{"ً":{"ٌ":271,"ٍ":"الانتصار في حجية قول الصحابة الأخيار","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/entesar_rayedd/entesar.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الانتصار في حجية قول الصحابة الأخيار\nالمؤلف: د. عبد العزيز بن ريس الريس\nالناشر: مركز سطور للبحث العلمي، دار الإمام مسلم للنشر والتوزيع- المدينة المنورة\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ\nعدد الصفحات: ٥٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3093,"ٕ":11,"ٖ":1780758548,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":2,"page":3},{"title":"تعريف الصحابي","level":2,"page":3},{"title":"الفصل الأول","level":1,"page":5},{"title":"المبحث الأول تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي","level":2,"page":6},{"title":"تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي","level":3,"page":6},{"title":"قول الصحابي حجة إذا لم يخالف نصا","level":3,"page":6},{"title":"قول الصحابي حجة إذا لم يخالفه صحابي آخر","level":3,"page":6},{"title":"قول الصحابي حجة إذا كان له حكم الرفع","level":3,"page":7},{"title":"قول الصحابي لا يكون حجة إذا أجمع أهل العلم على عدم العمل به","level":3,"page":7},{"title":"المبحث الثاني أنواع مذهب الصحابي من حيث الجملة","level":2,"page":9},{"title":"قول الصحابي إذا شاع واشتهر فهو حجة وإجماع","level":3,"page":9},{"title":"قول الصحابي إذا لم يشتهر فهو حجة","level":3,"page":9},{"title":"أئمة المذاهب الأربعة على أن مذهب الصحابي حجة","level":3,"page":9},{"title":"الشافعي يحتج بمذهب الصحابي في القديم والجديد","level":3,"page":9},{"title":"المبحث الثالث مقدمتان هامتان","level":2,"page":11},{"title":"قول الصحابي حجة لما انضاف إليه","level":3,"page":11},{"title":"حجية قول الصحابي من باب الظن الغالب","level":3,"page":11},{"title":"المبحث الرابع الأدلة على حجية قول الصحابي","level":2,"page":12},{"title":"من أدلة حجية مذهب الصحابي الإجماع","level":3,"page":12},{"title":"كل دليل يدل على حجية الإجماع فهو دليل على حجية مذهب الصحابي","level":3,"page":12},{"title":"الدليل الأثري على حجية مذهب الصحابي","level":3,"page":13},{"title":"من أدلة حجية مذهب الصحابي انفرادهم بمدارك لا يشركهم فيها أحد","level":3,"page":14},{"title":"المبحث الخامس أقوى ما يتمسك به القائلون بعدم حجية قول الصحابي","level":2,"page":16},{"title":"مناقشة أدلة القائلين بعدم حجية مذهب الصحابي","level":3,"page":16},{"title":"الفصل الثاني مذهب الصحابي وأقسامه","level":1,"page":18},{"title":"المبحث الأول ابتداء الصحابي لحكم شرعي","level":2,"page":19},{"title":"مذهب الصحابي حجة في ابتداء حكم شرعي","level":3,"page":19},{"title":"مذهب الصحابي حجة في تخصيص العام وتقييد المطلق وتبيين المجمل","level":3,"page":19},{"title":"أمثلة على حجية مذهب الصحابي في ابتداء حكم شرعي","level":3,"page":19},{"title":"المبحث الثاني تفسير الصحابي للنص، إما بتخصيص، أو تقييد، أو تبيين","level":2,"page":22},{"title":"أمثلة على حجية مذهب الصحابي في تخصيص العام وتقييد المطلق وتبيين المجمل","level":3,"page":23},{"title":"المبحث الثالث العمل إذا اختلف الصحابة","level":2,"page":29},{"title":"محاولة التوفيق بين أقوال الصحابة","level":3,"page":29},{"title":"إذا اختلف الصحابة على قولين فلا يجوز إحداث قول ثالث","level":3,"page":29},{"title":"أقوال الخلفاء الراشدين مقدمة عند اختلاف الصحابة","level":3,"page":30},{"title":"أمثلة على تقديم أقوال الخلفاء الراشدين عند اختلاف الصحابة","level":3,"page":31},{"title":"إذا اختلف الصحابة على قولين أخذنا بالأشبه بالكتاب والسنة","level":3,"page":32},{"title":"الفصل الثالث تنبيهات هامة","level":1,"page":36},{"title":"المبحث الأول الرد على من قال: قول الصحابي حجة في تفسير النص، لا في ابتداء الحكم","level":2,"page":37},{"title":"من التناقض كون مذهب الصحابي حجة في تفسير النص دون الابتداء","level":3,"page":37},{"title":"المبحث الثاني تحقيق مناط مذهب الصحابي","level":2,"page":38},{"title":"اختلاف تأصيلات العالم مع تنزيله باب واسع","level":3,"page":38},{"title":"أعذار أهل العلم في عدم العمل بالنص","level":3,"page":38},{"title":"المبحث الثالث الذين ضيعوا الاحتجاج بمذهب الصحابي","level":2,"page":40},{"title":"الظاهرية وموقفهم من حجية مذهب الصحابي","level":3,"page":40},{"title":"الأصول التي خالف فيها الظاهرية","level":3,"page":40},{"title":"تبديع الشاطبي وابن العربي للظاهرية","level":3,"page":41},{"title":"الظاهرية يرون جواز إحداث قول جديد","level":3,"page":41},{"title":"تأثر كثير من طلبة العلم المعاصرين بالظاهرية","level":3,"page":41},{"title":"وقفة مع متعصبة المذاهب الفقهية","level":3,"page":43},{"title":"خاتمة","level":1,"page":47},{"title":"أهم النتائج المستخلصة من هذه الرسالة","level":2,"page":48}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,43":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,48":40,"1,49":41,"1,50":42,"1,51":43,"1,52":44,"1,53":45,"1,54":46,"1,55":47,"1,56":48},"ٜ":{"1":[5,56]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,43","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3],"5":[4],"6":[5,6,7,8],"7":[9,10],"9":[11,12,13,14,15],"11":[16,17,18],"12":[19,20,21],"13":[22],"14":[23],"16":[24,25],"18":[26],"19":[27,28,29,30],"22":[31],"23":[32],"29":[33,34,35],"30":[36],"31":[37],"32":[38],"36":[39],"37":[40,41],"38":[42,43,44],"40":[45,46,47],"41":[48,49,50],"43":[51],"47":[52],"48":[53]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته\nأما بعد:\nفهذا تفريغ (^١) لدرس «حجية قول الصحابي»، الذي ألقيتُه ليلة التاسع والعشرين من الشهر الخامس لعام ثمان وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -.\nوانطلاقًا من أهمية هذا الدليل الذي يحتاج إليه كثيرًا، قمت بمراجعة المادة المفرَّغة وتنقيحها وتوثيقها لتخرج في هذه الرسالة المكونة من مقدمة، وتمهيدٍ، وثلاثة فصول، وخاتمة وسميتها «الانتصار لحجية قول الصحابة الأخيار»، وهي على النحو التالي:\n- المقدمة: وهي التي بين يديك الآن.\n- التمهيد: تعريف الصحابي ومذهبه، أشياء أخرى.\n- الفصل الأول: وهو خمسة مباحث:\n- المبحث الأول: تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي.\n- المبحث الثاني: أنواع مذهب الصحابي من حيث الجملة.\n- المبحث الثالث: مقدمتان هامتان.\n_________\n(^١) قام بتفريغه بعض الإخوة الأفاضل، ووثقوه، ونسقوا الأصل وزادوا فيه وغيروا في الأسلوب بما يقربه لكتاب مؤلف بدل كونه مفرغًا، ووضعوا له فهرسًا كشافًا، فقمتُ بمراجعته فألفيتُه طيبًا، فجزاهم الله خيرًا وبارك فيهم.","vol":"1","page":5},{"text":"- المبحث الرابع: الأدلة على حجية قول الصحابي.\n- المبحث الخامس: أقوى ما يتمسك به القائلون بعدم حجية قول الصحابي.\n- الفصل الثاني: مذهب الصحابي وأقسامه، وفيه ثلاثة مباحث:\n- المبحث الأول: ابتداء الصحابي لحكمٍ شرعيٍّ.\n- المبحث الثاني: تفسير الصحابي للنص، إما بتخصيص، أو تقييد، أو تبيين.\n- المبحث الثالث: العمل عند اختلاف الصحابة.\n- الفصل الثالث: تنبيهات مهمة، وفيه ثلاثة مباحث:\n- المبحث الأول: الرد على من قال: قول الصحابي حجةٌ في تفسير النص،\nلا في ابتداء الحكم.\n- المبحث الثاني: تحقيق مناط مذهب الصحابي.\n- المبحث الثالث: الذين ضيَّعوا الاحتجاج بمذهب الصحابي.\n- الخاتمة.\nوالله أسأل أن يتقبل هذه الرسالة، وأن يجعلها نافعةً لخلقه، مقبولةً عنده سبحانه.\nوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nد. عبد العزيز بن ريس الريس\nالمشرف على موقع الإسلام العتيق\n١٨/ ٤/ ١٤٣٩ هـ","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\nينبغي أن يعلم أن الصحابي: هو كل من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به، ومات على ذلك، وإن تخلل ذلك رِدَّةٌ (^١).\nوالدليل على أنه يشترط في الصحابي أن يلقى النبي - ﷺ - مؤمنًا به دليلان:\nالدليل الأول: أخرج مسلم من حديث أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» (^٢).\nفالفرق بين أصحابه وإخوانه: أنه لقي أصحابه، ولم يلق إخوانه. فإذن كلاهما مؤمنٌ به، إلا أن أصحابه لقوه، دون إخوانه، وعليه فالصحابي من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به.\nالدليل الثاني: إجماع أهل السنة الذي حكاه الإمام أحمد في «أصول السنة» (^٣)، بل حكى الإمام أحمد أن من لقي النبي - ﷺ - ولو ساعة، فهو صحابيٌّ، وما حكاه في «أصول السنة» الأصل أنه مجمعٌ عليه عند أهل السنة، وحكى مثل هذا الإمام علي\n_________\n(^١) انظر في ذلك: «الإحكام» للآمدي (٢/ ٩٢)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ١٩٠ - ١٩١)، و«شرح مختصر الروضة» للطوفي (٢/ ١٨٠ - ١٨٦)، و«شرح مختصر التحرير» لابن النجار (٢/ ٤٦٥)، و«فتح المغيث» للسخاوي (٤/ ٧٨ - ٧٩)، و«تدريب الراوي» للسيوطي (٢/ ٦٦٧ - ٦٧٠)، و«إرشاد الفحول» للشوكاني (١/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٤٩).\n(^٣) انظر: «أصول السنة» للإمام أحمد (ص:٣٩ - ٤١).","vol":"1","page":7},{"text":"بن المديني - رحمه الله تعالى - في عقيدته التي رواها اللالكائي (^١).\nإذا تبيَّن هذا، فستكون هذه الرسالة-بإذن الله- في بحث «حجية مذهب الصحابي»، وقد يعبَّر عنه بقولهم «حجية قول الصحابي»، والأمر سهل، إلا أن التعبير بـ «المذهب» أشمل؛ لأنه يدخل فيه القول والفعل والإقرار، ولعله اشتهر عند العلماء التعبير بقولهم: «قول الصحابي» من باب التغليب؛ لأن القول أكثر، والأمر في ذلك واسع.\n *  * *\n_________\n(^١) انظر: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (١/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول</span>\nوهو خمسة مباحث:\n* المبحث الأول تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي\n\n* المبحث الثاني أنواع مذهب الصحابي من حيث الجملة\n\n* المبحث الثالث مقدمتان هامتان\n\n* المبحث الرابع الأدلة على حجية قول الصحابي\n\n* المبحث الخامس أقوى ما يتمسك به القائلون بعدم حجية قول الصحابي","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الأول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي</span></span>\nوتحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي في أمور أربعة:\nالأمر الأول: ألا يخالف الصحابي نصا، فإذا خالف الصحابي نصا، فإن قوله مردودٌ، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (^١)، وابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» (^٢)، والعلائي في كتابه «إجمال الإصابة» (^٣)، بل حكى الإمام الشافعي على ذلك الإجماع، حيث قال - رحمه الله تعالى ـ: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة النبي - ﷺ -، فليس له أن يدعها لقول أحد كائنا من كان» (^٤).\nالأمر الثاني: ألا يخالف الصحابي صحابيا آخر، فإذا خالف الصحابي صحابيا آخر، فليس قول أحدهم أولى من الآخر، إلا ما سيأتي في مبحث الخلفاء الراشدين - إن شاء الله ـ.\nوعلى هذا إجماع أهل العلم، حكى الإجماع الآمدي (^٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^٦)،، والعلائي في كتابه «إجمال الإصابة» (^٧) وأصله ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» (^٨).\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(^٢) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٦/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٣) انظر: «إجمال الإصابة» للعلائي (ص: ٩٠ - ٩١).\n(^٤) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٢/ ١١).\n(^٥) انظر: «الإحكام» للآمدي (٤/ ١٤٩).\n(^٦) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، و(٢٠/ ١٤).\n(^٧) انظر: «إجمال الإصابة» للعلائي (ص: ٧٨).\n(^٨) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٤٦).","vol":"1","page":11},{"text":"الأمر الثالث: ألا يكون لقول الصحابي حكم الرفع، فقد يقول الصحابي قولا، أو يفعل فعلا، وله حكم الرفع، فما كان له حكم الرفع، فمثله حجةٌ؛ لأنه وَحْيٌ لا لأنه قول الصحابي، وقد بيَّن هذا الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه «إعلام الموقعين» (^١).\nالأمر الرابع: ألا يكون قول الصحابي مهجورًا، بمعنى: أن يتابع الصحابيَ أهلُ العلم، فلو ذهب الصحابي إلى مذهب، وأجمع العلماء على عدم العمل بهذا القول، فإن هذا القول ليس حجة، ويجب أن يترك، بل لو أجمع العلماء على ترك حديث نبوي، فإنه لا يعمل بهذا الحديث؛ لأن هذا الإجماع إما يدل على ضعف هذا الحديث، أو على أن الحديث منسوخٌ، فقول الصحابي من باب أولى.\nومن أمثلة ذلك: ما روى البزار بإسناد صحيح، أن أبا طلحة الأنصاري ﵁ أكل البرد، وهو صائم، وقال: ليس طعاما ولا شرابا (^٢).\nهذا الأثر وهو أن البرد لا يفسد صوم الصائم، قد أجمع العلماء على خلافه، حكى الإجماع ابن الصلاح في كتابه «شرح مشكل الوسيط» (^٣)، والشاطبي في كتابه «الموافقات» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٦/ ٣١ - ٣٣).\n(^٢) أخرجه البزار في «المسند» (٧٤٢٨)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٥/ ١١٥) وغيرهما، موقوفًا على أبي طلحة.\nوصححه موقوفًا ابن حزم في «المحلى» (٤/ ٣٠٤)، و«الإحكام» (٦/ ٨٣ - ٨٤)، وكذلك الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤/ ١٥٤).\nوجاء مرفوعا من طريق ضعيف كما عند أبي يعلى في «المسند» (١٤٢٤)، و(٣٩٩٩) وغيره، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٦٣).\n(^٣) انظر: «شرح مشكل الوسيط» لابن الصلاح (٣/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٤) انظر: «الموافقات» للشاطبي (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥).","vol":"1","page":12},{"text":"فإذا أجمع العلماء على عدم العمل بمذهب الصحابي سواء كان قولا أو فعلا أو تقريرا، فإنه لا يعمل به على ما تقدَّم تقريره.\nوبعد تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي يتضح: أن قول الصحابي حجة مطلقًا، فإذا تنازع العلماء في مسألة على قولين، وكان في أحد القولين قول الصحابة، فإن هذا القول يكون راجحًا؛ لأن الصحابي قد ذهب إلى هذا القول.\n *  * *","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثاني\nأنواع مذهب الصحابي من حيث الجملة</span>\nإذا تبين هذا، فإن مذهب الصحابي من حيث الجملة نوعان:\nالنوع الأول: أن يكون قول الصحابي مشتهرا معروفًا، وذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه «إعلام الموقعين» (^١) أنه إذا قال الصحابي قولا فاشتهر، فإن طائفةً ذهبت إلى أنه إجماعٌ، وأخرى قالت: إنه حجةٌ وليس إجماعًا، وذهبت شرذمة من الفقهاء المتكلمين والمتأخرين إلى أنه ليس إجماعا ولا حجة.\nثم ردَّ هذا الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى رحمة واسعة ـ، وسيأتي ما ذكره من الأدلة على حجية قول الصحابي في النوع الثاني، وهو دليل على أن النوع الأول حجةٌ من باب أولى.\nالنوع الثاني: ألا يشتهر قول الصحابي، أو لا يعلم هل اشتهر أم لا، فقرر الإمام ابن القيم أنه حجةٌ، قال: هذا قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في القديم والجديد (^٢).\nوقال بعد ذكر النقولات عن الشافعي: فهذا كلام الشافعي -﵀ ورضي عنه- بنصه، ونحن نشهد باللَّه أنه لم يرجع عنه، بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه (^٣).\nلأن بعض أصحاب الشافعي خالفوا، وقالوا: ليس هذا قولا للشافعي في الجديد (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٤٨ - ٥٥٠).\n(^٢) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٥٠ - ٥٥٤).\n(^٣) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٥٤).\n(^٤) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٥٠ - ٥٥٢).","vol":"1","page":14},{"text":"لكن العلائي في كتابه «إجمال الإصابة» (^١) - وهو من الشافعية - قرَّر أنه قول الشافعي في القديم والجديد.\nوذكر البيهقي (^٢) أن للشافعي كلاما يدل على قوله بحجية قول الصحابي في الجديد، فهو قوله في القديم والجديد، وذكر مثل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (^٣).\nفإذن، هذا قول أئمة المذاهب الأربعة، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهويه (^٤)، ثم ذكر الإمام ابن القيم ﵀ ستة وأربعين دليلًا (^٥) على حجية قول الصحابي، وأطال النفس في ذلك ﵀ رحمة واسعة ـ.\nوسأحاول في هذا الرسالة أن ألخص ما تيسَّر من الأمور المهمة التي أشار إليها ابن القيم ﵀؛ لأن أوسع وأحسن من بحث هذه المسألة هو الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه «إعلام الموقعين».\n* * *\n_________\n(^١) انظر: «إجمال الإصابة» للعلائي (ص: ٣٦ - وما بعدها).\n(^٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» (١/ ١٨٣ - ١٨٤)، و«المدخل إلى السنن الكبرى» (ص:١٠٩ - ١١٠).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ١٤).\n(^٤) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٥٠).\n(^٥) انظرها في: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٦٦) إلى (٦/ ٣٠).","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثالث\nمقدمتان هامتان</span>\nوقبل أن أبدأ بذكر الأدلة على حجية قول الصحابي أقدِّم بمقدمتين هامتين للغاية، وهما - في ظني - مفتاح هذه المسألة:\nالمقدمة الأولى: ليس قول الصحابي حجة لذاته؛ فالصحابي في نفسه ليس معصومًا، بدليل أن الصحابة يختلفون على قولين، فإذن ليس قول الصحابي في نفسه حجة، وإنما هو حجة لما انضاف إليه، كما قاله الإمام ابن القيم ﵀ (^١).\nوبهذا يجاب على إشكال يردده الظاهرية وبعض المتكلمين ومن تأثر بهم من أهل السنة، يقولون: كيف يقال: إن قول الصحابي حجة، وهو ليس معصوما، وقد يخطئ؟\nوجواب هذا الإشكال أن يقال: هذا صحيح، وهو ليس حجة في ذاته، وإنما حجة لما انضاف إليه؛ وذلك أنه بعبارة تقريبية من وجه: صورةٌ من صور نقل الإجماع، فالصحابي إذا قال قولا، ولم يخالف، فإن هذا إجماعٌ، فهو حجةٌ لما انضاف إليه وهو الإجماع.\nالمقدمة الثانية: قول الصحابي حجةٌ من باب الظن الغالب، وقد نصَّ على هذا ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» (^٢)؛ وذلك أن الإجماع الظني إجماع من باب الظن الغالب؛ لأن الإجماع نوعان: قطعي وظني، فما بني على نصٍّ ظاهر، كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فهو إجماع قطعي، وما ليس كذلك فهو إجماع ظني، فالقول بحجية قول الصحابي هو من باب الظن الغالب.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٦/ ٣٧).\n(^٢) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٦/ ٢١).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الرابع\nالأدلة على حجية قول الصحابي</span>\nبعد هاتين المقدمتين السابقتين فالأدلة على حجية قول الصحابي ما يلي:\nالدليل الأول: كل دليل على حجية دليل الإجماع، فهو دليل على أن مذهب الصحابي حجة؛ وذلك أن الصحابي أو الصحابيين أو الثلاثة أو الأربعة ... إذا قالوا قولا، ولم يخالفوا، فإن هذا إجماعٌ، ولا يصح لأحد أن يقول: إن مثل هذا الإجماع لا يقبل، أو يقول ما شاع عند المتكلمين إن هذا إجماع سكوتي ثم يرده؛ وذلك أن مقتضى رد الإجماع السكوتي أنه لا إجماع؛ لأنه لا يوجد إجماع منطوق، بمعنى: أن كل عالم نطق بقول في هذه المسألة (^١).\nبل لو أردت أن تثبت عن أهل بدر أنهم قالوا بوجوب الصلوات الخمس لما استطعت أن تثبت ذلك، فإذا لم تستطع ذلك في الصلوات الخمس، وفي مثل أهل بدر، فغيرها من المسائل من باب أولى، فالقول بأنه لا بد أن ينطق كل عالم، مقتضى هذا إسقاط دليل الإجماع، وقد ذكر هذا بمعناه ابن قدامة ﵀ في كتابه «روضة الناظر» (^٢).\nإذن الدليل الأول: كل دليل يدل على حجية الإجماع يدل على حجية قول الصحابي، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.\nإذا سئلت في مسألة يوجد فيها قولٌ للصحابة أو قولان أو ثلاثة أو أربعة: ما أعلى\n_________\n(^١) راجع في ذلك رسالتنا «حجية الإجماع وكشف بعض الشبهات».\n(^٢) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٤٣٧).","vol":"1","page":17},{"text":"قول في هذه المسألة؟\nالجواب: هو قول الصحابي، إذن هو سبيل المؤمنين في هذه المسألة فيما تعلم، ومن خالفهم بعد فهو محجوجٌ بهم، إلى غير ذلك من الأدلة على حجية الإجماع (^١).\nالدليل الثاني: أدلةٌ خاصةٌ بالصحابة، وسأذكر دليلين: دليل نصي أثري، ودليل من جهة المعنى.\nأما الأول النصي الأثري: قد أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي - ﷺ - قال: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (^٢).\nشبَّه النبي - ﷺ - نفسه بالنجم، والنجم يهتدى به، وشبَّه الصحابة بذلك، فدَلَّ على أنهم حجةٌ، فمن اهتدى بهم سلك الصراط المستقيم، ومن سار على منهاجهم نجا، هذا دليلٌ واضحٌ على حجية قول الصحابي.\nومثل ذلك ما جاء في بعض الصحابة، كما أخرج الخمسة إلا النسائي، من حديث العرباض بن سارية ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (^٣).\nهذا صريحٌ في حجية قول بعض الصحابة، كالخلفاء الراشدين، ومن ذلك ما أخرج مسلم من حديث أبي قتادة، أن النبي - ﷺ - قال: «إنْ يطع الناس أَبَا بَكْرٍ،\n_________\n(^١) راجعها في رسالتي «حجية الإجماع وكشف بعض الشبهات».\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥٣١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٦٠٧) طبعة المعارف.","vol":"1","page":18},{"text":"وَعُمَرَ يَرْشُدُوا» (^١)، وهذا في بعض الصحابة أيضًا.\nأما الدليل الثاني الذي يرجع إلى المعنى: فهو ما ذكره ابن القيم ﵀، قال: «إننا والصحابة نشترك في مدارك، وينفصلون عنا بمدارك، والمدارك التي ينفصلون عنها كالتالي، وذلك أن الصحابي إذا قال قولا، يحتمل أنه سمعه من النبي - ﷺ -، ويحتمل أنه سمعه ممن سمعه من النبي - ﷺ -، ويحتمل أنه ينقل إجماعا في زمانهم، ويحتمل أنه فهمٌ ظهر له لم يظهر لنا، ويحتمل - هذا احتمال خامس - أنه أمْرٌ دلت عليه اللغة، وهم أئمة في باب اللغة، وعرفوه بالسياق واللغة وغير ذلك، وهذه الاحتمالات الخمسة تدل على أن قوله حجة.\nقالوا: هناك احتمالٌ سادسٌ: أن يكون اجتهد الصحابي فأخطأ، لكن هذه الأمور الستة - وهي المدارك التي انفصلوا بها عنا - تدل على أن قولهم حجة من باب الظن الغالب، والظن الغالب حجةٌ في الشريعة. هذه مدارك انفصلوا بها عنا (^٢).\nوهناك مدارك اشتركنا نحن وإياهم فيها، لكن الفرق بينا وبينهم فيها كالفرق بين السماء والأرض، وذلك يُعرف بما ذكره ابن القيم - رحمه الله تعالى ـ،: أن الواحد منا إذا أراد أن يدرس اللغة، أخذ من ذهنه شعبة، أما الصحابي فهي سليقته التي نشأ عليها، والحديث أخذ من ذهنه شعبة، أما الصحابي يقول: رأيت محمدًا - ﷺ -، وقال محمدٌ - ﷺ -، وعلم الأصول أخذ من ذهنه شعبة، أما الصحابي لا يحتاج إلى ذلك، إلى أن قال بعد ذلك: ثم إذا انتهينا من هذا كله، وصلنا بأذهان قد كلَّت وتعبت، ومنا من يجدّ المسير، ومنا من لا يجدّ المسير، فهذا كله ليس عند الصحابي (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨١).\n(^٢) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٦/ ١٩ - ٢١).\n(^٣) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٦/ ٢١ - ٢٢).","vol":"1","page":19},{"text":"إذن، هذا أمْرٌ اشتركنا نحن وإياهم فيه، إلا أن الفرق بيننا وبينهم عظيمٌ للغاية ﵃ أرضاهم ـ.\nوخلاصة ما تقدم في شيئين:\nالشيء الأول: أن كل دليل يدل على حجية الإجماع يدل على حجية قول الصحابي، فهذا ليس خاصًّا بهم.\nوالشيء الثاني: أن هناك أدلة خاصة بهم أو ببعضهم، ومنها ما سبق ذكره في المدارك المشتركة والمدارك المنفصلة.\n *  * *","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الخامس\nأقوى ما يتمسك به القائلون بعدم حجية قول الصحابي</span>\nوأقوى ما يتمسك به القائلون بأن قول الصحابي ليس حجة أمران:\nالأمر الأول: أنه عند الخلاف يرجع إلى ما قال الله والرسول - ﷺ -، قال سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، إلى غير ذلك من الأدلة، قالوا: ولم يقل الله: فردوه إلى أبي بكر وعمر، ولا إلى الصحابة.\nوهذا إذا نظرت في أول الأمر وبادئه، ظننته قويا، بيد أنَّه من أضعف الأدلة؛ وذلك أن مقتضى القول بحجية قول الصحابي أنه ردٌّ إلى الله ورسوله - ﷺ -، والذين قالوا إن قول الصحابي حجة ما قالوه إلا أن الأدلة دلت على ذلك، وقد تقدم ذكر بعضها، هذا أولا.\nثانيا: يلزم على هذا ألا يكون الإجماع حجةً، فبهذا نوافق المعتزلة؛ لأن أول من أنكر الإجماع هو النظَّام المعتزلي، كما ذكره ابن قدامة (^١)، وغيره من أهل العلم (^٢).\nفإذن مقتضى الرجوع إلى كتاب الله وسنة النبي - ﷺ - هو القول بأن قول الصحابي حجة؛ لأن الشريعة دلت على هذا.\nالأمر الثاني: أن الصحابة ليسوا معصومين، وقد يخطؤون، فكيف نرجع في معرفة الحق والباطل والحلال والحرام إلى أناس قد يخطؤون؟\n_________\n(^١) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٣٧٩).\nقال أبو المعالي الجويني في «البرهان في أصول الفقه» (١/ ٢٦١): «أول من باح بِرَدِّه النظَّام، ثم تابعه طوائف من الروافض».\n(^٢) راجع رسالتنا «حجية الإجماع وكشف بعض الشبهات».","vol":"1","page":21},{"text":"وقد تقدمت الإشارة إلى هذا، وأؤكد ذلك بما يلي: وهو أنه تقدَّم أن الحجة ليست في ذات الصحابي، والصحابي في ذاته ليس معصومًا، بل يخطئ ويصيب؛ لذا إذا اختلفوا على قولين، فالحق في أحد هذين القولين، وإنما الاحتجاج بقولهم من باب الظن الغالب، ثم هو ليس لذاته، وإنما لما انضاف إليه، وهو أنه صورةٌ من صور حكاية الإجماع.\nفبهذا إذا قال الصحابي قولا، ولم يخالَف، فالمسألة إجماعٌ فتكون الحجية في عدم مخالفة غيره له لا في ذات الصحابي.\nإذن، خلاصة الجواب أن يقال: إن الحجية ليست بذات الصحابي، وإنما لما انضاف إليه؛ وذلك أن الاحتجاج به من باب الظن الغالب، وهو صورةٌ من صور الإجماع.\n *  * *","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الفصل الثاني\nمذهب الصحابي وأقسامه</span>\nينقسم مذهب الصحابي إلى أقسام ثلاثة:\nالقسم الأول: ابتداء الصحابي لحكمٍ شرعيٍّ.\nالقسم الثاني: تفسير الصحابي للنص، إما بتخصيص، أو تقييد، أو تبيين.\nالقسم الثالث: العمل عند اختلاف الصحابة.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الأول\nابتداء الصحابي لحكمٍ شرعيٍّ</span>\nهذا هو القسم الأول من أقسام مذهب الصحابي، ومن الأمثلة عليه ما يلي:\nالمثال الأول: الجلوس للتشهد في سجدتي السهو إذا كان السجود بعد السلام، فقد جاء بذلك أحاديث مرفوعة، لكن لا تصح، كما بين ذلك ابن تيمية (^١) وغيره، وإنما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ فيما أخرجه ابن أبي شيبة (^٢).\nوإلى هذا ذهب أبو حنيفة (^٣) وأحمد (^٤) - رحمهما الله تعالى - ولم يخالَف ابن مسعود، فيكون هذا القول حجة؛ لأن الصحابي قد ابتدأ حكما جديدًا، ولم يخالَف.\nالمثال الثاني: الزكاة في عروض التجارة،\nلم يصح فيه حديث عن رسول الله - ﷺ -، وإنما العمدة فيه على الآثار، وعلى الثبوت عن الصحابة، كابن عمر (^٥) وغيره (^٦) ﵃ وأرضاهم ـ.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٣/ ٤٨ - ٥١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٤٩٢)، و(٤٤٩٣).\n(^٣) انظر: «الاختيار لتعليل المختار» لابن مودود الحنفي (١/ ٧٢).\n(^٤) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٣/ ٣١٥).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٥٦٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ١٤٧).\n(^٦) كعمر بن الخطاب - ﵁ -، أخرجه عبد الرزاق (٧٠٩٩)، وابن أبي شيبة (١٠٥٥٧)، و(١٠٥٥٨)، وأبو عبيد في «الأموال» (١/ ٥٢٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ١٤٧) وغيرهم.","vol":"1","page":25},{"text":"وذهب إلى هذا جماهير أهل العلم؛ لأن الصحابي لم يخالَف في ذلك (^١).\nالمثال الثالث: رفع اليدين في تكبيرات الجنازة، ما عدا تكبيرة الإحرام، تنازع فيها أهل العلم، وأصح الأقوال: أن اليدين ترفع في جميع تكبيرات الجنازة، والدليل على ذلك أنه ثبت عن ابن عمر ﵄ فيما رواه ابن أبي شيبة (^٢) وابن المنذر (^٣)، فيكون رفع اليدين مستحبًا؛ لأنه قول صحابي لم يخالَف.\nالمثال الرابع: وجوب الوضوء من تغسيل الميت: جاء فيها أحاديث مرفوعة، لكنها لا تصح (^٤) وإنما العمدة على ثبوته عن عبد الله بن عباس ﵄ عند عبد الرزاق (^٥).\nوإليه ذهب الإمام أحمد (^٦)، وقال ابن قدامة: وليس بين الصحابة خلاف في ذلك (^٧)، فيكون حجةً.\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في «المغني» (٤٤٩٣): «تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة، في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول.\nروي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، وطاوس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي».\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١١٤٩٨).\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٣١٠٨).\n(^٤) قال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٣٥٠): «الاغتسال من غسل الميت لا يجب، وليس فيه خبر يثبت، قال أحمد: «لا يثبت فيه حديث»».\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (٦١٠١)، وابن المنذر في «الأوسط» (٢٩٣٩).\n(^٦) انظر: «الإنصاف» للمرداوي (١/ ٢١٥).\n(^٧) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢٣)، حيث قال: «فروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء. وعن أبي هريرة، قال: أقل ما فيه الوضوء. ولا نعلم لهم مخالفا في الصحابة».","vol":"1","page":26},{"text":"المثال الخامس: عدم انتقاض الطهارة بخروج الدم غير الفاحش: ثبت هذا عند عبد الرزاق عن ابن عمر (^١)، وعن غيره من الصحابة (^٢)، وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة (^٣) وأحمد (^٤)، وقال ابن قدامة: ليس بين الصحابة خلاف في ذلك (^٥).\nإذن العمدة على قول صحابي أو صحابيين أو ثلاثة في المسائل المتقدمة أو غيرها، ولم يخالفهم غيرهم من الصحابة؛ فكل قول ابتدأه الصحابي، ولم يخالَف، فإنه يكون حجةً.\n *  * *\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٥٥٣)، وابن أبي شيبة (١٤٧٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (٦٥).\n(^٢) كأبي هريرة وغيره كما عند عبد الرزاق (٥٥٦)، وابن أبي شيبة (٦٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (٦٦).\n(^٣) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢٠).\n(^٤) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢٠).\n(^٥) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ١٢٠)، حيث قال: «وهو المشهور عن الصحابة، ﵃. قال ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشا فعليه الإعادة. وابن أبي أوفى بزق دما ثم قام فصلى. وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، وصلى، ولم يتوضأ. قال أبو عبد الله: عدة من الصحابة تكلموا فيه وأبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه، وابن عمر عصر بثرة وابن أبي أوفى عصر دملا وابن عباس قال: إذا كان فاحشا. وجابر أدخل أصابعه في أنفه، وابن المسيب أدخل أصابعه العشرة في أنفه، وأخرجها متلطخة بالدم. يعني: وهو في الصلاة. وقال أبو حنيفة: إذا سال الدم ففيه الوضوء، وإن وقف على رأس الجرح، لم يجب».","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الثاني\nتفسير الصحابي للنص، إما بتخصيص، أو تقييد، أو تبيين</span>\nهذا هو القسم الثاني وهو: أن يقول الصحابي قولا في تفسير نص، إما بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تبيين مجمل، وما كان كذلك، فإنه حجةٌ؛ لأن الأدلة دلَّت على حجية قول الصحابي ولم تفرِّق بين أن يكون ابتداء أو في تفسير نص.\nوبعبارة أخرى: إذا جاء نصٌّ عامٌّ، والنص العام حجةٌ، وجاء قول صحابي خاص، وقول الصحابي حجةٌ على ما تقدَّم، فالعمل بالحجتين أولى من إهمال أحدهما؛ فلذا يُخص العام، ويُقيد المطلق، ويُبين المجمل في مثل هذا بقول الصحابي.\nتنبيه: تنازع أهل العلم كثيرًا في أمثلة هذا القسم: هل هو من تفسير النص أو من مخالفة الصحابي للنص؟\nفإذا كان من مخالفة الصحابي للنص فإنه يرد؛ لما تقدَّم في تحرير محل النزاع: أن قول الصحابي يرد إذا خالف النص بالإجماع، أما إذا كان تفسيرًا للنص، فإنه حجةٌ على ما تقدم تقريره.\nوالضابط في هذا ما قرره الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه «إعلام الموقعين»، قال ﵀ ما مفاده: إذا خالف الصحابي النص، لا بد أن ينكر عليه صحابيٌّ آخر، فإذا لم ينكر عليه صحابيٌّ آخر، فليس هو من مخالفة النص، وإنما من تبيين النص (^١).\nفلذا إذا شككت في قول صحابي هل هو مخالف للنص فيرد، أو مفسر له فيقبل؟ ينظر: هل خالفه صحابي آخر أم لا؟ فإذا لم يخالِفه صحابي آخر، فهو من تفسير النص وبيانه.\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٧٥ - ٥٧٦).","vol":"1","page":28},{"text":"والدليل على هذا: أن الله سبحانه قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، قال ابن القيم: والقول الخطأ منكرٌ من وجه، فلو كان هذا القول مرجوحًا عند هذا الصحابي، فلا بد أن ينكر عليه صحابي آخر، فلما لم ينكر عليه صحابي آخر، دل على أن قوله ليس مرجوحًا، ولا يمكن أن ينقل الله لنا القول المرجوح، ويدع القول الراجح؛ وهو أمرنا باتباع سبيل المؤمنين (^١).\nوهذا الضابط إذا تأمَّله الناظر استطاع أن يميِّز بين القول الذي يُرَدُّ؛ لأنه مخالفٌ للنص، والقول الذي يُقبل؛ لأنه تفسيرٌ للنص، وما أكثر الاضطراب والاختلاف في مثل هذا، لكن إذا ضُبط هذا الضابط الذي ذكره ابن القيم اتضح الأمر جليا، وكان الدارس والناظر سائرا على خط مستقيم بلا اضطراب ولا تناقض.\nوقبل ذكر الأمثلة، ليعلم أنه قد يُتنازع في بعض الأمثلة: هل هي من ابتداء الحكم: أي من القسم الأول، أو من القسم الثاني؟ وقد يحصل شيء من النزاع في الفهم، لكن من حيث الجملة، سواء كان من القسم الأول أو الثاني، فإنه على كلا الحالين حجة.\nالمثال الأول: أخرج الشيخان من حديث عائشة ﵂، قال النبي - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (^٢).\nفقد ثبت عند أبي داود عن ابن عباس، أنه خصه بصيام النذر (^٣)، إذن هذا من باب تفسير النص؛ لأن ابن عباس لم يخالَف، فيُحمل هذا الحديث على صيام النذر.\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٦٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٤٠١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢٤٠١) طبعة المعارف.","vol":"1","page":29},{"text":"وإلى هذا ذهب الليث بن سعد (^١)، وأحمد في رواية (^٢)، وهو اختيار ابن القيم (^٣)، واختيار العلامة الألباني (^٤) - رحم الله الجميع ـ.\nالمثال الثاني: الأخذ من اللحية مقدار القُبضة: جاءت الشريعة بالإعفاء والإرخاء إلى غير ذلك، ثم ثبت عند البخاري عن ابن عمر أنه كان يأخذ مقدار القبضة (^٥).\nوجاء عن جابر عند أبي داود، أنه قال: «كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة» (^٦).\nوجاء أيضا عن أبي هريرة ﵁ (^٧).\nوأخرج ابن جرير عن ابن عباس، قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال في تفسيره: أي يؤخذ من عارضيه (^٨).\nوالمقصود: أنَّ الذي جاء عن الصحابة هو مطلق الأخذ، لكن ابن عمر فسَّر ذلك بأنه مقدار القبضة، وما كان دون ذلك فلا، فإن الإعفاء الذي جاءت به الشريعة هو ما كان مقدار القبضة، فإذن ما زاد على القبضة فيؤخذ استحبابًا؛ لأن ابن عمر فعله ﵄.\nوإلى هذا ذهب الإمام أحمد (^٩) والشافعي (^١٠)، وكان أحمد يأخذ من طولها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٣٩).\n(^٢) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٦/ ٥٤٥)، و«الإنصاف» للمرداوي (٣/ ٣٣٦).\n(^٣) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٦/ ٥٤٥).\n(^٤) انظر: «أحكام الجنائز» للألباني (ص:١٦٩ - ١٧٠)، و«التعليق على تمام المنة» للألباني (ص:٤٢٧ - ٤٢٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٨٩٢)، وابن أبي شيبة (٢٥٩٩٧).\n(^٦) أخرجه أبو داود (٤٢٠١)، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (٤٢٠١) طبعة المعارف.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٩٩٨) بإسنادٍ ضعيف أيضًا.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٩٩٩).\n(^٨) أخرجه الطبري في «التفسير» (١٦/ ٥٢٦).\n(^٩) انظر: «مسائل ابن هانئ» (١٨٤٨)، و«الترجل» للخلال (١/ ١٢٩).\n(^١٠) انظر: «المجموع» للنووي (٨/ ٢٠١).","vol":"1","page":30},{"text":"وعرضها (^١).\nإلا أن العلماء اختلفوا: هل هذا في الحج والعمرة أو عام؟\nوأظهر القولين: أنه عامٌّ كما هو قول أحمد؛ لأن ابن عمر كان إذا أفطر من رمضان، إن أراد الحج لم يأخذ (^٢)، فمفهوم المخالفة: إن لم يرد الحج أخذ - تجمَّلًا للعيد ـ، إذن حدَّد ابن عمر الإعفاء بمقدار القبضة، وهذا قول صحابي، وقوله حجةٌ في تفسير النص، وهو قول الشافعي والإمام أحمد كما تقدَّم، ونصره كثيرا العلامة محمد ناصر الدين الألباني (^٣) - رحم الله الجميع ـ.\nالمثال الثالث: قال سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فالشريعة جاءت بالقضاء مطلقا، وجاءت بصيام النفل مطلقا، ولم تشترط في النفل ألا يبقى عليه فرض، وإنما جاءت باستحباب الصيام مطلقا، لكن ثبت عن أبي هريرة ﵁ عند عبد الرزاق، أنه قال: «ابدأ بما افترض الله عليك» (^٤)، فدل هذا على أنه لا يصح لأحد أن يصوم نفلا وعليه فرضٌ.\nوإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية (^٥)، والعمدة على أثر أبي هريرة ﵁.\nالمثال الرابع: المسح على الجبيرة: ثبت المسح على الجبيرة عن ابن عمر - ﵁ -، خرَّجه البيهقي وغيره (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «مسائل ابن هانئ» (١٨٤٨).\n(^٢) أخرجه مالك في «الموطأ - رواية يحيى الليثي» (٨٨٨).\n(^٣) انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (٥/ ١٢٥)، وتحت (٢٣٥٥)، و(٦٢٠٣).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٧٧١٥) عن أبي هريرة وسأله رجل قال: إن علي أياما من رمضان، أفأصوم العشر تطوعا؟ قال: «لا، ولم؟ ابدأ بحق الله، ثم تطوع بعدما شئت».\n(^٥) انظر: «الإنصاف» للمرداوي (٣/ ٣٥٠).\n(^٦) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٢٢٨) وصححه.","vol":"1","page":31},{"text":"وذهب إلى هذا أبو حنيفة (^١)، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣)، والشافعي في قول له (^٤)، والقول بالمسح على الجبيرة هو الصحيح؛ لأن ابن عمر لم يخالَف كما قاله ابن تيمية في شرح العمدة (^٥)، وذكر البيهقي أنه لم يصح فيه حديث (^٦).\nإذن، صار المسح على الجبيرة مشروعًا، والعمدة في ذلك فعل ابن عمر ﵁، وهذا يحتمل أن يكون من تفسير النص، ويحتمل أن يكون من ابتداء حكم، والأمر سهلٌ في ذلك كما تقدَّم.\nالمثال الخامس: اشتراط مضي الحول في الزكاة، فإن الشريعة جاءت بالزكاة، ولولا ما جاء من الآثار في اشتراط مضي الحول لما قيل باشتراط مضي الحول. وهذا يحتمل أنه من تفسير النص، ويحتمل أنه من ابتداء حكم.\nقال البيهقي: لم يصح في ذلك حديث، وإنما العمدة على الآثار، وثبت هذا عن عثمان وابن عمر ﵄ (^٧).\nوعليه المذاهب الأربعة (^٨).\n_________\n(^١) انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (١/ ١٣).\n(^٢) انظر: «المدونة» لمالك (١/ ١٢٩ - ١٣٠)، و«الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٢٣).\n(^٣) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٢٣)، و«المغني» لابن قدامة (١/ ١٧١ - ١٧٢)، و«الإنصاف» للمرداوي (١/ ١٧١ - ١٧٢)، و«كشاف القناع» للبهوتي (١/ ١١٢).\n(^٤) انظر: الأوسط» لابن المنذر (٢/ ١٤٤)، «المجموع» للنووي (١/ ٤٧٦) مع (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٧).\n(^٥) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (١/ ٢٨٥).\n(^٦) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (١/ ٢٢٨).\n(^٧) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٤/ ٩٥).\n(^٨) انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (٢/ ١٣)، و«الذخيرة» للقرافي (٣/ ٣٢)، و«المجموع» للنووي (٦/ ٨)، «مختصر الخرقي مع المغني» (٢/ ٢٥٧).","vol":"1","page":32},{"text":"المثال السادس: ثبت عند ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس أنهم كانوا يَردُّون من دخل الحرم بلا إحرام (^١)، فلا يدخل أحدٌ الحرم إلا محرما، حتى لو لم يُرِدِ الحج أو العمرة.\nقال ابن تيمية في شرح العمدة: هذا قول ابن عباس، وليس له مخالف (^٢).\nفإن قيل: ماذا يقال في حديث ابن عباس فيما أخرج الشيخان عنه، لما ذكر المواقيت قال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة» (^٣)، مفهوم المخالفة: أن مَن لم يُرد الحج أو العمرة فلا يُحرم؟\nيقال: قوله: «ممن أراد الحج والعمرة» خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وأيضا لو قدِّر أن هذا المفهوم على ظاهره، فقول ابن عباس منطوقٌ، والحجة المنطوقة مقدَّمةٌ على الحجة المفهومة.\nوإلى هذا ذهب جمهور الحنفية (^٤)، والمالكية (^٥)، والحنابلة (^٦)، وهو قول عند الشافعية (^٧): أنه لا يدخل الحرم أحدٌ إلا محرما، ولو كان ممن لا يريد الحج أو العمرة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٦٩١)، و(١٤٣٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٢٦٣)، و(٣/ ٣٢٩).\n(^٢) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (٢/ ٣٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٢٤)، ومسلم (١١٨١).\n(^٤) انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (٢/ ١٦٤)، و«البناية شرح الهداية» للعيني (٤/ ١٦٢)، و«المغني» لابن قدامة (٣/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٥) انظر: «المدونة» لمالك (١/ ٤٠٥)، و«المغني» لابن قدامة (٣/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٦) انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ١١٦ - ١١٧)، و«شرح العمدة» لابن تيمية (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤).\n(^٧) انظر: «المجموع» للنووي (٧/ ١٠) وما بعدها.","vol":"1","page":33},{"text":"المثال السابع: أمر الله بزكاة ما خرج من الأرض، وهذا عامٌّ، لكن ثبت عند ابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري أنه خصَّص ذلك في أربع: لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والزبيب والتمر (^١).\nوجاء مرفوعًا، لكن لا يصح (^٢)، وإنما الصواب أنه موقوفٌ على أبي موسى الأشعري ﵁، وهذا قول أحمد في رواية (^٣)، فبقول أبي موسى الأشعري خُصِّص ذلك في هذه الأربع.\nوالأمثلة على هذا كثيرةٌ، لكن أؤكد على أنه قد يُتنازَع في بعض الأمثلة: هل هي من تفسير النص أو ابتداء الحكم؟ وعلى كلا الحالين لا إشكال في ذلك على ما تقدم بيانه.\n *  * *\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠١١٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨) رقم (٢١٩٨٩) وغيره، وصححه محققو المسند.\n(^٣) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٩٣).","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الثالث\nالعمل إذا اختلف الصحابة</span>\nيكون الكلام في هذا المبحث عن القسم الثالث من مذهب الصحابي وهو: ماذا لو اختلف الصحابة ﵃ في مسألة ما؟\nويحسن التنبيه إلى أن الأصل أنه لا خلاف بين الصحابة؛ فلذا لابد أن يُحاول التوفيق بين أقوالهم، بحيث تكون أقوالهم قولا واحدًا، وقد فعل ذلك جمعٌ من أهل العلم، منهم ابن قدامة - رحمه الله تعالى - في «المغني» في مسألة تتعلق بسجود التلاوة (^١)، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح العمدة» (^٢) لما أورد مسألة وأطال الكلام فيها، بيَّن ﵀ أن الأصل أن أقوال الصحابة واحدةٌ، فوفَّق بين الأقوال، ورفع الخلاف في ذلك، وهذا حق، لأن الأصل في أقوال الصحابة أنها قولٌ واحدٌ، وأن الخلاف بينهم قليلٌ، وقُربهم من الوحي ومشاهدتهم رسول الله ﷺ يُقلِّل الخلاف بينهم.\nلكن بشرط إذا جُمع بين أقوال الصحابة فلا يُخرَج بقول مُحدَث جديد. فلو أن العلماء مختلفون في مسألة على أقوال ثلاثة، وحصل بين الصحابة خلاف، وجمع بين أقوالهم، فصارت النتيجة قولا رابعا محدثا فهذا خطأ.\nوهذا القسم - وهو ما اختلف فيه الصحابة - على حالين:\nالحال الأولى: أن يكون في المسألة دليلٌ: فإذا ظهر في المسألة دليل، فيجب العمل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٤٤٧) حيث قال فيها: «... ولا مخالف لهم في عصرهم نعلمه إلا قول ابن عمر: إنما السجدة على من سمعها. فيحتمل أنه أراد من سمع عن قصد، فيحمل عليه كلامه جمعا بين أقوالهم».\n(^٢) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (١/ ١٠٥)","vol":"1","page":35},{"text":"بالدليل بالإجماع، فقد تقدَّم قول الشافعي: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة النبي - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنا من كان (^١).\nفلو أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا في كفة، وابن عباس في كفة، والدليل المنصوص مع ابن عباس، فالقول قول ابن عباس لوجوب العمل بالدليل.\nالحال الثانية: ألا يكون في المسألة دليل: وهذه الحال قسمان:\nالقسم الأول: أن يكون في المسألة قول للخلفاء الراشدين، أو فيه قول أحدهم، لكن لم يخالَف، كأن يكون قول علي، لكن لم يخالفه أحدٌ من الخلفاء الراشدين، فإنه في مثل هذا يرجح قول الأربعة المجمعين، أو قول أحدهم الذي لم يخالف منهم؛ لما تقدَّم من حديث العرباض بن سارية: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (^٢)، وحديث أبي قتادة: «إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا» (^٣)، وثبت عن ابن عباس فيما رواه ابن عبد البر (^٤) وغيره، أنه كان يحتج بقول أبي بكر وعمر ﵃ وأرضاهم ـ.\nوإلى هذا ذهب الإمام الشافعي (^٥) وأحمد في رواية (^٦)، وقرَّره بقوة الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه «إعلام الوقعين» (^٧).\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٢/ ١١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١٦٠٠)، وهو عند ابن أبي شيبة (٢٣٤٤٨)، والحاكم (١/ ١٢٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وفيه توقيف ولم يخرجاه.\n(^٥) انظر: البحر المحيط» للزركشي (٨/ ٥٥)، و(٨/ ٥٨).\n(^٦) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٤٦ - ٥٤٧).\n(^٧) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٣/ ٥٥٦)، و(٥/ ٥٤٦ - ٥٤٧)، و(٦/ ٥ - ٦).","vol":"1","page":36},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:\nالمثال الأول: تنازع العلماء في قراءة الجنب للقرآن على قولين: قال ابن عباس فيما علَّقه البخاري: لا بأس للجنب أن يقرأ القرآن (^١).\nوالقول الثاني: ثبت عن عمر وعلي، قال علي فيما رواه ابن أبي شيبة: لا يقرأ، ولا حرفا، يعني: الجنب (^٢)، وثبت النهي للجنب عن قراءة القرآن عن عمر عند البيهقي في «الخلافيات» (^٣)، فإذن يرجَّح القول بعدم جواز قراءة الجنب للقرآن؛ لأنه قولٌ عليه بعض الخلفاء الراشدين، وإلى هذا ذهب أئمة المذاهب الأربعة (^٤).\nالمثال الثاني: تنازع العلماء في المبيت بمنى للحاج، فذهب ابن عباس إلى أن المبيت بمنى ليس واجبا (^٥)، وخالف عمر فيما روى مالك في «الموطأ» (^٦)، وكان يرد الناس حتى يبيتوا في منى، فدل هذا على وجوب المبيت بمنى، وهذا هو الصواب، وإلى هذا القول ذهب مالك (^٧)، والشافعي (^٨)، وأحمد في رواية (^٩).\nتنبيه: بيَّن ابن القيم أن الأربعة إذا اختلفوا فقول أبي بكر مقدَّمٌ على عمر، وقول أبي بكر وعمر مقدَّمٌ على عثمان، قال: من درس أغوار المسائل ظهرت له هذه المسألة أو شيئا من ذلك (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري تعليقًا في (١/ ٦٨) قبل حديث (٣٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٩٢)، وهو عند عبد الرزاق (١٣٠٦) وغيره.\n(^٣) انظر: «الخلافيات» للبيهقي (٢/ ٣٨) رقم (٣٢٥).\n(^٤) انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (١/ ٣٧ - ٣٨)، و«الذخيرة» للقرافي (١/ ٣١٦)، و«المهذب مع المجموع» للشيرازي (١/ ٦٤)، «مختصر الخرقي مع المغني» (١/ ٩٦).\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٦١٤)، وله رأيا آخر مثل رأي عمر - ﵄ - كما عند ابن أبي شيبة (١٤٦٠٢) أيضًا.\n(^٦) انظر: «الموطأ - رواية يحيى الليثي» (٩١٠)، ومثله عند ابن أبي شيبة (١٤٦٠٣) وغيره.\n(^٧) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٣١).\n(^٨) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٣١).\n(^٩) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٣١).\n(^١٠) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٥٤٦ - ٥٤٧).","vol":"1","page":37},{"text":"القسم الثاني: ألا يكون في المسألة قول لأحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وإنما الخلاف بين بقية الصحابة، -وأؤكد المسألة مطروحة إذا لم يوجد فيها نصٌّ-: فإذا اختلف الصحابة من غير الخلفاء الراشدين بعضهم مع بعض، فيرجَّح أشبه القولين بالكتاب والسنة، نصَّ على هذا الإمام الشافعي (^١) وأحمد (^٢) - رحمهم الله تعالى رحمة واسعة ـ.\nوعلى هذا أمثلة:\nالمثال الأول: تنازع العلماء في استقبال القبلة واستدبارها لمن أراد أن يقضي الحاجة، وللصحابة في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: حرمة الاستقبال والاستدبار، حتى في البنيان، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري في «الصحيحين» (^٣).\nوالقول الثاني: جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء، وهو قول ابن عمر ﵁، رواه الدارقطني وغيره، أنه لما أراد أن يقضي حاجته جعل أمامه دابته، وقضى حاجته، لما قيل له قال: إنما ذلك في الفضاء (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «الإحكام» للآمدي (٤/ ١٤٩)، و«البحر المحيط» للزركشي (٨/ ٥٧).\n(^٢) انظر: «الإحكام» للآمدي (٤/ ١٤٩)، و«البحر المحيط» للزركشي (٨/ ٥٧)، و«إعلام الموقعين» لابن القيم (٢/ ٥٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤).\nوانظر رأيه في: «المصنف» لابن أبي شيبة (١/ ١٥٠)، و«المحلى» لابن حزم (١/ ١٨٩)، و«المجموع» للنووي (٢/ ٨١).\nوهو أيضًا قول ابن مسعود، أبي هريرة كما في: «المحلى» لابن حزم (١/ ١٨٩).\n(^٤) أخرجه الدارقطني (١/ ٩٢) رقم (١٦١)، وقال: هذا صحيح كلهم ثقات.\nوانظر رأيه في: «المحلى» لابن حزم (١/ ١٩٠)، «المجموع» للنووي (٢/ ٨١).\nوهو أيضًا مروي عن العباس بن عبد المطلب كما في: «المجموع» (٢/ ٨١)، و«شرح مسلم» (٣/ ١٥٤) و«شرح أبي داود» (ص: ١٠٦) ثلاثتهم للنووي.","vol":"1","page":38},{"text":"فالمقصود أن ابن عمر فرق بينهما، بخلاف أبي أيوب الأنصاري.\nأردنا أن نتفقه وأن ننظر أي القولين أشبه بالكتاب والسنة، فوجدنا أنه ثبت عن رسول الله - ﷺ - في «الصحيحين» (^١) أنه بال مستدبرا للقبلة في البنيان، وهذا القول أشبه بقول المفرِّق بين البنيان والصحراء، فلذلك رجح قول ابن عمر.\nفإن قيل: لم لا يقال بجواز الاستدبار دون الاستقبال؟\nيقال: لأن هذا القول ليس عند الصحابة، وإنما الصحابة اختلفوا على قولين، ولا يجوز أن نخرج عن قوليهم، وهذه قاعدةٌ مهمةٌ؛ سئل الإمام أحمد عن رجل يقول: إذا اختلف الصحابة على قولين فنخرج عن قوليهم، قال: هذا قولٌ خبيثٌ، هذا قول أهل البدع (^٢)؛ لأننا مأمورون أن نتبع سبيل المؤمنين، فسبيل المؤمنين في هذه المسألة قولان، فلا نخرج عنهما.\nالمثال الثاني: تنازع العلماء في صلاة سنن الرواتب للمسافر: هل تصلى أو لا تصلى؟\nفي المسألة قولان:\nالقول الأول: قول ابن عمر: أنها لا تصلى (^٣).\nوالقول الثاني: أنها تصلى، وهو قول جمهور الصحابة، نقله الحسن البصري عن الصحابة، وهو قول جابر، وابن عباس، وجماعة من الصحابة (^٤).\nوأشبه القولين بالكتاب والسنة يتضح بالنظر في الأدلة:\nفقد ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي قتادة، أن النبي - ﷺ - كان مسافرا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥)، و(١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).\n(^٢) انظر: المسودة ص ٣١٥ والعدة لأبي يعلى (٤/ ١٠٥٩).\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٢٧٦٣).\nوانظر: مسلم (٦٨٩).\n(^٤) انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٤٨).","vol":"1","page":39},{"text":"ففاتته صلاة الفجر، فقام وصلى راتبة الفجر، ثم صلى الفجر كما كان يصلي (^١).\nإذن صلى الراتبة، وهذا يوافق قول جمهور الصحابة فهو أشبه بالكتاب والسنة.\nولو قال قائل: لا تصلى من الرواتب إلا راتبة الفجر، يقال: هذا قول محدثٌ من جهة أقوال الصحابة، ولم يثبت هذا فيما أعلم لا عن ابن عمر ولا عن غيره: أي الاستثناء، وإنما الذي ثبت عن ابن عمر أنه لا يُصلِّى مطلقا، أو يُفرِّق بين الليل والنهار: أي يجوز صلاة الراتبة في الليل دون النهار (^٢).\nوعلى كلا الاحتمالين: فمقتضى مذهبه أن راتبة الفجر لا تصلى، وقد ثبت في السنة عن رسول الله - ﷺ - أنه صلى راتبة الفجر في السفر، فدل هذا على أن المسافر يصلي الراتبة، وهذا هو القول المشهور عند المذاهب الأربعة، بل على هذا المذاهب الأربعة (^٣).\nالمثال الثالث: علّق البخاري عن بُريدة بن الحُصيب ﵁، أنه أوصى أن يجعل على قبره جريدان (^٤)؛ لأنه ثبت عن رسول الله - ﷺ - من حديث ابن عباس في «الصحيحين»، أنه وضع على القبر جريدا رطبا، ثم قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (^٥)، ففعل ذلك بُريدة بن الحُصيب ﵁ وخالفه ابن عمر، ذكر البخاري أن ابن عمر لما رأى رجلا يظلل القبر، قال: لا تظله، وإنما يظله عمله (^٦)، فالميت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨١).\n(^٢) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٢٧٦٤) عن ابن عمر.\n(^٣) انظر: «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٢/ ١٣١)، و«الاستذكار» لابن عبد البر (٢/ ٢٥٤)، و«المجموع» للنووي (٤/ ٤٠٠ - ٤٠١)، «الإنصاف» للمرداوي (٢/ ٣٢٢).\n(^٤) أخرجه البخاري تعليقًا في (٢/ ٩٥) قبل حديث (١٣٦١).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٣٦١)، ومسلم (٢٩٢).\n(^٦) أخرجه البخاري تعليقًا في (٢/ ٩٥) قبل حديث (١٣٦١).","vol":"1","page":40},{"text":"لا ينفعه أن يظل قبره ولا أن يفعل شيء عليه، فابن عمر خالف بُريدة.\nوأشبه القولين بالكتاب والسنة يُعرَف بأن النبي - ﷺ - علَّل وضع الجريد على القبرين بما يقتضي كشف الغيب؛ لأنه قال: «إنهما ليعذبان»، وهذا لا يكون لغيره، ولم يفعله لغيرهما - ﷺ -، فدل هذا على أن الصواب مذهب ابن عمر ﵄.\nالمثال الرابع: ثبت أن ابن عمر كان يحاكي النبي - ﷺ -، فيذهب مع الطريق الذي ذهب معه ... إلخ (^١)، وثبت عن عمر عند ابن أبي شيبة أنه رأى أناسا يتتبعون أماكن النبي - ﷺ - فأنكر عليهم: أي لما عادوا وقفلوا من الحج رأى أقواما يصلون في مكان، فسألهم، قالوا: صلى في هذا النبي - ﷺ -، فأنكر عليهم، قال: إنما أهلك من كان قبلكم بتتبعهم مساجد وبيع أنبيائهم، فمن أدركت الصلاة فليصل، وإلا فليترك (^٢)، فقول عمر مقدَّمٌ على قول ابن عمر؛ لأنه خليفة راشد، ولمُرجِّحات أخرى.\nوالأمثلة على هذا كثيرة، وإنما أردت بهذه الأمثلة ذكر المثال؛ لِيُعرَف غيره، وليسهل تنزيل ذلك على غيرها من المسائل الكثيرة.\n *  * *\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٧٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٤٩) وغيرهما.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧٦٣٢)، وهو عند عبد الرزاق (٢٧٣٤)، وابن وضاح في «البدع» (١٠١) وغيرهما.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفصل الثالث\nتنبيهات هامة</span>\nوفيه ثلاثة مباحث\n* المبحث الأول الرد على من قال: قول الصحابي حجةٌ في تفسير النص، لا في ابتداء الحكم\n* المبحث الثاني تحقيق مناط مذهب الصحابي\n* المبحث الثالث الذين ضيَّعوا الاحتجاج بمذهب الصحابي","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الأول\nالرد على من قال: قول الصحابي حجةٌ في تفسير النص، لا في ابتداء الحكم</span>\nزعم بعضهم: أن قول الصحابي حجةٌ في تفسير النص، لا في ابتداء الحكم.\nوهذا تناقض بلا شك؛ لأن من قال: إنه حجةٌ في تفسير النص؛ لأنه سبيل المؤمنين ... إلى غير ذلك من الأدلة، فالحجة حجةٌ سواء فسَّرت النص أو ابتدأت الحكم، وذلك إما أن يقال: إنه ليس حجة لا في تفسير النص ولا في ابتداء الحكم، أو أنه حجة في تفسير النص وابتداء الحكم؛ وذلك أن العمل بالدليلين أولى من إهمال أحدهما، أما أن يفرَّق بينهما فهو تفريقٌ بين المتماثلات، ومثل هذا تناقضٌ.\n* * *","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الثاني\nتحقيق مناط مذهب الصحابي</span>\nقد يتفق عالمان أو اثنان من طلاب العلم على أن مذهب الصحابي حجةٌ، لكن يختلفان في تنزيل ذلك، وهذا باب واسع، ويسميه الأصوليون بـ «تحقيق المناط».\nوتحقيق المناط يطلق على أمرين:\nمنها: تنزيل المسائل على الوقائع: فتنزيل المسائل على الواقع قد يتنازع فيه اثنان، فيقول قائلٌ: يجب العمل بقول الصحابي، وفي مسألة أخرى لا يعمل به؛ وذلك لأنه خفى عليه قول الصحابي، أو يظنه مخالفا للنص وليس كذلك ... إلخ؛ لذلك لا ننقض أصول العالم بعمله، قال عطاء: أضعف العلم أن تقول: رأيت، خرَّجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (^١).\nوقد يؤصِّل العالم أشياء، لكن يخالف ذلك عمليا، وهذا باب واسع لاختلاف الناس في الفهم والمدارك.\nوكتاب شيخ الإسلام «رفع الملام» مفيد في هذا للغاية، وأرجعه شيخ الإسلام إلى ما يلي:\nالأمر الأول: قد لا يكون بلغ العالم هذا الدليل، وفيما نحن بصدده لم يبلغه الأثر.\nالأمر الثاني: قد يكون بلغه، لكن فهم فهما آخر.\nالأمر الثالث: قد يظنه منسوخا (^٢).\n_________\n(^١) انظر: «بيان جامع العلم وفضله» لابن عبد البر (١/ ٧٧٨).\n(^٢) انظر: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لابن تيمية (ص:٩).","vol":"1","page":46},{"text":"وكلام شيخ الإسلام على ما يتعلق بأحاديث النبي - ﷺ -، والبحث كله جار في ثبوت النص، فكيف وقد يختلف اثنان في ثبوت الأثر، كما يختلفان في ثبوت الحديث، والخلاف في هذا واسع، والمهم أن نتفق على الأصول.\n *  * *","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثالث\nالذين ضيَّعوا الاحتجاج بمذهب الصحابي</span>\nضيَّع الاحتجاج بمذهب الصحابي طائفتان:\nالطائفة الأولى: الظاهرية: إن للظاهرية أصولا محدثة، وهي خمسة أصول، ذكر ابن القيم في «إعلام الموقعين» (^١) أربعة، وذكر ابن رجب في شرحه على البخاري (^٢) ورسالته «فضل علم السلف على علم الخلف» (^٣) أمرا خامسا، فالظاهرية ضلت بأصول خمسة، يهمني الأصل الخامس، وهو الذي ذكره ابن رجب في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف» وفي شرحه على البخاري، وأشار إليه ابن تيمية ﵀ في المجلد الخامس من كتابه «منهاج السنة» (^٤).\nوذلك أن الظاهرية يرون إحداث قول جديد في الفقه، فلو اختلف الصحابة على قولين، بل لو أجمع الصحابة على قول، فلا يبالي به الظاهرية ويرون جواز إحداث قول جديد؛ لذلك مذهبهم ضال، ومن الخطأ أن يُنسب إلى أهل الحديث.\nوقد بيَّن هذا الخطأ ابن رجب ﵀ في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف» (^٥).\nوللأسف، كثيرون ينسبون مذهب داود ومذهب ابن حزم لأهل الحديث، وقد\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (٣/ ٩٨ - ١٠٧).\n(^٢) انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٢٤٢)، و(٦/ ١٠٥).\n(^٣) انظر: «مجموع رسائل ابن رجب - رسالة فضل علم السلف على الخلف» (٢/ ٢٤).\n(^٤) انظر: «منهاج السنة» لابن تيمية (٥/ ١٧٨).\n(^٥) انظر: «مجموع رسائل ابن رجب - رسالة فضل علم السلف على الخلف» (٢/ ٢٤).","vol":"1","page":48},{"text":"ذكر الشاطبي ﵀ في موضعين من كتابه «الاعتصام» (^١) وذكر قبله ابن العربي (^٢) أن الظاهرية مبتدعةٌ؛ لأنهم ضلوا في أصول عظيمة، وقد سبق بحث هذا في رسالة «حجية الإجماع وكشف بعض الشبهات» (^٣).\nفالمقصود أن قول الظاهرية بجواز إحداث قول جديد هو الذي شاع اليوم عند بعض طلاب العلم، وصاروا يسمون ذلك «مذهب أهل الحديث»، ويقولون: نحن مُحدِّثون، ومعتنون بالحديث، ولا يبالون بأقوال الصحابة، لا في تفسير النص، ولا في ابتداء الحكم، أو يعملون به في تفسير النص، لكن لا يعملون به في ابتداء الحكم، وهذا من التأثر بمذهب الظاهرية.\nأما الطائفة الثانية التي ضلَّت في هذا الباب: فهم متعصبة المذاهب الأربعة؛ وذلك أن متعصبة المذاهب الأربعة لم يضلوا في باب الإعراض عن حجية قول الصحابي فحسب، بل حتى عن القرآن والسنة، وعن الإجماع والقياس، وكل أدلة الشريعة، فالمهم عندهم التمسك بالمذهب، وقد كان التعصب للمذاهب الأربعة ميِّتا ودُفن في عصور الأئمة المجددين الثلاثة ابن باز والألباني وابن عثيمين﵏-.\nوقد انطلقت بداية محاربة التعصب بقوة في عصر الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى ـ، حيث حارب التعصب محاربةً شديدةً، كما ذكر ذلك في مواضع مختلفة، منها «الأصول الستة» (^٤)، و«كتاب التوحيد» (^٥)، وفي رسالته إلى عبد الله بن محمد بن\n_________\n(^١) انظر: «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٤٥٧)، و(٣/ ١٩٨).\n(^٢) انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٨/ ١٨٨ - ١٩٠) حيث اشتد ابن العربي على الظاهرية وابن حزم، وتعقبه الذهبي في ذلك.\n(^٣) انظر: «حجية الإجماع وكشف بعض الشبهات» (ص:).\n(^٤) انظر: «الأصول الستة مع كشف الشبهات- الأصل السادس» لابن عبد الوهاب (ص: ١٤٨).\n(^٥) انظر: «كتاب التوحيد مع القول المفيد - باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا» لابن عبد الوهاب (٢/ ١٤٩).","vol":"1","page":49},{"text":"عبد اللطيف الموجودة في «الدرر السنية» (^١)، وشدَّد، وبيَّن له حرمة التعصب وأنه لا يصح، وذكر له المناظرة العظيمة التي نقلها ابن عبد البر عن المزني في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» (^٢)، وأن كل ما يتحجج به المتعصبة، فهو حجةٌ عليهم لا لهم.\nوهذا الجمود المذهبي أضر كثيرًا، لكن كان للإمام محمد بن عبد الوهاب دور كبير في القضاء عليه، واشتهرت الدعوة النجدية السلفية بمحاربة التعصب المذهبي؛ لذلك إذا شرحوا المتون الحنبلية يشرحونها ويصوِّرون المسائل، لكن يبيِّنون ما ظهر لهم بالدليل.\nوقد يشرحون على المذهب، لكن يبيِّنون اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وما جاء في المذهب من البدع ينكرونها، كالتبرك والقول بالتوسل البدعي وهكذا ...، ثم يفتون بالدليل الشرعي. وإنما يدرسون المذهب ويتفقهون عليه من باب الوسيلة للتفقه، ولا يبالون بهذه الوسيلة إلى أن جاء الإمام ابن باز والإمام الألباني، والإمام ابن عثيمين، فقضوا على ما بقي من تراث التعصب، وأذكر أن جمعا من الحنابلة الموجودين عندنا في نجد، من المتعصبين للمذهب، في أول أمرهم ما كانوا هكذا، بل كانوا يدرسون من باب الوسيلة، ثم بعد ذلك تعصَّبوا ...\n؛وذلك لأنه ما بقي عندهم إلا هذا العلم - وهو التفقه على المذهب من باب الوسيلة-، فذهبت عليهم أعمارهم في هذا الطريق، فاستحيوا أن يقولوا للناس: لا نعلم، ففزعوا إلى التعصب لأنه أسهل لهم، وكثيرٌ من مشايخهم لا يحقق المسائل، ولا يستطيع تحقيقها، فإنْ حقق جملة من المسائل لم يحقق أكثرها؛ فلذلك فزعوا إلى التعصب المذهبي؛ لأنه أسرع طريق ليوصف الرجل بأنه فقيه، فاشتهر هذا إلى أن قضى عليها هؤلاء العلماء الثلاثة، حتى أذكر أنني- قبل أكثر من عشرين سنة - التقيت أحد متعصبة\n_________\n(^١) انظر: «الدرر السنية في الكتب النجدية» (١/ ٣٥ وما بعدها).\n(^٢) انظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (٢/ ٩٩٢).","vol":"1","page":50},{"text":"المذهب الحنبلي، فلما فعل أمْرًا، قلت له: إن الذي تفعله مخالفٌ للدليل، قال سبحان الله!، آخذ قولك، وأترك قول الإمام أحمد الذي يحفظ ألف ألف حديث؟\nهذا هو التعصب بعينه؛ ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.\nوحقيقة هذا الاعتراض نقض للتعصب المذهبي - لو عقل - وذلك أن يقال له: آخذ قول أحمد، وأترك قول عمر وعثمان وعلي؛ وهم الصحابة الكرام؟ ثم يأتي شافعي ويقول: آخذ قول أحمد، وأترك قول شيخه الشافعي؟ حتى سمعت أحد الشافعية قبل فترة ابتدأ أول درسه قائلًا: إن المؤلف الذي نريد شرح كتابه على المذهب الشافعي، ثم قال: بهذه المناسبة أدعو من كان حاضرًا عندنا من الحنابلة أن يرجعوا إلى المذهب الشافعي؛ لأن الشافعي شيخ أحمد، وهو ثمرة من ثمرات الشافعي، فارجعوا إلى مذهب الشافعي ... هذا دَرْسٌ في التوحيد واستهله بالتعصب والتقليد؟!.\nوعودًا على خبر الرجل الذي قال: آخذ قولك، وأدع قول الإمام أحمد الذي يحفظ ألف ألف حديث؟ فإنه مع المباحثة قال: أنا درست المذاهب الأربعة، وأفقهها جيدًا، لكن لا أترك مذهب أحمد، وقال: وحضرت عند الشيخ السعدي، وكل قول قاله الشيخ السعدي مخالف لقول أحمد، أضرب به عرض الحائط، ثم حضرت سنيات عند الشيخ ابن عثيمين، فكل قول قال ابن عثيمين يخالف مذهب أحمد، أضرب به عرض الحائط.\nأرأيتم كيف التعصب؟\nإن هذا الرجل لم يصل إلى ما وصل إليه مباشرةً وإنما أولا: تفقه على المذهب، ثم ثانيا: عاب اتباع الدليل؛ إما لأنه صعب عليه أو لأن أحد مشايخه رباه على التعصب باسم التأصيل في الفقه ... الخ.","vol":"1","page":51},{"text":"وقد زرت أحد الناس قبل سنوات، بعد أن ولي ولاية شرعية، فجرت المباحثة في مسائل العلم، فإذا اشتد الخلاف يفتح «الروض»، ويقرأ المسألة، ثم يقول: صاحب «الروض» يقول كذا، ما عنده قال - ﷺ - ... !!\nومن كلمات شيخنا ابن باز - رحمه الله تعالى - الكثيرة، وقد سمعتها منه مرارًا، وسمعها غيري أكثر وأكثر، أنه إذا قيل له في مسألة: قال ابن تيمية كذا، كيف تخالف ابن تيمية؟ قال: هو نبي؟ العبرة بالدليل، ويكرر هذا كثيرا ﵀.\nوقد أجريت معه مقابلة فأخبر عن نفسه أنه تفقه على المذهب الحنبلي، -ثم قال-: لكن لا أعرف عن نفسي يوما ما، أني أفتيت بغير الدليل، سواء وافق مذهب أحمد، أو خالفه (^١).\nإنه ينبغي أن نكون وسطا؛ فنتفقه على المذاهب، لكن لا نترك الاعتماد على الدليل، ولا نعيب هذا، بل نجمع بين الأمرين؛ لأن الوقت لا يتسع، فممكن تسير بطريقة تتفقه فيها على مذهب من المذاهب الأربعة في الفقه، وتتصور المسائل، وفي الوقت نفسه تدرسه بالدليل على موثوق؛ لأنه ليس هناك وقت، لم يعد الناس كما كانوا قبل يختمون «الزاد» في سنة يدرسونه في درس يومي يدرسونه رويدًا رويدًا، فلو وجد من يختم «الزاد» في سنة رويدًا رويدًا، ويصوِّر مسائله، كان من المفيد أن يدرس عليه «الزاد»، ثم بعد ذلك ينطلق في الاجتهاد ومعرفة الدليل لا أن يتوقف عند هذا الحد.\nوواقع كثيرين أنهم يبدؤون بالمتن المختصر، ثم بالمتوسط، ثم بالمطول، وهم على المذهب، فيدرسون هذا عشر سنين أو خمس عشرة سنة، ثم يفترون عن النظر\n_________\n(^١) انظر قريبًا منه في: «مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن باز - لقاء مع صحيفة الراية السودانية» بعناية الشويعر (٤/ ١٦٦).","vol":"1","page":52},{"text":"في الدليل ولم يريدوا أن يوصفوا بالجهل، فقالوا: نحن الحنابلة فعابوا على غيرهم ممن يدرس بالدليل، ثم ازدادوا تعصُّبا، ويبررون لتعصبهم بأمور منها:\nالأمر الأول: قوله: «أأنت أعلم من أحمد؟»، على أن هذا القول المذهبي ممكن لم يقل به أحمد، لذا قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: وأكثر ما في «الإقناع» و«المنتهى» مخالفٌ لنصوص أحمد (^١)، بل ممكن قال بخلافه، أو نسب إليه تخريجا، وليس منصوصا، والتخريج مختلف في نسبته إلى الإمام ومع ذلك يقال: قال به أحمد، ولو دققت لعلك لا تجد أحمد قال به، بل تجد أحمد قال بخلافه.\nالأمر الثاني: قوله: لم تبلغ درجة الاجتهاد حتى تقول: قال الله كذا، وقال النبي - ﷺ - كذا، وبقوله هذا رجعنا إلى إغلاق باب الاجتهاد، وقد لا يقولون بإغلاق باب الاجتهاد صراحة لكن يمنعون الاجتهاد بحجة أنك لم تبلغه ويَدعُون للتقليد والتعصب.\nوجواب هذا أن يقال: إن الاجتهاد يتجزَّأ، وقد درسنا آلة الاستدلال والاستنباط، وهذه المسألة درستها، وظهر لي كذا وكذا، والآلة الاجتهادية تقول كذا وكذا، فبأيِّ حجة عند الله أخالف ذلك؟\nوأخيرًا:\nفكما يحارب التعصب للظاهرية باسم أهل الحديث، الذي بدأ يقل - ولله الحمد -، وإن كان لا يزال فكذلك يحارب التعصب للمذاهب.\nوقد أصبح هؤلاء المتعصبون أصنافا وأحزابا يحارب بعضهم بعضا؛ حتى إني رأيت أحدهم في بلد ما يعيب على الذين يشرحون المذهب الحنبلي على طريقة فلان ...\n_________\n(^١) انظر: «حاشية الروض المربع» لابن قاسم (١/ ١٧ - ١٨).","vol":"1","page":53},{"text":"يقول هذا الرجل: كيف يشرح المذهب الحنبلي على طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هؤلاء أفسدوا المذهب، نريد المذهب كما هو: أي على طريقة أهل الشام القديمة التي اشتهرت عند أهل الشام، ومن أصحاب المذهب مَن يَردُّ على ذاك الرجل، ويقول: إن دعوتك هذه تفتح باب البدع؛ لأن الإمام محمد بن عبد الوهاب نقَّى المذهب من الأقوال البدعية مستندا في ذلك إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والسلف، وهكذا .. .\n *  * *","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>خاتمة</span>\nأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يهدينا إلى الصراط المستقيم، وأن يحينا جميعا على التوحيد والسنة، وأن يميتنا على ذلك، وأن يجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>أهم النتائج المستخلصة من هذه الرسالة </span>ما يلي:\n١ - تحرير محل النزاع في حجية قول الصحابة في أمور أربعة.\n٢ - قول الصحابة حجة سواء اشتهر أو لم يشتهر.\n٣ - حجية قول الصحابة من الظن الغالب.\n٤ - من أدلة حجية قول الصحابة أدلة حجية الإجماع.\n٥ - للصحابة مدارك نشاركهم فيها ومدارك ينفصلون عنا.\n٦ - قول الصحابة حجة سواء في ابتداء حكم أو تفسير نص بتخصيص أو تقييد أو تبيين.\n٧ - طريقة الجمع بين أقوال الصحابة عند الاختلاف.\n٨ - قول الخلفاء الراشدين مقدم على غيرهم.\n٩ - الظاهرية لا يرون حجية قول الصحابة وتأثر بعض أهل العلم بهم.\n١٠ - تبديع أهل العلم للظاهرية وأنهم ليسوا من أهل الحديث.\n١١ - كما أن الظاهرية خطأ فالتعصب المذهبي خطأ مثله.","vol":"1","page":56}]}