{"ً":{"ٌ":26460,"ٍ":"الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لابن قتيبة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الأجزاء الحديثية/الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة - ابن قتيبة - ت أبو عمر - ط دار الراية","files":["19519.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة\nالمؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)\nالمحقق: عمر بن محمود أبو عمر\nالناشر: دار الراية\nالطبعة: الأولى ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م\nعدد الصفحات: ٦٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nأعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":249,"ٕ":6,"ٖ":1770154477,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الغلاف","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"سبب تأليف الرسالة","level":1,"page":5},{"title":"الرد على نفاة القدر","level":1,"page":6},{"title":"الرد على أهل الجبر","level":1,"page":15},{"title":"الرد على نفاة الصفات والقائلين بالمجاز والزاعمين أن صفات الله كلها معنى واحد","level":1,"page":21},{"title":"الرد على القائلين بخلق القرآن","level":1,"page":23},{"title":"الرد على متأولي الصفات الرد على القائلين أن اليد هي النعمة","level":1,"page":25},{"title":"الرد على متأول الروح","level":1,"page":28},{"title":"الرد على نفاة النظر لوجه الله يوم القيامة","level":1,"page":29},{"title":"الرد عل نفاة صفة النفس","level":1,"page":31},{"title":"الرد على متأولي العرش","level":1,"page":32},{"title":"الرد على نفاة الخلة لله","level":1,"page":34},{"title":"الرد على متأولي الاستواء","level":1,"page":35},{"title":"الرد على متأولي صفة الأصابع","level":1,"page":35},{"title":"الرد على المشبهة","level":1,"page":37},{"title":"مجمل اعتقاد السلف في الصفات","level":1,"page":38},{"title":"الرد على النواصب والروافض","level":1,"page":39},{"title":"ذكر مسألة اللفظ","level":1,"page":42},{"title":"فصل مسألة اللفظ","level":1,"page":48},{"title":"هل الإيمان مخلوق أم لا؟","level":1,"page":50}],"ٛ":{"1,17":2,"1,18":3,"1,19":4,"1,20":5,"1,21":6,"1,22":7,"1,23":8,"1,24":9,"1,25":10,"1,26":11,"1,27":12,"1,28":13,"1,29":14,"1,30":15,"1,31":16,"1,32":17,"1,33":18,"1,34":19,"1,35":20,"1,36":21,"1,37":22,"1,38":23,"1,39":24,"1,40":25,"1,41":26,"1,42":27,"1,43":28,"1,44":29,"1,45":30,"1,46":31,"1,47":32,"1,48":33,"1,49":34,"1,50":35,"1,51":36,"1,52":37,"1,53":38,"1,54":39,"1,55":40,"1,56":41,"1,57":42,"1,58":43,"1,59":44,"1,60":45,"1,61":46,"1,62":47,"1,63":48,"1,64":49,"1,65":50,"1,66":51,"1,67":52,"1,68":53},"ٜ":{"1":[17,68]},"ٝ":[null,"1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"5":[3],"6":[4],"15":[5],"21":[6],"23":[7],"25":[8],"28":[9],"29":[10],"31":[11],"32":[12],"34":[13],"35":[14,15],"37":[16],"38":[17],"39":[18],"42":[19],"48":[20],"50":[21]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الاختلاف في اللفظ\nوالرد على الجهمية والمشبهة\n\nللإمام أبي محمد\nعبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينوري\n٢١٣ - ٢٧٦ هـ\n\nقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه\nعمر بن محمود أبو عمر\n\nدار الراية\n\nالطبعة الأولى\n١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>(مقدمة المؤلف)</span>\nالحمد لله مرتضي الحمد لنفسه، وجاعله فاتحة وحيه، ومنتهى شكره، وكفاء نعمته، ودعوى أهل جنته عند إفضائهم إلى كرامته، البر بخلقه، العواد على المذنبين بعفوه، الذي لا يخيب راجيه، ولا يرد داعيه، ولا ينسى ذاكريه، ولا يقطع حبل عصمته ممن تمسك بعروته، أحمده بجميع محامده على جميع نعمه، وندعوه أن يشعرنا خشيته، ويشرب قلوبنا مراقبته عند كل لفظ وعقد وكل قبض وبسط، وأن يجعل كلامنا له ودلالتنا عليه وإرشادنا إليه، ويؤم بنا سمت الحق وقصد السبيل، وأن يبلغ نبينا المصطفى ﷺ منا أفضل صلاة وأنماها وأزكاها وأقضاها لما فرض من حقه وأوجب من ذكره، صلى الله وملائكته المقربون عليه وعلى آله الطيبين وعلى جميع النبيين والمرسلين، ونعوذ بالله من نزغ الشيطان ومصائده ولطيف خدعه ومكائده، فقد صدق على هذه الأمة ظنه، وأجلب عليهم بخيله ورجله، وقعد لهم رصدًا بكل مرصد، ونصب لهم شركًا بكل ريع، وطفق لغوايتهم بكل شبهة، فأصبح الناس إلا قليلًا ممن عصم الله مفتونين، وفيما يوبقهم خائفين، وعن سبيل نجاتهم ناكبين، ولما وضعه الله عنهم متكلفين، وعما كلفهم","vol":"1","page":17},{"text":"معرضين، إن دعوا أنفوا، وإن وعظوا هزأوا، وإن سئلوا تعسفوا، وإن سألوا أعنتوا، قد فرقوا الدين وصاروا شيعًا فهم يتنابزون بالألقاب ويتسابون بالكفر ويتعاضدون بالنحل ويتناصرون على الهوى وعاد الإسلام غريبًا كما بدأ، فماذا يعجب من سلة السيف وشمول الخوف ونقص الأموال والأنفس وهل يتوقع بعد تزيدنا في الغواية إلا التزيد في البلاء حتى يحكم الله بما شاء بيننا وهو خير الحاكمين.\nوكان طالب العلم فيما مضى يسمع ليعلم ويعلم ليعمل ويتفقه في دين الله لينتفع وينفع فقد صار طالب العلم الآن يسمع ليجمع ويجمع ليذكر ويحفظ ليغالب ويفخر، وكان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع، فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي وفيما لا يقع وفيما قد","vol":"1","page":18},{"text":"انقرض من حكم الكتابة وحكم اللعان ورجم المحصن، وصار الغرض فيه إخراج لطيفه، وغوصًا على غريبه، وردًا على متقدم، فهذا يرد على أبي حنيفة وهذا يرد على مالك، وآخر يرد على الشافعي بزخرف من القول، ولطيف من الحيل، كأنه لا يعلم أنه إذا رد على الأول صوابًا عند الله بتمويهه فقد تقلد المآثم عن العاملين به دهر الداهرين.\nوهذا يطعن بالرأي على ماض من السلف وهو يرى، وبالابتداع في دين الله على آخر وهو يبتدع.\nوكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحدهما على الآخر وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر فهم دائبون يخبطون في العشوات قد تشعبت بهم الطرق وقادهم الهوى بزمام الردى.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>[سبب تأليف الرسالة]</span>\nوكان آخر ما وقع من الاختلاف أمرًا خص بأصحاب الحديث الذين لم يزالوا بالسنة ظاهرين، وبالاتباع قاهرين يداجون بكل بلد ولا يداجون ويستتر منهم بالنحل ولا يستترون، ويصدعون بحقهم الناس ولا يستغشون، ولا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا، ولا يتضع فيه إلا من وضعوا، ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا، إلى أن كادهم الشيطان بمسألة لم يجعلها الله تعالى أصلًا في الدين، ولا فرعًا، في جهلها سعة وفي العلم بها فضيلة، فنمى شرها، وعظم شأنها حتى فرقت جماعتهم وشتتت كلمتهم ووهنت أمرهم وأشمتت حاسديهم وكفت عدوهم مؤنتهم بألسنتهم وعلى أيديهم فهو دائب يضحك منهم ويستهزئ بهم حين رأى بعضهم يكفر بعضًا وبعضهم يلعن بعضًا ورآهم مختلفين وهم كالمتفقين ومتباينين وهم كالمجتمعين ورأى نفسه قد صار لهم سلمًا بعد أن كان لهم حربًا.\nولما رأيت إعراض أهل النظر عن الكلام في هذا الشأن منذ وقع، وتركهم تلقيه بالدواء حين بدا، وبكشف القناع عنه حين نجم، إلى أن استحكم أساسه، وبسق رأسه، وجرى على اعتياد الخطأ فيه الكهل، ونشأ عليه الطفل وعسر على المداوين أن يخرجوا من القلوب ما قد استحكم بالألف ونبت على شراه اللحم، لم أر لنفسي عذرًا في ترك ما أوجبه الله علي بما وهب من فضل المعرفة في أمر استفحل بأن قصر مقصر فتكلفت بمبلغ علمي ومقدار طاقتي ما رجوت أن يقضي بعض الحق عني لعل الله ينفع به فإنه بما شاء نفع، وليس على من أراد الله بقوله أن يسأله الناس بل عليه التبصير وعلى الله التيسير.\nوسيوافق قولي هذا من الناس ثلاثة:","vol":"1","page":20},{"text":"رجلًا منقادًا سمع قومًا يقولون فقال كما قالوا فهو لا يرعوي ولا يرجع لأنه لم يعتقد الأمر بنظر فيرجع عنه بنظر.\nورجلًا تطمح به عزة الرياسة وطاعة الإخوان وحب الشهرة فليس يرد عزته ولا يثني عنانه إلا الذي خلقه إن شاء، لأن في رجوعه إقراره بالغلط واعترافه بالجهل وتأبى عليه الأنفة وفي ذلك أيضًا تشتت جمع وانقطاع نظام واختلاف إخوان عقدتهم له النحلة، والنفوس لا تطيب بذلك إلا من عصمه الله ونجاه.\nورجلًا مسترشدًا يريد الله بعمله لا تأخذه فيه لومة لائم ولا تدخله من مفارق وحشة ولا تلفته عن الحق أنفة فإلى هذا بالقول قصدنا وإياه أردنا.\nولم أر صوابًا أن يكون الكتاب محررًا بذكر هذا الباب خاصة دون غيره فقدمت القول فيه بذكر بعض ما تأولته الجهمية في الكتاب والحديث وإن قل لنحمد الله تعالى على النعمة ونعلم أن الحق مستغن عن الحيلة، ولم أعد في أكثر الرد عليهم طريق اللغة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>(الرد على نفاة القدر)</span>\nفأما الكلام فليس من شأننا ولا أكثر من هلك إلا به وبحمل الدين","vol":"1","page":21},{"text":"على ما يوجبه القياس.\nألا ترى أن أهل القدر حين نظروا في قدر الله الذي هو سره بآرائهم وحملوه على مقاييسهم أرتهم أنفسهم قياسًا على ما جعل في تركيب المخلوق من معرفة العدل من الخلق على الخلق أن يجعلوا ذلك حكمًا بين الله وبين العبد فقالوا بالتخلية والإهمال وجعلوا العباد فاعلين لما لا يشاء وقادرين على ما لا يريد، كأنهم لم يسمعوا بإجماع الناس على ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقالوا كيف يضل ويعذب ويريد ويكره ويحول ويكلف؟ وهل قصر فاعل هذا عن أفحش الظلم؟\nونسوا ما يلزمهم في اختلاف الحكمين وأن من ملك البعض ليس","vol":"1","page":22},{"text":"كمن ملك الكل، وأن الخلق كله لله يميت ويحيى ويفقر ويغني ويصح ويسقم ويبتدئ بالنعم من يشاء ويصطفي للرسالة من شاء ويؤيده بالتوفيق ويملأ قلبه بالنور ويعصمه من الذنوب ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصدًا من الملائكة وأنه لو لم يرد المعصية لما هيأهم هيئة المعصية ولما ركب فيهم آلة الشهوة كما طبع الملائكة ولا سلط عليهم عدوهم ثم أمرهم بالاحتراس.","vol":"1","page":23},{"text":"وأنى للضعيف الاحتراس ممن حرست منه السموات بالنجوم ومنع من الاستماع بالرجوع وجعل له السبيل إلى القلوب من حيث لا يرى فهو يجري مجرى الدم ويوسوس ويخنس ولا يعصمه الله ولا خلق آدم للأرض وأسكنه الجنة وحرم عليه الشجرة وقد علم أنه سيغر فيغتر ويستزل فيزل حتى يخرجه منها إلى حيث جعل له فيه مستقرًا ومتاعًا إلى حين.\nولما اطرد لهم القول على ما أصلوا ورأوه حسن الظاهر قريبًا من النفوس يروق السامعين ويستميل قلوب الغافلين نظروا في كتاب الله فوجدوه ينقض ما قاسوا ويبطل ما أسسوا فطلبوا له التأويلات المستكرهة والمخارج البعيدة وجعلوه عويصًا وألغازًا وإن كانوا لم يقدروا من تلك الحيل على ما يصح في النظر ولا في اللغة كقولهم في: ﴿يضل من يشاء﴾ ينسبهم إلى الضلال ﴿ويهدي من يشاء﴾ ينسبهم إلى الهداية وما في نسبتهم إلى ذلك؟ حتى يعيد ويبدي، ولو أراد النسبة لقال يضللهم،","vol":"1","page":24},{"text":"كما يقال يخونهم ويفسقهم ويظلمهم أي ينسبهم إلى ذلك.\nوقالوا في قوله ﷿: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾ أي ما كان لها أن تؤمن إلا بعلم الله وعلموا ما يلزمهم أن جعلوا الإذن ههنا: المشيئة والإطلاق، وذهبوا إلى قول القائل: (آذنتك بالأمر) أي أعلمتك.\nوهذا من تأويلهم لا يصح في نظر ولا في لغة:\nأما النظر: فإنه لم يقل أحد من الناس أن شيئًا يحدث في الأرض لا يعلمه الله فيقول وما كان لنفس أن تؤمن إلا بعلم الله وإنما اختلفوا في الإذن الذي هو المشيئة والإطلاق فقال المثبتون لم يشأ الله أن يؤمن جميع الناس ولو شاء لآمنوا فليس لنفس أن تؤمن حتى يشاء الله ذلك ويطلقه.\nوقال أهل القدر: قد شاء الله هذا لكل نفس وأطلقه فلها أن تؤمن إن شاءت وفي صدر هذا الكلام دليل على ما قال أهل الإثبات لأن النبي ﷺ كان يحب إيمان قريش فأنزل الله عليه: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ ثم قال على إثر ذلك: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾ يريد بمشيئته وإطلاقه.\nفأول الكلام دليل على آخره والناس مجمعون لا يختلفون على أن القائل إذا قال لو شئت لأتيتك أنه لم يشأ إتيانه ولو شئت لحججت أنه لم يشأ","vol":"1","page":25},{"text":"الحج ولو شئت لتزوجت أنه لم يشأ الزواج فكذلك يلزم في: ﴿لو شاء ربك لأمن من في الأرض﴾ أنه لم يشأ ذلك ومثله: ﴿أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا﴾ و: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ فإن قال أراد لو شاء لآمنوا إجبارًا ولكنه لم يشأ أن يجبرهم على ذلك قيل له لم يشأه على حال فاجعله بأي وجه شئت.\nوقيل: والله يفعل بعباده ما هو أصلح لهم في كل حال عندهم فأي الأمرين كان أصلح لهم؟ أن يجبرهم على الإيمان فيؤمنوا أو يخليهم وشأنهم فيكفروا؟ فهذا النظر.\nوأما اللغة: فإنه لا يجوز فيها أن يجعل الأذن العلم لأنه الأذن، ألا ترى أن قائلًا لو قال لك قد آذنتك بخروج الأمير إيذانًا أي أعلمتك خروجه إعلامًا أن جوابك كان يكون له قد آذنت لقولك أذنًا: أي سمعته فعلمته، والإيذان المأخوذ من الأذن إنما هو إيقاع الخبر في الأذن. والأذن استماعه وعلمه.\nقال عدي بن زيد:\nأيُّها القلب تَعلَّلْ بدَدَنْ ... إنَّ همي في سماع وأذن\nومنه أذان الصلاة إنما هو إسماع الناس ذكرها حتى يعلموا وقول الله ﷿: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ أي إسماع إعلام والأذن في الشيء أن تشاءه وتطلقه تقول: (أذنت له في الخروج إذنًا) هذا ما ليس به خفاء على من نظر في اللغة وفهمها.\nوقالوا في قوله ﷿: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾","vol":"1","page":26},{"text":"فجعلوا الإرادة في الهداية والإضلال للعبد لا لله وركبوا في ذلك أفحش غلط وأحول كلام. والإرادة لا تجوز أن تكون للعبد وقد وليها اسم الله وهو مرفوع بإجماع القراء، ولو كان أحد منهم نصب الله لكان أقرب من المعنى الذي أراده وإن كان لا يجوز أيضًا لأنه يضم في الكلام (من) فيكون معناه من يريد من الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ثم يحذف (من) وينصب الله لما نزع حرف الصلة كما يقال (من يسرق القوم مالهم يقطع) أي يسرق من القوم مالهم وهذا ليس يجوز إلا مع حروف معدودة محكية عن العرب، لا نحمل عليها غيرها ونقيسه عليها.\nوقالوا في قوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس﴾ دفعنا وألقينا واحتج من احتج منهم بقول المثقب العبدي حكاية عن ناقته:\nتقول إذا ذرأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدًا وديني\nوهذا جهل باللغة وتصحيف وإنما هو (درأت) بالدال غير المعجمة والله يقول: ﴿ولقد ذرأنا﴾ بالذال وأحسبهم سمعوا بقول العرب (أذرته الدابة عن ظهرها) أي ألقته فتوهموا أن ذرأنا من ذلك.","vol":"1","page":27},{"text":"ذرأنا في تقدير فعلنا غير مهموز ولو أريد ذلك المعنى لكان: (ولقد أذرينا لجهنم) وسمعوا بقوله: (ذرته الريح) وبقول الله: ﴿فأصبح هشيمًا تذروه الرياح﴾ أي تنسفه وتلقيه فتوهموه منه ولو أريد ذلك لكان: (ولقد ذرونا لجهنم) وليس يجوز أن يكون (ذرأنا) في هذا الموضع إلا خلقنا: ﴿ذرأكم في الأرض﴾ وقال: ﴿يذرؤكم فيه﴾ أي يخلقكم في الرحم ومنه قيل ذرية الرجل لولده وإنما هو خلق الله.\nوقالوا في قوله: ﴿إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء﴾ . أراد إن هو إلا اختيارك تضل به من تشاء يعني الفاسقين وتهدي من تشاء يعني المؤمنين واحتجوا بقوله: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ والفاسقون ههنا الكافرون لأنه قال في صدر الآية: ﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا﴾ وكيف يضل الضال ويهدي المهتدي فإن قالوا يريد الكافر ضلالة والمؤمن هداية أكذبهم في هذا الموضوع معنى الآية لأن فتنة القوم بالعجل أنه كان فضة وحليًا فتحول جسدًا له خوار فارتدوا عن الإسلام وعبدوه ولم يكن مع موسى بني إسرائيل كافر ولو كانوا كفارًا ما غضب ولا ألقى الألواح، فإنما وقع الضلال ههنا بمسلمين.\nوأما قوله ﷿: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ فإنه نزل في قوم من اليهود وسمعوا قوله ﷿: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت﴾ وقوله: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه﴾ فقالوا ما هذه الأمثال التي لا تليق بالله فأنزل الله ﷿: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها﴾ من الذباب والعنكبوت فقالوا ما أراد بمثل ينكره فيضل به كثيرًا من الناس. فقال الله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا","vol":"1","page":28},{"text":"فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به إلا الفاسقين﴾ يعني اليهود لأنهم ضلوا بالمثل وأنكروا ولم ينكره غيرهم.\nوقد يأتي الحرف وظاهره العموم ومعناه الخصوص كقول موسى ﵇: ﴿وأنا أول المؤمنين﴾ وقول النبي ﷺ: ﴿وأنا أول المسلمين﴾ لم يريدا كل المؤمنين وكل المسلمين في جميع الأزمنة بل مؤمني زمن موسى ومسلمي زمن نبينا ﵉\nوكذلك قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿فضلكم على العالمين﴾ لم يفضلهم على محمد ﷺ ولا أممهم على أمته وإنما أراد عالمي أزمنتهم\nوشيء لم نزل نسمعه منهم على قديم الأيام قد ارتضوه لأنفسهم ودونوه في كتبهم وأجمع عليه عالمهم وجاهلهم وكهلهم وحدثهم في تأويل قول الله ﷿: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾ . وقوله: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ وقوله: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾ وأشباه هذا أنه حكم عليهم فإذا نحن تدبرنا هذا التأويل وقابلنا به التنزيل لم نجد هذا المتأول حمل كتاب الله على مثل هذه التأويلات إلا لإقامة مذهبه وحاول بعضهم إبدال بعض حروفه بغيرها فقرأ: ﴿عذابي أصيب به من أشاء﴾ بالسين","vol":"1","page":29},{"text":"غير المعجمة والنصب وقرأ جميع ما في القرآن من المخلصين بكسر اللام وإن كان قرأ بذلك بعض القراء يريد أن يجعل الإخلاص لهم ولا يكون لله في ذلك صنع فكيف يصنع بقوله: ﴿إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار﴾ وقرأ: ﴿ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا﴾ بكسر إنما الأولى وفتح الثانية يريد لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا إنما نملي لهم خير لأنفسهم فحرف المعنى عن جهته ونقله عن سننه وجعل الإملاء للكفار من الله إنما هو لخير يريده بهم.\nوقد حمل بعضهم على أنه قرأ (ليزدادوا إيمانًا) وألحقها في بعض المصاحف طمعًا في أن تبقى على الدهر ويجعلها الناس وجهًا وكيف له ما قدر والله يقول إلى جنبها: ﴿ولهم عذاب مهين﴾ .\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>(الرد على أهل الجبر)</span>\nولما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر وكثر بينهم التنازع حملهم البغض لهم واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو وعارضوا إفراطهم بإفراط فقالوا بمذهب جهم في الجبر المحض وجعلوا العبد المأمور المنهي المكلف لا يستطيع من الخير والشر شيئًا على الحقيقة ولا يفعل شيئًا على الصحة وذهبوا إلى أن كل فعل ينسب إليه فإنما ينسب إليه على المجاز كما يقال في الموات: مال الحائط وإنما يراد أميل وذهب البرد وإنما ذهب به وكلا الفريقين غالط وعن سواء الحق حائد.","vol":"1","page":30},{"text":"ولو كان الأمر على ما قالوا لم يكن القدر سرًا ولم يكن الناظر إليه كالناظر في شعاع الشمس ففيم اختصمت الملائكة.","vol":"1","page":31},{"text":"وفيم ألح عزير حتى محي من ديوان النبوة.","vol":"1","page":32},{"text":"وفيم احتج آدم وموسى.","vol":"1","page":33},{"text":"وإنما صار سرًا لأنك ترى قادرًا وهو عاجز، ومؤيدًا وهو ممنوع، وترى حازمًا محرومًا، وعاجزًا مرزوقًا، وشجاعًا مخذولًا، وجبانًا منصورًا، وعاقلًا لا يستشار في الأمور ولا يستعمل، وساقطًا متهافتًا لا يعطل، وعالمين متقاربين في العلم والنظر في الدين خصمين وهما مختلفان فهذا يقول بالإهمال المحض وذاك يقول بالإجبار المحض وهذا حروري وذاك","vol":"1","page":34},{"text":"رافضي وترى أعداء الله يدالون أولياءه حتى يقتلوهم كل قتلة ويمزقوهم كل ممزق.\nوترى الناس أصنافًا في التفضيل فمنهم قوم ابتدأهم الله بالنعم وأسكنهم ريف الأرض وأكرمهم وأخدمهم وحسن وجوههم وبيض ألوانهم وسقاهم العذب النقاح ورزقهم من الطيبات وأطعمهم من كل الثمرات ووفر عليهم العقول والأفهام وفتق ألسنتهم بالحكمة وألبابهم بالعلم وبعث فيهم بالقرب منهم الرسل لأهل هذا الإقليم الذي أسكنناه الله بفضله.\nومنهم قوم أنزلهم أطراف الأرض وجدوبة البلاد وأذلهم وأعراهم وشوه خلقهم وسود ألوانهم وسقاهم الملح الأجاج وجعل أقواتهم الحشرات والنبات وسلبهم العقول وباعدهم من مبعث الرسل ومنتهى الدعوة فهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا ثم جعلهم لجهنم حصيبًا ولسعيرها وقودًا كالزنج وصنوف كثيرة من السودان وأصناف من الأعاجم ويأجوج ومأجوج فهل لهؤلاء أن يحتجوا على الله بما منح غيرهم ومنعهم؟\nلا لعمر الله ما لأحد عليه حجة ولا قبله حق ولا فيما خلق شرك بل له الحجة البالغة، وهو الفعال لما يريد.\nوعدل القول في القدر أن تعلم أن الله عدل لا يجور: كيف خلق، وكيف قدر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنه لا يخرج من قدرته شيء ولا يكون في ملكوته من السموات والأرض إلا ما أراد، وأنه لا دين لأحد عليه ولا حق لأحد قبله، فإن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل، وأن العباد يستطيعون ويعملون ويجزون بما يكسبون، وأن لله لطيفة يبتدئ بها من أراد ويتفضل بها على من أحب، ويوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته ويمنعها","vol":"1","page":35},{"text":"من حقت عليه كلمته فهذه جملة ما ينتهي إليه علم ابن آدم من قدر الله ﷿ وما سوى ذلك مخزون عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>[الرد على نفاة الصفات والقائلين بالمجاز والزاعمين أن صفات الله كلها معنى واحد]</span>\nوتعمق آخرون في النظر وزعموا أنهم يريدون تصحيح التوحيد بنفي التشبيه عن الخالق فأبطلوا الصفات مثل الحلم والقدرة والجلال والعفو وأشباه ذلك.\nفقالوا هو الحليم ولا نقول بحلم، وهو القادر ولا نقول بقدرة، وهو العالم ولا نقول بعلم، كأنهم لم يسمعوا إجماع الناس على أن يقولوا (أسألك عفوك) وأن يقولوا (بعفو بحلم ويعاقب بقدرة) والقدير هو ذو القدرة والعافي هو ذو العفو، والجليل هو ذو الجلال والعليم هو ذو العلم فإن زعموا أن هذا","vol":"1","page":36},{"text":"مجاز، قيل لهم ما تقولون في قول القائل: غفر الله لك وعفا عنك وحلم الله عنك أمجاز هو أم حقيقة؟ فإن قالوا مجاز فالله لا يغفر لأحد ولا يعفو عن أحد ولا يحلم عن أحد على الحقيقة. ولن يركبوا هذه. وإن قالوا هو حقيقة فقد وجب في المصدر ما وجب في الصدر لأنا نقول غفر الله مغفرة وعفا عفوًا وحلم حلمًا فمن المحال أن يكون واحد حقيقة والآخر مجازًا وقال الله: ﴿إن كيدي متين﴾ وأجمع الناس على أن الحول والقوة لله، والحول الحيلة.\nوقالوا في (سميع بصير) هما سواء ليس في سميع من المعنى إلا ما في بصير ولا فيهما إلا معنى عليم وقد سمع الله قول اليهود: ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ حين قالوه وعلمه قبل أن يقولوه فهل يجوز لأحد أن يقول إن الله سمعه قبل أن يقولوه وكذلك قول المجادلة في زوجها قد سمع الله جدالها وسمع محاورتها للنبي ﷺ حين جادلته وحاورته وعلمه قبل أن تجادل وتحاور به فهل لأحد أن يقول إن الله قد سمعه قبل أن يكون وإذا لم يجز ذلك فقد علم أن في سميع معنى غير معنى عليم والله يقول: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ .","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>[الرد على القائلين بخلق القرآن]</span>\nوقالوا في كلام الله أنه مخلوق لأن الله تعالى قال: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيًا﴾ والجعل بمعنى الخلق ولأنه قال: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ وكل محدث مخلوق وأن معنى: ﴿كلم الله﴾ أوجد كلامًا و: ﴿كلم الله موسى تكليمًا﴾ أوجد كلامًا سمعه فخرجوا بهذا التأويل من اللغة والمعقول، لأن معنى تكلم الله أتى بالكلام من عنده، وترحم الله أتى بالرحمة من عنده، كما يقال تخشع فلان أتى بالخشوع من نفسه، وتشجع أتى بالشجاعة من نفسه، وتبتل أتى بالتبتل من نفسه، وتحلم أتى بالتحلم من نفسه، ولو كان المراد أوجد كلامًا لم يجز أن يقال: يتكلم، وكان الواجب أن يقال: أكلم، كما يقال أقبح الرجل أتى بالقباحة وأطاب أتى بالطيب وأخس أتى بالخساسة، وأن يقال أكلم الله موسى إكلامًا، كما يقال أقبر الله الميت: أي جعل له قبرًا أو أرعى الله الماشية جعلها ترعى، في أشباهٍ لهذا كثيرة لا تخفى على أهل اللغة.\nوالعرب تسمي الكلام لسانًا لأنه على اللسان يكون.","vol":"1","page":38},{"text":"قال الشاعر وهو أمية بن أبي الصلت:\nواسمع كلام الله كيف شكُوله ... فاعجب ويُلسِنك الذي تستنشد\nأراد اسمع كلام الله ثم قال: (ويلسنك) أي يكلمك الذي تستنشده أي كأنه يكلمك.\nوقال الله ﷿ حكاية عن إبراهيم: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ وقال الشاعر:\nإني أتتني لسان لا أسر بها\nأي أخبرت.\nوأما استشهادهم بالجعل على خلق القرآن في قول الله: ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ فإن الجعل يكون بمعنيين: أحدهما خلق، والآخر غير خلق فأما الموضع الذي يكون فيه خلقًا: فإذا رأيته متعديًا إلى مفعول واحد لا يجاوزه كقول الله: ﴿خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ فهذا بمعنى خلق، وكذلك: ﴿وجعل منها زوجها﴾ أي خلق منها.\nوأما الموضع الذي يكون فيه غير الخلق فإذا رأيته متعديًا إلى مفعولين كقوله: ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾ أي صيرتم. وكقوله: ﴿فحعلناها نكالًا لما بين يديها وما خلفها﴾ وكقول القائل (جعل فلانٌ أمر امرأته في يدها) فإن هم وجدوا في القرآن كله جعل متعديه إلا القرآن وحده ليقضوا عليه بالخلق فنحن نتابعهم، وكذلك المحدث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق، فإن أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ أنه يخلق وكذلك قوله: ﴿لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا﴾ أي يحدث لهم القرآن ذكرًا. والمعنى يجدد عندهم ما لم يكن.\nوكذلك قوله: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ أي ذكر حدث عندهم لم يكن قبل ذلك.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>[الرد على متأولي الصفات] (الرد على القائلين أن اليد هي النعمة)</span>\nوفعلوا في كتاب الله أكثر مما فعل الأولون في تحريف التأويل عن جهته فقالوا في قول الله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ أن اليد ههنا النعمة وما ننكر أن اليد قد تتصرف على ثلاثة وجوه من التأويل:\nأحدها: النعمة.\nوالآخر: القوة من الله: ﴿أولي الأيد والأبصار﴾ يريد أولي القوة في دين الله والبصائر ومنه يقول الناس (ما لي بهذا الأمر يد) يعنون مالي به من طاقة.\nالوجه الثالث: اليد بعينها.\nولكنه لا يجوز أن يكون أراد في هذا الموضع النعمة لأنه قال: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ والنعم لا تغل وقال: ﴿غلت أيديهم﴾ معارضة بمثل ما قالوا ولا يجوز أن يكون أراد غلت نعمهم ثم قال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ ولا يجوز أن يريد نعمتاه مبسوطتان.\nوكان مما احتجوا به للنعمة قوله: ﴿غلت أيديهم﴾ لو أراد اليد بعينها لم يكن في الأرض يهودي غير مغلول اليد، فما أعجب هذا الجهل والتعسف في القول بغير علم.\nألم يسمعوا بقول الله تعالى: ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ وبقوله: ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ وقوله: ﴿لعنوا بما قالوا﴾ واللعن الطرد. فهل قتل الله الناس جميعًا وهل قتل قومًا وطرد آخرين ولم يسمعوا بقول العرب: قاتله الله ما أبطشه، وأخزاه الله ما أشعره، ويقول النبي ﷺ لرجل: «تربت يداه» أي افتقر ولم يفتقر.","vol":"1","page":40},{"text":"ولامرأة «عقرى حلقى» ولم يعقرها الله ولا أصاب حلقها بوجع.\nفإن قال لنا: ما اليدان ههنا قلنا هما اليدان اللتان تعرف الناس\nكذلك قال ابن عباس في هذه الآية: (اليدان اليدان)\nوقال النبي ﷺ: «كلتا يديه يمين» فهل يجوز لأحد أن يجعل اليدين ههنا نعمة أو نعمتين وقال: ﴿لما خلقت بيدي﴾ فنحن نقول كما قال الله تعالى وكما قال رسوله ولا نتجاهل ولا يحملنا ما نحن فيه من نفي التشبيه على أن ننكر ما وصف به","vol":"1","page":41},{"text":"نفسه، ولكنا لا نقول كيف اليدان وإن سئلنا نقتصر على جملة ما قال ونمسك عما لم يقل.\nوتأويل الآية: أن اليهود قالت: يد الله مغلولة أي ممسكة عن العطاء فضرب الغل في اليد مثلًا لأنه يقبض اليد عن أن تمتد وتنبسط كما تقبض يد البخيل، فقال الله تعالى: ﴿غلت أيديهم﴾ أي قبضت عن العطاء والإنفاق في الخير والبر ﴿ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾ بالعطاء ﴿ينفق كيف يشاء﴾ ومثله قوله: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون﴾ أي قبضنا أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع الأغلال.\nوما قول النبي ﷺ: «كلتا يديه يمين» فإنه أراد معنى التمام والكمال لأن كل شيء مياسره تنقص عن ميامنه في القوة والبطش والتمام وكانت العرب تحب التيامن وتكره التياسر لما في اليمين من التمام وفي اليسار من النقص ولذلك قيل اليمن والشؤم.\nفاليمن في اليد اليمنى، والشؤم في اليد الشؤمى وهي اليسار.\nوقالوا فلان ميمون من اليمين ومشؤوم من الشؤمى وقال رسول الله ﷺ في الإبل: «إن أدبرت أدبرت وإن أقبلت أدبرت ولا يأتي نفعها من جانبها الأشأم» يعني الأيسر.\nويمكن أيضًا أن يريد العطاء باليدين جميعًا لأن اليمنى هي المعطية","vol":"1","page":42},{"text":"فإذا كانت اليدان يمينين كان العطاء بهما قال رسول الله ﷺ: «يمين الله سخاء لا يغيضها شيء الليل والنهار» أي تصب العطاء ولا ينقصها ذلك وإلى هذا المعنى ذهب المرار حيث يقول:\nوإن على الأوانة من عقيل ... فتى كلتا اليدين له يمين\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>(الرد على متأول الروح)</span>\nوقالوا في قوله تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ أن الروح هو الأمر أي أمرت أن يكون.\nواحتجوا بقول سليمان وأبي الدرداء: إنا نقوم فنكبر بروح الله أي بكلامه.\nوالروح كما ذكروا قد يكون كلام الله في بعض المواضع نحو قوله: ﴿يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾ وكقوله ﷿: ﴿وكذلك أوحينا [إليك] (١) روحًا من أمرنا﴾ .\nوالروح أيضًا: روح الأجسام الذي يقبضه الله عند الممات.\nوالروح أيضًا: ملكٌ عظيم من ملائكة الله قال الله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفًا﴾ .\nوالروح: الرحمة قال الله تعالى: ﴿وأيدهم بروح منه﴾\n_________\n(١) ليست في المطبوع.","vol":"1","page":43},{"text":"أي برحمة كذلك قال المفسرون.\nوقال الله تعالى: ﴿فروح وريحان﴾ فمن قرأ بالضم أراد فرحمة ورزق وقال فبقاء ورزق.\nوالروح: النفخ سمي روحًا لأنه ريح يخرج عن الروح.\nفأي شيء جعلت الروح من هذه التأويلات؟\nفإذا نفخت: لا يحتمل إلا معنى واحدًا قال ذو الرمة وذكر نارًا قدمها:\nوقلت له ارفعها إليت وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتةً قدرا\nيقول أحيي النار بنفخك.\nفنحن نؤمن بالنفخ وبالروح ولا نقول كيف. ذلك لأن الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله حيث انتهى في صفته أو حيث انتهى رسوله ﷺ ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب وتضعه عليه ونمسك عما سوى ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>(الرد على نفاة النظر لوجه الله يوم القيامة)</span>\nوقالوا في قوله: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ أي منتظرة والعرب تقول نظرتك وانتظرتك بمعنى واحد ومنه قول الله: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ أي انتظرونا.\nوقال الحطيئة:\nوقد نظرتكم إيناء صادرة ... للخمس طال بها حوزي وتنساسي\nأي انتظرتكم.\nوما ننكر أن نظرت قد يكون بمعنى انتظرت وأن الناظر قد يكون بمعنى","vol":"1","page":44},{"text":"المنتظر. غير أنه يقال أنا لك ناظر أي: أنا لك منتظر. ولا يقال أنا إليك ناظر أي إليك منتظر إلا أن يريد نظر العين.\nوالله يقول: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾ ولم يقل لربها ناظرة فيحتمل ما تأولوا.\nفأما دفعهم نظر العين بقول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ وبقول موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ فإنه أراد: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ في الدنيا وأراد: ﴿لن تراني﴾ في الدنيا لأنه تعال احتجب عن جميع خلقه في الدنيا وتجلى لهم يوم الحساب والقصاص فيرونه كما يرى القمر في ليلة البدر. لا يختلفون فيه كما لا يختلفون في القمر.\nوالعرب تضرب بالقمر المثل في الشهرة والظهور وقال ذو الرمة:\nفقد بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا\nويقولون هذا أبين من الشمس ومن فلق الصبح وأشهر من القمر وحديث رسول الله ﷺ: قاضٍ على الكتاب ومفسر له. والخبر في الرؤية ليس من الأخبار التي يدفعها إلا جاهل أو معاند ظالم لتتابع الروايات","vol":"1","page":45},{"text":"به من الجهات الكثيرة عن الثقات. فلما قال الله ﷿: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وجاء عن رسول الله ﷺ: «ترون الله يوم القيامة» لم يخف على ذي نظر أنه في وقت دون وقت.\nوفي قول موسى ﵇ أيضًا: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ أبين الدلالة بأنه يرى في القيامة ولو كان الله لا يرى في حال من الأحوال ولا يجوز عليه النظر لكان موسى قد خفي عليه من صفة الله ما علموه.\nومن قال إن الله يدرك بالبصر يوم القيامة فقد حده عندهم ومن كان الله عنده محدودًا فقد شبهه بالمخلوقين، ومن شبهه عندهم بالخلق فقد كفر.\nفما نقول في موسى فيما بين أن نبأه الله ﷿ وكلمه من الشجرة إلى الوقت الذي قال فيه: ﴿أرني أنظر إليك﴾ أنقضي عليه بأنه كان مشبهًا لله محددًا؟ لا لعمر الله ما يجوز أن يجهل موسى من الله مثل هذا لو كان على تقديرهم، ولكن موسى علم أن الله يرى يوم القيامة فسأل الله أن يجعل له في الدنيا ما أجله لأنبيائه وأوليائه يوم القيامة فقال: ﴿لن تراني﴾ يعني في الدنيا ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ أعلمه أن الجبل لا يقوم لتجليه حتى يصير دكًا وأن الجبال إذا ضعفت عن احتمال ذلك فابن آدم أحرى أن يكون أضعف، إلى أن يعطيه الله يوم القيامة ما يقوى به على النظر، ويكشف عن نظره الغطاء الذي كان في الدنيا فيصير بعد الكلال حديدًا، والتجلي هو الظهور ومنه يقال جلوت المرآة والسيف إذا أظهرتهما من الصدأ وجلوت العروس إذا أبرزتها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>(الرد عل نفاة صفة النفس)</span>\nوقالوا في قوله: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾","vol":"1","page":46},{"text":"أي تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك كما قال: ﴿وعنده مفاتح الغيب﴾ وكما يقول القائل: (عندي علم ذاك) .\nوهذا كما ذهبوا إليه في احتمال التأويل على بعد والله أعلم بما أراده ولكن (عند) تدل على قرب وهم يزعمون أن الله تعالى لا يكون إلى شيء أقرب منه إلى شيء آخر، وأنه على العرش استوى في الحقيقة مثله في الأرض والعجب لقوم لا يؤمنون إلا بما يصح في المعقول، ثم خرجوا من كل معقول بقولهم: (إن الله في كل مكان بغير مماسة ولا مباينة وبغير موافقة ولا مفارقة) وقد قال أمية يذكر قرب موسى ﵇ من الله حين كلمه:\nوهو أقرب الأنام إلى الله ... كقرب المداد للمنوال\nيقول وهو كقرب مداد الثوب من الخشبة التي ينسج الثوب عليها والله يقول: ﴿وقربناه نجيا﴾، النجي في معنى المناجي وهو من كلمك من قرب كما يقال جليس مجالس، وأكيل مؤاكل. وكذلك كليم الله بمعنى مكالم الله، وخليل الله بمعنى مخال الله. قال الله ﷿: ﴿خلصوا نجيا﴾ وقال أبو زبيد يذكر رجلًا ساور الأسد:\nوثار عليه إعصار وهيجا ... نجيًا ليس بينهما جليس\nيريد أن كل واحد قرب من الآخر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>(الرد على متأولي العرش)</span>\nوطلبوا للعرش معنى غير السرير، والعلماء باللغة لا يعرفون للعرش معنى إلا السرير وما عرش من السقوف وأشباهها.\nوقال أمية بن أبي الصلت:","vol":"1","page":47},{"text":"مجدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا\nبالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا\nشَرْجَعًا لا يناله بصر العين ... ترى دونه الملائك صورا\nوطلبوا للكرسي غير ما نعلم وجاؤوا بشطر بيت لا يعرف ما هو ولا يدري من قائله: (ولا يكرسيء علم الله مخلوق) والكرسي غير مهموز بإجماع الناس جميعًا ويكرسيء مهموز.\nوقالوا في قول الله ﷿: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾","vol":"1","page":48},{"text":"أي من طين وجاؤوا ببيت لا يعرف ولا يدري من قاله:\nوالحب ينبت بين الماء والعجل\nلما اشتبه عليهم قوله: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ تمحلوا له هذه الحيلة وهذه من المقدم والمؤخر أراد خلق العجل من الإنسان ومثله كثير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>(الرد على نفاة الخلة لله)</span>\nونزهوا الله فيما زعموا عن أن يكون خليلًا لمخلوق لأن الخلة الصداقة فقالوا في قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ اتخذه فقيرًا إليه وجعلوه من الخلة بنصب الخاء واحتجوا بقول زهير:\nوإن أتاه خليل يوم مسألةٍ ... يقول لا غائب مالي ولا حرم\nأي فقير، فقبحًا لهذه العقول وهذا النظر أما سمعوا ويحهم بإجماع","vol":"1","page":49},{"text":"الناس جميعًا على أن الخلة بضم الخاء لإبراهيم وعلى أن موسى كليم الله وإبراهيم خليل الله، وعيسى روح الله، فإن كان معنى خليل الله: الفقير إلى الله، فأي فضيلة لإبراهيم في هذا القول إذ كان الناس جميعًا فقراء إلى الله والعجب لهم كيف لم يقولوا في قول الناس موسى كليم الله: أنه جريح الله من الكلم أو من معنى آخر.\nما منعهم من ذلك إلا أن الله يقول: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ فضاق عليهم الاحتيال، وما أشبه هذا بقولهم في: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ أي بشم من أكل الشجرة، وذهبوا إلى قول العرب: غوى الفصيل: إذا أتخم وهذا غوى يغوى وذلك غوى يغوي بكسر الواو غيًا ولو وجدوا في: ﴿وعصى آدم﴾ مثل هذا التأويل أيضًا لقالوه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>(الرد على متأولي الاستواء)</span>\nوقالوا في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أنه استولى وليس يعرف في اللغة استويت على الدار: أي استوليت عليها وإنما استوى في هذا المكان: استقر كما قال الله تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ أي استقررت وقد يقول الرجل لصاحبه إذا رآه مستوفزًا (استو) يريد: استقر.\nوأما قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ فإنه أراد عمد لها وقصد فكل من كان في شيء ثم تركه لفراغ أو غير فراغ وعمد لغيره فقد استوى إليه.\nفهذا مذهب القوم في تأويل الكتاب بآرائهم وعلى ما أصلوا من قولهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>(الرد على متأولي صفة الأصابع)</span>\nوأما حديث رسول الله ﷺ فإنهم اعترضوه بالنظر فيما كان له وجه في","vol":"1","page":50},{"text":"النظر من هذه الجهة صدقوا به، وما لم يكن له مخرج رووه واستشفوه وكذبوا ناقليه ولم يلتفتوا إلى صحيح من الحديث ولا سقيم فآمنوا بمثل قول النبي ﷺ: «إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» لأنه عندهم يحتمل المخرج في اللغة وقالوا الإصبع: النعمة يذهبون إلى قول الراعي:\nضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أمحل الناس إصبعا\nأي ترى له أثرًا حسنًا وكقول الطفيل يصف فحل إبل:\nكميت كبكر الناب أحيا بنابه ... مَقالِيتَها واستحملتهن إصبع\nيقول لما ضرب في الإبل هذا الفحل عاشت أولادها وكانت قبل ذلك مَقاليت لا يعيش لها ولد.\nوقوله: (واستحملتهن إصبع) أي ظهر عليهن أثر حسن المرعى.\nوالعرب تقول: ما أحسن إصبع فلان على ماله.\nومن تدبر هذا التأويل وجده لا يشاكل ما تقدم من قول النبي ﷺ في هذا الحديث لأنه قال في دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقالت له إحدى أزواجه: أو تخاف يا رسول الله على نفسك فقال: «إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله» . فلو كان قلب المؤمن بين نعمتين من نعم الله لكان القلب محفوظًا بتينك النعمتين فلأي شيء دعا بالتثبيت. ولم","vol":"1","page":51},{"text":"احتج على المرأة التي قالت له: أتخاف على نفسك، يؤكد قولها وكان ينبغي أن لا يخاف إذ كان القلب محروسًا بنعمتين.\nوأنكروا الحديث الآخر: «يحمل الأرض على إصبع وكذا على إصبع وكذا على إصبع» لأن الإصبع ههنا لا يجوز أن تكون النعمة.\nوقالوا في الضحك هو مثل قول العرب: ضحكت الأرض بالنبات. إذا طلع فيها ضروب الزهر، وضحكت الطلعة: إذا انفتق كافورها عن بياضها، وضحك المزن: إذا لمع فيه البرق.\nوليس من هذه شيء إلا وللضحك فيه معنى حدث فإن كان الضحك الذي فروا منه فيه تشبيه بالإنسان فإن في هذا تشبيهًا بهذه المعاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>[الرد على المشبهة]</span>\nولما رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء في النفي عارضوهم بالإفراط في التمثيل فقالوا بالتشبيه المحض، وبالأقطار والحدود، وحملوا الألفاظ الجائية في الحديث على ظاهرها، وقالوا بالكيفية فيها، وحملوا من مستشنع الحديث: عرق","vol":"1","page":52},{"text":"الخيل وحديث عرفات وأشباه هذا من الموضوع ما رأوا أن الإقرار به من السنة وفي إنكاره الريبة وكلا الفريقين غالط وقد جعل الله التوسط منزلة العدل ونهى عن الغلو فيما دون صفاته من أمر ديننا فضلًا عن صفاته ووضع عنا أن نفكر فيه كيف كان وكيف قدر وكيف خلق ولم يكلفنا ما لم يجعله في تركيبنا ووسعنا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[مجمل اعتقاد السلف في الصفات]</span>\nوعدل القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها فنؤمن بالرؤية والتجلي وإنه يعجب وينزل إلى السماء الدنيا وأنه على العرش استوى وبالنفس واليدين من غير أن نقول في ذلك بكيفية أو بحد أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غدًا إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>[الرد على النواصب والروافض]</span>\nوقد رأيت هؤلاء أيضًا حين رأوا غلو الرافضة في حب علي وتقديمه على ما قدمه رسول الله ﷺ وصحابته عليه وادعاءهم له شركة النبي ﷺ في نبوته، وعلم الغيب للأئمة من ولده وتلك الأقاويل والأمور السرية التي جمعت إلى الكذب والكفر إفراط الجهل والغباوة، ورأوا شتمهم خيار السلف وبغضهم وتبرأهم منهم، قابلوا ذلك أيضًا بالغلو في تأخير علي كرم الله وجهه وبخسه حقه، ولحنوا في القول وإن لم يعرضوا إلى ظلمه، واعتدوا عليه بسفك الدماء بغير حق ونسبوه إلى الممالأة على قتل عثمان ﵁، وأخرجوه بجهلهم من أئمة الهدى إلى جملة أئمة الفتن ولم يوجبوا له اسم الخلافة، لاختلاف الناس عليه، وأوجبوها ليزيد بن معاوية لإجماع الناس عليه واتهموا من ذكره بغير خير.\nوتحامى كثير من المحدثين أن يحدثوا بفضائله كرم الله وجهه أو أن يظهروا ما يجب له، وكل تلك الأحاديث لها مخارج صحاح، وجعلوا ابنه الحسين ﵇ خارجيًا شاقًا لعصا المسلمين حلال الدم لقول النبي ﷺ: «من خرج على أمتي وهم جميع فاقتلوه كائنًا من كان» وسووا بينه في الفضل وبين أهل الشورى لأن عمر لو تبين له فضله لقدمه عليهم ولم يجعل الأمر شورى بينهم وأهملوا من ذكره أو روى حديثًا من فضائله، حتى تحامى كثير من المحدثين أن يتحدثوا بها وعنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص ومعاوية كأنهم لا يريدونها بذلك وإنما يريدونه فإن قال قائل: أخو رسول الله ﷺ علي وأبو سبطيه الحسن والحسين وأصحاب الكساء علي","vol":"1","page":54},{"text":"وفاطمة والحسن والحسين، تمعرت الوجوه وتنكرت العيون وطَرَّت حسائك الصدور، وإن ذكر ذاكر قول النبي ﷺ: «من كنت مولاه فعلي مولاه» .\nو(أنت مني بمنزلة هارون من موسى) وأشباه هذا التمسوا لتلك","vol":"1","page":55},{"text":"الأحاديث المخارج لينتقصوه ويبخسوه حقه بغضًا منهم للرافضة وإلزامًا لعلي ﵇ بسببهم ما لا يلزمه وهذا هو الجهل بعينه.\nوالسلامة لك أن لا تهلك بمحبته ولا تهلك ببغضه، وأن لا تحتمل ضغنًا عليه بجناية غيره فإن فعلت فأنت جاهل مفرط في بغضه، وأن تعرف له مكانه من رسول الله ﷺ بالتربية والأخوة والصهر، والصبر في مجاهدة أعدائه وبذل مهجته في الحروب بين يديه مع مكانه في العلم والدين والبأس والفضل من غير أن تتجاوز به الموضع الذي وصفه به خيار السلف لما تسمعه من كثير من فضائله فهم كانوا أعلم به وبغيره، ولأن ما أجمعوا عليه هو العيان الذي لا يشك فيه.\nوالأحاديث المنقولة قد يدخلها تحريف وشوب ولو كان إكرامك لرسول الله ﷺ هو الذي دعاك إلى محبة من نازع عليًا وحاربه ولعنه إذ صحب رسول الله ﷺ وخدمه وكنت قد سلكت في ذلك سبيل المستسلم لأنت بذلك في علي ﵇ أولى لسابقته وفضله وخاصيته وقرابته والدناوة التي جعلها الله بينه وبين رسول الله ﷺ عند المباهلة حين قال تعالى: ﴿قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ فدعا حسنًا وحسينًا ﴿ونساءنا ونساءكم﴾ فدعا فاطمة ﵍ ﴿وأنفسنا وأنفسكم﴾ فدعا عليًا ﵇ ومن أراد تبصيره بصره ومن أراد غير ذلك حيره.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>[ذكر مسألة اللفظ]</span>\nثم انتهى بنا القول إلى ذكر غرضنا من هذا الكتاب وغايتنا من اختلاف أهل الحديث في اللفظ بالقرآن وتشانئهم وإكفار بعضهم بعضًا وليس ما اختلفوا فيه مما يقطع الألفة، ولا مما يوجب الوحشة لأنهم مجمعون على أصل واحد وهو (القرآن كلام الله غير مخلوق) في كل موضع، وبكل جهة، وعلى كل حال، وإنما اختلفوا في فرع لم يفهموه لغموضه ولطف معناه، فتعلق كل فريق منهم بشعبة منه، ولم يكن معهم آلة التمييز، ولا فحص النظارين، ولا علم أهل اللغة، فإذا فكر أحدهم في القراءة وجدها قد تكون قرآنًا لأن السامع يسمع القراءة، وسامع القراءة سامع القرآن. وقال الله ﷿: ﴿فاستمعوا له﴾ وقال: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ ووجدوا العرب تسمي القراءة قرآنًا. قال الشاعر في عثمان بن عفان ﵁:\nضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا\nأي تسبيحًا وقراءة.\nوقال أبو عبيد: يقال قرأت قراءة وقرآنًا بمعنى واحد، فجعلهما مصدرين لقرأت.\nوقال الله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ أي قراءة الفجر.\nفيعتقد من هذه الجهات أن القراءة هي القرآن غير مخلوق، ويفكر آخر في القراءة فيجدها عملًا لأن الثواب يقع على عمل لا على أن قرآنًا في الأرض.\nويجد الناس يقولون قرأت اليوم كذا وكذا سورة، وقرأت في تقدير فعلت كما تقول ضربت، وأكلت، وشربت، وتجدهم يقولون: قراءة فلان أحسن من قراءة فلان. إنما يزيدون أداء فلان للقرآن أحسن من أداء فلان، وقراءة فلان أصوب من قراءة فلان. وإنما يراد في جميع هذا: العمل. لأنه لا يكون قرآن أحسن من قرآن فيعتقد من هذه الجهة أن القراءة عمل وأنها غير","vol":"1","page":57},{"text":"القرآن، وأن من قال (القراءة غير مخلوقة) فقد قال أن أعمال العباد غير مخلوقة.\nفلما وقعت هذه الحيرة، ونزلت هذه البلية فزع الناس إلى علمائهم، وذوي رأيهم فاختلفوا عليهم.\nفقال فريق منهم: القراءة فعل محض وهي مخلوقة كسائر أفعال العباد والقرآن غيرها. وشبهوها والقرآن بالضرب والمضروب والأكل والمأكول فاتبعهم في ذلك فريق.\nوقالت فرقة: هي القرآن بعينه، ومن قال أن القراءة مخلوقة فقد قال بخلق القرآن واتبعهم قوم.\nوقالت فرقة: هذه بدعة لم يتكلم الناس فيها ولم يتكلفوها ولا تعاطوها.\nواختلفت عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الروايات، ورأينا كل فريق","vol":"1","page":58},{"text":"منهم يدعيه ويحكي عنه قولًا، فإذا كثر الاختلاف في شيء ووقع التهاتر في الشهادات به أرجأناه مثل أن ألغيناه.\nومن عجيب ما حكي عنه مما لا يشك أنه كذب عليه إذ كان موفقًا بحمد الله رشيدًا أنه قال (ومن زعم أن القراءة مخلوقة فهو جهمي، والجهمي كافر، ومن زعم أنها غير مخلوقة فهو مبتدع وكل بدعة ضلالة) فكيف","vol":"1","page":59},{"text":"يتوهم على أبي عبد الله مثل هذا القول، وأنت تعلم أن الحق لا يخلو من أن يكون في أحد الأمرين، وإذ لم يخل من ذلك صار الحق في كفر أو ضلال.\nولم أر في هذه الفرق أقل عذرًا ممن أمر بالسكوت والتجاهل بعد هذه الفتنة، وإنما يجوز أن يؤمر بهذا قبل تفاقم الأمر ووقوع الشحناء وليس في غرائز الناس احتمال الإمساك عن أمر في الدين قد انتشر هذا الانتشار وظهر هذا الظهور ولو أمسك عقلاؤهم ما أمسك جهلاؤهم، ولو أمسكت الألسنة ما أمسكت القلوب، وقد كان لهؤلاء أسوة فيمن تقدم من العلماء حين تكلم جهم وأبو حنيفة في القرآن ولم يكن دار بين الناس قبل ذلك ولا عرف ولا","vol":"1","page":60},{"text":"كان مما تكلم الناس فيه فلما فزع الناس إلى علمائهم لم يقولوا هذه بدعة لم يتكلم الناس فيها ولم يتكلفوها، ولكنهم أزالوا الشك باليقين وجلوا الحيرة وكشفوا الغمة وأجمع رأيهم على أنه غير مخلوق فأفتوهم بذلك وأدلوا بالحجج والبراهين، وناظروا وقاسوا واستنبطوا الشواهد من كتاب الله ﷿ كقوله: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ وقوله: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ .\nوأما قولهم: هذه بدعة لم يتكلم الناس فيها فلا تتكلفوها فإنما يفزع الناس إلى العالم في البدعة لا فيما جرت به السنة وتكلم فيه الأوائل ولو كان هذا مما تكلم فيه لاستغني عنهم.\nالكلام لا يعارض بالسكوت، والشك لا يداوى بالوقوف، والبدعة لا تدفع بالسنة وإنما يقوى الباطل أن تبصره وتمسك عنه.\nوإن كان الوقوف في اللفظ بالقرآن حتى لا يقال فيه مخلوق أو غير مخلوق هو الصواب فما حجتنا على الواقفة في القرآن ولم جعلناهم شكاكًا وجعلناهم ضلالًا، وأكفرهم بعض أهل السنة، وأكفر من شك في كفرهم، هل الأمر في ذلك وفي هذا إلا واحد.\nفإن قيل إن الثوري وابن عيينة وابن المبارك وأشباههم لم يقفوا.","vol":"1","page":61},{"text":"قلنا: لكل زمان رجال، فأنت ثوري زماننا وابن عيينتنا فقل كما قالوا ونحن راضون منك أن تقول ومعقول أن نقول لك من أين قلت.\nوكل من ادعى شيئًا أو انتحل نحلة فهو يزعم أن الحق فيما ادعى وفيما انتحل خلا الواقف الشاك فإنه يقر على نفسه بالخطأ، لأنه يعلم أن الحق في أحد الأمرين اللذين وقف بينهما، وأنه ليس على واحد منهما، وقد بلي بالفريقين المستبصر المسترشد وبإعناتهم ومحنتهم وإغلاظهم لمن خالفهم وإكفاره وإكفار من شك في كفره، فإنه ربما ورد الشيخ المصر فقعد للحديث وهو من الأدب غفل، ومن التمييز ليس له من معاني العلم إلا تقادم سنه، وأنه قد سمع ابن عيينة وأبا معاوية ويزيد بن هارون، وأشباههم فيبدأونه قبل الكتاب بالمحنة، فالويل له إن تلعثم أو تمكث أو سعل أو تنحنح قبل أن يعطيهم ما يريدون فيحمله الخوف في قدحهم فيه، وإسقاطهم له على أن يعطيهم الرضا فيتكلم بغير علم ويقول بغير فهم فيتباعد من الله في المجلس الذي أمل أن يتقرب منه فيه. وإن كان ممن يعقد على مخالفتهم سام نفسه إظهار ما يحبون ليكتبوا عنه.\nوإن رأوا حدثًا مسترشدًا أو كهلًا متعلمًا سألوه فإن قال لهم: أنا أطلب حقيقة هذا الأمر، وأسأل عنه ولم يصح لي شيء بعد، وإنما صدقهم عن نفسه، واعتذر بعذره، الله يعلم صدقه، وهم يعلمون أنه لم يكلفه إذا لم يعلم إلا أن يسأل ويبحث ليعلم، كذبوه وآذوه وقالوا: خبيث فاهجروه ولا تقاعدوه.\nأفترى لو كان ما هم عليه من اعتقادهم هذا الأمر، أصل التوحيد الذي لا يجوز للناس أن يجهلوه وقد سمعوه من رسول الله ﷺ مشافهة كان يجب أن يبلغ فيه هذه الغاية فكيف وهم لو سئلوا من أين قلتم ما رجعوا في ذلك إلى وثيقة من حديث يأثرونه أو قول إمام من العلماء يحسن تقليد مثله أو قياس يطردونه وإنما هو رأي رأوه وقد يخطئ الرأي، وظن ظنوه وأجهل الناس من جعل ظنه لله دينًا.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>[فصل مسألة اللفظ]</span>\nوعدل القول فيما اختلفوا فيه من القراءة واللفظ بالقرآن: أن القراءة لفظ واحد يشتمل على معنيين:\nأحدهما: عمل - والآخر: قرآن.\nإلا أن العمل لا يتميز من القرآن كما يتميز الأكل من المأكول فيكون المأكول الممضوغ والمبلوع، ويكون الأكل المضغ والبلع.\nوالقرآن لا يقوم بنفسه وحده كما يقوم المأكول بنفسه وحده، وإنما يقوم بواحدة من أربع: كتابة أو قراءة أو حفظ أو استماع، فهو بالعمل في الكتابة قائم، والعمل خط وهو مخلوق، والمكتوب قرآن وهو غير مخلوق، وهو بالعمل في القراءة قائم والعمل تحريك اللسان واللهوات بالقرآن وهو مخلوق، والمقروء قرآن وهو غير مخلوق.\nوهو بالاستماع قائم في السمع، والاستماع عمل وهو مخلوق (١)، والمسموع قرآن غير مخلوق.\nومثل هذا وإن كان لا مثل للقرآن إلا أنه تقريب منا لما ذكرناه إلى فهمك مثل لون الإنسان لا يقوم إلا بجسمه ولا نقدر أن نقر اللون في وهمك حتى يكون متميزًا من الجسم، وكذلك القدرة لا نقدر أن نفردها عن الجسم، وكذلك الاستطاعة والحركة كل واحدة منهما لا تفرد، وإنما تقوم بالجسم والجارحة ولا تنفرد عنهما، كذلك القرآن يقوم بتلك الخلال الأربع التي ذكرناها ولا يستطيع أحد أن يتوهمه منفردًا عنها، فإذا قلت قرأت أو تلوت أو\n_________\n(١) من طبعة دار الكتب العلمية، وفي المطبوع: غير مخلوق.","vol":"1","page":63},{"text":"لفظت دل قولك على فعل، وقرآن كل واحد منهما قائم بالآخر غير متميز منه لأن الصوت وتحريك اللسان لا يكون قراءة حتى يحمله الصوت واللسان وليس سائر الأفعال والمفعولات هكذا ألا ترى أنك تقول شتمت وسببت وقذفت فيدل قولك على فعل ومشتوم ومسبوب ومقذوف إلا أن كل واحد قائم بنفسه متميز من الآخر فلهذا قلنا: إن القراءة شيئان، وكذلك التلاوة واللفظ وقلنا الشتم شيء واحد.\nفإن قال فما شبه هذا؟\nقلنا رجلان نظرا إلى جمرة حمراء فقال أحدهما: هي جسم وقال الآخر: هي نار.\nوتجادلا في ذلك وشرق الأمر بينهما حتى حلف كل واحد بالطلاق على ما قال ثم صارا إلى الفقيه. فقالا: إنا اختلفنا في جمرة فقال أحدنا: هي جسم وقال الآخر: هي نار وتمادينا في ذلك حتى حلف كل واحد منا بالطلاق على ما ادعى فقال الفقيه لكل واحد منهما: صدقت. ولكن ذكرت شيئًا ذا معنيين بأحد معنييه. فالجمرة مثل القراءة لأنهما اسم واحد يجمع معنيين: الجسم والنار، كما أن القراءة تجمع معنيين العمل والقرآن ولو كان أحد المختلفين قال: هي جسم ونار قد جمع لها الصنفين كما أن من قال القراءة عمل وقرآن قد جمع لها الصنفين وكذلك لو اختلف اثنان في نجم فقال أحدهما: هو نار وقال الآخر: هو نور كانا جميعًا صادقين، لأن النجم اسم ذو معنيين: نار ونور.\nوكذلك لو اختلف اثنان في أكل إنسان فقال أحدهما: هو مضغ، وقال الآخر هو بلع كانا جميعًا صادقين. لأن أكل الإنسان اسم ذو معنيين مضغ وبلع وكذلك لو اختلفا في القتل فقال أحدهما: هو جرح. وقال الآخر: هو موت. لأن القتل اسم ذو معنيين عمل وموت.\nوقد بقيت بعدما بينت لطيفة قد يغلط في مثلها وهي أن السامع إذا","vol":"1","page":64},{"text":"سمع قائلًا يقول: قراءتي للقرآن ولفظي بالقرآن، قراءة القرآن مفردة عن القرآن واللفظ منفرد عن القرآن، توهم أن كل واحد منهما غير ممازج للقرآن وليس كذلك وإنما قوله للقرآن بالقرآن تمييز للقرآن من غيره لأن القارئ قد يقرأ غير القرآن وهذا من أغمض ما مر وأدقه فتأمله وتدبره حتى تفهمه وسأزيده إيضاحًا:\nكأن رجلًا يسمى محمدًا قرأ فسمعه رجل فقال عبد الله: ماذا قرأ.\nفيقول زيد: القرآن.\nوكذلك لو قال: ما أحسن لفظ محمد.\nفقال عبد الله: وبماذا لفظ؟\nفيقول له زيد: بالقرآن.\nفالقرآن ههنا إنما هو تمييز وتبيين وكل واحد من القرآن واللفظ يجمع معنيين عملًا وقرآنًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>[هل الإيمان مخلوق أم لا</span>؟]\nوذهب قوم من منتحلي السنة: إلى أن الإيمان غير مخلوق خوفًا من أن يلزمهم أن يقولوا ﴿لا إله إلا الله﴾ مخلوق. إذ كانت رأس الإيمان فركبوها شنعًا وجعلوا أفاعيل العباد غير مخلوقة صفات الله ﷿.\nفيا سبحان الله ما أعجب هذا وأعجب قائليه ولقد آلف الناس (غير مخلوق) وأنسوا به حتى أنه ليخيل إلي أن رجلًا لو ادعى أن العرش غير مخلوق وأن الكرسي غير مخلوق لوجد على ذلك أشياعًا ينتحلون السنة فماذا جر جهم لا ﵀ على متبعيه بنحلته وعلى مخالفيه ببغضته.\nوقد بلغني أن قومًا يذهبون إلى أن روح الإنسان غير مخلوقه، وأنهم يستدلون على ذلك بقول الله في آدم: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾","vol":"1","page":65},{"text":"وهذا هو النصرانية والقول باللاهوت والناسوت قال النابغة الجعدي:\nمن نطفة قدرها مقدرها ... يخلق منها الإنسان والنسما\nوالنسم: الأرواح.\nوأجمع الناس على أن الله خالق الجن وبارئ النسمة (١): أي خالق الروح. والإيمان مخلوق لأنه لفظ باللسان وعقد بالقلب واستعمال للجوارح وكل هذه أفعال للعباد ثم كل هذه غرائز ركبها الله في العباد وسماها الرسول ﷺ إيمانًا.\nقال أبو محمد: وقد كان بعض الجهمية سألني مرة عن تكلم الناس في\n_________\n(١) من طبعة دار الكتب العلمية، وفي المطبوع: والنسمة.","vol":"1","page":66},{"text":"الحرف والحرفين، ولذلك أصل في الكتاب، أمخلوق هو أم غير مخلوق؟\nفقلت: هو غير مخلوق ما لم يقصد به إلى تلاوة القرآن.\nفقال لي: فإذن القرآن يصير كلامًا بنيتك والكلام يصير قرآنًا بنيتك.\nقلت له: إن القول القليل قد يتغير بالنية والقصد وأنا أقر لك بذلك.\nثم قلت له: أما تعلم أن ﴿لا إله إلا الله﴾ رأس الإيمان وكلمة التوحيد.\nقال: بلى.\nقلت: فما تقول في ملحد قال: (لا إله) . يريد النفي ماذا تكون كلمته؟\nفقال: كفرًا.\nقلت: فإذن شطر كلمة التوحيد قد صار كفرًا بالنية.\nثم قلت له: ما تقول في مؤمن أراد أن يقول: ﴿لا إله إلا الله﴾ فقال: (لا إله) ثم انقطع نفسه وسها. ما كان قوله؟\nقال: إيمانًا بحاله.\nقلت له: فإذن ما كان هناك كفرًا بالنية قد صار ههنا إيمانًا بالنية.\nوقلت له: ما تقول أنت في القرآن؟\nقال: مخلوق.\nقلت: وفي أفعال العباد؟\nقال: غير مخلوقة.\nقلت: ما تقول في قول الله: ﴿ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ما هو؟\nقال: آية.\nقلت: فهي عندك أمخلوقة أم غير مخلوقة؟\nقال: مخلوقة.\nقلت: فإن دعبل بن علي الشاعر جعلها بيتًا في شعر له طويل فقال:","vol":"1","page":67},{"text":"ويخزهم وينصركم عليهم ... ويشف صدور قوم مؤمنينا\nفما هي في شعر دعبل؟\nقال: قول لدعبل.\nقلت: مخلوق أم غير مخلوق؟\nقال: بل غير مخلوق.\nقلت: فأراه صار فعلًا بالنية وخلقًا بالنية فما الذي أنكرته من قولنا هذا؟\nهذا منتهى الاختلاف في اللفظ بالقرآن وهو بلاغ لمن خضع للحق وتلقاه بقلب سليم ومن استكبر وجمحت به الحمية فيستغني الله الحق عنه والله غني حميد.","vol":"1","page":68}]}