{"ً":{"ٌ":246,"ٍ":"مذهب جمهور الأشاعرة في القرآن","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: مذهب جمهور الأشاعرة في القرآن باطنه الاعتزال وظاهره التستر بمذهب السلف\nجمع وإعداد: محمد بن عبد الله المقشي\nالنشرة: الأولى، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م\nعدد الصفحات: ٢٢٧\n[الكتاب غير مطبوع]","ْ":"[مذهب جمهور الأشاعرة في القرآن - محمد المقشي]\n\nالكتاب فيه بيان مذهب السلف في القرآن الكريم، وأنه كلام الله غير مخلوق كيفما تصرف.\nوفيه خلاصة مذهب الأشاعرة، وأنهم موافقون للمعتزلة في القول بخلق القرآن العربي المثبت في المصاحف، وفيه النقل بالتصريح بذلك عن كثير من أئمتهم وعلماءهم، وتصريحهم بأنه لا خلاف بينهم وبين المعتزلة في القول بخلق القرآن العربي، وأن الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه.\nفمذهبهم في القرآن الذي بين أيدينا هو نفس مذهب المعتزلة، وإنما يتسترون بمذهب السلف، فيقولون: القرآن غير مخلوق، ويقصدون بذلك القرآن النفسي القائم بذات الله، لا القرآن الذي نزل به جبريل على نبينا محمد ﷺ.\nوفي الكتاب أيضا بيان أن خلاف السلف مع الجهمية والمعتزلة إنما هو في القرآن الذي بين أيدينا، أما الكلام النفسي فالمعتزلة لا يثبتونه أصلًا.\nوفي الكتاب أيضا بعض المحذورات واللوازم التي تلزم الأشاعرة.\nوفيه أيضا بيان سبب منع الإمام أحمد وغيره من إطلاق لفظي بالقرآن مخلوق.\nوبيان مراد من قال من أهل السنة: التلاوة غير المتلو.\nوفي آخر الكتاب ملحق فيه بعض الفوائد، وفيه الرد على بعض الشبه التي يوردها من يقول بخلق القرآن العربي.","ٓ":"1.0","ٔ":3087,"ٕ":2,"ٖ":1770156274,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة وفيها بيان مذهب السلف وأئمة أهل السنة في القرآن الكريم بإيجاز","level":1,"page":2},{"title":"أقوال بعض السلف والأئمة في أن القرآن حيثما تصرف كلام الله تعالى غير مخلوق","level":1,"page":3},{"title":"قول الإمام أحمد بن حنبل","level":2,"page":3},{"title":"قول الإمام محمد بن أسلم الطوسي","level":2,"page":3},{"title":"قول الإمام محمد بن إسماعيل البخاري","level":2,"page":3},{"title":"قول الإمام محمد بن يحيى الذهلي","level":2,"page":4},{"title":"قول الإمامين أبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي","level":2,"page":4},{"title":"قول الإمام أبي محمد ابن قتيبة","level":2,"page":4},{"title":"قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي","level":2,"page":5},{"title":"قول الإمام ابن جرير الطبري","level":2,"page":5},{"title":"قول أبي الشيخ الأصبهاني","level":2,"page":6},{"title":"قول الإمام الحافظ أبي بكر الإسماعيلي","level":2,"page":6},{"title":"قول الإمام ابن بطة العكبري","level":2,"page":6},{"title":"قول الإمام أبي حامد الإسفراييني","level":2,"page":7},{"title":"قول الحافظ أبي القاسم اللالكائي الشافعي","level":2,"page":7},{"title":"قول الحافظ أبي نعيم الأصبهاني","level":2,"page":7},{"title":"قول شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني","level":2,"page":8},{"title":"قول الحافظ أبي القاسم التيمي الأصبهاني","level":2,"page":8},{"title":"قول الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني","level":2,"page":9},{"title":"قول الإمام العارف عبد القادر الجيلاني","level":2,"page":9},{"title":"مذهب جمهور الأشاعرة في القرآن باطنه الاعتزال وظاهره التستر بمذهب السلف","level":1,"page":11},{"title":"خلاصة مذهب الأشاعرة في القرآن","level":2,"page":11},{"title":"موافقة جمهور الأشاعرة للمعتزلة في القول بخلق القرآن العربي وتسترهم بمذهب السلف","level":2,"page":12},{"title":"قول الإمام ابن بطة العكبري (المتوفى: ٣٨٧ هـ)","level":2,"page":13},{"title":"قول الحافظ أبي نصر السجزي (المتوفى: ٤٤٤ هـ)","level":2,"page":13},{"title":"قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي (المتوفى: ٤٨١ هـ)","level":2,"page":14},{"title":"قول الإمام أبي الوفاء ابن عقيل (المتوفى: ٥١٣ هـ)","level":2,"page":15},{"title":"قول الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني (المتوفى: ٥٣٥ هـ)","level":2,"page":17},{"title":"قول الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني (المتوفى: ٥٥٨ هـ)","level":2,"page":17},{"title":"قول موفق الدين ابن قدامة (المتوفى: ٦٢٠ هـ)","level":2,"page":19},{"title":"قول شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨ هـ)","level":2,"page":19},{"title":"أقوال بعض أئمة وعلماء الأشاعرة في أن القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، وأن الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه","level":1,"page":23},{"title":"قول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (المتوفى: ٤٧٨ هـ)","level":2,"page":23},{"title":"قول الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى: ٥٠٥ هـ)","level":2,"page":23},{"title":"قول أبو الفتح الشهرستاني (المتوفى: ٥٤٨ هـ)","level":2,"page":24},{"title":"قول جمال الدين محمد بن أحمد الغزنوي (المتوفى: ٥٩٣ هـ)","level":2,"page":25},{"title":"قول الفخر الرازي (المتوفى: ٦٠٦ هـ)","level":2,"page":25},{"title":"قول أبو الحسن الآمدي (المتوفى: ٦٣١ هـ)","level":2,"page":28},{"title":"قول الإمام القرافي (المتوفى: ٦٨٤ هـ)","level":2,"page":28},{"title":"قول العضد الإيجي (المتوفى: ٧٥٦ هـ)","level":2,"page":29},{"title":"قول سعد الدين التفتازاني (المتوفى: ٧٩١ هـ)","level":2,"page":30},{"title":"قول الشريف الجرجاني (المتوفى: ٨١٤ هـ)","level":2,"page":33},{"title":"قول الكمال ابن الهمام (المتوفى: ٨٦١ هـ)","level":2,"page":34},{"title":"قول جلال الدين الدواني (المتوفى: ٩١٨ هـ)","level":2,"page":35},{"title":"قول الشيخ زكريا الأنصاري (المتوفى: ٩٢٦)","level":2,"page":35},{"title":"قول شمس الدين محمد بن أحمد الرملي (المتوفى: ١٠٠٤ هـ)","level":2,"page":36},{"title":"قول أحمد بن غنيم النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ)","level":2,"page":36},{"title":"قول محمد الأمير الكبير المالكي السنباوي الأزهري (المتوفى: ١٢٣٢ هـ)","level":2,"page":38},{"title":"قول محمد بن شافعي الفضالي (المتوفى: ١٢٣٦ هـ)","level":2,"page":38},{"title":"قول أحمد بن عيسى الأنصاري (المتوفى: ١٢٤١ هـ)","level":2,"page":39},{"title":"قول أحمد الصاوي المالكي (المتوفى: ١٢٤١ هـ)","level":2,"page":39},{"title":"قول محمد بن حسن العطار (المتوفى: ١٢٥٠ هـ)","level":2,"page":39},{"title":"قول إبراهيم الباجوري (المتوفى: ١٢٧٦ هـ)","level":2,"page":41},{"title":"قول محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل (المتوفى: ١٢٩٨ هـ)","level":2,"page":42},{"title":"قول إبراهيم بن أحمد المارغيني مفتي المالكية في عصره (المتوفى: بعد ١٣٢٥ هـ)","level":2,"page":43},{"title":"قول محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية بمكة (المتوفى: ١٣٦٧ هـ)","level":2,"page":44},{"title":"قول محمد زاهد الكوثري (المتوفى: ١٣٧١ هـ)","level":2,"page":45},{"title":"قول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي","level":2,"page":45},{"title":"قول وهبي سليمان غاوجي","level":2,"page":47},{"title":"قول حسن بن علي السقاف","level":2,"page":48},{"title":"قول محمد صالح الغرسي","level":2,"page":49},{"title":"أقوال بعض الأئمة والعلماء من غير الأشاعرة","level":1,"page":51},{"title":"قول الحافظ أبو نصر السجزي (المتوفى: ٤٤٤ هـ)","level":2,"page":51},{"title":"قول الحافظ ابن عبد البر (المتوفى: ٤٦٣ هـ)","level":2,"page":52},{"title":"قول الإمام الفقيه أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي الحنبلي (المتوفى: ٤٨٦ هـ)","level":2,"page":52},{"title":"قول الإمام أبو الوفاء ابن عقيل إمام الحنابلة ببغداد في زمنه (المتوفى:٥١٣)","level":2,"page":53},{"title":"قول الإمام شرف الإسلام عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي شيخ الحنابلة بالشام (المتوفى: ٥٣٦ هـ)","level":2,"page":54},{"title":"قول الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨ هـ)","level":2,"page":54},{"title":"قول الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي (المتوفى: ٥٩٧)","level":2,"page":55},{"title":"قول موفق الدين ابن قدامة (المتوفى: ٦٢٠ هـ)","level":2,"page":56},{"title":"قول شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨ هـ)","level":2,"page":58},{"title":"قول الحافظ ابن القيم (المتوفى: ٧٥١ هـ)","level":2,"page":59},{"title":"قول العلامة محمد السفاريني (المتوفى: ١١٨٨ هـ)","level":2,"page":61},{"title":"قول الدكتور سفر الحوالي","level":2,"page":61},{"title":"قول الدكتور عبد الرحمن المحمود","level":2,"page":62},{"title":"إنكار السلف على الجهمية والمعتزلة كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي لا لنفي الكلام النفسي","level":1,"page":64},{"title":"بيان أن خلاف السلف مع المعتزلة كان في القرآن العربي الموجود بين أيدينا","level":2,"page":65},{"title":"قول موفق الدين ابن قدامة","level":2,"page":65},{"title":"قول شيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":66},{"title":"قول العلامة محمد بن إبراهيم الوزير (المتوفى: ٧٤٠ هـ)","level":2,"page":68},{"title":"أقوال بعض السلف التي فيها ما يدل صراحة بأن إنكار السلف على المعتزلة كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي الموجود بين دفتي المصحف","level":2,"page":69},{"title":"قول سفيان الثوري","level":2,"page":69},{"title":"قول الحافظ حماد بن زيد","level":2,"page":70},{"title":"قول عبد الله بن المبارك","level":2,"page":70},{"title":"قول الحافظ هشيم بن بشير","level":2,"page":70},{"title":"قول عبد الله بن إدريس الأودي","level":2,"page":70},{"title":"حكم من قول: القرآن عبارة عن كلام الله","level":1,"page":80},{"title":"قول الإمام أحمد بن حنبل","level":2,"page":80},{"title":"قول الإمام أبي محمد ابن قتيبة","level":2,"page":81},{"title":"قول الحافظ أحمد بن سنان الواسطي","level":2,"page":81},{"title":"قول الإمام ابن جرير الطبري","level":2,"page":82},{"title":"قول الإمام أبي بكر الآجري","level":2,"page":83},{"title":"قول الإمام الحافظ أبي بكر الإسماعيلي","level":2,"page":85},{"title":"قول الإمام ابن بطة العكبري","level":2,"page":85},{"title":"قول الإمام أبي حامد الإسفراييني","level":2,"page":89},{"title":"قول الحافظ أبي القاسم اللالكائي الشافعي","level":2,"page":89},{"title":"قول الحافظ أبي نعيم الأصبهاني","level":2,"page":90},{"title":"قول شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني","level":2,"page":90},{"title":"قول الإمام أبي حزم الظاهري","level":2,"page":91},{"title":"قول الحافظ أبي القاسم بن منده","level":2,"page":92},{"title":"قول الإمام أبي الحسن الكرجي","level":2,"page":93},{"title":"قول الحافظ أبي القاسم التيمي الأصبهاني","level":2,"page":94},{"title":"قول أبي الفتح الشهرستاني","level":2,"page":96},{"title":"قول الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني","level":2,"page":97},{"title":"قول الإمام الوزير ابن هبيرة","level":2,"page":102},{"title":"قول الإمام العارف عبد القادر الجيلاني","level":2,"page":102},{"title":"قول الحافظ عبد الغني المقدسي","level":2,"page":103},{"title":"قول شيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":104},{"title":"قول الحافظ أبي عبد الله الذهبي","level":2,"page":105},{"title":"قول ابن أبي العز الحنفي","level":2,"page":108},{"title":"قول محمد صديق خان القنوجي","level":2,"page":109},{"title":"بعض المحذورات التي وقع فيها الأشاعرة وبعض اللوازم التي تلزمهم","level":1,"page":111},{"title":"قول العضد الإيجي في اللوازم الفاسدة التي تلزم الأشاعرة","level":2,"page":111},{"title":"قول شيخ الإسلام في بعض اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين على الأشاعرة","level":2,"page":112},{"title":"قول الحافظ ابن القيم في بعض الفروع الفاسدة التي قول بها الأشاعرة في هذا الباب","level":2,"page":115},{"title":"قول الأشاعرة: \"كلام الله معنى واحد\" مخالف للعقل","level":2,"page":117},{"title":"قول الأشاعرة: هذا يشبه السفسطة، ومجرد تصوره يوجب العلم الضروري بفسادة.","level":2,"page":118},{"title":"اعتراف بعض فضلاء الأشاعرة بضعف لوازم هذا القول","level":2,"page":119},{"title":"اعتراف العز بن عبد السلام بأن اعتقاد ذلك صعب جدا","level":2,"page":122},{"title":"يقول للأشاعرة: هل أفهم الله موسى؟ كل كلامه أو بعضه؟","level":2,"page":122},{"title":"يلزم الأشاعرة أن يقولوا في بقية صفات الله تعالى ما قولوه في صفة الكلام","level":2,"page":124},{"title":"اعتراف الآمدي بأن هذا الإلزام يعسر جوابه، وأنه لا جواب عنده عليه","level":2,"page":125},{"title":"يلزم الأشاعرة تخطئة السلف الصالح","level":2,"page":126},{"title":"يلزم الأشاعرة أن لا يذموا المعتزلة في قولهم بخلق القرآن","level":2,"page":128},{"title":"مراد الأشاعرة بقولهم: القرآن قديم","level":1,"page":129},{"title":"المراد بالقرآن القديم عند الأشاعرة الكلام النفسي لا القرآن المنزل","level":2,"page":129},{"title":"قول إمام الحرمين الجويني","level":2,"page":130},{"title":"قول الإمام الغزالي","level":2,"page":130},{"title":"قول الفخر الرازي","level":2,"page":131},{"title":"قول أبي الحسن الآمدي","level":2,"page":132},{"title":"قول النفراوي","level":2,"page":132},{"title":"قول حسن العطار","level":2,"page":132},{"title":"قول الباجوري","level":2,"page":133},{"title":"قول عبد الحميد الشرواني","level":2,"page":133},{"title":"سبب منع الإمام أحمد وغيره إطلاق: لفظي بالقرآن مخلوق","level":1,"page":134},{"title":"اللفظ يراد به أمران","level":2,"page":134},{"title":"مقصود الإمام أحمد من تجهيم اللفظية من يقصد باللفظ القرآن الملفوظ المتلو لا التلفظ الذي هو فعل العبد","level":2,"page":134},{"title":"قول يعقوب الدورقي","level":2,"page":135},{"title":"تبديع الإمام أحمد من قول: لفظي بالقرآن غير مخلوق","level":2,"page":135},{"title":"قول أبو مسعود أحمد بن الفرات","level":2,"page":135},{"title":"وجه تبديع من قول ذلك","level":2,"page":135},{"title":"قول الحافظ أبو بكر الإسماعيلي","level":2,"page":136},{"title":"قول شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني","level":2,"page":136},{"title":"قول الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني","level":2,"page":137},{"title":"قول الحافظ الذهبي","level":2,"page":138},{"title":"قول الإمام ابن جرير الطبري","level":2,"page":138},{"title":"قول عبد الله بن الإمام أحمد","level":2,"page":139},{"title":"قول شيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":139},{"title":"قول الحافظ أبو عبد الله الذهبي","level":2,"page":142},{"title":"قول الحافظ ابن القيم","level":2,"page":144},{"title":"قول العلامة محمد بن إبراهيم الوزير","level":2,"page":145},{"title":"قول الشيخ حافظ الحكمي","level":2,"page":145},{"title":"هل ثبت عن الإمام البخاري أنه قال: \"لفظي بالقرآن مخلوق\"؟","level":1,"page":147},{"title":"تكذيب الإمام البخاري من حكى عنه أنه قول: لفظي بالقرآن مخلوق","level":2,"page":147},{"title":"السبب الذي جعل بعضهم يحكي عن الإمام البخاري أنه قول ذلك","level":2,"page":148},{"title":"الثابت عنه أنه قول: \"أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا\".","level":2,"page":149},{"title":"مقصوده بألفاظنا حركاتنا وأصواتنا لا القرآن المثبت في المصاحف","level":2,"page":150},{"title":"تصريحه بذلك في كتاب خلق أفعال العباد","level":2,"page":151},{"title":"بيان مخالفته لمن يعتقد أن القرآن المنزل الذي جاء به جبريل مخلوق","level":2,"page":152},{"title":"تلخيص شيخ الإسلام ابن تيمية للخلاف والافتراق في مسألة اللفظ بالقرآن، وما فيها من اللبس، وبيان الحق في ذلك","level":1,"page":153},{"title":"اختلاف أهل الحديث في اللفظ بالقرآن أكثره لفظي","level":2,"page":153},{"title":"قول الإمام أبي محمد ابن قتيبة","level":2,"page":153},{"title":"قول شيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":153},{"title":"تلخيص شيخ الإسلام ابن تيمية لخلاف أهل السنة في مسألة اللفظ، وتفصيل وجه الحق فيها، وبيان ما في كلمة \"اللفظ\" من الإجمال.","level":2,"page":154},{"title":"مراد من قول من أهل السنة: التلاوة هي المتلو، أو التلاوة غير المتلو","level":1,"page":167},{"title":"من قال: التلاوة هي المتلو، فمراده بالتلاوة الكلام المتلو المقترن بالحركة.","level":2,"page":167},{"title":"من قال: التلاوة غير المتلو، فمراده بالتلاوة فعل العبد الذي هو حركته وصوته","level":2,"page":167},{"title":"قول الإمام البخاري","level":2,"page":167},{"title":"قول الإمام ابن جرير الطبري","level":2,"page":169},{"title":"قول الفقيه عبد الواحد الشيرازي","level":2,"page":170},{"title":"قول شيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":170},{"title":"مراد ابن كلاب ومن تبعه بقولهم التلاوة غير المتلو","level":1,"page":172},{"title":"مراد ابن كلاب ومن تبعه بالتلاوة القرآن العربي الذي جاء به جبريل، وبالمتلو الصفة القائمة بالذات","level":2,"page":172},{"title":"قول الإمام أبي الحسن الأشعري","level":2,"page":173},{"title":"قول القاضي الباقلاني","level":2,"page":173},{"title":"قول الإمام الغزالي","level":2,"page":173},{"title":"قول الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني","level":2,"page":174},{"title":"قول شيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":175},{"title":"قول حسن العطار","level":2,"page":175},{"title":"ملحق فيه بعض الفوائد","level":1,"page":176},{"title":"تظافر نصوص الكتاب والسنة على أن الله؟ يتكلم بمشيئته.","level":2,"page":176},{"title":"قول ابن كلاب وتبعه أبو الحسن الأشعري بأن كلام الله معنى واحد قائم بذاته تعالى قول لم يسبق إليه.","level":2,"page":181},{"title":"قول الحافظ أبي نصر السجزي في بيان نشأة قول ابن كلاب ومن اتبعه في كلام الله تعالى.","level":2,"page":181},{"title":"السبب الذي جعل ابن كلاب وأبا الحسن الأشعري يقولان ما قولاه في صفة كلام الله تعالى.","level":2,"page":189},{"title":"حكم إطلاق القول بأن القرآن قول جبريل أو محمد؟، وهل قول أبو الحسن الأشعري ذلك؟.","level":2,"page":191},{"title":"البدع تكون في أولها شبرا ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعا وأميالا وفراسخ.","level":2,"page":193},{"title":"اعتراف أبي الفتح الشهرستاني بأن القول بحدوث حروف القرآن محدث.","level":2,"page":196},{"title":"صفة الكلام لا تفارق الموصوف وتنتقل عنه.","level":2,"page":198},{"title":"لا يصح تشبيه كون القرآن في المصحف بكون الله تعالى أو رسوله في الصحف أو الورق.","level":2,"page":210},{"title":"لم يقل أحد من السلف والأئمة إن صوت العبد بالقرآن والمداد المكتوب به قديم.","level":2,"page":214},{"title":"أكثر المتكلمين لا يعرفون قول السلف في كلام الله تعالى، وأكثر بحثهم ونقاشهم مع القول بأن أصوات العباد قديمة.","level":2,"page":218},{"title":"قاعدة في تمييز الصحيح من العقائد من المبتدع الفاسد.","level":2,"page":225}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227},"ٜ":{"1":[1,227]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3,4,5],"4":[6,7,8],"5":[9,10],"6":[11,12,13],"7":[14,15,16],"8":[17,18],"9":[19,20],"11":[21,22],"12":[23],"13":[24,25],"14":[26],"15":[27],"17":[28,29],"19":[30,31],"23":[32,33,34],"24":[35],"25":[36,37],"28":[38,39],"29":[40],"30":[41],"33":[42],"34":[43],"35":[44,45],"36":[46,47],"38":[48,49],"39":[50,51,52],"41":[53],"42":[54],"43":[55],"44":[56],"45":[57,58],"47":[59],"48":[60],"49":[61],"51":[62,63],"52":[64,65],"53":[66],"54":[67,68],"55":[69],"56":[70],"58":[71],"59":[72],"61":[73,74],"62":[75],"64":[76],"65":[77,78],"66":[79],"68":[80],"69":[81,82],"70":[83,84,85,86],"80":[87,88],"81":[89,90],"82":[91],"83":[92],"85":[93,94],"89":[95,96],"90":[97,98],"91":[99],"92":[100],"93":[101],"94":[102],"96":[103],"97":[104],"102":[105,106],"103":[107],"104":[108],"105":[109],"108":[110],"109":[111],"111":[112,113],"112":[114],"115":[115],"117":[116],"118":[117],"119":[118],"122":[119,120],"124":[121],"125":[122],"126":[123],"128":[124],"129":[125,126],"130":[127,128],"131":[129],"132":[130,131,132],"133":[133,134],"134":[135,136,137],"135":[138,139,140,141],"136":[142,143],"137":[144],"138":[145,146],"139":[147,148],"142":[149],"144":[150],"145":[151,152],"147":[153,154],"148":[155],"149":[156],"150":[157],"151":[158],"152":[159],"153":[160,161,162,163],"154":[164],"167":[165,166,167,168],"169":[169],"170":[170,171],"172":[172,173],"173":[174,175,176],"174":[177],"175":[178,179],"176":[180,181],"181":[182,183],"189":[184],"191":[185],"193":[186],"196":[187],"198":[188],"210":[189],"214":[190],"218":[191],"225":[192]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مذهبُ جمهور الأشاعرة في القرآن\nباطنُه الاعتزال، وظاهره التستُّر بمذهب السلف","vol":"1","page":1},{"text":"مقدمة\n\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد:\nفإن مذهب السلف وأهل السنة والحديث أنّ القرآن المنزل على نبينا محمد - ﷺ - كلامُ الله غير مخلوق كيفما تصرف، وأن الله تعالى تكلّم به حقيقة، وأن جبريل سمعه من الله تعالى، وسمعه النبي - ﷺ - من جبريل، وسمعه المسلمون من نبيهم محمد - ﷺ -، ثم بلّغه بعضهم إلى بعض.\nوأقوال السلف والأئمة في ذلك كثيرة جدًا، وسنكتفي بإيراد شيء يسير منها، لأنّ غرضنا في هذا البحث هو بيان موافقة جمهور الأشعرية للمعتزلة في القول بخلق القرآن العربي المُثبَت في المصحف، وليس تقرير مذهب السلف، فهو معلوم مشهور، وقد كتبنا في ذلك رسالة، وهي منشورة بعنوانـ \"القرآن العربي المُثبَت بين دفتي المصحف كلام الله تعالى، مُنزل، غير مخلوق كيفما تصرف\".","vol":"1","page":2},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-2> أقوال بعض السلف والأئمة في أنّ القرآن حيثما تصرَّف كلام الله تعالى غير مخلوق:</span>\nقال الإمام أحمد بن حنبل: \"القرآن كلام الله ليس بمخلوق على كل وجه، وعلى كل جهة، وعلى أيّ حال\" (^١).\nوقال أيضًا: \"القرآن على أي جهة ما كان لا يكون مخلوقا أبدًا\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"قال الله - ﷿ - في كتابه ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فجبريل سمعه من الله، وسمعه النبي من جبريل، وسمعه أصحاب النبي من النبي، فالقرآن كلام الله غير مخلوق، ولا نشك ولا نرتاب فيه\" (^٣).\nوقال الإمام محمد بن أسلم الطوسي (المتوفى: ٢٤٢ هـ): \"القرآن كلام الله غير مخلوق أينما تُلي وحيثما كُتب، لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل\" (^٤).\nوقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى: ٢٥٦ هـ): \"فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق\" (^٥).\n_________\n(^١) محنة الإمام أحمد (ص: ٦٩).\n(^٢) الإبانة الكبرى لابن بطة (٥/ ٣٣٣) المحقق: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، دار الراية للنشر والتوزيع- الرياض.\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٣٢).\n(^٤) العلو للعلي الغفار (ص: ١٩٢) تحقيق: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف - الرياض، ط/ الأولى، ١٩٩٥ م.\n(^٥) خلق أفعال العباد (ص: ٤٧) تحقيق: د. عبدالرحمن عميرة، دار المعارف السعودية- الرياض، ١٣٩٨ - ١٩٧٨ م.","vol":"1","page":3},{"text":"وقال أيضًا: \"وهو [أي: القرآن] مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على اللسان، والقراءة والحفظ والكتابة مخلوق، وما قُرئ وحُفظ وكُتب ليس بمخلوق\" (^١).\nوقال الإمام محمد بن يحيى الذهلي (المتوفى: ٢٥٨ هـ): \"القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته وحيث تصرف\" (^٢).\nوروى الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي بسنده إلى الإمامين أبي زرعة الرازي (المتوفى: ٢٦٤ هـ) وأبي حاتم الرازي (المتوفى: ٢٧٧ هـ) أنهما قالا: \"أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته\" (^٣).\nوقال الإمام أبو محمد ابن قتيبة (المتوفى: ٢٧٦ هـ): \"لأنهم [أي: أهل الحديث] مجمعون على أصل واحد، وهو القرآن كلام الله غير مخلوق في كل موضع، وبكل جهة، وعلى كل حال\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١١٥).\n(^٢) العلو للعلي الغفار (ص: ١٨٦).\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٨) تحقيق: أحمد بن سعد الغامدي، دار طيبة - السعودية، ط/ الثامنة، ١٤٢٣ هـ ٢٠٠٣ م.\n(^٤) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (ص: ٥٧) المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، دار الراية، ط/ الأولى ١٤١٢ هـ- ١٩٩١ م.","vol":"1","page":4},{"text":"وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (المتوفى: ٢٨٠ هـ): \"فهو [أي: القرآن] مع تصرفه في كل أحواله كلام الله غير مخلوق\" (^١).\nوقال الإمام ابن جرير الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ): \"غير جائزٍ أن يتحول كلامُ الله - ﷿ - مخلوقًا بقراءة قارئٍ، أو كتابة كاتبٍ، أو حفظ حافظٍ\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فأول ما نبدأ بالقول فيه من ذلك عندنا القرآن كلام الله وتنزيله، إذ كان من معاني توحيده، فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق كيف كُتب، وحيث تُلي، وفي أي موضع قرئ، في السماء وُجد، وفي الأرض حيث حفظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبًا، وفي ألواح صبيان الكتاتيب مرسومًا في حجر نقش أو في ورق خط، أو في القلب حفظ، وبلسان لفظ ... يقول الله - ﷿ -: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، وقال وقوله الحق - ﷿ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد مسموع، وهو قرآن واحد، من محمد مسموع، في اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو\" (^٣).\n_________\n(^١) نقض الإمام الدارمي على المريسي (١/ ٥٦٩) مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، المحقق: رشيد بن حسن الألمعي، ط/ الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n(^٢) التبصير في معالم الدين (ص: ١٥٠) المحقق: علي بن عبد العزيز الشبل، دار العاصمة، ط/ الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n(^٣) صريح السنة (ص: ١٨ - ١٩) تحقيق: بدر يوسف المعتوق، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي- الكويت، ط/ الأولى، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":5},{"text":"وقال أبو الشيخ الأصبهاني (المتوفى: ٣٦٩ هـ): \"إنّ القرآن كلام الله تكلّم به، من أوله إلى آخره كلام الله غير مخلوق، فالمنكر فيه كالشاك، والشك والإنكار فيه كفر، فالمنكر الجهمي والشاك الواقفي، وهو كلامه في الأحوال كلها حيث تلي وتصرف في الدفتين بين اللوحين، وفي صدور الرجال، وحيث ما قرئ في المحاريب وغيرها، وحيث ما سمع أو حفظ، أو كُتب، أو تُلي\" (^١).\nوقال الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي (المتوفى: ٣٧١ هـ): \"ويقولون [أي: أهل السنة والحديث]: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يصرف بقراءة القارئ له وبلفظه، ومحفوظًا في الصدور، متلوًا بالألسن، مكتوبًا في المصاحف غير مخلوق\" (^٢).\nوقال الإمام ابن بطة عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري (المتوفى: ٣٨٧ هـ): \"القرآن كلام الله، ووحيه، وتنزيله، وعلم من علمه، فيه أسماؤه الحسنى، وصفاته العليا، غير مخلوق كيف تصرف، وعلى كل حال، لا نقف، ولا نشك، ولا نرتاب\" (^٣).\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩) المحقق: محمد بن ربيع المدخلي، دار الراية - السعودية، ط/ الثانية، ١٤١٩ ه.\n(^٢) اعتقاد أئمة الحديث (ص: ٥٩ - ٦٠) تحقيق: محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار العاصمة - الرياض، ط/الأولى، ١٤١٢ هـ.\n(^٣) الإبانة الكبرى (٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦).","vol":"1","page":6},{"text":"وقال الإمام أبو حامد الإسفراييني (المتوفى: ٤٠٦): \"مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله تعالى، والنبي - ﷺ - سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي - ﷺ -، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، فما بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا كل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق\" (^١).\nوقال الحافظ أبو القاسم اللالكائي الشافعي (المتوفى: ٤١٨ هـ) بعد أن ساق أقوال جماعة من السلف في المنع من إطلاق \"لفظي بالقرآن مخلوق\": \"فرجع كلام هؤلاء الأئمة - ﵏ - في أنّ القرآن مسموع من الله على الحقيقة، وحين يقرؤه القارئ فلا يكون من لفظ القارئ القرآنُ ككلام الآدميين حين يلفظ به فيكون مخلوقا، وكلام الله لا يشبه كلامهم، لأنه غير مخلوق\" (^٢).\nوقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ هـ): \"طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه ... وأن القرآن كلام الله، وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق، وأن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلوًا ومحفوظًا ومسموعًا ومكتوبًا وملفوظًا كلام الله حقيقة\" (^٣).\n_________\n(^١) نَقَلَ قول أبي حامد هذا أبو الحسن الكرجي في كتابه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول، نقلًا من كتاب شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص: ٥٧ - ٥٨) تحقيق: إبراهيم سعيداي، مكتبة الرشد - الرياض، ط/ الأولى، ١٤١٥ هـ.\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٣٩٠).\n(^٣) العلو للعلي الغفار (ص: ٢٤٣).","vol":"1","page":7},{"text":"وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني (المتوفى: ٤٤٩ هـ): \"ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه، ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ... هو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف، كيف ما تصرف بقراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ وكتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم وغيرها كله كلام الله - ﷿ - غير مخلوق\" (^١).\nوقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني الشافعي الملقب بقوام السنة (المتوفى: ٥٣٥ هـ): \"قال أصحاب الحديث وأهل السنة: إن القرآن المكتوب الموجود في المصاحف، والمحفوظ الموجود في القلوب، هو حقيقة كلام الله - ﷿ - ... ومذهب علماء السنة وفقهائهم أنّه الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله، وأدى جبريل إلى النبي - ﷺ -، وتحدى به النبي - ﷺ -، وجعله الله - ﷿ - دلالة على صدق نبوته ومعجزة، وأدى النبي - ﷺ - إلى الصحابة رضوان الله عليهم حسب ما سمعه من جبريل - ﵇ -، ونقله السلف إلى الخلف قرنا بعد قرن\" (^٢).\n_________\n(^١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ١٦٥ - ١٦٦) دراسة وتحقق: د. ناصر الجديع، دار العاصمة للنشر والتوزيع.\n(^٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٠).","vol":"1","page":8},{"text":"وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨ هـ):\"القرآن عند أصحاب الحديث هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد - ﷺ -، وهو القرآن العربي، السور والآيات، المتلو باللسان، والمسموع بالآذان، المعقول بالأذهان، المحفوظ في الصدور، المكتوب بالمصاحف بالسطور، له أول وآخر وبعض\" (^١).\nوقال الإمام العارف عبد القادر الجيلاني (المتوفى: ٥٦١ هـ): \"ونعتقد أن القرآن كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه الذي نزل به جبريل على رسول الله - ﷺ - ... وقال - ﷿ -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وكلام الله تعالى هو القرآن غير مخلوق كيفما قرئ وتلي وكتب، وكيفما تصرفت به قراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، هو كلام الله وصفة من صفات ذاته ... وهو كلام الله في صدور الحافظين وألسن الناطقين وفي أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين ومصاحف أهل الإسلام وألواح الصبيان حيثما رؤي ووُجد\" (^٢).\nوعلى كلٍ فمذهب السلف في القرآن - وأنه كلام الله تعالى منزل غير مخلوق حيثما تصرف، وأين كُتب وحيث تُلي- معلوم مشهور، وأقوالهم في ذلك أكثر من أن تُحصر، وما تقدم غيض من فيض.\n_________\n(^١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٥٤) تحقيق: د. سعود الخلف، دار أضواء السلف - الرياض - السعودية.\n(^٢) الغنية لطالبي طريق الحق (١/ ١٢٧ - ١٢٨) دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط/الأولى، ١٤١٧ هـ.","vol":"1","page":9},{"text":"فالحاصل أنّ مذهب السلف وأهل السنة والحديث أنّ هذا القرآن العربي المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المقروء بالألسنة هو كلام الله تعالى بألفاظه ومعانيه، تكلّم الله تعالى به حقيقة، وسمعه جبريل من الله، وسمعه النبي - ﷺ - من جبريل، وسمعه المسلمون من نبيهم، ثم بلّغه بعضهم إلى بعض، وليس لأحد من الوسائط فيه إلا التبليغ بأفعاله وصوته، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ.\nوإذا قرأه الناس بألسنتهم، أو كتبوه في المصاحف بأيديهم، أو حفظوه في صدورهم لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإنّ الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>مذهبُ جمهور الأشاعرة في القرآن\nباطنُه الاعتزال\nوظاهره التستُّر بمذهب السلف</span>\nالقرآنُ عند الأشاعرة يُطلق على أمرين اثنين:\nالأول: الكلام النفسي القائم بذاته تعالى.\nوالثاني: القرآن المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، المُثبت في المصاحف، المُتعبد بتلاوته.\nفالأول وهو الكلام النفسي غير مخلوق، وأما الثاني وهو القرآن العربي الموجود بين دفتي المصحف فهو مخلوق عندهم، إلا أنهم يقولون: يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم؛ لأنه ربما أوهم أنّ القرآن النفسي مخلوق.\nواختلفوا هل يُطلَق على القرآن المنزل على نبينا محمد - ﷺ - أنه كلام الله حقيقة أو مجازًا؟\nفذهب جمهور المتقدمين منهم إلى أنه يُطلق عليه \"كلام الله\" مجازًا، وأنّ الكلام الحقيقي هو الكلام النفسي القائم بالذات.","vol":"1","page":11},{"text":"وذهب بعضهم كإمام الحرمين الجويني - وتبعه كثير أو أكثر المتأخرين- إلى أن \"كلام الله\" لفظٌ مشترك، فيُطلق حقيقةً على كلٍ من الكلام النفسي، والقرآن المنزل المثبت في المصاحف المُتعبد بتلاوته.\nوليس معنى كون القرآن المنزل هو كلام الله: أنّ الله تعالى تكلّم به، وإنما معناه عندهم أن الله تولّى خلقه في اللوح المحفوظ أو في غيره، وأنه ليس من تأليف البشر، فهذا هو وجه تسميته بـ\"كلام الله\" كما سيأتي مصرّحًا بذلك في أقوال أئمتهم وعلمائهم.\nوالحاصل أنّ مذهب جمهور الأشاعرة هو موافقة المعتزلة في القول بخلق القرآن العربي المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، ولكنهم يتستّرون بمذهب السلف وأهل الحديث، فيقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، ويعنون بذلك الكلام النفسي القائم بالذات الذي لم يُنزل ولم يُسمع.\nأما القرآن المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، المكتوب في المصاحف، المقروء بالألسنة، المحفوظ في الصدور، فهو عندهم مخلوق، وهو عبارة ودلالة على الكلام النفسي.\nفمذهبهم في القرآن مذهب مسقَّف، باطنه الاعتزال، وظاهره التستر بمذهب السلف، وما أحسن ما قيل فيهم أنهم قدّموا رِجْلًا نحو الاعتزال، وأخّروا أخرى نحو مذهب السلف وأصحاب الحديث، وكلام الأئمة في تستُّر الأشاعرة بمذهب السلف كثير مشهور، من ذلك ما يلي:","vol":"1","page":12},{"text":"- قال الإمام ابن بطة عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري (المتوفى: ٣٨٧ هـ): \"واعلموا رحمكم الله أن صنفًا من الجهمية اعتقدوا بمكر قلوبهم، وخبث آرائهم، وقبيح أهوائهم، أن القرآن مخلوق، فكنوا عن ذلك ببدعة اخترعوها، تمويها وبهرجة على العامة، ليخفى كفرهم، ويستغمض إلحادهم على من قل علمه، وضعفت نحيزته، فقالوا: إن القرآن الذي تكلم الله به وقاله فهو كلام الله غير مخلوق، وهذا الذي نتلوه ونقرؤه بألسنتنا، ونكتبه في مصاحفنا ليس هو القرآن الذي هو كلام الله، هذا حكاية لذلك، فما نقرؤه نحن حكاية لذلك القرآن بألفاظنا نحن، وألفاظنا به مخلوقة، فدققوا في كفرهم، واحتالوا لإدخال الكفر على العامة بأغمض مسلك، وأدق مذهب، وأخفى وجه، فلم يخف ذلك بحمد الله ومنّه وحسن توفيقه على جهابذة العلماء والنقاد العقلاء، حتى بهرجوا ما دلسوا، وكشفوا القناع عن قبيح ما ستروه، فظهر للخاصة والعامة كفرهم وإلحادهم، ... \" (^١).\n- وقال الحافظ أبو نصر السجزي (المتوفى: ٤٤٤ هـ): \"عند المعتزلة أن الذي تحويه دفتا المصحف قرآن، وكذلك ما وعته الصدور، وكذلك ما يتحرك به لسان القارئ، وكل ذلك مخلوق.\nوعند أهل السنة أن ذلك قرآن غير مخلوق.\n_________\n(^١) الإبانة الكبرى (٥/ ٣١٧ - ٣١٨).","vol":"1","page":13},{"text":"وعند الأشعري أنه مخلوق وليس بقرآن، وإنما هو عبارة عنه. وكذلك كثير من مذهبه يقول في الظاهر بقول أهل السنة مجملًا، ثم عند التفسير والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة، فالجاهل يقبله بما يظهره، والعالم يجهره لما منه يخبره، والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإِظهار أولئك ومجاوبتهم أهل السنة، وإخفاء هؤلاء ومخالطتهم أهل الحق. نسأل الله السلامة من كلٍ برحمته\" (^١).\nوقال أيضًا: \"قد أطلق الأشعري أن هذه التسميات [أي: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن] لم يستحقها كلام الله في الأزل، وإنما هي تسميات للعبارات المختلفة التي نزلت في الأزمان المتغايرة، وكلّ ذلك محدث. فبين أن التوراة اسم الكتاب بالسريانية، وأنه محدث، وأن القرآن اسم الكتاب بالعربية وأنه محدث. فقوله: القرآن غير مخلوق مع هذا القول تلاعب\" (^٢).\n- وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي (المتوفى: ٤٨١ هـ): \"قالوا [أي: الأشعرية]: ليس هو صوت ولا حروف، وقالوا هذا زاج وورق، وهذا صوف وخشب، ... وهذا صوت القارئ ما ترى منه حسن ومنه قبيح، وهذا لفظه أو ما تراه يجازى به حتى قال رأس من رؤوسهم: أو يكون قرآن من لبد؟! وقال آخر من خشب؟\n_________\n(^١) رسالة الحافظ أبي نصر السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ٢٧٨).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"1","page":14},{"text":"فراوغوا فقالوا: هذا حكاية عبر بها عن القرآن، والله تكلّم مرة ولا يتكلم بعد ذلك.\nثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود\" (^١).\n\n- وقال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل (المتوفى:٥١٣) في خطبة كتابه في القرآن: \"أما بعد، فإن سبيل الحق قد عفت آثارها، وقواعد الدين قد انحط شعارها، والبدعة قد تضرّمت نارها، وظهر في الآفاق شرارها، وكتاب الله - ﷿ - بين العوام غرض ينتضل، وعلى ألسنة الطغام بعد الاحترام يبتذل، وتضرب آياته بآياته جدالًا وخصامًا، تنتهك حرمته لغوًا وآثامًا، قد هون في نفوس الجهال بأنواع المحال، حين قيل: ليس في المصحف إلا الورق والخط المستحدث المخلوق، وإن سلطت عليه النار احترق، وأشكال في قرطاس قد لفقت، إزدراء بحرمته واستهانة بقيمته، وتطفيفًا في حقوقه، وجحودًا لفضيلته حتى لو كان القرآن حيًا ناطقًا لكان ذلك متظلمًا، ومن هذه البدعة متوجعًا متألمًا، أترى ليس هذا الكتاب الذي قال الله فيه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٨٠]،\n_________\n(^١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٣٦٠١٣٧) تحقيق: عبد الله الأنصاري، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة، ط/ الأولى، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":15},{"text":"وقال: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣]، أو ليس الحبر والورق قبل ظهور الحروف المكتوبة لا يمنع من مسّه المحدثون، وإذا ظهرت الحروف المكتوبة صار ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، أليس هذا الكتاب الذي قال فيه صاحب الشريعة تنزيلا وتجليلا: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم»، أليس الله تعالى يقول في كتابه ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، وقال في حق موسى ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف:١٤٥] أفترى من القوة تهوينها عند المكلفين، والازدراء بها عند المتخلفين، يزخرفون للعوام عبارة يتوقون بها إنكارهم، ويدفنون فيها معنى لو فهمه الناس لعجلوا بوارهم، ويقولون: تلاوة ومتلو وقراءة ومقروء، وكتابة ومكتوب، هذه الكتابة معلومة فأين المكتوب؟ وهذه التلاوة مسموعة فأين المتلو؟\nيقولون: القرآن عندنا قديم قائم بذاته سبحانه، وإنما هي زخارف لبسوا بها ضلالتهم، وإلا فالقرآن مخلوق عندهم لا محالة، فقد انكشف للعلماء منهم هذه المقالة يقدِّمون رِجْلًا نحو الاعتزال فلا يتجاسرون، ويؤخِّرون أخرى نحو أصحاب الحديث ليستتروا فلا يتظاهرون.","vol":"1","page":16},{"text":"إن قلنا لهم: ما مذهبكم في القرآن؟ قالوا: قديم غير مخلوق، وإن قلنا: فما القرآن؟ أليس هو السور المسورة، والآيات المسطرة في الصحف المطهرة؟ أليس هو المحفوظ في صدور الحافظين؟ أليس هو المسموع من ألسنة التالين؟ قالوا: إنما هو حكايته، وما أشرتم إليه عبارته، وأما القرآن فهو قائم في نفس الحق غير ظاهر في إحساس الخلق، فانظروا معاشر المسلمين إلى مقالة المعتزلة كيف جاؤوا بها في صورة أخرى\" (^١).\n\n- وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني (المتوفى: ٥٣٥ هـ): \"ظَهَرَت المعتزلةُ فقدحت في كتاب الله، وقالت: بخلق القرآن، وقدحت في أحاديث رسول الله - ﷺ -، ... أرادوا نقض أصول الدين، فلما لم يتم لهم ما قصدوه تبعهم الكلّابي فوضع كلامًا ظاهره موافق، وباطنه موبق، وقال: لا أقول القرآن مخلوق، ولكن أقول: إنّ الذي في مصاحفنا ليس كلام الله، ولكنه عبارة عن كلامه، وكلامه قديم قائم بذاته\" (^٢).\n\n- وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨ هـ): \"وادعت الأشعرية قرآنًا وكلامًا لله لا يعقل [أي: المعنى النفسي]، ولم يسبقهم إلى هذا القول أحد من أهل الملل والنحل، فردُّهم على المعتزلة بخلق القرآن تمويه وتستُّر بقول أصحاب الحديث، وهو مذهب مسقّف باطنه الاعتزال وظاهره التستر\" (^٣).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٥٢٤ - ٥٢٥) المحقق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة - مصر، ط/ الأولى، ١٤٢٢ هـ- ٢٠٠١ م.\n(^٢) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٥٠٥).\n(^٣) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٨٣).","vol":"1","page":17},{"text":"وقال أيضًا: \"وأما قوله [أي: الغزالي]: إنّ القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ بالقلوب مقروء بالألسنة، فإن أراد بذلك القرآن الذي هو كلام الله حقيقة قلنا هذا صحيح وبطل أن يكون لله كلامًا قائما بذاته لا يفارقه، وكان هذا قول أصحاب الحديث.\nوإن أراد بذلك العبارة عن القرآن الذي هو قائم بذات الباري كان قوله هذا قولًا فارغا لا معنى تحته غير التستّر بقول أصحاب الحديث، وعليه يدل قوله: إنّ القرآن مكتوب في المصاحف، لأنه لو صرح وقال ليس القرآن مكتوبًا في المصاحف، وإنما المكتوب به أدلة القرآن لكان مخالفا لما عليه أدلة [أئمة] المسلمين، ولكنه سقّف قوله.\nوالأشعرية قدَّموا رِجْلًا إلى الاعتزال وَوَضَعوها حيث وضعت المعتزلة أَرْجُلَهم، وأموا بالرِّجْل الأخرى إلى حيث وضع أهل الحديث أرجلهم، وهذا مثال عقلي يفقهه مَن فهم قولهم\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٩٥).","vol":"1","page":18},{"text":"وقال أيضًا: \"الأشعرية قالوا: كلام الله الحقيقي هو معنى قائم في نفسه لا يفارقه، لا يدخل كلامه النظم والتأليف والتعاقب، ولا يكون بحرف وصوت، ولا يتكلم الله بالعربية ولا بغيرها من اللغات، وليس له أول ولا آخر ولا بعض، بل هو شيء واحد لم ينزله الله على نبينا محمد - ﷺ -، ولا على أحد من الأنبياء، ولا يتلى ولا يكتب ولم يسمعه أحد إلا موسى - ﵇ -، وهذه السور والآيات عبارة وحكاية عن كلام الله وتسمى قرآنًا، وكذلك التوراة عبارة عن كلام الله بلغه موسى قومه، والإنجيل عبارة عن كلام الله بلغه عيسى قومه، فادعوا أن كلام الله غير القرآن، وأن القرآن غير كلام الله. فقولهم: إنّ القرآن غير مخلوق، تلاعبٌ وخُلْفٌ من الكلام\" (^١).\nوقال موفق الدين ابن قدامة (المتوفى: ٦٢٠ هـ): \"وعند الأشعري أنها [أي: الآيات والسور] مخلوقة، فقوله قول المعتزلة لا محالة، إلا أنه يريد التلبيس، فيقول في الظاهر قولًا يوافق أهل الحق، ثم يفسّره بقول المعتزلة\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨ هـ): \"الفضلاء إذا تدبروا حقيقة قولكم الذي أظهرتم فيه خلاف المعتزلة وجدوكم قريبين منهم أو موافقين لهم في المعنى كما في مسألة الرؤية فإنكم تتظاهرون بإثبات الرؤية والرد على المعتزلة، ثم تفسرونها بما لا ينازع المعتزلة في بيانه، ولهذا قال من قال من الفضلاء في الأشعري: إن قوله قول المعتزلة، ولكنه عدل عن التصريح إلى التمويه.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥).\n(^٢) المناظرة في القرآن (ص: ٤٧).","vol":"1","page":19},{"text":"وكذلك قولكم في مسألة القرآن فإنه لما اشتهر عند الخاص والعام أن مذهب السلف والأئمة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنهم أنكروا على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين قالوا إنه مخلوق حتى كفّروهم، وصبر الأئمة على امتحان الجهمية مدة استيلائهم حتى نصر الله أهل السنة وأطفأ الفتنة، فتظاهرتم بالرد على المعتزلة، وموافقة السنة والجماعة، وانتسبتم إلى أئمة السنة في ذلك، وعند التحقيق: فأنتم موافقون للمعتزلة من وجه، ومخالفوهم من وجه، وما اختلفتم فيه أنتم وهم، فأنتم أقرب إلى السنة من وجه، وهم أقرب إلى السنة من وجه، وقولهم أفسد في العقل والدين من وجه، وقولكم أفسد في العقل والدين من وجه.\nذلك أنّ المعتزلة قالوا: إن كلام الله مخلوق منفصل عنه، والمتكلم من فعل الكلام، وقالوا: إن الكلام هو الحروف والأصوات، والقرآن الذي نزل به جبريل هو كلام الله، وقالوا: الكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر، وهذه أنواع الكلام لا صفاته، والقرآن غير التوراة، والتوراة غير الإنجيل وأن الله سبحانه يتكلم بما شاء.\nوقلتم أنتم: إن الكلام معنى واحد قديم قائم بذات المتكلم هو الأمر والنهي والخبر، وهذه صفات الكلام لا أنواعه، فإن عبر عن ذلك المعنى بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، والحروف المؤلفة ليست من الكلام، ولا هي كلام، والكلام الذي نزل به جبريل من الله ليس كلام الله، بل حكاية عن كلام الله، كما قاله ابن كلاب، أو عبارة عن كلام الله كما قاله الأشعري.","vol":"1","page":20},{"text":"ولا ريب أنكم خير من المعتزلة حيث جعلتم المتكلِّم من قام به الكلام ... لكن المعتزلة أجود منكم حيث سمّوا هذا القرآن الذي نزل به جبريل كلام الله، كما يقوله سائر المسلمين، وأنتم جعلتموه كلاما مجازا، ومن جعله منكم حقيقة وجعل الكلام مشتركًا كأبي المعالي وأتباعه انتقضت قاعدته في أنّ المتكلم بالكلام من قام به، ولم يمكنكم أن تقولوا بقول أهل السنة، فإن أهل السنة يقولون: الكلام كلام من قاله مبتدئًا لا كلام من قاله مبلغًا مؤديًا؛ فالرجل إذا بلّغ قول رسول الله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» كان قد بلغ كلام النبي - ﷺ - بحركاته وأصواته\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وبالجملة فعامة ما ذمّه السلف والأئمة وعابوه على المعتزلة من الكلام المخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم لكم [يعني الأشاعرة] منه أوفر نصيب، بل تارة تكونون أشد مخالفة لذلك من المعتزلة، وقد شاركتموهم في أصول ضلالهم التي فارقوا بها سلف الأمة وأئمتها، ونبذوا بها كتاب الله وراء ظهورهم ...\nوأما الأحاديث النبوية فلا حرمة لها عندهم، بل تارة يردونها بكل طريق ممكن، وتارة يتأولونها، ثم يزعمون أن ما وضعوه برأيهم قواطع عقلية، وأن هذه القواطع العقلية تُرد لأجلها نصوص الكتاب والسنة، إما بالتأويل، وإما بالتفويض، وإما بالتكذيب.\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٦٣١ - ٦٣٣) دار الكتب العلمية، ط/ الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":21},{"text":"وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها، ومنهم أخذتموها، ... لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة، ونفرت القلوب عنهم، صرتم تُظهرون الرد عليهم في بعض المواضع مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة\" (^١).\nوسنذكر في الصفحات التالية بعض أقوال الأئمة والعلماء من الأشاعرة وغيرهم التي فيها التصريح بأنّ الأشاعرة موافقون للمعتزلة في القول بخلق القرآن العربي، المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، المُثبَت بين دفتي المصحف، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه أقوال بعض أئمة وعلماء الأشاعرة في أنّ القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ٦٤٢ - ٦٤٣).","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>أقوال بعض أئمة وعلماء الأشاعرة\nفي أنّ القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه</span>\nهناك نصوص كثيرة لأئمة وعلماء الأشاعرة فيها التصريح بخلق القرآن العربي المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، وأنهم متفقون مع المعتزلة في ذلك، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه، وسنقتصر هنا على إيراد بعض هذه النصوص من دون شرح وتوضيح؛ فهي أصرح من أن تُوضَّح، وأظهر من أن تُشرح.\n- قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (المتوفى: ٤٧٨ هـ) في معرض الردّ على المعتزلة: \"فإنّ معنى قولهم [أي المعتزلة]: هذه العبارات كلام الله: أنها خَلْقُه، ونحن لا نمنع أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلمًا به، فقد أطبقنا على المعنى وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته\" (^١).\n- وقال الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى: ٥٠٥ هـ): \"فقد انكشف الغطاء ولاح وجود معنى هو مدلول اللفظ زائدًا على ما عداه من المعاني، ونحن نسمي ذلك كلامًا وهو جنس مخالف للعلوم والإرادات والاعتقادات، وذلك لا يستحيل ثبوته لله تعالى، بل يجب ثبوته؛ فإنه نوع كلام، فإذًا هو المعني بالكلام القديم، وأما الحروف فهي حادثة، وهي دلالات على الكلام، والدليل غير المدلول، ولا يتصف بصفة المدلول، وإن كانت دلالته ذاتية كالعالَم فإنه حادث ويدل على صانع قديم، فمن أين يبعد أن تدل حروف حادثة على صفة قديمة\" (^٢).\n_________\n(^١) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (ص: ١١٧) تحقيق: أسعد تميم، مؤسسة الكتب الثقافية، ط/ الثالثة، ١٤١٦ هـ.\n(^٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص: ٧٠) وضع حواشيه: عبد الله محمد الخليلي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط/ الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.","vol":"1","page":23},{"text":"- وقال أبو الفتح الشهرستاني (المتوفى: ٥٤٨ هـ): \"قال [أي: أبو الحسن الأشعري]: وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات ... وكلامه واحد هو: أمر ونهي، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد. وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى عدد في نفس الكلام.\nوالعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء - ﵈ - دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي\" (^١).\nوقال أيضًا: \"قالت الأشعرية: إذا قام الدليل على أنّ الكلام معنى قائم بذات الباري تعالى، وكل معنى أو صفة له فهي واحدة، ... وخصومنا [أي: المعتزلة] لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، وأن الكلام في الغائب معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤوها باللسان ونكتبها في المصاحف لوافقونا على اتحاد المعنى.\nلكن لما كان الكلام لفظًا مشتركًا في الإطلاق لم يتوارد على محل واحد، فإن ما يُثبته الخصم كلامًا فالأشعرية تثبته وتوافقه على أنه كثير، وأنه محدث مخلوق، وما يثبته الأشعري كلامًا [أي: الكلام النفسي] فالخصم ينكره أصلًا\" (^٢).\n_________\n(^١) الملل والنحل (١/ ٩٦) تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة - بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n(^٢) نهاية الإقدام على علم الكلام (ص: ١٦٤ - ١٦٥) تحقيق: محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط/ الأولى، ١٤٢٥ ه.","vol":"1","page":24},{"text":"- وقال جمال الدين محمد بن أحمد الغزنوي (المتوفى: ٥٩٣ هـ): \"وكلامه صفته، وصفاته قائمة بذاته لا تقبل الانفصال عنه والافتراق، وهذه العبارات دالة على كلامه القديم الأزلي القائم بذاته، وتسمى العبارات كلام الله تعالى، وهي محدثة مخلوقة، وهي الحروف والأصوات وتتابع الحروف والكلمات\" (^١).\n- وقال الفخر الرازي (المتوفى: ٦٠٦ هـ): \"لا ننازع في إطلاق لفظ \"القرآن\" و\"كلام الله تعالى\" على هذه الحروف والأصوات، وما ذكروه [أي: المعتزلة] من الأدلة فهو إنما يفيد حدوث القرآن بهذا التفسير، وذلك متفق عليه، وإنما نحن بعد ذلك ندّعي صفة قائمة بذات الله تعالى وندعي قدمها.\nوقد بينا أن تلك الصفة يستحيل وصفها بكونها عربية وعجمية ومحكمة ومتشابهة، لأن كل ذلك من صفات الكلام الذي هو عبارة عن الحروف والأصوات.\nوالحاصل أن الكلام الذي حاولوا إثبات حدوثه، فنحن لا ننازعهم في حدوثه، والكلام الذي ندّعي قِدَمه لا يجري فيه ما ذكروه من الأدلة\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"أجمع المسلمون على أن الله تعالى متكلم، لكن المعتزلة زعموا أن المعنى بكونه متكلما أنه خلق هذه الحروف والأصوات في جسم، وأما نحن فنزعم أنّ كلام الله تعالى صفة حقيقية مغايرة لهذه الحروف والأصوات، وأن ذاته تعالى موصوفة بتلك الصفة.\n_________\n(^١) أصول الدين (ص: ١٠١ - ١٠٢) المحقق: عمر وفيق الداعوق، دار البشائر الإسلامية - بيروت - لبنان، ط/ الأولى، ١٤١٩ - ١٩٩٨ م.\n(^٢) نهاية العقول في دراية الأصول (٢/ ٣٢٥) عني بتحقيقه: سعيد فودة، دار الذخائر - بيروت - لبنان.","vol":"1","page":25},{"text":"واعلم أن التحقيق أنا لا ننازع المعتزلة في كونه متكلمًا بالمعنى الذي ذكروه، لأنّ النزاع بيننا وبينهم إما في المعنى وإما في اللفظ، أما في المعنى ... ثبت أنه لا نزاع بيننا وبينهم من جهة المعنى في كونه متكلما بالتفسير الذي قالوه.\nوأما النزاع من جهة اللفظ فهو أن يقال لا نسلِّم أن لفظة المتكلِّم في اللغة موضوعة لموجِد الكلام، والناس قد أطنبوا من الجانبين في هذا المقام، وليس ذلك مما يستحق الإطناب؛ لأنه بحث لغوي، وينبغي أن يرجع فيه إلى الأدباء، وليس هذا من المباحث العقلية في شيء\" (^١).\nوقال أيضًا بعد أن قرّر أنّ الله تعالى إذا أراد شيئًا أو كَرِه شيئًا فإنه قادر على خلق الأصوات بتقطيعات مخصوصة في جسم جمادي أو حيواني، لتدل هذه الأصوات على كونه تعالى مريدًا لذلك الشيء المعين أو كارهًا له:\n\"فثبت بما ذكرنا أنّ كونه تعالى متكلمًا بالمعنى الذي يقوله المعتزلة مما نقول به ونعترف به ولا ننكره بوجه من الوجوه. إنما الخلاف بيننا وبينهم في أنّا نثبت أمرًا آخر وراء ذلك، وهم ينكرونه\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤).\n(^٢) الأربعين في أصول الدين (١/ ٢٤٩) تعليق: أحمد حجازي، مكتبة الكليات الأزهرية، مطبعة دار التضامن- القاهرة، ط/ الأولى، ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":26},{"text":"وقال أيضًا في أثناء ردّه على شبه القائلين بحدوث القرآن: \"أما جميع الشبه السمعية فالجواب عنها شيء واحد، وهو أن تُصرف كل تلك الوجوه الى هذه الحروف والأصوات، فإنا معترفون بأنها محدثة، وعندهم [أي: المعتزلة] القرآن ليس إلا ما تركب عن هذه الحروف والأصوات، فكانت الدلائل التي ذكروها دالة على حدوث هذه الحروف والأصوات.\nونحن لا ننازع في ذلك، وإنما ندعي قِدم القرآن بمعنى آخر. فكانت كل هذه الشبه ساقطة عن محل النزاع\" (^١).\nوقال أيضًا: \"أما أصحابنا فقد اتفقوا على أنه تعالى ليس بمتكلم بالكلام الذي هو الحروف والأصوات، بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس، والمعتزلة ينكرون هذه الماهية ..\nفالحاصل أنّ الذي ذهبوا إليه [أي: المعتزلة] فنحن من القائلين به، إلا أنّا أثبتنا أمرًا آخر\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٢٥٧).\n(^٢) المحصل في علم الكلام (ص: ٤٠٣) تحقيق: حسين أتاي، دار التراث، ط/ الأولى، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":27},{"text":"- وقال أبو الحسن الآمدي (المتوفى: ٦٣١ هـ): \"فإنّا [أي: الأشاعرة والمعتزلة] مجمعون على أنّ القرآن الحقيقي ليس بمعجزة الرسول، وإنما الاختلاف في أمر وراءه، وهو أن ذلك القرآن الحقيقي ماذا هو؟\nفنحن نقول: إنه المعنى القائم بالنفس ... على أن لا تنازع في أن ما جاء به الرسول من الحروف المنتظمة والأصوات المقطعة معجزة له، وأنه يسمى قرآنا وكلامًا، وأن ذلك ليس بقديم، وإنما النزاع في مدلول تلك العبارات هل هو صفة قديمة أزلية أم لا\" (^١).\n- وقال الإمام القرافي (المتوفى: ٦٨٤ هـ): \"فإن قلتَ: إذا قلنا بالحلف بصفات الله تعالى المعنوية كالعلم والكلام ونحوهما، فهل القرآن من هذا القبيل؟ وكذلك التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة؟ أم ليس كذلك؟\nقلتُ: قال أبو حنيفة هذه الأشياء ليست منها وإن كان كلام الله تعالى النفسي منها؛ لاشتهار لفظ القرآن في الأصوات المسموعة عرفًا وأنه لا يفهم من إطلاق لفظ القرآن إلا هذه الأصوات والحروف، والأصوات والحروف مخلوقة فعند الإطلاق ينصرف اللفظ إليها، والحلف بالمخلوق منهي عنه. والمنهي عنه لا يوجب كفارة فلا يجب بالحلف بالقرآن كفارة وكذلك بقية الكتب ...\n_________\n(^١) غاية المرام في علم الكلام (ص: ١٠٧ - ١٠٨) المحقق: حسن محمود عبد اللطيف، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة.","vol":"1","page":28},{"text":"والظاهر ما قاله أبو حنيفة - ﵀ - فإنا لا نفهم من قول القائل: القرآن، وهو يحفظ القرآن، وكتب القرآن، إلا هذه الأصوات والرقوم المكتوبة بين الدفتين، وهو الذي يفهم من نهيه - ﷺ - «عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو»؛ فإن المسافرة متعذرة بالقديم\" (^١).\n- وقال العضد الإيجي (المتوفى: ٧٥٦ هـ): \"قالت الحنابلة: كلامه [أي: الله تعالى] حرف وصوت يقومان بذاته، ...\nوقالت المعتزلة: أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي وهو حادث.\nوهذا لا ننكره، لكنا نثبت أمرًا وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس ونزعم أنه غير العبارات\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة، فنحن نقول به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك.\n_________\n(^١) الفروق، وبهامشه أنوار الفروق، وتهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية (٣/ ٢٨ - ٢٩) عالم الكتب.\n(^٢) شرح المواقف (٣/ ١٢٨ - ١٢٩) دار الجيل - بيروت.","vol":"1","page":29},{"text":"وما نقوله من كلام النفس فهم ينكرون ثبوته. ولو سلموه لم ينفوا قدمه، فصار محل النزاع نفي المعنى وإثباته.\nفإذًا الأدلة الدالة على حدوث الألفاظ إنما تفيدهم [أي: المعتزلة] بالنسبة إلى الحنابلة، وأما بالنسبة إلينا فيكون نصبا للدليل في غير محل النزاع.\nوأما ما دل على حدوث القرآن مطلقًا فحيث يمكن حمله على حدوث الألفاظ لا يكون لهم فيه حجة علينا\" (^١).\n- وقال سعد الدين التفتازاني (المتوفى: ٧٩١ هـ) بعد أن ذكر اختلاف الفرق في صفة الكلام: \"ولا عبرة بكلام الكرامية والحشوية، فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة وهو في التحقيق عائد إلى إثبات كلام النفس ونفيه، وأنّ القرآن هو أو هذا المؤلف من الحروف الذي هو كلام حسي، وإلا فلا نزاع لنا في حدوث الكلام الحسي، ولا لهم في قِدم النفسي لو ثبت\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم [أي: المعتزلة] يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي ...\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٢٩).\n(^٢) شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ١٠٠) دار المعارف النعمانية.","vol":"1","page":30},{"text":"وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوقين وسمات الحدوث من التأليف والتنظيم والإنزال، وكونه عربيًا مسموعًا فصيحًا معجزا إلى غير ذلك، فإنما يقوم حجة على الحنابلة لا علينا؛ فإنا قائلون بحدوث النظم، وإنما الكلام في المعنى القديم\" (^١).\nوقال أيضًا: \"لا نزاع في إطلاق اسم القرآن وكلام الله تعالى بطريق الاشتراك أو المجاز المشهور شهرة الحقائق على هذا المؤلف الحادث، وهو المتعارف عند العامة والقراء والأصوليين والفقهاء، وإليه ترجع الخواص التي هي من صفات الحروف وسمات الحدوث\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فإن قيل: لو كان كلام الله تعالى حقيقة في المعنى القديم، مجازًا في النظم المؤلّف لصح نفيه عنه، بأن يقال: ليس النظم المنزل المعجز المفصل إلى السور والآيات كلام الله تعالى. والإجماع على خلافه. وأيضًا المعجز المتحدى به هو كلام الله حقيقة مع القطع بأن ذلك إنما يتصور في النظم المؤلف المفصل إلى السور والآيات، إذ لا معنى لمعارضة الصفة القديمة.\nقلنا: التحقيق أنّ كلام الله تعالى اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم، ومعنى الإضافة كونه صفة لله تعالى، وبين اللفظي الحادث المؤلّف من السور والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوق لله تعالى ليس من تأليفات المخلوقين\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح العقائد النسفية (ص: ٤٤) تحقيق: أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، ١٤٠٨ هـ.\n(^٢) شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ١٠٢).\n(^٣) شرح العقائد النسفية (ص: ٩٤ - ٩٥).","vol":"1","page":31},{"text":"وقال أيضًا: \"وهو [أي: الكلام الأزلي] صفة قديمة منافية للسكوت والآفة، ... وهذا الكلام اللفظي الحادث المؤلف من الأصوات والحروف القائمة بمحالها يُسمّى كلام الله تعالى والقرآن على معنى أنه عبارة عن ذلك المعنى القديم\" (^١).\nوقال أيضًا: \"المشهور في كلام الأصحاب أن ليس إطلاق كلام الله تعالى على هذا المنتظم من الحروف المسموعة إلا بمعنى أنه دال على كلامه القديم حتى لو كان مخترع هذه الألفاظ غير الله تعالى لكان هذا الإطلاق بحاله، لكن المرضي عندنا أنّ له اختصاصا آخر بالله وهو أنه أخبر عنه بأنه أوجد أولًا الأشكال في اللوح المحفوظ؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، أو الأصوات في لسان المَلَك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، الآية، أو لسان النبي؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤].\nوما يقال إنّ كلام الله تعالى ليس قائمًا بلسان أو قلب، ولا حالًا في مصحف أو لوح فيراد به الكلام الحقيقي الذي هو الصفة الأزلية، ومنعوا من القول بحلول كلامه في لسان أو قلب أو مصحف وإن كان المراد هو اللفظي؛ رعاية للتأدب واحترازًا عن ذهاب الوهم إلى الحقيقي الأزلي\" (^٢).\n_________\n(^١) شرح التلويح على التوضيح (١/ ٤٩) مكتبة صبيح بمصر.\n(^٢) شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":32},{"text":"- وقال الشريف الجرجاني (المتوفى: ٨١٤ هـ): \"وقالت المعتزلة: كلامه تعالى أصوات وحروف ... لكنها ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي، وهو حادث ...\nوهذا الذي قاله المعتزلة لا ننكره نحن، بل نقول به ونسميه كلامًا لفظيًا، ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى، لكنا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ، ونقول هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته تعالى\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إذا عرفت هذا الذي قررناه لك فاعلم أنّ ما تقوله المعتزلة في كلام الله تعالى وهو خلق الأصوات والحروف الدالة على المعاني المقصودة، وكونها حادثة قائمة بغير ذاته تعالى، فنحن نقول به، ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك كما مر آنفًا.\nوما نقوله نحن ونثبته من كلام النفس المغاير لسائر الصفات فهم ينكرون ثبوته، ولو سلموه لم ينفوا قدمه الذي ندعيه في كلامه تعالى، فصار محل النزاع بيننا وبينهم نفي المعنى النفسي وإثباته\" (^٢).\n_________\n(^١) شرح المواقف (٣/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٣٥).","vol":"1","page":33},{"text":"وقال أيضًا: \"فالشيخ الأشعري لما قال الكلام هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وحده، وهو القديم عنده، وأما العبارات فإنما تسمى كلامًا مجازًا لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه أيضًا لكنها ليست كلامه حقيقة\" (^١).\n- وقال ولي الدين أبو زرعة العراقي (المتوفى: ٨٢٦ هـ): \"وهذا الذي ذكرناه من أنّ القرآن غير مخلوق هو في القائم بالذات المقدسة.\nأما العبارات الدالة عليه وهي القراءة فهي مخلوقة حادثة، لكن امتنع العلماء من إطلاق الخلق والحدوث عليها إذا سميت قرآنًا لما فيه من الإيهام، وبدّعوا القائل لفظي بالقرآن مخلوق كحسين الكرابيسي سدًا للباب\" (^٢).\n- وقال الكمال ابن الهمام (المتوفى: ٨٦١ هـ): \"لا يخفى أنّ الحلف بالقرآن الآن متعارف فيكون يمينًا كما هو قول الأئمة الثلاثة، وتعليلُ عدم كونه يمينًا بأنه غيره تعالى؛ لأنه مخلوق؛ لأنه حروف، وغير المخلوق هو الكلام النفسي مُنع بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٤١ - ١٤٢).\n(^٢) الغيث الهامع شرح جمع الجوامع (ص: ٧٤٥) تحقيق: محمد تامر حجازي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط/ الأولى، ١٤٢٥ هـ.","vol":"1","page":34},{"text":"ولا يخفى أنّ المنزل في الحقيقة ليس إلا الحروف المنقضية المنعدمة (^١)، وما ثبت قدمه استحال عدمه، غير أنهم أوجبوا ذلك؛ لأنّ العوام إذا قيل لهم: القرآن مخلوق تعدّوا إلى الكلام مطلقًا\" (^٢).\n- وقال جلال الدين الدواني (المتوفى: ٩١٨ هـ): \"والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات.\nولا نزاع بين الشيخ [أي: أبي الحسن الأشعري] والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه\" (^٣).\n- وقال الشيخ زكريا الأنصاري (المتوفى: ٩٢٦): \"فيُطلق القرآن على كلٍ من المعنيين [أي: الكلام اللفظي الموجود في المصحف، والكلام النفسي]، كما يُطلق على كلٍ منهما كلام الله.\n_________\n(^١) قال ابن عابدين: \"وقوله: ولا يخفى إلخ ردّ للمنع. وحاصله أنّ غير المخلوق هو القرآن بمعنى كلام الله الصفة النفسية القائمة به تعالى، لا بمعنى الحروف المنزلة، غير أنه لا يقال: القرآن مخلوق؛ لئلا يتوهم إرادة المعنى الأول\". رد المحتار (٣/ ٧١٢) دار الفكر- بيروت، ط/ الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n(^٢) فتح القدير (٥/ ٦٩) دار الفكر.\n(^٣) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص: ٣٠٤) مطبعة المدني، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.","vol":"1","page":35},{"text":"ووجه الإضافة في تسميته كلام الله بالمعنى الثاني [أي: الكلام النفسي] أنه صفة له، وبالأول [أي: الكلام اللفظي] أنه أنشأه برقومه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، أو بحروفه بلسان المَلَك لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، أو بلسان النبي لوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤] الآية\" (^١).\n- وقال شمس الدين محمد بن أحمد الرملي (المتوفى: ١٠٠٤ هـ): \"كلام الله تعالى النفسي صفة قديمة كبقية صفاته القديمة ... فإذا عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وبالعبرانية فتوارة، وبالسريانية فإنجيل ...\nأما العبارات الدالة عليه فمخلوق حادثة، لكن امتنع العلماء من إطلاق الخلق والحدوث عليها إذا سميت قرآنًا لما فيه من الإيهام\" (^٢).\n- وقال أحمد بن غنيم النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ): \"وحقيقته [أي: القرآن] عند الفقهاء والقراء والأصوليين والعامة اللفظ المنزل على محمد - ﷺ - للإعجاز بأقصر سورة منه المتعبد بتلاوته المحتج بأبعاضه، ... ومعنى كون هذا اللفظ كلام الله مع أنه محدث ومخلوق أنّ الله تعالى تولّى تأليفه\" (^٣).\n_________\n(^١) حاشية الشيخ زكريا الأنصاري على شرح المحلي على جمع الجوامع (١/ ٤٤٦) مكتبة الرشد.\n(^٢) غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ١١) دار المعرفة - بيروت.\n(^٣) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٥٦) دار الفكر، بدون طبعة، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":36},{"text":"وقال أيضًا: \"المراد بالقرآن اللفظ المنزل على محمد وهو مخلوق حادث، والقديم مدلوله\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وأجاب أهل السنة [أي: الأشاعرة] عما تمسكت المعتزلة بأن كل ما دل على الحدوث يجب حمله على اللفظ الدال على المعنى القائم بالنفس المحكوم عليه بأنه قديم ...\nوالحاصل أن النزاع بين أهل السنة والمعتزلة في إثبات الكلام النفسي ونفيه، فأهل السنة تثبته والمعتزلة تنفيه، دليلنا أنه ثبت بالكتاب وبالإجماع وتواتر النقل عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه تعالى متكلم، ولا معنى له سوى أنه متصف بالكلام، ويمتنع قيام اللفظ الحادث بذاته تعالى فيتعين النفسي القديم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فالحاصل أن الكتاب بهذا المعنى [أي: اللفظ المنزل على نبينا محمد - ﷺ -] يوصف بأنه عربي ومرتب وفصيح ومقروء بالألسنة وغير ذلك مما هو من أوصاف الحادث، وما يقال من أن كلام الله ليس قائمًا بلسان، ولا حالًا في مصحف، فالمراد به المعنى القائم بذاته تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٣٤١).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٥٦)\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٦٦).","vol":"1","page":37},{"text":"- وقال محمد الأمير الكبير المالكي السنباوي الأزهري (المتوفى: ١٢٣٢ هـ): \"اللفظي: هو حادث، والله - ﷿ - لا يتكلم به، بل خلقه الله في اللوح المحفوظ، وأنزله على جبريل، ونزل به جبريل على سيدنا محمد - ﷺ - بالمعنى واللفظ جميعا على الراجح\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وهل القرآن بمعنى اللفظ المقروء أفضل، أو سيدنا محمد - ﷺ -؟ تمسك بعضهم بما يروى: «كل حرف خير من محمد وآل محمد» لكنه غير محقق الثبوت.\nوالحق أنه - ﷺ - أفضل؛ لأنه أفضل من كل مخلوق، ... \" (^٢).\n- وقال محمد بن شافعي الفضالي (المتوفى: ١٢٣٦ هـ): \"وليس المراد بكلامه تعالى الواجب له تعالى الألفاظ الشريفة المنزلة على النبي - ﷺ -؛ لأنّ هذه حادثة، والصفة القائمة بذاته تعالى قديمة\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"ويُسمّى كلٌ من الصفة القديمة والألفاظ الشريفة: قرآنًا، وكلام الله، إلا أنّ الألفاظ الشريفة مخلوقة، مكتوبة في اللوح المحفوظ، نزل بها جبريل - ﵇ - على النبي - ﷺ -، بعد أن نزلت في ليلة القدر في بيت العزة: محل في سماء الدنيا\" (^٤).\n_________\n(^١) حاشية الأمير على إتحاف المريد (ص: ٨٨).\n(^٢) حاشية الباجوري على جوهرة التوحيد المسمى بتحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص: ١٦١) تعليق: علي جمعة، دار السلام، ط/ الأولى، ١٤٢٢ ه.\n(^٣) كفاية العوام فيما يجب عليهم من علم الكلام (ص: ١٠٢).\n(^٤) المصدر السابق (ص: ١٠٤ - ١٠٥).","vol":"1","page":38},{"text":"- وقال أحمد بن عيسى الأنصاري (المتوفى: ١٢٤١ هـ): \"واعلم أنه يُطلق على الكتب المنزلة على الرسل أنها كلام الله تعالى؛ لأنها ظهرت منه تعالى إحداثًا وتركيبًا، ولم يحدثها غيره، ... وهذه الألفاظ ليست هي نفس الصفة القديمة كما يتوهم البعض، بل هي دالة عليها دلالة عقلية أو عرفية، لأن الألفاظ مركبة وحادثة، والصفة النفسية التي هي الكلام لا يجوز أن تكون كذلك، لأن الحوادث لا تقوم بالخاق، ومن هذا الباب يطلق على هذه الكلمات المنزلة على الرسل أنه كلام الله تعالى، أي لأنها دالة على بعض مدلولات الكلام النفسي\" (^١).\n- وقال أحمد الصاوي المالكي (المتوفى: ١٢٤١ هـ): \"ما ورد في الكتاب والسنة مما يوهم الحدوث فإنه عند أهل السنة محمول على اللفظ الحادث الدال على بعض مدلول الكلام النفسي، وهو اللفظ المنزل على النبي - ﷺ - للإعجاز بأقصر سورة منه، المتعبد بتلاوته\" (^٢).\n- وقال محمد بن حسن العطار (المتوفى: ١٢٥٠ هـ): \"لا نزاع بين الشيخ أبي الحسن الأشعري والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، إنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح أم البراهين، نقلًا عن تهذيب شرح السنوسية لسعيد فودة ص: ٤٠).\n(^٢) شرح جوهرة التوحيد (ص: ٢٢١) تحقيق: عبد الفتاح النبرم، دار ابن كثير - دمشق - بيروت.\n(^٣) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٥٩) دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":39},{"text":"وقال أيضًا: \"وبالجملة فمسألة الكلام مما كثر فيها النزاع بين العلماء الأعلام ... والذي تحرر فيها أن هذه الألفاظ التي نتلوها ونتعبد بتلاوتها حادثة، والقول بقدمها سفسطة إلا أنّ السلف تحاشوا عن القول بحدوثها، ...\nومعنى كونه كلام الله أنه ليس من تأليف البشر، بل نزل به جبريل - ﵇ - على النبي - ﷺ -، ونزل باللفظ والمعنى جميعا على ما هو التحقيق خلافا لما قيل إنّ جبريل يلهم المعنى ويعبر للنبي - ﷺ - عنه، ولمن قال: يلقي المعنى في قلبه - ﷺ -، وهو الذي يعبر.\nثم إن هذه الألفاظ دالة على الصفة النفسية القديمة، فالدال حادث والمدلول قديم، وهذا المدلول هو المراد بقولهم المقروء قديم والقراءة حادثة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ووجه إضافته [أي: الكلام النفسي] بهذا المعنى له تعالى أنه صفته، وبالمعنى الأول [أي: الكلام اللفظي] أنه تعالى أنشأه برقومه في اللوح المحفوظ، ومنع السلف من إطلاق القول بخلق القرآن بهذا المعنى أدبًا وتحرزًا عن ذهاب الوهم إلى المعنى النفسي\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":40},{"text":"- وقال إبراهيم الباجوري (المتوفى: ١٢٧٦ هـ): \"واعلم أنّ كلام الله يُطلق على الكلام النفسي القديم، بمعنى أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وعلى الكلام اللفظي بمعنى أنه خَلَقَه، وليس لأحد في أصل تركيبه كسب. وعلى هذا يحمل قول السيدة عائشة: «ما بين دفتي المصحف كلام الله تعالى»\nومع كون اللفظ الذي نقرؤه حادثًا لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا في مقام التعليم، لأنه يُطلق على الصفة القائمة بذاته أيضًا لكن مجازًا على الأرجح، فربما يُتوهم من إطلاق أنّ القرآن حادث أن الصفة القائمة بذاته تعالى حادثة، ولذلك ضُرب الإمام أحمد بن حنبل وحُبس على أن يقول بخلق القرآن فلم يرض\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ومذهب أهل السنة [يعني بهم الأشاعرة] أنّ القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق ويراد به اللفظ الذي نقرؤه إلا في مقام التعليم؛ لأنه ربما أوهم أنّ القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وقد أُضيف له تعالى كلامٌ لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعًا بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ\" (^٣).\n_________\n(^١) حاشية الباجوري على جوهرة التوحيد المسمى بتحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص: ١٣٠).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٦٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ١٣١).","vol":"1","page":41},{"text":"وقال أيضًا عند شرحه لقول صاحب جوهرة التوحيد:\nفكلُّ نصٍ للحدوث دلاّ ... احْمِلْ على اللفظ الذي قد دلاّ\n\nقال: \" (على اللفظ) أي: على القرآن، بمعنى: اللفظ المنزل على نبينا - ﷺ -، المتعبّد بتلاوته، المتحدَّى بأقصر سورة منه، والراجح أن المُنْزل اللفظ والمعنى، وقيل: المنزل المعنى وعبّر عنه جبريل بألفاظ من عنده، وقيل: المنزل المعنى وعبّر عنه النبي - ﷺ - بألفاظ من عنده، لكن التحقيق الأول؛ لأنّ الله خَلَقَه أولًا في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا ...\nوالحاصل أنّ كل ظاهر من الكتاب والسنة دلّ على حدوث القرآن فهو محمول على اللفظ المقروء لا على الكلام النفسي، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم كما سبق\" (^١).\n- وقال محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل (المتوفى: ١٢٩٨ هـ): \"ومع كون اللفظ الذي نقرؤه حادثًا لا يجوز أن يقال: القرآن حادث؛ حذرًا من الإيهام، أي: إيهام أن القرآن النفسي حادث، وخوفًا من أن يدعو ذلك إلى أن يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٦٢).","vol":"1","page":42},{"text":"فيحصل أنّ المنع من إطلاق الخلق والحدوث على ما في المصاحف والألسن والصدور إنما هو من حيثية شرعية، وهي خشية الإيهام.\nوكل نص من الكتاب أو السنة دل على حدوث القرآن فهو محمول على اللفظ المقروء لا على الكلام النفسي، ومع ذلك لا يجوز إطلاق أن القرآن مخلوق لما تقرر\" (^١).\n- وقال إبراهيم بن أحمد المارغيني مفتي المالكية في عصره (المتوفى: بعد ١٣٢٥ هـ): \"كما يسمى الكلام القديم بكلام الله، تسمى الكتب السماوية بكلام الله، إما لأنها دالة على بعض مدلوله المترجم بها عنه ...\nوإما لأنّ الله تعالى خلق تلك الألفاظ وأنزلها على رسله بواسطة جبريل، فهي كلام الله بمعنى أنها مخلوقة لله وليست من تأليف الخلق\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"لا يجوز أن يقال \"القرآن مخلوق\" أو \"حادث\"؛ لأنّ القرآن يُطلق على اللفظ المنزل على نبينا ومولانا محمد - ﷺ - للإعجاز، وعلى صفة الكلام القائمة بذات الله تعالى، فربما يتوهم من إطلاق أنّ القرآن مخلوق أو حادث حدوث الصفة القائمة بذاته تعالى. نعم يجوز أن يقال ذلك في مقام التعليم\" (^٣).\n_________\n(^١) نشر الأعلام شرح البيان والإعلام بمهمات أركان الإسلام [مخطوط، لوحة ٤٥ ب].\n(^٢) طالع البشرى على العقيدة السنوسية الصغرى، نقلًا عن كتاب تهذيب شرح السنوسية لسعيد فودة ص: ٤٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٤٠).\nقال سعيد فودة معلقًا على قول المارغيني: \"نعم يجوز أن يقال ذلك في مقام التعليم\": \"يجوز ذلك لئلا يسبق إلى الوهم أن هذه الحروف المركبة المنزلة على الرسل قديمة لا بداية لها\".","vol":"1","page":43},{"text":"- وقال محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية بمكة (المتوفى: ١٣٦٧ هـ): \" قال كنون: حاصل ما لعبق [أي: عبد الباقي الزرقاني] والبناني أنّ القرآن يطلق على المعنى النفسي الأزلي القائم بذاته تعالى، وعلى العبارات الدالة عليه، المسموعة لنا وعلى نقوش الكتابة الدالة عليه.\nوبقي أنه يطلق على المحفوظ في الصدور من الألفاظ المتخيلة كما يقال: حفظت القرآن.\nفكلام الله يطلق بالاعتبارات الأربعة، والقديم من ذلك إنما هو الأول [أي: المعنى النفسي] ...، فحيث يوصف بما هو من لوازم القديم كقولنا: القرآن أو كلام الله غير مخلوق، فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج أعني المعنى النفسي القائم بالذات العلية.\nوحيث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والمحدثات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وقد ذكر السعد عن المشايخ أنه ينبغي أن يقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يقال القرآن غير مخلوق؛ لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم، وكان السلف يمنعون أن يقال: القرآن مخلوق ولو أريد به اللفظ إلخ دفعًا لإيهام خلق المعنى القائم للذات العلية، فلا يجوز ذلك إلا في مقام البيان\" (^٢).\n_________\n(^١) الفروق، وبهامشه أنوار الفروق، وتهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية (٣/ ٦٣ - ٦٤) عالم الكتب.\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٦٤) عالم الكتب.","vol":"1","page":44},{"text":"- وقال محمد زاهد الكوثري (المتوفى: ١٣٧١ هـ): \"القرآن يُطلق على ما قام بالله من الألفاظ العلمية الغيبية، وهو غير مخلوق، وغير حال في مخلوق.\nوعلى المكتوب بين الدفتين، وعلى المحفوظ في القلوب من الألفاظ الذهنية، وعلى الملفوظ بالألسن على سبيل الاشتراك اللفظي عنده [أي: الباقلاني]. والقرينة هي التي تعين المراد منها في كل موضع.\nوما سوى الأول مخلوق. وهذا البحث أنضج عند المتأخرين من أئمة الأشاعرة\" (^١).\n- وقال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي تحت عنوان جوهر الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة: \"ثم إنّ المعتزلة فسّروا هذا الذي أجمع المسلمون على إثباته لله تعالى [أي: الكلام] بأنه أصوات وحروف يخلقهما الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم. ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئًا آخر من وراء هذه الأصوات والحروف تحت اسم الكلام.\nأما جماهير المسلمين أهل السنة والجماعة [يعني بهم الأشاعرة]، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة، بل نقول به، ونسميه كلامًا لفظيًا، ونحن جميعا متفقون على حدوثه، وأنه غير قائم بذاته تعالى؛ من أجل أنه حادث.\n_________\n(^١) هامش الإنصاف للباقلاني (ص: ٢٦) تحقيق: محمد زاهد الكوثري، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط/ الرابعة، ١٤٢١ ه.","vol":"1","page":45},{"text":"ولكننا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس والتي يُعبّر عنها بالألفاظ ... وهذا هو المقصود بإسناد الكلام إلى الله تعالى، وبه يُفسّر ما أجمع عليه المسلمون.\nوهنا افترق المعتزلة عن الجمهور، إذ إنهم لم ينسبوا إلى الله تعالى صفة قديمة بهذا المعنى اسمها الكلام أو الكلام النفسي\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إذا تأملت فيما ذكرناه، أدركت النقطة الخلافية بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة، وهي: أن هنالك معنى لألفاظ القرآن يتكون منه الأمر والنهي والإخبار المتوجه للناس وهو قديم. فما اسم هذا المعنى؟\nالمعتزلة: اسمه العلم إذا كان إخبارا، والإرادة إن كان أمرا أو نهيا ..\nالجمهور: اسمه الكلام النفسي، وهو صفة زائدة على كل من العلم والإرادة، قائمة بذاته تعالى.\nأما الكلام الذي هو اللفظ، فاتفقوا على أنه مخلوق، وعلى أنه غير قائم بذاته سبحانه، باستثناء أحمد بن حنبل وبعض أتباعه، فقد ذهبوا إلى أن هذه الحروف والأصوات أيضا قديمة بذاتها، وأنها هي المعني بصفة الكلام.\n_________\n(^١) كبرى اليقينيات الكونية (ص: ١٢٥ - ١٢٦) دار الفكر.","vol":"1","page":46},{"text":"ولا ندخل - بعد أن عرفت نقطة الوفاق والخلاف - في شيء من المناقشة والجدال اللذين قاما حول هذا البحث، لاعتقادنا أن الخطب أيسر من ذلك، وإن كنا نعتقد ما ذهب إليه الجمهور من أن المعنى الذي هو مدلول العبارات اسمه الكلام النفسي، وأنه صفة زائدة على كل من صفتي العلم والإرادة، غير أن المعتزلة متفقون على كل مع الجمهور في ثبوت هذا المعنى لله تعالى، وأنه صفة قديمة قائمة بذاته، وإن لم يسموها مثلنا كلامًا. ومعظم ما تسمعه من الأصداء الرهيبة للخلاف التاريخي في هذه المسألة، إنما منشؤه الخلاف بين أحمد بن حنبل - ﵀ - والفرق الأخرى كالجهمية والمعتزلة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وقد علمت أنهم [أي: المعتزلة والأشاعرة] جميعًا متفقون على أن ألفاظ القرآن حادثة، وأن معانيه قديمة، وأن خلافهم محصور فقط في تسمية المعنى القديم هل يسمى صفة الكلام أم يسمى صفة العلم والإرادة\" (^٢).\n- وقال وهبي سليمان غاوجي: \"قال علماء أصول الدين: إن الكلام ينقسم إلى قسمين: الأول: الكلام اللفظي، والثاني: الكلام النفسي.\nفأما اللفظي فهو ذلك القرآن الكريم المنزل على سيدنا محمد، وكذا سائر الكتب المنزلة على الرسل - ﵈ -، ولا ريب في أن الكلام اللفظي مخلوق له تعالى.\nوأما النفسي: فهو صفة قديمة زائدة على ذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، ويدل عليها الكلام اللفظي\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٢٩).\n(^٣) أركان الإيمان (ص: ٢٠١).","vol":"1","page":47},{"text":"- وقال حسن بن علي السقاف: \"وقد خلق الله - ﷿ - كلمات من حروف وأصوات ولغات مختلفة، وجعلها تعبر عن كلامه الأزلي، ليست من تصنيف أحد من خلقه.\nفكلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته القديم يعبر عنها الإنجيل باللغة السريانية، والتوراة باللغة العبرانية، والقرآن باللغة العربية، وكذا باقي الكتب التي أنزلها ...\nوهذه العبارات والجمل العربية المعبّر عنها بالقرآن الكريم ... خلقها وأحدثها وجعلها تعبر عن صفة كلامه الأزلي الأبدي التي متى شاء أسمعنا إياه بدليل قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢].\nوقد أخبر المولى ﵎ الخلق أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه العبارات المخلوقة المعبرة عن كلامه الأزلي الأبدي الذي ليس بحرف ولا صوت ولا لغة، كما أخبر أنهم عاجزون أن يخلقوا إنسانا بل بعوضة، وهي التي تعبر عن قدرته ﵎، وأن هذه الألفاظ المخلوقة باللغة العربية المنزلة على سيدنا رسول الله ... ولو كانت قديمة لما كانت في كتاب حادث مخلوق ولما تصور مسها ولا كتابتها في اللوح المحفوظ الذي خلقه الله تعالى وأحدثه وأجرى القلم عليه بأشياء كثيرة\" (^١).\n_________\n(^١) إلقام الحجر للمتطاول على الأشاعرة من البشر (ص: ٢٢ - ٢٣) مكتبة الإمام النووي - عمان، ط/ الثانية، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":48},{"text":"وقال أيضًا: \"وأما معنى قوله تعالى ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، أي اتل عليه هذه الألفاظ التي خلقتها، وعلمتك إياها، والتي تعبر عن كلامي الأزلي، والتي لم يصنفها أحد\" (^١).\n- وقال محمد صالح الغرسي: \"النوع الثاني من الكلام الذي أثبته الأشاعرة لله تعالى الكلام اللفظي، وبعد اتفاقهم على ثبوته لله تعالى على وجه الحقيقة لا المجاز اختلفوا في قدمه وحدوثه، فذهب جمهور الأشاعرة والمعتزلة عامة إلى حدوثه، وإلى أنه غير قائم بالله تعالى، لأنه تعالى لا يكون محلا للحوادث، بل هو قائم بغيره تعالى، وذلك لأنهم رأوا أنّ الكلام اللفظي لا يتحقق إلا بحروف وكلمات وألفاظ مترتبة متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا من صفات المحدثات، فمن أجل ذلك قالوا بحدوثه، بمعنى أنّ الله تعالى هو الذي استقل بإحداثه بدون كسب لأحد فيه، أوجده الله تعالى في اللوح المحفوظ أو في الشجرة أو في جبريل مثلا ...\nومع قولهم بحدوث الكلام اللفظي لله تعالى قالوا: لا يجوز التصريح بذلك إلا في مقام التعليم لئلا يسبق الوهم إلى حدوث الكلام المعنوي النفسي القديم القائم بالله تعالى\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٢٣).\n(^٢) منهج الأشاعرة في العقيدة بين الحقائق والأوهام (ص: ١٢٧).","vol":"1","page":49},{"text":"وقال أيضًا: \"وذهب جمهورهم [أي: الأشاعرة والماتريدية] إلى حدوث الكلام اللفظي، بمعنى أنّ الله تفرّد بخلقه بدون كسب لأحد فيه\" (^١).\nوقال أيضًا: \"قدمنا أنّ مذهب الأشاعرة أن القرآن معناه ولفظه كلام الله على الحقيقة لا المجاز، وأنهم قد اختلفوا في القرآن بمعنى اللفظ المعجز المنزل هل هو قديم قائم بالله كالمعنى، أو أنه حادث تولّى الله تخليقه وتأليفه بدون كسب لأحد في هذا التأليف؟ هذا مذهب جمهورهم، والأول مذهب فريق منهم\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٣٢).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٣٩ - ١٤٠).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>أقوال بعض الأئمة والعلماء من غير الأشاعرة</span>\n- قال الحافظ أبو نصر السجزي (المتوفى: ٤٤٤ هـ): \"والكلابية والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه، وقولهم في القرآن حيرة، يدعون قرآنًا ليس بعربي وأنه الصفة الأزلية، وأما هذا النظم العربي فمخلوق عندهم\" (^١).\nوقال أيضًا: \"عند المعتزلة أنّ الذي تحويه دفتا المصحف قرآن، وكذلك ما وعته الصدور، وكذلك ما يتحرك به لسان القارئ، وكل ذلك مخلوق. وعند أهل السنة أن ذلك قرآن غير مخلوق.\nوعند الأشعري أنه مخلوق وليس بقرآن، وإنما هو عبارة عنه. وكذلك كثير من مذهبه يقول في الظاهر بقول أهل السنة مجملًا، ثم عند التفسير والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة\" (^٢).\n_________\n(^١) رسالة الحافظ أبي نصر السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ٢٧٣) المحقق: محمد باكريم باعبد الله، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط/ الثانية، ١٤٢٣ ه ٢٠٠٢ م.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٢٧٨).","vol":"1","page":51},{"text":"وقال أيضًا: \"وقال الأشعري: القرآن كلام الله سبحانه، والسور والآي ليست بكلام الله سبحانه، وإنما هي عبارة عنه، وهي مخلوقة.\nفوافقهم في القول بخلقها، وزاد عليهم بأنها ليست قرآن ولا كلام الله سبحانه. فإن زعموا أنهم يقرون بأنها قرآن. قيل لهم: إنما يقرون بذلك على وجه المجاز، فإن من مذهبهم أن القرآن غير مخلوق، وأن الحروف مخلوقة، والسور حروف بالاتفاق، من أنكر ذلك لم يخاطب. وإذا كانت حروفًا مخلوقة لم يجز أن يكون قرآنًا غير مخلوق\" (^١).\n- وقال الحافظ ابن عبد البر (المتوفى: ٤٦٣ هـ): \"وكان الكرابيسى وعبد الله بن كلاب ... يقولون: إن القرآن الذى تكلم به الله صفة من صفاته لا يجوز عليه الخلق، وأن تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له وذلك مخلوق، وإنه حكاية عن كلام الله وليس هو القرآن الذي تكلّم الله به\" (^٢).\n- وقال الإمام الفقيه أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي الحنبلي (المتوفى: ٤٨٦ هـ): \"وأنّ ما المصاحف وصدور الرجال وألواح الصبيان، وفي اللوح المحفوظ وغير ذلك، كلام الله تعالى، وأنّ القرآن منظور لأعيننا، محفوظ في قلوبنا، ومسموع بآذننا، ومخطوط بأيدينا.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٢٠٦).\n(^٢) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (ص: ١٠٦) دار الكتب العلمية - بيروت.","vol":"1","page":52},{"text":"وقالت الأشاعرة بخلاف ذلك كله حتى إنهم قالوا: ليس في المصحف ولا في صدور الرجال ولا في ألواح الصبيان ولا في اللوح المحفوظ قرآن، وأنّ جميع ذلك لديهم مخلوق\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وعند الأشعرية ليس في المصحف قرآن، ولا في غيره، وأن ما فيه كتابة القرآن، والدليل على أنّ ما في صدور الحافظين هو القرآن قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ... وهذا دليل على أنّ ما في الصدور هو نفس القرآن، وعند الأشعرية ليس فيها قرآن\" (^٢).\n- وقال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل إمام الحنابلة ببغداد في زمنه (المتوفى:٥١٣): \"يزخرفون للعوام عبارة يتوقون بها إنكارهم، ويدفنون فيها معنى لو فهمه الناس لعجلوا بوارهم، ويقولون: تلاوة ومتلو وقراءة ومقروء، وكتابة ومكتوب، هذه الكتابة معلومة فأين المكتوب؟ وهذه التلاوة مسموعة فأين المتلو؟ يقولون: القرآن عندنا قديم قائم بذاته سبحانه، وإنما هي زخارف لبسوا بها ضلالتهم، وإلا فالقرآن مخلوق عندهم لا محالة، فقد انكشف للعلماء منهم هذه المقالة يقدِّمون رِجْلًا نحو الاعتزال فلا يتجاسرون، ويؤخِّرون أخرى نحو أصحاب الحديث ليستتروا فلا يتظاهرون\" (^٣).\n_________\n(^١) التبصرة في أصول الدين على مذهب الإمام الجليل أحمد بن حنبل (ص: ٩٨ - ٩٩) تحقيق: يوسف الصمعاني، دار المأثور.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٠٠ - ١٠١).\n(^٣) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٥٢٥).","vol":"1","page":53},{"text":"- وقال الإمام شرف الإسلام عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي شيخ الحنابلة بالشام (المتوفى: ٥٣٦ هـ): \"فإذا قال لك القائل منهم: القرآن كلام الله، ولكن الحرف والصوت مخلوق قيل له: أنت في حلّ من الحرف فما تقول في الكلمات؟ فمن قوله: مخلوقةٌ. فقل له: نهب لك الكلمات، فما تقول في الآيات التي تكلم الله بها؟ فمن قوله: إن الله ما تكلم بذلك والجميع عنده مخلوق.\nفيعلم العاقل أنّ ذكر الحرف حيلة وخديعة وإلا فلا فرقَ عندهم بين الجملة والتفصيل في أنّ الله تعالى ما تكلم بالجملة وأنّ الجميع مخلوق\" (^١).\n- وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨ هـ):\" وقالت الكلابية والأشعرية: كلام الله الذي ليس بمخلوق هو معنى قائم بنفسه لا يفارق ذاته، وهذا القرآن المتلو المسموع عبارة وحكاية عن الكلام القائم بنفسه، ... والأشعريةُ موافقة للمعتزلة في أنّ هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق\" (^٢).\n_________\n(^١) الرسالة الواضحة في الرد على الأشاعرة (٢/ ٤٠٨) تحقيق د. علي الشبل.\n(^٢) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٤٤) تحقيق: د. سعود الخلف، دار أضواء السلف - الرياض - السعودية.","vol":"1","page":54},{"text":"وقال أيضًا: \"استدلت القدرية والمعتزلة [أي: على قولهم بخلق القرآن] بقوله: لما كان القرآن حروفًا متغايرة يدخلها التعاقب والترتيب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون من المتكلم ومَن له آلة الكلام، ومن كان بهذه الصفات لا يجوز أن يكون صفة لله، فثبت أنه مخلوق.\nفضاق بالأشعري وابن كلاب النفس عن الجواب عن هذا، فوافقوهم أنّ هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق كما قالوا، وادعوا أنّ هاهنا قرآنًا قديمًا يوصف بأنه كلام الله ينتفي عنه ضده، وهو المعنى القائم بنفسه، فهم قائلون بخلق القرآن الذي لا يعرف المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين قرآنًا غيره\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وعند الأشعرية أن القرآن العربي مخلوق\" (^٢).\n- وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي (المتوفى: ٥٩٧): \"وكان [أي: أبو الحسن الأشعري] على مذهب المعتزلة زمانا طويلا، ثم عَنَّ له مخالفتهم وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس، وأوجبت الفتن المتصلة، وكان الناس لا يختلفون أن هذا المسموع كلام الله وأنه نزل به جبريل - ﵇ - على محمد\n- ﷺ -، فالأئمة المعتمد عليهم قالوا إنه قديم، والمعتزلة قالوا مخلوق.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٥٥٨).","vol":"1","page":55},{"text":"فوافق الأشعريُّ المعتزلةَ في أنّ هذا مخلوق، وقال: ليس هذا كلام الله، إنما كلام الله صفة قائمة بذاته، ما نزل ولا هو مما يسمع، وما زال منذ أظهر هذا خائفًا على نفسه لخلافه أهل السنة حتى أنه استجار بدار أبي الحسن التميمي حذرًا من القتل، ثم نبغ أقوام من السلاطين فتعصّبوا لمذاهبه، وكثر أتباعه، حتى تركتِ الشافعيةُ معتقدَ الشافعي ودانوا بقول الأشعري\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وهذا [أي: القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق] أمر مستقر لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول - ﷺ - والصحابة رضوان الله عليهم، ثم دس الشيطان دسائس البدع، فقال قوم: هذا المشار إليه مخلوق، فثبت الإمام أحمد - ﵀ - ثبوتًا لم يثبته غيره على دفع هذا القول، ...\nثم لم يختلف الناس في غير ذلك إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري، فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عَنَّ له فادعى أنّ الكلام صفة قائمة بالنفس، فأوجبت دعواه هذه أنّ ما عندنا مخلوق، وزادت فخبطت العقائد، فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم\" (^٢).\n- وقال موفق الدين ابن قدامة (المتوفى: ٦٢٠ هـ): \"وعند الأشعري أنها [أي: الآيات والسور] مخلوقة، فقوله قول المعتزلة لا محالة إلا أنه يريد التلبيس فيقول في الظاهر قولًا يوافق أهل الحق ثم يفسّره بقول المعتزلة\" (^٣).\n_________\n(^١) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (١٤/ ٢٩) تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/ الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n(^٢) صيد الخاطر (ص: ١٩٧) دار القلم - دمشق، ط/ الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n(^٣) المناظرة في القرآن (ص: ٤٧) تحقيق: عبد الله يوسف الجديع، مكتبة الرشد - الرياض، ط/ الأولى، ١٤٠٩ هـ ..","vol":"1","page":56},{"text":"وقال أيضًا: \"ثم إنهم [أي: الأشاعرة] قد أقرّوا أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، فإذا لم يكن القرآن هذا الكتاب العربي الذي سماه الله قرآنًا، فما القرآن عندهم؟ وبأي شيء علموا أنّ غير هذا يسمى قرآنًا؟\nفإنّ تسمية القرآن إنما تعلم من الشرع أو النص، فأما العقل فلا يقتضي تسمية صفة الله قرآنًا، وما ورد النص بتسميته القرآن إلا لهذا الكتاب، ولا عرفت الأمة قرآنًا غيره. وتسميتهم غيره قرآنًا تحكّم بغير دليل شرعي ولا عقلي مخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.\nومدار القوم على القول بخلق القرآن ووفاق المعتزلة، ولكن أحبوا أن لا يعلم بهم فارتكبوا مكابرة العيان وجحد الحقائق ومخالفة الإجماع ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهورهم، والقول بشيء لم يقله قبلهم مسلم ولا كافر، ومن العجب انهم لا يتجاسرون على إظهار قولهم ولا التصريح به إلا في الخلوات ولو أنهم ولاة الأمر وأرباب الدولة\" (^١).\nوقال - ﵀ -: \"نعتقد أنّ القرآن كلام الله وهو هذه المائة والأربع عشرة سورة أولها سورة الفاتحة وآخرها المعوذات، وأنه سور وآيات وحروف وكلمات متلو مسموع مكتوب، وعندهم [أي: الأشعرية] أن هذه السور والآيات ليست بقرآن وإنما هي عبارة عنه وحكاية، وأنها مخلوقة، وأن القرآن معنى في نفس الباري، وهو شيء واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد، ولا هو شيء ينزل ولا يتلى ولا يسمع ولا يكتب، وأنه ليس في المصاحف إلا الورق والمداد.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٣٣ - ٣٤)","vol":"1","page":57},{"text":"واختلفوا في هذه السور التي هي القرآن فزعم بعضهم أنها عبارة جبريل - ﵇ - هو الذي ألفها بإلهام الله تعالى له ذلك، وزعم آخرون منهم أن الله تعالى خلقها في اللوح المحفوظ فأخذها جبريل منه\" (^١).\n- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨ هـ): \"والتزم هؤلاء [أي: القائلون بأن القرآن هو المعنى القائم بذات الله] أنّ حروف القرآن مخلوقة، وإن لم يكن عندهم الذي هو كلام الله مخلوقًا، وفرّقوا بين كتاب الله وكلامه، فقالوا كتاب الله هو الحروف وهو مخلوق، وكلام الله هو معناها غير مخلوق.\nوهؤلاء والأولون [أي: الجهمية والمعتزلة] متفقون على خلق القرآن الذي قال الأولون إنه مخلوق، واختلف هؤلاء أين خُلقت هذه الحروف؟ هل خلقت في الهواء؟ أو في نفس جبرائيل؟ أو أن جبرائيل هو الذي أحدثها أو محمد؟ \" (^٢).\nوقال أيضًا: \"لا ريب أنه قد اشتهر عند العامة والخاصة اتفاق السلف، على أن القرآن كلام الله وأنهم أنكروا على من جعله مخلوقا خلقه الله كما خلق سائر المخلوقات من السماء والأرض، ... وأنتم فلا ريب أن كلما يقول هؤلاء إنه مخلوق، لا تنازعونهم في أنّ الكلام الذي يقولون هو مخلوق، بل تقولون أنتم أيضًا إنه مخلوق\" (^٣).\n_________\n(^١) المناظرة في القرآن (ص: ١٧ - ١٨) المحقق: عبد الله يوسف الجديع، مكتبة الرشد - الرياض، ط/ الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٥).\n(^٣) الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٢٣).","vol":"1","page":58},{"text":"وقال أيضًا \"وصار هؤلاء [أي: الكلابية والأشعرية] مخالفين لأئمة السنة والحديث في شيئين:\nأحدهما: أنّ نِصْفَ القرآن من كلام الله، والنصف الآخر ليس كلام الله عندهم، بل خلقه الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ، أو أحدثه جبريل أو محمد - ﷺ -. وهؤلاء في كونهم جعلوا نصف القرآن مخلوقًا موافقين لمن قال بخلقه ...\nوالمعنى الثاني: الذي خالفوا فيه أهل السنة والجماعة قولهم إنّ القرآن المنزل إلى الأرض ليس هو كلام الله، لا حروفه ولا معانيه، بل هو مخلوق عندهم، ويقولون: هو عبارة عن المعنى القائم بالنفس\" (^١).\n- وقال الحافظ ابن القيم (المتوفى: ٧٥١ هـ): \"مذهب الأشعري ومن وافقه أنه [أي: كلام الله] معنى واحد قائم بذات الرب، وهو صفة قديمة أزلية ليس بحرف ولا صوت، ... وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا يسميها حكاية، وهي خلق من المخلوقات، وعنه لم يتكلم الله بهذا الكلام العربي، ولا سمع من الله\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦ -).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة للبعلي (ص: ٤٩٧ - ٤٩٨).","vol":"1","page":59},{"text":"وقال أيضًا: \"وعندهم أنّ الذي قال السلف هو غير مخلوق هو عين القائم بالنفس، وأما ما جاء به الرسول وتلاه على الأمة فمخلوق، وهو عبارة عن ذلك المعنى\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ويعجب هذا القائل من نصب الخلاف بينهم وبين المعتزلة وقال: ما نثبته نحن من المعنى القائم بالنفس فهو من جنس العلم والإرادة، والمعتزلة لا تنازعنا في ذلك، غاية ما في الباب أنا نحن نسميه كلامًا وهم يسمونه علمًا وإرادة.\nوأما هذا النظم العربي الذي هو حروف وكلمات، وسور وآيات، فنحن وهم متفقون على أنه مخلوق، لكن هم يسمونه قرآنًا، ونحن نقول هو عبارة عن القرآن أو حكاية عنه.\nفتأمل هذه الأخوة التي بين هؤلاء وبين هؤلاء المعتزلة الذين اتفق السلف على تكفيرهم، وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل، فالمعتزلة قالوا: هذا الكلام العربي هو القرآن حقيقة لا عبارة عنه، وهو كلام الله، وإنه غير مخلوق\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٥٠٠).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٥٢٤).","vol":"1","page":60},{"text":"- وقال العلامة محمد السفاريني (المتوفى: ١١٨٨ هـ): \"والحاصل أنّ المعتزلة موافقة الأشعرية، والأشعرية موافقة المعتزلة في أن هذا القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق محدث.\nوإنما الخلاف بين الطائفتين أن المعتزلة لم تثبت لله كلاما سوى هذا، والأشعرية أثبتت الكلام النفسي القائم بذاته تعالى، وأنّ المعتزلة يقولون: إن المخلوق كلام الله، والأشعرية لا يقولون إنه كلام الله، نعم يسمونه كلام الله مجازًا هذا قول جمهور متقدميهم، وقالت طائفة من متأخريهم: لفظ \"كلام\" يقال على هذا المنزل الذي نقرؤه ونكتبه في مصاحفنا، وعلى الكلام النفسي بالاشتراك اللفظي\" (^١).\n- وقال الدكتور سفر الحوالي: \"فمذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة، وسمعه جبريل، وسمعه موسى - ﵇ -، ويسمعه الخلائق يوم القيامة. ومذهب المعتزلة أنه مخلوق.\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية (١/ ١٦٥) مؤسسة الخافقين ومكتبتها - دمشق، ط/ الثانية، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.","vol":"1","page":61},{"text":"أما مذهب الأشاعرة فمن منطلق التوفيقية - التي لم يحالفها التوفيق - فرّقوا بين المعنى واللفظ. فالكلام الذي يثبتونه لله تعالى هو معنى أزلي أبدى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت، ولا يوصف بالخبر ولا الإنشاء ... أما الكتب المنزلة ذات الترتيب والنظم والحروف - ومنها القرآن - فليست هي كلامه تعالى على الحقيقة، بل هي \"عبارة\" عن كلام الله النفسي. والكلام النفسي شيء واحد في ذاته، لكن إذا جاء التعبير عنه بالعبرانية فهو توراة، وإن جاء بالسريانية فهو إنجيل، وإن جاء بالعربية فهو قرآن، فهذه الكتب كلها مخلوقة ووصفها بأنها كلام الله مجاز لأنها تعبير عنه\" (^١).\n- وقال الدكتور عبد الرحمن المحمود: \"قول الأشاعرة في القرآن يقرب كثيرًا من قول المعتزلة، وقد اعترف بذلك بعض علمائهم وذكروا أنّ بالنسبة للقرآن العربي لا فرق فيه بين القولين.\n_________\n(^١) منهج الأشاعرة في العقيدة (ص:٨١ - ٨٢) الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م.","vol":"1","page":62},{"text":"فالأشاعرة يوافقون المعتزلة في إثبات خلق القرآن العربي، ولكنهم يفارقونهم من وجهين:\nأحدهما: أن المعتزلة يقولون: المخلوق كلام الله، والأشاعرة يقولون: إنه ليس كلام الله، لكن يسمى كلام الله مجازا، وهذا قول جمهورهم، ومن قال من متأخريهم إنه يطلق على المعنى، وعلى القرآن العربي بالاشتراك اللفظي، فإنه ينتقض عليهم أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلِّم به ...\nوالثاني: أنّ الأشاعرة يثبتون لله كلامًا هو معنى قائم بذاته، والمعتزلة يقولون: لا يقوم به كلام\" (^١).\nوقال أيضًا: \"والذي استقر عليه المذهب الأشعري، وقال به جمهورهم أنّ القرآن العربي مخلوق، وليس هو كلام الله، مع اختلاف فيما بينهم في بعض التفاصيل\" (^٢).\n_________\n(^١) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٠٤) مكتبة الرشد - الرياض، ط/ الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٢٩٩).","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>إنكار السلف على الجهمية والمعتزلة\nكان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي لا لنفي الكلام النفسي</span>\nلقد أجمع السلف والأئمة على تضليل الجهمية والمعتزلة القائلين بخلق القرآن، وأنكروا عليهم أشد الإنكار، وأقوالهم في ذلك كثيرة جدًا.\nومِن أكثر مَن توسع في نقل أقوال السلف في ذلك الحافظ أبو القاسم اللالكائي (المتوفى: ٤١٨ هـ) فقد ذكر أقوال السلف والأئمة بأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وما ورد عنهم من تكفير من يقول ذلك، ثم قال: \"فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسًا أو أكثر من التابعين وأتباع التابعين والأئمة المرضيين - سوى الصحابة الخيرين- على اختلاف الأعصار ومضي السنين والأعوام. وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم، ولو اشتغلت بنقل قول المحدثين لبلغت أسماؤهم ألوفًا كثيرة، لكني اختصرت وحذفت الأسانيد للاختصار، ونقلت عن هؤلاء عصرًا بعد عصر لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه.","vol":"1","page":64},{"text":"ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: القرآن مخلوق جعد بن درهم في سني نيف وعشرين، ثم جهم بن صفوان، فأما جعد فقتله خالد بن عبد الله القسري، وأما جهم فقتل بمرو في خلافة هشام بن\nعبد الملك\" (^١).\nوواضحٌ تمام الوضوح أنّ إنكار السلف على الجهمية والمعتزلة إنما كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي، المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، المُثبَت في المصحف، المتلو بالألسنة.\nأما الكلام النفسي فالمعتزلة لا يثبتونه أصلًا، فلا يقولون عنه بأنه مخلوق ولا غير مخلوق، لأنه غير ثابتٍ عندهم.\nفخلافُ السلف مع الجهمية والمعتزلة إنما كان في القرآن الذي بين أيدينا، المثبت في المصاحف، المؤلَّف من الحروف العربية، المفتتح بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس.\nقال موفق الدين ابن قدامة: \"واتفق أهل السنة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يكن القرآن الذى دُعوا إلى القول بخلقه سوى هذه السور التي سماها الله قرآنًا عربيًا وأنزلها على رسوله - ﷺ -، ولم يقع الخلاف في غيرها البتة\" (^٢).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٣٤٤) تحقيق: أحمد بن سعد الغامدي، دار طيبة - السعودية، ط/ الثامنة، ١٤٢٣ هـ.\n(^٢) المناظرة في القرآن (ص: ٤٧).","vol":"1","page":65},{"text":"وقال أيضًا: \"ولما اختلف أهل الحق والمعتزلة فقال أهل الحق: القرآن كلام الله غير مخلوق، وقالت المعتزلة هو مخلوق لم يكن اختلافهم إلا في هذا الموجود دون ما في نفس الباري مما لا يُدرى ما هو ولا نعرفه\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقال أيضًا: \"إنّ الرجل [أي: الرازي] قد أقرّ أنه لا نزاع بينهم وبين المعتزلة من جهة المعنى في خلق الكلام بالمعنى الذي يقوله المعتزلة (^٢)، وإنما النزاع لفظي (^٣) حيث أن المعتزلة سمّت ذلك المخلوق كلام الله وهم لم يسمّوه كلام الله.\nومن المعلوم بالاضطرار أنّ الجهمية من المعتزلة وغيرهم لما ابتدعت القول بأن القرآن مخلوق أو بأن كلام الله مخلوق أنكر ذلك عليهم سلف الأمة وأئمتها، وقالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٣٠ - ٣١).\n(^٢) تقدم قول الفخر الرازي في ذلك.\n(^٣) قال الرازي في نهاية العقول (٢/ ٣٠٤): \"والناس قد أطنبوا من الجانبين في هذا المقام، وليس ذلك مما يستحق الإطناب؛ لأنه بحث لغوي ينبغي أن يرجع فيه إلى الأدباء، وليس هو من المباحث العقلية في شيء\".","vol":"1","page":66},{"text":"فلو كان ما وصفته المعتزلة بأنه مخلوق هو مخلوق عندهم أيضًا، وإنما خالفوهم في تسمية كلام الله أو في إطلاق اللفظ لم تحصل هذه المخالفة العظيمة والتكفير العظيم بمجرد نزاع لفظي كما قال هو إن الأمر في ذلك يسير وليس هو مما يستحق الإطناب لأنه بحث لغوي، وليس هو من الأمور المعقولة المعنوية. فإذا كانت المعتزلة فيما أطلقته لم تنازع إلا في بحث لغوي لم يجب تكفيرهم وتضليلهم وهجرانهم بذلك كما أنه هو وأصحابه لا يضلّلونهم في تأويل ذلك وإن نازعوهم في لفظه، ومجرد النزاع اللفظي لا يكون كفرًا ولا ضلالًا في الدين\" (^١).\nوقال أيضًا: \"السلف والمعتزلة جميعا اتفقوا على أن كلام الله ليس هو مجرد هذا المعنى الذي تثبتونه أنتم [يعني: الأشاعرة]، بل الذي سمته المعتزلة كلام الله وقالوا إنه مخلوق وافقهم السلف على أنه كلام الله لكن قالوا إنه غير مخلوق.\nوأنتم تقولون إنه ليس بكلام الله، فكان قولكم خرقًا لإجماع السلف والمعتزلة، وذلك خرق لإجماع الأمة جميعها؛ إذا لم يكن في عصر السلف إلا هذان القائلان، ولم يكن في ذلك الزمان من يقول: القرآن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق ليس هو كلام الله\" (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٤٩٥).\n(^٢) المصدر السابق (٦/ ٥٢٥).","vol":"1","page":67},{"text":"وقال أيضًا: \"ومن المعلوم أن هذا المعنى الذي ادعيتم [يقصد الأشاعرة] أنه معنى كلام الله لم يظهر في الأمة إلا من حين حدوث ابن كلاب ثم الأشعري بعده؛ إذ قبل قول ابن كلاب لا يعرف في الأمة أحدٌ فسّر كلام الله بهذا\" (^١).\nوقال الحافظ الذهبي: \"أما تكفير من قال بخلق القرآن فقد ورد عن سائر أئمة السلف في عصر مالك والثوري، ثم عصر ابن المبارك ووكيع، ثم عصر الشافعي وعفان والقعنبي، ثم عصر أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ثم عصر البخاري وأبي زرعة الرازي، ثم عصر محمد بن نصر المروزي والنسائي ومحمد بن جرير وابن خزيمة وكان الناس في هذه الأزمنة إما قائلا بأنه كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، وإما قائلا بأنه كلام الله وتنزيله وأنه مخلوق\" (^٢).\nوقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير (المتوفى: ٧٤٠ هـ): \"ولم يكن قد عرض في زمن الصحابة والتابعين ذكر الكلام النفسي وقدمه، فلم يذكر أحدٌ منهم هذه المسألة، وإنما كان كلامهم في اللفظي\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ٥٢٢).\n(^٢) العلو للعلي الغفار (ص: ١٦٢).\n(^٣) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (٤/ ٣٥٧) تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط/ الثالثة،١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.","vol":"1","page":68},{"text":"وفيما يلي بعض أقوال السلف التي فيها ما يدل دلالة صريحة على أنّ إنكارهم على الجهمية والمعتزلة وتبديعهم وتضليلهم بل وتكفيرهم، كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي، المنزل، المثبت في المصاحف، لا لإنكارهم الكلام النفسي وعدم إثباتهم له:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-81> أقوال بعض السلف التي فيها ما يدل صراحة بأن إنكار السلف على المعتزلة كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي الموجود بين دفتي المصحف:</span>\nقال التابعي الجليل عمرو بن دينار: \"أدركت أصحاب النبي فمن دونهم منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود\" (^١).\nوقال سفيان الثوري: \"من زعم أن قول الله - ﷿ - ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل:٩]، مخلوق فهو كافر زنديق حلال الدم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"من قال إنّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢]، مخلوق فهو كافر\" (^٣).\n_________\n(^١) الرد على الجهمية للدارمي (ص: ١٨٩) تحقيق: بدر البدر، دار ابن الأثير - الكويت، ط/ الثانية، ١٩٩٥ م.\n(^٢) المصدر السابق (١/ ١٠٧).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ١٠٨).","vol":"1","page":69},{"text":"وقال حماد بن زيد: \"القرآن كلام الله - ﷿ -، نزل به جبريل - ﵇ - من عند رب العالمين جل وعز\" (^١).\nوقرأ عبدُ الله بن المبارك شيئًا من القرآن، ثم قال: \"من زعم أن هذا مخلوق، فقد كفر بالله العظيم - ﷿ - \" (^٢).\nوساق اللالكائي بسنده إلى الحسين بن شبيب قال: سمعت ابن المبارك، وقرأ ثلاثين آية من طه فقال: من زعم أن هذا مخلوق فهو كافر\" (^٣).\nوقال رجل لهشيم: إن فلانا يقول: القرآن مخلوق، فقال: \"اذهب إليه فاقرأ عليه أول الحديد وآخر الحشر، فإن زعم أنهما مخلوقان فاضرب عنقه\" (^٤).\nوقال عبد الله بن إدريس الأودي: \"من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق، يقول الله تعالى: - ﷿ -، فالله لا يكون مخلوقًا، والرحمن لا يكون مخلوقًا، والرحيم لا يكون مخلوقًا، وهذا أصل الزنادقة\" (^٥).\n_________\n(^١) السنة لعبد الله بن أحمد (٢/ ٤٨٥) المحقق: د. محمد سعيد القحطاني، دار ابن القيم - الدمام، ط/ الأولى، ١٤٠٦ هـ، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) الشريعة للآجري (ص: ٧٦) المحقق: د. عبد الله الدميجي، دار الوطن - الرياض - السعودية، ط/ الثانية، ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٢٨٢).\n(^٤) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٢٨).\n(^٥) خلق أفعال العباد للإمام البخاري (ص: ٣٠)، الشريعة للآجري (١/ ٤٩٨).","vol":"1","page":70},{"text":"وعن عفان، قال: شهدت سلام بن المنذر قارئ أهل البصرة، وقد جاءه رجل والمصحف في حجره، فقال: ما هذا يا أبا المنذر؟ قال: \"قم يا زنديق، هذا كلام الله غير مخلوق\" (^١).\nوعن محمد بن أعين، قال: سمعت النضر بن محمد يقول: \"من قال في هذه الآية: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] مخلوق، فهو كافر، فجئت إلى عبد الله بن المبارك، فأخبرته بقول النضر، فقال: صدق النضر، عافاه الله، ما كان ليأمره أن يعبد مخلوقًا\" (^٢).\nوساق اللالكائي بسنده إلى وكيع بن الجراح أنه قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله مخلوق. فقيل له: يا أبا سفيان، من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، ولا يكون من الله شيء مخلوق\". قال اللالكائي: وكذلك فسره أحمد بن حنبل، ونعيم بن حماد، والحسن بن الصباح البزار، وعبد العزيز بن يحيى المكي الكناني\" (^٣).\n_________\n(^١) الإبانة الكبرى لابن بطة (٦/ ٥٥).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: ٣٥٩) تحقيق: طارق بن عوض الله، مكتبة ابن تيمية، مصر\nط/ الأولى، ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٢٤٥).","vol":"1","page":71},{"text":"وقال رجلٌ لسفيان بن عيينة: إن قومًا يزعمون أن القرآن مخلوق، ففزع وقال: مه، مرتين أو ثلاثا، إن القرآن من عند الله جاء، وإلى الله يعود، وهو قرآن كما سماه الله\" (^١).\nوذُكِر ليحيى بن سعيد القطان أنّ قومًا يقولون القرآن مخلوق فقال: \"كيف يصنعون بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] كيف يصنعون بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤] يكون مخلوقًا؟! \" (^٢).\nوعن محمد بن إسحاق الصاغاني قال: سمعت حسن بن موسى الأشيب يقول: \"أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة:١] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة:٥] فقال حسن: أمخلوق هذا؟! \" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) خلق أفعال العباد (ص: ٣٣)، السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٥٩).\n(^٣) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٦١)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٢٨٨).","vol":"1","page":72},{"text":"وعن بشر بن الحارث قال: سألت عبد الله بن داود الخريبي عن القرآن؟ فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣] يكون هذا مخلوقا؟! \" (^١).\nوقال أبو نعيم الفضل بن دكين: \"أدركت الناس ما يتكلمون في هذا، ولا عرفنا هذا إلا من بعد سنين، القرآن كلام الله منزل من عند الله، لا يئول إلى خالق ولا مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، هذا الذي لم نزل عليه ولا نعرف غيره\" (^٢).\nوقال عفان بن مسلم: \"من قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، مخلوق فهو كافر\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يريدون أن يبدلوا كلام الله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أمخلوق هذا؟! (^٤).\nوقال يحيى بن يحيى النيسابوري: \"من زعم أنّ من القرآن من أوله إلى آخره آية مخلوقة فهو كافر\" (^٥).\n_________\n(^١) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٥٩).\n(^٢) الإبانة الكبرى لابن بطة (٦/ ٣٦).\n(^٣) خلق أفعال العباد (ص: ٣٣).\n(^٤) العلو للعلي الغفار (ص: ١٦٧).\n(^٥) المصدر السابق (ص: ١٦٨).","vol":"1","page":73},{"text":"وقال عبد الله بن محمد العيشي: يستحيل في صفة الحكيم أن يخلق كلامًا يدعي الربوبية، يعني قوله تعالى:﴾ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه:١٤] وقوله: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢] \" (^١).\nوقال أبو جعفر النفيلي: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر، فقيل له: يا أبا جعفر الكفر كفران: كفر نعمة وكفر بالرب - ﷿ -، قال: لا، بل كفر بالرب - ﷿ -، ما تقول فيمن يقول ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢]، مخلوق؟ أليس كافرًا هو؟! \" (^٢).\nوقال محمد بن إسحاق الصاغاني: رأيت في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام بخطه: \"إذا قال لك الجهمي: أخبرني عن القرآن، أهو الله أم غير الله؟ فإن الجواب له أن يقال له: قد أحلت في مسألتك، لأنّ الله وصفه بوصف لا تقع عليه مسألتك، قال الله تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢] فهو من الله لم يقل: هو أنا، ولا هو غيري، إنما يسمى كلامه، فليس له عندنا غير ما جلاه، وننفي عنه ما نفى عنه\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٨١).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٨١).\n(^٣) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٦٣)، الإبانة الكبرى لابن بطة (٦/ ٤٠).","vol":"1","page":74},{"text":"وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقًا كما زعموا فلِمَ صار فرعون أولى بأن يخلّد في النار إذ قال: أنا ربكم الأعلى، وزعموا أن هذا مخلوق، والذي قال: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون، فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار من هذا، وكلا منهما عنده مخلوق، فأُخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه\" (^١).\nوقال أحمد بن حنبل: \"من زعم أن هذه الآية مخلوقة ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] فقد كفر، ومن زعم أن هذه الآية مخلوقة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ [النازعات:١٥ - ١٦] وقال الله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] فالقول ممن هو؟ إنما هو منه، والقرآن من علم الله فمن زعم أن من علم الله شيئًا مخلوق فقد كفر\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"القرآن في جميع الوجوه ليس بمخلوق\" ثم قال: \"جبريل حين قاله للنبي - ﷺ - كان منه مخلوقًا؟ والنبي حين قاله كان منه مخلوقا؟ هذا من أخبث قول وأشره\" ثم قال: \"بلغني عن جهم أنه قال بهذا في بدء أمره\" (^٣).\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد (ص: ٣٦).\n(^٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٤٠).\n(^٣) الإبانة الكبرى لابن بطة (٥/ ٣٣٨).","vol":"1","page":75},{"text":"وقال أيضًا: \"وأسماء الله في القرآن، والقرآن من علم الله، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن أسماء الله مخلوقة فقد كفر\" (^١).\nوقال أيضًا: \"اللفظية إنما يدورون على كلام جهم، يزعمون أنّ جبريل - ﷺ - إنما جاء بشيء مخلوق إلى مخلوق. يعني: جبريل مخلوق، جاء به إلى محمد - ﷺ - \" (^٢).\nوقال أيضًا عن الذين يقولون: إن ألفاظنا بالقرآن مخلوق: \"هذا شر من قول الجهمية، من زعم هذا، فقد زعم أن جبريل - ﷺ - جاء بمخلوق، وأن النبي - ﷺ - تكلّم بمخلوق\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر بالله واليوم الآخر، والحجة فيه ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٦١]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠]، وقال ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد:٣٧] فالذي جاء النبيَّ - ﷺ - به من العلم هو القرآن، وهو العلم الذي جاءه، والعلم غير مخلوق، والقرآن من العلم وهو كلام الله\" (^٤).\n_________\n(^١) محنة الإمام أحمد (ص: ٥٢).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: ٣٦٣) الإبانة الكبرى لابن بطة (٥/ ٣٣٢).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: ٣٦٣).\n(^٤) الإبانة الكبرى لابن بطة (٦/ ٢٦).","vol":"1","page":76},{"text":"وعن أحمد بن سعيد الدارمي قَالَ: قلتُ لأحمد بن حنبل أقول لك قولي، وإن أنكرت منه شيئًا فقل إني أنكره، قلت له: نحن نقول القرآن كلام اللَّه من أوله إلى آخره ليس منه شيء مخلوق ومن زعم أن شيئًا منه مخلوق فهو كافر. فما أنكر منه شيئًا ورضيه\" (^١).\nوقال البخاري: \"حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق، قال الله ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، ... قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣]، وَقَالَ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، فَذَكَرَ أَنَّهُ يُحْفَظُ وَيُسْطَرُ قَالَ: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] \" (^٢).\nوقال أيضًا: القرآن من أوله إلى آخره كلام اللَّه ليس شيء منه مخلوق، ومن قَالَ: إنه مخلوق أو شيء منه مخلوق فهو كافر\" (^٣).\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة (١/ ٤٦).\n(^٢) خلق أفعال العباد (ص: ٤٧).\n(^٣) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٢٧٩) المحقق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة - بيروت.","vol":"1","page":77},{"text":"وساق اللالكائي بسنده إلى الفضل بن بسام قال: سمعت ابراهيم بن محمد يقول: أنا توليت دفن محمد بن إسماعيل البخاري لما مات بخرتنك، فأردت حمله إلى سمرقند أن أدفنه بها، فلم يتركني صاحب لنا من أهل شكخشكت فدفناه بها، فلما أن أفرغنا ورجعت إلى المنزل الذي كنت فيه، قال لي صاحب القصر: سألته أمس فقلت يا أبا عبد الله ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق. فقلت له: إن الناس يزعمون أنك تقول ليس في المصحف قرآن، ولا في صدور الناس؟ فقال: استغفر الله أن تشهد عليّ بما لم تسمعه مني، إني أقول كما قال الله: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:١ - ٢]، أقول: في المصاحف قرآن، وفي صدور الرجال قرآن، فمن قال غير ذلك هذا يستتاب، فإن تاب وإلا سبيله سبيل الكفر\" (^١).\nوجاء كتاب من المحلة إلى أبي إبراهيم إسماعيل المزني يسأل عن رجل قال: ورب يس لا فعلت كذا. ففعل فحنث. قال المزني: لا شيء عليه، ومن قال: حانث يقول القرآن مخلوق\" (^٢).\nوقال أبو محمد ابن قتيبة في أثناء كلامه في الجواب عما سأله أحد الجهمية: \"قلتُ: ما تقول في قول الله: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤] ما هو؟ قال: آية. قلتُ: فهي عندك أمخلوقة أم غير مخلوقة؟ قال: مخلوقة\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٣٩٥).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٩٤).\n(^٣) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (ص: ٦٧) المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، دار الراية، ط/ الأولى ١٤١٢ هـ- ١٩٩١ م.","vol":"1","page":78},{"text":"وقال ابن خزيمة: \"القرآن كلام الله، ووحيه، وتنزيله، غير مخلوق، ومن قال: شيء منه مخلوق، ... فهو جهمي\" (^١).\nوسئل القاضي أحمد بن كامل البغدادي تلميذ الإمام ابن جرير الطبري عمن قال: القرآن الذي قاله الله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، وقال: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٨] غير مخلوق، وأما ما بين أظهرنا يمسه الجنب والحائض فهو مخلوق.\nفقال: وهذا مذهب الناشئ [هو أبو العباس ابن شرشير من رؤوس المعتزلة]، وهو كفر بالله العظيم، ... فالقرآن على أي وجه تلي وقرئ، فهو واحد، وهو غير مخلوق\" (^٢).\nوعلى كل حال فأقوال السلف التي فيها الدلالة الصريحة على أنّ الإنكار على الجهمية والمعتزلة كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي - المنزل، المثبت في المصاحف، المقروء بالألسنة، المحفوظ في الصدور-، كثيرة جدًا، وما تركنا ذكره أكثر مما ذكرناه بكثير، وسيأتي في المبحث التالي وهو حكم من قال: القرآن عبارة عن كلام الله المزيد من أقوال الأئمة في ذلك.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٩) مؤسسة الرسالة، ط/ الثالثة، ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم اللالكائي (٢/ ٣٩٨).","vol":"1","page":79},{"text":"حكمُ من قال:\nالقرآن عبارة عن كلام الله\n- \"كان الإمام أحمد يقول: إنّ القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف. وكان يبطل الحكاية ويضلِّل القائل بذلك، وعلى مذهبه أن من قال إن القرآن عبارة عن كلام الله - ﷿ - فقد جهل وغلط، وأن الناسخ والمنسوخ في كتاب الله - ﷿ - دون العبارة عنه ودون الحكاية له، وتبطل الحكاية عنده بقوله - ﷿ - ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] و﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] مصدر تكلم يتكلم فهو متكلم، وذلك يفسد الحكاية، ولم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين من المتقدمين من أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين - ﵃ - القول بالحكاية والعبارة، فدل على أنّ ذلك من البدع المحدثة\" (^١).\n_________\n(^١) اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل لأبي الفضل التميمي (ص: ٢٩٦)، العين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبد الباقي المواهبي الحنبلي (ص: ٧٦)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":80},{"text":"- وقال الإمام أبو محمد ابن قتيبة: \"ولسنا نشك في أنّ القرآن في المصاحف على الحقيقة، لا على المجاز كما يقول أصحاب الكلام: إن الذي في المصحف، دليل على القرآن وليس به.\nوالله ﵎ يقول: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]، والنبي - ﷺ - يقول: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو» يريد المصحف\" (^١).\n- وساق الحافظ الضياء المقدسي بسنده إلى الحافظ أحمد بن سنان الواسطي (المتوفى: ٢٩٥ هـ) أنه قال: \"من زعم أنّ القرآن شيئين أو أن القرآن حكاية فهو والله الذي لا إله إلا هو زنديق كافر بالله، هذا القرآن هو القرآن الذي أنزله الله على لسان جبريل على محمد لا يغير ولا يبدل، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] \" (^٢).\n_________\n(^١) تأويل مختلف الحديث (ص: ٢٩١ - ٢٩٢) المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق، ط/ الثانية، ١٤١٩ هـ.\n(^٢) اختصاص القرآن بعوده إلى الرحيم الرحمن للضياء المقدسي (ص: ٣٢) المحقق: عبد الله بن يوسف الجديع، مكتبة الرشد - الرياض، ط/ الأولى، ١٤٠٩ هـ ١٩٨٩ م.","vol":"1","page":81},{"text":"- وقال الإمام ابن جرير الطبري: \"فأول ما نبدأ بالقول فيه من ذلك عندنا القرآن كلام الله وتنزيله، إذ كان من معاني توحيده، فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق كيف كُتب، وحيث تُلي، وفي أي موضع قرئ، في السماء وُجد، وفي الأرض حيث حفظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبًا، وفي ألواح صبيان الكتاتيب مرسومًا، في حجر نقش أو في ورق خط، أو في القلب حفظ، وبلسان لفظ، فمن قال غير ذلك، أو ادعى أنّ قرآنًا في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه أو قاله بلسانه دائنًا به فهو بالله كافر، حلال الدم، بريء من الله والله منه بريء، يقول الله - ﷿ -: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، وقال وقوله الحق - ﷿ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد مسموع، وهو قرآن واحد، من محمد مسموع، في اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو.\nقال أبو جعفر: فمن روى عنا أو حكى عنا أو تقول علينا فادّعى أنا قلنا غير ذلك فعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، لا قبل الله له صرفا ولا عدلًا، وهتك ستره وفضحه على رؤوس الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار\" (^١).\n_________\n(^١) صريح السنة (ص: ١٨ - ١٩).","vol":"1","page":82},{"text":"- وقال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجرّي (المتوفى: ٣٦٠ هـ): \"وكذلك من قال: إنّ هذا القرآن الذي يقرؤه الناس وهو في المصاحف: حكاية لما في اللوح المحفوظ، فهذا قول منكر، تنكره العلماء.\nيقال لقائل هذه المقالة: القرآن يكذبك، ويرد قولك، والسنة تكذبك وترد قولك. قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] فأخبرنا الله - ﷿ - أنه إنما يستمع الناس كلام الله - ﷿ -، ولم يقل: حكاية كلام الله - ﷿ -.\nوقال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] فأخبرنا جل وعلا أن السامع إنما يستمع القرآن، ولم يقل ﵎: حكاية القرآن.\nوقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٩] وقال - ﷿ -: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠].","vol":"1","page":83},{"text":"وقال جل وعلا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١ - ٢] الآية، ولم يقل - ﷿ - يستمعون حكاية القرآن، ولا قالت الجن: إنا سمعنا حكاية القرآن كما قال من ابتدع بدعة ضلالة، وأتى بخلاف الكتاب والسنة، وبخلاف قول المؤمنين\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فينبغي للمسلمين أن يتقوا الله - ﷿ -، ويتعلموا القرآن، ويتعلموا أحكامه، فيحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويعملوا بمحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه، ولا يماروا فيه، ويعلموا أنه كلام الله - ﷿ - غير مخلوق.\nفإن عارضهم إنسان جهمي فقال: مخلوق، أو قال: القرآن كلام الله - ﷿ - ووقف، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو قال: هذا القرآن حكاية لما في اللوح المحفوظ. فحكمه أن يهجر ولا يكلم، ولا يصلى خلفه، ويحذر منه\" (^٢).\n_________\n(^١) الشريعة (١/ ٥٣٥ - ٥٣٦) المحقق: د. عبد الله الدميجي، دار الوطن - الرياض - السعودية، ط/ الثانية، ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٥٣٩).","vol":"1","page":84},{"text":"- وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي (المتوفى: ٣٧١ هـ): \"ويقولون [أي: أهل السنة والحديث]: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يصرف بقراءة القارئ له وبلفظه، ومحفوظًا في الصدور، متلوًا بالألسن، مكتوبًا في المصاحف غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فهو قد قال بخلق القرآن\" (^١).\n- وقال الإمام ابن بطة عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري (المتوفى: ٣٨٧ هـ): \"واعلموا رحمكم الله أن صنفًا من الجهمية اعتقدوا بمكر قلوبهم، وخبث آرائهم، وقبيح أهوائهم، أن القرآن مخلوق، فكنوا عن ذلك ببدعة اخترعوها، تمويها وبهرجة على العامة، ليخفى كفرهم، ويستغمض إلحادهم على من قلّ علمه، وضعفت نحيزته، فقالوا: إن القرآن الذي تكلّم الله به وقاله فهو كلام الله غير مخلوق، وهذا الذي نتلوه ونقرؤه بألسنتنا، ونكتبه في مصاحفنا ليس هو القرآن الذي هو كلام الله، هذا حكاية لذلك، فما نقرؤه نحن حكاية لذلك القرآن بألفاظنا نحن، وألفاظنا به مخلوقة، فدققوا في كفرهم، واحتالوا لإدخال الكفر على العامة بأغمض مسلك، وأدق مذهب، وأخفى وجه، فلم يخف ذلك بحمد الله ومنّه وحسن توفيقه على جهابذة العلماء والنقاد العقلاء، حتى بهرجوا ما دلسوا، وكشفوا القناع عن قبيح ما ستروه، فظهر للخاصة والعامة كفرهم وإلحادهم، وكان الذي فطن لذلك وعرف موضع القبيح منه الشيخ الصالح، والإمام العالم العاقل أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - ﵀ -، وكان بيان كفرهم بينا واضحا في كتاب الله - ﷿ -، وسنة نبيه محمد - ﷺ -.\n_________\n(^١) اعتقاد أئمة الحديث (ص: ٥٩ - ٦٠).","vol":"1","page":85},{"text":"وقد كذبهم القرآن والسنة بحمد الله، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ولم يقل: حتى يسمع حكاية كلام الله.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، فأخبر أن السامع إنما يسمع إلى القرآن، ولم يقل: إلى حكاية القرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥]، وقال - ﷿ -: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩].\nومثل هذا في القرآن كثير، من تدبره عرفه.\nوجاء في سنة المصطفى - ﷺ -، وكلام الصحابة والتابعين، وفقهاء المسلمين، رحمة الله عليهم أجمعين، ما يوافق القرآن ويضاهيه، والحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون.","vol":"1","page":86},{"text":"قال النبي - ﷺ -: «إن قريشًا منعتني أن أبلغ كلام ربي» ولم يقل حكاية كلام ربي.\nوقال النبي - ﷺ -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» ولم يقل: من تعلّم حكاية القرآن.\nوقال «مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن تعاهدها صاحبها أمسكها، وإن تركها ذهبت»، وقال - ﷺ -: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو».\nوقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة:٧٧ - ٨٠] فنهى أن يمس المصحف إلا طاهر، لأنه كلام رب العالمين، فكل ذلك يسميه الله - ﷿ - قرآنا، ويسميه النبي - ﷺ - قرآنا، ولا يقول: حكاية القرآن، ولا حكاية كتاب الله، ولا حكاية كلام الله.\nوقال عبد الله بن مسعود: إن هذا القرآن كلام الله فلا تخلطوا به غيره. وقال عبد الله أيضًا: تعلموا كتاب الله واتلوه، فإن لكم بكل حرف عشر حسنات.","vol":"1","page":87},{"text":"فهذا ونحوه في القرآن والسنن، وقول الصحابة والتابعين، وفقهاء المسلمين، ما يدل العقلاء على كذب هذه الطائفة من الجهمية الذين احتالوا ودققوا في قولهم: القرآن مخلوق.\nولقد جاءت الآثار عن الأئمة الراشدين وفقهاء المسلمين الذين جعلهم الله هداة للمسترشدين، وأنسًا لقلوب العقلاء من المؤمنين، مما أمروا به من إعظام القرآن وإكرامه، مما فيه دلالة على أن ما يقرؤه الناس ويتلونه بألسنتهم هو القرآن الذي تكلم الله به، واستودعه اللوح المحفوظ، والرق المنشور، حيث يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣] \" (^١).\nوقال أيضًا بعد أن ذكر جملة من الأحاديث والآثار: \"ففي هذه الأحاديث بيان كذب من زعم أن القرآن لا يكون في صدور المسلمين وقلوبهم، فالمنكر لذلك ضال مبتدع\" (^٢).\n_________\n(^١) الإبانة الكبرى (٥/ ٣١٧ - ٣٢١).\n(^٢) المصدر السابق (٥/ ٣٧١).","vol":"1","page":88},{"text":"- وقال الإمام أبو حامد الإسفراييني (المتوفى: ٤٠٦ هـ): \"مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله تعالى، والنبي - ﷺ - سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي - ﷺ -، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، فما بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا كل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين\" (^١).\n- وقال الحافظ أبو القاسم اللالكائي (المتوفى: ٤١٨ هـ): \"سياق ما دل من الآيات من كتاب الله تعالى وما روي عن رسول الله - ﷺ - والصحابة والتابعين على أن القرآن تكلم الله به على الحقيقة، وأنه أنزله على محمد - ﷺ -، وأمره أن يتحدى به، وأن يدعو الناس إليه، وأنه القرآن على الحقيقة متلو في المحاريب، مكتوب في المصاحف، محفوظ في صدور الرجال، ليس بحكاية ولا عبارة عن قرآن، وهو قرآن واحد غير مخلوق وغير مجعول ومربوب، بل هو صفة من صفات ذاته، لم يزل به متكلما، ومن قال غير هذا فهو كافر ضال مضل مبتدع مخالف لمذاهب السنة والجماعة\" (^٢).\n_________\n(^١) نَقَلَ قول أبي حامد هذا أبو الحسن الكرجي في كتابه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول، نقلًا من كتاب شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص: ٥٧ - ٥٨) تحقيق: إبراهيم سعيداي، مكتبة الرشد - الرياض، ط/ الأولى، ١٤١٥ هـ.\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٣٦٤).","vol":"1","page":89},{"text":"وقال أيضًا بعد أن ساق جملة من الآيات التي تدل على أنّ القرآن هو المنزل على نبينا محمد، المتلو بالألسنة، المكتوب في المصاحف: \"فأخبر الله تعالى في جميع هذه الآيات أنه منزل، وأشار إلى جملتها تارة وإلى آياتها تارة.\nفمن قال: إن القرآن هو الذي في السماء فقد خالف الله ورسوله، وردّ معجزات نبيه، وخالف السلف من الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة\" (^١).\n- وقال الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ هـ): \"طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه ... وأن القرآن كلام الله، وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق، وأن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلوًا ومحفوظًا ومسموعًا ومكتوبًا وملفوظًا كلام الله حقيقة، لا حكاية ولا ترجمة، وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق، وأن الواقفة واللفظية من الجهمية، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية، وأنّ الجهمي عندهم كافر\" (^٢).\n- وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني (المتوفى: ٤٤٩ هـ): \"ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه، ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم، والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي ينزل به جبريل على الرسول - ﷺ - ...\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٣٦٧).\n(^٢) العلو للعلي الغفار (ص: ٢٤٣).","vol":"1","page":90},{"text":"وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف، كيف ما تصرف بقراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ وكتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم وغيرها كله كلام الله - ﷿ - غير مخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم\" (^١).\n- وقال الإمام ابن حزم الظاهري (المتوفى: ٤٥٦ هـ): \"مع أنّ قولهم [أي: الأشعرية] ليس لله تعالى إلا كلام واحد قول أحمق لا يعقل ولا يقوم به برهان شرعي، ولا تشكل في هاجس، ولا يوجبه عقل، إنما هو هذيان محض ...\nوقالوا كلهم: إن القرآن لم ينزل به قط جبريل على قلب محمد - ﷺ -، وإنما نزل عليه بشيء آخر هو العبارة عن كلام الله، وأنّ القرآن ليس عندنا البتة إلا على هذا المجاز، وأنّ [ما] نرى في المصاحف ونسمع من القراء ونقرأ في الصلاة ونحفظ في الصدور ليس هو القرآن البتة، ولا شيء منه كلام الله البتة، بل شيء آخر، وإن كلام الله تعالى لا يفارق ذات الله - ﷿ -.\n_________\n(^١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ١٦٥ - ١٦٦) دراسة وتحقق: د. ناصر الجديع، دار العاصمة للنشر والتوزيع.","vol":"1","page":91},{"text":"(قال أبو محمد): وهذا من أعظم الكفر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤] وقال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال رسول الله صلى الله عليه: «إني أحب أن أسمعه من غيري» يعني القرآن، وقال - ﷺ - «الذي يقرأ القرآن مع السفرة الكرام البررة»، ونهيه - ﷺ - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، إلى إجماع عامة المسلمين وخاصتهم وجاهلهم وعالمهم على القول: حَفظ فلان القرآن، وقرأ فلان القرآن، وكتب فلان القرآن في المصحف، وسمعنا القرآن من فلان، وكلام الله تعالى ما في المصحف من أول أمّ القرآن إلى آخر قل أعوذ برب الناس\" (^١).\n- وقال الحافظ أبو القاسم بن منده (المتوفى: ٤٧٠ هـ) بعد روايته لحديث «من قرأ حرفًا من القرآن كتبت له حسنة ... الحديث»: \"والمبتدع يشير بهذه الحروف إلى قرآن سوى ذلك الكتاب، فقد صار القرآن عنده قرآنين: مجازا وحقيقته، المجاز عنده مخلوق، وصاحب الحديث لا يعرف قرآنًا غير هذا الذي يراه المبتدع مخلوقًا\" (^٢).\n_________\n(^١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٥٩ - ١٦٠) مكتبة الخانجي - القاهرة.\n(^٢) الرد على من يقول (ألم) حرف (ص: ٧٦) تحقيق: عبد الله الجديع، دار العاصمة - الرياض، ط/ الأولى، ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":92},{"text":"- وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي (المتوفى: ٥٣٢ هـ) في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول: \"ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن يُنسبوا إلى الأشعري ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفراييني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا وأصحابًا اذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع ويُقبل على من حضر ويقول: اشهدوا عليّ بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قاله الإمام ابن حنبل لا كما يقوله الباقلاني، وتكرر ذلك منه جُمُعات فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه - يعني الأشعرية-، وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم مني تعلموه قبله، وأنا ما قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته\" (^١).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٩٦ - ٩٧).","vol":"1","page":93},{"text":"- وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني الشافعي الملقب بقوام السنة (المتوفى: ٥٣٥ هـ): \"قال أصحاب الحديث وأهل السنة: إن القرآن المكتوب الموجود في المصاحف، والمحفوظ الموجود في القلوب، هو حقيقة كلام الله - ﷿ -، بخلاف ما زعم قومٌ أنه عبارة عن حقيقة الكلام القائم بذات الله - ﷿ - ودلالة عليه، والذي هو في المصاحف محدث وحروف مخلوقة\" (^١).\nوروى أيضًا بسنده إلى أبي حاتم الرازي أنه قال: \"من كلام جهم بن صفوان، وحسين الكرابيسي، وداود بن علي أن لفظهم القرآن مخلوق، وأن القرآن المنزل على نبينا - ﷺ - مما جاء به جبريل الأمين حكاية القرآن فجهّمهم أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل، وتابعه على تجهيمهم علماء الأمصار طرًا أجمعون، لا خلاف بين أهل الأثر في ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٠).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣).","vol":"1","page":94},{"text":"وقال أيضًا: \"قال بعض علماء أهل السنة: الكلام في صفات الله صعب، والدخول فيها شديد، ومن تكلم في صفات الله بما لا يليق به، ونسب إليه ما لا يحسن في صفاته، وترك الاتباع، وآثر الاختراع ضل عن الهدى ... وقد ترك قومٌ الاقتداء، وقاسوا صفات الله بعقولهم فضلوا وأضلوا، فمن مقالتهم أن قالوا بعقولهم الناقصة، ومقاييسهم الباطلة: كما أن الله تعالى ليس في الدنيا فكذلك صفاته ليست في الدنيا. يعنون أن المصاحف ليس فيها قرآن، وأن القرآن الذي نكتبه إنما هو مداد نسود به بياضًا.\nوقالوا: كما أن الله تعالى ليس في قلوبنا فكذلك صفته ليست في قلوبنا. يريدون أن ليس بموجود في الصدور، وأنّ الذي نقرأه ليس بقرآن إنما هو عبارة، وحكاية. ومن قال هذا فقد صرح بأن القرآن غير منزل.\nومذهب أهل السنة أن الله تعالى أظهر للسامعين - من ألسنة مخلوقة وأفعال مخلوقة وهي حركات الألسنة -كلامًا غير مخلوق، وكذلك يظهر من حبر مخلوق وكاغد مخلوق، وأقلام مخلوقة كلامًا غير مخلوق بلا كيف\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨).","vol":"1","page":95},{"text":"- وقال أبو الفتح الشهرستاني (المتوفى: ٥٤٨ هـ): \"قالت السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أنّ ما بين الدفتين كلام الله، وأن ما نقرأه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله، فيجب أن يكون الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله، ولما تقرر الاتفاق على أنّ كلام الله غير مخلوق، فيجب أن تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة.\nولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين: أحدهما: القدم. والثاني: الحدوث.\nوالقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن، فصار الآن إلى قول ثالث وهو حدوث الحروف والكلمات، وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه العبارات، ...\nفكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات، دون التعرض لصفة أخرى وراها.","vol":"1","page":96},{"text":"وكانت المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف والأصوات دون التعرض لأمر وراها.\nفأبدع الأشعري قولًا ثابتًا وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع، وحَكَمَ بأنّ ما نقرأه كلام الله مجازًا لا حقيقة، وهو عين الابتداع ... \" (^١).\n- وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨ هـ):\"القرآن عند أصحاب الحديث هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد - ﷺ -، وهو القرآن العربي، السور والآيات، المتلو باللسان، والمسموع بالآذان، المعقول بالأذهان، المحفوظ في الصدور، المكتوب بالمصاحف بالسطور، له أول وآخر وبعض، فمن قال بخلقه فهو كافر كفرًا يخرجه عن الملة\" (^٢).\n_________\n(^١) نهاية الإقدام في علم الكلام (ص: ٣١٣).\nتنبيه: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فهذا القول الذي ذكره الشهرستاني وحكاه عن السلف والحنابلة ليس هو من الأقوال التي ذكرها صاحب الإرشاد وأتباعه، فإن أولئك لم يحكوا إلا قول من يجعل القديم عين صوت العبد والمداد وهذا القول لا يعرف به قائل له قول أو مصنف في الإسلام.\nوأما القول الذي ذكره الشهرستاني فقال به طائفة كبيرة وهو أحد القولين لمتأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم من الطوائف، وهو المذكور عن أبي الحسن بن سالم وأصحابه السالمية ...\nفبعض هذا القول الذي ذكره الشهرستاني عن السلف منقول بعينه عن السلف مثل إنكارهم على من زعم أنّ الله خلق الحروف، وعلى من زعم أن الله لا يتكلم بصوت، ومثل تفريقهم بين صوت القارئ وبين الصوت الذي يسمع من الله، ونحو ذلك، فهذا كله موجود عن السلف والأئمة، وبعض ما ذكره من هذا القول ليس هو معروفًا عن السلف والأئمة مثل إثبات القدم والأزلية لعين اللفظ المؤلف المعين\". درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٢٣).\n(^٢) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٥٤).","vol":"1","page":97},{"text":"وقال أيضًا بعد أن ساق أقوال جماعة من أئمة السلف في أن القرآن غير مخلوق، وتكفير من قال بخلقه: \"فهؤلاء الأئمة نقلة الأخبار والآثار الذين شهروا بالعلم والفضل، ولو تتبعت ذكر من قال بهذا أو صرح بكفر من قال بخلق القرآن وبكفر من قال بأن هذا المتلو عبارة عن القرآن لطال الكتاب، وفيمن ذكرته منهم مقنع\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إجماعُ السلف أن لا قرآن إلا هذا المسموع المتلو الذي جعله الله معجزة لنبيه - ﷺ - وشاهدًا على صدقه وعلق عليه الأحكام فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، والعرب لا تشير بقولهم \"هذا\" إلا إلى شيء موجود، ومدَّعي قرآن لا لغة فيه جاهل غبي\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٧١ - ٥٧٢).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٥٩٦).","vol":"1","page":98},{"text":"وقال أيضًا: \"الأشعرية قالوا: كلام الله الحقيقي هو معنى قائم في نفسه لا يفارقه، ... وهذه السور والآيات عبارة وحكاية عن كلام الله وتسمى قرآنًا، ...\nوالدليل على أن هذا القرآن يسمى كلام الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ولا خلاف أنه أراد حتى يسمع منك هذا القرآن، فإن قبله ودخل في الإسلام فهو منكم، وإلا فأبلغه مأمنه.\nومن الدليل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥].\nومعلوم أن المشركين لا سبيل لهم إلى سماع ما في نفس الله من الكلام ولا إلى تبديله. فتقرر بهذا أن المراد بهذا كله هو القرآن المتلو المسموع.\nويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة:٧٥]، والمراد بكلام الله في هذه الآية التوراة، ويدل على هذا أن المتلو يسمى كلام الله قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] الآية إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤]، أي لا تغيير لما وعد الله أولياءه من كريم ثوابه.","vol":"1","page":99},{"text":"وأما الدليل على أن هذا المتلو يسمى قرآناُ فقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨].\nفالذي تحدى الله العرب أن يأتوا بمثله وجعله معجزة لنبيه - ﷺ - وأخبر أنهم لا يأتون بمثله هو هذا القرآن والسور والآيات، فأما ما في نفس الباري من الكلام فلا سبيل للعرب، ولا لأحد من الخلق إلى سماعه، ولا إلى معارضته.\nويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فقال: ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾ [الأنعام:١٩] و(هذا) إشارة إلى شيء موجود مع النبي - ﷺ -، وما في نفس الباري ليس بموجود معه، ولأن النبي - ﷺ - إنما أنذرهم بما يتلى في هذه السور والآيات\" (^١).\nوقال أيضًا في الجواب عن قول الغزالي بأن القرآن اسم مشترك بين الصفة القديمة وبين العبارات الدالة عليه: \"لا نسلِّم أن المراد بالقرآن وبقول الله وبكلام الله في جميع الإطلاقات إلا هذا المسموع المفهوم المتلو.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٦).","vol":"1","page":100},{"text":"والدليل على ذلك نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة والعقل، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:١١٥]، وقال في آية أخرى ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:١١٥]، وقال في آية أخرى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩]، وقال في ثلاث آيات من البقرة: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ﴾ [البقرة:٦٨]، ولا يجوز أن يقال: قال الله، ما لم يقله حقيقة ...\nوأما الإجماع فإن أحدا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء إلى أن حدث ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما أطلقوا اسم القرآن على هذه السور والآيات، وقالوا من قال بخلقه فهو كافر، ...\nوقد بيّنا أنّ القرآن والسنة والإجماع دل كل واحد منهما أنّ القرآن هو هذه السور والآيات دون ما تدعي الأشعرية بعقولهم وتأويلهم الذي يؤدي إلى خلاف ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٩٧ - ٥٩٩).","vol":"1","page":101},{"text":"- وقال الإمام الوزير ابن هبيرة (المتوفى: ٥٦٠ هـ) في قوله تعالى ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]: \"العرب لا تعرف (ذا) ولا (هذا) إلا في الإشارة إلى الحاضر. وإنما أشار هذا القائل إلى هذا المسموع. فمن قال: إن المسموع عبارة عن القديم، فقد قال: هذا قول البشر\" (^١).\n- وقال الإمام العارف عبد القادر الجيلاني (المتوفى: ٥٦١ هـ): \"وكلام الله تعالى هو القرآن غير مخلوق كيفما قرئ وتلي وكتب، وكيفما تصرفت به قراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، هو كلام الله وصفة من صفات ذاته ... وهو كلام الله في صدور الحافظين وألسن الناطقين وفي أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين ومصاحف أهل الإسلام وألواح الصبيان حيثما رؤي ووُجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته ... فهو كافر بالله العظيم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وهذه الآيات والأخبار تدل على أنّ كلام الله - ﷿ - صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته.\n_________\n(^١) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ١٥٥) المحقق: د. عبد الرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان - الرياض، ط/ الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م.\n(^٢) الغنية لطالبي طريق الحق (١/ ١٢٧ - ١٢٨) دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط/الأولى، ١٤١٧ هـ.","vol":"1","page":102},{"text":"وقد نص الإمام أحمد - ﵀ - تعالى على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية من أنّ كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل\" (^١).\n- وقال الحافظ عبد الغني المقدسي (المتوفى: ٦٠٠ هـ): \"والقرآن كلام الله - ﷿ -، ووحيه وتنزيله، والمسموع من القارئ كلام الله - ﷿ -، قال - ﷿ -: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وإنما سمعه من التالي ... وأجمع أئمة السلف والمقتدي بهم من الخلف على أنه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر ... وروي عن سفيان بن عيينة قال سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: \"القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود\" ... ونعتقد أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله - ﷿ - لا حكاية ولا عبارة ... فمن لم يقل إنّ هذه الأحرف عين كلام الله - ﷿ - فقد مرق من الدين وخرج عن جملة المسلمين\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ١٣١).\n(^٢) عقيدة الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ص: ٦٣ - ٧٠) المحقق: عبد الله بن محمد البصيري، مطابع الفردوس، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط/ الأولى، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":103},{"text":"- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن الإيمان بالله وبكتبه: الإيمان بأنّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على نبيه محمد - ﷺ - هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة؛ فإنّ الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وكذلك من قال ليس القرآن في المصحف، وإنما في المصحف مداد وورق، أو حكاية وعبارة، فهو مبتدع ضال. بل القرآن الذي أنزله الله على محمد - ﷺ - هو ما بين الدفتين\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"العبارة عن كلام الغيب يقال لمن في نفسه معنى ثم يعبر عنه غيره كما يعبر عما في نفس الأخرس من فهم مراده، والذين قالوا القرآن عبارة عن كلام الله قصدوا هذا، وهذا باطل، بل القرآن العربي تكلم الله به، وجبريل بلغه عنه\" (^٣).\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية (ص: ٨٩ - ٩٠) المحقق: أشرف بن عبد المقصود، أضواء السلف - الرياض، ط/ الثانية ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٣).\n(^٣) المصدر السابق (١٢/ ٥٥٢).","vol":"1","page":104},{"text":"وقال أيضًا: \"وأولُ من قال هذا في الإسلام عبد الله بن سعيد بن كلاب، وجعل القرآن المنزل حكاية عن ذلك المعنى. فلما جاء الأشعري واتبع ابنَ كلاب في أكثر مقالته ناقشه على قوله: \"إن هذا حكاية عن ذلك\"، وقال: الحكاية تماثل المحكي. فهذا اللفظ يصح من المعتزلة، لأن ذلك المخلوق حروف وأصوات عندهم وحكاية مثله، وأما على أصل ابن كلاب فلا يصح أن يكون حكاية. بل نقول: إنه عبارة عن المعنى.\nفأول من قال بالعبارة الأشعري. وكان البلاقلاني - فيما ذُكر عنه- إذا درَّس مسألة القرآن يقول: هذا قول الأشعري ولم يتبين صحته، أو كلامًا هذا معناه\" (^١).\n- وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: \"والذي ظهر من محمد [أي: ابن إسماعيل البخاري] أمر خفيف من المسائل التي اختلف فيها الأئمة في القول في القرآن، وتسمى مسألة أفعال التالين، فجمهور الأئمة والسلف والخلف على أن القرآن كلام الله، منزل، غير مخلوق. وبهذا ندين الله تعالى، وبدعوا من خالف ذلك.\n_________\n(^١) جامع المسائل لابن تيمية (٥/ ١٢٧).","vol":"1","page":105},{"text":"وذهبت الجهمية، والمعتزلة، والمأمون، وأحمد بن أبي دؤاد القاضي، وخلق من المتكلمين، والرافضة إلى أن القرآن كلام الله المنزل مخلوق، وقالوا: الله خالق كل شيء، والقرآن شيء. وقالوا: تعالى الله أن يوصف بأنه متكلم. وجرت محنة القرآن، وعظم البلاء، وضرب أحمد بن حنبل بالسياط ليقول ذلك. نسأل الله السلامة في الدين.\nثم نشأت طائفة، فقالوا: كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، ولكن ألفاظنا به مخلوقة - يعنون: تلفظهم وأصواتهم به وكتابتهم له، ونحو ذلك - وهو حسين الكرابيسي ومن تبعه، فأنكر ذلك الإمام أحمد، وأئمة الحديث، وبالغ الإمام أحمد في الحط عليهم، وثبت عنه أن قال: اللفظية جهمية.\nوقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، وسدّ باب الخوض في هذا. وقال أيضا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن، فهو جهمي.","vol":"1","page":106},{"text":"وقالت طائفة: القرآن محدث كداود الظاهري ومن تبعه، فبدّعهم الإمام أحمد، وأنكر ذلك، وثبت على الجزم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه من علم الله، وكفَّر من قال بخلقه، وبدّع من قال بحدوثه، وبدّع من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، ولم يأت عنه ولا عن السلف القول بأن القرآن قديم. ما تفوّه أحدٌ منهم بهذا. فقولنا: قديم، من العبارات المحدثة المبتدعة، كما أن قولنا: هو محدث، بدعة.\nوأما البخاري، فكان من كبار الأئمة الأذكياء، فقال: ما قلتُ: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم، وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله، غير مخلوق. وصنف في ذلك كتاب (أفعال العباد) مجلد، فأنكر عليه طائفة، وما فهموا مرامه كالذهلي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي بكر الأعين، وغيرهم.","vol":"1","page":107},{"text":"ثم ظهر بعد ذلك مقالة الكلابية، والأشعرية، وقالوا: القرآن معنى قائم بالنفس، وإنما هذا المنزل حكايته وعبارته، ودال عليه.\nوقالوا: هذا المتلو معدود متعاقب، وكلام الله تعالى لا يجوز عليه التعاقب ولا التعدد، بل هو شيء واحد، قائم بالذات المقدسة. واتسع المقال في ذلك، ولزم منه أمور وألوان، ترْكُها - واللهِ- من حسن الإيمان\" (^١).\n- وقال ابن أبي العز الحنفي (المتوفى: ٧٩٢ ه): \"ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى، وإن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله، وهو مخلوق، فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، أفتراه - ﷿ - يشير إلى ما في نفسه أو إلى المتلو المسموع؟\nولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع؛ إذ ما في ذات الله غير مشار إليه، ولا منزل ولا متلو ولا مسموع.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٥١٠ - ٥١١) مؤسسة الرسالة، ط/ الثالثة، ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.","vol":"1","page":108},{"text":"وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] أفتراه سبحانه يقول: لا يأتون بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه، وما في نفس الباري - ﷿ - لا حيلة إلى الوصول إليه، ولا إلى الوقوف عليه.\nفإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته، وهو المتلو المكتوب المسموع، فأما أن يشير إلى ذاته فلا - فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق\" (^١).\n- وقال محمد صديق خان القنوجي (المتوفى: ١٣٠٧ هـ): \"فالقرآن العظيم هو كتابه المبين، وحبله المتين، أنزله على سيد المرسلين بلسان عربي مبين، وهو سور وآيات، وأصوات، وحروف، وكلمات، له أول وآخر، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مكتوب في المصاحف، مسموع بالآذان، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨]،\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (ص: ١٤٩ - ١٥٠) تحقيق: أحمد شاكر، وزارة الشؤون الإسلامية، والأوقاف والدعوة والإرشاد، ط/ الأولى، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":109},{"text":"والقرآن هو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم فيه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فتوعده الله بإصلاه سقر، وقال بعضهم: هو شعر فقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]، فلما نفى سبحانه عنه الشعر وأثبته قرآنًا لم تبق شبهة لذي لبّ في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي عُلم أوله وآخره، فمن زعم أن القرآن اسم لغيره دونه بان جهله وحمقه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل معناه\" (^١).\n_________\n(^١) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر (ص: ٧٨).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>بعض المحذورات التي وقع فيها الأشاعرة\nوبعض اللوازم التي تلزمهم</span>\n- قال الشريف الجرجاني الأشعري: \"واعلم أنّ للمصنف [أي: العضد الإيجي] مقالة مفردة في تحقيق كلام الله تعالى على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب، ومحصولها أن لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير.\nفالشيخ الأشعري لما قال الكلام هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وحده، وهو القديم عنده، وأما العبارات فإنما تسمى كلامًا مجازًا لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه أيضا لكنها ليست كلامه حقيقة.\nوهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة:\nكعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة.\nوكعدم المعارضة والتحدّي بكلام الله تعالى الحقيقي.\nوكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية\" (^١).\n_________\n(^١) شرح المواقف (٣/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"1","page":111},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمقصود هنا أنّ عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه وافقوا سلف الأمة وسائر العقلاء على أن كلام المتكلّم لا بد أن يقوم به، ... ثم إنهم مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا، اعتقدوا هذا الأصل، وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدورًا له متعلقًا بمشيئته، بناء على هذا الأصل الذي وافقوا فيه المعتزلة، فاحتاجوا حينئذ أن يثبتوا ما لا يكون مقدورًا مرادًا، قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة، فأثبتوا معنى واحدًا، لم يمكنهم إثبات معان متعددة، خوفًا من إثبات ما لا نهاية له، فاحتاجوا أن يقولوا (معنى واحدًا) فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين، بل جمهور العقلاء عليهم. وأنكر الناس عليهم أمورًا:\nإثبات معنى واحد، هو الأمر والخبر.\nوجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلّم به.\nوأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله.\nوأن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عباراتها، فإذا عبّر عن التوراة بالعربية كان هو القرآن.\nوأن الله لا يقدر أن يتكلم، ولا يتكلم بمشيئته واختياره، وتكليمه لمن كلمه من خلقه، كموسى وآدم، ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم، فالتكليم هو خلق الإدراك فقط ... \" (^١).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ١١٣ - ١١٤).","vol":"1","page":112},{"text":"وقال أيضًا: \"ومن قال: إنّ القرآن عبارة عن كلام الله تعالى وقع في محذورات:\nأحدها: قولهم \"إن هذا ليس هو كلام الله\"، فإن نفي هذا الإطلاق خلاف ما عُلم بالاضطرار من دين الإسلام، وخلاف ما دل عليه الشرع والعقل.\nوالثاني: قولهم: \"عبارة\" إن أرادوا أن هذا الثاني هو الذي عبر عن كلام الله تعالى القائم بنفسه، لزم أن يكون كل تال معبرًا عما في نفس الله تعالى. والمعبر عن غيره هو المنشئ للعبارة، فيكون كل قارئ هو المنشئ لعبارة القرآن. وهذا معلوم الفساد بالضرورة.\nوإن أرادوا أنّ القرآن العربي عبارة عن معانيه، فهذا حق، إذ كل كلام فلفظه عبارة عن معناه، لكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام متناولًا للفظ والمعنى ...\nثم إذا عرف مذهبهم بقي خطؤهم في أصول:\nمنها: زعمهم أن معاني القرآن معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر، وأن معنى التوراة والإنجيل والقرآن معنى واحد، ومعنى آية الكرسي معنى آية الدين. وفساد هذا معلوم بالضرورة.\nومنها: زعمهم أنّ القرآن العربي لم يتكلم الله به\" (^١).\n_________\n(^١) جامع المسائل لابن تيمية (٥/ ١٢٥ - ١٢٧).","vol":"1","page":113},{"text":"وقال أيضًا: \"قد اشتهر بين علماء الأمة وعامتها أن حقيقة قول هؤلاء: إن القرآن ليس كلام الله، وهو كما اشتهر بين الأمة، وذلك أنهم يصرحون بأن حروف القرآن لم يتكلم الله بها بحال. فهذا إقرار منهم بأن نصف مسمى القرآن وهو لفظه ونظمه وحروفه لم يتكلم الله بها، فلا يكون كلامه. وإن كان قد قال بعض متأخريهم: إنها تسمى كلاما حقيقة فهم بين أمرين: إن أقروا بأنها كلام الله حقيقة مع كونها مخلوقة في غيره بطل أصلهم الذي أفسدوا به قول المعتزلة: إن الكلام إذا قام بمحل كان لذلك المحل، لا لمن أحدثه.\nوأما المعاني فإنهم يزعمون أن ليس كلام الله إلا معنى واحد، هو الأمر بكل شيء، والنهي عن كل شيء، والخبر عن كل شيء، وهذا معلوم بالضرورة بعد تصوره، وهو مستلزم لأن تكون معاني القرآن ليست كلام الله أيضًا، إذا [إذ] كان هذا الذي ادعوه لا يجوز أن يكون له حقيقة، فضلًا عن أن يكون صفة لموصوف، أو يكون كلامًا، فتبين أن الله لم يتكلم عندهم بالقرآن لا بحروفه ولا بمعانيه، وهذا أمر قاطع لا مندوحة لهم عنه، وينضم إليه أيضًا أن القرآن المنزل حروفه ومعانيه هم يصرحون أيضًا بأنها ليست كلام الله، فظهر أنهم يقولون إن القرآن ليس كلام الله\" (^١).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٩٦ - ٥٩٧).","vol":"1","page":114},{"text":"وقال أيضًا: \"القرآن كلام الله باتفاق المسلمين، فإن كان كلامه هو المعنى فقط، والنظم العربي الذي يدل على المعاني ليس كلام الله كان مخلوقا خلقه الله في غيره، فيكون كلاما لذلك الغير؛ لأن الكلام إذا خُلق في محل كان كلامًا لذلك الغير كما تقدم، فيكون الكلام العربي ليس كلام الله، بل كلام غيره، ومن المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين أنّ الكلام العربي الذي بلغه محمد - ﷺ - عن الله أعلم أمته أنه كلام الله لا كلام غيره، فإن كان النظم العربي مخلوقًا لم يكن كلام الله، فيكون ما تلقته الأمة عن نبيها باطلًا\" (^١).\nوقال الحافظ ابن القيم: \"وعندهم [أي: الأشاعرة] أنّ الذي قال السلف هو غير مخلوق هو عين القائم بالنفس، وأما ما جاء به الرسول وتلاه على الأمة فمخلوق، وهو عبارة عن ذلك المعنى، وعندهم أن الله تعالى لم يكلِّم موسى، وإنما اضطره إلى معرفة المعنى القائم بالنفس من غير أن يسمع منه كلمة واحدة، وما يقرؤه القارئون ويتلوه التالون فهو عبارة عن ذلك المعنى، وفرعوا على هذا الأصل فروعًا، منها: أن كلام الله لا يتكلم به غيره، فإنه عين القائم بنفسه، ومحال قيامه بغيره فلم يتل أحد قط كلام الله ولا قرأه.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣٤).","vol":"1","page":115},{"text":"ومنها: أنّ هذا الذي جاء به الرسول - ﷺ - ليس كلام الله إلا على سبيل المجاز.\nومنها: أنه لا يقال: إن الله تكلّم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، ولا خاطب ولا يخاطب، فإن هذه كلها أفعال إرادية تكون بالمشيئة، وذلك المعنى صفة أزلية لا يتعلق بالمشيئة.\nومنها: أنهم قالوا: لا يجوز أن ينزل القرآن إلى الأرض، فألفاظ النزول والتنزيل لا حقيقة لشيء منها عندهم.\nومنها: أن القرآن القديم لا نصف له ولا ربع ولا خمس ولا عشر ولا جزء له البتة.\nومنها: أن معنى الأمر هو معنى النهي، ومعنى الخبر والاستخبار، وكل ذلك معنى واحد بالعين.\nومنها: أن نفس التوراة هي نفس القرآن ونفس الإنجيل والزبور، والاختلاف في التأويلات فقط.","vol":"1","page":116},{"text":"ومنها: أن هذا القرآن العربي تأليف جبرائيل أو محمد أو مخلوق خلقه الله تعالى في اللوح المحفوظ، فنزل به جبرائيل من اللوح لا من الله على الحقيقة كما هو معروف من أقوالهم.\nومنها: أن ذلك العين القديم يجور أن تتعلق به الإدراكات الخمس فيسمع ويرى ويشم ويذاق ويلمس إلى غير ذلك من الفروع الباطلة سمعًا وعقلًا وفطرةً\" (^١).\n- قولُ الأشاعرة: كلامُ الله معنى واحد، وأنه هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر، وأنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا.\nقولٌ مخالف للعقل، قال عفيف الدين الإيجي: \"ما قالوه [أي: الأشاعرة] من كون هذا المعنى النفسي واحدًا يخالف العقل، فإنه لا شك أنّ مدلول اللفظ في الأمر يخالف مدلوله في النهي ومدلول الإنشاء، بل مدلول أمر مخصوص غير مدلول أمر آخر، وكذا في الخبر.\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٥٠٠ - ٥٠١).","vol":"1","page":117},{"text":"ولا يرتاب عاقل أن مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون غير القرآن وسائر الكتب السماوية، فيلزم أن يكون كل واحد مشتملًا على ما اشتمل عليه الآخر، وليس كذلك، وكيف يكون معنى واحدًا خبرًا وإنشاء محتملًا للتصديق والتكذيب، وغير محتمل، وهو جمع بين النفي والإثبات\" (^١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-117>قول الأشاعرة هذا يشبه السفسطة، ومجرّد تصوّره يوجب العلم الضروري بفساده</span>، قال موفق الدين ابن قدامة: \"وإن قالوا: هي [أي: كُتُب الله تعالى] شيء واحد غير متعددة، فقد كابروا، ويجب على هذا أن تكون التوراة هي القرآن والإنجيل والزبور، وأن موسى لما أُنزلت عليه التوراة فقد أُنزل عليه كل كتاب الله تعالى، وأن نبينا - ﷺ - لما أُنزل عليه القرآن فقد أُنزلت عليه التوراة والإنجيل والزبور، وأن من قرأ آية من القرآن فقد قرأ كل كتاب الله تعالى، ومن حفظ شيئًا منه فقد حفظه كله، ويجب على هذا أن لا يتعب أحد في حفظ القرآن؛ لأنه يحصل له حفظ كل كتاب لله تعالى بحفظ آية منه، ويجب أن يكون النبي - ﷺ - لما أنزل عليه آية من القرآن أُنزل عليه جميعه، وجميع التوراة والإنجيل والزبور، وهذا خزي على قائله ومكابرة لنفسه.\nويجب على هذا أن يكون الأمر هو النهي، والإثبات هو النفي، وقصة نوح هي قصة هود ولوط، وأحد الضدين هو الآخر، وهذا قول من لا يستحيي ويشبه قول السوفسطائية، وقد بلغني عن واحد منهم أنه قيل له: سورة البقرة هي سورة آل عمران؟ قال: نعم\" (^٢).\n_________\n(^١) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص: ٣١٥).\n(^٢) المناظرة في القرآن (ص: ٢٠).","vol":"1","page":118},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إنّ هذا المعنى القائم بالذات الذي زعموا أنه كلام الله، وخالفوا في إثباته جميع فرق الإسلام كما يقرون هم على أنفسهم بذلك كما ذكره الرازي وغيرهم من أن إثباتهم لهذا يخالفهم فيه سائر فرق الأمة قد قال أكثرهم: هو معنى واحد، ...\nومن المعلوم أنّ مجرّد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده كما اتفق على ذلك سائر العقلاء؛ فإن أظهر المعارف للمخلوق أن الأمر ليس هو الخبر، وأن الأمر بالسبت ليس هو الأمر بالحج، وأن الخبر عن الله ليس هو الخبر عن الشيطان الرجيم، ... \" (^١).\nوقال أيضًا: \"وعامة العقلاء يقولون: إنّ فساد هذا القول معلوم بالاضطرار؛ فإنا نعلم أن التوراة إذا عُرِّبت لم تكن هي القرآن، ونعلم أن آية الكرسي ليست هي معنى آية الدين.\nوالله تعالى قد فرق في كتابه بين تكليمه لموسى وإيحائه إلى غيره بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] \" (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٢٨ - ٥٢٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٥٨).","vol":"1","page":119},{"text":"وقال أيضًا: \"قال لهم [أي: للكلابية والأشعرية] جمهورُ الناس: هذا القول مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول؛ فإنا نعلم بالاضطرار أن معنى آية الكرسي ليس هو معنى آية الدين، ولا معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، وقد عرّب الناس التوراة فوجدوا فيها معاني ليست هي المعاني التي في القرآن، ونحن نعلم قطعًا أن المعاني التي أخبر الله بها في القرآن في قصة بدر وأحد والخندق ونحو ذلك لم ينزلها الله على موسى ابن عمران، كما لم ينزل على محمد تحريم السبت ولا الأمر بقتال عباد العجل، فكيف يكون كل كلام الله معنى واحدا؟!.\nونحن نعلم بالاضطرار أن الكلام معانيه وحروفه تنقسم إلى خبر وإنشاء، والإنشاء منه الطلب، والطلب ينقسم إلى أمر ونهي، وحقيقة الطلب غير حقيقة الخبر، فكيف لا تكون هذه أقسام الكلام وأنواعه، بل هو موصوف بها كلها \" (^١).\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٥/ ٤١٧ - ٤١٨).","vol":"1","page":120},{"text":"وقال الحافظ ابن القيم: \"مذهب الأشعري ومن وافقه أنه [أي: الكلام] معنى واحد قائم بذات الرب، وهو صفة قديمة أزلية ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا له أبعاض ولا له أجزاء، ... إذا عبر عن ذلك المعنى بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان اسمه إنجيلا، والمعنى واحد، وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا يسميها حكاية، وهي خلق من المخلوقات، والبلية العظمى نسبة ذلك إلى الرسول - ﷺ -، وأنه جاء بهذا ودعا إليه الأمة، وأنهم أهل الحق، ومن عداهم أهل الباطل، وجمهور العقلاء يقولون: إنّ تصور هذا المذهب كاف في الجزم في بطلانه، وهو لا يتصور إلا كما تتصور المستحيلات الممتنعات\" (^١).\nوقول الأشاعرة هذا من أعجب ما في مذهبهم وأشده غرابة، والفضلاء منهم يعترفون بضعف لوازمه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والفضلاء من أصحاب الأشعري يعترفون بضعف لوازم هذا القول مع نصرهم لكثير من أقواله الضعيفة\" (^٢).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٤٩٨).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١١٥).","vol":"1","page":121},{"text":"وقد اعترف العزُّ بن عبد السلام أنّ الاعتقاد بأن كلام الله معنى واحد قائم بالذات صعْبٌ جدًا على المعتقدين لذلك، فضلًا عن غيرهم، قال - ﵀ -: \"وكيف نُكِّفر العامة الذين لا يعرفون أن كلام الله معنى قديم قائم بنفسه متجه مع القضاء بكونه أمرًا ونهيًا ووعدًا ووعيدًا وخبرًا واستخبارًا ونداء ومسموعًا مع أنه ليس بصوت، وأنّ اعتقاد مثل هذا لصعب جدًا على المعتقدين الذاهبين إلى أنه من القواطع، المكفِّرين لجاحديه\" (^١).\n- ويقال أيضًا للأشاعرة القائلين بأن كلام الله معنى واحد: لمّا كلَّم اللهُ موسى - ﵇ - هل أفهمه كلامه كلّه أو بعضه؟ فإن قالوا: كله، فقد صار موسى يعلم علم الله، وهذا من أعظم الباطل، وإن قالوا: بعضه، فقد تبعّض كلام الله وهم يقولون: إنه لا يتبعض. وفي هذا إبطال لقولهم.\nقال الحافظ أبو نصر السجزي: \"وقول الأشعري: إنّ كلام الله شيء واحد، لا يدخله التبعيض\"، فإذا قال: إنّ الله أفهم موسى كلامه، لم يخل أمر من أن يكون قد أفهمه كلامه مطلقًا، فصار موسى - ﵇ - عالمًا بكلام الله حتى لم يبق له كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه. وفي ذلك اشتراك مع الله في علم الغيب، وذلك كفر بالاتفاق ...\n_________\n(^١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ٢٠٢) راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة.","vol":"1","page":122},{"text":"وإن قالوا: أفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى التبعيض الذي يكفِّرون به أهل الحق، ويخالفون فيه نص الكتاب حيث قال الله سبحانه: ﴿ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد:٣٦] وقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] والكتاب عند السلف هو القرآن باتفاق المسلمين كلام الله \" (^١).\nوقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني: \"ويقال للأشعرية: هل أسمع الله موسى وأفهمه جميع كلامه أو بعض كلامه؟\nفإن قالوا: أفهمه وأسمعه جميع كلامه، فقد جعلوا موسى عالمًا بما في نفس الله وعالمًا بالغيب، وقد أخبر سبحانه أنه لا يعلم ما في نفسه أحد، ولا يعلم الغيب إلا هو، وأخبر سبحانه أنه لو كان البحر مدادًا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله، ويؤدي قولهم هذا أن موسى - ﵇ - قد فهم التوراة والإنجيل والفرقان، وأنّ المشروع بالقرآن والإنجيل كان مشروعا على بني إسرائيل وهذا باطل بالإجماع. وإن قالوا: أسمع موسى - ﵇ - وأفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى ما عليه أهل الحق، وأن كلام الله ليس بشيء واحد.\n_________\n(^١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ١٦٥ - ١٦٧).","vol":"1","page":123},{"text":"وإن قالوا: لم يسمع الله موسى كلامه القائم بذاته وإنما أسمعه العبارة عن كلامه وهي التوراة، أدى قولهم هذا إلى معان فاسدة، ... ومنها: أن موسى يخرج عن أن يسمى كليم الله، وهذا ترك لما ورد به نص القرآن وأجمع عليه المسلمون، ورجعوا بذلك إلى قول المعتزلة الذين هم حوله يدورون، وعليه يعولون، وهو أن الله ما كلّم موسى وإنما خلق كلامًا في الشجرة أسمعه موسى - ﵇ -\" (^١).\n- ويلزم الأشاعرة أيضًا أن يقولوا في بقية صفات الله تعالى ما قالوه في صفة الكلام، وذلك أنه إذا جاز أن يجعلوا الحقائق المتنوعة - كآية الدين، وآية الكرسي، والنهي عن الزنا وعن الربا، والقرآن والتوراة والإنجيل - شيئًا واحدًا، فيلزمهم أن يجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر والحياة والإرادة، صفة واحدة. أو أنهم يقولون بالتعدد في الكلام كما يقولونه في الصفات، من أن العلم غير القدرة، والإرادة غير الحياة، وإن كانت صفات قائمة بالله تعالى.\n_________\n(^١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٩١).","vol":"1","page":124},{"text":"وهذا الإلزام لا محيد لهم عنه، وقد اعترف بذلك بعض أئمتهم منهم الآمدي حيث ذكر هذا الاعتراض، وذكر جواب أصحابه الأشاعرة عنه - ثم قال معلقا على جواب هذا الاعتراض: \"وفيه نظر\"، ثم قال: \"والحق أنّ ما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات مشكل، وعسى أن يكون عند غيري حلّه، ولعسر جوابه فرّ بعض أصحابنا إلى القول بأن كلام الله القائم بذاته خمس صفات مختلفة، وهي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء\" (^١).\nوعلق شيخ الإسلام على كلام الآمدي فقال: \"قول القائل: إن الكلام خمس صفات أو سبع أو تسع أو غير ذلك من العدد لا يزيل ما تقدم من الأمور الموجبة تعدد الكلام.\nوقد رأيت أنه يلزم من قال باتحاد معنى الكلام اتحاد الصفات كلها، ثم رفعها بالكلية وجعلها نفس الذات\" (^٢).\n_________\n(^١) أبكار الأفكار في أصول الدين (١/ ٤٠٠).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١١٩).","vol":"1","page":125},{"text":"- ومما يلزم مذهب الأشاعرة أيضًا تخطئةُ السلف الصالح، فالأشاعرة - كما تقدم- مصوِّبون للمعتزلة في قولهم بخلق القرآن الذي بين دفتي المصحف، ويحصرون الخلاف بينهم وبين المعتزلة في إثبات أمر آخر وراء ذلك، ولم يكن الخلاف بين السلف والجهمية والمعتزلة كما قدمنا إلا في القرآن المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، المثبت في المصاحف، فإذا كان قولُ المعتزلة صوابًا فلا شك أن القول الآخر -وهو قول السلف - ليس بصواب.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لا ريب أنه قد اشتهر عند العامة والخاصة اتفاق السلف على أن القرآن كلام الله وأنهم أنكروا على من جعله مخلوقًا خلقه الله كما خلق سائر المخلوقات من السماء والأرض، ... وأنتم [يعني: الأشاعرة] فلا ريب أن كلما يقول هؤلاء إنه مخلوق، لا تنازعونهم في أنّ الكلام الذي يقولون هو مخلوق، بل تقولون أنتم أيضًا إنه مخلوق.\nفالذي قال هؤلاء إنه مخلوق إما أن يكون مخلوقًا أو لا يكون، فإن لم يكن مخلوقًا كنتم أنتم وهم ضالين حيث حكمتم جميعًا بخلقه.\nوإن كان مخلوقًا لم يجز ذمّ من قال إنه مخلوق ولا عيبه بذلك، ولا يقال إنه جعل كلام الله الذي ليس بمخلوق مخلوقًا، ولا أنه جعل كلام الله في المخلوق ولا أنه جعل الشجرة هي القائلة إنني أنا الله، ونحو ذلك من الأقوال التي وَصف بها السلفُ مذهبَ الجهمية ...","vol":"1","page":126},{"text":"وغاية ما يعاب به عندكم أنه نفى عن الله معنى آخر تثبتونه له، ذلك المعنى أكثر الناس لا يتصورونه لا المعتزلة ولا غيرهم، فضلا عن أن يحكموا عليه بأنه مخلوق، وذلك المعنى لا يتصور أن يقوم بالشجرة ولا غيرها، حتى تكون الشجرة هي القائلة له، والسلف لم يعيبوهم بهذا، ولا قالوا لهم: ما ذكرتم أنه مخلوق فهو مخلوق، لكن ثَمّ معنى آخر ليس بمخلوق، ولا قالوا: هذا الذي قلتم إنه مخلوق هو مخلوق، لكنه ليس هو بكلام الله، ولا نحو ذلك.\nفإن كان هذا الذي قالوا هو مخلوق هو مخلوق كما قالوا ليس هو كلام الله، وإنما كلام الله معنى آخر، فلا ريب أنّ السلف مخطئون ضالون في هذه المسألة، فأحد الأمرين لازم إما تضليلكم المعتزلة أو تضليل السلف، والثاني ممتنع، فتعين الأول.\nيؤيد هذا ... أن الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، فإذا لم يكن في صدر الأمة إلا قول السلف وقول المعتزلة تعين أن يكون الحق في أحد القولين\" (^١).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٢٣ - ٥٢٤).","vol":"1","page":127},{"text":"- ويلزمهم أيضًا أن لا يحكوا عن المعتزلة القول بخلق القرآن وأن لا يذموهم بذلك؛ لأن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق فهم يوافقونهم في أنه مخلوق.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لا يحل لكم أن تحكوا عن المعتزلة أنهم قالوا بخلق القرآن أو بخلق كلام الله كما يحكيه عنهم السلف وأئمة الحديث والسنة، وكما يقولون هم ذلك، وإن حكيتم ذلك عنهم فلا يحل لكم أن تذموهم بذلك كما ذموهم السلف به، بل تمدحونهم بذلك كما يمدحون بذلك أنفسهم، فلا بد لكم من مخالفة السلف والمعتزلة جميعًا، أو مخالفة السلف وموافقة المعتزلة؛ وذلك لأن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق فأنتم تقولون إنه مخلوق أيضًا، وذلك واجب عندكم، ومن قال عن ذلك إنه ليس بمخلوق فهو ضال عندكم أو كافر\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ٥٢٥).","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>مراد الأشاعرة بقولهم:\n\"القرآن قديم</span>\"\nيُطلِقُ كثيرٌ من علماء الأشاعرة في مصنفاتهم عبارة \"القرآن قديم\"، ويظنّ من لا خبرة له بمذهبهم أن مرادهم بذلك القرآن المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، الموجود بين دفتي المصحف، وليس الأمر كذلك؛ بل مرادهم بالقرآن القديم الكلام النفسي القائم بالذات، الذي لم يُنزل ولم يُسمع ولم يقرأ.\nوبالتالي فلا تعارض بين ما قدمناه عنهم من كونهم يقولون بأن القرآن المنزل الموجود بين دفتي المصحف مخلوق ومحدث وحادث، وبين قولهم: \"القرآن قديم\"، فالقديم عندهم هو الكلام النفسي لا القرآن المُثبَت في المصاحف الذي نعرفه ويعرفه المسلمون جميعًا (^١).\nوإليك - إضافةً إلى ما تقدم- بعض أقوال أئمة وعلماء الأشاعرة من المتقدمين والمتأخرين التي فيها التصريح بأنّ القرآن القديم هو الكلام النفسي القائم بذات الله لا القرآن المثبت في المصاحف المحفوظ في الصدور:\n_________\n(^١) قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: \"وأما الأشعرية فلم يصفوا اللفظ بالقدم قط، ونسبوا من وصفه بالقدم إلى الجهل الفاحش وجحد الضرورة كما تقدم في كلام الغزالي، وإنما قالوا بقدم الكلام النفسي\". العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (٤/ ٣٨٢)","vol":"1","page":129},{"text":"- قال إمام الحرمين الجويني: \"والكلام الذي يقضي أهل الحق بقدمه وهو الكلام القائم بالنفس\" (^١).\n- وقال الإمام الغزالي: \"فقد انكشف الغطاء ولاح وجود معنى هو مدلول اللفظ زائدًا على ما عداه من المعاني، ونحن نسمي ذلك كلامًا وهو جنس مخالف للعلوم والإرادات والاعتقادات، وذلك لا يستحيل ثبوته لله تعالى، بل يجب ثبوته؛ فإنه نوع كلام، فإذًا هو المعني بالكلام القديم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فنقول: ها هنا ثلاثة ألفاظ: قراءة، ومقروء، وقرآن.\nأما المقروء فهو كلام الله تعالى، أعني صفته القديمة القائمة بذاته. وأما القراءة: فهي في اللسان عبارة عن فعل القارئ الذي كان ابتدأه بعد أن كان تاركًا له، ...\nوأما القرآن، فقد يطلق ويراد به المقروء [أي: الصفة القديمة القائمة بذاته كما تقدم]، فإن أُريد به ذلك فهو قديم غير مخلوق، وهو الذي أراده السلف رضوان الله عليهم بقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق\" (^٣).\n_________\n(^١) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (ص: ١١٧).\n(^٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص: ٧٠) ـ.\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٧٣) ـ.","vol":"1","page":130},{"text":"وقال أيضًا: \"فكل ما أورده المسلمون من وصف القرآن بما هو قديم، كقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، أرادوا به المقروء [أي: الصفة القديمة القائمة بذاته تعالى كما تقدم]، وكل ما وصفوه به مما لا يحتمله القديم، ككونه سورًا وآيات ولها مقاطع ومفاتح، أرادوا به العبارات الدالة على الصفة القديمة\" (^١).\n- وقال الفخر الرازي: \"وعندهم [أي: المعتزلة] القرآن ليس إلا ما تركب عن هذه الحروف والأصوات، فكانت الدلائل التي ذكروها دالة على حدوث هذه الحروف والأصوات. ونحن لا ننازع في ذلك، وإنما ندّعي قِدم القرآن بمعنى آخر\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فنحن نُثبتُ لله تعالى كلامًا مغايرًا لهذه الحروف والأصوات، وندّعي قدم ذلك الكلام\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٧٣).\n(^٢) الأربعين في أصول الدين (١/ ٢٥٧).\n(^٣) نهاية العقول في دراية الأصول (٢/ ٣٠٦).","vol":"1","page":131},{"text":"- وقال أبو الحسن الآمدي: \"على أن لا تنازع [أي: بين الأشاعرة والمعتزلة] في أن ما جاء به الرسول من الحروف المنتظمة والأصوات المقطعة معجزة له وأنه يسمى قرآنًا وكلامًا، وأنّ ذلك ليس بقديم، وإنما النزاع في مدلول تلك العبارات هل هو صفة قديمة أزلية أم لا\" (^١).\n- وقال أحمد بن غنيم النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ): \"المراد بالقرآن اللفظ المنزل على محمد وهو مخلوق حادث، والقديم مدلوله\" (^٢).\n- وقال حسن بن محمد العطار: \"هذه الألفاظ دالة على الصفة النفسية القديمة، فالدال حادث والمدلول قديم، وهذا المدلول هو المراد بقولهم المقروء قديم\" (^٣).\n_________\n(^١) غاية المرام في علم الكلام (ص: ١٠٧ - ١٠٨) المحقق: حسن محمود عبد اللطيف، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة.\n(^٢) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٩٩).\n(^٣) حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":132},{"text":"- وقال الباجوري: \"فإنّ من أُضيف له كلام لفظي دل عرفًا أن له كلامًا نفسيًا، وقد أُضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعًا بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ، فدل التزامًا على أنه له تعالى كلامًا نفسيًا، وهذا هو المراد بقولهم: القرآن حادث، ومدلوله قديم، فأرادوا بمدلوله الكلام النفسي\" (^١).\n- وقال عبد الحميد الشرواني: \"المقرر في علم الكلام أن القديم إنما هو الكلام النفسي، لا اللفظي\" (^٢).\n_________\n(^١) حاشية الباجوري على جوهرة التوحيد المسمى بتحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص: ١٣١).\n(^٢) تحفة المحتاج في شرح المنهاج مع حواشي الشرواني والعبادي (٦/ ٢٦٢) المكتبة التجارية الكبرى بمصر، ١٣٥٧ هـ - ١٩٨٣ م.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>سببُ منع الإمام أحمد وغيره\nإطلاق: \"لفظي بالقرآن مخلوق</span>\"\nمنعَ الإمامُ أحمد وغيره من أئمة أهل السنة إطلاق \"لفظي بالقرآن مخلوق\"؛ لأنّ<span data-type=\"title\" id=toc-136> اللفظ يُراد به أمران:</span>\nالأول: التلفظ، وهو فعل العبد وحركاته، وذلك مخلوق.\nوالثاني: الملفوظ الذي يلفظ به اللافظ، وذلك هو القرآن المتلو، ومعلوم أن القرآن المتلو الذي يتلوه العبد ويلفِظُ به غير مخلوق.\nوكان الجهمية يتوصلون بقولهم: \"لفظي بالقرآن مخلوق\" إلى القول بخلق القرآن العربي، المؤلف من الحروف والكلمات والآيات والسور، فكان الإمام أحمد يجهِّم من يقول ذلك.\nومقصود الإمام أحمد مِن تجهيم اللفظية القائلين: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، تجهيمُ مَن يقصد باللفظِ القرآنَ العربي المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، لا من أراد التلفّظ الذي هو فعل العبد وحركته وصوته، وقد بيّن ذلك بقوله - ﷺ - عمن يقول إن ألفاظنا بالقرآن مخلوق: \"من زعم هذا فقد زعم أن جبريل - ﷺ - جاء بمخلوق، وأن النبي - ﷺ - تكلّم بمخلوق\" (^١).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: ٣٦٣).","vol":"1","page":134},{"text":"وقال يعقوب الدورقي: قال أحمد بن حنبل: اللفظية إنما يدورون على كلام جهم، يزعمون أن جبريل - ﷺ - إنما جاء بشيء مخلوق إلى مخلوق. يعني: جبريل مخلوق، جاء به إلى محمد - ﷺ - (^١).\nوعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي - ﵀ - يقول: كل من يقصد إلى القرآن بلفظ أو غير ذلك يريد به مخلوق فهو جهمي\" (^٢).\nفقوله: \"كل من يقصد إلى القرآن بلفظ ... يريد به مخلوق\" احترازٌ عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وأراد به فعل العبد الذي هو حركته وصوته.\nوقال أيضًا: سمعت أبي يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن، فهو كافر\" (^٣)\nفقوله: \"يريد به القرآن\" احترز به عن تكفير من يقول: \"لفظي بالقرآن مخلوق\" ويريد به حركة العبد وصوته، لا نفس الكلام المتلو المقروء.\nوقال أبو مسعود أحمد بن الفرات: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد أن يحتال في القرآن بشيء من الأشياء أو بوجه من الوجوه مما يدعو ذلك إلى أن يقول القرآن مخلوق، فهو جهمي خبيث\" (^٤).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: ٣٦٣)، الإبانة الكبرى لابن بطة (٥/ ٣٣٢).\n(^٢) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٦٥).\n(^٣) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٠) المحقق: عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي - جدة، ط/ الأولى.\n(^٤) الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٢١).","vol":"1","page":135},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: \"ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فهو قد قال بخلق القرآن\" (^١).\nوقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: \"وأنه [أي: القرآن] بألفاظنا كلام الله غير مخلوق، وأن الواقفة واللفظية من الجهمية، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: \"والذي حكاه [أي: ابن جرير الطبري] عن أحمد - ﵀ - وأرضاه أنّ اللفظية جهمية فصحيح عنه، وإنما قال ذلك لأنّ جهمًا وأصحابه صرحوا بخلق القرآن، والذين قالوا باللفظ تدرَّجوا به إلى القول بخلق القرآن، وخافوا أهل السنة في ذلك الزمان من التصريح بخلق القرآن، فذكروا هذا اللفظ وأرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق، فلذلك سماهم أحمد - ﵀ - جهمية\" (^٣).\n_________\n(^١) اعتقاد أئمة الحديث (ص: ٥٩ - ٦٠).\n(^٢) العلو للعلي الغفار (ص: ٢٤٣).\n(^٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ١٧٢ - ١٧٣).","vol":"1","page":136},{"text":"وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني: \"وقولهم: لفظي بالقرآن مخلوق خطأ، لأنّ قائل هذا يريد أن يتدرج إلى أن يقول القرآن مخلوق، وهو لا يجسر أن يفعله ظاهرًا، فيقوله باطنًا\" (^١).\nوكما أن الإمام أحمد اشتهر عنه وتواتر أنه كان يجهِّم من يقول: \"لفظي بالقرآن مخلوق\"، فإنه كان يُبدِّع من يقول: \"لفظي بالقرآن غير مخلوق\" (^٢)، فاللفظ كما تقدم يراد به التلفظ - وهو حركة العبد وصوته - وهو مخلوق، ويراد به الكلام الملفوظ المتلو الذي يتلوه العبد، وذلك غير مخلوق، فهو كلام الله تعالى وليس كلام القارئ، فإطلاق الخلق على اللفظ قد يُوهم المعنى الثاني وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ، فَمَنع الإمامُ أحمد الإطلاقين.\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٠٧).\n(^٢) تنبيه: أطلق جماعةٌ من أهل السنة والحديث القول بأنّ ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة، ومرادهم باللفظ في هذا الإطلاق كلام الله تعالى المنزل المؤلف من الحروف والكلمات، وأرادوا بذلك الرد على اللفظية النافية الذين يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة.\nومع صحة مقصدهم من إطلاق نفي الخلق على اللفظ، إلا أنه جاء بعدهم أقوام وافقوهم في إطلاق هذا اللفظ، وأدخلوا في ذلك فعل العبد الذي هو حركته وصوته، وهذا غير صحيح.\nولا شك أنّ الأسلم والأولى هو ما عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة من الكفّ عن إطلاق: \"لفظي بالقرآن غير مخلوق\"؛ لكونه لفظًا مبتدعًا لم يتكلم به السلف، ولِما يجرّ من الوقوع في المحذور، لكون اللفظ قد يُقصد به التلفظ الذي هو فعل العبد، ولذا أدخل بعضُهم - كما سيأتي- فعلَ العبد وحركته في اللفظ، وزعموا أنّ ذلك ليس بمخلوق.","vol":"1","page":137},{"text":"قال الحافظ الذهبي: \"الذي استقر الحال عليه أن أبا عبد الله [أي: أحمد بن حنبل] كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، وأنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي.\nفكان - ﵀ - لا يقول هذا ولا هذا، وربما أوضح ذلك، فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق - يريد به القرآن - فهو جهمي\" (^١).\nوعن أبي بكر ابن زنجويه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع لا يكلّم\" (^٢).\nوقال الإمام ابن جرير الطبري: \"سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يذكرون عنه [أي: الإمام أحمد] أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال هو غير مخلوق فهو مبتدع\" (^٣).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٨٨).\n(^٢) رواه الخلال في كتاب السنة كما في مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢٥).\n(^٣) صريح السنة (ص: ٢٦).","vol":"1","page":138},{"text":"وقال عبد الله بن الإمام أحمد: \"وكان أبي - ﵀ - يكره أن يتكلم في اللفظ بشيء، أو يقال: مخلوق، أو غير مخلوق\" (^١).\nوقال الإمام البخاري: \"فأما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدّعيه كلٌ لنفسه فليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقّة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم أنّ كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام، والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم وبيّنه رسول الله - ﷺ - \" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال اللفظ بالقرآن، أو لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: إنه غير مخلوق فهو مبتدع، وفي بعض الروايات عنه: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يعني به القرآن فهو جهمي؛ لأنّ اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظًا، ومسمى هذا فعل العبد، وفعل العبد مخلوق.\n_________\n(^١) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(^٢) خلق أفعال العباد (ص: ٦٢).","vol":"1","page":139},{"text":"ويراد باللفظ القول الذي يلفظ به اللافظ، وذلك كلام الله لا كلام القارئ، فمن قال إنه مخلوق فقد قال إن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وإن هذا الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول\" (^١).\nوقال أيضًا: و\"اللفظ\" في الأصل مصدر لفظ يلفظ لفظًا، وكذلك \"التلاوة\" و\"القراءة\" مصدران، لكن شاع استعمال ذلك في نفس الكلام الملفوظ المقروء المتلو، وهو المراد باللفظ في إطلاقهم.\nفإذا قيل: لفظي أو اللفظ بالقرآن مخلوق، أشعر أنّ هذا القرآن الذي يقرؤه ويلفظ به مخلوق.\nوإذا قيل: لفظي غير مخلوق أشعر أن شيئًا مما يضاف إليه غير مخلوق، وصوته وحركته مخلوقان، لكن كلام الله الذي يقرؤه غير مخلوق\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٧٤).\n(^٢) المصدر السابق (١٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧).","vol":"1","page":140},{"text":"وقال أيضًا: \"ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة والكتابة ونحو ذلك لما كان يُراد به المصدر الذي هو حركات العباد وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد.\nويراد به نفس الكلام الذي يقرؤه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه، منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق.\nوقال أحمد: نقول: القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف، أي حيث تُلي وكتب وقرئ مما هو في نفس الأمر كلام الله، فهو كلامه، وكلامه غير مخلوق.\nوما كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرؤون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق، ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار؛ فإنه معلوم أن القرآن واحد، ويقرؤه خلق كثير، والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما يكثر ما يقرؤون به القرآن، فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق، والقرآن نفسه لفظه ومعناه الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله، وسمعه محمد من جبريل، وبلغه محمد إلى الناس وأنذر به الأمم، لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] قرآن واحد، وهو كلام الله ليس بمخلوق\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"1","page":141},{"text":"وقال أيضًا: \"التلاوة والقراءة \"كاللفظ قد يراد به مصدر تلا يتلو تلاوة وقرأ يقرأ قراءة ولفظ يلفظ لفظًا، ومسمى المصدر هو فعل العبد وحركاته، ... وقد يراد باللفظ الملفوظ، وبالتلاوة المتلو، وبالقراءة المقروء، وهو القول المسموع وذلك هو المتلو، ومعلوم أن القرآن المتلو الذي يتلوه العبد ويلفظ به غير مخلوق، وقد يراد بذلك مجموع الأمرين. فلا يجوز إطلاق الخلق على الجميع، ولا نفي الخلق عن الجميع\" (^١).\nوقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: \"ومعلوم أنّ التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه.\nفلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين؛ إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ مُوهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":142},{"text":"وقال أيضًا في ترجمة الحسين الكرابيسي: \"وكان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ولفظي به مخلوق، فإن عنى التلفظ فهذا جيد، فإنّ أفعالنا مخلوقة، وإن قصد الملفوظ بأنه مخلوق، فهذا الذى أنكره أحمد والسلف وعدّوه تجهّمًا\" (^١).\nوقال أيضًا بعد أن ذكر قول أحمد بن صالح المصري \"لفظنا بالقرآن هو الملفوظ، والحكاية هي المحكي، وهو كلام الله غير مخلوق، من قال: لفظي به مخلوق، فهو كافر.\n\"قلتُ: إن قال: لفظي، وعنى به القرآن، فنعم، وإن قال: لفظي، وقصد به تلفظي وصوتي وفِعْلي أنه مخلوق، فهذا مصيب، فالله تعالى خالقنا وخالق أفعالنا وأدواتنا، ولكن الكف عن هذا هو السنة.\nويكفي المرء أن يؤمن بأن القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله على قلب نبيه، وأنه غير مخلوق، ومعلوم عند كل ذي ذهن سليم أن الجماعة إذا قرؤوا السورة أنهم جميعهم قرؤوا شيئًا واحدًا، وأن أصواتهم وقراءاتهم وحناجرهم أشياء مختلفة، فالمقروء كلام ربهم، وقراءتهم وتلفظهم ونغماتهم متباينة، ومن لم يتصور الفرق بين التلفظ وبين الملفوظ، فدعه، وأعرض عنه\" (^٢).\n_________\n(^١) ميزان الاعتدال (١/ ٥٤٤) تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان.\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":143},{"text":"وقال أيضًا: \"اللفظ يطلق على ألفاظ القرآن، وكلماته، وحروفه، التي بلغها جبريل عن الله تعالى إلى نبيه - ﷺ -.\nفليس لجبريل ولا للنبي - ﷺ - في القرآن إلا مجرد البلاغ، ومحض الأداء من غير زيادة حرف فيه، ولا نقصان ولا تصرّف.\nويطلق اللفظ أيضًا على تلفّظ القارئ ونطقه وتلاوته للملفوظ المتلو المسموع. تقول: فلان حسن التلفظ، وعذب التلاوة، ومليح القراءة، ورديء الأداء، وبشع القراءة، ولا تقول: فلان حسن الملفوظ ولا المقروء\" (^١).\nوقال الحافظ ابن القيم: \"الإمامُ أحمد سدّ الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفيًا وإثباتًا على اللفظ ... وهذا المنع في النفي والإثبات من كمال علمه باللغة والسنة وتحقيقه لهذا الباب، فإنه امتحن به ما لم يمتحن به غيره، وصار كلامه قدوة وإماما لحزب الرسول - ﷺ - إلى يوم القيامة.\nوالذي قصده أحمد أنّ اللفظ يراد به أمران: أحدهما: الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له. الثاني: التلفظ به والأداء له وفعل العبد.\nفإطلاق الخلق على اللفظ قد يُوهم المعنى الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ، فمنع الإطلاقين\" (^٢).\n_________\n(^١) معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار (ص: ١٠٩) دار الكتب العلمية، ط/الأولى ١٤١٧ هـ- ١٩٩٧ م.\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٥١٢ - ٥١٣).","vol":"1","page":144},{"text":"وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: \"فأما الأئمة الذين نهوا عن ذلك [أي: قول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق] وضده -كأحمد بن حنبل، وأضرابه- فإنما نهوا عنه كراهية لما يلبس على عوام المسلمين، ويضارع ألفاظ أهل البدع، ويتولد منه المراء والتشويش\" (^١).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"واشتد إنكار الإمام أحمد ومن تبعه على من قال لفظي بالقرآن مخلوق ... وجمع ابن أبي حاتم أسماء من أطلق على اللفظية أنهم جهمية فبلغوا عددًا كثيرًا من الأئمة، وأفرد لذلك بابًا في كتابه الرد على الجهمية.\nوالذي يتحصل من كلام المحققين منهم أنهم أرادوا حسم المادة صونًا للقرآن أن يوصف بكونه مخلوقًا، وإذا حقق الأمر عليهم لم يفصح أحد منهم بأن حركة لسانه إذا قرأ قديمة\" (^٢).\nوقال الشيخ حافظ الحكمي: \"اشتهر عن السلف الصالح كأحمد بن حنبل وهارون الفروي وجماعة أئمة الحديث أن اللفظية جهمية، واللفظية هم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق.\nقال أئمة السنة رحمهم تعالى: ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، يعنون غير بدعية الجهمية؛ وذلك لأن اللفظ يطلق على معنيين:\n_________\n(^١) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (٤/ ٣٨٥).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ٤٩٢) ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ م.","vol":"1","page":145},{"text":"أحدهما: الملفوظ به وهو القرآن وهو كلام الله ليس فعلا للعبد ولا مقدورا له.\nوالثاني: التلفظ، وهو فعل العبد وكسبه وسعيه.\nفإذا أُطلق لفظ الخلق على المعنى الثاني شمل الأول وهو قول الجهمية، وإذا عُكس الأمر بأن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق شمل المعنى الثاني وهي بدعة أخرى من بدع الاتحادية.\nوهذا ظاهر عند كل عاقل، فإنك إذا سمعت رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تقول: هذا لفظ سورة الإخلاص، وتقول: هذا لفظ فلان بسورة الإخلاص، إذ اللفظ معنى مشترك بين التلفظ الذي هو فعل العبد، وبين الملفوظ به الذي هو كلام الله - ﷿ -.\nوهذا بخلاف ما ذكر السلف بقولهم: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري، فإن الصوت معنى خاص بفعل العبد لا يتناول المتلو المؤدى بالصوت البتة، ولا يصلح أن تقول هذا صوت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ولا يقول ذلك عاقل، وإنما تقول: هذا صوت فلان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ونحو ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) معارج القبول بشرح سلم الوصول (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣) المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم - الدمام، ط/ الأولى، ١٤١٠ هـ- ١٩٩٠ م.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>هل ثبت عن الإمام البخاري\nأنه قال: \"لفظي بالقرآن مخلوق</span>\"؟\nلم يثبت عن الإمام البخاري أنه قال: \"لفظي بالقرآن مخلوق\"، بل الثابت عنه تكذيب من حكى عنه أنه قال ذلك، فقد ساق الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي بسنده إلى أبي عمرو أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالخفاف أنه قال: كنا يومًا عند أبي إسحاق القرشي ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل، فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أنّي قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله.\nفقلت له: يا أبا عبد الله فقد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: ليس إلا ما أقول وأحكي لك عنه.\nقال أبو عمرو الخفاف: فأتيت محمد بن إسماعيل فناظرته في شيء من الحديث حتى طابت نفسه فقلت له: يا أبا عبد الله هاهنا رجل يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة.\nفقال لي: يا أبا عمرو احفظ ما أقول: من زعم - من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والمدينة ومكة والبصرة - أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كذاب، فإني لم أقل هذه المقالة، إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة\" (^١).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٣٩٦).","vol":"1","page":147},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: \"قد صح عنه [أي: البخاري] أنه تبرّأ من هذا الإطلاق، فقال: كل من نقل عني أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب عليّ، وإنما قلت: أفعال العباد مخلوقة.\nأخرج ذلك غنجار في ترجمة البخاري من تاريخ بخارى بسند صحيح إلى محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور أنه سمع البخاري يقول ذلك، ومن طريق أبي عمر وأحمد بن نصر النيسابوري الخفاف أنه سمع البخاري يقول ذلك\" (^١).\nوالسبب الذي جعل بعضهم يحكي عن الإمام البخاري أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أن الإمام البخاري سُئل عن اللفظ بالقرآن؟ فقال: \"أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا\"، ففهِم بعضُ من حضر مجلسه أنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق.\nففي تاريخ نيسابور للحاكم أن الإمام البخاري لما قدِم نيسابور ازدحم الناس عليه، حتى امتلأ السطح والدار، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث، قام إليه رجل، فسأله عن اللفظ بالقرآن؟ فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا.\n_________\n(^١) فتح الباري (١٣/ ٥٣٥).","vol":"1","page":148},{"text":"فوقع بينهم اختلاف، فقال بعض الناس: قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقل، فوقع بينهم في ذلك اختلاف حتى قام بعضهم إلى بعض، فاجتمع أهل الدار وأخرجوهم (^١).\nوحكى الحافظ الذهبي في ترجمة الإمام البخاري قول محمد بن شادل له: هذه المسألة التي تحكى عنك؟ قال: يا بني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبل، وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها.\nثم قال: \"قلتُ: \"المسألةُ هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري، فوقف فيها، فلما وقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة، واستدل لذلك، فهِم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ، فتكلم فيه، وأخذه بلازم قوله هو وغيره\" (^٢).\nإذًا لم يثبت عن الإمام البخاري أنه قال: \"لفظي بالقرآن مخلوق\"، وإنما الثابت عنه أنه قال: \"أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا\".\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٥٨)، فتح الباري (١/ ٤٩٠)\n(^٢) المصدر السابق (١٢/ ٤٥٧).","vol":"1","page":149},{"text":"ولا شك أنّ مراده بألفاظنا حركاتُنا وأصواتُنا، وهي بلا ريب مخلوقة، إذ هي من أفعالنا، وقد بيّن ذلك وأوضحه تمام الوضوح في كتابه خلق أفعال العباد، حيث قال - ﵀ -: \"سمعت عبد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة.\nقال أبو عبد الله: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق قال الله ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، ... قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣]، وَقَالَ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، فَذَكَرَ أَنَّهُ يُحْفَظُ وَيُسْطَرُ قَالَ: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] \" (^١).\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد (ص: ٤٧).","vol":"1","page":150},{"text":"فالإمام البخاري بيّن مراده باللفظ وأنه هو فعل العبد، وهو مخلوق قطعًا، ولم يُرد باللفظ القرآن العربي، المنزل، المثبت في المصاحف، بل صرّح - كما في النص السابق - أنّ ذلك كلام الله ليس بمخلوق.\nوبالتالي فالإمام البخاري لم يكن اعتقاده في اللفظ هو نفس اعتقاد اللفظية القائلين: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؛ إذ هم يقصدون باللفظ القرآن الذي جاء به جبريل، المؤلّف من الحروف العربية، المثبت في المصاحف، ويعتقدون أن ذلك مخلوق.\nأما الإمام البخاري فيعتقد أنّ ذلك كلام الله غير مخلوق كما في النص السابق، وأقواله في أنّ القرآن العربي المنزل غير مخلوق كثيرة، من ذلك ما تقدم وما سيأتي قريبًا (^١).\nومن ذلك قوله: \"القرآن من أوله إلى آخره كلام اللَّه ليس شيء منه مخلوق، ومن قَالَ: إنه مخلوق أو شيء منه مخلوق فهو كافر\" (^٢).\nومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتابه خلق أفعال العباد، فقد صرّح فيه بأن القرآن المنزل غير مخلوق، وأنه من الله بدأ وإليه يعود، وأن الله تعالى يتكلم بصوت.\n_________\n(^١) انظر بعض أقوال الإمام البخاري في ذلك في الفقرة الآتية بعنوان: مراد من قال من أهل السنة: التلاوة غير المتلو.\n(^٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":151},{"text":"قال الحافظ الذهبي: \"وأما البخاري، فكان من كبار الأئمة الأذكياء، فقال: ما قلتُ: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله، غير مخلوق. وصنف في ذلك كتاب (أفعال العباد) مجلد، فأنكر عليه طائفة، وما فهموا مرامه كالذهلي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي بكر الأعين، وغيرهم\" (^١).\nوقال الحافظ ابن القيم: \"وأبو عبد الله البخاري ميّز وفصل وأشبع الكلام في ذلك، وفرّق بين ما قام بالرب وبين ما قام بالعبد، وأوقع المخلوق على تلفّظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم، ونفى اسم الخلق عن الملفوظ وهو القرآن الذي سمعه جبرائيل من الله تعالى، وسمعه محمد من جبرائيل، وقد شفى في هذه المسألة في كتاب (خلق أفعال العباد) وأتى فيها من الفرقان والبيان بما يزيل الشبهة، ويوضح الحق، ويبين محله من الإمامة والدين، وردّ على الطائفتين أحسن الرد\" (^٢).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٥١١).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٥١٣).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>تلخيص شيخ الإسلام ابن تيمية\nللخلاف والافتراق في مسألة اللفظ بالقرآن\nوما فيها من اللبس، وبيان الحق في ذلك</span>\nاختلف أهل الحديث والسنة في مسألة اللفظ بالقرآن، لما فيها من الغموض والدقة، وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات، مع أنّ ما اختلفوا فيه لا يقطع الألفة، وأكثره خلاف لفظي؛ لأنهم مجمعون\n-كما تقدم- أنّ القرآن غير مخلوق كيفما تصرّف، متلوًا، ومسموعًا، ومحفوظًا، ومكتوبًا.\nقال الإمام أبو محمد بن قتيبة: \"اختلاف أهل الحديث في اللفظ بالقرآن ... وليس ما اختلفوا فيه مما يقطع الألفة، ولا مما يوجب الوحشة؛ لأنهم مجمعون على أصل واحد وهو (القرآن كلام الله غير مخلوق) في كل موضع، وبكل جهة، وعلى كل حال\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومسألة اللفظ بالقرآن قد اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل، وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة ... والنزاع بينهم في كثير من المواضع لفظي\" (^٢).\n_________\n(^١) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (ص: ٥٧) المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، دار الراية، ط/ الأولى ١٤١٢ هـ- ١٩٩١ م.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤).","vol":"1","page":153},{"text":"وقد شرح شيخُ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع مسألةَ اللفظ بالقرآن، وبيّن ما فيها من اللبس، وبيّن ما جرى بين علماء السنة فيها، وفصّل وجه الحق فيها، وما في كلمتي \"اللفظ\" و\"التلاوة\" من الإجمال، وبيّن وجه إنكار السلف على الطائفتين الذين يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق، والذين يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، وسنقتصر هنا على إيراد كلامه في درء تعارض العقل والنقل حول هذه المسألة، وسنورده بألفاظه وحروفه مع اختصار يسير لا يخلّ بالمطلوب.\nقال - ﵀ - تعالى: \"وكذلك مسألة اللفظ، فإنه لما كان السلف والأئمة متفقين على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد علم المسلمون أن القرآن بلغه جبريل عن الله إلى محمد - ﷺ -، وبلغه محمد إلى الخلق، وأن الكلام إذا بلّغه المبلِّغ عن قائله لم يخرج عن كونه كلام المبلَّغ عنه، بل هو كلام لمن قاله مبتدئًا، لا كلام من بلغه عنه مؤديًا.","vol":"1","page":154},{"text":"فالنبي - ﷺ - إذا قال «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وبلّغ هذا الحديث عنه واحد بعد واحد حتى وصل إلينا كان من المعلوم أنا إذا سمعناه من المحدِّث به إنما سمعنا كلام رسول الله - ﷺ - الذي تكلم به بلفظه ومعناه، وإنما سمعناه من المبلِّغ عنه بفعله وصوته، ونفس الصوت الذي تكلّم به النبي - ﷺ - لم نسمعه، وإنما سمعنا صوت المحدِّث عنه، والكلام كلام رسول الله - ﷺ -، لا كلام المحدِّث.\nفمن قال: إن هذا الكلام ليس كلام رسول الله - ﷺ -، كان مفتريًا، وكذلك من قال: إن هذا لم يتكلم به رسول الله - ﷺ -، وإنما أحدثه في غيره، أو إن النبي - ﷺ - لم يتكلم بلفظه وحروفه، بل كان ساكتًا أو عاجزًا عن التكلم بذلك، فعَلِم غيرُه ما في نفسه، فَنَظَم هذه الألفاظ ليعبّر بها عما في نفس النبي - ﷺ -، ونحو هذا الكلام، فمن قال هذا كان مفتريًا.\nومن قال: إن هذا الصوت المسموع صوت النبي - ﷺ - كان مفتريًا.\nفإذا كان هذا معقولًا في كلام المخلوق، فكلام الخالق أولى بإثبات ما يستحقه من صفات الكمال، وتنزيه الله أن تكون صفاته وأفعاله هي صفات العباد وأفعالهم، أو مثل صفات العباد وأفعالهم.","vol":"1","page":155},{"text":"فالسلف والأئمة كانوا يعلمون أنّ هذا القرآن المنزل المسموع من القارئين كلام الله، كما قال تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ليس هو كلامًا لغيره، لا لفظه ولا معناه، ولكن بلّغه عن الله جبريل، وبلّغه محمد رسول الله عن جبريل، ولهذا أضافه الله إلى كل من الرسولين، لأنه بلّغه وأداه، لا لأنه أحدث لا لفظه ولا معناه، إذ لو كان أحدهما هو الذي أحدث ذلك لم يصح إضافة الإحداث إلى الآخر، فقال تعالى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٤٠ - ٤٣]، فهذا محمد - ﷺ -. وقال تعالى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، فهذا جبريل - ﵇ -.\nوقد توعد الله تعالى من قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فمن قال: إن هذا القرآن قول البشر فقد كفر، وقال بقول الوحيد الذي أوعده الله سقر، ومن قال: إن شيئًا منه قول البشر فقد قال ببعض قوله، ومن قال: إنه ليس بقول رسول كريم، وإنما هو قول شاعر أو مجنون أو مفتر، أو قال: هو قول شيطان نزل به عليه ونحو ذلك، فهو أيضًا كافر ملعون.","vol":"1","page":156},{"text":"وقد علم المسلمون الفرق بين أن يُسمع كلامُ المتكلِّم منه أو من المبلِّغ عنه، وأن موسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة، وأنا نحن نسمع كلام الله من المبلِّغين عنه، وإذا كان الفرق ثابتًا بين من سمع كلام النبي - ﷺ - منه وبين من سمعه من الصاحب المبلِّغ عنه، فالفرق هنا أولى، لأنّ أفعال المخلوق وصفاته أشبه بأفعال المخلوق وصفاته، من أفعاله وصفاته بأفعال الله وصفاته.\nولما كانت الجهمية يقولون: إن الله لم يتكلم في الحقيقة بل خلق كلامًا في غيره، ومن أطلق منهم أن الله تكلم حقيقة، فهذا مراده، فالنزاع بينهم لفظي، كان من المعلوم أن القائل إذا قال: هذا القرآن مخلوق كان مفهوم كلامه أن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وأنه ليس هو كلامه، بل خلقه في غيره، وإذا فسّر مراده بأني أردت أن حركات العبد وصوته والمداد مخلوق، كان هذا المعنى - وإن كان صحيحًا - ليس هو مفهوم كلامه، ولا معنى قوله، فإن المسلمين إذا قالوا: هذا القرآن كلام الله لم يريدوا بذلك أن أصوات القارئين وحركاتهم قائمة بذات الله، كما أنهم إذا قالوا: هذا الحديث حديث رسول الله - ﷺ - لم يريدوا بذلك أن حركات المحدِّث وصوته قامت بذات رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":157},{"text":"فمن قال: إن هذا القرآن مخلوق أو إن القرآن المنزل مخلوق، أو نحو هذه العبارات، كان بمنزلة من قال: إن هذا الكلام ليس هو كلام الله، وبمنزلة من قال عن الحديث المسموع من المحدّث: إن هذا ليس كلام رسول الله - ﷺ -، وإن النبي - ﷺ - لم يتكلم بهذا الحديث، ومعلوم أن هذا كله باطل.\nثم إن هؤلاء صاروا يقولون: هذا القرآن المنزل المسموع هو تلاوة القرآن وقراءته، وتلاوة القرآن مخلوقة، وقراءة القرآن مخلوقة. ويقولون: تلاوتنا للقرآن مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، ويُدخلون في ذلك نفس الكلام المسموع، ويقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق، ويُدخلون في ذلك القرآن الملفوظ المتلو المسموع.\nفأنكر الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة هذا، وقالوا: اللفظية جهمية، وقالوا: افترقت الجهمية ثلاث فرق: فرقة قالت: القرآن مخلوق، وفرقة قالت: نقف فلا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وفرقة قالت: تلاوة القرآن واللفظ بالقرآن مخلوق.","vol":"1","page":158},{"text":"فلما انتشر ذلك عن أهل السنة غلطت طائفة فقالت: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، وتلاوتنا له غير مخلوقة، فبدَّع الإمامُ أحمد هؤلاء، وأمر بهجرهم.\nولهذا ذكر الأشعري في مقالاته هذا عن أهل السنة وأصحاب الحديث، فقال: والقول باللفظ والوقف عندهم بدعة، من قال اللفظ بالقرآن مخلوق فهو مبتدع عندهم، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع.\nوكذلك ذكر محمد بن جرير الطبري في صريح السنة أنه سمع غير واحد من أصحابه يذكر عن الإمام أحمد أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع.\nوكان أهل الحديث قد افترقوا في ذلك، فصار طائفة منهم يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، ومرادهم أن القرآن المسموع غير مخلوق، وليس مراده صوت العبد، كما يذكر ذلك عن أبي حاتم الرازي، ومحمد بن داود المصيصي، وطوائف غير هؤلاء.","vol":"1","page":159},{"text":"وفي أتباع هؤلاء من قد يُدخل صوت العبد أو فعله في ذلك، أو يقف فيه، ففهم ذلك بعض الأئمة، فصار يقول: أفعال العباد أصواتهم مخلوقة، ردًا لهؤلاء، كما فعل البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل العلم والسنة.\nوصار يحصل بسبب كثرة الخوض في ذلك ألفاظ مشتركة، وأهواء للنفوس، حصل بسبب ذلك نوع من الفرقة والفتنة، وحصل بين البخاري وبين محمد بن يحيى الذهلي في ذلك ما هو معروف، وصار قوم مع البخاري كمسلم بن الحجاج نحوه، وقوم عليه كأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين وغيرهما.\nوكل هؤلاء من أهل العلم والسنة والحديث، وهم من أصحاب أحمد بن حنبل، ولهذا قال ابن قتيبة: إن أهل السنة لم يختلفوا في شيء من أقوالهم إلا في مسألة اللفظ.","vol":"1","page":160},{"text":"وصار قوم يُطلِقون القول بأنّ التلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، وليس مرادهم بالتلاوة المصدر، ولكن الإنسان إذا تكلّم بالكلام فلا بد له من حركة، ومما يكون عن الحركة من أقواله التي هي حروف منظومة ومعان مفهومة، والقول والكلام يراد به تارة المجموع فتدخل الحركة في ذلك، ويكون الكلام نوعًا من العمل وقسمًا منه، ويراد به تارةً ما يقترن بالحركة ويكون عنها، لا نفس الحركة، فيكون الكلام قسيمًا للعمل، ونوعًا آخر ليس هو منه. ولهذا تنازع العلماء في لفظ العمل المطلق: هل يدخل فيه الكلام؟ على قولين معروفين لأصحاب أحمد وغيرهم.\nفالذين قالوا التلاوة هي المتلو من أهل العلم والسنة قصدوا أن التلاوة هي القول والكلام المقترن بالحركة، وهي الكلام المتلو.\nوآخرون قالوا: بل التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، والذين قالوا ذلك من أهل السنة والحديث أرادوا بذلك أن أفعال العباد ليس هي كلام الله، ولا أصوات العباد هي صوت الله، وهذا الذي قصده البخاري، وهو مقصود صحيح.\nوسبب ذلك أن لفظ: التلاوة، والقراءة، واللفظ، مجمل مشترك: يراد به المصدر، ويراد به المفعول.","vol":"1","page":161},{"text":"فمن قال: اللفظ ليس هو الملفوظ، والقول ليس هو المقول، وأراد باللفظ والقول المصدر، كان معنى كلامه أن الحركة ليست هي الكلام المسموع، وهذا صحيح.\nومن قال اللفظ هو الملفوظ، والقول هو نفسه المقول، وأراد باللفظ والقول مسمى المصدر، صار حقيقة مراده أن اللفظ والقول هو الكلام المقول الملفوظ، وهذا صحيح.\nفمن قال: اللفظ بالقرآن - أو القراءة أو التلاوة - مخلوقة، أو لفظي بالقرآن، أو تلاوتي، دخل في كلامه نفس الكلام المقروء المتلو، وذلك هو كلام الله تعالى، وإن أراد بذلك مجرد فعله وصوته كان المعنى صحيحًا، لكن إطلاق اللفظ يتناول هذا وغيره، ولهذا قال أحمد في بعض كلامه: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي احترازًا عما إذا أراد به فعله وصوته.\nوذكر اللالكائي أنّ بعض من كان يقول ذلك رأى في منامه كأن عليه فروة ورجل يضربه، فقال له: لا تضربني، فقال: إني لا أضربك، وإنما أضرب الفروة، فقال: إن الضرب إنما يقع ألمه عليّ، فقال: هكذا إذا قلتَ: لفظي بالقرآن مخلوق وقع الخلق على القرآن.","vol":"1","page":162},{"text":"ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، أو تلاوتي، دخل في ذلك المصدر الذي هو عمله، وأفعال العباد مخلوقة، ولو قال: أردت به أن القرآن المتلو غير مخلوق، لا نفس حركاتي قيل له: لفظك هذا بدعة، وفيه إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك صحيحًا، كما يقال للأول إذا قال أردت أنّ فعلي مخلوق: لفظك أيضًا بدعة، وفيه إجمال وإيهام وإن كان مقصودك صحيحًا.\nفلهذا منع أئمة السنة الكبار إطلاق هذا وهذا، وكان هذا وسطًا بين الطرفين، وكان أحمد وغيره من الأئمة يقولون: القرآن حيث تصرّف كلام الله غير مخلوق، فيجعلون القرآن نفسه حيث تصرف غير مخلوق، من غير أن يقترن بذلك ما يشعر أن أفعال العباد وصفاتهم غير مخلوقة.\nوصارت كل طائفة من النفاة والمثبتة في مسألة التلاوة تحكي قولها عن أحمد، وهم كما ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال: إن كل واحدة من هاتين الطائفتين تذكر قولها عن أحمد وهم لا يفقهون قوله لدقة معناه.","vol":"1","page":163},{"text":"ثم صار ذلك التفرق موروثًا في أتباع الطائفتين، فصارت طائفة تقول: إن اللفظ بالقرآن غير مخلوق، موافقة لـ أبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي وأمثالهما كأبي عبد الله بن منده وأهل بيته، وأبي عبد الله بن حامد، وأبي نصر السجزي، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي يعقوب الفرات الهروي وغيرهم.\nوقوم يقولون نقيض هذا القول من غير دخول في مذهب ابن كلاب.\nمع اتفاق الطائفتين على أنّ القرآن كله كلام الله، لم يُحدث غيرُه شيئًا منه، ولا خَلق منه شيئًا في غيره، لا حروفه، ولا معانيه، مثل حسين الكرابيسي وداود بن علي الأصبهاني وأمثالهما.\nوحدث مع هذا من يقول بقول ابن كلاب إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس المتكلم، هو الأمر بكل ما أمر به، والنهي عن كل ما نهى عنه، والإخبار بكل ما أخبر به، وإنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة.\nوجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك، وقالوا: إن فساد هذا معلوم بصريح العقل فإن التوراة إذا عرّبت لم تكن هي القرآن، ولا معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].","vol":"1","page":164},{"text":"وكان يوافقهم على إطلاق القول بأن التلاوة غير المتلو وأنها مخلوقة، من لا يوافقهم على هذا المعنى، بل قصده أن التلاوة هي أفعال العباد وأصواتهم.\nوصار أقوام يُطلقون القول بأن التلاوة غير المتلو، وأن اللفظ بالقرآن مخلوق، فمنهم من يعرف أنه موافق لابن كلاب، ومنهم من يعرف مخالفته له، ومنهم من لا يعرف منه لا هذا ولا هذا.\nوصار أبو الحسن الأشعري ونحوه - ممن يوافق ابن كلاب على قوله - موافقًا للإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في المنع من إطلاق هذا وهذا، فيمنعون أن يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، وهؤلاء منعوه من جهة كونه يقال في القرآن: إنه يُلفظ أو لا يلفظ، وقالوا اللفظ: الطرح والرمي، ومثل هذا لا يقال في القرآن. ووافق هؤلاء على التعليل بهذا طائفة ممن لا يقول بقول ابن كلاب في الكلام كالقاضي أبي يعلى وأمثاله، ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبد الله بن منده في ذلك ما هو معروف، وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظية والحلولية، ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة، كما مال ابن منده إلى جانب من يقول إنها غير مخلوقه، وحكى كل منهما عن الأئمة ما يدل على كثير من مقصوده لا على جميعه، فما قصده كل منهما من الحق وجد فيه من المنقول الثابت عن الأئمة ما يوافقه.","vol":"1","page":165},{"text":"وكذلك وقع بين أبي ذر الهروي وأبي نصر السجزي في ذلك، حتى صنف أبو نصر السجزي كتابه الكبير في ذلك المعروف بالإبانة، وذكر فيه من الفوائد والآثار والانتصار للسنة وأهلها أمورًا عظيمة المنفعة، لكنه نصر فيه قول من يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنكر على ابن قتيبة وغيره ما ذكروه من التفصيل، ورجح طريقة من هجر البخاري، وزعم أنّ أحمد بن حنبل كان يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنه رجع إلى ذلك، وأنكر ما نقله الناس عن أحمد من إنكاره على الطائفتين، وهي مسألة أبي طالب المشهورة.\nوليس الأمر كما ذكره، فإن الإنكار على الطائفتين مستفيض عن أحمد عند أخص الناس به من أهل بيته وأصحابه الذين اعتنوا بجمع كلام الإمام أحمد، كـ المروزي والخلال وأبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهم، وقد ذكروا من ذلك ما يعلم كل عارف له أنه من أثبت الأمور عن أحمد\" (^١).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٦ - ٢٦٩).","vol":"1","page":166},{"text":"مراد من قال من أهل السنة والحديث:\n\"التلاوة هي المتلو\"، أو \"التلاوة غير المتلو\"\nمن قال من أهل السنة والحديث: التلاوة هي المتلو، فمرادهم بالتلاوة الكلام المتلو- الذي هو حروف منظومة ومعان مفهومة - المقترن بالحركة، وليس مرادهم بالتلاوة أصوات العباد وحركاتهم وأفعالهم.\nومَن فرّق من أهل السنة -كالإمام البخاري - بين التلاوة والمتلو، فمرادهم بالتلاوة فِعْلُ العبد الذي هو صوته وحركاته لا الكلام المؤلّف من الحروف، ومرادهم بالمتلو القرآن العربي الذي نزل به جبريل على نبينا محمد - ﷺ -، المُثبَت في المصاحف.\nقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: \"سمعت عبد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة.\nقال أبو عبد الله: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق\" (^١).\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد (ص: ٤٧).","vol":"1","page":167},{"text":"وقال أيضًا: \"وقال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] ولكنه كلامُ الله تلفِظُ به العبادُ والملائكةُ\" (^١).\nوقال أيضًا: \"قال النبي - ﷺ - «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فأوضح أن قراءة القارئ وتلاوته غير المقروء والمتلو، وإنما المتلو فاتحة الكتاب لا اختلاف فيه بين أهل العلم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وقد كتب النبي - ﷺ - كتابًا فيه: \"وقرأه ترجمان قيصر على قيصر وأصحابه، ولا نشك في قراءة الكفار وأهل الكتاب أنها أعمالهم، وأما المقروء فهو كلام الله العزيز المنان ليس بمخلوق\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"قال النبي - ﷺ - «اقرؤوا إن شئتم» فالقراءة لا تكون إلا من الناس وقد تكلّم الله بالقرآن من قبل، وكلامه قبل خلقه، ...\nوقد يقال: فلان حسن القراءة، ورديء القراءة، ولا يقال: حسن القرآن، ورديء القرآن، وإنما نُسب إلى العباد القراءة لا القرآن؛ لأن القرآن كلام الرب جل ذكره، والقراءة فعل العبد\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٧٠).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٠٥).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ١٠٢).\n(^٤) المصدر السابق (ص: ٧٤ - ٧٥).","vol":"1","page":168},{"text":"وقال أيضًا: \"مع أنّ الجهمية والمعطلة إنما ينازعون أهل العلم على قول الله، إن الله لا يتكلم وإن تكلم فكلامه خلق، ... فالمقروء هو كلام الرب الذي قال لموسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] إلا المعتزلة فإنهم ادعوا أن فعل الله مخلوق، وأنّ أفعال العباد غير مخلوقة، وهذا خلاف علم المسلمين\" (^١).\nوقال الإمام ابن جرير الطبري: \"وكذلك القول في قائل لو قال: (قراءتي القرآن مخلوقةً) وزعم أنه يريد بذلك القرآن مخلوقٌ: فكافرٌ لا شك فيه عندنا، ولا أحسب أحدًا أُعطي شيئًا من الفهم والعقل يزعم ذلك أو يقوله.\nفأما إن قال: أعني بقول (قراءتي): فِعْلِي الذي يأجرني الله عليه، والذي حدث مني بعد أن لم يكن موجودًا، لا القرآن الذي هو كلام الله - تعالى ذكره- الذي لم يزل صفةً قبل كون الخلق جميعًا، ولا يزال بعد فنائهم الذي هو غير مخلوقٍ.\nفإن القول فيه نظير القول في الزاعم أن ذكره الله -جل ثناؤه- بلسانه مخلوقٌ، يعني بذلك فعله لا ربه الذي خلقه وخلق فعله\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٧٤ - ٧٥).\n(^٢) التبصير في معالم الدين (ص: ١٥٢).","vol":"1","page":169},{"text":"وقال الإمام عبد الواحد الشيرازي: \"والتلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، ونريد بهذا هو أنّ ما نسمع من القارئ هو نفس كلام الله، لا تلاوته وقراءته\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: و\"التلاوة\" قد يراد بها نفس الكلام الذي يتلى، وقد يراد بها نفس حركة العبد، وقد يراد بها مجموعهما.\nفإذا أُريد بها الكلام نفسه الذي يُتلى فالتلاوة هي المتلو، وإذا أُريد بها حركة العبد فالتلاوة ليست هي المتلو، وإذا أريد بها المجموع فهي متناولة للفعل والكلام فلا يطلق عليها أنها المتلو ولا أنها غيره\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فالذين قالوا: التلاوة هي المتلو من أهل العلم والسنة قصدوا أنّ التلاوة هي القول والكلام المقترن بالحركة، وهي الكلام المتلو.\nوآخرون قالوا: بل التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، والذين قالوا ذلك من أهل السنة والحديث أرادوا بذلك أنّ أفعال العباد ليس هي كلام الله، ولا أصوات العباد هي صوت الله، وهذا الذي قصده البخاري، وهو مقصود صحيح.\n_________\n(^١) التبصرة في أصول الدين (ص: ٩٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠٧).","vol":"1","page":170},{"text":"وسبب ذلك أن لفظ: التلاوة، والقراءة، واللفظ، مجمل مشترك: يراد به المصدر، ويراد به المفعول.\nفمن قال: اللفظ ليس هو الملفوظ، والقول ليس هو المقول وأراد باللفظ والقول المصدر، كان معنى كلامه أنّ الحركة ليست هي الكلام المسموع، وهذا صحيح.\nومن قال: اللفظ هو الملفوظ، والقول هو نفسه المقول، وأراد باللفظ والقول مسمى المصدر، صار حقيقة مراده أنّ اللفظ والقول المراد به هو الكلام المقول الملفوظ، وهذا صحيح ... \" (^١).\nوقال أيضًا: \"وصار قوم [أي: من أهل الحديث والسنة] يُطلقون القول بأنّ التلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، وليس مرادهم بالتلاوة المصدر، ولكن الإنسان إذا تكلّم بالكلام فلا بد له من حركة، ومما يكون عن الحركة من أقواله التي هي حروف منظومة ومعان مفهومة.\nوالقولُ والكلامُ يراد به تارة المجموع فتدخل الحركة في ذلك، ويكون الكلام نوعًا من العمل وقسمًا منه، ويراد به تارةً ما يقترن بالحركة ويكون عنها، لا نفس الحركة، فيكون الكلام قسيمًا للعمل، ونوعًا آخر ليس هو منه\" (^٢).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٦٤).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":171},{"text":"المراد بقول ابن كلاب ومن تبعه:\n\"التلاوة غير المتلو\"\nتقدم أنّ الذين قالوا من أهل السنة والحديث: التلاوة هي المتلو، قصدوا بالتلاوةِ القولَ -الذي هو حروف منظومة ومعان مفهومة- المقترن بالحركة، وهي الكلام المتلو، وليس مقصودهم بالتلاوة أصوات العباد وحركاتهم وأفعالهم.\nوأنّ مَن فرّق من أهل السنة -كالإمام البخاري - بين التلاوة والمتلو، فمرادهم بالتلاوة فِعْلُ العبد الذي هو صوته وحركاته، ومرادهم بالمتلو القرآن العربي الذي نزل به جبريل على نبينا محمد - ﷺ -، المُثبَت في المصاحف.\nأما ابنُ كلاب ومن تبعه فإنهم إذا قالوا: التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، فإنّ مرادهم بالتلاوة والقراءة القرآن العربي الموجود بين دفتي المصحف، وأن الله تعالى لم يتكلم به، ويقصدون بالمتلو والمقروء الصفة القديمة القائمة بالذات.","vol":"1","page":172},{"text":"قال الإمام أبو الحسن الأشعري: \"فأما عبد الله بن كلاب فالقراءة عنده هي غير المقروء، والمقروء قائم بالله\" (^١).\nوقال القاضي أبو بكر الباقلاني الأشعري: \"التلاوة غير المتلو، لأن التلاوة فعل الرسول وهو المأمور بها، والمتلو كلامه القديم، ولم يأمره أن يأتي بكلامه القديم؛ لأن ذلك لا يتصور الأمر به ولا يدخل تحت قدرة مخلوق، إنما أمر بتلاوة كلامه، كما أُمر بعبادته، وعبادته غيره، فكذلك تلاوة كلامه غير كلامه، فحصل من هذا: تال وهو الرسول - ﷺ -، وتلاوته صفة له. ومتلو: وهو كلام الله القديم الذي هو صفة له\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"كذلك القراءة صفة القارئ التي هي له عبادة وطاعة، والمقروء كلام الله القديم الموجود قبل القارئ وقبل قراءته\" (^٣).\nوقال أبو حامد الغزالي: \"فنقول: ها هنا ثلاثة ألفاظ: قراءة، ومقروء، وقرآن. أما المقروء فهو كلام الله تعالى، أعني صفته القديمة القائمة بذاته\" (^٤).\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (٢/ ٤٣١) المحقق: نعيم زرزور، المكتبة العصرية، ط/ الأولى، ١٤٢ هـ - ٢٠٠٥ م.\n(^٢) الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به (ص: ٧٧) تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث.\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٨٣).\n(^٤) الاقتصاد في الاعتقاد (ص: ٧٣) ـ.","vol":"1","page":173},{"text":"وقال أيضًا: \"فكل ما أورده المسلمون من وصف القرآن بما هو قديم، كقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، أرادوا به المقروء [أي: الصفة القديمة القائمة بذاته تعالى كما تقدم]، وكل ما وصفوه به مما لا يحتمله القديم، ككونه سورًا وآيات ولها مقاطع ومفاتح، أرادوا به العبارات الدالة على الصفة القديمة\" (^١).\nوقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني: \"والجواب أن يقال له [أي: الغزالي]: قد أقررت أن القرآن هو هذه السور والآيات، ودعواك أنّ المقروء هو كلام الله القائم بذاته غير مسلّم، ولا دليل له على ذلك من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل إجماعُ السلف أنّ لا قرآن إلا هذا المسموع المتلو\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وصار ابنُ كلاب يريد بالتلاوة القرآن العربي، وبالمتلو المعنى القائم بالذات، وهؤلاء إذا قالوا: التلاوة غير المتلو وهي مخلوقة: كان مرادهم أن الله لم يتكلم بالقرآن العربي، بل عندهم أن القرآن العربي مخلوق.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٧٣).\n(^٢) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٩٦).","vol":"1","page":174},{"text":"وهذا لم يقله أحد من أئمة السنة والحديث. ويظن هؤلاء أنهم يوافقون البخاري أو غيره ممن قد يفرّق بين التلاوة والمتلو وليس الأمر كذلك\" (^١).\nوقال أيضًا: \"لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة، صارت طائفة يقولون: إن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبرون عن ذلك باللفظ، فصاروا يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة، وليس مقصودهم مجرّد كلامهم وحركاتهم، بل يُدخلون في كلامهم نفس كلام الله الذي نقرأ بأصواتنا وحركاتنا\" (^٢).\nوقال حسن بن محمد العطار الأشعري: \"هذه الألفاظ دالة على الصفة النفسية القديمة، فالدال حادث والمدلول قديم، وهذا المدلول هو المراد بقولهم المقروء قديم\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٤).\n(^٢) المصدر السابق (٧٢/ ٦٥٥).\n(^٣) حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>ملحق فيه بعض الفوائد</span>\n* تظافر نصوص الكتاب والسنة على أن الله - ﷿ - يتكلم بمشيئته:\nلم يزل الله تعالى متكلمًا إذا شاء، وكلماته سبحانه لا نهاية لها، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩].\nوكلامه سبحانه متعلِّق بمشيئته، قال الإمام أحمد: \"إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء\" (^١).\nوسئل - ﷺ -: اللهُ يكلِّمُ عبده يوم القيامة؟ فقال: نعم، فمن يقضي بين الخلائق إلا الله ﷿؟! يكلّم عبده ويسأله، الله متكلّم، لم يزل الله متكلمًا، يأمر بما يشاء، ويحكم بما يشاء، وليس له عدل ولا مثل، كيف شاء وأين شاء\" (^٢).\nوقال الحافظ أبو نصر السجزي: \"فأما الله تعالى فإنه متكلّم فيما لم يزل، ولا يزال متكلمًا بما شاء من الكلام، يُسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلامه إذا شاء ذلك، ويكلم من شاء تكليمه بما يعرفه ولا يجهله، ...\n_________\n(^١) الرد على الجهمية والزنادقة (ص: ١٣٩) المحقق: صبري شاهين، دار الثبات للنشر والتوزيع، ط/ الأولى.\n(^٢) المسائل والرسالة المروية عن الإمام أحمد (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":176},{"text":"وكلامه أحسن الكلام، وفيه سور وآي وكلمات، وكل ذلك حروف، وهو مسموع منه على الحقيقة سماعًا يعقله الخلق، ولا كيفية لتكلّمه وتكليمه، وجائز وجود أعداد من المكلَّمين يكلّمهم سبحانه في حال واحدة بما يريده من كل واحد منهم، من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا\" (^١).\nونصوص الكتاب والسنة متظافرة على أنّ الله - ﷿ - يتكلم بمشيئته، وسنقتصر هنا على إيراد كلام الحافظ ابن القيم في بيان تظافر هذه النصوص وتكاثرها.\nقال - ﵀ -: \"وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].\nفـ (إذا) تخلص الفعل للاستقبال، (وأن) كذلك، (ونقول) فعل دال على الحال والاستقبال، و(كن) حرفان يسبق أحدهما الآخر، فالذي اقتضته هذه الآية هو الذي في صريح العقول والفطر.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"1","page":177},{"text":"وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء:١٦] الآية، سواء كان الأمر هاهنا أمر تكوين أو أمر تشريع فهو موجود بعد أن لم يكن، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف:١١]، وإنما قال لهم ﴿اسْجُدُوا﴾ [الأعراف:١١] بعد خلق آدم وتصويره.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] الآيات كلها، فكم من برهان يدل على أن التكلم هو الخطاب وقع في ذلك الوقت.\nوكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [القصص:٣٠]، والذي ناداه هو الذي قال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] وكذلك قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ [القصص:٦٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]، وقوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ [ق:٣٠] الآية، ومحال أن يقول سبحانه لجهنم: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق:٣٠]، وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] قبل خلقها ووجودها.","vol":"1","page":178},{"text":"وتأمل نصوص القرآن من أوله إلى آخره ونصوص السنة، ولا سيما أحاديث الشفاعة، وحديث المعراج وغيرها، كقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم الليلة»، وقوله: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة»، وقوله: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب». وقد أخبر الصادق المصدوق أنه يكلِّم ملائكته في الدنيا «فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي»، ويكلِّمهم يوم القيامة، ويكلِّم أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين يومئذ، ويكلِّم أهل الجنة في الجنة ويسلم عليهم في منازلهم، وأنه كل ليلة يقول: «من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، من يقرض غير عديم ولا ظلوم»، وقال النبي - ﷺ -: «إن الله أحيا أباك وكلّمه كفاحًا» ومعلوم أنه في ذلك الوقت كلّمه وقال له: «تمنّ عليّ».\nإلى أضعاف أضعاف ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي إن دُفعت دُفعت الرسالة بأجمعها، وإن كانت مجازًا كان الوحي كله مجازًا، وإن كانت من المتشابه كان الوحي كله من المتشابه، وإن وجب أو ساغ تأويلها على خلاف ظاهرها ساغ تأويل جميع القرآن والسنة على خلاف ظاهره؛ فإن مجيء هذه النصوص في الكتاب وظهور معانيها وتعدد أنواعها واختلاف مراتبها أظهر من كل ظاهر، وأوضح من كل واضح، فكم جهد ما يبلغ التأويل والتحريف والحمل على المجاز.","vol":"1","page":179},{"text":"هب أن ذلك يمكن في موضع واثنين وثلاثة وعشرة، أفيسوغ حمل أكثر من ثلاثة آلاف وأربعة آلاف موضع كلها على المجاز وتأويل الجميع بما يخالف الظاهر؟!\nولا تستبعد قولنا: أكثر من ثلاث آلاف، فكل آية وكل حديث إلهي، وكل حديث فيه الإخبار عما قال الله تعالى أو يقول، وكل أثر فيه ذلك، إذا استقرئت زادت على هذا العدد، ويكفي أحاديث الشفاعة، وأحاديث الرؤية، وأحاديث الحساب، وأحاديث تكليم الله لملائكته وأنبيائه ورسله وأهل الجنة، وأحاديث تكليم الله لموسى، وأحاديث تكلمه عند النزول الإلهي، وأحاديث تكلمه بالوحي، وأحاديث تكليمه للشهداء، وأحاديث تكليم كافة عباده يوم القيامة بلا ترجمان ولا واسطة، وأحاديث تكليمه للشفعاء يوم القيامة حين يأذن لهم في الشفاعة، إلى غير ذلك.\nإذ كل هذا وأمثاله وأضعافه مجاز لا حقيقة له، سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نُشهِدُك ونُشهِد ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك أنك أحق بهذه الصفة وأولى من كل أحد، وأن البحر لو أمدّه من بعده سبعة أبحر، وكانت أشجار الأرض أقلامًا يكتب بها ما تتكلم به، لنفدت البحار والأقلام ولم تنفد كلماتك، وأنك لك الخلق والأمر، فأنت الخالق حقيقة\" (^١).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٥٠١ - ٥٠٣).","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>قولُ ابن كلاب - وتبعه أبو الحسن الأشعري- بأن كلام الله معنى واحد قائم بذاته تعالى قولٌ لم يُسبق إليه </span>(^١).\n- قال أبو المظفر السمعاني (المتوفى: ٤٨٩ هـ): \" وللأمر صيغة مفيدة بنفسها في كلام العرب من غير قرينة تنضم إليها، وكذلك النهي. وهذا قول عامة أهل العلم.\nوذهب أبو الحسن الأشعري ومن تبعه إلى أنه لا صيغة للأمر والنهى وقالوا: لفظ افعل لا يفيد بنفسه شيئًا إلا بقرينة تنضم إليه ودليل يتصل به. وعندي أنّ هذا قول لم يسبقهم إليه أحد من العلماء ...\nوإذا قالوا: إنّ حقيقة الكلام معنى قائم في نفس المتكلم، والأمر والنهي كلام فيكون قوله افعل ولا تفعل عبارة عن الأمر والنهي، ولا يكون حقيقة الأمر والنهي، وهذا أيضا لا يعرفه الفقهاء، وإنما يعرفوا قوله (افعل) حقيقة في الأمر، وقوله (لا تفعل) حقيقة في النهي\" (^٢).\n_________\n(^١) قال الإمام الشافعي: \"كل من تكلّم بكلام في الدين، أو في شيء من هذه الأهواء، ليس له فيه إمام متقدم من النبي ﷺ وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا\". الانتصار لأصحاب الحديث للسمعاني (ص: ٧) مكتبة أضواء المنار - السعودية، ط/ الأولى، ١٤١٧ هـ.\nوقال الإمام أحمد في رواية الميموني: \"إياك أن تتكلم بكلمة واحدة ليس لك فيها إمام\". المسودة في أصول الفقه (ص: ٤٥٠) المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي.\n(^٢) قواطع الأدلة في الأصول (١/ ٤٩) المحقق: محمد حسن اسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط/ الأولى، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":181},{"text":"- وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني: \"وقال بعض الأئمة: \"وفي قول أبي بكر - ﵁ -: «ليس بكلامي، ولا كلام صاحبي، إنما هو كلام الله تعالى» إثبات الحرف والصوت، لأنه إنما تلا عليهم القرآن بالحرف والصوت، وقال: هو كلام الله، ولم يقل أحدٌ إنّ القرآن قائم بالذات، وذلك قول يخالف قول الجماعة\" (^١).\n- وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني: \"وادعت الأشعرية قرآنًا وكلامًا لله لا يعقل [أي: المعنى النفسي]، ولم يسبقهم إلى هذا القول أحدٌ من أهل الملل والنحل\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وأما الإجماع فإن أحدًا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء إلى أن حدث ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما أطلقوا اسم القرآن على هذه السور والآيات، وقالوا من قال بخلقه فهو كافر، وقد كان حدث الكلام في خلقه، ولا يعرف أحدٌ القرآن القائم بذات الله حتى أحدث ذلك ابنُ كلاب\" (^٣).\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٦٠ - ٣٦١).\n(^٢) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٨٣).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٥٩٨).","vol":"1","page":182},{"text":"- وقال الفخر الرازي: \"كلام النفس الذي لا يقول به أحدٌ إلا أصحابنا\" (^١).\n- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ما قاله ابنُ كلاب في مسألة الكلام واتبعه عليه الأشعري، فإنه لم يَسبق ابنَ كلاب إلى ذلك أحدٌ، ولا وافقه عليه أحدٌ من رؤوس الطوائف\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وأول من قال هذا في الإسلام عبد الله بن سعيد بن كلاب، وجعل القرآن المنزل حكاية عن ذلك المعنى\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"لم يذكر الله قط، ولا قال أحدٌ من المسلمين قبل ابن كلاب أن كلام الله ليس إلا معنى واحدًا، ولا خطر هذا بقلب أحد\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"ما زال أئمة الطوائف طوائف الفقهاء وأهل الحديث وأهل الكلام يقولون: إنّ هذا القول الذي قاله ابنُ كلاب والأشعري في القرآن والكلام من أنه معنى قائم بالذات، وأن الحروف ليست من الكلام، قول مبتدع مخالف لأقوال سلف الأمة وأئمتها، مسبوق بالإجماع على خلافه، حتى الذين يحبون الأشعري ويمدحونه بما كان منه من الرد على أهل البدع الكبار من المعتزلة والرافضة ونحوهما، ويذبون عنه عند من يذمه ويلعنه، ويناصحون عنه من أئمة الطوائف يعترفون بذلك ويقولون: إنا نخالفه في ذلك، ويجعلون ذلك من أقواله المتروكة\" (^٥).\n_________\n(^١) المحصول (٤/ ٣١٨) تحقيق: طه جابر العلواني، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض، ط/الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٩٩).\n(^٣) جامع المسائل (٥/ ١٢٧).\n(^٤) الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٧٥).\n(^٥) المصدر السابق (٦/ ٥٩٧ - ٥٩٨).","vol":"1","page":183},{"text":"وقال أيضًا: \"ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، لا من أهل السنة، ولا من أهل البدعة، بل أول من عُرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام المعنى فقط، هو عبد الله بن سعيد بن كُلاب، وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل، وقد أنكر ذلك عليه علماء السنة، وعلماء البدعة، فيمتنع أن يكون الكلام - الذي هو أظهر صفات بني آدم كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات:٢٣] ولفظه لا تحصى وجوهه كثرة - لم يعرفه أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاء من قال فيه قولًا لم يسبقه إليه أحد من المسلمين، ولا غيرهم\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فلا خلاف بين الناس أن أول من أحدث هذا القول [أي: أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس] في الإسلام أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري، واتبعه على ذلك أبو الحسن الأشعري ومن نصر طريقتهما، وكانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة، ولكن لتقصيرهما في علم السنة، وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقًا.\n_________\n(^١) الإيمان (ص: ١١٠ - ١١١) المحقق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، عمان - الأردن، ط/ الخامسة، ١٤١٦ ه.","vol":"1","page":184},{"text":"وهذه المسألة مسالة حدّ الكلام قد أنكرها عليهما جميع طوائف المسلمين حتى الفقهاء والأصوليون والمصنفون في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد يذكرون الكلام وأنواعه من الأمر والنهي والخبر وما فيه من العام والخاص، وأنّ الصيغة داخلة في مسمى ذلك عند جميع فرق الأمة أصوليها وفقيهها ومحدثها وصوفيها إلا عند هؤلاء\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وهذا القول أيضا لم يقله أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وأصحابهم الذين يفتى بقولهم، بل كان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وسائر علماء الأمصار في القرآن مخالف لهذا القول، وكذلك أبو محمد الجويني - والد أبي المعالي - قال: مذهب الشافعي وأصحابه في الكلام ليس هو قول الأشعري\" (^٢).\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٢١٢) المحقق: د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة، ط/ الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨).","vol":"1","page":185},{"text":"- وقال الحافظ الذهبي: \"وكان [أي: ابن كلاب] يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة. وهذا ما سُبق إليه أبدًا، قاله في معارضة من يقول بخلق القرآن\" (^١).\n- وقال بدر الدين الزركشي الشافعي الأشعري (المتوفى: ٧٩٤ هـ): \"أصحابنا لما أثبتوا الكلام النفسي، وأن الله تعالى لم يزل آمرا ناهيا مخبرا. قيل عليهم من قبل الخصوم القائلين بحدوثه: إن الأمر والنهي بدون المخاطب عبث، فاضطرب الأصحابُ في التخلص من ذلك على فرقتين:\nإحداهما: قالت: إن المعدوم في الأزل مأمور على معنى تعلق الأمر به في الأزل على تقدير الوجود، واستجماع شرائط التكليف لا أنه مأمور حال عدمه، فإن ذلك مستحيل، بل هو مأمور بتقدير الوجود، بمعنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودًا في الأزل، ثم إن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك يصير مأمورًا بذلك الأمر.\nوهذا مفرّع على إثبات كلام النفس، ولم يقل به إلا الأشاعرة، هكذا نقلوه عن الشيخ أبي الحسن منهم ابن القشيري ... \" (^٢).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٥).\n(^٢) البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ٩٨ - ٩٩) دار الكتبي، ط/ الأولى، ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":186},{"text":"* قول الحافظ أبي نصر السجزي في بيان نشأة قول ابن كلاب ومَن اتَّبَعه في كلام الله تعالى:\nقال الحافظ أبو نصر السجزي: \"اعلموا- أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نِحَلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والصالحي والأشعري وأقرانهم - الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل أخس حالًا منهم في الباطن- في أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليف واتساق وإن اختلفت به اللغات.\nوعبر عن هذا المعنى الأوائلُ الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة.\nوقالت العرب: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل: زيد، وعمرو، وحامد. والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد. والحرف الذي يجيء لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك.\nفالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا، فلما نبغ ابنُ كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعمًا منهم أنها أخبار آحاد، وهي لا توجب علمًا، وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت ويدخله التعاقب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله، لأنّ ذات الله سبحانه لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون. وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.","vol":"1","page":187},{"text":"قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله سبحانه خلق له، أحدثه وأضافه إلى نفسه كما تقول: عبد الله، وخلق الله، وفعل الله.\nفضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإِلزام لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل، فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإِجماع المنعقد بين الكافة، المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلامًا على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم.\nفمنهم من اقتصر على هذا القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد، فزاد فيه ما ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة من الكلام.\nثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله سبحانه تجسيم، وإثبات اللغة فيه تشبيه ...\nفألجأهم الضيق مما يدخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام.\nوهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير ردّ عليه. ومن عُلم منه خرق إجماع الكافة، ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب ويقمع\" (^١).\n_________\n(^١) رسالة الحافظ أبي نصر السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ١١٥ - ١٢٢).","vol":"1","page":188},{"text":"* السببُ الذي جعل ابن كلاب وأبا الحسن الأشعري يقولان ما قالاه في صفة كلام الله تعالى:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لما حدث أبو محمد بن كلاب وناظر المعتزلة بطريق قياسية سلّم لهم فيها أصولًا هم واضعوها - من امتناع تكلّمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك؛ لأن ذلك يستلزم أنه لم يخل من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث - اضطره ذلك إلى أن يقول: ليس كلام الله إلا مجرد المعنى، وإن الحروف ليست من كلام الله، وتابعه على ذلك أبو الحسن الأشعري\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وإنما اضطر ابن كلاب والأشعري ونحوهما إلى هذا الأصل [أي: القول بأن كلام الله معنى واحد قائم بنفس الله تعالى] أنهم لما اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، لا فِعْل ولا تكلّم ولا غير ذلك.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦).","vol":"1","page":189},{"text":"وقد تبين لهم فساد قول من يقول: القرآن مخلوق، ولا يجعل لله تعالى كلامًا قائمًا بنفسه، بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره، وعرفوا أنّ الكلام لا يكون مفعولًا منفصلًا عن المتكلّم، ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه، بل إذا خلق الله شيئًا من الصفات والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل، لا لله، ... وهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع الطوائف مثل أهل الحديث والسنة، ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم ...\nولكن منشأ اضطراب الفريقين [أي: المعتزلة والأشاعرة] اشتراكهما في أنه لا يقوم به ما يكون بإرادته وقدرته، فلزم هؤلاء إذا جعلوه يتكلم بإرادته وقدرته واختياره أن يكون كلامه مخلوقًا منفصلًا عنه، ولزم هؤلاء إذا جعلوه غير مخلوق أن لا يكون قادرًا على الكلام، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بما يشاء ... فاحتاجوا حينئذ أن يثبتوا ما لا يكون مقدورًا مرادًا، قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة، فأثبتوا معنى واحدًا، لم يمكنهم إثبات معان متعددة، خوفًا من إثبات ما لا نهاية له، فاحتاجوا أن يقولوا (معنى واحدًا) فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين، بل جمهور العقلاء عليهم\" (^١).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنق ل (٢/ ١١١ - ١١٤).","vol":"1","page":190},{"text":"* حكم إطلاق القول بأن القرآن قول جبريل أو محمد - ﷺ - وهل قال أبو الحسن الأشعري ذلك؟\nقال الحافظ أبو نصر السجزي: \"وإذا أفصح بأنها عبارة محمد وافق الوليد بن المغيرة لما قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ونحن نقول: هو كلام الله تعالى، لقوله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] \" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والقرآن يتناول معانيه ولفظه، ومجموع هذا ليس قولًا لغير الله بإجماع المسلمين، وإطلاق القول بأن القرآن كلام جبريل أو محمد أو غيرهما من المخلوقين كفر لم يقله أحد من أئمة المسلمين ...\nوإنما يقول إنه قول جبريل أحدُ رجلين: إما رجل من الملاحدة والفلاسفة ...\n_________\n(^١) رسالة الحافظ أبي نصر السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ٢٣٩).","vol":"1","page":191},{"text":"أو رجل ينتسب إلى مذهب الأشعري ويظن أنّ هذا قول الأشعري، بناء على أن الكلام العربي لم يتكلم الله به عنده، وإنما كلامه معنى واحد قائم بذات الرب، هو الأمر والخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا.\nوهذا القول وإن كان قول ابن كلاب والقلانسي والأشعري ونحوهم فلم يقولوا إن الكلام العربي كلام جبريل.\nومن حكى هذا عن الأشعري نفسه فهو مجازف، وإنما قال طائفة من المنتسبين إليه، كما قالت طائفة أخرى إنه نظم محمد - ﷺ -.\nولكن المشهور عنه أن الكلام العربي مخلوق، ولا يطلق عليه القول بأنّه كلام الله، لكن إذا كان مخلوقًا فقد يكون خلقه في الهواء أو في جسم، لكن القول إذا كان ضعيفًا ظهر الفساد في لوازمه\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٥٦ - ٥٥٧).","vol":"1","page":192},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-186> البدع تكون في أولها شبرًا، ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعًا وأميالًا وفراسخ:</span>\nقال الإمام أبو الحسن البربهاري: \"واحذر صغار المحدثات من الأمور؛ فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا، وكذلك كل بدعة أُحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت دينا يدان [به] فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كما أنّ أقوامًا ابتدعوا أنّ حروف القرآن ليست من كلام الله، وأنّ كلام الله إنما هو معنى قائم بذاته هو الأمر والنهي والخبر، وهذا الكلام فاسد بالعقل الصريح والنقل الصحيح، ...\nوهذا القول أول من أحدثه ابن كلاب، ولكنه هو ومن اتبعه عليه كالأشعري وغيره يقولون مع ذلك: إن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة، متلو بالألسن حقيقة، مكتوب في المصاحف حقيقة.\nومنهم من يمثل ذلك بأنه محفوظ بالقلوب كما أن الله معلوم بالقلوب ومتلو بالألسن كما أن الله مذكور بالألسن، ومكتوب في المصاحف كما أن الله مكتوب في المصاحف.\n_________\n(^١) شرح السنة للبربهاري (ص: ٣٧ - ٣٨).","vol":"1","page":193},{"text":"وهذا غلط في تحقيق مذهب ابن كلاب والأشعري؛ فإنّ القرآن عندهم معنى عبارة عنه، والحقائق لها أربع مراتب: وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي. فليس العلم بالمعنى له المرتبة الثانية، وليس ثبوته في الكتاب كثبوت الأعيان في الكتاب، فزاد هؤلاء قول ابن كلاب والأشعري قبحًا.\nثم تبع أقوام من أتباعهم أحد أهل المذهب وأن القرآن معنى قائم بذات الله فقط، وأن الحروف ليست من كلام الله، بل خلقها الله في الهواء، أو صنفها جبريل أو محمد، فضموا إلى ذلك أن المصحف ليس فيه إلا مداد وورق، وأعرضوا عما قاله سلفهم - من أن ذلك دليل على كلام الله فيجب احترامه- لمَّا رأوا أنّ مجرد كونه دليلًا لا يوجب الاحترام، كالدليل على الخالق المتكلم بالكلام، فإنّ الموجودات كلها أدلة عليه ولا يجب احترامها، فصار هؤلاء يمتهنون المصحف حتى يدوسوه بأرجلهم (^١)،\n_________\n(^١) قال الإمام ابن حزم: \"ولقد أخبرني علي بن حمزة المراوي الصقلي الصوفي أنه [رأى] بعض الأشعرية يبطح المصحف برجله، قال: فأكبرت ذلك، وقلت له: ويحك هكذا تصنع بالمصحف، وفيه كلام الله تعالى! فقال لي: ويلك، وبالله ما فيه إلا السخام والسواد، وأما كلام الله فلا. ونحو هذا من القول الذي هذا معناه\". الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٦٠) مكتبة الخانجي - القاهرة.\nوقال الحافظ ابن الجوزي: \"قدم إلى بغداد جماعة من أهل البدع الأعاجم، فارتقوا منابر التذكير للعوام، فكان معظم مجالسهم أنهم يقولون: ليس لله في الأرض كلام! وهل المصحف إلا ورق وعفص وزاج! وإن الله ليس في السماء! وإن الجارية التي قال لها النبي ﷺ: «أين الله» كانت خرساء، فأشارت إلى السماء، أي: ليس هو من الأصنام التي تُعبد في الأرض. ثم يقولون: أين الحروفية الذين يزعمون أنّ القرآن حرف وصوت؟! هذا عبارة جبريل!\nفما زالوا كذلك، حتى هان تعظيم القرآن في صدور أكثر العوام\". صيد الخاطر (ص: ١٩٥) دار القلم - دمشق، ط/ الأولى، ١٤٢٥ هـ.\nولا شك أنّ هذا الغلو والكفر الذي وقع فيه هؤلاء لا يرتضيه جمهور الأشاعرة، فهم يعظّمون المصحف ويبجلونه، بل إنّ كثيرًا منهم -كغيرهم من أهل العلم- يحكون الإجماع على كفر من استهان بالمصحف، قال العز بن عبد السلام: \"ولا خلاف بين الأشعرية وجميع علماء المسلمين أن تعظيم المصحف واجب، وعندنا أن من استهان بالمصحف أو بشيء منه فقد كفر، وانفسخ نكاحه وصار ماله فيئًا للمسلمين، ويضرب عنقه، ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يترك بالقاع طعمة للسباع\". طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٨/ ٢٣٣) المحقق: د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط/ الثانية، ١٤١٣ هـ.\nوالأشعرية حيث قالوا بكفر من استهان بالمصحف لم يقولوا بذلك لأنّ ما في المصحف هو عين ما تكلم الله به، بل لكون ما فيه عبارة عن كلام الله النفسي ودلالة عليه، قال العز بن عبد السلام: \"متكلم بكلام قديم أزلي ليس بحرف ولا صوت، ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق، شكلا ترمقه العيون والأحداق، كما زعم أهل الحشو والنفاق، بل الكتابة من أفعال العباد، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة، ويجب احترامها لدلالتها على كلامه، كما يجب احترام أسمائه لدلالتها على ذاته، وحقّ لما دل عليه وانتسب إليه أن يُعتقد عظمته وترعى حرمته، ولذلك يجب احترام الكعبة والأنبياء والعباد والصلحاء\". طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٨/ ٢١٩).","vol":"1","page":194},{"text":"ومنهم من يكتب أسماء الله بالعذرة إسقاطًا لحرمة ما كُتب في المصاحف والورق من أسماء الله وآياته. وقد اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف مثل أن يلقيه في الحش أو يركضه برجله إهانة له إنه كافر مباح الدم. فالبدع تكون في أولها شبرًا، ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعًا وأميالًا وفراسخ\" (^١).\nوقال الحافظ ابنُ القيم: \"فإنّ البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٢٣ - ٤٢٥).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٢٢٤) تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي - بيروت، ط/ الثانية، ١٣٩٣ هـ.","vol":"1","page":195},{"text":"* اعتراف الشهرستاني بأن القول بحدوث حروف القرآن محدث:\nقال - ﵀ -: \"قالت السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أنّ ما بين الدفتين كلام الله، وأن ما نقرأه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله، فيجب أن يكون الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله، ولما تقرر الاتفاق على أنّ كلام الله غير مخلوق، فيجب أن تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة.\nولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين: أحدهما: القدم. والثاني: الحدوث.\nوالقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن، فصار الآن إلى قول ثالث وهو حدوث الحروف والكلمات، وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه العبارات، ...\nفكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات، دون التعرض لصفة أخرى وراها.\nوكانت المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف والأصوات دون التعرض لأمر وراها.\nفأبدع الأشعري قولًا ثابتًا وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع، وحَكَمَ بأنّ ما نقرأه كلام الله مجازًا لا حقيقة، وهو عين الابتداع، فهلا قال: ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله تعالى دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين إلى غير ذلك من الصفات الخبرية.","vol":"1","page":196},{"text":"ولا يغفل عاقل عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف؛ فإنّ له شأنًا، وهم يسلِّمون الفرق بين القراءة والمقروء، والكتابة والمكتوب، ويحكمون بأنّ القراءة التي هي صفتنا وفعلنا غير المقروء الذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا، غير أن المقروء بالقراءة قصص وأخبار وأحكام وأوامر، وليس المقروء من قصة آدم وإبليس هو بعينه المقروء من قصة موسى وفرعون، وليس أحكام الشرائع الماضية هي بعينها أحكام الشرائع الخاتمة، فلا بد إذًا من كلمات تصدر من كلمة، وترد على كلمة، ولا بد من حروف تتركب منها الكلمات، وتلك الحروف لا تشبه حروفنا، وتلك الكلمات لا تشبه كلامنا كما ورد في حق موسى - ﵇ - سمع كلام الله كجر السلاسل، وكما قال المصطفى صلوات الله عليه في الوحي «أحيانًا يأتيني كصلصلة الجرس، وهو أشد عليّ، ثم يفصم عني وقد وعيت ما قال والله أعلم\" (^١).\n_________\n(^١) نهاية الإقدام في علم الكلام (ص: ٣١٣) وما بعدها.","vol":"1","page":197},{"text":"* صفة الكلام لا تفارق الموصوف وتنتقل إلى غيره:\nقال أبو طالب أحمد بن حميد للإمام أحمد بن حنبل: \" قد جاءت جهمية رابعة، قال: ما هي؟\nقلت: زعموا أن إنسانا أنت تعرفه قال: من زعم أن القرآن في صدره، فقد زعم أن في صدره من الإلهية شيئًا.\nقال: ومن قال هذا، فقد قال مثل ما قالت النصارى في عيسى أنّ كلمة الله فيه. فقال: ما سمعت بمثل هذا قط\" (^١).\nوقال أبو الوليد الطيالسي: \"القرآن كلام الله، ليس ببائن من الله\" (^٢).\nوقال القاضي أبو يعلى الفراء: \"لأنا وإن قلنا: إن القرآن مكتوب فِي الحقيقة، وأن الكتابة هِيَ المكتوب، فلسنا نقول إنه حالّ فِي الجلد، وَلا فِي الورق وَلا فِي اللوح، فاحتراق المحل لا يوجب احتراقه، لأَنَّهُ ليس بحال فِي محل كتابته\" (^٣).\n_________\n(^١) الإبانة الكبرى لابن بطة (٥/ ٣٥٥).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: ٣٥٧).\n(^٣) إبطال التأويلات (ص: ٣٩٢).","vol":"1","page":198},{"text":"وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني: \"والدليل على أنّ الكلام لا يفارق المتكلم، أنه لو كان يفارقه لم يكن للمتكلم إلا كلمة واحدة، فإذا تكلم بها لم يبق له كلام، فلما كان المتكلم قادرًا على كلمات كثيرة بعد كلمة دل على أن الكلمات فروع لكلامه الذي هو صفة له ملازمة\" (^١).\nوقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني: \"إلزام واعتراض ذكره الغزالي أيضا في الاقتصاد: إن قال قائل: هل كلام الله حالّ في المصحف أم لا، فإن كان حالا فكيف حلّ القديم في المحدث، وإن قلتم: لا، فهو خلاف الإجماع أن في المصحف القرآن، بدليل أنه يحرم على المحدث مسه ...\nوالجواب أن يقال: أما قولك: إنه حالّ في المصاحف عبارة غير مرضية، لأنّ الحلول صفة الأجسام يقال حل يحُل بالمكان بضم الحاء في المستقبل إذا نزل به، وحل الدَّين يحِل بكسر الحاء في المستقبل إذا وجب، وحلّ الشيء يحِل بكسر الحاء إذا حل فعله، وإنما يقال القرآن موجود في المصاحف ومكتوب ومسطور\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"واتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٠٤).\n(^٢) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٩٣ - ٥٩٥).","vol":"1","page":199},{"text":"ومعنى قولهم \"منه بدأ\" أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره كما قالت الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنه بدأ من بعض المخلوقات وأنه سبحانه لم يقم به كلام.\nولم يُرد السلفُ أنّه كلامٌ فارق ذاته، فإن الكلام وغيره من الصفات لا تفارق الموصوف، بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره، فكيف تكون صفة الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره. ولهذا قال الإمام أحمد: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وردّ بذلك على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: كلام الله بائن منه خلقه في بعض الأجسام.\nومعنى قول السلف \"إليه يعود\" ما جاء في الآثار إن القرآن يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف، ولا في القلوب منه آية.\nوقد قال الله تعالى عن المخلوق ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، ومع هذا فكلمة المخلوق لا تفارق ذاته وتنتقل إلى غيره.","vol":"1","page":200},{"text":"وما جاءت به الآثار عن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين لهم بإحسان وغيرهم من أئمة المسلمين كالحديث الذي رواه أحمد في مسنده وكتبه إلى المتوكل في رسالته التي أرسل بها إليه عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه» يعني القرآن، وفي لفظ «بأحبّ إليه مما خرج منه»، وقول أبي بكر الصديق - ﵁ - لما سمع كلام مسيلمة: إن هذا كلام لم يخرج من إلّ. أي من رب. وقول ابن عباس لما سمع قائلا يقول لميت لما وُضع في لحده: اللهم رب القرآن اغفر له. فالتفت إليه ابن عباس فقال: مه القرآن كلام الله ليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود. وهذا الكلام معروف عن ابن عباس.\nوقول السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود -كما استفاضت الآثار عنهم بذلك كما هو مذكور عنهم في الكتب المنقولة عنهم بالأسانيد المشهورة - لا يدل على أن الكلام يفارق المتكلم ويتنقل إلى غيره، ولكن هذا دليل على أن الله هو المتكلّم بالقرآن، ومنه سُمع لا أنه خلقه في غيره كما فسّره بذلك أحمد وغيره من الأئمة\" (^١).\n_________\n(^١) العقيدة الأصفهانية (ص:٢٠ - ٢١) تحقيق: إبراهيم سعيداي، مكتبة الرشد - الرياض، ط/الأولى، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":201},{"text":"وقال أيضًا: \"ولا نزاع بينهم أن كلام الله لا يفارق ذات الله، وأنه لا يباينه كلامه ولا شيء من صفاته، بل ليس شيء من صفة موصوف تباين موصوفها وتنتقل إلى غيره، فكيف يتوهم عاقل أن كلام الله يباينه وينتقل إلى غيره؟! ولهذا قال الإمام أحمد: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وقد جاء في الأحاديث والآثار أنه منه بدأ، ومنه خرج، ومعنى ذلك أنه هو المتكلم به لم يخرج من غيره، ولا يقتضي ذلك أنه باينه وانتقل عنه فقد قال سبحانه في حق المخلوقين: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، ومعلوم أن كلام المخلوق لا يباين محلّه.\nوقد علم الناس جميعهم أن نقل الكلام وتحويله هو معنى تبليغه كما قال: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ [الأحزاب:٣٩] ... والكلام في الورق ليس هو فيه كما تكون الصفة بالموصوف، والعرض بالجوهر ...\nبل الناس بفطرهم يفهمون معنى: كلام المتكلم في الصحيفة، ويعلمون أن كلامه الذي قام به لم يفارق ذاته ويحل في غيره، ويعلمون أن ما في الصحيفة ليس مجرد دليل على معنى في نفسه ابتداء، بل ما في الصحيفة مطابق للفظه، ولفظه مطابق لمعناه، ومعناه مطابق للخارج\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٩٠ - ٣٩١).","vol":"1","page":202},{"text":"وقال أيضًا: \"هذا القرآن الذي نقرؤه ونبلغه ونسمعه هو كلام الله الذي تكلم به، ونزل به منه روح القدس ... وهذا الكلام صفة الله تعالى.\nوأما ما اختص قيامه بنا من حركاتنا وأصواتنا وفهمنا وغير ذلك من صفاتنا فلم يقم منه شيء بذات الله سبحانه، كما أن ما اختص الرب تعالى بقيامه به لم ينتقل عنه ولم يقم بغيره لا هو ولا مثله، فإن المخلوق إذا سمع من المخلوق كلامه وبلّغه عنه كان ما بلغه هو كلامه كما تقدم قول النبي - ﷺ -: «نضّر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلّغه كما سمعه»، مع أن ما قام بالنبي - ﷺ - بباطنه من العلم والإرادة وغيرهما، وبظاهره من الحركة والصوت وغيرهما - لم ينتقل عنه ولم يقم بغيره، بل جميع صفات المخلوقين لا تفارق ذواتهم وتنتقل عنهم، فكيف يجوز أن يقال: إن صفة الخالق فارقت ذاته فانتقلت عنه؟! \" (^١).\nوقال أيضًا: \"ولو تُرك الناس على فطرتهم لكانت صحيحة سليمة، فإذا رأى الناس كلامًا صحيحًا، فإن من تكلم بكلام وسُمع منه ونُقل عنه أو كتبه في كتاب لا يقول عاقل: إن نفس ما قام بالمتكلم من المعاني التي في قلبه والألفاظ القائمة بلسانه فارقته وانتقلت عنه إلى المستمع والمبلّغ عنه، ولا فارقته وحلّت في الورق، بل ولا يقول: إن نفس ما قام به من المعاني والألفاظ هو نفس المداد الذي في الورق، بل ولا يقول: إن نفس ألفاظه التي هي أصواته هي أصوات المبلّغ عنه.\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥).","vol":"1","page":203},{"text":"فهذه الأمور كلها ظاهرة لا يقولها عاقل في كلام المخلوق إذا سمع وبلّغ أو كتب في كتاب، فكيف يقال ذلك في كلام الله الذي سمع منه وبلغ عنه أو كتبه سبحانه كما كتب التوراة لموسى، وكما كتب القرآن في اللوح المحفوظ، وكما كتبه المسلمون في مصاحفهم.\nوإذا كان من سمع كلام مخلوق فبلغه عنه بلفظه ومعناه، بل شعر مخلوق كما يبلغ شعر حسان وابن رواحة ولبيد وأمثالهم من الشعراء، ويقول الناس: هذا شعر حسان بعينه، وهذا هو نفس شعر حسان، وهذا شعر لبيد بعينه كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.\nومع هذا فيعلم كل عاقل أن رواة الشعر ومنشديه لم يسلبوا الشعراء نفس صفاتهم حتى حلّت بهم، بل ولا نفس ما قام بأولئك من صفاتهم وأفعالهم كأصواتهم وحركاتهم حلّت بالرواة والمنشدين، فكيف يتوهم متوهّم أن صفات الباري كلامه أو غير كلامه فارق ذاته وحل في مخلوقاته، وأن ما قام بالمخلوق من صفاته وأفعاله كحركاته وأصواته هي صفات الباري حلّت فيه، وهم لا يقولون مثل ذلك في المخلوق\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٢/ ٢٨٧ - ٢٨٩).","vol":"1","page":204},{"text":"والذي جعل بعضَ الناس يفرّ من الإقرار بأن ما بين دفتي المصحف هو كلام الله على الحقيقة، وأنّ الله تعالى تكلم به حقيقة هو ظنّهم أنه إذا أقرّوا بذلك فقد جعلوا صفةّ الكلام القائمة بالله تعالى حالّة في المصحف، وأنها فارقتِ اللهَ تعالى، وانتقلت وحلّت في الورق.\nوهذا جهلٌ منهم بحقيقة الأمر؛ فإنّ نقْل الكلام ليس كنقل الأجسام كالأحجار ونحوها، فالحَجَر - مثلًا- إذا نُقِل من موضع إلى آخر زال عن الموضع الأول وانتقل إلى الموضع الآخَر، وليس كذلك الكلام.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا يقال: فلان ينقل علم فلان وينقل كلامه، ويقال: العلم الذي كان عند فلان صار إلى فلان وأمثال ذلك، كما يقال: نقلت ما في الكتاب ونسخت ما في الكتاب أو نقلت الكتاب أو نسخته، وهم لا يريدون أن نفس الحروف التي في الكتاب الأول عُدمت منه وحلّت في الثاني، بل لما كان المقصود من نسخ الكتاب من الكتب ونقلها من جنس نقل العلم والكلام، وذلك يحصل بأن يجعل في الثاني مثل ما في الأول، فيبقى المقصود بالأول منقولًا منسوخًا وإن كان لم يتغير الأول، بخلاف نقل الأجسام وتوابعها؛ فإن ذلك إذا نُقل من موضع إلى موضع زال عن الأول\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩).","vol":"1","page":205},{"text":"وقال أيضًا: \"وأما قول القائل: إن قلتم: إنّ هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفّرون الحلولية والاتحادية، فهذا قياس فاسد.\nمثاله مثال رجل ادعى أن النبي - ﷺ - يحلّ بذاته في بدن الذي يقرأ حديثه، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا إن النبي - ﷺ - لا يحلّ في بدن غيره. فقال: أنتم تقولون: إن المحدِّث يقرأ كلامه وإن ما يقرؤه هو كلام النبي - ﷺ -، فإذا قلتم ذلك فقد قلتم بالحلول.\nومعلوم أن هذا في غاية الفساد، والناس متفقون على إطلاق القول بأنّ كلام زيد في هذا الكتاب، وهذا الذي سمعناه كلام زيد، ولا يستجيز العاقل إطلاق القول بأنه هو نفسه في هذا المتكلِّم أو في هذا الورق.\nوقد نطقت النصوص بأن القرآن في الصدور كقول النبي - ﷺ - «استذكروا القرآن فلهو أشد تفلتًا من صدور الرجال من النعم في عقلها»، وقوله: «الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب» وأمثال ذلك، وليس هذا عند عاقل مثل أن يقال: الله في صدورنا وأجوافنا.\nولهذا لما ابتدع شخص يقال له الصوري بأنّ من قال: القرآن في صدورنا فقد قال بقول النصارى، فقيل لأحمد: قد جاءت جهمية رابعة - أي: جهمية الخلقية واللفظية والواقفية وهذه الرابعة- اشتد نكيره لذلك، وقال: هذا أعظم من الجهمية. وهو كما قال؛ فإنّ الجهمية ليس فيهم من يُنكر أن يقال: القرآن في الصدور. ولا يُشِّبه هذا بقول النصارى بالحلول إلا من هو في غاية الضلالة والجهالة\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٢/ ٢٩١ - ٢٩٢).","vol":"1","page":206},{"text":"فالقرآن العربي مكتوب فيما لا يُحصى من المصاحف، ومحفوظ في صدور من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وهو قرآن واحد، وهو نفسه الذي تكلّم الله تعالى به، وسمعه منه جبريل - ﵇ -، وسمعه من جبريل نبيُّنا - ﷺ -، وسمعه الصحابة من رسول الله - ﷺ -.\nفإذا قرأه الناس بألسنتهم، أو كتبوه في المصاحف بأيديهم، أو حفظوه في صدورهم لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإنّ الكلام إنما يُضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا.\nقال الإمام أبو محمد ابن قتيبة: \"والقرآن لا يقوم بنفسه وحده كما يقوم المأكول بنفسه وحده، وإنما يقوم بواحدة من أربع: كتابة أو قراءة أو حفظ أو استماع. فهو بالعمل في الكتابة قائم، والعمل خط وهو مخلوق، والمكتوب قرآن وهو غير مخلوق. وهو بالعمل في القراءة قائم، والعمل تحريك اللسان واللهوات بالقرآن وهو مخلوق، والمقروء قرآن وهو غير مخلوق. وهو بالاستماع قائم في السمع، والاستماع عمل وهو مخلوق، والمسموع قرآن غير مخلوق\" (^١).\n_________\n(^١) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (ص: ٦٣) المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، دار الراية، ط/ الأولى ١٤١٢ هـ- ١٩٩١ م.","vol":"1","page":207},{"text":"وقال الإمام ابن جرير الطبري: \"فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد مسموع، وهو قرآن واحد، من محمد مسموع، في اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو\" (^١).\nوقال عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي المشهور بابن شيخ الحزاميين (المتوفى: ٧١١ هـ): \"فإن الله تعالى قد تكلّم بالقرآن المجيد بجميع حروفه فقال تعالى: ﴿المص﴾ [الأعراف:١]، وَقَالَ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] ...\nفإن قيل: هذا الذي يقرؤه القارئ هو عين قراءة الله وعين تكلّمه هو؟ قلنا: لا، بل القارئ يؤدي كلام الله، والكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئّا لا إلى من قاله مؤديًا مبلغًا\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فنفس القرآن أُنزل إلينا، ونفس القرآن مكتوب في مصاحفنا، كما أن نفس القرآن في الكتاب المكنون، وهو في الصحف المطهرة\" (^٣).\nوقال الحافظ الذهبي: \"فالمقرئ يلقِّن الختمة مائة نفس ومائتين فيحفظونه، وهو لا ينفصل عنه منه شيء، كسراج أُوقدت منه سُرجًا ولم يتغير\" (^٤)\n_________\n(^١) صريح السنة (ص: ١٨).\n(^٢) النصيحة في صفات الرب جل وعلا (ص: ٢٦ - ٢٨) المحقق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، ط/ الثانية، ١٣٩٤ ه.\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٨٤).\n(^٤) العلو للعلي الغفار (ص: ١٦٩).","vol":"1","page":208},{"text":"وقال أيضًا: \"فإنك تنقل من المصحف مائة مصحف وذاك الأول لا يتحول في نفسه ولا يتغير، وتلقّن القرآن ألف نفس وما في صدرك باق بهيئته لا يفصل عنك ولا يغير، وذاك لأن المكتوب واحد والكتابة تعددت، والذي في صدرك واحد وما في صدور المقرئين وهو عين ما في صدرك سواء، والمتلو وإن تعدد التالون به واحد، مع كونه سورا وآيات وأجزاء متعددة، وهو كلام الله ووحيه وتنزيله وإنشاؤه، ليس هو بكلامنا أصلًا.\nنعم وتكلمنا به وتلاوتنا له ونطقنا به من أفعالنا، وكذلك كتابتنا له وأصواتنا به من أعمالنا قال الله - ﷿ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، فالقرآن المتلو مع قطع النظر عن أعمالنا كلام الله ليس بمخلوق، وهذا إنما يحصله الذهن، وأما في الخارج فلا يتأتى وجود القرآن إلا من تال أو في مصحف\" (^١).\nوقال الحافظ ابن القيم: \"فإنك إذا قلت: في هذا الكتاب كلام رسول الله - ﷺ -، أو كلام الشافعي وأحمد، فإنّ كل أحد يفهم المراد بذلك، ولا يتوقف فهمه على حذف وإضمار، كما لا يذهب وهمه إلى أن صفة المتكلم والقول القائم به -الصوت واللفظ المسموع منه- فارق ذاته، وانفصل من محله، وانتقل إلى محل آخر\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٩٢).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة (١/ ٥٢٠).","vol":"1","page":209},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-189> لا يصح تشبيه كون القرآن في المصحف بكون الله تعالى أو رسوله في الصحف أو الورق:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإنّ القرآن كلامٌ، فهو محفوظ بالقلوب كما يحفظ الكلام بالقلوب، وهو مذكور بالألسنة كما يُذكر الكلام بالألسنة، وهو مكتوب في المصاحف والأوراق كما أن الكلام يكتب في المصاحف والأوراق، والكلام الذي هو اللفظ يطابق المعنى ويدل عليه، والمعنى يطابق الحقائق الموجودة.\nفمن قال: إن القرآن محفوظ كما أن الله معلوم، وهو متلو كما أن الله مذكور، ومكتوب كما أن الرسول مكتوب، فقد أخطأ القياس والتمثيل بدرجتين:\nفإنه جعل وجود الموجودات القائمة بأنفسها بمنزلة وجود العبارة الدالة على المعنى المطابق لها، والمسلمون يعلمون الفرق بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨]، وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦].","vol":"1","page":210},{"text":"فإنّ القرآن لم ينزل على أحد قبل محمد لا لفظه ولا جميع معانيه، ولكن أنزل الله ذكره والخبر عنه، كما أنزل ذكر محمد والخبر عنه، فذِكْرُ القرآن في زبر الأولين كما أنّ ذِكْر محمد في زبر الأولين، وهو مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل.\nفالله ورسوله معلوم بالقلوب، مذكور بالألسن، مكتوب في المصحف، كما أن القرآن معلوم لمن قبلنا، مذكور لهم، مكتوب عندهم، وإنما ذاك ذكره والخبر عنه.\nوأما نحن فنفس القرآن أُنزل إلينا، ونفس القرآن مكتوب في مصاحفنا، كما أن نفس القرآن في الكتاب المكنون، وهو في الصحف المطهرة.\nولهذا يجب الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٥٢]، وبين قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣] فإنّ الأعمال في الزبر كالرسول وكالقرآن في زبر الأولين.\nوأما \" الكتاب المسطور في الرق المنشور فهو كما يكتب الكلام نفسه والصحيفة، فأين هذا من هذا؟!\nوذلك أن كل شيء فله أربع مراتب في الوجود: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان. وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي ...","vol":"1","page":211},{"text":"وإذا كان كذلك فالقرآن كلام، والكلام له المرتبة الثالثة ليس بينه وبين الورق مرتبة أخرى متوسطة، بل نفس الكلام يثبت في الكتاب كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢] ...\nوأما الرب سبحانه أو رسوله أو غير ذلك من الأعيان فإنما في الصحف اسمه، وهو من الكلام، ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] وإنما في التوراة كتابته وذكره وصفته واسمه، وهي المرتبة الرابعة منه.\nفكيف يجوز تشبيه كون القرآن أو الكلام في الصحف أو الورق، بكون الله أو رسوله أو السماء أو الأرض في الصحف أو الورق؟! ولو قال قائل: الله أو رسوله في الصحف أو الورق لأُنكر ذلك، إلا مع قرائن تبين المراد\" (^١).\nوقال الحافظ ابن القيم: \"فكون الرب تعالى، وأسمائه وصفاته في الكتاب، غير كون كلامه في الكتاب، فهذا شيء وهذا شيء وهذا شيء.\nفكونه في الكتاب هو اسمه وأسماء صفاته والخبر عنه، وهو نظير كون القيامة والجنة والنار والصراط والميزان في الكتاب، إنما ذلك أسماؤها والخبر عنها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٨٣ - ٣٨٦).","vol":"1","page":212},{"text":"وأما كون كلامه في المصحف والصدور فهو نظير كون كلام رسوله في الكتاب وفي الصدور، فمن سوّى بين المرتبتين، فهو ملبّس أو ملبوس عليه.\nيوضحه أنه سبحانه أخبر أنّ القرآن في زبر الأولين، وأخبر أنه في صحف مطهرة يتلوها رسله، ومعلوم أن كونه في زبر الأولين ليس مثله كونه في المصحف الذي عندنا، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، فإن وجوده في زبر الأولين هو ذكره والخبر عنه كوجود رسوله فيها، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فوجود الرسول في التوراة والإنجيل، ووجود القرآن فيه واحد، فمن جعل وجود كلام الله في المصحف كذلك فهو أضل من حمار أهله.\nوقد علم بذلك أن لا يحتاج إلى حذلقة متحذلق يقول: إنه لا بد من حذف وإضمار وتقديره (عبارة كلام الله في المصحف أو حكايته) فإنك إذا قلت: في هذا الكتاب كلام رسول الله - ﷺ -، أو كلام الشافعي وأحمد، فإن كل أحد يفهم المراد بذلك، ولا يتوقف فهمه على حذف وإضمار، كما لا يذهب وهمه إلى أن صفة المتكلم والقول القائم به -الصوت واللفظ المسموع منه- فارق ذاته، وانفصل من محله، وانتقل إلى محل آخر.\nهذا كله أمر محسوس مشهود لا ينازع فيه مَن فَهِمه إلا عنادًا، لكن قد لا يفهمه بعض الناس لفرط بلادة، وعمى قلب، أو غلبة هوى\" (^١).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٥٢٠).","vol":"1","page":213},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-190> لم يقل أحدٌ من السلف والأئمة: إنّ صوت العبد بالقرآن والمداد المكتوب به قديمٌ:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"اتفق سلفُ الأمة وأئمتها على أنّ القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله تعالى، ولم يقل أحد منهم إن أصوات العباد ولا مداد المصاحف قديم، مع اتفاقهم على أن المثبَت بين لوحي المصحف كلام الله، وقد قال النبي - ﷺ -: «زينوا القرآن بأصواتكم»، فالكلام الذي يقرؤه المسلمون كلام الله، والأصوات التي يقرؤون بها أصواتهم\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ومن قال: نفسُ أصوات العباد أو مدادهم أو شيئًا من ذلك قديم فقد خالف أيضًا أقوال السلف، وكان فساد قوله ظاهرًا لكل أحد، وكان مبتدعًا قولًا لم يقله أحد من أئمة المسلمين، ولا قالته طائفة كبيرة من طوائف المسلمين، بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٥٩).\n(^٢) المصدر السابق (١٢/ ٥٥).","vol":"1","page":214},{"text":"وقال أيضًا: \"ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة، بل أنكروا على من قال: لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق.\nوأما من قال: إن المداد قديم فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] فأخبر أن المداد يكتب به كلماته\" (^١).\nوقال أيضًا: \"دعوى أنّ هذا الصوت المسموع من العبد أو بعضه هو صوت الله، أو هو قديم بدعة منكرة مخالفة لضرورة العقل، لم يقلها أحد من أئمة الدين، بل أنكرها أئمة المسلمين من أصحاب الإمام أحمد وغيره، وإنما قال ذلك شرذمة قليلة من الطوائف.\nوهي أقبح وأنكر من قول الذين قالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، فإن أولئك لم يقولوا: صوتنا، ولا قالوا: قديم، ومع هذا فقد اشتد نكير الإمام أحمد عليهم وتبديعه لهم، وقد صنف الإمام أبو بكر المروزي صاحبه في ذلك مصنفًا جمع فيه مقالات علماء الوقت من أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم على إنكار ذلك، وقد ذكر ذلك أبو بكر الخلال في كتاب السنة\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٤٠٣).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٥٩٥) دار الكتب العلمية، ط/ الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":215},{"text":"وقال أيضًا: \"إن فروخ اللفظية النافية الذين يقولون بأن حروف القرآن ليست من كلام الله تروي عن منازعيها أنهم يقولون: القرآن ليس هو إلا الأصوات المسموعة من العبد، وإلا المداد المكتوب في الورق، وإنّ هذه الأصوات وهذا المداد قديمان.\nوهذا القول ما قاله أحد ممن يقول إن القرآن ليس إلا الحروف والأصوات، بل أنكروا ذلك وردّوه وكذّبوا من نقل عنهم أن المداد قديم، ولكن هذا القول قد يقوله الجهال المتطرفون كما يُحكى عن أعيانهم مثل سكان بعض الجبال أن الورق والجلد والوتد وما أحاط به من الحائط كلام الله أو ما يشبه هذا اللغو من القول الذي لا يقوله مسلم ولا عاقل\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وأما صوت العبد فقد تكلم فيه طائفة من المنتسبين إلى الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما، فمنهم من قال: إن الصوت المسموع قديم، ومنهم من يقول: يسمع شيئين الصوت القديم والمحدث، وهذا خطأ في العقل الصريح، وهو بدعة، وقول قبيح.\nوالإمام أحمد وجماهير أصحابه منكرون لما هو أخف من ذلك، فإن أحمد وأئمة أصحابه قد أنكروا على من قال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، فكيف بمن قال: اللفظ به قديم، فكيف بمن قال: الصوت غير مخلوق؟ فكيف بمن قال: الصوت قديم؟ وقد بدّعوا هؤلاء، وأمروا بهجرهم، وقد صنف المروذي في ذلك مصنفًا كبيرًا ذكره الخلال في كتاب السنة\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٨٠ - ٣٨١).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).","vol":"1","page":216},{"text":"وقال أيضًا: \"وأما صوت العبد فهو مخلوق، وقد صرح أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت العبد ولم يقل أحمد قط من قال إن صوتي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، وإنما قال من قال لفظي بالقرآن.\nوالفرق بين لفظ الكلام، وصوت المبلِّغ له، فرق واضح، فكل من بلّغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه، وهو إنما بلّغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير.\nونفس اللفظ والتلاوة والقراءة والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات العباد وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد.\nويراد به نفس الكلام الذي يقرؤه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق\" (^١).\nوقال أيضًا: \"كما أنّ من قال: إن هذا الصوت المسموع ليس هو صوت العبد أو هو صوت الله كان فساد قوله معلومًا بالضرورة شرعًا وعقلًا، بل هذا هو كلام الله لا كلام غيره، سمعه جبريل من الله، وسمعه النبي - ﷺ - من جبريل، وسمعه المسلمون من نبيهم، ثم بلّغه بعضهم إلى بعض، وليس لأحد من الوسائط فيه إلا التبليغ بأفعاله وصوته، لم يحدث منهم أحدٌ شيئًا من حروفه ولا نظمه ولا معانيه، بل جميع ذلك كلام الله تعالى\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٧٤ - ٧٥).\n(^٢) المصدر السابق (١٢/ ١٧٢).","vol":"1","page":217},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-191> أكثر المتكلمين لا يعرفون قول السلف في كلام الله تعالى، وأكثر بحثهم ونقاشهم مع القول بأن أصوات العباد قديمة:</span>\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا يوجد كثير من المتأخرين المصنفين في المقالات والكلام يذكرون في أصل عظيم من أصول الإسلام الأقوال التي يعرفونها، وأما القول المأثور عن السلف والأئمة الذي يجمع الصحيح من كل قول فلا يعرفونه ولا يعرفون قائله، فالشهرستاني صنف الملل والنحل، وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ولم يذكره.\nوالقاضي أبو بكر وأبو المعالي والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني وأبو الحسين البصري ومحمد بن الهيثم ونحو هؤلاء من أعيان الفضلاء المصنفين، تجد أحدهم يذكر في مسألة القرآن أو نحوها عدة أقوال للأمة، ويختار واحدًا منها، والقول الثابت عن السلف والأئمة كالإمام أحمد ونحوه من الأئمة لا يذكره الواحد منهم.\nمع أنّ عامة المنتسبين إلى السنة من جميع الطوائف يقولون: إنهم متبعون للأئمة كمالك والشافعي وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد وغيرهم، لا سيما الإمام أحمد، فإنه بسبب المحنة المشهورة من الجهمية له ولغيره أظهر من السنة وردّ من البدعة ما صار به إمامًا لمن بعده، وقوله هو قول سائر الأئمة، فعامة المنتسبين إلى السنة يدَّعون متابعته والاقتداء به سواء كانوا موافقين له في الفروع أو لا، فإن أقوال الأئمة في أصول الدين متفقة، ولهذا كلما اشتهر الرجل بالانتساب إلى السنة كانت موافقته لأحمد أشد، ولما كان الأشعري ونحوه أقرب إلى السنة من طوائف من أهل الكلام كان انتسابه إلى أحمد أكثر من غيره، كما هو معروف في كتبه.","vol":"1","page":218},{"text":"وقد رأيت من أتباع الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من يقول أقوالًا ويكفِّر من خالفها، وتكون الأقوال المخالفة هي أقوال أئمتهم بعينها، كما أنهم كثيرًا ما ينكرون أقوالًا ويكفرون من يقولها، وتكون منصوصة عن النبي - ﷺ -، لكثرة ما وقع من الاشتباه والاضطراب في هذا الباب، ولأن شبه الجهمية النفاة أثّرت في قلوب كثير من الناس، حتى صار الحق الذي جاء به الرسول - وهو المطابق للمعقول - لا يخطر ببالهم ولا يتصورونه، وصار في لوازم ذلك من العلم الدقيق ما لا يفهمه كثير من الناس، والمعنى المفهوم يعبر عنه بعبارات فيها إجمال وإبهام يقع بسببها نزاع وخصام\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فالذين يسلكون طريقة ابن كلاب كصاحب الإرشاد [أي: إمام الحرمين الجويني] ونحوه يذكرون قول المعتزلة وقول الكرامية ويبطلونهما، ثم لا يذكرون مع ذلك إلا ما يقولون فيه: \"وذهبت الحشوية المنتمون إلى الظاهر إلى أنّ كلام الله تعالى قديم أزلي، ثم زعموا أنه حروف وأصوات، وقطعوا بأن المسموع صوت القراء ونغماتهم عين كلام الله تعالى، وأطلق الرعاع منهم القول بأن المسموع صوت الله، تعالى الله عن قولهم! وهذا قياس جهالاتهم. ثم قالوا: إذا كتب كلام الله بجسم من الأجسام رقومًا ورسومًا وأسطرًا وكلما فهي بأعينها كلام الله القديم، فقد كان إذ كان جسمًا حادثًا ثم انقلب قديمًا\".\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٠٧ - ٣٠٩).","vol":"1","page":219},{"text":"فلم يذكر أبو المعالي إلا هذا القول مع قول المعتزلة والكلابية والكرامية.\nومعلوم أنّ هذا القول لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، ولا نعرفُ هذا القول عن معروف بالعلم من المسلمين، ولا رأينا هذا في شيء من كتب المسلمين، ولا سمعناه من أحد منهم.\nفما سمعنا من أحد ولا رأينا في كتاب أحد أن المداد الحادث انقلب قديمًا، ولا أنّ المداد الذي يُكتب به القرآن قديم، بل رأينا عامة المصنفين من أصحاب أحمد وغيرهم ينكرون هذا القول، وينسبون ناقله عن بعضهم إلى الكذب، وأبو المعالي وأمثاله أجلّ من أن يتعمد الكذب، لكن القول المحكي قد يُسمع من قائل لم يضبطه، وقد يكون القائل نفسه لم يحرّر قولهم، بل يذكر كلامًا مجملًا يتناول النقيضين، ولا يميز فيه بين لوازم أحدهما ولوازم الآخر، فيحكيه الحاكي مفصلًا ولا يجمله إجمال القائل، ثم إذا فصّله يذكر لوازم أحدهما دون ما يعارضها ويناقضها، مع اشتمال الكلام على النوعين المتناقضين أو احتماله لهما أيضًا، وقد يحكيه الحاكي باللوازم التي لم يلتزمها القائل نفسه، وما كل مَن قال قولًا التزمه لوازمه، بل عامة الخلق لا يلتزمون لوازم أقوالهم، فالحاكي يجعل ما يظنه من لوازم قوله هو أيضًا من قوله، لا سيما إذا لم ينف القائل ما يظنه الحاكي لازمًا، فإنه يجعله قولًا بطريق الأولى.","vol":"1","page":220},{"text":"ولا ريب أن من الناس من يقول: هذا القرآن كلام الله، وما بين اللوحين كلام الله، ويقول: إن كلام الله محفوظ في القلوب متلو بالألسن، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف.\nوهذا الإطلاق حق متفق عليه بين المسلمين، ثم من هؤلاء من إذا سئل عن المداد وصوت العبد: أقديم هو؟ أنكر ذلك، وربما سكت عن ذلك، وكره الكلام فيه بنفي أو إثبات، خشية أن يجرّه ذلك إلى بدعة، مع أنه لو سمع من يقول: (إن المداد قديم) ألزمه العقوبة به والعذاب الأليم ...\nإذًا المقصود هنا أن من أكابر الفضلاء مَن لا يعرف أقوال الأئمة في أكابر المسائل، لا أقوال أهل الحق ولا أهل الباطل، بل لم يعرف إلا بعض الأقوال المبتدعة في الإسلام.\nومن المعلوم أن السلف والأئمة كان لهم قول ليس هو قول المعتزلة ولا الكلابية ولا الكرامية، ولا هو قول المسمين بالحشوية، فأين ذلك القول؟ أكان أفضل الأمة وأعلمها وخير قرونها لا يعلمون في هذا حقًا ولا باطلًا؟\nومعلوم أن كل قول من هذه الأقوال فاسد من وجوه، وقد يكون بعضها أفسد من بعض، فقول المعتزلة - الذي قالوا إن كلام الله مخلوق - وإن كان فاسدًا من وجوه، فقول الكلابية فاسد من وجوه، وقول الكرامية فاسد من وجوه.","vol":"1","page":221},{"text":"والإمام أحمد وغيره من الأئمة أنكروا هذه الأقوال كلها، أنكروا قول الكلابية والكرامية بالنصوص الثابتة عنهم، وإنكارهم لقول المعتزلة متواتر مستفيض عنهم، وأنكروا على من جعل ألفاظ العباد بالقرآن غير مخلوقة، فكيف بالقول المنسوب إلى هؤلاء الحشوية؟! ...\nومن المعلوم أنّ السلف والأئمة لهم قول خارج عن قول المعتزلة والكرامية والأشعرية والواقفة، ومن علم ذلك القول فلا بد أن يحكيه ويناظرهم به، كما يناظرهم بقول المعتزلة وغيرهم، لكن من لم يكن عارفًا بآثار السلف وحقائق أقوالهم، وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة، وحقيقة المعقول الصريح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك لم يمكنه أن يقول إلا بمبلغ علمه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بان يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأه، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] \" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٣١٠ - ٣١٥).","vol":"1","page":222},{"text":"وقال أيضًا في الجواب عمن حلف بالطلاق الثلاث أنّ القرآن صوت وحرف: \"إن كان مقصود هذا الحالف أن أصوات العباد بالقرآن والمداد الذي يكتب به حروف القرآن قديمة أزلية: فقد حنث في يمينه. وما علمت أحدًا من الناس يقول ذلك، وإن كان قد يكره تجريد الكلام في المداد الذي في المصحف وفي صوت العبد لئلا يتذرع بذلك إلى القول بخلق القرآن.\nومن الناس من تكلم في صوت العبد وإن كنا نعلم أن الذي نقرؤه هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، وأن الذي بين اللوحين هو كلام الله حقيقة، لكن ما علمتُ أحدًا حَكَمَ على مجموع المداد المكتوب به وصوت العبد بالقرآن بأنه قديم.\nولكن الذين في قلوبهم زيغ من أهل الأهواء لا يفهمون من كلام الله وكلام رسوله وكلام السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان في باب صفات الله إلا المعاني التي تليق بالخلق لا بالخالق، ثم يريدون تحريف الكلم عن مواضعه في كلام الله وكلام رسوله إذا وجدوا ذلك فيها، وإن وجدوه في كلام التابعين للسلف افتروا الكذب عليهم ونقلوا عنهم بحسب الفهم الباطل الذي فهموه، أو زادوا عليهم في الألفاظ وغيّروها قدرًا ووصفًا كما نسمع من ألسنتهم ونرى في كتبهم.","vol":"1","page":223},{"text":"ثم بعض من يحسن الظن بهؤلاء النقلة قد يحكي هذا المذهب عمن حكوه عنهم ويذم ويبحث مع من لا وجود له، وذمّه واقع على موصوف غير موجود نظير ما صرف الله عن رسوله - ﷺ - حيث قال: «ألا تعجبون من قريش يشتمون مذمما وأنا محمد».\nوهذا نظير ما تحكي الرافضة عن أهل السنة من أهل الحديث والفقه والعبادة والمعرفة أنهم ناصبة، وتحكي القدرية عنهم أنهم مجبرة، وتحكي الجهمية عنهم أنهم مشبهة، ويحكي من خالف الحديث ونابذ أهله عنهم أنهم نابتة وحشوية وغثاء وغثرا. إلى غير ذلك من الأسماء المكذوبة.\nومن تأمل كتب المتكلمين الذين يخالفون هذا القول وَجَدهم لا يبحثون في الغالب أو في الجميع إلا مع هذا القول الذي ما علمنا لقائله وجودًا\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"1","page":224},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-192> قاعدة في تمييز الصحيح من العقائد من المبتَدَع الفاسد:</span>\nقال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير (المتوفى: ٨٤٠ هـ): \"اعلم أنّ أصل الخلاف في مسألة القرآن في زمن التابعين، وذلك أن المسلمين ما زالوا على أن الله تعالى متكلّم، وأن له كلامًا على ظاهر ذلك من غير تأويل ولا تشبيه، تصديقًا للنصوص القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] برفع الله، أي: من كلّمه اللهُ، وهي من أبين الآيات في الفرق بين الوحي والكلام، لأنّ الله أوحى إلى كل نبي، وخصّ بعضهم بالتكليم، وفضّله بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى:٥١]، ...\nفكان المسلمون في زمن رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، وصدرًا من زمن التابعين يؤمنون بجميع هذه الأشياء على حقائقها مع علمهم باختلاف الكلام والمتكلمين، فليس كلامُ الإنسان الناطق باللسان مثلَ كلام الجمادات والأعضاء، ولا كلام رب العالمين مثل كلام شيء من خلقه أجمعين.","vol":"1","page":225},{"text":"فلما حدثت بدعةُ الكلام والنظر على أساليب الفلاسفة والمشي وراء الخيالات العقلية، قالت المعتزلة وكثير من المتكلمين: إن جميع ما تلوناه من كتاب الله تعالى من إضافة الكلام إليه، وكذلك القول وما في معناهما من المناداة، والسؤال، كله تشبيه لله تعالى بخلقه، وذم له - ﷿ -، وقدح في ربوبيته، وكفر به، وإلحاد في أسمائه إلا أن يتأول على ما لا تساعد عليه قواعد التأويل، ولا تبقى معه جلالة صوادع التنزيل.\nوسبحان الله أيكون أحدٌ أعرف بالله وأكره لما لا يليق به من رسول الله - ﷺ - وأهله وأصحابه وتابعيهم.\nفكيف يسمعون ما ظاهره الكفر والإلحاد في أسماء الله والتشبيه له بخلقه، ولا ينبّهون على تأويله أحدًا من المتعلمين، ولا من المسلمين أجمعين.\nوالعلم الضروري يقتضي في كل ما شاع مثل هذا في أعصارهم، ولم يذكر أحدٌ منهم له تأويلًا البتة أنه على ظاهره على حسب ما يليق بجلال الله من غير تشبيه كعلم الله وقدرته، فإنهما صفتا كمال بالإجماع. ولو قلنا: إنهما كعلم الخلق وقدرتهم كان تشبيهًا قبيحًا، وكفرًا صريحًا، ومع ذلك فلا يجب تأويل ما ورد في الشرع من وصف الله تعالى بأنه عالم قادر، ونحو ذلك من الحي السميع البصير.\nفتأمل هذه القاعدة التي ذكرتها لك فيما استفاض على عهد رسول الله - ﷺ - استفاضة متواترة شائعة، ولم يذكر له تأويل البتة، فإنها تميز لك الصحيح من العقائد من المبتدع الفاسد.","vol":"1","page":226},{"text":"وقال من اعتقد استحالة الكلام من الله تعالى: إنه سبحانه لا يوصف بالقدرة على صدوره من ذاته، ولا تضاف إليه إلا إضافة تشريف كبيت الله، وناقة الله، فاعتقد المجاز في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، واعتقد أن الحقيقة أن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة المباركة التي ذكرها الله في كتابه، وأن الكلام صدر منها، لا يصح غير ذلك.\nوكانت النصوص القرآنية على عصر التابعين على جلالتها لم تتبدل بكثرة التأويل، فعظُم على التابعين أن يكون ظاهر قول الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] قبيحًا وضلالا مع أن الله سبحانه نَسَبه إلى ذاته المقدسة، واحتج على بطلان ربوبية العجل والأصنام بعدمه، لا بعدم القدرة على خلقه في غيرها.\nوكذلك بقوله: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] مع ما شهد لصحته من سائر الآيات والآثار وإجماع الصحابة على وصف الله تعالى بأنه متكلم، وله كلام من غير إشعار بتأويل، فجهروا بتكفير من قال ذلك، إما لاعتقادهم أنه مكذّب لهذه الآيات، أو أن كلامه يؤول إلى التكذيب.\nولم يكن قد عرض في زمن الصحابة والتابعين ذكر الكلام النفسي وقدمه، فلم يذكر أحد منهم هذه المسألة، وإنما كان كلامهم في اللفظي الذي لم يقل بقدمه طائفة من طوائف المسلمين البتة، وإن شذ بذلك بعض المحدثين ... \" (^١).\n_________\n(^١) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (٤/ ٣٤٩ - ٣٥٧).","vol":"1","page":227}]}