{"ً":{"ٌ":270,"ٍ":"إدامة النظر في تحرير نخبة الفكر","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: إدامة النظر في تحرير نخبة الفكر\nالمؤلف: د. عبد العزيز بن ريس الريس\nعدد الصفحات: ٨٣\n[الكتاب مرقم آليا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3093,"ٕ":10,"ٖ":1780758548,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"المقدمة الأولى: أهمية علم الحديث والحث على الاجتهاد فيه","level":2,"page":2},{"title":"المقدمة الثانية: علم المصطلح وسيلة لمعرفة اصطلاح فرسان هذا الشأن","level":2,"page":4},{"title":"المقدمة الثالثة: ما دخل علم الكلام علما إلا أفسده، ومنه مصطلح الحديث","level":2,"page":5},{"title":"المقدمة الرابعة: أهمية التفريق بين استعمالات الفقهاء واستعمالات المحدثين","level":2,"page":6},{"title":"المقدمة الخامسة: أئمة الحديث الأوائل هم المرجع ومقدمون على غيرهم","level":2,"page":6},{"title":"المقدمة السادسة: تأثير المتن في صحة الحديث وضعفه","level":2,"page":8},{"title":"المقدمة السابعة: يدرك علم الحديث بكثرة الممارسة والتطبيق","level":2,"page":9},{"title":"المتن: (بسم الله الرحمن الرحيم رجاء الاندراج فيه تلك المسالك)","level":1,"page":11},{"title":"المتن: (فأقول: الخبر إما أن يكون له طرق بلا عدد معين)","level":1,"page":12},{"title":"وصول الحديث والخبر إلينا له طريقان: متواتر وآحاد","level":2,"page":12},{"title":"معنى المتواتر والآحاد، وأقسام خبر الآحاد","level":2,"page":12},{"title":"لفظ (الغريب) له معنى مختلف عند العلماء الأوائل","level":2,"page":15},{"title":"غلبة الظن حجة، ومنه خبر الآحاد","level":2,"page":16},{"title":"خبر الآحاد إذا اختفت به القرائن يفيد العلم","level":2,"page":16},{"title":"معنى التواتر عند العلماء الأولين","level":2,"page":17},{"title":"المتن: (ثم الغرابة: إما أن تكون في أصل السند أو لا)","level":1,"page":19},{"title":"أقسام الغرابة","level":2,"page":19},{"title":"الحديث من حيث الجملة نوعان","level":2,"page":20},{"title":"شروط الحديث الصحيح","level":2,"page":20},{"title":"ضابط العدالة","level":2,"page":21},{"title":"المقصود بالمعلول","level":2,"page":21},{"title":"المقصود بالشذوذ","level":2,"page":22},{"title":"تفاوت رتبة الصحيح","level":2,"page":22},{"title":"ما اتفق عليه الشيخان مقدم على غيرهما","level":2,"page":23},{"title":"المراد بكون الحديث على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما","level":2,"page":23},{"title":"الفرق بين الصحيح والحسن، وهل للحسن ضابط؟","level":2,"page":25},{"title":"تصحيح الحديث بكثرة الطرق","level":2,"page":26},{"title":"معنى قول الترمذي: (حسن صحيح)","level":2,"page":27},{"title":"زيادة الثقة","level":2,"page":28},{"title":"سبع مسائل مهمة تتعلق بمبحث زيادة الثقة","level":2,"page":29},{"title":"مخالفة الراوي","level":2,"page":33},{"title":"تنبيه: تصحيح الطريق لا يعني تصحيح الحديث","level":3,"page":34},{"title":"الفرد النسبي","level":2,"page":35},{"title":"خمس مسائل مهمة تتعلق بتقوية الحديث بالشواهد والمتابعات","level":2,"page":35},{"title":"المتن: (ثم المقبول: إن سلم من المعارضة)","level":1,"page":38},{"title":"لا يصح بحث المقبول في علم الحديث","level":2,"page":38},{"title":"رد الحديث يرجع لأمور ثلاثة: السقط، والطعن، والمخالفة","level":2,"page":39},{"title":"قد تدل قرينة على قبول الانقطاع","level":2,"page":40},{"title":"الحديث المعلق وأقسامه","level":2,"page":42},{"title":"الحديث المرسل، ما يقبل منه وما يرد","level":2,"page":42},{"title":"الحديث المعضل","level":2,"page":43},{"title":"المرسل الخفي والظاهر","level":2,"page":43},{"title":"أربع مسائل مهمة في الراوي المدلس والحديث المدلس","level":2,"page":45},{"title":"اشتراط اللقاء والسماع لقبول الرواية","level":2,"page":47},{"title":"المتن: (ثم الطعن: إما أن يكون لكذب الراوي)","level":1,"page":50},{"title":"الأمور التي يطعن بها في الراوي","level":2,"page":51},{"title":"المتن: (فالأول: الموضوع، والثاني: المتروك،)","level":1,"page":53},{"title":"أعظم سبيل لمعرفة الحديث المعلول بالعلة الخفية هو جمع الطرق","level":2,"page":53},{"title":"المخالفة وتحتها أقسام","level":2,"page":54},{"title":"يعرف الإدراج بأمور أربعة","level":2,"page":54},{"title":"حتى تكون الزياد مردودة لابد من أمرين","level":2,"page":55},{"title":"المضطرب، ومعناه عند الأولين","level":2,"page":56},{"title":"المصحف والمحرف، وتحتهما أقسام","level":2,"page":56},{"title":"رواية الحديث بالمعنى وحكمها","level":2,"page":57},{"title":"تنبيه: إذا روى الراوي حديثا خطأ، فلابد للمحدثين والأئمة أن يبينوا خطأه","level":3,"page":57},{"title":"الجهالة سببها وأنواعها","level":2,"page":58},{"title":"خمس مسائل مهمة تتعلق بالمجهول","level":2,"page":59},{"title":"رواية المبتدع، متى تقبل ومتى ترد","level":2,"page":61},{"title":"الاختلاط والتغير نوعان، وضابط التفريق بينهما","level":2,"page":63},{"title":"المتن: (ثم الإسناد: إما أن ينتهي إلى)","level":1,"page":65},{"title":"المرفوع والموقوف، وأقسام المرفوع","level":2,"page":66},{"title":"تعبير العلماء الأولين للمنقطع والمقطوع","level":2,"page":66},{"title":"معنى المسند","level":2,"page":67},{"title":"الإسناد العالي والإسناد النازل","level":2,"page":67},{"title":"الموافقة والبدل","level":2,"page":68},{"title":"المساواة والمصافحة","level":2,"page":68},{"title":"الأكابر عن الأصاغر","level":2,"page":68},{"title":"سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده","level":2,"page":68},{"title":"السابق واللاحق","level":2,"page":69},{"title":"جحد الشيخ للحديث الذي رواه تلميذه له أحوال ثلاثة","level":2,"page":69},{"title":"المسلسل","level":2,"page":70},{"title":"المتن: (وصيغ الأداء: سمعت وحدثني)","level":1,"page":71},{"title":"لا فرق بين (حدثني) و(سمعت) و(أخبرني)","level":2,"page":71},{"title":"أقوال العلماء في عنعنة المعاصر","level":2,"page":72},{"title":"ثلاث مسائل في صيغ المدلس","level":2,"page":72},{"title":"المشافهة والإجازة والمناولة والوجادة","level":2,"page":73},{"title":"شروط الإذن في الوجادة","level":2,"page":74},{"title":"تنبيه في المبالغة في الإجازات","level":2,"page":74},{"title":"المتفق والمفترق","level":2,"page":75},{"title":"المتن: (خاتمة)","level":1,"page":77},{"title":"ضابط طبقات الرواة","level":2,"page":77},{"title":"مراتب الجرح والتعديل","level":2,"page":78},{"title":"خمسة أمور مهمة في قبول جرح وتعديل العالم","level":2,"page":78},{"title":"تقبل التزكية من عارف بأسبابها ولو كان واحدا","level":2,"page":80},{"title":"الجرح مقدم على التعديل","level":2,"page":80},{"title":"المتن: (فصل: ومن المهم معرفة كنى المسلمين)","level":2,"page":81},{"title":"بعض الأمور التي أغنت عنها الفهارس والمكتبات الإلكترونية","level":2,"page":81},{"title":"التحمل والأداء","level":2,"page":82},{"title":"الرحلة في طلب العلم مرادة لغيرها","level":2,"page":83},{"title":"الموقف من كتب المصطلح","level":2,"page":83}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83},"ٜ":{"1":[1,83]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83"],"ٞ":{"2":[1,2],"4":[3],"5":[4],"6":[5,6],"8":[7],"9":[8],"11":[9],"12":[10,11,12],"15":[13],"16":[14,15],"17":[16],"19":[17,18],"20":[19,20],"21":[21,22],"22":[23,24],"23":[25,26],"25":[27],"26":[28],"27":[29],"28":[30],"29":[31],"33":[32],"34":[33],"35":[34,35],"38":[36,37],"39":[38],"40":[39],"42":[40,41],"43":[42,43],"45":[44],"47":[45],"50":[46],"51":[47],"53":[48,49],"54":[50,51],"55":[52],"56":[53,54],"57":[55,56],"58":[57],"59":[58],"61":[59],"63":[60],"65":[61],"66":[62,63],"67":[64,65],"68":[66,67,68,69],"69":[70,71],"70":[72],"71":[73,74],"72":[75,76],"73":[77],"74":[78,79],"75":[80],"77":[81,82],"78":[83,84],"80":[85,86],"81":[87,88],"82":[89],"83":[90,91]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته\nأما بعد:\n\nفقد اطلعت على تفريغ لدورة علمية في شرح متن (نخبة الفكر) للحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- قام بإعداده بعض الإخوة ووضعوا له فهرسًا، وأسميته:\n\n(إدامة النظر في تحرير نخبة الفكر)\n\nأسأل الله العظيم أن يتقبَّله وأن يجعله نافعًا لخلقه، إنه الرحمن الرحيم.\nوالسلام عليكم ورحمه الله وبركاته\n\nد. عبد العزيز بن ريس الريس\n@dr_alraies\nالمشرف على موقع الإسلام العتيق\n٢٣/ ٨ / ١٤٤١ هـ","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة:</span>\nمن المعلوم أن هذا المتن في علم مصطلح الحديث، وهذا العلم كما لا يخفى هو من علوم الآلة الموصلة إلى معرفة الحديث صحةً وضعفًا.\nوالطريقة في التعليق على هذا المتن -إن شاء الله- ما يلي:\n١ - بيان مراد الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-.\n٢ - ذكر ما يهم في بعض المسائل إذا كان هناك ما يستدعي ذلك،\n٣ - ذكر بعض الملاحظات على كلام الحافظ -إن وُجد-.\nأسأل الله أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا إنه الرحمن الرحيم.\nوقبل البدء في التعليق على هذا المتن المفيد، أُقدم بمقدمات:\nالمقدمة الأولى:\nينبغي لطالب العلم أن يجتهد في الجمع بين علم الحديث وعلم الفقه، فإن من جمع بينهما قوي ساعده، وعظمت مكانته في العلم، لذا إذا نظرت في حال كثير من العلماء ممن عُرفوا بالعلم وشُهروا به تجد أنهم قد جمعوا بين هذين العلمين.\nومن الكلمات العظيمة للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- أنه قال: من نظر في الحديث قويت حجته. وصدق -رحمه الله تعالى-، فإن الفقيه يحتاج إلى حديث رسول الله -ﷺ- حتى يستدل به، ولا يمكن أن يصح له الاستدلال إلا بعد أن يُثبت صحته، وهذا لا يكون إلا بمعرفة علم الحديث.\nوقد تكلم ابن حبان في كتابه (المجروحين) عن الجمع بين علم الحديث وعلم الفقه، بكلام نفيس للغاية، فلذا ينبغي أن نجتهد وأن نُجاهد أنفسنا في الجمع بين هذين العلمين، فإن علم الحديث يرجع إلى صحة المصدر الثاني وثبوته، أما علم الفقه فهو يرجع إلى فهم الحديث النبوي وإلى فهم غيره من الأدلة الشرعية.\nإلا أنه ينبغي أن يُعلم أنه قد يكون العالم مُقلدًا في علم الحديث، وهذا نقص، لكن لا يصح أن يكون العالم عالمًا في الحلال والحرام ويكون مُقلدًا في علم الفقه، كما أن المحدث قد","vol":"1","page":2},{"text":"يكون محدثًا ولا يكون ذا رسوخ في علم الفقه، بأن يكون مجتهدًا في علم الحديث ويكون مقلدًا في علم الفقه.\nوالكمال هو أن يُجمع بين الأمرين، بين علم الحديث وعلم الفقه، أسأل الله برحمته وفضله أن يمن علينا جميعًا بالعلم النافع والعمل الصالح، إنه الرحمن الرحيم.\nوقد منَّ الله علينا في هذا العصر بعالم مُجدد نادر، وهو العلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-، وهذا العالم مُجدد في أبواب كثيرة من الدين، لكن الذي يهمني ما يتعلق بعلم الحديث، فإنه من أدق العلماء المتأخرين في معرفة الحديث صحةً وضعفًا، وفي الإتقان والضبط، فإن كثيرًا من العلماء المتأخرين عنده أوهام في العزو وغير ذلك، أما العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-فقلّ أن يوجد عنده مثل هذا.\nفهو عالم متبحر في علم الحديث، متمكن وصاحب إتقان ومعرفة وضبط، -رحمه الله تعالى-.\nحتى إن أحدهم كتب رسالة يتعقب فيها الشيخ ناصر الدين الألباني في بعض الأحاديث وفي عزوها إلى بعض المصادر ... إلخ، فأشار الشيخ ناصر الدين الألباني في (السلسلة) للرد على هذا الذي كتب هذه الرسالة، ووصفه بأنه شاب، وقال: ولو كان ذا معرفة لما تعقَّب، فإني تركت عزوه إلى المصدر الفلاني، لأن هناك زيادة وهو حرف الواو، وهو مؤثر في لفظ الحديث، بخلاف ذاك الحديث ...، فتكلم بكلام نفيس -رحمه الله تعالى-.\nفالشيخ ناصر الدين الألباني له فضل كبير على أمة محمد -ﷺ- في علم الحديث، فقد قرَّبه وسهَّله، وقد منَّ الله عليه بأن وقف على مراجع كثيرة لم يقف عليها كثيرون ممن عاصره -رحمه الله تعالى-.\nوقد جالست كثيرين ممن لهم عناية بعلم الحديث، وأطبقوا على أنهم ما عرفوا هذا العلم إلا بأن درسوا في أول أمرهم على الشيخ ناصر الدين الألباني، بل التقيت رجلين معروفين وللأسف بالطعن في الشيخ ناصر الدين الألباني، فلما جرى الكلام معهم قال أحدهم: والله ما عرفت هذا العلم إلا بقراءة كتب الشيخ ناصر الدين الألباني. حتى قال: لا أظن أن أحدًا في هذه الأزمان يستطيع أن يكون محدثًا ولم يتتلمذ على كتبه.\nوقال الآخر: في أول أمري كنت عاكفًا على كتبه وقراءته. ومع ذلك جحدوا فضله -رحمه الله تعالى-.","vol":"1","page":3},{"text":"وينبغي أن نعلم أنه لا تلازم بين تعظيم الرجل ومعرفة مكانته وبين أن يُخالف، فإن علماء الإسلام قد أمرونا باتباع الدليل ولو خالفناهم، فلطالب العلم الذي عنده آلة أن يُخالف من يُخالف من أهل العلم بقواعد أهل العلم، مع حفظ منزلتهم ومرتبتهم.\nوقد ابتلينا في هذه العصور بمن ينتقص العلامة الألباني ويُنزل من قدره، حتى قرأت لأحدهم يقول: محمد ناصر الدين الألباني ليس محدثًا!! يريد أن يُنكر الشمس في رائعة النهار، ولا أريد أن أطيل في مثل هذا، لكن من أراد أن يعرف هذا العلم فليستفد من كتب الشيخ ناصر الدين الألباني، لاسيما السلسلتان، وإرواء الغليل، وتخريج سنن أبي داود المطوَّل، فإن في هذه الكتب بسطًا وجمعًا للطرق، وذكرًا لبعض الفوائد والقواعد التي لا توجد بسهولة.\nأسأل الله أن يغفر له وجميع علماء المسلمين، وأن يجمعني وإياكم وإياه في الفردوس الأعلى إنه الرحمن الرحيم.\nالمقدمة الثانية:\nينبغي أن يُعلم أنّ الغاية من دراسة علم المصطلح أنه علم آلة ووسيلة لمعرفة اصطلاحات أهل العلم في الحديث، فإذا قال أئمة هذا الشأن وفرسانه: حديث غريب. أو حديث صحيح. إلى غير ذلك من الألفاظ، فالهدف - من علم المصطلح - هو معرفة معنى كلامهم.\nومن الخطأ أن يُحدث بعض من كتب في المصطلح ممن ليس من أهل الحديث تعريفات لاصطلاحات ليست موجودة عند أئمة هذا الشأن وأئمة الحديث الأوائل وفرسانه، فيُعرِّفون بعض الاصطلاحات بتعريفات ليست موجودة عندهم، وهذا خطأ كبير، وسيتضح هذا في ثنايا قراءة كلام الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-.\nفيُعرِّفون المنكر، أو المحفوظ، أو غيرهما، بتعريفات ليست موجودة عند العلماء الأوائل، والمفترض في علم المصطلح أن يُبيِّنَ معنى استعمال العلماء للألفاظ في علم الحديث، لا أن يُحدث معاني لاصطلاحات استعملها أهل العلم أو أن يُحدث اصطلاحات جديدة لم يتكلم بها العلماء الأولون، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.","vol":"1","page":4},{"text":"تنبيه: إن العلماء الأولين إذا تكلموا على الحديث فهم إلى المعنى اللغوي أقرب منه إلى المعنى الاصطلاحي، فأكثر عباراتهم ترجع إلى المعنى اللغوي، ولم يأتوا باصطلاح جديد، وإنما بمعانٍ عربية معروفة.\nالمقدمة الثالثة:\nما دخل علم الكلام علمًا إلا وأفسده، فإن المتكلمين ليسوا علماء بإجماع أهل العلم ولا فقهاء، ذكر الإجماع ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في كتابه (جامع بيان العلم وفضله)، وكلام أئمة أهل السنة كالإمام مالك والشافعي وأحمد وغيرهم في تحريم علم الكلام وذمه كثير مسطور مزبور، نقل طرفًا منه ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله)، وقوام السنة في كتابه (الحجة في بيان المحجة)، وألف الهروي كتابًا كاملًا بعنوان: (ذم الكلام وأهله)، ونقل فيه نقولات مفيدة عن أهل العلم، فإن العلماء متواردون على إنكار علم الكلام وأنه ضلالة وباطل ولا يجوز في الشريعة.\nومن علم الكلام علم المنطق، فإنه محرم بإجماع أهل العلم، حكى الإجماع النووي، وابن الصلاح، وجماعة من أهل العلم، لذا يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-في كتابه (مفتاح دار السعادة): ما دخل علم المنطق علمًا إلا وأفسده. وهكذا علم الكلام الذي منه علم المنطق، ما دخل علمًا إلا وأفسده.\nوبعض الناس قد تكون عنده نُهمة، أو لا يكون عارفًا لحقيقة العلم، فيقول: لن أقتنع بفساد علم الكلام حتى أدرسه، وأقل ما في فعله هذا من المفاسد أنه يُضيع عمره فيما لا ينفع، والنبي -ﷺ- كما في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»، فما بالكم وفيه من المحرمات وما يُؤدي إلى الضلالات ما الله به عليم.\nوقد درس هذا العلم جماعات وندموا على دراسته، منهم من المتكلمين الرازي مثلًا، وبرع في هذا العلم وندم على دراسته، ومنهم من هو من أهل السنة ودرسه للرد على المتكلمين كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية، وبيَّن أنه لا فائدة من هذا العلم بل هو سبب للضلالة، ومنهم الشوكاني في شرح حديث: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن» قال: أُنبئك عن رجل قد درس هذا العلم وأكمل دراسته حتى بلغ الغاية فيه. ثم بيَّن أنه لا فائدة من هذا العلم، وأن من يغتر بهذا العلم هو من لم يتعمَّق في دراسته، لذلك ما دخل علم الكلام علمًا إلا وأفسده، ومن ذلك علم الحديث.","vol":"1","page":5},{"text":"فقد تأثَّر الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية) في بعض المباحث بعلم الكلام، ومن بعده زاد التأثر بهذا بعلم الكلام أكثر، وقد نبَّه ابن رجب في شرح (العلل) على تأثر الخطيب بعلم الكلام، فقال: وقد تكلم الخطيب البغدادي في مبحث زيادة الثقة وأدخل في ذلك قول المتكلمين.\nالمقدمة الرابعة:\nينبغي أن يُفرَّق بين كلام أهل الحديث وكلام الفقهاء في علم الحديث ومصطلح الحديث، فهناك فرق بين كلام أهل الحديث وكلام الفقهاء، فإن العمدة والمرجع في كل فن لأهله، وقد نقل ابن أبي حاتم في كتابه (المراسيل) عن أبيه أبي حاتم أن إجماع أهل الحديث حجة، أي في الحديث، وذكر مثل هذا ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) وابن القيم كما في (مختصر الصواعق)، أن إجماع أهل كل فن حجة في الفن نفسه.\nومن الأخطاء أن يتكلم من ليس ذا تخصص ومعرفة بعلم الحديث في علم الحديث من الفقهاء، فإن من يفعل ذلك يُفسد هذا العلم، كما حصل لابن الصلاح -رحمه الله تعالى- أنه في مبحث زيادة الثقة أدخل كلام الفقهاء في هذا المبحث، وقد نبَّه على هذا البقاعي، فلذلك حصل عند ابن الصلاح خلط في هذا المبحث لأنه خلطه بكلام الفقهاء، والفقهاء ليسوا أهل معرفة في ذلك.\nوقد أشار لهذا المعنى ابن دقيق العيد في كتابه (المقترح) لما ذكر: \"من غير شذوذ ولا علة\" قال: الشذوذ علة اعتنى بها المحدثون وأهملها الفقهاء. فلذا ينبغي أن يُميَّز بين كلام أهل الفن وكلام غيرهم.\nوكلام الفقهاء دخل في علم الحديث، وحصل ما حصل فيه، ومن كلمات البلقيني العظيمة ونقلها السخاوي عنه أنه قال: لو توسَّعنا في التأويل لدفعنا كثيرًا من العلل التي كان يُعلل بها أئمة الحديث. فالتوسع في التأويل والجمع بين الأحاديث على طريقة الفقهاء ينتج منها نتيجة وهو أن تُرد كثير من العلل التي أتى بها المحدثون، ولعله يتيسر بيان شيء من هذا -إن شاء الله تعالى-.\nالمقدمة الخامسة:\nإن لعلم الحديث فرسانًا وأئمة وهم العلماء الأوائل المتقدمون، كشعبة، والثوري، وأحمد، وابن المديني، ويحيى بن معين، والرازيين، وأمثالهم.","vol":"1","page":6},{"text":"وهؤلاء الأئمة هم المرجع في هذا العلم، وهم فرسانه وهم أئمته، ولا يصح لأحد أن يُخالفهم، ومن لطيف ما بيَّن ابن القيم -رحمه الله تعالى- في ثنايا كلامه على حديث أنس في تخليل اللحية في كتابه (تهذيب السنن)، لما نقل كلامًا لابن القطان الفاسي في تصحيح حديث قد ضعَّفه محمد بن يحيى الذهلي، قال ابن القيم: \"وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله ويعلمون أن الحديث معلول بإرسال الزبيدي له ولهم ذوق لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات\". وقد ذكر نحوًا من ذلك ابن رجب -رحمه الله تعالى- وقال: أئمة الحديث إذا قالوا قولًا فلا يصح لأحد أن يُخالفهم. ومثل ذلك ابن حجر في كتابه (النكت على ابن الصلاح) قال: إذا تكلم أئمة الحديث وفرسانه في هذا العلم ولم يُخالفوا لم يصح لأحد أن يُخالفهم.\nوهذا كله لرسوخهم في هذا العلم ومعرفتهم به، فهم القدوة فيه، وهم الأئمة المتبعون في معرفته.\nثم ينبغي أن يُعلم أننا وإياهم لنا حالان:\n•  الحال الأولى: أمور نشترك معهم فيها، وهم الأصل فيها ولا يصح أن ننازعهم، لأننا ما نستطيع أن نخرج بنتيجة في ضعف راوٍ أو ثقته إلا بالرجوع إلى كلامهم، وأحسن ما عند أحدنا أن يُحسن جمع كلامهم وأن يُحسن تلخيصه، فلذلك نحن عالة عليهم.\nهذا ليس أنا وأنت، وليس في قرننا ولا القرن السابق، بل حتى في وقت الخطيب البغدادي وابن عبد البر، فإن هؤلاء لا ينقدون بسبر حال الراوي، وإنما يعتمدون على كلام الأئمة الماضين، فكيف بي وبك؟\n•  الحال الثانية: أمور انفصلوا بها عنا، وتمايزوا بها عمن بعدهم، فقد وقفوا على أمور لا يمكن لأحد بعدهم أن يقف على ذلك، ومن أمثلة ذلك: أن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- طلب من إسماعيل بن أبي أويس أن يُريه كتبه، فأراه كتبه، فانتقى منها الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-. ذكر هذا ابن حجر في مقدمته على صحيح البخاري.\nونحن لا نستطيع أن نصل إلى هذه الدرجة، وغاية ما عندنا أن نقرأ كلام العلماء في إسماعيل بن أبي أويس وننظر في الحديث، أما البخاري فقد وقف على كتبه ثم انتقى منها انتقاءً، وهذا لا يتيسر لمن بعدهم.","vol":"1","page":7},{"text":"فلذلك ينبغي أن يُسلَّم للأئمة وألا يُعارضوا، هذا إذا لم يختلفوا، وإذا اختلفوا نستعمل قواعد أهل العلم التي تلقينها عنهم.\nالمقدمة السادسة:\nينبغي أن يُعلم أن للمتن تأثيرًا في صحة الحديث وضعفه، فمن المتون ما تستقل بحكم شرعي جديد فيُشدد فيها ما لا يُشدد في غيرها، ومن المتون ما لا تأتي بحكم جديد فيُسهَّل فيها ما لا يُسهَّل في غيرها، ومن أمثلة ذلك ما روى البخاري عن أُبيّ بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه عن جده في ذكر خيل النبي -ﷺ- وكانت في حائط لهم يُقال لها اللخيف.\nوأبي بن عباس ضعيف، وتابعه أخوه عبد المهيمن وهو أضعف منه، ومع ذلك أخرجه البخاري، قال ابن حجر في (النكت): تساهل البخاري في إخراجه لأنه ليس من أحاديث الأحكام ولا يترتب عليه شيء، فتسهَّل فيه البخاري -رحمه الله تعالى-.\nفلذلك هذا الإسناد لو وضعته على متن آخر في الأحكام لم يصح، لكن صح في مثل هذا، فإذن ينبغي أن يُدقق في نوع المتن، فإنه ينبني على معرفة نوع المتن التشديد في الإسناد أو التسهيل.\nلأجل هذا تساهل العلماء في أحاديث الترغيب والترهيب، قال النووي في كتابه (الأذكار): اتفق العلماء على التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب. وكلام الإمام أحمد والرازي وغيرهم قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وفي الترغيب والترهيب تساهلنا.\nووجه ذلك كما يقول ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) في المجلد الثامن عشر، وذكر نحوًا من ذلك الشاطبي في كتابه (الاعتصام)، والألباني في مقدمة (صحيح الترغيب والترهيب)، قالوا: المراد التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب التي لا ينبني عليها أحكام، فيكون الحكم ثابتًا بأدلة صحيحة، فثبت استحبابه أو وجوبه، ثم يرد في حديث آخر ذكر فضل ما تضمنه هذا الحديث، فمثل هذا يُتساهل فيه، بشروط كأن لا يكون ضعفه شديدًا، وغير ذلك.","vol":"1","page":8},{"text":"وسبب التساهل فيه أن فضل الله واسع، وكم من عبادة نعملها ولا نعرف فضلها وقد يكون لها من الفضائل ما الله به عليم، ففضل الله واسع، ثم لا يترتب على ذلك حلال ولا حرام، فلذلك يُسهَّل فيه ما لا يُسهَّل في غيره.\nويُخطئ كثيرون ويُصححون أحاديث في الترغيب والترهيب وأصل الحكم الذي دل عليها هذا الأحاديث ليس ثابتًا بطريق صحيح، فرجع تصحيحهم لهذا الحديث إلى أن صححوه في الأحكام، فمثل هذا ينبغي أن يُشدد فيه، ومن أمثلة ذلك: حديث فضل الذكر عند دخول السوق، والحديث ضعيف ضعفه ابن عدي وغيره، لكن لو أراد رجل أن يتساهل في هذا الحديث بحجة التسهيل في أحاديث الترغيب والترهيب، فيقال: تصحيح هذا الحديث ينتج منه استحباب هذا الذكر، فرجع إلى الأحكام؛ لأن ما دل على الاستحباب أو الوجوب أو الحرمة أو الكراهة فهو راجع إلى الأحكام، فإنه لم يصح حديث في استحباب هذا الذكر، ثم جاء حديث في بيان فضله، فلو صح حديث في استحباب هذا الذكر ثم جاء حديث في بيان فضله لتُسوهل في هذا الفضل، أما وأن يُبنى الأمر على تصحيح حديث في الفضل وينتج منه القول باستحبابه فإن مثل هذا لا يجوز.\nوهذا أمر ينبغي أن يُتفطن إليه وأن يُعرف وأن يُدرك.\nالمقدمة السابعة:\nهذا العلم العظيم يُدرك بكثرة المِرَاس والتطبيقات، ليس بالشيء النظري، فإن بعض الناس تجده مُبرزًا في دراسة علم المصطلح نظريًا، لكنه في باب التطبيق والممارسة ضعيف وقليل التجربة، فمثل هذا لا يكون ذا معرفة بالأحاديث صحةً وضعفًا.\nوقد رأيت بعضهم متميزًا في دراسة علم المصطلح ومتوسعًا فيه، لكنه ضعيف للغاية في معرفة الأحاديث صحيحةً أو ضعيفة، وهذا خطأ كبير، فينبغي أن يكون طالب العلم ذا مِرَاس وتجربة وتطبيقات كثيرة حتى يشتد ساعده ويقوى، فإن هذا العلم لا يُدرك إلا بكثرة الممارسة، وقد ذكر هذا الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-، وابن حجر في كتابه (النكت)، وابن رجب في شرحه على (العلل)، وابن الصلاح في بعض المباحث.\nفإن من أكثر التخريج وحاول أن يعرف كيف العلماء حكموا بالصحة والضعف، وتدرب كثيرًا اشتدَّ ساعده وقوي في هذا العلم، لذا أوصيك بأن تجتهد في ذلك وأن تستفيد من كتب الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-، وألا تقف عندها، بل أوصيك أن تبتدئ بها وأن تتوسع بعد ذلك، وأن تعلوا وترتفع حتى ترجع إلى أئمة وفرسان هذا العلم.","vol":"1","page":9},{"text":"بعد هذا أبتدئ بالتعليق على هذا المتن المبارك، وأسأل الله أن يغفر لابن حجر -رحمه الله تعالى-.","vol":"1","page":10},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلِيمًا قَدِيرًا، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ:\nفَإِنَّ التَّصَانِيفَ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَدْ كَثُرَتْ، وَبُسِطَتْ وَاخْتُصِرَتْ، فَسَأَلَنِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ أَنْ أُلَخِّصَ لَهُمُ الْمُهِمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَأَجَبْتُهُ إِلَى سُؤَالِهِ؛ رَجَاءَ الِانْدِرَاجِ فِي تِلْكَ الْمَسَالِكِ.\n<hr><s0>\n\nسلك الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- طريقة المناطقة في الترتيب والتقسيم، وهي طريقة السبر والتقسيم، وفعل ذلك من باب التقريب والتسهيل، ومثل هذا لا يُقال إنه مُحدث، فإن طريقة السبر والتقسيم دل عليها القرآن، وسار عليها أهل العلم قبل هؤلاء المناطقة والمتكلمين.\nقوله: (فَسَأَلَنِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ) سأله جماعة منهم الزركشي الشافعي، ذكر هذا السخاوي -رحمه الله تعالى- في كتابه: (الجواهر والدرر).","vol":"1","page":11},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nفَأَقُولُ: الْخَبَرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ: طُرُقٌ بِلَا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَعَ حَصْرِ بِمَا فَوْقَ الِاثْنَيْنِ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَاحِدٍ. فَالْأَوَّلُ: الْمُتَوَاتِرُ: الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِشُرُوطِهِ.\nوَالثَّانِي: الْمَشْهُورُ، وَهُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيٍ.\nوَالثَّالِثُ الْعَزِيزُ، وَلَيْسَ شَرْطًا لِلصَّحِيحِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ.\nوَالرَّابِعُ: الْغَرِيبُ.\nوَكُلُّهَا - سِوَى الْأَوَّلِ - آحَادٌ. وَفِيهَا الْمَقْبُولُ وَالْمَرْدُودُ؛ لِتَوَقُّفِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِهَا دُونَ الْأَوَّلِ. وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ بِالْقَرَائِنِ عَلَى الْمُخْتَارِ.\n<hr><s0>\n\nذكر ابن حجر -رحمه الله تعالى- أن وصول الحديث والخبر إلينا له طريقان، والذي ذكر -رحمه الله تعالى- لفظ الخبر، وينبغي أن يُعلم أن لفظ (الحديث) و(الخبر) و(الأثر) كلها تُطلق على الحديث المرفوع إلى النبي -ﷺ-؛ لذلك ألَّف المجد ابن تيمية: (منتقى الأخبار) فسمى أحاديث النبي -ﷺ- بالأخبار، وأيضًا ألَّف الطحاوي: (شرح معاني الآثار) فسمى أحاديث النبي -ﷺ- بالآثار.\nفالخبر يُطلق على الحديث النبوي وعلى غيره، والأثر يُطلق على الحديث النبوي وعلى غيره، وقد ذكر النووي -رحمه الله تعالى- أن طريقة المحدثين أن الخبر يُطلق على الحديث، وأن بعض الخراسيين فرَّق بين الأثر والحديث، وقال: الأثر ما يُطلق على غير النبي -ﷺ-، أما الحديث فهو ما يُطلق على النبي -ﷺ-، والصواب أن يُقال: إن الخبر والأثر والحديث كلها تُطلق على أحاديث النبي -ﷺ- وأقواله وأفعاله وتقريراته.\nفإذن وصول الخبر إلينا له حالان:\n• الحال الأولى: أن يبلغ مبلغ التواتر.\n• الحال الثانية: ألا يبلغ مبلغ التواتر وهو الآحاد.","vol":"1","page":12},{"text":"فإذن كل ما ليس متواترًا فهو آحاد، والآحاد أقسامٌ ثلاثة:\n١ - غريب.\n٢ - عزيز.\n٣ - مشهور.\nوأبدأ ببيان معنى المتواتر؛ لأن ما ليس متواترًا فإنه آحاد، فالمتواتر عند علماء المصطلح كما بيَّنه الحافظ في شرحه على هذا المتن وهو نزهة النظر: ما رواه جمعٌ عن جمعٍ تُحيل العادة توافقهم وتواطؤهم على الكذب، من أول السند إلى منتهاه، ويكون مستندهم الحس.\nفإذن يُشترط في التواتر ما يلي:\n•  الأمر الأول: أن يكون الرواة جماعةً.\n•  الأمر الثاني: أن تُحيل العادة توافقهم وتواطؤهم على الكذب.\n•  الأمر الثالث: أن يكون من أول السند إلى منتهاه.\n•  الأمر الرابع: أن يكون مستندهم الحس، بأن يقول: سمعت، أو رأيت، ونحو ذلك.\nوالفرق بين التواطؤ والتوافق: أن التواطؤ ما كان بتعمُّد، أي لو حاول هؤلاء الجماعة أن يتفقوا على الكذب لما استطاعوا، أما التوافق: أي أن يتفقوا على الكذب بلا تواطؤ. وقد ذكر هذا المناوي في تعليقاته على (نخبة الفكر).\nفكل حديث جمع هذه الشروط فهو حديث متواتر، وما لم يجمع هذه الشروط فإنه آحاد، والآحاد أقسم ثلاثة:\nالقسم الأول: الغريب.\nوهو أن يكون في أحد طبقات الإسناد راوٍ واحد، فلو قدر أن حديثًا يرويه خمسة عن خمسة عن واحد عن خمسة، فهو غريب.\nالقسم الثاني: العزيز.\nوهو أن يكون في أقل طبقات الإسناد راويان، فلو روى خمسة عن خمسة عن اثنين عن خمسة فهو حديث عزيز.","vol":"1","page":13},{"text":"القسم الثالث: المشهور.\nوهو ما كان الرواة جماعة أكثر من اثنين ثلاثة فأكثر، لكن لم تنطبق عليهم شروط المتواتر، فكل جماعة عن جماعة ... إلخ ولم ينطبق عليهم شروط التواتر فهو مشهور.\nوينبغي أن تُعلم قاعدة مهمة في علم المصطلح وهو: أن القلِّة تغلب الكثرة. فإذا أردت أن تحكم على الحديث هل هو متواتر أو آحاد، وهل هو غريب أو عزيز أو مشهور فانظر إلى أقل طبقة من رواة الإسناد، فالعبرة بالأقل.\nفلو روى ألف عن ألف عن ألف عن واحد عن ألف، فيُقال: إنه غريب، لأن النظر إلى الأقل، وكذلك لو روى ألف عن ألف عن ألف عن اثنين عن ألف، فالحديث عزيز، لأنه يُنظر إلى الأقل، وكذلك لو روى ألف عن ألف عن اثنين عن واحد عن ثلاثة فهو غريب، فالنظر إلى الأقل. كما بيَّن ذلك الحافظ في (النزهة).\nقوله: (فَأَقُولُ: الْخَبَرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ: طُرُقٌ بِلَا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ) قوله بلا عدد معين: هذا المتواتر، وهذا هو القسم الأول، والقسم الثاني قوله: (أَوْ مَعَ حَصْرِ بِمَا فَوْقَ الِاثْنَيْنِ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَاحِدٍ) هذا الآحاد، وأشار إلى أن الآحاد أنواع ثلاثة، فقوله: (أَوْ مَعَ حَصْرِ بِمَا فَوْقَ الِاثْنَيْنِ) هذا المشهور، وقوله: (أَوْ بِهِمَا) أي برواية اثنين، وهذا هو العزيز، وقوله: (أَوْ بِوَاحِدٍ) وهذا هو الغريب.\nقوله: (فَالْأَوَّلُ: الْمُتَوَاتِرُ: الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِشُرُوطِهِ) جعل المتواتر مفيدًا للعلم اليقيني بشروطه، وتقدم ذكر شروط التواتر.\nوينبغي أن يُعلم أن العلم نوعان:\n•  النوع الأول: علم ضروري ويقيني، وهو الذي لا يحتاج إلى نظر ولا استدلال ولا بحث.\n•  النوع الثاني: علم نظري، وهو الذي يحتاج إلى نظر واستدلال.\nفقد جعل الحافظ ابن حجر المتواتر مفيدًا العلم الضروري اليقيني، أي بلا نظر واستدلال، وفي هذا نظر -والله أعلم-؛ وذلك أنه قد يروي الحديث الواحد كثيرون ويكون مرجع الكثرة إلى رجل كذاب، أو سُراق يسرق الأحاديث فيكثر الطرق كذبًا، فلذلك لابد من نظر واستدلال، وقد نبَّه على هذا العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في تعليقاته على","vol":"1","page":14},{"text":"(نخبة الفكر)، وصدق -رحمه الله تعالى-، وقد أشار لهذا المعلمي في تعليقاته على كتاب (الفوائد المجموعة) للشوكاني -رحمه الله تعالى-.\nقوله: (وَالثَّانِي: الْمَشْهُورُ، وَهُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيٍ) أي الذي يرويه جماعة ولم يبلغ حد التواتر، قوله: (وَهُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيٍ) أي أن من العلماء من يُسمي المشهور مستفيضًا ومنهم من يُغاير بين المشهور والمستفيض، وبيَّن ابن حجر أن البحث في المستفيض ليس من مباحث هذا الفن، كما بيَّنه في شرحه على (نخبة الفكر)، فمنهم من يقول إن الكثرة لابد أن تكون في أول السند ومنتهاه، أي أن تكون الكثرة في السند كله ابتداء وانتهاء وفيما بينهما، فمثل هذا يُسمى مستفيضًا وما عداه فيسمى مشهورًا، وذكر أقوالًا أخر ثم قال: وهذا ليس من مباحث هذا الفن. وصدق -رحمه الله تعالى-.\nقوله: (وَالثَّالِثُ الْعَزِيزُ، وَلَيْسَ شَرْطًا لِلصَّحِيحِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ) العزيز أن يرويه اثنان كما تقدم، ومثل هذا ليس شرطًا للحديث الصحيح، وقال: (خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ) والذي زعم ذلك المعتزلة، كالجبائي وغيره، وهؤلاء لا ينبغي أن يُذكر خلافهم فخلافهم غير معتبر ولا يُحتج به في الدين كله، فكيف بعلم الحديث؟\nوقد نُسب هذا إلى أبي عبد الله الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث)، وفي هذه النسبة نظر، فقد صحح أحاديث كثيرة برواية راوٍ واحد، وإنما أراد الحاكم -رحمه الله تعالى- أنه لا تثبت صحبة الصحابي إلا بأن يروي عنه اثنان، على تفصيل عنده، والمهم أنه لا يشترط لصحة الحديث أن يرويه اثنان، لا أبو عبد الله الحاكم ولا غيره من أهل السنة ولا أئمة هذا الشأن من أهل الحديث.\nقوله: (وَالرَّابِعُ: الْغَرِيبُ) وقد تقدم أن الغريب ما رواه راوٍ واحد، فإنه يُسمى غريبًا، وأؤكد أن القلة في هذا الفن تغلب الكثرة، فيُنظر إلى أقل الطبقات روايةً، وبناءً عليه يُوصف الحديث هل هو متواتر أو آحاد، ثم يُنظر إلى أي أقسام الآحاد أهو الغريب أو العزيز أو المشهور؟.\nثم ينبغي أن يُعلم أن لفظ (الغريب) له معنى عند العلماء الأوائل يختلف عن معناه عند المتأخرين، وذلك أنهم إذا قالوا: \"حديث غريب\" أي: يريدون به أنه حديث ضعيف. ومن ذلك صنيع الترمذي -رحمه الله تعالى-، فيقول: هذا حديث غريب. أي: ضعيف.","vol":"1","page":15},{"text":"قال الإمام أحمد: إذا رأيت أهل الحديث يقولون: فائدة أو غريب، فاتركه. فبيَّن بهذا أنه حديث ضعيف، فالعلماء إذا قالوا: فوائد أبي تمام، فوائد كذا، أي أحاديثه الضعاف، وهذا اصطلاح درج عليه العلماء الأوائل -﵏ رحمة واسعة-.\nقوله: (وَكُلُّهَا - سِوَى الْأَوَّلِ - آحَادٌ. وَفِيهَا الْمَقْبُولُ وَالْمَرْدُودُ؛ لِتَوَقُّفِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِهَا دُونَ الْأَوَّلِ) بيَّن -رحمه الله تعالى- أن الآحاد بأقسامه الثلاثة يحتاج إلى بحث واستدلال ونظر حتى يتبيَّن أهو صحيح أو ضعيف؟، وقوله: (- سِوَى الْأَوَّلِ -) الذي هو المتواتر، وقد تقدم أن في هذا نظرًا، وأن المتواتر يحتاج إلى بحث واستدلال.\nثم بيَّن أن الآحاد فيه المقبول والمردود بخلاف المتواتر، والصواب أن في جميع الأحاديث سواء كان متواترًا أو آحادًا المقبول والمردود كما تقدم بيانه.\nقوله: (وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ بِالْقَرَائِنِ عَلَى الْمُخْتَارِ) هذا مبحث في أحاديث الآحاد وإفادتها لغلبة الظن أو العلم،\nوقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن أحاديث الآحاد تفيد غلبة الظن، وممن اختار هذا ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة) وكما في (مجموع الفتاوى)، لكن بيَّن ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في بحث مفيد في (مقدمة أصول التفسير) وفي (رد الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية) أن حديث الآحاد إذا احتفت به القرائن فإنه يفيد العلم، وعزا هذا إلى علماء المذاهب الأربعة، بل قال أبو إسحاق الإسفراييني: الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم يفيد العلم بالإجماع. فهذه قرينة إلى أنه يفيد العلم، مع أن أبا إسحاق الإسفراييني من المتكلمين ومع ذلك ذكر أن الحديث إذا اتفق عليه البخاري ومسلم يُفيد العلم إجماعًا.\nلذلك خبر الآحاد إذا احتفَّت به القرائن فإنه ينتقل من غلبة الظن إلى العلم، ومن القرائن: أن تعمل الأمة به، أو أن يرويه البخاري ومسلم، أو أن تتلقاه الأمة بالقبول، إلى غير ذلك من القرائن الكثيرة.\nوقد ذهب بعض العلماء كابن القيم كما في (مختصر الصواعق) أن خبر الآحاد يُفيد العلم بمجرد صحته دون أن تحتف به القرائن، ونسب هذا إلى مالك وأحمد والشافعي وجماعة، ثم قال ابن القيم: وهذا العلم يتفاوت في قوته. فكأن خلاف ابن القيم مع من يقول إنه يفيد","vol":"1","page":16},{"text":"غلبة الظن خلاف قريب من اللفظي، لأنه اعترف أن هذا الذي يفيد العلم أيضًا يتفاوت في العلم الذي يُفيده، فالأمر فيه سهل، لكن ينبغي أن يُعلم ما يلي:\n• الأمر الأول: أن خبر الآحاد حجة في الفقه والعمل، وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة، وقد ذكرها الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتابه (الرسالة)، وبسطها الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه)، ثم حكى الإجماع على أن خبر الآحاد حجة في العمل به جماعة من أهل العلم منهم ابن القاص، نقله عنه الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) وأقره الخطيب، ومنهم ابن عبد البر في أوائل كتابه (التمهيد)، ومنهم ابن تيمية في (دفع الاعتراضات المصرية)، ومنهم ابن القيم كما في (مختصر الصواعق).\n• الأمر الثاني: خبر الآحاد حجة في العقائد بالإجماع، وذلك للأدلة الكثيرة على قبول خبر الآحاد في العقائد، ومنها ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- بعث معاذًا إلى اليمن وقال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا لله» الحديث، فقد أقام الحجة بمعاذ -﵁- ومن معه، وهؤلاء لم يبلغوا حد التواتر على ضابط التواتر عند المتكلمين.\nأما الإجماع على أن خبر الآحاد حجة في باب العقائد فقد حكاه جماعة منهم ابن عبد البر في أوائل كتابه (التمهيد) وابن تيمية في (دفع الاعتراضات المصرية).\nبعد هذا: إن ذكر التواتر في علم الحديث أمرٌ قد ذكره العلماء الماضون، وممن ذكر ذلك الإمام البخاري، فقد قال في حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن»: حديث متواتر.\nلكن للتواتر معنًى عند أئمة وفرسان هذا الفن يختلف عن معناه عند علماء المصطلح، فما تقدم ذكره من شروط التواتر هو قول المتكلمين لا الفقهاء ولا أئمة السلف الأولين، وأول من ذكره في كتب مصطلح الحديث الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-، وإلا أصله مأخوذ من المتكلمين.\nلذا ليس لهذه الشروط ذكر في كلام العلماء الماضين، لا تصريحًا ولا تلميحًا، بل لهم كلام يدل على خلاف ذلك، فإن للشافعي كلامًا يدل على نقد بعض شروط التواتر، ومثله الدارمي في رده على بشر المريسي.","vol":"1","page":17},{"text":"والتواتر بهذه الشروط لا وجود له في الأحاديث النبوية، وقد صرَّح بهذا ابن حبان في مقدمة صحيحه، وقال: السنة كلها آحاد. وصدق -رحمه الله تعالى-، فإنه على هذه الشروط لا يوجد له مثال، وذكر مثل هذا الحازمي -رحمه الله تعالى-، وابن النجار وهو من المتكلمين الأصوليين في شرح (الكوكب)، ثم ابن الصلاح في العبارة التي نقلها الحافظ في (النزهة) قال: إلا أن يُدَّعى في حديث: «من كذب عليَّ متعمدًا»، أيضًا أن يُدعى، أي لا يُجزم به.\nفإذن التواتر بهذا المعنى لا وجود له في الحديث النبوي، وقد تقدم أن علم مصطلح الحديث يدرس اصطلاحات أهل العلم، وهو علم وسيلة لا غاية لمعرفة الأحاديث النبوية صحة وضعفًا، فإذن القول بالتواتر بهذه المعنى لا وجود له.\n• تنبيه: قد عبر العلماء الماضون بالتواتر، لكن معنى المتواتر عندهم: أي المتكاثر، فإن عباراتهم كما سبق أقرب إلى المعنى اللغوي، والتواتر يختلف، فقد يروي حديثًا ثلاثة ويكون متواترًا، وقد يرويه عشرة ولا يكون متواترًا، قال ابن تيمية: وذلك باختلاف حال الرواة. ثم شبَّه هذا ابن تيمية بالطعام، قال: من الطعام ما إن أكلت منه قليلًا شبعت كاللحم، ومن الطعام ما إن أكلت منه كثيرًا لم تشبع. ونسب هذا إلى أهل الحديث.\nوصدق -رحمه الله تعالى- فقد يروي حديثًا ثلاثة من الرواة فيكون متواترًا، وقد يرويه خمسة فيكون متواترًا، وقد يرويه عشرة فلا يكون متواترًا، وذلك بالنظر إلى حال الرواة، فإذن التواتر موجود في كلامهم لكن على خلاف هذه الشروط التي أحدثها المتكلمون والتي لا وجود لها في الحديث النبوي عن رسول الله -ﷺ-.","vol":"1","page":18},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nثُمَّ الْغَرَابَةُ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي أَصْلِ السَّنَدِ، أَوْ لَا.\nفَالْأَوَّلُ: الْفَرْدُ الْمُطْلَقُ. وَالثَّانِي: الْفَرْدُ النِّسْبِيُّ، وَيَقِلُّ إِطْلَاقُ الْفَرْدِيَّةِ عَلَيْهِ.\nوَخَبَرُ الْآحَادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ تَامِّ الضَّبْطِ، مُتَّصِلِ السَّنَدِ، غَيْرِ مُعَلَّلٍ وَلَا شَاذٍّ: هُوَ الصَّحِيحُ لِذَاتِهِ. وَتَتَفَاوَتُ رُتَبُهُ بِتَفَاوُتِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ.\nوَمِنْ ثَمَّ قُدِّمَ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، ثُمَّ مُسِلِمٍ، ثُمَّ شَرْطُهُمَا.\nفَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ: فَالْحَسَنُ لِذَاتِهِ، وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ.\nفَإِنْ جُمِعَا فَلِلتَّرَدُّدِ فِي النَّاقِلِ حَيْثُ التَّفَرُّدُ، وَإِلَّا فَبِاعْتِبَارِ إِسْنَادَيْنِ.\nوَزِيَادَةُ رَاوِيهِمَا مَقْبُولَةٌ مَا لَمْ تَقَعْ مُنَافِيَةً لِمَنْ هُوَ أَوْثَقُ.\nفَإِنْ خُولِفَ بِأَرْجَحَ فَالرَّاجِحُ الْمَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ الشَّاذُّ. وَمَعَ الضَّعْفِ فَالرَّاجِحُ الْمَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ الْمُنْكَرُ.\nوَالْفَرْدُ النِّسْبِيُّ: إِنْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ الْمُتَابِعُ، وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُشْبِهُهُ فَهُوَ الشَّاهِدُ.\nوَتَتَبُّعُ الطُّرُقِ لِذَلِكَ هُوَ الِاعْتِبَارُ.\n<hr><s0>\n\nقوله: (ثُمَّ الْغَرَابَةُ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي أَصْلِ السَّنَدِ، أَوْ لَا. فَالْأَوَّلُ: الْفَرْدُ الْمُطْلَقُ. وَالثَّانِي: الْفَرْدُ النِّسْبِيُّ، وَيَقِلُّ إِطْلَاقُ الْفَرْدِيَّةِ عَلَيْهِ) مراده بهذا أن الغرابة تكون في أصل الإسناد أي: من عند الصحابي أو لا، والنظر للغرابة ليس من عند الصحابي نفسه وإنما في الرواة عن الصحابة وهم التابعون، لأن في مثل هذا البحث يُنظر لمن بعد الصحابي لا يُنظر إلى الصحابة أنفسهم، فإذا روى عن الصحابي راوٍ واحد وكان التابعي واحدًا فإنه يكون غريبًا في أصل الإسناد، فيُقال: فردٌ مطلق.\nأما إذا كانت الغرابة في أحد طبقات الإسناد إما عن عالم معين كشعبة، فينفرد عن شبعة واحد، إلى غير ذلك، فهذه غرابة لكن يُقال عنها: فرد نسبي.","vol":"1","page":19},{"text":"وجعل الحافظ -رحمه الله تعالى- الغريب قسمين، إما في أصل الإسناد أو ما بعد ذلك، ففي أصل الإسناد يُقال: الفرد المطلق، وما بعد ذلك يُقال الفرد النسبي، والنسبي كأن يتفرد عن شعبة، فمثل هذا يقل أن يُطلق عليه الفردية، وإنما يُقال: غريب من حديث كذا، أما التفرُّد فيُطلق إذا كان في أصل الإسناد، والذي يظهر -والله أعلم- من صنيع أئمة أهل الحديث أنهم لا يلحظون مثل هذا، فمتى ما رأوا تفردًا وكان لذكر التفرد فائدة سواء في أصل الإسناد أو غير ذلك قالوا: لم يروه عن فلان إلا فلان. ولا يُراعون مثل هذا -والله أعلم-.\nقوله: (وَخَبَرُ الْآحَادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ تَامِّ الضَّبْطِ، مُتَّصِلِ السَّنَدِ، غَيْرِ مُعَلَّلٍ وَلَا شَاذٍّ: هُوَ الصَّحِيحُ لِذَاتِهِ) بدأ في بيان الأحاديث المقبولة والمردودة، وينبغي أن يُعلم أن الأحاديث من حيث الجملة نوعان:\n• النوع الأول: أحاديث مقبولة، وهي أقسام أربعة:\no  القسم الأول: الصحيح لذاته.\no  القسم الثاني: الصحيح لغيره.\no  القسم الثالث: الحسن لذاته.\no  القسم الرابع: الحسن لغيره.\n• النوع الثاني: أحاديث مردودة، وسيأتي الكلام عليه وعن أسباب رده -إن شاء الله تعالى-.\nفبدأ الحافظ ببيان تعريف الصحيح لذاته، وذكر له شروطًا خمسة، ثلاثة منها شروط إيجابية وشرطان سلبيان، ومن الشروط ما يتعلق بالسند فحسب ومنها ما يتعلق بالمتن أيضًا، فالشاذ والمعلّ يتعلق بالمتن أيضًا، أما رواه عدلٌ تام الضبط فهذا يتعلق بالسند، أما الشذوذ والعلة فإنها تتعلق بالسند والمتن.\nقوله: (بِنَقْلِ عَدْلٍ تَامِّ الضَّبْطِ ...) الشرط الأول/ أن يكون عدلًا، والشرط الثاني/ أن يكون تام الضبط، والشرط الثالث/ أن يكون متصل الإسناد، والشرط الرابع/ ألا يكون مُعلًا، والشرط الخامس/ألا يكون شاذًا.\nفإذا اجتمعت هذه الشروط الخمسة في حديث فإنه يكون صحيحًا، أما إذا اختلَّ شرط من هذه الشروط فإنه ينقص في صحته أو يكون حسنًا أو ضعيفًا، بحسب النقص في الشرط.","vol":"1","page":20},{"text":"والعدل: أي أن يكون الراوي ذا تقوى ومروءة، ومن لم يكن كذلك فإن حديثه لا يكون صحيحًا، كأن يكون مبتدعًا أو فاسقًا، فإذا كان الراوي مبتدعًا أو فاسقًا فإن حديثه ضعيف؛ لأن هذا الشرط اطَّرده حتى في الحسن، فإذا اختلَّ هذا الشرط فإن الحديث ينتقل من أن يكون صحيحًا إلى أن يكون ضعيفًا.\nوهذا -والله أعلم- فيه نظر، أما الفسق فإنه لا يمنع قبول الرواية ولا ترى في كلام العلماء أئمة هذا الفن أنهم ردُّوا حديثًا عن رجل لأنه فاسق بما أنه صادق ضابط، ويُؤكد ذلك ما سيأتي وهو أن العلماء الماضين كالمجمعين على قبول رواية المبتدع الذي هو أشد من الفسق، ولو كان داعيةً، كما ذكر هذا الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية) ونقله عن جمع من أهل العلم وأطال النقل في ذلك، ولعله يأتي بيان هذا أكثر -إن شاء الله تعالى-.\nفإذن اشتراط أن يكون عدلًا بألا يكون فاسقًا ومن باب أولى ألا يكون مبتدعًا فيه نظر -والله أعلم-.\nوتمام الضبط في ظاهر العبارة: أي أن يبلغ من الضبط أعلاه، وبالتقديرات العصرية يُقال: مائة بالمائة، لأنه لما ذكر نقص هذا الشرط قال: الحسن ما خفَّ ضبطه، وهذا فيه نظر -والله أعلم-، وسيأتي بيانه أكثر في الكلام عن الحسن، وذلك أن من الثقات ما ينقص تمام ضبطه ولا يزال ثقة، حتى إن للذهبي كلمة مفادها أن ما من ثقة إلا وقد أخطأ، وهذا في الغالب.\nقوله: (مُتَّصِلِ السَّنَدِ، غَيْرِ مُعَلَّلٍ وَلَا شَاذٍّ) سيأتي الكلام عن الاتصال -إن شاء الله تعالى-.\nلكن يُقال: معلل، أو معلول، أو مُعلّ، ألفاظ مترادفة، ولفظ (مُعل) يوجد في كلام أهل اللغة من أثبته، ومثله لفظ (معلول)، أما لفظ (مُعلل) فقد أنكره كثير من أهل اللغة، والأمر في هذا سهل -إن شاء الله تعالى.\nوالمقصود أن علماء المصطلح جعلوا العلة أمرًا خفيًا قادحًا في صحة الحديث، ومعنى هذا أن الأمر الظاهر لا يسمى علةً، وقد استدرك على هذا النووي، والعراقي، والسخاوي، وجماعة، وبيَّنوا أن العلة تُطلق على الأمر الخفي والأمر الظاهر، أي على القادح الخفي وعلى القادح الظاهر.\nوكتب أئمة العلل كالإمام علي بن المديني، والرازيين، والدارقطني، دالة على أنهم يذكرون فيها ما كان مُعلًا سواء كان بعلة ظاهرة أو خفية، وقد شاع عند علماء المصطلح","vol":"1","page":21},{"text":"أنهم يحصرون العلة في الأمر الخفي، وقد تكلم بنحو من هذا أبو عبد الله الحاكم في (معرفة علوم الحديث)، لكن قد يُقال إن كلامه من باب الغالب، لأن كلام الأولين أبعد عن الحد والضبط عن كلام من بعدهم، فإن المتأخرين معتنون غاية الاعتناء بالحدود، وإذا عرَّفوا تعريفًا فيريدون كونه جامعًا مانعًا ... إلخ.\nفالمقصود أن العلة في كلام العلماء الماضين تُطلق على الأمر القادح سواء كان خفيًا أو ظاهرًا.\nقوله: (وَلَا شَاذٍّ) عرَّف الشاذ -كما سيأتي- بمخالفة الثقة لمن هو أوثق، إما ضبطًا أو كثرةً وعددًا، فإذا خالف الواحد جمعًا من الثقات أو من هم أوثق منه فيُقال عنه: شاذ.\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن الشذوذ أشمل من هذا، وإن كان دالًا على هذا لكنه أشمل من هذا، وكل ما دلَّ لغةً على أنه شذَّ -أي انفرد انفرادًا لا يُقبل- فإنه يُقال عنه شاذ، سواء انفرد الثقة أو الضعيف، وسيأتي بيان هذا أكثر -إن شاء الله تعالى-.\nثم ليُعلم أن تعبير العلماء بلفظ (الشاذ) في كتب العلل نادر أو لا يكاد يوجد، وقد قلَّبت ما يسر الله منها ولم أجدهم عبَّروا عن حديث بأنه شاذ، وإنما يقولون: منكر، وخطأ، وغير ذلك.\nإذن المُعوَّل على الرواة أن يكونوا ضابطين، وأن يكونوا صادقين، فيجمعوا بين الصدق والضبط، ثم ألا يكون السند منقطعًا بينه وبين شيخه، ثم ألا يكون في المتن ما يمنع من قبوله بأن يُخالف غيره مما هو أصح منه فيستوجب رده، فإذا اجتمعت هذه الأمور في حديث فإنه يكون حديثًا صحيحًا.\nأما أن يكون الراوي مُسلمًا فهذا شرط بالإجماع، فإن الكافر لا تُقبل روايته، حكى الإجماع النووي -رحمه الله تعالى-.\nقوله: (وَتَتَفَاوَتُ رُتَبُهُ بِتَفَاوُتِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ) صدق -رحمه الله تعالى- وهذا يدل على أن قوله: (تَامِّ الضَّبْطِ) فيه نظر، فلا يشترط التمام، وإنما يبلغ في الضبط كمالًا لكن لا يشترط أن يكون تامًا -والله أعلم-.\nثم ينبغي أن يُعلم أن الضبط عند العلماء نوعان: ضبط صدر، وضبط كتاب.","vol":"1","page":22},{"text":"قوله: (وَمِنْ ثَمَّ قُدِّمَ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، ثُمَّ مُسِلِمٍ، ثُمَّ شَرْطُهُمَا) أي لأن رتب الصحيح تتفاوت فقُدم صحيح البخاري على صحيح مسلم، فأحاديث البخاري صحيحة وأحاديث مسلم صحيحة، لكن أحاديث البخاري أصح منه، فما كان على شرط البخاري ومسلم مُقدم على ما كان على شرط البخاري، وما كان على شرط البخاري مُقدم على ما كان على شرط مسلم.\nتنبيهات:\nالتنبيه الأول: ما اتفق عليه الشيخان مقدم على غيره من حيث الجملة علمًا أن بين المحدثين والفقهاء خلافًا في اصطلاح المتفق عليه، فيشترط المحدثون أن يكون المتن والصحابي واحدًا في الصحيحين، أما الفقهاء فلو اختلف الصحابي جعلوه متفقًا عليه بما أن المتن في البخاري ومسلم، أفاده ابن حجر في النكت. فعلى هذا حديث:\" إن من البيان لسحرًا\" متفق عليه عند الفقهاء بخلاف المحدثين، لأن مسلمًا أخرجه عن عمار بن ياسر، والبخاري أخرجه عن ابن عمر.\nالتنبيه الثاني: أحاديث صحيح البخاري مُقدمة في الصحة على أحاديث صحيح مسلم من حيث الجملة لا فردًا، كما بيَّن هذا الزركشي -رحمه الله تعالى-.\nالتنبيه الثالث: حقق ابن حجر في كتابه (النكت) وفي (النزهة) -التي هي شرح (النخبة) - أنه لا يُعرف عن أحد من أهل العلم أنه فضَّل صحيح مسلم على صحيح البخاري، وقال: يُوجد في المغاربة من فضَّل صحيح مسلم على صحيح البخاري لكن أراد الترتيب والتنسيق ولم يُرد الصحة.\nقوله: (ثُمَّ شَرْطُهُمَا) ينبغي أن يُعلم معنى قول العلماء: على شرط البخاري، أو شرط مسلم، أصح الأقوال أن معنى قول العلماء: \"على شرط البخاري\" أو \"على شرط مسلم\" أي بأن يكون سند الحديث على صورة سند الحديث في صحيح البخاري، أو على صورة سند الحديث في صحيح مسلم، أو على صورة سند حديث في الصحيحين، لا أن المراد رجال البخاري ومسلم.\nوقد حقق هذا ابن دقيق العيد، والذهبي، وابن الصلاح، وابن حجر، والسخاوي، وجمع من أهل العلم.","vol":"1","page":23},{"text":"فإذن من أراد أن يقول في حديث إنه على شرط البخاري أو مسلم لابد أن ينظر في إخراجهم لرواة الحديث على الصورة التي أخرجها البخاري أو مسلم أو كليهما.\nثم بعد هذا يُقال: ينبغي أن يُعلم أن البخاري ومسلمًا لم ينصا على شرط، ذكر هذا أبو الفضل بن طاهر المقدسي في شروط الأئمة الستة، وإنما غاية من يتكلم في هذا يتكلم استنباطًا، فيقول: هذا على شرط البخاري، وهذا على شرط مسلم.\nالذي يظهر -والله أعلم- أنه عند التدقيق لا يصح أن يُقال في حديث إنه على شرط البخاري ولا على شرط مسلم ولا على شرطهما، وذلك لما يلي:\n•  الأمر الأول: أن العلماء ينظرون للمتن والسند، قد يرضى البخاري لهذا السند على هذا المتن، ولا يرضى لهذا السند على متنٍ آخر، كما تقدم ذكره في المقدمة، فقد روى البخاري عن أبي بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه عن جده في ذكر خيل النبي -ﷺ- في حائط لهم يُقال لها اللخيف، فهذا السند لو كان على متن آخر في الأحكام لم يقبله البخاري، فلو أن أحدًا رأى هذا السند وأورده على متن آخر في الأحكام لصار ضعيفًا، فهل يصح أن يُقال ضعيف على شرط البخاري؟ هذا لا يصح بحال.\nفإذن العلماء الماضون يُراعون المتن مع السند، فالبخاري قد يتساهل في إسناد بالنظر إلى المتن، ولا يتساهل في هذا الإسناد بالنظر إلى متن آخر، ولهذا أمثلة ولعله يأتي ذكر بعضها في ثنايا الشرح -إن شاء الله تعالى-.\n•  الأمر الثاني: أن الإمام البخاري والإمام مسلمًا ينتقون، وتقدم أن البخاري انتقى من أحاديث إسماعيل بن أبي أويس، فروى ما رآه منتقًى صحيحًا، فلا يصح لمن بعدهم أن يأتي لأي حديث في إسماعيل بن أبي أويس فيرويه فيقول: على شرط البخاري، على الصورة التي أخرجها البخاري، ثم يقول إنه على شرط البخاري.\nفإذن الذي يظهر -والله أعلم- أنه لا يصح أن يُقال في حديث إنه على شرط البخاري أو على شرط مسلم أو على شرطهما، لما تقدم ذكره، وأؤكد إنهما لم ينصا على شروطهما نصًا ظاهرًا، وإنما أشار مسلم في المقدمة إلى أنه يروي من الطبقة الأولى والثانية وينتقي من الثالثة، بخلاف البخاري فيروي من الأولى والثانية، والبخاري لم ينص على هذا أيضًا، وإنما استُنبط من فعله استنباطًا. وما تقدم ذكره قد يُستفاد من كلام ابن حجر -رحمه الله تعالى- في كتابه (النكت على ابن الصلاح).","vol":"1","page":24},{"text":"قوله: (فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ: فَالْحَسَنُ لِذَاتِهِ) جعل الفرق بين الصحيح لذاته والحسن لذاته خِفَّة الضبط، قد ذكر الذهبي في كتابه (الموقظة) قال: أنا على إياس أن يُوجد ضابط للحديث الحسن. أي يقول: أنا على يأس أن يُذكر للحديث الحسن ضابط، فظن بعضهم أن الحافظ ابن حجر لما قال: فإن خفَّ ضبطه فهو الحديث الحسن، أنه قد أتى بالضابط، وهذا فيه نظر، وقد بيَّن هذا الصنعاني في كتابه (نتائج الأفكار)، فقال -رحمه الله تعالى-: وما ضابط خفة الضبط؟\nفقد سبق أن الأحاديث الصحيحة يتفاوت رواته في ضبطه، ومن باب التقريب: من كان حفظه مائة بالمائة، يُقال صحيح، ومن كان حفظه تسعين بالمائة يُقال صحيح، ومن كان حفظه ثمانين بالمائة يُقال صحيح، ومن حفظه ثمانون بالمائة بالنسبة إلى مائة بالمائة قد خفَّ ضبطه، ومع ذلك يُقال صحيح، فإذن ما ضابط الخفة التي تجعل الحديث حسنًا؟\nبهذا يُعلم -والله أعلم- أنه ليس للحديث الحسن ضابطٌ يُجزم به، فلذا ينبغي ألا يُشدد في ضابط الحديث الحسن، والعلماء الأوائل كانوا يُدخلون الحديث الحسن في الحديث الصحيح، وقد ذكر ابن تيمية الإجماع على ذلك، قال: حتى أتى الترمذي وقسَّم الحديث إلى أقسام ثلاثة، نقله عنه السخاوي في كتابه (فتح المغيث).\nفكانت القسمة عند العلماء الأوائل صحيحًا وضعيفًا، فكل ما ليس ضعيفًا فهو صحيح، ويدخل في ذلك الحسن، وهذا أسهل وإن كان قد يقول عالم: هذا حديث حسن. ويُشير إلى أنه في أنزل مراتب الضبط، أي أنزل مراتب الصحة، لكن الحسن لا يخرج عن كونه صحيحًا.\nوتقدم ذكر بعض المسائل في الحديث الصحيح، أما مسائل الحديث الحسن فإن هناك عدة مسائل وقد تقدم ذكر بعضها في ثنايا الشرح، لكن من المسائل:\n• المسألة الأولى: أن العلماء الأولين يُدخلون الحديث الحسن في الحديث الصحيح، حكى هذا ابن تيمية إجماعًا فيما نقله السخاوي في كتابه (فتح المغيث)، فلذلك التقسيم عندهم ما بين صحيح وضعيف كما تقدم بيانه، وهذا أدق من التقسيم الثلاثي لما تقدم ذكره من أنه ليس هناك ضابط دقيق للحديث الحسن.\n• المسألة الثانية: الذي قسَّم الحديث من حيث القبول إلى حديث صحيح وحسن وضعيف هو الترمذي -رحمه الله تعالى-، فهو الذي اشتهر عنه تقسيم الحديث إلى","vol":"1","page":25},{"text":"هذه الأقسام الثلاثة، وأراد بها من جهة الصحة والرد، كما بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، لذا قال: وأول من أفرد الحديث الحسن هو الترمذي.\n• المسألة الثالثة: يوجد في كلام العلماء الأولين إطلاق الحسن، ويريدون به معاني عدة، إما حُسن المتن أو حُسن ألفاظه أو غرابة المتن، لذا قال شعبة: من حُسنها فررت ... إلى غير ذلك من المعاني، وقد نقل هذا ابن حجر -رحمه الله تعالى- في كتابه (النكت).\n• المسألة الرابعة: قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: الحديث الضعيف أحب إليَّ من الرأي. لا يريد الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- الحديث الضعيف الذي يُقابل الصحيح -أي المردود- وذلك لأن العلماء مجمعون على أن الحديث الضعيف الذي يُرادف المردود والذي يُقابل الصحيح لا يُحتج به في الأحكام، حكى الإجماع ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)، وإنما مراد الإمام أحمد: الحسن لغيره، أي الذي صار مقبولًا بشواهده، فإذا نظرت إليه من جهة ذاته صار ضعيفًا، وإذا نظرت إليه من جهة شواهده صار مقبولًا، أي حسنًا لغيره، وقد بيَّن هذا الإمام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) وابن القيم في (أعلام الموقعين) وابن رجب في شرحه على (العلل)، وذكر نحوًا من ذلك الشاطبي في كتابه (الاعتصام).\nفإذن قول الإمام أحمد: \"الحديث الضعيف أحب إليَّ من الرأي\" أي الحديث الذي ينجبر، أي الحسن لغيره، لذا قال ابن تيمية: وهو معنى قول الترمذي في الحديث الحسن: ما يُروى من غير وجه، وألا يكون شاذًا ولا مُعللًا. أي الذي يتقوى بأكثر من طريق وهو الحسن لغيره.\n• المسألة الخامسة: أؤكد أنه لا ضابط دقيق للحديث الحسن، وأن قول الحافظ ابن حجر: إن خفَّ ضبطه. ليس ضابطًا دقيقًا في التفريق بين الحديث الحسن من الحديث الضعيف.\nقوله: (وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ) يدل هذا على أن الحديث يتقوَّى بمجموع طرقه، وسيأتي بحث هذا -إن شاء الله تعالى-، لكن تقوية الحديث بمجموع طرقه بأن يُقوى الحديث الضعيف إلى الحسن، والحسن إلى الصحيح، هذا مجمع عليه، حكى الإجماع ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في كتابه (تلخيص الاستغاثة)، وأيضًا حكى الإجماع الألباني -رحمه الله تعالى- في (رسالة في تحريم آلات اللهو والطرب)، وقد نص على هذا الإمام","vol":"1","page":26},{"text":"أحمد -رحمه الله تعالى-، أي نصَّ على أن الحديث يتقوى بمجموع طرقه، ويدل عليه القرآن، قال ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى): قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال: هذا دليل على أن الحديث يتقوى بمجموع طرقه، وسيأتي البحث في هذا أكثر -إن شاء الله تعالى-.\nقوله: (فَإِنْ جُمِعَا فَلِلتَّرَدُّدِ فِي النَّاقِلِ حَيْثُ التَّفَرُّدُ، وَإِلَّا فَبِاعْتِبَارِ إِسْنَادَيْنِ) فقوله: (فَإِنْ جُمِعَا) أي إذا قيل في حديث: حسنٌ صحيح. يقول الحافظ هذا له حالان:\n• الحال الأولى: إما ألا يكون له إلا طريق واحد فيكون الجمع على وجه التردد، بحيث إن الناقد متردد هل هو حديث صحيح أو حديث حسن.\n• الحال الثانية: أن يكون له طريقان، فيكون أحد الطريقين حسنًا والآخر صحيحًا، هذا ما ذكره الحافظ، وهذا فيه نظر -والله أعلم- فإن صنيع العلماء على خلاف ذلك، لذا أكثر ما يقول فيه الترمذي: حديث حسن صحيح. فهو من أصح الصحيح، وهو ما اتفق عليه الشيخان، ذكر هذا ابن رجب -رحمه الله تعالى- في شرحه على (العلل)، وابن حجر في كتابه (النكت).\nفلذا قول الترمذي: حسنٌ صحيح. هو إشارة إلى أصح الصحيح في الغالب.\n• تنبيه: أكثر من يستعمل هذه الألفاظ الترمذي -رحمه الله تعالى- في جامعه، وقد عرَّف منها شيئًا واحدًا وهو الحسن، فذكر فيه ثلاثة شروط، قال: أن يُروى من غير وجه، وألا يكون شاذًا ولا مُعللًا، أما الغريب فصنيع العلماء على أنه بمعنى ضعيف كما تقدم.\nأما قول: حسن صحيح. فاستقراء ابن رجب وابن حجر أنه أصح الصحيح كما تقدم ذكره، أما قوله: لا يُروى إلا من هذا الوجه. هذا واضح أنه يعني به التفرُّد، إما التفرد المطلق أو النسبي، وتقدم أن العلماء لا يُدققون في هذا وأن استعمالاتهم إلى اللغة أكثر منها إلى الاصطلاح.\n• تنبيه: يكثر الاختلاف في نسخ الترمذي، ففي بعض النسخ: حديثٌ حسن. وفي بعض النسخ: حديث حسن صحيح. إلخ وأضبطها-والله أعلم- ما نقله المزي في كتابه (تحفة الأشراف)، فإذا شككت في النسخ التي بين أيدينا فراجع (تحفة","vol":"1","page":27},{"text":"الأشراف) للمزي، فإنه عالم متميز ودقيق، فما يذكره هو أوثق من غيره -والله أعلم-.\nقوله: (وَزِيَادَةُ رَاوِيهِمَا مَقْبُولَةٌ مَا لَمْ تَقَعْ مُنَافِيَةً لِمَنْ هُوَ أَوْثَقُ) أي زيادة راوي الحديث الحسن، وزيادة راوي الحديث الصحيح، مقبولة ما لم تقع مُنافية لمن هو أوثق، وهذا تأصيل صحيح، فكل ثقة مقبول تُقبل روايته من حيث الأصل ما لم يُخالف من هو أوثق منه، وهذا تأصيل واضح وقد نص على هذا الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- قال: قد يكون بأن يكون أحفظ أو أكثر عددًا.\n\nوهذه المسألة هي المسماة بمسألة<span data-type=\"title\" id=toc-30> زيادة الثقة</span>، وقبل الخوض في هذه المسألة ينبغي أن يُفهم تأصيل مهم ودقيق للغاية وهو: أن المخالفة عند علماء الحديث تُغاير وتختلف عن المخالفة عند علماء الفقه، فليس معنى المخالفة عند علماء الحديث عدم إمكان الجمع، فقد يروي الثقات حديثًا ثم ينفرد ثقة عنهم بزيادة يمكن أن يُجمع بين هذه الزيادة وبين أصل الحديث، لكن هذا عند علماء الحديث يُسمى مخالفة ولو أمكن الجمع بما أنه زاد أمرًا يترتب عليه حكم، بخلاف علماء الفقه.\nلذا قول ابن حجر هنا: (مَا لَمْ تَقَعْ مُنَافِيَةً) أي منافيةً على طريقة المحدثين لا على طريقة الفقهاء، كما نبَّه عليه في (هدي الساري) وفي شرحه على البخاري، قال: المُنافاة على طريقة المحدثين. وفرق بين المُنافاة على طريقة المحدثين والمنافاة على طريقة الفقهاء، فعند الفقهاء لو زاد أحد الرواة زيادة فيقولون هذا خاص وذاك عام، أو مُطلق ومُقيد، ويُحاولون الجمع بطرق الجمع الكثيرة، أما المحدثون إذا زاد ثقة عن غيره زيادةً يترتب عليها حكم -أي لها معنًى- فإنها تُعد زيادة وتُبحث بحث زيادة الثقة، ولو أمكن الجمع.\nوتقدم ما ذكر ابن القيم في تهذيب السنن تعقيبًا على ابن القطان لما ذكر حديث أنس في تخليل اللحية، قال: \"وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله ويعلمون أن الحديث معلول بإرسال الزبيدي له ولهم ذوق لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات\" فقد حاول ابن القطان أن يجمع على طريقة الفقهاء لكن رد عليه ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وبمثل هذا قال ابن حجر لما قال: المُنافاة على طريقة المحدثين.\nإذن إذا قال المحدثون: خالف فلانٌ فلانًا. ليس معنى هذا أنه لا يمكن الجمع، بلى يمكن الجمع على طريقة الفقهاء، لكن زاد شيئًا يترتب عليه معنًى ولم يأت بها البقية، ومن","vol":"1","page":28},{"text":"هاهنا قال البلقيني فيما نقل السخاوي، قال: ولو توسعنا في التأويل لدفعنا كثيرًا من العلل التي علل بها أئمة الحديث. وصدق -رحمه الله تعالى-.\nومن أمثلة ذلك: حديث أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة. حديث المغيرة بن شعبة مشهور في الصحيحين وغيره، قال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» ثم هوى فمسح عليهما -ﷺ-، أي مسح على الخفين، زاد أبو قيس الأودي زيادةً وقال: مسح على الخفين والنعال، فزاد: \"والنعال\" هذه الزيادة على طريقة الفقهاء يُمكن أن يُجمع بينهما، فقد ذكر حكمًا لم يأتِ به غيره فلا يضر، لكن المحدثين قالوا: خالف أبو قيس الأودي الناس وأتى بلفظ \"النعال\" وغيره لم يأت بهذا اللفظ، وقال غيره: خالف هزيل الناس، ومن أولئك الإمام علي بن المديني، فقال: خالف أهل المدينة والبصرة والكوفة وأتى بلفظ \"النعال\" فلاحظ أنه جعلها مخالفةً، وبمثله ذكر يحيى بن معين، والإمام مسلم، وقد نقل هذه النقولات البيهقي في كتابه (السنن الكبرى)، فلاحظ أن المحدثين عبَّروا بالمخالفة.\n• تنبيه: إذا فُهم ما تقدم انفتح باب من أبواب العلل قد أغلقه كثيرون لأنهم ساروا على طريقة الفقهاء لا المحدثين، وظنوا أن معنى \"منافاة الجمع\" أو \"المخالفة\" أي على وجه لا يُمكن معه الجمع، وقد أخطئوا فليس الأمر كذلك.\nوبعد هذا فمبحث زيادة الثقة تتعلق به مسائل:\n• المسألة الأولى: صورة المسألة أن يكون الحديث واحدًا، وأن يرويه الثقات على وجه فيُشاركهم ثقة ويرويه على وجه آخر، إما وقفًا أو رفعًا، أو بذكر زيادة، فإذن مبحث زيادة الثقة يُشترط فيه أن يكون الحديث واحدًا، وأن يُشارك الثقة بقية الثقات وينفرد بشيء.\nوبعبارة أخرى: أن يكون مخرج الحديث واحدًا، أي أنه لابد أن يتحد المخرج، وقد ذكر هذا ابن رجب في شرح (العلل) وابن عبد الهادي في كتابه (الصارم المنكي)، ومسلم في كتابه (التمييز)، وابن حجر في (النكت)، فلابد أن يكون مخرج الحديث واحدًا.","vol":"1","page":29},{"text":"- المسألة الثانية: زيادة الصحابة بعضهم على بعض ليست داخلة في مبحث زيادة الثقة بل هي مقبولة، ذكر هذا ابن حجر في كتابه (النكت)، وأشار إليه ابن عبد الهادي في كتابه (الصارم المنكي).\n•  المسألة الثالثة: زيادة الثقة إنما تُبحث فيما إذا زاد الراوي زيادةً يترتب عليها حكم، أي لها معنى وحكم، أما الزيادة التفسيرية أو غير ذلك مما لا يترتب عليها حكم فليست داخلة في مبحث زيادة الثقة، أشار لهذا مسلم في كتابه (التمييز) وذكره المعلمي في الفوائد المجموعة. ويُؤكد ذلك أن جمهور العلماء على جواز رواية الحديث بالمعنى، فدل هذا على أن مبحث زيادة الثقة هو ما يترتب عليه حكم، أما لو روى راويان حديثًا واحدًا بألفاظ مختلفة ولا يترتب عليها حكم فهي من الرواية بالمعنى ولا تُبحث بحث زيادة الثقة.\n•  المسألة الرابعة: ليس لأئمة هذا الفن وفرسانه قاعدة مطّردة في زيادة الثقة، تارة يقبلونها وتارة يردونها، ويرجعون ذلك إلى القرائن، وقد ذكر هذا جمع كبير من أهل العلم، كابن دقيق العيد، والعلائي، والبقاعي، وابن حجر، وابن رجب، وغيرهم من أهل العلم، فنصوا على أنهم ليس لهم طريقة مطردة، وإنما ينظرون إلى القرائن، لذا من نسب إلى أهل الحديث أنهم يقبلون زيادة الثقة مطلقًا فقد أخطأ، أو من نسب إليهم أنهم يردونها مطلقًا فقد أخطأ، وإنما ينظرون في كل حديث لقرينته، هناك قرائن تدل على القبول أو قرائن تدل على الرد، فيُنظر في القرائن.\n•  المسألة الخامسة: الأصل في الحديث الواحد -وإن اختلفت ألفاظه- عدم التعدد، ذكر هذا ابن حجر في كتابه (فتح الباري) وهذه فائدة نفيسة، ويدل عليه صنيع المحدثين، أما الفقهاء فيتوسعون ويحملون اختلاف الألفاظ على اختلاف الوقائع، ومن ذلك النووي، فحديث عمر في رواية: «نذرت أن أعتكف ليلة»، في رواية: «نهارًا» وفي رواية: «يومًا»، قال النووي: وهذا يدل على تعدد الوقائع. وردَّ هذا العلائي وابن حجر وقالوا: القصة واحدة.\nفإذن الأصل إذا كان الحديث واحدًا فإنه لا يدل على تعدد الوقائع، وإنما تكون الواقعة واحدة، ذكر هذا ابن حجر في شرحه على البخاري –كما تقدم-، وذكر نحوًا منه ابن رجب، وهو صنيع العلماء الأولين فإنهم يجعلونه حديثًا واحدًا ثم ينظرون فإذا ترتب على الزيادة حكم شددوا، وقد يقول الراوي: سجد النبي -ﷺ- في إحدى صلاتي العشي، وفي بعض الروايات: صلاة العصر.","vol":"1","page":30},{"text":"فهذا لا يترتب عليه حكم، لذلك لا يُشدد فيه، وقوله: «نذرت أن أعتكف ليلة» أو «نهارًا» أو «يومًا» فهذا لا يترتب عليه حكم، أما الذي يترتب عليه حكم هو الذي يُبحث مبحث زيادة الثقة، وكثير من الفقهاء يخطئ في مثل هذا من جهتين:\no  الجهة الأولى: يُرجعه إلى تعدد الوقائع، وقد تقدم أن هذا غلط.\no  الجهة الثانية: يستنبط منه أحكامًا.\nففي صحيح مسلم: «من توضأ يوم الجمعة ثم أتى ...» والألفاظ الكثيرة: «من اغتسل»، فقال بعضهم: هذا يدل على عدم وجوب الاغتسال، وإن كان الاغتسال ليس واجبًا لأدلة أخرى، لكن هذا اللفظ لا يصح أن يُعتمد عليه لأن المخرج واحد، ولابد أن يُرجح بين لفظ الاغتسال أو الوضوء.\nأما الفقهاء لا ينتبهون لمثل هذا، وقد ذكر هذا العلائي كما تقدم وعاب على الفقهاء ابن دقيق العيد، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم من أهل العلم، وقالوا: إن الحديث واحد، فلابد أن يُرجح فيه، ولا يُستنبط من كل حديث حكمًا، بل لابد من الترجيح، وهذا مبحث دقيق ومهم، فإذا كان الحديث واحدًا وزاد بعضهم لفظًا ينبني عليه حكم فيُشدد فيه ويُرجح بين الألفاظ ولا يُستنبط من هذا حكمًا ومن هذا حكمًا.\nلذا لما ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه (الهدي) الإسراء والمعراج وأنه جاء ذكره في أكثر من حديث، قال: ذهب ظاهرية الإسناد إلى تعدد الوقائع، قال: والواقعة واحدة. وهذه فائدة نفيسة من ابن القيم -رحمه الله تعالى-.\n• المسألة السادسة: تقدم أن مبحث زيادة الثقة إذا كان المخرج واحدًا، ومع ذلك يُوجد في كلام فرسان وأئمة هذا الفن أنهم يُعلون حديثًا بحديث آخر، ولو اختلفت المخارج، فإنه بسعة نظره واطلاعه يعلم أن الحديثين حديث واحد، فيُعل هذا بهذا، وقد يحصل في هذا خلاف بينهم، ومن أمثلة ذلك: أن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- أعلَّ ما روى مسلم أن النبي -ﷺ- أدرك أناسًا من المسلمين فقال: «من أنتم؟» قالوا: المسلمون، قالوا: ومن أنت؟ قال: «أنا رسول الله» -ﷺ-، فرفعت إليه امرأة صبيًا وقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولكِ أجر». أخرجه مسلم من حديث ابن عباس.\nأعلَّه البخاري بقول ابن عباس: \"أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه الحج حجةً أخرى\" أعله في كتابه (التاريخ الصغير) وبعضهم يسميه: (التاريخ الأوسط) في مبحث ذكره -رحمه الله تعالى- والمقصود من هذا أنه أعل حديثين لم يتفق","vol":"1","page":31},{"text":"مخرجهما، وقد يصنع هذا أئمة الحديث، وهذا كثير في صنيع الدارقطني وغيره، وقد نبَّه على هذا ابن رجب -رحمه الله تعالى- في شرحه على (العلل)، وهذا مفيد ومبحث نفيس، فقد يُعل حديثان وإن كانا مختلفي المخرج، لكن لا يُقال هذا مبحث زيادة الثقة، وإنما يُعل هذا بذاك، وذكرته استطرادًا حتى لا يختلط بمبحث زيادة الثقة.\n• المسألة السابعة: التفرد علة اعتنى بها الأولون، وأعلوا بها كثيرًا، وأغفلها المتأخرون، وقد تكلم على التفرُّد الإمام مسلم في كتابه (التمييز)، وابن رجب في شرح (العلل) ونقلها عن الأئمة الأوائل، وذكره غيرهما من أهل العلم، والتفرد قد يشترك مع زيادة الثقة وقد ينفرد، بمعنى: إذا اشترك الرواة في رواية حديث ثم انفرد أحدهم بزيادة فهذه يُقال لها تفرد ويُقال لها زيادة ثقة، لكن إذا لم يُشاركه غيره وإنما انفرد هو بالحديث كله فهذا مبحث التفرد.\nومن أمثلة ذلك -والله أعلم-: حديث عاصم بن كليب، عن أبيه عن وائل بن حجر، في صفة صلاة النبي -ﷺ- فإنه قد تفرد بهذا الحديث عاصم بن كليب، ومثله لا يُحتمل تفرده كما بيَّنه الإمام علي بن المديني، لذلك أكثر من ذكر هذه الرواية ابن خزيمة في صحيحه، وذكر شيئًا منها أبو داود وغيره، وقد أعلَّ تفردات عاصم بن كليب الإمام علي بن المديني.\nوالتفرد علة ينبغي أن يُدقق فيها، فقد ذكر الإمام أحمد أن تفرد الثقة يُشدد فيه، وقال: وقد يُضعَّف ما انفرد به الأئمة الكبار، كالثوري وغيره. نقله ابن رجب في شرح (العلل)، وقد تكلم على هذا بكلام مفيد ابن رجب في شرح (العلل)، فلذلك إذا انفرد عالم بحديث ينبغي أن يُدقق في هذا الحديث، وفي أن تفرد مثله يحتمل وهكذا ... وهل انفرد عن شيخ هو أكثر ملازمة له أم لا؟ إلى غير ذلك من المعاني، وهذه علة أغفلها المتأخرون غاية الإغفال، واعتنى بها كثيرًا الأولون، وهي مفيدة للغاية في التعامل مع الأحاديث.\nوأذكر مثالًا على زيادة الثقة زيادةً على ما تقدم:\nروى عاصم بن كليب عن أبيه عن جده صفة صلاة النبي -ﷺ- ورواه عن عاصم جماعة منهم الثوري، وابن عيينة، وشعبة، وآخرون.","vol":"1","page":32},{"text":"ورواه عن الثوري جماعة، وانفرد عن الثوري مؤملُ بن إسماعيل، وذكر فيه أن النبي -ﷺ- وضع يديه على الصدر في الصلاة، وينفرد بهذا مؤمل بن إسماعيل، وتابعه محمد بن يوسف الفريابي وهو من أوثق الناس في الثوري وآخرون ولم يأت بهذه الزيادة، ثم تابع الثوري جماعة منهم ابن عيينة وشعبة وغيره ولم يأتوا بها، فهذا كله يدل على أن زيادة ذكر وضع اليدين على الصدر منكرة وشاذة ولا تصح؛ لأن مؤمل بن إسماعيل خالف الثقات وأتى بها، زيادةً على انفراد عاصم بن كليب بالحديث على ما تقدم تقريره.\nلذا قال ابن المنذر: لم يصح حديث عن رسول الله -ﷺ- في وضع اليدين على الصدر، وقال الإمام أحمد في مسائل أبي داود: أكره وضع اليدين على الصدر.\nومثالٌ ثانٍ: وهو أن حديث وائل بن حجر المتقدم رواه جماعة وممن رواه عن الثوري كما تقدم الفريابي وغيره، لكن الحديث رواه جماعة عن عاصم بن كليب ثم عن عاصم بن كليب رواه جماعة، ثم انفرد عن أحدهم عبد الرزاق الصنعاني، وأتى بزيادة: \"قال أشار بأصبعه ثم سجد\"، فذهب ابن القيم في كتابه (الهدي) وتبعه شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- إلى أنه يُستحب الإشارة بالأصبع بين السجدتين، وهذه الزيادة منكرة وشاذة، خالف فيها عبد الرزاق الناس، لذا فقهيًا لا تجد من العلماء من ذكر هذه المسألة إلا ابن القيم ومن تبعه كما بيَّن هذا العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-، أما حديثيًا فهي شاذة ومنكرة، ليس عليها عمل العلماء الأولين.\nوعلى هذا فقس، فإن هناك أمثلة كثيرة ينبغي أن تُدرس وأن تُضبط، فهذا المبحث مبحث زيادة الثقة تنبني عليه مسائل كثيرة، ومن أهم مباحثها ما تقدم ذكره من المسائل، وأهم هذه المسائل أن يُعرف معنى المخالفة والمنافاة عند الأولين من المحدثين لا الفقهاء.\nقوله: (فَإِنْ خُولِفَ بِأَرْجَحَ فَالرَّاجِحُ الْمَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ الشَّاذُّ. وَمَعَ الضَّعْفِ فَالرَّاجِحُ الْمَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ الْمُنْكَرُ) قسَّم الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- المخالفة إلى قسمين:\n• القسم الأول: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، إما عددًا أو حفظًا، فإذا خالف الثقة من هو أوثق منه إما عددًا أو حفظًا تكون رواية الثقة مردودة وتسمى شاذة، ويُقابله رواية الثقات أو الأوثق ويُقال عنها محفوظ، فالمردود يقال عنه شاذ، والمقبول يسمى محفوظًا.","vol":"1","page":33},{"text":"- القسم الثاني: يخالف الضعيف الثقة، فقد جعل حديث الضعيف مردودًا أولًا لضعفه وثانيًا لمخالفته وسماه منكرًا، وجعل رواية الثقة مقبولة وتسمى معروفًا، يُقال: المنكر ويُقابله المعروف.\nوقد ذكر ابن قطلوبغا في شرحه على (نخبة الفكر) أن طريقة العلماء الأولين على خلاف هذا، وقد صدق -رحمه الله تعالى- فإن الأولين يطلقون المحفوظ أكثر من إطلاقهم للمعروف، لكن يُطلقون المحفوظ في مقابل الخطأ، أي قد يُخالف الضعيف غيره من الضعفاء، لكن غيره أوثق منه فيقال: طريق الأوثق معروف، وإن كان مردودًا، وقد يُقال: محفوظ، وإن كان مردودًا.\n• تنبيه: قد يقول المحدثون: هذا الطريق صحيح، وليس معناه أنه ثابت عن رسول الله -ﷺ- وإنما ليس خطأً، وقد يُعبرون عنه بقولهم محفوظ أو معروف، وليس مرادهم أنه صحيح وثابت عن رسول الله -ﷺ- وإنما مرادهم أنه ليس خطأً كالطريق الآخر.\nوإذا قلبت كتب العلل تراهم يقولون: والمحفوظ عن فلان ... والصحيح عن فلان، ولا يعنون بذلك أنه الثابت، وإنما هذا الوجه الصواب والذي يُقابله وجه خطأ، ثم يبحث في الوجه الصواب صحة وضعفًا ويُعبر عن الوجه الصواب الذي يُقابل الخطأ بالمعروف ويُقال عنه محفوظ ويُقال عنه صحيح، ويكثر في قولهم: الصحيح عن فلان، والمعروف والمحفوظ عن فلان، ويُوجد في كلامهم المعروف، لكنه أقل استعمالًا.\nفإذن لا يُفرقون بين مخالفة الثقة لمن هو أوثق أو مخالفة الضعيف للثقات خلافًا لما ذكره الحافظ ابن حجر، ويؤيد ذلك أنه روى أبو داود من حديث همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، أن النبي -ﷺ- كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، قال أبو داود: هذا حديث منكر، خالف همام ... إلخ.\nوهمام بن يحيى ثقة، ومع ذلك عبَّر بقوله: منكر. فإذن كل خطأ يُقال عنه منكر، سواء من ثقة أو من ضعيف، أي كل مخالفة مردودة على طريقة المحدثين يُقال عنها منكر، سواء كانت من ثقة أو من ضعيف، وسواء كان يُقابل الثقات أو الضعفاء.\nوهذا ينفعنا فيما سيأتي ذكره في الشواهد والمتابعات -إن شاء الله تعالى-.","vol":"1","page":34},{"text":"قوله: (وَ<span data-type=\"title\" id=toc-34>الْفَرْدُ النِّسْبِيُّ:</span> إِنْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ الْمُتَابِعُ، وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُشْبِهُهُ فَهُوَ الشَّاهِدُ.\nوَتَتَبُّعُ الطُّرُقِ لِذَلِكَ هُوَ الِاعْتِبَارُ) ذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- اصطلاحات ثلاثة: الشاهد، والمتابع، والتتبع.\nوالمراد بالمتابع: أي إذا روى راوٍ حديثًا فوجدت راويًا آخر يوافق هذا الراوي يسمى متابِعًا، وإذا روى راوٍ حديثًا متنًا ووجدت متنًا آخر يوافق هذا المتن يسمى شاهدًا، فإذن الشواهد في المتون والمتابع في الرواة، والاعتبار هو البحث عن الشواهد والمتابعات.\n\nفقوله: (وَالْفَرْدُ النِّسْبِيُّ) أي الفرد النسبي انفرد به عن إمام ... إلخ كما تقدم بيانه، والأصوب -والله أعلم- أن يُقال: مطلق الفردية، أيُّ تفرد وجدت له متابِعًا فيقال: متابِع، أو المتن يشهد له يُقال له شاهد، ولو كان تفردًا مطلقًا -أي تامًا- لأنه قد يظن عالمٌ أنه من باب التفرد الفرد المطلق، لكن بالبحث تجد له متابعًا، فيتبيَّن أنه ليس فردًا مطلقًا، بمعنى: أنه قد ينفرد تابعي عن صحابي بحديث، فيُظن أنه من الفرد المطلق، لكن بعد البحث يتبيَّن أن له متابِعًا، فإذن هذا أشمل من أن يُقال في الفرد النسبي أو المطلق.\nوفرَّق الحافظ بين المتابِع والشاهد، وفي استعمال الأولين لا يُفرقون بين هذين الأمرين، فاستعمالهم إلى المعنى اللغوي أقرب منه من المعنى الاصطلاحي، فالأمر عندهم واسع في إطلاق المتابعة وفي إطلاق الشواهد.\nثم من أهم مباحث علم الحديث: دراسة متى يتقوى الحديث بالشواهد والمتابعات، ومتى لا يتقوى؟ وتأصيل هذه المسألة ما تقدم ذكره، أن تقوية الحديث بغيره قد دل عليه الكتاب والإجماع وصنيع أئمة الحديث، قال الله سبحانه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] واستدل بهذا ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)، وقد حكى ابن تيمية كما في (تلخيص الاستغاثة) الإجماع على أن الحديث يتقوى بالشواهد والمتابعات، ومثله الألباني في كتابه (تحريم آلات اللهو والطرب)، وأما صنيع المحدثين فقد نص على هذا الإمام أحمد وغيره من أهل الحديث، وكلامهم كثير في هذا، وقد بيَّن هذا ابن رجب وغيره، أن الحديث يتقوى بغيره، وهذا تأصيلًا لا إشكال فيه، الإشكال في التطبيق.\nويتعلق بتقوية الحديث بالشواهد والمتابعات مسائل:\n• المسألة الأولى: أن ما كان ضعفه شديدًا لا يتقوَّى بالشواهد والمتابعات، ذكر هذا ابن الصلاح، وذكره غيره، فمن كان ضعفه شديدًا لا يتقوى، وممن ذكر هذا","vol":"1","page":35},{"text":"تأصيلًا ابن حجر في (النكت)، فرواية الكذاب لا تتقوى، ورواية الشاذ كما قال ابن الصلاح لا تتقوى، وسيأتي بيانها أكثر -إن شاء الله تعالى-.\nبل أحيانًا كثرة الطرق لا تزيد الحديث إلا وهنًا، كما قال ابن القيم في كتابه (جلاء الأفهام)، وذكره المعلمي -رحمه الله تعالى- في مقدمة (الفوائد المجموعة) أن كثرة الطرق قد لا تزيد الحديث إلا ضعفًا، ثم ذكر أن المتأخرين تساهلوا في تقوية الحديث بكثرة الطرق، وذكر نحوًا من هذا أحمد شاكر في كتابه (الباعث الحثيث)، بل إن السيوطي -وهو من المتأخرين المتساهلين كما يقول الألباني- صرَّح أن رواية الكذاب تتقوى إذا كثرت الطرق، كما في (تدريب الراوي)، وهذا خطأ، وهي خلاف طريقة الأولين.\n•  المسألة الثانية: الحديث الذي يُراد تقويته بكثرة الطرق إذا خالف ما هو أقوى منه فلا يتقوَّى، ذكر هذا البيهقي فيما نقله السخاوي في كتابه (فتح المغيث)، فإذن كثرة الطرق إذا خالفت ما هو أقوى لا يتقوى.\n•  المسألة الثالثة: كثرة الطرق إذا خالفت فتاوى الصحابة فإنها لا تتقوى، وقد أشار إلى هذا الإمام أحمد في الوضوء بفضل المرأة، وهذا قد يُفرَّع عما قبله وقد يستقل بمسألة، فإن الصحابة إذا أفتوا بفتاوى ثم جاء حديث يُراد تقويته بطرق ونتيجته يُخالف فتاوى الصحابة فإنه لا يتقوى، لأن فتاوى الصحابة حجة.\n•  المسألة الرابعة: قال الإمام أحمد: المنكر منكرٌ أبدًا. وهذا من النفائس والدقائق في تقوية الحديث بمجموع الطرق، فكل حديث يتبيَّن فيه أن الراوي أخطأ فيه بأن يكون ثقة خالف من هو أوثق منه إما حفظًا أو عددًا، أو الضعيف يُخالف من هو أوثق منه؛ فإنه ساقط ولا يقوى ولا يتقوَّى لأنه وهم.\nولا أحصي عددًا من صنيع كثير من العلماء المتأخرين أنهم لا ينتبهون لمثل هذا، وقد يكون الراوي خالف الثقات ثم يأتون بهذه الزيادة التي هي خطأ ثم يقوُّون بها حديثًا آخر، وهذا لا يصح؛ لأن المنكر منكرٌ أبدًا كما قال الإمام أحمد، لذا قال ابن الصلاح: ومما لا يتقوى الشاذ، لأن الشاذ خطأ كما تقدم بيانه.\n•  المسألة الخامسة: النظر لتقوِّي الحديث بحديث آخر ... إلخ، ليس له ضابط مطرد، كما بيَّن هذا ابن الصلاح، وقال في كتابه (معرفة علوم الحديث) وهي مقدمة ابن الصلاح المعروفة، قال: وإنما يُعرف بكثرة المِراس. فقد تدل القرائن أحيانًا على عدم التقوِّي، فلا يُقوى.","vol":"1","page":36},{"text":"ومن أمثلة ذلك: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، قال أحمد: لا يثبت فيه حديث. هذا الحديث لو جاء بمجموع طرق، ولو أُثبتت هذه الأحاديث لدلَّ على أن التسمية شرط، ويرد هذا أن عثمان بن عفان في الصحيحين، وعبد الله بن زيد بن عاصم في الصحيحين، وابن عباس في البخاري، رووا صفة وضوء النبي -ﷺ- مفصلة، لاسيما عثمان، ولم يذكروا قول: \"بسم الله\"، فدل هذا على أن هذه الطرق لا يُقوِّي بعضها بعضًا، فإنها لو صحَّت لدلت على أن قول \"بسم الله\" شرط، وكيف تكون شرطًا ولم يذكرها هؤلاء وغيرهم؟ وهم قد ذكروا صفة وضوء النبي -ﷺ- تفصيلًا؟\nإذن لابد أن يُنظر في القرائن في تقوية الحديث بمجموع الطرق، وهذا إنما يحصل بكثرة المراس كما بيَّنه ابن الصلاح -رحمه الله تعالى-.\nوذكر ابن حجر -رحمه الله تعالى- في الشرح أن المتابعة قد تكون قاصرة وقد تكون تامة، بمعنى: أن الراوي الذي أتى بحكم وبعد الاعتبار وُجد راوي آخر يُتابعه، فيقال: متابعة تامة، أما إذا وُجد راوي آخر يُتابع شيخه ولا يُتابعه، فيُقال: متابعة قاصرة.","vol":"1","page":37},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nثُمَّ الْمَقْبُولُ: إِنْ سَلِمَ مِنَ الْمُعَارَضَةِ فَهُوَ الْمُحْكَمُ. وَإِنْ عُورِضَ بِمِثْلِهِ: فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَمُخْتَلِفُ الْحَدِيثِ. وَإِنْ ثَبَتَ الْمُتَأَخِّرُ فَهُوَ النَّاسِخُ، وَالْآخَرُ الْمَنْسُوخُ، وَإِلَّا فَالتَّرْجِيحُ، ثُمَّ التَّوَقُّفُ.\nثُمَّ الْمَرْدُودُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِسَقْطٍ أَوْ طَعْنٍ:\nفَالسَّقْطُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَبَادِئِ السَّنَدِ مِنْ مُصَنِّفٍ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ بَعْدَ التَّابِعِيِّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.\nفَالْأَوَّلُ: الْمُعَلَّقُ. وَالثَّانِي: الْمُرْسَلُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مَعَ التَّوَالِي فَهُوَ الْمُعْضَلُ، وَإِلَّا فَالْمُنْقَطِعُ.\nثُمَّ قَدْ يَكُونُ وَاضِحًا أَوْ خَفِيًّا. فَالْأَوَّلُ: يُدْرَكُ بِعَدَمِ التَّلَاقِي، وَمِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلَى التَّأْرِيخِ.\nوَالثَّانِي: الْمُدَلَّسُ وَيَرِدُ بِصِيغَةِ تَحْتَمِلُ اللَّقْيَ: كَعَنْ، وَقَالَ، وَكَذَا الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ.\n<hr><s0>\n\nقوله: (ثُمَّ الْمَقْبُولُ: إِنْ سَلِمَ مِنَ الْمُعَارَضَةِ فَهُوَ الْمُحْكَمُ. وَإِنْ عُورِضَ بِمِثْلِهِ: فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَمُخْتَلِفُ الْحَدِيثِ. وَإِنْ ثَبَتَ الْمُتَأَخِّرُ فَهُوَ النَّاسِخُ، وَالْآخَرُ الْمَنْسُوخُ، وَإِلَّا فَالتَّرْجِيحُ، ثُمَّ التَّوَقُّفُ) يظهر لي -والله أعلم- أنه لا يصح أن يُبحث هذا في علم الحديث، لأنه يتعلق بالدراية، ومصطلح الحديث يتعلق بالرواية، فمثل هذا لا ينبغي أن يُبحث في كتب مصطلح الحديث وإنما يُبحث في كتب أصول الفقه.\nوالأمر الآخر: جعل ابن حجر -رحمه الله تعالى- مختلف الحديث هو إذا لم يمكن الجمع، فمعنى هذا إذا أمكن الجمع لا يُبحث مبحث مختلف الحديث، وهذا فيه نظر، وقد خالفه ابن الصلاح وبيَّن أن مختلف الحديث شامل لما أمكن الجمع ولما لم يُمكن الجمع، ويدل عليه صنيع الإمام الشافعي في مختلف الحديث، وابن قتيبة في كتابه (تأويل مختلف الحديث) والطحاوي في (شرح مشكل الحديث) إلخ.\nفإن صنيع العلماء يدل على أنهم أوردوا في كتب مختلف الحديث ما أمكن الجمع وما لم يمكن الجمع، أما الحافظ فظاهر صنيعه أنه خصه بما يمكن الجمع.","vol":"1","page":38},{"text":"قوله: (ثُمَّ الْمَرْدُودُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِسَقْطٍ أَوْ طَعْنٍ) انتهى المصنف -رحمه الله تعالى- من المقبول وانتقل إلى المردود، وبيَّن أن الرد يكون إما لسقط أو طعن، أي يرجع إلى أمرين، إما السقط أو الطعن.\nوقد يُقال -والله أعلم-: أن الرد يرجع إلى أمور ثلاثة:\n• الأمر الأول: السقط، أي الانقطاع.\n• الأمر الثاني: الطعن، أي الضعف في الراوي.\n• الأمر الثالث: المُخالفة، فإن الثقة قد يُرد حديثه وهو لا يُطعن فيه لوجود المخالفة.\nوالحافظ ذكر المخالفة لكنه أدخلها في الطعن، والأمر سهل في هذا، ولو قيل بالأسباب الثلاثة لكان أصح -والله أعلم- لأن المخالفة قد تكون من الثقة الذي لا يُطعن في حفظه.\nقوله: (فَالسَّقْطُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَبَادِئِ السَّنَدِ مِنْ مُصَنِّفٍ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ بَعْدَ التَّابِعِيِّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَالْأَوَّلُ: الْمُعَلَّقُ. وَالثَّانِي: الْمُرْسَلُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مَعَ التَّوَالِي فَهُوَ الْمُعْضَلُ، وَإِلَّا فَالْمُنْقَطِعُ) ذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- أن السقط -أي الانقطاع- له أحوال، الحال الأولى أن يكون من شيخ المصنف ويسمى المعلق، فإذن المصنف كالبخاري أو أبي داود أو مسلم أو غيرهم، إذا روى حديثًا ولم يذكر شيخه وإنما ذكر شيخ شيخه، أو شيخ شيخ شيخه، لكنه لم يذكر شيخه، فهنا الانقطاع من مبادئ السند من المصنف فيسمى معلقًا.\nوقد يكون الانقطاع من آخر السند، أي قبل النبي -ﷺ- أي من الصحابي بأن يرويه التابعي عن الصحابي، فيسمى مرسلًا، وقد يكون الانقطاع في أي جهة في الإسناد غير مبادئ السند وغير منتهى السند، ويسمى منقطعًا، وقد يكون الانقطاع لانقطاع اثنين على التوالي فيسمى معضلًا، هذا ملخص ما أورده الحافظ.\nوأقرب ذلك بالأرقام: لنفرض أن شيخ المصنف رقمه واحد، يروي عن رقم اثنين عن رقم ثلاثة عن رقم أربعة عن رقم خمسة وهو الصحابي، عن النبي -ﷺ-.","vol":"1","page":39},{"text":"فلو قدر أسقط رقم واحد يسمى معلقًا، ولو أسقط رقم خمسة الصحابي وروى التابعي عن النبي -ﷺ- يسمى مرسلًا، ولو أسقط في أثناء الإسناد كرقم ثلاثة فقط يسمى منقطعًا، ولو أسقط اثنين على التوالي، أي رقم اثنين ورقم ثلاثة يسمى معضلًا.\nوقد يُسقط رقم واحد واثنين ويُسمى معلقًا، وقد يُسقط رقم واحد واثنين وثلاثة ويسمى معلقًا، لأن شيخ المصنف سقط، ولأن فيه سقطين فيسمى معضلًا، فيقال معلق ومعضل.\nوقد يسقط الإسناد كله فيقول: قال النبي -ﷺ-. فيُقال: معلق أسقط شيخه، ويُقال مرسل أسقط الصحابي، ويُقال معضل، وعلى هذا فقس، هذا ما قرره الحافظ -رحمه الله تعالى- وهو المشهور عند علماء المصطلح.\nوبعد هذا نرجع إلى المتن ونأخذ بعض المسائل المتعلقة به، فقوله: (ثُمَّ الْمَرْدُودُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِسَقْطٍ أَوْ طَعْنٍ) السقط: الانقطاع، والطعن: الضعف، وسيأتي الكلام عليه، فالسقط -وهو الانقطاع- ضعيف عند أهل العلم لأن الواسطة مجهولة كما قال ابن عبد البر في أوائل كتابه (التمهيد) لما تكلم عن المرسل، قال: وهو ضعيف عند أهل العلم لأن الواسطة مجهولة ولا تعلم.\nوأحاديث النبي -ﷺ- تُعامل معاملة الاحتياط خشية أن يكون الواسطة ضعيفًا، هذا سبب رد العلماء للانقطاع.\nلما ذكر الإمام مسلم الحديث المرسل -وهو فيه انقطاع من جهة إسقاط التابعي للصحابي- ذكر أن علماء الحديث على رده، كما ذكر في مقدمة صحيح مسلم، والسبب الجهالة كما تقدم، لأنه لا يُدرى من الذي أُسقط.\nإذن الأصل في الانقطاع الرد، لكن قد تدل القرينة على قبول الانقطاع وإن كان الأصل الرد، وقد تكون القرينة إسنادية أو متنية، أما القرينة المتنية فقد روى البخاري من حديث حنظلة بن أبي سفيان عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن النبي -ﷺ- دعا على سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام. في هذه الرواية سمى المدعويين، والرواية الموصولة في البخاري عن ابن عمر لم يسم المدعويين، وهذه الرواية مرسلة؛ لأنها من رواية حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن النبي -ﷺ-.","vol":"1","page":40},{"text":"ومع ذلك تساهل البخاري وأورد هذه الرواية المرسلة، لأنه لا ينبني عليها حكم، والرواية الموصولة في الصحيحين يدعو على فلان وفلان ولم يسمهم، وفي هذه الرواية سماهم، وهذا لا ينبني عليه حكم، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] إلى آخر الحديث.\nومن القرائن المتنية: ما روى مالك في الموطأ وأبو داود وغيرهما عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن النبي -ﷺ- أن رجلًا نبط أباه -أي أصاب أباه بعين- والحديث مرسل، لأن أبا أمامة بن سهل تابعي ولم يُدرك النبي -ﷺفلم يدرك القصة ومع ذلك أخرجه مالك في الموطأ، والأصل فيما يُخرجه مالك في الموطأ أنه حجة، وهذا الحديث كذلك، والسبب في التساهل فيه أن هذه قصة تتعلق بأهله، فمثلها يشتهر بين أهله، فتساهلوا فيها، وهذه قرينة أخرى متنية.\nأما القرينة الإسنادية فهي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه روايةٌ منقطعة، فإن أبا عبيدة لم يُدرك أباه عبد الله بن مسعود، وقد نص على الانقطاع علي بن المديني، والنسائي، والترمذي، وغيرهم من أهل العلم، ومع ذلك أجمعوا على قبولها، حكى الإجماع يعقوب بن شيبة، قال: درسها أهل العلم فرأوها مستقيمة، وذكر نحوًا من هذا ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)، وقرر هذا ابن رجب في شرح (العلل).\nوسبب قبولهم لها أنهم رأوا أن روايته مستقيمة، ويؤيد ذلك أنها رواية ابن عن أبيه، فتساهلوا في هذه القرينة، فلذلك العلماء على قبول رواية أبي عبيدة عن أبيه، وإن كانوا يُصرحون بالانقطاع، وهذه قرينة إسنادية.\nومن الأحاديث التي رُويت من هذا الطريق: ما رواه الترمذي والنسائي وأبو داود من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أن النبي -ﷺ- كان إذا جلس في التشهد الأول فكأنما يجلس على الرضف -أي من العجلة- ثم يقوم.\nوالرضف: الحجر المحمي بالنار، فيدل هذا على الاستعجال في التشهد الأول وعدم الإطالة، وقد قال الترمذي بعد أن رواه: والعمل على هذا عند أهل العلم. قال ابن رجب: وقول الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، إشعار بالإجماع في المسألة. ذكر هذا في مسألة أخرى في شرحه على البخاري.","vol":"1","page":41},{"text":"فإذن أهل العلم على عدم الإطالة في التشهد الأول، بخلاف التشهد الثاني، فالمقصود أن هذه قرينة إسنادية تساهلوا بها، وإلا الأصل ألا تُقبل، وهذا مبحث مهم، فأهل الحديث ينظرون إلى القرائن ويعتنون بذلك، ومن كلمات العلامة الكبير المجدد محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- أنه قال: وعلم الحديث ليس (واحد زائد واحد يساوي اثنين)، وإنما يُنظر فيه إلى القرائن.\nقوله: (الْمُعَلَّقُ) ممن اشتهر بتعليق الأحاديث أبو داود في سننه وأكثر من ذلك، وممن اشتهر بالتعليق أيضًا الإمام البخاري، وله طريقة، وذلك أنه يُعلق الحديث هو وغيره لكن اشتهر كلام أهل العلم على البخاري وخصوا الكلام عليه لعنايتهم ودراستهم له، وقالوا: معلقات البخاري قسمان:\n• القسم الأول: بصيغة التمريض، كأن يقول البخاري: يُذكر عن النبي -ﷺ-، أو: يُذكر عن ابن عباس.\n• القسم الثاني: بصيغة الجزم، فقد يقول: قال النبي -ﷺ-، قال صلة، قال عمار ... إلخ.\nأما ما جزم به فهو صحيح إلى من جزم به، فإذا قال: قال صلة، قال عمار، فإذن صحيح إلى صلة، أما ما بعد صلة فتنظر في الإسناد، فإذا جزم به عن النبي -ﷺ- فهو صحيح عن النبي -ﷺ- أما إذا علقه البخاري بقوله: يُذكر ... إلخ، قال ابن حجر في (النكت): إن كان حديثًا عن النبي -ﷺ- وساقه مساق الاحتجاج فهو إما أن يكون صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا ينجبر بغيره.\nأما معلقات الإمام مسلم فهي قليلة، وكلها وصلها إلا حديثًا واحدًا وهو حديث أبي جهم، الذي فيه إماطة القرام، وإلا كل أحاديثه المعلقة وصلها -رحمه الله تعالى-، وكذلك ممن اشتهر بالتعليق أبو داود كما تقدم.\nقوله: (وَالثَّانِي: الْمُرْسَلُ) فالمرسل على طريقة أهل الحديث مردود كما تقدم في كلام الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، ويدل عليه كلام غيره، هذا بالنظر إلى الإسناد روايةً فهو مردود، لأن الواسطة مجهولة كما تقدم في كلام ابن عبد البر، أما من جهة الدراية فإنهم يقبلون المرسل بالنظر لأمور أخر، بالنظر للشواهد والمتابعات، وبالنظر إلى أنه لم يأت بحكم جديد فيُسهل فيه، إلخ، كما بيَّن هذا النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه على","vol":"1","page":42},{"text":"مسلم، وابن رجب في شرح (العلل) وقال: قال ابن جرير: ورد المرسل بدعة حصلت بعد المائتين. ومراده: رده من جهة الدراية والاحتجاج لا من جهة الرواية، أما من جهة الدراية والاحتجاج فلا يُرد مطلقًا، بل يُنظر فيه كما بيَّن ذلك الشافعي في كتابه (الرسالة)، وشرح هذا ابن عبد الهادي في كتابه (الصارم المنكي)، وابن رجب في شرح (العلل).\nفإذن بالنظر إلى الرواية فهو مردود، وبالنظر للدراية فلا يُرد مطلقًا، بل يُنظر لنوع المرسل، وهل له شواهد أو ليس له شواهد، وهل أتى بحكم جديد أم لا؟ ... إلخ.\nثم ينبغي أن يُعلم أن مراسيل الصحابة مقبولة بالإجماع كما بيَّنه ابن حجر وغيره، إلا أنهم لا يقبلون مراسيل صغار الصحابة، أي الذين رأوا النبي -ﷺ- وكانوا صغارًا ولم يرووا عنه، كطارق بن شهاب ونحوه، نص على هذا الحافظ ابن حجر في كتابه (الإصابة) وكتاب (النكت).\nفقول العلماء إن مراسيل الصحابة مقبولة: أي من يصلح للتحمل، أما من لا يصلح للتحمل لصغره فإن مراسيله لا تُقبل، وينبغي أن يُفصل في هذا حتى لا يُظن أن قولهم بأن مراسيل الصحابة مقبولة شاملة حتى لمن لا يصلح منه التحمل، كطارق بن شهاب ونحوه.\nقوله: (إِنْ كَانَ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مَعَ التَّوَالِي فَهُوَ الْمُعْضَلُ، وَإِلَّا فَالْمُنْقَطِعُ) صنيع العلماء الماضين أنهم يطلقون المرسل على أي انقطاع، سواء كان على المعلق وعلى المنقطع بالمعنى عند علماء المصطلح، وعلى المرسل بمعناه عندهم، فأي انقطاع يسمونه مرسلًا، كما يدل على هذا كتاب ابن أبي حاتم في المراسيل، وكتاب أبي داود في المراسيل، وذكر هذا جمع من أهل العلم كالسخاوي وغيره، أنهم يطلقون المرسل على أي انقطاع، ولا يخصونه بالانقطاع بسقوط الصحابي ورواية التابعي كما تقدم، وكذلك الانقطاع يُطلق على أي انقطاع ولو كان على التوالي.\nوقولهم: المعضل، يُطلق على انقطاع اثنين على التوالي، وأيضًا يطلقون المعضل على المعضل في فهمه من جهة المتن.\nقوله: (ثُمَّ قَدْ يَكُونُ وَاضِحًا أَوْ خَفِيًّا. فَالْأَوَّلُ: يُدْرَكُ بِعَدَمِ التَّلَاقِي، وَمِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلَى التَّأْرِيخِ. وَالثَّانِي: الْمُدَلَّسُ وَيَرِدُ بِصِيغَةِ تَحْتَمِلُ اللَّقْيَ: كَعَنْ، وَقَالَ، وَكَذَا الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ","vol":"1","page":43},{"text":"مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ) هذه مباحث دقيقة، فقوله: (قَدْ يَكُونُ وَاضِحًا أَوْ خَفِيًّا. فَالْأَوَّلُ: يُدْرَكُ بِعَدَمِ التَّلَاقِي) بأن يروي تابعي عن النبي -ﷺ- كأبي العالية أو عطاء، أو الحسن، أو غيرهم، فيُعلم بالتاريخ بعدم التلاقي، أن هذا مُرسل.\nوقوله: (وَمِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلَى التَّأْرِيخِ) بأن يُنظر في تاريخ ولادة هذا وفي تاريخ موت هذا، وهكذا فيمن دون ذلك من رواية راوٍ عن راوٍ آخر، وعلى هذا فقس، فإذن الأول الذي يكون واضحًا يُدرك بعدم التلاقي، وهذا معروف عند المحدثين، بخلاف غيرهم.\nقوله: (وَالثَّانِي ...) أي الخفي، والخفي يُطلق على نوعين: على المدلس، وعلى المرسل الخفي، والفرق بين المدلس والمرسل الخفي: على ما قرر الحافظ -رحمه الله تعالى- أن المدلس قد روى عن شيخه أحاديث سمعها وأوهم أنه يروي عنه أحاديث أخرى لم يسمعها، وأتى بصيغة غير صريحة في التحديث، كما روى الإمام مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ...» الحديث.\nقال الترمذي: قال الأعمش: حُدثت عن أبي صالح. فدل هذا على أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح، وفي صحيح مسلم قال: \"عن\" ولم يأت بصيغة صريحة في السماع، والأعمش سمع من أبي صالح أحاديث، لكن هذا الحديث لم يسمعه، فيُقال عنه مدلس، إذن المدلس سمع من شيخه أحاديث وأوهم أنه سمع منه أحاديث أخرى، بشرط أن تكون الصيغة ليست صريحة في السماع، لأنها لو كانت صريحة في السماع ولم يسمعها لكان كذابًا.\nوالمرسل الخفي هو الذي يروي عن راوٍ قد أدركه وعاصره، لكن لم يسمع منه، فروى عنه بصيغة تحتمل السماع وليست صريحة، فإذن الفرق بين المرسل الخفي والمدلس: أن المدلس قد سمع أحاديث وأوهم أنه سمع أحاديث أخرى لم يسمعها، أما المرسل إرسالًا خفيًا فهو لم يسمع شيئًا لكن يمكنه أن يسمع، وكلاهما أتيا بصيغة تحتمل السماع وليست صريحة.\nقوله: (... مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ) أي بإمكانه أن يلقاه، ولاحظ قوله: (كَعَنْ، وَقَالَ) لأنها ليست صريحة في السماع، هذا هو الفرق بين المدلس والمُرسل إرسالًا خفيًا، أو المُدلَّس والمرسل إرسالًا خفيًا، وهذا على طريقة الحافظ، وسبقه إلى ذلك البزار، وابن القطان الفاسي، قال العراقي في (التقييد والإيضاح): وطريقة المحدثين على خلاف صنيع البزار","vol":"1","page":44},{"text":"وابن القطان الفاسي، وهو أنهم يُطلقون على المُرسِل إرسالًا خفيًا مُدلسًا، والجامع له المعنى اللغوي وهو التدليس، أن فيه تدليسًا، وهذا ما يُستفاد من كلام الخطيب في كتابه (الكفاية) وابن الصلاح في مقدمته.\nفالذي يظهر -والله أعلم- أن العلماء يصفون من يُرسل إرسالًا خفيًا بأنه مدلس، لكن قد لا يصفونه وقد يصفونه، والجامع التدليس، وهو شامل للإرسال الخفي وشامل للتدليس المعروف.\nوترد مسائل مهمة في التدليس:\n• المسألة الأولى: حكم التدليس، حكمه من حيث الأصل جائز، لأنه ليس صريحًا في الكذب وإنما هو تورية، وإن كان الأفضل ألا يفعل، لكنه من حيث الأصل جائز، لأنه ليس كذبًا، وهو استعمال قد شاع بين المحدثين، فهو جائز وهذا هو الشائع عند أهل العلم، خلافًا لمن شدد فيه ورعًا أو رأى حرمته.\n• المسألة الثانية: التدليس من حيث الجملة نوعان:\no  النوع الأول: تدليس شيوخ، وتدليس إسناد، والمراد بتدليس الشيوخ: يروي عن شيخه بأسماء وألقاب وكنًى مختلفة يُوهم أنه أكثر من شيخ وهو شيخ واحد، وله دوافع وأسباب.\no  النوع الثاني: تدليس الإسناد، وهو أن يُوهم سماعه من هذا الشيخ وهو لم يسمع منه، كما تقدم في قول الأعمش: حُدثت عن أبي صالح، وفي صحيح مسلم: عن أبي صالح.\nوأكثر البحث في كتب الحديث والمصطلح هو تدليس الإسناد، لأنه ينبني عليه الصحة والضعف، ويبحثون تدليس الشيوخ ليُميز الراوي، لكن البحث الكثير هو التدليس في الإسناد.\n• المسألة الثالثة: ليس كل مدلس تُرد روايته إذا لم يأت بلفظ صريح في السماع، وإنما تُرد رواية من كثر تدليسه وغلب في حديثه بالنسبة إلى رواياته، فقد يكون كثير الرواية كأبي إسحاق، وقد يُدلس كثيرًا لكنه قليل بالنسبة إلى رواياته، ومثل ذلك الأعمش، تدليسه كثير لكن قليل بالنسبة إلى رواياته، ذكر هذا علي بن المديني، قال: تُرد رواية المدلس إذا أكثر. رواه عنه الخطيب البغدادي، ونقله ابن حجر في (النكت).","vol":"1","page":45},{"text":"وقال أبو حاتم في (العلل) لما ذكر رواية الأعمش عن مجاهد، قال: أخشى أنه لم يسمعه منه، لأنه قليل الرواية عنه. فلاحظ نظر إلى القلة والكثرة، لكن هنا القلة في رواياته كلها وإنما في روايته عن هذا المعين.\nفإذن إذا كان الراوي يُدلس لا يُرد حديثه مطلقًا، وإنما يُرد إذا كثُر تدليسه بالنسبة إلى رواياته، فروى حديثًا محتملًا للسماع فإنه يُرد، وذكر يعقوب الفسوي أن رواية الأعمش وأبي إسحاق السبيعي والثوري صحيحة، وذلك -والله أعلم- لأن تدليسهم قليل بالنسبة إلى رواياتهم.\nفإن قلت: كيف أميز من كان تدليسه قليلًا بالنسبة إلى روايته أو كثيرًا؟\nيُقال: بأمور، فأحيانًا يُصرح العلماء أنفسهم، فإذا صرحوا رُدَّ كما صرح أحمد في ابن جريج، وكما صرح غيره في محمد بن إسحاق صاحب السير والمغازي، وعلى هذا فقس، فيصرحون أنه إذا أتى بصيغة غير صريحة في السماع لا تُقبل، وتارة يُعرف هذا بالنظر إلى صنيع صاحب الشيخين البخاري ومسلم، كثيرًا ما يروون إذا أكثروا الرواية عن راوي موصوف بالتدليس بلفظ غير صريح بالسماع وتبيَّن بالبحث أو بنص العلماء أنه لم يُصرح بالسماع في مواضع أخر، فيدل على أن تدليسه قليل بالنسبة إلى رواياته.\nوقد سأل السبكي المزي عن المدلسين في الصحيحين وأنهم عنعنوا، هل سمعوا منهم في موضع آخر؟ قال المزي: لم يثبت سماعهم عنه في موضع آخر، لكن هذا يُقال إحسانًا بالصحيحين. نقله ابن حجر في (النكت).\nفإذن إذا روى صاحبا الصحيح كالبخاري ومسلم حديثًا برواية مدلس بالعنعنة ولم يُعرف تصريحه بالسماع في موضع آخر، فهذه إشارة إلى أن تدليسه قليل بالنسبة إلى رواياته، وهكذا يُبحث في القرائن الأخرى، ومما اشتهر عند المتأخرين أنهم يردون رواية أبي إسحاق السبيعي إذا عنعن، والأعمش إذا عنعن، وهذا فيه نظر، الأصل أن تُقبل رواية أبي إسحاق السبيعي كما ذكر يعقوب الفسوي، وكما هو صنيع البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومثله تقبل رواية الأعمش، إلا فيمن يُقل الرواية عنه كمجاهد، كما نص على هذا أبو حاتم في العلل، وعلى هذا فقس.\n•  تنبيه: قد يثبت عند أحد العلماء المحدثين أن فلانًا دلس، ومع ذلك يقبل حديثه، وذلك لقرائن خارجية كما تقدم أنهم يقبلون رواية المنقطع لقرائن خارجية، كحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: «ما جلس قوم في بيت من بيوت","vol":"1","page":46},{"text":"الله ...»، تساهل فيه مسلم وأخرجه في صحيحه، لأن له شواهد، ثبت عن أبي سعيد في صحيح مسلم، ثم إذا تدبرت معناه لم تره أتى بحكم جديد، فلذلك تساهل فيه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-، وقد تقدم أنهم يتساهلون في الانقطاع لقرينة متنية أو لقرينة إسنادية.\n• المسألة الرابعة: إذا عُرف الراوي واشتهر بكثرة التدليس لا يُقبل حديثه حتى يُصرح بالسماع، نص على هذا الإمام مسلم في كتابه (التمييز)، وذكر هذا الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في رواية ابن جريج، وذكره غيره في غيره من الرواة، كابن عدي في كتابه (الكامل).\nفإذن إذا كان المدلس مشهورًا ومُكثرًا من التدليس بالنسبة إلى رواياته فإنه لا يُقبل حتى يُصرح بالسماع، وقد رأيت بعض المعاصرين وقع في بدعة وقال: تُقبل رواية المدلس أكثَر أو لم يُكثر ولو روى بصيغة ليست صريحة بالسماع، وزعم أن السلف الأولين على ذلك، وقد أخطأ ووقع في بدعة كبرى تنبني عليها أخطاء كثيرة، فقد تقدم كلام الإمام أحمد وكلام مسلم في (التمييز) وغيرهم من أهل العلم، فلابد أن يُفرق بين من أكثر من التدليس بالنسبة إلى رواياته وبين من لم يُكثر على ما تقدم تفصيله.\nقوله: (وَكَذَا الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ مِنْ مُعَاصِرٍ لَمْ يَلْقَ) سيتكلم المصنف -رحمه الله تعالى- عن اشتراط السماع واللقاء ... إلخ، لكن المرسل إرسالًا خفيًا وهو أن يُرسل عمن لم يسمع ويُمكن أن يسمع منه لكن لم يسمع منه بصيغة تحتمل السماع، فهذا يسمى مرسلًا خفيًا، ويُطلق عليه التدليس كما تقدم.\nوينبغي أن يُنتبه إلى أمر مهم وهو أنه عند دراسة الأحاديث لا يكتفى بالنظر إلى ثقة الراوي بل لابد إذا كانت الصيغة غير صريحة في السماع أن يُرجع إلى كتب السماع، وكلام العلماء في عدم سماع فلان من فلان أُفردت فيه مصنفات ويُذكر في كتب التراجم، كما ذكره المزي في (تهذيب الكمال) وابن حجر في (تهذيب التهذيب)، وذكره بشار عواد في حاشيته على (تهذيب الكمال) وذكر فوائد كثيرة عن مغلطاي وغيره، وأفرد العلائي كتابًا مفيدًا في ذلك سماه: (جامع التحصيل)، وكذلك كتب العراقي كتابًا بعنوان: (تحفة التحصيل)، أورد ما ذكر العلائي وزاد عليه.","vol":"1","page":47},{"text":"ومن الكتب المفيدة في ذلك نسخة جديدة طُبعت لتحفة التحصيل، ذكر محققها في الحاشية فوائد كثيرة تتعلق بالسماع وعدمه، وأيضًا طُبع تقريب التهذيب لحسان عبد المنان، وذكر كلام الحافظ وزاد على ذلك بأن ذكر السماعات وعدمها، وهذا مفيد للغاية، بعيدًا عن ذات حسان عبد المنان وسوئه وتكلم الألباني عليه -رحمه الله تعالى- لكن يهمني نقله وعزوه.\nوأيضًا مما ينفع كتب العلامة مقبل الوادعي، فهو مهتم بهذا، ومن ذلك: (أحاديث معلة ظاهرها الصحة) فهذا كتاب نفيس للغاية، ويذكر عللًا دقيقة، ومنها السماعات وغيرها، إلى غير ذلك من الكتب، فينبغي أن يُعتنى بالسماع وعدمه، فما أكثر الأحاديث التي صُححت وثبت أنه لم يسمع الراوي عن شيخه، وأحيانًا ثبت أنه لم يسمع منه في الحديث نفسه وأحيانًا لم يسمع منه البتة.\nومن أمثلة ذلك: ما روى أبو داود من حديث خالد الحذَّاء عن أبي العالية، عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال في سجود التلاوة: «سجد وجهي الذي خلقه، وشق سمعه وبصره ...» الحديث، ذكر أبو داود أن خالدًا الحذاء يرويه عن رجل عن أبي العالية، فدل هذا على أن خالد الحذاء لم يسمعه، وقد أفاد ابن الصلاح في مقدمته، وابن رجب في شرح (العلل) على أن العلماء الأولين يستدلون على عدم سماع الراوي من الراوي بأنه في مواضع يُدخل بينهما رجلًا وأحيانًا رجلين، فيستدلون بهذا على أنه لم يسمع منه.\nفلذا ينبغي أن يُعتنى بمثل هذا، وأن يُدقق فيه، ورأيت بعضهم أراد أن يُقوي حديث عائشة في سجود التلاوة: «سجد وجهي الذي خلقه وشق سمعه وبصره ...» بما في مسلم من حديث علي أن النبي -ﷺ- كان يقول في سجوده: «سجد وجهي الذي خلقه، وشق سمعه وبصره ...».\nفيقال: لا يصح أن يكون هذا شاهدًا لذاك، لأن هذا في جميع السجدات، والبحث في سجود التلاوة، فلا يصح أن يكون هذا شاهدًا لذاك، وهذا من تساهل المتأخرين في الشواهد.\nومن أمثلة تساهلهم في الشواهد فيما نحن بصدده: أنه روى أبو داود أن النبي -ﷺ- كان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، في إسناده راوٍ مجهول ولا يصح، ورأيت بعضهم صححه بأنه ثبت عن عمر أنه كان يقول ذلك في الطواف كله، فيقال: فرق بين الطواف","vol":"1","page":48},{"text":"كله وبين أن يُقال باستحبابه بين الركنين، فمثل هذا لا يصح أن يكون شاهدًا له. فهذه المسائل تحتاج إلى دقة ومعرفة.","vol":"1","page":49},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nثُمَّ الطَّعْنُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي، أَوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ، أَوْ فُحْشِ غَلَطِهِ، أَوْ غَفْلَتِهِ، أَوْ فِسْقِهِ، أَوْ وَهْمِهِ، أَوْ مُخَالَفَتِهِ، أَوْ جَهَالَتِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ، أَوْ سُوءِ حِفْظِهِ.\nفَالْأَوَّلُ: الْمَوْضُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَتْرُوكُ، وَالثَّالِثُ: الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ، وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ.\nثُمَّ الْوَهْمُ: إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالْمُعَلَّلُ.\nثُمَّ الْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ، أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ، أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالْمَقْلُوبُ، أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ.\nوَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا، أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالْمُصَحَّفُ وَالْمُحَرَّفُ.\nوَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي.\nفَإِنْ خَفِيَ الْمَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ، وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ.\nثُمَّ الْجَهَالَةُ: وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ.\n\nوَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ، أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا، وَفِيهِ المُبْهَمَاتُ، وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ.\nفَإِنْ سُمِّيَ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ عَنْهُ: فمَجْهُولُ الْعَيْنِ، أَوِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَلَمْ يُوَثَّقْ: فَمَجْهُولُ الحَالِ، وَهُوَ الْمَسْتُورُ.\nثُمَّ الْبِدْعَةُ: إِمَّا بِمُكَفِّرٍ، أَوْ بِمُفَسِّقٍ.\nفَالْأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الْأَصَّحِ، إلَّا أنْ يَرْوِيَ مَا يُقوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجَوْزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيِّ.","vol":"1","page":50},{"text":"ثُمَّ سُوءُ الْحِفْظِ: إِنْ كَانَ لَازِمًا فَهُوَ الشَّاذُّ عَلَى رَأْيٍ، أَوْ طَارِئًا فَالْمُخْتَلِطُ، وَمَتَى تُوبِعَ سَيْئُّ الْحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، وَكَذَا الْمَسْتُورُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُدلَّسُ: صَارَ حَدِيثُهُمْ حَسَنًا لَا لِذَاتِهِ، بَلْ بِالْمَجْمُوعِ.\n<hr><s0>\n\nقوله: (ثُمَّ الطَّعْنُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي) هذا واضح، أي أن الراوي يكذب عن رسول الله -ﷺ- وإذا كان الراوي يكذب على النبي -ﷺ- فإنه لا يصح حديثه بل يكون موضوعًا كما سيأتي بيانه.\nقوله: (أَوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ) وتُعرف بأمرين: أن ينفرد برواية حديث يُخالف قواعد الإسلام، أو أن يكون معروفًا بالكذب في حديث الناس، فإذا كان معروفًا بكذبه في حديث الناس فلا يُقبل حديث.\nقوله: (أَوْ فُحْشِ غَلَطِهِ) أي المراد كثرة غلطه، وقوله: (أَوْ غَفْلَتِهِ) أي أن يكون ذا غفلة لا يُتقن إذا روى الأحاديث، وقوله: (أَوْ فِسْقِهِ) أي أن يكون فاسقًا، والفاسق عند أهل السنة هو صاحب الكبيرة الذي لم يتب منها، كما بيَّنه السفاريني في منظومته، ويدل عليه كلام غيره، وبعضهم قال: من غلبت عليه المعاصي، وهذا فيه نظر، وإنما من فعل كبيرة واحدة ولم يتب منها فهو فاسق عند أهل السنة، وقد تقدم أن الفسق ليس سببًا لرد الحديث كما تقدم بيانه.\nقوله: (أَوْ وَهْمِهِ) أي أنه يروي الأحاديث وهو شاكٌ في صحتها على سبيل التوهم، وقوله: (أَوْ مُخَالَفَتِهِ) تقدم البحث في المخالفة، وقوله: (أَوْ جَهَالَتِهِ) سيأتي البحث في الجهالة، والأصل في الجهالة أنه مردود، لأنه لا يُقبل في حديث النبي -ﷺ- إلا الثقة وهو مبني على الاحتياط.\nقوله: (أَوْ بِدْعَتِهِ) سيأتي الكلام على أن البدعة ليست سببًا لرد الحديث.\nقوله: (أَوْ سُوءِ حِفْظِهِ) أي تساوى وهمه مع ضبطه، أو غلب وهمه.\nهذا ملخص ما بيَّنه الحافظ في شرحه على النخبة في كتابه (النزهة).\nثم بعد ذلك سيذكر حكم كل حديث، وهذا الذي سيُقرره فيه نظر، لأنه جعل الموضوع هو حديث الكذاب، وهذا على الإطلاق فيه نظر، لاشك أن حديث الكذاب موضوع، لكن قد","vol":"1","page":51},{"text":"يوصف أيضًا بالوضع ما ليس كذلك، فمما حققه ابن تيمية لما قيل: هل في مسند أحمد أحاديث موضوعة أم لا؟ قال: إن أريد برواية كذاب بقصد فلا، وإن أريد أن هناك من أخطأ فأصبح الحديث موضوعًا فنعم، أي أصبح موضوعًا بلا قصد.\nفلذلك الحافظ ذكر هذه الأسباب العشرة ثم ذكر أحكامها، وهذا التقنين والتقسيم فيه نظر، وإنما يختلف العلماء في الحكم بالنظر في المتن وحال الراوي كما تقدم بيانه.","vol":"1","page":52},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nفَالْأَوَّلُ: الْمَوْضُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَتْرُوكُ، وَالثَّالِثُ: الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ، وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ.\nثُمَّ الْوَهْمُ: إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالْمُعَلَّلُ.\nثُمَّ الْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ، أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ، أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالْمَقْلُوبُ، أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ.\nوَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا، أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالْمُصَحَّفُ وَالْمُحَرَّفُ.\nوَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي.\nفَإِنْ خَفِيَ الْمَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ، وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ.\nثُمَّ الْجَهَالَةُ: وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ.\n<hr><s0>\n\nقوله: (فَالْأَوَّلُ: الْمَوْضُوعُ) الموضوع رواية الكذاب، وقوله: (وَالثَّانِي: الْمَتْرُوكُ) المراد به المتهم بالكذب، وقوله: (وَالثَّالِثُ: الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ) والمراد بالمنكر من فحُش غلطه، وهذا فيه نظر كما تقدم، فإن المنكر عند الأولين يُطلق بمعنى المُخالفة والتفرد، فمجرد التفرد الذي لا يُقبل يسمى منكرًا.\nقوله: (... وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ) وعلى كلٍ هذا التقسيم بهذا التدقيق فيه نظر على ما تقدم بيانه.\n\nقوله: (ثُمَّ الْوَهْمُ: إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالْمُعَلَّلُ) يشير إلى أن الحديث المُعل هو الذي تبيَّن بجمع الطرق أنه خطأ، وهذا صحيح، إلا أن لفظ \"العلة\" وإن اشتهر إطلاقه على ما خفي إلا أنها تُطلق على ما خفي وظهر كما تقدم بيانه، لكن<span data-type=\"title\" id=toc-49> أعظم سبيل لمعرفة الحديث المعلول بالعلة الخفية هو جمع الطرق</span>، كما قاله يحيى بن معين، وعلي بن المديني، والإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.","vol":"1","page":53},{"text":"قوله: (ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ، أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ، أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالْمَقْلُوبُ، أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ) ذكر المخالفة ثم جعل تحت المخالفة أقسامًا:\n• القسم الأول: مدرج الإسناد، بتغيير السياق، ومدرج الإسناد له صور منها: أن يروي راوٍ الجزء الأول من الحديث، ويروي آخر الجزء الثاني من الحديث، ثم يأتي من بعدهم ويروي الحديث كاملًا عن الاثنين، أوهم أن الاثنين روياه كاملًا، هذا يسمى مدرج الإسناد، له صور وهذا من صوره.\n• القسم الثاني: مُدرج المتن، وذلك أن يُدخل في المتن كلامًا ليس من كلام رسول الله -ﷺ- وقد يكون في أول المتن أو في آخره أو في أثنائه، ومنها ما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة: «إن بلالًا يُؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم، وكان رجلًا أعمى لا يُنادي حتى يُقال له: أصبحت أصبحت». هذا رواه البخاري وهو مُدرج في آخر الحديث وليس من كلام النبي -ﷺ-، وقد أُلف في ذلك مصنفات.\nفالمقصود ما أُدخل في المتن وليس من كلام النبي -ﷺ- يسمى مدرجًا من جهة المتن، أو يُسمى إدراجًا في المتن، وقد يكون في أول المتن أو في وسطه أو آخر.\nتنبيهات:\nالتنبيه الأول: الأصل عدم الإدراج ولا يقال به إلا إذا دل على ذلك دليل كما يقرر ذلك العلماء في الفقه وكتب شروح الأحاديث مثل الصنعاني في السبل، ومن الأحاديث التي لا يسلم بالإدراج فيها كحديث \"فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل\" والصواب أنه ليس مدرجا كما هو صنيع مسلم ولم يذكره الخطيب في كتابه في الإدراج ولا دليل صحيح يدل على أنه مدرج خلافًا للمنذري ومن تبعه.\nالتنبيه الثاني: ليس المدرج حجة كالحديث لأنه ليس من كلام النبي ﷺ، وقد يكون من قول الصحابي فيكون حجة بشروط وقد بكون من قول من تحته.\nالتنبيه الثالث: يعرف الإدراج بأمور منها:\n١/ بورود رواية مفصلة للقدر المدرج مما أدرج فيه.","vol":"1","page":54},{"text":"٢/بالتنصيص على ذلك من الراوي.\n٣/ بتنصيص بعض الأئمة المطلعين.\n٤/ باستحالة كون النبي ﵌ يقول ذلك.\nأفاده ابن حجر في النزهة\n• القسم الثالث: بتقديم أو تأخير فالمقلوب، والتقديم والتأخير قد يكون في الاسم، فيقلب اسم الراوي، وقد يكون في المتن كما جاءت في رواية: «حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه» فهذا إقلاب في المتن. لأن صوابه «حتى لا تعلم يمينه ما تُنفق شماله»\n• القسم الرابع: المزيد في متصل الأسانيد، فإذا تأملت المزيد في متصل الأسانيد تجد أن الحافظ ابن حجر في (النكت) أورده على أنه مردود، إذن هي زيادة مردودة عند الحافظ لا زيادة مقبولة، وصورة المزيد في المتصل الأسانيد: هو أن يُروى حديث بإسناد، ثم يأتي بإسناد آخر فيه زيادة راوٍ، وهذه الزيادة في الإسناد الآخر مردودة، فتسمى المزيد في متصل الأسانيد.\nوذكر الحافظ في الشرح: حتى يتضح أن هذه الزيادة مردودة لابد من أمرين:\no  الأمر الأول: الإسناد الأول الذي ليس فيه الزيادة يصرح التلميذ بالسماع من شيخه.\no  الأمر الثاني: أن يكون الذي لم يزدها أوثق ممن زادها حتى تُرد رواية من زاد.\nإذن الحافظ أورد المزيد في متصل الأسانيد على وجه الرد، وقد سبقه إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته، أما صنيع الخطيب البغدادي -وهو أول من ذكر المزيد في متصل الأسانيد وأفرد فيه مصنفًا- أنه جعل منها ما هو مردود ومنها ما هو مقبول، كما ذكره ابن رجب في شرح (العلل) لأن مؤلف الخطيب البغدادي لم يصل إلينا، لكن ذكر هذا عنه ابن رجب في شرح (العلل) ووافقه.\nفلذا على الصحيح المزيد في متصل الأسانيد قسمان، قسم مردود وقسم مقبول، ما دلت القرائن على رده فيُرد، وما دلت القرائن على قبوله فيُقبل، ولا يُجعل من قسم المردود كما فعل ابن الصلاح ثم ابن حجر، والمحدثون الأوائل لا يُعبرون بقولهم:","vol":"1","page":55},{"text":"المزيد في متصل الأسانيد، وإنما يُعبرون بقولهم: ذكرُ فلان خطأ. أو يقولون: ذكره صحيح والخطأ في عدم ذكره. بما يدل على هذا من المرادفات.\nإذن عند المحدثين الأولين قد تُقبل وقد تُرد، وقد يصح الوجهان، وتصح ذكر الواسطة وقد لا تصح؛ وذلك إذا كان الراوي واسع الرواية كالزهري وأبي إسحاق السبيعي وأمثالهم، فيُحتمل منه أن يرويه بأكثر من طريق، بزيادة ودون زيادة.\nإذن المزيد في متصل الأسانيد على أقسام ثلاثة، تارة تُرد الزيادة، وتارة تُقبل، وتارة يقبل الوجهان الزيادة وعدم الزيادة.\nقوله: (أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ) هذا هو القسم الخامس، أحيانًا يحصل اضطراب في الرواة، فيروي هذا على وجه، وهذا على وجه ولا مُرجح، فيُقال: هذا مضطرب، ولا نستطيع أن نُرجح؛ لأنه مضطرب، والاضطراب يكون في المتن والإسناد، كما بيَّنه ابن الصلاح وذكره ابن حجر في شرحه.\nوبحث الاضطراب فيه مسائل، لكن أهم ما ينبغي معرفته أن الحافظ يُقرر أنه يكون في المتن والسند كما بيَّنه في الشرح، وأنه يكون في حال عدم وجود مُرجح، أما إذا وُجد المُرجح فلا يسمى اضطرابًا.\nوالصواب -والله أعلم- والذي عليه صنيع علماء أهل الحديث أن الاضطراب يُذكر سواء وُجد مرجح أو لم يوجد مرجح، فمتى ما وُجد الاختلاف فيُسمى اضطرابًا، وقد يوجد مرجح فيُعمل بأحد الأوجه، وقد لا يوجد مرجح فيُترك الجميع، هكذا صنيعهم ولا يخصونه بعدم وجود مرجح.\nوينكشف الاضطراب بجمع الطرق، فيُتعامل معه معاملة زيادة الثقة التي تقدم بحثها، فتارة تُقبل وتارة تُرد، ولابد أن يُدقق في الاضطراب في المتن هل ينبني عليه حكم شرعي أم لا، ولابد أن يكون المخرج واحدًا، وهو قريب من مبحث زيادة الثقة وفيه توافق معه.\nقوله: (وَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا) قد يتعرض الراوي لامتحان غيره فيُبدل في الإسناد.\nقوله: (أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالْمُصَحَّفُ وَالْمُحَرَّفُ) هذا هو النوع السادس، وجعل تحته أقسامًا، وهو المصحف والمحرف، والذي قرره الحافظ ابن حجر أن المصحَّف","vol":"1","page":56},{"text":"والمُحرف هو أن يكون شكل الكلمة واحدًا، لكن الاختلاف يكون في الحركات أو في النقط، بهذا فرَّق الحافظ -رحمه الله تعالى- بينهما، فجعل المصحف والمحرف شكل الكلمة واحدًا، لكن ما بيّن أن يكون هناك اختلاف في النقط أو اختلاف في الحركات، فضبط التصحيف والتحريف على هذا.\nأما صنيع العلماء قبلُ فهم لا يُفرقون بين المصحف والمحرف، وأكثر ما يطلقون التصحيف، لذا قد يُطلقونه على تغيير الاسم تمامًا، وعلى تغيير حتى رسم الكلمة، كما وُجد في كلام الشافعي وغيره، فإذن أكثر ما يُطلق العلماء الأولون التصحيف، وقد يُطلقون التحريف لكن الغالب هو التصحيف.\nثم لا يجعلون التصحيف خاصًا بالنقط، والمحرف خاصًا بالشكل كما يُقرره الحافظ في شرحه على (النخبة)، وإنما يجعلون المصحف عامًا للنقط وللشكل، بل ولرسم الكلمة، وقد بيَّن هذا أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- في حاشيته على (ألفية السيوطي) وأن الأولين لا يُغايرون بينهما، والأمر في هذا سهل.\nقوله: (وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي) حصل خلاف بين العلماء في رواية الحديث بالمعنى، وتحرير محل النزاع: ما يُتعبد فيه بألفاظه كالأذكار ونحوها لا يصح روايتها بالمعنى، ذكره السيوطي والسخاوي، بل وذكر السيوطي أن ما كان من جوامع الكلم لا يصح أن يُروى بالمعنى، أما ما يُتعبَّد بلفظه كالأذكار فهذا واضح، كما في حديث البراء قال: «ولا رسولك الذي أرسلت» قال: «ولا نبيك الذي أرسلت» فبيَّن خطأه لأنه مُتعبد بلفظه.\nأما جوامع الكلم الذي ذكره السيوطي فمحتمل أن يكون كذلك، بحسب الرواية بالمعنى.\n• تنبيه: ينبغي أن يُعلم أن الراوي إذا روى حديثًا بالمعنى فأخطأ، لابد أن المحدثين وأئمة هذا الفن وحراس الشريعة يُبيِّنون خطأه، وقد حصل كثيرًا، فإن الله حافظٌ لدينه، وقد ذكر ابن رجب أمثلة على ذلك، وذكر غيره أن بعض الرواة أخطأ في أحاديث لأنه رواها بالمعنى فأخطأ في روايته بالمعنى.\nوبعد هذا: أصح قولي أهل العلم وهو قول جماهير أهل العلم: أنه يصح رواية الحديث بالمعنى، وهو قول الحسن وغيره، وأقوى دليل على ذلك -والله أعلم- أن الله ذكر لنا","vol":"1","page":57},{"text":"القصة التي حصلت للأنبياء السابقين، وذكرها لنا بالمعنى مع أنها كانت بلغاتهم وبغير لغة العرب، وذكرها لنا باللغة العربية، فصحت الرواية بالمعنى.\nتنبيهات:\n• التنبيه الأول: قال المعلمي -رحمه الله تعالى-: وإنما يُخشى في الرواية بالمعنى في الأحاديث القولية لا الفعلية. ذكر هذا في طليعة (التنكيل)، وصدق -رحمه الله تعالى- لأن الحديث الفعلي يحكيه الراوي، ويُفسره الراوي، بخلاف الحديث القولي الذي هو مبني على السماع.\n• التنبيه الثاني: ذكر ابن حجر في (النزهة) وذكر غيره: أن أقوى ما استُدل به في جواز الرواية بالمعنى جواز ترجمة معاني القرآن.\nيُقال هذا الدليل فيه نظر؛ وذلك لأن ترجمة معاني القرآن ليست رواية للقرآن بالمعنى، وإنما ترجمة المعنى من لغة إلى لغة، وفرق بين ترجمة المعنى من لغة إلى لغة وبين رواية اللفظ بمعنى آخر، لذلك فيه نظر -والله أعلم- وإنما الدليل ما تقدم ذكره.\nقوله: (فَإِنْ خَفِيَ الْمَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ، وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ) هذا أيضًا لا علاقة له بعلم المصطلح، لأن هذا يتعلق بالدراية، وبحثنا في الرواية.\nقوله: (ثُمَّ الْجَهَالَةُ: وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ. وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ، أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا، وَفِيهِ المُبْهَمَاتُ، وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ) ذكر -رحمه الله تعالى- أن من أسباب رد الحديث والطعن في الراوي أن يكون مجهولًا، وجعل الجهالة سببًا للطعن في الراوي، وهذا صحيح، لأن المجهول لا يُعلم حاله، وقبول الأحاديث مبني على الاحتياط، ولا يُقبل إلا خبر الثقة، فلذلك لا تُقبل رواية المجهول.\nوذكر أسباب الجهالة، وقال إن الراوي قد تكثر أوصافه فيُذكر بغير ما اشتُهر به، وصنفوا فيه -والله أعلم- المُوضِّح -بالتشديد- يعني: ما يُوضح من كثرت نعوته، وقد أفرد فيه الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- مصنفًا.\nوالسبب الثاني للجهالة قوله: (وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ) أي من لم يرو عنه إلا واحد، وقوله: (أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا) هذا السبب الثالث للجهالة","vol":"1","page":58},{"text":"قوله: (وَفِيهِ المُبْهَمَاتُ) ينبغي أن يُعرف أن هناك فرقًا بين المُبهم والمُهمل، فالمهمل يُسمى الرجل ولا يُذكر ما يُميز هذا الرجل، فيُقال: حدثنا محمد. فلا يسمى أباه ولا أحدًا، فلا يُعرف محمد ويسمى مهملًا.\nأما المبهم فيقال: حدثني رجل. هكذا، لا يُدرى من هذا الرجل، أو يقول: حدثني الثقة. هذا مبهم، لأنه لم يسم هذا الرجل.\nإذن هناك فرق بين المبهم والمهمل، ثم استطرد -رحمه الله تعالى- في ذكر المبهم فقوله: (وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ) فذكر أن هذا المبهم لا يُقبل ولو قال عنه رجل: حدثي الثقة، لأنه لا يُدرى من هذا الرجل فقد يكون ثقة عنده ولا يكون ثقة عند غيره، فلا يُقبل منه هذا التوثيق المبهم، وهذا على الصحيح.\nقوله: (فَإِنْ سُمِّيَ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ عَنْهُ: فمَجْهُولُ الْعَيْنِ، أَوِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَلَمْ يُوَثَّقْ: فَمَجْهُولُ الحَالِ، وَهُوَ الْمَسْتُورُ) جعل الحافظ المجهولين قسمين:\n• القسم الأول: مجهول العين.\n• القسم الثاني: مجهول الحال.\nوقال في مجهول العين: من لم يرو عنه إلا واحد. أي ولم يُوثق هذا الرجل، فيسمى مجهول العين، أما إذا روى عنه اثنان فأكثر ولم يُوثق فيسمى مجهول الحال، فإذن اجتمع مجهول العين ومجهول الحال في أنهما لم يُوثقا، إلا أن مجهول العين روى عنه واحد ومجهول الحال روى عنه اثنان فأكثر، وهذا ما قرره الحافظ.\nإلا أن ابن عبد البر والخطيب البغدادي ذكروا أمرًا زائدًا على هذا فقالوا: إذا اشتهر الرجل بالزهد أو الكرم ... إلخ، ولو لم يرو عنه إلا واحد فيُقال مجهول الحال، فارتفع من مجهول العين إلى جهالة الحال.\nوفي كلام الخطيب ما يدل على أن أهل الحديث على ذلك.\nإذن من لم يرو عنه إلا واحد لكن اشتهر إما بالزهد أو بالكرم أو الشجاعة فيُقال عنه مجهول الحال، وهذا صحيح وهو أقرب إلى معنى مجهول الحال.\nومجهول العين ومجهول الحال ضعيفان ولا يصحان، وأنبه إلى مسائل تتعلق بالمجهول، وقد يأتي ما ينبغي أن يُذكر فيه، لكن أذكره وأُحيل عليه فيما بعد:","vol":"1","page":59},{"text":"- المسألة الأولى: المجهول مردود لما تقدم ذكره من أنه مجهول ولا يُعرف حاله، وأحاديث النبي -ﷺ- مبنية على الاحتياط فلابد من التثبت فيها، إلا أن من العلماء من يُطلق الجهالة ويريد بها أنه ليس مشهورًا بالرواية، كما أطلق الإمام أحمد على عبد الرحمن بن وعلة الجهالة، وهو من رواة مسلم وقد وُثق، وأراد بذلك أنه ليس مشهورًا بالرواية.\nوينبغي أن يُعلم أن للعلماء إطلاقات ويُعرف بالنظر في كتب التراجم، وبمقارنة كلامهم بكلام غيرهم، إلى غير ذلك، فإذن قد تطلق الجهالة ويُراد بها عدم الاشتهار.\n•  المسألة الثانية: من العلماء من لا يُعتد بتوثيقه لأنه متساهل في التوثيق، كمجرد ذكر ابن حبان للرجل في كتابه الثقات، فإنه لا يدل على ثقته، بل ذكر مرة رجلًا وقال: لا أعرفه ولا أعرف أباه. ومع ذلك عده في الثقات، وذلك على أصله وهو أن الأصل في المسلمين عنده العدالة، ومثل هذا لا يُقبل، ومثل ذلك العجلي، فقد ذكر المعلمي في كتابه (التنكيل) وفي كتابه (الأنوار الكاشفة) أن العجلي متساهل لاسيما في التابعين، فإذا وقفت على راوٍ في التابعين لم يذكره في الثقات إلا ابن حبان ولم يُوثقه إلا العجلي في كتابه (الثقات) فلا يُقبل؛ لأنهما معروفان بالتساهل، ولاسيما العجلي في التابعين، ومن أمثلة ذلك -والله أعلم-: أن يقول العالم: فلان من ثقات أهل اليمامة، ومن ثقات كذا ... فمثل هذا أيضًا يُراد بالتوثيق العدالة، لأن التوثيق من حيث الإجمال أي العدالة العامة، ككتاب (مشاهير علماء الأمصار) لابن حبان فيستعمل هذا كثيرًا، وكغيره، فإذا قيل: من ثقات كذا. فالمراد به العدالة لا الثقة التي هي الضبط، ومثل هذا مما ينبغي أن يُضبط.\n•  المسألة الثالثة: من العلماء من لا يروي إلا عن ثقة، فمثل هذا لا يُقبل حديثه مطلقًا، كالإمام أحمد والإمام مالك، وغيرهما، فإنهما لا يرويان إلا عن ثقة، قال أبو حاتم: ما لم يتبيَّن أنه ضعيف -أي أنه في الغالب ما لم يتبين أنه ضعيف- فالأصل أنهم لا يروون إلا عن ثقة، لكن إذا تبيَّن ضعفه فلا يُقبل التوثيق العام بمجرد أنهم لا يروون إلا عن ثقة.\nتنبيه: إذا وقفت على حديث في الأحكام ولم تجد لراويه ترجمة، لكن قد روى عنه أحمد أو مالك أو أمثالهما ممن لا يروي إلا عن ثقة، فلا يُصحح هذا الحديث في","vol":"1","page":60},{"text":"الأحكام، فقد قال الذهبي: والجمهور على أن الراوي الذي يروي عنه جمع من الثقات ولم يأت بما يُستنكر فإنه يُقبل حديثه.\nقوله: ولم يأت بما يُستنكر. المراد به -والله أعلم-: لم ينفرد بحكم، فإنه إذا نفرد بحكم فقد أتى بما يُستنكر، لذا يقول الذهبي في (الموقظة): والصدوق -وهو دون الثقة- إذا تفرد بحكم أحيانًا يُقبل وأحيانًا يُرد. هذا وقد وُثق، فكيف بمن لم يُوثق عينًا؟\nوهذا مبحث مهم ينبغي أن يُضبط، فإذا قالوا: فلان لا يروي إلا عن ثقة، فالمراد ما لم يتبيَّن ضعفه، أي في الغالب، ثم إذا انفرد هذا الثقة بحكم فلا يُعتد بهذا الحديث.\n• المسألة الرابعة: إذا روى جمع من الثقات عن راوٍ ولم يأت بما لا يُستنكر، ذكر الذهبي وابن القطان الفاسي أن الجمهور على قبوله، وهذا صحيح كما تقدم، لكن لابد أن يُفهم معنى قوله: لم يأت بما يُستنكر. أي لم ينفرد بحكم جديد، فإذا انفرد بحكم جديد فلا يُقبل من الصدوق فكيف بمن لم يُوثق وإنما بمجرد أنه قد روى عنه الثقات؟\n• المسألة الخامسة: إذا قيل في راوٍ قد روى عنه أهل حي كذا، أو روى عنه تلاميذه، وتلاميذه لا يُعرفون إلا بأنهم ثقات فيُقبل حديثه على أصح أقوال أهل العلم، كما فعل البخاري -رحمه الله تعالى- في رواية حديث البارقي، فقد قبل برواة أهل حيه، وكذلك فعل ابن القيم وغيره في رواية أصحاب معاذ عن معاذ، قال: لأن أصحاب معاذ ثقات، قال: فإذا روى أصحابه عنه وأصحابه لا يُعرفون إلا أنهم ثقات، فهذا يُعدّ صحيحًا على أصح أقوال أهل العلم.\nإلى غير ذلك من المباحث التي تتعلق بالمجهول.\nقوله: (ثُمَّ الْبِدْعَةُ: إِمَّا بِمُكَفِّرٍ، أَوْ بِمُفَسِّقٍ فَالْأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الْأَصَّحِ، إلَّا أنْ يَرْوِيَ مَا يُقوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجَوْزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيِّ) إذا كان المبتدع كافرًا فلا تُقبل روايته إجماعًا كما حكاه النووي -رحمه الله تعالى-.\nإلا أنه ينبغي أن يُعلم أنه قد يقع الراوي في مكفر ولا يكفر عينًا، فلا تلازم بين وقوع الرجل في الكفر وأن يكون كافرًا، قال ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى): وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، لكن المقصود أن من ثبت كفره لم تُقبل روايته،","vol":"1","page":61},{"text":"أما من لم يثبت كفره بأن كان مبتدعًا فقد فصَّل فيه الحافظ ولكنه قال قبل هذا: (أَوْ بِمُفَسِّقٍ) وتقدم أن التفسيق ليس مانعًا.\nوقوله: (فَالْأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ) أي بمكفر، فيقال: إن أُريد أنه كفر فبالإجماع كما حكاه النووي، وإن أُريد أنه لم يكفر، فإذا لم يكفر فإنه يكون مبتدعًا، فسيأتي أنه كالإجماع بين المحدثين على قبول رواية المبتدع.\nقوله: (وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الْأَصَّحِ، إلَّا أنْ يَرْوِيَ مَا يُقوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجَوْزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيِّ) أي الذي وقع في بدعة مفسقة (يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً ...) ينبغي أن يُعلم أن تقسيم البدع إلى مكفرة وغير مكفرة عليه الإجماع، حكاه الشيخ حافظ الحكمي في (معارج القبول) وقرر أن هناك بدعًا مكفرة وغير مكفرة كثير من أهل العلم.\nفإن قيل: كيف تُعرف البدعة المكفرة وغير المكفرة؟\nيُقال: بالنظر إلى حكم الفعل في نفسه بعيدًا عن وصف الابتداع، كدعاء الأولياء، هذا كفر دون النظر إلى وصف الابتداع، أما الذكر الجماعي فهذا ليس كفرًا دون النظر إلى وصف الابتداع، فإذا نُظر إلى وصف الابتداع يكون بدعة -أي الدعاء الجماعي- ودعاء الأولياء إذا تعبد بذلك تكون بدعة مكفرة، لأن حكم الفعل دون وصف الابتداع كفر.\nوالأظهر -والله أعلم- أن رواية المبتدع مقبولة وهو كالإجماع بين أهل العلم كما حكاه الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية) وقال: هذا قول علي بن المديني ... وعدَّ جماعة كبيرة من أهل العلم، وهو صنيع صاحبي الصحيح الإمام البخاري ومسلم، فقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص أن النبي -ﷺ- قال: «ألا إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله ...».\nفآل فلان أي: آل أبي طالب، وقيس بن أبي حازم وإن كان ثقة لكنه رُمي بالنصب، وهذا الحديث يُقوي بدعته، ومع ذلك قبل الحديث البخاري ومسلم.\nمثالٌ ثانٍ: أخرج الإمام مسلم حديث علي بن أبي طالب وفيه عدي بن ثابت، وهو أن عليًا قال: \"عهد إليَّ النبي الأمي ألا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق\" فهذا الحديث في ظاهره يُقوي بدعة التشيع، وعدي بن ثابت كان إمام الشيعة وقاصهم، ومع ذلك روى","vol":"1","page":62},{"text":"مسلم ما يُقوي بدعته في الظاهر، لأن قيس بن أبي حازم وعدي بن ثابت ثقتان معروفان بالصدق ولا يكذبان، ولو كذبا لكشفهما أهل الحديث.\nفلأنهم صدوقان قبل أهل العلم هذين الحديثين، بل رواه البخاري ومسلم، فروى البخاري ومسلم الحديث الأول، وروى مسلم الحديث الثاني، مع أنه يُقوي بدعتهما، وهذا هو الظاهر -والله أعلم- فإن المعول على الضبط والصدق.\nقوله: (ثُمَّ سُوءُ الْحِفْظِ: إِنْ كَانَ لَازِمًا فَهُوَ الشَّاذُّ عَلَى رَأْيٍ، أَوْ طَارِئًا فَالْمُخْتَلِطُ) تقدم أن هذه التفصيلات بهذه الدقة ليست صحيحة، لكن قوله: (إِنْ كَانَ لَازِمًا فَهُوَ الشَّاذُّ عَلَى رَأْيٍ) تقدم أن معنى الشاذ هو مطلق التفرد، قد يكون من الثقة وقد يكون من الضعيف. وقوله: (أَوْ طَارِئًا فَالْمُخْتَلِطُ) الراوي المختلط، ينبغي أن يُنتبه لمبحث مهم وهو أن الاختلاط والتغير نوعان:\n• النوع الأول: الاختلاط غير الضار.\n• النوع الثاني: الاختلاط الضار.\nوالاختلاط غير الضار هو أن يتغير حفظ الراوي تغيرًا لا يجعله يُغير في الأحاديث وأسانيدها، أو يكون تغير تغيرًا يُغير في الأحاديث وأسانيدها لكنه لم يُحدث حال اختلاطه الاختلاط الضار، فمنعه أبناؤه وطلابه ... إلى غير ذلك.\nأما الاختلاط الضار فهو الذي تغير تغيرًا ضارًا وحدَّث في حال تغيره.\nوالضابط في التفريق بينهما: أن العلماء إذا قالوا: إن كان حدَّث قديمًا فطلابه القدماء ضبطوا، بخلاف طلابه الذين بعد ذلك فلم يضبطوا، أو غايروا بين السنين، فقالوا: من روى عنه قبل سنة كذا ضبط وبعد سنة كذا لم يضبط ... فإذا ذكروا ما يدل على تحديد زمن ضبطه وعدم ضبطه وعلى قبول روايته وعدم قبول روايته بالنظر إلى حاله وزمانه ونفسه؛ فهذا تغير ضار ويسمى اختلاطًا. هذا ملخص ما قرره المعلمي في كتابه (التنكيل) وهو بحث نفيس يُكتب بماء الذهب، فكثير من الحفاظ يحصل له تغير، وليس كل تغير يُرد به الحديث، فقد يكون تغيرًا لا يضر، لكن لم يكن حفظه مثل قبل، وقد يكون تغير تغيرًا يضر وهو الاختلاط، ثم الذي تغير تغيرًا يضر قد يكون لم يُحدث حال تغيره، فهذا لا يضر تغيره، لأنه لم يحدث حال تغيره، والذي يضر هو من تغير تغيرًا ضارًا فحدَّث.","vol":"1","page":63},{"text":"وهذا المبحث الذي ذكره المعلمي نفيس للغاية؛ لأن به يُميز عمليًا بين الرواة الذين رُموا بالاختلاط والتغير، فليس كل من رُمي بالاختلاط يُرد، وليس كل من رُمي بالتغير يُرد، فلابد أن يُضبط بما تقدم ذكره.\nقوله: (وَمَتَى تُوبِعَ سَيْئُّ الْحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، وَكَذَا الْمَسْتُورُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُدلَّسُ: صَارَ حَدِيثُهُمْ حَسَنًا لَا لِذَاتِهِ، بَلْ بِالْمَجْمُوعِ) وقد تقدم البحث في هذا، فإن مثل هؤلاء إذا تُوبعوا دل على أنهم قد ضبطوا؛ لأن المستور مجهول الحال لا يوجد ما يدل على أن حديثه خطأ أو وهم فتُرك احتياطًا، لكن إذا تُوبع زال هذا الشك، ومثله المُرسِل، تُرك خشية أن يكون الواسطة ضعيفًا، لكن إذا تُوبع تبيَّن خلاف ذلكن وكذا المدلس مثله مثل المُرسِل.","vol":"1","page":64},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nثُمَّ الْإِسْنَادُ: إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبيِّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسِلَّمَ-، تَصْرِيحًا، أَوْ حُكْمًا: مِنْ قَوْلِهِ، أَوْ فِعْلِهِ، أَوْ تَقْرِيرِهِ.\nأَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ كَذَلِكَ وَهُوَ: مَنْ لَقِيَ النَّبيَّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- مُؤْمِنًا بِهِ، وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوْ تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ.\nأَوْ إِلَى التَّاَّبِعِيِّ: وَهُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحَابِيَّ كَذَلِكَ.\nفَالْأَوَّلُ: الْمَرْفُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَوْقُوفُ، وَالثَّالِثُ: الْمَقْطُوعُ، وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ فِيهِ مِثْلُهُ، وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الْأَثَرُ.\nوَالْمُسْنَدُ: مَرْفُوعُ صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الْاتِّصَالُ.\nفَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ: فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-، أَوْ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ كَشُعْبَةَ. فَالْأَوَّلُ: الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ. وَالثَّانِي: النِّسْبِيُّ.\nوَفِيهِ الْمُوَافَقَةُ: وَهِيَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ أَحَدِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ.\nوَفِيهِ الْبَدَلُ: وَهُوَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَلِكَ.\nوَفِيهِ الْمُسَاوَاةُ: وَهِيَ اسْتِوَاءُ عَدَدِ الْإِسْنَادِ مِنَ الرَّاوِي إِلَى آَخِرِهِ، مَعَ إِسْنَادِ أَحَدِ الْمُصنِّفِينَ.\nوَفِيهِ الْمُصَافَحَةُ: وَهِيَ الْاسْتِوَاءُ مَعَ تِلْمِيذِ ذَلِكَ الْمُصنِّفِ، وَيُقَابِلُ الْعُلُوَّ بَأَقسامِهِ: النُّزُولُ.\nفَإِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي السِّنِّ وَاللُّقِيِّ فَهُوَ الْأَقْرَانُ. وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآَخَرِ: فَالْمُدْبَجُ.\nوَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُونَهُ: فَالْأَكَابِرُ عَنِ الْأَصَاغِرِ، وَمِنْهُ الْآَبَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ، وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ، وَمِنْهُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.\nوَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ، وَتَقدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ: السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ.\nوَإِنْ رَوَى عَنْ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَي الْاسْمِ، وَلَمْ يَتَمَيْزَا، فَبِاخْتِصَاصِهِ بِأَحَدِهِمَا يَتَبَيْنُ الْمُهْمَلُ.","vol":"1","page":65},{"text":"وَإِنْ جَحَدَ الشَّيْخُ مَرْوِيَّهُ جَزْمًا: رُدَّ، أَوْ احْتَمَالًا: قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ. وَفِيهِ: \"مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ\".\nوَإِنِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ، أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْحَالَاتِ، فَهُوَ الْمُسَلْسَلُ.\n<hr><s0>\n\nقوله: (... الْأَوَّلُ: الْمَرْفُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَوْقُوفُ، وَالثَّالِثُ: الْمَقْطُوعُ، وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ فِيهِ مِثْلُهُ، وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الْأَثَرُ) خلاصة ما تقدم: ما رُوي عن النبي -ﷺ- فهو مرفوع، وما رُوي عن الصحابي فهو موقوف، وما رُوي عن التابعي فهو المقطوع.\nثم جعل المرفوع قسمين، إما مرفوعًا صريحًا أو مرفوعًا حكمًا، ثم هذا المرفوع صريحًا والمرفوع حكمًا قد يكون من قوله أو من فعله أو تقريره، والمرفوع صريحًا من قوله كأن يُقال: قال النبي -ﷺ-: «إنما الاعمال بالنيات» أو فعله: كان النبي -ﷺ- إذا سجد لم يفرش ذراعيه ... إلخ الأحاديث في ذكر فعله -ﷺ-.\nأو تقريره بأن يرىﷺ- الشيء فيُقرهم على ذلك فهذا الصريح، والحكمي: هو ما يدل على ذلك لكن ليس صريحًا، كأن يقول الصحابي: من السنة كذا. أو أُحل لنا ميتتان ودمان. وهذا مرفوع حكمي من قوله -ﷺ-، ومثل ذلك إذا قال الصحابي: من السنة فعل كذا، فهذا أيضًا مرفوع حكمًا.\nوتقريره أن يُفعل شيء في زمنه ولم يطلع عليه النبي -ﷺ-، كقول جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل. هذا من تقريره الحكمي، فإذن المرفوع قد يكون حكميًا وقد يكون صريحًا، وقد يكون قوليًا وقد يكون فعليًا وقد يكون من تقريره.\nأما الموقوف فلا يُقسم إلى صريح وحكمي، وإنما الموقوف هو قول الصحابي أو فعل الصحابي أو تقرير الصحابي، ومثل ذلك المقطوع، ثم المقطوع يكون لمن دون التابعي، فهو قول وفعل وتقرير التابعي، وقد يكون لمن دونه كتابع التابعي، فيُقال فيما من دون التابعي كما يُقال عن التابعي.\nوينبغي أن يُعلم أن من العلماء الأولين من عبَّر بالمقطوع عن المنقطع، كما فعل ذلك البرديجي، ومنهم من عبَّر عن المنقطع وأراد به المقطوع، كما فعل ذلك الإمام الشافعي،","vol":"1","page":66},{"text":"فهذا يُنظر لصنيع العلماء واصطلاحاتهم وأفعالهم، لذلك ينبغي لطالب العلم أن يكون واسع الاطلاع وكثير القراءة حتى يعرف اصطلاحات أهل العلم العارضة، إما بالنظر في كتب المصطلح أو في شراح الأحاديث، إلى غير ذلك مما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى-.\nقوله: (وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الْأَثَرُ) الأخيران: أي الموقوف والمقطوع، ذكر النووي -رحمه الله تعالى- أن المحدثين لا يُفرقون بين الحديث والأثر، قال: أما الخرسانيون فإنهم يُفرقون بينهما فيجعلون قول النبي -ﷺ- حديثًا وقول من دونه أثرًا، وتقدم هذا في أول الشرح، والصواب أن الجميع يسمى أثرًا، واشتُهر إطلاق الحديث على ما رُفع إلى النبي -ﷺ-.\nقوله: (وَالْمُسْنَدُ: مَرْفُوعُ صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الْاتِّصَالُ) فتقول: هذا حديث مسند قوله: (بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الْاتِّصَالُ) أي قد يكون الحديث مُدلسًا أو مُرسلًا إرسالًا خفيًا، وبنحو من هذا عرفه أبو عبد الله الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث)، والأصح -والله أعلم- أن العلماء يذكرون في المسانيد حتى الأحاديث المرسلة إرسالًا ظاهرًا وجليًا، كما يتضح هذا بالنظر في مسند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، فالأمر في هذا سهل -إن شاء الله تعالى-.\nوالمراد بالمسند: أي ما يُنسب إلى النبي -ﷺ- حتى ولو كان مرسلًا، والأمرفي هذا سهل والحمد لله.\nقوله: (فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ: فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-، أَوْ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ كَشُعْبَةَ. فَالْأَوَّلُ: الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ. وَالثَّانِي: النِّسْبِيُّ) ينبغي أن يُعلم أن هناك ما يُسمى علوًا ونزولًا، إذا قلَّ الرواة بين المصنف والنبي -ﷺ- يُقال حديثٌ عالٍ، وإذا كثُر الرواة يُقال حديث نازل، ففي البخاري ثلاثيات، فهذا يُعتبر حديثًا عاليًا.\nوالمحدثون يُحبون الإسناد العالي، حتى لما قيل لابن معين: ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي إسنادًا عليًا وبيتًا خاليًا. ذكره ابن الصلاح في مقدمته، وفائدة الإسناد العالي أنه لما قلَّ عدد الرواة صار أسهل في الوصول إلى النتيجة في صحة الحديث أو ضعفه بخلاف إذا كان الإسناد نازلًا فإنه يحتاج إلى جهد أكبر، ويحتمل أن يكون هناك خطأ لم يُنتبه إليه ... إلخ.","vol":"1","page":67},{"text":"ثم جعل العلو قسمين: علو مطلق وهو إلى النبي -ﷺ- الذي تقدم ذكره، أو علو نسبي، أي أن بين المصنف وشعبة مثلًا اثنان، والعادة أن يكون بينهما لمثله ثلاثة، فيُقال هذا: علو نسبي.\n\nقوله: (وَفِيهِ الْمُوَافَقَةُ: وَهِيَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ أَحَدِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ وَفِيهِ الْبَدَلُ: وَهُوَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَلِكَ) ينبغي أن يُعلم أن القسمة كالتالي:<span data-type=\"title\" id=toc-66> الموافقة والبدل </span>قسيمان، و<span data-type=\"title\" id=toc-67>المساواة والمصافحة </span>قسيمان،\nوالمراد بالموافقة: أن يروي أحد حديثًا ويصل إلى شيخ المصنف كشيخ البخاري مثلًا، من غير طريق البخاري، فهذا يسمى موافقة، أو أن يصل إلى شيخ شيخ البخاري فيُسمى البدل، فهذان قسيمان.\nقوله: (وَفِيهِ الْمُسَاوَاةُ: وَهِيَ اسْتِوَاءُ عَدَدِ الْإِسْنَادِ مِنَ الرَّاوِي إِلَى آَخِرِهِ، مَعَ إِسْنَادِ أَحَدِ الْمُصنِّفِينَ وَفِيهِ الْمُصَافَحَةُ: وَهِيَ الْاسْتِوَاءُ مَعَ تِلْمِيذِ ذَلِكَ الْمُصنِّفِ، وَيُقَابِلُ الْعُلُوَّ بَأَقسامِهِ: النُّزُولُ) لو روى راوٍ حديثًا وكان بينه وبين النبي -ﷺ- كما بين البخاري والنبي -ﷺ- فإنه يُسمى المساواة، أو أن يكون بينه وبين النبي -ﷺ- كما بين تلميذ البخاري إلى النبي -ﷺ- فيُقال المصافحة، وهذه فروع عن الحديث العالي والحديث النازل.\nقوله: (وَيُقَابِلُ الْعُلُوَّ بَأَقسامِهِ: النُّزُولُ) لأن النزول قسيم العلو ويُقابله.\nقوله: (فَإِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي السِّنِّ وَاللُّقِيِّ فَهُوَ الْأَقْرَانُ. وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآَخَرِ: فَالْمُدْبَجُ) إذن لابد في الأقران من هذين الأمرين، من السن واللقي، فإذا تساويا في السن واللقي فهما أقران، وإذا روى القرينان عن بعضهم فيُقال المدبج.\n\nقوله: (وَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُونَهُ: فَ<span data-type=\"title\" id=toc-68>الْأَكَابِرُ عَنِ الْأَصَاغِرِ</span>، وَمِنْهُ الْآَبَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ، وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ، وَمِنْهُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) الأصل أن يروي الابن عن أبيه، فإن عُكس وروى الأب عن ابنه، قال: فالأكابر عن الأصاغر ...، وقوله: (وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ) أي رواية الأبناء عن الآباء، ومنه من روى عن أبيه عن جده.\nوهذه سلسلة مشهورة في رواة كثيرين، ومن أشهرها رواية: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أصح من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والأصل في رواية بهز بن حكيم عن","vol":"1","page":68},{"text":"أبيه عن جده أنها مقبولة، أما الأصل فيما انفرد بروايته عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه لا يُقبل، وإنما يصلح في الشواهد والمتابعات، لكن لا يصح استقلالًا في إثبات حكم شرعي.\nلذا يحتج أهل الحديث به، وعبارة \"يحتج\" تُطلق أحيانًا بمعنى: يقبلونه في الشواهد والمتابعات، أي يحتجون به مع غيره لا لذاته، لذلك قال أبو عبيد في كتابه (الأموال) في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في زكاة الحلي: لا زال أهل العلم يتكلمون فيه قديمًا وحديثًا.\nلذا إذا انفرد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بحديث فإنه لا يقوى على أن يستقل بحكم شرعي، ومثله محمد بن إسحاق صاحب السير والمغازي، فقد ذكر الإمام أحمد والذهبي أنه لا يُقبل ما تفرد به، لأن عنده أخطاءً، ومن ذلك حديث سهل بن حنيف الذي رواه أبو داود وغيره أنه يُنضح من المذي، أي أن نجاسة المذي مخففة، لذلك يُكتفى فيها بالنضح ولا يُشترط الغسل، هذا انفرد به محمد بن إسحاق صاحب السير والمغازي، فلا يُقبل، وقد تقدم أن المحدثين يُعلّون بالتفرد، ومن أحاديث محمد بن إسحاق التي تفرد بها: حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد وغيره: «لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟» قلنا: نعم، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» هذا فيه أكثر من علة، منها انفراد محمد بن إسحاق، ومنها أنه خالف الزهري، إلى غير ذلك من العلل.\n\nقوله: (وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ، وَتَقدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ:<span data-type=\"title\" id=toc-70> السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ)</span> إذا روى اثنان، ولو اختلفا في أعمارهما وفي السن عن شيخ واحد فمات أحدهما قبل الآخر فيقال: السابق واللاحق.\nقوله: (وَإِنْ رَوَى عَنْ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَي الْاسْمِ، وَلَمْ يَتَمَيْزَا، فَبِاخْتِصَاصِهِ بِأَحَدِهِمَا يَتَبَيْنُ الْمُهْمَلُ) تقدم أن المهمل الذي يُذكر الاسم وحده، يُقال: محمد. أو سفيان. أو حمَّاد. يحتمل أنه حماد بن زيد أو حماد بن سلمة، ويحتمل في سفيان أنه ابن عيينة أو الثوري، فكيف يُميز بينهما؟ يُنظر فيمن روى عنه، هل هو تلميذ يُكثر عن أحدهما أم لا؟ ولنفرض أنه يُكثر عن ابن عيينة فيُقال: هذا المهمل ابن عيينة.\nقوله: (وَإِنْ جَحَدَ الشَّيْخُ مَرْوِيَّهُ جَزْمًا: رُدَّ، أَوْ احْتَمَالًا: قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ. وَفِيهِ: \"مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ\") جحد الشيخ للحديث الذي رواه التلميذ له أحوال ثلاثة:","vol":"1","page":69},{"text":"- الحال الأولى: أن يُكذبه، فإذا كذَّبه فإنه يُرد حديثه ولا يُقبل بالإجماع، حكاه النووي -رحمه الله تعالى-.\n• الحال الثانية: أن يجزم بخطئه فالجمهور على قبوله كما حكاه ابن حجر، ويدل عليه صنيع البخاري ومسلم.\n• الحال الثالثة: ألا يجزم بخطئه وإنما يتوقف، فهذا يُقبل من باب أولى، وحكى عليه ابن حجر الإجماع ونقله السخاوي.\n\nقوله: (وَإِنِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ، أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْحَالَاتِ، فَهُوَ<span data-type=\"title\" id=toc-72> الْمُسَلْسَلُ)</span> المسلسل أن يروي التلميذ عن شيخه بأي شيء يتسلسل، أحيانًا بالصيغة، كلهم يقولون: سمعت. وأحيانًا بفعل، كأن يمد يده أو يبتسم، وأحيانًا يقول: إني أحبك في الله.\nفما كان قرينًا للرواية ويرويه الشيخ لتلميذه، والتلميذ لتلميذه ... إلخ، يسمى المسلسل، وقد يكون من أول الإسناد إلى آخره وقد يكون في بعض الإسناد، وأكثر المسلسلات ضعيفة ولا تصح كما قاله الذهبي، وليس للمسلسل فائدة إلا أنه يدل على السماع، فلو قدر أنه مدلس فيُقبل حديثه لأنه يدل على السماع، كما ذكر هذا ابن الصلاح وغيره.","vol":"1","page":70},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nوَصِيَغُ الْأَدَاءِ: سَمِعْتُ وَحَدَّثَنِي، ثُمَّ أَخْبَرَنِي، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، ثُمَّ أَنْبَأَنِي، ثُمَّ نَاوَلَنِي، ثُمَّ شَافَهَنِي. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيَّ، ثُمَّ عَنْ، وَنَحْوَهَا.\nفَالْأَوَّلْانِ: لِمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، فَإِنْ جَمَعَ فَمَعَ غَيْرِهِ، وَأَوَّلُهَا: أَصْرَحُهَا وَأَرْفَعُهَا فِي الْإِمْلَاءِ.\nوَالثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ: لِمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ جَمَعَ: فَكَالْخَامِسِ.\nوَالْإِنْبَاءُ: بِمَعْنَى الْإِخْبَارُ. إِلّا فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِرِينَ فَهُوَ لِلْإِجَازَةِ كَعَنْ، وَعَنْعَنَةُ الْمُعَاصِرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إِلَّا مِنْ المُدَلِّسٍ وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقَائِهِمَا -وَلَوْ مَرَّةً-، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.\nوَأَطْلَقُوا الْمُشَافَهَةَ فِي الْإِجَازَةِ الْمُتَلَّفَظُ بِهَا، وَالمُكَاتَبَةُ فِي الْإِجَازَةِ الْمَكْتُوبِ بِهَا، وَاشْتَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْمُنَاوَلَةِ اقْتِرَانُهَا بِالْإِذْنِ بِالرِّوَايَةِ، وَهِيَ أَرْفَعُ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ.\nوَكَذَا اشْتَرَطُوا الْإِذْنَ فِي الوِجَادَةِ، وَالْوَصِيِّةِ بِالْكِتَابِ وَفِي الْإِعْلَامِ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ كَالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ، وَلِلْمَجْهُولِ، وَلِلْمَعْدُومِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.\nثُمَّ الرُّوَاةُ إَنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهُمْ، وَأَسْمَاءُ آَبَائِهِمْ فَصَاعِدًا، وَاخْتُلِفَتْ أَشْخَاصُهُمْ: فَهُوَ الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ، وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ خَطًا، وَاخْتَلَفَتْ نُطْقًا: فَهُوَ الْمُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ.\nوَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ وَاخْتَلَفَتِ الْآَبَاءُ، أَوْ بِالْعَكْسِ: فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ، وَكَذَا إِنْ وَقَعَ الْاتِّفَاقُ فِي الْاسْمِ وَاسْمِ الْأَبِ، والْاِخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ، وَيَتَرَكَّبُ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْوَاعُ: مِنْهَا أَنْ يَحْصُلَ الْاِتِّفَاقُ أَوْ الْاِشْتِبَاهُ إِلَّا فِي حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْن. أَوْ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.\n<hr><s0>\n\nقوله: (وَصِيَغُ الْأَدَاءِ: سَمِعْتُ وَحَدَّثَنِي، ثُمَّ أَخْبَرَنِي، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، ثُمَّ أَنْبَأَنِي، ثُمَّ نَاوَلَنِي، ثُمَّ شَافَهَنِي. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيَّ، ثُمَّ عَنْ، وَنَحْوَهَا.\nفَالْأَوَّلْانِ: لِمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، فَإِنْ جَمَعَ فَمَعَ غَيْرِهِ، وَأَوَّلُهَا: أَصْرَحُهَا وَأَرْفَعُهَا فِي الْإِمْلَاءِ) الأولان يريد: سمعت وحدثني. وقوله: (فَإِنْ جَمَعَ) أي سمعنا وحدثنا. قوله: (وَأَوَّلُهَا: أَصْرَحُهَا وَأَرْفَعُهَا فِي الْإِمْلَاءِ) هو قول: سمعت.","vol":"1","page":71},{"text":"قوله: (وَالْإِنْبَاءُ: بِمَعْنَى الْإِخْبَارُ. إِلّا فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِرِينَ فَهُوَ لِلْإِجَازَةِ كَعَنْ) هذا الأصل فيه أنه لا فرق بين قول: سمعت، وحدثني، أو سمعنا، وحدثنا، أو أخبرني أو أخبرنا، الأصل أنه لا فرق بينهما، وصرح بهذا يحيى بن سعيد فيما رواه الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية)، فلا فرق بين سمعت وسمعنا وحدثني وحدثنا وأخبرني وأخبرنا، وذكر نحوه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، إلا إذا تبيَّن أن للعالم اصطلاحًا خاصًا، وإلا الأصل أنه لا فرق بين هذه الصيغ.\nقوله: (وَعَنْعَنَةُ الْمُعَاصِرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إِلَّا مِنْ المُدَلِّسٍ وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقَائِهِمَا -وَلَوْ مَرَّةً-، وَهُوَ الْمُخْتَارُ) تنازع العلماء في عنعنة المعاصر الذي لم يثبت لقاؤه ولا سماعه من شيخه، فتعاصر رجلان وأمكن أن يسمع التلميذ من شيخه أو أمكن أن يسمع أحدهما من الآخر ولم يأت في طريق أنه سمع أحدهم من الآخر، وإنما روى بصيغة تحتمل السماع، فهذه تسمى عنعنة المعاصر.\nوذهب الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في مقدمته إلى أن عنعنة المعاصر صحيحة ومقبولة، وذهب الإمام البخاري إلى أن عنعنة المعاصر لا تُقبل حتى يثبت اللقي، ومذهب البخاري أصح، بل حكاه ابن رجب إجماعًا عن المحدثين قبل الإمام مسلم، كما حكاه في شرح الأربعين، وحكاه في شرح (العلل)، فالمحدثون مجمعون على شرط البخاري، وأنها لا تُقبل عنعنة المعاصر حتى يثبت لقاؤه به ولو مرة، إما أن يُصرح بالسماع أو بنحو ذلك.\nويؤكد هذا أن الراوي إن سلم من التدليس قد لا يسلم من الإرسال الخفي، فلا يمكن ضبط هذا إلا بأن يثبت اللقي، فإذا ثبت اللقي ولو مرة ولم يُوصف بالتدليس فالأصل أن تقبل روايته؛ لأنه قد تقدم أن التدليس يُطلق على التدليس المعروف وعلى الإرسال الخفي، لكن قد لا يُطلق على الإرسال الخفي، ولا يُقال عنه مدلس ولو كان عنده إرسال خفي بالمعنى الذي ذكره الحافظ ابن حجر كما تقدم بيانه، وقد يُطلق التدليس على من عنده إرسال خفي.\nفالمقصود أن شرط البخاري أصح، وعلى هذا المحدثون الأوائل الذين هم قبل الإمام مسلم، وقد قال أبو حاتم: واتفاق أهل الحديث حجة. ويُقوي هذا أن فيه سد الباب على أصحاب الإرسال الخفي، كما بيَّن هذا ابن حجر في النكت على ابن الصلاح.\nوأنبه إلى مسائل:","vol":"1","page":72},{"text":"- المسألة الأولى: أن المدلس إذا صرَّح بالسماع فيُقبل حديثه إجماعًا، حكى الإجماع ابن عبد البر، ويدل عليه كلام العلماء الأوائل.\n• المسألة الثانية: أن الراوي قد يقول في الحديث: حدثنا فلان. أو حدثني فلان. أو أخبرني فلان ... إلخ، ويكون خطأ منه، كما بيَّن هذا الإمام أحمد وغيره في جمع من الرواة، وقد نقل شيئًا من ذلك ابن رجب في شرح (العلل)، لذلك إذا قال المحدثون: قوله حدثنا أو سمعت خطأ، فالقول قولهم.\n• المسألة الثالثة: قد لا يثبت سماع الراوي من الراوي، لكن يُقبل حديثه لقرينة، فقد تقدم أن ما ثبت انقطاعه يُقبل، فكيف ما ليس كذلك فيما لم يُثبت لقيه؟ لذا لا يلزم من قبول الإمام مسلم لهذا الشرط أن يكون بنى صحيحه على ذلك، لأنه سيحتاط في الصحيح، فلا يُخرج إلا ما لم يكن كذلك أو ما كان كذلك لكن دلت القرائن على قبوله.\nلذا ابن رجب لما رجّح هذا القول –وهو شرط البخاري- قال: وقد يُقبل الحديث الذي لم يثبت اللقي فيه، أي بالقرائن كما تقدم بيانه.\nقوله: (وَأَطْلَقُوا الْمُشَافَهَةَ فِي الْإِجَازَةِ الْمُتَلَّفَظُ بِهَا، وَالمُكَاتَبَةُ فِي الْإِجَازَةِ الْمَكْتُوبِ بِهَا) المشافهة: أي شافهني فلان. والتلفظ: أي قول أجزتك، أو أجزت من حضر. والمكاتبة: كتب إجازة إلى فلان، فيُقال له كاتبني.\nقوله: (وَاشْتَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْمُنَاوَلَةِ اقْتِرَانُهَا بِالْإِذْنِ بِالرِّوَايَةِ، وَهِيَ أَرْفَعُ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ) لو أن شيخًا ناول تلميذه كتبه، لكن لم يأذن له بالرواية، قالوا: لا يُعتد برواية التلميذ من كتب شيخه التي ناوله إياها إذا لم يأذن له، وهذا مذهب الجمهور، وفي المسألة قول ثان: أنه يُعتد به، وهذا هو الأصل، ما لم يتبيَّن بقرينة أن في الكتب شيئًا، وإلا الأصل أنه يعتد بها -والله أعلم-.\nوذلك مثل الوجادة، فقد أخرج مسلم من حديث مخرمة بن بكير عن أبيه، ومخرمة بن بكير وجد كتب أبيه فروى عنها بلا إذن من أبيه، وذلك أنه وجدها بعد وفاة أبيه، فقبلها الإمام مسلم، وروى من ذلك أحاديث عدة في صحيح مسلم، منها: ما أخرج مسلم من حديث عائشة: «ما من يوم يُعتق الله فيه عباده أكثر من يوم عرفة، وإنه ليدنو من العباد ...» هذا من رواية مخرمة بن بكير عن أبيه، وقد جعله مسلم في الأصول ولم","vol":"1","page":73},{"text":"يجعله في المشاهدات والتوابع، وإنما جعله في الأصول واعتمده لتصحيحه رواية الوجادة، إلى غير ذلك من الأحاديث.\nفلذا الاصح -والله أعلم- القول الثاني، أنه إذا ناول تلميذه، أو وجد كتب شيخه ... إلخ، فالأصل أنه يصح أن يروي عنها ما لم يتبيَّن أن في الكتب شيئًا.\nقوله: (وَكَذَا اشْتَرَطُوا الْإِذْنَ فِي الوِجَادَةِ، وَالْوَصِيِّةِ بِالْكِتَابِ وَفِي الْإِعْلَامِ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ كَالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ، وَلِلْمَجْهُولِ، وَلِلْمَعْدُومِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) واشتراط الإذن في الوجادة قول الجمهور وإلا في المسألة قول ثانٍ أن الإذن ليس شرطًا وهو الصحيح كما تقدم، ومن أمثلة الرواة: مخرمة بن بكير عن أبيه، وقوله: (وَالْوَصِيِّةِ بِالْكِتَابِ) أن يوصي عند موته بكتبه لولده أو تلميذه فلان، لكن لا يأذن له بالرواية، أو يوصي عند سفره بكتبه لتلميذه فلان، لكن لا يأذن له بالرواية، على الصحيح أنه تصح له الرواية ولو دون إذن، وقوله: (وَفِي الْإِعْلَامِ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ) أي أن يُعلم أن عنده كتبًا فيقول لأحد طلابه: عندي كتب. ويُعلمه بكتبه، لكن لم يأذن له بالرواية، فوجد تلميذه هذه الكتب، فإن له أن يروي عن هذه الكتب، وأوضح من هذا أن يُعلم الشيخ تلميذه أنه يروي عن الشيخ فلان وأنه قد سمع من فلان، فيعتد بإعلامه له، وكذا فيما تقدم ذكره من أعلمه بأن له كتبًا عن فلان ولم يأذن له في الرواية عنه، فكذلك يُعتد به.\nوقوله: (وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ) أي دون الإذن، وهذا مذهب الجمهور والصواب خلافه كما تقدم، وقوله: (وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ) أي كمثل الذي لا يُعتد به (كَالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ وَلِلْمَجْهُولِ، وَلِلْمَعْدُومِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) ففي الإجازة العامة يقول: أجزت أهل المدينة أو أجزت المسلمين عمومًا، وهذه لا يُعتد بها، وله أيضًا أن يُجيز مجهولًا فيقول: أجزت رجلًا، وهذا الرجل مجهول لا يُعرف، أو يقول: أجزت محمدًا. فهذا مهمل وهو من أنواع المجهول، أما المعدوم فكقول: أجزت أولاد فلان إذا وُلدوا. وليسوا موجودين، وقوله: (عَلَى الْأَصَحِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) أما الإجازة فأمرها كما ذكر الحافظ، أما ما تقدم في الوصية والمناولة والوجادة ... إلخ، فالصواب أنه لا يُشترط إذن الشيخ -والله أعلم-.\nثم أنبه إلى المبالغة في الإجازات، وقد كان الشيخ محمد ناصر الدين الألباني يذم هذه الإجازات التي انتشرت في هذه العصور المتأخرة، وكذلك العلامة الحافظ الكبير الشيخ عبد الله الدويش -رحمه الله تعالى- كان يذم هذه الإجازات، ويقول: لا فائدة منها. وصدق -رحمه الله تعالى- فإن كثيرًا من الطلاب يحرص على هذه الإجازات وقد يُسافر شرقًا","vol":"1","page":74},{"text":"وغربًا ويُضيع وقته حتى تحصل له الإجازة من فلان أو فلان، ومثل هذه لا فائدة منها البتة، بل أحيانًا تلقى شيخًا فيقول: أجزتك بجميع مروياتي. وأنت لعلك لا تكاد تقرأ سطرًا فيُصاب التلميذ بالغرور وقد يبالغ في هذه الإجازة، وقد يتعب،\nوهذه الإجازات قد تضر الطالب من جهة أن يُصاب بالغرور، وقد تضره من جهة أن يبذل الجهد الكبير لتحصيلها فيضيع وقته، وقد لا تضره لكنها مما لا ينفع، وبعضهم يقول: إن هذا من حفظ الإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة ...، لكن ينبغي أن يُعلم أن الإسناد مراد لغيره لا لذاته، فهو مراد لحفظ الحديث النبوي فليس مرادًا لذاته، فينبغي ألا يُبالغ في هذه الإجازات ولا تُهدر الأوقات ولا تُضيَّع في إدراكها.\nقوله: (ثُمَّ الرُّوَاةُ إَنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهُمْ، وَأَسْمَاءُ آَبَائِهِمْ فَصَاعِدًا، وَاخْتُلِفَتْ أَشْخَاصُهُمْ: فَهُوَ<span data-type=\"title\" id=toc-80> الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ</span>، وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ خَطًا، وَاخْتَلَفَتْ نُطْقًا: فَهُوَ الْمُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ)\n\nوالمتفق والمفترق أشمل مما ذكر الحافظ، فالمراد بالمتفق والمفترق: تشابه حصل في رواة حتى يُظن أنهما واحد وهما شخصان، قد يتفقان في الكُنى، وقد يتفقان في النسب، وقد يتفقان في الاسم واسم الأب والنسب، وقد يتفقان في الاسم واسم الأب، والجامع لذلك أن يُظن أنهما راوٍ واحد، والواقع أنهما راويان أو أكثر.\nقوله: (وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ خَطًا، وَاخْتَلَفَتْ نُطْقًا: فَهُوَ الْمُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ) ومثل ذلك محمد بن عقيل، كما بيَّن هذا الحافظ -رحمه الله تعالى- في شرحه (نزهة النظر) فقال: كمحمد بن عقيل -بفتح العين- ومحمد بن عقيل -بضمها-: الأول نيسابوري، والثاني فريابي، وهما مشهوران وطبقتهما متقاربة.\nقوله: (وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ وَاخْتَلَفَتِ الْآَبَاءُ، أَوْ بِالْعَكْسِ: فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ) والمتشابه جمع بين المتفق والمفترق والمؤتلف والمختلف، أي فيها اتفاق في أشياء واختلاف في أشياء فيسمى المتشابه.\nقوله: (وَكَذَا إِنْ وَقَعَ الْاتِّفَاقُ فِي الْاسْمِ وَاسْمِ الْأَبِ، والْاِخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ، وَيَتَرَكَّبُ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْوَاعُ: مِنْهَا أَنْ يَحْصُلَ الْاِتِّفَاقُ أَوْ الْاِشْتِبَاهُ إِلَّا فِي حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْن. أَوْ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) قوله: (إِلَّا فِي حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْن) مثل: محمد بن سيَّار، ومحمد بن سنان، وقوله: (أَوْ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ) مثل: الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود، وهكذا،","vol":"1","page":75},{"text":"وقد ألَّف العلماء في ذلك مصنفات حتى لا يختلف الرواة بعضهم على بعض، فيُظن الثقة ضعيفًا والضعيف ثقةً.","vol":"1","page":76},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nخاتمة\nوَمِنَ الْمُهِمِّ: مَعْرِفَةُ طَبَقَاتِ الرُّوَاةِ وَمَوَالِيدِهِمْ، وَوَفَيَاتِهِمْ، وبُلْدَانِهمْ، وأَحْوَالِهِمْ: تَعْدِيلًا وَتَجْرِيحًا وَجَهَالَةً. ومَرَاتِبُ الْجَرْحِ: وأَسْوَأُهَا: الْوَصْفُ بِأَفْعَلَ، كأَكْذَب النَّاسِ، ثمَّ دَجَّالٌ، أَوْ وَضَّاعٌ، أَوْ كَذَّابٌ. وَأَسْهَلُهَا: ليِّنٌ، أَوْ سَيِّيءٌ الْحِفْظِ، أو فيه مَقَالٌ.\nومراتب التعديل: وأرفعها: الْوَصْفُ بِأَفْعَلَ: كَأَوْثَق النَّاسِ، ثُمَّ مَا تَأكَّدَ بِصِفَةٍ أَوْ صِفَتَيْنِ، كثِقَة ثِقَة، أَوْ ثِقَةٌ حافِظٌ. وَأَدْنَاهَا: مَا أَشْعَرَ بِالقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ، كَـ: شَيْخٌ.\nوَتُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِها، ولو من واحدٍ، على الأصَحّ. والْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْتَّعْدِيلِ إنْ صَدَرَ مُبيَّنًا مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِه، فَإِنْ خَلَا عَن التَّعْدِيلِ: قُبِلَ مُجْمَلًا، عَلَى الْمُخْتَارِ.\n<hr><s0>\n\nقوله: (خاتمة: ومن المهم معرفة طبقات الرواة ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم وأحوالهم تعديلًا وتجريحًا وجهالةً) أما طبقات الرواة فينبغي أن يُعلم أنه ليس هناك ضابط محدد لطبقات الرواة، وإنما هم من يشترك في شيء، فمن العلماء من ألَّف وجعل كل من اجتمع في عشر سنوات طبقة، كصنيع الذهبي في (تاريخ الإسلام)، ومنهم من جعل الجيل طبقة كابن حبان في كتابه (الثقات) والذهبي في (تاريخ الإسلام)، ومنهم من جعل من اجتمع في أربعين سنة طبقةً، كما نقل ابن كثير في كتابه (مختصر علوم الحديث) عن بعضهم.\nفإذن ليس لها ضابط معين، والهدف من الطبقات تمييز الرواة، لأنه قد يتفق راويان في اسم واحد فيكون هذا في طبقة وذاك في طبقة أخرى، فتجد أنهما راويان، وهذا كان يُحتاج إليه كثيرًا قبلُ، أما نحن بعد وجود هذه الكتب المفهرسة ورُتبت ترتيبًا بديعًا بحروف المعجم، ثم جاءت المكتبات الإلكترونية، فقد سهَّلت كثيرًا فلا نحتاج إلى هذا كثيرًا ولله الحمد. وقوله: (ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم ...) ذلك ليُميز الرواة بعضهم من بعض، وأؤكد أننا بعد وجود هذه التسهيلات وطباعة الكتب مفهرسة على حروف المعجم، ثم جاءت المكتبات الإلكترونية، سهلت كثيرًا.","vol":"1","page":77},{"text":"قوله: (تعديلًا وتجريحًا وجهالةً) تعديل الرواة وتجريحهم وجهالة يُعرف بالرجوع إلى كتب التراجم، وقد سُهلت ولله الحمد بما تقدم ذكره.\nقوله: (ومراتب الجرح) الأصل في هذا البحث أنه لغوي، ليس للمحدثين اصطلاح مطرد، يعني إذا قالوا: ثقة ثقة. لغةً هذا أرفع من قول: ثقة. وقولهم: أوثق الناس. لغةً هذا أرفع درجة من أن يُقال: ثقة. إذن الأصل في هذا المبحث أنه لغوي، ما لم يتبيَّن أن للمحدثين اصطلاحًا، كقولهم: شيخ. فالشيخ أقل منازل الثقات كما بيَّنه أبو حاتم في كتابه (الجرح والتعديل) أو أن يكون للمحدثين اصطلاحٌ خاصٌ في بعض الألفاظ، أما أن لهم اصطلاحًا عامًا في جميع الألفاظ ويندرج جميع المحدثين فهذا لا يُعرف إلا أن يكون بعضهم صرح بأشياء دون أشياء.\nقوله: (ومراتب التعديل: وأرفعها: الْوَصْفُ بِأَفْعَلَ: كَأَوْثَق النَّاسِ، ثُمَّ مَا تَأكَّدَ بِصِفَةٍ أَوْ صِفَتَيْنِ، كثِقَة ثِقَة، أَوْ ثِقَةٌ حافِظٌ. وَأَدْنَاهَا: مَا أَشْعَرَ بِالقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ، كَـ: شَيْخٌ) إذن أؤكد أن الأصل في هذه المباحث أنها مباحث لغوية ما لم يتبيَّن أن هناك اصطلاحًا خاصًا.\nبعد هذا أنبه إلى أمور:\nالأمر الأول: لابد إذا أردنا أن نقبل كلام عالم أن نعرف ثبوت الإسناد إليه، فقد يقول عالم في عالم شيئًا ولا يكون الإسناد ثابتًا إليه، كما جاء عن ابن عباس أنه كذَّب عكرمة، هذا إسناده لا يصح كما بيَّنه ابن رجب في شرح (العلل) وابن حجر في (هدي الساري)، وهذا يُحتاج إليه عند التعارض الشديد، أما إذا تواردت كلماتهم على التضعيف أو التوثيق فلا يُحتاج إلى مثل هذا.\nثم من الكتب ما تكفَّل مؤلفوها بصحة الإسناد، كالمزي في كتابه (تهذيب الكمال) وابن حجر في (تهذيب التهذيب) كما بيَّن هذا المعلمي -رحمه الله تعالى-.\nالأمر الثاني: ينبغي أن يُدقق عند تعارض كلام العلماء في اللفظ المغاير لوصف العلماء بطريقة الجواب على السؤال، أحيانًا قد يكون سؤالًا فكان الجواب هكذا، وقد يكون مقارنة بين راويين فأجاب بهذا، فإذن لابد أن يُدقق في مثل هذا، فقد يُشدد في بيان ضعفه لأنه قُورن برجل ثقة كبير، إلى غير ذلك من المعاني، فإذا حصل التعارض لابد أن يُدقق في","vol":"1","page":78},{"text":"طريقة السؤال، وقد أشار إلى هذا المعنى المعلمي -رحمه الله تعالى- في كتابه (التنكيل) وهو يجيب على بعض الإشكالات التي أوردها الجهمي الكوثري.\nالأمر الثالث: إن لبعض العلماء اصطلاحات خاصة لابد أن يُنتبه إليها، كابن معين مثلًا إذا قال: ليس بشيء. فيريد أنه ضعيف أو يريد أنه مُقل من الرواية، كما بيَّن هذا ابن القطان الفاسي في كتابه (بيان الوهم والإيهام) وبعضهم يعبر بلفظين فلا يُتنبَّه إلى الفرق بينهما كأن يقولوا في الراوي: ليس بالقوي. ويقولوا: ليس قويًا. فقولهم: ليس بقوي. أشد ضعفًا من قولهم: ليس بالقوي. والمرجع في ذلك اللغة، وقد بيَّن ذلك المعلمي -رحمه الله تعالى- في كتابه (التنكيل). فإذن لابد أن تُعرف الاصطلاحات الخاصة بأهل العلم كما تقدم عن ابن معين.\nالأمر الرابع: من العلماء من هو مهتم بهذا الباب -الجرح والتعديل- كيحيى بن معين، لذلك إذا رآه الشيخ قد يتجمل عنده بأحسن حديث، فيغتر به يحيى، لذا إذا رأيت كلمات أهل العلم متواردة على معنًى إلا يحيى بن معين فقد يكون من هذا الجنس، كما بيَّن هذا المعلمي في كتابه (التنكيل).\nالأمر الخامس: يتفاوت العلماء في تشددهم، فمن العلماء من هو متشدد في الجرح كأبي حاتم وابن خراش، ويحيى بن سعيد، ومن العلماء من هو متوسط كابن مهدي، والإمام أحمد، ومن العلماء من هو متساهل كما تقدم كابن حبان والعجلي في التابعين، فإذن لابد أن يُعرف طبقات العلماء ودرجات العلماء في التسهيل والتشديد، وينفع هذا عند التعارض، فإن لطريقة الرجل تسهيلًا أو تشديدًا أو اعتدالًا أثرًا عليه، وقد ذكر هذا الذهبي في كتابه (الموقظة) فإذا تعارض قول متشدد مع قول معتدل فيُقدم قول المعتدل، وعلى هذا فقس، ومن العلماء من يتشدد في شيء دون شيء، كابن حبان، فهو شديد في الجرح حتى إنه خسَّاف في الجرح، فإذا وقف على أوهام الرجل خسف به، وفي المقابل متساهل في تعديل المجاهيل، فإذن من المهم معرفة طريقة العلماء واصطلاحهم، وهذا يُعرف بكثرة القراءة، ومما ينفع هو أن يُكثر من القراءة في كتب العلماء، وفي كتب المصطلح، ومن أنفعها كتاب السخاوي (فتح المغيث) لأنه يتميز بكثرة النقولات، وكتاب (النكت على مقدمة ابن الصلاح) للحافظ ابن حجر، فإنه يتميز بالنقولات وكثرة النقد، ويُقرأ في شرح العلل لابن رجب، فإن فيه فوائد نفيسة، ويُقرأ في كتاب (بيان الوهم والإيهام) لابن القطان الفاسي، فإن فيه فوائد منثورة مهمة للغاية، ويُقرأ في السلسلتين و(إرواء الغليل) وتخريج","vol":"1","page":79},{"text":"سنن أبي داود المطول للشيخ ناصر الدين الألباني، فإن فيه من الكنوز العظيمة، ويُقرأ في كل ما تيسر من كتب أهل العلم وتُستخرج هذه الفوائد وتُجمع، ويُقرأ كتاب (طليعة التنكيل) و(التنكيل) للعلامة المعلمي، وحواشي المعلمي على (الفوائد المجموعة) ورد المعلمي على أبي رية، إلى غير ذلك من هذه الكتب المفيدة، فإن فيها من الفوائد النفيسة والمتفرقة. لذلك بكثرة القراءة يستطيع الطالب أن يجمع شوارد وفوائد.\nقوله: (وَتُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِها، ولو من واحدٍ، على الأصَحّ) إذا زكى وعدل عالمٌ عارف بأسباب التعديل ولو من واحد فتُقبل، لأنه ثقة وعالم فيُقبل قوله، يُقبل قول الواحد في المجهول أن يُعدله أو أن يجرحه، لأن هذا المجهول ليس فيه تعديل ولا جرح، فهو خالٍ من التعديل والجرح، فإذا وثقه أو جرحه عالم ثقة عالم بأسباب الجرح فإنه يُقبل قوله.\n\nقوله: (و<span data-type=\"title\" id=toc-86>الْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْتَّعْدِيلِ </span>إنْ صَدَرَ مُبيَّنًا مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِه، فَإِنْ خَلَا عَن التَّعْدِيلِ: قُبِلَ مُجْمَلًا، عَلَى الْمُخْتَارِ) إذا تعارض جرح وتعديل فله حالان:\n• الحال الأولى: أن يتعارضا ولا يُذكر السبب، فيُقدم التعديل.\n• الحال الثانية: أن يُذكر السبب ويكون السبب مُبيَّنًا مُفسرًا مبرهنًا، فيُقدم الجرح، فإن لم يُذكر السبب أو ذكر سببًا غير مُدلل ولا مُبرهن فيُرجع إلى التعديل.\nوقد عزا هذا إلى جمهور أهل العلم ورجَّحه، وهذا مفيد للغاية في كثير من الخلافات التي تحصل في بعض الرجال، قد يقول عالم: هذا حزبي، أو مبتدع، أو ضال. بجرح مجمل، وقد وثقه آخرون، فلا يُقبل قول ذاك الرجل، إلا بشرطين:\n• الشرط الأول: أن يكون معروفًا باعتداله وعلمه ومعرفته وعدله وإنصافه.\n• الشرط الثاني: أن يذكر دليله على هذا، فإن أتى بدليل وإلا لم يُقبل.","vol":"1","page":80},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\nفصل\nوَمِنَ الْمُهِمِّ: مَعْرِفَةُ كُنَى الْمُسَمَّيْنَ، وأَسْمَاءِ الْمُكَنَّيْنَ، وَمَن اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، ومنِ اخْتُلِفَ في كُنْيَتِه، ومن كَثُرَتْ كنَاهُ أو نُعُوتُهُ، وَمَنْ وَافَقَتْ كُنْيَتُهُ اسْمَ أَبِيهِ، أوْ بِالعَكْسِ، أوْ كُنْيَتُهُ كُنْيَةَ زَوْجَتِهِ، وَمَنْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أوْ إلى أمِّهِ، أوْ إلى غير ما يَسْبِقُ إلى الفَهْمِ، ومن اتَّفَقَ اسْمُهُ واسْمُ أَبِيهِ وجَدِّه، أو اسْمُ شَيْخِهِ وشَيْخِ شَيْخِه فَصَاعِدًا. ومَن اتَّفَقَ اسْمُ شَيْخِه والرَّاوي عنهُ.\nومَعْرِفةُ الأَسْمَاءِ الْمُجَرَّدِةِ والْمُفْرَدَةِ، وَالْكُنَى، وَالأَلْقَابِ، والأَنْسَابِ، وَتَقَعُ إِلَى الْقَبَائِلِ وَالأوْطَانِ: بِلادًا، أَوْ ضِيَاعًا، أَوْ سِكَكًا، أَوْ مُجَاوَرَةً، وَإِلَى الصَّنَائِعِ والحِرفِ، وَيَقَعُ فيهَا الاتّفاقُ والاشْتِبَاهُ كالأسْمَاءِ، وقد تَقَعُ ألْقَابًا. وَمَعْرِفَةُ أَسْبَابِ ذَلِكَ.\nومعرفِة الْمَوَالِي مِنْ أَعْلَى وَمِنْ أَسْفَلَ: بالرِّقِّ، أَوْ بِالْحِلْفِ، وَمَعْرِفَةُ الإِخْوَةِ والأَخَوَاتِ.\nوَمَعرِفَةُ آدَابِ الشَّيْخِ وَالطَّالِبِ، وَسنِّ التَّحمُّلِ والأدَاءِ، وصِفَةِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَعَرْضِهِ، وسَمَاعِهِ، وإسْمَاعِه، والرِّحْلَةِ فِيهِ، وتَصْنِيفِه: إمَّا عَلَى الْمَسانِيد، أو الأبْوَابِ، أو الْعِلَلِ، أَوِ الأطْرَافِ.\nومعْرفة سَبَبِ الْحَدِيث: وَقَدْ صَنَّفَ فيه بَعْض شُيوخِ القاضِي أَبي يَعْلَى بن الْفَرَّاءِ، وصَنَّفُوا في غَالِب هذِه الأنْوَاعِ. وهِيَ نَقْلٌ مَحْضٌ، ظاهِرَةُ التَّعْرِيفِ، مُسْتَغْنِيَةٌ عنِ التَّمْثِيِلِ، وَحَصْرُها مُتَعَسِّرٌ: فَلْتُرَاجَعْ لها مَبْسُوطاتُها، والله الْمُوَفِّقُ والهَادِي، لا إله إلَاّ هُوَ.\n<hr><s0>\n\nكل ما تقدم ذكره من معرفة الكنى والأنساب ... إلخ، هذا مهم للغاية في السابق أما بعد وجود الكتب التي سُهلت بالفهارس على حروف المعجم وغيرها، ثم المكتبات الإلكترونية فلا نحتاج إلى حفظ هذا؛ لأنه بمجرد أن تقف على رجل تحتاج إلى مراجعته ترجع إلى هذه الكتب، وإياك أن تعتمد على حفظك فإن الحفظ خوان، قال علي بن المديني: أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألا أُحدث إلا من كتاب، فإن الحفظ خوان.\nفبعضهم إذا رأى إسنادًا وأراد أن يحكم عليه يتساهل فيقول في الإسناد هشام بن حسان وهو ثقة ويروي عن الحسن البصري وهو ثقة ... إلخ، فالحديث إذن صحيح، وفعله هذا خطأ وتساهل فإنه لا شك أن هشام بن حسان ثقة، لكنه عن الحسن البصري ضعيف،","vol":"1","page":81},{"text":"ومثل ذلك قد يرى عنعنة ابن جريج فيردها لأنه مدلس، وهذا حق، لكن قد تكون روايته في الإسناد عن عطاء، ورواية ابن جريج عن عطاء مقبولة ولو عنعن، فإنه لا يُدلس عن عطاء.\nوأمثال هذه الأمور لا تُعرف إلا بالرجوع إلى كتب التراجم، فلابد للطالب أن يتوسَّع ثم لا يكفي بالرجوع إلى كتاب (تقريب التهذيب)، فهو وإن كان نافعًا في معرفة خلاصة حكم الحافظ، فنجعله كبقية أحكام العلماء للوصول للنتيجة،\nوأؤكد: إياك والاعتماد على الحفظ، فإنه لو قدر أن الرجال ثقات فيبقى هل سمع بعضهم من بعض أو لم يسمعوا؟ ثم لو قدر أنهم سمع بعضهم من بعض فيبقى هل الحفاظ الأوائل نقدوا هذا المتن أو لم ينقدوه؟ فبعض الأحاديث يسمع التلميذ من شيخه إلا هذا الحديث المعين لم يسمعه منه، ومن أمثلة ذلك حديث التشهد، فروى النسائي عن ابن مسعود أنه قال: «كنا نقوم قبل أن يُفرض علينا التشهد ...» وظاهر إسناده الصحة، وقد توارد كثير من المتأخرين على تصحيحه، إلا أن الإمام أحمد بيَّن في (العلل) أن سفيان بن عيينة لم يسمعه من شيخه، وهذه علة دقيقة لا تتبيَّن إلا بالرجوع إلى كتب العلل.\nإذن لا يكفي النظر إلى ثقة الرواة، بل لابد من الرجوع إلى كتب العلل.\nأما الأدب فهو عظيم للغاية، وينبغي لطالب العلم أن يجتهد في تحصيل الأدب وألا يكتفي بالعادات التي تربى عليها، بل يقرأ كتب الأدب كأدب الطلب حتى يُجمل نفسه بالأدب ويُحسنه، فنحن في حاجة ماسة إلى الأدب، سواء كبرت أسناننا أو صغرت، فلا نزال نقرأ في الأدب ونتعلم الأدب حتى نُجمل أنفسنا بالأدب، كأدب التعلم، وأدب الطلب، إلى غير ذلك، أسأل الله أن يجملنا بالأدب وأن يحسن أخلاقنا يا رب العالمين.\n\nقوله: (وَسنِّ<span data-type=\"title\" id=toc-89> التَّحمُّلِ والأدَاءِ)</span> هناك فرق بين التحمل والأداء، وعلى أصح أقوال أهل العلم أن الراوي إذا كان مميزًا يصح تحمله، بل لو كان كافرًا صحَّ تحمله، لكن لا يُقبل أداؤه إلا بعد الإسلام وذاك بعد البلوغ، فإذن لابد أن يُفرَّق بين سن التحمل وسن الأداء.\nقوله: (وصِفَةِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَعَرْضِهِ، وسَمَاعِهِ، وإسْمَاعِه، والرِّحْلَةِ فِيهِ، وتَصْنِيفِه: إمَّا عَلَى الْمَسانِيد، أو الأبْوَابِ، أو الْعِلَلِ، أَوِ الأطْرَافِ) أما صفة كتابة الحديث وعرضه وسماعه وإسماعه، أظن لا نحتاج لهذا فلسنا في زمن كتابة الحديث.","vol":"1","page":82},{"text":"قوله: (والرِّحْلَةِ فِيهِ) الرحلة في طلب العلم مفيدة للغاية، وهي سبيل لتحصيل العلم، ولذا كان العلماء أهل رحلة، لكنه مراد لغيره لا لذاته، فالإمام مالك وهو إمام الدنيا لم يكن معروفًا بالرحلة، لأنه كان بالمدينة وكان الناس يفدون إلى المدينة، وكان يأخذ العلم عنهم، أما من العلماء من اشتهر بالرحلة كالإمام أحمد وابن معين وأبي حاتم وغيرهم، فالرحلة في العلم عبادة عظيمة، وقد رحل جابر شهرًا في حديث واحد كما علقه البخاري، فهي عبادة عظيمة لكن أؤكد أنها مرادة لغيرها لا لذاتها.\nقوله: (ومعْرفة سَبَبِ الْحَدِيث: وَقَدْ صَنَّفَ فيه بَعْض شُيوخِ القاضِي أَبي يَعْلَى بن الْفَرَّاءِ) سبب الحديث مهم في معرفة معنى الحديث، لكن كثيرًا من الأسباب لا تصح عن النبي -ﷺ- وما صحَّ منها فهو مفيد في معرفة معنى الحديث، كأسباب النزول في الآيات.\nقوله: (وصَنَّفُوا في غَالِب هذِه الأنْوَاعِ. وهِيَ نَقْلٌ مَحْضٌ، ظاهِرَةُ التَّعْرِيفِ، مُسْتَغْنِيَةٌ عنِ التَّمْثِيِلِ، وَحَصْرُها مُتَعَسِّرٌ: فَلْتُرَاجَعْ لها مَبْسُوطاتُها، والله الْمُوَفِّقُ والهَادِي، لا إله إلَاّ هُوَ.) وصدق فإن العلماء لم يُقصروا، وقد ألفوا في كل فن مؤلفات كثيرة﵏ رحمة واسعة-\n\nوأختم ببيان<span data-type=\"title\" id=toc-91> الموقف من كتب المصطلح</span>، فقد يقول قائل: قد ذكرت كثيرًا من الأخطاء التي يذكرها علماء المصطلح، فهل معنى هذا أننا نتركها وندعها ونحاربها؟\nيُقال: كلا، ينبغي أن نكون في هذا الباب وسطًا لا إفراط ولا تفريط، فلا نكون كالذين غلوا في محاربة كتب المصطلح، فأخذوا يشيدون بحربها ومخالفتها ويدعون إلى عدم قراءتها، ولا في المقابل نكون ممن غلا في التعلق بها وجعلها طريقه ونبراسه، وإنما نكون كما كان أهل العلم، يُنكتون، فتقرأ في كتب المصطلح وتتفهمها والخطأ تُبيِّنه، بلا إفراط ولا تفريط، فإن فيها من الكنوز والفوائد ما الله به عليم.\nأسأل الله أن يغفر لنا أجمعين، وأن يجعل هذا الشرح حجة لنا لا علينا،\nوأسأل الله أن يغفر للحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- وأن يجمعني وإياكم وإياه ووالدينا في الفردوس الأعلى يا رب العالمين.","vol":"1","page":83}]}