{"ً":{"ٌ":253,"ٍ":"الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/assala_attat/","files":["assala_p.pdf|المقدمة","assala.pdf|0"]},"ّ":"الكتاب: الصلاة\n[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٩)]\nالمؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)\nالمحقق: عدنان بن صفاخان البخاري\nراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - محمد أجمل الإصلاحي - علي بن محمد العمران\nالناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)\nالطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)\nعدد الصفحات: ٥٥٠\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":14,"ٕ":19,"ٖ":1780758523,"ٗ":41},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"الكتب المفردة في الصلاة","level":2,"page":2},{"title":"التحقيق في اسم الكتاب","level":2,"page":8},{"title":"١ - الأول: «الصلاة»","level":3,"page":8},{"title":"٢ - الاسم الثاني: «حكم تارك الصلاة»","level":3,"page":9},{"title":"٣ - الاسم الثالث: «تارك الصلاة»","level":3,"page":9},{"title":"سبب تصنيف الكتاب","level":2,"page":11},{"title":"إثبات صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف","level":2,"page":12},{"title":"التعريف بالكتاب","level":2,"page":13},{"title":"المسائل التي عرض المصنف ﵀ الخلاف فيها في هذا الكتاب","level":3,"page":13},{"title":"مجمل المسائل التي ذكرها وفصل القول فيها","level":3,"page":26},{"title":"طريقة المؤلف ﵀ ومنهجه","level":3,"page":27},{"title":"اعتناؤه بسرد الأدلة في المسائل الخلافية","level":4,"page":27},{"title":"اعتناؤه بنقل الروايات والأقوال في المذاهب ودقته في ذلك","level":4,"page":27},{"title":"ترجيحاته واختياراته الفقهية","level":4,"page":27},{"title":"سياقه كلام بعض الأئمة بطوله مع التصرف فيه بالاختصار","level":4,"page":28},{"title":"التقسيمات والأنواع والصور والاحتمالات للمسائل.","level":4,"page":28},{"title":"وجوه الاستدلال أوالنقض للأدلة المستدل بها","level":4,"page":28},{"title":"موارده","level":3,"page":28},{"title":"النوع الأول: الكتب التي نقل منها، ونص على أسمائها","level":4,"page":29},{"title":"النوع الثاني، وهي الكتب التي نقل منها ولم ينص على أسمائها","level":4,"page":32},{"title":"وصف النسخ الخطية","level":3,"page":34},{"title":"طبعات الكتاب","level":3,"page":38},{"title":"منهجي في تحقيق الكتاب","level":2,"page":40},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":41},{"title":"المسألة الأولى: الحكم فى ترك الصلاة","level":1,"page":43},{"title":"عظم ترك الصلاة وكبر ذنبه","level":2,"page":43},{"title":"الخلاف في قتل تارك الصلاة","level":2,"page":44},{"title":"الخلاف في كيفية قتله","level":2,"page":44},{"title":"تفصيل ذكر الخلاف في قتل تارك الصلاة","level":2,"page":45},{"title":"الخلاف في حكم استتابة تارك الصلاة","level":2,"page":55},{"title":"الفرق بين استتابة المرتد والمحدود وتارك الصلاة","level":2,"page":58},{"title":"المسألة الثانية: لا يقتل تارك الصلاة حتى يدعى إلى فعلها","level":1,"page":59},{"title":"المسألة الثالثة: الخلاف في قدر الصلوات المتروكة التي يقتل بها تاركها","level":1,"page":60},{"title":"القول بأنه يقتل لترك صلاة واحدة، والحجة في ذلك","level":2,"page":60},{"title":"القول بأنه لا يقتل لترك صلاة إذا كانت تجمع مع بعدها حتى يخرج وقت الثانية","level":2,"page":62},{"title":"القول بأنه يقتل لترك ثلاث صلوات، ووجهه","level":2,"page":65},{"title":"القول بأنه يقتل لترك صلاتين، والحجة في ذلك","level":2,"page":66},{"title":"ترك الوضوء والغسل من الجنابة واستقبال القبلة كترك الصلاة","level":2,"page":67},{"title":"الخلاف فيما لو ترك ركنا أو شرطا في الصلاة يعتقد وجوبه","level":2,"page":67},{"title":"فصل في حكم تارك الجمعة","level":2,"page":68},{"title":"صلاة العيدين فرض على الأعيان","level":2,"page":69},{"title":"الخلاف في حكم قتل تارك الصيام والزكاة والحج كتارك الصلاة","level":2,"page":73},{"title":"قول من يرى قتل تاركها، وحجته","level":3,"page":73},{"title":"قول من يرى عدم قتل تاركها، وحجته","level":3,"page":74},{"title":"قول من يرى قتله بترك الزكاة والصيام ولا يرى قتله بتركه الحج، وحجته","level":3,"page":77},{"title":"المسألة الرابعة: الخلاف في قتل تارك الصلاة هل يكون حدا أم ردة، فيه قولان","level":1,"page":78},{"title":"قول من يرى بأنه يقتل كما يقتل المرتد","level":2,"page":78},{"title":"قول من يرى بأنه يقتل حدا لا كفرا","level":2,"page":79},{"title":"حجج من يرى قتل تارك الصلاة حدا لا ردة","level":2,"page":80},{"title":"حجج من يرى قتل تارك الصلاة ردة، من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃","level":2,"page":87},{"title":"الحجج من كتاب الله ﷾ لمن يرى كفر تارك الصلاة، وأن قتله ردة","level":2,"page":87},{"title":"الدليل الأول من كتاب الله ﷾ على كفر تاركها، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":87},{"title":"الدليل الثاني من كتاب الله ﷾، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":88},{"title":"الدليل الثالث من كتاب الله ﷾، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":90},{"title":"الدليل الرابع من كتاب الله ﷾، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":90},{"title":"الدليل الخامس من كتاب الله ﷾، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":93},{"title":"الدليل السادس من كتاب الله ﷾، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":97},{"title":"الدليل السابع من كتاب الله ﷾، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":97},{"title":"الدليل الثامن من كتاب الله ﷾، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":98},{"title":"الدليل التاسع من كتاب الله ﷾، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":100},{"title":"الدليل العاشر من كتاب الله ﷾، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":100},{"title":"التحقيق في معنى الإيمان في الكتاب والسنة","level":3,"page":101},{"title":"الحجج من سنة النبي ﷺ لمن يرى كفر تارك الصلاة، وأن قتله ردة","level":2,"page":106},{"title":"الدليل الأول والثاني من سنة النبي ﷺ على كفر تاركها","level":2,"page":106},{"title":"الدليل الثالث والرابع من سنة النبي ﷺ، ونكتة بديعة في الحديث","level":3,"page":107},{"title":"الدليل الخامس من سنة النبي ﷺ","level":3,"page":108},{"title":"الدليل السادس من سنة النبي ﷺ","level":3,"page":109},{"title":"الدليل السابع من سنة النبي ﷺ","level":3,"page":110},{"title":"الدليل الثامن من سنة النبي ﷺ، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":110},{"title":"الدليل التاسع من سنة النبي ﷺ، ووجوه الدلالة منه","level":3,"page":111},{"title":"الدليل العاشر من سنة النبي ﷺ، ووجها الدلالة منه","level":3,"page":112},{"title":"الدليل الحادي عشر من سنة النبي ﷺ، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":113},{"title":"الدليل الثاني عشر من سنة النبي ﷺ، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":115},{"title":"نقل إجماع الصحابة ﵃ على كفر تاركها، ووجه الدلالة منه","level":2,"page":116},{"title":"مناقشة أدلة من يرى كفر تارك الصلاة","level":2,"page":118},{"title":"الفصل بين القائلين بكفره والنافين له، وبناء ذلك على معرفة حقيقة الإيمان والكفر","level":2,"page":122},{"title":"أصل الإيمان والكفر وشعب كل منهما","level":2,"page":123},{"title":"الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وتأثير زوالها على إيمان العبد","level":2,"page":124},{"title":"أصل آخر: الكفر نوعان وما يضاد الإيمان منه وما لا يضاده، وأمثلتهما","level":3,"page":126},{"title":"نوعا الظلم والفسق والجهل والشرك والنفاق، الكفري وغير الكفري، وأمثلتها","level":4,"page":132},{"title":"أصل آخر: اجتماع شعب الكفر والشرك والنفاق والإيمان في الرجل","level":3,"page":137},{"title":"أصل آخر: قيام شعبة كفر أوإيمان في رجل لا يلزم منه قيام مسماه به","level":3,"page":139},{"title":"دلالة الأدلة على نفي قبول شيء من الأعمال إلا بالصلاة","level":2,"page":142},{"title":"سياق أقوال العلماء من التابعين ومن بعدهم في كفر تارك الصلاة","level":2,"page":143},{"title":"المسألة الخامسة: هل تحبط الأعمال بمجرد ترك الصلاة؟","level":1,"page":145},{"title":"معنى حديث: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»","level":2,"page":146},{"title":"حبوط الحسنات بالسيئات وعكسه، وأمثلة عليهما","level":2,"page":147},{"title":"الحبوط نوعان عام وخاص","level":2,"page":150},{"title":"المسألة السادسة: الخلاف في قبول صلاة الليل المفوتة بالنهار، وعكسه","level":1,"page":151},{"title":"إذا فاتته الصلاة بخروج وقتها لنوم أونسيان تقبل بالنص والإجماع","level":2,"page":152},{"title":"هل تكون الصلاة المقضية لعذر أداءا أم قضاء؟","level":2,"page":155},{"title":"الخلاف في وجوب المبادرة إلى فعل الصلاة عند ذكره أواستيقاظه، فيه قولان","level":2,"page":156},{"title":"حجج القائلين بأن فعل الصلاة عند ذكره أواستيقاظه على التراخي","level":2,"page":156},{"title":"قول أبي إسحاق المروزي بالفرق بين ما أخرها لعذر وما أخرها بغير عذر","level":2,"page":158},{"title":"حجة القائلين بأن فعل الصلاة عند ذكره أواستيقاظه على الفور","level":2,"page":158},{"title":"مناقشة حجج القائلين بأن فعل الصلاة عند ذكره أواستيقاظه على التراخي","level":2,"page":159},{"title":"بسط الخلاف في قضاء الصلاة المفوتة عمدا دون عذر وقبول الله لها","level":2,"page":161},{"title":"القائلون بوجوب قضائها، وسياق أدلتهم، ومناقشة بعضها","level":2,"page":161},{"title":"القائلون بعدم قضائها، وأنه لا سبيل له إلى استدراكها","level":2,"page":162},{"title":"بعض حجج القائلين بوجوب قضائها","level":2,"page":162},{"title":"بعض حجج القائلين بعدم قضائها، وأنه لا سبيل له إلى استدراكها","level":2,"page":164},{"title":"أوامر الشارع (مطلقة ومؤقتة)، وأمثلة عليهما","level":2,"page":164},{"title":"إدراك الصلاة قبل خروج وقتها يكون بإدراك ركعة منها","level":2,"page":167},{"title":"سقوط واجبات وشروط الصلاة حفاظا على وقتها","level":2,"page":168},{"title":"الوعيد بالويل ورد على تأخير الصلاة عن وقتها","level":2,"page":169},{"title":"حجج القائلين بعدم قضائها من النظر والقياس","level":2,"page":170},{"title":"وصف الفوات لغة وشرعا على العبادة المفوتة يقتضي عدم إجزاء قضائها","level":2,"page":173},{"title":"شرع صلاة الخوف يدل على عدم إجزاء قضاء الصلاة المفوتة","level":2,"page":175},{"title":"سرد أقوال السلف في عدم قضاء الصلاة المفوتة وعدم قبولها","level":2,"page":177},{"title":"النفي في مثل قوله: «لا صلاة» لنفي الحقيقة لا الكمال، من ثلاثة وجوه","level":2,"page":180},{"title":"عودة إلى سياق حجج القائلين بوجوب قضاء الصلاة المفوتة","level":2,"page":184},{"title":"النسيان قد يراد به الترك العمد أوضد الذكر، والاستدلال على ذلك","level":2,"page":185},{"title":"تعليل تخصيص ذكر سقوط الإثم عن النائم والناسي دون المتعمد","level":2,"page":186},{"title":"مناقشة بعض حجج القائلين بعدم قضائها مما أوردوه من آثار السلف","level":2,"page":198},{"title":"عودة لمناقشة حجج القائلين بوجوب قضائها وقبولها","level":2,"page":200},{"title":"مناقشة الاستدلال بأثر ابن عباس في فرحه بفوات الصلاة مع رسول الله ﷺ","level":2,"page":201},{"title":"مناقشة معنى النسيان وحمله في الحديث على العمد والرد عليه من أربعة وجوه","level":2,"page":202},{"title":"إبطال ورد ما ذكر من تسوية الشارع بين العامد والناسي في العبادات","level":2,"page":205},{"title":"الفطر للمسافر إما واجب، أوأفضل من الصوم، أومثله، أو دونه لمن لا يشق عليه","level":2,"page":207},{"title":"إبطال قياس تارك الصلاة عمدا بالمفطر في السفر","level":2,"page":208},{"title":"إبطال دعوى الإجماع في وجوب قضاء رمضان لمن تركه متعمدا","level":2,"page":208},{"title":"كلام أحمد والشافعي وغيرهما من أئمة الإسلام في الإجماعات المزعومة","level":2,"page":208},{"title":"انتفاء وجود كلام لأصحاب النبي ﷺ في قبول قضاء صلاة مفوتها عمدا","level":2,"page":212},{"title":"احتمال معنى الإجماع عند محمد بن نصر المروزي على أحد وجهين","level":2,"page":214},{"title":"ليست الصلاة المفوتة عمدا دينا قابلا للأداء، وبيان الدين المقبول أداؤه في الشرع","level":2,"page":216},{"title":"الجواب من أربعة وجوه عن قياس قضاء ما ترك عمدا على قضاء ما مترك نسيانا أونوما","level":2,"page":220},{"title":"تقرير أن إدراك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها ليس رافعا لإثم تأخيرها","level":2,"page":222},{"title":"إبطال القياس بما فعله النبي ﷺ يوم الخندق من وجهين","level":2,"page":223},{"title":"الخلاف في مسألة المسايفة، إذا شغل بقتال عدو وخشي خروج الوقت على ثلاثة أقوال","level":2,"page":224},{"title":"إبطال القياس بما فعله الصحابة ﵃ يوم بني قريظة","level":2,"page":227},{"title":"الجواب عن الاستدلال بتأخير الصحابة الصلاة مع من يؤخرها من الأئمة","level":2,"page":228},{"title":"الجواب عن الاستدلال برواية: «وإذا كان الغد فليصلها لميقاتها» رواية ودراية","level":2,"page":229},{"title":"الجواب عن القول بأن تأخير الصلاة عن وقتها عمدا ليس من الكبائر","level":2,"page":232},{"title":"إعلال ما روي من أمر النبي ﷺ بالقضاء للمفطر عمدا في رمضان بالجماع والاستقاء","level":2,"page":238},{"title":"بتقدير صحة حديث أمر المستقيء بالقضاء فإنه محمول على الاستقاء لمرض أوجهل","level":2,"page":243},{"title":"اختلاف الفقهاء في قضاء المجامع لليوم الذي جامع فيه إذا كفر على ثلاثة أقوال","level":2,"page":244},{"title":"المسألة السابعة: هل تصح صلاة من صلى وحده مع قدرته على الجماعة؟","level":1,"page":245},{"title":"ذكر الخلاف في حكم صلاة الجماعة هل هي فرض أم سنة؟","level":2,"page":245},{"title":"ذكر القائلين بفرضية صلاة الجماعة، وسياق بعض أدلتهم من كلام ابن المنذر","level":2,"page":245},{"title":"ذكر القائلين بسنية صلاة الجماعة تأكيدا، وأن الخلاف بينهم وبين الأولين لفظي","level":2,"page":249},{"title":"عودة إلى بسط سرد أدلة القائلين بفرضية صلاة الجماعة من الكتاب والسنة","level":2,"page":250},{"title":"الدليل الأول على فرضية صلاة الجماعة، ووجوه الدلالة منه","level":3,"page":250},{"title":"الدليل الثاني على فرضية صلاة الجماعة، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":250},{"title":"قوله ﷺ للأعمى: «فحي هلا» يؤكد دلالة الدليل الثاني، ومعناه عند الصحابة","level":4,"page":253},{"title":"الدليل الثالث على فرضية صلاة الجماعة، ووجه الدلالة منه، والجواب عما يرد عليه","level":3,"page":254},{"title":"الدليل الرابع على فرضية صلاة الجماعة، ووجه الدلالة منه، والجواب عما يرد عليه","level":3,"page":256},{"title":"لا تترك سنة النبي ﷺ لدعوى إجماع أونسخ أوتأويل عند أئمة الإسلام","level":3,"page":259},{"title":"الدليل الخامس على فرضية صلاة الجماعة، ووجه الدلالة منه، والجواب عما أورد عليه","level":3,"page":262},{"title":"الدليل السادس على فرضية صلاة الجماعة، وإعلاله بعلتين، والجواب عنه","level":3,"page":263},{"title":"الدليل السابع على فرضية صلاة الجماعة، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":266},{"title":"الدليل الثامن على فرضية صلاة الجماعة، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":268},{"title":"الدليل التاسع على فرضية صلاة الجماعة، ووجه الدلالة منه، والجواب عما أورد عليه","level":3,"page":268},{"title":"ذكر الخلاف في حكم صلاة الفذ خلف الصف، وأدلة القولين","level":4,"page":270},{"title":"سرد القائلين من السلف ومن بعدهم ببطلان صلاة الفذ خلف الصف","level":4,"page":272},{"title":"تباين حكم صلاة المرأة فذة خلف صف الرجال، وخلف صف النساء","level":4,"page":273},{"title":"ثلاث روايات عن الإمام أحمد في حكم صلاة من ركع فذا خلف الصف ثم دخل فيه","level":4,"page":275},{"title":"الدليل العاشر على فرضية صلاة الجماعة، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":277},{"title":"الدليل الحادي عشر على فرضية صلاة الجماعة، ووجه الدلالة منه","level":3,"page":278},{"title":"الدليل الثاني عشر على فرضية صلاة الجماعة: إجماع الصحابة عليه، وسرد نصوصهم","level":3,"page":280},{"title":"المسألة الثامنة: هل الجماعة شرط في صحة الصلاة أم أنها فرض فقط؟ قولان","level":1,"page":284},{"title":"حجة القائلين بشرطية الجماعة لصحة الصلاة هي نفسها أدلة فرضيتها التي تقدم سردها","level":2,"page":286},{"title":"القائلون بصحة الصلاة دون جماعة هم على ثلاثة أقوال في حكمها: سنة، وفرض كفاية، وفرض عين","level":2,"page":287},{"title":"أدلة القائلين بصحة الصلاة للمنفرد التارك للجماعة","level":2,"page":288},{"title":"بعض حجج القائلين بوجوب صلاة الجماعة مع صحة الصلاة بتركها، ومناقشتها","level":2,"page":292},{"title":"جمهور الأمة لا يجوز صلاة من ترك القيام لغير عذر","level":2,"page":296},{"title":"بعض حجج القائلين بفرضية صلاة الجماعة على الأعيان","level":2,"page":298},{"title":"المسألة التاسعة: هل يجب للجماعة حضور المسجد أم له فعلها في بيته؟ ثلاثة أقوال","level":1,"page":299},{"title":"بعض حجج القائلين بعدم بوجوب حضور المسجد للجماعة","level":2,"page":300},{"title":"بعض حجج القائلين بوجوب حضور المسجد للجماعة","level":2,"page":302},{"title":"قولان في مذهب الحنابلة في صحة من صلى الجماعة في بيته وترك إتيانها في المسجد","level":2,"page":303},{"title":"اختيار المؤلف القول بوجوب حضور المسجد للجماعة","level":2,"page":306},{"title":"المسألة العاشرة: حكم من نقر صلاته، ولم يتم ركوعها ولا سجودها","level":1,"page":307},{"title":"ذكر حديث المسيء في صلاته واستنباط الأحكام منه","level":2,"page":307},{"title":"وجوب وتعين التكبير للدخول في الصلاة، وقراءة الفاتحة، والطمأنينة، ودليلها","level":2,"page":308},{"title":"وجوب التسبيح في الركوع والسجود، والتحميد والتسميع في الرفع","level":2,"page":309},{"title":"الجواب عن قول من أول قوله ﷺ: «فإنك لم تصل» وحمله على الكمال","level":2,"page":313},{"title":"وجوب الاعتدال والطمأنينة عند الرفع من الركوع والسجود","level":2,"page":317},{"title":"نهيه ﷺ عن التشبه ببعض الحيوانات في الصلاة","level":2,"page":320},{"title":"تتمة سرد الأدلة الدالة على ذم نقار الصلاة","level":2,"page":322},{"title":"وصف النبي ﷺ من نقر صلاته بصلاة المنافقين","level":2,"page":322},{"title":"ست صفات في الصلاة من علامات النفاق","level":2,"page":322},{"title":"المسألة الحادية عشرة: مقدار صلاة رسول الله ﷺ","level":1,"page":327},{"title":"تضييع الناس لمقدار صلاة رسول الله ﷺ من زمن أنس ﵁","level":2,"page":327},{"title":"كانت صلاته ﷺ معتدلة، يطيل الركوع والسجود والاعتدال منهما، ويوجز القيام","level":2,"page":328},{"title":"قدر قراءته ﷺ في صلاة الفجر","level":3,"page":337},{"title":"قدر قراءته ﷺ في صلاتي الظهر والعصر","level":3,"page":339},{"title":"قدر قراءته ﷺ في صلاة المغرب","level":3,"page":340},{"title":"قدر قراءته ﷺ في صلاة العشاء","level":3,"page":342},{"title":"من هديه ﷺ في صلاة الظهر أنه كان يسمعهم الآية بعد الآية أحيانا","level":3,"page":349},{"title":"من هديه ﷺ في صلاة الظهر أنه كان يسجد للسجدة، وهو دليل على مشروعيته","level":3,"page":349},{"title":"كان أبوبكر وعمر ﵄ يطيلان القراءة في صلاة الفجر","level":2,"page":351},{"title":"سرد حجج وأدلة من يميل إلى التخفيف في الصلاة والقراءة فيها خلافا لهديه ﷺ","level":2,"page":352},{"title":"مناقشة ورد أدلة المخففين في الصلاة والقراءة فيها","level":2,"page":365},{"title":"الجواب عن استدلالهم بقوله ﷺ: «أفتان أنت يا معاذ»","level":3,"page":367},{"title":"الجواب عن استدلالهم بصلاته ﷺ الصبح بالمعوذتين","level":3,"page":367},{"title":"الجواب عن استدلالهم بصلاته ﷺ المغرب بسورتي الكافرون والإخلاص","level":3,"page":368},{"title":"المعنى الصحيح لمعنى التخفيف الذي كان يأمر به النبي ﷺ والرد على النقارين","level":2,"page":370},{"title":"كان أنس ﵁ ينكر على الأئمة تقصير الركوع والسجود والاعتدال منهما","level":2,"page":372},{"title":"اتفق الصحابة ﵃ على أن صلاته ﷺ كانت معتدلة، فكان ركوعه وسجوده ورفعه منهما مناسبا لقيامه","level":2,"page":374},{"title":"كلام ماتع عن وجوب وأهمية الخشوع وحضور القلب والطمأنينة في الصلاة","level":2,"page":377},{"title":"أسرار وفوائد التكبير عند الدخول للصلاة ودعاء الاستفتاح والاستعاذة","level":3,"page":382},{"title":"أسرار ومعاني سورة الفاتحة عند قراءتها في الصلاة، وما احتوته من معان التوحيد","level":3,"page":383},{"title":"أسرار ومعاني التأمين عند الفراغ من قراءة الفاتحة","level":3,"page":393},{"title":"أفضل أذكار الصلاة ذكر القيام وأفضل هيئاتها هيئة القيام","level":3,"page":394},{"title":"أسرار ومعاني الركوع وأذكاره، وقد أبطل كثير من العلماء صلاة من تركها","level":3,"page":394},{"title":"أسرار ومعاني الرفع من الركوع وأذكاره","level":3,"page":395},{"title":"أسرار ومعاني السجود وأذكاره، ولا يشرع له رفع يديه عند الانحطاط له","level":3,"page":399},{"title":"لم يكن النبي ﷺ يتقي الأرض بوجهه قصدا","level":2,"page":401},{"title":"من كمال السجود الواجب السجود على الأعضاء السبعة","level":3,"page":402},{"title":"من كمال السجود الواجب أوالمستحب مباشرة مصلاه بأديم وجهه","level":3,"page":402},{"title":"من كمال السجود الواجب أن يكون على هيئة يأخذ فيها كل عضو حظه","level":3,"page":402},{"title":"أبطل كثير من العلماء صلاة من ترك التسبيح في الركوع عمدا","level":2,"page":405},{"title":"أسرار ومعاني الرفع من السجود وأذكاره","level":3,"page":405},{"title":"أسرار ومعاني جلسة التشهد والتحيات وأذكاره","level":3,"page":407},{"title":"مشروعية الصلاة على النبي ﷺ وآله بعد التحيات، وأسرارها ومعانيها","level":2,"page":413},{"title":"مشروعية الدعاء آخر صلاته وبعد الفراغ من أذكارها","level":2,"page":414},{"title":"عامة أدعية النبي ﷺ كانت في الصلاة","level":2,"page":414},{"title":"فضيلة الدعاء دبر الصلاة وهو آخرها قبل السلام، وبيان سر ذلك","level":2,"page":416},{"title":"دبر الصلاة إما آخرها قبل السلام، أوبعد السلام، ويفرق بينهما بالقرينة","level":2,"page":416},{"title":"أسرار ومعاني الختم بالتسليم عند الفراغ من الصلاة","level":2,"page":417},{"title":"عودة إلى مناقشة أدلة المخففين في الصلاة والقراءة فيها","level":2,"page":418},{"title":"الجواب عن استدلالهم بأمره ﷺ بالإيجاز","level":3,"page":419},{"title":"الجواب عن استدلالهم بقراءته ﷺ بالمعوذتين أوالتكوير في صلاة الفجر","level":3,"page":419},{"title":"الجواب عن استدلالهم بتسبيحه ﷺ في الركوع والسجود ثلاثا وأنه لا يثبت","level":3,"page":420},{"title":"ذكر بعض هديه ﷺ في التطويل في القراءة في صلواته","level":2,"page":421},{"title":"الجواب عن استدلالهم بصلاة أنس ﵁ الخفيفة وأنه نسبها للنبي ﷺ","level":2,"page":425},{"title":"النبي ﷺ كان يخفف بعض الصلاة، كسنة الفجر وفي السفر وإذا سمع بكاء الصبي","level":2,"page":426},{"title":"عودة إلى الجواب عن استدلالهم بقوله ﷺ: «أفتان أنت يا معاذ»","level":2,"page":427},{"title":"الجمع بين التعارض في بعض روايات قصة تطويل معاذ وقراءته","level":2,"page":430},{"title":"التوسط المحمود بين التنطع والتعمق، والتفريط والتقصير في الصلاة وغيرها","level":2,"page":431},{"title":"الجواب عن استدلالهم بأن حب الصحابة لصوته ﷺ يحملهم على احتمال تطويله","level":2,"page":434},{"title":"سياق صفة صلاة النبي ﷺ من حين استقباله القبلة إلى حين سلامه","level":2,"page":435},{"title":"رفع اليدين إلى فروع الأذنين واستقبال الأصابع القبلة ونشرها، ثم التكبير","level":2,"page":435},{"title":"ليس من سنته التلفظ بالنية، ولو حفظ عنه مرة لنقله الصحابة ﵃","level":2,"page":436},{"title":"إمساك اليد الشمال باليمين ووضعها فوق المفصل على الصدر","level":2,"page":437},{"title":"أذكار الاستفتاح، وقد ذكر منها خمسة أنواع","level":2,"page":438},{"title":"الاستعاذة بالله من الشيطان، وقد ذكر منها ثلاثة أنواع","level":2,"page":442},{"title":"قراءة الفاتحة، فإن كانت الصلاة جهرية أسمعهم، ولم يكن يجهر بالبسملة فيها","level":2,"page":442},{"title":"كان يقطع قراءته آية آية","level":2,"page":442},{"title":"إذا ختم قراءة الفاتحة جهر بـ «آمين» ومد بها صوته وجهر بها من خلفه","level":2,"page":444},{"title":"اختلفت الروايات في موضع سكوته ﷺ، أبعد قراءة الفاتحة أم بعد القراءة كلها؟","level":2,"page":444},{"title":"اتفقت الأحاديث على أنه كان يسكت سكتتين، الأولى قبل قراءة الفاتحة والثانية موضع الخلاف","level":2,"page":446},{"title":"كأن المؤلف يميل إلى عدم مشروعية السكوت بعد قراءة الفاتحة","level":2,"page":446},{"title":"كان ﷺ يقرأ بعد الفاتحة سورة طويلة أحيانا وقصيرة أحيانا ومتوسطة أحيانا","level":2,"page":447},{"title":"لم يكن ﷺ يبتدئ القراءة من وسط سورة ولا من آخرها، بل يكمل سورة في ركعة أوركعتين","level":2,"page":447},{"title":"لم ينقل عنه أحد من أصحابه أنه صلى بآية من سورة إلا في سنة الفجر","level":2,"page":447},{"title":"كان ﷺ يقرأ بسورة في الركعة، وقد يعيدها في الثانية، وتارة يقرأ بسورتين في ركعة","level":2,"page":447},{"title":"كان ﷺ يطيل ويمد قراءة الفجر أكثر من بقية الصلوات","level":2,"page":448},{"title":"كان ﷺ يجهر بالقراءة في الفجر والأوليين من المغرب والعشاء، ويسر فيما سواها","level":2,"page":448},{"title":"كان ﷺ يسمعهم الآية في صلاة السر أحيانا","level":2,"page":448},{"title":"السور التي كان يقرؤها ﷺ في فجر الجمعة وصلاتها والعيدين","level":2,"page":449},{"title":"كان ﷺ يقرأ بالسورة فيها السجدة في صلاة السر أحيانا فيسجد للسجدة ومن معه","level":2,"page":450},{"title":"هديه ﷺ في قراءته في صلاة الظهر، وطول قيامه في الركعة الأولى منها","level":2,"page":450},{"title":"هديه ﷺ في قراءته في صلاة العصر","level":2,"page":450},{"title":"هديه ﷺ في قراءته في صلاة المغرب","level":2,"page":451},{"title":"هديه ﷺ في قراءته في صلاة العشاء","level":2,"page":451},{"title":"كان ﷺ إذا فرغ من قراءته سكت هنيهة لتراجع إليه نفسه","level":2,"page":452},{"title":"هديه ﷺ في ركوعه وهيئة الانتقال إليه، وما أثر عنه فيه من أنواع الذكر","level":2,"page":452},{"title":"هديه ﷺ في الرفع من الركوع وهيئة الانتقال منه، وما أثر عنه فيه من أنواع الذكر","level":2,"page":455},{"title":"هديه ﷺ في هيئة الانتقال إلى السجود","level":2,"page":456},{"title":"ذكر الخلاف في مسألة وضع اليدين قبل الركبتين وعكسه، والمرويات فيها","level":2,"page":456},{"title":"هديه ﷺ في سجوده، وما أثر عنه فيه من أنواع الذكر، وقد ذكر المؤلف منها ثمانية","level":2,"page":463},{"title":"هديه ﷺ في جلسته بين السجدتين وانتقاله منها إلى السجدة الثانية","level":2,"page":466},{"title":"هديه ﷺ في القيام من السجود إلى الركعة الثانية، وذكر جلسة الاستراحة، واختيار المؤلف أنها ليست من السنن، وذلك لوجهين","level":2,"page":467},{"title":"هديه ﷺ في جلسته للتشهد، وما أثر عنه من الذكر","level":2,"page":469},{"title":"هديه ﷺ في الركعتين الأخريين، واكتفاؤه بقراءة الفاتحة فيهما، وقد يزيد عليها أحيانا","level":2,"page":471},{"title":"قنوته ﷺ في الركعة الأخيرة بعد رفعه من الركوع، وأكثره في الفجر، والمرويات فيه","level":2,"page":471},{"title":"الخلاف في مشروعية القنوت","level":2,"page":474},{"title":"ذكر من استحب القنوت قبل الركوع من السلف","level":2,"page":475},{"title":"إعلال رواية كون قنوته ﷺ كان قبل الركوع","level":2,"page":477},{"title":"سياق الروايات عن أحمد في حكم القنوت قبل الركوع، وفي الفجر، ومتى يشرع","level":2,"page":477},{"title":"هديه ﷺ في الصلاة والسلام عليه وعلى آله في جلسة التشهد، والدعاء، والسلام","level":2,"page":481},{"title":"هديه ﷺ في الأذكار المشروعة بعد السلام","level":2,"page":482},{"title":"هديه ﷺ في السنن الرواتب التي يصليها مع الصلوات الخمس","level":2,"page":483},{"title":"هديه ﷺ في صلاة الليل","level":2,"page":485},{"title":"ليس من سنته ﷺ الدعاء بعد الصبح والعصر، وإنما كان يدعو في الصلاة وقبل السلام","level":2,"page":485},{"title":"فهرس المراجع والمصادر","level":1,"page":486}],"ٛ":{"المقدمة,5":1,"المقدمة,6":2,"المقدمة,7":3,"المقدمة,8":4,"المقدمة,9":5,"المقدمة,10":6,"المقدمة,11":7,"المقدمة,12":8,"المقدمة,13":9,"المقدمة,14":10,"المقدمة,15":11,"المقدمة,16":12,"المقدمة,17":13,"المقدمة,18":14,"المقدمة,19":15,"المقدمة,20":16,"المقدمة,21":17,"المقدمة,22":18,"المقدمة,23":19,"المقدمة,24":20,"المقدمة,25":21,"المقدمة,26":22,"المقدمة,27":23,"المقدمة,28":24,"المقدمة,29":25,"المقدمة,30":26,"المقدمة,31":27,"المقدمة,32":28,"المقدمة,33":29,"المقدمة,34":30,"المقدمة,35":31,"المقدمة,36":32,"المقدمة,37":33,"المقدمة,38":34,"المقدمة,39":35,"المقدمة,40":36,"المقدمة,41":37,"المقدمة,42":38,"المقدمة,43":39,"المقدمة,44":40,"1,3":41,"1,4":42,"1,5":43,"1,6":44,"1,7":45,"1,8":46,"1,9":47,"1,10":48,"1,11":49,"1,12":50,"1,13":51,"1,14":52,"1,15":53,"1,16":54,"1,17":55,"1,18":56,"1,19":57,"1,20":58,"1,21":59,"1,22":60,"1,23":61,"1,24":62,"1,25":63,"1,26":64,"1,27":65,"1,28":66,"1,29":67,"1,30":68,"1,31":69,"1,32":70,"1,33":71,"1,34":72,"1,35":73,"1,36":74,"1,37":75,"1,38":76,"1,39":77,"1,40":78,"1,41":79,"1,42":80,"1,43":81,"1,44":82,"1,45":83,"1,46":84,"1,47":85,"1,48":86,"1,49":87,"1,50":88,"1,51":89,"1,52":90,"1,53":91,"1,54":92,"1,55":93,"1,56":94,"1,57":95,"1,58":96,"1,59":97,"1,60":98,"1,61":99,"1,62":100,"1,63":101,"1,64":102,"1,65":103,"1,66":104,"1,67":105,"1,68":106,"1,69":107,"1,70":108,"1,71":109,"1,72":110,"1,73":111,"1,74":112,"1,75":113,"1,76":114,"1,77":115,"1,78":116,"1,79":117,"1,80":118,"1,81":119,"1,82":120,"1,83":121,"1,84":122,"1,85":123,"1,86":124,"1,87":125,"1,88":126,"1,89":127,"1,90":128,"1,91":129,"1,92":130,"1,93":131,"1,94":132,"1,95":133,"1,96":134,"1,97":135,"1,98":136,"1,99":137,"1,100":138,"1,101":139,"1,102":140,"1,103":141,"1,104":142,"1,105":143,"1,106":144,"1,107":145,"1,108":146,"1,109":147,"1,110":148,"1,111":149,"1,112":150,"1,113":151,"1,114":152,"1,115":153,"1,116":154,"1,117":155,"1,118":156,"1,119":157,"1,120":158,"1,121":159,"1,122":160,"1,123":161,"1,124":162,"1,125":163,"1,126":164,"1,127":165,"1,128":166,"1,129":167,"1,130":168,"1,131":169,"1,132":170,"1,133":171,"1,134":172,"1,135":173,"1,136":174,"1,137":175,"1,138":176,"1,139":177,"1,140":178,"1,141":179,"1,142":180,"1,143":181,"1,144":182,"1,145":183,"1,146":184,"1,147":185,"1,148":186,"1,149":187,"1,150":188,"1,151":189,"1,152":190,"1,153":191,"1,154":192,"1,155":193,"1,156":194,"1,157":195,"1,158":196,"1,159":197,"1,160":198,"1,161":199,"1,162":200,"1,163":201,"1,164":202,"1,165":203,"1,166":204,"1,167":205,"1,168":206,"1,169":207,"1,170":208,"1,171":209,"1,172":210,"1,173":211,"1,174":212,"1,175":213,"1,176":214,"1,177":215,"1,178":216,"1,179":217,"1,180":218,"1,181":219,"1,182":220,"1,183":221,"1,184":222,"1,185":223,"1,186":224,"1,187":225,"1,188":226,"1,189":227,"1,190":228,"1,191":229,"1,192":230,"1,193":231,"1,194":232,"1,195":233,"1,196":234,"1,197":235,"1,198":236,"1,199":237,"1,200":238,"1,201":239,"1,202":240,"1,203":241,"1,204":242,"1,205":243,"1,206":244,"1,207":245,"1,208":246,"1,209":247,"1,210":248,"1,211":249,"1,212":250,"1,213":251,"1,214":252,"1,215":253,"1,216":254,"1,217":255,"1,218":256,"1,219":257,"1,220":258,"1,221":259,"1,222":260,"1,223":261,"1,224":262,"1,225":263,"1,226":264,"1,227":265,"1,228":266,"1,229":267,"1,230":268,"1,231":269,"1,232":270,"1,233":271,"1,234":272,"1,235":273,"1,236":274,"1,237":275,"1,238":276,"1,239":277,"1,240":278,"1,241":279,"1,242":280,"1,243":281,"1,244":282,"1,245":283,"1,246":284,"1,247":285,"1,248":286,"1,249":287,"1,250":288,"1,251":289,"1,252":290,"1,253":291,"1,254":292,"1,255":293,"1,256":294,"1,257":295,"1,258":296,"1,259":297,"1,260":298,"1,261":299,"1,262":300,"1,263":301,"1,264":302,"1,265":303,"1,266":304,"1,267":305,"1,268":306,"1,269":307,"1,270":308,"1,271":309,"1,272":310,"1,273":311,"1,274":312,"1,275":313,"1,276":314,"1,277":315,"1,278":316,"1,279":317,"1,280":318,"1,281":319,"1,282":320,"1,283":321,"1,284":322,"1,285":323,"1,286":324,"1,287":325,"1,288":326,"1,289":327,"1,290":328,"1,291":329,"1,292":330,"1,293":331,"1,294":332,"1,295":333,"1,296":334,"1,297":335,"1,298":336,"1,299":337,"1,300":338,"1,301":339,"1,302":340,"1,303":341,"1,304":342,"1,305":343,"1,306":344,"1,307":345,"1,308":346,"1,309":347,"1,310":348,"1,311":349,"1,312":350,"1,313":351,"1,314":352,"1,315":353,"1,316":354,"1,317":355,"1,318":356,"1,319":357,"1,320":358,"1,321":359,"1,322":360,"1,323":361,"1,324":362,"1,325":363,"1,326":364,"1,327":365,"1,328":366,"1,329":367,"1,330":368,"1,331":369,"1,332":370,"1,333":371,"1,334":372,"1,335":373,"1,336":374,"1,337":375,"1,338":376,"1,339":377,"1,340":378,"1,341":379,"1,342":380,"1,343":381,"1,344":382,"1,345":383,"1,346":384,"1,347":385,"1,348":386,"1,349":387,"1,350":388,"1,351":389,"1,352":390,"1,353":391,"1,354":392,"1,355":393,"1,356":394,"1,357":395,"1,358":396,"1,359":397,"1,360":398,"1,361":399,"1,362":400,"1,363":401,"1,364":402,"1,365":403,"1,366":404,"1,367":405,"1,368":406,"1,369":407,"1,370":408,"1,371":409,"1,372":410,"1,373":411,"1,374":412,"1,375":413,"1,376":414,"1,377":415,"1,378":416,"1,379":417,"1,380":418,"1,381":419,"1,382":420,"1,383":421,"1,384":422,"1,385":423,"1,386":424,"1,387":425,"1,388":426,"1,389":427,"1,390":428,"1,391":429,"1,392":430,"1,393":431,"1,394":432,"1,395":433,"1,396":434,"1,397":435,"1,398":436,"1,399":437,"1,400":438,"1,401":439,"1,402":440,"1,403":441,"1,404":442,"1,405":443,"1,406":444,"1,407":445,"1,408":446,"1,409":447,"1,410":448,"1,411":449,"1,412":450,"1,413":451,"1,414":452,"1,415":453,"1,416":454,"1,417":455,"1,418":456,"1,419":457,"1,420":458,"1,421":459,"1,422":460,"1,423":461,"1,424":462,"1,425":463,"1,426":464,"1,427":465,"1,428":466,"1,429":467,"1,430":468,"1,431":469,"1,432":470,"1,433":471,"1,434":472,"1,435":473,"1,436":474,"1,437":475,"1,438":476,"1,439":477,"1,440":478,"1,441":479,"1,442":480,"1,443":481,"1,444":482,"1,445":483,"1,446":484,"1,447":485,"1,535":486,"1,536":487,"1,537":488,"1,538":489,"1,539":490,"1,540":491,"1,541":492,"1,542":493,"1,543":494,"1,544":495,"1,545":496,"1,546":497,"1,547":498,"1,548":499,"1,549":500,"1,550":501},"ٜ":{"المقدمة":[5,44],"1":[3,550]},"ٝ":["المقدمة,5","المقدمة,6","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,10","المقدمة,11","المقدمة,12","المقدمة,13","المقدمة,14","المقدمة,15","المقدمة,16","المقدمة,17","المقدمة,18","المقدمة,19","المقدمة,20","المقدمة,21","المقدمة,22","المقدمة,23","المقدمة,24","المقدمة,25","المقدمة,26","المقدمة,27","المقدمة,28","المقدمة,29","المقدمة,30","المقدمة,31","المقدمة,32","المقدمة,33","المقدمة,34","المقدمة,35","المقدمة,36","المقدمة,37","المقدمة,38","المقدمة,39","المقدمة,40","المقدمة,41","المقدمة,42","المقدمة,43","المقدمة,44","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"8":[3,4],"9":[5,6],"11":[7],"12":[8],"13":[9,10],"26":[11],"27":[12,13,14,15],"28":[16,17,18,19],"29":[20],"32":[21],"34":[22],"38":[23],"40":[24],"41":[25],"43":[26,27],"44":[28,29],"45":[30],"55":[31],"58":[32],"59":[33],"60":[34,35],"62":[36],"65":[37],"66":[38],"67":[39,40],"68":[41],"69":[42],"73":[43,44],"74":[45],"77":[46],"78":[47,48],"79":[49],"80":[50],"87":[51,52,53],"88":[54],"90":[55,56],"93":[57],"97":[58,59],"98":[60],"100":[61,62],"101":[63],"106":[64,65],"107":[66],"108":[67],"109":[68],"110":[69,70],"111":[71],"112":[72],"113":[73],"115":[74],"116":[75],"118":[76],"122":[77],"123":[78],"124":[79],"126":[80],"132":[81],"137":[82],"139":[83],"142":[84],"143":[85],"145":[86],"146":[87],"147":[88],"150":[89],"151":[90],"152":[91],"155":[92],"156":[93,94],"158":[95,96],"159":[97],"161":[98,99],"162":[100,101],"164":[102,103],"167":[104],"168":[105],"169":[106],"170":[107],"173":[108],"175":[109],"177":[110],"180":[111],"184":[112],"185":[113],"186":[114],"198":[115],"200":[116],"201":[117],"202":[118],"205":[119],"207":[120],"208":[121,122,123],"212":[124],"214":[125],"216":[126],"220":[127],"222":[128],"223":[129],"224":[130],"227":[131],"228":[132],"229":[133],"232":[134],"238":[135],"243":[136],"244":[137],"245":[138,139,140],"249":[141],"250":[142,143,144],"253":[145],"254":[146],"256":[147],"259":[148],"262":[149],"263":[150],"266":[151],"268":[152,153],"270":[154],"272":[155],"273":[156],"275":[157],"277":[158],"278":[159],"280":[160],"284":[161],"286":[162],"287":[163],"288":[164],"292":[165],"296":[166],"298":[167],"299":[168],"300":[169],"302":[170],"303":[171],"306":[172],"307":[173,174],"308":[175],"309":[176],"313":[177],"317":[178],"320":[179],"322":[180,181,182],"327":[183,184],"328":[185],"337":[186],"339":[187],"340":[188],"342":[189],"349":[190,191],"351":[192],"352":[193],"365":[194],"367":[195,196],"368":[197],"370":[198],"372":[199],"374":[200],"377":[201],"382":[202],"383":[203],"393":[204],"394":[205,206],"395":[207],"399":[208],"401":[209],"402":[210,211,212],"405":[213,214],"407":[215],"413":[216],"414":[217,218],"416":[219,220],"417":[221],"418":[222],"419":[223,224],"420":[225],"421":[226],"425":[227],"426":[228],"427":[229],"430":[230],"431":[231],"434":[232],"435":[233,234],"436":[235],"437":[236],"438":[237],"442":[238,239,240],"444":[241,242],"446":[243,244],"447":[245,246,247,248],"448":[249,250,251],"449":[252],"450":[253,254,255],"451":[256,257],"452":[258,259],"455":[260],"456":[261,262],"463":[263],"466":[264],"467":[265],"469":[266],"471":[267,268],"474":[269],"475":[270],"477":[271,272],"481":[273],"482":[274],"483":[275],"485":[276,277],"486":[278]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,486,487,488,489,490,491,492,493,494,495,496,497,498,499,500,501]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة التحقيق</span>\nإنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾\n[آل عمران/١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء/١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب/٧٠ - ٧١].\nأمَّا بعد، فقد اهتمَّ أهل العلم - قديمًا وحديثًا - بالتَّصنيف في شأن الصلاة، وذلك لعظم أمرها وعلوِّ مكانتها في الإسلام، وكبير خطرها فيه، وتنوِّع أحكامها، وسننها، وأحوالها. فصنفوا في حكم تاركها، وشروطها، وأوقاتها، وفرائضها، وسُننها، وأذكارها، وأسرارها، وحِكَمها، وفوائدها، وغير ذلك من المباحث المتعلِّقة بها. ولا غرابة","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"في ذلك؛ إذ بقدر ما كان النَّاسُ إلى العِلم أحوج كان الاهتمام به\nأولى وأوجب.\nوممن صنف فيها مصنفًا مفردًا: الإمام، أبوعبد الله محمد بن\nأبي بكر بن أيوب الزُّرعي، الدِّمشقي، المعروف بـ «ابن قيِّم الجوزيَّة» رحمه الله تعالى.\nفكان كتابه هذا كثير الفائدة، لا يستغني عنه باحث في مسائله، إذ بسط في جواب أسئلة سائله، وحقَّق فيه ما قصر التَّحقيق في سواه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-2> الكتب المفردة في الصَّلاة </span>(^١):\nوسأذكر قبل الكلام عن الكتاب ومنهج المؤلِّف فيه أهم المصنَّفات المفردة في موضوع الصَّلاة (^٢)، مرتَّبةً حسب وفاة مؤلِّفيها:\n_________\n(^١) الكتب المذكورة في هذا الفصل على نوعين:\n١ - كتبٌ بعنوان الصلاة، ولا يُدرَى ما احتوته من مباحث الصلاة لتعذُّر\nالوقوف عليها.\n٢ - كتبٌ في بعض مباحث الصَّلاة، ككتب أسرار الصَّلاة ومقاصدها و«روحها»، أو كتب حُكْم ترك الصلاة، أو كتب في الأحاديث المسندة في الصَّلاة ..\nونحو ذلك.\n(^٢) لم أقصد استيعاب جميع ما ألِّف في هذا الباب مفردًا؛ إذ الأمر يطول بهذا، ويمكن الرجوع في مجرَّد الإحصاء إلى معجم الموضوعات المطروقة لعبد الله الحبشي (١/ ٧٤٥ - ٧٥٠) للوقوف عليها.","vol":"المقدمة","page":6},{"text":"١ - كتاب الصَّلاة، للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري البغدادي، صاحب الإمام أبي حنيفة، المتوفَّى سنة ١٨٢ هـ (^١).\n٢ - كتاب الصَّلاة، لابن عُليَّة، إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، المحدِّث المشهور، المتوفَّى سنة ١٩٣ هـ (^٢).\n٣ - كتاب الصَّلاة، للجوزجاني، أبي سليمان موسى بن سليمان الحنفي، المتوفَّى حدود سنة ٢٠٠ هـ (^٣).\n٤ - كتاب الصَّلاة، للحافظ أبي نعيم، الفضل بن دُكين، المتوفَّى سنة ٢١٩ هـ (^٤).\n٥ - كتاب الصَّلاة، للإمام أحمد بن حنبل، المتوفَّى سنة ٢٤١ هـ (^٥).\n_________\n(^١) الجواهر المضيَّة للقرشي (١/ ٢٥٨).\n(^٢) الفهرست لابن النَّديم (ص/٣١٧).\n(^٣) الجواهر المضيَّة للقرشي (٢/ ١٨٦ - ١٨٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٩٣٢).\n(^٤) وقد طُبِع جزءٌ منه -وهو الذي وُجِد-، بتحقيق صلاح بن عايض الشَّلاحي، الأولى في مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة النبويَّة، عام ١٤١٧ هـ، يقع في ٢٢٨ صفحة، وطبع ثانية في دار ابن حزم، ١٤٢٥ هـ، في ١٥٦ صفحة.\n(^٥) في نسبة هذا الكتاب للإمام أحمد نظرٌ؛ فإنَّ الإمام الذَّهبي ﵀ يبطل نسبته إليه، قال في سير أعلام النُّبلاء (١١/ ٢٨٧): «رسالة المسيء في الصَّلاة باطلةٌ»، وقال فيه أيضًا (١١/ ٣٣٠): «قلتُ: هو موضوعٌ على الإمام». وقد طُبِعَ الكِتَاب مفردًا مرَّات عديدة، من أقدمها طبعة محمد رشيد رضا، وقصي محب الدِّين الخطيب في المطبعة السَّلفية (١٣٩٨ هـ)، ومحمد حامد الفقي.","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"٦، ٧، ٨ - كتاب الصَّلاة، وكتاب افتتاح الصَّلاة، وكتاب الحكم على تارك الصَّلاة= ثلاثتها لداود بن علي بن داود بن خلف الأصفهاني الظَّاهري، المتوفَّى سنة ٢٧٠ هـ (^١).\n٩ - كتاب الصَّلاة ومقاصدها، للحكيم الترمذي، أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر، المتوفَّى سنة ٢٨٥ هـ (^٢).\n١٠ - تعظيم قدر الصَّلاة، لمحمد بن نصر المروزي، المتوفَّى سنة ٢٩٤ هـ (^٣).\n١١ - كتاب صفة الصَّلاة، لأبي حاتم محمَّد بن حبَّان البُسْتي، صاحب المسند الصَّحيح: «التَّقاسيم والأنواع»، المتوفَّى سنة ٣٥٤ هـ (^٤).\n_________\n(^١) الفهرست لابن النَّديم (ص/٣٠٣).\n(^٢) طُبِع بتحقيق حسني نصر زيدان، في مطابع دار الكتاب العربي بمصر، ١٩٦٥ م، في مجلد متوسط، في ١٧٤ صفحة.\n(^٣) طُبِع بتحقيق عبد الرحمن بن عبد الجبَّار الفريوائي في مجلَّدين، ط ١، ١٤٠٦ هـ، بمكتبة الدار في المدينة النبويَّة. وطبع طبعة أخرى مصرية في مجلدٍ واحدٍ.\n(^٤) ذكره ابن حبَّان نفسه في كتابه، فقال: «في أربع ركعات يصليها الإنسان ستمائة سُنَّةٍ عن النَّبيِّ ﷺ، أخرجناها بفصولها في كتاب «صفة الصَّلاة»، فأغنى ذلك عن نظمها في هذا النَّوع من هذا الكتاب».\nيُنْظَر: الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (٥/ ١٨٤).\nوقد نقل منه المصنِّف ﵀ في كتابه «رفع اليدين في الصَّلاة» (ص ٥٧ - تحقيق علي العمران).","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"١٢ - كتاب الصَّلاة والتَّهجُّد، لعبد الحق الإشبيلي، المعروف بابن الخرَّاط، المتوفَّى سنة ٥٨١ هـ (^١).\n١٣ - أخبار الصَّلاة، للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، المتوفَّى سنة ٦٠٠ هـ (^٢).\n١٤ - كتاب مقاصد الصَّلاة، لعزالدِّين، عبد العزيز بن عبد السَّلام السلمي الدمشقي، الملقَّب بـ «سلطان العلماء»، المتوفَّى\nسنة ٦٦٠ هـ (^٣).\n_________\n(^١) طُبِع بتحقيق عادل أبوالمعاطي، في دار الوفاء بمصر، ط ١، ١٤١٣ هـ.\nوقد ذكر المحقِّق أنَّ اسم الكتاب في النُّسختين اللَّتين اعتمد عليهما في إخراجه: «التهجُّد»، وأنَّه غيَّره لأنَّه وجده في بعض مراجع من ترجم للمؤلف بالاسم الذي أثبته ولشمول الاسم لمباحث الكتاب؛ حيث إنَّه ليس في مسائل التهجُّد حسبُ.\nوقد نقل المصنِّف منه في كتابه هذا.\n(^٢) نشره مجدي عطيَّة حمُّودة، في مكتبة ابن عباسٍ بمصر، يقع في ١٤٢ صفحة، ط ١، ١٤٢٤ هـ. وهو كتابٌ حديثيٌّ مسندٌ في أحاديث الصَّلاة وفضلها وبعض أحكامها.\n(^٣) نشر بتحقيق إياد الطَّبَّاع، بدار الفكر بدمشق، ط ٢، ١٩٩٥ م، يقع في ٣٨ صفحة.","vol":"المقدمة","page":9},{"text":"١٥ - كتاب مراصد الصِّلات في مقاصد الصَّلاة، لابن القسطلاني، محمد بن أحمد بن علي القيسي، الشافعي التَّوْزَري المصري، المتوفَّى سنة ٦٨٦ هـ (^١).\n١٦ - أسرار الصَّلاة، المنسوب للإمام ابن القيِّم ﵀ (^٢).\n_________\n(^١) والكتاب عن أسرار الصَّلاة وثمراتها وحِكَمها، وأذكارها، وحركاتها.\nطبع الكتاب سنة ١٣٤٩ هـ في المطبعة المصرية بالأزهر، بإشراف الأستاذ رضوان محمد رضوان، ثم طبع مرَّةً أخرى طبعة منسوخة من هذه، بتعليق محمد صديق المنشاوي السوهاجي، في دار الفضيلة في القاهرة بمصر.\n(^٢) طُبِع بتحقيق مجدي فتحي السيد، بدار الصحابة بطنطا.\nثم أعيد طبعه مرَّة أخرى بعنوان: «أسرار الصلاة، والفرق والموازنة بين ذوق الصلاة والسّماع»، بتحقيق: إياد القيسي، سنة ٢٠٠٣ م، في دار ابن حزم بلبنان، في نحو ١٨٠ صفحة.\n\nوالكتاب لا يعدو عن كونه مستلًّا من كتاب السَّماع لابن القيِّم، فأفرد وظُنَّ أنَّه كتابٌ مستقل، وقد وقع بينه وبين كتاب السماع اختلاف يسير، وليس ذلك مسوّغًا لطبع الكتاب تحت اسم مفرد إيهامًا بأنَّ ذلك من فعل المصنِّف نفسه.\nثم طُبِع بتحقيق الوليد بن محمد بن سلامة بمصر، مع رسالة «الذل والانكسار» للحافظ ابن رجب.","vol":"المقدمة","page":10},{"text":"١٧ - كتاب الصَّلاة، لقطب الدِّين الأزنيقي الحنفي، المتصوِّف، المتوفَّى سنة ٨٢١ هـ (^١).\n١٨ - كتاب الأربعون حديثًا في تارك الصَّلاة ومانع الزَّكاة والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والوصية بالجار، لنجم الدين الغيطي، محمد بن أحمد بن علي الشَّافعي، المصري، المتوفَّى سنة ٩٨٤ هـ (^٢).\n١٩ - حكم تارك الصَّلاة، للشَّيخ محمد ناصرالدِّين الألباني، المتوفَّى سنة ١٤٢٠ هـ (^٣).\n٢٠ - حكم تارك الصَّلاة، للشَّيخ محمد بن صالح العثيمين، المتوفَّى سنة ١٤٢٠ هـ (^٤).\n_________\n(^١) قال طاش كبرى زاده في الشَّقائق النعمانية (ص/٢٤): «صنَّف في كتاب الصَّلاة مصنَّفًا جامعًا لمسائلها».\n(^٢) طُبِعَ بمركز الكتاب للنَّشر، بتحقيق علاء عبد الوهاب محمد، في ٨٤ صفحة.\n(^٣) طُبِع مرَّاتٍ عديدةٍ، بتعليق علي حسن عبد الحميد الحلبي.\n(^٤) طُبِع مرَّاتٍ عديدةٍ.","vol":"المقدمة","page":11},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-3> التحقيق في اسم الكتاب:</span>\nلم ينصَّ المؤلِّف ﵀ في هذا الكتاب ولا في غيره من كتبه على عنوان هذا الكتاب، وقد وقفت على ثلاثة أسماء لكتابه:\n\n<span data-type='title' id=toc-4>١ - الأوَّل: «الصَّلاة».</span>\nوممَّن نصَّ على هذا الاسم ابن رجب الحنبلي (^١)، وصدِّيق حسن خان (^٢).\nوهو الاسم المنصوص عليه في النُّسخ المخطوطة التي اعتمدتُ عليها في تحقيق الكتاب، وهي النسخة الأولى المرموز لها بـ «ض»، والنسخة الثَّانية المرموز لها بـ «س»، والنسخة الهنديَّة المرموز لها بـ «هـ»: «كتاب الصَّلاة».\nوفي خاتمة النسخة الثانية: «تمَّ الكتاب المبارك: كتاب الصَّلاة».\nوكذا في صدر المطبوعة الهنديَّة المرموز لها بـ «ط»: «كتاب الصَّلاة»، وفي خاتمتها: «الحمدلله الذي وفَّق لإتمام كتاب الصَّلاة».\n_________\n(^١) المنتقى من مشيخة أبيه شهاب الدِّين ابن رجب (١٣٦).\n(^٢) التاج المكلَّل (٤١٩).","vol":"المقدمة","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>٢ - الاسم الثاني: «حكم تارك الصَّلاة»،</span> وهو الذي ذكره أكثر من عدَّ الكتاب في جملة مؤلَّفات الشيخ.\nحيث نصَّ على هذا الاسم ابن رجب الحنبلي (^١)، وتبعه عليه: العُلَيْمي (^٢)، والدَّاودي (^٣)، وابن العماد الحنبلي (^٤)، وعبد القادر بن بدران (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>٣ - الاسم الثَّالث: «تارك الصَّلاة».</span>\nوقد ذكره الشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين، ت ١٤١٠ هـ (^٦).\nويظهر لي أنَّ الاسم الأوَّل للكتاب، وهو «كتاب الصلاة» هو الأقرب والأصحُّ، وذلك لأمورٍ:\n- الأول: أنَّ هذا الاسم هو الذي نصَّ عليه الإمام ابن رجبٍ، وهو تلميذ ابن القيِّم وأعرف باسم كتاب شيخه.\n_________\n(^١) الذَّيل على طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(^٢) المنهج الأحمد (٥/ ٩٥)، والدر المنضَّد (٢/ ٥٢٢).\n(^٣) طبقات المفسِّرين (٢/ ٩٣).\n(^٤) شذرات الذَّهب (٦/ ١٧٠).\n(^٥) منادمة الأطلال (٢٤٢).\n(^٦) في كتابه تسهيل السَّابلة (٢/ ١١٠٥).","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"- الثَّاني: أنَّ هذا الاسم هو المنصوص عليه في النُّسخ الموجودة بين أيدينا، والأصل أنَّ النَّاسخ يكتب عنوان الكتاب كما رآه عند نسخه، فلا يظنُّ حصول التغيير من النسَّاخ جميعًا في آن واحدٍ.\n- الثَّالث: أنَّ هذا الاسم أقرب إلى مدلول الكتاب ومحتواه؛ إذ سؤال السَّائل الذي كان سببًا في تأليف الإمام هذا الكتاب لم يقتصر على مسألة حكم ترك الصلاة، بل اشتمل عليها وعلى مسألة القضاء وصفة صلاة النَّبي ﷺ وغيرها من المسائل، وكان جواب الشَّيخ مستوعبًا تلك المسائل وغيرها من المسائل التي عرَّج عليها ضمنًا.\nوأمَّا ما قد يُشكل من ردِّ الاسم الثاني وهو «حكم تارك الصلاة»، مع اتفاق تسميته عند من تقدَّم ذكر أسمائهم، وهم أكثر= فالجواب أنَّها أكثريَّةٌ غير حقيقيَّةٍ؛ إذ الذي ذكر اسم الكتاب أولًا هو ابن رجبٍ، ثم تناقل المتأخرون عنه هذا الاسم، فالمصدر واحدٌ كما يظهر.\nوابن رجبٍ هو نفسه الذي ذكر اسم الكتاب الأول، فيكون كلامه مقابل كلامه.\nولا بد من ترجيح أحد الاسمين في كلاميه حينئذٍ، ومع القرائن المتقدِّم ذكرها آنفًا يترجَّح لديَّ الاسم الأول، ويحمل الاسم الثاني على أنَّه اختصار لاسم الكتاب بذكر مسألةٍ ذكرت فيه.","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"وقد عُهِد من المصنِّفين في السِّيَر والتواريخ والطَّبقات التصرف في تسمية كتب المترجَمين، ولعلَّ تسميتهم له بـ «حكم تارك الصَّلاة»، هو من هذا الباب.\nوإذا كانت القضيَّة في ترجيح أحد هذين الاسمين مبنيًّا على الظَّنِّ والنَّظر في القرائن، فإنَّ القرائن التي ذكرتها تميل بالكفَّة إلى الأخذ بالاسم الأول للكتاب، وهو «كتاب الصَّلاة».\n\n*<span data-type='title' id=toc-7> سبب تصنيف الكتاب:</span>\nظاهرٌ بجلاء من مطلع الكتاب أنَّ باعث تأليف المصنِّف ﵀ له كان جوابًا عن سؤالٍ رُفِع إليه، نصُّه: «ما يقول السَّادة العلماء، أئمَّة الدِّين، وفَّقهم الله وأرشدهم، وهداهم وسدَّدهم، في تارك الصَّلاة عامدًا؛ هل يجب قتله أم لا؟ وإذا قُتِلَ فهل يُقْتَل كما يُقْتَل المرتدُّ والكافر … -إلى أن قال:- فأرشد الله مَن دَلَّ على سواء السَّبيل، وجمع بين بيان الحُكم والدَّليل. وما أخذ الله الميثاق على أهل الجهل أنْ يتعلَّمُوا حتى أخذ الميثاق أهل العلم أنْ يُعلِّمُوا ويبيِّنُوا .. الخ».\nوأمَّا ما يتعلَّق بتاريخ تصنيف الإمام لهذا الكتاب فلم أقف على نصٍّ ولا قرينة تعين على ذلك.","vol":"المقدمة","page":15},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-8> إثبات صِحَّة نسبة الكتاب إلى المؤلِّف:</span>\nثبتت نسبة هذا الكتاب إلى الإمام ابن القيِّم ﵀ بعدَّة أدلَّةٍ، منها:\n١ - نصُّ غير واحدٍ من أهل العلم على أنَّ هذا الكتاب من جملة مؤلَّفات الإمام. وقد تقدَّم ذكرهم في تحقيق اسم الكتاب.\n٢ - ومن الأدَّلة على ذلك أيضًا: أسلوب الإمام ابن القيِّم المتميِّز، وهذا ظاهرٌ من قراءة هذا الكتاب، ومقارنته مع أسلوبه في كتبه الأخرى؛ في بسط الكلام على المسألة، وطريقة عرضه لها، وذكر الخلاف فيها، وإيراد الأدلَّة والحجاج فيها ونقضها، إلى غير ذلك.\n٣ - ومن الأدلَّة على ذلك أيضًا: نقله عن شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية، في موضعٍ واحدٍ من الكتاب، وذلك في قوله: «قال شيخنا: فهذا يدلُّ على أنَّ العيد آكد من الجمعة» (^١).\n٤ - ومن الأدَّلة على ذلك أيضًا: توافق كلام الإمام واختياراته في المسائل التي بحثها في هذا الكتاب مع ما قرَّره في كتبٍ أخرى.\n_________\n(^١) يُنْظَر (ص/٣٣).","vol":"المقدمة","page":16},{"text":"فثمَّة مناقشات وإيرادات وكلام له في هذا الكتاب يتَّفق مع ما قرَّره في زاد المعاد، أوحاشيته على سنن أبي داود، وغيرها من المؤلَّفات التي طرق فيها تلك المسائل.\n\n*<span data-type='title' id=toc-9> التعريف بالكتاب:</span>\nيشتمل هذا الكتاب على كثيرٍ من المسائل الخلافيَّة في مسائل الصَّلاة، مجملةً أومفصَّلة، والاستدلال للأقوال فيها، والاستنباطات الدقيقة، والتعليلات اللَّطيفة فيها، ووجوهها، والجواب عنها ونقضها.\nحتَّى قال الشيخ المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ ضمن تخريجه وكلامه على حديثٍ، فعرض ذكر رسالة الصلاة لابن القيِّم، فقال عنها: «فإنَّ فيها علمًا غزيرًا، وتحقيقًا بالغًا، لا تجده في موضعٍ آخر» (^١).\n\n* ويمكن تلخيص<span data-type='title' id=toc-10> المسائل التي عرض المصنِّف ﵀ الخلاف فيها في هذا الكتاب </span>على نوعين:\n١ - مسائل أطال النَّفَس فيها، وعرض الخلاف وأدلَّة الأقوال ومناقشتها ونقضها.\n_________\n(^١) السَّلسلة الضَّعيفة (١٢٥٧).","vol":"المقدمة","page":17},{"text":"٢ - مسائل أشار إليها وأجمل القول فيها، وهذا الإجمال إمَّا نسبيٌّ، وذلك بعرض شيءٍ من التفصيل الذي لا يصل إلى الإسهاب كما في النوع الأول، وإمَّا مطلقٌ بأن يلمح إلى الخلاف فيها ويكتفى بذكر عدد الأقوال فيها، دون خوضٍ في تفاصيل ذلك.\n* أمَّا المسائل الخلافيَّة - الفقهية أو الحديثية - التي أطال النَّفس فيها، بذكر الأقوال والقائلين وحجج كل طائفة، ثم مناقشتها، وقد يرجِّح أحد هذه الأقوال= فمثالها: مسألة قتل تارك الصلاة، ومسألة كيفيَّة قتله، ومسألة كفره، وهل يُسْتَتاب أم لا؟ وبماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟، ومسألة هل يقتل حدًّا … أم يُقتل كما يُقتَل المرتدُّ؟، ومسألة هل تجب المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر، أم يجوز له التَّأخير، ومسألة هل ينفعه قضاء الصلاة إذا تركها عمدًا حتى خرج وقتها؟ والكلام عن حكم صلاة الجماعة من حيث إنَّها شرط لصحة الصلاة أم لا، وهل له أن يؤدِّيها في بيته أو يلزمه أداؤها في المسجد، وبطلان صلاة من ترك الطمأنينة في الصلاة، وغيرها\nمن المسائل.\n* وأمَّا المسائل التي أشار إلى الخلاف فيها= فمثالها: مسألة استتابة المرتدِّ، وحكم منْ تَرَك ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه وهو يعتقد وجوبه، واختلافهم في معنى السَّهْو، ومسألة حكم الفِطر في السَّفر،","vol":"المقدمة","page":18},{"text":"ومسألة مَنْ أدركته الصلاة وهو مشغولٌ بقتال العدو، وغيرها من المسائل.\n* ومن أهمِّ المسائل التي عرض لها المصنِّف وأطال الكلام فيها تحريره لمسألة الإيمان، وعلاقة ذلك بحكم تارك الصلاة بالكليَّة، حيث بيَّن المؤلِّف ﵀: «أنَّ معرفة الصَّواب في هذه المسألة مبنيٌّ على معرفة حقيقة الإيمان والكفر».\n* ويمكن إيجاز كلامه في هذه القضيَّة في الآتي:\n١ - نقل إجماع أهل السُّنَّة على زوال الإيمان بزوال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق، وبيَّن أنَّ من أمحل المحال أنْ يقوم بقلب العبد إيمانٌ جازمٌ لا يتقاضاه فعل طاعةٍ ولا ترك معصيةٍ.\nوأنَّ لازم عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب؛ ولازم انقياد القلب انقياد الجوارح.\nوأنَّ الإيمان ليس هو التَّصديق المجرَّد باعتقاد صِدْق المخبر، بل التَّصديق إنَّما يتمُّ بأمرين: اعتقاد الصِّدق، ومحبَّة القلب وانقياده، فعلى هذا يمتنع مع التَّصديق الجازم بوجوب الصَّلاة، والوعد على فعلها، والوعيد على تركها= المحافظة على تركها.","vol":"المقدمة","page":19},{"text":"٢ - وأنَّ الكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خَلَفَه الآخر. وأنَّ الإيمان العملي يضادُّه الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضادُّه الكفر الاعتقادي، والعملي لا يخرجه من الدَّائرة الإسْلامية، والمِلَّة بالكُلِّيَّة، كما أنَّ النِّفاق نِفاقان؛ نِفاق اعْتِقادٍ، ونِفاق عَمَلٍ.\nوأنَّ الرجل قد يجتمع فيه كفرٌ وإيمانٌ، وشركٌ وتوحيدٌ، وتقوى وفجورٌ، ونفاقٌ وإيمانٌ.\n٣ - ثم بيَّن أنَّ من أتى بعض شعب الإيمان وترك بعضها فقد ينفعه ما أتاه في عدم الخلود في النَّار إنْ لم يكن المتروك شرطًا في صحَّة الباقي، وإنْ كان المتروك شرطًا في اعتباره لم ينفعه.\nوأنَّ شعب الإيمان قد يتعلَّق بعضها ببعضٍ؛ تعلُّق المشروط بشَرْطِه، وقد لا يكون كذلك.\nوالأدلَّة التي ذكرها وغيرها تدلُّ على أنَّه لا يقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة. وأنَّ الرَّاجح هو كفر تارك الصلاة متهاونًا وهو مصرٌّ على تركها، وتعجَّب من الشَّاكِّين في كفره، مع كونه دُعِي إلى فعلها على رؤوس الملأ، والسَّيف على رأسه للقتل، وقيل له: تصلِّي وإلَّا قتلناك وهو يقول: اقتلوني ولا أصلِّي أبدًا!\nوقد ناقش المؤلِّف ﵀ أكثر أدلَّة القائلين بعدم كفر تارك الصلاة، وما لم يناقشه ﵀ فإنَّه يُرَدُّ عليه بالقواعد التي ذكرها ممّا تقدَّم إيجازه آنفًا.","vol":"المقدمة","page":20},{"text":"* وممَّا ترك المؤلِّف ﵀ الجواب عليه ما قد يحتجُّ به بعض القائلين بعدم كفر تارك الصلاة، وهو قوله ﷺ: «لم يعملوا خيرًا قط»، وهو الوارد في شفاعة المؤمنين وخروجهم من النَّار يوم القيامة.\nوفي لفظٍ من ألفاظ هذا الحديث: «وإذا رأوا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا، إخواننا كانوا يصلُّون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا - وفي روايةٍ: ويحجُّون معنا - فيقول الله تعالى: اذهبوا فمَنْ وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من إيمانٍ، فأخرجوه، ويحرِّم الله صُوَرَهم على النَّار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النَّار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عَرَفوا، ثُمَّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ فأخرجوه، فيخرجون مَن عرفوا، ثُمَّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمَنْ وجدتم في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ فأخرجوه، فيخرجون مَن عَرَفوا». إلى أن قال: «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبَّار: بقِيَت شفاعتي، فيقبض قبضةً من النَّار فيخرج أقوامًا قد امتَحَشُوا (^١)، فيُلْقَون في نهرٍ بأفواه الجنَّة، يُقَال له «ماء الحياة»، فينبتون في حافتَيْه كما تنبت الحِبَّة في حميل السَّيل ..». إلى أن قال: «فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء الرَّحمن،\n_________\n(^١) أي: احترقوا، والمَحْشُ: احتراق الجِلد وظُهور العَظم، كما في النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٠٢) وغيره.","vol":"المقدمة","page":21},{"text":"أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، فيُقَال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» (^١).\nفقوله في هذه الجملة: «أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه» قد ورَد في سياق شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وقدجاءت في رواياتٍ وألفاظٍ مختلفة في الصَّحيحين، ولو تأمَّلْنا كلَّ هذه الرِّوايات وألفاظها المختلفة تبيَّنَ لنا المعنى الصَّحيح لها، والفهم الصائب الموافق لما ذهب إليه أهل السُّنَّة من أنَّ الإيمان لا ينفع صاحبه دون عملٍ، وأنَّ الرِّوايات يفسِّر بعضها بعضًا، ويدلُّ على أنَّ المُخْرَجين من النَّار بشفاعة الشَّافعين إنَّما كانوا من أهل الصَّلاة، كما سيأتي بيانه.\nفإنْ احتجَّ محتجٌّ بمفهوم ما تقدَّم في لفظ الحديث، من أنَّ هؤلاء الذين شَفَع فيهم إخوانُهُم لم يكن لهم من الإيمان إلَّا شيءٌ ضئيلٌ، مثقال دينار أوأقل، وهذا يدلُّ على قِلَّة أعمالهم أوندرتها في الدنيا، وأنَّهم قد فرَّطوا في كثيرٍ من الواجبات، ومن جملتها الصلاة؛ فتبيَّن من هذا أنَّ تارك الصلاة سيكون من هؤلاء الخارجين بالشفاعة ولا ريب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣). وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: «فيقول الله عزَّوجل شفَعَت الملائكةُ وشفَعَ النبيُّون وشفَعَ المؤمنون، ولم يبق إلَّا أرحم الرَّاحمين، فيقبض قبضةً من النَّار، فيُخْرِج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا ..».","vol":"المقدمة","page":22},{"text":"وأنه يمتنع أن يكون لهؤلاء هذا القدر اليسير من الإيمان ثم يظنُّ أنَّهم من أهل الصلاة؛ إذ يُقال: أين ذهب ثواب الصَّلاة الكثير لو كانوا من المصلِّين؟\n= فالجواب عن هذا من وجوهٍ:\nالأول: أنَّ المفهوم يفسد بمعارضة منطوق الحديث له؛ فقد دلَّ منطوق الحديث صراحةً على أنَّ هؤلاء المشفوعين كانوا من المصلِّين؛ حيث إنَّه ذكر كلام الشُّفعاء وأنَّهم قالوا لربِّهم للشفاعة في إخوانهم: «ربَّنا إخواننا، كانوا يصلُّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا ..».\nففي هذا النصِّ ما يصرِّح أنَّ هؤلاء الموصوفين بهذا القدر الضَّئيل من الإيمان كانوا يصلُّون مع إخوانهم، ويعملون معهم في الدنيا، فلم يبق لذاك المفهوم قوَّة يحتجُّ بها.\nالوجه الثاني: يُجاب عمَّا ذُكِر من أنَّ وصف أهل الصلاة والصيام ــ وثوابهما عظيمٌ عند الله - بهذا القدر اليسير من الإيمان في قلوبهم ممتنعٌ، وأنَّه لا يمكن دفع هذا إلا بافتراض كونهم تاركين للأعمال في الدنيا =بأنَّه غير مسلَّمٍ؛ إذ لا يمتنع أنَّ يكون ثواب تلك الأعمال قد ذهب بالمقاصَّة والحساب، أوبالحبوط في الدنيا؛ فصار فاعلوها شبْهَ من لم يعمل خيرًا قط، لا صلاةً ولا صيامًا، ولا غير ذلك.\nويدلُّ على هذا المعنى دلائل كثيرة من الكتاب والسُّنَّة، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال ﷺ: «إنَّ المفلس من","vol":"المقدمة","page":23},{"text":"أُمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقَذَف هذا، وأكل مال هذا، وسَفَك دم هذا، وضَرَب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيَت حسناته قبل أنْ يقضى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِح في النَّار».\nفسُمِّي هذا الرجل عياذًا بالله «مفلسًا» باعتبار مآله، مع إثبات العمل له، من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ؛ لكن لمَّا ذهب ثوابها صحَّ أن يوصف بالإفلاس.\nفإذَنْ .. لا يصحُّ فهم لفظ الحديث الماضي بأنَّهم لم يكونوا يصلُّون ابتداءًا، بل كانوا يصلُّون، لكنَّ الله قضى عليهم دخول النَّار بأعمالهم التي أَبْطَلت أو أَذْهَبَت ثواب صلاتهم.\nالوجه الثالث: أنَّ ممَّا يؤكِّد على هذا المعنى أيضًا وصف هؤلاء بالسُّجود، وذلك في قوله: «حتى إذا فَرَغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممَّن أراد الله تعالى أن يرحمه، ممَّن يقول: «لا إله إلا الله»، فيعرفونهم في النَّار، يعرفونهم بأثر السُّجود؛ تأكل النَّار من ابن آدم إلا أثر السُّجُود، حرَّم الله على النَّار أن تأكل أثر السُّجود ..».\nفتبيَّن من هذا أنَّ هؤلاء المُخْرَجِين كانوا يصلُّون، وأنَّ النَّار أكلت صورهم ولكن بقيت آثار السجود، الدَّالة على أنَّهم كانوا من المصلِّين","vol":"المقدمة","page":24},{"text":"في الدنيا؛ إذْ يقال: لو لم يكونوا من أهل الصلاة كيف تكون لهم آثار سجود؟ وأيُّ سجود فعلوه حتَّى تبقى آثاره على صورهم؟!\nالوجه الرابع: أمَّا استدلالهم بقوله في آخر الحديث: «فيقول الجبَّار: بقِيَت شفاعتي، فيقبض قبضةً من النَّار فيخرج أقوامًا قد امتَحَشُوا، فيُلْقَون في نهرٍ بأفواه الجنَّة، يُقَال له «ماء الحياة»، فينبتون في حافتَيْه كما تنبت الحِبَّة في حميل السَّيل ..». إلى أن قال: «فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء الرَّحمن، أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، فيُقَال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» =وأنَّ النَّبي ﷺ وصفهم بأنَّهم يدخلون الجنَّة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، وأنَّه يدلُّ على أنَّ تارك الصلاة داخلٌ في مثل هذا الوعد بالخروج من النَّار مآلًا.\nفالجواب: أنَّه لا يفهم من قوله: «بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه»، وفي رواية مسلم: «لم يعملوا خيرًا قط» = نفي حصول العمل منهم مطلقًا؛ بل نفي تمامه أوحصول ثوابه أوبقائه لهم. ومثل هذا الاستعمال سائغٌ في لغة العرب، وبه جاءت بعض النصوص.\nوممَّا يؤكِّد هذا الاستعمال عندهم، وأنَّه ليس المراد به ظاهره من نفي الخيريَّة والعمل مطلقًا حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بأنعم أهل الدُّنيا من أهل النَّار يوم القيامة فيُصبغ في النَّار صبغة، ثُمَّ","vol":"المقدمة","page":25},{"text":"يُقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ ..» الحديث (^١).\nفهذا الرَّجُل مع كونه من أنعم أهل الدُّنيا أجاب عن قوله: «هل رأيت خيرًا، هل مرَّ بك نعيمٌ قط» فقال: لا.\nقال الإمام ابن خزيمة ﵀: «هذه اللفظة: «لم يعملوا خيرًا قط» من الجنس الذي تقوله العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتَّمام، فمعنى هذه اللَّفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرًا قط على التَّمام والكمال، لا على ما أُوجب عليه، وأُمِر به» (^٢).\nالوجه الخامس: أنَّ البيِّن عند النَّظر في جميع الرِّوايات عمَّن يصبُّ الله عليهم ماء الحياة من هؤلاء المُخْرَجين، وأنَّهم ينبتون نبات الحِبَّة في حميل السَّيل، وهم من آخر من يخرج من النَّار، وهم الذين يخرجهم الله بشفاعته هو ﷾ =أنَّ هؤلاء قد ورَد النَّصُّ على أنَّهم إنَّما يُخرجُون بأمر الله للملائكة، وأنَّهم يُعرفون بآثار السُّجود.\nوقد تقدَّم بيان موضع الشاهد من هذه اللَّفظة، وأنَّهم إنَّما وُصِفُوا بذلك لأنَّهم كانوا يُصلُّون؛ إذ لو لم يكونوا قد صلَّوا لله لم يصحَّ أن تكون لهم آثار للسُّجود.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٠٧).\n(^٢) كتاب التوحيد (٢/ ٧٣٢)، وينظر مثله في كلام أبي عبيد القاسم بن سلَّام في الإيمان (ص/٤١).","vol":"المقدمة","page":26},{"text":"الوجه السادس: إنْ قيل: فليس في هذه المرَّة أنَّهم يُعرفون بآثار السُجُود، وأنَّ الله قد قبضهم من النَّار قبضةً أوقبضتين، فالجواب: أنَّ هذا يُردُّ على ما تقدَّم بيانه في إخراج الملائكة؛ إذ يُقال إنَّ الملائكة إنَّما يخرجون مَنْ يُعرفون بآثار السُّجود ممَّن يقبضهم الله من النَّار قبضةً.\nوبهذا يتلاءم سياق كلِّ هذه الرِّوايات.\nالوجه السابع: أنَّه من المعلوم أنَّ العقائد والقواعد لا تُبْنَى على أفراد النُّصوص أومجملها أومطلقها بالإعراض عن مجموعها أو مبيِّنها أومقيِّدها.\nولا نصَّ صريح على أنَّ شفاعة المؤمنين أوالنَّبيين أوالملائكة أوربِّ العالمين كانت لغير المصلِّين، غير التعلُّق بجملة: «بغير عمل عملوه» و«لم يعملوا خيرًا قط»، وقد تقدَّم المعنى الصَّحيح لهاتين الجملتين.\nولو أنَّنا حملنا ما أُجمل على ما بُيِّن، والمتشابه إلى المحكم، ونظرنا إلى مجموع النصوص، مع ملاحظة أنَّ ذلك هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في الإيمان لزال الإشكال.\nوالجمع إذا أمكن واحتمل أن يكون على وجهين أوأكثر يكون الرَّاجح منه ما كان موافقًا لمذهب أهل السُّنَّة والجماعة، الذين بنَوا مذهبهم على مجموع النُّصوص وليس على أفرادها ممَّا قد يكون فيها شيءٌ من المتشابه.","vol":"المقدمة","page":27},{"text":"* وعودًا على بدءٍ، فإنَّ ممَّا بحثه المؤلِّف ﵀ في كتابه ممَّا يأتي بعد هذه المسألة في الأهميَّة والطُّول والإسهاب مسائل أخرى، منها: المسألة الحادية عشرة، وهي مقدار صلاة رسول الله ﷺ وسياق صفتها من حين استقباله القبلة إلى حين سلامه، حيث أطال الكلام فيها جدًّا، حتَّى أخذت ما يقارب ثلث الكتاب، وهو ثلثه الأخير، والثلث كثير!\nوقد قال المصنِّف ﵀ مؤكِّدًا على أهميَّة هذا المسألة وسياقه الحُجَّة لنفسه في الإطالة فيها أكثر بالنِّسبة إلى غيرها: «فهي من أجلِّ المسائل وأهمِّها، وحاجة النَّاس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى الطَّعام والشَّراب» (^١).\n* وقد أدرج ﵀ تحت هذه المسألة مسائل وفوائد كثيرة، يمكن إجمالها في الآتي:\n١ - كلامه عن سُنيَّة الاعتدال في أفعال الصَّلاة وأقوالها، في القيام والركوع والسجود والاعتدال والقيام منهما.\n٢ - تفصيله الكلام في قدر قراءته ﷺ في كلِّ صلاة من الصلوات الخمس واعتداله في هيئات الصلاة، والردِّ ضمنًا على من أسماهم\n_________\n(^١) ينظر (ص/٢٨٩).","vol":"المقدمة","page":28},{"text":"بالمخفِّفين والنقَّارين من الأئمَّة والمأمومين، ثم سرده لحججهم، وعقد مناقشة بينهم وبين من أسماهم بالمطوِّلين، وهم المقتدون بسنَّة خير المرسلين ﷺ.\n٣ - كلامه الماتع عن بعض أسرار الصلاة، أقوالها وأفعالها، والمعينة على الخشوع فيها، بتأمُّل الحكمة منها؛ حيث ذكر معاني أسرار الأذكار المشروعة فيها، كالتكبير، والاستفتاح، والفاتحة، وأذكار الركوع والسجود والتشهد والسلام.\n٤ - كلامه عن بعض معاني التَّوحيد المضمَّنة تحت معاني تلك الأذكار الآنف ذكرها.\n٥ - بيان معنى التنطُّع والتعمُّق المنهي عنه، والتَّفريق والفصل بينه وبين التَّطويل المرغوب فيه في الصلاة، اقتداءً بسنَّة رسول الله ﷺ.\n٦ - ذكره جملةً كبيرةً من سُنن الصَّلاة - القوليَّة والفعليَّة ـ، وقد تطرَّق فيها ضمنًا إلى بعض المسائل الخلافيَّة، كمسألة الخرور إلى السُّجود باليدين أوالرُّكبتين، والكلام عن القُنُوت في الصَّلاة، من جهة مشروعيَّته في الصلوات كلها أوبعضها، وموضعه بعد الركوع أوقبله.\n٧ - توسَّطَ ﵀ في كلامه عن الأذكار المشروعة بعد الصَّلاة.\n٨ - كلامه عن السُّنن الرَّواتب المشروعة في الصَّلوات الخمس، والسُّنة في قيام اللَّيل.","vol":"المقدمة","page":29},{"text":"* و<span data-type='title' id=toc-11>مجمل المسائل التي ذكرها وفصَّل القول فيها </span>إحدى عشرة مسألة، وهي مدار كتابه كلِّه، وموضع السؤال الذي لأجله تصدَّى للجواب عنها، وما عداها فمضمَّن تحت إحداها:\nالأولى: حكم قتل تارك الصَّلاة؟\nالثانية: أنَّه لا يقتل حتى يُدْعَى إلى فعلها.\nالثالثة: بماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟\nالرَّابعة: هل يقتل حدًّا؟ أم يُقتل كما يُقتَل المرتدُّ والزِّنْديق؟\nالخامسة: هل تحبط الأعمال بترك الصَّلاة أم لا؟\nالسَّادسة: هل تُقْبَل صلاة اللَّيل بالنَّهار، وصلاة النَّهار باللَّيل؟\nالسَّابعة: هل تصحُّ صلاة من صلَّى وحده وهو يقدر على الصَّلاة جماعةً، أم لا؟\nالثَّامنة: هل الجماعة شرْطٌ في صِحَّة الصَّلاة، أم لا؟\nالتَّاسعة: هل له فعلها في بيته، أم يتعيَّن المسجد؟\nالعاشرة: حكم من نَقَر الصَّلاة، ولم يتمَّ ركوعها ولا سجودها؟","vol":"المقدمة","page":30},{"text":"الحادية عشرة: مقدار صلاة رسول الله ﷺ.\n\n* وبعد إنعام نظرٍ وإجالة فكرٍ في<span data-type='title' id=toc-12> طريقة المؤلِّف ﵀ ومنهجه </span>في تناول تلك المسائل تتبيَّن سمات ذلك فيما يلي:\n*<span data-type='title' id=toc-13> اعتناؤه بسرْد الأدلَّة في المسائل الخلافيَّة.</span> كما في مسألة كفر تارك الصَّلاة، حيث أوصل أدلَّة القائلين بكفره إلى عشرة أدلَّة من كتاب الله، واثني عشر دليلًا من سُنَّة رسول الله ﷺ، ثم حكى إجماع الصَّحابة على كفر تارك الصَّلاة، وقد أعاد المصنِّف ففصَّل سياق أقوال العلماء من التَّابعين ومَنْ بعدهم في كفر تارك الصَّلاة، ومَنْ حكى الإجماع على ذلك.\n*<span data-type='title' id=toc-14> اعتناؤه بنقل الروايات والأقوال في المذاهب ودقَّته في ذلك.</span> مثل قوله: وعن أحمد روايةٌ أخرى، فيه ثلاث رواياتٍ عن الإمام أحمد، والإمام أحمد في المشهور عنه من مذهبه، والإمام أحمد في ظاهر مذهبه، قول أكثر المتأخرين من أصحاب أحمد، هذا اختيار الاصْطَخْرِي من الشَّافعية، وظاهَرُ مذهب الشَّافعي، وهو أحد الوجهين للشَّافعية.\n*<span data-type='title' id=toc-15> ترجيحاته واختياراته الفقهية.</span> مثل قوله: أقوى وأفْقَهُ، أقرب إلى مأخذ الفقه، هو الصَّحيح في الدَّليل، قولٌ قويٌّ جدًّا، وهذا أصحُّ الأقوال.","vol":"المقدمة","page":31},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-16> سياقه كلام بعض الأئمَّة بطوله مع التصرُّف فيه بالاختصار.</span> مثل قوله: قال الذين يعتدُّون بها بعد الوقت، ويُبْرِئُون بها الذِّمَّة، واللَّفظ لأبي عمر ابن عبد البَر … ونحن نذكر كلامه بعينه.\n* تنبيهه على بعض الأوهام المتداولة. مثل قوله: وأخطأ على الشَّافعي من نسب إليه القول بأنَّ صلاة الجمعة فرضٌ، هذه الزِّيادة لم أجدها في شيءٍ من كتب الحديث، ولا أعلم لها إسنادًا.\n\n*<span data-type='title' id=toc-17> التقسيمات والأنواع والصُّوَر والاحتمالات للمسائل.</span> مثل قوله: الحبوط نوعان، الترك نوعان، هذه المسألة لها صورتان، وهذا يحتمل معنيين.\n*<span data-type='title' id=toc-18> وجوه الاستدلال أوالنقض للأدلَّة المستُدَلَّ بها:</span> مثل قوله: جوابه من وجهين، ولا يصحُّ تأويلكم ذلك على أنَّه: لا صلاة كاملة؛ لوجوهٍ، باطلٌ لأربعة أوجهٍ.\n*<span data-type='title' id=toc-19> موارده:</span>\nموارد الإمام ابن القيِّم ﵀ في كتابه هذا على نوعين:\n- النَّوع الأول: الكتب التي نقل منها، ونصَّ على أسمائها: وهي على قسمين، كتبٌ مشهورة أكثر من النَّقل منها، كالصَّحيحين والسُّنن، وستأتي الإحالة إلى مواضعها في فهرس الكتب.","vol":"المقدمة","page":32},{"text":"وكتب نقل منها في مواضع معدودة، وهي التي أشير إلى مواضع ذكرها في كتابه.\n- النَّوع الثَّاني: الكتب التي نقل منها، ولم ينصَّ على أسمائها: وهي على قسمين، كتبٌ نقل منها، مباشرة، وكتب نقل منها بواسطة.\n* أمَّا النوع الأول، وهي الكتب التي نقل منها ونصَّ على أسمائها فهي:\n١ - الاستذكار لابن عبد البَر (ص/١٤٦، ١٥٦).\n٢ - الإقناع لابن الزَّاغوني (ص/٢٤٧).\n٣ - الأوسط لابن المنذر (ص/٢٠٨، ٢١٥، ٢٤١).\n٤ - تعظيم قدر الصَّلاة لمحمد بن نصر المروزي (ص/٥٣، ٥٦، ٥٧، ١٠٥، ١٠٧، ١٧٤، ١٩٦).\n٥ - التَّعليق للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفرَّاء الحنبلي (ص/٢٣٥).\n٦ - تعليقة الخلاف للطُّرْطُوْشي (ص/١٨).\n٧ - الرِّسالة «الجديدة» للإمام الشَّافعي (ص/١٧٤).\n٨ - سنن ابن ماجه.\n٩ - سنن أبي داود.","vol":"المقدمة","page":33},{"text":"١٠ - سنن أبي داود، رواية أبي داسة (ص ٣١٨).\n١١ - سنن الترمذي.\n١٢ - سنن الدَّارقطني.\n١٣ - السُّنن الكبرى للبيهقي.\n١٤ - سنن النَّسائي.\n١٥ - سنن سعيد بن منصور (ص/٢٣٨، ٢٤٤).\n١٦ - صحيح ابن حبَّان (ص/٣٨٤).\n١٧ - صحيح ابن خزيمة (ص/١٢، ٢٨٥).\n١٨ - صحيح البخاري.\n١٩ - الصَّحيح أو «السُّنن» لابن أبي حاتم (ص/٢٣، ٧٠، ٧٢).\n٢٠ - صحيح مسلم.\n٢١ - الصَّلاة لعبد الحق الإشبيلي (ص/٧٩).\n٢٢ - مختصر المزني (ص/٢٠٧).\n٢٣ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية إبراهيم بن الحارث (ص/٢٣٨).\n٢٤ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله (ص/١٧١، ٤٤٠).","vol":"المقدمة","page":34},{"text":"٢٥ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية أبي الحارث (ص/١٧٢).\n٢٦ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية أبي طالب (ص/١٧١).\n٢٧ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية المرُّوْذِي (ص/١٧١).\n٢٨ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية حنبل (ص/٢٤٧).\n٢٩ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية محمد بن الحكم (ص/٢٣٨).\n٣٠ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية مهنَّا بن يحيى الشَّامي (ص/٢٨٨، ٣٤٢).\n٣١ - مستدرك الحاكم (ص/٨٢، ١٠٢).\n٣٢ - مسند الإمام أحمد.\n٣٣ - مسند الشافعي (ص/١٠).\n٣٤ - مصنف قاسم بن أصبغ (ص/٢٢٧).","vol":"المقدمة","page":35},{"text":"* وأمَّا<span data-type='title' id=toc-21> النَّوع الثَّاني، وهي الكتب التي نقل منها ولم ينصَّ على أسمائها </span>فهي:\n١ - الإبانة لابن بطة العكبري (ص/٤١).\n٢ - أحوال الرجال للجوزجاني (ص/٢٠٢).\n٣ - الأم للشافعي (ص/٣٢، ١١٩، ٢٠٤).\n٤ - تاريخ ابن معين، رواية الدُّوري (ص/٢٠٢، ٤٢١).\n٥ - التَّاريخ الكبير للبخاري (ص/١٩٢، ٢٠٢، ٢٠٤، ٤٢١).\n٦ - تفسير عبد الرزاق (ص/٩٣).\n٧ - جماع العلم للشافعي (ص/١٧٢، ١٧٣).\n٨ - الزهد لعبد الله بن المبارك (ص/١٣٩).\n٩ - الزهد لهناد بن السري (ص/١٣٩).\n١٠ - سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي (ص/٢٠٢).\n١١ - سنن الدَّارمي (ص/٧٥).\n١٢ - السُّنن والأحكام لمحمد بن عبد الواحد المقدسي (ص/١٩٣).\n١٣ - شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة للالكائي (ص/٦٩).","vol":"المقدمة","page":36},{"text":"١٤ - شرح مشكل الآثار للطَّحاوي (ص/٤١).\n١٥ - شرح الهداية لمجدالدَّين عبد السَّلام بن تيمية (/٢٦٥).\n١٦ - الضُّعفاء للعقيلي (ص/٢٨٧).\n١٧ - الضُّعفاء والمتروكون للنَّسائي (ص/٢٠٢، ٤٢١).\n١٨ - العلل الكبير للترمذي (ص/٢٠٥).\n١٩ - الكامل لابن عديٍّ (ص/٢٠٢، ٤٢١)\n٢٠ - المجروحين لابن حبَّان (ص/٢٠٤).\n٢١ - المحلَّى لابن حزم (ص/٤١، ٤٩، ٢٤٨).\n٢٢ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه صالح (ص/٢٤٣، ٢٤٤، ٢٤٥).\n٢٣ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية إسحاق الحربيّ (ص/٤٤٠).\n٢٤ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية الأثرم (ص/٤٣٩، ٤٤١).\n٢٥ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية الشَّالنجي (ص/٩٨).\n٢٦ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية الفضل بن زياد القطَّان (ص/١١٠، ١١١).","vol":"المقدمة","page":37},{"text":"٢٧ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية عبدوس بن مالك العطَّار (ص/٤٤٢).\n٢٨ - مسند أبي داود الطَّيالسي (ص/٤٣٧).\n٢٩ - مصنَّف عبد الرزَّاق (ص/١٤٥، ٢٤٤، ٢٤٦).\n٣٠ - معالم السُّنن للخطَّابي (ص/٤٢٣).\n٣١ - موطأ الإمام مالك، رواية أبي مصعب الزُّهري والقَعْنبي وسويد بن سعيد (ص/٤٣٧).\n٣٢ - الهداية لأبي الخطَّاب الكلوذاني (ص/٢٦، ٢٧).\n\n*<span data-type='title' id=toc-22> وصف النسخ الخطِّيَّة:</span>\nاعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخٍ خطِّيَّةٍ، ومطبوعةٍ قديمةٍ، وبيانها كما يلي:\n١ - نسخة نجدية، في إحدى المكتبات الخاصة، وهي بخطٍّ نسخيٍّ واضحٍ، في ١٥٢ ورقة، وناسخها كما جاء في آخر النُّسخة:","vol":"المقدمة","page":38},{"text":"عثمان بن عبد الله بن بشر (^١)، وقد فرغ من نسخها يوم الأربعاء، الثَّالث عشر من جمادى الأولى، سنة ألفٍ ومائتين وإحدى وسبعين ١٢٧١ هـ.\nوقد أذِن بتصوير نسخة منها الشيخ الدكتور الوليد بن عبد الرحمن الفريان، فجزاه الله خيرًا، وبارك في جهوده.\nوقد رمزتُ لها اختصارًا بـ «ض».\n٢ - نسخةٌ محفوظة بمكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض وكانت من ضمن محفوظات مكتبة الرياض العامة السعودية برقم ٤٠٠/ ٨٦، وقد وردت إليها من مكتبة الشيخ محمد بن عبد اللطيف وأرخت بتاريخ ٢٦/ ٦/١٣٩٢ هـ، وقد كتبت بخطٍّ نسخيٍّ جميلٍ واضحٍ، وتقع في ١٥٩ ورقة، ولم يذكر فيها اسم ناسخها وقد كتب في أولها: وقف من الإمام محمد الفيصل حرسه الله وحماه.\n_________\n(^١) هو عثمان بن عبد الله بن عثمان بن حمد بن بشر النَّجدي الحنبلي، مؤرخ نجدي، كان من رؤساء بني زيد في بلدة شقراء، مؤلِّف كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد، وغيرها من الكتب، ت ١٢٩٠ هـ، ببلدة جلاجل، عن نحو ثمانين عامًا. تنظر ترجمته في المصادر التي أحال عليها مؤلّف معجم مصنِّفي الحنابلة عند ترجمته (٦/ ١٥٢).","vol":"المقدمة","page":39},{"text":"وتمتاز هذه النُّسخة بكونها مصحَّحةً مقابلةً، حيث أثبت ناسخها هذه التَّصحيحات والمقابلات على هامش الصَّفحة، بقوله: «بلغ»، أو «بلغ مقابلةً».\nوفي آخرها بخطِّ الناسخ ذكرُ تملُّكها: «هذا الكتاب ممَّا يسَّره الله ومنَّ به على عبده الفقير إليه، محمَّد بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمَّد آل سعود، رحمهم الله تعالى وعفى عنهم».\nولم يذكر ناسخها أو مُتَمَلِّكُها سنة كتابتها، ولكن بمعرفة تاريخ وفاة متملِّكها وهو الأمير محمد بن فيصل بن تركي = يظهر أنَّها كتبت بين أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر الهجريين، فقد توفِّي هذا الأمير سنة ١٣١١ هـ (^١).\n_________\n(^١) قال عثمان بن بشر في عنوان المجد (٢/ ١٢٨) في الثناء على هذا الأمير وذلك في سياق كلامه عن والده الأمير فيصل بن تركي: «وكان ابنه محمد في الغاية من الديانة والعفاف، والصيانة والأمانة والكفاف، على صغر سنِّه، لا يحاذيه من مثله في فنِّه …».\nوقال قبل ذلك عنه وعن إخوته: «حفظوا القرآن على صدورهم، دأبوا في تحصيل التعلّم في آصالهم وبكورهم، ولهم معرفة في العلوم الشرعية، والآثار السلفية، وجمعوا كتبًا كثيرةً، بالشراء والاستكتاب، من كتب الحديث والتفسير وكتب الأصحاب».","vol":"المقدمة","page":40},{"text":"وقد حصلنا على صورة منها على (CD)  من مكتبة الملك فهد الوطنيَّة، فجزاهم الله خيرًا وسددَّهم لعمل الخير دومًا.\nوقد رمزتُ لهذه النسخة بـ «س».\n٣ - النُّسخة الهنديَّة ــ ديوبند [فقه ٧٠]، وهي بخطٍّ فارسيٍّ جميلٍ واضحٍ، وتقع في ١٥١ ورقة.\nوتمتاز هذه النُّسخة بكونها مصحَّحةً مقروءة على بعض أهل العلم، حيث أُثْبِتَت هذه التَّصحيحات والشروحات على هامش الصَّفحة، ونقل الناسخ في موضعٍ منها كلام الشيخ عبد القادر بن أحمد (^١)، وقال داعيًا له: «حفظه الله».\nوأما تاريخ نسخها فلم يذكره ناسخها، ولكن بمعرفة تاريخ وفاة الشيخ عبد القادر بن أحمد، وقد توفِّي سنة ١٢٠٧ هـ فيكون تاريخها في القرن الثالث عشر الهجري، في حياة الشيخ المذكور حيث دعا ناسخها للشيخ له بما يدل على أنها نسخت في حياته.\nوقد رمزتُ لهذه النسخة بـ «هـ».\n_________\n(^١) تنظر (ص ٥٨) من هذا الكتاب، وستأتي ترجمته هناك.","vol":"المقدمة","page":41},{"text":"٤ - المطبوعة الهنديَّة، وهي مطبوعة سنة ١٢٩٦ هـ، بدهلي، وكتب في أسفل واجهتها: باهتمام الحافظ عزالدين، في المطبع المرتضوي، الواقع في الدهلي، وهي نحو ٧٦ صفحة.\nوفي آخرها: «الحمدلله الذي وفَّق لإتمام كتاب الصَّلاة، للشَّيخ محمَّد بن أبي بكر، المعروف بابن القيِّم [كذا!] الجوزيَّة، رضي الله عنَّا وعنه، على ما نسَخَه عبد الرحمن بن عمر بن سعيد بن السَّعد الحضرمي، واهتمَّ بطبعه راغب الخير ومشيعه، الوكيل إلهي بخش، أقامه الله على الحقِّ بأمر إمام الهُدى أبي محمَّد الشَّيخ السَّلفي عبد الله الغزنوي، ﵁ وأرضاه، وجعل الجنَّة الفردوس منزله ومأواه، وتولَّى طبعه ابنه محمَّد، جعله الله راضيًا مرضيًّا، وأدخله في عباده وجنَّته، وصلَّى الله على محمَّد وآله، فأجاب داعي الله قبيل إتمامه، ويسَّر الله إتمامه بفضله ومنِّه، يوم العشرين من ذي الحِجَّة، سنة ست وتسعين بعد الألف ومائتين، ربَّنا اجعلنا مقيمين [كذا] الصَّلاة، ومن ذُرِّيَّتنا، ربَّنا وتقبَّل دعاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين».\nوقد رمزتُ لهذه المطبوعة بـ «ط».\n\n*<span data-type='title' id=toc-23> طبعات الكتاب:</span>\nطُبِع الكتاب طبعات عديدة، منها:\n- طبعة هندية، وسبق الحديث عنها قريبًا.","vol":"المقدمة","page":42},{"text":"- وطبعة هندية أخرى ضمن «مجموعة مباركة» في دهلي ١٨٩٥ م.\n- وطبعة قديمة في مصر سنة ١٣٢٣ هـ، في ٢٢٤ صفحة، على نفقة شرف موسى، وأحمد ناجي جمالي، ومحمد أمين الخانجي، باسم «الصلاة وأحكام تاركها، صلاة رسول الله ﷺ من حين التكبير الى التَّسليم»، وقد طبعت مضمومة مع كتاب الصَّلاة للإمام أحمد.\n- وطبع ضمن «مجموعة الحديث النجدية»، بالقاهرة، ١٣٢٢ هـ.\n- وطُبِع في مكتبة محمد علي صبيح وأولاده بالقاهرة، عام ١٣٤٧.\n- وطُبِع أيضًا باسم «الصَّلاة وأحكام تاركها»، بتعليق وتخريج عبد الله المنشاوي، في مكتبة الإيمان في المنصورة بمصر، في\n(١٤٤) صفحة.\n- وطُبِع بتحقيق تيسير زعيتر، بالمكتب الإسلامي ببيروت،\nعام ١٩٨٥ م.\n- وطُبِع أيضًا باسم «الصلاة وحكم تاركها»، بعناية بسام عبد الوهاب الجابي، بدار الجفَّان والجابي، ط ٢، ١٤١٩ هـ، في ٢٥١ صفحة، وذكر أنَّه لم يعتمد على نسخة مخطوطة بل على المطبوعات السابق ذكرها.\n- وطبعات أخرى غيرها.","vol":"المقدمة","page":43},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-24> منهجي في تحقيق الكتاب:</span>\n١ - قمتُ بمقابلة النُّسخ، واخترت منها الأنسب للمعنى والسِّياق، وأثبتُّ ما خالفها في الهامش، وأهملت ما لا داعي لإثباته، ممَّا قد يكون تصرُّفًا من النُّسَّاخ، كترك الصَّلاة أوالترضِّي أوالتَّسبيح أوإثباتهما، وصوَّبت بعض الأخطاء الناشئة عن التحريف.\n٢ - قمتُ بخدمة نصوص الكتاب علميًّا؛ فخرَّجت آياته، وأحاديثه، وآثاره، ووثَّقتُ نصوصه.\n٣ - علَّقتُ على ما رأيت ضرورة التَّعليق عليه من ترجمةٍ موجزةٍ لعلم من الأعلام، أو توضيح كلمةٍ غريبةٍ، أوتنبيهٍ إلى أمر ذي بال.\n٤ - قدَّمتُ بمقدِّمة تمهيديَّة للتَّعريف بالكتاب، ومنهج المصنِّف فيه، وموارده، وصنعتُ فهارس متنوعِّة للكتاب، وفصَّلتها بما يقرِّب وصول القارئ لمحتوى الكتاب.\nوصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين\n\nوكتب: عدنان بن صفاخان البُخاري\nالجمعة ١٣ من شهر جمادى الآخرة عام ١٤٣٠ هـ","vol":"المقدمة","page":44},{"text":"﷽\nربِّ يسِّر، وعليك التَّيسير، وسهِّل كلَّ عسيرٍ، آمين (^١).\nالحمد لله ربِّ العالمين، ما يقول السَّادة (^٢) العلماء، أئمَّة الدِّين، وفَّقهم (^٣) الله وأرشدهم، وهداهم وسدَّدهم، في تارك الصَّلاة عامدًا؛ هل يجب قتله أم لا؟\nوإذا قُتِلَ فهل يُقْتَل كما يُقْتَل المرتدُّ والكافر؛ فلا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين أم يُقتل حدًّا مع الحكم بإسلامه؟ وهل تحبط الأعمال وتبطُل بترك الصَّلاة، أم لا؟\nوهل تُقْبَل صلاة النَّهار باللَّيل، وصلاة اللَّيل بالنَّهار، أم لا؟ وهل تصحُّ صلاة من صلَّى وحده، وهو يقدر على الصَّلاة جماعةً، أم لا؟ وإذا صحَّت فهل يأثم بترك الجماعة، أم لا؟ وهل يُشترط حضور المسجد، أم يجوز فعلها في البيت؟ وما حكم من نَقَر الصَّلاة، ولم يُتمَّ ركوعها وسجودها؟ وما كان مقدار صلاة رسول الله ﷺ؟ وما حقيقة التَّخفيف\n_________\n(^١) جملة: \"ربِّ .. آمين\" من ض. وفي س: \"يسِّر وأعِنْ يا كريم\".\n(^٢) هـ وط: \" .. السَّادات\". والحمْدَلَة ليست في ض وس.\n(^٣) ط: \"العلماء الذين وفَّقهم .. \".","vol":"1","page":3},{"text":"الذي نَبَّه عليه (^١) بقوله ﷺ: \"صلِّ بِهِم صلاة أَخَفِّهِم\"؟ (^٢) (^٣) وما معنى قوله لمعاذ: \"أفتَّان أنت؟ \" (^٤).\nوالمسؤولُ سِياق صلاته ﷺ من حين كان يكبِّر (^٥)، إلى أنْ يفرغ منها، سياقًا مختصرًا (^٦)، كأنَّ السَّائل يشاهدُه (^٧).\n_________\n(^١) ض وس: \" .. الذي أمر به\"، س: \" .. التحقيق الذي .. \".\n(^٢) لم أرَه بهذا اللَّفظ، وأخشى أن يكون تحريفًا من: \"أضعفهم\"، مع كونه لم يثبت إلَّا في هـ وط. وقد أخرجه أحمد (٤/ ٢١)، وأبوداود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٣)، وابن ماجه (٩٨٧)، وابن خزيمة (٣/ ٥٠)، والحاكم (١/ ٣١٤)، من طرقٍ عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: \"اقدر النَّاس بأضعفهم\"، أو\"اقتد بأضعفهم\". صحَّحه ابن خزيمة، والحاكم على شرط مسلمٍ.\n\nوأخرجه ابن منيع كما في المطالب لابن حجر (٤٢٢) وإتحاف الخيرة للبوصيري (١٠٨٦) بسنده من حديث علي ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لمعاذ: \"صلِّ بهم صلاة أضْعَفِهِم\". وفي إسناده ابن أبي ليلى والحجَّاج ابن أرطاة، وقد ضُعِّفا، ولأجلهما ضعَّفه البُوصيري.\n(^٣) \"بقوله .. أخفِّهم\" ليست في ض وس.\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥)، من حديث جابر ﵁، وفيه قِصَّةٌ.\n(^٥) ض: \"كبَّر\".\n(^٦) ض: \"شيئًا فشيئًا مختصرًا\".\n(^٧) هـ وط: \"يشهده\".","vol":"1","page":4},{"text":"فأرشد الله مَن دَلَّ على سواء السَّبيل، وجمع بين بيان (^١) الحُكم والدَّليل. وما أخذ الله الميثاق على أهل الجهل أنْ يتعلَّمُوا حتى أخذ الميثاق على أهل العلم أنْ يُعلِّمُوا ويبيِّنُوا.\nأجاب الشيخ الإمام العلَّامة، بقيَّة السَّلف، ناصر السُّنَّة، وقامع البدعة، الشيخ شمس الدِّين، محمد بن أبي بكر الحنبلي، المعروف بابن قيم الجوزية، ﵁ وأرضاه، وجعل جنَّة الخلد متقلَّبَه ومثواه (^٢) (^٣):\nالحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.\nلا يختلف المسلمون أنَّ ترك الصَّلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذُّنُوب، وأكبر الكبائر. وأنَّ إثمه (^٤) عند الله أعظم من إثم قتل النَّفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخمر. وأنَّه متعرِّضٌ لعقوبة الله وسخطه وخِزْيه في الدُّنيا والآخرة.\n_________\n(^١) \"بيان\" ليست في ض.\n(^٢) ض: \"جنَّات الفردوس منقلبه .. \".\n(^٣) \"أجاب الشيخ .. ومثواه\" ليست في س، وبدله: \"الجواب: الحمدلله .. \" الخ.\n(^٤) س: \"إثم تارك الصَّلاة\".","vol":"1","page":5},{"text":"ثم اختلفوا في قتله، وفي كيفيَّة قتله، وفي كُفْره. فأفتى سفيان بن سعيد الثوري، وأبوعمرو الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وحمَّاد بن زيد، ووكيع بن الجرَّاح، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأصحابهم =بأنَّه يُقْتل (^١).\nثم اختلفوا في كيفيَّة قتله.\nفقال جمهورهم: يُقتل بالسَّيف ضربًا في عنقه (^٢). وقال بعض الشَّافعية (^٣): يُضْرب بالخَشَب إلى أنْ يصلِّي أو يموت. وقال ابن سُرَيْج (^٤): يُنْخَس بالسَّيف حتى يموت؛ لأنَّه أبلغ في زجره، وأرجى لرجوعه (^٥).\n_________\n(^١) يُنظَر: الاستذكار لابن عبد البر (٥/ ٣٤٣ - ٣٤٦)، والتمهيد له (٤/ ٢٣٦ - ٢٤٠)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٣٥١)، والمجموع للنووي (٣/ ١٧).\n(^٢) وهو قول جمهور الشَّافعية كما في الحاوي للماوردي (٢/ ٥٢٨).\n(^٣) حكاه غير واحدٍ عن ابن سُرَيج، وأنَّه يضرب بخشبةٍ أوينخس بالسَّيف، حكاه عنه أيضًا الماوردي في الحاوي (٢/ ٥٢٨)، وقال: إنَّه اختيار أبي حامدٍ، وجعله النَّووي في المجموع (٣/ ١٧) وجهًا عندهم.\n(^٤) تصحَّفت في هـ وط وس: \"ابن سريح\"، بالحاء المهملة. وهو: أبوالعبَّاس أحمد ابن عمر بن سُرَيْج البغدادي القاضي، أحد كبار الشَّافعيَّة في زمانه، توفي سنة ٣٠٦ هـ، ترجمته في: طبقات الشافعية للسُّبكي (٣/ ٢١) وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٤/ ٢٠١).\n(^٥) يُنظَر: المهذَّب للشَّيرازي (١/ ٥١). وهو قول بعض المالكيَّة أيضًا، كما في: الذَّخيرة للقرافي (٢/ ٤٨٣).","vol":"1","page":6},{"text":"والجمهور يحتجُّون بقوله ﷺ: \"إنَّ الله كَتَب الإحسان على كُلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة\" (^١).\nوضَرْب العُنُق بالسَّيْف أحسن القتلات، وأسرعها إزهاقًا للنَّفس.\nوقد سنَّ الله سبحانه في قتل الكفَّار المرتدِّين ضَرْب الأعناق، دون النَّخْس بالسَّيف. وإنَّما شُرِع في حقِّ الزَّاني المُحْصَن القتل بالحجارة؛ ليصل الألم إلى جميع بَدَنه، حيث وصلت إليه اللَّذَّة بالحرام.\nولأنَّ تلك القتلة أشنع القتلات، والدَّاعي إلى الزِّنا داعٍ قويٌّ في الطِّباع؛ فجُعِلَت غلظة هذه العقوبة في مقابلة قوَّة الدَّاعي. ولأنَّ في هذه العقوبة تذكيرًا بعقوبة الله لقوم لوْطٍ (^٢)، بالرَّجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة.\nفصْلٌ\nوقال ابن شهاب الزُّهري (^٣)، وسعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز (^٤)، وأبو حنيفة، وداود بن علي، والمزني: يُحْبَس حتى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٥٥) بنحوه، من حديث شدَّاد بن أوس ﵁.\n(^٢) هـ وط: \"لعقوبة الله .. \"، ض: \"تذكير لقوم لوطٍ\".\n(^٣) س: \"محمد بن شهاب\" وليس فيه: \"الزهري\".\n(^٤) ض وس: \"الزهري، وسعيد بن عبد العزيز\".","vol":"1","page":7},{"text":"يموت، أو يتوب، ولا يُقتل (^١).\nواحْتُجَّ لهذا المذهب بما رواه أبو هريرة عن النَّبِيِّ ﷺ قال: \"أُمِرتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءهم وأموالهم، إلَّا بحقها\" رواه البخاري ومسلم (^٢).\nوعن ابن مسعود قال: قال النَّبيُّ ﷺ: \"لا يحلُّ دمُ امريءٍ مسلمٍ، يشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله إلَّا بإحدى ثلاثٍ؛ الثيِّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدِينه، المفارق للجماعة\" أخرجاه في \"الصَّحيحين\" (^٣).\nقالوا: ولأنَّها من الشَّرائع العمليَّة؛ فلا يقتل بتركها، كالصِّيام، والزَّكاة، والحجِّ.\nقال الموجبون لقتله: قد قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة/٥]. فأَمَرَ بقتلهم\n_________\n(^١) في المغني لابن قدامة (٣/ ٣٥١): \"يُضْرَب ويُسْجَن\"، وينظر أيضًا: المحلَّى لابن حزم (١١/ ٣٧٦)، والتَّمهيد لابن عبد البر (٤/ ٢٤٥)، والمجموع للنووي (٣/ ١٩) وفتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٥٥).\n(^٢) البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠) بنحوه.\n(^٣) البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) واللَّفظ له.","vol":"1","page":8},{"text":"حتى يتوبوا من شِرْكهم، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزَّكاة.\nومن قال: لا يقتل تارك الصلاة، يقول: متى تاب من شِرْكِه سقط عنه القتل، وإنْ لم يُقِم الصلاة ولا آتى الزكاة. وهذا خلاف ظاهر القرآن.\nوفي \"الصَّحيحين\" (^١)، من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: بعث عليُّ بن أبي طالب - وهو باليمن - إلى النَّبيِّ ﷺ بذُهَيْبَةٍ (^٢)، فقسمها بين أربعةٍ، فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله! فقال: \"ويلك! ألستُ أحق أهل الأرض أنْ يتَّقي الله؟ \". ثم ولَّى الرجل. فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألَا أضربُ عنقه؟ فقال: \"لا، لعلَّه أن يكون يصلِّي\". فقال خالدٌ: فكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنِّي لم أؤمر أنْ أنقِّب عن قلوب النَّاس، ولا أشقَّ بطونهم\".\nفجعل النَّبِيُّ ﷺ المانع من قتله كونه يصلِّي؛ فدلَّ على أنَّ مَن لم يصلِّ يُقتل. ولهذا قال في الحديث الآخر: \"نُهِيتُ عن\n_________\n(^١) البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٥٦٤).\n(^٢) تصغير ذهب، والذهب يؤنَّث، ولمَّا صُغِّرت أُلْحِق في آخرها هاء. وقيل: تصغير ذَهَبة، القطعة منها، صُغِّرت على لفظها. كما في النهاية لابن الأثير (٢/ ١٧٣).","vol":"1","page":9},{"text":"قتل المصلِّين\" (^١).\nويدلُّ على أنَّ غير المصلِّين لم ينْهَه الله عن قتلهم.\nوروى الإمام أحمد والشافعي في \"مسندَيْهِما\" (^٢)، من حديث\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨) والبيهقي (٨/ ٢٢٤) والدَّارقطني (٢/ ٥٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفي إسناده: أبويسار القرشي وأبوهاشم، قال الدَّارقطني في العِلل (١١/ ٢٣١): \"مجهولان. ولا يثبت الحديث\".\n\nوأخرجه الطَّبراني (١٨/ ٢٦) وابن عدي في الكامل (٥/ ٨٥)، من حديث أنس، وفي إسناده: عامر بن يسافٍ اليمامي، منكر الحديث. وتُنظَر ترجمته في: الكامل لابن عديٍّ (٥/ ٨٥)، وميزان الاعتدال للذَّهبي (٢/ ٣٦١)، وقد أوردا له هذا الحديث ممَّا أُنكِر عليه.\nوأخرجه الطَّبراني في الأوسط (٥/ ١٩٤) بإسناده من حديث أبي سعيد، وفي إسناده: الخصيب بن جحدر البصري، كذَّبه شعبة والقطَّان وابن معين والبخاري. يُنظَر: الكامل لابن عدي (٣/ ٦٨)، والميزان للذَّهبي (١/ ٦٥٣).\nويُنْظَر في تفصيل القول في بعض مرويَّات الحديث: أحاديث ومرويَّات في الميزان للشيخ محمد عمرو عبد اللَّطيف ﵀ (ص/٧٧) وما بعدها.\n(^٢) مسند أحمد (٥/ ٤٣٢)، ومسند الشافعي (٨). وأخرجه مالك (٤١٣)، وعبد الرزاق (١٨٦٨٨)، وابن حبان (٥٩٧١)، وغيرهم، من طريق ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي به. والحديث صحَّحه ابن حبَّان، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٤) والبوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١/ ١٢٥): \"رجاله رجال الصَّحيح\".","vol":"1","page":10},{"text":"عبيد الله بن عديِّ (^١) بن الخِيار، أنَّ رجلًا من الأنصار حدَّثه: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ، وهو في مجلس فسارَّه؛ يستأذنه في قتل رجلٍ من المنافقين، فجَهَر رسول الله، فقال: \"ألَيس يشهد أنْ لا إله إلَّا الله؟ \" قال الأنصاريُّ: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال (^٢): \"ألَيس يشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؟ \" قال: بلى ولا شهادة له. قال: \"ألَيس يصلِّي الصَّلاة (^٣)؟ \" قال: بلَى، ولا صلاة له. قال: \"أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم\".\nفدلَّ على أنَّه لم ينْهَ عن قتل مَن لم يُصَلِّ.\nوفي \"صحيح مسلمٍ\" (^٤)، عن أمِّ سلمة عن النَّبيِّ ﷺ قال: \"يُستعمَل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون؛ فمَن أنكر فقد بَرِيء، ومن كَرِه فقد سَلِم، ولكن من رَضِي وتابع\". فقالوا: يا رسول الله، أَلَا نقاتلهم (^٥)؟ فقال: \"لا، ما صلَّوا\".\n_________\n(^١) جميع النُّسخ: \"عبد الله بن عدي\" مكبَّرًا. ض: \"عون\" بدل \"عدي\"، تحريفٌ! والتَّصويب من مصادر الحديث وغيرها. ويُنْظَر: تهذيب الكمال للمزِّي (١٩/ ١١٢).\n(^٢) \"أليس يشهد أنْ لا إله .. قال:\" ليست في هـ.\n(^٣) \"الصَّلاة\" ليست في س.\n(^٤) حديث (١٨٥٤).\n(^٥) س: \"ننابذهم\".","vol":"1","page":11},{"text":"وفي \"الصَّحيحين\" (^١)، من حديث عبد الله بن عمر ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: \"أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتُوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلَّا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله\".\nفوجْهُ الاستدلال به من وجهين:\nأحدهما: أنَّه أمر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة (^٢).\nالثَّاني: قوله: \"إلَّا بحقِّها\" (^٣)، والصَّلاة من أعظم حقِّها.\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أُمِرْت أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله\". رواه الإمام أحمد (^٤)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (^٥).\n_________\n(^١) البخاري (٢٥)، مسلم (٢٢). وهذا لفظ البخاري.\n(^٢) س زيادة: \"ويؤتوا الزَّكاة\".\n(^٣) \"الثاني .. بحقِّها\" ليست في ض. وفي س: \"الثَّاني: أنَّه علَّق عِصْمة الدَّم بالقيام بحقِّ الشهادة .. \".\nوقول المصنِّف: \"قوله: إلَّا بحقها\" هي رواية مسلم.\n(^٤) المسند (٢/ ٣٤٥).\n(^٥) حديث (٢٢٤٨).","vol":"1","page":12},{"text":"فأخبر ﷺ (^١) أنَّه أُمِر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة، وأنَّ دماءهم وأموالهم إنَّما تحرم بعد الشَّهادتين، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة؛ فدماؤُهم وأموالُهم قبل ذلك غير محرَّمة؛ بل هي مباحة.\nوعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: لمَّا توفِّي رسول الله ﷺ ارتدَّت (^٢) العرب، فقال عمرُ: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال\nأبو بكرٍ (^٣): إنَّما قال رسول الله ﷺ: \"أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة\". رواه النسائي (^٤)، وهو حديثٌ صحيحٌ.\nوتقييد هذه الأحاديث يبيِّن مقتضى الحديث المطلق الذي احتجُّوا به على ترك القتل، مع أنَّه حجَّةٌ عليهم؛ فإنَّه لم يُثْبِت العِصْمة للدَّم والمال إلَّا بحقِّ الإسلام، والصلاة آكد حقوقه على الإطلاق.\nوأمَّا حديث ابن مسعود، وهو: \"لا يحلُّ دم امريءٍ مسلمٍ إلَّا\n_________\n(^١) ض: \"فأخبر رسول الله ﷺ\"، س: \"فأخبر أنَّه\".\n(^٢) ط: \"ارتدَّ\".\n(^٣) \"أبوبكر\" ليست في س.\n(^٤) حديث (٣٠٩٤). وأخرجه ابن خزيمة (٢٢٤٧)، والحاكم (١/ ٥٤٤)، وغيرهم، من طريق معمر عن الزهري عن أنس ﵁ به. وقد صحَّحه ابن خزيمة والحاكم.","vol":"1","page":13},{"text":"بإحدى ثلاثٍ\" (^١) فهو حُجَّة لنا في المسألة؛ فإنَّه جعل منهم التَّارك لِدِينه، والصلاة ركن الدِّين الأعظم، ولا سيِّما إنْ قلنا بأنَّه كافر، فقد تَرَك الدِّينَ بالكليَّة، وإنْ لم نكفِّره (^٢) فقد تَرَك عمود الدِّين.\nقال الإمام أحمد: وقد جاء في الحديث (^٣): \"لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة\".\nوقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق: \"إنَّ مِنْ أهمِّ أموركم عندي الصَّلاة؛ فمَنْ حفظها حفظ ديْنَه، ومن ضيَّعَها فهو لِما سواها أضْيع، ولاحظَّ في الإسلام لمن تَرَك الصَّلاة\" (^٤).\nقال أحمد: فكُلُّ (^٥) مستخِفٍّ بالصَّلاة مستهينٍ بها (^٦)؛ فهو مستخفٌّ\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٨).\n(^٢) هـ وط: \"يُكَفَّر\".\n(^٣) ض: \"جاء الحديث\".\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ (٦) وعبد الرزَّاق (٢٠٣٨) والبيهقي (١/ ٤٤٥)، من طريق نافع عن عمر ﵁ به. وليس فيه: \"ولاحظَّ في الإسلام .. \".\nوأخرجه مالك (٨٢)، وعبد الرزاق (٥٧٩) وابن أبي شيبة (٣٠٩٩٨) والبيهقي (١/ ٣٥٧) وغيرهم، من حديث المسور بن مخرمة عن عمر في قِصَّة طعنه، وفيه قال: \"لا حظَّ .. \". وسيأتي (ص/٧٩).\n(^٥) \"أحمد\" ليست في هـ وط.\n(^٦) س: \"مستهزءٌ بها\".","vol":"1","page":14},{"text":"بالإسلام، مستهينٌ به (^١).\nوإنَّما حظُّهم من الإسلام على قدر حظِّهم من الصَّلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصَّلاة.\nفاعْرف نفسك يا عبد الله، واحْذر أنْ تَلْقَى الله ولا قدر (^٢) للإسلام عندك؛ فإنَّ قَدْر الإسلام في قلبك كقَدْر الصَّلاة في قلبك.\nوقد جاء الحديث عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: \"الصَّلاة عمود الإسلام\" (^٣) (^٤).\nأَلَسْتَ تعلمُ أنَّ الفُسْطاط (^٥) إذا سقط عموده سقط الفُسْطاط،\n_________\n(^١) س: \"مستهزءٌ به\".\n(^٢) س: \"ولا حظَّ\".\n(^٣) ط: \"عمود الدِّين\".\n(^٤) أخرجه أبونعيم الفضل بن دكين في الصَّلاة كما في التَّلخيص الحبير (١/ ١٧٣)، عن بلال بن يحيى قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ، فسَأَله فقال: \"الصَّلاة عمود الدِّين\". ثم نقل ابن حجر استنكار النَّووي وإبطاله له، ثم قال: \"وهو مرسلٌ، رجالُه ثقاتٌ\".\nويغني عنه حديث معاذ ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: \"أمَّا رأس الأمر فالإسلام، وأمَّا عموده فالصَّلاة .. \" الحديث. كما سيأتي (ص/٧٢).\n(^٥) بضم أوَّله أوكسره، لغتان: بيت شَعَرٍ. كما في المصباح (٢/ ٤٧٢).","vol":"1","page":15},{"text":"ولم يُنْتَفع بالطُّنُب (^١) ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفُسْطاط انْتُفِع (^٢) بالطُّنُب والأوتاد، وكذلك الصلاة من الإسلام.\nوجاء الحديث: \"إنَّ أوَّل ما يُسْأل عنه العبدُ يوم القيامة مِن عمله صلاته؛ فإنْ تُقبِّلَت منه صلاتُه تُقُبِّل منه سائرُ عمله، وإنْ رُدَّت عليه صلاته رُدَّ عليه سائرُ عمله\" (^٣).\nفصلاتُنا آخر دينِنا، وهي أول ما نُسْأل عنه غدًا من أعمالنا يوم القيامة. فليس بعد ذهاب الصلاة إسلامٌ ولا دينٌ، إذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام. هذا كلُّه كلام أحمد (^٤).\nوالصَّلاة أول فُروض الإسلام، وهي آخر ما يُفْقَد من الدِّين، فهي\n_________\n(^١) بضمَّتين، أوبسكون الثاني، واستُعْمِل هذا البناء للمفرد والجمع، وهو الحبل الذي تُشدُّ به الخيمة، كما في المصباح (٢/ ٣٧٨)، واللِّسان (١/ ٥٦٠).\n(^٢) ض وهـ وط: \"انتفعت\".\n(^٣) أخرجه الضِّياء في المختارة (٧/ ١٤٥)، والطَّبراني في الأوسط (٢/ ٢٤٠)، من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق عن القاسم بن عثمان البصري عن أنس ﵁ بلفظ: \"أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصَّلاة؛ فإنْ صلحت صلح له سائر عمله، وإنْ فسدت فسد سائر عمله\". والقاسم قال فيه البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها، كما في الميزان للذهبي (٣/ ٣٧٥).\n(^٤) س: \"الإمام أحمد\". وتُنْظَر رسالة الصلاة لأحمد في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٤٤٥).","vol":"1","page":16},{"text":"أول الإسلام وآخره (^١)، وكُلُّ شيءٍ ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه.\nقال الإمام أحمد: كُلُّ شيءٍ يذهب آخره فقد ذهب جميعُه. فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينُه (^٢).\nوالمقصودُ أنَّ حديث عبد الله بن مسعود ﵁: \"لا يحلُّ دمُ امرءٍ مسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ؛ الثَّيِّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدِيْنه\" (^٣) = من أقوى الحجج في قتل تارك الصلاة.\nفصْلٌ\nواختلف القائلون بقتله في مسائل:\nأحدها: أنَّه هل يُسْتَتاب أم لا؟\nفالمشهور أنَّه يُسْتَتاب، فإنْ تاب تُرِك، وإلَّا قُتِل. هذا قول الشَّافعي (^٤)، وأحمد (^٥)، وأحد القولين في مذهب مالك (^٦).\n_________\n(^١) بعده زيادة في هـ وط: \"فإذا ذهب أوَّله وآخره فقد ذهب جميعُهُ\".\n(^٢) بنحوه في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٣٥٢).\n(^٣) تقدَّم (ص/٨).\n(^٣) يُنْظَر: الأم (٢/ ٥٦٤)، والمجموع للنَّووي (٣/ ١٧).\n(^٤) يُنْظَر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٠٠)، والإنصاف للمرداوي (٣/ ٢٨).\n(^٥) يُنْظَر: الذَّخيرة للقرافي (٢/ ٤٨٤)، والتَّمهيد لابن عبد البر (٤/ ٢٤٠).","vol":"1","page":17},{"text":"وقال أبو بكر الطُّرْطُوشي (^١) في \"تعليقِهِ\" (^٢): مذهب مالكٍ: أنَّه يُقَال له: صلِّ ما دام الوقت باقيًا، فإنْ فعل تُرِك، وإنْ امتنع حتى خرج الوقت قُتِل (^٣).\nوهل يُسْتتاب أم لا؟\nقال بعض أصحابنا: يُسْتَتاب؛ فإنْ تاب وإلَّا قُتِل.\nوقال بعضهم (^٤): لا يُسْتَتاب؛ لأنَّ هذا حدٌّ من الحُدُود يُقام عليه، فلا تُسْقِطه التَّوبة (^٥)، كالزَّاني والسَّارق.\n_________\n(^١) هـ وط: \"الطرطوسي\"، بالسِّين المهملة، وكذا هو فيهما في الموضعين الآتيين، والصَّواب بالشين المعجمة، نِسبة إلى \"طُرْطُوْشَة\"، بضمِّ طائَيْهِ ــ وقد تفتح الأولى ــ وسكون الرَّاء وبالشين المعجمة: مدينةٌ بالأندلس.\nوهو: أبوبكر محمد بن الوليد بن خلَف القُرشي الفِهْري الأندلسي المالكي، نزيل الإسكندريَّة ومحدِّثها والمقبور بها، المعروف بـ\"ابن أبي رُنْدَقَة\"، توفي سنة ٥٢٠ هـ، تُنْظَر: ترجمته في: وفيات الأعيان (٤/ ٢٦٥)، والسِّير للذَّهبي (١٩/ ١٩٤) وغيرهما.\n(^٢) ض: \"نقله\". والكتاب المشار إليه هو: \"التَّعليقة\"، أو\"تعليقة الخلاف\"، وهو في مسائل الخلاف، كما في الدِّيباج المذهب (٢٧٦)، والأعلام للزِّركلي (٧/ ١٣٤).\n(^٤) \"قتل\" ليست في س.\n(^٥) هو قول ابن حبيبٍ، كما في النَّوادر والزِّيادات (١/ ١٥٠).\n(^٦) ض: \"يسقط بالتَّوبة\".","vol":"1","page":18},{"text":"وهذا القول يلزم من قال إنَّه يُقْتل حدًّا؛ فإنَّه إذا كان حدُّه على ترك الصلاة القتل، كان كمَنْ حَدُّهُ القتل (^١) على الزِّنا والمحاربة، والحدود تجب (^٢) بأسبابها المتقدِّمة، ولا تُسقطها التَّوبة بعد الرَّفع إلى الإمام.\nوأمَّا مَن قال: يُقْتل لكفره فلا يلزمه هذا؛ لأنَّه جعله كالمرتدِّ؛ فإذا أسْلم سقط عنه القتل.\nقال الطُّرْطُوْشي: وهكذا حكم الطَّهارة، والغُسل من الجنابة، والصيام عندنا؛ فإذا قال: لا أتوضَّأُ، أو: لا أغتسل من الجنابة، أو: لا أصوم= قُتِل، ولم يُسْتَتب؛ سواء قال: هي فرضٌ عليَّ، أو جحد فرضها.\nقلتُ: هذا الذي حكاه الطُّرْطُوْشي عن بعض أصحابهم (^٣): أنَّه يُقْتَل من غير استتابة هو روايةٌ عن مالك (^٤).\nوفي استتابة المرتدِّ روايتان عن أحمد (^٥)، وقولان للشافعيِّ (^٦).\n_________\n(^١) س: \"حدُّه حد القتل\".\n(^٢) س: \" .. وتجب\".\n(^٣) ط: \"أصحابه\".\n(^٤) وحكاه عنه ابن عبد البر في التَّمهيد (٤/ ٢٤٠).\n(^٥) يُنْظَر: الهداية لأبي الخطاب (٢/ ١٠٩)، والإنصاف للمرداوي (٢٧/ ١١٤ - ١١٨).\n(^٦) يُنْظَر: الأم للشَّافعي (٢/ ٥٧١)، وروضة الطَّالبين (١٠/ ٧٦).","vol":"1","page":19},{"text":"ومن فرَّق بين المرتدِّ وبين تارك الصَّلاة في الاستتابة؛ فاستتاب المرتدَّ دون تارك الصلاة، كإحْدى الرِّوايتين عن مالك يقول (^١): الظَّاهر أنَّ المسلم لا يترك دينه إلَّا لشُبْهةٍ عَرَضَت له، تمنعه البقاء عليه؛ فيُسْتَتاب رجاء زوالها.\nوالتَّارك للصَّلاة مع إقراره بوجوبها عليه لا مانع له، فلا يُمهل (^٢).\nقال المستتيبون له: هذا قُتِل لترك واجبٍ شُرِعت له الاستتابة، فكانت واجبةً، كقتل الرِّدَّة.\nقالوا: بل الاستتابة ههنا (^٣) أولى؛ لأنَّ احتمال رجوعه أقرب؛ لأنَّ التزامه للإسلام يحمله على التوبة، ممَّا يخلِّصه من العقوبة في الدنيا والآخرة (^٤).\nوهذا القول هو الصَّحيح؛ لأنَّ أسوأ أحواله أن يكون كالمرتدِّ. وقد اتَّفق الصَّحابة على قبول توبة المرتدِّين ومانعي الزَّكاة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال/٣٨]. وهذا يعمُّ المرتدَّ وغيره.\n_________\n(^١) بنحوه في الإشراف لعبد الوهاب البغدادي (٢/ ٨٤٨).\n(^٢) س: \"فهل يمهل\".\n(^٣) ض وس: \"بل ههنا\". هـ: \"استتابته .. \".\n(^٤) س: \"عقوبة الدنيا والآخرة\".","vol":"1","page":20},{"text":"والفرق بين قتل هذا حَدًّا (^١) وقتل الزَّاني والمحارب: أنَّ قتل تارك الصلاة إنَّما هو على إصْرَاره (^٢) على التَّرْك في المستقبل، وعلى التَّرْك في (^٣) الماضي.\nبخلاف المقتول في الحدِّ؛ فإنَّ سبب قتله الجناية المتقدِّمة على الحدِّ؛ لأنَّه لم يبق له سبيل إلى تداركها (^٤)، وهذا له سبيل إلى الاستدراك بفعلها بعد خروج وقتها عند الأئمة الأربعة وغيرهم.\nومن يقول من أصحاب أحمد: لا سبيل له إلى الاستدراك - كما هو قول طائفةٍ من السَّلف - يقول: القتل ههنا على تركٍ، فيزول التَّرك بالفعل، وأمَّا الزِّنا والمحاربة (^٥) فالقتل فيهما على فِعلٍ، والفعل الذي مضى لا يزول بالتَّرك.\nفصْلٌ\nالمسْألة الثَّانية: أنَّه لا يقتل حتى يُدْعَى إلى فعلها، فيمتنع.\nفالدُّعاء إليها شرطٌ في قتله؛ فإنَّه قد يتركها لعذرٍ، أو ما ظنَّه عذرًا،\n_________\n(^١) \"حدًّا\" ليس في ض.\n(^٢) ض: \"إقراره\".\n(^٣) \"في\" سقطت من هـ وط.\n(^٤) هـ: \"تركها\".\n(^٥) ض وس: \"والحراب\"، وفي هـ بياض.","vol":"1","page":21},{"text":"والكسل (^١) لا يستمرُّ؛ ولذلك أذن النَّبيُّ ﷺ في الصلاة نافلةً خلف الأمراء الذين يؤخِّرُون الصلاة حتى يخرج الوقت، ولم يأمر بقتالهم، ولم يأذن في قتلهم؛ لأنَّهم لم يصرُّوا على التَّرك. فإذا دُعِي فامتنع - لا من عذرٍ - حتى يخرج الوقت تحقَّق تركه وإصراره.\nفصْلٌ\nالمسْألة الثَّالثة: بماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟ هذا فيه خلافٌ بين الناس.\nفقال سفيان الثوري، ومالك (^٢)، وأحمد - في إحدى الرِّوايات (^٣) ـ: يقتل بترك صلاةٍ واحدةٍ. وهو ظاهر مذهب الشَّافعي (^٤)، وأحمد (^٥).\nوحُجَّة هذا القول: ما تقدَّم من الأحاديث الدَّالة على قتل تارك الصَّلاة. وقد روى معاذ بن جبل ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"مَنْ تَرَك صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا فقد بَرِئت منه ذِمَّةُ الله\". رواه الإمام أحمد\n_________\n(^١) \"شرطٌ في .. والكسل\" ليس في هـ وط.\n(^٢) يُنْظَر: النَّوادر والزيادات لابن أبي زيد القيراوني (١/ ١٥٠).\n(^٣) هي رواية أبي طالبٍ، كما في المسائل الفقهيَّة من كتاب الروايتين (١/ ١٩٥).\n(^٤) كما في: الأم (٢/ ٥٦٣ - ٥٦٤)، وهو قول جمهور أصحابه كما في الحاوي للماوردي (٢/ ٥٢٧)، وينظر: المجموع للنووي (٣/ ١٧).\n(^٥) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه جمهورهم، كما في الإنصاف للمرداوي (٣/ ٢٨).","vol":"1","page":22},{"text":"في \"مسنده\" (^١).\nوعن أبي الدَّرداء ﵁ قال: \"أوصاني أبوالقاسم ﷺ أنْ لا أترك الصَّلاة (^٢) متعمِّدًا، فمَنْ تركها (^٣) متعمِّدًا فقد بَرِئَت منه الذِّمَّة\" (^٤). رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في \"سننه\" (^٥).\n_________\n(^١) (٥/ ٢٣٨)، وسيأتي تخريجه (ص/٧١).\n(^٢) ض وس: \"صلاة\".\n(^٣) س: \"ترك صلاة\".\n(^٤) سيأتي تخريجه (ص/٧٢).\n(^٥) لم أقف على شيءٍ في شأن هذا الكتاب غير نفي ابن الملقن لوقوفه عليه حيث قال في البدر المنير (٣/ ٥٦): \"لم نقف عليها، بل ولا سمعنا بها\"، وكذا نفي الحافظ ابن حجر لوجود كتابٍ له بهذا الاسم، قال في التلخيص الحبير (١/ ١٦٢): \"وأغرب الفخر [كذا! ولعل الصواب: المجد] ابن تيمية في شرح الهداية لأبي الخطاب، فنقل عن القاضي أبي يعلى أنَّه قال: ذكر هذا الحديث عبد الرحمن بن أبي حاتم البستي في كتاب السنن له، كذا قال! وابن أبي حاتم ليس هو بستيًّا، إنَّما هو رازيٌّ، وليس له كتابٌ يُقال له السُّنن\".\nوقد عزا ابن تيميَّة في شرح العمدة (٤/ ٧٤) نحو هذا الحديث إلى ابن أبي حاتم في سننه، وعزا المصنِّف إلى كتابه هذا في غير موضعٍ من كتابه هذا، انظر (ص/٧٠، ٧٢)، وسمَّاه بالسُّنن أحيانًا، وبـ\"الصَّحيح\" أخرى، كما سيأتي، وهذا يدلُّ على أنَّ للكتاب وجودًا. إلَّا باحتمال أن يكون المصنِّف ناقلًا عن غيره. ولم أقف على من ذكر لابن أبي حاتم كتابًا بهذا الاسم أونحوه، ولكنَّهم عدُّوا في مصنَّفاته: \"المسند\". فالله أعلم!","vol":"1","page":23},{"text":"ولأنَّه إذا دُعِي إلى فعلها في وقتها فقال: لا أصلِّي، ولا عذر له فقد ظهر إصْراره؛ فتعيَّن إيجاب قتله وإهْدار دمه. واعتبار التِّكرار ثلاثًا ليس عليه دليلٌ؛ من نصٍّ، ولا إجماعٍ، ولا قول صاحب، وليس أولى من اثنتين!\nوقال أبوإسحاق (^١) - من أصحاب أحمد ـ: إنْ كانت الصلاة المتروكة تُجْمَع إلى ما بعدها كالظهر والعصر، والمغرب والعشاء (^٢) لم يُقْتَل حتى يخرج وقت الثانية؛ لأنَّ وقتَها وقت الأولى (^٣) في حال الجمع، فأوْرَث شبهةً ههنا. وإن كانت لا تُجْمع إلى ما بَعدها كالفجر (^٤)، والعصر، وعشاء الآخرة قُتِل بتركها وحدها؛ إذ لا شُبْهة ههنا في التَّأخير (^٥).\nوهذا القول حكاه إسحاق (^٦) عن عبد الله بن المبارك، أو عن وكيع\n_________\n(^١) هو ابن شَاقِلا، إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان، البزَّار البغدادي، شيخ الحنابلة في زمانه، كان رأسًا في الأصول والفروع، توفي سنة ٣٦٩ هـ. ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ١٢٨)، والسِّير للذَّهبي (١٦/ ٢٩٢).\n(^٢) س: \"كالظهر والمغرب\".\n(^٣) هـ وط: \"وقتها الأولى\"، س: \"وقتٌ للأولى\".\n(^٤) س: \"كالصبح\".\n(^٥) يُنْظَر: المغني لابن قدامة (٣/ ٣٥٤)، والإنصاف للمرداوي (٣/ ٢٩).\n(^٦) لعلَّه: ابن راهويه، وقد حكى المؤلِّف هذا القول عنه، كما سيأتي (ص/٧٩).","vol":"1","page":24},{"text":"ابن الجراح. الشَّكُّ من إسحاق في تعيينه (^١).\nقال أبو البركات ابن تيمية: والتَّسوية أصحُّ، وإلحاق التارك ههنا بأهل الأعذار في الوقت لا يصحُّ، كما لم يصحَّ إلحاقه بهم في أصل التَّرك.\nقلتُ: وقول أبي إسحاق أقوى وأفْقَهُ؛ لأنَّه قد ثبت أنَّ هذا الوقت للصَّلاتين في الجملة؛ فأورث ذلك شبهةً في إسقاط القتل (^٢).\nولأنَّ النَّبيَّ ﷺ منع مِنْ (^٣) قتال الأمراء المؤخِّرين الصَّلاةَ عن وقتها. وإنَّما كانوا يؤخِّرون الظهر إلى وقت العصر، وقد يؤخِّرون العصر إلى آخر وقتها. ولمَّا قيل له: ألَا نقاتلهم؟ قال: \"لا، ما صلوا\" (^٤). فدلَّ على أنَّ ما فعلوه صلاة يعصِمون بها دماءَهم.\n_________\n(^١) وقد أسند ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٢٨) عن وكيع بن الجرَّاح نحو ما حكاه عنه إسحاق. وفيه أيضًا (٢/ ٩٢٨): عن وكيع في الرجل يحضُرُه وقت صلاةٍ فيُقَال له: صلِّ فلا يصلِّي؟ قال: \"يُؤْمَر بالصَّلاة، ويستتاب ثلاث صلواتٍ، فإنْ صلَّى وإلَّا قُتِل\".\nوأمَّا ابن المبارك فأسند عنه (٢/ ٩٢٦) قوله: \"من ترك الصلاة متعمِّدًا، لغير علَّةٍ حتى أدخل وقتًا في وقت فهو كافر\".\n(^٢) واستحسنه ابن قدامة في المغني (٣/ ٥٤٣).\n(^٣) ض وهـ وط: \"قتل\".\n(^٤) تقدَّم تخريجه (ص/١١).","vol":"1","page":25},{"text":"فصْلٌ\nوعلى هذا فمتى دُعِي إلى الصَّلاة في وقتها، فقال: لا أُصَلِّي، وامتنع حتى فاتت وجب قتله، وإنْ لم يتضيَّق وقت الثَّانية. نصَّ عليه الإمام أحمد (^١).\nوقال القاضي وأصحابه، كأبي الخطَّاب وابن عقيل: لا يُقْتَل حتى يتضايق وقت التي بعدها (^٢).\nقال الشيخ أبو البركات: من دُعِي إلى صلاةٍ في وقتها، فقال: لا أصلِّي، وامتنع حتى فاتت وجب قتلُه، وإنْ لم يتضيَّق وقت الثَّانية، نصَّ عليه. قال: وإنَّما اعتبرنا تضايق وقت الثانية في المثال الذي ذكره - يعني: أبا الخطَّاب - لأنَّ القتل بتركها دون الأولى؛ لأنَّه لمَّا دُعِي إليها كانت فائتةً، والفوائت لا يقتل تاركها.\nولفظ أبي الخطَّاب الذي أشار إليه: فإن أخَّر (^٣) الصَّلاة حتى خرج وقتها جاحدًا لوجوبها كَفَر، ووجب قتله.\nفإنْ أخَّرها (^٤) تهاونًا - لا جُحودًا لوجوبها - دُعِيَ إلى فِعلها، فإنْ لم\n_________\n(^١) الإنصاف للمرداوي (٣/ ٢٩).\n(^٢) الهداية لأبي الخطَّاب (١/ ٢٤).\n(^٣) الهداية: \"تَرَك\".\n(^٤) الهداية: \"تركها\".","vol":"1","page":26},{"text":"يفعلها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتلُه (^١). فالتي أخَّرها تهاونًا هي التي أخَّرها حتى خرج وقتها، فدُعِي إليها بعد خروج وقتها؛ فإذا امتنع من فعلها حتى تضايق وقت الآخرة التي بعدها (^٢) كان قتله بتأخير الصلاة التي دُعِي إليها حتى تضايق وقتها. هذا تقرير ما ذكره الشيخ.\nقال: وقال بعض أصحابنا: يُقْتل لترك الأولى، ولترك قضاء كُلِّ فائتةٍ إذا أمكنه من غير عذرٍ؛ لأنَّ القضاء عندنا على الفور (^٣). فعلى هذا لا يعتبر تضايق وقت الثَّانية.\nقال: والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ قضاء الفوائت موسَّعٌ على التَّراخي عند الشافعي وجماعة من العلماء، والقتل لا يجب لمختلفٍ (^٤) في إباحته وحظره.\nوعن أحمد روايةٌ أخرى (^٥)، أنَّه إنَّما يجب قتله إذا ترك ثلاث صلواتٍ،\n_________\n(^١) الهداية لأبي الخطَّاب (١/ ٢٥).\n(^٢) س: \"وقت التي بعدها\".\n(^٣) يُنْظر: الإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٠).\n(^٤) س: \"بمختلفٍ\"، ط: \"في مختلفٍ\".\n(^٥) هي رواية يعقوب بن بختان، كما في المسائل الفقهيَّة من كتاب الرِّوايتين لأبي يعلى (١/ ١٩٥)، ويُنْظَر أيضًا: الإنصاف للمرداوي (٣/ ٢٩).","vol":"1","page":27},{"text":"وتضايق وقت الرَّابعة. وهذا اختيار الإصْطَخْرِي (^١) من الشَّافعية (^٢).\nووجه هذا القول: أنَّ الموجب للقتل هو الإصرار على ترك الصلاة، والإنسان قد يترك الصلاة والصَّلاتين لكسلٍ، أوضجَرٍ، أوشغلٍ يزول قريبًا ولا يدوم؛ فلا يُسَمَّى بذلك تاركًا للصلاة. فإذا تكرَّر (^٣) التَّرك مع الدُّعاء إلى الفعل عُلِم أنَّه إصرارٌ.\nوعن أحمد روايةٌ ثالثةٌ: أنَّه يجب قتله بترك صلاتين (^٤).\nولهذه الرِّواية مأخذان:\nأحدهما: أنَّ التَّرك الموجب للقتل هو التَّرك المتكرِّر، لا مطلق التَّرك، حتى يطلق عليه أنَّه تارك الصلاة، وأقل ما يثبت به الترك المتكرِّر مرَّتان (^٥).\nالمأخذ الثَّاني: أنَّ من الصَّلاة ما تُجْمَع إحداهنَّ إلى الأخرى، فلا\n_________\n(^١) هو الحسن بن أحمد بن يزيد الشَّافعي، أبوسعيد القاضي، فقيههم بالعراق، وأحد أئمَّتهم وأصحاب الوجوه فيهم، توفي سنة ٣٢٨ هـ، ترجمته في: طبقات الشَّافعية الكبرى لابن السُّبكي (٣/ ٢٣٠)، والسِّير للذَّهبي (١٥/ ٢٥٠).\n(^٢) يُنْظَر: المهذَّب للشيرازي (١/ ٥١)، والحاوي للماوردي (٢/ ٥٢٧).\n(^٣) ط: \"كرَّر\".\n(^٤) يُنْظَر: الإنصاف للمرداوي (٣/ ٢٩).\n(^٥) هـ وط: \"مرتين\".","vol":"1","page":28},{"text":"يتحقَّق تركها إلَّا بخروج وقت الثانية، فجعل ترك الصَّلاتين موجبًا للقتل.\nوأبوإسحاق وافق هذه الرِّواية في المجموعتين، ووافق رواية القتل بالواحدة في غير المجموعتين (^١).\nفصْلٌ\nوحُكْم ترك الوضوء، والغسل من الجنابة، واستقبال القبلة (^٢)، وستر العورة حُكْم تارك الصَّلاة. وكذلك حكم ترك القيام للقادر عليه هو كترك الصَّلاة، وكذلك ترك الركوع والسجود.\nوإنْ تَرَك ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه وهو يعتقد وجوبه، فقال ابن عقيل (^٣): حكمُه حكمُ تارك الصلاة، ولا بأس أنْ نقول بوجوب قتله (^٤). وقال الشيخ أبو البركات: عليه الإعادة، ولا يقتل من أجل ذلك بحالٍ (^٥).\nفوجه قول ابن عقيل: أنَّه تاركٌ للصلاة عند نفسه وفي عقيدته، فصار\n_________\n(^١) \"ووافق .. غير المجموعتين\" تفرَّدت بها س.\n(^٢) \"استقبال\" ليست في ض.\n(^٣) \"ابن عقيل\" ليست في ض.\n(^٤) الإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٥)، وقال عنه: \"على الصَّحيح من المذهب\".\n(^٥) الإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٥). وهو اختيار ابن قدامة في المغني (٣/ ٣٥٩).","vol":"1","page":29},{"text":"كتارك الركن (^١) والشَّرط المجمع عليه.\nووجه قول أبي البركات: أنَّه لا يُبَاح الدَّم بترك المختلف في وجوبه، وهذا أقرب إلى مأخذ الفقه. وقول ابن عقيل أقرب إلى الأصول؛ فإنَّ تارك ذلك عازمٌ وجازمٌ على الإتيان بصلاةٍ باطلةٍ، فهو كما (^٢) لو ترك مُجْمَعًا عليه. وللمسألة غورٌ بعيدٌ يتعلَّق بأصول الإيمان، وأنَّه من أعمال القلوب واعتقادها.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>فصْلٌ في حكم تارك الجمعة</span>\nروى مسلمٌ في \"صحيحه\" (^٣) من حديث ابن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لقومٍ يتخلَّفُون عن الجمعة: \"لقد همَمْت أنْ آمر رجلًا يصلِّي بالنَّاس، ثم أحرِّق على رجالٍ يتخلَّفون عن الجمعة بيوتهم\".\nوعن أبي هريرة (^٤) وابن عمر أنَّهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد مِنبره: \"لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجمعات، أوليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين\"، رواه مسلم في \"صحيحه\" (^٥).\n_________\n(^١) ض وهـ وط: \"كتارك الزَّكاة\".\n(^٢) س: \"فهو فيها كما\".\n(^٣) حديث (٦٥٢).\n(^٤) هـ: \"أبي برزة\". وليس في مسلم غير حديث أبي هريرة وابن عمر.\n(^٥) حديث (٨٦٥).","vol":"1","page":30},{"text":"وفي \"السُّنن\" كلِّها (^١)، من حديث أبي الجَعْد الضَّمْري (^٢) - وله صحبةٌ ـ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: \"مَنْ ترك ثلاث جُمَعٍ تهاونًا طبع الله على قلبه\". ورواه الإمام أحمد من حديث جابرٍ (^٣).\nوأخطأ على الشَّافعي من نسب إليه القول بأنَّ صلاة الجمعة فرضٌ على الكفاية، إذا قام بها قومٌ سقطت عن الباقين؛ فلم يقل الشَّافعي هذا قطُّ، وإنَّما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد: إنَّها تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة (^٤).\nبل هذا نصٌّ من الشَّافعي أنَّ صلاة العيد واجبةٌ على الأعيان.\n_________\n(^١) أبو داود (١٠٥٢)، والنَّسائي (١٣٧٠)، والترمذي (٥٠٠)، وابن ماجه (١١٢٥)، من طريق محمد بن عَمْرو عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي الجعد الضمري به. حسَّنه الترمذي وقال: \"لا نعرف هذا الحديث إلَّا من حديث محمد ابن عَمْرو\"، ثم نقل قول البخاري: \"لا أعرف له عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا هذا الحديث\". وصحَّحه ابن حبان (٢٧٨٦) والحاكم (١/ ٤١٥) وابن السَّكن كما في التلخيص الحبير (٢/ ٥٢).\n(^٢) ض وس: \"ابن الجعد\"، ط: \"الضميري\". وأبوالجعد صحابيٌّ اسمه: أدْرع، وقيل: عَمْرو بن بكر، وقيل: جنادة، وسأل الترمذيُّ البخاريَّ عن اسمه فلم يعرفه. تُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٣/ ١٨٨)، والإصابة لابن حجر (٧/ ٦٥).\n(^٣) المسند (٣/ ٣٣٢).\n(^٤) بنحوه في الأم (٢/ ٥١٨) قال: \"ولا أرخِّص لأحدٍ في ترك حضور العيدين ممَّن تلزمه الجمعة\".","vol":"1","page":31},{"text":"وهذا هو الصَّحيح في الدَّليل؛ فإنَّ صلاة العيد من أعظم (^١) شعائر الإسلام الظَّاهرة، ولم يكن يتخلَّف عنها أحدٌ من أصحاب (^٢) رسول الله ﷺ، ولا تركها رسول الله ﷺ مرَّةً واحدةً.\nولو كانت سُنَّةً لتَرَكها ولو مرَّةً واحدةً (^٣)، كما تَرَك قيام رمضان؛ بيانًا لعدم وجوبه، وترك الوضوء لكلِّ صلاةٍ؛ بيانًا لعدم وجوبه، وغير ذلك. وأيضًا فإنَّه ﷾ أمر بالعيد كما أمر بالجمعة، فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر/٢] (^٤).\nوأَمَر النَّبيُّ ﷺ الصَّحابة أنْ يغدوا إلى مصلَّاهم لصلاة العيد بعد أنْ فات وقتها (^٥)، وثَبَت الشَّهر بعد الزَّوال (^٦).\n_________\n(^١) س: \"العيدين من .. \"، ط: \"أعاظم\".\n(^٢) س: \"الصحابة\".\n(^٣) \"ولو مرة واحدة\" ليست في ض.\n(^٤) وجه الدلالة ههنا أنَّ جمعًا من المفسِّرين ذهبوا إلى أنَّ المراد بقوله: ﴿فَصَلِّ﴾: صلاة العيد، ومن هؤلاء: سعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة. يُنْظَر في ذلك: تفسير ابن جرير (٢٤/ ٦٩٣ - ٦٩٥)، والدُّر المنثور للسيوطي (١٥/ ٧٠٥ - ٧٠٦).\n(^٥) س: \"أن يعودوا .. \". وكلمة: \"وقتها\" ليست في س.\n(^٦) يشير إلى ما أخرجه أحمد (٥/ ٥٧)، وأبو داود (١١٥٧)، والنسائي (١٥٥٨)، وابن ماجه (١٦٥٣)، وغيرهم، من حديث أبي عمير بن أنسٍ عن عمومةٍ له من أصحابه ﷺ: \"أنَّ قومًا رأوا الهلال فأتوا النَّبيَّ ﷺ فأمرهم أن يفطروا بعدما ارتفع النهار .. الحديث\". وقد صحَّحه إسحاق، وابن المنذر، وابن السَّكن، والخطَّابي، وغيرهم. … =","vol":"1","page":32},{"text":"وأمر النَّبيُّ ﷺ العواتق وذوات الخدور والحُيَّض (^١) أنْ يخرجْن إلى العيد، وتعتزل الحُيَّض المصلَّى (^٢) (^٣)، ولم يأمر بذلك في الجمعة.\nقال شيخنا: \"فهذا يدلُّ على أنَّ العيد آكد من الجمعة\" (^٤).\nوقوله ﷺ: \"خمسُ صلواتٍ كتبهُنَّ الله على العبد في اليوم واللَّيلة\" (^٥)\n_________\n= وقد أعلَّه ابن القطَّان في بيان الوهم (٢/ ٥٩٧) بجهالة أبي عميرٍ. وأجيب عن هذه العِلَّة بمعرفة الرَّاوي عند من صحَّح له، وتوثيق ابن سعد وابن حبَّان. ويُنْظَر: فتح الباري لابن رجب (٨/ ٤٦٢)، والمحرَّر لابن عبد الهادي (١٧٦)، والبدر المنير لابن الملقِّن (٥/ ٩٥)، والتلخيص الحبير (٢/ ٨٧)، وإرواء الغليل (٦٣٤).\nوأخرجه ابن حبَّان (٣٤٥٦)، والضِّياء في المختارة (٧/ ١٠٤)، وغيرهما، من حديث سعيد بن عامر عن شعبة عن قتادة عن أنسٍ ﵁ نحوه.\nوقد أعلَّه البخاري بما قبله ووهَّم سعيدًا فيه، كما في علل الترمذي (١/ ٣٣٤)، وأبوحاتمٍ في علل ابنه (٤٠٢)، والبزَّار (كشف/٨٧٢)، والدَّارقطني في علله (٢٥٢٣)، وابن حجر في إتحاف المهَرة (١٦/ ٧٦٠).\n(^١) هـ: \"وذوات الحيض\".\n(^٢) س: \"ويعتزل .. \"، هـ: \"ويعتزلن المصلى\"، ط: \"ويعتزلن الحيض المصلى\".\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٩٧٤)، ومسلم (٨٩٠) من حديث أمِّ عطيَّة ﵂.\n(^٤) يعني: ابن تيمية. ويُنْظَر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٨١، ١٨٣).\n(^٥) سيأتي تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":33},{"text":"لا ينفي صلاة العيد؛ فإنَّ الصَّلوات الخمس وظيفة اليوم واللَّيلة، وأمَّا العيد فوظيفة العام. ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطَّواف عند كثير من الفقهاء أنَّها (^١) ليست من وظائف اليوم والليلة المتكرِّرة. ولم يمنع وجوب صلاة الجنازة. ولم يمنع من وجوب سجود التِّلاوة عند من أوجبه وجعله صلاةً. ولم يمنع من وجوب صلاة الكسوف عند من أوجبها من السَّلف. وهو قولٌ قويٌّ جدًّا.\nوالمقصود: أنَّ الشَّافعي رحمه الله تعالى نصَّ على أنَّ من وَجَبَت (^٢) عليه الجمعة وجب عليه العيد. ولكن قد يُقال: إنَّ هذا لا يُستفاد منه وجوبه على الأعيان؛ فإنَّ فرض الكفاية يجب على الجميع، ويسقط بفعل البعض. وفائدة ذلك تظهر في مسألتين (^٣):\nإحداهما (^٤): أنَّه لو اشترك الجميع في فعله أُثِيبوا ثواب من أدَّى الواجب؛ لتعلُّق الوجوب بهم.\nالثَّانية: لو اشتركوا في تركه استحقَّ الجميع الذَّم والعقاب.\nفلا يلزم من قوله: \"تجب صلاة العيد على مَنْ تجب عليه صلاة\n_________\n(^١) ض وس: \"لأنَّها\".\n(^٢) س: \"وجب\".\n(^٣) ط: \"المسألتين\".\n(^٤) ط وس: \"أحدهما\".","vol":"1","page":34},{"text":"الجمعة\" أنْ تكون واجبةً على الأعيان - كالجمعة ـ، فهذا يمكن أنْ يُقال؛ ولكن ظاهر تشبيهه العيد بالجمعة، والتَّسوية بين مَن تجب عليه الجمعة ومن يجب عليه العيد يدلُّ على استوائهما في الوجوب، ولا يختلف قوله إنَّ الجمعة واجبة على الأعيان، فكذا العيد.\nوالمقصود بيان حكم تارك الجمعة.\nقال أبوعبد الله ابن حامد: ومَنْ جحد وجوب الجمعة كفر. فإنْ صلَّاها ظهرًا أربعًا (^١) مع اعتقاد وجوبها - قال: - فإنْ قلنا: هي ظهرٌ مقصورةٌ لم يكفر، وإلَّا كفر (^٢).\nوهل يلحق تارك الصَّوم والحج والزَّكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟ فيه ثلاث رواياتٍ عن الإمام أحمد (^٣).\nإحداها: يُقْتَل بترك ذلك كلِّه، كما يُقْتَل بترك الصلاة.\nوحُجَّة هذه الرِّواية: أنَّ الزَّكاة والصِّيام والحج من مباني الإسلام، فيقتل بتركها جميعًا كالصلاة؛ ولهذا قاتل الصِّدِّيق مانعي الزكاة، وقال: \"والله لأقاتِلَنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، إنَّها لقرينتها في كتاب الله\" (^٤).\n_________\n(^١) هـ وط: \"صلَّاها أربعًا\".\n(^٢) المبدع لابن مفلح (١/ ٣٠٨).\n(^٣) الإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":35},{"text":"وأيضًا: فإنَّ هذه المباني من حقوق الإسلام، والنَّبيُّ ﷺ لم يُؤْمَر برفع القِتَال إلَّا عمَّن التزم كلمة الشهادة وحقَّها، وأخبر أنَّ عِصمة الدَّم لا تثبت إلَّا بحقِّ الإسلام؛ فهذا القتال للفئة الممتنعة.\nوالقتل للواحد المقدور عليه إنَّما هو لترك (^١) حقوق الكلمة وشرائع الإسلام، وهذا أصحُّ الأقوال.\nوالرِّواية الثَّانية: لا يُقتل بترك غير الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّلاة عبادة بدنيَّة لا تدخلها (^٢) النِّيابة بحال، والصَّوم والحج والزَّكاة (^٣) تدخلها النِّيابة، ولقول عبد الله بن شقيق: \"كان أصحاب محمَّدٍ ﷺ لا يَرَوْن شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ إلَّا الصَّلاة\" (^٤).\nولأنَّ الصَّلاة قد اختصَّت من سائر (^٥) الأعمال بخصائص ليست\n_________\n(^١) س: \"كترك\".\n(^٢) ض: \"يدخلها\"، وكذا في الموضع التالي.\n(^٣) ط: \"والحج والصوم والزكاة\".\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٦٢٢)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٩٤٨) من طريق بشر بن المفضل عن الجريري عن عبد الله بن شقيق به.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٢) من طريق بشرٍ عن الجريري لكنه جعله عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة، وصحَّحه، وقال الذهبي: \"إسناده صالحٌ\"، وصحَّحه الألباني في الصَّحيحة ضمن الحديث (٨٧).\n(^٥) س: \"من بين سائر\".","vol":"1","page":36},{"text":"لغيرها؛ فهي أول ما فرض الله من الإسلام؛ ولهذا أمر النَّبيُّ ﷺ نوَّابَه ورسلَه (^١) أنْ يبدؤوا بالدَّعوة إليها بعد الشَّهادتين (^٢)؛ فقال لمعاذٍ: \"إنَّك ستأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فلْيكن أوَّلَ ما تدعوهم إليه شهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، فإنْ هم أطاعوك بذلك فأعلمهم (^٣) أنَّ الله تعالى فَرَض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة\" (^٤) الحديث (^٥).\nولأنَّها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله.\nولأنَّ الله فرضها في السماء ليلة المعراج.\nولأنَّها أكثر الفروض ذكرًا في القرآن، ولأنَّ أهل النَّار لمَّا سُئِلُوا (^٦): ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر/٤٢] لم يبدؤوا بشيءٍ غير ترك الصلاة.\nولأنَّ فرضَها (^٧) لا يسقط عن العبد بحال دون حال (^٨) ما دام عقله معه، بخلاف سائر الفروض، فإنَّها تجب (^٩) في حال دون حالٍ.\n_________\n(^١) ض وس: \"رسله ونوَّابه\".\n(^٢) ض وس: \"الشهادة\".\n(^٣) \"فإنْ .. فأعلمهم\" ليست في هـ وط. وفي س: \"أطاعوا لك بذلك .. \".\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩).\n(^٥) \"الحديث\" ليست في هـ وط.\n(^٦) ط: \"يسألوا\".\n(^٧) ض: \"ولأنَّ الله فرضها\".\n(^٨) \"دون حال\" ليست في س.\n(^٩) \"فإنَّها تجب\" ليست في ط، وفي هـ: \"فتجب\".","vol":"1","page":37},{"text":"ولأنَّها عمودُ فُسْطاط الإسلام، وإذا سقط عمود الفُسْطاط وقع (^١) الفُسْطاط.\nولأنَّها آخر ما يُفْقد من الدِّين.\nولأنَّها فرضٌ على الحُرِّ والعبد، والذَّكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والصَّحيح والمريض، والغني والفقير.\nولم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلَّا بالتزام الصلاة، كما قال قتادة عن أنس: \"لم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلَّا بإقام الصلاة (^٢) وإيتاء الزكاة\" (^٣).\nولأنَّ قبول سائر الأعمال موقوفٌ على فعلها، فلا يقبل الله من تاركها صومًا، ولا حجًّا، ولا صَدقةً، ولا جهادًا، ولا شيئًا من الأعمال؛ كما قال عون بن عبد الله: \"إنَّ العبد إذا دخل قبره سُئِل عن صلاته أول\n_________\n(^١) هـ وط: \"فوقع\".\n(^٢) س: \" .. من يجيب إلى الإسلام إلَّا بالتزام إقام الصلاة … \".\n(^٣) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (١٢) من طريق عروة بن مروان الخزاز [كذا! والصَّواب: الجرَّار] العِرْقي ثنا عمير [كذا! ولعلَّ الصَّواب: عمر] بن المغيرة عن أبي العوَّام عن قتادة عن أنسٍ ﵁ به.\nوفي إسناده أبوالعوَّام، فإن كان عمران بن دَاوَر القطَّان فقد ضعَّفه ابن معين وأبوداود والنَّسائي، وقال ابن عديٍّ: يُكْتَب حديثه. يُنْظَر: تهذيب الكمال للمزِّي (٢٢/ ٣٢٨)، والميزان للذَّهبي (٣/ ٢٣٦). وفيه أيضًا: عروة بن مروان، قال الدَّارقطني: ليس بقويٍّ في الحديث، يُنْظَر: الميزان للذَّهبي (٣/ ٦٤).","vol":"1","page":38},{"text":"شيء يُسْأَل عنه؛ فإنْ جازت له نُظِر فيما سوى ذلك من عمله، وإنْ لم تجز له (^١) لم ينظر في شيءٍ من عمله بعد\" (^٢).\nويدلُّ على هذا: الحديثُ الذي في \"المسند\" (^٣)، و\"السُّنن\" (^٤)، من رواية أبي هريرة عن النَّبِيِّ ﷺ: \"أول ما يُحَاسب به العبد من عمله يُحَاسب بصلاته، فإنْ صلحت فقد أفْلَح وأنْجَح، وإنْ فسدت فقد خاب وخسر\".\nولو قُبِل منه شيءٌ من أعمال البِرِّ لم يكن من الخائبين الخاسرين.\nوالرواية الثَّالثة: يُقْتَل بترك الزَّكاة والصِّيام (^٥)، ولا يُقْتَل بترك الحج؛ لأنَّه مختلفٌ فيه، هل هو على الفور، أوعلى التَّراخي. فمَن قال: \"هو على التراخي\" قال: كيف يُقتَل بتأخير شيءٍ موسَّعٍ له (^٦) في تأخيره؟\nوهذا المأخذ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّ من يقتله بتركه لا يقتله (^٧) بمجرَّد\n_________\n(^١) \"وإن لم تجز له\" ليست في هـ، وفي س: \"يجز\".\n(^٢) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (١٩٤) من طريق أحمد بن منصور عن سعيد ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن عون بن عبد الملك (كذا!) به. والإسناد حسن.\n(^٣) (٢/ ٤٢٥) من طريق أنس بن حكيم عن أبي هريرة بنحو لفظه، وسيأتي تخريجه والكلام عليه قريبًا.\n(^٤) الترمذي (٤١٣)، والنسائي (٤٦٦). وسيأتي تخريجه قريبًا.\n(^٥) س: \"الصلاة والصيام\".\n(^٦) ط: \"بأمرٍ موسعٍ له\".\n(^٧) ض: \"فإنَّ من تقتله بتركٍ لا تقتله\".","vol":"1","page":39},{"text":"التأخير اتِّفاقًا، وإنَّما صورة المسألة: أنْ يعزم على تركه جملةً (^١)، ويقول: هو واجبٌ عليَّ ولا أحجُّ أبدًا= فهذا موضع النِّزاع.\nوالصَّواب: القول بقتله؛ لأنَّ الحجَّ (^٢) من حقوق الإسلام، والعصمة لم تثبت (^٣) لمن تكلَّم بالإسلام، إلَّا بحقِّه، والحج من أعظم حقوقه (^٤).\nفصْلٌ\nوأمَّا المسألة الرَّابعة (^٥): وهي أنَّه هل يقتل حدًّا، كما يقتل المحارب والزَّاني، أم يُقتل كما يُقتَل المرتدُّ والزِّنْديق؟ هذا فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد (^٦).\nإحداهما: يُقتَل كما يُقتَل المرتد. وهذا قول سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي عمرو الأوزاعي، وأيوب السختياني، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه (^٧).\n_________\n(^١) ط: \"ترك الحجِّ\".\n(^٢) س: \"لأنَّه من\".\n(^٣) ط: \"والعصمة تثبت\".\n(^٤) ض: \"والحج أعظم\".\n(^٥) ط: \"الثالثة\"، س: \"الثانية\"، والصَّحيح: \"الرابعة\"، إذ تقدَّمت الثَّانية (ص/٢١) والثَّالثة (ص/٢٢).\n(^٦) يُنْظَر: الإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٥ - ٤٠) والمبدع (١/ ٣٠٧).\n(^٧) يُنْظَر في نسبة هذا القول لهم ولغيرهم: المغني لابن قدامة (٣/ ٣٥٤).","vol":"1","page":40},{"text":"وعبد الملك بن حبيب من المالكيَّة (^١)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي (^٢). وحكاه الطَّحاوي (^٣) عن الشَّافعي نفسه.\nوحكاه أبومحمد ابن حزمٍ (^٤) عن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وغيرهم من الصَّحابة.\nوالثَّانية: يُقْتَل حدًّا، لا كفرًا. وهو قول مالكٍ (^٥)، والشَّافعي (^٦)، واختار أبوعبد الله ابن بطَّة (^٧) هذه الرِّواية (^٨).\n_________\n(^١) النَّوادر والزِّيادات لابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٢) يُنْظَر: المجموع للنَّووي (٣/ ١٧)، وروضة الطَّالبين له (٦/ ١٤٦)، وحكاه عن منصور الفقيه وأبي الطَّيِّب ابن سلمة من أصحابهم، وجعله قولًا شاذًّا عندهم.\n(^٣) شرح مشكل الآثار (٨/ ٢٠٥).\n(^٤) المحلَّى (٢/ ٢٤٢).\n(^٥) النَّوادر والزِّيادات (١/ ١٥٠ - ١٥١)، والشَّرح الكبير للدَّردير (١/ ١٩٠).\n(^٦) يُنْظَر: المجموع للنَّووي (٣/ ١٨)، وقال: إنَّه المذهب عندهم.\n(^٧) هو عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي المحدِّث، توفي سنة ٣٨٧ هـ، ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ١٤٤) والسِّير للذهبي (١٦/ ٥٢٩).\n(^٨) يعني: من الحنابلة. وكلامه في الإبانة الصغرى (١٨٣) وأطلق التكفير في الكبرى (٢/ ٦٦٩، ٦٨٣) أفاده الدكتور سليمان العمير.\nوهو أيضًا اختيار المجد ابن تيميَّة وابن عبدوس وابن تميم وموفَّق الدِّين ابن قدامة. يُنْظَر: المغني (٣/ ٣٥٥ - ٣٥٩)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٣٠٧)، والإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٨ - ٤٠).","vol":"1","page":41},{"text":"ونحن نذكر حُجَج الفريقين.\nقال الذين لا يكفِّرونه (^١) بتركها: قد ثَبَت له حكم الإسلام بالدُّخول فيه، فلا نخرجه منه إلَّا بيقين.\nقالوا: وقد روى عبادة بن الصامت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: \"مَنْ شهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لاشريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ= أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل\". أخرجاه في \"الصَّحيحين\" (^٢).\nوعن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال - ومعاذٌ رديفه على الرَّحل ـ: \"يا معاذ\"، قال: لبَّيك يا رسول الله وسَعْديك - ثلاثًا ـ، قال: \"ما مِنْ عبدٍ يشهد أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله إلَّا حرَّمه الله على النَّار\".\nقال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس، فيستبشروا؟ (^٣) قال: \"إذًا يتَّكِلُوا (^٤) \". فأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا. متَّفقٌ على صِحَّته (^٥).\nوعن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: \"أسعد النَّاس بشفاعتي من قال:\n_________\n(^١) س: \"لم يكفِّروه\".\n(^٢) البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).\n(^٣) هـ وط: \"فيستبشرون\".\n(^٤) هـ: \"يتكلون\".\n(^٥) البخاري (١٢٨)، ومسلم (٢٣٠).","vol":"1","page":42},{"text":"لا إله إلَّا الله، خالصًا (^١) من قلبه\". رواه البخاري (^٢).\nوعن أبي ذرٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام بآيةٍ من القرآن يردِّدُها حتى صلَّى (^٣) الغداة، قال: \"ودَعَوْتُ لأُمَّتي وأُجِبْتُ بالذي لو اطَّلَعَ عليه كثيرٌ منهم تركوا الصَّلاة\". فقال أبوذرٍّ: أفلا أبشِّر النَّاس؟ قال: \"بلى\".\nفانطلق، فقال عمر: إنَّك إنْ تبعث إلى الناس بهذا يتَّكلوا (^٤) عن العبادة، فناداه: أنْ ارجع، فرجع. والآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة/١١٨]. رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" (^٥).\n_________\n(^١) س: \"خالصًا مخلصًا\".\n(^٢) حديث (٩٩).\n(^٣) ط: \"صلاة\".\n(^٤) كذا في النسخ كلها، وكذا في مسند البزار. وفي مسند أحمد: \"ينكلوا\" بالنون.\n(^٥) (٥/ ١٧٠). وأخرجه البزار (٩/ ٤٤٩)، وغيرهما، من طريق قدامة بن عبد الله قال: حدثتني جسرة بنت دِجاجة عن أبي ذرٍّ به.\nوأخرجه مختصرًا مقتصرًا على ذكر قيامه ﷺ بالآية وترديده لها، دون باقي الحديث من طريق قدامة عن جسرة به: النَّسائي (١٠١٠)، وابن ماجه (١٣٥٠)، والحاكم (١/ ٣٦٧)، وقال: \"صحيحٌ\"، وابن خزيمة تعليقًا (١/ ٢٧١)، وقال: \"إنْ صحَّ الخبر! \".\nوفي إسناده: جسرة بنت دِجاجة، قال البخاري في التاريخ (٢/ ٦٧): \"عند جسرة عجائب\". قال ابن القطَّان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ٣٣١): \"قول البخاري إنَّ عندها عجائب لا يكفي لمن يسقط ما روت\"، ووافقه ابن الملقِّن في البدر المنير (٢/ ٥٦١).\n\nلذا فقد حسَّن الحديث بلفظه المختصر ابنُ القطَّان في بيان الوهم (٥/ ٣٢٣، ٧٠١) ردًّا على تضعيف عبد الحقِّ له، وحسَّنه النَّووي في الخلاصة (١/ ٥٩٥)، وصحَّح إسناده العراقي في تخريجه للإحياء (١/ ٢٣١)، والبوصيري في مصباح الزُّجاجة (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":43},{"text":"وفي \"المسند\" (^١) - أيضًاـ من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الدَّواوين عند الله ﷿ ثلاثة (^٢)؛ دِيوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، ودِيوان لا يترك الله منه شيئًا، ودِيوان لا يغفره الله. فأمَّا الدِّيوان الذي لا يغفره الله (^٣): فالشِّرك (^٤)، قال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ (^٥) بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة/٧٢]. وأمَّا الدِّيوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا: فظلم العبد نفسَه فيما بينه وبين ربِّه؛ من صومٍ تركه أوصلاةٍ تركها؛ فإنَّ الله ﷿ يغفر ذلك ويتجاوز عنه إنْ شاء. وأمَّا الدِّيوان الذي لا يترك الله منه شيئًا: فظلم العباد بعضهم بعضًا؛ القِصاص لا محالة\".\nوفي \"المسند\" (^٦) - أيضًاـ عن عبادة بن الصَّامت قال: سمعت رسول الله\n_________\n(^١) (٦/ ٢٤٠) من طريق صدقة بن موسى عن أبي عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس عن عائشة به. وفي إسناده: صدقة بن موسى، وهو الدَّقيقي. ضعَّفه ابن معين والنَّسائي وغيرهما، كما في: ميزان الاعتدال للذَّهبي (٢/ ٣١٢).\n(^٢) ط: \"ثلاث\".\n(^٣) \"منه شيئًا .. لا يغفره الله\" ليست في هـ.\n(^٤) ض: \"فالشرك بالله تعالى\".\n(^٥) ض: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ﴾.\n(^٦) (٥/ ٣١٥). وأخرجه مالك (١/ ١٢٣)، وأبوداود (١٤٢٠)، والنسائي (٤٦٢)، وابن ماجه (١٤٠١)، والضياء في المختارة (٨/ ٣٦٥)، وغيرهم، من طريق محمد بن يحيى ابن حِبَّان عن عبد الله بن محيريز أنَّ رجلًا من بني كنانة يُدْعَى المخدجي عن عبادة بن الصامت ﵁ به. والمخدجي اسمه: أبورفيع، أو رفيع. ذكره ابن حبَّان في ثقاته (٥/ ٥٧١). ترجمته في: تهذيب الكمال للمزي (٣٣/ ٣١٥). … =","vol":"1","page":44},{"text":"ﷺ يقول: \"خمس صلواتٍ كتبهُنَّ الله على العِباد، من أتى بهِنَّ كان له عند الله عهدٌ أنْ يدخله الجنَّة، ومن لم يأت بهِنَّ فليس له عند الله (^١) عهدٌ، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له\".\nوفي \"المسند\" (^٢) - أيضًا - من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصَّلاة المكتوبة، فإنْ أتمَّها وإلَّا قيل: انظُرُوا هل له من تطوُّعٍ، فإنْ كان له تطوُّعٌ أُكْمِلَت الفريضة من (^٣) تطوُّعِه، ثم يُفْعَل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك\". رواه أهل \"السُّنن\" (^٤). وقال\n_________\n= … وأخرجه أحمد (٥/ ٣١٧)، وأبوداود (٤٢٥)، والضياء (٨/ ٣٢٠)، وغيرهم، من طريق عطاء بن يسار عن عبد الله بن الصنابحي عن عبادة نحوه. ورُوِيَ من طرقٍ أخرى.\nوقد صحَّح الحديث: ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٨٤)، وابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٣٨٩)، والألباني في الصحيحة (٨٤٢)، وغيرهم.\n(^١) \"عهدٌ أنْ .. عند الله\" سقطت من هـ.\n(^٢) (٢/ ٤٢٥).\n(^٣) س: \"له من\".\n(^٤) أبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣) والنسائي (٤٦٧) وابن ماجه (١٤٢٥)، وغيرهم، من طرقٍ عن أبي هريرة ﵁ به. وذكره ابن أبي حاتم في عِلَله (٤٢٦) من طريق قتادة عن الحسن عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا نحوه، ثم ذكر اختلافًا فيه على الحسن. وينظر أيضًا: علل الدارقطني (٨/ ٢٤٥).\nوصحَّح الألباني الحديث مرفوعًا - بمجموع طرقه - في الصَّحيحة (١٣٥٨).","vol":"1","page":45},{"text":"الترمذيُّ: \"هذا حديثٌ حسنٌ\" (^١).\nقالوا: وقد ثبت عنه ﷺ أنَّه قال: \"مَن كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دَخَل الجنَّة\" (^٢). وفي لفظٍ آخر: \"مَنْ مات وهو يعلم أنْ لا إله إلَّا الله دخل الجنة\" (^٣) (^٤).\nوفي \"الصَّحيح\" (^٥) قصَّة عتبان (^٦) بن مالك، وفيها: \"إنَّ الله قد حرَّم\n_________\n(^١) في المطبوع من سنن الترمذي (ط أحمد شاكر ٢/ ٢٧١)، و(ط بشار ١/ ٤٣٨)، وفي تحفة الأشراف (٩/ ٣١٤): \"حسنٌ غريبٌ\".\nوقد صحَّح الحديث الحاكم عقب إخراجه له (١/ ٣٩٤)، وابن القطَّان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ٢٢٩)، وأحمد شاكر في حاشيته على سنن الترمذي (٢/ ٢٧٢)، والألباني في الصحيحة (١٣٥٨) بمجموعِهِ، وغيرهم.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣)، وأبو داود (٣١١٦)، والحاكم (١/ ٥٠٣)، وغيرهم، من طريق صالح بن أبي عريبٍ عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل مرفوعًا. وقد صحَّحه الحاكم عقبه، وابن الملقن في البدر (٥/ ١٨٩) وحسَّنه الألباني بطرقه في الإرواء (٦٨٧).\nوأعلَّه ابن القطَّان الفاسي في بيان الوهم (٤/ ٢٠٦) بجهالة ابن أبي عريبٍ. قال الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ١٠٣): \"تُعقِّب بأنَّه روى عنه جماعةٌ، وذكره ابن حبان في الثقات\".\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦)، وغيره، من حديث عثمان بن عفان ﵁.\n(^٤) \"وفي لفظ … الجنة\" ليست في ض.\n(^٥) البخاري (٤٢٥)، وأخرجه مسلم (٣٣) بنحو لفظه.\n(^٦) ض وهـ وط: \"عتاب\"، وصُحَّح في هامش هـ بما أثبتُّه.","vol":"1","page":46},{"text":"على النَّار مَن قال: لا إله إلَّا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله\".\nوفي حديث الشَّفاعة: يقول الله ﷿: \"وعزَّتي وجلالي لأخرجَنَّ من النَّار مَن قال: لا إله إلَّا الله\". وفيه: \"فيخرج من النَّار (^١) مَنْ لم يعمل خيرًا قطُّ\" (^٢).\nوفي \"السُّنن\" (^٣) و\"المسانيد\" (^٤) قِصَّة صاحب البطاقة، الذي تُنْشَر (^٥) له تسعة وتسعون سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ منها مدَّ البصر، ثم\n_________\n(^١) \"من النَّار\" ليست في س.\n(^٢) حديث الشَّفاعة سيق بألفاظٍ مختلفةٍ، وقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عدَّةٍ من الصَّحابة، كأبي سعيد، وأبي هريرة، وأنسٍ، وغيرهم ﵃.\nفأمَّا جملة: \"وعزَّتي وجلالي\" فهي في حديث أنسٍ ﵁ عند البخاري (٧٥١٠) بلفظ: \"وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها .. \" وعند مسلم (١٩٣) نحوه.\n\nوأمَّا جملة: \"لم يعملوا خيرًا قط\" فهي في حديث أبي سعيد ﵁، عند البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣). وهذا لفظ مسلمٍ. ولفظ البخاري: \"فيقول أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قدَّموه\".\n(^٣) الترمذي (٢٦٤١)، وقال: \"حسنٌ غريبٌ\"، وابن ماجه (٤٣٠٠). وأخرجه الحاكم (١/ ٥٢٩) وابن حبان (٢٢٥) وغيرهم، من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ﵁ به. وقد صحَّحه ابن حبَّان والحاكم، والألباني في الصَّحيحة (١٣٥).\n(^٤) مسند أحمد (٢/ ٢١٣)، مسند عبد بن حميد (٣٣٩)، وغيرهما.\n(^٥) س: \"ينشر\".","vol":"1","page":47},{"text":"تخرج له بطاقةٌ، فيها (^١) شهادة أنْ لا إله إلَّا الله، فترجح سيِّئاته (^٢).\nولم يذكر في البطاقة غير الشَّهادة، ولو كان فيها غيرها لقال: \"ثم تخرج (^٣) له صحائف حسناته فتوزن سيِّئاته (^٤) \". ويكفينا في هذا قوله: \"فيخرج من النَّار من لم يعمل خيرًا قط\"، ولو كان كافرًا لكان مخلَّدًا في النار غير خارجٍ منها.\nفهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التَّكفير، والتَّخليد، وتوجب من الرجاء (^٥) له ما يُرْجى لسائر أهل الكبائر.\nقالوا: ولأنَّ الكفر جُحُود التوحيد، وإنكار الرسالة والمعاد، وجَحْد ما جاء به الرسول، وهذا يقرُّ (^٦) بالوحدانية، شاهدًا أنَّ محمدًا رسول الله، مؤمن بأنْ الله يبعث مَن في القبور= فكيف يُحْكَم بكفره والإيمان هو التَّصديق، وضدُّه (^٧) التَّكذيب، لا ترك العمل؟ فكيف يُحْكَم للمصدِّق بحكم المكذِّب الجاحد؟\n_________\n(^١) س وط: \"يخرج له\". س: \" .. بطاقةٌ فيه\".\n(^٢) ض: \"بسيِّئاته\".\n(^٣) ليس في هـ: \"لقال\". س: \"يخرج\".\n(^٤) س وض: \"بسيِّئاته\".\n(^٥) هـ وط: موجب، ض: \"ويوجب الرجاء\".\n(^٦) س: \"مقر\".\n(^٧) ض: \"وضد\".","vol":"1","page":48},{"text":"قال المكفِّرون: الذين رُوِيَت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حُفِظَ عنهم من الصَّحابة تكفير تارك الصَّلاة بأعيانهم.\nقال أبومحمد ابن حزم (^١): \"وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصَّحابة ﵃: أنَّ مَن تَرَك صلاة فرضٍ واحدةٍ (^٢) متعمِّدًا حتى يخرج وقتها فهو كافرٌ مرتدٌّ\".\nقالوا: ولا يُعْلَم لهؤلاء مخالفٌ (^٣) من الصَّحابة.\nوقد دلَّ على كفر تارك الصَّلاة الكتاب، والسُّنة، وإجماع الصَّحابة.\nأمَّا الكتاب: قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (^٤)﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم/٣٥ - ٤٣].\n_________\n(^١) المحلَّى (٢/ ٢٤٢).\n(^٢) هـ وس: \"واحدٍ\".\n(^٣) ط: \"ولا نعلم لهؤلاء مخالفًا\"، ومثله في هـ ولكن في آخره: \"مخالف\".\n(^٤) ض تتمَّة الآية: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾.","vol":"1","page":49},{"text":"فوجه الدلالة من الآية: أنَّه سبحانه أخبر أنَّه لا يجعل المسلمين كالمجرمين، وأنَّ هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين، الذين هم ضد المسلمين، فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم/٤٢]، وأنَّهم يدعون إلى السُّجود لربِّهم ﵎؛ فيُحال بينهم وبينه، فلا يستطيعون السُّجود مع المسلمين في دار الآخرة (^١)؛ عقوبةً لهم على ترك السُّجود له مع المصلِّين في دار الدنيا.\nوهذا يدلُّ على أنَّهم مع الكفار والمنافقين، الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي (^٢) البقر، ولو كانوا (^٣) من المسلمين لأُذِنَ لهم بالسُّجُود كما أُذِنَ للمسلمين.\nالدَّليل الثَّاني: قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر/٣٨ - ٤٧].\nفلا يخلو؛ إمَّا أنْ يكون كُلُّ واحدٍ من هذه الخصال هو الذي\n_________\n(^١) \"في دار الآخرة\" هـ فقط.\n(^٢) ط: \"كميامني\" تحريف! والصَّياصي: القرون، مفردها صِيْصَية بالتخفيف. كما في النهاية لابن الأثير (٣/ ٦٧).\n(^٣) ط: \"كان\".","vol":"1","page":50},{"text":"سلكهم في سَقَر، وجعلهم من المجرمين، أو مجموعها.\nفإنْ كان كُلُّ واحدٍ منها مستقلًّا (^١) بذلك فالدلالة ظاهرةٌ، وإنْ كان مجموع الأمور الأربعة، فهذا إنَّما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم، وإلَّا فكُلُّ واحدٍ منها مقتضٍ للعقوبة؛ إذْ لا يجوز أنْ يُضَمَّ ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقلٌّ بها.\nومن المعلوم أنَّ تَرْك الصَّلاة وما ذُكِرَ معه ليس شرطًا في العقوبة على التَّكذيب بيوم الدِّين، بل هو وحده كافٍ في العقوبة؛ فدلَّ على أنَّ كُلَّ وصفٍ (^٢) ذكر معه كذلك؛ إذْ لا يمكن لقائلٍ (^٣) أنْ يقول: لا يعذب إلَّا مَنْ جَمَع (^٤) هذه الأوصاف الأربعة!\nفإذا كان كُلُّ واحدٍ منها موجِبًا (^٥) للإجرام، وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين، كان تارك الصلاة من المجرمين السَّالكين في سَقَر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر/٤٧ - ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(^١) هـ: \"فإن كل .. \". س: \" .. مستقل\".\n(^٢) ض: \"صنف\".\n(^٣) س وهـ وط: \"قائلا\".\n(^٤) س وط: \"من جميع\".\n(^٥) س وض: \"كل منها موجب\".","vol":"1","page":51},{"text":"أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين/٢٩]؛ فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين (^١).\nالدَّليل الثَّالث: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور/٥٦].\nفوجه الدلالة: أنَّه سبحانه علَّق حصول الرَّحمة لهم بفعل هذه الأمور؛ فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين (^٢) بدون فعل الصَّلاة، والرَّبُّ تعالى إنَّما جعلهم على رجاء (^٣) الرَّحمة إذا فعلوها.\nالدَّليل الرَّابع: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٤ - ٥].\nوقد اختلف السَّلف في معنى السَّهْو عنها؛ فقال سعد بن أبي وقَّاص، ومسروق بن الأجدع، وغيرهما: \"هو تركها حتى يخرج وقتها\" (^٤).\n_________\n(^١) \"المسلمين\" هـ وط فقط.\n(^٢) ض: \"مجرمين\".\n(^٣) هـ: \"إرجاء\".\n(^٤) أسنده ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٦٥٩ - ٦٦١) عنهما، وعن ابن عباس، وأبي الضُّحى مسلم بن صبيح، وعبد الرحمن بن أبزى، وسيأتي إسناد بعضه عند المصنِّف، ويُنْظر أيضًا في نسبة هذه الأقوال: الدُّرُّ المنثور للسُّيوطي (١٥/ ٦٨٧ - ٦٨٨).","vol":"1","page":52},{"text":"ورُوِيَ في ذلك حديثٌ مرفوعٌ. قال محمد بن نصر المروزي (^١):\nحدثنا شيبان (^٢) بن أبي شيبة حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثنا عبد الملك ابن عمير عن مصعب بن سعد بن أبي وقَّاص (^٣) عن أبيه: أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ عن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٥] قال: \"هم الذين يؤخِّرُون الصَّلاة عن وقتها\".\nوقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال: قلتُ لأبي: يا أبتاه، أرأيت قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٥] أيُّنا لا يسهو؟ أيُّنا لا يحدِّث نفسَه؟ قال: \"إنَّه ليس ذاك (^٤)، ولكنَّه إضاعة الوقت\" (^٥).\n_________\n(^١) في تعظيم قدر الصلاة (٤٢ - ٤٥). وأخرجه ابن جرير (٢٤/ ٦٦٣)، والبيهقي (٢/ ٢١٤)، والبزَّار (٣/ ٣٤٦)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٧٧)، وغيرهم، من طريق عكرمة به.\n\nقال أبوزرعة كما في علل ابن أبي حاتم (٥٣٦): \"هذا خطأٌ، والصَّحيح موقوف\". وقال البزَّار: \"لا نعلم أسنده إلَّا عكرمة بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير، وعكرمة ليِّن الحديث\". وبنحوه قال البيهقي (٢/ ٢١٤)، والهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٥)، (٧/ ١٤٣).\n(^٢) هـ وط: \"سفيان\". تحريفٌ.\n(^٣) \"بن أبي وقَّاص\" ليست في هـ وط.\n(^٤) س: \"ذلك\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٦٦٠)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٢١٤)، وأبويعلى (٧٠٤)، وغيرهم، من طريق عاصم بن أبي النجود به. وقد حسَّن إسناده المنذري في التَّرغيب (١/ ٢١٨)، والهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":53},{"text":"وقال حيوة (^١) بن شريح: أخبرني أبوصخر أنَّه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٥] قال: \"هو تاركها\"، ثمَّ سأله عن الماعون، قال: \"منع المال مِن (^٢) حقِّه\" (^٣).\nإذا عُرِفَ هذا فالوعيد بالويل اطَّرد في القرآن للكُفَّار؛ كقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصِّلت/٦ - ٧]، وقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ (^٤) عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية/٧ - ٩]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم/٢].\nإلَّا في موضعين، وهما: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين/١]، و﴿وَيْلٌ\n_________\n(^١) ض: \"حياة\".\n(^٢) ط: \"عن\".\n(^٣) أخرجه ابن نصرٍ في تعظيم قدر الصَّلاة (٤٥) من طريق إسحاق عن عبد الله بن يزيد المقرئ عن حيوة به. وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٦٩) من طريق ابن وهب عن أبي صخرٍ حميد بن زياد الخرَّاط عن القرظي بنحوه. والإسناد حسنٌّ، رجالهما ثقاتٌ، غير أبي صخرٍ فإنَّه لا بأس به. تُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال للمِزِّي (٧/ ٣٦٦).\n(^٤) في جميع النسخ: (ولهم)، وهو خطأ.","vol":"1","page":54},{"text":"لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة/١]؛ فعلَّق الويل بالتَّطفيف، وبالهَمْز واللَّمز، وهذا لا يكفر به بمجرده (^١).\nفويل تارك الصلاة إمَّا أنْ يكون ملحقًا بويل الكفار، أو بويل الفسَّاق، فإلحاقه بويل الكفار أولى؛ لوجهين:\nأحدهما: أنَّه قد صحَّ عن سعد بن أبي وقاص في هذه الآية أنَّه قال: \"لو تركوها لكانوا كفَّارًا، ولكن ضيَّعوا وقتها\" (^٢).\nالثَّاني: ما سنذكره من الأدلَّة (^٣) على كفره. يوضِّحه:\nالدَّليل الخامس: وهو قوله (^٤) سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم/٥٩].\nقال شعبة بن الحجاج: حدثنا أبوإسحاق عن أبي عبيدة عن\n_________\n(^١) ض: \"لمجرَّده\"، و\"به\" ليست في هـ.\n(^٢) تقدَّم تخريج ما رُوِي عن سعدٍ فيه. ولم أقف عليه بهذا اللفظ عنه، ولكن أخرج ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٦٧) وأبونعيم في الحلية (٦/ ٨٠) وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدُّرِّ المنثور (١٠/ ٩٧) من طريق الأوزاعي عن موسى بن سليمان عن القاسم بن مخيمرة قال: \"أضاعوا المواقيت، ولو تركوها لصاروا كفَّارًا، ولكن أضاعوا المواقيت، وصلَّوا الصَّلوات لغير وقتها\". وسيأتي - أيضًا - موقوفًا على ابن مسعود ﵁.\n(^٣) في س هنا زيادة: \"الدَّالة\".\n(^٤) هـ: \"وقوله\".","vol":"1","page":55},{"text":"عبد الله (^١) - هو ابن مسعود - في هذه الآية قال: \"هو نهرٌ في جهنَّم، خبيث الطَّعم، بعيد القعر\" (^٢).\nوقال محمد بن نصْر (^٣): حدثنا عبيد الله بن سعد (^٤) بن إبراهيم حدثنا محمد بن زياد بن زبَّار (^٥) حدَّثني شرقي بن القطامي قال: حدثني\n_________\n(^١) ليس في س: \"عن عبد الله\".\n(^٢) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (٣٥)، وابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٧٢)، والطبراني (٩/ ٢٢٧)، والحاكم (٢/ ٤٠٦)، وأبونعيم في الحلية (٤/ ٢٠٦)، كلُّهم من طريق شعبة به، وقد صحَّحه الحاكم.\nإسناده منقطعٌ؛ أبوعبيدة - واسمه عامر - لم يسمع من أبيه. يُنْظَر: المراسيل لابن أبي حاتم (ص/٢٥٦)، وجامع التَّحصيل (ص/٢٠٤)، وتحفة التَّحصيل (ص/١٥٦).\n(^٣) في تعظيم قدر الصَّلاة (٣٦). وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٧١) و(١٧/ ٥١٤)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٧٥)، وغيرهما، من طريق محمد بن زياد بن زبَّار به. فيه ابن زبَّار وشيخه شرقي، وقد ضُعِّفا. تُنْظَر ترجمتهما في: ميزان الاعتدال (٢/ ٢٦٨) و(٣/ ٥٥٢). قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٢٩): \"غريبٌ، ورفعه منكرٌ\"، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٨٩): \"فيه ضعفاء قد وثَّقهم ابن حبان وقال: يخطئون\".\n(^٤) ض: \"عبد الله .. \"، ض وهـ: \" .. سعيد\".\n(^٥) جميع النُّسخ: \"يزيد\" بدل: \"زياد\"، وليس في ض: \"زبَّار\"، هـ وط: \"بن زبَّان\" بالنون، س: \"بن ريَّان\" بالراء، وكلُّها تصحيفٌ. يُنْظر ضبط اسمه وترجمته في: الإكمال لابن ماكولا (٤/ ١٧٣) وميزان الاعتدال (٣/ ٥٥٢).","vol":"1","page":56},{"text":"لقمان بن عامر الخزاعي (^١) قال: جِئت أبا أمامة الباهلي فقلت: حدِّثْني حديثًا سمعتَه من رسول الله ﷺ، فقال: سمعتُ رسول الله (^٢) ﷺ يقول: \"لو أنَّ صخرةً قُذِفَ بها من شَفِير جهنَّم ما بلغت قعرها (^٣) سبعين خريفًا، ثم تنتهي إلى (^٤) غَيٍّ وأَثَام\". قلتُ: وما غَيٌّ وأَثَام؟ قال: \"بِئْران في أسفل جهنَّم، يسيل فيهما (^٥) صديد أهل جهنَّم (^٦) \"، فهذا الذي ذكره الله في كتابه: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم/٥٩]، و﴿أَثَامًا﴾ [الفرقان/٦٨].\nقال محمد بن نصر (^٧): حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا عبد الله بن\n_________\n(^١) ض: \"الخرعي\"، وهو غلطٌ.\n(^٢) ط: \"من رسول .. \".\n(^٣) \"قعرها\" سقطت من ط.\n(^٤) ض: \"تنتهي على\"، س: \"ينتهي\".\n(^٥) هـ وط: \"فيها\".\n(^٦) \"يسيل .. جهنَّم\" ليس في ض.\n(^٧) في تعظيم قدر الصَّلاة (٣٧). وأخرجه أيضًا ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٥١٥) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٨٨) من طريق هشيمٍ به. إسناده ضعيفٌ، زكريا بن أبي مريم ذُكِر لشُعبة فصاح صيحةً، قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٥٩٢): \"دلَّ صيحة شعبة أنَّه لم يرض زكريا\" انتهى، وقال عنه النَّسائي: \"ليس بالقويِّ\"، وقال ابن عديٍّ: \"ليس فيما روى عنه هشيم حديثٌ له رونق وضوء\". يُنْظَر: الكامل لابن عدي (/٣/ ٢١٤)، والميزان للذَّهبي (٢/ ٧٤).","vol":"1","page":57},{"text":"المبارك أخبرنا هشيم (^١) بن بشير قال: أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: \"إنَّ ما بين شفير جهنَّم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفًا، من حجرٍ يهوي، أو قال: صخرةٍ تهوي، عِظَمُها كعَشر عُشَرَاواتٍ (^٢)، عِظَامٍ، سِمَانٍ\"، فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك من شيءٍ يا أبا أمامة؟ قال: \"نعم، غَيٌّ وأَثَام\".\nوقال أيوب بن بشير عن شُفَيِّ بن ماتِع (^٣) قال: \"إنَّ في جهنَّم واديًا يُسَمَّى غيًّا، يسيل دمًا وقيْحًا (^٤)، فهو لمن خُلِقَ له، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم/٥٩] \" (^٥).\nفوجه الدلالة من الآية: أنَّ الله سبحانه جعل هذا المكان من النَّار\n_________\n(^١) في جميع النسخ: \"إبراهيم\"، والتَّصحيح من: تعظيم قدر الصَّلاة.\n(^٢) في هامش هـ: \"النَّاقة العشر - بضمِّ العين وفتح الشين المعجمة - هي: التي مضى عليها من حملها عشرة أشهر، وهو المراد ههنا. وقيل: هي: التي في النُّوق كالنُّفساء في النِّساء. اهـ. مولانا العلَّامة عبد القادر بن أحمد حفظه الله\".\nوالعلَّامة عبد القادر المذكور هو: ابن أحمد بن عبد القادر، أحد كبار أعلام زمانه في العلم باليمن، وهو شيخ الشوكاني، توفي سنة ١٢٠٧ هـ، تنظر ترجمته الحافلة في البدر الطالع (٣٩٩ - ٤٠٦).\n(^٣) ض وس: \"مانع\". تحريفٌ.\n(^٤) س: \"يسيل منه دم وقيح\".\n(^٥) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (٣٨) من طريق ثعلبة بن مسلم عن أيوب به.","vol":"1","page":58},{"text":"لمن أضاع الصَّلاة واتَّبَع الشَّهوات، ولو كان مع عُصاة المسلمين لكانوا في الطَّبقة العُلْيا من طبقات النَّار، ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو في أسفلها؛ فإنَّ هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام، بل من أمكنة الكُفَّار.\nومن الآية دليلٌ آخر: وهو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم/٥٩ - ٦٠]. فلو كان مضيِّع الصَّلاة مؤمنًا لم يشترط في توبته الإيمان؛ فإنَّه يكون تحصيلًا للحاصل.\nالدَّليل السَّادس: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة/١١]. فعلَّق أخوَّتَهم للمؤمنين بفعل الصَّلاة، فإذا لم يفعلوها لم يكونوا إخوة للمؤمنين، فلا يكونوا (^١) مؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات/١٠].\nالدَّليل السَّابع: قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة/٣١ - ٣٢]. فلمَّا كان الإسلام تصْديق الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضِدَّين؛ عدم التَّصْديق، وعدم الصَّلاة. وقابَلَ التَّصْديقَ بالتَّكذيب، والصَّلاة بالتَّوَلِّي، فقال: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة/٣٢].\nفكما أنَّ المكذِّب كافرٌ فالمتولِّي عن الصَّلاة كافرٌ، وكما يزول الإسلام بالتَّكذيب يزول بالتولِّي عن الصَّلاة.\n_________\n(^١) هـ: \"يكونون\".","vol":"1","page":59},{"text":"قال سعيد عن قتادة: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾: \"لا صدَّق بكتاب الله، ولا صلَّى لله، ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذَّب بآيات الله (^١)، وتولَّى عن طاعته، ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾: وعيدٌ على إثر وعيدٍ\" (^٢).\nالدَّليل الثَّامن: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون/٩]. قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: \"هي الصَّلاة المكتوبة\" (^٣).\nووجه الاستدلال بالآية: أنَّ الله حَكَم بالخُسْران المطلق على مَنْ (^٤) ألْهَاهُ مالُه وولدُه عن الصَّلاة، والخسران المطلق (^٥) لا يحصل إلَّا للكفَّار؛ فإنَّ المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الرِّبْح.\nيوضِّحُهُ: أنَّه ﷾ أكَّد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد:\n_________\n(^١) الآية ليست في هـ وط، والسياق فيهما: \"ولكن كذَّب بآيات الله\".\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٥٢٣) من طريق سعيد به.\n(^٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٩١٩) وابن المنذر كما في الدُّر المنثور (١٤/ ٤٩٠).\n(^٤) هـ وس وط: \"لمن\".\n(^٥) ض: \"للمطلق\".","vol":"1","page":60},{"text":"أحدها: إتيانه بلفظ الاسم (^١) الدَّال على ثبوت الخسران ولزومه، دون الفعل الدَّال على التجدُّد والحدوث (^٢).\nالثَّاني: تصدير الاسم بالألف واللَّام، المؤذنة بحصول (^٣) كمال المسمَّى لهم؛ فإنَّك إذا قلتَ: زيدٌ العالمُ الصَّالحُ، أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له (^٤)، بخلاف قولك: عالمٌ صالحٌ (^٥).\nالثَّالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين، وذلك من علامات انْحصار الخبر في المبتدأ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة/٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة/٢٥٤]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ (^٦) هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال /٤]، ونظائره.\nالرَّابع: إدخاله ضمير الفصْل بين المبتدأ والخبر، وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين؛ قوة الإسناد، واختصاص المسنَد إليه بالمسند؛\n_________\n(^١) هـ وط: \" .. به بلفظ\". و\"الاسم\" ليست في ض.\n(^٢) هـ وط: \"الحدث\".\n(^٣) هـ وط: \"المؤدية لحصول\".\n(^٤) س: \"إثبات كلَّما قال له\".\n(^٥) ض وس: \"عالم وصالح\".\n(^٦) س: (وأولئك).","vol":"1","page":61},{"text":"كقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج /٦٤]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة/٧٦]، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (^١)﴾ [يوسف/٩٨]، ونظائر ذلك.\nالدَّليل التَّاسع: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة /١٥].\nووجه الاستدلال بالآية: أنَّه سبحانه نفى الإيمان عمَّن إذا ذُكِّر بآيات الله لم يخرَّ ساجدًا (^٢) مسبِّحًا بحمد ربِّه، ومن أعظم التَّذكير بآياته (^٣) التَّذكير بآيات الصَّلاة؛ فمن ذُكِّر بها فلم يتذكَّر ولم يصلِّ فلم يؤمن بها؛ لأنَّه (^٤) سبحانه خصَّ المؤمنين بها بأنَّهم أهل السُّجود، وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه. فلم يؤمن بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (^٥)﴾ [البقرة/٤٣]، إلَّا من التزم إقامتها.\nالدَّليل العاشر: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ\n_________\n(^١) في النسخ كلِّها: \"إن الله لهو الغفور .. \". وليس في كتاب الله آية بهذا الرسم.\n(^٢) ط: \"يخروا سجدا\".\n(^٣) هـ وط: \"بآيات الله\".\n(^٤) ض: \"فإنَّه\".\n(^٥) ليس في س: ﴿الصَّلَاةَ﴾.","vol":"1","page":62},{"text":"يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات/٤٨ - ٤٩]، ذكر هذا بعد قوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات/٤٦]، ثمَّ توعَّدهم على ترك الرُّكوع\nــ وهوالصَّلاة ــ إذا دُعُوا إليها. ولا يُقَال: إنِّما (^١) توعَّدَهم على التَّكذيب؛ فإنَّه سبحانه إنَّما أخبر (^٢) عن تركهم لها، وعليه وَقَع الوعيد.\nعلى أنَّا نقول: لا يُصِرُّ على ترك الصَّلاة إصْرارًا مستمرًّا مَن يصدِّق بأنَّ الله أمَرَ بها أصْلًا؛ فإنَّه يستحيل في العادة والطَّبيعة أنْ يكون الرجل مصدِّقًا تصديقًا جازمًا أنَّ الله سبحانه فرض عليه كُلَّ (^٣) يومٍ وليلةٍ خمس صلوات، وأنَّه (^٤) يعاقبه على تركها أشدَّ العقاب= وهو مع ذلك مصرٌّ على تركها؛ هذا من المستحيل قطعًا.\nفلا يحافظ على تركها مصدِّقٌ بفرضها أبدًا؛ فإنَّ الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمره بها فليس في قلبه شيء من الإيمان.\nولا يُصْغَى إلى كلام مَنْ ليس له (^٥) خبرةٌ ولا علمٌ بأحكام القلوب\n_________\n(^١) ض: \"إنَّه\".\n(^٢) س: \"أخبرهم\".\n(^٣) س: \"بأنَّ .. في كلِّ\".\n(^٤) ط: \"فإنَّها\".\n(^٥) هـ وض: \"تصغ .. \"، ط: \"تصغي .. \". ض: \" .. من لا له\".","vol":"1","page":63},{"text":"وأعمالها. وتأمَّل هل في الطَّبيعة أنْ (^١) يقوم بقلب العبد إيمانٌ بالوعد والوعيد، والجنَّة والنَّار، وأنَّ الله فرض عليه الصَّلاة، وأنَّه معاقبه (^٢) على تركها= وهو محافظٌ على التَّرك في صحَّتِه وعافيته، وعدم الموانع المانعة له من الفعل.\nوهذا القَدْر هو الذي خَفِي على من جعل الإيمان مجرَّد التَّصديق وإنْ لم يقارنه فِعْلُ واجبٍ ولا تَرْك محرَّمٍ، وهذا من أمحل المحال؛ أنْ يقوم بقلب العبد إيمانٌ جازمٌ لا يتقاضاه فعل طاعةٍ ولا ترك معصيةٍ (^٣).\nونحن نقول: الإيمان هو التَّصديق، ولكن ليس التَّصديق مجرَّد اعتقاد صِدْق المخبر، دون الانقياد له. ولو كان مجرَّد اعتقاد التَّصديق إيمانًا لكان إبليس، وفرعون وقومه، وقوم صالح، واليهود الذين عرفوا أنَّ محمدًا رسول الله كما يعرفون أبناءهم =مؤمنين مصدِّقين! وقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: يعتقدون أنَّك صادق ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام/٣٣]، والجحود لا يكون إلَّا بعد معرفة الحق.\nوقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل/١٤].\n_________\n(^١) هـ وط: \"بأن\".\n(^٢) \"وأنَّه معاقبه\"، هـ: \"معاقبة يعاقبه\"، ط: \"يعاقبه معاقبة\". والمثبت من ض وس.\n(^٣) هـ: \"جازمٌ ولا .. \". ض: \" .. ولا فعل معصية\".","vol":"1","page":64},{"text":"وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء/١٠٢]. وقال تعالى عن اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة/١٤٦].\nوأبلغ من هذا قول النَّفَرَ من اليهود لمَّا جاؤوا إلى النَّبيِّ ﷺ، وسألوه عمَّا دلَّهم (^١) على نبوَّتِه، فقالا: نشهد أنَّك نَبيٌّ، فقال: \"ما يمنعكما من اتِّباعي؟ \" قالا: إنَّ داود دعا أنْ لا يزال (^٢) في ذُرِّيَّته نبيٌّ، وإنَّا نخاف إنِ اتَّبعناك أنْ تقتلنا يهود (^٣) (^٤).\nفهؤلاء قد أقرُّوا بألسنتهم إقرارًا مطابقًا لمعتقدهم أنَّه نبيٌّ، ولم يدخلوا بهذا التَّصديق والإقرار في الإيمان؛ لأنَّهم لم يلتزموا طاعته\n_________\n(^١) هـ وط: \"النفرين اليهوديين لما جاءا .. وسألاه عما دلهما\". والنفر في لغة العرب جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة. كما في المصباح (٢/ ٦١٧) وينظر درة الغواص للحريري (٤٤).\n(^٢) ض: \"أن يزال\".\n(^٣) هـ: \"يقتلنا .. \". ط: \" .. اليهود\".\n(^٤) أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٩)، والنسائي (٤٠٧٨)، والترمذي (٢٧٣٤)، وابن ماجه مختصرًا (٣٧٠٥)، والضِّياء في المختارة (٨/ ٢٨)، والحاكم (١/ ٥٢)، وغيرهم، من حديث صفوان بن عسال ﵁. قال الترمذي: \"حسن صحيحٌ\"، وقال ابن الملقِّن في البدر (٩/ ٤٨): \"بأسانيد صحيحة\"، وقال الحافظ في التلخيص (٤/ ٩٣): \"بإسنادٍ قوي\".","vol":"1","page":65},{"text":"والانقياد لأمره.\nومن هذا كفر أبي طالب؛ فإنَّه عَرَف حقيقة المعرفة أنَّه صادقٌ، وأقرَّ بذلك بلسانه، وصرَّح به في شعره، ولم يدخل بذلك في الإسلام.\nفالتَّصديق إنَّما يتمُّ بأمرين:\nأحدهما: اعتقاد الصِّدق. والثَّاني: محبَّة القلب وانقياده (^١).\nولهذا قال تعالى لإبراهيم: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات/١٠٥]. وإبراهيم كان معتقدًا لصِدْق رؤياهُ من حين رآها؛ فإنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ، وإنَّما جعله مصدِّقًا لها بعد أنْ فعل ما أُمِر به.\nوكذلك قول النَّبيِّ (^٢) ﷺ: \"والفَرْج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه\" (^٣). فجَعَل التَّصديق عَمَل الفَرج ما تمنَّى القلب (^٤)، والتَّكذيب تركه لذلك. وهذا صريحٌ في أنَّ التَّصديق لا يصحُّ إلَّا بالعمل.\nوقال الحسن: \"ليس الإيمان بالتمنِّي، ولا بالتحلِّي، ولكن ما وَقَر\n_________\n(^١) س: \"والقياد\".\n(^٢) هـ وط: \"قوله ﷺ\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٤) س: \"ما تمنَّاه\"، ط: \"ما يتمنَّى\".","vol":"1","page":66},{"text":"في القلب، وصدَّقه العمل\" (^١). وقد رُوِيَ هذا مرفوعًا (^٢).\nوالمقصود: أنَّه يمتنع مع التَّصديق الجازم بوجوب الصَّلاة، والوعد على فعلها، والوعيد على تركها= المحافظة على تركها (^٣). وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٠٩٨٨) والإيمان (٩٣) من طريق جعفر بن سليمان عن زكريا بن حكيم الحبطي عن الحسن به. وضعَّفه الألباني في الضَّعيفة (١٠٩٨)؛ لضعف زكريا. ولكنَّه توبع، فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (٣٦٣٥٩) من طريق جعفر بن سليمان قال: سمعت عبد ربه أبا كعب يقول: سمعت الحسن يقول، فذكره. وعبدربِّه ثقةٌ.\n(^٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٩٠)، واللَّالكائي في شرح الاعتقاد (٤/ ٨٣٩) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن مجبر حدثني أبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ، وذكره. قال ابن عديٍّ: \"إسنادٌ باطلٌ\". وقد أورده في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، وقال عنه: \"روى عن الثقات بالمناكير، وعن أبيه عن مالكٍ بالبواطيل\". وأخرجه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٧/ ٤٨) من طريق عبد السلام بن صالح عن يوسف بن عطية عن قتادة عن الحسن عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ، فذكره. وإسناده ضعيفٌ جدًّا؛ عبد السَّلام بن صالحٍ كذَّبوه، ويوسف بن عطيَّة مثله. يُنْظَر: الضَّعيفة للألباني (١٠٩٨).\n(^٣) \"المحافظة على تركها\" ليست في هـ وط.","vol":"1","page":67},{"text":"فصْلٌ\nوأمَّا الاستدلال بالسُّنَّة على ذلك، فمن وجوه:\nالدَّليل الأوَّل: ما رواه مسلمٌ في \"صحيحه\" (^١) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"بين الرَّجل وبين الكفر (^٢) ترك الصَّلاة\". ورواه أهل \"السُّنن\" (^٣)، وصحَّحه الترمذي (^٤).\nالدَّليل الثَّاني: ما رواه بُرَيدة بن الحُصَيب (^٥) الأسلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"العَهْد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَنْ تَرَكها فقد كفر\". رواه الإمام أحمد (^٦)، وأهل \"السُّنن\" (^٧). وقال الترمذي: \"حديثٌ صحيحٌ\" (^٨). وإسنادُه على شرط مسلم.\n_________\n(^١) حديث (٨٢).\n(^٢) س: \"والكفر\".\n(^٣) أبو داود (٤٦٧٨)، والنسائي (٤٦٤)، والترمذي (٢٦٢٠)، وابن ماجه (١٠٧٨)، من طريق أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله ﵁.\n(^٤) حيث قال (٥/ ١٥): \"حسنٌ صحيحٌ\".\n(^٥) ض: \" .. حصيب\"، ط: \"يزيد بن الحبيب\". تحريفٌ.\n(^٦) المسند (٥/ ٣٤٦).\n(^٧) النسائي (٤٦٣)، والترمذي (٢٦٢١)، وابن ماجه (١٠٧٩).\n(^٨) في تحفة الأشراف للمزي (٢/ ٨١)، وطبعة أحمد شاكر (٥/ ١٣)، وبشَّار عوَّاد (٤/ ٣٦٦): \"حسنٌ صحيحٌ غريبٌ\". وصحَّحه ابن حبَّان (١٤٥٤)، والحاكم (١/ ٤٨).","vol":"1","page":68},{"text":"الدَّليل الثَّالث: ما رواه ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"بين العبد وبين الكفر والإيمان الصَّلاة؛ فإذا تركها فقد أشرك\". رواه هبة الله الطَّبري (^١)، وقال: \"إسنادُه صحيحٌ، على شرط مسلم\".\nالدَّليل الرَّابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ، أنَّه ذكر الصَّلاة يومًا، فقال: \"مَنْ حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأُبَيِّ ابن خلف\"، رواه الإمام أحمد (^٢) في \"مسنده\" (^٣)، وأبوحاتم ابن حبَّان في \"صحيحه\" (^٤).\n_________\n(^١) يعني: اللَّالكائي، في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة (١٥٢١) وفي المطبوعة منه: \"إسنادٌ صحيح\" دون: \"على شرط مسلم\". وفي الانتصار لأبي الخطاب (٢/ ٦٠٦): \"إسناد صحيح على شرط مسلم، يلزمه إخراجه\". وصحَّحه المنذري في التَّرغيب (٨١١).\n(^٢) \"أحمد\" ليس في هـ.\n(^٣) (٢/ ١٦٩).\n(^٤) حديث (١٤٦٧)، من طريق كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو ﵃ به. قال المنذري في التَّرغيب (٨٣٢)، وابن عبد الهادي في التَّنقيح (٢/ ١١٧): \"إسناده جيِّدٌ\".","vol":"1","page":69},{"text":"وإنَّما خصَّ هؤلاء الأربعة بالذِّكر لأنَّهم من رؤوس الكفرة.\nوفيه نكتةٌ بديعة، وهي (^١): أنَّ تارك المحافظة على الصَّلاة إمَّا أنْ يشغله (^٢) ماله، أو ملكه، أو رياسته، أوتجارته؛ فمَنْ شَغَلَه عنها مالُه فهو مع قارون، ومن شَغَلَه عنها ملكُه (^٣) فهو مع فرعون، ومن شَغَلَه عنها رياستُه - من وزارةٍ أوغيرها - (^٤) فهو مع هامان (^٥)، ومن شَغَلَه عنها تجارتُه فهو مع أُبَيِّ بن خلف.\nالدَّليل الخامس: ما رواه عُبادة بن الصَّامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: \"لا تُشْركُوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصَّلاة عمدًا (^٦)؛ فمن تركها عمدًا متعمِّدًا فقد خَرَج من (^٧) المِلَّة\". رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في \"سُنَنه\" (^٨).\n_________\n(^١) ض وهـ وط: \"وهو\".\n(^٢) ض: \"شغله\". س زيادة: \"عنها\".\n(^٣) هـ: \"رياسة ملكه\".\n(^٤) \"رياسته\" ليس في هـ. وفي ط: \"رياسة وزارة\".\n(^٥) س زيادة: \"وزير فرعون\".\n(^٦) \"عمدًا\" ليست في ض.\n(^٧) \"عمدًا\" ليست في ض، وليس في س: \"متعمِّدًا\"، وفيه: \"خرج عن .. \".\n(^٨) تقدَّم الكلام عن سنن ابن أبي حاتم (ص/٢٣). والحديث قد أخرجه من طريق ابن أبي حاتم اللَّالكائيُّ في شرح الاعتقاد (١٥٢٢). … =","vol":"1","page":70},{"text":"الدَّليل السَّادس: ما رواه معاذ بن جبلٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ترك صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا فقد برِئَت منه ذِمَّة الله\". رواه الإمام أحمد (^١).\n_________\n= … وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٧٥) معلَّقًا، والشَّاشي في مسنده (٣/ ٢١١)، والضِّياء في المختارة (٨/ ٢٨٧)، وابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (٩٢٠) وغيرهم، كلُّهم من طريق يزيد بن قوذر عن سلمة بن شريح عن عبادة ﵁ به.\nقال البخاري عقب سياقه: \"لا يُعْرَف إسناده\"، وقال الذَّهبي عن \"سلمة بن شريح\" في الميزان (٢/ ١٩٠) والمغني (١/ ٢٧٥): \"لا يُعْرَف\"، وذكره ابن حبَّان في الثِّقات (٤/ ٣١٨). وقد ذكر العراقي هذا الحديث في ترجمة سلمة في ذيل الميزان (ص/٢٧٤)، وقال: \"من عدا سلمة بن شريح فثقات\". وبنحوه في مجمع الزَّوائد (٤/ ٢١٦).\n(^١) المسند (٥/ ٢٣٨) من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن معاذٍ. قال المنذري في الترغيب (١/ ٢١٦): \"صحيحٌ لو سلم من الانقطاع؛ فإن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير لم يسمع من معاذ\". وقال أبوالفضل العراقي - كما في تحفة التَّحصيل (ص/١٩٦) ـ: \"روايته عنه مرسلة\".\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٢)، وأبونعيم في الحلية (٩/ ٣٠٦) من طريق عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عن معاذ ﵁ به. وفي إسناده: عمرو بن واقد القرشي، ضعَّفه غير واحدٍ، كالبخاري وأبي مسهر وأبي حاتم ودحيم، وقال النَّسائي والدَّارقطني والبرقاني: \"متروك الحديث\"، وكذَّبه مروان بن محمد. يُنْظَر: تهذيب الكمال (٢٢/ ٢٨٦)، والميزان للذَّهبي (٣/ ٢٩١).\nوقد حسنه الألباني في الإرواء (٢٠٢٦) بشواهده.","vol":"1","page":71},{"text":"ولو كان باقيًا على إسلامه لكانت له ذِمَّة الإسلام.\nالدَّليل السَّابع: ما رواه أبو الدَّرداء قال: \"أوصاني أبوالقاسم ﷺ أنْ لا أترك الصَّلاة متعمِّدًا، فمَن تركها متعمِّدًا فقد برِئَت منه الذِّمَّة\". رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في \"سننه\" (^١).\nالدَّليل الثَّامن: ما رواه معاذ بن جبل عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: \"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصَّلاة\". وهو حديثٌ صحيحٌ، مختصرٌ (^٢).\nووجه الاستدلال به: أنَّه أخبر أنَّ الصَّلاة من الإسلام بمنزلة العمود\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٨)، وابن ماجه (٣٩٧٢)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١١)، واللَّالكائي في شرح الاعتقاد (١٥٢٤)، وابن نصر في الصلاة (٩١١)، من طريق راشد الحماني عن شهر بن حوشب عن أم الدَّرداء عن أبي الدَّرداء به.\nوفي إسناده شهر بن حوشب، وقد اختلفوا فيه، وحديثه لا ينزل عن الحسن، تُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٢/ ٥٧٢)، والميزان للذَّهبي (٢/ ٢٨٣).\nوقد حسَّن إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٣٧)، والهيثمي في المجمع (٤/ ٢١٧)، وقال ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٤٨): \"في إسناده ضعفٌ\".\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٧)، والترمذي (٢٦١٦) وقال: \"حسنٌ صحيحٌ\"، وابن ماجه (٣٩٧٢)، والحاكم (٢/ ٨٦) وقال: \"صحيحٌ على شرط الشَّيخين\". وصحَّحه شيخ الإسلام كما في الفتاوى (١٧/ ٢٦)، والمصنِّف.","vol":"1","page":72},{"text":"الذي تقوم عليه الخيمة؛ فكما تسقط الخيمة بسقوط (^١) عمودها، فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصَّلاة، وقد احتجَّ أحمد بهذا بعينه.\nالدَّليل التَّاسع: ما في \"الصَّحِيحَين\" (^٢)، و\"السُّنن\" (^٣)، و\"المسانيد\" (^٤)، من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"بُنِي الإسلام على خمسٍ؛ شهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان\" (^٥). ورواه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه: \"الإسلام خمسٌ\" (^٦)، فذكره.\nووجه الاستدلال به من وجوه:\nأحدها: أنَّه جعل الإسلام كالقُبَّة المبنيَّة على خمسة أركان، فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قُبَّة الإسلام.\nالثَّاني: أنَّه جعل هذه الأركان في كونها أركانًا لقُبَّة الإسلام قرينة\n_________\n(^١) س: \"بسقط\".\n(^٢) البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\n(^٣) الترمذي (٢٦٠٩)، والنسائي (٥٠٠٤).\n(^٤) مسند أحمد (٢/ ٢٦، ٩٢، ١٢٠، ١٤٣)، ومسند أبي يعلى (٥٧٨٨)، ومسند الحميدي (٧٠٣)، وعبد بن حميد (المنتخب/٨٢٣).\n(^٥) س: \"وصوم رمضان، وحج .. \"، وفيه زيادة: \"رواه مسلم\".\n(^٦) لم أقف على هذه اللَّفظة في طبعات المسند، ولا في غيره من المصادر.","vol":"1","page":73},{"text":"الشهادتين؛ فهما ركنٌ، والصَّلاة ركنٌ، والزَّكاة ركنٌ (^١)؛ فما بال قبَّة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد (^٢) أركانها دون بقيَّة أركانها!\nالثَّالث: أنَّه جعل هذه الأركان نفس الإسلام، وداخلة في مسمَّى اسمه (^٣)، وما كان اسمًا لمجموع أمورٍ إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمَّى، ولا سيَّما إذا كان من أركانه، لا من أجزائه التي ليست بركنٍ (^٤) له، كالحائط للبيت؛ فإنَّه إذا سقط سقط البيت، بخلاف العُود والخشبة واللَّبِنَة ونحوها.\nالدَّليل العاشر: عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ (^٥): \"مَنْ صلَّى صلاتنا، واستقبل قِبْلَتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المُسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا\" (^٦).\n_________\n(^١) هـ زيادة: \"والصوم ركن، والحج ركن \".\n(^٢) ض: \"إحدى\".\n(^٣) \"اسمه\" ليست في هـ.\n(^٤) س: \"ركن\".\n(^٥) ض وهـ: \"الدليل العاشر: قال: قال رسول الله .. \"، ط: \"الدليل العاشر: قال رسول الله .. \".\n(^٦) أخرجه البخاري (٣٩١، ٣٩٣) بنحوه، ولفظ المؤلف مجموع من الروايتين.","vol":"1","page":74},{"text":"ووجه الدلالة فيه من وجهين:\nأحدهما: أنَّه إنَّما جعله مسلمًا بهذه الثَّلاثة (^١)، فلا يكون مسلمًا بدونها.\nالثَّاني: أنَّه إذا صلَّى إلى الشَّرق لم يكن مسلمًا حتى يصلِّي إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا ترك الصَّلاة بالكلِّيَّة!\nالدَّليل الحادي عشر: ما رواه الدَّارمي - عبد الله بن عبد الرحمن - (^٢) قال (^٣): حدثنا يحيى بن حسَّان حدثنا سليمان بن قرم عن أبي يحيى\n_________\n(^١) ض وس: \"الأربعة\".\n(^٢) لم أقف عليه في سنن الدَّارمي بطبعاته! ولم يذكره ابن حجر في إتحاف المهرة (٣/ ٣١٥) واكتفى بعزوه لأحمد. وقد عزا إليه أيضًا المنذري في التَّرغيب (١/ ١٤٩)، والبُوصيري في إتحاف الخيرة (٨/ ٢٣١)، والسُّيوطي في الدُّر المنثور (١٢/ ٧٣٢). وقد أعلَّه البوصيري والمنذري بالقتَّات، وسيأتي الكلام على ضعفه.\n\nوقد أخرجه الترمذي (٤)، وأحمد (٣/ ٣٤٠)، والطَّبراني في الأوسط (٤/ ٣٣٦)، والصَّغير (٥٩٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٥٧) وغيرهم، من طريق سليمان بن قَرْم عن أبي يحيى القتَّات عن مجاهدٍ عن جابر ﵁ به. وفي إسناده سليمان بن قَرْم التَّميمي، وأبويحيى القتَّات الكوفي، اسمه زاذان وقيل غير ذلك، وهما ضعيفان. يُنْظَر: تهذيب الكمال (١٢/ ٥١) و(٣٤/ ٤٠٢)، والميزان للذَّهبي، (٢/ ٢١٩) و(٤/ ٥٨٦).\n(^٣) \"قال\" ليست في س.","vol":"1","page":75},{"text":"القتَّات (^١) عن مجاهد عن جابر بن عبد الله عن النَّبيِّ ﷺ قال: \"مفتاح الجنَّة الصلاة\".\nوهذا يدلُّ على أنَّ من لم يكن من أهل الصَّلاة لم تفتح له الجنَّة، وهي تفتح لكُلِّ مسلمٍ؛ فليس تاركها مسلمًا.\nولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر؛ وهو قوله: \"مفتاح الجنَّة شهادة أنْ لا إله إلَّا الله\" (^٢)؛ فإنَّ الشَّهادة أصل المفتاح، والصَّلاة وبقيَّة الأركان أسنانه، التي لا يحصل الفتح إلَّا بها؛ إذْ دخول الجنَّة (^٣) موقوفٌ على المفتاح وأسنانه.\nوقال البخاريُّ: \"وقيل لوهب بن منبِّه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلَّا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاحٌ إلَّا وله أسنان، فإنْ جِئْت بمفتاحٍ له\n_________\n(^١) س: \"العتاب\". تحريفٌ.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٢)، والبزَّار (٧/ ١٠٤)، وابن عدي في كامله (٤/ ٣٨)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٤)، وغيرهم، من طريق ابن عياش عن عبد الله بن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذٍ ﵁ به.\nوفي إسناده: شهر، وتقدَّم الكلام فيه (ص/٧٢)، وروايته عن معاذ مرسلة، قال البزَّار: \"شهر لم يسمع من معاذ\". ويُنْظَر: تحفة التَّحصيل (ص/١٩٧). وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٦): \"فيه انقطاعٌ بين شهر ومعاذٍ، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفةٌ، وهذا منها\". وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (٨/ ٢٣١)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٤٥٣): \"بسند ضعيف\".\n(^٣) \"الجنَّة\" سقطت من هـ.","vol":"1","page":76},{"text":"أسنان فتح لك، وإلَّا لم يفتح لك (^١) \" (^٢).\nالدَّليل الثَّاني عشر: ما رواه محجن بن الأدْرَع الأسلمي (^٣): أنَّه كان في مجلسٍ مع النَّبيِّ ﷺ، فأذَّن بالصَّلاة، فقام النَّبيُّ ﷺ فصلَّى (^٤)، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال له: ما منعك أن تصلِّي؟ ألستَ برجلٍ مسلمٍ؟ قال: بلى؛ ولكنِّي صلَّيت في أهلي، فقال له: \"إذا جِئْتَ فَصَلِّ مع الناس وإن كنت قد صَلَّيْت\". رواه الإمام أحمد، والنسائي (^٥).\n_________\n(^١) \"لك\" ليست في ض.\n(^٢) أخرجه البخاري معلَّقًا في أول كتاب الجنائز، ووصله في التاريخ الكبير (١/ ٩٥)، وإسحاق كما في المطالب العالية (٣/ ٢٥٤)، وإتحاف الخيرة (٨/ ٢٣٠)، وأبونعيم في الحلية (٤/ ٦٦) كلُّهم من طريق عبد الملك الذماري عن محمد بن سعيد بن رمانة عن أبيه عن وهبٍ به. وقد حسَّن إسناده ابن حجر في المطالب، والبوصيري في الإتحاف.\n(^٣) كذا في النسخ كلها، والحديث في المصادر عن محجن الديلي وليس الأدرعي وهما صحابيان، كما في الإصابة (٥/ ٧٧٨، ٧٧٩).\n(^٤) \"فصلَّى\" ليست في ط.\n(^٥) المسند (٤/ ٣٤)، والنسائي (٨٥٧)، وقد أخرجاه من طريق مالكٍ (١/ ١٣٢) عن زيد ابن أسلم عن رجل من بني الدِّيل يقال له بسر بن محجن عن محجنٍ ﵁ به.\nوأصله عند البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢)، من حديث عمران بن حصين ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصلِّ مع القوم، فقال ﷺ: \"يا فلان ما منعك أن تصلِّي مع القوم؟ ألست برجلٍ مسلمٍ! \" الحديث بطوله.","vol":"1","page":77},{"text":"فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصَّلاة. وأنت تجد تحت ألفاظ الحديث: \"إنَّك لو كنت مسلمًا لصلَّيْت\". وهذا كما تقول: مالك لا تتكلَّم؟ ألستَ بناطقٍ! ومالك لا تتحرَّك؟ ألستَ بحيٍّ (^١)!\nولو كان الإسلام يثْبُت مع عدم الصَّلاة لما قال لمن رآه لا يصلِّي: \"أَلَسْت برجلٍ مسلمٍ\".\nفصْلٌ\nوأمَّا إجماع الصَّحابة فقال ابن زنجويه: حدثنا عمر بن الربيع حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله (^٢) بن عبد الله بن عتبة أنَّ عبد الله بن عباس أخبره: أنَّه جاء عمر بن الخطاب حين (^٣) طُعِن في المسجد، قال: فاحتملْتُهُ أنا ورهطٌ كانوا معي في المسجد (^٤)، حتى أدخلناه بيته، قال: فأمر عبدَ الرحمن بن عوف أنْ يصلِّي بالناس، قال: فلمَّا دخلنا على عمر بيته غُشِي عليه من الموت، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق فقال: هل صلَّى النَّاس؟ قال: فقلنا: نعم، فقال: \"لا إسلام لمن ترك الصَّلاة\". وفي سياقٍ آخر: \"لا حظَّ في\n_________\n(^١) هـ: \"بحجر\". تحريفٌ.\n(^٢) هـ: \"عبد الله\".\n(^٣) ط: \"حتى\". تحريف.\n(^٤) \"قال: فاحتملته .. المسجد\" سقطت من ض.","vol":"1","page":78},{"text":"الإسلام لمن ترك الصَّلاة\"، ثم دعا بوَضُوءٍ، فتوضَّأ وصلَّى. وذكر القصَّة (^١).\nفقال هذا بمحضرٍ من الصَّحابة، ولم ينكروه عليه. وقد تقدَّم مثل (^٢) ذلك عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ولا يُعلَم عن صحابيٍّ خلافهم.\nوقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي ﵀ في كتابه في الصَّلاة: \"ذهب جملةٌ من الصَّحابة ﵃ ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصَّلاة متعمدًا؛ لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم: عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأبو الدَّرداء ﵃، وكذلك رُوِي عن علي بن أبي طالب (^٣)، هؤلاء من الصَّحابة.\nومِن غيرهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه بنحوه عبد الرزاق (٥٨١) من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباسٍ ﵁. وقد أخرج القِصَّة من طرقٍ وسياقات أخرى ابن سعدٍ في طبقاته (٣/ ٣٥٠ - ٣٥١). وقد تقدَّم تخريجه أيضًا (ص/١٤) من حديث المسور ابن مخرمة مختصرًا.\n(^٢) ض: \"قبل\".\n(^٣) ط زيادة: \"كرَّم الله وجهه\".","vol":"1","page":79},{"text":"المبارك، وإبراهيم النَّخعي، والحكم بن عُتيبة (^١)، وأيوب السِّختياني، وأبوداود الطيالسي، وأبوبكر بن أبي شيبة، وأبوخيثمة زهير بن حرب\" (^٢).\nقال المانعون من التَّكفير: يجب حمل هذه الأحاديث وما شاكلها على كفر النِّعمة، دون كفر (^٣) الجُحود؛ كقوله ﷺ: \"من تعلَّم الرَّمي ثم تركه (^٤) فهي نعمةٌ كَفَرَها\" (^٥)،\nوقوله: \"لا ترغبوا عن آبائكم؛ فإنَّه كُفْرٌ\n_________\n(^١) ض: \"عنبسة\"، ط: \"عيينة\". كلاهما تحريف!\n(^٢) الصلاة والتهجد لعبد الحق الإشبيلي (ص/٥٩).\n(^٣) \"يجب حمل .. دون كفر\" سقطت من هـ.\n(^٤) س: \"نسيه\".\n(^٥) أخرجه بلفظه أحمد (٤/ ١٤٦)، وأبوداود (٢٥١٣)، والنسائي (٣٦٠٨)، والحاكم (٢/ ١٠٤)، وغيرهم، من طرقٍ عن عقبة بن عامر ﵁ بنحوه، وفي إسناده اختلافٌ. وقد صحَّح إسناده الحاكم.\nوقد أخرجه مسلم (١٩١٩) من حديث عقبة ﵁، ولفظه: \"من علم الرَّمي ثم تركه فليس منَّا أو قد عَصَى\".\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٧٣)، وأبونعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤٣٣)، والخطيب في تاريخه (١٢/ ٦١) وغيرهم، من طريق قيس بن الربيع عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ بمثل لفظه. قال المنذري في الترغيب (٢/ ١٨٢): \"بإسناد حسنٍ\"، قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٧٠): \"فيه قيس بن الربيع وثَّقه شعبة والثُّوري وغيرهما، وضعَّفَه جماعةٌ، وبقية رجاله ثقاتٌ\".\n\nوقال أبوحاتم الرَّازي كما في علل ابنه (١/ ٣١٣): \"هذا حديثٌ منكرٌ\".","vol":"1","page":80},{"text":"بكم\" (^١)، وقوله: \"تبرؤٌ من نسبٍ وإنْ دقَّ (^٢) كُفْرٌ بعد إيمانٍ\" (^٣)، وقوله: \"سِباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كُفرٌ\" (^٤)، وقوله: \"من أتى امرأةً في دُبُرها فقد كَفَر بما أُنزل على محمَّد\" (^٥)،\nوقوله: \"مَنْ حَلَف بغير الله فقد كَفَر\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٣٠) بهذا اللَّفظ من حديث عمر موقوفًا. وأخرجه مسلمٌ (٦٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"فمن رغب عن أبيه فهو كفرٌ\".\n(^٢) ض: \"رق\"، هـ: \"تبرؤٌ من نسبٍ وإنْ تبرأ من نسب دقَّ\".\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٤) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا. قال البوصيري في المصباح (٣/ ١٥٠): \"إسنادٌ صحيحٌ\". وأخرجه الطبراني في الأوسط والبزَّار من غير طريقٍ، عن أبي بكرٍ مرفوعًا. وكلُّها لا تخلو من مقال. وأخرجه عبد الرزاق (٩/ ٥١)، وابن أبي شيبة (٢٦٦٣٣) وغيرهما، من حديث أبي بكر موقوفًا.\nوقد رجَّح الدَّارقطني رواية الوقف، فقال في العلل (١/ ٢٥٥): \"الموقوف أشبهُ بالصَّواب\"، وبنحوه في (١/ ٢٦٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(^٥) أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٨)، والترمذي (١٣٥)، وأبو داود (٣٩٠٤)، وابن ماجه (٦٣٩) وغيرهم، من طرقٍ عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهُجَيمي عن أبي هريرة ﵁ به. وفي بعض ألفاظه: \"من أتى حائضًا، أو امرأةً في دُبُرها، أوكاهنًا فصدَّقه بما يقول= فقد بريء ممَّا أنزل على محمَّد\". قال الترمذيُّ: \"لا نعرف هذا الحديث إلَّا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة .. وضعَّف محمدٌ - البخاري - هذا الحديث من قِبَل إسناده\". وقال الحافظ في التَّلخيص (٣/ ١٨٠): \"قال البخاري: لا يعرف لأبي تميمة سماعٌ من أبي هريرة. وقال البزَّار: هذا حديثٌ منكرٌ، وحكيمٌ لا يُحْتَجُّ به، وما انفرد به فليس بشيءٍ\".\nوصحَّحه الألباني في الإرواء (٢٠٠٦)، ونقل تصحيح الذهبي والعراقي له.","vol":"1","page":81},{"text":"رواه الحاكم في \"صحيحه\" بهذا اللَّفظ (^١)، وقوله: \"ثنتان في أُمَّتي هما بهم كفرٌ؛ الطَّعن في الأنساب، والنِّياحة على الميِّت\" (^٢). ونظائر ذلك كثيرةٌ.\nقالوا: وقد نفى النَّبيُّ ﷺ اسم الإيمان عن الزَّاني، والسَّارق، وشارب الخمر، والمنتهِب، ولم يوجب زوال هذا الاسم عنهم كفر الجحود والخلود في النَّار؛ فكذلك كفر تارك الصلاة، ليس بكفر جُحُودٍ، ولا يوجب التَّخليد في الجحيم.\nوقد قال النَّبيُّ ﷺ: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\" (^٣). فنَفَى عنه الإيمان،\n_________\n(^١) المستدرك (١/ ٦٥)، وقد أخرجه أحمد (٢/ ٦٩)، وابن حبَّان (٤٣٥٨)، وأبوداود (٣٢٥١)، بلفظ: \"أشْرك\"، والترمذي (١٥٣٥) بلفظ: \"كَفَر أوأشْرك\"، كلُّهم من حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا. وقد حسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم على شرط الشَّيخين، والألباني في الإرواء (٢٥٦١) والصَّحيحة (٢٠٤٢).\n(^٢) أخرجه بنحوه مسلمٌ (٦٧) وغيره، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، ولفظه: \"اثنتان في النَّاس هما بهم كفر: الطَّعن في النَّسب .. \" الحديث.\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٣٥)، وابن خزيمة (٢٣٣٥)، وابن حبان (١٩٤)، والضِّياء في المختارة (٥/ ٧٤)، والبيهقي (٤/ ٩٧)، وغيرهم، من طرقٍ عن أنسٍ ﵁ مرفوعًا. وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان، والألباني في تخريجه لكتاب الإيمان لابن أبي شيبة (١٢).\nوقد رُوِيَ من أحاديث عِدَّة من الصَّحابة، كابن عمر وأبي موسى وعبادة وغيرهم ﵃، ولا يخلو أسانيدها من مقالٍ. ورُويَ مرسلًا من حديث الحسن البصري عن النَّبيِّ ﷺ. ورجَّح الدَّارقطني إرساله كما في المختارة للضياء (٥/ ٧٤).","vol":"1","page":82},{"text":"ولا يوجب ترك أداء الأمانة أنْ يكون كافرًا كُفْرًا ينقل عن المِلَّة.\nوقد قال ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة/٤٤]: \"ليس بالكفر الذي يذهبون (^١) إليه\" (^٢). وقال طاووس: سُئِل ابن عبَّاس عن هذه الآية فقال: \"هو به كفرٌ، وليس كمَنْ كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله\" (^٣). وقال أيضًا: \"كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة\" (^٤).\nوقال سفيان عن ابن جريح عن عطاءٍ: \"كُفرٌ دون\n_________\n(^١) س: \"تذهبون\".\n(^٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٢) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٨/ ٢٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٤٣)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٥٦٩)، وغيرهم، من طرقٍ عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس ﵁ به. وهشامٌ صدوقٌ.\nوقد صحَّح الحاكم إسناده، والألباني في الصَّحيحة (٦/ ١١٣).\n(^٣) أخرجه الثوري في تفسيره (ص/١٠١)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٩١)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٤٦٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٤٣)، وغيرهم، من طريق ابن طاووس عن أبيه به. قال الألباني في الصَّحيحة (٦/ ١١٣): \"بإسنادٍ صحيحٍ\".\nتنبيهٌ: في تفسير عبد الرزاق من طريق معمر عن ابن طاووس عن أبيه: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فقال: \"هي كفر\". قال ابن طاووس: \"وليس كمن كفر بالله وملائكته ورسله\".\n(^٤) أخرجه الثوري في تفسيره (ص/١٠١)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٩١)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٤٦٥) عن رجلٍ عن طاووس من قوله. … =","vol":"1","page":83},{"text":"كُفْرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفِسقٌ دون فسقٍ (^١).\nفصْلٌ\nفي الحُكم بين الفريقين وفصْل الخِطاب بين الطَّائفتين\nمعرفة الصَّواب في هذه المسألة مبنيٌّ على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصحُّ النَّفي والإثبات بعد ذلك؛ فالكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خَلَفَه الآخر.\n_________\n= … وأخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٥٧٣) من طريق الثوري عن رجلٍ عن طاووس عن ابن عباس ﵁ موقوفًا عليه من قوله. وفي إسناديهما راوٍ مبهمٌ.\nثم أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٥٧٤) من طريق الثوري عن سعيد المكي عن طاووس من قوله. وسعيد المكي هو ابن حسَّان المخزومي، وثَّقَه ابن معين وأبوداود والنسائي، وأخرج له مسلمٌ، كما في تهذيب الكمال (١٠/ ٣٨٤). وسيأتي من كلام المصنِّف قريبًا نسبته إلى طاووس.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٢) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٨/ ٢٠)، وغيرهما من طريق هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس ﵁، جملةً مكمِّلة للأثر السالف المخرَّج عنه: \"ليس بالكفر الذي يذهبون، ليس كفرًا ينقل عن الملَّة\". وتقدَّم تصحيحه.\n(^١) أخرجه الثوري في تفسيره (ص/١٠١)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٩١)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٤٦٤ - ٤٦٥) وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٤٩)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٥٧٥)، وغيرهم، من طريق ابن جريج عن عطاء به. قال الألباني في الصَّحيحة (٦/ ١١٤): \"إسناده صحيحٌ\".","vol":"1","page":84},{"text":"ولمَّا كان الإيمان أصلًا (^١)، له شعبٌ متعدِّدةٌ، وكُلُّ شعبةٍ منها (^٢) تُسَمَّى إيمانًا، فالصَّلاة من الإيمان، وكذلك الزَّكاة، والحج، والصِّيام، والأعمال الباطنة؛ كالحياء، والتوكُّل، والخشية من الله، والإنابة إليه، حتَّى تنتهي هذه الشُّعَب إلى إماطة الأذى عن الطَّريق؛ فإنَّه شعبةٌ (^٣) من شعب الإيمان.\nوهذه الشُّعَب منها ما يزول الإيمان بزوالها، كشُعْبة الشَّهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها، كترك إماطة الأذى عن الطَّريق، وبينهما شُعَبٌ متفاوتةٌ تفاوتًا عظيمًا؛ منها ما يلحق شُعْبة الشَّهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق شعبة إماطة الأذى، ويكون إليها أقرب.\nوكذلك الكفر ذو أصلٍ وشُعَبٍ، فكما أنَّ شُعَب الإيمان إيمانٌ (^٤) فشُعَب الكفر كفرٌ؛ فالحياء شُعْبةٌ من شُعَب الإيمان (^٥)، وقِلَّة الحياء شُعْبةٌ من شعب الكفر. والصِّدْق شعبةٌ من شعب الإيمان، والكذب شعبةٌ من شعب الكفر (^٦). والصَّلاة والزَّكاة والحج والصِّيام من شعب\n_________\n(^١) ض: \"أصلٌ\".\n(^٢) \"منها\" ليست في ض.\n(^٣) \"شعبة\" ليست في س.\n(^٤) \"إيمان\" ليست في هـ.\n(^٥) هـ وط: \"من الإيمان\".\n(^٦) \"وقِلَّة الحياء .. الإيمان\" سقطت من س. \"والصدق .. الكفر\" سقطت من هـ.","vol":"1","page":85},{"text":"الإيمان، وتركها من شعب الكفر. والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر. والمعاصي كُلُّها من شعب الكفر، كما أنَّ الطَّاعات كلَّها من شعب الإيمان.\nوشعب الإيمان قِسْمان: قوليَّة، وفعليَّة. وكذلك شعب الكفر نوعان: قوليَّة، وفعليَّة.\nومن شعب الإيمان القوليَّة شعبةٌ يوجب (^١) زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شُعَبِه (^٢) الفِعليَّة ما يوجب زوالها زوال الإيمان.\nوكذلك شعب الكفر القوليَّة والفعليَّة؛ فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكُفْر اختيارًا - وهي شُعْبَةٌ من شعب الكفر - فكذلك يكفر بفعل شُعْبةٍ من شُعَبِه، كالسُّجود للصَّنَم، والاستهانة بالمصحف، فهذا أصلٌ.\nوههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّ حقيقة الإيمان مركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ.\nوالقول قِسْمان: قول القلب، وهو الاعتقاد. وقول اللِّسان، وهو التكلُّم بكلمة الإسلام. والعمل قِسْمان: عمل القلب، وهو نيَّتُه وإخلاصه. وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقيَّة الأجزاء؛ فإنَّ تصديق القلب شرطٌ\n_________\n(^١) ض: \"توجب\".\n(^٢) ض: \"من شعب\"، ط: \"فكذلك ومن شعبه\".","vol":"1","page":86},{"text":"في اعتقادها، وكونها (^١) نافعة.\nوإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السُّنَّة.\nفأهل السُّنَّة مجمعون على زوال الإيمان، وأنَّه لا ينفع التَّصديق مع انتفاء عمل القلب، وهومحبَّته وانقياده؛ كما لم ينفع (^٢) إبليس، وفرعون وقومه، واليهود، والمشركين (^٣) الذين كانوا يعتقدون صِدق الرسول؛ بل ويُقِرُّون به سِرًّا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذِبٍ، ولكن لا نتَّبِعه ولا نؤمن به.\nوإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكرٍ أنْ يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح؛ ولا سيَّما إذا كان ملزُوْمًا لعدم محبَّة القلب وانقياده؛ الذي هو ملزُوْمٌ لعدم (^٤) التَّصديق الجازم، كما تقدَّم تقريره.\nفإنَّه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب؛ إذْ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت. ويلزم من عدم طاعة القلب (^٥) وانقياده عدم التَّصديق المستلزم للطَّاعة، وهو حقيقة الإيمان؛ فإنَّ\n_________\n(^١) س: \"اعتبارها لكونها\".\n(^٢) ض: \"ينتفع\".\n(^٣) ض: \"والمشركون\".\n(^٤) ض: \"بعدم\".\n(^٥) هـ وط: \"عدم طاعته\".","vol":"1","page":87},{"text":"الإيمان ليس مجرَّد (^١) التَّصديق - كما تقدَّم بيانه - وإنَّما هو التَّصديق المستلزم للطَّاعة والانقياد.\nوهكذا الهُدَى ليس هو مجرَّد (^٢) معرفة الحق وتبيُّنه (^٣)؛ بل هو معرفته المستلزمة لاتِّباعه، والعمل بموجبه، وإنْ سُمِّيَ الأول هُدًى فليس هو الهُدى التَّام المستلزم للاهتداء. كما أنَّ اعتقاد التَّصْديق وإنْ سُمِّيَ تصْديقًا فليس هو التَّصديق المستلزم للإيمان.\nفعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته.\nفصْلٌ\nوههنا أصلٌ آخر، وهو أنَّ الكفر نوعان، كفر عملٍ، وكفر جحودٍ وعنادٍ؛ فكفر الجحود: أنْ يكفر بما عَلِم أنَّ الرَّسول جاء به من عند الله، جُحُودًا وعنادًا، من أسماء الرَّب وصفاته وأفعاله وأحكامه.\nوهذا الكفر يضادُّ الإيمان من كُلِّ وجهٍ.\nوأمَّا كفر العمل: فينقسم إلى ما يضادُّ الإيمان، وإلى ما لا يضادُّه.\n_________\n(^١) س: \"بمجرد\".\n(^٢) هـ: \"ليس مجرد\"، س: \"ليس هو بمجرد\".\n(^٣) س وض وط: \"تبيينه\".","vol":"1","page":88},{"text":"فالسُّجُود (^١) للصَّنَم، والاستهانة بالمصْحف، وقتل النَّبيِّ وسبُّه يضادُّ الإيمان.\nوأمَّا الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصَّلاة فهو من الكفر العملي قطعًا. ولا يمكن أن يُنْفَى عنه اسم الكفر، بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه. فالحاكم بغير ما أنزل الله كافِرٌ، وتارك الصلاة كافِرٌ، بنصِّ رسول الله ﷺ؛ ولكن هو كُفْرُ عمل، لا كفر اعتقادٍ. ومن الممتنع أنْ يسمِّي الله سبحانه الحاكم (^٢) بغير ما أنزل الله كافِرًا، ويُسَمِّي رسول الله (^٣) ﷺ تارك الصلاة كافِرًا، ولا يُطْلَق عليهما اسم الكفر!\nوقد نفى رسول الله ﷺ (^٤) اسم الإيمان عن الزَّاني، والسَّارق، وشارب الخمر (^٥)، وعمَّن لا يأْمَنُ جارُه بوائقَه (^٦). وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافرٌ من جهة العَمَل، وإنْ انتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.\nوكذلك قوله: \"لا ترجعوا بعدي كفَّارًا، يضرِب بعضُكم رقاب\n_________\n(^١) س: \"كالسجود\".\n(^٢) س: \"الله سبحانه يسمي الحاكم\".\n(^٣) ض: \"رسوله\".\n(^٤) س: \"النَّبي ﷺ\".\n(^٥) سيأتي تخريجه (ص/٩٨).\n(^٦) أخرجه البخاري (٦٠١٦)، بلفظ: \"والله لا يؤمن\". وأخرجه مسلم (٤٦) بلفظ:\n\"لا يدخل الجنة .. \".","vol":"1","page":89},{"text":"بعض\" (^١)؛ فهذا كفر عملٍ.\nوكذلك قوله: \"من أتى كاهِنًا فصدَّقه، أوامرأةً في دُبُرها فقد كفر بما أنزل على محمَّدٍ\" (^٢).\nوقوله: \" إذا قال الرَّجل لأخيه: يا كافر فقد باءَ بها أحدُهما\" (^٣).\nوقد سمَّى الله سبحانه من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنًا بما عمل به، وكافرًا بما ترك العمل به؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ (^٤) أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ (^٥) وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٣٩)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث ابن عباس ﵁ مرفوعًا. وأخرجاه - أيضًا - من حديث ابن عمر، وابن عباس، وجرير، وغيرهم.\n(^٢) هو جزءٌ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"من أتى حائضًا أوامرأةً في دُبُرها .. \". وقد تقدَّم تخريجه قريبًا (ص/٨١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦١٠٣)، ومسلم (٦٠) من حديثي أبي هريرة وابن عمر ﵃ مرفوعًا.\n(^٤) ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ ليست في ض.\n(^٥) ﴿الْكِتَابِ﴾ ليست في ض.","vol":"1","page":90},{"text":"الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة/٨٤ - ٨٥].\nفأخبر سبحانه أنَّهم أقرُّوا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموا به. وهذا يدلُّ على تصديقهم به؛ أنَّهم لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثمَّ أخبر (^١) أنَّهم عصوا أمره، وقتل فريقٌ منهم فريقًا، وأخرجوهم من ديارهم؛ فهذا كُفْرُهم بما أَخَذَ عليهم في الكتاب. ثمَّ أخبر أنَّهم يفدون مَنْ أُسِر من ذلك الفريق، وهذا إيمانٌ منهم بما (^٢) أَخَذَ عليهم في الكتاب؛ فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.\nفالإيمان العملي يضادُّه (^٣) الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضادُّه الكفر الاعتقادي.\nوقد أعلن النَّبيُّ ﷺ بما قلناه في قوله في الحديث الصَّحيح: \"سباب المسلم فُسُوقٌ وقتاله كفرٌ\" (^٤). ففرَّق بين سِبَابِه وقتالِه (^٥)، وجعل أحدَهما فُسُوقًا لا يكفر به، والآخر كفرًا.\n_________\n(^١) س: \"وأخبر\".\n(^٢) هـ وط: \"لما\".\n(^٣) ض: \"يضاد\". وليس في س: \"العملي\".\n(^٤) تقدم تخريجه (ص/٨١) وأنه في الصحيحين.\n(^٥) هـ وط: \"قتاله وسبابه\".","vol":"1","page":91},{"text":"ومعلومٌ أنَّه إنَّما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي. وهذا الكفر لا يخرجه من الدَّائرة الإسْلامية، والمِلَّة بالكُلِّيَّة، كما لم يخرج الزَّاني والسَّارق (^١) والشَّارب من المِلَّة، وإنْ زال عنه اسم الإيمان.\nوهذا التَّفصيل هو قول الصَّحابة، الذين هم أعلم الأُمَّة بكتاب الله، وبالإسلام، والكفر، ولوازمهما (^٢)؛ فلا تُتَلَقَّى هذه المسائل إلَّا عنهم. فإنَّ المتأخِّرين لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين:\nفريقًا أخرجوا من المِلَّة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود\nفي النَّار.\nوفريقًا جعلوهم مؤمنين، كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا. وهدى الله أهل السُّنَّة للطَّريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل.\nفههنا كُفْرٌ دون كُفْرٍ، ونِفاقٌ دون نِفاقٍ، وشِرْكٌ دون شِرْكٍ، وفُسُوقٌ دون فُسُوقٍ (^٣)، وظُلمٌ دون ظُلمٍ.\nقال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾\n_________\n(^١) ض: \"لا يخرج السارق والزاني\".\n(^٢) هـ وط: \"لوازمها\".\n(^٣) ليس في س: \"وفسوق دون فسوق\".","vol":"1","page":92},{"text":"[المائدة/٤٤]: \"ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه (^١) \" (^٢).\nوقال عبد الرزَّاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سُئِل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة/٤٤] قال: \"هو بهم كُفْرٌ، وليس كَمَن كَفَر بالله وملائكته وكتبه ورسله\" (^٣). وقال في روايةٍ أخرى عنه: \"كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة\" (^٤).\nوقال طاووس: \"ليس بكُفْرٍ ينقل عن المِلَّة\" (^٥).\nوقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاءٍ: \"كفرٌ دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ\" (^٦).\nوهذا الذي قاله عطاء بيِّنٌ في القرآن لمن فهمه؛ فإنَّ الله سبحانه سمَّى الحاكم بغير ما أنزله كافِرًا، وسمَّى (^٧) جاحِد ما أنزله على رسوله كافرًا. وليس الكافران على حَدٍّ سواء.\n_________\n(^١) ض: \"ليس الكفر .. \". هـ وس: \" .. تذهبون .. \".\n(^٢) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٣) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٤) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٥) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٦) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٧) س: \"أنزله الله .. \". ط: \"ويسمِّي\"، وهكذا هو فيه وفي (هـ) في المواضع الخمسة الآتية.","vol":"1","page":93},{"text":"وسمَّى الكافر ظالمًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة/٢٥٤]. وسمَّى متعدِّي حدوده في النِّكاح، والطَّلاق، والرَّجعة، والخُلْع ظالمًا؛ فقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق/١]. وقال يونس رسوله ونبيُّه (^١): ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء/٨٧]. وقال صفيُّه آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (^٢)﴾ [الأعراف/٢٣].\nوقال كليمُه موسى (^٣): ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص/١٦]. وليس هذا الظُّلم مثل ذلك الظُّلم.\nوسمَّى الكافر فاسقًا؛ كما في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الآية [البقرة/٢٦ - ٢٧]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة/٩٩]. وهذا كثيرٌ في القرآن.\nوسمَّى المؤمن العاصي فاسقًا؛ كما (^٤) في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(^١) ليس في ط: \"رسوله ونبيِّه\".\n(^٢) تتمَّة الآية: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ .. الْخَاسِرِينَ﴾ ليست في س وط.\n(^٣) \"موسى\" ليست في س.\n(^٤) \"كما\" ليست في هـ وس.","vol":"1","page":94},{"text":"آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات/٦]، الآية. نزلت في الحكم بن أبي العاص، وليس الفاسق كالفاسق.\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور/٤]. وقال عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف/٥٠]. وقال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (^١)﴾ [البقرة/١٩٧]. وليس الفُسُوق كالفسوق.\nوالكُفر كُفْران، والظُّلْم ظُلْمان، والفِسْق فِسْقان.\nوكذا (^٢) الجَهْل جهلان؛ جهْلٌ كُفْرٌ، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف/١٩٩].\nوجهْلٌ غيرُ كُفْرٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء/١٧].\nوكذلك الشِّرْك شِركان؛ شركٌ ينقل عن المِلَّة، وهو الشِّرك الأكبر. وشركٌ لا ينقل عن المِلَّة، وهو الشِّرك الأصغر، وهو شرك العمل، كالرِّياء.\n_________\n(^١) س زيادة: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾.\n(^٢) هـ: \"وكذلك\".","vol":"1","page":95},{"text":"وقال تعالى في الشِّرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة/٧٢]، وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج/٣١]. وفي شِرك الرِّياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف/١١٠].\nومن هذا (^١) الشِّرك الأصغر: قوله ﷺ: \"من حَلَف بغير الله فقد أشرك\"، رواه أبوداود وغيره (^٢) (^٣). ومعلومٌ أنَّ حلفه بغير الله لا يخرجُه عن (^٤) المِلَّة، ولا يوجب له حكم الكفَّار.\nومن هذا قوله ﷺ: \"الشِّرْك في هذه الأمة أخفى من دَبِيْب النَّمل\" (^٥).\n_________\n(^١) ط: \"هذه\".\n(^٢) ليس في ض: \"وغيره\".\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/٨١).\n(^٤) ض: \"من\".\n(^٥) أخرجه المروزي في مسند أبي بكر (١٧)، وأبويعلى (٥٨)، وغيرهما، من حديث أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ بنحوه، وفيه راوٍ مبهمٌ. وأخرجه الضياء في المختارة (١/ ١٥٠)، وأبونعيم في الحلية (٧/ ١١٢)، وابن عدي (٧/ ٢٤٠)، من حديث أبي بكرٍ أيضًا. وفيه أبوالنَّضْر يحيى بن كثير، ضعيفٌ جدًّا. وأعلَّه الدارقطني في العِلل (١/ ١٩٢).\nوأخرجه أحمد (٤/ ٤٠٣)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٠)، وغيرهما، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وفيه راوٍ مبهمٌ. … =","vol":"1","page":96},{"text":"فانظر كيف انقسم الشِّرك، والكُفر، والفُسُوق، والظُّلم، والجَهْل، إلى ما هو كفرٌ ينقل عن المِلَّة، وإلى ما لا ينقل عنها.\nوكذلك النِّفاق نِفاقان؛ نِفاق اعْتِقادٍ، ونِفاق عَمَلٍ.\nفنفاق الاعْتِقاد هو الذي أنكره (^١) الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم به الدَّرْك الأسفل من النَّار.\nونفاق العَمَل، كقوله ﷺ في الحديث الصَّحيح: \"آية المنافق ثلاثٌ؛ إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمِن خان\" (^٢).\nوفي الصَّحيح أيضًا: \"أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَنْ كانت فيه خِصلةٌ منهُنَّ كانت فيه خِصلةٌ من النِّفاق حتى يَدَعها؛ إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتُمِن خان\" (^٣).\nفهذا نفاق عملٍ، قد يجتمع مع أصْل الإيمان (^٤)، ولكن إذا استحكم\n_________\n= … وقد رُوِي من حديث ابن عباس وابن عمر وعائشة ﵃، وكلُّها لا تسلم من مقال.\nوصحَّح الألباني الحديث في الضعيفة (٣٧٥٥) بهذه الشَّواهد والطُرق كلها.\n(^١) ض وس: \"ذكره\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨) من حديث عبد الله بن عمروٍ ﵁.\n(^٤) ض وط: \"يجمع .. \". س: \" .. أصل الإسلام\".","vol":"1","page":97},{"text":"وكمل فقد ينسلخ صاحبُه عن الإسلام بالكُلِّيَّة، وإنْ صلَّى وصام وزَعَم أنَّه مسلمٌ؛ فإنَّ الإيمان ينْهَى المؤمن عن هذه الخِلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له عذرٌ (^١) ما ينهاه عن شيءٍ منها فهذا لايكون إلَّا منافقًا خالصًا.\nوكلام الإمام أحمد يدلُّ على هذا، فإنَّ إسماعيل بن سعيد الشَّالَنْجِي (^٢) قال: \"سألتُ أحمد بن حنبل عن المُصِرِّ على الكبائر؛ يطلُبُهَا بجهدِه، إلَّا أنَّه لم يترك الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم، هل يكون مُصِرًّا مَنْ كانت هذه حاله؟ قال: هو مُصِرٌّ، مثل قوله ﷺ: \"لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمنٌ\"، يخرج من الإيمان، ويقع في الإسلام. ونحو قوله: \"لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمنٌ، ولا يَسْرق حين يَسْرق وهو مؤمنٌ\" (^٣). ونحو قول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة/٤٤].\n_________\n(^١) \"عذر\" ليست في س وط، وفي ض: \"عذار\".\n(^٢) ط: \"السالحي\". تحريفٌ!\n\nوالشَّالَنْجِي بفتح الشِّين المعجمة واللَّام هو أبوإسحاق الكسائي الجرجاني، من أفاضل أصحاب أحمد، كان إمامًا، عالمًا، كبير القدر، وعنده مسائل كثيرةٌ عن أحمد ليست عند أحدٍ من أصحابه، توفي سنة ٢٣٠ هـ. ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ١٠٤)، والأنساب للسمعاني (٧/ ٢٥٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":98},{"text":"قال إسماعيل: فقلتُ له: ما هذا الكفر؟ قال: كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة. مثل الإيمان، بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمرٌ لا يُخْتَلَفُ فيه\" (^١).\nفصْلٌ\nوههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّ الرجل قد يجتمع فيه كفرٌ وإيمانٌ، وشركٌ وتوحيدٌ، وتقوى وفجورٌ، ونفاقٌ وإيمانٌ. وهذا من أعظم أصول أهل السُّنة. وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع؛ كالخوارج، والمعتزلة، والقدريَّة.\nومسألة خروج أهل الكبائر من النَّار، وتخليدهم فيها مبنيَّةٌ على هذا الأصل. وقد دلَّ عليه (^٢) القرآن، والسُّنَّة، والفِطْرة، وإجماع الصَّحابة.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف/١٠٦]. فأثْبَت لهم إيمانًا به سبحانه مع الشِّرك.\nوقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات/١٤]. فأثْبَت لهم إسلامًا، وطاعةً لله ورسوله، مع\n_________\n(^١) ذكره ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٢٧).\n(^٢) هـ: \"وقد ذلك عليه\"!","vol":"1","page":99},{"text":"نفي الإيمان عنهم؛ وهو الإيمان المطلق الذي يستحقُّ اسمه بمطلقه الذين: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات/١٥].\nوهؤلاء ليسوا منافقين في أصحِّ القولين؛ بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله. وليسوا بمؤمنين، وإنْ كان معهم جزءٌ من الإيمان أخرجهم من الكفر.\nقال الإمام أحمد (^١): من أتى هذه الأربعة أومثلهنَّ، أوفوقهنَّ - يريدُ الزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخمر، والانتهاب - فهو مسلمٌ، ولا أسمِّيه مؤمنًا، ومَن أتَى دون ذلك ــ يريد: دون الكبائر - سمَّيتُه مؤمنًا (^٢) ناقص الإيمان.\nوقد دلَّ على هذا قوله ﷺ: \"فمن كانت فيه خَصْلةٌ منهنَّ كانت فيه خَصْلةٌ من النِّفاق\" (^٣)؛ فدلَّ على أنَّه يجتمع في الرجل نفاقٌ وإسلامٌ.\nوكذلك الرِّياء شركٌ، فإذا راءَى الرجل في شيءٍ من عمله اجتمع فيه الشِّرك والإسلام، وإذا حكم بغير ما أنزل الله، أو فعل ما سمَّاه رسول الله ﷺ كفرًا - وهو ملتزمٌ للإسلام وشرائعه - فقد قام به كفرٌ وإسلامٌ.\n_________\n(^١) س زيادة: \" .. بن حنبل\".\n(^٢) ض وس: \"مؤمن\".\n(^٣) تقدَّم تخريجه قريبًا (ص/٩٧).","vol":"1","page":100},{"text":"وقد بيَّنَّا أنَّ المعاصي كُلَّها شُعبٌ من شُعب الكفر، كما أنَّ الطَّاعات كلها شُعبٌ من شُعب الإيمان. فالعبد تقوم (^١) به شعبةٌ أوأكثر من شُعب الإيمان، وتقوم به شُعبةٌ أوأكثر من شُعب الكفر (^٢)، وقد يُسمَّى بتلك (^٣) الشُّعب مؤمنًا، وقد لا يُسمَّى، كما أنَّه قد يُسمَّى بشُعب الكفر كافرًا، وقد لا يُطْلق عليه هذا الاسم.\nفههنا أمران: أمرٌ اسميٌّ لفظيٌّ، وأمرٌ معنويٌّ حكميٌّ.\nفالمعنويُّ: هل هذه الخِصْلة كفرٌ أم لا؟\nواللَّفظيُّ: هل يُسَمَّى مَن قامت به كافرًا أم لا؟\nفالأمر الأول شرعيٌّ محضٌ، والثَّاني لغويٌّ وشرعيٌّ.\nفصْلٌ\nوههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّه لا يلزم مِن قيام شُعبةٍ من شُعب الإيمان بالعبد أنْ يُسمَّى مؤمنًا، وإنْ كان ما قام به إيمانًا، ولا من قيام شُعبةٍ من شُعب الكفر به أنْ يُسمَّى كافرًا، وإنْ كان ما قام به كفرًا.\nكما أنَّه لا يلزم من قيام جزءٍ من أجزاء العلم به أنْ يُسمَّى عالمًا، ولا\n_________\n(^١) ض وس: \"يقوم\"، وكذا في الموضع التالي بعده.\n(^٢) \"وتقوم به .. الكفر\" ليس في ط.\n(^٣) ض وس: \"بذلك\".","vol":"1","page":101},{"text":"مِنْ معرفته (^١) بعضَ مسائل الفقه والطِّب أنْ يُسمَّى فقهيًا ولا طبيبًا.\nولا يمتنع ذلك؛ أنْ تُسمَّى (^٢) شُعبة الإيمان إيمانًا، وشُعبة النِّفاق نفاقًا، وشُعبة الكفر كفرًا. وقد يطلق (^٣) عليه الفعل؛ كقوله: \"فمن تركها فقد كفر\" (^٤)، (^٥) وقوله: \"من أتى كاهنًا فصدَّقَه بما يقول فقد كفر، ومن حَلَف بغير الله فقد كفر\". رواه الحاكم في \"صحيحه\" بهذا اللَّفظ (^٦).\nفمَنْ صَدَر منه خُلَّةٌ من خِلال الكفر فلا يستحقُّ اسم كافرٍ على الإطلاق. وكذا يقال لمن ارتكب محرَّمًا: إنَّه فعل فُسُوقًا، وإنَّه (^٧) فسق بذلك المحرَّم، ولا يلزمه اسم فاسقٍ، إلَّا بغلبة ذلك عليه.\nوهكذا الزَّاني، والسَّارق، والشَّارب، والمنتهب، لا يُسمَّى مؤمنًا، وإنْ كان معه إيمانٌ. كما أنَّه لا يُسمَّى كافِرًا، وإنْ كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه؛ إذْ المعاصي كلُّها من شعب الكفر، كما أنَّ الطاعات كلَّها من شعب الإيمان.\n_________\n(^١) هـ وط: \"معرفة\".\n(^٢) ض وس: \"يسمي\".\n(^٣) س: \"نطلق\".\n(^٤) تقدَّم تخريجه (ص/٦٨).\n(^٥) هـ وط زيادة: \"ومن حلف بغير الله فقد كفر\"، ولعلَّه انتقال نظرٍ للجملة التي بعدها.\n(^٦) تقدَّم تخريجه (ص/٨١).\n(^٧) ض: \"وإن\".","vol":"1","page":102},{"text":"والمقصودُ: أنَّ سلْبَ اسم الإيمان (^١) عن تارك الصَّلاة أولى من سلْبِه عن مرتكب الكبائر، وسلْب اسم الإسلام (^٢) عنه أولى من سلْبِه عمَّن لم يسلَم المسلمون من لسانه ويده. فلا يُسمَّى تارك الصَّلاة مسلمًا ولا مؤمنًا، وإنْ كان معه شُعْبة من شعب الإسلام والإيمان.\nيبقى (^٣) أنْ يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النَّار؟ فيُقال: ينفعه إنْ لم يكن المتروك شرطًا في صحَّة الباقي واعتباره، وإنْ كان (^٤) المتروك شرطًا في اعتبار الباقي لم ينفعه؛ ولهذا لا (^٥) ينفع الإيمان بالله ووحدانيته، وأنَّه لا إله إلَّا هو مَنْ أنكر رسالة محمَّدٍ ﷺ، ولا تنفع الصَّلاة مَنْ (^٦) صلَّاها عمدًا بغير وضوء.\nفشعب الإيمان قد يتعلَّق بعضها ببعضٍ؛ تعلُّق المشروط بشَرْطِه، وقد لا يكون كذلك. فيبقى النَّظر في الصلاة، هل هي شرطٌ لصحَّة الإيمان؟ هذا سِرُّ المسألة.\n_________\n(^١) س: \"اسم الإيمان\".\n(^٢) س: \"الإيمان\".\n(^٣) ط: \"نعم يبقى\".\n(^٤) \"كان\"ليست في ض.\n(^٥) ط: \"لم\".\n(^٦) ض: \"لمن\".","vol":"1","page":103},{"text":"والأدلَّة التي ذكرناها وغيرها تدلُّ (^١) على أنَّه لا يقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة. فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال ربحه. ومُحالٌ بقاء الرِّبح بلا رأس مالٍ، فإذا خسرها خسر أعماله كلَّها، وإنْ أتى بها صورةً. وقد أشار إلى هذا في قوله: \"وإنْ (^٢) ضيَّعها فهو لما سواها أضْيع\" (^٣)، وفي قوله: \"إنَّ أوَّل ما يُنْظَر (^٤) في أعماله الصَّلاة؛ فإنْ جازت (^٥) له نُظِرَ في سائر أعماله، وإنْ لم تجز له لم يُنْظَر في شيءٍ من أعماله بعدُ\" (^٦).\nومِن العَجب أنْ يقع الشَّكُّ في كفر من أصرَّ على تركها، ودُعِي إلى (^٧) فعلها على رؤوس الملأ، وهو يَرى بارقة السَّيف على رأسه، وشُدَّ للقتل، وعُصِبت عيناه، وقيل له: تصلِّي وإلَّا قتلناك؟ = فيقول: اقتلوني ولا أصلِّي أبدًا!\nومَن لا يكفِّر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمنٌ، مسلمٌ، يغسَّل، ويصلَّى\n_________\n(^١) \"وغيرها\" ليست في س. وفي هـ: \"تدخل\" بدل \"تدل\".\n(^٢) ض: \"فمن\".\n(^٣) تقدَّم تخريجه بنحوه (ص/٣٩، ٤٥).\n(^٤) \"إن\" ليست في س. وفي ض: \"إنَّما ينظر .. \".\n(^٥) هـ: \"أجازت\".\n(^٦) تقدَّم تخريجه بنحوه (ص/٣٩، ٤٥).\n(^٧) ض: \"على\".","vol":"1","page":104},{"text":"عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين.\nوبعضهم يقول: إنَّه مؤمنٌ، كامل الإيمان، إيمانُه كإيمان جبرئيل (^١) وميكائيل! أفلا (^٢) يستحي مَنْ هذا قولُهُ من إنكاره (^٣) تكفير من شهد بكفره الكتاب والسُّنَّة واتفاق الصَّحابة! والله الموفق.\nفصْلٌ\n\nفي<span data-type='title' id=toc-85> سياق أقوال العلماء من التَّابعين ومَنْ بعدهم، في كفر تارك الصَّلاة،</span> ومَنْ حكى الإجماع على ذلك\nقال محمد بن نصر (^٤): حدَّثنا محمد بن يحيى حدَّثنا أبو النُّعمان حدَّثنا حمَّاد بن زيد عن أيوب قال: \"ترك الصَّلاة كفرٌ لا يُخْتَلف فيه\".\nوحكى محمد (^٥) عن ابن المبارك قال: \"من أخَّر صلاةً (^٦) حتى يفوت وقتها متعمِّدًا من غير عُذرٍ فقد كفر\".\nوقال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله بن المبارك يقول:\n_________\n(^١) ط: \"جبريل\".\n(^٢) هـ وط: \"فلا\".\n(^٣) ض: \"إنكار\".\n(^٤) تعظيم قدر الصلاة (٩٧٨).\n(^٥) تعظيم قدر الصلاة (٩٧٩).\n(^٦) ض وس: \"الصَّلاة\".","vol":"1","page":105},{"text":"\"من (^١) قال: إنِّي لا أصلِّي المكتوبة اليوم فهو أكفر من الحمار (^٢) \" (^٣).\nوقال يحيى بن معين: قيل لعبد الله بن المبارك: إنَّ هؤلاء يقولون: من لم يصُمْ ولم يُصَلِّ بعد أنْ يقرَّ به فهو مؤمنٌ مستكمل الإيمان! فقال عبد الله: \"لا نقول نحن كما (^٤) يقول هؤلاء. مَنْ تَرَك الصَّلاة متعمِّدًا من غير عِلَّةٍ حتى أدْخَل وقتًا في وقتٍ فهو كافرٌ\" (^٥).\nوقال ابن أبي شيبة: \"قال النَّبيُّ ﷺ: \"مَنْ تَرَك الصَّلاة فقد كفر\"، فيُقَال له: ارجع عن الكفر، فإنْ فَعَل وإلَّا قُتِل، بعد أنْ يؤجِّله الوالي (^٦) ثلاثة أيام\" (^٧).\nوقال أحمد بن سيَّار (^٨): سمعت صدقة بن الفضل - وسُئِل عن تارك\n_________\n(^١) \"وقال علي .. يقول: من\" ليست في هـ.\n(^٢) هـ: \"الكفر من حمار\"! ط: \" .. حمار\".\n(^٣) تعظيم قدر الصلاة (٩٨٠).\n(^٤) ض وط: \"ما\".\n(^٥) تعظيم قدر الصلاة (٩٨١).\n(^٦) \"الوالي\" ليست في ض.\n(^٧) تعظيم قدر الصلاة (٩٨٨).\n(^٨) س: \"سمار\"، هـ وط: \"يسار\".\nوهو أحمد بن سيار بن أيوب بن عبد الرحمن المروزي، أبو الحسن الفقيه، ترجمته في تهذيب الكمال للمزِّي (١/ ٣٢٣)، والسِّير للذَّهبي (١٢/ ٦٠٩)، وغيرهما.","vol":"1","page":106},{"text":"الصَّلاة - فقال: كافرٌ. فقال له السَّائل: أتَبِيْنُ منه امرأتُه؟ فقال صدقة: \"وأين الكفر من الطَّلاق؟ لو أنَّ رجلًا كفر لم تطلق (^١) امرأته! \" (^٢).\nقال أبوعبد الله ابن نصر (^٣) (^٤): سمعت إسحاق يقول: \"صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ تارك الصَّلاة كافرٌ، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النَّبيِّ ﷺ إلى يومنا هذا؛ أنَّ تارك الصَّلاة عمْدًا من غير عذرٍ حتى يذهب وقتها كافرٌ\".\nفصْلٌ\nوأمَّا المسْألة الخامسة (^٥): وهي قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصَّلاة أم لا؟ فقد عُرِف جوابُها ممَّا (^٦) تقدَّم، على أنَّا نفرد هذه المسألة بالكلام عليها بخصوصها (^٧).\nفنقول: أمَّا تركها بالكليَّة فإنَّه لا يُقْبَل معه عملٌ، كما لا يُقْبَل مع\n_________\n(^١) \"كفر\"ليست في ض. وفي هـ وط: \" .. تطلق منه\".\n(^٢) تعظيم قدر الصلاة (٩٨٩).\n(^٣) ضُرِب في س على: \"أبوعبد الله محمد بن نصر\"، ط: \"عبد الله بن نصر\".\n(^٤) تعظيم قدر الصلاة (٩٩٠).\n(^٥) ض وهـ وط: \"الرَّابعة\". وهو غلطٌ؛ فقد تقدَّمت الرابعة (ص/٤٠)، وسيتوالى الخطأ في العدِّ تباعًا، كما سيأتي التَّنبيه عليه.\n(^٦) ض: \"بما\".\n(^٧) ض وهـ وط: \"بخصوصيَّتها\".","vol":"1","page":107},{"text":"الشِّرك عملٌ؛ فإنَّ الصَّلاة عمود الإسلام كما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ (^١)، وسائر الشَّرائع كالأطناب والأوتاد ونحوها، وإذا لم يكن للفُسْطاط عمودٌ لم يُنْتَفع بشيءٍ من أجزائه. فقبول (^٢) سائر الأعمال موقوفٌ على قبول الصلاة، فإذا رُدَّت رُدَّت عليه سائر الأعمال. وقد تقدَّم الدَّليل على ذلك (^٣).\nوأمَّا تركها أحيانًا فقد روى البخاري في \"صحيحه\" (^٤)، من حديث بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: \"بكِّرُوا بصلاة العصر؛ فإنَّ مَنْ ترك صلاة العصر فقد حَبِط عملُه\" (^٥).\nوقد تكلَّم قومٌ في معنى هذا الحديث، فأَتَوا بما لا حاصل له.\nقال المهلَّب (^٦): معناه: من تركها مضيِّعًا لها، متهاونًا بفضل وقتها، مع قدرته على أدائها حَبِط عمله في الصَّلاة خاصَّة. أي: لا يحصل له أجر المصلِّي في وقتها، ولا يكون له عملٌ ترفعه الملائكة.\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/١٥، ٧٢).\n(^٢) س: \"فنقول\".\n(^٣) (ص/٣٩، ٤٥).\n(^٤) حديث (٥٥٣).\n(^٥) الذي في البخاري: قال بريدة: بكِّروا بصلاة العصر؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: \"من ترك .. \"، فتبيَّن أنَّ قوله: \"بكِّروا بصلاة العصر\" من كلام بريدة، لا من كلام النَّبيِّ ﷺ.\n(^٦) ابن أبي صفرة، أحد شرَّاح البخاري. ونقله ابن بطال عنه في شرحه (٢/ ١٧٦).","vol":"1","page":108},{"text":"وحاصل هذا القول: أنَّ مَن تركها فاته أجرُها. ولفظ الحديث ومعناه يأبى ذلك، ويفيد (^١) حُبُوط عملٍ قد ثَبَت وفُعِل، وهذا حقيقة الحُبُوط في اللُّغة والشَّرع. ولا يُقَال لمن فاتَه ثواب عمَلٍ من الأعمال: إنَّه قد حبِط عملُه، وإنَّما يُقَال: فاتَه أجر ذلك العمل.\nوقالت طائفةٌ: يحبط (^٢) عمل ذلك اليوم، لا جميع عمله؛ فكأنَّهم استصعبوا حبوط الأعمال الماضية كلِّها بترك صلاةٍ واحدةٍ، وتركها عندهم ليس برِدَّةٍ تُحْبِط (^٣) الأعمال، فهذا الذي اسْتَشْكله هؤلاء هو واردٌ عليهم بعينه في حبوط عمل ذلك اليوم.\nوالذي يظهر في الحديث - والله أعلم بمراد رسوله - أنَّ التَّرك نوعان:\nتركٌ كُلِّيٌ، لا يصلِّيْها أبدًا؛ فهذا يُحبِط العمل جميعه. وتركٌ معيَّنٌ، في يوم معيَّنٍ؛ فهذا يُحبِط عمل ذلك اليوم. فالحبوط العامُّ في مقابلة التَّرك العام، والحبوط المعيَّن في مقابلة التَّرك المعيَّن.\nفإنْ قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الرِّدَّة؟ قيل: نعم، قد دلَّ القرآن، والسُّنَّة، والمنقول عن الصَّحابة: أنَّ السَّيِّئات تحبط (^٤) الحسنات، كما\n_________\n(^١) ط: \"ولا يفيد\".\n(^٢) ط: \"تحبط\".\n(^٣) \"عندهم\" ليست في ض. وفي هـ وط: \" .. يحبط\".\n(^٤) هـ: \"يحبط\".","vol":"1","page":109},{"text":"أنَّ الحسنات يذهبن (^١) السَّيِّئات. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة/٢٦٤]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات/٢].\nوقالت عائشة لأمِّ ولد زيد (^٢) بن أرقم: \"أخبري زيدًا أنَّه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، إلَّا أنْ يتوب\" (^٣)، لمَّا باع بالعِيْنة.\nوقد نصَّ الإمام أحمد على هذا، فقال: \"ينبغي للعبد في هذا الزَّمان\n_________\n(^١) ض وس: \"تذهب\".\n(^٢) س وط: \"لأم زيد\". خطأٌ.\n(^٣) أخرجه الدَّارقطني في سننه (٣/ ٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣٣١) من طريق يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي عن أُمِّه العالية عن عائشة به. وأخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٨٤)، وغيره، من طرقٍ عن أبي إسحاق السَّبيعي عن زوجه العالية عن عائشة به.\nوقد أعلَّه الشَّافعي في الأم (٤/ ٧٤) ثم الدارقطني بجهالة العالية بنت أيفع امرأة أبي إسحاق، وأنَّ المجهولة لا يحتجُّ بها.\nوقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٢/ ٥٥٨): \"هذا إسنادٌ جيِّدٌ، وقول الدَّارقطني فيه نَظَرٌ\". وقد احتجَّ من صحَّحه بأنَّ الحديث محفوظٌ، إذ رواه عن العالية ثقتان، زوجها أبوإسحاق وابنها، وأنَّه لا يُعلم فيها جرحٌ، فجهالتها ترتفع به، مع تصديق زوجها وابنها لها. وتُنْظَر: حاشية المصنِّف على سنن أبي داود (٩/ ٢٤٠).","vol":"1","page":110},{"text":"أنْ يستدين ويتزوَّج؛ لئلَّا ينظر إلى ما لا يحلُّ، فيحبط عمله\" (^١).\nوآيات الموازنة في القرآن تدلُّ على هذا؛ فكما أنَّ السيِّئة تَذْهَبُ بحسنةٍ أكبر منها فالحسنة يَحبَطُ أجرُها بسيئةٍ (^٢) أكبر منها.\nفإنْ قيل: فأيُّ فائدةٍ في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصَّلوات؟\nقيل: الحديث لم ينف الحُبُوط بغير العصر، إلَّا بمفهوم لَقَبٍ، وهو مفهومٌ ضعيفٌ جدًّا.\nوتخصيص (^٣) العصر بالذِّكر لشرفها من بين الصَّلوات؛ ولهذا كانت هي الصَّلاة الوسطى بنصِّ رسول الله ﷺ الصَّحيح الصَّريح (^٤). ولهذا\n_________\n(^١) هو من مسائل الفضل بن زياد القطَّان عن الإمام أحمد، كما في بدائع الفوائد للمصنِّف (٤/ ١٤٠٦) قال الفضل: \"سمعتُ أبا عبد الله، قيل له: ما تقول في التَّزويج في هذا الزمان؟ فقال: مثل هذا الزَّمان ينبغي للرجل أن يتزوَّج، ليت أنَّ الرجل إذا تزوَّج اليوم ثنتين يفلتُ، ما يأمن أحدُكم أن ينظر النَّظَر فيحبط عمله. قلت له: كيف يصنع؟ من أين يطعمهم؟ فقال: أرزاقهم عليك! أرزاقهم على الله ﷿\".\n(^٢) س: \"تحبط أجرها سيئة\".\n(^٣) ض: \"إذ تخصيص\".\n(^٤) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧)، من حديث عليٍّ ﵁ قال: لَمَّا كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ: \"مَلَأَ الله بُيُوتهم وقُبورهم نارًا، شغلونا عن الصَّلاة الوسطى - صلاة العصر - حين غابت الشَّمس\". أحد ألفاظ مسلم.","vol":"1","page":111},{"text":"خصَّها بالذِّكر في الحديث الآخر، وهو قوله: \"الذي تفوته صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه\" (^١). أي: فكأنَّما سُلِبَ أهلَه ومالَه، فأصبح بلا أهلٍ ولا مالٍ.\nوهذا تمثيلٌ لحبوط (^٢) عمله بتركها؛ كأنَّه شبَّه أعماله الصالحة في انتفاعه بها وتمتُّعه بها (^٣) بمنزلة أهله وماله، فإذا ترك صلاة العصر فهو كَمَنْ له أهلٌ ومالٌ، فخرج من بيته لحاجةٍ - وفيه أهله وماله - فرجع وقد اجْتِيْحَ الأهلُ والمالُ، فبقي وِتْرًا دونهم، ومَوْتُورًا بفقدهم. فلو بقيت عليه أعماله الصالحة لم يكن التَّمثيل مطابقًا.\nفصْلٌ\n\nو<span data-type='title' id=toc-89>الحبوط نوعان: عامٌّ، وخاصٌّ.</span>\nفالعام حبوط الحسنات كلِّها بالرِّدَّة، والسَّيِّئات كلِّها بالتَّوبة.\nوالخاص حبوط السيئات والحسنات بعضها ببعضٍ، وهذا حبوطٌ مقيَّدٌ جزئيٌّ، وقد تقدَّم دلالة القرآن والسُّنَّة والآثار وأقوال الأئمَّة عليه.\nولمَّا كان الكفر والإيمان كُلٌّ منهما يُبْطِل الآخرَ ويذهِبُه كانت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦)، من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) ض: \"بحبوط\".\n(^٣) ط: \"بانتفاعه .. \"، وليس في ض: \"بها\" الثانية.","vol":"1","page":112},{"text":"شُعب (^١) كلِّ واحدٍ منهما لها تأثير (^٢) في إذهاب بعض شعب الآخر، فإنْ عظمت الشُّعبة أذْهَبَت في مقابلتها شعبًا (^٣) كثيرة.\nوتأمَّل قول أم المؤمنين في مُسْتَحلِّ العِيْنة: \"إنَّه قد أبْطَل جهادَه مع رسول الله ﷺ\" (^٤)، كيف قويت (^٥) هذه الشُّعبة التي أذن الله فاعلها بحربه وحرب رسوله ﷺ على إبطال محاربة الكفار. فأبطل الحِرابُ (^٦) المكروهُ الحِرابَ المحبوبَ، كما تُبْطِل (^٧) محاربةُ أعدائِه التي يحبُّها محاربَتَه التي يبغضُها. والله المستعان.\nفصْلٌ\nوأمَّا المسألة السَّادسة (^٨): التي (^٩) هي قوله: \"هل تُقْبَل صلاة اللَّيل بالنَّهار، وصلاة النَّهار باللَّيل، أم لا؟ \". فهذه المسألة لها صورتان:\n_________\n(^١) ض: \"ويبطله كانت .. \"، س: \"ويذهبه فشعب\"، هـ وط: \"وكانت شعبة\".\n(^٢) ط: \"تأثيرا\".\n(^٣) ط: \"أذهب .. \"، س: \"مقابلها .. \"، ض: \" .. شعب\".\n(^٤) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٥) س: \"فوتت\".\n(^٦) هـ: \"الحرب\".\n(^٧) هـ وط: \"يبطل\".\n(^٨) ض وهـ وط: \"الخامسة\"، وقد تقدَّمت الخامسة، وتقدَّم التَّنبيه على حصول الخطأ في العدِّ ابتداءً من المسألة الثالثة، فتوالى بعده.\n(^٩) \"التي\" ليست في ض.","vol":"1","page":113},{"text":"إحداهما: تُقْبَل (^١) فيها بالنَّص والإجماع، وهي: ما (^٢) إذا فاتته صلاة النَّهار بنومٍ أو نسيانٍ فصلَّاها باللَّيل، وعكسه.\nكما ثبت في \"الصَّحيحين\" (^٣)، من حديث أنس (^٤) بن مالك ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: \"مَنْ نسِي صلاةً أو نام عنها فكفَّارتها أنْ يصلِّيها إذا ذَكَرها\". واللَّفظ لمسلمٍ.\nوروى مسلمٌ (^٥)، عنه ــ أيضًا - قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا رَقَد أحدكم عن الصَّلاة أو غَفَل عنها فلْيُصلِّها إذا ذَكَرها؛ فإنَّ الله يقول: ﴿أَقِمِ (^٦) الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه/١٤] \".\nوفي \"صحيح مسلمٍ\" (^٧)، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ حين قَفَل من غزوة (^٨) خيبر سار ليلةً، حتى إذا أدْرَكَه الكَرَى عَرَّس، وقال لبلال: \"اكْلَأْ لنا اللَّيل\". فصلَّى بلالٌ ما قُدِّر له، ونام رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) هـ وط: \"يقبل\".\n(^٢) \"ما\" ليست في ض.\n(^٣) البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤).\n(^٤) ض: \"عن أنس .. \".\n(^٥) حديث (٦٨٤).\n(^٦) كذا: ﴿أَقِمِ﴾ دون واو، في لفظ الحديث عند مسلم. وفي رواية عنده: (وأقم).\n(^٧) حديث (٦٨٠).\n(^٨) \"حين\" ليست في ض، وفي هـ: \" .. عن غزوة\".","vol":"1","page":114},{"text":"وأصحابه. فلمَّا تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته يُوَاجِه (^١) الفجر، فغَلَبَت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته. فلم يستيقظ رسول الله ﷺ، ولا بلال، ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضرَبَتهم الشمس. فكان رسول الله ﷺ أوَّلهم استيقاظًا (^٢)، ففزع (^٣) رسول الله ﷺ، فقال: \"أي بلال! \". فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ، قال: \"اقتادوا\" (^٤)، فاقتادوا رواحلهم شيئًا. ثم توضَّأ رسول الله ﷺ، وأمر بلالًا فأقام الصَّلاة، فصلَّى بهم الصُّبح، فلمَّا قضى الصَّلاة قال: \"من نسِي الصلاة (^٥) فليصلِّها إذا ذَكَرها؛ فإنَّ الله قال (^٦): ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه/١٤] \". وفي \"الصَّحيحين\" (^٧)، من حديث عمران بن حصين، نحو هذه القصَّة.\n_________\n(^١) كذا في ض وس وهـ، وهو لفظ ابن حبان في صحيحه (٢٠٦٩). وفي ط: \"فواجه\". ولفظ صحيح مسلم المطبوع: \"مواجه\".\n(^٢) ط: \"ايقاظًا\".\n(^٣) \"رسول الله .. ففزع\" ليست في هـ.\n(^٤) هـ وط: \"قال قتادة\"!\n(^٥) في هـ زيادة: \"أو نام عنها\".\n(^٦) هـ وس وط: \"يقول\". والمثبَت من ض، وهو الموافق للفظ صحيح مسلم المطبوع.\n(^٧) البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢).","vol":"1","page":115},{"text":"وفي \"صحيح مسلمٍ\" (^١)، عن أبي قتادة (^٢) قال: ذَكَرُوا للنَّبيِّ ﷺ نومَهم عن الصلاة قال: \"إنَّه ليس في النَّوم تفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ على مَن لم يصلِّ الصَّلاة حتى يجيء وقت الأخرى (^٣) \".\nوفي \"مسند الإمام أحمد\" (^٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أقبل النَّبيُّ ﷺ من الحديبية ليلًا، فنزلنا منزلًا دَهَاسًا (^٥) من الأرض، فقال: \"مَن يكلؤنا؟ \"، فقال بلال: أنا، قال: \"إذًا تنام\"، قال: \"لا\". فنام حتى طلعت الشمس، فاستيقظ فلان وفلان، فيهم عمر، فقال: أَهْضِبُوا (^٦). فاستيقظ النَّبيُّ ﷺ فقال: \"افعلوا كما كنتم تفعلون\"، فلمَّا فعلوا\n_________\n(^١) حديث (٦٨١).\n(^٢) هـ: \"عن قتادة\". خطأٌ.\n(^٣) كذا في النُّسخ كلِّها، ولفظ صحيح مسلم المطبوع: \"وقت الصلاة الأخرى\".\n(^٤) (١/ ٣٨٦، ٤٦٤).\n(^٥) ض: \"دهسا\"، س: \"دها\".\nفي هامش ط: \"الدَّهْسُ: ما سهُل ولانَ من الأرض، ولم يبلُغ أنْ يكون رَمْلًا\". مجمع. انتهى.\nوفي النهاية لابن الأثير (٢/ ١٤٥): \"الدهاس والدهس ما سهل ولان … \".\n(^٦) ض: \"اهظبوا\"، س: \"اهصبوا\"، هـ وط: \"اهبطوا\"، والتَّصحيح من المسند وكتب السُّنَّة الأخرى.\nومعنى أَهْضِبُوا: تكلَّموا وامْضُوا. هَضَب في الحديث وأهْضَب: إذا اندفع فيه؛ كَرِهوا أنْ يوقظوه، فأرادوا أنْ يستيقظ بكلامهم. كما في النِّهاية (٥/ ٢٦٤).","vol":"1","page":116},{"text":"قال: \"هكذا فافعلوا لمن نام منكم أو نسي\". فهذا متَّفقٌ عليه بين الأمَّة (^١).\nواختلفوا في مسألتين؛ لفظيَّة، وحُكميَّة.\nفاللَّفظية هل تُسمَّى هذه الصَّلاة أداءً أوقضاءً؟ فيه نزاعٌ لفظيٌّ محضٌ. فهي قضاءٌ لما افترض (^٢) الله عليهم، وأداءٌ باعتبار الوقت في حقِّ النَّائم والنَّاسي؛ فإنَّ الوقت في حقِّهما وقت (^٣) الذِّكر والانتباه، فلم يصلِّياها إلَّا في وقتها الذي أُمِر (^٤) بإيقاعها فيه.\nوأمَّا ما يذكره الفُقهاء في كتبهم من قوله (^٥): \"فليُصلِّها إذا ذَكَرَها، فإنَّ ذلك وقتها\"، فهذه الزِّيادة لم أجدها في شيءٍ من كتب الحديث، ولا أعلم لها إسنادًا. ولكن قد روى البيهقي والدَّارقطني (^٦)، من حديث\n_________\n(^١) س: \"الأئمة\".\n(^٢) ط: \"افترضه\"، وفي هامشه: في نسخةٍ: \"فرض\".\n(^٣) س: \"من وقت\".\n(^٤) ط: \"يصلها .. \"، هـ وط: \" .. أمرنا\".\n(^٥) س: \"تذكره .. من قولهم\".\n(^٦) سنن البيهقي الكبرى (٢/ ٢١٩)، سنن الدَّارقطني (١/ ٤٢٣).\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٥٠) وابن عديٍّ في الكامل (٢/ ٣٨٣) وغيرهم، كلُّهم من طريق حفص بن عمر بن أبي العطَّاف عن أبي الزناد به. وحفصٌ ضعيف جدًّا، وقد تفرَّد بهذه الجملة، كما قال الطبراني وابن عديٍّ، لذا أشار لضعفه البيهقي (٢/ ٢١٩)، وابن عبد الهادي في المحرَّر (١٥٧)، وابن رجب في الفتح (٥/ ١٣٢)، وابن حجر في التَّلخيص الحبير (١/ ١٥٥)، وغيرهم.","vol":"1","page":117},{"text":"أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: \"من نسِي صلاةً فوقتها إذا ذكرها\".\nفصْلٌ\nوأمَّا المسألة الحكمية؛ فهل تجب (^١) المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر، أم يجوز له التَّأخير؟ فيه قولان:\nأصحُّهما: وجوبها على الفور. وهذا قول جمهور الفقهاء؛ منهم إبراهيم النَّخعي، ومحمد بن شهاب الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو حنيفة، ومالك، والإمام أحمد، وأصحابهم، وأكثر العُلماء.\nوظاهرُ مذهب الشَّافعي: أنَّه على التَّراخي (^٢).\nواحتجَّ مَن نَصَر هذا (^٣) القول بأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يصلِّها في المكان الذي ناموا به؛ بل أمرهم فاقتادوا رواحلهم إلى مكانٍ آخر، فصلَّى (^٤) فيه.\nوفي حديث أبي قتادة: فلمَّا استيقظوا قال: \"اركبوا\"، فركبنا فسِرْنا،\n_________\n(^١) هـ: \"يجب\".\n(^٢) سيأتي نقل كلامه. وهو مذهب أصحابه، كما في المجموع للنووي (٣/ ٧٤).\n(^٣) س: \"نظر .. \"، ط: \"نصَّ على هذا\".\n(^٤) س: \"فصلوا\".","vol":"1","page":118},{"text":"حتى إذا ارتفعت الشَّمس نزل، ثم دعا بمِيْضَأةٍ (^١) فيها ماء فتوضَّأ، ثم أذَّن بلال بالصَّلاة، فصلَّى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلَّى الغداة.\nقالوا: ولو وجب القضاء على الفور لم يفارق منزله حتى يفعلها.\nقالوا: ولا يصحُّ الاعتذار عن هذا بأنَّ ذلك المكان كان فيه شيطانٌ، فلم يصلُّوا فيه؛ فإنَّ حضور الشيطان في المكان لا يكون عذرًا في تأخير الواجب.\nقال الشَّافعي (^٢): ولو كان وقت الفائتة يضيق (^٣) لما أخَّرَه لأجل الشَّيطان، فقد صلَّى رسول الله ﷺ وهو يخنق (^٤) الشَّيطان (^٥).\nقال الشَّافعيُّ: فخَنْقُه الشَّيطانَ في الصَّلاة أبلغ من وادٍ فيه شيطان!\nقالوا: ولأنَّها عبادةٌ موقَّتةٌ، فإذا فاتت لم يجب قضاؤها على الفور،\n_________\n(^١) بكسر الميم، مهموز، ويمدُّ ويقصر: المِطْهَرة يتوضّأ منها. كما في: المصباح المنير للفيومي (٢/ ٦٦٣).\n(^٢) الأم (٢/ ١٧١) بنحوه.\n(^٣) ط: \"كانت .. \"، هـ: \" .. تضيق\".\n(^٤) ط: \"قال ﷺ … مخنق\"!\n(^٥) يشير إلى ما أخرجه البخاري (١٢١٠)، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّ الشيطان عرض لي فشدَّ عليَّ ليقطع الصلاة عليَّ، فأمكنني الله منه، فذعتُّه، ولقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية .. \" الحديث.\nقال النَّضْر بن شميل: \"فذَعَتُّه: بالذال، أي: خنقته\". وأخرجه مسلم (٥٤١) بنحوه.","vol":"1","page":119},{"text":"كصوم رمضان، بل أولى؛ لأنَّ الأداء متوسِّعٌ في الصلاة دون الصوم، فكانت التَّوسعة في القضاء أولى.\nوقال أبو (^١) إسحاق المروزي (^٢): \"إنْ أخَّرها لعذرٍ قضاها على التَّراخي؛ للحديث. وإنْ أخَّرَها لغير عذرٍ قضاها على الفور؛ لئلَّا يثبت بتفريطه ومعصيته (^٣) رخصةٌ لم تكن\" (^٤).\nواحتجَّ الجمهور بما رواه مسلمٌ في \"صحيحه\" (^٥)، من حديث أبي قتادة: أنَّهم ذكروا للنَّبيِّ ﷺ نومهم عن الصَّلاة، فقال: \"ليس في النَّوم تفريطٌ، فإذا نسي أحدكم صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها، لا كفَّارة لها إلَّا ذلك\".\n_________\n(^١) \"أبو\" سقطت من ض.\n(^٢) وهو شيخ الشافعية وفقيهها ببغداد، إبراهيم بن أحمد، صاحب أبي العبَّاس ابن سُرَيج وأكبر تلامذته، صنَّف التَّصانيف وشرح المذهب ولخَّصه، وانتهت إليه رئاسته، وتخرَّج به أئمَّة، توفي بمصر سنة ٣٤٠ هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد للخطيب (٦/ ١١)، والسِّير للذَّهبي (١٥/ ٤٢٩).\n(^٣) ض: \"معضلته\".\n(^٤) حكاه عنه الشيرازي في المهذَّب (١/ ٥٤)، وذكره النَّووي وجهًا عندهم. كما في المجموع شرح المهذَّب (٣/ ٧٣ - ٧٤).\n(^٥) حديث (٦٨١). وقد تقدَّم (ص/١١٦) بلفظٍ آخر.","vol":"1","page":120},{"text":"وفي \"صحيحه\" (^١) أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نسي الصَّلاة فليصلِّها إذا ذكرها؛ فإنَّ الله قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه/١٤] \".\nوعند الدَّارقطني (^٢) في هذا الحديث: \"من نَسِيَ صلاةً فوقتها إذا ذكرها\". وهذه الألفاظ صريحةٌ في الوجوب على الفور.\nقالوا: وأمَّا ما استدلَلْتُم به على جواز التَّأخير فإنَّما يدلُّ على التَّأخير اليسير، الذي لا يصير صاحبه مهملًا، معرضًا عن القضاء، بل (^٣) يفعله لتكميل الصلاة؛ من اختيار بقعةٍ على بقعةٍ، وانتظار رفقةٍ أوجماعةٍ يكثِّر بهم أجر (^٤) الصلاة ونحو ذلك، من تأخيرٍ يسيرٍ لمصلحتها وتكميلها. فكيف يؤخذ من هذا التَّأخير اليسير لمصلحتها جواز تأخيرها سنين عددًا!\nوقد نصَّ الإمام أحمد على أنَّ المسافر إذا نام في منزله عن الصَّلاة حتى فاتت أنَّه يستحبُّ له أنْ ينتقل عنه إلى غيره، فيقضيها فيه؛\n_________\n(^١) حديث (٦٨٠). وقد تقدم (ص/١١٥).\n(^٢) ض: \"الطبراني\". سنن الدَّارقطني (١/ ٤٢٣). وقد تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٣) هـ: \"معرضًا عن الفضائل\"، وليس فيه: \"بل\".\n(^٤) هـ: \"لكثرة أجر\"، ط: \"لتكثير أجر\".","vol":"1","page":121},{"text":"للخبر (^١)، مع أنَّ مذهبه وجوب فعلها على الفور (^٢).\nوإذا كانت أوامر الله ورسوله المطلقة على الفور فكيف المقيَّدة؟ ولهذا أوجب الفوريَّة في المقيَّدة أكثرُ مَنْ نفاها في المطلقة.\nوأمَّا ما تمسَّكوا به من القياس على قضاء رمضان فجوابه من وجهين:\nأحدهما: أنَّ السُّنَّة فرَّقت بين الموضعين؛ فجوَّزت تأخير قضاء رمضان، وأوجبت فعل المنسيَّة عند ذكرها، فليس لنا أنْ نجمع ما (^٣) فرَّقت السُّنَّة بينهما.\nالثَّاني: أنَّ هذا القياس حُجَّة عليهم، فإنَّ تأخير رمضان إنَّما يجوز إذا لم يأتِ رمضان آخر، وهم يجوِّزون تأخير الفائتة وإنْ أتى عليها أوقات صلواتٍ كثيرة، فأين القياس؟\nوأمَّا قولهم: لو وجب الفور لما جاز التَّأخير لأجل الشيطان (^٤) فقد تقدَّم جوابه. وهو: أنَّ الموجبين للفور (^٥) يجوِّزون التَّأخير اليسير\n_________\n(^١) \"للخبر\" ليست في س.\n(^٢) المغني لابن قدامة (٢/ ٣٤٧)، والشرح الكبير لابن أبي عمر (٣/ ١٩٣).\n(^٣) ض وس: \"بين ما\".\n(^٤) س: \"الشياطين\".\n(^٥) ض: \"الموقتين بالفور\"، س: \"القائلين بالفورية\".","vol":"1","page":122},{"text":"لمصلحة التَّكميل.\nوأمَّا نقضهم بخنق النَّبيِّ ﷺ الشَّيطان في صلاته (^١) فمِن أعجب النَّقض؛ فإنَّ التَّأخير اليسير للعدول عن مكان الشَّيطان لا تُتْرَك به الصَّلاة، ولا يذهب به وقتها، ولا يقطعها المصلِّي. بخلاف من عَرَض له الشَّيطان في صلاته؛ فإنَّه لو تركها لأجله لكان قد أبطل صلاته وقطعها بعد دخوله فيها، ولعلَّه إنْ تعرَّض له في الصَّلاة الثانية (^٢) فيقطعها، فيترك الصلاة بالكُلِّيَّة. فأين إحدى المسألتين من الأخرى! والله أعلم.\nفصْلٌ\nوأمَّا الصُّورة الثَّانية، وهي: ما إذا ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها، فهي مسألة عظيمة، تنازع فيها الناس. هل ينفعه القضاء ويُقْبَل (^٣) منه؟ أم لا ينفعه، ولا سبيل له إلى استدراكها أبدًا؟ (^٤)\nفقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، ومالك (^٥): يجب عليه\n_________\n(^١) \"في صلاته\" ليست في س.\n(^٢) س: \"أن يعرض .. الفايتة\".\n(^٣) س: \"وتقبل\".\n(^٤) وقد بحثها المصنف أيضًا في مدارج السالكين (١/ ٣٨٠ - ٣٩٠).\n(^٥) وقد قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٣٥٧): \"ولا نعلم بين المسلمين خلافًا في أنَّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها\".","vol":"1","page":123},{"text":"قضاؤها، ولا يُذْهِب القضاءُ عنه إثمَ (^١) التفويت، بل هو مستحقٌّ للعقوبة، إلَّا أنْ يعفو الله عنه.\nوقالت طائفةٌ من السَّلف والخَلَف (^٢): مَن تعمَّد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذرٍ يجوِّز له التَّأخير فهذا لا سبيل له إلى استدراكها، ولايقدر على قضائها أبدًا، ولا تقبل (^٣) منه.\nولا نزاع بينهم أنَّ التَّوبة النَّصوح تنفعه، ولكن هل من تمام توبته قضاء تلك الفوائت التي تعمَّدَ تركها، فلا تصحُّ التوبة بدون قضائها؟ أم لا تتوقَّف التَّوبة على القضاء؛ فيحافظ عليها في المستقبل، ويستكثر من النَّوافل، وقد تعذَّرَ عليه استدراك ما مضى؟ هذا محلُّ الخلاف.\nونحن نذكر حُجج الفريقين.\nقال الموجبون للقضاء: لمَّا أمر النَّبيُّ ﷺ النَّائم والنَّاسي بالقضاء ــ وهما معذوران غير مفرِّطَيْن - فإيجاب القضاء على المفرِّط العاصي أولى وأحرى.\nقالوا (^٤): فلو كانت الصَّلاة لا تصحُّ إلَّا في وقتها لم ينفع (^٥)\n_________\n(^١) ط: \"اسم\"!\n(^٢) سيأتي ذكر هؤلاء في كلام المصنِّف.\n(^٣) هـ وط: \"يقبل\".\n(^٤) \"قالوا\" ليست في هـ وط.\n(^٥) هـ وط: \"تنفع\".","vol":"1","page":124},{"text":"قضاؤها بعد الوقت في حق النَّائم والنَّاسي.\nقالوا: وقد صلَّى النَّبيُّ ﷺ العصر بعد المغرب يوم الخندق هو وأصحابه (^١). ومعلومٌ قطعًا أنَّهم (^٢) لم يكونوا نائمين ولا ساهين عنها، فلو اتَّفَق النِّسيان لبعضهم لم يتَّفِق للجميع.\nقالوا: وكيف يكون المفرِّط بالتَّأخير أحسن حالًا من المعذور؛ فيُخَفَّف عن المفرِّط، ويُشَدَّد على المعذور!\nقالوا: وإنَّما أنام الله ﷾ رسولَه وأصحابه (^٣) ليبيِّن للأمَّة حُكم من فاتته الصلاة، وأنَّها لا تسقط عنه بالتَّفويت، بل يتداركها (^٤) فيما بعد.\nقالوا: وقد أَمَر النَّبيُّ ﷺ من أفطر بالجماع في رمضان أنْ يقضي يومًا مكانه (^٥).\nقالوا: والقياس يقتضي وجوب القضاء؛ فإنَّ الأمر متوجِّهٌ على المكلَّف بفعل العبادة في وقتها، فإذا فرَّط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقطًا لفعل العبادة عنه.\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/١١١) وأنه في الصحيحين من حديث علي.\n(^٢) س: \"أنه\".\n(^٣) هـ وط: \"والصحابة\".\n(^٤) س: \"بتداركها\".\n(^٥) سيأتي ذكر لفظ الحديث، وإعلاله من كلام المصنِّف.","vol":"1","page":125},{"text":"قال الآخَرون (^١): أوامر الرَّب ﵎ نوعان:\nنوعٌ مطلقٌ، غير مؤقَّتٍ، فهذا يُفْعَل في كلِّ وقتٍ.\nونوعٌ مؤقَّت بوقتٍ محدودٍ (^٢)، وهو نوعان:\nأحدهما: ما وقْتُه بقدْرِ فعلِه، كالصَّيام.\nوالثَّاني: ما وقْتُه أوسع من فِعْلِه، كالصلاة. وهذا القِسم فعله في وقته شرطٌ في كونه عبادة مأمورًا بها؛ فإنَّه إنَّما أمر به على هذه الصِّفة، فلا يكون عبادةً على غيرها.\nقالوا (^٣): فما أمر الله به في الوقت فتَرَكَه المأمورُ حتى فات وقته لم يمكن فعله بعد الوقت شرعًا، وإن أمكن حِسًّا. بل لا يمكن حسًّا أيضًا؛ فإنَّ المأتي به بعد الوقت أمرٌ غير المشروع (^٤).\nقالوا: ولهذا لا يمكن فعل الجمعة بعد خروج وقتها، ولا الوقوف\n_________\n(^١) سياق المصنِّف ﵀ لأدلَّة القائلين بعدم القضاء للتارك لها عمدًا متوافق مع كثيرٍ من حجج ابن حزم في المحلَّى (٢/ ٢٣٥ - ٢٤٤) مع فوارق، وإضافات، ووجوه أخرى لم يذكرها ابن حزمٍ هناك. وسيشار إلى ذلك - إنْ شاء الله - كل في موضعه.\n(^٢) هـ وط: \"معدود\".\n(^٣) يُنْظَر: المحلَّى لابن حزم (٢/ ٢٣٧).\n(^٤) هـ: \"الآتي به .. \"، ط: \"إتيانه به .. \". ض: \" .. غير مشروع\".","vol":"1","page":126},{"text":"بعرفة بعد وقته.\nقالوا (^١): ولا مشروع إلَّا ما شرعه الله ورسوله. وهو سبحانه لم (^٢) يشرع فعل الصلاة والصيام والحج إلَّا في أوقاتٍ مختصَّةٍ به، فإذا فاتت تلك الأوقات (^٣) لم تكن مشروعة.\nولم يشرع الله سبحانه فعل الجمعة يوم السبت، ولا الوقوف بعرفة في اليوم العاشر، ولا الحج في غير أشهره. وأمَّا الصَّلوات الخمس فقد ثَبَت بالنَّصِّ والإجماع أنَّ المعذور بالنَّوم والنِّسيان وغلبة العقل يصلِّيها إذا زال عذره. وكذلك صوم رمضان، شرع الله سبحانه قضاءه بعُذْر المرض والسفر والحيض.\nوكذلك شرع الله ورسوله الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت للمعذور بسفرٍ، أومرضٍ، أوشغلٍ يبيح الجمع.\nفهذه يجوز تأخيرها عن وقتها المختصِّ إلى (^٤) وقت الأخرى للمعذور، ولا يجوز لغيره بالاتفاق، بل هو من الكبائر العظام، كما قال\n_________\n(^١) يُنْظَر: المحلَّى (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) ط: \"ما\".\n(^٣) هـ: \"تلك الصلاة\".\n(^٤) س: \"في\".","vol":"1","page":127},{"text":"عمر بن الخطَّاب: \"الجمع بين الصَّلاتين من غير عذرٍ من الكبائر\" (^١).\nولكن يجب عليه فعلها، وإنْ أخَّرها إلى وقت الثَّانية في هذه الصُّورة؛ لأنَّها تُفْعَل في هذا الوقت في الجملة.\nوقد أمر النَّبيُّ ﷺ بالصَّلاة خلف الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة عن وقتها. وقيل له ﷺ: ألَا نقاتلهم؟ قال: \"لا، ما صلَّوا\" (^٢). وهم كانوا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٥٣٥)، وابن أبي شيبة (٨٣٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ١٦٩)، كلُّهم من طريق أبي العالية الرِّياحي عن عمر ﵁ نحوه. وقد أُعِلَّ بالانقطاع؛ وبأنَّ أبا العالية لم يسمع من عمر، كما نقل البيهقي عن الشَّافعي ذلك وتابعه. واستدرك الذَّهبي في المهذَّب (٤٩٤٨) عليهما فقال: \"بلى سمع منه\".\nوفي العلل ومعرفة الرجال لعبد الله بن أحمد (٢/ ٥٢١): \"قلتُ لأبي: أبوالعالية الرِّياحي سمع من عمر؟ قال: يقولون ذاك\". وفي تهذيب التَّهذيب لابن حجر (١/ ٦١٠): \"قال ابن المديني: أبوالعالية سمع من عمر .. \".\nوأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٣٢)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ١٦٩) من طريق أبي قتادة العدوي عن عمر ﵁ نحوه. قال البيهقي عقبه: \"أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁، فإن كان شهده كتب فهو موصولٌ، وإلَّا فهو إذا انضمَّ إلى الأوَّل صار قويًّا\".\nوجزم بصحَّته الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٨٥) فقال: \"إسنادٌ صحيحٌ\".\nوقد رُوِي مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ، ولا يصحُّ. كما قال البيهقي (٣/ ١٦٩) وغيره.\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص ١١)، وأنَّه في مسلمٍ.","vol":"1","page":128},{"text":"يؤخِّرون الظهر خاصةً إلى وقت العصر، فأمر بالصلاة خلفهم؛ وتكون (^١) نافلةً للمصلِّي، وأمَرَه أنْ يصلِّي الصلاة في وقتها، ونَهَى عن قتالهم.\nقالوا: وأمَّا مَن أخَّر صلاة النَّهار فصلَّاها باللَّيل، أوصلاة اللَّيل فصلَّاها بالنَّهار، فهذا الذي فَعَلَه غير الذي أُمِرَ به، وغير ما شرعه الله ورسوله؛ فلا يكون صحيحًا ولامقبولًا.\nقالوا: وقد قال رسول الله ﷺ: \"من ترك صلاة العصر حبط عمله\" (^٢)، وقال: \"الذي تفوته صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه\" (^٣). فلو كان يمكنه استدراكها باللَّيل لم يحبط عمله (^٤)، ولم يكن موتورًا من أعماله، بمنزلة الموتور من أهله وماله.\nقالوا: وقد صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: \"مَنْ أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرب الشَّمس فقد أدرك العصر، ومَنْ أدرك ركعةً من الصُّبح قبل أنْ تطلع الشَّمس فقد أدرك الصُّبح\" (^٥).\nولو كان فعلها بعد المغرب وطلوع الشَّمس صحيحًا مطلقًا لكان\n_________\n(^١) ط: \"ويكون\".\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/١٠٨)، وأنَّه في البخاري.\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/١١٢)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٤) ض: \"تحبط .. \"، وليس في س: \"عمله\".\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٥٦)، ومسلم (٦٠٨) من حديث أبي هُريرة بنحوه.","vol":"1","page":129},{"text":"مُدْرِكًا، سواء أدرك ركعةً، أو أقلَّ من ركعةٍ، أو لم يدرك منها شيئًا.\nفإنَّه ﷺ لم يُرِد أنَّ من (^١) أدرك ركعةً صحَّت صلاته بلا إثْمٍ؛ إذْ لاخلاف بين الأمَّة أنَّه لا يحِلُّ له تأخيرها إلى أنْ يضيق وقتها عن كمال فعلها، وإنَّما أراد بالإدراك الصِّحَّة والإجزاء. وعندكم تصحُّ وتجزئ، ولو أدرك منها قدر تكبيرةٍ، أو لم يدرك منها شيئًا. فلا معنى للحديث عندكم ألبتَّة!\nقالوا: والله سبحانه قد جعل (^٢) لكلِّ صلاةٍ وقتًا محدود الأول والآخر، ولم يأذن في فعلها قبل دخول وقتها، ولا بعد خروج وقتها، والمفعول قبل الوقت وبعده أمرٌ غير المشروع.\nفلو كان الوقت ليس شرطًا في صِحَّتها لكان لا فرق في الصِّحَّة بين فعلها قبل الوقت وبعده؛ لأنَّ كلا الصَّلاتين صلَّاها في غير وقتها. فكيف قُبِلَت من هذا المفرِّط بالتَّفويت، ولم تُقْبَل من المفرِّط بالتَّعجيل.\nقالوا: والصَّلاة في الوقت واجبةٌ على كُلِّ حالٍ، حتى إنَّه يترك جميع الواجبات والشُّرُوط لأجل الوقت؛ فإذا عَجَز عن الوضوء، أوالاستقبال، أوطهارة الثَّوب والبدن، أوستر العورة، أو قراءة الفاتحة، أوالقيام في الوقت، وأمْكَنَه أنْ يصلِّي بعد الوقت بهذه الأمور= فصلاته\n_________\n(^١) \"من\" مِن س.\n(^٢) س: \"وقد جعل الله سبحانه\".","vol":"1","page":130},{"text":"في الوقت بدونها هي التي شرعها الله وأوجبها، ولم يكن له أنْ يصلِّي بعد الوقت مع كمال هذه الشُّروط والواجبات. فعُلِمَ أنَّ الوقت مقدَّمٌ عند الله ورسوله على جميع الواجبات.\nفإذا لم يكن إلَّا أحد الأمرين وجب أنْ يصلِّي في الوقت بدون هذه الشُّروط والواجبات. ولو كان له سبيلٌ إلى استدراك الصَّلاة بعد خروج وقتها لكان صلاته بعد الوقت مع كمال الشُّروط والواجبات خيرًا من صلاته في الوقت بدونها، وأحبَّ إلى الله. وهذا باطلٌ بالنَّص والإجماع.\nقالوا (^١): وأيضًا فقد توعَّد الله سبحانه مَن فوَّتَ الصلاة عن وقتها بوعيد التَّارك لها، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٤ - ٥]. وقد فسَّر أصحاب رسول الله ﷺ السَّهو عنها بأنَّه: تأخيرها عن وقتها؛ كما ثبَت ذلك عن سعد بن أبي وقاص. وفيه حديثٌ مرفوع (^٢).\nوقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم/٥٩]. وقد فسَّر الصَّحابة والتَّابعون إضاعتها بتفويت وقتها (^٣).\n_________\n(^١) يُنْظَر: المحلى (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) تقدَّم تخريج الأثر والحديث (ص/٥٢، ٥٣).\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/٥٢).","vol":"1","page":131},{"text":"والتَّحقيق أنَّ إضاعتها يتناول تركها، وترك وقتها، وترك واجباتها وأركانها.\nوأيضًا (^١) فإنَّ مؤخِّرها عن وقتها عمدًا متعدٍّ لحدود الله، كمقدِّمِها عن وقتها، فما بالها تُقْبَل مع تعدِّي هذا الحدِّ، ولا تُقْبل مع تعدِّي الحدِّ الآخر (^٢)!\nقالوا (^٣): وأيضًا فنقول لمن قال: إنَّه يستدركها بالقضاء: أَخْبِرْنا عن هذه الصَّلاة التي تأمر بفعلها، أهي التي أمر الله بها (^٤)؟ أم هي غيرها؟\nفإنْ قال: هي هي (^٥)، بعينها.\nقيل له: فالعامد بتركها (^٦) حينئذٍ ليس عاصيًا؛ لأنَّه قد فعل ما أمر الله به بعينه، فلا يلحقه الإثم والملامة. وهذا باطلٌ قطعًا.\nوإنْ قال: ليست هي التي أمر الله بها. قيل له: فهذا من أعظم حُجَجنا عليك؛ إذ (^٧) ساعَدْتَ أنَّ هذه غير مأمورٍ بها.\n_________\n(^١) \"وأيضًا\" ليست في ض.\n(^٢) ينظر: المحلَّى (٢/ ٢٣٦).\n(^٣) ينظر: المحلَّى (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(^٤) ض وس: \"إنَّه سيدركها .. \". ض: \" .. أمره الله\". س: \" .. أمر الله بفعلها\"\n(^٥) س وط: \"هي\" مرة واحدة.\n(^٦) س: \"تركها\"\n(^٧) س وط: \"إذا\".","vol":"1","page":132},{"text":"ثم نقول أيضًا (^١): ما تقولون (^٢) فيمن تعمَّد تفويتها حتى خرج وقتها، ثم صلَّاها، أطاعةٌ صلاتُه تلك، أم معصيةٌ؟\nفإنْ قالوا: صلاته طاعةٌ لله (^٣) وهو مطيعٌ بها، خالفوا الإجماع، والقرآن، والسُّنن الثَّابتة.\nوإنْ قالوا: هي (^٤) معصيةٌ. قيل: فكيف يُتَقَرَّب إلى الله بالمعصية! وكيف تنوب المعصية عن الطَّاعة (^٥)!\nفإنْ قلتم: هو مطيعٌ بفعلها، عاصٍ بتأخيرها، وهو إنَّما تقرَّب بالفعل الذي (^٦) هو طاعة، لا بالتفويت الذي هو معصية.\nقيل لكم: الطَّاعة هي موافقة الأمر، وامتثاله على الوجه الذي أمر به، فأين أمر الله ورسوله من تعمُّد تفويت الصَّلاة بفعلها بعد خروج وقتها حتى يكون مطيعًا (^٧) له بذلك؟ فلو ثبت ذلك لكان فاصلًا للنِّزاع في المسألة.\n_________\n(^١) ينظر: المحلى (٢/ ٢٣٦).\n(^٢) هـ وط: \"يقولون\".\n(^٣) \"لله\" ليست في هـ وط.\n(^٤) س: \"بل هي\"\n(^٥) \"عن الطاعة\" ليست في ض.\n(^٦):\"هو مطيع … بالفعل الذي\" سقطت من هـ. وفي ط: \" .. أنها تقرب .. \".\n(^٧) ض: \"مضيعًا\".","vol":"1","page":133},{"text":"قالوا (^١): وأيضًا فغير أوقات العبادة لا تَقْبَل تلك العبادة بوجهٍ، كما أنَّ اللَّيل لا يقبل الصِّيام، وغير أشهر الحجِّ لا يقبل (^٢) الحج، وغير وقت الجمعة لا يقبل الجمعة.\nفأيُّ فرقٍ بين مَن قال: أنا أفطر النَّهار وأصوم اللَّيل. أو قال: أنا أفطر رمضان في هذا الحرِّ الشديد، وأصوم مكانه شهرًا في الربيع. أو قال: أنا أؤخِّر الحجَّ من أشهره (^٣) إلى المحرَّم، أو قال: أنا أصلِّي الجمعة بعد العشاء الآخرة، أو أصلِّي العيدين (^٤) في وسط الشهر= وبين من قال: أنا أؤخِّر صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وصلاة اللَّيل إلى النَّهار؟\nفهل يمكن أحدًا قطُّ أنْ يفرِّق بين ذلك؟!\nقالوا: وقد جعل الله سبحانه للعبادات أمكنةً، وأزمنةً، وصفات، فلا ينوب مكانٌ عن المكان (^٥) الذي جعله الله ميقاتًا (^٦) لها؛ كعرفة، ومزدلفة، ومنى، ومواضع الجمار، والبيت (^٧)، والصَّفا والمروة. ولا\n_________\n(^١) ينظر: المحلَّى (٢/ ٢٣٧).\n(^٢) س: \"تقبل\"\n(^٣) ط: \"من شهره\".\n(^٤) ض وس: \"عشاء .. العيد\".\n(^٥) س: \"عن مكان\".\n(^٦) ط: \"مكانا ميقاتا\".\n(^٧) هـ وط: \"والمبيت\".","vol":"1","page":134},{"text":"تنوب (^١) صفةٌ مِن صفاتها التي أوجبها الله عليها عن صفةٍ، فكيف ينوب زمانٌ عن (^٢) زمانها الذي أوجبها الله فيه عنه؟\nقالوا (^٣): وقد دلَّ النَّص والإجماع على أنَّ من أخَّر الصلاة عن وقتها عمدًا أنَّها قد فاتته، كما قال النَّبيُّ ﷺ: \"من فاتته صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه\" (^٤). وما فات فلا سبيل إلى إدراكه ألبتَّة، ولو أمكن أنْ يدرك لما سُمِّيَ فائتًا. وهذا ممَّا لا شكَّ فيه لغةً وعرفًا.\nوكذلك هو في الشَّرع، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: \"لا يفوت الحجُّ حتى يطلع (^٥) الفجر من يوم عرفة (^٦) \" (^٧). أفلا تراه جعله فائتًا بفوات وقتِهِ، لمَّا لم\n_________\n(^١) ض وس: \"ينوب\".\n(^٢) س: \"غير\".\n(^٣) بمعناه في: المحلَّى (٢/ ٢٣٨).\n(^٤) تقدَّم تخريجه (ص/١١٢) وأنه في الصحيحين.\n(^٥) ط: \"تطلع .. \".\n(^٦) قوله: \"يوم عرفة\" كذا في كلِّ النسخ! وهو مخالف للفظ الرِّواية كما سيأتي تخريجها.\n(^٧) أخرجه البيهقي في الكبرى (٥/ ١٧٤) من طريق ابن وهب أخبرني ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال: \"لا يفوت الحج حتى ينفجر الفجر من ليلة جمعٍ\". قال: قلتُ لعطاء: أبَلَغَك ذلك عن رسول الله ﷺ؟ قال عطاء: نعم.\nقال الألباني في الإرواء (١٠٦٥): \"هذا سندٌ صحيحٌ إنْ كان ابن جريجٍ سمعه من أبي الزُّبير؛ فإنَّه مدلِّسٌ. ومثلُه أبو الزبير أيضًا، لكنَّه قد سمعه من جابر، بدليل رواية =","vol":"1","page":135},{"text":"يمكن أنْ يُدْرَك في يومٍ بعد ذلك اليوم.\nوهذا بخلاف المنسيَّة، والتي (^١) نام عنها؛ فإنَّها لا تسمَّى فائتةً؛ ولهذا لم تدخل في قوله: \"الذي تفوته (^٢) صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه\" (^٣).\nقالوا (^٤): والأمَّة مجمعةٌ على أنَّ من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج (^٥) وقتها فقد فاتته، ولو قُبِلَت منه وصحَّت بعد الوقت لكان تسميتها فائتةً لغوًا وباطلًا؛ إذْ كيف يفوت ما يُدْرَك!\nقالوا: وكما أنَّه لا سبيل إلى استدراك الوقت الفائت أبدًا فلا سبيل إلى استدراك فرضه ووظيفته (^٦).\n_________\n= … الأثرم\". ويقصد برواية الأثرم ما أخرجه ــ كما في المغني (٥/ ٦٦) ــ عن أبي الزبير عن جابر أنَّه قال ذلك، قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم. وقد أخرجه البيهقي (٥/ ١٧٤) موقوفًا دون سؤال أبي الزبير إياه عن رفعه.\n(^١) ض وس وهـ: \"والذي\".\n(^٢) ض وس: \"لم يدخل .. \". هـ: \" .. يفوته\".\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/١١٢) وأنه في الصحيحين.\n(^٤) ينظر: المحلَّى (٢/ ٢٣٨).\n(^٥) ط: \"يخرج\".\n(^٦) ط: \"ووصفه\".","vol":"1","page":136},{"text":"قالوا: وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد وغيره (^١): \"من أفطر يومًا من (^٢) رمضان من غير عذرٍ لم يقضه عنه صيام الدَّهر\".\nفأين هذا من قولكم: يقضيه عنه صيام يومٍ من أي شهرٍ أراد!\nقالوا (^٣): وقد أمَرَ الله سبحانه المسلمين - حال مواجهة (^٤) عدوِّهم - أنْ يصلُّوا صلاة الخوف؛ فيقصروا من أركانها، ويفعلوا فيها الأفعال الكثيرة، ويستدبرون فيها القبلة، ويسلِّمون قبل الإمام، بل يصلُّون رجالًا وركبانًا، حتى\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٨٦). وقد أخرجه أيضًا البخاري معلَّقًا بصيغة التمريض (٢/ ٦٨٣)، وابن خزيمة (٣/ ٢٣٨)، وأبوداود (٢٣٩٦)، والترمذي (٧٢٣)، وابن ماجه (١٦٧٢)، وغيرهم، من طرقٍ عن أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ به.\nوقد أشار لضعفه البخاري حين علَّقه بقوله: \"ويُذْكَر عن أبي هريرة\". وكذا ابن خزيمة في صحيحه في الترجمة فقال: \"إنْ صحَّ الخبر، فإنِّي لا أعرف ابن المطوس ولا أباه\". وضعَّفه أيضًا ابن عبد البر، والمنذري، والبغوي، والقرطبي، والذهبي، والدميري، وابن حجر، ثم الألباني. وقد أُعِلَّ بثلاث عللٍ: الاضطراب، والجهالة، والانقطاع.\nيُنظَر بيان ذلك في: فتح الباري (٤/ ١٦١) والتغليق (٣/ ١٧١) وتمام المنَّة (٣٩٦).\n(^٢) \"أفطر\" سقطت من هـ. وفي س: \" .. في رمضان\".\n(^٣) ينظر: المحلَّى (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٤) س: \"مواجهتهم\".","vol":"1","page":137},{"text":"لو لم يمكنهم إلَّا الإيماء أتَوا (^١) بها على دوابِّهم، إلى غير القبلة في وقتها.\nولو قُبِلَت منهم في غير وقتها وصحَّت لجاز (^٢) لهم تأخيرها إلى وقت الأمن، وإمكان الإتيان بها. وهذا يدلُّ على أنَّها بعد خروج وقتها لا تكون صحيحةً (^٣) جائزةً ولا مقبولةً منهم، مع هذا العذر الذي أصابهم في سبيله، وجهاد أعدائه.\nفكيف تُقْبَل وتصحُّ من صحيحٍ مقيمٍ، لا عذر له ألبتَّة، وهو يسمع داعي الله جهرةً، فيَدَعها حتى يخرج وقتها، ثم يصلِّيها في غير الوقت؟!\nوكذلك لم يُفْسَح في تأخيرها عن وقتها للمريض (^٤)، بل أمره أنْ يصلِّي على جنبه، بغير قيامٍ ولا ركوعٍ ولا سجودٍ، إذا عَجَز عن ذلك. ولو كانت تُقْبَل منه وتصحُّ (^٥) في غير وقتها لجاز له تأخيرها إلى زمن الصِّحَّة.\nفأَخْبِرُونا: أي كتابٍ، أو سنةٍ، أو أثَرٍ عن صاحبٍ نَطَق بأنَّ من أخَّر الصَّلاة وفوَّتها (^٦) عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدًا= يقبلها الله منه بعد خروج وقتها، وتصحُّ منه، وتبرأ ذمَّته منها، ويثاب عليها ثواب من أدَّى\n_________\n(^١) ض: \"يمكنهم إلا بما .. \". س: \" .. وأتوا\".\n(^٢) س: \"لأجاز\".\n(^٣) \"صحيحة\" ليست في س وط.\n(^٤) هـ وط: \"للمرض\".\n(^٥) ط: \"يصح\".\n(^٦) \"وفوَّتها\" ليست في س.","vol":"1","page":138},{"text":"فرائضه (^١)؟ هذا والله ما لا سبيل لكم إليه ألبتَّة حتى تقوم السَّاعة!\nونحن نُوْجِدُكم عن أصحاب رسول الله ﷺ مثل ما قلناه، وخلاف قولكم.\nفصلٌ\nفي قول أبي بكرٍ الصِّديق ﵁، الذي لم يُعْلَم (^٢) أنَّ أحدًا من الصَّحابة أنكر عليه.\nقال عبد الله بن المبارك (^٣): أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن [زبيد] (^٤): أنَّ أبا بكرٍ قال لعمر بن الخطاب: \"إنِّي موصيك بوصيَّةٍ إنْ حفظتها. إنَّ لله حقًّا بالنَّهار لا يقبله باللَّيل، و[إنَّ] (^٥) له حقًّا باللَّيل لا يقبله بالنَّهار. وإنَّها لا (^٦) تُقْبَل نافلةٌ حتى تُؤدَّى الفريضة.\nوإنَّما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينه يوم القيامة باتِّباعهم في الدُّنيا الحق، وثقله (^٧) عليهم. وحُقَّ لميزانٍ لا يوضع فيه إلَّا الحق أنْ يكون ثقيلًا.\n_________\n(^١) هـ: \"فرضه\"، ط: \"فريضة\".\n(^٢) س: \"نعلم\".\n(^٣) في الزُّهد له (٩١٤).\n(^٤) في النسخ كلها \"زيد\"، وهو تحريفٌ، إذ هو اليامي، وهو على الصواب في الزهد (٩١٤)، وسيأتي كذلك في رواية هناد.\n(^٥) الزيادة من كتاب الزهد.\n(^٦) ض وس: \"وإنها لن\".\n(^٧) س: \"ثقلت\".","vol":"1","page":139},{"text":"وإنَّما خفَّت موازين مَنْ خفَّت موازينه (^١) يوم القيامة باتِّباعهم الباطل، وخِفَّته (^٢) عليهم. وحُقَّ لميزانٍ لا يوضع فيه إلَّا الباطل أنْ يخفَّ.\nوإنَّ الله ﷿ ذَكَر أهلَ الجنَّة، وصالِح ما عملوا، وتجاوز عن سيِّئاتهم، فإذا ذكرتُهم خفتُ ألَّا أكون منهم. وذَكَر أهلَ النَّار وأعمالهم، فإذا ذكرتُهم قلتُ: أخشى أنْ أكون منهم (^٣). وذكر آية الرحمة وآية العذاب؛ ليكون المؤمن راغبًا راهبًا، فلا يتمنَّى على الله غير الحق، ولا يُلقي بيده إلى التهلكة.\nفإنْ حفظت قولي فلا يكوننَّ غائبٌ (^٤) أحب إليك من الموت، ولا بدَّ لك منه. وإنْ ضيَّعت وصيَّتي فلا يكونَّن (^٥) غائبٌ أحب إليك من الموت، ولن تعجزه\".\n_________\n(^١) هـ: \"خفت موازين\".\n(^٢) س: \"حقيقته\".\n(^٣) ض: \"تكون منهم\".\nوجملة: \"فإذا ذكرتُهم خفتُ .. أخشى أنْ أكون\" ليست في الزهد لابن المبارك ولا لهنَّاد.\nوقد أخرجها أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٦) بنحوها. بل سياق ابن المبارك وهنَّاد وسعيد بن منصور (٥/ ١٣٢) وابن أبي شيبة (٣٥٥٧٤) وأبوداود في الزهد (٢٨) وغيرهم= \"ذكر أهل الجنَّة .. فيقول قائل: أنا أفضل من هؤلاء\"، وعند بعضهم زيادة: \"وذكر أهل النَّار .. فيقول القائل: أنا خيرٌ من هؤلاء\".\n(^٤) ض: \"فلا يكون غائبًا\". وكذا في الموضع التالي.\n(^٥) جملة: \"أحب إليك من الموت .. فلا يكونَّن\" الأولى سقطت من س.","vol":"1","page":140},{"text":"وقال هناد بن السَّري (^١): حدَّثنا عَبْدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن زُبَيْد (^٢) اليامي قال: \"لمَّا حَضَرَت أبا بكر الوفاة .. \"، فذكره.\nقالوا: فهذا أبوبكرٍ يقول: \"إنَّ الله لا يقبل عمل النَّهار باللَّيل، ولا عمل اللَّيل بالنَّهار\". ومن يخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف هذا صريحًا، وأنَّه يقبل صلاة العشاء الآخرة وقت الهاجرة، ويقبل صلاة العصر نصف اللَّيل (^٣)!\nقالوا (^٤): فهذا قول أبي بكرٍ، وعمر، وابنه عبد الله، وسعد بن أبي وقاصٍ، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكرٍ، وبُدَيل (^٥) العقيلي، ومحمد بن سيرين، ومطرِّف بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز ﵃، وغيرهم.\nقال شعبة عن يعلى بن عطاء (^٦) عن عبد الله بن خراش (^٧) قال: رأى\n_________\n(^١) الزهد لهنّاد (١/ ٤٩٦).\n(^٢) س: \"زيد\".\n(^٣) س: \"وتقبل .. \". ط: \" .. نصف النهار\".\n(^٤) يُنْظَر: المحلَّى لابن حزم (٢/ ٢٣٨).\n(^٥) ط: \"هذيل\"!\n(^٦) ض: \"يعلى عطا\".\n(^٧) ط وس: \"حراش\".","vol":"1","page":141},{"text":"ابن عمر (^١) رجلًا يقرأ في صحيفةٍ فقال له: \"يا (^٢) هذا القارئ، إنَّه لا صلاة لمن لم يصلِّ الصَّلاة لوقتها، فصلِّ، ثم اقرأ ما بدا لك\" (^٣).\nقالوا (^٤): ولا يصحُّ تأويلكم ذلك على أنَّه: لا صلاة كاملة؛ لوجوهٍ:\nأحدها: أنَّ النَّفي يقتضي نفي حقيقة المسمَّى، والمسمَّى هنا هو الشَّرعي، وحقيقته (^٥) منتفيةٌ. هذا حقيقة اللَّفظ، فما (^٦) الموجب للخروج عنها؟\nالثَّاني: أنَّكم إنْ (^٧) أردتم بنفي الكمالِ الكمالَ المستحبَّ فهذا باطلٌ؛ فإنَّ الحقيقة الشرعيَّة لا تنتفي لنفي مستحبٍّ فيها، وإنَّما تنتفي لنفي ركنٍ من أركانها، وجزءٍ من أجزائها. وهكذا كل نفيٍ وَرَد على حقيقةٍ شرعيَّةٍ؛\n_________\n(^١) س: \"عمر\". وذكر الشَّيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على هذا الأثر في المحلَّى (٢/ ٢٣٨) أنَّه في إحدى نسخ المحلَّى: عمر، قال: \"ولا أعرف أيُّهما الصَّواب؛ فإنِّي لم أجد هذا الأثر إلَّا هنا\".\n(^٢) ط: \"ما\".\n(^٣) أخرجه ابن حزم في المحلَّى معلَّقًا (٢/ ٢٣٩)، ولم أقف عليه عند غيره.\n(^٤) بنحوه في: المحلَّى (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(^٥) \"الشرعي\" ليست في ط. وفيه وهـ زيادة: \"الترتيب\" قبلها. وفي ط: \"حقيقة\".\n(^٦) \"فما\" ليست في س.\n(^٧) \"أنكم\" ليست في ض. وفي ط: \"أنكم إذا\".","vol":"1","page":142},{"text":"كقوله: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\" (^١)، و\"لا صلاة لمن لا وضوء له\" (^٢)،\nو\"لا عمل لمن لا نيَّة له\" (^٣)، و\"لا صيام لمن لا يبيِّت الصِّيام من\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٨٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤١٨)، وأبو داود (١٠١)، وابن ماجه (٣٩٩)، والحاكم (١/ ٢٤٦)، وغيرهم، من طريق يعقوب بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا. وقد صحَّحه الحاكم، ووُهِّمَ في هذا، ورُدَّ عليه بجهالة وضعف بعض رواته.\nوفي الباب حديث جمعٍ من الصَّحابة، ولكن لا يكاد يسلم كلُّ واحدٍ منها من مقالٍ.\n\nوقد ضعَّف الحديث جماعةٌ؛ فقال أبوحاتم وأبوزرعة الرَّازيَّان: \"ليس عندنا بذاك الصَّحيح\"، وقال أحمد: \"لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسنادٌ جيِّدٌ\"، وقال أيضًا: \"ليس فيه شيءٌ يثبت\". وصحَّحه بمجموع طرقه ابن الصلاح وابن عبد الهادي والمنذري وابن كثيرٍ وابن حجر والألباني. يُنْظَر في جميع ما تقدَّم: علل ابن أبي حاتم (١٢٩)، وعلل الترمذي (١/ ١١٢)، والتعليقة على العلل لابن عبد الهادي (١٤٤)، والتَّلخيص الحبير (١/ ٧٣)، وإرواء الغليل (٨١).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (١/ ٤١) والخطيب في الجامع (١/ ٣١٥) من طريق خالد ابن خداش عن عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثني بعض أهل بيتي عن أنسٍ ﵁ به مرفوعًا. قال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١٥٠): \"في سنده جهالةٌ\".\nوأخرجه ابن عساكر في أماليه من طريق الأنصاري عن التَّيمي عن أنسٍ به، وقال: \"غريب جدًّا\". قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٥٠): \"وهو شاذٌّ؛ لأنَّ المحفوظ عن يحيى بن سعيد من حديث عمر بغير هذا السِّياق\". ورُوِي موقوفًا على عمر وابن مسعود، ولا يصحُّ، كما في جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ١٣).","vol":"1","page":143},{"text":"اللَّيل\" (^١)، و\"لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب\" (^٢).\nولو انتفت الحقيقة لانتفاء (^٣) بعض مستحبَّاتها فما مِن عبادة إلَّا وفوقها من جنسها ما هو أحبُّ إلى الله منها.\nوقد ساعدتمونا على أنَّ الوقت من واجباتها، فإذا نُفِيت لنفي واجبٍ فيها لم تكن (^٤) صحيحةً ولا مقبولةً.\nالثَّالث: أنَّه إذا لم يكن نفي حقيقة المسمَّى فنفي صحَّته والاعتداد\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٢٤٥٤)، والنسائي (٢٣٣٣)، والترمذي (٧٣٠)، وابن ماجه (١٧٠٠)، وغيرهم، من طرقٍ عن سالمٍ عن ابن عمر عن حفصة زوج النَّبي ﷺ مرفوعًا، بنحو لفظه. وقد اختلف في رفعه ووقفه على حفصة أو ابن عمر.\nفصحَّح رفعه الحاكم، والدارقطني، وابن خزيمة، والبيهقي، والخطابي، وعبد الحق الإشبيلي، وابن حزم، والألباني. ورجَّح وقفه أبوحاتم كما في علل ابنه (ص/٣٨٥)، وأحمد، والبخاري كما في علل الترمذي (١/ ١٤٨)، والنَّسائي في الكبرى (٢/ ١١٧)، والترمذي في سننه (٧٣٠)، وابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٢٨٠).\nويُنْظَر: البدر المنير (٥/ ٦٥٠)، والتَّلخيص الحبير (٢/ ١٨٨)، وإرواء الغليل (٩١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤)، من حديث عبادة ﵁ مرفوعًا.\n(^٣) س: \"لانتفى\".\n(^٤) هـ وط: \"فإن انتفت بنفي .. \". وفي هامش هـ: في نسخة: \"فإذا نفيت بنفي موجبه .. \". هـ: \" .. لم يكن\".","vol":"1","page":144},{"text":"به أقرب (^١) إلى نفيه من كماله المستحبِّ.\nوقال محمد بن المثنى: حدَّثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد بن أبي عروبة (^٢) عن قتادة قال: ذُكِر لنا أنَّ عبد الله بن مسعود كان يقول: \"إنَّ للصَّلاة وقتًا (^٣) كوقت الحجِّ، فصلُّوا الصَّلاة لميقاتها (^٤) \" (^٥).\nفهذا عبد الله قد صرَّح بأنَّ وقت الصَّلاة كوقت الحجِّ، فإذا كان الحجُّ لا يُفْعَل في غير وقته فما بال الصَّلاة تجزئ في غير وقتها؟\nوقال عبد الرزَّاق (^٦):\nعن معمر عن بُدَيل العقيلي قال: بَلَغني أنَّ\n_________\n(^١) س هنا زيادة: \"به\".\n(^٢) ط: \"عبد الأعلى عن ابن مسعود حدثنا سعيد .. \".\n(^٣) ض: \"للصلاة وقتٌ\" وليس فيها: \"إن\".\n(^٤) \"كان يقول .. الصَّلاة لميقاتها\". سقطت من هـ.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (٣٧٤٧)، ومن طريقه ابن جرير (٧/ ٤٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥٩١٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٥) وغيرهم، من طريق قتادة عن ابن مسعود نحوه، دون ذكر الآية وجملة: \"فصلُّوا .. \". وإسناده منقطعٌ؛ فإنَّ قتادة لم يسمع من ابن مسعود، وأُبْهِمت الواسطة بينهما، وإلى هذا أشار الهيثمي في المجمع (١/ ٣٠٥).\n(^٦) المصنَّف (٢٢٣٤). وقد رُوِي مرفوعًا. فأخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٦٣) من طريق عباد بن كثير عن أبي عبيدة عن أنس ﵁ نحوه مرفوعًا للنَّبي ﷺ.\nوفي إسناده عبَّاد بن كثير، وهو متروك الحديث. وإلى هذا أشار الهيثمي في المجمع (١/ ٣٠٢). وتُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال (١/ ١٤٥)، وميزان الاعتدال (٢/ ٣٧١).\n\nوفي الباب حديث عبادة ﵁ نحوه مرفوعًا، وسيأتي (ص/٢٨٨).","vol":"1","page":145},{"text":"العبد إذا صلَّى الصَّلاة لوقتها صعدت ولها نورٌ ساطعٌ (^١) في السَّماء، وقالت: \"حَفِظْتَني حفظك الله، وإذا صلَّاها لغير وقتها طُوِيَت كما يُطْوَى الثَّوب الخَلَق، فضُرِب (^٢) بها وجهه\".\nفصلٌ\nقال الذين يعتدُّون بها بعد الوقت، ويُبْرِئُون بها الذِّمَّة، واللَّفظ لأبي عمر ابن عبد البَر؛ فإنَّه انتصر لهذه المسألة أتمَّ انتصار. ونحن نذكر كلامه بعينه.\nقال في \"الاستذكار\" (^٣) في باب النَّوم عن الصَّلاة: قرأتُ على عبد الوارث أنَّ قاسمًا حدَّثهم: حدَّثنا أحمد بن زهير حدَّثنا ابن الأصبهاني حدثنا عبيدة بن حميد (^٤) عن يزيد بن [أبي] زياد (^٥) عن تميم ابن سلمة عن مسروقٍ عن ابن عباس قال: \"كان رسول الله ﷺ في سفرٍ،\n_________\n(^١) هـ: \"صادع\". ط: \"صارع\".\n(^٢) ط: \"فتضرب\".\n(^٣) الاستذكار (١/ ٢٩٩) وما بعدها.\n(^٤) س: \"حميدة\".\n(^٥) في النسخ كلِّها: \"بن زياد\". والتَّصويب من الاستذكار (١/ ٢٩٩) ومصادر الحديث كمسند أحمد (١/ ٢٥٩)، وأبي يعلى (٤/ ٢٦٣)، وغيرهما. ويزيد هو: القرشي الهاشمي الكوفي، ضُعِّف. ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٢/ ١٣٥)، وميزان الاعتدال (٤/ ٤٢٣).","vol":"1","page":146},{"text":"فعرَّسوا (^١) من آخر اللَّيل، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، فأمر بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى ركعتين\". قال ابن عباس: \"فما يسرُّني بها الدُّنيا وما فيها\". يعني: الرُّخصة.\nقال أبو عمر: ذلك عندي - والله أعلم - لأنَّه كان سببًا (^٢) إلى أنْ أعْلَمَ أصحابه (^٣) المبلِّغين عنه إلى سائر أمَّته بأنَّ مراد الله من (^٤) عباده في الصَّلاة وإنْ كانت مؤقَّتة: أنَّ مَن لم يصلِّها في وقتها يقضيها أبدًا متى ما (^٥) ذكرها، ناسيًا كان لها، أونائمًا عنها، أومتعمِّدًا لتركها.\nألَا ترى إلى حديث مالكٍ (^٦) في هذا الباب، عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب: أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"مَن نسِي الصَّلاة فليصلِّها إذا ذَكَرَها\".\nوالنِّسيان في لسان العرب يكون للتَّرك (^٧) عمدًا، ويكون ضدَّ الذِّكْر، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة/٦٧]، أي: تركوا طاعة الله والإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ، فتركهم الله من رحمته. وهذا ممَّا لا\n_________\n(^١) التَّعريس: النُّزول آخر اللَّيل، كما في الاستذكار نفسه (١/ ٢٩٤).\n(^٢) هـ: \"شيئًا\" تحريف!\n(^٣) س: \"الصحابة\".\n(^٤) س: \"عن\".\n(^٥) \"ما\" ليست في هـ وط.\n(^٦) الموطأ (٢٥). وقد تقدَّم تخريجه (ص/١١٤، ١١٥) موصولًا.\n(^٧) هامش هـ: \"بمعنى الترك\".","vol":"1","page":147},{"text":"خلاف فيه، ولا يجهله من له أقلُّ علمٍ بتأويل القرآن (^١).\nفإنْ قيل: فلِمَ خصَّ النَّائم والنَّاسي بالذِّكر في قوله في غير (^٢) هذا الحديث: \"مَن نام عن الصَّلاة أونسيها فلْيصلِّها إذا ذَكَرها\" (^٣).\nقيل: خصَّ النَّائم والنَّاسي ليرتفع التَّوهُّم والظَّن فيهما؛ لرفع القلم في سقوط التَّأثيم عنهما بالنَّوم والنِّسيان. فأبان رسول الله ﷺ أنَّ سقوط الإثم عنهما غير مسقطٍ لما لزمهما من فرض الصَّلاة، وأنَّها واجبة عليهما عند الذِّكر لها، يقضيها كُلُّ واحدٍ منهما بعد خروج وقتها إذا ذكرها.\nولم يَحْتَج إلى ذكر العامد معهما؛ لأنَّ العلَّة المتوهَّمة (^٤) في النَّاسي والنَّائم ليست فيه، ولا عذر له في ترك فرضٍ قد وجب عليه من صلاته إذا كان ذاكرًا له.\nوسوَّى الله تعالى في حكمهما (^٥) على لسان رسوله ﷺ بين حكم الصَّلاة المؤقَّتة والصِّيام المؤقَّت في شهر رمضان؛ بأنَّ (^٦) كُلَّ واحدٍ\n_________\n(^١) في هامش هـ هنا: \"هذا الكلام صحيحٌ لغةً؛ إلَّا أنَّه يأباه قوله في آخر الحديث: فليصلِّها إذا ذكرها. فتأمَّل\". انتهى.\n(^٢) \"غير\" ليست في س.\n(^٣) تقدَّم تخريجه بنحوه (ص/١١٥).\n(^٤) س: \"بعد خروج المتوهمة\".\n(^٥) الاستذكار (١/ ٣٠١): \"حكمه\".\n(^٦) ض وهـ وط: \"بل\".","vol":"1","page":148},{"text":"منهما يُقْضَى بعد خروج وقته. فنصَّ على النَّائم والنَّاسي في الصَّلاة كما وَصَفْنا، ونصَّ على المريض والمسافر في الصَّوم.\nوأجمعت الأمَّة (^١) ونقلت الكافَّة فيمَن لم يصم شهر رمضان عامدًا، وهو مؤمنٌ بفرضه، وإنَّما تَرَكه أشرًا وبطرًا، تعمَّد ذلك ثم تاب منه (^٢) = أنَّ عليه قضاءه. وكذلك مَن تَرَك الصلاة عامدًا.\nفالعامد والنَّاسي في القضاء للصلاة والصيام سواء، وإنْ اختلفا في الإثم، كالجاني (^٣) على الأموال، المتْلِفِ لها، عامدًا وناسيًا سواء إلَّا في الإثم.\nوكان الحكم في هذا النَّوع (^٤) بخلاف رمي الجمار في الحجِّ، الذي لا يُقضَى في غير وقته لعامدٍ ولا لناسٍ؛ لوجوب الدَّم فيما ينوب عنها.\nوبخلاف الضَّحايا أيضًا؛ لأنَّ الضَّحايا ليست بواجبةٍ فرضًا، والصَّلاة والصِّيام كلاهما فرضٌ واجبٌ، ودَيْنٌ ثابتٌ، يؤدَّى أبدًا وإنْ خَرَج الوقت المؤجَّل لهما. قال رسول الله ﷺ: \"دَيْن الله أحقُّ أنْ يُقضَى\" (^٥).\n_________\n(^١) ض وس: \"الأئمة\".\n(^٢) ض وس: \"بفريضته .. \". ض وس وهـ: \" .. وبطرًا بعد ذلك .. \"، ط: \" .. وبطرًا ثم تاب منه بعد ذلك .. \". وتصويب السياق من الاستذكار (١/ ٣٠١).\n(^٣) س: \"كالخاين\".\n(^٤) الاستذكار (١/ ٣٠١): \"في هذا الشرع\".\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)، من حديث ابن عباس ﵁.","vol":"1","page":149},{"text":"وإذا كان النَّائم والنَّاسي للصَّلاة - وهما معذوران - يقضيانها بعد خروج وقتها، كان المتعمِّد (^١) لتركها، الآثم في فعله ذلك - وإنْ أبى - لا يسقط عنه فرض الصلاة، وأنْ يحكم عليه بالإتيان بها؛ لأنَّ التَّوبة من عصيانه في تعمُّد تركها هي أداؤها، وإقامتها (^٢)، مع النَّدم على ما سلَف مِن تَرْكِه لها في وقتها.\nوقد شذَّ بعض أهل الظَّاهر، وأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين، وسبيل المؤمنين؛ فقال (^٣): ليس على المتعمِّد لترك الصَّلاة في وقتها أنْ يأتي بها في غير وقتها؛ لأنَّه غير نائم ولا ناسٍ، وإنَّما قال رسول الله ﷺ: \"من نام عن صلاةٍ (^٤) أونسيها فليصلِّها إذا ذَكَرها\" (^٥).\nقال: والمتعمِّد غير النَّاسي والنَّائم (^٦).\nقال: وقياسه عليهما (^٧) غير جائزٍ عندنا، كما أنَّ من قتل الصَّيد ناسيًا\n_________\n(^١) ط: \"للمتعمِّد\".\n(^٢) الاستذكار (١/ ٣٠٢): \"وإقامة تركها\".\n(^٣) نحوه في: المحلَّى لابن حزم (٢/ ٢٣٥).\n(^٤) ط: \"صلاته\".\n(^٥) تقدَّم تخريجه نحوه (ص/١١٦).\n(^٦) \"والنائم\" ليست في ض.\n(^٧) هـ: \"عليهم\".","vol":"1","page":150},{"text":"لا يجزيه عندنا (^١)!\nفخالف في المسألتين (^٢) جمهور العلماء، وظنَّ أنه يستتر (^٣) في ذلك بروايةٍ شاذَّةٍ، جاءت عن بعض التَّابعين (^٤)، وشذَّ فيها (^٥) عن جماعة علماء (^٦) المسلمين، وهو محجوجٌ بهم، مأمورٌ باتِّباعهم.\nفخالف هذا الظَّاهري طريق النَّظر والاعتبار، وشذَّ عن جماعة علماء الأمصار، ولم يأت فيما ذهب إليه من ذلك بدليلٍ يصحُّ في العقول.\nومن الدَّليل على (^٧) أنَّ الصَّلاة تُصلَّى وتُقْضَى بعد خروج وقتها كالصِّيام سواء، وإن كان إجماع الأمَّة الذين (^٨) أُمِر من شذَّ عنهم\n_________\n(^١) \"ناسيًا\" ليست في ض وهـ وط، وفي س: \"أن قتل الصيد ناسيًا لا .. \". والتصويب من الاستذكار (١/ ٣٠٢). ولعلَّ مراده بقوله: \"لا يجزيه عندنا\" أي: فدية قتل الصيد في الإحرام. وانظر كلام ابن حزمٍ في هذه المسألة في المحلَّى (٧/ ٢١٤).\n(^٢) ض وس: \"المسلمين\".\n(^٣) س: \"يسير\".\n(^٤) يُنْظَر: المحلَّى (٢/ ٢٣٨ - ٢٤١).\n(^٥) س: \"التابعين فيها وشذ\". وفي ض وهـ وط والاستذكار (١/ ٣٠٢): \"شذ\" دون واو.\n(^٦) ض وهـ وط: \"من علماء\". وفي الاستذكار (١/ ٣٠٢): \"عن جماعة المسلمين\".\n(^٧) \"على\" ليست في هـ.\n(^٨) هـ وط: \"الذي\".","vol":"1","page":151},{"text":"بالرجوع إليهم، وترك الخروج عن سبيلهم يغني عن الدَّليل في ذلك= قولُ النَّبيِّ ﷺ: \"مَن أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومَن أدرك ركعةً من الصبح قبل أنْ تطلع الشمس فقد أدرك الصُّبح\" (^١). ولم يستثن متعمِّدًا من ناسٍ.\nونَقَلَت الكافَّة عنه ﷺ أنَّ من أدرك ركعةً من صلاة العصر قبل الغروب صلَّى تمام صلاته (^٢) بعد الغروب، وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع. ولا فرق بين عمل صلاة العصر كلِّها لمن تعمَّد، أونسي، أوفَرَّط، وبين عمل بعضها في نظرٍ ولا اعتبار.\nودليلٌ آخر، وهو أنَّ رسول الله ﷺ لم يصلِّ هو ولا أصحابه يوم الخندق صلاة الظَّهر والعصر حتى غَرَبَت الشَّمس (^٣)؛ لشغله بما نَصَبه (^٤) المشركون من الحرب، ولم يكن يومئذ نائمًا ولا ناسيًا، ولا كانت بين المسلمين والمشركين (^٥) يومئذٍ حربٌ قائمةٌ ملتحمةٌ، وصلَّى يومئذٍ الظهر والعصر في اللَّيل (^٦).\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/١٢٩)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٢) هـ: \"تمام العصر\"، ط: \"تمام صلاة العصر\".\n(^٣) تقدم تخريجه (ص/١١١) وأنه في الصحيحين.\n(^٤) س: \"نصب له\".\n(^٥) ط: \"والكافرين\".\n(^٦) ض وهـ وط: \"باللَّيل\".","vol":"1","page":152},{"text":"ودليلٌ آخر أيضًا، وهو أنَّ رسول الله ﷺ قال بالمدينة لأصحابه يوم انصرافه من الخندق: \"لا يُصلينَّ أحدٌ منكم العصر إلَّا في بني قريظة\" (^١)، فخرجوا مبادرين (^٢)، وصلَّى بعضهم العصر دون بني قريظة؛ خوفًا من خروج وقتها المعهود، ولم يصلِّها بعضهم إلَّا في بني قريظة (^٣)، بعد غروب الشمس؛ لقوله ﷺ: \"لا يُصلينَّ أحدكم العصر إلَّا في بني قريظة\".\nفلم يعنِّف رسول الله ﷺ إحدى (^٤) الطَّائفتين، وكلُّهم غير ناسٍ ولا نائمٍ (^٥)، وقد أخَّرَ بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلَّاها، وقد علم رسول الله ﷺ ذلك فلم يقل لهم: إنَّ الصَّلاة لا تصلَّى إلَّا في وقتها (^٦)، ولا تقضى (^٧) بعد خروج وقتها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٤٦)، ومسلم (١٧٧٠)، من حديث ابن عمر ﵁. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: \"الظهر\". مع اتِّحاد مخرج الحديث عندهما!\n\nوقد بيَّن الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح (٧/ ٤٠٨) وجه الجمع بين اللَّفظتين مع اتِّحاد مخرجهما وسندهما عند الشَّيخين، فلْيراجع هناك.\n(^٢) الاستذكار (١/ ٣٠٤): \"متبادرين\".\n(^٣) \"خوفًا من .. بني قريظة\" سقطت من س.\n(^٤) هـ وط: \"أحدًا من\".\n(^٥) س: \"غير نائم ولا ناسٍ\".\n(^٦) هـ: \"لم تصلَّ .. \". ط: \"لم تصلَّ في وقتها\"\n(^٧) هـ وط: \"يقضى\".","vol":"1","page":153},{"text":"ودليلٌ آخر، وهو قوله ﷺ: \"سيكون بعدي أمراء يؤخِّرون الصَّلوات عن ميقاتها\". قالوا: أفنصلِّيها (^١) معهم؟ قال: \"نعم\".\nحدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ (^٢) حدثنا\nإسحاق بن الحسن الحربي حدثنا أبوحذيفة موسى (^٣) بن مسعود حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف (^٤) عن أبي المثنَّى الحمصي عن أَبِي أُبَي ابن امرأة (^٥) عبادة بن الصَّامت عن عبادة بن الصامت قال: كنَّا عند النَّبيِّ ﷺ فقال: \"إنَّه سيجيء بعدي أمراء، تشغلهم أشياء، حتى لا يصلُّوا الصَّلاة لميقاتها\". قالوا: نصلِّيها (^٦) معهم\n_________\n(^١) ض وهـ: \"فنصليها\".\n(^٢) تحرَّفت في هـ: \"أضيع\"، وفي ط: \"أصبع\".\n(^٣) في الاستذكار (١/ ٣٠٤): \"يوسف\"!\n(^٤) س: \"منصور بن هلال بن يسار\"!\n(^٥) ض: \"الحمصي أبي أبي ابن امرأة\"، س: \"الحمصي عن أبي بن امرأة\"، هـ: \"الحمصي أتى بي امرة\"، ط: \" .. الحمصي أتى إليَّ امرأة .. \". والتَّصويب من الاستذكار (١/ ٣٠٤)، ومن مصادر الحديث، وكتب التراجم.\n\nو\"أبو أُبَي\" هو الأنصاري النجَّاري، وهو ابن أمِّ حرام بنت ملحان، امرأة عبادة، وخالة أنس بن مالك، وقيل: بل هو ابن أخت عبادة، واسمه: عبد الله بن أُبَي، وقيل: ابن كعب، أو ابن عمرو بن قيس. صحابيٌّ، إسلامه قديمٌ، وروى عن النَّبي ﷺ. تُنْظَر ترجمته في: الإصابة لابن حجر (٧/ ٥)، وتهذيب الكمال للمزِّي (٣٣/ ١٢)، وغيرهما.\n(^٦) س: \"أنصلِّيها\".","vol":"1","page":154},{"text":"يا رسول الله؟ قال: \"نعم\" (^١).\nقال أبوعمر: أبومثنَّى الحِمْصي هو: الأملوكي ثقةٌ (^٢).\nوفي هذا الحديث أنَّ رسول الله ﷺ أباح الصَّلاة بعد خروج ميقاتها، ولم يقل: إنَّ الصلاة لا تُصَلَّى إلَّا في وقتها!\nوالأحاديث في تأخير الأمراء الصَّلاة (^٣) حتى يخرج وقتها كثيرة جدًّا. وقد كان الأمراء من بني أميَّة أو أكثرهم (^٤) يصلُّون الجمعة عند الغروب (^٥).\nوقد قال ﷺ: \"إنَّما التَّفريط على مَن لم يُصَلِّ الصلاة حتى\n_________\n(^١) وأخرجه أحمد (٥/ ٣١٥)، وأبوداود (٤٣٣)، وابن ماجه (١٢٥٧)، والضياء في المختارة (٨/ ٣١٧)، والطَّبراني - كما في المجمع (١/ ٣٢٥) - وغيرهم، من طريق هلال بن يساف عن أبي المثنى به. قال الهيثمي: \"رجاله رجال الصَّحيح\".\nوفي الباب حديث ابن مسعود ﵁ عند مسلمٍ (٥٣٤) وغيره، قال: \"إنَّه ستكون عليكم أمراء، يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلُّوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحة\".\n(^٢) تحرَّفت في هـ وط: \"الأسلوكي\"، وفي س: \"الأيلوكي\".\nواسم هذا الرَّاوي: ضمضم. وقد وثَّقه العجلي أيضًا. وقال ابن القطان: مجهولٌ، ولم يقبل توثيق ابن عبد البر، وتعقَّبه ابن الموَّاق بأنَّه لا فرق بين أنْ يوثِّقه الدارقطني أوابن عبد البر. تُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٣/ ٣٢٩)، وتهذيب ابن حجر (٤/ ٤٠٦).\n(^٣) هـ وط: \"بالصلاة\".\n(^٤) ض وهـ وط: \"وأكثرهم\". والمثبت من س موافق لما في الاستذكار (١/ ٣٠٥).\n(^٥) يُنظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٨٥)، ومصنف ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٦)، (٥/ ١٩٤) ففيهما تأخير الوليد بن عبد الملك والحجاج بن يوسف وعبيد الله بن زياد لصلاة الجمعة والعصر حتى المساء.","vol":"1","page":155},{"text":"يدخل وقت الأخرى\" (^١). وقد أعْلَمَهُم أنَّ وقت الظهر في الحَضَر ما لم يدخل وقت العصر، رُوِي ذلك عنه من وجوهٍ صحاحٍ، قد ذكرتُ بعضها في صدر الكتاب - يعني: الاستذكار - (^٢)، في المواقيت (^٣).\nوحدثنا عبد الله بن محمد بن أسد (^٤) حدثنا حمزة بن محمد بن علي حدثنا أحمد بن شعيب النَّسوي حدثنا سويد بن نصر (^٥) حدثنا عبد الله\nــ يعني: ابن المبارك ــ عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح (^٦) عن أبي قتادة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"ليس في النَّوم تفريطٌ؛ إنَّما التَّفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى\" (^٧).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه والكلام عليه قريبًا.\n(^٢) ض وس: \"في صدر هذا .. \"، وليس فيهما: \"يعني: الاستذكار\".\n(^٣) الاستذكار (١/ ١٩١ - ١٩٣)، و(١/ ٢٣٥ - ٢٤٦).\n(^٤) هـ وط: \"راشد\"، ض: \"أشد\". والتَّصويب من الاستذكار (١/ ٣٠٦)، وقد أكثر عنه ابن عبد البر، ترجمته في: السِّير للذهبي (١٧/ ٨٣) وتاريخ الإسلام (٢٧/ ٣١٥).\n(^٥) ط: \"نضر\".\n(^٦) س: \"بن أبي رباح\".\n(^٧) وأخرجه مسلم (٦٨١)، بطولٍ وفيه قِصَّة. وأخرجه مختصرًا كما هي رواية ابن عبد البر: أبودواد (٤٤١)، والنسائي (٦١٥)، والترمذي (١٧٧)، وابن ماجه (٦٩٨)، وغيرهم، كلهم من طريق ثابت عن ابن رباح عن أبي قتادة به.","vol":"1","page":156},{"text":"فقد سمَّى رسول الله ﷺ من فعل هذا مفرِّطًا، والمفرِّط ليس بمعذورٍ، وليس كالنَّائم والنَّاسي عند الجميع من جهة العُذر، وقد أجاز رسولُ الله ﷺ صلاته على ما كان من تفريطه.\nوقد رُوِي في حديث أبي قتادة هذا أنَّ رسول الله ﷺ قال: \"وإذا كان الغد فليصلِّها لميقاتها\" (^١).\nوهذا أبعد وأوضح في أداء المفرِّط للصلاة عند الذِّكر وبعد الذِّكر.\nوحديث أبي قتادة هذا صحيح الإسناد، إلَّا أنَّ هذا المعنى قد عارضه حديث عمران بن الحصين، في نوم رسول الله ﷺ عن (^٢) صلاة الصُّبح بسفره، وفيه: قالوا: يا رسول الله، ألَا نصلِّيْهَا لميقاتها من الغد؟ قال: \"لا، إنَّ الله لا ينهاكم عن الرِّبا، ثم يقبله منكم! \" (^٣).\nورُوِيَ من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ مثله. وقد ذكرنا الأسانيد\n_________\n(^١) جزءٌ من حديث أبي قتادة السابق عند مسلم (٦٨١)، ولفظه عنده: \"فإذا كان الغد فليصلِّها عند وقتها\". وسيأتي لاحقًا ما يذكره المصنِّف من إعلال الحفَّاظ لها.\n(^٢) هـ وط: \"في\".\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٤٤١)، وابن حبان (١٤١٦)، وابن خزيمة (٩٩٤)، والدارقطني (١/ ٣٨٥)، والبيهقي (٢/ ٢١٧)، والطبراني (١٨/ ١٥٧) وغيرهم، كلهم من طريق الحسن البصري عن عمران ﵁ به. وإسناده منقطعٌ، إذ لم يسمع الحسن من عمران، قاله القطان وابن المديني وأبوحاتم وأحمد وابن معين. يُنْظَر: العلل لابن المديني (ص/٥١)، وتحفة التحصيل (ص/٧١)، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ٤٩٦).","vol":"1","page":157},{"text":"بذلك كله في \"التَّمهيد\" (^١).\nوقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثَّقفي - وهو مذكور في الصحابة - قال: \"قدم وفد ثقيفٍ على رسول الله ﷺ فجعلوا يسألونه، فلم يصلِّ يومئذ الظُّهر إلَّا مع العصر\" (^٢).\nوأقلُّ ما في هذا أنَّه أخَّرها عن وقتها الذي كان يصلِّيها فيه لشغلٍ اشتغل به. وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات التَّابعين وكبارهم.\nوقد أجمع العلماء على أنَّ تارك (^٣) الصلاة عامدًا حتى يخرج وقتها عاصٍ لله. وذكَر بعضهم أنَّها كبيرةٌ من الكبائر.\nوأجمعوا (^٤) على أنَّ على العاصي أنْ يتوب من ذنبه بالنَّدم عليه، واعتقاد ترك العود إليه. قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ\n_________\n(^١) (١/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٢) أخرجه النسائي (٣٧٥٨)، وابن أبي شيبة (٣٣٤٠٢)، والطيالسي (١٤٣٣)، وغيرهم، من طريق أبي حذيفة عن عبد الملك بن محمد بن نسير عن عبد الرحمن بن علقمة بنحوه.\nوقد اختلف في صحبة عبد الرحمن، قال الدارقطني وابن عبد البر: لا تصحُّ له صحبة، وإن ذكره في الصَّحابة جماعة ممَّن ألف فيهم، منهم خليفة، ويعقوب بن سفيان، وابن مندة. كما في: الإصابة (٤/ ٣٣٧)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٢١١).\nوأبوحذيفة وعبد الملك: مجهولان، ولم يتبيَّن سماع بعضهم من بعضٍ، كما قال البخاري في تاريخه (٥/ ٤٣١). ولذا فقد ضعَّفه الألباني في الضعيفة (٥٠١٤).\n(^٣) ط: \"أن من ترك\".\n(^٤) س: \"واجتمعوا\".","vol":"1","page":158},{"text":"الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور/٣١]. ومَن لزمه حقٌّ لله أولعباده (^١) لزمه الخروج منه.\nوقد شبَّه رسول الله ﷺ حق الله ﷿ بحقوق الآدميين، وقال: \"دَيْن الله أحقُّ أنْ يُقْضَى\" (^٢).\nوالعجب من هذا الظَّاهري في نقضه أصله بجهله، وحبِّه لشذوذه (^٣). وأصلُ أصحابه فيما وجب من الفرائض بإجماعٍ: أنَّه لا يسقط إلَّا بإجماعٍ مثله، أوسنَّةٍ ثابتةٍ لا تَنَازُع (^٤) في قبولها. والصَّلوات (^٥) المكتوبات واجباتٌ بإجماع.\nثم جاء من الاختلاف بشذوذٍ (^٦) خارجٍ عن أقوال علماء الأمصار، فاتَّبعه دون سُنَّةٍ رُوِيَت في ذلك، وأسقط به الفريضة المجمع على وجوبها، ونَقَض أصله، ونسي نفسه!\nثم ذكر أنَّ مذهب داود وأصحابه وجوب قضاء الصَّلاة إذا فوَّتها عمدًا، ثم قال: فهذا قول داود، وهو وجه أهل الظَّاهر.\nوما أرى هذا الظَّاهري إلَّا وقد خرج عن جماعة العلماء من السَّلف\n_________\n(^١) هـ: \"حق الله أولعباده\".\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/١٤٩)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٣) \"وحبه\" سقطت من س.\n(^٤) هـ وط: \"ينازع\".\n(^٥) هـ: \"والصلاة\".\n(^٦) س وهـ: \"شذوذ\".","vol":"1","page":159},{"text":"والخلف، وخالف جميع فرق الفقهاء، وشذَّ عنهم. ولا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشَّاذِّ من العلم (^١).\nوقد أوْهَمَ في كتابه (^٢) أنَّ له سلفًا من الصحابة والتابعين، تجاهلًا منه أوجهلًا. فذكر عن ابن مسعود، ومسروق، وعمر بن عبد العزيز في قوله: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم/٥٩]: \"أنَّ ذلك عن مواقيتها، ولو تركوها لكانوا بتركها كفَّارًا\" (^٣). وهو لا يقول بتكفير (^٤) تارك الصَّلاة عمدًا إذا أبى إقامتها، ولا يقتله إذا كان مقرًّا بها؛ فقد خالفهم فكيف يحتجُّ بهم!\nعلى أنَّه معلومٌ أنَّ من قضى الصلاة فقد تاب من تضييعها، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه/٨٢].\nولا تصحُّ (^٥) لمضيِّع الصَّلاة توبةٌ إلَّا بأدائها، كما لا تصحُّ التَّوبة من دَيْن الآدمي إلَّا بأدائه. ومن قضى صلاةً فرَّط فيها فقد تاب وعمل\n_________\n(^١) هذه العبارة طرفٌ من قولٍ مأثورٍ عن ابن مهديٍّ، أسنده إليه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٨٢٠) وغيره.\n(^٢) يُنْظَر: المحلَّى لابن حزم (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١) ولكن ليس فيه شيءٌ عن مسروق.\n(^٣) أثر ابن مسعودٍ لم أره في تفسير هذه الآية عينها. بل قيل له: إنَّ الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن، ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ و﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ و﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فذكر نحو ماذكر. أخرجه ابن جرير (١٥/ ٥٦٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٩٠)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٩)، وغيرهم، من طرقٍ عن ابن مسعود ﵁ به.\n(^٤) \"بتكفير\" سقطت من ض.\n(^٥) س: \"ولا يصح\".","vol":"1","page":160},{"text":"صالحًا، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.\nوذَكَر عن سلمان أنَّه قال: \"الصَّلاة مِكيالٌ، فمَنْ وَفى وُفِّي له، ومن طفَّفه فقد علمتم ما قال الله في المطفِّفين\" (^١). وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنَّ الظَّاهر من معناه: أنَّ المطفِّف قد يكون مَن لم يكمل صلاته بركوعها وسجودها وحدودها، وإنْ صلَّاها في وقتها.\nوذَكَر عن ابن عمر أنَّه قال: \"لا صلاة لمن لم يصلِّ الصلاة لوقتها\" (^٢). وكذلك نقول (^٣): لا صلاة له كاملة الأجر (^٤)؛ كما جاء: \"لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد\" (^٥)، و\"لا إيمان لمن لا أمانة\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٣٧٥٠)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٦)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٢٩١)، وابن المبارك في الزهد (١١٩٢)، وغيرهم، من طريق سالم بن أبي الجعد عن سلمان الفارسي ﵁ موقوفًا عليه. وسالمٌ يرسل عن جمعٍ من الصَّحابة ويدلِّس. لذا فقد قال الذهبي في المهذَّب (٣١٧١): \"منقطعٌ\". وضعَّف إسناده الألباني في الضَّعيفة (٣٨٠٩). ويُنْظَر: جامع التحصيل للعلائي (ص/١٧٩)، وتهذيب الكمال للمِزِّي (١٠/ ١٣٠).\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/١٤٢).\n(^٣) هـ وط: \"وكذا .. \". ط: \" .. يقول\".\n(^٤) هـ وط: \"الأجزاء\". وفي الاستذكار (١/ ٣١٠): \"كاملة\" دون: \"الأجر\".\n(^٥) أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٣)، والدَّارقطني (١/ ٤٢٠)، والبيهقي (٣/ ٥٧)، وغيرهم، من طريق سليمان بن داود اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا. … =","vol":"1","page":161},{"text":"له\" (^١).\nومن قضى الصلاة فقد صلَّاها، وتاب من سَيِّئ (^٢) عمله بتركها.\nوكُلُّ ما ذكر في هذا المعنى فغير صحيحٍ، ولا له في شيءٍ منه حجَّة؛ لأنَّ ظاهره خلاف ما تأوَّله.\nفصلٌ\nقال المانعون من صحَّتها بعد الوقت وقبولها: لقد أرعدتم وأبرقتم، ولم تنصفونا في حكاية قولنا على وجهه، ولا في نقلنا مذاهب السَّلف، ولا في حججنا! فإنَّا لم نقل قطُّ ولا أحدٌ من أهل الإسلام: إنَّها سَقَطت من ذمَّته بخروج وقتها، وإنَّها لم تبق واجبةً عليه، حتى تجلبوا علينا بما أجْلَبتم (^٣)، وتشنِّعوا علينا بما شنَّعْتم.\n_________\n= … وفي إسناده اليمامي، قال عنه ابن معين: ليس بشيءٍ، وقال البخاري: منكر الحديث، كما في الميزان للذهبي (٢/ ٢٠٢) وغيره. وفي الباب حديث عائشة، وجابر مرفوعًا، وعليٍّ موقوفًا. ولكن لا يسلم واحدٌ منها من عِلَّةٍ.\nلذا قال الحافظ ابن حجر: \"ضعيفٌ، ليس له إسنادٌ ثابتٌ\". ويُنْظَر: العلل المتناهية (١/ ٢١٠)، والتَّلخيص الحبير (٢/ ٣١)، والإرواء (٤٩١)، والضعيفة للألباني (١٨٣).\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٨٢).\n(^٢) ط: \"من نسي\"!\n(^٣) س: \"تحيلوا .. أحلتم\".","vol":"1","page":162},{"text":"بل قولنا وقول من حكينا قوله من الصَّحابة والتَّابعين أشد على مؤخِّر الصلاة ومفوِّتها من قولكم؛ فإنَّه قد تحتَّمَت عقوبته، وباء بإثمٍ لا سبيل له إلى دَرْكه (^١) إلَّا بتوبةٍ يحدثها، وعملٍ يستأنفه.\nوقد ذكرنا من الأدلَّة ما لا سبيل لكم إلى ردِّهِ، فإن وجدتم السَّبيل إلى الردِّ فأهلًا بالعِلم أين كان، ومع من كان، فليس القصد إلَّا طاعة الله وطاعة رسوله، ومعرفة ما جاء به.\nونحن نبيِّن ما في كلامكم من مقبولٍ ومردودٍ.\nفأمَّا قولكم: إنَّ سرور ابن عباس بتلك الصلاة التي صلَّاها بعد طلوع الشمس لأنَّه كان سبيلًا إلى أنْ أعلم رسولُ الله ﷺ أصحابَه المبلِّغين عنه إلى سائر أمته بأنَّ مراد الله من عباده في الصلاة وإنْ كانت موقَّتةً: أنَّ من لم يصلِّها في وقتها يقضيها أبدًا، ناسيًا كان لها، أونائمًا، أومتعمِّدًا لتركها= فهذا ظنٌّ محضٌ منكم أنَّ ابن عباس أراده!\nومعلومٌ أنَّ كلامه لا يدلُّ على ذلك بوجهٍ من وجوه الدلالات (^٢)، ولا هو يُشْعِر به. ولعلَّ ابن عباس إنَّما سُرَّ بها ذلك السُّرور العظيم لكونه صلَّاها مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وفَعَل مثل ما فعلوا، وحصل له من\n_________\n(^١) هـ وط: \"إدراكه\".\n(^٢) ط: \"الدلالة\". س زيادة بعدها: \"قولًا\".","vol":"1","page":163},{"text":"الأجر سهمان (^١)، كما حصل للصَّحابة.\nوخصَّ تلك الصَّلاة بذلك تنبيهًا للسَّامع أنَّها مع كونها ضُحًى (^٢) قد فُعِلت بعد طلوع الشمس، فلا يُظنُّ أنَّها ناقصة، وأنَّها لا أجر فيها: \"فما يسرُّني بها الدُّنيا وما فيها\". وليس ما فهمتموه عن ابن عباس أولى من هذا الفهم.\nأولعلَّه أراد أنَّ ذلك من رحمة الله بالأمَّة؛ ليقتدي به من نام عن الصَّلاة، ولم يفرِّط بتأخيرها.\nفمن أين يدلُّ كلامه هذا على أنَّ سروره بتلك الصلاة لأنَّها تدلُّ على أنَّ من لم يصلِّ وأخَّر صلاة اللَّيل إلى النَّهار عمدًا، وصلاة النَّهار إلى اللَّيل= أنَّها تصحُّ منه وتُقْبَل، وتَبْرأ بها ذِمَّتُه؟\nوإنَّ فَهْمَ هذا من كلام ابن عباس لمن أعْجَب العجب. فأخبرونا كيف وقع لكم هذا الفهم من كلامه، وبأيِّ طريقٍ فهمتموه (^٣)؟\nفصلٌ\nوأمَّا قولكم: إنَّ النِّسيان في لغة العرب هو التَّرك، كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ\n_________\n(^١) هـ وط: \"سهمان من الأجر\". وأشار في هامش هـ إلى هو مثبت.\n(^٢) \"ضحىً\" ليست في ض، وفي س: \"صبحًا\".\n(^٣) \"وإنَّ فهم هذا .. فهمتموه\" ليست في س.","vol":"1","page":164},{"text":"فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة/٦٧] الى آخره (^١). فنَعَم، لعمرالله (^٢) إنَّ النسيان في القرآن على وجهين: نسيان تركٍ، ونسيان سهوٍ. ولكن حمل الحديث على نسيان التَّرك عمدًا باطلٌ (^٣)؛ لأربعة أوجهٍ (^٤):\nأحدها: أنَّه قال: \"فليصلِّها إذا ذكرها\". وهذا صريحٌ في أنَّ النِّسيان في الحديث نسيان سهوٍ، لا نسيان عمدٍ؛ وإلَّا كان قوله: \"إذا ذكرها\" كلامًا (^٥) لا فائدة فيه؛ فالنِّسيان إذا قُوْبِل بالذِّكر لم يكن إلَّا نسيان سهو، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ (^٦) رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف/٢٤]، وقوله ﷺ: \"إذا نسيت فذكِّرُوني\" (^٧).\nالثَّاني: أنَّه قال: \"فكفَّارتها أنْ يصلِّيها إذا ذكرها\". ومعلومٌ أنَّ من تركها عمدًا لا يكَفِّرُ عنه فعلُها بعد الوقت إثمَ التَّفويت. هذا ممَّا (^٨) لا\n_________\n(^١) هـ وط: \"الخ\".\n(^٢) س: \"لعمروالله\".\n(^٣) س: \" .. التَّرك أنَّه أولى باطلٌ\".\n(^٤) ض: \"وجوه\".\n(^٥) س: \"كلام\".\n(^٦) هـ: (فاذكُر).\n(^٧) أخرجه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢)، من حديث ابن مسعود ﵁، في قِصَّة سهوه ﷺ في صلاته.\n(^٨) ض وس: \"هذا ما\".","vol":"1","page":165},{"text":"خلاف فيه بين الأمَّة. ولا يجوز نسبته إلى رسول الله ﷺ؛ إذ يبقى معنى الحديث: مَن ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها فكفارة إثْمِه صلاتُها بعد الوقت!\nوشناعة هذا القول أعظم من شناعتكم علينا القول (^١) بأنَّها لا تنفعه، ولا تُقْبَل منه! فأين هذا من قولكم؟\nالثَّالث: أنَّه قابَل النَّاسي في الحديث بالنَّائم، وهذه المقابلة تقتضي (^٢) أنَّه السَّاهي، كما يقول حَمَلة الشرع (^٣): النَّائم والنَّاسي غير مؤاخَذَيْن.\nالرَّابع: أنَّ النَّاسي في كلام الشَّارع - ـ إذا عَلَّق به الأحكام - لم يكن مراده إلَّا السَّاهي. وهذا مطَّردٌ (^٤) في جميع كلامه؛ كقوله: \"من أكل أوشرب ناسيًا فلْيُتمَّ صومه؛ فإنَّما أطعمه الله وسقاه (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) س: \"لأجل القول\".\n(^٢) ط:\"يقتضي\".\n(^٣) ط: \"جملة أهل الشرع\".\n(^٤) س: \"يطرد\".\n(^٥) \"وسقاه\" ليست في هـ وط.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥) من حديث أبي هريرة ﵁، بنحوه.","vol":"1","page":166},{"text":"فصْلٌ\nوأمَّا قولكم: \"وسوَّى الله سبحانه في حكمهما - أي: بين العامد (^١) والنَّاسي - على لسان رسوله بين حكم الصلاة الموقَّتة والصِّيام الموقَّت في شهر رمضان، بأنَّ كل واحدٍ منهما يُقْضَى بعد خروج وقته؛ فنَصَّ على النَّائم والنَّاسي (^٢) في الصلاة كما وصفنا، ونصَّ على المريض والمسافر في الصَّوم. وأجمعت (^٣) الأمَّة ونقلت الكافَّة فيمَن لم يصم شهر رمضان عامدًا، وهو مؤمنٌ بفَرْضِه - وإنْ تَرَكَه أشرًا وبطرًا - ثمَّ تاب منه أنَّ عليه قضاءه\" إلى آخره= فجوابُه من وجوهٍ:\nأحدها: قولكم: \"إنَّ الله سبحانه سوَّى بينهما\"، أي: بين العامد والنَّاسي فكلامٌ باطلٌ على إطلاقه؛ فما سوَّى الله سبحانه بين عامدٍ وناسٍ أصلًا. وكلامنا في هذا العامد العاصي، الآثم، المفرِّط غاية التَّفريط. فأين سوَّى الله سبحانه بين حكمهما في صلاةٍ أو صيامٍ؟\nوقولكم: \"فنصَّ على النَّائم والنَّاسي في الصلاة كما وصفنا\" قد تقدَّم أنَّ النِّسيان المذكور في الصلاة لا يصحُّ حمله على العمد بوجهٍ، وأنَّ الذي نصَّ عليه في الحديث هو نسيان السَّهو، الذي هو نظير النَّوم،\n_________\n(^١) \"بين\" ليست في س. وفي هـ: \"بين العامل\"!\n(^٢) هـ وط:\"والساهي\".\n(^٣) ط:\"واجتمعت\".","vol":"1","page":167},{"text":"فلا تعرُّضَ فيه للعامد.\nوأمَّا نصُّه على المريض والمسافر في الصَّوم فهما وإنْ أفطرا عامِدَيْن فلا يمكن أخذ حكم تارك (^١) الصلاة عمدًا من حكمهما.\nوما سوَّى الله ولا رسوله بين تارك الصلاة عمدًا وأَشَرًا حتى يخرج وقتها وبين تارك الصوم لمرضٍ أو سفرٍ أبدًا (^٢)، حتى يؤخذ حكم أحدهما من الآخر.\nفمؤخِّر الصَّوم في المرض والسفر كمؤخِّر الصلاة لنومٍ أونسيانٍ، وهذان هما اللَّذان سوَّى الله ورسوله بين حكمهما.\nفنصَّ الله سبحانه على حكم المريض والمسافر في الصَّوم المعذورَيْن، ونصَّ رسول الله (^٣) ﷺ على حكم النَّاسي والنَّائم (^٤) في الصَّلاة المعذورَيْن. فقد استوى حكمهما في الصَّوم والصَّلاة، ولكن أين استوى حكم العامد المفرِّط الآثم، والمريض والمسافر والنَّائم والنَّاسي المعذُوْرِين!\nيوضِّحُه: أنَّ الفِطْر (^٥) بالمرض قد يكون واجبًا؛ بحيث يحرم عليه\n_________\n(^١) \"حكم\" ليست من س.\n(^٢) ط: \"سفر بر\"!\n(^٣) ض وس: \"رسوله\".\n(^٤) ط: \"النائم والناسي\".\n(^٥) ض: \"المفطر\".","vol":"1","page":168},{"text":"الصَّوم.\nوالفِطر في السَّفر إمَّا واجبٌ عند طائفةٍ من السَّلف والخلف (^١).\nأوأنَّه (^٢) أفضل من الصَّوم عند غيرهم (^٣).\nأوهما سواءٌ (^٤).\nأوالصَّوم أفضل منه - لمن لا (^٥) يشقُّ عليه - عند آخرين (^٦).\n_________\n(^١) هو مروِيٌّ عن عمر، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وابن المسيب، وعطاء، وغيرهم، والظَّاهريَّة. كما في: المحلَّى لابن حزم (٦/ ٢٤٣، ٢٥٦ - ٢٥٨)، والاستذكار (١٠/ ٧٩)، والمجموع للنَّووي (٦/ ٢٧١).\n(^٢) س وهـ وط: \"وأنه\".\n(^٣) هو مروِيٌّ عن ابن عمر، وابن عباس، وابن المسيب، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة، والأوزاعي، وابن الماجشون، وابن راهويه، وأحمد. كما في: المحلَّى (٦/ ٢٤٧)، والاستذكار (١٠/ ٧٩)، والمجموع (٦/ ٢٧١).\n(^٤) هو محكيٌّ عن الشافعي، وإسماعيل بن عليَّة. كما في: الاستذكار (١٠/ ٧٩).\n(^٥) ض وس: \"لئلا\".\n(^٦) قاله عثمان بن أبي العاص، وأنس، وحذيفة، وعروة، والأسود، وابن جبير، والنخعي، والفضيل، وأبو حنيفة، ومالك، والثوري، وابن المبارك، وأبوثور، وابن المنذر، والشافعيَّة. كما في: المحلَّى (٦/ ٢٤٧)، والاستذكار (١٠/ ٧٩)، والمجموع (٦/ ٢٧١).","vol":"1","page":169},{"text":"وعلى كلِّ تقديرٍ فإلحاق تارك الصَّلاة والصوم عمدًا وعدوانًا به من أفسد الإلحاق وأبطل القياس. وهذا ممَّا لا خفاء به عند كُلِّ عالمٍ.\nوقولكم: إنَّ الأمَّة أجمعت والكافَّة نقَلَت أنَّ مَن لم يصم شهر رمضان عامدًا - أشرًا وبطرًا - ثم تاب منه فعليه قضاؤه.\nفيُقال لكم: أوْجِدُونا عشرةً من أصحاب رسول الله ﷺ فمَنْ دونهم صرَّح بذلك، ولن تجدوا إليه سبيلًا!\nوقد أنكر الأئمَّة كالإمام أحمد والشَّافعي وغيرهما دعوى هذه الإجماعات، التي حاصلها عدم العلم بالخلاف، لا العلم بعدم الخلاف؛ فإنَّ هذا ممَّا لا سبيل إليه، إلَّا فيما عُلِم بالضَّرورة أنَّ الرسول- ﷺ جاء به.\nوأمَّا ما قامت الأدلَّة الشَّرعيَّة عليه فلا يجوز لأحدٍ أنْ ينفي حكمه، لعدم علمه بمن قال به؛ فإنَّ الدَّليل يجب (^١) اتِّباع مدلوله. وعدم العلم بمَن قال به لا يصلح (^٢) أنْ يكون مُعَارِضًا بوجهٍ ما.\nفهذه طريقة جميع الأئمَّة (^٣) المقتدى بهم.\n_________\n(^١) س: \"الدليل تحت\".\n(^٢) هـ وط: \"يصح\".\n(^٣) ط: \"فهذا طريق .. \". س: \" .. الأمة\".","vol":"1","page":170},{"text":"قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (^١): \"من ادَّعى الإجماع فهو كاذبٌ (^٢)؛ لعلَّ الناس اختلفوا! هذه دعوى بِشْر المريسي والأصمِّ، ولكن يقول (^٣): لا نعلم للنَّاس اختلافًا، إذْ لم يبلغه\" (^٤).\nوقال في رواية المرُّوْذِي (^٥): \"كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمَعُوا! إذا سمعتهم (^٦) يقولون: أجمَعُوا فاتَّهِمْهُم! لو قال: إنِّي لا أعلم مخالفًا كان أسلم\" (^٧).\nوقال في رواية أبي طالب: \"هذا كذبٌ، ما عِلْمُه (^٨) أنَّ النَّاس مجمعون؟ ولكن يقول: لا (^٩) أعْلَمُ فيه اختلافًا؛ فهو أحسن من قوله إجماع النَّاس\".\n_________\n(^١) مسائل عبد الله (٣/ ١٣١٤).\n(^٢) في المسائل: \"فهو كذبٌ\".\n(^٣) ض وهـ وط: \"نقول\".\n(^٤) س: \" .. الناس اختلفوا .. تبلغه\". في المسائل: \" .. لا يعلم الناس يختلفون، أو لم يبلغه ذلك، ولم ينته إليه، فيقول: لا نعلم الناس اختلفوا .. \".\n(^٥) ض وط: \"المروزي\".\n(^٦) ض وس: \"سمعهم\".\n(^٧) \"أسلم\" ليست في س.\n(^٨) س: \"مما علمه\".\n(^٩) ط: \"نقول: ما .. \".","vol":"1","page":171},{"text":"وقال في رواية أبي الحارث: \"لا ينبغي لأحدٍ أنْ يدَّعِيَ الإجماع؛ لعلَّ الناس اختلفوا\" (^١).\nوقال الشَّافعي (^٢) - في أثناء مناظرته لمحمد بن الحسن ـ: \"لايكون لأحدٍ أنْ يقول: أجمعوا، حتى يعلم (^٣) إجماعهم في البلدان، ولا يقبل على أقاويل من نأت داره منهم ولا قربت (^٤)، إلَّا خبر الجماعة عن الجماعة.\nفقال لي: يضيق (^٥) هذا جدًّا. قلتُ له: وهو مع ضِيْقِه غير موجودٍ\".\nوقال في موضع آخر (^٦)، وقد بيَّن ضعف دعوى الإجماع، وطالب من يناظره بمطالباتٍ عجز عنها، فقال له المناظر: \"فهل من إجماعٍ؟\nقلتُ: نعم، نحمد الله (^٧)، كثيرًا، في كل (^٨) الفرائض التي لا يسع\n_________\n(^١) ذكر المصنِّف هذه الروايات - أيضًا - في إعلام الموقِّعين (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) في جماع العلم، المطبوع مع الأم (٩/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٣) هـ: \"تعلم\".\n(^٤) س: \"من باب .. قريب\". ط: \"من ناءت\".\n(^٥) ض وهـ وط: \"تضيق\".\n(^٦) جماع العلم (٩/ ٢٩).\n(^٧) ط: \"الحمد لله\"، ض وهـ: \"بحمدالله\".\n(^٨) جماع العلم: \" في جملة\". وفي بعض نسخه كما أشار المحقق: \"جمل\".","vol":"1","page":172},{"text":"جهلها (^١). وذلك الإجماع هو الذي إذا قلتَ: \"أجمع النَّاس\" لم تجد حولك أحدًا يعرف شيئًا يقول لك (^٢): ليس هذا بإجماع. فهذه الطَّريق التي يُصَدَّق بها من ادَّعى الإجماع فيها\".\nوقال بعد كلامٍ طويلٍ حكاه في مناظرته (^٣): \"أوَمَا كفاك عيب الإجماع أنَّه لم (^٤) يُرْوَ عن أحدٍ بعد رسول الله ﷺ دعوى الإجماع؛ إلَّا فيما لم يختلف فيه (^٥) أحدٌ، إلى أنْ كان أهل زمانك هذا. قال له المناظر: فقد ادَّعاه بعضكم (^٦)!\nقلتُ: أفحمدت ما ادَّعى منه؟ قال: لا.\nقلتُ: فكيف صِرْتَ إلى أنْ تدخل فيما ذممت في أكثر ما (^٧) عِبْت ألَّا تستدلَّ من طريقك أنَّ الإجماع هو (^٨) ترك ادِّعاء الإجماع، فلا\n_________\n(^١) س: \"حملها\".\n(^٢) ط: \"لم تجد أحدًا يقول .. \".\n(^٣) جماع العلم (٩/ ٣٢).\n(^٤) س: \"في المناظرة .. أن لم\".\n(^٥): \"لم\" ليست في س. وفي جماع العلم: \"لا\".\n(^٦) جماع العلم: \"بعضهم\".\n(^٧) س: \"أكبر .. \". جماع العلم: \"أكثر ممَّا\".\n(^٨) هـ وط: \"عبت الاستدلال .. عن الإجماع وهو\". وهمَّش في هـ كالمثبت أعلاه.","vol":"1","page":173},{"text":"تحسن (^١) النَّظَر لنفسك، إذا قلت: هذا إجماع؛ فتجد حولك من أهل العلم (^٢) من يقول لك: معاذ الله أنْ يكون هذا إجماعًا\".\nوقال الشَّافعي في \"رسالته\" (^٣): \"ما لا يُعْلَم (^٤) فيه خلافٌ فليس إجماعًا\".\nفهذا كلام أئمَّة أهل العلم في دعوى الإجماع كما ترى.\nفلْنَرجع إلى المقصود، فنقول: من قال من أصحاب رسول الله ﷺ إنَّ من ترك الصَّلاة عمدًا بغير (^٥) عذرٍ حتى خرج وقتها أنَّها تنفعه بعد الوقت، وتُقْبَل منه (^٦) وتبرأ ذمَّته؟\nفالله يعلم أنَّا لم نظفر عن (^٧) صاحبٍ واحدٍ منهم قال ذلك! وقد نقلنا عن الصَّحابة والتابعين ما تقدَّم حكايته.\nوقد صرَّح الحسن البصري بما قلناه. فقال محمد بن نصر المروزي\n_________\n(^١) س وهـ وط: \"يحسن\".\n(^٢) جماع العلم: \"فتجد سواك .. \". س: \"فوجد .. \". وجملة: \"من أهل العلم\" ليست في هـ وط.\n(^٣) في رسالته الجديدة، كما ذكر ذلك المصنِّف في إعلام الموقِّعين (٢/ ٥٣).\n(^٤) \"يعلم\" ليست في ض وهـ.\n(^٥) هـ وط: \"لغير\".\n(^٦) \"منه\" ليست في هـ وط.\n(^٧) هـ وط: \"على\".","vol":"1","page":174},{"text":"في كتابه في الصلاة (^١): حدثنا إسحاق حدثنا النَّضر عن الأشعث عن الحسن قال: \"إذا ترك الرجل صلاةً واحدةً متعمِّدًا فإنَّه لا يقضيها\".\nقال محمد (^٢): \"وقول الحسن هذا يحتمل معنيين:\nأحدهما: أنَّه كان يكفِّره بترك الصَّلاة متعمِّدًا؛ فلذلك لم يَرَ عليه القضاء؛ لأنَّ الكافر لا يُؤْمَر بقضاء ما ترك من الفرائض في كُفْره.\nوالثَّاني: أنَّه لم يكفِّره بتركها، فإنَّه ذهب إلى أنَّ الله ﷿ إنَّما فرض أنْ يأتي بالصلاة في وقتٍ معلومٍ، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور (^٣) بإتيانه فيه. فإذا أتى به بعد ذلك فإنَّما أتى به في وقتٍ لم يُؤْمَر بإتيانه فيه، فلا ينفعه أنْ يأتي بغير المأمور به عن المأمور به. وهذا قولٌ غير مستنكرٍ في النَّظر، لولا أنَّ العلماء قد أجمعت على خلافه.\nقال: ومن ذهب إلى هذا قال في النَّاسي للصَّلاة حتى يذهب وقتها، وفي النَّائم أيضًا: لو لم يأت الخبر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: \"من نام عن\n_________\n(^١) تعظيم قدر الصلاة (١٠٧٨).\n(^٢) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ١٠٠٠ - ١٠٠١).\n(^٣) في النسخ كلها زيادة: \"به\" هنا، والصواب حذفها.","vol":"1","page":175},{"text":"صلاةٍ أو نسيها فلْيُصلِّها إذا استيقظ أو ذكر\" (^١)، وأنَّه نام عن صلاة (^٢) الغداة، فقضاها بعد ذهاب الوقت= لما وجب عليه في النَّظر قضاؤها أيضًا؛ فلمَّا جاء الخبر عن النَّبيِّ ﷺ بذلك وجب عليه قضاؤها، وبطل حظُّ النَّظر\".\nفقد نقل محمدٌ (^٣) الخلاف صريحًا، وظنَّ أنَّ الأمَّة أجمعت على خلافه. وهذا يحتمل معنيين:\nأحدهما: أنَّه يرى أنَّ الإجماع ينعقد بعد الخلاف.\nوالثَّاني: أنَّه لايرى خلاف الواحد قادحًا في الإجماع.\n_________\n(^١) تقدَّم أنَّه في الصَّحيحين بلفظ: \"فكفَّارتها أنْ يصلِّيها إذا ذَكَرها\".\nوقد أخرجه بهذا اللَّفظ أبويعلى (٨٩٥)، وابن أبي شيبة (٤٧٧٣)، والطبراني (٢٢/ ١٠٧)، وغيرهم، من طريق عبد الجبار بن العبَّاس الهمداني عن عون بن أبي جحيفة عن أبي جحيفة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ به.\nقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٢): \"رجاله ثقات\"، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (٢/ ٢٣٧): \"إسنادٌ حسنٌ، عبد الجبَّار بن العباس مختلفٌ في توثيقه، وباقي رجال الإسناد محتجٌّ بهم في الصَّحيح\"، وقال الألباني في الصَّحيحة (٣٩٦): \"إسنادٌ جيدٌ، رجاله كلُّهم ثقاتٌ، رجال الشَّيخين غير عبد الجبَّار، وهو صدوقٌ يتشيَّع، والتشيُّع لا يضرُّ في الرواية عند المحدِّثين .. \".\n(^٢) \"أو نسيها .. صلاة\" سقطت من س.\n(^٣) يعني: ابن نصر المروزي.","vol":"1","page":176},{"text":"وفي المسألتين نزاعٌ معروفٌ.\nوأمَّا قوله: \"إنَّ القياس يقتضي أنْ لا يقضي (^١) النَّائم والنَّاسي؛ لولا الخبر\" فليس كما زعم (^٢)؛ لأنَّ وقت النَّائم والنَّاسي هو وقت ذِكْره وانتباهه، لا وقت له غير ذلك، كما تقدَّم. والله أعلم.\nوأمَّا قولكم: \"إنَّ الكافَّة نَقَلت، والأمَّة أجْمَعَت أنَّ من لم يصم شهر رمضان أشرًا وبطرًا أنَّ عليه قضاءه\"، فأين النَّقل بذلك إيجادًا (^٣) عن أصحاب رسول الله ﷺ؟\nوقد روى عنه أهل \"السُّنن\" (^٤)، والإمام أحمد في \"مسنده\" (^٥)، من حديث أبي هريرة: \"مَنْ أفطر يومًا من رمضان من غير عذرٍ لم يقضه عنه صيام الدَّهر وإنْ صامه\". فهذه الرِّواية المعروفة.\nفأين الرِّواية عنه، أوعن أصحابه: من أفطر رمضان أوبعضه أجزأ عنه أنْ يصوم مثله؟\nوأمَّا قولكم: \"إنَّ الصَّلاة والصِّيام دَيْنٌ ثابتٌ يؤدَّى أبدًا، وإنْ خرج\n_________\n(^١) هـ: \"يقتضي\".\n(^٢) ط: \"زعمتم\".\n(^٣) ض وهـ وط: \"إذا جاء\".\n(^٤) أبوداود (٢٣٩٦)، والترمذي (٧٢٣)، وابن ماجه (١٦٧٢).\n(^٥) (٢/ ٣٨٦). وقد تقدَّم تخريج الحديث، وبيان ضعفه (ص/١٣٧).","vol":"1","page":177},{"text":"الوقت المؤجَّل لهما؛ لقول رسول الله ﷺ: \"دَيْن الله أحقُّ أنْ يُقْضَى\" .. \" فيُقال (^١): هذا الدَّليل مبنيٌّ على مقدِّمتين:\nإحداهما (^٢): أنَّ الصلاة والصِّيام دَيْنٌ ثابتٌ في ذِمَّة من تركهما (^٣) عمدًا. والمقدِّمة الثَّانية: أنَّ هذا الدَّيْن قابلٌ للأداء، فيجب أداؤه (^٤).\nفأمَّا المقدِّمة الأولى فلا نزاع فيها، ولانعلم أنَّ أحدًا من أهل العلم قال بسقوطها من ذمَّته بالتَّأخير. ولعلَّكم توهَّمتم علينا أنَّا نقول بذلك، فأخذتم في الشَّناعة علينا، وفي التَّشغيب (^٥). ونحن لم نقل ذلك، ولا أحدٌ من أهل الإسلام.\nوأمَّا المقدِّمة الثَّانية ففيها وقع النِّزاع. وأنتم لم تقيموا عليها دليلًا؛ فادِّعاؤكم لها هو دعوى محلُّ النِّزاع بعينه، جعلتموه مقدِّمة من مقدِّمات الدِّليل، وأثبتُّم (^٦) الحكم بنفسه!\nفمنازعوكم يقولون: لم يبق للمكلَّف طريقٌ إلى استدراك هذا\n_________\n(^١) هـ وط: \"فنقول\".\n(^٢) س: \"أحدهما\".\n(^٣) هـ وط: \"تركها\".\n(^٤) هـ وط: \"أداءه\". ض: \"أداه\".\n(^٥) س: \"التشعب\".\n(^٦) س: \"وأبيتم\".","vol":"1","page":178},{"text":"الفائت، وإنَّ الله تعالى لا يقبل أداء هذا الحق إلَّا في وقته، وعلى صفته التي شَرَعه (^١) عليها، وقد أقاموا على ذلك من الأدلَّة ما قد سمعتم.\nفما الدَّليل على أنَّ هذا الحق قابِلٌ للأداء في غير وقته المحدود له شرعًا؟ وأنَّه يكون (^٢) عبادة بعد خروج وقته؟ (^٣).\nوأمَّا قوله ﷺ: \"اقضوا الله، فالله أحقُّ بالقضاء\" (^٤)، وقوله: \"دَيْنُ الله أحقُّ أنْ يُقْضَى\" (^٥) فهذا إنَّما قاله في حقِّ المعذور لا المفرِّط. ونحن نقول: إنَّ مثل هذا الدَّين يقبل القضاء.\nوأيضًا: فإنَّ هذا إنَّما قاله رسول الله ﷺ في النَّذر (^٦) المطلق، الذي ليس له وقتٌ محدودُ الطَّرفين. ففي \"الصَّحيحين\" (^٧)، من حديث ابن عباسٍ: أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله، إنَّ أمِّي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: \"أرأيْتِ لو كان على أمِّكِ دَينٌ فقضَيْتِيه، أكان\n_________\n(^١) س: \"شرعه الله\".\n(^٢) س: \"قد يكون\".\n(^٣) هنا زيادة في س: \"كما كان في وقته\".\n(^٤) قد تقدَّم تخريجه بلفظٍ آخر في الصَّحيحين (ص/١٥١)، وهو الآتي بعده، وأمَّا بهذا اللَّفظ فقد أخرجه أيضًا البخاري (٦٦٩٩)، ومسلم (١١٤٨).\n(^٥) تقدَّم تخريجه (ص/١٤٩).\n(^٦) هـ: \"البدل\". تحريف.\n(^٧) البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨).","vol":"1","page":179},{"text":"يؤدِّي (^١) ذلك عنها؟ \". قالت: نعم. قال: \"فصومي عن أمِّك\".\nوفي روايةٍ: أنَّ امرأةً ركبت البحر، فنَذَرَت إنْ نجَّاها الله (^٢) أنْ تصوم شهرًا، فأنجاها الله ﷾، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابةٌ لها إلى رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك، فقال: \"صومي عنها\". رواه أهل \"السُّنن\" (^٣).\nوكذلك جاء عنه (^٤) الأمر بقضاء هذا الدَّين في الحج، الذي لا يفوت وقته إلَّا بنفاد العمر. ففي \"المسند\" (^٥)، و\"السُّنن\" (^٦) من حديث عبد الله بن الزبير قال: جاء رجلٌ من خثعم إلى رسول الله ﷺ فقال: إنَّ\n_________\n(^١) هـ: \"تؤدي\".\n(^٢) ض وس: \"إن الله نجاها\".\n(^٣) أبوداود (٣٣١٠)، والنَّسائي (٣٨١٦)، وغيرهما من طرقٍ عن سعيد بن جبير عن ابن عباسٍ ﵁ به.\nوقد صحَّحه الألباني في الصَّحيحة (١٩٤٦)، فقال عن أحد طرقه: \"إسنادٌ صحيحٌ، على شرط الشَّيخين\".\n(^٤) ط: \"منه\".\n(^٥) مسند أحمد (٤/ ٥).\n(^٦) سنن النسائي (٣٦٣٥). وأخرجه أيضًا الضياء في المختارة (٩/ ٣٥١)، وغيرهم، كلهم من طريق يوسف بن الزبير عن ابن الزبير به. ويوسف مجهول، قال البيهقي في الكبرى (٦/ ٨٧): \"لا يعرف بسبب يثبت به حديثه\".","vol":"1","page":180},{"text":"أبي أدركه الإسلام وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع ركوب الرَّحل (^١)، والحجُّ مكتوبٌ عليه، أفأحجُّ عنه؟ قال: \"أنت أكبر ولده (^٢)؟ \". قال: نعم. قال: \"أرأيتَ لو كان على أبيك دَيْنٌ فقضَيْتَه عنه، أكان ذلك يجزئ (^٣) عنه؟ \" قال: نعم. قال: \"فحُجَّ (^٤) عنه\".\nوعن ابن عباسٍ: أنَّ امرأةً من جهينة جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ، فقالت: إنَّ أمِّي نَذَرت أنْ تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: \"نعم، حجِّي عنها. أرأيْتِ لو كان على أمِّكِ دَينٌ أكنتِ قاضِيَته؟ اقضوا الله، فاللهُ أحقُّ بالوفاء\". متَّفق على صحَّته (^٥).\nوعن ابن عباسٍ أيضًا قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: إنَّ أبي مات وعليه حجَّة الإسلام، أفأحجُّ عنه؟ قال: \"أرأيتَ لو أنَّ أباك ترك دَيْنًا عليه فقضَيْتَه، أكان يجزئ عنه؟ \". قال: نعم. قال: \"فاحجج (^٦) عن أبيك\".\n_________\n(^١) \"كبير\" ليست في هـ وط، ط: \" .. رحل\".\n(^٢) \"ولده\" ليست في هـ وض.\n(^٣) س: \"مما يجزي\".\n(^٤) س: \"فاحجج\".\n(^٥) كذا، ولفظة: \"من جهينة\" أخرجه البخاري (١٨٥٢) وحده، كما نصَّ عليه غير واحدٍ.\n(^٦) ض وط: \"فحج\"، هـ: \"فأحج\". والمثبت من س، وكذا في سنن الدَّارقطني المطبوعة.","vol":"1","page":181},{"text":"رواه الدَّارقطني (^١).\nونحن نقول في مثل هذا الدَّيْن القابل للأداء: دَيْنُ الله أحقُّ أنْ يُقْضَى؛ فالقضاء المذكور في هذه الأحاديث ليس بقضاءِ عبادةٍ موقَّتةٍ، محدودة الطَّرَفين.\nوقد جاهرَ اللهَ (^٢) سبحانه بتفويتها بَطَرًا وعدوانًا، فهذا الدَّين مستحقُّه لا يَعتدُّ به، ولا يقبله إلَّا على صفته التي شَرَعه عليها؛ ولهذا لو قضاه على غير تلك الصِّفة لم تنفعه.\nفصلٌ\nوأما قولكم: \"وإذا كان النَّائم والنَّاسي للصَّلاة - وهما معذوران - يقضيانها بعد خروج وقتها كان المتعمِّد لتركها أولى\"= فجوابه من وجوهٍ:\nأحدها: المعارضة بما هو أصحُّ (^٣) منه، أومثله، وهو أنْ يُقال: لا يلزم من صِحَّة القضاء بعد الوقت من المعذور، المطيع لله ورسوله، الذي لم يكن منه تفريطٌ في فعل ما أُمِر به، وقبوله منه= صحَّته وقبوله من متعدٍّ لحدود الله، مضيِّعٍ لأمره، تاركٍ لحقِّه عمدًا وعدوانًا. فقياس\n_________\n(^١) سنن الدَّارقطني (٢/ ٢٦٠).\n(^٢) ط: \"بمعصية الله\".\n(^٣) س: \"أوضح\".","vol":"1","page":182},{"text":"هذا على هذا في صحَّة العبادة، وقبولها منه، وبراءة (^١) الذِّمَّة بها من أفسد القياس.\nالوجه الثَّاني: أنَّ المعذور بنومٍ أونسيانٍ لم يصلِّ الصَّلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتها الذي وقَّته الله له؛ فإنَّ الوقت في حقِّ هذا حين يستيقظ ويذكر، كما قال ﷺ: \"من نَسِي صلاةً فوقتُها إذا ذَكَرها\". رواه البيهقي، والدَّارقطني (^٢). وقد تقدَّم.\nفالوقت وقتان: وقت اختيارٍ، ووقت عذرٍ.\nفوقت المعذور بنومٍ أوسهوٍ هو وقت ذِكْرِه واستيقاظه؛ فهذا لم يصلِّ الصَّلاة إلَّا في وقتها، فكيف يُقَاس عليه من صلَّاها في غير وقتها عمدًا وعدوانًا!\nالثَّالث: أنَّ الشَّريعة قد فرَّقت في مصادرها ومواردها بين العامد والنَّاسي، وبين المعذور وغيره، وهما ممَّا لا خفاء به؛ فإلحاق أحد النَّوعين بالآخر غير جائزٍ.\nالرَّابع: أنَّا لم نسقطها عن العامد المفرِّط، ونأمر بها المعذور حتى\n_________\n(^١) ط: \"برأة\".\n(^٢) سنن البيهقي (٢/ ٢١٩)، سنن الدارقطني (١/ ٤٢٣). وتقدَّم تخريجه وبيان ضعفه (ص/١١٧).","vol":"1","page":183},{"text":"يكون ما ذكرتم حجَّةً علينا؛ بل ألزمنا بها المفرِّط (^١) المتعدِّي على وجهٍ لا سبيل له إلى استدراكها؛ تغليظًا عليه، وجوَّزنا قضاءها للمعذور غير المفرِّط.\nفصْلٌ\nوأمَّا استدلالكم بقوله (^٢) ﷺ: \"مَن أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرب الشمس فقد أدرك العصر\" (^٣) فما أصحَّه من حديثٍ، وما أراه على مقتضى قولكم؛ فإنَّكم تقولون هو مدركٌ للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئا ألبتَّة. بمعنى: أنَّه مدركٌ لفعلها، صحيحة منه، مبرئة لذمَّته، فلو كانت تصحُّ بعد خروج وقتها وتُقْبَل منه لم يعلَّق (^٤) إدراكها بركعةٍ.\nومعلومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُرِد أنَّ من أدرك ركعةً من العصر صحَّت صلاتُه بلا إثمٍ، بل هو آثمٌ بتعمُّد ذلك اتِّفاقًا؛ فإنَّه أُمِر أنْ يوقع جميعها في وقتها.\nفعُلِم أنَّ هذا الإدراك لا يرفع الإثم، بل هو مدركٌ آثمٌ، فلو كانت تصحُّ بعد الغروب لم يكن فرقٌ بين أنْ يدرك ركعةً من الوقت، أولا\n_________\n(^١) \"ونأمر بها .. بها المفرِّط\" سقطت من س.\n(^٢) ط: \"لقوله\".\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/١٢٩)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٤) ط: \"يتعلق\".","vol":"1","page":184},{"text":"يدرك منه شيئًا!\nفإنْ قلتم: إذا أخَّرها إلى بعد الغروب كان أعظم إثمًا.\nقيل لكم: النَّبيُّ ﷺ لم يفرِّق بين إدراك (^١) الرَّكعة وعدمها في كثرة الإثم وخفَّته، وإنَّما فرَّق بينهما في الإدراك وعدمه. ولا ريب أنَّ المُفَوِّت لمجموعها في الوقت أعظم (^٢) من المُفَوِّت لأكثرها، والمُفَوِّت لأكثرها فيه أعظم من المُفَوِّت لركعةٍ منها.\nفنحن نسألكم، ونقول: ما هذا الإدراك الحاصل بركعةٍ، أهو (^٣) إدراكٌ يرفع الإثم؟ فهذا لا يقوله أحدٌ. أوإدراكٌ يقتضي الصِحَّة؟ فلا فرق فيه بين أن يفوِّتَها بالكليَّة، أويفوِّتها إلَّا ركعةً منها.\nفصلٌ\nوأمَّا احتجاجكم بتأخير النَّبيِّ ﷺ لها يوم الخندق، من غير نومٍ ولا نسيانٍ، ثم قضاها بعدُ (^٤)، فيُقال: يالله العجب! لو أتينا نحن بمثل هذا لقامت قيامتكم، وأقمتم قيامتنا بالتَّشنيع علينا!\n_________\n(^١) س: \"من أدرك\".\n(^٢) س: \"أعظم إثمًا\".\n(^٣) ط: \"أهذا\".\n(^٤) \"بعد\" ليست في هـ وط.","vol":"1","page":185},{"text":"فكيف تحتجُّون (^١) على تفويتٍ صاحبُه عاصٍ لله (^٢)، آثمٌ، متعدٍّ لحدوده، مستوجبٌ لعقابه= بتفويتٍ صدر من أطوع الخلق لله، وأرضاهم له، وأتبعهم لأمره، وهو مطيعٌ لله في ذلك التَّأخير، متبعٌ مرضاته فيه!\nوذلك التَّأخير منه صلوات الله (^٣) وسلامه عليه إمَّا أنْ يكون لنسيانٍ (^٤) منه، أويكون أخَّرها عمدًا.\nوعلى التَّقديرين فلا حُجَّة لكم فيه بوجهٍ؛ فإنَّه إنْ كان نسيانًا فنحن وسائر الأمة نقول بموجبه، وأنَّ النَّاسي يصلِّيها متى ذَكَرها. وإنْ كان عامدًا فهو تأخيرٌ لها من وقتٍ إلى وقتٍ أُذِن فيه، كتأخير (^٥) المسافر والمعذور الظهر إلى وقت العصر، والمغرب إلى وقت العشاء.\nوقد اختلف النَّاس فيمَنْ أدركته الصلاة وهو مشغولٌ بقتال العدو، على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنَّه يصلِّي حال القتال على حسب حاله، ولا يؤخِّر الصلاة.\n_________\n(^١) هـ وس: \"يحتجون\".\n(^٢) هـ: \"عاص الله\".\n(^٣) ط زيادة: \"عليه\".\n(^٤) هـ: \"نسيانًا\"، ط: \"نسيان\".\n(^٥) ض: \"يؤخر\"، س: \"كما يؤخر\".","vol":"1","page":186},{"text":"قالوا: وتأخير يوم (^١) الخندق منسوخٌ. وهذا مذهب مالك (^٢)، والشافعي (^٣) (^٤)، والإمام أحمد في المشهور عنه من مذهبه (^٥).\nالثَّاني: أنَّها تؤخَّر كما أخَّر (^٦) النَّبيُّ ﷺ يوم الخندق. وهذا مذهب أبي حنيفة (^٧).\nوالأوَّلون يجيبون عن هذا: بأنَّه كان قبل أنْ تُشْرع صلاة الخوف، فلمَّا شُرِعت صلاة الخوف لم يؤخِّرْها بعد ذلك في غزاةٍ واحدةٍ (^٨).\nوالحنفيَّة تجيب عن ذلك بأنَّ صلاة الخوف إنَّما شُرِعَت على تلك الوجوه ما لم يلتحم القتال؛ فإنَّه (^٩) يمكنهم أنْ يصلُّوا صلاة الخوف كما أمر الله سبحانه؛ بأنْ يقوموا صفَّين، صفًّا (^١٠) يصلُّون، وصفًّا يحرسون.\n_________\n(^١) \"يوم\" ليست في ض وس.\n(^٢) يُنْظَر: الذَّخيرة للقرافي (٢/ ٤٤١)، والإشراف لعبد الوهاب البغدادي (١/ ٣٤١).\n(^٣) ط: \"وهذا هو مذهب الإمام الشافعي والإمام مالك .. \". وأشار في هامش هـ أنَّه في نسخةٍ: \"وهو\" بدل \"وهذا\".\n(^٤) يُنْظَر: الأم للشافعي (٢/ ٤٦٥)، والحاوي للماوردي (٢/ ٤٧٠).\n(^٥) يُنْظَر: المغني لابن قدامة (٣/ ٣١٦)، والإنصاف للمرداوي (٥/ ١٤٦).\n(^٦) س: \"أخرها\".\n(^٧) يُنْظَر: الهداية للمرغيناني (١/ ٨٩)، وبدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٥٤).\n(^٨) يُنْظَر: المغني لابن قدامة (٣/ ٢٩٨).\n(^٩) هـ وط: \"فإنهم\".\n(^١٠) \"صفًّا\" سقطت من س.","vol":"1","page":187},{"text":"وأمَّا حال الالتحام فلا يمكن ذلك (^١).\nفالتَّأخير وقع حال الاشتغال بالقتال، وصلاة الخوف شُرِعت حال المواجهة قبل الاشتغال بالقتال، فهذا له موضع، وهذا له موضع.\nوهذا في القوَّة (^٢) كما ترى.\nوقالت طائفةٌ ثالثةٌ: يخيَّر بين تقديمها والصَّلاة على حسب حاله، وبين تأخيرها حتى يتمكَّن من فعلها. وهذا مذهب جماعةٍ من الشَّاميين (^٣)، وهو إحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمد (^٤).\nلأنَّ الصَّحابة فعلوا هذا وهذا (^٥) في قصَّة بني قريظة، كما سنذكره (^٦) بعد هذا، إن شاء الله تعالى.\nوعلى الأقوال الثَّلاثة فلا حُجَّة للعاصي، المفرِّط، المتعدِّي، الذي قد باء بعقوبة الله وإثم التَّفويت في ذلك بوجهٍ من الوجوه. وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) يُنْظَر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٢) ط: \"القول\".\n(^٣) هو قول الأوزاعي، كما في الاستذكار لابن عبد البر (٧/ ٨١، ٨٢).\n(^٤) الإنصاف للمرداوي والشرح الكبير لابن أبي عمر (٥/ ١٤٦).\n(^٥) \"وهذا\" ليست في هـ.\n(^٦) ط وس: \"سنذكر\".","vol":"1","page":188},{"text":"فصلٌ\nوبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بتأخير الصَّحابة العصر إلى بعد غروب الشمس (^١) عمدًا؛ حين قال النَّبيُّ ﷺ: \"لا يصلينَّ أحدٌ (^٢) العصر إلَّا في بني قريظة\" (^٣). فأدْرَكَت طائفةٌ الصلاة في الطَّريق، فقالوا: لم يُرِد منَّا تأخيرها، فصلَّوها في الطريق. وأبَت طائفةٌ أخرى أنْ تصلِّيها إلَّا في بني قريظة، فصلَّوها بعد العشاء (^٤).\nفما عنَّف رسول الله ﷺ واحدة (^٥) من الطَّائفتين. فإنَّ الذين أخَّروها كانوا مطيعين لرسول الله ﷺ، معتقدين وجوب ذلك التَّأخير، وأنَّ وقتها الذي أُمِرُوا به حيث أدركهم في بني قريظة.\nفكيف يُقَاس العاصي المتعدِّي لحدود الله على المطيع له، الممتثل لأمره. فهذا من أبْطَل قياسٍ في العالم وأفسده. وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) س: \"الغروب\".\n(^٢) ض: \"أحدكم\".\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/١٥٣).\n(^٤) روايات الحديث في كتب السُنَّة: أنَّ الصَّحابة ﵃ أدركتهم صلاة العصر عند الغروب، وليس فيها أنَّ الآخرين صلَّوها بعد المغرب أوالعشاء. ولكن عند ابن إسحاق في السِّيرة: أنَّهم صلوها في وقت العشاء، وعند موسى بن عقبة: أنَّهم صلوها بعد أنْ غابت الشمس. يُنْظَر: السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٣٣)، والفتح لابن حجر (٧/ ٤١٠).\n(^٥) ض: \"النبي ﷺ .. \". س: \" .. أحدًا\".","vol":"1","page":189},{"text":"وقد فضَّلت طائفةٌ من العلماء الذين أخَّروها إلى بني قريظة على الذين صلَّوها في الطريق. قالوا: لأنَّهم امتثلوا أمر رسول الله ﷺ على الحقيقة، والآخرون تأوَّلوا؛ فصلَّوها في الطريق.\nفصلٌ\nوأمَّا استدلالكم بأمر النَّبيِّ ﷺ أنْ يصلِّي نافلةً (^١) مع الأمراء الذين كانوا يضيِّعون الصلاة عن وقتها، ويصلُّونها في غير الوقت= فلا حُجَّة فيه (^٢)؛ لأنَّهم لم يكونوا يؤخِّرون صلاة النَّهار إلى اللَّيل، ولا صلاة اللَّيل إلى النَّهار؛ بل كانوا يؤخِّرُون صلاة الظهر إلى وقت العصر، وربَّما كانوا يؤخِّرون العصر إلى وقت الاصفرار.\nونحن نقول: إنَّه متى أخَّر إحدى صلاتَي الجَمْع إلى وقت الأخرى صلَّاها في وقت الثَّانية وإنْ كان غير معذورٍ. وكذلك إذا أخَّر العصر إلى الاصفرار (^٣)؛ بل إلى أنْ يبقى منها قدر ركعةٍ، فإنَّه يصلِّيها بالنَّص.\nوقد جَمَع النَّبيُّ ﷺ بالمدينة، من غير خوفٍ ولا مطرٍ؛ أراد أنْ لا يُحْرِج أُمَّته (^٤). فهذا التَّأخير لا يمنع صِحَّة الصلاة.\n_________\n(^١) هـ وط: \"تصلى\". وليس في س: \"نافلة\".\n(^٢) ض: \"حجة به\".\n(^٣) جملة: \"ونحن نقول: إنَّه .. إلى الاصفرار\" سقطت من س.\n(^٤) يشير إلى ما أخرجه مسلم (٧٠٥) وغيره، من حديث ابن عباس ﵁ بلفظ: \"جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة .. \" الحديث.","vol":"1","page":190},{"text":"وأمَّا قولكم: قد أجاز رسول الله ﷺ صلاة من أخَّر الظهر إلى وقت العصر، مع تفريطه، مع خروج وقت الظَّهر.\nفجوابه: أنَّ الوقت مشتركٌ بين الصلاتين في الجملة. وقد جَمَع رسول الله بالمدينة من غير خوفٍ ولا مرضٍ (^١)، وهذا لا يُنَازع (^٢) فيه.\nولكن هل أجاز رسول الله ﷺ صلاة الصُّبح في وقت الضُّحى من غير نومٍ ولا نسيان (^٣)؟\nوأمَّا قولكم: وقد رُوِي من حديث أبي قتادة: أنَّ رسول الله ﷺ قال فيْمَن نام عن صلاة الصبح قال (^٤): \"وإذا كان الغد فلْيُصلِّها لميقاتها\" (^٥) = إنَّ هذا أوضح في أداء المفرِّط للصَّلاة، عند الذِّكر وبعد الذِّكر، وهو حديث صحيح الإسناد.\nفيالله العجب! أين في هذا الحديث ما يدلُّ بوجهٍ من وجوه الدلالة\nــ نصِّها أوظاهرها، أوإيمائها - على أنَّ العاصي المتعدِّي لحدود الله بتفويت\n_________\n(^١) قوله: \"ولا مرضٍ\" كذا في جميع النسخ، ولم أقف عليه مسندًا من حديث ابن عباسٍ ﵁ المتقدِّم - ولا غيره. فلعلَّه سبق قلمٍ.\n(^٢) ض: \"لا تنازع .. \".\n(^٣) هـ: \"الصبح في وقت الصبح .. \"! س: \" .. أونسيان\".\n(^٤) \"قال\" ليست في ط.\n(^٥) تقدَّم أنَّه جزءٌ من حديث أبي قتادة عند مسلم (٦٨١)، ولفظه: \"فإذا كان الغد فليصلِّها عند وقتها\".","vol":"1","page":191},{"text":"الصلاة عن وقتها= تصحُّ منه بعد الوقت، وتبْرأ ذِمَّته منها، وهي أهلٌ أن تقبل منه؟\nوكأنَّكم فهمتم من قوله: \"فإذا كان الغد فليصلِّها لميقاتها\" أمره بتأخيرها إلى الغد! وهذا باطلٌ قطعًا، لم يُرِدْه رسول الله ﷺ، والحديث صريحٌ في إبطاله؛ فإنَّه أمَرَه أنْ يصلِّيها (^١) إذا استيقظ أو ذَكَرها.\nثم رُوِي في تمام الحديث هذه الزِّيادة، وهي قوله: \"فإذا كان من الغد فلْيُصلِّها لميقاتها\". وقد اختلف النَّاس في صحَّة هذه الزِّيادة ومعناها.\nفقال بعض الحفَّاظ: هذه الزِّيادة وهمٌ من عبد الله بن رباح، الذي روى الحديث عن أبي قتادة، أومن أحد الرُّواة.\nوقد حُكِي (^٢) عن البخاري (^٣) أنَّه قال: لا يُتَابَع في قوله: \"فليُصلِّ إذا ذكرها ولوقتها (^٤) من الغد\".\nوقد روى الإمام أحمد في \"مسنده\" (^٥) عن عِمران بن حُصَين قال:\n_________\n(^١) ط: \"يصلها\".\n(^٢) هـ وط: \"روي\".\n(^٣) التاريخ الكبير (٥/ ٨٤)، وأسنده عنه أيضًا البيهقي في الكبرى (٢/ ٢١٦).\n(^٤) ض: \"فليصلي .. \". هـ وط: \"لوقتها\" دون واو. وما أثبتُّه - بالواو - موافق للفظه في التاريخ، ولما أسنده عنه البيهقي.\n(^٥) (٤/ ٤٤١) وتقدَّم تخريج الحديث، وبيان ضعفه (ص/١٥٧).","vol":"1","page":192},{"text":"سِرْتُ مع رسول الله ﷺ، فلمَّا كان من (^١) آخر اللِّيل عرَّسنا، فلم نستيقظ حتى أيقظتنا (^٢) الشمس، فجعل الرجل يقوم دَهَشًا (^٣) إلى طهوره. فأمَرَهم النَّبيُّ ﷺ أنْ يسكنوا، ثم ارتحل، فسرْنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضَّأ، ثمَّ أمر بلالًا فأذَّن، ثمَّ صلَّى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام، فصلَّينا. فقالوا: يارسول الله ﷺ، ألَا نعيدها في وقتها من الغد؟ قال: \"أينهاكم (^٤) ربُّكم ﵎ عن الرِّبا، ويقبله منكم! \".\nقال الحافظ أبوعبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (^٥): \"وفي هذا دليلٌ على ما قال البخاري؛ لأنَّ عمران بن الحصين كان حاضرًا، ولم يذكر ما قال عبد الله بن رباح عن أبي قتادة\".\nوعندي أنَّه لا تعارض (^٦) بين الحديثين، ولم يأمر رسول الله ﷺ بإعادتها من الغد، وإنَّما الذي أَمَرَ به فعلَ الثانية في وقتها، وأنَّ الوقت لم يسقط بالنَّوم والنِّسيان، بل عاد إلى ما كان عليه. والله أعلم.\n_________\n(^١) ض وس: \"في\".\n(^٢) ط: \"العصنا\". تحريفٌ!\n(^٣) قال الفيومي في المصباح (١/ ٢٠٢): \"دَهِشَ دَهَشًا، من باب تَعِب: ذهب عقله حياءً أو خوفًا\".\n(^٤) س: \"أنهاكم\".\n(^٥) في كتابه: \"السُّنن والأحكام\" (١/ ٢٨٣).\n(^٦) س: \"يعارض\".","vol":"1","page":193},{"text":"قوله: \"وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثَّقفي قال: قَدِم وفد ثقيفٍ على رسول الله ﷺ، فجعلوا يسألونه، فلم يصلِّ يومئذٍ الظهر إلَّا مع العصر .. \" إلى آخره.\nفقد تقدَّم جواب هذا وأمثاله مرارًا، وأنَّ هذا التَّأخير كان طاعةً لله تعالى وقُربةً. وغايته أنَّه جمع بين الصَّلاتين (^١) لشغلٍ مهمٍّ من أمور المسلمين، فكيف يصحُّ إلحاق تأخير المتعدِّي لحدود الله به؟\nولقد ضعفت مسألةٌ تُنْصَر بمثل هذا!\nقوله: \"وليس ترك الصلاة حتى يخرج وقتها عمدًا مذكورًا عند الجمهور في الكبائر\".\nفيُقَال: يالله العجب! وهل تَقْبَل هذا المسألة نِزاعًا؟ وهل ذلك إلَّا من أعظم الكبائر، وقد جعل رسول الله ﷺ تفويت صلاة العصر محبِطًا للعمل!\nفأيُّ كبيرةٍ تقوى على إحباط العمل سوى تفويت الصلاة!\nوقد قال عمر بن الخطاب ﵁: \"الجمع بين الصَّلاتين من غير عذرٍ من (^٢) الكبائر\" (^٣). ولم يخالفه صحابيٌّ واحد في ذلك، بل الآثار الثابتة عن الصحابة كلُّها توافق ذلك.\n_________\n(^١) س: \"صلاتين\".\n(^٢) هـ: \"كبيرة من\".\n(^٣) تقدم تخريجه (ص/١٢٨).","vol":"1","page":194},{"text":"هذا والجامع بين الصَّلاتين قد صلَّاهما في وقت إحداهما للعذر (^١). فماذا نقول (^٢) فيمن صلَّى الصبح في وقت الضُّحى عمدًا وعدوانًا، والعصر نصف اللَّيل من غير عذرٍ؟ وقد صرَّح الصِّدِّيق أنَّ الله لا يقبل هذه الصَّلاة (^٣). ولم يخالف الصِّدِّيق صحابيٌّ واحد.\nوقد توعَّد الله سبحانه بالويل والغيِّ لمن سها عن صلاته وأضاعها. وقد قال الصَّحابة - وهم أعلم الأمَّة بتفسير الآية ـ: إنَّ ذلك تأخيرها عن وقتها. كما تقدَّم حكايته (^٤).\nويا لله العَجَب! أيُّ كبيرةٍ أكبر من كبيرةٍ تُحْبِط العمل، وتجعل الرجل بمنزلة من قد وُتِر أهلَه ومالَه. وإذا لم يكن تأخير صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وتأخير صلاة اللَّيل إلى النَّهار من غير عذرٍ من الكبائر= لم يكن فطر شهر رمضان من غير عذرٍ ويصوم بدله شوال من الكبائر (^٥).\nونحن نقول: بل ذلك أكبر من كُلِّ كبيرةٍ بعد الشِّرك بالله، ولَأَنْ يلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشِّرك به خير له من أن يؤخِّر صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وصلاة اللَّيل إلى النَّهار، عدوانًا عمدًا بلا عذرٍ.\n_________\n(^١) ض وس: \"للمعذور\".\n(^٢) ض وهـ: \"تقول\".\n(^٣) تقدم سياقه وتخريجه (ص/١٣٩ - ١٤٠).\n(^٤) (ص/٥٢).\n(^٥) هـ: \"من شوال .. \". وجملة: \"لم يكن فطر .. الكبائر\" سقطت من س.","vol":"1","page":195},{"text":"وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن سليمان بن يسار عن المسور ابن مخرمة (^١) أنَّه دخل مع ابن عباس على عمر حين طُعِنَ، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، الصَّلاة! فقال: \"أجل (^٢)، أُصَلِّي؛ إنَّه لا حظَّ في الإسلام لمن أضاع الصلاة\" (^٣).\nوقال إسماعيل بن عُليَّة عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: \"نُبِّئتُ أنَّ أبا بكر وعمر كانا يعلِّمان الناس الإسلام؛ تعبد الله، ولاتشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة (^٤) التي افترض الله بمواقيتها، فإنَّ في تفريطها الهلكة\" (^٥).\nوقال محمد بن نصر المروزي (^٦): \"وسمعت إسحاق يقول: صحَّ عن رسول الله ﷺ أنَّ تارك الصلاة كافرٌ. وكذلك كان رأي أهل العلم، من لدن النَّبيِّ ﷺ (^٧) إلى يومنا هذا: أنَّ تارك الصلاة عمدًا من غير عُذرٍ\n_________\n(^١) س: \"وروى هشام عن سلمان عن المستور\". تحريفٌ!\n(^٢) \"أجل\" ليست في س.\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/١٤، ٧٩).\n(^٤) ض: \"يعبد .. يشرك .. يقيم\" بالياء في كلها.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٣٢)، وعبد الرزاق (٢٠٦٨٣)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٩٣٢)، وغيرهم، من طريق أيوب عن ابن سيرين نحوه. وهو ظاهر الانقطاع، لقوله: \"نُبِّئتُ\".\n(^٦) تعظيم قدر الصلاة (٩٢٩ - ٩٣٠).\n(^٧) س: \"رسول الله ﷺ\".","vol":"1","page":196},{"text":"حتى يذهب وقتها كافرٌ.\nوذهاب الوقت أنْ يؤخِّر الظُّهر إلى غروب الشمس، والمغرب إلى طلوع الفجر. وإنَّما جعل آخر (^١) أوقات الصَّلاة بما وصفنا (^٢) لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة، وفي (^٣) السفر، فصلَّى إحداهما في وقت الأخرى.\nفلمَّا جعل النَّبيُّ ﷺ الأولى منهما وقتًا للأخرى (^٤) في حالٍ، والأخرى وقتًا للأولى (^٥) في حالٍ صار وقتاهما وقتًا واحدًا في حال العذر، كما أُمِرَت الحائض إذا طهُرت قبل غروب الشمس أنْ تصلِّي الظهر والعصر، وإذا طهُرت (^٦) آخر اللَّيل أنْ تصلِّي المغرب والعشاء\" (^٧).\n_________\n(^١) \"آخر\" ليست في هـ.\n(^٢) هـ وط: \"ذكرنا\".\n(^٣) ط: \"في السفر\" دون واو.\n(^٤) جملة: \"فلمَّا جعل .. وقتًا للأخرى\" سقطت من ض.\n(^٥) ض: \"وقت الأولى\".\n(^٦) \"وإذا طهرت\" ليست في هـ وط.\n(^٧) أمر الحائض بذلك جماعة من الصحابة والتابعين، كعبد الرحمن بن عوف وابن عباس، وعطاء وطاووس وغيرهم، يُنْظَر في ذلك: مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٨٤ - ٨٦)، والأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٤٣).","vol":"1","page":197},{"text":"وإذا كان صلاة الذي يؤخِّر (^١) العصر حتى تصير الشمس بين قرني شيطان (^٢) صلاةَ المنافق بنصِّ رسول الله ﷺ (^٣)، فما يقول (^٤) - بأبي هو وأمي - صلوات الله عليه وسلامه فيمن يصلِّيها بعد العشاء؟ وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء/٣١].\nفإذا اجتنب الرجل كبائر المنهيات، واستمرَّ على صلاة الصبح في وقت الضُّحى، والعصر بعد العشاء كان على قولكم مغفورًا له، غير آثمٍ ألبتَّة! وهذا ما لا يقوله (^٥) أحدٌ.\nقوله: \"والعجب من هذا الظَّاهري كيف نقض أصله؛ فإنَّه يقول: ما وجب بإجماعٍ فإنَّه لا يسقط إلَّا بالإجماع (^٦) \".\nفيُقَال: غاية هذا أنَّ منازعكم تناقض (^٧)؛ فلا يكون تناقضه مصحِّحًا لقولكم.\n_________\n(^١) جملة: \"الظهر والعصر .. الذي يؤخر\" سقطت من س.\n(^٢) ط: \"الشيطان\".\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه مسلم (٦٢٢) وغيره، من حديث أنسٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان قام، فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلَّا قليلًا\".\n(^٤) ض وس: \"تقول\".\n(^٥) س: \"من غير إثم .. \". هـ وط: \" .. ما يقوله\".\n(^٦) س: \"تسقط .. \" وليس فيه: \"فإنه\". ض وس: \" .. إلَّا بإجماع\".\n(^٧) \"غاية هذا\" ليست في س. ط: \" .. يناقض\".","vol":"1","page":198},{"text":"وإنْ أردتم بذلك الاستدلالَ بالاستصحاب، وأنَّ الصلاة كانت في ذِمَّته بإجماعٍ، فلا تسقط إلَّا بإجماعٍ، وهو مفقود (^١) = قيل لكم: ومن ذا (^٢) الذي قال بسقوطها من ذِمَّته بالتَّأخير، وأنَّ ذمته قد برئت منها! فمَن قال بهذا فقوله أظهر بطلانًا من أنْ يحتاج (^٣) إلى دليلٍ عليه.\nوالذي يقول منازعوكم: إنَّها قد استقرَّت في ذِمَّته على وجهٍ لا سبيل له إلى أدائها واستدراكها، إلَّا بعود ذلك الوقت بعينه. وهذا محالٌ!\nثم يُعَارَضُ هذا الإجماع بإجماعٍ مثله أوأقوى منه؛ فنقول (^٤): أجمع المسلمون على أنَّه عاصٍ، متعدٍّ، مفرِّطٌ بإضاعة الوقت. فلا يرتفع هذا الإجماع إلَّا بإجماعٍ مثله، أو أقوى منه.\nفنقول: (^٥) ولم يجمعوا على أنَّه يرتفع عنه الإثم والعدوان بالفعل بعد الوقت؛ بل لعلَّ هذا لم يقله أحدٌ.\nفهذا ما يتعلَّق بالحِجَاج من الجانبين.\n_________\n(^١) ض: \"يسقط .. \". س: \" .. مقصود\".\n(^٢) \"ذا\" ليست في ض وس.\n(^٣) ط: \"نحتاج\".\n(^٤) ض وط: \"ثم تعارض .. \". س: \" .. فيقول\".\n(^٥) \"إلَّا بإجماعٍ\" ليست في هـ. وكذا: \"أو أقوى منه، فنقول\" ليست في هـ وط.","vol":"1","page":199},{"text":"وليس لنا غرضٌ فيما وراء ذلك. وقد بان مَنْ هو أسعد بالكتاب والسُّنَّة وأقوال السَّلف في هذه المسألة. والله المستعان.\nفصلٌ\nفإنْ قيل: فقد أمر النَّبيُّ ﷺ المفطر (^١) متعمِّدًا في نهار (^٢) رمضان بالقضاء في موضعين:\nأحدهما: المجامِع. والثَّاني: المستقيء.\nففي \"السُّنن\" (^٣)، من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ، قد جامع أهله في رمضان .. فذكر الحديث، وقال فيه: فأُتِيَ بعَرَقٍ (^٤) فيه تمرٌ، قدر خمسة عشر صاعًا. وفيه قال: \"كُلْه أنت وأهل بيتك، وصُمْ يومًا، واستغفر الله ﷿\".\nوعند ابن ماجه (^٥): \"وصُمْ (^٦) يومًا مكانه\".\n_________\n(^١) س: \"المفرط\".\n(^٢) س: \"في شهر\".\n(^٣) أبوداود (٢٣٩٣) بهذا السِّياق، من طريق هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ به. وسيأتي الكلام عليه قريبًا.\n(^٤) بفتح العين والراء، هو: المكتل الضخم المنسوج من الخوص. يُنْظَر: المصباح المنير (٢/ ٤٠٥)، والنهاية لابن الأثير (٣/ ٢١٩).\n(^٥) حديث (١٦٧١). من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ به. وسيأتي الكلام عليه أيضًا.\n(^٦) ض وس وهـ: \"يصوم\".","vol":"1","page":200},{"text":"وفي \"السُّنن\"، و\"المسند\" (^١)، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ذَرَعَه القيءُ وهو صائمٌ فليس عليه قضاءٌ، ومن استقاء فلْيَقض\".\nقيل: الحديثان معلولان، لا يثبتان!\nأمَّا قصَّة المجامِع في رمضان فقد رواها أصحاب الصَّحيح (^٢)، ولم يذكر أحدٌ منهم هذه الزِّيادة. والذي ذكرها لا تقوم (^٣) به الحُجَّة؛ فإنَّها من رواية (^٤) عبد الجبار بن عمر الأيلي، وقد ضعَّفه الأئمَّة.\n_________\n(^١) أبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، والنسائي في الكبرى (٣١٣٠)، والمسند (٢/ ٤٩٨). وأخرجه ابن حبان (٣٥١٨)، وابن خزيمة (١٩٦١)، والحاكم (١١٥٧)، وغيرهم، من طُرقٍ عن هشام بن حسَّان القردوسي عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا. وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، والألباني في الإرواء (٩٣٠).\nوقد أعلَّه جمعٌ من الحفَّاظ بالوقف على أبي هريرة، ورأوا أنَّ هشامًا وهم في رفعه، وأنَّ الصواب فيه الوقف؛ كأحمد والبخاري والترمذي والنَّسائي، وغيرهم. وسيأتي بيانه من كلام المصنِّف. ويُنْظَر: التَّلخيص لابن حجر (٢/ ١٨٩)، وتغليق التعليق (٣/ ١٧٦).\n(^٢) البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١١)، وغيرهما.\n(^٣) ض: \"يقوم\".\n(^٤) س: \"فإنه من رواته\".","vol":"1","page":201},{"text":"قال يحيى بن معين: \"ليس بشيءٍ، ولا يكتب حديثه\" (^١)، وقال مرَّةً: \"ضعيف\" (^٢). وكذلك قال أبوزرعة (^٣)، والسَّعدي (^٤)، والنَّسائي (^٥). وقال البُخاري (^٦): \"ليس بالقويِّ، عنده مناكير\". وقال ابن عديٍّ (^٧): \"عامَّة ما يرويه يُخالَف فيه، والضَّعف (^٨) بيِّن على رواياته\".\nورواه أئمَّة أصحاب ابن شهاب عنه - كمالكٍ وغيره - فلم يذكروا قوله: \"صُم يومًا مكانه\".\nورواه أبو مروان العثماني عن إبراهيم بن سعد عن اللَّيث عن ابن شهاب عن حميد (^٩) عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له في هذه القصَّة: \"اقضِ يومًا مكانه\". وكذا رُوِيَ عن الدَّراوَرْدي عن إبراهيم بن سعد عن اللَّيث.\n_________\n(^١) في رواية الدوري (٣/ ١٨٠): \"ليس بشيءٍ\"، وأسنده ابنُ عدي في الكامل (٥/ ٣٢٤) بسياق المصنّف.\n(^٢) رواية الدوري عنه (٣/ ١٦٥)، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم عنه (٦/ ١٣٧): \"ضعيفٌ، ليس بشيءٍ\". ويُنظر: الكامل لابن عدي (٥/ ٣٢٤).\n(^٣) سؤالات البرذعي (ص/٦٣٧)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٦/ ١٣٧).\n(^٤) أي: الجوزجاني، في كتابه أحوال الرجال (٢٦٥).\n(^٥) الضُّعفاء له (ص/١٧٢).\n(^٦) في التاريخ (٦/ ١٠٨): \"عنده مناكير\"، وفي الضعفاء (ص/٧٨): \"ليس بالقويٍّ عندهم\". وقد أسنده عنه بنحو سياق المصنّف ابنُ عدي في الكامل (٥/ ٣٢٤) وغيره.\n(^٧) الكامل (٥/ ٣٢٤).\n(^٨) س: \"والضعيف\".\n(^٩) س: \"حمده\"!","vol":"1","page":202},{"text":"قال البيهقي (^١): وإبراهيم عنده الحديث عن الزهري، بلا هذه الكلمة. وقد رواه حجاج بن أرطاة عن إبراهيم بن علي، كذا مرَّ عن ابن المسيب (^٢)، وعن الزهري عن حميد عن أبي هريرة.\nورواه حجاج عن عمرو بن شعيب (^٣) عن أبيه عن جدِّه. وقال فيه عمرو: \"وأمره أنْ يقضي يومًا مكانه\". وقد رواه هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال فيه: \"وصُم يومًا مكانه، واستغفر الله\".\nفخالف هشامٌ النَّاس في روايته عن أبي سلمة، والحديث لحميد (^٤) عن أبي هريرة.\nورواه ابن (^٥) أبي أويس قال: حدثني أبي أنَّ ابن شهاب أخبره عن حميد أنَّ أباهريرة حدَّثه: أنَّ رسول الله ﷺ أمر الذي يفطر في رمضان أنْ يصوم يومًا مكانه. ولكن هذا يخالف رواية أصحاب ابن شهاب؛ فإنَّهم لم يذكروا هذه الزِّيادة!\n_________\n(^١) في سننه الكبرى (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧) بنحو ما نقله المصنِّف عنه مختصرًا كلامه.\n(^٢) س: \"أبطاه عن إبراهيم بن عامر عن ابن المسيب\"!\n(^٣) هـ: \"حجاج بن عمرو بن شعيب\"، ط: \"حجاج بن عمر وابن شعيب\"!\n(^٤) س: \"لحمزة\".\n(^٥) ط: \"عن ابن .. \".","vol":"1","page":203},{"text":"وقال الشَّافعي: أخبرنا مالك عن عطاء الخراساني عن ابن المسيب قال: أتى أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ .. فذكر الحديث، وقال في آخره: \"وصُمْ يومًا مكان ما أصبت\" (^١). وهذا مرسلٌ، ولكنَّه من مراسيل ابن المسيَّب (^٢).\nورواه داود بن أبي هند عن عطاء، فلم يذكر قوله: \"وصُم يومًا مكانه\". وعطاءٌ كذَّبَه ابنُ المسيب (^٣)، وقال ابن حبَّان: \"كان رديء الحِفْظ، يخطئ، ولا يعلم (^٤)، فبطل الاحتجاج به\" (^٥).\nوأمَّا حديث المستقيء عمدًا فهو حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: \"مَن ذَرَعَه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء\" فقال الترمذي: \"هذا حديث حسنٌ غريبٌ\".\nوقال: قال محمدٌ - يعني: البخاري ـ: \"لا أراه محفوظًا\" (^٦).\n_________\n(^١) الأم (٣/ ٢٤٩)، مسند الشافعي (ص/١٠٥).\n(^٢) فإنَّه من أصحِّ المراسيل. ويُنْظر في الكلام عليها: جامع التحصيل (٨٩).\n(^٣) أسند تكذيب سعيدٍ لعطاء في ذكر هذه الزِّيادة بخصوصها في هذا الحديث البخاريُّ في تاريخه الكبير (١/ ٢٧٠)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٥٨)، والعقيلي في الضُّعفاء (٣/ ٤٠٦)، وغيرهم.\n(^٤) \"كان\" ليست في هـ. وفي س: \"كما روى الحافظ نخطيء ولا نعلم .. \" تحريفٌ.\n(^٥) المجروحين (٢/ ١٣٠).\n(^٦) في سننه (٣/ ٧٢٠). وقال في التاريخ الكبير (١/ ٩١): \"لم يصِحَّ\".","vol":"1","page":204},{"text":"وقال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: \"ليس من ذا شيءٌ\" (^١).\nوقال التِّرمذي في \"كتاب العِلل\" (^٢): حدَّثنا علي بن حُجْر حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسَّان عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: \"مَن ذَرَعَه القيء فليس عليه قضاءٌ، ومَن استقى عمدًا فلْيَقض\".\nقال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلَّا من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: \"ما أراه محفوظًا\". قال (^٣): \"وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم أنَّ أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطِّر الصَّائم\" (^٤).\nوبتقدير صِحَّة الحديث فلا حُجَّة فيه؛ إذْ المراد به: المعذور الذي\n_________\n(^١) كذا في نسخة الخطابي كما في معالم السنن (٢/ ١١٢) وهي مثبتة في نسختين للسُنن، إحداهما من رواية ابن داسة، كما ذكر ذلك محمد عوامة في تحقيقه (٣/ ١٥٦).\n(^٢) ترتيب العلل لأبي طالب (١/ ٣٤٢).\n(^٣) يعني: البخاري.\n(^٤) علَّقه البخاري في صحيحه، باب الحجامة والقيء للصائم: وقال لي يحيى بن صالح حدثنا معاوية بن سلام حدثنا يحيى عن عمر بن الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة ﵁: \"إذا قاء فلا يفطر، إنَّما يخرج ولا يولج\". ويُنْظر: تغليق التعليق (٣/ ١٧٦ - ١٧٨).","vol":"1","page":205},{"text":"اعتقد أنَّه يجوز له الاستقاء، أوالمريض الذي احتاج أنْ يستقيء فاستقاء؛ فإنَّ الاستقاء في العادة لا يكون إلَّا لعذرٍ. وإلَّا فلا يقصد العاقل أنْ يستقيء من غير حاجةٍ؛ فيكون المستقيء متداويًا بالاستقاء، كما لو تداوى (^١) بشرب دواءٍ، وهذا يقبل منه القضاء، و(^٢) يؤمر به اتفاقًا.\nوقد اختلف الفقهاء في المُجَامِع في نهار رمضان إذا كفَّر، هل يجب (^٣) عليه أن يقضي يومًا مكان الذي أفطره؟ على ثلاثة أقوالٍ، وهي للشافعي (^٤):\nأحدها: يجب عليه (^٥).\nوالثَّاني: لا يجب عليه (^٦).\n\nوالثَّالث: إنْ كفَّر بالعِتق أو الإطعام وجب عليه الصِّيام، وإنْ كفَّر بالصَّوم لم يجب عليه قضاء ذلك اليوم.\n_________\n(^١) س: \"يداوى\".\n(^٢) هـ وط: \"أو\".\n(^٣) ط: \"تجب\".\n(^٤) جعل النَّووي ﵀ في روضة الطَّالبين (٢/ ٣٧٩) هذه الأقوال كما حكاها المصنِّف ثلاثةً في المذهب، أوقولين ووجهًا. والصَّحيح من مذهبهم هو القول الثاني كما في البيان للعمراني (٣/ ٥٢٠) وغيره.\n(^٥) \"عليه\" ليست في هـ وط.\n(^٦) \"عليه\" من س.","vol":"1","page":206},{"text":"فصْلٌ\nوأمَّا المسألة السَّابعة (^١)، وهي: هل تصحُّ صلاة من صلَّى وحده، وهو يقدر على الصَّلاة جماعةً، أم لا؟ فهذه المسألة مبنيَّةٌ على أصْلَين:\nأحدهما: أنَّ صلاة الجماعة فرضٌ أم سُنَّة؟\nوإذا قلنا: هي فرضٌ فهل هي شرطٌ لصحَّة الصَّلاة، أم تصحُّ بدونها (^٢) مع عصيان تاركها؟ فهاتان مسألتان.\nأمَّا المسألة الأولى: فاختلف الفقهاء فيها (^٣). فقال بوجوبها عطاء ابن أبي رباح، والحسن البصري، وأبو عمرو الأوزاعي، وأبو ثور (^٤). والإمام أحمد في ظاهر مذهبه (^٥). ونصَّ عليه الشَّافعي في «مختصر المزني»، فقال: «وأمَّا الجماعة فلا أرخِّص في تركها إلَّا من عذر» (^٦).\n_________\n(^١) ض وط: «السادسة»، هـ: «السابع». غلطٌ متوالٍ في العدِّ، تقدَّم التَّنبيه عليه.\n(^٢) س: «أم لا بدونها».\n(^٣) «فيها» ليست في ط.\n(^٤) المغني (٣/ ٥)، والمجموع (٤/ ٨٧).\n(^٥) المغني (٣/ ٥)، والشَّرح الكبير لابن أبي عمر مع الإنصاف (٤/ ٢٦٥).\n(^٦) مختصر المزني (ص/٣٥)، وبنحوه في الأم (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢)، وسيأتي.\nفائدة: لم يذكر المصنِّف ﵀ المذهب عند أتباع الشَّافعيِّ، وهي ليست واجبة على الأعيان عندهم، بل هي على وجوه؛ فرض كفاية، وهو المذهب عندهم، أوفرض عين، أوسُنَّةٌ. كما في البيان للعمراني (٢/ ٣٦١)، وروضة الطالبين للنَّووي (١/ ٣٣٩).","vol":"1","page":207},{"text":"وقال ابن المنذر في «كتاب الأوسط» (^١): «ذكر [إيجاب (^٢)] حضور الجماعة على العميان، وإنْ بعدت منازلهم عن المسجد. ويدلُّ ذلك على (^٣) أنَّ شهود (^٤) الجماعة فرضٌ لا ندبٌ». ثمَّ ذكر حديث ابن أمِّ مكتوم أنَّه قال (^٥): يا رسول الله، إنَّ بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا (^٦)، فهل يسعني أنْ أُصلِّي في بيتي؟ قال: «تسمعُ الإقامة؟» قال: نعم. قال: «فَأْتِهَا» (^٧).\n_________\n(^١) (٤/ ١٣٢).\n(^٢) «إيجاب» ليست في جميع النسخ، وقد ألحقت من الأوسط؛ إذ السِّياق يقتضي ذكرها.\n(^٣) هـ وط: «على ذلك».\n(^٤) ض: «حضور».\n(^٥) س: «فقال».\n(^٦) ض وهـ وط: «نخل وشجر».\n(^٧) أخرجه أبوداود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢)، وأحمد (٣/ ٤٢٣)، وابن خزيمة (١٤٨٠)، والحاكم (١/ ٣٧٥)، والبيهقي (٣/ ٥٨)، من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين مسعود بن مالك الأسدي عن ابن أم مكتوم. وأعلَّه ابن القطَّان في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٥٥١) باحتمال الانقطاع بين أبي رزين وابن أم مكتوم.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٢٣)، وابن خزيمة (١٤٧٩)، والحاكم (١/ ٣٧٤)، من طريق الحصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد عن ابن أم مكتومٍ بنحوه. قال المنذري في التَّرغيب (١/ ١٦٨): «إسناده جيِّدٌ». وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٤٢): «رجاله رجال الصَّحيح».","vol":"1","page":208},{"text":"قال ابن المنذر (^١): «ذِكْر تخوُّف النِّفاق على تارك شُهُود العشاء والصُّبح في جماعةٍ». ثُمَّ قال في أثناء الباب: «فدلَّت الأخبار التي ذكرتُ (^٢) على وجوب فرض الجماعة على من لا عذر له.\nفمِمَّا دلَّ عليه: قولُه لابن أم مكتومٍ - وهو ضريرٌ ـ: «لا أجد لك رخصة» (^٣). فإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى أنْ لا يكون له رخصة.\nقال: وفي اهتمامه ﷺ بأنْ يحرِّق على قومٍ تخلَّفُوا (^٤) عن الصَّلاة بيوتهم (^٥) أبينُ البيانِ على وجوب فرض الجماعة؛ إذ غير جائزٍ أنْ يتهدَّد الرسول (^٦) ﷺ من تخلَّف عن ندبٍ، وعمَّا ليس بفرضٍ.\nقال: ويؤيِّدُه حديث أبي هريرة: أنَّ رجلًا خرج من المسجد بعدما أَذَّن المؤذِّنُ فقال: «أمَّا هذا فقد عَصَى أبا القاسم» (^٧). ولو كان المرء مخيَّرًا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أنْ يعصي من تخلَّف عمَّا لا يجب عليه أنْ يحضره.\n_________\n(^١) الأوسط (٤/ ١٣٤).\n(^٢) س: «ذكرتم».\n(^٣) أحد ألفاظ حديث ابن أم مكتوم، وقد تقدَّم قريبًا.\n(^٤) هـ: «تخلوا».\n(^٥) سيأتي ذكره بتمامه قريبًا في كلام المصنِّف (ص/٢١٨).\n(^٦) ط: «رسول الله».\n(^٧) أخرجه مسلم (٦٥٥).","vol":"1","page":209},{"text":"ولمَّا (^١) أمر الله تعالى ذكره بالجماعة في حال الخوف دلَّ على أنَّ ذلك في حال الأمن أوجب.\nوالأخبار المذكورة في أبواب الرُّخصة في التخلُّف عن الجماعة لأصحاب العذر تدلُّ (^٢) على فرض الجماعة على من لا عذر له. ولو كان حال العذر وغير حال العذر سواء لم يكن للتَّرخيص في التخلُّف عنها في أبواب العذر معنىً.\nودلَّ على تأكيد فرض الجماعة قوله ﷺ: «من يسمع النِّداء فلم يجب فلا صلاة له» (^٣). ثم ساق الحديث (^٤) في ذلك.\nثم قال: وقال الشافعي (^٥): ذكَرَ اللهُ الأذان بالصَّلاة فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة/٥٨]، وقال (^٦): ﴿إِذَا (^٧) نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة/٩]. وسنَّ رسول الله ﷺ الأذان\n_________\n(^١) هـ وط: «وإنما لما»، و«لما» ليست في س وض. وفي الأوسط (٤/ ١٣٥): «ولما أمر».\n(^٢) هـ وط: «الأعذار ..». س: «يدل».\n(^٣) سيأتي تخريجه والكلام عليه من كلام المصنِّف (ص/٢٢٧).\n(^٤) هـ وس: «الأحاديث».\n(^٥) الأم (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢)، بنحوه.\n(^٦) هـ وط: «وقال تعالى».\n(^٧) هـ وط: (وإذا). وكذا في الأوسط (٤/ ١٣٨).","vol":"1","page":210},{"text":"للصَّلوات (^١) المكتوبات، فأشبه ما وصفتُ، أنْ لا يحلَّ ترك أنْ يصلَّى كلُّ مكتوبةٍ في جماعةٍ (^٢)، حتى لا يخلو (^٣) جماعةٌ مقيمون أومسافرون من أن يُصَلَّى فيهم (^٤) صلاة جماعةٍ، فلا أرخِّص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلَّا من عذرٍ.\nوإنْ تخلَّف أحدٌ فصلَّاها منفردًا لم تكن عليه إعادتها، صلَّاها قبل الإمام أوبعده، إلَّا صلاة الجمعة؛ فإنَّ على من صلَّاها ظهرًا قبل صلاة الإمام كان عليه إعادتها؛ لأنَّ إتيانها فرضٌ». هذا كُلُّه لفظ ابن المنذر.\nوقالت الحنفيَّة (^٥)، والمالكية (^٦): هي سُنةٌ مؤكَّدةٌ، ولكنَّهم يُؤَثِّمُون تارك السُّنن المؤكَّدة، ويصحِّحُون الصَّلاة بدونها، فالخلاف بينهم وبين من قال «إنَّها واجبةٌ، لا شرطٌ» لفظيٌّ (^٧) (^٨). وكذلك صرَّح بعضهم بالوجوب.\n_________\n(^١) س: «للصلاة».\n(^٢) ط: «أن لا يحل أن يصلي كل مكتوبة إلا في جماعة».\n(^٣) ض: «حتى لا تخلو»، هـ: «حتى تخلو».\n(^٤) هـ وط: «يصلي بهم».\n(^٥) الهداية للمرغيناني (١/ ٥٥)، وشرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٤٣).\n(^٦) الإشراف لعبد الوهَّاب المالكي (١/ ٢٩١)، ومواهب الجليل (٢/ ٨١).\n(^٧) ط: «واجبة شرط لفظي».\n(^٨) قال الكمال بن الهمام في شرح فتح القدير (١/ ٢٤٣): «وحاصل الخلاف في المسألة أنَّها فرض عينٍ إلَّا من عذر .. وفي المفيد: إنَّها واجبة، وتسميتها سنَّة لوجوبها بالسُّنَّة».","vol":"1","page":211},{"text":"قال الموجِبُون: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء/ ١٠٢].\nووجه الاستدلال بالآية من وجوه:\nأحدها: أمرُه سبحانه لهم بالصَّلاة في الجماعة، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرَّةً ثانيةً في حقِّ الطَّائفة الثَّانية، بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. وفي هذا دليلٌ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الأعيان؛ إذْ لم يسقطها سبحانه عن الطَّائفة الثَّانية بفعل الأولى. ولو كانت الجماعة سُنَّةً لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف. ولو كانت فرض كفاية لسَقَطَت بفعل الطَّائفة الأولى.\nففي الآية دليلٌ على وجوبها على الأعيان. فهذه على ثلاثة أوجه: أمرُهُ بها أوَّلًا. ثُمَّ أمرُهُ بها ثانيًا. وأنَّه لم يرخِّص لهم في تركها حال الخوف.\nالدَّليل الثَّاني: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم/٤٢ - ٤٣].","vol":"1","page":212},{"text":"ووجه الاستدلال بها: أنَّه سبحانه عاقبهم يوم القيامة، بأنْ حال بينهم وبين السُّجُود (^١) لمَّا دعاهم إلى السُّجود (^٢) في الدنيا فأَبَوا أنْ يجيبوا الدَّاعي. إذا ثبت هذا فإجابة الدَّاعي هي إتيان المسجد بحضور (^٣) الجماعة، لا فعلها في بيته وحده.\nهكذا فسَّرَ النَّبيُّ ﷺ الإجابة؛ فروى مسلمٌ في «صحِيْحِه» (^٤)، عن أبي هريرة قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله ﷺ أنْ يرخِّص له. فرخَّص له، فلمَّا ولَّى (^٥) دعاه، فقال: «هل تسمع النِّداء بالصَّلاة (^٦)؟» قال: نعم، قال: «فأَجِب». فلم يجعله مجيبًا له بصلاته (^٧) في بيته إذا سَمَع النِّداء؛ فدلَّ على أنَّ الإجابة المأمور بها هي إتيان المسجد للجماعة.\nويدلُّ عليه حديث ابن أمِّ مكتوم، قال: يا رسول الله، إنَّ المدينة\n_________\n(^١) بعده في س: «له إذا أذن فيه للمصلين».\n(^٢) «لمَّا دعاهم إلى السُّجود» سقطت من ض. وفي س: «لأنَّهم دعوا إلى ..».\n(^٣) هـ وس: «لحضور».\n(^٤) حديث (٦٥٣).\n(^٥) «ولَّى» سقطت من هـ.\n(^٦) «بالصلاة» سقطت من هـ وط.\n(^٧) ط: «فلم يجعل ..». س: «.. في صلاته».","vol":"1","page":213},{"text":"كثيرة الهوام والسِّباع، فقال رسول الله ﷺ: «تسمعُ (^١) حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح؟» قال: نعم. قال: «فحيَّ هَلا». رواه أبوداود (^٢)، والإمام أحمد (^٣).\nو«حيَّ هَلا» اسم فعلِ أمرٍ، معناه: أقْبِل وأَجِب، وهو صريحٌ في أنَّ إجابة هذا الأمر بحضور الجماعة، وأنَّ المتخلِّف عنها لم يجبه. وقد قال غير واحدٍ من السَّلف (^٤) في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم/٤٣] قال: «هو قول المؤذن: حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح» (^٥).\nفهذا الدَّليل مبنيٌّ على مقدِّمتين:\n_________\n(^١) «تسمع» سقطت من ض.\n(^٢) حديث (٥٥٣).\n(^٣) لم أرَهُ في المسند بهذا اللَّفظ، وقد أخرجه عن ابن أمِّ مكتوم بنحوه (٣/ ٤٢٣). وأخرجه النسائي (٨٥١)، وابن خزيمة (١٤٧٨)، والبيهقي (٣/ ٥٨) كلُّهم من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن ابن أبي ليلى عن ابن أم مكتومٍ به.\nوأخرجه الحاكم (١/ ٣٧٤) وأسقط ابن أبي ليلى بينهما، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه إن كان ابن عابس سمع من ابن أم مكتومٍ، وله شاهد بإسناد صحيحٍ».\nقال ولي الدين العراقي في تحفة التحصيل (ص/١٩٩): «سقوط ابن أبي ليلى وهمٌ من الحاكم أو ممَّن فوقه، ومع ذلك ففي سماع ابن أبي ليلى من ابن أم مكتومٍ نظرٌ».\n(^٤) س: «عنها لم نحبه .. من السالف». تحريفات!\n(^٥) تفسير الطبري (٢٣/ ١٩٦ - ١٩٧)، والدُّر المنثور للسيوطي (١٤/ ٦٤٨ - ٦٤٩).","vol":"1","page":214},{"text":"إحداهما: أنَّ هذه الإجابة واجبة.\nوالثَّانية: (^١) لا تحصل إلَّا بحضور الصَّلاة في الجماعة. وهذا هو الذي فهمه أعلم الأمَّة (^٢) وأفقههم من الإجابة، وهم الصَّحابة ﵃.\nقال ابن المنذر في «كتاب الأوسط» (^٣): «روينا عن ابن مسعود وأبي موسى (^٤) أنَّهما قالا: «من سمع النِّداء ثُمَّ لم يجب من غير عذرٍ فلا صلاة له». وعن عليٍّ (^٥) أنَّه قال: «من سمع النِّداء ثُمَّ لم يأته (^٦) فإنَّه لا تجاوز صلاتُه رأسَه، إلَّا من عذر». قال: ورُوِيَ عن عائشة أنَّها قالت: «من سمع النِّداء فلم يجب لم يُرِد خيرًا، ولم يُرَدْ به». وعن أبي هريرة أنَّه قال: «لأَنْ تمتليء أُذُنَا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خيرٌ له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبه» (^٧).\nفهذا وغيره يدلُّ أنَّ الإجابة عند الصَّحابة هي حضور الجماعة، وأنَّ\n_________\n(^١) «واجبة. والثانية» سقطت من س.\n(^٢) س: «الأئمة».\n(^٣) (٤/ ١٣٦).\n(^٤) ض: «ابن أبي موسى».\n(^٥) هـ وط زيادة: «كرَّم الله وجهه».\n(^٦) هـ وط: «ثم لم يجب».\n(^٧) سيأتي تخريج هذه الآثار كلِّها والكلام عليها من كلام المصنِّف قريبًا.","vol":"1","page":215},{"text":"المتخلِّف عنها غير مجيبٍ، فيكون عاصيًا.\nالدَّليل الثَّالث: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة/٤٣].\nووجه الاستدلال بالآية: أنَّه سبحانه أمرهم بالركوع، وهو الصَّلاة. وعبَّر عنها بالرُّكوع لأنَّه من أركانها (^١)، والصَّلاة يُعَبَّر عنها بأركانها وواجباتها، كما سمَّاها الله سُجودًا، وقرآنًا، وتسبيحًا. فلا بد لقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة/٤٣] من فائدةٍ أخرى، وليست إلَّا فعلها مع جماعة المصلِّين، والمعيَّة تفيد ذلك.\nإذا ثبت هذا فالأمر المقيَّد (^٢) بصفةٍ أوحالٍ لا يكون المأمور ممتثلًا له (^٣) إلَّا بالإتيان به على تلك الصِّفة والحال.\nفإنْ قيل: فهذا ينتقض بقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران/٤٣]. والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة.\n_________\n(^١) هـ: «من أعظم أركانها».\n(^٢) س: «المفيد».\n(^٣) «له» ليست في هـ وط.","vol":"1","page":216},{"text":"قيل: الآية لم (^١) تدلَّ على تناول الأمر بذلك لكلِّ امرأةٍ، بل مريم بخصوصها أُمِرَت بذلك، بخلاف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة/٤٣]. ومريم كانت لها خاصَّة لم تكن لغيرها من النساء؛ فإنَّ أمَّها نَذَرَتها أنْ تكون محرَّرةً لله، ولعبادته، ولزوم المسجد، فكانت لا تفارقه؛ فأُمِرَت أنْ تركع مع أهله. ولمَّا اصطفاها الله وطهَّرها واصطفاها (^٢) على نساء العالمين أمَرَها مع (^٣) طاعته بأمرٍ اختصَّها به على سائر النِّساء. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران/٤٢ - ٤٣].\nفإنْ قيل: كونهم مأمورين أنْ يركعوا مع الرَّاكعين لا يدلُّ على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم، بل يدلُّ على الإتيان بمثل ما فعلوا، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة/١١٩]. فالمعيَّة تقتضي المشاركة في الفعل، ولا تستلزم المقارنة (^٤) فيه.\n_________\n(^١) ض: «لا».\n(^٢) «واصطفاها» من س.\n(^٣) ض وهـ وط: «من».\n(^٤) هـ: «تقتضي المشاكلة .. ولا تستلزم المقارفة».","vol":"1","page":217},{"text":"قيل: حقيقة المعيَّة مصاحبةُ (^١) ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد قدرًا زائدًا على المشاركة، ولا سيَّما في الصلاة؛ فإنَّه إذا قيل: «صلَّى مع الجماعة»، أو «صلَّيت مع الجماعة» لا يُفْهَم منه إلَّا اجتماعهم على الصَّلاة.\nالدَّليل الرَّابع: ما ثبت في «الصَّحِيْحَين» (^٢) - وهذا لفظ البخاري - عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لقد هَمَمتُ أنْ آمر بحطبٍ فيُحْتَطب، ثمَّ آمر بالصَّلاة فيؤذَّن لها، ثمَّ آمر رجلًا فيؤمَّ النَّاس، ثمَّ أخالف إلى رجالٍ، فأحرِّق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدُهم أنَّه يجد عَرْقًا سمينًا أومِرْمَاتَيْن حَسَنَتَين (^٣) لشهد العشاء».\nوعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ (^٤) أثقل الصَّلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد همَمَتُ أنْ آمر بالصَّلاة فتُقَام، ثُمَّ آمُرَ رجلًا يصلِّي بالنَّاس،\n_________\n(^١) ض وس: «لمصاحبة».\n(^٢) البخاري (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١).\n(^٣) ض: «مراتين». س: «مرمايتين حسنين». كلاهما تحريف.\nقوله: «عَرْقًا» بفتح العين وسكون الرَّاء، أي: قطعة لحم. وقوله: «مِرْمَاتَين» تثنية مِرْماة بكسر الميم، وحُكِيَ الفتح، أي: ما بين ظِلْفي الشَّاة من اللَّحم. كما في الفتح لابن حجر (٢/ ١٢٩).\n(^٤) «إن» ليست في هـ.","vol":"1","page":218},{"text":"ثُمَّ أنطلق معي برجالٍ، معهم حُزَمٌ من حَطَبٍ، إلى قومٍ لا يشهدون الصَّلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنَّار». متَّفقٌ على صِحَّته (^١)، واللَّفظ لمسلم.\nوللإمام أحمد (^٢)، عنه: «لولا ما في البيوت من النِّساء والذُّرِّيَّة أقمت صلاة العشاء، وأمَرْتُ فتياني يحرقون ما في البيوت بالنَّار».\nقال المسقطون لوجوبها: هذا لا يدلُّ على وجوب صلاة الجماعة لوجوهٍ:\nأحدها: أنَّ هذا الوعيد إنَّما جاء في المتخلِّفين عن الجمعة؛ بدليل ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (^٣)، من حديث عبد الله بن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لقومٍ يتخلَّفون عن الجمعة: «لقد همَمَت أنْ آمر رجلًا يصلِّي بالنَّاس، ثُمَّ أحرِّق على رجالٍ يتخلَّفُون عن الجمعة بيوتهم».\nالثَّاني: أنَّ هذا كان (^٤) جائزًا لمَّا كانت العقوبات الماليَّة جائزةً، ثمَّ نُسِخَ لمَّا نُسِخَت (^٥) العقوبات الماليَّة.\n_________\n(^١) البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١).\n(^٢) المسند (٢/ ٣٦٧).\n(^٣) حديث (٦٥٢).\n(^٤) «كان» ليست في هـ.\n(^٥) هـ وط: «بما ..». س: «فسخ .. انفسخت».","vol":"1","page":219},{"text":"الثَّالث (^١): أنَّه هَمَّ ولم يفعل. ولو كان التَّحريق جائزًا لكان واجبًا؛ فإنَّ العقوبة لا تكون (^٢) مستوية الطَّرفين؛ بل إمَّا واجبةً، أومحرَّمةً؛ فلمَّا لم يفعل ذلك دلَّ على عدم جوازه (^٣).\nقالوا: والحديث يدلُّ على سقوط فرض الجماعة؛ لأنَّه همَّ بالتخلُّف عنها، وهو (^٤) لا يهمُّ بترك واجبٍ.\nقالوا: وأيضًا فالنَّبيُّ ﷺ إنَّما همَّ بإحراق بيوتهم عليهم بالنَّار لنفاقهم (^٥)، لا لتخلُّفهم عن حضور الجماعة.\nقال الموجبون: ليس فيما ذكرتم ما يُسْقِط دلالة الحديث.\nأمَّا قولكم: «إنَّ الوعيد إنَّما هو في حقِّ تارك الجمعة» فنعم، هو في حقِّ تارك الجمعة (^٦)، وتارك الجماعة؛ فحديث أبي هريرة صريحٌ في أنَّه في حقِّ (^٧) تارك الجماعة، وذلك بيِّنٌ في أوَّل الحديث وآخره.\n_________\n(^١) هـ: «الثالثة».\n(^٢) هـ: «يكون».\n(^٣) ط: «عدم الجواز».\n(^٤) «هو» ليست في ض.\n(^٥) هـ وط: «ليعاقبهم».\n(^٦) «فنعم .. الجمعة» سقطت من س.\n(^٧) س: «أنه حق».","vol":"1","page":220},{"text":"وحديث (^١) ابن مسعود صريحٌ في أنَّ ذلك لتارك الجمعة أيضًا، فلا تنافي بين الحديثين.\nوأمَّا قولكم: «إنَّه منسوخٌ» فما أصعب هذه الدَّعوى، وأصعب إثباتها! فأين شروط النَّسْخ من وجود معارضٍ مقاومٍ متأخِّرٍ؟ ولن تجدوا أنتم ولا أحدٌ من أهل الأرض سبيلًا إلى إثبات ذلك، إلَّا بمجرَّد الدَّعوى.\nوقد اتَّخذ كثيرٌ من النَّاس دعوى النَّسخ والإجماع سُلَّمًا إلى إبطال كثيرٍ من السُّنن الثَّابتة عن رسول الله ﷺ، وهذا ليس بالهيِّن.\nولا تُتْرَك (^٢) لرسول الله ﷺ سُنَّةٌ صحيحةٌ أبدًا بدعوى إجماع ولا دعوى نسخٍ، إلَّا (^٣) أنْ يُوْجَد ناسخٌ صحيحٌ صريحٌ متأخِّرٌ، نقلَتْه الأُمَّةُ وحَفِظَتْه؛ إذ محالٌ على الأمَّة (^٤) أنَّ تضيِّع النَّاسخَ الذي يلزمُهَا حفظه، وتحفظ (^٥) المنسوخ الذي قد بطل العمل به. ولم يبق من الدِّين وكثير من المقلِّدة (^٦) المتعصِّبين إذا رأَوْا حديثًا يخالف مذهبهم (^٧) يتلقَّونه بالتَّأويل،\n_________\n(^١) س: «وآخره من حديث».\n(^٢) س: «ولا يترك».\n(^٣) ط: «إلى».\n(^٤) ط: «نقلته الأئمَّة ..». وقوله: «وحفظته .. الأمة» سقطت من س.\n(^٥) هـ وط: «ويحفظ».\n(^٦) س: «ولم يكن من الدين ..». ط: «.. من المولدة».\n(^٧) س: «مذاهبهم».","vol":"1","page":221},{"text":"وحَمْله على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه سبيلًا. فإذا جاءهم من ذلك ما يغلبهم فزِعُوا إلى دعوى الإجماع على خلافه، فإنْ رأوا من الخلاف ما لا يمكنهم معه (^١) دعوى الإجماع فزِعُوا إلى القول بأنَّه منسوخٌ!\nوليست هذه طريق أئمَّة الإسلام، بل أئمَّة الإسلام كلُّهم على خلاف هذه (^٢) الطَّريق، وأنَّهم إذا وجدوا لرسول الله ﷺ سُنَّةً صحيحةً صريحةً لم يبطلوها بتأويلٍ، ولا دعوى إجماعٍ، ولانسخٍ. والشَّافعي وأحمد من أعظم النَّاس إنكارًا لذلك. وبالله التَّوفيق.\nوإنَّما لم يفعل النَّبيُّ ﷺ ما همَّ به للمانع الذي أخبر أنَّه مَنَعَه منه؛ وهو اشتمال البيوت على مَنْ لا تجب عليه الجماعة، من النِّساء والذُّرِّيَّة، فلو أحرقها عليهم لتعدَّت العقوبة إلى من لا يجب عليه (^٣)، وهذا لا يجوز. كما إذا وَجَبَ الحدُّ على حاملٍ فإنَّه لا يُقَام عليها حتى تضع؛ لئلَّا تَسْرِي العقوبة إلى الحَمْل، ورسول الله ﷺ لا يَهمُّ بما لا يجوز فعله أبدًا.\nوقد أجاب عنه بعض أهل العلم بجوابٍ آخر (^٤)، وهو: أنَّ القوم كانوا أخوف لرسول الله ﷺ من أنْ يَسْمَعُوه يقول هذه المقالة، ثم\n_________\n(^١) «دعوى الإجماع .. يمكنهم معه» سقطت من هـ.\n(^٢) ط: «هذا».\n(^٣) «الجماعة .. لا يجب عليه» سقطت من س.\n(^٤) س: «بجواب حسن».","vol":"1","page":222},{"text":"يُصِرُّون على التخلُّف عن الجماعة.\nوأمَّا قولكم: «إنَّ الحديث يدلُّ على عدم وجوب الجماعة؛ لكونه همَّ بتركها» فممَّا لا يُلْتَفت إليه. ولا يُظَنُّ برسول الله ﷺ أنَّه يهمُّ بعقوبة طائفةٍ من المسلمين بالنَّار، وإحراق بيوتهم لتركهم (^١) سُنَّةً لم يوجبها الله عليهم ولا رسوله ﷺ. وهو ﷺ لم يخبر أنَّه كان يصلِّي وحده، بل كان يصلِّي جماعةً هو وأعوانه الذين ذهبوا معه إلى تلك البيوت.\nوأيضًا فلو صلَّاها وحده لكان هناك واجبان. واجبُ الجماعة، وواجبُ عقوبة العُصاة وجهادهم؛ فتَرَكَ أدنى الواجِبَيْن لأعلاهما، كالحال في صلاة الخوف.\nوأمَّا قولكم: «إنَّه إنَّما هَمَّ بعقوبتهم على نفاقهم (^٢)، لا على تخلُّفهم عن الجماعة» فهذا يستلزم محذُوْرَيْن (^٣): إلغاء ما اعتبره رسول الله ﷺ وعلَّق الحكم به، من التخلُّف عن الجماعة.\nوالثَّاني: اعتبار ما ألغاه؛ فإنَّه لم يكن يعاقب المنافقين على نفاقهم؛ بل كان يقبل منهم علانيتهم، ويَكِلُ سرائرَهم إلى (^٤) الله.\n_________\n(^١) ض وس: «بتركهم».\n(^٢) س: «على اتفاقهم»!\n(^٣) هـ وط: «محظورين». وفي س زيادة بعده: «اثنين».\n(^٤) ض: «أسرارهم ..». ط: «.. على».","vol":"1","page":223},{"text":"الدَّليل الخامس: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (^١): أنَّ رجلًا أعمى قال: يا رسول الله، ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله ﷺ أنْ يرخِّص له، فرخَّص له (^٢)، فلمَّا ولَّى دَعَاه، فقال: «هل تسمع النِّداء؟» قال: نعم، قال: «فأَجِب». وهذا الرَّجل هو ابن أمِّ مكتوم. واختُلِف في اسمه، فقيل: عبد الله، وقيل: عَمْرو.\nوفي «مسند الإمام أحمد» (^٣)، و«سنن أبي داود» (^٤)، عن عمرو بن أمِّ مكتوم قال: قلتُ: يا رسول الله (^٥) أنا ضريرٌ، شاسع الدَّار، ولي قائدٌ لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أنْ أُصَلِّي في بيتي؟ قال: «تسمع النِّداء (^٦)؟» قال: نعم، قال: «ما أجِدُ لك رخصةً».\nقال المسقطون لوجوبها: هذا أمرُ استحبابٍ، لا أمر إيجابٍ. وقوله: «لا أجد لك رخصةً» أي: إنْ أردْتَ فضيلة الجماعة. قالوا: وهذا منسوخٌ.\nقال الموجبون: الأمر المطلق للوجوب، فكيف إذا صرَّح صاحب\n_________\n(^١) حديث (٦٥٣)، بنحوه من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) «فرخص له» سقطت من ض. وفي س قبلها زيادة: «فيصلي في بيته».\n(^٣) (٣/ ٤٢٣).\n(^٤) (٥٥٢). وقد تقدَّم تخريج حديث ابن أم مكتوم (ص/٢٠٨).\n(^٥) «قال: قلتُ: يا رسول الله» سقطت من ض.\n(^٦) ض وس: «أتسمع».","vol":"1","page":224},{"text":"الشَّرع بأنَّه لا رخصة للعبد في التخلُّف عنه لضريرٍ شاسعِ الدَّار، لا يلائمه قائدُه. فلو كان العبدُ مخيَّرًا بين أن يصلِّي وحده أوجماعةً لكان أولى النَّاس بهذا التَّخيير مثل هذا الأعمى.\nقال أبو بكر ابن المنذر (^١): «ذِكْر [إيجاب (^٢)] حضور الجماعة على العميان وإن بعُدَت منازلهم عن المسجد. ويدلُّ ذلك على أنَّ شهود الجماعة فرضٌ (^٣) لاندبٌ. وإذا قال لابن أمِّ مكتوم (^٤) وهو ضريرٌ: «لا أجِدُ لك رخصةً»، فالبصير أولى أنْ لا تكون (^٥) له رخصة» (^٦).\nالدَّليل السَّادس: ما رواه أبوداود (^٧)، وأبوحاتم ابن حِبَّان في «صحيحه» (^٨)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع النِّداء\n_________\n(^١) الأوسط (٤/ ١٣٢ - ١٣٤).\n(^٢) «إيجاب» ليست في جميع النسخ، وقد ألحقت من الأوسط؛ إذ السِّياق يقتضي ذكرها.\n(^٣) «منازلهم .. فرض» سقطت من هـ.\n(^٤) ض: «لابن مكتوم».\n(^٥) ض هـ وط: «يكون».\n(^٦) في هامش ض هنا: «قلتُ: قول ابن أمِّ مكتوم: هل تجد لي رخصةً؟ دليل قاطعٌ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ أوجب عليهم حضورها، وأنَّه ما أحدٌ من أصحابه استأذنه في ذلك، غير هذا الضَّرير، ثمَّ تعلَّل بأنَّه لا قائد له، فهذا أوضح دليل. قال ذلك كاتبه».\n(^٧) حديث (٥٥١).\n(^٨) حديث (٢٠٦٤).","vol":"1","page":225},{"text":"فلم يمنعه (^١) من اتباعه عذرٌ». قالوا: وما العُذر؟ قال: «خوفٌ أو مرضٌ= لم تقبل منه الصَّلاة التي صلَّاها» (^٢).\nقال المسقطون للوجوب: هذا الحديث فيه عِلَّتان:\nإحداهما (^٣): أنَّه من رواية مِغْرَاء (^٤) العبدي، وهو ضعيفٌ عندهم (^٥).\nالثَّانية: أنَّه (^٦) إنَّما يُعْرَف عن ابن عباس، موقوفًا عليه (^٧).\n_________\n(^١) س: «فلم تمنعه»، هـ: «فلم يمنع».\n(^٢) ض وس: «صلى».\n(^٣) ض: «أحدهما».\n(^٤) ض: «مغر»، هـ: «مغرى»، س: «معر»، ط: «معرى». تحريفات.\n(^٥) وقد تعقَّب ابن القطَّان في بيان الوهم (٣/ ٩٦ - ٩٧) إعلاله بمغراء العبدي، وأعلَّه بما هو أولى منه ضعفًا، وهو أبوجناب يحيى بن أبي حيَّة الكلبي؛ فقد ضُعِّف، وتُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣١/ ٢٨٤)، وميزان الاعتدال (٤/ ٣٧١).\n(^٦) «أنه» ليست في هـ وط.\n(^٧) وقد أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٢) وقال: «هذا حديثٌ قد أوقفه غندرٌ وأكثر أصحاب شعبة، وهو صحيحٌ على شرط الشَّيْخَين ولم يخرِّجاه ..»، وقال البيهقي في الكبرى (٣/ ٥٧): «رواه الجماعة عن سعيد موقوفًا على ابن عباس ﵁».","vol":"1","page":226},{"text":"قال الموجبون (^١): قد قال قاسم بن أصبغ في «كتابه» (^٢): حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدَّثنا سليمان بن حرب حدَّثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت (^٣) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من سمع النِّداء فلم يجب فلا صلاة له إلَّا من عُذرٍ». وحسبك بهذا الإسناد صِحَّةً. ورواه ابن المنذر: حدَّثنا علي بن عبد العزيز حدَّثنا عمرو (^٤) بن عوف حدَّثنا هشيم عن شعبة عن عدي بن ثابتٍ عن سعيد ابن جبير عن ابن عباسٍ مرفوعًا.\n_________\n(^١) ذكره بنحوه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام (١/ ٢٧٤). وقال في أوَّله: «والصحيح موقوفٌ على ابن عباس». وقد ساق قاسم بن أصبغ هذا الحديث من طريق إسماعيل بن إسحاق موقوفًا أولًا، كما في التَّنقيح لابن عبد الهادي (٢/ ٨) قال: «ثنا حفص بن عمر وسليمان بن حرب وعمرو بن مرزوق قالوا: ثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباسٍ قال: من سمع النِّداء .. قال إسماعيل: فبهذا الإسناد رواه النَّاس عن شعبة …». ثم ساقه مرفوعًا، كما ذكره المصنِّف.\n(^٢) مصنف أبي محمد قاسم بن أصبغ ﵀، صنَّفه على كتاب سُنَن أبي داود، وكان قد رحل من الأندلس، فوجد أبا داود السِّجستاني قد توفِّي قبل وصوله بيسيرٍ، فعمل مصنَّفًا في السُّنن على تراجم سنن أبي داود، وخرَّج الحديث من روايته عن شيوخه. يُنْظَر: الفهرست لابن خير الإشبيلي (١٠٣)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٧٣).\n(^٣) هـ: «بن ثابت».\n(^٤) س: «عمر».","vol":"1","page":227},{"text":"قالوا (^١): ومِغْرَاء (^٢) العَبْدي قد روى عنه أبو إسحاق السَّبيعي على جلالته. ولو قُدِّر أنَّه لم يصحَّ رفعُهُ فقد صحَّ عن ابن عباسٍ بلا شكٍّ، وهو قول صاحبٍ لم يخالفه صاحبٌ (^٣).\nالدَّليل السَّابع: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (^٤)، عن عبد الله بن مسعود قال: «من سَرَّه أنْ يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصَّلوات حيث يُنَادَى بهنَّ، فإنَّهنَّ من سنن الهُدَى، وإنَّ الله شرع لنبيِّكم سنن الهُدَى (^٥). ولو أنَّكم (^٦) صلَّيتم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتم سُنَّة نبيِّكم، ولو (^٧) تركتم سُنَّة نبيِّكم لضَلَلْتُم. وما من رجلٍ (^٨) يتطهَّرُ فيحسن الطهور، ثم يَعْمِد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلَّا كتب الله له بكل خطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطُّ عنه بها سيئةً. ولقد رأيْتُنا وما يتخلَّف عنها إلَّا منافقٌ معلوم\n_________\n(^١) بنحوه في الأحكام لعبد الحق الإشبيلي (١/ ٢٧٤).\n(^٢) تحرَّفت في النسخ كلها، كما سبقت الإشارة إليه (ص/٢٢٦).\n(^٣) هـ: «لم يخالف صاحبا».\n(^٤) حديث (٦٥٤).\n(^٥) في «صحيح مسلمٍ» تقديم وتأخير، والسياق فيه: «فإنَّ الله شرع … وإنَّهنَّ من سنن ..».\n(^٦) ط: «وإنكم لو».\n(^٧) هـ وط: «ولو أنكم».\n(^٨) «رجل» ليست في س، وبيَّض مكانها.","vol":"1","page":228},{"text":"النِّفاق، ولقد كان الرَّجل يُؤْتَى يُهَادَى بين الرَّجلين حتى يُقَام (^١) في الصَّفِّ». وفي لفظٍ (^٢): «وقال: إنَّ رسول الله ﷺ علَّمَنا سنن الهُدَى، وإنَّ من سنن الهُدَى الصَّلاة في المسجد الذي يؤذَّنُ فيه».\nفوجه الدلالة: أنَّه جعل التخلُّف (^٣) عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم. وعلامات النِّفاق لا تكون (^٤) لترك مستحبٍّ، ولا لفعل مكروهٍ. ومن (^٥) استقرأ علامات النِّفاق في السُّنَّة وجدها إمَّا ترك فريضةٍ، أوفعل محرَّمٍ.\nوقد أكَّد هذا المعنى بقوله: «من سرَّه أنْ يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصَّلوات حيث يُنَادى بهنَّ». وسمَّى تاركها، المصلِّي في بيته: متخلِّفًا، تاركًا للسُّنَّة التي هي طريقة رسول الله ﷺ، التي كان عليها، وشريعته التي شرعها لأُمَّته. وليس المراد بها السُّنَّة التي من شاء فعلها ومن شاء تركها؛ فإنَّ تَرْكَها لا يكون ضلالًا، ولا من علامات النِّفاق، كترك الضُّحى، وقيام اللَّيل، وصوم الاثنين والخميس.\n_________\n(^١) «يقام» سقطت من هـ.\n(^٢) عند مسلم (٦٥٤).\n(^٣) ض: «المتخلف».\n(^٤) ض: «يكون».\n(^٥) ض: «وقد» تحريفٌ.","vol":"1","page":229},{"text":"الدَّليل الثَّامن: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (^١)، من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهُم أحَدُهم، وأحقُّهم بالإمامة أقرؤُهُم».\nووجه الاستدلال به: أنَّه أمر بالجماعة، وأمْرُهُ على الوجوب.\nالدَّليل التَّاسع: أنَّه ﷺ أمَرَ من صلَّى وحْدَه خلف الصَّفِّ أنْ يعيد الصَّلاة. فروى وابصة بن معبد: «أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلِّي خلف الصَّفِّ وحده، فأمَرَه أن يعيد الصَّلاة». رواه الإمام أحمد (^٢)، وأهل «السُّنن» (^٣)، وأبوحاتم ابن حبَّان في «صحيحه» (^٤)، وحسَّنه التِّرمذي (^٥).\nوعن علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النَّبيِّ ﷺ، فبايعناه، وصلَّينا خلْفَه. قال: ثمَّ صلَّينا وراءَهُ صلاةً أخرى، فقضى\n_________\n(^١) حديث (٦٧٢).\n(^٢) المسند (٤/ ٢٢٨).\n(^٣) أبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣٠، ٢٣١)، وابن ماجه (١٠٠٤).\n(^٤) حديث (١١٩٨ - ٢٢٠١).\n(^٥) السُّنن (١/ ٤٤٧). وثبَّته أحمد وإسحاق كما سيأتي في كلام المصنِّف، وحكم ابن عبد البر على إسناده بالاضطراب، وينظر: التنقيح لابن عبد الهادي (٢/ ٣٣)، والإلمام لابن دقيق العيد (١/ ٢١٧)، والبدر المنير لابن الملقن (٤/ ٤٧٣)، والإرواء للألباني (٥٤١).","vol":"1","page":230},{"text":"الصَّلاة، فرأى رجلًا فرْدًا خلف الصَّفِّ، فوقف عليه حتى (^١) انصرف، وقال: «اسْتَقْبِل صلاتَك؛ لا صلاة للَّذي خلف الصَّفِّ». رواه الإمام أحمد (^٢)، وابن حبَّان (^٣).\nوفي رواية الإمام أحمد: صلَّيْتُ خلف النَّبيِّ ﷺ، فانْصَرَف (^٤) فرأى رجلًا يصلِّي فرْدًا (^٥) خلف الصَّفِّ، فوقف نبيُّ الله ﷺ حتى انصرف الرجل (^٦)، فقال له: «استقبل صلاتك، فلا صلاة لفردٍ (^٧) خلف الصَّفِّ». قال ابن المنذر (^٨): «وثبَّتَ هذا الحديث أحمدُ وإسحاقُ».\nفوجه الدلالة: أنَّه أبْطَل صلاة المنفرد عن الصَّفِّ وهو في جماعةٍ، وأَمَرَه بإعادة صلاته، مع أنَّه لم ينفرد إلَّا في المكان خاصَّةً، فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبُطلان.\nيوضِّحُه أنَّ غاية هذا الفذِّ أنْ يكون منفردًا، ولو صحَّت صلاة\n_________\n(^١) ض وهـ وط: «حين».\n(^٢) المسند (٤/ ٢٣).\n(^٣) حديث (٢٢٠٢).\n(^٤) «فانصرف» ليست في هـ وط.\n(^٥) س: «فذا».\n(^٦) ض وهـ وط: «حين انصرف على الرجل».\n(^٧) س: «لفذ»، هـ وط: «لمنفرد».\n(^٨) الأوسط (٤/ ١٨٤). ويقصد حديث وابصة بن معدب المتقدم قريبًا.","vol":"1","page":231},{"text":"المنفرد لما (^١) حكم رسول الله ﷺ بنفيها، وأَمَرَ من صلَّى كذلك أنْ يعيد صلاته (^٢).\nقال المسقطون للوجوب: لايمكنكم الاستدلال بهذا الحديث إلَّا بعد إثبات بطلان صلاة الفذِّ خلف الصَّفِّ (^٣)، وهذا قولٌ شاذٌّ مخالفٌ لجمهور أهل العلم. وقد دلَّ على صِحَّتها إجماع النَّاس على صِحَّة صلاة المرأة وحدها خلف الصَّفِّ، وقد صلَّى رسول الله ﷺ خلف جبرئيل (^٤).\nفروى جابر بن عبد الله: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتاه جبرئيلُ يعلِّمُه مواقيت الصَّلاة، فتقدَّم جبرئيلُ ورسول الله ﷺ خلْفَه، والنَّاس خلف رسول الله ﷺ، فصلَّى الظُّهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظِّلُّ مثل شَخْصِهِ، فصَنَع كما صَنَع، فتقدَّم جبرئيلُ ورسولُ الله ﷺ خلْفَه (^٥)، والنَّاس خلفَ رسولِ الله ﷺ». رواه النَّسائي (^٦). فقد صلَّى رسول الله\n_________\n(^١) «لما» سقطت من ض.\n(^٢) س: «لذلك أنْ يعيد الصلاة».\n(^٣) بحثها المصنف في تهذيب سنن أبي داود (٢/ ٣٧٦ - ٣٨٠).\n(^٤) س: «جبرائيل»، وفي سنن النسائي وط: «جبريل». وكذا في المواضع الأربعة التَّالية.\n(^٥) «كما صنع .. خلفه» سقطت من هـ.\n(^٦) حديث (٥١٤)، وقد اختصره المصنِّف.","vol":"1","page":232},{"text":"ﷺ خلف جبرئيل (^١) مقتديًا (^٢) به.\nقالوا: وقد أحْرَمَ أبوبكرة فذًّا خلف الصَّف، ثمَّ مشى حتى دخل الصفَّ، ولم يأمره النَّبيُّ ﷺ بالإعادة (^٣).\nقالوا: وقد أحْرَم ابن عباس عن يساره ﷺ، فأخذ بيده، فأداره عن يمينه، ولم يأمره النَّبيُّ ﷺ باستقبال الصَّلاة، بل صحَّحَ (^٤) إحرامه فذًّا (^٥)، فهذا في النَّفْل. وحديث جابرٍ في الفَرْض، أنَّه قام عن يسار رسول الله ﷺ، فأخذ بيده، فأقامه عن يمينه (^٦).\nقال الموجبون: العجب من معارضة الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة بمثل ذلك؛ فإنَّه لا تَعَارض بين الأحاديث بوجهٍ من الوجوه.\nوأمَّا قولكم: «إنَّ هذا قول شاذٌّ» فلَعَمْر الله ليس بشاذٍّ (^٧)، ومعه\n_________\n(^١) «رواه .. جبريل» سقطت من س.\n(^٢) ض: «فاقتديا»!\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٨٣)، من حديث أبي بكرة ﵁.\n(^٤) س: «صحيح»!\n(^٥) يشير لما أخرجه البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣)، من حديث ابن عباس ﵁.\n(^٦) أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٦)، وابن ماجه (٩٧٤)، وابن خزيمة (١٥٣٥)، وغيرهم، من حديث جابر ﵁، أنَّ ذلك كان في صلاة المغرب. وهو عند مسلم (٧٦٦) عنه ﵁، ولكن ليس فيه أنَّه كان في الفرض.\n(^٧) «ليس» سقطت من هـ. ط وهـ: «شاذ».","vol":"1","page":233},{"text":"رسول الله ﷺ، وسُنَّته الصَّحيحة الصَّريحة، ولو تَرَكَها مَنْ تَرَكَها. فلا يكون ترك السُّنن لخفائها على من تركها، أو لنوع تأويلٍ مسوِّغًا لتركها لغيره. وكيف يقدَّم (^١) ترك التَّارك لهذه السُّنَّة عليها؟\nهذا (^٢) وقد قال بهذه السُّنَّة جماعةٌ من أكابر التَّابعين، منهم سعيد ابن جبير، وطاووس، وإبراهيم النَّخَعي. ومن دُوْنَهم، كالحكم، وحمَّاد، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح (^٣)، ووكيع (^٤). وقال بها الأوزاعيُّ\nــ حكاه الطَّحاوي عنه ــ، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد، وأبو بكر ابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة (^٥).\nفأين الشُّذوذ؟ وهؤلاء القائلون، وهذه السُّنة!\nوأمَّا معارضتكم بموقف المرأة؛ فمِنْ أفسد المعارضات؛ لأنَّ ذلك هو موقف (^٦) المرأة المشروع لها، حتى لو وَقَفَت في صفِّ الرِّجال أفْسَدَت\n_________\n(^١) ض وس: «تقدم».\n(^٢) «هذا» ليست في س.\n(^٣) الحسن بن صالح بن حيٍّ الهمداني الثَّوري، أبوعبد الله الكوفي، فقيهٌ من أئمَّة الإسلام، توفي سنة ١٦٩ هـ، ترجمته في: السِّير للذهبي (٧/ ٣٦١).\n(^٤) «ووكيع» سقطت من ض.\n(^٥) يُنْظَر: الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٨٣)، والمغني لابن قدامة (٣/ ١٠).\n(^٦) هـ: «موقوف».","vol":"1","page":234},{"text":"صلاة مَن يليها عند أبي حنيفة (^١)، وأحد (^٢) القولين في مذهب أحمد (^٣).\nفإنْ قيل: لو وَقَفَت فذَّةً خلف صفِّ (^٤) النِّساء صحَّت صلاتُها؟\nقيل: ليس كذلك؛ بل إذا انفرَدَت (^٥) المرأة عن صفِّ النِّساء لم تصحَّ صلاتُها، كالرجل الفذِّ خلف صفِّ الرِّجال. ذكر ذلك القاضي أبويعلى في «تعليقه» (^٦)؛ لعموم قوله ﷺ: «لا صلاة لفردٍ (^٧) خلف\n_________\n(^١) يُنْظَر: الهداية للمرغيناني (١/ ٥٧)، وشرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٥٥).\n(^٢) ض: «وإحدى».\n(^٣) يُنْظَر: المغني (٣/ ٤١)، والشرح الكبير لابن أبي عمر (٤/ ٤٢٦).\n(^٤) س: «فذا ..»، و«صف» ليست فيها.\n(^٥) ط: «انفذَّت».\n(^٦) وكذا عزاه إليه المرداوي في الإنصاف (٤/ ٤٦٣)، فقال: «على الصَّحيح من المذهب، قطع به القاضي في التَّعليق».\nوكتاب التَّعليق، أو الخلاف الكبير، أو اختلاف الفقهاء، ثلاثة أسماء لكتاب القاضي أبي يعلى، وهو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفرَّاء، المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، وكتابه حُقِّق في رسالة جامعيَّة كما في المدخل المفصَّل لبكر أبوزيد (٢/ ١٠٦٠). وأفاد الدكتور سليمان العمير أنهما رسالتان.\nويُنْظَر في ترجمته وكتابه: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ١٩٣)،\nوسير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩)، والمدخل المفصَّل لبكر أبوزيد (١/ ٤٧١)، و(٢/ ٩٦٩ - ٩٧٠).\n(^٧) س: «لفذٍّ».","vol":"1","page":235},{"text":"الصَّفِّ» (^١). خَرَج من هذا ما إذا كانت وحدها خلف الرِّجال؛ للحديث الصَّحيح. بقي فيما عداه (^٢) على هذا العموم.\nوأمَّا قِصَّة صلاته ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ خلف جبرئيل وحده، والصحابة خلفه فقد أجيب عنها: بأنَّها كانت في أوَّل الأمر، حين علَّمَه مواقيت الصَّلاة. وقِصَّة أمرِهِ ﷺ للَّذي صلَّى خلف الصَّفِّ فَذًّا (^٣) بالإعادة متأخِّرةٌ بعد ذلك. وهذا جوابٌ صحيحٌ.\nوعندي فيه جوابٌ آخر، وهو أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان هو إمام المسلمين، فكان بين أيديهم، وكان هو المؤتمَّ بجبرئيل وحده، وكان تقدُّم جبرئيل عليه (^٤) أبلغ في حصول التَّعليم من أنْ يكون إلى جانبه.\nكما أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهم على المنبر (^٥)؛ ليأتمُّوا به وليتعلَّمُوا صلاته، وكان ذلك لأجل التَّعليم. لم يدخل في نهيِهِ ﷺ الإمامَ إذا\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٢٣١).\n(^٢) س: «نفي ..». هـ: «.. عداها».\n(^٣) «فذا» ليست في ض.\n(^٤) ط: «عليه¬ السلام».\n(^٥) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٣٧٧)، ومسلم (٥٤٤)، من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁، بنحوه.","vol":"1","page":236},{"text":"أمَّ الناس أنْ يقوم في مقامٍ أرفع منهم (^١).\nوأمَّا قصة أبي بكرة (^٢) فليس فيها أنَّه رفع رأسه من الرُّكوع قبل دخوله في الصَّفِّ، وإنَّما يمكن التمسُّك بها لو (^٣) ثَبَتَ ذلك، ولا سبيل إليه!\nوقد اختلفت (^٤) الرِّواية عن الإمام أحمد فيمن ركع دون الصَّفِّ، ثُمَّ مشى راكعًا حتى دخل فيه بعد أنْ رفع الإمامُ رأسَه من الركوع، وعنه في ذلك ثلاث روايات.\nإحداها: تصحُّ (^٥) مطلقًا (^٦).\nوحُجَّة هذه الرِّواية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمر أبا بكرة (^٧) بالإعادة، ولا استفصله: هل أدركه قبل رفع رأسه من الركوع، أم لا. ولو اختلف الحال\n_________\n(^١) يشير إلى ما أخرجه أبوداود (٥٩٨) ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٠٩)، عن ابن جريج عن أبي خالد عن عديِّ بن ثابتٍ الأنصاري عن رجلٍ عن حذيفة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أمَّ الرَّجلُ القومَ فلا يقم فى مكان أرفع من مقامهم».\nقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٣٣): «في إسناد هذا الحديث رجلٌ مبهمٌ، وأبو خالدٍ ليس بمعروفٍ، ويحتمل أن يكون الدَّالاني، وفيه كلامٌ». وضعَّفه بهذا السِّياق الألبانيُّ في إرواء الغليل (٥٤٤).\n(^٢) هـ وط: «أبي بكر».\n(^٣) ض وس: «أن لو».\n(^٤) ط: «اختلف».\n(^٥) هـ وط: «أحدها ..». هـ: «يصح».\n(^٦) يُنْظَر: الإنصاف للمرداوي (٤/ ٤٣٨).\n(^٧) ط: «أبا بكر».","vol":"1","page":237},{"text":"لاستفصله: وروى سعيد بن منصور في «سُنَنه» (^١)، عن زيد بن ثابتٍ: «أنَّه كان يركع قبل أن يدخل في الصَّفِّ، ثم يمشي راكعًا، ويعتدُّ بها، وَصَل الصَّف أمْ لم يَصِل (^٢)».\nوالرِّواية الثَّانية: أنَّها لا تصحُّ. نصَّ عليها في رواية إبراهيم بن الحارث، ومحمد بن الحكم. وفرَّق بينه وبين من أدرك الركوع في الصَّف؛ لأنَّه لم يُدْرِك في الصَّف ما يُدْرِك به الرَّكعة، فأشبه ما لو أدركه وقد سجد. وهذه الرِّواية أصحُّ عند أكثر (^٣) أصحابه (^٤).\nوالرِّواية الثَّالثة: إنْ كان عالمًا بالنَّهي لم تصحَّ صلاته، وإلَّا صحَّت (^٥)؛ لقِصَّة أبي بكرة (^٦)، وقول النَّبيِّ ﷺ له: «لا تَعُد»، والنَّهي\n_________\n(^١) وعزاه إليه وساقه كسياق المصنِّف الزَّركشيُّ في شرحه على مختصر الخرقي (٢/ ١١٩)، وليس في المطبوع من السُّنن. وأخرج عنه بنحوه ابن أبي شيبة (٢٦٣٩، ٢٦٤٠)، والبيهقي (٢/ ٩٠ - ٩١)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وغيرهم.\nوعندهم آثار أخرى عن جملةٍ من الصَّحابة والتَّابعين ﵃، ويُنْظر فيه أيضًا: شرح الزركشي (٢/ ١١٨ - ١٢٠)، وفتح الباري لابن رجب (٧/ ١١٦ - ١١٨).\n(^٢) ض وس: «أو لم». ط: «أم لا».\n(^٣) س: «أكبر».\n(^٤) الإنصاف للمرداوي (٤/ ٤٣٨)، وقال: «وعليه جماهير الأصحاب».\n(^٥) الإنصاف للمرداوي (٤/ ٤٣٨)، وذكر رواياتٍ أخرى، منها: أنَّها تصحُّ في النَّفل فقط، وأنَّها تصحُّ إن خاف تضييقًا أولعذرٍ.\n(^٦) ط: «أبي بكر». وقد تقدم تخريجه (ص/٢٣٣) وأنه في البخاري.","vol":"1","page":238},{"text":"يقتضي الفساد، ولكن تُرِك في الجاهل به، حيث لم يأمره (^١) بالإعادة، وكانت هذه حال أبي بكرة.\nوأمَّا قصَّة ابن عباسٍ وجابرٍ في ترك أمرهما بابتداء الصَّلاة وقد أحرما فَذَّيْنِ= فهذا أولًا (^٢) ليس فيه أنَّهما كانا قد دخلا في الصَّلاة، وإنَّما فيه أنَّهما وقفا عن يساره فأدارهما إلى يمينه. فأدارهما عند أوَّل وقوفهما.\nولو قُدِّر أنَّهما أحرما كذلك، فمَن أحرم فَذًّا صحَّ إحرامه بالصَّلاة ودخوله فيها، وإنَّما الاعتبار بالركوع وحده. وإلَّا فمَنْ وقف معه آخر قبل الركوع صحَّت صلاته. ولو اعتبرنا إحرام المأمومين جميعًا لم ينعقد تحريم أحدٍ (^٣) حتى يتَّفق هو ومَنْ إلى جانبه في ابتداء التَّكبير وانتهائه، وهذا من أعظم الحرج والمشقَّة؛ ولهذا لم يعتبره أحدٌ أصلًا. والله أعلم.\nالدَّليل العاشر: ما رواه أبوداود في «سُنَنه» (^٤)، والإمام أحمد في\n_________\n(^١) هـ: «يأمر».\n(^٢) هـ وط: «فهذه ..». ض: «في ابتداء .. فهذا أولى».\n(^٣) ض وس: «تحريمة». س: «آخر».\n(^٤) حديث (٥٤٧). وليس فيه لفظة: «لا يؤذَّن».","vol":"1","page":239},{"text":"«مسنده» (^١) (^٢)، من حديث أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ثلاثةٍ في قريةٍ لا يؤذَّن ولا تقام فيهم الصَّلاة إلَّا استحوذ عليهم الشَّيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنَّما يأكل الذِّئبُ القاصيةَ».\nفوجه الاستدلال منه: أنَّه أخبر باستحواذ الشَّيطان عليهم بترك صلاة (^٣) الجماعة، التي شعارها الأذان، وإقامة الصَّلاة. ولو كانت الجماعة (^٤) ندبًا، يخيَّرُ الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها (^٥).\nالدَّليل الحادي عشر: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (^٦)، من حديث\n_________\n(^١) (٥/ ١٩٦). وأخرجه النَّسائي (٨٤٨)، وابن خزيمة (١٤٨٦)، وابن حبَّان (٢١٠١)، والحاكم (١/ ٣٧٤) وقال: «صحيح الإسناد»، وغيرهم، من طريق زائدة بن قدامة عن السائب بن حبيش الكلاعي عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدَّرداء ﵁ به.\n\nوقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، والنَّووي في الخلاصة (١/ ٢٧٧)، وابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ٣٨٧).\n(^٢) «في مسنده» ليست في ض وس.\n(^٣) «صلاة» ليست في هـ وط.\n(^٤) ض: «الصلاة».\n(^٥) هنا زيادة في س: «الأذان وإقامة الصَّلوات».\n(^٦) حديث (٦٥٥).","vol":"1","page":240},{"text":"أبي الشعثاء (^١) المحاربي قال: كُنَّا قعودًا في المسجد، فأذَّنَ المؤذِّن، فقام رجلٌ من المسجد يمشي، فأتْبَعَه أبوهريرة بصَرَه حتى خرج من المسجد، فقال أبوهريرة: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ.\nوفي روايةٍ (^٢): سمعتُ أباهريرة وقد رأى رجلًا يجتاز في المسجد خارجًا بعد الأذان، فقال: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ (^٣).\nووجه الاستدلال به: أنَّه جعله عاصيًا لرسول الله ﷺ بخروجه (^٤) بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعةً. ومن يقول: الجماعة ندبٌ يقول: لا يعصي الله ولا رسوله مَنْ خرج بعد الأذان وصلَّى وحده!\nوقد احتجَّ ابن المنذر في «كتابه» (^٥) على وجوب الجماعة بهذا الحديث، وقال: «لو كان المرءُ مخيَّرًا في ترك الجماعة أوإتيانها لم يجز (^٦) أنْ يعصي من تخلَّف عمَّا لا يجب عليه أنْ يحضره».\nوالذي يقول: صلاة الجماعة ندبٌ، إنْ شاء فعلها وإنْ شاء تَرَكها=\n_________\n(^١) س: «الشعباء»!\n(^٢) لمسلمٍ أيضًا حديث (٦٥٥).\n(^٣) «وفي رواية .. أبا القاسم ﷺ» سقطت من ض وس.\n(^٤) س زيادة هنا: «من المسجد».\n(^٥) الأوسط (٤/ ١٣٥).\n(^٦) هـ: «لم يخبر»!","vol":"1","page":241},{"text":"يجوِّز للرجل أنْ يخرج من المسجد وقد أخذ المؤذِّن في إقامة الصَّلاة، بل يجوِّز له أن يجلس فلا يصلِّي مع الإمام والجماعة، فإذا صلَّوا قام (^١) فصلَّى وحده! ولو رأى رسول الله ﷺ وأصحابه من يفعل هذا لأنكروا (^٢) عليه غاية الإنكار.\nبل قد أنْكَرَ ما هو دون هذا، وهو (^٣) على مَنْ لا يصلِّي مع الجماعة اكتفاءً بصلاته في رَحْلِه، وقال: «مالَكَ لا (^٤) تصلِّي معنا؟ ألسْتَ برجلٍ مسلمٍ؟» (^٥).\nوأَمَرَ بالصَّلاة في الجماعة لمن صلَّى ثُمَّ أتى مسجد الجماعة، فقال: «إذا صلَّيْتُما في رحالكما (^٦) ثُمَّ أتيتما مسجد جماعةٍ فصلِّيا معهم، فإنَّها لكما (^٧) نافلة» (^٨).\nالدَّليل الثَّاني عشر: إجماع الصَّحابة ﵃، ونحن نذكر\n_________\n(^١) س: «أقام».\n(^٢) س: «لأنكر».\n(^٣) «وهو» ليست في ض.\n(^٤) ط وس: «ألا».\n(^٥) تقدَّم تخريجه بنحوه (ص/٧٧).\n(^٦) س: «رحالكم».\n(^٧) ط: «لكم».\n(^٨) سيأتي تخريجه قريبًا (ص/٢٥١).","vol":"1","page":242},{"text":"نصوصهم. قد تقدَّم قول ابن مسعودٍ: «ولقد رأيتُنَا وما يتخلَّف عنها إلَّا منافقٌ معلوم النِّفاق» (^١).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدَّثنا وكيع حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن أبي موسى الهلالي عن ابن مسعود (^٣) قال: «من سمع المنادي فلم يجب من غير عذرٍ فلا صلاة له».\nوقال أحمد (^٤) أيضًا: حدَّثنا وكيع حدَّثنا مسعر عن أبي الحصين عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: «من سمع المنادي فلم يجب من غير (^٥) عذرٍ فلا صلاة له» (^٦).\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٢٢٨).\n(^٢) مسائل أحمد لابنه صالح (٢/ ٣٧). وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه (٣٤٨٦) من طريق وكيعٍ عن سليمان به.\n(^٣) هـ: «أبي مسعود». تحريفٌ!\n(^٤) مسائل أحمد لابنه صالح (٢/ ٣٦). وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٨٢) من طريق وكيعٍ، والبيهقي (٣/ ١٧٤) من طريق أبي نعيم= كلاهما عن مسعرٍ به.\nورُوِي مرفوعًا، لكن قال الحافظ البزَّار في مسنده (٨/ ١٤١): «قد رواه غير واحد عن أبي حصين عن أبي بردة عن أبي موسى موقوفًا».\n(^٥) ط: «بغير».\n(^٦) «وقال أحمد أيضًا .. صلاة له» سقطت من س.","vol":"1","page":243},{"text":"وقال أحمد (^١): حدَّثنا وكيع عن سفيان عن أبي حيَّان (^٢) التَّيمي عن أبيه عن عليٍّ قال: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد». قيل: ومَنْ (^٣) جار المسجد؟ قال: «من سمع المنادي».\nوقال سعيد بن منصور (^٤): حدَّثنا هُشيم (^٥) أخبرنا (^٦) منصور عن الحسن عن علي (^٧) قال: «من سمع النِّداء فلم يأْتِه لم تجاوز صلاتُه رأسَه، إلَّا من عذر».\nوقال عبد الرزَّاق (^٨): عن إسرائيل (^٩) عن أبي إسحاق عن الحارث\n_________\n(^١) مسائل أحمد لابنه صالح (٢/ ٣٨). وأخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٩٧) من طريق السفيانين وابن أبي شيبة (٣٤٨٨) من طريق هشيم، والبيهقي (٣/ ٥٧) من طريق زائدة وسفيان= كلُّهم عن أبي حيَّان به. قال الألباني في الضعيفة (١٨٣): «بسندٍ صحيحٍ».\n(^٢) ض وس وط: «أبي حبان». هـ: «ابن حبان».\n(^٣) س: «وما».\n(^٤) ليس في المطبوع من سُننه، وقد ساقه من طريق سعيدٍ الإمامُ ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٣٦).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٨٩) من طريق هشيمٍ به.\n(^٥) ط: «هيثم».\n(^٦) س: «أنبأنا».\n(^٧) هـ وط: «بن علي».\n(^٨) المصنَّف (١٩١٦)، وأخرجه البيهقي (٣/ ٥٧)، والدَّارقطني (١/ ٤٢٠) كلاهما من طريق أبي إسحاقٍ به. وفي إسناده الحارث الأعور، ضعَّفوه جدًّا.\n(^٩) ط: «أنس». وفي المصنَّف (١/ ٤٩٨): «الثوري».","vol":"1","page":244},{"text":"عن عليٍّ قال: «من (^١) سمع النِّداء من جيران المسجد فلم يجب (^٢) وهو صحيحٌ من غير عذرٍ فلا صلاة له».\nوقال وكيع (^٣): عن عبد الرحمن بن حصين عن أبي نجيح المكي عن أبي هريرة قال: «لَأَنْ تمتليء (^٤) أُذُنَا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خيرٌ له من أنْ يسمع المنادي ثُمَّ لا يجيبه».\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدَّثنا وكيع عن سفيان عن منصورٍ عن عدي ابن ثابت عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «من سمع المنادي فلم يجب عن غير عذرٍ، فلم يجد خيرًا، ولم يُرَدْ به».\nقال وكيع (^٦): حدَّثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «من سمع النِّداء ثُمَّ لم يجب من غير عذرٍ فلا صلاة له» (^٧).\n_________\n(^١) «من» سقطت من هـ.\n(^٢) «فلم يجب» سقطت من هـ وط.\n(^٣) أخرجه من طريق وكيعٍ ابنُ أبي شيبة (٣٤٨٤) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٣٧).\n(^٤) ط: «يمتليء».\n(^٥) مسائل أحمد لابنه صالح (٢/ ٣٧). وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٨٥).\n(^٦) وأخرجه من طريق وكيعٍ ابنُ أبي شيبة (٣٤٨٣). وقد تقدَّم الخلاف فيه موقوفًا ومرفوعًا وأنَّ الموقوف أصحُّ.\n(^٧) الأسطر من قوله: «وقال عبد الرزاق» إلى: «فلا صلاة له» سقطت كلُّها من س.","vol":"1","page":245},{"text":"وقال عبد الرزَّاق (^١): عن الثَّوري (^٢) عن ليث عن مجاهد قال: سأل (^٣) رجلٌ ابنَ عباس، فقال: رجلٌ يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل، لا يشهد جمعةً ولا جماعةً؟ فقال ابن عباسٍ: «هو في النَّار». ثم جاء الغد، فسأله عن ذلك، فقال: «هو في النَّار». قال: فاختلف إليه قريبًا من شهرٍ يسأله (^٤) عن ذلك ويقول ابن عباس: «هو في النَّار».\nفهذه نصوص الصَّحابة كما تراها صِحَّةً وشهرةً وانتشارًا، ولم يجئ عن صحابيٍّ واحدٍ خلاف ذلك. وكلٌّ من هذه الآثار دليلٌ مستقلٌّ في المسألة لو كان وحده (^٥)، فكيف إذا تعاضدت وتضافرت؟! وبالله التَّوفيق.\nفصْلٌ\nوأمَّا المسألة الثَّامنة (^٦)، وهي: هل الجماعة شرْطٌ في صِحَّة الصَّلاة أم لا؟ فاختلف الموجبون لها في ذلك، على قولين:\n_________\n(^١) حديث (١٩٩٠). وأخرجه من طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٣٧).\n(^٢) «عن الثوري» سقطت من هـ وط.\n(^٣) هـ: «فسأل».\n(^٤) هـ: «فسأله».\n(^٥) «لو كان وحده» سقطت من س.\n(^٦) هـ: «الثامن». ض وط: «السابعة». وتقدَّم كونه غلطًا متواليًا في العد.","vol":"1","page":246},{"text":"أحدهما: أنَّها فرضٌ، يأثم تاركها، وتبرأ ذِمَّته بصلاته وحْده. وهذا قول أكثر المتأخِّرين من أصحاب أحمد (^١). ونصَّ عليه أحمد في رواية حنبل، فقال: «إجابة الدَّاعي إلى الصَّلاة فرضٌ، ولو أنَّ رجلًا قال: هي عندي سُنَّةٌ، أُصلِّيها في بيتي مثل الوتر وغيره لكان خلاف الحديث، وصلاته جائزة».\nوعنه روايةٌ ثانيةٌ، ذكرها أبو الحسن ابن الزَّاغوني (^٢) في كتاب «الإقناع» (^٣): أنَّها شرطٌ للصِّحَّة، فلا تصحُّ صلاة من صلَّى وحْدَه. وحكاه القاضي عن بعض الأصحاب، واختاره أبوالوفاء ابن عقيل،\n_________\n(^١) يُنْظَر: المغني لابن قدامة (٣/ ٦)، والإنصاف للمرداوي (٤/ ٢٦٥).\n(^٢) «ابن» ليست في هـ وط. س: «الزاعوني»، ط: «الزعفراني»!\nوهو أبوالحسن علي بن عبيد الله بن نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزَّاغُونِي البغدادي، شيخ الحنابلة ببغداد، كان إمامًا فقيهًا، متبحِّرًا في الأصول والفروع، متفنِّنًا، واعظًا، مشهورًا بالصَّلاح والدِّيانة والورع والصِّيانة، كثير التَّصانيف، توفي سنة ٥٢٧ هـ، ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٠١)، والسِّير للذَّهبي (١٩/ ٦٠٥)، وتاريخ الإسلام (٣٦/ ١٥٤).\n(^٣) وفي الإنصاف للمرداوي (٤/ ٢٦٥): «في الواضح والإقناع».\nوقد ذكر ابن رجب في الذَّيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٠٥) أنَّ الإقناع في مجلَّدٍ.","vol":"1","page":247},{"text":"وأبو الحسن التَّميمي (^١). وهو قول داود وأصحابه، قال ابن حزمٍ: «وهوقول جميع أصحابنا» (^٢).\nونحن نذكر حجج الفريقين.\nقال المشترطون: كُلُّ دليلٍ ذكرناه في الوجوب يدلُّ على أنَّها شرطٌ؛ فإنَّها إذا كانت واجبةً فتَرَكَها المكلَّفُ لم يفعل ما أُمِرَ به، فبقي في عُهْدَة الأمر.\nقالوا: ولو صحَّت الصَّلاة بدونها لما قال أصحاب رسول الله ﷺ: «إنَّه لا صلاة له». ولو صحَّت لما قال النَّبيُّ ﷺ: «من (^٣) سَمِع المنادي ثم لم يجبه لم تُقْبَل (^٤) منه الصَّلاة التي صلَّى» (^٥). فلمَّا وقف القبول عليها دلَّ على اشتراطها، كما أنَّه لمَّا وقف القبول على الوضوء من الحَدَث دلَّ على اشتراطه.\nقالوا: ونفي القبول إمَّا أنْ يكون لفوات رُكْنٍ، أو شرطٍ. ولا (^٦)\n_________\n(^١) المغني (٣/ ٦ - ٧)، والإنصاف (٤/ ٢٦٥).\n(^٢) المحلَّى (٤/ ١٩٦).\n(^٣) س: «إن من».\n(^٤) هـ: «يقبل».\n(^٥) تقدَّم تخريجه والكلام عليه (ص/٢٢٦ - ٢٢٨)، من حديث ابن عباسٍ بنحوه.\n(^٦) س: «أو لا».","vol":"1","page":248},{"text":"ينتقض هذا بنفي القبول عن صلاة العبد الآبق (^١)، وشارب الخمر أربعين يومًا (^٢)؛ لأنَّ امتناع القبول هناك لارتكاب أمرٍ محرَّمٍ قارَنَ الصَّلاة فأبْطل أجرها.\nقالوا: ولو صحَّت صلاة المنفرد لما قال ابن عباس: «إنَّه في النَّار».\nقالوا: ولو صحَّت صلاتُه أيضًا لما كانت واجبةً؛ فإنَّه إنَّما تصحُّ (^٣) عبادة من أدَّى ما أُمِرَ به. وقد ذكرنا من أدلَّة الوجوب ما فيه كفاية.\nقال المصحِّحُون لها ــ وهم ثلاثة أقسام: قسمٌ يجعلها سُنَّةً، إنْ شاء فعلها وإنْ شاء تَرَكها. وقسمٌ يجعلها فرض (^٤) كفايةٍ، إذا قام بها طائفةٌ سَقَطت عمَّن عداهم. وقسمٌ يقول: هي فرضٌ على الأعيان، وتصحُّ\n_________\n(^١) يشير إلى ما أخرجه مسلمٌ (٧٠) وغيره، من حديث جرير بن عبد الله البجلي: أنَّ النَّبيُّ ﷺ قال: «إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة».\n(^٢) يشير إلى ما أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، وابن ماجه (٣٣٧٧)، والنسائي (٥٦٧٣)، وابن حبَّان (٥٣٥٧)، والحاكم (١/ ٣٨٨)، وقال: «على شرط الشيخين»، وأخرجه في (٤/ ١٦٢) من طريق أخرى، وقال: «صحيح الإسناد»، كلهم من حديث عبد الله بن عمرو ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من شرب الخمر فسكر لم تقبل صلاته أربعين صباحًا ..» الحديث. وأخرجه الترمذي (١٨٦٢) من حديث ابن عمر ﵁، وقال: «حديث حسنٌ».\n(^٣) هـ وط: «وأنه ..». س وهـ وط: «يصح».\n(^٤) هـ: «فرضًا».","vol":"1","page":249},{"text":"بدونها ــ: قد ثَبَت في «الصَّحِيْحَيْن (^١)» (^٢)، من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الجماعة تفْضُل على صلاة الفَذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً».\nوفيهما (^٣)، عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ: «صلاة الرجل في جماعةٍ تُضَعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا (^٤)، وذلك أنَّه إذا توضَّأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلَّا الصَّلاة لم يخْطُ خطوةً إلَّا رُفِعَت له بها درجةٌ، وحُطَّت (^٥) عنه بها خطيئةٌ. فإذا صلَّى لم تزل الملائكة تصلِّي عليه ما دام في مصلَّاه - ما (^٦) لم يحدِثْ ـ: «اللَّهم صلِّ عليه، اللَّهم ارحمه»، ولا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصَّلاة».\nقالوا: فلو كانت صلاة المنفرد باطلةً لم يفاضل بينها وبين صلاة الجماعة؛ إذ لا مفاضلة بين الصَّحيح والباطل.\n_________\n(^١) س وط: «الصحيح».\n(^٢) البخاري (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠) بنحوه.\n(^٣) البخاري (٦٤٧)، ومسلم (٦٤٩) وهذا لفظ البخاري.\n(^٤) هـ: «وعشرون». س: «درجة».\n(^٥) ض وس: «وحط».\n(^٦) «ما» ليست في هـ.","vol":"1","page":250},{"text":"قالوا: وفي «صحيح مسلمٍ» (^١)، من حديث عثمان بن عفان: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من صلَّى العشاء في جماعةٍ فكأنَّما قام نصف اللَّيل، ومن صلَّى الصُّبح في جماعةٍ فكأنَّما قام اللَّيل كلَّه».\nقالوا: فشَبَّهَ فعلها في جماعةٍ بما ليس بواجبٍ. والحكم في المُشَبَّه كهُوَ في المشبَّه به أو دونه في التَّأكيد.\nقالوا: وقد روى يزيد بن الأسود قال: شهدْتُ مع النَّبيِّ ﷺ حَجَّتَه، فصلَّيْتُ معه صلاة الصُّبح في مسجد الخيف، فلمَّا قَضَى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في آخر القوم لم يُصَلِّيَا، قال: «عليَّ بِهِما». فجيء بهما، تُرْعَدُ فرائِصُهما. قال: «ما منعكما أنْ تُصَلِّيَا معنا؟». فقالا: يا رسول الله، قد صلَّيْنَا في رِحالنا. قال: «فلا تفعلا، إذا صلَّيْتُما في رِحَالِكما (^٢) ثم أتيتما مسجد جماعةٍ فصَلِّيا معهم؛ فإنَّها (^٣) لكما نافلة» رواه أهل «السُّنن» (^٤).\n_________\n= … ونُقِل عن الشَّافعي تجهيله لإسناده؛ وعُلِّل بأنَّ يزيد بن الأسود ليس له راوٍ غير ابنه جابر، ولا لجابر راوٍ غير يعلى؛ كما في سنن البيهقي (٢/ ٣٠١)، وقال: «وكان يحيى بن معين وجماعة من الأئمَّة يوثِّقون يعلى بن عطاء، وهذا الحديث له شواهد قد تقدَّم ذكرها، فالاحتجاج به وبشواهده صحيحٌ». وقال ابن حجر في التَّلخيص (٢/ ٢٩): «وقد وجدنا لجابر بن يزيد راويًا غير يعلى، أخرجه ابن منده في المعرفة».\nوقد صحَّح الحديث الترمذي وابن خزيمة وابن حبَّان وابن السَّكن كما في التَّلخيص الحبير (٢/ ٢٩)، وابن الملقِّن في البدر المنير (٤/ ٤١٣).\n(^١) حديث (٦٥٦).\n(^٢) س: «رحالكم».\n(^٣) س: «معهما، فإنهما».\n(^٤) النَّسائي (٨٥٨)، وأبوداود (٥٧٥)، والترمذي (٢١٩)، وقال: «حسنٌ صحيحٌ».\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٦٠)، وابن خزيمة (١٢٧٩)، وابن حبان (١٥٦٤)، وغيرهم، كلُّهم من طريق يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود السوائي عن أبيه ﵁ به. … =","vol":"1","page":251},{"text":"وعند «أبي داود» (^١): «إذا صلَّى أحدكم في رَحْلِه ثم أدرك مع الإمام فلْيُصَلِّها (^٢) معه، فإنَّها له نافلةٌ».\nقالوا: ولولا صِحَّة الأولى لم تكن (^٣) الثَّانية نافلةً.\nوعن محجن بن الأدرع (^٤) قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ فَحَضَرَت الصلاةُ، فصلَّى - يعني: ولم أُصَلِّ - فقال لي: «أَلَا صَلَّيْتَ؟». قلتُ: يا رسول الله، قد صلَّيْتُ في الرَّحْل، ثمَّ أتيتك. قال: «فإذا جِئْتَ فصَلِّ معهم، واجعلها\n_________\n(^١) حديث (٥٧٥).\n(^٢) ط: «فليصليها».\n(^٣) هـ: «لم يكن».\n(^٤) هـ: «أذرع».","vol":"1","page":252},{"text":"نافلةً». رواه الإمام أحمد (^١).\nوفي الباب عن أبي هريرة (^٢)، وعن (^٣) أبي ذر (^٤)، وعبادة (^٥)، وعبد الله بن عمر.\nولفظ حديث ابن عمر: عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيتُ على ابن عمر - وهو بالبلاط - والقوم يصلُّون في المسجد، فقلتُ: ما يمنعك أنْ تصلِّي مع النَّاس؟ قال: إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلُّوا صلاةً في يومٍ مرَّتين». رواه أبوداود (^٦)، والنَّسائي (^٧).\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٣٤). وأخرجه مالك (١٣٢)، والنسائي (٨٥٧)، وابن حبان (٢٤٠٥)، والحاكم (١/ ٣٧١) وقال: «حديثٌ صحيحٌ»، من حديث زيد بن أسلم عن بسر ابن محجن عن محجنٍ ﵁ به. وقد أعلَّه ابن القطَّان في بيان الوهم (٥/ ٢٢) بأنَّ بسرًا لا يعرف بغير رواية زيد بن أسلم عنه ولا تعرف حاله، وردَّ على هذا الحاكم بقوله في الموضع السابق: «ومالك بن أنس الحَكَم في حديث المدنيين، وقد احتجَّ به في الموطأ»، وقد صحَّحه الألباني في الإرواء (٥٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يصلُّون لكم؛ فإنْ أصابوا فلكم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم».\n(^٣) «أبي هريرة وعن» ليست في ض وس.\n(^٤) أخرجه مسلم (٦٤٨) من حديث أبي ذرٍ الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخِّرُون الصَّلاة عن وقتها، - أو يميتون الصَّلاة عن وقتها ـ» قال: قلتُ: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، فإنْ أدْرَكْتَها معهم فصلِّ، فإنَّها لك نافلة».\n(^٥) تقدَّم تخريجه.\n(^٦) حديث (٥٧٩).\n(^٧) حديث (٨٦٠). وأخرجه أحمد (٢/ ١٩)، وابن خزيمة (١٦٤١)، وابن حبان … =","vol":"1","page":253},{"text":"فصْلٌ\nقال الموجبون: التَّفضيل (^١) لا يستلزم براءة الذِّمَّة من كلِّ وجهٍ، سواء كان مطلقًا أومقيَّدًا؛ فإنَّ التَّفضيل (^٢) يحصل مع مناقضة المفضَّل للمفضَّل (^٣) عليه من كُلِّ وجهٍ، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان/٢٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان/١٥]. وهو كثيرٌ.\nفكون (^٤) صلاة الفَذِّ جزءًا واحدًا من سبعة وعشرين جزءًا من صلاة الجمع (^٥) لا يستلزم إسقاط فرض الجماعة، ولزوم كونها ندبًا بوجهٍ من الوجوه.\n_________\n= … (٢٣٩٦)، والبيهقي (٢/ ٣٠٣)، من طريق عمرو بن شعيب عن سليمان بن يسار أنَّه رأى ابن عمر ﵁ به.\nوقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان وابن السَّكن كما في التَّلخيص الحبير (١/ ١٥٦)، وابن الملقِّن في البدر المنير (٢/ ٦٦٤).\nفائدةٌ: قال البيهقي: «أي: كلتاهما على وجه الفرض، ويرجع ذلك على أنَّ الأمر بإعادتها اختيارٌ، وليس بحتمٍ»، وقال ابن حجر في التَّلخيص: «وهو محمولٌ على إعادتها منفردًا، أمَّا إن كان صلَّى منفردًا ثم أدرك جماعةً فإنَّه يعيد معهم».\n(^١) «التفضيل» سقطت من هـ.\n(^٢) ط: «التفضل».\n(^٣) س: «التفصيل .. التفصيل .. المفصل للمفصل». تحريفٌ!\n(^٤) س: «يكون».\n(^٥) ض وط وهـ: «الجميع».","vol":"1","page":254},{"text":"وغايتها أنْ يتأدَّى (^١) الواجب بهما، وبينهما من الفضل ما بينهما؛ فإنَّ الرجلين يكون مقامهما في الصفِّ واحدًا وبين صلاتهما (^٢) في الفضل كما بين السماء والأرض. وفي «السُّنن» (^٣)، عنه ﷺ: «إنَّ العبد (^٤) ليصلِّي الصَّلاة ولم يُكْتَب له من الأجر (^٥) إلَّا نِصْفُها، ثُلُثُها، رُبُعُها، خُمُسُها» حتى بلغ عُشُرها.\nفإذا عُقِلَ (^٦) اثنان يصلِّيان فرضهما، صلاةُ أحدهما أفضل من صلاة الآخر بعشرة أجزاء ــ وهما فرضان ــ فهكذا يُعْقَل (^٧) مثلُه في صلاة الفذِّ وصلاة الجماعة.\n_________\n(^١) س: «وغايتهما .. ينادى»!\n(^٢) ض: «صلاتيهما».\n(^٣) أبوداود (٧٩٦)، من حديث عمَّار بن ياسر ﵁. بلفظ: «إنَّ الرَّجل لينصرف وما كُتِبَ له إلَّا عُشْر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها».\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٢١)، والبيهقي (٢/ ٢٨١) وغيرهما، من طريق ابن عجلان عن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن عبد الله بن عَنَمة المزني عن عمَّار به. وقد صحَّحه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١/ ١٢٠).\n(^٤) ض: «الرجل».\n(^٥) «له» ليست في هـ وط. وفي ض: «من الأجر له».\n(^٦) ض: «غفل»، وكذا في الموضع التَّالي بعده!\n(^٧) س: «ولهما .. يفعل».","vol":"1","page":255},{"text":"وأبلغ من هذا قوله: «ليس لك من صلاتك إلَّا ما عَقَلت منها» (^١)، فإذا لم يَعْقِل في صلاته إلَّا في جزءٍ واحد كان له من الأجر بقدر ذلك الجزء، وإنْ برِئَت ذِمَّتُه من الصلاة. فهكذا المصلِّي وحده، له جزءٌ واحدٌ من الأجر، وإنْ برِئَت الذِّمَّة (^٢).\nومثل هذه الصَّلاة لا يُسمِّيها الشَّارع صحيحةً، وإنْ اصْطَلح الفقهاء على تسميتها صلاةً (^٣)؛ فإنَّ الصَّحيح المطلق ما ترتَّبَ عليه أثره، وحصل به مقصوده. وهذه قد فات معظم أثرها، ولم يحصل منها جُلُّ مقصودها، فهي أبعد شيء من الصِّحَّة، وأحسن أحوالها أنْ تَرْفَع عنه العقاب (^٤)، وإنْ حصَّلَت شيئًا من الثواب فهو جزءٌ. وما هذا إلَّا (^٥) على قول من لا يجعلها شرطًا للصِّحَّة.\nوأمَّا مَن جعلها شرطًا لا تصحُّ بدونه فجوابه: أنَّ التفضيل إنَّما هو بين صلاتين صحِيْحَتَين. وصلاة الرَّجل وحده إنَّما تكون صحيحةً للعُذْر، وأمَّا بدون العذر فلا صلاة له، كما قال الصَّحابة ﵃.\n_________\n(^١) لم أقف عليه، وقد عزاه إلى ابن عبَّاسٍ موقوفًا عليه من كلامه غير واحدٍ.\n(^٢) «من الصلاة .. الذِّمَّة» سقطت من ض.\n(^٣) س: «صحيحة».\n(^٤) س: «ترتفع عنه»، وليس فيه: «العقاب».\n(^٥) «إلا» سقطت من ض وس.","vol":"1","page":256},{"text":"وهؤلاء لو أجابوا بهذا أورد عليهم منازعوهم أنَّ المعذور يُكَمَّل له أجرُه؛ فأجابوا عن (^١) ذلك بأنَّه لا يستحقُّ بالفعل إلَّا جزءًا واحدًا. وأمَّا التَّكميل (^٢) فليس من جِهَة الفعل؛ بل بالنِّيَّة، إذا كان من عادته أنْ يصلِّي جماعةً، فمرض أو حُبِس أو سافر، وتعذَّرت عليه الجماعة، والله يعلم أنَّ من نيَّته أنْ لو قدر على الجماعة لما تركها؛ فهذا يُكَمَّل له أجره، مع أنَّ صلاة الجماعة أفضل من صلاته من حيث العَمَلَين.\nقالوا: ويتعيَّن هذا ولا بد؛ فإنَّ النُّصوص قد صرَّحت بأنَّه لا صلاة لمن سمع النِّداء ثم صلَّى وحده؛ فدلَّ على أنَّ من له جزءٌ من سبعة وعشرين جزءًا هو المعذور الذي له صلاة (^٣).\nقالوا: والله تعالى يفضِّل العامل (^٤) القادر على العاجز وإنْ لم يؤاخذه، فذلك فضله (^٥) يؤتيه من يشاء.\nوفي «صحيح البخاري» (^٦)، عن عمران بن حصين قال: سألت\n_________\n(^١) هـ: «على».\n(^٢) «وأما التكميل» سقطت من ض.\n(^٣) س: «الذي لا صلاة له».\n(^٤) هـ: «فضل». و«العامل» ليست في هـ وط.\n(^٥) س: «فضل».\n(^٦) حديث (١١١٥).","vol":"1","page":257},{"text":"رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعدٌ، فقال: «من صلَّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلَّى قاعِدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلَّى نائمًا فله نصف أجر القاعد (^١)». فهذا إنَّما هو في المعذور، وإلَّا فغير المعذور ليس له من الأجر شيءٌ إذا كانت الصلاة فرضًا.\nوإنْ كانت نفلًا لم يجز له التَّطوُّع على جَنْبٍ؛ فإنَّه لم يفعله رسول الله ﷺ يومًا من الدَّهر، ولا أحدٌ من أصحابه (^٢) ألبتَّة، مع شِدَّة حِرْصهم على أنواع العبادة، وفعل كلِّ خيرٍ.\nولهذا جمهور الأمَّة يمنع منه، ولا تجوز (^٣) الصلاة على جنبٍ إلَّا لمن لم يستطع القُعُود؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ لعمران بن حصين: «صلِّ قائمًا، فإنْ لم تستطع فقاعدًا، فإنْ لم تستطع فعلى جَنبٍ» (^٤). وعمران ابن الحصين (^٥) هو راوي الحديثين، وهو الذي سأل عنهما النَّبيَّ ﷺ.\n_________\n(^١) ض: «أجر نصف ..» في الموضعين!\n(^٢) هـ: «الصحابة».\n(^٣) ض: «ولا تصح».\n(^٤) أخرجه البخاري (١١١٧).\n(^٥) «ابن الحصين» ليست في س.","vol":"1","page":258},{"text":"فصْلٌ\nوأمَّا استدلالكم بحديث عثمان بن عفان: «من صلَّى العشاء في جماعةٍ فكأنَّما قام نصف اللَّيل» فمن أفسد الاستدلال. وأظهر ما في نقضه عليكم قوله ﷺ: «من صام رمضان وأتْبَعَه سِتًّا (^١) من شوَّال فكأنَّما صام الدَّهر» (^٢). وصيام الدَّهر غير واجبٍ، وقد شُبِّه به الواجب، بل الصَّحيح أنَّ صيام الدَّهر كلِّه مكروهٌ؛ فقد شُبِّه به (^٣) الصَّوم الواجب، فغير ممتنعٍ تشبيه الواجب بالمستحبِّ في مضاعفة الأجر على الواجب القليل، حتى يبلغ ثوابه ثواب المستحب الكثير.\nفصْلٌ\nوأمَّا استدلالكم بحديث يزيد بن الأسود، ومحجن بن الأدرع، وأبي ذرٍّ، وعبادة= فليس في حديث واحدٍ منهم (^٤) أنَّ الرجل كان قد صلَّى وحده منفردًا مع قدرته على الجماعة ألبتَّة. ولو أَخْبَرَ النَّبيَّ ﷺ لما أقرَّه على ذلك، وأنكر عليه. وكذلك ابن عمر لم يقل: صلَّيْتُ وحدي\n_________\n(^١) ض وس: «بستٍّ».\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٦٤)، عن أبي أيوبٍ الأنصاري ﵁، بلفظ: «ثمَّ أتبعه».\n(^٣) «الواجب بل .. شبه به» سقطت من س. و«به» ليست في هـ.\n(^٤) ط: «منهما».","vol":"1","page":259},{"text":"وأنا أقدر على الجماعة.\nونحن نقول: إنَّه لم يصلِّ من ترك الجماعة وهو يقدر عليها، ونقول كما قال أصحاب رسول الله ﷺ: «إنَّه لا صلاة له». فحيث يثبت لهؤلاء صلاة فلا بُدَّ من أحد أمرين (^١)؛ أن يكونوا صلَّوا جماعةً مع غير هذه الجماعة. أويكونوا معذورين وقت الصلاة.\nومن صلَّى وحده لعذرٍ ثم زال عذره في الوقت لم يجب عليه إعادة الصَّلاة، كما لو صلَّى بالتَّيمُّم ثم وجد الماء في الوقت، أوصلَّى قاعدًا لمرض ثم برئ في الوقت، أو صلَّى عُريانًا ثم وجد السُّترة في الوقت (^٢). ونحو ذلك (^٣).\nقالوا: وقد دلَّت أحكام الشَّريعة على أنَّ صلاة الجماعة فرضٌ على كُلِّ أحدٍ (^٤)، وذلك من وجوهٍ:\nأحدها: أنَّ الجمع لأجل المطر جائزٌ، وليس جوازه إلَّا محافظة على الجماعة، وإلَّا فمن الممكن أنْ يصلِّي كُلُّ واحدٍ في بيته منفردًا. ولو كانت الجماعة ندبًا لما جاز ترك الوقت الواجب، وتقديم الصلاة\n_________\n(^١) هـ وط: «الأمرين».\n(^٢) «أو صلَّى قاعدا .. في الوقت» سقطت من ض.\n(^٣) «ونحو ذلك» ليست في هـ وط.\n(^٤) هـ وط: «واحد».","vol":"1","page":260},{"text":"عن وقتها لأجل ندبٍ محضٍ.\nالثَّاني: أنَّ المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة وأطاق القيام إذا صلَّى وحده صلَّى جماعةً وترك القيام. ومُحَالٌ أنْ يترك ركنًا من أركان الصلاة لمندوبٍ محضٍ.\nالثَّالث: أنَّ الجماعة حال الخوف يفارقون الإمام، ويعملون العمل الكثير في الصلاة، ويجعلون الإمام منفردًا في وسط الصلاة؛ كُلُّ ذلك لأجل تحصيل الجماعة، وكان من (^١) الممكن أن يصلُّوا وحدانًا بدون هذه الأمور. ومُحَالٌ أنْ يُرْتَكب ذلك وغيره لأجل أمرٍ مندوبٍ، إنْ شاء فعَلَه وإنْ شاء لم يفْعَله. وبالله التَّوفيق.\nفصلٌ\nوأمَّا المسألة التَّاسعة (^٢)، وهي: هل له فعلها في بيته، أم يتعيَّن المسجد؟ فهذه المسألة فيها قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد (^٣).\n_________\n(^١) «من» ليست في ض.\n(^٢) ض وط: «الثامنة»، س: «الثالثة»، هـ: «التاسع». وتقدَّم أنَّه خطأٌ توالى في العدِّ.\n(^٣) المغني (٣/ ٨)، الإنصاف للمرداوي (٤/ ٢٧٢). والرواية الأولى هي الصَّحيح من المذهب عندهم، والذي عليه أكثرهم.","vol":"1","page":261},{"text":"إحداهما (^١): له فعلها في بيته. وبذلك قالت الحنفيَّة (^٢)، والمالكيَّة (^٣)، وهو أحد الوجهين للشَّافعية (^٤).\nوالثَّانية (^٥): ليس له فعلها في البيت إلَّا من عُذرٍ.\nوفي المسألة قول ثالثٌ: أنَّ (^٦) فعلها في المساجد فرض كفاية. وهو الوجه الثَّاني (^٧) لأصحاب الشَّافعي.\nفوجه القول الأول: حديث الرَّجُلَين اللَّذَيْن (^٨) صلَّيا في رِحَالهما؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ نَدَبَهما إلى فعلِها (^٩) في المسجد، ولم ينكر عليهما فعلها (^١٠) في رِحَالهما.\nوكذلك حديث محجن بن الأدرع، وحديث عبد الله بن عمر. وقد\n_________\n(^١) هـ وط: «أحدهما».\n(^٢) شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٤٤)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٥٧٨).\n(^٣) الشرح الكبير للدَّردير (١/ ٣٢٠)، ومواهب الجليل (٢/ ١٧).\n(^٤) البيان للعمراني (٢/ ٣٦٣)، ومغني المحتاج (١/ ٢٣٠).\n(^٥) هـ وط: «والثاني».\n(^٦) «أن» ليست في هـ وط.\n(^٧) س: «الذي».\n(^٨) هـ: «اللَّذان».\n(^٩) ط: «فعلهما».\n(^١٠) س: «فعلهما».","vol":"1","page":262},{"text":"تقدَّمت هذه الأحاديث.\nوفي «الصَّحِيْحَين» (^١)، عن أنس بن مالكٍ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ أحسن النَّاس خُلُقًا، فرُبَّما حَضَرَت الصَّلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبِسَاط الذي تحته، فيُكْنَس ويُنْضَح، ثم يقوم ﷺ ونقوم خلفه، فيصلِّي بنا».\nوفي «الصَّحِيْحَين» (^٢) عنه - أيضًا - قال: «سَقَط النَّبيُّ ﷺ عن فرسٍ، فجُحِشَ (^٣) شِقُّهُ الأيمن، فدخلنا عليه نعودُهُ، فحَضَرت الصلاة، فصلَّى قاعدًا».\nوفي «الصَّحِيْحَين» (^٤) - أيضًا - عن أبي ذرٍّ قال: سألتُ النَّبيَّ ﷺ: أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام، ثمَّ المسجد الأقصى، ثم حيثما أدركتك الصلاة فصَلِّ؛ فإنَّه مسجدٌ».\nوصحَّ عنه ﷺ: «جُعِلَت لي كُلُّ أرضٍ طيِّبةٍ مسجدًا وطهورًا» (^٥).\n_________\n(^١) البخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٦٥٩)، بنحوه.\n(^٢) البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١).\n(^٣) جُحِشَ: أي: انخدش جلده، كما في النِّهاية لابن الأثير (١/ ٢٤١).\n(^٤) البخاري (٣٤٢٥)، ومسلم (٥٢٠).\n(^٥) أصله في البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، من حديث جابر بن عبد الله ﵁، بلفظ: «وجُعِلَت لي الأرض ..». وقد أخرجه الضِّياء في المختارة (٥/ ٤٣)، وابن الجارود في المنتقى (١٢٤)، من حديث أنسٍ ﵁، قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٣٨): «بإسنادٍ صحيحٍ» ..","vol":"1","page":263},{"text":"ووجه الرِّواية الثَّانية: ما تقدَّم من الأحاديث الدَّالة على وجوب الجماعة؛ فإنَّها صريحةٌ في إتيان المساجد (^١).\nوفي «مسند الإمام أحمد» (^٢)، عن ابن أمِّ مكتوم: أنَّ رسول الله ﷺ أَتَى المسجد، فرأى في القوم رِقَّةً، فقال: «إنِّي لأهمُّ أنْ أجعل للنَّاس إمامًا، ثُمَّ أخرج، فلا أقدر على إنسانٍ يتخلَّف عن الصَّلاة في بيتِهِ إلَّا أحرقته عليه».\nوفي لفظٍ لأبي داود (^٣): «ثُمَّ آتي قومًا يصلُّون في بيوتهم، ليست بهم عِلَّةٌ، فأحرِّق عليهم (^٤) بيوتهم».\nوقال له ابن أمِّ مكتومٍ - وهورجلٌ أعمى ـ: هل تجد لي رخصةً أنْ أصلِّي في بيتي؟ قال: «لا أجد لك رخصة» (^٥).\nوقال ابن مسعود: «لو صلَّيْتُم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيتِهِ لتركتم سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضَلَلْتُم» (^٦).\n_________\n(^١) ض: «المسجد».\n(^٢) (٣/ ٤٢٣).\n(^٣) حديث (٥٥٣).\n(^٤) «عليهم» ليست في س.\n(^٥) تقدَّم تخريجه (ص/٢٠٩، ٢٢٤).\n(^٦) تقدَّم تخريجه (ص/٢٢٨)، وأنَّه في صحيح مسلم.","vol":"1","page":264},{"text":"وعن جابر بن عبد الله قال: فَقَدَ النَّبيُّ ﷺ قومًا في صلاةٍ، فقال: «ما خلَّفَكم (^١) عن الصَّلاة؟» فقالوا: لماءٍ كان بيننا (^٢). فقال: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد». رواه الدَّارقطني (^٣).\nوقد تقدَّم هذا المعنى عن علي بن أبي طالبٍ وغيره من الصَّحابة ﵃ (^٤).\nفإنْ خالَفَ وصلَّى في بيته جماعةً من غير عذرٍ، ففي صِحَّة صلاته قولان. قال أبوالبركات في «شرحه» (^٥):\n«فإنْ خالف وصلَّاها في بيته\n_________\n(^١) هـ: «أخلفكم».\n(^٢) ض: «كان في بيتنا»، س: «لحالٍ ..».\n(^٣) السُّنن (١/ ٤١٩)، من طريق أبي السكين عن جنيد بن حكيم عن محمد بن سكين عن عبد الله بن بكير عن محمد بن سوقة عن ابن المنكدر عن جابر ﵁ به. قال ابن القطَّان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٤٣): «فيه من لا تعرف حاله، وهما أبوسكين زكرياء بن يحيى الطائي، وجنيد بن حكيم». وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة مرفوعًا، وعن عليٍّ ﵃ موقوفًا. وقد تقدم بعضها (ص/١٦١، ١٦٢).\n(^٤) (ص/٢٤٣ - ٢٤٦).\n(^٥) يعني: أبا البركات عبد السَّلام بن تيميَّة جد شيخ الإسلام، المتوفي سنة ٦٥٢ هـ، في كتابه: شرح الهداية لأبي الخطَّاب.\n\nوقد ذكر الحافظ ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٦) أنَّ اسم كتابه: «منتهى الغاية في شرح الهداية»، وقال: «بيَّض منه أربع مجلَّدات كبار، إلى أوائل الحج، والباقي لم يبيِّضه». ويُنْظَر أيضًا: تاريخ الإسلام للذَّهبي (٤٨/ ١٢٨).","vol":"1","page":265},{"text":"صحَّت. ويتخرَّج أن لا (^١) تصحَّ من غير عذرٍ؛ بناءً على ما اختاره ابن عقيل في ترك (^٢) الجماعة، حيث ارتكب النَّهي. ويعضده قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد». قال: والمذهبُ الصِّحَّة؛ لقوله ﷺ: «صلاة الرجل في جماعةٍ تضاعف على صلاته في بيته أو في سوقه خمسًا وعشرين (^٣) ضِعفًا» (^٤). ويُحْمَل قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد» على نفي الكمال جمعًا بينهما.\nقال: والرِّواية الأولى اختيار أصحابنا، وأنَّ حضور المسجد لا يجب (^٥). وهي عندي بعيدةٌ جدًّا إنْ حُمِلَت على ظاهرها؛ فإنَّ الصَّلاة في المساجد من أكبر شعائر الدِّين وأعلامه (^٦)، وفي تركها بالكليَّة أوفى المفاسد، ومحو (^٧) آثار الصَّلاة؛ بحيث تفضي إلى فتور هِمَم (^٨) أكثر الخلق عن أصل فعلها؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعودٍ: «لو صلَّيْتُم في\n_________\n(^١) ط: «في بيته جماعة»، وسقطت منه جملة: «صحَّت، ويتخرَّج أن لا».\n(^٢) ط: «تركه».\n(^٣) ض وط وهـ: «خمس». هـ: «وعشرون».\n(^٤) تقدَّم تخريجه قريبًا بنحوه (ص/٢٥٠)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٥) ض: «حضور الجماعة لا تجب».\n(^٦) هـ وط: «في المسجد .. وعلاماته».\n(^٧) س: «يمحو».\n(^٨) ض: «فتورهم»، س: «قبورهم»!","vol":"1","page":266},{"text":"بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتم سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضَلَلْتم» (^١).\nقال: وإنَّما معنى هذه الرِّواية - والله أعلم - أنَّ فعلها في البيت جائزٌ لآحاد النَّاس إذا كانت تُقَام في المساجد. فيكون فِعْلُها في المساجد (^٢) فرض كفايةٍ على هذه الرِّواية، وعلى الأخرى فرض عينٍ.\nقال: ويدلُّ على ذلك جواز الجمع بين الصَّلاتين للأمطار. ولو كان الواجب فعل الجماعة فقط، دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع لذلك؛ لأنَّ أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت، فإنَّ الإنسان غالبًا لا يخلو أنْ يكون (^٣) عنده زوجة أوولدٌ أوغلامٌ أوصديق، أونحوهم، فيمكنهما (^٤) الصَّلاة جماعةً، وغير ذلك (^٥). فلا يجوز ترك الشَّرط - وهو الوقت - من أجل سُنَّة (^٦). فلمَّا جاز الجمع عُلِمَ أنَّ الجماعة في المساجد فرضٌ، إمَّا على الكفاية، وإمَّا على الأعيان». هذا كلامُه.\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٢٢٨) وأنه في مسلم.\n(^٢) هـ وط: «المسجد».\n(^٣) هـ وط: «تكون».\n(^٤) هـ: «نحوها»، ض وس: «نحوه». ط: «فيمكنه».\n(^٥) «وغير ذلك» ليست في ط.\n(^٦) هـ وط: «السنة».","vol":"1","page":267},{"text":"ومن تأمَّل السُّنَّة حقَّ التَّأمُّل تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرضٌ على الأعيان، إلَّا لعارضٍ يجوز معه ترك الجمعة والجماعة. فترك حضور المسجد لغير عذرٍ كترك أصل الجماعة لعذرٍ، وبهذا تتَّفق (^١) جميع الأحاديث والآثار.\nولمَّا مات رسول الله ﷺ، وبَلَغ أهلَ مكة موتُه خطَبَهُم سُهَيلُ (^٢) بن عمروٍ، وكان عتَّاب بن أَسِيد - عامله على مكَّة - قد تَوَارى خوفًا من أهل مكة، فأخرجه سُهَيل، وثبَّت أهل مكَّة على الإسلام. فخطبهم بعد ذلك عتَّابٌ (^٣)، وقال: «يا أهل مكَّة (^٤)، والله لا يبلُغُنِي أنَّ أحدًا منكم تخلَّفَ عن الصَّلاة في المسجد في الجماعة إلَّا ضربتُ عُنُقَه» (^٥).\nوشَكَرَ أصحاب رسول الله ﷺ هذا الصَّنِيع، وزاده رفعةً في أعينهم.\nفالذي ندين الله به أنَّه لا يجوز لأحدٍ التخلُّف عن الجماعة في المسجد، إلَّا من عذرٍ. والله أعلم.\n_________\n(^١) ط: «الجماعة لغير عذر». س: «يتفق».\n(^٢) «أهل» ليست في ض. س: «سهل» وكذا في الموضع التالي بعده.\n(^٣) ض زيادة: «بن أسيد».\n(^٤) «على الإسلام .. مكة» سقطت من هـ.\n(^٥) ذكره بنحوه ابن هشام في السِّيرة (٦/ ٨٩) بلفظ: «فمن رابنا ضربنا عنقه»، وليس فيه: «تخلَّف عن الصَّلاة في المسجد»، ويُنْظَر: البداية لابن كثير (٨/ ١٧٢) وغيره.","vol":"1","page":268},{"text":"فصْلٌ\nوأمَّا المسألة العاشرة (^١)، وهي: حكم من نَقَر الصَّلاة، ولم يتمَّ ركوعها ولا سجودها. فهذه المسألة قد شفى فيها (^٢) رسول الله ﷺ وكفى، وكذلك أصحابه من بعده. فلا مَعْدل لناصحِ نفسِهِ عمَّا جاءت به السُّنَّة في ذلك. ونحن نسوق مذهب رسول الله ﷺ وأصحابه في ذلك بألفاظه.\nفعن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلَّى، ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ، فرَدَّ عليه¬ السَّلام، فقال: «ارجع، فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصَلِّ» ثلاثًا (^٣). فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُحْسِن غيره! فعلِّمْنِي. قال: «إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة فأسْبِغ الوضوء، ثُمَّ استقبل القِبْلة، فكبِّر، ثُمَّ اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثُمَّ اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثُمَّ ارفع حتى تعتدل (^٤) قائمًا، ثُمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثُمَّ ارفع حتى تطمئنَّ جالسًا، ثُمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا (^٥)، ثُمَّ افعل ذلك في\n_________\n(^١) ض وط: «التاسعة»، هـ: «العاشر». وتقدَّم التنبيه على خطأ العد المتوالي.\n(^٢) «فيها» ليست في هـ وط.\n(^٣) «ثلاثًا» ليست في س. وبدلًا منها أعيدت جملة: «فرجع فصلَّى كما صلَّى، ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنَّك لم تُصَلِّ» ثلاث مراتٍ.\n(^٤) هـ وط: «تعدل».\n(^٥) «ثم ارفع .. ساجدًا» ليست في ض وس.","vol":"1","page":269},{"text":"صلاتك (^١) كلِّها». متَّفقٌ على صِحَّته، وهذا لفظُ البخاري (^٢).\nوفيه دليلٌ على تعيُّن التَّكبير للدُّخول في الصَّلاة، وأنَّ غيره لا يقوم مقامَه، كما يتعيَّن (^٣) الوضوء، واستقبال القبلة.\nوعلى وجوب القراءة وتقيِيدها (^٤) بما تيسَّر لا ينفي تعيُّن الفاتحة بدليلٍ آخر؛ فإنَّ الذي قال هذا هو الذي قال: «كُلُّ صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأُمِّ القرآن فهي خداجٌ» (^٥)، وهو الذي قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^٦). ولا تُضْرَبُ سُنَّتُه (^٧) بعضُها ببعضٍ.\nوفيه (^٨) دليلٌ على وجوب الطُّمأنينة، وأنَّ مَنْ تَرَكَها لم يفعل ما أُمِرَ به، فيبقى مُطَالبًا بالأمر. وتأمَّل أمره بالطُّمأنينة في الركوع، والاعتدال في الرَّفع منه؛ فإنَّه لا يكفي مجرَّد الطُّمأنينة في ركن الرفع حتى يعتدل\n_________\n(^١) ط: «صلواتك».\n(^٢) البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).\n(^٣) س: «تعين».\n(^٤) ط: «تقيدها».\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٩٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ: «من صلَّى صلاةً لم يقرأ ..».\n(^٦) تقدم تخريجه (ص/١٤٤) وأنه في الصحيحين.\n(^٧) ض وس: «يضرب». ط: «سننه».\n(^٨) هـ: «وفي».","vol":"1","page":270},{"text":"قائمًا، فيجمع (^١) بين الطُّمأنينة والاعتدال.\nخلافًا لمن قال (^٢): إذا ركع ثُمَّ سجد من ركوعه ولم يرفع رأسه صحَّت صلاتُه! فلم يكتف مَنْ شَرَع الصلاة بمجرد الرفع حتى يأتي به كاملًا، بحيث يكون (^٣) معتدلًا فيه.\nولا ينفي هذا وجوب التَّسبيح في الركوع والسُّجود، والتَّسميع والتَّحميد في الرفع منه (^٤) بدليلٍ آخر؛ فإنَّ الذي قال هذا وأَمَر به هو الذي أمر بالتَّسبيح في الركوع، فقال لمَّا نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة/٧٤] (^٥): «اجعلوها في ركوعكم» (^٦). وأَمَرَ بالتَّحميد\n_________\n(^١) س: «فجمع». هـ وط زيادة: «قلنا» قبلها.\n(^٢) هو مذهب أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن. فعندهما أنَّ الاستواء بعد الركوع قائمًا ليس بفرضٍ، وكذا الجلسة بين السَّجدتين، والطُّمأنينة في الركوع والسُّجود. يُنْظَر: شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢١٠).\n(^٣) ض زيادة: «العبد».\n(^٤) «والسجود»، و«منه» ليستا في هـ وط.\n(^٥) هـ وط بعده: «قال».\n(^٦) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٥)، وأبوداود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧)، وابن خزيمة (٦٠٠)، وابن حبَّان (١٨٩٨)، والحاكم (١/ ٣٤٧)، و(٢/ ٥١٩)، وقال: «صحيح الإسناد»، من طرقٍ عن موسى بن أيوب الغافقي عن إياس بن عامر عن عقبة بن عامر الجهني بنحوه، وتتمَّة الحديث: فلمَّا نَزَلَت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١] قال: «اجعلوها في سجودكم». وحسَّن النَّووي إسناده في المجموع (٣/ ٣٧٢). … =","vol":"1","page":271},{"text":"في الرَّفع، فقال: «إذا قال الإمام (^١): سَمِع اللهُ لمن حمِدَه فقولوا: ربَّنا ولك الحمد» (^٢). فهو الذي أَمَرَنا (^٣) بالرُّكوع، وبالطُّمأنينة فيه، وبالتَّسبيح، والتَّحميد.\nوقال في الرَّفع من السُّجود: «ثم ارفع حتى تطمئنَّ جالِسًا» (^٤)، وفي\n_________\n= … وقال أبو داود عقبه: «انفرد أهل مصر بإسناده ..». وضعَّفه الألباني في الإرواء (٣٣٤)؛ لجهالة إياس بن عامرٍ.\nولكن إياس بن عامر قال عنه ابن حبان في صحيحه عقب حديثه: «من ثقات المصريين»، وقال الحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٧): «صحيح الإسناد، وقد اتَّفقا على الاحتجاج برواته، غير إياس بن عامرٍ، وهو عمُّ موسى بن أيوب القاضي، ومستقيم الإسناد»، وقال في (٢/ ٥١٩): «صحيح الإسناد». وقال ابن حجر في التهذيب (١/ ١٩٦): «قال العجليُّ: لا بأس به، وذكره ابن حبَّان في الثِّقات، وصحَّح له ابن خزيمة، ومن خطِّ الذَّهبيِّ في تلخيص المستدرك: ليس بالقوي». وقال في التقريب (٥٨٩): «صدوقٌ».\nولكن في سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (ص/١٦٠): «موسى بن أيوب الغافقي فقال: كان ثقة، وأنا أنكر من أحاديثه أحاديث رواها عن عمِّه، فكان يرفعها».\n(^١) «الإمام» ليست في ض وس.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٩٦)، ومسلم (٤٠٩)، من حيث أبي هريرة بنحوه.\n(^٣) ض وس: «أمر».\n(^٤) تقدم تخريجه (ص/٢٧٠).","vol":"1","page":272},{"text":"لفظٍ (^١): «حتى تعتدل جالسًا» (^٢). فلم يكتف بمجرَّد الرَّفع كحدِّ السَّيف حتى تحصل الطُّمأنينة والاعتدال. ففيه أمرٌ بالرَّفع، والطُّمأنينة فيه، والاعتدال.\nولا يمكن التمسُّك بما لم يُذْكَر في هذا الحديث على إسقاط وجوبه عند أحدٍ من الأئمَّة؛ فإنَّ الشَّافعي يوجب الفاتحة، والتَّشهُّد الأخير، والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ، ولم يُذْكَر فيه. وأبو حنيفة يوجب الجلوس مقدار التشهُّد، والخروج من الصَّلاة بالمنافي، ولم يُذْكَر ذلك فيه. ومالكٌ يوجب التَّشهُّد، والسَّلام، ولم يُذْكَر فيه. وأحمد يوجب التَّسبيح في الركوع والسُّجود، والتَّسميع والتَّحميد، وقول: «ربِّ اغفر لي»، ولم يُذْكَر في الحديث. فلا يمكن لأحدٍ أنْ يُسْقِط كُلَّ ما لم يذكر فيه.\nفإنْ قيل: فرسول الله ﷺ قد أقرَّه على تلك الصَّلاة مرَّتين، ولو كانت باطلةً لم يقرَّه عليها؛ فإنَّه لا يُقِرُّ على باطلٍ (^٣).\nقيل: كيف يكون قد أقرَّه وهو ﷺ يقول له: «ارجع فصَلِّ، فإنَّك لم تُصَلِّ»؟ فأَمَرَه (^٤)، ونفى عنه مُسَمَّى الصَّلاة التي شرعها، وأيُّ إنكارٍ أبلغ من هذا!\n_________\n(^١) س زيادة: «آخر».\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٥٩٠). وصححَّه ابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ٦٧٠).\n(^٣) هـ: «الباطل».\n(^٤) هـ زيادة: «بالصلاة».","vol":"1","page":273},{"text":"فإنْ قيل: فهو لم يُنْكِر عليه في نفس الصَّلاة.\nقيل: نعم؛ لما في ذلك من التَّنفير له، وعدم تمكينه (^١) من التَّعليم كما ينبغي، كما أقرَّ الذي بال في المسجد على إكمال بولته (^٢) حتى قَضَاها، ثمَّ علَّمه (^٣). وهذا من رِفْقِه، وكمال تعليمه، ولطفه. صلوات الله وسلامُه عليه.\nفإنْ قيل: فهلَّا قال له في نفس الصلاة: اقطعها.\nقيل: كما (^٤) لم يَقُل للبَائِل: «اقطع بولك»، (^٥) وأولى. نعم، لو أقرَّهُ على تلك الصَّلاة، ولم يأمره بإعادتها، ولم ينف عنه مسمَّى الصَّلاة الشَّرعية كان فيه متمسَّكًا لكم.\n_________\n(^١) ض وهـ وط: «تمكنه».\n(^٢) ط: «بوله».\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه مسلمٌ (٢٨٥)، عن أنسٍ ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيٌّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مَهْ مَهْ! قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تُزْرِمُوه، دَعُوْه»، فتركوه حتى بال، ثُمَّ إنَّ رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القذر؛ إنَّما هي لذكر الله ﷿، والصَّلاة، وقراءة القرآن» .. قال: فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلوٍ من ماءٍ فشنَّه عليه.\n(^٤) «كما» ليست في هـ وط.\n(^٥) ط زيادة: «وهذا».","vol":"1","page":274},{"text":"فإنْ قيل: قوله: «لم تُصَلِّ» أي: لم تصلِّ صلاةً كاملةً.\nقلنا: وكذلك نقول سوى أنَّ من لم تصحَّ صلاته لم يُصَلِّ صلاةً كاملةً (^١)، وإنَّما الممتنع أنْ تكون له صلاةٌ صحيحةٌ، قد أخلَّ ببعض مستحبَّاتها، ثم يقول (^٢) له: «ارجع، فصَلِّ، فإنَّك لم تصل»، هذا في غاية البطلان!\nوعن رفاعة بن رافعٍ: أنَّ رسول الله ﷺ بينما هو جالسٌ في المسجد يومًا ونحن معه إذْ جاء رجلٌ كالبَدَويِّ، فصلَّى فأخفَّ صلاته، ثم انْصَرَف، فسَلَّم على النَّبيِّ ﷺ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «وعليك (^٣)، فارجع فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصَلِّ». ففعل ذلك مرَّتين أوثلاثًا، كُلَّ ذلك يأتي النَّبيَّ ﷺ، فيُسلِّم على النَّبيِّ ﷺ، فيقول النَّبيُّ ﷺ (^٤): «وعليك، فارجع فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصلِّ». فعاف (^٥) النَّاس وكبُرَ عليهم أنْ يكون مَنْ أخَفَّ صلاتَه\n_________\n(^١) «قلنا .. كاملة» سقطت من هـ وط.\n(^٢) ض: «الممتنع أن يصلي صلاة .. أخل بنقض .. ثم أقول».\n(^٣) «النبي» ليست في ط، وفي هـ زيادة: «له»، و«وعليك» ليست في س.\n(^٤) «فيسلم على .. فيقول النَّبيُّ ﷺ» ليست في ض.\n(^٥) كلمة «فعاف» كذا وقعت في النُّسخ كلِّها. وهكذا هي في مخطوطة السنن - نسخة الكروخي (٢٥/ب)، وصحَّح عليها، وكتب في هامشها: «فخاف»، وكأنَّها إشارة إلى نسخةٍ. وفي طبعة بشَّار عوَّاد من سُنن التِّرمذي (١/ ٣٣٣) وطبعة شعيب الأرناؤوط (١/ ٣٥٦)، وفي شرح السُّنَّة للبغوي (٥٥٣)؛ حيث أخرج الحديث من طريق التِّرمذي، وفي جامع الأصول لابن الأثير (٥/ ٤٢٠)؛ حيث نصَّ على سياق الترمذي.\nوأشار بشَّار إلى أنَّه وقع في بعض النسخ: «فخاف»، وخطَّأه.\nبينما صوَّب الشيخ أحمد شاكر في طبعته للسُّنن (١/ ١٠٢) «فخاف» وأثبتها، وخطَّأَ في هامشه ما هنا. وهو كذلك في المطبوع من صحيح ابن خزيمة (٥٤٥).","vol":"1","page":275},{"text":"لم يُصَلِّ. فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلِّمْنِي؛ فإنَّما أنا بشرٌ، أصيب وأخطئ! فقال: «أجل، إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة، فتوضَّأ كما أمر الله، ثم تشهَّد، وأقم، فإنْ كان معك قرآنٌ فاقرأ، وإلَّا فاحمد الله وكبِّره وهلِّلْه، ثم اركع فاطمئنَّ راكعًا، ثم اعتدل قائمًا، ثم اسجد فاعتدل ساجدًا، ثم اجلس فاطمئنَّ جالسًا (^١)، ثم قُمْ، فإذا فعلت ذلك فقد تمَّتْ صلاتُك، وإنْ انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك».\nقال: فكان هذا أهون عليهم من الأوَّل (^٢)، أنَّه من انتقص من ذلك (^٣) شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهب (^٤) كلُّها. رواه الإمام أحمد (^٥)، وأهل «السُّنَن» (^٦).\n_________\n(^١) هـ تكرَّرت جملة: «ثم اسجد فاعتدل ساجدًا، ثم اجلس فاطمئنَّ جالسًا» مرتين.\n(^٢) هـ: «أول».\n(^٣) هـ وط: «هذا».\n(^٤) ط: «تنقص».\n(^٥) (٤/ ٣٤٠).\n(^٦) أبوداود (٨٥٨)، والنَّسائي (١٠٥٣)، والتِّرمذي (٣٠٢) وهذا لفظه، وقال: «حديث حسنٌ، وقد رُوِيَ عن رفاعة هذا الحديث من غير وجهٍ»، وأخرجه ابن ماجه مختصرًا (٤٦٠). وصحَّحه ابن خزيمة (٥٤٥)، وابن حبان (١٧٨٧)، وقال الحاكم (١/ ٣٦٨): «صحيحٌ على شرط الشَّيخين». وتعقَّبه الألباني في الإرواء (٢٨٩) فقال: «على شرط البخاريِّ وحده؛ فإنَّ عليَّ بن يحيى بن خلَّاد لم يخرج له مسلم شيئًا». وقد اختُلِف في إسناده كما تقدَّم من كلام التِّرمذي، ويُنْظَر: علل ابن أبي حاتم (١/ ٨٢).","vol":"1","page":276},{"text":"وفي رواية أبي داود (^١): «وتقرأ بما شئت من القرآن، ثم تقول: الله أكبر». وعنده: «فإنْ كان معك قرآنٌ فاقرأ به».\nوفي روايةٍ لأحمد (^٢): «إذا أردْتَ أنْ تصلِّي فتوضَّأ، فأحْسِن وضوءك، ثم استقبل القبلة فكبِّر، ثم اقرأ بأمِّ القرآن، ثم اقرأ بما شِئْت، فإذا رَكَعْت فاجعل راحتَيْك (^٣) على رُكبَتَيْك، وامدُد ظهرَك، ومكِّن لركوعك، فإذا رَفَعْتَ رأسك فأقم صُلْبَك، حتى ترجع العِظام إلى مفاصلها، فإذا سجدْتَ فمكِّن لسجودك، فإذا رَفَعْتَ رأسك فاعتمد (^٤) على فخذك اليُسْرَى، ثم اصنع ذلك في كُلِّ ركعةٍ وسجدةٍ».\nفإذا ضَمَمْتَ قولَه في هذا الحديث: «توضَّأ كما أَمَرَك الله» إلى قوله في الصَّفا والمروة: «ابدؤوا بما بدأ الله به» (^٥) أفاد وجوب الوضوء على\n_________\n(^١) حديث (٨٦١).\n(^٢) (٤/ ٣٤٠).\n(^٣) ض: «راحتك».\n(^٤) س: «فاجلس». وأشار في الهامش إلى المثبت أعلاه.\n(^٥) هو جزءٌ من حديث جابرٍ ﵁ الطويل، في صفة حجَّته ﷺ. وقد أخرجه النَّسائيُّ (٢٩٦٢) وغيره بهذا اللَّفظ: «فابدؤوا»، وصحَّحه ابن حزم في المحلَّى (٢/ ٤٨) وابن عبد الهادي في المحرَّر (ص/١٠٩). … =","vol":"1","page":277},{"text":"التَّرتيب الذي ذكره الله سبحانه.\nوقوله في الحديث: «اقرأ بأمِّ القرآن، ثم اقرأ بما شئت» تقييدٌ لمطلق قوله: «اقرأ بما تيسَّر معك من القرآن». وهذا معنى قوله (^١): «وتقرأ بما شئت من القرآن»، وقال: «فإنْ كان معك قرآنٌ وإلَّا فاحمد الله وكبِّره وهلِّلْه». فألفاظ الحديث يبيِّنُ (^٢) بعضُها بعضًا، وهي تبيُّن مراده ﷺ، فلا يجوز أنْ يُتَعَلَّق بلفظٍ منها، ويترك بقيَّتها (^٣).\nوقوله: «ثم تقول (^٤): الله أكبر» فيه تعيين هذا اللَّفظ دون غيره،\n_________\n= … وأخرجه مسلم (١٢١٨) بلفظ: «أبدأُ». وأخرجه التِّرمذي (٨٦٢)، وأبوداود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤)، بلفظ: «نبدأُ». ومخرج الحديث واحدٌ عند من أخرجه مع اختلاف ألفاظهم، فهو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ﵁ به. وقد اجتمع مالك وسفيان والقطَّان على رواية «نبدأُ» بنون الجمع، وهُمْ أحفظ من غيرهم.\nيُنْظَر: الإلمام لابن دقيق (١/ ٧٣)، والبدر المنير لابن الملقن (٦/ ٢١٣)، والتَّلخيص الحبير (٢/ ٢٥٠)، والإرواء للألباني (١١٢٠).\n(^١) ط زيادة: «في الحديث». وفي ض وهـ: «معنى الحديث قوله».\n(^٢) ض: «تبين».\n(^٣) هـ: «نتعلق .. ونترك». س: «أويترك».\n(^٤) هـ: «يقول»، ض: «قولي»!","vol":"1","page":278},{"text":"وهو التَّكبير المعهود في قوله: «تحريمها التَّكبير» (^١).\nوقوله: «فإذا رَفَعْتَ رأسك فأقِمْ صُلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها» صريحٌ في وجوب الرَّفع، والاعتدال منه، والطُّمأنينة فيه.\nوعن أبي مسعود البدْرِيِّ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تُجزئ صلاةُ الرجل حتى يقيم ظهرَه في الرُّكوع والسُّجود». رواه الإمام أحمد (^٢)،\n_________\n(^١) يشير إلى ما أخرجه أحمد (١/ ١٢٣)، وأبوداود (٤٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥)، كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفيَّة عن أبيه علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مفتاح الصَّلاة الطهور، وتحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم».\nوفي الباب حديث أبي سعيد وعائشة وغيرهما ﵃، وحديث عليٍّ أصحُّ.\nقال التِّرمذيُّ عنه: «هذا الحديث أصحُّ شيءٍ في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوقٌ، وقد تكلَّم فيه بعض أهل العلم من قِبَل حفظه .. وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجُّون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل».\nوقد حسَّن حديث عليٍّ ﵁ البغويُّ في شرح السُّنَّة (٣/ ١٧)، وصحَّحه الحاكم وابن السَّكن كما في التَّلخيص الحبير (١/ ٢١٦)، وصحَّح إسناده ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٢٣)، وحسَّنه الألباني في الإرواء (٣٠٠) ثمَّ صحَّحه بمجموع شواهده.\n(^٢) (٤/ ١١٩).","vol":"1","page":279},{"text":"وأهل «السُّنن» (^١)، وقال التِّرمذي: «حديث حسنٌ صحيحٌ».\nوهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ الرَّفع من الرُّكوع، وبين السَّجدتين (^٢)، والاعتدال فيه، والطمأنينة فيه (^٣) ركنٌ لا تصحُّ الصلاة إلَّا به.\nوعن علي بن شيبان قال: خَرَجْنا حتى قَدِمْنا على رسول الله ﷺ، فبايعناه، وصلَّيْنَا خلفه، فلَمَحَ بمُؤْخِرِ عينه (^٤) رجلًا لا يُقِيْم صلاتَه\nــ يعني: صُلْبَه في الركوع والسُّجود ــ، فلمَّا قَضَى النَّبيُّ ﷺ قال: «يا معشر المسلمين، لا صلاة لمن لم يُقِمْ صُلْبَه في الركوع والسُّجُود». رواه\n_________\n(^١) أبوداود (٨٥٥)، والنسائي (١٠٢٧)، والترمذي (٢٦٥)، وابن ماجه (٨٧٠)، وغيرهم، من طريق عمارة بن عمير عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة الأزدي عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري ﵁ بألفاظ متقاربةٍ.\nوقد صحَّحه التِّرمذي وابن خزيمة (٥٩١)، وابن حبَّان (١٨٩٢)، والبيهقي (٢/ ٨٨)، فقال: «إسنادٌ صحيحٌ»، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٩٨) فقال: «حسنٌ صحيحٌ».\n(^٢) ض وط: «السجود».\n(^٣) «فيه» ليست في ض.\n(^٤) هـ: «فألح بمؤخر». تحريفٌ. ط: «عينيه».\nوقوله: «مُؤْخِر» هذا الضَّبط الصَّحيح لها. قال الفيُّومي في المصباح (ص/٧): «ساكن الهمزة: ما يلي الصُّدغ»، وفي مختار الصِّحاح (ص/٤): «بوزن مُؤْمِن: ما يلي الصُّدْغ».","vol":"1","page":280},{"text":"الإمام أحمد (^١)، وابن ماجه (^٢).\nوقوله: «لا صلاة» يعني: تجزئه (^٣)؛ بدليل قوله: «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسُّجود». ولفظ أحمد في هذا الحديث: «لا ينظر الله إلى رجلٍ لا يقيم صُلْبه بين ركوعه وسجوده».\nوعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال (^٤): «لا ينظر الله إلى صلاة رجلٍ لا يقيم صُلْبَه بين ركوعه وسجوده». رواه الإمام أحمد (^٥).\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٢٣).\n(^٢) حديث (٨٧١). وأخرجه ابن خزيمة (٥٩٣)، وابن حبَّان (١٨٩١)، والبيهقي (٣/ ١٠٥) وغيرهم، من طريق عبد الله بن بدرٍ عن عبد الرحمن بن علي عن أبيه علي بن شَيْبان ﵁ مرفوعًا بنحوه. قال الذَّهبيُّ في المهذَّب (٢/ ١٠٣٦): «إسناده صالحٌ»، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٢٤): «إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقاتٌ».\n(^٣) ض وس: «مجزية».\n(^٤) «أنَّ رسول الله ﷺ قال» ليست في ض.\n(^٥) المسند (٢/ ٥٢٥). من طريق عامر بن يساف ثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن بدر الحنفي عن أبي هريرة ﵁ به. قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: «بإسناد صحيحٍ».\nوفي إسناده: عامر بن عبد الله بن يساف، وثَّقه ابن معين وقال أبوحاتم: صالحٌ، وقال أبوداود: ليس به بأسٌ، رجل صالح، وقال العجلي: يكتب حديثه وفيه ضعفٌ، وذكره ابن حبان في الثَّقات، وقال ابن عديٍّ: منكر الحديث عن الثقات، ومع ضعفه يكتب حديثه.\nيُنْظَر: الكامل لابن عدي (٥/ ٨٥)، واللِّسان لابن حجر (٣/ ٢٢٤).","vol":"1","page":281},{"text":"وفي «سنن البيهقي» (^١)، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في الركوع والسُّجود».\nوقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن نَقْر المصلِّي صلاته، وأخبر أنَّها صلاة المنافقين. ففي «المسند» (^٢)، و«السُّنن» (^٣)،\nمن حديث عبد الرحمن بن شبل قال: «نهى رسول الله ﷺ عن نقرة (^٤) الغراب، وافتراش السبع، وأنْ\n_________\n(^١) السُّنن الكبرى (٢/ ٨٨)، وقال: «تفرَّد به يحيى» يعني: ابن أبي بكير، وقال الذَّهبي في المهذَّب (٢٣٠٢): «الإسناد الأوَّل أولى» يقصد: من حديث أبي معمر عن أبي مسعود.\n(^٢) (٣/ ٤٢٨، ٤٤٤).\n(^٣) أبوداود (٨٦٢)، والنسائي (١١١٢)، وابن ماجه (١٤٢٩). كلُّهم من طريق تميم ابن محمود عن عبد الرحمن بن شبلٍ ﵁ مرفوعًا به. وقد أخرجه مصحِّحًا له ابن خزيمة (٦٦٢)، وابن حبَّان (٢٢٧٧)، والحاكم (١/ ٣٥٢) فقال: «حديثٌ صحيحٌ».\n\nوفي إسناده تميم بن محمود اللَّيثي قال عنه البخاري في تاريخه (٢/ ١٥٤): «فيه نظر». وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وذكره العقيلي، والدولابي في الضُّعفاء، وقال العقيلي: لا يُتَابع عليه، ويُنْظَر: تهذيب التَّهذيب (١/ ٤٥١)، وميزان الاعتدال (٢/ ٧٩).\nفإسناده على هذا ضعيفٌ؛ لكن قد حسَّنه الألباني في الصَّحيحة (١١٦٨) بشواهد أخرى له.\n(^٤) س: «نقر».","vol":"1","page":282},{"text":"يوطِّن (^١) الرجل المكان في المسجد كما يوطِّن (^٢) البعير».\nفتضمَّن الحديث النَّهي في الصَّلاة عن التَّشبُّه بالحيوانات؛ بالغراب في النقرة (^٣)، وبالسَّبع بافتراشه ذراعيه في السُّجود، وبالبعير في لزومه مكانًا معيَّنًا من المسجد، يوطِّنُه كما يوطِّن البعير (^٤).\nوفي حديثٍ آخر: «نهى عن التفاتٍ كالتفات الثَّعلب، وإقْعَاء كإقْعَاء الكلب، ورفع الأيدي كأذناب الخيل». أخرجه أحمد (^٥) (^٦).\nفهذه ستُّ حيواناتٍ نهى عن التشبُّه (^٧) بها.\n_________\n(^١) هـ وط: «عن توطن».\n(^٢) هـ: «توطن».\n(^٣) س: «عن التشبيه .. نقره».\n(^٤) ط: «توطنه .. توطن».\n(^٥) لم أره في المسند المطبوع باللَّفظ الذي ساقه المصنِّف، ولكن فيه (٢/ ٣١١)، من طريق شريك عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: «أَمَرَني رسول الله ﷺ بثلاث ونهاني عن ثلاثٍ … ونهاني عن نقرةٍ كنقرة الدِّيك، وإقعاءٍ كإقعاء الكلب، والتفاتٍ كالتفات الثعلب». وقد حسَّن إسناده المنذري في التَّرغيب (١/ ٢٠٨)، والهيثمي في المجمع (٢/ ٨٠).\n(^٦) «أخرجه أحمد» ليست في هـ.\n(^٧) س: «التشبيه».","vol":"1","page":283},{"text":"وأمَّا ما وَصَفَه من صلاة النَّقَّار بأنَّها صلاة المنافقين، ففي «صحيح مسلمٍ» (^١) عن العلاء بن عبد الرحمن: أنَّه دخل على أنس بن مالكٍ في داره بالبصرة، حين انصرف من الظُّهر، قال: فلمَّا دخلنا عليه قال: أصلَّيْتُم العصر؟ فقلنا: إنَّما انصرفنا السَّاعة من الظُّهر، قال: تقدَّمُوا (^٢) فصلُّوا العصر، فقمنا فصلَّيْنَا، فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق، يجلس (^٣) يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشَّيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلَّا قليلًا».\nوقد تقدَّم قول ابن مسعود: «ولقد رأيتُنَا وما يتخلَّف عنها - يريد: الجماعة - إلَّا منافقٌ معلوم النِّفاق» (^٤).\nوقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّساء/١٤٢].\n\nفهذه<span data-type='title' id=toc-182> سِتُّ صفاتٍ في الصَّلاة من علامات النِّفاق</span>؛ الكَسَل عند القيام إليها، ومُراءاة النَّاس في فعلها، وتأخيرها (^٥)، ونقرها، وقلَّة ذكر الله فيها، والتَّخلُّف عن جماعتها.\n_________\n(^١) حديث (٦٢٢).\n(^٢) هـ: «فقدموا».\n(^٣) س وهـ وط: «المنافقين». س: «فجلس».\n(^٤) تقدَّم (ص/٢٢٨).\n(^٥) هـ: «وتأخير وقتها».","vol":"1","page":284},{"text":"وعن أبي عبد الله الأشعري قال: صلَّى رسول الله ﷺ بأصحابه، ثم جلس في طائفةٍ منهم، فدخل رجلٌ (^١)، فقام يصلِّي، فجعل يركع وينقر في سجوده، ورسول الله ﷺ ينظر إليه، فقال: «تُرَوْنَ هذا لو ماتَ ماتَ على غير مِلَّة محمَّدٍ ﷺ، ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدَّم، إنَّما مثل الذي يصلِّي ولا يركع، وينقر في سجوده كالجائع؛ لا يأكل إلَّا تمرة أو تمرتين، فما يغنيان عنه. فأسْبِغُوا الوضوء، وويلٌ للأعقاب من النَّار، فأتمُّوا الرُّكُوع والسُّجود».\nوقال أبوصالحٍ: فقلتُ لأبي عبد الله الأشعريِّ: من حدَّثَك بهذا الحديث؟ قال: أمراء الأجناد، خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان. كُلُّ هؤلاء سمعه من رسول الله ﷺ. رواه أبو بكر ابن خزيمة في «صحيحه» (^٢).\n_________\n(^١) هـ وط زيادة: «منهم».\n(^٢) حديث (٦٦٥). وأخرجه ابن ماجه (٤٥٥) مختصرًا، والبيهقي (٢/ ٨٩)، وأبويعلى (٧١٨٤) وغيرهم، من طريق الوليد بن مسلم عن شيبة بن الأحنف عن أبي سلَّام الأسود عن أبي صالح الأشعري أنَّه سمع أبا عبد الله الأشعري ﵁ فذكره.\nوفي إسناده شيبة بن الأحنف الأوزاعي، مجهولٌ. ولكن قال الذَّهبي في المهذَّب (١/ ٥٣٤): «شيبة روى عنه أيضًا محمد بن شعيب، وما علمتُ به بأسًا، وهذا حديثٌ حسن الإسناد غريب»، وكذا حسَّن إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١٨٥)، والهيثمي في المجمع (٢/ ١٢١).","vol":"1","page":285},{"text":"فأخبر أنَّ نقَّار الصَّلاة لو مات مات على غير الإسلام.\nوفي «صحيح البخاري» (^١)، عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلًا لا يتِمُّ الركوع ولا السُّجود فقال: «ما صلَّيْتَ، ولو مِتَّ مِتَّ على غير الفِطرة التي فطر الله عليها محمَّدًا ﷺ».\nولو أجزأت (^٢) صلاةُ النَّقَّار وصحَّت لما أخرجه عن فِطرة الإسلام بالنَّقر.\nوقد جعل رسول الله ﷺ لِصَّ الصَّلاة وسارقها شرًّا من لصِّ الأموال وسارقها، ففي «المسند» (^٣)، من حديث أبي قتادة قال: قال\n_________\n(^١) حديث (٧٩١).\n(^٢) هـ وط: «أخبر أنَّ».\n(^٣) (٥/ ٣١٠). وأخرجه ابن خزيمة (٦٦٣)، وابن حبَّان (١٨٨٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٥٣) من طريق الحكم بن موسى القنطري عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ به. قال الحاكم: «صحيحٌ على شرط الشَّيخين». وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٢٠): «رجاله رجال الصحيح». وفي الباب حديث أبي هريرة وأبي سعيد وعبد الله بن مغفل ﵃.\n\nوقد اختلف في إسناده؛ حيث تفرَّد الحكم بن موسى به عن حديث أبي قتادة ﵁، ورواه الأوزاعي من حديث أبي هريرة ﵁. قال الدَّارقطنيُّ في علله (٦/ ١٤١): «ويشبه أنْ يكون حديث أبي هريرة أثبت». ويُنْظَر: علل ابن أبي حاتم (٢/ ٤٢٢).","vol":"1","page":286},{"text":"رسول الله ﷺ: «أسوأ النَّاس سرقةً الذي يسرق من صلاته». قالوا: يا رسول الله، كيف يسرق من صلاته؟ قال: «لا يتمُّ ركوعها ولا سجودها»، أو قال: «لا يقيم صُلْبَه في الركوع والسُّجود».\nفصرَّح بأنَّه أسوأ حالًا من سارق الأموال، ولا ريب أنَّ لص الدِّين شرٌّ من لِصِّ الدُّنيا.\nوفي «المسند» (^١)، من حديث سالم بن (^٢) أبي الجعد عن سلمان\nــ هو الفارسي ــ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصَّلاة مِكيال، فمَنْ وَفَى وُفِّيَ له (^٣)، ومن طفَّف فقد علمتم ما قاله الله في المطفِّفين». قال مالكٌ (^٤): «وكان يُقَال: في كُلِّ شيءٍ وفاءٌ وتطفيفٌ». فإذا توعَّدَ الله سبحانه بالويل للمطفِّفِين في الأموال، فما الظنُّ بالمطفِّفِين في الصَّلاة!\nوقد ذكر أبوجعفر العقيلي (^٥)، عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن\n_________\n(^١) لم أره في مسند أحمد، بل لم أقف عليه مرفوعًا. وقد تقدَّم تخريجه (ص/١٦١) موقوفًا على سلمان ﵁ بإسنادٍ ضعيفٍ.\n(^٢) ط: «عن».\n(^٣) هـ: «وفى وفي قوله».\n(^٤) الموطأ (١/ ١٢)، بنحوه.\n(^٥) في كتابه الضُّعفاء (١/ ١٢١). وأخرجه - أيضًا - الطيالسي (٥٨٥)، والبزَّار (كشف ١/ ١٧٧) وغيرهم، كلُّهم من طريق الأحوص بن حكيم الحمصي به. … =","vol":"1","page":287},{"text":"معدان عن عبادة بن الصَّامت قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضَّأ العبدُ (^١) فأحسن وضوءه، ثم قام إلى الصَّلاة، فأتمَّ ركوعها وسجودها، والقراءة فيها قالت له الصَّلاة: حفِظَك الله كما حفظتني، ثم يُصْعَد (^٢) بها إلى السَّماء ولها ضوءٌ ونورٌ، وفُتِحَت لها أبواب السَّماء، حتى تنتهي إلى الله ﵎، فتشفع لصاحبها، وإذا ضيَّع وضوءها، وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها قالت له الصَّلاة: ضيَّعَك الله كما ضيَّعْتَني، ثم صُعِد بها إلى السَّماء، فغُلِّقَت دونها أبواب السَّماء، ثم تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثَّوب الخَلَق، ثم يُضْرَب بها وجه صاحبها».\nوقال الإمام أحمد في «رواية مهنَّا بن يحيى الشَّامي» (^٣): «جاء الحديث: إنَّ العبد (^٤) إذا توضأ فأحسن الصلاة» (^٥)، ثم ذكره تعليقًا.\n_________\n= … والأحوص بن حكيمٍ الحمصي ضعيفٌ، قال ابن معين وابن المديني: ليس بشيءٍ، وضعَّفه النَّسائي. ترجمته في ميزان الاعتدال (١/ ١٦٧). وقد تقدَّم تخريج الحديث والكلام عليه من حديث أنس ﵁ (ص/١٤٥).\n(^١) «العبد» ليست في س.\n(^٢) ط: «تصعد». وكذا في الموضع التالي بعده.\n(^٣) س: «الساماني».\n(^٤) «إن العبد» ليست في ض وهـ وط.\n(^٥) رسالة الصَّلاة، وهي في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٣٦٤).","vol":"1","page":288},{"text":"فصْلٌ\nوأما المسألة الحادية عشرة (^١)، وهي: مقدار صلاة رسول الله ﷺ. فهي من أجلِّ المسائل وأهمِّها، وحاجة النَّاس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى الطَّعام والشَّراب. وقد ضيَّعَها النَّاس من عهد أنس بن مالك ﵁.\nففي «صحيح البخاري» (^٢)، من حديث الزهري قال: دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلتُ له (^٣): ما يبكيك؟ فقال: «لا أعرف شيئًا ممَّا أدركت إلَّا هذه الصَّلاة، وهذه الصَّلاة قد ضُيِّعت».\nوقال موسى بن إسماعيل: حدثنا مهديٌّ عن غيلان عن أنسٍ قال: ما أعرف شيئًا ممَّا كان على عهد النَّبيِّ ﷺ! قيل: فالصَّلاة؟ قال: «أليس قد صنعتم ما صنعتم فيها! (^٤)». أخرجه البخاريُّ (^٥) عن موسى.\nوأنسٌ ﵁ تأخَّر حتى شاهَدَ من إضاعة أركان الصَّلاة، وأوقاتها، وتسبيحها (^٦) في الركوع والسجود، وإتمام تكبيرات الانتقال\n_________\n(^١) ض وط: «العاشرة»، هـ: «الإحدى عشرة»، س: «الثانية عشر».\n(^٢) حديث (٥٣٠).\n(^٣) «له» ليست في ض وس.\n(^٤) «ما صنعتم» ليست في هـ، وفي س: «ضيعتم ما ضيعتم».\n(^٥) حديث (٥٢٩).\n(^٦) هـ: «وتسبيحا».","vol":"1","page":289},{"text":"فيها= ما أنكره، وأخبر أنَّ هَدْي رسول الله ﷺ كان بخلافه، كما ستقف عليه مفصَّلًا إنْ شاء الله.\nففي «الصَّحِيْحَين» (^١)، من حديث أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يُوْجِزُ الصَّلاة ويكملها».\nوفي «الصَّحِيْحَين» (^٢)، عنه أيضًا قال: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخف صلاةً ولا أتمَّ من صلاة النَّبيِّ ﷺ». زاد البخاريُّ: «وإنْ كان ليسمع بكاء الصَّبيِّ فيخفِّف مخافة أنْ تُفْتَن (^٣) أُمُّه». فوَصَف صلاته ﷺ بالإيجاز والتَّمام.\nوالإيجاز هو الذي كان يفعله، لا الإيجاز الذي (^٤) يظنُّه من لم يقف على مِقْدار صلاته؛ فإنَّ الإيجاز أمرٌ نسبيٌّ (^٥) إضافيٌّ، راجِعٌ إلى السُّنَّة، لا إلى شهوة (^٦) الإمام ومَنْ خلفه.\nفلمَّا كان يقرأ في الفجر بالسِّتين إلى المائة (^٧) كان هذا إيجازًا\n_________\n(^١) البخاري (٧٠٦)، ومسلم (٤٦٩).\n(^٢) البخاري (٧٠٨)، ومسلم (٤٦٩).\n(^٣) ض: «فيخف». ض وس: «تفتتن».\n(^٤) هـ وط زيادة: «كان».\n(^٥) هـ: «النبي» تحريفٌ!\n(^٦) هـ: «الشهرة» تحريفٌ!\n(^٧) يشير إلى حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ الذي في الصَّحيحين، وسيأتي ذكره قريبًا.","vol":"1","page":290},{"text":"بالنِّسبة إلى ستمائة آيةٍ (^١) إلى ألفٍ. ولمَّا قرأ في المغرب بالأعراف (^٢) كان هذا الإيجاز (^٣) بالنِّسبة إلى البقرة.\nويدلُّ على هذا أنَّ أنسًا نفسه قال في الحديث الذي رواه أبوداود (^٤)، والنَّسائي (^٥)، من حديث عبد الله بن إبراهيم بن كيسان (^٦) حدثني أبي عن وهب بن مانوس (^٧) سمعت سعيد بن جبير يقول:\n_________\n(^١) هـ وط: «الإيجاز». و«آية» ليست في ط.\n(^٢) يشير إلى حديث زيد بن ثابت وعائشة ﵃ الذي عند البخاري، وسيأتي ذكره قريبًا.\n(^٣) «بالنسبة .. الإيجاز» ليست في ض.\n(^٤) حديث (٨٨٨).\n(^٥) حديث (١١٣٥). وأخرجه أحمد (٣/ ١٦٢)، والبيهقي (١/ ١١٠) وغيرهم، كلُّهم من طريق ابن كيسان عن ابن مانوس به. قال الذَّهبي في المهذَّب (٢٤٠٧): «غريبٌ، لا يُعرف إلَّا بهذا السَّند». ووهب بن مانوس وقيل مابوس أوماهنوس أوميناس، قال ابن القطَّان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ١٦٩): «مجهول الحال». وقال الذَّهبي في ميزان الاعتدال (٨/ ٢٠٥): «ذكره ابن حبَّان في الثِّقات، وروى عنه غير واحد»، وقال في «الكاشف» (٢/ ٣٥٧): «ثقةٌ». ويُنْظَر في ترجمته: تهذيب الكمال للمزِّي (٣١/ ١٣٩).\nوسيأتي (ص/٣٢٠) شاهدٌ للحديث عند النَّسائي وغيره بغير هذا السياق والإسناد، وتصحيح المصنِّف وغيره له.\n(^٦) هـ: «عبد الله إبراهيم ..»، س: «بن إبراهيم من كتاب» تحريفٌ!\n(^٧) هـ وط: «مايوس» تحريفٌ!","vol":"1","page":291},{"text":"سمعت أنس بن مالك يقول: «ما صلَّيْتُ وراء أحدٍ بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاةً برسول الله ﷺ مِنْ هذا الفتى». يعني: عمر بن عبد العزيز. فحَزَرْنَا (^١) في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحاتٍ.\nوأنسٌ أيضًا هو القائل في الحديث المتَّفق عليه (^٢): «إنِّي لا آلو أن أصلِّي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلِّي بنا». قال ثابت: «كان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع (^٣) انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي (^٤)، وإذا رفع رأسه من السَّجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي».\nوأنسٌ هو القائل هذا، وهو القائل: «ما صَلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ (^٥) صلاةً ولا أتمَّ من صلاة النَّبيِّ ﷺ». وحديثُه لا يُكَذِّب بعضُه بعضًا.\nوممَّا يبيِّن ما ذكرناه ما رواه أبوداود في «سُنَنه» (^٦)، من حديث\n_________\n(^١) ض: «فحررنا».\n(^٢) البخاري (٨٢١)، ومسلم (٤٧٢).\n(^٣) هـ: «ركوع».\n(^٤) «إذا رفع .. قد نسي» سقطت من س.\n(^٥) «قط» سقطت من س. وفي ض: «أخف من».\n(^٦) حديث (٨٥٣). وأخرجه البخاري (٧٨٧)، ومسلم (٤٧٢، ٤٧٣) بنحوه، لكن من حديث ثابتٍ وحده.","vol":"1","page":292},{"text":"حماد بن سلمة أخبرنا (^١) ثابت وحميد عن أنس بن مالك قال: «ما صلَّيْتُ خلف رجلٍ أوجز صلاةً من رسول الله ﷺ في تمام، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: «سمِعَ الله لمن حمده» قام حتى نقول: قد أوْهَم، ثم يكبِّر (^٢)، ثم يسجد، وكان يقعد بين السَّجدتين حتى نقول (^٣): قد أوْهَم». هذا سياق حديثه.\nفجمع أنس ﵁ في هذا الحديث الصَّحيح بين (^٤) الإخبار بإيجاز النَّبيِّ ﷺ الصلاة وإتمامها، وبيَّن فيه أنَّ من إتمامها الذي أخبر به إطالة الاعتدالين، حتى يظنَّ الظَّانُّ أنَّه قد أوْهَم أونسي من شدَّة الطُّول، فجمع بين الأمرين في الحديث. وهو القائل: إنَّه (^٥) ما رأى أوْجَزَ من صلاة رسول الله ﷺ ولا أتمَّ. فيشبه أنْ يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمامُ إلى الركوع والسجود والاعتدالين بينهما؛ لأنَّ القيام لا يكاد يُفْعَل إلَّا تامًّا، فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام، بخلاف الركوع والسُّجود والاعتدالين.\n_________\n(^١) «حديث» سقطت من س، وفيه: «أنبأنا ثابت».\n(^٢) «نقول» ليست في ض. وفي س: «حتى يقول»، وفيه: «ثم كبر».\n(^٣) ض وس: «يقول».\n(^٤) ض: «.. الصحيح من».\n(^٥) «إنه» ليست في هـ وط.","vol":"1","page":293},{"text":"وسرُّ ذلك: أنَّه بإيجاز القيام وإطالة الركوع والسجود والاعتدالين (^١) تصير الصَّلاة تامَّة؛ لاعتدالها وتقاربها، فيَصْدُق قوله: «ما رأيتُ أوجز ولا أتمَّ من صلاة رسول الله ﷺ». وهذا هو الذي كان (^٢) يعتمده صلوات الله وسلامه عليه في صلاته؛ فإنَّه كان يعدلها، حيث يعتدل قيامها، وركوعها، وسجودها، واعتدالها.\nففي «الصَّحيحين» (^٣) عن البراء بن عازب قال: «رَمَقْتُ الصلاة مع محمد ﷺ، فوجدتُ قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسَجْدَته، فجلسته بين السَّجدتين، فسَجْدَته، فجلسته ما بين التَّسليم والانصراف= قريبًا من السواء». وفي لفظٍ لهما (^٤): «كانت صلاة رسول الله ﷺ، قيامه، وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السَّجدتين= قريبًا من السَّواء».\nولا يناقض (^٥) هذا ما رواه البخاريُّ (^٦) في هذا الحديث: «كان\n_________\n(^١) «وسر ذلك .. والاعتدالين» سقطت من س وهـ.\n(^٢) ض: «وكان هذا الذي».\n(^٣) البخاري (٨٢٠)، ومسلم (٤٧١)، وهذا لفظ مسلمٍ.\n(^٤) البخاري (٨٠١)، ومسلم (٤٧١)، وهذا لفظ مسلمٍ.\n(^٥) س: «ينتاقض».\n(^٦) حديث (٧٩٢).","vol":"1","page":294},{"text":"ركوع النَّبيِّ ﷺ، وسجوده، وبين (^١) السَّجدتين، وإذا رفع رأسه، ما (^٢) خلا القيام والقعود قريبًا من السَّواء»؛ فإنَّ البراء هو القائل هذا وهذا؛ فإنَّه في السِّياق الأول أدخل في ذلك قيام القراءة، وجلوس التشهُّد.\nوليس مراده أنَّهما بقدر ركوعه وسجوده، وإلَّا ناقض السِّياقَ الثَّاني (^٣)؛ وإنَّما المراد أنَّ طولهما كان مناسبًا لطول الرُّكوع والسُّجود والاعتدالين، بحيث لا يظهر التَّفاوت الشَّديد في طول هذا وقِصَر هذا؛ كما يفعله كثيرٌ ممَّن (^٤) لا علم عنده بالسُّنَّة، يُطيل القيام جدًّا، ويخفِّف الركوع والسُّجود، وكثيرًا ما يفعلون هذا في التراويح! وهذا هو الذي أنكره أنسٌ بقوله: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاة ولا أتمَّ من صلاة (^٥) رسول الله ﷺ»؛ فإنَّ كثيرًا من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جدًّا، فيثقل على المأمومين، ويخفِّف الركوع والسُّجود والاعتدالين، فلا يكمل الصَّلاة.\nفالأمران اللَّذان وصف بهما أنسٌ صلاةَ رسول الله ﷺ هما اللَّذان كان الأمراء يخالفونهما، وصار ذلك - أعني: تقصير الاعتدالين - شعارًا، حتى\n_________\n(^١) ط: «وما بين».\n(^٢) «ما» ليست في ض وهـ.\n(^٣) هـ: «السياق الأول الثاني»، ط: «الأول والثاني».\n(^٤) س: «مما».\n(^٥) هـ: «ولا أتم صلاة من».","vol":"1","page":295},{"text":"استحبَّه بعض الفقهاء، وكرِهَ إطالتهما؛ ولهذا قال ثابتٌ: «وكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا، حتى يقول القائل: قد نسي». فهذا الذي فعله أنسٌ هو الذي كان رسول الله ﷺ يفعله، وإنْ كرِهَهُ مَنْ كَرِهَه، فسُنَّة رسول الله ﷺ أولى وأحقُّ بالاتباع.\nوقول البراء في السِّياق الآخر: «ما خلا القيام والقعود» بيان أنَّ ركن القراءة والتشهُّد أطول من غيرهما.\nوقد ظنَّ طائفةٌ أنَّ مراده بذلك قيام الاعتدال من الركوع، وقعود الفصل بين السَّجدتين، وجعلوا الاستثناء عائدًا إلى تقصيرهما، وبنوا على ذلك أنَّ السُّنَّة تقصيرهما، وأبطل من غلا منهم (^١) الصلاةَ بتطويلهما. وهذا غلطٌ؛ فإنَّ لفظ الحديث وسياقه يُبْطِل ذلك، وفِعْلُ رسول الله ﷺ وهَدْيُه الثابت عنه (^٢) يبطل ظنَّ هؤلاء؛ فإنَّ لفظ البراء: «كان ركوعه، وسجوده، وبين السَّجدتين، وإذا رفع رأسه ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء». فكيف يقول: وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا رفع رأسه من الركوع؟! هذا باطلٌ قطعًا.\nوأمَّا فِعْل النَّبيِّ ﷺ فقد تقدَّم حديث أنسٍ: «أنَّه صلَّى بهم صلاة النَّبيِّ ﷺ، فكان يقوم بعد الركوع حتى يقول القائل: قد نسي، ويمكث\n_________\n(^١) ط: «من كلامهم علامتهم». هـ: «من كل منهم علامتهم»! وفي ض بياضٌ.\n(^٢) «يبطل ذلك .. عنه» ليست في هـ وط.","vol":"1","page":296},{"text":"بين السَّجدتين حتى يقول القائل: قد نسي (^١)، وكان يقول بعد رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده، اللَّهُم ربَّنا لك (^٢) الحمد، ملءَ السموات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكُلُّنا لك عبدٌ، اللَّهُم (^٣) لا مانع لما أعطيت، ولامُعْطِي لما مَنَعْت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ». رواه مسلم، من حديث أبي سعيد (^٤).\nورواه من حديث ابن أبي أوفى (^٥)، وزاد فيه بعد قوله: «من شيءٍ بعد»: «اللَّهُمَّ طهِّرْني بالثَّلج والبَرَد والماء البارد، اللَّهُمَّ طهِّرْني من الذُّنوب والخطايا كما يُنقَّى الثَّوبُ الأبيضُ من الدَّنَس (^٦)».\nوكذلك كان هَدْيُه في صلاة اللَّيل؛ يركع قريبًا من قيامه، ويرفع رأسه بقدر (^٧) ركوعه، ويسجد بقدر ذلك، ويمكث بين السَّجدتين بقدر\n_________\n(^١) «ويمكث .. قد نسي» ليست في هـ وط.\n(^٢) س: «ولك».\n(^٣) «اللهم» ليست في ض.\n(^٤) حديث (٤٧٧).\n(^٥) حديث (٤٧٦).\n(^٦) وفي روايةٍ قبلها: «من الوسخ».\n(^٧) ض: «رأسه بعد».","vol":"1","page":297},{"text":"ذلك (^١). وكذلك فعل في صلاة الكسوف، أطال ركن الاعتدال قريبًا من القراءة (^٢). فهذا هديه الذي كأنَّك تشاهده وهو يفعله (^٣).\nوهكذا فعل خلفاؤه الرَّاشدون من بعده. قال زيد بن أسلم: «كان عمرُ يخفِّفُ القيام والقعود، ويتمُّ الركوع والسجود» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٨)، وأبوداود (٨٧٤)، والنسائي (١٠٦٩)، وغيرهم، من طريق عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار عن رجلٍ من بني عبسٍ عن حذيفة ﵁: «أنَّه رأى رسول الله ﷺ يصلِّي من اللَّيل ..». الحديث، وفيه: «ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوًا من قيامه .. ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه نحوًا من ركوعه .. ثُمَّ سجد، فكان سجوده نحوًا من قيامه .. وكان يقعد فيما بين السَّجدتين نحوًا من سجوده».\nوظاهر الإسناد فيه جهالةٌ، لكن الرَّجل من عبسٍ هو: صلة بن زفر، وأبوحمزة هو طلحة بن يزيد الأنصاري، وقد صحَّحه الألباني في الإرواء (٣٣٥) بعد ذكر ما تقدَّم، قال: «فالإسناد صحيحٌ متَّصلٌ، رجاله كلُّهم ثقاتٌ».\nوأصل الحديث عند مسلم (٧٧١) من طريق الأعمش عن سعد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة قال: «صلَّيْتُ مع النَّبيِّ ﷺ ذات ليلةٍ، فافتتح البقرة ..» فساق نحوه مختصرًا، وليس فيه قعوده فيما بين السَّجدتين نحوًا من سجوده.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١)، من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) ض: «فعله».\n(^٤) لعلَّ المقصود بعمر في هذا الأثر هو: ابن عبد العزيز، وليس ابن الخطَّاب ﵁. وانظر ما سيأتي (ص/٣٢٠).","vol":"1","page":298},{"text":"فأحاديث أنسٍ ﵁ كلُّها تدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يطيل الركوع والسُّجود والاعتدالين، زيادةً على ما يفعله أكثر الأئمَّة - بل (^١) كلُّهم - إلَّا النَّادر. فأنسٌ أنكر تطويل القيام على ما كان رسول الله ﷺ يفعله، وأنكر تقصير الركوع والسُّجود والاعتدالين عمَّا كان رسول الله ﷺ يفعله (^٢)، وقال: «كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربةً»، أي: (^٣) يقرب بعضها من بعض.\nوهذا موافقٌ لرواية البراء بن عازب: «أنَّها كانت قريبًا من السواء». فأحاديث الصَّحابة في هذا الباب يصدِّق بعضها بعضًا (^٤).\nفصْلٌ\nوأمَّا قدْر قيامِه للقراءة فقال أبو بَرْزَة الأسْلميُّ: «كان النَّبيُّ ﷺ يصلِّي الصُّبح، فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أوإحداهما ما بين السِّتِّين إلى المائة». متَّفقٌ على صِحَّته (^٥).\n_________\n(^١) «بل» ليست في ض.\n(^٢) «وأنكر تقصير .. يفعله» سقطت من ط. وسقطت «يفعله» من س.\n(^٣) «أي» ليست في هـ وط.\n(^٤) س: «بأحاديث ..». هـ وط: «تصدق ..». هـ: «بعضها بعض».\n(^٥) البخاري (٧٧١)، ومسلم (٦٤٧)، وهذا لفظ البخاري.","vol":"1","page":299},{"text":"وفي «صحيح مسلمٍ» (^١)، عن عبد الله بن السَّائب قال: «صلَّى لنا النَّبيُّ (^٢) ﷺ الصُّبح بمكَّة، فاستفتح سورة المؤمنين (^٣)، حتى جاء ذِكر موسى وهارون - أوذِكر عيسى - أخَذَت النَّبيَّ ﷺ سَعْلةٌ فرَكَع».\nوفي «صحيح مسلمٍ» (^٤)، عن قطبة بن مالك: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقرأ (^٥) في الفجر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق/١٠]، وربَّما قال: ﴿ق﴾.\nوفي «صحيح مسلمٍ» (^٦) أيضًا عن جابر بن سمرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق/١]، وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا». فقوله: «وكانت (^٧) صلاته بعدُ تخفيفًا» أي: بعد صلاة الصُّبح أخفَّ من قراءتها، ولم يُرِدْ أنَّه كان بعد ذلك يخفِّف قراءة الفجر\nعن ﴿ق﴾.\n_________\n(^١) حديث (٤٥٥).\n(^٢) س: «بنا». هـ: «رسول الله».\n(^٣) س: «المؤمنون».\n(^٤) حديث (٤٥٧).\n(^٥) س: «يقول».\n(^٦) حديث (٤٥٨).\n(^٧) «بعد» سقطت من ض. وفيه: «تخفيفًا كأنه كان ..».","vol":"1","page":300},{"text":"ويدلُّ عليه ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (^١)، من حديث شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يقرأ في الظُّهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]، وفي العصر نحو ذلك (^٢)، وفي الصُّبح أطول من ذلك».\nوفي «صحيح مسلمٍ» (^٣)، عن زهير عن سماك بن حرب (^٤) قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النَّبي ﷺ، فقال: «كان يخفِّف الصَّلاة، ولا يصلِّي صلاة هؤلاء». قال: وأنبأني أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق/١] ونحوها.\nفأخبر أنَّ هذا كان تخفيفه. وهذا ممَّا يبيِّن أنَّ قوله: «وكانت صلاته بعدُ (^٥) تخفيفًا» أي: بعد الفجر؛ فإنَّه جمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتَّخفيف، وبين قراءته فيها بـ ﴿ق﴾، ونحوها.\nوقد ثبت في «الصَّحِيح» (^٦)، عن أمِّ سلمة: أنَّها سمعت النَّبيَّ ﷺ\n_________\n(^١) حديث (٤٥٩).\n(^٢) هـ وط: «بنحو».\n(^٣) الموضع السَّابق.\n(^٤) هـ وط: «حارث» تحريفٌ!\n(^٥) س: «تعد».\n(^٦) البخاري (١٦١٩) بمعناه.","vol":"1","page":301},{"text":"يقرأ في الفجر بالطُّور، في حجَّة الوداع، وهي تطوف من [وراء (^١)] النَّاس، تسمع قراءته. وما عاش بعد حجَّة الوداع (^٢) إلَّا قليلًا. والطُّور قريبٌ (^٣) من ﴿ق﴾.\nوفي (^٤) «الصَّحِيح» (^٥)، عن ابن عباس أنَّه قال: إنَّ أمَّ الفضل سمِعَتْهُ وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات/١]، فقالت: «يا بُنيَّ لقد ذكَّرْتَنِي بقراءَتِك هذه السُّورة، فإنَّها لآخر ما سمعتُ من النَّبيِّ (^٦) ﷺ يقرأ بها في المغرب».\nفقد أخْبَرَت أمُّ الفضل أنَّ ذلك آخر ما سمِعَتْهُ يقرأ بها في المغرب، وأمُّ الفضل لم تكن من المهاجرات (^٧)، بل هي من المستضعفين، كما قال ابن عباسٍ: «كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين الذين عذر الله» (^٨). فهذا السَّماع كان متأخِّرًا بعد فتح مكة قطعًا.\n_________\n(^١) «وراء» ليست في النُّسخ كلِّها، وتمام السياق والمعنى يقتضي إثباتها.\n(^٢) «وهي تطوف .. الوداع» سقطت من هـ وط.\n(^٣) ض وس: «قريبًا».\n(^٤) «في» سقطت من هـ.\n(^٥) البخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٦٢).\n(^٦) هـ: «رسول الله».\n(^٧) ط: «المهاجرين».\n(^٨) أخرجه البخاري (١٣٥٧، ٤٥٨٧).","vol":"1","page":302},{"text":"وفي «صحيح البخاري» (^١) عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد (^٢) بن ثابتٍ: «مالَكَ تقرأ في المغرب بقِصَار المفصَّل، وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ فيها بطُولَى الطُّولَيَين». وسُئِل ابنُ أبي مليكة (^٣) - أحد (^٤) رواته - ما طُولَى الطُّولَيَين؟ فقال مِنْ قِبَل نفسه: «المائدة والأعراف».\nويدلُّ على صِحَّة تفسيره حديث عائشة أمِّ المؤمنين ﵂: «أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرَّقها في الرَّكعتين». رواه النَّسائي (^٥).\n_________\n(^١) حديث (٧٦٤).\n(^٢) هـ وط: «لزيد» تحريفٌ!\n(^٣) كما في سنن أبي داود (٨١٢).\n(^٤) ض: «إحدى» تحريفٌ!\n(^٥) حديث (٩٩١). قال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (٣/ ٧٧): «بإسنادٍ صحيحٍ». وقال ابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ١٨٣): «إسنادٌ حسنٌ، وذكره ابن السكن في سننه الصِّحاح، وقال: هو حديثٌ مختلفٌ فيه».\nوقد أعلَّ البخاري إسناد هشام عن أبيه من حديث عائشة، وصحَّحه من حديث أبي أيوب أو زيد بن ثابت، كما في علل الترمذي (ص/٧٣).\n\nوأعلَّ أبوحاتم وصل إسناده، فقال كما في العلل لابنه (١/ ١٦٩): «هذا خطأ إنَّما هو عن أبيه عن النبيِّ ﷺ مرسلٌ». ويُنْظَر: سنن البيهقي (٢/ ٣٩٢) والتَّلخيص الحبير (١/ ١٧٦).","vol":"1","page":303},{"text":"وروى النَّسائي (^١) أيضًا من حديث ابن مسعودٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالدُّخان».\nوفي «الصَّحِيحَين» (^٢) عن جُبَير بن مطعمٍ قال: «سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ (^٣) بالطُّور في المغرب».\nفأمَّا العِشاء: فقال البراء بن عازب: «سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين/١]، وما سمعتُ أحدًا أحسن صوتًا منه». متَّفقٌ عليه (^٤).\nوفي «الصَّحِيحَين» (^٥) أيضًا عن أبي رافعٍ قال: «صلَّيتُ مع أبي هريرة العَتَمَة، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق/١]، فسَجَد، فقلتُ له، فقال: سجدْتُ بها خلف أبي القاسم ﷺ، فلا أزال أسجد بها\n_________\n(^١) حديث (٩٨٨). وليس من حديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁، كما يظهر من كلام المصنِّف ﵀، بل من حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ رفعه. وعبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي تابعيٌّ، لم يدرك النَّبيَّ ﷺ. فهو مرسلٌ. وقد حسّنه ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٥٠).\n(^٢) البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣).\n(^٣) س: «قرأ». وهي رواية البخاري.\n(^٤) البخاري (٧٦٩)، ومسلم (٤٦٤).\n(^٥) البخاري (٧٦٦)، ومسلم (٥٧٨).","vol":"1","page":304},{"text":"حتى ألقاه».\nوفي «المسند» (^١)، والتِّرمذي (^٢)، من حديث بريدة قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿الشَّمْسِ (^٣) … وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ونحوها من السُّور». قال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ».\nوقال لمعاذٍ في صلاة العشاء (^٤) الآخرة: «اقرأ بـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق/١]، و﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]». متَّفقٌ عليه (^٥).\nوأمَّا الظُّهر والعصر ففي «صحيح مسلمٍ» (^٦)، من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: «كانت صلاة الظهر تُقام فينطلق أحدُنا إلى البقيع، فيقضي\n_________\n(^١) (٥/ ٣٥٥).\n(^٢) حديث (٣٠٩). وأخرجه النسائي (٩٩٩)، كلهم من طريق زيد بن الحباب وعلي ابن الحسن بن شقيق حدثنا حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ به. وصححه الألباني في صفة الصلاة، الأصل (٢/ ٤٩٠).\n(^٣) س: «الآخرة: وَالشَّمْسِ». ورسم المصحف: ﴿وَالشَّمْسِ﴾.\n(^٤) ض وس: «عشاء».\n(^٥) البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥).\n(^٦) حديث (٤٥٤).","vol":"1","page":305},{"text":"حاجته، ثمَّ يأتي أهله فيتوضَّأ، ثم (^١) يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الرَّكعة الأولى».\nوعن أبي قتادة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الرَّكعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين (^٢)، ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا، وكان يطوِّل (^٣) الرَّكعة الأولى من الظُّهر، ويقصِّر الثَّانية، ويقرأ في الرَّكعتين الأُخْرَيَيْن (^٤) بفاتحة الكتاب». متَّفقٌ عليه، ولفظه لمسلمٍ (^٥).\nوفي روايةٍ للبخاري (^٦) (^٧): «وكان يطوِّل الأولى من صلاة الصُّبح، ويقصِّر في الثَّانية». وفي روايةٍ لأبي داود (^٨) قال: «فظنَّنا أنَّه يريد أنْ (^٩) يُدْرِك النَّاسُ الرَّكعة الأولى».\n_________\n(^١) «ثم» ليست في هـ.\n(^٢) «بفاتحة الكتاب وسورتين» ليست في ض.\n(^٣) ض: «يطيل».\n(^٤) ض وس وهـ: «الأخرتين».\n(^٥) البخاري (٧٧٦)، ومسلم (٤٥١).\n(^٦) س وهـ وط: «رواية البخاري».\n(^٧) حديث (٧٥٩).\n(^٨) حديث (٨٠٠)، من طريق معمر عن ابن أبي كثيرٍ عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.\n(^٩) «يريد أن» ليست في ض.","vol":"1","page":306},{"text":"وفي «مسند الإمام أحمد» (^١)،\nعن عبد الله بن أبي أوفى: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقوم في الرَّكعة الأولى من صلاة الظُّهر حتى لا يُسْمَع وقع (^٢) قدمٍ».\nوقال سعد بن أبي وقاصٍ لعمر: «أمَّا أنا فأمدُّ في الأُولَيَيْن، وأحذفُ في الأُخْرَيَيْن (^٣)، وما آلو ما اقتديتُ به من صلاة رسول الله ﷺ»، فقال له\n_________\n(^١) (٤/ ٣٥٦). وأخرجه أبوداود (٨٠٢)، من طريق محمد بن جحادة عن رجلٍ عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ به.\n\nقال ابن الملقِّن ﵀ في البدر المنير (٤/ ٤١٠ - ٤١١): «حديثٌ ضعيفٌ بجهالة هذا الرجل، لكن قال الحافظ جمال الدِّين المزي في أطرافه: روى هذا الحديث أبو إسحاق الخميسي عن محمد بن جحادة عن كثير الحضرمي عن ابن أبي أوفى بطوله.\nقلتُ: والظاهر أنَّ كثيرًا هذا هو «كثير بن مُرَّة»، الذي روى عن معاذ وجماعةٍ من الصَّحابة، وهو ثقةٌ كما شهد له بذلك ابن سعد والعجلي وابن حبَّان، وقال النَّسائي: لا بأس به. فإن يكُنْه فإسناده صحيحٌ. ثم رأيت بعد ذلك في شرح المهذَّب للنَّووي: أنَّ بعض الرواة سمَّى هذا الرجل المجهول، فقال: «طرفة الحضرمي». قلتُ: فإنْ يَكُنْه ففي كتاب الأزدي: أنَّ طرفة الحضرمي لا يصحُّ حديثه». انتهى كلامه.\n(^٢) «وقع» ليست في ض.\n(^٣) ض وس: «الأولتين .. الأخرتين». وكذا في جميع المواضع التالي ذكرها في روايات حديث سعد التي يسوقها المصنِّف في الأسطر التالية.","vol":"1","page":307},{"text":"عمر: «ذاك ظنِّي فيك (^١)». رواه البخاري ومسلم (^٢).\nوقال أبو سعيد الخدري: «كُنَّا نَحْزِرُ قيام رسول الله ﷺ في الظُّهر والعصر، فحزرنا قيامه في الرَّكعتين الأُولَيَيْن من الظُّهر قدر ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وحَزَرْنا قيامه (^٣) في الأُخرَيَيْن قدر النِّصف من ذلك (^٤). وحَزَرْنا (^٥) قيامه في الرَّكعتين الأُولَيَين من العصر على قدر قراءته (^٦) في الأُخْرَيَيْن من الظُّهر، وفي الأُخرَيَيْن من العصر (^٧) على النِّصف من ذلك».\nوفي روايةٍ بدل قوله: «﴿تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة»: «قدر ثلاثين آية، وفي الأُخْرَيَيْن قدر خمس (^٨) عشرة آية. وفي العصر في الرَّكعتين الأُوْلَيَيْن في كُلِّ ركعةٍ قدر خمس عشرة، وفي الأُخْرَيَيْن قدر نِصْف ذلك». هذه الألفاظ كلُّها في «صحيح مسلمٍ» (^٩).\n_________\n(^١) س: «بك».\n(^٢) البخاري (٧٥٥)، ومسلم (٤٥٣).\n(^٣) «في الركعتين .. قيامه» سقطت من س.\n(^٤) «وحزرنا .. ذلك» ليست في ض.\n(^٥) س وهـ: «نحرز .. فحرزنا .. وحرزنا». ض: «نحرر .. فحررنا .. وحررنا».\n(^٦) كذا في النسخ كلها، وفي مسلم: «قيامه».\n(^٧) «على قدر .. العصر» سقطت من ط.\n(^٨) س: «خمسة».\n(^٩) حديث (٤٥٢).","vol":"1","page":308},{"text":"وقد احتجَّ به من استحبَّ قراءة السُّورة بعد الفاتحة في الأُخْرَيَيْن، وهو ظاهر الدلالة لو لم يجئ (^١) حديث أبي قتادة المتَّفق على صِحَّته (^٢)، أنَّه كان يقرأ في الأُوْلَيَيْن بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب. فذِكْرُه (^٣) السُّورتين في الرَّكعتين الأُولَيين، واقتصاره على الفاتحة في الأُخرَيَيْن يدلُّ على اختصاص (^٤) كُلِّ ركعتين بما ذكر من قراءتهما.\nوحديث سعدٍ يحتمل لما (^٥) قال أبوقتادة، ولما قال أبوسعيد. وحديث أبي سعيدٍ ليس صريحًا في قراءة السُّورة في الأُخْرَيَيْن (^٦)، فإنَّما هو حَزْرٌ وتخمينٌ.\nوقال جابر بن سمرة: «كان النَّبيُّ ﷺ يقرأ في الظُّهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصُّبح أطول من ذلك». رواه مسلمٌ (^٧).\n_________\n(^١) ض: «الدلالة ولم يجيء».\n(^٢) تقدم (ص/٣٠٦).\n(^٣) هـ وط: «فذكر».\n(^٤) هـ: «اختصار».\n(^٥) هـ: «بما». وكذا في الموضع التالي بعده.\n(^٦) ط: «الأخرتين». وفي كل المواضع من ض وس في الأسطر السبعة المتوالية: «الأولتين .. الأخرتين».\n(^٧) حديث (٤٥٩).","vol":"1","page":309},{"text":"وعنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ في الظُّهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، وفي الصُّبح بأطول من ذلك». رواه مسلمٌ (^١) أيضًا.\nوعنه: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر ﴿وَالسَّمَاءِ (^٢) ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج/١]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق/١]، ونحوهما (^٣) من السُّور». أخرجه أحمد (^٤)، وأهل «السُّنَن» (^٥). وفي «سنن النَّسائي» (^٦)،\n_________\n(^١) حديث (٤٦٠).\n(^٢) ض وس: «بالسَّماء».\n(^٣) ض: «ونحوها».\n(^٤) المسند (٥/ ١٠٣).\n(^٥) أبوداود (٨٠٥)، والنسائي (٩٧٩)، والترمذي (٣٠٧). وأخرجه أيضًا ابن حبَّان (١٨٢٧) وغيرهم، كلُّهم من طرقٍ عن حمَّاد بن سلمة عن سماك بن حربٍ عن جابر بن سمرة ﵁ به. قال التِّرمذي: «حسنٌ صحيحٌ»، وقد صحَّحه أيضًا ابن حبَّان، والنَّووي في الخلاصة (١/ ٣٨٤).\n(^٦) حديث (٩٧١). ولفظ النَّسائي: «الآية بعد الآيات». وأخرجه ابن ماجه (٨٣٠)، كلاهما من طريق سلم بن قتيبة عن هاشم بن البريد عن أبي إسحاق السَّبيعي عن البراء ﵁ به. والسَّبيعي كثير التَّدليس، وقد اختلط أونسي. قال العلائي في جامع التَّحصيل (١٤٥): «قال البرديجي: سمع أبوإسحاق من الصَّحابة، من البراء ..»، ثم قال العلائي: «قال أحمد العجلي: سمع أبوإسحاق من ثمانية وثلاثين صحابيًّا وحديثه عن البراء أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ بناسٍ من الأنصار وهم جالسون في الطَّريق قال ابن المديني: لم يسمعه أبوإسحاق من البراء». وقد عنعن هذا الخبر مع اختلاطه، وبهما ضعَّفه الألباني في الضَّعيفة (٤١٢٠). وحسَّنه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٣٧).","vol":"1","page":310},{"text":"عن البراء بن عازب (^١) قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي بنا الظُّهر، فنسمع (^٢) منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذَّاريات».\nوفي «السُّنَن» (^٣)، من حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله ﷺ سجد في صلاة الظُّهر، ثم قام فركع، فرأينا أنَّه قرأ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السجدة».\n_________\n(^١) «بن عازب» ليست في ط.\n(^٢) هـ: «فتسمع».\n(^٣) أبوداود (٨٠٧). وأخرجه أحمد (٢/ ٨٣)، والحاكم (١/ ٣٤٣)، والبيهقي (٢/ ٣٢٢)، وغيرهم، من طرقٍ عن معتمر بن سليمان ويزيد بن هارون وهشيم كلهم عن سليمان التَّيمي عن أميَّة عن أبي مجلز ــ أو سليمان عن أبي مجلزٍ دون ذكر أميَّة ــ، عن ابن عمر ﵁ به.\nقال محمد بن عيسى الطَّبَّاع: «لم يذكر أميَّةَ أحدٌ إلَّا معتمر». وسليمان التَّيمي لم يسمع الحديث من أبي مجلز، كما في رواية أحمد في المسند، ولهذا الإرسال أشار إلى إعلاله أحمد كما في مسائل أبي داود عنه (٢٦٧).\nوأميَّةُ - الواسطة بينهما - «لا يُعْرَف»؛ كما قال أبوداود في رواية الرملي عنه، ثمَّ الذَّهبي في المهذَّب (٣٣٢٨). وبه ضعَّفه ابن القطَّان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٢) والألباني.\nوقد صحَّحه الحاكم على شرط الشَّيخين وتابعه الذَّهبي، ثم القسطلَّاني والزَّرقاني.\nوكذا الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٧٨)، وحسَّنه في نتائج الأفكار (١/ ٤٤٢). وأعلَّه في التَّلخيص الحبير (٢/ ١٠) بما تقدَّم آنفًا. وينظر: البدر المنير لابن الملقِّن (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، وتمام المنَّة للألباني (ص/٢٧١).","vol":"1","page":311},{"text":"وفيه دليلٌ على أنَّه لا يُكْرَه قراءة السَّجدة في صلاة السِّرِّ، وأنَّ الإمام إذا قرأها سجد، ولا يخيَّر المأمومون بين اتِّباعه وتركِه (^١)، بل يجب عليهم متابعته.\nوقال أنسٌ: «صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ صلاة الظُّهر، فقرأ لنا بهاتين السُّورتين في الرَّكعتين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾». رواه النَّسائي (^٢).\nوالصَّحابة ﵃ أنكروا (^٣) على من كان يبالغ في تطويل القيام، وعلى من كان يخفِّف الأركان، ولا سيَّما رُكْنَي الاعتدال، وعلى من كان لا يتمُّ التَّكبير، وعلى من كان يؤخِّر الصَّلاة إلى آخر وقتها، وعلى من كان يتخلَّف عن جماعتها.\nوأخبروا عن صلاة رسول الله ﷺ، التي ما زال يصلِّيها حتى مات،\n_________\n(^١) ض وهـ وط: «المأمومين ..». هـ: «بترك اتباعه وتركها».\n(^٢) حديث (٩٧٢)، من طريق محمد بن شجاع المرُّوذي قال حدثنا أبوعبيدة عبد الواحد بن واصل الحدَّاد عن عبد الله بن عبيد قال: سمعت أبا بكر بن النَّضر بن أنسٍ قال: كُنَّا بالطَّفِّ عند أنسٍ ﵁ فصلَّى بهم الظُّهر، فلمَّا فَرَغ قال: «إنِّي صَلَّيْتُ مع النَّبي ﷺ ..»، فذكره. وقد حسَّنه ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٤٠)، وفي إسناده أبوبكر بن النَّضر، وهو مجهولٌ.\n(^٣) هـ: «والصحابة أجمعين ..». و«أنكروا» سقطت من ض.","vol":"1","page":312},{"text":"ولم يذكر أحدٌ منهم أصلًا أنَّه نَقَصَ من صلاته في آخر حياته ﷺ، ولا أنَّ تلك (^١) الصَّلاة التي كان يصلِّيها منسوخةٌ.\nبل استمرَّ خلفاؤُه الرَّاشدون على منهاجه في الصَّلاة، كما استمرُّوا على منهاجه في غيرها. فصلَّى الصِّدِّيق صلاة الصَّبح، فقرأ فيها بالبقرة كلِّها، فلمَّا انصرف منها قالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشَّمس تطلع! قال: «لو طَلَعَت لم تجدنا غافلين» (^٢).\nوكان عمر يصلِّي الصُّبح بالنَّحل، ويونس، وهود، ويوسف، ونحوها من السُّور (^٣).\n_________\n(^١) هـ: «ولأن ..». و«تلك» ليست في ض.\n(^٢) أخرجه عبد الرزَّاق (٢٧١١)، وابن أبي شيبة (٣٥٦٥) من طرقٍ عن الزِّهري عن أنسٍ ﵁ بنحوه، وفيه: «فاستفتح البقرة، فقرأها في ركعتين، فقام عمر حين فرغ قال: يغفر الله لك، لقد كادت الشَّمس تطلع قبل أن تسلِّم! قال: لو طَلَعت لألفتنا غير غافلين». وهذا إسنادٌ ظاهر الصِّحَّة. وأخرجه عبد الرزَّاق (٢٧١٢)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٣٧٩) من طريق قتادة عن أنسٍ بنحوه، وفيه: «فقرأ آل عمران».\n(^٣) أخرج البخاري (٣٧٠٠)، في قصَّة مقتل عمر ﵁، من حديث عمرو بن ميمون، وفيه: «ورُبَّما قرأ سورة يوسف أوالنَّحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع النَّاس ..».\nوأخرج ابن أبي شيبة (٣٥٦٦) من طريق المعتمر عن الزُّبير بن الخرِّيت عن عبد الله بن شقيق عن الأحنف قال: «صلَّيْتُ خلف عمر الغداة فقرأ يونس وهود ونحوهما». … =","vol":"1","page":313},{"text":"قال المخفِّفُون: إنَّكم وإنْ تمسَّكْتُم بالسُّنَّة في التَّطويل فنحن أسعدُ بها منكم في الإيجاز والتَّخفيف؛ لكثرة الأحاديث بذلك وصحَّتِها، وأَمْرِ النَّبيِّ ﷺ بالإيجاز والتَّخفيف، وشدَّة غضبِه على المطوِّلين، وموعظته لهم، وتسميتهم منفِّرين.\nفعن أبي موسى (^١): أنَّ رجلًا قال: والله يا رسول الله إنِّي لأتأخَّر (^٢) عن صلاة الغداة من أجل فلانٍ؛ ممَّا (^٣) يطيل بنا! فما رأيتُ رسول الله ﷺ في موعظةٍ أشد غضبًا منه يومئذٍ، ثم قال: «أيُّها النَّاس إنَّ منكم (^٤) منفِّرين، فأيُّكم ما صلَّى بالنَّاس فليتجوَّز، فإنَّ فيهم الضَّعيف والكبير وذا\n_________\n= … وأخرجه عبد الرزاق (٢٧١٠) من طريق معمر عن أيوب عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد: «أنَّ عمر ﵁ قرأ في صلاة الفجر بالكهف ويوسف، أو يوسف وهود، فتردَّدَ في يوسف، فلمَّا تردَّد رجع إلى أول السُّورة فقرأ، ثُمَّ مضى فيها كلِّها».\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٦٨)، وعبد الرزَّاق (٢٧١٥) من طرقٍ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عمر ﵁ بنحوه.\n(^١) كذا في النُّسخ كلِّها، والذي في الصَّحيحين - كما أحال المصنِّف إليهما - إنَّما هو من حديث أبي مسعودٍ الأنصاري ﵁.\n(^٢) ض: «لا أتأخر»، تحريفٌ!\n(^٣) هـ: «بما».\n(^٤) ض: «أشد منه غضبا .. وقال .. إنكم». و«أيها الناس» ليست في س.","vol":"1","page":314},{"text":"الحاجة». رواه البخاري، ومسلم (^١).\nوفي رواية البُخاريِّ (^٢): «فإنَّ فيهم المريض والضَّعيف وذا الحاجة».\nوعن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أمَّ أحدُكُم فليُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الصَّغير والكبير (^٣) والضَّعيف والمريض، وإذا صلَّى وحده فلْيُصلِّ كيف شاء». رواه البخاري ومسلم، واللَّفظ لمسلمٍ (^٤).\nوعن عثمان بن أبي العاص الثَّقفي: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «أُمَّ قومَك». قال: قلتُ: يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي شيئًا. قال: «اُدْنُه»، فأجلسني بين يديه، ثم وضع كَفَّه في صدري بين ثديَيَّ (^٥)، ثمَّ قال: «تحوَّل»، فوضعها في ظهري، بين كتِفَيَّ، ثم قال: «أُمَّ قومك، فمَنْ أَمَّ قومًا فلْيُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الكبير، وإنَّ فيهم المريض، وإنَّ فيهم الضَّعيف (^٦)، وإنَّ فيهم ذا الحاجة، وإذا صلَّى أحدُكُم وحْدَه فلْيُصَلِّ\n_________\n(^١) البخاري (٧٠٤)، ومسلم (٤٦٦).\n(^٢) حديث (٩٠).\n(^٣) ض: «الكبير والصغير».\n(^٤) البخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧).\n(^٥) «بين ثديي» ليست في س.\n(^٦) «فإن فيهم .. الضعيف» سقطت من هـ.","vol":"1","page":315},{"text":"كيف شاء». رواه مسلم (^١). وفي روايةٍ: «إذا أَمَمْتَ قومًا فأخِفَّ (^٢) بهم الصَّلاة» (^٣).\nوقال أنس بن مالكٍ: «كان النَّبيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلاة ويكملها». وفي لفظٍ: «يُوجِز ويُتِمُّ». متَّفقٌ عليه (^٤).\nوقال أنس أيضًا «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاةً، ولا أتمَّ من صلاة رسول الله ﷺ، وإن كان ليَسْمَعُ بكاء الصَّبيِّ فيُخَفِّف؛ مخافة أنْ تُفْتَن (^٥) أُمُّه». متَّفق عليه، وسياقه للبخاري (^٦).\nوعن عثمان بن أبي العاص أنَّه قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: «أنت إمامهم، فاقتد بأضْعَفِهم، واتَّخذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا». رواه الإمام أحمد (^٧)، وأهل السُّنن (^٨).\n_________\n(^١) حديث (٤٦٨).\n(^٢) ض: «فخفف».\n(^٣) رواها مسلم أيضًا (٤٦٨).\n(^٤) البخاري (٧٠٦)، مسلم (٤٦٩). اللَّفظ الأوَّل للبخاري، والثاني بنحوه لمسلمٍ.\n(^٥) ض وس: «تفتتن».\n(^٦) تقدم تخريجه (ص/٢٩٠).\n(^٧) المسند (٤/ ٢١).\n(^٨) أبوداود (٥٣١)، والنسائي (٦٧٢). وأخرجه ابن خزيمة (٤٢٣)، والحاكم (١/ ٣١٤) وقال: «على شرط مسلمٍ»، من طرقٍ عن الجريري عن أبي العلاء عن مطرِّف ابن عبد الله عن عثمان بن أبي العاص ﵁ به. وقد صحَّحه … =","vol":"1","page":316},{"text":"ورواه أبوداود في «سُنَنه» (^١)، من حديث الجُرَيْري (^٢) عن السَّعدي عن أبيه أوعمِّه قال: «رَمَقْتُ النَّبيَّ ﷺ في صلاته، فكان يتمكَّن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثًا». ورواه أحمد أيضًا في «مسنده» (^٣).\nوروى أبوداود في «سننه» (^٤)، من حديث ابن وهبٍ: أخبرني سعيد\n_________\n= … ابن خزيمة والحاكم، وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٣/ ٦٤): «إسناده جيِّدٌ».\nوأخرجه التِّرمذي (٢٠٩)، وابن ماجه (٧١٤) من طرقٍ عن أشعث بن سوَّار عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص ﵁ بنحوه. وفي إسناده: أشعث بن سوار الكندي، وقد ضعَّفوه. وقال الترمذي عقبه: «حسنٌ صحيحٌ». وصحَّحه الألباني بطرقه في الإرواء (١٤٩٢).\n(^١) حديث (٨٨٥). وأخرجه أحمد (٥/ ٢٧١) ولكن عنده: «عن أبيه عن عمِّه».\nوفي إسنادهما السَّعدي وأبوه وعمُّه، وهم مجاهيل، وبهم أعلَّ ابن القطَّان الفاسي الحديثَ في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٧٦)، وإنِ اندفعت مضرَّة جهالة الأب أوالعم لكونهما أوأحدهما صحابيًا فتبقى جهالة السَّعديِّ على حالها. وقد نقل المصنِّف كلام ابن القطَّان في حاشيته على سنن أبي داود (٣/ ١٤٠) مقرًّا له.\n(^٢) ض: «الحريري». تحريفٌ!\n(^٣) تقدم ذكره في تخريج الحديث آنفًا.\n(^٤) حديث (٤٩٠٤). وأخرجه الضِّياء في المختارة (٦/ ١٧٣) مصحِّحًا له.\nوقد ضعَّفه الألباني في الضَّعيفة (٣٤٦٨) ثم قال عن إسناده: «يحتمل التَّحسين». ثمَّ صحَّح الحديث في الصَّحيحة (٣١٢٤) لشواهده، ويُنْظَر تفصيله هناك.\nوسيأتي كلام المصنِّف عليه في الصَّفحة التَّالية.","vol":"1","page":317},{"text":"ابن عبد الرحمن (^١) بن أبي العمياء أنَّ سهل بن أبي أمامة حدَّثه: أنَّه دخل هو وأبوه على أنس بن مالكٍ بالمدينة، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تُشدِّدُوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم؛ فإنَّ قومًا شدَّدُوا على أنفسهم، فشدَّد الله عليهم (^٢)، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدِّيارات؛ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد/٢٧]». هذا الذي في رواية اللُّؤْلُؤي عن أبي داود.\nوفي رواية ابن داسة عنه: أنَّه دخل وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمن عمر بن عبد العزيز - وهو أمير المدينة - فإذا هو يصلِّي صلاةً خفيفةً، كأنَّها صلاة مسافر، أوقريبًا منها، فلمَّا سلَّم قال: يرحمك الله، أرأيْتَ هذه الصَّلاة، هي المكتوبة أوشيءٌ تنفَّلْتَ به؟ قال: إنَّها المكتوبة، وإنَّها لصلاة رسول الله ﷺ! كان يقول: «لا تُشَدِّدُوا على أنفسكم، فيُشَدَّد عليكم؛ فإنَّ قومًا شدَّدُوا على أنفسهم فشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدِّيار؛ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد/٢٧]». ثم غدا من الغد، فقال: ألا تركب؛ لتنظر وتعتبر؟ قال: نعم، فركبوا جميعًا، فإذا بدِيارٍ باد أهلها، وانقضوا وفنوا،\n_________\n(^١) س: «أبي وهب». ض: «سعد»، وليس فيه: «بن عبد الرحمن».\n(^٢) «فشدد الله عليهم» ليست في هـ وط.","vol":"1","page":318},{"text":"خاويةً على عروشها (^١). قال: أتعرف هذه الدِّيار؟ قال: ما أعْرَفَني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديارٍ (^٢) أهلكهم البغي والحسد. إنَّ الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدِّق ذلك أويكذِّبه، والعين تزني، والكفُّ والقَدَم والجَسَد واللِّسان (^٣)، والفَرْج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه».\nفأمَّا سهل بن أبي أمامة فقد وثَّقه يحيى بن معين وغيره (^٤)، وروى له مسلمٌ. وأمَّا ابن أبي العَمْياء فمِن (^٥) أهل بيت المقدس، وهو وإنْ جُهِلَت حاله فقد رواه أبوداود وسكَتَ عنه؛ وهذا يدلُّ على أنَّه حسنٌ عنده (^٦).\nقالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ الذي أنكره أنس من تغيير الصَّلاة هو شِدَّة تطويل الأئمَّة لها، وإلَّا تناقضت أحاديث أنس؛ ولهذا جمع بين الإيجاز والإتمام.\nوقوله: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ أخفَّ صلاة ولا أتمَّ من رسول الله ﷺ» ظاهرٌ في إنكاره التَّطويل. وقد جاء هذا مفسَّرًا عن أنس نفسه.\n_________\n(^١) ض: «على عرفها». تحريفٌ!\n(^٢) ض: «هذه ديار».\n(^٣) س: «والعين ترى والكف واللسان والقدم والجسد».\n(^٤) انظر: تهذيب الكمال للمزِّي (١٢/ ١٧٢).\n(^٥) ض: «فهو من».\n(^٦) نحو كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة في اقتضاء الصِّراط (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":319},{"text":"فروى النَّسائي (^١)، من حديث العطَّاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالكٍ، فقال: (^٢) أصلَّيْتُم؟ فقلنا: نعم. قال: «يا جارية هلمِّي لي وَضُوءًا، ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أشبه (^٣) بصلاة رسول الله ﷺ مِنْ إمامكم هذا». قال زيدٌ: «وكان عمر بن عبد العزيز يتمُّ الركوع والسُّجود، ويخفِّف القِيَام والقُعُود (^٤)». وهو حديثٌ صحيحٌ.\nوقد صرَّح بذلك (^٥) عمران بن الحصين لمَّا صلَّى خلف عليٍّ بالبصرة، قال عمران: «لقد ذكَّرني هذا صلاةَ رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) حديث (٩٨١). وأخرجه أحمد (٣/ ٢٢٥)، وأبويعلى (٣٦٦٩)، وغيرهما، من طريق العطَّاف به. وقال ابن تيميَّة في الاقتضاء (١/ ٢٦٨): «وهذا حديث صحيحٌ، فإنَّ العطَّاف بن خالد المخزومي قال فيه يحيى بن معين غير مرَّةٍ: هو ثقةٌ، وقال أحمد بن حنبل: هو من أهل مكة، ثقةٌ صحيح الحديث، روي عنه نحو مائة حديث، وقال ابن عدي: يروي قريبًا من مائة حديثٍ، ولم أر بحديثه بأسًا إذا حدَّث عنه ثقة».\nوتُنْظَر ترجمة العطَّاف في: تهذيب الكمال للمزِّي (٢٠/ ١٣٨).\nوقد تقدَّم للحديث شاهد (ص/٢٩١ - ٢٩٢).\n(^٢) «فقال» سقطت من هـ.\n(^٣) ض: «ما صليت صلاة أشبه».\n(^٤) ض: «وتخفيف». وليس فيه ولا في س: «والقعود».\n(^٥) هـ وط: «به».","vol":"1","page":320},{"text":"وكانت (^١) صلاة النَّبيِّ ﷺ معتدلة، كان يخفِّف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسُّجود». وهو حديثٌ صحيحٌ (^٢).\nوفي «الصَّحِيحَين» (^٣)، عن جابر بن عبد الله: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لمعاذٍ - لمَّا طوَّل بقومه في عشاء الآخرة ـ: «أفتَّانٌ أنت (^٤)؟»، أو قال: «أفاتنٌ أنت؟، ثلاث مرات؛ فلولا صلَّيْتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]؛ فإنَّه يُصَلِّي وراءك الكبير والضَّعيف وذو الحاجة (^٥)».\nوعن معاذ بن عبد الله الجهني: أنَّ رجلًا من جُهَينة أخبره: «أنَّه سمع النَّبيَّ (^٦) ﷺ يقرأ في الصُّبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة/١] في الركعتين كلتيهما، فلا أدري نسي (^٧) رسول الله ﷺ، أم قَرَأ ذلك عمدًا».\n_________\n(^١) هـ وط: «وكان».\n(^٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه البخاري (٨٢٦)، ومسلم (٣٩٣) وغيرهما، بلفظ «كان إذا سجد كبَّر، وإذا رفع رأسه كبَّر، وإذا نهض من الركعتين كبَّر» وليس فيه: «وكانت صلاة النبي ﷺ معتدلة … الخ».\n(^٣) البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥).\n(^٤) س زيادة: «يا معاذ».\n(^٥) هـ وط: «وذا الحاجة»، وزيادة: «والصغير».\n(^٦) هـ وط: «رسول الله».\n(^٧) ط: «سها». وفي سنن أبي دواد المطبوع: «أنسي».","vol":"1","page":321},{"text":"رواه أبوداود (^١).\nوفي «صحيح مسلمٍ» (^٢) عن عمرو بن حريث: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقرأ في الفجر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (^٣)﴾ [اللَّيل/١].\nوعن عقبة بن عامر قال: «كنتُ أقود برسول الله ﷺ ناقته، فقال لي: أَلَا أعلِّمُك سورتين لم يُقْرَأ بمثلهما؟ قلت: بلى، فعلَّمَنِي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، فلم يَرَني أُعْجِبْتُ (^٤) بهما، فلمَّا نزل للصُّبح قرأ بهما، ثم قال: كيف رأيت يا (^٥) عقبة؟» (^٦).\nوفي لفظٍ (^٧): «أَلَا أُعَلِّمُك خير سورتين قُرِئَتَا (^٨)؟» قلتُ: بلى.\n_________\n(^١) حديث (٨١٦). وأخرجه من طريقه البيهقي (٢/ ٣٩٠) عن أحمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن معاذ بن عبد الله الجهني ﵁ به. إسناده حسنٌ؛ فابن أبي هلال ومعاذ الجهني لا بأس بهما، وبقيَّة رجاله ثقاتٌ. قال الحافظ في نتائج الأفكار (١/ ٤٣٥): «رجاله موثقون».\n(^٢) حديث (٤٥٦).\n(^٣) س: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾!\n(^٤) ض وهـ وط: «أعجب». وفي رواية أبي داود: «سررت».\n(^٥) ط: «أيا».\n(^٦) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٩). وسيأتي تخريجه.\n(^٧) هـ وط: «وفي روايةٍ».\n(^٨) ط: «قرييا».","vol":"1","page":322},{"text":"قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فلمَّا نَزَل ﷺ صلَّى بهما صلاة (^١) الغداة. قال: «كيف ترى يا عقبة؟». رواه الإمام أحمد، وأبو داود (^٢).\n_________\n(^١) «صلاة» ليست في هـ وط.\n(^٢) المسند (٤/ ١٤٩، ١٥٣)، سنن أبي داود (١٤٦٢)، وقد أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٥٣٥)، والحاكم (١/ ٣٦٦) وغيرهم، كلُّهم من طريق معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن مولى معاوية عن عقبة بن عامر ﵁ به.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٤٤)، وابن خزيمة (٥٣٤)، والنسائي (٥٤٣٧)، من طرقٍ عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم بن عبد الرحمن بمعناه.\nوأخرجه ابن خزيمة (٥٣٦)، والنسائي (٥٤٣٤)، من طرقٍ عن سفيان عن معاوية ابن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عقبة بمعناه.\nقال ابن خزيمة (١/ ٢٦٨): «أصحابنا يقولون: الثَّوري أخطأ في هذا الحديث، وأنا أقول غير مستنكرٍ: لِسُفْيَانَ أنْ يروِيَ هذا عن معاوية وعن غيره».\nوللحديث طرقٌ أخرى بألفاظ متقاربةٍ وزيادات في بعضها دون بعض، يُنْظَر فيها: الصحيحة للألباني (٣٤٩٩).\n\nوأصله عند مسلم (٨١٤) من طريق قيس بن أبي حازم عن عقبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألم تَرَ آياتٍ أنزلت اللَّيلة لم يُرَ مثلُهُنَّ قطُّ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾». هكذا مختصرًا دون ذكر قراءته ﷺ بهما في صلاته.","vol":"1","page":323},{"text":"وفي «مسند الإمام أحمد» (^١)، و«سُنن النَّسائي» (^٢)، من حديث عمار بن ياسر أنَّه صلَّى صلاةً (^٣) فأوجز فيها، فأنكروا ذلك (^٤)، فقال: ألم أُتِمَّ الركوع والسجود؟ قالوا: بلى. قال: «أَمَا إنِّي دعوتُ فيها بدعاءٍ، كان رسول الله ﷺ يدعو به: اللَّهُمَّ بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحْيِنِي ما علِمْتَ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرِّضا، والقصد في الفقر والغِنى، ولذَّة النَّظَر إلى وجهك، والشَّوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضرَّاء مُضِرَّة، ومن فتنة مُضِلَّة، اللَّهُمَّ زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين».\n_________\n(^١) (٤/ ٢٦٤).\n(^٢) (١٣٠٥). أمَّا حديث النَّسائي فأخرجه أيضًا ابن خزيمة في التَّوحيد (١/ ٢٩)، ومن طريقه ابن حبَّان (١٩٧١)، والحاكم (١/ ٧٠٥) من طرقٍ عن حماد بن زيد عن عطاء بن السَّائب عن أبيه عن عمَّار به. وعطاء قد اختلط؛ ولكنَّ حمَّادًا سمع منه قبل الاختلاط، يُنْظَر: الكواكب النَّيِّرات لابن الكيَّال (ص/٣٢٤).\nوقد صحَّح الحديث ابن خزيمة وابن حبَّان، والحاكم فقال عقبه: «صحيح الإسناد».\nوقد تُوبِع السَّائب فيه أيضًا؛ فأخرجه النَّسائي (١٣٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٦٤) وغيرهما، من طريق شريك عن أبي هاشم الواسطي عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن عمَّار بنحوه.\n(^٣) ض: «الغدات» وليس فيه «صلاة»، س: «صلاة الغداة» ثم ضرب على الثانية.\n(^٤) ض وهـ وط: «فأنكروا عليه».","vol":"1","page":324},{"text":"قالوا: فأين هذه الأحاديث من أحاديث التَّطويل صِحَّةً وكثرةً وصراحةً. وحينئذٍ فيتعيَّن حملها على أنَّها كانت في أوَّل الإسْلام؛ لمَّا كان في المصلين قِلَّة، فلمَّا كثروا، وانتشرت رفعة (^١) الإسلام شُرِعَ التَّخفيف، وأُمِرَ به؛ لأنَّه أدْعَى إلى القبول (^٢) ومحبَّة العبادة، فيدخل فيها برغبةٍ، ويخرج (^٣) منها باشتياقٍ، ويبادر (^٤) بها الوَسْواس؛ فإنَّها متى طالت استولى الوَسْواس فيها على المصلِّي، فلا يفي ثواب إطالته بنقصان أجره.\nقالوا: وكيف يُقاس على رسول الله ﷺ غيرُه من الأئمَّة؟ من (^٥) محبَّة الصَّحابة له، والقيام خلفَه؛ وسماع (^٦) صوته بالقرآن غَضًّا كما أُنْزِل، وشِدَّة رغبة القوم في الدِّين، وإقبال قلوبهم على الله، وتفريغها له في العبادة، ولهذا قال: «إنَّ منكم منفِّرين»، ولم يكونوا يَنْفِرُون من طول صلاته ﷺ (^٧)، فالذي كان يحصل للصَّحابة خلفه في الصَّلاة كان\n_________\n(^١) هـ: «رفقة»، ط: «تشرف رفعة». ولعلَّ المعنى المناسب لقوله: «انتشرت رفعة الإسلام» يعني: انتشر أمر ارتفاعه وعلوِّه. والعبارة المشهورة في مثل هذا التَّعبير: «رقعة الإسلام»، يعني: قاعدته وتوسُّعه.\n(^٢) س: «داعي». ض: «أدعى القول» تحريف!\n(^٣) «إلى القبول .. ويخرج» سقطت من س.\n(^٤) هـ: «ولا يبادر»، ط: «وينادر» تحريفٌ!\n(^٥) س: «في».\n(^٦) هـ: «فاستماع»، ط: «فالسماع».\n(^٧) «غضًا كما .. صلاته ﷺ» سقطت من ض.","vol":"1","page":325},{"text":"يحملهم (^١) على أنْ يَرَوا صلاته وإنْ طالت= خفيفةً على قلوبهم وأبدانهم؛ فإنَّ الإمام يحمل (^٢) المأمومين بقلبه، وخشوعه، وصوته، وحاله. فإذا عَرِيَ من ذلك كلِّه كان كَلًّا على المأمومين، وثِقَلًا عليهم؛ فليخفِّف من ثقله عليهم ما أمكنه؛ لئلَّا يُبَغِّضهم الصِّلاةَ (^٣).\nوقد ذَمَّ رسول الله ﷺ الخوارج بشدَّة تنطُّعهم في الدِّين (^٤)، وتشدُّدهم في العبادة، بقوله: «يحقِرُ أحدُكم صلاته مع صلاتهم (^٥)، وصيامه مع صيامهم» (^٦). ومَدَح الرِّفق وأهله، وأخبر عن محبَّة الله له، وأنَّه يعطي عليه ما لا يعطي على العُنْف (^٧)، وقال: «لن يشادَّ الدِّين أحدٌ إلَّا غَلَبَه» (^٨)، وقال: «إنَّ هذا الدِّين متينٌ، فأوغلوا فيه برفقٍ (^٩)» (^١٠).\n_________\n(^١) ض: «كان عملهم». تحريفٌ!\n(^٢) ط: «محمل». تحريفٌ!\n(^٣) س: «للصلاة».\n(^٤) هـ وط: «لشدة». و«في الدين» ليست في ض وس.\n(^٥) «مع صلاتهم» ليست في س. ط: «صلواتهم».\n(^٦) أخرجه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤) من حيث أبي سعيد الخدري.\n(^٧) س: «عنف».\n(^٨) أخرجه البخاري (٣٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٩) س: «رفق».\n(^١٠) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه (٣/ ١٩٩) قال: وجدُّت في كتاب أبي بخطِّ يده، ومن طريقه الضِّياء في المختارة (٦/ ١٢٠) قال: حدثنا زيد بن … =","vol":"1","page":326},{"text":"فالدِّين كلُّه في الاقتصاد في السَّبيل والسُّنَّة، والله تعالى يحبُّ ما داوم عليه العبد من الأعمال، والصَّلاةُ القصْدُ هي التي يمكن المداومة عليها، دون المتجاوزة في الطُّول.\nفصْلٌ\nقال المكمِّلُون للصَّلاة: أهلًا وسهلًا بكُلِّ ما جاء عن رسول الله ﷺ، فعلى الرأس والعينين، وهل نُدَنْدِنُ إلَّا حول الاقتداء به، ومتابعة هدْيِهِ\n_________\n= … الحباب قال عن عمرو بن حمزة عن خلف بن مهران أبي الربيع عن أنس ﵁ به مرفوعًا.\nوفي إسناده: «عمرو بن حمزة» وهو ضعيفٌ، ضعَّفه الدَّارقطني، وقال ابن عديٍّ: عامَّة ما يرويه غير محفوظ، وقال البخاري: لا يُتابع على حديثه. ينظر: الميزان للذهبي (٣/ ٢٥٥).\nوقد أسنده حنبلٌ عن أحمد مثله - كما في المنتخب من العِلل للخلَّال (ص/٩٠) - ثمَّ قال: «حدَّث به أبو عبد الله، ثم تركه، وقال: هو منكرٌ». قلتُ: فلعلَّه من الأحاديث التي أمر أحمد بمحوها من مسنده.\nوقد رُوِيَ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن حديث ابن المنكدر مرَّة عن جابرٍ، ومرَّةً عن عائشةَ ﵃، ومرَّةً مرسلًا، وهو الأصحُّ، كما قال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٠٢).\nقال الدَّارقطني بعد أن ذكر طرفًا من طرق الحديث: «وليس فيها حديثٌ ثابتٌ». كما في العلل المتناهية لابن الجوزي (٢/ ٨٢٢). وانظر تفصيل طرق الحديث وتخريجها في تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط للمسند (١٣٠٥٢).","vol":"1","page":327},{"text":"وسُنَّته، ولا نضرب سُنَّته بعضها ببعضٍ، ولا نأخذ منها ما سهل، ونترك منها ما شقَّ علينا؛ لكسلٍ وضعف عزيمةٍ واشتغالٍ بدنيا قد ملأت القلوب، ومَلَكَت الجوارح، وقرَّت بها العيون، بدل قُرَّتِها (^١) بالصَّلاة.\nفصارت أحاديث الرُّخصة في حقِّها شُبْهةً صادَفَت شهوةً، وفتورًا في العزم، وقِلَّة رغبةٍ في بذل الجهد في النَّصيحة في الخدمة، واستسهلت (^٢) حقَّ الله تعالى.\nوجعلت (^٣) كرمه وغناه من أعظم شبهاتها في التَّفريط فيه، وإضاعته، وفعله بالهوينا (^٤) تحلَّة القَسَم، ولهجت بقولها: ما استقصى كريمٌ حقَّه قطُّ، وبقولها: حقُّ الله مبنيٌّ على المسامحة والمساهلة والعفو، وحقُّ العباد مبنيٌّ على الشُّحِّ والضِّيق والاستقصاء.\nفقامت في خدمة المخلوقين؛ كأنَّها على الفرش الوثيرة، والمراكب الهنيَّة (^٥)، وقامت في حقِّ خدمة ربِّها وفاطرها كأنَّها على الجمر المُحْرِق، تعطيه الفضلة (^٦) من قواها وزمانها، وتستوفي لأنفسها كمال الحظِّ.\n_________\n(^١) س: «قررها».\n(^٢) ط: «واستهلت».\n(^٣) هـ: «رجعت».\n(^٤) هـ: «بالهويئا».\n(^٥) ط: «الهينة».\n(^٦) هـ وط: «يعطيه». ض: «بعطيه الفضيلة».","vol":"1","page":328},{"text":"ولم تحفظ (^١) من السُّنَّة إلَّا «أفتَّان أنت يا معاذ؟» (^٢)، و«أيُّها النَّاس إنَّ منكم منفِّرين» (^٣)! ووَضَعَت (^٤) الحديث على غير موضعه، ولم تتأمَّل ما قبله وما بعده.\nومن لم تكن (^٥) قُرَّةُ عيْنِهِ في الصَّلاة، ونعيمُه وسرورُه ولذَّتُه فيها، وحياةُ قلبه، وانشراحُ صدره= فإنَّه لا يناسبه إلَّا هذا الحديث وأمثاله، بل لا يناسبه إلَّا صلاة السُّرَّاق والنَّقَّارين، فنقر (^٦) الغراب أولى به من استفراغ وسْعِهِ في خدمة ربِّ الأرباب.\nوحديث: «أفتَّانٌ أنت يامعاذ»، الذي لم يفهمه، أولى به من حديث: «كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدُنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضَّأ، ثم يُدْرِك رسولَ الله ﷺ في الركعة الأولى» (^٧)!\nوحديث صلاته ﷺ الصُّبح بالمعوِّذَتَيْن (^٨)، وكان هذا في السَّفر،\n_________\n(^١) هـ وط: «يحفظ».\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/٤).\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/٣١٤ - ٣١٥).\n(^٤) هـ وط: «ووضعه».\n(^٥) ض: «يكن».\n(^٦) هـ وط: «فنقرة».\n(^٧) تقدَّم تخريجه (ص/٣٠٥)، وأنَّه عند مسلمٍ.\n(^٨) تقدَّم تخريجه قريبًا من حديث عقبة بن عامر ﵁.","vol":"1","page":329},{"text":"أولى به من حديث صلاته في الحضر بمائة آية (^١) إلى ستِّين (^٢)!\nوحديث صلاته ﷺ المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، الذي انفرد ابن ماجه (^٣) بروايته، أولى به من الحديث الذي رواه البخاري في «صحيحه» (^٤): «أنَّ رسول الله ﷺ قرأ فيها\n_________\n(^١) «آية» ليست في س.\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٩)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٣) حديث (٨٣٣). وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧٧) وأبونعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٦٨)، كلهم من طريق أحمد بن بديل ثنا حفص بن غياث ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵁ به. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٤٨): «وظاهر إسناده الصِّحَّة، إلَّا أنَّه معلولٌ، قال الدَّارقطنيُّ: أخطأ فيه بعض رواته».\n\nيريد بذلك «أحمد بن بديل»، فهو صدوق صاحب أوهام، ولا يحتمل مثله التفرُّد، وقد تفرَّد برواية هذا الحديث، وعُدَّ ذلك من أوهامه. قال الحافظ ابن عدي في الكامل (١/ ١٨٦): «يروي عن حفص بن غياث وغيره مناكير». وهذا الحديث ممَّا أُنكِرَ عليه كما ذكر الحافظ المزي في تهذيب الكمال (١/ ٢٧١) في ترجمته، ثم نقل عن النَّضر بن محمَّد قال: «ذكرت هذا الحديث لأبي زُرْعَة يعني: الرازي، فقال: من حدَّثك به؟ قلت: ابن بديل، قال: شرٌّ له!». ثم نقل عن البرقاني قال: قال لنا الدَّارقطنيُّ: «تفرَّد به حفص بن غياث عن عبيد الله». قلت: كذا في تهذيب الكمال، والذي في تهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ١٧): «تفرَّد به أحمد عن حفص بن غياث». وينظر: فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٠ - ٣٢).\n(^٤) حديث (٧٦٤)، وقد تقدَّم (ص/٣٠٣).","vol":"1","page":330},{"text":"بطُولَى الطُّولَيَيْن»، وهي الأعراف.\nفهو يميل (^١) من السُّنَّة إلى ما يناسبه، ويأخذ منها بما يوافقه، ويتلطَّف إنْ أحسن (^٢) في تأويل ما يخالفه، ودفعه بالتي هي أحسن!\nونحن نبرأُ إلى الله من سلوك هذه الطَّريقة، ونسأله أنْ يعافينا ممَّا ابتلى به (^٣) أربابها، بل ندين الله (^٤) بكُلِّ ما صحَّ عن رسوله ﷺ، ولا نجعل بعضه لنا وبعضه علينا، فنُقِرُّ مالنا على ظاهره، ونتأوَّل ما علينا على خلاف ظاهره، بل الكُلُّ لنا، لا نفرِّق بين شيءٍ من سُنَنِه، بل نتلقَّاها كُلَّها بالقبول، ونقابلها بالسَّمع والطَّاعة، ونتبعها أين توجَّهت ركائبها (^٥)، وننزل معها أين نزلت مضاربها. فليس الشأن في الأخذ ببعض سُنَّة رسول الله ﷺ، وترك بعضها؛ بل الشأن في الأخذ (^٦) بجميعها، وتنزيل كُلِّ شيءٍ منها منزلته، ونضعه بموضعه.\nفنقول وبالله التَّوفيق: الإيجاز والتَّخفيف المأمور به، والتَّطويل المنهي عنه لا يمكن أنْ يُرْجَع فيه إلى عادة طائفةٍ، وأهل بلدٍ، وأهل\n_________\n(^١) س: «ميل». ض: «فهي تميل».\n(^٢) هـ وط: «لمن خشن».\n(^٣) «به» ليست في س.\n(^٤) ط: «لله».\n(^٥) س: «ركابها».\n(^٦) ض: «بالأخذ».","vol":"1","page":331},{"text":"مذهبٍ، ولا إلى شهوة المأمومين ورضاهم، ولا إلى اجتهاد الأئمَّة الذين يصلُّون بالناس، ورأيهم في ذلك؛ فإنَّ ذلك لا ينضبط، وتضطرب (^١) فيه الآراء والإرادات أعظم اضطراب، ويفسد وضع الصَّلاة، ويصير مقدارها تبعًا لشهوة النَّاس.\nومثل هذا لا تأتي به شريعةٌ؛ بل المرجع في ذلك والتَّحاكم إلى ما كان يفعله من شَرَع الصَّلاة للأمَّة (^٢)، وجاءهم بها من عند الله، وعلَّمهم حقوقها، وحدودها، وهيئاتها، وأركانها. وكان يصلِّي وراءَه الصغير، والكبير، والضعيف، وذو الحاجة (^٣)، ولم يكن بالمدينة إمامٌ غيره، صلوات الله وسلامه عليه.\nفالذي كان يفعله صلوات الله وسلامه عليه (^٤) هو الذي كان يأمر به؛ فإنَّه كان إذا أمر بأمرٍ كان (^٥) أوَّل الناس وأولاهم أخذًا به، وإذا نهى عن شيءٍ كان أحقَّ الناس وأولاهم بتركه؛ ولهذا قال شعيبٌ صلوات الله وسلامه عليه (^٦): ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود/٨٨].\n_________\n(^١) هـ وط: «ويضطرب».\n(^٢) ض: «للأيمة».\n(^٣) هـ وط: «الضَّعيف، والكبير، والصغير، وذو الحاجة».\n(^٤) هـ وط: «عليه وسلامه».\n(^٥) «كان» سقطت من ض.\n(^٦) «هو الذي كان .. وسلامه عليه» سقطت كلُّها من هـ وط.","vol":"1","page":332},{"text":"وقد سُئِل بعض أصحاب رسول الله ﷺ بعد موته عن صلاته؛ فأجابوا من سألهم بصلاته التي كان يصلِّيها حتى قَبَضَه الله.\nكما روى قَزَعة (^١) قال: رأيتُ أبا سعيدٍ الخدري وهو مكثورٌ عليه، فلمَّا تفرَّق الناس عنه قلتُ: إنِّي لا أسألك (^٢) عمَّا يسألك هؤلاء عنه؟ أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ (^٣)، فقال: مالَكَ في ذلك من خيرٍ (^٤)؟ فأعادها عليه، فقال: «كانت صلاة الظهر تُقَام، فينطلق أحدنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثُمَّ يأتي أهلَه، فيتوضَّأ، ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الرَّكعة الأولى؛ ممَّا يطوِّلها». رواه مسلم في «الصَّحيح» (^٥).\nوهذا يدلُّ على أنَّ الذي أنكره أبوسعيد، وأنس، وعمران بن حصين (^٦)، والبراء بن عازب= إنَّما هو حذف الصَّلاة، والاختصار فيها (^٧)، والاقتصار\n_________\n(^١) س وض: «أبوقزعة». والتَّصويب من صحيح مسلمٍ وغيره.\n\nوهو قزعة بن يحيى، ويقال: ابن الأسود، أبو الغادية البصري. تُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٣/ ٥٩٧).\n(^٢) ض: «ألا أسألك». س: «لأسألك». والتَّصويب من صحيح مسلمٍ وغيره.\n(^٣) «بعد موته … رسول الله ﷺ» سقطت كلها من هـ وط.\n(^٤) س: «خبر».\n(^٥) حديث (٤٥٤).\n(^٦) هـ وط: «الحصين».\n(^٧) س: «منها».","vol":"1","page":333},{"text":"على بعض (^١) ما كان رسول الله ﷺ يفعله.\nولهذا لمَّا صلَّى بهم أنسٌ قال: «إنِّي لا آلو أنْ أصلِّي بكم صلاة رسول الله ﷺ». قال ثابتٌ: «فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا انتصب قائمًا يقوم حتى يقول (^٢) القائل: قد أوْهَمَ، وإذا جلس بين السَّجدتين مَكَث (^٣) حتى يقول القائل: قد أوْهَمَ (^٤)» (^٥).\nفهذا ممَّا أنكره أنسٌ على الأئمَّة؛ حيث كانوا يقصرون هذين الرَّكنين، كما أنكر عليهم تقصير الركوع والسُّجود، وأخبر أنَّ أشبههم صلاةً برسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز، فحَزَرُوا تسبيحه في الركوع والسُّجُود عشرًا عشرًا. ومن المعلوم أنَّه لم يكن يسبِّحها هذًّا مسرعًا (^٦) من غير تدبُّرٍ! فحالهم (^٧) أجلُّ من ذلك.\nوقد بُلِيَ أنسٌ بِمَنْ وهَّمَه في ذلك، كما (^٨) بُلِي بمن وهَّمَه في\n_________\n(^١) «بعض» ليست في ض.\n(^٢) «يقول» سقطت من هـ.\n(^٣) س: «يمكث».\n(^٤) «وإذا جلس .. أوهم» سقطت من ض.\n(^٥) تقدَّم تخريجه بنحوه (ص/٢٩٢)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٦) هـ وط: «سرعًا».\n(^٧) س زيادة: «كان».\n(^٨) س: «كمن».","vol":"1","page":334},{"text":"روايته ترك رسول الله ﷺ في صلاته الجهر بـ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، وقالوا: كان صغيرًا يصلِّي وراء الصُّفوف، فلم يكن يسمع جهرهم بها.\nوكما بُلِيَ بِمَن وهَّمَه في إحرام رسول الله ﷺ بالحجِّ والعمرة معًا، وقالوا: كان بعيدًا منه، لا يسمع إحرامه، حتى قال لهم: «ما تعدُّونَنا إلَّا صبيانًا (^١)! كنت تحت بطن ناقة رسول الله ﷺ، فسمِعْتُه يُهِلُّ (^٢) بهما جميعًا» (^٣).\nوقَدِم رسول الله ﷺ المدينة ولأنسٍ عشر سنين، فخَدَمَه واختصَّ به، وكان يُعَدُّ من أهل بيته، وكان غلامًا كيِّسًا فَطِنًا، وتوفِّي رسول الله ﷺ وهو رجلٌ كاملٌ، له عشرون سنةً، ومع هذا كلِّه فيغلط على رسول الله ﷺ في قراءته، وقدر (^٤) صلاته، وكيفية إحرامه! ويستمرُّ غلَطُه على خلفائه الراشدين من بعده، ويستمرُّ على صلاته في مؤخر المسجد، حيث لا يسمع قراءة (^٥) أحدٍ منهم؟\n_________\n(^١) س: «يعدوننا ..». ط: «صبيا».\n(^٢) س: «هل».\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٣٢، ١٢٣٣) وغيره، وسياق مسلمٍ: عن بكر بن عبد الله المزني عن أنسٍ ﵁ قال: «سمعت النَّبيَّ ﷺ يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا». قال بكرٌ: فحدَّثْتُ بذلك ابن عمر فقال: لبَّى بالحجِّ وحده، فلقيتُ أنسًا فحدَّثْتُه بقول ابن عمر، فقال أنسٌ: ما تعدُّوننا إلَّا صبيانًا! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لبَّيك عمرةً وحجًّا».\n(^٤) «قراءته وقدر» ليست في ض.\n(^٥) ط: «قراة».","vol":"1","page":335},{"text":"وقد اتَّفق الصَّحابة ﵃ على أنَّ صلاة رسول الله ﷺ كانت معتدلةً، فكان ركوعه، ورفعه منه، وسجوده، ورفعه منه= مناسبًا لقيامه، فإذا كان يقرأ في الفجر بمائة آية إلى ستِّين آيةً فلا بُدَّ أنْ يكون ركوعُه وسجودُه مناسبًا لذلك؛ ولهذا قال البراء بن عازبٍ: «إنَّ ذلك كلَّه كان قريبًا من السَّواء» (^١).\nوقال عمران بن حصين: «كانت صلاة رسول الله ﷺ معتدلة» (^٢).\nوكذلك كان قيامه باللَّيل وصلاة الكسوف (^٣).\nوقال عبد الله بن عمر: «إنْ كان رسول الله ﷺ ليأمُرُنا بالتَّخفيف، وإنْ كان ليَؤُمُّنا (^٤) بالصَّافات». رواه الإمام أحمد (^٥)، والنَّسائي (^٦).\n_________\n(^١) تقدَّم بنحوه (ص/٢٩٤) وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٢) تقدَّم بنحوه (ص/٣٢١) وتقدم التنبيه على ما فيه.\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٧ - ٢٩٨).\n(^٤) هـ: «قيامنا».\n(^٥) المسند (٢/ ٢٦).\n(^٦) حديث (٨٢٦). وأخرجه ابن خزيمة (١٦٠٦)، وابن حبَّان (١٨١٧)، من طريق ابن أبي ذئب قال أخبرني الحارث بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر ﵄ به. وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان. وإسناده حسنٌ، رجاله كلُّهم ثقاتٌ، غير الحارث فلا بأس به. وتُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥/ ٢٥٥)، وميزان الاعتدال (٢/ ١٧٣).","vol":"1","page":336},{"text":"فهذا أمرُهُ، وهذا فعلُه المفسِّر له، لا ما يظنُّ الغالط المخطئُ، أنَّه كان يأمرهم بالتَّخفيف، ويفعل هو خلاف ما أَمَر به. وقد أمر - صلاة (^١) الله وسلامه عليه - الأئمَّة أنْ يصلُّوا بالنَّاس كما كان (^٢) يصلِّي بهم.\nففي «الصَّحِيحَين» (^٣) عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأَقَمْنَا (^٤) عنده عشرين ليلةً، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقنا أهلنا، فسَأَلَنا عمَّن تركنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلِّمُوهم، ومُرُوهم، فلْيُصلُّوا (^٥) صلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حين كذا، وإذا حَضَرَت الصَّلاة فليؤذِّن لكم أحدكم، وليؤمَّكم أكبرُكم، وصلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». والسِّياق للبُخاري.\nفهذا خطابٌ للأئمَّة قطعًا، وإنْ لم يختصَّ بهم. فإذا أَمَرَهم (^٦) أنْ يُصَلُّوا بصلاته، وأَمَرَهم بالتَّخفيف عُلِمَ بالضَّرورة أنَّ الذي كان يفعله هو الذي (^٧)\n_________\n(^١) س: «صلوات».\n(^٢) س زيادة: «هو». ض: «كما هو».\n(^٣) البخاري (٧٢٤٦) وفي مواضع كثيرةٍ أخصر من هذا السياق، ومسلم (٦٧٤).\n(^٤) س: «فأقاما».\n(^٥) هـ: «فلتصلوا».\n(^٦) س: «فأمرهم».\n(^٧) س: «والذي».","vol":"1","page":337},{"text":"أَمَرَ به.\nيوضِّحُ ذلك أنَّه ما من فعلٍ في الغالب إلَّا وقد يُسمَّى خفيفًا بالنِّسبة إلى ما هو أطول منه، ويُسمَّى طويلًا بالنِّسبة إلى ما هو أخفُّ منه، فلا حدَّ له في اللُّغة يُرْجَع فيه إليه (^١). وليس من الأفعال العُرْفِيَّة التي يُرْجَع فيها إلى العُرْف؛ كالحِرْزِ (^٢)، والقبض، وإحياء الموات (^٣).\nوالعبادات يُرْجَع (^٤) إلى الشَّارع، في مقاديرها، وصفاتها، وهيئاتها، كما يُرْجَع إليه في أصلها. فلو جاز الرُّجوع في ذلك إلى عُرف النَّاس وعوائدهم في مسمَّى التَّخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصَّلاة ومقاديرها اختلافًا متباينًا لا ينضبط.\nولهذا لمَّا فهم بعض من نكس الله قلبه أنَّ التَّخفيف المأمور به هو ما يمكن من التَّخفيف اعتقد أنَّ الصَّلاة كلَّما خُفِّفت (^٥) وأُوجِزَت كانت أفضل! فصار كثيرٌ (^٦) منهم يمرُّ فيها مرَّ السَّهم، ولا يزيد على «الله أكبر» في الركوع والسُّجود بسرعة، ويكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق\n_________\n(^١) «إليه» ليست في هـ.\n(^٢) س: «كالحرر» تحريفٌ!\n(^٣) ط: «الأموات» تحريفٌ!\n(^٤) ض: «ترجع». وكذا في الموضع التَّالي بعده قريبًا.\n(^٥) س وط: «خفت».\n(^٦) ط: «كثيرا».","vol":"1","page":338},{"text":"قراءته (^١)، وربَّما ظنَّ أنَّ الاقتصار على تسبيحةٍ واحدةٍ أفضل من ثلاثٍ!\nويُحْكَى عن بعض هؤلاء أنَّه رأى غلامًا له يطمئنُّ (^٢) في صلاته فضَرَبه، وقال: لو بَعَثك السُّلطان في شغلٍ أكنت تبطئُ في شغله مثل هذا الإبطاء!\nوهذا كلُّه تلاعبٌ بالصَّلاة، وتعطيلٌ لها، وخداعٌ من الشيطان، وخلافٌ لأمر الله ورسوله، حيث قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا (^٣) … الصَّلَاةَ﴾ [البقرة/٤٣]. فأَمَرَنا (^٤) بإقامتها، وهو الإتيان بها قائمةً، تامَّة القيام والركوع والسجود والأذكار.\nوقد علَّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلِّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصَّلاة لم يكن من أهل الفلاح (^٥). ويستحيل حصول (^٦) الخشوع مع العَجَلة والنَّقر قطعًا، بل لا يحصل الخشوع قطُّ إلَّا مع الطُّمأنينة، وكُلَّما زاد طمأنينةً ازداد (^٧) خشوعًا، وكُلَّما قَلَّ خشوعُه اشتدَّت (^٨) عَجَلَتُه حتى\n_________\n(^١) ض وط: «قراته».\n(^٢) ض: «بطي».\n(^٣) ض وهـ وط: ﴿أَقِيمُوا﴾ دون واوٍ.\n(^٤) س: «فأمر».\n(^٥) «في صلاته .. الفلاح» سقطت من ض.\n(^٦) «حصول» ليست في ض.\n(^٧) س: «زاد».\n(^٨) ط: «اشتد».","vol":"1","page":339},{"text":"تصير حركة بدنه (^١) بمنزلة العَبَث، الذي لا يصحبُهُ خشوعٌ ولا إقبالٌ على العبوديَّة، ولا معرفة حقيقة (^٢) العبوديَّة. والله سبحانه قد قال: ﴿أَقِيمُوا (^٣) الصَّلَاةَ﴾ [البقرة/٤٣]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة/٥٥]، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود/١١٤]، وقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النِّساء/١٠٣]، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النِّساء/١٦٢]. وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم/٤٠]، وقال لموسى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه/١٤]. فلن تكاد (^٤) تجد ذكر الصلاة في موضعٍ من التَّنزيل إلَّا مقرونًا بإقامتها.\nفالمصلُّون في الناس قليلٌ، ومقيمو (^٥) الصَّلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر ﵁: «الحاجُّ قليلٌ، والرَّكب كثير (^٦)» (^٧).\n_________\n(^١) هـ وط: «يديه».\n(^٢) س: «حقائق».\n(^٣) كذا في النُّسخ كلِّها، والآيات في كتاب الله في مثل هذا السِّياق مسبوقة بواو، كالآية السابق ذكرها قريبًا، وفي آية الأنعام [٨٢]: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.\n(^٤) ض: «يكاد».\n(^٥) هـ وط: «ومقيم».\n(^٦) س: «والراكب». هـ: «كثرة».\n(^٧) لم أره عن عمر، ولكن عند عبد الرزاق (٨٨٣٦) أن رجلًا قال عند ابن عمر: ما أكثر الحاج، فقال ابن عمر: «ما أقلهم».\nوأخرجه عبد الرزاق (٨٨٣٧) من حديث شريح العراقي قال: «الحاج قليل، والركبان كثير».\nوفي الإحياء للغزالي (١/ ٢٦٣) نحوه عن ابن عمر.","vol":"1","page":340},{"text":"فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على التَّرويح (^١) تحلَّة القَسَم، ويقولون: يكفينا (^٢) أدْنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به! ولو علم هؤلاء أنَّ الملائكة تصعد بصلاتهم؛ فتعرضها على الرَّبِّ ﷻ، بمنزلة الهدايا التي يتقرَّب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم.\nفليس مَنْ عَمَدَ إلى أفضل ما يقدر عليه، فيزيِّنُه ويحسِّنُه ما استطاع، ثم يتقرَّب به إلى من يرجوه ويخافه= كَمَنْ يعمد إلى أسْقَط ما (^٣) عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى مَنْ لا يقع عنده بموقع.\nوليس من كانت الصَّلاة ربيعًا لقلبه، وحياةً له وراحةً، وقرَّةً لعينه، وجلاءً لحزنه، وذهابًا لهمِّه وغمِّه، ومَفْزَعًا له يلجأ (^٤) إليه في نوائبه ونوازله= كمن هي سَحْتٌ (^٥) لقلبه، وقيدٌ لجوارحه، وتكليفٌ له، وثقلٌ عليه. فهي كبيرةٌ على هذا، وقرَّة عينٍ وراحةٌ لذلك. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا\n_________\n(^١) هـ وط: «الترويج».\n(^٢) س: «تكفينا».\n(^٣) س: «أسقاط». ض: «إلى ما أسقط».\n(^٤) هـ وط: «مضرعًا له»، وليس فيهما «يلجأ».\n(^٥) ط: «سخت». وفي هامشه: «سخت هو الشَّديد، يُقال: هذا حرٌّ سخت، يُستعمل في كلام العرب والعجم». انتهى. والسحت: العذاب والهلاك.","vol":"1","page":341},{"text":"بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة/٤٥ - ٤٦].\nفإنَّما كبرت على غير هؤلاء لخلوِّ (^١) قلوبهم من محبَّة الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوعِ له، وقِلَّة رغبتهم فيه؛ فإنَّ حضور العبد في الصَّلاة، وخشوعه فيها، وتكميله لها، واستفراغه وُسْعَه (^٢) في إقامتها، وإتمامها= على قدر رغبته في الله.\nقال الإمام أحمد في رواية مهنَّا بن يحيى: «إنَّما حظُّهُم من الإسلام (^٣) على قدر حظِّهم من الصَّلاة، ورغبتهم في الإسلام على قَدْر رغبتهم في الصَّلاة. فاعْرف نفسك يا عبد الله، واحْذَر أنْ تلقى الله ﷿ ولا قدر للإسلام عندك؛ فإنَّ قدْرَ الإسلام في قلبك كقدر الصَّلاة في قلبك» (^٤).\nوليس حظُّ القلب العامر بمحبَّة (^٥) الله وخشيته والرَّغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصَّلاة كحظِّ القلب الخالي الخراب من ذلك.\nفإذا وقف الاثنان (^٦) بين يدي الله في الصَّلاة، وقف هذا بقلبٍ\n_________\n(^١) ض: «على غيره ولا يخلو»، س: «يخلو فانهم»!\n(^٢) ط: «وسعيه».\n(^٣) س: «من الصلاة بعد الإسلام».\n(^٤) تُنْظَر رسالة الصلاة للإمام في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٣٥٤).\n(^٥) هـ وط: «لمحبة».\n(^٦) س: «الإنسان».","vol":"1","page":342},{"text":"مُخْبتٍ له (^١)، خاشعٍ له، قريبٍ (^٢) منه، سليمٍ من معارضات السُّوء، قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة، وسَطَع (^٣) فيه نور الإيمان، وكشف عنه حجاب النَّفس، ودخان الشَّهوات؛ فيرتع في رياض معاني القرآن، وخالط قلبَه بشاشةُ الإيمان بحقائق الأسماء والصِّفات، وعلوِّها، وجلالها (^٤)، وكمالها الأعظم، وتفرُّد الرَّب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله، فاجتمع همُّه (^٥) على الله، وقَرَّت (^٦) عينه به، وأحسَّ (^٧) بقُرْبِه من الله قربًا لا نظير له، ففرَّغ (^٨) قلبه له، وأقبل عليه بكلِّيَّتِه.\nوهذا الإقبال منه بين إقبالين من ربِّه؛ فإنَّه سبحانه أقبل عليه أوَّلًا، فانجذب قلبه إليه بإقباله، فلمَّا أقبل (^٩) على ربِّه حظي منه بإقبالٍ آخر أتمَّ من الإقبال (^١٠) الأوَّل.\n_________\n(^١) «له» ليست في هـ وط.\n(^٢) ض: «قرب».\n(^٣) ض وس: «ويسطع».\n(^٤) هـ وط: «وجمالها».\n(^٥) ض: «همته».\n(^٦) س: «وقرة».\n(^٧) هـ: «وأحسن».\n(^٨) هـ: «ففزع».\n(^٩) س: «فا تخذت النية إليه ..». ض: «قلبه يلي قباله ..». وكلمة: «أقبل» ليست في هـ.\n(^١٠) «الإقبال» ليست في هـ وط.","vol":"1","page":343},{"text":"وههنا أمرٌ عجيبٌ (^١)، يحصل لمن تفقَّه قلبه في معاني الأسماء والصِّفات (^٢)، وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه، بحيث يرى لكُلِّ (^٣) اسمٍ وصفةٍ موضعًا من صلاته، ومحلًّا منها.\nفإنَّه إذا انتصب قائمًا بين يَدَي الرَّب ﵎ شاهد بقلبه قيُّومِيَّته (^٤).\nوإذا قال: «الله أكبر» شاهد كبرياءه.\nفإذا قال: «سبحانك اللَّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك» شاهد بقلبه ربًّا منزَّهًا عن كُلِّ عيبٍ، سالمًا من كُلِّ نقصٍ، محمودًا بكُلِّ حمدٍ. فحَمْدُه يتضمَّنُ وصْفه بكُلِّ كمالٍ، وذلك يستلزم براءَتَه من كُلِّ نقصٍ، تبارك اسمه. فلا يُذْكَر على قليلٍ إلَّا كثَّره، ولا على خيرٍ إلَّا أنْمَاه وبارك فيه (^٥)، ولا على آفةٍ إلَّا أذهبها، ولا على شيطانٍ إلَّا ردَّه خاسئًا داحِرًا.\nوكمال الاسم من كمال مسمَّاه، فإذا كان هذا شأن اسمه الذي لا\n_________\n(^١) هـ: «وههنا عجيبة وعجاب». ط: «وههنا عجيبة عجائب».\n(^٢) ض وهـ وط: «معاني القرآن الأسماء ..».\n(^٣) هـ: «يرا الملك»!\n(^٤) هـ: «قيومته».\n(^٥) «فيه» ليست في هـ وط.","vol":"1","page":344},{"text":"يضرُّ معه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، فشأن المسمَّى أعْلى وأجلُّ.\nو«تعالى جدُّه» أي: ارتفعت عظمتُه، وجلَّت فوق كُلِّ عظمةٍ، وعلا شأنُه على كُلِّ شأنٍ، وقَهَر سلطانُه على كُلِّ سلطانٍ. فتعالى جدُّه أن يكون معه شريكٌ في ملكه وربوبيته، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمنو (^١) الجنِّ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن/٣]. فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق (^٢) الأسماء والصِّفات على قلب العارف بها، غير المعطِّل لحقائقها (^٣).\nفإذا قال: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم» فقد آوى إلى ركنه الشَّديد، واعتصم بحولِه وقوَّتِه من عدوِّه، الذي يريد أنْ يقطعه عن ربِّه، ويباعده عن قُرْبِه، ليكون أسوأ حالًا (^٤).\nفإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة/٢] وقف هنيئةً (^٥)\n_________\n(^١) هـ: «مؤمني». ط: «مؤمن».\n(^٢) هـ: «الكمالات ..». ض: «.. بحقائق».\n(^٣) س: «بحقائقها».\n(^٤) س: «من ربه .. ليكونا سواء»، و«حالا» من هـ وط.\n(^٥) هكذا في جميع النُّسخ، وفي س: «هنئة». وستتكرَّر هذه الكلمة كما أثبتُّه في مواضع تالية. قال النَّووي في شرح صحيح مسلمٍ (٥/ ٩٦): «قوله: «سكت هنيَّة» هي بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد الياء بغير همزة، وهي تصغير هَنَةٍ، أصلها هنوة، فلمَّا صُغِّرت صارت هُنَيْوَة، فاجتمعت واوٌ وياءٌ، وسُبِقت إحداهما … =","vol":"1","page":345},{"text":"يسيرةً، ينتظر جواب ربِّه له، بقوله: «حمدني عبدي». فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة/٣] انتظر الجواب بقوله: «أثْنى علَيَّ عبدي». فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة/٤] انتظر جوابه: «يمجِّدُني عبدي» (^١).\nفيا لذَّة قلبه، وقُرَّة عينه، وسرور نفسه بقول ربِّه: «عَبْدِي» ثلاث مرَّاتٍ. فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشَّهوات، وغيم النُّفُوس لاسْتُطِيرت (^٢) فرحًا وسرورًا بقول ربِّها وفاطرها ومعبودها: «حمدني عَبْدي»، و«أثنى عليَّ عَبْدي»، و«مجَّدَني عَبْدي». ثم يكون لقلبه مجالٌ في شهود هذه الأسماء الثَّلاثة، التي هي أصول الأسماء الحُسْنى، وهي: «الله»، و«الرَّب»، و«الرَّحمن».\n_________\n= … بالسُّكون، فوجب قلب الواو ياءً، فاجتمعت ياءان، فادغمت إحداهما في الأخرى، فصارت هُنَيَّة، ومن همزها فقد أخطأ، ورواه بعضهم: «هنيهَةً»، وهو صحيحٌ أيضًا».\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٩): «وهنيَّة بالنُّون بلفظ التَّصغير، وهو عند الأكثر بتشديد الياء. وذكر عياض والقُرطبي أنَّ أكثر رواة مسلمٍ قالوه بالهمزة .. قال غيره: لا يمنع ذلك إجازة الهمز؛ فقد تقلب الياء همزة، وقد وقع في رواية الكشميهني: «هنيهةً» بقلبها هاء، وهي رواية إسحاق والحميدي في مسنديهما».\n(^١) «فإذا قال: مالك .. عبدي» سقطت من هـ.\n(^٢) ض: «وغيم النعوس ..». هـ وط: «.. لاستطيره». س: «.. لاستطربت».","vol":"1","page":346},{"text":"فشاهَدَ قلبُه من ذكر اسم «الله» ﵎ إلهًا معبودًا موحَّدًا (^١) مخوفًا، لا يستحقُّ العبادة غيره، ولا تنبغي (^٢) إلَّا له، قد عَنَت له الوجوه، وخضعت له الموجودات (^٣)، وخشعت له الأصوات، ﴿تُسَبِّحُ (^٤) لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (^٥)﴾ [الإسراء/ ٤٤]، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم/٢٦].\nوكذلك خَلَق السَّموات والأرض وما بينهما، وخلق الجنَّ والإنس، والطَّير والوحش، والجنَّة والنَّار، وكذلك أرْسَل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشَّرائع، وألزم العباد الأمر (^٦) والنَّهي.\nوشاهد من ذكر (^٧) اسمه «ربِّ العالمين» قيُّومًا قام بنفسه، وقام به كل شيءٍ، فهو قائمٌ على كلِّ نفسٍ بخيرها وشرِّها، قد استوى على عرشه، وتفرَّد بتدبير ملكه (^٨). فالتَّدبير كلُّه بيَدَيْه (^٩)، ومصير الأمور كلِّها إليه،\n_________\n(^١) ض وهـ وط: «موجودا».\n(^٢) ض وهـ وط: «ينبغي».\n(^٣) ض وس: «الوجودات».\n(^٤) هـ وط: «يسبح».\n(^٥) ض زيادة: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.\n(^٦) س: «العبادة والأمر ..».\n(^٧) «ذكر» ليست في ض.\n(^٨) س: «مملكته».\n(^٩) س: «بيده».","vol":"1","page":347},{"text":"فمراسيم التَّدبير (^١) نازلة من عنده، على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتَّولية والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب، وإغاثة الملهوفين، وإجابة المضطرِّين، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي (^٢) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن/٢٩]، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقِّب لحكمه، ولا رادَّ لأمره، ولا مبدِّل لكلماته، تعرج الملائكة والرُّوح إليه، وتُعْرَض الأعمال أول النَّهار وآخره عليه؛ فيقدِّر المقادير، ويوقِّت لها (^٣) المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها، قائمًا بتدبير ذلك كلِّه وحفظه ومصالحه.\nثم يشهد عند ذكر اسم (^٤) «الرَّحمن» ﷻ ربًّا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان، متحبِّبًا إليهم بصُنُوف النِّعم، وسع كلَّ شيءٍ رحمة وعلمًا، وأوسع (^٥) كلَّ مخلوقٍ نعمةً وفضلًا. فوَسِعَت رحمتُه كلَّ شيءٍ، وسَعَت (^٦) نعمتُه إلى كلِّ حيٍّ.\nفبَلَغَت رحمتُهُ حيث بلغ علمُه؛ فاستوى على عرشه برحمته، وخلق\n_________\n(^١) هـ وط: «فمن أشيم التدبيرات»!\n(^٢) ﴿في﴾ سقطت من هـ.\n(^٣) «لها» ليست في هـ وط.\n(^٤) ض وس: «شهد ..». س: «.. اسمه».\n(^٥) هـ: «وواسع».\n(^٦) ض وهـ وط: «ووسعت».","vol":"1","page":348},{"text":"خلقه برحمته، وأنزل كتبه برحمته (^١)، وأرسل رسله برحمته، وشرع شرائعه برحمته، وخلق الجنَّة برحمته، والنَّار أيضًا برحمته؛ فإنَّها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنَّته، ويطهِّر بها أدران الموحِّدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته.\nفتأمَّل ما في أمره ونهيه، ووصاياه ومواعظه؛ من الرَّحمة البالغة، والنِّعمة السَّابغة، وما في حشو مخلوقاته (^٢) من الرَّحمة والنِّعمة. فالرحمة (^٣) هي السَّبب المتَّصل منه بعباده، كما أنَّ العبودية هي السَّبب المتَّصل به منهم (^٤)، فمِنهم إليه العبوديَّة، ومنه إليهم الرَّحمة.\nومن أخصِّ مشاهد هذا الاسم: شهود المصلِّي نصيبه من الرَّحمة، الذي أقامه بين يَدَي ربِّه، وأهَّلَه لعبوديته ومناجاته، وأعطاه (^٥) ومنع غيره، وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره، وذلك من رحمته (^٦) به.\nفإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة/٤] فهنا شهد المجد الذي لا\n_________\n(^١) «وأنزل كتبه برحمته» ليست في س.\n(^٢) ض وهـ وط: «وما في حشوها».\n(^٣) «فالرحمة» ليست في هـ.\n(^٤) «به» ليست في س. و«منهم» ليست في هـ وط.\n(^٥) ط: «وإعطاءه».\n(^٦) هـ: «الرحمة».","vol":"1","page":349},{"text":"يليق بسوى الملك الحقِّ المبين؛ فيشهد (^١) ملكًا قاهرًا، قد دانت له الخليقة، وعَنَت له الوجوه، وذلَّت لعظمته الجبابرة، وخضع لعِزَّته كلُّ عزيزٍ، فيشهد بقلبه:\nمَلِيكًا على عَرشِ السَّماء مُهَيْمِنًا (^٢) … لِعِزَّتِه تَعْنُو الوُجُوهُ وتسْجُدُ (^٣)\nوإذا لم يُعَطِّل (^٤) حقيقة صفة المُلْكِ أطْلَعَتْهُ على شهود حقائق الأسماء والصِّفات، التي تعطيلها تعطيلٌ لمُلْكِه وجحدٌ له؛ فإنَّ الملِكَ الحقَّ، التَّامَّ المُلْكِ لا يكون إلَّا حيًّا، قيُّومًا، سميعًا، بصيرًا، مُريدًا، قادِرًا، متكلِّمًا، آمِرًا، ناهيًا، مستويًا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي (^٥) مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحقُّ الرِّضا، ويثيبُه ويكْرِمُه ويُدْنِيه، ويغضب على من يستحقُّ الغضب، ويعاقبه ويهينُه ويقْصِيه؛ فيعذِّب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء (^٦)، ويقرِّب من يشاء، ويُقْصِي من يشاء، له دار عذابٍ (^٧) وهي\n_________\n(^١) س: «فشهد». وكذا الموضع التالي بعده.\n(^٢) ط: «ملكا ..». س: «مهيبًا».\n(^٣) البيت لأميَّة بن أبي الصَّلت، في ديوانه (ص/٣٤). وفيه: «مليكٌ .. مهيمنٌ».\n(^٤) هـ تكرر ذكر البيت ههنا. وفيه وض وط: «تعطل».\n(^٥) س: «قاضي».\n(^٦) «ويمنع من يشاء» ليست في ض وط.\n(^٧) ض وس: «عدل».","vol":"1","page":350},{"text":"النَّار، وله دار سعادة وهي الجنَّة.\nفمَنْ أبطل شيئًا من ذلك، أوجحده، أوأنكر حقيقته= فقد قدح في ملكه ﷾، ونفى عنه كماله وتمامه. وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره، فقد أنكر عموم ملكه وكماله، فيشهد المصلِّي مجد الرَّبِّ تعالى في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة/٤].\nفإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة /٤] ففيهما (^١) سِرُّ الخلق والأمر، والدُّنيا والآخرة، وهي متضمِّنة لأَجَلِّ الغايات، وأفضل الوسائل، فأجلُّ الغايات عبوديَّتُه (^٢)، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحقُّ العبادة إلَّا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلُّ الوسائل.\nوقد أنزل الله ﷾ مائة كتابٍ وأربعة كتبٍ (^٣)، جمع معانيها في أربعة كتبٍ (^٤)، وهي التَّوراة والإنجيل والقرآن والزَّبور، وجمع معانيها في القرآن، وجمع معانيه في المفصَّل، وجمع معانيه في\n_________\n(^١) هـ: «ففيها».\n(^٢) «وأفضل .. عبوديته» سقطت من س.\n(^٣) «كتب» ليست في هـ.\n(^٤) «كتب» ليست في هـ وط.","vol":"1","page":351},{"text":"الفاتحة، وجمع معانيها في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^١) [الفاتحة /٤].\nوقد اشتملت هذه الكلمة على نَوْعَي التَّوحيد، وهما توحيد الرُّبُوبية،\n_________\n(^١) يشير المصنِّف ﵀ بهذا إلى أثر الحسن البصري الذي أخرجه البيهقي في الشُّعب (٢٣٧١) عن الحسن قال: «أنزل الله ﷿ مائة وأربعة كتبٍ من السَّماء، أودع علومها أربعة منها، التَّوراة والإنجيل والزَّبور والفرقان، ثم أودع علوم التَّوراة والإنجيل والزَّبور الفرقان، ثم أودع علوم القرآن المفصَّل، ثم أودع علوم المفصَّل فاتحة الكتاب، فمن علم تفسيرها كان كمَنْ علم تفسير جميع كتب الله المنزلة».\nوليس فيه: «وجمع معانيها في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾».\nوقد جاء ذكر عدد الكتب المنزَّلة في حديث أبي ذر ﵁ الطويل في عدد الأنبياء قال: قلت: يا رسول الله كم كتاب أنزله الله؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب ..» الحديث بطوله. أخرجه ابن حبَّان في صحيحه (٣٦١) مصحَّحًا له،\nوأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ - ١٦٧) وغيرهما، من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسَّاني حدثنا أبي عن جدِّي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرٍّ ﵁ به. وفي إسناده إبراهيم بن هشام الغسَّاني، تفرَّد به، وقد كذَّبُوه. فقد كذَّبه أبوحاتم وأبوزرعة كما في الجرح والتَّعديل (٢/ ١٤٢). وقال الذَّهبي: «متروكٌ». ويُنْظَر: ميزان الاعتدال (١/ ٧٣)، (٤/ ٣٧٨).\n\nقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٧٠): «ولا شكَّ أنَّه قد تكلم فيه غير واحد من أئمَّة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث». وذكره المنذري في الترغيب (٣/ ١٣٢) وقال: «انفرد به إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، عن أبيه». وقد حسَّن الألباني الحديث في الصَّحيحة (٢٦٦٨).","vol":"1","page":352},{"text":"وتوحيد الإلهية، وتضمَّنَت التعبُّد باسم «الرَّبِّ» واسم «الله»، فهو يُعْبَد بألوهيَّته، ويُستَعان (^١) بربوبيَّته، ويهدي إلى الصِّراط المستقيم برحمته.\nفكان أول السُّورة ذكر اسمه «الله» و«الرَّبِّ» و«الرَّحمن» مطابقًا (^٢) لأَجَلِّ المطالبِ (^٣)؛ من عبادته وإعانته وهدايته. وهو المتفرِّد (^٤) بإعطاء ذلك كلِّه، لا يعين على عبادته سواه، ولا يهدي سواه.\nثم يشهد الدَّاعي بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة/٦] شدَّة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة، التي ليس هو إلى شيءٍ أشدّ فاقةً (^٥) وحاجةً منه إليها ألبتَّة؛ فإنَّه محتاجٌ (^٦) إليه في كُلِّ نَفَسٍ وطرفة عينٍ. وهذا المطلوب من هذا الدُّعاء لا يتمُّ إلَّا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه، وهي هداية التَّفصيل (^٧)، وخلق القدرة على الفعل، وإرادته وتكوينه وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه المرضيِّ المحبوب للرَّبِّ ﷾، وحفظه عليه من مفسداته حال فعله\n_________\n(^١) هـ: «متعبد .. ومستعان»، ط: «تعبد».\n(^٢) ض وهـ: «يتطابقا»، ط: «تتطابقا».\n(^٣) هـ وط: «الطالب».\n(^٤) س: «التفرد». ط: «المنفرد».\n(^٥) «وضرورته .. فاقة» سقطت من ض.\n(^٦) س: «يحتاج».\n(^٧) س: «الفصل»، ض: «التفضيل».","vol":"1","page":353},{"text":"وبعد (^١) فعله.\nولمَّا كان العبد مفتقرًا في كُلِّ (^٢) حالٍ إلى هذه الهداية، في جميع ما يأتيه ويذَرُهُ (^٣)، من أمورٍ قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج إلى التَّوبة منها. وأمورٍ هُدِي إلى أصلها دون تفصيلها، أو هُدِي إليها من وجهٍ دون وجهٍ، فهو يحتاج إلى تمام (^٤) الهداية فيها؛ ليزداد هُدًى. وأمورٍ هو يحتاج إلى أن يَحْصُل (^٥) له من الهداية فيها بالمستقبل (^٦) مثل ما حصل له في الماضي. وأمورٍ هو خالٍ عن اعتقادٍ فيها، فهو يحتاج إلى الهداية فيها. وأمورٍ لم يفعلها، فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية. وأمورٍ قد هُدِي إلى الاعتقاد الحقِّ والعمل الصَّواب فيها، فهو محتاجٌ (^٧) إلى الثَّبات عليها. إلى غير ذلك من أنواع الهدايات= فَرَضَ الله ﷾ عليه أنْ يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله، مرَّاتٍ متعدَّدةً في اليوم واللَّيلة (^٨).\n_________\n(^١) ض: «فعله وحال».\n(^٢) «كل» ليست في ض وهـ وط.\n(^٣) «في جميع» سقطت من ض. س: «ويدبره».\n(^٤) س: «محتاجٌ ..». هـ وط: «.. إتمام».\n(^٥) هـ وط: «تحصل».\n(^٦) هـ: «تاما لمستقبل».\n(^٧) هـ: «يحتاج».\n(^٨) يُنْظَر في أنواع الهداية أيضًا: بدائع الفوائد للمصنِّف (٢/ ٤٤٨ - ٤٥٠).","vol":"1","page":354},{"text":"ثم بيَّن أنَّ أهل هذه الهداية هم المختصُّون بنعمته (^١)، دون ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وهم (^٢) الذين عرفوا الحق ولم يتَّبعُوه، ودون ﴿الضَّالِّينَ﴾، وهم الذين عبدوا الله بغير علمٍ.\nفالطَّائفتان اشتركتا في القول على الله (^٣) في خلقه، وأمره، وأسمائه وصفاته بغير علمٍ. فسبيل المُنْعَمِ عليه مغايرةٌ لسبيل أهل الباطل كُلِّها علمًا وعملًا.\nفلمَّا فرغ من هذا الثَّناء والدُّعاء والتَّوحيد شرع له أنْ يطبع على ذلك بطابعٍ من التَّأمين، يكون كالخاتم له، وافق فيه ملائكة السَّماء. وهذا التَّأمين من زِينة (^٤) الصَّلاة، كرفع اليَدَيْن الذي هو زِينة الصَّلاة (^٥)، واتباع للسُّنَّة، وتعظيم أمر الله، وعبوديَّة لليَدَيْن (^٦)، وشعار الانتقال (^٧) من ركنٍ إلى ركنٍ.\nثم يأخذ في مناجاة ربِّه بكلامه، واستماعه من الإمام بالإنصات، وحضور القلب وشهوده.\n_________\n(^١) س: «بنعمه».\n(^٢) «هذه الهداية .. وهم» سقطت من هـ.\n(^٣) «على الله» سقطت من هـ وط.\n(^٤) س: «رتبة». وكذا في الموضع التَّالي بعده.\n(^٥) «كرفع .. الصلاة» ليست في ض.\n(^٦) س وض: «عبوديته». ط: «اليدين».\n(^٧) ض: «للانتقال».","vol":"1","page":355},{"text":"وأفضل أذكار الصَّلاة ذكر القيام، وأحسن هيئات المصلِّي هيئات (^١) القيام (^٢)؛ فخُصَّت بالحمد والثَّناء والمجد، وتلاوة كلام الربِّ ﷻ؛ ولهذا نُهِي عن قراءة القرآن في الركوع والسُّجود؛ لأنَّهما حالتا ذُلٍّ وخضوعٍ وتطامنٍ وانخفاضٍ؛ ولهذا شُرِع فيهما من الذِّكر ما يناسب هيئتهما (^٣)، فشُرِع للرَّاكع أنْ يذكر عظمة ربِّه في حال انخفاضه هو وتطامنه (^٤) وخضوعه، وأنَّه سبحانه يُوْصَف بوصف (^٥) عظمته عمَّا يضادُّ كبرياءه وجلاله (^٦) وعظمته.\nفأفضل ما يقول الرَّاكع على الإطلاق «سبحان ربي العظيم»؛ فإنَّ الله سبحانه أمر العِبَاد بذلك، وعيَّن المبلِّغَ عنه، السَّفِير بينه وبين عباده هذا المحلَّ لهذا الذِّكر، لمَّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة/٧٤]، قال: «اجعلوها في ركوعكم» (^٧).\nوأبطل كثيرٌ من أهل العِلْم صلاة من تركها عمدًا، وأوْجَبَ سجود\n_________\n(^١) ط: «هيئة المصلي هيئة».\n(^٢) بحث المصنف المفاضلة بين القيام والسجود في الزاد (١/ ٢٣٥ - ٢٣٧).\n(^٣) ط: «هيئتها».\n(^٤) هـ: «تطأمنه».\n(^٥) «يوصف» ليست في ض، «بوصف» ليست في س.\n(^٦) س: «جلالته».\n(^٧) تقدَّم تخريجه (ص/٢٧١).","vol":"1","page":356},{"text":"السَّهو على من سَهَا عنها. وهذا مذهب الإمام أحمد، ومن وافقه من أئمَّة الحديث والسُّنة (^١).\nوالأمر بذلك لا يقصر عن الأمر بالصَّلاة عليه ﷺ في التشهُّد الأخير، ووجوبه لا يقصُر عن وجوب مباشرة المصلَّى بالجبهة واليَدَين.\nوبالجملة: فسِرُّ الرُّكُوع تعظيم الرَّبِّ ﷻ بالقلب والقالب والقول؛ ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ: «أمَّا الرُّكوع فعظِّمُوا (^٢) فيه الرَّب» (^٣).\nفصْلٌ\nثم يرفع رأسه عائدًا إلى أكمل هيئاته (^٤)، وجعل شعار هذا الركن حمد الله والثَّناء عليه وتمجيده (^٥). فافتتح هذا الشِّعار بقول المصلِّي: «سمِعَ اللهُ لمَنْ حَمِدَه»، أي: سَمِعَ سَمْعَ قبولٍ وإجابةٍ.\nثم شفَع بقوله: «ربَّنا ولك الحمد، مِلءَ السَّموات والأرض، ومِلءَ\n_________\n(^١) والرِّواية الثَّانية عن الإمام أحمد أنَّها ليست واجبةً وعليها أكثر الفقهاء، ويُنْظَر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، والإنصاف للمرداوي (٣/ ٦٧٠).\n(^٢) ط: «فأعظموا».\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٧٩)، من حديث ابن عبَّاس ﵁.\n(^٤) هـ وط: «حديثه».\n(^٥) هـ وط: «وتحميده».","vol":"1","page":357},{"text":"ما بينهما، ومِلءَ ما شِئتَ من شيءٍ بعد (^١)».\nولا يهمل أمر هذه (^٢) الواو في قوله: «ربَّنا ولك الحمد»؛ فإنَّه قد نُدِب الأمر بها في «الصَّحيحَين» (^٣).\nوهي تجعل الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما؛ فإنَّ قوله: «ربَّنا» متضمِّنٌ (^٤) في المعنى: أنت الرَّبُّ والملك القيُّوم، الذي بيديه أَزِمَّة الأمور، وإليه مرجعها، فعطف على هذا المعنى المفهوم من قوله: «ربَّنا» قولَه: «ولك الحمد»، فتضمَّن ذلك معنى (^٥) قول الموحِّد: «له الملك وله الحمد».\nثمَّ أخبر عن شأن (^٦) هذا الحمد، وعظمته قدرًا وصفةً، فقال: «مِلءَ السَّموات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما بينهما، ومِلءَ ما شئتَ من شيءٍ بعد (^٧)». أي: قدر ملءِ العالِم العلوي والسُّفلي، والفضاء الذي بينهما.\n_________\n(^١) «بعد» من س.\n(^٢) هـ: «هذا».\n(^٣) البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١)، من حديث أنسٍ ﵁.\n(^٤) هـ: «يتضمن».\n(^٥) س: «بمعنى».\n(^٦) س: «بيان».\n(^٧) «بعد» من س.","vol":"1","page":358},{"text":"فهذا الحمد قد ملأ (^١) الخلق الموجود، وهو يملأ ما يخلقه الرَّبُّ ﵎ بعد ذلك ممَّا يشاؤه، فحمده قد ملأ كلَّ موجودٍ، وملأ ما سيوجد. فهذا أحسن التَّقديرَيْن.\nوقيل: «ما شئتَ من شيءٍ» وراء العالم؛ فيكون قوله: «بعد» للزَّمان على الأول، وللمكان على الثَّاني. ثمَّ أتْبَعَ ذلك بقوله (^٢): «أهلَ الثَّناء والمجْد»، فعاد الأمر بعد الرَّكعة إلى ما افتتح به الصَّلاة قبل الرَّكعة، من الحمد والثَّناء والمجد.\nثمَّ أتْبَعَ ذلك بقوله: «أحق ما قال العبد» تقريرًا لحمده وتمجيده والثَّناء عليه، وأنَّ ذلك أحق ما نَطَق به العبد، ثمَّ أتْبَع ذلك بالاعتراف بالعبوديَّة، وأنَّ ذلك حُكمٌ عامٌّ لجميع العبيد.\nثمَّ عقَّب ذلك بقوله: «لا مانع لما أعطيت، ولامعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَد». وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصَّلاة أيضًا. فيقوله في هذين الموضِعَين اعترافًا بتوحيده، وأنَّ (^٣) النِّعم كلَّها منه. وهذا يتضمَّن أمورًا:\n_________\n(^١) «الحمد قد ملأ» سقطت من س.\n(^٢) «بقوله» ليست في ض.\n(^٣) هـ: «فإن».","vol":"1","page":359},{"text":"أحدها: أنَّه المتفرِّد (^١) بالعطاء والمنع.\nالثَّاني: أنَّه إذا أعطى (^٢) لم يُطِق أحدٌ منع مَنْ أعطاه، وإذا مَنَع لم يُطِق أحدٌ (^٣) إعطاء من (^٤) مَنَعَه.\nالثَّالث: أنَّه لاينفع عنده، ولا يخلص من عذابه، ولا يُدْني من كرامته جُدُودُ بني آدم وحظوظُهم؛ من المُلْك، والرِّئاسة، والغنى، وطيب العَيش، وغير ذلك؛ إنَّما ينفعهم عنده التَّقرُّب إليه بطاعته، وإيثار مرضاته.\nثمَّ ختم ذلك بقوله: «اللَّهُمَّ اغسلني من خطايَاي بالماء والثَّلج والبَرَد»؛ كما افتتح به الرَّكعة في أول الاستفتاح، كما كان يختم الصَّلاة بالاستغفار. وكان الاستغفار في أوَّل الصَّلاة، ووسطها، وآخرها.\nفاشتمل هذا الرَّكن على أفضل الأذكار وأنفع الدُّعاء؛ من حمده، وتمجيده، والثَّناء عليه، والاعتراف له بالعبوديَّة والتَّوحيد، والتنصُّل (^٥) إليه من الذُّنوب والخطايا. فهو ذِكْرٌ مقصودٌ في ركنٍ مقصودٍ، ليس بدون\n_________\n(^١) ط: «المنفرد».\n(^٢) «الثاني .. أعطى» سقطت من هـ.\n(^٣) «منع .. أحد» سقطت من هـ.\n(^٤) س: «ما».\n(^٥) ض وهـ وط: «والتنضل».","vol":"1","page":360},{"text":"الركوع والسُّجود.\nفصْلٌ\nثمَّ يكبِّر ويخرُّ لله ساجدًا، غير رافعٍ يديه؛ لأنَّ اليدين تنحطَّان (^١) للسُّجود كما ينحطُّ الوجه، فهما تنحطَّان (^٢) لعبوديتهما، فأغْنَى ذلك عن رفعهما؛ ولذلك لم يُشْرَع رفعُهُما عند رفع الرَّأس من السُّجود؛ لأنَّهما يرفعان معه كما يوضعان معه (^٣). وشُرِع السُّجود على أكمل الهيئات (^٤) وأبلغِها في العبوديَّة، وأعمِّها لسائر الأعضاء؛ بحيث (^٥) يأخذ كلُّ جزءٍ من البَدَن بحظِّه من العبوديَّة.\nوالسُّجُود سِرُّ الصلاة، وركنها الأعظم، وخاتمة الركعة. وما قبله من الأركان كالمقدِّمات له، فهو شِبْهُ (^٦) طواف الزِّيارة في الحجِّ؛ فإنَّه مقصود الحجِّ، ومحلُّ الدُّخول على الله وزيارته، وما قبله كالمقدِّمات له؛ ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ (^٧). وأفضل\n_________\n(^١) ض وهـ وط: «ينحطان».\n(^٢) ض وس: «منحطان»، وهـ وط: «ينحطان».\n(^٣) ض: «منه». وجملة: «كما يوضعان معه» سقطت من س.\n(^٤) ط: «الهيئة».\n(^٥) «بحيث» ليست في ض.\n(^٦) س: «يشبه».\n(^٧) يشير إلى ما أخرجه مسلم (٤٨٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":361},{"text":"أحواله (^١) حالٌ يكون فيها أقرب إلى الله؛ ولهذا كان الدُّعاء في هذا (^٢) المحلِّ أقرب إلى الإجابة.\nولمَّا خلق الله سبحانه العبد من الأرض كان جديرًا بأنْ لا يخرج عن أصله؛ بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطَّبْع والنَّفس بالخروج عنه؛ فإنَّ العبد لو تُرِكَ وطبعه ودواعي نفسه لتَكَبَّرَ، وأَشِرَ، وخرج عن أصْله الذي خُلِق منه، ولوَثَب (^٣) على حقِّ ربِّه، من الكبرياء والعَظَمة، فنازعه إيَّاهما؛ فأُمِر بالسُّجود خضوعًا لعظمة ربِّه وفاطره، وخشوعًا (^٤) له، وتذلُّلًا بين يديه، وانكسارًا له.\nفيكون هذا الخشوع، والخضوع، والتذلُّل رادًّا له إلى (^٥) حكم العبوديَّة، ويتدارك به (^٦) ما حصل له من الهفوة والغفلة، والإعراض الذي خرج به عن أصله، فَيتَمَثَّل له (^٧) حقيقة التراب الذي خلق منه.\n_________\n(^١) هـ وط: «الأحوال له».\n(^٢) «هذا» ليست في ض.\n(^٣) س: «وتوثب».\n(^٤) «لعظمة .. وخشوعًا» سقطت من ض.\n(^٥) هـ وط: «ردا ..». س: «.. له في».\n(^٦) «به» ليست في ض وهـ وط.\n(^٧) ض وس: «فيمثل». و«له» سقطت من ض.","vol":"1","page":362},{"text":"وهو يضع أشرف شيءٍ منه وأعلاه - وهو الوجه - فيه (^١)، وقد صار أعلاه أسفله؛ خضوعًا بين يَدَي ربِّه الأعلى، وخشوعًا له، وتذلُّلًا لعظمته، واستكانةً لعِزَّته. وهذا غاية خشوع الظَّاهر.\nفإنَّ الله سبحانه خَلَقَه من الأرض التي هي مذلَّلةٌ للوطء (^٢) بالأقدام، واستعمره (^٣) فيها، وردَّه إليها، ووعده بالإخراج منها، فهي أُمُّه وأبوه وأصْلُه وفصْلُه، فضمَّته (^٤) حيًّا على ظهرها، وميِّتًا في بطنها، وجُعِلَت له طُهْرًا ومسجدًا، فأُمِر بالسُّجود؛ إذ هو غاية خشوع الظَّاهر، وأجمع العبوديَّة لسائر الأعضاء، فيُعَفِّر وجهه في التُّراب؛ استكانةً وتواضعًا وخضوعًا وإلقاءً باليدين. وقال مسروقٌ لسعيد بن جبير: «يا سعيد (^٥)، ما بقي شيءٌ يُرْغَب (^٦) فيه إلَّا أن نعفِّر وجوهنا في هذا التَّراب له» (^٧).\nوكان النَّبِيُّ ﷺ لا يتَّقي الأرض بوجهه قصدًا؛ بل إذا اتَّفَق له ذلك\n_________\n(^١) «فيه» ليست في هـ وط.\n(^٢) س: «للواطيء».\n(^٣) هـ وط: «واستعمله».\n(^٤) س: «تظمه».\n(^٥) «يا سعيد» ليست في هـ وط.\n(^٦) ض: «نرغب».\n(^٧) أخرجه أحمد في الزهد (ص/٣٤٩)، وهنَّاد في الزهد (١/ ٣١٢)، وأبونعيم في الحلية (٢/ ٩٦) وغيرهم، من طريق سفيان أويونس عن أبي إسحاق السَّبيعي عن سعيدٍ به.","vol":"1","page":363},{"text":"فَعَله؛ ولذلك سَجَد (^١) في الماء والطِّين (^٢). ولهذا كان (^٣) من كمال السُّجود الواجب أنْ (^٤) يسجد على الأعضاء السَّبعة: الوجه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين؛ فهذا فرضٌ أمر الله به رسولَه ﷺ، وبلَّغَه الرسول لأُمَّته.\nومن كماله الواجب أوالمستحبِّ: مباشرةُ مصلَّاه بأديم وجْهِه، واعتماده على الأرض؛ بحيث ينالها ثِقْل رأسه، وارتفاع أسافله على (^٥) أعاليه، فهذا من تمام السُّجود.\nومن كماله: أنْ يكون على هيئاتٍ (^٦)، يأخذ كلُّ عضوٍ من البَدَن بحظِّه من الخضوع؛ فيقل بطنه عن فخِذَيه، وفخِذَيه عن ساقَيه، ويجافي عضدَيه عن جنْبَيه، ولا يفرشهما على الأرض؛ ليستقلَّ كلُّ عضوٍ منه بالعبوديَّة. ولذلك إذا رأى الشَّيطان ابن آدم ساجدًا لله اعتزل ناحيةً يبكي،\n_________\n(^١) ض وس: «وكذلك ..». ض: «.. يسجد».\n(^٢) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٢٠١٦)، ومسلم (١١٦٧)، من حديث أبي سعيد ﵁.\n(^٣) «كان» ليست في ض.\n(^٤) ط: «أنه».\n(^٥) ط: «أسفاله». «على» ليست في س.\n(^٦) هـ وط: «هيئة».","vol":"1","page":364},{"text":"ويقول: «يا ويلَهُ، أُمِر ابن آدم بالسُّجود فسَجَد (^١) فله الجنَّة، وأُمِرتُ بالسُّجود فعَصَيتُ فلي النَّار» (^٢).\nولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرُّون سُجَّدًا عند سماع كلامه، وذمَّ من لا يقع ساجدًا عنده. ولذلك كان قول من أوْجَبَه قويًّا في الدَّليل.\nولمَّا علِمَت السَّحَرة صِدْق موسى وكذب فرعون خَرُّوا سُجَّدًا (^٣) لربِّهم، فكانت تلك السَّجدة أول سعادتهم، وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السِّحر.\nولذلك أخبر سبحانه عن سُجُود جميع المخلوقات له؛ فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (^٤) مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (^٥)﴾ [النَّحل/٤٩ - ٥٠]. فأخبر عن إيمانهم بعلوِّه وفوقيَّته، وخضوعهم له بالسُّجود تعظيمًا (^٦) وإجلالًا.\n_________\n(^١) س زيادة: «له».\n(^٢) كما في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلمٍ (٨١).\n(^٣) س وهـ: «سجودا».\n(^٤) ض: ﴿والأرض﴾!\n(^٥) ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ من س.\n(^٦) «تعظيمًا» ليست في س.","vol":"1","page":365},{"text":"وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج/١٨]. فالذي حقَّ عليه العذاب (^١) هو الذي لا يَسْجُد له سبحانه، وهو الذي أهانه بترك السُّجود له، وأخبر أنَّه لا مُكْرِم له، وقد هان على ربِّه، حيث لم يسجد له.\nوقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد/١٥].\nولما كانت العبوديَّة غاية كمال الإنسان، وقُرْبُه من الله بحسب (^٢) نصيبه من عبوديَّته (^٣)، وكانت الصَّلاة جامعةً لمتفرِّق العبوديَّة، متضمِّنةً لأقسامها= كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط\nمنه، وكان السُّجود أفضل أركانها الفِعليَّة، وسرَّها الذي شُرِعَت لأجله، وكان تكرُّره (^٤) في الصَّلاة أكثر من تكرُّر سائر الأركان، وجعله (^٥) خاتمة\n_________\n(^١) «العذاب» سقطت من ض وهـ.\n(^٢) «بحسب» سقطت من هـ.\n(^٣) ض زيادة: «غاية».\n(^٤) ط: «تكريره».\n(^٥) ض: «وجعل»، س: «وفعل».","vol":"1","page":366},{"text":"الركعة وغايتها، وشُرِع فعله بعد الرُّكوع؛ فإنَّ الركوع توطئةٌ له، ومقدِّمةٌ بين يَدَيه، وشُرِعَ فيه من الثَّناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد: «سبحان ربِّي الأعلى»، فهذا أفضل ما يُقَال فيه. ولم يَرِد عن النَّبِيِّ ﷺ أمره في السُّجود بغيره؛ حيث قال: «اجعلوها في سجودكم» (^١).\nومَن تَرَكَه عمدًا فصلاتُه باطلةٌ عند كثيرٍ من العُلماء، منهم الإمام أحمد وغيره (^٢)؛ لأنَّه لم يفعل ما أُمِر به.\nوكان وصْفُ الرَّبِّ بالعُلُوِّ (^٣) في هذه الحال في غاية المناسبة؛ لحال السَّاجد الذي قد انحطَّ إلى السُّفُل (^٤) على وجهه، فذكر علو ربِّه في حال سُفُولِه، وهو (^٥) كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه، ونزَّه ربَّه عمَّا لايليق به ممَّا يضادُّ عظمَتَه وعلوَّه.\nثم لمَّا شُرِعَ السُّجود بوصف التِّكرار لم يكن بُدٌّ من الفصل بين السَّجدتين، ففَصَل بينهما بركنٍ مقصودٍ، وشَرَع فيه من الدُّعاء ما يليق به ويناسبه، وهو سؤال العبد المغفرة والرَّحمة والهداية والعافية\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٢٧١).\n(^٢) والرِّواية الثَّانية عن الإمام أحمد أنَّها ليست واجبةً وعليها أكثر الفقهاء، ويُنْظَر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، والإنصاف للمرداوي (٣/ ٦٧٠).\n(^٣) س: «بالعلوي».\n(^٤) س: «بحال .. السفلى».\n(^٥) هـ وط: «سقوطه ..». و«هو» ليست في ض.","vol":"1","page":367},{"text":"والرزق (^١)؛ فإنَّ هذه تتضمَّن جلب خير الدُّنيا والآخرة، ودفعَ شَرِّ الدُّنيا والآخرة. فالرَّحمة تحصِّل الخير، والمغفرة تقي الشَّرَّ، والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق إعطاء ما به قِوَام البَدَن من الطَّعام والشَّراب، وما به قوام الرُّوح والقلب من العلم والإيمان.\nوجُعِل جلوس الفصْل محلًّا لهذا الدُّعاء لما تقدَّمه من حمد (^٢) الله والثَّناء عليه والخضوع له، فكان هذا (^٣) وسيلة للدَّاعي، ومقدِّمة بين يَدَي حاجته.\nفهذا الرُّكن مقصودٌ، والدُّعاء فيه مقصودٌ (^٤)، فهو ركنٌ وُضِع (^٥) للرَّغبة، وطلب العفو والمغفرة والرَّحمة؛ فإنَّ العبد لمَّا أتى بالقيام والحمد والثَّناء والمجد، ثم أتى بالخضوع وتنزيه الرَّبِّ وتعظيمه، ثم عاد إلى الحمد والثَّناء (^٦)، ثم كمَّل ذلك بغاية التذلُّل والخضوع\n_________\n(^١) يشير ﵀ إلى حديث ابن عباسٍ ﵁ الآتي في الذكر بين السَّجدتين.\n(^٢) هـ وط: «رحمة».\n(^٣) ض: «هداه».\n(^٤) «مقصود» الثانية ليست في ط. وفي هـ: «مقصود الدعاء فيه».\n(^٥) «وضع» سقطت من س.\n(^٦) س زيادة: «والمجد».","vol":"1","page":368},{"text":"والاستكانة= بقي (^١) سؤال حاجته واعتذاره وتنصُّلُه (^٢)؛ فشَرَع له أنْ يتمثَّل في الخدمة، فيقصد فعل العبد الذَّليل جاثيًا على ركبَتَيه، كهيئة (^٣) الملقي نفسه بين يَدَي سيِّده، راغبًا، راهبًا، معتذرًا إليه، مستعديًا (^٤) إليه على نفسه الأمَّارة بالسُّوء.\nثمَّ شَرَع له تكرار (^٥) هذه العبوديَّة مرَّةً بعد مرَّةٍ إلى إتمام الأربع، كما شَرَع له تكرير الذِّكر مرَّةً بعد مرَّةٍ (^٦)؛ لأنَّه أبلغ في حصول المقصود، وأدْعى إلى الاستكانة (^٧) والخضوع.\nفلمَّا أكمل ركوع الصَّلاة، وسجودها، وقراءتها، وتسبيحها، وتكبيرها شُرِعَ له أنْ يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشِّع المتذلِّل المستكين (^٨)، جاثيًا على ركبتيه.\nويأتي في هذه الجلسة بأكمل التَّحيَّات وأفضلها، عوضًا عن تحيَّة\n_________\n(^١) ض: «بغى».\n(^٢) ض وهـ وط: «وتنضله».\n(^٣) ض زيادة: «العبد».\n(^٤) هـ: «مستعيذا». ط: «مسعدا».\n(^٥) ط: «تكرر».\n(^٦) «إلى إتمام .. مرة» سقطت من ض.\n(^٧) س: «وأرعى ..». هـ: «.. استكانته».\n(^٨) هـ: «المتمسكن».","vol":"1","page":369},{"text":"المخلوق للمخلوق إذا واجَهَه أو دخل عليه. فإنَّ النَّاس يحيُّون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيَّات التي يتَحبَّبُون بها إلى قلوبهم (^١). فبعضهم يقول: أنعم صباحًا، وبعضهم يقول: لك البقاء والنِّعمة، وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك، وبعضهم يقول: تعيش (^٢) ألف عام، وبعضهم يسجد للملوك، وبعضهم يسلِّم. فتحيَّاتهم بينهم تتضمَّن ما يحبُّه المُحَيَّا من الأقوال والأفعال.\nوالمشركون يحيُّون أصنامهم. قال الحسن: «كان أهل الجاهليَّة يتمسَّحُون بأصنامهم، ويقولون: لك الحياة الدَّائمة؛ فلمَّا جاء الإسلام أُمِرُوا أن يجعلوا لله (^٣) أطيب تلك التَّحيَّات، وأزكاها، وأفضلها» (^٤).\nفـ «التحيَّات (^٥)» هي تحيَّةٌ من العبد للحيِّ الذي لا يموت، وهو سبحانه أولى بتلك التحيَّات من كُلِّ ما سواه؛ فإنَّها تتضمَّن الحياة والبقاء والدَّوام، ولا يستحقُّ أحدٌ هذه التحيَّات إلَّا الحيُّ الباقي الذي لا يموت، ولا يزول ملكُه.\n_________\n(^١) هـ وط: «يحيُّوْنَ بها قلوبهم».\n(^٢) هـ: «تعش».\n(^٣) «لله» من س.\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) هـ وط: «فالتحية».","vol":"1","page":370},{"text":"وكذلك قوله: «والصَّلوات»؛ فإنَّه لا يستحق أحدٌ الصَّلاة إلَّا الله ﷿، والصَّلاة (^١) لغيره من أعظم الكفر والشِّرك به.\nوكذلك قوله: «والطَّيِّبات»، هي صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ (^٢)؛ أي: الطَّيِّبات من الكلمات (^٣) والأفعال والصِّفات والأسماء لله وحده (^٤).\nفهو طيِّبٌ، وكلامه طيِّبٌ (^٥)، وأفعاله طيِّبةٌ، وصفاته أطيب شيءٍ، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه «الطَّيِّب»، ولا يصدر عنه إلَّا طيِّبٌ، ولا يصعد إليه إلَّا طيبٌّ، ولا يقرب منه إلَّا طيِّبٌ. فكلُّه طيِّبٌ، و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر/١٠]، وفعله طيِّبٌ، والعمل الطيِّب يعرج إليه.\nفالطيِّبات كلُّها له، ومضافةٌ (^٦) إليه، وصادرةٌ عنه، ومنتهيةٌ إليه. قال النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ الله طيِّبٌ لا (^٧) يقبل إلَّا طيِّبًا» (^٨). وفي حديث رقية\n_________\n(^١) ط: «والصلوات».\n(^٢) هـ: «صفته». ط: «.. الموصوف محذوف».\n(^٣) س: «من الكمال».\n(^٤) هـ: «والصفات وكذلك قوله والأسماء الله وحده»!\n(^٥) «وكلامه طيب» ليست في هـ وط.\n(^٦) هـ: «ومضاف».\n(^٧) ض: «ولا».\n(^٨) أخرجه مسلم (١٠١٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":371},{"text":"المريض، الذي رواه أبوداود وغيره (^١): «أنت ربُّ الطَّيِّبِين».\nولا يجاوِرُه من (^٢) عباده إلَّا الطيِّبُون؛ كما يُقال لأهل الجنَّة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر/٧٣].\nوقد حكم سبحانه - بشرعه (^٣) وقدره - أنَّ الطَّيبات للطَّيِّبين (^٤).\n_________\n(^١) حديث (٣٨٩٢). وأخرجه الحاكم (١/ ٤٩٤)، والنَّسائي في الكبرى (١٠٨٠٩)، كلُّهم من طرقٍ عن زيادة بن محمد الأنصاري عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدَّرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اشتكى منكم شيئًا أو اشتكاه أخٌ له، فلْيَقل ربنا الله الذي في السماء، تقدَّس اسمك، أمرك في السَّماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت ربُّ الطيِّبين، أنزل رحمةً من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ».\nوقد قال البخاري وابن حبَّان والنسائي عن زيادة الأنصاري: «منكر الحديث». وقال الذَّهبي في الميزان (٣/ ١٤٥) في ترجمة زيادة: «وقد انفرد بحديث الرقية».\nوقد أخرجه أحمد (٦/ ٢٠) من طريق أبي اليمان عن أبي بكر بن أبي مريم عن الأشياخ عن فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ بنحوه.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٨٠٧) من طريق منصور عن طلق بن حبيبٍ العنزي عن أبيه به. وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٨٠٨) من طريق يونس بن خباب عن طلق بن حبيب عن رجلٍ من أهل الشام عن أبيه به.\n\nوقد حسَّن الحديث ابن تيميَّة في «الواسطيَّة»، يُنْظَر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٣٩).\n(^٢) هـ وط: «يجاوزه عن».\n(^٣) هـ وط: «شرعه».\n(^٤) يشير إلى قوله ﷾ في الآية: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النُّور/٢٦].","vol":"1","page":372},{"text":"فإذا كان هو ــ سبحانه - الطَّيِّب على الإطلاق فالكلمات الطَّيِّبات، والأفعال الطَّيِّبات، والصِّفات الطَّيِّبات، والأسماء الطَّيِّبات= كلُّها له سبحانه، لا يستحِقُّها أحدٌ سواه، بل ما طاب شيءٌ قطُّ إلَّا بطيبه (^١) سبحانه، فطِيبُ كل ما سواه من آثار طيبه (^٢)، ولا تصلح هذه التحيَّةُ الطَّيِّبة إلَّا له.\nولمَّا كان السَّلام من أنواع التحيَّة، وكان المسلِّم داعيًا لمن يحيِّيه (^٣)، وكان الله سبحانه هو الذي يُطْلَبُ منه السَّلام، لا يُطْلَبُ له السَّلام - فإنَّه السَّلام، ومنه السَّلام ـ= شُرِع أنْ يُطْلَب منه السَّلام (^٤) لعباده الذين اختصَّهم بعبوديَّته، وارتضاهم لنفسه. وشرع أنْ يبدأ بأكرمهم (^٥) عليه، وأحبِّهم إليه، وأقربهم منه منزلةً في هذه التَّحيَّة.\nثم خُتِمَت هذه التحيَّة (^٦) بالشَّهادتين اللَّتَيْن هما مفتاح الإسلام، فشرع أنْ يكون خاتمة الصَّلاة. فدخل فيها بالتَّكبير والتَّحميد (^٧) والثَّناء\n_________\n(^١) ض وهـ وط: «بطيبته».\n(^٢) ض وهـ وط: «طيبته».\n(^٣) س: «راغبا به ..». ض: «.. لمن يحبه».\n(^٤) «لا يُطْلَبُ له .. منه السَّلام» من ض.\n(^٥) ض: «باكرامهم».\n(^٦) «ثم خُتِمَت هذه التَّحية» سقطت من هـ وط.\n(^٧) ض وهـ وط: «والحمد».","vol":"1","page":373},{"text":"والتَّمجيد (^١)، وتوحيد الرُّبوبيَّة والإلهيَّة، وختمها بشهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله.\nوشُرِعَت هذه التَّحيَّة في وسط الصَّلاة إذا (^٢) زادت على ركعتين، تشبيهًا (^٣) لها بجلسة الفصل بين السَّجدتين، فهي بين الرَّكعتين الأُوليَيْن والأُخْرَيَيْن كالجلوس بين السَّجدتين (^٤). وفيها مع الفصل راحة للمصلِّي؛ لاستقباله الرَّكعتين الأُخْرَيَيْن (^٥) بنشاطٍ وقوةٍ، بخلاف ما إذا وَالَى بين الركعات. ولهذا كان الأفضل في النَّفل مثنى مثنى، وإنْ تطوَّع بأربع جلس في وسطهنَّ.\nفصْلٌ\nوجُعِلَت كلمات التَّحيَّات في آخر الصَّلاة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها؛ فإنَّ المصلِّي إذا فرغ من صلاته جلس جلسة الرَّاغب الرَّاهب، يستعطي من ربِّه (^٦) ما لا غنى به عنه، فشُرِع له (^٧) أمام استعطائه كلمات\n_________\n(^١) هـ: «والتحميد».\n(^٢) هـ: «فإذا».\n(^٣) س: «تشبها».\n(^٤) «فهي بين .. السجدتين» ليست في هـ وط. وفي ض وس: «الأولتين .. الأخرتين».\n(^٥) ض وس وط: «الأخرتين».\n(^٦) «ربه» سقطت من ض.\n(^٧) «له» ليست في ض.","vol":"1","page":374},{"text":"التَّحيَّات، مقدمةً بين يدَيْ سؤاله (^١)، ثُمَّ يُتْبِعها بالصَّلاة على من نالت أُمَّته هذه النِّعمة على يده وبسفارته (^٢).\nفكأنَّ المصلِّي توسَّل (^٣) إلى الله سبحانه بعبوديَّته، ثم بالثَّناء عليه، والشَّهادة له بالوحدانيَّة، ولرسوله بالرِّسالة، ثم بالصَّلاة على رسوله، ثُمَّ قيل له: تخيَّر من الدُّعاء أحبَّه إليك (^٤). فذاك الحقُّ الذي عليك، وهذا الحقُّ الذي لك.\nوشُرِعت الصَّلاة على آله مع الصَّلاة عليه تكميلًا لقُرَّة (^٥) عينه، بإكرام آله (^٦) والصَّلاة عليهم. وأنْ يصلِّي (^٧) عليه وعلى آله كما صلَّى على أبيه إبراهيم وآله. والأنبياء (^٨) كلُّهم بعد إبراهيم من آله؛ ولذلك (^٩)\n_________\n(^١) س: «سؤله».\n(^٢) س: «يديه ..». هـ وط زيادة: «.. وسعادته». و«.. بسفارته» ليست في ط.\n(^٣) س: «يتوسل».\n(^٤) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢) من حديث ابن مسعودٍ ﵁ في تعليم النَّبيِّ ﷺ التشهُّد لأصحابه، وفي آخره: «ثُمَّ يتخيَّر من الدُّعاء أعجبه إليه».\n(^٥) هـ: «بقوة»!\n(^٦) «آله» سقطت من ض.\n(^٧) س: «تصلي».\n(^٨) ط: «وآله الأنبياء».\n(^٩) س: «وكذلك».","vol":"1","page":375},{"text":"كان المطلوب لرسول الله ﷺ صلاةً مثل الصَّلاة على إبراهيم، وعلى جميع الأنبياء بعده، وآله المؤمنين؛ فلهذا كانت هذه الصَّلاة أكمل ما (^١) يصلَّى على رسول الله ﷺ بها وأفضل.\nفإذا أتى بها المصلِّي أُمِر أنْ يستعيذ بالله من مجامع الشَّرِّ كلِّه؛ فإنَّ الشر إمَّا عذاب الآخرة، وإمَّا (^٢) سببه. فليس الشرُّ إلَّا العذاب وأسبابه.\nوالعذاب نوعان: عذابٌ في البَرْزخ، وعذابٌ في الآخرة. وأسبابه الفتنة، وهي نوعان: كُبرى، وصُغرى. فالكُبْرى فتنة الدَّجال وفتنة الممات، والصُّغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتَّوبة، بخلاف فتنة الممات وفتنة الدَّجَّال؛ فإنَّ المفتون بهما لا يَتَدَاركهما (^٣).\nثمَّ شُرِع له من الدُّعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته. والدُّعاء في هذا المحلِّ قبل السَّلام أفضل من الدُّعاء بعد السَّلام، وأنفع للدَّاعي (^٤).\nوهكذا كانت عامَّة أدعية النَّبيِّ ﷺ، كلُّها (^٥) كانت في الصلاة من\n_________\n(^١) «هذه ..» ليست في س. وفي س وهـ وط: «.. ممَّا».\n(^٢) س: «فإما».\n(^٣) هـ وط: «فيهما». ط: «لا يتداركها».\n(^٤) وهو ترجيح شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٠).\n(^٥) «كلها» ليست في ض.","vol":"1","page":376},{"text":"أولها إلى آخرها. فكان يدعو في الاستفتاح أنواعًا من الدُّعاء، وفي الركوع، وبعد رفع رأسه منه، وفي السُّجود، وبين السَّجدتين، وفي التشهُّد قبل التَّسليم. وعلَّم الصِّدِّيق دعاءً يدعو به في صلاته (^١). وعلَّم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر (^٢). وكان إذا دعا لقومٍ أوعلى قومٍ جعله في الصَّلاة بعد الرُّكوع (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٧٩)، ومسلم (٢٧٠٥) من حديث أبي بكرٍ ﵁ أنَّه قال للنَّبي ﷺ: علِّمني دعاءً أدعو به فى صلاتي، فقال ﷺ: «قُلْ: اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم».\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ١٩٩)، وأبوداود (١٤٢٥)، والنَّسائي (١٧٤٥)، والترمذي (٤٦٤)، وابن ماجه (١١٧٨)، وابن خزيمة (١٠٩٥)، وابن حبَّان (٧٢٢)، وغيرهم، من طريق بريد بن أبي مريم أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن عليٍّ ﵁. وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن حبَّان، وحسَّنه التِّرمذي، وقال: «لا نعرف عن النَّبيِّ ﷺ في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا». ورُوِي من غير هذا الوجه. وصحَّحه النَّووي في الخلاصة (١/ ٤٥٥)، والعراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١/ ١١٠)، وابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ٦٣٠)، والألباني في الإرواء (٤٢٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث عن أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ قَنَت بعد الرُّكوع». لفظ البخاري.","vol":"1","page":377},{"text":"وسِرُّ ذلك (^١): أنَّ المصلِّي قبل سلامه في محلِّ المناجاة والقُرْبة بين يَدَي ربِّه، فسؤاله في هذه الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يدي ربِّه (^٢). وقد سُئِل النَّبيُّ ﷺ: أيُّ الدُّعاء أسمع؟ فقال: «جوف اللَّيل، وأدبار الصَّلاة المكتوبة» (^٣).\nودُبُر الصَّلاة جزؤها (^٤) الأخير، كدُبُر الحيوان، ودُبُر الحائط.\nوقد يُرَاد بدُبُرِها ما بعد انقضائها، بقرينةٍ تدلُّ عليه؛ كقوله: «تسبِّحُون\n_________\n(^١) هـ وط: «ومن ذلك».\n(^٢) ض وهـ وط: «بين يديه».\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٤٩٩)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (٤٥)، من طريق ابن جريج عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة الباهليِّ ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ: أيُّ الدُّعاء أسمع؟ .. وساقه بنحوه. قال التِّرمذي عقبه: «حديثٌ حسنٌ»، وفي نتائج الأفكار (٢/ ٢٤٧): «حسنٌ غريبٌ».\nوقد أعلَّ إسناده ابنُ القطَّان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٣٨٥)، وكذا الزَّيلعي في نصب الراية (٢/ ٢٣٥) بالانقطاع بين ابن سابط وأبي أمامة ﵁، ونقلوا عن ابن معين ذكر إرساله، وعدم سماعه منه. وممَّا ذُكِر في علله: عنعنة ابن جريج، وشذوذ إسناده؛ فإنَّه جاء عن جماعةٍ من أصحاب أبي أمامة من رواية أبي أمامة عن عمرو بن عبسة عن النبيِّ ﷺ. ويُنْظَر: نتائج الأفكار لابن حجر (٢/ ٢٤٧).\nقال التِّرمذي: «وقد رُوِيَ عن أبي ذر وابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: جوف اللَّيل الآخر الدُعاء فيه أفضل أو أرجى أو نحو هذا».\n(^٤) س: «وجزؤها».","vol":"1","page":378},{"text":"الله، وتحمدونه، وتكبرونه (^١)، دُبُر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين» (^٢). فهنا دُبُرُها بعد الفراغ منها. وهذا نظير انقضاء الأجل؛ فإنَّه يُرَاد به آخر المدَّة ولمَّا يفرغ (^٣)، ويُرَاد به فراغها وانتهاؤها.\nفصْلٌ\nثم خُتِمَت بالتَّسليم وجُعِل تحليلًا لها، يخرج به المصلِّي منها كما يخرج بتحليل الحجِّ منه، وجُعِل هذا التَّحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسَّلامة، التي هي أصل الخير وأساسه. فشُرِع لمن وراءه أنْ يتحلَّل (^٤) بمثل ما تحلَّل به الإمام. وفي ذلك دعاءٌ له (^٥) وللمصلِّين معه بالسَّلام، ثم شُرِع ذلك لكلِّ (^٦) مصلٍّ وإن كان منفردًا.\nفلا أحسن من هذا التَّحليل للصَّلاة، كما أنَّه لا أحسن من كون التَّكبير تحريمًا لها. فتحريمها تكبير الرَّبِّ تعالى، الجامع لإثبات كلِّ كمالٍ له، وتنزيهه عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وإفراده وتخصيصه (^٧) بذلك،\n_________\n(^١) هـ وط: «يسبحون .. يحمدونه .. يكبرونه».\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) هـ: «المدته ..»! ض: «تفرغ».\n(^٤) س: «يتحللو». و«أن» ليست في هـ.\n(^٥) «له» ليست في س.\n(^٦) ط: «بكل».\n(^٧) «وتنزيهه .. وتخصيصه» سقطت من س.","vol":"1","page":379},{"text":"وتعظيمه وإجلاله.\nفالتَّكبير يتضمَّن تفاصيل أفعال الصَّلاة، وأقوالها، وهيئاتها؛ فالصَّلاة من أوَّلها إلى آخرها تفصيلٌ لمضمون «الله أكبر». فلا أحسن من هذا التَّحريم المتضمِّن للإخلاص والتَّوحيد، ومن (^١) هذا التَّحليل المتضمِّن للإحسان إلى إخوانه المؤمنين؛ فافتُتِحَت بالإخلاص، وخُتِمَت بالإحسان.\nفصْلٌ\nقال المكمِّلُون للصَّلاة: فصلاةٌ وُضِعَت على هذا (^٢) النَّحو وهذا التَّرتيب، لا يمكن أن يحصل (^٣) ما ذكرناه من مقاصدها - التي هي (^٤) جزءٌ يسيرٌ من قدرها وحقيقتها - إلَّا مع الإكمال والإتمام والتمهُّل الذي كان رسول الله ﷺ يفعله. ومحالٌ حصول ما ذكرناه مع النَّقر\nوالتَّخفيف، الذي يرجع (^٥) إلى شهوة الإمام والمأمومين. ومن أراد أنْ يصلِّي هذه الصَّلاة الخاصَّة فلا بُدَّ له من مزيد تطويلٍ، وأمَّا الصَّلاة\n_________\n(^١) «ومن» من هـ.\n(^٢) ط: «فالصلاة .. على هذه».\n(^٣) هـ وط: «تحصل».\n(^٤) هـ: «هو».\n(^٥) س: «رجع».","vol":"1","page":380},{"text":"الحرجيَّة (^١) فلا تتوقَّف (^٢) على ذلك.\nوأمَّا استدلالكم بأحاديث الأمر بالإيجاز فقد بيَّنَّا أنَّ الإيجاز هو (^٣) الذي كان يفعله، وعليه داوم، حتى قبَضَه الله إليه، فلا يجوز غير هذا ألبتَّة.\nوأمَّا قراءتُه في الفجر بالمعوِّذَتَين فهذا إنَّما كان في السَّفر؛ كما هو مصرَّحٌ به في الحديث، والمسافر قد أُبِيح له - أو أُوجِب (^٤) عليه - قصر الصَّلاة لمشقَّة السَّفر، فأُبِيحَ له تخفيف أركانها، فهلَّا عملتم (^٥) بقراءَتِه في الحضر بمائة آيةٍ في الفجر!\nوأمَّا قراءتُه - صلوات الله عليه وسلامه - بسورة التَّكوير في الفجر فإنْ كان في السَّفر فلا حُجَّة لكم فيه، وإنْ كان في الحضَر فالذي حَكَى عنه ذلك لم يقل: إنَّه كان يواظب على ذلك؛ بل سمعه يقرأ بها مرَّةً، وهذا لا يخالف رواية من (^٦) رَوَى عنه أنَّه كان يقرأ فيها بالسِّتين إلى المائة، وبـ «ق» ونحوها؛ فإنَّه ﷺ كان يدخل في الصَّلاة وهو يريد إطالتها،\n_________\n(^١) س: «الخرجية».\nومعنى «الحرجيَّة» أي: التي يُضيِّقها ويخفِّفها بترك التمهُّل والتَّطويل، مأخوذٌ من «الحرج»، وهو: تجمُّع الشيء وضيقه.\n(^٢) ط: «فلا يتوقف».\n(^٣) ض: «هذا».\n(^٤) ض: «وأوجب».\n(^٥) هـ: «علمتم» تحريفٌ!\n(^٦) «لم يقل .. رواية مَنْ» ليست في هـ وط.","vol":"1","page":381},{"text":"فيخفِّفُها لعارضٍ؛ من بكاء صبيٍّ وغيره.\nوأمَّا حديث تسبيحه في الركوع والسُّجود ثلاثًا فلا يثبت، والأحاديث الصَّحيحة بخلافه. وهذا السَّعدي مجهولٌ، لا يُعْرف عينُه ولا حاله. وقد قال أنسٌ: إنَّ عمر بن عبد العزيز كان أشبه النَّاس صلاةً برسول الله ﷺ (^١)، وكان مقدار ركوعه وسجوده عشر تسبيحاتٍ (^٢). وأنسٌ أعلم بذلك من السَّعدي عن أبيه أوعمِّه لو ثبت.\nفأين عِلْم من صلَّى مع النَّبِيِّ ﷺ عشر سنين كوامل إلى عِلْم مَنْ لعلَّه (^٣) لم يصلِّ معه إلَّا تلك الصَّلاة الواحدة، أو صلواتٍ يسيرةٍ؛ فإنَّ عمَّ هذا السَّعدي أوأباه ليس من مشاهير الصَّحابة المداومين الملازمة (^٤) لرسول الله ﷺ، كملازمه أنسٍ، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وغيرهم ممَّن ذكر صفة صلاته ﷺ وقدرها.\nوكيف يقوم ﷺ بعد الركوع حتى يقولوا: «قد نسي» (^٥)، ويسبِّح فيه\n_________\n(^١) ض وس: «بصلاة رسول الله».\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٢).\n(^٣) «لعلَّه» ليست في هـ وط.\n(^٤) «الملازمة» ليست في ض وس.\n(^٥) تقدم تخريجه (ص/٢٩٢).","vol":"1","page":382},{"text":"ثلاث تسبيحات، فيجعل القيام منه بقدره أضعافًا مضاعفةً، وكذلك جلوسه بين السَّجدتين حتى يقولوا: «قد أوهم»؟\nولا ريب أنَّ سجوده وركوعه إمَّا مساوٍ لهذين الرُّكنين أو أطول منه، وأنتم تقولون: إنَّ (^١) ركوعه وسجوده كان أطول (^٢) من قيامه بعد الركوع، وجلوسه بين السَّجدتين، حتى تكرهوا إطالتهما، ويغلو من يغلو منكم فيبطل الصلاة بإطالتهما (^٣)!\nوقد شهد البراء بن عازب أنَّ ركوعه وسجوده كان نحوًا من قيامه (^٤)، ومحالٌ أنْ يكون مقدار ذلك ثلاث تسبيحاتٍ. ولعلَّه خفَّف مرَّةً لعارضٍ، فشهده عمُّ السَّعدي أو أبوه فأخبر به.\nوقد حكم النَّبِيُّ ﷺ أنَّ طول صلاة الرجل من فِقْهِه، وهذا الحكم أولى من الحُكْمِ (^٥) له بقلَّة الفقه؛ فحُكْمُ رسول الله ﷺ هو الحُكْمُ الحق، وما خالفه الحكم الباطل الجائر. فروى مسلمٌ في «صحيحه» (^٦)، من حديث عمَّار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ\n_________\n(^١) «سجوده وركوعه .. إنَّ» سقطت من هـ وط.\n(^٢) هـ وط: «كان نحوا».\n(^٣) ض وس: «بإطالتها».\n(^٤) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٤)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٥) ض وس: «حكم».\n(^٦) حديث (٨٦٩).","vol":"1","page":383},{"text":"طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنَّةٌ من فقهِهِ، فأطيلوا الصَّلاة، واقْصُروا الخطبة». والمَئِنَّة: العلامة.\nوعند سُرَّاق الصلاة أنَّ العجلة فيها من علامات الفقه، فكلَّما سَرَق (^١) ركوعها وسجودها وأركانها كان ذلك علامة فضيلته وفقهه.\nوفي «صحيح ابن حبان» (^٢)، و«سنن النَّسائي» (^٣)، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، ويقلُّ اللَّغوَ، ويطيل الصَّلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنفُ يمشي (^٤) مع الأرملة والمسكين، فيقضى له الحاجة». فهذا فعلُه، وذاك قولُه في مثل صلاة الجمعة التي يجتمع لها الناس، وكان يقرأ فيها بسورة الجمعة والمنافقين كاملتين (^٥)، ولم يقتصر\n_________\n(^١) هـ: «أسرق».\n(^٢) حديث (١١٢٩).\n(^٣) حديث (١٤١٤). وأخرجه الحاكم (٢/ ٦٧١) وغيرهم، من طريق الحسين بن واقد عن يحيى بن عقيل عن ابن أبي أوفى ﵁ به. وقد صحَّحه ابن حبَّان والحاكم حيث قال: «صحيحٌ على شرط الشَّيخين»، وقال التِّرمذي في عِلَله (١/ ٣٦٠) بعد أنْ أخرجه: سألتُ محمَّدًا عن هذا الحديث فقال: «هو حديثٌ حسنٌ، وهو حديث الحسين بن واقد، تفرَّد به».\n(^٤) هـ: «شيء». ط: «لشيء» تحريفٌ!\n(^٥) يشير إلى ما أخرجه مسلم (٨٧٧)، من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه أيضًا (٨٧٩)، من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄.","vol":"1","page":384},{"text":"على الثلاث (^١) آيات من آخرهما في جمعةٍ واحدةٍ أصلًا. فعطَّل كثيرٌ من الناس سُنَّته، فاقتصر (^٢) على آخرهما، ولم يقرأ بهما كاملتين أصلًا.\nوكذلك كان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان/١] كاملتين في الركعتين، مع قراءته المترسِّلة على مُهْلةٍ وتأنٍّ (^٣). فعطَّل كثيرٌ من الأئمَّة ذلك، واقتصروا (^٤) على بعض هذه وهذه، أو على إحدى السُّورتين في الرَّكعتين. ومن يقرأ بهما كاملتين فكثيرٌ منهم يقرأ بهما هذًّا بسرعة، وهذا مكروهٌ للإمام. وكُلُّ هذا فِرار من هَدْيِه ﷺ.\nفإنْ جاءهم (^٥) حديثٌ صحيحٌ يخالف (^٦) ما ألِفُوه واعتادوه قالوا: هذا منسوخٌ، أوخلاف الإجماع، والعيار على ذلك عندهم مخالفة أقوالهم.\nولو كانت أحاديث التَّطويل منسوخةً لكان أصحاب رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) هـ: «ثلاث».\n(^٢) ض: «واقتصر». و«بعض» ليست في هـ وط.\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٨٨٠)، من حديث أبي هريرة ﵁، وتقدَّم قريبًا نحوه من حديث ابن عباس ﵄ عند مسلمٍ.\n(^٤) ض: «واقتصر».\n(^٥) هـ: «جاء»، ط: «جاءه».\n(^٦) هـ وط: «خالف».","vol":"1","page":385},{"text":"أعلم بذلك، ولما احتجُّوا بها على من لم يعمل بها، ولا عمل بها أعلم الأمَّة به، وهم الخلفاء الرَّاشدون.\nفهذا صِدِّيقُ الأمَّة وشيخ الإسلام، صلَّى الصُّبح، فقرأ البقرة من أوَّلها إلى آخرها - وخَلْفه الصَّغير والكبير وذو الحاجة - فقالوا له: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع! فقال: «لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين» (^١). ومَضَى على منهاجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وكان يقرأ في الفجر بالنَّحل ويوسف، وبهود ويونس، وبني إسرائيل، ونحوها من السور (^٢).\nوقد تقدَّم حديث عبد الله (^٣) بن عمر: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا (^٤) بالتَّخفيف، ويؤمُّنَا بالصَّافات» (^٥). فالذي فعله هو الذي أمر به. وقد تقدَّم حكاية الذِّكر والدُّعاء الذي كان يقوله في ركن الاعتدال من الرُّكوع، وأنَّه كان يطيله حتى يقول مَنْ خلفه: «قد أوْهَم». وتقدَّم حديث أبي سعيد في دخوله ﷺ في صلاة الظُّهر: «فيذهب الذَّاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ويأتي أهله، فيتوضَّأ ثم يأتي المسجد، فيدركه في الركعة\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٣١٣).\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/٣١٣).\n(^٣) «عبد الله» ليست في ض.\n(^٤) هـ وط: «يأمر».\n(^٥) تقدَّم تخريجه (ص/٣٣٦).","vol":"1","page":386},{"text":"الأولى (^١)» (^٢).\nفيالله العجب! ما الذي حرَّم الاقتداء به في ذلك، أوجعله مكروهًا؟ ونحن نقول: كلَّا والذي بعثه بالحق، إنَّ الاقتداء به في ذلك مرضاة لله ورسوله، وإنْ تَرَكَها مَنْ تَرَكَها.\nوأمَّا حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، ودخول سهل بن أبي أمامة على (^٣) أنس بن مالك، فإذا هو يصلِّي صلاةً خفيفةً كأنَّها صلاة مسافر، فقال: «إنَّها لصلاة رسول الله ﷺ» (^٤) = فهذا ممَّا تفرَّد به ابن أبي العمياء، وهو شِبْه المجهول. والأحاديث الصَّحيحة عن أنسٍ كلُّها (^٥) تخالفه. كيف يقول أنسٌ هذا وهو القائل: إنَّ أشبه (^٦) من رأى صلاةً برسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز، وكان يسبِّح عشرًا عشرًا؟ وهو الذي كان يرفع رأسه من الركوع حتى يُقَال: «قد نسِيَ»، وكذلك (^٧) بين\n_________\n(^١) ض وس زيادة: «بعد». و«الأولى» ليست في ض.\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/٣٠٥)، وأنَّه في مسلم.\n(^٣) ض وهـ وط: «سهيل ..»، ط: «.. عن».\n(^٤) تقدَّم تخريجه (ص/٣١٧ - ٣١٩).\n(^٥) س: «كلها عن أنس ..».\n(^٦) هـ: «شبه».\n(^٧) هـ وط زيادة: «من».","vol":"1","page":387},{"text":"السَّجدتين، ويقول: «ما آلو أنْ أصلِّي لكم (^١) صلاة رسول الله ﷺ» (^٢). وهو الذي يبكي على إضاعتهم الصَّلاة؟\nويكفي في ردِّ حديث ابن أبي العمياء ما تقدَّم من الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة، التي لا مَطْعَن في سندها، ولا شبهة في دلالتها (^٣). فلو صحَّ حديث ابن أبي العمياء - وهو بعيدٌ عن (^٤) الصِّحَّة - لوجب حمله على أنَّ تلك صلاة رسول الله ﷺ للسُّنَّة الرَّاتبة، كسُّنَّة الفجر والمغرب والعشاء، وتحيَّة المسجد، ونحوها، لا أنَّ تلك صلاته التي كان يصلِّيها بأصحابه دائمًا. وهذا ممَّا يقطع ببطلانه، وتردُّه (^٥) سائر الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة.\nولا ريب أنَّ رسول الله ﷺ كان يخفِّف بعض الصَّلاة، كما كان يخفِّف سُنَّة الفجر، حتى تقول عائشة أم المؤمنين: «هل قرأ فيها بأمِّ القرآن (^٦)؟» (^٧). وكان يخفِّف الصَّلاة في السَّفر، حتى كان ربَّما قرأ في\n_________\n(^١) س: «بكم».\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٢)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٣) هـ: «أدلتها».\n(^٤) ض وس: «من».\n(^٥) س وض: «ويرده».\n(^٦) ض: «الكتاب».\n(^٧) أخرجه البخاري (١١٧١)، ومسلم (٧٢٤).","vol":"1","page":388},{"text":"الفجر بالمعوِّذَتين (^١). وكان يخفِّف إذا سمع بكاء الصَّبي (^٢).\nفالسُّنَّة التَّخفيف حيث خفَّف، والتَّطويل حيث أطال، والتوسُّط غالبًا.\nفالذي أنكره أنسٌ هو التَّشديد، الذي لا يخفِّف صاحبُه على نفسه، مع حاجته إلى التَّخفيف، ولا ريب أنَّ هذا خلاف سُنَّته وهَدْيه.\nوأمَّا حديث معاذٍ، وقوله ﷺ: «أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟» فلم يتعلَّق السُّرَّاق منه إلَّا بهذه الكلمة، ولم يتأمَّلوا أوَّل الحديث وآخره! فاسْمَع سياق (^٣) قصَّة معاذٍ. فعن جابر بن عبد الله قال: أقبل رجلٌ بناضِحَين (^٤) وقد جنح اللَّيل، فوافق معاذًا يصلِّي، فترك ناضِحَيه، وأقبل إلى معاذٍ (^٥)، فقرأ بسورة البقرة أو النِّساء، فانطلق الرجل، وبَلَغه أنَّ معاذًا نال منه، فأتى رسول الله ﷺ، فشكا (^٦) إليه معاذًا، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أفتَّانٌ أنت (^٧)، أو قال: أفاتنٌ\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٣٢٢) من حديث عقبة بن عامر.\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٠)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٣) «سياق» ليست في هـ وط.\n(^٤) النواضح: هي الإبل التي يستقى عليها من النَّهر أوالبِئْر. يُنْظَر: النَّهاية لابن الأثير (٥/ ٦٨).\n(^٥) ض وس: «ناضحه ..». و«معاذ» ليست في ض.\n(^٦) «فشكى» سقطت من ط.\n(^٧) س زيادة: «يا معاذ».","vol":"1","page":389},{"text":"أنت؟ ثلاث مرار (^١)، فلولا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]؛ فإنَّه يصلِّي وراءك الكبير، والضَّعيف، وذو الحاجة». رواه البخاري ومسلم، ولفظه للبخاري (^٢).\nوفي «مسند الإمام أحمد (^٣)» (^٤)، من حديث أنس بن مالكٍ قال: كان معاذ بن جبل يؤمُّ قومه، فدخل حرامٌ (^٥) وهو يريد أنْ يسقي نخْلَهُ، فدخل المسجد مع القوم، فلمَّا رأى معاذًا طوَّل تجوَّزَ في صلاته، ولحق بنخْلِهِ يسقيه، فلمَّا قضى معاذٌ الصَّلاة قيل له ذلك، فقال: إنَّه لمنافقٌ، أيعجل عن الصَّلاة من أجل سقي (^٦) نخله! قال: فجاء حرامٌ النَّبيَّ ﷺ\nــ ومعاذ عنده ــ فقال: يا نبيَّ الله، إنِّي أردت أن أسقي نخلًا لي، فدخلت المسجد لأصلِّي مع القوم، فلمَّا طوَّل تجوَّزْتُ في صلاتي، ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أنِّي منافقٌ! فأقبل النَّبيُّ ﷺ على معاذٍ، فقال: «أفتَّانٌ\n_________\n(^١) هـ وط: «مرات».\n(^٢) البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥).\n(^٣) «أحمد» ليست في ض.\n(^٤) (٣/ ١٠١)، من طريق ابن عُلَيَّة عن عبد العزيز بن صُهَيب عن أنسٍ ﵁ به، وهذا إسناد صحيح، ويُنظر: إرواء الغليل للألباني (٢٩٥).\n(^٥) هـ وط: «حزام». وكذا في الموضع التَّالي بعده قريبًا.\n(^٦) ط: «أتعجل .. تسقي».","vol":"1","page":390},{"text":"أنت؟ لا تطوِّل بهم، اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ونحوها».\nوعن معاذ بن رفاعة الأنصاري عن سليم ــ رجلٍ من بني سلمة (^١) ـ: أنَّه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام (^٢) ــ ونكون في أعمالنا بالنَّهار ــ فينادي بالصَّلاة، فنخرج إليه، فيطوِّل علينا، فقال رسول الله ﷺ: «يا معاذ بن جبل، لا تكن فتَّانًا، إمَّا أنْ تصلِّي معي، وإمَّا أنْ تخفِّف على قومك». ثُمَّ قال: «يا سُليم، ما معك من القرآن؟» قال: إنِّي أسأل الله الجنة، أوقال: أسأله (^٣) الجنَّة، وأعوذ به من النَّار، والله ما أحسن دَنْدَنَتَك ولا دَنْدَنَة معاذ! فقال رسول الله ﷺ: «وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلَّا أنْ نسأل (^٤) الله الجنة، ونعوذ به من النار!».\nقال سليمٌ: سترون غدًا إذا التقى القوم إنْ شاء الله، قال: والنَّاس يتجهَّزُون إلى أُحدٍ، فخرج فكان في الشُّهداء ﵀. رواه الإمام أحمد (^٥).\n_________\n(^١) ض: «بني سليم».\n(^٢) س: «ينام».\n(^٣) هـ وط: «أسأل». وجملة: «أو قال: أسأله الجنة» ليست في س.\n(^٤) ط: «يسأل».\n(^٥) في المسند (٥/ ٧٤)، وأخرجه الطَّبراني (٧/ ٦٧)، كلاهما من طريق عمرو بن يحيى عن معاذ بن رفاعة به. ومعاذ بن رفاعة لم يُدرك الرجل الذي من بني سلمة؛ لأنَّه استشهد بأحدٍ، ومعاذٌ تابعيٌّ، لا صحبة له؛ فإسناده منقطعٌ. ويُنظر: نتائج الأفكار (١/ ٤٦٦)، ومجمع الزَّوائد للهيثمي (٢/ ٧٢).","vol":"1","page":391},{"text":"فإنْ قيل: فقد روى الإمام أحمد (^١)، من حديث بريدة: أنَّ معاذ بن جبل صلَّى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ فيها ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر/١]، فقام رجلٌ قبل أنْ يفرغ فصلَّى وذهب، فقال له معاذٌ قولًا شديدًا، فأتى الرَّجلُ النَّبيَّ ﷺ فاعتذر إليه، فقال: إنِّي كنت أعمل في نخلي وخِفْتُ على الماء، فقال رسول الله ﷺ: «صلِّ بـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ونحوها من السُّور» = فقد أجيب عن هذا بأنَّ قصة معاذ تكرَّرت.\nوهذا جوابٌ في غاية البُعْد عن الصَّواب؛ فإنَّ معاذًا كان أفقه في دين الله من أنْ ينهاه رسول الله ﷺ عن شيءٍ (^٢) ثم يعود له.\nوأجودُ من هذا الجواب: أنْ يكون قرأ في الرَّكعة الأولى بالبقرة، وفي الثَّانية بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر/١]، فذكر بعضهم قراءته في الأولى (^٣) فقال: «صلَّى بالبقرة»، وبعضهم قراءته في الثَّانية، فقال: «صلَّى بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر/١]».\n_________\n(^١) في المسند (٥/ ٣٥٥)، من طريق زيد بن الحباب عن حسين بن واقد عن عبد الله ابن بريدة عن بريدة ﵁ به. وقد حسَّن إسناده ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٦١)، وصحَّحه الألباني في الإرواء (٢٩٥).\n(^٢) «عن شيءٍ» ليست في هـ وط.\n(^٣) «بسورة البقرة .. الأولى» سقطت من هـ وط.","vol":"1","page":392},{"text":"والذي في «الصَّحِيحَين (^١)» أنَّه قرأ بسورة البقرة، وشكَّ بعض الرُّواة فقال: «بالبقرة أوالنِّساء». وقصَّة قراءته بـ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ لم تُذْكَر في «الصَّحيح». والذي في «الصَّحِيْحَين» (^٢) أولى بالصِّحَّة منها.\nوقد حفظ الحديث جابرٌ فقال: «كان معاذٌ يصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ العشاء، ثُمَّ أتى قومه فأمَّهُم، فافتتح بسورة البقرة». وذكر القِصَّة. فهذا جابرٌ أخبر أنَّه فعل ذلك مرَّةً، وأنَّه قرأ بالبقرة ولم يشكَّ، وهذا الحديث متَّفقٌ على صِحَّته، أخرجاه في «الصَّحِيْحَين» (^٣). والله أعلم.\nفصْلٌ\nوقد ظهر بهذا أنَّ التعمُّق والتنطُّع والتَّشديد الذي نهى عنه رسول الله ﷺ هو المخالف لهَدْيه وهَدْي أصحابه، وما كانوا عليه. وأنَّ موافقته فيما فعله هو وخلفاؤه من بعده هو محض المتابعة، وإنْ أباها مَنْ أباها، وجهلها مَنْ جهلها.\nفالتعمُّق والتَّنطُّع: مخالفة ما (^٤) جاء به، وتجاوزه، والغلوُّ فيه.\n_________\n(^١) تقدَّم (ص/٣٨٩).\n(^٢) هـ وط: «الصحيح».\n(^٣) البخاري (٧٠١)، ومسلم (٤٦٥).\n(^٤) ض: «لما».","vol":"1","page":393},{"text":"ويقابِلُهُ (^١): إضاعته، والتَّفريط فيه، والتَّقصير عنه. وهما خطأٌ وضلالةٌ، وانحرافٌ عن الصَّراط المستقيم والمنهج القويم. ودين الله بين الغالي فيه (^٢) والجافي عنه (^٣).\nوقد قال علي بن أبي طالبٍ (^٤): «خير النَّاس النَّمط الأوسط؛ الذي يرجع إليهم الغالي، ويلحق بهم التَّالي». ذكره ابن المبارك عن محمد ابن طلحة عن عليٍّ (^٥).\n_________\n(^١) هـ وط: «ومقابله».\n(^٢) «والتقصير .. فيه» سقطت من ض.\n(^٣) «عنه» سقطت من ض.\n(^٤) ط زيادة: «كرَّم الله وجهه».\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٥٦٣٩) من طريق يزيد بن هارون عن محمد ابن طلحة عن زبيد قال: قال عليٌّ: «خير النَّاس هذا النَّمَط الأوسط، يلحق بهم التَّالي، ويرجع إليهم العالي». وهذا إسنادٌ منقطعٌ؛ فزبيدٌ هو: ابن الحارث اليامي، لم يلق عليًّا، بل لم يلق أحدًا من الصَّحابة، كما في جامع التَّحصيل (ص/١٧٦)، وتحفة التَّحصيل (ص/١٠٩).\nتنبيه: قوله: «العالي» هكذا أثبته محقِّق المصنَّف، وأشار في الهامش إلى أنَّه «الغالي» في بعض النسخ الأخرى. وهو المشهور، والمناسب من جهة المعنى.\n\nوأخرجه اللَّالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنة (٢٦٧٩) من طريق أبي عبيد القاسم بن سلَّام عن أبي بدرٍ شجاع بن الوليد بن قيسٍ عن خلف بن حوشب عن الوليد بن قيسٍ عن عليٍ ﵁ نحوه. ولم أقف على من ذكر سماعًا للوليد من عليٍّ.","vol":"1","page":394},{"text":"وقال ابن عائشة (^١): «ما أمر الله عباده بأمرٍ إلَّا وللشَّيطان فيه نزغتان؛ فإمَّا إلى غلوٍّ، وإمَّا إلى تقصير» (^٢).\nوقال بعض السَّلف: «دينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه» (^٣).\nوقد مَدَح تعالى أهل التَّوسُّط بين الطَّرَفين المنْحَرِفَيْن في غير موضعٍ من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان/٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء/٢٩]. وقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء/٢٦].\nفمَنْعُ ذي القُرْبى والمسكين وابن السَّبيل حقَّهُم انحرافٌ في جانب الإمساك، والتَّبذيرُ انحرافٌ في جانب البَذْل، ورضا الله فيما بينهما؛ ولهذا كانت هذه الأمَّة أوسط الأُمم، وقبلتها أوسط القِبَل بين القِبْلَتَيْن المنحَرِفَتَيْن، والوسط دائمًا محميٌّ بالأطراف (^٤)، فالخَلَل إليها أسرع،\n_________\n(^١) في هامش ط: «هو: عبيد الله بن محمد بن حفص». تقريب.\n(^٢) أخرجه الخطَّابي في العُزْلة (ص/٢٣٧) قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الرحيم العنبري قال حدثنا ابن أبي قماش عن ابن عائشة، فذكره، وتتمَّته: «فبأيِّهما ظفر قنع».\n(^٣) أخرجه الدارمي (١/ ٢٩٦) من طريق شريك عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: «سُنَّتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما، بين الغالي والجافي …».\n(^٤) هـ وط: «الأطراف».","vol":"1","page":395},{"text":"كما قال الشَّاعر (^١):\nكانت هي الوسط المحْمِي فاكتَنَفَتْ … بها الحوادث حتَّى أصبحَتْ طَرَفَا\n\nفقد اتَّفق شرع الرَّب تعالى وقدره على أنَّ خيار الأمور أوساطها.\nوأمَّا قولهم: إنَّ محبَّة الصَّحابة لرسول الله ﷺ ولصوته وقراءته يحملهم على احتمال إطالته، فلا يجدون لها مشقَّةً= فلعمر الله (^٢) إنَّ الأمر كما ذكروه (^٣)، بل حبُّهم له يحملهم على بذل نفوسهم وأموالهم بين يديه، وعلى وقاية نَفْسِه الكريمة بنفوسهم؛ فكانوا يتقدَّمون إلى الموت بين يَدَيْه تقدُّم المحبِّ إلى رضا محبوبه.\nولعمر الله هذا شأن أتباعه من بعده إلى يوم القيامة، لا تأخذهم في متابعة سُنَّته (^٤) لومة لائمٍ، ولا يثنيهم (^٥) عنها عذْلُ عاذلٍ، فهم يحتملون\n_________\n(^١) البيت لأبي تمَّام وروايته في ديوانه (شرح الصولي ٢/ ٦٧، شرح التبريزي ١/ ٤٢٥)، قال:\nكانت هي الوسط الممنوع فاستَلَبَت … ما حولها الخيلُ حتى أصبَحَت طَرَفا\n\nونسبه إليه على هذا الوجه أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ …﴾ وغيره.\n(^٢) هـ وط: «يجدون بها ..». س وض: «.. فلعمرو الله». وكذا في الموضع الآتي بعده.\n(^٣) هـ وط: «ذكروا».\n(^٤) هـ وط: «يأخذهم ..». س: «.. سننه». وكذا في الموضع التَّالي بعده.\n(^٥) ض: «ينهنهم»، ط: «يشنهم». تحريفٌ.","vol":"1","page":396},{"text":"في متابعته والاهتداء بهَدْيِه لوم اللَّائمين وطعن الطَّاعنين ومعاداة الجاهلين، الذين رضوا من سُنَّته بآراء الرجال بدلًا، وتمسَّكُوا بها، فلا يبغون عنها حِوَلًا، وعرضوا عليها نصوص السُّنَّة والقرآن عرض الجيوش على السُّلطان، فما وافقها قبلوه، وما خالفها تلطَّفُوا في ردِّه بأنواع التَّأويل (^١). فمرَّةً يقولون: هذا متروك الظَّاهر، ومرَّةً يقولون: لا يُعْلَم به قائلٌ، ومرَّةً يقولون: هو منسوخٌ، ومرَّةً يقولون: متبوعنا أعلم به مِنَّا، وما خالفه إلَّا وقد صحَّ عنده ما يقتضي مخالفته.\nفأَتْبَاعُه في مجاهدة هذه الفِرَق دائبون، وعلى متابعة سُنَّته (^٢) دائرون، فإن كان قد غاب عن أعينهم شخصه الكريم فقد شاهدوا ببصائرهم ما كان عليه الهَدْي المستقيم.\nفصْلٌ\nفهاك سياق صلاته ﷺ، من حين استقباله القبلة وقوله: «الله أكبر» إلى حين سلامه، كأنَّك تشاهده عيانًا، ثم اختر لنفسك بعدُ ما شئت.\nكان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة واستقبل القِبْلة ووقف في مصلَّاه= رفع يَدَيْه إلى فروع أُذُنَيه (^٣)، واستقبل بأصابعه القبلة\n_________\n(^١) س زيادة: «ودفعوه».\n(^٢) هـ وس: «سننه».\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه مسلم (٣٩١)، من حديث مالك بن الحويرث ﵁: =\n= «أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا كبَّر رفع يَدَيه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يَدَيه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك»، وفي روايةٍ: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه». وفي الباب أحاديث ظاهر ألفاظها التَّعارض، فوردت بلفظ: «يحاذي بهما المنكبين»، وبلفظ: «حيال أذنيه»، وبلفظ: «قريبًا من أذنيه». قال المصنِّف في الزاد (١/ ٢٠٢): «قيل: هو من العمل المخيَّر فيه، وقيل: كان أعلاها إلى فروع أذنيه وكفَّاه إلى منكبيه، فلا يكون اختلافًا».","vol":"1","page":397},{"text":"ونشرها (^١)، وقال: «الله أكبر» (^٢).\nولم يكن يقول قبل ذلك: نَوَيْتُ (^٣) أصلِّي كذا وكذا، مستقبل (^٤)\n_________\n(^١) يشير إلى ما أخرجه الترمذي (٢٣٩)، وابن خزيمة (٤٥٨)، وابن حبَّان (١٧٦٩)، والحاكم (١/ ٣٥٩)، وغيرهم، من طريق يحيى بن اليمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ كان ينشر أصابعه في الصلاة نشرًا».\nوقد خطَّأ غير واحدٍ يحيى بن اليمان في لفظ هذا الحديث، وأنَّ المحفوظ قوله: «رفع يَدَيْه مدًّا». يُنْظَر: كلام الدَّرامي في سنن الترمذي عقب الحديث، وعلل ابن أبي حاتم (٢٦٥، ٤٥٨)، ومسائل أحمد لأبي داود (١٨٥٤).\n\nوأخرجه ابن خزيمة (٤٥٩)، والحاكم (١/ ٣٥٩)، من طريق أبي عامر العقدي عن ابن أبي ذئب به، بلفظ: «كان إذا قام إلى الصَّلاة قال هكذا، وأشار أبوعامرٍ بيده، ولم يفرِّج بين أصابعه ولم يضمَّها».\n(^٢) أحاديث تكبيره ﷺ عند قيامه للصلاة كثيرة، منها حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم (٣٩٢)، وحديث وائل بن حجر ﵁ عنده أيضًا (٤٠١). وانظر: صفة صلاة النَّبي ﷺ للألباني، الأصل (١/ ١٧٦ - ١٩٢).\n(^٣) ط زيادة: «أنْ».\n(^٤) ض: «استقبل».","vol":"1","page":398},{"text":"القبلة، أربع ركعاتٍ، فريضة الوقت، أداءً لله تعالى، إمامًا أو مأمومًا (^١)! ولا كلمةً واحدةً من ذلك في مجموع صلاته من أوَّلها إلى آخرها؛ فقد نَقَل عنه أصحابه (^٢) حركاته وسكناته وهيئاته، حتى اضطراب لحيته في الصَّلاة (^٣)، حتى إنَّه حَمَل بنت ابنته مرَّةً في الصَّلاة (^٤)، فنقلوه ولم يهملوه. فكيف يتَّفق مَلَؤُهُم - من أوَّلهم إلى آخرهم - على ترك نقل هذا المهمِّ، الذي هو شِعَار الدُّخول في الصَّلاة؟ ولعمر الله لو ثبت عنه من هذا كلِّه (^٥) كلمة واحدة لكُنَّا أول من اقتدى به فيها، وبادر إليها.\nثم كان يمسك شماله بيمينه، فيضعها عليها فوق المِفْصَل، ثم يضعهما (^٦)\n_________\n(^١) «مأمومًا» من هـ.\n(^٢) س: «أصحابه عنه».\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٧٤٦)، من حديث خبَّاب بن الأرتِّ ﵁ أنَّه سئل: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظُّهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بم كنتم تعرفون ذاك؟ قال: باضطراب لحيته.\n(^٤) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٥١٦)، ومسلم (٤٩٤)، من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي وهو حامل أمامة بنت زينب .. فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها». وفي روايةٍ لمسلم: «يؤمُّ النَّاس .. فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السُّجود أعادها».\n(^٥) هـ وط: «ثبت منه ..»، و«كله» ليست فيهما.\n(^٦) س وهـ وط: «يضعها».","vol":"1","page":399},{"text":"على صَدْرِه (^١)، ثُمَّ يقول: «سبحانك اللَّهُم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى\n_________\n(^١) أمَّا وضع اليد اليُمْنى على اليُسْرى: فأخرجه البخاري (٧٤٠) من حديث سهل بن\n\nسعدٍ ﵁ قال: «كان الناس يُؤْمَرون أنْ يضع الرجل اليد اليُمْنى على ذراعه اليُسْرَى في الصلاة»، وأخرجه مسلم (٤٠١) من حديث وائل بن حجر ﵁، في صلاته ﷺ، وفيه: «وضع يده اليمنى على اليُسْرَى».\nوأمَّا وضع يده اليُسْرَى على مفصل اليمنى: فأخرجه أبوداود (٧٢٧)، والنسائي (٨٨٩)، وابن خزيمة (٤٨٠)، وابن حبان (١٨٦٠)، وغيرهم، من طرقٍ عن عاصم بن كليب قال: حدثني أبي عن وائل بن حجر ﵁، وفيه: «وضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليُسْرَى والرُّسغ والسَّاعد». وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والنَّووي والمصنِّف والألباني، ويُنْظَر: إرواء الغليل (٣٥٢).\nوأمَّا وضعهما على الصَّدر: فأصحُّ ما فيه حديث وائل بن حجر، أخرجه ابن خزيمة (٤٩٧) من حديث وائل بن حجر قال: «صلَّيت مع رسول الله ﷺ ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره». صحَّحه ابن خزيمة.\nوقد تفرَّد مؤمَّل بن إسماعيل بزيادة «على صدره»؛ إذ حديث وائلٍ عند مسلم كما تقدَّم قريبًا بغير هذه اللَّفظة.\nومؤمَّلٌ لا يحتمل مثله التفرُّد، فقد قال أبوحاتم عنه: «صدوقٌ، كثير الخطأ يكتب حديثه»، وقال أبوزُرْعة: «في حديثه خطأٌ كثيرٌ»، وقال البخاريُّ: «منكر الحديث»، وقال أبوداود: «يَهِمُ في الشَّيء»، وقال الدَّارقطني: «ثقةٌ كثير الخطأ»، وقال محمد بن نصر المروزي: «إذا انفرد بحديثٍ وجب أن يتوقَّف ويثبت فيه؛ لأنه كان سيِّء الحفظ، كثير الغلط». يُنْظَر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٨/ ٣٧٤)، وتهذيب الكمال (٢٩/ ١٧٦)، وميزان الاعتدال (٤/ ٢٢٨)، وتهذيب التهذيب (٤/ ١٩٣).\nوقد صحَّح الشيخ الألباني ﵀ في صفة الصلاة، الأصل (١/ ٢١٥ - ٢٢٥) وضع اليدين على الصَّدر، وضعَّف ما ورد بخلافه.","vol":"1","page":400},{"text":"جَدُّك، ولا إله غيرك» (^١).\nوكان أحيانًا يقول (^٢): «اللَّهم باعِد بيني وبين خطاياي كما باعَدْت بين المشرق والمغرب، اللَّهُمَّ نَقِّنِي من خطايَاي كما يُنَقَّى الثَّوب الأبيض من الدَّنَس، اللَّهُمَّ اغسل خطايايَ بالماء والثَّلْج والبَرَد» (^٣).\nوكان يقول أحيانًا: «وجَّهْتُ وجهي للَّذي فَطَر السَّماوات والأرض، حنيفًا (^٤)، وما أنا من المشركين، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام/١٦٢ - ١٦٣]. اللَّهُمَّ\n_________\n(^١) الحديث مرويٌّ من حديث عدَّةٍ من الصَّحابة، عائشة، وأبي سعيد، وغيرهما، مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ، ولا يسلم شيءٌ منها من مقال، حتى قال ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٢٣٧): «لا نعلم في هذا خبرًا ثابتًا عن النبيِّ ﷺ عند أهل المعرفة بالحديث». وقال (١/ ٢٣٩): «هذا صحيحٌ عن عمر بن الخطَّاب ﵁ .. لا عن النَّبيِّ ﷺ». وقال الترمذي (٢٤٢): «قال أحمد: لا يصحُّ هذا الحديث».\nوقد أخرجه مسلم موقوفًا على عمر ﵁ (٣٩٩) من حديث عبدة: أنَّ عمر ﵁ كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: «سبحانك اللهم ..».\nوانظر: زاد المعاد (١/ ٢٠٥)، والتلخيص الحبير (١/ ٢٢٩)، وإرواء الغليل للألباني (٣٤١).\n(^٢) «اللهم وبحمدك .. يقول» سقط كلُّه من ط. وسقط من هـ: «وكان أحيانًا يقول».\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٤) ط زيادة: «مسلمًا».","vol":"1","page":401},{"text":"أنت الملك، لا إله إلَّا أنت، أنت ربِّي (^١) وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّي سيِّئَها، لا يصرِفُ عنِّي سيِّئَها إلَّا أنت، لبَّيْكَ وسَعْدَيْك والخير كلُّه في يَدَيك، والشَّرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعالَيْت، استغفرك وأتوب إليك» (^٢). ولكن هذا إنَّما حُفِظ عنه في صلاة اللَّيل (^٣).\nوربَّما كان يقول: «الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا (^٤)، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا» (^٥).\n_________\n(^١) «أنت ربي» ليست في هـ وط.\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٧١)، من حديث علي بن أبي طالبٍ ﵁.\n(^٣) لفظ حديث عليٍّ ﵁ السَّابق عند مسلمٍ: «كان إذا قام إلى الصَّلاة»، وفي روايةٍ عنده: «كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصَّلاة». وفي روايةٍ للتِّرمذي (٣٤٢٣): «كان إذا قام إلى الصَّلاة المكتوبة». وقال عقبه: «وقال بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم: يقول هذا في صلاة التَّطوُّع ولا يقوله فى المكتوبة». وأخرجه النسائي (٨٩٨) من حديث محمد بن مسلمة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلِّي تطوُّعًا ..»، وذكر نحوه.\n(^٤) جملة: «الله أكبر كبيرًا» كُرِّرت مرتين في هـ وط. وكُرِّرت «الحمد لله كثيرًا» مرَّتين في النُّسخ كلِّها.\n(^٥) يشير إلى ما أخرجه مسلمٌ (٦٠١) من حديث ابن عمر ﵁ قال:\nبينما نحن نصلِّي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجلٌ من القوم: الله أكبر كبيرًا، =","vol":"1","page":402},{"text":"ورُبَّما كان يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا أنت، لا إله إلَّا أنت، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده (^١)» (^٢).\n_________\n= والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، فقال رسول الله ﷺ: «من القائل كلمة كذا وكذا؟» قال رجلٌ من القوم: أنا يا رسول الله، قال: «عجبتُ لها، فُتِحَت لها أبواب السَّماء».\nوقد أخرجه أبوداود (٧٦٤)، وابن ماجه (٨٠٧)، وأحمد (٤/ ٨٥)، وابن خزيمة (٤٦٨)، وابن حبَّان (١٧٨٠)، والحاكم (١/ ٣٦٠)، وغيرهم، من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه عنهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا افتتح الصَّلاة قال: «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، ثلاث مرات، اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من نفخه ونفثه وهمزه». ولفظ ابن حبَّان: «أعوذ بالله من الشَّيطان ..». قال الحاكم: «صحيح الإسناد». وعند ابن حبان أيضًا (٢٦٠١) بنحو ما ذكروه، لكن بتكرار الجمل الثلاثة ثلاث مرات.\nوأخرجه ابن خزيمة (٤٦٩) من طريق حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن مرة عن عباد بن عاصم عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، بنحوه. قال ابن خزيمة عقبه: «عاصم العنزي وعباد بن عاصم مجهولان، لا يدرى من هما، ولا يُعْلَم الصَّحيح ما روى حصين أو شعبة». وقد أشار إلى ضعفه الألباني في الإرواء (٣٤٢) للجهالة في إسناده، وحسَّنه بشواهده.\n(^١) جملة: «الله أكبر» و«سبحان الله وبحمده» كرِّرت مرتين في هـ وط.\n(^٢) يشير إلى ما أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٣) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: «كان نبي الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبَّر ثلاث مرات، ثم قال: لا إله إلَّا الله، ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده، ثلاث مرَّات».","vol":"1","page":403},{"text":"ثُمَّ يقول: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم» (^١)، ورُبَّما قال: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، من نفْخِه ونفْثِه وهَمْزِه» (^٢). ورُبَّما قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الشَّيطان الرَّجيم، وهَمْزِه ونفْخِه ونفْثِه» (^٣).\n\nثم يقرأ فاتحة الكتاب، فإنْ كانت (^٤) الصَّلاة جهرية أسْمَعَهُم القراءة، ولم يُسْمِعهم «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، فربُّه أعلم هل كان (^٥) يقرؤها أم لا (^٦). و<span data-type='title' id=toc-240>كان يقطِّع قراءته آيةً آيةً،</span> ثُمَّ يقف على ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،\n_________\n(^١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٣٠): «قوله: ورد الخبر بأنَّ صيغة التعوُّذ «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» هو كما قال … وفي مراسيل أبي داود [٣٢] عن الحسن: أنَّ رسول الله ﷺ كان يتعوَّذ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وقد تعقَّبه الألباني في الإرواء (٣٤٢)، فقال: «صحيحٌ لكن بزيادتين يأتي ذكرهما، أمَّا بدونهما فلا أعلم له أصلًا، وإن أوْهَم خلاف ذلك الحافظ ابن حجر\nفي التلخيص .. ثم إنَّ هذه الزيادة هي في حديث الحسن أيضًا في مراسيل\nأبي داود».\n(^٢) تقدَّم تخريجه قريبًا من حديث جبير بن مطعم ﵁، وأنَّه لفظ ابن حبَّان.\n(^٣) تقدَّم تخريجه قريبًا، من حديث جبير بن مطعم ﵁.\n(^٤) ض: «كان».\n(^٥) «كان» ليست في ض.\n(^٦) قال المصنِّف في الزاد (١/ ٢٠٧) عن أحاديث الجهر بها: «صحيحُ تلك الأحاديث غير صريحٍ، وصريحُها غير صحيحٍ، وهذا موضع يستدعي مجلَّدًا ضخمًا».","vol":"1","page":404},{"text":"ثم يبتديء ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويقف، ثُمَّ يبتديء ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. على ترسُّلٍ (^١) وتمهُّلٍ وترتيل، يمدُّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ويمُدُّ ﴿الرَّحِيمِ﴾ (^٢). وكان يقرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف (^٣).\n_________\n(^١) «ترسل» ليست في هـ.\n(^٢) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٥٠٤٦)، من حديث قتادة قال: سُئل أنس ﵁: كيف كانت قراءة النَّبيِّ ﷺ؟ فقال: «كانت مدًّا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم».\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٢) وأبوداود (٤٠٠١) والحاكم (٢/ ٢٥٢)، وغيرهم من طريق ابن جريج عن ابن أبى مليكة عن أم سلمة أنَّها سُئِلَت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: «كان يقطِّع قراءته آيةً آيةً، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾». قال أبودواد: وسمعتُ أحمد يقول: «القراءة القديمة: ملِك يوم الدين»، وقال الحاكم: «قال ابن أبي مليكة: وكانت أمُّ سلمة تقرؤها «ملِك يوم الدين»، هذا حديث صحيحٌ على شرط الشَّيخين … وله شاهدٌ بإسناد صحيح على شرطهما عن أبي هريرة» ثمَّ أسنده من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ به، قال الدَّارقطني في العلل (٨/ ١٧٦): «والصَّحيح عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أنَّه كان يقرؤها: مالك يوم الدين». وانظر أيضًا: الإرواء للألباني (٣٤٣).","vol":"1","page":405},{"text":"وإذا ختم السُّورة قال: «آمين»، يجهر بها، ويمدُّ بها صوتَه (^١)، ويجهر بها مَنْ خلفه، حتى يرتجَّ المسجد (^٢).\nواختلفت الرِّواية عنه، هل كان يسكت بين الفاتحة وقراءة السُّورة، أم كانت سكتته (^٣) بعد القراءة كلِّها؛ فقال يونس عن الحسن عن سمرة (^٤): «حَفِظْتُ سكتتين، سكتةً إذا كبَّر الإمام حتى يقرأ، وسكتةً إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة (^٥) عند الرُّكوع»، وصدَّقَهُ أُبَيُّ بن كعبٍ على\n_________\n(^١) يشير إلى ما أخرجه الترمذي (٢٤٨)، وأبوداود (٩٣٢)، وابن حبَّان (١٨٠٥)، من طريق سلمة بن كهيل عن حجر الحضرمي عن وائل بن حجر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، ورفع بها صوته». وقد صحَّحه ابن حبَّان، والدَّارقطني في سننه (١/ ٣٣٣)، وابن حجر في التَّلخيص (١/ ٢٣٦)، وردَّ إعلال ابن القطَّان له بما وهَّمه فيه.\n(^٢) أخرجه أبوداود (٩٣٤)، وابن ماجه (٨٥٣) من طريق بشر بن رافع عن أبي عبد الله ابن عمِّ أبي هريرة عن أبي هريرة قال: ترك الناس التأمين وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصَّفِّ الأول، فيرتجُّ بها المسجد». هذا لفظ ابن ماجه. ولفظ أبي داود: «حتى يسمع من يليه من الصف الأول». قال الحافظ في التَّلخيص (١/ ٢٣٨): «وبشر بن رافع ضعيفٌ، وابن عمِّ أبي هريرة قيل: لا يعرف، وقد وثَّقه ابن حبان». وانظر: البدر المنير لابن الملقِّن (٣/ ٥٨٧)، والسلسلة الضَّعيفة للألباني (٩٥٢).\n(^٣) ط: «سكتةً».\n(^٤) س: «بن سمرة». تحريفٌ.\n(^٥) هـ وط: «وسكتة».","vol":"1","page":406},{"text":"ذلك (^١). ووافق يونسَ أشعثُ الحمراني (^٢) عن الحسن فقال: «سكتة إذا استفتح، وسكتة إذا فرغ من القراءة كلِّها» (^٣).\nوخالفهما قتادة، فقال عن الحسن: أنَّ سمرة بن جندب وعمران بن الحصين تذاكرا، فحدَّث سمرة أنَّه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقط، فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أُبيِّ بن كعب، فكان في كتابه إليهما: «أنَّ سمرة قد (^٤) حفظ» (^٥).\nوقال قتادة أيضًا عن الحسن عن سمرة: «سكتتان حفظتهما (^٦) عن رسول الله ﷺ، إذا دخل في الصَّلاة، وإذا فرغ من القراءة»، ثم قال بعد:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٢١)، وأبوداود (٧٧٩)، وابن ماجه (٨٤٥). قال الدَّارقطني في سننه (١/ ٣٣٦): «الحسن مختلفٌ في سماعه من سمرة، وقد سمع منه حديثًا واحدًا، وهو حديث العقيقة». وينظر أيضًا: جامع التَّحصيل للعلائي (ص/١٦٥). وقد ضعَّف الألباني الحديث في الإرواء (٥٠٥).\n(^٢) هـ: «وأشعث الحراني».\n(^٣) أخرجه أبوداود (٧٧٧ - ٧٧٨)، والترمذي (٢٥١).\n(^٤) «إليهما» ليست في هـ وط. و«قد» ليست في هـ.\n(^٥) أخرجه أبوداود (٧٧٩)، وابن ماجه (٨٤٤).\n(^٦) ط: «حفظهما».","vol":"1","page":407},{"text":"«وإذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾» (^١).\nفقد اتَّفَقَت الأحاديث أنَّها (^٢) سكتتان فقط: إحداهما: سكتة الاستفتاح، والثَّانية مختلف فيها؛ فالذي قال: إنَّها بعد قراءة الفاتحة هو قتادة، وقد اختلف عليه، فمرَّةً (^٣) قال ذلك، ومرَّةً قال: «بعد الفراغ من القراءة». ولم يختلف على يونس وأشعث أنَّها بعد فراغه من القراءة كلِّها، وهذا أرجح الرِّوايتين. والله أعلم.\nوبالجملة فلم يُنْقل عنه ﷺ بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه كان يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها مَنْ خَلْفه، وليس في سكوته في هذا المحلِّ إلَّا هذا الحديث المختلف فيه كما رأيتَ. ولو كان يسكت هنا (^٤) سكتة طويلة يدرك فيها المأموم قراءة الفاتحة لما خفي (^٥) ذلك على الصَّحابة، ولكان معرفتهم به (^٦) ونَقْلهم له أهم من سكتة الاستفتاح (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٧٨٠).\n(^٢) ط: «أنهما».\n(^٣) ض وس: «عليه سمرة». هـ وط: «عليه سمرة فمرة».\n(^٤) هـ: «هناك».\n(^٥) «المأموم» ليست في هـ وط. وفيهما: «.. اختفى».\n(^٦) ض وس: «معرفته بهم».\n(^٧) «له ..» ليست في هـ وط. وفيهما: «الافتتاح».","vol":"1","page":408},{"text":"ثم يقرأ بعد ذلك سورةً، طويلةً تارةً، وقصيرةً تارةً، ومتوسِّطةً تارةً، كما تقدَّم ذِكر الأحاديث به. ولم يكن يبتدئ من وسط سورةٍ (^١) ولا من آخرها؛ وإنَّما كان يقرأ من أوَّلها، فتارةً يكملها، وهو أغلب أحواله، وتارةً يقتصر على بعضها، ويكملها في الرَّكعة الثانية.\nولم ينقل أحدٌ عنه أنَّه (^٢) قرأ بآيةٍ من سورةٍ أو بآخرها إلَّا في سُنَّة الفجر؛ فإنَّه كان يقرأ فيها بهاتين الآيتين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة/١٣٦] الآية، و﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران/٦٤] الآية (^٣).\nوكان يقرأ بالسُّورة في الرَّكعة، وتارةً يعيدها في الرَّكعة الثَّانية، وتارةً يقرأ بسورتين في ركعةٍ (^٤). أمَّا الأوَّل: فكقول (^٥) عائشة: «إنَّه قرأ في المغرب بالأعراف، فرَّقها في الرَّكعتين» (^٦).\nوأمَّا الثَّاني: فقراءته في الصُّبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة/١] في الرَّكعتين\n_________\n(^١) ط: «السورة».\n(^٢) س: «بأنه».\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٢٧)، من حديث ابن عبَّاس ﵁.\n(^٤) هـ وط: «سورتين في الركعة».\n(^٥) س: «فلقول».\n(^٦) تقدَّم تخريجه (ص/٣٠٣).","vol":"1","page":409},{"text":"كِلْتَيهما. والحديثان في «السُّنن» (^١).\nوأمَّا الثَّالث: فكقول ابن مسعود: «لقد (^٢) عَرَفتُ النَّظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينها (^٣)». فذكر عشرين سورةً من المفصَّل، سورتين في ركعةٍ (^٤). وهذا في «الصَّحيحَين» (^٥).\nوكان يمدُّ قراءة الفجر ويطيلها أكثر من سائر الصَّلوات، وأقصر ما حُفِظ عنه أنَّه قرأ به (^٦) فيها في الحَضَر ﴿ق﴾ ونحوها (^٧).\nوكان يجهر بالقراءة في الفجر، وفي (^٨) الأُولَيَين من المغرب والعشاء، ويُسِرُّ فيما سوى ذلك. وربَّما كان يُسْمِعُهم الآية في صلاة (^٩) السِّرِّ أحيانًا (^١٠).\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٣٢١).\n(^٢) س: «فلقول ..». هـ وط: «.. ولقد».\n(^٣) «يقرن بينها» سقطت من س. وفي ض وط: «بينهما».\n(^٤) ض: «ركعتين». هـ: «الركعة».\n(^٥) البخاري (٧٧٥)، ومسلم (٧٢٢). ولفظه عندهما: «يقرن بينهنَّ».\n(^٦) هـ وط: «.. أنه كان يقرأ». ط: «بها».\n(^٧) تقدَّم تخريجه (ص/٣٠٠)، وأنَّه في مسلم.\n(^٨) «وفي» من س.\n(^٩) هـ وط: «قراءة».\n(^١٠) تقدم تخريجه (ص/٣٠٦) وأنه في الصحيحين.","vol":"1","page":410},{"text":"وكان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة (^١) ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، و﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان/١] كاملتين (^٢). ولم يقتصر على إحداهما، ولا على بعض هذه وبعض هذه قط.\nوكان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين كاملتين (^٣)، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر (^٤). ورُبَّما كان يقرأ بسورة الأعلى والغاشية (^٥).\nوكان يقرأ في العيدين بسورة ﴿ق﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر/١] كاملتين (^٦)، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر (^٧). وكان يقرأ في صلاة السِّرِّ بسورةٍ (^٨) فيها السَّجدة أحيانًا، فيسجد للسَّجدة ويسجد\n_________\n(^١) ض وس: «بسورة».\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/٣٨٥)، وأنَّه في البخاري، ومسلم.\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/٣٨٤)، وأنَّه في مسلم.\n(^٤) «يومًا من الدَّهر» ليست في هـ وط.\n(^٥) أخرجه مسلم (٨٧٨)، من حديث النُّعمان بن بشير ﵁.\n(^٦) أخرجه مسلم (٨١٩)، من حديث أبي واقد اللَّيثي ﵁.\n(^٧) «يومًا من الدَّهر» من س.\n(^٨) ط: «سورة».","vol":"1","page":411},{"text":"معه مَنْ خَلْفه (^١).\nوكان يقرأ في الظُّهر قدر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، ونحو ثلاثين آية (^٢). ومرَّةً كان يقرأ فيها بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١] (^٣)، و﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١] (^٤) و﴿السَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج/١] و﴿السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق/١]، ونحوها من السُّور (^٥). ومرةً بلقمان والذَّاريات (^٦). وكان يقوم في الرَّكعة الأولى منها حتى لا يُسْمَع وقعُ قَدَمٍ (^٧).\nوكذلك كان يطيل الرَّكعة الأولى من كُلِّ صلاةٍ على الثَّانية (^٨). وكانت قراءته في العصر في الرَّكعتين الأُوْلَيَيْن (^٩) في كُلِّ ركعة قدر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٧٥)، من حديث ابن عمر ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته».\n(^٢) تقدم تخريجه (ص/٣٠٨) وأنه عند مسلم.\n(^٣) تقدم تخريجه (ص/٣١٠) وأنه عند مسلم.\n(^٤) تقدم تخريجه (ص/٣٠٩) وأنه عند مسلم.\n(^٥) تقدم تخريجه (ص/٣١٠).\n(^٦) تقدم تخريجه (ص/٣١٠).\n(^٧) تقدَّم تخريجه (ص/٣٠٧).\n(^٨) أخرجه البخاري (٧٥٩)، ومسلم (٤١٥)، من حديث أبي قتادة ﵁. وتقدم نحوه من حديث سعد (ص/٣٠٧).\n(^٩) ض وس: «الأولتين».","vol":"1","page":412},{"text":"خمس (^١) عشرة آية (^٢)، وكان يقرأ في المغرب بالأعراف تارةً، وبالطُّور تارةً، والمرسلات تارةً، وبالدُّخان تارةً (^٣).\nورُوِيَ عنه أنَّه قرأ فيها بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون/١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص/١] انفرد به ابن ماجه (^٤). ولعلَّ أحد رواته وهم من قراءته بهما في سُنَّة المغرب، فقال: «كان (^٥) يقرأ بهما في المغرب». أوسَقَطَت «سُنَّة» (^٦) من النُّسْخة. فالله أعلم.\nوكان يقرأ في عشاء الآخرة بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين/١] (^٧)، وسورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق/١]، ويسجد فيها، ويسجد معه (^٨) جميع مَنْ خَلْفَه (^٩)، وبـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ونحو ذلك من السُّور (^١٠).\n_________\n(^١) ض: «خمسة».\n(^٢) تقدم تخريجه (ص/٣٠٨) وأنه في مسلم.\n(^٣) تقدَّم تخريج هذه الأحاديث (ص/٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٢).\n(^٤) حديث (٨٣٣). وقد تقدَّم الكلام (ص/٣٣١) على إعلاله بأحمد بن بديل.\n(^٥) ط: «فكان»، وليس فيه: «فقال».\n(^٦) «سنة» ليست في ض وس.\n(^٧) تقدم تخريجه (ص/٣٠٤) وأنه في الصحيحين.\n(^٨) ط: «ويسجد فيها».\n(^٩) تقدم تخريجه (ص/٣٠٤) وأنه في الصحيحين ..\n(^١٠) تقدم تخريجه (ص/٣٠٥).","vol":"1","page":413},{"text":"وكان إذا فَرَغ من القراءة سَكَت هُنَيْئةً (^١)؛ لتراجع (^٢) إليه نَفَسُه (^٣).\nفصْلٌ\nثُمَّ كان يرفع يَدَيه إلى (^٤) أنْ يحاذي بهما فروع أُذُنَيْه، كما رفعهما في الاستفتاح، صحَّ عنه ذلك (^٥) كما صحَّ التَّكبير للرُّكوع، بل الذين رَوَوْا عنه رفع اليَدَين ههنا أكثر من الذين رَوَوْا عنه التَّكبير.\nثُمَّ يقول: «الله أكبر»، ويخرُّ راكعًا، ويَضَع يديه على ركبتيه، فيمكِّنُهُما من ركبتيه، وفرَّج بين أصابعه، وجافى مِرْفَقَيه عن جَنْبَيه، ثُمَّ اعتدل، وجعل رأْسَه حِيَال ظهره، فلم يرفع رأْسَه ولم يصوِّبْه، وهَصَر ظهره، أي: مَدَّه ولم يجمعه (^٦).\n_________\n(^١) تقدَّم الكلام على همز هذه الكلمة وما قيل فيها (ص/٣٤٥ - ٣٤٦).\n(^٢) ط: «ليراجع».\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/٤٠٦ - ٤٠٨)، وأنَّه من حديث الحسن عن سمرة ﵁، وفي بعض ألفاظه: «وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يترادَّ إليه نَفَسه».\n(^٤) ض: «حتى».\n(^٥) تقدَّم تخريجه (ص/٣٩٧ - ٣٩٨) وأنَّه عند مسلم.\n(^٦) أمَّا وضعهما على الركبتين ممكَّنتين ومجافاة مرفقيه ورفع ظهره ورأسه: فأخرجه البخاري (٨٢٨)، من حديث أبي حميد السَّاعدي ﵁، بلفظ: «وإذا ركع أمْكَن يَدَيْه من ركبتيه، ثم هصر ظهره» وسيأتي في كلام المصنِّف بطوله. … =","vol":"1","page":414},{"text":"ثُمَّ قال: «سبحان ربِّي العظيم» (^١). ورُوِيَ عنه أنَّه كان يقول: «سبحان ربِّي العظيم وبحمده». قال أبوداود: «وأخاف أنْ لا تكون هذه\n_________\n= وأخرجه أبوداود (٧٣٤)، والترمذي (٢٦٠) وقال: «حسن صحيح»، بلفظ: «ركع فوضع يديه على ركبتيه؛ كأنَّه قابضٌ عليهما، ووتر يديه فنحَّاهما عن جَنْبَيه».\nوفي بعض ألفاظ حديث أبي حميد - وسيأتي قريبًا ـ: «فلم يصوِّب رأسه ولم يُقْنِعه».\nوأمَّا تفريج الأصابع: فأخرجه ابن خزيمة (٥٩٤)، وابن حبان (١٩٢٠)، والحاكم، وقال: «صحيحٌ على شرط مسلم»، من حديث وائل بن حجر ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا ركع فرَّج أصابعه، وإذا سجد ضمَّ أصابعه».\n(^١) أخرجه مسلم (٧٧٢)، من حديث حذيفة ﵁، في صفة صلاته ﷺ باللَّيل، وفيه: «ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم».\nوأخرجه أبوداود (٨٨٦)، والترمذي (٢٦١)، وابن ماجه (٨٩٠)، من طريق إسحاق ابن يزيد الهذلي عن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مراتٍ: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه».\nقال أبوداود: «هذا مرسلٌ، عونٌ لم يدرك عبد الله»، وقال الترمذي: «ليس إسناده بمتصلٍ؛ عون بن عبد الله بن عتبة لم يلق ابن مسعود»، وقال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٤٢): «وفيه انقطاعٌ .. وأصل هذا الحديث عند أبي داود وابن ماجه والحاكم وابن حبان من حديث عقبة بن عامر قال: لمَّا نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال النَّبيُّ ﷺ: اجعلوها في ركوعكم، فلمَّا نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم».\nوقد تقدَّم تخريج هذا الحديث والكلام عليه (ص/٢٧١).","vol":"1","page":415},{"text":"الزِّيادة محفوظةً» (^١). وربَّما مكث قدر ما يقول القائل عشر مرَّات، وربَّما مَكَث فوق ذلك ودونه.\nوربَّما قال: «سبحانك اللَّهم ربَّنا (^٢) وبحمدك، اللَّهم اغفر لي» (^٣). وربَّما قال: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والرُّوح» (^٤). وربَّما قال: «اللَّهم لك رَكَعت، وبك آمنتُ، ولك أسلمت، وعليك توكَّلْت، أنت ربِّي، خشع قلبي، وسمعي، وبصري، ودمي، ولحمي، وعظمي، وعصبي، لله ربِّ العالمين» (^٥). وربَّما كان يقول: «سبحان ذي الجبروتِ، والملكوتِ، والكِبرياءِ، والعَظَمة» (^٦). وكان ركوعه مناسبًا لقيامه في التَّطويل والتَّخفيف (^٧). وهذا بيِّنٌ في سائر الأحاديث.\n_________\n(^١) السُّنن (٨٧٠). وقد توسَّع في ذكر طرقه وتحسينه الحافظ ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٤٢)، وضعَّفه الألباني في الإرواء (٣٣٤).\n(^٢) «ربنا» ليست في ط.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٩٤)، ومسلم (٤٨٤)، من حديث عائشة ﵂.\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٨٧)، من حديث عائشة ﵂.\n(^٥) أخرجه مسلم (٧٧١)، من حديث عليٍّ ﵁.\n(^٦) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤)، وأبوداود (٨٧٣)، والنَّسائي (١٠٤٩)، من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁. قال النَّووي في الخلاصة (١/ ٣٩٦): «بإسنادٍ صحيحٍ».\n(^٧) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٤) من حديث البراء في الصَّحيحين: «كانت صلاة رسول الله ﷺ، قيامه وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السَّجدتين قريبًا من السَّواء».","vol":"1","page":416},{"text":"فصْلٌ\nثم كان يرفع رأسه، قائلًا: «سمع الله لمن حمده» (^١)، ويرفع يَدَيه كما رفعهما عند الركوع (^٢).\nفإذا اعتدل قائمًا قال: «ربَّنا ولك الحمد» (^٣) (^٤). وربَّما قال: «ربَّنا لك الحمد»، وربَّما قال: «اللَّهم ربَّنا لك (^٥) الحمد، ملءَ السَّموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهلَ الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعْطِي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَّد» (^٦). وربَّما زاد على ذلك: «اللَّهم طهِّرني بالثَّلج والبَرَد والماء البارِد، اللَّهم طهِّرني من الذُّنُوب والخطايا كما ينقَّى الثَّوب الأبيض من الوَسَخ (^٧)» (^٨).\n_________\n(^١) الأحاديث الصِّحاح في هذه السُّنَّة كثيرة، منها ما أخرجه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢)، من حديث أبي هريرة ﵁ في صفة صلاته ﷺ: «ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع».\n(^٢) تقدَّم تخريجه (ص/٣٩٧ - ٣٩٨).\n(^٣) «ربنا ولك الحمد» ليست في ط.\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٥) ط: «ولك».\n(^٦) أخرجه مسلم (٤٧٧)، من حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁.\n(^٧) هـ: «الدنس».\n(^٨) أخرجه مسلم (٤٧٦)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁.","vol":"1","page":417},{"text":"وكان يُطِيْل هذا الرُّكن حتَّى يقول القائل: «قد نَسِي» (^١). وكان يقول في صلاة اللَّيل فيه: «لربِّي الحمد، لربِّي الحمد» (^٢).\nفصْلٌ\nثُمَّ يكبِّرُ ويخرُّ ساجدًا، ولا يرفع يَدَيه، وكان يَضَع رُكْبَتَيه قبل يَدَيه (^٣)، هكذا قال عنه وائل بن حجر (^٤)، وأنس بن مالك (^٥).\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٢)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٨)، وأبوداود (٨٧٤)، والنسائي (١٠٦٩)، من طريق عمرو ابن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار عن رجل من بني عبس عن حذيفة ﵁ به. وقد تقدَّم الكلام على إسناده (ص/٢٩٨).\n(^٣) بحثها المصنف أيضًا في الزاد (١/ ٢٢٣ - ٢٣١).\n(^٤) أخرجه أبوداود (٨٣٨)، والنَّسائي (١٠٨٩)، والتِّرمذي (٢٦٨)، وابن ماجه (٨٨٢)، وابن خزيمة (٦٢٦)، وابن حبان (١٩١٢)، كلُّهم من طريق شريك بن عبد الله عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجرٍ ﵁ قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ إذا سجد وضع رُكْبَتَيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يَدَيه قبل ركبتيه».\nقال التِّرمذي: «حَسَنٌ غريبٌ، لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا عن شريكٍ».\nقال ابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ٦٥٦): «قال الدارقطنيُّ: قال ابن أبي داود: وضع الركبتين قبل اليدين تفرَّد به شريكٌ القاضي عن عاصم بن كليبٍ، وشريكٌ ليس بقويٍّ فيما ينفرد به، قال الدَّارقطنيُّ: ولم يحدِّث به عن عاصمٍ غير شريكٍ، وقال البيهقيُّ: هذا الحديث يعدُّ في أفراد شريكٍ القاضي، وإنَّما تابعه همَّام مرسلًا، هكذا ذكره البخاريُّ وغيره من الحفَّاظ المتقدِّمين ..». وسيأتي كلام المصنِّف أيضًا في إعلاله، وضعفه الألباني في صفة الصلاة، الأصل (٣/ ٧١٥ - ٧١٦).\n(^٥) أخرجه الدَّارقطني (١/ ٣٤٥)، والحاكم (١/ ٣٤٩) وقال: «إسنادٌ صحيحٌ على =","vol":"1","page":418},{"text":"وقال عنه ابن عمر: «إنَّه كان يضعُ يَدَيه قبل رُكْبَتَيه» (^١).\nواختُلِفَ على أبي هريرة، ففي «السُّنَن» (^٢)، عنه (^٣)، عن النَّبيِّ ﷺ:\n_________\n= … شرط الشَّيخين، ولا أعرف له عِلَّة»، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٩٩)، من طريق العلاء بن إسماعيل العطار حدثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنسٍ ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ كبَّر حتى حاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كُلُّ مفصلٍ منه في موضعه، ثم رفع رأسه حتى استقر كلُّ مفصلٍ منه في موضعه، ثم انحطَّ بالتَّكبير فسبقت ركبتاه يَدَيْه». قال أبو حاتم الرازي كما في علل ابنه (١/ ١٨٨): «حديث منكر». وقال الدَّارقطني: «تفرَّد به العلاء بن إسماعيل عن حفص بهذا الإسناد». وضعفه الألباني في صفة الصلاة، الأصل (٣/ ٧١٦).\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٦٢٧)، والحاكم (١/ ٣٤٨)، وغيرهما، من طريق الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أنَّه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: «كان النبيُّ ﷺ يفعل ذلك».\nوأخرجه البخاري تعليقًا في صحيحه، باب يهوي بالتكبير حين يسجد، عن نافعٍ به.\nوقد صحَّحه ابن خزيمة، والحاكم، والألباني في الإرواء (٣٥٧). وصفة الصلاة، الأصل (٣/ ٧١٤).\n(^٢) أبوداود (٨٤٠)، والنَّسائي (١٠٩١)، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٨١)، كلُّهم من طريق الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ به.\n\nوأخرجه أبوداود (٨٤١)، والنَّسائي (١٠٩٠)، والترمذي (٢٦٩)، من طريق عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن حسن عنه به، بلفظ: «يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل». وقد صحَّحه النَّووي والزرقاني والمناوي وعبد الحق الإشبيلي والألباني، يُنْظَر: إرواء الغليل (٣٥٧).\n(^٣) «عنه» ليست في ط.","vol":"1","page":419},{"text":"«إذا سجد أحدُكُم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يَدَيه قبل رُكْبَتَيه».\nوروى عنه المقبري عن النَّبيِّ ﷺ: «إذا سجد أحَدُكم فليبدأ برُكْبَتَيْه قبل يَدَيْه» (^١). فأبو هريرة قد تعارضت الرِّواية عنه، وحديث وائل وابن عمر قد تعارَضَا.\nفرجَّحَت طائفةٌ حديث ابن عمر، ورجَّحَت طائفةٌ حديث وائل بن حجرٍ، وسَلَكت طائفةٌ مسلك النَّسخ، وقالت: كان الأمر الأوَّل وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين، ثم نُسِخ بوضع الرُّكبتين أولًا. وهذه طريقة ابن (^٢) خزيمة قال (^٣): «ذكر الدَّلائل (^٤) على أنَّ الأمر بوضع اليَدَين عند السجود منسوخٌ؛ وأنَّ وضْعَ الرُّكبتين قبل اليَدَين ناسخٌ». ثُمَّ روى من طريق [إبراهيم بن إسماعيل (^٥)] بن يحيى بن سلمة بن كهيل [حدَّثني\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٢/ ١٠٠) من طريق عبد الله بن سعيد المقبري عن جدِّه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ به. قال البيهقي: «عبد الله بن سعيد المقبري ضعيفٌ». وقال الألباني في الإرواء (٣٥٧): «حديثٌ باطلٌ .. ابن سعيد المقبري واهٍ جدًّا ..». تُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٤/ ٣١)، وميزان الاعتدال (٢/ ٤٢٩).\n(^٢) ض: «لابن».\n(^٣) «قال» ليست في ط، وفي هـ: «في ذكر».\n(^٤) كذا في النُّسخ كلِّها، وفي صحيح ابن خزيمة المطبوع: «الدليل».\n(^٥) في النُّسخ كلها: «إسماعيل بن إبراهيم». والتَّصويب من صحيح ابن خزيمة وكتب التَّراجم.","vol":"1","page":420},{"text":"أبي (^١)] عن أبيه عن سلمة عن مصعب بن سعد قال: «كُنَّا نَضَع اليَدَين قبل الرُّكْبَتين، فأُمِرْنا بالرُّكبتين (^٢) قبل اليَدَين» (^٣).\nوهذا لو ثَبَت لكان فيه الشِّفاء، لكن يحيى بن سلمة (^٤) بن كهيل قال البخاريُّ: «عنده مناكير» (^٥)، وقال ابن معين: «ليس بشيءٍ، لا يُكْتَب حديثه» (^٦)، وقال النَّسائي: «متروك الحديث» (^٧).\nوهذه القِصَّة ممَّا وُهِّمَ فيها يحيى أوغيره، وإنَّما المعروف عن مصعب بن سعد عن أبيه نسخ التَّطبيق في الرُّكوع بوضع (^٨) اليَدَين على الرُّكبتين، فلم يحفظ هذا الرَّاوي (^٩)، وقال: «المنسوخ وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين» (^١٠).\n_________\n(^١) الزِّيادة من صحيح ابن خزيمة.\n(^٢) ط: «بوضع».\n(^٣) صحيح ابن خزيمة (١/ ٣١٩).\n(^٤) ض: «سالم». تحريف.\n(^٥) التاريخ الكبير (٨/ ٢٢٧)، ولفظه فيه: «في حديثه مناكير».\n(^٦) تاريخ ابن معين للدوري (٣/ ٢٧٧، ٣١٣)، والكامل لابن عدي (٧/ ١٩٦).\n(^٧) الضعفاء والمتروكون للنسائي (٦٣١)، والكامل لابن عدي (٧/ ١٩٦).\n(^٨) هـ: «بوضعين».\n(^٩) وكذا قال البيهقي، حيث أخرجه في الكبرى (٢/ ١٠٠)، ثم قال: «كذا قال، والمشهور عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التَّطبيق».\n(^١٠) هو قول ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٣١٩).","vol":"1","page":421},{"text":"قال السَّابقون باليَدَين: قد صحَّ حديث ابن عمر؛ فإنَّه من (^١) رواية عبيد الله عن نافع عنه. قال ابن أبي داود: «وهو قول أهل الحديث».\nقالوا: وهم أعلم بهذا من غيرهم؛ فإنَّه نقلٌ محضٌ.\nقالوا: وهذه سُنَّةٌ رواها أهل المدينة، وهم أعلم بها من غيرهم.\nقال ابن أبي داود: ولهم فيها إسنادان: أحدهما: محمد بن عبد الله ابن حسن عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة. والثَّاني: الدَّراوردي عن عبيد الله (^٢) عن نافع عن ابن عمر.\nقالوا: وحديث وائل بن حُجْر له طريقان، وهما معلولان، في إحداهما (^٣) شريكٌ، تفرَّد به. قال الدَّارقطنيُّ: «وليس بالقويِّ فيما يتفرَّدُ به» (^٤).\nوالطَّريق الثَّاني: من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، ولم يسمع منه (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) «من» ليست في ض.\n(^٢) هـ: «عبيد الله الدراوردي».\n(^٣) هـ وط: «أحدهما».\n(^٤) السُّنن (١/ ٣٤٥).\n(^٥) هـ وط: «من أبيه».\n(^٦) ويُنْظر: جامع التَّحصيل للعلائي (ص/٢١٩).","vol":"1","page":422},{"text":"قال السَّابقون بالرُّكبتين: حديث وائل بن حُجْر أثبت من حديث أبي هريرة وابن عمر. قال البخاريُّ (^١): «حديث أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة= لا يُتَابَع عليه (^٢) محمد بن عبد الله بن الحسن». قال: «ولا أدري سمع من أبي الزِّناد أم لا؟».\nوقال الخطَّابيُّ (^٣): «حديث وائل بن حُجْر أثبت منه». قال: «وزَعَم بعض العُلماء أنَّه منسوخٌ؛ ولهذا لم يحسِّنه التِّرمذي، وحكم بغرابته، وحسَّن حديث وائلٍ».\nقالوا: وقد قال في حديث أبي هريرة: «لا يبرك كما يبرك البعير»، والبعير إذا برك بدأ بيَدَيه قبل ركبتيه، وهذا النَّهْي لا يمانِعُ قوله: «وليضع يَدَيه قبل ركبتيه»، بل ينافيه. ويدلُّ على أنَّ هذه الزِّيادة غير محفوظةٍ، ولعلَّ لفظها انقلب على بعض الرِّواة.\nقالوا: ويدلُّ على ترجيح هذا أمران آخران:\nأحدهما: ما رواه أبوداود (^٤)، من حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله\n_________\n(^١) في التاريخ الكبير (١/ ١٣٩).\n(^٢) ض زيادة: «فيه» هنا.\n(^٣) في معالم السُّنن (١/ ٢٠٨).\n(^٤) السُّنن (٩٩٢). وأخرجه ابن خزيمة (٦٩٢)، والحاكم (١/ ٣٥٣)، وقال: «حديث صحيحٌ على شرط الشيخين»، كلُّهم من طريق إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ﵁ به. وقد ضعَّفه الألباني في الضَّعيفة (٩٦٧).","vol":"1","page":423},{"text":"ﷺ نهى أنْ يعتمد الرجل على يَدَيه في الصَّلاة». وفي لفظٍ: «نهى أن يعتمد الرَّجل على يَدَيْه إذا نَهَض في الصَّلاة (^١)» (^٢).\nولا ريب أنَّه إذا وضع يَدَيه قبل رُكْبَتيه اعتمد عليهما، فيكون قد أوقع جُزْءًا من الصَّلاة معتمِدًا على يَدَيه بالأرض. وأيضًا فهذا الاعتماد في السُّجود نظير الاعتماد في الرَّفع منه سواء؛ فإذا نهى عن ذلك كان نظيره كذلك.\nالثَّاني: أنَّ المصلِّي في انحطاطه ينحطُّ منه إلى الأرض الأقرب إليها أوَّلًا، ثُمَّ الذي مِنْ (^٣) فَوْقِهِ، ثُمَّ الذي مِنْ فَوْقِهِ، حتى ينتهي إلى أعلى ما فيه، وهو وجهه، فإذا رفع رأسه من السُّجود ارتفع أعلى ما فيه (^٤) أوَّلًا، ثُمَّ الذي دونه، ثُمَّ الذي دونه، حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه. والله أعلم.\n_________\n(^١) «وفي لفظٍ .. في الصَّلاة» سقطت من ض.\n(^٢) همَّش في هـ بما يلي: «قلتُ: يعارض هذا الحديث حديث مالك بن الحُوَيْرِث عند الشَّافعي، بلفظ: «واعتمد بيَدَيْه على الأرض»، وعند البخاري: «واعتمد على الأرض»، بغير ذكر: «يَدَيْه». وهو في الوسيط للشافعي، من حديث ابن عباس، بلفظ: «وضع يَدَيْه على الأرض كما يصنع العاجن»، وضعَّفوه. وفي الأوسط للطبراني: أنَّ ابن عمر كان يعتمد على يَدَيْه كما يقعد الذي يعجن العجين». انتهى.\n(^٣) «من» ليست في هـ.\n(^٤) هـ وط زيادة: «وهو».","vol":"1","page":424},{"text":"فصْلٌ\nثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويَدَيه ورُكْبَتيه وأطراف قَدَمَيه (^١)، ويستقبل بأصابع يَدَيه ورِجْلَيه القبلة. وكان يعتمد على إلْيَتَي كَفَّيْه، ويرفع مِرْفَقيه، ويجافي عضديه عن جَنْبَيه، حتى يبدو بياض إبْطَيْه (^٢)، ويرفع بطنه عن فَخِذَيه، وفخِذَيه عن ساقيه، ويعتدل في سجوده، ويمكِّن وجهه من الأرض مباشرًا به للمصلَّى، غير ساجدٍ على كور العمامة.\nقال أبوحُمَيْد السَّاعدي - وعشرة من الصَّحابة يسمعون كلامه ـ: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصَّلاة اعتدل قائمًا، ورفع يَدَيه حتَّى يحاذي بهما مِنْكَبَيه، فإذا أراد أنْ يركع رفع يَدَيه حتى يحاذي بهما مَنْكِبَيه، ثُمَّ قال: «الله أكبر»، فركع ثُمَّ اعتدل، فلم يصوِّب (^٣) رأسه ولم يُقْنِعه، ووضع يَدَيه على ركبتيه، ثُمَّ قال: «سمع الله لمن حمده»، ثُمَّ رفع واعتدل، حتى رجع كُلُّ عظمٍ (^٤) في موضعه، معتدلًا، ثُمَّ هوى ساجدًا، وقال: «الله أكبر»، ثُمَّ جافى وفتح عضدَيْه عن بطنه، وفتح أصابع رِجْلَيه (^٥)، ثُمَّ ثَنَى رِجْله اليُسْرى، وقعد عليها، واعتدل (^٦)، حتى يرجع كُلُّ عظمٍ موضعه معتدلًا، ثُمَّ هَوَى ساجدًا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠)، من حديث ابن عباسٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أُمِرتُ أنْ أسجد على سبعة أعظم، الجبهة وأشار بيده على أنفه، واليدين، والرجلين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثِّياب ولا الشَّعر».\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٩٠)، ومسلم (٤٩٥)، من حديث عبد الله بن مالك بن بحينة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا صلَّى فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه».\n(^٣) ض وس: «يصب».\n(^٤) هـ وط: «عضو».\n(^٥) «ثُمَّ جافى .. رِجْلَيه» سقطت من ض.\n(^٦) «اليسرى» و«واعتدل» ليستا في ض.","vol":"1","page":425},{"text":"وقال: «الله أكبر»، ثم ثَنَى رجله وقعد عليها، حتى يرجع كُلُّ عضوٍ إلى موضعه، ثُمَّ نَهَض فصنع في الركعة الثَّانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السَّجْدَتين كبَّر ورَفَع يَدَيه حتى يحاذي بهما مَنْكِبَيْه، كما (^١) صَنَع حين افتتح الصَّلاة، ثُمَّ صنع كذلك، حتى إذا كانت الرَّكعة التي تنقضي فيها الصَّلاة أخَّر (^٢) رِجْلَه اليُسرى، وقعد على شِقِّه متورِّكًا، ثُمَّ سلَّم» (^٣).\nوكان يقول في سجوده: «سبحان ربِّي الأعلى» (^٤). ورُوِيَ أنَّه كان يزيد عليها: «وبحمده» (^٥).\nوربَّما قال: «اللَّهم لك (^٦) سجدتُّ، وبك آمنت، ولك أسلمت،\n_________\n(^١) «منكبيه كما» سقطت من هـ.\n(^٢) س: «أخرج».\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٢٧ - ٨٢٨)، وأبوداود (٧٣٣)، والترمذي (٣٠٤) وغيرهم، يزيد بعضهم على بعض.\n(^٤) تقدَّم تخريجه (ص/٤١٥).\n(^٥) تقدَّم تخريجه (ص/٤١٥ - ٤١٦).\n(^٦) «لك» ليست في ض.","vol":"1","page":426},{"text":"سجد (^١) وجهي للَّذي خلقه، وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين» (^٢).\nوكان يقول أيضًا: «سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، اللَّهم اغفر لي» (^٣).\nوكان يقول: «سبحانك اللَّهم وبحمدك (^٤)، لا إله إلَّا أنت» (^٥).\nوكان يقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والرُّوح» (^٦).\nوكان يقول: «اللَّهم اغفر لي ذنبي كُلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وأوَّله وآخره، وعلانيته وسِرَّه» (^٧).\nوكان يقول: «اللَّهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (^٨).\n_________\n(^١) س: «وجهت».\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٧١)، من حديث عليٍّ ﵁.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٩٤)، ومسلم (٤٨٤)، من حديث عائشة ﵂.\n(^٤) «اللَّهم اغفر .. وبحمدك» سقطت من ض.\n(^٥) أخرجه مسلم (٤٨٥)، من حديث عائشة ﵂ قالت: افتقدتُ النَّبيَّ ﷺ ذات ليلةٍ، فظننتُ أنَّه ذهبَ إلى بعض نسائه، فتحسَّستُ، ثم رجعت فإذا هو راكعٌ أو ساجدٌ، يقول: «سبحانك وبحمدك لا إله إلَّا أنت ..».\n(^٦) تقدَّم تخريجه (ص/٤١٦)، وأنَّه عند مسلم.\n(^٧) أخرجه مسلم (٤٨٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٨) أخرجه مسلم (٤٨٦)، من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":427},{"text":"وكان يجعل سجوده مناسبًا لقِيامه، ثُمَّ يرفع رأسه قائلًا: «الله أكبر»، غير رافعٍ يَدَيه، ثُمَّ يفرش رِجْله اليُسرى، ويجلس عليها، وينصب اليُمْنى، ويضع يَدَيه على فخذيه، ثُمَّ يقول: «اللَّهُم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني». وفي لفظٍ: «وعافني» بدل: «واجبرني». هذا حديث ابن عباس (^١). وقال حذيفة: كان يقول بين السَّجدَتَين: «ربِّ اغفر لي» (^٢). والحديثان في «السُّنن».\nوكان يُطِيل هذه الجلسة حتى يقول القائل: «قد أوهم»، أو «قد نسي» (^٣).\nفصْلٌ\nثُمَّ يكبِّر ويسجد، غير رافع يَدَيه، ويصنع في الثَّانية كما (^٤) صنع في\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٣١٥)، وأبوداود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨)، والحاكم (١/ ٣٩٣)، من طريق كامل أبي العلاء عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباسٍ ﵁ به، وقال: «صحيح الإسناد». وحسَّن إسناده النَّووي في الخلاصة (١/ ٤١٥)، وابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ١١٨)، وصحَّحه ابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ٦٧٢).\n(^٢) أخرجه أبودواد (٨٧٤)، وابن ماجه (٨٩٧)، من طريق صِلَة بن زُفَر عن حذيفة، وأخرجه الحاكم (١/ ٤٠٥)، وابن خزيمة (٦٨٤) عن طلحة بن يزيد عن حذيفة به، وصحح إسناده الألباني في صفة الصلاة (٣/ ٨١١).\n(^٣) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٢)، وأنَّه في الصَّحيحين.\n(^٤) هـ وط: «مثل ما».","vol":"1","page":428},{"text":"الأولى، ثُمَّ يرفع رأسه مكبِّرًا، وينهض على صدور قَدَمَيه، معتمدًا على رُكْبَتيه وفَخِذيه (^١).\nوقال مالك بن الحويرث: «كان رسول الله ﷺ إذا كان (^٢) في وترٍ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا» (^٣). فهذه تُسَمَّى جلسة الاستراحة، ولا ريب أنَّه ﷺ فعلها، ولكن هل فَعَلها على أنَّها من سنن الصَّلاة وهيئاتها كالتَّجافي وغيره، أو لحاجته إليها لما أسنَّ وأخذه اللَّحم؟ وهذا الثَّاني أظهر؛ لوجهين:\nأحدهما: أنَّ فيه جمعًا بينه وبين حديث وائل بن حجر (^٤)، وأبي هريرة: «أنَّه كان ينهض على صدور قدميه».\nالثَّاني: أنَّ الصَّحابة الذين كانوا أحرص النَّاس على مشاهدة أفعاله\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٨٨) من طريق خالد بن إلياس عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ ينهض في الصَّلاة على صدور قدميه». قال الترمذي: «وخالد بن إلياس هو ضعيفٌ عند أهل الحديث». وضعَّفه الألباني في الإرواء (٣٦٢).\n(^٢) ض: «إذا نهض».\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٢٣).\n(^٤) أخرجه أبوداود (٧٣٦) من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه عن النبيِّ ﷺ: «وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه». وقد تقدَّم أنَّ عبد الجبَّار لم يدرك أباه.","vol":"1","page":429},{"text":"وهيْئات صلاته كانوا ينهضون على صدور أقدامهم؛ فكان عبد الله بن مسعود يقوم على صُدُور قدميه في الصَّلاة، ولايجلس. رواه البيهقي عنه (^١). ورواه عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزُّبير، وأبي سعيد الخدري، من رواية عطيَّة العوفي عنهم (^٢)، وهو صحيحٌ عن ابن مسعودٍ.\nولم يكن يرفع يَدَيه في هذا القيام. وكان إذا اسْتَتَمَّ قائمًا أخذ في القراءة، ولم يسكت، وافتتح قراءته بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فإذا جلس في التَّشهد الأول جلس مفترشًا كما يجلس بين السَّجدتين، ويضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه السَّبَّابة، ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى، كهيئة الحلقة، وجعل بصره إلى موضع إشارته، وكان يرفع إصبعه السَّبَّابة ويحنيها قليلًا، يوحِّدُ بها ربَّه ﷿ (^٣).\n_________\n(^١) السُّنن الكبرى (٢/ ١٢٥)، من طريق الأعمش عن إبراهيم النخعي حدثني عبد الرحمن بن يزيد أنَّه رأى عبد الله بن مسعودٍ ﵁ فذكره.\n(^٢) السُّنن الكبرى (٢/ ١٢٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٧٩) من حديث ابن الزبير ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليُمْنى على فخذه اليُمْنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السَّبَّابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفَّه اليسرى ركبته». … =","vol":"1","page":430},{"text":"وذكر أبوداود (^١)، من حديث ابن عباسٍ عنه ﷺ أنَّه قال: «هكذا الإخلاص»، يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، «وهكذا الدُّعاء»، فرفع يَدَيه حذو مَنْكِبَيه، «وهكذا الابتهال»، فرفع يَدَيه مدًّا. وقد رُوِي موقوفًا (^٢).\nثُمَّ كان يقول: «التَّحيَّات لله والصَّلوات والطَّيبات، السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده\n_________\n= … وأخرجه مسلم (٥٨٠) من حديث ابن عمر ﵁ بنحوه، وفيه: «وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسَّبَّابة».\nوأخرجه أبو داود (٩١١)، وابن حبَّان (١٩٤٦)، من حديث مالك بن نمير الخزاعي أنَّ أباه حدَّثه: أنَّه رأى رسول الله ﷺ في الصلاة واضعًا اليُمْنى على فخذه اليُمْنى رافعًا أصبعه السَّبَّابة، قد حناها شيئًا».\nوأخرجه النسائي (١١٦٠)، وابن خزيمة (٧١٩)، وابن حبَّان (١٩٤٧)، من حديث ابن عمر ﵁، وفيه: «وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة، ورمى ببصره إليها». وصحَّح إسناده الألباني في الإرواء (٣٦٦).\n(^١) في سننه (١٤٩١) بنحوه، وفيه: «الاستغفار» بدل: «الإخلاص». وقد أخرجه الحاكم (٤/ ٣٥٦) وقال: «صحيح الإسناد»، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٢/ ١٣٣)، من طريق العباس بن عبد الله بن معبد ابن عباس عن أخيه إبراهيم عن ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ، فذكر نحوه.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٤٨٩)، وعبد الرزاق (٣٢٤٧)، وغيرهما، من طريق عباس بن عبد الله بن معبد عن عكرمة عن ابن عباسٍ ﵄ موقوفًا.","vol":"1","page":431},{"text":"ورسوله» (^١).\nوكان يعلِّمُه أصحابه، كما يعلِّمُهُم القرآن، وكان أيضًا يقول: «التَّحيَّات المباركات الصَّلوات الطَّيبات لله» (^٢). هذا تشهُّد ابن عباسٍ، والأوَّل تشهُّد ابن مسعودٍ، وهو أكمل؛ لأنَّ تشهد ابن مسعود يتضمَّن جُمَلًا متغايرةً، وتشهُّد ابن عباسٍ جملةٌ واحدةٌ. وأيضًا فإنَّه في «الصَّحِيحَين»، وفيه زيادة الواو، وكان يعلِّمهم إيَّاه كما يعلِّمُهُم القرآن.\nورَوَى ابن عمر (^٣) عنه: «التَّحيَّات لله الصَّلوات الطَّيِّبات» (^٤). وفيه أنواع أُخَر، كُلُّها جائزةٌ.\nوكان يخفِّف هذه الجلسة، حتى كأنَّه جالسٌ على الرَّضَف (^٥) (^٦). وهي: الحجارة المُحْمَاة، ثُمَّ يكبِّر وينهض، فيصلِّي الثَّالثة والرَّابعة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢)، من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٠٣)، من حديث ابن عباسٍ ﵄.\n(^٣) «ابن عمر» ليست في ض.\n(^٤) أخرجه أبوداود (٩٧١). قال ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٤١٣): «قال الدارقطني: هذا إسنادٌ صحيحٌ».\n(^٥) س: «الرظف». هـ: «الرضيف».\n(^٦) أخرجه أبوداود (٩٩٥)، والنسائي (١١٧٦)، والترمذي (٣٦٦). من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ به، وهو منقطعٌ؛ لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. وينظر: التَّلخيص الحبير (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":432},{"text":"ويخفِّفُهما عن الأُوْلَيَين (^١)، وكان يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، ورُبَّما زاد عليها أحيانًا (^٢).\nفصْلٌ\nوكان إذا قَنَت (^٣) لقومٍ أو على قومٍ يجعل قنوتَه في الرَّكعة الأخيرة، بعد رفع رأسه من الرُّكوع، وكان أكثر ما يفعل ذلك في صلاة الصُّبح.\nوقال حميد عن أنسٍ: «قَنَت (^٤) رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع في\n_________\n(^١) ض وس: «الأولتين».\n(^٢) تقدَّم ذكره من كلام المصنِّف من حديث أبي سعيد الخدري - عند مسلمٍ - قال: «كُنَّا نَحْزِرُ قيام رسول الله ﷺ في الظُّهر والعصر، فحزَرْنَا قيامه في الرَّكعتين الأُولَيَيْن من الظُّهر قدر ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وحَزَرْنا قيامه في الأُخْرَيَيْن قدر النِّصف من ذلك، وحَزَرْنا قيامه في الرَّكعتين الأُولَيَيْن من العصر على قدر قراءته ..»، وفي روايةٍ: بدل قوله: «﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة»: «قدر ثلاثين آية، وفي الأُخْرَيَيْن قدر خمس عشرة آية. وفي العصر في الرَّكعتين الأُولَيَيْن في كُلِّ ركعةٍ قدر خمس عشرة، وفي الأُخْرَيَيْن قدر نِصْف ذلك».\nوقد صحَّح الألباني في كتابه صفة الصلاة (الأصل ٢/ ٤٦٨) إسناد أثر قراءة أبي بكرٍ ﵁ في الثالثة من صلاة المغرب، ممَّا أخرجه مالك والبيهقي.\n(^٣) «إذا قنت» سقطت من ض.\n(^٤) هـ: «قلت»، وكذا في الموضع التالي بعده. تحريفٌ!","vol":"1","page":433},{"text":"صلاة الصُّبح، يدعو على رِعْلٍ وذَكْوَان» (^١). وقال ابن سيرين: قلتُ لأنسٍ: قَنَت رسول الله ﷺ في صلاة الصُّبح (^٢)؟ قال: «نعم، بعد الركوع يسيرًا». وقال ابن سيرين عن أنسٍ: «قَنَت رسول الله ﷺ شهرًا بعد الركوع في صلاة الفجر، يدعو على عُصَيَّة» (^٣). متَّفقٌ على هذه الأحاديث.\nفهؤلاء أعلم النَّاس بأنسٍ قد حَكَوا عنه أنَّ قنوته كان بعد الركوع، وحُمَيدٌ هو الذي روى عن أنسٍ أنَّه سُئِل عن القُنُوت فقال: «كُنَّا نقنت قبل الركوع وبعده» (^٤). والمراد بهذا القُنُوت طول القيام.\nوقد أخبر أبوهريرة مثل ما أخبر به أنسٌ سواء، أنَّه ﷺ قَنَت بعد الركوع لمَّا قال: «سمع الله لمن حمده» قال قبل أنْ يسجد: «اللَّهم نَجِّ (^٥) عيَّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين». متَّفقٌ عليه (^٦).\nوقال ابن عمر: إنَّه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٠٣)، ومسلم (٦٧٧).\n(^٢) س زيادة: «يدعوا».\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠٠١)، ومسلم (٦٧٧).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١١٨٣). وقد صحَّح إسناده الألباني في الإرواء (٤٢٤) وحكم على قوله: «قبل الركوع» بالشذوذ.\n(^٥) ض: «انج».\n(^٦) البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥).","vol":"1","page":434},{"text":"الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللَّهمَّ العن فلانًا وفلانًا» بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» (^١). فقد اتَّفقت الأحاديث أنَّه قَنَت بعد الركوع، وأنَّه قَنَت لعارضٍ، ثُمَّ تَرَكه.\nثم قال أنسٌ: «القنوت في المغرب والفجر». رواه البخاري (^٢).\nوقال البراء: «كان رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الفجر والمغرب». رواه مسلمٌ (^٣).\nوقَنَت أبوهريرة في الركعة الأخيرة من الظهر، وعشاء (^٤) الآخرة، وصلاة الصُّبح، بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده» يدعو للمؤمنين، ويلعن الكُفَّار، وقال: «لأُقَرِّبَنَّ (^٥) بكم صلاة رسول الله ﷺ». ذكره البخاري (^٦). وقال أحمد (^٧): «وصلاة العصر» مكان «صلاة العشاء».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٥٩).\n(^٢) حديث (١٠٠٤).\n(^٣) حديث (٦٧٨).\n(^٤) ط: «والعشاء».\n(^٥) هـ: «لأقرئن». ومعنى: «لأقربنَّ» أي: آتيكم بما يقربه ويشبهه.\n(^٦) حديث (٧٩٧).\n(^٧) رواه في موضعين من المسند (٢/ ٢٥٥، ٤٧٠) كما في لفظ البخاري، وليس في المطبوع باللَّفظ الذي ذكره المصنِّف.","vol":"1","page":435},{"text":"وقال ابن عباسٍ (^١): «قَنَت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا، في الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والصُّبح، في دُبُر كُلِّ صلاةٍ، إذا قال: «سمع الله لمن حمده» من الرَّكعة الأخيرة، يدعو على حيٍّ من بني سُلَيمٍ، ويؤمِّن مَنْ خَلْفَه». ذكره أحمد (^٢)، وأبو داود (^٣).\nوقد اتَّفقت الأحاديث كما تَرَى على أنَّه في الرَّكعة الأخيرة بعد الرُّكوع، وأنَّه عارِضٌ لا راتِبٌ.\nوفي «صحيح مسلمٍ» (^٤)، عن أنسٍ: «قَنَت شهرًا (^٥) يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثُمَّ تَرَكه». وعند الإمام أحمد (^٦): «قَنَت شهرًا ثُمَّ تَرَكه».\nوقال أبومالكٍ الأشجعي: قلت لأبي: يا أبتِ، إنَّك قد صلَّيْتَ خلف رسول الله ﷺ، وأبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ بالكوفة ههنا قريبًا من خمس (^٧) سنين= أكانوا يقنتون؟ قال: أيْ بُنَيَّ، إنَّه محْدَثٌ. قال\n_________\n(^١) س: «وقال عباس».\n(^٢) في المسند (١/ ٣٠١).\n(^٣) حديث (١٤٤٣).\n(^٤) حديث (٦٧٧). وهو في البخاري أيضًا دون قوله: «ثم تركه».\n(^٥) «شهرًا» ليست في هـ وط.\n(^٦) في المسند (٣/ ١٩١).\n(^٧) ط: «خمسة».","vol":"1","page":436},{"text":"التِّرمذي: «هذا حديثٌ صحيحٌ» (^١).\nورواه النَّسائي (^٢)، ولفظه: «صلَّيْتُ خلف رسول الله ﷺ فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف أبي بكرٍ فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف عمر فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف عثمان فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف عليٍّ فلم يقنت»، ثُمَّ قال: «يا بُنَيَّ، بِدْعةٌ!». فمَنْ كره القُنُوت في الفجر احتجَّ بهذه الأحاديث، وبقول أنسٍ: «ثُمَّ تَرَكه».\nقالوا: فهو منسوخٌ. ومن استحبَّه قبل الرُّكوع فحُجَّتُه الآثار عن الصَّحابة والتَّابعين بذلك.\nقال أبوداود الطَّيالسي: حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة عن أبي رجاء عن أبي مغفل (^٣): «أنَّه قنت في الفجر قبل الركوع» (^٤).\nوقال مالكٌ (^٥): عن هشام بن عروة عن أبيه: «أنَّه كان يقنت في\n_________\n(^١) حديث (٤٠٢).\n(^٢) حديث (١٠٨٠).\n(^٣) كذا في هـ وط، وفي ض وس: «أبي معيل»!\n(^٤) لم أقف عليه في مسنده المطبوع!\n(^٥) في رواية أبي مصعب الزُّهري والقَعْنبي وسويد بن سعيد، عن مالك عن هشام بن عروة: أنَّ أباه كان لا يقنت في شيءٍ من الصلاة، ولا في الوتر، إلَّا أنَّه كان يقنت في صلاة الفجر قبل أن يركع الرَّكعة الآخرة إذا قضى قراءته». يُنْظَر: الموطأ برواياته الثمانية للهلالي (٢/ ٤٤).","vol":"1","page":437},{"text":"الفجر قبل الركوع» (^١).\nوذكر أبوبكر ابن المنذر عن عمر بن عبد العزيز: أنَّه كان يقنت قبل الركوع (^٢).\nوقال أصْبَغ بن الفَرَج والحارث بن مسكين وابن أبي الغمر (^٣):\nحدَّثنا عبد الرحمن بن القاسم قال: سُئِلَ مالكٌ عن القنوت في الصُّبح، أيُّ ذلك أعجبُ إليك؟ قال: الذي أدركت النَّاس عليه، وهو أمر النَّاس القديم: القنوت قبل الركوع. قلتُ: أيُّ ذلك تأخذ به (^٤) في خاصَّة نفسك؟ قال: القنوت قبل الركوع. قلتُ: فالقنوت في الوتر؟ قال: ليس فيه قنوتٌ.\n_________\n(^١) تكرَّرت: «وقال مالكٌ .. الركوع» مرَّتين في ط، وثلاثًا في هـ، ودون كلمة: «الفجر» في الثانية أوالثَّالثة عندهما. وقد أشار إلى هذا التِّكرار في هامش ط. وسيأتي أنَّه تحرَّف فتكرَّر.\n(^٢): «وذكر .. الركوع» سقطت كلها من ط وهـ. ولعلَّها تحرَّفت إلى الجملة السَّابقة المتقدِّم أنَّها تكررَّت فيهما.\n(^٣) هـ وط: «العمر»، س: «النعمان». وأشار في هامش هـ أنَّه في نسخة: «العميا»!\n\nوابن أبي الغمر هو: عبد الرحمن بن أبي الغمر عمر بن عبد الرحمن أو: عبد العزيز،\nأبو زيد السهمي مولاهم، المصري، الفقيه، صاحب ابن القاسم، توفي سنة ٢٣٤ هـ. يُنْظَر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٧/ ٢٤٢)، وتهذيب التَّهذيب (٢/ ٥٣٤).\n(^٤) «به» ليست في هـ وط.","vol":"1","page":438},{"text":"فصلٌ\nومن استحبَّه بعد الرَّكوع فذهب إلى الأحاديث التي صرَّحَت (^١) بأنَّه بعد الركوع، وهي صِحاحٌ كُلُّها.\nقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يقول أحدٌ في حديث أنسٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَت قبل الركوع» غير عاصم الأحول؟ قال: ما علمتُ أحدًا يقولُه غيره خالف عاصمًا.\nقلتُ: هشام (^٢) عن قتادة عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَت (^٣) بعد الركوع»، والتَّيمي عن أبي مجلز عن أنس: «أنَّ (^٤) النَّبيَّ ﷺ قَنَت بعد الرُّكوع»، وأيُّوب عن محمَّدٍ قال: سألتُ أنسًا، وحنظلة السَّدوسي عن أنس، أربعة وجوهٍ.\nقيل لأبي عبد الله: وسائر الأحاديث أليس إنَّما هي بعد الركوع؟ قال: بلى كُلُّها، خِفَاف بن إيماء (^٥) وأبو هريرة.\n_________\n(^١) ض: «خرجت».\n(^٢) ض: «هشاما».\n(^٣) هـ: «وقنت».\n(^٤) ض وس: «عن».\n(^٥) هـ وط: «خفاف أين إنما». تحريفٌ.\nوخفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري، وكان إمام بني غفار وسيَّدهم، له ولأبيه صحبةٌ، وشهد الحديبية مع رسول الله ﷺ». ترجمته في: تهذيب الكمال (٨/ ٢٧١)، والإصابة لابن حجر (٢/ ٣٣٥).","vol":"1","page":439},{"text":"قلتُ لأبي عبد الله: فلِمَ ترخِّصُ (^١) إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنَّما صحَّ الحديث (^٢) بعد الركوع؟\nفقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوِتْر نختاره بعد الركوع، ومن قَنَت قبل الركوع فلا بأس؛ لفعل أصحاب رسول الله ﷺ واختلافهم فيه، فأمَّا في الفجر فبعد الركوع، والذي فعله رسول الله ﷺ هو القُنُوت في النَّوازل، ثُمَّ تَرَكَه، ففِعْله سُنَّةٌ، وتَرْكُه سُنَّةٌ، وعلى هذا دَلَّت جميع الأحاديث، وبه تتَّفِق السُّنَّة.\nوقال عبد الله بن أحمد (^٣): سألتُ أبي عن القُنُوت في أيِّ صلاةٍ؟ قال: في (^٤) الوتر بعد الرُّكوع، فإنْ قَنَت رجلٌ في الفجر، اتِّباع ما روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قَنَت دعاءً للمستضعفين فلا بأس، فإنْ قَنَت رجلٌ بالنَّاس، يدعو لهم ويستنصر الله تعالى فلا بأس.\nوقال إسحاق الحربيُّ (^٥): سمعت أباثورٍ يقول لأبي عبد الله أحمد\n_________\n(^١) س: «يرخص».\n(^٢) ط: «الأحاديث».\n(^٣) مسائل عبد الله (٢/ ٣٠٤) بنحوه.\n(^٤) «في» ليست في هـ.\n(^٥) إسحاق بن الحسن بن ميمون بن سعد، أبو يعقوب الحربي، ترجم له القاضي ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١١٢) ثم نقل عن الخلال أنَّه قال عنه: «نقل عن إمامنا مسائل حسانًا».","vol":"1","page":440},{"text":"ابن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبوعبد الله: إنَّما يكون القنوت في النَّوازل. فقال له أبوثورٍ: أيُّ نوازل أكبر من هذه النَّوازل (^١) التي نحن فيها؟ قال: فإذا كان كذلك فالقنوت.\nوقال الأثرم: سألتُ أبا عبد الله عن القنوت في الفجر، فقال: نعم، في الأمر يحدث (^٢)، كما قَنَت النَّبيُّ ﷺ يدعو على قومٍ. قلتُ له: ويرفع صوته؟ قال: نعم، ويؤمِّن مَنْ خلفه، كذلك فعل النَّبيُّ ﷺ. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القنوت في الفجر بعد الركوع.\nوسمعتُه قال لَّما سُئِلَ (^٣) عن القنوت في الفجر (^٤) فقال: إذا نزل بالمسلمين أمرٌ قَنَت الإمام، وأمَّن مَنْ خلفه. ثُمَّ قال: مثل ما نزل بالنَّاس من هذا الكافر، يعني: بابك (^٥).\n_________\n(^١) هـ وط: «أكثر ..». وقوله: «فقال له .. النَّوازل» سقطت من ض.\n(^٢) «يحدث» ليست في ض.\n(^٣) «لمَّا سُئل» ليست في ض وس.\n(^٤) «بعد الركوع .. في الفجر» سقطت من هـ.\n(^٥) بابك الخُرَّمي، صاحب فتنة كبرى زمن بني العبَّاس، كان ولد زنا، خرَّميًّا مجوسيًّا، يقول بتناسخ الأرواح، وكان في أوَّل أمره فقيرًا أجيرًا في قريته بأذربيجان، فأمَّره قوم من الخُرَّمية، وانضمَّ إليه طائفة من قطَّاع الطريق والفلَّاحين، ثمَّ استفحل أمره وعظم شرُّه، ودامت فتنته نحو عشرين عامًا، تمكَّن فيها واستولى على حصون ومدائن وقتل وسبى، إلى أن قتله المعتصم سنة ٢٢٣ هـ. يُنْظَر: تاريخ الإسلام للذَّهبي (١٦/ ١١)، و(٢٠/ ٢٣٥).","vol":"1","page":441},{"text":"وقال عبدوس بن مالك العطَّار (^١): سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل فقلت: إنِّي رجلٌ غريبٌ من أهل البصرة، وإنَّ قومًا قد اختلفوا عندنا في أشياء، وأحبُّ أنْ أعلم رأيك فيما اختلفوا فيه. قال: سَلْ عمَّا أحببت، قلتُ: فإنَّ بالبصرة قومًا يقنتون (^٢)، كيف ترى في الصَّلاة خلف من يقنت؟ فقال: قد كان المسلمون يصلُّون خلف من يقنت (^٣)، وخلف من لا يقنت، فإنْ زاد في القنوت حرفًا، أو دعا بمثل «إنَّا نستعينك»، أو «عذابك الجد»، أو «نحفد». فإنْ كنتَ في الصَّلاة فاقطعها.\nفصْلٌ\nوشرع لأمَّته أنْ يصلُّوا عليه في التَّشهُّد الأخير، فيقولوا: «اللَّهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما صلَّيْتَ على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما باركت على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ» (^٤).\n_________\n(^١) عبدوس بن مالك، أبو محمد العطار، نقل القاضي ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (٢/ ١٦٦) عن الخلَّال قال: «روى عن أبي عبد الله مسائل لم يروها غيره، ولم تقع إلينا كلُّها، مات ولم تُخَرَّج عنه، ووقع إلينا منها شيء».\n(^٢) ض: «يفتنون».\n(^٣) «فقال: قد .. من يقنت» سقطت من ض.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٧٩٧)، ومسلم (٤٠٦)، من حديث كعب بن عجرة ﵁.","vol":"1","page":442},{"text":"وأَمَرَهم أنْ يتعوَّذُوا بالله من عذاب النَّار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال (^١). وعَلَّم الصِّديِّق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفرلي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم» (^٢).\nوكان من آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: «اللهُمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلَّا أنت» (^٣).\nثُمَّ كان يسلِّم عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السَّلام عليكم ورحمة الله» (^٤). وروى ذلك خمسة (^٥) عشر صحابيًّا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) تقدم تخريجه (ص/٣٧٧) وأنه في الصحيحين.\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٧١)، من حديث عليٍّ ﵁.\n(^٤) أخرجه أبوداود (٩٩٦)، والترمذي (٢٩٥)، وابن ماجه (٩١٤)، والنسائي (١٣٢٢)، وابن خزيمة (٧٢٨)، وابن حبَّان (١٩٩٠)، من طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يسلِّم عن يمينه حتى يبدو بياض خدِّه: السَّلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك». وقد صحَّحه الألباني في الإرواء (٣٢٦).\n\nوأخرج مسلم (٤٣١)، من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «كُنَّا إذا صلَّيْنا مع رسول الله ﷺ قلنا: السَّلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله ..». الحديث.\n(^٥) س: «خمس».","vol":"1","page":443},{"text":"وكان إذا سلَّم قال: «أستغفر الله» ثلاثًا، «اللَّهُم أنت السَّلام ومنك السَّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (^١)، «لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير، اللَّهُم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (^٢)، «لا إله إلَّا الله، ولا نعبد إلَّا إيَّاه، له النِّعمة وله الفضل وله الثَّناء الحسن (^٣)، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون» (^٤).\nوشَرَع لأمته التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير عقيب الصلاة (^٥).\nوأمَرَ عقبة بن عامر أنْ يقرأ بالمعوِّذتين عقيب كلِّ صلاةٍ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٩١)، من حديث ثوبان ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(^٣) س زيادة: «الجميل».\n(^٤) أخرجه مسلم (٥٩٤)، من حديث عبد الله بن الزبير ﵁.\n(^٥) تقدم تخريجه (ص/٣٧٩) وأنه في الصحيحين.\n(^٦) أخرجه النَّسائي (١٣٣٦)، وابن خزيمة (٧٥٥)، وابن حبان (٢٠٠٤)، والحاكم (١/ ٣٨٣)، من طريق الليث بن سعد عن حنين بن أبي حكيم عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا، بلفظ: «اقرؤا المعوِّذات في دبر كل صلاة».\nوقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم على شرط مسلمٍ، وحسَّن إسناده الألباني في الصَّحيحة (٦٤٥، ١٥١٤).","vol":"1","page":444},{"text":"وروى عنه النَّسائي (^١)، من حديث أبي هريرة أنَّه قال: «من قرأ آية الكرسي عقيب (^٢) كُلَّ صلاةٍ لم يمنعه من دخول الجِنَّة إلَّا أنْ يموت».\nوكان يصلِّي قبل الظُّهر أربعًا، وبعدها ركعتين دائمًا (^٣)، ولمَّا شُغِلَ عنهما يومًا صلَّاهما بعد العصر (^٤). ونَدَب إلى أربعٍ بعدها، فقال: «مَنْ\n_________\n(^١) في الكبرى (٦/ ٣٠)، وعمل اليوم واللَّيلة (١٠٠)، والطبراني (٨/ ١١٤)، لكنَّه من حديث أبي أمامة لا أبي هريرة ﵁، فقد روياه من طريق محمد بن حمير عن محمد بن زياد عن أبي أمامة ﵁ به، وعزاه ابن كثيرٍ في التفسير (١/ ٣٠٨) إلى ابن حبَّان، وقال عن إسناده: «على شرط البخاري».\nوقال المصنِّف في الزاد (١/ ٣٠٤): «وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامة وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، وفيها كلها ضعف، ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها، واختلاف مخارجها دلَّت على أنَّ الحديث له أصل». وصحَّحه ابن عبد الهادي في المحرَّر (٢٧٨)، وجوَّد إسناده الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٠٢).\n(^٢) ض: «عقب».\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٨٢) من حديث عائشة ﵂: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظُّهر». وأخرج مسلم (٧٣٠) من حديثها قالت: «كان يصلِّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثُمَّ يخرج فيصلِّي بالنَّاس، ثم يدخل فيصلِّي ركعتين ..» الحديث، وفيه ذكر باقي الرَّواتب.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤) من حديث أم سلمة ﵂، في قصَّة انشغال النَّبيِّ ﷺ بوفد عبد القيس، ثمَّ صلاته لركعتي الظَّهر بعد العصر.","vol":"1","page":445},{"text":"حافظ على أربع ركعاتٍ قبل الظُّهر وأربع (^١) بعدها حرَّمَه الله على النَّار». قال الترمذي: «حديثٌ صحيحٌ» (^٢).\nولم يُنْقَل عنه أنَّه كان يُصَلِّي قبل العصر حديثٌ صحيحٌ. وفي «السُّنن» (^٣)، عنه أنَّه قال: «رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا».\nوكان يصلِّي بعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الصُّبح ركعتين (^٤)؛ فهذه اثنتا عشرة (^٥) ركعة، سننًا راتبةً، والفرائض سبع عشرة (^٦) ركعة.\n_________\n(^١) هـ وط زيادة: «ركعات».\n(^٢) السُّنن (٤٢٨). وأخرجه أحمد (٦/ ٤٢٦)، وأبودواد (١٢٦٩)، والنَّسائي (١٨١٦)، وابن ماجه (١١٦٠)، وابن خزيمة (١١٩٠)، وغيرهم، من طرقٍ عن أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان ﵄.\n(^٣) أبوداود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠)، وقال: «حسنٌ غريب»، وأخرجه أيضًا أحمد (٢/ ٢١٧)، وابن خزيمة (١١٩٣)، وابن حبَّان (٢٤٥٣)، كلّهم من طريق محمد بن مهران القرشي حدَّثني جدِّي أبوالمثنى عن ابن عمر ﵄ به. وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان، وحسَّنه الترمذي وابن الملقِّن في البدر المنير (٤/ ٢٨٧).\nوفي إسناده محمد بن مهران، فيه مقالٌ، لذا ضعَّفه ابن القطَّان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٧٠٢)، وابن عديٍّ في الكامل (٦/ ٢٤٣) حيث ذكره في ترجمة ابن مهران ممَّا أنكر عليه، وقال: «ليس له من الحديث إلَّا اليسير، ومقدار ما له من الحديث لا يتبيَّن صدقه من كذبه».\n(^٤) أخرجه البخاري (١١٨٠)، ومسلم (٧٢٩)، من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٥) ض: «اثنا عشر». هـ وط: «اثنتي ..».\n(^٦) ض: «سبعة عشر». هـ وط: «سبعة ..».","vol":"1","page":446},{"text":"وكان يصلِّي من اللَّيل عشر ركعاتٍ، وربما صلَّى اثنتي عشرة (^١) ركعة، ويوتر بواحدة (^٢). فهذه أربعون ركعة، كانت وِرْده دائمًا، الفرائضُ وسننُها، وقيام اللَّيل والوتر.\nولم يكن من سُنّته (^٣) الدُّعاء بعد الصُّبح والعصر، وإنَّما كان من هَدْيه الدُّعاء في الصَّلاة، وقبل السَّلام منها، كما تقدَّم. والله أعلم (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) ض: «عشر».\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٣٩)، ومسلم (٧٣٨)، من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) س وهـ وط: «سننه».\n(^٤) في آخر نسخة ض: «الحمدلله رب العالمين على تمام هذه النُّسخة النَّافعة العظيمة، رحم الله مصنِّفها رحمةً واسعةً، وجعل عملنا وعمله خالصًا مضاعفًا، اللَّهُمَّ اغفر لكاتبها الفقير إلى الله عثمان بن عبد الله بن بشر، اللَّهُمَّ اغفر ذنوبه، واستر عيوبه في الدُّنيا والآخرة، وقد فرغت من نسخها يوم الأربعاء، الثالث عشر من جمادى الأولى، سنة ألفٍ ومئتين وإحدى وسبعين ١٢٧١، سبحان ربِّك ربِّ العِزَّة عمَّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم». وفي جانبي هذه الخاتمة: «رحم الله امرأً دعا لكاتبها بالمغفرة».\n\n(وفي آخر نسخة س: «آخر الجواب. والحمدلله وحده، وصلى الله وسلَّم على من لا نبيَّ بعده، وآله وصحبه وسلَّم. تمَّ الكتاب المبارك المسمَّى: كتاب الصلاة، للإمام الشَّهير، الشيخ محمَّد بن أبي بكر الزُّرعي، المعروف بابن القيِّم، رحمه الله تعالى وعفى عنه، والحمد لله ربِّ العالمين». وفي جانب الخاتمة الأيمن: «هذا الكتاب ممَّا يسَّره الله ومنَّ به على عبده الفقير إليه، محمَّد بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمَّد آل سعود، رحمهم الله تعالى وعفى عنهم».","vol":"1","page":447},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-278> فهْرَس المَرَاجِع والمَصَادر</span>*\n- إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري، ت: دار المشكاة للبحث، بإشراف: أبوتميم ياسر بن إبراهيم، دار الوطن للنشر، ١٤٢٠ هـ.\n- إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، للحافظ ابن حجر، ت: مجموعة من الباحثين بمركز خدمة السُّنَّة والسيرة النَّبويَّة بالجامعة الإسلاميَّة، طبع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشَّريف، الأولى، ١٤١٥ هـ.\n- الأحاديث المختارة، للضِّياء محمد بن عبد الواحد المقدسي، ت: عبد الملك بن دهيش، مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة، الأولى، ١٤١٠ هـ.\n- أحاديث ومرويَّات في الميزان، لمحمد عمرو عبد اللطيف، نشر: ملتقى أهل الحديث، مكة المكرمة، الأولى ١٤٢٦ هـ.\n- الأحكام الشرعية الكبرى، لعبد الحق الإشبيلي، ت: حسين بن عكاشة، مكتبة الرشد، الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n- الأحكام الوسطى، لعبد الحق الإشبيلي، ت: حمدي السَّلفي وصبحي السَّامرَّائي، مكتبة الرشد، ١٤١٦ هـ.\n- أحوال الرِّجال، للجوزجاني، ت: صبحي السامرائي، مؤسسة الرسالة.\n- إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي، نشر دار االمعرفة ببيروت.\n- أخبار الصَّلاة، لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، ت: مجدي عطيَّة حمُّودة، مكتبة ابن عباسٍ بمصر، الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n- الأدب المفرد، للبخاري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية، الثالثة، ١٤٠٩ هـ.\n- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السَّبيل، للشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n- الاستذكار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لابن عبد البر، ت: عبد المعطي قلعجي، دار الوعي ومكتبة الثقافة الدينيَّة، الأولى، ١٤١٣ هـ.\n- أسرار الصَّلاة، المنسوب للإمام ابن قيِّم الجوزيَّة، ت: إياد القيسي، دار ابن حزم بلبنان، ٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":535},{"text":"- الإشراف على نكت مسائل الخلاف لقاضي عبد الوهاب البغدادي، ت: الحبيب بن طاهر، دار ابن حزم، الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n- الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، ت: علي البجاوي، نشر دار الجيل، الأولى، ١٤١١ هـ.\n- أصل كتاب صفة صلاة النَّبي ﷺ من التَّكبير إلى التَّسليم كأنَّك تراها، للألباني، مكتبة المعارف، الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n- إعلام الموقِّعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، ت: محمد محيي الدِّين عبد الحميد، دار الفكر، الثانية، ١٣٩٧ هـ.\n- إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، ت: مشهور حسن سلمان، دار ابن الجوزي، الأولى ١٤٢٣ هـ.\n- الأعلام، لخيرالدِّين الزِّركلي، دار العلم للملايين، الخامسة عشرة، ٢٠٠٢ م.\n- الأصنام، لهشام بن محمد الكلبي، ت: أحمد زكي باشا، مطبة دار الكتب المصريَّة، الثالثة، ١٩٩٥ م.\n- اقتضاء الصِّراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ت: ناصر بن عبد الكريم العقل، نشر دار عالم الكتب، توزيع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بالمملكة العربيَّة السَّعوديَّة، السَّابعة، ١٤١٩ هـ.\n- الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، للحافظ ابن ماكولا، نشر: دار الكتب العلميَّة، الأولى، ١٤١١ هـ.\n- الالمام بأحاديث الأحكام، لابن دقيق العيد، ت: حسين إسماعيل الجمل، دار المعراج الدولية، الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n- الانتصار في المسائل الكبار، لأبي الخطَّاب الكلوذاني، مكتبة العبيكان، الأولى، ١٤١٣ هـ.\n- الأم، للشافعي، ت: رفعت فوزي عبد المطلب، دار اللواء بمصر، الأولى ١٤٢٢ هـ.\n- الأنساب، للسَّمعاني، ت: عبد الله عمر البارودي، دار الفكر ببيروت، الأولى، ١٩٩٨ م.\n- الإيمان، لابن أبي شيبة، ت: الألباني، المكتب الإسلامي، الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n- البحر الزخَّار من مسند البزَّار، للبزَّار، ت: محفوظ الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، ومكتبة العلوم والحكم، الأولى، ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":536},{"text":"- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني، دار الكتاب العربي، الثانية، ١٩٨٢ م.\n- بدائع الفوائد، لابن قيِّم الجوزيَّة، ت: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد،، الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n- البداية والنِّهاية، لابن كثير،، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر.\n- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السَّابع، للشوكاني، دار المعرفة ببيروت.\n- البدر الطَّالع بمحاسن من بعد القرن السَّابع، للشوكاني، ت: محمد حسن حلَّاق، دار ابن كثير بدمشق، الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n- البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشَّرح الكبير، لسراج الدين ابن الملقِّن، ت: مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال، نشر دار الهجرة بالرياض، الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n- بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، للحافظ ابن القطَّان الفاسي، ت: حسين آيت سعيد، نشر دار طيبة بالرياض، الأولى، ١٤١٨ هـ.\n- البيان في مذهب الإمام الشَّافعي للعمراني، ت: قاسم محمد النوري، دار المنهاج.\n- تاج العروس من جواهر القاموس، للزبيدي، ت: مجموعة من المحققين، نشر: دار الهداية.\n- التَّاج المكلَّل من جواهر مآثر الطِّراز الأوَّل والآخر، لصدِّيق حسن خان القنُّوجي، ت: عبد الحكيم شرف الدِّين، المطبعة الهنديَّة العربيَّة بالهند، ١٣٨٢ هـ.\n- تاريخ ابن معين، رواية الدُّوري، ت: أحمد محمد نور سيف، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بمكة المكرمة، الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n- تاريخ أصبهان، لأبي نعيم الأصبهاني، ت: سيد كسروي حسن، دار الكتب العلميَّة، الأولى، ١٤١٠ هـ.\n- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي، ت: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n- التاريخ الأوسط، للبخاري، ت: محمد بن إبراهيم اللَّحيدان، دار الصُّميعي، الأولى، ١٤١٨ هـ.\n- التاريخ الأوسط، للبخاري، ت: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي بحلب، الأولى، ١٣٩٧ هـ.\n- التاريخ الكبير، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري،، تصوير دار الكتب العلميَّة.","vol":"1","page":537},{"text":"- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، نشرة دارا لفكر.\n- تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للحافظ جمال الدِّين المزِّي، ومعه: النُّكت الظراف على الأطراف، للحافظ ابن حجر، ت: عبد الصَّمد شرف الدِّين، نشر دار الفاروق الحديثة، عن مطبوعة دار الكتاب الإسلامي بالقاهرة، الثانية، ١٤١٤ هـ.\n- تحفة التَّحصيل في ذكر رواة المراسيل، للحافظ أبي زرعة العراقي، ت: عبد الله نوارة، نشر: مكتبة الرشد بالرياض، ١٩٩٩ م.\n- ترتيب علل التِّرمذي الكبير، للقاضي أبي طالب الأصبهاني، ت: حمزة ديب مصطفى، مكتبة الأقصى، الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n- التَّرغيب والتَّرهيب، للمنذري، ت: إبراهيم شمس الدِّين، دار الكتب العلمية، الأولى، ١٤١٧ هـ.\n- تسهيل السَّابلة لمريد معرفة الحنابلة، لصالح بن عبد العزيز العُثيمين، ت: بكر أبوزيد، الرسالة، الأولى، ١٤١٠ هـ.\n- تعظيم قدر الصَّلاة، لمحمد بن نصر المروزي، عبد الرحمن بن عبد الجبَّار الفريوائي، مكتبة الدَّار في المدينة النبويَّة، الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n- تعليقة على العلل لابن أبي حاتم، لابن عبد الهادي، دار أضواء السلف، ت: سامي بن محمد بن جاد الله، الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n- تغليق التَّعليق على صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ت: سعيد عبد الرحمن القزقي، المكتب الإسلامي ودار عمار، الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، دار الفكر ببيروت، ١٤٠١ هـ.\n- تفسير القرآن، لابن أبي حاتم الرازي، ت: أسعد محمد الطيب، نشر المكتبة العصرية بصيدا.\n- تفسير القرآن، لعبد الرزاق الصنعاني، ت: مصطفى مسلم محمد، مكتبة الرشد، الأولى، ١٤١٠ هـ.\n- تفسير سفيان الثوري، نشر دار الكتب العلمية، الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n- التَّلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافعي الكبير، للحافظ ابن حجر العسقلاني، تصحيح وتعليق: عبد الله هاشم اليماني، تصوير دار المعرفة ببيروت.\n- تمام المنَّة في تخريج أحاديث فقه السُّنَّة، للشيخ الألباني، دار الرَّاية بالرياض، الثَّالثة، ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":538},{"text":"- التَّمهيد لما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر، ت: أسامة إبراهيم، الفاروق الحديثة، الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n- تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، لابن عبد الهادي، ت: أيمن صالح شعبان، دار الكتب العلمية، الأولى، ١٩٩٨ م.\n- تهذيب التَّهذيب، لابن حجر العسقلاني، ت: إبراهيم الزيبق وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ١٤١٦ هـ.\n- تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ جمال الدِّين المزِّي، ت: بشَّار عوَّاد معروف، مؤسة الرسالة، السادسة، ١٤١٥ هـ.\n- التَّوحيد وإثبات صفات الرَّب عزَّوجل، لابن خزيمة، ت: عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، مكتبة الرشد، الخامسة، ١٤١٤ هـ.\n- الثِّقات، لأبي حاتم ابن حبَّان البُستي، مصوَّرة دار الفكر للطبعة الهنديَّة.\n- جامع الأمَّهات لابن الحاجب، ت: الأخضر الأخضري، اليمامة، الثَّانية، ١٤٢١ هـ.\n- جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ت: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، الرابعة، ١٤١٩ هـ.\n- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطَّبري، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n- جامع التَّحصيل في أحكام المراسيل، للحافظ العلائي، ت: حمدي السَّلفي، نشر عالم الكتب ببيروت، الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n- جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، لابن رجب الحنبلي، ت: شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة، السابعة، ١٤١٧ هـ.\n- الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السَّامع، للخطيب البغدادي، ت: محمود الطَّحَّان، مكتبة المعارف، ١٤٠٣ هـ.\n- الجرح والتَّعديل، لابن أبي حاتم الرازي، مصوَّرة دار الكتب العلميَّة للطبعة الهنديَّة.\n- حاشية ابن عابدين، وهو رد المحتار على الدر المختار، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، الثالثة، ١٤٠٤ هـ.\n- حاشية الدسوقي على الشَّرح الكبير للدَّردير، للدسوقي، نشر دار الفكر ببيروت.","vol":"1","page":539},{"text":"- عون المعبود في شرح سنن أبي داود، للعظيم أبادي، مع تهذيبه لابن قيِّم الجوزيَّة، ت: عبد الرحمن محمد عثمان، نشر محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الثانية، ١٣٨٨ هـ.\n- الحاوي الكبير، للماوردي، نشر دار الكتب العلميَّة، الأولى، ١٤١٩ هـ.\n- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم الأصبهاني، نشر دار الرَّيَّان للتراث بالقاهرة، الخامسة، ١٤٠٧ هـ.\n- خلاصة الأحكام في مهمَّات السنن وقواعد الاسلام، للنَّووي، ت: حسين إسماعيل الجمل، مؤسسة الرسالة، الأولى، ١٤١٨ هـ.\n- الدُّر المنثور في التفسير بالمأثور، للسِّيوطي، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n- الدُّرُّ المنضَّد في ذكر تراجم أصحاب الإمام أحمد، لأبي اليمن العُليمي، ت: عبد الرحمن العُثيمين، مكتبة دار التوبة.\n- درَّة الغوَّاص في أوهام الخواص، للحريري، ت: عبد الحفيظ فرغلي، دار الجيل، الأولى، ١٤١٧ هـ.\n- الدِّيباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون، دار الكتب العلميَّة.\n- ديوان أميَّة بن أبي الصَّلت، مع شرحه، تقديم وتعليق: سيف الدِّين الكاتب، أحمد عصام الكاتب، منشورات دار مكتبة الحياة ببيروت.\n- الذَّخيرة للقرافي،، ت: مجموعة من المحققين، دار الغرب الإسلامي، الأولى، ١٩٩٤ م.\n- ذيل تاريخ بغداد، تأليف: محب الدين ابن النجار، دار الكتب العلمية.\n- الذَّيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب الحنبلي، ت: عبد الرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان، الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n- ذيل ميزان الاعتدال، للعراقي، ت: عبد القيوم عبدرب النبي، نشر: مركز التراث بجامعة أم القرى، الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n- الرسالة، للشَّافعي، ت: أحمد محمد شاكر، تصوير المكتبة العلميَّة ببيروت.\n- الروض الدَّاني إلى المعجم الصغير للطَّبراني، محمد شكور محمود الحاج أمرير، المكتب الإسلامي ودار عمار، الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n- روضة الطَّالبين وعمدة المفتين، للنَّووي، المكتب الإسلامي، الثالثة، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":540},{"text":"- زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيِّم الجوزيَّة، ت: شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرِّسالة ومكتبة المنار الإسلاميَّة، الرَّابعة عشر، ١٤٠٧ هـ.\n- الزهد لهنَّاد بن السَّري، ت: عبد الرحمن الفريوائي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n- الزُّهد، لأبي داود السِّجستاني، ت: ياسر إبراهيم، وغنيم الغنيم، نشر: دار المشكاة، الأولى، ١٤١٤ هـ.\n- الزُّهد، لعبد الله بن المبارك، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية.\n- سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني في الجرح والتَّعديل، ت: موفَّق بن عبد الله عبد القادر، مكتبة المعارف، الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n- سؤالات أبي داود السجستاني للإمام أحمد، ت زياد محمد منصور، مكتبة دار العلوم والحكم بالمدينة المنورة، الأولى ١٤١٤ هـ.\n- سؤالات الحاكم النيسابوري للدَّارقطني في الجرح والتَّعديل، ت: موفَّق بن عبد الله بن عبد القادر، مكتبة المعارف، الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n- سلسلة الأحاديث الصَّحيحة وشيءٌ من فقهها وفوائدها، للشيخ الألباني، طبعة الكتب الإسلامي، الرابعة، ١٤٠٥ هـ. وط بمكتبة المعارف، الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n- سلسلة الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة وأثرها السَّيئ في الأمَّة، للشيخ الألباني، الخامسة، بمكتبة المعارف، ١٤١٢ هـ.\n- سنن ابن ماجه، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر ببيروت.\n- سنن ابن ماجه، نشر: دار السلام، الثانية، ١٤٢١ هـ.\n- سنن أبي داود، نشر: دار السلام، الثانية، ١٤٢١ هـ.\n- سنن أبي دواد السجستاني، ت: عزَّت عبيد الدَّعَّاس وعادل السَّيِّد، دار الحديث ببيروت، الأولى، ١٣٨٨ هـ.\n- سنن أبي دواد، ت: محمَّد عوَّامة، دار القبلة بجدة ومؤسَّسة الريَّان ببيروت، الثانية، ١٤٢٥ هـ.\n- سنن الترمذي، ت: أحمد محمد شاكر، ط مصطفى البابي الحلبي، مصوَّرة دار الكتب العلميَّة.\n- سنن الترمذي، ت: بشَّار عوَّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، الأولى، ١٩٩٦ م.","vol":"1","page":541},{"text":"- سنن الترمذي، نشر: دار السلام، الثانية، ١٤٢١ هـ.\n- سنن الدَّارقطني، ت: السَّيِّد عبد الله هاشم اليماني، وبذيله التعليق المغني على الدَّارقطني للعظيم آبادي، دارا لمحاسن للطباعة بالقاهرة.\n- السُّنن الكبرى، للإمام النسائي، أشرف على تحقيقه: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n- سنن النسائي الصغرى، نشر: دار السلام، الثانية، ١٤٢١ هـ\n- السُّنن والأحكام عن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، للضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي، ت حسين عكاشة، دار ماجد عسيري، الأولى ١٤٢٥ هـ.\n- سير أعلام النُّبلاء، للحافظ الذَّهبي، ت: مجموعة من المحقِّقين، أشرف عليهم: شعيب الأرناؤوط، نشر مؤسسة الرِّسالة، الحادية عشرة، ١٤١٩ هـ.\n- السِّيرة النبوية، لابن هشام، ت: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، الأولى، ١٤١١ هـ.\n- الشَّجرة في أحوال الرجال، للجوزجاني، ت عبد العليم البستوي، نشاط أكادمي، فيصل أباد، باكستان، توزيع دار الطحاوي بالرياض، الأولى ١٤١١ هـ.\n- شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، للحافظ هبة الله اللَّالكائي، ت: أحمد ابن سعد حمدان الغامدي، ط دار طيبة، السادسة، ١٤٢٠ هـ.\n- شرح السُّنَّة، للبغوي، ت: زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط.\n- شرح العمدة في الفقه، لابن تيمية، ت: سعود صالح العطيشان، مكتبة العبيكان، الأولى، ١٤١٣ هـ.\n- شرح ديوان أبي تمام، للخطيب التَّبريزي، ت راجي الأسمر، نشر: دار عالم الكتب، الأولى، ١٤١٣ هـ.\n- شرح ديوان أبي تمام، للصُّولي، ت: خلف رشيد نعمان، منشورات وزارة الثَّقافة والفنون بالجمهورية العراقية، سنة ١٩٧٨ م، دار الطليعة للطباعة والنشر ببيروت.\n- شرح صحيح البخاري، لابن بطَّال، ت: ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n- شرح صحيح مسلم، للنَّووي، نشر دار إحياء التراث العربي ببيروت، الثانية، ١٣٩٢ م.","vol":"1","page":542},{"text":"- شرح فتح القدير على الهداية للمرغيناني، لكمال الدين بن الهمام السيواسي، وبهامشه الهداية، وشرحه العناية للبابرتي، مصوَّرة دار صادر ببيروت لطبعة الأميريَّة ببولاق، ١٣١٥ هـ.\n- شرح مختصر الخرقي، لشمس الدين محمد بن عبد الله الزَّركشي، ت: عبد الله الجبرين، ط مكتبة العبيكان، الأولى ١٤١٣ هـ.\n- شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر الطَّحاوي، ت: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n- شعب الإيمان، للبيهقي، ت: محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، الأولى، ١٤١٠ هـ.\n- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ت: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الثالثة، ١٤١٨ هـ.\n- صحيح ابن خزيمة، ت: محمد مصطفى الأعظمي، نشر المكتب الإسلامي، الثانية، ١٤١٢ هـ.\n- صحيح البخاري، نشر دار السلام، الثانية، ١٤٢١ هـ.\n- صحيح مسلم، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n- صحيح مسلم، نشر دار السلام، الثانية، ١٤٢١ هـ.\n- الصَّلاة والتهجُّد، لعبد الحق الإشبيلي، ت: عادل أبوالمعاطي، في دار الوفاء بمصر، الأولى، ١٤١٣ هـ.\n- الصَّلاة ومقاصدها، للحكيم التِّرمذي، ت: حسني نصر زيدان، مطابع دار الكتاب العربي بمصر، ١٩٦٥ م.\n- الصَّلاة، لأبي نعيم الفضل بن دكين، ت: صلاح بن عايض الشَّلاحي، مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة النبويَّة، الأولى، ١٤١٧ هـ.\n- الضُّعفاء الصَّغير، للبخاري، ومعه: الضعفاء والمتروكين، للنسائي، ت: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي بحلب، الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n- الضُّعفاء الصَّغير، للبخاري، ومعه: الضعفاء والمتروكين، للنسائي، ت: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة ببيروت، ١٤٠٦ هـ.\n- الضعفاء الكبير، للعقيلي، ت: عبد المعطي أمين قلعجي، دار المكتبة العلمية، الأولى، ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":543},{"text":"- الضُّعفاء وأجوبة الرَّازي على سؤالات البرذعي، ت: سعدي الهاشمي، دار الوفاء، الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n- الضُّعفاء والمتروكون، للحافظ الدَّارقطني، ت: موفَّق بن عبد الله بن عبد القادر، مكتبة المعارف، الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n- الضعفاء والمتروكون، للنسائي، ت: بوران الضناوي وكمال الحوت، مؤسسة الكتب الثقافية، الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n- طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى الفرَّاء، ت: عبد الرحمن العثيمين، الأمانة العامَّة للاحتفال بمرور مائة عام، ١٤١٩ هـ.\n- طبقات الشَّافعية الكبرى، لتاج الدِّين السبكي، ت: عبد الفتاح الحلو، ومحمود الطَّناحي، دار هجر، الثانية، ١٤١٣.\n- الطَّبقات الكبرى، لابن سعد، نشر دار صادر ببيروت.\n- طبقات المفسِّرين لشمس الدِّين الدَّاوودي، مكتبة وهبة بمصر، الأولى، ١٣٩٢ هـ.\n- العُزلة، للخطَّابي، ت: ياسين بن محمد السَّوَّاس، دار ابن كثير، الثانية، ١٤١٠ هـ.\n- علل التِّرمذي الكبير، رتَّبه القاضي أبوطالب الأصبهاني، ت: صبحي السَّامرَّائي، وأبوالمعاطي النوري، ومحمود خليل الصَّعيدي، نشر دار عالم الكتب، الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n- علل الحديث، لابن أبي حاتم، ت: فريق من الباحثين، بإشراف سعد الحميد وخالد الجريسي، الأولى ١٤٢٧ هـ، طبعة مختصرة الحواشي.\n- علل الحديث، لابن أبي حاتم، دار المعرفة، ١٤٠٥ هـ.\n- العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، للحافظ ابن الجوزي، ت: إرشاد الحق الأثري، نشر إدارة ترجمان السُّنَّة، بلاهور،\n- العلل الواردة في الأحاديث، للدَّارقطني، ت: محفوظ الرَّحمن السَّلفي، دار طيبة بالرياض، ١٤٢٠ هـ.\n- العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل، ت: وصي الله بن محمد عباس، نشر المكتب الإسلامي ودار الخاني، الأولى، ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":544},{"text":"- العلل، لعلي بن المديني، ت: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، الثانية،١٩٨٠ م.\n- عنوان المجد في تاريخ نجد، لعثمان بن عبد الله بن بشر، ت: عبد الرحمن بن عبد اللَّطيف آل الشيخ، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز، الرابعة، ١٤٠٣ هـ.\n- عمل اليوم واللَّيلة، للنَّسائي، ت: فاروق حمادة، مؤسسة الرسالة، الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n- غوث المكدود بتخريج منتقى ابن الجارود، لأبي إسحاق الحويني، دار الكتاب العربي، الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ت: محب الدِّين الخطيب، دار المعرفة ببيروت.\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب الحنبلي، ت: مجموعة من الباحثين، مكتبة الغرباء الأثرية، ١٤٢٦ هـ.\n- فهرسة ابن خير الإشبيلي، دار الكتب العلميَّة، ت: محمد فؤاد منصور، الأولى، ١٤١٩ هـ.\n- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب السِّتَّة، للذَّهبي، ت: محمد عوامة وأحمد محمد نمر الخطيب، دار القبلة للثقافة الإسلامية، الأولى، ١٤١٣ هـ.\n- الكافي، لابن قدامة المقدسي، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الأولى، ١٤١٧ هـ.\n- الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي، ت: يحيى غزَّاوي، دار الفكر ببيروت، الثالثة، ١٤٠٩ هـ.\n- كشف الأستار عن زوائد البزَّار، للهيثمي، ت: حبيب الرَّحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، الثانية ١٤٠٤ هـ.\n- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عبد الله (حاجي خليفة)، نشر: دار الكتب العلمية، ١٤١٣ هـ.\n- الكواكب النَّيِّرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات، لابن الكيَّال، ت: عبد القيُّوم بن عبدربِّ النَّبي، المكتبة الإمداديَّة، الثانية، ١٤٢٠ هـ.\n- لسان العرب، لابن منظور، نشر دار صادر ببيروت، الأولى.\n- لسان الميزان، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ت: غنيم بن عباس بن غنيم، دار الفاروق الحديثة، الأولى، ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":545},{"text":"- المبدع في شرح المقنع، لابن مفلح، المكتب الإسلامي، ١٤٠٠ هـ.\n- المجْتَبى من السُّنن، المعروف بـ «السُّنن الصُّغرى»، للإمام النسائي، ت: عبد الفتاح أبو غدة، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n- المجروحين من المحدِّثين والضُّعفاء والمتروكين، لأبي حاتم ابن حبان البستي، ت: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة ببيروت، الأولى، ١٤١٢ هـ.\n- مجمع الزَّوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، دار الريَّان للتُّراث ودار الكتاب العربي، ١٤٠٧ هـ.\n- المجموع شرح المهذَّب للنووي، ت: محمد نجيب المطيعي، دار إحياء التراث الإسلامي، ١٤١٥ هـ.\n- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاسم وابنه، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشَّريف بالمدينة المنورة، ١٤٢٦ هـ.\n- المحرَّر في الحديث، لابن عبد الهادي، ت: عادل الهدبا ومحمد علوش، دار العطاء، الأولى ١٤٢٢ هـ.\n- المحرَّر في الحديث، لابن عبد الهادي، ت: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، ومحمد سليم إبراهيم سمارة، وجمال حمدي الذهبي، دار المعرفة بلبنان، الثالثة،١٤٢١ هـ.\n- المحلَّى، لابن حزم، ت: أحمد محمد شاكر، تصوير مكتبة دار التراث بالقاهرة.\n- مختصر المزني، لإسماعيل بن يحيى المزني، دار الكتب العلميَّة، الأولى ١٤١٩ هـ.\n- مختصر زوائد البزَّار، لابن حجر العسقلاني، ت: صبري عبد الخالق، مؤسسة الكتب الثقافية، الثالثة ١٤١٤ هـ.\n- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن قيم الجوزية، ت: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، الأولى، ١٤١٠ هـ.\n- المدونة الكبرى، لسحنون، نشر: دار صادر ببيروت.\n- المدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب، لبكر بن عبد الله أبوزيد، دار العاصمة، الأولى، ١٤١٧ هـ.\n- المراسيل، لأبي داود السِّجستاني، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرِّسالة، الأولى، ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":546},{"text":"- المراسيل، للحافظ ابن أبي حاتم الرازي، ت: نعمة الله قوجاني، مؤسسة الرسالة، الثانية، ١٤١٨ هـ.\n- مراصد الصِّلات في مقاصد الصَّلاة، لابن القسطلاني، تعليق: محمد صديق المنشاوي السوهاجي، دار الفضيلة في القاهرة بمصر.\n- مسائل أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، رواية إسحاق الكوسج، ت: خالد الرباط، وآخران، دار الهجرة بالرياض، الأولى ١٤٢٥ هـ.\n- مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله، ت: علي سليمان المهنا، مكتبة الدَّار بالمدينة النبوية، ١٤٠٦ هـ.\n- مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه صالح، ت: فضل الرَّحمن دين محمد، الدَّار العلمية بدلهي الهند، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n- مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود السِّجستاني، ت: طارق عوض الله، مكتبة ابن تيميَّة، الأولى ١٤٢٠ هـ.\n- المسائل الفقهيَّة من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى، ت عبد الكريم اللَّاحم، مكتبة المعارف، الأولى ١٤٠٥ هـ.\n- المستدرك على الصَّحيحين، للحاكم النيسابوري، نشر: دار الكتب العلميَّة، الأولى، ١٤١١ هـ.\n- مسند أبي بكر الصِّديق، لأبي بكر المروزي، ت: شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي.\n- مسند أبي داود الطَّيالسي، ت: محمد بن تركي التركي، دار هجر بمصر، الأولى ١٤٢٠ هـ.\n- مسند أبي يعلى الموصلي، ت: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، الثانية، ١٤١٠ هـ.\n- مسند الإمام أحمد بن حنبل، ت: مجموعة من الباحثين، أشرف عليهم: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الثانية، ١٤٢٠ هـ.\n- مسند الإمام أحمد بن حنبل، وبهامشه: منتخب كنز العمَّال في سنن الأقوال والأفعال، الطبعة الميمنيَّة، تصوير دار الفكر.\n- مسند الدَّارمي، المعروف بـ «السنن»، ت: حسين سليم أسد الدَّاراني، دار المغني، الأولى، ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":547},{"text":"- مسند الدَّارمي، المعروف بـ «السنن»، ت: فوَّاز زمرلي، وخالد السبع، دار الكتاب العربي، الثانية، ١٤١٧ هـ.\n- مسند الشافعي، دار الكتب العلمية ببيروت.\n- المسند، للحميدي، ت: حبيب الرَّحمن الأعظمي، دار الكتب العلميَّة ومكتبة المتنبي بالقاهرة.\n- المسند، للحميدي، ت: حسين سليم أسد، دار السقا، الأولى، ١٩٩٦ م.\n- المسند، للشَّاشي، ت: محفوظ الرحمن زين الله، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة، الأولى، ١٤١٠ هـ.\n- مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، للبوصيري، ت: محمد المنتقى الكشناوي، دار العربية ببيروت، الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للفيومي، نشر المكتبة العلمية ببيروت.\n- المصنَّف، لابن أبي شيبة، ت: محمد عوامة، دار القبلة ومؤسسة علوم القرآن، الأولى ١٤٢٧ هـ.\n- المصنَّف، للإمام عبد الرزَّاق الصنعاني، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، نشر دار المكتب الإسلامي، الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر العسقلاني، ت: مجموعة من الباحثين، تنسيق: سعد بن ناصر الشِّثري، دار العاصمة، ١٤١٩ هـ.\n- معالم السُّنن، للخطَّابي، تصحيح: محمد راغب الطَّبَّاخ، الأولى، ١٣٥١ هـ.\n- المعجم الأوسط، للطَّبراني، ت: طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني، دار الحرمين، ١٤١٥ هـ.\n- المعجم الكبير، للطَّبراني، ت: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة الزهراء، الثانية، ١٤٠٤ هـ.\n- معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، الأولى ١٤١٤ هـ.\n- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للخطيب الشِّربيني، نشر دار الفكر ببيروت.\n- المغني شرح الخرقي لابن قدامة المقدسي، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، وعبد الفتاح الحلو، دار هجر، الثانية، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":548},{"text":"- المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، للحافظ أبوالفضل العراقي، ت: أشرف عبد المقصود، نشر مكتبة طبرية بالرياض، الأولى، ١٤١٥ هـ.\n- مقاصد الصَّلاة، لعزالدِّين، عبد العزيز بن عبد السَّلام، ت: إياد الطَّبَّاع، بدار الفكر بدمشق، الثانية، ١٩٩٥ م.\n- المقنع لابن قدامة، ومعه: الشَّرح الكبير على المقنع لابن أبي عمر، والإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف للمرداوي، كلُّها في نسقٍ واحدٍ، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، وعبد الفتاح الحلو، دار هجر، الأولى، ١٤١٤ هـ.\n- المنتخب من العِلل للخلَّال، لابن قدامة المقدسي، ت: طارق بن عوض الله، دار الراية، الأولى، ١٤١٩ هـ.\n- المنتخب من مسند عبد بن حميد، ت: صبحي البدري السامرائي، ومحمود محمد خليل الصعيدي، مكتبة السنة بالقاهرة، الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n- المنتخب من مسند عبد بن حميد، ت: مصطفى بن العدوي، دار بلنسية، الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n- المنتقى من السنن المسندة، لابن الجارود، ت: عبد الله عمر البارودي، الأولى، مؤسسة الكتاب الثقافية، ١٤٠٨ هـ.\n- المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، لأبي اليمن العُليمي، ت: عبد القادر الأرناؤوط وآخرون، دار صادر بلبنان، الأولى، ١٩٩٧ م.\n- المهذَّب في اختصار السُّنن الكبير للبيهقي، للذَّهبي، ت دار المشكاة بإشراف: أبوتميم ياسر بن إبراهيم، دار الوطن للنشر، الأولى ١٤٢٢ هـ.\n- المهذَّب في فقه الإمام الشافعي، لأبي إسحاق الشيرازي، نشر: دار الفكر ببيروت.\n- مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، للحطَّاب الرعيني، نشر: دار الفكر، الثالثة، ١٤١٣ هـ.\n- الموضوعات من الأحاديث المرفوعات، للإمام ابن الجوزي، ت: نورالدِّين شكري جيلار، نشر مكتبة أضواء السَّلف بالرياض، الأولى، ١٤١٨ هـ.\n- موطأ الإمام مالك برواياته الثمانية، لسليم الهلالي، مجموعة الفرقان للنشر، ١٤٢٤ هـ.\n- موطأ الإمام مالك، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بمصر.\n- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذَّهبي، ت: علي البجاوي، دار الفكر.","vol":"1","page":549},{"text":"- نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ت: حمدي السَّلفي، نشر دار ابن كثير بدمشق، الأولى، ١٤٢١ هـ.\n- نصب الرَّاية لأحاديث الهداية، للزَّيلعي، تصحيح: محمَّد عوَّامة، المكتبة المكِّيَّة، دار القبلة، مؤسسة الرَّيَّان.\n- النِّهاية في غريب الحديث والأثر والرواية، لابن الأثير، ت طاهر الزواوي، ومحمود الطَّناحي، المكتبة العلمية، ١٣٩٩ هـ.\n- النَّوادر والزِّيادات على ما في المدوَّنة من غيرها من الأمَّهات لابن أبي زيد القيرواني، ت: عبد الفتاح الحلو، دار الغرب الإسلامي، الأولى، ١٩٩٠ م.\n- الهداية شرح بداية المبتدي، للمرغياني، المكتبة الإسلامية.\n- الهداية، لأبي الخطاب الكلوذاني، ت: إسماعيل الأنصاري وصالح العمري، مطابع القصيم، الأولى، ١٣٩١ هـ.\n- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزَّمان، لابن خلكان، ت: إحسان عباس، دار الثقافة بلبنان.","vol":"1","page":550}]}