{"ً":{"ٌ":27092,"ٍ":"جزء فيه شروط عمر بن الخطاب على النصارى، وحديث واصل الدمشقي ومناظرته لهم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام/03_المجموعة الثالثة 1421 = 022-032","files":["023_ 53038-02.pdf"]},"ّ":"الكتاب: جزء فيه شروط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على النصارى، وفيه حديث واصل الدمشقي ومناظرته لهم ﵁ - سلسلة لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٣)\nالمؤلف: عثمان بن أحمد بن عبيد الله بن يزيد، أبو عمرو الدقاق، ابن السَّمَّاك (ت ٣٤٤ هـ)\nاعتنى به: نظام محمد صالح يعقوبي\nالناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م\nعدد الصفحات: ٣٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":1907,"ٕ":6,"ٖ":1770155767,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المعتني","level":1,"page":3},{"title":"ترجمة صاحب الجزء","level":2,"page":5},{"title":"اسمه ونسبه","level":3,"page":5},{"title":"شيوخه","level":3,"page":5},{"title":"بعض من حدث عنه","level":3,"page":6},{"title":"ثناء العلماء عليه","level":3,"page":6},{"title":"وفاته","level":3,"page":7},{"title":"آثاره","level":3,"page":7},{"title":"وصف النسخة","level":2,"page":10},{"title":"موضوع الجزء","level":2,"page":11},{"title":"سند الجزء","level":2,"page":14},{"title":"مقدمة الجزء","level":1,"page":22},{"title":"سند كتاب شروط سيدنا عمر بن الخطاب إلى النصارى","level":2,"page":23},{"title":"نص الكتاب","level":1,"page":24},{"title":"سند حديث واصل الدمشقي","level":1,"page":27},{"title":"نص حديث واصل الدمشقي","level":1,"page":28}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38},"ٜ":{"1":[2,39]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20",null,"1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2,3,4],"6":[5,6],"7":[7,8],"10":[9],"11":[10],"14":[11],"22":[12],"23":[13],"24":[14],"27":[15],"28":[16]},"ٟ":[],"numbers":{"1422":2,"1":23,"2":27},"number_max":"1422","number_pages":{"2":"1422","23":"1","27":"2"}},"pages":[{"text":"لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٣)\n\nجزء فيه شروط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على النصارى\nوفيه حديث واصل الدمشقي ومناظرته لهم ﵁\n\nرواية أبي عمرو عثمان بن أحمد السماك (ت ٣٤٤ هـ)\n\nاعتنى به\nنظام محمد صالح يعقوبي\n\nساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم\n\nدار البشائر الإسلامية","vol":"1","page":null},{"text":"جميع الحقوق محفوظة\nالطبعة الأولى\n١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م\n\nدار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع\nهاتف: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١\nبيروت - لبنان ص ب: ٥٩٥٥/ ١٤\n\ne-mail: bashaer@cyberia.net.lb","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدّمة المعتني</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله حمدًا كثيرًا كما أَمَر، والصَّلاة والسَّلام على سيد الأنبياء والبشر، سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وأصحابه، ومَن على دربهم سار واقتفى الأثر.\nأمَّا بعد:\nفهذا جزء حديثي نفيس من مرويات الإِمام المحدِّث أبي عمرو ابن السَمَّاك رحمه الله تعالى، أتشرَّف بتقديمه في سلسلة رسائل مجالس العشر الأواخر من رمضان التي نعقدها في المسجد الحرام.\nأسأل الله تعالى أن ينفع به وبسائر الرسائل في هذه السلسلة الميمونة المباركة، وأن تحظى بقَبول أساتذتي ومشايخي وإخواني طلبة العلم، ملتمسًا منهم سَدَّ الخلل، وتقويم الزَّلل، مع الستر والمعذرة، والعفو عند المقدرة، والدعاء للفقير إلى الله في هذه الليالي المباركة العشرة.","vol":"1","page":3},{"text":"والله الموفِّق وهو الهادي إلى سواء السَّبيل.\nوصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.\nقاله وكتبه\nخويدم العلم والعلماء بالبحرين\nنظام محمد صالح يعقوبي","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ترجمة صاحب الجزء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>اسمه ونسبه:</span>\nهو الشَّيخُ الإِمام المحدِّثُ المُكْثِرُ الصَّادِقُ، مُسْنِدُ العراق، أبو عَمرو عثمانُ بنُ أحمدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن يَزِيد البغداديُّ، الدَّقاقُ، ابنُ السَّمَّاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>شيوخه:</span>\nقال الإمام الذهبيُّ في \"سِيَر أعلام النُّبلاء\" (١):\nسَمِع باعتناء والده من أبي جعفر محمَّد بن عُبيد اللهِ بن المنادي، وأحمد بن عبد الجبَّار العطاردي، وحَنْبَل بن إسحاق، والحسين بن محمد بن أبي مَعْشر، ومحمد بن الحسين الحُنَيْني، وعبد الرحمن بن محمَّد بن منصور الحارثي كُرْبُزَان، ويحيى بن أبي طالب، والحسن بن مُكْرم، وخلقٍ كثير (٢).\n_________\n(١) ١٥/ ٤٤٤.\n(٢) انظر بعضهم في: \"تاريخ بغداد\"، ١١/ ٣٠٢.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>بعض مَن حَدَّثَ عَنْه:</span>\nحَدَّثَ عنهُ أَئِمَّةٌ أَجِلَّاء، وحفَّاظ نُبَلاء، منهم:\n١ - الإِمام الدَّارقطني.\n٢ - ابنُ شاهين.\n٣ - الحافظ ابنُ مَنْده.\n٤ - الحافظ الحاكم النّيسابوري.\n٥ - أبو الحسين بن بِشْران.\n٦ - أبو علي بن شاذان.\nوغيرهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثناء العلماء عليه:</span>\n• قال الإِمام الدارقطني: شيخنا أبو عمرو، كَتَبَ عن العُطارديّ ومَنْ بعده، وكتب المصنَّفات الطِّوال بخطّه، وكان من الثقات.\n• وقال الحافظ الخطيب البغدادي: كان ابنُ السَّمَّاكِ ثقةً ثَبْتًا يسكن درب الضفادع.\nكثرة جمعه وكتابته ونَسْخه:\n• قال فيه الدارقطني: ... أكثر الكتاب، وكتب الكتب الطوال والمصنَّفات بخطّه.\n• وقال أبو عبد الله ابنُ بكير: سمعتُ أبا عَمرو ابنَ السَّمَّاك يقول:\n_________\n(١) راجع: \"سِيَر أعلام النُّبلاء\"، ١٥/ ٤٤٥؛ و\"تاريخ بغداد\"، ١١/ ٣٠٢.","vol":"1","page":6},{"text":"\"ما استكبتُ شيئًا قطُّ غير جزء واحد\".\n• قال الأزهري: وكان كل ما عنده بخطّه (١).\n• وقال الإِمام الذهبي: جمع فأوعى، وكتب العالي والنازل، والسَّمينَ والهزيل (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>وفاته:</span>\nتُوُفِّي رحمه الله تعالى يوم الجمعة عصرًا لأربع بقين من ربيع الأول سنة ٣٤٤ هـ، وأُخْرِج يوم السبت ودُفِن في مقابر باب الدير، وصَلَّى عليه ابنه محمد، وحُزر مَن حَضَر جنازته بخمسين ألف إنسان (٣).\nرَحِمَهُ الله تعالى رحمةً واسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>آثاره:</span>\n١ - الدِّيباج (مخطوط) [لم أعرفه].\n٢ - الأمالي (مخطوط) [ذكرها الحافظ ابن حجر في \"المجمع المؤسس\"، ١/ ٢٧٢؛ وهو في الظاهرية، مجموع (٨٩)].\n٣ - وفيات الشيوخ (مخطوط) [وهو في الظاهرية ضمن مجموع (١٠٦)].\n_________\n(١) \"تاريخ بغداد\"، ١١/ ٣٠٣.\n(٢) \"سِيَر أعلام النُّبلاء\"، ١٥/ ٤٤٥.\n(٣) \"تاريخ بغداد\"، ١١/ ٣٠٣؛ و\"المنتظم\"، لابن الجوزي، ١٤/ ٩٩، (ط. دار الكتب العلمية\".","vol":"1","page":7},{"text":"• الثلاثة ذكرها الزركلي في \"الأعلام\" (١) وقال: أجزاء منها في الظاهرية.\n٤ - هذا الجزء (سيأتي وصفه).\n٥ - حديثه (ذكره الحافظ ابن حجر في \"المجمع المؤسس\" (٢)، وقال محقّقه الدكتور يوسف المرعشلي: إنَّ الحافظ ﵀ ذكره في \"المعجم المفهرس\" باسم: \"فوائد ابن السماك\". وذكر الدكتور المرعشلي بعض أجزائه في الظاهرية).\n٦ - جزء فيه \"الأسماء الحُسنى ومواضعها من الكتاب العزيز\" (٣).\n٧ - الفرائض المستخرجة من حديث سفيان بن سعيد الثوري، ويُعرف بـ \"الثاني عشر من حديث ابن السَّمَّاك\" (٤) في بعض النسخ.\n_________\n(١) ٤/ ٢٠٢ (ط ٥، سنة ١٩٨٠ م).\n(٢) \"المجمع المؤسس\"، ١/ ١٤١ - ١٤٢، ١٥٦، ٢٨٣، ٥٢١، و٢/ ١٥٥، ٢٣٩، ٢٥٣، ٢٨١، ٣٣٢، ٣٣٨، ٣٥٦ - ٣٥٧، ٣٧٧، ٤٠٥.\nوانظر أيضًا: \"المعجم المفهرس\"، للحافظ ابن حجر (ط. محمَّد شكور امرير، مؤسسة الرسالة)، (برقم ٤٦٥)، ٢٧٢ (برقم ١١٣٤)، ٣٠٠ - ٣٠١ (١٢٧٥).\n(٣) \"المجمع المؤسس\"، ٢/ ١٤٢ (برقم ٦٧٥)؛ و\"المعجم المفهرس\"، ١٠٤ (برقم ٣٤٣).\n(٤) \"المجمع المؤسس\"، ٢/ ٣٩٥ (برقم ١٠٤٥)؛ و\"المعجم المفهرس\"، ٧١ (برقم ١٦٩).","vol":"1","page":8},{"text":"٨ - أصول السُّنَّة (١).\n٩ - جزء فيه حديث منكر ونكير، وحديث زريب وصي عيسى ﵇، وغير ذلك.\n[في الظاهرية ضمن مجموع (٨٦)] (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"المعجم المفهرس\"، ٥٦ (برقم ٧٣)، ط مؤسسة الرسالة.\n(٢) راجع فهرس الحديث للعلَّامة الألباني ﵀، ص ٨٤ - ٨٥، ١٥٥.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>وصف النسخة</span>\nوقعت على هذا الجزء ضمن مجموع برقم (٩٥١.  OR)،  أي المخطوطات الشرقية برقم ٩٥١ في مكتبة جامعة ليدن بهولندا. ويقع الجزء ضمن المجموع في الأوراق (٢١  p -٢٥ p)،  وهو ثاني كتاب ضمن المجموع.\nولم يرد في النسخة تاريخ ولا اسم الناسخ.\nوعلى النسخة تملُّك على طرَّتها، هذا نصُّه:\n(مِن نعم الفتَّاح، على عليٍّ الملّاح؛ سامحه المولى الأجلّ، إذا قضى منه الأجل. آمين).\n• وقد ذكر هذا الجزء فورهوف (voorhoeve)  في فهرسة لمخطوطات جامعة ليدن (١)، (ص ١٠٤).\n* * *\n_________\n(١) انظر:  handlist of arabic manuscripts in the library of the university of leiden. (١٩٨٠).p.١٠٤.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>موضوع الجزء</span>\nاقتصر الجزء على إسناد رواية عبد الرحمن بن غَنْم للشروط العمرية ورواية واصل الدمشقي وقصة أَسْره ومناظرته للنَّصارى، كما جاء في عنوان النسخة المخطوطة:\n(جزء فيه شروط أمير المؤمنين عمر بن الحطَّاب ﵁ على النصارى، وفيه حديث واصل الدمشقي ومناظرته لهم).\nولم يرد فيه غير هاتين الروايتين:\n(١) أما الشروط العمرية (وتُعرف أيضًا بالعهد العمري):\nفهي مشهورة جدًّا، حتى قال الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى عنها: (وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإنَّ الأئمة تلقّوها بالقَبول، وذكروها في كتبهم واحتجَّوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها) (١).\n_________\n(١) \"أحكام أهل الذمة\"، ٣/ ١١٦٤ - ١١٦٥ (طبعة يوسف البكر وشاكر العاروري).=","vol":"1","page":11},{"text":"وقد شرحها الحافظ ابن القيم في القسم الأخير من كتابه \"أحكام أهل الذمَّة\" شرحًا وافيًا مفصَّلًا، فكفّى ووفَّى جزاه الله خيرًا ورحمه رحمةً واسعةً.\n• أقول: ولأبي محمَّد عبد الله بن أحمد بن زبر القاضي جزء في طرق رواياتها، وهو مطبوع بعنوان: \"جزء فيه شروط النصارى\".\nقام بنشره وتحقيقه المستشرق الأمريكي اليهودي مارك كوهين (Mark Cohen)  من جامعة برنستون بأمريكا، نشر الجزء مع دراسة قيِّمة باللغة الإِنجليزيَّة -ولا تخلو من مآخذ! - في مجلَّة القدس للدِّراسات العربية والإِسلامية (Juresalem Studies in Arabik and Islam)،  في المجلَّد (٢٣) لسنة ١٩٩٩ (ص ١٠٠ - ١٥٧)، واعتمد في نشرته على مخطوطة دار الكتب المصرية (تاريخ تيمور رقم ٢٢٥٢)، أو (حديث ٢٢١٩) (١)، ورقم المايكروفلم ٤٨٦٠٨، وحلَّل الشروط تحليلًا أدبيًّا ولغويًّا، فراجعه هناك.\n(٢) قصة واصل الدمشقي:\nوأمَّا الرواية الثانية في جزئنا هذا فهي عن واصل الدِّمشقي، وقصَّة أسره، ومناظرته مع النَّصارى.\n_________\n= أقول: وليس هذا موضع التفصيل في أسانيد هذه الشروط وذكر من صحَّحها وضعَّفها، ويكفي ما ذكره الحافظ ابن القيِّم من تلقِّي الأمَّة لها بالقَبول؛ ولكن راجع: \"تاريخ دمشق\"، ٢/ ١١٩ - ١٢٧، (ط دار إحياء التراث العربي)، للوقوف على بعض رواياتها، وكذلك: جزء القاضي ابن زبر الآتي ذكره.\n(١) تمَّ فهرسة المخطوط تحت فنَّي التاريخ والحديث في دار الكتب المصرية لصلة الكتاب بالفنَّين كما لا يخفى!","vol":"1","page":12},{"text":"وقد ذكر واصلًا هذا الحافظُ أبو القاسم، ابنُ عساكر، في \"تاريخ دمشق\" (١)، وقال في شأنه:\nرجل من أهل دمشق، حكيت له مناظرة مع الروم، إن لم يكن الذي تقدَّم -أي المذكور قبله برقم (٨١٠٩)، وهو واصل بن عبد الله السلام- فهو غيره.\nولم يذكر فيه -ولا في الذي قبله- شيئًا يُعرف به، فالله أعلم به وبحاله؛ ولكن القصة ظريفة طريفة يمكن أن تضاف إلى أدب المناظرات مع النصارى كقصة مناظرة القاضي الإِمام أبي بكر الباقلاني المشهورة معهم!\n• وقد ساق الحافظ ابن عساكر القصَّة بطولها بسنده إلى ابن السَّمَّاك، فقال: أنبأنا أبو محمَّد بن الأكفاني، وعبد الكريم بن حمزة، وأبو الحسن علي بن بركات الخشوعي، قالوا: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أنا ابن رزقويه، أنا أبو عمرو بن السَّمَّاك، به.\nوهذا دليل على وقوفه على هذا الجزء وروايته له.\n* * *\n_________\n(١) ٦٥/ ٢٨٦ - ٢٩٠ برقم (٨١١٠)، (ط. دار إحياء التراث العربي).","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>سند الجزء</span>\n• روى هذا الجزء عن ابن السَّمَّاك:\n(١) علي بن محمَّد بن بشران:\nوهو الشيخ العالم المعدِّل، المُسْنِدُ، أبو الحسين علي بن محمَّد بن عبد الله بن بِشْران، الأُمَوِيُّ البغداديُّ.\nوُلِد سنة ٣٢٨ هـ، وتُوفِّي سنة ٤١٥ هـ.\nترجمته في \"سِيَر أعلام النبلاء\"، للحافظ الذهبي (١).\nوقال فيها: روى شيئًا كثيرًا على سدادٍ وصدقٌ وصحَّة رواية. كان عدلًا وقورًا.\n• ورواه عنه:\n(٢) أبو علي الحسن بن غالب بن علي الحربي:\nترجم له الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢) وقال: يعرف بابن المبارك.\n_________\n(١) ١٧/ ٣١١ - ٣١٣ (١٨٩).\n(٢) ٧/ ٤٠٠ (٣٩٤).","vol":"1","page":14},{"text":"قال الخطيب ﵀: كتبنا عنه وكان له سمت وهيبة، وظاهر وصلاح (١). وكا يقريء القرآن، فأقرأ بحروف خرق بها الإجماع، وادعى فيها رواية عن بعض الأئمة المتقدِّمين، وجعل لها أسانيد باطلة مستحيلة، فأنكر أهل العلم عليه ذلك إلى أن اسْتُتِيبَ منها ...\nوقال أيضًا: وادَّعى ابنُ غالب أشياء غير ما ذكرناه تبيَّن فيها كذبه وظهر فيها اختلاقُه.\nقال الخطيب ﵀: سألت ابنَ غالبٍ عن مولده؟ فقال: في آخر سنة ست وستين وثلاثمائة. ومات في ليلة السبت العاشر من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ودُفِن صبيحة تلك الليلة عند قبر إبراهيم الحربي.\n• ورواه عنه:\n(٣) أبو بكر محمَّد بن عبد الباقي بن محمَّد البزاز البغدادي، وهو المعروف بقاضي المَرَسْتان، الحنبليُّ:\nقال فيه الذهبي: الشيخ الإِمام العالمُ المُتَفَنِّنُ، الفَرَضيُّ العدلُ، مُسْنِدُ العَصْرِ.\nوُلِدَ سنة ٤٤٢ هـ، وتُوُفِّي سنة ٥٣٥ هـ.\nوترجمته في \"سِيَر أعلام النُّبلاء\" (٢) حافلة تدل على جلالة قدر، وغزارة علم، رحمه الله تعالى.\n_________\n(١) كذا.\n(٢) ٢٠/ ٢٣ - ٢٨.","vol":"1","page":15},{"text":"ومن طريف ما ورد في ترجمته أنَّه وقع في أَسْرِ الروم -أثناء سفر له- وبقي سنةً ونصفًا، وقيَّدوه وغلُّوه، وأرادوهُ على كلمةِ الكُفْرِ، فأبى، وَتَعَلَّمَ منهم الخطَّ الرُّوميَّ.\nوقال السمعاني: وقال لي: أَسَرَتنِي الرُّومُ، وكانوا يقولون لي: قل: المسيحُ ابنُ الله؛ حتَّى نَفْعَلَ ونَصْنَعَ في حَقِّكَ!. فما قُلْتُ!. وَتَعَلَّمْتُ الخَطَّ الرُّوميّ. ذكر ذلك كُلَّهُ الإِمامُ الذهبيُّ ﵀ في \"سِيَر أعلام النُّبلاء\".\nأقول: ولعلَّ هذا الأَسْر الرُّوميّ كان دافعًا له إلى رواية قصة واصلٍ الأسير الدمشقي عند الروم، والله أعلم!\n• ورواه عنه:\n(٤) الإِمام الشَّيخ أبو حفص عمر بن محمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزذ: والطَّبَرْزذ بذال معجمة: هو السُّكر.\nوهو الشيخ المسند الكبير الرحلةُ، مسند أهل زمانه، وقد تُكُلِّم فيه بكلام لم يثبت أكثره في حقّه، كما هو الظاهر من ترجمة الإِمام الذهبي له في \"سِيَر أعلام النُّبلاء\" (١)، وأكثر ما قيل فيه يمكن الردّ عليه والذبّ عنه.\nقال الإِمام الذهبي في آخر ترجمته: وتُوُفِّي أبو حفص بن طَبَرْزَذ في تاسع رجب سنة سبع وست مئة (٢)، ودُفِن بباب حرب،\n_________\n(١) ٢١/ ٥٠٧ (٢٦٦).\n(٢) ومولده في ذي الحجَّة سنة ٥١٦ هـ.","vol":"1","page":16},{"text":"والله يسامحه، فمع ما أبدينا من ضعفه قد تكاثر عليه الطلبة، وانتشر حديثُه في الآفاق وفرح الحُفَّاظُ بعواليه، ثمَّ في الزَّمن الثاني تزاحموا على أصحابه، وحملوا عنه الكثير، وأحسنوا به الظن، والله الموعد، ووثَّقه ابن نقطة. اهـ.\n* * *","vol":"1","page":17},{"text":"صورة صفحة الغلاف","vol":"1","page":18},{"text":"صورة الورقة الأولى من المخطوطة","vol":"1","page":19},{"text":"صورة الورقة الأخيرة من المخطوطة","vol":"1","page":20},{"text":"لقاءُ العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٣)\n\nجزءٌ فيه شروط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على النصارى\nوفيه حديثُ واصل الدمشقيِّ ومناظرته لهم ﵁\n\nرِوَاية أَبي عَمْرو عُثْمَان بْن أَحمَد السَّمَّاك\nرِوَاَية عَلِيّ بن محمَّد بن بِشْران عنه\nروَاية أبي علي الحسن بن غالب بن علي الحربي عنه\nرِوَاية أَبي بكر محمَّد بن عبد الباقي بن محمَّد البزاز البغدادي عنه\nرِوَاية الشيخ الأجل أبي حفص عمر بن أحمد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَذ\nرَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى\n\nاعتَنَى بِهِ\nنظام محمد صالح يعقوبي","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nلاَ إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عُدَّة لِلِقَائِهِ وَأَمَانًا مِنْ عَذَابِهِ أخبرنا الشيخُ الأجل أبو حفص عمر بن محمَّد بن معمر بن طبرزذ أثابَهُ الله قراءةً عليه في مدرسةِ أصحابنا الصالحية -كَثَّرَهُم الله تَعَالَى- في يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة من سنةِ ثلاثٍ وستمائة قال:\nأخبرنا أبو بكر محمَّد بن عبد الباقي البزَّاز، قال:\nأخبرنا أبو علي الحسن بن غالب بن علي الحربيُّ بقراءتي عليه، فَأقَرَّ به، في يوم الثلاثاء حادي عشر ذِي الحجة من سنة ستٍّ وخمسين وأربعمائة، قال:\nأخبرنا أبو الحسين علي بن محمَّد بن عبد الله بن بِشْرَانَ السعْدِيُّ قراءةً عليه، في شَهْرِ ربيعٍ الأوَّل من سنة أربعمائة، فأقَرَّ بِهِ، قال:\nأخبرنا أبو عَمرو (١) عثمان بن أحمد بن عبد الله، المعروف بابن\n_________\n(١) الأصل: عمر، خطأ.","vol":"1","page":23},{"text":"السَّمَّاك، قراءةً عليه، فأقَرَّ بِهِ، في صَفَرَ سنة اثنتين (١) وأربعين وثلاثمائة:\n١ - حدثنا أبو محمد عُبيد بن محمَّد بن خلف البزار صاحبُ أَبُو ثَوْرٍ (٢)، حدثنا الربيع بن ثعلب أبو الفضل (٣)، حدثنا يحيى بن عُقبةَ بن أبي العَيْزار (٤)، عن سفيانَ الثَّوْريِّ (٥)، والوليد بنِ نوحٍ (٦)، والسَّرِيِّ بن مصرف (٧)، يذكرون عن طلحة بن مصرف (٨)، عن\n_________\n(١) الأصل: اثنين.\n(٢) كذا الأصل: أبو ثور؛ وهو جائز على الحكاية، والوجه: أبي ثور. له ترجمة في \"تاريخ بغداد\"، ١١/ ١٠٠ - ١٠١ (٥٧٩٥)، ووثقه الخطيب.\n(٣) المروزي ثم البغدادي، له ترجمة في \"الجرح والتعديل\"، ٣/ ٤٥٦ (برقم ٢٠٦٠)، ونقل توثيقه وأنه أحد العابدين ببغداد. وانظر: \"تاريخ بغداد\"، ٨/ ٤١٨.\n(٤) يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، ضعيف منكر الحديث، كذَّبه ابنُ معين، وذكره الساجي والعقيلي والدولابي وابنُ شاهين في الضعفاء. وقال ابن عدي: عامَّة ما يرويه لا يتابع عليه. وخالفهم ابنُ السكن فقال: صالح الحديث. انتهى ملخصًا من \"لسان الميزان\"، ٦/ ٢٧٠ (٩٤٨).\nقلت: وهو آفةُ هذا الإسناد هنا.\n(٥) الإِمام الجليل أمير المؤمنين في الحديث، لا يُسأل عن مثله!\n(٦) الوليد بن نوح: لم أعرفه.\n(٧) هو السري بن مصرف بن عمرو بن كعب، أو ابن كعب بن عمرو. قال ابنُ أبي حاتم عن أبيه: لم يكن بصاحب حديث. وقال ابن القطان: لا يُعرف، وله حديث في مسح القذال في الوضوء. \"لسان الميزان\"، ٣/ ١٣ (٤٥).\n(٨) طَلحَة بن مُصَرِّف بن عَمرو بنَ كَعْب، الهمْدانيُّ، الياميُّ، أبو محمَّد، ويقال: =","vol":"1","page":24},{"text":"مسروق (١)، عن عبد الرحمن بن غَنْمٍ (٢) قال:\n\"كَتَبْنَا لِعُمَرَ بنِ الخَطَّاب ﵁ حينَ صالَحَ نَصَارَى أَهْلِ الشَّام:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nهذا كتابٌ لعبدِ اللَّهِ عُمَرَ أميرِ المؤمنين، من نصارى مدينةِ كذا وكذا:\nإِنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُم علينا سَألْنَاكُمُ الأمانَ لأنْفُسِنا، وذرارينا، وأَمْوالنا، وأهلِ مِلَّتِنا، وشَرَطْنَا لكم على أَنْفُسِنا أن لا نُحْدِثَ في مدائِننا ولا فيما حَوْلنا دَيْرًا ولا كنيسةً ولا قِلَّايةً (٣) ولا صومعةَ راهبٍ، ولا نُجَدِّدُ ما خَرِبَ منها، ولا نُحييَ ما كان مِنْهَا في خطط المسلمين.\nولا نمنعَ كنائسَنَا أن ينزلها أحدٌ من المسلمينَ في ليلٍ ولا نهار.\nوأَنْ نُوَسِّعَ أبوابَها للمارَّةِ وابْنِ السَّبيل. وأن ننزلَ مَنْ نَزَلَها مِنَ المُسْلِمِينَ ثلاثَ لَيَالٍ نُطْعِمُهُمْ.\n_________\n= أبو عبد الله. ثقة، سيِّد قُرَّاء زمانه، من رجال \"تهذيب الكمال\"، ١٣/ ٤٣٣ - ٤٣٧ (٢٩٨٢).\n(١) مسروق بن الأجدع الإِمام الفقيه.\n(٢) عبد الرحمن بن غَنْم الأشعريُّ الشامي، مختلف في صحبته، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وكان يُعرف بصاحب معاذ بن جبل لملازمته إيَّاه. وكان أفقه أهل الشام. راجع: \"تهذيب الكمال\"، ١٧/ ٣٣٩ - ٣٤٣ (٣٩٢٨).\n(٣) بهامش الأصل: \"الدير كالرباط، والكنيسة كالمسجد، والقلَّاية كالمعبد\".","vol":"1","page":25},{"text":"ولا نُؤوي (١) في منازِلنا ولا كنائسنا جاسوسًا. ولا نكْتُمَ غِشًّا للمسلمين.\nولا نُعَلِّمَ أَوْلادَنا القرآنَ. ولا نُظْهِرَ شِرْكًا ولا ندعو إليه أحدًا. ولا نَمْنَعَ أحدًا من ذوي قَرَابَتِنَا الدُّخُولَ في الإِسلامِ إِنْ أرادُوه.\nوأَنْ نُوَقِّرَ المسلمينَ ونقومَ لهم في مجالسنا إذا أرادُوا الجلوسَ. ولا نتشَبَّهَ بهم في شيءٍ من لباسهم: في قَلَنْسُوَةٍ ولا عِمامةٍ، ولا نَعْلَيْنِ، ولا فَرْقِ شَعَرٍ. ولا نتكلمَ بكلامهم، ولا نتكنَّى بكُناهم.\nولا نَرْكبَ السُّروجَ ولا نتَقَلَّدَ السيُوفَ، ولا نتَخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلاحِ ولا نَحْمِلَهُ معنا. ولا ننقشَ على خواتمنا بالعربيةِ. ولا نبيعَ الخمورَ. وأَنْ نَجُزَّ مَقادِمَ رُؤُوسِنا.\nوأَنْ نَلْزَمَ زَيَّنَا (٢) حيثُ ما كان (٣). وأَنْ نَشُدَّ زنانيرنا على أَوْسَاطنا. وَأَنْ لا نُظْهِرَ الصَّليبَ عَلَى كَنَائِسِنا، وَلاَ نُظْهِرَ صُلْبَاننا وَكُتبنَا في شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ أَسْوَاقِهِم.\n_________\n(١) الأصل: نأوي.\n(٢) الأصل: ديننا، وهو تحريف، وكذلك تحرف في \"تاريخ دمشق\"، لابن عساكر (١/ ١٧٨ - ط القديمة)، وهو على الجادة في طبعة دار إحياء التراث العربي الجديدة (٢/ ١٢٠ - ١٢١).\n(٣) في تاريخ ابن عساكر: حيث ما كنا.","vol":"1","page":26},{"text":"وَلاَ نَضْرِبَ بنواقيسنا في كنائسنا إلَّا ضَرْبًا خَفيفًا. ولا نَرْفَعَ أصواتنَا بالقِراءَةِ في كنائسنا في شَيْءٍ مِن حَضْرَةِ المُسلمين.\nولا نُخْرِجَ شَعَانِينَنَا (١) ولا باعوثًا، ولا نَرْفَعَ أصواتنا مع مَوْتانا، ولا نُظْهِرَ النيرانَ مَعَهُمْ في شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ المسلمين ولا أَسْواقهم، ولا نُجاوِرَهم بموتانا.\nولا نتَّخِذَ مِنَ الرَّقيقِ ما جَرَى عليه سهامُ المسلمين. ولا نَطَّلِعَ عليهم في منازلهم\".\n• فَلَمَّا أتيتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَابِ ﵁ بالكتابِ زادَ فيه:\n\"ولا نَضْرِبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. شَرَطْنَا لَكُم ذلكَ على أَنْفُسِنَا وأَهْلِ مِلَّتِنَا وقَبِلْنَا عَلَيْهِ الأمانَ؛ فإِنْ نحنُ خالَفْنا في شَيءٍ ممَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ وضَمِنَّاهُ على أَنْفُسِنَا فلا ذمَّةَ لنا وقد حلَّ لكم [منَّا] (٢) ما يَحِلُّ مِن أهل المُعَانَدة والشِّقاقِ\".\n_________\n(١) بهامش الأصل: \"الشعنون: الصورة، والباعوث: النفير، وبطل الآن\".\nقلت: ولكن قال الدكتور صبحي الصَّالح ﵀ في تعليقه على \"أحكام أهل الذمَّة\"، ٢/ ٦٥٩: (هو اسم عيد من أعياد النصارى على صيغة الجمع ولا مفرد له). اهـ. وقال المعلِّقان على الطبعة الجديدة منه: (عيد للنصارى يقع يوم الأحد السابق لعيد الفصح يُحتفل فيه بذكرى دخول عيسى ﵇ بيت المقدس)، عن المعجم الوسيط بتصرُّف.\n(٢) زيادة من ابن عساكر.","vol":"1","page":27},{"text":"٢ - وبالإِسناد قال:\nأخبرنا الشيخُ أبو الحسين علي بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الله بن بشران السُّكَرِيُّ قال:\nأخبرنا أبو عمرو عُثمان بن أحمد بن عبد الله بن السَّمَّاكِ، حدثنا عُبيدُ بن محمَّد بن خلف البزار، حدثنا الحسن بن الصبَّاح البزَّار (١)، حدثنا محمَّد بن كثير المصيصي الصنعاني (٢)، عن مَخْلد بن الحسين (٣)، عن واصلٍ (٤) قال:\n_________\n(١) أبو علي البغدادي، قال ابن أبي حاتم: سُئل أبي عنه؛ فقال: صدوق، وكان له جلالة عجيبة ببغداد، وكان أحمد بن حنبل يرفع من قدره ويجلّه. \"الجرح والتعديل\"، ٣/ ١٩ (٧١).\n(٢) ضعَّفه أحمد وغيره ووثقه الحسن بن الربيع. \"الجرح والتعديل\"، ٨/ ٦٩ (٣٠٩).\n(٣) هو مَخْلَد بن الحسين الأزديُ المُهَلَّبِيُّ، أبو محمَّد البصريُّ، نزيل المصيصة ولذا يُنسب أيضًا إليها، فهو: مصِّيصيُّ وهو ثقة، عاقل، من رجال \"تهذيب الكمال\"، ٢٧/ ٣٣١ - ٣٣٤ (٥٨٣٣).\n• وتحرَّفت (مخلد) في الأصل إلى (محمَّد)، والتصحيح من \"تاريخ ابن عساكر\".\n(٤) لعله: واصل بن عبد الرحمن البصريّ، أبو حرة، فقد ذكره المزيُّ في ترجمة مخلد بن الحسين المتقدِّم أنه يروي عنه، وذكر في ترجمته \"تهذيب الكمال\"، ٣٠/ ٤٠٧ (٦٦٦٥) أنَّه يروي عن مخلد بن الحسين.\nوواصلٌ هذا وثَّقه جماعة منهم الإِمام أحمد، وضعفه بعضهم كالإِمام النسائي، والراجح أنَّه ثقة إن شاء الله.","vol":"1","page":28},{"text":"\"أُسِرَ غُلامٌ من بني بطارقة الرُّومِ -وكان غُلامًا جميلًا- فلَمَّا صاروا إلى دار السَّلام وَقَعَ إلى الخليفة (١)، وذلك في ولايةِ بني أُمَيَّة؛ فَسَمَّاهُ بَشِيرًا، وأَمَرَ بِهِ إلى الكُتَّابِ؛ فَكَتَبَ وقَرَأَ الْقُرْآنَ وروى الشِّعْرَ وقاسَ وطَلَبَ الأحاديثَ وحَجَّ. فَلَمَّا بَلَغَ واجْتَمَعَ أَتَاهُ الشَّيْطانُ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ وذَكَّرَهُ النَّصْرَانِيةَ دينَ آبائِهِ؛ فَهَرَب مُرْتَدًّا مِنْ دَارِ الإِسلامِ إلى أَرْضِ الرُّوم؛ لِلَّذي سَبقَ لَهُ في أُمِّ الكتاب. فَأتِيَ به مَلِكَ الطَّاغيةِ فَسَألهُ عَنْ حَالِهِ، وما كانَ فيهِ، وما الذي دعاهُ إلى الدخولِ في النَّصْرَانِيّة؟ فَأخْبَرَهُ برغْبَتِهِ فيه. فَعَظُمَ في عَيْنِ المَلَكِ؛ فَرَأسَهُ وصَيَّرَهُ بِطْرِيقًا مِن بَطَارِقَتِهِ وأَقْطَعَهُ قُرىً كثيرةً؛ فهي اليوم تُعْرَفُ بِهِ، يقالُ لها: قُرَى بشير.\nوكانَ مِنْ قضاءِ الله وقَدرِهِ أَنهُ أُسِرَ ثلاثونَ رَجُلًا مِنَ المسلمين؛ فلما دَخَلُوا على بشيرٍ، سَائَلَهُم رَجُلًا رَجُلًا عن دينهم، وكانَ فيهم شَيْخٌ مِنْ أهلِ دِمَشْقَ يقالُ له: واصل؛ فَسَاءَلَهُ بَشِيرٌ؛ فأبى الشَيْخُ أَنْ يَرُدَّ عليه شَيْئًا؛ فقالَ بَشِيرٌ: ما لَكَ لاَ تُجيبُني؟\nقالَ الشَّيْخُ: لَسْتُ أُجِيبُكَ اليومَ بشيْءٍ!\nقالَ بَشِيرٌ للشَّيْخِ: إني سائِلُكَ غَدًا فَأَعِدَّ جوابًا، وأَمَرَهُ بِالانْصِرافِ.\nفَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ بَعَثَ بَشِيرٌ؛ فَأدْخِلَ الشَّيْخُ إِلَيْهِ،\nفَقَالَ بَشِيرٌ: الحمدُ للهِ الَّذي كانَ قَبْلَ أن يكونَ شَيْءٌ، وخَلَقَ سبع سماواتٍ طِباقًا بلا عَوْنٍ كَانَ مَعَهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَعَجبًا لكم معاشِرَ\n_________\n(١) بهامش الأصل: \"وهو عبد الملك بن مروان\".","vol":"1","page":29},{"text":"العَرَبِ حين تَقُولونَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ (١)!.\nفَسَكَتَ الشَّيْخُ؛ فقالَ لَهُ بَشِيرٌ:\nمَا لَكَ لا تُجيبُني؟ فقالَ: كيفَ أُجِيبُكَ وَأنا أَسِيرٌ في يَدِكَ؛ فإنْ أَجَبْتُكَ بما تَهوى أسْخَطْتُ عَلَيَّ رَبِّي، وهَلَكْتُ في دِيني، وإنْ أَجَبْتُكَ بما لا تَهْوَى خِفْتُ عَلَى نَفْسي؟\nفأَعْطني عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ وما أَخَذَ النَّبِيُّونَ على الأُمَمِ أَنكَ لاَ تَغْدِر بي ولا تمْحل (٢) بي ولا تَبْغِ بي باغِيةَ سُوءٍ، وأَنّكَ إذا سَمِعْتَ الحَقَّ تَنْقَادُ لَهُ.\nفقال بشيرٌ: فَلَكَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وميثاقُهُ وما أَخَذَ الله ﷿ على النَّبِيِّينَ وما أَخَذَ النَّبِيُّونَ على الأُمَمِ: أني لا أَغْدِرُ بكَ ولا أمحل بكَ ولا أَبْغي بك باغيةَ سُوءٍ وأنِّي إذا سَمِعْتُ الحقَّ انْقَدْتُ إليهِ.\nقال الشَّيخُ: أمَّا ما وَصَفْتَ مِنْ صِفَةِ الله ﷿؛ فَقَدْ أَحْسَنْتَ الصِّفَةَ. وأَمَّا ما لم يبْلُغ عِلْمُكَ ولم يستحكمِ عليه رَأْيُكَ أكثرُ، والله أَعْظَمُ وأَكْبَرُ ممَّا وَصَفْتَ؛ فلا يَصِفُ الواصفُون صِفَتَهُ.\nوأَمَّا ما ذَكَرْتَ مِن هذينِ الرَّجُلَيْنِ؛ فَقَدْ أَسَأتَ الصِّفَةَ! أَلمْ يَكونا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ويَشْرَبَان ويُبَوِّلان ويَتَغَوَّطانِ وينامانِ ويَسْتَيْقِظَان ويَفْرَحَانِ ويَحْزَنَانِ؟\n_________\n(١) آل عمران، الآية (٥٩).\n(٢) تمحل: من المحل، وهو المكر والكيد، كما في \"القاموس\" وغيره.","vol":"1","page":30},{"text":"قَالَ بَشِير: بَلَى.\nقَالَ: فَلِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا؟\nقَالَ بَشِير: لأنَّ عِيسى ابن مريم -﵇- كانَ لَهُ رُوحانِ اثنتانِ في جَسَدٍ وَاحِدٍ: روحٌ يعلمُ بها الغيوبَ وما في قَعْرِ البحارِ وما ينحاث (١) من ورق الأشجار. وروحٌ يُبرئُ بها الأَكمهَ والأَبْرَصَ ويُحْيِي بها الموتى.\nقَالَ الشَّيخُ: رُوحان اثنتانِ في جسدٍ واحد؟!!\nقَالَ بَشِير: نعم.\nقَالَ الشَّيخُ: فهل كانت القويَّةُ تَعْرِفُ مَوْضِعَ الضَّعِيفَةِ بَيْنَهُمَا أَمْ لا؟\nقَالَ بَشِير: قَاتَلَكَ الله! ماذا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ إِنْ قُلْتُ إنَها لاَ تَعْلَمُ؟ وماذا تُرِيدُ إنْ قُلْتُ إِنَّها تَعْلَمُ؟\nقَالَ الشَّيخُ: إِنْ قُلْتَ إنَّهَا تَعْلَمُ، قُلْتُ: فَمَا يُغني عنها قُوَّتُها حين لا تَطْرُدُ هذه الآفاتِ عنها!؟ وإن قُلْتَ إِنَّها لا تَعْلَمُ، قُلْتُ: فكيفَ تَعْلَمُ الْغُيُوبَ وَلاَ تَعْلَمُ مَوْضِعَ رُوحٍ معها في جَسَدٍ واحدٍ؟! فَسَكَت بَشِيرٌ!\nقَالَ الشَّيخُ: أَسْأَلُكَ باللهِ! هَلْ عَبَدْتُمُ الصَّلِيبَ مَثَلًا لعيسى بن مريمَ أنَّهُ صُلِبَ؟\n_________\n(١) بهامش الأصل: \"الإنحاث: السقوط\".\nوفي \"تاريخ دمشق\": يتحات؛ بالتاء المثناة بدلًا من النون.","vol":"1","page":31},{"text":"قَالَ بَشِير: نعم.\nقَالَ الشَّيخُ: فبرضىً كانَ مِنْهُ أَمْ بِسَخَطٍ؟\nقَالَ بَشِير: هذه أُخْتُ تِلْكَ! ماذا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ؟ إِنْ قُلْتُ: برضىً مِنْهُ، قُلْتَ: ما نَقِمْتُم؟ أُعطوا ما سأَلوا وأرادوا؟ وإِنْ قلْتُ: بِسَخَطٍ، قُلْتَ: فَلِمَ تَعبُدونَ ما لاَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ؟\nثُمَّ قَالَ: الشيخُ لبشير: نَشَدْتُكَ بالله! هَلْ كَانَ عِيسَى يَأْكُلُ الطَّعَامَ ويَشْرَبُ ويَصُومُ ويُصَلِّي ويبولُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ ويَسْتَيْقِظُ ويَفْرَحُ ويحزنٌ؟\nقَالَ: نعم.\nقَالَ الشَّيخُ: نَشَدْتُكَ باللهِ! لِمَنْ كَانَ يصومُ ويُصَلِّي؟\nقَالَ: للهِ ﷿؛ ثُمَّ قَالَ بَشِيرٌ: والضَّارِّ النَافعِ، ما ينبغي لمثلكَ أن يعيشَ في النصرانية! أُرَاكَ رَجُلًا قد تَعَلَّمْتَ الكلامَ، وأنا رَجُلٌ صاحبُ سَيْفٍ، ولكن غدًا آتيكَ بمن يُخْزِيكَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ!\nثُمَّ أَمَرَهُ بالانْصِرَافِ.\nفَلَمَّا كَانَ مِن غَدٍ، بَعَثَ بَشِيرٌ إلى الشَّيْخِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ إذا عِنْدَهُ قِسٌّ عَظِيمُ اللحيةِ.\nقَالَ لَهُ بَشِيرٌ: إِنَّ هذا رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ لَهُ عِلْمٌ وعَقْلٌ وَأَصْلٌ في العرب، وقد أحبَّ الدخولَ في ديننا؛ فَكَلِّمْهُ حَتَّى تُنَصِّرَهُ؛ فَسَجَدَ القِسُّ لِبَشِيرٍ وقَالَ: قَدِيمًا أتيتَ إلى الخيرِ وهذا أَفْضَلُ مِمَّا أَتَيْتَ إليّ.","vol":"1","page":32},{"text":"ثُمَّ أَقْبَلَ القِسُّ عَلَى الشَّيْخِ فَقَالَ: أَيُّهَا الشيَّخُ! مَا أَنْتَ بالكبيرِ الذي قد ذهبَ عَقْلُهُ وتَفَرَّقَ عَنْهُ حِلْمُهُ [ولا أنت بالصغير الذي لم يستكمل عقله ولم يبلغ حلمه]، (١)، غدًا أغطسُكَ في المعموديَّة غَطْسةً تَخرجُ منها كيومَ وَلَدَتْكَ أمُّكَ!\nقَالَ الشَّيخُ: وما هذهِ المَعْمُودِيّة؟\nقَالَ القسُّ: ماءٌ مُقَدَّسٌ.\nقَالَ الشَّيخُ: مَنْ قَدَّسَهُ؟\nقَالَ القسُّ: قَدَّسْتُهُ أنا والأساقِفَةُ قَبْلِي.\nقَالَ الشَّيخُ: فهل كان لكم ذنوبٌ وخطايا؟\nقَالَ القسُّ: نعم؛ غير أنَّها كثيرة.\nقَالَ الشَّيخُ: فهل يُقدِّسُ الماءَ مَنْ لاَ يقدِّسُ نَفْسَهُ؟\nقَالَ: فَسَكَتَ القِسُّ؛ ثُمَّ قَالَ: إِنّي لَمْ أُقَدسْهُ أنا!\nقَالَ الشَّيخُ: فكيفَ كانت القِصَّةُ إذنْ؟\nقَالَ القسُّ: إنَّما كانت سُنَّةً مِنْ عيسى بن مَرْيَمَ.\nقَالَ الشَّيخُ: فكيفَ كانَ الأمرُ؟\nقَالَ القِسُّ: إنَّ يحيى بن زكريا أَغْطَسَ عيسى ابن مريمَ -﵈- بالأُرْدُن (٢) غطسةً ومَسَحَ بِرَأْسِهِ وَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ.\n_________\n(١) من \"تاريخ ابن عساكر\".\n(٢) بهامش الأصل: \"الأردن: نهر حماه، وهو العاصي\".","vol":"1","page":33},{"text":"قَالَ الشَّيخُ: فاحتاجَ عيسى إلى يحيى يمسحُ رَأسَهُ ويدعو له بالبركةِ؟! فاعبدوا يحيى، فيحيى خيرٌ لكم من عيسى إذن؟\nفَسَكَتَ القسُّ؛ فاستلقى بَشِيرٌ على فِرَاشِهِ وأَدْخَلَ كُمَّهُ في فيهِ وجَعَلَ يَضْحَكُ؛ قَالَ لِلْقِسِّ: قُمْ أَخْزَاكَ الله، دَعَوْتُكَ لِتُنَصِّرَهُ فَإذا أَنْتَ قَد أَسْلَمْتَ!\nقَالَ: ثُمَّ إِنَ أَمْرَ الشَّيْخِ بَلَغَ المَلِكَ؛ فَبَعَثَ إليهِ؛ فَقَالَ: ما هذا الذي قد بلغني عنكَ وعن تنقُّصِكَ ديننا وَوَقِيعَتِكَ؟\nقَالَ الشَّيخُ: [إنَّ لي دِينًا كُنْتُ سُئِلْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا نصصت عنه سُئِلتُ عنهُ] (١)؛ فَلَمَّا لمْ أَجِدْ بُدًّا للذبِّ عَنْهُ ذَببتُ عنه.\nقَالَ المَلكُ: فهل في يَدِكَ حُجَجٌ؟\nقَالَ الشَّيخُ: نعم! ادْعُ إليَّ مَن شِئْتَ يُحاجِجْنُي؛ فإنْ كان الحق في يدي؛ فَلِمَ تَلومني (٢) عَنِ الذَّبِّ عَنِ الحَق؟ وإن كانَ الحق في يديكَ، رَجَعْتُ إلى الحق.\nفَدَعَا الملكُ بعظيمِ النصرانية؛ فلمَّا دخل عليه سَجَدَ لَهُ الملكُ ومَن عِنْدَهُ أَجْمَعُون.\nقَالَ الشَّيخُ: أَيُّها الملك، مَنْ هذا؟\n_________\n(١) العبارة مضطربة هنا، وفي \"تاريخ دمشق\"، (٦٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩): (إنَّ لي دينًا كنتُ ساكتًا عنه، فلما سُئِلتُ عنه لم أجد بُدًّا من الذبِّ عنه). وكذلك العبارة في \"مختصر تاريخ دمشق\"، لابن منظور ٢٦/ ٢٤٩.\n(٢) كذا، وفي \"تاريخ دمشق\": تَلُمني؛ وهو الصواب.","vol":"1","page":34},{"text":"قَالَ الملكُ: هذا رَأْسُ النَّصرانِيةِ، هذا الذي تأخُذُ النَّصْرَانِيّة دينَها عنه.\nقَالَ الشَّيخُ: فهل لَهُ مِنْ ولدٍ أَمْ هَلْ لَهُ مِن امرأةٍ أَمْ هل لَهُ مِن عَقِبٍ؟\nقَالَ الملكُ: ما لكَ خزاكَ الله! هذا أزكى وَأَطْهَرُ أَن يُدَنَّسَ بالحيضِ (١)! هذا أزكى وأطهرُ من ذلك.\nقَالَ الشَّيخُ: فأنتم تكرهونَ لآدميٍّ يكونُ مِنْهُ ما يكونُ من بني آدم من الغائطِ والبول والنوم والسهر وبأحدكم (٢) من ذكر النساء، وتزعمون أَنَّ رَبَّ العالمين سَكَنَ في ظُلْمَةِ الأَحْشَاءِ (٣) وضيق الرَّحَمِ وَدُنِّسَ بالحيضِ؟\nقَالَ القسُّ: هذا شيطانٌ مِنْ شَيَاطِينِ العَرَبِ رَمَى بِهِ البَحْرُ إليكُم؛ فأخرِجوهُ مِنْ حيثُ جاء.\nفأقْبَلَ الشَّيْخُ على القِسِّ، فَقَالَ: عَبَدْتُمْ عيسى ابن مريمَ أنّهُ لا أَبَ له؛ فهذا آدم لا أبَ له ولا أُمَّ، خَلَقَهُ اللهُ ﷿ بِيَدِهِ وأَسْجَدَ لَهُ مَلاَئِكَتَهُ؛ فَضُمُّوا آدمَ مَعَ عِيسى حَتَّى يكونَ لَكُم إِلهَانِ اثنانِ!؟\nفَإِنْ كُنْتُم إنَّما عبدتموه لأنَّهُ أَحْيَا المَوْتَى؛ فهذا حزقيل (٤) تجدونَهُ\n_________\n(١) في \"تاريخ ابن عساكر\"، ٦٥/ ٢٨٩: [هو أزكى وأطهر من أن يتدنَّس بالنساء، هذا أزكى وأطهر من أن ينسبَ إليه ولد، وهذا أزكى وأطهر من أن يتدنَّس بالحيض، هذا أزكى وأطهر من ذلك]. وكأن في الأصل سقطًا. والله أعلم.\n(٢) في الأصل: ويأخذكم، وهو تحريف.\n(٣) \"تاريخ دمشق\": البطن.\n(٤) بهامش الأصل: \"وحزقيل بن بوذي من أنبياء بني إسرائيل، وله كتاب\".","vol":"1","page":35},{"text":"مكتوبًا عندكم في التوراةِ والإِنجيل، لا نُنكِرُهُ نحنُ ولا أنْتُمْ، مَرَّ بميت فدعا اللهُ ﷿ له فأَحْياه حتَّى كَلَّمَهُ؛ فَضُمُّوا حزقيل مع عيسى حتَّى يكونَ لكم حزقيل ثالثَ ثلاثة!؟\nوَإِن كُنْتُمْ إنما عبدتموهُ لأنَّهُ أَراكُم العجبَ، فهذا يوشع بن نون قاتل قومه، حتَّى غربت الشمس؛ قال لها: ارجعي بإذنِ اللَّهِ؛ فَرَجَعَتْ اثني عَشَرَ بُرْجًا؛ فَضُمُّوا يوشعَ بن نون مع عيسى يكون لكم رابع أَرْبَعة؟!\nوَإِنْ كُنْتُم إنَّما عبدتموه لأنَّهُ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ، فَمِنْ (١) ملائكةِ الله ﷿ مَعَ كُلِّ نَفْسٍ اثنان بالليل واثنان بالنَّهار يَعْرُجونَ إلى السَّماءِ، ما لو ذَهَبْنَا نَعُدُّهم لالْتبَسَ علينا عقولنا واختلطَ علينا دينُنا وما ازْدَدْنا في دينِنَا إلَّا تَحَيُّرًا!؟\nثُمَّ قَالَ: أَيُّها القسُّ: أَخْبِرني عَنْ رَجُلٍ حَلَّ بِهِ مَوْتٌ، أَيَكُونُ أهونَ عليه أَوِ القَتْل؟\nقَالَ القِسُّ: القتل.\nقَالَ: فَلِمَ لَمْ يقتل عيسى أُمَّهُ، عَذَّبَهَا بنَزْعِ النَّفْس (٢)؟ إِنْ قُلْتَ إنَّهُ قَتَلَهَا؛ فما بَرَّ أُمَّهُ من قَتَلَهَا!؟ وإِنْ قُلْتَ إِنَّهُ لم يَقْتُلْهَا؛ ما بَرَّ أُمَّهُ مَنْ عَذَّبَها بنَزْعِ النَّفْس؟!\n_________\n(١) في \"تاريخ دمشق\": فثم.\n(٢) ها هنا سقط في \"تاريخ دمشق\" المطبوع واضطراب يُصلح من نسختنا هذه، فانتبه.","vol":"1","page":36},{"text":"قَالَ القِسُّ: اذهبوا بهِ إلى الكنيسة العُظُمَى، فَإِنَّهُ لا يَدخُلها أحدٌ إِلَّا تنصَّرَ!\nقَالَ الملكُ: اذهبوا به.\nقَالَ الشَّيخُ: لماذا يُذْهبُ بي ولا حُجَّةَ عليَّ دُحِضَتْ؟\nقَالَ الملكُ: لن يَضُرَّك، إنَّما هو بَيْتٌ مِن بُيُوتِ رَبِّكَ ﷿، تذكرُ اللَّهَ ﷿ فيه.\nقَالَ الشَّيخُ: إِنْ كانَ هكذا فلا بَأْسَ.\nقَالَ: فذهبوا به؛ فلمَّا دَخَلَ الكنيسة، وَضَعَ أُصْبعيه في أُذُنَيْهِ ورَفَعَ صَوْتَهُ بالأذانِ؛ فجزعوا لذلك جزعًا شديدًا وضَرَبُوهُ ولَبَّبُوهُ (١) وجاؤوا بِهِ إلى المَلك؛ فقالوا (٢): أَيُّهَا الملك! أَحَلَّ بِنَفْسِهِ القَتْلَ!\nفَقَالَ لَهُ الملكُ: لم أَحْلَلْتَ بِنَفْسِكَ القَتْلَ؟\nفَقَالَ: أَيُّهَا الملكُ، أينَ ذُهِبَ بي.\nقَالَ ذَهَبُوا بكَ إلى بَيْتٍ مِن بُيُوتِ الله ﷿ لِتَذْكُرَ فِيِهِ رَبكَ ﷿!\nقَالَ: فَقَدْ دَخَلْتُ وذَكَرْتُ ربي بلساني وعَظَّمْتُه بقلبي، فإن كان كُلما ذُكِرَ اللَّهُ في كنائِسِكُمْ يَصْغُرُ دينكم؛ فزادَكُمُ اللَّهُ صَغارًا!\nقَالَ المَلك: صَدَقَ، ولا سبيلَ لكم عليه.\n_________\n(١) بهامش الأصل: \"التلبب: الخنق\".\n(٢) هنا نقص وسقط في \"تاريخ دمشق\" أيضًا، يقوم من نسختنا هذه.","vol":"1","page":37},{"text":"قالوا: أَيُّها الملكُ! لا نرضى حتَّى تَقْتُلَهُ.\nقَالَ الشَّيخُ: إِنَّكمْ مَتَى قَتَلْتُمُوني، فَبَلَغَ ذلكَ مَلِكَنَا وَضَعَ يَدَهُ في قَتْلِ القِسِّيسينَ والأَساقِفَةِ وخَرَّبَ الكَنَائِسَ وكَسَرَ الصُّلُبَانَ ومنعَ النواقيس.\nقَالَ: فَإِنَّهُ يَفْعَلُ؟\nقَالَ: نعم! فَلاَ تَشُكُّوا!\nفَفَكَّروا في ذلكَ؛ فَتَركوه.\nقَالَ الشَّيخُ: أَيُّها الملكُ! ما عابَ أهلُ الكتاب على أَهْلِ الأَوْثَانِ؟\nقَالَ: بما عبدوا ما عملوا بأيديهم.\nقَالَ: فهل أنتم تعبدون ما عملتُم بأيديكم هذا الذي في كنائسكم؟ فَإِنْ كان في الإنجيل؛ فلا كلامَ لنا فيه، وإن لم يكن في الإنجيل فلم تُشَبِّهُ دينكَ بدينِ أَهْلِ الأَوْثَانِ؟\nقَالَ الملكُ: صَدَقَ؛ هل تجدونَ في الإنجيل؟\nقَالَ القِسُّ: لا.\nقال الملك: فلم تشبّه ديني بدين أَهْلِ الأوثانِ؟ فَأَمَرَ بِنَقْضِ الكَنَائِسِ؛ فجعلوا يَنْقضونها ويبكون.\nقَالَ القِسُّ: إنَّ هذا لشيطانٌ من شياطينِ العَرَبِ رَمَى به البحرُ إليكم؛ فَأخْرِجُوهُ مِن حيثُ جاءَ؛ فلا يقطر من دمِهِ قطرةٌ في بلادكم؛ فيفسدُ عليكُم دينكم؛ فَوَكَّلُوا به رجالًا؛ فأخرجوه إلى بلاد دمشق،","vol":"1","page":38},{"text":"وَوَضَعَ الملكُ يَدَه في قَتْلِ القِسِّيسينَ والأَسَاقِفَةِ والبَطَارقةِ حتَّى هَرَبْوا إلى الشَّام لأنَّهم لم يجدوا أحدًا يُحاجّه.\nتَمَّ الحديثُ بحمدِ الله وعَوْنه.\nوصَلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم (١).\n\n* * *\n_________\n(١) فَرَغْتُ مِن نسخها بالمسجد الحرام تُجاه الكعبة المشرفة قبيل أذان العصر يوم الاثنين ٢٢ رمضان المبارك ١٤٢١ هـ، والحمد لله وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.\n• قابلتُهُ بأصله المصور مع أخي وقرة عيني وحبيبي في الله فضيلة الشيخ المحقق والباحث المدقق تُفاحةِ الكويت محمَّد بن ناصر العجمي وصورة الأصل بيده وبقراءتي من منسوختي مع أذان العصر بالمسجد الحرام تجاه الكعبة المشرَّفة يوم الاثنين ٢٢ رمضان المبارك ١٤٢١ هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.\nوصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. آمين.\n• فرغتُ من كتابة التعليقات والمقدمة بعد صلاة الفجر يوم الأربعاء ٢٥ جمادى الأولى ١٤٢٢ هـ، الموافق ١٥/ ٨/ ٢٠٠١ م بمكتبتي العامرة بأم الحصم من البحرين حرسها الله تعالى من الآفات والفتن ما ظهر منها وما بطن بمنِّه وكرمه، آمين.\nوالحمد لله وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.\nقاله وكتبه الفقير إلى الله تعالى خويدم العلم والعلماء بدولة البحرين: نظام بن محمَّد صالح يعقوبي العباسي، نفعه الله بالعلم وزيَّنه بالحلم، آمين.","vol":"1","page":39}]}