{"ً":{"ٌ":269,"ٍ":"غرر البيان من سورة يوسف -﵇- في القرآن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/grbyn/grbyn.pdf"]},"ّ":"الكتاب: غرر البيان من سورة يوسف -﵇- في القرآن\nالمؤلف: أحمد محمود خليل الشوابكة\nتقديم ومراجعة: أ. د. أحمد نوفل - أ. د. محمود السرطاوي - د. صلاح الخالدي\nالناشر: دار الفاروق للنشر والتوزيع، عمان\nالطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م\nعدد الصفحات: ٢٣٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":3046,"ٕ":3,"ٖ":1780758547,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم","level":1,"page":4},{"title":"الإهداء","level":2,"page":4},{"title":"تقديم أ. د. أحمد نوفل","level":2,"page":5},{"title":"تقديم أ. د. محمود السرطاوي","level":2,"page":7},{"title":"المقدمة","level":1,"page":9},{"title":"سورة يوسف: حسن المطلع","level":1,"page":15},{"title":"سبب التسمية","level":2,"page":15},{"title":"سبب النزول","level":2,"page":15},{"title":"من أوجه التناسب بين سورة يوسف وما قبلها وما بعدها","level":2,"page":17},{"title":"براعة التخلص","level":2,"page":20},{"title":"القسم الأول: رؤيا يوسف - ﵇ -","level":1,"page":21},{"title":"الكريم (يوسف - ﵇ -)","level":2,"page":21},{"title":"رؤيا يوسف - ﵇ - من مبشرات النبوة","level":2,"page":21},{"title":"هدي النبي - ﷺ - فيمن رأى رؤيا","level":2,"page":22},{"title":"يوسف - ﵇ - يقص رؤياه على أبيه","level":2,"page":23},{"title":"من أغراض التكرير","level":2,"page":24},{"title":"تنزيل غير العاقل منزلة العاقل","level":2,"page":25},{"title":"يعقوب - ﵇ - يعبر رؤيا يوسف","level":2,"page":26},{"title":"القسم الثاني: أذى إخوته","level":1,"page":27},{"title":"مقدمة المؤامرة","level":2,"page":27},{"title":"دقة النظم القرآني في استخدام حروف المعاني","level":2,"page":29},{"title":"المعاني التي يحتملها لفظ الضلال","level":2,"page":30},{"title":"الشروع في المؤامرة","level":2,"page":31},{"title":"يوسف في غيابة الجب","level":2,"page":33},{"title":"ظلم ذوي القربى","level":2,"page":34},{"title":"عودة الأبناء إلى أبيهم يعلوهم البكاء","level":2,"page":35},{"title":"من بديع القرآن التنكيت","level":2,"page":36},{"title":"قميص الجفاء","level":2,"page":37},{"title":"يعقوب يتلقى الخبر بالصبر","level":2,"page":38},{"title":"الصبر الجميل","level":2,"page":38},{"title":"شرعة المسابقة","level":2,"page":40},{"title":"لا تلقنوا أولادكم الحجة فيكذبوا","level":2,"page":41},{"title":"الجهل بالغيب","level":2,"page":41},{"title":"الحسد مثار أول جناية","level":2,"page":43},{"title":"في الحسد","level":2,"page":43},{"title":"مقارنة بين سيدنا يوسف - ﵇ - وسيدنا محمد - ﷺ - في مسألة وجود الأب وعدمه","level":2,"page":46},{"title":"خروج يوسف من الجب","level":2,"page":46},{"title":"القسم الثالث: قصته في بيت العزيز","level":1,"page":48},{"title":"يوسف في بيت العزيز","level":2,"page":48},{"title":"الحكم يأتي في القرآن بمعنيين","level":2,"page":49},{"title":"مراودة امرأة العزيز ليوسف","level":2,"page":50},{"title":"تنوع القراءات في ﴿المخلصين﴾ بين البناء للفاعل والبناء للمفعول","level":2,"page":53},{"title":"قميص البراءة","level":2,"page":54},{"title":"ليس البيان بكثرة الكلام","level":2,"page":55},{"title":"وثيقة البراءة","level":2,"page":56},{"title":"من عجائب النظم القرآني","level":2,"page":57},{"title":"الدرس الذي نأخذه من الحادثة","level":2,"page":57},{"title":"فضل من هجر الفواحش","level":2,"page":59},{"title":"العزيز يخطئ زوجته","level":2,"page":61},{"title":"الفرق اللغوي بين خاطئ ومخطئ","level":2,"page":62},{"title":"من بديع القرآن الالتفات","level":2,"page":62},{"title":"الكيد في القرآن الكريم","level":2,"page":62},{"title":"كل سر جاوز اللسان شاع","level":2,"page":63},{"title":"دلالة تجريد الفعل المسند إلى جمع التكسير من التاء أو قرنه بها","level":2,"page":64},{"title":"امرأة العزيز تقيم الحجة على النسوة","level":2,"page":65},{"title":"يوسف - ﵇ - في السماء الثالثة ليلة المعراج وقد أوتي شطر الحسن","level":2,"page":67},{"title":"في الوصل والفصل","level":2,"page":67},{"title":"تجاهل العارف","level":2,"page":68},{"title":"دعوى الزيادة في القرآن","level":2,"page":69},{"title":"القسم الرابع: يوسف في السجن","level":1,"page":71},{"title":"مناجاة يوسف لربه","level":2,"page":71},{"title":"بناء أفعل في التفضيل للمشتركين في الشيء، وقوله: ﴿السجن أحب إلي مما يدعونني إليه﴾","level":2,"page":72},{"title":"سر قراءة لفظ ﴿السجن﴾ بوجوه في موضع، وقراءته بوجه واحد","level":2,"page":72},{"title":"تقرير سجن يوسف - ﵇ -","level":2,"page":73},{"title":"إعراب ﴿ليسجننه﴾ (ل ي س ج ن ون ن ن هـ)","level":2,"page":74},{"title":"تجاور نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة في آية من سورة يوسف","level":2,"page":75},{"title":"الأسباب التي أدت إلى سجن يوسف","level":2,"page":76},{"title":"رؤيا الفتيين","level":2,"page":77},{"title":"يوسف يمهد للدعوة إلى التوحيد","level":2,"page":78},{"title":"محسنات بديعية في بعض آية","level":2,"page":80},{"title":"لواء التوحيد حمله الأنبياء جميعا","level":2,"page":81},{"title":"دعوة يوسف إلى التوحيد","level":2,"page":85},{"title":"أدب الأنبياء في الخطاب","level":2,"page":87},{"title":"التعريض في سورة يوسف","level":2,"page":88},{"title":"نتعلم من دعوة يوسف - ﵇ -","level":2,"page":89},{"title":"الفرق بين ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾ و﴿ما نزل الله بها من سلطان﴾","level":2,"page":91},{"title":"تأويل يوسف رؤيا الفتيين","level":2,"page":92},{"title":"حذف الفاعل وإقامة المفعول مقامه","level":2,"page":93},{"title":"علم التعبير داخل في الفتوى","level":2,"page":93},{"title":"يوسف يأخذ بالأسباب","level":2,"page":94},{"title":"التورية المرشحة","level":2,"page":95},{"title":"لم لم ينه يوسف السائل عن سقي ربه خمرا؟","level":2,"page":95},{"title":"تسمية الملك ربا","level":2,"page":96},{"title":"الشر لا يضاف إلى الله تعالى","level":2,"page":96},{"title":"رؤيا الملك","level":2,"page":98},{"title":"أكرم بمن عرف قدر نفسه!","level":2,"page":99},{"title":"الحاجة إلى العلماء","level":2,"page":99},{"title":"يغلب على الحلم أن يرى ولا يسمع","level":2,"page":99},{"title":"ابتداء البلاء ونهايته برؤيا","level":2,"page":100},{"title":"ثمرة الإحسان","level":2,"page":100},{"title":"حذف الجملة","level":2,"page":101},{"title":"إخفاء اسم الملك عن يوسف حال استفتائه في تأويل الرؤيا","level":2,"page":102},{"title":"تأويل يوسف - ﵇ - رؤيا الملك","level":2,"page":103},{"title":"الفرق اللغوي بين عام وسنة","level":2,"page":105},{"title":"ما رأى رسول الله - ﷺ - النقي (الدقيق المنقى)!","level":2,"page":106},{"title":"القسم الخامس: تنظيمه للخزائن المصرية","level":1,"page":108},{"title":"يوسف - ﵇ - يرفض طلب الملك","level":2,"page":108},{"title":"البراءة أولا","level":2,"page":109},{"title":"ثناء النبي - ﷺ - على يوسف - ﵇ -","level":2,"page":109},{"title":"اعتراف امرأة العزيز ببراءة يوسف","level":2,"page":110},{"title":"تحقق صرف الكيد","level":2,"page":111},{"title":"تتمة الاعتراف ونهاية المطاف","level":2,"page":111},{"title":"في الوجوه والنظائر","level":2,"page":112},{"title":"الشهود على براءة يوسف","level":2,"page":113},{"title":"توبة امرأة العزيز","level":2,"page":114},{"title":"آخر كلمة قالتها امرأة العزيز","level":2,"page":115},{"title":"العار خالد","level":2,"page":115},{"title":"طلب الملك ليوسف ثانية","level":2,"page":115},{"title":"يوسف - ﵇ - في بلاط الملك","level":2,"page":116},{"title":"تعلم عدم الحسد","level":2,"page":117},{"title":"الحديث أدل على الرجل من لباسه","level":2,"page":117},{"title":"تمكين يوسف في الأرض","level":2,"page":118},{"title":"رد دعوى زواج يوسف بامرأة العزيز","level":2,"page":118},{"title":"خضوع المؤمن وموالاته لغير المؤمن","level":2,"page":119},{"title":"يوسف النبي والرسول","level":2,"page":119},{"title":"مجيء إخوة يوسف مصر لشراء القمح","level":2,"page":120},{"title":"مطالبة يوسف إخوته بإحضار أخيهم","level":2,"page":121},{"title":"إغراء وتحذير","level":2,"page":121},{"title":"نقض قولهم يوسف يمن على إخوته","level":2,"page":122},{"title":"وعد وموافقة","level":2,"page":122},{"title":"يوسف يسعى لضمان مجيء أخيه","level":2,"page":123},{"title":"ليس من رسول كالدرهم","level":2,"page":123},{"title":"لماذا لم يظهر يوسف نفسه لإخوته؟","level":2,"page":123},{"title":"كنه البضاعة","level":2,"page":124},{"title":"الإخوة يطلبون أخاهم من أبيهم","level":2,"page":124},{"title":"جواب يعقوب - ﵇ -","level":2,"page":125},{"title":"إغراء الإخوة لأبيهم","level":2,"page":125},{"title":"الإخوة يقطعون المواثيق على أنفسهم","level":2,"page":126},{"title":"معرفة الوقف والابتداء","level":2,"page":127},{"title":"الحذر لازم بجانب القدر","level":2,"page":127},{"title":"وصية يعقوب - ﵇ - لأولاده","level":2,"page":127},{"title":"التوكل محله القلب","level":2,"page":129},{"title":"قلوب العارفين لها عيون","level":2,"page":129},{"title":"\" العين حق \"","level":2,"page":130},{"title":"مشروعية الرقية من العين","level":2,"page":131},{"title":"عادات الأمم في دفع إصابة العين","level":2,"page":132},{"title":"هدي النبي - ﷺ - في علاج المصاب بالعين","level":2,"page":133},{"title":"﴿إن الحكم إلا لله﴾ على لسان يوسف ويعقوب","level":2,"page":135},{"title":"التقدير أقوى من التدبير","level":2,"page":136},{"title":"يوسف يعرف أخاه به ويتخذ التدابير لإبقائه عنده","level":2,"page":137},{"title":"الإخوة يردون التهمة","level":2,"page":137},{"title":"من علوم المعاني الاعتراض","level":2,"page":138},{"title":"مشروعية الجعالة","level":2,"page":139},{"title":"الإخوة في مصيدة يوسف","level":2,"page":140},{"title":"حكم السرقة في شريعة يعقوب - ﵇ -","level":2,"page":141},{"title":"ما أعظم الفرق!","level":2,"page":142},{"title":"ثبوت السرقة على شقيق يوسف","level":2,"page":142},{"title":"الكيد المذموم والكيد الممدوح","level":2,"page":143},{"title":"كيف جاز ليوسف أن ينصب أحبولة لإخوته؟","level":2,"page":143},{"title":"الإخوة يطعنون بيوسف","level":2,"page":144},{"title":"استعطاف الإخوة ليوسف ورده الاستعطاف","level":2,"page":145},{"title":"تكرير كلمة ﴿معاذ الله﴾","level":2,"page":146},{"title":"المفاوضة والقرار","level":2,"page":146},{"title":"كلام الله تعالى لا يقدر عليه مخلوق","level":2,"page":148},{"title":"الشورى","level":2,"page":148},{"title":"خطاب الجمع بلفظ الواحد","level":2,"page":149},{"title":"يعقوب يتلقى النبأ بالصبر والآمال","level":2,"page":149},{"title":"الظن على الكاذب","level":2,"page":149},{"title":"الثبات على المبادئ","level":2,"page":150},{"title":"آية كأنها ثوب سابغ على يعقوب - ﵇ -","level":2,"page":150},{"title":"عبرات على يوسف","level":2,"page":150},{"title":"الشكاية ملفوظة وملحوظة","level":2,"page":152},{"title":"ائتلاف اللفظ مع اللفظ وائتلافه مع المعنى","level":2,"page":152},{"title":"من بديع القرآن الانسجام","level":2,"page":153},{"title":"عطف أحد اللفظين المتجاورين في المعنى على الآخر","level":2,"page":154},{"title":"عبرة وعبرة","level":2,"page":154},{"title":"نشيج عمر - ﵁ - وهو يقرأ: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾","level":2,"page":156},{"title":"الحزن لا يتنافى مع الصبر الجميل","level":2,"page":156},{"title":"فضل من ذهب بصره","level":2,"page":157},{"title":"ثواب المؤمن فيما يصيبه من هم وحزن ونحو ذلك","level":2,"page":157},{"title":"الابتلاء عام","level":2,"page":158},{"title":"﴿ياأسفا﴾ الكلمة الفريدة","level":2,"page":158},{"title":"عودة الإخوة لمصر للمرة الثالثة","level":2,"page":158},{"title":"خضوع الإخوة للغريب وتعاظمهم على أبيهم وأخيهم","level":2,"page":159},{"title":"الفرق بين ﴿المتصدقين﴾ و﴿المصدقين﴾","level":2,"page":160},{"title":"يوسف يذكر إخوته ويعاتبهم","level":2,"page":161},{"title":"مصداق","level":2,"page":162},{"title":"يوسف يضمن عتابه لإخوته الاعتذار عنهم","level":2,"page":162},{"title":"يوسف يظهر نفسه لإخوته","level":2,"page":162},{"title":"ما الإحسان؟!","level":2,"page":163},{"title":"الترغيب في لزوم التقوى والصبر","level":2,"page":165},{"title":"تقديم التقوى على الصبر مع الإخوة والأحباء وتأخيرها مع الأعداء","level":2,"page":165},{"title":"تواضع الأنبياء","level":2,"page":166},{"title":"مدح الذل في موضعين","level":2,"page":167},{"title":"تغاير القراءات بين الخبر والاستفهام وتنوع المعنى","level":2,"page":167},{"title":"توبة الإخوة وصفح يوسف","level":2,"page":169},{"title":"العفو والصفح","level":2,"page":170},{"title":"قميص الشفاء","level":2,"page":172},{"title":"عودة الإخوة إلى أبيهم بالبشارة","level":2,"page":173},{"title":"التورية في لفظ ﴿ضلالك﴾","level":2,"page":174},{"title":"أقمصة يوسف - ﵇ -","level":2,"page":174},{"title":"ثلاثة أقمصة وثلاث آيات","level":2,"page":175},{"title":"الإخوة يطلبون الاستغفار من أبيهم","level":2,"page":175},{"title":"تخفيف التوكيد لأخيهم وتشديده لأبيهم","level":2,"page":176},{"title":"تطور شخوص القصة","level":2,"page":177},{"title":"القسم السادس: الخاتمة","level":1,"page":179},{"title":"ساعة اللقاء","level":2,"page":179},{"title":"الاشتراك في الدخول والانفراد في الإيواء","level":2,"page":179},{"title":"مصر في القرآن","level":2,"page":180},{"title":"تأويل رؤيا يوسف وحديث الوئام","level":2,"page":181},{"title":"سبق ما يقتضي التقديم","level":2,"page":182},{"title":"الاعتراف لله بالنعم","level":2,"page":184},{"title":"لا سجود إلا لله تعالى وحده","level":2,"page":185},{"title":"بين رؤيا يوسف وعبارتها أربعون عاما","level":2,"page":185},{"title":"مسك الختام","level":2,"page":186},{"title":"العبرة بالخواتيم","level":2,"page":187},{"title":"آية تلخص قصة يوسف","level":2,"page":187},{"title":"الأوصاف التي اشتهر بها يوسف - ﵇ -","level":2,"page":188},{"title":"دعوى النسخ في قوله: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين (١٠١)﴾","level":2,"page":189},{"title":"هل إخوة يوسف أنبياء؟","level":2,"page":190},{"title":"تمثيل الشهور كإخوة يوسف","level":2,"page":191},{"title":"وصية يعقوب - ﵇ - لبنيه عند الموت","level":2,"page":191},{"title":"عبارات تكررت على نفس اللسان في غير مكان وزمان","level":2,"page":191},{"title":"إثبات نبوة سيدنا محمد - ﷺ -","level":2,"page":193},{"title":"تعين الدعوة إلى الله على بصيرة على كل مؤمن","level":2,"page":195},{"title":"الإيمان المقيد بحال الشرك","level":2,"page":196},{"title":"ابتداء السورة وانتهاؤها بالعلم","level":2,"page":198},{"title":"التوافق بين المطلع والنهاية","level":2,"page":198},{"title":"سبحان من لا يزول ملكه!","level":2,"page":199},{"title":"براعة المطلب وحسن التوسل","level":2,"page":200},{"title":"آيات فيها ذكر نجاة من شدة أو خوف ونحو ذلك","level":2,"page":200},{"title":"حسن المقطع في سورة يوسف","level":2,"page":201},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":203}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,5":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,237":218},"ٜ":{"1":[1,237]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,237"],"ٞ":{"4":[1,2],"5":[3],"7":[4],"9":[5],"15":[6,7,8],"17":[9],"20":[10],"21":[11,12,13],"22":[14],"23":[15],"24":[16],"25":[17],"26":[18],"27":[19,20],"29":[21],"30":[22],"31":[23],"33":[24],"34":[25],"35":[26],"36":[27],"37":[28],"38":[29,30],"40":[31],"41":[32,33],"43":[34,35],"46":[36,37],"48":[38,39],"49":[40],"50":[41],"53":[42],"54":[43],"55":[44],"56":[45],"57":[46,47],"59":[48],"61":[49],"62":[50,51,52],"63":[53],"64":[54],"65":[55],"67":[56,57],"68":[58],"69":[59],"71":[60,61],"72":[62,63],"73":[64],"74":[65],"75":[66],"76":[67],"77":[68],"78":[69],"80":[70],"81":[71],"85":[72],"87":[73],"88":[74],"89":[75],"91":[76],"92":[77],"93":[78,79],"94":[80],"95":[81,82],"96":[83,84],"98":[85],"99":[86,87,88],"100":[89,90],"101":[91],"102":[92],"103":[93],"105":[94],"106":[95],"108":[96,97],"109":[98,99],"110":[100],"111":[101,102],"112":[103],"113":[104],"114":[105],"115":[106,107,108],"116":[109],"117":[110,111],"118":[112,113],"119":[114,115],"120":[116],"121":[117,118],"122":[119,120],"123":[121,122,123],"124":[124,125],"125":[126,127],"126":[128],"127":[129,130,131],"129":[132,133],"130":[134],"131":[135],"132":[136],"133":[137],"135":[138],"136":[139],"137":[140,141],"138":[142],"139":[143],"140":[144],"141":[145],"142":[146,147],"143":[148,149],"144":[150],"145":[151],"146":[152,153],"148":[154,155],"149":[156,157,158],"150":[159,160,161],"152":[162,163],"153":[164],"154":[165,166],"156":[167,168],"157":[169,170],"158":[171,172,173],"159":[174],"160":[175],"161":[176],"162":[177,178,179],"163":[180],"165":[181,182],"166":[183],"167":[184,185],"169":[186],"170":[187],"172":[188],"173":[189],"174":[190,191],"175":[192,193],"176":[194],"177":[195],"179":[196,197,198],"180":[199],"181":[200],"182":[201],"184":[202],"185":[203,204],"186":[205],"187":[206,207],"188":[208],"189":[209],"190":[210],"191":[211,212,213],"193":[214],"195":[215],"196":[216],"198":[217,218],"199":[219],"200":[220,221],"201":[222],"203":[223]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"غُرَر البَيَان\nمن سورة يوسف - ﵇ - في القرآن\nدراسة قصصيَّة ولمسات بيانيَّة","vol":"1","page":1},{"text":"حقوق الطبع محفوظة\nالطبعة الأولى\n١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م\n\nحقوق الطبع محفوظة. لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من\nالأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع\nالكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته الى أي لغة\nأخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من دار الفاروق.\n\nدار الفاروق\nللنشر والتوزيع\nعمان - العبدلي - عمارة جوهرة القدس\nتلفكاس ٠٠٩٦٢٦٤٦٤٠٠٦٤\nE-mail: daralfarouq@ yahoo.com","vol":"1","page":2},{"text":"غُرَر البَيَان\nمن سورة يوسف - ﵇ - في القرآن\nدراسة قصصيَّة ولمسات بيانيَّة\n\n﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ...﴾\n\nأحمد محمود الشوابكة\n\nتقديم ومراجعة\nأ. د. أحمد نوفل ... أ. د. محمود السَّرطاوي ... كليَّة الشَّريعة - الجامعة الأردنيَّة ... كليَّة الشَّريعة - جامعة العلوم الإسلاميَّة العالميَّة\nد. صلاح الخالدي\nكليَّة الشَّريعة - جامعة العلوم الإسلاميَّة العالميَّة","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>الإهداء</span>\nإِلى مَنْ أوْصَاني ربِّي بهما خَيرًا، فقال:\n﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء].\nإِلى مَنْ أَسْأَلُ رَبِّي لهما خَيرًا، فأقول:\n﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء].\nابنكما البَارُّ\nالغَنِيُّ بالفَقْرِ إِلى الله\nأحمد محمود خليل الشوابكة\nأبو عبيدة","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تقديم\nأ. د. أحمد نوفل</span>\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان] والصَّلاة والسَّلام على من كان خلقه القرآن - - ﷺ - ـ، وعلى آله وأصحابه الكرام، وبعد:\nفإنَّ القرآنَ أعظمُ المعجزات، وقصصه من أعظم معجزاته، وقصَّة يُوسُفَ أروع هذه القصص، وأبدع ما عرفت الدُّنيا من قصص، فلا جَرَمَ، يقول ربُّنا ﵎ في مطلعها وفاتحتها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... (٣)﴾ [يوسف] ووصْف الأحسنيَّة ليس مقتصرًا على هذه القصَّة بطبيعة الحال، ولكنَّ حظَّها من الأحسنيَّة حظٌّ أوفى.\nوقد جَذَبَتْ هذه القصَّةُ أقلامًا كثيرة لتكتُبَ عنها، وأنظارًا كثيرة تستجلي حسنَها وبهاءَها، وقد كَتَبْتُ منذ أكثر من ربع قرنٍ كتابًا جَاوزَ ستمائة صفحة، وما وفَّيتها حقَّها.\nوقد أطلعني الأستاذ أحمد على مخطوطة كتابه (غرر البيان من سورة يُوسُفَ - - ﵇ - - في القرآن)، وهو كِتَابٌ وجيز لطيف، فيه من رياض التَّفاسير مقتطفاتٌ، ومن بحارها غُرُفَاتٌ، ومن فِكْرِ صاحب الكتاب نَظَرَاتٌ.\nوقد تصفَّحت الكتابَ، فوجدت حِرْصًا عند صاحبه وإخلاصًا على تخليصه من الإسرائيليّات، وهذا بحدّ ذاته مَطْلبٌ عزيز عَزَّ من اعتنى به، فنحن في وقت كَثُرَ الاغترافُ من عين الإسرائليَّات الحمئة، وقلَّ من يترفَّع عن لوثاتها.","vol":"1","page":7},{"text":"على كلِّ حال، هذه واحدة من مزايا الكتاب، ولغة صاحبه جيِّدة، فالكتاب رَشِيقُ العِبارةِ واللُّغة، كأنَّ لُغَتَهُ الأمْثَالُ المُرْسَلة.\nأمَّا تحليله للآيات ففيه من لطائف القرآن، ولمسات البيان الشّيء الطَّيِّب ... أسأل الله لصاحبه التَّوفيق والمزيد.\nأ. د. أحمد نوفل\nأستاذ التَّفسير والدِّراسات القرآنيَّة\nكليَّة الشَّريعة - الجامعة الأردنيَّة\nعمَّان ٧/ذو الحجّة /١٤٣٠ هـ\nالموافق ٢٤/ ١١/ ٢٠٠٩ م","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تقديم\nأ. د. محمود السَّرطاوي</span>\nالحَمْدُ لله الهادي إلى سَواء السَّبيل، يُؤتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، ولا يَنْسى من فَضْلِهِ أحَدًا، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مُعَلِّم النَّاس الخير، وقُدْوَتِهم في الدَّعوة والإصلاح، رسُولِ الإنسانيَّة محمَّدٍ بن عبد الله - - ﷺ - - وعلى الآل والصَّحب الأخيار الأطهار الأبرار، وعلى مَنْ تَبِعَهُم وَسَارَ على منهجهم إلى يومِ الدِّين، وبعد:\nفإنَّ العِلْمَ - كما يقولون - رَحِمٌ بين أَهْلِهِ، وقَلِيلٌ هم أولئكَ النَّفر الَّذين يتمسَّكون بهذا القول منهجًا وسُلُوكًا.\nلم يكُن الأستاذ أحمد أحَدَ طلَّابي، وهم كُثُرٌ وفيهم الخير الكثير، لكنَّه دَلَفَ إليَّ ذات يوم بمخطوطة كتابه لأضع لها مُقدّمة، فقَرَأْتُ المخطوطة لأرى إنْ كانت المنهجيَّة سليمة والأهدافُ واضحةً، وإذا بي أَقِفُ على كلامٍ لرَجُلٍ طَلْقِ العِبَارة، له بَاعٌ في الأدب واللُّغة، قادر على صَيْدِ اللآلِئ، غوَّاص إلى المعاني، يُعبِّرُ عنها ببيان تَطْرَبُ له الآذان، وتستجِيبُ له الأفئدة، وتستهويه النُّفوس.\nوتعتمد دراسته على منهجيَّة علميَّة بعيدة عن الهوى، يَرِدُ فيها الموارِدَ الصَّعْبَةِ الَّتي زلَّت فيها أقلامُ أقوام ساروا ورَاءَ الهوى؛ فلم تصفُ كتبهم من الأقذاء والأكدار، لكنَّ صاحِبَنا - بفضل من الله تعالى عليه - يَشْرَبُ منها ماءً عذبًا، ويفيضُ بما منحه اللهُ تعالى على الآخرين.\nوالكتابُ الَّذي بين يدي القارِئ ضمَّنه الكاتب فوائد وفرائد عديدة، حيث تحدَّثَ عن منهج الدُّعاةِ، وما ينبغي أن يتَّصِفَ الدَّاعية به من العِلْمِ والحِلْمِ والصَّبر والأناةِ ... وتحدَّثَ عمَّا يلاقيه الدَّاعية من المِحَن، وما يناله من الأذى، وهذا ليس غريبًا، فالله تعالى يقول: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان].\nويُضيفُ الكاتبُ إلى هذا جُمْلَةً من المعاني والمبادئ المستنبطة من قصَّة يُوسُفَ","vol":"1","page":9},{"text":"ـ - ﵇ - ـ، منها مبدأ الشُّورى، ومبدأ العدل، وأُسُسُ التَّقاضي، فعزيز مِصْر يخطِّئ زوجته، ويحكم بما أمْلَتْه العدالة وأصول التَّقاضي على زوجته، فيقول: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ ... (٢٨)﴾ [يوسف].\nوقد ضمَّن الكَاتِبُ بين دفَّتي كتابه من اللّطائف القرآنيَّة، واللَّمسات البيانيَّة ما لا يتَّسع المقام لذكرها، وحسبي أن أشَرتُ لبعضِها.\nوقد انشَرحَ صدري على معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ... (٢٤)﴾ [يوسف] حيثُ وضَّح ببيان اللُّغة نفي ما توهَّمه بعضهم ممَّا لا يليق بالأنبياء من أنَّ يُوسُفَ - - ﵇ - - همَّ بالوقوع في الجريمة لولا أن رأى برهان ربِّه.\nلقد وَقَفَ الكاتبُ وقْفَةَ تأمِّلٍ بعد ذكره المحن الَّتي مرَّ بها يُوسُفُ - - ﵇ - ـ، ومرَّ بمثلها وأكثر منها سيِّدُ الأنام محمَّد - - ﷺ - - فيما يؤولُ إليه أمرُ الصَّابرين الصَّادقين من الفوز والنَّجاح، وتحقيق الأهداف، جميلٌ هذا الرَّبط بين قصَّة يُوسُفَ - - ﵇ - - ومناسبة نزولها، وبديع ذلك البيان لمكانة سُورة يُوسُفَ بين أخواتها في القرآن.\nأسألُ اللهَ تعالى أن ينفعَ به، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأبرَّه وأوفاه، وأن يتغمَّدني اللهُ تعالى بعفوه ومغفرته وكرمه والمسلمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.\nأ. د. محمود علي السَّرطاوي\nأستاذ الفقه المقارن\nنائب رئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة العالميَّة\n\n١/محرَّم/١٤٣١ هـ\n١٨/ ١٢/٢٠٠٩ م","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المقدّمة</span>\nالحمدُ لله الكريم المنَّان، أنزل أعظم كتاب هو القرآن، على أعظم نبيٍّ هو سيِّدنا محمَّدٍ خَيْرِ الأنام، الَّذي أزال بيانُه عن الأذهان والأفهام كُلَّ إِبْهَام، أشرف الخلق عجمًا وعربًا، وأزكاهم حَسَبًا، وأطهرهم نَسَبًا، وعلى آله الَّذين اهتدوا بهداه، وعلى أصحابه الَّذين استمسكوا من الدِّين القَيِّم بِعُراه.\nوبعد، فلا ريب أن علوم القرآن كثيرة، وفنونها غزيرة، وضروبها جمَّة جليلة، يجلُّ عنها القولُ مهما كان بالغًا، ويَقْصُر عنها الوَصْفُ مهما كان سَابِغًا.\nومن أعظم علوم القرآن قَدْرًا، وأعلاها أمرًا علمُ التَّفسير والتَّأويل، وقد رأيت مصنَّفات لا تحصى، فيها من الموضوعات والإسرائيليّات ما بين مختصر ومبسوط ما لا يُسْتقصى، وقد نال القصص القرآنيّ منها الحظّ الأوفى.\nفقد تكلَّم في قصص القرآن خَلْقٌ كثير، فدرسوا معانيها ومبانيها، وتدبَّروا في تفسيرها وتأويلها، وتكلَّموا في نُكَتِها ولطائفها ... وسيظلُّ القرآنُ مَشْغَلَة الدَّارسين، وحديثَ الباحثين، جيلًا فجيلًا إلى يوم الدِّين ... ولكن كان خليقًا بالَّذين شانوا كتبهم بأخبار القُصَّاص وحكايات الوضَّاعين وخلافها، ألَّا يخوضوا كالَّذي خاضوا، وألَّا يزيدوا على كدرٍ كدرًا!\nوقصَّة يُوسُفَ - - ﵇ - - أسَرَتْ عَبْر الزَّمان قلوبًا، وأبكت عيونًا؛ كيف وقد وُصِفَت بأحْسَن القصص، كيف وقد قصَّها الله علينا بالحقِّ من أنباء ما قد سبق! كيف وقد جاءت بألفاظٍ مُدَبَّجة، ومعانٍ متوَّجة، موشَّاة بألوان الفوائد والفرائد، غنيَّة بوجوه المعارف وشوارد الطَّرائف، مفعمة بالإيماءات النَّفسيَّة النَّفيسة!","vol":"1","page":11},{"text":"وهي قصَّة تصافِحُ القلوب، وتَسْكُن بها الخواطر، وتُقْتَبَسُ منها اللَّطائف، وتُلْتَمَسُ منها الهداية في المواطن والمواقف، وتقتنص منها غُرَرُ المعاني بعد سَبْرِ المباني، وتحثُّ على التَّفكُّر والاعتبار، والاتِّعاظ والازدجار، والائتمار والانزجار.\nومعاذ الله أنْ أدَّعي أنَّني قد عرفت ما لم أُسْبَق إليه، وما لم أُزَاحم عليه، وما لم يَطَّلِعْ أحَدٌ عليه، وما لم تصل أنظارٌ إليه، فما أنا إلَّا بَنَانُ كَفٍّ ليس فيها سَاعِد، لي همَّة لكن لا مقدرة لي على بلوغ ما في نفسي من هوىً في علوم القرآن.\nوأنا أعلم أنَّ لعلمائنا الأوائل في هذه العلوم عطاءً غَدَقًا، وما أنا بأهل أن أنطق بلسانهم، فكيف لي أن أبلغ مراتبهم، فليس الصَّحيح إذا مشى كالمقعد، وليس البَحْرُ العَذْبُ الفرات السَّائغ الشَّراب كالماءِ الملح الأُجَاج، فما أنا إلَّا طالبُ علمٍ أراد أن يَشْغَلَ نفسه بالعلوم الَّتي تقرِّب إلى الله، وتُعِينُ على الوصول إلى رضاه.\nفالمؤمن لا ينشغل بالدُّنيا عن الآخرة، ولا يُلْهِه الأَمَلُ عن الأَجَل، فالله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد] وإنَّما المؤمن يبيع نفسه ابتغاءَ مرضاة الله، وينفق عمره في الدَّعوة إلى الله على بصيرة اتِّباعًا للنَّبِيِّ - - ﷺ - - وأصحابه ﵃، وطاعة لله تعالى إذ يقول لنبيِّه - - ﷺ - ـ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ... (١٠٨)﴾ [يوسف].\nفهذه الآية من سورة يُوسُفَ رَسَمَتِ المنهج الحقَّ لكلِّ متَّبعٍ للنَّبِيِّ - - ﷺ - - أن يكون داعيةً إلى الله على بصيرة، والأمَّة اليوم قد بَعُدت عن عهد النُّبوَّة؛ فشاع في بعض جوانبها بُعْدٌ عن المنهج النَّبويِّ.","vol":"1","page":12},{"text":"وقد رأيت كثيرًا من النَّاس عن سبيل الدَّعوة ناكِبين، ولأصحابها كارهين، ولعملهم قَالِين، فالنَّجاةَ النَّجاةَ بالالتزام بالكتاب والسُّنَّة، والدَّعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ...\nواتِّباع الرَّسول - - ﷺ - - أَمَرَ اللهُ به كُلَّ إنسان في العُسْر واليُسْر والمنْشَط والمكْرَه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النّور]\nومن ثمرات اتِّباع الرَّسول - - ﷺ - - محبَّةُ الله تعالى وغفرانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران] فالآية تقتضي أنَّ محبَّة الله تجب لنا بعد اتِّباع الرَّسول - - ﷺ - ـ، ومن أَجَلِّ ما نتَّبع به الرَّسول - - ﷺ - - أن نكون دعاة إلى الله على بصيرة، فالبِدَارَ البِدارَ.\nوقد بيَّنت سورة يُوسُفَ لنا بعض ملامح الدَّاعي إلى الله، فهو يحتاج إلى أن يكون على حظٍّ وافر من العلم، والحلم، والحكمة، والأخلاق، والصَّبر، والأمانة ... كما بيَّنت لنا بعض وسائل الدَّعوة إلى الله، ومنها ذكر القصَّة لما لها من أهميَّة وأثر وهدى على حياة الدَّاعي إلى الله والمدعوّ، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... (٣)﴾ [يوسف] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ... (١١١)﴾ [يُوسُف]\nفالحاجة ماسَّة لاستخدام هذا الأسلوب القرآنيّ النَّفيس من قِبَل الدُّعاة إلى الله تعالى لتأثيره البالغ في النُّفوس: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى","vol":"1","page":13},{"text":"اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ... (٢٣)﴾ [الزّمر].\nوقصَّة يُوسُفَ تُذَكِّرُ بقول النَّبِيِّ - - ﷺ - - لمَّا سأله سَعْد أيُّ النَّاس أشدُّ بلاءً؟ فقال - - ﷺ - ـ: \" الأنبياءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ\" (^١) ولذلك ابتُلي نبيُّ الله يعقوب - - ﵇ - - بفقد حبيبه وحبيبتيه، وابتُلي يُوسُفُ - - ﵇ - - بإخوته فصار طريحًا، ثمَّ ابتلي بالسَّيَّارة فصار مملوكًا، ثمَّ ابتلي بامرأة العزيز فصار سجينًا ...\nلكنَّ سنَّة الله تعالى أن يدافع عن أوليائه المحسنين، وأن ينجِّي المتَّقين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النَّحل] فقد ردَّ اللهُ على يَعْقُوبَ بَصَرَهُ، وجمع بينه وبين يُوسُفَ بعد غُرْبةٍ دامت أربعين عامًا، ونجَّى اللهُ يُوسُفَ من الجُبِّ، والكيد، والسِّجن، وَرَفَعَهُ أعلى الدَّرجات، فما بعد المَعْسَرة إلَّا المَيْسَرة، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشَّرح] وعند انسدادِ الفُرَجِ تبدو مطالعُ الفَرَجِ، ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطَّلاق].\nما أحوج القَلبَ إلى قَصَصِ القرآن! ففيه عبرة لكلِّ إنسان، وغِنىً عن قَصَصِ وأَنْبَاء أَبْنَاء هذا الزَّمان! وهذا كتاب في قصَّة من قَصَصِ القرآن العظيم قدره، الدَّائم خيره، الجزيل نفعه، التَّامّ نوره، الواضح بيانه، القاطع برهانه ... سمَّيته (غرر البيان من سورة يُوسُفَ - ﵇ - في القرآن) جمعته من رياض التَّفاسير حسب الأصول، وحرَّرته من مختلف تفاسير أهل النُّقول، والله أسأل أن ينفع به فهو خير مرجوٍّ ومأمول.\n_________\n(^١) أحمد \" المسند \" (ج ٣/ص ٨٧/رقم ١٤٩٤) وإسناده حسن لأجل عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ.","vol":"1","page":14},{"text":"وما بي من حاجة لبيان قيمته العلميَّة، وما فيه من مزايا قلَّ أن توجد في كتاب واحد، فقد جَهَدْتُ جَهْدي على أن يأتي هذا الكتاب جامعًا لأشتات العلوم، ومنثور الفنون، وسائغًا لأرباب الفُهُوم، على أنَّه لم يأتِ ليبلغ الغاية والنِّهاية فيها، وإنَّما لينبِّه لها ويذكِّر بها.\nوحرصت على إعفائه من الإسهاب والإطناب والتَّطويل والتَّثقيل، مع الاقتصاد في اللَّفظ، والوفاء في المعنى.\nوقد هذَّبت لفظه، وذهَّبْتُ نَظْمَه، وضَمَّنته من بديع الكلام وحلوه، ودُرِّيِّه ودُرِّه، وجمعت فيه نثير الجُمان، ودُرر البيان، لأعيد لهذه اللُّغة في القلوب هيبتها، ولكن أنَّى لمثلي أن يُحاكي وشْيَها البليغ، وحبكها البديع!\nوكنت وضعت كتابًا للنَّشء قبل عقدين من الزَّمان، ثمَّ رأيت أن أضع كتابًا للعامَّة والخاصَّة من ذوي البصائر والأذهان والحذق والإتقان، لتتمَّ الفائدة، وتكمل المنفعة، على أنَّني لم أنتهِ به إلى غاية ليس وراءَها مُريدٌ من كلِّ وجه؛ فالقرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته، وسيظلُّ لابسًا حُلَلًا من الجزالة والفصاحة، لا تنالها أقلام الأدباء ولا البلغاء.\nوقد تنقَّلت بين مناهج التَّفسير ومراحله، وربطت بين الماضي والحاضر ما استطعت سبيلًا، فإنَّ هذه السُّورة وغيرها فيها أخبار أقوام قامت عليهم الحُجَّة، فقد أرسل اللهُ لهم ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ... (١٦٥)﴾ [النّساء] وفيها من العجائب والغرائب، والدَّقائق والخفايا، ما يقعد بالألفاظ عن استيفاء الغاية، فجَمَعْتُ ما تيسَّر وتقدَّر عبرةً لمن يتذكَّر، وقد أثْبَتُّ الكتب الَّتي أفَدْتُ منها في خاتمةِ البَحثِ، دون إيرادها في داخله؛ لتصَرُّفي في","vol":"1","page":15},{"text":"العِبارةِ.\nوتوخَّيت الحقَّ المبين من كلام علمائنا أهل التَّفسير والتَّأويل، وقمت مضْطرًّا غير باغٍ ولا عادٍ بشيءٍ من التَّصحيح والتَّعديل.\nكما حاولت أن أنفي عن كتاب الله تعالى تخرّصات الخرَّاصين الَّتي ألصقت بهذه السُّورة العظيمة من ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ... (٥١)﴾ [الأعراف] ومن الَّذين قال الله فيهم: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف].\nوإلى الله أرغب أن يجعل هذا الكتاب خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله نافعًا لمن نَظَر فيه أو أعانني عليه النَّفع العميم، وأن يجعله في صحائف أعماله يوم الدِّين ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ... (٣٠)﴾ [آل عمران]\nوآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.\nالمؤلِّف\nأحمد الشّوابكة\n* * *","vol":"1","page":16},{"text":"سُورَةُ يُوسُفَ\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ [يوسف]\nحُسْنُ المطلع\nمن سحر البيان وقطع الجُمان وبدائع القرآن ما يسمَّى حسن المطلع، وهو أن يُفْتَتَحَ الكلامُ بكلام يُشْعِرُ بجودة البيان؛ لأنَّه أوَّل ما يحدِّق به الطَّرف، وأوَّل ما يدور في الذِّهن، فيتعيَّن أن يجمعَ الكلامُ بين الجزالةِ والعذوبةِ، والرَّصانةِ والسَّلاسةِ، وهذا ما جرى عليه القرآن.\nوهو في القرآن نوعان: خفيٌّ وجليٌّ، فالخفيُّ ما افتتحت به السُّور من الحروف المفردة والمركَّبة، ومن ذلك سورة يُوسُفَ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ [يوسف] والجليُّ ما لم يبدأ بالحروف المقطَّعة، وهو غالب على مطالع سور القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>سَبَبُ التَّسمِيَة</span>\nهِيَ مَكِّيَّة بالإجماعِ. وسمِّيَتْ \" سُورة يُوسُف \" لأنَّها تَنَاولَتْ قِصَّةَ يُوسُفَ مَعَ إخْوتِه بالتَّفْصِيل، وتكَرَّرَ فيها اسمُ يُوسُفَ خمسًا وعِشرِينَ مَرَّة. ومن عجيب الموافقات أنَّ سورة يُوسُفَ هي السّورة الثَّانية عشرة في ترتيب المصحف، ووقعت في الجزء الثَّاني عشر، ورقم السّورة والجزء يناظر عدد أبناء يعقوب - - ﵇ - ـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>سَبَبُ النُّزُول</span>\nنَزَلَتْ سُورَة يوسف بَعْدَ اشْتِدَادِ الأزْمَةِ على النَّبيِّ - - ﷺ - - في مَكَّةَ مع قريش، وبَعْدَ عامِ الحُزْنِ الَّذي فَقَدَ فِيهِ النَّبيُّ - - ﷺ - - زَوْجَتَهُ الطَّاهِرَة خديجة ﵂","vol":"1","page":17},{"text":"وعمَّهُ أبا طالِب، الَّذي كان ظَهِيرًا ونصيرًا له.\nوفي سَبَبِ نزولها أخر ج الحاكم عن سعد بن أبي وقّاص، قال: \" نَزَلَ القُرآنُ على رَسُولِ الله - - ﷺ - ـ، فتلا عليهم زمانًا، فقالوا: يا رَسُولَ الله، لو قَصَصْتَ علينا، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ \" (^١) [يوسف] (^٢).\nوقد نزلت في أواخر العهد المكّيّ تسلية للنَّبِيِّ - - ﷺ - - ففيها الإلماح إلى تشابه واقع النَّبيّين، فقصَّة يُوسُفَ مع أخوته أشبه بقصَّة النَّبِيِّ - - ﷺ - - مع قريش، فإذا كان يُوسُفُ قد تآمر عليه أخوته، وفكَّروا في قتله أو إبعاده وإخراجه، وقالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ... (٩)﴾ فإنَّ في ذلك تثبيتًا لفؤاد النَّبيِّ - - ﷺ - - يوم تآمرت عليه قريش في دار النَّدوة، وقرَّروا: حبسه، أو قتله، أو إخراجه من مكَّة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال].\nوغيابة الجبِّ في محنة يُوسُفَ قبيل الرَّحيل به لمصر، فيها تسلية للنَّبيِّ - - ﷺ - - وهو في غار ثور قبيل الهجرة للمدينة.\nوسجن يُوسُفَ بمصر ظلمًا وعدوانًا، فيه ذكرى للنَّبيِّ - - ﷺ - - وأصحابه وهم في شعب أبي طالب بعد أن حاصرتهم قريش وقاطعتهم ظلمًا وعَدْوًا، وهذا كلُّه يفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود].\nوسجنهم ليُوسُفَ - - ﵇ - - وتماديهم في ظلمهم له رغم ظهور الآيات الدَّالة على\n_________\n(^١) الحاكم \" المستدرك \" (م ٢/ص ٣٤٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه، ووافقه الذَّهبي.\n(^٢) الآيات الَّتي تُرِكَت بعد ذلك دون تخْرِيجٍ هي من سُورِة يُوسُفَ.","vol":"1","page":18},{"text":"براءته وصدقه، كما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ يذكِّر في تمادي المشركين في غيِّهم في حقِّ النَّبيِّ - - ﷺ - ـ، مع رؤيتهم الآيات الدَّالة على صدقه - - ﷺ - - كما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا ... آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ [الصّافات].\nومن التَّشابه بين واقع يوُسُفَ - - ﵇ - - وواقع النَّبيِّ - - ﷺ - ـ، أنَّ الله تعالى مكَّن للنَّبِيِّ - - ﷺ - - بأرض المدينة كما مكَّن ليُوسُفَ بأرض مصر:\nتَلْقَى بكل بلادٍ إن حَلَلْتَ بها ... أهلًا بأهلٍ وجيرانًا بجيران\nومن التَّشابه أنَّ الله تعالى جمع بين النَّبِيِّ - - ﷺ - - وأهل مكَّة بعد غربة وعناء، كما جمع بين يوُسُفَ - - ﵇ - - وأهله بعد غربة وشتات، وعفو النَّبيِّ - - ﷺ - - عن أهل مكَّة، يشبه عفو يُوسُفَ - - ﵇ - - عن إخوته.\nفإذا كان للنَّبِيِّ - - ﷺ - - في الأنبياء ما يثبِّت به فؤاده، أفلا يكون لنا في النَّبِيِّ - - ﷺ - - خاصة وفي الأنبياء عامة ما نثبِّت به الأفئدة، ونطمئن به النُّفوس، ونصلح ما في الصُّدور؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>من أوجه التَّناسُب بين سُورة يُوسُفَ وما قبلها وما بعدها</span>\nمن أوجه الشَّبه والتَّناسق بين سُورَة يُوسُفَ وسُورة هود التي سبقتها، أنَّ سُورةَ هود ذُكِرتْ فيها قصَّة إبراهيم - - ﵇ - - وقد بُشِّرَ فيها بإسحاق ومن ورائه يعقوب، فبعد أن ذكر الله تعالى قصَّة إبراهيم مع الملائكة، قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود] ونحن نعلم أنَّ سُورة يُوسُفَ تدور حول يعقوب وأبنائه الَّذين هم أحفاد إبراهيم - - ﵇ - ـ.\nومن أوجه وضع سورة يُوسُفَ بعد سُورة هود أنَّ سورة هود تضَمَّنت على مجموعة من قَصَصِ الأنبياء ابتداءً بقصَّة نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم إبراهيم، ثم","vol":"1","page":19},{"text":"لوط، ثم شعيب، ثم موسى وهارون، وبعد هذه السُّورة التي اشتملت على هذه القصص الحسنة المجملة كلِّها، جاءت سُورةُ يُوسُفَ تقصُّ علينا أحْسَنَ القَصَصِ المتَّصلة المفصَّلة؛ لتُثْبِت إعجاز القرآن في المُجْمَل والمُفَصَّل، والإيجاز والإطناب.\nكما جَمَعَتْ بين السُّورتين سُنَّةُ الله تعالى في نجاة رسله والَّذين آمنوا برحمة الله وفضله، فممَّا ورد من ذلك في سورة هود، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود] وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود] وفي سورة يوسف، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ فسبحان منزل الكتاب، وناصر الأحباب!\nومن أوجه التَّناسب أنَّ سورة هود حدَّثتنا عن عداوة وحسد الأباعد للأنبياء، وسورة يُوسُفَ حدَّثتنا عن عداوة وحسد الأقارب لنبيِّ الله يُوسُفَ - - ﵇ - ـ، وكلاهما تسلية للنَّبِيِّ - - ﷺ - - الَّذي لقي من عداوة الأقارب والأباعد ما يعلمه الله.\nأمَّا سورة الرَّعد فوجه وضعها بعد سُورَةِ يُوسُفَ أنَّ سُورة يُوسُفَ خُتمت بالحديث بإجمال عن آيات الله في السّموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ [يوسف] ثمَّ جاءت سُورة الرَّعد، وافتتحت بالحديث عن هذه الآيات الكونيَّة بالتَّفصيل، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ","vol":"1","page":20},{"text":"النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرَّعد].\nوفي سورة يُوسُفَ الحديث بإجمال عن شرك النَّاس بالله، قال تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ... (٤٠)﴾ [يوسف] وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف].\nوفي ختام سورة الرَّعد جاءَ تفصيلُ ذلك، قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ [الرّعد] وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرّعد] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرّعد].\nوقد عدّ العلماء العديد من وجوه التَّناسق، ولا يوجد نَسَقٌ أبدع من نَسَقِ القرآن، فكلّ سورة كالآية في سياقها، لها ارتباط قي سبَاقِها ولحَاقها.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>براعةُ التَّخلُّص</span>\nمن أساليب القرآن الرَّفيعة وفنونه البديعة براعة التَّخلُّص وحسن الاستطراد، وهو أن يكون في ابتداء الكلام إشارة إلى ما سيق الكلام لأجله، وأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود.\nومن شرطه أن يكون الانتقال من معنى إلى معنى ببديع حسن، وعذوبة سبك، وحسن رصف، وبيان يزيد المعنى فصاحة وحسنًا، بحيث يكون المعنى الَّذي انتقل إليه أقرب إلى النَّفس من المعنى الَّذي انتقل عنه، وبحيث لا يشعر السَّامع بالانتقال من المعنى الأوَّل إلَّا وقد تعلَّق به المعنى الثَّاني المقصود؛ لشدَّة الالتئام بين المعنيين، وفائدته الانتقال من فنٍّ إلى فنٍّ، وجعل أجزاء الكلام يأخذ بعضه برقاب بعض.\nوحيث قصد التَّخلُّص فلا بدَّ له من توطئة وتمهيد، ومن بديعه قوله تعالى موطِّئًا للتَّخلُّص: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فوطَّأ بهذه الآية إلى قصَّة يُوسُفَ - ﵇ -، والمخاطب إذا سَمِعَ هذا الوصف لهذه القصَّة تطلَّعت نفسه إلى معرفتها، وتشوَّفت إلى تأمُّلها.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>القِسم الأوَّل\nرؤيا يُوسُف - - ﵇ </span>- ـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>الكَرِيم (يُوسُف - - ﵇ </span>- ـ)\nكَانَ لأبيهِ سَمِيرَ الدَّارِ، وأَنِيسَ الوحْشَةِ، وفِلْذَةَ الكَبِدِ، ومُهجَةَ القلْبِ، ومُقْلَةَ العينِ، ومحطَّ الآمَالِ، وزهْرة الحياة الدُّنيا وزينتها، إنَّه: \"الكَريمُ ابنُ الكَريمِ ابنِ الكَريمِ ابنِ الكَريمِ، يُوسُفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ -﵈\" (^١).\nسُئِل رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ أكرمُ النَّاسِ؟ قالَ أتْقاهُم لله. قالوا: ليس عن هذا نسْألُكَ قَالَ: فأكْرَمُ النَّاس يُوسُفُ نَبِيُّ الله ابْنُ نَبِيِّ الله ابنِ نبِيِّ الله ابن خَليلِ الله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>رؤيا يُوسُفَ - ﵇ - من مُبَشِّراتِ النُّبوَّةِ</span>\nبدأَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ - - ﵇ - - بِذِكْرِ رُؤياه الصَّادِقة الصَّالحة: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ إشَارة إلى أنَّ اللهَ تعالى قد هيَّأ نَفْسَ يُوسُفَ - - ﵇ - - للنُّبوَّةِ والرِّسالةِ، فابتدأَه بالرُّؤيا الصَّالحةِ الَّتي هي من مُبَشِّراتِ النُّبوَّةِ. - ﷺ -\nفعن أبي هُريرة - - ﵁ - ـ، قال: \" سَمِعْتُ رسولَ الله - - ﷺ - ـ، يَقُولُ: \" لم يَبْقَ من النُّبوَّةِ إلَّا المُبَشِّرات، قَالُوا: ومَا المُبَشِّرات؟ قَالَ: الرُّؤيا الصَّالِحة \" (^٣).\nوعن أبي سَعِيد الخُدْرِيِّ أنَّه سَمِعَ رَسُولَ الله - - ﷺ - ـ، يَقُولُ: \"الرُّؤْيا الصَّالِحةُ جُزْءٌ من سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزْءًا من النُّبوَّةِ\" (^٤).\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٢/ج ٤/ص ١٢١) كتاب بدء الخلق.\n(^٢) المرجع السَّابق.\n(^٣) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤/ج ٨/ص ٦٩) كِتَابُ التَّعبير.\n(^٤) المرجع السَّابق.","vol":"1","page":23},{"text":"وتَصدِيرُ القِصَّةِ بِهَذهِ الرُّؤيا كالموجزِ للقِصَّة يُلخِّصُها بإجمال، وكالمقدِّمَةِ والتَّمهيدِ للقِصَّة في أحْسَنِ صُورةٍ وبَيَان.\nوقد جَعَلَ اللهُ تلكَ الرُّؤيا بِشَارةً ليُوسُفَ - - ﵇ - - بِعِظَمِ شَأنِهِ، وارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ؛ ليتَذَكَّرَها كُلَّما ادلهمَّتِ الأمُورُ، فيطْمَئِنَّ بها قَلبُهُ، وتقرَّ بها عَيْنُهُ، أنَّ عاقِبَتَهُ حَسَنَةٌ، ونهَايتَهُ طيِّبَةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>هَدْيُ النَّبيِّ - - ﷺ - - فِيمَن رَأَى رُؤيا </span>(^١)\nمَوضُوعُ الرُّؤيا مَوضُوعٌ عَمِيقُ الجُذُورِ، يَحْتَاجُ إلى شَرْحٍ وتَفْسيرٍ، وبَيانٍ وتفْصِيلٍ، والحديثُ فيه يَطُولُ، وليس الكِتَابُ مَوضُوعًا لِبَحثِ ذَلكَ، ويكفِي أنْ نُبيِّنَ هَدْيَ النَّبيِّ - - ﷺ - - فِيمَنْ رأى رُؤيا يُحِبُّها، أو رأى غَيْرَ ذلك مِمَّا يَكرَهُ.\nفقد روى البخاري عن أبي سَعِيد الخُدْرِيِّ أنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ - - ﷺ - - يَقُولُ: \" إذا رأى أحَدُكُم رُؤْيا يُحِبُّها فإِنَّما هِيَ مِنَ الله، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَليْهَا ولْيُحَدِّث بها، وإذا رأى غَيْرَ ذَلِكَ ممَّا يَكْرَهُ، فإنَّما هِيَ من الشَّيطانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِن شَرِّها ولا يَذْكُرْها لأحَدٍ؛ فإنَّها لا تَضُرُّهُ \" (^٢).\nوروى مُسْلِم عن أبي قَتَادَةَ، عن رَسُولِ الله - - ﷺ - - أنَّهُ قال: \" الرُّؤْيا الصَّالِحةُ مِنَ الله، والرُّؤيا السُّوءُ مِنَ الشَّيطَانِ، فَمَنْ رأى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا، فلْيَنْفُثْ عن يَسَارِهِ، ولْيَتَعَوَّذْ بالله مِنَ الشَّيطانِ لا تضُرُّه، ولا يُخْبِر بها أَحَدًا، فإنْ رأى رؤيا حَسَنَةً فلْيَبْشِرْ ولا يُخْبِرْ إلَّا مَن يُحِبُّ \" (^٣).\nوَرَوى مُسْلِم عن أبي هُرَيْرَة عن النَّبيِّ - - ﷺ - ـ، قال: \" ... والرُّؤيَا ثلاثَةٌ: فَرُؤيَا الصَّالِحَة بُشْرى من الله، وَرُؤيْا تَحْزِين من الشَّيطان، وَرُؤيا ممَّا يُحَدِّث المَرْءُ نَفْسَهُ، فإِنْ\n_________\n(^١) الرُّؤيا: ما كانت منامًا، والرُّؤية: ما كانت يَقَظةً وعَيانًا.\n(^٢) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤/ج ٨/ص ٦٨) كِتَابُ التَّعبير.\n(^٣) مُسْلِم \"صحيح مسلم بشرح النّوويّ \" (م ٨/ج ١٥/ص ١٩) كتاب الرُّؤيَا.","vol":"1","page":24},{"text":"رَأَى أَحَدُكُم ما يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، ولا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ \" (^١).\nوَرَوى مُسْلِم عن جَابِرٍ عن رَسُولِ الله - - ﷺ - - أنَّه قال: \" إذَا رَأى أحَدُكُم الرُّؤيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ ثلاثًا، ولْيَسْتَعِذْ بالله من الشَّيطَانِ ثَلاثًَا، ولْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الَّذي كَانَ عَلِيْهِ \" (^٢).\nومِن مَجْمُوعِ الأحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ نَفْهَمُ أنَّه يَنْبَغِي لِلمُسْلِمِ أنْ يَعْمَلَ بِأسْبَابِ السَّلامَةِ الَّتي جَعَلَها اللهُ له، فإذا رَأَى ما يَكْرَهُ نَفَثَ عن يَسَارِه ثلاثًا، قائلًا: أَعُوذُ بالله من الشَّيطَانِ ومن شَرِّهَا ثلاثًا، ولْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الَّذي كانَ عَليهِ إلى جَنْبِهِ الآخر، وليُصَلِّ ركْعَتَينِ، ولا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ، فَيَكُون قَد عَمِلَ بالرِّواياتِ الشَّريفةِ كُلِّها، وإن اقْتَصَرَ على بَعْضِهَا أجْزَأَ في دَفْعِ ضَرَرِ الرُّؤيا كما صَرَّحت الأحادِيثُ الشَّرِيفَةُ، وهذه تَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ ضَرَرِهِ؛ كما جُعِلَت الصَّدَقَةُ لِوقايَةِ المالِ وَغَيرِه مِنَ البَلاءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>يُوسُفُ - - ﵇ - - يَقُصُّ رُؤيَاهُ عَلى أَبِيهِ</span>\nدَخَلَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ذَات صَبَاحٍ على أَبيهِ يَعْقُوبَ - - ﵇ - - ووقَفَ قُبَالَتَهُ بِأَدَبٍ وَوَقَارٍ، وبِلِسَانِ الاستِفْهَامِ والإخْبَارِ: ﴿قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ يعقوب ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وذُكِر العددُ مطابقًا للتّأويل، فرؤيا الأنبياء حقّ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطف على الكواكب على طريق الاختصاص إثباتًا لفضلهما، وقد جرى القرآن على تقديم الشَّمس على القمر، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ... (٢)﴾ [الرّعد]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرّحمن] وقال: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة].\n_________\n(^١) مسلم \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (م ٨/ج ١٥/ص ١٩) كتاب الرُّؤيا.\n(^٢) المرجع السَّابق.","vol":"1","page":25},{"text":"﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ تأكِيد لفظيّ ﴿لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ نَزَلْنَ مِن عَلْيَائِهِنَّ وَسَجَدْنَ لِي (سُجود تَحيَّة)، وفي الكلام استعارة مكنيَّة فقد شبَّه الكواكب بقوم عقلاء ساجدين.\nفَأَدْرَكَ يَعقُوبُ - - ﵇ - - عِنْدَ سَمَاعِهِ لهذهِ الرُّؤيَا الصَّالِحَة دلالَتَها، وعَلِمَ أنَّ هذهِ الرُّؤيا لَهَا خَطَرُها، وأنَّها تتضَمَّنُ مَجْدًا وعِزًّا لِيُوسُفَ، وتُؤْذِنُ بِرِفْعَةٍ يَنَالُها على إخوتِهِ، وأنَّ اللهَ يصْطَفِيهِ لِلنبُوَّةِ، وَيُنْعِم عَليهِ بِشَرفِ الدَّارينِ؛ فَخاف عَلِيهِ من نَزْغِ الشَّيطانِ في نُفُوس إخوَتِهِ، فنَصَحَهُ ألَّا يَقُصَّها عليهم خَشْيَة أن تشْتَدَّ بِهِم الغَيرةُ إلى حَدِّ الحَسَدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>من أغراض التَّكرير</span>\nيلاحظ في قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ أنَّه كرَّر (رأيت)، وهذا التكرير غرضه في الآية أن يتَّصل أوَّل الكلام بآخره اتِّصالًا حسنًا، فإنَّه إذا طال الكلام، وخشي نسيان أوَّله أعيد من جديد تطريةً له، واعتناء به، وتجديدًا لعهده، وتأكيدًا عليه، ولذلك تكرَّرت ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ إضافة للتَّأكيد بسبب إطالة الكلام بين الفعل والحال.\nفتكرير اللّفظ الأوَّل بعينه إنَّما هو للعناية به والتَّأكيد عليه، ومن ذلك في القرآن، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾ [النَّحل] فقد كرَّر قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ للغرض نفسه.\nوالتَّكرير أبلغ من التَّأكيد، وهو أنواع ثلاثة: الأوَّل: أن يتكرَّر لفظه ومعناه، وسبقت الإشارة إليه، والثَّاني: ما يتكرَّر معنى لا لفظًا، وهذا أحيانًا يكون فيه بين","vol":"1","page":26},{"text":"المعنيين مخالفة ما، كأن يكون أحدهما أعمّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾، فإنَّ الكواكب الأحد عشر أعمُّ من القمر، وكذلك قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرّحمن] فإنَّ الفاكهة أعمُّ من النَّخل والرّمَّان، ومثله في القرآن كثير.\nوهناك نوع ثالث يتكرَّر فيه اللَّفظ ويختلف المعنى، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ... (٢٣١)﴾ [البقرة] إلى قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ... (٢٣٢)﴾ [البقرة] فهذا من باب تكرير اللَّفظ لا المعنى لاختلاف البلوغين في قوله ﴿فَبَلَغْنَ﴾ فالأوَّل بمعنى قاربن انقضاء عدَّتهنَّ، والثَّاني بمعنى انقضت عدَّتهنَّ.\nواعلم أنَّ لكلِّ نوع من هذه الأنواع الثَّلاثة وجهًا من وجوه البلاغة، ولكن ليس هذا محلّ بيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>تنزيل غير العاقل منزلة العاقل</span>\nمن ضروب البلاغة وفنون البراعة تنزيل غير العاقل منزلة العاقل، ومن شواهده في القرآن، قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ فقد وصفت الكواكب والشَّمس بالسُّجود الَّذي هو من فِعْل العقلاء، وهذا يظهر لك علَّة جمع لفظ (السَّاجد) جمع المذكَّر السَّالم، وعلَّة أنّ ضمير الغائبين في قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ جرى على حدِّ من يعقل.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>يَعْقُوبُ - - ﵇ - - يُعِبِّرُ رُؤيَا يُوسُفَ</span>\n﴿قَالَ﴾ يعْقُوبُ - - ﵇ - - لابنِهِ يُوسُفَ بِلِسَانِ التَّحَبُّبِ والشَّفَقَةِ والنُّصحِ والنَّهي والتَّحذيرِ: ﴿يَابُنَيَّ﴾ تصغير (ابن) للتَّحبُّب، وأضافه لنفسه للغرض نفسه ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ هذه ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فَيَحْتَالوا لإهلاكِكَ حِيلَة؛ حسَدًا لعِلْمِهِم بتأويلها من أنَّهُم الكواكب وأبواك الشَّمس والقمر.\nويبدو أنَّه - - ﵇ - - كان يَعْرِف قُدْرَة أبنائِهِ على تأويل مثل هذه الرؤيا، ويظهر أيضًا أنَّه كان يَعْلَمُ كَراهَتهم لِيُوسُفَ وبُغْضَهُم لِعِشْرَتِهِ. وأظُنُّهُ - - ﵇ - - قَالَ هذا الكلام لِيُوسُفَ والفَمُ يَسِيلَ مَرَارَةً وأسىً؛ فالواجِبُ ألَّا يَكُونَ بَيْنَ الإخوةِ أدنى شَحْناء ولا أقلَّ بَغْضاء، ولكن هكذا كان؛ لأمْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ تعالى.\nوكان يَعْقُوبُ - - ﵇ - - يَعْلَمُ أنَّ نُصْحَهُ وتَحْذِيرَهُ ليُوسُفَ لا يُثِيرُ في نَفْسِهِ كَراهَةً لإخوتِهِ؛ لأنَّهُ وَاثِقٌ من صَفَاءِ سَرِيرتِهِ ونَقَاءِ قَلْبِهِ وَرُجْحَانِ عَقْلِهِ ونفاذِ بَصِيرتِهِ، ولذلِكَ عَقَّبَ كلامَهُ بِقَولِهِ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ ظَاهِر العَدَاوة كما فَعَلَ بآدَمَ - ﵇ - وحوَّاء؛ ليَعْلَمَ يُوسُفُ أنَّهُ ما حَذَّرَه مِن إخْوَتِهِ، وإنَّما حَذَّرَهُ من نَزْغِ الشَّيطانِ في نُفُوسِهِم، فَقَولُه واقِعٌ موقع التَّعليلِ للنَّهي عن قَصِّ الرُّؤيا على إخوتِهِ.\nثُمَّ بيَّن لهُ بَعْدَ النُّصْحِ تأْويلَهَا وتفْسِيرَهَا، قائلًا: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ فَهَذِهِ الرُّؤيا تَدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى سَيَصْطَفِيكَ ويَخْتارُكَ ويَخُصُّكَ بالنُّبُوَّةِ ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وتَدُلُ على أنَّ اللهَ تعالى سَيُعَلِّمُكَ تَعْبِيرَ بَعْضِ الرُّؤى المناميَّة ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ بالنُّبُوَّةِ، فتَكون نبيًّا ورَسُولًا ﴿... كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهُمَا جَدَّاكَ ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ فجَعَلهما نَبِيَّينِ ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بِمَن هُوَ أَهْلٌ للاجْتِبَاءِ ﴿حَكِيمٌ (٦)﴾ يَضَعُ الأشْيَاءَ مواضِعَها.\nفكانَتْ تِلْكَ بِشارة من الله تعالى لِيُوسُفَ في المنام، وبِشَارة له من يَعْقُوبَ - - ﵇ - - في اليَقَظَةِ، وقَد وَقَعَ ما بشَّرَ بِهِ يَعْقُوبُ ولَدَهُ حَرْفًَا بِحَرْفٍ.\n* * *","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>القِسْمُ الثَّاني\nأَذَى إخْوتِهِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>مُقَدِّمَةُ المُؤامَرَة</span>\nوَيَظْهَرُ أنَّ يَعْقُوبَ - - ﵇ - - كان مُصِيْبًا في تَخَوُّفِهِ على يُوسُفَ من إخْوتِهِ؛ فالمَشْهَدُ الثَّاني من القِصَّة يُبَيِّنُ لنا إخْوةَ يُوسُفَ، والحَسَدُ قَد تَبَالغَ في نُفُوسِهِم، والبَغْضاءُ قَدْ هَاجَتْ في قلوبِهِم، وهم مؤْتَمِرونَ للنَّظرِ في أَمْرِ يُوسُفَ، ومناقَشَةِ ما يَصنَعُونَهُ في أَمْرِهِ.\nوقَد ذَكَرَ اللهُ تعالى مَتْنَ مؤامَرَتِهم، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ اللَّام للابتداء، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة، أرادوا أنَّ زيادة محبَّة أبيهم ليُوسُفَ وأخيه أمر ثابت محقَّق لا رَيْبَ فيه ﴿وَأَخُوهُ﴾ شَقِيقه، وتَخْصِيصُه بالإضَافةِ لاخْتصاصِه بالأخُوَّةِ من الأبوين، أي والله إنَّ يُوسُفَ وأخاه، ﴿أَحَبُّ﴾ اسم تفضيل مجرد من (أل) والإضافة واجب الإفراد والتَّذكير، فقد جاءت بعده من جارَّة للمفضول، فَأُفْرِدَ مع الاثنين ﴿إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جَماعَةٌ أقويَاء نافِعُونَ أحَقُّ بِحُبِّهِ وأجْدَرُ بِكَلفِه.\nفَذَكَروا أوَّلًا مِحْنَتَهُم ومَأسَاتَهُم في يُوسُفَ وأخيهِ، حَيثُ صَرَفَا وجْهَ أبيهم يَعْقُوبَ - - ﵇ - - عَنْهُم إلى أنْفُسِهِما، وأنَّ تفضيل أبيهم لهما في المحبَّة أمر ثابت متحقِّق لا شبهة فيه.\n﴿إِنَّ أَبَانَا﴾ في تَرْجِيحِهِما وإيثارِهِما وتَفْضِيلِهما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ مَعَ فَضْلِنا عليهما ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ أي غَلَط في الرَّأي وخُرُوجٍ عن الصَّوابِ ظاهِر.\nوَفَاتَهُم ما قالَهُ بَعْضُ حُكَمَاءِ العَربِ لمَّا سُئِلَ: أيُّ بَنِيكَ أحبُّ إليكَ؟ قال:","vol":"1","page":29},{"text":"\"الصَّغير حتَّى يَكْبَر، والمريض حتَّى يَبْرَأ، والغائِب حتَّى يَؤوب\" ويُوسُفُ كَانَ صَغِيرًا، وفَوقَ ذلكَ يَعْقُوبُ - - ﵇ - - كانَ يَتَوسَّمُ فيهِ الصَّلاحَ والتَّقوى والنُّبوَّةَ، وقوَّى ذلكَ تلك الرؤيا الصَّالِحة الَّتي رآهَا يُوسُفُ، فهو مُحِبٌّ له لآمَالِهِ فِيهِ، ولِرَجَائِهِ في مُسْتَقْبَلِهِ.\nومع أنَّ الحبَّ أمْر باطن في الجَنان، ولكنَّ مظاهره لا تخفى على أحد، فهي تبدو على الجوارح والأركان.\nثمَّ ناقَشُوا في اجْتِمَاعِهِم المُغْلَق ما يَصْنَعُونَه في يُوسُفَ، فَفَكَّروا في بادِئ الأمرِ بِقَتْلِهِ، قائِلِينَ: ﴿اقْتُلُوا ... يُوسُفَ﴾.\nيا لله! إلى أيِّ حَدٍّ يَصِلُ الحَسَدُ بِقَلْبِ صَاحِبِهِ؟ إلى حَدِّ البَغِي والعُدْوانِ! نَعَم؛ فَبَواعِثُ الحَسَدِ تُهَوِّنُ الأمرَ العَسِيرِ، وتُسَهِّلُ على العَبْدِ ارتِكَاب المظلمة واقْتِرَافَ الذَّنْب العَظِيم، بل إنَّ الحَسدَ إذَا تَمَكَّنَ مِنَ القُلُوبِ لا يَعْرِفُ أخوَّةً ولا صدَاقَةً، ولا يُفَرِّقُ بين رَفِيقٍ أو حَمِيم.\n﴿اقْتُلُوا ... يُوسُفَ﴾ اقْتُلُوه تَخَلَّصوا مِنْهُ ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ وإلَّا تَقْتُلوهُ، فألْقُوهُ في أَرْضٍ مَنْكُورة مَجْهُولة بَعِيدة خَلاء فَضَاء.\n﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ لِيُقْبِلَ أبُوكُم عَلَيْكُم أَنْتُم، ولا يُنَازِعُكم في مَحَبَّتِهِ أحَدٌ، ولا يشْغَلُه عَنْكُم شَاغِلٌ في مَحَبَّتِهِ.\n﴿وَتَكُونُوا مِنْ ... بَعْدِهِ﴾ من بَعْدِ قَتْلِهِ أو طَرْحِهِ - والمَآلُ واحِد - ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ بالتَّوبةِ والإنَابةِ إلى الله تَعَالى والرُّجوعِ إليهِ.\nوهذا مِنَ الجَهْلِ؛ فإنَّ التَّوبَةَ الَّتي هَذا شأنُها غَيْرُ مَقْبُولةٍ، فإنَّ مَنْ يُضْمِر مِنْ قَبْل عَلى الذَّنْبِ ثمَّ التَّوبة مِنْه، إِنَّما يَقْصِد بِتَوبتِهِ المَكرَ بالله تَعَالى، ولا يَقْصِدُ الرُّجُوعَ إِليهِ حَقِيقَة.","vol":"1","page":30},{"text":"ثمَّ قَرَّ رأْيُهُم على أَخْذِهِ من أبيهِم، وإلقائِهِ في ظُلُمَاتِ البِئر: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فَمَا أعْظَمَ القَتْلَ! وَمَا أَشَدَّ عَاقِبَتَهُ! ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النِّساء] ويلاحظ بين ﴿اقْتُلُوا﴾ و﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ طباق السَّلب البديع.\n﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ فَيَكْفِيكُم أن تُلْقُوه في قَعْرِ البِئرِ ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ لِيَأْخذَهُ بَعْضُ المَارَّة من المُسَافِرينَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ ما أضْمَرْتُم لَهُ من التَّفْريقِ بينه وبين أبيه.\nوكَانَ الَّذي نَهَاهُم عن قَتْلِهِ لِبِقًا وفَطِنًا وحَذِرًا في حَدِيثِهِ، قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لا تَقْتُلوا أخانا؛ مُتَجَاهلًا الأُخُوَّةَ والنَّسبَ من الأَبِ بَيْنَهُما، لِيُفْهِمَهُم أنَّهُ واحِدٌ مِنْهُم هذا من ناحية، ومن ناحية أُخْرى فَيَظْهَر أنَّ الجُبَّ (البِئر) الَّذي أَرَادَهُ كَانَ مَعْرُوفًا لَدَيْهِم ولدى النَّاس حيْث كان يأمُلُ أنَّه إذا أُلْقِيَ أَخُوهُ فِيهِ، تكُون له السَّلامةُ والنَّجاةُ من الَّذين يَرِدُونَ هذا البِئرَ؛ فقد جاءَتْ كَلِمَةُ ﴿الْجُبِّ﴾ على لِسَانِهِ مُعرَّفَةً، فلم يَقُل: وألْقُوهُ في غَيابةِ جُبٍّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>دقة النظم القرآني في استخدام حروف المعاني</span>\nمن جمال اللُّغة العربيَّة أنَّها تفرِّق بين المعاني بطرائق مختلفة، فقد تفرِّقُ بين المعنيين بالحركة، أو برَصْفِ حروف المباني، أو بحرف من حروف المعاني ... وقد صنَّف العلماء كتبًا شرحوا فيها معاني الحروف، وبيَّنوا الوجوه الَّتي يتصرَّف الحرف منها.\nوقد يعطي الحرف في الجملة ضدَّ ما يعطيه الحرف الآخر، فلو قلْتَ: رَغِبَ في. لكان المعنى أحبَّ، ولو قُلْتَ: رَغِبَ عن. لكان المعنى كره. ولو قُلْتَ: أحمد أحبّ","vol":"1","page":31},{"text":"لوالده من عمرو. لكان المحبّ أحمد، والمحبوب الوالد. فإذا أردت العكس، قُلْتَ: أحمد أحبُّ إلى والده من عمرو، كما قال تعالى على لسان يُوسُفَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾.\nوانظر إلى دقَّة النَّظم القرآنيّ والتَّعبير البيانيّ، قال إخوة يُوسُفَ: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا ... (٨)﴾ ولم يقولوا: لأبينا. لأنَّ (إلى) في هذا الموضع حرف من حروف المعاني بمعنى (عند)، وتسمَّى (إلى) المبيِّنة لأنَّها تبيِّن أنَّ مصْحوبها فاعلٌ لما قبلها، وتقع في هذه الحالة بعد ما يفيد حبًَّا أو بغْضًا من فعل تعجُّب أو اسم تفضيل، وقد وقعت - كما هو ملاحظ - بعد اسم التَّفضيل (أحبّ)، ومرادهم أنَّ يعقوب يحبُّ يُوسُفَ وأخاه أكثر، فالمُحِبُّ هنا يعقوب، والمحبوب يوسف وأخوه.\nولو قُالوا: ليوسف وأخوه أحبّ لأبينا منَّا. لاختلف المعنى تمامًا؛ لأنَّ اللَّام في مثل هذا الموضع تسمَّى أيضًا \" اللَّام المبيّنة\"، لكنَّها تبيِّنُ أنَّ مصحوبها مفعولٌ لما قبلها من فعل تعجب أو تفضيل، فما بعد اللَّام هو المفعول به. والمعنى أنَّ يُوسُفَ وأخاه يحبَّان يعقوب أكثر، فالمحبُّ يوسف وأخوه، والمحبوب يعقوب، وليس هذا المعنى ما قصدوا إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المعاني الَّتي يحتملها لفظ الضَّلال</span>\nالضَّلالُ والضَّلالةُ ضدُّ الهُدَى والرَّشاد، والضَّلال أُطْلِقَ في القرآن على معانٍ، منها: الذَّهاب عن معرفة حقيقة الأمر كما ينبغي، ومن ذلك قول أولاد يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾، أي في بعد عن معرفة الصَّواب الذي يقتضي تعديل المحبَّة بيننا، ونحوه قول من قال ليعقوب: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾.","vol":"1","page":32},{"text":"ومن أشهر المعاني الَّتي يحتملها لفظ الضَّلال في القرآن الضَّلال في الدِّين، ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ [الصَّافات] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس].\nويأتي الضَّلال بمعنى الغيبة، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ... (١٠)﴾ [السَّجدة] أي خفينا وغِبْنا فيها وصرنا ترابًا في ترابٍ، وقال تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه] أي لا يفوته ولا يغيب عنه.\nويأتي بمعنى البطلان والضَّياع والهلاك، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف] أي بطل وضاع وهلك عملهم، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ [القمر] أي في هلاك.\nويأتي بمعنى النِّسيان، قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ... (٢٨٢)﴾ [البقرة] ويأتي بمعانٍ أُخر، وهذا يُعْرَفُ بالوجوه والنَّظائر، وسيأتي تحريره وبيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الشُّرُوعُ في المؤامَرَةِ</span>\nوَبَعْدَ اتِّفاقِهم على إبعاده وإلقائه، دَخَلُوا على أبيهِم يَعْقُوبَ - - ﵇ - ـ، وهُم يُخْفُونَ الخَدِيعَةَ وسُوءَ النِّيَّةِ، وَبِلِسَانِ العَجَبِ وبِلُغَةٍ فِيها سِحْرٌ وَدَهَاءٌ، قالوا لأبِيهِم - وقَد عَرَفُوا أنَّه قَد أوْجَسَ مِنْهُم خِيفَةً على يُوسُفَ لِمَا أحَسَّهُ مِنْهُم مِمَّا اسْتَدْعَى ألَّا يأْمَنَهُم عَلَيهِ ـ: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ أيُّ شيء حَدَثَ حتَّى تَخَافَنا","vol":"1","page":33},{"text":"على يُوسُفَ؟! وماذا بَدَرَ مِنَّا حتَّى تَحْفَظَه مِنَّا؟! ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾ مُخْلِصُونَ أُمَنَاء أوفِياء دائمًا.\nثمَّ رغَّبُوهُ بِمَا فَصَّلُوهُ بِقَوْلِهِم: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ نَصْب على الظَّرفِيَّة الزَّمانيَّة ﴿غَدًا﴾ يُرِيدونَ أنْ يُعَجِّلُوا فِي تَنْفِيذِ مُؤَامَرتِهم خَشْيَةَ أنْ تَتَبَدَّلَ الأمُورُ، أو يَحْدُثَ فِي مُلْكِ الله تعالى ما لا يُرِيدُونَ ﴿يَرْتَعْ﴾ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ في خِصْبٍ وسَعَة ﴿وَيَلْعَبْ﴾ مَعَنا في الصَّحراء، ثُمَّ أَكَّدوا الأمْرَ ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾.\n﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾ إنَّ واللَّام تُفيدان تأكِيدَ الأمْرِ تأكِيدًا جَازِمًَا، تأكِيَدَات خارِجَة من اللِّسان، وما خَرَجَ من اللِّسان لا يَتَعَدَّى الآذانَ، لِذَلِكَ لمَّا سَمِعَ يَعْقُوبُ - - ﵇ - - كَلامَهُم الَّذي أظْهَرُوا فِيهِ غَايَةَ المَحَبَّةِ والإخْلاصِ لِيُوسُفَ - - ﵇ - - رَابَهُ أمْرُهُم، فَدَلِيلُ المُؤمِنِ قَلْبُهُ، فَما بالكَ إذا كانَ هَذا القَلْب قلب نَبيِّ الله تعالى يَعقُوب - - ﵇ - ـ، فاعْتَذَرَ لَهُم بِعُذْرَينِ: حزنِه على فِراقِه، وخوفِه أنْ يأكُلَه الذِّئبُ وهم غافِلُون عنه.\n﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ المانع نَفْسِي الَّتي يَحْزُنُهَا ذَهَابُكُم بِهِ لأنَّني لا أقوى على فِراقِه، وليس ذهابكم بِه الموجِب لِحُزْني، أو بِعبارةٍ أخْرى الذَّهَاب بِيُوسُفَ يَحْزُنُني لأنني لا أطيق له فِرَاقًا، وليس الذَّاهِبُونَ بِهِ المُوجِب لِحُزْنِي، تَلَطُّفًا في الجَوابِ مَعَهُم؛ إذ ليس من الحِكْمَةِ أنْ يُصَرِّحَ بما هُم عَلَيْهِ من سُوءِ طويَّةٍ، فيُهَيِّج ذلك حِقْدَهُم وعِنَادَهُم، إنَّما أبَانَ لَهُم أنَّ ذهابَهم به يَحْزُنه؛ لأنَّ الولدَ العاقِلَ البارَّ يَتَجَنَّبُ ما يَحْزُنُ أبَاهُ. ثمَّ كَشَفَ عن عذرِهِ الآخر ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ فالأمَرُّ مِن فِراقِهِ خَوفِي أنْ يَأكُلَهُ الذِّئبُ على حينِ غَفَلةٍ مِنْكُم. وقَد ألقى - - ﵇ - - على ألْسِنَتِهِم حُجَّةً يَحْتَجُّونَ بِهَا وعُذْرًا يَعْتَذِرونَ بِهِ.","vol":"1","page":34},{"text":"﴿قَالُوا﴾ قَوْل مُنْكِرٍ مُستَغْرِبٍ: نُقْسِمُ لَكَ ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جَمَاعَة ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ وَلَنْ نَكُونَ خاسِرينَ البَتَّةَ، وفِي كلامِهِم وَعْدٌ ضِمْنيٌّ لأبيهِم أنَّهم لن يَغْفَلُوا عنه خاصَّة أنَّهم عُصْبَةٌ جماعة قَويَّةٌ، وكأنَّ قُوَّةَ العَبْدِ تَحْفَظُ، ومَتى كانت قُوَّةُ العَبْدِ تُغْنِي عن قُوَّةِ الرَّبِّ؟!\nوقَدْ تَجَاهَلُوا لأبِيهِم وتَهَرَّبُوا من الإِجَابَةِ على حُزْنِهِ، كأنَّهُم ما فَهِمُوا إلَّا أنَّهُ يَأْمَنُهُم على يُوسُفَ لكنَّهُ يَخَافُ عَليهِ من الذِّئبِ في سَاعَةِ غَفْلَةٍ مِنْهُم.\nوَدَنَتْ سَاعَةُ الفِراق، فَقَد أرسلَهُ - - ﵇ - - مَعَهُم، وذَلِكَ لمَّا سَمِعَ المَواثِيقَ والعُهُودَ: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ وقَد قِيلَ:\"مَنْ خَدَعَنا في الله انْخَدَعنا له\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>يُوسُفُ في غَيابَةِ الجُبِّ</span>\nولَمْ يَلْبَثُوا إلَّا قَليلًا حتَّى كَذَّبُوا أنْفُسَهُم فِيما أقْسَمُوا، وأخْلَفُوا ما وَعَدُوا، ولم يُراعُوا لأبِيهِم عَهْدًا، ولم يَفُوا له وَعْدًا، مَعَ أنَّ الوَفَاءَ بالعَهْدِ من واجِبَاتِ الدِّينِ ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء]\nلكِنَّ وعْدَهم ذَهَبَ هَدَرًا أدراج الرِّياح أسرع من برق الخُلَّب (^١).\n﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ بَعِيدًا عن أبيهِ ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ رأيهُم ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أن يلقُوهُ في غَوْرِ البِئْرِ، نفَّذوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ. وقَد حُذِفَ جَوابُ ﴿فَلَمَّا﴾ للدّلالَةِ على فَجاعَةِ الأمْرِ وفَظَاعَتِهِ وفداحَتِهِ؛ فما حَدَثَ لا تشْرَحُهُ العِبَارةُ، ولا تَكْفِي فِيهِ الإِشَارَةُ.\n_________\n(^١) الخلّب: السَّحابُ يُومِضُ بَرْقُه حتى يُرْجَى مَطَره ثم يُخْلِفُ وينقشع، يُضرب مثلًا لمن يعد ثمّ يخلف، أو لمن يخدع بالقول اللّطيف.","vol":"1","page":35},{"text":"وتَقْدِيرُ جواب ﴿فَلَمَّا﴾ المحذوف أنَّهُم جَعَلوه في غيابة البِئر بَعْد أن نَزَعُوا عَنْهُ قَمِيصَهُ، وكان منهم ما الله به عليم، فكم في هذا الحذف من تعبير وتهويل، أيضًا القرآن لم يفصِّل في هذا المشهد لأنَّ بيانه من شأنه أن يغري من سقمت سريرته على تعلُّمه وتقليده، وهذا خلاف ما أراد الله تعالى من التَّنفير من هذا الفعل وتشنيعه.\nوهكذا تنكَّروا لَهُ، وألقُوهُ في ظُلُماتِ البِئْر بلا جُرْمٍ فَعَلَ، ولا ذَنْبٍ جَنَى، وَلَم يَرْحَمُوا صِغَرَه، ولم يَرَأَفُوا بِضَعْفِهِ، ولكن مَنْ كان اللهُ له أَنِيسًا فَكَفى بالله تعالى فهو حسبه، وما أحسن قول القائل:\nولا تَجْزعْ إذا ضَاقَتْ أمُورٌ ... فكم لله مِنْ لُطْفٍ خَفِيٍّ\n\nفَقَد أرادَ الله تعالى أن يُطَمْئِنَ نَفْسَ يُوسُفَ ويُسَكِّنَ رَوْعَهُ ويَربِطَ على قلْبِهِ، فأوحى إليه بأنَّهُ سَتحْصُلُ لَهُ النَّجاةُ والخَلاصُ من هَذِهِ المِحْنَةِ، وستكون له سلامَةُ الحَالِ وحُسْنُ المَآلِ، قَال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ أي لَتُخْبِرَنَّ إخْوتَكَ بِفِعْلِهِم مَعَكَ حِينما تَكُونُ عَزِيزًا بِمِصْرَ، وهُم أمَامَكَ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ وَقْتَهَا أنَّكَ يُوسُفُ؛ لِعُلوِّ مَكانِكَ، ولطولِ العَهْدِ.\nوَقَد تَحَقَّقَ ذَلِكَ حِينَما قال لهم يُوسُفُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ كما تَحقَّقَ عَدَمُ شُعُورِهم بأنَّه يُوسُفُ، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>ظُلْمُ ذوي القُربى</span>\nألا قَاتَلَ اللهُ الحَسَدَ! كَيفَ يُضَيِّعُ أخًا بأيدي إخْوتِهِ، وَيُزَيِّنُ بَغْيًا في أعْيُنِ رِجَالٍ نَشَؤُوا في بَيْتِ النُّبوَّةِ، ويُفْجِعُ أبًا بأيدي أبنائِهِ.\nلقَد جاءت رمْيَةُ يُوسُفَ من عند إخْوتِهِ، ولو جاءت من عند غَيرِهِم لكانتْ","vol":"1","page":36},{"text":"أقلَّ أثرًا، وأخَفَّ ألمًا! قال طرفة بن العبد:\nوَظُلْمُ ذَوِي القربى أشدُّ مَضَاضةً ... على المرءِ من وَقْعِ الحُسَام المهَنَّدِ (^١)\n\nلكنَّ اللهَ تعالى يَمْتَحِنُ المُخْلِصين من عِبَادِهِ بألوان الرَّزايا وضروبِ البلايا؛ ليكونوا أقْدَرَ على حَمْلِ الرِّسالةِ وأداء الأمانة، واحْتِمَالِ الأذى في جَنْبِ الله تعالى.\nوهكذا أمسَى يُوسُفُ - - ﵇ - - في غَيابَةِ البئر، فما عَسى كانت خواطره؟! لعَلَّه كان يَسْألُ نفْسَه كَيفَ سَوَّلَتْ لهم أنْفُسُهُم هذا الأمر؟! وكيف تَطِيبُ لهم أنفسهم أن يتركوه في ظلمات البئر؟! لكن الَّذي لا شكَّ فيه أنَّه إن قَطَعَ الرَّجاء من عودَتِهم، لم يَقْطَع الرَّجاء من رحمة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>عودةُ الأبناء إلى أبيهم يعلوهم البكاء</span>\nاللَّيلُ حَالِك، ويَعْقُوب - - ﵇ - - في بيتِهِ يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ يُوسُفَ لَحْظةً بلحْظَة، ولكن هوِّن عَلَيْكَ يا نبيَّ الله؛ فَلَنْ تَراهُ إلَّا بَعْدَ سنين عددًا!\nقال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ ... ما أرْخَصَ الدُّمُوعَ إذا كَانتْ دُمُوعَ التَّمَاسِيح! فَعِنْدَ العِشَاء، ولمَّا عَسْعَسَ اللَّيلُ، وخَلَعَ عبَاءَتَهُ السَّوداءَ على الكون، عَادَ الأبناءُ إلى أبيهم يُظْهِرون الحُزْنَ، ويَرْفَعُونَ أصواتَهُم بالبكاءِ. وإنَّما اختاروا العِشاء ليكونُوا أجْرأَ في العِتْمَةِ على الاعْتِذار بالكَذِبِ، وحتَّى لا يتبيَّنَ يعْقُوبُ - - ﵇ - - دُمُوعَهُم الكاذِبة.\nوقد أخبر الله تعالى عن بكائِهم بالفعل ﴿يَبْكُونَ (١٦)﴾ ولم يخبر بالاسم\n_________\n(^١) الشَّنقيطي \" شرح المعلَّقات العشر \" (ص ٧٦).","vol":"1","page":37},{"text":"(باكين)؛ لإفادة تجديدهم للبُكاءِ شيئًا بعد شيء، وهو ما يُسمَّى حكاية الحال الماضية لاستحضارِها في النُّفوس، وهذا هو سِرُّ الإعراض عن اسم الفاعل، فهناك فرق في الخطاب بين الاسم والفعل، إذ أنَّ الفعل يفيد التَّجدُّد، والاسم يفيد الثُّبوت.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ نَعْدُو ونجري ونتسابق ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ عند ثِيابِنَا وطعَامِنا وحوائجِنَا ليَحْفَظَها ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فجاءَ الذِّئبُ فَأكَلَهُ، ولو قالوا: فافْتَرسَهُ الذِّئبُ، لبَقِي مِنْهُ شيءٌ يَسْتَطِيعُ أبوهُم أنْ يُقِيمَ الدَّليلَ عليه، ولكن ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ يَعْني: لم يُبْقِ منه شيئًا ولم يَذَر.\nويَكَادُ المُرِيبُ يَقُولُ خُذُونِي ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ أي وما أنت بِمُصَدِّقٍ لنا فيما نَقُولُهُ لك، ولو كُنَّا في الواقِعِ صادِقِينَ.\nوتُحْمَل (لو) في الآية بمعنى (إنْ) الواقعة للجزاء، فإنَّك تقول: أنت لا تُكْرِمُني ولو أَكْرمتك، تريد (وإنْ)، وعلى ذلك فالمعنى: وما أنْتَ بمؤمنٍ لنا وإنْ كُنَّا صادقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>من بديع القرآن التَّنكيت</span>\nنلاحظ في قول الله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ أنَّه لم يقل: (بمصدِّق)، أو كلمة سواها، فلا يوجد كلمة تحلُّ محلّها، وإنَّما خصَّ سبحانه ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ بالذِّكر دون بمصدِّق؛ لأجل نكتة في المذكور ترجَّح مجيئه على سواه، وذلك لما في الإيمان من الزِّيادة في المعنى على التَّصديق، وهذا يُعْرَفُ في علم البديع بالتَّنكيت، وهو أن تقصد لفظًا دون لفظٍ لمعنى من المعاني، ولولا ذلك لكان الكلامُ عُرْضَةً للنَّقد.\nففي لفظة ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ من المعنى ما ليس في (مصدِّق)، وذلك أنَّ (مصدِّق)","vol":"1","page":38},{"text":"من التَّصديق، وأمَّا ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ فتحمل معنى التَّصديق وإعطاء الأمن، فهم يطلبون تصديقَهم وزيادة، وهو الأمن؛ فلهذا جَنَحَ إليه ولم يُعاقِبْهم.\nأيضًا القرآن لم يقل: وما أنت بمصدِّق لنا ولو كنَّا صادقين، لأنَّه لا يقيم وزنًا للتَّنسيق والتَّنميق والتَّجنيس في الألفاظ إذا كان على حساب المعنى.\nومن بديع التَّنكيت وحلوه، قوله تعال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... (٤٤)﴾ [الإسراء] فقد اختصَّ ﴿تَفْقَهُونَ﴾ بالذِّكر دون (تعلمون) لما في الفقه من زيادة على العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ ... (٣١)﴾ [الأنعام] فخصَّ ﴿ظُهُورِهِمْ﴾ دون (رؤوسهم) كون الظُّهور أقوى على الحمل، فكنَّى بها سبحانه عن ثقل الأوزار.\nومن شواهد التَّنكيت، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة] فاختصَّ ﴿الْوَتِينَ﴾ دون العروق، لأنَّه نياط القلب، وهو عرق متَّصل به إذا انقطع مات الإنسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>قَمِيصُ الجَفَاء</span>\n﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أرادوا أنْ يُعَزِّزوا قَوْلَهُم ويُوثِّقوا تَبْرِيرَهم، فَقَدَّمُوا لأبيهِم قَمِيصَ يُوسُفَ - - ﵇ - - وعَلَيهِ دَمٌ كَذِبٌ مُفْتَرى، وَوُصِفَ الدَّمُ بالمَصْدَرِ مُبالَغةً، كأنَّ الدَّمَ هو الكَذِبُ عيْنُهُ.\nولكن مَهْمَا دَبَّرَ المُدَبِّرونَ وفَعَل الفاعِلُونَ فلا بُدَّ أنْ يَتْركوا خَلْفَهُم علامَاتٍ وآثارًا تُثْبِتُ أنَّهُم الفاعِلُونَ، فما أَشَدَّ غَفْلَتَهُم! فَقَد جاؤوا بالقَمِيصِ ليَشْهَدَ لَهُم بِصِدْقِهم، فَكَانَ دلِيلًا على كَذِبِهم، فَقَد نَسُوا أن يُمَزِّقوا القَمِيصَ، فلَم يُصَدِّقْهم يَعقُوبُ - - ﵇ - ـ، فأيُّ ذِئْبٍ حَلِيمٍ عاقِلٍ هذا الَّذي يَأكُلُ يُوسُفَ كُلَّهُ دون أن يَشُقَّ","vol":"1","page":39},{"text":"قَمِيصَه، أو يُحْدِثَ فيه أيَّ خَدْشٍ أو خرْق أو تَمْزِيق؟! وأيّ ذِئْب رَشِيد هذا الَّذي يَنْزِعُ القَمِيصَ عن يُوسُفَ أوَّلًا ثمَّ يأكُلُهُ؟! وبعدما حسبوه ورَقةً رابِحةً في أيدِيهم وحُجَّةً دامِغَةً لَههم، إذا بهِ حُجَّة ساطِعَة على فَسَادِ دَعْواهم؛ فليْسَ أدلّ على كَذِبِهم من قَمِيصِ يُوسُفَ غَيْر المُمزَّق ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النُّور] وصَدَقَ القَائِلُ:\nإذا لَمْ يَكُنْ عَونٌ مِنَ الله للفَتى ... فَأَوَّلُ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ اجتِهَادُهُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>يعقوب يتلقى الخبر بالصبر</span>\nفَكَيْفَ تَلَقَّى - - ﵇ - - هَذا النَّبأَ العَظِيمَ؟! والله ما مَلأَ الدُّنيا عَويلًا ولا صُرَاخًا، إنَّما كُلُّ الَّذي قَالَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي زَيَّنتْ لَكُم أنْفُسُكُم أمْرًا عَظِيمًا في يُوسُفَ فَأَقْدَمْتُم عَلَيهِ، وأضْرَبَ - - ﵇ - - عن التَّصرِيحِ بِكَذِبِهم، ولكن يفهم من قوله أنَّه حكم عليهم بالكذب، وأنَّ الذّئب لم يأكله بظهور علامة كذبهم.\nثمَّ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَقَضَاءُ الله تعالى لا يُواجَهُ بِغَيرِ التَّسْلِيمِ، وليْسَ لَهُ عُدَّةٌ سوى<span data-type=\"title\" id=toc-30> الصَّبر الجَمِيل </span>﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى﴾ احتِمَالِ ﴿مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ وتذكُرونَ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ، وعلى فَضْحِ دَعْواكُم وَكَشْفِ حَقِيقَتِكُم، و﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾ [الأنعَام] وكلّ آتٍ قَريب، وكلُّ همٍّ إلى فَرَجٍ.\n﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ نَعَم يا يَعْقُوب، يا مَنْ شَرِبْتَ كَأسَ البَلاءِ صابِرًا مُحْتَسِبًا، وأنْتَ عِنْدَ الله تعالى من الصَّابِرينَ!\n\nالصَّبْرُ الجَمِيلُ\nلم يَجْزَعْ يَعْقُوبُ - - ﵇ - - ولم يَهْلَعْ، ولم يَشْكُ أَمْرَهُ لِمَخْلُوقٍ؛ لأنَّهُ نَبيٌّ حَلِيمٌ، ومن","vol":"1","page":40},{"text":"كَانَ كَذَلِكَ فَهُو أَهْلٌ للصَّبْرِ الجَمِيلِ، ونَحْنُ بِحَاجَةٍ إلى زَادٍ من الصَّبْرِ نُقَابِلُ بِهِ ما يُمْكِنُ أنْ نَتَعَرَّضَ لَهُ من كرائِهِ الأُمُورِ، وحَوازِبِ الخُطُوبِ، وشَدَائِد المِحن، والبلايا الَّتي تحمل المنايا، ولِذَلِكَ تَرى الوَصَايا المُتَتَابِعَة في القُرآنِ الكَريمِ للنَّبِيِّ - - ﷺ - - ليكُونَ مثالًا لِلصَبْرِ الجَمِيلِ، قال تعالى:\n﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ... (٣٥)﴾ [الأحقاف] وقال: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾ [يونس] وقال: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ [هود] وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [النَّحل] وقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... (٢٨)﴾ [الكهف] وقال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ... (١٣٠)﴾ [طه] وقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الرّوم] وقال: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ [ص] وقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... (٧٧)﴾ [غافِر] وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ... (٤٨)﴾ [الطُّور] وقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ... (٤٨)﴾ [القلم] وقال: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج] وقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ [المزَّمِّل] وقال: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ [المدَّثِّر] وقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان].\nوَقَد كَانَ النَّبيُّ - - ﷺ - - كَمَا أَرَادَهُ الله تعالى قِمَّةً في الصَّبْرِ، مِمَّا جَعَلَ الصَّحَابةَ - - ﵃ - - عَلى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ وحَظٍّ وَافِرٍ من الصَّبْرِ الجَمِيلِ.\nوَقَد بَيَّنَت الآياتُ لَنَا أنَّ الصَّبْرَ دأْبُ أُولي العَزْمِ من الرُّسِلِ، وأنَّ عُقبَاهُ حَمِيدَةٌ، ومَنْ تَجَمَّلَ بِهِ مَأجُورٌ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزُّمَر] وأنَّ من","vol":"1","page":41},{"text":"تصَبَّرَ يُصَبِّرهُ اللهُ تعالى ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ... (١٢٧)﴾ [النَّحل].\nولمَّا كانَ لِلصَّبْرِ هذه القِيمةُ العَظِيمةُ وَجَدْنَا في القُرآنِ الكَريمِ الأمْرَ به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ... (٢٠٠)﴾ [آل عمران] ومَدْحَ أهْلِهِ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة] ومَحَبَّةَ الله تعالى لمن تَمَسَّكَ بِهِ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران] ومَعِيَّتَهُ لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة] وأنَّ الصَّبْرَ خَيرٌ لهم: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النَّحل] وأنَّ الصَّبْرَ نِعم السَّبيلُ على مُقَاوَمَةِ النَّائِبةِ وكَسْرِ سَوْرَتِها: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف] وأنَّ عاقِبَةَ التَّقْوى والصَّبْرِ الفَرَجُ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف].\nاللَّهُمَّ اجعَلْنَا عِنْدَكَ في ديوان الصَّابرين الشَّاكِرينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>شِرْعَةُ المُسَابَقَة</span>\nقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ... (١٧)﴾ يدلُّ على أنَّ المسابقة شِرعَة ومنهاج وسُنَّة، فقد فعلها النَّبِيُّ - - ﷺ - - بنفسه، أخرج أحمد بسند صحيح عن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: \" خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - - ﷺ - - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِل اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: هَذِهِ بِتِلْكَ\" (^١).\n_________\n(^١) أحمد \" المسند \" (ج ١٨/ص ١٧٧/رقم ٢٦١٥٥).","vol":"1","page":42},{"text":"كما سَابَقَ النَّبيُّ - - ﷺ - - بين الخيل لما في ذلك من المصلحة في إعدادها للقتال كرًّا وفرًّا، أخرج البخاري، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ: \" أَنَّ رَسُولَ الله - - ﷺ - - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ (^١) مِنْ الْحَفْيَاءِ (^٢) وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ الله بن عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا\" (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>لا تُلَقِّنوا أولادَكُم الحُجَّة فَيَكْذِبُوا</span>\nلقَّنَ يَعْقُوبُ - ﵇ - أولادَهُ الحُجَّةَ فَكَذَبُوا، قال لَهُم: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ... (١٣)﴾ فَأَخَذوا من فَمِهِ هذه الكَلِمَة وجَعَلوها حُجَّتَهُم، فَقَالوا: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ... (١٧)﴾؛ فافْهَم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الجَهْلُ بالغَيْبِ</span>\nعَرَفْنا أنَّ يَعْقُوبَ - - ﵇ - - قَدْ سَلَّمَ يُوسُفَ لإخْوَتِهِ أمَانةً غالية يرْتَعُ ويَلْعَبُ، لكنَّهُ لم يَرتَعْ ولم يَذُقْ حَلاوةَ اللَّعبِ، وإنَّما جَعَلُوه في غيابَةِ الجُبِّ وَحِيدًا فَريدًا، ولو اطَّلَعَ يَعْقُوبُ - - ﵇ - - على الغَيْبِ، وَعَلِمَ من الأمْرِ شيئًا ما فرَّطَ في يُوسُفَ لَحْظَة، ولكن لا يَعْلَمُ الغَيْبَ المُطْلَقَ إلَّا الله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرَّعْد].\nإنَّ حِكْمَةَ الله تعالى اقْتَضَتْ أنْ تُخْفِيَ صَفْحَةَ الغَيْبِ عَنَّا؛ لِتَسِيرَ المُجْرَياتُ في طَريقِها السَّلِيم، وقَد أقْفَلَ الله تعالى أبْوابَ مَعْرِفَةِ الغَيْبِ عَنَّا رَحْمَةً بِنَا؛ فلو عَلِمَ النَّاسُ الغَيْبَ لكَانَ أكْبَرَ ضَرَرٍ عليهم، ذلك أنَّ العَبْدَ لو اطَّلعَ على صَفْحَةِ الغَيْبِ\n_________\n(^١) هو أن يُقلَّلُ علفُها فترة لتكون أقوى على الجري.\n(^٢) موضع بالمدينة منه أجرى النَّبيُّ - - ﷺ - - الخيل في المسابقة، وبين موضع الحَفْيَاءِ وثنيَّة الوداع نحو ستة أميال.\n(^٣) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ١/ج ١/ص ١٠٨) كتاب الصَّلاة. ومسلم \" صحيح مسلم بشرح النّووي \" (م ٧/ج ١٧/ص ١٤) كتاب الإمارة.","vol":"1","page":43},{"text":"وعَلِمَ أنَّه سَيَمُوتُ بَعْدَ عَامٍ مثلًا لم يُفَكِّرْ يومًَا في عَمَلٍ أو في شأنٍ من شؤون الحياة، ولظلَّ حَزِينًا، ينتَظِرُ أجله ساعةً بَعْدَ ساعة ...\nأيضًا لو اطَّلَعَ النَّاسُ بَعْضُهم على ما في قُلُوب بَعْضٍ من الغِشِّ والحِقْدِ والكُرْهِ والضَّغِينَةِ والغِلّ والرِّياء ... فَكَيْفَ يَعِيشُ النَّاسُ سُعَدَاء؟! فالجَهْلُ بالغَيْبِ والمُسْتَقْبَلِ، والجَهْلُ بما في الصُّدُور والقُلُوبِ رَحْمَة من الله تعالى تَضْمَنُ لنا السَّعادَة ونحنُ لا نَشْعُرُ.\nولَم يُظْهِر الله تعالى على غَيْبِهِ أحدًا إلَّا بَعْض الرُّسُلِ؛ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لهم، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجنّ] فالرُّسُل مؤيَّدونَ بالمُعْجِزَاتِ، ومنها الإخْبَارُ عن بَعْضِ المُغَيَّباتِ، كما قَالَ تعالى عن عيسى - - ﵇ - ـ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ ... فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ ... فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ ... إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ [آل عمران].\nأمَّا عُشَّاق الضَّلالِ كالعَرَّافين والعباقِرة الفلكيِّين والرَّمَّالِينَ والنَّاظِرينَ في الكَفِّ أحْفَاد الشَّياطِين، الَّذين أوهموا النَّاسَ أنَّهُم قَد عُيِّنُوا على اللَّوح المحفوظ، لا يَعْلَمُونَ من الغيب شيئًا ولا يَجُوزُ تصديقُهم ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾ [يونس]\nفالله تعالى وحده يعلم الغيب، و﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام]، و﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ [الأنبياء]، ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ [النَّمل]، و﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ... بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾ [التّغابن]\nومن جميل الموافقات، قول زهير:","vol":"1","page":44},{"text":"فلا تكْتُمُنَّ الله ما في نفوسِكُمْ ... ليخْفَى ومهما يُكْتَم اللهُ يَعْلَم\nيؤخَّرْ فَيُوضَعْ في كِتَابٍ فيُدَّخَرْ ... لِيَومِ الحِسَابِ أو يُعَجَّلْ فَيُنْقَم\n\nقاله زهير في جاهليَّته، فوافق قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ... (٢٩)﴾ [آل عمران] وهو قريب أيضًا من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الحَسَدُ مَثَارُ أوَّل جِنَايَةٍ</span>\nكَانَ حَسَدُ أولادِ يَعْقُوب - - ﵇ - - لأخِيهِم قَدْ حَمَلَهُم على الخَلاصِ مِنْهُ بِإِلقَائِهِ في غَيَابَةِ الجُبِّ، فَقَطَعُوا بذلِكَ الرَّحمَ، وأخْلَفُوا الوَعْدَ، وعَقُّوا أباهُم، وكَذَبُوا عَلَيهِ، فَبَواعثُ الحَسَدِ تُسَهِّلُ على العَبْدِ ركُوبَ العَظائِم.\nوأوَّلُ جِنَايَةٍ ارتُكِبَتْ مُنْذُ آدم - - ﵇ - - كَانَ مَثَارُها الحَسَدَ، حيْثُ قَتَلَ أحَدُ ابني آدَم - - ﵇ - - أَخَاهُ الآخر حَسَدًا، قال تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة]، إلى قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>في الحَسَدِ</span>\nالحَسَدُ: أن يتمنَّي العَبْدُ زَوالَ النِّعْمَةِ عن صَاحِبِها وتحوّلها إليه، أو بِعِبَارة أخرى، الحَسَد: أَنْ يَرَى الرَّجُلُ لأَخيه نِعْمَةً، فَيتَمَنَّى أَنْ تَزُولَ عنه وتكُونَ له دُونَه. والمُسْلِمُ لا يحسُدُ، إذ الحَسَدُ حرامٌ شرْعًا، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٥٤)﴾ [النِّساء]، وقال تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ","vol":"1","page":45},{"text":"أَنْفُسِهِمْ ... (١٠٩)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق]، فذمُّ الله تعالى للحسدِ مقتضٍ تحريمه له ونهيه عنه، ذلك أنَّ الحَسَدَ مُنَافٍ لحُبِّ الخيرِ والإيثارِ فيه، واعتراضٌ على قِسْمَةِ الله تعالى منَّته بين خَلْقِه، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٥٤)﴾ [النِّساء]، وقال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزُّخرف]\nوقال - - ﷺ - ـ: \" إيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ، ولا تحسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تنَاجَشُوا (^١)، ولا تحاسَدُوا، ولا تباغَضُوا، ولا تدابَروا، وكُونُوا عِبادَ الله إخْوانًا \". (^٢)\nوهناك حَسَدٌ بِمَعْنى تمنِّي زوال النِّعمة عن مستحِقٍّ لها، وهناك حسد بمعنى البَغيِ والعدوانِ؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق] أي إذا بَغَى وأظْهَرَ حَسَدَه وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ.\nفمتى يَصيرُ الحسدُ بَغيًا وعُدْوَانًا؟ الجَواب: إذا سَعَى العَبْدُ في إفْسادِ نعمةِ الله تعالى على صاحبِها، فإذا رأَى نِعْمَةً وتَمَنَّى زوالها أو هَلاكَها أو تمنَّى تحوّلها إليه فهَذا حَسَدٌ، أما إذا سَعَى ليفسد فيها، وعَمِل على إزالتها فهذَا ﴿إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق]، وَهو شَرٌّ مَن الحَسد؛ لأنَّه حسد مضاف إليه البغي والعدوان.\n_________\n(^١) النَّجْش: أَن يَزيدَ الرَّجُلُ ثمنَ السِّلعة وهو لا يريد شراءَها، ولكن ليَسْمَعَهُ غَيرُه فيَزيد بزيادته فيخدعه ويغرّ به ويوقعه.\n(^٢) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤ /ج ٧/ص ٨٩) كِتَاب الأدب، ومسلم \" صحيح مسلم بشرح النووي \" (م ٨ / ج ١٦/ص ١١٨) كتاب البِرِّ والصِّلة.","vol":"1","page":46},{"text":"وَلَيس مِنَ الحسدِ الاغتباط، وَهو أن تتمنى مِنَ الله تعالى أَن يكونَ لكَ مِن الخَيرِ مِثْل غيرِك دُوْنَ زَوَالِ ما عندَه؛ لقول النَّبِيِّ - - ﷺ - ـ: \" لا تحاسد إِلَّا فِي اثنتين: رَجُلٌ آتاه اللهُ القرآنَ فهو يتلوه آناءَ اللَّيلِ والنَّهارِ، يقول: لَو أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِي هَذا لَفَعلتُ كَما يَفعَلُ، وَرجُلٌ آتاه اللهُ مَالًا يُنفِقُه في حَقِّه، فَيقولُ: لَو أُوتيتُ مِثلَ ما أُوتي هَذَا لَفَعَلْتُ كما يَفْعَل \" (^١)\nفمَنْ تَمَنَّى مِنَ الله تَعَالى أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ الرَّجُلَيْن اللَّذَيْن ذَكرَهُمَا النَّبِيُّ - - ﷺ - - في حديثِه الشَّريف أعطَاه اللهُ تعالى مِثْلَهما في الْأجْر وَالثَّواب؛ لأنَّ هذا حَسَدٌ مجازيٌّ وهو ما يُعْرَف بالغبطة، وليس حسَدًا حقيقيًا.\nويفهم من الحديث أنَّ من الغبطة أنْ يتَمَنَّى الإنسان مِثْل النِّعْمَة الَّتِي عَلَى أخيه مِنْ غَيْر زَوَالهَا عَنْه، فَإِنْ كَانَتْ تلك النِّعمة طَاعَة فَهِيَ مُسْتَحَبَّة، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أُمُور الدُّنْيَا كَانَتْ مُبَاحَة، كما يُفهمُ أنَّه لَا غِبْطَة محمودة إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ ونحوهما.\nوقَد أوجِدت الغبطة في الإنسان لِيُنافِسَ غيره من أهل الفضل في جلائل الأعمال، فيكثر الخيرُ، ويزداد النَّفعُ، ولم تُوجَد ليسعى في إزالة الفضل والخير عن أخيه، فهذا من الحسد.\nوَلا رَيْبَ أَن الحَسَد أكثر ما يكون بَينَ المشْتَرِكين فِي حال مِن الأَحوَال: كالمُشْتَرِكِينَ فِي صَنْعة، أو تِجَارة، أَو زِرَاعَة، أوحِرْفَة، أَو عِلْم، أَو دِرَاسَة، أَو مَنْصِب، أو رياسَة، أو غِنَى ... وكلَّما ذَاعَ صِيْتُ الإنسان حَسَده مَنْ يُشَارِكه فِي ذَلِكَ الصِّيت، وَكُلَّما ارْتَفَعَ الصِّيتُ، وَحَسُنَ الذِّكْرُ ازْدَادَ الحَسَدُ.\nوَإنَّك لَترى الحَاسِد لا يُرِيدُ أنْ يُشارِكَهُ في المجْدِ والرِّفْعَةِ أحدٌ، ولذلكَ تَراه يَسْعَى جاهِدًا لإزالةِ الفَضلِ عن المَحْسُودِ ولو بإلحَاقِ الأذيَّةِ بِهِ ... أجارنا اللهُ من\n_________\n(^١) البخاري \" صَحِيح البخاري \" (م ٤/ج ٨/ص ١٢٩) كتَاب التّمَنّي.","vol":"1","page":47},{"text":"غَوائِل الحَسَد، وأعَاذَنا من شَرِّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>مُقارَنة بين سيِّدنا يُوسُفَ - - ﵇ - - وَسَيِّدنَا مُحمَّد - - ﷺ - - فِي مَسْأَلة وُجُودِ الأب وَعَدَمِه</span>\nإِذَا عَقَدْت مُقَارنة بين سيِّدِنا يُوسُفَ - - ﵇ - - وَسَيِّدنا محمَّد - - ﷺ - - تجدُ أنَّ يُوسُفَ لمَّا وُلِدَ وَجَدَ لَهُ أَبًا يَحْنُو عَلَيهِ ويُحِيطه بَفَائق الْعِنَاية والرِّعَاية، ومحمَّد - - ﷺ - - لمَّا وُلِدَ وَتَلفَّت حَوَاليه لَم يَجِدْ أَباه، وَمَعَ ذَلِكَ مَا أَغْنَتْ حَيَاةُ يَعْقُوب - - ﵇ - - عَن يُوسف شَيْئًا، فَقَد انْتُزِعَ يُوسُفُ مِن بين يَدَيهِ، وَجَرَى لَهُ ما جَرَى، وَمَا اسْتَطَاع يَعْقُوب - - ﵇ - - أَن يَرُدَّ المقادِيرَ شَيْئًا، ومُحمَّدٌ - - ﷺ - - اليَتِيم يسَّرَ اللهُ له مَنْ شَمِلَهُ بِعنَايَتهِ من مَوْلِده حَتَّى وَفَاتهِ، فَالله تَعَالَى يُعْطينا صُورةً أَنَّ حَيَاة الوَالِدَين لا تُغَيِّر مِن مُجْرياتِ الْقَدر شَيْئًا، وَأَنَّ قَضَاءَ الله تَعَالى نَافِذٌ لا يَردُّه أحدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>خُرُوج يُوسُفَ من الجُبِّ</span>\nوَبَيْنَما يُوسف فِي الْجبِّ مُحْتَسِبًا أَمْرَه إِلى الله تَعَالى، إِذْ جَاءَت رِفْقَةٌ تَسِيرُ لِمصْرَ، وَعِنْد الجُبِّ انْتَدَبوا ساقِيًا يَرِدُ لَهُم عَلَى الجُبِّ، وَيَأْتِيهِم بِالماءِ، قَال تَعَالى ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا ... وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ رَمَى الْوَارِدُ دَلْوَه فِي الْجبِّ فَتَعَلَّق يُوسُف بِهَا، فَلمَّا رَآه ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ نَادَى بِفَرَحٍ وَسُرُورٍ الْبُشْرى عَلَى عَادَة الْعَرَبِ كَمَا تُنَادِي الْحَسْرة: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ... (٣٠)﴾ [يس].\nثُمَّ اتَّفَقَ الْوَارِدُ وَأَصْحابُهُ عَلَى إِخْفاء أَمْرِ يُوسُفَ وَبَيعِه بِمِصْرَ مَتَاعًا كَمَا تُبَاعُ الْبِضَاعةُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ لَم يَخْفَ عَلَيْهِ تَعَالى أَسْرَارَهم وَمَا عَزَمُوا عَلَيه فِي أَمْرِ يُوسُفَ، وَلَكنَّ حِكْمَةَ الله تَعَالى اقْتَضَت ذَلِك؛ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال].","vol":"1","page":48},{"text":"وَمِن محنَةِ الْجبِّ إِلَى مِحْنَةِ الرِّقِّ، قَال تَعَالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أَي وَبَاعَته القَافِلَة بِثَمَنٍ قليل ناقص، يقال: شريت الشَّيء إذا بعته وإذا اشتريته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ... (٢٠٧)﴾ [البقرة] أي يبيعها، والبَخْس: النَّقص والقلَّة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ... (١٨٣)﴾ [الشّعراء] أي لا تنقصوها.\n﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ تُعَدُّ لقلَّتها، و﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من (ثمن)، والبدل إنَّما ذُكِرَ ليستفادَ فَضْلُ توكيدٍ وبيان وتخصيص للمُبْدَل منه.\n﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ الرَّاغِبِين عَنْه؛ لجهلهم بمنزلته.\n* * *","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>القِسْمُ الثَّالِث\nقِصَّته فِي بَيْتِ العَزِيز</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>يُوسُفُ فِي بَيْتِ العَزِيز</span>\nعَادَ عَزِيزُ مِصْرَ بِيُوسُفَ بَعْدَمَا اشْتَرَاه، وَأَوْصَى زَوْجَته أَن تُكرِمَ إقَامَته وَمَثْوَاه: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ وهو عزيز مصر ﴿لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ مقامه عندنا، وَبَيَّنَ العِلَّة، فقَال ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ لَعلَّه يَنْفَعنَا أَو نَتَبَنَّاه وَنَتَّخذه وَلَدًا لَنَا، وهذا يدلُّك على أنَّ التَّبنِّي كان معروفًا ومعتادًا عند الأمم.\n﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَي وَكَما نَجَّينَا يُوسُفَ من الجبِّ جَعَلْنَاه مُتَمَكِّنًا فِي أَرْض مِصْر يَعيشُ فِيها بِعزٍّ وَأَمَان ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أَي نُوفِّقه لِتَعْبيرِ وَكَشْفِ بَعْض المنَامَات ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ لَا يُعجِزُه شَيْءٌ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ خَفَايا حِكْمَته وَلُطْف تَدْبيره.\nوعندما نقرأ هذه الجملة التَّعليليَّة: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ... (٢١)﴾ نتذكَّر صدق تأويل يعقوب لرؤيا ابنه يُوسُفَ، فقد قال له: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ... (٦)﴾.\nوَقَد تَحَقَّق مَا رَجَاهُ العزيز فِي يُوسُفَ مَن خَيْر؛ سَوَاء بِسُلُوكه - - ﵇ - - الأَمِين الشَّرِيف، أَو حِينَ صَار عَزِيزًا عَلَى مِصر فَخَدَم البلادَ وَالعِبَاد، وَأَخِيرًا نَفَعَ الله تَعَالى بِه المصريين حِين بَعَثه الله تَعَالى إِلَيْهِم نَبِيًّا وَهَادِيًا وَرَسُولًا، كَمَا قَالَ مُؤْمِن آل فِرْعَون خِطَابًا للمصريين: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا","vol":"1","page":51},{"text":"جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ... (٣٤)﴾ [غافر]\nوَتَمرُّ الأَيَّام، وَتَكرُّ الأَعوام، وَيَبْلغُ يُوسُفُ مُنْتَهى شِدَّتِه وَقوَّتِه، وَيَمنُّ الله تَعَالى عَلَيه جَزَاء إحْسَانه بِنِعمَتيْن فِيهِمَا الْخَير الكثير: الحُكْم والعلم، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾.\nوَالْآيَة تَحضُّ عَلَى طَلَبِ الفِقه وَالعلم بالإحسان، فَمِنَّة الله تَعَالى لَيْسَت خَاصَّةً بِيُوسُفَ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾، كما يُطْلَبُ العِلمُ بِالتَّقْوَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ... (٢٨٢)﴾ [البقرة]، وَبِالإِيمَان الحقِّ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ... (١١)﴾ [التَّغابن]، والاسْتزَادَة بِالدُّعَاء ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الحُكْم يأتي في القرآن بمعنيين</span>\nالحُكْم: مصْدر للفعل الثُّلاثيّ حَكَمَ، ويرد في القرآن بمعنيين: الأوَّل بمعنى القضاء بالعدل، نحو قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة]، وقوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ... (٤٣)﴾ [المائدة] وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ ... (٧٨)﴾ [النَّمل].\nوالثَّاني بمعنى الفقه والعلم، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾، وقوله: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ... (٧٤)﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ... (٧٩)﴾ [الأنبياء] وقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾ [القصص]","vol":"1","page":52},{"text":"وقد يؤتى بهذا المصدر محتملًا المعنيين معًا، نحو قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان] أي اصبر لقضاء العليم، ومثله قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ [القلم] وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطُّور] فهذا ممَّا يتَّسع فيه المعنى فيحتمل المعنيين كليهما: القضاء، والعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>مُرَاوَدة امْرَأَة الْعَزِيز لِيُوسُفَ</span>\nحَلَّ يُوسُفُ فِي قَلْب امْرَأَة العَزِيز محلًا كَبِيرًا من حَيْث لا يَشْعُر، وَظَنَّت أنَّه حِينَ يَعْلَم بِمَيلِها يُسَرُّ السُّرُور الْعَظِيم ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ هَكَذَا عَبَّر القرآنُ الكريمُ عَن امْرَأَة العَزِيز بالاسم الموصول المفرد المؤَنَّث ﴿الَّتِي﴾ وهو المسند إليه، زيادة في التَّقرير، فهو مسوق لتنزيه يوُسُفَ، والسَّتر عليها.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ كناية عن صفة، والكناية لفظ استتر معناه، لغرض، والغرض هنا التَّعبير عن المعنى القبيح المستهجن بالكناية عنه باللَّفظ المهذَّب الَّذي لا ينبو عنه الطَّبع، فقوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ كناية عن المخادعة، وما احتالت به.\n﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ وَأَحْكَمَت إغْلَاقَهَا وإطباقها، وَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِها، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ واللَّام في ﴿لَكَ﴾ للتَّبيين، والمعنى: هَلُمَّ، أقبل، تَعَال أقول لك! وَهَذَا نِدَاء نَفْسها الأمارة الَّتي زَيَّنَت لها السُّوءَ، وكلمة ﴿هَيْتَ﴾ وحيدة في القرآن مادَّة وصيغة.\nفَلمَّا سَمِع - - ﵇ - - نِدَاءَهَا، وَعَلم مُرَادَها؛ خَيَّبَ فَأْلَها، وَرَدَّ كَيْدَهَا إِلى نَحْرها، وَتَعَفَّف، وَامْتَنَع، وأَبَى إبَاءً شَدِيدًا، وَدُون أدْنى تَفْكِيرٍ وَبِلِسَان التَّقْوَى ﴿قَالَ مَعَاذَ","vol":"1","page":53},{"text":"اللَّهِ﴾ أَلْتَجئ إِلَى الله، أَرتَكنُ عَلَى جَناب الله، أَتَحَصَّنُ بِحِمى الله.\nموقِف مَبْدئيٌّ وَثَابت لَا يَقْبَل المُساومة ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يَعْنِي بِه إلهه سُبْحانه ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ غَمَرَني بِإحْسَانه، وَكَلَأني بِرعَايته، فَلَا أَعْصِيهِ؛ ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ وَهَذا نِدَاء نَفس يُوسف الْمطْمَئِنَّة، وَهَيهَات هَيْهَات بينَ نَفس امْرَأَة الْعَزِيز الأَمَّارة، وَنَفس يُوسُف المطمئِنَّة.\nوهكذا بعد أن غَلَّقَتْ عليه أبوابَ بيتها فَتَحَ الله تعالى عليه بَابَ العِصْمَةِ، فلم يُضِرْهُ ما أُغْلِقَ بعد أن أكرمه الله تعالى بما فَتَحَ عليه من الحكمة والعلم!\n﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ (٢٤)﴾ وَفي هَذِه الآية تَعثَّرَت أَقْلَام، وَزلَّت أقْدَام، وَضَلَّت أَفْهَام؛ ففي هَذِه الآية قَالُوا كلامًا ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم]\nوَتَفْسِير الْآيَة جدّ يَسِير ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: كَلَامٌ تَامٌ نَقِفُ عَلَيه، ثُمَّ نبتدِئُ بقوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ أَي وَلَوْلا أَن رَأَى بُرْهَان رَبِّه لَهَمَّ بِهَا، فالهمُّ ممتنعٌ وقوعه من أجل وجود البرهان، فَيُوسُفُ - - ﵇ - - لم يَقَعْ منه فِعْلٌ وَلَا هَمٌّ بالفعل، وَالْآيَة نَاطِقَة مُصَرِّحة بذلك، فَهَذَا الْكَلَام من قَبِيل التَّقْدِيم والتَّأْخِير، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ [القصص] أَي لَوْلَا أَن رَبَطْنَا عَلِى قَلْبِهَا لَكَادت تُبْدِي بِه، فَهَذا عَلَى تَقْديم الجواب وَتَأْخير الشَّرط، أَو عَلِى حَذِف الجواب لدلالة مَا قبله عليه، وهذا التَّقْديم وَالتَّأْخِير إِنَّما جَاء لِوُجوه بَلَاغِية وَحِكَم ربَّانِيَّة وَأُمُور إِيمَانِيَّة وَانْتَهَت الْقَضِيَّة.\nنعم، هذا على التَّقديم والتَّأخير، ولذلك لا ينبغي أن نقف في المعنى عند قوله","vol":"1","page":54},{"text":"تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ ونسكت؛ فقد يتبادر إلى الأفهام والأذهان أنَّ الهمَّ قد وَقَعَ، وليس كذلك، فلا يدلُّ قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ على ثبوت الهمِّ؛ لأنَّ لولا: حرف امتناع لوجود، فالهمُّ ممتنع وقوعه لوجود رؤية يُوسُفَ لبرهان ربِّه، فالآية تقديرها: لولا أن رأى برهان ربِّه لهمَّ بها، لكنَّه رأى البرهان فلم يهمَّ بها.\nفأنت تقول: لقد قتلته لولا أن تداركتني رحمة الله. فلو وقف السَّامع عند قولك: لقد قتلته، لتوهَّم أنَّ القتل قد وقع، والحقيقة أنَّ القتل ممتنع وقوعه لوجود رحمة الله تعالى، ويكون المعنى: لولا أن تداركتني رحمة الله لقتلته، فالقتل لم يقع أصلًا. ونظير ذلك حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ (^١)، قولك: لقد خرجنا لولا نزول المطر، فالخروج لم يقع لنزول المطر، فالتَّقدير: لولا نزول المطر لخرجنا، ونظيره: لقد هلكنا لولا أن هدانا الله، فالهلاك ممتنع وقوعه من أجل وجود هداية الله تعالى، وكم من نظير!\nأمَّا البرهان الَّذي رآه يُوسُفُ - - ﵇ - - فقد أطال المفسِّرون في تعيينه بلا دليل يدل عليه من الكتاب أو السُّنَّة، وفي تعيين ذلك البرهان تكلُّفٌ غيرُ محمودٍ إذ لا سبيلَ إلى معرفته إلَّا بالخَبَرِ المقطوع به، وهذا ما لم أقف عليه.\nأمَّا معنى الهمّ فأيًّا كَانَ مَعْناه، فَيُوسُفُ لم يَقَعْ منه هَمٌّ بِهَا البتَّة، بَل هُوَ مَنْفِيٌّ لوُجُود البُرْهَان الْإِلهيّ عنده، ولنفي السُّوء وَالفَحْشَاء برمَّتهما عنه - - ﵇ - ـ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ فَهَذَا نَفْيٌ لوقوع الهمِّ منه بالمعصية؛ فالآية تَعْنِي أنَّ يُوسُفَ ثَابِتٌ ثَبَاتَ الجبال، والسُّوء وَالْفَحْشَاء يَسْعَيَان إلَيه، وَلَو كَان الحَال كما زَعَمُوا أنَّ يُوسُفَ هَمَّ بالمعصية، لكان الثَّابت السُّوء\n_________\n(^١) يُضْرَب في المتماثلين، وفي التَّسوية بين الشيئين، والقُذَّة: الرِّيشة من ريش السّهام المقطوعة على قدْر صاحبتها مثلًا بمثل.","vol":"1","page":55},{"text":"وَالفَحْشَاء، وَالَّذِي يَمْشِي إِلَيْهِما يُوسُفُ، ولقال تعالى: لِنَصْرِفه عَن السُّوء وَالْفَحْشَاء. فلمَّا لَم يَقُل تعالى ذلك، وَقَال: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى ثَبَات يُوسُفَ وَنَزَاهَته وَعَلَى عَدَم هَمِّه بالمعصية، ثمّ إنَّ الهمَّ ليس ممَّا يَكْسِبُه العَبْدُ.\nوَلِكَي يَقطَع الله كُلَّ لِسَان، قَالَ بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾؛ لِيُبَيِّن لَنَا أَنَّ إِبْلِيسَ نَفْسَه لَيْسَ لَه سُلْطَانٌ وَلَا غِوَايَةٌ عَلَى يُوسُفَ، فَإِبليس قَالَ لله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص]، وَيُوسُفُ مِن المُخْلَصِين، فَهو مستثنى بـ (إلّا)، والكلام تَامٌ مُوجَب.\nوزد عَلَى ذَلِك أَنَّ الله تَعَالى آتى يوسف الحُكْم والعلم قَبْل هَذِهِ الحادثة، وهما من أسباب العصمة، قَال تَعَالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.\nأَبَعْد هَذَا يَقُولُ قَائِلٌ: إِنَّ يُوسف حَاول؟! أَبَعْد هَذَا البَيَان يَقُول مُكَابِرٌ: إِنَّه كَانَ فِي نَفْسِه شَيءٌ؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>تنوّع القراءات في ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بين البناء للفاعل والبناء للمفعول</span>\nاللُّغة العربيَّة من خصائصها أنَّها لُغَةُ اشتقاق، ولذلك قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب (المخْلِصين) بكسر اللَّام على أنَّها اسم فاعل في قوله تعالى في حقِّ يُوسُفَ - - ﵇ - ـ: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ وقرأ الآخرون ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللَّام على أنَّها اسم مفعول.\nوالمعنى على القراءة الأولى: أنَّ يُوسُفَ - - ﵇ - - كان ممَّن أخلص دينه وقلبه وعمله وطاعته لله، فاسم الفاعل يدلُّ على من قام بالفعل أو تعلَّق به، وعلى الثَّانية: أنَّه كان ممَّن أخلصهم الله لنفسه واستخلصهم لرسالته واصطفاهم واختارهم، لأنَّ","vol":"1","page":56},{"text":"اسم المفعول يدلُّ على من وقع عليه الفعل.\nولا تعارض بين القراءتين في المعنى، فالقراءة باسم الفاعل تدلُّ على أنَّ يُوسُفَ أخلص طاعته لله، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... (٥)﴾ [البيّنة] وما ذلك إلَّا بتوفيق من الله تعالى، والقراءة باسم المفعول تدلُّ على أنَّ الله تعالى أخْلَص يُوسُفَ وهيَّأه ليكون من المخْلَصين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ [ص].\nفلا تعارض في المعنى بين القراءتين، فالقراءتان تتممُّ إحداهما الأخرى، فإنَّ يُوسُفَ - - ﵇ - - كان مُخْلِصًا ومُخْلَصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>قَمِيصُ البَرَاءَة</span>\nقَال تَعَالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ هَكَذَا بِالتَّثْنية، فَهُنَاك قَاعِدَة تَنْطَبِق عَلَى يُوسُفَ - - ﵇ - - تَقُول: \" الإِحْرَاج يَقُودُ إِلَى الإِخْرَاج \" وَأخْرَى تَنْطَبقُ عَلى امْرَأَة العَزِيز، تَقُول: \" إِذَا لَم تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ \" (^١)، فَقَد بَلَغَ مِن عِفَّتِه - - ﵇ - - أَنَّه أَسْرَعَ إِلَى الْبَاب لِلْهَرَب، فَعَدَتْ خَلْفَه لِلطَّلب، وَجَذَبَتْ قَمِيصَه، وتَعَلَّقَتْ به لتَحْبِسَه على نفسها ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي شَقَّت قَمِيصه مِن خَلْف ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وَإِذَا بِزَوْجِهَا الْعَزِيز فَجْأَة لَدَى الْبَاب مُقْبِلًا.\nفَاطْمَأنَّ يُوسُفُ - - ﵇ - - لِإِيمَانه ببراءته، فالبريء لا ﴿يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾ [الجنّ]، أَمَّا هِي فَسُرْعَانَ ما اسْتَجْمَعَت أَنْفَاسَها، وتَسلَّحت بالكيد والمكر؛ لِتَخْرجَ مِن الشَّرَك الَّذِي نَصَبته، وتثأرَ لِنَفسِها مِن يُوسُفَ، فَقَالَت لزوجها: ﴿مَا\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤/ج ٧/ص ١٠٠) كتاب الأدب.","vol":"1","page":57},{"text":"جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ (^١) سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ وكأنِّي بها قالت هذا الكلام اللَّيِّن والظُّلم البيِّن، وهي تَبْكِي، كما قِيل: \"وَسِيلةُ المرأة في هُجُومِهَا صُرَاخُها، وَوَسِيلتها فِي دِفَاعِهَا دمُوعُهَا \".\nوَتَوجَّهَت الْأنْظَارُ نَحو يُوسُفَ؛ لِيَسْمَعوا مَاذَا يَقُول، وَبِخلاف امْرَأَة الْعَزِيز الَّتي أَطَالت الْكَلَام اقْتَصر - - ﵇ - - على أَقَلِّ عِبَارَة يُدَافِع بِهَا عَن نَفْسِه وَتُؤَدِّي غَرَضه، فَقَال - وَعَلَامَاتُ الطُّهْرِ بَادِيَة عَلَى مُحيَّاه ـ: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ... (٢٦)﴾ هِيَ الَّتِي طَلَبَت، وَلَكِنِّي لَم أَسْتَجِب، مُحْتَسِبًا أَمْرَه عند الله تعالى، مُؤمِّلًا أَخْذَ الْعَدَالَة مَجْرَاهَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ليس البَيانُ بِكَثْرةِ الكَلام</span>\nذهب بعض المفسِّرين إلى أنَّ المرأةَ تتكلم أكثر من الرَّجُل، واستدلُّوا على ذلك بأنَّ امرأةَ العزيز أطالت وأكثرت الكلام في دفاعِها عن نفسِها: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ بخلاف يُوسُفَ - - ﵇ - - الَّذي اقتصر على أوجز لفظ، وقال من غير إسهاب ولا إطناب: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ... (٢٦)﴾ وهذا الاستدلال فيه نظر؛ فقد تكلَّم الشَّاهد الَّذي هو من أهلها - كما سيأتي - بأكثر منها!\nثمَّ خطر لي أنَّ الإسهاب والإطناب، والإيجاز والقصر الوارد في الآيتين يؤخذ منه ما هو أجود من ذلك، يؤخذ منه أنَّ البيان ليس بكثرة الكلام، وإنَّما بإصابة المعنى كما هو معروف في البلاغة.\n_________\n(^١) ﴿بِأَهْلِكَ﴾: بزَوجتك، قَالَ تَعالَى عن إِبراهيم - - ﵇ - ـ: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ... (٢٦)﴾ [الذَّاريات] وَفي شَأن مُوسَى - - ﵇ - ـ: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ... (٢٩)﴾ [القصص].","vol":"1","page":58},{"text":"فسكوتُ يُوسُفَ - - ﵇ - - عن ضروب البيان، ووجوه الكلام، وكثرة الجدال والخصام لم يكن عيًّا، وإنَّما كان عِلمًا وفَصَاحةً وورعًا وثقةً بالله.\nوسيأتي ليُوسُفَ إسْهَاب في الكلام، ولكن في مقام الدَّعوة إلى التَّوحيد وهو في السِّجن، أمَّا إذا تعلَّق الأمرُ بالافتراء عليه فكان يقتصر على أوْجَز لفْظ، فسيأتي لأخوته اتِّهامه بالسَّرقة، ولم يزد أن قال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾.\nوكم من عَالمٍ جَليل، حظُّه من العلم وافِرٌ جزيل، ويموت بموته خير عظيم، جَهِل عليه من جَهِل، وافترى عليه من افترى، فأسكته علمه عن القِيل والقَال، ووكل أمره إلى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد] ولا غرابة؛ فالعلماءُ ورثةُ الأنبياء.\nألا ترى كيف ردَّ نبيُّ الله يَعقوبُ - - ﵇ - - على أولاده لمّا افتروا الكذب، ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ ألا ترى إلى أمّ المؤمنين عائشة ﵂ لمّا افترى عليها من افترى حديث الإفك، قالت: \" مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ \" (^١) فإذا جار عليك النَّاس، فاستجر بالله، فلنعم المجير!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>وَثِيقَةُ البراءَة</span>\n\"وربَّ أَخٍ لكَ لَم تَلِده أمُّكَ \" فَقَبْل أَن يَغْرَقَ الْعَزِيز بالحَيْرَة، قَطَعَ عليه حَيْرَته حَاضِرٌ مِن أَهْلِهَا، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وقَال - عَلَى سَبِيل الشَّهَادة ـ:\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٣/ج ٥/ص ٢١٧) كتاب التّفسير، وأخرجه البخاري في كتاب الشّهادات، وفي كتاب المغازي. وأخرجه مسلم في \" صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ٩/ج ١٧/ص ١١١) كتاب التّوبة.","vol":"1","page":59},{"text":"﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أَي شُقَّ مِن أَمَام ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أَي شُقَّ مِن خَلْف ﴿فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ فَقَدُّ الْقَمِيص مِن أَمَامٍ دَلِيلُ الإقبال، وَقَدُّه من خلف دَلِيلُ الإدبار.\n﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ العزيز ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ اتَّضح الأمرُ، وأَيْقَن بِبَرَاءة يُوسُف وَبِكذْبِها، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ فَصَار يُوسُفُ فِي مَأْمَن، وَصَارَت هِي مِن الْخِيبَة بِمَكَان، ولم يضرَّ يُوسُفَ - - ﵇ - - أَنْ قَدَّتْ قميصه وهو لِبَاسُ الدُّنيا بعد ما صحَّ عليه لباس التَّقوى.\nوَهَكَذا أَقَام الشَّاهِد الْحجَّة عليها، وَدَحضَ افْترَاءَهَا، مِصْدَاقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾ [طه]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ... (٤٣)﴾ [فاطر]\nوَقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ يفيد اختصاصًا من جهة القرابة، وكَونه مِن أَقَارِبِهَا كَان أَوْجب لِلْحجَّة عليها، وَلَا يَسَعُنا إلَّا أَن نُحيي ذَلِك الشَّاهِد العَدْل والْمُحَامِي المنصف الَّذِي لَم يُرَاعِ الْقَرَابَة، والَّذِي عَمِل بِمُقْتَضَى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ... (١٥٢)﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النِّساء].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>من عجائب النَّظم القرآنيّ</span>\nالقرآن الكريم عجيب النَّظم، ولا يَعْرِفُ نمطه الغريب، ونظمه العجيب، وتأليفه الأنيق إلَّا من كان آخذًا بطرفيّ النَّظم والنَّثر، فإذا عَرَفَ ذلك عَرَفَ مُفَارقةَ نظْمِ القرآن لِسَائر الكلام، وعرف أنَّ ما دونه أدنى منزلة، وأسهل مطلبًا.\nومن عجيب نظمه الواضح كالفجر، الزَّاخر كالبحر، قوله تعالى حكاية عن","vol":"1","page":60},{"text":"الشَّاهد: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ فإنَّه لمَّا كان الخبر يحتمل الصِّدق والكذب، قدَّم الشَّاهِدُ الصِّدقَ مواجهةً، ثمَّ لم يواجه يُوسُفَ - - ﵇ - - بالكذب، بل أدخله في جملة الكاذبين، تلطُّفًا في الخطاب.\nأيضًا لم يقل: (فقد كذب) كما قال: ﴿فَكَذَبَتْ﴾ مراعاة لأدب الخطاب، والدخول في المعنى بألطف عبارة.\nففي قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ بصيغة الجمع، وإعراضه عن صيغة المفرد (كاذب)، فيه إكرام ليُوسُفَ لئلّا يواجهه بالكذب، وفي إعراضه عن الفعل (كَذَبَ) تكريم آخر ليُوسُفَ لئلّا يناله الفعل.\nوالكلام عن نظم القرآن يحتاج إلى إرخاء العنان في ميادين البيان، وأضرب عن ذلك بغية الاختصار والإجمال، وهو مبسوط في مصنَّفات علوم القرآن، وهناك شواهد له متفرقة في غير موضع من هذا الكتاب.\nوتجدر الإشارة إلى أنَّ في قوله: ﴿قُبُلٍ﴾ و﴿دُبُرٍ﴾ و﴿فَصَدَقَتْ﴾ و﴿فَكَذَبَتْ﴾ و﴿الْكَاذِبِينَ﴾ و﴿الصَّادِقِينَ﴾ من المحسنات البديعيَّة ما يعرف بطباق الإيجاب، والطّباق يُسْهِمُ في تجلية المعنى وإبرازه وتثبيته في ذهن المتلقِّي.\nالدَّرسُ الَّذِي نَأْخُذُه مِنَ الحادِثة\nمِنَ النَّادِر والْغرِيب بدء المرأة بِمُرَاوَدَة الرَّجُل، فَلَا نَرَى الْمُرَاوَدة والتَّعَرُّض والتَّحَرُّش يَأْتِي أَوَّلًا إِلَّا من الرَّجل، الْأَمر الَّذِي يُؤكِّد لنا رُجْحَانَ كفَّة حَيَاء المرأة عَلَى الرَّجُل.\nوَأمَّا هَذِه الْحَادثة، فَزَوْجة الْعَزِيز قد تَكُون علَى شَيءٍ مِن الْعُذْر؛ لِفَرَط حُسْن","vol":"1","page":61},{"text":"يُوسُفَ - - ﵇ - ـ، وَلِكَثْرَة اختلاطها به، وَلَا نُبَرِّئهَا، فلا شكَّ أنَّها خَاطِئَة، وَلكنَّ المسؤول عَن تصرُّفها القَبِيح هَذَا هو زوجها الَّذِي جَعَل يُوسُفَ تَحْت إِمْرَتِهَا وَسُلْطَانِهَا، وَهَذَا لَا يَجُوز؛ فلا يَجُوز للْخَدَم أَن يَخْتَلطُوا بِنسَاء البيوت الَّتي يَعْمَلُون بِهَا، وَلَا أَن يَطَّلِعُوا عَلَى نِسَائهَا، وَهَذَا خَطَأ مَا زالَت المدنيَّة تُعَانِيه.\nوَلَعلَّ الدَّرْسَ الَّذِي نَأْخُذُه مِن هَذِه الحادثة خَطَرُ الاختلاط والخلوة، وَحسْنُ الاستغناء عَن الخَدَم بِجِنسَيْه؛ لِنُحَافظَ عَلَ أَعْرَاضِنا وَحُرُمَاتِنَا، فَمَا كُلّ مَمْلُوك يُوسُف، فَإِنْ كان لَا بُدَّ منهم، فالحَذَرَ الحَذَرَ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ... (٧١)﴾ [النِّساء]\nوَدَرس آخَر فِي مُقَاوَمة هَوَى النَّفْس، فَيُوسُفُ أَبْدى لنا ما اشْتَمَلَتْ عليه نَفْسُه الطَّاهرَةُ من صِفَات عَالِيَة؛ لِيَكُون لَنَا مَثَلًا، وَصَدَق الشَّافِعِي ﵀ الْقَائِل:\nعُفُّوا تَعُفَّ نِسَاؤُكم فِي المحْرَمِ ... وَتَجَنَّبوا مَا لَا يَلِيقُ بِمُسْلِم\nمَنْ يَزْنِ فِي بيْتٍ بِأَلفِي درْهَمِ ... فِي بَيْتِهِ يُزْنَى بِغَيْر الدِّرْهَم\nمَنْ يَزْنِ يُزْنَ بِه وَلَو بِجِدارِهِ ... إِن كُنْت يَا هَذَا لَبِيبًا فَافْهَم\nإِنَّ الزِّنَا دَيْنٌ فَإِن أَقْرَضْتَهُ ... كَانَ الوَفَاءُ مِن أَهْلِ بَيْتِكَ فَاعْلَم\nيا هاتِكًا حُرُمَ الرِّجالِ وقاطعًا ... سُبُلَ المودَّةِ عِشْتَ غيرَ مُكرَّم\nلو كُنْتَ حُرًّا من سُلالةِ طَاهرٍ ... ما كُنْتَ هتَّاكًا لحُرْمَةِ مسْلم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>فَضْلُ من هَجَرَ الفواحش</span>\nذكر النَّبِيُّ - - ﷺ - - سبعة يظلُّهم الله فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وأحد السَّبعة رَجُلٌ دعته امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله.\nأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النَّبيِّ - - ﷺ - - قال: \" سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ يوم","vol":"1","page":62},{"text":"القيامة فِي ظِلِّهِ (^١) يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ \" (^٢)\nولذلك فإنَّ كلّ من دعته امرأةٌ ذاتُ حُسْنٍ وحَسَبٍ ونَسَبٍ إلى نفسها، فقال لها بلسان اليقين ومنطق الحقِّ المبين: إنِّي أخاف الله ربّ العالمين؛ ليعظها ويزجرها، أو قال ذلك بقلبه زجرًا لنفسه، فإن هذا يترتَّب عليه أن يظلَّه الله تعالى في ظلِّ عرشه يوم القيامة، يوم لا ظلّ إلّا ظلّه، منَّة من الله وفضلًا.\nوقد بيَّن النَّبِيُّ - - ﷺ - - أنَّ أعظَمَ بلاء النَّاس من اللِّسان والفَرْج، فقال - - ﷺ - ـ: \"مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ \" (^٣)\nوالحديث ليس فيه تقييد بالرَّجل، فالمرأة إذا دعاها رجل إلى نفسه، فقالت: معاذ الله. فهي من السَّبعة الّذين يظلُّهم الله في ظلّه يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ؛ لأنَّ أحكام الشَّرع عامَّة للمكلَّفين أجمعين إلّا إذا ورد خلاف ذلك بنص صحيح صريح.\nولا عجب أن يستحقَّ من ترفَّع عن الفواحش أن يكون في كنف الله وستره، بعد أنّ صدَّق فِعْلُه قولَه، وعصى هوى النَّفس خوفًا من الله تعالى، لا خوفًا من مقولة قائل، أو لومة لائم، أو عقوبة سلطان عادل، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ\n_________\n(^١) المراد ظلّ عرشه، لدلالة أحاديث حسنة صريحة على ذلك، وبه جزم القرطبي، ورجَّحه ابن حجر في كتابه \" فتح الباري\" (ج ٨/ص ١١٤).\n(^٢) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ١/ج ١/ص ١٦١) كتاب الأذان، وأخرجه في كتاب الزَّكاة، وكتاب المحاربين. وأخرجه مسلم في \"صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ٤/ج ٧/ص ١٢٠) كتاب الزّكاة، وأخرجه في كتاب الزّهد.\n(^٣) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤/ج ٧/ص ١٨٤) كتاب الرّقاق.","vol":"1","page":63},{"text":"الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النَّازعات] وقال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ خَافَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرّحمن]\nفمن وقاه الله من شرِّ لسانه وفرجه، فقد وقي شرّ الشُّرور، وكان النَّبِيُّ - - ﷺ - - ضامنًا له على الله أن يدخله الجنَّة، ومن خاف مقام ربِّه، وزجر نفسه عن الهوى، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>العَزِيزُ يخَطِّئ زَوْجَته</span>\nوَبَعْدَما تَبَيَّن لِلْعَزِيز الخيط الأبيض من الخيط الأَسْوَد، وَلَم يَعُد هُنَاك مَجَال لِلشكِّ فِي بَرَاءَة يُوسُف وَكذْب امْرَأَتِه، قَال لها - وَالْأَسَى يَمْلَأُ القلب ـ: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ ثُمَّ تَوجَّه بالخطاب إِلَى يُوسُفَ، وَقَالَ له - بِلِسَان الرَّجَاء والالْتِمَاس ـ: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الْأَمر وَاكْتُمه وَلَا تَذْكُرْه سَتْرًا عَلَيْنَا! ويؤخذ من ذلك استحباب السَّتر على المسيء وكراهة إشاعة الذُّنوب بين النّاس.\nثُمَّ تَوجَّه بالخطاب مَرَّة ثاَنِيَة إِلَى امرأته، وَقَال لها - عَلَى وَجْه النُّصح والتَّوبِيخ ـ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ فَالله تَعَالى يَقُول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ [النِّساء]، ثُمَّ قَالَ لها: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ من المتعمِّدين للخطأ، وَالله تَعَالَى يقول: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النِّساء] لذلك وَجَبَ عليك الاستغفار والتَّوْبَة النَّصُوح.\nلكنَّ هَذا النُّصحَ والتَّخْطِيء والتَّوبِيخ لَم يَرْدَعْها، وَظلتْ رَاغِبَةً إِلَى يُوسُفَ، وكان الوَاجِبُ على العَزِيز أَنْ يَأْخذَ حِذْرَه، فيعزلها عَن يُوسُفَ أَو يَعْتقَه، ولكن هَذَا الَّذِي حَدَث ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ... (٤٤)﴾ [الأنفال].","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الفرق اللُّغوي بين خاطِئ ومخطِئ</span>\nقوله تعالى على لسان عزيز مِصْر: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ من باب تغليب الذُّكور على الإناث، ومن جهة أخرى هناك فرق لُغَوي بين الخاطئين والمخطئين، فالخاطئ: من تعمَّد الخطأ وما لا ينبغي، أمَّا المخطِئ فهو: من أراد الصَّواب فصار إلى غيره، أي من لم يتعمَّد الخطأ، ولذلك قال العزيز لامرأته: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ ولم يقل لها: مِنَ المخطئين. وسيأتي لإخوة يُوسُفَ أن يقولوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ أي كنَّا متعمِّدين بالذَّنب، وفيه إشارة بالتَّوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>من بديع القرآن الالتفات</span>\nالالتفات في المخاطبة هو نقل الكلام عن شيء إلى شيء آخر، وهو ضرب من ضروب البلاغة، وأسلوب من أساليب الفصاحة، ومنه في القرآن قوله تعالى حكاية عن عزيز مصر: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ فحوَّل الخطاب عن يُوسُفَ - ﵇ - إلى امرأة العزيز.\nولذلك فإنَّه يحسن الوقف على قوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ والابتداء بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ ليظهر الالتفات، ويتبيَّن الفصل بين الأمرين، وهو وقف جائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الكَيْدُ فِي القُرْآن الكَرِيم</span>\nوَهَذِه الحادثة لم تحطَّ مِن مَنْزِلَة يُوسُف - - ﵇ - ـ، بَل زَادَتْه رِفْعَةً وَعلوَّ شَأْن، لَا سيَّما وَأَنَّ الْعَزِيز نَفْسه قَد أَعْلَن بَرَاءَته وَأَسْنَد مَا حَدَث لامْرَأَتِه، فَقَال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾، و﴿مِنْ﴾: حَرفُ جَرٍّ يفِيد التَّبعِيض وَالتَّجْزِيء، أَي إِنَّ مَا حَدَث","vol":"1","page":65},{"text":"جُزء مِن كَيْدِكُنَّ، أَمَّا كَيْدكنَّ فَعَظِيم، وَلَم يَقُل: إِنَّه كَيْدُكُنَّ؛ لِأَنَّ الكَيْدَ لَا يُدْرَك مَدَاه، ولا يُعرف منتهاه.\nوَقَد عَبَّر بِصِيغَة الْجَمع لِأَنَّ الكَيْد مِن طَبْع النِّسَاء، وَلِذَلِك فَإِنَّ النَّبِيَّ - - ﷺ - - قَال لِبَعْضِ أَزْوَاجه لمَّا ألحَحْنَ عليه أَن يَأْمر عُمَرَ لِيُصلِّيَ بِالنَّاس بَدَلًا من أَبِي بَكرٍ، قَال: \" إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ \" (^١) فَالْكَيْدُ مِن طَبْعِكُنَّ.\nوالكَيد موجود فِي النِّسَاء والرِّجَال عَلَى حَدٍّ سَوَاء، إِلَّا أَنَّ كَيْد النِّسَاء أعظم بشهادة الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ فهذه الآية تقرِّر أنَّ كيد النِّساء عظيم، وبذلك يتفوَّقْنَ على الرِّجال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ (^٢) فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق]\nأمّا كيد الشَّيطان فأعظم من كيد النِّساء؛ فبعض كيد النِّساء مُسْتَمدٌّ من وَسْوَسَة الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيله، فَهوَ الْمعَلِّم وَهُنَّ التِّلْمِيذَات، أَمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النِّساء] فهذا إِذا مَا قِيسَ بالنِّسْبَة لِكَيْد الله تعالى، فَكَيد الله تعالى أَقْوَى مِن كَيْد الشَّيْطان وَأَشَدُّ، قَال تَعَالَى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>كلُّ سِرٍّ جَاوَزَ اللِّسَان شَاعَ</span>\nوَإِذَا صَار الْكَلَام بيْن اثْنَيْن شَاع وَلَم يَعُد سِرًّا، وَإِذَا خَرَجَ الكَلَامُ من اللِّسَان فليس عليه أَمَان ... فَقَد تَنَاهَى الخبرُ لجماعة من سَيِّدَات نِسَاء المدينة، ولمَّا تحقَّقْنَ منه بسَطْنَ فيها لِسَانَ الملامة، ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ - بِلِسَان الْعَجَب وَالْغِيبَة\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ١/ج ١/ص ١٦٢) كتاب الأذان.\n(^٢) ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾: السَّاحرات اللاتي يَعْقِدْنَ عقدًا في خيوط، وينْفُثْنَ فيها بريقِهِنَّ ليُعَقِّدْنَ أمور النَّاس.","vol":"1","page":66},{"text":"والتَّثريب ـ: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ عَبْدَهَا يُوسُفَ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ وَهيَ الْمُتَزَوجَة من عَزِيز مِصر! وَيَأْبَى عَلَيْهَا! وَتُرِيده قَسْرًا! ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ اقْتَحَم حبُّهُ أَسْوَار قَلْبِها ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ في خطأ وبعد عن سبيل الرَّشاد. وهذا الكلام من النِّسوة يكشف عن طبيعة الإنسان في حُبِّ الاطِّلاع وتتبُّعِ الأخبار، فإيّاكُم والنَّمائم؛ فإنَّها تزرع الأحقاد وتنبت السَّخائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>دلالة تجريد الفعل المسند إلى جمع التَّكسير من التَّاء أو قرنه بها</span>\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ النِّسوة فيها أقوال أشهرها وأظهرها أنَّ كلمة نسوة جمع تكسير للقلَّة، والمشهور كسر نونها، ويجوز ضمُّها في لغة، قال القرطبي: \"وهي قراءة الأعمش، والمفضل، والسلمي\" (^١) وإذا ضُمَّت نونها كانت اسم جمع بلا خلاف.\nومعلوم أنَّ من مواضع تأنيث الفعل مع الفاعل جوازًا إذا كان الفاعل جمع تكسير، نحو قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ ... (١٤)﴾ [فصِّلت] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ... (٣٤)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ... (٤٣)﴾ [الأعراف] وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ... (١٤)﴾ [الحجرات]\nفإن قيل: فلم جُرِّد الفعل من علامة التَّأنيث في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ وأثبت في مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات] مع أنَّ تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التَّأنيث؟!\nفالجواب: أنَّ ثبوت التَّاء في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات]\n_________\n(^١) القرطبي \" الجامع لأحكام القرآن \" (ج ٩ /ص ١٧٥).","vol":"1","page":67},{"text":"كان مراعاةً لمعنى الجماعة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ... (١٩)﴾، وأمَّا حذف التَّاء من ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ فلأنَّ الفعل المسند إلى جمع التَّكسير يجوز تجريده من التَّاء باعتبار الجمع.\nفإن قيل: فما دلالة تذكير الفعل أو تأنيثه مع الفاعل إذا كان الفاعل جمع تكسير؟!\nفالجواب أنَّ الفعل المجرَّد من التَّاء يدلُّ على القِلَّة، فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ يدلَّ على قلَّة عدد النِّسوة اللّاتي اغتَبْنَ امرأة العزيز، أمَّا الفعل المقترن بالتَّاء، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات] فإنَّه يدلُّ على الكثرة، فالأعراب كُثُر، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>امرأة العزيز تُقِيمُ الحُجَّةَ على النِّسْوة</span>\n﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ امرأةُ العزيز ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ (^١) أي بعيبهنَّ إيَّاها واحتيالهنَّ في ذمِّها، وقد استُعِيرَ المكر للغِيبة لشبهها له في الخَفاء ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهنَّ ضيوفًا عندها، ذريعة وحجَّة لتجمعَهنَّ بيُوسُفَ لينْظُرْنَ حُسْنَه وبهاءَه، فتقيم الحجَّة عليهنَّ، ويعذرنها، ولا يعُدْنَ ينتقدنها.\nوقبلْنَ الدَّعوة، وهيَّأت امرأةُ العزيز ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ (^٢) وفي الكلام محذوف تقديره: فلمَّا أتين قدَّمَتْ لهنَّ الثِّمار وأنواع الأطعمة ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ تعالج به الثِّمار أو الطَّعام، وبينما هنَّ منشغلات جاءَت يُوسُفَ ﴿وَقَالَتِ\n_________\n(^١) المكرُ من العبد غشٌ وخديعة واحتيال، ومن الله تعالى بطش وانتقام، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النَّمل]\n(^٢) المتكأ: ما اتكأت عليه لشراب، أو حديث، أو طعام.","vol":"1","page":68},{"text":"اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فسَمِعَ كلامها بموجب منزلته من منزلتها، وربَّما كان - - ﵇ - - لا يعلم عن تدبيراتها وترتيباتها هذه، فطَلَعَ عليهنَّ كأنَّه البدرُ في ليلة التَّمام، فقد كان - - ﵇ - - على حظٍّ وافرٍ من الحُسْنِ وجمال الرُّجولةِ.\n﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ وأجللنه، وبُهِتْنَ لطلعته، وهالهنَّ أمره، وذُهِلْن لجماله، ولشغلهنَّ به فقدْنَ المشاعر والأحاسيس والمدارك، واختلطت عليهن الأمور، ولم يفرِّقْن بين أيديهن وما بها ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ استعارة تصريحيَّة، فقد استعار لفظ القطع عن الجرح، أي جرَّحنها بما في أيديهن من السَّكاكين، وصِرْنَ مخضوباتِ البَنَان وهنَّ لا يشعرن ولا يدرين.\n﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ كلمةُ تنزيه عبَّرْنَ فيها عن الدَّهشة البالغة من عظمة صنع الله تعالى ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ وهو من باب المغالاة والمبالغة، فقد كان بشرًا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ ولم يكن ملكًا، وإنَّما هو وَصْفُ مدح؛ لأنَّ الملائكة موصوفة بالجمال والطَّهارة بخلاف الشَّياطين الموصوفة بالقبح والنَّجاسة، وقد ركز ذلك في الأذهان، وإن كان لم يرهما أحد.\nوفي هذه التَّعبيرات إشارة إلى وجود بقايا من دين الله تعالى، دين التَّوحيد الَّذي جَاءَ به الرُّسُلُ جميعًا.\nفلمَّا طوَّقت امرأةُ العزيز مكرَهنَّ وانتصرت عليهنَّ ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ فانظرن ماذا أصابكن من رؤيته ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ وامتنع وتحفَّظ تحفُّظًا شديدًا كأنَّ فيه عصمة، وهذا اعتراف صريح منها على براءة يُوسُفَ - - ﵇ - - وعلى ما في نفسِها من الهوى له.\nثمَّ قالت أمام الملأ مُهَدِّدة متوعِّدة ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ به فيما سيأتي","vol":"1","page":69},{"text":"﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ الأذلَّاء، ولم تعد تخشى لوْمَةَ لائم ولا مَقِيلَةَ قائِل، ونَسِيَتْ أنَّ زلَّة اللِّسان عَثْرةٌ لا تُقَال!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>يُوسُفُ - - ﵇ - - في السَّماء الثالثة ليلة المعراج وقد أوتي شطر الحسن</span>\nروى مسلم عن أنس بن مالك في حديث الإسراء أنَّ رسول الله - - ﷺ - - قال: \" ... ثمَّ عرج بي إلى السَّماء الثَّالثة، فاسْتَفْتَحَ جِبْريلُ، فقيل: مَنْ أنتَ؟ قال: جبريل. قِيل: ومَنْ معك؟ قال: محمَّدٌ - - ﷺ - ـ. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه؛ فَفُتِحَ لنا، فإذا أنا بيُوسُفَ - - ﷺ - ـ، إذا هو قد أُعْطِي شَطْرَ الحُسْنِ، فرحَّب ودعا لي بخير ... \" (^١).\nفي الفَصْل والوَصْل\nمن أسرار البلاغة وفنونها معْرِفَةُ مواضِعِ الوَصْل والفَصْل في الجمل، والعِلمُ بذِكْر العاطِف وتركِه. والوَصَلُ عند علماء المعاني المراد به عطْف جملةٍ على أخرى بحرف العطف الواو فقط، والفَصْل تركه.\nوتمييز مواطن الفصل من الوصل في الجمل على ما تقتضيه البلاغة أمر متعذّر غَامِض، لا يعرفه إلَّا الخلَّص من العرب، الَّذين طُبِعوا على البلاغة، وجُبِلوا على الفصاحة، وقد بلغ ببعضهم أنْ جعل معرفةَ الوصل من الفصل حدًّا للبلاغة، وأساسًا للفصاحة.\nوأهل البلاغة والفصاحة في عهد النَّبِيِّ كانوا أعرف النَّاس بعجزهم أمام القرآن وإعجازه، فإذا وقف هؤلاء عاجزين، فمن بعدهم لا رَيْبَ أَعْجَز؛ لأنَّ معرفة المتقدِّمين بصنعة العربيَّة لا يجاريهم فيها أحد من المتأخِّرين.\nومن المواضع الَّتي يحسن فيها الفصل أن يكون بين الجملتين اتِّحاد تامٌّ، كأن\n_________\n(^١) مسلم \" صحيح مسلم بشرح النّووي \" (م ١/ج ٢/ص ٢١٣) كتاب الإيمان.","vol":"1","page":70},{"text":"تكون الجملة الثَّانية بيانًا للأولى، أو توكيدًا لها، ويسمَّى كمال الاتِّصال، نحو قوله تعالى حكاية عن النِّسوة: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ ففي الجملة الأولى ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ نوع من الخفاء، فَفُصِلَت الجملةُ الثَّانية ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ لأنَّها بيان لما قبلها، ولأنَّها مؤكِّدة أيضًا للجملة الأولى في نفي البشريَّة.\nومن المواضع الَّتي يحسن فيها الفصل أن تقع الجملة الثَّانية جوابًا عن سؤال يفهم من الجملة الأولى، ويسمَّى شبه كمال الاتِّصال، نحو قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ... (٥٣)﴾ فقد فُصِلَت جملة ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ عن جملة ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ لأنَّ الثَّانية جواب عن سؤال يفهم من الأولى، فقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أوجد سؤالًا: لم لا تبرِّئين نفْسَكِ؟ فجاءت الجملة الثَّانية جوابًا ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾.\nوالجواب - كما هو معلوم - شديد الارتباط بالسُّؤال، ولذلك وقع الفصل في الجملة الثَّانية لقوَّة ارتباطها المعنوي بالجملة الأولى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>تَجاهُل العَارِف</span>\n\nتجاهل العارف ومزج الشَّكِّ باليقين فنٌّ من فنون البديع: وهو سُؤَال المتكلِّم عمَّا يعلمه حقيقةً تجاهلًا منه لنكتة، وهو على قسمين: منفيّ وموجب، وقد جاء منه في سورة يُوسُفَ ما لا يُلْحَقُ سَبْقًا، فمن القسم المنفي جاء قوله تعالى حكاية عن نسوة المدينة: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ مبالغة في تأكيد المدح، فخرج الكلام بمعنى بليغ ولفظ فصيح لم يقع في فصاحة العرب، فقد كانوا يشبِّهون كلَّ من راعهم حُسْنُهُ وجماله بالجنِّ.\nوممَّا ورد في القرآن الكريم من القسم الثَّاني الموجب (المثبت)، قوله تعالى:","vol":"1","page":71},{"text":"﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾ [الأنبياء] وهذا خارج مخرج التَّقرير، وشبيه به قوله حكاية عن إخوة يُوسُفَ: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ (٩٠)﴾ فهذا الكلام خرج مخرج التَّقرير والتَّعجُّب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>دعوى الزِّيادة في القرآن</span>\nالقول بالزِّيادة في القرآن الكريم دعوى باطلة، فمن ذلك قولهم: الباء زائدة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ... (٣١)﴾ قالوا: فالتَّقدير: فلمَّا سمعت مكرَهنَّ.\nولعلَّهم نظروا إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... (١٨١)﴾ [آل عمران] وفهموا أنَّ هذا الفعل (سَمِعَ) يتعدَّى بنفسه إلى المفعول به دون حرف جر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ... (١)﴾ [المجادلة] وقوله: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ ... (١٤٠)﴾ [النِّساء] وقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ... (١٦)﴾ [النّور]\nولا يخفى أنَّ السَّماع في هذه الآيات كلِّها كان فيها مباشرًا دون وساطة، أمَّا قوله: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ... (٣١)﴾ فإنَّ امرأة العزيز لم تسمع مكرهنَّ مباشرة، وإنَّما علمت به، فلو كانت الآية: فلمَّا سمعت مكرهنَّ، بإسقاط حرف الجرّ، فهذا يعني أنَّ امرأة العزيز كانت معهنَّ، وهذا ما لم تقرِّره الآية، ثمَّ إنَّ المكر لا يسمع، فناسب دخول حرف الجرّ لإصابة المعنى بدقَّة.\nومن الجدير علمه أنَّ الكلمة الَّتي يقول عنها النُّحاة زائدة، لا يراد بها أنَّها زائدة في النَّظم، ومن ذهب إلى أنَّها زائدة في النَّظم، وأنَّ وجودها وحذفها سواء، وأنَّها لا تخدم المعنى ولا الإعراب، فقد أعظم على الله الفرية! فما من كلمة في القرآن إلَّا ولها وجه يخطر في البلاغة، ويتَّجه في الفصاحة، وما من حرف إلَّا فيه ما يشوق وما","vol":"1","page":72},{"text":"يروق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ... (٩٦)﴾ فجيء بلفظة ﴿أَنْ﴾ مؤكِّدة للمَّا أو صلة لها، وهي عند النُّحاة زائدة لوقوعها بعد (لمَّا) الوقتيَّة.\nولعلَّ الَّذين أطلقوا القول في زيادتها نظروا إلى أنَّ القرآن لم يأت بها على الأصل من الحذف، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)﴾ [الحجر]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ ... (٨٠)﴾ [يونس]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ... (٦٦)﴾ [هود].\nوالصَّواب أنَّ ما وضع للتَّأكيد لا يسمَّى زائدًا، ولعلَّها لم تحذف لأنّ مجيء البشير إلى يعقوب جاء بعد أن طال على يعقوب - ﵇ - البعد والحزن، فناسب مجيء ﴿أَنْ﴾ لما في مقتضى وصفها من الإبطاء والتَّراخي، ولما لها من أثر في الدَّلالة على تراخي الزَّمن، أو أنَّها جاءت لتشعر بطيِّ بعض الكلام، واختصار بعض الحقائق، وهذه دقائق لا تتأتَّى لكثير من النُّحاة.\n* * *","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>القسم الرَّابع\nيُوسُفُ في السِّجن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>مُناجَاةُ يُوسُفَ لربِّهِ</span>\nفلمَّا سَمِعَ يُوسُفُ - - ﵇ - - تهديدَ امرأة العزيز ووعيدَها، وعَلِمَ عزْمَها وإصرارَها، تكلَّم بعد أن ظلَّ صامتًا طَوَال الوقتِ؛ فلا ينبغي له أن يتبسَّط في الحديث معهنَّ، والصَّمتُ يَرْفَعُ شأنَ صاحبه، وخَيْرُ الخِلال حِفْظُ اللِّسان، والعاقل مَنْ يتكلَّمُ عند الضَّرورة، فَلاذَ إلى ربِّهِ وناجاهُ في خُشُوعٍ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ (^١) أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي (^٢) إِلَيْهِ﴾ وقد اختار السِّجنَ مع أنَّه شرٌّ، ولكنَّه شرٌّ أهونُ من شرِّ الزِّنا الَّذي قال فيه ﵎: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء]. ثمَّ فزع إلى لطائِفِ رحمة الله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أي إن لم تدركني برحمتكَ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أَمِل إليهِنَّ، وهو من باب الشَّرط والمجازاة ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ وهذا على وجه عدم الاغترار بعصمته - - ﵇ - ـ، ومن باب هَضْمِ النَّفس، وعلى سبيل الإقرار بأنَّه ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشُّورى] ومن باب الثَّناء على الله تعالى والتَّضرُّعِ والاستغاثة بجنابه ﵎، وهو من أدبِ دُعاء الأنبياء والصَّالحين.\n_________\n(^١) لم يَرِدْ ذِكرُ لفظ السِّجن في القرآن الكريم باستثناء سورة يوسف إلَّا على لسان فرعون، وهو يتوعَّدُ موسى - - ﵇ - ـ: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ [الشُّعراء].\n(^٢) عبَّر - - ﵇ - - بصيغة الجمع سَتْرًا على سيِّدته، أو أنَّهُنَّ مشتركات في الجُرم، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>بناء أَفْعَل في التَّفْضِيل لِلْمُشْتَرِكَيْنِ فِي الشَّيْءِ، وقوله:\n﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾</span> من المعلوم أنَّ اسم التَّفضيل: صفة تؤخذُ من الفعل للدَّلالة على أنَّ شيئين اشتركا في صفة معيَّنة، وزاد أحدهما على الآخر فيها. وله أركان ثلاثة: اسم التَّفضيل، والمفضَّل، والمفضَّل عليه.\nواسم التَّفضيل في قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٣٣)﴾ هو أحبّ، والمفضَّل: السّجن، والمفضَّل عليه: ما يدعونه إليه.\nولكن لا يفهم من قوله أنَّ المفضَّل والمفضَّل عليه اشتركا في صفة الحبِّ، فلم يكن المدعُوُّ إليه حبيبًا إلى نفس يُوسُفَ البتَّة، ولكنَّه مثل قول القائل: الجنَّة أحبّ إليَّ من النَّار، والإسلام أحبّ إليّ من سائر الأديان.\nوهذا يطْمِسُ وجوه الَّذين قالوا ما قالوا في يُوسُفَ، ونسبوا إليه ما لا يليق به - - ﵇ - ـ، فيُوسُفُ ما أحبَّ ما يدعونه إليه، وما همَّ من قبل بشيء؛ فالهمُّ ما تمَّ لأنَّ برهان ربِّه من ثَمَّ كما تقرَّرَ، فما لهؤلاء القوم ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾ [الكهف]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>سرُّ قراءة لفظ ﴿السِّجْنُ﴾ بوجوه في موضع، وقراءته بوجه واحد </span>في المواضع الأخرى\nقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٣٣)﴾ قرأ يعقوب: (السَّجن) بفتح السِّين، على أنَّه مصْدر، أريد به الحبس. وقرأ الباقون: ﴿السِّجْنُ﴾ بكسر السِّين على أنَّ المراد به المكان.\nوقد اتَّفق القرَّاءُ على كَسْرِ السِّين من ﴿السِّجْنُ﴾ في المواضع الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ... (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾، وقوله تعالى:","vol":"1","page":76},{"text":"﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ... (٤١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ... (١٠٠)﴾. فما سرُّ قراءة لفظ ﴿السِّجْنُ﴾ بفتح السِّين وكسرها في قوله تعالى: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٣٣)﴾ والاتِّفاق على كسرها في بقيَّة المواضع؟!\nوالأمر جليٌّ، فمن قرأ (السَّجن) بالفتح أراد (المصدر) سَجَنَهُ يَسْجُنُه سَجْنًا، ومن قرأ (السِّجن) بالكسر أراد (المحْبِس) أي المكان الَّذي يُسْجَنُ فيه، ويلاحظ أنَّ الآيات الَّتي اتَّفق القُرَّاء على كسر السِّين من ﴿السِّجْنُ﴾ فيها يراد بها (المحْبِس) أي المكان ولا يصحُّ إرادة المصدر، بخلاف الموضع الأوَّل، فإرادة المصدر بيِّنة، فمن فتح السِّين فهو مصدر سَجَنَهُ سَجْنًا، ومن كَسَرَ السِّين فهو المَحْبِس وهو اسم، وهذا يكشف عن دقَّة القراءات المتواترة وأحكامها وإحكامها، ويكشف عن أسرار اللّغة العربيَّة في اتِّفاق المباني وافتراق المعاني، فهناك فرق بين استخدام الاسم واستخدام المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>تَقْرِيرُ سجْن يُوسُفَ - - ﵇ </span>- ـ\nومصداقًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ... (٦٠)﴾ [غافر]، وقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ... (١٨٦)﴾ [البقرة] استجاب الله تعالى دُعَاءَ يُوسَفَ ونجَّاه من كيدهنَّ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾.\nوبعد أنْ مضت فترة من الزَّمن، ورأوا الآياتِ الدَّالة على براءة يُوسُفَ، ظَهَرَ للعزيز وأهلِه ومَنْ استشارَهم أنَّ المصلحةَ تقضي بسجن يُوسُفَ.","vol":"1","page":77},{"text":"قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ أي إلى مدَّةٍ من الزَّمن غير معلومة، وذلك حتَّى يتستَّر العزيزُ على امرأته، وينفي التُّهمة عنها، ويحفظ سمعتها، ويفرِّق بينها وبين يوسف.\nوهكذا تقرَّر سجنُ يُوسُفَ بقرار جائر؛ بالقوَّة لا بالحق، وبلا إقامة دعوى ولا سَابِق جُرْم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>إِعْرَابُ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ (لَ يَ سْ جُ نُ وْ نَ نْ نَ هُ)</span>\nأصلُ هذا الفعل (يَسْجُنُونَ، نَّ) فاجتمعت ثلاثُ نونات: نون الفعل الَّتي هي علامة الإعراب في الأفعال الخمسة، ونون التَّوكيد الثَّقِيلة التي هي نونان، فحذفت نون الفعل للتَّخفيف، فالتقى ساكنان: واو الجماعة، والنون الأولى من نون التَّوكيد، فحذفت الواو لدلالة الضمَّة السَّابقة عليها، فصار (يَسْجُنُنَّ).\nونقول في إعرابه ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾:\n(اللام): الموطِّئة للقسم.\nو(يَسْجُنُنَّه): فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لالتقاء الأمثال (اجتماع ثلاث نونات).\nو(واو الجماعة المحذوفة للالتقاء الساكنين): فاعل مبني على السكون في محل رفع.\nو(النون): حرف توكيد مبنيٌ على الفتح لا محلَّ له من الإعراب.\nو(الهاء): ضمير الغائب، ضمير متَّصل مبنيٌ على الضمِّ في محلِّ نصب مفعول به.","vol":"1","page":78},{"text":"وجملة ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: فاعل (^١) للفعل (بدا)، أي بدا لهم أن يسجنوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>تجاور نوني التَّوكيد الثَّقيلة والخفيفة في آية من سُورة يُوسُفَ</span>\nنون التَّوكيد قسمان: ثقيلة، وخفيفة. وقد وقع التَّوكيد بالثَّقيلة في القرآن غير مرَّة، أمَّا التَّوكيد بالخفيفة فلم يرد في القرآن إلَّا في موضعين: الأوَّل في قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق] والثَّاني في قوله تعالى: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ [يوسف].\nومن لطائف البيان القرآني اجتماع نوني التَّوكيد الثَّقيلة والخفيفة في آية من سُورة يُوسُفَ، فقد جمعها قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ [يوسف] والآية تتحدث عن تهديد امرأة العزيز ليُوسُفَ بالسّجن والإذلال. ويلاحظ أنَّ النُّون الثَّقيلة أُدخلت على تهديده بالسَّجن، بينما أُدخلت النُّون الخفيفة على تهديده بالإذلال.\nوالظَّاهر أنَّ الفعل ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ باشرته نون التَّوكيد الثَّقيلة؛ لأنَّ امرأة العزيز عازمة عزمًا أكيدًا على سجنه، ولعلَّ ما يؤيّد ذلك أنَّ هذا الفعل جاء مؤكَّدًا بالثَّقيلة مرَّة ثانية لمّا بدا لهم أنَّ المصلحة تقتضي سجنه؛ إيهامًا لتبرئتها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾.\n_________\n(^١) هذا مذهب سيبويه، وخالفه آخرون؛ لأنَّ الفاعل لا يكون جملة، ولا يجوز إسناد الفعل إلى فعل آخر، وقيل: الجملة المؤكَّدة باللّام لا تأتي في موضع فاعل، وإنَّما في موضع مفعول لفعل تقديره (علموا)، لأنَّ في الآية ما هو معناه، فقوله: ﴿بَدَا﴾ أي ظهر للقلب، وما ظهر للقلب فقد عُلِمَ، وبذلك تكون الجملة المؤكَّدة باللَّام ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ مفعولًا به للفعل علموا، وفاعل الفعل ﴿بَدَا﴾ هو المجرور من قوله: ﴿لَهُمْ﴾ وهو فاعل في المعنى، وقيل: الفاعل ما دلَّ عليه بدا، وهو المصدر، أي بدا لهم بَدَاءٌ، فحذف الفاعل لأنَّ الفعل يدلُّ عليه، وقيل: الفاعل مضمر، وتقديره: رأي، أي بدا لهم رأيٌ، وحذف الفاعل لدلالة ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ عليه، وقيل غير ذلك","vol":"1","page":79},{"text":"أمَّا تهديدها ووعيدها له بالإذلال فيبدو أنَّه كلام خارج من اللِّسان ولم يقصده القلب ببرهان، ولذلك نراها لم تؤكِّد تقرير الإذلال بالنُّون الثَّقيلة، واكتفت بالخفيفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الأسبابُ الَّتي أدَّت إلى سجْنِ يُوسُفَ</span>\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ قد يسأل سائل: ما الآيات الَّتي بدت لهم، حتَّى يسجنوا يُوسُفَ - ﵇ -؟!\nوالجواب: أنَّهم قرَّروا سجنه بعدما رأوا الآيات القاطعة ببراءته - ﵇ - ممَّا قذفته به، والقاضية بعفَّته، ومن تلك الآيات قدُّ القميص من دبرٍ وعدم تفنيدها لهذا الدَّليل، وسكوتها حينما سمعت قول العزيز: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾، وحين أباحت سرَّها للنِّسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فمن لم يكسه الحياءُ ثوبَه يرى النَّاس عيبَه، وما كانَ يظْهرُ على وجهها ممَّا تضمِرُه ليُوسُفَ من حبٍّ، فما أضْمَرَ أحدٌ شيئًا إلَّا ظهر في فلتات لسانه، ولحن قوله، وصفحاتِ وجهِه، قال زهير:\nومهما تَكُنْ عِنْدَ امرئ من خَلِيْقَةٍ ... وإنْ خَالها تخْفى على النَّاسِ تُعْلَمِ (^١)\nولذلك قرَّروا سجنَ يُوسُفَ؛ إيهامًا أنَّه هو المذنب؛ دفعًا لمعرَّة التُّهمة عنها، وسعيًا في إرخاء السَّتر عليها، وقَطْع قَالة النَّاس عنها، ولهذا لمَّا طلبه ملك مصر، امتنع من الخروج حتى تظهر براءَتُه مما نُسِبَ إليه، فلمَّا تقرَّر ذلك خرج طَاهرَ الثَّوب، حَسَنَ النَّقيبة، كريم الخَلِيقة.\n_________\n(^١) الشّنقيطي: \" شرح المعلَّقات العشر \" (ص ١٠٣).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>رؤيا الفتيين</span>\n﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أُدْخِلَ يُوسُفُ السِّجْن، واتَّفق أنْ دَخَلَ معه عبدان من خَدِم المَلِك الخواصِّ هما: ساقيه، وخبَّازه.\nويختصرُ السِّياقُ على ما كان من أمر الفتيين مع يُوسُفَ اللَّذين أَنِسَا إليه لما ظَهَرَ من علمه وإحسانه، فذات ليلة اتَّفق أن رأى فيها كلٌّ منهما رؤيا، فقصَّ كلٌّ منهما رُؤياه على يُوسُفَ، لما علما عنه من عِلمٍ وحكمة، ولما يتوسمانه فيه من خير، ولما قرأا في صَفَحَاتِ وجهه من إِحسان.\n﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وعبَّر بالمضارع لاستحضار الصُّور الماضية، أي إنِّي رأيتُ نفسي أعصر عنبًا يَؤُول إلى خمر، وهو مجاز مرسل باعتبار ما يكون.\n﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ أي رأيت أنَّي أحملُ على رأسي طبقًا فيه خبز، والطَّير تأكلُ منه ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾.\nواغتنم يُوسُفُ هذه الفرصة، فوعظ الفتيين؛ ليُصَحِّحَ العقائِدَ الفاسِدةَ، ويبثَّ عقيدةَ التَّوحيدِ، وكان من الممكن بعد أن مدحاه بقولهما: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ أن يأخُذَه الزَّهو بتلك الشَّهادة منهما كما يأخذ الزَّهو البعض، وأنْ يقولَ لهما ما يريدان، لكنَّه لم يسمح للغرور أن يتسلَّل إليه، فانتهز حاجتهما إليه، ودعاهما إلى ما هو أولى ممَّا استفتياه فيه، وهو التَّوحيد.\nوشرع - ﵇ - معهما في الموضوع الَّذي يشْغَلُهما، فطمأنهما ابتداءً إلى أنَّه سيعبِّر لهما الرُّؤى لأنَّه على علمٍ من ربِّه لا من علوم الكهانة والتَّنجيم، بل هو فضلٌ إلهيٌّ آتاه الله تعالى إيَّاه جزاءَ تجرُّدِه وآبائه من قبله لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له.","vol":"1","page":81},{"text":"﴿قال﴾ - - ﵇ - - بلسان يبعثُ الثِّقةَ والطُّمأنينَةَ في النُّفوس: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا﴾ ولا يحمل إليكما ﴿طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وأخبرتكما بحقيقته وماهيته ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ تأويله، وقبل أن يصل إليكما ويقع مصداقه. ونراه لم يُسْرع في الإجابة؛ وكأنَّه يريد أن يُثْبِتَ لهما كفاءته - - ﵇ - ـ، فقدَّم ما هو معجز من الإخبار عن الغيب ليهديهما إلى صدقه في دعوته لهما إلى التَّوحيد.\n﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ ﵎، وفي هذا تعريضٌ وتلميحٌ إلى طلب الإيمان منهما، ونفيٌ للفضل عن نفسِه، وعدم ادِّعاء الفقه ولا الخصوصيَّة، وفيه ردٌّ للفضل لصاحب الفضل، وفيه تأنيس لهما، وتحبُّب إليهما، وهذا من أدب الأنبياء والصَّالحين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>يُوسُفُ يُمَهِّدُ للدّعوة إلى التَّوحيد</span>\nوافْتَرَصَ - - ﵇ - - الفرصة، فوعظهما تمهيدًا لدعوتهما للتَّوحيد، قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾ فهذا العلم الَّذي وهبني تعالى إيَّاه كان ثوابًا على تركي ملَّة من لا يؤمنون بالله تعالى ولا بيوم الحساب، واتِّباعي ملَّة آبائي الأنبياء الموحِّدين.\nوالترك هنا بمعنى الامتناع دون سابق مزاولة لا تركًا بعد الملابسة، ويؤكِّد هذا قوله الآتي: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وإنَّما عبَّر بهذه الكلمة ﴿تَرَكْتُ﴾ تحريضًا لهما لأن يتركا تلك الملَّة التي هم عليها، ولتقوى رغبتهما في سماعه واتِّباع ملَّته.\nوقد نبَّه - - ﵇ - - في كلامه إلى أصلين عظيمين: الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، إذ هما أعظم أركان الإيمان السِّتَّة الَّتي يدلُّ عليها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ","vol":"1","page":82},{"text":"الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ... (١٧٧)﴾ [البقرة] وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر]\nوذِكْرُ الآخرة على لِسَان يُوسُفَ فيه إشارة إلى أنَّ الإيمان بالآخرة كان أصلًا من أصول العقيدة على لِسَانِ الرُّسلِ جميعًا منذ آدم أبي البشر - - ﵇ - ـ، ولم يكن الأمر كما يدَّعي بعضُ الملاحدة أنَّ تصوُّر الآخرة جاء إلى العقيدة متأخِّرًا.\nثمَّ مضى - - ﵇ - - يؤكِّدُ لهما أنَّه ما فاز بما فاز إلَّا لأنَّه ترك ملَّة أولئك الجاحدين واتَّبع ملَّة آبائه الموحِّدين: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.\nوغنيٌ عن البيان أنَّه ما قَصَدَ بذكر سلسلة نَسَبِهِ الفَخَارَ والتَّرفُّعَ والمفاخرة، ففضل الإنسان بعلمه وعمله لا بنسبه وحسبه، لذلك يقول عليٌ - - ﵁ - ـ:\nالنَّاسُ مِنْ جِهَةِ الآباءِ أَكْفاءُ ... أَبوهُمُ آدَمُ والأمُّ حَوَّاءُ\nفإنْ يَكُنْ لهم مِنْ أصْلِهِم شَرَفٌ ... يُفاخِرونَ بِهِ فالطِّينُ والمَاءُ\nمَا الفَضْلُ إلَّا لأهل العِلْم إنَّهُمُ ... عَلى الهُدى لِمَن استهدى أدلَّاءُ\nوقَدْرُ كُلِّ امرئ مَا كان يُحْسِنُهُ ... وللرِّجَال عَلى الأفعال أسماءُ\nفَفُزْ بِعِلْمٍ ولا تطْلُبْ به بدلًا ... فالنَّاسُ مَوتَى وأهلُ العِلْمِ أحْيَاءُ\n\nفليحذر العاقل خصلة استهان النَّاس بها، مع أنَّها تزرع في النُّفوس كرهًا، وتقدح في الصُّدور بغضًا، وتعقب في القلوب غلًَّا، والشَّرائع السماويَّة كلُّها تدعو لِطَمْسِها، وهي التَّعاظم بالآباء والتَّفاخر بالأنساب، وإنَّما ذكر لهم أنَّه من بيت النُّبوَّة لتزداد ثقتهُما بكلامه، وعلى سبيل إظهار النِّعمة، ثم أنَّه لم يخصَّ نفسَه ولا بيتَه بفضل كما يفصح عنه قوله الآتي: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾.","vol":"1","page":83},{"text":"وهكذا تتجلَّى الوحدة الموضوعيَّة في سُورة يُوسُفَ، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ... (٣٨)﴾ فهي تربط بين رسالات الأنبياء، فالأنبياء جميعًا جاؤوا برسالة واحدة، وهي التَّوحيد، ونبذ الشِّرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>محسِّنَات بديعيَّة في بعض آية</span>\nقوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ فيه أنواع من المحسِّنات البديعيَّة، حسبنا منها خمسة: الاحتراس، والإدماج، وحسن النَّسق، والتَّنكيت، والمساواة.\nالأوَّل: الاحتراس: فقد قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ وما اقتصر؛ لأنَّه لو اقتصر على هذا المعنى لأفاد العموم ومطلق الآباء من يعقوب إلى آدم، وفيهم من لا يجب اتِّباع ملَّته، لكنَّه جاء ببدل التَّقسيم: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ من باب الاحتراس؛ ليزيل ذلك الوهم، فحصل الاحتراس بالبدل، وأزال عن المبدل منه ما قد يتوجَّه إليه من احتمال لو اقتصر عليه.\nالثَّاني: الإدماج: فقد أدمج الاحتراس في لفظ التَّقسيم، فالاحتراس لم يظهر، ولم يُلْفَظْ به، وإنَّما أُدْمِجَ في البَدَل.\nالثَّالث: حسن النَّسق: إذ عطف الآباء على ترتيبهم في الميلاد بواو النَّسق، وذكرهم من الأعلى إلى الأدنى، دون تقديم أو تأخير.\nالرَّابع: التَّنكيت: فقد رتَّب الآباء التَّرتيب الَّذي تقتضيه البلاغة، فلم يبدأ من الأدنى الَّذي جاء من صلبه وهو يعقوب، إلى الأعلى فالأعلى، وإنَّما عكس عامدًا متعمِّدًا؛ لنكتة بلاغيَّة، وهي أنَّه يريدُ إظهار الملَّة الحنيفيَّة الَّتي يتَّبعها، فابتدأ بإبراهيم لأنَّه هو الَّذي ابتدأ الملَّة المتَّبعة.","vol":"1","page":84},{"text":"الخامس: المساواة: فقد جاءت الألفاظ مساوية للمعنى، بحيث لم تزد عليه ولم تنقص، ولم تَفْضُل ولم تَقْصُر، فالقرآن فيه بلاغة لا تبارى، وبيان لا يجارى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>لواءُ التَّوحيد حمله الأَنبياءُ جميعًا</span>\nويتَّضحُ من قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ نفي لجواز الشِّرك (^١) في الرُّبوبيَّة أو الألوهيَّة، وإثبات لوجوب التَّوحيد، قال تعالى لنبيِّنا محمَّد - - ﷺ - ـ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخرف].\nفكلمة لا إله إلا الله هي اللِّواء الَّذي عمل الأنبياءُ جميعًا لرفعه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء].\nولا إله إلا الله هي الرَّاية التي عاش في ظلِّها الأنبياء والمرسلون، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحل] فدين التَّوحيد هو الدِّين الخالص الَّذي جاء به الأنبياء جميعًا؛ لعموم قوله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... (١٩)﴾ [آل عمران]، وقد جاءتْ الجملةُ معرَّفة الطَّرفين للدِّلالة على الحصر والقصر، أي: لا شرع ولا دين إلَّا الإسلام، وكلامه تعالى لا يقبل النَّقض ولا المداولة ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران] لأنَّه دينُ التوحيد الحقّ.\nوالإسلام ليس هو دين النَّبيِّ - - ﷺ - - خاصَّة، بل هو دين الأنبياء والرُّسل من\n_________\n(^١) الشِّرك في الألوهيَّة: أن يُعْبَدَ مع الله إله آخر، أمَّا الشِّرك في الربوبيّة: فأن يطاع غير الله في أمرٍ ونهي وتشريع وتحليل وتحريم.","vol":"1","page":85},{"text":"قبله عامَّة، فحرَّفه أتباعُهم، ثمَّ أنزله الله تعالى على خاتم الأنبياء والمرسلين سيِّدنا محمِّد - - ﷺ - - لتوحيد العقائد، لا لتفريق القواعد؛ ولذلك جُعِلت قاعدتُه الثَّابتة الإيمان بسائر رسل الله تعالى وكتبه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ... (٤٨)﴾ [المائدة] أي: مصدِّقًا للكتب السَّماويَّة الَّتي سبقته، ومؤتمنًا وشاهدًا عليها أنَّها من عنده سبحانه.\nفالإسلام ليس بدين جديد، الإسلام قديم، الإسلام دين الأنبياء والرُّسل الأقدمين أجمعين، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ... (١٣)﴾ [الشُّورى].\nفنوح - - ﵇ - - كانَ مُسْلمًا موحِّدًا، قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس] وإبراهيم - - ﵇ - - كان مسلمًا: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة].\nولوطٌ - - ﵇ - - جاء بالإسلام، فالله تعالى حين أراد إهلاك قومه الَّذين ارتكبوا الفواحش، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذَّاريات] هو بيت لوط - - ﵇ - ـ.\nووصَّى إبراهيمُ ويعقوبُ ﵉ أبناءَهما بالإسلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة].\nولمَّا حَضَرَ يعقوبَ الموتُ ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة].","vol":"1","page":86},{"text":"وكانتْ طُلْبةُ يوسف الأخيرة من ربِّه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف].\nوموسى - - ﵇ - - كان مسلمًا، فالسَّحرة الَّذين اتَّبعوه وآمنوا ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف] قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف] ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ... (٤٤)﴾ [المائدة].\nوسليمان - - ﵇ - - كان مسلمًا، فعلى لسان بلقيس: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النَّمل] وعلى لسانه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا ... مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ [النَّمل].\nوعيسى - - ﵇ - - كان مسلمًا ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة]، فالمسيح عيسى ابن مريم - - ﵇ - - ما جاء ليُنَكِّسَ لواءَ التَّوحيد، بل ليرفعَه: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة] ولذلك قال النَّبيُّ - ﷺ -: \" أَنَا","vol":"1","page":87},{"text":"أَوْلَى (^١) النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ (^٢)، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ \" (^٣)\nفأَصْل دِينهمْ وَاحِد، وَهُوَ التَّوْحِيد، الَّذي بعث الله به كلَّ نبيٍّ مرسل، وضمَّنه كلَّ كتابٍ منزل، وَإِنْ اختلفت فُرُوع الشَّرَائِع.\nوسيِّدنا محمَّد - - ﷺ - - أُمِرَ بالِإسْلام: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ... الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ [النَّمل]\nفدين الأنبياء واحد، اتَّفقوا في الأصول والعقيدة، لكن اختلفوا في الشَّرائع والمنهاج حتَّى يناسب كلّ أمَّة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ... (٤٨)﴾ [المائدة].\nواعلم أنَّ رسالة النَّبيِّ - - ﷺ - - تختصُّ عن الرِّسالات السَّابقة بخصائص، منها: أنَّها خاتمة للرِّسالات السَّابقة، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ... (٤٠)﴾ [الأحزاب] وأنَّها رسالة عامَّة، فقد بُعِثَ - - ﷺ - - إلى كافَّة الورى، وعامَّة الجنِّ، ويدلّ على بعثته إلى النَّاس كافَّة، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ... (١٥٨)﴾ [الأعراف] ويدلّ على بعثته إلى عموم الجنِّ، قوله تعالى حكاية عن الجنّ: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ\n_________\n(^١) النَّبيُّ - - ﷺ - - أولى النَّاس بابن مريم، لقرب العهد منه، ولأنَّه بشَّر به، كذلك هو أولى النَّاس بإبراهيم - - ﵇ - - من جهة الاقتداء به، وكونه من ذريَّته، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ ... (٦٨)﴾ [آل عمران].\n(^٢) يقول العرب: هم إخوة لعلاّت إذا كان أبوهم واحد، وأمهاتهم مختلفاتٍ.\n(^٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (م ٢/ج ٤/ص ١٤٢) كتاب أحاديث الأنبياء ..","vol":"1","page":88},{"text":"بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ [الأحقاف].\nومن الخصائص أنَّ رسالته - - ﷺ - - ناسخة للرِّسالات السَّابقة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران] وقال - - ﷺ - ـ: \" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ (^١)، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ \" (^٢) وهذا واضح في نسخ الملل والشَّرائع كلِّها برسالته - - ﷺ - ـ، فلا يجوز لأحد من الثَّقلين أن يتابع أحدًا من الرُّسل السَّابقين بعد بعثته - - ﷺ - ـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>دَعْوةُ يُوسُفَ إِلى التَّوحيد</span>\nوقول يُوسُفَ: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أسلوب نفي من أساليب النَّفي الرَّفيعة المستوى الَّتي تفيد النَّهي والنُّصح والإِرشاد معًا، فقد أراد - - ﵇ - - بقوله هذا أن ينهى الفتيين عن الشِّرك، وأن يغمزَ قناتهما بأنَّ الشِّرك الَّذي هما عليه خَطْبٌ جسيمٌ وأمرٌ جللٌ وَجَبَ عليهما تركُه، والمعنى لا ينبغي لنا نحنُ معْشَرَ الأنبياء أن نشركَ بالله تعالى شيئًا؛ فالشِّركُ ظلمٌ عظيمٌ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... (١١٦)﴾ [النِّساء]\nثمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بأن جعلنا رُسُلًا موحِّدين ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بأن بعث لهم رُسُلًا يدعونهم إلى التَّوحيد ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ فَضْلَ الله تعالى عليهم بتوحيده، فيشركون به غيره.\nوبكلِّ حكمة وبراعة يدخلُ يُوسُفُ إلى صميم القضيَّة الإيمانية، فيعرض عليهما\n_________\n(^١) اختصَّهم - - ﷺ - - بالذِّكر لأنَّ لهم كتابًا، فإذا كان هذا حال من معه كتاب، فمن لا كتاب معه أولى.\n(^٢) مسلم \"صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ١/ج ١/ص ١٨٦) كتاب الإيمان.","vol":"1","page":89},{"text":"التَّوحيد بصورة الاستفهام؛ حتَّى لا تأخذهما المفاجأةُ بإبطال ما وجدا عليه آباءَهما من قبل فينفرا منه، فقال لهما متلطِّفًا مترفِّقًا متحبِّبًا:\n﴿يَاصَاحِبَيِ﴾ في ﴿السِّجْنِ﴾ أجيباني على سؤالي بفطرتكما وعقلكما ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ أي أآلهةٌ متعدِّدة متكثِّرة مقهورةٌ لا إرادة لها ﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ الَّذي لا ثاني له ﴿الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ الغالب على أمره.\nفتعدُّد الآلهة يوجب فساد السَّموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء] ويوجب الاختلاف والتَّنازع والتّشاحن، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ... (٢٩)﴾ [الزّمر].\nونراه أورد الدَّليل على عدم صحَّة عبادتهما بصورة الاستفهام ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾؛ لأنَّ ذلك أدعى للقبول، وهو استفهام إنكاري يراد به التَّقريع والتَّوبيخ.\n﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ ﵎ أنتما ومَنْ على دينكما من أهل مِصْر القُدماء ﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ فارغة ليست تحتها مسمَّيات تستحقُّ إطلاق هذه الأسماء عليها، وما ليس فيه حقيقةُ إطلاق الاسم عليه لا وجود له أصلًا. ويلاحظ أنَّه جاء بخطاب الجمع ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ وكذلك ما بعده من الضَّمائر لأنَّ الخطاب لصاحبي السِّجن ومن على دينهما.\n﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ آلهةً من عند أنفسكم، وليس في المسمَّى من الألوهيَّة شيء، وهي في الحقيقة مألوهة مؤلَّهة لا آلهة ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ من بُرهان يدلُّ على صحَّة عبادتها، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ","vol":"1","page":90},{"text":"صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة] فالمسمَّيات لا تتغيَّرُ بتغيُّر الأسماء، فالحجارة مثلًا لا تصيرُ آلهةً بتغيير اسمها، لذلك لا تستحقُّ الألوهيَّة ولا العبادة؛ لأنّ الدِّينَ مبنيٌّ على الحجَّة والبرهان، لا على التَّقليد، فهذا ما نطق به القرآن، وهذا ما تدين به العقول، وهذا ما تُسَلِّم له الأفئدة، فأيُّ باطلٍ أخذتم؟! وأيُّ حقٍّ رفضتم؟!\nثمَ نصَّ على ما هو الدِّينُ القويم والحقُ المبين، فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ ولا نحسبهما إلَّا قد ألجما الحجَّة؛ فسكوتهما عن الجواب حُكْمٌ صَامِتٌ بصحَّةِ كلام يُوسُفَ - - ﵇ - ـ.\nومن اللَّافت أنّ يُوسُفَ - - ﵇ - - في شرح التَّوحيد والدَّعوة إلى ترك التَّقليد يكاد لا يسكت ولا يكفُّ، بخلاف موقفه أمام عزيز مصر وتقرير سجنه، فلم يُسْهِب في الكلام فهو ﴿يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق] وأنَّه ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشُّورى] وأنَّ الله يحكم ما يشاء وليس حكمه بالمردود، ولذلك سَلَّمَ الأمْرَ لصاحِب الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>أدبُ الأنبياءِ في الخِطَاب</span>\nمما يدلِّل على عِلْمِ يُوسُفَ وحكمته، ويشيرُ إلى إحسانه وأدبه، تحسينُه للجواب وتلطُّفه في الخطاب معهما حيث يلاحظ أنَّه، قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ ولم يقل: ولكنَّ أكثركم لا تشكرون، وقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ ولم يقل: أيُّها المسجونان، وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ ولم يقل: ولكنَّ أكثركم لا تعلمون؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... (١٢٥)﴾ [النَّحل]، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ","vol":"1","page":91},{"text":"مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ... (١٥٩)﴾ [آل عمران] فهذا شأن الأنبياء جميعًا، كلُّهم رحمة وأدب وحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>التَّعريض في سُورة يُوسُفَ</span>\nالتَّعريض ضدّ التَّصريح، وهو ما أُلْغِز من كلام، وصُرِفَ عن ظاهره، وسِيقَ لأجل موصوف غير مذكور للتَّلويح به.\nومن أمثلة التَّعريض في سورة يُوسُفَ، قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ... (٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ... (١١١)﴾ فذكر الله تعالى أنَّه أَحْسَنُ القَصَصِ، ونفى عنه الافتراءَ؛ تعريضًا بقصص أهل الكتاب الَّتي اشتملت على قصص لا تفرِّق فيها بين الغَثِّ والسَّمين، ولا تعرف منها الشّمال من اليمين.\nوقد أثبت القرآن الكريم وقوع التَّحريف عندهم، فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ... (١٥)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... (٤٦)﴾ [النّساء].\nومن التَّعريض: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ فقد كَبُرَ على امرأة العزيز أن ترمي يُوسُفَ بهذا الكذب صراحة وهي تعلم طهارته ونزاهته وعفَّته، فاكتفت بالتَّعريض، وفي خفيِّ التَّعريض ما يغني عن شنيع التَّصريح كما يقولون.","vol":"1","page":92},{"text":"ومن التّعريض قوله: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ فلم يصرِّح لهم يُوسُفُ أنَّهم ليسوا من الشَاكرين، وإنَّما عرَّض لهم بما يحصل منه الفهم، وهو تعريض مُعْرِبٌ عن الأدب.\nومن التَّعريض قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ فلم يصرِّح لهم أنَّهم لا يعلمون وأنَّهم جاهلون، وإنَّما عرَّض بهم أدبًا منه - - ﵇ - ـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>نتعلَّم من دَعْوةِ يُوسُفَ - - ﵇ </span>- ـ\nكان يُوسُفُ قد خاطب الفتيين بأنَّهما رفيقاه في السِّجن، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ﴾ في ﴿السِّجْنِ﴾؛ ارتباطًا بهما، ومنه نتعلَّم أنَّه مِن واجب الواعظ نحو الموعوظين أن يتواضعَ لهم، وألَّا يترفَّع عليهم؛ فيصدِّر وعظه بكلمةٍ تنمُّ عن ارتباطه بالموعوظين - كما فعل يُوسُفُ - كما تقول الوعَّاظُ اليوم: أيُّها الأحبابُ، مَعْشَرَ الإخوة الأعزاء، إخواني أحبابَ رسولِ الله - - ﷺ - ـ:\nفَهُنَاكَ يُقْبلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى ... بالرَّأيِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْليمُ\nعندئذٍ يَقْربُ على النَّاسِ قبولُ الوعظ، وقد قيل: \"النُّصح علاجٌ مرٌّ، فلْيَصْحَبْهُ شيءٌ من حلو الكلام \"، وهذا ما جرى عليه القرآنُ الكريم، والشَّواهدُ كثيرةٌ، منها قوله تعال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ (^١) اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ (^٢) الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ\n_________\n(^١) إسرائيل: اسم أعجمي، ومعناه: عبد الله، وهو اسم يعقوب - - ﵇ - ـ، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ... (٩٣)﴾ ... [آل عمران]\n(^٢) حين قال تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ عمَّ جميع النِّعم فلمَّا عطف ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ كان من باب عطف الخاص على العام لبيان الكمال.","vol":"1","page":93},{"text":"(٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة]\nأراد الله تعالى أن يأمُرَهم بالتَّقوى، فاستفتح ذلك بتشريفهم بأنَّهم أولادُ يعقوب - - ﵇ - ـ، ثمَّ بالتَّذكير بنعمه عليهم، وأنَّه تعالى فضَّلهم على عالمي زمانهم.\nونتعلَّم من دعوة يُوسُفَ أنَّ الدَّاعيةَ المصلحَ لا ترتبطُ دعوتُه في زمانٍ ولا مكانٍ ولا في أي حالٍ من الأحوال، من عُسْرٍ أو يُسْرٍ، من سرَّاء أو ضرَّاء؛ فيُوسُفُ دعا إلى الله تعالى وهو في السِّجن، ولم تمنعْه كُرْبةُ السِّجن ولا بهتانُ التُّهمة عن أن يدعو إلى الله تعالى.\nفالمحنة لا تَثْنِي المؤمنَ عن واجبه في الدَّعوة إلى الله تعالى، فمع أنَّه في السِّجن، انتهز فرصة تأويل رؤيا السَّجينين، فبادر إلى الدَّعوة إلى التَّوحيد وإلى الله تعالى، فالدِّين أهمُّ من الدُّنيا، فما فائدة أن يكون العبد عالمًا بأمر الدُّنيا، جاهلًا بأمر الآخرة؟! فلعلَّ يُوسُفَ - ﵇ - نظر إلى ذلك، فهو يعلم أنَّ أحدهما مقبل على الموت ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ... (٤٢)﴾ [الأنفال].\nوكانت دعوتُهُ دعوةً في أعلى مَرَاتِبِ الأدب، فنراه لم يجرحْ مشاعرَ صاحبيه، ولم ينطقْ ببنْتِ شَفَةٍ، ولم ينْبِسْ بكلمة تمسُّ كرامتهما، بل كان حريصًا على مراعاة عواطفهما، ولم يعبْ تلك الآلهة؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. .. (١٠٨)﴾ [الأنعام]\nونخرجُ من دعوتِه أيضًا أنَّ الدَّعوة إلى الله تعالى لا تكونُ بالسَّيفِ والسِّنان، وإنَّما بالحجَّة والبرهان، كما نصَّ على ذلك كتاب الله تعالى في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا","vol":"1","page":94},{"text":"الْبَلَاغُ ... (٤٨)﴾ [الشُّورى] وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرَّعد].<span data-type=\"title\" id=toc-76> الفرق بين ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ و﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾</span>\n(أَنْزَل) فعل ثلاثيٌّ مزيد بهمزة قطع في أوَّله على وزن (أَفْعَل)، و(نزَّل) فعل ثلاثيٌّ مضعَّف مزيد بحرف من جنس عينه على وزن (فعَّل). وهذه الزِّيادة لها غير معنى، فالزَّائد في اللُّغة - صرفًا كان أم نحوًا - ليس وجوده كعدمه، وإنَّما هو اصطلاح صرفيّ أو نحويّ، له وظيفة يؤدِّيها، وغرض يأتي من أجله، ومعنى يدلُّ عليه، فزيادة المباني تدلُّ على زيادة المعاني.\nوقد يَرِدُ (أَفْعَل) و(فَعَّل) في تعبير واحد، لكن المعنى يختلف، ومن ذلك قوله تعالى - في سُورَةِ يُوسُفَ ـ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ... (٤٠)﴾ [يوسف] وقوله تعالى - في سورة الأعراف ـ: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ... (٧١)﴾ [الأعراف].\nوالنَّاظر في سياق الآيتين يدرك الفرق بينهما، والفرق بينهما يتلخَّص في أنَّ (فَعَّل) آكد من (أَفْعَل)؛ ففي سورة يُوسُفَ لم يَرُدَّ الفتيان على يُوسُفَ لمَّا عَرَضَ عليهما التَّوحيد، ولم يجادلاه، قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف] فجاء الفعل (أنزل) لذلك.\nبخلاف ما في الأعراف، فقد ردُّوا على نبيِّهم هود، وجادلوه بالباطل: ﴿قَالُوا","vol":"1","page":95},{"text":"أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف] فردَّ عليهم نبيُّ الله هود: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾ [الأعراف] فما في الأعراف أشدُّ تعنُّتًا، فجاء الفعل (نزَّل) المشدّد للمبالغة والاهتمام.\nفما استخدم فيه (فعَّل) أهمُّ وآكد من (أَفْعَل) وهناك غير شاهد، وغير معنى، ومن هنا نفهم أنَّ الله تعالى جعل كلَّ لفظة في القرآن في مستقرِّها ومستودعها، وليس في القرآن لفظة مقحمة، أو غير مقصودة، فلو نزعت لفظة، ثمَّ بدأت بالمعاجم من ألفها إلى يائها بحثًا عن لفظة تقوم مقامها ما وجدت خيرًا منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>تأْويلُ يُوسُفَ رؤيا الفتيين</span>\nهذه عِظَةُ يُوسُفَ، وسواء كانت نفخةً في نارٍ أو في رماد، فقد فتح لنا - - ﵇ - - بَابَ الوعْظِ والإرشاد على مصراعيه، والقرآن الكريم يرشدُنا إلى هذه الفكرة الحميدة، فيقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران].\nوبعد أن أتمَّ نُصحَه - وهما يصغيان إلى درسه - عَادَ أدراجَه يجيبهما عمَّا سألاه عنه، فلا شَكَّ أنَّهما مشغوفان لسماع التَّأويل، فقال ليقوِّي ثقتهما به: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يكونُ مصيرُه الخلاص، ويسقي سيِّده خمرًا ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ﴾ لحم ﴿رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ فهو كائن كما قضاه الله تعالى؛ تأكيدًا وجزمًا لتعبيره، ولم يُعَيِّن يُوسُفُ صَاحِبَ المصير الحسن ولا السيئ رعايةً لحُسْنِ الصُّحبة.","vol":"1","page":96},{"text":"وقيل: إنَّهما لم يريا شيئًا وإنّما أرادا امتحان يُوسُفَ - - ﵇ - ـ، فقد أخرج الحاكم بسند صحيح، عن عبد الله، قال: \" الفتيان اللّذان أتيا يُوسُفَ - - ﵇ - - في الرُّؤيا إنمَّا كانا تكاذبا، فلمَّا أوَّل رؤياهما، قال: إنَّا كنَّا نلعب، قال يُوسُفُ: قضي الأمر الَّذي فيه تستفتيان \" (^١).\nوأخرج الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود - - ﵁ - ـ، قال: \" لما حكيا ما رأياه، وعبَّر يوسف - - ﵇ - ـ، قال أحَدُهما: ما رأينا شيئًا، فقال: قضي الأمر الَّذي فيه تستفتيان \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>حذف الفاعل وإقامة المفعول مقامه</span>\nفي قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ يلاحظ حذف الفاعل، وإقامة المفعول به مقامه، وبناء الفعل للمجهول، وقد حُذِفَ الفاعل؛ للعلم به، فلا حاجة لذكره، فالفعل ﴿قُضِيَ﴾ لا يقدر عليه أحَدٌ إلّا الله تعالى، وقد أقيم المفعول به مقامه، وهو المسند إليه، وجيء به بعد الفعل المبني للمجهول مباشرة؛ لتعظيم ما قضاه الله تعالى، فما قضاه الله تعالى أمر عظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>عِلْمُ التَّعبير داخل في الفتوى</span>\nوقد تحقَّق وقوعُ تعبير يُوسُفَ لرؤيا الفتيين، فقد سُئِلَ فأفتى بعلم وبلا مواربة، وجديرٌ بنا أن نَعْلمَ أنَّ عِلْمَ التَّعبير وتفسير الرُّؤى والأحلام من علوم الإسلام الشَّرعيَّة، وهو داخل في الفتوى، فإذا ما استفتاكَ أحدٌ من النَّاسِ في تعبير رؤيا فاعلم أنَّك أمام فتوى شرعيَّة، لا يكون لك أن تقول فيها بغير علمٍ ولا هدى ولا\n_________\n(^١) الحاكم \" المستدرك\" (ج ٤/ص ٣٩٥) كتاب تعبير الرّؤيا، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشَّيخين ولم يخرِّجاه.\n(^٢) الحاكم \" المستدرك \" (ج ٢ /ص ٣٤٦) كتاب التّفسير، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه.","vol":"1","page":97},{"text":"كتاب منير، ألا ترى أنَّ يُوسُفَ - - ﵇ - - قال للفتيين: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ وأنَّ الله قال على لسان الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ ... (٤٣)﴾ وعلى لسان الفتى، قال: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ... (٤٦)﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>يُوسُفُ يأخذ بالأسباب</span>\nولمَّا أراد السَّاقي الخُروجَ من السِّجن، لم يهمل يُوسُفُ الأخْذَ بالأسباب، ولم يتهافت على ذلك السَّاقي بالرَّجاء والاسترحام، إنَّما ﴿وَقَالَ ... لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ... نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ طَلَبَ منه وأوصاهُ أنْ يذكُرَه عند الملك، ويخبرَه عن أمره، ويذكِّره به؛ لعلَّه يخلِّصه ممَّا ظلم به.\nلكنَّ السَّاقي الَّذي خَرَجَ فعلًا من السِّجن لم يعملْ بالوصيَّة ولم يحفظ الأمانةَ، فما أن عَادَ إلى قَصْر سيِّده حتى أنساهُ الشَّيطانُ في غمرةِ الفرحِ والسُّرور أمْرَ يُوسُفَ وما تكلَّم به معه، ﴿فَأَنْسَاهُ ... الشَّيْطَانُ ... ذِكْرَ ... رَبِّهِ ... فَلَبِثَ ... فِي ... السِّجْنِ ... بِضْعَ ... سِنِينَ (٤٢)﴾.\nفعلى هذا النِّسيان لبث يُوسُفُ في السِّجن بضع (^١) سنين، وعلى أيِّ حال فيُوسُفُ توكَّل على الله تعالى، وأخذ بالأسباب، والزِّيادة في البلاء هذه لا نراها إلَّا زيادة في الأجر والثَّواب، وكانت هذه الحادثةُ خاتمةَ فصول مأساة يُوسُفَ المحزنة.\nفإن قيل: فكيف يقول: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ وانتهى، ثمَّ يقول: ﴿ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ﴾ فكيف يظنُّ نجاته ظنًّا، وهو يعلم أنَّ أمر الله قد قضي؟! والجواب أنَّ ﴿ظَنَّ﴾ هنا بمعنى أيقن وعلم، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة] ونظائره.\n_________\n(^١) البِضْع: العدد ما بين الثَّلاثة إِلى ما دون العشرة.","vol":"1","page":98},{"text":"وقد عبَّر عن النَّجاة باسم الفاعل ﴿نَاجٍ﴾ وعَدَلَ عن الفعل (ينجو) مبالغةً في الدَّلالة على تحقُّق النَّجاة، فالتَّعبير بالاسم يفيد الثُّبوت والاستمرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>التَّورية المرشَّحة</span>\nمن فنون البديع المعنوي التَّورية المرشَّحة، والتَّورية: أن يُطْلَقَ لفظٌ له معنيان، قريب ظاهر، وبعيد خفيٌّ، ويراد به البعيد منهما، ومنه قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ - ﵇ -: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ... (٤٢)﴾ فإنَّ قوله ﴿رَبِّهِ﴾ يحتمل أنْ يُرادَ بها الإله، وهذا هو المعنى القريب المورَّى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة التَّرشيح لفظة ﴿رَبِّكَ﴾، ويحتمل أن يراد به الملك، وهذا هو المعنى البعيد المورَّى عنه، وهو المراد.\nفلو اقتصر على قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ دون قوله السَّابق لم تكنْ هناك تورية، لأنَّ لفظة ﴿رَبِّهِ﴾ تدلُّ على الإله فحسب، ولذلك فإنَّ لفظة ﴿رَبِّكَ﴾ في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ رشَّحت لفظة ﴿رَبِّهِ﴾ لأن يكون هناك تورية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>لِمَ لَمْ يَنْهَ يُوسُفُ السَّائِلَ عن سقي ربِّه خمرًا</span>؟\nمعلومٌ أنَّه من الصَّعب جدًّا نَقْلُ النُّفُوسِ من عقيدة إلى أخرى على الدَّاعي وعلى المدعوِّ؛ لأنَّه يعزُّ على النَّفس ترك ما اعتادت عليه؛ لذلك سأل موسى - - ﵇ - - ربَّه أن يشركَ شقيقَه هارون - - ﵇ - - في الرِّسالة، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه].\nوبعث عيسى - - ﵇ - - إلى أهل (أنطاكية) برجلين اثنين ليدعواهم إلى الإيمان، فبادروهما بالتَّكذيب، فقوَّاهما وشدَّ أزرهما برسولٍ ثالثٍ يؤيِّد بعثتهما، قال تعالى:","vol":"1","page":99},{"text":"﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ [يس].\nوبالنَّظر إلى اعْتِياص ذلك وأهمِّيتِه وقيمته اقتصرَ يُوسُفُ على دعوةِ صاحبيه إلى التَّوحيد فقط؛ لأنَّ التَّوحيد هو الأصل، وما يترتَّبُ على التَّوحيد أعمالٌ فرعيَّة، والأعمال الفرعيَّة ينبغي الدَّعوة إليها بعد اعتناق الأُصُول، وبهذا يتَّضحُ لنا كون يُوسُفَ لم ينهَ السَّاقي عن سقي سيِّده خمرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>تسمية الملك ربًّا</span>\nتسمية العبد فتىً، كقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ شيءٌ حسن، أمَّا تسمية الملك ربًّا، نحو قوله تعالى: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ... (٤١)﴾ وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... (٤٢)﴾، فنهى الشَّرعُ عنه، فقد قال النَّبِيُّ - - ﷺ - ـ: \"لا يَقُلْ أحدُكُم: أطْعِمْ ربَّك، وضِّئ ربَّك، اسْقِ ربَّك، وليقلْ: سيِّدي، مولاي، ولا يقُلْ أحدُكم: عبدي أمَتي، وليَقُلْ: فتايَ وفتاتي وغُلامي\" (^١).\nونفهم من قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ على لسان يُوسُفَ - - ﵇ - - أنَّ إِطلاق لفظ (الرَّبّ) مضافًا على غير الله تعالى كان جائزًا في ذلك الزَّمان وما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الشَّرُّ لا يُضُافُ إلى الله تعالى</span>\nونتعلَّم من قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ أن نَنْسُبَ ما كان شرًّا لأنفسِنا وللشَّيطان، ولا ننسبه للرَّحمن ﷻ، فينبغي التَّأدُّب في الخطاب، فالله تعالى\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٢ / ج ٣ / ص ١٢٤) كتاب العتق.","vol":"1","page":100},{"text":"لا يُضُافُ إليه إلَّا الخير إرادة محبَّة وتسليم، مع أنَّ الخير والشَّرَّ من الله وبقضائه.\nوانظر قوله: ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ... (٣٤)﴾ فقد أضاف ما مِنْه الرَّحمة إليه سبحانه، ولمَّا ذكر السّجن، قال: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ فأضاف ما منه الشَّر إليهم.\nوتأمَّل قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة]، فذكر سبحانه أنَّه فاعل النِّعمة، وحذف فاعل الغضب، وأضاف الضَّلال إليهم.\nوتأمَّل قول موسى لما قتل القبطي: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ... (١٥)﴾ [القصص] نسبه إلى الشَّيطان، فالشَّرُّ لا يضُاف إلى الله على انفراد؛ لما فيه من توهُّم النَّقص والعيب.\nوقال تعالى مخبرًا عن إبراهيم - - ﵇ - - أنَّه، قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشّعراء] فأضَافَ المرَضَ إلى نفسِهِ والشِّفاء إلى الله تعالى، وإنْ كان المرض والشِّفاء منه سبحانه، وهذا مطَّرد في فصاحة القرآن، وإِنَّما ذكرناه لأَنَّ اطِّراد مثل هذا مما يجهله البعض.\nومن ذلك أنَّ الخضر - - ﵇ - - أضاف إرادة العَيْب إلى نفْسِه، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ... فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ... (٧٩)﴾ [الكهف] ولما ذكر الخَير والبِرَّ والرَّحمة أضاف إرادتها إلى الله تعالى، فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... (٨٢)﴾ [الكهف].\nومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجنّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجنّ] فحُذِف الفاعل في إرادة الشَّر، وبُني الفعل","vol":"1","page":101},{"text":"﴿أُرِيدَ﴾ للمجهول، أمَّا في إرادة الرُّشد فقد أسند الفعل إليه سبحانه وبني للمعلوم.\nومن سورة يُوسُفَ سيأتي قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ... (١٠٠)﴾ فأضاف الإحسان إلى الله تعالى، وأضاف النَّزغ إلى الشَّيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>رُؤيا الملك</span>\nولمَّا أراد اللهُ تعالى الفَرَجَ عن يُوسُفَ وإخراجه من السِّجن، رأى ملك مِصْرَ رؤيا عجيبة أهمَّته؛ فَجَمَعَ أشْرافَ القوم وسَراتَهم وعِلْيَتَهم ورِجَالَ حاشيته ومَن يظنُّ به العلم، وأخبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها، فأعجزهم الله تعالى جميعًا؛ ليكونَ ذلك سببًا في خَلاصِ يُوسُف - - ﵇ - - من السِّجن.\nقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ممتلئات لحمًا وشحمًا ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ أخر ﴿عِجَافٌ﴾ مَهْزُولة في غاية الهُزَال ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقد حبُّها ﴿وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ وسبع سنبلات أُخَر يابسات، فالتَوت اليابِسَاتُ على الخُضْرِ حتَّى غلبتها. وفي قوله: ﴿سِمَانٍ﴾ و﴿عِجَافٌ﴾ و﴿خُضْرٍ﴾ و﴿يَابِسَاتٍ﴾ طباق إيجاب بديع حسن.\n﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ خطابٌ للأشراف ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ أخبروني عن تأؤيل هذه الرؤيا وبيِّنوا لي ما تؤولُ إليه من العاقبة ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾ وتُجيدونَ تعبيرها وتعرفونَ تأويلها، وهذه الجملة تفيد أنَّ الملكَ لم يكنْ على ثقةٍ من أنَّهم يعبِّرون الرُّؤيا.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>أَكْرِمْ بِمَنْ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِه</span>!\n﴿قَالُوا﴾ أي الملأ، بلسان العَجْز والتَّسليم والاعتذار والتَّنَصُّل من التَّأويل: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ مجرَّد أحلام كاذبة، وقد كَذَبُوا في جوابهم؛ فإنَّ رؤيا الملك ليست من قبيل أضغاث الأحلام، بل هي من الرُّؤى الصَّادقة، لكنَّهم عَادُوا فصدقوا واعترفوا بجهلهم، فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ وأكرِم بمَن عرف قدر نفسه!\nويفهم من رؤيا الملك أنَّ الرُّؤْيَا الصَّادقة وَإِن اخْتَصَّتْ غَالِبًا بِأَهْلِ التُّقى والصَّلَاح والورع لَكِنْ قَدْ تَقَع لِغَيْرِهم، وفي قوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ استعارة تمثيليَّة لطيفة، فقد شبَّه اختلاط الأحلام وما فيها من ضروب مختلفة، بالحزمة المختلطة من الحشيش والنَّبت لا تناسب بينها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الحَاجَةُ إلى العُلماء</span>\nوقول الملك: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ يتضمَّن إشارةً إلى أنَّ الملوك كبقيَّة النَّاس تحتاجُ إلى العُلماء، ولا تستغني عنهم، أو بعبارة أخرى: العلماء أغنياء عن الملوك بالعِلم، وليس الملوك بأغنياء عن العلماء بالمُلْكِ، لذلك قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النَّحل] وكفى بهذا شرفًا للعلم والعُلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>يَغْلبُ على الحلم أنْ يُرَى ولا يُسْمَع</span>\nمرَّت بنا أربع رُؤى: رؤيا يوسف للكواكب، ورؤيا الفتى نفسه يعصر خمرًا، ورؤيا الفتى الآخر يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطَّير منه، ورؤيا الملك للبقرات والسَّنابل. ولم تحتوِ مادةُ هذه الرؤى على لغةٍ أو كلامٍ، ومنه نعلم أن الحلم سمِّي","vol":"1","page":103},{"text":"رؤيا لأنَّه غالبًا ما يُرَى ولا يُسْمَع، لذلك قال يُوسُفُ لأبيه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾، وقال الفتيان: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾، وقال الملك: ﴿إِنِّي أَرَى﴾ وقال إبراهيم - - ﵇ - - لابنه إسماعيل ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ... (١٠٢)﴾ [الصّافات].\nومن اللَّطيف والطَّريف أنَّ سورة يُوسُفَ الَّتي كثرت بها الرّؤى، افتتحت بحروف مقطَّعة معجزة ﴿الر﴾ وهي نصف حروف كلمة (الرؤيا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>ابتِدَاءُ البلاء ونهايته برؤيا</span>\nكان ابتداء بلاء يُوسُف - - ﵇ - - بِسَبَبِ رؤيا رآها، وكان سَبَبُ نجاتِهِ رؤيا رآها الملك، فالله تعالى إذا أراد أمرًا أجرى أسبابًا يحصل بها مرادُه، سبحانه!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>ثَمَرَةُ الإحْسَان</span>\n﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ من السِّجن، وهو السَّاقي ﴿وَادَّكَرَ﴾ أي بعدما تذكَّر ما سبق له مع يُوسُفَ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي طائفة من الزَّمن: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ ممَّن عنده علمه ﴿فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ إلى يُوسُفَ. ولم يصرِّح باسمه حتَّى يحظى وحده بشرف السَّبب في دلِّ الملك على يُوسُفَ معبِّر الرؤى، وضمير الجمع (الواو) في ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ يريد به الملك على سَبِيل التَّعظيم.\nوحقًّا ما دلَّ مليكَ مِصْرَ على يُوسُفَ وإحسانه إلَّا هذا الفتى الذي سَخَّره اللهُ تعالى له، والَّذي عَرَفَ إحْسَانَ يُوسُفَ وفضلَه، فأثمر عنده الإحسان بعد طول النِّسيان، ووفَّى بالوَعْد بعد طول العَهْد، فالصُّحبة تعطي خيراتها وإن كانت تُبْطِي، وصدق القائل:\nازْرَعْ جمَيلًا ولو في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ... فلَن يَضيعَ جميلٌ أَيْنَما زُرِعَا\nإِنَّ الجَميلَ وإِنْ طال الزَّمانُ بهِ ... فليسَ يَحْصُدُهُ إلَّا الَّذي زَرَعا","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>حَذْفُ الجُمَلة</span>\nالحذف ضَرْب من ضروب الإيجاز والاختصار، وهو باب طريف حسن، لطيف المأخذ، فإنَّك ترى في الحذف من اللُّطف والظُّرف ما هو أبلغ من الذِّكر، وفي الصَّمت ما هو أدلّ على المعنى المراد من النُّطق.\nويكون المحذوف حرفًا، أو مفردة، أو جملةً، أو جملًا، ومن شرطه أن يكون في اللَّفظ قرينةٌ دالَّة عليه، فليس شيء من ذلك إلَّا عن دليل عليه، ومن فوائده حملُ السَّامع على إعمال الذِّهن في المحذوف، فتتلذَّذ نفسه بتشوّفها إلى المراد، ومن فوائده التَّعبيرُ عن المعاني الغزيرة بالمباني القليلة، ممَّا يجعل الكلام يعظم شأنُه في القلب، ويعلو قدره في النَّفس.\nومن شواهد حذف الجمل في التَّنزيل من سُورة يُوسُفَ، قوله تعالى: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ... (٤٦)﴾ فالكلام فيه حذف، والتَّقدير: فأرسَلوه، فأتى يُوسُفَ، فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ والمحذوف ظاهر؛ لأنَّه إذا ثبت طرفا الكلام وحُذِفَ وسطه ظهر المحذوف لدلالة طرفيه عليه.\nوقد حُذِف حرف النّداء أيضًا، فالتَّقدير، فقال: \"يا يوسف يا أيُّها الصِّدِّيق\" ولعلَّه حُذِفَ للتَّخفيف لكثرة دورانه في الكلام، وللبُعدِ عن الإطالة والسَّآمة.\nومن شواهد الحذف أنَّ يُوسُفَ بعد أنْ عبَّر للرَّسول الرُّؤيا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ فهناك حذِف جمل بيّن، والتَّقدير: فلمَّا رجع الرَّسول إلى الملك وأخبره بفتيا يُوسُفَ وتعبيره، أُعْجِب بتأويله، فطلب أن يأتوه به ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ حذف آخر، تقديره: وقال له: أجب الملك ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ... (٥١)﴾ حذف آخر، فالتَّقدير: فرجع الرَّسُولُ إلى الملك، فأخبره","vol":"1","page":105},{"text":"بمقالة يُوسُفَ، فجمع النُّسوة، فذلك قوله: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ... (٥١)﴾ وسيأتي بيان ذلك في موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>إخْفَاءُ اسم الملك عن يُوسُفَ حال استفتائه في تأويل الرُّؤيا</span>\nأُرْسِلَ السَّاقي إلى يُوسُفَ، فلمَّا أتاه استهلَّ كلامه وصدَّره بوصف يُوسُفَ بأنَّه بليغٌ في الصِّدق؛ لأنَّه كان قد جرَّب عليه ذلك في فترة إقامته معه في السِّجن، وصرَّح باسمه ليذكِّره بصحبته، ومنه نفهم أنَّ المستفتي يجب أن يبجِّل المفتي كونه يريد آثارَه وعِلْمَه وأَنْوارَه.\nقال: يا ﴿يُوسُفُ﴾ يا ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ يا من غَلَبَ عليه الصِّدقُ وعُرِفَ به، وهو من باب براعة الاستهلال؛ فقد قدَّم المديح والثَّناء قبل مسألته طمعًا في إجابة مطلبه ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾.\nقلتُ: ويلاحظ أنَّ السَّاقي هذه المرَّة لم يقل له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ... (٣٦)﴾ وإنَّما قال: ﴿أَفْتِنَا ... (٤٦)﴾ وقوله هذا فيه زيادة إجلال واحترام ليُوسُفَ، بعد أن وقف على علمه، وأيقن أنَّ يُوسُفَ على علم من ربِّه، كما قال لهما يُوسُفُ من قبل: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا ... بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ... (٣٧)﴾ فلعلَّه أدرك هذه المرَّة أنَّ الإنباء بتأويل الرّؤيا يحتاج إلى الإفتاء بعلم.\nوقد نقل إليه الرُّؤيا بنصِّها حرصًا على سلامة التَّأويل، وأخفى عنه أنَّ الملك هو الذي رأى الرُّؤيا؛ ولعَلَّه فَعَلَ ذلك خَشْيةَ أنْ يشترطَ يُوسُفُ تفسير الرُّؤيا أمام الملك، فيبدو أنَّه كان حريصًا على أن يسمعَ الملك تفسير الرُّؤيا من فَمِهِ، لينال عنده حِظْوة ومنزلة ومكانة.","vol":"1","page":106},{"text":"وممَّا يدلُّ على تستُّره على اسم الملك قوله بعد ذلك: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ لا إلى الملك، أو لعلَّه أخفى اسم الملك لظنِّه أنَّ هذه الرُّؤيا لا تتعلَّق بالملك وحده، وإنَّما تعمُّ النَّاس، ولذلك عَمَّم، فقال: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ مكانَك وشأنك، فيكون ذلك سببًا لخروجك من السِّجن.\nوكرَّر (لعلَّ) الَّتي تفيد الرَّجاء، فهو يرجو أن يرجع بتعبير الرّؤيا إلى الملك؛ لينال عنده منزلة، فهذا معنى قوله: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ فالنَّاس الملك أوَّلهم، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ جاء تتميمًا للمعنى وتقريرًا له، وهو توقُّع النَّاس ورجاؤهم في معرفة تعبير هذه الرّؤيا وتأويلها، فالكلام إذا تكرَّر تقرَّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>تأويل يوسف - - ﵇ - - رؤيا الملك</span>\nفلمَّا سَمِعَ يُوسُفُ منه الرُّؤيا أجابه إلى طلبه على الفَوْر دون قيد ولا شرط، فالعِلْم لا يُكْتَمُ، والعَالم لا يصيرُ جاهلًا، والكريم لا يصيرُ بخيلًا، فأوَّل له البقرات السِّمان والسُّنبلات الخضر سنين مخصبة، والبقرات العجاف والسُّنبلات اليابسات سنين مُجْدِبة.\nوأنَّ عليهم أنْ يواظبوا على الزِّراعة في السِّنين السَّبع المخْصِبة، ويدَّخروا فيها ليواجهوا خَطَرَ السِّنين المُجْدِبة، ثمَّ تنقضي السُّنون المجدبة التي تأتي على ما ادَّخروا، ويعقبُها عامُ رَخَاءٍ وخير وبركة، وهو العام الخامس عشر.\nفقال - - ﵇ - - على وجه النُّصح والإرشاد: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ متوالية بجدٍّ واجتهاد، وهي السُّنون السَّبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السِّمان والسُّنبلات الخضر. وقوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ هو من إطلاق الخبر بمعنى الأمر، فالمعنى: ازرعوا سبع سنين دأبًا، بدليل قوله بعد ذلك: ﴿فَذَرُوهُ﴾.","vol":"1","page":107},{"text":"﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ من الزَّرع ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ لئلَّا يُسَوِّسَ، واحتفظوا به في سنابله لتأكلوه في تلك السّنين ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ إلَّا ما أردتم أكله، فادرُسُوهُ واتركوا الباقي في سُنْبله، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ وهي السُّنون السَّبع المُجْدِبة المرموز لها بالبقرات العِجَاف والسُّنبلات اليابسات.\n﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾: مجاز عقلي؛ لأنَّ السّنين لا تَأْكُلُ، وإنَّما يأكل النَّاس ما ادَّخروه فيها، أي تأكلون فيها ممَّا ادَّخرتُم من الحبوب المتروكة في سنابلها أيام الرَّخاء ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾ أي إلَّا القليل الَّذي تدَّخرونه وتخبِّئونه للزِّراعة والاقتصاد.\n﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ خصيبٌ ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ بالمَطَرِ ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ ما يُعْصَرُ، مثل: الزَّيتون، والسِّمْسِم، ونحو ذلك. وهذا العام لم تتضمَّنه الرُّؤيا!\nوبهذا يكون يُوسُفُ - - ﵇ - - قد دبَّر شؤون أهل مصر الاقتصاديَّة، فهو لم يقتصر على تأويل الرُّؤيا، بل علَّمهم ما يصنعون، وبيَّن لهم ما يعملون، ودبَّر لهم المخرج ممَّا عسى به يُصابُون.\nوممَّا تجدُر الإشارة إليه أنَّ يُوسُفَ مِن كَرَمِ أخلاقه، ونُبْل شُعُورِه لم يُعَاتِب السَّاقِي لعدم قيامه بما كان طَلَبَ منه، ولم يطلب منه تأكيد ذكره عند الملك، إذ ما بعد الشِّدَّة إلَّا الفَرَج، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشَّرح] فاللَّيل إذا اشتدَّ ظلامُه أوشكَ الفجرُ أن ينبلجَ نورُه، والشِّدَّة إذا تَنَاهَتْ لم يَعْقُبْها إلَّا الفَرَجُ، والمصائبُ إذا تَوَالتْ تَولَّتْ، وإنَّ الفرج مع الكرب، وإنَّ النَّصر مع الصَّبر، والله - لا ريب - يُحْدِثُ بعد العُسْرِ ميْسَرةً.\nفإذا ما ضاقتْ بك الأيَّام واستحكمت حلقاتُها؛ فأبشر بالفرج، فلا يعقب","vol":"1","page":108},{"text":"البلاء إلَّا الرَّخاء، ولله القائل:\nولربَّ نازِلةٍ يَضِيقُ بها الفتى ... ذَرْعًا وعند الله منها المخْرَجُ\nضَاقَتْ فلمَّا اسْتَحْكَمت حلقاتُها ... فُرِجَت وكَانَ يَظنُّها لا تُفْرَجُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الفرق اللُّغوي بين عام وسَنَة</span>\nمن أشهر الفروق الَّتي قرَّرها علماء اللُّغة بين العام والسَّنة، أنَّ السَّنة من الأسماء الغالبة، فالدَّابة مثلًا يغلب استخدامها في الفرس، والمال في الإبل، والسَّنة يغلب استخدامها في الأزمة والقحط والجدب، والعام يغلب استخدامه في الرَّخاء والعطاء والخصب.\nولذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ... (١٣٠)﴾ [الأعراف] أي بالقحط والجدب، وفي دعاء النَّبيِّ - - ﷺ - - على المشركين، قال - - ﷺ - ـ: \" اللَّهمَّ اشْدُدْ وطأتك على مُضَرَ، اللَّهمَّ اجعلْها سنين كَسِني (^١) يُوسُفَ\" (^٢)\nأمَّا العام، فيستخدم غالبًا في الرَّخاء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾.\nوقال البقاعي في \"نظم الدّرر\" في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ [العنكبوت]: \"وعبَّر بلفظ ﴿سَنَةٍ﴾ ذمًّا لأيام الكفر، وقال: ﴿عَامًا﴾ إشارة إلى أنَّ زمان حياته - عليه الصَّلاة\n_________\n(^١) أضاف السّنين إلى يُوسُفَ لأنَّه أنذر بها، ودبَّر أمور النَّاس فيها.\n(^٢) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤/ج ٧/ص ١٦٥) كتاب الدّعوات، وأخرجه البخاري في كتاب: الأذان، والجمعة، والجهاد والسّير، وأحاديث الأنبياء، وتفسير القرآن، والأدب، والإكراه. وأخرجه مسلم في \" صحيح مسلم بشرح النووي \" (م ٣/ج ٥/ص ١٧٧) كتاب المساجد، وأخرجه في كتاب: صفة القيامة.","vol":"1","page":109},{"text":"والسَّلام - بعد إغراقهم كان رغدًا واسعًا حسنًا بإيمان المؤمنين وخصب الأرض\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>مَا رَأَى رَسُولُ الله - - ﷺ - - النَّقِيَّ (الدَّقيق المنقَّى)</span>!\nقوله ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ فيه حُسْنُ تدبير عظيم من يُوسُفَ - - ﵇ - ـ، فقد أمرهم أن يتركوا الحبَّ في سُنْبلِه، لادِّخار القمح لهم، وادِّخار حطام السَّنابل من التِّبن وعصيف البُرِّ لسوائمهم وبهائمهم.\nومن الجدير معرفته أنَّ النَّبِيَّ - - ﷺ - - أقام في المدينة المنوَّرة عشر سنين ولم يشبع من طعام بُرّ ثلاث ليال متوالية حتَّى فارق الدُّنيا، قالت عائشة ﵂: \"مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ - - ﷺ - - مُنْذُ قَدِمَ الْمدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِض\" (^٢)\nويظهر أنَّ البُرَّ في المدينة كان قليلًا، وكان الأغلب الشَّعير، ومع هذا لم يشبع - - ﷺ - - من خبز الشَّعير حتَّى لحق بالله، أخرج البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ - - ﵁ - - أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: \" خَرَجَ رَسُولُ الله - - ﷺ - - مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ \" (^٣)\nوقد صحَّ أنَّ النَّبيَّ - - ﷺ - - ما رأى النَّقيَّ، أي خبز الدَّقيق الحُوَّارَى النَّظيف الأبيض المسمَّى الدَّرْمَك، المُنَقَّى دقيقُهُ، فلم يكن يعرف المناخل - - ﷺ - - من يوم بُعِثَ حتَّى لقي الله تعالى، وكذلك أصحابه ﵃، فقد كان أغلب طعامهم الشَّعير غير المنخول، ففي كتاب (الأطعمة) وتحت باب (ما كان النَّبيُّ - - ﷺ - - وأصحابه يأكلون) ورد أنَّ أبا حَازِمٍ سأل سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وقال له:\n\" هَلْ أَكَلَ رَسُولُ الله - - ﷺ - - النَّقِيَّ؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ الله - - ﷺ - - النَّقِيَّ\n_________\n(^١) البقاعي \"نظم الدّرر\" (ج ٥/ص ٥٤٣).\n(^٢) البخاري \" صحيح البخاري\" (م ٤/ج ٧/ص ١٨٠) كتاب الرّقاق.\n(^٣) البخاري \" صحيح البخاري\" (م ٣/ج ٦/ص ٢٠٥) كتاب الأطعمة.","vol":"1","page":110},{"text":"مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله - - ﷺ - - مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ الله - - ﷺ - - مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟! قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ، وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ (^١)، فَأَكَلْنَاهُ \" (^٢)\nوقد أشكل على البعض كيف أنَّ النَّبيَّ - - ﷺ - - يطوي الأيام ذات العدد جوعًا، وهو بين أصحابه، ومنهم من يملك الأموال الجسام، كأمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرّحمن بن عوف، وغيرهم كثيرـ ﵃! وكيف يُوصَفُ النَّبيُّ - - ﷺ - - بذلك، وقد ثبت أنَّه لم يكن معوزًا ولا محتاجًا، فقد ساق - - ﷺ - - من الهدي مائة بدنة في السَّنة الَّتي حجَّ بها، ونحر منها بيده الشَّريفة ثلاثًا وستين بدنة، ثمَّ أعطى عليًّا فنحر ما بقي منها، وقسّمها على المساكين، فقد أخرج مسلم من حديث جابر - - ﵁ - ـ: \" ... ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ\" (^٣)\nوالجواب أنَّ عدم شبعهم لم يكن على كلِّ حالة ووجه، ولم يكن عن عوز وضيق، ولكنَّهم كانوا يؤثرون تارَة، وتارَة لكراهة الشَّبع والتَّوسُّع في المأكل والمشرب، وعلى هذه الخليقة كانت خلائق الصَّحابة ﵃.\nوحديث عائشة ﵂ فيه قيود، فقولها: \"مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ - - ﷺ - - مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ\" فيه أنَّ الشَّبع المنفي بقيد المدينة، فاستثنت بذلك ما كان قبل الهجرة، وقولها: \"مِنْ طَعَامِ بُرٍّ \" فيه استثناء لأنواع الأطعمة الأخرى، وقولها: \"ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا\" نَفَت الشَّبع على التَّوالي لا مطلقًا.\n* * *\n_________\n(^١) بَلَلْنَاهُ وليَّنَّاه بالماء.\n(^٢) البخاري \"صحيح البخاري\" (م ٣/ج ٦/ص ٢٠٤) كتاب الأطعمة.\n(^٣) مسلم \" صحيح مسلم بشرح النّووي \" (م ٤/ج ٧/ص ١٩١).","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>القسم الخامس\nتنظيمُه للخزائنِ المصريَّة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>يُوسُفُ - ﵇ - يَرفُضُ طَلَبَ الملك</span>\n﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ بعدما جاءَه الرَّسولُ، وسمع منه عبارة الرُّؤيا ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ يقصد يُوسُفَ، وذلك لما رأى من علمه وفضله، فقد استحسن تأويله وأُعجب به لِمَا سمعه، \" والأذن تعشق قبل العين أحيانًا \" والوَصْفُ يحرِّك من الشَّوق أغْصَانًا وأَفْنانًا!\nونُفِّذَ أمرُ الملك، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أي فلمَّا جَاءَ رسُولُ الملك إلى يُوسُفَ يدعوه للخُروج من السِّجن، أخذ يُوسُفُ يُراجِع ويستعرض تلك الدَّعوى والتُّهمة المزوَّرة، التي دَخَلَ السِّجنَ بسببها، ومرَّ به شريطُ الذِّكريات المؤْسِف، فَوَجَدَ أنَّ هناك دواعي كثيرة تمنعه من إجابة الدَّاعي إلى طلبه، ولذلك ﴿قَالَ﴾ يُوسُفُ للرَّسول بلسان اللُّطْفِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ سيِّدك الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي﴾ الله تعالى ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾.\nمجرد سؤال، لم يغْتب أحدًا، ولم يتَّهم أحدًا بصراحة، ولم يقع في أحد، ولم يذكر اسم سيِّدته امرأة العزيز، وهي الَّتي ما زال في السِّجن بمساعيها، واكتفى بالإيماء.\nونراه - - ﵇ - - لم يَقُل: سَلْه أنْ يُفتِّشَ عن شأنهنَّ! فلربمَّا كان في ذلك جرأة على الملك تدفع الملك إلى الامتناع وعدم الالتفات إليه.\nوقوله: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ يدلُّ على وفور عقله وكمال أدبه؛ فقد ذكر النِّساءَ جملة ليُدخِل امرأة العزيز فيهنَّ مدخلَ العموم بالتَّلميح لا بالتَّصريح، وهذا من","vol":"1","page":113},{"text":"أخلاق نبيِّنا محمَّد - ﷺ -، فلم يكن يقابل أحدًا بمكروه، فقد أُثر عنه أنَّه كان يقول: \"مَا بَالُ أَقْوَامٍ\" (^١).\nومن إمساكه - - ﵇ - - عن غيبة أحد، نتعلَّم ألَّا نتلمَّظ بمُضْغَةٍ طالما لفظتها الكرام، وطالما ورد النَّهيُ عنها في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات]\nوطلب يوسف نقل الدَّعوة من محكمة (العزيز) إلى محكمة (الملك) بهذه الجرأة يدلُّ على ثقته بكسب الدَّعوة؛ لأنَّه واثقٌ بالبراءة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>البراءَة أوَّلًا</span>\n\nأبى - - ﵇ - - الخروج من السِّجن حتى تجري التَّحقيقات اللَّازمة عمَّا نُسِبَ إليه، وحتى تبرأَ ساحتُه من تلك التُّهمة الشَّنيعة، ويعلم الناسُ جميعًا أنَّه حُبِس بلا جرم؛ لئلَّا يتسلَّق به الحاسدون إلى تقبيح أمره، وحطِّ منزلته عند الملك، فالبراءة أولًا، ثمَّ الخروج ثانيًا. فهو يريد أن يعاد التَّحقيق في سبب دخوله السّجن، حتَّى إذا خَرَجَ خَرَجَ موسومًا بالبراءة والشَّرف والعزَّة، مرفوع الرَّأس، وافر الكرامة، والاجتهاد في نفي التُّهم واجبٌ وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها.\nولا تعارض بين قول يُوسُفَ - - ﵇ - - للسَّاقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... (٤٢)﴾ وقوله لرسول الملك: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ (٥٠)﴾ لأن هدفه في المرَّتين إعادة التَّحقيق في التّهمة الملفَّقة ضدّه، وإثبات براءته أخذًا بالأسباب.\nثناءُ النَّبِيِّ - - ﷺ - - على يُوسُفَ\nأثنى النَّبِيُّ - - ﷺ - - على يُوسُفَ - - ﵇ - - الَّذي طال عليه السِّجن ولم يستعجل\n_________\n(^١) البخاري \"صحيح البخاري\" (م ٢/ج ٣/ص ١٨٤) كتاب الشّروط.","vol":"1","page":114},{"text":"الخروج، فقال في حديثه الشَّريف: \"لو لبِثْتُ في السِّجن ما لَبِثَ يُوسُفُ، ثمَّ أتاني الدَّاعي لأجَبْتُهُ\" (^١) أي لأسرعتُ الإجابة في الخروج، وما قدَّمتُ طلب البرءاة، فشهد - - ﷺ - - ليُوسُفَ بكمال فضيلة الصَّبر والأناة عنده، وحسن نظره.\nوقيل: المعنى إشارة إلى ترك العزيمة بالرُّخصة، وتقديم حق الله تعالى بتبليغ التَّوحيد والرِّسالة على براءة نفسه، وقيل: إنَّما قاله - - ﷺ - - قبل أن يعلم أنَّه أفضل الأنبياء والمرسلين، وقيل: هو من باب التَّواضع منه - - ﷺ - - والثَّناء على صبر يُوسُفَ وحلمه، لا أنَّه لو كان مكانه عجَّلَ بالخروج، فحلم النَّبِيِّ - - ﷺ - - معلوم لدى الخواصِّ والعوامِّ، ولكن هذا من حسْن تواضعه، وقيل: أراد - - ﷺ - - أن يُنبِّه على أنَّ الأنبياء وإنْ كانوا من الله بمكان لا يُرامُ، فهم بَشَرٌ يَطْرأ عليهم ما يطرأ على غيرهم، وأنَّ ذلك لا يُعَدُّ نقصًا، وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>اعترافُ امرأة العزيز ببراءَةِ يُوسُفَ</span>\nعادَ الرَّسولُ أدراجه إلى الملك، وأخبره بما حدث، فلم يغضب لنفسه لأنَّ يُوسُفَ لم يجب إرادته إلَّا بعد التَّحقيق عن سبب اعتقاله، سِعَة صدر منه، بل نزل عند رغبته، فلا بدَّ أنَّ ثقته بيُوسُفَ زادت وحسن اعتقادُه فيه، فاستقصى الأمور، وأعاد التَّحقيق، وجمع النِّسوة، ودعا معهنَّ امرأة العزيز، وواجههنَّ بإصبع الاتِّهام، وأجلسهنَّ مجلس الاستنطاق:\n﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مشيرًا إلى أمرٍ لهنَّ جَلَل. ويلاحظ من كلامه أنَّه تأكَّد من براءة يُوسُفَ؛ فقد أسند للنّسوة تهمة المراودة.\nويظهرُ أنَّه لم يكن هنالكَ مجالٌ للإنكار: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تعجُّبًا من عفَّته\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤/ ج ٨/ ص ٧١) كتاب التَّعبير. ومسلم \" صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ٨/ج ١٥/ص ١٢٣) كتاب الفضائل، وأخرجه في كتاب الإيمان (م ١/ج ٢/ص ١٨٣).","vol":"1","page":115},{"text":"﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ﴾ قطُّ ﴿مِنْ سُوءٍ﴾ ما: نافية، وسوء: نكرة، والنَّكرة في سياق النَّفي تفيد العموم، ومِنْ: لتوكيد النَّفي، وكلّ ذلك مبالغة في نفي جنس السُّوء عنه. وكانت هذه الجملة طعنةً نجلاء في قلب امرأة العزيز، الأمر الَّذي حذاها ودعاها إلى الاعتراف.\n﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ لما رأت الأمر ينذر بالنِّهاية - بلسان النَّدم والحياء والخجل ـ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ وانكشفَ بعد خفاء، الآن وضُحَ الحقُّ وتبيَّن ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ في سابقِ قولِه: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾.\nولم يبقَ لأحدٍ مقال؛ فقد اعترفَ الخصم بأنَّ خَصِيْمَهُ على الحقِّ وهو على الباطل، وقطعت بذلك امرأة العزيز قولَ كلِّ خطيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>تحقُّق صَرْف الكيد</span>\nكان موقف النِّسوة وامرأة العزيز مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾، فقد تحقَّق صرفُ الكيد عن يُوسُفَ بهداية الله تعالى للنِّسوة وامرأة العزيز للاعتراف.\nومن اعتراف النِّسوة وامرأة العزيز نفهم أنَّ عاطفة النِّساء تملك عقولهنَّ، بخلاف الرِّجال، فإنَّ عقولهم تملكُ عواطفَهم، لذلك فهنَّ إلى الصِّدقِ وإظهارِ الحقيقةِ وعدم القدرة على إخفائها أقربُ من الرِّجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>تتمَّة الاعتراف ونهاية المطاف</span>\nواستمرَّت امرأة العزيز تعبِّر عن أسفِها وندمها وتوبتها ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ يُوسُفُ ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾، ولم أفترِ عليه كذبًا وهو غائب، فلم يكن يُوسُفُ قد خَرَجَ","vol":"1","page":116},{"text":"من السِّجنِ بعد ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ ولا يصلح ولا يُسَدِّد ﴿... كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾.\n﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إن كنتُ قد برَّأتُ يُوسُفَ ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أي إلَّا نفسًا تداركتها رحمةُ الله تعالى بالعصمة كنفس يُوسُفَ ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ وهكذا أخمدت امرأةُ العزيز الفتنةَ التي أضرمت نارَها، وبرَّأت يُوسُفَ من التُّهمة ولم تبرِّئ نفسَها.\nوهذا التَّغيير في شخصيَّة امرأة العزيز صورةٌ من صُورِ نجاح يُوسُفَ في الدَّعوة، فقد دعا إلى الله بأخلاقه قبل أقواله، وبحاله قبل مقاله، ونجح في نَقْل هذه المرأة من مَهَاوي الرَّدى إلى صَعِيدِ الهدى. هذا ومكارم الأخلاق من مقاصد بعثة النَّبيِّ محمَّد - - ﷺ - ـ، والتَّحلِّي بالأخلاق الفاضلة واجب على آحاد النَّاس، فما ظنّك بالدَّاعية، فلا ريب أنَّ تجمُّلَه بها أوجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>في الوجوه والنَّظائر</span>\nاعلم أنَّ من الفِقْه معْرِفَةَ الوجُوه والنَّظائر، فالكلمة الواحدة في القرآن الكريم قد تَنْصَرِفُ إلى وجوه شتَّى، فَمِنْ ذلك كلمة (الهدى) لها وجوه، نذكرُ منها أنَّها تأتي بمعنى الإصلاح والتَّسديد كما في سورة يُوسُفَ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾.\nوبمعنى الدِّين: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ... (٧٣)﴾ [آل عمران].\nوبمعنى الإيمان: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ... (٧٦)﴾ [مريم].\nوبمعنى القرآن: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النّجم].\nوبمعنى التّوراة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى ... (٥٣)﴾ [غافر].\nوبمعنى التَّوبة: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ... (١٥٦)﴾ الأعراف].","vol":"1","page":117},{"text":"وقد اشتغل في جمْعِ الوجوه والنَّظائر في القرآن الكريم جمْعٌ من العُلماء، ولا يَعْلمُ قَدْرَ هذه الوجوهِ مثل مَنْ عَلِمَ حصرها، وهذه الوجوه فيها ما فيها من دقائق وحقائق لا توجد في كلام البشر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النّور].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الشُّهود على براءة يُوسُفَ</span>\nتضافرت شهادات عديدة على براءة يُوسُفَ، فقد شهدت ببراءَته الشُّهود:\nأولًا: شهادة الله تعالى، القائل: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النِّساء] ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب] والله أكبر شهادة.\nثانيًا: شهادة الشَّيطان عينه ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص]، فأقرَّ بأنَّه لا يمكنه إغواء المُخْلَصين، ويُوسُفُ من المُخْلَصين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾.\nثالثًا: شهادة يُوسُفَ الَّتي ذكرها الله في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، وقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وقوله أوَّل الأمر: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ رابعًا: شهادة الشَّاهد من أهلها: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾.\nخامسًا: شهادة العزيز، فقد قال لزوجته لمّا رأى قميص يُوسُفَ قد من دُبُر: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ وقال لها: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.\nسادسًا: شهادة النِّسوة: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ","vol":"1","page":118},{"text":"نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ وشهادتهنَّ أمام الملك: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.\nسابعًا: شهادة امرأة العزيز نفسها، فقد اعترفت أمام النِّسوة، وقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ... (٣٢)﴾، وقالت أمام الملك: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾.\nثامنًا: إسناد القرآن الكريم المراودة إلى امرأة العزيز، قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ... (٢٣)﴾ وقال حكاية عن يوسف: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ... (٢٦)﴾ وقال حكاية عن النّسوة: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ... (٣٠)﴾ وقال حكاية عن امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ... (٣٢)﴾، وقال حكاية عنها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾.\nوهذا كلّه مسوق لتنزيه يُوسُفَ - ﵇ -، فلا ينبغي لمسلم بعد هذه الشّهادات كلِّها أن يتوقَّف في هذا الباب!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>تَوبَةُ امرَأة العَزِيز</span>\nعبَّرت امرأةُ العزيز باعترافها عن اعتذارِها وأسفِها وندمِها وتوبتِها ممَّا كان منها، وتضحيتها بشرفها وسمعتها في سبيل قول الحقِّ والدِّفاع عن يُوسُفَ يقظةٌ لضميرها الَّذي غَابَ عن السَّاحة كلَّ هذا الوقت، ولا خَيْرَ في حياةٍ نحياها بلا ضَمِير، ولا خَيْرَ في عيشة نعيشها بضمائر خربة وذِمم عفنة.\nونراها تطلبُ المغفرةَ من ربِّها طَلَبَ مؤمنة مُنِيبة إلى الله تعالى، فتقول: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾، فإذا كانت مخلصةً في رجوعها إلى ربّها - ولا نخالها إلا كذلك ـ","vol":"1","page":119},{"text":"فإنَّ الله تعالى يتوب على مَن تاب ويغفر الذُّنوب جميعًا.\nونراها أقلعت عن سابق عهدها، وعادت إلى الفضيلة، وهذا من نعمة الله تعالى عليها، فسبحان القائل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشَّمس]، وهكذا يتجلَّى العنصر الإنساني في القصَّة بوضوح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>آخِرُ كلمة قالتها امرأةُ العزيز</span>\nآخرُ كلمة تكلَّم بها عزيز مصر هي قوله لامرأته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾، وآخر كلمة تكلَّمت بها امرأته قولها ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾؛ إيذانًا بطمعها فيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>العَارُ خَالِدٌ</span>\nكانت امرأةُ العزيز بما فعلت سابقًا قد سوَّدت صفحات أعمالها وكتبت بالسَّوادِ ذكريات أيامها الخالدة، لكنَّها عادت وتابت لتسجِّلَ صفحةً مشرقةً مضيئةً في حياتها.\nومع هذا؛ فالعار دائم، والسُّبةُ خالدة، والقرآن يقصُّ علينا هذه الحادثة ليعتبرَ بذلك المعتبرون والمعتبرات، فيأخذوا حذرهم، ولكن؛ ما أكثر العبر! وما أقلَّ المعتبرين!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>طَلَبُ الملك ليُوسُفَ ثانية</span>\nلمَّا تحقَّق الملكُ من براءة يُوسُفَ، ووقف على صحَّة عفَّتِه، وعرف علمه، وعلم صبره؛ ازداد شعورًا بالانعطاف إليه، فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ ... أَسْتَخْلِصْهُ ... لِنَفْسِي﴾ أي ائتوني بيُوسُفَ سراعًا أجعله من خاصَّتي وأهل مشورتي.\nفَآبَ الرَّسولُ إلى يُوسُفَ، وأنبأه بما كان من أمر براءته، وأنَّ الملك يكرِّرُ طلبَه","vol":"1","page":120},{"text":"إليه، فآنسَ يُوسُفُ عندئذٍ أنَّ بإمكانه الخروج من ظلمة السجن - قبر الأحياء ومنزل الابتلاء - والعيش في النُّور والضِّياء بعد أن ظهرت براءتُهُ كالشّمس في ضحاها وكالقمر إذا تلاها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>يُوسُفُ - - ﵇ - - في بلاط الملك</span>\nوخَرجَ يُوسُفُ من السِّجن إلى بلاط ملكِ مصر معزَّزًا مكرَّمًا، وما أن كلَّم الملكَ حتَّى قال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ قريبُ المنزلةِ رفيعُ الرُّتبة، مؤتمنٌ على كلِّ شيء؛ لما رأى من حسن منطقه، وبلاغة قوله، وأصالة رأيه، ووفور عقله.\nوكان يُوسُفُ - - ﵇ - - قد ذاقَ مَرَارةَ العيش وجرَّب البُؤسَ والحرمان ولم ينس بعد ما جرى عليه فيما مضى، ولم ينسَ رؤيا الملك، فتصوَّرَ ما سيجري على النَّاسِ في سنيِّ القحط من هوان إذا لم يُحسَبْ لهنَّ الحساب، فلمَّا سمع كلام الملك: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ وأنَّه يعْرض عليه المنْصِبَ، رغب أنْ يتولَّى شؤون مصر لينقذ البلادَ وما حولها من شرِّ المجاعة المقبلة رحمةً بالنَّاسِ، لا سيما وأنَّه آنس في نفسه القدرة والعلم.\n﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أمينٌ كما عهدتني ﴿عَلِيمٌ (٥٥)﴾ بوجوه التَّصرُّف الأحوط والأرشد.\n﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي وهكذا مكَّنَّا ليُوسُفَ في أرض مصر، وجعلنا له العزَّ والسُّلطان بعد الحبس والضِّيق والحرمان.\n﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ يتصرَّف في مملكة مصر كما يريد، ويتقلَّب فيها معزَّزًا.","vol":"1","page":121},{"text":"﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ كيُوسُفَ، فهو خَلِيقٌ بالأجْرِ والثَّوابِ لأنَّه كان محسنًا، والمستقبل نتيجة الماضي، فرحمتنا ثمرة إحسانه السَّابق، و﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرَّحمن]\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ تنبيه إلى أنَّ المحسنينَ لا يفوتهم جزاء إحسانهم، فمَن يؤمن بالله تعالى ويعمل الصَّالحات، ويغرس في مغارس الخير؛ فإن الله تعالى لا يضيع أجْرَ من أحسن عملًا.\n﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ وأجلُّ بكثير ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ كيُوسُفَ وأمثالِه.\nوهكذا أُسْدِل السِّتارُ على قصَّة امتحان يُوسُفَ بالشِّدَّة بتولّيه خزائن أرض مصر، ويكون بذلك قد انتقل من الاختبار بالبلاء إلى الاختبار بالرَّخاء.\nوقد اخْتُبِرَ - - ﵇ - - بالشَّر ليظْهر الصَّبْر، وبالخير ليتَبَيَّن الشُّكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>تَعَلَّمْ عَدَم الحسد</span>\n\nنتعلم عدم الحسد لمَّا نَعْلَم أنَّه يوجد في التَّاريخ مَنْ كان عبدًا اشتري بالمال، ثمَّ دخل السِّجن أعوامًا، ثم ترقَّى بعد ذلك إلى أرفع الدَّرجات، وصار في أحسن الأحوال:\nدعِ المَقادِيرَ تَجري فِي أَعِنَّتِها ... ولا تَبيتَنَّ إلَّا خَاليَ البال\nما بَيْنَ رمشةِ عَيْنٍ وانتباهتِها ... يُغَيِّرُ اللهُ مِنْ حَالٍ إلى حَال\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الحديثُ أدلُّ على الرَّجلِ من لباسِهِ</span>\nحينما علم ملكُ مِصْر أَمْرَ يُوسُفَ، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ وحينما أجرى التَّحقيق، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ فلمَّا جاءه وكلَّمه وناقشه وسمع بيانه رفع محلَّه","vol":"1","page":122},{"text":"ومكانه ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾ في ملكي ﴿أَمِينٌ (٥٤)﴾ على تدبيره.\nفقد كان يُوسُفُ - - ﵇ - - مِلءَ الأُذن كما هو ملء العين، وملء المسامع والنُّهى، وحقًّا الحديثُ أدلُّ على الرجل من لباسِه، وصدقًا المرءُ مخبوء تحت لسانه؛ لذلك قال أحدُ الحكماء لجليس له: \" تكلَّم لأعرفك \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>تمكينُ يُوسُفَ في الأرض</span>\nكان تمكين يُوسُفَ في الأرض أوَّل الأمر خاصًّا بأمكنةٍ محدودة ومعلومة، وهذا هو المذكور في سابق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، ولم يطل، حيث سُجِنَ؛ بخلاف التَّمكين الثَّاني المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾؛ فإنَّه تمكينٌ عامٌّ شاملٌ، وقد طال وحَسُن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>ردُّ دعوى زواج يُوسُفَ بامرأة العزيز</span>\nذكر بعضُ المفسِّرين أنَّ يُوسُفَ تزوَّجَ بامرأة العزيز، وشاع عند القصَّاص أنَّ امرأة العزيز (زليخا) عادت شابة بكرًا بعدما كانت ثيِّبًا غير شابَّة، وهذا كما قال الألوسي في تفسيره: ممَّا لا أصل له، قال: \"وخبر تزوجها أيضًا ممَّا لا يعوَّل عليه عند المحدِّثين \" (^١).\nولا نرى أنَّه يليقُ أن يتزوَّج يُوسُفُ بها، فمعلومٌ أنَّ زوجة كلِّ رسول هي أمٌّ لأفراد أمَّته؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... (٦)﴾ [الأحزاب]، ولا يليق أن تكونَ امرأةُ العزيز أمًّا للمصريين آنذاك.\n_________\n(^١) الألوسي \" روح المعاني \" (م ٧ / ج ١٣/ ص ٥).","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>خُضُوعُ المؤمن وموالاته لغير المؤمن</span>\nلا يبيحُ الإسلام للمؤمن أن يخْضَعَ لغير المؤمن في غير ضرورة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... (٥٩)﴾ [النِّساء]\nفهذه الآية تبيِّن أنَّه لا ينبغي للمؤمن الخضوع سوى لله تعالى والرَّسول - - ﷺ - - وأولي الأمر من المؤمنين.\nوقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النِّساء].\nوالمراد عدم الجواز في حالة الاختيار، وأمَّا في حالة الاضطرار؛ فهو جائز، ويُوسُفُ - - ﵇ - - مضطرٌّ أن يكون تحت إمرة غير المؤمنين؛ فهو على كلِّ حالٍ ووجهٍ سيكون تحت إمرة الملك في أرض مِصْرَ.\nولسائل أن يسأل: كيف يجوز ليُوسُفَ أن يكون تحت سلطة الملك غير المؤمن، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ... (٢٨)﴾ [آل عمران].\nفنجيبه عن ذلك: أنَّ الاتخاذ لا يحرم إلّا إذا كان ضد المؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... (٢٨)﴾ [آل عمران]\nونفهم من قول يُوسُفَ لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ ليخدم البلاد والعباد، جواز مساعدة غير المسلم ضمن حدود الله تعالى التَّي بيَّنها بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... (٢)﴾ [المائدة]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>يُوسُفُ النَّبِيُّ والرَّسول</span>\nلم يجلس يُوسُفُ - - ﵇ - - على كرسيِّ المنصب الذي وُكِلَ إليه مسند الظهر مسترخيًا، ولم ينثنِ شَبْعانًا على أريكته، ولم يتَّخذ المنصب مغنمًا، وإنَّما نظَّم أمر البلاد،","vol":"1","page":124},{"text":"وأدار شؤونها، فخطَّط للزِّراعة والإِنتاج، وادَّخر في سنوات الخصب الحَبَّ في سنبله ليواجه سبع سنوات لا زرع فيها ولا ضَرْع، ودبَّر لعدالة التَّوزيع، وضمن الكفاية بلا تقتير ولا تبذير، ودعاهم إلى الإِيمان والتَّوحيد، فدفع الله به الشِّدَّة عن النَّاس، ونجَّى الله تعالى به مِصْرَ في أشدِّ أيَّام جدبها من المجاعة المهلكة.\nوبذلك يكونُ يُوسُفُ - - ﵇ - - قد أدَّى الأمانة، وبلَّغ الرِّسالة، لكنَّهم لم يجيبوه في مسألة الدَّعوة إلى التَّوحيد والإِيمان قال مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ... (٣٤)﴾ [غافر].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>مَجِيءُ إخوة يُوسُفَ مِصْر لشراءِ القمح</span>\nصَدَقَ تفسيرُ يُوسُفَ بمجيء السِّنين السَّبع الخصبة، ثمَّ تلتها سِنُو الجوع، فأصاب أهلَ مِصْرَ وما جاورها من البلاد، وخاصَّة فلسطين، الجَدْبُ والقَحْطُ.\nوكان يُوسُفُ قد وفَّر من أقواتِ مِصْر ما يُبَاعُ لجيرانها، فورد النَّاسُ على يُوسُفَ من سائر البلاد يبتغون الميرة (الطَّعام)، وعلم يعقوب - - ﵇ - - وبنوه أنَّه يوجدُ قَمْحٌ في مصر، فأرسلهم جميعًا ليمتاروا ما عدا (بنيامين) شقيق يوسف لأبيه وأمِّه، لم يقدرْ على فراقه.\n﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أي ودارت الأيَّام وكرَّت الأعوام، فجاءت سِنُو القحط الغَبْراء، وجاء إخوة يُوسُفَ مصر، وهذا من اختصار القرآن المعجز، ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: على يُوسُفَ، المشرف العام على خزن الغلال، ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ يُوسُفُ؛ لأنَّ صورهم كانت قد طُبِعَتْ في ذاكرته وهم كبار، فلم يطرأ على ملامحهم ذلك التغيُّر، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾ لم يعرفوه لهيبة الملك، وبعد العَهْد، وتغيُّر الملامح والتَّقاسيم، وظنِّهم هلاكه.","vol":"1","page":125},{"text":"وقد أخبر الله تعالى عن معرفة يُوسُفَ لإخوته بالجملة الفعليَّة ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لإفادة التَجدُّد، فقد تجدَّدت معرفته لهم من أوَّل الأمر، وأخبر عن جهلهم به بالجملة الاسميَّة ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لإفادة الثُّبوت والاستمرار، فهم ثابتون على جهلهم بيُوسُفَ، ويلاحظ أنَّ بين ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ و﴿مُنْكِرُونَ﴾ طباق إيجاب بديع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>مطالبة يُوسُفَ إخوته بإحضار أخيهم</span>\n﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾، وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لأجله من الطَّعام وأوفى، وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم، ودفعوا الثَّمن، ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ ولم يقل: بأخيكم؛ مبالغة في إظهار عدم معرفته بهم.\nويظهر أنه قد سألهم عن أحوالهم، فأخبروه عنها بالتَّفصيل، فلذا ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ لأراه، وهذه الجملة كانت بمثابة لُغْزٍ مِن يُوسُفَ لأبيه لا يحلُّه إلَّا يعقوب - - ﵇ - ـ، فمتى نُقِلَت إليه وضعت يده على طرف الخيط الذي يدلُّ على يُوسُفَ، فما حاجة عزيز مِصْرَ لرؤية أخيهم؟! ولذلك سيأتي له أن يقول لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ لمِصْرَ ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، فهو يظنُّ يُوسُفَ هناك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>إغراء وتحذير</span>\nثمَّ أخذ يحبِّب ويرغِّب إليهم المجيء ثانية مع أخيهم، فقال لهم بلهجة السُّرور: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ الذي تكتالون وأزيده ولا أبخسه ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ خير المضيفين.\nوبعد هذا التَّشويق قال محذِّرًا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ كما اتَّفقنا، ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ ليس لكم عندي طعامٌ أكيله مستقبلًا ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾ في بلادي","vol":"1","page":126},{"text":"مصر، فعلى إتيانكم بأخيكم يتوقف كيلي لكم، بل دخولكم مصر، فتصريح الدُّخول هو أخوكم وإلّا أُرْجِعتم.\nولا يغيب ذلك الارتباط الوثيق في القصَّة بين مصر وفلسطين، فقد جرت أحداثها بين البلدين، وكانت مصر ظهرًا لفلسطين في ضائقتها، وملجأ لأهلها، وعونًا لهم في الأزمة، وسندًا لهم في الشِّدَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>نقض قولهم يُوسُف يَمُنُّ على إخوته</span>\nقَولُ يُوسُفَ: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة].\nوعلى هذا؛ فإن قال قائل: كيف يمنُّ يُوسُفُ على إخوته بما جاد به عليهم؟\nفالجواب أنَّ يُوسُفَ لم يقصد الفخرَ والإعجابَ والمنَّ، ولكنَّه أراد ترغيبَهم في العودةِ ثانية مع أخيهم من أبيهم، ولعلَّ ما يؤكِّد ذلك أنَّه أتبع الإغراء بالتَّحذير، فهذه الآية والَّتي بعدها، يمثلان بابيّ الإغراء والتَّحذير، اللَّذين يذكران في علم العربيَّة، وغرضه الاستحواذ على شقيقه فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>وَعْدٌ وموافقةٌ</span>\n﴿قَالُوا﴾ لِيُوسُفَ بلسان الوعْدِ والموافقة: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ ونحتالُ بكلِّ حيلةٍ لإقناع أبينا بإرساله معنا المرَّة الثَّانية، ولسوف نجتهد ولا ندَّخر جهدًا، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾ إنْ شَاءَ اللهُ تعالى، فنحنُ نبدأ وعلى الله تعالى التَّمام، وعلى هذا نفترق، والتَّوفيق من الرَّحمن.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>يُوسُفُ يسعى لضمان مجيء أخيه</span>\n﴿وَقَالَ﴾ يُوسُفُ ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ غلمانه وخدمه: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ الثَّمن الذي اشتروا به الطَّعام ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ في أوعيتهم سرًّا؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ ويطَّلعون عليها ﴿إِذَا انْقَلَبُوا﴾ راجعين ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ﴾ وفتحوا أوعيتهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾ إلينا ثانية، ففعل فتيانه ما أمرهم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>ليس مِنْ رَسُولٍ كالدِّرهم</span>\nلا يخفى أنَّ ردَّ يُوسُفَ الثَّمن كان وسيلةً لضمان عودتهم ثانية بشقيقه، ولكن كيف؟!\nالجواب: إمَّا بوقوفهم على بالغ إكرامه لهم، فيرجعون طمعًا في برِّه وحسن معاملته، أو أنَّهم إذا وجدوا الثَّمن تحرَّجوا من أخذه، فدينهم يحملهم على ردِّ الثَّمن وردِّ الأمانة إلى أهلها، فيكون ذلك أدعى لهم إلى العودة ثانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>لماذا لم يُظْهِر يُوسُفُ نفسَه لإِخوته</span>؟\nفإن قيل: لماذا لم يظهِرْ يُوسُفُ نفسَه لإِخوته ويعرِّفْهم بجليَّة الأمر؟!\nفالجواب: أنَّ وقت تحقُّق رؤيا يُوسُفَ المكتوب والمعلوم في اللَّوح المحفوظ لم يحن بعد، وأنَّه لا بدَّ لهم من دروس يتلقَّونها، ويُوسُفُ بعمله هذا مسخَّر للقدر العدل من الله العدل.\nكما أنَّه لو فعل ذلك لأمكن ألَّا يعودوا إليه ثانية، وأن يخفوا ما سمعوا عن أبيه وأخيه، أو أنَّه خشي منهم الإساءة له أو لأخيه.\nففي تدبير يُوسُفَ وحبكه لحضور أبيه وأخيه دلالة ذكاء عظيم وتدبير رائع.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>كُنْه البِضَاعة</span>\nاختلف المفسِّرون في حقيقة وكُنْه البضاعة الَّتي اشترى بها أولادُ يعقوب مِيرَتهم، هل هي: دراهم، فضَّة، جلود ... الحاصل أنَّها ثمنٌ للميرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>الإخوةُ يطلبونَ أخاهم مِنْ أبيهم</span>\nقام إخوةُ يُوسُفَ من مِصْرَ، وركبوا رحالهم يقطعون بطن الصَّحراء، إلى بلادهم أرض كنعان بفلسطين، وقد وقعوا بين مطرقتين: لا يدرون يوفون بعهدهم ويطلبون أخاهم، أم يسكتون خشيةَ أن يثيروا حزن والدهم على يُوسُفَ، ثمَّ إنَّهم رجَّحوا طلب أخيهم.\n﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ يعقوب - - ﵇ - - ﴿قَالُوا﴾ بمجرَّد وصولهم وعليهم أمارات الضِّيق: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ وأخرجوا كلامهم بصيغة الماضي ﴿مُنِعَ﴾ والمراد المستقبل؛ ليؤكِّدوا لأبيهم المنع.\nأي إنَّ عزيز مِصْرَ منع منَّا الكيل بعد هذه المرَّة؛ إلَّا أن نأتي بأخينا، ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ...﴾، وقول يُوسُفَ هذا يؤخذ منه أنَّ أولاد يعقوب ليسوا من أمٍّ واحدة، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ حسبَ اقتراحه ﴿نَكْتَلْ﴾ من الطَّعام، والأصل نكتال، لكن الفعل مجزوم لأنَّه جواب الطَّلب، وعلامة جزمه سكون آخره، فحذفت الألف منعًا لالتقاء السَّاكنين.\nوقد تلطَّفوا وترفَّقوا بالقول لأبيهم حيث قالوا: ﴿أَخَانَا﴾ إظهارًا لمحبَّتهم له وإشفاقهم عليه، ثمَّ أكَّدوا ذلك، فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ أكَّدوا حفظه بحرف التَّوكيد إنَّ، وبالجملة الاسميَّة الدَّالة على الثَّبات والاستمرار، أي أنَّهم دائمون على حفظه.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>جَوابُ يَعْقُوبَ - - ﵇ </span>- ـ\n﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فما أشبهَ الليلةَ بالبارحة! فلا أخالُ وعدكم بحفظ أخيكم إلَّا كوعدكم سابقًا بحفظ يُوسُفَ، وما رأيتُ من حفظكم شيئًا؛ لذا فأنا لا أثق كثيرًا بحفظكم ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ فأسأله ألَّا يجمعَ عليَّ مصيبتين.\nويظهر أنَّ جملة ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ ما زالت ترنُّ في أذنِ يعقوب - - ﵇ - - من يوم أخذوا يُوسُفَ؛ لذلك أسندَ هذه المرَّة الحفظ للحافظ، قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾، ومعناه: لا أعتمد على حفظكم له، فحفظُ الله تعالى خيرٌ من حفظكم.\nولم يكن خوف يعقوب - - ﵇ - - على ابنه لصِغَرِ سِنِّه أو من ذئب أو نحوه، ولكن الخوف من رجالٍ عشرة عَهِد منهم سابقًا ما يدعو إلى الخوف ويقود إلى الحذر، لا سيَّما أنَّه لم يعاقبهم المرَّة الأولى على إيقاعهم بيُوسُفَ ممَّا قد يجرِّئهم على أخيهم الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>إِغراءُ الإِخوة لأبيهم</span>\n﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾: أي ولمَّا حطُّوا رحالَهم وفتحوا الأوعية التي وضعوا فيها الميرة ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ الَّتي أخذوها معهم ثمنًا للميرة قد ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾.\nعندها توجَّهوا بالحديث لأبيهم وبِلِسَان الظَّافر بما يبرهن كلامه، ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ وأي شيء نَطْلُبُ من إِكرام العزيز أعظمَ من هذا الإكرام؟\n﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ وهو من تَسْمِيَة الشَّيء بما كان عليه، وهو مجاز","vol":"1","page":130},{"text":"مرسل على اعتبار ما كان، فالبضاعة كانت لهم، والمعنى هذا ثمن الطَّعام قد رُدَّ إلينا من حيث لا نشعر، أوفى لنا الكيل، وأحسن إلينا، وردَّ لنا الثَّمن! أليس هذا داعيًا لأن نوفي له بما طلب؟!\nوَعَدا عن ذلك كلِّه ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ فنحن إذا ذهبنا ثانية مع أخينا نأتي بالطَّعام لأهلنا، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ من المكاره، فلا تخش عليه، وكرَّروا حفظ الأخ مبالغةً في الحضِّ على إرساله.\n﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ لأخينا؛ لأن العزيز لا يبيع للشَّخص الواحد إلَّا حمل بعير اقتصادًا وتوفيرًا، فباستصحابنا لأخينا نزداد حمل بعير، فإرساله معنا أربح وأجدى.\n﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾ وسهلٌ على العزيز إعطاؤه؛ لجودِه وبالغِ كرمِه، ومع ذلك فالأمر راجع إليك.\nوأولى الأمور بالنَّجاح التِّكرار والإلحاح، فلم يبرحوا يجادلون أباهم جدال طَلَب، وهو يجادلهم جدال إباءٍ وامتناع، حتَّى نزل عند رغبتهم مشترطًا عليهم لإرساله معهم أن يُعاهِدوه على إرجاعه له سالمًا، ففعلوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>الإِخوة يَقطَعُونَ المواثيق على أنفسِهم</span>\n﴿قَالَ﴾ يعقوب - - ﵇ - ـ: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي لن أرسِلَ أخاكم مَعَكُم إلى مِصْرَ حتَّى تعطوني عهدًا مؤكَّدًا باليمين بإشهاد الله تعالى، وهو الحلف به، ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ ولترجعنَّهُ لي على أيِّ حالٍ كنتم؛ إلَّا في حالةٍ واحدة، وهي ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أن تهلكوا عن آخركم بقدر واقع، ما له من دافع.","vol":"1","page":131},{"text":"﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أي فلمَّا أعطوْه المواثيق والعُهُودَ المؤكَّدة بالأيمان أنَّهم سيردُّون أخاهم إلَّا أن يُحاطَ بهم، ﴿قَالَ﴾ يعقوب - - ﵇ - ـ: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ أي شهيد عليَّ وعليكم.\nوهكذا نجحوا في أخذه كما أخذوا يُوسُفَ مِنْ قبل، لكنَّ نيَّتهم في هذه المرَّة صالحة، وقلوبهم سليمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>مَعْرِفَةُ الوقْف والابتِداء</span>\n\nمعرفة الوقف والابتداء والقطع والاستئناف علم نبيل يُؤْمَنُ به من الوقوع في الخطأ الجليل، فعلى المسلم أن يتعلَّم ما ينبغي أن يُوقَفَ عنده لمعرفة المعاني على مراد الله تعالى، ومن شواهد ذلك، قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ فيوقف على ﴿قَالَ﴾ وقفة لطيفة؛ لئلّا يُتَوهَّم أنَّ الفاعل لفظ الجلالة، وإنَّما الفاعل يعقوب - - ﵇ - ـ.\nولذلك فقد أكَّد بعض العلماء الوقف على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ والابتداء بقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ حتَّى يتبيَّن الفصل بين الخبرين، فالله تعالى أخبر أنّ امرأة العزيز همَّت، وأخبر أنّ يُوسُفَ لم يهمّ لرؤيته برهان ربّه.\nفقراءة الوقف تزيل توهّم أن الخبر واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الحذر لازمٌ بجانب القدر</span>\nكان يَعْقُوبُ - - ﵇ - - قد سمح بذهاب يُوسُفَ معهم ليرْتَعَ ويَلْعَبَ دونَ شرطٍ أو قيدٍ، ولا عَهْدٍ ولا ميثاق، فرأى مغبَّة وخطورة ذلك، ولذلك احتاط وتحفَّظ في أمر شقيقه؛ لئلا يكون أسِيْرَ الحسْرَة والنَّدامة، وحبيس التَّلهُّف والأسى، ومع هذا","vol":"1","page":132},{"text":"ما أغنى عنه ذلك شيئًا.\nفنتعلَّم من هذا أنَّ الحذر لا يدفعُ القَدَرَ، ولا يردُّ شيئًا قضاه الله، وإن جَهِدَ العبد جَهْدَه؛ فما أراده اللهُ تعالى نافذٌ لا محالة، ومع هذا ينبغي لنا الاحتياط والحذر بجانب القدر؛ أخذًا بالأسباب، ولذلك قال النَّبيُّ - - ﷺ - ـ: \" لا يغني حَذَرٌ مِن قَدَر، والدُّعاء ينفع ممَّا نزل، وممَّا لم ينزلْ، وإنَّ البلاء لينزل فيتلقاه الدُّعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة\" (^١).\nوصيَّةُ يَعْقُوب - - ﵇ - - لأولادِه\nوتجهَّز أبناءُ يعقوب للرَّحيل، وقبل أن يمضوا أوصاهم أبوهم يَعْقُوبُ بلهجة التحبُّب والنُّصح: ﴿يَابَنِيَّ﴾ الأحدَ عَشَرَ رجلًا ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾ مِصْرَ ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ مجتمعين، فتسرع إليكم عيونُ الحاسدين كونكم أبناء رجلٍ واحد ﴿وَادْخُلُوا مِنْ ... أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾؛ فذلك أحوط وأحرز لكم.\nوقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ ... مُتَفَرِّقَةٍ﴾ فيه إطناب، وهو في علم المعاني: زيادة اللَّفظ على المعنى، وفائدته تمكين المعنى من النَّفس، وفي قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾ و﴿وَادْخُلُوا﴾ طباق سلب بديع.\nمع ذلك: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ﴾ أمر ﴿اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فهذا التَّحذير والتَّدبير لا يغني من قدر الله تعالى، فما أنا مغنٍ عنكم نقيرًا ولا فتيلًا، ولا أملك لكم من قطمير، فالله ﷿ إذا قضى فلا رادَّ لقضائِه ولا معقِّبَ لحكمه.\nولم يبيّن يعقوبُ - - ﵇ - - لأبنائه علَّة هذا التَّحذير، والحكمة من هذه الوصيَّة، لكنَّه قدَّم حقيقة إيمانيَّة: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قدَّره عليكم.\n_________\n(^١) الحاكم \" المستدرك \" (ج ١/ص ٤٩٢) كتاب الدّعاء، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرِّجاه.","vol":"1","page":133},{"text":"﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ والقضاء الفعليُّ ﴿إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ بعد أخذي بالأسباب كما أمر، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>التَّوكُّلُ محلُّه القَلْب</span>\nوالأخذ بالأسباب مع التَّوكُّل على الله تعالى فرضٌ دينيٌ؛ لذلك نرى يَعْقُوبَ - - ﵇ - - يجمع بين الأخذ بأسباب السَّلامة والتوكُّل، ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا ...﴾ الآية.\nوالتوكُّل: هو اعتماد القلب على الله تعالى وحده، فلا ينفع العبد قوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ ... (٥٦)﴾ [هود]، وهو معتمدٌ على سواه؛ كمن ينطق بالتَّوبة وهو مصرٌّ ومضْمِر على المعصية، فتوكُّل اللِّسان شيء، وتوكُّل القلب شيء آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>قُلُوبُ العارفين لها عيونٌ</span>\nأَذِنَ يَعْقُوبُ - - ﵇ - - بإرسال أخيهم لمقابلة عزيز مِصْر، ولكنَّه كان يتوجَّس أمرًا، ويتوقَّع حدثًا، ويتخيَّل كربًا سيلاقُونَه، ونفهم هذا من قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.\nوهكذا المؤمن الحقُّ دليله قلبُه، فيعقوب - - ﵇ - - يحسُّ بشيء سيجري لأولاده قبل أوانه، لذا نراه ينصحهم فيقول لهم بلسان الشَّفقة والمحبَّة: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وقد أحسن القائل:\nقُلوبُ العَارفينَ لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرونا","vol":"1","page":134},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-134> العين حَقٌّ </span>\"\nقول يعقوب - - ﵇ - ـ: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سبب أمره لهم بالتَّفرُّق أقوال، ولعلَّ أظهرها أنَّه خاف عليهم من إصابة العين إنْ دخلوا مجتمعين، وفي هذه الآية أنَّ العينَ حقٌّ، وأنَّ الحذرَ لا يردُّ القدرَ، ومع ذلك لا بدَّ من مراعاة الأسباب.\nومن هنا فلا بأس بتخوُّف المؤمن من الحسد وإصابة العين، وأخذ أسباب السَّلامة والنَّجاة منهما مع اليقين أنَّ ذلك لا يدفع قدر الله تعالى.\nوالعين كما قال ابن حجر: \" نظرٌ باستحسان مشوبٌ بِحَسَدٍ من خبيث الطَّبع يحصل للمنظور منه ضررٌ\" (^١). قلت: والعين إنَّما يقع ضَرَرُها عند نظر العائِن بإذن الله وقدره، لا بفعل العائِن.\nوالعين وإصابتها وتأثيرها حقٌ بأمر الله تعالى، فعن أبي هريرة - - ﵁ - - عن النَّبِيِّ - - ﷺ - ـ، قال: \" العَيْنُ حَقٌّ\" (^٢) أي الإصابة بالعين شيء ثابت لا مرية فيه.\nوالحاسد له تأثير في أذى المحسود دون ريب، قال تعالى للنَّبِيِّ - - ﷺ - ـ: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ... (٥١)﴾ [القلم]، وقال تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق] فبيَّن الله تعالى أنَّ للحاسد شرًّا، وأرشد إلى استدفاعه باللّجوء إليه سبحانه.\nبل إنَّ النَّبيَّ - - ﷺ - ـ، قال \" أكثر مَنْ يَمُوتُ مِنْ أمَّتي بعد كتابِ الله وقضائِه وقدرِه بالأنْفُس\" (^٣) يعني بالعين.\n_________\n(^١) ابن حجر \" فتح الباري \" (ج ١٠ / ص ١٦٣) كتاب الطِّب.\n(^٢) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤ / ج ٧ / ص ٢٤) كتاب الطِّب.\n(^٣) أخرجه الطيالسي بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه في \" مسند أبي داود الطيالسي \" (ص ٢٤٢/رقم ١٧٦٠) والحديث أورده الهيثمي في \" مجمع الزوائد \"= = (ج ٥/ص ١٠٦) وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصَّحيح خلا طالب بن حبيب بن عمرو، وهو ثقة. وقال الحافظ في \" فتح الباري \" (ج ١٠/ص ٦٧): أخرجه البزار بسند حسن. وهو في\" سلسلة الأحاديث الصحيحة \" للألباني (م ٢/ص ٣٨٤/ رقم ٧٤٧).","vol":"1","page":135},{"text":"وقد أنكر العَيْنَ والحسد طوائفُ المبتدعة، وأصحابُ مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم ومَن قلَّ علمه، وطالما أنَّ الشَّرعَ أَخْبَرَ بوقوعه لم تكن لإِنكاره فائدة ولا معنى، بل يجب اعتقاده ولا يجوز تكذيبه.\nفلا ينبغي لمسلم إنكار تأثير العين في الأجسام؛ فإنَّه أمرٌ معلوم مشاهد؛ كما يحدث للوجه إذا نظر إليه مَنْ يستحي منه يحمرُّ حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكما يحدث للوجه إذا نظر إليه مَنْ يخاف منه، يصفرُّ صفرة لم تكن قبل ذلك، وكثير من الناس يَمْرَضُ وتَضْعُفُ قواه بمجرَّد النَّظر إليه.\nوهناك صنفان من الأفاعي معلومٌ أنَّهما يَسْتَسْقِطَانِ الحَبَلَ، أي أن المرأة الحامل إذا نَظَرَتْ إليهما وخافت أسقطت الحمل غالبًا ووضعت ما في بطنها، ويخطفان البصر ويطمسانه أيضًا بمجرَّد نظرهما إليه؛ لخاصة جعلها الله تعالى في بصريهما إذا وقع على بصر الإنسان، ويؤيد هذا ما رواه مسلم عن سالم عن أبيه عن النَّبِيِّ - - ﷺ - - قال:\n\"اقتلُوا الحيَّاتِ وذا الطُّفيَتَيْنِ (^١) والأبْتَرَ (^٢)؛ فإنَّهما يَسْتَسْقِطَانِ الحَبَلَ، ويلْتَمِسَان البَصَرَ. قال: فكان ابنُ عمر يقتُل كلَّ حيَّة وجدها، فأبصرَه أبو لُبابَةَ بن عبد المنذر أو زيدُ بن الخطَّاب، وهو يطارِدُ حيّةً، فقال: إنَّه قد نهى عن ذوات البيوت\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>مشروعيَّة الرُّقية من العين</span>\nعن عائشة ﵂، قالت: \" أمرني رسُولُ الله - - ﷺ - - أو أَمَرَ أن\n_________\n(^١) هما الخطَّان الأبيضان على ظهر الحيَّة.\n(^٢) حيَّةٌ خبيثة قصيرةُ الذَّنب.\n(^٣) مسلم \" صحيح مسلم بشرح النَّووي \" (م ٧ / ج ١٤/ص ٢٢٩) كتاب قتل الحيَّات ونحوها.","vol":"1","page":136},{"text":"يُسْتَرقى مِنَ العين\" (^١). وعن أمِّ سَلَمَةَ ﵂: أنَّ النَّبِيَّ - - ﷺ - - رأى في بيتها جاريةً في وجهها سَفْعَةٌ (^٢)، فقال: \" استرقوا لها فإنَّ بها النَّظْرَةَ (^٣) \" (^٤)\nوعَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: \" يَا رَسُولَ الله، إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ\" (^٥) ومن ذلك نفهم مشروعيَّة الرُّقية من العَيْن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>عَاداتُ الأُمَم في دَفْعِ إصَابة العَين</span>\nاختلفت عاداتُ الأمم في دفع إِصابة العَيْن والحسد، فمن النِّساء من تُسلِّح طفلها بخرزة زرقاء، ومن النِّساء من تعلِّق فوق مهده أو باب غرفته نعلًا صغيرًا، ومن النِّساء من تعلِّق على صدره قطعة نقود، ومن النِّساء من تصنع له حجابًا أو حرزًا فيه بعض الطَّلسمات، أو تضع في غرفته منظرًا على شكل كفِّ اليَد وقد رُسِمَت في وسطه عينُ إنسان ... وكلُّ هذه خزعبلات وخرافات وبدع وضلالات ما أنزل الله تعالى بها من سلطان.\nوهناك من يقوم بالنَّقر على الخشب لدفع إصابة العين، ومن النَّاس من يبخِّر البَخُور، ومن النَّاس مَنْ إذا خَافَ السِّحر أو الحسد سقاه أهله ماء في إِنَاءٍ من نحاس يُعْرَف عند العوامِّ باسم (طاسة الرَّعبة) وقد حُفِرَ على هذا الإناء بعض الطَّلاسم والصُّور والآيات والكلمات المقلوبة، وهذا كلُّه ليس من الدِّين في شيء.\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري\" (م ٤/ ج ٧ /ص ٢٣) كتاب الطِّب\n(^٢) أي صُفرة وشحوب في الوجه.\n(^٣) اختُلِفَ في المراد بالنَّظرة، فقيل: \" عين من نظر الجنِّ، وقيل: من الإنس \" والحاصل العين عينان، عين إنسيَّة، وعين جنيَّة والنَّبِيُّ - - ﷺ - - أَذِنَ في الاسترقاء من العين.\n(^٤) البخاري \" صحيح البخاري\" (م ٤/ ج ٧ /ص ٢٣) كتاب الطِّب.\n(^٥) التّرمذي \"الجامع الصّحيح وهو سنن التّرمذيّ\" (ص ٥٩٩/رقم ٢٠٦٤)، وقَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِي الْبَاب عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَبُرَيْدَةَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>هَدْيُ النَّبِيِّ - - ﷺ - - في علاج المُصَاب بالعَيْن</span>\nوعلاج الحسد ودفع أذى العين موجود في الكتاب الكريم والسُّنَّة المطهَّرة، فمِمَّا يدفع به هذه العلَّة التعوُّذات والرُّقى، ومن التعوُّذات والرُّقى: الإكثار من قراءة المعوِّذتين: الفلق، والنَّاس. فالمعوِّذتان نزلتا لإبطال واكتساح تأثير السِّحر والحسد، فقد أخرج التِّرمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: \" كَانَ رَسُولُ الله - - ﷺ - - يَتَعَوَّذُ مِن الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتْ المُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا \" (^١)\nوقد أرشد النَّبِيُّ - - ﷺ - - إلى الاستعاذة من الحسد قبل وقوعه، فقد كان يعوِّذُ الحسن والحسين، أخرج البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - - ﷺ - - يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا (^٢) كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ (^٣) وَهَامَّةٍ (^٤)، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ (^٥) \" (^٦)\nومن علاج الحسد قبل وقوعه الاحتراس والاحتراز منه، وذلك بِسَتْر محاسن مَنْ يخاف عليه العَيْن بما يردُّها عنه.\nومن الرُّقى المشروعة رُقيةُ جبريل - - ﵇ - - للنَّبِيِّ - - ﷺ - - الَّتي رواها مسلم عن أبي سعيد: \" أنَّ جبريل أتى النَّبِيَّ - - ﷺ - ـ، فقال: يا محمَّد، اشتكيتَ؟! فقال: نعم. قال: باسْمِ الله أرقيكَ، من كلِّ شيءٍ يؤذيكَ، من شرِّ كلِّ نفْسٍ، أو عينِ حاسِد، الله\n_________\n(^١) التِّرمذي \" الجامع الصَّحيح \" (ص ٥٩٩/رقم ٢٠٦٣)، وقَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَسٍ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.\n(^٢) يرِيد إِبْرَاهِيم - - ﵇ - - وَسَمَّاهُ أَبًا لِكَوْنِهِ جَدًّا.\n(^٣) المراد شياطين الإنس والجنّ.\n(^٤) الهامَّة: واحدة الهوامّ ذوات السُّموم.\n(^٥) العين اللَّامَّة: الَّتي تُصيب بسوء وشرّ.\n(^٦) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٢/ج ٤/ص ١١٩) كتاب أحاديث الأنبياء.","vol":"1","page":138},{"text":"يشفيكَ، باسم الله أرقيك\" (^١).\nوروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - - ﷺ - - أَنَّهَا قَالَتْ: \" كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ الله - - ﷺ - - رَقَاهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: بِاسْمِ الله يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ \" (^٢)\nوممَّا ينفعُ بعد استحكام النَّظر أَمْرُ العائِن (المُصِيب بالعين) بالاغتسال عند طلب المعْيُون (المُصاب بالعين) منه ذلك؛ لما رواه الإمام مسلم عن ابن عباس عن النَّبِيِّ - - ﷺ - ـ، قال: \" الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا \" (^٣).\nوصفةُ الغسل أن يُؤمَرَ العائِنُ بغسل: وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره (طرف إزاره الدَّاخل الَّذي يلي جسده من الجانب الأيمن) في قَدَح، ثمَّ يُصَبَّ ذلك الماء على رأس المَعِين (المحسود) وظهره من خلفه بغتة، ثمَّ يُكْفَأ القدح.\nقال ابن قيم الجوزية: \"وهذا ممَّا لا يناله علاج الأطباء، ولا ينتفع به مَنْ أنكره، أو سخر منه، أو شكَّ فيه، أو فعله مجرِّبًا: لا يعتقدُ أنَّ ذلك ينفعه \" (^٤).\nوصفة الاغتسال وقعت في حديث سهل بن حنيف، أخرج أحمد بسند صحيح، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ:\n\" أَنَّ رَسُولَ الله - - ﷺ - - خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنْ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ - وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ ـ،\n_________\n(^١) مسلم \" صحيح مسلم بشرح النَّووي \" (م ٧ /ج ١٤/ص ١٧٠) كتاب السَّلام.\n(^٢) المرجع السَّابق.\n(^٣) المرجع السَّابق.\n(^٤) ابن قيم الجوزيَّة \" الطِّب النَّبوي \" ص ١٣٤.","vol":"1","page":139},{"text":"فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ؛ فَلُبِطَ (^١) سَهْلٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ الله - - ﷺ - ـ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ، والله مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَمَا يُفِيقُ! قَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَدَعَا رَسُولُ الله - - ﷺ - - عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟! هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ (^٢)، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اغْتَسِلْ لَهُ؛ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، ثمَّ يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ\" (^٣)\nوختامًا، إذا كان الإنسان يخشى ضَرَرَ عينه وإصابتها لأخيه؛ فليُبَرِّك إنْ رأى شيئًا أعجبه؛ ليدفع شرَّها، فإذا رأى نعمةً على أخيه المسلم، قال: اللَّهُمَّ بارِكْ عليه، أو قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون] أو قال: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ... (٣٩)﴾ [الكهف] اللَّهُمَّ بارك له فيما أعطيتَه، وارزقني خيرًا منه - ونحو ذلك ـ؛ تفاديًا للحَسَد، فإنَّه لا يضرُّه بالعين بإذن الله، وهي رقية منه.\nفلا شكَّ أنَّ العائن إذا برَّك امتنع ضرره بإذن الله ربّ العالمين، وإذا اغتسل شفي معينه كما أخبر الصَّادق الأمين - - ﷺ - ـ، وهذه النُّبْذَة الواردة تكفي في هذه العارضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ على لِسَان يُوسُفَ ويعقوب</span>\nقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ورد في سُورة يُوسُفَ مرَّتين وبمعنيين، الأوَّل: على\n_________\n(^١) صُرِعَ وسقَطَ إِلى الأَرض.\n(^٢) دعوت بالبركة.\n(^٣) أحمد \" المسند \" (ج ١٢/ص ٤٠٢/رقم ١٥٩٢٢).","vol":"1","page":140},{"text":"لسان يُوسُفَ، وجاء بمعنى الحكم التَّشريعيّ، والثَّاني: على لسان يعقوب، وجاء بمعنى الحكم القدريّ.\nفيُوسُفُ - - ﵇ - - لمَّا دعا صاحبي السِّجن إلى التَّوحيد، قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ ... إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾، فقرّر لهما أنَّ الحكم التَّشريعيَّ لله وحده.\nويعقوب - - ﵇ - - لمَّا نهى أولاده عن الدّخول من باب واحد وأمرهم بالتَّفرّق، قال لهم في مقام الرِّضا بقدر الله: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ فنصَّ لهم على أنَّ الحكم القدريّ لله وحده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>التَّقدِيرُ أقوى مِنَ التَّدبير</span>\nالتزم الأولادُ وصيَّةَ أبيهم ممَّا يظهر لنا حُسْنَ طاعتهم، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ ﴿مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، ﴿مَا كَانَ﴾ ذلك التَّحفُّظ ﴿يُغْنِي﴾ يدفع ﴿عَنْهُمْ مِنَ﴾ قدر ﴿اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ فالتَّقدير غالبٌ للتَّدبير، والإنسانُ وديعةُ غَيْب، وأسير قَدَر ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ غاية ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين عنهم، وقالوا غير ذلك. قلت: والله تعالى أعلم بما كان في نفسه - - ﵇ - ـ. ثمَّ زكَّى الله تعالى علم يعقوب، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي وإنَّ يعقوب - - ﵇ - - لذو علمٍ واسعٍ لأجل تعليمنا إيَّاه بالوحي والإلهام، فهو عامل بما عَلِم، وهذا ثناءٌ من الله تعالى على يَعْقُوبَ.","vol":"1","page":141},{"text":"﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ ما عُلِّمَهُ يعقوب - - ﵇ - - من الجمع بين الأخذ بالأسباب والتَّوكُّل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>يُوسُفُ يُعَرِّفُ أخاه به ويتَّخِذُ التَّدابير لإبقائه عنده</span>\n﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ أي ولمَّا وَفَدُوا على يُوسُفَ ودخلوا عليه ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ ضَمَّ إليه أخاه الشَّقيق في مجلس خاصّ.\n﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾ صارحه أنَّه أخوه يُوسُفُ، وطلب منه ألَّا يحزن ولا يتألَّم ولا يأسف على ما كانوا يفعلون؛ فقد قُدِّر عليهم أن يفعلوا ما فعلوه، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ... (٨)﴾ [فاطر] وأعلمه أنَّه سيتَّخذ التَّدابير لإبقائه عنده باتِّهامه بالسَّرقة، وطلب منه أن يَكْتُمَ الخبرَ.\n﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي ولمَّا قضى يُوسُفُ حاجتهم، وحمَّل عيرهم طعامًا وميرة ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ (^١) فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ كلَّف بعضَ غلمانه أن يدسُّوا صاع الملك في متاع أخيه دونَ أن يَعْلَمَ أحدٌ.\n﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ أي ولمَّا ساروا في طريقهم عائدين فرحين إلى بلادهم، نادى عليهم منادٍ: أيَّتُها القافلة، يا أصحاب الإبل، رويدًا، مكانكم، إنَّكم سارقون!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>الإخوة يردُّون التُّهمة</span>\nفلمَّا سمع إخوة يوسف هذا الكلام؛ بغتوا، ودهشوا، فحوَّلوا عنان دوابِّهم مقبلين عليهم، ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي على المنادي ومن معه: ﴿مَاذَا\n_________\n(^١) السِّقاية والصَّاع والصِّواع بمعنى واحد، يسمَّى سقاية لأنَّه يُشْربُ به، وصاعًا لأنَّه يُكالُ به.","vol":"1","page":142},{"text":"تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ ماذا ضاع منكم؟\nوفي قولهم: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾ بدل: ماذا سرقنا؟ توجيه لهم إلى مراعاة حُسْنِ الأدب في الخطاب، وعدم المجازفة بنسبة السَّرقة إليهم، ولهذا التزموا الأدب معهم.\n﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ وأضافوا الصّواع إلى الملك لتهويل سرقته ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي ولمن جاء بالصِّواع حمل بعير من الطَّعام مكافأة له ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ أي وأنا ضمينٌ، وكفيلٌ، يتعهَّد بتحقُّق هذا الوعد، والظَّاهر أنَّ الزَّعيم هو المؤذِّن.\n﴿قَالُوا﴾ أي إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ﴾ قسمٌ فيه معنى التَّعجُّب ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ وتحقَّقتم من أمانتنا في كرَّتي مجيئنا أنَّا ﴿مَا جِئْنَا﴾ مِصْرَ ﴿لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ ونعيث في بلادكم، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ... (٧٣)﴾ قطُّ.\nوفي الآيتين تنبيه إلى ترك الإسراع في إلقاء التُّهم، والإقلاع عمّا لا يجوز من الكَلِم، وفيها ما يجب على الإنسان من ردّ البُهتان، ونفي البَاطل البيِّن البُطْلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>من علوم المعاني الاعتراض</span>\nالاعتراض: هو أن يأتي في أثناء الكلام كلمة أو كلام لا محل له من الإعراب، لنكتة سوى رفع الإبهام، وزيادة اللَّفظ تمكّنًا، وإنَّما لإفادة معنى آخر، مع أنَّ اللّفظ يستقلُّ ويلتئم بغير الاعتراض، كتقرير إثبات البراءة في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ... (٧٣)﴾ فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ اعتراض، والنّكتة فيه تقرير إثبات البراءة من تهمة السَّرقة.\nوكالتَّنزيه في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ","vol":"1","page":143},{"text":"مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ [النّحل]، فإن قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ جملةٌ معترضةٌ، والنّكتة فيه تنزيه الله تعالى عمَّا ينسبون إليه.\nوكتعظيم شأن المقسم به في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة] فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ اعتراض بين القسم وجوابه؛ والنّكتة فيه تعظيم شأن المقسم به في نفس السَّامع، وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ اعتراض آخر، وهو قوله تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ فذانك اعتراضان، ولا يخلو اعتراض في القرآن الكريم من فائدة، وهو جارٍ مجرى التَّوكيد في كلام العرب، وبنحو الَّذي قلنا قال أهل المعاني.\nومن أمثلة الاعتراض من سورة يُوسُفَ، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ فإنَّ قوله: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ جملة اعتراضيَّة بين ما وخبرها، فلو لم يكن هناك اعتراض، لكان: وما أكثر النَّاس بمؤمنين، والنّكتة فيه التَّأكيد على أنَّ هداية التَّوفيق بيد الله تعالى وحده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>مَشْروعيَّةُ الجَعَالة</span>\nالجَعَالة: من الشَّيء تجعله للإنسان على عمله، ومن الأجر تجعله على الشَّيء فعلًا أو قولًا، وهي عَقْدٌ جائز غير لازم، والأصل في مشروعيَّتها، قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ ولأنَّ النَّبيَّ - - ﷺ - - أجاز أخْذَ الجُعْل على الرُّقيَّة، أخرج البخاري عن أَبِي سَعِيدٍ - - ﵁ - ـ، قَالَ:\n\"انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - - ﷺ - - فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ","vol":"1","page":144},{"text":"مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ (^١) سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ؛ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟! فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَالله إِنِّي لَأَرْقِي (^٢)، وَلَكِنْ والله لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا؛ فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا (^٣)، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ (عِلَّة)، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ (^٤) الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ.\nفَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ - - ﷺ - - فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله - - ﷺ - - فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ (^٥)؟! ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا (^٦)، فَضَحِكَ رَسُولُ الله - - ﷺ - - \" (^٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>الإخوةُ في مصيدة يُوسُفَ</span>\nوهنا قال المؤذِّن وأصحابُه: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي فما عقوبة وجزاء سرقة\n_________\n(^١) أي لُسِعَ من حيَّة أو عقرب، واللَّدْغ أكثر ما يستعمل في العقرب.\n(^٢) الرَّاقي هو أبو سعيد الخُدْريِّ - - ﵁ - - راوي الخبر، وقد فُهِم ذلك من طرائق أخرى للحديث.\n(^٣) الجُعْل: ما يُعْطَى على عمل.\n(^٤) ومقدار الجُعْل ثلاثون شاة كما صرَّح بذلك المصنّف في فضائل القرآن بلفظ آخر، وفيه: \"فأمر له بثلاثين شاةً وسقانا لبنًا ... \" البخاري \" صحيح البخاري\" (م ٣/ج ٦/ص ١٠٣) كتاب فضائل القرآن.\n(^٥) فأثبت أنَّها رقية، وفيه دلالة ظاهرة على فضل فاتحة الكتاب.\n(^٦) أمرهم بذلك لتطمئنَّ قلوبهم وتقرّ أعينهم بأنَّه حلال مشروع لا شبهة فيه.\n(^٧) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٢/ج ٣/ص ٥٣) كتاب الإجارة.","vol":"1","page":145},{"text":"الصِّواع في شريعتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ في ادِّعائكم البراءة منه، وهذا من باب تحكيم المرء في ذنبه.\n﴿قَالُوا﴾ أي إخوة يوسف: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ أَخْذُ ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامهُ ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ لا غير - وهذه الجملة تقريرٌ للحكم وتوكيد له - ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ في شريعتنا نحن آل يعقوب بهذا الجزاء، فصرَّحوا له بتفتيش أوعيتهم، وهذا ما أراده يُوسُفُ - - ﵇ - ـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>حُكْمُ السَّرقة في شريعة يَعْقوب - - ﵇ </span>- ـ\nأخذ يُوسُفُ - - ﵇ - - أخاه منهم بتهمة السَّرقة، بعد أن أخذ هذا الحكم من أفواههم ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾ فيظهر أنَّ السَّارق كان يُؤْخَذ في شريعة يعقوب - - ﵇ - ـ، ويُسَلَّمُ لمن سَرَقَ منه، ويدلُّك على ذلك، قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... (٧٦)﴾، وقوله تعالى حكاية عن إخوة يُوسُفَ بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ... (٧٨)﴾ فقد أخذه منهم بتهمته.\nولكن يبدو أنَّ هذا الحكم لم يكن عامًّا في كلِّ سرقة، فقد قال النَّبيُّ - - ﷺ - ـ: \" إنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا \" (^١)\nويؤخذ من هذا الحديث أنَّ إقامة الأحكام والحدود والعقوبات على الضُّعفاء\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري\" (م ٢/ج ٤/ص ٢١٣) كتاب المناقب.","vol":"1","page":146},{"text":"وترك العظماء سبب في هلاك الأمَّة، فقد هلكت أُمَمٌ من الَّذين خلوا من قبل بسبب ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>ما أعظمَ الفَرْقَ</span>!\nسبحانَك يا ربّ!! ما أعظمَ الفَرْقَ بين الأنبياء وسائر البشر! فيَعْقُوب لما نَعَى أولادُه له يُوسُفَ، و﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾، عزَّ على نفْسِه أن يصرِّحَ لهم بأنَّهم كاذبون، ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ مع أنَّهم كانوا كاذبين، وهو يعتقد ذلك، ولكنَّه ثَقُل عليه أن ينعتهم بهذه الصِّفة.\nوأمَّا مؤذِّن يُوسُف ومَنْ معه: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾ هكذا واجهوهم ووصفوهم، مع أنَّهم كانوا صادقين، وفتيان يُوسُفَ يعلمون ذلك، فما أعْظَمَ الفَرْقَ! وما أعْظَمَ أَخْلاقَ الأنبياء! صلوات الله وسلامه عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>ثُبُوتُ السَّرقة على شَقِيقِ يُوسُفَ</span>\nوعندما سمع يُوسُفُ الفتوى والجواب المنتظر من إخوته؛ اطمأنَّ قلبُه، ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ أخذ يفتِّش أوعيتهم بحثًا عن الصِّواع قبل وعاء شقيقه؛ إتمامًا للحيلة، وتمكينًا لها، ودفعًا للتُّهمة والتَّواطؤ في القضيَّة، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي السِّقاية ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وهكذا ثَبَتَتْ السَّرِقةُ عليه.\n﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي كذلك كاد الله تعالى لأجْلِ يُوسُفَ ودبَّرَ له وألهمه الحيلة؛ ليستبقي أخاه عنده.\n﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لم يكن في شَرْع مِصْر أن يأخذ أخاه بالسَّرقة، ولكن هذا الحكم كان في شريعة يعقوب - - ﵇ - - وهو تفسير للكيد، وبيان","vol":"1","page":147},{"text":"له ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أمرًا، فإنَّه يكون.\n﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ في العلم، كما رفعنا درجة يوسف، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾، وهو الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>الكَيدُ المذموم والكَيدُ الممدوح</span>\nالكيد يكونُ مذمومًا وممدوحًا، وإن شَاعَ استعمالُه في المذموم أكثر، فما هو من قبيل المذموم ما في قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾، وممَّا هو من قبيل الممدوح ما في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>كيف جَازَ ليُوسُفَ أنْ يَنْصِبَ أُحبولَةً لإِخوته</span>؟\nلقائل أن يقولَ: كيف جوَّز يُوسُفُ لنَفْسِهِ أنْ يعملَ على إخوتِه حيلةَ تسريق شقيقه، وهي تهمة باطلة، ولا شكَّ أنَّها ستُدْخِلُ الكَدَرَ والكَمَدَ والهمَّ والغمَّ على إخوته وعلى قَلْبِ أبيه يعقوب - - ﵇ - ـ؟!\nفالجواب: أن هذه الحيلة وهذا الصُّنع والتَّدبير لم يفعلْه يُوسُفُ عن أمره، إنَّما كان بإلهامٍ من الله تعالى وإذنٍ منه، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ في حالٍ من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ في حالِ ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ تعالى ذلك ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال] فالله تعالى إذا أراد أمرًا هيَّأ الأسبابَ له، فلا اعتراض.\nوأمر آخر أنَّه إذا أينع الكربُ جاءَ الفرجُ.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الإخوةُ يَطْعَنُونَ بيُوسُفَ</span>\nفلمَّا رأى الإخوة الصِّواع قد أُخْرِج من متاع أخيهم؛ تنصَّلوا من التُّهمة، وقذفوا بها يُوسُفَ وأخاه، ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ فلا عجب ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون به يُوسُفَ، ولم يقولوا: (أخٌ لنا) إنَّما قالوا: ﴿أَخٌ لَهُ﴾؛ نفيًا لمعرَّة السَّرقة عن أنفسهم، ولأنَّهما من أمٍّ واحدة غير أمِّهم، وهذه الكلمة تشفُّ عن تجدُّد حسدهم ليُوسُفَ، وبذلك أساؤوا له بالفِعَال والأقوال.\n﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ أي أضمر يُوسُفُ وأخفى هذه التُّهمة في نَفْسِهِ، ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ولم يُبْدِ تأثُّرَه منها، ولكن كأنِّي به وقد اعتصره الألم؛ فطعن اللِّسان كَوَخْزِ السِّنان!\nويجوز أن يكون المعنى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ يعني: الكلمة التي بعدها، وهي قوله ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ والمعنى، قال في نفسه بل ﴿أَنْتُمْ﴾ بهذا القذف ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ ومنزلةً عند الله تعالى من المقذوف، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ وتتقوَّلون وتفترون، ولم يصارحهم بهذا الكلام، إنَّما طواه في نفسه وكتمه.\nويلاحظ في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ طباق إيجاب بديع، وأمَّا ما أضافوا له من السَّرقة، فقد اختلفت الرِّواياتُ وكَثُرت القصصُ والحكاياتُ الباحثة عن مصداق قولهم، ولعلَّ أصحَّ ما قيل: \"إنَّهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه؛ قاله الحسن\" (^١) قلتُ: ولعلَّ ما يؤيّد ذلك أنَّهم كذبوا من قبل على أبيهم.\n_________\n(^١) القرطبي \" الجامع لأحكام القرآن \" (ج ٩ /ص ٢٣٩).","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>استعطافُ الإخوة ليُوسُفَ وردُّه الاستعطاف</span>\nولمَّا تقرَّر أخذُ أخيهم بمقتضى فتواهم، رأى إخوة يوسف عندئذٍ أنفسَهم في مأزقٍ حرجٍ، لا بدَّ لهم فيه من الاستعطاف والاسترحام للخروج منه.\n﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ وهو يعقوب - - ﵇ - - لا يقوى على فراقه، وقولهم: ﴿شَيْخًا كَبِيرًا﴾ فيه إطناب للاستعطاف ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي نتقدَّم إليك ملتمسين أن تأخذ واحدًا منَّا بدلًا عنه، فلسنا عنده بمنزلته من المحبَّة، فأطلقه لأجل خاطر الشَّيخ الكبير ورحمةً به ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ فأتمم إحسانَك علينا، ولا تردَّ سؤالنا! وتذكيره بإحسانه؛ لعلَّه يلين.\nوكأنِّي بيُوسُفَ يتصوَّر قُرْبَ انجلاءِ الحقيقة وقربَ تحقُّق رؤياه بمجيء أبيه وأهله جميعًا إليه وسجودهم له، فلم تَلِنْ له قناةٌ:\n﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي نعوذُ بالله تعالى أن نأخُذَ أحدًا بجرم الآخر، فليس من العدل ولا الإحسان تركُ الجاني وأخذ البريء، فما هذه الشَّفاعة؟! فلن ﴿نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ كما قلتُم وأفتيتم وحكمتم، وإنْ أطعناكم فيما تطلبون ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.\nومع أنَّه لم يقبل شفاعتهم، نراه لم يؤنِّبْهم بأنَّ هذا خلاف فتواكم، ومخالفة لشريعة الله تعالى، و﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصَّف]، وإنَّما ردَّهم ردًّا حسنًا.\nوتجدرُ الإِشارة إلى أنَّه لم يَقُلْ: معاذ الله أنْ نأخُذَ إلَّا مَن سرق؛ تفاديًا للكذب، فهو يعلم أنَّ أخاه ليس بسارق.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>تكرير كلمة ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾</span>\nلم ترد كلمة ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ في القرآن الكريم إلَّا مرَّتين، وعلى لسان يُوسُفَ - - ﵇ - ـ:\nالأولى: عندما قالت له امرأةُ العزيز: ﴿هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾.\nوالثانية: عندما قال له إخوته: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ ثبات على العقيدة والمبدأ في كلِّ زمان ومكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المفاوضَةُ والقَرار</span>\n﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي ولمَّا سَمِعَ الإِخوةُ جَوَابَ عزيز مِصْر، وتغليطهم في طلبهم، يئسوا وانسحبوا وتقهقروا من أمامه، وانفردوا جانبًا عن النَّاس الشُّهود يتناجَوْن ويتشاورون فيما دَهَاهُم، ويقلِّبون الأمْرَ ظهرًا لبطن، وقد كَبُرَ عليهم موقفهم أمام أبيهم، وعَظُمَ عليهم الاعتِذَارُ لما سَبَقَ لهم مع يُوسُفَ.\nفالأمَرُّ من فقد الصِّواع وهذه التُّهمة فَقْدُ أخيهم الآخر، فلا شيء أمَرّ غُرْبةً على أبيهم يعقوب - - ﵇ - - من فَقْدِ يُوسُفَ وأخيه.\nولذلك ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ مذكِّرًا بالموثق المأخوذ عليهم، وبتفريطهم في يُوسُفَ من قبل: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ وقد عاهدتموه وواعدتموه، أنسيتُم ذلك؟!\n﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ ألا تذكرون تفريطكم في أمر المحافظة على يُوسُفَ مِنْ قَبْل؟! فها هي الأيام تُعِيدُ نفسَها.","vol":"1","page":151},{"text":"وبعد هذه المقارنة نصَّ قراره الجازم: أمَّا أنا ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لن أُفَارِقَ أرضَ مِصْر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالبراح والرُّجوع إليه راضيًا عنِّي ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بخلاصِ أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾؛ لأنه سبحانه لا يحكم إلَّا بالعدل والحقِّ.\nأمَّا أنتم، فالرأي عندي: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ وأُخِذَ بسرقته ﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ عليه بالسَّرقة وجزائها ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ علمًا أكيدًا، فقد أُخْرِجَ الصِّواعُ من متاعه ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾ أي ما كنَّا نعلم أن أمرًا كهذا سيحدث، وإلَّا لما آتيناك عهدًا مؤكَّدًا باليمين، وقد قلت: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾، وقد أُحيطَ بنا، إذ لا حول لنا مع حكومة مِصْرَ الَّتي لم ندع جهدًا، ولم نترك حرصًا، ولم ندَّخِر وسعًا، ولم نوفِّر اجتهادًا معها.\nومن قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ نفهم أنَّه لا يجوز للإنسان أن يشْهَدَ إلّا بما علمه علمًا يقينًا، إمَّا بمشاهدة، أو خبر مَن يوثق به، وأنَّ الشَّهادة مرتبطة بالعلم عقلًا وشرعًا، فلا تقبل إلّا ممَّن عَلِمَ.\n﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ وادعوه أنْ يسألَ أهْل مِصْر إنْ كَانَ في ريْبٍ من كلامنا، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ مجاز عن أهلها لما بينهما من المجاورة، وهومجاز مرسل وعلاقته المحليَّة كما يعرف في علم البيان، من إطلاق اسم المحلِّ على الحالِّ، فقد عبَّر بالقرية عن ساكنها.\n﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي وليتثبَّت أيضًا وليتحقَّق من أصحاب القافلة الَّذين كانوا يمتارون معنا عن صدقنا، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ في أقوالنا.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ ... (٨٢)﴾ ما يعرف","vol":"1","page":152},{"text":"عند البلاغيين في علم المعاني بإيجاز الحذف، فقد حذف المضاف، فالمراد: اسأل أهل القرية وأصحاب العير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>كلام الله تعالى لا يقدر عليه مخلوق</span>\nكانَ العَرَبُ أصحابَ ألفاظٍ ناصعة، وأهلَ بلاغةٍ بارعة، وفصاحة بالغة، وأربابَ كلماتٍ جامعة ... فما راعهم إلَّا صادقٌ أمينٌ بكتابٍ كريمٍ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصّلت] فلم يتركْ لأحد منهم مقالًا ولا سجالًا ولا خطابًا، سمع أعرابيٌّ رجلًا يقرأ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، فقال: أشهد أنَّ مخلوقًا لا يقدر على هذا الكلام.\nوهذا يذكِّر بالوليد بن المغيرة لمَّا سمع من النَّبيِّ - - ﷺ - ـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ... (٩٠)﴾ [النَّحل] قال: \" والله إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّ أسفله لمغدقٌ، وإنَّ أعلاه لمثمرٌ، ما يقول هذا بشرٌ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>الشُّورى</span>\nمن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ نفهم أن الأمر لمَّا اعْتَاص على الإِخوة والتوى، اعتزلوا جانبًا، وعقدوا مجلس شورى يتبادلون الرأي فيه - وإن كان السِّياق لم يذكر أقوالهم جميعًا ـ، وقد أصابوا؛ لأنَّه \" ما شاور قومٌ قطٌّ إلَّا هُدوا لأرشد أمورهم \".\nوقد أَمَرَ اللهُ تعالى النَّبِيَّ - - ﷺ - - بالشُّورى، فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ... (١٥٩)﴾ [آل عمران]، ومَدَحَ الصَّحابة، فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ... (٣٨)﴾ [الشّورى].\nوعليه، يجب أن نتشاور في الأمور، ولا نعجل، ولا نُمْضي عَزْمًا، ولا نُبْرِم أمرًا\n_________\n(^١) القاضي عياض: \" الشّفا \" (ص ١٥٨).","vol":"1","page":153},{"text":"من أمور الدِّين والدُّنيا إلَّا بعد مشورة ذي عقل راجح، ورأي ناصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>خطاب الجمع بلفظ الواحد</span>\nقد يذكر الواحد ويراد به الجمع في القرآن الكريم على عادة العرب، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ... (٨٠)﴾ أي اعتزلوا متناجين، والنَّجِيّ مصدر يصلحُ للجماعة وللواحد، قال تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم] ويجمع على أنْجِيَة.\nومن ذلك في التَّنزيل، قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النِّساء] أي رفقاء، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ... (٤)﴾ [المنافقون] أي الأعداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>يعقوب يتلقَّى النَّبأ بالصَّبر والآمال</span>\nرجع الإخوة أدراجهم إلى أبيهم، وقالوا له ما قاله كبيرُهم، فلمَّا سمع أبوهم هذا النَّبأ الفظيع ﴿قَالَ﴾ مكذِّبًا: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ وكيدًا ثانيًا دبَّرتموه لولدي، وإلَّا فَمَنْ أعْلَمَ عزيز مِصْر أنَّ السَّارق يسترقّ غيركم، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا شكوى فيه إلى الخلق ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ﴾ بالثَّلاثة ﴿جَمِيعًا﴾ عاجِلًا أو آجِلًا، فأملي به كبير، ورجائي به قويٌّ، فالكَرْب إذا اشتدَّ هان، والهموم إذا طالت تكشَّفت ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ ... بحالي ﴿الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ في تدبيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>الظَّنُّ على الكاذِب</span>\nتقدَّم أنَّ يعقوب - - ﵇ - - لم يصدِّقْ أولاده في حالتي كذبهم وصدقهم في حادثتي يُوسُفَ وأخيه، بل قال لهم في المرَّتين مستغشًّا عَيْن العبارة الشَّريفة: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ لأنَّ مَن عُهِدَ عنه الكَذِب يُظَنُّ به الكذب، ولو تكلَّم بالصِّدق.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الثَّباتُ على المبادِئ</span>\nوعلاوة على ما سبق نرى يعقوب - - ﵇ - - في حادثتي يُوسُف وأخيه، قال لأولاده نفس الجملة الشَّريفة: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا شكوى فيه ولا تبرُّم، ولعمري لو كان غيره مكانه لملأ طِبَاقَ الأرض صُراخًا وعَويلًا، ولنظم شعرًا يُمزِّقُ الأفئِدةَ ويفتِّت الأكبادَ، ولكنْ هي أخلاق الأنبياء أصحاب المبادئ الثَّابتة والخِلال الحميدة، ولا عجب؛ فالأنبياء كانوا يتعايشون بالدِّين، وما أشدَّ حاجتنا إلى أن نتعايش بالدِّين والمروءة والأخلاق، لا بالجهل والسَّفاهة والانحطاط!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>آية كأنَّها ثوبٌ سابغ على يعقوب - - ﵇ </span>- ـ\nكانت حياةُ يعقوب - - ﵇ - - مفْعَمةً بألوان الكروب والابتلاءات النَّادرة المثال في تاريخ البشر؛ فإنَّه - - ﵇ - - كان يخاف على يُوسُفَ من كيد إخوته وقد كادوه، ثمَّ وقع هو وأسرته في شيءٍ من الجُوع ونقص من الأموال\nوالثَّمرات في أعوام الجدب والقحط، ونقص من أولاده، ومع هذا فقد صبر صبرًا جميلًا، وصدق الله تعالى القائل في محكم كتابه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>عَبَراتٌ على يُوسُفَ</span>\nكَرِه يَعْقُوبُ - - ﵇ - - ما أخبره به أولاده، فَأَعْرَضَ ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ في مَعْزلٍ، وقد قهره الأسَفُ والشَّوقُ والتَّلهُّفُ، وأعياه الحزنُ، وشفَّه الوجدُ، ولَذَعَ قلْبَه الفراق، ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ أي يا حسرتي وحزني وحرقتي على يُوسُفَ! ففرَّج - - ﵇ - - عن نفسه بهذه الكلمة البديعة التي لم ينطق سواها، وبين لفظتي الأسف ويوسف تجانس بديع، يسمَّى جناس الاشتقاق، وهو يُضْفِي على النَّص حسنًا صوتيًّا من حيث الإيقاع اللَّفظي، ويكسِبُ النَّص عنصر المفاجأة، وثراء","vol":"1","page":155},{"text":"المعنى، فهو يثير السَّامع لمعرفة معنى اللَّفظين المتقاربين في النُّطق المختلفين في المعنى.\nوإنَّما أَسِفَ يَعْقُوبُ على يُوسُفَ، مع أنَّ المقام يستدعي أن يتأسَّف على أخيه؛ لأنَّ الحزن الجديد يُذَكِّر بالحزن القديم، كما قيل: \"وإنَّ الأسى يبعث الأسى\"، والشجا يُحيي الشَّجا، زد على ذلك أنَّ ليُوسُفَ في قلب يعقوب هوىً لاعِجًا.\nولا زال يعقوب - - ﵇ - - يكْظم حُزْنَهُ وألمه، ويتجلَّدُ حتَّى ابيضَّت عيناه من الحُزْن، قال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ فقد بصره من شدَّة الحزن والحُرْقة واللَّوعة، وقيل: ضَعُفَ بَصَرُه حتَّى كاد لا يرى.\nوما لَبِثَ - - ﵇ - - مدَّة إلَّا وجاءَه أولاده، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ وهي كلمة نصح وإشفاق عليه، يمازجها اللَّوم والتَّعجُّب، أي: والله لا تزال تذكرُ يُوسُفَ وتتفجَّعُ عليه، ولا تنفكُّ تضْرِبُ على هذا الوتر الحزين، ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ مشفيًا على الهلاك مرضًا، وحتّى يذيبك الهمُّ ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ بالموت أسىً وحسرةً؛ فإنَّ ذلك عاقبة الأسف والحُزْن.\n﴿قَالَ﴾ يعقوب - - ﵇ - - ردًّا عليهم: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي (^١)﴾ همِّي العظيم ﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ تعالى وحدَه، أي: لا أشكو إليكُم أو لغيرِكم مِن الخَلق، إنَّما أشكو إلى الخالق داعيًا له وملتجئًا إليه، وما عليَّ إنْ أنا بثثتُ همِّي لخالقي؟! إنَّ الشكوى إليه تعالى من جنى الإِيمان:\nلا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً ... وسَلِ الَّذي أَبوابُهُ لا تُحْجَبُ\nاللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ ... وبُنَيُّ آدَمَ حينَ يُسأَلُ يَغْضَبُ\nويختمُ يعقوبُ - - ﵇ - - جوابَه لأولاده بقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا\n_________\n(^١) البثُّ: أصعب الهمِّ الَّذي لا يُصبَرُ عليه حتَّى يُبَثَّ ويُنشَر إلى الغير.","vol":"1","page":156},{"text":"تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾، من جميل تدبيره وخفيّ لطفه، فأنا أعلمُ سلامتهم، وأنَّ الله تعالى اجتبى يُوسُفَ وعلَّمه من تأويل الأحاديث، وأتمَّ نعمته عليه وعلى آل يعقوب، وأنَّ رؤيا يُوسُفَ حقٌّ، وسيأتي تأويلها باجتماعنا به، وستريكم الأيام ذلك.\nومن شكاية يَعْقُوب - - ﵇ - - وتضرُّعه بالدُّعاء إلى الله تعالى وحده نفهم أنَّ هذا هو المطلوب شَرْعًا من كلِّ مؤمنٍ شاكٍ حزين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>الشِّكاية ملفوظة وملحوظة</span>\nاعلم أنَّ الشِّكاية نوعان: ملفوظة، وملحوظة. فأمَّا الملفوظة أو الملفوظ بها، فنحو قوله تعالى حكاية عن يعقوب: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ... (٨٦)﴾ وأمَّا الملحوظة المقدَّرة غير الملفوظ بها، فنحو قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ [غافر] وقوله تعالى حكاية عن نوح - ﵇ -: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي ... إِلَّا ... فِرَارًا (٦)﴾ [نوح]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>ائتلاف اللَّفظ مع اللَّفظ وائتلافه مع المعنى</span>\nائتلاف اللَّفظ مع اللَّفظ: أن تتَّصفَ الألفاظ بحُسْنِ الجوار، وذلك بأن يقترن اللَّفظ الغريب بمثله، واللَّفظ المشهور بمثله، لتلائم الألفاظ بعضها بعضًا؛ عناية بحسن الجوار والمناسبة.\nأمَّا ائتلاف اللَّفظ مع المعنى: فَأَنْ تلائم الألفاظ المعنى المراد، فإذا كان المعنى فخمًا كانت ألفاظه فخمة، وإذا كان رشيقًا لطيفًا كانت ألفاظه كذلك ...\nومن شواهد ائتلاف اللَّفظ في اللَّفظ، قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا ... (٨٥)﴾ فإنَّه تعالى جاء بأغرب ألفاظ القسم ﴿تَاللَّهِ﴾","vol":"1","page":157},{"text":"وأعرض عن (والله) و(بالله) الأشهر استعمالًا، وجاء بأغرب الأفعال النّاسخة الّتي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار ﴿تَفْتَأُ﴾ وفيه إيجاز بالحذف، فأصله (لا تفتأ)، وحُذِفَ حرف النَّفي في جواب القسم لأنّ موضعه معلوم، وحُذِفَ للتَّخفيف وعدم الإلباس، إذ لو كان الجواب إثباتًا للزم جواب القسم اللّام والنُّون، ولقيل: لتفتأنّ، نحو قوله تعالى: ﴿بَلَى ... وَرَبِّي ... لَتُبْعَثُنَّ ... (٧)﴾ [التّغابن]\n\nثمَّ جاء بأغرب ألفاظ الهلاك ﴿حَرَضًا﴾ وكلّ ذلك رعاية بحسن الجوار والمناسبة، وعناية بائتلاف اللَّفظ الغريب بمثله.<span data-type=\"title\" id=toc-164> من بديع القرآن الانسجام</span>\nالانسجام: أن يأتي الكلام متحدِّرًا كتحدِّر الماء المنسجم، بسهولة لفظٍ، ورقَّة معنى، وحسن تأليف، حتَّى يكون له في القلوب تأثير، وفي النُّفوس موقعٌ أثير. ويقوى الانسجام ويصفو إذا جاء موزونًا من غير أن يُقصَد إليه، ومن الانسجام في القرآن قوله تعالى حكاية عن يعقوب - ﵇ -: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾.\nفمن سمع هذه الآية بقلبه وجد سهولةَ لفظ، وعذوبةَ معنى، وحسنَ تعطُّف ظاهر في قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ فلم يقل: (وأعلم منه) مع أنَّه أوجز في اللَّفظ؛ ليأتي في الكلام زيادةُ تعطُّف وترقُّق واسترحام وخضوع يزيد الكلام حُسْنًا يحلو في النُّفوس ويعذب.\nوقد جاء مع الانسجام بديع غير مقصود، وهو طباق السَّلب في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ﴾ وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nومن الانسجام قولُه في الآية الَّتي بعدها حكاية عن يعقوب: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ","vol":"1","page":158},{"text":"الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ لوقوع التَّعطُّف كالآية السَّابقة، وقد جاء مع الانسجام ما يعرف في علم البيان بالاستعارة المكنيَّة، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ فقد استعير الرَّوح، وهو تنسيم الرِّيح للفرج الَّذي يعقب الشِّدَّة.\nوالبديع أو البيان الَّذي يأتي مع الانسجام، إنَّما هو كالواسطة في العقد، وكالشَّذْرة في القلادة يفصل بها نظم الذَّهَب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>عطف أحد اللَّفظين المتجاورين في المعنى على الآخر</span>\nقد يعطف أحد اللَّفظين المتقاربين في المعنى على الآخر بقصد التَّأكيد، ومنه قوله تعالى حكاية عن يعقوب - ﵇ -: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ... (٨٦)﴾ فالبثُّ والحزن بينهما تجاور في المعنى، ولعلَّه كرَّره للتَّأكيد على شدَّة الخطب النَّازل به - ﵇ -، ومنه في التَّنزيل قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ... (١٤٦)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ [طه].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>عَبْرَة وعِبْرَة</span>\nقَوْلُ أولاد يعقوب لأبيهم لمَّا غلبه الحزنُ: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ لم يكن قولًا ليِّنًا مترفَّقًا فيه مع أبيهم كما يجب، مع ما فيه من دلالة على إشفاقهم على أبيهم، ولهم قول غليظ سابق سجَّله القرآن الكريم، فقد قالوا في معزلٍ: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾، ونحن نعلم أنَّ الله تعالى أمر أن نقول للنَّاس حسنًا، فقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا ... لِلنَّاسِ حُسْنًا ... (٨٣)﴾ [البقرة]، فما بالك بالقول للوالدين!","vol":"1","page":159},{"text":"ونعلم أنَّ الله تعالى نهى الولد عن أمرين، وأمره بثلاثة: نهاه عن إظهار أدنى شواهد التَّضجُّر والتَّبرُّم أمام الوالدين أو في غيبتهما، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ونهاه عن زجرهما، فقال: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ وهذه الآية إنَّما سيقت لاحترام الوالدين وتوقيرهما ومعرفة قدرهما، والتَّحذير من عقوقهما.\nوأمر لهما بالقول الكريم الجميل المتلطَّف فيه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء] وبخفض الجناح لهما ذلًَّا وتواضعًا ورحمةً: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء]، وبالدُّعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]\nواعلم أنَّ الله تعالى أخبرنا عن سيِّدنا يحيى - ﵇ -، فقال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [مريم] وعن سيِّدنا عيسى - ﵇ -، فقال حكاية عنه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم].\nوقد رأينا فِتْيَةً من أهل زماننا جبَّارين يرفعون أصواتهم لا أقول عند وإنَّما على آبائهم وأمَّهاتهم، وكأنَّهم يجهلون أنَّ الله تعالى قد أمر بالإحسان إلى مَنْ كان مِنْ أهلِ وِدِّهما، فكيف بالإحسان لهما! ألم يجعل الله تعالى حقَّ الوالدين في مرتبة تالية لحقِّه سبحانه، فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... (٢٣)﴾ [الإسراء] وقرن شكره بشكرهما، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان]\nواعلم أنَّ والديك مهما بالَغْتَ في برِّهما فلن تَفِيَ بشكرهما؛ فلو أنَّ إنسانًا أحسن إليك مرَّة، فهل كنت تنسى أنَّ له يدًا عليك لا توفَّى؟ فكيف بمن أحسن إليك الحياة مرَّة بعد مرَّة، وله عليك أيادٍ بيضاء لا تُدْرَك ولا تُدَانَى، فكيف لك أنْ تجزي أَمَنَّ","vol":"1","page":160},{"text":"النَّاسِ عليك في رعايته وعنايته الجزاءَ الأجمل والأوفى؟!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>نَشِيجُ عمر - - ﵁ - - وهو يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾</span> كان عُمَرُ بن الخطَّاب - - ﵁ - - جهير القراءة، وكان في صلاة الفجر، إذا قرأ سورة يُوسُفَ، ومرَّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، غُصَّ بالبُكاءِ في حَلقِه من غير انْتِحابٍ، ففي الأثر عن عبد الله بن شدَّاد (ابن الهاد) وهو تابعيّ كبير له رؤية ولأبيه صحبة، قال: \"سَمِعْتُ نَشيجَ عُمَرَ، وأنا في آخر الصُّفُوفِ يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ \" (^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الحُزْنُ لا يتنافى مع الصَّبر الجميل</span>\nوابيضاض عيني يعقوب - - ﵇ - - من شدَّة الحزن والأسف لا يتعارض مع صبره الجميل، ولذلك حُمِدَ صَبْرُهُ، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ أي مملوء من الأسَف والحزن الذي يكتمه في نفسه، ولا يبثُّه ولا يشكوه إلَّا إلى الله تعالى.\nوقد عَلِمْنا أنَّ الصَّبر الجميل هو الَّذي ليس فيه جَزَعٌ ولا شكوى إلى الخَلْق، وقد أكَّد يعقوب - - ﵇ - - صَبْرَه الجميل بقوله لأولاده: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ تعالى وحده.\nوإظهارُ الأسَف والحُزن والشِّكاية لله تعالى ليس بمحظور إذا اقْتَرَنَ بالصَّبر الجميل والرِّضا والتَّسليم لقضاء الله تعالى وقدره، وإنَّما المحظور السُّخْط على القضاء والقدر.\n_________\n(^١) البخاري: \" صحيح البخاري\" (م ١/ج ١/ص ١٧٥) كتاب الأذان. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ اِبْنِ عُيَيْنَة عَنْ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن سَعْد سَمِعَ عَبْد الله بن شَدَّاد بِهَذَا وَزَادَ: \" فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ \" ذكر ذلك الحافظ في \"فتح الباري\" (ج ٢/ص ١٦٤).","vol":"1","page":161},{"text":"والحزن الشَّديد والدَّمع الصَّبيب لا يسمَّى جزعًا ولا سَخَطًا، طالما لم يصحَبْهُ الصِّياحُ، والعويل، والولولة، ولطمُ الخدود، وشقُّ الجيوب، والكلام بما لا يرضي الله تعالى.\nوالحزن ليس محظورًا، وإنَّما المحظور الكلام الَّذي يسخط الله تعالى، قال النَّبِيُّ - - ﷺ - ـ: \" إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا \" (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>فَضْلُ مَن ذَهَبَ بَصَرُه</span>\nروى البخاري عن أنس بن مالك - - ﵁ - ـ، قال: سمعتُ النَّبيَّ - - ﷺ - - يقول: \"إِنَّ الله تعالى، قال: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيهِ فَصَبرَ؛ عوَّضتُه الجنَّة. يريد: عينيهِ\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>ثوابُ المؤمن فيما يصيبه من همٍّ وحزن ونحو ذلك</span>\nقال النَّبيُّ - - ﷺ - - \" مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ (^٣)، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أذى، وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاه \" (^٤)\nفما من مؤمن يصيبه مَرضٌ ظاهر أو باطن، لازمٌ أو عَارِض، فيصبر عليه إلّا كان كفَّارةً لسيِّئاته، حتَّى الهمّ الَّذي يصيبه بسبب التَّفكير فيما قد يصيبه من مكروه، والغمّ الَّذي يحدث لقلبه بسبب ما جرى، والحزن الَّذي قد يقع على نفسه لفقدها ما يشقُّ عليها فقده، كلّ ذلك من كفَّارات الذُّنوب، \"حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا\"، ولله الحمد والمنَّة.\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ١/ج ٢/ص ٨٥) كتاب الجنائز.\n(^٢) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤/ج ٧/ص ٤) كتاب المرضى والطِّب.\n(^٣) الوَصَب: المرض المقيم أو الوجع اللَّازم، ومنه قوله تعالى: ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصّافات].\n(^٤) البخاري \"صحيح البخاري\" (م ٤/ج ٧/ص ٢) كتاب المرضى والطِّب، وأخرج نحوه مسلم في \"صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ٨/ج ١٦/ص ١٣٠) كتاب البرّ والصّلة.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>الابتلاءُ عامٌّ</span>\nمن واقع يعقوب - - ﵇ - - المرير نفهم أنَّه من الجائز أن يُبْتلى صَاحِبُ الحقِّ بالمصَائب، كذلك أن يُبْتَلى صاحب الباطل بالنِّعم؛ كما أن العكس جائز، فالمصائب والنِّعم ليست دليلًا على كون من تصيبه على حقٍّ أو على باطل.\nوإذا كانت بيوت الأنبياء تعجُّ بالبلاء وتشكو منه؛ فذلك حتَّى لا نجزع ولا نهلع ولا نفزع، بل نقابل البلاءَ كما قابله الأنبياءُ ﵈.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>﴿يَاأَسَفَا﴾ الكلمة الفريدة</span>\nسجَّل الله تعالى هذه الكلمة الفريدة ﴿يَاأَسَفَا﴾ في كتابه العزيز على لِسَان يعقوبَ - - ﵇ - ـ، فلم تَرِدْ هذه الكلمةُ في القرآن الكريم إلَّا على لسان يعقوب - - ﵇ - ـ، وهي الكلمة التي نفَّس بها يعقوبُ عن نَفْسِه، وسرَّى بها عن همومه وأحزانه، وارتاح بها من ألم ما سَمِعَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>عودة الإِخوة لمصر للمرَّة الثَّالثة</span>\nوبعد أن صرَّح يعقوب - - ﵇ - - باعتقاده بحياة يُوسُفَ بقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ طلب من أولاده العَوْدةَ لمِصْرَ والتماس يُوسُفَ والتَّعرُّف على خبره وخبر أخيه، فقال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، وتخبَّروا عنهما، ولا تدَّخروا جهدًا، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، ولا تقطعوا حَبْلَ الرَّجاء وخيط الأمل، ولا تقنطوا من رحمته تعالى وفرجه، فرحمة الله تعالى واسعة، وفرجه دائمًا مَنْظُور ومأمُول، فلا يتولَّاكم اليأس، ولا يستحوذْ عليكم القنوطُ.\nثمَّ علَّل النَّهي فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أي من فرجه وتنفيسه ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ وهذا دليل على أنَّ الكافر ييأس ويقنط في الشِّدَّة، وعلى أنَّ","vol":"1","page":163},{"text":"القنوط من رحمة الله تعالى كُفْرٌ بهذه الرَّحمة، أمَّا المؤمن فيأمل الفَرَجَ من ربِّه دائمًا.\nوالأمل فضيلةٌ ليست للإنسان عنها مَنْدُوحة، وهي نعمة من الله تعالى مَنَّ بها على عباده، وإنَّ المؤمنَ وهو في معترك الشِّدَّة وغمرة الضِّيق والبلاء؛ لفي طمأنينةٍ من صلته بخالقه، وفي سكينة من ثقته ببارئه، وفي أنسٍ من رجائه بربِّه، وفي عِزٍّ مِنْ أمله بالله تعالى.\nفالمؤمن يحيا على الأمل، ويعيشُ على الرَّجاء، ليس لليأس والقنوطِ إليه سبيل.\nسمع الأبناءُ كَلامَ ونُصْحَ أبيهم، فآنسوا منه قوَّة عقيدة بحياة يُوسُفَ وبراءة شقيقه، فخرجوا راجعين لمصر للمرَّة الثَّالثة، وقد أصابهم الضُّرُّ من الجَدْب والمجاعة، ولم يبْقَ معهم ما يشترون به إلَّا بضاعة رديئة يدفعها من تُعْطَى له.\nولمَّا وصلوا مِصْرَ دخلوا على يُوسُفَ، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا﴾ بنغْمَةِ الاسترحام والاستعطاف: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ من القحط والجدب، ﴿وَجِئْنَا﴾ إليك ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ لا تصلُح ثمنًا للطَّعام، لكنَّا طامعون بإحسانك، ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ بها وأتممْه، ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ بقَبولها على رداءتها؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ على إحسانهم أحسن الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>خُضُوعُ الإخوة للغَريبِ وتعاظُمُهم على أبيهم وأخيهم</span>\nأخبر الله ﵎ عن أولاد يعقوب - - ﵇ - - أنَّهم ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾! كلامٌ يشفُّ عن التضرُّع والمسكنة والانكسار للغريب، ولعمري لو كانوا يعرِفُونَ أنَّه أخوهم ما خضعوا له هذا الخضوع، وما تواضعوا له هذا التَّواضع؛ وذلك لما في فِطْرة الإِنسان مِنْ قِلَّة الاحترام بين الأقرباء، فأين هذا","vol":"1","page":164},{"text":"الصَّغار مع الغريب من تلك العظمة مع أبيهم وأخيهم يوم قالوا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا ... يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾، ويوم قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، ويوم قالوا: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾، حتَّى مَن حضر مجلس يعقوب - - ﵇ - - من قرابته سيأتي لهم أن يقولوا: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الفرق بين ﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ و﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾</span>\nوردت في القرآن الكريم كلمات مبدلة مرَة، وغير مبدلة مرَّة أخرى، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ ... (١٨)﴾ [الحديد] بتشديد الصَّاد المبدلة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف] بتخفيف الصَّاد. وهناك فرق بين المبدل وغير المبدل في الاستعمال القرآني، فكلمة المصَّدِّقين فيها تضعيفان للمبالغة، بينما كلمة المتصدِّقين فيها تضعيف واحد.\nوالمصَّدِّق بتشديد الصَّاد أصله المتصدِّق: قُلِبت التَّاء صادًا فأُدغِمت في الصَّاد فَشُدِّدت، أي أنَّ الصَّاد الأولى السَّاكنة بسبب إدغامها في مثلها مبدلة عن التَّاء. والمصَّدِّق والمتصدِّق كلاهما بمعنى المعطي، غير أنَّ (المصَّدِّق) بتضعيف الصَّاد، هو الَّذي يُعطي الصَّدقة ويبالغ فيها، أمَّا (المتصَدِّق) بتخفيف الصَّاد فهو المعطي فحسب.\nولذلك قال الله تعالى في - سورة الحديد ـ: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ [الحديد] بالإبدال والإدغام لإفادة أنَّ الله تعالى يُضاعف للمبالغين في الصَّدقات. وقد ناسب ذكر المبالغة في الصَّدقة في سُورة الحديد؛ لأنَّه ذُكِرَ فيها الإنفاق والنَّهي عن البخل غير مرَّة، فمن","vol":"1","page":165},{"text":"ذلك قوله تعالى:\n﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد] وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾ [الحديد] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ [الحديد]\nأمَّا في سورة يُوسُفَ، فالأمر مختلف، فهم لا يريدون من العزيز يُوسُفَ أنَّ يبالغ في الصَّدقة لهم؛ أدبًا منهم، ولذلك، قالوا: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف] ولم يقولوا: المصَّدِّقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>يُوسُفُ يذكِّرُ إخوتَه ويعاتبُهم</span>\nولمَّا سَمِعَ يوسُفُ قولَ إِخوتِه: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، و﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، أدركته الرَّأْفَةُ، ولم يتمالك أن عرَّفهم نفسه، ﴿قَالَ﴾ لهم بلهجة المذكِّر المعاتب: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ وهو استفهام للإيقاظ والتَّنبيه والتَّذكير، أي هل تذكرونَ فَدَاحَةَ ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ حال جهلكم بسوء عملكم، وفيه تعريضٌ بأنَّهم قد صَلُحَ حالهم الآن.\nولم يقل يُوسُفُ - - ﵇ - - هذا الكلام لهم تصفية للحِسَاب معهم، لكنَّها نَفْثَةُ مَصْدُورٍ، وزَفْرَةُ مفؤود، عالج بها بعض كُلوم الفُؤَاد، وكلمة موجزة أعلمهم بها قُبْحَ عملهم في الماضي؛ تحريضًا لهم على التَّوبة.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>مِصْدَاق</span>\n\nوقول يُوسُف لإخوته: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ هو مصداق قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>يُوسُفُ يُضَمِّن عِتَابَه لإِخوته الاعتذار عنهم</span>\nوقد ضمَّن - - ﵇ - - عتابَه لإِخوته الاعتذار عنهم بالجهل: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ إنَّه استفهام العارف المتجاهل يريد به العِتَابَ لا اللَّوم، والاعتذار لهم قبل أن يعتذروا، إذ أضاف ما فعلوه إلى ما كان منهم مِنْ جَهْل، فهم معذورون لجهلهم آنذاك! تدبيرًا لهم أَدَبًا منه ونُبْلًا، قال الشَّاعِرُ:\nإذا مَا بَدَتْ مِنْ صَاحِبٍ لَكَ زَلَّةٌ ... فَكُنْ أَنْتَ مُحْتالًا لِزَلَّتِهِ عُذْرا\nوهذا ما جرى عليه القرآن، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النِّساء].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>يُوسُفُ يُظْهِرُ نَفْسَه لإِخوته</span>\nكان سُؤَالُ يُوسُفَ لإِخوته فَاتِحةً لأنْ يَعْرِفُوه، فحين سمعوا كلامه وملامه أمعنوا فكرهم في مرماه ومغزاه، فعلموا مرامه، وأجابوا عن السُّؤَال بسؤال ﴿قَالُوا﴾ متعجِّبين مقرِّرين: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾.\nوآن موعدُ المفاجئة، ﴿قَالَ﴾: نعم ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ ولم يقل: وأنتم","vol":"1","page":167},{"text":"إخوتي. كأنَّه يشير إلى طرف من العتاب، فما فعلوه به ليس من عمل الإخوة ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالاجتماع بعد الفرقة، والفرح بعد الحزن.\n﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾، وما ترونه الآن هو ثمرة التَّقوى، وجنى الإحسان، ونتيجة الصَّبر، وقد قيل: \" مَن يتَّق مولاه، ويصبر على بلواه، لا يضيع أجره في دنياه وعقباه \".\nولست وحدي، بل كلّ مَنْ يتقي الله ويصبر يدخل في عداد المحسنين الَّذين لا تضيع أجورهم، فالتَّقوى هي البَقْوى، والصَّبر عواقبه الجبر، والصَّبر مفتاح الفرج ونِصْف الإِيمان، و﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرّحمن].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>ما الإحسان</span>؟!\nتكرَّر ذِكْرُ الإحسان في سُورةِ يُوسُفَ - - ﵇ - ـ، حتَّى صارت كأنَّها سُورة الإحسان، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ وقال: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ وقال: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ وقال تعالى: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾.\nوكلُّها وردت في حقِّ يُوسُفَ - - ﵇ - ـ، وقد ورد في حقِّه وحقِّ أبيه يعقوب ﵉ إشارة إلى علوِّ مقامهما في الإحسان في سورة الأنعام، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ [الأنعام].","vol":"1","page":168},{"text":"والإحسان مأخوذ من الحُسْنِ، وهو كلُّ ما مُدِحَ صاحِبُه، ويكون في كلِّ شيء بحسبه، قال النَّبِيُّ - - ﷺ - ـ: \" إِنَّ الله كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ\" (^١).\nوالإحسان من خصائص الإسلام، ومن الأخلاق الاجتماعيَّة العِظَام الَّتي دعا لها، والَّتي ينبغي أن نتعايش بها، ونربِّي النَّشء عليها، فقد أمرنا الله بالإحسان إلى الوالدين، وذي القربى، واليتامى، والمساكين، والجار، والبنات والبنين، وأن نقول للنَّاس حسنى ... ومثل هذا يتَّسع البحث فيه، وهو أكثر من إيراد شواهده، وكلُّه يؤكِّدُ على أنَّ دين الإسلام فيه ما فيه من نظام اجتماعيّ وحضاريّ يضمن السَّعادة والنَّجاة والفوز للعالمين أجمعين.\nولا ريب أنَّ رأس الإحسان وعموده الإحسان في العبادة، فقد فسَّرَ النَّبِيُّ - - ﷺ - - الإحسان لمَّا سأله جبريل - - ﵇ - ـ: \" مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ \" (^٢) ولذلك يقول النَّبِيُّ - - ﷺ - ـ: \" نِعْمَ مَا لِأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِه \" (^٣)\nوهذا إحسان العبد، ويترتَّبُ عليه إحسان الرَّبِّ، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس]\nولمَّا كانَ للإحسان هذا القدر العظيم تجد في القُرآنِ الكَريمِ الأمْرَ به، ومحبَّة الله لأهله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة]، ومعية الله لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النّحل] وأنّ عاقبة أمرهم حسنة:\n_________\n(^١) مسلم \"صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ٧/ج ١٣/ص ١٠٦) كتاب الصَّيد.\n(^٢) البخاري: \"صحيح البخاري\" (م ١/ج ١/ص ١٨) كتاب الإيمان.\n(^٣) البخاري \"صحيح البخاري\" (م ٢/ج ٣/ص ١٢٤) في العتق وفضله.","vol":"1","page":169},{"text":"﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان] وأنَّ جزاء الإحسان بالطَّاعة في الدُّنيا الإحسان بالنَّعيم في الآخرة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرّحمن].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>التَّرغيب في لزوم التَّقوى والصَّبر</span>\nقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ مِنْ وضع الظَّاهر موضع المضْمَر (^١) تنبيهًا على أنَّ المحسنين جمعوا بين التَّقوى والصَّبر. وفيه إظهار لفضيلة التَّقوى وفضيلة الصَّبر، وأنَّ عاقبتهما أحسن العواقب، وفيه ترغيب للزوم التَّقوى والصَّبر، وتشويق للنَّفس إلى ثواب الله تعالى، فمن اتَّقى وصبر فهو من المحسنين الَّذين لا تضيع أجورهم، ولذلك قال تعالى للنَّبِيِّ - - ﷺ - ـ: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ [هود] والخطاب وإن كان موجَّهًا للنَّبِيِّ - - ﷺ - - إلَّا أنَّ المراد تعليمنا ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>تقديم التَّقوى على الصَّبر مع الإخوة والأحبَّاء وتأخيرها مع الأعداء</span>\nمن أسرار النَّظم القرآني وإعجازه البياني حسن التَّقديم والتَّأخير، فمن ذلك ما يلحظه القارئ من تقديم التَّقوى على الصَّبر في قول يُوسُفَ لإخوته: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾.\nبينما قُدِّم الصَّبر على التَّقوى في آيات تتحدَّث عن الأعداء، وتحذِر المؤمنين منهم، ومن ذلك قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران]\n_________\n(^١) أي وضع المحسنين مكان الضَّمير، فالتَّقدير: لا يضيع أجرهم.","vol":"1","page":170},{"text":"وقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران]\nفمهما بلغت شرور الإخوة فالحاجة إلى التَّقوى في التَّعامل معهم آكد، أمَّا الأعداء فشرورهم أعظم، ومكائدهم أدهى وأمرّ، فالحاجة إلى الصَّبر في التَّعامل معهم آكد وأهمّ.\nفسبحان الّذي أنزل القرآنَ بأعجب أسلوب، وسَلكه ينابيعَ في القلوب ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النَّحل].\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>تَواضُعُ الأنبياء</span>\nممَّا يدلُّ على تواضع يُوسُفَ - - ﵇ - - أنَّه ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ ولم يَقُل: أنا عزيز مِصْر، ولم يقل: أنا والٍ على خزائن الأرض، ولم يقل: أنا أتبوَّأ في أرض مِصْر حيث أشاء ... وإنَّما ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ هكذا بعيدًا عن الكِبْر.\n\nوهذا يُذَكِّر بتواضع الأنبياء، قال النَّبِيُّ - - ﷺ - - \" أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ الله وَرَسُوله هَاجَرْتُ إِلَى الله وَإِلَيْكُمْ، فَالمحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالممَاتُ مَمَاتُكُمْ (^١) \" وكتب - - ﷺ - - إلى هِرقل: \"بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى ... \" (^٢)\n_________\n(^١) مسلم \" صحيح مسلم بشرح النّووي \" (م ٦/ج ١٢/ص ١٣٣) كتاب الجهاد والسّير.\n(^٢) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ١/ج ١/ص ٦) كتاب بدء الوحي، ومسلم \" صحيح مسلم بشرح النّووي \" (م ٦/ج ١٢/ص ١٠٧) كتاب الجهاد والسّير.","vol":"1","page":171},{"text":"وقال تعالى مخبرًا عن سليمان - - ﵇ - ـ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النَّمل] والشَّواهد يطول حصرها، وكلّها تؤكِّد أنَّ كلام الأنبياء يَخْرُجُ من مشكاة واحدة، فما أحوجنا إلى أن نقتدي ونهتدي بالأنبياء! ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... (٩٠)﴾ [الأنعام].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>مدح الذُّلِّ في موضعين</span>\nأمر الله تعالى المؤمنين بالعزَّة، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ... (٨)﴾ [المنافقون] ومدح الذُّلَّ في موضعين، الأوَّل: أنْ يذلَّ الإنسان لأخيه، قال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ... (٥٤)﴾ [المائدة] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... (٢٩)﴾ [الفتح] والثَّاني: أن يذلَّ الإنسان لوالديه، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>تَغَايُر القِراءات بين الخبر والاستفهام وتنوّع المعنى</span>\nمن أمثلة تغاير القراءات بين الخبر والاستفهام، قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ ... (٩٠)﴾.\nفقد تعدَّدت القراءات في قوله تعالى: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ فابن كثير المكّي، وأبو جعفر المدني قرأا بهمزة واحدة مكسورة على الخبر (إِنَّك) وقرأ الباقون على أصولهم، أي بهمزتين: الأولى مفتوحة، والثَّانية مكسورة على الاستفهام (أَإِنَّك)","vol":"1","page":172},{"text":"بتفصيل (^١) بينهم في التَّسهيل وعدمه، والإدخال وعدمه.\nوحجَّة من قرأ على الخبر أنَّ إخوة يُوسُفَ - - ﵇ - - أيقنوا أنَّ الَّذي أمامهم يوُسُف، فجاؤوا بحرف التَّوكيد (إنَّ) ليؤكِّدوا الإخبار، ويستغنوا عن الاستخبار (الاستفهام). وحجَّة من قرأه على الاستفهام أنَّ إخوة يوسف جاؤوا بلفظ الاستفهام المفيد للإلزام والإثبات، فقد أدركوا أنَّهم أمام أخيهم يُوسُفَ فأرادوا أن يلزموه ذلك.\nوقد ذهب بعض الموجِّهين للقراءات الَّتي تنوَّعت بين الإخبار والاستفهام إلى حمل القراءتين على معنى واحد، وأنَّ قراءة الإخبار استفهام حذفت أداته، وهذا فيه نظر؛ فالقراءات لها أثر في علوم العربيَّة، وقد ذكر علماؤنا السَّلف والخلف فوائد عديدة لتعدُّد القراءات القرآنيَّة المتواترة، ومنها أنَّ تنوُّع القراءات وتعدُّدها يترتَّبُ عليها تنوُّع في وجوه البلاغة، وتعدُّد في المعنى، وهذا ضرب من الإعجاز تفرَّد به القرآن.\nولعلَّ ما يؤكِّد اختلاف المعنى في القراءتين، أنَّ إخوة يُوسُفَ يجوز أنَّهم عرفوه يقينًا، وهذا ما دلَّت عليه قراءة الإخبار، وقد عرفوه من سؤاله لهم: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ فما أدراه بخبر يُوسُفَ وأخيه، إلَّا إذا كان هو يُوسُف، فنظروا إليه نظرة الفاحص المدقِّق، فعرفوه، وقالوا على وجه القطع والجزم والتَّحقيق: (إنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ) وأكَّدوا معرفتهم له بمؤكِّدات ثلاثة: إنَّ، واللَّام، والجملة الاسميَّة.\n_________\n(^١) سهّل الهمزة الثَّانية مع إدخال ألف الفصل قالون والبصري، وسهَّلها من غير إدخال وَرْش ورويس، أمَّا هشام فله وجهان: التَّحقيق مع الإدخال وتركه، وللباقين التَّحقيق بلا إدخال.","vol":"1","page":173},{"text":"أمَّا قراءة الاستفهام ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؟ فإنَّ الهمزة أو الألف ألف تقرير بلفظ الاستفهام، فهو استفهام العالم العارف، ليقرَّ لهم بأنَّه يوُسُفُ وتظهر الحقيقة، ولذلك أجابهم، وعرَّفهم بنفسه ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي ... (٩٠)﴾\nولعلَّ بعض الإخوة كان قوله خبرًا، وبعضهم استفهامًا، فجاءت القراءتان كذلك، ثمَّ إنَّ القراءتين تنقلان لنا مشهدين مختلفين، فقراءة الإخبار فيها تصوير لمشهد الإخوة وقد ظهرت على صفحات وجوههم أمارات الفرح وعلامات السُّرور، بعد أنْ وقفوا على حياة أخيهم يُوسُفَ، وازدادوا فرحًا على فرحهم لمَّا اعترف لهم بأنَّه يُوسُفُ؛ وكأنِّي بهم وقد حمدوا الله كثيرًا على حياته، وعلى أنَّهم لم يكونوا سببًا في هلاكه، وعلى بلوغه هذه المنزلة، وعلى أنَّهم سيحملون لأبيهم هذه المرَّة خبرًا يثلج قلبه من حرارة الحزن.\nأمَّا قراءة الاستفهام فتنقل لنا مشهد الإخوة وقد بدت على محيَّاهم أمارات الدَّهشة والاستغراب، بعد أن أخذتهم المفاجأة، وكأنِّي بهم واجمون من هَوْل المفاجأة.\nففي القراءتين تصوير للحالة النَّفسيَّة الَّتي عاشها الإخوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>تَوبَةُ الإِخوة وصَفْحُ يُوسُفَ</span>\nوما أن أتمَّ يُوسُفُ كلامه، حتَّى تمثَّلت لأعينهم صُورَةُ الماضي وذكريات الأمْس، فقالوا مقسمين مقرِّرين نادمين: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ﴾ فضَّلك ﴿اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالمكانة والعِلْمِ والحِلْمِ والتَّقوى ...\n﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ اعتراف بالخطأ، وتعبيرٌ عن النَّدامة والتَّوبة، يتضمَّن سؤال العفو، وقد ظفروا به، أي والحال أنَّنا كنَّا مذنبين.\nفكيف قابل يُوسُفُ إقرارهم وتوبتهم وإنابتهم؟ لو كان غيره مكانه لقَالَ: صَحَّ نَومُكم وطَابَ يَومُكم ... أما هو - - ﵇ - - فوالله ما فكَّر في عِتَابٍ، ولا ملامٍ، ولا","vol":"1","page":174},{"text":"تعيير، ولا تأنيب، ولا لوم، ولا انتقام، ولا ثأْر، ولا حِسَاب؛ لأنَّ النُّفوس الكِبَار فَوْقَ الأحقادِ والأضْغَان.\nفما أنْ سَمِعَ مقالهم واعتذارَهم حتَّى أَقَالَ ذَنْبَهم وعثراتهم، ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ ...: غَفَرَ، وَصَفَحَ، وعفا، أي لا عتب عليكم، ولا تعيير، ولا تذكير، قد سامحتكم، وعفوت عنكم.\nثمَّ توَّج العَفْوَ بالدُّعاء بالمغفرة لهم، فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ مُتَعرِّضًِا لرحمته تعالى له ولهم، ويلاحظ أنَّه دعا لهم بالمغفرة ولم يطلبوها منه، بينما سيأتي لهم أن يطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم، فيكون جوابه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ... (٩٨)﴾ وهذا على كلِّ حال مشعر بعفوه عنهم.\nوكَرَمُ يُوسُفَ البَالغ بالعفو أصبح مضربَ الأمثال، فعبارته الكريمة: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ مثلٌ رائعٌ في السَّماحة والعَفْو وكرم الإخاء، فهو عَفْوٌ عند المقدرة لا لوم فيه ولا عتاب، وتنازل عن الحقِّ لا شَحْنَاءَ فيه ولا ضَغْناء.\nفيا لله ما أجملَ هذا العفْوَ! وما أعزَّ صاحبه!\nفإذا عزَّ أخوك فَهُنْ، واترك الخلاف، فإنَّ ذلك يُذْهِبُ الحَفِيْظَة، ويَرتُقُ الخَرْقَ، أنشد الأصمعي:\nإذا ما امرؤ سَاءَتْكَ منه خَلِيقَةٌ ... ففي الصَّفْح طيٌّ للذُّنُوب جميلُ\nوإنِّي لأعطي المالَ مَنْ ليس سَائِلًا ... حِفَاظًا وإخوانُ الحِفَاظِ قَليلُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>العَفْو والصَّفْح</span>\nمن قول إخوة يُوسُفَ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾، ومن قول يُوسُفَ:","vol":"1","page":175},{"text":"﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ نفهم أنَّ الاعترافَ بالخطأ سبيلُ الظَّفر بالعفو، وأنَّ الإِقرار بالخطأ والرُّجوع إلى الصَّواب فضيلةٌ، وأنَّ الصَّفْح والإِغْماض عن عِتَاب القريب إذا أسَاءَ خُلقٌ كريمٌ، وأنَّ طلب الزَّلَّات واقتفاء العثرات يُذْهِبُ المودَّات، وأنَّ على المسيء أن يعترف بإساءَته، ويطلب الصَّفْحَ ممَّن أَسَاءَ له، وحينها يُسْتَحبُّ للمُسَاء إليه أن يصفح عن المسيء وَيُصْفِي الودَّ له، فإنَّ المقدرة تُذْهِبُ الحفيظة.\nوأنَّه ينبغي أن نكون أصحابَ عفوٍ وغفران، فنعفو عن إخواننا ونغفر زلَّاتهم؛ لِنَنَالَ مغفرة الله تعالى القائل في محكم تنزيله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النَّور].\nوعلينا الدُّعاء بالمغفرة لمن أخطأ علينا، وهذا نفهمه من دُعَاء يُوسُفَ لإخوته: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nوهذا النَّبِيُّ - - ﷺ - - الّذي كان خلقه القرآن الكريم، يعفو يوم الفتح عن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب ابن عمّه وأخيه من الرّضاعة، وكان من أشدِّ النَّاس إيذاء له في مكَّة، فقد أشَارَ عليّ بن أبي طالب - - ﵁ - - على ابن عمِّه أبي سفيان بوسيلة يترضَّى بها رسُولَ الله - - ﷺ - - وقال له: ائْتِهِ من قِبَلِ وجْهِهِ، فَقُل له ما قال إِخوةُ يُوسُفَ ليُوسُفَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ فإنه لا يَرْضَى أنْ يكونَ أحدٌ أحْسَنَ منه جَوابًا، فَفَعَلَ ذلك أبو سُفيان، فقال له رسُولُ الله - - ﷺ - ـ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾، فأنشَده أبو سُفيان معتذرًا:\nلَعَمْرُكَ إنِّي حين أَحْمِلُ رَايةً ... لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحمَّد","vol":"1","page":176},{"text":"لكَالمُدْلِجِ الحَيْرانِ أظْلَمَ ليْلُهُ ... فهذا أوَاني حين أَهْدِي وَأَهتَدِي\nهَدَاني هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي ودلَّني ... على الله مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّد\n\nفضرب رسول الله - - ﷺ - - صَدْرَهُ، وقال: \" أنت طردتني كلَّ مطرد \" (^١)\nوترجمته في \"الإصابة\"، قال الحافظ:\" أسلم أبو سفيان في الفتح، شهد حنينًا، فكان ممَّن ثبت مع النَّبِيِّ - - ﷺ - - ... ويقال: إنَّه لم يرفع رأسه إلى رسول الله - - ﷺ - - حياءً منه\" (^٢).\nولمَّا لحق النَّبيُّ - - ﷺ - - بالرَّفيق الأعلى، قال أبو سفيان - ﵁ -:\nلقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنا وجَلَّتْ ... عَشِيَّةَ قِيَل قد قُبِضَ الرَّسُولُ\nوأَضْحَت أَرضُنا ممَّا عَراها ... تَكادُ بِنا جَوانِبُها تَمِيلُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>قَمِيصُ الشِّفاء</span>\nعَلِمَ يُوسُفُ أنَّ أباه يَعْقُوب قد ابيضَّت عيناه من الحزن، فأراد تبشيره بحياته، وإدخال السُّرور والبهجة على قلبه، فقال لإخوته: ﴿اذْهَبُوا﴾ سِراعًا ﴿بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أي يرجع بصيرًا كما كان، وتبرأ عيناه ممَّا اعتراهما من الابيضاض بسبب فرحه بوقوفه على حياتي، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم].\n﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾: يريدُ جميع الأهل.\n_________\n(^١) محمّد الغزالي \" فقه السّيرة\" (ص ٣٧٦)، وقال المحقّق المحدّث الألباني: حديث حسن، أخرجه ابن جرير والحاكم من حديث ابن عبّاس، وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذّهبي، وإنَّما هو حسن فقط.\n(^٢) ابن حجر \"الإصابة في تمييز الصَّحابة\" (م ٤/ج ٧/ص ٨٦) كتاب الكُنى.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>عَوْدَةُ الإِخوة إِلى أَبيهم بالبِشَارة</span>\nوركب الإِخوةُ دوابَّهم عائدين إلى أبيهم فرحين يحملون البِشَارة، ولله درّ القائل: \" لقاءُ الإخوان جلاء الأحزان\" ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي ولمَّا خَرَجَتِ القافلةُ من مصر متوجِّهةً بهم لفلسطين، ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعقوبُ - - ﵇ - - لِمَنْ عنده مِنْ أهله: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ إنِّي لأشمُّ رائحة يوسُفَ ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾ لولا أن تنسبوني إلى الفَنَد، وهو الخرف وذهاب العقل من الكبر والجهل، وجواب الشَّرط محذوف، تقديره: لصدَّقتموني أو لأخبرتكم بحياته، فمن صدقت سريرته انفتحت بصيرته.\nوما كاد يعقوبُ - - ﵇ - - يتمُّ حَدِيثَه حتَّى واجهه الحاضرون من أهله وقرابته بالانتقاد، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ أي نُقْسِمُ إنَّك لفي خطئك القديم الَّذي كُنْتَ عليه من حُبِّ يُوسُفَ ودوام ذِكْرِه.\n﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾، وهو أحد أبناء يعقوب - - ﵇ - - يبشِّرُ بِلُقْيَا يُوسُفَ مع أخيه حَامِلًا قميص يُوسُفَ ورسالته ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي ألقى البشير القَمِيصَ على وجه يعقوب - - ﵇ - - ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، فرجع مبصرًا من شدَّة فرحه وسروره:\nفما بَعُدَتْ عن اللُّقْيا جُسُومٌ ... تدانت بالمحبَّةِ والوِدَادِ (^١)\nوهنا واجه يعقوب - - ﵇ - - مَن بحضرته بالخطاب، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ ألم أقل لكم: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي\n_________\n(^١) \" نفح الطّيب \" (ج ٣/ص ٤٨٠) والبيت لأبي الصلت أميّة بن عبد العزيز الأندلسي، وقد ورد في \" خريدة القصر وجريدة العصر \" للعماد الأصبهاني.","vol":"1","page":178},{"text":"بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ ألم أقل لكم: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾.\nوبهذا يكون اللهُ - جلَّ ثناؤه - قد صَدَّقَ قَوْلَ يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ بالفعل والحقيقة، فيعقوب نبيٌّ، وللأنبياء معجزات، وصدَّق قَوْلَ يُوسُفَ: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ بالفعل والواقع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>التَّورية في لفظ ﴿ضَلَالِكَ﴾</span>\nمن أدقِّ أبواب البيان، وألطف فنون البديع المعنوي، التّورية: وهي لفظ يحتمل معنيين، فيستعمل المتكلِّم أحد احتماليها ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله، ومنها قوله تعالى حكاية عمَّن كان في مجلس يعقوب - ﵇ -: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ فالضَّلال يحتمل معنيين: ضدّ المعرفة، والحبّ، فاستعملوا ضدَّ المعرفة توريةً عن الحبِّ، أي أنَّهم أرادوا بكلامهم خلاف ظاهره، فورُّوا بلفظ ﴿ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ عن حبِّه ليُوسُفَ، ليعلم أنَّ المراد ما أهملوا لا ما استعملوا، فهم لا يريدون المعنى الظَّاهرَ القريب، وإنَّما يريدون المعنى الخفيَّ البعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>أَقْمِصَة يُوسُفَ - - ﵇ </span>- ـ\nليُوسُفَ في قصَّتِه ثلاثةُ أقمصة: قميص الجفاء، وقميص البراءة، وقميص الشفاء:\nأمَّا قميص الجَفَاء: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾.","vol":"1","page":179},{"text":"وأمَّا قميص البراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾.\nوأمَّا قميص الشِّفاء: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>ثَلاثَةُ أَقْمِصَة وثَلاثُ آيات</span>\nكان في كلِّ قميص من أقمصة يُوسُفَ - - ﵇ - - الثلاثة آية:\nفحين جاؤوا على قميصه بِدَمٍ كَذِبٍ كانَ القَمِيصُ آيةً على كذبهم وبراءة الذِّئب، فلو أكله الذِّئبُ لخرق القميص.\nوحين قدَّ قميصه من دُبرٍ ثبتت براءته، فكان القميص آيةً على نزاهته وعفَّته.\nوحين ألقى البشيرُ قميصه على وجه أبيه ارتدَّ بصيرًا، فكان القَمِيْصُ آيةً ليُوسُفَ مِنَ الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>الإِخوةُ يطلبونَ الاستغفارَ من أبيهم</span>\nوبعد أن بدا الصُّبحُ لذي عينين جاء إِخْوةُ يُوسُفَ إلى أبيهم يعقوب - - ﵇ - - يسألونه الدُّعاء لهم، وبلسان الاعتذار والتَّوبة ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، واطلب المغفرة لنا من ربِّنا؛ فقد تبنا ورجعنا وأَنَبْنَا إلى الله تعالى.\n﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ كنَّا خاطئين يوم قلنا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾، وخاطئين يوم قلنا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾، وخاطئين يوم قال قائلٌ منَّا: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، وخاطئين يوم جئناك عشاءً نبكي بكاءً كذبًا، وخاطئين يوم قلنا لك: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ كذبًا، وخاطئين يوم جئناك ﴿عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، وبالجملة: نحن خاطئون، فاعفُ عنَّا واستغفر لنا ذنوبنا.","vol":"1","page":180},{"text":"فلمَّا سمعَ يعقوبُ - - ﵇ - - توبتهم وسؤالهم الاستغفار، وَعَدَهُم بذلك: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ فالاعتراف بالخطأ والرُّجوع إلى الحقِّ والصَّواب سبيل الحَظْوَة بالعفو والغفران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>تخفيف التَّوكيد لأخيهم وتشديده لأبيهم</span>\nاعْتَرَفَ إخوةُ يُوسُفَ بخطئهم في حقِّ يُوسُفَ مرَّتين: الأولى أمام أخيهم يُوسُفَ، والثَّانية أمام أبيهم يعقوب، فأمام يُوسُفَ، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ وقد جاء اعترافهم مؤكَّدًا بحرف (إنْ) المخفَّفة، وأمام أبيهم يعقوب، ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ وجاء اعترافهم له مؤكَّدًا بحرف (إنَّ) المشدَّدة.\nولسائل أن يقول: لماذا خفَّفوا التَّوكيد لأخيهم، بينما شدَّدوه لأبيهم؟! والجواب، يظهر أنّهم اختاروا ﴿وَإِنْ﴾ المخفَّفة من الثَّقيلة وأكَّدوا كلامهم بالإيجاز؛ اهتمامًا بالإسراع في الاعتذار، أو أنَّهم خفَّفوا التَّوكيد لأخيهم لأنَّ خطأهم في حقِّ يُوسُفَ تقادم عهده، وعاد على يُوسُفَ بالخير، فقد أصبح على خزائن أرض مصر، وآنسوا منه سهولة الظَّفر بالعفو؛ ولذلك لمَّا اعترفوا بخطئهم أمامَه سَارَعَ بالعفو عنهم، ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾.\nولعلَّهم شدَّدوا التَّوكيد لأبيهم لأنَّ أَثَرَ خطئهم في حقِّه ما زال ظاهرًا ماثلًا أمام أعينهم، فهم يلاحظون الحزن العميق على أبيهم وذهابَ بصره وعدم رضاه عنهم، فشدَّدوا التَّوكيد له حرصًا على إظهار توبتهم، ومع هذا لم يسارعْ في الاستغفار لهم، ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ وقوله ﴿سَوْفَ﴾ أبعد في الوعد لهم، وفيه دلالةٌ على عُمْقِ الحزن والأسَف، ذلك العمق الَّذي دعاهم","vol":"1","page":181},{"text":"إلى تشديد التَّوكيد له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>تطوّر شُخُوص القصَّة</span>\nيلاحظ أنَّ شخوص القصَّة الرئيسة وذات الأدوار المؤثّرة كانت نهايتها أفضل، وخاتمتها أكمل، فالإخوة بعد أن قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ... (٩)﴾ و﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ... (٧٧)﴾، قالوا ليُوسُفَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ وبعد أن قالوا لأبيهم: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ قالوا: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾.\nوامرأة العزيز بعد أن قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ وقالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ قالت: ﴿الْآنَ ... حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾\nكذلك سيّدنا يعقوب تطوَّرت شخصيَّته من الفاضلة إلى الأفضل، وتطوَّرت نفسه من الكاملة إلى الأكمل، فلمَّا طلب منه أولاده أن يرسل معهم أخاهم يُوسُفَ، وقالوا له: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾ كان جوابه: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ ولمَّا طلبوا منه أن يرسل أخاهم الآخر، وقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾ كان جوابه: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾.\nكذلك يُوسُف، فبعد أن قال للسّاقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... (٤٢)﴾","vol":"1","page":182},{"text":"قال للسّاقي في المرَة الثَّانية: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ... (٥٠)﴾.\nومن عجيب التَّناسب بين السُّور أنّ محور الشُّخوص في سورة يُوسُفَ يدور حول تغيّر أحوالهم بعد أن غيَّروا ما بأنفسهم، ثمّ جاءت سورة الرّعد، وفيها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... (١١)﴾ [الرعد].\nفإنَّك ترى في سورة يُوسُفَ أنَّ كلَّ قضيَّة ختامُها خير، وكلَّ عُسْر فيها إلى يُسْر، فقد ألقي يُوسُفُ في غيابة الجبِّ فنجا، وبيع بثمن بخس فأكرم عزيز مصر مثواه وجعله بمنزلة الولد، وراودته امرأة العزيز فعصمه الله، واتَّهمته امرأةُ العزيز وافْتَرَتْ عليه الكَذِبَ، ثمَّ برَّأته وندمت وطمعت برحمة الله، ودخل السّجن فخرج منه على خزائن الأرض، وجاءت سنواتُ القحط فوفَّقه اللهُ في مواجهتها وانتهى الجَدْبُ بالخِصْبِ، وآذاه إخوتُه فأَظْهَرَهُ اللهُ عليهم، وفعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا، ثمَّ رجعوا وأنابوا، وطلبوا من أخيهم العفو فعَفا عنهم، وطلبوا من أبيهم الاستغفارَ لهم فاستغفر لهم، وجمع اللهُ بين يُوسُفَ ويَعْقُوبَ، وآوى إليه أبويه، ورفعهما على العرش، ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس].\n* * *","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>القِسْمُ السَّادس\nالخاتمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>ساعة اللِّقاء</span>\nوتلبية لدعوة يُوسُفَ سَارَت الأسْرَةُ عن آخرها من فلسطينَ لمصْرَ، وكانت هذه السَّفرة الرَّابعة لمصْرَ، ولكن هذه السَّفرة كان في طليعتها نبيُّ الله تعالى يعقوب - - ﵇ - ـ.\nولمَّا وصلت القافلةُ بهم كان يُوسُفُ في استقبالهم، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي ضمَّهما إليه واعتنقهما، ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أطلق الكلّ وهو لفظة ﴿مِصْرَ﴾ وأراد الجزء، فهو مجاز مرسل، وعلاقته الكليَّة ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ من القحط، والمكاره كلِّها.\nأمَّا هل هي أمُّه التي آواها إليه أم خالته؟ فالله تعالى أعلم، فبكلٍّ قال بعضُ المفسِّرين.\nأمَّا ساعة اللِّقاء، فما أجملَها وأسعدَها وأهنأَها وأعذبَها من سَاعة! ساعة لا يقف أمامَها متحدِّثٌ، ولا ينالها قَلَمُ أديب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الاشتراك في الدُّخول والانفراد في الإيواء</span>\nقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ يظهر أنَّهم اشتركوا في الدُّخول لكنَّهم تباينوا في الإيواء؛ فالآية أظهرت لنا مشهدين: مشهد دخول يَعْقُوب - - ﵇ - - وبنيه أرض مصر، ومشهد إيواء يُوسُفَ وضمِّه لأبويه فقط.\nونفهم من ذلك ما ينبغي للأبوين من إكرام وتقدير، وتقريب وتقديم، كما قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ ... إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى ... (٣٦)﴾ [النِّساء].","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>مصر في القرآن</span>\nلم يَذْكُر الله تعالى بلدًا من البلدان باسمه في القرآن كما ذكر مصر، فمثلًا ذكر الله تعالى البلد الأمين مكّة باسمها مرّة فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ ... (٢٤)﴾ [الفتح] وذكرها باسم بكّة مرّة، فقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران] أمَّا مصر فورد ... اسمها صريحا في غير موضع، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ ... (٢١)﴾ [يوسف] وقال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ [يوسف] وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ... (٨٧)﴾ [يونس] وقال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ... (٥١)﴾ [الزّخرف] وقال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا (^١) فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ... (٦١)﴾ [البقرة].\nوذكرها الله تعالى في مواضع بالكناية، فقال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ... (٣٠)﴾ [يوسف] أي في مصر، وقال: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ... (٥٨)﴾ [يوسف] أي جاؤوا مصر، وقال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ... (٨٠)﴾ [يوسف] يعني أرض مصر، وقال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ... (٨٧)﴾ [يوسف] أي اذهبوا إلى مصر.\nووصيَّة النَّبيّ - - ﷺ - - بأهل مصر خالدة في الصَّحيح، أخرج مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - - ﷺ - ـ: \" إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا\n_________\n(^١) جاءت مصر في هذه الآية مصروفة، وفي سواها من الآيات جاءت ممنوعة من الصَّرف، وفي معناها قولان: أحدهما أنَّه البلد المسمّى بمصر. والثّاني: أنَّه اسم غير معيَّن لأيّ مصر من الأمصار.","vol":"1","page":186},{"text":"الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، أَوْ قَالَ ذِمَّةً ... وَصِهْرًا (^١) \" (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>تأويلُ رُؤيا يُوسُفَ وَحَدِيثُ الوئام</span>\n﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي أجلسهما على سرير الملك ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ سجدوا له سُجُودَ تحيَّةٍ وتكْرُمَةٍ لا سجود عبادة؛ لأَنَّ بني يعقوب - - ﵇ - - لم يكونوا يسجدون لغير الله تعالى.\n﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾، وذلك تفسيرها: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾، ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ وصِدْقًا.\n﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ أي وقد أنعم عليَّ الله تعالى بإخراجي من السِّجن بريئًا.\nوكان يُوسُفُ حسَّاسًا في انتقاء الألفاظ، فلم يَقُل: وقد أَحْسَنَ بي إذ أخرجني من الجُبِّ؛ تكرُّمًا منه لئلَّا يذكِّر إخوته بما يجرحهم ويؤلمهم ويخجلهم، فهو لا يريد تقريعهم بعد أن عفا عنهم، بقوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، كذلك آثر ذكر السّجن لأنَّ النِّعمة الَّتي أعقبت خروجه منه كانت أوضح، فقد خرج من الجبِّ إلى الرِّقِّ، لكنَّه خرج من السّجن إلى الملك، وكذلك فإنَّ محنة الجبِّ لم تدم طويلًا، خلافًا لمحنة السّجن ...\n﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾، وهذا إحسان آخر، أي وقد أَحْسَنَ الله تعالى بي أنَّه أتى بكم من البادية إلى مِصْرَ، فالتقينا وتصافينا ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ وأفسد\n_________\n(^١) أمّا الرّحم فلأنّ هاجر أمّ إسماعيل منهم، وأمَّا الصِّهر فلكون مارية أمّ ولده إبراهيم منهم.\n(^٢) مسلم \"صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ٨/ج ١٦/ص ٧٩) كتاب فضائل الصّحابة.","vol":"1","page":187},{"text":"﴿بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، ونَسَبَ ما وقع من إخوته إلى الشَّيطان، تأدُّبًا معهم، ولم يكتف، بل قَسَمَ النَّزغ بينه وبينهم، مع أنَّه لم يشاركهم في شيء إظهارًا لعذرهم، وهذا فيه إشارة إلى تحقُّق تأويل يعقوب - ﵇ - من إتمام النِّعمة والعلم على يُوسُفَ - ﵇ - ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بخَلْقِهِ ﴿الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ في تدبيره وصنعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>سَبْقُ ما يقتضي التَّقديم</span>\nورد قول الله تعالى: ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ في سور ة الأنعام ثلاث مرّات في ختام ثلاث آيات، وورد قوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ في سورة يُوسُفَ ثلاث مرّات في ختام ثلاث آيات أيضًا، ويلاحظ تقدُّم لفظ حكيم على عليم في سورة الأنعام، وتأخُّره في سورة يُوسُفَ، فما الحكمة؟\nالتَّقديم والتَّأخير يكونان بحسب الأهميَّة، والأهميَّة لا يراد بها الأفضليَّة، فقد يتأخَّر الفاضل ويتقدَّم المفضول، كما في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التّين] فقد تأخَّر القَسَمُ بالبلد الأمين (مكّة) وهو الأفضل، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ ... (٤٠)﴾ [الحجّ] ويلاحظ تأخُّر المساجد، وهي الأفضل.\nوإنَّما المراد بالأهميَّة مراعاة الوجوه البلاغيَّة والمقاصد البيانيَّة، فلا يتقدَّم لفظٌ على لفظٍ في آية ولا يتأخّر في آية أخرى عبثًا، وإنَّما يكون مقصودًا ومرادًا، فالمعاني القرآنية مؤاخية للألفاظ بحيث لا يمكن أن يتقدَّم لفظٌ على لفظ ويؤدي معناه.\nففي سور ة الأنعام، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام] ومن نَظَرَ نَظَرَ اللَّبيب","vol":"1","page":188},{"text":"الحَصِيف اتَّضح له أنَّ الآية تتحدَّث أوَّلًا عن حكمة الله تعالى في إيتاء إبراهيم - - ﵇ - - حجَّته على قومه ورفعه درجات، وتتحدَّث ثانيًا عن علم الله تعالى أنَّ إبراهيم أهل لذلك.\nوقال في سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام] والمتأمّل في الآية يعلم أنَّها تتحدَّث أوّلًا عن حكمة الله تعالى في خلق الإنس والجنّ، وسنَّته في الهداية والإضلال، وعلمه ثانيًا بمن يستحقُّ الخلود في النَّار.\nوقال في سورة الأنعام: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾ [الأنعام] والمتدبّر في الآية يعلم أنَّها تتحدَّث أوّلًا عن حكمته سبحانه في إلغاء أحكام ابتدعها أهل الجاهليَّة على ما أرادوا، وإبطال ما شرعوه من حلال وحرام على ما اعتادوا، وعلمه ثانيًا بكذبهم وما يستحقّونه من جزاء.\nأمّا في سورة يُوسُفَ، فقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ... إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ والنّاظر في الآية يعلم أنَّها تتحدَّث أوّلًا عن عِلْم الله بأنَّ يُوسُفَ يستحقّ الاجتباء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... (١٢٤)﴾ [الأنعام]، وأنَّ الله تعالى يعلّمه بعلمه من تأويل الأحاديث، وتتحدَّث ثانيًا عن حكمته سبحانه حيث يضع الأمور في مواضعها.\nوقال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي","vol":"1","page":189},{"text":"بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾ وهذه الآية تتحدَّث أوّلًا عن عِلْم الله تعالى بحال يعقوب، وبمكان يُوسُفَ وأخويه، وثانيًا عن حكمة الله تعالى في صنعه وتدبيره.\nوقال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا ... لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ وهذه الآية تتحدَّثُ أوّلًا عن علم الله المسبق بما كان وما يكون، وعن تعليم الله له ولأبيه تأويل الأحاديث، وتتحدَّث ثانيًا عن اجتماع الشَّمل والائتلاف بعد الاختلاف، وتحقّق الرُّؤيا ووقوعها في وقتها المعلوم، وهذا من مقتضى حكمته سبحانه!\nوبالجملة فإنَّ تقديم الحكيم على العليم في (الأنعام) لأنَّ المقام مقام تشريع الأحكام، وبيان حكمة الله وسنَّته في خلقه، وأمَّا تقديم العليم على الحكيم في (يوسف) فلأنَّه قال في أوَّلها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ وقال في آخرها: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ... (١٠١)﴾ فالسُّورة تتحدَّث عن العلم من أوَّلها إلى آخرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>الاعتِرَافُ لله بالنِّعم</span>\nضرب لنا يُوسُفُ - - ﵇ - - مثلًا في الصَّبر على البلاء، والرِّضا بالقضاء، والشُّكر في الرَّخاء، فتراه يَعْترِف بنعم الله تعالى عليه، ولا يزال يذكر هذه النِّعم ليحدث شُكرًا كُلَّما ذكرها، ولذلك تجده يقول ما يخبر الله عنه: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ويقول: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ... (١٠٠)﴾ وهكذا ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة بعد شدَّة وكرب أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن يشكرها ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ... (٧)﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ ... رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى].","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>لا سُجُودَ إلا لله تعالى وَحْدَه</span>\nإنَّ السُّجود لا يجوز لأحد إلَّا لله تعالى وحده، وقد منع الشَّرعُ السُّجود لغير الله تعالى منعًا جازمًا؛ سدًّا للذرائع، ومنعًا للشِّرك.\nولا يجوز السُّجود، ولو كان المقصود به التحيَّة والتَّكرُمة إلَّا بأمرٍ من الله تعالى، ولم يقع سجود التَّحيَّة مشروعًا إلَّا لآدم ويُوسُفَ ﵉.\nأمَّا آدم - - ﵇ - - فقد وقع له السُّجود من الملائكة بأمْرٍ من الله تعالى، قال ﷻ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ... (٣٤)﴾ [البقرة].\nوأمَّا يوسف - - ﵇ - - فوقع السُّجود له من البشر بإرادة الله تعالى، قال جلَّ ذكرُه: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا ... لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ... (١٠٠)﴾.\nولا سجود لأحدٍ بعد ذلك، لا سجود لآدم، ولا سجود ليُوسُفَ، ولا سجود لمخْلُوق مهما عَظُمَ شأْنُه وعلت مكانته، ومَنْ سَجَدَ بعد ذلك لغير الله تعالى؛ فقد أشرك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>بَيْنَ رؤيا يُوسُفَ وعبارتها أربعون عامًا</span>\nقوله تعالى على لِسَان يُوسُفَ: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ورد أنَّه كان بين رُؤْيا يُوسُفَ إلى أَنْ رأى تأويلها أربعون عامًا، أخرج الحاكم بسند صحيح عن سلمان الفارسي - - ﵁ - ـ، قال: \" كان بين رؤيا يُوسُفَ وتأويلها أربعون سنة \" (^١)\n_________\n(^١) الحاكم \" المستدرك \" (ج ٤/ص ٣٩٦) كتاب تعبير الرّؤيا. وأخرجه البيهقي بسند صحيح في \" الجامع لشعب الإيمان \" (ج ٦/ص ٤٣٤/رقم ٤٤٤٦). وأخرجه الطّبري بسند صحيح في \" جامع البيان \" (ج ١٦/ص ٢٧١/رقم ١٩٩٠٧) وقال ابن حجر في \" فتح الباري\" (ج ١٢/ص ٣١٧): أخرجه الطبري، والحاكم، والبيهقي في الشّعب بسند صحيح عن سلمان الفارسي.","vol":"1","page":191},{"text":"ومن ذلك نفهم أنَّ الرؤيا الصَّادقة قد يتأخَّر تأويلها، فقد ترى الرؤيا ويقع تأويلها وتتحقَّق بعد عشرات السّنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>مِسْكُ الختام</span>\nكانت أوَّل شخصيَّة ظهورًا في القِصَّة شخصيَّة يُوسُفَ - - ﵇ - ـ: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾، وآخر شخصيَّة ظهرت في القصَّة شخصيَّة يُوسُفَ - - ﵇ - - أيضًا، إذ قال - - ﵇ - - مناجيًا ربَّه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ أي أعطيتني حظًّا مِنَ الملك ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي وعلَّمتني شيئًا من تعبير الرؤى، و﴿مِنْ﴾ فيهما للتبْعِيض والتَّجزئة؛ إذ لم يُؤْتَ - - ﵇ - - إلَّا بعض التَّأويل وبعض الملك؛ لأن الملك كلَّه لا يملكه إلَّا الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار].\n﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالق السَّموات والأرض ومبدعهما ﴿أَنْتَ﴾ يا ربِّ ﴿وَلِيِّي فِي﴾ داريّ ﴿الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.\nوبعد هذا الثَّناء جَاءَ الدُّعاء: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، سأل - - ﵇ - - الله تعالى أن يتوفَّاه على الإيمان والإِسلام حين يتوفَّاه، وأن يحفظ عليه إسلامه، وأن يثبِّت عليه دينه وإيمانَه إلى أن يلقاه. كأنَّه ينظرُ إلى وصيَّة آبائه المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة].\n﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ من النَّبيين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين، سائلين الله تعالى أن يتوفَّنا مسلمين، وأن يلحقنا بالصَّالحين، إنَّه جوادٌ كريمٌ.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>العِبرَةُ بالخواتيم</span>\n\nإنَّ العبرة بالخواتيم والأواخر، فرغم ما وقع من إخوة يُوسُفَ؛ إلَّا أنَّ يُوسُفَ رآهم (كواكب)؛ لأنَّهم أنابوا وندموا آخر أيامهم وتابوا، فمن قولهم لأخيهم يُوسُفَ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾، ومن دعاء يُوسُفَ لهم: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾، ومن قولهم لأبيهم: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾، وقول أبيهم لهم: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ نعلم أنَّ خاتمة أعمالهم كانت حَسَنَةً.\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>آية تلخِّص قصَّة يُوسُفَ</span>\nالتَّعبير البيانيّ عن القصص القرآنيّ تجده قليل المبنى جمّ المعنى، صافيًا من الحشو، قاصرًا اللَّفظ على معناه، وهو ما يعرف في علم المعاني بالإيجاز، وهو على ضربين: وجيز بلفظه، ووجيز بحذف، وقد عرض له غير عالم بما يغني عن إعادته هنا.\nوقصَّة يُوسُفَ مع ما فيها من إيجاز واختصار، إلَّا أنَّ فيها آيةً تكاد تلخِّص القصَّة من ألفها إلى يائها، وهي قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾\nفإنَّ هذه الآية أوجزت الأسباب الَّتي أدَّت إلى تطوُّر أحداث القصَّة، فقوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ اقتصر على تحقّق الرّؤيا الّتي كانت سببًا في تعاظم حسد إخوته، وإلقائه في البئر، ثمّ بيعه بمصر، وقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ اختصر قصَّة دخوله السّجن وخروجه منه، الَّذي جعله","vol":"1","page":193},{"text":"الله سببًا في تمكينه في الأرض، وقوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أوجز قصَّته وهو عزيز مصر، وكيف جعل الله الملك سببًا في اجتماع الشَّمل، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ عين التَّوحيد الَّذي تدور حوله القصَّة، فبلطف الله عصم إخوته من قتله، وبلطفه عصم يوسف من امرأة العزيز، وبلطفه صار عزيز مصر، وبلطفه جمع بينه وبين يعقوب، وبلطفه سَبَقَت الأخوَّةُ الجَفْوَة، وبلطفه كلُّ عُسْرٍ إلى يُسْرٍ، وبلطفه كلُّ شِدَّة إلى فرج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>الأوصاف الَّتي اشتهر بها يُوسُفُ - - ﵇ </span>- ـ\nاشتهر بعض الأنبياء بأوصاف، فقد اشتهر إبراهيم - - ﵇ - - بالخليل، واشتهر موسى - - ﵇ - - بالكليم، واشتهر النَّبيُّ - - ﷺ - - بالصَّادق الأمين، واشتهر يُوسُفُ - - ﵇ - - بأوصاف كثيرة، وقد جاءت في غير مكان، وعلى غير لسان، فعلى لسان النَّبِيِّ - - ﷺ - - وُصِفَ بالكريم، قال - - ﷺ - ـ: \" الكَريمُ ابنُ الكَريمِ ابنِ الكَريمِ ابنِ الكَريمِ، يُوسُفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ ﵈ \" (^١) وقَالَ - - ﷺ - ـ: \"فأكْرَمُ النَّاس يُوسُفُ نَبِيُّ الله ابنِ نبِيِّ الله ابن خَليلِ الله ... \" (^٢). والمراد أنَّه أكرم النَّاس من جهة النَّسب، ولا يلزم من ذلك أن يكونَ أكرمَ من غيره مطلقًا.\nوَوصِفَ بالصِّدِّيق وغلبت عليه هذه الصِّفة، فعلى لسان الشَّاهد: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾، وعلى لسان السَّاقي: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ... (٤٦)﴾، وعلى لسان امرأة العزيز: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ ووصف بالإحسان في غير مكان، فقد وصفه الله بهذا الوصف، فقال: ﴿وَلَمَّا\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٢/ج ٤/ص ١٢١) كتاب بدء الخلق.\n(^٢) المرجع السَّابق.","vol":"1","page":194},{"text":"بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ وعلى لسان السجينين: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ وعلى لسان إخوته وهم لا يشعرون أنَّهم أمام يُوسُفَ: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا ... فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾ وعلى لسانه وهو يُؤكِّد أنَّ الإحسانَ يُراد به التَّقوى والصَّبر، وأنَّ أُجور المحسنين محفوظة: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>دعوى النَّسخ في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾</span>\nذكر بعض المُتَأخِّرين أنَّ قوله تعالى إخبارًا عن يُوسُفَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ منسوخ بقول النَّبيِّ - - ﷺ - ـ: \"لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الموْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي\" (^١) وهذه دعوى واهية واهنة؛ فإنَّ يُوسُفَ لم يتمنَّ الموت، وإنَّما سأل الله أن يتوفَّاه مسلمًا بعد استيفاء أجله، فمعنى قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ أي عند حضور أجلي، وهو أشبه بالمجاز على اعتبار ما سيكون.\nثمَّ إنَّ يُوسُفَ - - ﵇ - - لمَّا دعا ربَّه بهذا الدُّعاء لم يدْعُه من ضرٍّ أصابه، فلم يدع الله بهذا الدُّعاء لمَّا أُلقي في الجُبِّ، أو لمّا باعته السيَّارة واشتراه العزيز، أو لمَّا ألقي في السِّجن، أو لمَّا واجهته سنوات القحط والجدب ... وإنَّما دعاه بعد أن تمَّت عليه نعمة الله.\n_________\n(^١) البخاري \" صحيح البخاري \" (م ٤/ج ٧/ص ١٠) كتاب المرضى والطِّبّ، وأخرجه في كتاب الدّعوات. وأخرجه مسلم في \"صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ٩/ج ١٧/ص ٧) كتاب الذّكر والدّعاء.","vol":"1","page":195},{"text":"وهذه الدَّعوى مردودة من وجوه، حسبنا منها ما ذكرنا، ولعلَّ من أَثَارَها يخاف من هذا الدُّعاء الَّذي دعا يُوسُفُ به ربَّه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ فلم يدع الله أن ينْسَأ له في أثره، أو أن يمُدَّ له في عمره، أو أن يؤخَّر له في أجله ... وإنَّما ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ... (١٠١)﴾.\nقال كعبُ بن زهير:\nوَالْمَرْء مَا عَاشَ مَمْدُود لَهُ أَمَلٌ ... لَا تنتهي العَينُ حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>هَل إِخْوةُ يُوسُفَ أنبياء</span>؟\nاُخْتُلِفَ فِيهِمْ، فَقِيلَ: كَانُوا أَنْبِيَاءَ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ... (١٦٣)﴾ [النّساء] وقيل لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ، وَإِنَّمَا المراد بالأسباط قَبَائِلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وما كان فيهم مِن الأنبياء، وهو الَّذي قوَّاه ابن كثير في \"تاريخه\" (^١) ورجح عندي؛ فأفعالهم وأقوالهم تشهد بعدم نبوَّتهم، ولا يلزم أن يكونَ أولادُ الأنبياءِ أنبياء، والله أعلم، فالمسألة لا تخلو من خِلافٍ، ورحِم الله العلماءَ الأُوَل، فقد تهيَّب كثيرٌ منهم تفسير القرآن حذرًا أن يزلُّوا، فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء فقهاء أجلَّاء.\nأمَّا يُوسُفُ فقد نصَّ القرآنُ على نبوَّته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ... (٣٤)﴾ [غافر].\n_________\n(^١) ابن كثير \"البداية والنّهاية\" (ج ١/ص ٢٢٨).","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>تمثيل الشُّهور كإخوة يُوسُفَ</span>\nقيل: \" الشُّهور الاثني عَشَر كمثل أولاد يعقوب - عليه وعليهم السَّلام ـ، وشهر رمضان بين الشُّهور كيُوسُفَ بين إخوته، فكما أنَّ يُوسُفَ أحبُّ الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحبُّ الشُّهور إلى علَّام الغيوب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>وصيَّةُ يَعْقُوب - - ﵇ - - لبنيه عند الموت</span>\nولمَّا حَضَرَتْ يَعْقُوبَ الوفاةُ، جَمَعَ بنيه وأوصَاهُم، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ الغرض من السُّؤال حثُّهم على التَّوحيد والإسلام الَّذي كانوا عليه في حياته ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة] وعُدَّ إسماعيل من الآباء من باب التَّغليب؛ لأنَّ العمَّ بمنزلة الأب، فقد كانت العرب تسمِّي العمَّ أبًا، والخالةَ أُمًّا، قال النَّبيُّ - - ﷺ - ـ: \"عمّ الرَّجل صنو أبيه\" (^٢) أي مثل أبيه، وذلك تعظيمًا لحقِّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>عبارات تكرَّرت على نفس اللِّسان في غير مكان وزمان</span>\nمن العبارات الَّتي تردَّدت على نفس اللِّسان، قول يَعْقُوب - - ﵇ - ـ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فقد قالها لأبنائه لمَّا جاؤوا على قميص يُوسُفَ بدم كذب، وأخبروه بأنَّ الذّئب أكل يُوسُفَ، ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ وقال هذه العبارة مرَّة ثانية\n_________\n(^١) ابن الجوزي \" بستان الواعظين \" (ص ٣١٧).\n(^٢) مسلم: \" صحيح مسلم بشرح النَّووي\" (م ٤/ج ٧/ص ٥٧) كتاب الزَّكاة.","vol":"1","page":197},{"text":"لأولاده لمَّا أخبروه أنَّ ابنه سرق صواع الملك وأُخِذَ بذنبه، ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾.\nومن العِباراتِ ﴿رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وقد جاءت على لِسَانِ امرأة العزيز في سِياق اعترافها، فأمام نسوة المدينة ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ... (٣٢)﴾ وأمام الملك نطقت بالعبارة نفسها، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ ... لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾.\nومن العِباراتِ ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ وهي من قول النِّسوة لمَّا خرج عليهنَّ يُوسُفُ بأمر امرأة العزيز: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا ... (٣١)﴾ وقد نطقْنَ بها مرَّة أخرى في إثبات براءة يُوسُفَ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ... (٥١)﴾.\nومن العِباراتِ قولُ يُوسُفَ - - ﵇ - - ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾، فلمَّا راودته امرأة العزيز ودعته إلى نفسها: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ ولمَّا طلب الإخوةُ منه أن يأْخُذَ أحدَهم بذَنْبِ أخيهم الَّذي اتُّهم بالسَّرقة: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.\nومن العبارات قَسَمُ الإخوة: ﴿تَاللَّهِ﴾ فلمَّا اتّهمهم المؤذِّن بسرقة صواع الملك، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾ ولمَّا نقلوا لأبيهم يَعقُوب نبأ سرقة ابنه، وأنّهم شهدوا عليه بما علموا، وابيضّت عيناه من الحزن لأجل ذلك ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ ولمّا عرَّفهم يُوسُفُ بنفسه ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>إثباتُ نبوَّة سيِّدنا محمَّد - - ﷺ </span>- ـ\nلسائل أن يسأل: ما الحكمة من ذِكْرِ القَصَصِ في القرآن الكريم؟!\nالجواب: الحكمة من ذكر قَصَصِ الأنبياء في القرآن الكريم تبْدُو واضحة في قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود].\nوتبدو جَليَّة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾\nوكذلك أراد الله تعالى بذكر القصص القرآني أن يثبت للبشريَّة أجمع أنَّ هذا النَّبِيَّ الأميَّ الَّذي لم يكن يقرأ ولا يكتب ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ... (٤٨)﴾ [العنكبوت]، والَّذي لم يدخل مدرسة ولا جامعة، ولم يجالس فيلسوفًا ولا مؤرِّخًا ولا قاصًّا ولا راويًا نبيٌّ حقًّا وصدقًا.\nفبعد قصَّة استوعبت السُّورة كُلَّها إلَّا قليلًا، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي ذلك القصص وأمثاله من أخبار الغيوب السَّابقة نوحيه إليك يا محمَّد ليكون دليلًا على نبوَّتك وصدق بعثتك ورسالتك، إذ ما كُنْتَ عِنْدَ يَعْقُوب حاضِرًا يوم ﴿قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾.\n﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي وما كنت لدى إخوة يُوسُفَ حاضرًا ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ على إلقاء يوسف في غيابةِ الجبِّ ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ به الدوائر، فإذا لم تكن لديهم إذًا فَمَن الَّذي عَلَّمَكَ قصَّة يُوسُفَ كلَّها إلَّا الله تعالى، القائل في محكم تنزيله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ","vol":"1","page":199},{"text":"فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النِّساء].\nفالنَّبيُّ - - ﷺ - - ما كان إلَّا من جملة الغافلين عن قصَّة يُوسُفَ وغيرها، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾.\nفإخبارُ النَّبِيِّ - - ﷺ - - عن قصَّة يُوسُفَ وباقي القصص الماضية مع أنَّه - - ﷺ - - لم يكن حاضِرًا تلك القرون الخاليات والرُّسوم الدَّارسات، ولم يكن حاضرًا تلك الأمم الغَابِرة الَّتي سَادت ثمَّ بَادَتْ دَلِيلٌ قَاطِعٌ على صدق نبوَّته - - ﷺ - ـ، وعلى ربَّانية القرآن الكريم.\nوالآيات الَّتي فيها استدلالٌ على نبوَّة سيِّدنا محمَّد - - ﷺ - - وإثباتٌ لرسالته بدليل إخباره عن القصص الَّتي مضت من مددٍ مديدة، وعهود بعيدة، والجاري الإِخبار عنها مجرى الإِخبار عن الغُيُوبِ، والَّتي لا يمكن معرفتها إلَّا من جهة الوحي كثيرة، نحو قوله تعالى:\n﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾ [القصص] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾ [القصص] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... (٤٦)﴾ [القصص] وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى ... إِذْ ... يَخْتَصِمُونَ (٦٩) ... إِنْ ... يُوحَى ... إِلَيَّ ... إِلَّا أَنَّمَا أَنَا ... نَذِيرٌ ... مُبِينٌ (٧٠)﴾ [ص].\nفالآيات صريحة في أنَّ هذه القصص على لِسَان النَّبِيِّ - - ﷺ - - إنَّما هي آية من آيات الوحي، وأَمَارة من أمارات النُّبوَّة ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا","vol":"1","page":200},{"text":"أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ [هود].\nومع هذا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ... (٤)﴾ [الفرقان]، ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان] وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... (١٠٣)﴾ [النَّحل]\nوصدق ربِّي ﵎ القائل: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾ [الأنعام]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>تعيُّن الدَّعوة إلى الله على بَصِيرَة على كُلِّ مُؤْمِن</span>\nثمَّ قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ تسلية للنَّبِيِّ - - ﷺ - - والمراد أهل مكَّة ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على هدايتهم وإيمانهم ﴿بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾.\n﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على القرآن وتبليغه ﴿مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عِظَة وتذكرة ﴿لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ كافَّة، لا يختصُّ بهم ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الآيات الظَّاهرة والبراهين الباهرة تشهد على أنَّ الله واحد ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ باللَّيل والنَّهار والعشيّ والإبكار ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ لا يعتبرون بها، فلا عجب من إعراضهم عنك يا رسُولَ الله!\n﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ به - سبحانه - شِرْكًا جليًّا أو خفيًّا ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ عُقوبة مُجَلِّلة تَعُمُّهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾ بقيامها.\n﴿قُلْ﴾ يا محمَّد للمشركين ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ طريقي وسنَّتي ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ","vol":"1","page":201},{"text":"عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ على هدىً ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يدعو إلى الله كما أدعو ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾.\nفهذا واجب كلِّ مسلم أن يدعو إلى الله على بصيرة، فالآية فيها دليل على أنَّ كلَّ متَّبع للنَّبِيِّ - - ﷺ - - بحقٍّ وصدق حقٌّ عليه أن يقتدي بالنَّبِيِّ - - ﷺ - - فيدعو إلى ما دعا إليه - - ﷺ - - على بصيرة، وفيها دليل على أنَّ على المسلمين دعوة النَّاس إلى توحيد الله تعالى كما كان على النَّبِيِّ - - ﷺ - - ذلك.\nواعلم أنَّ الدَّعوة عامَّة وخاصَّة: فالعامَّة يقوم بها كلٌّ حسب استطاعته، قال النَّبِيُّ - - ﷺ - ـ: \" بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيةً \" (^١) والخاصَّة تتعيَّنُ على العُلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>الإيمان المقيَّد بحال الشِّرك</span>\nأشكل على بعضهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ قالوا: كيف وُصِفَ المشركُ بالإيمان، وكيف يجتمع الإيمانُ مع الشِّرك؟ فهناك منافاة بين الإيمان والشّرك!\nوالجواب: أنَّ المراد بإيمان أكثرهم اعترافهم بألسنتهم بأنَّ الله هو ربُّهم الخالق الرَّازق المدبِّر ...، والمراد بشركهم عبادتهم غيره معه، فليس المراد بإيمانهم حقيقة الإيمان، وإنَّما المراد أنَّ أكثرهم مع إظهارهم الإيمان بأفواههم مُشْرِكون، فالإيمان المقيَّد بحال الشِّرك إيمان لغويّ لفظيّ لا شرعيّ، ومن الآيات الدَّالة على هذا المعنى، قوله تعالى:\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزّخرف]، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس]،\n_________\n(^١) البخاري \"صحيح البخاري\" (م ٢/ج ٤/ص ١٤٥) كتاب أحاديث الأنبياء.","vol":"1","page":202},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون].\nوتوحيد الرُّبوبيَّة: هو توحيد الله بأفعَاله سبحانه، مثل الخَلْق والرِّزق وتدبير الأمر ... وهذا أقرَّ به الكفَّار على زمن النَّبِيِّ - - ﷺ - - ولم يدخلهم الإسلام، فهم يعلمون أنَّ الله هو الَّذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت ... لكنَّهم يشركون غيره في العبادة.\nولذلك فإنَّ توحيد الرُّبوبيَّة لا ينفع إلَّا بتوحيد الألوهيَّة، وتوحيد الألوهيَّة: هو توحيد اللّه تعالى بأَفعال العباد، ويسمَّى توحيد العبادة، فلا نعبد ولا نستعين إلَّا بالله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة] ولا نستعيذ إلَّا بالله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [النَّاس] ولا ندعو إلَّا الله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ... (٦٠)﴾ [غافر] ولا نخاف إلَّا الله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ... (١٧٥)﴾ [آل عمران] ولا نتوكَّل إلَّا على الله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة].\nوهذا النوع من التَّوحيد جاءت به الرُّسل جميعًا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ... (٣٦)﴾ [النَّحل] وهو ما أنكره الكفَّار قديمًا وحديثًا.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>ابتداء السُّورة وانتهاؤها بالعلم</span>\nسورةُ يُوسُفَ موضوعها العلم؛ ولذلك ابتدأت به، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ... (٦)﴾ وتضمَّنته، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ وقول يُوسُف لصاحبي السّجن: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي (٣٧)﴾، وقول يوسف لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ وقول يعقوب لبنيه ولمن كان حاضِرًا عنده: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ وقوله تعالى في معرض الثَّناء على يعقوب: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ وفي ختام السُّورة، دعا يُوسُفُ - ﵇ - ربَّه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ... (١٠١)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>التَّوافق بين المطلع والنِّهاية</span>\nمن التَّوافق العجيب بين مطلع القصَّة ونهايتها، أنَّ القصَّة ابتدأت بالرُّؤيا، واختتمت بتأويلها، فقد ابتدأت القصّة بمشهد يُوسُفَ أمام أبيه وهو يقصُّ عليه رؤياه، ويقول له: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ واختتمت بمشهد يُوسُفَ أمام أبيه بعد أن تحقَّق تأويلها، وهو يقول له: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ... (١٠٠)﴾\nومن التَّناسق العجيب بين مطلع السُّورة وخاتمتها، أنَّ السُّورة افتتحت بالقرآن، وأكَّدت أنَّه قرآن عربيّ، وأنَّ فيه أحسن القصص، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... (٣)﴾ وفي","vol":"1","page":204},{"text":"ختام السُّورة بيَّن الله تعالى الحكمة من ذكر القصص في القرآن، ونفى أن يكون هذا القرآن حديثًا يُخْتَلق، وأنَّه من عند الله، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾.\nوهكذا تظهر الوحدة بين مطلع القصَّة ونهايتها، والوحدة بين مطلع السُّورة ونهايتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>سبحان من لا يزول ملكه</span>!\nمن المشاهد المؤثِّرة مناجاة يُوسُفَ لربِّه في ختام السُّورة وندائه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾، و﴿مِنَ﴾ تفيد التَّجزئة كما هو معلوم، أي آتيتني جزءًا من الملك؛ لأنَّ الملك المطلق لله وحده، وقوله فيه اعتراف بالفضل والإحسان لله تعالى ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وهذا اعتراف آخر، كذلك صفة الصَّالحين ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ وهذا ثناء ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ وهذا دعاء، وقد قدَّم الثَّناء على الدُّعاء، كذلك دأب الأولياء.\nفبعد أنْ رأى - - ﵇ - - أنَّ نعمة الله قد تمَّت، وعرف أنَّ هذا علامة أجله، وأنَّه الوداع؛ دعا ربَّه دعاءً عبَّر فيه عن محبَّته إلى لقائه وإلى اللَّحاق بالصَّالحين، وكما قال النَّبِيُّ - - ﷺ - ـ: \" مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ \" (^١)\nوهكذا مات يُوسُفُ - - ﵇ - ـ، وزال ملكه، فسبحان صاحب العزَّة الدَّائمة والمملكة القائمة! وهذا يذكِّر بالواثِق ﵀ لمَّا احْتَضَرَ أَمَرَ بالبُسُط فَطُويت\n_________\n(^١) البخاري \"صحيح البخاري\" (م ٤/ج ٧/ص ١٩١) كتاب الرّقاق. ومسلم \"صحيح مسلم بشرح النّووي\" (م ٩/ج ١٧/ص ٩) كتاب الذّكر والدّعاء.","vol":"1","page":205},{"text":"من تحته، وأَلصَقَ خدَّه بالأرض، وجعل يقول: \" يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه! \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>براعة المطلب وحُسْنُ التَّوسُّل</span>\nوفي قوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ ما يعرف ببراعة المطلب وحسن التَّوسُّل، فقد جاءت الألفاظ في أعلى طبقات الأدب مع الله، مقترنة بتعظيم الله، معبِّرة عن فضله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>آيات فيها ذِكْرُ نجاة من شدَّة أو خوف ونحو ذلك</span>\nفي سُورة يُوسُفَ جملةٌ من الآيات وَرَدَ فيها ذِكْرُ نجاة من شدَّة أو خوف ونحو ذلك، فسورة يُوسُفَ اختُصَّتْ بحصول الفرج بعد الشِّدَّة، وهذه الآيات، هي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ ... (٦)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ... (٢١)﴾\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾","vol":"1","page":206},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ ... أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾.\nفمن كان ذو عسرٍ أو عسرةٍ فليصبر ولينتظر الفرج ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطَّلاق] وكم من آية تدعو إلى الصَّبر وتبشِّر بحسن مآله، وكم من رزيَّةٍ أجهد الحزن صاحبها، أو بليَّة كدَّ الهمُّ رفيقها، فأعقب الصَّبر عليها انكشافُها والرَّاحة منها، فما من مؤمن صبر على صروف الدَّهر وتماسك في نكباته إلَّا كان الفرج منه وشيكًا، ولله القائل:\nيُرَاعُ الْفَتَى لِلْخَطْبِ تَبْدُو صُدُورُهُ ... فَيَأْسَى وَفِي عُقْبَاهُ يَأْتِي سُرُورُهُ\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّيْلَ لمَّا تَرَاكَمَتْ ... دُجَاهُ بَدَا وَجْهُ الصَّبَاحِ وَنُورُهُ\nفَلَا تَصْحَبَنَّ الْيَأْسَ إنْ كُنْتَ عَالِمًا ... لَبِيبًا فَإِنَّ الدَّهْرَ شَتَّى أُمُورُهُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>حسن المقطع في سُورة يُوسُفَ</span>\nالمراد بحسن المقطع أن يُختم الكلام بكلام حسن السَّبك، حسن الحَبْك، غزير المعنى، بعيد المغزى، بديع المرمى؛ لأنَّه آخر ما يقرع السَّمع، وآخر ما يقع عليه البصر، وآخر ما يبقى في الذِّهن، ولذلك تجد خواتم السُّور فيها من الحلاوة","vol":"1","page":207},{"text":"والطَّلاوة ما فيها.\nوقد ختمت سورة يوسف بوصف القرآن ومدحه، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾.\nوختامًا؛ لنا في يُوسُفَ والأنبياء ﵈ عامَّة، وفي رسُولِ الله محمَّد - - ﷺ - - خاصَّة ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ... (٢١)﴾ [الأحزاب]، سائلين الله تعالى الَّذي مَنَّ علينا بهذا العمل قبل أن يوافينا الأجل أن يجعلنا من المؤمنين، ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾، [المعارج] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ [المعارج]\nكما نسأله ﷻ أنْ يجعلَ هذا الكتابَ لمن أعاننا عليه نورًا يَسْعَى بين يديه ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد].\nوآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.\n* * *","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>المصادر والمراجع</span>\n١ - آيات الله في الآفاق (موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسّنّة): محمّد راتب النّابلسي. دار المكتبي، دمشق، ط ٢، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n٢ - أحكام القرآن: ابن العربي، محمّد بن عبد الله. دار الكتاب العربي، بيروت، ٢٠٠٠ م.\n٣ - إحياء علوم الدّين: أبو حامد، محمّد الغزالي. دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان، ط ١، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٤ - أخوّة الإسلام فوق مستوى الخلافات وتباين الأفهام: محمّد الحكمي. مكتبة الإرشاد - اليمن، ومكتبة جدة - السعودية، ط ١، ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م.\n٥ - أدب الكتاب: ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم. دار صادر، بيروت، ١٩٧٦ م.\n٦ - أسباب النّزول: علي بن أحمد النّيسابوري. دار الفكر، بيروت - لبنان، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n٧ - أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، تحقيق د. محمّد الاسكندراني. دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n٨ - أسرار ترتيب القرآن: جلال الدين السّيوطي، تحقيق عبد القادر أحمد. دار الاعتصام، جدة، ١٩٧٦ م.\n٩ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي. مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n١٠ - إعجاز القرآن: محمّد بن الطَّيِّب الباقلّاني، تحقيق محمّد شريف. دار إحياء العلوم، بيروت.","vol":"1","page":209},{"text":"١١ - إعجاز القرآن البياني: د. صلاح الخالدي. دار عمّار - عمّان، ط ٣، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n١٢ - إعجاز القرآن الكريم: د. فضل حسن عبّاس. دار الفرقان، عمّان، ط ٤، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n١٣ - إعجاز القرآن والبلاغة النَّبويَّة: مصطفى صادق الرّافعي. دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n١٤ - إعراب القرآن: النّحاس، أحمد بن محمّد، تحقيق د. زهير غازي. عالم الكتب، بيروت، ط ٣، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.\n١٥ - إعراب القرآن المنسوب إلى الزَّجَّاج، تحقيق إبراهيم الابياري. الشَّركة العالميَّة للكتاب، مصر.\n١٦ - إعراب القراءات السَّبع وعللها: محمَّد بن أحمد (ابن خالويه). دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط ١، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n١٧ - أعظم سجين في التاريخ: د. عائض القرني. مكتبة العبيكان - الرياض، ط ٢، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n١٨ - الإتقان في علوم القرآن: السّيوطي. دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان، ط ١، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n١٩ - الإعجاز البياني للقرآن: د. عائشة عبد الرّحمن بنت الشّاطئ. دار المعارف، القاهرة، ط ٢، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م\n٢٠ - الإعجاز اللُّغويّ في القصَّة القرآنيَّة: محمود السيد حسن. مكتبة مركز الدّراسات الإسلاميّة، ط ١، ١٩٨١ م.\n٢١ - الإعراب المفصّل لكتاب الله المرتّل: بهجت عبد الواحد. دار الكتب العلميّة ـ","vol":"1","page":210},{"text":"بيروت، ودار الفكر - عمّان، ط ٢، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n٢٢ - الإقناع في القراءات السَّبع: أحمد بن علي (ابن الباذش)، تحقيق د. عبد المجيد قطامش. مركز البحث العلميّ، جامعة أمّ القرى، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n٢٣ - الإيضاح في علوم البلاغة: الخطيب القزويني. مؤسّسة الكتب الثّقافيَّة، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n٢٤ - البدور الزَّاهرة في القراءات العشر المتواترة: عبد الفتاح القاضي، تحقيق أحمد عناية. دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n٢٥ - البرهان في توجيه متشابه القرآن: محمود بن حمزة الكرماني، تحقيق عبد القادر أحمد عطا. دار الكتب العلميّة، لبنان، ط ١، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٢٦ - البرهان في علوم القرآن: محمّد بن عبد الله الزَّركشي، تحقيق محمّد إبراهيم. المكتبة العصريّة، بيروت.\n٢٧ - البلاغة فنونها وأفنانها (علم البيان والبديع): د. فضل حسن عبّاس. دار الفرقان، عمّان، ط ١١، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n٢٨ - البلاغة فنونها وأفنانها (علم المعاني): د. فضل حسن عبّاس. دار الفرقان، عمّان، ط ٥، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n٢٩ - التّصوير الفني في القرآن: سيد قطب. دار الشروق، ط ٦، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م\n٣٠ - التَّعبير القرآني: د. فاضل السامرائي. دار عمّار، عمّان.\n٣١ - التَّفسير القرآني للقرآن: عبد الكريم الخطيب. دار الفكر العربي.\n٣٢ - التَّفسير المنير في العقيدة والشريعة: د. وهبة الزحيلي. دار الفكر المعاصر، بيروت، ودار الفكر، دمشق، ط ١، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.","vol":"1","page":211},{"text":"٣٣ - التَّفسير الواضح: د. محمد محمود حجازي. مطبعة الاستقلال الكبرى، القاهرة، ط ٤، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.\n٣٤ - التَّوجيه البلاغي للقراءات القرآنيَّة: د. أحمد سعد. مكتبة الآداب، القاهرة، ط ٢، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٣٥ - التَّيسير في أحاديث التَّفْسير: محمد المكي الناصري. دار الغرب الإِسلامي.\n٣٦ - الجامع الصَّحيح وهو سنن التّرمذي: التّرمذي. دار ابن حزم، بيروت - لبنان، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n٣٧ - الجامع لأحكام القرآن: محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. دار الكتاب العربي، ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م.\n٣٨ - الجامع لشعب الإيمان: البيهقي، تحقيق مختار أحمد الندوي، مكتبة الرشد، الرياض - السعودية، ط ١، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٣٩ - الجواهر في تفسير القرآن الكريم: طنطاوي الجوهري. مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط ٢، ١٣٥٠ هـ.\n٤٠ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. دار المعرفة، بيروت.\n٤١ - الرّوح: ابن القيّم الجوزيّة، تحقيق د. السيّد الجميلي. دار الكتاب العربيّ، بيروت، ط ٧، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n٤٢ - الشّفا: القاضي عياض، تحقيق نوّاف الجرّاح. دار صادر، بيروت، ط ١، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n٤٣ - الصَّداقة والصَّديق: أبو حيّان التَّوحيدي، تحقيق إبراهيم كيلاني، دار الفكر","vol":"1","page":212},{"text":"المعاصر، بيروت، ط ٢، ١٩٩٨ م.\n٤٤ - الصّفوة من القواعد الإعرابيّة: د. عبد الكريم بكّار. دار القلم، دمشق، ودار العلوم، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.\n٤٥ - الطِّبُّ النَّبويّ: ابن قيّم الجوزية. دار الفكر، بيروت.\n٤٦ - العقيدة الإسلاميّة: عبد الرّحمن حسن حبنّكة الميداني. دار القلم، دمشق، ط ٤، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٤٧ - العمدة في غريب القرآن: مكِّي بن أبي طالب القيسي، تحقيق يوسف المرعشلي. مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n٤٨ - الفتوحات الإِلهية على الجلالين: سليمان بن عمر العجيلي الجمل. دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٤٩ - الفرج بعد الشِّدَّة: الحسن بن علي التَّنوخي. دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط ٣، ٢٠٠٥ م.\n٥٠ - الفروق اللّغويّة وأثرها في تفسير القرآن: د. محمّد الشّايع. مكتبة العبيكان، الرّياض، ط ١، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n٥١ - الفقه على المذاهب الأربعة: عبد الرحمن الجزيري، دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n٥٢ - الفوائد المشوّق إلى علوم القرآن وعلم البيان: محمّد بن قيّم الجوزيّة. دار ومكتبة الهلال، بيروت - لبنان.\n٥٣ - القراءات وأثرها في علوم العربيَّة: د. محمَّدسالم. دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.","vol":"1","page":213},{"text":"٥٤ - القراءات وعلل النَّحويِّين فيها: محمّد الأزهري، تحقيق نوال الحلوة، ط ١، ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م.\n٥٥ - القصص القرآني: د. أحمد الكبيسي. دار الكتاب الجامعي، العين - الإمارات، ط ١، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٥٦ - القصص القرآني: د. صلاح الخالدي. دار القلم دمشق، والدار الشّاميّة بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n٥٧ - القصص القرآني إيحاؤه ونفحاته: د. فضل حسن عبّاس. دار الفرقان، عمّان، ط ١، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n٥٨ - الكشَّاف: جار الله محمود بن عمر الزمخشري. دار المعرفة، بيروت.\n٥٩ - المبتدأ في قصص الأنبياء: محمد بن إسحاق، جمع وتوثيق محمد كريم. مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط ١، ٢٠٠٦ م.\n٦٠ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز \" تفسير ابن عطيّة\": عبد الحقّ بن عطيّة. الدّوحة، ط ١، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n٦١ - المدخل إلى القراءات: عبد الرحمن جبريل. دار الخليج، عمَّان، ط ١، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٦٢ - المستدرك على الصحيحين في الحديث: الحاكم. مكتبة ومطابع النصر الحديثة، الرِّياض.\n٦٣ - المسند: أحمد بن حنبل، تحقيق أحمد شاكر وحمزة الزّين. دار الحديث، القاهرة، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n٦٤ - المصحف المفسر: محمد فريد وجدي. دار المعارف، القاهرة.","vol":"1","page":214},{"text":"٦٥ - المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية، دار عمران، ط ٣.\n٦٦ - المنتخب في تفسير القرآن الكريم: لجنة القرآن والسُّنة في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة. دار الثقافة، الدَّوحة.\n٦٧ - المنجد في اللّغة والأعلام: دار المشرق، بيروت، ط ٢٨، ١٩٨٦ م.\n٦٨ - الميزان في تفسير القرآن: محمد حسين الطبطبائي. بيروت، ط ٢، ١٣٩١ هـ - ١٩٧٢ م.\n٦٩ - النّاسخ والمنسوخ في القرآن الكريم: ابن العربي المالكي. دار الكتب العلميّة، بيروت، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\n٧٠ - النّبأ العظيم: د. محمّد عبد الله دراز. دار القلم، الكويت، ط ٢، ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م.\n٧١ - النّحو وكتب التّفسير: د. إبراهيم عبد الله رفيدة. المنشأة العامّة، ليبيا - طرابلس، ط ٢، ١٩٨٤ م.\n٧٢ - الوجوه البلاغيَّة في توجيه القراءات القرآنيَّة المتواترة: د. محمَّد الجمل. دار الفرقان، عمَّان، ط ١، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n٧٣ - الوحدة الموضوعية في سورة يوسف - ﵇ -: د. حسن محمد باجودة، دار الكتب الحديثة، مصر.\n٧٤ - إمداد القاري: عبيد بن عبد الله بن سليمان الجابري، مكتبة الفرقان، عجمان، ط ١، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٧٥ - أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل: تفسير البيضاوي: ناصر الدّين بن أبي سعيد الشيرازي البيضاوي، دار الجيل.\n٧٦ - أيسر التَّفاسير لكلام العلي الكبير: أبو بكر جابر الجزائري. ط ١، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":215},{"text":"٧٧ - بحر العلوم: نصر بن محمّد السّمرقندي، تحقيق د. عبد الرحيم أحمد. مطبعة الإرشاد، بغداد، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n٧٨ - بدائع الفوائد: ابن قيّم الجوزيّة. مكتبة نزار مصطفى، مكّة المكرّمة - الرّياض، ط ٢، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n٧٩ - بديع القرآن: ابن أبي الإصبع، تحقيق حفني محمّد، دار نهضة مصر، القاهرة، ط ٢.\n٨٠ - بستان الواعظين ورياض السّامعين: ابن الجوزي، تقديم د. السّيّد الجميلي. دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n٨١ - بلاغة الكلمة في التعبير القرآني: د. فاضل السامرائي. دار الشؤون الثقافيّة العامّة، بغداد، ط ١، ٢٠٠٠ م.\n٨٢ - تأويل مشكل القرآن: ابن قتيبة، تحقيق السّيد أحمد صقر. المكتبة العلميّة، بيروت، ط ٣، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n٨٣ - تاج التفاسير: محمد عثمان الميرغني. دار المعرفة، بيروت.\n٨٤ - تاريخ الأنبياء: أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تحقيق آسيا كليبان. دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n٨٥ - تفسير ابن عربي: محمّد بن علي المعروف بابن عربي، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n٨٦ - تفسير البحر المحيط: محمد بن يوسف أبو حيان. دار الفكر، ط ٢، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n٨٧ - تفسير التَّحرير والتَّنوير: ابن عاشور. الدار التونسية، تونس، ط ١، ١٣٩٦ هـ - ١٩٦٧ م.","vol":"1","page":216},{"text":"٨٨ - تفسير الحداد: أبو بكر الحداد اليمني، تحقيق د. محمّد إبراهيم. دار المدار الإسلاميّ، بيروت - لبنان، ط ١، ٢٠٠٣ م.\n٨٩ - تفسير الخازن، لباب التأويل في معاني التنزيل: علاء الدين علي بن إبراهيم الخازن. دار الفكر.\n٩٠ - تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن: محمّد بن جرير الطّبري، تحقيق محمود شاكر. دار المعرفة، مصر\n٩١ - تفسير الفخر الرّازي: الرّازي، دار الطباعة العامرة.\n٩٢ - تفسير القرآن: عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام الدّمشقي. دار ابن حزم، بيروت - لبنان، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n٩٣ - تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن كثير. مكتبة الرياض الحديثة، الرّياض.\n٩٤ - تفسير القشيري المسمَّى لطائف الإشارات: عبد الكريم بن هوازن. دار الكتب العلميّة، بيروت، ٢٠٠٠ م.\n٩٥ - تفسير النسفي: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي. دار الفكر.\n٩٦ - تفسير النَّهر الماد من البحر المحيط: محمد بن يوسف أبو حيان، تقديم وضبط بوران وهديان الصّنّاويّ. دار الجنان، ط ١، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n٩٧ - تفسير روح البيان: إسماعيل حقي البروسوي. دار إحياء التّراث العربي، بيروت.\n٩٨ - تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير: محمد الرفاعي. مكتبة المعارف، الرّياض.\n٩٩ - جامع البيان في تفسير القرآن: محمد بن جرير الطبري. دار المعرفة، بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م.","vol":"1","page":217},{"text":"١٠٠ - جامع البيان في تفسير القرآن: محمد بن عبد الرحمن الحسني الحسيني الايجي. علَّق عليه محمد الغزنوي، وحققه منير أحمد. دار نشر الكتب الإِسلامية، باكستان.\n١٠١ - جامع العلوم والحكم: عبد الرحمن بن شهاب الدّين بن أحمد بن رجب الحنبلي، تحقيق د. محمّد الأحمدي. دار السّلام القاهرة، ط ١، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n١٠٢ - جلاء الإفهام: ابن قيّم الجوزية، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرّسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n١٠٣ - جواهر الأدب: أحمد الهاشمي، مؤسّسة التّاريخ العربيّ، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n١٠٤ - حاشية الشهاب: عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي: البيضاوي. دار صادر، بيروت.\n١٠٥ - حاشية القُونَوي على تفسير الإمام البيضاوي: عصام الدّين إسماعيل بن محمّد الحنفي. دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n١٠٦ - خريدة القصر وجريدة العصر: العماد الأصبهاني. الدَّار التُّونسيَّة، تونس، ١٩٧٣ م.\n١٠٧ - دراسات في النَّحو القرآنيّ: د. عبد الجبار فتحي. مكتبة الثّقافة الدّينيّة، القاهرة، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\n١٠٨ - دلائل الإعجاز في علم المعاني: عبد القاهر الجرجاني. دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n١٠٩ - ديوان الإمام الشّافعيّ: شرح د. عمر الطّباع. دار الأرقم، بيروت.","vol":"1","page":218},{"text":"١١٠ - روائع البيان: محمّد علي الصّابوني. مكتبة الغزالي - دمشق، ومؤسسة مناهل العرفان - بيروت، ط ٣، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n١١١ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: الألوسي. دار إحياء التراث، بيروت.\n١١٢ - زاد المسير في علم التفسير: عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي. المكتب الإسلامي، دمشق، ط ١، ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م.\n١١٣ - سرّ الإعجاز في تنوّع الصّيغ المشتقّة: د. عودة الله منيع. دار البشير، عمّان، ط ١، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n١١٤ - سلسلة الأحاديث الصّحيحة: محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي، ط ٤، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n١١٥ - سورة يوسف دراسة تحليلية: د. أحمد نوفل. دار الفرقان، عمان، ط ١، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n١١٦ - شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك: عبد الله بن عقيل. دار الفكر، بيروت، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n١١٧ - شرح المعلَّقات العشر: أحمد بن الأمين الشّنقيطي. دار المعرفة، بيروت، ط ٢، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م.\n١١٨ - شرح رياض الصّالحين: محمّد بن صالح العثيمين. دار الوطن، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n١١٩ - صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري. دار الفكر.\n١٢٠ - صحيح مسلم بشرح النّوويّ: يحيى بن شرف. دار الكتاب العربي، بيروت ـ","vol":"1","page":219},{"text":"لبنان، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n١٢١ - صفوة التفاسير: محمد علي الصابوني. دار القرآن الكريم، بيروت، ط ٤، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨١ م.\n١٢٢ - صيد الخاطر: ابن الجوزي. المكتبة التّجاريّة، مكّة المكرّمة، ط ٤، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n١٢٣ - غرائب القرآن وغرائب الفرقان: الحسن بن محمد النيسابوري، تحقيق إبراهيم عوض. القاهرة، مصطفى البابي الحلبي، ط ١، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.\n١٢٤ - فتاوى علماء البلد الحرام: د. خالد الجريسي. مؤسّسة الجريسي، الرّياض، ط ٣، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n١٢٥ - فتح الباري: أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني. دار إحياء التّراث العربي، بيروت، ط ٣، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n١٢٦ فتح البيان في إعجاز القرآن: صديق حسن خان. دار الأنصار، القاهرة.\n١٢٧ - فتح البيان في مقاصد القرآن: صديق بن حسن القنوجي. دار الكتب العلميَّة، بيروت - لبنان، ط ١، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n١٢٨ - فتح القدير الجامع بين فني الرِّواية والدِّراية من علم التفسير: محمد بن علي ابن محمد الشوكاني. دار الفكر.\n١٢٩ - فقه السِّيرة: محمَّد الغزالي، تحقيق محمّد ناصر الدّين الألباني. دار القلم، دمشق، ط ٢، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n١٣٠ - فقه السّيرة النّبويّة: د. محمّد سعيد البوطي. دار الفكر المعاصر - بيروت، ودار الفكر - دمشق، ط ٢٦، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.","vol":"1","page":220},{"text":"١٣١ - فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن: ابن الجوزيّ، تحقيق رشيد العبيدي. مطبعة المجمع العلميّ العراقيّ، بغداد، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n١٣٢ - في رحاب التّفسير: عبد الحميد كشك. المكتب المصري الحديث، القاهرة.\n١٣٣ - في ظلال القرآن: سيد قطب. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٧، ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م.\n١٣٤ - قصّة يوسف ﵇ في القرآن الكريم: أحمد محمود. تقديم ومراجعة: أ. د أحمد نوفل، أ. د. محمود السّرطاوي، أ. د. أحمد شكري. دار عمّار، عمّان، ط ١، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.\n١٣٥ - قصص الأنبياء: ابن كثير، ضبط محمّد الفاضلي. المكتبة العصريَّة، بيروت، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n١٣٦ - قصص القرآن: محمد أحمد جاد المولى. دار القلم العربي، حلب، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n١٣٧ - قصص وموالد الأنبياء: أبو عبد الرحمن الكسائي، تحقيق خال شبل. دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n١٣٨ - كتاب التَّسهيل لعلوم التَّنزيل: محمّد بن أحمد بن جزي الكلبي. دار الفكر.\n١٣٩ - لطائف المنَّان وروائع البيان: د. فضل حسن عبّاس. دار النّور، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م.\n١٤٠ - لمسات بيانيّة في نصوص من التّنزيل: د. فاضل السّامرّائي. دار عمّار، عمّان.\n١٤١ - مؤتمر تفسير سورة يوسف: عبدا لله الغزي الدمشقي العلمي. دار الفكر، بيروت، ط ٢، ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م.\n١٤٢ - مجمع الأمثال: أحمد بن محمَّد الميداني، تحقيق محمَّد علي. مكتبة المعارف،","vol":"1","page":221},{"text":"بيروت، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n١٤٣ - مجمع البيان في تفسير القرآن: الفضل بن الحسن الطبرسي. دار المعرفة، بيروت، ط ١.\n١٤٤ مجمّع الزّوائد ومنبع الفوائد: نور الدّين علي بن أبي بكر الهيثميّ. مكتبة القدسي، القاهرة.\n١٤٥ - محاسن التأويل: محمد جمال الدين القاسمي. علَّق عليه محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية.\n١٤٦ - مختصر تفسير الطّبري: محمد علي الصابوني. دار القرآن الكريم، بيروت.\n١٤٧ - مسند أبي داود الطيالسي: الطيالسي. دار المعرفة، بيروت - لبنان.\n١٤٨ - معالم التَّنزيل: الحسين بن مسعود الفراء البغوي، تحقيق خالد العك ومروان سوار. دار المعرفة، بيروت.\n١٤٩ - معاني الأبنية في العربيَّة: د. فاضل السّامرّائي. ط ١، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n١٥٠ - معترك الأقران في إعجاز القرآن: جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر السّيوطي، تحقيق علي البجاوي. دار الفكر العربي.\n١٥١ - معجم الأساليب البلاغيَّة في القرآن الكريم: د. محمّد صالح مخيمر. دار الكتاب الثّقافي، الأردن، اربد، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n١٥٢ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: ابن هشام الأنصاريّ، تحقيق محمّد محيي الدّين عبد الحميد. المكتبة العصريّة، صيدا - بيروت، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n١٥٣ - من أسرار البيان القرآني: د. فاضل السامرائي. دار الفكر، عمّان، ط ١، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.","vol":"1","page":222},{"text":"١٥٤ - من الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم: محمّد متولي منصور. ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n١٥٥ - من بلاغة القرآن: د. محمّد علوان، د. نعمان علوان. الدّار العربيّة، القاهرة، ط ١، ١٩٩٨ م.\n١٥٦ - من بلاغة القرآن الكريم في سورة يوسف - - ﵇ - ـ: د. فتحي عبد القادر فريد. مكتبة النّهضة المصريّة، القاهرة، ط ١، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n١٥٧ - من كنوز السّنّة: محمّد علي الصّابوني، دار الصّابوني، ط ٥، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n١٥٨ - منهاج المسلم: أبو بكر جابر الجزائري. دار الكتب السَّلفيَّة، القاهرة، ط ٢.\n١٥٩ - نظم الدّرر في تناسب الآيات والسُّور: إبراهيم بن عمر البقاعي، تحقيق عبد الرّزاق غالب. دار الكتب العلميّة، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n١٦٠ - نفح الطِّيب من غصن الأندلس الرَّطيب: أحمد بن المقري التّلمساني، تحقيق إحسان عبّاس، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٩٧ م.\n* * *","vol":"1","page":223},{"text":"صدر للمؤلّف\n١ - اكتساح السّحر: تقديم ومراجعة أ. د. راجح الكردي، دار الفرقان، ط ١، عمّان، ١٩٩٠ م.\n٢ - قصّة يوسف ﵇ في القرآن الكريم: تقديم ومراجعة: أ. د. أحمد نوفل، أ. د. محمود السّرطاوي، أ. د. أحمد شكري. دار عمّار، عمّان، ط ١، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.\n٣ - شهيد الدّار عثمان بن عفّان - - ﵁ - ـ: تقديم ومراجعة أ. د محمود السَّرطاوي. دار عمّار، عمّان، ط ١، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n٤ - وأد الفتنة: دراسة نقديّة لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفّين على منهج المحدّثين: تقديم ومراجعة: أ. د محمود السَّرطاوي، أ. د أحمد نوفل، أ. د محمّد العمري. دار عمّار، عمّان، ط ١، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n* * *","vol":"1","page":237}]}