، للقاضي أبي الفتح ابن الحاج: لما جاء الأسلام واختلطت الأمم، وخيف على العربية الضياع، تكلم فيها علي بن أبي طالب ورسم أصولها، ومن ثم جعله والدنا في ميميته في السيرة تبعا لغيره، واضعا لهذا الفن فقال بعد أبيات:\nهو الذي كان واضعا لنحو أتى ... في اسم وفعل وحرف غير ملتئم\nثم تصدى بعد ذلك لتحرير قواعدها، ودفع الشكوك عنها، والشبه أبو الأسود الدؤلي، ومن ثم جعله الشريشي في شرح المقامات، والأزهري في التصريح؛ تبعا لغيرهما واضعا لهذا الفن. وهو تابعي مات بالبصرة سنة ٦٩ عن ٨٥. وإلى هذا أشار ابن شعبان في ألفيته بقوله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>أول من أفادنا النحو علي</span>\nوحكى الفخر الرازي: أن عليا رسم لأبي الأسود باب الاضافة، وباب الإمالة، ثم صنف أبو الأسود باب العطف، وباب النعت، ثم باب التعجب، وباب الاستفهام اهـ الخ.\nوفي سعود المطالع للأبياري: واشتهر أن أول من وضعه أبو الأسود الدؤلي من الصحابة، بأمر من الإمام علي، أو عمر لأسباب مختلفة يمكن الجمع بينها بتعدد الوقائع اهـ واستظهر الشيخ الأبياري المذكور؛ في أول كتابه القصر المبني في حواشي المغني أن قواعد هذا العلم وأصوله التي بها يعرف وجوه الكلام؛ كانت معروفة بين الصحابة، أو بين أفراد منهم، وأن أمر علي لأبي الأسود بوضع النحو؛ يدل على أن هذا العلم معروف معلوم، لدى الآمر والناهي. انظر الحاشية المذكورة. وذكر ابن الأنباري في ترجمة أبي الأسود من نزهة الألباء في طبقات الأدباء أنه وضع مختصرا في النحو، منسوبا له. وأن سببه أن زياد بن أبيه قال له: لو وضعت للناس شيئا. أنظر ص ١١ منه.\nوقد ذكر ابن النديم في فهرسته، مما شاهده بعينه، في عرض كلامه، عن خزانة كتب أطلعه عليها أحد جمّاعي الكتب، فكان من جملة ما فيها: قمطر كبير فيه نحو ٣٠٠ رطل جلود فلجاب وصكوك وقرطاس مصري وورق صيني وورق خراساني وبينهما أربع أوراق قال: أحسبها من ورق الصين؛ ترجمتها هذه: فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي\n_________\n(١) جاء في الترمذي في كتاب المناقب ج ٥ ص ٦٣٧ قوله: أنا دار الحكمة وعليّ بابها. ثم قال: هذا حديث غريب منكر.","vol":"2","page":187},{"text":"الأسود، بخط يحيى بن يعمر. وتحت هذا الخط بخظ عتيق هذا خط علّان النحوي، وتحته هذا خط النضر بن شميل، ثم لما مات هذا الرجل، فقدنا القمطر انظر ص ٤٠ من الفهرست.\nوبعد أن قرر القاضي ابن الأزرق في عروض الأعلام في منزلة العربية من علوم الإسلام، أن السلف تسارعوا إلى وضع العربية، لما علموا في ذلك من المصلحة، قال:\nهذا إن سلّم أن وضع هذا العلم لم يتقدم إليه الخلفاء الراشدون، وأما إن كانوا هم الذين أمروا به، وأرشدوا إلى تأصيل أوضاعه، كما يدل عليه ما تقدم، فهو بلا شك من جملة ما سنّوا من الخير الذي سبقوا إليه، ودليله هو بعينه دليل جمع المصحف وغير ذلك، مما تقتضيه قاعدة المصالح المرسلة اهـ منه.\nوذكر قبل ذلك بعد أن نقل من عدة وجوه: أن أول من وضع النحو علي. وأن عنه اقتفى أبو الأسود وضعه على مقتضى ما علمه، وقد ضمن بعضهم هذا المعنى في عرض الفخر به والمدح، لابن عصفور، لما وافق اسمه اسم أمير المؤمنين، فاتح باب الوضع لهذا العلم المنسوب إليه فقال:\nنقل النحو إلينا الدؤلي ... عن أمير المؤمنين البطل\nبدأ النحو عليّ وكذا ... ختم النحو ابن عصفور علي\nوانظر رسالة الأخبار المروية في سبب وضع العربية، للحافظ السيوطي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>باب في أن عليا كرم الله وجهه هو أول من نطق بالتصحيف أحد أنواع البديع</span>\nوهو أن تأتي بلفظ واحد تحتمل قراءته بوجهين، وتسمية بقية ما استنبطه من العلوم.\nمن ألطفه قول سيدنا علي كرم الله وجهه: كل عنب الكرم تعطيه، فإنه يصحف بقولك: كل عيب الكرم يغطيه، قال جد جدنا لأمه العلامة أبو الفيض حمدون ابن الحاج في شرحه: النوافح العالية في المدائح السليمانية: علي هو أول من نطق بالتصحيف في كلامه، انظره. ثم وجدت من سبقه إلى ذلك، وهو صاحب مدينة العلوم؛ نقل عن الشيخ عبد الرحمن البسطامي: أول من تكلم بعلم التصحيف الإمام علي بن أبي طالب، ومن كلامه في ذلك: خراب أهل البصرة بالريح، بالراء والحاء. المهملتين بينهما ياء. قال الحافظ الذهبي: ما علم تصحيف هذه الكلمة إلا بعد المائتين من الهجرة: يعني خراب البصرة بالزنج بالزاي والنون والجيم. قال: وللإمام في هذا العلم صنائع بديعة اهـ.\nوفي إتحاف الرواة بمسلسل القضاة، للشهاب أحمد بن الشلبي الحنفي المصري؛ تعرضه لأوليات سيدنا علي قيل: إنه أول من تكلم في التصحيفات اللوذعية فقال: كل عنب الكرم الخ الخ ونحوه لابن هشام، في الفصل الرابع من كتابه موقد الأدهان وموقظ الوسنان، وفي الجرعة الصافية والنفحة الكافية، للشيخ المختار بن أحمد الكنتي الوافي: علي هو","vol":"2","page":188},{"text":"الذي استنبط علم النحو، والكيمياء، والاسطرلاب، وأسرار الحروف، وأسرار الحساب، والتنجيم، والأوفاق، والتعبير، والفرائض، ودقائق القسمة، إلى غير ذلك اهـ.\nوفي بهجة الآفاق في علم الحروف والأوفاق لجوّاب الكرة الأرضية، الشمس محمد بن الغلاني الدانكوري السوداني، دفين مصر: صنف علي في الجفر، والجامعة في أسرار الحروف الكونية، وهو ألف وسبعمائة مصدر من مفاتيح الأسرار، وهو أول من وضع مربع مائة في مائة من الصحابة، كما قال صاحب الكنز الباهر في شرح حروف الملك الظاهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>باب في أن الصحابة تكلموا في علم الكلام قبل أن يتكلم فيه ويدوّن الإمام الأشعري</span>\nنقل الشيخ الأمير، في حواشي الجوهرة عن الإمام أبي علي اليوسي: أنه اشتهر عن أبي الحسن الأشعري أنه واضع علم الكلام، وليس كذلك. بل تكلم فيه عمر بن الخطاب، وأنس، وألف فيه مالك رسالة قبل أن يولد الأشعري اهـ نقله الشيخ عليش في فتاويه أثناء جواب له: في واضع علم الكلام قائلا: الأولى أنه علم قرآني، لأنه مبسوط في كلام الله، بذكر العقائد، والنبوات، والسمعيات، انظر ص ١٣ من ج ١ ونقل الحافظ السيوطي في شرح نظمه لجمع الجوامع، عن أبي الوليد الباجي: ناظر ابن عمر منكري القدر، واحتج عليهم بالحديث، وناظر ابن عباس الخوارج اهـ منه.\nقلت: من طالع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي لم يبق له شك في أنه علم قديم خاض فيه المصطفى والصحابة وصدور التابعين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>باب املاء الصحابة على من يكتب عنهم</span>\nروى ابن عدي والبيهقي في المدخل عن أبي الخطاب معروف الخياط قال: رأيت واثلة بن الأسقع يملي على الناس الأحاديث، وهم يكتبونها عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>باب وقت بروزه ﵇ للجواب عن أسئلة السائلين وأغلب ما كانوا يسألونه عنه</span>\nعن أبي موسى قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر انحرفنا إليه فمنا من يسأله عن القرآن، ومنا من يسأله عن الفرائض، ومنا من يسأله عن الرؤيا، رواه الطبراني في الكبير.\nقال الهيثمي: وفيه محمد بن عمر الرومي ضعفه أبو داود وأبو زرعة، ووثقه ابن حبان.\nفائدة: في طبقات ابن سعد عن الزهري؛ أن النبي ﷺ كان لا يأذن بعد الظهر. وهي السنة وكان يأذن عليه أنس مولاه انظر ص ٣٣ من ج ٣.\nفعلى هذا: كان ﵇ إذا دخل إلى منزله بعد صلاة الزوال، إنما يأذن الناس في الدخول عليه ولقائه بعد الظهر.","vol":"2","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>باب في مراجعتهم الحديث فيما بينهم إذا فارقهم المصطفى ﵇</span>\nترجم الهيثمي في المجمع: باب في مدارسة العلم ومذاكرته، عن أنس قال: كنا قعودا مع النبي ﷺ، فعسى أن يكون قال ستين رجلا فيحدثنا الحديث، ثم يدخل لحاجته، فنراجعه بيننا هذا، ثم هذا، فنقوم كأنما درّ [فتح] في قلوبنا. رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>باب في أنهم كانوا إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة من القرآن</span>\nخرّج الحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>باب في أن العالم منهم قد يأمر تلميذه بالتحديث بمحضره</span>\nروى البيهقي في المدخل؛ بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال لسعيد بن جبير:\nحدث. قال: أحدث وأنت شاهد؟ قال: أو ليس من نعم الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أخطأت علمتك.\nوفي ترجمة سعيد من طبقات ابن سعد أن ابن عباس قال لسعيد: حدث قال أحدث وأنت هاهنا؟ قال: أوليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>باب في أخذهم القرآن مع التفقه في معانيه تدريجيا</span>\nعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله ﷺ؛ أنهم كانوا يأخذون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الآخرى؛ حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل. قال: فتعلمنا العلم والعمل رواه أحمد، وابن سعد في الطبقات. وفيه عطاء ابن السائب، اختلط في آخر عمره، وعن ابن عمر قال: لقد عشت برهة من دهري، وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد، فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم القرآن. فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده فيه، وينثره نثر الدقل. رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.\nوفي ذيل مجمع بحار الأنوار؛ على حديث. من تعلّم القرآن وعلمه، لا يلزم منه فضله على الفقيه، لأن المخاطبين الصحابة. وكانوا فقهاء يعرفون الفقه من معانيه أكثر مما يعرفه من بعدهم اهـ منه.","vol":"2","page":190},{"text":"وأورد في الجامع الكبير حديث: تعلموا القرآن والتمسوا غرائبه، وغرائبه فرائضه، وفرائضه حدوده، وحدوده حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، واعتبروا بأمثاله. وعزاه للديلمي عن أبي هريرة.\nوفي الموطأ «١» أن ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها. قال الباجي في المنتقى: ليس ذلك لبطء حفظه، معاذ الله، بل؛ لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها، وما يتعلق بها.\nوأخرج الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا. نقله السيوطي في تنوير الحوالك وقد عدّ الونشريسي في فصل البدع من المعيار: من البدع اقتصار الناس على حفظ حروف القرآن دون التفقه فيه، ثم إنه ذكر عن ابن عمر ما سقناه. قال: قال العلماء معناه: أنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها اهـ منه.\nونقل ابن عبد السلام في محاذيه عن الحافظ الذهبي في حق مجاهد: أنه صح عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقفه فيها عند كل آية، أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ اهـ.\nوفي جامع البيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد: أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه قد حفظ القرآن في البصرة في هذه السنة خلق كثير، فكتب له أن يفرض لهم ثم كتب له في السنة بعدها أنه قد حفظ القرآن أضعاف ذلك، فقال له أتركهم، فإني أخشى أن يشتغل الناس بحفظ القرآن، ويتركوا التفقه فيه اهـ.\nقلت: قصة أبي موسى أوردها في الكنز فانظره، وفي شرح الملا علي القاري على مسند أبي حنيفة: كان من يقرأ القرآن في الصدر الأول عالما بالسنة والفقه المتعلق بالصلاة ونحوها، ولذا ورد: يؤمهم اقرأهم اهـ منه. ومن أقرب ما يمثل لنا تفقه من سبق في القرآن حالة حفظه، ما في بذل المناصحة لأبي العباس أحمد بن علي البوسعيدي السوسى، دفين فاس في ترجمة أستاذ درعة أبي القاسم الوحلاني الدرعى قال: حدثني عنه بعض الأصحاب: أنهم سمعوا منه: أنه لا يمحى اللوح حتى يقرأها، بكل ما يتعلق بها من الأحكام، من التجويد بالقراآت والرسم، والأعراب والتفسير. ولكل فن شيخ قال: وربما يبقى في ثمن الجمعة حتى يجتاز بها على جميع شيوخ مطالبها اهـ ومن خط البوسعيدي نقلت.\n_________\n(١) انظر الموطأ كتاب القرآن باب ٤ رقم الحديث ١١ ص ٢٠٥ ج ١.","vol":"2","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>باب في أول من أطلق على سفر القرآن المصحف</span>\nأخرج ابن أشته في كتاب المصاحف، من طريق كهمس بسند منقطع عن بريدة قال:\nإن أول من جمع القرآن في مصحف؛ سالم مولى أبي حذيفة، ثم ائتمروا على أن يسموه باسم فقال البعض منهم: سموه السفر. فقال: إن ذلك من تسمية اليهود لكتبهم، فكرهوا ذلك. فقال: إني رأيت مثله في الحبشة يسمى المصحف، فأجمع رأيهم على أن يسموه المصحف، فسمى به أنظر أزهار العروش في أخبار الحبوش.\nوفي باب العلم من سمى المصحف مصحفا أبو بكر. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب المصاحف.\nوفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي؛ أن المصحف بضم الميم وقد تكسر وقد تفتح، مأخوذ من أصحف أي جعل فيه الصحف، ثم جعل علما على القرآن الكريم.\nوأول من سماه به: أبو بكر الصديق. ذكره الوالد في شرحه على الدرر اهـ منه ص ٢٦٩ من ج ٢، ونحوه للزرقاني على المختصر لدى قول الشيخ خ في باب الركوة والقرآن والمصحف. انظره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>باب فتوى الصحابة في حكم أجرة نسخ المصاحف</span>\nعن ابن عباس أنه سئل عن أجرة كتابة المصاحف فقال: لا بأس؛ إنما هم مصورون، وإنما يأكلون من عمل أيديهم. ذكره التبريزي في المشكاة وعزاه لرزين السرقسطى. قال القاري في المفاتيح: فإنما هم مصورون أي ينقشون صور الحروف، وقال: لا بأس، لأن القرآن كما يطلق على صفة الله القديمة، يطلق على ما بين الدفتين من النقوش، فهم إنما يأخذون الأجرة في مقابلة تلك النقوش، الدالة على تلك الصفة. ولذا قال: إنما هم مصورون أي ينقشون صور الحروف. ثم نقل عن الطيبي: الصورة الهيئة والنقش، والمراد هنا: النقش إشعار بالمجموع، لأنه أثبت النقش والمنقوش، والقرآن كان عبارة عن المجموع من القرآن والمقروء، والكتابة والمكتوب، والمقروء هو القديم والكتابة والقراءة ليستا من القديم، لأنها من أفعال القارئي والكاتب، فلما نظر المسؤول إلى تمييز معنى المقروء والمكتوب، وأنهما من صفات الإنسان جوزها اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>باب في اعتناء الصحابة ومن كان في زمنهم بنسخ المصاحف وتلاوتهم القرآن فيها</span>\nترجم في الاصابة؛ لناجية الطفاوي الصحابي فقال: كان يكتب المصاحف، وترجم لنافع بن ظريب النوفلي فقال: هو الذي كتب المصحف لعمر. وقال هشام الكلبي: كان يكتب المصاحف لعمر، وقال البلاذري: كتب المصاحف لعثمان، وقيل لعمر، وذكر خالنا","vol":"2","page":192},{"text":"أبو المواهب جعفر بن ادريس الكتاني في فهرسته، وتلميذه المطلع المحدث، أبو عبد الله محمد المدني ابن جلون، في كناشته أنه نقل من خط شيخ الأول قاضي الجماعة بفاس شارح تيسير ابن الدّيبع أبي محمد عبد الهادي بن عبد الله العلوي المدغري، أن جده العلامة مولاي التهامي، نظم تركة النبي ﷺ وذلك في قوله:\nقد خلف الرسول تسعا تعرف ... سجادة وسبحة ومصحف\nوقفتان، وسواك وحصير ... مشط ونعلان وابريق منير\nواضعها مكتوبة في منزله ... يدوم أمن أهله ونزله\nفعد منها المصحف والسبحة، وربما يستغرب ذلك، ويستنكر أما المصحف فلما اشتهر، وتقرر أن أبا بكر أول من جمع القرآن، فلعله أراد بالمصحف المعدود من المتخلفات النبوية؛ تلك الصحف التي كان يكتب فيها القرآن، وقت نزوله من عظم ونحوه، وقد قال ابن سعد في الطبقات: إن عمر أول من جمع القرآن في المصحف اهـ ص ٢٠٢ من ج ٣ من القسم ١.\nوقال الخزاعي في فصل: إن عمر أول من دوّن الدواوين، وقد كان أبو بكر جمع القرآن في صحف، وبقيت تلك الصحف عند حفصة أم المؤمنين، إلى زمن عثمان ذكر ذلك أبو محمد بن عطية وغيره، وكان جماعة من الصحابة قد جمعوه أيضا قبل ذلك، ومن أشهرهم عبد الله بن مسعود.\nقال أبو عمر ابن عبد البر: إن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب وهو بعرفات فقال:\nجئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب، فغضب لذلك عمر غضبا شديدا، وقال: ويحك من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود. فذهب عنه ذلك الغضب، وسكن إلى حاله. وقال: والله ما أعلم من الناس أحدا هو أحقّ بذلك منه اهـ.\nوقالوا: إن عثمان حين أكمل كتب المصحف أمر بانتزاع ما عند الصحابة من المصاحف، فانتزعت إلا مصحف عبد الله بن مسعود اهـ.\nفهذا يدل على أنه كانت مصاحف جمعت قبل مصحف عثمان، وإنما نسبوا ذلك له، لأنه المصحف الذي بعث نسخه إلى الأمصار، وابتهج المسلمون به في جميع الأقطار اهـ.\nثم بعد كتبي هذا بمدة وجدت بخط سيدنا الخال ﵀ إثر الأبيات السابقة ما نصه: والمراد بالمصحف ما جمعه الصحابة، مما بين الدفتين أي اللوحين من القرآن، وفي البخاري: باب من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين، ثم ذكر بسنده إلى ابن عباس، وابن الحنفية، أنه لم يترك إلا ذلك، لأنه جمع في الصحف ثم جمعت تلك الصحف في المصحف بعد النبي ﷺ، فكان التأليف في الزمن النبوي والجمع في الصحف في زمن الصديق، والنسخ في المصاحف في زمن عثمان. وقد كان القرآن كله مكتوبا في","vol":"2","page":193},{"text":"عهده ﷺ، لكنه غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور. قاله القسطلاني.\nقلت: قد ظفرت بما يدل على أن ما كان نزل من القرآن؛ كان الصحابة يعددون منه النسخ في زمنه ﵇. وبوّب عليه البخاري في كتاب الجهاد «١» من الصحيح بقوله:\nباب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، ثم خرّج عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ:\nنهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. وفي لفظ لإسحاق بن راهواه في مسنده: كره رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو. وخرجه أحمد بلفظ: نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو.\nوقال البخاري في الترجمة المذكورة؛ وقد سافر النبي ﷺ وأصحابه إلى أرض العدو، وهم يعلمون القرآن. قال الحافظ: أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالمصحف، خشية أن يناله العدو، لا السفر بالقرآن نفسه اهـ فلولا أن ما كان نزل من القرآن يجمع في الصحف ونحوها، ويتداوله الناس بالنسخ والملك، ما صح ورود النهي المذكور فتأمله.\nوأخرج أحمد «٢» والطبراني والدارمي عن أبي أمامة قال: لما كان في حجة الوداع:\nقام رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم، وقبل أن يرفع العلم، الحديث. فسأله اعرابي يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا، فرفع النبي رأسه إليه وهو مغضب وقال:\nهذه اليهود والنصارى بين أيديهم المصاحف، لم يتعلقوا منها بشيء مما جاءتهم به أنبياؤهم، ألا وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته. ولهذه الزيادة شواهد من حديث عوف بن مالك، وابن عمر، وصفوان وهي عند أحمد والترمذي والطبراني والدارمي. والبزار بالفاظ مختلفة وفي جميعها هذا المعني.\nوفي مسند عبد الله بن عمرو بن العاص من مسند أحمد «٣» عنه أن رجلا أتى النبي ﷺ بابن له فقال يا رسول الله إن ابني هذا يقرأ المصحف في النهار ويبيت بالليل، فقال رسول الله ﷺ ما تنقم أن ابنك يظل ذاكرا ويبيت سالما.\nوفي أحكام القرآن لابن العربي على قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: ٥٣] في المتاع أربعة أقوال الرابع: صحف القرآن اهـ.\nوفي المسلسل ٤١ من مسلسلات المنح البادية في الأسانيد العالية؛ بإسناد مؤلفها إلى القاضي أبي بكر ابن العربي المعافري قال: اشتكت عيني فشكيت إلى الشريف نسيب الدولة\n_________\n(١) انظره ص ١٥ ج ٤ باب ١٢٩.\n(٢) رواه أحمد في الجزء الخامس من مسنده ج ٥ ص ٢٦٦ وفي طبعة المكتب الإسلامي ص ٣٣٤/ ٥.\n(٣) رواه أحمد في ج ٢ ج ١٧٣، وفي طبعة المكتب الإسلامي ص ٢٣٠.","vol":"2","page":194},{"text":"فقال لي: انظر المصحف وهكذا تسلسل إلى علقمة فقال: اشتكت عيني. فقال لي عبد الله بن مسعود: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فقال لي رسول الله ﷺ: انظر في المصحف، زاد غيره في هذا الحديث بقوله: فإن عيني اشتكت، فقال لي جبريل: انظر في المصحف.\nثم نقل عن كتاب سلوة الأحزان في فضائل القرآن للزناتي عن أنس رفعه: من قرأ في المصحف لم ير سوآ في بصره ما عاش. انظر المنح. وأما السبحة فقال الشيخ الأمير في فهرسته: لم يصح ما اشتهر من عدها أي السبحة من مخلفاته ﵇ اهـ وسبقه إلى نحوه ابن سلطان في شرح المشكاة قائلا: إن السبحة المعروفة لم تكن في زمن النبي ﷺ اهـ ونقل كلام الأمير والقاري، وأقره أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي في رسالة: نزهة العطر في سبحة الذكر، واقتصر على كلام الأمير في كتابه ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني، ص ١٥١ ونحوه لابن الطيب، في حواشي القاموس.\nوالصواب أن اتخاذ السبحة ونحوه لعد الذكر ثبت عن الصحابة في حياته ﵇ وبعده، والذي حدث هو خرز، ونظم تلك الحبوب في الخيط ونحوه، كما قاله الشيخ عبد الغني الدهلوي المدني، على أن مخلفات النبي ﷺ من خيل ودواب وإبل وغنم وفراش وأجنة «١» وأثاث وغيرها، أكثر من ذلك بكثير، والعلم عند العلي الكبير. وقد نظمها غيره على غير هذا الوجه. انظر رحلتنا (الدرنية) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>باب في اعتناء الصحابة بمصاحبة المصاحف لهم في أسفارهم</span>\nيستفاد ذلك من الترجمة قبله، وذكر المسعودي في مروج الذهب في عرض كلامه على واقعة صفين بين على ومعاوية، وما كان من ظهور علي، وما أشار به عمرو بن العاص، من رفع المصاحف؛ ورفع من معسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف اهـ.\nوليست هذه كل المصاحف إذ ذاك، مع أن بين جمع القرآن وواقعة صفين سبع سنين، فانظر إلى هذا العدد الذي وجد في ذلك الجيش فكيف بغيره من مصاحف من لم يحضر.\nوفي ترجمة أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري من طبقات ابن سعد، عن يزيد بن مردانيه قال: رأيت أبا بردة راكبا على راحلة، ومصحف معلق مقدم الراحلة.\nلطيفة: وقع في حواشي الشيخ الأمير الكبير، على الزرقاني على المختصر، عن شيخه الشمس البليدي المالكي. فرع: يكره جعل القرآن أجزاء. قال مالك: إنه تعالى يجمعه وهم يفرقونه اهـ ثم وجدت في العتبية: وأن مالك كره ذلك كراهة شديدة. قال ابن رشد في البيان\n_________\n(١) كذا ولعلها مصحفة عن: أمتعة. مصححه.","vol":"2","page":195},{"text":"والتحصيل: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل على النبي ﷺ شيئا بعد شيء حتى كمل الدين واجتمع القرآن في الأرض، فوجب أن يحافظ على كونه مجموعا.\nتنبيه: المصاحف القديمة الموجودة في المكاتب العظيمة، التي يظن إنها كتبت في القرون الأولى، لا تجدها إلا بأرفع الخطوط وأوضحها في أغلى الصحف ثمنا وأجملها وأغلظها. وما ذلك إلا لأنهم كانوا يرون ذلك من رفع المصحف وإكباره. وفي مدينة العلوم، لما تكلم على آداب كتابة المصاحف، أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى مصحفا كتب بقلم دقيق ضرب كاتبه، وكان إذا رأى مصحفا عظيما سرّ به. وكان علي يكره أن تتخذ المصاحف صغارا اهـ.\nوقد أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن انظر الاتقان. وقد عد في الطريقة المحمدية من الآفات تصغير المصحف. قال العارف النابلسي في شرحها: أي كتابته في أوراق صغار، ثم نقل عن أبي حنيفة: أنه يكره أن يصغر المصحف، وأن يكتب بقلم دقيق، ثم قال: ينبغي لمن أراد كتابة القرآن أن يكتبه بأحسن خط وأثبته، على أحسن ورق وأبيض قرطاس، بأفخم قلم وأبرق مداد، ويفرّج السطور، ويفخم الحروف، ويجرده عما سواه من التفاسير، وذكر الآي وعلامات الوقف وصونا لنظم الكلمات كما هو مصحف الإمام عثمان ﵁ اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>باب هل كانوا يحلّون المصاحف</span>\nترجم ابن رشد في جامع البيان والتحصيل؛ لصفة مصحف جد الإمام مالك المكتوب على عهد عثمان، قال ابن القاسم: وأخرج إلينا أي مالك مصحفا لجده (أبي عامر الأصبحي المختلف في صحبته) فحدثنا أنه كتب على عهد عثمان بن عفان، فوجدنا حليته فضة، وأغشيته من كسوة الكعبة، وأعاد ذلك في العتبية مرة أخرى، وزاد فيها: ما زدت أنا فيه شيئا قال ابن رشد: أحفظه في إجازة تحلية المصحف بالفضة، أما تحليته بالذهب فأجيز وكره، وظاهر ما في الموطأ إجازته اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>باب في أن حفظ المصاحف كان له ولاة مختصون به في زمن أبي بكر ﵁</span>\nفي التعريف برجال مختصر ابن الحاجب، لابن عبد السلام، في ترجمة أبي بكر أن عمر كان قاضيه، وعثمان كاتبه. وسعد مولى مصاحفه، وسعد القرظ مؤذنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>باب هل كانوا يقبلون المصاحف</span>؟\nفي شرح الأحاديث الأربعين للشمس محمد بن مصطفى الكرماني الحنفي: المصحف قبّله عمر وعثمان في كل غداة، وقيل: إنه بدعة في المنية اهـ منه ص ١٠٦. وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار، للعلامة الحصكفي الدمشقي، من كبار كتب الحنفية: روي أن","vol":"2","page":196},{"text":"ابن عمر كان يأخذ المصحف كل غداة ويقبله ويقول: عهد ربي ومنشور ربي ﷿، وكان عثمان يقبل المصحف ويمسحه على وجهه اهـ انظر ص ٢٥٤ من ج ٥ من هامش رد المختار لابن عابدين.\nونقل الشمس السفاريني الحنبلي في شرح منظومة الآداب عن الرعاية: إنه يستحب تقبيل المصحف، لأن عكرمة بن أبي جهل «١» كان يفعل ذلك. رواه جماعة منهم الدارمي بإسناد صحيح. قال: كان يضع المصحف على وجهه ويقول: كتاب ربي كتاب ربي.\nوممن صحح إسناد الدارمي عن عكرمة النووي في التبيان، وفي مناسك العلامة شيخ الجماعة بفاس أبي عبد الله محمد بن عبد السلام البناني، ورد أن الحجر الأسعد يمين الله في أرضه، والعادة تقبيل يمين من يقصد إكرامه. فجعل إشارة إلى ذلك تعالى الله عن التشبيه، وهذا معنى لطيف في تقبيله، ولا يخفى أن القرآن العظيم صفة الله فهو بالتقبيل أولى، ومنه يؤخذ تقبيل المصحف، ويد العالم والولي والرجل الصالح، وآثار الصالحين ونحو ذلك مما يعظم. ذكر معناه السبكي في طبقاته اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>باب كون الصحابة كانوا يستحبون أن لا يخرج الرجل من منزله صباحا إلا وقد نظر في المصحف</span>\nذكر الحافظ أبو القاسم الغافقي الملاحي، في فضائل القرآن، له نقلا عن القوت؛ لأبي طالب المكي: كان كثير من الصحابة يقرؤون في المصحف ويستحبون أن لا يخرج يوم إلا وقد نظروا فيه، وخرق عثمان مصحفين من كثرة درسه فيهما اهـ.\nوفي المنح البادية للفاسي: كان الأيمة والصالحون من السلف أول ما يبدؤون به إذا أصبحوا النظر في المصحف، وكان يأمرون من اشتكى ببصره أن ينظر في المصحف.\nوفي ترجمة أبي العالية من طبقات ابن سعد ص ٧٥ ج ٦ عن مجاهد: كان لعبد الرحمن ابن أبي ليلى بيت فيه مصاحف، يجتمع إليه فيه القراء قلما تفرقوا إلا عن طعام وبذلك كله تعلم ما في تحفة الأكابر عن مختصر ابن أبي زيد: لم تكن القراءة في المصحف من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج، وأكره أن يقرأ في المصحف في المسجد اهـ وانظر التحفة أيضا على حديث من استظهر القرآن خفف الله عن أبويه العذاب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>باب في أن معاوية كان له غلمان وكلوا بحفظ دفاتر التاريخ</span>\nفي ترجمته من مروج الذهب للمسعودي أنه كان في السمر يحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارهم، والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان مرتبون، وقد وكلوا بقراءتها وحفظها انظر ص ٥٢ من ج ٢ المطبعة المصرية لسنة ١٣٠٤.\n_________\n(١) انظر سنن الدارمي كتاب فضائل القرآن باب ٤ ص ٧١٤.","vol":"2","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>باب في تعلمهم القرآن في زمنه ﵇ وتسويغه أخذ الأجرة عليه</span>\nخرّج البخاري «١» في الصحيح، عن ابن عباس عن النبي ﷺ: أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله: قال ابن بطال: هذا عام في التعليم وغيره. وقد أجاز الإجارة على تعليمه والرقية به مالك والشافعي وأحمد اهـ.\nوقال المجاجي هذا الحديث يدل دلالة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن قال بقوله:\nإنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وذهب آخرون إلى المنع من ذلك؛ مستدلين بحديث يروى في ذلك أيضا، ظاهره يقتضي تحريم أخذ الأجرة، وهو عند المالكية ومن قال بقولهم مؤول اهـ.\nوفي البخاري: إذهب فقد زوّجتكها بما معك من القرآن «٢» .\nوفي حديث عبادة: كنت أعلم إنسانا من أهل الصفة القرآن، وفي مسند أحمد عن عائشة قالت: ذكر رجل عنذ رسول الله ﷺ بخير، فقال: أو لم تروه يتعلم القرآن؟ انظر ص ٦٦ من مسند عائشة ج/ ٦.\nوفي الأجوبة المهمة عن الحافظ السيوطي: تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشأون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة، قبل تمكن الأهواء منها.\nوسوادها بأكدار المعصية والضلال، وكان ﷺ يشترط على وفود الأعراب بعد إسلامهم إقراء القرآن بينهم، وتعليمهم أمر الدين وإقامة المؤذنين اهـ.\nوسبق في القسم الأول دلائل صريحة في هذا؛ من حضه ﵇ الناس على تعلم القرآن، وإرسال المعلمين إلى الجهات، ومما أغفلناه هناك حديث: «تعلموا القرآن فاقرأوه وأقرئوه فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به؛ كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه كل مكان ومثل من يتعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب وكىء على مسك، خرّجه الترمذي «٣»، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان عن أبي هريرة. قال الترمذي: حسن غريب. وحديث: تعلموا كتاب الله وتغنوا به فإنه أشدّ تفلتا من المخاض في عقلها أي النوق الحوامل المحبوسة في العقل جمع عقال خرجه أحمد «٤» عن عقبة بن عامر- والأحاديث في هذا الباب كثيرة.\n_________\n(١) انظر كتاب الإجارة ج ٣ ص ٥٣ باب ١٦.\n(٢) انظر كتاب النكاح ج ٦ ص ١٣٤ رقم الباب ٣٧.\n(٣) أخرجه الترمذي في حديث طويل في فضائل القرآن من حديث أبي هريرة في فضل سورة البقرة ج ٥ ص ١٥٦ باب ٢.\n(٤) وانظر الجزء الرابع من المسند ص ١٥٣ والإسلامي ص ٢١٠ ج ٥.","vol":"2","page":198},{"text":"وفي نجوم المهتدين في دلائل نبوة سيد المرسلين؛ لأبي المحاسن النبهاني: الصحابة كان بعضهم يحفظ القرآن كله، والبعض يحفظ أكثره، والبعض يحفظ أقله، ويحفظ أحدهم ما لا يحفظه الآخر، وقلما رجل منهم لا يحفظ منه شيئا، حتى كان عمر ﵁؛ يأمر بقسمة الغنائم على مقادير الحفظ للقرآن؛ وبذلك تزداد الرغبة في الدين والدنيا اهـ ص ٤٠١.\nوقال الولي ابن خالدون في مقدمة العبر في فصل تعليم الولدان: إعلم أن تعليم الولدان القرآن شعار من شعار الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، بما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان، وعقائده من آيات القرآن، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه، ما يحصل بعد من الملكات.\nثم قال: اختصت العوائد الإسلامية بتقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات، والقواطع عن العلم، فيفوته القرآن اهـ.\nوعلى ذلك جرى حال أهل ملة الإسلام في كل عصر وزمان، حتى قال الأئمة: إن تعليم القرآن وتعلمه فرض. وكذا معرفة معانيه، لأنها المقصود الأهم، والمطلوب الأعظم.\nوفي المجاجي نقلا عن الغبريني، أنه سئل عن أهل قرية امتنع بعضهم من بناء مسجد للصلاة، وأخذ المؤدب لقراءة أولادهم. هل يجبرون على ذلك.\nفقال: جبرهم على بناء المسجد واجب، وكذا جبرهم على تعليم أولادهم ونحوه للعقباني أيضا.\nتنبيه: في ابن غازي على الصحيح نقلا عن ابن بطال: أجاز أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه تعليم الحربي والذمي القرآن والعلم والفقه رجاء إسلامهما اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>باب هل كانت المصاحف تباع في زمنهم</span>\nنقل الشيخ أبو علي ابن رحال في شرحه على خ: بيعت المصاحف أيام عثمان فلم ينكروا ذلك اهـ منه لدى قول خ ولو مصحفا في باب الإجارة. انظر بكم بيع أول مصحف نسخ، وعرض للبيع وهل ثمنه كان على مقدار قيمة الناسخ والخطاط؟ أو على نسبة المنسوخ فيه من جلد ونحوه مما كانوا يكتبون فيه؟ لا بد أن يكشف المستقبل للباحث القول الفصل في هذه المسألة أيضا والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>باب في المكاتب لقراءة الصبيان</span>\nفي كتاب الديات من صحيح البخاري «١»: أن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب أن\n_________\n(١) ج ٨/ ٤٦ باب ٢٧: من استعان عبدا أو صبيا، ويذكر أن أم سليم بعثت إلى معلم الكتاب: ابعث إلى غلمانا ينفشون صوفا، ولا تبعث إليّ حرا.","vol":"2","page":199},{"text":"أبعث إلي غلمانا. وترجم البخاري في الأدب المفرد باب: السلام على الصبيان، فأسند إلى ابن عمر، أنه كان يسلم على الصبيان في المكتب.\nوسئل الأستاذ الكبير الشيخ المختار الكتبي عن الأصل في ترك المعلم للصبي قراءة الخميس والأربعاء والجمعة فأجاب: بأن الصحابة كانوا قبل ولاية عمر إنما يقريء الرجل ابنته وأخاه الصغير ويأخذ الكبير عن الكبير مفاهمة لسيلان أذهانهم، فلما كثرت الفتوحات، وأسلمت الأعاجم وأهل البوادي، وكثر الولدان أمر عمر ببناء بيوت المكاتب، ونصب الرجال لتعليم الصبيان وتأديبهم، وكانوا يسردون القراءة في الأسبوع كله. فلما فتح عمر الشام ورجع قافلا للمدينة تلقاه أهلها ومعهم الصبيان، وكان اليوم الذي لاقوه فيه يوم الأربعاء، فظلوا معه عشية الأربعاء ويوم الخميس وصدر يوم الجمعة، فجعل ذلك لصبيان المكاتب وأوجب لهم سنة للاستراحة، ودعا على من عطل هذه السنة. ثم اقتدى به السلف في الاستراحات المشروعة إلى يومنا هذا، وهي يوم النحر وثلاثة بعده ويوم الاثنين سرورا بمولد المصطفى ﵇، وثلاثة قبل المولد وثلاثة أيام بعده، ويوم المولد كانوا يسمونها التجميمات اهـ.\nعجيبة في سماع أشهب وابن نافع عن مالك، أن عامر بن عبد الله سجن ابنا له كان ماجنا، حتى جمع كتاب الله فأتي فقيل له: قد جمع كتاب الله فخله. فقال له: ما من موضع خير له من موضع جمع فيه كتاب الله، فأبى أن يخليه. انظر تحفة الناظر للعقباني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>باب أين كانوا يصبون الماء الذي يغسل الصبيان به ألواحهم</span>\nفي شرح المجاجي على مختصر ابن أبي جمرة قال أنس بن مالك: إذا لم يتحفظ معلم الأولاد على ماء الألواح، ولم يسأل أين يطرحونه فلينظر على أي دين يموت. دين اليهود أو دين النصارى. قيل له: كيف كانوا يفعلون يا أنس؟ قال: كان المؤدب في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي يجعل إناء كبيرا معدا لمحو الألواح. فيأتي كل يوم صبي من أولئك بماء، ثم يجعل الماء في حفرة. قال ابن عرفة: وكان من عادتنا أن نجعله في حفرة عند القبور، ثم وجدت البرزالي في نوازله، ذكر عن أنس نقلا عن آداب المتعلمين لابن سحنون بلفظ: إذا محت صبية المكاتب تنزيل رب العالمين بأرجلهم نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره ثم لا يبالي، حين يلقى الله على ما يلقاه قيل لأنس: كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ قال أنس: كان المؤدب له إجانة إناء يغسل فيها الثياب، وكل صبي يجيء في نوبته بماء طاهر فيصبه فيها، فيمحون به ألواحهم. قال أنس ثم يحفرون له حفرة في الأرض فيصبون ذلك الماء فيها فينشف اهـ.\nونقل القرطبي في مقدمة تفسيره أن السلف كانوا يستشفون بغسالة الألواح، وفي المدخل لابن الحاج أن هذه الغسالة إما أن تصب في بحر أو بئر أو حفرة طاهرة لا توطأ.","vol":"2","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>باب هل هناك ما يدل على السن الذي كانوا يبتدئون فيه تعليم الصبي عن السلف</span>\nقال الشيخ المحدث محمد طاهر الفتني، في خاتمة كتابه الجامع في مجمع بحار الأنوار ص ٥١٣ من ج ٢؛ كتبنا إلى شيخنا الشيخ علي المتقي أي الشهير بابن الهندي المكي مبوب الجامعين، فيما جرت عليه عادة أكثر هذه البلاد أنهم يبتدئون تعليم الصغار القرآن، حين يمضي عليهم أربعة سنين وأربعة أشهر وأربعة أيام. هل له أثر في الحديث أو السلف؟ فكتب ﵁: إنه لم يوجد شيء يعتمد عليه إلا ما سمع عن بعض أنه شق صدره ﷺ وأمر بإقرأ حينئذ فهذا مع اختلاف فيه لو صح استنبط ما ذكر منه اهـ.\nزاد الزركشي: لكنه يخالف المشاهير اهـ وقد قال الدماميني، في كتاب الزكاة، من حواشيه على الصحيح، على قصة إزالة المصطفى ﵇، لتمر الصدقة من في الحسن ﵇: وفي الحديث أن الأطفال إذا نهوا عن شيء عرفوا لأي شيء نهوا عنه، ليكبروا فيأتي عليهم وقت التكليف، وهم على علم من الشريعة، على أن مالكا كره أن يعجل بتعليم الطفل القرآن، وأنكر لما قيل له، عن طفل جمع القرآن ابن سبع سنين ونحوها. قاله ابن المنبر. وما أراه والله أعلم كره ذلك إلا خشية أن ينطق به على خلاف ما ينبغي له، من إقامة الحروف وإخراجها من مخارجها، أو أن في إعجاله منعا من الذي ينبغي أن يفسح له فيه، من اللهو المقيم لبنية الأطفال، المروح لأنفسهم، ومقصود البخاري من ترجمة الباب: التنبيه على الاعتدال في تأديب الأطفال اهـ.\nونقل كلام ابن المنبر هذا في تحفة الأكابر، واقره وانظره مع ما ذكره الشعراني في كشف الغمة، أنه ﵇، كان يرخص في إمامة الصبي المميز لا سيما إن كان أكثر القوم قرآنا، وكان عمر بن أبي سلمة ﵁، يؤم قومه ابن ست أو سبع أو ثمان في عهد رسول الله ﷺ. وكان ابن عباس يقول: كانوا يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث فيصلون بهم ويقولون: ليس لهم ذنوب فأنزل الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٤٩] أي أمثالهم كما قال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: ٣٢] أي أمثالكم دونكم.\nقلت: وقصة عمر بن سلمة بكسر اللام الجرمي التي ذكر الشعراني أشار لها الحافظ في الإصابة في ترجمته وهذا سياقه: إنهم قدموا عمرو بن سلمة إماما مع صغره، لأنه كان أكثرهم قرآنا أخرجه البخاري اهـ ولا شك أن ذلك يدل دلالة صريحة على أنهم كانوا يبتدئون بتعليم الصبيان، وهم صغار. وبذلك تعلم ما نقله المجاجي في شرحه على مختصر ابن أبي جمرة، عن ابن الحاج في المدخل: أن السلف إنما كانوا يقرئون أولادهم إذا بلغوا سبع سنين. قال: وكثير من الناس يقرئون أولادهم في حالة الصغر، وذلك تعب بلا فائدة.","vol":"2","page":201},{"text":"وذكر القسطلاني عند باب تعليم الصبيان القرآن: إن سفيان بن عيينة حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين اهـ.\nوفي فواتح الرحموت شرح مسلّم الثبوت أن الشافعي حفظ الموطأ وهو ابن خمس، ولعل القول الفصل أن ذلك يختلف باختلاف القوابل، والمقابلين والجهات أو أن ما في كشف الغمة ليس بصريح في حفظ أولئك في ذلك السن جميع القرآن، بل بعضه. وهذا ليس هو الذي كرهه مالك والله أعلم.\nومن الغريب ما رأيته في حاشية الصبان على شرح الملوي على السلم: أن ابن مرزوق نظم جمل الخونجي وهو ابن ست سنين، كما صرح بذلك في نظمه اهـ وبعضهم ذكر ذلك عن ابن الحاجب، ومن خالط أهل صحراء شنجيط «١» لم يستغرب مثل هذا كل الإستغراب، وانظر آخر رسالتنا كشف اللباس عن حديث وضع اليد على الرأس، وهي مطبوعة، وجماع القول في هذا الباب ما في العتبية: أن مالكا سئل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن قال: ما أرى هذا ينبغي. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قال: مالك لا ينبغي ذلك من أجل أن ذلك لا يكون إلا مع الحمل عليه في التأديب والتعليم، وهو صغير جدا. ونرى الرفق به في ذلك وأن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>باب من كان يعلم القرآن في المدينة ومن كان يبعثه ﵇ إلى الجهات لذلك وحفاظ القرآن من الصحابة ومعلم الناس الكتابة من الرجال والنساء مؤمنين وكافرين والمفتين على عهده ﵇ ومعبري الرؤيا واتخاذ الدار في ذلك الزمن ينزلها القراء </span>كالمدارس اليوم وغير ذلك\nتقدمت هذه الأبواب أول القسم الثاني؛ وهي بهذا القسم أنسب، لكن سقتها هناك تبعا لترتيب الخزاعي ﵀، وأحلت عليها هنا جمعا للنظائر، وليكون القسم العلمي واسع الأطراف، تام الوصف لعلم ذلك الزمن الكريم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>باب في تعاطي علم الخط</span>\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قد كان نبي من الأنبياء يخط «٢»، فمن وافق خطه ذلك الخط علم رواه البزار عن شيخه أبي الصباح محمد بن الليث، وأبو الصباح محمد بن الليث. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال: يخطىء ويخالف وبقية رجاله رجال\n_________\n(١) وتعرف اليوم بدولة موريتانيا في ساحل غرب افريقيا شمال السنغال.\n(٢) في مسلم كتاب السلام ج ٢/ ١٧٤٩ عن معاوية بن الحكم السلمي. قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك. وفي كتاب المساجد أيضا ص ٣٨٢/ ١ باب ٧.","vol":"2","page":202},{"text":"الصحيح، وعن ابن عباس قال سفيان: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ، أو أثاره من علم. قال:\nالخط، رواه أحمد والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الخط فقال: هو أثارة من علم. قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط أيضا عن ابن عباس موقوفا قال في قوله تعالى: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف:\n٤] قال: جودة الخط.\nوفي المواهب الفتحية في علوم العربية نقلا عن الحافظ ابن الجوزي: أن كتابة الصحابة للمصحف الكريم مما يدل على عظيم فضلهم في علم الهجاء خاصة، وثقوب فهمهم في تحقيق كل علم اهـ ص ١٧.\nوقد استدل الحافظ السيوطي على قدم علم النحو بما منه كتابة المصحف، على الوجه الذي يعلله النحاة في ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالألف اهـ واستفسره الأبياري في «القصر المبني على حواشي المغني» بأن الرسم القرآني توقيفي، كما ذكره الشيخ الدباغ في الإبريز، وهو كما ترى غير داحض معرفة الصحابة بذلك، إذ كانوا تعلموه منه ﵇.\nوأخرج ابن عبد الحكم عن الليث بن سعد قال: قدم عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب فسأله عمر: من استخلفت على مصر؟ قال مجاهد بن جبر. فقال له عمر: مولى ابنة غزوان؟ قال: نعم. إنه كاتب فقال عمر إن العلم ليرفع بصاحبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>باب في حضهم على تعاطي الشعر</span>\nقال الإمام النووي صدر كتابه تهذيب الأسماء واللغات؛ بعد أن ذكر أن لغة العرب لما كانت في المحل الأعلى اجتهد أولوا البصائر في الاعتناء بها، والتمكن من اتقانها، بحفظ أشعار العرب وخطبهم، ونثرهم حال كان هذا الاعتناء في زمن الصحابة، مع فصاحتهم نسبا ودارا، ومعرفتهم باللغة استظهارا. وكان ابن عباس وعائشة وغيرهما يحفظون من الأشعار واللغات ما هو من المعروفات الشائعات، وأما ضرب عمر وابنه أولادهما لتفريطهم في حفظ العربية فمن المنقولات الواضحات الجلية اهـ وذكر أبو نعيم في رياض المتعلمين بعد أن ذكر تعلم العربية لغة ونحوا، ثم ليعرف طرفا من الشعر فإنه ديوان العرب، وموروث في الأعقاب والأخلاف باق مدحه وذمه لازم خيره وشره قال:\nوفيه الشاهد والحاضر، والمثل السائر، والشرح والإيضاح، وبيان غريب القرآن، ومعاني سنن الرسول الله ﷺ، ثم أسند عن عائشة قالت: عليكم بالشعر فإنه يعرب ألسنتكم اهـ.\nوفيها ذكره ابن الأنباري عن ابن عباس قال: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي عليكم الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب إرجعوا إلى ديوانها، فالتمسوا معرفة ذلك منه.\nوفي شرح الشفا لأبي الحسن علي الحريشي: البحث عن الشعر مسنون كغيره من","vol":"2","page":203},{"text":"العلوم، وقد عدّ من فروض الكفاية، حتى شعر المولدين. ذكره السيوطي في شرح منظومة المعاني.\nوقد ترجم البخاري «١» في صحيحه على جواز إنشاد الشعر في المسجد. وفي الموطأ أواخر أبواب الصلاة؛ مالك إنه بلغه أن عمر بن الخطاب بني رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة. كتاب قصر الصلاة في السفر باب ٢٤/ ص ١٧٥ ج ١.\nقلت: هذا يصح أن يكون أصلا لبناء المدارس والربط متصلة بالمسجد، لسكنى المتعلمين والذاكرين والمنقطعين والمعتكفين، وقد أفرد شعر الصحابة بالتدوين جماعة، منهم: تركي في عصرنا رأيت المجلد الأول منه مطبوعا، وسبق أن الحافظ ابن سيد الناس أفرد الصحابة الذين مدحوه ﵇ بمؤلف في مجلد عدد فيه نحو المائتين «٢» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>باب في علم الأنساب</span>\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم «٣» . رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: وفيه أبو الأسباط بشر بن رافع، وقد أجمعوا على ضعفه. وعن العلاء بن خارجة أن النبي ﷺ قال: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم. فذكر الحديث وهو بتمامه في صلة الرحم، رواه الطبراني في الكبير قال الهيثمي: ورجاله موثقون اهـ.\nوأورده في الجامع الصغير بلفظ: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال أي؛ سبب لكثرته، منسأة في الأجل، أي مظنة لتأخيره. وعزاه لأحمد «٤» والترمذي والحاكم عن أبي هريرة، وفي التيسير: قال الحاكم:\nصحيح وأقروه اهـ وممن أقره الذهبي. وقال الهيثمي: رجال أحمد وثقوا. وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث له طرق؛ أقواها ما أخرجه الطبراني من حديث العلاء بن خارجة.\nوجاء هذا عن عمر أيضا، وساقه ابن حزم بإسناد رجاله موثقون؛ إلا أن فيه انقطاعا اهـ.\nوأخرج ابن زنجوية من حديث أبي هريرة: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ثم انتهوا، وتعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله تعالى ثم انتهوا، قال الزبيدي في الاتحاف: وهذا يظهر الجمع بين الحديثين، وأن محل النهي إنما هو في التوغل فيه والاسترسال، بحيث يشغل به عما هو أهم اهـ أي في إبانه اهـ.\n_________\n(١) انظر كتاب الصلاة ج ١ ص ١١٦ باب ٦٨ الشعر في المسجد.\n(٢) وقد طبع في دمشق وصدر عن دار الفكر ١٩٨٧ تحت عنوان: منح المدح.\n(٣) عزاه في جمهرة ابن حزم لأحمد ج ٢/ ٣٧٤.\n(٤) من حديث أبي هريرة ج ٢ ص ٣٧٤ والإسلامي ص ٤٩٢ ج ٢.","vol":"2","page":204},{"text":"وترجم في الإصابة لتمام بن أوس فقال: له إدراك، وكان علّامة في الأنساب، حتى قال ابن الكلبي: كان أنسب العرب. وهو الذي قال لمعاوية: إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها اهـ.\nوأما خبر: علم النسب علم لا ينفع، وجهالة لا تضر، فقال الحافظ في الفتح: روي مرفوعا ولا يثبت، وروي عن عمر أيضا ولا يثبت اهـ وقد أقام البرهان على بطلانه الحافظ ابن حزم، أول جمهرته، وجعله من العلوم النافعة التي جهلها يضر، لأن من علم النسب ما هو فرض على الأعيان، وأسند إلى عمر قوله: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم.\nقال ابن حزم: وكان أبو بكر الصديق وأبو الجهم بن حذيفة العدوى، وجبير بن مطعم بن عوف بن نوفل بن عبد مناف، من أعلم الناس بالأنساب. وكان عمر وعلي وعثمان فيه علماء. وإنما ذكرنا أبا بكر وأبا الجهم وجبيرا قبلهم، لشدة رسوخهم في العلم بأنساب العرب. وقد أمر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت أن يأخذ ما يحتاج إليه من علم أنساب قريش عن أبي بكر. وهذا يكذب قول من نسب إلى رسول الله ﷺ أن النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر؛ لأن هذا القول لا يصح، وكل ما ذكرنا صحيح مشهور منقول في الأسانيد الثابتة، يعلمها من له أقل علم بالحديث، وما فرض عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب الديوان إذ فرض إلا على القبائل، ولولا علمه بالنسب ما أمكنهم ذلك، فبطل قول كل مخالف اهـ كلام الجمهرة من نسخة عندي بخط نسّابة المغرب، ونقيب الأشراف به أبي الربيع الحّوات ﵀.\nوفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء: كان الصديق أعلم بأنساب العرب، لا سيما قريش. أخرج ابن إسحاق عن يعقوب بن عنبسة عن شيخ من الأنصار قال: كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش، والعرب قاطبة. وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر الصديق من أنسب العرب اهـ منه.\nوأخرج ابن عبد البر في الاستيعاب، بسنده عن عبد الله بن بريدة، أن معاوية بن أبي سفيان دعا دغفلا فسأله عن العربية، وسأله عن أنساب الناس، وسأله عن النجوم، فإذا رجل عالم قال: يا دغفل من أين حفظت هذا؟ قال: حفظت هذا بقلب عقول، ولسان سئول، وإن غائلة العلم النسيان. فقال معاوية: انطلق إلى يزيد فعلمه أنساب الناس، وعلمه النجوم وعلمه العربية اهـ.\nودغفل هذا هو ابن حنظلة السدوسي الشيباني النسابة العلامة، قاله ابن عبد البر. قال بعض الكاتبين: علم النسب في الحقيقة ليس عبارة عن نسب الأشخاص والقبائل، فإن هذه معرفة بسيطة لا تستحق أن تسمى علما، وإنما كان النسابون يعرفون أخبار أولئك الأشخاص، وأخبار تلك القبائل. وهذا هو التاريخ، وربما كان السبب في اشتهار هذه المعرفة بعلم الأنساب، أن عارفي الأخبار، كما إليهم المرجع في معرفة الأنساب، التي من","vol":"2","page":205},{"text":"أهم فوائدها معرفة تفريع القبائل، وإلحاق الفروع بأصولها، على شدة البعد بين تلك الأصول والفروع. وقد كان منهم اختصاصيون بهذا العلم يلقونه على من يتحلقون حولهم اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>باب في رواج علم الفرائض في الزمن النبوي وحضه ﵇ الناس على تعلمه وتعليمه</span>\nقال حافظ المذهب المالكي حطاب المغرب أبو علي بن رحال، في شرحه العظيم على المختصر: علم الفرائض علم قرآني، حيث بين فيه السدس وغيره، ولمن هو، وبيّن فيه الحجب من حال لحال، وغير ذلك واجتهاد الصحابة فيه، واختلافهم فيه لقوة اعتنائهم به، وحضّ الرسول ﷺ كاف في ذلك، وهو فرض كفاية إجماعا، ذكره ابن العربي والستاني اهـ.\nقلت وأخرج ابن ماجه «١» والحاكم عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ: تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم، وهو ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي» وفيه حفص بن عمر متروك.\nوعن أبي هريرة «٢» إن النبي ﷺ قال: تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس، فإني مقبوض، وإن العلم سيقبض. أي يموت أهله، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما. خرّجه الترمذي عن أبي هريرة. وقال فيه اضطراب.\nوورد نحوه في مسند أحمد والحاكم عن ابن مسعود، وعند الدارمي: في أوائل الجامع في باب الاقتداء بالعلماء والواحد في آية فريضة من الله. وخرج الشيرازي في الألقاب وغيره نحوه أيضا، انظر الجامع الكبير. وفي مسند الدارمي عن عمر قال: تعلموا الفرائض واللحن (الأعراب) والسنن، كما تعلمون القرآن. وخرج عنه أيضا قال: تعلموا الفرائض فإنها من دينكم، وخرج أيضا عن عبد الله قال: تعلموا القرآن والفرائض، فإنه يوشك أن يفتقر الرجل إلى علم كان يعلمه أو يبقى قوم لا يعلمون.\nثم خرّج عن أبي موسى: من علم القرآن ولم يعلم الفرائض فإن مثله مثل الرأس لا وجه له، أو ليس له وجه. وخرج أيضا عن الحسن. قال: كانوا يرغبون في تعلم القرآن والفرائض، والمناسك.\nوعن عبد الله أيضا: من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض؛ فإن لقيه إعرابي قال: يا مهاجر اتقرأ القرآن؟ فإن: قال: نعم. قال: تفرض. فإن قال: نعم، فهو زيادة وخير، وإن قال:\nلا قال ما فضلك عليّ يا مهاجر؟.\n_________\n(١) ونصه في ابن ماجه أول كتاب الفرائض ص ٩٠٨ ج ٢ ورقمه ٢٧١٩ وأوله يا أبا هريرة.\n(٢) خرّجه الترمذي في كتاب الفرائض ج ٤ ص ٤١٤ باب ٢ بدون: وإن العلم سيقبض الخ.","vol":"2","page":206},{"text":"وفي تحفة الناظر للعقباني، نقلا عن جامع المستخرجة قال؛ وحدثني أنه بلغه أن ابن مسعود كان يقول: إذا لم يحكم أحدكم الفرائض، وسنة الحج والطلاق، فما فضله على أهل البادية؟.\nقال ابن رشد: المعنى في هذا بيّن. لأن أهل البادية أهل جهالة، فإنما فضلهم أهل الحاضرة بمعرفتهم بأمور الدين، قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١] اهـ.\nوقال ابن العربي في الأحكام: كان علم الفرائض جل علم الصحابة، وعظيم مناظرتهم، وسماه رسول الله ﷺ نصف العلم. مبالغة في الثناء على عظيم فائدته، وتحريكا للنفوس على المبادرة إلى تحصيله، حتى كأنه بشرفه نصف جميع ما يتعلم من العلوم، وروى أصحاب مالك عنه أنه قال: لا يكون الرجل عالما مفتيا حتى يحكم الفرائض والنكاح، والطلاق والإيمان، قال ابن العربي: إشارة إلى عظم منازل هذه الأصول في الدين، وعموم وقوعها بين المسلمين. وقال المتيطي [كذا] في نهايته بعد ذكر بعض الأحاديث: وقد حض على تعليم الفرائض جماعة من الصحابة والتابعين اهـ.\nوقال أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر التلمساني: الرسقي نزيل سبتة، في رجزه في الفرائض المشهور ﵀:\nوخصّنا بالمصطفى محمد ... هادي الأنام للطريق الأرشد\nفبيّن الحلال والحراما ... وفصّل الحدود والأحكاما\nوحضّ في تعليم علم الفرض ... صلّى عليه الله أيّ حضّ\nوقال في ذاك: تعلموه ... ثم جميع الناس علّموه\nجعله من العلوم شطرا ... فهو أجل كل علم قدرا\nوهو الضروري بلا محالة ... أرى عليّ فرضا انتحاله\nإذ ليس يخلو الدهر بالحدوث ... من وارث في الناس أو موروث\nقال الإمام أبو يوسف يعقوب بن موسى السيتاني في شرحها: وقوله ﵇:\nنصف العلم؛ مما يدل على تأكيدها على غيرها، من سائر العلوم سواها وتشريفها عليها، ولأجل أنها بهذه المنزلة الشريفة أمر الإنسان ببذل المجهود في تحصيلها، وأمر أيضا بعد تحصيلها ببذلها لجميع الناس. ثم قال: أورد على قوله ﵇: نصف العلم سؤالان.\nأنه قال في الفرائض: إنها نصف العلم، وقال حسن السؤال نصف العلم، «١» والشيء لا يكون له أكثر من نصفين؟ والذي بقي أضعاف ما اندرج بكثير. وثانيهما: أن مسائل\n_________\n(١) ورد في كشف الخفاء هذا الحديث هكذا: (الاقتصاد في النفقة نصغ المعيشة والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم) وعزاه للبيهقي والعسكري وغيرهما عن ابن عمرو مرفوعا وضعفه البيهقي. الخ ما علق عليه.","vol":"2","page":207},{"text":"الفرائض بالنسبة إلى مسائل الفقه لا تفي بعشرها؛ فضلا عن مسائل غير الفقه من سائر العلوم الشرعية.\nوأجيب عن الأولين بوجهين: أحدهما: أن قوله ﵇: حسن السؤال نصف العلم، جاء باعتبار السائل والمسؤول، وهذا الحديث باعتبار الفرائض مع غيرها، فلم يتواردا على محل واحد الوجه الثاني: إن هذا مجاز على جهة التشريف والمبالغة في الحث عليها، كقوله ﵇: الحج عرفة، وقوله: الهم نصف الهرم، والتدبير نصف العيش، والقود نصف العقل، تنبيها على عظم هذه الأشياء، وموقعها مما نسبت إليه. قال القرافي: وقد أورد هذا السؤال على فرضي قليل التصرف، فلم يجد ما يجاوب به. وأجيب عن الثاني بوجهين:\nأحدهما إن علم الفرائض لما كان عظيم المنفعة، تمس الحاجة إليه أكثر مما تمس إلى غيره، وإن كان صغير الجرم فهو يساوي ما عداه، مما هو أكثر مسائل. وهذا من المحسوسات كثير. وثانيها: أن ما أمر به الإنسان شيئان؛ شيء في الحياة وشيء بعد الممات. فهو نصف بهذا الاعتبار، وأورد عليه أن الذي يتوجه عليه الخطاب بعد الموت ليس الفرائض وحدها، بل مع الوصايا النظرية والمالية ومسائل الجنازة، وأجيب بأنا نلتزم بأنها من حق الفرض أن يتكلم فيها، وإنها من جملة الفرائض، أو يقال: الوصية ليست مما يتوجه [يتوجب] بعد الموت. وإنما يتوجه بعد الموت انفاذها. وأما إنشاؤها فقبل الموت، وأيضا فليست بلازمة في كل حال؛ بخلاف الميراث. وما في كتاب الجنائز إنما يتعلق بالأحياء وردّ بأن تعلّم الفرائض إنما يتوجه إلى الحيّ وما يفعل بالميت وماله، إنما يخاطب به الحق. وهذا كله تكلف، والأولى أن يقال: هذا على وجه المبالغة؛ كالحج عرفة، ونظائره.\nوقال بعض المتأخرين: وأظنه لم ير كلام القرافي: يحتج الأكثر من أهل هذا الفن على فضله بالحديث عن أبي هريرة، بناء على أن الفرائض فرض الوارث، والذي يظهر أن هذا الحمل بعيد. وأن المراد إنما هو الفروض التكليفية في العبادات والعادات وغيرهما، وبهذا المعنى تصح النصفية والثلثية، ثم الاعتراض الثاني، ثم قال: ويتعين المراد أن حمله على هذا الفن المخصوص، وتخصيصه بفروض الوراثة إنما هو إصطلاح ناشىء عند حدوث الفنون والاصطلاحات، ولم يكن صدر الإسلام يطلق إلا على كونه مشتقا من الفرض، الذي هو لغة التقدير. أو القطع. وما كان المراد إلا جميع الفروض كما قلناه، وهي حقيقته الشرعية، فلا ينبغي أن يحمل إلا على ما كان يحمل عليه في عصرهم. فهو الأليق بمرادهم. هذا نص كلامه. وظاهره أن أهل الفرائض بل بعضهم اختصوا بجلب هذا الحديث، وليس كما قاله بل جلبه ابن ماجه، وكثير من المحدثين والفقهاء والمفسرين والموثقين، وكلهم جلبوه في مقدمة كتاب الفرائض بلفظه أو معناه، وأتوا بعد ذلك باثار عن الصحابة والتابعين، تدل على هذا. وفيها لفظ الفرائض، وكلهم أطلقها على فرض الوراثة وهم أعلم منه بالإطلاق اللغوي والشرعي اهـ كلام أبي يوسف السيتاني.","vol":"2","page":208},{"text":"قلت: مراده ببعض المتأخرين الولي ابن خالدون؛ فإنه الذي بحث بما ذكر في مقدمة العبر، وبحث السيتاني معه بمن ذكر الحديث في أبواب المواريث من أئمة السلف وجيه، وناهيك بالإمام الترمذي فقد ترجم أبواب الفرائض، ثم ترجم بقوله: باب ما جاء فيمن ترك مالا فلورثته، ثم ترجم ثانيا بقوله: باب ما جاء في تعليم الفرائض، وذكر حديث الترجمة.\nوكذا ابن ماجه وغيره.\nوناهيك بقرين البخاري أبي محمد الدارمي فإنه بوّب في مسنده كتاب الفرائض، وذكر عدة آثار عن الصحابة في ذلك، وقد قدمناها أول الترجمة. وذلك أعظم دليل على أن اطلاق علم المواريث على علم الفرائض قديم الإستعمال.\nوفي نهاية ابن الأثير على حديث ابن عمر: العلم ثلاثة منها فريضة عادلة، يريد العدل في القسمة بحيث تكون على السهام والأنصباء المذكورة في الكتاب والسنة، وقيل: إنه أراد أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة، وإن لم يرد بها نص فيهما. فتكون عادلة للنص، وقيل: الفريضة العادلة ما اتفق عليه المسلمون اهـ.\nوقال بعض شيوخنا- رادا على ابن خالدون- قوله في آخر الحديث في رواية النسائي: حتى يختلف الاثنان في الفرائض فلا يجدان من يفصل بينهما، وقوله تعالى:\nفَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء: ١١] وقوله في الحديث الآخر: وأعلمكم بالفرائض زيد بن ثابت، يبعد ما قاله ابن خالدون ويرجح ما لغيره وقوله: إنما هو اصطلاح ناشىء للفقهاء في محل المنع اهـ.\nأما المناوي في التيسير؛ فإنه ذكر الحديث على الإحتمالين قائلا: قيل: المراد بالفرائض هنا علم المواريث، وقيل: ما افترض الله على عباده بقرينة ذكر القرآن اهـ وكذا فعل صاحب مجمع بحار الأنوار، مع ميلانه لكلام ابن خالدون والله أعلم، بل وجدت الشيخ أبا علي ابن رحال، قال في شرحه على المختصر، إثر كلام السيتاني: ما قاله ابن خالدون هو الحق، والعلم عند الله. قال: ويكون المراد بالحديث الحض على الإعتناء بالواجبات، والواجبات نصف العلم؛ باعتبار المندوب وترك المحرم واجب وترك المكروه مندوب والجائز قد علمت ما ذكر فيه أهل الأصول، وهاته الآثار التي أشار لها السيتاني يشترط في الإحتجاج بها صحتها، ويشهد بذلك أرباب الفن من المحدثين فافهم اهـ وهو كما علمت ساقط بمن بوّب على الحديث في أبواب التركات؛ كالدارمي، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم. والإحتجاج قد يكون بالحسن اتفاقا. نعم. قال أبو علي ابن رحال:\nحديث حسن السؤال نصف العلم معناه: والعلم عند الله وإن لم يشر إليه السيتاني ولا غيره ممن وقفت عليه؛ أن المراد بالعلم، العلم الذي وقع عليه السؤال. كما إذا قال إنسان لعالم: ما حكم الوتر هل الوجوب أو الندب فيقول له العالم مثلا: هو الوجوب أو الندب فسؤال الرجل: هو نصف هذا العلم الذي أجيب به، إذ بسؤاله ظهر هذا الحكم مع إجابة","vol":"2","page":209},{"text":"العالم، وذلك لأنه لما أحسن السؤال أعان المجيب على إجابته. فللسائل جهة التصور وحده، وللعالم المجيب جهة التصديق، وحده. وإن شئت قلت: السائل صوّر والعالم حكم. وإن شئت قلت: السائل هيأ المحل للحكم، والعالم أنزله في ذلك المحل، هذا الذي فهمناه من هذا الحديث، ومن ابتلي بالفتوى علم قدر حسن السؤال، وأنه كما قال ﵇؛ لا سيما إن كان الطالب نجيبا غاية، فإنه في سؤاله يشير للأحكام إشارة إجمالية ينبه المجيب لما لم يخطر بباله اهـ وهو حسن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>باب في ذكر من كان يحال عليه الأمور الحسابية في زمن الخلفاء الراشدين</span>\nعقد الإمام أبو يوسف السيتاني في شرح التلمسانية، تنبيها ذكر فيه أن مما يحتاج إليه في فمن المواريث علم الحساب قال: وبحسب قوته في الحساب يكون اقتداره على إخراج الحظوظ [السهام]، فإن كان فقيها لا حساب له لم يقدر على عملها، وغاية ما يتأتى له من الفرائض البسيطة ما يتأتى للعامي بعقله، ثم قال: وقد حكي عن [ابن] عمر: أنه سئل عن فريضة فقال: سلوا عنها سعيد ابن جبير، فإنه يعلم عنها مثل ما أعلم: ولكنه أحسب مني اهـ فأفاد أولا أن عمر كان حيسوبيا، ولكن أحال على سعيد لأن السلف كانوا إذا سئل أحدهم عن مسألة أحال فيها على غيره، وربما دارت بين جماعة يحيل فيها كل واحد على صاحبه، حتى ربما رجعت إلى المسؤول عنها أولا:\nوفي شرح الإمام ابن قنفذ القسمطيني على منظومة ابن أبي الرجال في الفلك: اعترض على الإمام فخر الدين حيث قال: الصحابة لم يكونوا متبحرين في دقائق علم الحساب والهندسة، قال شهاب الدين: وهو خلاف ما هو معلوم لأهل الإطلاع على أحوال الصحابة، وقد قال الشعبي: ما رأيت أحسن من علي بن أبي طالب. قال غيره: وكان يخرج وقائع صفين من قوله تعالى: حم عسق إلى غير ذلك من أحوالهم المعروفة في دقائق العلوم اهـ.\nوفي الفروق للقرافي: ومن نوادر المسائل الفقهية التي يدخل فيها الحساب، المسألة المحكية عن علي ابن أبي طالب، وذلك أن رجلين كان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة فجلسا يأكلان فجلس معهما ثالث يأكل معهما، ثم بعد الفراغ من الأكل دفع لهما الذي أكل معهما ثمانية دراهم وقال: اقتسما هذه الدراهم على قدر ما أكلت لكما، فقال صاحب الثلاثة: إنه أكل نصف أكله من أرغفتي ونصف أكله من أرغفتك فأعطني النصف أربعة دراهم، فقال له الآخر: إلا ثلاثة دراهم، فحلف صاحب الثلاثة لا يأخذ إلا ما حكم به الشرع. فترافعا إلى علي، فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد، ولصاحب الخمسة سبعة دراهم، فتنكر من ذلك صاحب الثلاثة فقال له علي: الأرغفة ثمانية وأنتم ثلاثة أكل كل واحد منكم ثلاثة أرغفة إلا ثلثا، بقي لك ثلث من أرغفتك أكله صاحب الدراهم، وأكل صاحبك من أرغفته ثلاثا، إلا ثلثا وهي خمسة، يبقي له رغيفان وثلث،","vol":"2","page":210},{"text":"وذلك سبعة أثلاث، أكلها صاحب الدراهم. فهذه مسألة فقهية يحتاج إليها الفقيه المفتي، والقاضي الملزم، وهي لا تعلم إلا بدقيق الحساب كما ترى اهـ منها ص ٢٤٠ من ج ٢.\nوأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني أن النبي ﷺ قال لمعاوية:\nاللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب، وأخرج ابن النجار عن العرباض قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لمعاوية: اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب.\nوفي مدينة العلوم لما تكلم على حساب العقود، والمراد بالعقود عقود الأصابع قال:\nوكان هذا العلم تستعمله الصحابة كما وقع في الحديث؛ في كيفية وضع اليد على الفخذين في التشهد أنه عقد خمسا وخمسين. وأراد بذلك هيئة وضع الأصابع، لاهيئة وضع خمس وخمسين وهي عقد ما عدا الإبهام والسبابة من الأصابع، وتخليف الإبهام مع السبابة اهـ وانظر الشرح الجلي على بيتي الموصلي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>باب في أخذ أهل أوروبا الأرقام العربية عن العرب ودخولها إلى بلادهم في زمن علي كرم الله وجهه</span>\nذكر ذلك الشهاب المرجاني في الوفيات قائلا «١»: دخلت بلادهم في سنة أربعين في خلافة علي اهـ انظر ص ٣٣ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>باب ايثارهم في أخذ العلم القرشيّ علي غيره</span>\nأورد في جمع الجوامع عن ابن أبي شيبة وابن جرير عن سهل ابن أبي حثمة رفعه:\nتعلموا من قريش ولا تعلموها وقدموا قريشا ولا تؤخروها فإن للقرشي قوة الرجلين من غيره وقصره المناوي في التيسير على الشجاعة أو الرأي الجزم، كذا قيد به ولا تعلموها قال: فإنها به عالمة، والظاهر في التعلم العموم فيما يوجد عندهم، فأخذه عنهم أولى فإنهم بيت الخلافة ومهبط الوحي، ومنبع الرياسة والسيادة، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر رفعه: سلوا أهل الشرف عن العلم فإن كان عندهم علم فاكتبوه عنهم فأنهم لا يكذبون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>باب الأمر بتعليم علم النجوم</span>\nأخرج أبو نعيم في روض المتعلمين عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ: خير عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأهلة لذكر الله، ثم أسند عن أبي الدرداء موقوفا عليه: إنّ أحبّ عباد الله إلى الله الذين يحبون الله، ويحببون الله إلى الناس، والذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأهلة لذكر الله. ثم روى بسنده أيضا إلى ابن عمر رفعه:\nتعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، ومن النجوم ما تهتدون في الظلمة.\n_________\n(١) الضمير في دخلت لا يمكن أن يعهد على المؤلف فمن هو يا ترى المسلم الداخل على بلاد أوروبا في أيام على؟","vol":"2","page":211},{"text":"وأخرج البيهقي والمقدسي بسندهما عن ابن أبي أوفى رفعه: إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأهلة لذكر الله. ثم اسند عن أبي هريرة موقوفا عليه قال:\nألا إن خيار الأمة الذين يراعون الشمس لمواقيت الصلاة، واورد السيوطي في الجامعين من حديث ابن عمر رفعه: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا، وعزاه لابن مردويه في تفسيره، والخطيب في كتاب النجوم، وعزاه في الكبير لأبي الشيخ، والديلمي قال المناوي: تعلموا من علم النجوم أي من علم أحكامها فإن ذلك ضروري لا بد منه وقال على قوله ثم انتهوا: أي أتركوا النظر فيما سوى ذلك، فإن النجامة تدعو إلى الكهانة، فالمأذون في تعلمه علم التيسير لا علم التأثير اهـ.\nوفي سعود المطالع أن علم الفلك من فروض الكفاية، وقيل: إنه من الفروض العينية لأنه به تعرف أوقات الصلوات، وقد ورد في فضله آيات وأحاديث كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: ٥] وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها [الأنعام: ٩٧] وقوله ﵇:\nتعلموا الوقت ولا تكونوا كالذين يؤذنون بعضهم بعضا، وقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ جمع سنة، وهي: إما عربية أو قبطية. والعربية إما هلالية أو قمرية حسابية، والقبطية هي الشمسية. لخ كلامه انظره.\nوقال صاحب الهداية من أئمة الحنفية في كتابه مختارات النوازل: وأما علم النجوم فهو في نفسه حسن غير مذموم، وهو قسمان حسابي، وإنه حق نطق به القرآن قال تعالى:\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [الرحمن: ٥] أي سيرهما بحساب، واستدلال بسير النجوم وحركات الأفلاك على الحوادث بقضاء الله وقدره، وهو جائز كاستدلال الطبيب بالنبض على الصحة والمرض، وهو يعتقد بقضاء الله وإن ادعى علم الغيب بنفسه كفر اهـ وللحافظ الخطيب البغدادي كتاب: القول في علم النجوم المحمود منه والمذموم، ذكره له ابن سليمان الرداني في الصلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>باب أمرهم بتعلم علم الرماية والسباحة</span>\nترجم البخاري «١» في الصحيح، باب التحريض على الرمي، أي تعلمه بالسهام ونحوها، فذكر فيه قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] قال الحافظ في الفتح: جاء في تفسير القوة في هذه الآية إنها الرمي، وهو عند مسلم «٢»، في حديث عقبة بن عامر ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، إلا أن القوة الرمي، ثلاث قال البيضاوي: لعله ﷺ خصه بالذكر لأنه\n_________\n(١) انظر كتاب الجهاد باب ٧٨ ص ٢٢٦ ج ٣.\n(٢) رواه مسلم في كتاب الإمارة ج ٢ ص ١٥٢٢ ورقمه ١٦٧ (١٩١٧) .","vol":"2","page":212},{"text":"أقواه اهـ وعند أبي داود «١» عن عقبة رفعه: إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به ومنبله أي راده على الرامي به، فأرموا وأركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا. الحديث وفيه: ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنه نعمة كفرها، وفي مسلم أيضا من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى «٢» قال الأبي:\nمعناه ليس متصلا بنا ولا داخلا في زمرتنا. وقال النووي: هذا تشديد عظيم في نسيانه بعد تعلمه وهو مكروه كراهة شديدة اهـ وقال ابن أبي جمرة: روي عنه ﷺ أنه مر بموضع كان بعض الصحابة يتعانون فيه الرمي فنزع نعله ومشى فيه، ثم قال: روضة من رياض الجنة، ومعناه أن العمل الذي عمل فيه يوجب روضة من رياض الجنة اهـ من بهجة النفوس له.\nوأورد الحافظ الأسيوطي في الجامع الكبير حديث: تعلموا الرمي والقرآن وعزاه للديلمي عن أبي سعيد ثم أورد فيه أيضا: تعلموا الرمي فإن ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة، وعزاه للديلمي عن أبي هريرة. وأخرج ابن منده من طريق إسماعيل بن عياش عن سليمان بن عمرو وقف على الدر المنثور لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦١]، وانظر ما سبق مما يتعلق بالرماية والسباحة في الصنائع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>باب في أمرهم بتعلم العربية</span>\nأورد السيوطي في الجامع الكبير حديث: تعلموا اللحن فيه، أي في القرآن كما تعلمون حفظه، وعزاه للديلمي عن أبي بن كعب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>باب في أمر عمر لعماله بضرب كتابهم إذا لحنوا وتأخيرهم</span>\nفي روضة الأعلام، للقاضي ابن الأزرق، روى ابن الأنباري: أنّ كاتب أبي موسى الأشعري كتب إلى عمر ﵁، فكتب: من أبو موسى فكتب إليه عمر، إذا أتاك كتابي هذا فأضرب كاتبك سوطا، واعزله عن عمله، وعنه أيضا أنه كان إذا سمع رجلا يخطيء فتح عليه، وإذا أصابه يلحن ضربه بالدرة، وعن عبد الله ابنه: أنه ﵁ كان يضرب ولده على اللحن في كتاب الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>باب في تعاطي الصحابة للحكمة والتنجيم والقافة والموسيقي والطب والإدارة والحرب والسياسة والترجمة والإملاء والتجارة والصناعة ونحو ذلك</span>\nتقدم ذلك مفصلا في أبواب متفرقة في الأقسام السابقة.\n_________\n(١) رواه أبو داود في كتاب الجهاد ٢٣ باب في الرمي ص ٢٨ ج ٣.\n(٢) انظره في كتاب الإمارة باب ٥٢ ص ١٥٢٣/ ٢.","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>باب في كونهم كانوا يتجنبون في التحديث والرواية ما يضر سماعه بالعامة والمبتدئين</span>\nقال على: تريدون أن يكذب الله ورسوله؟ حدثوا الناس بما يعرفون. ودعوا ما ينكرون. رواه البخاري «١» . وروى البيهقي في الشعب عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله ﷺ قال: إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يعزب أو يشق عليهم، وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه: يا ابن عباس لا تحدث حديثا لا تحمله عقولهم، فيكون فتنة عليهم. وأخرج العقيلي وابن عساكر عن عثمان بن داود عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله ما نسمع منك نحدث به؟ قال: نعم، إلا أن تحدث قوما حديثا لا تضبطه عقولهم، فيكون على بعضهم فتنة، فكان ابن عباس يكنّ أشياء لا يفشيها إلى قوم.\nوقال عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، رواه مسلم «٢» . وفي الصحيح عن أبي هريرة أنه قال حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم «٣» وانظر كتابنا أداء الحق الفرض فيما يتعلق بهذه الترجمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>باب في وصاية رسول الله ﷺ بالشباب من طلبة العلم</span>\nفي رياض المتعلمين، لأبي نعيم عن شهر بن حوشب: كنا نأتي أبا سعيد الخدري ونحن غلمان نسأله، فكان يقول: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ، وقال رسول الله ﷺ:\nسيأتيكم قوم يتفقهون ففقهوهم، وأحسنوا إليهم. وفيه وذكره الرامهرمزي أيضا عن أبي سعيد الخدري: كان إذا رأى الشباب قال: مرحبا بوصية رسول الله ﷺ، أمرنا أن نحفظ لكم الحديث، ونوسع لكم في المجلس. وترجم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد بقوله:\nباب حثّ الشباب على طلب العلم. انظر ص ٥٠، وانظر شرح التلمسانية لدى قولها:\nهذا وإن لا حظها من يعدل ... فلبني العشرين عذر يقبل\nوترجم ابن الجوزي باب: إيثار الشباب على الأشياخ بالعلم، ثم اسند عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: استودعوا العلم الأحداث.\nوأخرج ابن عبد البر، والبيهقي، عن الزهري. قال: كان مجلس عمر مختصا بالقراء\n_________\n(١) انظر كتاب العلم باب ٤٩ ج ١ ص ٤١ وعنوانه: من خص بالعلم قوما وذم قوم كراهية أن لا يفهموا. وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟\n(٢) لم أعثر عليه في مسلم ولكن رواه صاحب التيسير وعزاه لابن عساكر عن ابن عباس.\n(٣) رواه في كتاب العلم باب ٤٢ ص ٣٨ ج ١.","vol":"2","page":214},{"text":"شبابا وكهولا، فربما استشارهم ويقول: لا يمنع أحدكم حداثة سنّه أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه، ولكن الله يضعه حيث يشاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>باب في اهتبال علماء الصحابة بالآخذين عنهم والإهتمام بوقايتهم من الأهواء وحنوّهم عليهم</span>\nفي روضة الأعلام للقاضي ابن الأزرق عن ابن عباس قال: أكرم الناس عليّ جليسي، الذي يتخطّى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب على جبهته لفعلت.\nوفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>باب في ذكر الوصف الذي كان يحمله المنقطع للعلم في ذلك الزمن تعلما وتعليما</span>\nلما تكلم ولي الدين ابن خالدون في فصل: إن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم من مقدمة العبر قال: على أن الناس في الزمن الأول لم تدعهم الحاجة إلى التدوين والتأليف، قال: وجرى الأمر على ذلك في زمن الصحابة والتابعين، وكانوا يختصون بحمل ذلك. ونقله القراء أو الذين يقرؤون الكتاب، وليسوا أميين فقيل لحملة القرآن يومئذ: قرّاء إشارة إلى هذا فهم قرّاء لكتاب الله، والسنة الماثورة عن الله، لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه، ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح اهـ كلامه على ما وقع في كلامه ﵀، في هذا الفصل من المجازفات. وربما يردّ على ما ذكره ما في ترجمة سعد بن عبيد الأنصاري المعروف بسعد القاري، من طبقات ابن سعد من أنه كان يسمى بالقاري، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يسمى القاري غيره اهـ ص ٣٠ من ج ٣، مع أن حفظة القرآن من الأنصار وغيرهم كثير، سبق عدّهم من القسم الأول فانظره. ثم وجدت في ترجمة حرام بن ملحان الأنصاري، من الطبقات أيضا عن أنس قال:\nجاء ناس إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إبعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم: القراء، منهم خالي حرام. كانوا يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل، ويتعلمون. القصة وأصلها في الصحيح. فلعلها مستند ما لابن خالدون وبعد ذلك صار العلماء يتميزون بالتحنك. قال القرافي في الفروق ص ١٣٠ من ج ٢: ما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا لأن التحنك وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك، كان من شعار العلماء. حتى إن مالكا سئل عن الصلاه بغير تحنك فقال: لا بأس بذلك وهو إشارة إلى تأكد التحنيك. وهذا هو شأن أهل الفتيا في الزمن القديم اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>باب في تسميته ﵇ حملة الحديث ونقلته عنه خلفاء له ﵇</span>\nعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: اللهم أرحم خلفائي قلنا: من خلفاؤك يا","vol":"2","page":215},{"text":"رسول الله؟ قال: الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس. رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: وفيه أحمد بن عيسى الهاشمي. قال: الدارقطني كذاب، وعزاه السيوطي في الجامع الكبير: للطبراني في الأوسط، والرامهرمزي في المحدث الفاصل، وأبي الأسعد هبة الله القشيري، وأبي الفتح الصابوني معا في الأربعين، والخطيب في شرف أصحاب الحديث، والديلمي، وابن النجار، ونظام الملك في أماليه، ونصر المقدسي في الحجة، وأبي علي بن خنيس الدينوري في حديثه، وقد أخرجه من حفاظ المغرب أبو القاسم العزفي في الدر المنظم، فانظره.\nقال المنّاوي في فتح القدير: وهذه منقبة لأهل الحديث أعظم بها من منقبة، فهم خلفاؤه ﵇ على الحقيقة اهـ لهذا كان المحدث في العصر الأول يلقب بأمير المؤمنين. قال الحافظ الأسيوطي في التدريب أخذا من هذا الحديث: وممن لقب بذلك من المحدثين قديما سفيان بن راهواه والبخاري وغيرهم اهـ.\nوللحافظ أبي علي الحسن بن محمد البصري التبيين بمن سمّي أمير المؤمنين ذكر فيه أن أول من سمي به من المحدثين أبو الزناد، ثم بعده مالك، ومحمد بن إسحاق، وشعبة ابن الحجاج، وسفيان، وعبد الله بن المبارك، والدارقطني، انظر التعريف برجال مختصر ابن الحاجب.\nقلت: وممن لقب بأمير المؤمين في الحديث من المتأخرين الحافظ ابن حجر ﵀، ولعصرينا المحدث المقري أبي عبد الله محمد حبيب الله الجكني الشنجيطي منظومة سماها هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>باب عنوان القرآن وبرنامجه وهو الأصل في وضع المسلمين العناوين للمصنفات</span>\nفي الأجوبة المهمة لمن له بأمر دينه همة، للشيخ العالم العارف أبي محمد المختار ابن أبي بكر الكنتي، صاحب الطريقة الشهيرة: الأصل في البرنامج قوله تعالى: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [إبراهيم: ٥٢] ولقد اتفق العلماء الراسخون في العلم أن هذه الآية برنامج القرآن، لأنها مشتملة على جميع ما فيه من الفرائض، وجميع أنواع المعاملات، والزجر عن جميع المنهيات، وجميع معارف الله، وتوحيده، وتعريفه حق انبيائه، والنص على جميع أمور المعاد؛ من الموت، وعذاب القبر، والنشر، والحشر، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، فباعتبار هذه الآية أخذ الفقهاء بجواز البيع على البرنامج اهـ.\nقلت: وقد رأيت مصحفا كتب في أول ورقة منه الآية المذكورة.\n_________\n(١) طبعت مؤخرا في بيروت سنة ١٤١٠ هـ ١٩٨٩ عن دار البشائر الإسلامية.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>باب في حضه ﵇ طلبة العلم على السؤال عما لم يفهموا</span>\nقال أبو نعيم: وليتحرضوا على مساءلة العلماء، ثم أسند عن أبي جحيفة قال: كان يقال: جالس الكبراء، وخالط الكبراء، قال: وزاد غيره: وسائل العلماء. رواه أبو ملك النخعي، عن سلمة مرفوعا. ثم أسند عن أبي سلمة عن أبي جحيفة رفعه: جالس العلماء، وسائل الكبراء، وخالط الحكماء.\nوبوّب عليه ابن عبد البر في كتاب العلم: باب حمد السؤال والإلحاح في طلب العلم، ولما كان الافراط فيه، أو صدوره على غير ما يحمد منه مطلوب الترك، قال ابن عبد البر متمما لذلك: ومنع ما منع منه. وخرّج في الباب جملة آثار صدّرها بقول النبي ﷺ: ألم يكن شفاء العي السؤال «١»، وذكر عن عائشة «٢»: رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن اهـ وفي الحديث المشهور: حسن السؤال نصف العلم وراجع من خرّجه «٣»، صدر رسالتنا البيان المعرب عما ورد في أهل اليمن والمغرب، وقيل، لابن عباس: بم نلت هذا العلم؟ فقال: بلسان سؤول وقلب عقول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>باب في اجابته ﵇ السائلين على حسب قوابلهم وتنويعه الخطب على حسب الحال والمقام</span>\nمن تأمل أجوبته ﵇ لأسئلة السائلين، وأفراد المستفتين يرى أنها كانت تتنوع بحسب الأحوال، والأشخاص، والمعاملات، والأعراف، وذلك كالذي سأله كما في الصحيحين وغيرهما: عن أفضل الأعمال؟ فأجاب كل سائل عن فضيلة قال النووي في شرح مسلم وأجاب ﷺ كلّا من السائلين بما رآه أنفع له وأخص به، فقد يكون ظهر من أحدهما كبر وانقباض عن الناس، فأجابه بإطعام الطعام وإفشاء السلام، وظهر من الآخر قلة مراعاة ليده ولسانه، فأجاب بالجواب الآخر، أو يكون ﵇ تخوّف عليهما ذلك، أو كانت الحاجة في وقت السؤال كل منهما أحسّ به فجاوب به. وقال الشيخ أبو عبد الله السنوسي، في مكمل إكمال الإكمال قال بعض الشيوخ: وفي اختلاف الأجوبة عن السؤال الواحد دليل على أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، والأعراف، وحتى في الفتاوى، كما ذكره المتأخرون.\nوفي شرح أحكام عبد الحق للإمام ابن مرزوق قالوا: يؤخذ من اختلاف الأجوبة لاختلاف الأحوال وجوب تعليم الإمام، أو المذكر للناس ما جهلوه، ويذكرهم ما نسوه،\n_________\n(١) رواه أحمد ص ٣٣٠ ج ١ من حديث ابن عباس والإسلامي: ٤١١.\n(٢) بوّب البخاري في كتاب العلم باب ٥٠: ج ١ ص ٤١ وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. كما أخرجه مسلم وأحمد وأبي داود وابن ماجه.\n(٣) راجع كشف الخفاء للعجلوني تحت عنوان: الاقتصاد نصف المعيشة فقد عزاه للبيهقي وغيره.","vol":"2","page":217},{"text":"وتحريضهم على فهم ما أهملوه. قالوا: ولهذا جرت عادة خطباء المشرق، وقدماء الأندلس بتنويع الخطب بحسب الحاجة الوقتية للتنبيه على ما يفعل الناس لذلك، فتحصل للسامع أعظم منفعة، وأكبر فائدة، وأهمل هذا أهل المغرب؛ بل طالما أنكره وانتقده من ينتمي إلى العلم، ولو علم هذا ما اشتملت عليه خطبه ﵇، وخطب خلفائه لما أنكره. وهي طريقة مشهورة عن السلف. ذكرت شواهدها في شرح خطبي التي أنشأتها اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>باب في روايته ﷺ عن أصحابه وتحديثه عنهم</span>\nروى ﵇ في خطبته عن تميم الداري في قصة الجساسة وهي في آخر صحيح مسلم، وروي عن مالك بن مزود وقيل: ابن مرارة وقيل ابن مرارة الرهاوي، وفيما أخرجه ابن منده في الصحابة بسنده عن زرعة بن ذي يزن، أن النبي ﷺ كتب إليه كتابا، وأن مالك بن مزود الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت وقاتلت المشركين، فأبشر بخير. الحديث.\nومنه روايته ﷺ عن أمه في حديث عنها أنها أخبرته بإضاءة قصور الشام وبصرى عند ولادته، ومنه قراءته ﷺ على أبيّ بن كعب، وقال: أمرني الله أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١] قال السيد السمهودي في الجوهر من فوائده: أن لا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفصول اهـ.\nقلت وهذا الأصل في رواية الأكابر عن الأصاغر. ومنه كما في كشف الظنون: رواية الخلفاء الأربعة وغيرهم، عن عائشة في كثير من الأحكام، وهو النوع الحادي والأربعون من تقريب النووي، وهو كما قالوا: نوع لطيف. ومن فوائده معرفة الأمن من الانقلاب، فلا يظن ولا يتوهم في السند انقلاب وتنزيل أهل العلم منازلهم؛ عملا بخبر أبي داود من حديث عائشة مرفوعا: أنزلوا الناس منازلهم «١»، وهذا النوع يحمل عليه الرغبة في الفائدة؛ لأنها ضالّة المؤمن فحيث ما وجدها من كبير أو صغير أو تلميذ أو قرين التقطها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>باب في أخذ الصحابة العلم بعضهم عن بعض</span>\nوهو من أنواع نقل السنة ووجوهها، وهو نوع مهم جدا ذكره البلقيني في محاسن الإصطلاح ولم يذكره ابن الصلاح ولا اتباعه في أنواع الحديث، لأن الغالب رواية الصحابة عن النبي ﷺ، ورواية التابعين عن الصحابة، ومن أمثلته حديث اجتمع فيه أربعة صحابة يروي بعضهم عن بعض؛ وهو حديث الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى عن عبد الله بن السعدي عن عمر بن الخطاب مرفوعا: ما جاءك الله من هذا المال من غير إشراف ولا سائل فخذه، ولا تتبعه نفسك «٢» .\n_________\n(١) رواه في كتاب الأدب باب ٢٠ ص ١٧٣ ج ٥.\n(٢) رواه النسائي في كتاب الزكاة باب ٩٤ ج ٥ ص ١٠٤ ونصه: ما آتاك الله ﷿ من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه فتموله أو تصدق به ومالا فلا تتبعه نفسك.","vol":"2","page":218},{"text":"ومنه حديث خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن هبار، عن المقدام بن معدي كرب، عن ابي أيوب عوف بن مالك، وحديث اجتمع فيه أربع نسوة صحابيات، ثنتان من أمهات المؤمنين، وربيبتان للنبي ﷺ، وهو ما رواه مسلم والترمذي والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش ﵂ قالت: أتيت النبي ﷺ يوما محمرا وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث «١» . وقد أفرد بعضهم هذه الأحاديث بجزء ووقع في بعض الأجزاء حديث اجتمع فيه خمس من الصحابة تضمن رواية عبد الله بن العاص عن عثمان بن عفان عن عمر بن الخطاب عن أبي بكر الصديق عن بلال قال قال رسول الله ﷺ: الموت كفارة لكل مسلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>باب في أن جلالة بعضهم عند بعض كانت لا تمنع من المخالفة فيما لم يؤدهم إليه اجتهادهم</span>\nنقل في روضة الإعلام، عن الشيخ أبي العباس بن زاغ التلمساني مخالفة التلميذ للشيخ في بعض المسائل، إذا كان لها وجه، وعليها دليل قائم يقبله غير الشيخ من العلماء:\nليس من سوء أدب التلميذ مع الشيخ، ولكن مع ملازمة التوقير الدائم، والإجلال اللازم.\nفقد خالف ابن عباس عمر وعلي وزيد بن ثابت، وكان قد أخذ عنهم اهـ وقد ألف الحافظ السيوطي رسالة أثبت فيها تهاجر الصحابة فيما بينهم بسبب خلافات في مسائل سياسية ودينية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>باب في أدب الصحابة مع من يتعلمون منه أيضا</span>\nخرّج أبو نعيم عن ابن عباس قال: إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فاتي بابه وهو قائل، (نائم) فأتوسد ردائي على بابه، تنسف الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول:\nيا ابن عم رسول الله ﷺ، ما جاء بك ألا أرسلت إلي فاتيك؟ فاقول: أنا أحق أن آتيك فاسألك عن الحديث.\nوذكر ابن عبد البر عنه في كتاب العلم أنه قال: وجدت علم أصحاب رسول الله ﷺ، عند هذا الحي من الأنصار. إن كنت لأقيل بباب أحدهم، ولو شئت أذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه. وروى أبو الزناد عن أبيه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يأتي عبيد الله يسأله عن علم ابن عباس، فربما أذن له، وربما حجبه وأخرج الخطيب في الجامع عن علي ﵇ قال: من حق العالم عليك، أن تسلم على القوم عامة، وتخصه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشير عنده بيدك، ولا تسارّ في محله، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلجّ\n_________\n(١) أخرجه مسلم في أول كتاب الفتن وأشراط الساعة ص ٢٢٠٧ ج ٣.","vol":"2","page":219},{"text":"عليه إذا ملّ، ولا تعرض من طول صحبته، فإنما هو بمنزلة النخلة، تنظر متى يسقط عليك منها شيء، فإن المؤمن العالم لأعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، فإذا مات العالم، انثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>باب في رواية الصحابة عن التابعين</span>\nوهو نوع مهم، كثير الفائدة؛ لأن الغالب رواية التابعين عن الصحابة عن النبي ﷺ، حتى أنكر بعضهم وجود ذلك. وقال: إن رواية الصحابة عن التابعين إنما هي في الإسرائليات والموقوفات، وليس كذلك. وقد جمع الحافظ العراقي الأحاديث التي بهذه الشريطة، فبلغت إلى عشرين حديثا. ومنه؛ رواية أنس بن مالك عن ابنه غير مسمى حديثا، وقد ذكر ابن سليمان الرداني، في حرف الراء من الصلة كتاب: روايات الصحابة عن التابعين، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب فانظرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>باب في أخذ كبار الصحابة العالم عن الموالي</span>\nفي ترجمة بلال «١» من الإستيعاب قال: علي بن عمر روى عن بلال جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وكعب بن عجرة والبراء بن عازب وغيرهم.\nوفي ترجمة صهيب من طبقات ابن سعد أن عمر قال لأهل الشورى، فيما يوصيهم به عند موته، وليصلّ بكم صهيب، وإن عمر لما توفي نظر المسلمون فإذا صهيب يصلي بهم المكتوبات بأمر عمر، فقدموا صهيبا فصلى على عمر، وناهيك بمن يقدم للصلاة على مثل عمر، وفي ترجمة سالم مولى أبي حذيفة من الإستيعاب، وتهذيب النووي، أن عمر كان يثني عليه كثيرا، حتى قال حين أوصى قبل وفاته: لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى. قال ابن عبد البر: وهذا عندي على أنه كان يصدر فيها عن رأيه والله أعلم اهـ من الإستيعاب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>باب أخذ الصحابة من العرب عمن أسلم من اليهود</span>\nمن أول من أسلم بعد دخول النبي ﷺ المدينة عبد الله بن سلام هو وآله، ولازم المصطفى وأخذ عنه العلم الجم، وروى عنه أبو هريرة وعبد الله بن مغافل، وأنس، وعبد الله بن حنظلة، وقيس، وغيرهم. وفيه نزل قوله تعالى: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد: ٤٣] وفي التاريخ الصغير للبخاري بسند جيد عن يزيد قال: لما حضرت معاذا الوفاة قيل له: أوصنا قال التمسوا العلم عند أبي الدرداء، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، الذي كان يهوديا فأسلم، وأخرج البغوي في المعجم بسند جيد عن عبد الله بن معقل قال: نهى عبد الله بن سلام عليا عن خروجه إلى العراق، وقال:\n_________\n(١) انظر هامش ص ١٤٢ من الإصابة ج أول.","vol":"2","page":220},{"text":"إلزم قبر رسول الله ﷺ، فإنك إن تركته لا تراه أبدا. فقال علي: إنك رجل صالح منا.\nوأخذ كثير من علية الصحابة عن كعب الحبر معروف. وانظر الفوائد المتبعة في العوائد المبتدعة لابن زكريا الفاسي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>باب في رجوع الصحابة للحق إذا ظهر لهم واعترافهم به</span>\nذكر ابن عبد البر عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، ولو كانت بنت ذي العصبة، يعني زيد بن الحصين الحارثي فمن زاد القيت زيادته في بيت المال، فقامت امرأة من صف النساء، طويلة فيها فطس فقالت له: ليس كذلك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء: ٢٠] فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.\nوعن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل عليا عن مسألة فقال فيها. فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا وكذا. فقال علي ﵁: أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم، وحكى ابن بطال أن صاحبا لمعاذ بن جبل قدم على ابن مسعود، فقال له أصحابه: أمؤمن أنت؟ قال: نعم. قالوا: من أهل الجنة قال: لا أدري لذنوب فلو أعلم أنها غفرت لقلت لكم: إني مؤمن من أهل الجنة. فتضاحك القوم. فلما خرج ابن مسعود قالوا له: ألا تعجب هذا يزعم أنه مؤمن ولا يزعم أنه من أهل الجنة، قال ابن مسعود: لو قلت: إحداهما اتبعتها الآخرى. فقال الرجل: رحم الله معاذا حذرني زلة العالم، وهذه زلة منك، وما الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والجنة والنار، والبعث والميزان، ولنا ذنوب لا ندري ما يصنع الله بها، فلو نعلم أنها غفرت لنا لقلنا إنا من أهل الجنة. فقال ابن مسعود: صدقت يا أخي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>باب في تأديب النبي ﷺ للصحابة في التعليم واقتفاء الصحابة أثره في ذلك</span>\nقال الحافظ أبو نعيم: فإن عاود أي التلميذ مساءلته أي الشيخ؛ فلا بأس لها بأن يناله بأدب خفيف ثم استظهر بحديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ، أنه خرج إلى الصلاة فلقيه أعرابي فسأله عن شيء فقال له رسول الله ﷺ: ليس هذه ساعة فتوى، فأعاد عليه فغضب النبي ﷺ، فضربه بسوط كان معه أو بشيء، وذكر أبو نعيم في محل آخر تنبيهه على استحسان الأدب الخفيف، على إساءة أخرى منها معاودة الاستفهام مرة ثانية بعد الإفهام قال: فله الانتهار واحتج له بما أخرجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة فقال: إركبها. قال: إنها بدنة قال: إركبها قال: إنها بدنة قال؛ إركبها ويلك في الثانية أو الثالثة. ومنها إذا عاد معترضا قال: عليه أن يعظه بلسانه واستدل بما رواه عن أبي الدرداء قال: قال النبي ﷺ: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قال: قلت وإن زنى وإن","vol":"2","page":221},{"text":"سرق؟ قال: نعم. قلت: وإن شرب الخمر؟. قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء. قال أبو الدرداء: فإن عاوده في الرابعة. فلا بأس أن يناله بضرب خفيف. واحتج له بما رواه عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله أو نؤاخذ بكل ما نقول؟ ويكتب علينا. فضرب النبي ﷺ منكب معاذ مرارا ثم قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكبّ الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم- وفي ضمن ذلك طلب المتعلم باحتمال الصبر على تأديبه وزجره.\nولطمة عالم في الخدّ مني ... ألذ إليّ من شرب الرحيق\nوذكر الكاساني في أصول البدائع: أن عبد لله بن عباس قيّد عبدا له يعلمه تأويل القرآن، قال: وبه جرت العادة في سائر الأمصار من غير نكير فصار إجماعاا اهـ منه.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات عن عكرمة قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل، ويعلمني القرآن والسنن. انظر ص ١٣٣ من ج ٢ من القسم الثاني «١» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>باب مناظرة الصحابة بين يدي المصطفى ﷺ</span>\nذكر أبو نعيم في أدب العلم: أنه لا بأس بالمناظرة والمماراة في العلم بحضرة العالم، ثم أسند إلى أبي هريرة قال: لقد رأيتنا يكثر مراؤنا عند رسول الله ﷺ، قال: ولا بدّ مع هذا من مراعاة ما يختص بأدب الحضور بين يدي الشيخ «٢» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>باب في آداب طالب العلم المنصوص عليها لأهل القرون الأولى ومنها تعلم الآداب المعروفة لطالب العلم في زمن النبوة</span>\nعقد لذلك بابا الإمام أبو نعيم في آداب المتعلم، ذكر فيه أمورا.\nأولا: ملازمة السواك، وهو أول ما ندب إليه من هذه الخصال، قال ما نصه: وليعلم أنه لا يخلو إذا غشي المجالس من مجالسة العلماء، ومخاطبة الحكماء ومذاكرة المتعلمين، ومجادلة المخالفين فليتعاهد نفسه بما يصلحه ويزينه وليبدأ بالسواك، فليلزمه. وخرّج لذلك عن ابن عباس ﵁ قال: كانوا يدخلون على النبي ﷺ ولا يستاكون، فقال: يدخلون علي ولا يستاكون فلولا أن اشق على أمتي لفرضت عليهم السواك، كما فرضت عليهم الصلاة [روى البخاري في كتاب الجمعة باب ٨ عن أبي هريرة: لولا ... الخ ص ٢١٤/ ١] .\nثانيا: قص أظفاره إذا طالت، لما أخرجه عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فسأله عن خبر السماء. فقال: أتسألني عن خبر السماء، وتدع أظفارك كأظفار الطير، فيها الخباثة والتفث [رواه أحمد ج ٥/ ٤١٧] .\n_________\n(١) تأديب المتعلمين بالضرب والزجر ليس بمحمود على إطلاقه، وإن كان مطلوبا في بعض الأحوال. مصححه.\n(٢) كثرة المراء والجدال بين يدي الرسول ﷺ مسألة فيها نظر، فليحرر. مصححه.","vol":"2","page":222},{"text":"ثالثا: تنقية براجمه ورواجبه لحديث ابن عباس «١» أن جبريل ابطأ علي النبي ﷺ فذكر ذلك فقال: كيف لا يبطأ علي وأنتم حولي لا تستنقون، ولا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم، قال أبو نعيم: البراجم العقد التي في مفاصل قصبات الأصابع من باطن، والرواجب: ملتقى رؤوس السلاميات إذا قبض القابض كفّ شخص.\nرابعا: هو اغتساله مهما أحس من نفسه ريحا أو عرقا يتأذى به، لما رواه عن عائشة قالت: كان الناس يأتون الجمعة من العوالي فيأتون في الغبار والعرق، فيخرج منهم الريح، فأتى إنسان منهم النبي ﷺ وهو عندي، فقال رسول الله ﷺ: لو تطهرتم لهذا اليوم [رواه البخاري في كتاب الجمعة باب ١٥ ص ٢١٧/ ١] .\nخامسا: أخذه من شاربه إذا طال، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: اعفوا اللحى وخذوا من الشارب [روى مالك في الموطأ عن ابن عمر كتاب الشعر ص ٩٤٧: أمر رسول الله ﷺ بإخفاء الشوارب وإعفاء اللحى] .\nسادسا: تسكينه من شعره إذا كان ذا شعر، لما رواه عن جابر أن النبي ﷺ رأى رجلا أشعث الرأس فقال: أما يجد هذا ما يسكن به شعره [رواه أحمد ج ٣/ ٣٥٧] .\nسابعا: أن لا يغافل الترجل والتدهن، لحديث جابر قال: كان لأبي قتادة وفرة، فسأل النبي ﷺ عنها فقال: إدهنها وأكرمها.\nثامنا: اجتهاده في نظافة ثوبه، وتحرزه من الوسخ عليه، لما رواه أيضا عن جابر قال: أتى النبي ﷺ فرأى رجلا أشعث. قال: أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه، ويلم شعثه. وروي عن أبي صالح قال: ما كنت أتمنى من الدنيا إلا ثوبين أبيضين أجالس فيهما أبا هريرة [انظر مسند أحمد ج ٣/ ٣٥٧] .\nتاسعا: أن يمسّ من الطيب إذا وجد إليه سبيلا لما رواه عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يكره أن يخرج إلى أصحابه ثقيل الريح، وكان إذا كان في آخر الليل مسّ طيبا.\nعاشرا: اجتنابه للطعام الذي فيه رائحة كريهة؛ لما رواه «٢» عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ: من أكل من هذه البقلة، فلا يقربنّ مساجدنا.\nإحدى عشر: غسله ليده إذا أكل زهيما لئلا يؤذي محاذيه، لما رواه عن ابن عمر قال:\nقال رسول الله ﷺ: من أكل من هذا اللحم شيئا فليغسل يده من وضره، لا يؤذي من يحاذيه [روى أحمد ج ٤/ ١٨٠ حديثا بمعناه عن سهل بن الحنظلية: من أكل لحما فليتوضأ] .\nالثاني عشر: احترازه من اشتغال العالم أو جليسه بالجشاء بل يكظمه، لما رواه «٣» عن ابن عمر أن رجلا تجشأ عند رسول الله ﷺ فقال: كف جشاءك عنا.\n_________\n(١) رواه أحمد عن ابن عباس ١/ ٢٤٣.\n(٢) مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة رقم ٦٩ ص ٣٩٤/ ١.\n(٣) ابن ماجه في كتاب الأطعمة باب ٥٠ ج ٢/ ١١١١.","vol":"2","page":223},{"text":"الثالث عشر: أن لا يلبس من الثياب ما لا يجوز لبسه، لما رواه عن عبد الله بن عمرو: قال رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين. فقال إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها [رواه مسلم في كتاب اللباس ٢٧ ج ٢/ ١٦٤٧] .\nالرابع عشر: أن يلبس ما ابيض من الثياب فإنه مستحب لأهل العلم، لما رواه عن سمرة عن النبي ﷺ قال: عليكم بالبياض فإنه خير ثيابكم، فكفنوا فيها موتاكم وليلبسها أحياؤكم فإنها أطيب وأطهر.\nالخامس عشر: أن يعتمّ قال: لأنها زينة لأهل العلم. وخرّج عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: اعتموا تزدادوا حلما «١» .\nالسادس عشر: أن يعتني بحفظه لصحته، ليستعين بها على طلب العلم والتحصيل، وذكر أبو نعيم من ذلك أمورا: من ذلك اجتنابه لما يخل قوة الفهم والحفظ، ويعود بضعف في النفس أو البدن، وتعاهده إخراج الدم، وشرب الدواء واستعانته على تقوية بصره بالجلوس على الخضرة والماء الجاري، وتهذيب بدنه بترك ما يورث السمن، وترك التملي من الطعام والشراب لئلا يقطع عن الدرس، ثم استدل لكل أدب من هذه الآداب، فراجع كلامه الذي لخصه ابن الأزرق: في روضة الأعلام فإنه أحلى من العسل، وألذ من الماء البارد على الظمأ. وعلى قدر اطلاع المتتوّر على ما يقال الآن عن المسلم وطالب العلم من أهله، يكثر فرحه بهذه الآداب الإسلامية، التي كانت رائجة في ذلك الزمن النبوي، ويبتهج بما سقناه لأنه بذلك يعلم أن دينه وتعاليمه أسبق التعاليم إلى الحضر والنظافة، والرقي والاعتناء بحفظ الصحة، والاقتصاد النافع، وانظر كتاب آداب المتعلم لأبي نعيم الأصبهاني، وآداب المحدث للحافظ عبد الغني بن سعيد البغدادي، ومقدمة شرح تهذيب النووي، وكتاب تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، للشيخ بدر الدين بن جماعة، وجواهر العقدين للسيد السمهودي، وروضة ابن الأزرق وشرح ألفية العراقي للسخاوي، وبلوغ أقصى المرام للطرنباطي، وممن ألف في مكارم الأخلاق من السلف الطبراني، والخرائطي، له كتاب في مكارم الأخلاق وآخر في مساوي الأخلاق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>باب في أن الصحابة كانوا يعرفون حق أكابرهم</span>\nفي العلم والسن والآداب التي كانوا يوصون بها المتعلم ليعامل بها معلمه ذكر ذلك أبو نعيم في آداب المتعلمين، واستدل له بما هو معروف؛ من أن زيد بن ثابت، أراد أن يركب فوضع رجله في الركاب، فأمسك له ابن عباس ﵄. فقال: تنحّ يا ابن عم رسول الله ﷺ. فقال: إنا هكذا نصنع بالعلماء والكبراء، ولما قال البلخي في عين العلم:\nويأخذ بركاب العلماء للتوقير، قال شارحه الملا على القاري، بعد ذكر قصة ابن عباس هذه:\nوأخذ عمر بغرز زيد أي بركابه، حتى رفعه. وقال: هكذا فافعلوا بزيد وأصحابه اهـ منه.\n_________\n(١) حديث: اعتموا تزدادوا حلما ذكره في التيسير على الجامع الصغير وقال عنه: رواه البيهقي مرسلا عن خالد بن معدان.","vol":"2","page":224},{"text":"وقد أخرج أحمد «١» والترمذي عن ابن عباس وأحمد والحاكم عن عبادة بن الصامت رفعاه: ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا ولم يعرف لعالمنا حقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>باب في إنزال النبي ص الناس ساعة التعليم منازلهم من تقديم الأكثر علما أو سنا</span>\nذكره أبو نعيم واستدل له بحديث الصحيح «٢» عن ابن مسعود قال كان النبي ﷺ يقول: ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، وبحديث سمرة أن النبي ﷺ قال: ليقم الأعراب خلف المهاجرين والأنصار، ليقتدوا به وفي سيرة مالك: من أمره بالتخلق بهذا الأدب، وأخذه أصحابه بالاستعمال له في مجالس تدريسه عبرة، وقد ذكر تفاريع هذه الترجمة، وصورها ابن العربي في الأحكام: منها مجلس النبي ﷺ، والتفسح فيه بالهجرة والعلم، ومنها: مجلس الجمعة والتفسح فيه بالبكور إلى ما يلي الإمام، ومنها:\nمجلس الحرب يتقدم فيه ذو النجدة والمراس من الناس، ومنها مجلس الرأي والمشورة، يتقدم فيه من له بصر بالشؤون، وهو داخل في مجلس الذكر بوجه. قال: وكل ذلك يتضمنه قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١] فيرتفع المرء بإيمانه أولا، ثم بعلمه ثانيا. وفي الصحيح «٣» أن عمر بن الخطاب كان يقدم ابن عباس، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير: إذا جاء نصر الله والفتح فسكتوا. فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله ﷺ، أعلمه الله إياه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما يعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>باب رحلة الصحابة في طلب العلم أو رغبة في علو السند</span>\nقال القاضي ابن العربي المعافري: إن موسى ﵇ أول من رحل في طلب العلم من أهل الشرائع، وقال الغزالي: قلّ مذكور في العلم محصّل، من زمان الصحابة إلى زماننا هذا إلا وحصل العلم بالسفر، وسافر لأجله اهـ.\nوالأمر بالرحلة في الجملة وقع في القرآن في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة ١٢٢] وذكر ابن عبد البر عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى موسى أن أتخذ نعلين من حديد، ثم اطلب العلم حتى تخرق نعليك، وتنكسر عصاك. وبوّب البخاري في صحيحه:\n_________\n(١) انظره في الجزء الأول ص ٢٥٧ والإسلامي ص ٣٢٠ وأوله: ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من حديث ابن عباس وثمة روايات عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\n(٢) رواه مسلم في كتاب الصلاة باب ٢٨ رقمه ١٢٢ ص ٣٢٣ ج ١.\n(٣) انظر كتاب تفسير القرآن، ج ٦ ص ٩٤، سورة النصر.","vol":"2","page":225},{"text":"باب الرحلة في طلب العلم «١»، وذكر أن جابر بن عبد الله رحل إلى عبد الله بن أنيس مسيرة شهر، في حديث واحد. وعن ابن عباس في قوله تعالى: السائحون هم طلبة العلم، وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني لرحلت إليه، وقد أفرد فوائد الرحلة وذكر الرحالين الخطيب البغدادي بجزء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>باب ترغيب الصحابة بعضهم بعضا وغيرهم من الناس إلى حضور الميراث النبوي يريدون العلم لأن الأنبياء لم يخلفوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم وذلك بعد انتقاله ﵇</span>\nقال السيد السمهودي في جواهر العقدين: خرّج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة أنه مرّ بسوق المدينة فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم؟ قالوا وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث النبي ﷺ يقسم وأنتم ها هنا؛ ألا تذهبون، فتأخذون نصيبكم منه. قالوا: وأين هو؟ قال في المسجد، فخرجوا سراعا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة قد أتينا المسجد، فدخلنا فيه فلم نر شيئا يقسم. فقال لهم أبو هريرة. أو ما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا: بلى رأينا أقواما يصلون وقوما يقرؤون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة:\nويحكم فذاك ميراث سيدنا محمد ﷺ.\nوذكر أبو عمر بن عبد البر، عن سلمان بن مهران قال: سمعت أحد القراء يقول:\nبلغني أن قوما كانوا يتناظرون بالعراق في العلم، فقال قائل: من هؤلاء؟ فقيل له: قوم يقتسمون ميراث النبي ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>باب في القاص في الزمن النبوي وجلوسه ﵇ مجلسه</span>\nخرّج أحمد «٢» وأبو يعلى عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على جماعة وقاص يقصّ، فلما رأى رسول الله ﷺ أمسك. فقال النبي ﷺ قصّ، فلأن أقعد هذا المقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب ولأن أقعد هذا المقعد بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب، أورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير. قال: ورجاله موثقون إلا أن فيه أبا الجعد عن أبي أمامة، فإن كان هو الغطفاني، فهو من رجال الصحيح، وإن كان غيره فلم أعرفه، وعن رجل من أهل بدر أنه سمع النبي ﷺ يقول: لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب. قال شعبة: فقلت أي مجلس يعني؟ قال: كان قاصا. رواه أحمد «٣»\n_________\n(١) انظر البخاري ص ٢٧ ج ١ من كتاب العلم باب ١٩.\n(٢) رواه أحمد في ج ٥ ص ٢٦١ والإسلامي: ٣٢٨.\n(٣) ج ٣/ ٤٧٤ والإسلامي/ ٦٢٠.","vol":"2","page":226},{"text":"وفيه كردوس بن قيس وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح، وعن عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ المسجد، فإذا كعب يقص قال من هذا؟ قالوا: كعب يقص علينا. قال سمعت النبي ﷺ يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال، قال: فبلغ ذلك كعبا فما رئي بعد ذلك يقص. رواه أحمد. «١» قال الهيثمي: وإسناده حسن، وعن عوف بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف. رواه أبو داود «٢» غير قوله أو متكلف. ورواه الطبراني في الأوسط.\nقال الهيثمي: وفيه أبو العباس الرازي، لم أر من ترجمه، وعن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف. رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.\nقال الملا على القاري في شرح المشكاة: القصص التكلم بالقصص والأخبار والمواعظ وقيل المراد به الخطبة خاصة اهـ وقال غيره: القصص التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ، يريد من يعظهم إما أمير أو مأمور، أو يجوز لهما الوعظ أما مختال يعظ لطلبه الرياسة والتكبر، فلا يقبل هذا في الخطبة فالأمر فيها إلى الأمراء أو إلى من يتولاها من قبلهم. قال الطيبي في شرح المشكاة: وكل من وعظ وقص داخل غمارهم، وأمره موكول إلى الولاة اهـ انظر مجمع بحار الأنوار، في الإكليل للسيوطي على قوله تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] عن ابن العربي: هذه الآية أصل في الوعظ المرقق للقلوب اهـ.\nقلت: ولا ينافي أحاديث الترجمة ما جاء عن بعض السلف؛ من إنكار القصص وذم القاصين. ففي الإحياء بعد أن ذكر أن الحسن البصري كان يتكلم في قصصه في علم الآخرة، والتذكير بالموت، والتنبيه على عيوب النفس، وآفات الأعمال، وخواطر الشيطان، ووجه الحذر منها. ويذكر بالاء الله ونعمائه، وتقصير العبد في شكره، ويعرف حقارة الدنيا وتصرفها وقلة عهدها، وعظم الآخرة وأهوالها فهذا هو التذكير المحمود شرعا، ثم تكلم عل الذين نقلوا اسم التذكير إلى خرافاتهم، وذهلوا عن طريق التذكير المحمود، واشتغلوا بالقصص التي يتطرق إليها الاختلاف والزيادة، والنقصان، وتخرج عن القصص الواردة في القرآن، وتزيد عليها فقال: من القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر سماعه، وإن كان صادقا. قال: فترجع القصص المحمودة إلى ما يشتمل عليه القرآن، وإلى ما صحّ من الكتب الصحيحة، من الأخبار.\nقال في الإتحاف: أخرج ابن أبي شيبة والمروزي عن ابن سيرين قال: بلغ عمر أن قاصا يقص بالبصرة فكتب إليه: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٥] قال فعرف الرجل فتركه، وأخرج عبد بن حميد في تفسيره، عن قيس بن سعد قال: جاء أن ابن عباس مرّ على عبيد بن عمير\n_________\n(١) انظره في المسند ج ٦/ ٢٦ والإسلامي: ٣٤ عن عوف بن مالك.\n(٢) رواه في كتاب العلم ج ٤ ص ٧٢ ورقمه: ٣٦٦٥ ورواه أحمد أيضا ٦/ ٢٣ والإسلامي/ ٢٩.","vol":"2","page":227},{"text":"وهو يقص فقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ [مريم: ٥٤] الآية وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ [مريم: ٥٦] الآية ذكرنا بأيام الله، وأثن على من أثنى الله عليه، وانظر كتاب القصّاص والمذكّرين للحافظ ابن الجوزي، وكتاب المذكر والتذكير والذكر، لأبي أحمد بن عمرو ابن أبي عاصم، وكتاب الحافظ العراقي المسمى بالباعث على الخلاص من حوادث القصاص، وللحافظ السيوطي أيضا فيهم رسالة.\nقال الزبيدي في الاتحاف: الذي تلخص مما ذكرنا أنه لا ينبغي أن يقصّ على الناس إلا العالم المتقن، الحافظ لحديث رسول الله ﷺ، العارف بصحيحه من سقيمه، وبسنده ومقطوعه، ومنفصله، العالم بالتواريخ وسير السلف، الحافظ لأخبار الزهاد، الفقيه في دين الله، العالم بالعربية واللغة، ومدار كل ذلك على تقوى الله، وأن يخرج الطمع في أموال الناس من قلبه. كذا حققه ابن الجوزي فانظره.\nتنبيه: خرج أبو نعيم والعسكري، أن تميما الداري استأذن عمر أن يقصّ على الناس قائما فأذن له فقص قائما.\nمهمة: ترجم ابن سعد في طبقاته لأم الحسن البصري، فأخرج بسنده عن أسامة بن زيد عن أمه قالت: رأيت أم الحسن البصري تقصّ على النساء، وأم الحسن هذه كانت في عصر كبار الصحابة، وروت عن أم سلمة وغيرها، من أزواج النبي ﷺ.\nوفي طبقات ابن سعد عن الحسن قال: كان الأسود بن سويع رجلا شاعرا وكان أولّ من قص في هذا المسجد. قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات، وفيها أيضا عنه قال: كان الأسود بن سويع يذكر في مؤخر المسجد، انظر ترجمة الأسود من الطبقات ص ٢٨ من ج ٧.\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>باب في ذكر ما بثه ﵇ من الفرائض الطبية والعلوم الحكمية المتعلقة بالأغذية والأدوية وعلاج الأمراض حتى دونت فيه الدواوين</span>\nذكر المولى أحمد طاشكبري زاده في مفتاح العلوم: علم طبه ﵇ من جملة العلوم التي اشتغل بها البشر، فقال ما نصه: علم طب النبي ﷺ هو علم أبرز من الحديث، كإبراز الفرائض من الفقه، والكحالة من الطب، وهو علم يعرف منه ما قاله النبي ﷺ في أمر تصحيح الأبدان الإنسانية، وموضوعه ومباديه يظهر بالقياس إلى علم الحديث، وغرضه وفائدته أظهر من أن تخفى.\nوقد صنف فيه الإمام المستغفري. تصنيفا فائقا ولا أجمع وأنفع من كتاب ابن طرخان يجده من يطلبه اهـ وقد ترجم لهذا العلم أيضا صاحب كشف الظنون، فذكر أن ممن ألف فيه أبو نعيم الأصبهاني، وكتب أبو الحسن علي بن موسى الرضى، للمأمون رسالة مشتملة عليه. والحبيب النيسابوري جمعه أيضا، وابن السني وعبد الملك بن حبيب، والحافظ","vol":"2","page":228},{"text":"السيوطي، واسم كتابه فيه (المنهج السوي والمنهل الروي في الطب النبوي) وإن أول كتابه:\nالحمد لله الذي أعطى كل نفس خلقها، وهو مرتب على ثلاثة فنون الأول: في قواعد الطب، الثاني في الأدوية والأغذية الثالث: في علاج الأمراض.\nقلت: ولعله اختصره من كتاب الطب النبوي للحافظ الذهبي أيضا، فإنه على هذا النسق، وقد طبع مرارا، ولم يذكر صاحب الكشف كتاب ابن طرخان، الذي ذكره طاشكبري، وهو كتاب نفيس في مجلد، اسمه الأحكام النبوية في الصناعة الطبية، ومؤلفه الإمام أبو الحسن علي بن مهذب الدين أبي المكارم عبد الكريم بن طرخان بن بقى الحموي، ثم الصفدي، صاحب كتاب مطلع النجوم في شرف العلماء والعلوم، رتب ابن طرخان كتابه الطبي هذا على عشرة أبواب، وبناه على أربعين حديثا في الطب مما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم.\nالباب الأول: في الأحاديث الواردة في ذكر الأمراض ومعالجتها، والأمر بالتداوي، ومن تطبب ولم يعلم منه طب.\nالباب الثاني: في الأحاديث الدالة على ما يتعلق بحفظ الصحة من صفة الأكل والشرب والنوم وغير ذلك.\nالباب الثالث: في شأن أصل الطب وهل هو وحي، أو تجربة أو قياس. وذكر الواضع وفضيلته، وموافقته للعقل والشرع.\nالباب الرابع: في بيان الصحة وفضلها، وذكر الأحاديث الواردة فيها.\nالباب الخامس: في بيان المرض وفضله، وذكر الأخبار الواردة فيه وفيه شيء من الرقى.\nالباب السادس: في فضل عيادة المريض، وما ورد في ذلك من الأحاديث النبوية.\nالباب السابع: في ذكر أربعين حديثا طبية فصلت عن الأربعين الأولى فنبه على أكثرها.\nالباب الثامن: في ذكر الخلاف هل التداوي أفضل أو تركه؟ وحجة كل واحد من الطائفتين.\nالباب التاسع: في ذكر الحمية وفضلها، وما يكتب للحمى وما ورد في ذلك.\nالباب العاشر: في ذكر أدوية مفردة وقواها، ومنافعها وما ورد فيها من الأحاديث الطبية وغيرها، وهو كتاب نادر الوجود، كندورة ترجمة مؤلفه عندي منه نسخة قديمة، بخط مشرقي كتبت بمكتبة الناصرية بالشام بقرب زمن مؤلفه، كنت ظفرت بها بالمدينة المنورة سنة زيارتي لها عام ١٣٢٤.\nوممن أتى بقسم نافع من الطب النبوي؛ الحافظ ابن القيم في الهدى النبوي، وتبعه","vol":"2","page":229},{"text":"الشهاب القسطلاني في المواهب، فإنهما أتيا بزبدة ما لمن تقدم جزاهم الله خيرا، وفي الهدية المقبولة في حلل الطب المشمولة، للشهاب أحمد بن صالح الأكتاوي الدرعي:\nهذا النبي المصطفى من يرتضى ... سيد كل من يجيء أو مضى\nأرقى وعالج تداوى واحتجم ... مع التوكل الذي فيه ارتكم\nوالأمر بالتوكل الصحيح ... عن مثلنا يفيد بالتصريح\nوفي العلاج سنة الرسول ... وتطييب «١» لخاطر العليل\nفقال النظام في شرح هديته: الأذن فيه أي الطب من الشارع يكفي فيه فعله، وما تواتر عنه نقله، كما صرحت به أحاديث كثيرة، وأخبار وافرة جديرة، يطول بنا نقلها، ويعرفها من أصولها وفروعها أهلها اه.\nوقد اعتنى بالتعرض لما جاء عن جانب النبوة من درر الحكمة في هذا الباب، أحد حكماء الإسلام الشيخ داود الأنطاكي في التذكرة في مواضع منها؛ لدى كلامه على داء الاستسقاء، وأفضى به الكلام إلى ذكر أن من علاجه لبن اللقاح وأبوالها فقال: إنه غاية في أنواع الاستسقاء الثلاثة؛ خصوصا إذا كانت في البادية لاقتياتها حينئذ بالعطريات المفتحة، كالشيح والقيصوم وقال: وفيها أحاديث عن صاحب الشرع ﵇، أخرجها ابن السني وأبو نعيم وأحمد والترمذي في حديث غريب، ثم ذكر قصة العرنيين وحاصلها: أن قوما وفدوا عليه وهو في المدينة، ففي رواية فأصابهم وعك وأخرى فاجتووها بالتخمة، أي المدينة أي أصابهم منها الاجتواء، وهو عبارة عن فساد البطن ورائحة كريهة، وفي رواية فذربت بطونهم، فأرسلهم إلى إبل الصدقة، فشربوا من ألبانها وأبوالها وقصتهم مشهورة.\nوإنما أمر ﷺ بذلك، لكون الاستسقاء من الأمور الباردة اللزجة القروية، وفيها تقطيع وتفتيح وجلاء يطابق المادة، كما في المفردات وتخصيصه في الرواية الأخيرة بالبرية إما لتعدد الواقعة وكون مرض المأمورين بذلك أشد، فنصّ على البرية لرعيتها المفتحة الفعالة في ذلك بنفسها أيضا، كالشيخ والعرفج أو غير متعددة فيكون من حمل المطلق على المقيد، ومن هنا حكم بعض المجتهدين بطهارة بول ما يؤكل لحمه، لأمره به، ومنع بعضهم لزوم ذلك، وجعله من باب الجواز الضروري إذا تعين كإساغة اللقمة بالخمر، واعلم أنه غير لازم في مداواته ﵇، بما من شأنه أن ينفع من ذلك المرض، بل قد يداوي بما لا يجوّز العقل استعماله، فمن عثر على شيء من ذلك فليعلم أنه خرج مخرج الإعجاز، كما في قصة ملاعب الأسنة، وقد شكى إليه ﷺ الاستسقاء، فأرسل إليه بحثية من تراب تفل فيها فحين شربها برىء اهـ كلام التذكرة. وانظر ما كتبه في الجذام والحمي تر عجيبا.\nوفي الطرق الحكمية لابن القيم ص ٢٦٤ على قوله ﵇: لا تديموا النظر\n_________\n(١) الموزن هنا مضطرب ويستقيم لو قال: مطيب.","vol":"2","page":230},{"text":"للمجذومين، فيه فائدة عظيمة، وهي أن الطبيعة نقالة، فإذا أدام النظر إلى المجذوم خيف عليه أن يصيبه ذلك بنقل الطبيعة، وقد جرب بين الناس أن المجامع إذا نظر إلى شيء عند الجماع، وأدام النظر إليه انتقل منه صفته إلى الولد. وذكر البيهقي وغيره أن المصطفى تزوج امرأة من غفار، فدخل عليها فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بياضا عند ثديها، فانحاز النبي ﷺ عن الفراش، فلما أصبح قال: إلحقي بأهلك، وحمل لها صداقها اهـ.\nوفي الهدي النبوي لابن القيم أيضا، وسفر السعادة للمجد الفيروز آبادي: لم يجمع ﷺ بين سمك ولبن، ولا بين لبن وشيء من الحوامض، ولا بين غذاءين حارين، ولا باردين لزجين، ولا بين قابضين، وقابض ومسهل، ولا مسهلين، ولا بين غليظين، ولا بين سريع الهضم وبطيئه، ولا بين مشوى ومطبوخ، ولا بين قديد ورطب، ولا بين الحليب والبيض، ولا بين اللحم والحليب، ولا أكل طعاما بائتا، ولا ما فيه عفونة من الأطعمة، ولم يثبت أنه تناول شيئا من الملوحات والمخللات، وثبت أنه شرب الحليب المشوب بالماء، وماء التمر المنقع للهضم، والعسل الممزوج بماء بارد في غاية البرودة اهـ.\nوانظر بسط الكلام على ماكله ﷺ وما يتعلق بذلك في المناهج السنية للفاكهي، وتأليف سيدنا الوالد في السنة تر عجبا عجابا. ومن المهاثرة ما ذكره الفيلسوف ابن خالدون في مقدمة تاريخه حين فصل أنواع الطب ومستنداته قال: وللبادية من أهل العمران طب بنوه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثة عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح فيه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي، ولا موافقة المزاج. وكان في العرب أطباء من هذا القبيل معروفون، كالحارث بن كلدة وغيره، والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا عند العرب اهـ كلامه الخشن.\nولله در العلامة الشيخ عبد الهادي الأبياري المصري، إذ قال إثره في سعود المطالع ص ١٥٥ ج ٢ ما نصه: وأقول: هذه هفوة لا ينبغي النظر إليها، كيف وقد قال ﵇ للمبطون الذي أمره بشرب العسل، فلم ينجح: صدق الله وكذب بطنك اهـ.\nوإذا قرأت كلام الشيخ داود الذي سقناه لك أولا تعلم أن عقيدته في هذه المسألة أسلم مما لابن خالدون، والجواد قد يكبو والكمال لله.\nولنختم هذا المبحث بلطيفة ذكرها السيوطي في الإكليل، نقلا عن كتاب العجائب للكرماني، قال طبيب نصراني لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له: جمع الله الطب في نصف آية، وهي قوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]، فقال الطبيب: ما ترك كتابكم لجالينوس طبا اهـ.","vol":"2","page":231},{"text":"ولما تكلم الحافظ ابن رجب على حديث «١»: لم يخلق الله وعاء إذا ملىء شرا من بطن، فإذا كان لا بد فاجعله ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للريح: إنه أصل عظيم جامع لأصول الطب كلها، وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب ابن أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات يعني قوله ﵇ حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه إلى أخرى لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات [المستشفيات]، ودكاكين الصيادلة.\nوقال القرطبي في شرح الأسماء: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة، وفي الأحياء: ذكر هذا الحديث يعني تقسيم البطن أثلاثا لبعض الفلاسفة فقال: ما سمعت كلاما في قلة أكل أحكم من هذا، ولا شك أن أثر الحكمة فيه واضح.\nوقال ابن القيم في الهدى النبوي: مراتب الغذاء ثلاثة؛ أحدها مرتبة الحاجة، والثانية مرتبة الكفاية، والثالثة مرتبة الفضيلة، فأخبر ﷺ أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته، ولا يضعف فإن تجاوزها فليأكل ثلثا لبطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثالث للنفس. وهذا أنفع للبدن والقلب، انظر بقيته فيه.\nوفي شرح منظومة الآداب للسفاريني، وفي مسند أحمد «٢» عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى يلقى أحد طرفيه) يعني يبرأ أو يموت، وهو أصل ما سبق عن الجيش لاكنسوس في باب الطب، من القسم الثامن انظره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>باب في ذكر توسعه ﵇ مع أصحابه في ذكر الوقائع التاريخية وأخبار الأمم السالفة واتخاذه لذلك وقتا وهو أصل تعاطي الدروس اليوم في شبه ذلك</span>\nبوّب البخاري «٣» باب السمر في العلم، وخرج أبو داود وصححه ابن خزيمة، وهو من رواية أبي حسان عن عبد الله بن عمر، وهو ليس على شرط البخاري: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم إلا لعظيم صلاة. وأخرجه أحمد والطبراني في الكبير قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح عن عمران بن حصين قال كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا لعظيم صلاة «٤» .\n_________\n(١) روى الترمذي حديثا يقاربه عن المقدام بن معدي كرب وأوله: ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن. انظر كتاب الزهد باب ٤٧ ص ٥٩٠/ ٤. وأحمد ١٢٢/ ٤ وابن ماجه كتاب الأطعمة ص ١١١/ ٢.\n(٢) ج ٦/ ١٣٨.\n(٣) انظر الجزء الأول ص ٣٧ باب ٤١.\n(٤) انظره في الجزء الرابع ص ٤٤٤ والإسلامي ٥٩٢.","vol":"2","page":232},{"text":"قلت: وذلك منه ﵇ امتثال لأمر الله له، ففي القرآن: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] . وقال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: ٢٦ أ] بمعنى وذكرهم بوقائع الله التي وقعت للأمم السالفة، ويريد أن يعرفكم ما خفي عنكم من مصالحكم، ومحاسن أعمالكم ببيانها، ويهداكم مناهج من تقدمكم، من أهل الرشد والخير، لتسلكوا مسالكهم، فإن التاريخ يبحث فيه عن أحوال الأمم الخالية والأجيال الفانية، مع ضبط أشخاصهم بأسمائهم وألقابهم، وكناهم وأنسابهم واستيعاب رسومهم وأخبارهم، وبضائع علومهم وآثارهم، وصنائع الطوائف وعوائدهم، وسقوطهم ونهضتهم، وهو علم يتنافس فيه عقلاء الأمم والأجيال، ويتفاخر به الملوك والأقيال، وتسمو إلى معرفته حتى السوقة والأغفال، وتشد إلى تحصيله الركائب والرحال.\nوناهيك أن الله قص علينا في القرآن ما دار بين الأنبياء وأممهم، وأوضح لنا بيان مدتهم ومواطنهم، وأسماء أماكنهم كسبأ، والأحقاف، والحجر، ومكة، والمدينة، ومدين، ومصر، وأرشدنا بذلك إلى تعاقب أدوار الزمان، والتحول والنضارة والذبول، والعمار والدمار، وأمرنا بالمسير لننظر الحقائق، ونتناظر فيها، ونجانب الظنون، ولا نركن إليها، ولنطلع على عجائب صنع الله فيها، وامتن عل عباده بالجبال الشاهقة، التي يأوون إليها ويعتصمون فيها، وبالبحار الزاخرة الواسعة، التي ينتفعون بما يخرج منها، ويسافرون عليها، وبالحدائق المزينة بالأزهار، المطرزة بالثمار، وذكر لنا الجب والكهف والأخدود والغار، والقصر والبيت والدار، والقرى، والمدائن، والبروج، والحصون والمساكن، والبيع والصلوات، والمقاعد والعمد، والمحاريب، والمساجد والمجالس، والتناد والصخر والواد، وعنّف القاعدين الذين لم يركبوا متن الآمال الواسع، واستبعدوا المحل الشاسع، ولم يهجروا المضجع الوثير، لطلب المحل الأثير فقال تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الروم: ٩] وحضّ سبحانه على النظر والتأمل والاعتبار بقوله، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ [الروم: ٤٢] ولا يرد على ما ذكر أول الترجمة حديث: لا سمر إلا لمصل أو مسافر، فهو عند أحمد بسند فيه راو مجهول. قال الحافظ في الفتح: وبتقدير ثبوته فالسمر في العلم يلحق بالصلاة النافلة، وقد سمر عمر مع أبي موسى في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة فقال عمر: إنا في صلاة.\nقلت: القصة التي أشار لها الحافظ خرّجها عبد الرزق، وابن أبي شيبة عن أبي بكر ابن أبي موسى، أن أبا موسى أتى عمر بن الخطاب بعد العشاء فقال له عمر: ما جاء بك؟\nقال: جئت أتحدث إليك قال: هذه الساعة قال: إنه فقه، فجلس عمر فتحدث طويلا، ثم إن أبا موسى قال الصلاة يا أمير المؤمنين قال إني في الصلاة.","vol":"2","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>باب اتخاذ الأنصار ما بين العشاءين لتعلم الرماية</span>\nترجم البخاري في الصحيح «١» باب وقت المغرب، ثم أسند إلى رافع بن خديج قال:\nكنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله، قال الحافظ في الفتح: بفتح النون وسكون الموحدة أي المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها، وروى أحمد في مسنده من طريق علي بن بلال عن ناس من الأنصار قالوا: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم نرجع فنترامى حتى ناتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا إسناده حسن، والنبل هي السهام العربية اهـ. [ج ٤/ ٣٦ والإسلامي ٥١/ ٤] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>باب اتخاذ معاوية ﵁ وقت السمر لسماع كتب التاريخ وأخبار الأمم والأجيال</span>\nذكر المسعودي ترجمته في مروج الذهب ص ٥٢ ج ٢ أن من أخلاق معاوية أنه كان إذا صلى الفجر يجلس للقاص حتى يفرغ من قصصه، ثم كان إذا صلّى العشاء يأذن للخاصة، وخاصة الخاصة فيؤامره الوزراء فيما أرادوا صدرا من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها، وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد، فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها، والحروب والمكائد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، قد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر على سمعه كل ليلة جملة من الأخبار، والسير والآثار، وأنواع السياسات ثم يخرج فيصلي الصبح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>باب في بناء أمرهم في التعليم على أن يتلقوا العلم ممن وجدوه عنده ولو كان صغيرا أو مشركا</span>\nخرّج أبو نعيم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: العلم ضالّة المؤمن حيثما وجده أخذه، قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: وروينا عن علي ﵁ أنه قال في كلام له: العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه، قال: وعنه أيضا: الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أيدي المشركين، وانظر روضة الأعلام للقاضي ابن الأزرق، وقد سبق أن الصحابة تعلموا الكتاب من أسارى بدر، وهم كفار، ومن اليهود بالمدينة.\nوفي فتاوى الحافظ ابن تيمية: الحق يقبل من كل من تكلم به، كان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داود في سننه: إقبلوا الحق من كل من جاء به\n_________\n(١) من كتاب مواقيت الصلاة باب ١٨ ص ١٤٠ ج ١.","vol":"2","page":234},{"text":"وإن كان كافرا، أو قال فاجرا. وأحذروا زيغة الحكيم «١» قال: وكيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: فإن على الحق نورا، أو كلاما هذا معناه اهـ وحديث: أطلبوا العلم ولو بالصين «٢» شهير، ومن المعلوم كما قال الشيخ رفاعة الطهطاوي، أن أهل الصين، إذ ذلك وثنيون، وأن المقصود من الحديث كان السفر إلى طلب العلم اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>باب تحريض علي بن أبي طالب على العلم وتنبيهه على شرفه بأبلغ تعبير</span>\nجاء عن علي في خطبة خطبها: واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون، وقدر كل امرىء ما يحسن، فتكلموا في العلم تتبين أقداركم، وفي معناه أيضا قال: المرء مخبوء تحت لسانه، وربما قال: تحت بنانه، وقال أيضا: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، قال القرافي: ولم يقل بيديه، أي هو معتبر بهما، فإن رفعاه ارتفع، أو وضعاه اتضع، فالقلب معدن الحكم، واللسان ترجمانه وما عداهما في حكم الأعوان البعيدة، التي لا اعتداد بها وأنشد علي أيضا:\nالناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء\nفإن أتيت بفخر من ذوي نسب ... فإن نسبتنا الطين والماء\nما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء\nوقيمة المرء ما قد كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء\nفاطلب لنفسك علما واكتسب أدبا ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء\nقال الشيخ أبو عمر ابن عبد البر على قول علي الخ: كل امرىء ما يحسن، من الكلام العجيب الخطير، وقد طار الناس به كل مطير، ونظمه جماعة من الشعراء اعجابا به وكلفا بحسنه، ثم أنشد في معناه لجماعة. وانظر روض الأعلام في منزلة العربية من علوم الإسلام.\nفائدة: ممن أفرد فضل العلم من المتقدمين بالتأليف ١- ابن أبي خيثمة ٢- وأبو يوسف بن يعقوب القاضي و٣- ابن أبي عاصم و٤- إسحاق بن راهواه و٥- أبو بكر أحمد بن علي المروزي و٦- أبو العباس أحمد بن علي المرهبي و٧- آدم ابن أبي أياس و٨- للحافظ أبي نعيم: فضل العالم العفيف علي الجاهل الشريف و٩- لأبي عبد الله محمد بن أبي الصدق العدوي؛ منتقى من كتاب العلم لابن أبي خيثمة زهير بن حرب السابق الذكر و١٠- الحافظ ابن عبد البر و١١- الشمس محمد بن عبد الرحمن\n_________\n(١) وردت ضمن كلام معاذ وهو في كتاب السنة ج ٥ ص ١٧ ورقم الحديث ٤٦١١.\n(٢) حديث اطلبوا العلم ولو بالصين ذكره العجلوني في كشف الخفاء وعزاه للبيهقي والخطيب وغيرهما عن أنس وهو ضعيف إجمالا.","vol":"2","page":235},{"text":"الأصابي الحبيثي اليمني له: نشرطي التعريف في فضل حملة العلم الشريف، وغيرهم من المتأخرين كثير و١٢- أفرد العارف البكري الأحاديث الواردة في فضل العلم فأوصلها إلى خمسمائة، وإن كان بعضهم قال: لم يصح فيه شيء وهو غلط كبير، أنظر كتاب فضل العلم لابن عبد البر، واختصاره للفاكهي، وشرح الإحياء للحافظ الزبيدي ترعجبا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>باب في ترتيب العلم في الأخذ عن الصحابة ومن كانوا يقدمون ويؤخرون من المجتمعين للطلب</span>\nذكر أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن عباس عنه؛ أن طلاب العلوم لما ازدحموا عليه حتى ضاق بهم الطريق، رتبهم في التقديم على حسب مطالبهم، ولم يراع في ذلك سابقا؛ فنادى بالطالبين للقرآن وحروفه، وما أرادوا منه على سائر الطالبين، فإذا فرغوا دعا لمن طلب تفسير القرآن وتأويله، فجعلهم في الرتبة الثانية، فلما فرغوا دعا لمن طلب الحلال والحرام والفقه، فجعلهم في الثالثة، فلما فرغوا دعا لمن طلب الفرائض وما أشبهها، قال الشيخ أبو العباس ابن زاغ، كما في روضة الأعلام: يعني- والله أعلم- علم المواريث، فجعلهم في الرابعة، فلما فرغوا دعا لمن طلب العربية والشعر والغريب من الكلام، فجعلهم في الخامسة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>باب في أن الصحابة كانوا يروحون القلوب ساعة فساعة</span>\nخرّج ابن أبي شيبة عن أبي سلمة قال: لم يكن أصحاب النبي ﷺ مخرفين، ولا متهاونين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فاذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه، كأنه مجنون.\nوأخرج ابن الأنباري عن أبي بكر الثقفي رفعه: في هذا مرة، وفي هذا مرة يعني:\nالقرآن والشعر وقال: المناوي: يشير رفعه في هذا مرة، وفي هذا مرة يعني: القرآن والشعر وقال. المناوي: يشير إلى إنه ينبغي للطالب عند وقوف ذهنه ترويحه بنحو شعر، أو حكايات. فإن الفكر إذا غلق ذهل عن تصور المعنى، وذلك لا يسلم منه أحد ولا يقدر إنسان على مكابدة ذهنة على الفهم، وغلبة قلبه على التصور.\nوذكر عياض في شرح حديث أم زرع عن أبي الدرداء قال: إني لأستجم نفسي بالباطل، كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يملها، وذكر الشيخ عبد القادر الفاكهي المكي، في مناهج الأخلاق السنية في مباهج الأخلاق السنية، عن أبي ﵁: إني لأستجم ببعض الباطل ليكون أنشط للحق، وقال عقبه: مراده بالباطل نوع من اللهو المباح، كما هو ظاهر، وذكر عياض أيضا عن محمد بن إسحاق قال؛ كان ابن عباس إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة وقال: حمّضونا فيأخذ في أحاديث العرب، ثم يعود. فيفعل ذلك مرارا.","vol":"2","page":236},{"text":"وفي مناهج الفاكهي: كان ابن عباس يقول لأصحابه إذا داموا في الدرس: أحمضوا أي ميلوا إلى الفاكهة، وهاتوا من أشعاركم، فإن النفس تمل كما تمل الأبدان اهـ.\nونقل عياض في معنى الأمر بالإحماض، كما في هذه الآثار أي: إذا مللتم من الحديث والفقه، وعلم القرآن، فخذوا في الأشعار وأخبار العرب، كما أن الإبل إذا ملت ما حلا من النبت، رعت الحمض وما ملح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>باب في حديث خرافة</span>\nروينا في الشمائل للترمذي بسنده عن عائشة ﵂ قالت: حدث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا فقالت امرأة منهن: كان الحديث حديث خرافة، فقال النبي ﷺ:\nأتدرون ما خرافة؟ كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث دهرا فيهم ثم ردوه إلى الأنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة.\nقال ابن المعافي: عوام الناس يرون أن القائل هذا خرافة، إنما معناه أنه حديث لا حقيقة له، وإنما هو مما يجري في السمر، وينتظم في الأعاجيب وطرف الأخبار، وأنه لا أصل له، وأضيف فيه الجنس إلى بعضه كثوب خز، واشتقاقه على هذا من أخرف الثمرة إذا اجتناها، وهي خرفة، ولذا سمى الفصل خريفا لاختراف الفواكه فيه، فكأن هذه الأحاديث بمنزلة ما يتفكّه به من الثمار للتلهي به، وأرى أن قولهم: خرف إذا ثغر عقله من هذا، لأنه يتكلم بما يضحك ويتعجب منه، ومن هاهنا قيل: فكهت كذا أي تعجبت منه، وقيل للمزاح: فكاهة لما فيه من مسرة أهله، والاستمتاع به وقالوا: الغيبة فاكهة القراء، قال الزمخشري في ربيع الأبرار: سمعت العرب يشددون الراء من خرافة، ويسمون الأباطيل الخراريف اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>باب في حديث أم زرع </span>«١»\nفي الشمائل باب: ما جاء في كلام رسول الله ﷺ في السمر. عن عائشة قالت:\nجلست إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا.\nقالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.\nقالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، اني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.\nقالت الثالثة: زوجي العشنّق، أن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق.\nقالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سئامة.\n_________\n(١) حديث أم زرع ورد في الصحيحين أيضا انظر كتاب النكاح في البخاري باب ٨٢ ص ١٤٦/ ٦ وفضائل الصحابة في مسلم باب ١٤ الحديث ٩٢ ص ١٨٩٦/ ٢.","vol":"2","page":237},{"text":"قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولم يولج الكف ليعلم البث.\nقالت السابعة: زوجي عياياء أو غياياء، طباقاء، كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلّالك.\nقالت الثامنة: زوجي المسّ مس أرنب، والريح ريح زرنب.\nقالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد كثير الرماد، قريب البيت من الناد.\nقالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر، أيقن أنهن هوالك.\nقالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع وما أبو زرع؟ أناس «١» من حلي أذني وملأ من شحم عضدي وبجحني فبجحت إليّ نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني من أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنقّ، فعنده أقول: فلا أقبح وأرقد فأتصبح، وأشرب فاتقمح، أم أبي زرع، فما أم أبي زرع عكومها رداح، وبيتها فساح، ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع مضجعه كمسل شطبة، وتشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع طوع أبيها، وطوع أمها. وملء كسائها، وغيظ جارتها، جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع، لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها، كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريا وأخذ خطيا وأراح عليّ نعما ثريا، وأعطاني من كل رائحة زوجا، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع قالت عائشة: فقال رسول الله ﷺ: كنت لك كأبي زرع لأم زرع، غير أني لا أطلقك.\nأخذ الأئمة من هذا الحديث جواز التحديث عن الأمم الماضية، والأجيال البائدة، وضرب الأمثال بهم، لأن في سيرهم اعتبارا للمعتبر، واستبصارا للمستبصر، واستخراج الفائدة للباحث المستكثر، فإن في هذا الحديث، لا سيما إذا حدّث به النساء منفعة في الحض على الوفاء للبعولة، والندب لقصر الطرف، والقلب عليهم.\nقال القاضي عياض: وفيه من الفقه التحدث بملح الأخبار، وطرف الحكايات، تسلية للنفس، وجلاء للقلب.\nوهكذا ترجم أبو عيسى الترمذي عليه باب ما جاء في كلام رسول الله ﷺ في السمر، وأدخل في هذا الباب هذا الحديث، وحديث خرافة، ويروي عن علي أنه قال: سلوا هذه\n_________\n(١) أناس: فعل ماض متعد ولازمه: ناس ينوس.","vol":"2","page":238},{"text":"النفوس ساعة بعد ساعة، فإنها تصدأ كما يصدأ الحديث، ويروى عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: إذا أفاض من عنده في الحديث بعد القرآن والتفسير: حمّضوا أي إذا مللتم من الفقه والحديث وعلم القرآن، فخذوا في الأشعار وأخبار العرب. ومنه قول أبي الدرداء:\nإني لأستجم ببعض اللهو؛ ليكون لي عونا على الحق. وقال علي: القلب إذا أكره عمي، وهذا كله ما لم يكن دائما متصلا وأما أن يكون ذلك عادة الرجل حتى يعرف به ويتخذه ديدنا، ويضحك به الناس فهذا مذموم غير محمود.\nوفيه من الفقه أيضا بسط المحدث والعالم، لما أجمل من علمه لمن حوله، وبيانه عليهم من تلقاء نفسه، كما فعل ﵇ في هذا الحديث. وقد قال ﵇ لعائشة: كنت لك كأبي زرع قالت ثم أنشأ يحدث الحديث، وقد روي في غير حديث ابتداؤه ﵇ أصحابه المسائل جملا وتفصيلا. قاله عياض.\nولأهمية فوائد هذا الحديث وكثرة ما استنبط منه أفرده بالتصنيف إسماعيل بن أويس، من شيوخ البخاري في جزء مفرد، وثابت بن قاسم، والزبير بن بكار، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث، وأبو محمد بن قتيبة، وابن الأنباري، وإسحاق الكلاباذي، وأبو القاسم عبد الحليم بن حيان المصري، ثم الزمخشري في الفائق، ثم عياض وهو أجمعها وأوسعها وهو عندي في جزء وسط، والإمام الرافعي. وساقه برمته في تاريخ قزوين. ونقله عنه بنصه الحافظ السيوطي في تعليقه على الشمائل للترمذي، سماه الرافعي ذرة الضرع بحديث أم زرع، وربع الفرع في شرح حديث أم زرع للحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي، ولتاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد المكلي المتوفي سنة ٧٤٣ مطرب السمع في شرح حديث أم زرع، ثم العارف أبو الحسن ابن وفا المصري علي لسان القوم وأهل الإشارات، والشيخ مرتضى الزبيدي وغيرهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>المضحكون والمضحكات في الزمن النبوي</span>\nدون ما سبق في القسم الأول منهم: نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري ممن شهد العقبة وبدرا والمشاهد بعدها قال ابن الأثير في ترجمته من أسد الغابة: كان كثير المزاح يضحك النبي ﷺ من مزاحه، وهو صاحب سويبط بن حرملة، وكان من حديثهما أن أبا بكر خرج إلى الشام ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكلاهما بدري. وكان سويبط على الزاد فجاءه نعيمان فقال: أطعمني فقال: لا حتى يجيء أبو بكر، وكان نعيمان رجلا مضحاكا فقال؛ لأغيظنك. فجاء إلى أناس جلبوا ظهرا فقال: ابتاعوا مني غلاما عربيا فارها، وهو ذو لسان. ولعله يقول: أنا حر. فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه لا تفسدوا عليّ غلامي، فقالوا: بلى بل نبتاعه منك بعشر قلائص، فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها. ثم قال: دونكم هو هذا، فجاء القوم فقالوا: قم قد اشتريناك. فقال سويبط: هو كذاب أنا رجل حر. فقالوا: قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته وذهبوا به، فجاء","vol":"2","page":239},{"text":"أبو بكر فأخبر فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص، وأخذوه. فلما عادوا إلى النبي ﷺ وأخبروه الخبر ضحك النبي ﷺ حولا هو وأصحابه.\nوروى عباد بن مصعب من طريق ربيعة بن عثمان قال: أتى أعرابي إلى رسول الله ﷺ، فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه. فقال بعض أصحاب النبي ﷺ لنعيمان: لو نحرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم ويغرم رسول الله ﷺ ثمنها، قال فنحرها نعيمان، ثم خرج الأعرابي، فرأى راحلته فصاح واعقراه: يا محمد. فخرج النبي ﷺ فقال: من فعل هذا فقالوا: نعيمان، فاتبعه يسأل عنه فوجدوه في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب مستخفيا، فأشار إليه رجل ورفع صوته ويقول: ما رأيته يا رسول الله، وأشار بإصبعه حيث هو. فأخرجه رسول الله ﷺ وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: الذي دلوك عليّ يا رسول الله. هم الذين أمروني، فجعل رسول الله ﷺ يمسح وجهه ويضحك وغرم ثمنها، وأخباره في المزاح مشهورة اهـ «١» .\nوفي الاصابة قال الزبير بن بكار: وكان لا يدخل المدينة إلا اشترى منها ثم جاء إلى النبي ﷺ فيقول: هذا أهديته لك. فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه أحضره إلى النبي ﷺ وقال: أعط هذا ثمن متاعه. فيقول: أو لم تهده لي فيقول: والله إنه لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه.\nوأخرج الزبير قصة البعير بسياق آخر من طريق ربيعة بن عثمان قال: دخل أعرابي على النبي ﷺ، وأناخ ناقته. فقال بعض الصحابة لنعيمان الأنصاري: لو عقرتها فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم ففعل. وخرج الأعرابي وصاح: واعقراه يا محمد فخرج النبي ﷺ وقال؛ من فعل هذا فقالوا نعيمان. فاتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، واستخفى تحت سرب لها فوقه جريد. فأشار رجل إلى النبي ﷺ حيث هو، فأخرجه فقال: له ما حملك على ما صنعت؟ فقال؛ الذين دلوك عليّ يا رسول الله. هم الذين أمروني بذلك، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويضحك، ثم غرمها للأعرابي.\nوقال الزبير: حدثني علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب قال: لقي نعيمان أبا سيفان بن حرب فقال: له يا عدو الله أنت الذي تهجو سيد الأنصار نعيمان بن عمرو فاعتذر إليه، فلما ولّى قيل لأبي سفيان: إن نعيمان هو الذي قال ذلك فعجب منه وقصته مع سويبط بن حرملة تقدمت، وقال بعد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن عمر بن سيرين:\nإن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ، نزلوا بماء، وكان نعيمان بن عمرو يقول لأهل الماء:\nيكون كذا وكذا فيأتونه باللبن والطعام، فيرسله إلى أصحابه فبلغ أبا بكر خبره قال: أراني آكل من كهانه نعيمان منذ اليوم، واستقاء ما في بطنه.\n_________\n(١) هنا استطرد المؤلف ﵀ ما لا يتناسب مع العنوان فحذفت ستة أسطر تقريبا.","vol":"2","page":240},{"text":"ومما جاء عن المضحكات في الزمن النبوي بالمدينة المنورة، ومكة المعظمة، وما رويناه في سنن أبي داود بسنده إلى الليث عن عمرة قالت: كانت امرأة مكية بطالة تضحك النساء، وكانت بالمدينة امرأة مثلها، فقدمت المكية المدينة فتعارفتا فدخلتا على عائشة، فتعجبت من اتفاقهما فقالت عائشة للمكية: عرفت هذه؟ قالت: لا ولكنا التقينا فتعارفنا، فضحكت عائشة وقالت: قال رسول الله ﷺ: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف «١» .\nوعن الزبير بن بكار في كتاب المزاح والفكاهة، من حديث ابن شهاب، عن عروة عن عائشة: أن امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن، فلما هاجرن ووسع الله دخلت المدينة قالت عائشة: فدخلت عليّ فقلت: فلانة ما أقدمك؟ قالت: اليكن. قلت:\nفأين نزلت؟ قالت: على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة، قالت: ودخل رسول الله ﷺ فقال: فلانة المضحة عندكم قالت: عائشة نعم. قال: فعلى من نزلت؟ قالت: على فلانة المضحكة قال الحمد الله: إن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. انظر المقاصد الحسنة للحافظ السخاوي، وعروس الأفراح في معنى حديث:\nالأرواح للمحدث الشمس محمد بن عقيلة المكي.\nقلت: مما يصح إدراج ذكره هنا جحى المعروف، فإنه يعدّ من التابعين، ونوادره مدونة، وهي نهاية في الحلاوة، وفي القاموس: جحى كهدى لقب أبي الغصين بن ثابت، ونقل الشمس محمد بن الطيب الشركي في حواشيه على القاموس، ثم الحافظ مرتضى الزبيدي في تاج العروس، ثم الشيخ عبد الهادي الأبياري في نيل الأماني ثلاثتهم، عن المنهج المطهر للقلب والفؤاد للعارف الشعراني ما نصه: عبد الله جحى كما رأيته بخط الجلال السيوطي قال؛ وكانت أمه خادمة لأم أنس بن مالك، قال: وكان الغالب عليه السماحة وصفاء السريرة، فلا ينبغي لأحد أن يسخر به إذا سمع ما يضاف إليه من الحكايات المضحكة، بل يسأل الله أن ينفعه ببركاته. قال الجلال: وغالب ما يذكر عنه من الحكايات المضحكة لا أصل له، قال في تاج العروس، عن شيخه الشرقي: وذكره غير واحد، ونسبوا له كرامات جمة وعلوما كثيرة اهـ انظر ص ٦٨ من المجلد العاشر من التاج و٨٩ من نيل الأماني على مقدمة القسطلاني.\nوقال العلامة السيد محمد كبريت المدني (في رحلته): رأيت في بعض المجاميع عن جحا أنه كان فاضلا ماجنا، وقد عمل الناس على لسانه كثيرا من النكت والنوادر.\nولابن أبي اليمن الغفاري مؤلف في ذلك، يشتمل على ألف ورقة. وفي كتاب نزهة الجليس أن الخواجة ناصر الدين الفزاري المكني بأبي القص، صاحب التفسير، المتوفي\n_________\n(١) الحديث المذكور رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب ٢ ج ٤ ص ٠٤- ومسلم وغيره.","vol":"2","page":241},{"text":"سنة ٣٨٦، تزعم العامة أنه جحا الذي تضرب أمثاله في الجد والهزل، وللإمام الزبير بن بكار كتاب الفكاهة والمزاح، وللقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي كتاب: النوادر والأخبار، وللحافظ أبي الشيخ الأصبهاني كتاب النوادر والنتف، وللحافظ تمام بن محمد الرازي كتاب، النوادر ولد علج كتاب النوادر، ذكر هذه المصنفات الشيخ عابد السندي في حصر الشارد. انظرها في حرف الفاء والنون منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>المقصد الثاني</span>\nفيما حازه أصحابه ﵇ من السبقيات وما تميز به أفرادهم من علو المدارك والكيفيات مما يعرفك أن المدينة المنورة كانت في الزمن الأول مجموعة مهولة بصنوف واختلاف الأعمال والأفكار والصفات والأشغال الحياتية التي لا بد منها في كل مصر واتخذ عاصمة لمدنية عظمى سادت على العالم في أقرب وقت وما وصل إليه ذلك العصر الزاهر والمصر الطاهر من الاختلاط والإختلاف في الأحوال والإتفاق في الآمال وإنه من أندر ما حفظه التاريخ عن الأجيال والدهور وفيه أبواب:\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>باب [في اجتهاد الصحابة]</span>\n(في أن الصحابة كانوا أهل اجتهاد في الأحكام وقدرة على استنباطها والتبصر بمواقع الخطابات التشريعية ومحاملها.\nقال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الجصاص في أحكام القرآن على قوله تعالى:\nوَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩] في الآية ضروب من الفوائد، منها إشعاره بمنزلة الصحابة، وأنهم أهل الإجتهاد، وجائز اتباع آرائهم، إذ وفقهم الله إلى المنزلة التي يشاورهم المصطفى فيها، ويرضى اجتهادهم، وتحريهم لموافقة النصوص من أحكام الله، ومنها أن ضمائرهم مرضية عند الله، ولولا ذلك لم يأمره بمشاورتهم، فدل ذلك على يقينهم، وصحة إيمانهم، وعلى منزلتهم في العلم. اهـ.\nوانظر أحكام الجصاص في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] .\nوقال الإمام تقي الدين السبكي، في طالعة كتاب الإبتهاج في شرح المنهاج، بعد أن بيّن عظمة أصول الفقه ومنزلته، وأنه مادة الإجتهاد: فإن قلت: قد كان العلماء في الصحابة والتابعين من أكابر المجتهدين، ولم يكن هذا العلم حتى جاء الشافعي فكيف يجعله شرطا في الإجتهاد؟\nقلت: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين بطباعهم، كما كانوا عارفين بالنحو بطباعهم، قبل مجيء الخليل وسيبويه، وكانت ألسنتهم قوية وأذهانهم مستقيمة، وفهمهم لظاهر كلام العرب ودقيقه عتيد، لأنهم أهله الذين يؤخذ عنهم، وأما بعدهم فقد فسدت الألسن وتغيرت الفهم.","vol":"2","page":242},{"text":"واعلم أنّ كمال الإجتهاد متوقف على ثلاثة أشياء:\nأحدها: التكيّف بالعلوم التي تهذب الذهن، كالعربية وأصول الفقه وما تحتاج إليه العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ، بحيث تصير هذه العلوم ملكة للشخص.\nوأصول الفقه كان الصحابة أعلم منا بها من غير تعليم، وغاية المتعلم منا أن يصل إلى بعض فهمهم، فقد يخطىء ويصيب.\nالثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة، حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه حق أو موافق.\nالثالث: أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة؛ ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك، وما يناسب أن يكون حكما له في ذلك المحل، وأن يصرح به، فإذا وصل الشخص إلى هذه المرتبة وحصل على الأشياء الثلاثة؛ فقد حاز رتبة الكاملين في الإجتهاد، ومن المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة، وأما الأول فبطباعهم، وأما الثاني والثالث فلمشاهدتهم الوحي، ومعرفتهم بأحوال النبي ﷺ، فأين لمن بعدهم مداناته؟ اهـ كلامه ملخصا.\nوقال الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي الشافعي ص ١٠ من كتابه: مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول، فصل: والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا خاصا بالصحابة فمن بعدهم، فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله فيها من كتاب الله وسنة نبيه اهـ.\nوقال الإمام شرف الدين سلطان المادحين أبو عبد الله البوصيري في همزيته في حق الصحابة:\nكلهم في أحكامه ذو اجتهاد ... وصواب، وكلهم اكفاء\nرضي الله عنهم ورضوا عن ... هـ فأنى يخطو إليهم خطاء\nقال ابن حجر على قوله: واجتهاد صحيح: لتوفر شروط الإجتهاد كلها في جميعهم زيادة، ولذلك لم يعرف عن أحد منهم أنه قلّد غيره في مسألة من المسائل، وكان الناس يستفتون كلّ من روى منهم فيفتيه باجتهاده، ولا يعترض أحد منهم على أحد، إلا إن كان هناك نص صريح خولف فيذكر لهم، فمنهم من يرجع إليه ومنهم من يؤوله أو يعارضه بمسألة اهـ ونحوه لأبي عبد الله زنيبر السلوي وأبي عبد الله بنيس الفاسي.\nوقال الجوجري: أحكامهم ليست صادرة عن هوى النفس، بل هي ناشئة عن الإجتهاد التام، المستوفي لشروط الإجتهاد، المحصل للأجرين أصابوا أو أخطأوا اهـ منه ونحوه لأبي عبد الله الحضيكي، والشيخ سليمان الجمل المصري، والصومعي التادلي وغيرهم، ممن شرحها.","vol":"2","page":243},{"text":"وقال الشريف السجلماسي في شرحها: هم علماء أئمة يقتدى بهم، لأنهم ورثوا من علمه ﷺ ما تميزوا به عن جميع من جاء بعدهم، وقد أنزل القرآن بلغتهم، وعلى أسباب عرفوها، وقصص كانوا فيها، فعرفوا مسطوره ومفهومه، ومنصوصه ومعقوله، قال الشيرازي في طبقات العلماء الفقهاء: ولهذا قال أبو عبيدة في كتاب المجاز لم ينقل أن أحدا من الصحابة رجع في معرفة شيء من القرآن إلى رسول الله ﷺ، وخطاب رسول الله ﷺ بلغتهم، يعرفون معناه، ويفهمون منظومه وفحواه، وأفعاله هي التي فعلها من العبادات، والمعاملات في السير والسياسات، وقد شاهدوا ذلك كله، وعرفوه وتكرر عليهم وتحروه، غير أن الذي اشتهر منهم بالفتوى والأحكام جماعة مخصوصة، وأما من لم يلازمه ﷺ، فإنه ليس بهذه المثابة، فقد جاء أن الحسن البصري كان يفتي الصحابة في زمنه، وهو من تصديق قوله ﵇: رب مبلّغ أوعى من سامع، ثم أتى بكلام ابن حجر السابق، وما أشار إليه من أنّ أكثرهم كذلك، نحوه قول ابن حجر. وهذا بالنسبة لأكثرهم، وغاية ما يقال في نحو الحسن البصري؛ أن السائل له من الصحابة قبل أن يصرف قوة اجتهاده وملكته بنفسه، فإذا أفتاه نظر فيه وبذل وسعه في النظر في الدليل، فيوافق إفتاء الحسن اجتهاده ثم استدل بقول الجوجري عقب ما سبق عنه، وكلهم في ذلك متكافئون، متساوون من حيث الإجتهاد، وعدم صدور شيء من الأحكام عن شهوة أو غرض اهـ.\nوقال الشهاب الهيثمي في شرح الهمزية، على قول البوصيري: كلهم في أحكامه ذو اجتهاد أي صواب، وكلهم أكفاء؛ متكافئون في أصل الصحبة، والفضلية والعلم والإجتهاد، وإبراز الأحكام لله، وإنما يتفاوتون في الزيادة في ذلك، وحينئذ فلا ينافي ذلك قول ابن عمر:\nأبو بكر أعلمنا، ولا سؤال عمر لعلي فيجيبه فيقول: لا قدس الله أمة لست فيهم يا أبا الحسن، ولا تقديم عمر لابن عباس علي أكابر مشيخة المهاجرين والأنصار، لأنه كان يجد عنده من العلم ما ليس عندهم، ولا سؤال معاوية لعلي بالإرسال إليه في المشكلات فيجيبه. ولقد قال له أحد أهل بيته: لم تجيب عدونا فقال: أما يكفينا أنه احتاج إلينا وسألنا اهـ.\nوفي حاشية الباجوري، على شرح السلم، بعد أن ذكر عن ابن حجر مستدلا بأنه لم يعرف أن واحدا من الصحابة قلّد غيره في مسألة من المسائل، قال: لكن رجح بعض أن فيهم المقلدين والمجتهدين اهـ.\nوفيه أنه لم يأت بما يناقض ما ذكره ابن حجر فتأمله، والله تعالى أعلم. ثم وجدت في فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، حين تكلم على قول الصحابي فيما يمكن فيه الرأي، هل يلحق بالسنة؟ وذكر منه القول بأن ذلك خاص بقول الشيخين، ما نصه: وينبغي أن يكون النزاع في الصحابة الذين أفنوا أعمارهم في الصحبة، وتخلقوا بأخلاقه الشريفة، كالخلفاء وأزواجه الطاهرات والعبادلة وأنس، وحذيفة ومن في طبقتهم، لا مسلمة الفتح، فإن أكثرهم لم تحصل لهم معرفة الأحكام الشرعية إلا تقليدا اهـ.","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>باب في تحريهم في الفتوى ومدافعتهم لها وكراهتهم الكلام في المسألة قبل نزولها</span>\nقال الحافظ أبو شامة في اختصار كتاب المؤمل، إثر ما سبق عنه: وكانوا يتدافعون الفتوى، ويود كل منهم لو كفاه إياها غيره، وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع، ويقولون للسائل عنها: أكان ذلك؟ فإن قال: لا قالوا: دعها حتى تقع، ثم يجتهد فيها. كل ذلك يفعلونه خوفا من الهجوم على ما لا علم لهم به، واشتغالا بما هو الأهم من العبادة والجهاد. فإذا وقعت واقعة لم يكن بد من النظر فيها.\nوعن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب، وهو على المنبر: أحرّج الله على كل امرىء مسلم سأل عن شيء لم يكن، فإنه قد قضى فيما هو كائن.\nوعن عبد الرحمن بن شريح إن عمر بن الخطاب كان يقول: إياكم وهذه العضل، فإنها إذا نزلت بعث الله من يقيمها ويفسرها.\nوعن معاذ بن جبل: يا أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، وإن لم تعجلوا قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدّد.\nوكان ابن عمر إذا سئل عن الفتوى يقول: اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس، ووضعها في عنقه. يشير إلى أن الفتوى والقضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة، وقال عبد الرحمن ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار، من أصحاب سيدنا محمد ﷺ؛ ما منهم أحد يحدث بحديث إلا ودّ أنّ أخاه كفاه إياه، لا يستفتى عن شيء، إلا ودّ أن أخاه كفاه إياه، وفي رواية يسأل أحدهم المسألة فيردها إلى هذا حتى ترجع إلى الأول اهـ.\nقلت: قول عبد الرحمن ابن أبي ليلى المذكور خرجه عنه من طرق وروايات ابن سعد في ترجمته من طبقاته، انظر ص ٧٥ ج ٦ وأخرج عبد الغني بن سعيد في أدب المحدث من طريق داود ابن أبي هند قلت للشعبي: كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال على الخبير سقطت كان إذا سئل الرجل، قال لصاحبه: أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول، وفي مسلم عن أبي المنهال أنه سأل زيد بن أرقم عن الصرف؟ فقال: سل البراء بن عازب، فسأل البراء فقال: سل زيدا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>باب من كان يوسم بأعلم الصحبة وأذكاهم</span>\nهكذا عقد الحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء له، لما ترجم لأبي بكر فقال: فصل في علمه: وأنه أعلم الصحابة وأذكاهم؛ ثم نقل عن الذهبي في تهذيبه: استدل أصحابنا","vol":"2","page":245},{"text":"على عظيم علمه بقوله: في الحديث الثابت في الصحيحين «١»: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه.\nواستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته؛ على أن أبا بكر أعلم الصحابة، لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكمة في المسألة إلا هو، ثم ظهر لهم بمباحثته في المسألة أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه.\nوروينا عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ؟ فقال: أبو بكر وعمر، ما أعلم غيرهما. وفي الصحيحين «٢» في قصة خطبة النبي ﷺ قبيل موته في العبد الذي خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه فكان رسول الله ﷺ، هو المخيّر وكان أبو بكر أعلمنا.\nوفي حديث السقيفة قول عمر: وكان من أعلم الناس بالله، وأخوفهم لله، وقال ابن كثير: كان الصديق اقرأ الصحابة، أي أعلمهم بالقرآن، لأنه ﷺ قد قدمه إماما للصلاة بالصحابة، مع قوله: يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، وكان مع ذلك أعلمهم بالسنة، كما رجع إليه الصحابة في غير موضع، يبرز عليهم بنقل من رسول الله ﷺ يحفظها هو، ويستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم. وكيف لا يكون كذلك؛ وقد واظب على صحبة رسول الله ﷺ؛ من أول البعثة إلى الوفاة. وهو مع ذلك من أذكى عباد الله، وأعقلهم. وإنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل، لقصر مدته، وسرعة وفاته، وإلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه ولكن كان الذي في زمنه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته، فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم، وكان من أعلم الناس بالأنساب والتعبير، ثم عقد السيوطي فصلا لما روي عنه من الحديث، فأوصل مرويّه إلى مائة وأربعة أحاديث. وساقها. وكان مع ذلك أسدّ الصحابة رأيا، وأكملهم عقلا انظر تاريخ الخلفاء له، وقد سبق ويأتي عن جماعة أن عليا كان أفضل الصحابة من جهة العلم، أشهر به من غيره، وعلمه وفتاويه وحكمه ووقائعه تشهد لذلك، انظر الكتب المؤلفة في تراجمه وهي كثيرة لا حصر لها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>باب من كان يعرف فيهم بباب مدينة العلم</span>\nخرّج الترمذي من حديث علي رفعه: أنا مدينة العلم وعلى بابها، وقال: منكر، وجزم جماعة ببطلانه، لكن قال الحافظ أبو سعيد العلائي: الصواب أنه حسن باعتبار طرقه، لا صحيح ولا ضعيف، فضلا عن أن يكون موضوعا اهـ وكذا قال الحافظ ابن حجر\n_________\n(١) انظر كتاب الاعتصام في البخاري ج ٨/ ١٤١ وكتاب الإيمان في مسلم ص ٥٢/ ١.\n(٢) انظر في البخاري كتاب مناقب الأنصار باب ٤٥ ص ٢٥٣/ ٤ وفي مسلم كتاب فضائل الصحابة ص ١٨٥٤/ ٢.","vol":"2","page":246},{"text":"في فتوى له: قال الحافظ السيوطي في الدرر المنثورة: وقد بسطت كلام العلائي وابن حجر في التعقبات الذي لي على الموضوعات اهـ ومصداقه ما ظهر على سيدنا على من العلم الواسع، الذي خضعت له به الرقاب، ودانت له الفلاسفة والحكماء، من كل أمة وملة، وقد سبق عن القرافي أنه: جلس ابن عباس يتكلم في الباء من بسم الله من العشاء إلى أن طلع الفجر، وقال ابن المسيب: ما كان أحد يقول: سلوني غير علي. وقال ابن عباس:\nأعطي علي تسعة أعشار العلم ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي. قال: وإذا ثبت الشيء عن علي لم نعدل إلى غيره، وسؤال كبار الصحابة له ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن والمعضلات مشهور، وناهيك أن انتهاء طرق علوم القوم وسلاسلهم إليه، فلست ترى من طريقة في الإسلام إلا وانتهاؤها إليه، ومنتهى سندها عنه ﵁، تصديقا لكونه باب مدينة العلم.\nوقد قال الشيخ مصطفى البكري في كتاب تشييد المكانة لمن حفظ الأمانة: أن عليا ﵁ لما استقر له الأمر، نشر أعلام الحقائق، وكشف أسرار الدقائق، وأخذ عنه ولداه الحسن والحسين، وكميل بن زياد، والحسن البصري طريق الذكر والتلقين، وتفرعت عنه سائر الطرق حتى النقشبندية، فإن لهم سلسلتين تتصل إحداهما بسلمان والثانية بعلي، وتكلم في جفره على سر القدر، لكن برموز اصطلح عليها، فكان هو الباب الذي انفتح لقلوب العارفين، حتى دخلوا منه، وظهر عنهم ما ظهر، وتحقق العالمون بما كشف لهم من السر المصون لكنه أوصى بنيه بكتم ما أسره لهم، حفظا للأسرار عن أهل الإنكار، ولما سأله كميل بن زياد عن الحقيقة فأجابه فقال: أريد أوضح من هذا فأجابه، ثم طلب الزيادة فزاده، ثم قال: طلع الفجر فأطف المصباح، أي طلع فجر البيان عما سألته، فاطفأ السراج السؤال فقد اتضح لك وحققته اهـ.\nوفي حواشي الدر الثمين، للقاضي ابن الحاج عقب ما سبق عنه، في أن واضع علم التصوف سيدنا علي كرم الله وجهه، وقال فيه بعض الشيوخ، إنه أعطي العلم اللدني، ولا تصح النسبة إلى الولاية التي هي منبع الولاية الحقيقية، والمعارف الإلهية إلا من جهته، وحقيقته، فهو إمام الأولياء المحمدييين كلهم، وأصلهم ومنشأ انتسابهم إلى الحضرة المحمدية، ومظهر الولاية الأحمدية، وهو أرفع عارف في الدنيا بما خصه ﷺ بقوله: أنا دار الحكمة وعلي بابها، ونحوه له في الأزهار الطيبة النشر، وزاد وعنه أخذ الحسن البصري قال: فإن قلت مرجع الطرق الصوفية الموجودة الآن إلى أربعين طريقا حسبما في الرحلة العياشية، عن الشيخ حسن العجيمي، وجلّها إنما ينتهي للحسن البصري، أجيب بأن الحسن البصري رأى عليا على ما صححه السيوطي وغيره، وحينئذ فلا مانع من أخذه عنه كما يقوله الصوفية، لأن أخذ العلم وتلقيه من الشيخ باللسان، غير مشترط في هذه الطريقة، وإنما المقصود أن يحصل على سبيل الهمة، والحال هداية المريد، وإشراق الأنوار في قلبه اهـ الخ.","vol":"2","page":247},{"text":"وانظر تعليقنا على جامع الترمذي، وقد وقع من الولي ابن خالدون كلام في هذا الفصل، أشار فيه إلى الطعن على من يرفع سند الخرقة لعلي قائلا: هو من هذا المعنى بريء، وإلا فعلي لم يختص من بين الصحابة بتحلية ولا طريقة في لباس ولا حال، بل كان أبو بكر وعمر من أزهد الناس بعد رسول الله ﷺ، وأكثرهم عبادة ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه بالخصوص، بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد، والمجاهدة اهـ ملخصا.\nولله در الشيخ عبد الهادي الأبياري إذ قال إثره في سعود المطالع: وفي النفس من هذا الكلام شيء؛ إذ فيه من القدح في أجلة المشايخ وخرق الإجماع منهم، في انتهاء أسانيد طرقهم إلى الإمام علي، ما لا يخفى على المطلع على أحوالهم، المطالع لصحف طرقهم، ما تجمح من أن تقبله- وقد كان ﷺ يخص من شاء من العلوم والطرائق بما شاء، كما يرشد، إلى ذلك حديث حذيفة الذي أعلمه ﷺ بما كان ويكون إلى يوم القيامة، وحديث أبي هريرة: أخذت وعاءين من العلم عن رسول الله ﷺ، وغير ذلك اهـ.\nوقد أفرد ما رواه علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ جماعة؛ فقد ذكر ابن سليمان الرداني في صلته: الذين جمعوا المسند لعلي: أبو جعفر محمد بن عبد الله الحضرمي عرف بمطين، وأبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو محمد عبد الرحمن بن عثمان ابن أبي نصر وغيرهم، وللخادمي في شرح الطريقة المحمدية؛ أن جميع الفرق ينتسبون لعلي في الأصول والفروع، وكذا المتصوفة في صفاء الباطن وابن عباس رئيس المفسرين تلميذه اهـ.\nقلت: ومن أراد أن يعرف مقدار سعة علم سيدنا علي ومصداق كونه باب مدينة العلم النبوية فليطالع بتتبع شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة ير العجب العجاب الذي يفوق أعداد الحساب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>باب من كان يلقب منهم بأسد الله</span>\nكان يقال لحمزة بن عبد المطلب أسد الله، لتقدم قدمه في الحرب، وشدة إقدامه على أعداء الله، وقد قال هو عن نفسه يوم بدر: أنا أسد الله وأسد رسوله، وأخرج الديلمي عن ابن عبد الصمد عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده: إنه لمكتوب في السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>باب الملقب فيهم بشيخ الإسلام</span>\nسبق عن الحافظ السخاوي أن أول من لقب في الإسلام بشيخ الإسلام أبو بكر الصديق ﵁، وفي تفسير البيضاوي لدى قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [البقرة: ١٤] قول ابن أبيّ لأبي بكر: مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام، والقصة خرّجها الواحدي، وقال ابن حجر: منكر وذكر إسنادها وقال: هو سلسلة الكذب","vol":"2","page":248},{"text":"لا سلسلة الذهب اهـ ولكن قال القاضي الخفاجي في العناية: شيخ الإسلام كان في زمن الصحابة يطلق على أبي بكر وعمر وهما الشيخان والمراد بشيخ الإسلام كما للحافظ ابن ناصر الدمشقي في الرد الوافر عند الجهابذة النقاد: المتتبع لكتاب الله، المقتفي لسنن رسول الله، المتقدم بمعرفة أحكام القرآن، ووجوه قراآته، ووجوهه وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، الآخذ بالآي المحكمات، والإيمان بالمشتبهات، أحكم من لغة العرب ما أعانه على علم ما تقدم، وعلم السنة إسنادا ونقلا وعملا، واستنباطا للأصول والفروع من الكتاب والسنة، قائما بما فرض الله عليه، متمسكا بما ساقه الله إليه، مع التواضع لله، العلي الشأن الخائف من عثرة اللسان، لا يدعي العصمة ولا يفرح بالتبجيل انظر ص ١٠ منه.\nوقال الحافظ السخاوي في كتابه الجواهر، الذي ألف في مناقب شيخه ابن حجر شيخ الإسلام: أطلقه السلف على المتبع للكتاب والسنة، مع التبحر في العلوم، من المعقول والمنقول، وربما وصف به من بلغ درجة الولاية، ولم تكن هذه اللفظة مشهورة بين القدماء بعد الشيخين الصديق والفاروق، فإنه ورد وصفهما بذلك ثم ساق أثرا عن علي من طريق الرياض النضرة للمحب للطبري أطلق فيه ذلك على الشيخين أنظر العناية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>باب الملقب فيهم بسيف الله</span>\nهو خالد بن الوليد سماه رسول الله ﷺ سيف الله، لحسن آثاره في الإسلام، وصدقه في قتال المشركين، فكان النبي ﷺ إذا نظر إليه وإلى عكرمة بن أبي جهل قرأ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [آل عمران]، لأنهما من خيار الصحابة، وأبواهما عدوّان لله ورسوله، وكان على مقدمة النبي ﷺ يوم حنين، وهو الذي تولى كسر أكثر الأصنام، وهدم الأوثان التي كانت قريش تعبدها، أنظر تحليل ما سمع من جوفها حين أراد هدمها عند الجاحظ، وقد نقل ذلك الثعالبي في ثمار القلوب ص ١٧.\nولما توفي المصطفى، وكانت أيام الردة حسن بلاء خالد فيها، وكان عميدا عند أبي بكر فبعثه إلى طليحة فهزمه، وصالح أهل اليمامة، ونكح ابنة مجّاعة ولما توفي لم تبق امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لمتها على قبره، أو حلقت رأسها. ولما ارتفعت أصوات النساء عليه أنكرها بعض الناس فقال عمر: دع نساء بني المغيرة يبكين أبا سليمان، ويرقن من دموعهن سجلا أو سجلين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>باب في الذي يضرب به المثل في العدل منهم</span>\nيقال: سيرة العمرين؛ وهما أبو بكر وعمر يضرب بهما المثل، إذ لم يعهد بمثلهما بعد النبي ﷺ، وكان عبد الملك بن مروان يقول: انصفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر، ولا ترون منها، ولا في أنفسكم سيرة الحبيب أبي بكر وعمر، وقال البحتري:","vol":"2","page":249},{"text":"إن الرعية لم تزل في سيرة ... عمرية قد ساسها المتوكل\nوقال بعض البلغاء: وقد ذكر بعض الملوك: رأيت صورة قمرية وصورة عمرية، وعن عائشة ﵂: إذا ذكر عمر ذكر العدل، وإذا ذكر العدل ذكر الله. وإذا ذكر الله نزلت الحرمة. وعنها أيضا قالت: زينوا مجالسكم بذكر عمر، وقال بعض الشيوخ: من أصابه هم فليناد عمر ما سلكت فجا إلا وسلك الشيطان فجا غير فجك، لأن أكثر الهموم من مثيرات الشيطان يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [البقرة: ٢٦٨] وفي العتيبة قال مالك: كانت عائشة تقول: إذا أردتم أن يطيب لكم المجلس فاذكروا عمر ﵁، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قول عائشة بيّن لأن ذكر هديه، وما كان عليه من السيرة مما تشرح له الصدور، وتطيب به النفوس اهـ.\nولا تزال سيرة عمر الشغل الشاغل للأمم يردد دويها الناس في كل عصر وزمان، ولو تتبعت من أفرد سيرته بالتأليف لطال الحال، وحتى الإفرنج فقف على كتاب الكساندر مازا الذي سماه أعيان الشرق في مجلدين طبع بباريز سنة ١٨٤٧، وترجمة سيدنا عمر فيه من ص ١٠٦ إلى صحيفة ١٦٠ وعلى الموسوعات والمعاجم التاريخية المتنوعة في لغات الإفرنج.\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>باب فيمن كان يضرب به المثل في الهيبة من الصحابة</span>\nقال الشعبي: كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج، ولما جيء بالهرمزان ملك خراسان أسيرا إلى عمر وافق ذلك غيبته عن منزله، فما زال الموكل بالهرمزان يقتفي أثر عمر، حتى عثر عليه في بعض المساجد، نائما متوسدا درته، فلما رآه الهرمزان قال: هذا والله الملك الهني عدلت فنمت، والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة، أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدرّة، وقد عقد ابن الجوزي في سيرة عمر بابا هو ٤٥ من أبواب في ذكر شدة هيبته في القلوب، فروى فيهما عن القاسم بن محمد قال: بينما عمر يمشي وخلفه عدة من الصحابة إذ بدا له فالتفت فما بقي منهم أحد إلّا خرّ لركبتيه ساقطا قال: فأرسل عينه بالبكاء، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني أشدّ فرقا وعن عكرمة أن حجاما كان يقص شعر عمر بن الخطاب، فتنحنح عمر وكان مهيبا فأحدث، فأعطاه عمر أربعين درهما، واسم هذا الحجام سعيد بن الهبلج كذا وقصته هذه عزاها السيوطي في الجمع لابن سعيد والخطيب.\nوعن عبد الله بن عباس يحدث قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن آية فلا أستطيع لهيبته. أنظره في خبر هيبته من الباب المذكور من سيرته للحافظ ابن الجوزي.\nوأخرج ابن عساكر عن عائشة أنه كان بينها وبين النبي ﷺ كلام، فقال رسول الله ترضين أن يكون بيني وبينك أبو بكر؟ فقلت: لا. فقال: أترضين أن يكون بيني وبينك عمر قلت: من","vol":"2","page":250},{"text":"عمر؟ قال: ابن الخطاب. قلت: والله أني أفرق من عمر، قال رسول الله ﷺ: الشيطان يفرق من عمر. وفي لفظ من حسّ عمر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>باب فيمن كان يضرب به المثل في الفضائل كلها من الصحابة</span>\nكان يضرب المثل بفضائل علي في الكثرة، كما قال محمد بن مكرم لأبي على البصير: فضولك والله أكثر من فضائل علي، وقال الجاحظ: لا يعلم رجل في الأرض، متى ذكر السبق في الإسلام، والتقدم فيه، ومتى ذكرت النخوة، والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأمور، التي يتناصر الناس عليها، وكان مذكورا في هذه الخلال كلها، إلا عليّ.\nوكان الحسن يقول: قد يكون الرجل عالما، وليس بعابد، وعابدا وليس بعالم، وعابدا عالما وليس بعاقل، وسليمان بن يسار عالم عابد عاقل. قال الثعالبي في الثمار:\nانظر ابن تقع خلال سليمان من خصال علي اهـ.\nوقال الحافظ ابن الجزري في كتابه أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ص ٥٩: انتهت إليه جميع الفضائل من أنواع العلوم، وجميع المحاسن، وكرم الشمائل، من القرآن والحديث، والفقه، والقضاء، والتصوف، والشجاعة، والولاية، والكرم، والزهد، والورع، وحسن الخلق، والتقوى، وإصابة الرأي.\nونقل عن الإمام أحمد أنه قال: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ، من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>باب فيمن كان يضرب به المثل في الصدق</span>\nكان يضرب المثل في الصدق بأبي ذر ﵁، وقول المصطفى: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء بعد النبيئين أصدق لهجة من أبي ذر» «١» مشهور. قال الثعالبي في الثمار: ومن أملح ما سمع في ضرب المثل به قول الصاحب بن عبّاد في إنسان كذوب (والفاختة عنده أبو ذر) لأن الفاختة عنده يضرب بها المثل في الكذب، وأبو ذر يضرب به المثل في الصدق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>باب فيمن كان يضرب به المثل في المشية من الصحابة</span>\nكان يضرب المثل بسماك بن خرشة الأنصاري «٢»، وكان شجاعا بطلا قد تعوّد الإقدام حيث تزل الأقدام. وله آثار جميلة في الإسلام، وكانت له مشية عجيبة في الخيلاء، ونظر\n_________\n(١) رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو وأبي الدرداء ج ٢ ص ١٧٥، ٢٢٣، ج ٥ ص ١٩٧، ج ٦ ص ٤٤٢.\n(٢) هو المعروف بكنيته أيضا أبو دجانة وانظر ترجمته في الإصابة ج ٤ ص ٥٨ ورقمها ٣٧٣.","vol":"2","page":251},{"text":"إليه المصطفى ﷺ في المعركة، وهو يتبختر بين الصفين فقال: إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا المكان. وكان يقال له: ذو المشهرة لأنه كان له مشهرة (درع) إذا لبسها في الحرب لا يبقى ولا يذر. انظر ثمار القلوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>باب فيمن كان يضرب به المثل في الفقه من الصحابة</span>\nفي مسند أبي حنيفة من جمع الحصكفي، أنه روى عن حماد عن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ، اجتمعوا في منزل فأقيمت الصلاة فجعلوا يقولون: تقدم فأبى فقال: أي صاحب المنزل لابن مسعود: تقدم أمّ بنا يا أبا عبد الرحمن، فتقدم فصلى بهم. قال ابن سلطان في شرحه: لأنه كان أفضلهم، فقد قيل: إنه أفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة، ولما قال صاحب القاموس في الصحابة العبادلة، وليس منهم ابن مسعود. قال القاري عليه: لأنه أجلّ منهم، لا يعد منهم. ولهذا إذا أطلق عبد الله عند المحدثين فهو ابن مسعود اهـ.\nوكان يضرب المثل في الفقه بالعبادلة وهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فهؤلاء من فقهاء الصحابة وثباتهم وعلمائهم، ومن أثبتهم ومن عبادلتهم أيضا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، كذا في ثمار القلوب.\nوفي شرح الفية العراقي لمؤلفه قيل لأحمد بن حنبل: من العبادلة قال: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وقيل له: فابن مسعود؟ قال: لا قال البيهقي لأنه تقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى عملهم. فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة. وهذا هو المشهور بين المحدثين وغيرهم، واقتصر صاحب الصحاح في اللغة على ثلاثة وأسقط ابن الزبير. ووهم صاحب القاموس حيث وقع له أن الجوهري عدّ منهم في الصحاح ابن مسعود.\nقال الشمس ابن الطيب الشركي في حواشيه: وليس في شيء من أصول الصحاح المقررة ذكر ولا تعرض، وقد راجعت أكثر من خمسين نسخة منه، فلم أره ذكره، وانظر بقية القول في العبادلة في الحواشي المذكورة، وفي فتح القدير «١» للكمال بن الهمام: أن اسم العبادلة غلب على من اشتهر بالفقه والفتوى من الصحابة، قال الشمس ابن عابدين الدمشقي، في حاشية نسمات الأسحار على شرح المنار، وعلى هذا يدخل تحته كل من اشتهر بالققه؛ كابن مسعود وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعائشة، كما في ابن نجيم [صاحب البحر الرائق] . وانظر شرح الحافظ السخاوي على الألفية.\n_________\n(١) من شروح كتاب الهداية في الفقه الحنفي.","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>باب في الحائز لقب أمين الأمة من الصحابة</span>\nهو أبو عبيدة بن الجراح، كان من عظاماء الصحابة، وكان ﵇ يقول فيه:\nلكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. أخرجه البخاري عن أنس «١» .\nوالإمام أحمد عن عمر، وأحمد عن خالد بن الوليد والبيهقي، والنسائي عن أنس، وابن أبي شيبة عن قتادة، وأبو نعيم في فضائل الصحابة، وابن عساكر عن جابر بن عبد الله عن خالد بن الوليد، والخطيب، وابن عساكر، عن أم سلمة قال الطيبي: كما في قوت المغتذي: الأمين كامير: الثقة الرضي، والأمانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، ولكنه ﵇ خصه بصفة غلبت عليه، وكان بها أخص، زيادة في معناها على غيره.\nمفخرة: للمترجم؛ أخرج ابن سعد عن ابن نجيح قال: قال عمر بن الخطاب لجلسائه: تمنّوا، فتمنوا. فقال عمر: لكني أتمنى بيتا ممتلئا رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح، فقال له رجل: ما ألوت الإسلام، قال ذاك الذي أردت «٢» .\nوفي ترجمة معاذ بن جبل، من الاستبصار لابن قدامة، أن عمر قال للصحابة يوما:\nتمنوا فتمنى كل إنسان شيئا، فقال: عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان. وقال بعض من كتب في ترجمة أبي عبيدة ﵁ من المصريين: اشتهر عند الروم بحلو الشمائل وصدق المقال. وفي فتوح دمشق أمّن أهلها على نفوسهم، ورخّص لمن لم يسلم إذا أراد الخروج أن يخرج بجانب من أمواله، وأعطاهم فرصة الأمان ثلاثة أيام من حين خروج من يريد الخروج، لا تلحقهم فيها جيوش الإسلام.\nوقال بعض من كتب على هذه الواقعة من مؤرخي الإفرنج: لو كانت أوصاف هذا الصحابي الجليل الذي كان أمير الجيش الإسلامي، في ذلك العصر مجتمعة في أمراء جيوش الأعصر الجديدة المشهورة بالتمدن والتقدم؛ لافادتهم غاية المجد والشرف، ونفت عنهم مثالب الجور. فأجل أمراء جيوش الدول العظيمة المتمدنة في عهدنا لم تبلغ درجة ذلك الأمير الخطير، الذي هو بين الفاتحين عديم النظير فكل منقبة من مناقب عدله وحلمه ووفائه، تخجل أكابر رؤساء كل جيش من جيوش الدول المعاصرة وتزري بأمرائه اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>باب فيمن أولم وليمة بقي يضرب بها المثل</span>\nكان الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، كما في الرياض المستطابة شريفا مطاعا في قومه، ثم وفد على النبي ﷺ في سنة عشر من الهجرة، في قومه كندة، فأسلموا\n_________\n(١) رواه البخاري في أكثر من كتاب؛ في أخبار الآحاد والمغازي وفضائل الأصحاب انظر ج ٨ ص ١٣٤.\n(٢) أي لم تقصر في مصلحة الإسلام.","vol":"2","page":253},{"text":"ورجعوا إلى اليمن، ثم ارتد الأشعث زمن الردة، فأسرته خيل أبي بكر، وجاؤوا به إليه فأسلم، وقال للصديق: استبقني لحربك وزوجني أختك، فزوّجه أخته لأبيه أم فروة اهـ.\nقال الثعالبيّ: فأصبح صبيحة البناء شاهرا سيفا فلم يلق ذات أربع، مما يؤكل لحمه إلا عقرها، فقال الناس: هذا الأشعث ارتدّ ثانيا، ثم إنه قال: يا أهل المدينة إنا والله لو كنا ببلادنا لأولمنا فاجتزوا من هذه اللحمان، وتصادفوا في الأثمان. فلم تبق دار من دور المدينة إلا دخلها من تلك اللحوم، ولم يمر يوم أشبه بيوم الأضحى من ذلك، فضرب أهل المدينة المثل لوليمة الأشعث، وأولم من الأشعث، وفي الأجوبة المهمة للشيخ المختار الكنتي نقلا عن الحافظ المنذري: أن أعظم وليمة بلغنا خبرها وليمة الأشعث بن قيس الكندي، حين تزوج أم فروة، فكانت وليمة ألف رأس من إبل وبقر وغنم اهـ وانظر ترجمته من الإصابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>باب في من كان يضرب به المثل في الحلم من الصحابة</span>\nكان يضرب المثل في الحلم بالأحنف بن قيس التميمي السعدي، وفي الزهد لأحمد عن الحسن عن الأحنف: لست بحليم ولكني أتحلم.\nوترجم النووي في التهذيب؛ لقيس بن عاصم الصحابي المشهور فقال: وفد على النبي ﷺ فقال له لما رآه: هذا سيد أهل الوبر. وكان قيس عاقلا حليما مشهورا بالحلم، وقيل: للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم قال: من قيس بن عاصم، رأيته يوما بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه، يحدث قومه، فأتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، قال: فو الله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه وقال: يا ابن أخي بئس ما فعلت أثمت عند ربك فقطعت رحمك، وقتلت ابن عمك، ورميت نفسك بسهمك وفتت عضدك ثم قال لابن له آخر: قم يا بني إلى ابن عمك فحلّ كتافه، ووار أخاك، وسق إلى أمك مائة ناقة من الإبل، دية ابنها فإنها غريبة.\nقال الجاحظ: قد ذكروا في الإشعار حلم لقمان، وذكروا قيس بن عاصم، ومعاوية بن أبي سفيان، ورجالا كثيرين، ما رأينا هذا الإسم التزق والتحم بإنسان وظهر على الألسنة كما رأيناه تهيأ للأحنف بن قيس، ثم كان على ذلك رئيسا في أكثر الفتن، فلم ير حاله عند الخاصة والعامة، وعند النساك والفتاك، وعند الخلفاء الراشدين، والملوك المشتغلين، ولا حاله في حياته، ولا حاله بعد موته، إلا مسنونا فينبغي أن يكون قد سبقت له من النبي ﷺ دعوة، ونال منه كما رووه وذكروه، أو يكون قد كان يضمر حسن النية، ومن شدة الإخلاص، ما لم يكن عليه أحد من نظرائه اهـ.\nقلت: دعاء المصطفى له قد ساقه الحافظ في ترجمته في القسم الثالث من الإصابة، وهو قوله ﵇: اللهم اغفر للأحنف وذكر إن الأحنف كان يقول: ما من شيء من","vol":"2","page":254},{"text":"عملي أرجى عندي من ذلك، وإن أحمد خرّج في كتاب الزهد من طريق جبير بن حبيب، أن رجلين بلّغا الأحنف بن قيس، أن النبي ﷺ دعا له فسجد.\nوفي شرح بديعية البيان في ترجمة أبي ذر الغفاري: كان حليم الأمة وواحد الأيمة، ومفتي أهل الشام وأول قضاة دمشق في الإسلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>باب في من كانت تستحي منهم ملائكة الرحمن من الصحابة</span>\nقال الشيخ يوسف بن عمر، في شرح الرسالة، لما تكلم على عورة الفخذ: قد كشفه النبي ﷺ مع أبي بكر وعمر، وستره مع عثمان اهـ قال الشيخ أبو الإرشاد على الأجهوري:\nوهذا يدل على أن عثمان ليس عنده ﵇ من الخاصة، الذين يجوز كشفه بحضرتهم كالشيخين اهـ.\nقال الزرقاني على المختصر: وفيه نظر: لأنه غطاه لعلة، وهي استحياء الملائكة منه، فعن عائشة أنه ﵇ كان جالسا كاشفا عن فخذه فاستأذنه أبو بكر، فأذن له وهو على حاله، فاستأذن عمر فأذن له، وهو على حاله، ثم استأذن عثمان، فأرخى ﵇ ثيابه، فلما قاموا. قلت يا رسول الله: استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما، وأنت على حالك، فلما استأذنك عثمان أرخيت عليك ثيابك؟ فقال: يا عائشة ألا أستحيي من رجل والله إن الملائكة لتستحيي منه. رواه أحمد «١» .\nوسئل الحافظ السخاوي عن المواطن التي استحيت فيها الملائكة من عثمان فقال: لم أقف عليها في حديث يعتمد، ولكن أفاد شيخنا البدر النسابة في بعض مجاميعه، عن الجمال الكازروني، أنه ﷺ: لما آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة في بيت أنس، وتقدم عثمان كذلك كان صدره مكشوفا فتأخرت الملائكة منه، فأمره النبي ﷺ بتغطية صدره فعادوا إلى مكانهم، فسألهم عن سبب تأخرهم فقالوا: حياء من عثمان.\nقلت وروى الطبراني في الكبير، وابن عساكر في تاريخه، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: مرّ بي عثمان وعندي جيل من الملائكة فقالوا: شهيد من الآدميين، يقتله قومه إنا نستحيي منه اهـ انظر شرح صحيح مسلم للسنباطي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>باب في ذي الرأي من الصحابة</span>\nهو الحباب بن المنذر بن الجموح، صاحب المشورة يوم بدر، أخذ المصطفى ﷺ برأيه، ونزل جبريل ﵇ فقال: الرأي ما قال حباب. وكان له في الجاهلية آراء مشهورة، حتى لقب بذي الرأي، وهو الذي قال يوم سقيفة بني ساعدة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجّب.\n_________\n(١) رواه في ج ٦ ص ٦٢ والإسلامي ص ٧٣ ج ٦.","vol":"2","page":255},{"text":"وأخرج ابن عساكر عن طلحة بن عبد الله رفعه: إن عمرو بن العاص لرشيد الرأي.\nوأخرج الطبراني وسعيد بن منصور عن طلحة رفعه: يا عمرو إنك لذو رأي رشيد في الإسلام. وفي طبقات ابن سعيد أن النبي ﷺ استشارهم يوم قريظة والنضير، قال: فقام الحباب بن المنذر فقال: إلا أن تنزل بين القصور فتقطع خبر هؤلاء عن هؤلاء، وخبر هؤلاء عن هؤلاء، فأخذ النبي ﷺ بقوله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>باب في ذي اليدين من الصحابة</span>\nهو عمير بن عبد عمرو من خزاعة، كان يعمل بيديه جميعا. فقيل له: ذو اليدين.\nوكان يدعى ذا الشمالين، وهو الذي ذكر في حديث سهوه ﵇ في الصلاة، قال الحافظ: كان يقال ذو الشمالين فسماه ﵇ ذو اليمينين اهـ.\nوفي القاموس: ذو اليدين: الخرباق قال الفاسي عليه: وهو بالكسر ابن سارية أو ابن عمرو، كما في شروح البخاري. وفي شرح التسهيل لأبي حيان أن اسمه خملاق وهو غريب لم يذكره المحدثون، ووقع الخلاف هل هو ذو الشمالين؟ والأصح أنه غيره. كما في التوشيح، والإرشاد، والفتح، وغيرهم، من شروح البخاري اهـ كلام ابن الطيب.\nوفي ترجمة ذي الشمالين من الاصابة: روى الطبراني من طريق أبي شيبة الواسطي عن الحكم قال: قال عمار: كان مع رسول الله ﷺ ثلاثة كلهم أضبط ذو الشمالين، وعمر بن الخطاب، وأبو ليلى اهـ والأضبط هو الذي يعمل بيديه جميعا اهـ كلام الإصابة.\nوفي ترجمة عمر بن الخطاب من أسد الغابة: كان أعسر يعمل بكلتا يديه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>باب في ذي العمامة</span>\nهو سعيد بن العاص بن أمية، قال الثعالبي في ص ٢٣١ من ثمار القلوب؛ كان يقال له: ذو العمامة، لأنه كان في الجاهلية إذا لبس عمامته لم يلبس قرشي عمامته، حتى ينزعها. كما أن حرب بن أمية كان إذا حضر ميتا لم يبكه أهله حتى يقوم، وكما أن أبا طالب كان إذا أطعم لم يطعم غيره اهـ.\nقلت: في ترجمة سعيد من أسد الغابة: كان جده أحيحة إذا اعتم بمكة لا يعتم أحد بلون عمامته إعظاما له، وكان يقال له ذو التاج، ولعله هو الصواب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>باب فيمن كان يضرب المثل بسيفه من الصحابة</span>\nعلي بن أبي طالب كان يضرب المثل بسيفه في المصاعب كما قال الصاحب:\nأحسن من عود ومن ضارب ... ومن فتاة طفلة كاعب\nقدّ غلام صيغ من فضة ... متصل الحاجب بالحاجب\nس لّ على الأمة من طرفه ... سيف علي بن أبي طالب","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-689>باب من كان من الصحابة يعدّ صوته في الجيش بألف رجل</span>\nأخرج الإمام أحمد، والحاكم، وأبو يعلى عن أنس وجابر قال: قال رسول الله ﷺ:\nلصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة، وأخرج سمويه وابن سعد في الطبقات عن أنس رفعه: صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل، وأخرج الحاكم عن جابر رفعه:\nلصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل، وأخرج عبد بن حميد عن أنس: لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة، وطلحة هذا هو زيد بن سهل الأنصاري، كان من شجعان الصحابة، وأكابرهم راميا شديد الرمي، وفي الذهب الإبريز: ولا مستنكر أن يجمع هيبة ألف في واحد على طريق الحقيقة، لا المبالغة وقد وقع ذلك في أفراد من الناس اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>باب فيمن كان يسبق الفرس شدا على قدميه من الصحابة</span>\nترجم في در السحابة لسلمة بن الأكوع فقال: كان شجاعا راميا، ودخل مصر لغزو المغرب، وكان يسبق الفرس شدّا على قدميه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>باب فيمن عرف بالدهاء من الصحابة بحيث كان يضرب به المثل</span>\nفي التعريف برجال مختصر ابن الحاجب، نقلا عن الذهبي، كان يقال: داهية قريش أبو بكر وأبو عبيدة. وفي ترجمة المغيرة بن شعبة من الإستيعاب؛ روى مجالد عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة معاوية ابن أبي سفيان وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد. فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير.\nوحكى الرياشي عن الأصمعي قال: كان معاوية يقول: أنا للأناة وعمرو للبديهة، وزياد للصغير والكبير، والمغيرة للأمر العظيم. قال ابن عبد البر إثر ما نقل، قال أبو عمر:\nيقولون إن قيس بن عبادة لم يكن في الدهاء بدون هؤلاء، مع كرم كان فيه وفضل اهـ.\nوفي بهجة المجالس لابن عبد البر قال عمرو بن العاص: أنا للبديهة، ومعاوية للأناة، والمغيرة للمعضلات، اهـ وفي در السحابة: كان يقال في حق المغيرة بن شعبة:\nمغيرة الرأي، وقال الشعبي: سمعت المغيرة يقول: ما غلبني أحد. وقال قبيصة بن جابر:\nصحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها اه.\nوفي ثمار القلوب: دهاء معاوية ذلك مما اشتهر أمره، وسار ذكره، وكثرت الروايات والحكايات فيه، ووقع الإجماع على أن الدهاة أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه فأما ما كان من معاوية فحيث هو من الدهاء وبعد الغور، وانضم إليه الثلاثة الذين يريدون بأول آرائهم أواخر الأمور، فكان لا يقطع أمرا حتى","vol":"2","page":257},{"text":"يشهدوه، ولا يستضيء في ظلم الخطوب إلا بمصابيح آرائهم، سلم له أمر الملك، وألقت إليه الدنيا أزمّتها، وصار دهاؤه ودهاء أصحابه الثلاثة مثلا، ولم يذكر معهم في الدهاء إلا قيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>باب فيمن عرف من الصحابة بالقوى المدهشة حتى باهى به العرب فارس والروم</span>\nترجم الحافظ السيوطي في در السحابة، فيمن دخل مصر من الصحابة لقيس بن عبادة فقال فيه: أبو عبد الله من زهاد الصحابة وشرفائهم، وكان شجاعا مطاعا قالت له عجوز:\nأشكو إليك قلة الجرذان. فقال: ما أحسن هذه الكناية املأوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا. وكانت له صحفة يدور بها حيث دار، وينادي له مناد: هلموا إلى اللحم والثريد.\nوكان أبوه وجده من قبله يفعلان ذلك. وكان مديد القامة جدا.\nكتب ملك الروم إلى معاوية أن إبعث إليّ بسراويل أطول رجل من العرب، فأخذ سراويل قيس. فوضعت على أنف أطول رجل في الجيش فوقعت على الأرض، وفي رواية أن ملك الروم بعث برجلين من جيشه، يزعم أن أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم وقال: إن كان في جيشك من يفوقهما؛ هذا في قوته؛ وهذا في طوله بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من يشبههما فهادني ثلاث سنين؛ فدعا للقوي بمحمد بن الحنفية، فجلس وأعطى للرومي يده، فأجهد بكل ما يقدر عليه من القوى أن يزيله عن مكانه، أو يحركه ليقيمه فلم يجد إلى ذلك سبيلا. ثم جلس الرومي وأعطى لابن الحنفية يده فما لبث أن أقامه سريعا ورفعه إلى الهواء ثم ألقاه إلى الأرض، فسرّ بذلك معاوية سرورا عظيما، ودعا بسراويل قيس بن سعد بن عبادة، وأعطاها للرومي الطويل فلبسها، فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط الأرض. فاعترف الرومي بالغلب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>باب فيمن كان من الصحابة في نهاية الطول</span>\nفي ترجمة عمر من أسد الغابة: كان طويلا قد فرع الناس أي طالهم كأنه على دابة اهـ وقال في صبح الأعشى: كان عمر بن الخطاب كأنه راكب والناس يمشون لطوله، وكان عدي بن حاتم إذا ركب تكاد رجلاه تخط في الأرض، وكذلك جرير بن عبد الله البجلي اهـ.\nقلت: روى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند أن نعل جرير بن عبد الله البجلي طولها ذراع. ثم قال القلقشندي: وكان عبد الله بن عباس في نهاية الطول، وكان أبوه العباس أطول منه، وجده أطول من أبيه.\nوفي ترجمة العباس من طبقات ابن سعد أنه حين أسر في وقعة بدر طلب له قميص فما وجدوا له قميصا يقدر عليه إلا قميص عبد الله بن أبي، ألبسه إياه فكان عليه. وفيها:\nكان العباس بن عبد المطلب أقرب الناس شحمة أذن إلى السماء.","vol":"2","page":258},{"text":"قلت وفي قصة سريّة الخبط، وخروج دابة العنبر للصحابة أن أبا عبيدة أخذ ضلعا من أضلاعه فنصب، ونظر إلى أطول بعير فجاز تحته، ثم عمد إلى أطول رجل معه، وفي رواية عبادة عن ابن إسحاق: ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتها، وما مست رأسه. والقصة في الصحيح للبخاري «١» . وجزم الحافظ في مقدمة الفتح أن الرجل قيس بن سعد وتبعه القسطلاني في الإرشاد، وقال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسمه وأظنه قيسا، فإنه كان مشهورا بالطول، وقصته مع معاوية مشهورة، لما أرسل له ملك الروم أطول رجل منهم، ونزع له قيس سراويله، فكانت طول قامة الرومي، بحيث كان طرفها على أنفه وطرفها بالأرض، وعوتب قيس في نزع سراويله فأنشد:\nأردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود\nوأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي نمته ثمود\nقلت: قيس هذا هو المذكور طوله في الترجمة قبله عن در السحابة، ولكن قال النووي في ترجمته من التهذيب: قال ابن عبد البر: وخبره في السراويل عند معاوية باطل لا أصل له اهـ وممن كان يعرف بالطول من الصحابة، الزبير بن العوام وفي در السحابة:\nكان الزبير طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب، أخرجه الزبير بن بكار. وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن عروة قال: كان الزبير طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة.\nوقال محمد بن الربيع: أدرك الإسلام عشرة؛ طول كل رجل منهم عشرة أشبار:\nعبادة بن الصامت، وسعد بن معاذ، وقيس بن سعد بن عبادة، وجرير بن عبد الله البجلي، وعدي بن حاتم الطائي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، والأشعث بن قيس الكندي، ولبيد بن ربيعة، وأبو زيد الطائي وعامر بن الطفيل، ويقال: طلحة بن خويلد.\nوقد أورد الحافظ الهيثمي في المجمع: باب أخذ الحديث من الثقات؛ عن المنقع بن الحصين قال: أتيت النبي ﷺ، وهو على ناقة له، ومعه أسود قد حاذى رأسه برأس النبي ﷺ، ما رأيت أحدا من الناس أطول منه، فلما دنوت منه كأنه أهوى إليّ، فكفّه النبي ﷺ، فذكر حديثا. وهذه القصة للطبراني في الكبير، وابن سعد في ترجمة المنقع من الطبقات أنظر ص ٤٣ ج ٧.\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>باب من كان من الصحابة في غاية القصر</span>\nكان عبد الله بن مسعود قصيرا يكاد الجالس يوازيه من قصره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>باب من كان من الصحابة فردا في زمانه بحيث يضرب به المثل</span>\nأبو بكر الصديق في معرفة الأنساب، عمر بن الخطاب في قوة الهيبة عثمان بن عفان في التلاوة [الحياء] علي بن أبي طالب في القضاء، ومعاوية في كثرة الإحتمال، وأبو عبيدة\n_________\n(١) انظر كتاب الذبائح والصيد ج ٦ باب ١ ص ٢٢٣.","vol":"2","page":259},{"text":"بن الجراح في الأمانة، وأبوذر في صدق اللهجة وأبي بن كعب في القرآن، وزيد بن ثابت في الفرائض، وابن عباس في تفسير القرآن، وعمرو بن العاص في الدهاء، وأبو موسى الأشعري في سلامة الباطن.\nوفي نزهة الجليس للعباس بن علي الموسوي المكي، لدى ذكره الذين رزقوا السعادة في أشياء لم يأت بعدهم من نالها قال: وهم أبو بكر الصديق فإنه كان نسابة عصره، علي بن أبي طالب في القضاء، أبو عبيدة في الأمانة، أبوذر في صدق اللهجة، أبي بن كعب في القرآن الخ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>باب من كان يضرب به المثل من الصحابة في الجمال</span>\nجرير بن عبد الله البجلي كان كامل الجمال حتى قال فيه عمر: هو يوسف هذه الأمة. وكان المصطفى يحبه ويكرمه لذلك، قاله المناوي في فيض القدير، وقول عمر المذكور فيه أخرجه ابن سعد، والخرائطي في اعتلال القلوب، وقال فيه المصطفى لما ورد عليه: سيدخل عليكم من هذا الفخ أو من هذا الباب من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك. أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني، وأبو نعيم، وأخرجه الطبراني عنه قال: كان إذا قدمت على رسول الله ﷺ الوفود دعاني فباهاهم بي، وأخرج الطبراني في الكبير، والحكيم من طريق صابر بن سالم بن حميد بن يزيد بن عبد الله بن ضمرة بن مالك البجلي عن أبيه، عن سالم عن أبيه، حميد عن أبيه يزيد قال: حدثتني أختي أم القصاف عن أبيها عبد الله بن ضمرة أنه كان قاعدا عند النبي ﷺ، فطلع جرير فبسط له رداءه.\nوفي صحيح البخاري «١» وشمائل الترمذي عن جرير قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك. قال المناوي ما حجبني: منعني منه الدخول عليه مع خواصه وخدمه، وقال ابن سلطان: ولعل وجه التبسم له كل مرة في رؤيته أنه رآه مظهر الجمال فإنه كان له صورة حسنة على وجه الكمال اهـ.\nوأخرج الترمذي في الشمائل أيضا عن جرير قال: عرضت بين يدي عمر، فألقى جرير رداءه، ومشى في إزار فقال: خذ رداءك. فقال عمر للقوم: ما رأيت رجلا أحسن من جرير إلا ما بلغنا من صورة يوسف ﵇.\nومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيلي قال: كان طول جرير ستة أذرع، وقال عبد الملك بن عمر: رأيت جرير بن عبد الله وكأنّ وجهه شقة قمر، وكان نعله ذراعا، وقال الموقري: وكان جرير طويلا يصل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعا فيه اهـ أنظر جميعه في حاشية العلقمي على الجامع الصغير، على حديث: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.\nونقل ابن سلطان على الشمائل: عن أبي عثمان مولى عمرو بن حريث عن عبد\n_________\n(١) انظر كتاب الجهاد والسير باب ١٦٢ من لا يثبت على الخيل ص ٢٥ ج ٤.","vol":"2","page":260},{"text":"الملك بن عمير قال: رأيت جرير بن عبد الله، وكأنّ وجهه شقة قمر، وممن كان يضرب به المثل في حسن الصورة دحية الكلبي، وكان جبريل ينزل على صورته.\nوروى العجلي في التاريخ؛ عن عوانة بن الحكم، قال: أجمل الناس من كان جبريل ينزل على صورته، وقال ابن عباس: وكان دحية إذا قدم المدينة لم تبق مخدرة إلا خرجت تنظر إليه. ذكره ابن قتيبة في الغريب. وقد سبق عن الفتوحات المكية أنه بلغ من أثر جمال دحية في الخلق، أنه لما قدم المدينة واستقبله الناس، ما رأته امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها. وعن العمدة للعيني: أن دحية هذا كان يمشي متلثما خشية أن تفتتن به النساء، وأنظر أبواب الرسل من المجلد الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>أخوة سبعة كلهم من الصحابة تباعدت قبورهم</span>\nوإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام\nفي در السحابة عن مسلم: ما رأيت مثل بني أم واحدة أشرافا، ولدوا في دار واحدة أبعد قبورا من بني العباس: عبد الله بالطائف وعبيد الله بالمدينة، والفضل بالشام، ومعبد وعبد الرحمن بافريقية؛ وقثم بسمرقند، وكثير بالينبع. وقيل: إن الفضل بأجنادين وعبيد الله بأفريقية اهـ.\nقلت: قبر الفضل معروف الآن برملة فلسطين، زرته وروبت فيه. وحدثت حين مروري على الرملة لزيارة بيت المقدس، عام ١٣٢٤، [١٩٠٦] وأم أولاد العباس الستة وهم: الفضل وعبد لله، وعبيد الله، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وأم حبيب، أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث، وفيها عبد الله بن يزيد الهلالي:\nما ولدت نجيبة من فحل ... كستة من بطن أم الفضل\nأكرم بهم من كهلة وكهل\nأنظر طبقات ابن سعد. وهنا يحق أن نتمثل بقول الشاعر:\nوإن لنا قبرين قبر بلنجر ... وقبر بصين يا لك من قبر\nفذاك الذي بالصين عمّت فتوحه ... وهذا الذي يسقي به وابل القطر\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>باب في صحابي أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة</span>\nفي در السحابة لما ترجم لعبد الله بن عمرو بن العاص فقال عنه: أسلم قبل أبيه وكان أصغر منه بإحدى عشرة سنة، وفي كتاب الشهادات من ابن غازي على الصحيح، على قول فقرة: أسلمت وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، نقلا عن ابن حجر. هذا فقرة الكوفي، ومثله عن عمرو بن العاص، وذكروا أنه ما كان بينه وبين ابنه عبد الله إلا اثنتا عشرة سنة.","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>باب من كان من الصحابة بيده سيف الفتح بحيث فنصب في عهده اثنا عشر ألف منبر</span>\nهو عمر بن الخطاب ﵁، وقع ذلك في كلام البزازي من أئمة الحنفية في كتاب أدب القاضي، ونقل ذلك عنه العالم النحرير الحاج رجب ابن أحمد التركي في شرح الطريقة المحمدية المسمى، بالوسيلة الأحمدية أنظر ص ٢٧١ ج ١ منه وقد سبق كلامه في الاختصاصيين من الصحابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>باب من كان من الصحابة له ألف مملوك يؤدون له الخراج</span>\nفي درّ السحابة لدى ترجمة الزبير بن العوام: كان له ألف مملوك يؤدون له الخراج، وكان يتصدق به كله، أخرجه يعقوب بن سفيان. ولا يدخل بيته شيئا اهـ ونحوه في ترجمته من الإصابة عازيا له ليعقوب بن سفيان: أنه كان لا يدخل بيته منه شيئا، وفي ظل الغمامة، لأبي عبد الله بن أبي الخصال الغافقي، في ترجمة الزبير: المتصدق في كل يوم ما تل [كذا] جديد بخراج ألف كامل من العبيد اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>باب فيمن كان يحفظ مائة لغة متباينة من الصحابة</span>\nوكان له مائة غلام، كل غلام منهم يتكلم لغة خاصة، تقدم ذلك عن عبد الله بن الزبير في أبواب السفراء والتراجمة، وهو شيء عجيب يدل على اتساع المعارف وثبوت قدمها عندهم، ولا أعلم مثل هذا نقل عن أمة من الأمم، أو دولة من الدول، فغاية ما جاء عن الفرس: أن ملوكهم كانوا كما في مفاتيح العلوم للخوارزمي؛ يتكلمون في مجالسهم باللغة الفهلوية، وهي من لغات الفرس، وكانوا يتكلمون في الخلاء ومواضع الإستفراغ وعند التعري في الحمام، وفي الأندية والمغسل باللغة الخوزية، وهي لغة منسوبة إلى خوزستان، وكان حاشية الملوك إذا التمسوا الحوائج وشكوى الظلامات يتكلمون باللغة النبطية، لأنها أملق الألسنة، وكان يجري كلام الموابذة وهم القضاة، ومن كان مناسبا لهم بلغة كور فارس.\nوعبارة ابن عابدين في حواشي الدر؛ نقلا عن ابن كمال باشا: أن الفارسية خمس لغات: فهلوية كان يتكلم بها الملوك في مجالسهم، ودرّية يتكلم بها الموابذة ومن كان مناسبا لهم، وخوزية وهي لغة خوزستان يتكلم بها الملوك والأشراف في الخلاء، وموضع الإستفراغ، وعند التعري للحمام، وسريانية منسوبة إلى السريان وهم بالعراق اهـ ص ٣٣٩ ج ١ وقوله: الموابذة قال في القاموس: موبذان مفرد ومعناه: فقيه الفرس أو حاكم المجوس، وجمعه موابذة وهذه التاء تاء العجمة اهـ «١» .\n_________\n(١) موبذ: هو الكاهن والقاضي لدى المجوس، وجمعه بالألف والنون موبذان. وقاضي القضاة الأكبر يسمى: موبذ موبذان. وأما موابذة فجمع تكسير عربي. مصححه.","vol":"2","page":262},{"text":"قلت: وهذا شيء سهل يسير جدا بالنسبة لما في هذه الترجمة عن موالي عبد الله بن الزبير وسيدهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>باب فيمن مات من الصحابة فمات بموته تسعة أعشار العلم</span>\nفي كتاب العلم من الأحياء؛ لما مات عمر بن الخطاب قال عبد الله بن مسعود: مات تسعة أعشار العلم، قال في الإتحاف: رواه صاحب القوت بلا سند. وأخرجه ابن أبي خيثمة في كتاب العلم، فقال: حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم قال قال عبد الله: إني لأحسب أنه مات تسعة أعشار العلم بموته. ولفظ أبي خيثمة إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم، قال في القوت فعرّف بالألف واللام، ثم فسره بالعلم بالله، وذلك لما قيل له: أتقول هذا وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون؟ فقال: إني لست أعنى العلم الذي تذهبون إليه، إنما أعنى العلم بالله ﷿ اهـ منه ص ٢٣٥ ج ١. ونحوه؛ نقل عن ابن مسعود النووي في ترجمة عمر، من تهذيب الأسماء واللغات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>باب في ذكر صحابي مات فقال فيه عمر مات سيد المسلمين</span>\nفي تذكرة الحفاظ لدى ترجمة أبي بن كعب: أن عمر بن الخطاب كان يهابه، ويستفتيه، ولما مات قال عمر: اليوم مات سيد المسلمين اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>باب في ذكر الأغنياء من الصحابة ومن توسع منهم في الأمور الدنيوية</span>\nقال ابن سيد الناس في سيرته: لما تكلم على غزوة تبوك: أنفق عثمان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها اهـ وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألفي دينار فقال ﷺ: اللهم ارض عن عثمان. فإني راض عنه اهـ.\nقال البرهان الحلبي في نور النبراس: وجهزهم بسبعمائة بعير وخمسين بعيرا، وبخمسين فرسا،. قاله ابن عبد البر. ثم قال عن أسد بن موسى: حدثني أبو هلال الراسبي قال: حدثنا قتادة قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا اهـ.\nوفي جامع الترمذي، والحاكم، وأخرجه أحمد والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، عن عبد الله بن حباب السلمي الصحابي قال: شهدت النبي ﷺ، وهو يحثّ على جيش العسرة، قال عثمان: عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حثّ على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله عليّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله على ثمانمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ﷺ ينزل على المنبر، وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد ذلك، قال الترمذي: إسناده جيد وفيه أيضا عن عبد الرحمن بن سمرة قال: أتى عثمان إلى النبي ﷺ","vol":"2","page":263},{"text":"بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، قال الترمذي، بل في مسند أبي يعلى الموصلي بسنده، أن عثمان جهز جيش العسرة، وجاء بسبعمائة أوقية من الذهب، وأخرج ابن عدي عن حذيفة وأبو نعيم في مسند أبي موسى، أن النبي ﷺ بعث إلى عثمان يستسلفه في غزوة غزاها، فبعث إليه بعشرة آلاف دينار، فوضعها بين يديه. ذكره الذهبي في الميزان في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الثقفي.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات، عن محمد بن ربيعة بن الحارث قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ، يوسعون على نسائهم في اللباس، الذي يصان ويتجمل به، ثم يقول: رأيت على عثمان مطرف خزّ ثمنه مائتا درهم فقال: هذا لنائلة كسوتها إياه، فأنا ألبسه أسرها به، وأخرج فيها أيضا أن عثمان أجاز الزبير بن العوام بستمائة ألف، وقال سيدنا سعد بن الربيع: أنا أكثر الأنصار مالا، وكانت عند المقداد بن الأسود غرائر من المال، ببركة دعائه ﵇، وكذا دعا لعروة بن الجعد فقال: فلقد كنت أقوم بالكناسة، وهو موضع بالكوفة فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا. وقال البخاري في حديثه: وكان لو اشترى التراب لربح فيه.\nوذكر الخفاجي وبناني في شرح الشفا أن حكيم بن حزام لما حج في الإسلام أهدى مائة، بدنة وألف شاة، ووقف بمائة وصيف في أعناقهم أطواق فضة، منقوش عليها عتقاء الله عن حكيم بن حزام، انظر ص ٤٠٦ ج ١ من نسيم الرياض.\nوبلغ من غنى عبد الرحمن بن عوف أن قال: كما للحافظ الشامي: لو رفع حجرا لرجا أن يصيب تحته ذهبا، وفتح الله عليه. ومات فحفر الذهب من تركته بالفؤوس حتى مجلت منه الأيدي، وأوصى بخمسين ألف دينار وأعتق يوما ثلاثين عبدا، وتصدق بشطر ماله أربعة ألاف، ثم بأربعين ألف دينار، ثم بخمسمائة فرس، ثم بخمسائة راحلة.\nوفي الترمذي أنه أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف، قال: بحديث حسن.\nوقال عروة بن الزبير: أوصى عبد الرحمن بن عوف لمن بقي من أهل بدر لكل رجل بأربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وأخذ عثمان فيمن أخذ. وأوصى بألف فرس في سبيل الله، وعن أنس قال: لقد رأيته منح لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف.\nقال الحافظ في الفتح إثره. قلت: مات عن أربع نسوة فيكون جميع تركته ثلاثة آلاف ومائتي ألف، وهذا بالنسبة لتركه الزبير التي تقدم شرحها في الخمس قليل جدا فيحتمل أن تكون هذه دنانير، وتلك دراهم لأن كثرة مال عبد الرحمن بن عوف مشهورة جدا اهـ من باب الوليمة، من كتاب النكاح.\nوفي الاستيعاب: كان عبد الرحمن بن عوف تاجرا مجدودا في التجارة، وكسب مالا","vol":"2","page":264},{"text":"كثيرا. وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع على الجرف بعشرين ناضحا، فكان يدخر من ذلك قوت أهله سنة. وروي أن زوجته التي طلقها صولحت عن ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا قيل: صولحت بهذا المقدار عن ربع الثمن من متروكه اهـ.\nوقال جعفر بن يرقان [كذا] بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة.\nأخرجه أبو نعيم في الحلية، وأخرج ابن سعد في الطبقات أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة من الأنصار على ثلاثين ألفا، وصدقاته أكثر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر.\nوفي أيام خلافة عثمان توسع الناس في أمور الدنيا أكثر مما كانوا عليه في زمن عمر، واستعملوا النفيس من الملبس، والمسكن، والمطعم، واقتنوا الضياع والأثاث.\nقال المسعودي، في مروج الذهب: في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال، فكان له يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار، وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وخيبر وغيرهما مائتا ألف دينار، وخلف إبلا وخيلا كثيرا. وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار وخلف ألف فرس وألف أمة.\nقلت: وفي طبقات ابن سعد أن الزبير خلّف أربع نسوة أصاب كل امرأة ألف ألف ومائة ألف، قال فجميع ماله خمسة وثلاثون ألف ألف ألف ومائتا ألف، وفيها عن سفيان بن عيينة قسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف، وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان قيمة ما ترك الزبير إحدى وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف. وفيها أيضا عروة قال:\nكان للزبير بمصر خطط، وبالإسكندرية خطط، وبالكوفة خطط، وبالبصرة دور، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة، انظر ص ٧٧ ج ٣. من طبقات ابن سعد.\nوفي باب إدام النبي ﷺ من المناوي على الشمائل، في حق ابن مسعود قال في الكشاف: روي أنه خلف تسعين ألف دينار سوى الرقيق والماشية اهـ ثم قال المسعودي في مروج الذهب: وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك.\nقلت: وفي طبقات ابن سعد: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقل أو أكثر، وبالإعراض له غلات، وكان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مؤونته ومؤونة عياله وزوج أياماهم وأخدم عائلهم، وقضى دين غارمهم، ولقد كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن صبيحة التميمي ثلاثين ألف درهم.\nوفي طبقات ابن سعد أن طلحة كان في يده خاتم ذهب فيه ياقوتة حمراء، وفي الطبقات أيضا عن عمرو بن العاص قال: حدثت إن طلحة ترك مائة بهار، في كل بهار","vol":"2","page":265},{"text":"ثلاث قناطير ذهب، وسمعت أن البهار جلد ثور. ثم قال المسعودي: وكان على مربض عبد الرحمن بن عوف ألف فرس، وألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ الربع من متروكة يوم وفاته أربعة وثمانين ألفا، وخلف زيد بن ثابت من الفضة والذهب ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلّف من الأموال والضياع بمائة ألف دينار. وبنى الزبير داره بالبصرة، وكذلك بمصر، والإسكندرية، والكوفة، وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة، وشيّد داره بالمدينة، وبناها بالجص والآجر، والساج. وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، ورفع سمكها، وأوسع فضاءها، وجعل على أعلاها شرفات.\nوبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصصة الظاهر والباطن، وفي تاريخ ابن عساكر: أن الثائرين على عثمان انتهبوا ماله كله يوم قتل، وكان ثلاثين ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم اهـ.\nوترجم في الإصابة لحمزة بن أيفع الهمداني فذكر عن ابن الكلبي، أنه هاجر في زمن عمر إلى الشام ومعه أربعة آلاف عبد فاعتقهم كلهم، وفي مسند أحمد «١» عن أنس قال:\nبينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا في المدينة فقالت: ما هذا؟ قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف، قدمت من الشام، تحمل كل شيء. قال: فكانت سبعمائة بعير. قال: فارتجت المدينة من الصوت، فذكر القصة. وفيها: فجعلها عبد الرحمن بن عوف بأقتابها وأحمالها في سبيل الله ﷿.\nوممن كان يعدّ من أغنياء الصحابة عمرو بن العاص خرج ابن عساكر أن عمروا كان يلقح كروم الوهط (بستان له بالطائف بألف ألف خشبة، كل خشبة بدرهم، فالكرم الذي يحتاج إلى خشب بألف ألف. كم تكون غلته؟ وكانت له دور كثيرة بمصر، ودور بدمشق، منها دار بجيرون ودار في ناحية الجابية، ودار تعرف بدار بني أحيحة، ودار تعرف بالمارستان، أنظر تاريخ ابن عساكر، حتى قال بعض العصريين: إن ما ذكره المؤرخون من مقدار ثروة عمرو لا يقبله العقل.\nومن أغنيائهم أيضا عمرو بن حريث القرشي المخزومي، ترجمه النووي في التهذيب فقال: مسح النبي ﷺ رأسه، ودعا له بالبركة في صفقته وبيعته، فكسب مالا عظيما فكان من أغنى أهل الكوفة، وهو أول قرشي اتخذ بها داره، وولي بها لبني أمية اهـ.\nوفي ترجمة حويطب بن عبد العزى من الإصابة أن المصطفى ﵇ استقرضه مالا فأقرضه أربعين ألفا، ونزل المدينة، وبقي بها إلى أن مات. وباع داره بمكة من معاوية بأربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض الناس فقال حويطب: وما هذه لمن عنده خمس من العيال.\n_________\n(١) ج ٦ ص ١١٥.","vol":"2","page":266},{"text":"قلت: هذا يدلك على مقدار ما كانوا يستهلكون من المصاريف، ونفقات عيالهم.\nوفي طبقات ابن سعد: عن سفيان بن الربيع قال: انطلقت في رهط في نسّاك أهل البصرة إلى مكة فقلت: لو نظرت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ، فدللنا على عبد الله بن عمرو بن العاص، فأتينا منزله، فإذا قريب من ثلاثمائة راحلة، فقلت: على كل هؤلاء حج عبد الله بن عمرو؟ قالوا: نعم هو ومواليه وأحباؤه الخ أنظر ص ٢ ج ٤.\nومن أغنيائهم سيدنا أنس، خادم النبي ﷺ، فقد أخرج ابن سعد في الطبقات: كان أنس بن مالك من أحرص أصحاب محمد على المال، وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية، على قول البوصيري في الصحابة:\nأغنياء نزاهة فقراء ... علماء أيمة أمراء\nمن كان بيده منهم فال كابن عوف وعثمان، فإنما كان خازنا لله يصرفه في مصارفه الشرعية، فهو مقتنيه لذلك لا لفخر، ولا لمحبة جمع الحطام الفاني، ولذلك جاء أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف رقيق، وتصدق هو وعثمان في غزوة تبوك بما يبهر العقل، وكان للزبير ألف مملوك يؤدون له الخراج، وما مات إلا وعليه قدر كثير جدا من الديون، وكون المخلف عن ابن عوف في ربع ثمنه ثمانون ألف دينار، لا ينافي ما تقرر أنه إنما كان خازنا لله، فإنه ليس معناه يخرج جميع ما بيده دفعة واحدة، بل يبقيه ويخرج منه ما هو المطلوب منه في كل حال، أو زمان. وأما إخراجه ﷺ لجميع ما كان بيده دفعة فهو إما لاحتياجه لذلك، لسدّ ضروريات أصحابه أو لأن حاله في الأمور الخارقة للعادة، لا يقدر غيره على التأسي به فيها، فلا يكلف بذلك اهـ ونحوه لأبي عبد الله زنيبر السلاوي، والشريف السجلماسي، وأبي عبد الله الحضيكي السوسي، ثلاثتهم في شرحها أيضا وزاد الحضيكي على قوله:\nزهدوا في الدنيا فما عرف الميل ... إليها منهم ولا الرغباء\nلا ينافي زهدهم فيها كونهم أغنياء كما تقدم، وحصولها بأيدي بعضهم بدعائه ﷺ لأنس، وابن عوف، وثناؤه ﵇ على المال بقوله: نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح، لأنهم خزان الله الخ. وانظر تحفة الأكابر على أثر عبد الرحمن بن عوف: يدخل الجنة حبوا.\nوسأل السلطان الملك الأشرف حافظ عصره الشمس السخاويّ عن حديث: اللهم من أحبني فارزقه الكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده، هل هو صحيح؟ وما الجمع بينه وبين دعائه ﵇؛ لأنس بكثرة المال والولد، فأجابه بجواب نفيس جدا في نحو كراسين مضمونه؛ أن الحديث المذكور وارد من طرق ودعاؤه لأنس أصح منه، ومحملها أن المال الذي دعا به ﵇ لأنس هو المطلوب من حله والمأخوذ من وجهه، أنظر الجواب المذكور فإنه مفيد.","vol":"2","page":267},{"text":"ومن اللطائف ما في فهرسة شيخ الجماعة بالمغرب؛ أبي عبد الله محمد تو بن سودة أن شيخه الوجيه العيدروس قال في قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٢٧] الضمير للرزق، لا للإسم الشريف «١»، قال: فقد بسط سبحانه لعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، ولم يكن منهم بغي انظر الفهرسة المذكورة، ثم وجدت السيد العيدروس مسبوقا بذلك قاله قبله العارف ابن وفا في كتابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>باب فيمن تغالى من الصحابة في صداقه لما تزوج بعلوية</span>\nذكر الشيخ المختار الكنتي في الأجوبة المهمة، نقلا عن الحافظ الدميري: أعظم صداق بلغنا خبره صداق عمر لما تزوج زينب بنت علي، فإنه أصدقها أربعين ألف دينار، فقيل له في ذلك فقال: والله ما فيّ رغبة إلى النساء، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول «٢»: كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، فأردت تأكيد النسب بيني وبينه ﵇، فأردت أن أتزوج ابنته، كما تزوج ابنتي. وأعطيت هذا المال العريض إكراما لمصاهرتي إياه ﵇ اهـ منها. هذا مع كون عمر نهى عن المغالاة في المهر ولكن قاطعته امرأة احتجت عليه بقوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا [النساء: ٢٠] انظر قصتها معه في فتح الباري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>باب في ذكر عدد الصحابة</span>\nقال الحافظ أبو زرعة الرازي لمن قال له: أليس يقال: حديث رسول الله ﷺ أربعة آلاف حديث؛ قال؛ ومن قال ذا قلقل الله أنيابه. هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ، قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف وعشرة آلاف ممن روى عنه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه. قال أهل المدينة وأهل مكة، ومن بينهما من الإعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفة، قال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب بعد إيراده لهذا: أجاب به أبو زرعة سؤال من سأله عن الرواة خاصة، فكيف بغيرهم اهـ قال السخاوي إثره في شرح الألفية: وكذا لم يدخل في ذلك من مات في حياته ﷺ في الغزوات وغيرها اهـ وقال الشمس البرماوي في شرح الزهر البسام: العدد الأصح في النقل عنه أي أبي زرعة رواه ابن المديني في ذيله، على كتاب الصحابة: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ممن روى عنه، وسمع منه، واستبعده البرماوي. قال الشمس السفاريني في شرحه على عقيدته؛ قلت: قد جزم بهذا العدد الحافظ السيوطي في الخصائص الصغرى، وذكره شيخنا الشهاب المنيني في نظمها بقوله.\n_________\n(١) أي لعباد الرزق: بمعنى الذين يحبون المال لدرجة العبادة؛ فالضمير يعود على الرزق مصححه.\n(٢) عزاه صاحب التيسير للطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عمر وفي رواية للطبراني عن ابن عباس والمسور بن مخرمة، قلت: وفي أحمد بمعناه ٤/ ٣٢٣.","vol":"2","page":268},{"text":"وعدّهم للأنبيا يقارب. اهـ أنظر ص ٤٧ ج ١.\nومع ذلك حصر ابن فتحون عدد ما في الاستيعاب في ثلاثة آلاف وخمسمائة، واستدرك عليه هو قريبا من ذلك. وقال الذهبي في كتابه التجريد: ولعل جميع ما فيه ثمانية آلاف نفس إن لم يزيدوا لم ينقصوا اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر: إنه لم يحصل أي كل من صنف في الصحابة على العشر من أساميهم بالنسبة إلى ما مضى عن أبي زرعة، فكل حكى عن قدر تتبعه ومبلغ علمه اهـ.\nقال السخاوي: وسبب الخفاء أنّ أكثرهم أعراب وأكثرهم حضروا في حجة الوداع اهـ.\nوقد ألفّ في معرفة الصحابة جماعة من المتقدمين والمتأخرين كابن سعد كاتب الواقدي، وأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري، وعبد الباقي بن قانع القاضي، وأبي علي ابن السكن، وأبي عبد الله محمد بن منده، وأبي حاتم محمد بن حيان، وأبي موسى المديني، والبغوي، وابن عبد البر، وهو أشهر من ألف فيهم، وابن الأثير، والذهبي، وابن حجر، كتابه الإصابة وهو أجمعها وأقربها إفادة، ولم يأت بعده إلا من خدمه بالاختصار ونحوه. ومن آخر من اختصره بفاس أبو زيد العراقي الحسيني، والموجود عندي من اختصاره بخطه إلى حرف العين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>باب في ذكر عدد من كان بالمدينة من الصحابة معه ﵇ آخر الأمر</span>\nقال الغزالي في الباب الثالث من أعمال الباطن، من ربع العبادات من الأحياء: مات ﷺ عن عشرين ألفا من أصحابه. قال الحافظ العراقي: لعله عنى [من] بالمدينة، وعن الشافعي، كما في مناقبه للآبري، والساجي من طريق ابن عبد الحكم عنه: قبض رسول الله ﷺ والمسلمون ستون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفا في قبائل العرب وغيرها.\nوعن أحمد فيما رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن علي الطبري عنه قال: قبض النبي ﷺ، وقد صلى خلفه ثلاثون ألف رجل. قال السخاوي في فتح المغيث: وكأنه عنى [من] بالمدينة ليلتئم مع ما قبله اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>باب في المكثرين الرواية عنه ﷺ من الصحابة</span>\nالمكثرون منهم رواية كما قال أحمد فيما نقله ابن كثير وغيره الذين زاد حديثهم على ألف وهم: ستة، عبد الله بن عمر، وعائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر، وسعد، وأبو هريرة، وهو بالإجماع أكثرهم، ويدل لذلك أن بقي بن مخلد حافظ الأندلس روى:\n١- لأبي هريرة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وستين.\nو٢- لابن عمر ألفين وستمائة وثلاثين.","vol":"2","page":269},{"text":"و٣- لأنس ألفين ومائتين وستة وثمانين.\nو٤- لعائشة ألفين ومائتين وعشرة.\nو٥- لابن عباس ألفا وستمائة وستين.\nو٦- لجابر ألفا وخمسمائة وأربعين. ولهم سابع نّبه عليه الحافظ العراقي تبعا لابن كثير، وهو أبو سعيد الخدري، فروى له بقيّ ألفا ومائة وسبعين وقد نظمه البرهان الحلبي فقال:\nأبو سعيد نسبة لخدرة ... سابعهم أهمل في القصيدة\nوقال آخر:\nسبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا ... عن النبي رسول الله خير مضر\nأبو هريرة سعد جابر أنس ... صديقة وابن عباس كذا ابن عمر\nوأدرج ابن كثير في المكثرين؛ ابن مسعود، وابن عمرو بن العاص، ولكن لم يبلغ حديث واحد منهم ألفا عند بقي، إذ حديث أولهما عنده ثمانمائة وثمانية وأربعون، وثانيهما سبعمائة.\nتنبيه قال ابن سعد في الطبقات: قال محمد بن عمرو الأسلمي: إنما قلّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ، لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج إليهم، وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول الله ﷺ أئمة يقتدى بهم، ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون، ويستفتون فيفتون، وسمعوا أحاديث فأدّوها. فكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ أقلّ حديثا عنه من غيرهم؛ مثل أبي بكر وعثمان وطلحة وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت، وأسيد بن حضير، ومعاذ بن جبل ونظرائهم، فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ﷺ مثل: جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب، ونظرائهم. لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم، ومضى كثير من أصحاب النبي ﷺ، ومنهم من لم يحدث عن رسول الله ﷺ شيئا، ولعله أكثر له صحبة ومجالسة وسماعا من الذي حدث عنه، ولكن الأمر في ذلك منهم على التأني في الحديث، أو على أنه لم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ، وعلى الإشتغال بالعبادة والاسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا ولم يحفظ عنهم عن رسول الله ﷺ شيء اهـ.\nفائدة أفرد مسند عبد الله بن عمرو بالتصنيف جماعة، منهم محدث بغداد أبو خيثمة زهير بن حرب.","vol":"2","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>باب في ذكر أحفظ الصحابة وأول محدث في الإسلام</span>\nقدمنا أن أبا هريرة أحفظ الصحابة، وقد حكى الإجماع على ذلك النووي، وقاله سعيد ابن أبي الحسن، وابن حنبل، وتبعهما ابن الصلاح، والعراقي في الألفية، وغيره، وترجمه الذهبي في طبقات الحفاظ، فنقل عن الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، قال: وروى كهمس عن عبد الله بن شقيق قال: قال أبو هريرة: لا أعرف أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ أحفظ لحديثه مني، وذكر أن ابن عمر قال، لأبي هريرة: إن كنت لألزمنا وأعلمنا بحديثه.\nوذكر الذهبي أيضا عن أبي بكر بن داود قال: رأيت في النوم وأنا بسجستان أبا هريرة فقلت له: أنا أحبك فقال: أنا أول صاحب حديث في الدنيا.\nوقال ابن ناصر الدين الدمشقي، في شرح بديعية البيان، في ترجمة أبي هريرة: هو حافظ الصحابة في عصره ومكثرهم اهـ.\nوقد أفرد مسند أبي هريرة بالتصنيف، دون بقّي بن مخلد جماعة، منهم؛ الطبراني، وإسماعيل بن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو العباس أحمد بن محمد البرقي، وخلق سواهم. ونقل صاحب فواتح الرحموت على مسلّم الثبوت، عن العراقي قوله: أجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر أميري المؤمنين، فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم من غير نكير.\nاهـ وفي محل آخر من فواتح الرحموت أيضا: أبو هريرة فقيه مجتهد لا شك في فقاهته، فإنه كان يفتي في زمن النبي ﷺ وبعده، وكان يعارض قول ابن عباس وفتواه، وفي بعض شروح الأصول للإمام فخر الدين: روى عنه سبعمائة نفر من أولاد المهاجرين والأنصار، وروى عنه جماعة من الصحابة اهـ.\nقلت: وقد وقفت في تونس على رسالة جليلة لمفتي المالكية بها الأستاذ الشيخ محمد النجار سماها: شمس الظهيرة في بيان فضل وفقه أبي هريرة، ولما ذكر الحافظ ابن القيم، في كتابه: الوابل الصيب حفظ عبد الله بن عباس وفقهه قال: وأين تقع فتاوي ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوي أبي هريرة وتفسيره، وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه درسا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والإستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها. وهكذا الناس قسمان حفاظ، ومعتنون بالإستنباط اهـ.\nقلت: وقع في كلام لبعض العصريين: يبدأ تاريخ الحفاظ المعدودين في الإسلام بعبد الله بن عباس، فقد كان لا يدور في مسمعيه شيء إلا وعاه وأثبته، وسمع قصيدة ابن","vol":"2","page":271},{"text":"أبي ربيعة «١» ولم يكن سمعها إلا تلك المرة فوعاها، فلا جرم أن كان صدره خزانة العرب، إليه مرجعهم في التفسير والحديث، والحلال والحرام، والعربية والشعر، ولو صحت نسبة ما رواه بعض الرواة عن الزهري، عن عكرمة عن ابن عباس، أنه قال: يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء، لكان ابن عباس نفسه صاحب السبعين الأولى في الإسلام، وأما إن كان الخبر من أكاذيب عكرمة، فيكون قد وصف به أستاذه ابن عباس أصدق الوصف، على مبالغة فيه خبيثة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>باب في ذكر أئمة الفتوى من الصحابة</span>\nالمكثرون منهم إفتاء سبعة عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة. قال ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم، ويلي هؤلاء السبعة في الفتوى عشرون: أبو بكر وعثمان وأبو موسى، ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان وجابر وأبو سعيد، وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، وابن الزبير، وأم سلمة، قال: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير، وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسا مقلّون في الفتيا جدا، لا تروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث؛ كأبيّ ابن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد وسرد الباقين. قال: ويمكن أن يجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير.\nقاله السخاوي. في فتح المغيث، والسيوطي في تدريب الراوي.\nوفي ترجمة بقي بن مخلد حافظ الأندلس وفخرها من تاريخ ابن عساكر: أنه صنف في فتاوي الصحابة والتابعين ومن دونهم، حتى أربى فيه على مصنف عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغيرهم. وانتظم علما عظيما لم يقع في شيء من هذه الكتب فصار هو وغيره من تاليفه قواعد في الإسلام لا نظير لها اهـ انظر اختصاره ص ٢٧٩ ج ٣.\nقلت: وبذلك مع ما سيأتي عن ابن القيم عن ابن حزم؛ من أن فتاوي ابن عباس أفردت بسبع مجلدات، تعلم ما في قول النووي في تهذيب الأسماء واللغات: لم ينقل عن الصحابة إلا مسائل معدودات إذ كانت فتاويهم مقصورة على الوقائع، بل كانوا ينهون عن السؤال عما لم يقع، وكانت همتهم مصروفة إلى جهاد الكفار، لاعلاء كلمة الإسلام، وإلى مجاهدة النفوس والعبادة، الخ لخ. فإن الصحابة في زمنه ﵇ كانوا ينقسمون إلى من يتعلم ويعلم، وإلى من يتجر ويزرع، ولم يكونوا يحاربون على الدوام إلا إذا كان النفير العام في عام من الأعوام، ومن كان يفقه المئات والآلاف والملايين الذين أسلموا في زمنهم\n_________\n(١) قصيدة عمر بن أبي ربيعة ومطلعها:\nأمن أم أوفى أنت غاد فمبكر ... غداة غد أو رائح فمهجّر","vol":"2","page":272},{"text":"﵃، ويبث فيهم الشرائع، لولا قيام طائفة منهم بالإفتاء والتعليم، وقصرهم أنفسهم على ذلك، والله أعلم.\nلطيفة في جامع البيان والتحصيل لابن رشد، روي أن أبا هريرة ترك الفتيا، فقيل له في ذلك قال: أما جسمي فقد ضعف، والقلب بضعة من الجسم، وأنا أخشى أن يكون فهمي ضعف كما ضعف جسمي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>باب في ذكر من كان أكثر الصحابة فتيا ومن جمع من فتاويه سبع مجلدات والمخصوص منهم بلقب البحر وحبر القرآن ورباني الأمة والغواص ومن كان يعرف ممره من الطريق ومن وجم الناس عن تعزيته عن أبيه هيبة له وإجلالا</span>\nأكثر الصحابة على الإطلاق فتوى؛ فيما قاله الإمام أحمد: عبد الله بن عباس، بحيث كان كبار الصحابة يحيلون عليه في الفتوى، كيف وقد دعا له المصطفى ﷺ، بقوله: اللهم علمه الكتاب «١» وفي لفظ اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل، وفي آخر: اللهم علمه الحكمة وتاويل الكتاب، وفي آخر: اللهم بارك فيه وانشر منه وقال ابن عمر: هو أعلم من بقي بما أنزل على سيدنا محمد، وقال أبو بكرة: قدم علينا البصرة وما في العرب مثله حشما وعلما وبيانا وجمالا وقالت عائشة: هو أعلم الناس بالحج. ووصفه بالبحر ثابت في صحيح البخاري، وغيره. وإنما وصف بذلك لكثرة علمه كما قال مجاهد، وعن عطاء أنه كان يقول: قال البحر: وفعل البحر يريد ابن عباس، بل سماه غير واحد حبر الأمة وبعضهم حبر العرب وترجمان القرآن، ورباني الأمة، وانظر فتح المغيث.\nوفي ترجمته من الأصابة: كان يقال له حبر العرب، ويقال إن الذي لقبه بذلك جرجير ملك طرابلس الغرب، وكان قد غزا مع عبد الله ابن أبي سرح أفريقية، فتكلم مع جرجير فقال له: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، ذكر ذلك ابن دريد في الأخبار المنثورة له اهـ.\nوفي ترجمته من الإستيعاب: كان عمر بن الخطاب يحبه ويدنيه ويقربه، ويشاوره مع أجلة الصحابة، وكان عمر يقول فيه: فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول، وقال طاوس: أدركت نحو خمسمائة من الصحابة إذا ذكروا ابن عباس فخالفوه لم يزل يقرر لهم حتى ينتهوا إلى قوله. قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجا ومعه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم، وكان عمر يعدّه للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين. ويروى أن معاوية نظر إلى ابن عباس يوما يتكلم، فأتبعه بصره وقال متمثلا:\n_________\n(١) البخاري كتاب العلم باب ١٧ ج ١ ص ٢٧.","vol":"2","page":273},{"text":"إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... مصيب ولم يثن اللسان على هجر\nيصّرف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر\nوخرّج ابن عبد البر أيضا عن عطاء قال: كان ناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب وناس يأتون لأيام العرب ووقائعها، وناس يأتون للعلم والفقه، ما فيهم صنف إلا يقبل عليه بما شاء اهـ.\nوأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات: أن عمر قال لابن عباس، بعد مراجعة في قضية، رجع فيها عمر لقول ابن عباس مع صغره: يا ابن عباس من ظن أنه يرد لبحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال:\nدخلت على عمر بن الخطاب يوما فسألني عن مسألة كتب إليه بها يعلى بن أمية من اليمن، فأجبته فيها فقال عمر: أشهد أنك تنطق عن بيت نبوة.\nوأخرج الدينوري عن المدائني قال علي ابن أبي طالب في عبد الله بن عباس: إنه لينظر إلى الغيب [من] خلف ستر رقيق؛ لعقله وفطانته بالأمور، وفي ترجمة ابن عباس من طبقات الحفاظ عن الأعمش قال: استعمل عليّ ابن عباس على الحج، فخطب يومئذ خطبة لو سمعها الترك والروم لأسلموا، ثم قرأ سورة النور فجعل يفسرها. وقال الحافظ ابن القيم في كتابه، الوابل الصيب: هذا عبد الله بن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، مقدار ما سمع من النبي ﷺ لم يبلغ العشرين حديثا، الذي يقول فيه سمعت ورأيت وسمع كثيرا من الصحابة، وبورك له في فهمه واستنباطه، حتى ملأ الدنيا علما وفقها.\nقال أبو محمد بن محمد بن حزم: وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار، وهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر، وقد سمع كما سمعوا وحفظ القرآن كما حافظوا، ولكن كانت أرضه أخصب الأراضي، وأمثلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فأنبت من كل زوج كريم، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة: ٤] اهـ.\nوذكر ابن سليمان في صلته أن أبا محمد دعلج بن أحمد السجستاني أفرد مسند عبد الله بن عباس بالتصنيف، وأن الحافظ ابن رجب له نور الإقتباس في مشكاة وصية ابن عباس، وفي خلاصة الخزرجي قال موسى بن عبيدة: كان عمر يستشير ابن عباس ويقول:\nغواص، وقال سعد: ما رأيت أحضر فهما ولا ألبّ لبا ولا أكثر علما ولا أوسع حلما من ابن عباس. ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وقال عكرمة: كان ابن عباس إذا مرّ في الطريق قالت النساء: أمرّ المسك أو ابن عباس؟ وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا نطق قلت أفصح الناس، وإذا حدّث قلت أعلم الناس اهـ.\nوفي كتاب رونق التحبير في حكم السياسة والتدبير لمحمد ابن أبي العلاء بن سماك، والفروق للقرافي ص ١٩٥ ج ٢ روي أن العباس بن عبد المطلب لما مات عظم المصاب به","vol":"2","page":274},{"text":"على ابنه عبد الله وكان عبد الله بن عباس عظيما عند الناس في نفسه، لأنه كان ترجمان القرآن، وافر العقل جميل المحاسن والجلالة والأوصاف الحميدة، فأعظمه الناس على التعزية إجلالا له ومهابة بسبب عظمته في نفسه، وعظمة من أصيب به، فإنّ العباس عم رسول الله ﷺ، وبقي بعد وفاته مثل والده، وكان يقال: من أشجع الناس؟ فيقال: العباس.\nومن أعلم الناس؟ فيقال: العباس ومن أكرم الناس؟ فيقال: العباس. فلما مات عظم خطبه وجلّت رزيته في صدور الناس، وفي صدر ولده عبد الله، وأحجم الناس عن تعزيته، فأقاموا على ذلك شهرا كما ذكره المؤرخون، فبعد الشهر قدم أعرابي من البادية فسأل عن عبد الله بن عباس، فقال الناس: ما تريد؟ قال: أريد أن أعزي عبد الله بن عباس. فقام الناس معه عساه أن يفتح لهم باب التعزية، فلما رأى عبد الله بن عباس قال له: السلام عليك يا أبا الفضل فرد عليه عبد الله فأنشده:\nإصبر نكن بك صابرين فإنما ... صبر الرعية عند صبر الراس\nخير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس\nفلما سمع الشعر عبد الله زال ما كان به، واسترسل الناس في تعزيته اهـ.\nتتمة ممن دون فقهه من أهل القرن الأول الحسن البصري، ففي رسالة الحافظ أبي محمد بن حزم في مفاخر أهل الأندلس، أن القاضي محمد بن يمن بن مفرج له سبعه أسفار في فقه الحسن البصري، وكتب كثيرة جمع فيها فقه الزهري اهـ أنظرها في نفح الطيب ص ١٣٢ ج ٢.\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>باب في ذكر من كان في الصحابة له أتباع يقلدونهم في فتواهم</span>\nقال ابن المديني: انتهى علم أصحاب رسول الله ﷺ إلى ثلاثة؛ ممن أخذ عنهم العلم وهم: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس. وإلى ذلك إشار الحافظ العراقي في الألفية فقال:\nوهو وزيد وابن عباس لهم ... في الفقه أتباع يرون قولهم\nفأما ابن عباس فذكر الشمس ابن عابدين الحنفي الدمشقي: أوّل حواشيه على الدر المختار ص ٤٠ أن ملوك الدولة العباسية؛ كانوا على مذهب جدهم عبد الله بن عباس، قال: وإن كان أكثر قضاتهم ومشايخ إسلامها حنفية. انظره. وانظر لم لم يحملوا الناس على مذهبه مع أن مذهبه وفتاويه دونت قبل ابن حزم في سبع مجلدات، كما سبق في الترجمة قبل. والله أعلم ثم وجدت ابن عابدين المذكور ذكر في باب العيدين أن مذهب ابن عباس في تكبير العيدين أن يكبر الإمام في الأولى سبعا وفي الثانية ستا قال في الهداية:\nعليه عمل العامة اليوم لأمر الخلفاء من بني العباس به، قال في الظهيرية: وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف ومحمد فإنهما فعلا ذلك لأن هارون أمرهما أن يكبرا بتكبير جده","vol":"2","page":275},{"text":"ففعلا ذلك امتثالا لأمره، لا مذهبا واعتقادا. قال في المعراج: لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة اهـ أنظر ص ٥٨٣ ج ١.\nوأما ابن مسعود ففي الدر المختار، شرح تنوير الأبصار، للحصكفي الحنفي، قد قالوا: الفقه زرعه عبد الله بن مسعود، وسقاه علقمة وحصده إبراهيم النخعي، ودرسه حمّاد، وطحنه أبو حنيفة، وعجنه أبو يوسف، وخبزه محمد، فسائر الناس يأكلون من خبزه وقد نظم بعضهم فقال:\nالفقه زرع ابن مسعود، وعلقمة ... حصّاده ثم إبراهيم درّاس\nنعمان طاحنه يعقوب عاجنه ... محمد خابز والآكل الناس\nقال محشي الدر على قوله: زرعه أي أول من تكلم باستنباط مرويه عبد الله بن مسعود اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>باب في ذكر الذين انتهى إليهم العلم من الصحابة</span>\nقال مسروق بن الأجدع: انتهى الذي كان عند أصحاب رسول الله ﷺ إلى ستة أنفس: زيد، وأبو الدرداء، وأبي بن كعب، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وانتهى علم الأربعة الأولين لعلي وابن مسعود، وجعل الشعبي أبا موسى الأشعري بدل أبي الدرداء، وخرّج الحاكم مرفوعا: أبو هريرة وعاء العلم وأخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له: يرحمك الله فإنك عليم معلم.\nوفي طبقات ابن سعد؛ أن أبا موسى الأشعري قال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فينا يعني ابن مسعود، وأخرج فيها أيضا أن عبد الله أقبل يوما وعمر جالس قال: فلما رآه مقبلا قال: كنيف ملىء علما أو قال فقها: وقال في القاموس [للفيروز آبادي]: وكنيف لقب ابن مسعود لقبه به عمر تشبيها بوعاء الراعي اهـ قال ابن الطيب في حواشي القاموس: هذا هو المعروف المشهور، خلافا لما في الظهيرية وغيرها، من أن النبي ﷺ قال له: كنيف مليء علما فإنه ليس بمعروف اهـ.\nوأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن أبي شيبة عن أبي سفيان عن أشياخ لهم في امرأة أمر عمر برجمها وهي حبلى، فأشار معاذ بن جبل بحبسها حتى تضع، فخرجت إشارة معاذ فقال عمر: عجزت النساء أن تلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر.\nوأخرج ابن سعد عن شهر بن حوشب قال: قال عمر: إن العلماء إذا حضروا يوم القيامة كان معاذ بن جبل بين أيديهم قذفة بحجر، وفي الإستبصار: أن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود فقال: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا.\nولم يكن من المشركين، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنما قال الله إن إبراهيم كان أمة فأعاد قوله: إن معاذا فلما رأيته أعاد عرفته أنه تعمد الأمر فسكت، فقال: أتدري ما الأمة وما","vol":"2","page":276},{"text":"القانت؟ قلت: الله أعلم. قال: الأمة الذي يعلم الناس الخير، ويؤتم به، ويقتدى به، والقانت المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل معلما للخير، مطيعا لله.\nوأخرج ابن سعد عن شهر بن حوشب قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: خرج معاذ إلى الشام، لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمات أبا بكر أن يحبسه لحاجة الناس إليه فأبى علي، قال كعب بن مالك: وكان معاذ بن جبل يفتي الناس بالمدينة في حياة النبي ﷺ، وأبي بكر.\nوأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: وكان معاذ معلما من المعلمين على عهد رسول الله ﷺ، وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه: لكل أمة عالم، وعالم هذه الأمة عبد الله بن عمر.\nتنبيه منتهى غالب سلاسل الفقه المالكي، والفقه الحنبلي إلى عبد الله بن عمر، ومنتهى غالب سلاسل الفقه الحنفي إلى عبد الله بن مسعود، ومنتهى غالب سلاسل الفقه الشافعي إلى عبد الله بن عباس ﵃، أنظر حرف الفاء من حصر الشارد للشيخ محمد عابد السندي الحنفي، وفي غير الغالب تنتهي إلى غير هؤلاء من فقهاء الصحابة، انظر: كنز الرواية المجموع، والرحلة العياشية وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>باب من عرف بالكرم والجود من الصحابة</span>\nمشاهيرهم وعظاماؤهم به سادوا، وعنهم في باب الجود الحديث الغريب يساق، وناهيك بجودهم بأنفسهم وأولادهم فمالهم بالأحرى، ومجيء أبي بكر له ﵇ بجميع ماله، وعمر بنصفه معروف، خرّجه الدارمي وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن أبي عاصم وابن شاهين في السنة، والحاكم وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي وابن الضريس وغيره، وتجهيز عثمان جيش العسرة معلوم.\nوممن جاء عنه العجب في هذا الباب سيدنا سعد بن عبادة سيد الخزرج، وهو الذي كان يلقب من بين الصحابة بالكامل، وقد ترجمه الدارقطني في كتاب الإستحياء قال في الأصابة:\nمشهورا بالجود هو وأبوه وجده، وكان لهم أطم ينادى عليه كل يوم: من أحب اللحم والشحم فليأت أطم دليم بن حارثة، وكانت جفنته تدور مع النبي ﷺ في بيوت أزواجه.\nوروى ابن أبي الدنيا من طريق ابن سيرين قال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالأثنين، والرجل بالجماعة، أما سعد فكان ينطلق بثمانين كل ليلة يعشيهم، هكذا ساقه في ترجمة فضائله ابن الهندي في الكنز، وكان سعد يقول: اللهم لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلح لي القليل، ولا أصلح عليه.\nوأخرج أبو بكر في الغيلانيات، وابن عساكر عن جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، أن النبي ﷺ وسلم بعثهم في بعث عليهم قيس بن سعد بن عبادة، فجهدوا فنحر لهم تسع","vol":"2","page":277},{"text":"ركائب، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت.\nوأخرج ابن أبي الدنيا عن رافع بن خديج قال: أقبل أبو عبيدة ومعه عمر بن الخطاب فقال لقيس بن سعد: عزمت عليك لا تنحر، فلما نحروا بلغ النبي ﷺ قال: إنه في بيت جود انظر ص ٨٤ ج ٧ من كنز العمال.\nوفي الإستبصار في انساب الأنصار؛ يقال: لم يكن في الأنصار كله أربعة مطعمون يتوالون في بيت واحد، إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم ولم يكن مثل ذلك في سائر العرب.\nوجاء ابن عمر على أطم سعد فقال لنافع: هذه أطم جده. لقد كان مناديه ينادي يوما: من أراد اللحم والشحم فليأت دار دليم فمات دليم فنادى عبادة بمثل ذلك ثم مات عبادة فنادى سعد بمثل ذلك ثم رأيت قيسا يفعل مثل ذلك اهـ.\nقال ابن قدامة: قيس بن سعد أحد الأجواد المذكورين، وأخباره في الجود والبسالة مشهورة، ومن مشهورها أنه كانت له ديون كثيرة، فمرض، فاستبطأ عوّاده فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دينك عليهم، فأمر مناديا فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو له، فأتاه الناس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه.\nوفي ترجمة سنطاس مولى سعد بن عبادة من الأصابة، وقع ذكره في الإستحياء للدار قطني، فأخرج عن محمد بن عبد العزيز قال: كان سعد بن عبادة يغزو سنة ويغزو ابنه قيس بن سعد سنة. فغزا سعد مع الناس، فنزل برسول الله ﷺ ضيوف كثير مسلمون فبلغ ذلك سعدا، وهو في ذلك الجيش فقال: إن يكن قيس ابني فسيقول: يا سنطاس هات المفاتيح، أخرج لرسول الله ﷺ حاجته، فيقول سنطاس: هات من أبيك كتابا فيدق أنفه ويأخذ المفاتيح ويخرج لرسول الله ﷺ حاجته، فكان الأمر كذلك. وأخذ قيس لرسول الله ﷺ مائة وسق.\nوعزا محدث الشام الشمس السفاريني في ص ٩٩ ج ٢ من شرحه على منظومة الآداب، لأبي بكر أحمد بن مروان المالكي الدينوري، في المجالس عن معن بن كثير عن أبيه أن سعد بن عبادة أتى رسول الله ﷺ بصحفة أو جفنة مملوءة مخا فقال: يا أبا ثابت ما هذا؟ قال؛ والذي بعثك بالحق، لقد نحرت أو ذبحت أربعين ذات كبد، فأحببت أن أشبعك من المخ، قال: فأكل ودعا له النبي ﷺ بخير، قال: إبراهيم بن حبيب: سمعت أن الخيزران حدثت بهذا الحديث فقسمت قسما من مالها على ولد سعد بن عبادة، وقالت:\nأكافىء ولد سعد عن فعله برسول الله ﷺ. قال السفاريني: الخيزران هي أم هارون الرشيد وهي أمة بربرية ولها خيرات، وقد أخرج هذه القصة ابن عساكر، فساقها الحافظ السيوطي في الجمع وابن الهندي في الكنز. أنظر ص ٤٠ ج ٧.","vol":"2","page":278},{"text":"قلت: هذه القصة من عظيم ما جاء عن ذلك التاريخ، مما يدل على التوسع والرفاهية، ولذيذ المطعم، وفيه قوة عمارة المدينة، وأنها كانت تحمل أن يذبح فيها مثل ذلك العدد من ذوات الكبد، ولا يعد ذلك تضييعا للمال، وما كان الصحابة يأتون من الأعمال الحامل عليها منهم التقرب إليه ﵇ بكل غال ورخيص، وقال ابن المسيب كما في الاصابة: عن سعد كنا عند النبي ﷺ فأقبل العباس فقال: هذا أجود قريش كفا، وأخرج أبو نعيم عن المسوّرين مخرمة قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زهرة، وفقراء المسلمين، وأمهات المؤمنين.\nوبعث معي إلى عائشة بمال من ذلك المال، فقالت له عائشة: أما أني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.\nفهذا يدل على ارتفاع الأرضين في زمن الخلفاء الراشدين، فإن البلدة التي يكون ثمنها الآن نحو الثمانين ألف ريال بلدة عظيمة، فكيف بها هناك في ذلك الزمن، ويدل على عظيم بذل الصحابة وبرّهم وهبتهم، فبخ بخ لتلك الهمم القعساء، والخلل الشماء.\nوأخرج الإمام أحمد «١» وأبو نعيم قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا رجت منه المدينة فقالت؛ ما هذا فقالوا عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف، من الشام، وكانت سبعمائة بعير فقالت عائشة: أما أني سمعت النبي ﷺ يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الحنة حبوا، فبلغ ذلك ابن عوف، فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته فقال: إني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله، وأخرج أبو نعيم وابن عساكر، عن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله على عهد رسول الله ﷺ أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفا، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة، ولما ذكر ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية، أن الزبير كان له ألف عبد يؤدون له الخراج، كتب عليه الشمس الحفني في حواشيه أي: في كل يوم فيتصدق في مجلسه به ولا يقوم بدرهم اهـ.\nوأخرج الروياني وابن عساكر، عن حبيب ابن أبي ثابت، أن أبا أيوب أتى معاوية فشكا له أن عليه دينا، فلم ير فيه ما يحبه ورأى ما يكرهه، فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم سترون بعدي أثرة قال: فأي شيء قال لكم؟ قال: اصبروا. قال: فاصبروا.\nقال: فو الله لا أسألك شيئا أبدا، فقدم البصرة فنزل على ابن عباس، ففرغ له بيته وقال:\nلأصنعن لك كما صنعت برسول الله ﷺ، فأمر أهله فخرجوا، وقال له: لك ما في البيت كله، وأعطاه أربعين ألفا وعشرين مملوكا: انظر فضائل أبي أيوب من كنز العمال. وترجم\n_________\n(١) انظر ج ٦ ص ١١٥ من المسند.","vol":"2","page":279},{"text":"النووي في التهذيب: عياض بن غنم الصحابي الجليل فقال: كان جوادا وكان يسمى زاد الراكب، يطعم الناس من زاده، فإذا نفد نحر لهم بعيره اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>باب في ذكر أعلم الأمة بالفرائض من الصحابة</span>\nقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، في ترجمة زيد بن ثابت: كاتب الوحي المعظم، وأعلم الأمة بالفرائض وأحكم وأحد القراء المذكورين والأئمة المشهورين اهـ وقد سبق أن سيدنا زيدا ألف في الفرائض، في ترجمته من الإستيعاب، لابن عبد البر: كانوا يقولون: غلب زيد بن ثابت الناس على اثنين؛ القرآن والفرائض اهـ وقال السهيلي: كما في الأزهار الطيبة النشر: كان عمر أيام كان بالشام يكتب إلى زيد بن ثابت وهو بالمدينة، فيبدأ باسمه قبل اسمه.\nوحين أشكلت عليه مسألة الجد، مشى بنفسه إلى منزل زيد بن ثابت، يستفهمه فيها اهـ.\nوأخرج ابن سعد عن سلمان بن يسار قال: ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء والفتيا، والفرائض والقراءة.\nوأخرج ابن سعد أيضا عن سالم بن عبد الله قال: كنت مع ابن عمر يوم مات زيد بن ثابت، فقال: مات عالم الناس اليوم. فقال ابن عمر: يرحمه الله اليوم، فقد كان عالم الناس في خلافة عمر، وحبرها، فرّقهم عمر في البلدان، ونهاهم أن يفتوا برأيهم، وجلس زيد بن ثابت في المدينة يفتي أهل المدينة، وغيرهم، وحديث: أفرضكم زيد معروف «١» خرجه أحمد بسند صحيح، قال ابن الأثير في الأسد بعد أن ذكره في ترجمة سيدنا زيد، فأخذ الشافعي بقوله في الفرائض عملا بهذا الحديث اهـ.\nقلب: وكذلك مالك بنى مذهبه في الفرائض على قول زيد، إلا في أربعة مسائل فقط كما نبه على ذلك الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم، ابن القاضي في كتابه البحر الفائض، فيما تضمنه اسم زيد من الفرائض، وهو كتاب عجيب، استخرج جميع مسائل الفرائض من رسم زيد ﵁، وهو من بديع الاتفاق الغريب، والتناسب العجيب، وكأنّ القاضي ابن الحاج لم يقف على اسم مؤلف كتاب البحر هذا، فلذلك ذكر المؤلف ولم يسم صاحبه، بل عبر عنه ببعض المتأخرين والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>باب في ذكر المعروف في الصحابة بحسن الصوت وتجويد التلاوة</span>\nأخرج الإمام أحمد «٢» والبخاري في الأدب والنسائي عن بريدة رفعه أن عبد الله بن\n_________\n(١) الحديث في مسند أحمد ج ٣ ص ١٨٤ وأوله: ارحم أمتي أبو بكر. واعلمها بالفرائض زيد بن ثابت. من حديث أنس وفي الإسلامي: ص ٢٣٢ ج ٣.\n(٢) انظر المسند ج ٢ ص ٣٥٤، ٣٦٩ من حديث أبي هريرة وطبعة المكتب الإسلامي ص ٤٦٦، ٤٨٦ ج ٢.","vol":"2","page":280},{"text":"قيس «١» أعطي مزمارا من مزامير آل داود، وأخرج مسلم «٢» عن أبي موسى رفعه: لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. وقال الحافظ ابن حجر، في ترجمة أبي موسى الأشعري، أحد قضاة الأمة الأربعة، وجامع العلم، فما أوسعه المنفرد بحسن الصوت إذا قرأ، كأن مزمارا من مزامير آل داود معه اهـ وترجمه الذهبي في تذكرة الحفاظ فنقل عن ابن الهندي: ما سمعت طنبورا ولا صنجا ولا مزمارا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، حين كان يصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>باب فيمن قيل فيه من الصحابة أخطب أهل الدنيا</span>\nفي طبقات ابن سعد عن سماك بن حرب، أن معاوية استعمل النعمان بن بشير على الكوفة، وكان والله من أخطب من سمعت من أهل الدنيا يتكلم. انظر ص ٣٥ ج ٦.\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>باب في المخصوص من الصحابة بلقب حكيم الأمة</span>\nعن عبد الرحمن بن جبر، قال معاوية: ألا إن أبا الدرداء أحد الحكماء، إلا أن كعب الأحبار أحد العلماء، نقله صاحب الجاسوس ص ٥٠١.\nوأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه. لكل أمة حكيم وحكيم هذه الأمة أبو هريرة وأخرج ابن عساكر عن جبر بن نفير مرسلا رفعه: إن لكل أمة حكيما وحكيم هذه الأمة أبو الدرداء، وترجم الذهبي في تذكرة الحفاظ أبا الدرداء فقال فيه: الإمام الرباني، وكان يقال هو حكيم هذه الأمة وحفظ القرآن عن رسول الله ﷺ، وكان عالم أهل الشام ومقرىء أهل دمشق وفقيههم، وقاضيهم، وقال ابن أبي مليكة: سمعت يزيد بن معاوية يقول: إن أبا الدرداء من الفقهاء العلماء، الذين يشفون من الداء وروى الليث بن سعد عن فلان قال؛ رأيت أبا الدرداء دخل المسجد ومعه الأتباع، مثل ما يكون مع السلطان وهم يسألونه العلم اهـ. وانظر ترجمة الحكيم والمنجم والقافي فيما سبق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>باب في ذكر من كان يقرأ الكتب القديمة من الصحابة ويعلم ما فيها</span>\nأخرج ابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن ليلة، والتوراة ليلة، قال السيوطي في الجمع: فيه إبراهيم بن محمد بن يحيى المدني ضعيف اهـ.\nوترجم الذهبي في تذكرة الحفاظ عبد الله بن سلام هذا، فنقل عن إبراهيم بن أبي يحيى ثنا معاذ بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني قرأت القرآن والتوراة، فقال: اقرأ هذا ليلة وهذا ليلة. قال الذهبي: فهذا إن صح ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها اهـ.\n_________\n(١) وهو أبو موسى الأشعري ﵁.\n(٢) انظر كتاب صلاة المسافرين ج ١/ ٥٤٦.","vol":"2","page":281},{"text":"وفي طبقات ابن سعد: سئل علي عن سلمان الفارسي فقال: أوتي العلم الأول والعلم الآخر، أيدرك ما عنده؟ وفي رواية: قرأ الكتاب الأول وقرأ الكتاب الآخر. وكان بحرا لا ينزف.\nوفي طبقات الحفاظ للذهبي: عن أبي هريرة أنه لقي كعبا فجعل يحدثه ويسأله، فقال كعب: ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة اهـ.\nوفي ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص منها: أصاب جملة من كتب أهل الكتاب، وأدمنت النظر فيها ورأى فيها عجائب اهـ.\nوفي طبقات ابن سعد؛ عن شريك بن خليفة قال: ورأيت عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ بالسريانية.\nوأخرج البخاري «١» عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ: قال أجل. والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، قال الشهاب الخفاجي؛ في شرح الشفا، على هذا الحديث: فإن قلت:\nعبد الله قرشي عربي فلا يناسب سؤاله عمّا في التوراة، والتوراة وغيرها من الكتب القديمة.\nقال الفقهاء: لا تجوز قراءته فما وجه هذا. قلت: إن عبد الله كان يقرأ ويكتب كما مر، وقال البرهان الحلبي في المقتفى: إنه كان يحفظ التوراة. وقد روى البزار أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى في المنام في إحدى يديه عسلا، وفي الآخرى سمنا وهو يلعقهما، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال له: تقرأ الكتابين التوراة والقرآن، فكان يقرؤهما.\nوأما النهي عن قراءتها وإن صرح به الفقهاء، فليس على إطلاقه، لوقوعه في زمن النبي ﷺ لكثير من الصحابة من غير إنكار، فهو مقيّد بمن لم يميز المنسوخ والمخرج منها، ويضيع وقته في الاشتغال بها، وأما غيره فلا يمنع منه، بل قد يطلب لإلزامهم بما أنكروه منها، كما في قصة الرجم اهـ انظر ص ١٨٩ ج ١ وما عزاه للبزار من رؤيا ابن العاص، خرّجه أحمد والبغوي من طريق واهب المعافري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عزاه لهما أبو الحسن السندي أول مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، من حاشيته على مسند أحمد. وصرح الحافظ ابن حجر بأن القول بجواز النظر في التوراة وكتابتها نسب لوهب بن منبه. قال: وهو من أعلم الناس بالتوراة اهـ.\nوفي ترجمة أبي الجلد الجوني من طبقات ابن سعد قال: كان أبو الجلد يقرأ القرآن في كل سبعة أيام، ويختم التوراة في ستة أيام يقرؤها نظرا، فإذا كان يوم ختمها حشد إلى ذلك ناس وكان يقول كان يقال: تنزل عند ختمها الرحمة انظر ص ١٦١ ج ٧.\n_________\n(١) انظر كتاب البيوع باب: ٥٠ ج ٣/ ٢١.","vol":"2","page":282},{"text":"قلت: وبذلك تعلم ما حكاه الزركشي في التلقيح؛ من الإجماع على عدم جواز الاشتغال بكتابة التوراة والإنجيل ونظرها، قال: وقد غضب النبي ﷺ حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال: لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي، ولولا أنه معصية ما غضب منه اهـ.\nونقل نحوه الشيخ زكرياء الأنصاري في شرحه على البخاري؛ عن الشمس البرماوي بلفظه: ولله در الحافظ ابن حجر فإنه اعترضه قائلا: الذي يظهر أن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم، والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان، فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ؛ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، وقد فعل ذلك جمع من الأمة. ثم قال: وأما استدلاله للتحريم بما ورد من الغضب ودعوى أنه لو لم يكن معصية ما غضب فهو معترض بأنه يغضب من فعل المكروه، ومن فعل ما هو خلاف الأولى، إذا صدر ممن لا يليق به ذلك، كغضبه من تطويل معاذ صلاة الصبح بالقراءة، وقد يغضب ممن يقع منه تقصير في فهم الأمر الواضح، مثل الذي سأل عن لقطة الإبل اهـ.\nقال الشيخ زكرياء إثره: وهو أوجه اهـ بواسطة الفجر الساطع انظر آخر كتاب التوحيد، ونقل كلام الحافظ هذا أيضا الشهاب ابن حجر الهيثمي في فتاويه الفقهية ص ٤٩ ج ١ قائلا: وما ذكره واضح لا محيد عنه، وكل ما ذكره الزركشي وغيره محمول على غير متمكن، أو متمكن لم يقصد بالنظر فيها مصلحة دينية، أو متمكن قصد ذلك فلا وجه لمنعه، ويأتي ما ذكر في التوراة والإنجيل اهـ.\nومما يتفرع عن حكم قراءة الكتب القديمة النقل منها، وفي تكملة الديباج في ترجمة أبي العباس أحمد بن بقي، ومسألة النقل من التوراة والإنجيل هي إحدى المسائل الواقعة بين البرهان البقاعي والحافظ السخاوي، وألف كل منهما ردا على الآخر؛ البقاعي يجوزه والسخاوي يمنعه اهـ.\nقلت: سمي السخاوي كتابه الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل انظره وفي ترجمة الإمام شرف الدين يحيى المناوي من طبقات حفيده [عبد الرؤوف المناوي] لدى ذكره نثره، ومنه ما كتبه في تقريظ على مناسبات القرآن للبقاعي، لما اعترضه جماعة من أهل عصره منهم السخاوي في نقله عن التوراة والإنجيل، وأفتى بعضهم بحرمة ذلك ووجوب غسل المناسبات لما تضمنته من ذلك، فكتب الشرف على الكتاب وكان أول من كتب بحسن صنيع البقاعي، ثم قال: ولا يقال قد استوضح في بعض المناسبات بما جاء في التوراة والإنجيل؛ لأنه اقتدى في ذلك بأئمة الإسلام أهل الأصول والتأصيل، كعبد الله بن عمرو في صفة سيد الأنام، وبعده الأئمة الأعلام، فتعين القول بالجواز على من اتّضح ذلك لديه، والمنع على من اشتبه ذلك عليه اهـ من الطبقات.","vol":"2","page":283},{"text":"فائدة: في شرح المنهاج للشهاب ابن حجر الهيثمي صح أنه ﵇ قام إلى التوراة اهـ ففيه القيام للكتب السماوية، وبالأخص القرآن الكريم. وانظر فتاوى ابن تيمية وشرح منظومة السفاريني في الآداب، والبرماوي على الغاية من كتب فقه الشافعية.\nقلت: كان هذا هو الأصل لما ذكره الشيخ عبد الغني النابلسي في كتاب الرد المتين على منتقص الشيخ محيي الدين من الأئمة الحنفية نقلوا أن الجنب يكره له قراءة التوراة، والزبور، والإنجيل، لأن الكل كلام الله، وما بدل منه بعض غير معين، وغير المبدل غالب فالاحتياط في التحرز عن المس، لأن غير المبدل واجب التعظيم، وإذا اجتمع المحرم والمباح غلبه المحرم.\nوفي المبتغى: لا يجوز يعني للجنب مسّ التوراة والزبور والإنجيل، والتفسير. كذا ذكره والدي في كتابه الأحكام اهـ منه ص ٨١ ج ١ ونحوه. نقل ابن عابدين في حواشي الدر عن شرح المنيني «١» .\nومن هذا الباب في التوسعة ما في شرح الطريقة المحمدية للنابلسي أيضا ص ٣٦١ ج ٢ من أن العلماء اختلفوا في رقية أهل الكتاب، فجوزها أبو بكر وكرهها مالك خوفا من أن يكون مما بدلوه، ومن جوزها قال: الظاهر أنهم لم يبدلوا الرقى فإنهم لا غرض لهم في ذلك، بخلاف غيرها مما بدلوه اهـ وفي الكافي للحافظ أبي عمر بن عبد البر ما نصه: وإذا رقى الذمي المسلم بكلمات الله وأسمائه جاز اهـ منه بلفظه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>باب ذكر من قيل فيه أعلم الناس من نساء الصحابة</span>\nترجم الذهبي في تذكرة الحفاظ، عائشة فقال: من أكبر فقهاء الصحابة، كان فقهاء أصحاب رسول الله ﷺ يرجعون إليها. تفقه بها جماعة. يروى عن قبيصة قال: عائشة أعلم الناس. يسألها أكابر الصحابة، وروى أبو بريدة عن أبيه: ما أشكل على أصحاب سيدنا محمد ﷺ حديث قط فسألوا عنه عائشة، إلا وجدوا عندها منه علما. قال الذهبي: كانت غزيرة العلم بحيث أن عروة كان يقول: ما رأيت أحدا أعلم بالطب منها، وقال علي بن مسهر، ثنا هشام عن أبيه قال: ما رأيت أحدا من الناس أعلم بالقرآن، ولا بفريضة، ولا بحلال، ولا بحرام، ولا بشعر، ولا بحديث العرب، والنسب من عائشة اهـ.\nوأخرج الحاكم عن عطاء قال: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة.\nوأخرج الحاكم عن الزهري قال: لو جمع علم الناس كلهم ثم علم أزواج النبي ﷺ لكانت عائشة أوسعهم علما. وقال القاسم بن محمد: كانت عائشة استقلت بالفتيا في خلافة\n_________\n(١) ينقل المؤلف كلاما غريبا حذفه أولى وهو حوالي ١٢ سطرا.","vol":"2","page":284},{"text":"أبي بكر وعمر وعثمان، وهلم جرا، إلى أن ماتت وفي ظل الغمامة لأبي عبد الله الغافقي في حق عائشة: أروى الراوين وأفقه المفتين تنتجه من أبعد أرض، لعلم سنة وفرض، وتروي كل شعر للعرب محض وتقرب في تفسير وفصاحة لفظ، وتضرب في الطب بأوجه حظ، ثم نقل عن أبي الزناد: ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله؟ فقال: ما روايته في رواية عائشة. ما كان ينزل بي شيئا إلا أنشدت فيه شعرا. وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم أزواج النبي ﷺ لكان علم عائشة أفضل.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات: عن مسروق أنه قيل له: هل كانت عائشة تحسن الفرائض؟ فقال: أي والذي نفسي بيده، لقد رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقد جمع الحافظ أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي جزآ فيه استدراك عائشة على الصحابة، ذكره وساق إسناده إليه الحافظ أبو بكر بن خير الأشبيلي الأموي في معجمه ص ١٢٤.\nوفي مكتبتنا جزء للحافظ السيوطي في الموضوعات سماه: عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة قال في طالعته [مقدمته]: هذا جزء لخصت فيه كتاب الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، للإمام بدر الدين الزركشي، مع زيادة ما تيسر، وقد سبق الشيخ بدر الدين إلى التأليف في ذلك الأستاذ أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن طاهر البغدادي، الفقيه المحدث المشهور فعمل في ذلك كتابا أورد فيه خمسة وعشرين حديثا بأسانيده عن شيوخه، ثم فصل السيوطي تأليفه المذكور على الأبواب هكذا: باب الطهارة، باب الصلاة، باب الجنائز، باب الصيام، باب الحج، باب النكاح، باب جامع وفي آخره قال: هذا ما أورده الزركشي، وقد حذفت فيما أورده أشياء، لأنها ليست من باب الاستدراك، وهذه زيادات لم يذكرها، ثم ساقها وقد جمع مسندات عائشة وأفردها بالتصنيف أبو بكر عبد الله بن أبي داود صاحب السنن، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد وغيرهم، أنظر المسانيد من صلة الرداني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>باب في ذكر من قيل فيه من نساء الصحابة: لو كان رجلا لصلح للخلافة</span>\nفي التعريف برجال مختصر ابن الحاجب، لابن عبد السلام: روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لو كانت امرأة تكون خليفة لكانت عائشة خليفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>باب ذكر أن من الصحابة مولى قال عمر: لو كان حيّا لاستخلفته</span>\nفي ترجمة سالم مولى أبي حذيفة، من الاستبصار، كان من فضلاء الموالي من خيار الصحابة وكبارهم، ومعدود في القرّاء. وكان عمر يفرط في الثناء عليه، وروي عنه أنه قال عند موته: لو كان سالم حيّا ما جعلتها شورى، وروي أن المهاجرين الأولين لما قدموا","vol":"2","page":285},{"text":"لقباء، كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وفيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وكان أكثرهم قرآنا. وروي أن النبي ﷺ قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثله.\nأنظر الاستبصار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>باب من قيل فيه أفصح الناس وأفخمهم نطقا من الصحابة</span>\nوأخرج الحاكم عن موسى بن طلحة قال: ما رأيت أحدا أفصح من عائشة، وأخرج الحاكم عن الأحنف قال: سمعت خطبة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء، وهلم جرا فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة، ساقها السيوطي في عين الإصابة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>باب ذكر من كان أعلم الناس بالمناسك من الصحابة</span>\nترجم الصلاح الصفدي في نكت الهميان، لعبد الله بن عمر فقال: كان لا يتخلف عن السرايا في حياة النبي ﷺ، ثم كان بعد موته مولعا بالحج قبل الفتنة، وفي الفتنة يقال:\nإنه كان أعلم الصحابة بمناسك الحج [ص ١٨٣] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>باب فيمن أفتى الناس ستين سنة من الصحابة</span>\nفي التعريف برجال مختصر ابن الحاجب: لما ترجم لعبد الله بن عمر بن الخطاب أنه أفتى في الإسلام ستين سنة وقال مولاه نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>باب من كان يطلق عليه الحبر وهو العالم في الزمن النبوي</span>\nتقدم إطلاق ذلك على ابن عباس، وأخرج الحاكم وتعقب عن ابن عمر رفعه: أن حبر هذه الأمة لعبد الله بن عباس، وذكر أبو علي محمد بن علي بن معلى السبتي، في منسكه؛ أنه جاء في رواية قوله ﵇ للأنصار، لما ورد عليهم سعد، قوموا إلى حبركم اهـ ونقل السيد السمهودي في الوفا عن الواقدي: كان مخيريق أحد بني النضير حبرا عالما فامن بالنبي ﷺ. وجعل ماله وهو سبع حوائط لرسول الله ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>باب أمره ﵇ الصحابة بالقيام إلى العالم منهم وأخذ ركابه</span>\nفي منسك ابن معلى السبتي، حين تكلم على مسألة القيام للداخل، وساق حديث سعد، وقوله ﵇ للصحابة: قوموا إلى سيدكم، أو إلى حبركم. ما نصه: فالحبر العالم، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فهي نص في القيام للعالم، وهكذا روينا هذه اللفظة في السنن، من طريق اللؤلؤي بالحاء غير المعجمة، اهـ.\nوللإمام النووي كتاب: الترخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزية في الإسلام، على جهة البر والتوقير والاحترام، لا على الرياء والإعظام. وقد طبع قريبا، وقد باحثه فيه ابن الحاج في المدخل، وانتصر للنووي الشهاب ابن حجر الهيثمي بمؤلف خاص.","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>باب من كان من الصحابة يقبل تلاميذه يده</span>\nعن جميلة أم ولد أنس بن مالك قالت: كان ثابت إذا أتى أنسا قال: (أي أنس) يا جارية: هات لي طيبا أمسح يدي، فإن ثابتا لا يرضى حتى يقبّل يدي، رواه أبو يعلى ورجاله موثقون، قاله السيد السمهودي في جواهر العقدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>باب من قبّل من الصحابة يد تلميذه لكونه من أهل البيت</span>\nأخرج ابن عساكر، عن عمار بن أبي عمار أن زيد بن ثابت، ركب يوما فأخذ ابن عباس بركابه فقال، تنح يا ابن عم رسول الله ﷺ، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا، فقال زيد: أرني يدك فأخرج يده فقبّلها. وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. أورده في مناقب زيد من كنز العمال بهذا اللفظ وأورد أيضا عن ابن النجار: أنه أخرج عن ابن عباس أنه أخذ بركاب زيد بن ثابت، ثم قال: أمرنا أن نأخذ بركاب معلمينا وذوي أسناننا.\nقال شيخ بعض شيوخنا، محدث الحجاز ومسنده الشيخ محمد عابد السندي في رسالته، في تقبيل اليد: قول زيد هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، يؤخذ منه أن تقبيل يد ذي الشرف مأمور به من النبي ﷺ، لأن قول الصحابي أمرنا له حكم الرفع؛ إذ ليس له آمر غير النبي ﷺ. كما حققه ابن الصلاح والحافظ ابن حجر، وكلما كان مأمورا به من النبي ﷺ إذا لم يفعله كان آثما، فكل من لم يقبل يد ذي شرف، كان آثما مخالفا لأمر النبي ﷺ: قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] فإذا كانت هذه الحالة لمن لم يقبل، فما ظنك بمن أنكر التقبيل رأسا، كان إثمه أكثر، ووزره أوفر اهـ.\nوقد أفرد الحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقري جزآ في تقبيل اليد وما ورد فيه، ولي رسالة أفردتها فيمن قبّل يد النبي ﷺ، وللشيخ محمد عابد السندي الأنصاري في الباب رسالة نفيسة وهي عندي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>باب صحابي قال فيه عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأسه</span>\nأخرج البيهقي في الشعب، وابن عساكر عن أبي رافع قال: وجّه عمر بن الخطاب جيشا إلى الروم، وفيهم رجل يقال له عبد الله بن حذافة من أصحاب النبي ﷺ، فأسره القوم فذهبوا به إلى ملكهم فقالوا له: إن هذا من أصحاب محمد، فقال له الطاغية: هل لك أن تنتصر وأشركك في ملكي وسلطاني، فقال له عبد الله: ولو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب، على أن أرجع عن دين سيدنا محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت، قال: إذا أقتلك. قال: أنت وذاك. فأمر به فصلب، وقال للرماة: ارموه قريبا من يديه، قريبا من رجليه، وهو يعرض عليه، وهو يأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم دعا بقدر فصبّ","vol":"2","page":287},{"text":"فيه ماء حتى احترقت، ثم أمر بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى ثم أمر به أن يلقى فيها فلما ذهب به بكى: فقيل له إنه قد بكى، فظن أنه فزع، فقال: ردّوه فعرض عليه النصرانية فأبى. فقال: ما أبكاك إذن؟ قال: أبكاني أني قلت في نفسي: الساعة تلقى في هذه القدر فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تلقى في الله، قال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك، قال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: وعن جميع أسارى المسلمين. قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله أقبل رأسه يخلي عني وعن جميع أسارى المسلمين، لا أبالي فدنا منه فقبّل رأسه، فدفع إليه الأسارى فقدم بهم عمر، فأخبر عمر بخبره فقال عمر: حقّ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ، قام عمر فقبّل رأسه.\nهكذا أورد هذه القصة ابن الهندي في مناقب عبد الله بن حذافة المذكور ص ٦٢ ج ٧ من كنز العمال وأوردها الحافظ في ترجمته من الإصابة، وذكر أن البيهقي أخرجها من طريق ضرار بن عمرو عن أبي رافع وأخرج ابن عساكر هذه القصة شاهدا من حديث ابن عباس موصولا وآخر من فوائد هشام بن عثمان، من مرسل الزهري فأنظرهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>باب صحابي قال فيه عمر: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير منه</span>\nترجم النووي في التهذيب سيدنا عويم بن ساعدة الأنصاري الصحابي، فقال: توفي في خلافة عمر، ووقف عمر على قبره، وقال: لا يستطيع أحد أن يقول: أنا خير من صاحب هذا القبر، ما نصبت راية لرسول الله ﷺ إلا وعويم تحت ظلها ﵁.\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>باب صحابي قدم المدينة في خلافة عمر فأمر عمر الناس أن يخرجوا معه للقائه</span>\nأخرج ابن سعد عن رجل من بني عامر، عن خالد له أن سلمان لما قدم على عمر قال للناس: أخرجوا بنا نتلقى سلمان. أورده ابن الهندي في الكنز في ترجمته، من فضائل الصحابة، وهو في طبقات ابن سعد ص ٦١ ج ٤، وهذا يدل على أمر عظيم كانوا يرونه لسلمان ﵁.\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>باب الصحابة الطلس ومن استخلف منهم</span>\nترجم في درّ السحابة لعبد الله بن الزبير بن العوام؛ فوصفه بأمير المؤمنين وقال عنه:\nكان فصيحا ذا لسانة وشجاعة، وكان أطلس لا لحية له، وذكر أبو عمر بن عبد البر، وابن قدامة في الاستبصار، عن الزبير بن بكار أنّ قيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن الزبير وشريحا القاضي لم يكن في وجوهم شعر، ولا شيء من اللحية اهـ ويجمعهم للحفظ هذا البيت.","vol":"2","page":288},{"text":"قيس بن سعد ما بوجهه شعر ... كابن الزبير وشريح بن الأغز\nوذكر مؤلف سنن المهتدي في أوله عن الدميري وغيره: الثلاثة وزاد الأحنف بن قيس. فالسادات الطلس إذا أربعة ولكن الصحابة منهم ثلاثة.\nوفي الاستبصار لابن قدامة أنّ الأنصار كانت تقول: لوددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا، وكان مع ذلك جميلا ﵀.\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>باب في الخصي</span>\nنقل المنجور في شرح المنهج عن ابن رشد: أنّ أوّل من استخدم الخصيان في الإسلام معاوية، وجدت ذلك في البيان والتحصيل بلفظ: قيل إن معاوية هو أول من اتخذ المقاصير في الجوامع، وأول من أقام على نفسه حرسا، وأول من قيدت بين يديه النجائب، وأول من اتخذ الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة اهـ من جامعه.\nوفي تحفة المحبين والأحباب، فيما للمذنبين من الأنساب، لدى كلامه على الأغوات من حرف الألف: أول من استخدم الخصيان في الإسلام معاوية، وقد كان لرسول الله ﷺ خادما خصيا والله أعلم، أن خصاه كان خلقيا، وقد صرح الجمهور من العلماء بكراهته، وأحكامهم مذكورة في كتب الفقه، وقد حررها العلامة عبد القادر الطبري المكي، في كتابه نشأة السلافة في شأن الخلافة، وأطال فيهم المقال: أنظره، فإنه كتاب مفيد جدا، وأول من استخدمهم في المسجد النبوي، والمسجد المكي بالحرمين الشريفين صلاح الدين الأيوبي اهـ.\nثم نقل الكلام على أصل استخدامهم من رسالة تحفة المحبين للمحبوب، في تنزيه مسجد الرسول من كل خصي ومحبوب للعلامة جمال الدين القطان، ومن التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للحافظ السخاوي فانظر كلامهم في التحفة وقد وقفت على رسالة للحافظ السيوطي، سماها آكام العقيان في أحكام الخصيان، والتوصية بهم، عقد فيها فصلا قال فيه: ذكر الصحابة منهم، وترجم لمأبور، وسندر مولى زنباع الجذامي، وذكر في ترجمة الأخير أنه قال لرسول الله ﷺ: أوص بي فقال: أوصي بك كل مسلم، ثم جاء إلى أبي بكر فعاله حتى مات، ثم لقي عمر فقال إن شئت أن تقيم عندي أجريت عليك مالا فانظر إلى أي المواضع أحب إليك لأكتب لك، فاختار مصر فلما قدم على عمرو بن العاص أقطعه أرضا واسعة، ودارا. وعمّر سندر إلى زمن عبد الملك بن مروان، وذكره محمد بن الربيع الجيزي في كتاب الصحابة الذين دخلوا مصر، وأن لأهل مصر عن سندر حديثين اهـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>باب المخنث</span>\nالخناثة اللين والتكسر، قال في المصباح: زاد بعضهم، ولا يشتهي النساء. وقال الحافظ: هو من يشبه خلقة النساء في حركاته وكلامه اهـ.","vol":"2","page":289},{"text":"وفي صحيح البخاري «١» في كتاب النكاح باب ما ينهى من دخول المشتبهين بالنساء على المرأة، ثم أخرج عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان عندها وفي البيت مخنّث فقال المخنث لأخي أم سلمة عبد الله بن أبي أميمة: إن فتح الله لكم الطائف غدا أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي ﷺ: لا يدخلن هذا عليكم.\nقال الحافظ في الفتح: تقدم في غزوة الطائف أن اسمه هيث وأن ابن عيينة ذكره عن ابن جريج بغير إسناد، وذكر ابن حبيب في الواضحة عن حبيب كاتب مالك قال: قلت لمالك أن سفيان بن عيينة زاد في حديث ابنة غيلان أن المخنث هيث، وليس في كتابك هيث فقال: صدق هو كذلك.\nوأخرج الجرجاني في تاريخه؛ من طريق الزهري، عن علي بن الحسين بن علي قال: كان مخنث يدخل على أزواج النبي ﷺ يقال له: هيث. وأخرج أبو يعلى وأبو عوانة وابن خبان كلهم من طريق يونس عن الزهري، عن عروة عن عائشة أن هيثا كان يدخل.\nالحديث.\nورواه المستغفري من مرسل محمد بن المنكدر أن النبي ﷺ نفى هيثا في كلمتين تكلم بهما من أمر النساء.\nوذكر ابن إسحاق في حديث البائع أن اسم المخنث مانع. وهو بمثناة، وقيل: بنون.\nفروى عن محمد بن إبراهيم التميمي قال: كان مع النبي ﷺ في غزوة الطائف مولى لخالته، فاختة بنت عمرو بن عابد، مخنث يقال له مانع يدخل على نساء النبي ﷺ، ويكون في بيته لا يرى رسول الله ﷺ يفطن لشيء من أمر النساء، مما يفطن له الرجال، ولا أن له إربة في ذلك، فسمعه يقول لخالد بن الوليد: يا خالد إن فتحتم الطائف فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان بن سلمة، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال رسول الله ﷺ حين سمع ذلك منه: لا أرى هذا الخبيث يفطن لما سمع. ثم قال لنسائه: لا تدخلن هذا عليكنّ فحجب عن بيت رسول الله ﷺ.\nوحكى أبو موسى المديني في كون مانع لقب هيث أو بالعكس، أو أنهما اثنان خلاف. وجزم الواقدي بالتعدد قال: كان هيث مولى عبد الله بن أبي أمية، وكان مانع مولى فاختة، وذكر أن النبي ﷺ نفاهما معا إلى الحمى. قال الحافظ: ويستفاد منه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن، وهذا الحديث أصل في إبعاد من يستراب به في أمر من الأمور.\nوفي الحديث أيضا تعزير من يتشبه بالنساء، بالإخراج من البيوت والنفي، إذا تعيّن ذلك طريقا ليردعه. وظاهر الأمر وجوب ذلك؛ وتشبّه النساء بالرجال والرجال بالنساء من قاصد مختار حرام اتفاقا، وسيأتي لعن من فعل ذلك في كتاب اللباس اهـ.\n_________\n(١) انظره ج ٦/ ١٥٩.","vol":"2","page":290},{"text":"وبوّب البخاري «١» في كتاب الحدود بقوله: باب نفي أهل المعاصي والمخنثين، ثم خرّج عن ابن عباس: لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال:\nأخرجوهم من بيوتكم: وأخرج عمر فلانا. وفي الشرح الجلي على بيتي الموصلي: كان في المدينة على عهده ﷺ ثلاثة من المخنثين وهم؛ هيث وهرم، ومانع، فنفى النبي ﷺ منهم هيثا إلى خاخ، وذلك أن النبي ﷺ كان يظنه أنه من غير أولي الإربة من الرجال، لما يرى فيه من التكسر ولين الكلام، فكان يدخل على أزواج النبي ﷺ، فدخل النبي ﷺ وهو يصف جارية من العرب، فسمعه يقول في وصفها: أنها إذا قامت تثنت، وإذا قعدت تبثت، وبين فخديها شيء مخبوء، كأنه الإناء المكفوء فقال النبي ﷺ: ما كنت أحسب هذا الخبيث يحسن هذا الكلام أو كما قال. ونفاه إلى خاخ.\nوأما بعد وفاته ﷺ فكان بالمدينة ستة من المخنثين اهـ انظر ص ٢٣١. وقال الحافظ في ترجمة أنجشة من الإصابة: وقع في حديث واثلة ابن الأسقع أن أنجشة كان من المخنثين في عهد رسول الله ﷺ، فأخرج الطبراني بسند فيه لين عن واثلة قال: لعن النبي ﷺ المخنثين، وقال: أخرجوهم من بيوتكم، وأخرج النبي ﷺ أنجشة، وأخرج عمر فلانا.\nوترجم في الإصابة أيضا لأنة فنقل عن البارودي؛ أنه أخرج من طريق إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن حفص، قال: قالت عائشة لمخنث كان بالمدينة يقال له أنة: ألا تدلنا على امرأة نخطبها على عبد الرحمن بن أبي بكر؟ قال: بلى فوصف امرأة إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فسمعه رسول الله ﷺ فقال: يا أنة أخرج من المدينة إلى حمراء الأسد فليكن بها منزلك، ولا تدخلن المدينة، إلا أن يكون للناس عيد.\nورمز له بالزاي. وعجبا لأبي زيد العراقي؛ فإنه اختصر هذه الترجمة بقوله: إنه المخنث ذكره اهـ إلا أنه ضبط إنة بالكسر والتشديد وهو غلط منه ﵀. وفي التجريد للذهبي أنه المخنث. قال السهيلي: المخنثون على عهد النبي ﷺ: هيث وهرم ومانع اهـ.\nوترجم في الإصابة أيضا هيث في حرف الهاء فقال: هيث المخنث الذي كان يدخل على النساء، قيل: اسمه مانع، وأشار له بالسين وهي إشارة إلى تخريج أبي موسى المديني له، وترجم أيضا لمانع المخنث مولى فاختة بنت عمرو بن عابد، بن عمران بن مخزوم، فذكر أنه كان هو وهيث في بيوت النبي ﷺ وأنه قال لعائشة لما سمعها تطلب امرأة تخطبها لعبد الرحمن ابن أبي بكر أخيها: عليك بفلانة فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فسمعه النبي ﷺ، فنفاه إلى حمراء الأسد فبقي إلى خلافة أبي بكر وخلافة عمر.\nوذكر ابن وهب في جامعه عن الحرث بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ذيب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن مخنثين كانا على عهد النبي ﷺ يقال لأحدهما: هيث وللآخر\n_________\n(١) انظر ج ٨/ ٢٨.","vol":"2","page":291},{"text":"مانع، فهلك مانع وبقي هيث بعده. قال ابن وهب: وحدثني من سمع أبا معشر يقول أن النبي ﷺ أمر به فضرب. الحديث.\nتنبيه: قال الحافظ أبو محمد بن حزم في الإحكام في أصول الأحكام: الصحابي كلّ من جالس النبي ﷺ ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه ﵇ أمرا يعيه، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم، واشتهر حتى ماتوا على ذلك، ولا مثل من نفاه ﵇ باستحقاقه؛ كهيث المخنث، ومن جرى مجراه، فمن كان كما وصفنا فهو صاحب، وكلهم عدل إمام فاضل رضى مرضي، علينا توقيرهم وتعظيمهم وأن نستغفر لهم ونحبهم، وثمرة يتصدق بها أحدهم أفضل من صدقة أحدنا بما يملك، وجلسة من الواحد منهم مع النبي ﷺ أفضل من عبادة أحدنا دهره كلّه. اهـ ص ١٩ ج ٥.\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>باب في المجبوب</span>\nترجم في الإصابة لمأبور القبطي الخصي، قريب مارية القبطية أم ولد النبي ﷺ، قدم معها من مصر، فنقل عن الطبري أنه رضي لمكانته منها، أن يجب نفسه، فقطع ما بين رجليه، حتى لم يبق قليل ولا كثير. الحديث قال الشيخ الطيب في شرح الألفية: لا منافاة بين كونه أهداه خصيا وكونه جبّ نفسه لاحتمال أنه أهداه فاقد الخصيتين، مع بقاء الذكر، وهو الذي قطع.\nوترجم في الإصابة لأبي مريم الخصي فقال: له إدراك، ذكره ابن منده. وأخرج من طريق الأوزاعي عن سليمان بن موسى قال: قلت لطاووس: إن أبا مريم الخصي أخبرني، وقد أدرك النبي ﷺ فقال: أحلني على غير خصي ونحوه في أسد الغابة، وقال أخرجه ابن منده وأبو نعيم اهـ وفي نور النبراس: لا أعلم في الصحابة خصيا إلا هذا مأبور، وآخر يقال له سندر،\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>باب هل كان السلف يحتفظون بالآثار القديمة</span>\nتغالي معاوية في بردة كعب معروف، واحتفاظ خالد وأبي زمعه وغيرهما بشعر رسول الله ﷺ منقول ومعروف، ومحافظة أم أنس على عرق رسول الله لا يخفى، وفي العتبية:\nمالك سئل عن نعل رسول الله ﷺ التي رآها كيف كان حدوها؟ قال: رأيتها إلى التدوير ما هي، وبحصرها في مؤخرها، وهي معقبة من خلفها، قلت: أكان لها زمامان؟ قال: ذلك الذي أظن، وكانت عند آل أبي ربيعة المخزوميين من قبل أم كلثوم أمهم، وسمعت مالكا يذكر أن عند عبد الرحمن بن عبد العزيز فراش من شعر، وجرس لحفصة. فقلت له: ما قصة الجرس قال: لا أدري. قال ابن رشد في البيان والتحصيل الأجراس كانت تعلق في أعناق الإبل لتعرف مواضعها بأصواتها إن شذّت أو ضلت، ومعنى السؤال في هذه الحكاية عن قصة الجرس إنما هو لم كانوا يحبونه ويرفعونه، وقد جاء النهي عن استعماله فلم يجب","vol":"2","page":292},{"text":"على سؤاله، والجواب: فيه أن استعماله وإن كان لا يجوز ففي حبسه منفعة وهو أنه يذكر العهد القديم، ويترحم من أجله على من قد مات من السلف الكريم اهـ منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>باب [في حديث ابن أبي هالة]</span>\nجعلته خاتمة الأبواب وزبدة الكتاب في حديث ابن أبي هالة الذي هو أجمع حديث عندي في صفاته ﵇ الخلقية والخلقية.\nوبتتبعه لا يستغرب أحد أن يربي صاحب تلك الأحوال، والتراتيب والأخلاق رجالا يصلحون لإرشاد الخليقة، والقيام بسياسة الكون، وتأسيس دول في مشارق الأرض ومغاربها.\nأخبرنا عاليا القاضي المسند المعمر نصر الله بن عبد القادر الخطيب الدمشقي سماعا عليه بدمشق، عن عمر بن مصطفى الآمدي، أنا مصطفى الرحمتي الأيوبي، عن العارف عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، أنا نجم الدين بن بدر الدين الغزي، عن أبيه قال أنا شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري، أخبرنا العز بن الفرات، عن إبراهيم التنوخي أخبرنا الدلاصي، عن ابن تاميتت، أخبرنا ابن الصائغ، عن أبي عمرو بن التوزري، عن أبي محمد بن برطلة، عن أبي الحسين الغافقي، أخبرنا القاضي أبو الفضل عياض، قال حدثنا القاضي أبو علي الحسين بن محمد الحافظ ﵀، بقراءتي عليه سنة ثمان وخمسمائة قال أنا أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميمي قرأت عليه، أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن عبد الله ابن الحسن النيسابوري، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدي والقاضي أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الوخشي، قالوا: أنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعي، قالوا أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاسي، قال أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ، قال أنا سفيان بن وكيع، أنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، إملاء من كتابه قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة أم المؤمنين ﵂، يكنى أبا عبد الله ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، عن حلية رسول الله ﷺ، وكان وصّافا، وأنا أرجوا أن يصف لي منها شيئا أتعلق به قال:\nكان رسول الله ﷺ، فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن إنفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا هو وفّره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب، سوابغ من غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، ويحسبه من لم يتأمله أشم، كثّ اللحية، أدعج سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا سواء البطن والصدر بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة","vol":"2","page":293},{"text":"والسرة بشعر، يجري كالخط، عاري الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين وسائر الأطراف، سبط العصب.\nورواه ابن الأنباري: سبط القصب وهو شبه خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا إلتفت إلتفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام.\nقلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول فيه، ولا تقصير، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا، لم يكن يذم ذواقا، ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدث إتصل بها يضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفترّ عن مثل حبّ الغمام.\nقال الحسن: فكتمها الحسين بن علي زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسأل أباه عن مدخل رسول الله ﷺ، ومخرجه، ومجلسه، وشكله، فلم يدع منه شيئا.\nقال الحسين ﵁: سألت أبي ﵇ عن دخول رسول الله ﷺ فقال:\nإذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزء لله وجزؤ لأهله، وجزؤ لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدّخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، قسمته على قدر فضلهم في الدين، منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب منكم، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنه إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره. يدخلون أو إذا قال في حديث سفيان بن وكيع ولا يفترقون إلا عن ذواق، يخرجون أذلة يعني فقهاء.\nقلت: فأخبرني عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟\nقال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا فيما يعنيهم، ويؤلفهم، ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصونه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا، أو يملوا، لكل حال","vol":"2","page":294},{"text":"عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، لا يجاوز إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة، وموازرة.\nفسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه؟ فقال:\nكان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ويوطيء الأماكن وينهى عن إيطائها، وإذا إنتهى إلى القوم يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قام منه لحاجة سايره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، متفاضلين فيه بالتقوى وفي الرواية الآخرى وصاروا عنده في الحق سواء مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا توبن [كذا] فيه الحرم، ولا تتنى [كذا] فلتاته، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويرحمون الغريب.\nفسألته عن سيرته ﷺ في جلسائه فقال:\nكان رسول الله ﷺ دائم البشر سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مزّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها، فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافيء، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يتجاوزه فيقطعه بإنتهاء، أو قيام هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع.\nوزاد الآخر: قلت: كيف كان سكوته ﷺ؟\nقال: كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر، فأما تقديره ففي تسوية النظر، والإستماع من الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم والصبر ﷺ، فكان لا يغضبه شيء يستفزه، وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينهي عنه، وإجتهاد الرأي بما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة.\nقال القاضي أبو بكر ابن العربي في القواصم والعواصم ومنها نقلت: أخبرني أبو القاسم بن المنفوخ بزقاق القناديل، أنه سمع من رضوان الفيلسوف يقول: حين قرأت عليه","vol":"2","page":295},{"text":"صفة النبي ﷺ في حديث هند وغيره: هذه الصفات لا تكون إلا لنبي، ولا يحتاج في الدلالة معها إلى غيرها وإن اعتدال الخلقة يدل على اعتدال الخلق، وإنها جبلة صدرت عن النور الساطع، والحق الذي ليس عنده باطل، وأنه لم يلق في طريقه ظلمة، ولا آفة، حتى خلص إلى الوجود على نهاية الكمال في الصنع، ثم استفسره خاتما كلامه بقوله: من نظر إلى كلام سيدنا محمد ﷺ، وما أبان من المعاني، وأوضح من المقاصد وأخبر عنه من الكائنات، ونظم من الترتيب، وقرر من التدريب، ودخول جميع المعاني من جميع الخلق أفعالا وأقوالا تحت ذلك النظام، علم قطعا أنه أمر يفوت طوق البشر، وأنه لا يحصيه فيهم إلا موجدهم، ولا يرأبه لهم إلا عالمهم وخالقهم، وهذه غاية في العصمة والحمد لله والمنة اهـ ملخصا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>خاتمة</span>\nوهنا عنّ لنا الإختتام وإيقاف القلم المسكين للإستراحة، موقف الإتمام معتذرا للسامع في الإقتصار على هذا القدر، من أحوال ذلك العصر النبوي الزاهر، بأن هذا ما أمكن الآن جمعه وعرضه، لا أن هذا غاية ما كان رائجا في ذلك الدور، من الصناعات والتجارات، والعمالات، والعلوم، لا، لا، فإن الواصل إلينا العلم به أدون مما كان موجودا بمراحل كثيرة، وبينهما فراغ متسع، لأن المقطوع به أنه ليس كل ما كان موجودا في ذلك الزمان في كل باب وصلنا العلم به التفصيلي التام الآن، ولا غيرنا ممن قبلنا وذلك لأسباب:\nالأول أن أهل القرن الأول لم يكن لهم إعتناء تام كاف بالتدوين إكتفاء بالقرآن، وخشية أن يختلط به غيره، فلما أمن الناس ذلك في القرن الثاني، أقبلوا على التدوين في بعض الأبواب، على حسب الآكد بالنسبة لأدوار وأحوال ذلك الجيل لما رأوا إذا ذاك الحاجة ماسة إلى تدوينه بحيث لم يهتبلوا بتدوين ما كان من هذا النمط، ولو دونوا فيه لكان نهاية العبر وآية الإعجاز، بحيث ما تقف عليه الآن في هذه الأبواب إنما نقيمه ونستخرجه من خلال ذكر الغزوات والقضايا والواقعات، لا أنهم كانوا يقصدون الأخبار بهذا النوع بعينه، ولله در من قال: إن المدنية الإسلامية التي طبّقت شهرتها الآفاق، كادت تكون مع قرب عهدها، وبقاء آثارها، وآثار أهلها إلى الآن أشبه في الغموض بمدنية الأمم البائدة، التي ينقب الباحثون في تاريخها، عن دفائنها الأرضية، وآثارها العافية، ليقفوا على تاريخها الغابر اهـ.\nوقال أيضا: أين هو لعمر أبيك التاريخ الذي يفصّل لنا أخبار السلف، التي تتعلق بمدنيتهم الغابرة، وأصول معيشتهم، وصنائعهم، وعوائدهم، وأزيائهم، وأصول حكومتهم، المتعلقة بالإدارة، والقضاء والسياسة، والجندية والتعليم، والمدارس، والمصانع، وغير ذلك مما يتعلق بترقي هذه الأمة وحالتها الإجتماعية.\nالثاني: أن غالب مصنفات من تقدم في الأثر والسير إنعدمت اليوم أو كادت،","vol":"2","page":296},{"text":"والموجود منها غير كاف لأنّ أكثر ما كان جمع وصنف أحرق أثناء الغارات، وقد ضاع من ذلك في وقعة التتر ما لم يذكر التاريخ أفظع منه، ألقي في نهر الدجلة حتى وقف عن الجريان، وأسودّ ماؤه بكثرة مداد ألقي فيه من الكتب الإسلامية، بل قد وجدت الشكاية بإندثار أكثر كتب السلف قبل وقعة التتر، وذلك من الحافظ ابن الجوزي في كتاب صيد الخاطر قال:\nكانت همم القدماء عالية، تدل عليها تصانيفهم، التي هي زبدة أعمارهم، إلا أنّ أكثر التصانيف إندثرت، لأنّ همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطوّلات. ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فاندثرت الكتب، ولم تنسخ.\nويذكر التاريخ العربي عن مدينة قرطبة بالأندلس، أنها كانت أكثر بلاد الله كتبا، وأن مسيحي إسبانيا لما استولوا على قرطبة أحرقوا كل ما طالت إليه أيديهم، من مصنفات المسلمين، وعددها مليون وخمسون ألف مجلد، وجعلوها زينة وشعلة في يوم واحد، ثم رجعوا على تسعين مكتبة في الأندلس، وصاروا يتلفون كلّ ما عثروا عليه في كل إقليم، من مؤلفات العرب ذكر ذلك (موندي) في تاريخه اهـ.\nوقال أحد مؤرخيهم (ويلس): إن ما أحرقه الإسبان من كتب الأندلس، ألف ألف وخمسة آلاف مجلد، وقال في وفيات الأسلاف إن أسقف طليطلة أحرق من الكتب الإسلامية العالية ما ينيف على ثمانين ألاف كتاب، وأنّ الإفرنج لما تغلبوا على غرناطة أحرقوا من الكتب النفيسة، ما تتجاوز ألف ألف، وأنهم قبضوا على ثلاث سفن قاصدة مراكش، تقلّ ما عزّ على المسلمين أن يخلّفوه وراءهم، فألقوها في قصر الإسكوريال، ثم لعبت بها النيران، وبقيت منها بقية رتّب فهرستها أحد مسيحي سورية، وجعلوها إلى اليوم مكتبة ينتابها علماء الأرض. وكان بقي منها على عهد من رتبها ١٨٥١ سفرا.\nورأيت بعض برنامجها أسماء الكتب العربي فيما قرب بقلم محمد محمود الشنقيطي، الشهير لما توجه إليها أيام السلطان عبد الحميد، فإذا هو تافه جدا بالنسبة للمظنون، أما بالنسبة لما كان بالمكاتب الأندلسية فلا نسبة. فقد ذكر صاحب الوافي في المسألة الشرقية أنه كان بمكتبة قرطبة وحدها على عهد الإسلام ستمائة ألف مجلد، من الكتب المختارة اهـ منه ص ١٧٢.\nقال المرجاني بعد ذكر بعض ما ذكر في وفيات الأسلاف: وبالجملة فلم يبق من آثار علماء الإسلام إلا النادر الأقل [من] القليل اهـ منه ص ٣٢٥.\nوقال بعض المؤرخين المصريين: إن الباقي من الكتب التي ألفها المسلمون ليس إلا نقطة من بحر، مما أحرقه الصليبيون، والتتر، والأسبان، اهـ.\nولذلك قلت قديما: إن آثار الأسلاف أتى عليها ناهبان قويان، جيش الإنسان وجيش الحيوان، وقد جاء في تاريخ الوافي في المسألة الشرقية ص ١٧١ أن من مكتبة فاس","vol":"2","page":297},{"text":"والعراق اغتنت مكاتب أوروبا فانظر كلامه فإن جادت اليوم أوروبا علينا بنقل شيء من مكاتبها، أو نشره استفدنا، وإلا بقيت تلك الكنوز مكنوزة، وفي مكاتبهم المحاطة بدواليب الماء، والمطافي خشية الإحتراق، وبالعسس الليلية والنهارية مصونة.\nولما ذكر أبو محمد عبد الله التيجاني في رحلته: أنه كان بخزانة أبي زكرياء الحفصي بتونس ثلاثون ألف مجلد، فنقصت إلى أن صارت سنة الاف، قال: حكي ذلك إلى الحسن بن معمر الهواري الطرابلسي، قاضي باحة، وكان من خواص السلطان المذكور، ومن علماء دولته، وسئل عن السبب فقال: المطر وأيدي البشر اه وعلّل ذلك بعض شيوخنا الجزائرين فقال: توالي البطالات والسكون إلى الراحات. وأين الموجود الآن من أسماء الكتب، مما ذكره الشيخ مسعود جموع في كتابه: منهاج رسم القرآن في شرح مورد الظمان، حسبما نقلته من خط تلميذه ابن عاشر الحافي السلوي في كناشه، نقلا عن شرح العقيلة قال: صنف المصنفون من هذه الأمة كتبا ما لها عدد في كل فن، ثم نقل عمن رأى بغرناطة عند بعض الطلبة كتابا كبيرا ضخما في القالب الكبير، وعلى ظهر الكتاب مكتوب السفر السادس والخمسون من أسماء الكتب، ولم يدر ما بقي معه، وليس في هذا السفر إلا إسم الكتاب وإسم مؤلفه، وبلده ووفاته، خاصة فانظر كم تضمنت هذه الأسفار من أسماء أجزاء الكتب اهـ.\nوقد ذكر القاضي ابن خلكان في ترجمة الصاحب بن عباد أنه كتب إليه نوح بن منصور أحد ملوك بخارى يستدعيه ليفوض إليه وزارته، فكان من اعتذاره أنه قال له: إنه يحتاج لنقل كتبه خاصة أربعمائة جمل اهـ وابن عباد المذكور من أهل المائة الرابعة توفي في صفر سنة ٣٨٥، وإذا كان هذا ما يملكه رجل واحد في قطر واحد، فما بالك بمن عداه من الرجال المنتشرين في الأقطار والأمصار، وإذا كان هذا ما بلغت إليه صنعة التأليف عند المسلمين في نحو ثلاثمائة سنة في علم واحد، فانظر ما بلغوه بعد.\nقال الحافظ السيوطي في المزهر عقب حكاية الصاحب ابن عباد المذكور: قد ذهبت جلّ كتبه في اللغة في الفتنة الكائنة بين التتر وغيرهم، بحيث أن الكتب الموجودة الآن في اللغة، من تصانيف المتقدمين والمتأخرين، لا يجيء حمل جمل واحد اهـ بواسطة فتح القدوس، في شرح خطبة القاموس، لأبي العباس الهلالي، وجمع في الفتح المذكور بين رواية ابن خلكان في احتياج ابن عباد لأربعمائة جمل، وبين رواية غيره بإحتياجه إلى ستين جملا بأن الزائد على ما ذكر السيوطي هو من كتب غير اللغة، أنظر فتح القدوس.\nوفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار للحصكفي الحنفي قيل: إنه أي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة المتوفي سنة ١٨٩ صنّف في العلوم الدينية تسعمائة وتسعة وتسعين كتابا اهـ وقال الشافعي: حملت من علم محمد وقر بعير كتبا، فإذا كان هذا مؤلف واحد في القرن الثاني الهجري بلغت مؤلفاته الألف منها ما كتب في ستين دفترا وآخر وهو","vol":"2","page":298},{"text":"مالك بلغ ما أملاه في الأحكام الشرعية نحوا من مائة وخمسين مجلدا فكيف بغيره في ذلك القرن؟ فكيف بمن بعدهم؟\nونقل أبو الحسن علي الأجهوري في حواشيه على خطبة الرسالة، عن إمام الحرمين في حق مالك: أنه أملى في مذهبه نحوا من مائة وخمسين مجلدا في الأحكام الشرعية.\nوقد ذكر قاضي قضاة حيدر آباد الهند خدابخش في مقالة له نشرتها مجلة المقتطف، ثم دائرة المعارف الوجدية أن كتب الواقدي تملأ ستمائة صندوق، ويقتضي حملها مائة وعشرين جملا. أنظر مادة كتب من المجلد ٨.\nوقال الحافظ السيوطي في الدوران الفلكي، على ابن الكركي: لو جمعت أسماء الكتب التي ألفها علماء الأمة في رد بعضهم على بعض لبلغت مجلدات، فإذا كانت أسماء كتب رد العلماء بعضهم على بعض إذا جمعت تبلغ مجلدات فكيف بموضوع آخر، وقد اهتممت فيما قرب بجمع أسماء الفهارس والأثبات فبلغت عندي أزيد من الألف في حين أن كشف الظنون لا يوجد فيه منها ولا عشره، وأين هذا مما تضمنه كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون لمصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة رئيس كتبة أسرار السلطان مراد الرابع، ووزير ماليته، فإن غاية ما جمع من أسماء الكتب ثمانية عشر ألف وخمسمائة وخمسون اسما من أسماء الكتب، هذا مع كونه من المتأخرين عاش في المائة الحادية عشر، وقد سبقه إلى التأليف في هذا الباب جماعة، منهم: صاحب الكتاب الذي سبق ذكر من وقف على السفر السادس والخمسين منه، ومنهم صاحب كتاب: الدر الثمين في أسماء المصنفين، وهو عندي في مجلد ومؤلفه الإمام المؤرخ البارع، تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله، المعروف بابن الساعاتي البغدادي، المتوفي سنة ٦٧٤، وهو مترجم في طبقات الحفاظ للذهبي، وكتابه هذا من الضنائن التي تفردت بها مكتبتنا، وقد ذكره صاحب كشف الظنون في حرف الألف تحت عنوان: أخبار المصنفين ست مجلدات، لأبي الحسين علي بن أنجب البغدادي المتوفي سنة ٦٧٤. وذكر في حرف الدال إسم كتابه الدرّ الثمين، ولم يذكر مؤلفه وهذا عجيب منه ﵀.\nومنهم جمال الدين بن القفطي الصعيدي ترجمه الأدفوي في الطالع السعيد، فذكر من مؤلفاته أخبار المصنفين وما صنفوا.\nومنهم الإمام الطوفي البغدادي، ألف في تراجم المؤلفين في الإسلام ومؤلفاتهم، كتابا حافلا في ثمان مجلدات، وتوجد بعض مجلدات منه في إحدى دور الكتب بالآستانة واستانبول.\nومنهم الإمام أبو البركات محمد بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي الأندلسي، له تأليف في أسماء الكتب والتعريف بمؤلفيها، على حروف المعجم.\nومنهم شرف الدين محمد بن معمر المقدسي الكاتب المتوفي سنة ٧١٢، له القصيدة","vol":"2","page":299},{"text":"البائية في أسامي الكتب العلمية، وهذه المنظومة هي المنقول عنها في كشف الظنون المطبوع، ما رأيت من ألف في موضوعها شيئا غيره، وقد عرفت حال النظم وضيقه عن الإستيعاب كما ينبغي اهـ وهو قصور من صاحب كشف الظنون عجيب، فكأنه لم يقف على ما ذكرناه من الكتب في موضوعه لابن الساعاتي، والطوفي، وابن الحاج، وغيرهم على أن صاحب كشف الظنون، ذكر كما علمت كتاب ابن الساعاتي في الكشف في موضعين في حرف الألف، وفي حرف الدال أنظر ما سبق.\nولشيخ الإسلام محمد أبي السرور البكري الصديقي المصري المتوفي سنة ١٠٨٧ كتاب في تاريخ المؤلفين على أسلوب أخبار المصنفين، لابن أنجب البغدادي وهو في مجلدات.\nوقد ذيّل على كشف الظنون جماعة فمنهم الفاضل، إبراهيم بن علي الحنفي الرومي المتوفي سنة ١١٨٩، له الذيل على كشف الظنون لكاتب چلبي [شلبي] الرومي، في أسماء الكتب والإلحاقات. ذكره له في ترجمته صاحب سلك الدرر المرادي، ومنهم كمال الدين محمد بن مصطفى البكري الغزي الحنفي، المتوفي سنة ١١٩٦، قال في سلك الدرر:\nجمع كتابا في أسماء الكتب على طريقة غريبة، سماه كشف الظنون في أسماء الشروح والمتون اهـ.\nومنهم عصرينا المعمّر المعتني سعادة المير آلاي إسماعيل باشا البغدادي الأصل، الآستانة لي المولد والدار، ذيّل على كشف الظنون في مجلدين، وله أيضا مؤلف في أربع مجلدات كبار في أسماء المؤلفين، ومؤلفاتهم، كان المذكور حيا سنة ١٣٢١-[١٩٠٣] م وقد جاوز السبعين كما بلغني عن عصرينا المعتني البحاثة الشيخ جميل العظم البيروتي، أن له ذيلا على كشف الظنون، في عشر مجلدات، ولصاحبنا البحاثة الأثري السيد حسن حسني عبد الوهاب التونسي كتاب سماه (دليل الباحثين عمن ألف من الإفريقين) أخبرني أنه في ثلاث مجلدات، وأنه اشتمل على آلاف من أسماء الكتب التي ألفها من على شرطه، وأن فيه التراجم نحو الثمانمائة، يصف فيه كل كتاب وصفا مدققا عن محل وجوده، وجرمه ومخطوطه ومطبوعه إن كان طبع.\nولأبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الطرابلسي (كواكب الترصيف فيما للحنفية من التصنيف) ذكره له من عرف به ولم أقف عليه.\nولمحدث الهند وعالمه أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الأنصاري:\n(فرحة المدرسين بذكر المؤلفات والمؤلفين) وقبله ألف الحافظ قاسم بن قطلوبغا كتابه: تاج التراجم فيمن صنف من الحنفية، وهو موجود بالمكتبة الخالدية ببيت المقدس، كما ألف في أسماء المؤلفين دون من ذكر جماعة، وفي ترجمة أبي حفص عمر ابن المكي","vol":"2","page":300},{"text":"الشرقاوي المتوفي سنة ١٢٦٠ بفاس، من سلوة الأنفاس أن له صلوات تضمنت أسماء الكتب المؤلفة في الصلاة على سبيل التوراة والتوجيه.\nوفي صبح الأعشي: كان للخلفاء والملوك في القديم بخزائن الكتب مزيد إهتمام، وكمال إعتناء، حتى حصلوا منها على العدد الجم، وعلى الخزائن الجليلة، ويقال: إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن؛ إحداها خزانة الخليفة العباسي ببغداد فكان بها من الكتب ما لا يحصى كثرة ولا يقدّم عليه نفاسة، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتار بغداد. الثانية: خزانة الفاطميين بمصر، وكانت من أعظم الخزائن وأكثرها إلى أن إنقرضت دولتهم بموت العاضد آخر ملوكهم، الثالثة: خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس، وكانت من أجلّ خزائن الكتب، ولم تزل إلى أن إنقرضت دولتهم فذهبت كتبهم كل مذهب اهـ.\nقلت: في صناجة الطرب أن عبد الرحمن الناصر الأموي جمع في قرطبة على ما يقال: أربعمائة ألف مجلد، وستمائة ألف على قول البعض اهـ.\nقال القلقشندي في صبح الأعشي: واعلم أن الكتب المصنفة أجلّ من أن تحصى، وأكثر من أن تحصر، لا سيما الكتب المؤلفة في الملة الإسلامية، فإنه لم يصنف مثلها في ملة من الملل، ولا قام بنظيرها أمة من الأمم اهـ.\nأقول: يجب القول اليوم بأن أعظم مكتبة إسلامية في الكرة الأرضية المكتبة الخديوية المصرية، فإنها جمعت ما لم تجمعه الآن مكتبة في العالم الإسلامي، وبرنامجها في عشر مجلدات ولعله أضيف إليها بعد طبعه ما يقرب مما كان فيها وقت جمعه، وذكرت دائرة المعارف الوجدية أن عدد الكتب المطبوعة الموجودة بها ٨٤٠٠٠ مجلد، وعدد الكتب المخلوطة بها ١٩٠٠٠ من ضمنها ١٨٩ مصحفا ومن هذه المصاحف ٢٧ مصحفا بالخط الكوفي على رق غزال، وبها بردية كتبت في شهور سنة ١١٧ هجرية، وهي أقدم ما بها وأقدم ما بها من الكتب رسالة الشافعي بخط تلميذه الربيع الجيزي، كتبها سنة ٢٦٤، ويليها مكاتب الإستانة وهي كثيرة متعددة؛ فيها ما لا يوجد في غيرها غرابة وزخرفة، وأني أخاف عليها كثيرا اليوم أن تحرق أو تغرق، ويا ليت أهل أنقرة يبيعونها في أوروبا فتحفظ من مكرهم وغارتهم على الإسلام وعلومه وكتبه، ويا ليت جمعية الأمم تهتم بذلك، ثم مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، ولكن بلغني أن معظم ما كان بها تفرّق شذر مذر، ثم من المكاتب الخصوصية بمصر مكتبة البحاثة المعتني الكبير أحمد تيمور المصري، فقد أخبرني السيد حسن حسني عبد الوهاب، أنها اشتملت على أربعة وعشرين ألف مجلد، فيها بخطوط المؤلفين نحو سبعة آلاف مجلد، ويليها مكتبة الكاتب الكبير أحمد زكي باشا، فيها أيضا الكثير الطيب.\nومن الأسف أن المطابع المصرية وغيرها لا تعتني الآن إلا بطبع كتب المتأخرين غالبا، وربما كررت طبع الكتاب الواحد مرات، غاضة الطرف عن كتب المتقدمين التي","vol":"2","page":301},{"text":"ألفت في القرن الثاني والثالث والرابع والخامس، مع أنها أجدر بالإهتمام؛ لإفادتها وقلتها في الوجود، فأخاف إن دام طرف أصحاب المطابع مغضوضا عنها أن تضيع بالكلية وتنعدم، فإن أكثر الموجود منها على قلته تخرّق وكاد يضمحل وأني أندب الكتّاب وأصحاب الهمم إلى الكتابة في هذا الموضوع الهام، وهو تحريض أصحاب المطابع على نشر الكتب القديمة الإسلامية، التي كادت تضمحل، وذلك بتكوين لجنة أولية تجمع أساميها وعناوينها ومحلات وجودها، ثم السعي في نشر الأهم، والأقدم، والأندر منها، والله الموفق.\nولكن وإن أحرق ما أحرق، ونهب ما نهب، وحجر ما حجر، وأخفي ما أخفي، فالأصل الأصيل لتفاصيل المدنية الإسلامية القرآن الكريم الذي جمع فأوعى، وكان حفظه الذي لا ينسى على ممر الدهور، السبب العظيم لحفظ ضوابط تلك المدنية الإسلامية، وقد حازت منه الأمة المغربية أوفر الحظوظ، حتى قالوا: إن القرآن نزل بلغة العرب ففسره العجم، وحفظه المغاربة ونطق به أهل مصر، وأحسن الإستماع له الترك، وعمل بالقسم الآخروي منه أهل اليمن. ومنذ نزل القرآن هذه مدة من أربعة عشر مائة سنة، والناس يستنبطون منه، ويستخرجون على إختلاف المدارك والغايات، والحظوظ، والفنون العلمية، والأخلاقية والقانونية والتاريخية والفلسفية، وهو إلى الآن بحر لا ينفد، ولا تنقضي عجائبه.\nومن بديع أمر القرآن الدال على أنه منبع الترقي والحضر، والإستعمار بمعناه اللغوي، أنك لا تجد اليوم حادثة في باب من أبواب العلوم الكونية إلا ويمكن أن تستخرجها أو ما يدل عليها من القرآن، وقد قام بهذا القسط اليوم من أهل الإسلام من شعروا بالغاية القصوى فيه، من أهل مصر، والشام، والعراق، فتجردوا لإستخراج فرائده، وإستيعاب مضامينه على حسب حاجات هذا العصر، وما يروج فيه مما هو في الحقيقة من العلوم الإسلامية، ولكن أعطي صبغة أخرى، وشكلا آخر، فقام كاتب حكيم في دمشق الشام وهو الأستاذ محمد بن أحمد الإسكندراني يستخرج منه العلوم الطبيعية، وما في الأرض من أسرار المياه، ومجاريها والأحجار وفوائدها، والنباتات وحكمها وخواصها، وكتابه هذا في غاية الإبداع، إشتمل على ثلاث مجلدات سماه: كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية، طبع سنة ١٢٩٩. وقام العلامة الفلكي الكبير المرحوم أحمد مختار باشا التركي فألف كتاب: «موافقة الآي القرآنية للعلوم الفلكية» جمع فيه نحو سبعين آية.\nوقام ضابط تركي من النابغين في الفلك والهيئة فألف كتابا في تطبيق قواعد هذا العلم على القرآن الكريم أيضا.\nوما ألف أجمع ولا أوسع في هذا الباب من كتاب صديقنا الاستاذ العلامة عالم مصر الشمس محمد بن بخيث المطيعي الحنفي، وهو مطبوع في مجلد. وقام كاتب في مصر","vol":"2","page":302},{"text":"وهو الشيخ طنطاوي جوهري جرّد وجهته إلى العلوم الفلكية، وإستخراجها منه، والشمس وشعاعها، والقمر وضيائه، والسماء ونجومها، في كتابه نظام العالم، والأمم، وكتابه نهضة الأمة، وحياتها وكتابه: ميزان الجواهر، وكتابه: جمال العالم.\nوقام فريد وجدي الكاتب البحاث البارع في مجلة الحياة، وكتابه كنز العلوم واللغة، وكتابه دائرة المعارف، وكتابه الإسلام والمدنية، وتفسيره ومقدمته، صفو العرفان بإستخراج العلوم النفسية والقوانين الإجتماعية والعلوم العمرانية من القرآن وجواهره.\nوقام عالم شيعي اسمه هبة الله الشهرستاني من أهل عصرنا، بكتابه المسمى الهيئة والإسلام إفتتحه بمقدمات هامة سدّ بها فراغا عظيما في باب العلوم الفلكية أيضا، وما أحسنه وأسهل مأخذه.\nوألف صاحبكم «١» هذا كتابه في إقامة أصول الكهرباء والبخار ونتائج العلم بهما من تسيير القطارات والأتوموبيلات والغواصة البحرية والمنطادات الجوية، ومن الكتاب والسنة، سميته اليواقيت الثمينة في الأحاديث القاضية بظهور سكة الحديد ووصولها إلى المدينة، وقد طبع بالجزائر سنة ١٣٢٩- ١٩١١ وبلغني أنه ترجم لللغة الفرنسية.\nومن عجيب أمر القرآن والسنة أنهما لا يحجران علينا الأخذ بما لم يوجد فيهما صراحة ونصا، مما يصلح للزمن القابل، لأن الدين تكفل بتأييد مبادي الرقي، وجميع مشاريع العمران، فلم يحجر علينا إلا الأخذ بما يضر من آداب وأخلاق الأمم الآخرى، أما ما ينفع الناس، وظهرت فائدته فحاشا الدين الإسلامي أن يقوم عثرة في طريقه.\nوفي العتبية قال مالك بن أنس: إن عمر بن عبد العزيز قال: «سنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها إتّباع لكتاب الله، واستعمال لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها، ولا تغييرها، ولا النظر في شيء يخالفها، من اهتدى بها مهتد، ومن إنتصر بها منصور. ومن تركها اتّبع غير سبيل المؤمنين، وتولّاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.\nقال ابن رشد في البيان والتحصيل: إتباع ما سنّوه إتباع لكتاب الله اهـ.\nوإنما تتوهم المباينة من قصور أو تقصير الباحث المتصدي، أو قل الجمود على المبادي، والجمود ضد الإسلام، وعلى هذه الطريقة جرت الأمم الإسلامية، بالأخذ بالأحسن فالأحسن، وقت مدنيتها الزاهرة بقرطبة، وفاس، والقيروان، وبغداد، وقزوين، فلذلك، لم تكن إختراعاتهم تقف عند حدّ، وطرقهم لباب الرقي لم يكن يقف في وجوههم سدّ، فأتوا من ذلك وقت ما كانت أوروبا في نومها العميق، ما صيّرهم قدوة لغيرهم، واعترف لهم بذلك فطاحلة المؤرخين من غيرهم.\n_________\n(١) يعني المؤلف نفسه ﵀.","vol":"2","page":303},{"text":"ولننقل لك بحثا للمؤرخ سيدليو السابق الذكر في كتابه خلاصة تاريخ العرب، الذي ترجمته إدارة المعارف المصرية وطبعته سنة ١٣٠٩ هـ ١٨٩٠ م قال فيه:\nالمبحث السابع عشر في إختراعات العرب، وإستكشافاتهم بيت الإبرة، وصناعة الورق، والبارود، والأسلحة النارية.\nأسلفنا لك وصف الأسباب والمسببات المتعلقة بالتمدن المنتشر في الدنيا، بإنتشار العرب، من إبتداء بوغاز جبل طارق، إلى نهاية حدود آسيا. وبقي علينا التكلم على ما تغيرت به الحالة الأدبية والسياسية والعسكرية في جميع الدنيا، من إختراع العرب الورق، وبيت الإبرة وبارود المدافع، ولا عبرة ببعض الأفرنج الذي سلب عن العرب شرف إختراعها وتعليمها لأوروبا، زاعما أنّ أهل الصين عرفوا تلك الأشياء، منذ زمان قديم، عملا بما أطلع عليه من نسبته لغيرهم، في بعض متون موهومة العزو إلى من نسبت إليه، كما زعم أنّ المطبعة كانت موجودة لدى أهل الصين، منذ القرن الثامن من الميلاد، نعم، إستفاد العرب عمل الورق من الحرير من أهل الصين، الذين لو كانوا يعرفون صناعة الطبع قبل غيرهم لإستفادها العرب منهم، وكيف يظن أنهم إستعملوا بيت الإبرة، مع أنهم لم يزالوا إلى سنة ١٨٠٠ ميلادية يعتقدون أنّ القطب الجنوبي من الكرة الأرضية سعير تتلظّى، وهل عرفوا إستعمال البارود وتلك الإستعمالات المتنوعة الباقي أثرها لدى العرب، المشهود لهم بإستعمالها أصنافا من القلل [الفنابل] في حصارهم مكة «١» سنة ٦٩٠ ميلادية، وإستعمالهم بمصر في القرن الثالث عشر البارود المستخرج من ملح النجاة، ليرمى به نحو قلل ذات صوت كالرعد، وذكر استعماله في وصف معرض البحرية التي عقدها ملك تونس مع أمير أشبيلية في القرن الحادي عشر، كما استعمل في حصار جبل طارق سنة ١٣٠٨ ميلادية، وحصار إسماعيل ملك غرناطة لمدينة بايطة سنة ١٣٢٤، وحصار طريفة سنة ١٣٤٠، أن الرصاص رمي بالبارود في تلك الحصارات، فابتدأ نصارى إسبانية يومئذ في استعماله، وقد استعمل العرب بيت الإبرة في ابتداء القرن الحادي عشر، في سفر البحر والبر، وضبط محاريب الصلاة، وصنع الورق من الحرير سنة ٦٥٠ ميلادية في سمرقند وبخارى، ثم استبدل يوسف بن عمر سنة ٧٠٦ ميلادية الحرير بالقطن الذي منه الورق الدمشقي، واستعمل ورق الغرب في الثالث عشر بقسطيلة، التي شاع منها استعماله في فرنسا وإيطالية وألمانية، وما أسلفناه هو كيفية تحكم العرب على جميع فروع تمدن أوروبا الحديث، ومنه يعلم أنه من القرن التاسع إلى الخامس عشر كان عند العرب أوسع ما سمح به الدهر من الأدبيات، وأن نتائج أفكارهم الغزيرة، وإختراعاتهم النفيسة، تشهد أنهم أساتذة أوروبا في جميع الأشياء، كالمواد المختصة بتاريخ القرون الوسطى، وأخبار السياحات والأسفار، وقواميس سير الرجال المشهورين، والصنائع العديمة المثال، والأبنية الدالة على\n_________\n(١) المشهور أن المسلمين في عصر النبوة حاصروا الطائف ورموها بالمنجنيق مصححه.","vol":"2","page":304},{"text":"عظيم أفكارهم، وإستكشافاتهم المهمة، ولذلك كله وجب الإعتراف برفعة شأن هذه الأمة المحمدية، التي تحتقرها الإفرنج منذ أزمان عديدة اهـ من ص ٢٦٧ منه إرجع إليه تر عجبا، ولا نحتاج إلى زيادة الإحتجاج على ما ذكرنا أكثر مما سمعت عن مؤرخ أوروبي كبير، فغضوا الجفون عن القذى، واستروا الهفوات، وغطوا الجلابيب على الردى بحسن الفهم ومزيد الروية.\nاللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن منك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي.\nأعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.\nسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، عملت سوآ وظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. والحمد لله وكفى. وسلام على عباده الذين إصطفى.\nحرره بيده الفقير محمد عبد الحي الكتاني في شوال الأبرك عام ١٣٤١ بفاس، أمّنها المولى بمنه آمين.\nثم أعدت النظر إليه والإلتفات مشتغلا به نحو سنتين أو أكثر فتم تنقيحا وتهذيبا وإلحاقا وتبويبا عام ١٣٤٦ بفاس، حرسها المولى بمنه مطالعا عليه مراجعا لأجله ما سبقت تسميته في المقدمة من الكتب والرسائل، وزدت على ذلك أخيرا ما لم يقع لنا فيما سبق تسميته، كالزرقاني على الموطأ وعون الودود على سنن أبي داود، وفضائل عمر بن عبد العزيز لعبد الله بن الحكم المصري، والروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد ابن إبراهيم الوزير اليمني، وإتحاف الرواة بمسلسل القضاة لأحمد بن محمد بن يونس الشلبي الحنفي المصري، وشرح السفاريني على منظومته في التوحيد، وصيد الخاطر لابن الجوزي، ونقط العروس لابن حزم، وروض التحبير في حكم السياسة والتدبير، لابن سماك الأندلسي، وتاريخ الخميس للديار بكري، والهدية المقبولة في حلل الطب المشمولة، وشرحها لأحمد بن صالح الأكناوي الدرعي، والمنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، لأحمد بن مرتضى وأنس السمير فيما وقع بين الفرزدق وجرير للياصلوتي والقانون لليوسي، والحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف، لأبي سالم العياشي، وشرح التحفة للشيخ التاودي بن سودة، وفهرسته، وكتاب وصف البريد، وشرح منظومة ابن أبي الرجال، في الفلك لابن قنفذ القسمطيني، والجرعة الكافية للشيخ المختار الكنتي، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم. والحمد لله وكفى. وسلام على عباده الذين اصطفى.","vol":"2","page":305},{"text":"تم كتاب التراتيب الإدارية للعلامة أعجوبة الزمان الحافظ المرحوم محمد عبد الحيّ الكتاني الإدريسي الحسني رحمه الله تعالى وقد صححت كثيرا من أخطائه المطبعية، وتركت بعضها مما لم يتضح لي سبيل تصحيحه كما وضحت بعض العبارات حسب الاصطلاح المعمول به في المشرق بوضعها بين حاصرتين [] وحذفت ما كان فيه إطناب زائد كثيرا عن الحاجة وأشرت لذلك في الهامش، كما رأيت ضرورة حذف بعض العبارات التي لا تتناسب مع جلالة هذا الكتاب الثمين وأسأل الله لمؤلفه الجليل أفضل الجزاء فقد كان بحرا لا يدرك قعره، ولولا خوضه في مستنقع السياسة لكان علما وإماما ليس له نظير، ولكن ما شاء الله كان، وإنه لشرف كبير لي أن أقوم بتصحيح هذا الكتاب خدمة للسنة النبوية المطهرة والسيرة المحمدية العطرة في أجلّى صورها وأدّق مناحيها وتفاصيلها الحياتية، مما يعطي القارىء صورة كاملة عن تصرفات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله في أمور لا تخطر بالبال لولا أن المؤلف بما آتاه الله من سعة العلم وقوة الحفظ وبعد النظر استطاع أن يضمنها دفتي هذا الكتاب العجيب الذي يكاد على صغر حجمه أن يكون موسوعة علمية نادرة. وقد قال المؤلف في آخر المقدمة النفيسة ص ٨٠ من الطبعة الأولى.\nفإليكم معاشر الآتين وأرواح أفراد من الماضين أسوق هذه المجموعة النفيسة، التي هي كمرآة مكبرة، تتجلّى لكم منها الحالة الاجتماعية والسياسية والحربية والعلمية والأخلاقية والعائلية التي كانت في زمن مصدر النبوة، وإبّان فيضان الكمال بأتمّ معانيه في وقت الرسالة المحمدية، فخذوها شاكرين، واقرأوها بالخير ذاكرين، والله المستعان.\nولا أنسى في خاتمة الكتاب من التنويه بالأخ الهمام الأستاذ أكرم الطبّاع صاحب دار الأرقم بن أبي الأرقم الذي قبل اقتراحي عليه بتجديد طباعة هذا الكتاب النفيس دون تردد، حبا منه في نشر الكتب العلمية النافعة وخدمة لسيرة رسول الله ﷺ، وحرصا منه على إخراج هذا الكتاب في حلة جديدة زاهرة، لينتفع بها الشباب المؤمن المتعطش لمعرفة التفاصيل العملية لحياة الرسول الكريم في مختلف نواحي الحياة جزاه الله خير الجزاء.\nوحقق آمال مؤلفه العلم الشامخ الذي قلّ نظيره في فضله وعلمه وحسبه ونسبه ولا بد من شكر العاملين الفنيين في تنضيد الحروف وهم الجنود المجهولون العامذون بصمت وعلى رأسهم الأخ حسن فتوني لصبرهم وجهدهم في تصحيح تجارب الطبع أعانهم الله.\nربنا أغفر لنا وارحمنا وعافنا واهدنا لما فيه رضاك آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين\nمصححه خادم أهل العلم عبد الله بن محمد رشيد الخالدي\nبيروت في ٢٠/ ذي القعدة ١٤١٦ هـ ٨/ (اپريل) نيسان ١٩٩٦ م.","vol":"2","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>فهرس الموضوعات</span>\nالقسم التاسع في ذكر حرف وصناعات كانت في عهد رسول الله ﷺ وذكر من عملها من الصحابة رضوان الله عليهم زيادة على ما تقدم وفيه عدة أبواب ومقدمات وهي ثماني ست لم يأت عليها الإمام الخزاعي فاستدركتها عليه فأقول ٥\nالمقدمات ٧\nباب ما ذكر في الأسواق ٨\nباب كون الناس كانوا أول الإسلام لا يتعاطون البيع والشراء حتى يتعلموا أحكامه وآدابه وما ينجي من الربا ١٦\nباب تشديد عمر على الصحابة في تركهم الاتجار لغيرهم من العامة والاخلاط ١٨\nباب ايثار الصحابة في الخروج للتجارة التبكير ١٩\nباب أمر عمر بالسعي وحضه الناس على التكسب ١٩\nباب قول عمر إذا رأى غلاما فأعجبه ٢٠\nباب قول عمر في التكسب والغزو ورأيه في التفاضل بينهما بالنسبة إلى نفسه ٢٠\nالباب الأول في ذكر من كان يتجر في زمن رسول الله ﷺ ٢١\nثم من اتجر من كبار الصحابة بعده ٢١\nذكر أصل تسمية البيع والشراء تجارة ٢٤\nباب في ذكر من كان بزازا في عهد رسول الله ﷺ ٢٥\nباب في سوق البزازين في المدينة على عهده ﵇ ٢٦\nباب في العطار ٢٦\nباب في الوزان في زمنه ﵇ ٢٧\nباب في الصراف ٢٨\nذكر من كان يتجر في الصرف على عهد رسول الله ﷺ ٢٨\nالتجارة في العنبر والزئبق ٢٨","vol":"2","page":307},{"text":"حفر معدن الذهب ٢٩\nباب في بائع الرماح ٢٩\nباب في بائع الطعام ٢٩\nباب بيع الصبيان ٣٠\nباب في بيع السكر ٣٠\nبيع العقاقير ٣٠\nالمرأة تبيع العطر ٣٠\nالزراعة والغراسة ٣٠\nالخرازة ٣٨\nباب في الثمار ٣٨\nالمسافة التي كان يأتي منها الزرع وغيره ٣٨\nبائع الدباغ ٤٠\nباب في الأديم [الجلد الطائفي] ٤١\nالحطاب ٤١\nالدلال وهو السمسار ٤١\nالنساج ٤٢\nالخياط ٤٣\nالنجار ٤٣\nالمهد للصبيان ٤٤\nصانع الأقداح من الخشب للشرب ٤٤\nالصوّاغ ٤٤\nالنقاش ٤٥\nصنع الأنف من ذهب ٤٦\nإحداث الرحى الهوائية في آخر خلافة عثمان والصحابة متوافرون ٤٦\nالمصور ٤٧\nاتخاذ الشحم للإستصباح ودهن السفن وغيرها ٥٠\nبيع اللبن ٥٠\nالحداد ٥١\nالبناء البناآت النبوية ٥٢\nالأصل في وضع الرؤساء والملوك أول حجر للمعاهد العلمية والدينية والقومية ٥٢\nتعيين الإمام موضع المسجد وتعيين محل القبلة ٥٢","vol":"2","page":308},{"text":"أمر الإمام من ينوب عنه في تسمية البقعة مسجدا ٥٣\nمسجد المدينة ٥٣\nبناؤه ﷺ المسجد ثلاث مرات منها ما لبنه بالأنثى والذكر ٥٣\nمساكنه ﵇ ٥٣\nالدكة لجلوسه ﵇ ٥٤\nأول بنّاء كان في الإسلام ٥٥\nامره ﵇ في البناآت أن تكون على مقتضى القواعد الصحية ٥٥\nهدمه ﵇ مسجد الضرار ٥٥\nفي الرجل يحسن الشيء من عمل البناء فيوكل لعمله ٥٦\nالصباغ ٦١\nالجلاب ٦١\nذكر من كان من الصحابة يتجر في بحر الشام ٦١\nالدباغ ٦٢\nالخواص ٦٢\nالعوام ٦٢\nبيع الماء ٦٤\nباب في الصيد وهو على أنواع ذكر من كان يتصيد بالكلاب ٦٤\nذكر من كان يتصبد بالبزاة ٦٤\nذكر من صاد بالرمح ٦٤\nالصيد بالسهام ٦٤\nالصيد بالمعراض ٦٥\nالصيد باليد ٦٥\nالصيد بالآلات ٦٥\nمنع الصيد في جهة معينة أو وقت مخصوص كما يقع اليوم ٦٥\nالصياد في البحر ٦٥\nباب لم يتصيد ﵇ بنفسه الكريمة ولا اشترى صيدا ٦٦\nاعتناء البدوي بطرف بلاده يهديها له ﵇ والعكس ٦٧\nالعمال في الحوائط ٦٧\nمن كان من الصحابة يعطي أرضه بالربع والثلث ٦٨\nالمستدل على محل الماء من تحت الأرض وإستخراجه ٦٨\nالسقاء الذي يحمل الماء على ظهره ٦٩","vol":"2","page":309},{"text":"الحمل على الظهر ٦٩\nالحجام والحلاق ٦٩\nاللحام وهو الجزار والقصاب ٧٠\nالحرف الممتهنة في نظره ﵇ ٧٠\nالطباخ ٧٠\nصنيعة الخزيرة ٧١\nالشواء ٧١\nصاحب الخبز ٧١\nهل كانت الأقراص النبوية صغارا ٧٢\nالماشطة ٧٣\nالمحرشة بين النساء ٧٤\nالمرأة تذهب لجس نبض الرجل هل له بزواج فلانة أرب ٧٤\nالنساء الممرضات اللائي كن يرافقن المصطفى ﵇ في الغزو وما كان الصحابيات يظهرن من ضروب الشجاعة وخفة الحركة ومساعدة الغزاة ٧٤\nالنسوة التاجرات ٧٧\nالقابلة ٧٧\nالخافضة ٧٨\nالمرضعة ٧٨\nالمرأة تمثل النسوة في المجلس النبوي ٧٨\nالمغزل ٧٨\nفي المغنين (ذكر المغنين في الأعياد) ٧٩\nهل كانت الدفوف في الزمن النبوي بالجلاجل (وهل سمع الصحابة العود والوتر) ٨٠\nذكر أسماء المغنيات في المدينة في العهد النبوي ٨١\nذكر ما كانوا يغنون به ٨٢\nذكر من غنّى في وليمة النكاح ٨٣\nذكر تلقي رسول الله ﷺ عند إيابه ٨٥\nذكر من غنى قوما اجتمعوا عند صاحب لهم وسمع النبي ﷺ فأقرهم ولم ينكره ٨٦\nهل كان لبعض السلف اعتناء بعلم الموسيقى ٨٨\nذكر قينة غنت بين يدي رسول الله ﷺ عن إذنه لتسمع أم المؤمنين عائشة ٨٨\nذكر الغناء والإنشاد ٨٩\nما كان يقوله الذين يذهبون بالعروس لدار زوجها ٨٩","vol":"2","page":310},{"text":"ذكر لعب الحبشة بحرابهم فرحا بقدوم النبي ﷺ ٩٠\nلعب البنات مع عائشة ٩١\nلعبها بالتماثيل مع البنات ٩١\nرقص الحبشة في المسجد النبوي إمامه ﵇ ٩٢\nقوله ﵇ اقدروا قدر الجارية الحديثة السن ٩٤\nباب مرور أحد الصحابة على الحبشة يلعبون في الطريق واعطائهم ٩٥\nالمسابقة ٩٥\nالمصارعة ٩٥\nحجل بعض كبار الصحابة بين يديه ﷺ ٩٧\nحبس الطير للعب الصبيان به ٩٧\nاتخاذ الوحش في المسكن ١٠٠\nنهب اللوز والسكر ونثره في العرس ١٠١\nاللهو واللعب المأذون فيه ١٠٢\nذكر جعل الوليمة في العرس سبعا ١٠٢\nجلب الدقيق الحواري ١٠٣\nوالسمن والعسل من الشام إلى المدينة وأكل المصطفى ﵇ منه ١٠٣\nجلب الجبن الرومي وأكله ﵇ منه وقطعه بالسكين ١٠٥\nاختياره ﵇ محل السوق ١٠٥\nباب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام ١٠٥\nصانع السيوف ١٠٦\nباب ذكر من كان يبري النبل ١٠٦\nفي الحفار للقبور ١٠٦\nاتفاق القوم على من يمثلهم في محفل رسمي أو مأتم ديني ١٠٧\nباب أخذ ستر المرأة في نعشها وهي ميتة عن الحبشة ومن حبّذ ذلك ١٠٧\nالمرأة الكبيرة السن تلازم القبر ١٠٧\nالقسم العاشر من كتاب الخزاعي ويتضمن أربعة أبواب ١٠٩\nالباب الثالث في ما جاء في أرزاق الخلفاء والأمراء والعمال ١٠٩\nوفيه خمسة فصول ١٠٩","vol":"2","page":311},{"text":"الفصل الأول في أن لكل من شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على شغله ذلك ١١١\nالفصل الثاني في أن ما يأخذه العامل زيادة على ما يرزقه الإمام فهو غلول ١١٢\nالفصل الثالث كيف كان رسول الله ﷺ يفعل في نفقته ونفقة أهله ١١٢\nالفصل الرابع في أرزاق الخلفاء بعده ﷺ ورضي عنهم ١١٢\nالفصل الخامس في الأموال التي يرزق منها ولاة الناس ١١٣\nالباب الرابع في ذكر أسماء التواليف المخرج مها ما تضمنه هذا الكتاب ١١٤\nالمستدرك على كتاب الخزاعي ﵀ (في تشخيص الحالة العلمية على عهده ﵇) ١٢١\nالباب الأول من المقصد الأول باب في أن السنة بنت القرآن وأن الحديث الصحيح يتطلب لفظه أو بعضه أو معناه في القرآن ١٤٠\nباب مقدار الأحاديث الواردة عنه ﷺ ١٤١\nباب هل تصدى أحد من المتأخرين إلى جمع جميع السنة ١٤٦\nباب في كيفية تلقي الصحابة للعلم وأنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي ١٥١\nباب في وقوفه ﵇ على حلق العلم لأصحابه وجلوسه فيها معهم وإيثارها على حلق الذكر ١٥٢\nباب فيمن كان يخلف المصطفى بعد قيامه من مجلسه للتذكير والفقه ١٥٣\nباب في تدارسهم القرآن وتفسير المصطفى لهم آية ١٥٣\nباب في أن الصحابة كانوا يعتنون بما يبلغهم من العلم بالحفظ والمذاكرة فيه ١٥٤\nباب في الأمر بالاعتناء بالسند في نقل السنة ١٥٥\nباب إباحته ﵇ التحديث بالأخبار الإسرائيلية وعجائب الأمم الماضية ١٥٥","vol":"2","page":312},{"text":"باب في إرشاد النبي ﷺ الناس إلى من تميز بفضيلة من أصحابه ليؤخذ عنه ١٥٧\nباب في إطلاق العلّامة في العصر النبوي على أعلم الناس بأنساب العرب والشعر ١٥٩\nباب في ذكر اختبار المصطفى قوابل أصحابه ومبلغهم من الذكاء والفهم في العلم ١٦٠\nباب في تخصيصه ﷺ لأهل العلم أياما معلومة ١٦١\nباب في أن العلم كانوا يحملونه تدريجيا وأنه يؤخذ الأوكد والأسهل، فالأصعب، والمبادي قبل غيرها ١٦١\nباب في حرص الصحابة على التعلم وهم كبار ١٦٢\nباب في أمرهم بطلب العلم قبل التزوج ١٦٢\nباب في ذكر أن التاجر منهم كان يتعلم والمتعلم منهم كان يتجر ١٦٢\nباب في كون الصحابة كانوا يعلمون نساءهم وإماءهم وأن المصطفى كان يجعل للنساء يوما على حدة ١٦٢\nباب في اعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعون منه ﵇ وكيفية ذلك ١٦٣\nباب في كون الصحابة كانوا إذا سمعوا ما لم يفهموا من العلم استعادوه حتى يفهموه ١٦٤\nباب في بناء أمرهم على تبليغ الشاهد الغائب ١٦٤\nباب تعاطيهم العلم ليلا ونهارا ١٦٤\nباب في احتفاظ المصطفى على قلوب المبتدئين فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين ١٦٥\nباب من حق الأبناء على الآباء تعليمهم الكتابة ١٦٥\nباب في القلم والدواة في العصر النبوي ١٦٦\nباب الأقلام القصبية في زمن الصحابة ١٦٧\nباب في اتخاذ الكاغد من القطن في أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب ١٦٧\nباب في كتابة الصحابة للحديث وأمر المصطفى لهم بالتقييد ١٦٩\nباب هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة واتباعهم التدوين والتصنيف ١٧٢\nبباب في اعتناء قوّاد الصحابة برفع التقارير الجغرافية ١٨٢\nللخلفاء الراشدين عن البلاد التي يفتحونها ١٨٢\nباب في أن ترجمة الكتب القديم العلوم العمرانية من طب وكيمياء وصناعات ونحوها وقع الاعتناء به أواخر أيام الصحابة ١٨٣\nباب في أن أول من تكلم في علوم القوم الصحابة ١٨٥\nباب في أن أول من وضع علم النحو في الإسلام الصحابة ١٨٦\nباب في أن عليا كرم الله وجهه هو أول من نطق بالتصحيف أحد أنواع البديع ١٨٨\nباب في أن الصحابة تكلموا في علم الكلام قبل أن يتكلم فيه ويدوّن الإمام الأشعري ١٨٩","vol":"2","page":313},{"text":"باب املاء الصحابة على من يكتب عنهم ١٨٩\nباب وقت بروزه ﵇ للجواب عن أسئلة السائلين وأغلب ما كانوا يسألونه عنه ١٨٩\nباب في مراجعتهم الحديث فيما بينهم إذا فارقهم المصطفى ﵇ ١٩٠\nباب في أنهم كانوا إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة من القرآن ١٩٠\nباب في أن العالم منهم قد يأمر تلميذه بالتحديث بمحضره ١٩٠\nباب في أخذهم القرآن مع التفقه في معانيه تدريجيا ١٩٠\nباب في أول من أطلق على سفر القرآن المصحف ١٩٢\nباب فتوى الصحابة في حكم أجرة نسخ المصاحف ١٩٢\nباب في اعتناء الصحابة ومن كان في زمنهم بنسخ المصاحف وتلاوتهم القرآن فيها ١٩٢\nباب في اعتناء الصحابة بمصاحبة المصاحف لهم في أسفارهم ١٩٥\nباب هل كانوا يحلّون المصاحف ١٩٦\nباب في أن حفظ المصاحف كان له ولاة مختصون به في زمن أبي بكر ﵁ ١٩٦\nباب هل كانوا يقبلون المصاحف؟ ١٩٦\nباب كون الصحابة كانوا يستحبون أن لا يخرج الرجل من منزله صباحا إلا وقد نظر في المصحف ١٩٧\nباب في أن معاوية كان له غلمان وكلوا بحفظ دفاتر التاريخ ١٩٧\nباب في تعلمهم القرآن في زمنه ﵇ وتسويغه أخذ الأجرة عليه ١٩٨\nباب هل كانت المصاحف تباع في زمنهم ١٩٩\nباب في المكاتب لقراءة الصبيان ١٩٩\nباب أين كانوا يصبون الماء الذي يغسل الصبيان به ألواحهم ٢٠٠\nباب هل هناك ما يدل على السن الذي كانوا يبتدئون فيه تعليم الصبي عن السلف ٢٠١\nباب من كان يعلم القرآن في المدينة ومن كان يبعثه ﵇ إلى الجهات لذلك وحفاظ القرآن من الصحابة ومعلم الناس الكتابة من الرجال والنساء مؤمنين وكافرين والمفتين على عهده ﵇ ومعبري الرؤيا واتخاذ الدار في ذلك الزمن ينزلها القراء كالمدارس اليوم وغير ذلك ٢٠٢\nباب في تعاطي علم الخط ٢٠٢\nباب في حضهم على تعاطي الشعر ٢٠٣\nباب في علم الأنساب ٢٠٤\nباب في رواج علم الفرائض في الزمن النبوي وحضه ﵇ الناس على تعلمه وتعليمه ٢٠٦","vol":"2","page":314},{"text":"باب في ذكر من كان يحال عليه الأمور الحسابية ٢١٠\nفي زمن الخلفاء الراشدين ٢١٠\nباب في أخذ أهل أوروبا الأرقام العربية عن العرب ودخولها إلى بلادهم في زمن علي كرم الله وجهه ٢١١\nباب ايثارهم في أخذ العلم القرشيّ علي غيره ٢١١\nباب الأمر بتعليم علم النجوم ٢١١\nباب أمرهم بتعلم علم الرماية والسباحة ٢١٢\nباب في أمرهم بتعلم العربية ٢١٣\nباب في أمر عمر لعماله بضرب كتابهم إذا لحنوا وتأخيرهم ٢١٣\nباب في تعاطي الصحابة للحكمة والتنجيم والقافة والموسيقي والطب والإدارة والحرب والسياسة والترجمة والإملاء والتجارة والصناعة ونحو ذلك ٢١٣\nباب في كونهم كانوا يتجنبون في التحديث والرواية ما يضر سماعه بالعامة والمبتدئين ٢١٤\nباب في وصاية رسول الله ﷺ بالشباب من طلبة العلم ٢١٤\nباب في اهتبال علماء الصحابة بالآخذين عنهم والإهتمام بوقايتهم من الأهواء وحنوّهم عليهم ٢١٥\nباب في ذكر الوصف الذي كان يحمله المنقطع للعلم في ذلك الزمن تعلما وتعليما ٢١٥\nباب في تسميته ﵇ حملة الحديث ونقلته عنه خلفاء له ﵇ ٢١٥\nباب عنوان القرآن وبرنامجه وهو الأصل في وضع المسلمين العناوين للمصنفات ٢١٦\nباب في حضه ﵇ طلبة العلم على السؤال عما لم يفهموا ٢١٧\nباب في اجابته ﵇ السائلين على حسب قوابلهم وتنويعه الخطب على حسب الحال والمقام ٢١٧\nباب في روايته ﷺ عن أصحابه وتحديثه عنهم ٢١٨\nباب في أخذ الصحابة العلم بعضهم عن بعض ٢١٨\nباب في أن جلالة بعضهم عند بعض كانت لا تمنع من المخالفة فيما لم يؤدهم إليه اجتهادهم ٢١٩\nباب في أدب الصحابة مع من يتعلمون منه أيضا ٢١٩\nباب في رواية الصحابة عن التابعين ٢٢٠\nباب في أخذ كبار الصحابة العالم عن الموالي ٢٢٠\nباب أخذ الصحابة من العرب عمن أسلم من اليهود ٢٢٠\nباب في رجوع الصحابة للحق إذا ظهر لهم واعترافهم به ٢٢١\nباب في تأديب النبي ﷺ للصحابة في التعليم واقتفاء الصحابة أثره في ذلك ٢٢١","vol":"2","page":315},{"text":"باب مناظرة الصحابة بين يدي المصطفى ﷺ ٢٢٢\nباب في آداب طالب العلم المنصوص عليها لأهل القرون الأولى ومنها تعلم الآداب المعروفة لطالب العلم في زمن النبوة ٢٢٢\nباب في أن الصحابة كانوا يعرفون حق أكابرهم في العلم والسن والآداب التي كانوا يوصون بها المتعلم ليعامل بها معلمه ٢٢٤\nباب في إنزال النبي ﷺ الناس ساعة التعليم منازلهم من تقديم الأكثر علما أو سنا ٢٢٥\nباب رحلة الصحابة في طلب العلم أو رغبة في علو السند ٢٢٥\nباب ترغيب الصحابة بعضهم بعضا وغيرهم من الناس إلى حضور الميراث النبوي يريدون العلم لأن الأنبياء لم يخلفوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم وذلك بعد انتقاله ﵇ ٢٢٦\nباب في القاص في الزمن النبوي وجلوسه ﵇ مجلسه ٢٢٦\nباب في ذكر ما بثه ﵇ من الفرائض الطبية والعلوم الحكمية المتعلقة بالأغذية والأدوية وعلاج الأمراض حتى دونت فيه الدواوين ٢٢٨\nباب في ذكر توسعه ﵇ مع أصحابه في ذكر الوقائع التاريخية وأخبار الأمم السالفة واتخاذه لذلك وقتا وهو أصل تعاطي الدروس اليوم في شبه ذلك ٢٣٢\nباب اتخاذ الأنصار ما بين العشاءين لتعلم الرماية ٢٣٤\nباب اتخاذ معاوية ﵁ وقت السمر لسماع كتب التاريخ وأخبار الأمم والأجيال ٢٣٤\nباب في بناء أمرهم في التعليم على أن يتلقوا العلم ممن وجدوه عنده ولو كان صغيرا أو مشركا ٢٣٤\nباب تحريض علي بن أبي طالب على العلم وتنبيهه على شرفه بأبلغ تعبير ٢٣٥\nباب في ترتيب العلم في الأخذ عن الصحابة ومن كانوا يقدمون ويؤخرون من المجتمعين للطلب باب في أن الصحابة كانوا يروحون القلوب ساعة فساعة ٢٣٦\nباب في حديث خرافة ٢٣٧\nباب في حديث أم زرع ٢٣٧\nالمضحكون والمضحكات في الزمن النبوي ٢٣٩\nالمقصد الثاني ٢٤٢\nباب في تحريهم في الفتوى وتدافعهم لها ٢٤٥\nوكراهتهم الكلام في المسألة قبل نزولها ٢٤٥\nباب من كان يوسم بأعلم الصحبة وأذكاهم ٢٤٥\nباب من كان يعرف فيهم بباب مدينة العلم ٢٤٦","vol":"2","page":316},{"text":"باب من كان يلقب منهم بأسد الله ٢٤٨\nباب الملقب فيهم بشيخ الإسلام ٢٤٨\nباب الملقب فيهم بسيف الله ٢٤٩\nباب في الذي يضرب به المثل في العدل منهم ٢٤٩\nباب فيمن كان يضرب به المثل في الهيبة من الصحابة ٢٥٠\nباب فيمن كان يضرب به المثل في الفضائل كلها من الصحابة ٢٥١\nباب فيمن كان يضرب به المثل في الصدق ٢٥١\nباب فيمن كان يضرب به المثل في المشية من الصحابة ٢٥١\nباب فيمن كان يضرب به المثل في الفقه من الصحابة ٢٥٢\nباب في الحائز لقب أمين الأمة من الصحابة ٢٥٣\nباب فيمن أولم وليمة بقي يضرب بها المثل ٢٥٣\nباب في من كان يضرب به المثل في الحلم من الصحابة ٢٥٤\nباب في من كانت تستحي منهم ملائكة الرحمن من الصحابة ٢٥٥\nباب في ذي الرأي من الصحابة ٢٥٥\nباب في ذي اليدين من الصحابة ٢٥٦\nباب في ذي العمامة ٢٥٦\nباب فيمن كان يضرب المثل بسيفه من الصحابة ٢٥٦\nباب من كان من الصحابة يعدّ صوته في الجيش بألف رجل ٢٥٧\nباب فيمن كان يسبق الفرس شدا على قديمه من الصحابة ٢٥٧\nباب فيمن عرف بالدهاء من الصحابة بحيث كان يضرب به المثل ٢٥٧\nباب فيمن عرف من الصحابة بالقوى المدهشة حتى باهى به العرب فارس والروم ٢٥٨\nباب فيمن كان من الصحابة في نهاية الطول ٢٥٨\nباب من كان من الصحابة في غاية القصر ٢٥٩\nباب من كان من الصحابة فردا في زمانه بحيث يضرب به المثل ٢٥٩\nباب من كان يضرب به المثل من الصحابة في الجمال ٢٦٠\nأخوة سبعة كلهم من الصحابة تباعدت قبورهم ٢٦١\nباب في صحابي أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة ٢٦١\nباب من كان من الصحابة بيده سيف الفتح بحيث فنصب في عهده اثنا عشر ألف منبر ٢٦٢\nباب من كان من الصحابة له ألف مملوك يؤدون له الخراج ٢٦٢\nباب فيمن كان يحفظ مائة لغة متباينة من الصحابة ٢٦٢\nباب فيمن مات من الصحابة فمات بموته تسعة أعشار العلم ٢٦٣","vol":"2","page":317},{"text":"باب في ذكر صحابي مات فقال فيه عمر مات سيد المسلمين ٢٦٣\nباب في ذكر الأغنياء من الصحابة ومن توسع منهم في الأمور الدنيوية ٢٦٣\nباب فيمن تغالى من الصحابة في صداقه لما تزوج بعلوية ٢٦٨\nباب في ذكر عدد الصحابة ٢٦٨\nباب في ذكر عدد من كان بالمدينة من الصحابة معه ﵇ آخر الأمر ٢٦٩\nباب في المكثرين الرواية عنه ﷺ من الصحابة ٢٦٩\nباب في ذكر أحفظ الصحابة وأول محدث في الإسلام ٢٧١\nباب في ذكر أئمة الفتوى من الصحابة ٢٧٢\nباب في ذكر من كان أكثر الصحابة فتيا ومن جمع من فتاويه سبع مجلدات والمخصوص منهم بلقب البحر وحبر القرآن ورباني الأمة والغواص ومن كان يعرف ممره من الطريق ومن وجم الناس عن تعزيته عن أبيه هيبة له وإجلالا ٢٧٣\nباب في ذكر من كان في الصحابة له أتباع يقلدونهم في فتواهم ٢٧٥\nباب في ذكر الذين انتهى إليهم العلم من الصحابة ٢٧٦\nباب من عرف بالكرم والجود من الصحابة ٢٧٧\nباب في ذكر أعلم الأمة بالفرائض من الصحابة ٢٨٠\nباب في ذكر المعروف في الصحابة بحسن الصوت وتجويد التلاوة ٢٨٠\nباب فيمن قيل فيه من الصحابة أخطب أهل الدنيا ٢٨١\nباب في المخصوص من الصحابة بلقب حكيم الأمة ٢٨١\nباب في ذكر من كان يقرأ الكتب القديمة من الصحابة ويعلم ما فيها ٢٨١\nباب ذكر من قيل فيه أعلم الناس من نساء الصحابة ٢٨٤\nباب في ذكر من قيل فيه من نساء الصحابة لو كان رجلا لصلح للخلافة ٢٨٥\nباب ذكر أن من الصحابة مولى قال عمر: لو كان حيّا لاستخلفته ٢٨٥\nباب من قيل فيه أفصح الناس وأفخمهم نطقا من الصحابة ٢٨٦\nباب ذكر من كان أعلم الناس بالمناسك من الصحابة ٢٨٦\nباب فيمن أفتى الناس ستين سنة من الصحابة ٢٨٦\nباب من كان يطلق عليه الحبر وهو العالم في الزمن النبوي ٢٨٦\nباب أمره ﵇ الصحابة بالقيام إلى العالم منهم وأخذ ركابه ٢٨٦\nباب من كان من الصحابة يقبل تلاميذه يده ٢٨٧\nباب من قبّل من الصحابة يد تلميذه لكونه من أهل البيت ٢٨٧\nباب صحابي قال فيه عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأسه ٢٨٧\nباب صحابي قال فيه عمر: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير منه ٢٨٨","vol":"2","page":318},{"text":"باب صحابي قدم المدينة في خلافة عمر فأمر عمر الناس أن يخرجوا معه للقائه ٢٨٨\nباب الصحابة الطلس ومن استخلف منهم ٢٨٨\nباب في الخصي ٢٨٩\nباب المخنث ٢٨٩\nباب في المجبوب ٢٩٢\nباب هل كان السلف يحتفظون بالآثار القديمة ٢٩٢\nباب وهو خاتمة الأبواب وزبدة الكتاب ٢٩٣\nخاتمة ٢٩٦\nفهرس الموضوعات ٣٠٧","vol":"2","page":319}]}