{"ً":{"ٌ":267,"ٍ":"الإقناع في حجية الإجماع","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/eqnaa_rayess/eqnaa.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الإقناع في حجية الإجماع\nالمؤلف: د. عبد العزيز بن ريس الريس\nالناشر: مركز سطور للبحث العلمي، دار الإمام مسلم للنشر والتوزيع- المدينة المنورة\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ\nعدد الصفحات: ٨٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3093,"ٕ":11,"ٖ":1780758547,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"التمهيد","level":2,"page":5},{"title":"الإجماع من أهم الأدلة الشرعية","level":2,"page":5},{"title":"أنفع ما يحفظ عقيدة ومنهج أهل السنة: هو فهم السلف","level":2,"page":5},{"title":"المتكلمون يردون خبر الآحاد بحجة أنه ليس قطعيا في ثبوته","level":2,"page":5},{"title":"المتكلمون يحصرون أدلة الاعتقاد في اليقينيات والقطعيات، وهذا خطأ","level":2,"page":5},{"title":"الإشكال في تقسيم الدليل إلى قطعي الدلالة أو الثبوت أو ظني الدلالة أو الثبوت","level":2,"page":6},{"title":"مزية دليل الإجماع على غيره من الأدلة الشرعية","level":2,"page":6},{"title":"الإجماع لا يصح أن ينسخ","level":2,"page":6},{"title":"الفصل الأول مسائل متعلقة بالإجماع","level":1,"page":7},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الإجماع","level":2,"page":7},{"title":"لا ينبغي المبالغة في التعاريف والحدود كما هو مسلك المتكلمين، وإنما المقصود من التعريف: تقريب المعرف","level":3,"page":7},{"title":"معنى الإجماع: اتفاق مجتهدي الأمة على مسألة شرعية بعد وفاة النبي -ﷺ-","level":3,"page":7},{"title":"الدليل على حجية ما لم ينكره الله في زمن النبي ولو لم يطلع عليه النبي ﷺ","level":3,"page":8},{"title":"الجواب على من قال: إنه يعتد في الإجماع بقول العوام","level":3,"page":8},{"title":"المسألة الثانية: أدلة الإجماع","level":2,"page":9},{"title":"ذكر الأدلة الكثيرة على الإجماع","level":3,"page":9},{"title":"استدلال بعض الأصوليين بأدلة لا دلالة فيها على حجية الإجماع والجواب عنها","level":3,"page":13},{"title":"المسألة الثالثة موقف أهل البدع من الإجماع","level":2,"page":14},{"title":"الفرقة نوعان: أبدان وأديان، والاجتماع نوعان: أبدان وأديان","level":3,"page":14},{"title":"موقف أهل البدع من الإجماع","level":3,"page":14},{"title":"أول من أنكر الإجماع واشتهر بذلك هو: النظام المعتزلي","level":3,"page":14},{"title":"حقيقة قول لا يكون الإجماع إجماعا حتى يجتمع العامة مع أهل العلم أنه لا إجماع","level":3,"page":15},{"title":"لازم القول بأن الإجماع السكوتي ليس حجة هو أن لا يوجد إجماع يحتج به","level":3,"page":15},{"title":"ينبغي لأهل السنة أن لا يغتروا بأقوال أهل البدع، وأن يكونوا متبصرين","level":3,"page":16},{"title":"إيراد ورده","level":3,"page":16},{"title":"الجواب على قول الإمام أحمد: (من ادعى الإجماع فهو كاذب)","level":3,"page":16},{"title":"الإجماعات عن الإمام أحمد ليست قليلة فكيف ينكر الإجماع وهو نفسه استدل بالإجماع؟!","level":3,"page":18},{"title":"أصحاب الإمام أحمد لم يفهموا إنكار الإمام أحمد للإجماع","level":3,"page":18},{"title":"أظهر توجيه لكلام الإمام أحمد (من ادعى الإجماع فهو كاذب)","level":3,"page":18},{"title":"المسألة الرابعة قسما الإجماع","level":2,"page":19},{"title":"الإجماع -من جهة ثبوته- قسمان: قطعي وظني","level":3,"page":19},{"title":"وضابط الإجماع القطعي هو: ما كان مبنيا على نص ظاهر وتوارد العلماء عليه","level":3,"page":19},{"title":"المسألة الخامسة الإجماع السكوتي","level":2,"page":20},{"title":"الإجماع الظني هو: ما رجع إلى استقراء أهل العلم","level":3,"page":20},{"title":"حكم منكر الإجماع بالتفصيل","level":3,"page":20},{"title":"الإجماع الظني ليس على مرتبة واحدة بل هو على مراتب متعددة","level":3,"page":20},{"title":"الإجماع السكوتي هو: أن ينطق طائفة من أهل العلم ويسكت الباقون","level":3,"page":21},{"title":"العلماء مع الإجماع السكوتي على قولين: منهم من يخصه بالصحابة ومنهم من يعممه","level":3,"page":21},{"title":"القول بعدم بحجية الإجماع السكوتي هو كالقول بأن الإجماع ليس حجة","level":3,"page":21},{"title":"الجواب على من قال: خالف الشافعي في حجية الإجماع السكوتي وذلك أنه قال: (لا ينسب إلى ساكت قول)","level":3,"page":22},{"title":"أئمة الإسلام متواردون على أن الإجماع السكوتي حجة","level":3,"page":23},{"title":"الإجماع السكوتي ليس خاصا بالصحابة وذكر الأدلة على ذلك","level":3,"page":23},{"title":"لا يقيد الإجماع السكوتي باشتهار القول عن العالم لأمرين","level":3,"page":24},{"title":"الإجماع السكوتي حجة على أي صورة كانت: هو الشائع عمليا عند العلماء","level":3,"page":24},{"title":"المسألة السادسة حتمية استناد الإجماع على نص","level":2,"page":24},{"title":"ذكر الأدلة على أنه ما من إجماع إلا وهو مستند على نص","level":3,"page":25},{"title":"لا يشترط أن يعرف هذا المستند","level":3,"page":26},{"title":"هل يجب أن يوجد في الأمة من يعرف مستند الإجماع تنفع عمليا؟","level":3,"page":26},{"title":"المسألة السابعة حجية الإجماع قبل الخلاف وبعده","level":2,"page":26},{"title":"الإجماع حجة سواء كان في المسألة خلاف ثم انعقد الإجماع أو وجد خلاف بعد الإجماع","level":3,"page":27},{"title":"الجواب على ما نسبه أبو يعلى في «العدة» للإمام أحمد رواية أنه لا يرى أن الإجماع بعد الخلاف حجة","level":3,"page":28},{"title":"من أمثلة وقوع الإجماع بعد خلاف","level":3,"page":28},{"title":"المسألة الثامنة ضابط القول الشاذ","level":2,"page":29},{"title":"ضابط القول الشاذ هو: القول المخالف للإجماع","level":3,"page":30},{"title":"الجواب على من قال: إذا اشتهر في أهل البلد قول وخالفه أحد فقوله شاذ لأنه خالف أهل البلد والشائع والمنتشر","level":3,"page":30},{"title":"المسألة التاسعة حجية إجماع أهل كل فن في فنهم","level":2,"page":30},{"title":"إذا جري خلاف بين الصحابة والتابعين ثم انعقد الإجماع على أحد الأقوال فلا يقال بأن قول المخالف شاذ","level":3,"page":31},{"title":"إجماع أهل كل فن حجة","level":3,"page":31},{"title":"إجماع أهل اللغة على أن الإيمان لغة التصديق والمراد: في اللغة لا في الشرع","level":3,"page":32},{"title":"مسألة لا يعتد بقول المتكلمين سواء في الفقه أو في أصول الفقه","level":3,"page":32},{"title":"كيف يطرد الإجماع في اللغة؟","level":3,"page":32},{"title":"المسألة العاشرة شرطية انقراض العصر في الإجماع","level":2,"page":32},{"title":"قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن أهل الكلام ليسوا أهل علم","level":3,"page":33},{"title":"لماذا يعتد بالمتكلمين إذا كانوا فقهاء؟","level":3,"page":33},{"title":"معنى اشتراط انقراض العصر في الإجماع","level":3,"page":33},{"title":"القول باشتراط انقراض العصر مرجوح من جهة الدليل ولا يعول عليه؛ لأن الأدلة واضحة في حجية الإجماع","level":3,"page":34},{"title":"الجواب على قولهم: علي﵁- يرى أن الإجماع لا يكون حجة إلا بعد انقرض العصر","level":3,"page":34},{"title":"الجواب على استدلالهم: (أن جلد الشارب كان أربعين في عهد النبي ثم أبي بكر ثم عمر إلى أن زاد عمر ثمانين","level":3,"page":36},{"title":"القول باشتراط العصر غير منضبط عند التدقيق فيه ولا ضابط له، وتصوره صعب وبعيد من الجهة العملية","level":3,"page":36},{"title":"المسألة الحادية عشرة لا يجوز في الشريعة إحداث قول جديد","level":2,"page":36},{"title":"الذي عليه العلماء الأولون: أنه لا يجوز في الشريعة إحداث قول جديد","level":3,"page":37},{"title":"مسألة التلفيق بين الأقوال","level":3,"page":39},{"title":"مذهب الظاهرية مذهب مبتدع في الفقه وفي العقيدة","level":4,"page":39},{"title":"وسبب ضلال داود في الفقه وتشديد العلماء عليه","level":4,"page":39},{"title":"معنى التلفيق: أن يختلف العلماء على قولين ويلفق قول ثالث","level":4,"page":40},{"title":"أمثلة على المسائل التي لا يصح فيها التلفيق؛ لأنها صادمت النصوص","level":4,"page":41},{"title":"مسألة: قود الأب في ولده والجمهور يرون أنه لا يقاد","level":3,"page":41},{"title":"ومن أمثلة التلفيق: تحديد وقت للمسح على الخفين","level":3,"page":41},{"title":"مسألة: استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة","level":3,"page":42},{"title":"مسألة: صلاة الرواتب في السفر","level":3,"page":42},{"title":"القول بجواز التلفيق خطأ والردود الأربعة عليه","level":3,"page":43},{"title":"المسألة الثانية عشرة طريقة معرفة الإجماع","level":2,"page":43},{"title":"هناك فرق بين تأصيل العالم وتنزيله هذا التأصيل على الأمثلة والوقائع","level":3,"page":44},{"title":"طريقة معرفة الإجماع: أن يحكيه عالم ذو استقراء","level":3,"page":45},{"title":"الأصل أن الإجماع صحيح لكن لو تبين أن الإجماع مخروم فيسقط الإجماع ويسقط الاستدلال به ولكن لا يتعجل","level":3,"page":45},{"title":"بعضهم يخرم الإجماع بمخالفة ابن حزم الظاهري وهذا خطأ؛ بل ابن حزم محجوج بالإجماع","level":3,"page":46},{"title":"المسألة الثالثة عشرة الإجماع دليل كاشف","level":2,"page":46},{"title":"هناك علماء يحكون إجماعا ويريدون الأكثر ولا يعتدون بمخالفة القلة كابن جرير","level":3,"page":47},{"title":"ينظر في الإجماع الذي يحكيه ابن عبد البر تارة يحكي الإجماع بمعناه المعروف وتارة يحكيه ويريد به الجمهور","level":3,"page":47},{"title":"عول المتأخرون على الإمام ابن المنذر في حكاية الإجماع والخلاف","level":3,"page":47},{"title":"الفصل الثاني شبهات وإشكالات على دليل الإجماع","level":1,"page":48},{"title":"الشبهة الأولى رد الإجماع في مسألة مع عدم وجود السلف إلا زعمه أن رسول الله ﷺ هو السلف","level":2,"page":48},{"title":"الشبهة الثانية لما ذكر لبعضهم إجماع وقيل لا سلف في قول كذا وكذا أو في هذه المسألة","level":2,"page":49},{"title":"الشبهة الثالثة أن بعضهم لما قيل له: إن في المسألة إجماعا","level":2,"page":50},{"title":"الشبهة الرابعة قال بعضهم: إنه قد ادعي الإجماع في مسائل وتبين أنه مخروم فكيف يعول على هذه الإجماعات؟","level":2,"page":50},{"title":"الشبهة الخامسة حكيت إجماعات للصحابة ثم حصل خلاف","level":2,"page":51},{"title":"الشبهة السادسة يوجد كثير من الفقهاء المتأخرين من لا يعتد بالإجماع السكوتي بحجة أنه تكلم طائفة ولم يتكلم الباقون","level":2,"page":53},{"title":"الشبهة السابعة قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ما ليس فيه خلاف فليس إجماعا»","level":2,"page":55},{"title":"الشبهة الثامنة أن السنة حجة في ذاتها ولا تحتاج إلى عمل","level":2,"page":58},{"title":"الشبهة التاسعة قرر بعض أهل العلم أن الإجماع الذي يحتج به الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة.","level":2,"page":60},{"title":"الشبهة العاشرة قال بعضهم الإجماع الذي هو حجة هو المعلوم من الدين بالضرورة دون غيره","level":2,"page":62},{"title":"الشبهة الحادية عشرة قال بعضهم: عدم العلم بالمخالف لا يدل على الإجماع","level":2,"page":64},{"title":"الشبهة الثانية عشرة ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ - في التسعينية وغيرها أن عامة أهل البدع يخالفون الأدلة بحجة الإجماع ويكون إجماعهم مخروما غير صحيح","level":2,"page":67},{"title":"الشبهة الثالثة عشرة قال بعضهم الإجماع الذي لا يقطع به هو من الظن","level":2,"page":69},{"title":"الشبهة الرابعة عشرة قال بعضهم إذا صح الحديث وجب العمل به ولو لم يعلم من عمل به؛ لأنه حجة بلا خلاف","level":2,"page":70},{"title":"الشبهة الخامسة عشرة قال بعضهم: ترك الحديث لعدم العلم بالمخالف عليه المتأخرون دون الشافعي وأحمد","level":2,"page":72},{"title":"الشبهة السادسة عشرة قال بعضهم: إذا وجد نص لم يعمل به فلابد وأن هناك من عمل به، ولا يلزم أن ينقل قول من عمل به","level":2,"page":72},{"title":"الشبهة السابعة عشرة قال بعضهم: مخالفة من قوله ليس حجة مما حكي عليه الإجماع أعذر من مخالفة من قوله حجة وهو الكتاب والسنة،","level":2,"page":73},{"title":"الشبهة الثامنة عشرة قال بعضهم: إن طائفة من أهل العلم قالوا أقوالا لم يسبقوا إليها فدل هذا على جواز إحداث قول جديد","level":2,"page":73},{"title":"الشبهة التاسعة عشرة قال بعضهم: قال الإمام إسحاق بن راهويه في «مسائل إسحاق بن منصور»","level":2,"page":74},{"title":"الشبهة العشرون قال بعضهم: درج العلماء على تقديم الكتاب والسنة على الإجماع ويجعلون الإجماع آخر مراتب الأدلة","level":2,"page":75},{"title":"الشبهة الحادية والعشرون قال بعضهم: لا إجماع في علوم الآلة لأنه لا نصوص فيها ولا إجماع إلا وهو مستند على نص","level":2,"page":76},{"title":"الشبهة الثانية والعشرون قال بعضهم: حقيقة مخالفة التابعي للصحابي إحداث قول جديد، فهل يعني هذا أن التابعي يرى إحداث قول جديد؟","level":2,"page":76},{"title":"الشبهة الثالثة والعشرون قال بعضهم: يعمل بالإجماع وعدم العلم بالمخالف ولا إشكال في ذلك","level":2,"page":77},{"title":"الشبهة الرابعة والعشرون ذكر بعضهم أن النووي رحمه الله تعالى ذكر في شرحه على مسلم أن النص يعمل به ولو لم يعمل به أحد","level":2,"page":78},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":80}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81},"ٜ":{"1":[5,85]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3,4,5,6],"6":[7,8,9],"7":[10,11,12,13],"8":[14,15],"9":[16,17],"13":[18],"14":[19,20,21,22],"15":[23,24],"16":[25,26,27],"18":[28,29,30],"19":[31,32,33],"20":[34,35,36,37],"21":[38,39,40],"22":[41],"23":[42,43],"24":[44,45,46],"25":[47],"26":[48,49,50],"27":[51],"28":[52,53],"29":[54],"30":[55,56,57],"31":[58,59],"32":[60,61,62,63],"33":[64,65,66],"34":[67,68],"36":[69,70,71],"37":[72],"39":[73,74,75],"40":[76],"41":[77,78,79],"42":[80,81],"43":[82,83],"44":[84],"45":[85,86],"46":[87,88],"47":[89,90,91],"48":[92,93],"49":[94],"50":[95,96],"51":[97],"53":[98],"55":[99],"58":[100],"60":[101],"62":[102],"64":[103],"67":[104],"69":[105],"70":[106],"72":[107,108],"73":[109,110],"74":[111],"75":[112],"76":[113,114],"77":[115],"78":[116],"80":[117]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته\nأما بعد: فهذا تفريغ (^١) لدرس \"حجية الإجماع وكشف بعض الشبهات\"، الذي ألقيتُه ليلة الرابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة لعام ثمان وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة النَّبِيّ - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -.\nوتظهر أهمية هذا الدرس في حرص أهل البدع قديمًا وحديثًا في رد دليلٌ الإجماع أو إضعافه، وفي المقابل إهمال كثير من طلاب العلم لهذا الدليل المهم عمليًا.\nلذا قمت بمراجعة المادة المفرَّغة وتنقيحها لتخرج في هذه الرسالة المكونة من مقدمة، وتمهيدٍ، وفصلين، وخاتمة وسميتها \"الإقناع في حجية الإجماع\"، وهي على النحو التالي:\n- المقدمة: وهي التي بين يديك.\n- التمهيد: أهمية الإجماع، وبعض أشياء.\n- الفصل الأول: مسائل متعلقة بالإجماع، وبه ثلاث عشرة مسألة:\n- المسألة الأولى: تعريف الإجماع.\n_________\n(^١) قام بتفريغه بعض الإخوة الأفاضل، ووثقوه، ونسقوا الأصل وزادوا فيه وغيروا في الأسلوب بما يقربه لكتاب مؤلف بدل كونه مفرغًا، ووضعوا له فهرسًا كشافًا، فقمتُ بمراجعته فألفيتُه طيبًا، فجزاهم الله خيرًا وبارك فيهم.","vol":"1","page":5},{"text":"- المسألة الثانية: أدلة الإجماع.\n- المسألة الثالث: موقف أهل البدع من الإجماع.\n- المسألة الرابعة: قسما الإجماع.\n- المسألة الخامسة: الإجماع السكوتي.\n- المسألة السادسة: حتمية استناد الإجماع على نص.\n- المسألة السابعة: حجية الإجماع قبل الخلاف وبعده.\n- المسألة الثامنة: ضابط القول الشاذ.\n- المسألة التاسعة: حجية إجماع أهل كل فن في فنِّهم.\n- المسألة العاشرة: شرطية انقراض العصر في الإجماع.\n- المسألة الحادية العشرة: لا يجوز في الشريعة إحداث قول جديد.\n- المسألة الثانية عشرة: طريقة معرفة الإجماع.\n- المسألة الثالثة عشرة: الإجماع دليلٌ كاشف.\n- الفصل الثاني: إشكالات على دليلٌ الإجماع، وبه أربع وعشرون شبهةً وتوجيهها:\n- الشبهة الأولى: رد الإجماع بزعم أن رسول الله ﷺ سلفه.\n- الشبهة الثانية: رد الإجماع بزعم أن الصحابي راوي الحديث سلفه.\n- الشبهة الثالثة: رد الإجماع بزاعم أنَّه ليس من المجمعين.\n- الشبهة الرابعة: رد الإجماع بحجة ثبوت خرم إجماعات مدعاة.\n- الشبهة الخامسة: رد الإجماع لمخالفة بعض العلماء إجماعات الصحابة.\n- الشبهة السادسة: رد الإجماع بحجة وجود كثير من الفقهاء المتأخرين لا يعتد بالإجماع السكوتي.","vol":"1","page":6},{"text":"- الشبهة السابعة: رد الإجماع لما نسب للشافعي: «ما ليس فيه خلاف فليس إجماعًا».\n- الشبهة الثامنة: رد الإجماع بحجة أن السنة حجة في ذاتها ولا تحتاج إلىعمل.\n- الشبهة التاسعة: رد الإجماع بحجة أن الإجماع الذي يحتج به الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة.\n- الشبهة العاشرة: الإجماع الذي هو حجة هو المعلوم من الدين\nبالضرورة دون غيره.\n- الشبهة الحادية عشرة: عدم العلم بالمخالف لا يدل على\nالإجماع.\n- الشبهة الثانية عشرة: لا يصح الاستدلال بالإجماع في مخالفة\nالدليل، لئلا نوافق أهل البدع.\n- الشبهة الثالثة عشرة: رد الإجماع بحجة الإجماع الذي لا يقطع به هو من الظن.\n- الشبهة الرابعة عشرة: إذا صح الحديث وجب العمل به ولو لم\nيعلم من عمل به؛ لأنه حجة بلا خلاف.\n- الشبهة الخامسة عشرة: ترك الحديث لعدم العلم بالمخالف\nعليه المتأخرون دون المتقدمين.\n- الشبهة السادسة عشرة: إذا وجد نص لم يُعمل به فلابد وأن\nهناك من عمل به، ولا يلزم أن ينقل قول من عمل به.\n- الشبهة السابعة عشرة: مخالفة من قوله ليس حجة مما حكي\nعليه الإجماع أعذر من مخالفة من قوله حجة وهو الكتاب والسنة، فكيف تترك الحجة وهو الكتاب والسنة إلى من قوله ليس حجة؟","vol":"1","page":7},{"text":"- الشبهة الثامنة عشرة: أن طائفة من أهل العلم قالوا أقوالًا لم\nيسبقوا إليها فدل هذا على جواز إحداث قول جديد.\n- الشبهة التاسعة عشرة: رد الإجماع بحجة قول إسحاق ابن راهويه في مسألة: ... ما ظننت أن أحدًا يوافقني.\n- الشبهة العشرون: درج العلماء على تقديم الكتاب والسنة على\nالإجماع، وعليه إذا تعارض النص والإجماع قُدِّم النص.\n- الشبهة الحادية والعشرون: لا إجماع في علوم الآلة لأنه لا\nنصوص فيها ولا إجماع إلا وهو مستند على نص.\n- الشبهة الثانية والعشرون: حقيقة مخالفة التابعي للصحابي\nإحداث قول جديد.\n- الشبهة الثالثة والعشرون: تقديم الكتاب والسنة على الإجماع\nالظني دون القطعي.\n- الشبهة الرابعة والعشرون: رد الإجماع بحجة أن النووي قال: إن\nالنص يعمل به ولو لم يعمل به أحد.\n- الخاتمة.\nوالله أسأل أن يتقبل هذه الرسالة، وأن يجعلها نافعةً لخلقه، مقبولةً عنده سبحانه.\nوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\n\nد. عبد العزيز بن ريس الريس\nالمشرف على موقع الإسلام العتيق\n١٨/ ٤/ ١٤٣٩ هـ","vol":"1","page":8},{"text":"تمهيد\nقبل الولوج في لُبِّ هذا البحث ينبغي أن نعلم أن دليل الإجماع من أهم الأدلة عند علماء أهل السُّنة، «وعليه مَدَارُ مُعظمِ الأحكَامِ في الفَرْقِ والجَمْعِ، وإليه استنادُ المقاييسِ والعِبَرِ، وبه اعتضَادُ الاستِنبَاطِ في طُرُقِ الفِكَرِ» (^١).\n\nوتتجلى تلك الأهمية للإجماع عند النظر إلى كثير من أدلة الكتاب والسنة التي إذا أوردت في كثير من المسائل يعترض عليها كثير من المخالفين؛ بأنها ليست قطيعة في دلالتها بل تحتمل كذا وكذا ... ويأخذون في تنويع المشارب وتعديد المذاهب؛ لذا كان من<span data-type=\"title\" id=toc-4> أنفع ما يحفظ عقيدة ومنهج أهل السنة: هو فهم السلف </span>في الإفهام والتفهيم، والأخذ والرد، والنفي والإثبات، والتأصيل والتقعيد ... وما إلى ذلك.\nوفهم السلف: صورة من صور الإجماع؛ لذا ضبط الإجماع مهم للغاية وكذا الاعتناء به؛ حتى يُحفظ معتقد أهل السنة ويُصان عن تلك الهالة المسماة «قطعي وظني الدلالة»، تلك الهالة التي قَلَبَتِ الإسلامَ رأسًا على عقب وظهرًا لبطنٍ، حيث يردُّ أولئك المتكلمون كثيرًا من الأدلة الظاهرة الواضحة بزعمهم أنها ليست قطعيةً في دلالتها أو أنَّها ظنيَّةٌ في ثبوتيَّتِها.\nوليس معنى هذا أننا ننكر ما اصطُلح عليه بـ «قطعي الدلالة وظني الدلالة»، وإنما هو إيراد في مقام الرد على المتكلمين الذين ردوا الأدلة بحجة أنها ظنية في دلالتها أو ظنية في ثبوتها، - فمثلًا - يرد المتكلمون خبر الآحاد بحجة أنه ليس قطعيًا في ثبوته، فإذا أتيتَ لهم بالقطعي في ثبوته كالخبر المتواتر من السنة النبوية أو من القرآن: أثارَ أولئك القوم زوبعتَهم ليشككوا في دلالته، ومن ثَمَّ يرفضون الاحتجاج به ... وهكذا هو دأبهم.\n_________\n(^١) انظر: «غياث الأمم» لأبي المعالي الجويني (ص:٤٥).","vol":"1","page":9},{"text":"فتقسيم الأدلة إلى قطعي وظني من حيث هو تقسيم لا إشكال فيه؛ إذ هو واقع ماله من دافع، ولا يصح أن يرد وإنما الواجب أن لا يستعمل هذا التقسيمُ استعمالا إبليسيًّا في رد الأدلة ورفضها.\nإذا تبين هذا فلتعلمْ أن من أهم ما يضبط هذا الأمر هو الإجماع؛ لأن مزية دليل الإجماع أنه قاطع في دلالته، كما نص على هذا الغزالي في «المستصفى» (^١)، وابن قدامة في «روضة الناظر» (^٢) ونقله الزركشي في «البحر المحيط» (^٣) والشوكاني في «إرشاد الفحول» (^٤) عن الصيرفي وابن برهان والأصفهاني بل صرح الأصفهاني أنه المشهور.\nومعنى أنه قاطع في دلالته أمران:\nالأمر الأول: أن دلالته لا تحتمل أكثر من وجه.\nالأمر الثاني: أنه لا يصح أن ينسخ؛ لأن الإجماع لم يكن إلا بعد وفاة النبي - ﷺ -، فإذن لا يمكن أن ينسخ، بل العكس صحيح على الصحيح، فإنَّ الإجماع يدل على نسخ الأدلة؛ لأنه مستند على نص وليس هو الناسخ في نفسه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «المستصفى» للغزالي ص ١٤٢ وما بعدها.\n(^٢) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامه (١/ ٣٧٨) وما بعدها.\n(^٣) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٣٨٨).\n(^٤) انظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني (١/ ٢٠٩).\n(^٥) انظر في هذا: «المستصفى» للغزالي (١/ ١٠١)، و«المحصول» للرازي (٣/ ٣٥٤)، و«الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٣/ ١٦٠ - ١٦٢)، و«البحر المحيط» للزركشي (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٩)، و«شرح مختصر الروضة» للطوفي (٢/ ٣٣٠ - ٣٣٢) وغيرها.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الأول\nمسائل متعلقة بالإجماع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المسألة الأولى:\nتعريف الإجماع</span>\nلا ينبغي المبالغة في التعاريف كما هو مسلك المتكلمين الذين بالغوا في التعاريف والحدود، بحيث إنه لا يأتي أحدهم بحد إلا ويعترض عليه الآخر، بحجة أنه ليس جامعا أو ليس مانعا أو أن ألفاظه مترادفة إلى غير ذلك (^١).\nوإنما المقصود من التعريف تقريب المعرف، والمقصود من الحد تقريب المحدود، أما الحد الحقيقي فهذا لا وجود له، كما بينه شيخ الإسلام ﵀ في «مجموع الفتاوى» (^٢)، فالمقصود إذن من التعريف هو معرفة المحدود.\nوما كان السلف الأولون من فقهاء أهل الحديث، كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، يعتنون بهذه التعاريف، لذا لا تجدها في كتبهم، ولا تجدهم يعتنون بها فضلًا عن أن يبالغوا فيها، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على المناطقة في «مجموع الفتاوى» (^٣).\nفمعنى الإجماع من حيث الجملة: «أنه اتفاق مجتهدي الأمة على مسألة شرعية بعد وفاة النبي -ﷺ-».\nوذلك أن البحث جار في المسائل الشرعية وجار في المجتهدين، والإجماع إنما يكون حجة بعد وفاة النبي -ﷺ-.\n_________\n(^١) كما في: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ١٩٥ - ١٩٦)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٣٧٩ - ٣٨٢) وغيرهما.\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٩/ ٨٥ - ٨٦).\n(^٣) انظر المصدر السابق.","vol":"1","page":11},{"text":"وما وقع في حياته -ﷺ- فإنه حجة لسببين:\nالأول: إما أنه اطلع عليه، فهو إقرار منه ﷺ.\nالثاني: أو أن الله لم ينكره، فهذا إقرار من الله، فهو حجة على الصحيح.\nبل عزا ابن حجر حجيته إلى جماهير أهل العلم في كتابه «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (^١).\nومن الأدلة على ذلك: ما أخرج مسلم من حديث جابر قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ (^٢)، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» (^٣).\nاستدل على جواز العزل بأن الله لم ينكره، قال سفيان ابن عيينة: لو كان منهيا عنه لنهى عنه القرآن (^٤).\nإذن الإجماع: «اتفاق مجتهدي الأمة على مسألة شرعية بعد وفاة رسول الله ﷺ».\nوقال بعض المتكلمين كأبي بكر الباقلاني (^٥) والآمدي (^٦) في «أصول الأحكام» أن قول العوام يعتد به في الإجماع وفاقًا وخلافًا، بمعنى إذا خالف العامة لم يصح الإجماع.\nوهذا فيه نظر كبير بل هو خطأ؛ وذلك أن العوام في مسائل الشريعة تبع لأهل العلم، فإذا أجمع أهل العلم فالعوام تبع لهم ولا يصح للعامي أن يخالف. ذكره\n_________\n(^١) انظر «النكت على مقدمة ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٥١٥) وما بعدها.\n(^٢) العَزْلُ: هو عَزْلُ الرَّجُلِ الماءَ عن جاريتِه إذا جَامَعَهَا لِئَلَّا تَحمِل. انظر: «لسان العرب» لابن منظور (١١/ ٤٤١)\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٢٠٨)، ومسلم (١٤٤٠).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢/ ١٠٦٥) رقم (١٤٤٠).\n(^٥) انظر: «المحصول» للرازي (٤/ ١٩٦)، و«شرح مختصر الروضة» للطوفي (٣/ ٣١).\n(^٦) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٢٢٨).","vol":"1","page":12},{"text":"أبو الخطاب الحنبلي في «التمهيد» (^١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المسألة الثانية:\nأدلة الإجماع</span>\nتنوَّعت الأدلة وتضافرت على حجية الإجماع، وإليك بعضها:\nالدليل الأول:\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\nاستدل بهذه الآية جمع من الأصوليين كالآمدي في كتابه «أصول الإحكام» (^٢)، وابن قدامة في «الروضة» (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^٤)، بل أكثر من كَتبَ في الأصول إذا أورد مسألة الإجماع أتى بهذه الآية (^٥)، وقد نسب هذا الاستدلال للشافعي بعضهم (^٦)، ونازع آخرون في هذا الاستدلال (^٧).\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (٣/ ٢٥١).\n(^٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٢٢٨).\n(^٣) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٣٨٠ - ٣٨١).\n(^٤) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ١٧٨)، و(١٩/ ١٩٢).\n(^٥) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٧)، و«التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (٣/ ٢٥١)، و«المحصول» للرازي (٤/ ٣٥ - ٣٦)، و«التحبير شرح التحرير» للمرداوي (٤/ ١٥٣١ - ١٥٣٢)، و«الكوكب المنير» لابن النجار (٢/ ٢١٥) وغيرهم.\n(^٦) انظر: «أحكام القرآن» للشافعي (١/ ٣٩)، وانظر قصة استدلاله في «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٠/ ٨٣ - ٨٤).\nوممن نسبه له: الآمدي في «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٢٠٠)، والغزالي في «المستصفى» (١/ ١٣٨)، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٧٨) وغيرهم.\n(^٧) انظر: «المستصفى» للغزالي (١/ ١٣٨).","vol":"1","page":13},{"text":"وجه الدلالة من هذه الآية: أن الله رتب العقوبة على ترك سبيل المؤمنين، فدل هذا على أن اتباع سبيل المؤمنين واجب، فإذن إذا كان المؤمنون من أهل العلم من المجتهدين على قول في هذه المسألة فإن قولهم حجة وهذا هو المقصود.\nالدليل الثاني: قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\nاستدل بهذه الآية أبو الحسين (^١)، والآمدي (^٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^٣) وغيرهم.\nووجه الدلالة: أنه يعمل مباشرة بما لم يحصل فيه نزاع بخلاف ما حصل فيه نزاع فإنه يرد للكتاب والسنة.\nالدليل الثالث: قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]\nاستدل بهذه الآية أبو الحسين (^٤)، والآمدي (^٥)، والطوفي (^٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٧) وغيرهم.\nووجه الدلالة: أن الأمة إذا أجمعت على قول فإن هذا القول خير؛ لأنها أمرت به، ولو لم يكن خيرًا لوجد في الأمة من ينكر ذلك، ولا يمكن أن يُنقل لنا القول المرجوح والخطأ دون القول الراجح.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ١٥).\n(^٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٢١٨).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١/ ٩)، و(١٩/ ٦٧)، و(١٩/ ٩١).\n(^٤) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٦).\n(^٥) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٢١٤).\n(^٦) انظر: «شرح مختصر الروضة» للطوفي (٣/ ١٧).\n(^٧) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ١٧٦).","vol":"1","page":14},{"text":"الدليل الرابع: قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوالمراد بالوسط أي العدل والخيار، فإذا أجمع العلماء على قول فهذا هو القول الحق وهو الخيار الذي يحبه الله، وقد استدل بهذه الآية أبو الحسين (^١)، والآمدي (^٢)، والطوفي (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤) وغيرهم.\nالدليل الخامس: أخرج الشيخان من حديث معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (^٥).\nوأخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة (^٦)، ومسلم من حديث جابر (^٧)، وثوبان (^٨)، وسعد بن أبي وقاص (^٩)، وغيرهم من صحابة (^١٠) رسول الله - ﷺ -.\nوجه الدلالة من هذا الحديث: أن الأمة إذا أجمعت على قولٍ فحتمًا ولا بد أن يكون من بينها تلك الطائفة المنصورة التي لا تكون إلا على الحق؛ فبهذا يتبين أن هذا القول حقٌ، وهذا هو المراد إذ يدل على حجية الإجماع.\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٤).\n(^٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٢١١).\n(^٣) انظر: «شرح مختصر الروضة» للطوفي (٣/ ١٥).\n(^٤) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ١٧٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٦٤١)، ومسلم (١٠٣٧/ ١٧٤) - واللفظ له -.\n(^٦) أخرجه البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١).\n(^٧) أخرجه ومسلم (١٥٦)، و(١٩٢٣).\n(^٨) أخرجه ومسلم (١٩٢٠).\n(^٩) أخرجه ومسلم (١٩٢٥).\n(^١٠) مثل عقبة بن عامر كما عند مسلم (١٩٢٤)، وأبو هريرة كما عند ابن ماجه (٧)، وقرة بن إياس كما عند الترمذي (٢١٩٢)، وابن ماجه (٦).","vol":"1","page":15},{"text":"ولنفرض أن الأمة في وقت أجمعت على قول معين فقطعًا هذا القول هو الراجح وهو الذي يحبه الله؛ لأن من بين المجمعين تلك الطائفة المنصورة.\nالدليل السادس: ثبت عند أحمد وغيره عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «...، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ» (^١).\nهذا دليل على حجية الإجماع كما أفاده ابن حزم (^٢)، وابن القيم في «الفروسية» (^٣)، والشاطبي في «الاعتصام» (^٤)، وغيرهم من أهل العلم.\nورواه الخطيب البغدادي (^٥) مرفوعًا عن أنس ﵁، لكنه لا يصح من حديث أنس، كما بينه ابن حزم (^٦)، وابن القيم في كتابه «الفروسية» (^٧)، وابن عبد الهادي فيما نقله عنه العجلوني (^٨)، والعلامة الألباني (^٩).\nالدليل السابع: ثبت عند ابن أبي عاصم عن أبي مسعود البدري أنه قال: «عليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة» (^١٠)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٦٠٠)، والبزار (١٨١٦)، وابن الأعرابي في «المعجم» (٨٦١)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ ١١٢)، والحاكم (٤٤٦٥) وصححه، وغيرهم.\n(^٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٦/ ١٨ - ١٩).\n(^٣) انظر: «الفروسية» لابن القيم (ص:٢٩٩).\n(^٤) انظر: «الاعتصام» للشاطبي (٣/ ٤٦، ٣٢٥).\n(^٥) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٧٠).\n(^٦) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٦/ ١٨).\n(^٧) انظر: «الفروسية» لابن القيم (ص:٢٩٨).\n(^٨) انظر: «كشف الخفاء» للعجلوني (٢/ ٢٢١).\n(^٩) انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (٥٣٢).\n(^١٠) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (٨٥)، وابن أبي شيبة (٣٧٦١٥)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (١/ ١٢٢)، والحاكم (٨٥٤٥) وصححه.","vol":"1","page":16},{"text":"هذا نص في حجية الإجماع وقد جاء مرفوعًا (^١)، والأصح -والله أعلم-أنه لا يصح مرفوعًا، وإنما يصح من كلام أبي مسعود البدري - ﵁ -، ... إلى غير ذلك من الأدلة.\n* تنبيه: استدل بعض الأصوليين بأدلة لا دلالة فيها على حجية الإجماع، ومن ذلك:\n١ - أنهم استدلوا بالأدلة التي تدل على أن لزوم الجماعة واجب وأن من خرج عن الجماعة ومات مات ميتة جاهلية.\nكالذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (^٢).\nوأخرج أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» (^٣).\nوالأظهر والله أعلم أن الاستدلال بمثل هذا لا يصح، لأن المراد بالجماعة في هذا الحديث جماعة الأبدان وهو السمع والطاعة للحاكم في غير معصية الله، وليس المراد به اجتماع الأمة وإنما المراد به جماعة الأبدان.\nفقد ذكر الخطابي - ﵀ - في كتابه «العزلة»: أن الفرقة نوعان فرقة أبدان وفرقة أديان، وفي المقابل الاجتماع يكون نوعين، اجتماع على الأبدان واجتماع على الأديان (^٤).\n_________\n(^١) كما عند أبي داود (٤٢٥٣) من حديث أبي مالك الأشعري، وابن ماجه (٣٩٥٠) من حديث أنس وغيرهم.\n\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٤٨/ ٥٣) من حديث أبي هريرة.\n\n(^٣) أخرجه أحمد (٢١٥٦٠)، وأبو داود (٤٧٥٨)، وصحَّح الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٧٥٨) طبعة المعارف.\nوأخرجه من حديث أبي مالك الأشعري أحمدُ (٢٢٩١٠)، والترمذي (٢٨٦٣) وقال: حسن صحيح. وصحَّح الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢٨٦٣) طبعة المعارف.\n(^٤) انظر: «العزلة» للخطابي (ص:٨).","vol":"1","page":17},{"text":"فالمراد بالجماعة في هذا الحديث جماعة الأبدان، أي الاجتماع على الحاكم في السمع الطاعة في غير معصية الله، ففرق بين هذا وبين إجماع الأمة على مسألة شريعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المسألة الثالثة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>موقف أهل البدع من الإجماع</span></span>\nأهل البدع - من حيث الجملة - مع الإجماع طائفتان:\n\nالطائفة الأولى: أنكرت الإجماع وقالت إن الإجماع ليس حجة، و<span data-type=\"title\" id=toc-22>أول من أنكر الإجماع واشتهر بذلك هو النظَّام المعتزلي </span>كما عزاه إليه ابن قدامة في «روضة الناظر» (^١) ونسبه إليه جماعة (^٢)، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣) أن المعتزلة والشيعة خالفوا في حجية الإجماع.\nفإذن كل من أنكر حجية الإجماع فسلفه هو النظَّام المعتزلي، فإنه أول من خالف في حجية الإجماع (^٤).\nوالطائفة الثانية: صعَّبت وجود الإجماع ولم تصرح بإنكاره، فلسان مقالها يقول: نقر بالإجماع. ولسان حالها يقول: لا يوجد إجماع.\nومثال ذلك:\n١ - طائفة قالوا: لا يكون الإجماع إجماعًا حتى يجتمع العامة مع أهل العلم.\n_________\n(^١) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٣٧٩).\n(^٢) كـ: أبي الحسين في «المعتمد» (٢/ ٤)، والغزالي في «المستصفى» (١/ ١٣٧)، والآمدي في «الإحكام» (١/ ٢٠٠)، والزركشي في «البحر المحيط» (٦/ ٣٨٤) وغيرهم.\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١١/ ٣٤١).\n(^٤) قال أبو المعالي الجويني في «البرهان في أصول الفقه» (١/ ٢٦١): أول من باح بِرَدِّه النظَّام، ثم تابعه طوائف من الروافض.","vol":"1","page":18},{"text":"وقد تقدم نسبة هذا القول إلى الباقلاني والآمدي، وحقيقة هذا القول أنه لا يوجد إجماع لصعوبة تحقق ذلك.\nفقد قال ابن قدامة: «وهذا القول يرجع إلى إبطال الإجماع؛ إذ لا يتصور قول الأمة كلهم في حادثة واحدة.\nوإن تصوّر: فمن الذي ينقل قول جميعهم، مع كثرتهم وتفرقهم في البوادي والأمصار والقرى؟!» (^١).\n٢ - وطائفة قالوا: إن الإجماع السكوتي ليس حجة، وسيأتي - إن شاء الله - بحث الإجماع السكوتي.\nومعناه: أن يتكلم طائفة من أهل العلم ويشتهر هذا القول ولا ينكره آخرون.\nفقالت هذه الطائفة: إن هذا الإجماع ليس حجة.\nوهذا القول إذا دققتَ فيه وجدتَه رجع إلى قول المتكلمين، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله -؛ إذ لازم القول بأن الإجماع السكوتي ليس حجة أن لا يوجد إجماع يحتج به.\nقال أبو بكر الجصاص في كتابه «الفصول في الأصول» ما ملخصه: ولازم إنكار الاحتجاج بالإجماع السكوتي أن لا يوجد إجماع (^٢).\nوصدق - ﵀ -.\n_________\n(^١) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٣٩١).\n(^٢) انظر: «الفصول في الأصول» للجصاص (٣/ ٢٩٠).\nحيث قال: «...، فوجب بهذا أن يكون سكوتهم بعد ظهور القول وانتشاره: دلالة على الموافقة.\nولو لم يصح الإجماع من هذا الوجه، لما صح إجماع أبدا، إذ غير ممكن أن يضاف شيء من الأشياء بقول إلى جميع الأمة: على أنها قد قالته ولفظت به، وإنما يعتمدون فيه على ظهور القول فيهم، من غير مخالف لهم».","vol":"1","page":19},{"text":"وذكر نحو هذا ابن قدامة في «روضة الناظر» (^١)، بل وقال في «المغني» لما ذكر مسألة ونقل فيها قول بعض الصحابة دون مخالف: لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة في مسألة، ولا إلى نقل قول العشرة، ولا يوجد الإجماع إلا القول المنتشر (^٢).\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-25>ينبغي لأهل السنة أن لا يغتروا بأقوال أهل البدع، وأن يكونوا متبصرين</span>.\nوممن خالف في حجية الإجماع أو ضيق كثيرًا الظاهرية، وسيأتي الكلام - إن شاء الله تعالى - على الظاهرية ومذهبهم في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>إيرادٌ وردُّه</span>\nفإن قيل: ماذا يقال في قول الإمام أحمد: «من ادعى الإجماع فهو كاذب»؟\nفيقال: الجواب من وجهين:\nالوجه الأول: أن الإمام أحمد قطعًا لم يردْ إنكار الإجماع، بدليل أن الإمام أحمد نفسه استدل بالإجماع في مسائل كثيرة، منها:\n١ - قول الإمام أحمد: «أجمعوا على أن التكبير - أي المقيد -، يبتدئ من غداة يوم عرفة» (^٣).\n٢ - وقوله: «أجمعوا على أن أولاد المسلمين في الجنة» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٤٣٧)، حيث قال: «...، أنه لو لم يكن هذا إجماعًا: لتعذر وجود الإجماع؛ إذ لم ينقل إلينا في مسألة قول كل علماء العصر مصرحًا به».\n(^٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٣١٠) بمعناه.\n(^٣) انظر: «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١٠٦١)، و«المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٩٢)، و«فتح الباري» لابن رجب (٩/ ٢٢،٢٤).\n(^٤) انظر: «أحكام أهل الملل» للخلال (١/ ١١) بلفظ: «ليس فيه خلاف»، و«المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٧) بلفظ: «ليس فيه اختلاف».","vol":"1","page":20},{"text":"٣ - وقوله: «أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز» (^١).\n٤ - وقوله: «إجماع العلماء والأئمة المتقدمين على أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، هذا الدين الذي أدركت عليه الشيوخ، وأدرك الشيوخ من كان قبلهم على هذا» (^٢).\n٥ - وقوله: «أجمعوا على أن من تذكر صلاة حضر في سفر فإنه يصلي صلاة حضر» (^٣).\n٦ - وقوله في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]: «أجمع الناس أن هذِه الآية في الصلاة» (^٤).\n٧ - وقوله: «أجمعوا على أن الدم نجس» (^٥).\n٨ - وقوله: «لم يختلف الناس أن الرجل إذا أسلم أنه على نكاحه» (^٦).\nوغير ذلك من المسائل التي نقل فيها الإمام أحمد الإجماع وعدم الخلاف، فالمقصود أن الإجماعات عن الإمام أحمد ليست قليلة، فكيف ينكر الإجماع وهو نفسه استدل بالإجماع؟!\nالوجه الثاني: أن أصحاب الإمام أحمد لم يفهموا إنكار الإمام أحمد للإجماع؛ لذا انقسموا طوائف في توجيه كلامه كالتالي:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» لابن قدامة (٤/ ٥١).\n(^٢) انظر: «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (١/ ١٧٢).\n(^٣) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٠٨)، بلفظ: «أما المقيم إذا ذكرها في السفر، فذاك بالإجماع يصلي أربعا».\n(^٤) انظر: «مسائل أبي داود» (٤٨).\n(^٥) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (١/ ١٠٥)، و«إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ١٥١).\n(^٦) انظر: «أحكام أهل الملل» للخلال (٥٠٩)، و(٥٠٧).","vol":"1","page":21},{"text":"١ - فمنهم من حمله على الورع، كأبي يعلى في «العدة» (^١).\n٢ - ومنهم من حمله على الإجماع الذي يحكيه أهل البدع وليسوا أهلا لحكاية الإجماع، هذا القول الآخر الذي ذكره أبو يعلى في «العدة» (^٢).\nوقريب منه ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «بيان الدليل في بطلان التحليل» (^٣)، وقريب منه ما ذكره ابن القيم في «إعلام الموقعين» (^٤).\n٣ - وأيضًا لابن تيمية توجيه ثالث كما في «المسودة» قال: إن كلام الإمام احمد محمول على الإجماع بعد القرون المفضلة (^٥).\n* وأظهر هذه التوجيهات أن كلام الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - هو في حق من ليس أهلًا لحكاية الإجماع كأهل البدع وكأهل الرأي الذين يردون النصوص بالإجماعات، وهم ليسوا أهلًا لحكاية الإجماع؛ لذا قال الإمام أحمد: في تتمة الكلام هذه دعوى بشر والأصم ... إلخ، أي دعوى أهل البدع.\nوقد بين ابن تيمية رحمه الله تعالى في «التسعينية»، أن أهل البدع كثيرًا ما يحكون إجماعات في مسائل عقدية وهم مخطئون في ذلك، فقال - ﵀ -: «...، وهذا الإجماع نظير غيره من الإجماعات الباطلة المدعاة في الكلام وغيره -وما أكثرها-، فمن تدبر وجد عامة المقالات الفاسدة يبنونها على مقدمات لا تثبت إلّا بإجماع مدعى أو قياس، وكلاهما عند التحقيق يكون باطلًا» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «العدة في أصول الفقه» لأبي يعلى (٤/ ١٠٦٠).\n(^٢) انظر: «العدة في أصول الفقه» لأبي يعلى (٤/ ١٠٦٠).\n(^٣) انظر: «بيان الدليل في بطلان التحليل» لابن تيمية (١/ ٣٢٧).\n(^٤) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٢/ ٥٣ - ٥٤)، و(٣/ ٥٥٨ - ٥٥٩).\n(^٥) انظر: «المسودة» لابن تيمية (ص:٣١٦).\n(^٦) انظر: «التسعينية» لابن تيمية (٢/ ٤٩٢).","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المسألة الرابعة\nقسما الإجماع</span>\nينقسم الإجماع قسمين:\nالقسم الأول: الإجماع القطعي.\nوالقسم الثاني: الإجماع الظني.\nوينقسيم الإجماع إلى قطعي وظني في ثبوته لا في دلالته؛ لأن الإجماع في دلالته لا يخرج عن كونه قاطعًا وقطعيًا - كما تقدم - وإنما البحث في ثبوته.\nفالإجماع في ثبوته ينقسم قطعيًا وظنيًا، ذكر هذا ابن قدامة في «روضة الناظر» (^١)، وابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^٢)، والزركشي في «البحر المحيط» (^٣)، وغيرهم من أهل العلم.\nوضابط الإجماع القطعي: - والله أعلم -: هو ما كان مبنيًا على نص ظاهرٍ وتوارد العلماء عليه، كإيجاب الصلاة والزكاة ونحوِ ذلك، فإذا وجد نص ظاهر توارد العلماء عليه فمثل هذا يقال إنه إجماع قطعي، وهذا مستفاد من كلام شيخ الإسلام (^٤) رحمه الله تعالى والزركشي (^٥) وقد صرح به شيخنا العلامة ابن عثيمين (^٦) رحمه الله تعالى.\nأما الإجماع الظني: فهو خلاف ذلك مما رجع إلى استقراء أهل العلم (^٧).\n_________\n(^١) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٤٤٠ - ٤٤١).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(^٣) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤١٤ - ٤١٥).\n(^٤) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(^٥) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٩٩).\n(^٦) انظر: «الأصول من علم الأصول» لابن عثيمين (ص:٦٥ - ٦٦).\n(^٧) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٢٦٧)، و«الأصول من علم الأصول» لابن عثيمين (ص:٦٥ - ٦٦).","vol":"1","page":23},{"text":"سؤال وجواب\nهل يُحكم بكفر منكر الإجماع؟\nوللجواب عن هذا السؤال لابد من التفرقة بين من أنكر الإجماع القطعي، وبين من أنكر الإجماع الظني.\nفالأول: يُحكم بكفره؛ لأنه ينكر النصوص الظاهرة كإيجاب الزكاة والصلاة.\nوالثاني: لا يكفر مثله.\nذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^١)، الزركشي في «البحر المحيط» (^٢).\nتنبيه: ومما ينبغي أن يعلم: أن الإجماع الظني على مراتب فليس على مرتبة واحدة، فيما نقله الزركشي (^٣). وصدق رحمه فليس الإجماع الذي يتوارد العلماء على حكايته كالإجماع الذي لا يحكيه إلا عالم واحد فهو يتفاوت في قوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المسألة الخامسة\nالإجماع السكوتي</span>\nوهذه المسألة من المسائل المهمة التي ينبغي ضبطها ضبطًا علميًا؛ لكثرة الشبهات والإشكالات التي تَرِدُ عليها، وسيأتي بحث ذلك -إن شاء الله-.\nفالمراد بالإجماع السكوتي: أن ينطق طائفة من أهل العلم ويسكت الباقون.\nوبعضهم يقول: تتكلم طائفة من أهل العلم ويشتهر قولهم ولا يخالفهم\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٢٧٠).\n(^٢) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٩٦) وما بعدها.\n(^٣) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٣٨٩).","vol":"1","page":24},{"text":"آخرون (^١).\nوالعلماء مع الإجماع السكوتي على قولين:\n١ - منهم من يجعل الإجماع السكوتي خاصًا بالصحابة.\n٢ - ومنهم من يعممه للصحابة ومن بعدهم.\nقد ذكر القولين العلائي في «إجمال الإصابة في حجية قول الصحابة» (^٢).\nوالقول بحجية الإجماع السكوتي هو الصحيح لا محالة (^٣).\nبل إن القول بعدم حجيته هو كالقول بأن الإجماع ليس حجة؛ لأنه لا يوجد إجماع إلا الإجماع السكوتي، فلا يوجد إجماع منطوق كما تقدم في كلام الجصاص (^٤)\n_________\n(^١) انظر تعريفات الإجماع السكوتي في: «الإحكام» للآمدي (١/ ٢٥٢)، و«إجمال الإصابة في أقوال الصحابة» للعلائي (ص:٢٠)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٥٦)، و«شرح مختصر الروضة» للطوفي (٣/ ٧٨) وغيرهم.\n(^٢) انظر: «إجمال الإصابة في أقوال الصحابة» للعلائي (ص:٢٠) وما بعدها، وانظر «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٦٥ - ٤٦٧).\n(^٣) وبه قال: أحمد بن حنبل، وجمهور الحنفية، والمالكية، والشافعية. وقال ابن برهان: وإليه ذهب كافة العلماء. «إجمال الإصابة في أقوال الصحابة» للعلائي (ص:٢٠)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٥٧).\n(^٤) وقال الجصاص أيضًا كما في «الفصول في الأصول» للجصاص (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦): «ثم لا يخلو من ينعقد به الإجماع: من أن يكون وجود إجماعه معتبرا، بأن نعرف قول كل واحد منهم بعينه، أو أن يظهر القول من بعضهم، وينتشر في كافتهم من غير إظهار خلاف من الباقين عليهم، ولا نكير على القائلين به، وغير جائز أن تكون صحة الإجماع موقوفة على وجود القول في المسألة من كل واحد منهم، بوفاق الآخرين؛ لأن ذلك لو كان شرط الإجماع لما صح إجماع أبدا، إذ لا يمكن لأحد من الناس أن يحكي في شيء من الأشياء قول كل أحد من أهل عصر انعقد إجماعهم على شيء، إن شئت من الصدر الأول، وإن شئت ممن بعدهم.\nفلما ثبت عندنا صحة إجماع الأمة بما قدمنا من الدلائل وامتنع وجود الإجماع بإثبات قول كل أحد من الصحابة والتابعين في مسألة، علمنا: أن هذا ليس بشرط».","vol":"1","page":25},{"text":"وابن قدامة (^١).\nإيراد ورده\nفإن قال قائل: اشتهر عند بعض أهل العلم أن الشافعي خالف في حجية الإجماع السكوتي حيث قال: «لا ينسب إلى ساكت قول» (^٢). فدل هذا على أن الشافعي لا يرى الإجماع السكوتي حجة.\nيقال: قد خالف في نسبة هذا إلى الشافعي جمع من أهل العلم، وممن خالف في ذلك محقق المذهب الشافعي وإمامه أبو حامد الإسفراييني، وأبو حامد الشيرازي، والنووي رحمه الله تعالى، فقد نصوا على أن الشافعي يرى الإجماع السكوتي حجة في القديم وفي الجديد، وذكروا أمثلة للشافعي رحمه الله تعالى تدل على أن الإجماع السكوتي حجة (^٣).\nبل ذكر ابن برهان: أن القول بحجية الإجماع السكوتي هو الذي عليه الأئمة (^٤).\nوصدق -رحمه الله تعالى- فإن أول من خالف في حجيته هم المتكلمون.\nأما أئمة الإسلام فهم متواردون على أن الإجماع السكوتي حجة وذلك أنهم لما قالوا الإجماع حجة واحتجوا به عمليًا في مسائل كثيرة فهم يرون بهذا أن الإجماع السكوتي حجة.\nوالأظهر -والله أعلم- أن الإجماع السكوتي لا يخص بالصحابة كما هو صنيع العلماء والمتوارد من صنيعهم، بل في الصحابة ومن بعدهم، كما سيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: «روصة الناظر» لابن قدامة (١/ ٣٩١).\n(^٢) انظر نسبة هذا القول للشافعي في: «التبصرة في أصول الفقه» للشيرازي (ص: ٥١٧)، و«البرهان في أصول الفقه» لإمام الحرمين (١/ ٢٧١) وغيرهما.\n(^٣) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٥٧) نقلًا عن «شرح الوسيط» للنووي.\n(^٤) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٥٧).","vol":"1","page":26},{"text":"بل إن الصحابة قد يختلفون على قولين، فينعقد الإجماع بعد ذلك فيعمل العلماء بهذا الإجماع.\nوهذا مما يدل على أن الإجماع السكوتي ليس خاصًا بالصحابة.\nومن أمثلة ذلك: أن الصحابة اختلفوا في الذي جامع -أي أولج- بلا إنزال؟ هل يجب عليه الغسل أم لا؟\nفيه قولان للصحابة (^١)، لكن انعقد الإجماع بعد ذلك ونص عليه ابن المنذر (^٢) وابن عبد البر (^٣) وغيرهم من أهل العلم وسيأتي -إن شاء الله- ذكر أمثلة أخرى.\nفالمقصود أن الإجماع السكوتي ليس خاصًا بالصحابة بل هو مطرد في أهل العلم، فإذا ذكر عالم مسألة واشتهر عنه فإنه حجة.\nويظهر لي - والله أعلم - أن تقييد الأمر بالاشتهار وعدم الاشتهار ليس عمليًا، فمجرد أن يذكر عالمٌ قولًا ولا يعرف عن غيره إنكار فهو حجة، وذلك لأمرين:\nالأول: أنه لو كان منكرًا فلا بد أن يوجد في الأمة من ينكره، ولا يمكن أن الله ينقل لنا القول المرجوح دون الراجح، فقد ذكر ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» (^٤) أن القول المرجوح خطأ من وجه، فلا ينقل مرجوح دون الراجح.\n_________\n(^١) انظرهما في: «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٧٦) وما بعدها، و«التمهيد» لابن عبد البر (٢٣/ ١٠٠) وما بعدها.\n(^٢) انظر: «الأوسط» (٢/ ٨١)، و«الإجماع» (٢٤) وكلاهما لابن المنذر.\n(^٣) انظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٢٣/ ١٠٥).\nلكنه قال: «على هذا القول جمهور أهل الفتوى بالحجاز والعراق والشام ومصر وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والليث بن سعد والأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري».\n(^٤) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٦٩) (٦/ ٣٧).","vol":"1","page":27},{"text":"الثاني: أننا مأمورن باتباع سبيل المؤمنين، والذي يعرف من سبيل المؤمنين في هذه المسألة هو قول هذا الرجل سواء كان صحابيًا أو تابعيًا أو من بعده ولا يعرف عن غيره مخالفته، ونحن مأمورون باتباع سبيل المؤمنين، فإذن يجب اتباع هذا القول لأنه سبيل المؤمنين في هذه المسألة فيما نعلم.\nإذن الإجماع السكوتي حجة على أي صورة كانت وهذا هو الشائع عمليًا عند العلماء فقد تواردوا على قول ابن عباس الذي أخرجه مالك في الموطأ: «من ترك نسكًا أو نسيه فليهرق دمًا» (^١)، وعملوا به؛ لأن ابن عباس قال به ولم يعارضه أحد من أهل العلم وفقهاء الإسلام المشهورين بل احتجوا به، والأمثلة على ذلك كثيرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المسألة السادسة\nحتمية استناد الإجماع على نص</span>\nلا بد أن يكون الإجماع مستندًا على نص فلا يمكن للإجماع أن يكون حجة إلا أن يستند على نص وما من إجماع إلا وهو مستند على نص، فمتى ما قيل بصحة هذا الإجماع فقطعًا هو مستند على نص، والدليل على هذا أدلة:\nالدليل الأول: قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فإذن عند التنازع نرده إلى الله وإلى الرسول، وعند الاتفاق نعمل به؛ لأنه مما دل عليه كلام الله وكلام رسوله ﷺ، ذكر هذا ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^٢).\nالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، فجعل سبيل المؤمنين موافقًا لما جاء به الرسول، فإذن كل إجماع فهو مستند على نص.\n_________\n(^١) انظر: «الموطأ - رواية يحيى الليثي» للإمام مالك (١/ ٤١٩) رقم (٢٤٠) طبعة إحياء التراث.\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٩١).","vol":"1","page":28},{"text":"الدليل الثالث: أنه لم يخالف في ذلك إلا من شذ كما بين ذلك الآمدي (^١)، فيكفي أن يعلم أن المخالف في ذلك ممن شذوا.\nالدليل الرابع: أن العلماء لما قالوا في مسألة بقول فإما قالوه بالرأي المجرد أو برأي مستند إلى دليل وقطعًا أنه الثاني، فلما كان الثاني فدل هذا على أن ما أجمعوا عليه فهو مستند على نص قطعا، لكن لا يشترط أن يُعرف هذا المستند ولا يتوقف الاستدلال عليه، بل يتم الاستدلال مباشرة بمجرد معرفة الإجماع في مسألةٍ ما.\nسؤال وجواب\nهل يجب أن يوجد في الأمة من يعرف مستند الإجماع؟\nلشيخ الإسلام كلامٌ يدل على هذا، وإن كان كلامه فيما وقفتُ عليه ليس صريحا، فأصرح ما وقفت عليه في كتابه «الجواب الصحيح» (^٢)، علمًا أن له كلامًا صريحًا في مسألة النسخ بالإجماع وأنه لا بد أن يعرف مستند الإجماع الذي ينسخ النص (^٣). وقال ابن تيمية: وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا عن نص نقلوه عن الرسول مع قولهم بصحة القياس. ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل الأخبار لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة وكثير من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة كما أنه قد يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «الإحكام» للآمدي (١/ ٢٦١).\n(^٢) انظر: «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» لابن تيمية (١/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ١١٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٩٦)","vol":"1","page":29},{"text":"والمهم أنه إذا قيل لا بد أن يكون في الأمة من يعرف مستند الإجماع. فإنه يقال: هذا لا ينفعنا عمليًا؛ لأننا عمليًا متى ما رأينا الإجماع احتججنا به سواء علمنا المستند أو لم نعلم وسواء علمنا في الأمة من يعرف مستنده أم لا؛ وذلك أن الشريعة بينت أن الإجماع حجة ولم تشترط معرفة المستند إذن كل دليل يدل على أن الإجماع حجة فهو دليل على عدم اشتراط معرفة المستند.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المسألة السابعة\nحجية الإجماع قبل الخلاف وبعده</span>\nوالمراد من هذه المسألة: بيان أنَّ الإجماع حجة سواءٌ انعقد الإجماع بعد خلاف، أو حدثَ خلاف بعد إجماع.\nفأما الإجماع الذي حدث بعده خلاف فلا شك أنه حجة والمخالفون يجب عليهم أن يرجعوا إلي الإجماع، ويدل لذلك كل دليل يدل على أن الإجماع حجة، فمن خالف الإجماع القديم فقطعًا أن خلافه خطأ؛ لأنه خالف الحق وهو ما أجمع عليه أهل العلم.\nوهذا له نظائر وأمثلة حتى قال ابن القيم ﵀ كما في «مختصر الصواعق»: لهذا مئتا مثال (^١).\nأي: أنه قد حصل إجماع قديم ثم حصل خلاف، وهذا من الفقه الدقيق، الذي ينبغي لطالب العلم أن يدقق فيه، فإنه يوجد مسائل غير قليلة يحكى فيها خلاف وإذا دقق في الأمر تبين أن الخلاف بعد إجماع سابق، فلذا يرد الخلاف بالإجماع السابق.\n_________\n(^١) انظر: «مختصر الصواعق» لابن القيم (ص:٢٧٦).\nبلفظ: «...، وأبلغ من هذه حكاية الإجماع كثيرا على ما الإجماع القديم على خلافه، وهذا كثير جدا وإنما يعلمه أهل العلم، ولو تتبعناه لزاد على مائتي موضع».","vol":"1","page":30},{"text":"وكذلك ينعقد الإجماع بعد خلاف، بمعنى أن يكون في المسألة قولان ثم يجمع العلماء على أحد هذين القولين، وهذا الإجماع حجة، ويدل على أنه حجة كل دليل يدل على أن الإجماع حجة، فلما أجمع العلماء على أحد القولين فقد كشف لنا إجماعهم الراجح من هذين القولين وبيَّن لنا أن القول الأول هو الصحيح دون القول الثاني (^١).\nومما أنبه إليه أن أبا يعلى في «العدة» (^٢)، نسب للإمام أحمد رواية أنه لا يرى أن الإجماع بعد الخلاف حجة.\nلكن في هذه النسبة، وفما اعتمد عليه نظر؛ لذلك لم يوافقه أبو الخطاب الحنبلي (^٣) -وهو تلميذ أبي يعلى - في أن يجعل هذا القول رواية عن الإمام أحمد، ومثله ابن قدامة في «روضة الناظر» (^٤).\nوصنيع أهل السنة العملي: يدل على أنه حجة، فأهل السنة استدلوا بحرمة الخروج على السلطان بإجماع أهل العلم، مع أنه قد حصل خلاف بين التابعين لكن انعقد الإجماع بعد ذلك.\nوثمة أمثلة لهذه المسألة، منها:\nالمثال الأول: مسألة الخروج على السلطان كان في المسألة خلاف بين التابعين ثم انعقد الإجماع بعد ذلك قال ابن تيمية في «منهاج السنة»: استقر قول أهل السنة على عدم الخروج على السلطان (^٥).\n_________\n(^١) انظر في هذا: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٣٨)، و«الإحكام» للآمدي (١/ ٢٧٥)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٥٠٤)، و«شرح مختصر الروضة» للطوفي (٣/ ٩٥) وغيرهم.\n(^٢) انظر: «العدة» لأبي يعلى (٤/ ١١٠٥).\n(^٣) انظر: «التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (٣/ ٢٩٨).\n(^٤) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩).\n(^٥) انظر: «منهاج السنة» لابن تيمية (٤/ ٥٢٩).","vol":"1","page":31},{"text":"وحكى الإمام أحمد في «أصول السنة» (^١)، وعلي بن المديني (^٢)، والرازيان في «رسالتهما في الاعتقاد» (^٣)، وابن أبي زيد القيرواني (^٤) والمزني (^٥) وجمع كبير من أئمة السنة إجماعَ أهل السنة على ذلك بل نصوا على أن من خالف فهو مبتدع، فهذا يدل على أنهم يرون أن المسألة إجماعية ولو أنه حصل خلاف قبل ذلك في عهد التابعين.\nالمثال الثاني: أن الصحابة اختلفوا في ربا الفضل.\nذهب ابن عباس (^٦) إلى أنه ليس من الربا وتبعه بعض أصحابه، لكن انعقد الإجماع بعد ذلك (^٧).\nالمثال الثالث: لحوم الحمر الأهلية فقد حصل خلاف بين الصحابة في حرمتها (^٨)، ثم انعقد الإجماع على حرمتها (^٩).\nالمثال الرابع: وجوب الغسل لمن جامع بلا إنزال، وقد تقدم أن في المسألة خلافًا ثم انعقد الإجماع.\n_________\n(^١) انظر: «أصول السنة» للإمام أحمد (ص:٤٦).\n(^٢) انظر: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» لللالكائي (١/ ١٨٩) رقم (٣١٨) في فصل اعتقاد علي ابن المديني.\n(^٣) انظر: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» لللالكائي (١/ ١٩٩) رقم (٣٢١)، و(١/ ٢٠٤) رقم (٣٢٣) في فصل اعتقاد الرازيَين.\n(^٤) انظر: «مقدمة رسالة القيرواني» (ص:٦١)، ط دار العاصمة.\n(^٥) انظر: «شرح السنة» للمزني (ص:٨٤).\n(^٦) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ١٨١).\n(^٧) انظر الإجماع في: «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ١٨٠).\n(^٨) انظر الخلاف في: «التمهيد» لابن عبد البر (١٠/ ١٢٣)، ونقله في «المغني» (٩/ ٤٠٩) وأقره.\n(^٩) انظر الأجماع في: «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٤٢٨)، وفي «التمهيد» لابن عبد البر (١٠/ ١٢٣).","vol":"1","page":32},{"text":"والأمثلة على هذه ليست قليلة، والدليل على أنه حجة هو كل دليل يدل على أن الإجماع حجة؛ وذلك أن الإجماع يكشف القول الراجح من القول المرجوح.\nأما من خالف في ذلك من المتكلمين وبعض الأصوليين الذين تأثروا بالمتكلمين لما قالوا: إن الأقوال لا تموت بقول قائليها. فقولهم مرجوح لما تقدم ذكره.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المسألة الثامنة\nضابط القول الشاذ</span>\nكثيرا ما يقع ناظراك في كلام أهل العلم على قولهم: «إن هذا القول شاذ»، فما ضابط ذلك القول الشاذ؟\nفيقال وبالله - تعالى - التوفيق: ضابط القول الشاذ - والله أعلم - هو: القول المخالف للإجماع.\nفإذا انعقد الإجماع على مسألة ثم حدث قول فإن هذا القول شاذ. وهذا الذي ذكرته مستفاد من صنيع ابن قدامة في «روضة الناظر» (^١).\nوقد حصل توسع عند كثير من أهل العلم في وصف قول بأنه شاذ حتى إذا اشتهر في أهل البلد قول وخالفه أحد قالوا: إن قوله شاذ بحجة أنه خالف أهل البلد أو الشائع والمنتشر.\nوهذا خطأ، فقد يكون القول الذي اشتهر عند أهل البلد ليس عليه إلا المذهب الذي شاع عند أهل البلد، كأن يشيع عندهم المذهب الحنبلي فيتبنى هذا القول أصحاب أهل البلد؛ لأنهم حنابلة وهذا القول من أفراد المذهب الحنبلي فإذا خالفهم أحد لدليل يراه متبعا في ذلك الحنفية والمالكية والشافعية وصف قوله\n_________\n(^١) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٤١٠)، ولفظه: «والشذوذ يتحقق بالمخالفة بعد الوفاق».","vol":"1","page":33},{"text":"بأنه شاذ وهذا خطأ، ولا ينبغي أن يتوسع في استعمال الشاذ بل يجب أن يضبط بضابطه وهو كل قول مخالف للإجماع.\nسؤال وجواب\nقد يجري خلاف بين الصحابة والتابعين ثم ينعقد الإجماع على أحد الأقوال فهل يقال بأن قول الصحابي الأول الذي خالف أو التابعي يعد شاذًّا؟\nوجواب هذا أن يقال: إنه قبل انعقاد الاجماع كان الخلاف سائغا؛ لأن الإجماع لم ينعقد فلا يوصف بأنه شاذ، أما بعد انعقاد الإجماع فإن قوله يوصف بالشذوذ؛ لأنه تبنى قولًا مخالفًا للإجماع وقد استعمل هذا ابن عبد البر في مسائل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المسألة التاسعة\nحجية إجماع أهل كل فن في فنِّهم</span>\nوهذا مما ذكره الرازي في «المحصول» (^١)، وابن قدامة في «روضة الناظر» (^٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في «مجموع الفتاوى» (^٣)، والزركشي في «البحر المحيط» (^٤)، وابن القيم كما في «مختصر الصواعق» (^٥)، وغيرهم.\nوقال أبو حاتم في «المراسيل»: واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «المحصول» للرازي (٤/ ١٩٨).\n(^٢) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٤٩، و٥١) والمنهاج (٨/ ٤١٨، ٤١٩).\n(^٤) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤١٥).\n(^٥) انظر: «مختصر الصواعق» لابن القيم (ص: ٥٦٣).\n(^٦) انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص:١٩٢).","vol":"1","page":34},{"text":"فإذا أجمع أهل الحديث على قول فهو حجة، وإذا أجمع أهل الفقه على قول فهو حجة، بل إذا أجمع أهل اللغة على قول فهو حجة عند أهل اللغة، فإذن<span data-type=\"title\" id=toc-59> إجماع أهل كل فن حجة</span>.\nومن الإجماعات في اللغة: أن الأزهري حكى إجماع أهل اللغة على أن الإيمان لغة التصديق (^١)، والمراد في اللغة لا في الشرع.\nوهذا حجة؛ لأن إجماع أهل كل فن حجة، ومن خالف فهو محجوج بهذا الإجماع.\nوأما في الشرع فهو: قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (^٢).\nإيرادٌ ودره\nفإن قيل: تقدم أن الإجماع حجة في الشرع؛ لأن الشرع محفوظ فكيف يطرد هذا في اللغة؟\nيقال: لأن اللغة وسيلة لفهم الشرع؛ لذا ذكر المعلمي - ﵀ -: أن اللغة محفوظة بحفظ القرآن، قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، قال: ومن ذلك أن لغة العرب محفوظة لأن بها يفهم القرآن (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «تهذيب اللغة» للأزهري (١٥/ ٣٦٨).\nبلفظ: «واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن (الإيمان) معناه: التصديق».\n(^٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٥١): «ومن أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية».\nوقال-ناقلًا كلام ابن عبد البر مقرًا له- (٧/ ٣٣٠): «أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والطاعات كلها عندهم إيمان ...».\n(^٣) انظر: «التنكيل» للمعلمي اليماني (١/ ٢٣٤).","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>مسألة\nلا يعتد بقول المتكلمين سواء في الفقه أو في أصول الفقه </span>وفي العقيدة من باب أولى؛ لأن المتكلمين ليسوا أهل علم.\nقال ابن عبد البر: «أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم» (^١).\nفإذا خالف المتكلمون في مسألة فإنه لا يحتج بخلافهم وقد بين هذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (^٢).\n\nفإذن إذا حصل إجماع لأهل السنة في مسألة عقدية؛ فإنه لا يحتج بمخالفة المتكلمين، أما إذا كان المتكلم فقيها فيعتد بقوله في الفقه؛ لأنه فقيه لا لأنه متكلم، لكن عمليًا لو أن هذا الرجل خالف في مسألة وانفرد بها فإن قوله محدث؛ لأن مذهب المتكلمين متأخر فيكون محجوجًا بالإجماع الذي قبله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المسألة العاشرة\nشرطية انقراض العصر في الإجماع</span>\nثمة طائفة اشترطوا لصحة الإجماع أن ينقرض العصر فلو أن العلماء في عصر الصحابة أجمعوا على قول، فإن هذا الإجماع لا يعتد به حتى ينتهي هذا العصر وينقرض مجتهدوه، فإذا انقرض مجتهدوه ولم يرجع أحد منهم عن قوله فإن الإجماع يكون صحيحًا، لكن لو اجتمعوا على قول ثم أحد الصحابة المتأخرين\n_________\n(^١) انظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (٢/ ٩٤٢).\n(^٢) كما في: «مختصر الصواعق» لابن القيم (ص: ٥٦٣).","vol":"1","page":36},{"text":"وفاة كأنس أو جابر رجعوا فإن هذا الإجماع لا يعتد به (^١).\nوهذا القول من جهة الدليل مرجوح ولا يعول عليه؛ لأن الأدلة واضحة في حجية الإجماع ولم تشترط انقراض العصر، وتقدم ذكر الأدلة، فمتى ما تحقق الإجماع صار حجة ولو تحقق لحظة لعموم الأدلة.\nويؤيد ذلك أنهم إذا اجتمعوا ولو لحظة فإن من بينهم الفرقة الناجية، وقول الفرقة الناجية حق على ما تقدم تقريره.\nإذن اشتراط انقراض العصر لا دليل عليه، بل الأدلة على خلافه، وما استدل به القائلون باشتراط انقرض العصر فمردود عليهم، وإليك بيان بعضه:\n١ - نسب ذلك أبو يعلى (^٢) إلى الإمام أحمد وبناه على ما رواه البيهقي وغيره أن علي بن أبي طالب -﵁- رجع عن قوله بحرمة بيع أمهات الأولاد وقال عبيدة السلماني التابعي المعروف: «إن رأيك مع رأي عمر أحب إلي من رأيك وحدك» (^٣).\nفوجه الدلالة: أنه صح لعلي أن يخالف الإجماع فإنه لما اتفق قوله وقول عمر صارت المسألة إجماعًا فصح له أن يخالف ذلك؛ لأن عليًّا يرى أن الإجماع\n_________\n(^١) انظر في هذا: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٤١) وما بعدها، و(٢/ ٧٠)، و«العدة في أصول الفقه» لأبي يعلى (٤/ ١٠٩٥) وما بعدها، و«التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (٣/ ٣٤٦) وما بعدها، و«الإحكام» للآمدي (١/ ٢٥٦ - ٢٦١)، و«المحصول» للرازي (٤/ ١٤٧)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٧٨) وغيرها.\n(^٢) انظر: «العدة في أصول الفقه» لأبي يعلى (٤/ ١٠٩٥).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١٣٢٢٤)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٤٣٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ٣٤٣، و٤٣٨)، وابن عبد البر في «بيان جامع العلم وفضله» (١٦١٦) وغيرهم، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٤١٦).","vol":"1","page":37},{"text":"لا يكون حجة إلا بعد انقراض العصر والعصر لم ينقرض؛ لأن عليًّا لم يمت.\nوالاعتماد على مثل هذا فيه نظر كبير، لذا لم يوافق أبا يعلى على هذا أبو الخطاب في «التمهيد» (^١)، وذلك أن اجتماع عمر وعلي ليس إجماعًا بل هو اجتماع اثنين.\nوالمراد بالإجماع: أن يجمع العلماء بأن ينطق جماعة ولا يخالفهم الآخرون، أما أن يتفق علي وعمر على قول ثم يرجع أحدهما فليس هذا إجماعًا.\nومن جهة أخرى: ذكر أبو الخطاب (^٢) وغيره أن كلام عمر مع علي كان من باب المشورة.\nفالمقصود: أن قول عمر وعلي ليس إجماعًا، والإجماع الذي يبحث هو اتفاق مجتهدي الأمة، أما أن يقول اثنان قولًا ثم يرجع أحدهما عن قوله فإن هذا لا يعد إجماعًا؛ لذا نسبته إلى أحمد فيه نظر.\nبل أول من قرر هذا الشرط صريحا، هو القاضي أبو علي الجبائي المعتزلي كما في «المعتمد» (^٣)، وتبناه كذلك أبو الحسين البصري المعتزلي صاحب المعتمد؛ ولم ينسب العلائي (^٤) هذا القول إلا لأبي علي الجبائي المعتزلي، فدل هذا على أنهما لا يريان أنه قد قال بهذا القول مثل الإمام أحمد ولا سيما أن النسبة إلى أحمد باستنباط أبي يعلى فيه نظر كما تقدم تقريره.\nفالمهم أن يعلم أن هذا القول ليس عليه الأولون وإنما تبناه طائفة من المعتزلة ثم تبناه بعض المتأخرين من الأصوليين.\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (٣/ ٣٥٣).\n(^٢) انظر: «التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (٣/ ٣٥٣)، بلفظ: «وأما خبر علي، فالصحيح منه أنه قال: كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر ...».\n(^٣) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٧٠).\n(^٤) انظر: «إجمال الإصابة في أقوال الصحابة» للعلائي (ص:٢٠).","vol":"1","page":38},{"text":"٢ - استدلوا بما أخرجه البخاري ومسلم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ»، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، «فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ» (^١).\nووجه الدلالة: أنه لما كان جلد الشارب أربعين هو المعمول به على عهد أبي بكر وشيء من خلافة عمر فاعتُبِر هذا إجماعًا، ثم خالف عمر، وعلة ذلك عدم انقراض العصر.\nوقد أجاب ابن القيم (^٢) على هذا أنه من باب التعزير الذي يختلف بالنظر إلى المصالح باختلاف الزمان والمكان، فعمر رأى أن يشدد في شرب الخمر لانتشاره، فهذا من باب التعزير ولا علاقة له بصحة مخالفة الإجماع إذا لم ينقرض العصر.\nإذا تبين هذا فلتعلم أنَّ القول باشتراط انقراض العصر ليس صحيحًا لما يلي:\nأولا: أول من عُرِف عنهم هذا الشرط هم المتكلمون.\nثانيًا: مخالفة هذا الشرط للدليل.\nثالثًا: ما اعتمدوا عليه لا دلالة فيه كما تقدم.\nرابعًا -وأخيرًا -: القول باشتراط انقراض العصر إذا دقق فيه فإنه غير منضبط كما أشار لهذا الروياني (^٣) فيما نقله عنه الزركشي في «البحر المحيط» (^٤)، فقد ذكر كلامًا مفاده أنه ليس منضبطًا ثم أراد أن يذكر له ضابطًا وفيه إشكال لأنه إن أرجع إلى زمن معين فإن المجتهدين قد يبقون بعد هذا الزمن فيوجد مجتهدون جدد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦/ ٣٥) - واللفظ له -.\n(^٢) انظر: «زاد المعاد» لابن القيم (٥/ ٤٤).\n(^٣) انظر: «بحر المذهب» للروياني (١١/ ١٣٠ - ١٣١).\n(^٤) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٩٠ - ٤٩١).","vol":"1","page":39},{"text":"ففي عصر الصحابة نشأ مجتهدون جدد من التابعين كسعيد بن المسيب فإذن يلزم على هذا أن ينتظر حتى ينتهي عصر سعيد وقد يخرج مجتهدون أخر فينتظرون وهكذا ... إلخ.\nوإن قيل: إن المراد أن يموت جميع المجتهدين في عصر الصحابة؟\nقلنا: هذا إن تُصوِّرَ في عصر الصحابة، فصعب تصوره فيمن بعدهم، من الناحية الواقعية العملية، بل مقتضاه رد كثير من الإجماعات؛ لأنه يصح أن يقول قائلهم: هل أثبتم انقراض العصر حتى يُحتج بهذا الإجماع؟\nويكفي في ضعف هذا الشرط أمران:\nالأول: أنه لا دليل عليه، وأن أول من قال به هم المعتزلة كما تقدم بيانه.\nالثاني: أن الدليل على خلافه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المسألة الحادية عشرة\nلا يجوز في الشريعة إحداث قول جديد </span>(^١)\nإذا اختلف العلماء على قولين فلا يصح لأحد أن يحدث قولًا ثالثًا جديدًا، وإذا اختلفت الأمة على أربعة أقوال فلا يصح لأحد أن يحدث قولًا خامسًا، وإذا لم يكن للأمة إلا قول واحد فلا يصح لأحد أن يحدث قولًا ثانيًا ومن فعل ذلك فقد خالف الإجماع من جهة أن الأمة لما اختلفت على قولين أجمعت أن الحق في أحد هذين القولين، ومن جهة أخرى فقد وقع في الإحداث، والإحداث منهي عنه\n_________\n(^١) انظر في هذا: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٤٤) وما بعدها، و(٢/ ٧٠)، و«العدة في أصول الفقه» لأبي يعلى (٤/ ١١١٣ - ١١١٥)، و«التمهيد في أصول الفقه» لأبي الخطاب (٣/ ٣١٠ - ٣١٤)، و«الإحكام» للآمدي (١/ ٢٦٨ - ٢٧٢)، و«المحصول» للرازي (٤/ ١٢٧ - ١٣٠)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٥١٦) وما بعدها وغيرها.","vol":"1","page":40},{"text":"في الشرع.\nواستدل ابن تيمية (^١) ﵀ على منع الإحداث بعموم حديث عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» (^٢).\nومن ذلك إذا اختلف الصحابة على قولين فلا يجوز أن يحدث قول ثالث فقد سئل الإمام أحمد عن رجل يقول: إذا اختلف الصحابة على قولين فنخرج عن قوليهم، قال: هذا قولٌ خبيثٌ، هذا قول أهل البدع (^٣)؛ فإذن لا يجوز إحداث قول جديد، وهذا الذي عليه العلماء الأولون، ونسب إلى بعض الحنفية (^٤) جوازه وفي النسبة نظر، وإنما الذين يرون جواز إحداث قول جديد هم الظاهرية (^٥)، كداود الظاهري ومن بعده لذا صار مذهبه مذهبا مبتدعا، ولأجله قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الخامس من «منهاج السنة»: وكل قول تفردت به الظاهرية فهو خطأ (^٦). وقد أشار للمعنى وهو أنهم متأخرون.\nووضح هذا أكثر ابن رجب في «فتح الباري» (^٧) وبين أن الظاهرية يرون جواز إحداث قول جديد فهم بذلك خالفوا السلف السابقين وأشار لهذا أيضًا في «فضل علم السلف على الخلف» (^٨).\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١/ ٣٣٤)، و(١١/ ٦١٣)، و(٢٢/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(^٣) انظر: المسودة ص ٣١٥ والعدة لأبي يعلى (٤/ ١٠٥٩).\n(^٤) كما في: «الإحكام» للآمدي (١/ ٢٦٨)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٥١٧ - ٥١٨) وغيرهما.\n(^٥) كما في: «المعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٤٤)، و(٢/ ٧٠)، و«الإحكام» للآمدي (١/ ٢٦٨)، و«المحصول» للرازي (٤/ ١٢٧)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٥١٨) وغيرهم.\n(^٦) انظر: «منهاج السنة» لابن تيمية (٥/ ١٧٨).\n(^٧) انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٢٤٢).\n(^٨) انظر: «فضل علم السلف على الخلف» لابن رجب (ص:٦٧). دار الصميعي - الطبعة الثانية.","vol":"1","page":41},{"text":"فمذهب الظاهرية مبتدع في الفقه وفي العقيدة، لأن عند داود الظاهري أخطاء عقدية والسلف قد شددوا على داود في مذهبه الفقهي ومذهبه العقدي كما يعرف هذا بالرجوع إلى ترجمة داود لابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والترجمة ساقطة من كتاب «الجرح والتعديل» المطبوع لكنها موجوده في «لسان الميزان» للحافظ ابن حجر (^١).\nوالذي يهمنا فيما نحن بصدده هو مذهبه الفقهي.\nوسبب ضلاله في الفقه يرجع إلى أمور ذكر ابن القيم أربعة منها (^٢) وزاد ابن رجب خامسًا وهو جواز إحداث قول جديد فهم يخالفون ما عليه السلف الأولون، ثم ذكر ابن رجب (^٣) أنه من الخطأ أن يقال إن مذهب الظاهرية هو مذهب أهل الحديث كما شاع وانتشر في هذه العصور المتأخرة.\nومما ذكر الشاطبي في موضعين من «الاعتصام» أن العلماء لا زالوا على تبديع الظاهرية (^٤).\nوممن بدعهم أيضًا ابن العربي المالكي (^٥) وغيرهم من أهل العلم.\nوقد اشتهر عن المالكية المغاربة الشدة على الظاهرية؛ لأن ابن حزم كان من أهل المغرب وهو الذي أشهر هذا المذهب وأذاعه مما أدى إلى اشتداد مواجهة المالكية ومعارضتهم له.\n_________\n(^١) انظر: «لسان الميزان» لابن حجر (٢/ ٤٢٢ - ٤٢٤).\n(^٢) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٣/ ٩٨ - ١٠٧).\n(^٣) انظر: «فضل علم السلف على الخلف» لابن رجب (ص ٦٧)\n(^٤) انظر: «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٤٥٧)، و(٣/ ١٩٨).\n(^٥) انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٨/ ١٨٨ - ١٩٠) حيث اشتد ابن العربي على الظاهرية وابن حزم، وتعقبه الذهبي في ذلك.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>مسألة\nالتلفيق بين الأقوال</span>\nومعنى التلفيق: أن يختلف العلماء على قولين ويلفق قولٌ ثالث لا يعارض القولين من كل وجه بل يوافق كل واحد منهما من وجه أما إذا عارض القولين من كل وجه فإنه مردود وهو من إحداث قول جديد.\nوقد ذهب إلى جواز التلفيق جمع من أهل العلم المتأخرين وأكثرهم من المتكلمين كالرازي (^١) والآمدي (^٢) والطوفي (^٣) وابن بدران في «حاشيته على روضة الناظر» (^٤)، ونسب الزركشي (^٥) هذا إلى الشافعي لكن النسبة فيها نظر ولا تصح، وإنما اشتهر بهذا المتكلمون وبعض المتأخرين من أهل الفقه.\nويشترط في التلفيق أن لا يصادم الأقوال السابقة كلها من كل وجه بل يأخذ من كل قول شيئا أما لو صادمها لم يصح.\nومن أمثلة المصادمة التي لا يصلح فيها التلفيق: ما ذكره ابن بدران في «حاشيته على روضة الناظر» وهو أن العلماء اختلفوا على قولين في قود الأب في ولده:\nأ- منهم من قال - وهم الجمهور - أن الأب لا يقاد بولده.\nب- وذهب مالك إلى أنه يقاد به إذا كان متعمدًا قد تعمد قتله فإنه يقاد فيه بخلاف إذا لم يتعمد (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «المحصول» للرازي (٤/ ١٢٨).\n(^٢) انظر: «الإحكام» للآمدي (١/ ٢٦٩).\n(^٣) انظر: «شرح مختصر الروضة» للطوفي (٣/ ٩٣ - ٩٤).\n(^٤) انظر: «حاشيته ابن بدران على روضة الناظر» (١/ ٣١٢).\n(^٥) انظر: «البحر المحيط» للزركشيي (٦/ ٥١٨ - ٥١٩).\n(^٦) انظر: «حاشيته ابن بدران على روضة الناظر» (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":43},{"text":"فلو قال أحد بقول ثالث وهو أنه: يقاد الأب مطلقًا لكان قوله مخالفا للقولين السابقين فهو مخالف للجمهور لأن الجمهور لا يرون أنه يقاد، ويخالف قول مالك لأن مالك لا يرى غير المتعمد يقاد، فمثل هذا لا يسمى تلفيقا.\nومن أمثلة التلفيق الصحيح:\nالمثال الأول: اختلف العلماء في تحديد وقت المسح على الخفين على قولين هما:\nالقول الأول: ذهب مالك في أحد قوليه إلى أنه لا يحدد بوقت سواء كان بسفر أو حضر (^١)، وهذا القول نسب إلى ربيعة وآخرين (^٢).\nوالقول الثاني: قول الجمهور (^٣) أن المسافر يحدد بثلاثة أيام وأن المقيم بيوم وليلة على مقتضى حديث علي الذي أخرجه مسلم (^٤).\nفلو قال قائل: يحدد للمسافر بثلاثة أيام وللمقيم بيوم وليلة إلا إذا كان في سفر مضطر وقد جد به المسير؛ فإنه لا يحدد.\nفمثل هذا قول ملفق وافق الجمهور إلا في حال اضطرار، ووافق القول الذين لا يقولون بالتحديد في حال الاختيار.\nالمثال الثاني: أن الصحابة - ﵃ وأرضاهم - اختلفوا على قولين في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة (^٥):\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٨٦)، و«التمهيد» لابن عبد البر (١١/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٢) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٨٧).\n(^٣) انظر: «التمهيد» لابن عبد البر (١١/ ١٥٢)، و«المغني» لابن قدامه (١/ ٢٠٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٦).\n(^٥) انظر الأقوال في: «المجموع» (٢/ ٨١)، و«شرح مسلم» (٣/ ١٥٤)، و«شرح أبي داود» (ص: ١٠٦) ثلاثتهم للنووي، و«المغني» (١/ ٢٠٩) وغيرها.","vol":"1","page":44},{"text":"القول الأول: أن القبلة لا تستقبل ولا تستدبر عند قضاء الحاجة لا في البنيان ولا في الصحراء وهذا قول أبي أيوب الأنصاري أخرجه البخاري ومسلم (^١).\nالقول الثاني: أن القبلة تستقبل وتستدبر لكن في البنيان دون الفضاء أو الصحراء وهذا قول ابن عمر رواه الدار قطني (^٢) وجماعة.\nفلو قال قائل: إنها تستدبر لكن لا تستقبل لصار قوله قولًا ملفقًا بالنظر إلى أقوال الصحابة لا أقوال أهل العلم؛ لأنه حصل خلاف بين أهل العلم بعد ذلك.\nالمثال الثالث: أن الصحابة اختلفوا على قولين في صلاة الرواتب في السفر:\nالقول الأول: أن صلاة الرواتب في السفر تصلى مطلقًا وهذا قول جمهور الصحابة كجابر -﵁- (^٣)، وعزاه الحسن البصري إلى الصحابة (^٤).\nوالقول الثاني: أنها لا تصلى وهذا قول ابن عمر ﵁، وفي رواية لابن عمر أنها تصلى رواتب الليل دون رواتب النهار فإنها لا تصلى أي للمسافر (^٥).\nفهذان قولان معروفان للصحابة.\nفلو قال قائل: إن المسافر لا يصلي شيئا من الرواتب إلا ركعتي الفجر لكان قوله ملفقًا ومحدثا بالنسبة إلى أقوال الصحابة ﵃.\nفائدة: جمهور أهل العلم من أصحاب المذاهب الأربعة على أن المسافر يصلي الرواتب ليلًا ونهارًا هذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة لكن خالف بعض الحنفية والحنابلة المتأخرين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (١/ ٩٢) رقم (١٦١)، وقال عقبه: هذا صحيح كلهم ثقات.\n(^٣) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٤٨).\n(^٤) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٤٨)، و(٥/ ٢٥٠).\n(^٥) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨).","vol":"1","page":45},{"text":"أما القول المشهور عند المذاهب الأربعة أن المسافر يصلي الرواتب ليلًا ونهارًا (^١).\nفالمقصود: أن من استثنى راتبة الفجر فإن قوله قول ملفق.\nوما جاء عن ابن عمر من استثناء راتبة الفجر فإنه لا يصح إسناده (^٢).\nولم يصح حديث أن النبي ﷺ كان يداوم في السفر على ركعتي الفجر والوتر.\nوالذي عليه العلماء والفقهاء الأولون أن التلفيق لا يصح وإنما عرف بهذا المتكلمون والمتأخرون كما تقدم ذكره، ويردون على التلفيق بما يلي:\nالرد الأول: أنه إنما عرف به المتأخرون من المتكلمين وغيرهم.\nالرد الثاني: أنه لما اختلف الصحابة أو من بعدهم على قولين فالطائفة المنصورة على أحد هذين القولين وهي قد تبنت الحق كله فعلى هذا التلفيق ترك لبعض الحق.\nالرد الثالث: أن الذي لفق خرج بقول مرجوح قطعًا لأنه أخذ من هذا جزءًا وأخذ من هذا جزءًا فلابد أنه أخذ من القول المرجوح جزءًا وكوَّن قولًا مجموعًا من قولين مرجوحين دون القول الثالث الراجح.\nالرد الرابع: أن كل دليل في النهي عن الإحداث هو رد على القول بالتلفيق.\nوأخيرًا: رأيت بعض أهل العلم ينسب إلى بعض العلماء القول بالتلفيق بناءً على أن فعله يدل على ذلك في مسائل، كما نسبوا هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم أقف على شيء في كتبه يدل على أنه يرى القول الملفق، ولم أر شيئا من كلام تلميذه ابن القيم يدل على أن ابن القيم نفسه أو أن شيخه يرى التلفيق بين\n_________\n(^١) انظر ذلك في: «بدائع الصنائع» للكاساني (١/ ٩٣)، و«تبيين الحقائق» (١/ ٢١١) للزيلعي، و«المجموع» للنووي (٤/ ٤٠٠ - ٤٠١)، و«الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٣٢٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٤٢) والأثر ضعيف لمخالفة رواية الأكثرين عنه.","vol":"1","page":46},{"text":"الأقوال، ولم أر أحدًا ممن تكلم عن القول الملفق فيما مضى ينسب هذا إلى ابن تيمية نقلًا عن قوله، وإنما عمدة من ينسب هذا لشيخ الإسلام من بعض المعاصرين أن ابن تيمية قرر أقوالًا ملفقة.\nفيقال: إن هناك فرقًا بين تأصيل العالم وتنزيله هذا التأصيل على الأمثلة والوقائع.\nفقد يخطئ العالم ويحدث قولًا جديدًا فلا يدل هذا على أنه يرى إحداث قول جديد.\nبل قد يحتج بحديث ضعيف قد بين ضعفه في موضع آخر فذهل عن هذا فاحتج به فهل يقال إنه يرى جواز الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في الأحكام؟\nكلا، لذا قال عطاء فيما روى ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»: وأضعف العلم أيضا علم النظر أن يقول الرجل: رأيت فلانا يفعل كذا ولعله قد فعله ساهيًا (^١).\nلذا لا يعتمد على تنزيل العالم فقد يخطئ في التنزيل وفي العمل وإنما العمدة على تأصيله.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المسألة الثانية عشرة\nطريقة معرفة الإجماع</span>\nيعرف الإجماع إذا حكاه عالم ذو استقراء، فإذا حكى عالم ذو استقراء إجماعا فالأصل صحة إجماعه إلا إذا تبين خرمه، والأمر سهل في هذا.\nلذا حكى ابن المنذر - وابن المنذر صاحب منزلة عالية في الاستقراء ومعرفة الأقوال -، وأولى من ابن المنذر محمد بن نصر الخزاعي، وأولى منه الإمام أحمد\n_________\n(^١) انظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (١٤٤٨).","vol":"1","page":47},{"text":"والشافعي وإسحاق ابن راهويه، إذا حكى أحد هؤلاء الأئمة أو غيرهم إجماعًا فإن الأصل صحة الإجماع إلا إذا تبين أنه مخروم، فإذا تبين أنه مخروم فيسقط الإجماع، كما أنه إذا احتج أحد هؤلاء العلماء أو غيرهم بحديث من سنة النبي ﷺ فالأصل أن الحديث صحيح لكن لو تبين أنه ضعيف فإنه يرد لكن الأصل أنه صحيح، كما إذا صرح أحد هؤلاء العلماء بصحة حديث وهذا أولى من الاحتجاج فالأصل صحته لكن لو تبين أنه ضعيف فينتقل من هذا الأصل لما ظهر للناظر والمجتهد، ومثل هذا إذا حكى إجماعا فالأصل أن الإجماع صحيح لكن لو تبين أن الإجماع مخروم فيسقط الإجماع ويسقط الاستدلال به.\nإلا أنه لا ينبغي أن يتعجل في زعم خرم الإجماع، فقد يكون الإجماع سابقًا والخلاف حادثًا، فقد يحكي النووي إجماعًا وهو يريد إجماع الصحابة والتابعين وخالف أناس في القرن الرابع، فينبغي أن يتأمل في مثل هذا فقد يكون الذي خالف محجوجًا بالإجماع السابق، فلا يصح أن يتعجل لكن إذا قدر أنه ثبت خرم الإجماع فيسقط الإجماع، ولابد أن يضع الناظر أمام عينيه عند بحث مثل هذا أن لا يكون الإجماع سابقًا ثم حدث خلاف بعد، وفي المقابل أن لا يكون في المسألة خلاف ثم انعقد الإجماع بعدُ كالتكبير أربعًا على الجنائز، فقد حكى ابن عبد البر (^١) والنووي (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٦/ ٣٣٤).\nحيث قال: «اختلف السلف في عدد التكبير على الجنازة ثم اتفقوا على أربع تكبيرات وما خالف ذلك شذوذ يشبه البدعة والحدث».\n(^٢) انظر: «المجموع» للنووي (٥/ ٢٣٠).\n\nحيث قال: «التكبيرات الأربع أركان لا تصح هذه الصلاة إلا بهن وهذا مجمع عليه وقد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أن التكبير المشروع خمس أم أربع أم غير ذلك ثم انقرض ذلك الخلاف وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات بلا زيادة ولا نقص».","vol":"1","page":48},{"text":"إجماعًا وذكروا أن أقوال أهل العلم بعد ذلك استقرت على أنه لا يزاد في الجنازة على أربع وقد كان بين الصحابة خلاف في هذا.\nفالمقصود أنه يتأمل في أمثال هذه المسائل ولا يتعجل، لكن لو تبين للناظر أن الإجماع مخروم فإنه يقال بخرمه، وفي المقابل لا يتعجل؛ فإن الأصل فيما يحكيه عالم ذو استقرا كما تقدم ذكرهم كالنووي أو ابن قدامة أو غيرهم صحة الإجماع، وبرهان هذا البحث والنظر فإنه عند البحث غالبًا يتضح صحة قولهم.\nلكن بعضهم يخرم الإجماع بمخالفة ابن حزم الظاهري أو مخالفة داود الظاهري وهذا خطأ كما سيأتي التمثيل على هذا إن شاء الله تعالى، حتى رأيت أحدهم كتب بحثًا وقال قد ذكر في المسألة إجماعًا لفلان وفلان إلا أن هذا الإجماع لا يصح؛ لأن ابن حزم خالفه. وهذا عجيب كيف يعول على ابن حزم في نقض إجماع سابق؟! وابن حزم محجوج بالإجماع ومثل هذا ينبغي التنبه إليه (^١).\nومما يحسن التنبيه إليه أن ثمة علماء يحكون إجماعًا ويريدون الأكثر ولا يعتدون بمخالفة القلة، ومن هؤلاء:\n١ - ابن جرير الطبري (^٢): فقد اشتهر عند أهل العلم أن ابن جرير الطبري إذا حكى إجماعًا فإنه لا يعتد بمخالفة القلة كالواحد والاثنين وغيرهم فمثل هذا لا يعتد بإجماعه إذ لم يحكِ الإجماع إلا هو.\n_________\n(^١) قال ابن رجب في «فتح الباري» (٤/ ٢٤٢): «فإن شذ أحد من أهل الظاهر جريًا على عادتهم، ولم يبال بخرق إجماع المسلمين، كان محجوبًا بالإجماع قبله».\nوقال في (٦/ ١٠٥): «خالف فِيهِ شذوذ من متأخري الظاهرية، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم».\n(^٢) انظر: «الإحكام» للآمدي (١/ ٢٣٥)، و«شرح مختصر الروضة» للطوفي (٣/ ٥٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (١/ ٥٩٧): «وأما ابن جرير الطبري فالإجماع عنده قول الجمهور؛ فلا يحتج بنقله» باختصار.","vol":"1","page":49},{"text":"٢ - وابن عبد البر رحمه الله تعالى: أحيانًا يحكي الإجماع ويريد الجمهور (^١)، وأحيانًا يحكي الإجماع ويريد الإجماع الحقيقي (^٢)، وهذا يعرف بالسابق واللاحق من كلامه فإنه إذا قال أجمع العلماء على ذلك ومن خالف فقد شذ كعطاء أو غيره فهو يريد بهذا الإجماع وأحيانًا يريد بالإجماع أي إجماع الأكثر.\nفإذن ينظر في الإجماع الذي يحكيه ابن عبد البر تارةً يحكي الإجماع بمعناه المعروف وتارة يحكيه ويريد به الجمهور.\nأما الإمام ابن المنذر فقد عول عليه المتأخرون في حكاية الإجماع والخلاف كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (^٣).\nفمن الخطأ أن يقال: إن ابن المنذر إذا حكى إجماعًا أراد الأكثر، وذلك أنه يقول: أجمع العلماء إلا فلانًا (^٤)، فلما خالف الواحد بيَّنه ولو كان الإجماع عنده بمعنى الأكثر لما احتاج أن يبين مخالفة الواحد أو الاثنين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المسألة الثالثة عشرة\nالإجماع دليل كاشف</span>\nينبغي أن يعلم أن دليل الإجماع دليل كاشف فليس الإجماع حجة في ذاته بل للنص الذي استند عليه كما تقدم بيانه، فهو إذن كاشف بأن هناك دليلا يدل على هذه المسألة.\nفليس دليلًا في نفسه ككلام الله وكلام رسوله ﷺ وهذا مفيد للغاية.\n_________\n(^١) كما في: «الاستذكار» (١/ ٣١٤)، و(٢/ ١٥).\n(^٢) كما في: «الاستذكار» (٧/ ٤٧٨).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٥٥٩).\n(^٤) كما في: «الأوسط» (١/ ٤١١).","vol":"1","page":50},{"text":"وفي هذا جواب قول القائل: إن الله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يقل ارجعوا إلى الإجماع.\nفيقال: إن الرجوع للإجماع هو طاعة لله وطاعة لرسوله ﷺ؛ لأنه كاشف لقول الله ولقول رسوله ﷺ.\nوقد صرح جمع من الأصوليين بأن الإجماع كاشف كصفي الدين الهندي (^١) والزركشي (^٢) وغيرهم.\nفلا يلزم أن يكون المستند الذي يستند عليه الإجماع نصًا صريحًا، بل قد يكون مفهوما بأي نوع من المفاهيم التي هي حجة في الدين؛ لأنه لا دليل على أن مستند الإجماع لا يكون إلا نصًا صريحًا.\nوبهذا ينتهي الكلام على مسائل الإجماع.\n_________\n(^١) انظر: «الفائق في أصول الفقه» للصفي الهندي (٢/ ٥٢، و١١١).\n(^٢) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٨٥).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفصل الثاني\nشبهات وإشكالات على دليل الإجماع</span>\nالإشكالات والاعتراضات على دليل الإجماع عمليًا كثيرة من بعض أهل السنة (^١)، وهذه كل الاشكالات التي حضرتني ولا أراعي في ذكرها ترتيبًا معينًا، بل بحسب ما تواردها على الذهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>الشبهة الأولى\nرد الإجماع في مسألة مع عدم وجود السلف إلا زعمه أن رسول الله ﷺ هو السلف</span>، كاستدلال بعضهم على حرمة إفراد يوم السبت بالصوم بحديث الصماء بنت بسرة: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» (^٢)\nولما قيل له: إن الإمام ابن تيمية (^٣) حكى الإجماع أنه لم يقل أحد بحرمة إفراد يوم السبت بالصيام أي: بوجوب أن يصام معه يوم آخر.\nقال هذا الإجماع لا يسلم به ... إلخ، ويكفي أن سلفي في هذه المسألة رسول الله ﷺ.\nوكشف هذه الشبهة أن يقال: هذا خطأ قطعًا؛ لأن هذا استدلال بمورد النزاع، وذلك أن المخالف لا يسلم أن هذا هو المفهوم من الحديث أي: لا يسلم أن هذا المفهوم من كلام رسول الله ﷺ، فالخلاف راجع إلى فهم كلام رسول الله ﷺ فلا\n_________\n(^١) فليس البحث مع النظام والمعتزلة الذين ينكرون دليل الإجماع.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٧٠٧٥)، والدارمي (١٧٩٠)، وأبو داود (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤) وغيرهم، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢٤٢١) طبعة المعارف.\n(^٣) انظر: «شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام» (٢/ ٦٥٣).","vol":"1","page":52},{"text":"يصح لأحد من الطرفين أن يستدل بمورد النزاع.\nفإذا قال سلفي هو كلام رسول الله ﷺ. إذن هو صادر البحث واستدل بمورد النزاع والبحث جارٍ في هذا الفهم هل هو صحيح أم لا؟\nوالإمام ابن تيمية يحكي الإجماع على أن هذا الفهم لم يُفْهَمْ، وهو يقول: أنا فهمت هذا الفهم، فالخلاف راجع إلى الفهم فلا يصح أن يقال: إن سلفي رسول الله ﷺ؛ لأن البحث جارٍ في فهم كلام رسول الله ﷺ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الشبهة الثانية\nلما ذُكِر لبعضهم إجماعٌ وقيل لا سلف في قول كذا وكذا أو في هذه المسألة</span>.\nقال: بلى إن هناك سلفًا وهو الصحابي الذي يروي الحديث فالكلام فيه كالكلام في الإشكال السابق.\nوكشف هذه الشبهة أن يقال: هذا استدلال بمورد النزاع فلا يسلم أن هذا فهم الصحابي، والبحث بيننا هل هذا هو مراد رسول الله ﷺ وفهم الصحابي له أم لا؟\nلا سيما وأنه لا يلزم من رواية الصحابي لشيء أن يتبناه أو يقول به.\nبل قد يدعه؛ لأنه منسوخ، فالأحاديث المنسوخة الكثيرة التي رواها الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ قد رووها وهم يعلمون أنها منسوخة، ففرق بين باب الرواية وباب الدراية، فلا يلزم من رواية الصحابي لحديثٍ ما أنه قد تبناه، بل قد يروي حديثًا وهو يعلم أنه منسوخ أو يعلم أنه مخصص ... إلخ.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الشبهة الثالثة\nأن بعضهم لما قيل له: إن في المسألة إجماعًا</span>.\nقال: هذا غير صحيح، كيف يكون في المسألة إجماعٌ وأنا أخالف، فمخالفتي نقضٌ للإجماع؟\nوكشف هذه الشبهة أن يقال:\nأولًا: لازم هذا القول أنه لا إجماع إلا إلى قبيل قيام الساعة حتى نتأكدَ أن أحدا من أهل العلم لم يخالف إلى قبيل قيام الساعة وهذا لازم باطل وإذا بطل اللازم بطل الملزم.\nثانيًا: الأدلة التي بينت أن الإجماع حجة لم تقيده بزمن كما تقدم بحثه في انقراض العصر فمتى ما انعقد الإجماع صار حجة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>الشبهة الرابعة\nقال بعضهم: إنه قد ادعي الإجماع في مسائل وتبين أنه مخروم فكيف يعول على هذه الإجماعات</span>؟\nوكشف هذه الشبهة أن يقال: هذا حق؛ ولكن الأصل صحة الإجماع للأدلة التي تقدم ذكرها.\nفإذا تبين خرمه فلا يقال: إنه إجماع، كما أنه إذا صحح بعض أهل العلم حديثًا يحتج به؛ ثم تبين بعدُ أنه ضعيف فإننا نترك تصحيحه لهذا الحديث بعينه، ولكن دون أن نقول: إنه لا يعول على تصحيح هذا العالم.\nفأكثر العلماء الذين صححوا وضعفوا قد يتبين لغيرهم من المجتهدين خلاف","vol":"1","page":54},{"text":"قولهم، فلا يصح لهذا المجتهد أن يقول: بما أنه تبين لي أن العلامة الألباني أخطأ في حديث أو حديثين أنَّه لا يعول على تصحيحه، بل يقال إنه إمام في الحديث والتصحيح والتضعيف فإذا تبين أن قوله مرجوح في حديث أو حديثين أو عشرة فهذا لا ينقص من مكانته ويبقى الأصل وهو الاحتجاج بتصحيحه وتضعيفه، وهكذا الحال في غيره من العلماء.\nفإذن الأصل أنه إذا حكى أحد الإجماع فهو صحيح، لكن إذا تبين إنه مخروم فيقال إن هذا الإجماع لا يعول عليه، كما إذا صحح أحد من أهل العلم حديثًا فتبين أن تصحيحه ليس صحيحًا فيقال هذا التصحيح لا يعول عليه ولا يصح، مع بقاء منزلته وقبول أحكامه في التصحيح والتضعيف مالم يتبين خلاف حكمه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>الشبهة الخامسة\nحُكيت إجماعات للصحابة ثم حصل خلاف</span>، وكثير من أهل العلم لم يعتد بهذه الإجماعات فهذا يدل على أن الإجماع غير منضبط؛ لأن كثيرًا من العلماء لم يعتد بهذا الإجماع.\nومن جهة أخرى: يدل على أن مخالفة الإجماع القديم لا يعد شاذًّا.\nوتقدم بيان أن ضابط القول الشاذ: هو مخالف الإجماع.\nوكشف هذه الشبهة أن يقال: إذا ثبت لدى الناظر والمجتهد إجماع للصحابة فهو دليل تبين له وخفي على غيره فيجب عليه أن يعمل به، كما إذا تبين للمجتهد صحة حديث أو وقف على دليل لم يقف عليه غيره من كثير من المجتهدين فإنه يجب أن يعمل بهذا الدليل، وليس له أن يدع الدليل والحديث؛ لأن جمعًا من المجتهدين لم يعملوا بهذا الحديث وهذا الدليل.","vol":"1","page":55},{"text":"فليس من شرط الدليل حتى يكون حجة في الشريعة أن يعلم ويعمل به، وأن يعلم به جميع المجتهدين، فكما يُتصور أنْ يخفى على كثير من المجتهدين الكثير من الأدلة والأحاديث النبوية عن رسول الله ﷺ فمثل ذلك يقال في دليل الإجماع الذي خفي على كثير من المجتهدين إلا أنه يقال: إن ظهور الإجماع ليس على مرتبة واحدة:\n١ - فمن الإجماع ما هو ظاهر لأهل العلم كلهم كالإجماع القطعي الذي تقدم ذكره.\n٢ - ومن الإجماع الظني ما يكون ظاهرًا للعلماء.\n٣ - ومنه ما يكون ظاهرًا لأكثر أهل العلم.\n٤ - ومنه ما قد يخفى على كثير من أهل العلم.\nوهكذا؛ لكن إذا تبين للمجتهد أن في المسألة إجماعًا فهو حجة يتمسك به، كما إذا تبين له أن في المسألة حديثًا صحيحًا فإنه حجة يتمسك به ويكون معولًا له في ترجيح القول الذي يقول به.\nولا يلزم لصحة الدليل أن يعمل به جميع الأمة، ومثل هذا ما حصل فيه إجماع من لدن الصحابة -﵃- قد يكون أحيانًا من الصحابة والتابعين فتبين لبعض المجتهدين فإنهم يعملون به ولا يدل هذا على أن الإجماع ليس حجة، كما يقال هذا في السنة النبوية إذا ظهرت لبعض المجتهدين دون أكثر المجتهدين فلا يقال إن هذا السنة ليست حجة من جهة وصف القول بأنه شاذ، فإن مثل هذا الإجماع الذي اشتهر مخالفته عند العلماء يصح دليلًا لكن لا يصح أن يقال فيمن خالفه إنه قد وقع في قول شاذ، وذلك اتباعًا لفهم أهل العلم، فإن أهل العلم لم يفهموا ذلك في مثل الإجماعات التي قد تخفى والتي اشتهر بين أهل العلم ذكر الخلاف في هذه المسألة، بل من ظهر له الإجماع يعمل به،","vol":"1","page":56},{"text":"وفي المقابل لا يصف القول بأنه شاذ؛ لأن الإجماع خفي وليس ظاهرًا، بخلاف الإجماع الظاهر الذي اشتهر عن أهل العلم موافقة هذا الإجماع والقول به أو عدم مخالفته ثم وجد من خالفه فإنه يقال إن قوله شاذًا؛ لأن العلماء لا يوردون في كتب الفقه والخلاف العالي الخلاف في هذه المسالة فليس العلماء في أمثال هذه المسائل كالشافعي والإمام أحمد والمروزي والطحاوي وابن عبد البر وغيرهم يحكون أن في المسألة خلافًا بل يقررون على أن في المسألة إجماعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الشبهة السادسة\nيوجد كثير من الفقهاء المتأخرين من لا يعتد بالإجماع السكوتي بحجة أنه تكلم طائفة ولم يتكلم الباقون</span>، وإنما غاية ما في الأمر أن الباقين سكتوا، وتقدم بيان الكلام في هذه المسألة، لكن أنبه على أمرين:\nالأمر الأول: أن العلماء إذا حكوا الإجماع السكوتي وتطاول الزمان على حكايته ولم يخالف أحد فإن هذا الإجماع السكوتي حجة بالإجماع، ذكر هذا التلمساني (^١) والزركشي (^٢) وجماعة من أهل العلم، وهذا يستفاد منه في كثير من الإجماعات التي يريد كثير من المتأخرين أو من تأثر بالمتكلمين أن يسقطها.\nومن أمثلة ذلك: تحريم الغناء المصحوب بآلات اللهو.\nفائدة: توارد العلماء من قرون على حكاية الإجماع على حرمة الغناء المصحوب بآلات اللهو فعارض بعض المتأخرين وقال: إنه ليس في المسألة إجماع بحجة أن غاية ما فيها الإجماع السكوتي، والإجماع السكوتي ليس حجة.\n_________\n(^١) انظر: «شرح المعالم في أصول الفقه» للتلمساني (٢/ ١٢٢).\n(^٢) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٧٢).","vol":"1","page":57},{"text":"فيقال: إنه لو سلم بعدم حجية الإجماع السكوتي فإن مثل هذا لا يقال في الإجماع السكوتي على حرمة الغناء المصحوب بالمعازف؛ لأنه مما تطاول الزمن على ذكر أهل العلم له، ولم يخالفوه فمثله حجة بالإجماع.\nالأمر الثاني: مما يعلم يقينًا أن الشافعي لا يريد بذلك رد الإجماع السكوتي وذلك أن الإمام الشافعي نفسه أصَّل الإجماع وأنه حجة وقال: والإجماع حجة على كل شيء؛ لأنه لا يمكن فيه الخطأ (^١). وهذا لا يوجد إلا في الإجماع السكوتي.\nويؤكد ذلك أن الشافعي نفسه احتج بالإجماع عمليا فقد ذهب إلى أن العبد والصبي إذا حجا فأعتق أو بلغ بعد ذلك فإن هذا لا يجزئه عن حجة الإسلام حكى على ذلك الإجماع في «الأم» (^٢)، ومثل هذا غاية ما فيه الإجماع السكوتي والأمثلة على هذا كثيرة عن الشافعي وغيره.\nإذن قول الشافعي قطعًا لا يحمل على إنكار الإجماع السكوتي؛ لأنه يقرر الإجماع.\nتنبيه: ذكر العلائي (^٣) ثم الزركشي (^٤) أن من أصحاب الشافعي من حمل قوله: (لا ينسب إلى ساكت قول) على غير إجماع الصحابة لكن فيه نظر؛ لأن الشافعي حكى الإجماع في مسائل كثيرة وأصله ولم يبين أنه خاص بإجماع الصحابة.\nومن الشافعية من حمل هذا على الإجماع السكوتي الذي لم يتطاول الزمن على ذكره (^٥)؛ لأن ما تطاول الزمن على ذكره فإنه حجة بالإجماع كما تقدم.\n_________\n(^١) انظر: «العلم» للشافعي ص ٢٢.\n(^٢) انظر: «الأم» للشافعي (٢/ ١٢٠).\n(^٣) انظر: «إجمال الإصابة» للعلائي (ص:٢٤).\n(^٤) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٥٩).\n(^٥) انظر: «إجمال الإصابة» للعلائي (ص:٢٤)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٥٩).","vol":"1","page":58},{"text":"فيقال: وإن كان الشافعي قطعًا يحتج بهذا النوع من الإجماع لكن حصر قوله في مثل هذا يحتاج إلي بينة ودليل، ولو كان كذلك لقرر هذا في «الرسالة»، فإنه تكلم في «الرسالة» على حجية الإجماع، ولم يشترط تطاول الزمن على ذكره، ولو كان هذا شرطًا عنده لبينه بوضوح في «الرسالة» أو غيره من كتبه لاسيما وهو مما أصل فيه حجية دليل الإجماع (^١)، ومما يقطع به يقينًا أن مثل هذا الكلام من الشافعي لا يصح أن يستند عليه لرد كل إجماع سكوتي، وإن كان قد يستند عليه الشافعي -﵀- في رد إجماع لا يراه صحيحًا، وإذا قيل له: إنه قد قال بهذا القول فلان وفلان ... فالشافعي يرى بقرائن أن غير هؤلاء لم يتكلموا في هذه المسألة، وعدم كلامهم لا يدل على إقرار من تكلم لقرائن، أما أن يجعل هذا الكلام من الشافعي أصلًا في رد الإجماع السكوتي فلا يصح بحال - والله اعلم -.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>الشبهة السابعة\nقال الشافعي رحمه الله تعالى: «ما ليس فيه خلاف فليس إجماعًا»</span>.\nنقل هذه العبارة ابن حزم (^٢) ﵀ وسيأتي الكلام عليها؛ لكن ظاهر هذه العبارة أن المسألة التي يقال لا خلاف فيها فليست إجماعًا وهذه على ظاهرها قوية في الدلالة على أن قول العالم لا أعلم فيه خلافا أو ليس فيه خلاف ... إلخ أنه لا يفيد الإجماع.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن الذي نقل هذه العبارة هو ابن حزم في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام» وفي غيره، ولم أر أحدًا سبق ابن حزم إلى نقل هذه العبارة عن\n_________\n(^١) انظر: «الرسالة» للشافعي (ص:٤٧١ - ٤٧٥).\n(^٢) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (٤/ ١٨٨).","vol":"1","page":59},{"text":"الإمام الشافعي، وابن حزم قد نسبها إلى كتاب «الرسالة»، وهي ليست موجودة في كتاب «الرسالة» الذي بين أيدينا، بل إنني لم أر الشافعية ينقلون هذا القول وينسبونه إلى الشافعي، وإنما رأيت الزركشي في «البحر المحيط» (^١) نقل هذا القول ونسبه إلى ابن حزم، ومن بعد ابن حزم إذا نقل هذه الكلمة عن الشافعي إما أنه يذكر الواسطة وهو ابن حزم، أو يأتي بنص عبارة ابن حزم، فالعمدة في نقل هذا القول هو ابن حزم، ومن البعيد للغاية أن يكون هذا النص للإمام الشافعي رحمه الله تعالى ويغفل عنه أهل العلم، والشافعي له منزلته الكبيرة عند العلماء وله أصحابه الذين نصروا أقواله ومذهبه، فلو كانت المقولة ثابتة عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لرأيت أصحابه يتواردون عليها، بل لرأيت العلماء يذكرون مثل هذه المقالة؛ لأن للشافعي رحمه الله تعالى مكانته العظيمة عند العلماء.\nالوجه الثاني: أن الإمام الشافعي ﵀ نفسه قد احتج في مسائل غير قليلة بنفي الخلاف، فقال رحمه الله تعالى في كتاب «الأم»: «ولا أعلم اختلافا في أن ليس في الذهب صدقة حتى يبلغ عشرين مثقالًا فإذا بلغت عشرين مثقالًا ففيها الزكاة» (^٢).\nوقال أيضًا: «والعاقلة في الحر والعبد مالا أعلم فيه خلافا» (^٣).\nوقال في كتابه «اختلاف الحديث»: «لأن الكتاب ثم السنة ثم مالا أعلم فيه خلافًا يدل على أن المتمتع بالعمرة إلى الحج ... إلخ» (^٤).\nوقال أيضًا في كتابه «الأم»: «قال عن الحسن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ إذا أنكح الوليان فالأول أحق - ... إلخ ثم مما ذكر الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال - فنكاح الأول\n_________\n(^١) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٤٨٨).\n(^٢) انظر: «الأم» للشافعي (٢/ ٤٣).\n(^٣) انظر: «الأم» للشافعي (٣/ ٢٦٢).\n(^٤) انظر: «اختلاف الحديث» للشافعي (٨/ ٦٧٩).","vol":"1","page":60},{"text":"ثابت؛ لأنه ولي موكل ومن نكحها بعده فقد بطل نكاحه هذا قول عوام الفقهاء لا أعرف بينهم فيه خلافًا، ولا أدري اسمع الحسن منه أم لا» (^١).\nيعني هو لم يعتمد على الخبر المروي الضعيف على هذا الرجل، وإنما اعتمد على أنه ليس في المسألة خلافٌ.\nفالشافعي نفسه يحتج بنفي الخلاف.\nالوجه الثالث: أن قول العالم «لا أعلم خلافًا أو لا خلاف بين العلماء» إلى آخر تلك العبارات إنما تدل على الإجماع؛ لأن معنى الإجماع يتساوى مع معنى قولهم أن العلماء لم يختلفوا. أي أنهم مجمعون، إلا أنها ليست في درجة جزم العالم إذا قال أجمعوا بخلاف إذا قال لا أعلم فيه خلافًا أو ليس بين العلماء خلاف، وقول لا أعلم أقل درجة من قول ليس في المسألة خلاف، وأقل منهما جمعيًا قوله هذا قول كل من أحفظ عن أهل العلم ... إلخ، وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) وسيأتي الكلام في هذه إن شاء الله تعالى.\nالوجه الرابع: أن المسألة التي يقول فيها عالم من العلماء ليس فيها خلاف أو لا أعلم فيها خلافًا ... إلخ.\nيقال: سبيل المؤمنين فيما يحكيه هذا العالم باستقرائه هو كذا وكذا، ونحن مأمورون باتباع سبيل المؤمنين، فإذن لا يصح أن نخرج عن هذا الذي ذكره العالم إلا إذا ثبت لدينا أن ما حكاه مخروم وأن سبيل المؤمنين في هذه المسألة ليس ما ذكره هذا العالم، ونحن مأمورون باتباع سبيل المؤمنين من باب الظن الغالب، يعني ما علمنا أنه سبيل المؤمنين فنتبعه من باب الظن الغالب ولو كان أقل درجات الظن الغالب.\n_________\n(^١) انظر: «الأم» للشافعي (٥/ ١٩٢).\n(^٢) انظر: «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (١/ ٥٩٨ - ٥٩٩).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الشبهة الثامنة\nأن السنة حجة في ذاتها ولا تحتاج إلى عمل</span>.\nوهذه التأصيل سواءً بعبارة السنة أو الحديث أو الخبر ... إلخ، هو في ظاهره يدل على أن الدليل حجة في نفسه ولا يحتاج أن يعمل به أحد حتى يحتج به.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن نحوًا من هذا الكلام قد قرره الإمام الشافعي ﵀، فقد ذكر في كتابه «الرسالة» ما يتعلق بحكم الحاكم (ولي الأمر) ثم ذكر مسألة تتعلق بما نحن بصدده، فقال رحمه الله تعالى:\n«لما كان معروفًا والله أعلم عند عمر أن النبي ﷺ قضى في اليد بخمسين وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف فهذا قياس على الخبر.\nفلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله ﷺ وفي كل أصبع مما هنالك عشرة من الإبل صاروا إليه ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم والله أعلم حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله ﷺ وفي الحديث دلالتان أحدهما قبول الخبر وهذا لا إشكال فيه، والآخر أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا» (^١).\nفهو يريد بالأئمة الحكام الذين يحكمون في أمثال هذه المسائل.\nثم قال: «ودلالة على أنه مضى أيضًا عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبرًا عن النبي ﷺ يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله ﷺوأيضًا هذا شاهد قوي\n_________\n(^١) انظر: «الرسالة» للشافعي (ص:٤٢٠).","vol":"1","page":62},{"text":"على هذه الشبهة المذكورة- ودلالة على أن حديث رسول الله ﷺ يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده ...» (^١).\nإذن الوجه الأول: سياق كلام الشافعي ﵀ يتعلق بالحاكم إذا حكم بالقضايا فإنه لا يتكلم عن جميع العلماء وإنما يتكلم عن حكم حاكم، حكم عمر بحكم فحكم قبله أو من بعده من الحكام بحكم فهو لا يتكلم عن إجماع العلماء على ترك العمل بالخبر وإنما يتكلم عن حكم حاكم حكم بخبر قد يكون هناك من يوافق أو من يخالف، لكنه قطعًا يخالف حاكمًا قبله أو لا يعلم أن حاكمًا قبله حكم بهذا، وهذا لا يعني أنه لا يوجد أحدٌ من أهل العلم يقول بهذا القول.\nالوجه الثاني: أن الشافعي رحمه الله تعالى يقرر أنه يصح نسخ الخبر بالإجماع فإذا أجمع العلماء على أن هذا الخبر منسوخ فإنه يترك النص إلى الإجماع.\nقال الزركشي في «البحر المحيط»: «إجماع الصحابة كنسخ رمضان صوم يوم عاشوراء، ونسخ الزكاة سائر الحقوق في المال، ذكره ابن السمعاني أيضًا، وكذا حديث: «من غل صدقته فإنا آخذوها وشطر ماله» (^٢)، واتفق الصحابة على ترك استعمالهم هذا فدل عدولهم عنه على نسخه.\nوقد نص الشافعي على ذلك أيضًا فيما نقله البيهقي في المدخل فقال: ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر عن الرسول ﷺ آخر مؤقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر أو بقول من سمع الحديث أو العامة - يعني إجماع أهل العلم -» (^٣).\nثم استطرد الزركشي في بيان كلام العلماء.\n_________\n(^١) انظر: «الرسالة» للشافعي (ص:٤٢٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٠٠٤١)، والدارمي (١٧١٩)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٥/ ١٥)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (١٥٧٥) طبعة المعارف.\n(^٣) انظر: «البحر المحيط» للزركشي (٥/ ٣١٩).","vol":"1","page":63},{"text":"المقصود: أن الإمام الشافعي اعتمد على الإجماع في النسخ فترك دليلًا لأجل أن العلماء أجمعوا على تركه لأنه منسوخ.\nالجواب الثالث: أن قول القائل الحديث أو الخبر أو الآية حجة في نفسها وليست محتاجة إلى غيرها فهذا حق فليست الآية محتاجة للاحتجاج بها إلى غيرها، ومثل ذلك يقال في حديث رسول الله ﷺ فهو حجة في نفسه، ولكن فرق بين هذا وبين أن يقال قد ثبت أن هذا لم يعمل به أحد فهذا مانع من العمل، فالأصل أن يعمل بالخبر وهو حجة في نفسه وليس بحاجة إلى غيره، لكن إن تبين أن هناك مانعًا يمنع من العمل به كأن يكون منسوخًا أو يجمع العلماء على تركه فهذا أمر آخر، ففرق بين أن يكون حجة في نفسه وهو كذلك وبين ترك الحجة لسبب آخر كأن تكون هذه الآية أو الحديث منسوخًا أو قد أجمع العلماء على تركه فلا تلازم بينهما.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الشبهة التاسعة\nقرر بعض أهل العلم أن الإجماع الذي يحتج به الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة</span>.\nوالجواب على هذا كالتالي:\nالوجه الأول: أنه لا دليل على حصر الإجماع في كلام الإمام أحمد أو ابن تيمية على الصحابة ومن ادعى ذلك فيلزمه النقل.\nالوجه الثاني: أن الإمام ابن تيمية نفسه نص في المجلد الحادي عشر في الصفحة الواحدة والأربعين بعد الثلاث مئة أن الإجماع الذي ينضبط ... إلخ قال: هو إجماع","vol":"1","page":64},{"text":"الصحابة غالبًا (^١).\nفعبر بالغالب فالتعبير بالغالب شيء واطراد ذلك دائمًا شيء آخر ولا شك أن الإجماع الذي ينضبط في الغالب هو إجماع الصحابة لكن هذا شيء والاحتجاج بغير إجماع الصحابة شيء آخر.\nالوجه الثالث: أن الإمام أحمد ينص في مسائله أن الصحابة أجمعوا على كذا ولم يختلف الصحابة على كذا فلما أراد أن يخصص الأمر بالصحابة نص على ذلك، وفي مواضع يقول أجمع المسلمون أو أجمع العلماء أو لم يختلف العلماء ... إلى غير ذلك، فدل على أن الإمام أحمد لا يخص الإجماع بإجماع الصحابة.\nومثل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه يذكر الإجماع في مواضع ويريد به إجماع الصحابة، وتارة ينص على إجماع الصحابة، وفي مواضع يطلق ولا يخص الأمر بالصحابة، فدل على أنه لا يخصص الإجماع بإجماع الصحابة.\nالوجه الرابع: أن الإمام أحمد في أقل الحيض قال: يوم وليلة، ثم قال: وأعلى ما في الباب قول عطاء (^٢).\nوعطاء قطعًا ليس حجة في نفسه وإنما لأنه صورة من صور الإجماع فهو سبيل المؤمنين في هذه المسألة، وتقدم الكلام على أن قول السلف صورة من صور الإجماع وسبيل المؤمنين دليل من أدلة الإجماع.\nوأيضًا مما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن اتفاق أئمة المذاهب الأربعة ليس حجة\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١١/ ٣٤١).\nحيث قال: «الإجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالبا».\n(^٢) انظر: «مسائل أبي داود» (١٥٢)، و«مسائل ابن هانئ» (١٤٨).","vol":"1","page":65},{"text":"بالإجماع (^١).\nفهو لا يريد بذلك إجماع الصحابة؛ لأن المذاهب الأربعة جاءت بعد الصحابة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الشبهة العاشرة\nقال بعضهم الإجماع الذي هو حجة هو المعلوم من الدين بالضرورة دون غيره</span>، وعليه يحمل كلام الإمام أحمد لما قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن الأدلة جاءت بحجية الإجماع متى ما تصور ولم تخص ذلك بالمعلوم من الدين بالضرورة ولا غيره أي لم تخص ذلك بالإجماع الضروري ولا الظني بل هي شاملة لجميع أنواع الإجماع فمتى وقع الإجماع فهو حجة.\nالوجه الثاني: أن الإمامين الشافعي وأحمد حكوا إجماعات في مسائل ليست من الإجماع الضروري ولا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن أمثلة ذلك:\nقال الإمام الشافعي في كتابه «الأم»: «لم يختلف المسلمون عليه فيما وصفت في الذين لم يبلغوا الحلم والمماليك لو حجوا وأن ليست على واحد منهم فريضة الحج» (^٢).\nيعني يقرر أن حجهم صحيح لكنه لا يكفي عن الفريضة ويحكي على هذا الإجماع.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ١٠).\nحيث قال: «وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم؛ فليس حجة لازمة ولا إجماعا باتفاق المسلمين».\n(^٢) انظر: «الأم» للشافعي (٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":66},{"text":"ويقول أيضًا: «لأن عليه دلائل منها قول رسول الله ﷺ: (لا يقتل مؤمن بكافر) والإجماع أن لا يقتل المرء بابنه إذا قتله» (^١).\nفهذا ليس من الإجماع الضروري ولا من المعلوم من الدين بالضرورة.\nوقال أيضًا: «الإجماع على أن لا يقتل الرجل بعبده -وهذا كذلك- ولا بمستأمن بدار حرب ولا بإمرة في دار حرب ولا صبي» (^٢).\nهذه المسائل كلها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة، وهناك نقولات عن الإمام أحمد مثلها.\nومن ذلك ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (^٣)، وابن القيم في إغاثة اللهفان (^٤) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «لا يختلف المسلمون على أن الدم نجس». وهذا ليس من المعلوم من الدين بالضرورة.\nومن ذلك أيضًا قوله: «أجمعوا على أن التكبير - أي المقيد -، يبتدئ من غداة يوم عرفة» (^٥).\nوكذلك قوله: «أجمعوا على أن أولاد المسلمين في الجنة» (^٦).\nوقوله: «أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز» (^٧).\n_________\n(^١) انظر: «الأم» للشافعي (٦/ ٢٦).\n(^٢) انظر: «الأم» للشافعي (٦/ ٢٦).\n(^٣) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (١/ ١٠٥).\n(^٤) انظر: «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ٢٧٣).\n(^٥) انظر: «مسائل الكوسج» (١٤٥٣)، و«المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٩٢)، و«فتح الباري» لابن رجب (٩/ ٢٢،٢٤).\n(^٦) انظر: «أحكام أهل الملل» للخلال (١/ ٦٦) بلفظ: «ليس فيه خلاف»، و«المغني» لابن قدامة (٩/ ٣٦٥) بلفظ: «ليس فيه اختلاف».\n(^٧) انظر: «المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٧).","vol":"1","page":67},{"text":"وقوله في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]: «أجمع الناس أن هذِه الآية في الصلاة» (^١)، وهذا ليس من المعلوم من الدين بالضرورة.\nإلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي تكلم فيها الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهي ليست من المعلوم من الدين بالضرورة ومع ذلك احتجوا بها.\nفحصر الإجماع عند الإمام أحمد أو الشافعي بأنه من المعلوم من الدين بالضرورة غلط يخالفه صنيعهم وقبل ذلك يخالفه التأصيل الشرعي، فإن الشريعة جعلت الإجماع حجة متى ما وجد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>الشبهة الحادية عشرة\nقال بعضهم: عدم العلم بالمخالف لا يدل على الإجماع</span>.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن مفهوم الإجماع أن ينطق طائفة ولا يخالفهم الآخرون هذا هو حقيقة الإجماع كما تقدم بيانه، وهذا موجود في عدم العلم بالمخالف كما تقدم بيانه أيضًا.\nالوجه الثاني: أن صنيع الإمامين الشافعي وأحمد وغيرهما أنهم يحتجون بعدم العلم بالمخالف، وتقدم ذكر شيء من ذلك.\nولابن تيمية ﵀ تأصيل بديع في مثل هذا، فمما قرره أن المسائل التي لا يعلم فيها خلاف حجةٌ ولا يصح لأحد أن يحدث قولًا جديدًا إلا أن يعلم أن له سلفًا، حيث قال ﵀ في «مجموع الفتاوى»: «وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي:\n_________\n(^١) انظر: «مسائل أبي داود» (٢٢٣).","vol":"1","page":68},{"text":"بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدا أنكره فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به ...» إلى أخر كلامه (^١).\nفقد جعل هذا الاستقرائي.\nوقال في رده على السبكي في مسألة في تعليق الطلاق: «فأنواع الإجماع التي يمكن الاستدلال بها ثلاثة: إجماع إحاطي، وإجماع إقراري، وإجماع استقرائي:\nفالأول: ما يحيط علمًا بأن الصحابة أو التابعين كانوا عليه، مثل ما علمنا أنه من دين الرسول ﷺ الظاهر المعروف الذي لا ينكره إلا من هو كافر به.\nوالثاني: أن يشتهر القول أو العمل في السلف فلا ينكره منكر؛ فهذا إجماع إقراري، فإن الأمة لا تجتمع على الإقرار على باطل، بل كما أن الرسول ﷺ معصوم في قوله وفعله وإقراره، فكذلك الأمة معصومة في قولها وفعلها وإقرارها، وهذا كجعل عمر بن الخطاب - ﵁ - الأرض المفتوحة عنوة فيما بين المسلمين، وغير ذلك.\nوإذا قيل في مثل ذلك: قد يكون بعضهم أنكرها.\nقيل: لا يسقط الفرض بإنكار الخطأ إلا إذا ظهر الإنكار، ولو أنكر ذلك منكر لكان مما تتوافر الدواعي على نقله؛ كما نقلوا نزاع ابن عباس - ﵄- في العول والعمريتين، ونزاع ابن الزبير - ﵄ - في ميراث المبتوتة، وأمثال ذلك.\nوأما الثالث: فهو الإجماع الاستقرائي، وهو أن يتتبع العالم ما أمكنه من أقوال العلماء فلا يجد أحدًا خالف في ذلك» (^٢).\nفقد جعل الإجماع أقسامًا ثلاثة ويجعل الجميع حجة لكن له تعامل معها إذا خالفت نصًا.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٢٦٧).\n(^٢) انظر: «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (١/ ٦١١).","vol":"1","page":69},{"text":"ومن كلامه المفيد أيضًا ما قاله في كتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»: «لا يمكن العالم أن يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا؛ مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه، حتى إن منهم من يعلق القول فيقول: \"إن كان في المسألة إجماع فهو أحق ما يتبع، وإلا فالقول عندي كذا وكذا\".\nوذلك مثل من يقول: \"لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد\" وقبولها محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم. ويقول آخر: \"أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث\" ...» (^١) ثم ذكر من خالف في ذلك.\nوهذا تأصيل عظيم.\nومما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في رده على السبكي: «أن قول العالم لا أعلم فيه خلافًا يفيد الإجماع ولكنه أقل من قوله أجمعوا» (^٢). وهذا حق.\nومما يفيد الإجماع لكنه أقل مما قبله: «أن أقل من ذلك أن يقول: أجمع كل من نحفظ عنه» (^٣). وهذا أيضًا يفيد الإجماع ولكنه أقل فكلها مراتب تدل على الإجماع ولكنها متفاوتة، ويكفي أن تفيد إجماعًا من باب غلبة الظن، ولو كان أقل درجات غلبة الظن.\nومما يقوي غلبة الظن في مثل هذا ويجعل النفس تطمئن للعمل به أن يقال: المسألة التي يعرف أن عشرة من العلماء قالوا فيها بالحرمة مثلًا، وأراد أحد أن يخالفهم، ولا يعلم له سلفًا في مخالفتهم، فقوله خطأ لأنه محدث ومخالف لسبيل المؤمنين فيما يعلم، إذن لابد من الرجوع إلى قول الذين لم يعلم أن لهم مخالفًا، وأيضًا أي مسألة لم يحك عالم ذو استقراء فيها الإجماع يحتمل أن تكون\n_________\n(^١) انظر: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لابن تيمية (ص: ٣٢).\n(^٢) انظر: «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (١/ ٥٩٨ - ٥٩٩).\n(^٣) انظر: «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (١/ ٥٩٨ - ٥٩٩).","vol":"1","page":70},{"text":"إجماعية وأن تكون خلافية، ويغلب جانب الإجماعية بحكاية هذا العالم الإجماع فيكون إجماعًا من باب الظن الغالب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الشبهة الثانية عشرة\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ - في التسعينية (^١) وغيرها أنّ عامة أهل البدع يخالفون الأدلة بحجة الإجماع ويكون إجماعهم مخرومًا غير صحيح</span>، فإذًا لا يصح الاستدلال بالإجماع في مخالفة الدليل، لئلا نوافق أهل البدع.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: لا شك أن هناك إجماعات مخرومة بيد أنَّ ذلك ليس مسوغًا لرد الإجماعات كلها، بل يبقى الإجماع حجة حتى يثبت أنه مخروم، كالحديث النبوي فلا شك أن ثمة أحاديث ضعيفة، لكن ليس هذا مسوغًا لرد الأحاديث الصحيحة، بل يقال: ما ثبت أنه صحيح فيحتج به حتى يتبين خلاف ذلك.\nالوجه الثاني: إن هناك مسائل حكي فيها الإجماع فزعم قوم خرمه، وتبين خطأ زعمه، ومن أمثلة ذلك:\nأن غير واحد من أهل العلم كالطحاوي (^٢) والقاضي عياض (^٣) وابن جرير (^٤):\n_________\n(^١) انظر: «التسعينية» لابن تيمية (٢/ ٤٩٢).\n(^٢) نقله عنه القاضي عياض في «الشفا» (٢/ ٦٢).\nوقال الطحاوي في «أحكام القرآن» (١/ ١٨١): «الشافعي ﵀ ذهب إلى أن الصلاة على النبي ﷺ مفروضة على الناس بعقب التشهد في أواخر صلاتهم، وأن صلواتهم لا تجزيهم دون ذلك، وقد خالفه في ذلك من سواه من أهل العلم».\n(^٣) انظر: «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٦١).\n(^٤) كابن جرير الطبري، نقله عنه القاضي عياض في «الشفا» (٢/ ٦٢).","vol":"1","page":71},{"text":"حكوا الإجماع على أن الصلاة على النبي ﷺ ليست واجبة في التشهد الأخير.\nفحاول بعض أهل العلم أن يبين أن هذا الإجماع مخروم فنقل ذلك عن أبي مسعود البدري وعن ابن مسعود الهذلي وعن أبي جعفر الباقر (^١).\nثم تبين أن نقله عن ابن مسعود وهمٌ (^٢)، وإنما هو من قول أبي مسعود البدري، وإسناد أبي مسعود البدري ضعيف كما بينه البيهقي (^٣)\nوغيره.\nفلم يبق إلا النقل عن أبي جعفر الباقر الذي قال بعضهم فيه: إنه محفوظ. إلا أن إسناد أبي جعفر لا يصح؛ فيه حجاج بن أرطأة وهو معروف بضعفه (^٤).\nوالبيهقي مع أنه شافعي لما ساق إسناد أبي جعفر لم يسقه إلا من طريق ابن أرطاة، ومعلوم أن البيهقي يسعى إلى نصرة المذهب الشافعي- وقد ذكر عنه ابن تيمية في «الرد على البكري» أنه يذكر ما للشافعية دون ما عليهم (^٥) -، فلو كان عنده من طريق صحيح لبينه، وهو أراد أن ينصر قول الشافعية في هذه المسالة، وأراد أن ينسب هذا القول لأبي جعفر الباقر، ولم ينسبه إلا من طريق ضعيف.\nونسبه إلى الشعبي (^٦) بلا إسناد ولو كان عند البيهقي إسناد صحيح لما\n_________\n(^١) انظر تلك النقولات: في «السنن الكبرى» للبيهقي (٢/ ٣٧٩)،. وفي «جلاء الأفهام» (ص: ٣٣٣)\n(^٢) قال البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٧٩) عقب رواية ابن مسعود: «كذا قال عبد الله بن مسعود ﵁ والله أعلم».\nقال ابن القيم في «جلاء الأفهام» (ص:٥٧): «فإن يحيى بن السباق وشيخه - وكلاهما من رجال الإسناد - غير معروفين بعدالة ولا جرح».\n(^٣) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٢/ ٣٧٩)، حيث قال: «تفرد به جابر الجعفي، وهو ضعيف».\n\nوقال في «معرفة السنن والآثار» (٣/ ٦٩): «وجابر هذا هو الجعفي وهو ضعيف».\n(^٤) وممن ضعفه ابن سعد. انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٦/ ٣٥٩)\n(^٥) انظر: «رد ابن تيمية على البكري» (١/ ٧٨).\n(^٦) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٢/ ٣٧٩).","vol":"1","page":72},{"text":"تركه، فهذا يدل أنه لا ينبغي أن يندفع مع كل من أراد أن يخرم إجماعًا، بل لابد أن يتأكد من خرمه، ويتأكد من صحة الأسانيد إلى من ينسب إليهم المخالفة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الشبهة الثالثة عشرة\nقال بعضهم الإجماع الذي لا يقطع به هو من الظن</span>، وبعبارة أخرى: الإجماع الذي لا يقطع بعدم المخالف هو من الظن، فكيف يترك الدليل إلى الظن؟\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: ينبغي أن يعلم أن الإجماع بنوعيه سواءً كان قطعيًا أو ظنيًا، أن قوته في كونه قاطعًا في دلالته كما تقدم بيانه.\nفإذا تعارض في نظر المجتهد الإجماع الظني في ثبوته مع حديث أو آية فقد تعارض دليل قطعيٌ في دلالته -وهو الإجماع- مع نص قد يحتمل أكثر من وجه وقد يكون محتملًا فيظن أنه غير محتمل، لكن مما يقطع به أن دلالة الإجماع قطعية إذن إذا تعارض في الظاهر، فلا بد أن يراجع الناظر نفسه؛ لأن الإجماع لا يمكن أن يقدح فيه من جهة دلالته وإنما يقدح فيه من جهة ثبوته، والبحث الآن في الدلالة، والنص المخالف للإجماع في الظاهر قد يقال إنه محتمل لأكثر من معنى، فمن حيث الأصل يقدم الإجماع؛ لأن معنى أن العلماء أجمعوا على هذا: أي أن أفهام العلماء اجتمعت على أن هذا الحكم حرام أو أن هذا الحكم مستحب إلى آخره .. فلا يصح رده إلا أن يقال إنه مخروم.\nأما من جهة الدلالة فهو قاطع كما تقدم، فعلى هذا إذا تعارض نصٌ مع إجماع - ولو كان الإجماع ظنيًا في ثبوته فإنه يُقدم؛ لأن دلالته لا تكون إلا قطعية بخلاف النص.","vol":"1","page":73},{"text":"الوجه الثاني: غالب ما يظن من النصوص أنه معارض للإجماع فحقيقة الحال أن الإجماع مخصص أو مقيد أو مبين، ومن ذلك أن بعض العلماء ظن أن قول الصحابة بأن الصوم الذي يصام عن الولي هو صوم النذر دون غيره أن هذا مخالف لما روت عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». متفق عليه (^١).\nولو تعامل مع قول الصحابة كعائشة وابن عباس الذي لم يخالف بأنه إجماع وأن هذا النص يحتمل أكثر من معنى لخصص هذا العام بفتاوى الصحابة ولم يحتج أن يجعل أقوالهم متعارضة مع النص؛ لذا ذهب بعض الشافعية كالنووي (^٢) وغيرهم إلى رد هذه الآثار بناءً على أنه ظنها تخالف النص، والأولى أن يعمل بالحجتين لا أن يرد أحدهما ويجعل قول الصحابة الذي لم يخالف مخصصًا لظاهر النص، كما هو قول الليث بن سعد (^٣)، وأحمد في رواية (^٤)، وابن القيم (^٥)، والألباني (^٦).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الشبهة الرابعة عشرة\nقال بعضهم إذا صح الحديث وجب العمل به ولو لم يعلم من عمل به؛ لأنه حجة بلا خلاف</span>.\nوكشف هذه الشبهة أن يقال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).\n(^٢) انظر: «المجموع» للنووي (٦/ ٣٦٩)، و«شرح مسلم» للنووي (٨/ ٢٥).\n(^٣) انظر: «شرح مسلم» للنووي (٨/ ٢٥).\n(^٤) انظر: «شرح مسلم» للنووي (٨/ ٢٥)، و«الإنصاف» للمرداوي (٧/ ٥٠٦ - ٥٠٧).\n(^٥) انظر: «تهذيب السنن» (٣/ ٢٧٨ - ٢٨٢)، و«الروح» (ص ١٢٠) وكلاهما لابن القيم.\n(^٦) انظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٤/ ٥٩١).","vol":"1","page":74},{"text":"لا شك إذا صح الحديث فهو حجة في ذاته ولا يحتاج للاحتجاج به إلى أن ينظر من عمل به كما تقدم، لكن هذا شيء وترك العمل به لعارض كأن يكون منسوخًا، أو مجمعًا على تركه - مثلًا - شيءٌ آخر، وبحثنا في الثاني لا في الأول.\nوقد فهم هذا أهل العلم بل نسبه بعضهم إلى السلف، وممن فهم ذلك الإمام الترمذي وهو من أئمة السنة ومن أئمة السلف فإنه لما أنهى جامعه قال: «كل ما في هذا الجامع قد عمل العلماء به إلا أنه حديثين أجمع العلماء على عدم العمل بهما» (^١).\nفقد ارتضى الترمذي هذا التأصيل، وليس الترمذي من المتأخرين إنما هو من المتقدمين، ومع ذلك ارتضاه، وإن كان نوزع في ظنه أن العلماء مجمعون على ترك العمل بالحديثين، وبعضهم مصر على أن قول الترمذي صحيح ومن خالفه فمخالفته غير صحيحة.\nوالمقصود أن الترمذي يقر هذا التأصيل بعيدًا عن المثالين الذين ذكرهما.\nومن الكلمات العظيمة في هذا ما قاله ابن رجب في كتابه «بيان فضل علم السلف على الخلف»: «فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولًا به عند الصحابة ومن بعدهم أو عند طائفة منهم فأما ما اتفقوا على تركه فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا عن علم أنه لا يعمل به قال عمر بن عبدالعزيز: خذوا من الرأي ما يوافق ما كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم ...» (^٢)، إلخ كلامه رحمه الله تعالى.\nفهذا صريح من ابن رجب وهو ينقله عن أهل العلم أن العلماء اذا تركوا العمل بالحديث فإنه لا يعمل بهذا الحديث وهو يعزوه الى السلف، وصنيع\n_________\n(^١) انظر: «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٢٧٤)، و«تذكرة الحفاظ» (٢/ ١٥٤) وكلاهما للذهبي، بلفظ قريب.\n(^٢) انظر: «بيان فضل علم السلف على الخلف» (ص:٥٠ - ٥١).","vol":"1","page":75},{"text":"الترمذي شاهد على هذا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الشبهة الخامسة عشرة\nقال بعضهم: ترك الحديث لعدم العلم بالمخالف عليه المتأخرون دون الشافعي وأحمد</span>.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: تقدم أن الإمام الشافعي - ﵀ - يقرر ترك العمل بالحديث إذا كان منسوخًا.\nالوجه الثاني: تقدم صنيع الترمذي وما ذكره ابن رجب عن أهل العلم فإنهم تركوا العمل بالحديث إذا لم يُعمل به، فلا يصح نسبة ذلك إلى المتأخرين دون المتقدمين؛ لأن الترمذي متقدم وابن رجب يعزوه إلى المتقدمين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الشبهة السادسة عشرة\nقال بعضهم: إذا وجد نص لم يُعمل به فلابد وأن هناك من عمل به، ولا يلزم أن ينقل قول من عمل به </span>(^١)؛ لأن هناك قطعًا من عمل به، فلا يصح أن يقال: أن العلماء إذا أجمعوا على ترك العمل بالحديث؛ لأن هذا لا يتصور.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أنه إذا وجد من عمل به من العلماء فلا بد أن ينقل لنا من عمل به حتى لا يظن أن في المسألة إجماعًا والإجماع حجة.\nالوجه الثاني: تقدم كلام الشافعي في النسخ وأنه-رحمه الله تعالى- ترك حديثًا؛ لأن العلماء\n_________\n(^١) أي: بمجرد وجود النص ولو لم يقف أهل العلم على من عمل به.","vol":"1","page":76},{"text":"أجمعوا على نسخه، فهو لا يقر بهذا اللازم.\nوالوجه الثالث: أنه لا دليل على هذه الدعوى ومن أراد أن يدعيها فيلزمه الدليل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الشبهة السابعة عشرة\nقال بعضهم: مخالفة من قوله ليس حجة مما حكي عليه الإجماع أعذر من مخالفة من قوله حجة وهو الكتاب والسنة</span>، فكيف تترك الحجة وهو الكتاب والسنة إلى من قوله ليس حجة؟\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن الإجماع حجة فإذا تبين أن العلماء مجمعون على ترك حديث فالمخالف للإجماع مخالف لحجة شرعية يأثم بذلك، وفرق بين مخالفة أفراد أهل العلم ومخالفة إجماعهم، فكما أن القرآن والسنة حجة فكذلك الإجماع حجة، فكما أنه لا يعذر بتركه الكتاب والسنة بلا مبرر ولا مسوغ شرعي كذلك لا يعذر بتركه الإجماع.\nالوجه الثاني: أن مثل هذا إنما يقال إذا تعارض نص من كتاب أو سنة مع إجماع، والواقع أنه لا تعارض بينهما؛ لأن الإجماع قاطع لابد أن يقدم إما بتخصيص أو بتقييد أو بتبيين أو أن يقال بالنسخ كما صرح بذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وصرح به غيرهم من أهل العلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>الشبهة الثامنة عشرة\nقال بعضهم: إن طائفة من أهل العلم قالوا أقوالًا لم يسبقوا إليها فدل هذا على جواز إحداث قول جديد</span>.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:","vol":"1","page":77},{"text":"الوجه الأول: إن هناك فرقًا بين تأصيل العالم وعمله فقد يخطئ ويظن أن له سلفًا، فلا يؤخذ من عمله تأصيل إذا خالف تأصيله، وإنما يقال: أخطأ في تنزيل هذا الأصل على الفرع لا أن ينقض الأصل.\nفلو قال عالم: إن الأمر يقتضي الوجوب. ولم يقل بالوجوب في مسألة فيها أمر وليس هناك صارف، فلا يقال: إن له قولًا آخر في دلالة الأمر على الوجوب، بل يقال أخطأ في تنزيل هذا الأصل على هذا الفرع.\nالوجه الثاني: أن مقتضى هذا القول جواز إحداث قول جديد، وهذه طامة والبحث معه مختلف عن البحث مع البقية؛ لأن من يجوز إحداث قول جديد حقيقة قوله أن الإجماع ليس حجة؛ لأن أي إجماع يجوز أن يخالف بإحداث قول جديد لذا كل دليل يدل على أن الإجماع حجة ردٌّ على هذا.\nويقال أيضًا: كل دليل يدل على أن المحدثات ممنوعات في الشرع كقول النبي - ﷺ -: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» (^١)، ردٌّ عليه وتقدم بيان هذا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الشبهة التاسعة عشرة\nقال بعضهم: قال الإمام إسحاق بن راهويه في «مسائل إسحاق بن منصور»:</span> قيل لإسحاق بن راهويه: إن أخاك أحمد بن حنبل أجاب فيها بمثل جوابك فقال: ما ظننت أن أحدًا يوافقني (^٢).\nفهذا يدل على أن إسحاق بن راهويه يرى إحداث قول جديد؛ لأنه قال في مسألة لا يظن أن أحدا يوافقه عليها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(^٢) انظر: «مسائل إسحاق بن منصور» (٥/ ٢٠٧٥)، بلفظ: «ظننت أنّ أحدًا لا يتابعني عليه».\nواللفظ أعلاه انظره في «المحلى» لابن حزم (٥/ ٢٤٧).","vol":"1","page":78},{"text":"وكشف هذه الشبهة: أن هذا غير صحيح؛ وذلك أنه كان لا يظن أحدًا من معاصريه، أو من العلماء المشهورين في زمانه لا أنه يرى نفسه أحدث هذا القول.\nوبأسلوب آخر يقال: كلام إسحاق يحتمل أنه يجوز إحداث قول جديد ويحتمل أنه لا يظن أحدًا من العلماء المعاصرين له يوافقه في هذا القول، وقطعًا يحمل على الثاني دون الأول؛ لأنه ليس إسحاق ولا غيره من أئمة السنة يرون جواز إحداث قول جديد ولو رأوا ذلك لنقل عنهم ولنسبه أهل العلم لهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>الشبهة العشرون\nقال بعضهم: درج العلماء على تقديم الكتاب والسنة على الإجماع ويجعلون الإجماع آخر مراتب الأدلة</span>، فيقول: دل على هذا الكتاب والسنة والإجماع، إذن إذا تعارض الإجماع والحديث أو الإجماع والآية تقدم الآية أو الحديث.\nيقال: أما تقديم الكتاب والسنة على الإجماع من جهة الترتيب فلا شك في هذا، وليس البحث في مثل هذا بل البحث فيمن يظن من النصوص أنه مخالف للإجماع هل يقدم هذا الظن أو يقدم الإجماع الذي هو قطعي في دلالته.\nوبطريقة أخرى يقال: إنه إذا ظن مجتهد أن هذا النص يدل على كذا فمهما علت مكانته فإنه ما بين أن يقطع أو يظن، وقطعه وظنه محتمل للخطأ فإذا ظن أن النص مخالف للإجماع فقطعًا الإجماع مقدم على ظنه لأن الإجماع قاطع، وهذا بخلاف فهمه فهو يحتمل الخطأ، فيقدم المعصوم القاطع على الفهم الظني المحتمل.\nولو ضبط هذا لانكشفت مسائل كثيرة؛ لأن كثيرًا ممن يريد رد الإجماع في ظاهر النصوص يفترض التعارض والواقع لا تعارض.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>الشبهة الحادية والعشرون\nقال بعضهم: لا إجماع في علوم الآلة لأنه لا نصوص فيها ولا إجماع إلا وهو مستند على نص</span>.\nولكشف هذه الشبهة ينبغي أن يعلم أن علوم الآلة نوعان:\nالنوع الأول: علوم آلة ترجع إلى المتكلمين وأقوالهم وما كان كذلك فالمقترض أن لا يبحث بحثًا شرعيًا، ويشمل هذا النزع علوم الآلة التي ترجع إلى اللغة فالحجة فيها إلى كلام أهل اللغة.\nالنوع الثاني: علوم آلة مستندة على بحث شرعي فلا بد أن يرجع فيها إلى أدلة شرعية.\nففي أصول الفقه الأمر يقتضي الوجوب، والإجماع حجة، والنهي يقتضي التحريم ... إلخ، هذه من علوم الآلة وهي مجمع عليها، أجمع الصحابة على أن الأمر يقتضي الوجوب (^١)، وأجمعوا على أن النهي يقتضي التحريم (^٢).\nإذن هذا النوع الثاني المتعلق بالشرعيات من علوم الآلة لا بد أن له أدلة شرعية ما بين إجماع أو غيره ومن ذلك أدلة تنوزع في دلالتها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>الشبهة الثانية والعشرون\nقال بعضهم: حقيقة مخالفة التابعي للصحابي إحداث قول جديد، فهل يعني هذا أن التابعي يرى إحداث قول جديد</span>؟\n_________\n(^١) انظر: «الإحكام» للآمدي (٢/ ١٤٨)، و«روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٥٥٦).\n(^٢) انظر: «الإحكام» للآمدي (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":80},{"text":"وكشف هذه الشبهة: أن هناك فرقا بين تأصيل العالم وعمله، فقد يَظنُ التابعي أن له سلفًا من الصحابة وبناءً على هذا أحدث قولًا جديدًا، وقد لا يكون التابعي يعلم أن هناك صحابيًا خالفه فقال باجتهاده، فلا يلزم من أن التابعي إذا خالف الصحابي أن يكون ممن يرى جواز إحداث قول جديد.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الشبهة الثالثة والعشرون\nقال بعضهم: يعمل بالإجماع وعدم العلم بالمخالف ولا إشكال في ذلك</span>، وإنما الإشكال في جزئية واحدة وهي إذا عارض دليلًا من كتاب وسنة فيقدم الكتاب والسنة على هذا الإجماع، وقطعًا هذا لا يكون في الإجماع القطعي وإنما يكون في الإجماع الظني.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أنه إذا أقر بأن الإجماع حجة فإذن ينبغي أن يتعامل مع النص والإجماع بأنهما حجتان تعارضا فالجمع بينهما أولى من إلغاء أحدهما، والإجماع قاطع في دلالته والنص لا يلزم أن يكون كذلك حتى لو ظن ذلك المجتهد.\nأما الإجماع لأنه قاطع فتقدّم دلالة الإجماع إما بتخصيص عام أو تقييد مطلق أو تبين مجمل أو الإجماع على ترك النص لأنه منسوخ.\nالوجه الثاني: إذا أجمع العلماء على أن هذا النص منسوخ ينبغي أن يعلم أن الناسخ ليس الإجماع في نفسه وإنما ما استند عليه الإجماع وهو النص الآخر، فحقيقة الأمر إذا اختلف إجماع مع نص فالخلاف بين نصين إلا أن دليل الإجماع فيه مزية زيادة على كونه مستندًا على نص أنه قطعي في دلالته.\nالوجه الثالث: لو التُزم هذا التأصيل وهو أن الإجماع حجة إلا إذا عارض","vol":"1","page":81},{"text":"الظني منه نصًا لصار الخلاف قليلًا مع من يرى تقديم النص على الإجماع لكن إذا دقق في صنيع أصحاب هذا التأصيل اتضح أنهم يتوسعون حتى في المسائل الأخرى التي ليس فيها نص وإنما عمومات وغير ذلك مما يفزعون إليها ويردون الإجماعات بسببها، ثم لو قبل قولهم تنزلًا فإنه لا يكاد يوجد، ولو وجد فيقال: رد الإجماع الظني لأنه مخالف للنص ظنٌ محتمل للخطأ والصواب، أما دلالة الإجماع قاطعة حتى ولو كان ظنيًا في ثبوته فإنه ليس محتملًا في دلالته، فيقدم دلالة المقطوع على دلالة المحتمل المظنون، ويوجه النص بما يناسبه من تقيد أو تخصيص أو تبيين أو نسخ أو إجماع على ترك العمل به.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>الشبهة الرابعة والعشرون\nذكر بعضهم أن النووي رحمه الله تعالى ذكر في شرحه على مسلم أن النص يعمل به ولو لم يعمل به أحد</span>، ذكر هذا عند كلامه على صيام ستة من شوال فقال رحمه الله تعالى في «شرحه على مسلم»: «ودليل الشافعي - أي الذين قالوا بصيام ستة من شوال - وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها» (^١)، هذا الشاهد.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن صنيع النووي نفسه على خلاف ذلك، فالنووي رحمه الله تعالى وافق الترمذي (^٢) على عدم قتل شارب الخمر في الرابعة واعتمد الإجماع (^٣) وقرر في أكثر من موضع في «شرح على مسلم» وكتابه «المجموع» على أن الإجماع ينسخ.\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» للنووي (٨/ ٥٦).\n(^٢) انظر: «جامع الترمذي» (٤/ ٤٨) عقب حديث (١٤٤٤).\n(^٣) انظر: «شرح مسلم» للنووي (١١/ ٢١٧).","vol":"1","page":82},{"text":"بل وذكر ما هو أشد من ذلك وهو: «أنه قد جاء عن النبي ﷺ وعن الصحابة أكثر من أربع تكبيرات على الجنازة» ومع ذلك قال: «لكن الإجماع انعقد على أنه لا يكبر إلا أربعا» (^١).\nفجعل جميع التكبيرات التي ثبتت عن النبي ﷺ الزائدة على أربع منسوخة بالإجماع وأن السنة التكبير أربعًا فحسب.\nالوجه الثاني: صنيع النووي الكثير على خلاف ذلك، لذلك من يتبنى أمثال هذه المسائل تراهم لا يعولون على النووي، ويشددون في الكلام عليه.\nالوجه الثالث: أن عبارة النووي مشكلة فينبغي أن يتوقف فيها أو تحمل على معنى يستقيم مع باقي كلامه؛ لأنه في «شرحه مسلم» نفسه وفي كتابه «المجموع» وفي غيرهما قرر على أن الإجماع ناسخ وذكر أكثر من نص ترك العمل به؛ لأن العلماء قد أجمعوا على تركه.\nالوجه الرابع: لنفترض جدلًا أن النووي رحمه الله تعالى ذهب إلى هذا القول، فيقال إنه أخطأ وإن قول غيره مقدم على قوله لما تقدم ذكره في الأوجه السابقة.\n\nوأخيرًا هذه هي أشهر الشبه والإشكالات التي تذكر من بعض أهل السنة في رد الإجماع أو رد الاستدلال به في مواضع أو إضعافه أو قبوله في حالات دون أخرى بلا برهان مستقيم.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» للنووي «المجموع» (٥/ ٢٣٠). وقد تقدم.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الخاتمة</span>\nأهم النتائج المستخلصة من هذه الرسالة ما يلي:\n١ - أهمية دليل الإجماع، ومزيته على غيره من الأدلة.\n٢ - عدم المبالغة في التعاريف والحدود، وأن المبالغة فيها طريقة المتكلمين.\n٣ - الأدلة على حجية الإجماع، والأدلة التي استدل بها بعض الأصوليين على حجية الإجماع ولا دلالة فيها.\n٤ - موقف أهل البدع من دليل الإجماع.\n٥ - لازم القول أن الإجماع السكوتي ليس حجة.\n٦ - الإمام أحمد لا ينكر الإجماع، وقوله:\" من ادعى الإجماع \" يريد به ..\n٧ - الإجماع نوعان قطعي وظني، وضابطهما.\n٨ - الكلام على معنى الإجماع السكوتي وحكم الاحتجاج به.\n٩ - توجيه قول الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول.\n١٠ - يشترط في الإجماع أن يستند على نص، ولا يشترط معرفة هذا النص.\n١١ - الإجماع حجة سواء سبق بخلاف أو لحقه خلاف، والجواب على رواية أحمد أنه لا يرى الإجماع بعد الخلاف.\n١٢ - أمثلة على الإجماع بعد خلاف.\n١٣ - ضابط القول الشاذ، والاستعمالات الخطأ له.\n١٤ - إجماع أهل كل فن حجة.\n١٥ - لا يعتد بإجماع أهل الكلام بالإجماع.\n١٦ - لا يشترط انقراض العصر، ومعنى اشتراط انقراض العصر.","vol":"1","page":84},{"text":"١٧ - لا يجوز إحداث قول جديد.\n١٨ - مذهب الظاهرية مذهب مبتدع.\n١٩ - حرمة التلفيق ومعناه وأمثلته.\n٢٠ - الأصل صحة الإجماع المحكي من ذي استقراء، وطريقة معرفة الإجماع.\n٢١ - الذين حكوا الإجماع وأرادوا الأكثر.\n٢٢ - دليل الإجماع كاشف.\n٢٣ - كشف شبهة خرق الإجماع بزعم أن الرسول ﷺ سلفه\n٢٤ - كشف شبهة لا يحتج بالإجماع لأن هناك إجماعًا مخرومًا\n٢٥ - ليس الإجماع على درجة واحدة بل درجات متفاوتة.\n٢٦ - تطاول الزمن على حكاية الإجماع السكوتي يجعله حجة بالإجماع.\n٢٧ - كشف شبهة نفي الخلاف ليس إجماعًا.\n٢٨ - معنى أن السنة حجة في ذاتها.\n٢٩ - ليس الإجماع الذي احتج به أحمد وابن تيمية خاصًا بإجماع الصحابة.\n٣٠ - ليس الإجماع خاصًا بالضرورة.\n٣١ - أنواع الإجماعات ثلاثة.\n٣٢ - يصح الاستدلال بالإجماع في مخالفة الدليل.\n٣٣ - كشف شبهة لا يترك حديث لعدم العلم بمن يعمل به.\n٣٤ - أن بعض العلماء قالوا أقوالًا وليس لهم سلف.\n٣٥ - الإجماع في علوم الآلة.\n٣٦ - كشف شبهة لا يعمل بالإجماع إذا خالف دليلًا.\n٣٧ - إجماع العلماء على نسخ حديث حجة.","vol":"1","page":85}]}