{"ً":{"ٌ":26864,"ٍ":"الفتوة لأبي عبد الرحمن السلمي","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الفتوة\nالمؤلف: محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم النيسابوري، أبو عبد الرحمن السلمي (ت ٤١٢هـ)\nالمحقق: د. إحسان ذنون الثامري / د. محمد عبد الله القدحات\nالناشر: دار الرازي / عمان - الأردن\nالطبعة: الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م\nعدد الصفحات: ٩٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nأعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":266,"ٕ":6,"ٖ":1770154491,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الغلاف","level":1,"page":1},{"title":"الجزء الأول من كتاب الفتوة","level":1,"page":2},{"title":"ذكر بيان بعض مكارم الأخلاق من السنة","level":1,"page":8},{"title":"الجزء الثاني من الكتاب الفتوة","level":1,"page":24},{"title":"الجزء الثالث من الكتاب الفتوة","level":1,"page":42},{"title":"الجزء الرابع من الكتاب الفتوة","level":1,"page":60},{"title":"الجزء الخامس من الكتاب الفتوة","level":1,"page":77}],"ٛ":{"1,1":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,25":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,45":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,65":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92},"ٜ":{"1":[1,99]},"ٝ":[null,"1,1","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,45","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,65","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"8":[3],"24":[4],"42":[5],"60":[6],"77":[7]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الفتوة\n\nلأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي\n(٤١٢ هـ)\n\nتحقيق\nد. إحسان ذنون الثامري\nد. محمد عبد الله القدحات\n\nدار الرازي\nعمان - الأردن\n\nالطبعة الأولى\n١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الجزء الأول من كتاب الفتوة</span>\nمما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي\nقدس الله روحه العزيز","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم وعليه نتوكل\nالحمد لله الذي جعل منهاج الفتوة واضح الملاحب، يؤول ويرشد إلى كل حسنٍ واجب، ونزهها عن الفواحش والمعايب، وأرقاها إلى أعلى المراتب، وارتضى لها من أنبيائه المرسلين، وأصفيائه المقربين، كل من كتب اسمه على صفاء لوح الصدق، وبان له طريق الحق، فقام بواجبه، ودام جالسًا على مراتبه.\nفأول من أجاب إلى دعوة الفتوة، وحبا مكرمات المروة، آدم بديع الفطرة، رفيع الأسرة، المشتق من أديم الأرض اسمه، الثابت في محل الإرادة رسمه، الساكن في دار الحشمة، المؤيد بالأنوار والعصمة، المتوج بتاج الكرامة، الحال بدار السلامة.\nوقبل بها هابيل لما طرد عنه قابيل، ودام بحقها شيث، ونزهها عن كل أمر خبيث. ورفع بها إلى المكان العلي إدريس، فنجا من كيد إبليس. وبحبها كثرت نياحة نوح، وكان نورها عليه يلوح. وتسمى بها عاد، فما رجع إلى دنسٍ ولا عاد. وحسن لهود بها وفاء العهود. ونجا بها صالح من القبائح. ولقب بها إبراهيم","vol":"1","page":3},{"text":"الخليل، فكسر رؤوس الأصنام والتماثيل. وفدي بها إسماعيل، بأمر الملك الجليل، ورقى بها لوط إلى مقام ليس بعده هبوط، وكان بها إسحاق، قائمًا إلى يوم التلاق، ونهض بأسبابها يعقوب، وكشف بها ضر أيوب.\nسلك بها يوسف الصديق أكرم طريق، ودام له بها التوفيق. وانقاد ذو الكفل إلى رتبتها العلياء، وقام بأمورها المرضية الحسناء. وحاز قصباتها شعيب، فنزه عن كل ريب وعيب، رفل لها موسى إرفالًا، وأجاب هارون فأحسن مقالًا، شرف بها أهل الكهف والرقيم، ففازوا بدار النعيم. عمر بها قلب داود، ولذ له بها الركوع والسجود. وورثها منه سليمان، وسخر له بها الإنس والجان. وصحت ليونس شروطها، فوفى. وورد بها زكريا مورد الصفا. وصدق بها يحيى فنجا من الغم، وعظم بها لما هم، فما اهتم، وبالألم ما ألم. وجلا بها العسعس عيسى بالنور الصريح، ولقب بها الروح والمسيح. وفتح الله بها لمحمد صلى الله عليه وآله فتحًا مبينًا، فجعل عليها أخاه وابن عمه أمير المؤمنين عليًا أمينًا.\nاللهم فوفقنا للقيام بحقوق هذه الصحبة، وأعد علينا بركات هذه النسبة، واجعلنا من أهل هذه الحقائق، واسلكنا بها أحمد الطرائق، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا. ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، والحمد لله على نعمه أبدًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الذي لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرًا.\nوالحمد لله الذي أبدى آثار فضله على خواص عباده، فهداهم إلى موافقته، وبعدهم عن مخالفته، فأخبر عن أحوالهم في مقامهم، بما زين به خليله ﷺ،","vol":"1","page":4},{"text":"وهي الفتوة. فقال تعالى: ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ . سماه فتىً لأنه خلى له في نفسه وأهله وماله وولده، ووهب الكل لمن له الكل، وخلى من الكون وما فيه لما تسمى بالفتوة، وسمي به، وأخبر بعد ذلك تعالى عن خواص أوليائه بهذا الاسم. فقال: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم﴾، بلا واسطة ولا استدلال، بل آمنوا به له، فأكرموا بزيادة هدى حتى قاموا إلى بساط القرب، ﴿[فـ] قالوا ربنا رب السموات والأرض﴾، فألبسهم الحق خلعه، من خلعة وآواهم إلى كريم رعايته، وصرفهم في لطائف تقليبه، فقال: ﴿ونقلبهم ذات اليمن وذات الشمال﴾ . كذا من لزم طريق الفتوة كان في رعاية الحق، ولحياته وتوليته وحياطته.\nسألت -أكرمك الله لمرضاته- عن الفتوة. فاعلم أن الفتوة هي الموافقة وحسن الطاعة، وترك كل مذموم، وملازمة مكارم الأخلاق ومحاسنها، ظاهرًا وباطنًا وسرًا وعلنًا، وكل حال من الأحوال، ووقت من الأوقات يطالبك بنوع من الفتوة فلا يخلو حال من الأحوال عن الفتوة. فتوة تستعملها مع ربك تعالى، وفتوة تستعملها مع نبيك ﷺ، وفتوة مع الصحابة، وفتوة مع السلف","vol":"1","page":5},{"text":"الصالحين، وفتوة مع مشايخك، وفتوة مع إخوانك، وفتوة مع أهلك وولدك وأقاربك، وفتوة مع ملكيك كرام الكاتبين. وأنا مبين أطرافًا من ذلك على الاختصار من سنن النبي ﷺ، وآثار السلف وآدابهم وشمائلهم بعد أن أستعين بالله في ذلك، وفي جميع أموري، وهو حسبي ونعم الوكيل.\nفمن الفتوة الملاطفة مع الإخوان، والقيام بحوائجهم. أخبرنا عبد الرحمن ابن محمد بن محمود، ثنا أحمد بن محمد بن يحيى، ثنا محمد بن الأزهر، ثنا محمد ابن عبد الله المصري، ثنا يعلى بن ميمون، ثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من ألطف مؤمنًا أو قام له بحاجة من حوائج الدنيا، صغر ذلك أو كبر، كان حقًا على الله أن يخدمه خادمًا يوم القيامة» .\nومن الفتوة مقابلة الإساءة بالإحسان، وترك المكافأة على القبيح، أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن صبيح الجوهري، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا قبيصة عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه، قال: «قلت: يا رسول الله، إذا مررت برجل فلم يضفني، فمر بي أفعل به مثل ذلك؟ قال: لا» .","vol":"1","page":6},{"text":"ومن الفتوة ترك طلب عثرات الإخوان. أخبرنا أحمد بن محمد بن رجا البزاري. ثنا أحمد بن عمير بن حوصا، ثنا أبو عمير عيسى بن محمد، ثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان عن ثور بن يزيد عن راشد عن معاوية ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنك إن اتبعت عثرات المسلمين، أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» .\nومن الفتوة حضور دار من يثق به من الإخوان من غير دعوة. أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي بن زياد، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا سعيد بن يحيى، ثنا أبي، ثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁، قال: «بينا أبو بكر وعمر ﵄ جالسان، إذ جاءهما النبي ﷺ فقال: ما أجلسكم هاهنا؟ قالوا: والذي بعثك بالحق، ما أخرجنا إلا الجوع. قال: اذهبوا إلى بيت فلان رجل من الأنصار» .. وذكر الحديث.","vol":"1","page":7},{"text":"ومن الفتوة ترك العيب على طعام يقدم إليه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن صبيح، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق الحنظلي، ثنا جرير عن الأعمش، عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵃، قال: «ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، كان إذا اشتهاه أكله، وإلا تركه» .\nومن الفتوة استعمال مكارم الأخلاق إذ هي من أعمال أهل الجنة. أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر آباذي، ثنا محمد بن الربيع عن سليمان الجسري بمصر، ثنا أبي، ثنا طلق بن السمح، ثنا يحيى بن أيوب عن حميد، عن أنس ﵁ أنه مرض فعاده بعض إخوانه، فقال لخادمته سلمي لإخواننا ولو كسرا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مكارم الأخلاق من أعمال أهل الجنة» .\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>ذكر بيان بعض مكارم الأخلاق من السنة</span>\nأخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا عبد الله بن أيوب العسقلاني، ثنا هاشم بن محمد الأنصاري، ثنا عمرو بن بكر، عن عباد، عن أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ، قال: «إن [من] مكارم الأخلاق التزاور في الله وحق على المزور أن يقرب إلى أخيه ما تيسر عنده، وإن لم يجد عنده إلا جرعة من ماء، وإن احتشم أن","vol":"1","page":8},{"text":"يقرب إلى أخيه ما تيسر، لم يزل في مقت الله تعالى يومه وليلته» .\nومن الفتوة التآلف مع الإخوان. أخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي، ثنا عبد الله بن صالح المدائني بالمصيصة، ثنا أبو الدرداء هاشم بن يعلى ثنا عمر وابن بكر عن ابن جريج عن عطاء عن جابر ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن إلفٌ مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس» .\nومن الفتوة السخاوة. أخبرنا أبو الحسين بن صبيح، ثنا محمد بن المسيب الأرغياني، ثنا عبد الرحمن بن الحارث، ثنا بقية بن الوليد، ثنا الأوزاعي عن الزهري عن عائشة ﵃، قالت: قال رسول الله ﷺ: «الجنة دار الأسخياء» .\nومن الفتوة حفظ الود القديم. أخبرنا محمد بن محمود الفقيه المروزي بها، ثنا محمد بن عمير الرازي، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، ثنا حسين ابن مرزوق النوفلي، ثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري، ثنا عبد الله بن أبي بكر بن","vol":"1","page":9},{"text":"أخي محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم عن عطاء، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب حفظ الود القديم» . أخبرنا أبو علي الحافظ، ثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، ثنا علي بن الحسين الخواص الموصلي، ثنا عبد الله بن إبراهيم بهذا.\nومن الفتوة أن يتعمد الرجل إخوانه وجيرانه. أخبرنا إبراهيم بن محمد ابن يحيى، ثنا حبشون بن موسى الخلال، ثنا محمد بن حسان، ثنا قبيصة، ثنا سفيان عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن أبي المساور ﵃، قال: سمعت ابن عباس ﵄ ينحل ابن الزبير ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه» .\nومن الفتوة استعمال الأدب وقت الأكل، أخبرنا إبراهيم بن أحمد البزاري، ثنا الحسين بن علي بن زكريا البصري، ثنا عثمان بن عمرو الدباغ، ثنا ابن علاثة، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن جعفر عن أبي هريرة ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتبعن أحدكم بصره لقمة أخيه» .","vol":"1","page":10},{"text":"ومن الفتوة المداراة مع الإخوان ما لم تكن معصية. أخبرنا إسماعيل بن أحمد الخلالي، ثنا أبو بدر أحمد بن خالد بن عبد الملك، ثنا مخلد يعني ابن يزيد، عن أبي داود النخعي، عن أبي الجويرية، عن ابن عباس ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك الحق» .\nومن الفتوة المساعدة مع الإخوان وموافقتهم. أخبرنا إسماعيل بن أحمد الخلالي، أخبرنا محمد بن الحسين بن قتيبة، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن سويد، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا أبي عن محمد بن المنكدر، عن أبي سعيد الخدري ﵃، قال: «صنع رجل لرسول الله ﷺ طعامًا، فدعاه وأصحابه، لما وضع الطعام، قال رجل من القوم: إني صائم. فقال رسول الله ﷺ: «دعاكم أخوكم وتكلف لكم. ثم قال: افطر وصم يومًا مكانه إن شئت» .\nومن الفتوة أن يبدأ في رفقه بأصحابه دون خاصته. أخبرنا إسماعيل بن أحمد الخلالي، أخبرنا محمد بن الحسين بن قتيبة، أخبرنا حامد بن يحيى، ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي ﵁ أن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ سألته خادمًا، فقال: «.. .. لا أعطيك خادمًا وأدع","vol":"1","page":11},{"text":"أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع» .\nومن الفتوة أن يمكن إخوانه أن يحكموا في ماله كحكمهم في أموالهم. أخبرنا محمد بن عبد الله بن زكريا، ثنا أحمد بن الحسين الحافظ، ومكي بن عبدان قالا: ثنا محمد بن يحيى الذهلي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب ﵃ أن رسول الله ﷺ كان يقضى في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه.\nومن الفتوة محبة القرى والضيافة. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن قريش، ثنا الحسين بن سفيان، ثنا محمد بن رمح، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه عن عقبة بن عامر ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: «بئس القوم قوم لا ينزلون الضيف» . وبإسناده قال: قال رسول الله ﷺ: «لا خير فيمن لا يضيف» .\nومن الفتوة تعظيم الإخوان والحركة لهم. أخبرنا إسماعيل بن عبد الله الميكالي، وعلي بن سعد العسكري، ثنا جعفر بن الفضل الراسبي، ثنا محمد بن يوسف العرياني، ثنا أبو الأسود مجاهد بن فرقد الأطرابلسي، ثنا واثلة بن الخطاب القرشي، قال: «دخل رجلٌ المسجد والنبي ﷺ وحده","vol":"1","page":12},{"text":"فتحرك له النبي ﷺ، فقيل له: يا رسول الله، المكان واسع. فقال: إن للمؤمن حقًا» .\nومن الفتوة استقامة الأحوال. أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، ومحمد بن إبراهيم بن عبده، قالا: ثنا إبراهيم بن علي، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزياد، عن أبيه، عن عروة ﵃، قال: قال سفيان ابن عبد الله الثقفي: «يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم» .\nومن الفتوة سخاوة النفس. وسلامة الصدر. أخبرنا أبو بكر الديونجي، ثنا الحسين بن سفيان، قال: وجدت في إجازة عثمان بن سعيد، ثنا محمد بن عمران ابن أبي بكر ليلى، ثنا سليمان بن رجاء، عن صالح المزي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أبدال أمتي لم يدخلوا الجنة بأعمال، ولكن دخلوها برحمة الله، وسخاوة الأنفس، وسلامة الصدر» .","vol":"1","page":13},{"text":"ومن الفتوة الشفقة على الإخوان والمواساة معهم. أخبرنا أبو عمرو محمد ابن أحمد بن حمدان، ثنا عمران بن موسى السختياني، ثنا شيبان بن أبي شيبة، ثنا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵃، قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ في سفر، إذ جاءه رجل على راحلة له، قال: فجعل يضرب يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان فضل زاد فليعد به على من لا زاد له. قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل» .\nومن الفتوة التحبب، والتزاور في الله، والتواصل. أخبرنا محمد بن عبد الله ابن صبيح، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق الحنظلي، ثنا النضر بن شميل، ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت الوليد بن عبد الرحمن يحدث عن أبي إدريس الخولاني، قال في حديث ذكره: فلقيت عبادة بن الصامت، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت الله ذكره على لسان نبيه ﷺ: «حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتبادلين في، وحقت محبتي للمتزاورين في وحقت محبتي للمتواصلين في» .\nومن الفتوة محبة الغرباء، وحسن تعدهم. أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي ابن زياد، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو شعيب، حدثنا محمد بن مسلم،","vol":"1","page":14},{"text":"عن محمد بن عبد الله بن أوس، عن سليمان بن هرمز، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: «أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء. قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: الفرارون بدينهم، يحشرون يوم القيامة إلى عيسى بن مريم ﵇» .\nومن الفتوة صدق الحديث، وأداء الأمانة. أخبرنا عبد الله بن محمد السمري، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا يحيى بن يحيى، أخبرنا ابن لهيعة، عن الحارث بن زيد، عن ابن حجيرة، عن عبد الله بن عمرو ﵃، عن رسول الله ﷺ، قال: «أربع إذا كن فيك، فما عليك، فإنك من الدنيا، حفظ الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الخلق، وعفة طعمة» .\nومن الفتوة إصلاح السر قبل التزيي بزي الصالحين. أخبرنا عبد الله بن أحمد ابن جعفر الشيباني، أخبرنا أحمد بن محمد بن علي الباشاني، أخبرنا أحمد بن عبد الله الجويباري، أخبرنا سلم بن سالم، عن عباد بن كثير، عن مالك بن دينار، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ، قال: «لا تلبسوا الصوف إلا وقلوبكم نقية، فإن من لبس الصوف على دغلٍ وغش قلاه جبار السماء» .","vol":"1","page":15},{"text":"ومن الفتوة حسن القراء. وإكرام الضيف. أخبرنا محمد بن الفضل بن محمد ابن إسحاق، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، أخبرنا إسحاق الحنظلي، عن [أبي] حازم، عن أبي هريرة ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن قراء ضيفه» .\nومن الفتوة الأكل بعد أكل الأصحاب [.. .. ..] . أخبرنا محمد بن يعقوب الأصم، أخبرنا العباس بن محمد الدوري، أخبرنا يحيى بن معين، حدثنا عبد الرحمن بياع الهروي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه ﵃، قال: «كان رسول اله ﷺ إذا أكل مع قوم، كان آخرهم أكلًا» .\nومن الفتوة أن يرى أن الباقي من ماله ما بذله، لا ما أمسكه. أخبرنا عبد الله ابن محمد بن علي، أخبرنا أبو العباس الثقفي، حدثنا الحسين بن عيسى، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن شرحبيل عن عائشة ﵃، قالت: «أهديت لرسول الله ﷺ شاة، فقسمها. فقلت: لم يبق منها إلا عنقها. فقال رسول الله ﷺ: قد بقي كلها إلا عنقها» .","vol":"1","page":16},{"text":"ومن الفتوة الإفطار على سرور الإخوان. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن قريش، حدثنا مسدد بن قطن، حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية، عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ: «من دخل على أخيه المسلم، وهو صائم، فأراد أن يفطر، فليفطر» . وذكر الحديث.\nومن الفتوة حسن العشرة، والملاعبة مع الإخوان، والبشر معهم. أخبرنا عبد العزيز بن جعفر بن محمد الخرقي ببغداد، حدثنا محمد بن هارون بن بريه، حدثنا عيسى بن مهران، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا الحسين بن زيد، قال: قلت لجعفر بن محمد: جعلت فداك، هل كانت في النبي ﷺ دعابة ومداعبة؟ فقال: لقد وصفه الله بخلق عظيم في المداعبة، إن الله بعث أنبياءه، فكانت فيهم كزازة. وبعث محمدًا ﷺ بالرأفة والرحمة، وكان من رأفته بأمته، مداعبته لهم، لكيلا يبلغ بأحد منهم التعظيم حتى لا ينظر إليه. ثم قال: حدثني أبي محمد، عن أبيه علي [عن أبيه الحسين] عن أبيه علي","vol":"1","page":17},{"text":"رضوان الله عليهم، قال: كان رسول الله ﷺ ليبشر الرجل من أصحابه إذا رآه مغمومًا بالمداعبة. وكان ﷺ يقول: «إن الله يبغض المعبس في وجوه إخوانه» .\nومن الفتوة أن لا يطالع العبد نفسه، ولا أفعالها، ولا يطلب على فعله عوضًا. سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سئل أبو العباس بن عطاء عن أقرب شيء إلى مقت الله. فقال: رؤية النفس وأفعالها، وأشد من ذلك مطالبة الأعواض على أفعالها.\nومن الفتوة ملازمة التوبة وتصحيحها بصحة العزم على ترك العود إلى ما منه تاب. سمعت منصور بن عبد الله الهروي يقول: سمعت أبا الحسن المزين يقول: صحة التوبة ثلاثة أشياء: الندم على ما مضى، وصحة العزم على ترك العود إلى ما منه تاب، ووجل القلب على ذلك، لأنه من ذنوبه على يقين. ومما أحدث من التوبة على وجل لا يدري أمقبولٌ منه أم مضروبٌ به وجهه.\nومن الفتوة استجلاب محبة الله بالتحبب إلى أوليائه. سمعت عبد الواحد ابن بكر الورثاني يقول: سمعت القناد يقول: سمعت أبا موسى الديبلي يقول: سمعت أبا يزيد البسطامي و[قد] سأله رجل، فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى الله. فقال: تحب أولياء الله. وتتحبب إليهم ليحبوك، فإن الله ينظر في قلوب أوليائه في كل يوم وليلة سبعين مرة فلعله أن ينظر إلى اسمك في قلب ولي من أوليائه، فيحبك ويغفر لك.","vol":"1","page":18},{"text":"ومن الفتوة أن لا تعاتب إخوانك عند زلاتهم. وأن تتوب عنهم إذا أذنبوا. سمعت أبا الفرج الصائغ يقول: سمعت الحسين بن سهل، حدثنا أحمد بن عمران الرازي، سمعت على بن صالح يقول: سمعت عمران بن موسى الديبلي يقول: سمعت أبي يقول: قدم يوسف بن الحسين علي أبي يزيد البسطامي ﵏، فسأله: مع من تأمرني أن أصحب؟ فقال: من إذا مرضت عادك، وإذا أذنبت تاب عنك. وأنشد في هذا المعنى:\nإذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون، فنأتيكم، فتعتذروا\nومن الفتوة أن لا يقعد العبد عن الكسب إلا بعد صحة عقدة التوكل. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عثمان الآدمي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: لا ينبغي للصوفي أن يتعرض للقعود عن الكسب إلا أن يكون رجلًا مطلوبًا بتركه، قد وقعت به حالة من الأحوال اقتطعته عن مواضع كسبه، وقد أعتبه الحال عن المكاسب، فأما إذا كانت الحاجات منه قائمة، ولم يقع له عروف تحول بينه وبين التكلف، فالعمل أولى به، والكسب أحل له وأبلغ، لأن القعود لمن خرج عن المعارف والتشرف والعادات.\nومن الفتوة تصحيح اعتقاده فيما بينه وبين ربه فيما ألزم من الأحوال والآداب. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت خير النساج يقول: سمعت أبا حمزة يقول: إني لأستحيي من الله أن أدخل البادية، وأنا شبعان، وقد أعتقد","vol":"1","page":19},{"text":"التوكل لئلا يكون شبعي زادًا أتزوده.\nومن الفتوة تعظيم حرمات الله. سمعت محمد بن شاذان يقول: سمعت علي بن موسى التاهرتي يقول: وقع من عبد الله بن مروان فلس في بئر قذرة، فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارًا حتى أخرجه. فقيل له في ذلك، فقال: كان عليه اسم الله مكتوبًا، فاحترمته لذلك.\nومن الفتوة أن تعامل الناس على حسب ما تحب أن يعاملوك به وهو ما روي أن النبي ﷺ قال: «وأحب للناس ما تحب لنفسك، تكن مؤمنًا»، وفي حديث آخر: وآت للناس ما تحب أن يؤتى إليك» . سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت سعيد الصوفي يقول: سمعت ابن يزدانيار و[قد] قال له رجلٌ: أوصني. فقال: اقض من الناس حسب ما يقضى لهم من نفسك.","vol":"1","page":20},{"text":"ومن الفتوة الهجرة إلى الله بالسر والقلب، وأصله قول الله ﷿ ﴿فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي﴾ . سمعت أبا الطيب الشيرازي يقول: سمعت أبا بكر الطمستاني يقول: من صحب منا الكتاب والسنة، وعرف عن نفسه، وعن الحق والدنيا، وهاجر إلى الله بسره وقلبه، فليلزم الصدق في هجرته، فقد بلغ المبلغ في الفتوة، إلا أن ينقضه بالرجوع إلى شيء مما هاجر منه. قال: قال رسول الله ﷺ: «فهجرته إلى ما هاجر إليه» .\nومن الفتوة الصحبة مع الله، أو مع رسوله، أو مع أوليائه. وقال أبو عثمان الحيري: من صحت صحبته مع الله، لزم قراءة كتابه بالتدبر، وآثر كلام الله على كل كلام، واتبع آدابه وأوامره، وما خوطب به. ومن صحت صحبته مع رسول الله ﷺ، اتبع أخلاقه وسننه وآدابه وشمائله، وجعل السنن أمامه فيما يأتي ويذر. ومن صحت صحبته مع أولياء الله، اتبع سيرتهم وطريقتهم، وتأدب بآدابهم، ولزم سننهم. ومن سقط عن هذه الدرجة فهو من الهالكين.","vol":"1","page":21},{"text":"ومن الفتوة مطالبة العبد نفسه بالصدق. ليشغله ذلك عن الفراغ إلى أحوال الخلق أجمع. حكي لي عن أبي بكر الطمستاني أنه قال: كل من استعمل الصدق بينه وبين الله، شغله صدقه مع الله عن الفراغ إلى خلق الله.\nومن الفتوة الثقة بضمان الله تعالى في الرزق. سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول: سمعت علي بن إبراهيم يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: قال سهل بن عبد الله: من اهتم لرزقه بعد ضمان الله له، لم يكن له عند الله قدر.\nومن الفتوة موافقة الإخوان على الجملة وترك الخلاف عليهم. سمعت أبا العباس أحمد بن محمد النسوي يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: سمعت علي بن جعفر يقول: قال أحمد بن إبراهيم الصوري قال: سمعت المسيب بن واضح يقول: كل أخ قلت له قم، قال إلى أين، فليس لك بأخ.\nومن الفتوة أن لا يخالف حبيبك في محبوب ومكروه. سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت عبد الله بن أحمد الناقد يقول: سمعت أحمد بن الصلت يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: ليس من المروءة أن تحب ما يبغضه حبيبك. وأنشدت في هذا المعنى (شعر):\nأشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذا كان حظي منك حظى منهم\nوأهنتني فأهنت نفسي صاغرة ... ما من يهون عليك ممن أكرم\nومن الفتوة حفظ الأدب في الدعاء والسؤال والمناجاة. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت سعيد بن عثمان العباسي يقول: حججت ثمانين حجة على قدمي في الفقر، فبينا أنا أطوف، إذ جرى على لساني في الطواف أن قلت: حبيبي.","vol":"1","page":22},{"text":"فإذا هاتفٌ يهتف يقول: ليس ترضى أن تكون مسكينًا حتى تدعى المحبة، فغشي علي. فأفقت وأن أقول: مسكينك. مسكينك. مسكينك.\nومن الفتوة القيام بمنافع الخلق مع حفظ آداب العبودية. سمعت محمد ابن عبد الله العزيز يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون ﵃ يقول: شعار أهل المعرفة خصال ثلاث: تفريج كرب الحيوانين، ونشر آلاء الله في مجالس الذاكرين، والدلالة على الله بلسان العارفين.\nومن الفتوة محاسبة النفس والعلم بها، والأسف على ما فاته من عمره على المخالفة. سمعت أبا الحسن الفارسي يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: قال الكتاني: حكي لي عن رجل من أهل الرقة أنه كان محاسبًا لنفسه، فنظر يومًا، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا في أحد وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم. قال: فصرخ صرخة [و] خر مغشيًا عليه، وقال: يا ويلتاه.. ..ألقى ربي بأحد وعشرين ألف وخمسمائة ذنب؟ على أن يكون في اليوم ذنبٌ واحد، فكيف ولي في كل [يوم] عشرة آلاف ذنب؟!. قال: فغشي عليه ثانيًا، فحركوه، فإذا هو ميت.\nيتلوه إن شاء الله:\nومن الفتوة حفظ الورع ظاهرًا أو باطنًا\nوالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الجزء الثاني من الكتاب الفتوة</span>\nمما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي رحمة الله عليه","vol":"1","page":25},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nومن الفتوة حفظ الورع ظاهرًا وباطنًا. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي ﵃ يقول: الورع ورعان ورعٌ في الظاهر، وورع في الباطن. أما في الظاهر فلا يتحرك إلا لله، وأما في الباطن فلا تدخل قلبك شيئًا سوى الله تعالى.\nومن الفتوة الاحتراز من الشيطان بالجوع. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن عصام يقول: من جاع لا يقربه الشيطان إذا كان جوعه بعلم.\nومن الفتوة تأثير الذكر على ظاهر العبد وباطنه. أما في ظاهره في الذبول والخشوع، وفي باطنه بالرضا. سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم النسوي يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت الجنيد يقول: إن لله عبادًا إذا ذكروا عظمة الله، تقطعت أوصالهم فرقًا من الله، وهيبة له. وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء الألباء العالمون بالله وأيامه.","vol":"1","page":27},{"text":"ومن الفتوة الثقة بما ضمن الله لك، والاشتغال بما أمرك به. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت الجنيد ﵃ يقول: لا تهتم لرزقك الذي قد كفيته، واعمل عملك الذي قلدته، فإن ذلك من عمل الكرام والفتيان.\nومن الفتوة أن لا يشغلك عن الله في الدارين شاغل. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت علي بن الحسين بن حمدان يقول: سمعت أبي يقول: قالت رابعة: إلهي همي من الدنيا في الدنيا ذكرك، وفي الآخرة رؤيتك، ثم تفعل بي ما شئت.\nومن الفتوة طلب صلاح القلب بحفظ الجوارح، واشتغالها بما يعنيها. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن عصام يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري ﵏ يقول: ما من عبد حفظ جوارحه إلا حفظ الله عليه قلبه، وما من عبد حفظ الله عليه قلبه إلا جعله أمينًا، وما من عبد جعله الله أمينًا إلا جعله إمامًا يقتدى به، وما من عبد جعله الله إمامًا يقتدى به إلا جعله الله حجة على خلقه.\nومن الفتوة العفو عند القدرة. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: سمعت علي بن عبد الحميد الغضائري يقول: سمعت السري ﵃ يقول: من عفا وهو يقدر على الانتصار، عفا الله عنه بقدرته عليه.","vol":"1","page":28},{"text":"ومن الفتوة الاشتغال بعيبه عن عيوب الناس. سمعت محمد بن طاهر الوزيري يقول: سمع الحسن بن محمد بن إسحاق يقول: سمعت ابن عثمان يقول: سمعت ذا النون ﵏ يقول: من نظر إلى عيوب الناس عمي عن عيوب نفسه، ومن نظر في عيوبه عمي عن عيوب الناس.\nومن الفتوة إحياء السر بالذكر، وإحياء العلانية بالطاعة. سمعت عبد الله بن محمد بن اسفنديار [ان] يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى ابن معاذ ﵏ يقول: خلق الله السر، وجعل حياته بذكره. وخلق العلانية، وجعل حياتها بطاعته. وخلق الدنيا وجعل السلامة منها ترك ما فيها. وخلق الآخرة وجعل التمتع بها في العمل لها.\nومن الفتوة موافقة المحب حبيبه في جميع أوامره. سمعت أبا الحسين علي بن محمد القزويني الصوفي يقول: سمعت أبا الحسين المالكي يقول: أتى النوري إلى أبي القاسم الجنيد بن محمد، فقال: بلغني أنك تتكلم في كل شيء، فتكلم فيما شئت حتى أزيد عليك. فقال أبو القاسم في ماذا أكلمك؟ فقال: في المحبة. فقال: أحكي لك حكاية، كنت أنا وجماعة من أصحابي في بستان. فأبطأ علينا من يجيئنا بما نحتاج إليه، فصعدنا نطلع على سطح البستان؛ فإذا بضرير ومعه غلام حسن الوجه، والضرير يقول: يا هذا أمرتني بكذا، فامتثلت.","vol":"1","page":29},{"text":"ونهيتني عن كذا فتركت. وما أخالفك في شيء تريده، فماذا تريد مني؟ قال: تموت. فقال الضرير: ها أنا ذا أموت. وتمدد وغطى وجهه. فقلت لأصحابي: ما بقي على هذا الضرير شيء، ولكن لا يمكنه الموت في الحقيقة، ولكنه قد تشبه بالموتى. فنزلنا وخرجنا إليه، فحركناه فإذا هو ميت. فقام النوري وانصرف.\nومن الفتوة الرجوع من الإخوان على طريق المعاتبة إلى أنس الغفران. سمعت أبا الحسين القزويني يقول: سمعت جعفر الخلدي [يقول:] سمعت ابن مسروق يقول: سمعت محمد بن بشير يقول: حدثني ابن السماك أنه جرى بينه وبين صديق له كلام، فقال له صديقه: الميعاد غدًا نتعاتب فقال: بل الميعاد غدًا نتغافر.\nومن الفتوة حسن الظن بالخلق، وحفظ حرماتهم. سمعت أبا العباس محمد ابن الحسن البغدادي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت الجنيد ﵏ يقول، وقد كلمه أصحاب في الذين يقفون على الحلقة، فيسألونه، أنهم ليسوا بموضع للإجابة، وأنهم يتعنتون، وأحب أصحابي أن لا أجيب مثل هؤلاء. فقال: رؤيتي فيهم غير رؤيتكم، إنما أؤمل أن يتعلقوا بكلمة، فتكون سببًا لنجاتهم.","vol":"1","page":30},{"text":"ومن الفتوة بذل النصيحة للإخوان والعلم بنقصان نفسه في ترك ما ينصحهم به. سمعت محمد بن الحسن الخشاب يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا محمد بن عبدون، حدثنا بدر المغازلي، قال: قلت لبشر الحافي: أيش تقول في المقام ببغداد؟ فقال: إن سرك أن تموت مسلمًا فلا تقم بها، فقلت: فأنت بها مقيم. فقال: إن العبد إذا ضيع أمر الله، لقيه شر ملقى، وإني أخاف أني ضيعت أمر الله فألقى شر ملقى.\nومن الفتوة قبول ما يسمعه من كلام الحكماء، وإن لم يفهم، لتوصله بركات ذلك إلى محل الفهم منه وفيه. سمعت أبا العباس بن الخشاب يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت الجنيد ﵏ يقول: كنت أجلس إلى شيوخ بضع عشرة سنة، وهم يتكلمون في هذا العلم. وما كنت أفهم ما يقولون، ولا كنت أنكر عليهم. وكانت فائدتي منهم من جمعة إلى جمعة أن أجي فأسمع ما يقولون، وعندي أنه حق، وإن لم يكن ما أفهم، ولم أبد بالإنكار عليهم، فما مضت تلك المدة حتى إذا أجروا مسألة جاءوني إلى البيت، فسألوني، وقالوا: جرت مسألة كيت كيت، فأحببنا أن تسمعه، أو نحوه من الكلام.","vol":"1","page":31},{"text":"ومن الفتوة قبول الرفق من وجهه، والإيثار بها في الوقت. سمعت محمد بن الحسن بن خالد يقول: سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول: حدثني أبو جعفر الأصبهاني صاحب أبي تراب يقول: قدم أبو تراب هاهنا –يعني البيت الحرام- في الموسم، فجاء إنسان خراساني ومعه عشرة آلاف درهم، وقال: يا أبا تراب، تأخذ هذا. فكشف الحصى ثم قال: صبها هاهنا. فصبها بين يديه على التراب، فأخذ منها درهمين، وقال لصاحب له: اشتر بها خرقة، فجعل يخرقها ويصر فيها القبضة والقبضتين، ويبعث إلى سائر الفقراء، ولا يكلفهم يجيئون إليه، حتى إذا كاد أن يفنى قال له رجل: أصحابك ما أكلوا شيئًا منذ أيام، فقبض قبضة، وقال: اشتر لهم شيئًا. وجاءت امرأة، فقالت: يا أبا تراب، أهلك. قال: انظروا إن كان قد بقى شيء فادفعوها إليها. ففتشوا، فوجدوا درهمين، فدفعوهما إليها.\nومن الفتوة ما أخبر سري السقطي ﵀ عن أخلاقهم. سمعت محمد ابن الحسن البغدادي: يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا محمد ابن عبدون، حدثنا عبدوس بن القاسم، سمعت سري السقطي يقول: خمسة من أخلاق المريدين: لا يمشي خطوة لنفسه فيها هواء، ولا لذة، ولا إرادة، ولا شهوة،","vol":"1","page":32},{"text":"ويكون خارجًا من سلطان الهوى سلس القياد، صعب المرام، قد اعتزم على خمس: على الإياس مما في أيدي الناس، وقد ألقى مؤونته على الناس لا يتعب يده ولا بطنه ولا فرجه ولا يعتقد رياءً، ويقتدى من فوقه، وقد زهد في خمس: في كل فانٍ، وزهد في الناس، وزهد في الشهوات، وزهد في الرئاسة، و[زهد] في الثناء. وقد رغب في خمس: رغب في نعيم الجنان؛ فقدرت الدنيا عنده، ورغب في الصدق؛ فلزم الخوف قلبه، ورغب في مجالسة الأولياء والأصفياء؛ فتبرم من مجالسة المخالفين، ورغب في كل ما يرضي الله، ورغب فيما زهد الجاهل فيه.\nومن الفتوة احتمال الأذى في الله بعد المعرفة به. سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: أخبرني منصور بن أحمد الهروي، سمعت أبا الحسين محمد بن علي الخوارزمي، سمعت ذا النون ﵃ يقول: مررت بأرض مصر، فرأيت صبيانًا يرمون رجلًا بالحجارة، فقلت لهم: ما تريدون منه؟ قالوا: مجنون، يزعم أنه يرى الله. فقلت: أفرجوا لي عنه. فأفرجوا، فدخلت، فإذا أنا بشاب مسند ظهره إلى الحائط، فقلت له: ما تقول –رحمك الله- فيما يقول هؤلاء؟ قال: وما يقولون؟ قلت: يزعمون أنك تزعم أنك ترى الله تعالى. قال: فسكت ساعة ثم رفع رأسه، ودموعه تجري على خديه، وقال: والله ما فقدته منذ عرفته. ثم أنشأ يقول:","vol":"1","page":33},{"text":"هم المحب يجول في الملكوت ... والقلب يسمو واللسان صموت\nثم هام على وجهه وهو يقول:\nأيها الشامخ الذي لا يرام ... نحن من طينة عليك السلام\nإنما هذه الحياة متاع ... ومع الموت تستوي الأقدام\nومن الفتوة ترك الشكاية عند البلاء. وقبوله بالرحب والدعة. سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الدينوري، حدثنا عبد الله ابن محمد [بن] الحارث الصوفي، عن محمد بن محبوب، أنه قال: بينا أنا مار في شوارع بغداد، إذ وقعت إلى المارستان، فإذا بفتى حسن الوجه في رجليه قيد، وفي عنقه غل، فلما رأيته انحرفت عنه، فناداني، قال يا ابن محبوب، أما رضي مولاك إذ يتمنى لحبه حتى غلني وقيدني؟ قل له: إن كنت راضيًا عني فلا أبالي بذلك. ثم أنشأ يقول:\nعلى بعدك لا يصبر من عودته القرب ...\nولا يقوى على هجرك من تيمه الحب ...\nفإن لم ترك العين فقد أبصرك القلب ...\nومن الفتوة ملازمة الفقر والأنس بمكانه والفرح به. سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت إبراهيم بن أحمد الساجي يقول: سمعت محمد بن الحسين الخصيب يقول: سمعت العباس بن عبد العظيم يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: الفقر للمؤمن مخزونٌ مكنونٌ كما إن الشهادة مخزونةٌ مكنونةٌ عند الله لا ينالها إلا من أحب من عباده.","vol":"1","page":34},{"text":"ومن الفتوة ترك المداهنة في كل الأحوال. سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت محمد بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عبد الله القرشي يقول: لا يشم رائحة الصدق عبدٌ يداهن نفسه، أو يداهن غيره.\nومن الفتوة أن يكون حرًا من الأكوان وما فيها، ليكون عبدًا لمن له الأكوان بأسرها. سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت محمد بن هارون الأنصاري يقول: حدثني عيسى بن الريس الأنماطي المروروذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵏ يقول: رأيت ابن السماك كتب إلى أخ له: إن استطعت أن لا تكون لغير الله عبدًا، ما وجدت من العبودية لغيره بدًا، فافعل.\nومن الفتوة السرور بما أهل له من خدمة سيده، والفرح به، وقرة العين منه. سمعت أحمد بن محمد بن يعقوب يقول: سمعت أحمد بن محمد بن علي يقول: سمعت علي الرازي يقول: قال يحيى بن معاذ ﵏: من سر بخدمة الله، سرت الأشياء بخدمته. ومن قرت عينه بالله، قرت عين كل شيء بالنظر إليه.\nومن الفتوة اشتغال العبد بما يعنيه من خاص أفعاله وأحواله. أخبرنا أبو أحمد الحافظ، حدثنا أحمد بن عبيد الله الرازي بأنطاكية، حدثنا جعفر بن عبد الواحد عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ومحمد بن الحارث الهلالي، حدثنا مالك ابن عطية عن أبيه، قال: سمعت أبا رفاعة الفهمي يحدث عن أبي بكر الصديق","vol":"1","page":35},{"text":"﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من حسن إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه» .\nسمعت أحمد بن محمد بن يعقوب يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: حدثنا عمر ابن مخلد الصوفي يقول: قال ابن أبي الورد: قال معروف الكرخي ﵁: من علامة مقت الله للعبد أن تراه مشتغلًا بما لا يعنيه في خاص أوقاته.\nومن الفتوة ملازمة آداب الفقر في كل الأحوال. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: قال بعضهم: لا ينبغي أن يكون على مائدة الفقراء إلا أربعة أشياء: أولها الجوع، والثاني [.. .. ..]، والثالث الذل، والرابع الشكر.\nومن الفتوة الإخبار عن الأحوال عل مقدار صاحب الحال. سمعت أبا بكر الجرجاني يقول: سمعت أبا بكر بن محمد بن جعفر يقول: سمعت أبا بكر بن عبد الجليل يقول: قال لي الجنيد ﵀: خرجت إلى عرض الفرات، وكان ذكر لي فيها فتى، فلقيت فتى كأن هموم الدنيا قد جمعت عليه. فقلت: رضي الله عنك، الوفاء متى يتكامل في الدنيا؟ فقال لي: ابتداءً يا جنيد، من الوفاء أن لا تسألني، فأيست من الجواب، فدعاني، ثم قال: يا جنيد، شرح الوفاء قبل الوفاء ليس من فعل الأبرار.\nومن الفتوة ملازمة الخوف بعد ما عرف العبد ما سبق منه. وما جرى عليه من مخالفة سيده. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا محمد الجريري","vol":"1","page":36},{"text":"يقول: سمعت الجنيد ﵏ يقول: من شهد من نفسه ذلة واحدة، ثم اعتمد على شيء من حسناته، كان مغرورًا، ومن لم يقم له بصدق الوفاء في أوامره، كان بعيدًا من الحقائق.\nومن الفتوة أن لا يشغل العبد عن مولاه شاغلٌ، وأن يتحمل في طلبه موارد البلاء. سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد يقول: بكرت يومًا إلى سري السقطي ﵏، فقال لي: يا أبا القاسم، كانت له البارحة قليل مشاهدة، فخوطبت في سري، وقيل لي: يا سري، خلقت الخلق وهم ناظرون إلي، ومقبلون علي، فعرضت عليهم الدنيا، فمال إليها تسعة أعشار الخلق، وبقي معي العشر، فعرضت عليهم الجنة، فمال إليها تسعة أعشارهم، وبقي معي عشر العشر، فصببت عليهم البلاء، فتضعفوا واستغاثوا وذهب منهم تسعة أعشارهم، وبقي معي عشر عشر العشر، فقلت لهم: ما أنتم إلى الدنيا نظرتم، ولا الجنة أردتم، ولا من البلاء فررتم. فقالوا: وإنك لتعلم ما نريد. فقلت: إني أصب عليكم من البلاء ما لا طاقة للجبال الرواسي به. فقالوا: قد رضينا بعد أن تكون الفاعل بنا ذلك.\nومن الفتوة أن يراعي العبد أحواله وأنفاسه، ولا يضيع منها شيئًا لذلك. قال سهل بن عبد الله التستري ﵀: وقتك أعز الأشياء، فاشغله بأعز الأشياء. سمعت أبا سعيد الرازي يقول: سمعت أبا الحسن المحلبي البغدادي قال: سمعت الجنيد يقول: جماع الخير كله في ثلاثة أشياء: إن لم تمض نهارك","vol":"1","page":37},{"text":"بما لك، فلا تمضه بما عليك. وإن لم تصحب الأخيار، فلا تصحب الأشرار. وإن لم تنفق مالك فيما لله فيه رضا، فلا تنفقه فيما لله فيه سخط.\nومن الفتوة أن يداوم العبد على التوبة. ويكون على خطر من قبولها. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا الحسن المزين ﵀ يقول: التوبة ثلاثة أشياء: الندم على ما مضى، وصحة العزم على ترك العود، ووجل القلب على ذلك، لأنه من ذنوبه على يقين، ومن قبول توبته على خطر، لا يدري أمقبولٌ منه ذلك أم لا.\nومن الفتوة ملازمة الصدق، وقلة السكون إلى الأحوال. سمعت أبا الحسن بن قتادة البلخي يقول: سمعت القناد يقول: قيل للجنيد ﵏: ما صفة الصوفية؟ فقال: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ . فقيل له: كيف سيماهم؟ فقال: لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء.\nومن الفتوة صحبة الأبرار. ومجانبة صحبة الأشرار. سمعت عبد الله بن محمد ابن اسفندياران بدامغان يقول: سمعت: الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى ابن معاذ يقول: لو قد جاءت الصيحة، لرأيت إخوان السوء كيف يفر بعضهم من بعض. ولرأيت إخوان الصلاح كيف يرجع بعضهم إلى بعض. قال الله تعالى:","vol":"1","page":38},{"text":"ومن الفتوة أن يطلب العبد في علمه المعرفة، وفي معرفته المكاشفة، وفي مكاشفته المشاهدة مع التحقق بأن أحدًا لا يبلغ حقيقة معرفته. سمعت أبا الحسن بن قتادة البلخي يقول: سمعت القناد يقول: سمعت النوري يقول: أباح الله تعالى للخلق العلم، وخص أولياءه بالمعرفة، وأصفياءه بالمكاشفة، وأحباءه بالمشاهدة. واحتجب عن جميع بريته، فإذا ظنوا أنهم قد عرفوا، تحيروا. وإذا توهموا أنهم قد كوشفوا، احتجبوا. وإذا تحققوا أنهم قد شاهدوا، عموا. فسبحان من أمره عجيب، وليس شيء منه عجيب.\nومن الفتوة ترك الحيلة في طمع الكون في الدنيا، سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: سمعت فارس بن عبد الله، يقول: كانت عجوز تخدم سهل بن عبد الله ﵏ فاعتلت علة، فقيل لها: لو تداويت. فقالت: لو جعل شفائي في مسح أذني، ما مسحتها. نعم المذهوب إليه الرب.\nومن الفتوة أن لا يشفي المحب من حبيبه بشيء. أخبرني سعيد بن محمد الشاشي، قال: أخبرني الهيثم بن كليب قال: أخبرني سمنون الصوفي ﵏.\nبكيت دمًا عليك مكان دمعي ... ليشفيني البكا مما اشتفيت\nأنشدني محمد بن إسماعيل لبعضهم","vol":"1","page":39},{"text":"وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وإن النأي يشفي من الوجد\nبكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على ذاك قرب الدار خيرٌ من البعد\nومن الفتوة قبول من يقصده، وترك طلب من يتخلف عنه. سمعت عبد الواحد ابن علي يقول: قال فارس ﵀: من أخلاق الفتيان من الصوفية إن من جاءه لم يطرده، ومن لم يحضره لم يطلبه، ومن عاشره لم يملكه.\nومن الفتوة أن لا يرد مريدًا بزلته، ولا يقبل أجنبيًا بحسناته. لذلك ذكر عن أبي تراب النخشبي ﵀ أنه قال: إذا طبع الرجل بطبائع الإرادة، ودخل في رسم القوم وقبلته، فلا تبعده عنك بمائة زلة، وطلاب الدنيا لا تدخلهم في رسم القوم، وإن بدا لك منهم مائة حسنة إلا بعد التحقق فيها.\nومن الفتوة ملازمة آداب العبودية ما أمكنه. سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد ﵏ يقول: العبودية ترك الاختيار وملازمة الذلة والافتقار.\nومن الفتوة الانبساط مع الإخوان إذا حضر أو حضروه. سمعت عبد الله بن علي السراج يقول: سمعت عبد الكريم بن أحمد بن عبد الله يذكر عن الحسين بن أبي سهل السمسار يقول: سمعت حسن الخياط يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: ترك الآداب بين الإخوان من الأدب. ومن لم ينبسط مع إخوانه في المباحات، أحشمهم.","vol":"1","page":40},{"text":"ومن الفتوة حمل الأثقال في مجاهدات المعاملات. سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت الدقي يقول: دخل علي عبد الله الخراز. ولي أربعة أيام لم آكل، فلما نظر إلي قال: يجوع أحدكم أربعة أيام فيصيح عليه الجوع وينادي، ثم قال: أتدركون لو أن كل نفس منفوسة تلفت، فيما تؤمله من الله، ترى كان ذلك كبيرًا!\nومن الفتوة قضاء حقوق الإخوان، وترك الاعتماد على إخوانه في التخلف. سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أحمد بن عطاء يذكر عن خاله، عن الجنيد ﵏ أنه قال: لا تقوم بما عليك حتى تترك ما لك، ولا يقوى على هذا إلا نبي أو صديق.\nومن الفتوة التواضع للذاكرين. وقبول الحق من الناصحين. أخبرنا أبو الفضل نضر بن أبي نضر العطار، حدثنا أحمد بن الحسين الحراني بالكوفة، حدثنا هلال بن العلاء، قال: حدثنا فيض بن إسحاق، قال: سئل الفضيل بن عياض ﵀، ما الفتوة؟ قال: التواضع للذاكرين، وقبول الحق من الناصحين. أخبرنا أبو الفضل نضر بن أبي نضر العطار، حدثنا عمر بن الأشناني القاضي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، سمعت وكيعًا يقول: ينبغي للرجل أن يصفح عن إخوانه وأصدقائه زلاتهم، ولا يحقد عليهم في شيء من أحوالهم.","vol":"1","page":41},{"text":"ومن الفتوة رجوع العبد إلى ربه في كل أسبابه. والثقة به دون خلقه. أخبرنا نصر بن محمد بن أحمد الصوفي، حدثنا سليمان بن أبي سلمة الفقيه، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن سمعت يحيى بن معاذ الرازي ﵏ يقول: أربع خصال من صفة الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والرجوع إليه في كل شيء، والاستعانة به في كل شيء، والافتقار إليه في كل شيء.\nومن الفتوة الشفقة على الخلق في كل الأحوال. أخبرنا نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب، سمعت جعفر بن محمد بن نصر يقول: سمعت الجنيد ﵀ يقول: كان بناحية دمشق شيخ من شيوخنا يقال له أبو موسى القومسي ﵀، وكان من الفتيان، وذكر من فضائله، قال: كان هو وامرأته في دار فسقطت الدار عليهم، فجاءوا ينحون عنهم الهدم، إذ وقعوا على المرأة، فقالت: الشيخ الشيخ أبو موسى فإنه في تلك الزاوية، فتركوها وجاءوا إليه، وأخذوا التراب عنه فقال الشيخ: المرأة المرأة.\nقال أبو القاسم: فكل واحد منهم في ذلك الوقت كان همه الشغل بصاحبه. كذلك أهل الموالاة والمعاقدة، لله وفي الله قلوبهم على هذا النعت في كل الأحوال.\nومن الفتوة أن لا يستخدم غني فقيرًا في سبب من الأسباب. سمعت منصور بن عبد الله الخواص.. .. جميعًا في مسجدٍ ﵏ يقول: سمعت التفليسي يقول: كان الجنيد وبهم فاقة، فدخل عليهم بعض أصدقائهم، فرأى فيهم أثر الجوع، فقال لبعض الفقراء: قم معي، وخرج إلى السوق، واشترى ما اشترى،","vol":"1","page":42},{"text":"ودفعه إلى الفقير ليحمله، فلما بلغ باب المسجد، رآه الجنيد من بعيد، فقال: ارم وادخل. وأبوا أن يأكلوا من ذلك الطعام. ثم قال الخواص لصاحب الطعام: عظم مقدار الدنيا في عينك حتى تجعل الفقير حمالًا لطعامك، فما ذاقوا منه شيئًا.\nومن الفتوة رؤية المنع والعطاء من الله لئلا يخلق وجهه بالسؤال ولا يذل نفسه بالطمع. أنشدنا منصور بن عبد الله الهروي لابن الرومي:\nلا أرى معطيًا لما منع الله ... ولا دافعًا لما يعطيه\nإنما الجود والسماحة والبذل ... لمن يعطك، عفوًا وماء وجهك فيه\nقبح الله نائلًا أن يجيد ... من يدي من أريد أن أقبضيه\nومن الفتوة أن يشاهد العبد النقصان في كل أحواله، ولا يرضى من نفسه بما هو فيه. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول: من علامة من تولاه الله في أحواله أن يشهد التقصير في إخلاصه، والغفلة في ذكره، والنقصان في صدقه، وتكون جميع أحواله غير مرضية، ويزداد فقرًا إلى الله في قصده وسيره، حتى يغنى عن كل مرادٍ له.\nوالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطيبين أجمعين ويتلوه إن شاء الله تعالى","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الجزء الثالث من الكتاب الفتوة</span>\nمما جمعه الشيخ محمد بن الحسن السلمي","vol":"1","page":45},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم عليه توكلت\nومن الفتوة أن لا يتغير لأخيه بسبب من أسباب الدنيا. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا جعفر الأخلاطي يقول: سمعت إبراهيم بن بشار يقول: سمعت ابن عيينة يقول: عن محمد بن سوقة، قال: كان رجلان متآخيين، فطلب أحدهما من صاحبه شيئًا فمنعه، فلم يتغير له عن حاله، فقال له: يا أخي، سألتني حاجة، فما قضيتها، فما تغيرت لي! فقال: إنما أحببتك ووليتك الأمر فلم تتغير عن الذي أحببتك عليه، فأنا لا أتغير لك، وإن منعتني. فقال الآخر: وأنا إنما منعتك لأجربك، فمد يدك الآن إلى ما شئت من مالي، فخذه، فما أنا بأحق به منك.\nومن الفتوة ما ذكره جعفر بن محمد الصادق. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت القاسم بن عبيد الله بالبصرة يقول: سمعت الحسين بن نصر يقول: عن علي بن موسى الرضا ﵁ يقول: سئل جعفر بن محمد ﵁، ما الفتوة؟ فقال: الفتوة ليست بالفسق والفجر، ولكن الفتوة طعام مصنوع، ونائل مبذول، وبشر مقبول، وعفاف معروف، وأذى مكفوف.\nومن الفتوة حفظ آداب الظاهر والباطن. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: للدين رأس مال عشرةٌ: خمسة في الظاهر، وخمسة في الباطن.","vol":"1","page":47},{"text":"وأما اللواتي في الظاهر: صدقٌ في اللسان، وسخاوة في المال، وتواضع في الأبدان، وكف الأذى، واحتمالها بلا إباء.\nوأما اللواتي في الباطن: فحبٌ وجود سيده، وخوف الفراق عن سيده، ورجاء الوصول إلى سيده، والندم على فعله، والحياء من ربه تعالى وتقدس.\nومن الفتوة الاستغناء عن الخلق، والتعفف عن سؤالهم. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: قال أبو بكر محمد بن أحمد بن داود البلخي: من خفت مؤونته، دامت مودته، ومن عف خفٌ على الصديق لقاؤه، وأخو الحوائج وجهه مملول.\nومن الفتوة التحصن عن الآفات بترك الشهوات. سمعت الحسين بن يحيى يقول: قال أبو تراب النخشبي: حصنك من الآفات، حفظ نفسك من الشهوات.\nومن الفتوة الاكتفاء بالثقة بالله من دعوى التوكل. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: سمعت الجنيد يقول: قام الحق بالكفاية، والسيد لأهل مملكته، فاستراحوا من معاملات التوكل فلم يرضوا إلا به، فما أقبح التقاضي بأهل الصفاء بعد ثقتهم بالموالاة التي أزالت التوهم عن قلوب الموحدين.","vol":"1","page":48},{"text":"ومن الفتوة اختيار الخلوة والعزلة على الانبساط والصحبة. سمعت عبد الله ابن محمد بن اسفندياران بدامغان يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ ﵀ يقول: لكل شيء حصار، وحصار النفس الخلوة، وترك معاشر الخلق، فإنه من لم يكن معك، فهو عليك والمعينون قليل، والزمان غدار، فبادر قبل أن يبدأكم بك. وقال رجل لفتح الموصلي ﵀: أوصني. فقال: اخل بنفسك واعتزل الناس، يسلم لك دينك ومروءتك.\nومن الفتوة تصحيح مبادئ الأحوال ليتم لك تحقيق النهايات. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن عطاء يقول: لا يرتقي في الدرجات العلى من لم يحكم فيما بينه وبين الله أوائل البدايات. وأوائل البدايات هي الفروض الواجبة، والأوراد الزكية، ومطايا الفصل. وعزائم الأمر. فمن أحكم ذلك، من الله عليه بما بعده.\nومن الفتوة حفظ السر مع الله أن يختلج فيه سواه. سمعت أبا نصر الطوسي يقول: قال أبو الفرج العكبري: قال لي الشبلي ﵀: يا أبا الفرج، في ماذا تذهب أوقاتك؟ قلت: زوجة وصبيان. فقال: وتدع وقتًا أعز من الكبريت الأحمر أن يضيع في غير الله! والنبي ﷺ يقول: «إن الله غيور يحب كل غيرو، وهو أن يغار على أوليائه أن يظهر علهم سواه» . فقال له أبو الفرج: فأنا غيور. فقال له الشبلي ﵀: غيرة البشرية للأشخاص، وغيرة الإلهية للوقت أن يضيع فيما سوى الله.","vol":"1","page":49},{"text":"ومن الفتوة مخالفة هوى النفس ليظهر له بذلك طريق النفس. كذلك حكي عن بعض العارفين أنه قال: من وقعت له مسألة في علم الإرادة. ولا يحضره الدليل، فلينظر أي حال أقرب إلى هوى نفسه، فليخالفها، فإنه يكشف له عن حقيقة الواقعة.\nومن الفتوة القيام لله، والقيام بالله، والقيام مع الله. وعلامة القيام بالله أن لا يتهيأ للأشياء أن يزيلها، وليس له في الأحوال اختيار. وعلامة القيام لله أن لا يكون لقيامه في الأحوال نهاية، ولا يسكن إلى المقامات، والكرامات، ولا يطلب الأعواض. وعلامة القيام مع الله أن لا تكون الأشياء قائمة معه، ولا تحجبه عن الله. ولا تشغله عنه.\nومن الفتوة ما سئل عنها أبو الحسن البوشنجي ﵀. فقال: حسن السر مع الله، أن تحب لإخوانك ما تحبه لنفسك، بل تؤثرهم على نفسك، لأن الله تعالى يقول: ﴿يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ . والنبي ﷺ يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فمن اجتمعت فيه هاتان الخصلتان، صحت له الفتوة والتطرق.","vol":"1","page":50},{"text":"ومن الفتوة أن لا يهتم العبد في وقت إلا لوقته. كذلك سئل سهل بن عبد الله التستري ﵀، متى يستريح الفقير من نفسه؟ فقال: إذا لم ير لنفسه وقتًا غير الوقت الذي هو فيه.\nومن الفتوة استعمال التظرف في الأخلاق، وهو ما سئل أبو سعيد الخراز، ما الفتوة؟ فقال: ترك المعلوم، والصبر على النفس، والإياس من الخلق، وترك السؤال والتعريض وكتمان الفقر، وإظهار الغنى والتعفف.\nومن الفتوة التفويض في الأحوال كلها. وهو ما سمعت عبد الله الرازي يقول: كتبت هذا من كتاب أبي عثمان، وذكر أنه من كلام شاه ﵏، قال: التفويض ترك الاختيار.\nومن الفتوة استعمال الكرم، ومواصلة القاطع، وإعطاء المانع، والإحسان إلى المسيء. كذلك روي عن رسول الله ﷺ.\nومن الفتوة سؤال الله العافية والشكر عليها إذا رزق. روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قلت للنبي ﷺ: أرأيت أن وافقت ليلة القدر، ماذا أسأل ربي؟ فقال: سلي الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة. سمعت أبا بكر بن أحيد يقول: سمعت أبا بكر الوراق يقول: كل عافية","vol":"1","page":51},{"text":"بدؤها عفو الله، ولولا عفو الله لم تكن عافية قط. سمعت أبا الحسين بن مقسم يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت إبراهيم الخواص ﵏ يقول: العافية لا يحلها إلا نبي أو صديق. سمعت أبا عثمان المغربي يقول: أكيس الناس من قدر على صحبة العافية.\nومن الفتوة أن لا تبخل بما معك إذا قدرت على بذله. «قال النبي ﷺ لرجل: من سيدكم؟ قال: الجد بن قيس على إن فيه بخلًا. قال النبي ﵇: وأي داء أدوى من البخل» سمعت أبا العباس البغدادي يقول: أخبرني محمد بن عبد الله الفرغاني، حدثنا أحمد بن مسروق، قال: كنت مع أبي نصر المحب في بعض طرقات بغداد، وكان عليه إزار جديد قيمته ثمانية دنانير، فاستقبلنا سائل يسأل بمحمد ﷺ، فأخذ الإزار وطواه باثنين وشقه وأعطاه النصف، ومشى خطوات، ثم قال هذه نذالة. ورجع وطرح عليه النصف الآخر.\nومن الفتوة القناعة والرضا بالقليل لئلا يكون مستعبدًا. سمعت محمد ابن الحسن يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا محمد بن عبدون، حدثنا حسن المسوحي، أخبرني بشر بن الحارث، ورآني يومًا باردًا، وعلي خلق، وأنا أرتعد من البرد، فنظر إلي وأنشأ يقول:","vol":"1","page":52},{"text":"قطع الليالي مع الأيام في خلق ... والنوم تحت رواق الهم والقلق\nأحرى وأعذر بي من أن يقال غدا ... إني التمست الغنى من كف مختلق\nقالوا رضيت بذي قلت القنوع غنى ... ليس الغنى كثرة الأموال والورق\nرضيت بالله في يسري وفي عسري ... فلست أسألك إلا واضح الطرق\nومن الفتوة خصال عدها سري السقطي ﵀ فيما أخبرني عنه محمد ابن الحسن الخالدي، حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا محمد بن عبدون، حدثنا عبدوس بن القاسم، قال: سمعت سري السقطي ﵀ يقول: خمس خصال فيهن الراحة: ترك خلطاء السوء، والزهد في الناس، وحلاوة العمل إذا غاب عن أعين الناس، وترك الإزراء على الناس حتى لا يدري أن أحدًا يعصي الله ويسقط عن نفسه خمسًا: الرياء، والجدل، والمراء، والتصنع، وحب المنزلة. ويستريح من خمس: من البخل، والحرص، والغضب، والطمع، والشره.\nومن الفتوة تصحيح الأفعال والأحوال. أخبرنا أبو العباس بن الخشاب، حدثنا أبو الفضل النيسابوري، حدثنا سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون المصري ﵀ يقول: من صحح استراح، ومن تقرب قرب، ومن صفا صفي له، ومن توكل وثق، ومن تكلف ما لا يعنيه ضيع ما يعنيه.\nومن الفتوة التواضع وهو قبول الحق. واستعمال الخلق. أخبرنا أبو العباس محمد بن الحسن بن محمد بن خالد، حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا ابن","vol":"1","page":53},{"text":"ومن الفتوة أن يؤثر إخوانه بالراحات. ويحمل عنهم المشقات. سمعت أبا العباس المخرمي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت أبا جعفر الحداد ﵀ [يقول]: بضع عشرة سنة اعتقدت التوكل، وأنا أعمل في السوق، فآخذ كل يوم أجرتي، ولا أستروح منها إلى شربة ماء، ولا إلى دخلة حمام. وكنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء، فأواسيهم بها في الشونيزية وغيرها. وأكون على حالي، فإذا جاء العشاء كنت أتقدم إلى الأبواب، أسأل كسرات فأفطر عليها.\nومن الفتوة الصبر على معاشرة الخلق والاكتفاء لمن لابد منه. سمعت عبد الله بن محمد بن اسفندياران يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ ﵏ يقول: معاشرة الخلق بلاء، وفي الصبر فيهم عناء، فإن كان لابد، فاصحب الأتقياء، وتأدب بآدابهم، وتخلق بأخلاقهم، تكن من الأبرار في [يوم] القيامة غدا.","vol":"1","page":54},{"text":"ومن الفتوة التواضع وترك التكبر مع الإخوان. سمعت علي بن محمد القزويني يقول: سمعت أبا الحسين المالكي يقول: قال بعض الحكماء: ليس عقوبات التكبر أن يستصغر الناس قدر صاحبه ويستثقلوا أمره.\nومن الفتوة إتمام الصنيعة إذا ابتدأت به. أنشدني سعيد المعداني لأبي الحسن بن أبي الفضل:\nبدأت بفضلٍ صار فرضًا تمامه ... وأنت لمفروض العوائد عائد\nفاخطر ببالٍ منك أمري فإنه ... سيبقي لك الشكر الأيادي الخوالد\nتلطف بما فيه صلاحي واتخذ ... يدًا فإن الأيادي في الرقاب القلائد\nومن الفتوة أن لا يزدري بأحد من الخلق. سمعت أبا القاسم جعفر بن أحمد الرازي يقول: سمعت أخي، أبا عبد الله يقول: قام بنان الحمال إلى مخنث، فأمره بالمعروف. فقال له المخنث: ارجع، كفاك ما بك وما بي، ويلك. قال: إنك خرجت من بيتك، وعندك أنك خير مني، يكفيك هذا.\nومن الفتوة تصديق الصادقين في الإخبار عن أنفسهم ومشايخهم. وترك الإنكار عليهم. سمعت أبا القاسم المقرئ يقول: أوائل بركة الدخول في التصوف، تصديق الصادقين في الإخبار عن أنفسهم، ومشايخهم بنعم الله عليهم، وإظهار كراماته عليهم.\nومن الفتوة مقابلة جفوة الإخوان بالإحسان والعتب بالاعتذار. سمعت عبيد الله بن عثمان بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير بن مسروق","vol":"1","page":55},{"text":"يقول: جفوت مرة أبا القاسم الحداد ﵀، فكتب إلي:\nستذكرني إذا جربت غيري ... وتعلم أنني لك كنت كنزا\nبذلت لك الصفاء بكل ود ... وكنت كما هويت، فصرت حزا\nوهنت إذا عززت وكنت ممن ... يهون إذا أخوه عليه عزا\nستنكت نادمًا في الأرض مني ... أتعلم أن رأيك كان عجزا\nفرجعت إليه، قال: ما هززتك للاعتذار، لكن اشتملت بك إلى الوفاء.\nومن الفتوة كرم الصحبة والقيام بحسن الأدب فيها. وهو أن يصحب من فوقه بالتعظيم، ويصحب أشكاله بالموافقة والألفة، ويصحب من دونه بالعطف والشفقة والرحمة، ويصحب الوالدين بالخضوع والمطاوعة، ويصحب الأولاد بالرحمة، وحسن التأديب، ويصحب الأهل بحسن المداراة، ويصحب الأقارب بالبر والصلة، ويصحب الإخوان بصدق المودة، ودفع المجهود في المحبة، ويصحب الجيران بكف الأذى، ويصحب العامة ببشاشة الوجه، ولين الكف، ويصحب الفقراء بتعظيم حرماتهم ومعرفة أقدارهم، ويصحب الأغنياء بإظهار الاستغناء عنهم، ويصحب العلماء بقبول ما يشيرون به عليه، ويصحب الأولياء بالتذلل والانقياد لهم، وترك الإنكار عليهم، ويجتنب في أوقاته صحبة المبتدعين والمدعين والمظهرين بالزهد رغبةً في استتباع الناس، وأخذ ما في أيديهم.","vol":"1","page":56},{"text":"ومن الفتوة معرفة أقدار الرجال. سمعت جدي يقول: كان أبو عثمان يقول من جل مقداره في نفسه، جلت أقدار الناس عنده. ومن صغرت قدره في نفسه، صغر أقدار الناس عنده.\nومن الفتوة أن لا يخون الأصحاب والإخوان فيما يفتح لهم. سمعت منصور ابن عبد الله يقول: سمعت ربيع الكامخي بالرملة يقول: كنت أجالس الفقراء، ففتح علي بدريهمات، فخرجت بها إليهم، فخاطبتني نفسي أن آخذ منها درهمًا لنفسي، فأخذت درهمًا، فخرجت بها إليهم، فلما كان بعد أيام، هاج في قلبي شهوة، فخرجت إلى السوق، فدفعتها إلى البقال، فإذا الدرهم قد صار نحاسًا، فردها علي، فترددت إلى السوق مرارًا، كل ذلك يرد علي، فرجعت إلى الأصحاب، وقلت: يا أصحابنا، اجعلوني في حل، فقد غششتكم بهذا الدرهم، فاستلبوا الدرهم من يدي، وخرجوا به إلى السوق، واشتروا به خبزًا وعنبًا، فجاءوا به، فجلسنا وأكلنا.\nومن الفتوة إسقاط العجب عن النفس جهده. كذلك قال إبراهيم الخواص ﵀: العجب يمنع من معرفة قدر النفس، والعجلة تمنع من إصابة الحق، والرفق والحزم يمنعان من الندامة، ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":57},{"text":"ومن الفتوة أن لا تلجئ إخوانك إلى الاعتذار، سمعت عبد الله بن محمد الدامغاني يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي رحمه [الله] يقول: ليس بصديق من ألجأك إلى الاعتذار، وليس بصديق من لم يعطك قبل السؤال.\nومن الفتوة مجانبة الحسد، سمعت أبا القاسم إبراهيم بن محمد النصرآباذي يقول: سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: من علامة الفتيان أن لا يحسدوا أحدًا على ما أتاه الله من فضله، ولا يعيروا أحدًا على ذنب، مخافة أن يبليهم الله بمثله. وأن يرضوا بما قضى الله لهم وعليهم.\nومن الفتوة استعمال الأخلاق الجميلة. سمعت النصر آباذي يقول: سمعت بعض فتياننا يقول: حسن الخلق هو التمسك بكتاب الله، واتباع سنة رسول الله ﷺ، وبسط الوجه، وكف الأذى، وبذل المعروف، وهو الذي اختاره الله تعالى لنبيه ﵇، بقوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ .\nومن الفتوة ما ذكره أبو بكر الوراق ﵀. قال: كان الفتيان في الزمن الأول يمدحون الإخوان ويذمون أنفسهم، فاليوم يمدحون أنفسهم ويذمون إخوانهم. وكانوا يختارون للإخوان التنعم والراحة، ولأنفسهم الشدة والمكابدة. والآن يختارون للإخوان الشدة ولأنفسهم التنعم والراحة.","vol":"1","page":58},{"text":"ومن الفتوة أن يشتغل الإنسان بوقته دون ذكر ما مضى. وما هو آت. سمعت عبد الله بن يحيى يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا أحمد بن شاهويه، حدثنا يحيى بن معاذ ﵀، قال: حسرة أمور مضت، وتدبير أمورٍ بقيت، أذهبت ببركة عمرك.\nومن الفتوة ما سمعت عبد الله بن يحيى، قال: سمعت جعفر يقول: حدثنا محمد بن الفضل، عن أحمد بن خلف يقول: سمعت أحمد بن شاهويه، سمعت يحيى بن معاذ يقول: ثلاث خصال تصلح لك أعمالك وأخلاقك، أن تلاحظ الأغنياء بعين النصيحة لا بعين البغي، وتلاحظ الفقراء بعين التواضع لا بعين الكبر، وتلاحظ النساء بعين الشفقة لا بعين الشهوة.\nومن الفتوة الإنفاق على الإخوان. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الكتاني يقول: كل نفقة العبد يسأل عنها، إلا نفقة الأخ على أخيه، فإن الله يستحي أن يسأله عنها.\nومن الفتوة الشفقة على المطيعين والعصاة. سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر الحربي يقول: سمعت إبراهيم الأطروش يقول: كنا قعودًا مع معروف الكرخي ﵀ على الدجلة، إذ مر بنا قوم أحداث في سمارية يلعبون ويضربون بالدف، ويشربون، فقال بعض أصحابه: يا أبا محفوظ أما ترى إلى هؤلاء في هذا البحر يعصون ربهم. ادع الله عليهم. قال:","vol":"1","page":59},{"text":"فرفع يده إلى السماء، وقال: إلهي وسيدي أسألك أن تفرحهم في الآخرة، كما فرحتهم في الدنيا. فقال له بعض أصحابه: إنما قلنا ادع الله عليهم. فقال: إخواني، إذا فرحهم في الآخرة، تاب عليهم.\nومن الفتوة أن تنسى معروفك عند إخوانك. وتعرف مقاديرهم. سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا القاسم إسحاق بن محمد يقول: قلت لأبي بكر الوراق وقت مفارقتي إياه: من أصحب؟ قال: اصحب من ينسى معروفه عندك، وإياك ومن يحفظ مساوئك، ويعدد ذلك عليك ليلاقيك أو يقول ذلك فيك، ولا تصحب من قدرك عنده على قدر حاجته إليك.\nومن الفتوة أن يراعي العبد سره وباطنه أكثر من مراعاة ظاهره لأن السر موضع نظر الله تعالى والظاهر موضع نظر الخلق. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا يعقوب السوسي يقول: من الناس من يجتهد في حفظ لسانه خمسين سنة أن يجري عليه لحنٌ، ولا يحفظ سره حتى لا يجري عليه لحن، والمغبون من يكون هذه صفته.\nومن الفتوة حفظ الآداب في العشرة. كما قال سهل بن عبد الله: عاشر أعداءك بالعدل، وأصدقاءك بالكرم والوفاء.\nومن الفتوة حفظ الأدب في الخلوات مع الله تعالى. سمعت أبا نصر","vol":"1","page":60},{"text":"الأصبهاني يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: ما مددت رجلي في الخلوة قط. واستعمال الآداب مع الله أولى، وسمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت عمر البسطامي ﵁ يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد ﵀ يقول: قمت ليلة أصلي فعييت، فجلست ومددت رجلي، فسمعت قائلًا يقول أو هاتفًا: من يجالس الملوك يجب أن يجالسهم بحسن الأدب.\nومن الفتوة حفظ المودة القديمة. كذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب حفظ الود القديم» . سمعت أبا بكر الرازي [يقول]: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت أبا محمد المغازلي يقول: من أراد أن تدوم له المودة، فليحظ مودة إخوانه القدماء.\nومن الفتوة ستر الأحوال. كما قال سهل بن عبد الله: خمسة أشياء فيها جوهر النفس: فقيرٌ يظهر الغنى، وجائعٌ يظهر الشبع، ومحزونٌ يظهر الفرح، ورجلٌ بينه وبين إنسان عداوة فيظهر له المحبة، ورجلٌ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر ضعفًا.","vol":"1","page":61},{"text":"ومن الفتوة مراقبة الظاهر والباطن. قال أبو علي الجوزجاني: إن الاستقامة: هي إقامة القلب مع الله بالموافقة، ومجاهدة الظاهر بالمخالصة.\nومن الفتوة مجانبة الهوى وإزالة المعاتبة لا تدع ذمامك في يدي هواك، فيكون قائدك إلى الظلمة، لأنها خلقت من الظلمة. واتبع العقل، فإن العقل يقودك إلى الأنوار، والمواصلة إلى الجبار.\nومن الفتوة تطهير البدن من المخالفات وتزيينها بالموافقات. لذلك حكي عن أبي علي الجوزجاني أنه قال: زين نفسك بالورع والزهد، واغسلها بالخوف والحزن، وألبسها ثواب الحياء والحب، ثم سلمها إلى ربك بالرضا والتفويض ليحوطها لك.\nومن الفتوة مجانبة قرناء السوء لئلا يقع في بليةٍ. سمعت عبد الله بن محمد ابن اسفندياران الدامغاني بها يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: على قدر اختلاطك بخلطاء السوء، تقع في التخليط. ومن حفظ ظاهره عن صحبتهم ومخالطتهم، حفظ الله عليه باطنة أن يرغب فيهم ويميل إليهم.","vol":"1","page":62},{"text":"من الفتوة أن يبخل العبد بدينه. ويجود بماله. كذلك سمعت عبد الله ابن محمد بن اسفندياران الدامغاني بها يقول: سمعت الحسن بن علويه، يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي ﵀ يقول: المؤمن يخدع عن ماله ولا يخدع عن دينه، والمنافق يخدع عن دينه ولا يخدع عن ماله.\nومن الفتوة أن يختار العبد سيده على جميع الأحوال والعروض. سمعت أبا علي البيهقي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى الصولي يقول: بلغني أن أمير المؤمنين المأمون ﵀ دخل يومًا داره، فقال لحاشيته وغلمانه: من أخذ من هذه الدار شيئًا فهي له. قال: فعدا كل واحد منهم، وأخذ منها ما أمكنه، وكان غلامٌ واقفًا على رأسه لا يلتفت إليهم، ولا إلى شيء مما أخذوه. فقال المأمون للغلام: خذ أنت أيضًا شيئًا. فقال: حقيقة تقوله يا أمير المؤمنين. إن ما أخذته فهو لي؟ فقال: نعم. فقال: فجاء الغلام وعانق المأمون أمير المؤمنين وتعلق به، فقال: أنا لا أريد غيرك، فأعطاه أضعاف ما أخذ الجماعة، وكان بعد ذلك لا يرى به أحدًا.\nومن الفتوة أن لا يغفل عن إخوانه في وقت من الأوقات.\nوالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الجزء الرابع من الكتاب الفتوة</span>\nمما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي","vol":"1","page":65},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم عليه توكلت، وإليه أنيب\nومن الفتوة أن لا يغفل عن إخوانه في وقت من الأوقات. قال أبو محمد الجريري: الوفاء هو إقامة السر عن رقدة الغفلات، وفراغ الهم عن فضول الآفات.\nومن الفتوة الاستغناء عن الناس، وأن لا يذل لهم بسبب طمع. لذلك قال معاوية بن أبي سفيان ﵀: من قبل صلتك فقد باعك مروءته، وأذل لقدرتك عزه. أنشدني القاضي أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي لمحمد بن حازم:\nللبس ثوبين باليين ... وطي يومٍ وليلتين\nأهون من منة لقومٍ ... أغض منها جفون عين\nوإني وإن كنت ذا عيالٍ ... قليل مالٍ كثير دين\nلمستعف برزق ربي ... حوائجي بينه وبين\nومن الفتوة السرور بلقاء الإخوان. قال إسماعيل بن أمية: لقاء الإخوان وإن كان يسيرًا غنمٌ كثيرٌ. وقال ابن المبارك ﵀: لقاء الإخوان عونٌ على الدين","vol":"1","page":67},{"text":"ومسلاةٌ للهموم. وقال سفيان الثوري ﵀: لم يبق في الدنيا شيء أستلذ به إلا لقاء الإخوان.\nومن الفتوة الابتداء بالصنيعة قبل المسألة. قال سعيد بن العاص ﵀: أحسن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك يدور دمه في وجهه، لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له عن جميع ملكك، ما كان مكافأة لذلك. أنشدني أبو ذر المنذر بالكوفة لبعضهم:\nلعن الله نائلًا أرتجيه ... من يدي من أريد أن أقتضيه\nومن الفتوة البدار إلى قضاء حوائج الإخوان. قال سفيان الثوري ﵀: ليس من أخلاق الكرام التواني عن قضاء حوائج الإخوان إذا استمكن منها. وقال المأمون للفضل بن الربيع: اغتنم قضاء حوائج من رفع إليك حاجة، فإن الدهور أجور، والفلك أدور، والعمر أقصر من أن يتم حال أو يدوم سرور.\nومن الفتوة التلطف بالفقراء والحياء من الأشراف. قال الأعمش: كان إبراهيم ﵇ إذا [أتاه] الرجل الضعيف، أقبل عليه، وإذا أتاه الشريف استحيى منه.","vol":"1","page":68},{"text":"ومن الفتوة الحلم عن السفيه، والصفح عن المسيء. أخبرنا أبو بكر المفيد إجازة، حدثنا محمد بن عيسى القرشي، سمعت أبي يقول: أوصى رجل ابنه فقال: يا بني، احلم عمن سفه عليك، واصفح عمن أساء إليك، ودع للصلح موضعًا لديك، ليسلم لك أصدقاؤك، ويستحي منك أعداؤك.\nومن الفتوة أن لا يمل إخوانه. ويثبت على مودته. سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سليمان يقول: أنشدنا ابن الأنباري، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى:\nوليس خليلٌ بالملول ولا الذي ... إذا غبت عنه باعني بخليل\nولكن خليلٌ من يدوم وصاله ... ويحفظ سري عند كل دخيل\nسمعت أبا الفتح القواس الزاهد ببغداد يقول: من مل إخوانه بلا سبب، فاعلم أن مودته لم تكن إلا لطمع.\nومن الفتوة أن يكون العبد شريف الهمة في أمر دينه ودنياه. سمعت محمد ابن عبد الله الرازي يقول: سمعت جعفر بن محمد الخواص يقول: سمعت الجنيد ﵀ يقول: قيمة كل امرئ همته فمن كانت همته الدنيا، فقيمته لا شيء، ومن كانت همته الآخرة، فقيمته جنةٌ عرضها السموات والأرض، ومن كانت همته رضا الله تعالى، فلا قيمة له في السموات والأرضين غير الرضوان. قال الله ﵎: ﴿ورضوانٌ من الله أكبر﴾ . قال أبو الطيب الشيرازي: قلت لأبي بكر الطمستاني ﵀ وقت مفارقته: أوصني. فقال: الهمة الهمة.","vol":"1","page":69},{"text":"أنشدني أبو علي الجعفري البصري، قال: أنشدني إسماعيل بن عباد لنفسه:\nوقائلة لم علتك الهموم ... وأمرك ممتثلٌ في الأمم\nفقلت: ذريني في غصتي ... فإن الهموم بقدر الهمم\nسمعت أبا أحمد الحيري يقول: سمعت أبا علي الثقفي يقول: كن شريف الهمة، فإن الهمم كحملة الأشياء لا النفوس، وأنشد:\nحملتم القلب ما لا يحمل البدن ... والقلب يحمل ما لا يحمل البدن\nومن الفتوة أن يحفظ العبد على نفسه هذه ستة الأشياء، ولا يخل بواحدة منها: الأمانة، والصيانة، والصدق، والصبر، والأخ الصالح، وإصلاح السريرة. فمن ضيع واحدة منها، فقد خرج عن حدود اليقين.\nقال بعض الحكماء: من وجدت منه هذه ستة الأشياء، فاحكم له بالفتوة التامة، وهو أن يكون شاكرًا بقليل النعمة، صابرًا على كثير الشدة، يداري الجاهل بحلمه، ويؤدب البخيل بسخاوته، ولا يزيد فيما يعمله لمحمدة الناس، ولا ينقص مما كان يعمل من قبل مذمتهم. وقال يحيى بن معاذ رحمة الله: الفتوة الصفاء، ثم السخاء، ثم الوفاء، ثم الحياء.\nوقال أبو الحسين بن سمعون ﵀: الفتوة أن لا تعمل عملًا في السر تستحي منه في العلانية. وقال أبو الحسين المالكي ﵀: الفتوة كرم الأخلاق،","vol":"1","page":70},{"text":"وصفاء الأسرار. وقال أبو عمرو الدمشقي ﵀: الفتوة النظر إلى الخلق بعين الرضا، وإلى نفسك بعين السخط، ومعرفة حقوق من هو فوقك، ودونك، ومثلك، وأن لا تعرض عن إخوانك بزلة أو جفوة أو بلاغ كذب، فمن أحب أخًا من إخوانه، يجب عليه أن يرى جفاءه وفاءً، وإعراضه إقبالًا، ولا يسخط منه حالًا، ولا خلقًا، فإذا لم يكن هكذا، كانت محبته مدخولة. أنشدنا أبو سعيد الرازي، قال: أنشدنا ابن الأنباري:\nسألزم نفسي الصفح عن كل مجرمٍ ... وإن كثرت منه علي الجرائم\nفما الناس إلا واحدٌ من ثلاثة ... شريفٌ، ومشروفٌ، ومثل مقاوم\nفأما الذي فوقي فأعرف قدره ... وألزم نفسي الحق، والحق لازم\nوأما الذي مثلي فإن زال أو هفا ... علمت بأن الحكم للفضل حاكم\nوأما الذي دوني فإن قال، صنت عن ... مقالته عرضي وإن لام لائم\nومن الفتوة أن يكافئ بالمودة مثله. لأنه لا جزاء للمودة إلا المودة. أخبرنا أبو بكر المفيد إجازة، حدثنا الحسين بن إسماعيل الربعي، حدثنا الفهري، عن ابن المبارك ﵀، قال: من جمع لك مع المودة الصافية رأيًا حسنًا، فاجمع له مع المودة الخالصة طاعة لازمة.\nومن الفتوة الشفقة على الإخوان في كل الأحوال، كذلك سئل الجنيد ﵀ عن الشفقة على الخلق، فقال: أن تعطيهم من نفسك ما يطلبون، ولا تحملهم ما لا يطيقون، ولا تخاطبهم بما لا يعلمون. وسئل بعضهم: كيف شفقتك","vol":"1","page":71},{"text":"على إخوانك؟ فقال: إن الذباب ليسقط على وجهه، فأجد لذلك ألمًا. وأنشدت في معناه:\nوأشفق أن تمشي على الأرض غيرة ... فليتك خدي ما حييت وطيتا\nسئل رويم ﵀: كيف شفقتك على إخوانك؟ فقال: يا أخي، اعلم أنه ما سرني شيء في الدنيا إلا سرور إخواني، ولا أحزنني منها شيء إلا ما حزنوا عليه. وسئل بعض الفتيان، كيف محبتك لإخوانك؟ وكيف شفقتك عليهم؟ فقال: أحسد عيني إذا أبصرتم. كيف لا تكون جوارحي كلها عيونًا فتبصرهم؟! وأحسد سمعي إذا سمع كلامهم كيف لا تكون جوارحي كلها سمعا، فيسمع كلامهم! قال: وكنت ليلة عند الخضري ﵀، فغنى قوالٌ:\nغنت فلم تبق في جارحةٌ ... إلا تمنيت أنها أذن\nفقال له الشيخ: ما للأحباب والتمني! قل: إلا تحققت أنها أذن. وأنشدت لبعضهم في قريب من هذا:\nوفي الإشفاق إني لأحسد ناظري ... عليك حتى أغض إذا نظرت إليك\nوأراك تخطر في شمائلك التي ... هي فتنتي، فأغار منك عليك\nمن فرط إشفاقي ودقة غيرتي ... أني أغار عليك من ملكيك","vol":"1","page":72},{"text":"ولو استطعت جرحت لفظك ... عامدًا إني أراه مقبلًا شفتيك\nوسئل بعضهم: كيف شفقتك ومحبتك لصديقك؟ فقال: أشتهي إذا رأيته أن لا أرى شيئًا سواه حتى أراه. وإذا سمعت كلامه أشتهي أن لا أسمع شيئًا حتى أسمعه. وأنشدت في هذا المعنى:\nولو أني استطعت غمضت عيني ... فلم أبصر بها حتى أراكا\nوقال بعضهم: أضمني سرهم أيام فرقتهم ... هل كنت تعرف سرا يورث الصمما\nومن الفتوة أن يتعهد الإنسان حال من ولاه الله أمرهم، ويهمل تعهد نفسه. روي عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان يشبع عبيده ويجوع، ويكسوهم ويعرى، ويؤثرهم بأسباب الإرفاق، ويقول: أهون شيء على نفسي لما اتيقن من شرها.\nومن الفتوة أن يجتنب الإنسان الغضب جملة. حكي عن معاوية بن أبي سفيان ﵀ أنه قال: ما غضبي على ما أملكه، وما غضبي على من لا أملكه. إن كنت مالكًا، فإني قادرٌ على الانتقام، فلم ألزم نفسي الغضب، وإن كنت غير مالك فلا يضره غضبي، فلم أدخل الغضب على نفسي.\nومن الفتوة أن يحفظ عليه آداب الأوقات. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت الجنيد يقول: أرفع الأعمال حفظ آداب الأوقات، وهو أن لا يطالع العبد غير حده، ولا يقارن غير وقته، ولا يواقف غير ربه. وقال محمد بن علي الترمذي ﵀: ما أحدٌ قام بحفظ الأدب في كل الأوقات","vol":"1","page":73},{"text":"والأحوال إلا المصطفى ﷺ، قال في الدنيا: «أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك» . وقال: «أعوذ بك منك» . وأما حين كان في الحضرة فأخبر الله تعالى عنه: فحلاه ربه ﷿ إذ ذاك بأحسن حلية، وهو قوله مثنيًا عليه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ .\nومن الفتوة أن يرى العبد الخير كله في إخوانه. ويبرئ نفسه منه لما يعلم من شرها. سمعت جدي ﵀ يقول: سمعت أبا عبد الله السجزي يقول: لك فضل ما لم تر فضلك، وإذا رأيت فضلك فلا فضل لك. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أبا علي الأنصاري يقول: سمعت الشاه بن شجاع الكرماني ﵀ يقول: لأهل الفضل فضلٌ ما لم يروه، فإذا رأوه فلا فضل لهم. ولأهل الولاية ولايةٌ. ما لم يروها، فإذا رأوها فلا ولاية لهم. وقال الشاه لأبي حفص رحمهما الله: ما الفتوة؟ قال: استعمال الأخلاق.\nومن الفتوة أن يخلص لإخوانه ظاهرًا وباطنًا ومغيبًا ومشهدًا. سمعت الحاكم أبا أحمد الحافظ يقول: قال بعض الحكماء: إن من مواجب الإخوة على الفتيان، مودة الأخ لأخيه بقلبه خالصًا، وتزينه بلسانه، ورفده بماله، وتقويمه بأدبه، وحسن الذب عنه في غيبته.","vol":"1","page":74},{"text":"ومن الفتوة أن يصحب الإنسان من فوقه في الدين، ومن دونه في الدنيا. قال عثمان بن حكيم: اصحب من هو فوقك في الدين، ومن هو دونك في الدنيا، فإن صحبة من فوقك في الدين تصغر في نفسك طاعاتك، وصحبة من دونك في الدنيا تعظم في عينك نعم الله تعالى. وقال داود الطائي ﵀: اصحب المتقين فإنهم أيسر أهل الدنيا عليك مؤونة، وأكثرهم لكل معونة.\nومن الفتوة أن يثق العبد بربه في كل أحواله. قال سفيان بن عيينة: قيل لأبي حازم: ما مالك؟ فقال: لي مالان: الثقة بالله، والإياس مما في أيدي الناس.\nومن الفتوة أن تكون شفقة العبد على أصدقائه أكثر من شفقته على أقاربه. سمعت الحسين بن يحيى الشافعي يحكي عن جعفر بن محمد الصادق قال: من لم يكن لأخيه كما يكون لنفسه لم يعط الإخوة حقها، ألا ترى كيف حكى الله تعالى في كتابه، أن في [يوم] القيامة يفر الابن من أبيه، والأخ من أخيه، ثم ذكر في ذلك الموقف شفقة الأصدقاء بقوله تعالى: ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ .\nومن الفتوة حفظ الجوارح ظاهرًا وباطنًا. سئل أبو الحسن البوشنجي: ما","vol":"1","page":75},{"text":"الفتوة؟ فقال: أن لا تعمل شيئًا تستحي من كرام الكاتبين في ذلك. وقال حذيفة المرعشي ﵀: إنما الفتوة حفظ أربعة أشياء: عينك ولسانك وقلبك وهواك، فالزم عينك أن لا تنظر إلى ما لا يحل لها، وانظر لسانك لا تقل به إلا ما وافق الصواب والحق. وانظر قلبك لا يكون فيه على مسلم غش وحقد. وانظر هواك لا يهوى شيئًا من الشر.\nومن الفتوة ما سألت عنها أبا الحسين بن سمعون ﵀. فقال: هي خصال أحدها قلة الخلاف، وحسن الإنصاف، وإسقاط طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من العثرات، والتماس المعذرة، واحتمال الأذى، والرجوع باللائمة على النفس، وطلاقة الوجه للصغير والكبير، وبذل المعروف والنصيحة للخلق، وقبول النصيحة منهم، ومؤاخاة الأولياء، ومداراة الأعداء. هذه ظواهرها إلى أن نتكلم في حقائقها.\nومن الفتوة أن يستوي سر العبد وعلانيته، فقد حكى أبو دجانة عن ذي النون المصري ﵏، أنه قال: من عمل في السر عملًا يستحي منه في العلانية، فليس لنفسه عنده خطر ولا قدر.\nومن الفتوة تجريد السر عن الأكوان، ومن فيها وما فيها. قال أبو العباس ابن عطاء: من لم يتجرد عن الدنيا بسره، ولم يتخلى عن الخلق بسره، ولم","vol":"1","page":76},{"text":"عن نفسه بسره كيف يتفرد لمولاه؟! فمن تجلى بسره عما سواه، وتفرد بسره مع مولاه، كشفت له الغطاء، فيميز بين ما يرضي مولاه وما يسخطه.\nومن الفتوة أن يعتمد الإنسان فمخالفته على ربه دون غيره، فإن بعض السلف قال لرجل من العقلاء: لو اتخذت ضيعة، فادخرتها لعيالك وأولادك. فقال: بئس ما أشرت به علي، بل أدخرها عند ربي لنفسي، وأدخر لعيالي وأولادي ربي.\nومن الفتوة إيثار موافقة الأصدقاء على موافقة الأقارب و[.. .. ..] . أنشدني علي بن عمر الحافظ ببغداد، قال: أنشدني أبو علي الحافظ، قال: أنشدني بشر ابن موسى لبعضهم.\nأميل مع الصديق على ابن أمي ... وآخذ للصديق من الشقيق\nوإن ألفيتني حرًا مطاعًا ... فإنك واجدي عبد الصديق\nأفرق بين معروفي ومني ... وأجمع بين مالي والحقوق\nومن الفتوة انتباهي في كريمة الإخوان. كذلك ذكر أبو محمد الجريري، قال: دعانا ابن مسروق الله إلى بيته، فاستقبلنا صديقٌ لنا، فسألناه أن يساعدنا إلى بيت الشيخ. وقلنا: نحن في دعوته. فقال: كيف أجيء وهو لم يدعني. ثم قال:","vol":"1","page":77},{"text":"لا أخالف إخواني. فحضر معنا، فلما بلغنا باب الشيخ، أخبرنا الخبر، فقال له الشيخ: جعلت موضعي من قلبك أن تجيء إلى منزلي من غير أن أدعوك. علي كذا وكذا إن مشيت إلى موضع جلوسك إلا على خدي. قال: وألححنا عليه وحلف. فبسطنا له رداءً على الأرض، فوضع عليه خده، وحملنا الفتى بين اثنين يضع قدمه على خده حتى بلغ مجلسه.\nومن الفتوة الصبر على الإخوان وترك الاستبدال بهم. فإنه روي أن داود النبي ﵇ قال لابنه سليمان عليه لسلام: لا تستبدلن بأخ لك قديم، أخًا مستفادًا، استقام لك منه حاله فإنك إن فعلت ذلك تغيرت نعم الله تعالى عليك. ولا تستقل عدوًا واحدًا، ولا تستكثر ألف صديق.\nومن الفتوة الصبر على تدبير الله له، حكي أن رجلًا شكا إلى حكيم فقال: يا أخي أمدبرًا غير الله تعالى تريد؟\nوقال بعضهم: من لم يصبر على تدبير الله تعالى له لم يصبر على تدبيره لنفسه. وقال الواسطي ﵀: من رأى نفسه لله ورأى الأشياء لله، استغنى عن جميع الأشياء بالله. وقال أبو العباس الدينوري ﵀: من دبر لنفسه ندم في عواقب أمره، ومن رضي بتدبير الله تعالى له حمد ابتداء أمره وانتهاءه.\nومن الفتوة قيام الأكابر إلى خدمة الأصاغر إذا دعاه أو كان عنده. وترك الأنفة عن القيام إلى خدمة الضيف. أخبرنا علي بن الحسن بن جعفر الرضا الحافظ","vol":"1","page":78},{"text":"ببغداد، حدثنا أحمد بن الحسن دبيس الخياط، حدثنا سليمان بن الفضل البلخي حدثنا ابن أكثم، قال: كانت ليلة عند المأمون أمير المؤمنين ﵀، فعطشت في جوف الليل، فقمت لأشرب، فقال: ما لك يا بني، ليس تنام؟ قلت: أنا والله عطشان يا أمير المؤمنين. فقال: ارجع إلى موضعك. وقام والله إلى البرادة فسقاني كوز ماء، وقال لي: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه. ألا أخبرك.. .. ألا أطرفك.. .. ألا أحدثك؟ فقال: حدثنا الرشيد، حدثنا المهدي حدثنا المنصور، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: حدثني جرير بن عبد الله ﵃، عن النبي ﷺ، قال: «لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه» .\nومن الفتوة حفظ الوفاء في المودة والأخوة. أخبرنا أبو الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن السكري، حدثنا أبو يعلى، حدثنا الأصمعي، سمعت أعرابيًا يقول: ود أهل الوفاء، وإن كان يسيرًا حظٌ عزيزٌ.\nومن الفتوة العيش بعد مفارقة الإخوان والأحبة. سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: رؤي الجنيد ﵀ يومًا جالسًا","vol":"1","page":79},{"text":"متفكرًا مهمومًا، فقيل له: ما الذي أحزنك يا أبا القاسم؟ فقال: فقدت السر في الخلوة، وفقدت الإخوان الذين كنت آنس بهم، ودون هذا مما يهد البدن ويشغل القلب، وأنشد:\nذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام\nأنشدنا علي بن عمر الحافظ ببغداد، قال: أنشدنا يزدان الكاتب لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:\nلو أن نفس الحر في كفه ... رمى بها بعد أحبائه\nواسوأتا للمرء في ساعة ... يعيشها بعد أخلائه\nوأنشدنا أيضًا في هذا المعنى:\nغابوا فصار الجسم من بعدهم ... ما تبصر العين لهم فيا\nبأي وجه أتلقاهم ... إذا رأوني بعدهم حيا\nواخجلتا منهم ومن قولهم ... ما ضرك الفقد لنا شيا\nسمعت محمد بن الحسن الخالدي البغدادي يقول: سمعت ابن خالويه يقول: قيل لابن جرير: أرأيت قول أبيك: لو كنت أعلم أن آخر عهدهم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل. ماذا كان يفعل لو علم ذاك؟ فقال: كان يقلع حدقتيه، فلا يرى موقف الفراق. أنشدنا محمد بن طاهر الوزيري، قال: أنشدني سعيد بن عبد الله البغدادي لبعضهم:","vol":"1","page":80},{"text":"ما كنت أعلم ما في البين من حزن ... حتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن\nقامت تودعني والدمع يغلبها ... كما تميل نسيم الريح بالغصن\nوأعرضت ثم قالت وهي باكيةٌ ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن\nومن الفتوة إتمام العارفة بمداومتها. ومواصلتها بأعوانها. أخبرنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا الحسن بن إسماعيل القاضي، حدثنا عبد الله بن أبي سعيد، حدثنا هارون بن ميمون، حدثنا أبو خزيمة بن عيسى قال: قال المهدي أمير المؤمنين: ما توسل أحد إلي بوسيلة، ولا تذرع بذريعة هي أقرب إلى ما يحب من تذكيري يدًا أسلفت مني إليه أتبعها بأخرى، وأحسن ربها، لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.\nومن الفتوة الأخذ بهذه الآداب والمواعظ التي أخبرناها أبو عبد الله محمد بن العباس العصمي، حدثنا محمد بن أبي علي الخلادي، حدثنا محمد بن الحسن الرملي. حدثنا علي بن محمد المرهني، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق العباسي، عن عبد الله بن الحجاج مولى المهدي، عن إبراهيم بن شكلة، قال: إذا آخيت أخًا فلا تشك في أنه يخطئ ويصيب، ويحسن ويسيء، ويحفظ ويضيع. فوطن نفسك على الشكر إذا حفظ، وعلى الصبر إذا ضيع، وعلى المكافأة إذا أحسن، وعلى الإساءة إذا أساء، فإن في معاتبة الصديق استدامة للود. وقد قيل: ظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد.","vol":"1","page":81},{"text":"ومن الفتوة حفظ عهود الإخوان على القرب والبعد. أخبرنا عمر بن أحمد بن عثمان، قال: سمعت ابن الأنباري، قال أنشدت ليزيد المهلبي:\nأن تغيبي عنا فسقيًا ورعيًا ... أو تحكي بنا فأهلًا وسهلا\nلا تخافي إن غبت أن نتناساك ... ولا إن وصلتنا أن نملا\nومن الفتوة أن لا يسمع مذمة إخوانه بحال. أنشدنا يوسف بن صالح، قال: أنشدنا ابن الأنباري لبعضهم:\nلا أعير الدهر سمعي ... ليعيبوا لي حبيبا\nلا ولا أحفظ عندي ... للأخلاء عيوبا\nأحفظ الإخوان كيما ... يحفظوا عني المغيبا\nومن الفتوة أن لا يعتد بمعروفه ولا يحصيه. أخبرنا أبو أبو عمرو بن مطر، حدثنا جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، حدثنا علي بن خشرم، حدثنا محمد بن الفضيل، قال: قال ابن شبرمة: لا خير في المعروف إذا أحصى.\nونتلوه إن شاء الله","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الجزء الخامس من الكتاب الفتوة</span>\nمما جمعه الشيخ السلمي ﵀","vol":"1","page":83},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم عليه توكلت\nومن الفتوة أن لا يعتمد إلا على ربه في كل أحواله وأوقاته. سفرًا وحضرا. سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي يقول لرجل وهو يوصيه في سفر يريد أن يخرج إليه: يا أخي، لا تصحب غير الله فإنه الذي يكفيك المهمات، ويشكرك على الحسنات، ويستر عليك السيئات، ولا يفارقك في خطوة الخطوات.\nومن الفتوة أن لا يحوج إخوانه إلى السؤال، ويكتفي منهم بالتعريض عن التصريح. سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سليمان يقول: سمعت ابن الأنباري يقول: أخبرنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، أن أمية بن أبي الصلت دخل على عبد الله بن جدعان، وعنده قينتان يقال لهما الجرادتان، فقال له أنعم صباحًا أبا زهير، ثم أنشأ يقول:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياك إن شيمتك الحياء\nوعلمك بالحقوق وأنت فرعٌ ... لك الحسب المهذب والسناء\nكريمٌ لا يغيره صباحٌ ... عن الخلق الكريم ولا المساء","vol":"1","page":85},{"text":"وأرضك كل مكرمة بناها ... بنو أنتم وأنت لها سماء\nتبارى الريح مكرمةً ومجدا ... إذا ما الكلب أحجره الشتاء\nإذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء\nفقال: خذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أحديهما، ثم خرج على مجالس قريش، فقالوا: يا أبا أمية، أتيت شيخًا قد كبر سنه، ورق عظمه، وعنده ملهيتان، فسلبته أحديهما قال: فتدمم أمية من ذلك، فرجع إلى عبد الله، فلما رآه، قال: اكفف حتى أخبرك من ردك، فأخبره بمقالة القوم، ثم قال: خذ بيد الأخرى، وأنشأ يقول:\nعطاؤك زينٌ لامرئ إن حياته ... وما كل العطاء بزين\nوليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال بشين\nومن الفتوة أن يختار الإنسان عز إخوانه على عزه، وذله على ذلهم. سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت الحسين بن علي القومسي يقول: وجه عصام البلخي إلى حاتم الأصم ﵀ شيئًا، فقبله، فقيل له، لم قبلت؟ فقال: وجدت في أخذه ذلي وعزه، وفي رده عزي وذله، فاخترت عزه على عزي، وذلي على ذله.\nومن الفتوة ترك التميز في الخدمة والبذل. سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: التواضع ترك التميز في الخدمة.","vol":"1","page":86},{"text":"ومن الفتوة ترك التميز في البذل والخلق. [و] استصغار ما منك، واستعظام ما إليك. سمعت أبا عثمان سعيد بن أبي سعيد يقول: سمعت جعفر بن محمد الخلدي يقول: قلت لأبي بكر القزاز المصري، وكان من خيار الناس، وكان يأوي إليه الصوفية، وربما يجيء من ليس منهم فيختلط بهم. فقلت له: لم لا تميز؟ فقال: لست من أرباب الأشراف، فأخاف أن أخطئ في تميزي، فيفوتني ما أريد.\nومن الفتوة استعمال الأخلاق في الظاهر، وتصحيح الأحوال في الباطن. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: صح عند أهل المعرفة أن للدين رأس مال، خمسةٌ في الظاهر، وخمسةٌ في الباطن.\nفأما اللواتي في الظاهر: فصدقٌ في اللسان، وسخاوة النفس بالمال، والتواضع في الأبدان، وكف الأذى، واحتمالها بلا إباء. وأما اللواتي في الباطن: فحب وجود سيده، وخوف الفراق عن سيده، ورجاء الوصول إلى سيده، والندم على فعله، والحياء من ربه.\nومن الفتوة أن لا يتزين العبد بزي الفتيان، إلا بعد أن يحمل أثقال الفتوة. ويقوم بشرائطها. قيل لأبي عبد الله السجزي: لم لا تلبس المرقعة؟ فقال: من النفاق أن تلبس لباس الفتيان. ولا تدخل في حمل أثقال الفتوة، إنما يلبس لباس الفتيان من يصبر على حمل أثقال الفتوة. فقيل له: ما الفتوة؟ فقال: رؤية أعذار","vol":"1","page":87},{"text":"الخلق، وتقصيرك وتمامهم، ونقصانك والشفقة على الخلق كلهم، برهم وفاجرهم. وكمال الفتوة أن لا يشغلك عن الله شاغل. وقال معروف الكرخي ﵀: من ادعى الفتوة فليكن فيه ثلاث خصال: وفاءٌ بلا خلاف، وجودٌ بلا مدح، وعطاءٌ بلا سؤال.\nومن الفتوة أن يتأسف الإنسان على مفارقة إخوانه، وأن يختار ما أمكنه في الجمع بينهم. حدثنا أبو الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، حدثنا أبو العباس المكاتب العاقولي، حدثنا محمد بن يزيد المبرد. قال: ذكر لي أن رجلًا من العرب كانت له جارية، وكان بها معجبًا، وكان موسرًا، فأنفق عليها ماله حتى ذهب ما في يديه، فكان يأتي إخوانه، فيسألهم، وينفق عليها، فبلغها ذلك، فقالت: لا تفعل، ولكن بعني فلعل الله أن يرزقنا اجتماعًا، فخرج بها إلى عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان عامل فارس، فعرضها عليه فأعجبته، فقال له: بكم؟ فقال: بمائة ألف درهم، وهي خيرٌ من ذلك للرغبة في الموضع، فأخذها بذلك، فلما دفع المال وقبضه الرجل وأراد أن يخرج، أنشأت تقول:\nهنيئًا لك المال الذي قد قبضته ... فلم يبق في كفي إلا تذكري\nأقول لنفسي حين جاشت لمقلتي ... أقلي فقد بان الحبيب أو أكثري\nأوب بهم في الفؤاد مبرح ... أناجي به قلبًا طويل التفكر","vol":"1","page":88},{"text":"فنظر إليها ثم تركها وأنشأ يقول:\nفلولا قعود الدهر عنك لم يكن ... يفرقنا شيءٌ سوى الموت فاعذري\nأروح بحزن من فراقك موجعًا ... أناجي به قلبًا كثير التفكر\nعليك سلامٌ لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر\nفقال عمر بن عبيد الله بن معمر: فقد شئت، فخذها والمال لك فانصرف ومعه الجارية، ومائة ألف درهم، وعاد إلى السرور. فقال عمر بن عبيد الله بن معمر: والله لا يشترى بمائة ألف درهم مكرمة فوق هذه أن يجمع الإنسان بين متحابين حلالًا ويخلصهما من غمة الفراق.\nومن الفتوة أن يبدأ الرجل بالعطاء قبل السؤال فإنه إذا أعطى بعد السؤال كان ثمنًا لماء وجهه، والكريم لا يستبدل وجوه إخوانه. أخبرنا أبو عبد الله بن بطة، حدثنا الحسن بن محمد بن الحسن بالكوفة، حدثنا محمد بن المرزبان، حدثنا عبد الرحمن بن محمد، حدثنا محمد بن صالح القرشي، حدثنا أبو اليقظان، حدثني أبو عمرو المديني، عن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال: قال عبيد الله بن عباس لابن أخيه: إن أفضل العطية ما أعطيت الرجل قبل المسألة، فإذا سألك فإنما تعطيه ثمن وجهه حين بذله لك، وأنشدت في هذا المعنى:","vol":"1","page":89},{"text":"ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضًا وإن نال الغنى بسؤال\nإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال\nوأنشدت أيضًا:\nما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوضٌ\nومن الفتوة استعمال الأخلاق. ورؤية فضل الله في كل حال. سمعت علي بن محمد القزويني يقول: سمعت أبا الطيب العكي يقول: سمعت ابن الأنباري يقول: قال بعض تلامذة أبي يزيد: قال لي أبو يزيد ﵀: إذا صحبك إنسان، وأساء عشرتك فادخل عليه بحسن أخلاقك يطيب لك عيشك. وإذا أنعم عليك فاشكر الله. فإنه الذي أعطف عليك القلوب. وإذا ابتليت ببلاء، فأسرع إلى الاستقامة، واصبر فإنه ليس نفس تفنى بالصبر.\nومن الفتوة أن يجتهد في حفظ النعم على أربابها. أخبرنا أبو عبد الله بن بطة العكبري بها، حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت، حدثنا أحمد بن عمرو ابن حمدون، حدثنا الحسن بن عرفة، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: قالت الحرقة بنت النعمان بن المنذر لسعد بن أبي وقاص: لا ابتلاك الله بلئيم، فيسيء","vol":"1","page":90},{"text":"إليك، ولا ابتلى بك كريمًا فتسيء إليه. وعقد لك المنن في أعناق الأجواد، ولا أزال عن كريم نعمة بك، ولا أزالها بغيرك إلا جعلك السبب لردها.\nومن الفتوة بذل المال للإخوان والرفقاء. أخبرنا المعافى بن زكريا القاضي الجريري ببغداد، حدثنا الحسن بن القاسم، أنشدنا أبو جعفر لسليمان بن يحي ابن أبي حفصة، وإنما نسب إلى جده:\nوقائلةٍ ما بال مالك ناقصًا ... وأموالٌ أقوامٍ سواك تزيد\nفأخبرتها إني أجود بما حوت ... يداي وبعض القوم ليس يجود\nومن الفتوة اجتناب معاداة الرجال لما فيها من الفساد. أخبرنا محمد بن عبد الواحد الرازي، حدثنا محمد بن علي بن عبدك. حدثنا زكريا بن يحيى النيسابوري، حدثنا إبراهيم بن الجنيد، حدثنا صالح بن حمزة، يقول: إياك ومعاداة الرجل، فإنها لن تعدمك مكر حليم، أو معاداة جاهل، وقال: الأغلب من غلب بالخير، والمغلوب من غلب بالشر. واعتزل الشر كي يعتزلك.\nومن الفتوة أن يصون الرجل سمعه عن استماع القبيح. كما يصون لسانه عن النطق به، أخبرنا محمد بن عمر بن المرزبان إجازة، قال: أنشدت لبعضهم:","vol":"1","page":91},{"text":"وسمعك صن عن استماع القبيح ... كصون اللسان عن اللفظ به\nفإنك عند استماع القبيح ... شريكٌ لقائله فانتبه\nوكم أزعج الحرص من طالب ... ووافى المنية في مطلبه\nومن الفتوة أن يبذل الرجل جاهه لإخوانه كما يبذل ماله. أخبرنا محمد بن عمر بن المرزبان، قال أنشدت لبعضهم:\nجعلت فداك أخطرني ببالك ... وصني بابتدائك عن سؤالك\nووسع لي بجاهك بعض جاهي ... كما وسعت لي مالي بمالك\nومن الفتوة اجتناب الأخلاق الرديئة. وملازمة الأخلاق السنية. أنشدني أبو عبد الله بن بطة، أنشدني أبو الحسين الحربي، أنشدنا ابن مسروق:\nإذا ساء خلق المرء لم يصف عيشه ... وضاقت عليه سبله ومذاهبه\nولم يحمد الناس امرءًا ساء خلقه ... ولكن حسن الخلق يحمد صاحبه\nومن الفتوة حفظ الجار والمجاورة، كذلك روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما زال جبريل ﵇ يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، أخبرنا أبو عبد الله بن بطة، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن العباس","vol":"1","page":92},{"text":"الوراق، حدثنا جعفر الصائغ، حدثنا أحمد بن الطيب، حدثنا أبو الفتح الرقي، قال: قال الحسن: ليس حسن الجوار أن لا تؤذي جارك، إن من حسن الجوار أن تحمل أذى جارك.\nومن الفتوة الصبر على أذى السؤال. أنشدنا عبد الواحد بن أحمد الهاشمي، قال: أنشدني عبد الله بن يحيى العثماني لابن دريد:\nلا يرهقنك ضجرةٌ من سائل ... فلخير دهرك أن ترى مسؤولا\nلا تجبهن بالدفع وجه مؤمل ... فبقاء عزك أن ترى مأمولا\nومن الفتوة تصحيح الإخوة بترك المكافأة على الإساءة. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو المغيس، عن أبي عبد الله الجهني، قال: في المواساة تجديد المؤاخاة، وترك المكافأة بين المعاداة.\nومن الفتوة ما أخبرنا الحسين بن أحمد بن موسى، قال: سمعت ابن الأنباري يقول: حدثنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، قال: قيل لبعض الأعراب: ما الفتوة؟ قال: طعام مبذول، وبشر مقبول، وعفاف معروف، وأذى مكفوف.\nومن الفتوة استعمال المروءة مع قلة ذات اليد. أنشدني محمد بن طاهر الوزيري لبعضهم:\nوفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خالي\nأعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال","vol":"1","page":93},{"text":"ومن الفتوة العفو عن المسيء. أنشدنا جعفر بن أحمد بن أبي زايد المصري، قال: أنشدنا أبي لمنصور:\nأذنبت ذنبًا عظيمًا ... وأنت أعظم منه\nفجد بعفوك أو لا ... فاصفح بحلمك عنه\nإن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكته\nوبهذا الإسناد قال: أنشدني منصور الفقيه:\nهبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوة؟ ... وإذا أسأت كما أسأت فأين فضلك والمروة؟!\nومن الفتوة أن يلزم الإنسان العزلة إذا فسد الزمان. أنشدني أبو بكر بن أبي جعفر المزكي، قال: أنشد الحاكم عبد الحميد بن عبد الرحمن لبعضهم:\nأنت بوحدتي ولزمت بيتي ... فتم العز لي ونمى السرور\nوأدبني الزمان فليت أني ... هجرت فلا أزار ولا أزور\nولست بقائل ما دمت حيًا ... أسار الجند أم ركب الأمير\nومن الفتوة حفظ شرائط المروءة. سمعت محمد بن العباس العصمي، قال: أخبرنا محمد بن أبي علي، حدثنا علي بن العباس، حدثنا حمدان بن علي الكندي،","vol":"1","page":94},{"text":"حدثنا الحسن بن سالم، حدثنا يحيى بن سليم، عن زافر بن سليمان. قال: يقال الكامل المروءة الذي أحرز دينه، ووصل رحمه، وعمر ماله، وأكرم إخوانه. وقال في بيته.\nومن الفتوة حفظ عهد من صحبك في حال القلة والعسرة. سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سليمان. قال: أخبرت أن أبا سالم كان يتعصب لعلي بن عيسى في طول أيامه، فلما ولي الوزارة، لم يكن ينظر إليه كما يجب، فكتب إليه:\nرجوت لك الوزارة طول عمري ... فلما كان منها ما رجوت\nتقدمني أناسٌ لم يكونوا ... يرومون الكلام إذا أتيت\nفأحببت الممات وكل عيش ... أريد الموت منه فهو موت\nأنشدني علي بن حمدان، قال: أنشدني ابن الأنباري لإبراهيم بن العباس:\nوكنت أخي بأخا الزمان ... فلما انقضى صرت جرمًا عوانا\nوكنت أعذك للنائبات ... فأصبحت أطلب منك الأمانا\nوكنت أذم إليك الزمانا ... فها أنا أحمد فيك الزمانا","vol":"1","page":95},{"text":"ومن الفتوة إكرام الناس جميعًا. سمعت أبا الحسن بن مقسم ببغداد يقول: سمعت محمد بن إسحاق المروزي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت المدائني يقول: أوصى يحيى بن خالد البرمكي ابنه، فقال: يا بني، لا تدع إكرام الناس، فإنك إنما تكرم نفسك إذا أكرمتهم.\nومن الفتوة حفظ عهود الأوطان لحفظ حرمات ساكنيها. سمعت أبا الفضل السكري يقول: [سمعت] أبا عمرو محمد بن إسماعيل يقول: بلغني أن امرأة جاءت فدخلت قصر سفيان بن عاصم، وتمرغت في تراب بعض القصر، وكتبت على بعض حيطانه:\nأليس كفى حزنًا بذي الشوق أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرى\nمقيمًا بها يومًا إلى الليل لا يرى ... أوانس قد كانت تحل بها دهرا\nعلى إن ذا الشوق الموكل بالصبا ... يزيد اشتياقًا فلما حاول الصبرا\nوكتبت تحتها: كتبتها آمنة بنت عبد العزيز زوجة سفيان بن عاصم.\nومن الفتوة أن يجتنب خيانة الأصدقاء ويصدق في مودتهم. أخبرنا أبو المفضل الشيباني، حدثنا أحمد بن محمد بن بشار، حدثني محمد بن الوز، حدثنا","vol":"1","page":96},{"text":"محمد بن الحسين بن الحرقان قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إنما سموا إخوانًا لتنزههم عن الخيانة، وسموا أصدقاء لأنهم تصادقوا حق المودة.\nومن الفتوة أن لا يعيب الرجل على صديقه يومًا بعدما عرف صدق مودته. سمعت محمد بن أحمد بن توبة المروزي [يقول:] إذا عرفت الرجل بالمودة فسيئاته كلها مغفورة، وإذا عرفته بالعداوة، فحسناته كلها مردودة عليه.\nواعلم –تولى الله رعايتك- أن أصل الفتوة هو حفظ مراعاة الدين، ومتابعة السنة. واتباع ما أمر الله به نبيه ﵇ من قوله ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ . وقال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ . وما قال النبي ﷺ يوم دخوله مكة: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، وادخلوا الجنة بسلام»، وما نهى النبي ﵇ من قوله: «لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله» .\nومن موجبات الفتوة: الصدق، والوفاء، والسخاء، وحسن الخلق، وكرم النفس، وملاطفة الإخوان، ومعاشرة الأصحاب، ومجانبة سماع القبيح، والرغبة","vol":"1","page":97},{"text":"في اصطناع المعروف، وحسن المجاورة. ولطف المحادثة، وكرم العهد، والإحسان إلى من ولاك الله أمره من الأهل والعبيد، وتأديب الأولاد، والتأدب بالأكابر، والتباعد عن الحقد والغش والبغضاء، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، والتوسعة على الإخوان في ماله وجاهه، وترك الامتنان عليهم بذلك، وقبول المنة ممن انبسط إليه في ماله وجاهه، والقيام بخدمة الأضياف، وإعشاق المنة لهم في إجابتهم وتحرمهم بطعامه، والسعي في حوائج الإخوان بنفسه وماله، ومكافأة الإساءة بالإحسان، والتهاجر بالتواصل، وملازمة التواضع، ومجانبة الكبر. وترك الإعجاب بأحواله وأسبابه، وبر الوالدين، وصلة الأقارب، والغض عن مساوئ الإخوان، وستر قبائحهم، والنصيحة لهم في الخلوة، والدعاء لهم في جميع الأوقات، ورؤية أعذار الخلق فيما هم فيه، وملازمة اللائمة على نفسه لما تيقن من شرها وغدرها والتآلف مع الخلق، والشفقة على المسلمين والملاطفة معهم، والإحسان إليهم، والرحمة على الفقراء والإشفاق على الأغنياء، والتواضع للعلماء، وقبول الحق ممن يسمع، وحفظ اللسان عن الكذب والغيبة، وحفظ السمع عن سماع الختا، وغض البصر عن المحارم، والإخلاص في الأعمال، والاستقامة في الأحوال، ومراعاة الظاهر، ومراقبة الباطن، ورؤية الخير في الخلائق، وصحبة الأخيار، ومجانبة الأشرار، والإعراض عن الدنيا، والإقبال على الله تعالى، وترك المرادات، وخلو الهمة عن التدنس بهذه الفانية، والتعزز","vol":"1","page":98},{"text":"بمجالسة الفقراء، والترقي عن تعظيم الأغنياء لسبب غنائهم، يكون غناه بربه، ويكون شاكرًا في غناه، وقول الحق من غير مبالاته لائمة، والشكر على المحاب، والصبر على المكاره، والتباعد عن الخيانة، وكتمان الأسرار، والرضا بالدون من المجلس، وترك مطالبة حقوقه، واستيفاء حقوقهم، ومطالبة النفس بذلك، وحفظ حرمات الله في الخلوات، والمشورة مع الأصحاب، والاعتماد على الله دون غيره عند العدم، وقلة الطمع، والتعزز بالقناعة، وتحمل مؤن الخلق، وحمل مؤونته عنهم، ومعرفة حرمة الصالحين، والشفقة على المذنبين، والاجتهاد أن لا يتأذى به أحد، وأن لا يخالف ظاهره باطنه، وأن يكون لصديق صديقه [صديقًا]، ولعدو صديقه عدوًا، وأن لا يغيره نأي الدار، ولا بعد المزار.\nوهذه وأشباهها من طرق الفتوة وأخلاقها، ونحن نسأل الله تعالى أن يمن علينا بالأخلاق السنية، ويرزقنا استعمال طرق الفتوة، وأن لا يؤاخذنا بما نحن فيه من تضييع أوقاتنا وإهمال أحوالنا، وأن يوفقنا لما يقربنا إليه، ويزلفنا لديه، إنه قريب مجيب.\nوالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين أجمعين وسلم تسليمًا دائمًا كثيرًا","vol":"1","page":99}]}