{"ً":{"ٌ":272,"ٍ":"الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم","َ":4,"ُ":3,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/hkm_moamalat/92937.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم\nالمؤلف: أبو بكر بن محمد فوزي\nرسالة: ماجستير، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية - قسم التفسير\nإشراف: د عبد الله بن محمد الأمين الشنقيطي\nالعام الجامعي: ١٤٢٧ - ١٤٢٨ هـ\nعدد الصفحات: ٣٩٦\n[ترقيم الكتاب موافق للرسالة الجامعية]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3095,"ٕ":3,"ٖ":1780758548,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"أهمية هذا الموضوع","level":2,"page":11},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":12},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":13},{"title":"شكر وتقدير","level":2,"page":18},{"title":"منهج كتابة البحث","level":2,"page":19},{"title":"تمهيد","level":1,"page":22},{"title":"تعريف الحكمة","level":2,"page":22},{"title":"علاقة الحكمة بالمقصد والعلة","level":3,"page":22},{"title":"أقسام الحكم","level":3,"page":23},{"title":"المبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد","level":2,"page":24},{"title":"المبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم","level":2,"page":31},{"title":"الباب الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة","level":1,"page":37},{"title":"الفصل الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات","level":2,"page":38},{"title":"المبحث الأول: تقوى الله ﷿","level":3,"page":39},{"title":"المطلب الأول: التقوى تمنع العبد عن التعامل بالربا","level":4,"page":39},{"title":"المطلب الثاني: تقوى الله تعالى عند الاستدانة وأداء الدين","level":4,"page":41},{"title":"المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى","level":3,"page":46},{"title":"المطلب الأول: مراقبة الله تعالى في مال اليتيم","level":4,"page":46},{"title":"المطلب الثاني: مراقبة الله تعالى في أداء الأمانات","level":4,"page":50},{"title":"المبحث الثالث: تحقيق الفلاح","level":3,"page":52},{"title":"المبحث الرابع: التسليم بقضاء الله وقدره","level":3,"page":56},{"title":"المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا","level":3,"page":58},{"title":"المطلب الأول: بيان عقوبة من قدم التجارة على حق الله ﷿","level":4,"page":58},{"title":"المطلب الثاني: معاتبة أهل الإيمان في انصرافهم عن خطبة الجمعة إلى البيع والتجارة","level":4,"page":58},{"title":"المطلب الثالث: الثناء على من قدم حق الله على بيعه وتجارته","level":4,"page":61},{"title":"المبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة","level":3,"page":64},{"title":"المطلب الأول: سوء عاقبة أكل أموال الناس بالباطل","level":4,"page":64},{"title":"المطلب الثاني: سوء عاقبة آكلي الربا","level":4,"page":66},{"title":"المطلب الثالث: سوء عاقبة أكل مال اليتيم","level":4,"page":68},{"title":"الفصل الثاني: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المواريث","level":2,"page":70},{"title":"المبحث الأول: تقوى الله ﷿","level":3,"page":71},{"title":"المبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته","level":3,"page":74},{"title":"المطلب الأول: الحث على مراقبة الله تعالى","level":4,"page":74},{"title":"المطلب الثاني: الحث على التوبة والسعي إلى الإصلاح","level":4,"page":75},{"title":"المطلب الثالث: الرضا بحكم الله وامتثال أمره","level":4,"page":77},{"title":"الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح","level":2,"page":80},{"title":"المبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى","level":3,"page":81},{"title":"المبحث الثاني: تقوى الله تعالى","level":3,"page":84},{"title":"المطلب الأول: إقامة الحياة الزوجية على مبدأ التقوى بين الرجل والمرأة","level":4,"page":84},{"title":"المطلب الثاني: تقوى الله تعالى تمنع العبد أن يقدم محبة زوجته على حق ربه","level":4,"page":85},{"title":"المطلب الثالث: تقوى الله تعالى في حال الصلح","level":4,"page":87},{"title":"المطلب الرابع: تقوى الله تعالى عند حصول الطلاق","level":4,"page":90},{"title":"المطلب الخامس: تقوى الله تعالى في إرضاع المولود","level":4,"page":97},{"title":"المبحث الثالث: مراقبة الله ﷿","level":3,"page":99},{"title":"المطلب الأول: استحضار المراقبة يمنع المطلقة من كتمان ما يتوقف عليه أمر الطلاق","level":4,"page":100},{"title":"المطلب الثاني: استحضار الزوجين للمراقبة حال الخطبة","level":4,"page":101},{"title":"المطلب الثالث: مراقبة الله تعالى عند رغبة الولي في نكاح اليتيمة التي في حجره.","level":4,"page":102},{"title":"المطلب الرابع: استحضار مراقبة الله تعالى حال الخصومة بين الزوجين","level":4,"page":103},{"title":"المبحث الرابع: شكر الله ﷿","level":3,"page":105},{"title":"المبحث الخامس: التوكل على الله","level":3,"page":107},{"title":"مطلب: التوكل على الله عند حصول الخلافات أو حدوث الطلاق","level":4,"page":109},{"title":"المبحث السادس: التربية على الصبر","level":3,"page":110},{"title":"المطلب الأول: الحث على الصبر عند عدم القدرة على النكاح.","level":4,"page":110},{"title":"المطلب الثاني: الصبر عن فتنة الزوجة والأولاد","level":4,"page":112},{"title":"المطلب الثالث: تربية الزوجة والأولاد على الصبر","level":4,"page":113},{"title":"المبحث السابع: البعد عن قول الزور","level":3,"page":115},{"title":"المطلب الأول: النهي عن قول الزور بين الزوجين","level":4,"page":115},{"title":"المطلب الثاني: النهي عن القذف ورمي المحصنات","level":4,"page":117},{"title":"المبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة","level":3,"page":120},{"title":"المطلب الأول: التعامل مع المرأة حال الحيض","level":4,"page":120},{"title":"المطلب الثاني: النهي عن إتيان المرأة في دبرها","level":4,"page":122},{"title":"الفصل الرابع: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة","level":2,"page":125},{"title":"المبحث الأول: تقوى الله ﷿","level":3,"page":126},{"title":"المطلب الأول: التقوى سبب في تحري الطيب الحلال والبعد عن الحرام","level":4,"page":126},{"title":"المطلب الثاني: التقوى تمنع العبد من الغلو وترك ما أباح الله من الطيبات","level":4,"page":127},{"title":"المطلب الثالث: التقوى باعثة على امتثال أمر الله ﷿ والثبات على دينه.","level":4,"page":129},{"title":"المطلب الرابع: تقوى الله تعالى سبب في فتح أبواب الرزق وتسهيل طرقه","level":4,"page":132},{"title":"المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى","level":3,"page":134},{"title":"المطلب الأول: مراقبة الله ﷿ حال الاضطرار والمخمصة","level":4,"page":134},{"title":"المطلب الثاني: المراقبة توصل العبد إلى محبة الله تعالى، وأهلها مشهود لهم بالفضل والإحسان","level":4,"page":136},{"title":"المطلب الثالث: ابتلاء الله تعالى لعباده بمنعهم نوعا من أنواع الرزق، ليتبين بذلك من يراقبه ممن يخالف أمره","level":4,"page":137},{"title":"المبحث الثالث: شكر الله ﷿","level":3,"page":140},{"title":"المطلب الأول: الأمر بشكر الله على الأكل من الطيبات","level":4,"page":140},{"title":"المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه، وأن غاية ذلك هو الشكر","level":4,"page":141},{"title":"المطلب الثالث: بيان عاقبة من كفروا بالنعمة ولم يشكروا الله عليها","level":4,"page":147},{"title":"المبحث الرابع: تعظيم شعائر الله","level":3,"page":152},{"title":"المطلب الأول: تحريم أكل ما فيه تعظيم لغير الله","level":4,"page":153},{"title":"المطلب الثاني: تغليظ العقوبة لمن تعمد الوقوع في محارم الله","level":4,"page":155},{"title":"المطلب الثالث: ذم عادات الجاهلية في اعتدائهم على الله وإشراك الأصنام معه في قسمة حروثهم وأنعامهم","level":4,"page":159},{"title":"المبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية","level":3,"page":162},{"title":"المطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان","level":4,"page":163},{"title":"تحريم ما أحل الله ﷿","level":5,"page":164},{"title":"الإيحاء بالمعصية والكفر في تحليل ما حرم الله","level":5,"page":166},{"title":"تسمية المحرمات بغير اسمها تزيينا للنفس","level":5,"page":167},{"title":"المطلب الثاني: اجتناب الفسق","level":4,"page":170},{"title":"التحذير من أكل ما يورث الفسق","level":5,"page":170},{"title":"التحذير من مشابهة الفاسقين","level":5,"page":171},{"title":"الباب الثاني: بناء المجتع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح ولأطعمة.","level":1,"page":177},{"title":"الفصل الأول: بناء المجتع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات","level":2,"page":178},{"title":"المبحث الأول: التعامل بالمعروف","level":3,"page":179},{"title":"المطلب الأول: قول المعروف حال الحجر على مال السفيه","level":4,"page":180},{"title":"المطلب الثاني: أخذ الولي الفقير من مال اليتيم بالمعروف","level":4,"page":181},{"title":"المبحث الثاني: تحقيق العدل","level":3,"page":183},{"title":"المطلب الأول: تحريم الربا حال كونه ظلما","level":4,"page":184},{"title":"المطلب الثاني: تحقيق العدل في المداينات","level":4,"page":185},{"title":"المطلب الثالث: العدل في الموازين والنهي عن التطفيف فيه.","level":4,"page":188},{"title":"المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة","level":3,"page":190},{"title":"المطلب الأول: النهي عن سبل أكل المال بالباطل","level":4,"page":190},{"title":"المطلب الثاني: الأمر بكتابة الدين","level":4,"page":192},{"title":"المطلب الثالث: التخفيف على الأجراء والرحمة بهم","level":4,"page":193},{"title":"المبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة","level":3,"page":195},{"title":"المبحث الخامس: حفظ الحقوق","level":3,"page":199},{"title":"المطلب الأول: حفظ المال كحق للأمة بوجه عام","level":4,"page":199},{"title":"المطلب الثاني: حفظ حق الدائن","level":4,"page":201},{"title":"المطلب الثالث: حفظ حق اليتيم والسفيه","level":4,"page":202},{"title":"المطلب الرابع: حفظ حق الكاتب والشهيد","level":4,"page":206},{"title":"الفصل الثاني: بناء المجتع المسلم وصلاحه في آيات المواريث","level":2,"page":208},{"title":"المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه","level":3,"page":209},{"title":"المطلب الأول: الوصية بهذه الفرائض وإضافتها للفظ الجلالة تعظيما لها واهتماما بها","level":4,"page":209},{"title":"المطلب الثاني: بيان عجز العقول عن إدراك ما ينفع العباد ويصلحهم وتسليم الحكم لله","level":4,"page":210},{"title":"المطلب الثالث: الترغيب في إقامة حدود الله والترهيب من تضييعها","level":4,"page":211},{"title":"المبحث الثاني: التكافل الاجتماعي","level":3,"page":213},{"title":"المطلب الأول: قيام التوارث في بداية الأمر على الهجرة","level":4,"page":213},{"title":"المطلب الثاني: الأمر بإيتاء من حضر القسمة منها، من الأقرباء غير الورثة أو الضعفاء","level":4,"page":215},{"title":"المبحث الثالث: صلة الرحم","level":3,"page":217},{"title":"توريث ذوي الأرحام","level":4,"page":219},{"title":"التوريث بالنكاح والولاء","level":5,"page":219},{"title":"المبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة","level":3,"page":221},{"title":"المطلب الأول: إبطال وإنكار عادات الجاهلية التي فيها ظلم للمرأة والصغير","level":4,"page":221},{"title":"المطلب الثاني: ما فرضه الله من أن للذكر مثل حظ الأنثيين","level":4,"page":222},{"title":"المبحث الخامس: حفظ الحقوق","level":3,"page":226},{"title":"المطلب الأول: حفظ حق الورثة","level":4,"page":226},{"title":"المطلب الثاني: حفظ حق الدائن","level":4,"page":227},{"title":"المطلب الثالث: حفظ حق الموصى له","level":4,"page":228},{"title":"المطلب الرابع: حفظ حق الميت","level":4,"page":228},{"title":"الفصل الثالث: بناء المجتع المسلم وصلاحه في آيات النكاح","level":2,"page":229},{"title":"المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها","level":3,"page":230},{"title":"المطلب الأول: مشروعية افتراق الزوجين عند الخشية ألا يقيما حدود الله ولو بالافتداء","level":4,"page":230},{"title":"المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده، وذمه للمخالف والمعرض عنها","level":4,"page":232},{"title":"المبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة","level":3,"page":236},{"title":"المطلب الأول: تحريم نكاح المشركات وإنكاح المشركين","level":4,"page":236},{"title":"المطلب الثاني: اشتراط اختيار الزوج الصالح البعيد عن الفواحش والفجور رجلا كان أو امرأة ..","level":4,"page":241},{"title":"المطلب الثالث: التضييق في نكاح الإماء","level":4,"page":244},{"title":"المبحث الثالث: التكاثر والتناسل","level":3,"page":246},{"title":"المطلب الأول: التكاثر والتناسل عن طريق النكاح سنة الله في الكون","level":4,"page":246},{"title":"المطلب الثاني: الرد على دعاة تحديد النسل","level":4,"page":249},{"title":"المبحث الرابع: الطمأنينة والسكن","level":3,"page":252},{"title":"المطلب الأول: حصول المودة والرحمة بين الزوجين","level":4,"page":252},{"title":"المطلب الثاني: اطمئنان البيوت","level":4,"page":254},{"title":"المطلب الثالث: الترويح عن النفس وتجديد الهمة","level":4,"page":255},{"title":"المبحث الخامس: التعامل بالمعروف","level":3,"page":257},{"title":"المطلب الأول: المعاشرة بالمعروف","level":4,"page":258},{"title":"المطلب الثاني: التعامل بالمعروف في الطلاق","level":4,"page":259},{"title":"المطلب الثالث: فعل المعروف في زمن العدة وبعد انقضائها","level":4,"page":261},{"title":"المبحث السادس: التكافل الاجتماعي","level":3,"page":263},{"title":"المطلب الأول: النكاح أصل النظام البشري في الاجتماع والترابط","level":4,"page":263},{"title":"المطلب الثاني: النكاح مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي","level":4,"page":265},{"title":"المطلب الثالث: قطع كل سبيل يفضي إلى التباغض بين الأقربين","level":4,"page":266},{"title":"المبحث السابع: حفظ الأعراض","level":3,"page":270},{"title":"المطلب الأول: وجوب انتساب الذرية للآباء","level":4,"page":270},{"title":"المطلب الثاني: تحريم نكاح المحارم","level":4,"page":272},{"title":"المطلب الثالث: فرض العدة على المطلقة والمتوفى عنها زوجها","level":4,"page":272},{"title":"المطلب الرابع: مشروعية اللعان","level":4,"page":275},{"title":"المبحث الثامن: حفظ الحقوق","level":3,"page":276},{"title":"المطلب الأول: حفظ حق الزوج.","level":4,"page":276},{"title":"المطلب الثاني: حقوق الزوجة","level":4,"page":280},{"title":"المبحث التاسع: حفظ العفة ومحاربة الرذيلة","level":3,"page":286},{"title":"المطلب الأول: الاستعفاف لمن لا يستطيع النكاح","level":4,"page":287},{"title":"المطلب الثاني: تعدد الزوجات وأثره في عفاف المجتمع.","level":4,"page":288},{"title":"المطلب الثالث: نهي المطلقة عن الخروج من بيتها وأثره في عفتها وعفة المجتمع","level":4,"page":288},{"title":"المطلب الرابع: النهي عن إشاعة الفاحشة وعقوبة من يحب ذلك","level":4,"page":289},{"title":"الفصل الرابع: بناء المجتع المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة","level":2,"page":291},{"title":"المبحث الأول: إقامة شعائر الله","level":3,"page":292},{"title":"المبحث الثاني: حفظ الحقوق","level":3,"page":295},{"title":"المطلب الأول: حفظ البدن وصحته بالطعام الطيب والدواء النافع","level":4,"page":295},{"title":"المطلب الثاني: تحريم ما يفسد العقل والبدن ويؤثر في صحتهما","level":4,"page":296},{"title":"المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة","level":3,"page":299},{"title":"الباب الثالث: التيسير ورفع الحرج على الفرد والمجتمع في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة","level":1,"page":301},{"title":"الفصل الأول: التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات","level":2,"page":302},{"title":"المبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عليه","level":3,"page":303},{"title":"المبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم","level":3,"page":307},{"title":"المطلب الأول: الامتنان على العباد بإباحة التكسب لهم على وجه العموم","level":4,"page":307},{"title":"المطلب الثاني: إباحة صنوف المعاملات التي يحصل بها النفع والتيسير على الأمة","level":4,"page":308},{"title":"المطلب الثالث: تنوع طبائع الناس في اختيارهم طرق كسبهم وسبل معاشهم","level":4,"page":309},{"title":"المطلب الرابع: رفع الحرج والإثم عمن تاب من المعاملات المالية المحرمة","level":4,"page":310},{"title":"الفصل الثاني: التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث","level":2,"page":311},{"title":"المطلب الأول: التيسير في أسلوب التبليغ","level":3,"page":313},{"title":"المطلب الثاني: مشروعية الوصية للميت","level":3,"page":314},{"title":"المطلب الثالث: النهي عن الضرر","level":3,"page":314},{"title":"الفصل الثالث: التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح","level":2,"page":317},{"title":"المبحث الأول: تيسير أمر النكاح","level":3,"page":318},{"title":"المطلب الأول: تيسير مؤونة النكاح","level":4,"page":319},{"title":"المطلب الثاني: رفع الحرج عن نكاح الأمة عند عدم القدرة على نكاح الحرة","level":4,"page":320},{"title":"المطلب الثالث: رفع الحرج بالتعريض في خطبة من توفي عنها زوجها","level":4,"page":320},{"title":"المبحث الثاني: التيسير في إباحة الطلاق","level":3,"page":321},{"title":"المطلب الأول: رفع الجناح عن الطلاق قبل البناء.","level":4,"page":322},{"title":"المطلب الثاني: رفع الجناح أن تختلع المرأة من زوجها عند الحاجة.","level":4,"page":323},{"title":"المطلب الثالث: إباحة اللعان رفعا للحرج عن الزوج","level":4,"page":324},{"title":"المبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية","level":3,"page":326},{"title":"المطلب الأول: في الإيلاء","level":4,"page":326},{"title":"المطلب الثاني: النشوز والإعراض من الزوج","level":4,"page":328},{"title":"المطلب الثالث: الظهار","level":4,"page":329},{"title":"الفصل الرابع: التيسير ورفع الحرج في آيات الأطعمة","level":2,"page":332},{"title":"المبحث الأول: التيسير في إباحة الطيبات","level":3,"page":333},{"title":"المطلب الأول: عموم الإباحة وحصر المحرمات.","level":4,"page":333},{"title":"المطلب الثاني: التقرير بإباحة الطيبات على وجه الثبوت والدوام","level":4,"page":334},{"title":"المطلب الثالث: بيان يسر الشريعة بين عنت أهل الجاهلية وبين بغي اليهود","level":4,"page":334},{"title":"المبحث الثاني: التيسير ورفع الحرج عن المضطر","level":3,"page":337},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":339},{"title":"قائمة المصادر والمراجع","level":1,"page":342}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,383":342,"1,384":343,"1,385":344,"1,386":345,"1,387":346,"1,388":347,"1,389":348,"1,390":349,"1,391":350,"1,392":351,"1,393":352,"1,394":353,"1,395":354,"1,396":355},"ٜ":{"1":[1,396]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,340","1,341","1,342","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396"],"ٞ":{"2":[1],"11":[2],"12":[3],"13":[4],"18":[5],"19":[6],"22":[7,8,9],"23":[10],"24":[11],"31":[12],"37":[13],"38":[14],"39":[15,16],"41":[17],"46":[18,19],"50":[20],"52":[21],"56":[22],"58":[23,24,25],"61":[26],"64":[27,28],"66":[29],"68":[30],"70":[31],"71":[32],"74":[33,34],"75":[35],"77":[36],"80":[37],"81":[38],"84":[39,40],"85":[41],"87":[42],"90":[43],"97":[44],"99":[45],"100":[46],"101":[47],"102":[48],"103":[49],"105":[50],"107":[51],"109":[52],"110":[53,54],"112":[55],"113":[56],"115":[57,58],"117":[59],"120":[60,61],"122":[62],"125":[63],"126":[64,65],"127":[66],"129":[67],"132":[68],"134":[69,70],"136":[71],"137":[72],"140":[73,74],"141":[75],"147":[76],"152":[77],"153":[78],"155":[79],"159":[80],"162":[81],"163":[82],"164":[83],"166":[84],"167":[85],"170":[86,87],"171":[88],"177":[89],"178":[90],"179":[91],"180":[92],"181":[93],"183":[94],"184":[95],"185":[96],"188":[97],"190":[98,99],"192":[100],"193":[101],"195":[102],"199":[103,104],"201":[105],"202":[106],"206":[107],"208":[108],"209":[109,110],"210":[111],"211":[112],"213":[113,114],"215":[115],"217":[116],"219":[117,118],"221":[119,120],"222":[121],"226":[122,123],"227":[124],"228":[125,126],"229":[127],"230":[128,129],"232":[130],"236":[131,132],"241":[133],"244":[134],"246":[135,136],"249":[137],"252":[138,139],"254":[140],"255":[141],"257":[142],"258":[143],"259":[144],"261":[145],"263":[146,147],"265":[148],"266":[149],"270":[150,151],"272":[152,153],"275":[154],"276":[155,156],"280":[157],"286":[158],"287":[159],"288":[160,161],"289":[162],"291":[163],"292":[164],"295":[165,166],"296":[167],"299":[168],"301":[169],"302":[170],"303":[171],"307":[172,173],"308":[174],"309":[175],"310":[176],"311":[177],"313":[178],"314":[179,180],"317":[181],"318":[182],"319":[183],"320":[184,185],"321":[186],"322":[187],"323":[188],"324":[189],"326":[190,191],"328":[192],"329":[193],"332":[194],"333":[195,196],"334":[197,198],"337":[199],"339":[200],"342":[201]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم\nرسالة مقدمة لنيل درجة العالمية (الماجستير)\n\nإعداد الطالب: أبو بكر بن محمد فوزي\n\nإشراف الدكتور: عبد الله بن محمد الأمين الشنقيطي\n\nالعام الجامعي: ١٤٢٧ - ١٤٢٨ هـ","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله العزيز الوهاب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، الذي أنزل القرآن تبصرة لمن أناب، وقال في محكم الكتاب: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله وعلى جميع الآل والأصحاب وسلم تسليما كثيرا إلى يوم المآب.\nأما بعد:\nفإن أولى ما أفنى فيه المكلف عمره، وعلق به خاطره وأعمل فيه فكره، تحصيل العلوم النافعة الشرعية، واستعمالها في الأعمال المرضية، وأهم ذلك علم كتاب الله تعالى، الذي تولى سبحانه حفظه بفضله، وأعجز الخلائق أن يأتوا بمثله، وجعل ذلك برهانا لتصديق رسالة من أنزل عليه، وأخبر أن الباطل لا يأتيه من خلفه ولا من بين يديه، ثم العلوم المتعلقة به كثيرة، وفوائد كل علم منها غزيرة (^١)، وأعظم العلوم به تعلقا وأشدهم به ارتباطا موَثَّقا، علم التفسير الذي بيّن ما أُنزِل على نبينا - ﷺ - أعظم بيان، فبه حصل التيسير الذي أنعم الله به على الأمة، والتدبر الذي وصف الله به أهل العلم والحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].\nوإن مما أنعم الله به على الأمة، أن جعل الكتاب الذي أُنزِل عليها مشتملا على ما يصلحها في جميع شؤونها، في دينها ودنياها، ومعاشها ومعادها، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].\n_________\n(^١) إبراز المعاني، لأبي شامة المقدسي، ص ٣.","vol":"1","page":2},{"text":"ومما اشتمل عليه القرآن الكريم، آيات المعاملات التي بين الله فيها أحكامه وحد فيها حدوده، وشرع فيها ما يُصلِح الفرد والمجتمع، فلم يشرِّع الله تعالى هذه الأحكام للحفاظ على النظام فحسب، بل شرعها سبحانه لحياة كريمة يصلح فيها حال الأمة جمعاء في الدنيا والآخرة.\nوقد اعتنى القرآن الكريم في دعوته للخير ونهيه عن الشر بذكر آثار الخير وعواقبه الحميدة، العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة. (^١)\nفهو إن أمر بالأوامر الشرعية ونحوها، نبه العقول النيرة على ما اشتملت عليه من المصالح الضرورية المحتاج إليها في المعاش والمعاد، ما يُجزَم بأنه لا أحسن منها، وأن الحكمة تقتضي الأمر بها، وإن نهى عن المحارم والقبائح أخبر بما في ضمنها من الفساد والضرر والشر الحاصل بتناولها، وأن نعمة الله علينا بتحريمها، وتنزيهنا عنها وتكريمنا، وتعلية أقدارنا عن التلبس بها فوق كل نعمة. (^٢)\nوالبحث عن هذه الحِكم وإبرازها مطلب مهم تجدر العناية به، ذلك أن النصوص جاءت متضافرة في الكتاب والسنة لبيان هذه الحكم.\nومع كثرة الآيات التي بينت هذه الحكم إلا أنها جاءت بأساليب شتى وطرق متنوعة حتى لا تملها الأسماع ولا تسأم منها النفوس.\nفتراه مرة يذكر مع الحكم سببه مقرونا بحرف السببية مقدما أو مؤخرا كما في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩] وقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠] وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ... الآية﴾ [المائدة: ٣٢].\n_________\n(^١) انظر: القواعد الحسان لابن سعدي (ص ٣١).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن: (ص ٢٣).","vol":"1","page":3},{"text":"وتارة يأمر بشيء ويردفه بوصف يبين عاقبته حسنة كانت أم قبيحة كما في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وقوله:\n﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقوله تعالى في الخمر مبينا عاقبته السيئة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ ... [المائدة: ٩١].\nوحينًا يذكر الحُكم معللا إياه بحرف من حروف التعليل كما في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧].\nوأخرى يبين الحُكم وأثره بأسلوب السؤال والجواب كما في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]\nوإذا تأملت السنة النبوية تجدها كذلك مليئة بتبيين الحِكم وإظهارها، ومن ذلك قوله - ﷺ - للرجل الذي اطلع عليه من جحر في حجرته: (لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) (^١).\nوكذلك ما روته عائشة ﵂ قالت: دف أهل أبيات من البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ - (ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقي) فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك فقال رسول الله - ﷺ - (وما ذاك؟) قالوا نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال: ... (إنما نهيتكم من أجل الدافة (^٢) التي دفت فكلوا وادخروا وتصدقوا) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر برقم (٥٨٨٧).\n(^٢) الدافة بتشديد الفاء قوم يسيرون جميعا سيرا خفيفا ودف يدف بكسر الدال ودافة الأعراب من يردمنهم المصر والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة، انظر: (شرح النووي على مسلم ١٣/ ١٣٠).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، برقم (١٩٧١).","vol":"1","page":4},{"text":"وقوله - ﷺ - في الهرة: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) (^١)، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي بينت الحِكم من الأوامر والنواهي (^٢).\nوقد سار على ذلك الصحابة ﵃ في بيان الأحكام مع ذكر عللها وحِكمها\nفقد كان جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ بعد أن كثر القتل في القراء في معركة اليمامة خشية ضياع القرآن وحفظا للدين.\nكما نفى عمر الفاروق ﵁ نصر بن حجاج (^٣) خشية افتتان الناس به لجماله حفظا للعرض والنسل.\nوفي زمن عثمان ﵁ شُرِع الأذان الأول للجمعة ليتهيأ الناس للصلاة حتى لا تفوتهم وذلك لما كثر الناس، فإذا أذن المؤذن بين يدي الخطيب وإذا هم قد تهيؤا للخطبة وحين أتم في السفر قال: (ولكني إمام الناس فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولوا: هكذا فرضت) إلى غير ذلك من الأمثلة (^٤).\nوعلى ذلك سار سلف الأمة من التابعين ومن بعدهم وذلك ببيان حكمة النص أو بالنظر في النوازل وما فيها من مصالح لتطبيقها بين الناس.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة برقم (٧٥)، والترمذي في جامعه كتاب الطهارة باب سؤر الهرة برقم (٩٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم مثل الشافعي وأحمد وإسحاق لم يروا بسؤر الهرة بأسا وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب وقد جود مالك هذا الحديث عن عبد الله بن أبي طلحة ولم يأت به أحد أتم من مالك. وصححه الألباني (إرواء الغليل ١/ ١٩٢).\n(^٢) للاستزادة من الأمثلة في القرآن والسنة يرجع إلى: تعليل الأحكام (ص ١٥ - ٣٠)، أضواء البيان (٣/ ١٢٩، ١٣٠).\n(^٣) نصر بن حجاج بن علاط السلمي من أولاد الصحابة ولد في عهد النبي - ﷺ - وكان ذو هيئة حسنة (الإصابة ٦/ ٤٨٥).\n(^٤) انظر: تعليل الأحكام (ص ٦٥، ١٤٤)، أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية، سميح الجندي (ص ٤١ - ٤٥)","vol":"1","page":5},{"text":"فحين روى الإمام مالك بن أنس (^١) حديث رسول الله - ﷺ - أنه: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) بين الحكمة من ذلك فقال: (إنما ذلك مخافة أن يناله العدو) (^٢).\nوتأمل فتواه ﵀ حين أراد الخليفة أن يرد البيت على قواعد إبراهيم فقال له: (لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله) (^٣).\nوهذا أبو يوسف (^٤) صاحب الإمام أبي حنيفة (^٥) يستدرك على شيخه في حديث رسول الله ﷺ: (أنه جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما) (^٦)، وذلك أن أبا حنيفة قضى للفرس بسهم معللا ذلك بقوله: (لا أفضل بهيمة على رجل مسلم) فاستدرك عليه أبو يوسف بقوله: (ليس ذلك على وجه التفضيل ولو كان على وجه التفضيل ما كان ينبغي أن يكون للفرس سهم وللرجل سهم لأنه قد سوّى بهيمة برجل، إنما هذا على\n_________\n(^١) إمام دار الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الحميري ثم الأصبحي المدني، حليف بني تيم من قريش ولد في سنة ثلاث وتسعين فأخذ عن نافع، وسعيد المقبري، وعامر بن عبد الله ابن الزبير، وابن المنكدر، والزهري، وعبد الله بن دينار توفي في ربيع الأول سنة ١٧٩ هـ (سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨، ٤٩، ١٣٠).\n(^٢) الموطأ، كتاب الجهاد، باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو برقم (٩٦٢) (٢/ ٤٤٦)، وهو عند البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو برقم (٢٨٢٨٢)، ومسلم في كتاب الإمارة باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم برقم (١٨٦٩).\n(^٣) الموافقات، لأبي إسحاق الشاطبي (٤/ ٥٥).\n(^٤) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش بن سعد بن بجير بن معاوية الأنصاري الكوفي. حدث عن هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حنيفة، ولزمه وتفقه به، وهو أنبل تلامذته وحدث عنه: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن الجعد، وثقه النسائي وقال أبو حاتم: يكتب حديثه توفي سنة ١٨٢ هـ. (سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٣٥ - ٥٣٨).\n(^٥) أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي الكوفي الإمام عالم العراق، ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة، روى عن عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار ونافع مولى ابن عمر، وحماد بن أبي سليمان وبه تفقه وعني بطلب الآثار وارتحل في ذلك، أخذ عنه أبو عاصم النبيل وعبد الله بن المبارك ومحمد بن الحسن الشيباني قال عنه ابن معين: ثقة، قال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، توفي شهيدا في سنة ١٥٠ هـ. (سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٩٠ - ٤٠٣)\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب سهام الفرس برقم (٢٧٠٨)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين برقم (١٧٦٢).","vol":"1","page":6},{"text":"أن يكون عدة الرجل أكثر من عدة الآخر، وليرغب الناس في ارتباط الخيل في سبيل الله، ألا ترى سهم الفرس إنما يرد على صاحب الفرس فلا يكون للفرس دونه) فبين ﵀ أن الحكمة في ذلك هو ترغيب الناس في تكثير العدة وتقوية المسلمين (^١).\n\nومما يبين أهمية هذه الحكم كذلك: أننا مأمورون بالتأمل والتفكر فالله ﷿ لم يخلق الخلق عبثا كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [٢٧] بل خلقهم لحكمة عظيمة. وأمرنا جل وعلا بالتدبر والتأمل في آياته الشرعية والكونية فقال:\n﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩] ومدح الله أصحاب العقول وأرباب الحِكم بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] فالبحث عن الحِكم وتلمسها من التفكر والتأمل الذي أمر الله به، وهما كذلك وسيلة لبيان هذه الحِكم وإظهارها (^٢).\nوبهذا تتبين أهمية الحِكم وعناية السلف ﵏ في إعمال فكرهم واجتهادهم في تحصيلها وذلك باستقرائهم لنصوص الوحي أو بالنظر في النصوص ودلالات الألفاظ والسياق، أو بالاستنباط والتأمل مما جاء فيه النص بحكم وسكت عن حكمته إلى غير ذلك من الطرق التي تعرف بها الحِكم (^٣).\n_________\n(^١) الخراج، لأبي يوسف (ص ١٩).\n(^٢) علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه، د. عبد الله بن بيه (ص ٣٦، ٣٧).\n(^٣) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص ١٨٩ - ١٩٦)، طرق الكشف عن مقاصد الشارع، نعمان جغيم (ص ٥٩، ٧٩)، أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية لسميح الجندي (ص ٨٦ - ١٠٥).","vol":"1","page":7},{"text":"وفي ذلك يقول العز بن عبد السلام (^١): (ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر وتارة بالإخبار، وتارة بما رتب عليها في العاجل والآجل من خير أو شر أو نفع أو ضر وقد نوع الشارع ذلك أنواعا كثيرة ترغيبا للعباد وترهيبا وتقريبا إلى أفهامهم، فكل فعل عظمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله، أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالاستقامة أو بالبركة أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته أو للثواب عاجلا أو آجلا، أو لشكره له أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه أو تكفير سيئاته، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب، وكل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه أو ذم فاعله أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه أو نفى محبته أو محبة فاعله أو الرضا به أو الرضا عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم والشياطين أو جعله مانعا من الهدى والقبول أو وصفه بسوء أو كراهة، أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه أو جعله سببا لنفي الفلاح أو لعذاب آجل أو عاجل أو لذم أو لوم أو ضلاله أو معصية، فهو دليل المنع من الفعل ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة) (^٢).\nولما كان أمر الحكم بهذه المثابة اعتنى العلماء من بعدهم به وأولوه اهتماما وحرصا بالحديث عنه في ثنايا كتبهم أو بإفراد مؤلف خاص به.\nومن أمثلة هذه الكتب ما كتبه القفال الشاشي في كتابه (محاسن الشريعة في فروع الشافعية) (^٣)\n_________\n(^١) عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد، ولد ونشأ في دمشق وزار بغداد سنة ٥٩٩ هـ فأقام شهرا وعاد إلى دمشق، فتولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي ثم الخطابة بالجامع الاموي، ولما سلم الصالح إسماعيل قلعة \" صفد \" للفرنج اختيارا أنكر عليه فغضب وحبسه ثم أطلقه فخرج إلى مصر فولاه صاحبها الصالح نجم الدين أيوب القضاء والخطابة ومكنه من الأمر والنهي، ثم اعتزل ولزم بيته. من كتبه التفسير الكبير والإلمام في بيان أدلة الأحكام وقواعد الأحكام في إصلاح الأنام وغيرها توفي بالقاهرة سنة ٦٥٩ هـ (الأعلام ٤/ ٢١).\n(^٢) الإلمام في بيان أدلة الأحكام (ص ٧٩ - ٨٣) واختصره ابن القيم في بدائع الفوائد (٤/ ٦، ٧).\n(^٣) هو أبو بكر، محمد بن علي بن إسماعيل بن الشاشي الشافعي القفال الكبير، إمام وقته بما وراء النهر، وصاحب التصانيف، كان أعلم أهل ما وراء النهر بالأصول توفي عام ٣٦٥ هـ (سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٨٤)، ويوجد من كتابه هذا نسخة مخطوطة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية.","vol":"1","page":8},{"text":"وللراغب الأصفهاني كتاب موسوم بـ (الذريعة إلى مكارم الشريعة) (^١).\nوكذلك ما كتبه محمد بن عبد الرحمن البخاري (^٢) في كتابه (محاسن الإسلام).\nومن الكتب التي أصّلت وعرفت بهذا الفن كتاب (الموافقات في أصول الشريعة) للإمام الشاطبي (^٣)، وقد أسماه قبل ذلك (التعريف بأسرار التكليف) (^٤)، كما ألف العز بن عبد السلام كتابه (قواعد الأحكام).\nومن هذه الكتب التي عنيت ببيان الحِكم: (حجة الله البالغة) لِشاه ولي الله الدهلوي (^٥).\nوهكذا استمر العلماء ﵏ يألفون في بيان حكمة التشريع وبيان أسراره حتى وقتنا الحاضر، وما ذاك إلا لأهميته وعناية القرآن به.\nقال الشاطبي: (والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد) (^٦).\nوقال: (وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى) (^٧).\nوهكذا نجد كلام العلماء عن الحكم واضحا جليا.\nوممن تطرق لهذا الموضوع من المعاصرين على سبيل التمثيل لا الحصر:\n_________\n(^١) هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني كان عالما بأنواع العلوم وماهرا في التفسير وله المفردات، والذريعة إلى محاسن الشريعة وأفانين البلاغة توفي عام ٥٣٥ هـ (طبقات المفسرين للأدنه وي ص ١٦٩).\n(^٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن أحمد العلامة أبو عبد الله البخاري الواعظ المفسر قال السمعاني كان إماما متفننا قيل إنه ألف في التفسير كتابا أكثر من ألف جزء وأملاه في آخر عمره تفقه بأبي نصر أحمد بن عبد الرحمن الريغذموني وكانت وفاته في شهر جمادي الآخرة سنة ٥٤٦ هـ (طبقات المفسرين للسيوطي ص ٩٤). (معجم المؤلفين ٣/ ٣٨٩).\n(^٣) هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، أبو إسحاق الشاطبي فقيه أصولي لغوي مفسر من مصنفاته الاعتصام والموافقات وغيرها من الكتب، توفي سنة ٧٩٠ هـ. (شجرة النور الزكية ص ٢٣١).\n(^٤) انظر: الموافقات (١/ ٢٥).\n(^٥) هو أحمد ولي الله بن عبد الرحيم بن وجيه الدين العُمري الدهلوي نسبة إلى مدينة (دهلي الهندية) ولد سنة ١١١٤ هـ له مؤلفات كثيرة منها (الزهراوين) في تفسير سورة البقرة وآل عمران، والفوز الكبير في أصول التفسير، توفي سنة ١١٧٦ هـ. (الأعلام للزركلي ٨/ ١١٩) (ترجمة محقق كتابه حجة الله البالغة ١/ ١٠، ١١).\n(^٦) الموافقات (٢/ ٣٢٢).\n(^٧) المصدر السابق (٢/ ٣٢٣).","vol":"1","page":9},{"text":"١ - علي أحمد الجرجاوي (^١) أحد علماء الأزهر، له كتاب بعنوان (حكمة التشريع وفلسفته).\n٢ - الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، له رسالة لطيفة موسومة بـ (منهج التشريع الإسلامي وحكمته) (^٢).\n٣ - الطاهر ابن عاشور (^٣) في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية).\n٤ - علال الفاسي (^٤) في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها).\n\nكما أن في بيان الحِكم من الفوائد ما يؤكد أهميتها ويدعو إلى الاهتمام بها (^٥).\nومن أهم هذه الحِكم التي ينبغي معرفتها: الحِكم المتعلقة بأبواب المعاملات وذلك أن الشريعة توسعت في بيان الحكم والعلل في تشريع هذه الأحكام ببيان مصلحتها للعباد وتتميمها لمكارم الأخلاق ومحاسن العادات، فإذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول والانقياد (^٦).\n_________\n(^١) علي بن أحمد الجرجاوي: صحفي أزهري مصري، رأس جمعية \" الأزهر \" العلمية، وأنشأ جريدة \" الإرشاد \" الأسبوعية، وقام برحلة ألف فيها كتابه: الرحلة اليابانية، وله كتاب: حكمة التشريع والفلسفته، توفي سنة ١٣٤٠ هـ. (الأعلام ٤/ ٢٦٢)\n(^٢) هو الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي: المفسر الأصولي من علماء شنقيط ثم من علماء المدينة ولد بشنقيط وتعلم بها، وحج عام (١٣٦٧ هـ) واستقر مدرسا في المدينة المنورة ثم الرياض وأخيرا في الجامعة الاسلامية بالمدينة عام (١٣٨١ هـ) وتوفي بمكة عام ١٣٩٣ هـ، ومن كتبه: أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن ودفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب وآداب البحث والمناظرة (الأعلام ٦/ ٤٥)\nوأصل رسالة (منهج التشريع) محاضرة ألقاها فضيلته في الجامعة الإسلامية.\n(^٣) محمد الطاهر بن عاشور: رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه، عين (عام ١٩٣٢ م) شيخا للإسلام مالكيا. وهو من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة، ومن مؤلفاته: مقاصد الشريعة الإسلامية وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام والتحرير والتنوير توفي عام ١٣٩٣ هـ. (الأعلام ٦/ ١٧٤).\n(^٤) هو علال أو محمد علال بن عبد الواحد بن عبد السلام الفاسي من كبار علماء وخطباء المغرب كان أستاذا بكلتي الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط وفاس ومن مؤلفاته: دفاع عن الشريعة ومقاصد الشريعة ومكارمها توفي سنة ١٣٩٤ هـ. (الأعلام ٤/ ٢٤٦).\n(^٥) وقد أفردت مبحثا مستقلا في بيان فوائد معرفة الحِكم انظر (ص ٣١).\n(^٦) انظر: الموافقات (٢/ ٥٩٠، ٥٩١).","vol":"1","page":10},{"text":"وتزداد<span data-type=\"title\" id=toc-2> أهمية هذا الموضوع </span>في هذا الزمان التي ظهرت فيه القوانين الوضعية، وارتفعت فيه النداءات بإقصاء الشريعة عن الحياة، وأنها لا تصلح لهذه العصور الحديثة، ولم يعلم أصحاب تلك الشعارات أن أي قانون أو أي حكم وضعي غير حكم الله إنما هو قانون نفعي، ويحاولون بذلك استقرار المجتمع زعموا، مع إهدارهم لمبادئ الأخلاق والدين.\n(أما الأحكام التي شرعها الله للناس فتحرص على رعاية الفضيلة والأخلاق القويمة، فتحريم الربا مثلًا قصد منه بث روح التعاطف والتعاون بين الناس، وحماية المحتاجين من جشع أصحاب المال، والمنع من التغرير والغش في العقود، من أجل إشاعة المحبة وتوفير الثقة ومنع المنازعة بين الناس، والسمو عن أدران المادة واحترام حقوق الآخرين وتحريم الخمر من أجل الحفاظ على مقياس الخير والشر وهو العقل، وإذا تآزر الدين والخلق مع التعامل تحقق صلاح الفرد والمجتمع وسعادتهما معا). (^١)\nومن هنا يتبين أهمية إبراز هذه الحكم المتعلقة بأبواب المعاملات.\nوبعد أن أجلت النظر في الآيات المتعلقة بأبواب المعاملات، استخرت الله تعالى واستعنت به في أن أبرز الحكم المتعلقة بالمعاملات المالية، والمواريث، والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم وكان اختياري لهذه الأبواب الفقهية حسب ترتيب الإمام ابن قدامة المقدسي (^٢) لها في عمدة الفقه، وهو من علماء الحنابلة.\n_________\n(^١) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، د. وهبة الزحيلي (١/ ٢٣).\n(^٢) هو موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي ولد بجماعيل سنة ٥٤١ هـ، كان إمام الحنابلة بجامع دمشق وكان ثقة حجة نبيلا حسن الاعتقاد كثير التعبد، له مؤلفات كثيرة منها المغني، والمقنع والكافي وعمدة الفقه، توفي سنة ٦٢٠ هـ. (سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٦٦ - ١٦٨).","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أسباب اختيار الموضوع</span>\n١ - تعلقه الوثيق بكتاب الله جل وعلا. وذلك لما فيه من إدامة النظر في كتاب الله تعالى وتفهمه وتدبره، والانتفاع به.\n٢ - أهمية هذا الموضوع، وخصوصا في هذا الزمان الذي ظهرت فيه القوانين الوضعية.\n٣ - إن هذا الموضوع يعتبر من التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ولا تخفى أهمية هذا النوع من التفسير، لما فيه من صياغة حياة الأمة والرقي بها وإسعادها في ضوء القرآن الكريم.\n٤ - حاجة الفرد والأمة إلى معرفة الحكم من المعاملات التي قصد الشارع تحقيقها في المكلف، لما يترتب على ذلك من صلاح الفرد والأمة وتهذيب الأخلاق والنفوس.\n٥ - إن إبراز الحكم من طرق القرآن الكريم في أمر المؤمنين وخطابهم، كما قال ابن سعدي (^١) ﵀: (أن من طريقته العناية بمثل هذه الحكم والآثار) (^٢) وفي هذا البحث تطبيق عملي لهذه الطريقة الجليلة.\nجمادى ثان - التعرف على المصادر، والتمرس في الرجوع إليها في علم التفسير.\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي مفسر من علماء الحنابلة من أهل نجد، مولده ووفاته في عنيزة (بالقصيم) وهو أول من أنشأ مكتبة فيها (سنة ١٣٥٨ هـ) له نحو ٣٠ كتابا، منها تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن وتيسير اللطيف المنان في خلاصة مقاصد القرآن والقواعد الحسان في تفسير القرآن، توفي عام ١٣٧٦ هـ. (الأعلام ٣/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر: القواعد الحسان: (ص ٣٠).","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>خطة البحث</span>\nويشتمل البحث على مقدمة وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة وفهارس.\n• المقدمة: وتشتمل على:\nأهمية الموضوع\nأسباب اختيار الموضوع\nخطة البحث.\nمنهج كتابة البحث.\n• التمهيد (الغاية من تكليف الله للعبد، وفوائد معرفة الحكم) وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد.\nالمبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم.\n• الباب الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة.\nوفيه أربعة فصول:\n• الفصل الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: تقوى الله ﷿.\nالمبحث الثاني: مراقبة الله ﷿.\nالمبحث الثالث: تحقيق الفلاح.\nالمبحث الرابع: التسليم بالقضاء والقدر.\nالمبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا.\nالمبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة.","vol":"1","page":13},{"text":"• الفصل الثاني: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المواريث، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تقوى الله ﷿.\nالمبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته.\n\n• الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح، وفيه ثمانية مباحث:\n\nالمبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى.\nالمبحث الثاني: تقوى الله تعالى.\nالمبحث الثالث: مراقبة الله ﷿.\nالمبحث الرابع: شكر الله ﷿.\nالمبحث الخامس: التوكل على الله.\nالمبحث السادس: التربية على الصبر.\nالمبحث السابع: البعد عن قول الزور.\nالمبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة.\n\n• الفصل الرابع: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: تقوى الله ﷿.\nالمبحث الثاني: مراقبة الله ﷿.\nالمبحث الثالث: شكر الله ﷿.\nالمبحث الرابع: تعظيم شعائر الله.\nالمبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان.\nالمطلب الثاني: اجتناب الفسق.","vol":"1","page":14},{"text":"• الباب الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة.\nوفيه أربعة فصول:\n\n• الفصل الأول: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: التعامل بالمعروف.\nالمبحث الثاني: تحقيق العدل.\nالمبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة.\nالمبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة.\nالمبحث الخامس: حفظ الحقوق.\n\n• الفصل الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المواريث، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه.\nالمبحث الثاني: التكافل الاجتماعي.\nالمبحث الثالث: صلة الرحم.\nالمبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة.\nالمبحث الخامس: حفظ الحقوق.","vol":"1","page":15},{"text":"• الفصل الثالث: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات النكاح، وفيه تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها.\nالمبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة.\nالمبحث الثالث: التكاثر والتناسل\nالمبحث الرابع: الطمأنينة والسكن.\nالمبحث الخامس: التعامل بالمعروف\nالمبحث السادس: التكافل الاجتماعي.\nالمبحث السابع: حفظ الأعراض.\nالمبحث الثامن: حفظ الحقوق.\nالمبحث التاسع: إشاعة العفة ومحاربة الرذيلة.\n• الفصل الرابع: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: إقامة شعائر الله.\nالمبحث الثاني: حفظ الحقوق.\nالمبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة.","vol":"1","page":16},{"text":"• الباب الثالث: التيسير ورفع الحرج على الفرد والمجتمع في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة.\nوفيه أربعة فصول:\n• الفصل الأول: التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عنه.\nالمبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم.\n\n• الفصل الثاني: التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث.\n\n• الفصل الثالث: التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تيسير أمر النكاح.\nالمبحث الثاني:. التيسير في إباحة الطلاق.\nالمبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية.\n\n• الفصل الرابع: التيسير ورفع الحرج في آيات الأطعمة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: التيسير في إباحة الطيبات.\nالمبحث الثاني: التيسير ورفع الحرج عن المضطر.\n\n• الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث.\n• الفهارس: وتشتمل على:\nفهرس الآيات القرآنية.\nفهرس الأحاديث والآثار.\nفهرس الأعلام.\nفهرس المصادر والمراجع.\nفهرس الموضوعات.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>شكر وتقدير</span>\nهذا وأشكر الله العلي القدير بمنه وفضله أن يسّر لي إتمام هذه الرسالة مع اعترافي بالعجز والتقصير، فما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان.\nثم أشكر الجامعة الإسلامية التي شرفت بالانتماء إليها وتلقي العلم فيها لما تميزت به من المنهج العذب الصافي المستمد من الكتاب والسنة، كما أشكر كلية القرآن الكريم وقسم التفسير متمثلا في مشايخه على ما أسدوه لي من نصح وتوجيه في هذا البحث.\nكما أشكر شيخي وأستاذي الذي أشرف عليّ أثناء البحث، فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الله بن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي على ما قدمه لي من نصح وتوجيه، فأسأل الله أن يبارك له في علمه وعمره.\n\nوأتقدم بالشكر الجزيل للشيخين الكريمين والأستاذين الفاضلين اللذين تفضلا بقبول قراءة هذه الرسالة.\n\nوأسال الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل\nإنه على كل شيء قدير.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>منهج كتابة البحث</span>\n١ - جمع الآيات المتعلقة بالموضوع، وهي آيات المعاملات المالية، والمواريث، والنكاح، والأطعمة من القرآن الكريم، وذلك حسب ترتيب ابن قدامة ﵀ في عمدة الفقه كما ذكرت.\n٢ - استخراج الحكم، من هذه الآيات المباركات، من منطوق الآية أو مفهومها وذلك من خلال الرجوع إلى كلام المفسرين خاصة، وسائر العلماء عامة في حديثهم عن هذه الحكم، وسواء كانت هذه الحكم عاجلة أو آجلة، ولا أدعي الاستيعاب لجميع تلك الحكم، وإنما جمعت الغالب منها.\n٣ - رتبت الأبواب في البحث بطريقة مناسبة، وهي: ذكر الحكم العامة التي اشتملت عليها آيات المعاملات، والمواريث، والنكاح، والأطعمة كلها أو جلها، وذلك ليتسنى معرفة الحكم على وجه الإجمال والعموم\n٤ - ذكرت تحت هذه الأبواب ما يتعلق بالمعاملات، والمواريث، والنكاح، والأطعمة على حدة، وذلك ليسهل الرجوع إلى الحِكم لكل باب من هذه الأبواب في مظانها.\n٥ - قسمت هذه الفصول إلى مباحث ومطالب تضمنت ذكر ما تحتها من الحكم المتعلقة بالمعاملات، والمواريث، والنكاح، والأطعمة وذلك حسب ما يتفق ويتسق مع المادة الموضوعة للبحث.\n٦ - عزو الآيات القرآنية بعد ذكرها مباشرة في صلب البحث، كي لا تكثر هوامش البحث.\n٧ - تخريج الأحاديث النبوية تخريجا يبين درجتها فما كان في الصحيحين أو أحدهما أكتفي بالعزو إليه وما كان في غيرهما من كتب السنة عزوته لمصدره مع بيان درجته، معتمدا في ذلك على كلام أهل العلم المحققين.","vol":"1","page":19},{"text":"٨ - توثيق الأبيات الشعرية ونسبتها إلى قائليها، وذلك من خلال دواوين الشعر وكتب اللغة.\n٩ - ضبط ما يحتاج إلى ضبط، مع الالتزام بعلامات الترقيم.\n١٠ - الترجمة الموجزة للأعلام غير المشهورين.\n١١ - القيام بوضع الفهارس اللازمة.\n\nأسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما يحب ويرضى\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين","vol":"1","page":20},{"text":"تمهيد\n\nويشتمل على:\n\nالمبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد.\n\nالمبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>تمهيد</span>\nقبل الحديث عن الغاية من التكليف وفوائد معرفة الحكم، يحسن في هذا المقام<span data-type=\"title\" id=toc-8> تعريف الحكمة </span>والمراد بها وما تتضمنها من معان وأقسام لها تعلق بالبحث وارتباط به.\n• تعريف الحكمة:\nالحاء والكاف والميم أصلٌ واحد، وهو المنْع. وأوّل ذلك الحُكْم، وهو المَنْع من الظُّلْم.\nوهي في اللغة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم (^١).\nوالحكمة في الاصطلاح: هي المصلحة المقصودة من تشريع الحكم من جلب نفع أو دفع مضرة ورفع حرج (^٢).\nوهذا التعريف يشمل ثلاثة أمور:\n١ - درء المفسدة وهو ما يعبر عنه الأصوليون بالضروريات.\n٢ - جلب المصلحة وهو ما يعبر عنه بالحاجيات.\n٣ - الجري على مكارم الأخلاق واتباع أحسن المناهج في العادات وهو ما يعبر عنه بالتحسينات والتتميميات (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-9> علاقة الحكمة بالمقصد والعلة:</span>\nوإذا تأملت في هذا التعريف ترى مدى ارتباطه بمقاصد الشريعة، فكثير من العلماء يعبر عن المقصد بالحكمة، فيقال هذه حكمته كذا، وهذا مقصوده كذا، وقد عرف الطاهر ابن\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٢/ ٩١)، لسان العرب (١٢/ ١٤٠).\n(^٢) انظر: تعليل الأحكام، د. محمد شلبي (ص ١٣٦)، مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، يوسف البدوي (ص ٥٥)، المقاصد الشرعية وصلتها بالأدلة الشرعية والمصطلحات الأصولية، د. نور الدين الخادمي (ص ٦٨)، مقاصد الشريعة عند العز بن عبد السلام، د. عمر بن صالح (ص ٩١). نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، د. الريسوني (ص ١٠).\n(^٣) منهج التشريع الإسلامي وحكمته، للشنقيطي (ص ٣٨، ٣٩).","vol":"1","page":22},{"text":"عاشور المقاصد بالحكم فقال: (مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها) (^١).\nكما أن للحكمة علاقة بالعلة، وذلك أن العلة تطلق ويراد بها عدة اصطلاحات:\nالأول: ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر.\nالثاني: ما يترتب على تشريع الحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة.\nالثالث: الوصف الظاهر المنضبط الذي يترتب على تشريع الحكم عنده مصلحة للعباد.\nوكل هذه الاصطلاحات يصح أن يطلق عليها علة، إلا أنهم اصطلحوا فيما بعد على قصر العلة على الوصف الظاهر المنضبط، وأما ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر فقالوا عنه حكمة مع اعترافهم بكونها علة (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-10> أقسام الحِكم:</span>\nومن خلال هذا التعريف فقد قسّم العلماء الحِكم إلى أقسام باعتبارات عدة:\nفقُسمَت باعتبار الزمان، فقسموها إلى حِكم دنيوية وإلى حِكم أخروية والحِكم الدنيوية تؤدي إلى الحكم الأخروية، كما تسمى (بالحكم العاجلة والآجلة) (^٣).\nوقُسمَت باعتبار تعلقها بعموم الأمة وأفرادها فقسموها إلى حِكم كلية وهي الحِكم التي تعود على المجتمع، وإلى حِكم جزئية وهي الحِكم التي تعود على آحاد الأفراد أو المجموعة الصغيرة منهم.\nوقسمت باعتبار شمولها لمجالات التشريع، فقسموها إلى حِكم عامة تُلحظ في جميع أنواع التشريع أو معظمها، وإلى حِكم خاصة تلحظ في جملة من الأبواب المتقاربة والمتجانسة وإلى حِكم جزئية عند كل حُكْم.\n_________\n(^١) مقاصد الشريعة الإسلامية (ص ٢٥١)، وانظر: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (ص ٨).\n(^٢) انظر: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (ص ١١، ١٢).\n(^٣) انظر: قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام (٢/ ٢٤٣)، الموافقات (٢/ ٣٥٠، ٣٥١).","vol":"1","page":23},{"text":"كما قسمت باعتبار آثارها على الأمة إلى حِكم ضرورية يختل نظام الحياة باختلالها وإلى حِكم حاجية تحتاج الأمة إليها لانتظام مصالحها وأمورها، وإلى حِكم تحسينية يكون بها كمال الأمة في نظامها، فتبلغ بها مرتبة عالية من الرقي والتحضر، وحسن المعاملة والمظهر (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد</span>.\nمن المعلوم أن الله جل وعلا خلقنا وأوجدنا من العدم، فقال: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ [الملك: ٢٣] وهو أعلم بما يصلح عباده وما هو نافع لهم، وما هو ضار عليهم.\nولما كان الأمر كذلك، أَمَرَهم ونَهاهم، وشرع لهم دينه ليقوموا به حق قيام كما\nقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقد كان هذا الدين الذي رضيه الله لنا وشرعه، لغاية عظمى ومقصد أسمى ألا وهو: طاعته ﷾ وامتثال ما أمر به والتعبد له بما شرع فقد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] بمعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليذعنوا لي بالعبودية، كما قال ابن عباس ﵁ في هذه الآية: (إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها) (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿:\n(ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: طرق الكشف عن مقاصد الشارع (ص ٢٦ - ٣١)، مقاصد الشريعة عند العز بن عبد السلام (ص ١٥٨، ١٦٢).\n(^١) جامع البيان، وقد أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٢٢/ ٤٤٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب رقم (٣٠) ورقمه (٢٤٦٦) وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد باب الهم بالدنيا، برقم (٤١٠٧)، وابن حبان في صحيحه، كتاب البر والإحسان باب الإخلاص وأعمال السر برقم (٣٩٣)، وصححه الحاكم في مستدركه وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (كتاب الرقاق برقم ٧٩٢٦)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٤٦) برقم (١٣٥٩).","vol":"1","page":24},{"text":"ولقد تضافرت أقوال العلماء رحمهم الله تعالى في تقرير هذه المسألة وبيان سر العبودية لله تعالى، وأن التكاليف الشرعية هي سر سعادة العبد وفلاحه، لأنها تخرجه من داعية الهوى حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا (^١).\n\nفبيّن ابن قدامة ﵀، أن مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال (^٢).\nوأكد الإمام الشاطبي ﵀ على هذا وبين أن الشرع إنما جاء بالتعبد وأنه المقصود من بعثة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ثم حشد أدلة كثيرة من كتاب الله على ذلك ومنها قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ [هود: ١، ٢] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] (^٣).\n\nفالعبد مجبول على التعبد محتاج له، بل مفتقر إليه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٤): (واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبده ولا يشرك به شيئا ليس له نظير فيقاس به لكن يشبه من بعض الوجوه، حاجة الجسد إلى الطعام والشراب وبينهما فروق كثيرة، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو، فلا\n_________\n(^١) انظر: الموافقات (٢/ ٤٦٩).\n(^٢) روضة الناظر، ابن قدامة (١/ ٤٧).\n(^٣) الموافقات (١/ ٥٥).\n(^٤) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الدمشقي الحنبلي، أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية: شيخ الإسلام، ولد في حران وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر، وطلب إلى مصر من أجل فتوى أفتى بها فقصدها، فتعصب عليه جماعة من أهلها فسجن مدة ونقل إلى الإسكندرية، ثم أطلق فسافر إلى دمشق سنة ٧١٢ هـ واعتقل بها سنة ٧٢٠ وأطلق ثم أعيد، ومات معتقلا بقلعة دمشق، فخرجت دمشق كلها في جنازته سنة ٧٢٨ هـ، كان كثير البحث في فنون الحكمة، داعية إصلاح في الدين، آية في التفسير والأصول فصيح اللسان، قلمه ولسانه متقاربان. (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/ ٨٨، ٨٩) (الأعلام للزركلي ١/ ١٤٤)","vol":"1","page":25},{"text":"تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه) (^٢).\nفيا حرمان من انصرف عن عبودية الله تعالى إلى عبودية غيره مما لا ينفع ولا يضر، بل يجلب الحسرة والندامة، وقد ترى في عبادة من صرف عن الله من المشقة والعنت ما لم يكلفهم الله به، ولكن حين انصرفوا عن شرع الله صرف الله عقولهم وأبصارهم عن الحق، وانطبق عليهم قول الحق: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٤]\nوما أبلغ ما وصفهم به ابن القيم (^٣) ﵀، إذ يقول:\nهربوا من الرق الذي خلقوا له ... فبلوا برق النفس والشيطان\nلا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم ... فقد ارتضوا بالذل والحرمان (^٤)\n\nفسِرُّ سعادة العبد هو في التعبد لله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا والمنزه عن النقائص والعيوب، ولهذا قال إبراهيم الخليل ﵇: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦] وكان أعظم آية في القرآن: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الدائم الباقي الذي لا يزول ولا ويعدم ولا يفنى بوجه من الوجوه، فالتعبد لله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٤).\n(^٢) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي ولد سنة ٦٩١ وسمع على أبي بكر بن عبد الدائم والمجد الحراني وابن تيمية وكان جرئ الجنان واسع العلم عارفا بالخلاف ومذاهب السلف وكان كثير الصلاة والتلاوة حسن الخلق كثير التودد لا يحسد ولا يحقد، وله من التصانيف الهدي وأعلام الموقعين وبدائع الفوائد وتصانيف أخرى وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف توفي سنة ٧٥١ هـ (الدرر الكامنة ٢، ابن حجر/٢٤٣).\n(^٣) الكافية الشافية، ابن القيم (ص ٣٤٨).","vol":"1","page":26},{"text":"وآيات القرآن الكريم قد بينت هذا المعنى وقررته، بالأمر به تارة، وبيان حال الممتثلين لأمر الله ورسوله ﷺ تارة، وذم من خالفوا أمره تعالى والتحذير من سوء عاقبتهم تارة أخرى.\nومن ذلك قول الله ﷿: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠] فهي الشريعة التي وضع الله تعالى في قلوب الخلق الميل إليها والتوجه لإقامتها وهذه هي الفطرة (^١).\nويقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥] أي: مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله ﷿ (^٢).\nويقول الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي: (^٣) (إن الله تعالى خلق الخلق عبيدا ليعبدوه فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق الدنيا ملوك في دار الإسلام وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أباق سقاط لئام وغدا أعداء في السجون بين أطباق النيران) (^٤).\nوقد أمر جل وعلا أمرا أكيدا على الاستجابة والامتثال لأمره وأمر رسوله - ﷺ - وأن هذه الاستجابة فيها حياة النفوس، فقال الحق ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤] فناداهم الله تعالى بوصف الإيمان وهو الذي يقتضي أن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٥)، تيسير الكريم الرحمن (ص ٥٩٠).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (٥/ ٥٠٠).\n(^٣) هو محمد بن علي بن الحسن بن بشر الحكيم الترمذي، أبو عبد الله، حدث عن: أبيه وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر، وحدث عنه يحيى بن منصور القاضي والحسن بن علي من مشايخ نيسابور، قال الذهبي: له حكم ومواعظ لولا هفوة بدت منه (سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٤٠)\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (١٥/ ٩٨).","vol":"1","page":27},{"text":"يثقوا بعناية الله بهم فيمتثلوا أمره إذا دعاهم، والإحياء مستعار لما يشبه إحياء الميت، وهو إعطاء الإنسان ما به كماله، فيعم كل ما به ذلك الكمال من إنارة العقول بالاعتقاد الصحيح والخلق الكريم والدلالة على الأعمال الصالحة وصلاح الفرد والمجتمع، ولما كان الرسول ﷺ لا يخلوا عن إفادة شيء من معاني هذه الحياة، أمر الله الأمة بالاستجابة له، فالآية تقتضي الأمر بالامتثال لما يدعو له الرسول - ﷺ -. (^١)\nبل أتى النهي الأكيد والوعيد الشديد على تقديم أمر أي أحد على أمر الله ورسوله، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦] ولما حصل من بعض أهل النفاق، والكفرة من اليهود ارتياب وشك، وأرادوا لمز أهل الإيمان في حادثة تحويل القبلة حين حكى الله عنهم قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أنزل الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢] وبيّن أن البر والإيمان في الطاعة والامتثال فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ... الآية﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: أن الشأن كله في امتثال أوامر الله فحيثما وجهَنا توجهنا فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصرفه وخدامه، حيثما وجهَنا توجهْنا. (^٢)\nلقد وعى صحابة رسول الله - ﷺ - هذه الغاية العظمى وتربوا عليها ولا أدل على ذلك من سرعة إذعانهم واستجابتهم لأمر الله ورسوله حين نزل تحريم الخمر فلم يتباطؤوا ولم يتكاسلوا بل أراقوا شرابهم ومجوا ما كان في أفواههم.\nشتان بينهم رضي الله تعالى عنهم وبين بني إسرائيل حين قال لهم نبي الله موسى ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فكان جوابهم: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة:٦٧].\n_________\n(^١) انظر التحرير والتنوير ابن عاشور (٩/ ٣١٣).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤٥٤).","vol":"1","page":28},{"text":"أو ما حكى الله عنهم حين قال لهم موسى ﵇: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾ [المائدة: ٢١] فأجابوا:\n﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤] فنسأل الله تعالى السلامة والعافية، وأن يجعلنا من الممتثلين لأمر الله وأمر رسوله - ﷺ -.\nإذا تبين هذا فعلى العبد أن يمتثل أمر الله تعالى فور سماعه وعلمه به سواء ظهرت له الحكمة أم لم تظهر لأنه تعالى أحكم الحاكمين كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، وهو سبحانه أعلم بخلقه، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤] فهو لطيف بهم خبير بشؤونهم، \"فحسب العقول الكاملة أن تستدل بما عرفت من حكمته على ما غاب عنها وتعلم أن له حكمة في كل ما خلقه وأمر به وشرعه\" (^١).\nولن يجد العالم شريعة أكمل ولا أحسن من شريعة الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠] \"ولو لم يأت الرسول - ﷺ - ببرهان عليها لكفى بها برهانا وآية وشاهدا على أنها من عند الله، وكلها شاهدة له بكمال العلم وكمال الحكمة وسعة الرحمة والبر والإحسان والإحاطة بالغيب والشهادة والعلم بالمباديء والعواقب، وأنها من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عباده فما أنعم عليهم بنعمة أجل من أن هداهم لها وجعلهم من أهلها وممن ارتضاهم لها. \" (^٢)\nوأما من رد حكم الله وشرعه لأنه لم تظهر له الحكمة من الأوامر الشرعية، فهذا زيغ وضلال والعياذ بالله وانسلاخ من دين الله جل وعلا، وعدم إيمان بأسماء الله وصفاته التي منها: الحكيم، والخبير، والعليم.\nفوا عجبا ممن يرد حكم الله ودينه حيث لم يظهر لعقله القاصر حسنها! وهو الدين الذي فُطرَ الناس إلى الميل له، فأي خير وحسن لم يأمر به الله؟! وأي شر لم ينه عنه؟!\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة، ابن القيم (٢/ ٣١٥).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٠٨). وانظر في هذا المعنى: الموافقات (٢/ ٤٧٣)","vol":"1","page":29},{"text":"وما أحسن ما رد به الإمام القرطبي (^٢) ﵀ على الملحدة حين أنكروا الحج وزعموا أن تجريد الثياب يخالف الحياء، والسعي يناقض الوقار، ورمي الجمار لغير مرمى يضاد العقل.\nفقال ﵀: (فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة إذ لم يعرفوا لها حكمة ولا علة وجهلوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به ولا أن يطلع على فائدة تكليفه وإنما يتعين عليه الامتثال ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود ولهذا المعنى كان ﵇ يقول في تلبيته: لبيك حقا حقا تعبدا ورقا لبيك إله الحق) (^١).\nفالواجب على المكلف أن يتبع أهل الإيمان الذين وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].\nفالله ﷾ له الملك النافذ والتصرف التام وهو سبحانه أعلم بما يصلح عباده في أي زمان أو مكان، ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧]\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي فرح الأنصاري الخزرجي المالكي، سارت الركبان بتفسيره وله كتاب التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، إمام متفنن متبحر في العلم توفي سنة ٦٧١ هـ (طبقات المفسرين للسيوطي ص ٧٩).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢١٥).","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم:</span>\nإن معرفة حِكم أوامر الله وشريعته لها فوائد كثيرة وغايات نبيلة وسأورد في هذا المبحث بإذن الله ما يسعني جمعه، إذ لا يدرك أحد مرام هذه الفوائد ولا يحيط بجميع تلك المقاصد فهي في سعتها كالبحر الزاخر، وفي حسنها كاللآلئ والجواهر ومن تلك الفوائد ما يلي:\n١ - إن معرفة الحِكم من أجل المسائل الإلهية (^١):\nفحين يكون العبد على علم بتلك الحكم، ويعلم أن الشريعة ما جاءت إلا بجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، ويعلم أن الزكاة فيها تطهير للنفس والمال، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣] وأن تحريم الربا مثلا فيه صيانة المجتمع عن جشع أصحاب الأموال وغير ذلك من الحِكم الكثيرة، ترسخ يقينه أن مالك الملك وخالقه ﷾ هو المتصرف في الكون فأي نفع وضر أو خير أو بلاء، وأي تصريف وتقدير هو من عند الله تعالى، فيوقن أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه.\nحينها تنكشف للعبد أسرار الربوبية ومعانيها، فلا يحب إلا الله ولا يرجو سواه ولا يخاف إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوقن إلا بوعده، ولا يدعو إلا إياه، ولا يراقب سواه وهذا هو التأله الحق والتعبد لله ﷾ (^٢)، فيجب أن يكون المكلف على علم به إذ هو من أسنى المقاصد وهو قطب رحى التوحيد ونظامه ومبدأ الدين المبين وختامه. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة النبوية. شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٣٩).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى. (١/ ٨٩).\n(^٣) شفاء العليل، ابن القيم (١/ ٢).","vol":"1","page":31},{"text":"٢ - تحقيق مراد الله تعالى من الحُكْم:\nإن المكلف حين يكون على علم بالحكمة التي تتعلق بما شرعه الله تعالى فإن ذلك يكون أدعى له في تحقيق مراد الله ﷿ منه في هذه المسألة. ففرق بين عبد يقوم للصلاة ينقرها نقر الديك، ويؤدي حركات بلا تفكر في هذه الصلاة، وبين عبد يقوم للصلاة مستشعرا أنه بين يدي الله تعالى، وأن هذه الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.\nوشتان بين صائم عن الأكل والشرب والجماع، وجوارحه تطيش في الحرام وتعمل فيه وبين من صامت جوارحه عما حرم الله قبل أن يصوم عن الأكل والشرب.\nيبين هذا ما ورد عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد ليصلى الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها) (^١)، فبيّن الحديث أن العبد يصلي الصلاة الواحدة بأركانها ولكن يقبل منه على قدر ما وعى منها.\nوكذلك في الصيام فقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) (^٢) فأي صوم هذا الذي لم يمنع الإنسان عن ارتكاب ما حرم الله.\nوكذلك النكاح فإن من حكمه: الإحصان والبعد عما حرم الله كما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال: (يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (^٣)، فما بالك برجل قد أنعم الله عليه بالزواج ثم هو يرتكب ما حرم الله من الفاحشة والعياذ بالله!!! ولذلك كانت عقوبة الزاني المحصن أشد من الزاني غير المحصن.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده برقم (١٨٩١٤)، وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على المسند: حديث صحيح وصححه الألباني في صفة الصلاة (ص ٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم برقم (١٨٠٤)\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب من لم بستطع الباءة فليصم، برقم (٤٧٧٩) ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤونة واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، برقم (١٤٠٠).","vol":"1","page":32},{"text":"فإذا علم المكلف هذه الحِكم واستشعرها أقبل على ربه حين يصلي خاشعا متخشعا سائلا مولاه أن تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وصام حتى تصوم نفسه وجوارحه عما حرم الله، وإذا أراد النكاح كانت نيته أن يعف نفسه، وأن يرزقه الله ذرية طيبة، فإن لم يستطع بَذَل جميع الوسائل في إعفاف نفسه، وهكذا يكون حاله في جميع ما أمر الله به أو نهى عنه بعيدا عن التخبط قريبا إلى الصواب، إذا وفقه الله وكان على علم بهذه الحكم. (^١)\n٣ - إن معرفة الحكم من الأمور التي تعين العبد على شكر ربه وذكر آلائه:\nفإن الله تعالى كما خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكما يسر الله له من أمور معاشه ما يقتات به ويصلح أمره، فقد جعل شريعته ودينه أكمل الشرائع وأعظمها وأحسنها وأحكمها، فقد كمل لنا الدين وأتم لنا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا كما قال تعالى:\n﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وامتن علينا في غير ما آية بهذا الدين القويم والرسول الأمين - ﷺ - فقال: ﴿﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وهذه المنة بهذا الشريعة الغراء التي هي شاهدة على كمالها بذاتها تستوجب من العباد شكر معبودهم جل وعلا، فكيف بمن اطلع على شيء من حكمته تعالى في دينه، وعلم بعضا من أسرار شريعته أفلا يجدر به - بطريق الأوْلى - أن يكون من الشاكرين؟! (^٢)\n٤ - زيادة الإيمان واطمئنان القلب:\nوذلك أن الحُكْم إذا أتى من الشارع ﷾ سلّم العبد وانقاد للعمل به لأنه تنزيل من حكيم حميد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ\n_________\n(^١) انظر: حجة الله البالغة. الكاندهلوي (١/ ٦٢)، مقاصد الشريعة عند ابن تيمية (١٠٣).\n(^٢) انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم (٢/ ٣٠٨).","vol":"1","page":33},{"text":"الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، فإذا علم الحكمة والفائدة من العمل ازداد إيمانه وترسخ يقينه واطمئن قلبه، حيث تكثر بذلك الدلائل وتكثر طرق العلم وهما يثلجان الصدر ويزيلان اضطراب القلب. (^١)\nويقول التفتازاني (^٢): وبه أي التعليل يكون سرعة الإذعان وزيادة الاطمئنان بالأحكام (^٣).\n٥ - بيان أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان: (^٤)\nفمعرفة الحِكَم مما يكفل استمرار الشريعة وديمومتها في كل زمان ومكان، منذ زمن النبي - ﷺ - إلى وقتنا هذا وحتى تقوم الساعة، وما تنزل على الأمة نازلة أو تطرأ عليهم مسألة إلا وهم بحاجة إلى النظر في الحكمة والمقصد من التشريع، في القياس واستنباط الأحكام الشرعية من الوقائع المستجدة التي لم يدل عليها دليل، وذلك أن هذه الحكم إنما هي مستخلصة من الأدلة الشرعية (^٥)\n٦ - معرفة الحِكَم فيه رد على المبتدعين، وحصانة من الوقوع في شراك الكائدين.\nفإن كثيرا من المبتدعة والملاحدة ردوا قدرا كبيرا من الأحكام وأصول الدين بحجة مخالفتها للعقل- زعموا-، وقاموا على هذه الأحكام بالإنكار والتأويل.\nولا سبيل إلى مجابهة بهتانهم وضلالهم إلا بمعرفة أوجه الحكمة من الأحكام وتبيينها فإذا تبين للمكلف ذلك استطاع أن يظهر ما أخفوه من محاسن الشريعة، وأن يكون متحصنا من الشبهات والشعارات التي ينادي بها من أرادوا أن يحكموا قوانين البشر بحجة عدم ملائمة الشريعة لهذا الزمان، وأن يكشف زيفهم وما تبطن قوانينهم من الظلم والجهل (^٦).\n_________\n(^١) انظر: حجة الله البالغة (١/ ٦٢)، مقاصد الشريعة عند ابن تيمية (١٠٣).\n(^٢) هو مسعود بن عمر بن التفتازاني الشافعي، لغوي منطقي أصولي، ت (٧٩٢ هـ). انظر: كشف الظنون (١/ ٤٩٦)\n(^٣) شرح التلويح على التوضيح، (٢/ ١٤٤).\n(^٤) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (ص ١٨٤)، طرق الكشف عن مقاصد الشارع (ص ٥٧).\n(^٥) انظر: أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية، سميح الجندي (ص ٦٩، ١٣٧).\n(^٦) انظر: حجة الله البالغة (١/ ٦٣٩)، مقاصد الشريعة عند ابن تيمية (١٠٣).","vol":"1","page":34},{"text":"٧ - معرفة الحكم تعين على فهم الأدلة والأحكام الشرعية (^١)\nفمن المعلوم أن دلائل الألفاظ تتفاوت، فمن المتكلمين من هو أقدر على نصب العلامات على المراد من كلامه منه من بعض آخر، ومنهم من يتطرق الاحتمال في كلامه أكثر مما يتطرق إلى شخص آخر، ولذلك فإن الكلام لا يستغني أن تحفه ملامح من السياق ومبينات الألفاظ، ومقامات الخطاب فتكون معينة على فهم مراد المتكلم. وإزالة الاحتمالات المتطرقة له.\nوإن أدق مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها هو مقام التشريع، فلابد أن يستعين الفقيه في فهم الأدلة بما يحيط بها من قرائن، ولذلك لم يستغن الفقهاء عن استقصاء تصرفات الرسول - ﷺ - ولا عن استنباط العلل والحكم، بل كان بعضهم يرحل إلى مدينة النبي - ﷺ - حتى يتضح له ما يستنبط من العلل تبعا لمعرفة الحِكَم والمقاصد.\n\nومن ذلك قول ابن عمر ﵁: (ما أُرى رسول الله - ﷺ - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم) (^٢) لأنه كان لا يرى مزية في التفريق بين الركن اليماني وغيره من الأركان غير الحجر الأسود حتى سمع من عائشة ﵂ قول النبي - ﷺ -: (ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم) (^٣). فقلت يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم قال: (لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)، فعَلِم بذلك الحكمة من تركه - ﷺ - استلام الركنين اللذين يليان الحِجر.\n٨ - معرفة الحِكم وسيلة ضرورية في الدعوة إلى الله تعالى:\nفبمعرفتها يتم تذكير الناس وإرشادهم بحكمة خلقهم، وحثّهم على تطبيق الشريعة لما فيها من المصالح العظيمة، وتتبيَّن لهم المصالح والحكم المترتبة على ما يقومون به من المأمورات والمفاسد التي تُدرأ حين يمتنعون عن المنهيات، فالطبيعة البشرية تحب ما يجلب لها الخير وتميل نفوسهم إلى ما ظهر لهم حكمته.\n_________\n(^١) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (٢٠٤،٢٠٣)،طرق الكشف عن مقاصد الشارع (٤٥)\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، برقم (١٥٠٦)، ومسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، برقم (١٣٣٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، برقم (١٥٠٦)، ومسلم في كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها برقم (١٣٣٣).","vol":"1","page":35},{"text":"وهي مهمة كذلك في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، فإذا تبين للكافر محاسن دين الإسلام، وما يدعو إليه من العدل والحكمة، وإشباع الروح بالطمأنينة والخشوع والطهر والتعلق بالله، وتنظيم أمورهم في جميع شؤون الحياة، وحرصه على استقرار الأسرة من التشرد والضياع، مقارنة بما يعانونه في مجتمعاتهم الكافرة من خواء الروح، والظلم وتفرق الأسرة وتشرذمها، كان أدعى لهم في الدخول إلى الإسلام إذا وفقهم الله لذلك.\nوهي مهمة كذلك للداعية في ترتيب أولوياته في الدعوة، واختياره الأنسب فيما يبدأ به، فيقدم المصالح العامة على المصالح الخاصة، ويقدم الضروريات على الحاجيات والتحسينيات، ويحذر من المفسدة العظمى قبل المفسدة الصغرى.\nيقول الشوكاني (^١) ﵀: (فالعالم المرتاض بما جاءنا من الشارع الذي بعثه الله تعالى متمما لمكارم الأخلاق، إذا جعل غاية همه وأقصى رغبته جلب المصالح الدينية للعباد ودفع المفاسد عنهم، كان من أنفع دعاة المسلمين وأنجح الحاملين لحجج رب العالمين). (^٢)\n_________\n(^١) محمد بن علي بن محمد الشوكاني ولد سنة ١١٧٢ هـ ولازم القاضي أحمد بن محمد الحرازي، ودرس على القاسم بن محمد الخولاني، له مؤلفات في أغلب العلوم، ومن ذلك، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، وفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من التفسير، وإرشاد الفحول، وغيرها من الكتب (ت ١٢٥٠ هـ). أبجد العلوم (٣/ ٢٠١).\n(^٢) طلب العلم، للشوكاني (ص ١٣٥).","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الباب الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة</span>.\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات\nالفصل الثاني: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المواريث.\nالفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح.\nالفصل الرابع: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الأول\nبناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات</span>\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: تقوى الله ﷿.\nالمبحث الثاني: مراقبة الله ﷿.\nالمبحث الثالث: تحقيق الفلاح.\nالمبحث الرابع: التسليم بالقضاء والقدر.\nالمبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا.\nالمبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الأول: تقوى الله ﷿</span>\nتقوى الله ﷿ من الحِكم التي ذكرها الله تعالى وكررها في كتابه الكريم في كثير من الأحوال وذلك لإنها من الأسباب التي تعين على صلاح العبد واستقامته\nوالتقوى في اللغة بمعنى الاتقاء وهو اتخاذ الوقاية (^١)، ويراد بها: فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه (^٢).\nولما كانت المعاملات المالية مظنة لهضم الحقوق أو التحايل أو التعامل فيه بما حرم الله فقد قرن ﷿ تقواه بالآيات التي تحدثت عن هذه المعاملات، وسأبين ذلك من خلال المطالب التالية:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-16> المطلب الأول: التقوى تمنع العبد عن التعامل بالربا</span>.\nفأمر الله ﷿ بتقواه في الآيات التي تحدثت عن الربا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠].\nفذكر - جل وعلا - التقوى في هذه الآية والآيات التي تليها ثلاث مرات، فذكّرهم في هذه الآية بتقواه فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ثم حذرهم وأمرهم باتقاء النار فقال في الآية التي تليها: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١] ثم بيّن ما أعدّ للمتقين فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣].\nفأكّد تعالى أن البعد عن أكل الربا حال كونها أضعافا مضاعفة - وهو ربا الجاهلية- خصلة من خصال التقوى (^٣) وذلك: أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى\n_________\n(^١) التعريفات، الجرجاني (١/ ٩٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ١٢٠.\n(^٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ابن سعدي ١٤٨","vol":"1","page":39},{"text":"أجل فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول له الذي عليه المال: أخّر عني دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك (^١).\nفالتقوى حينئذ تكون رادعة من الوقوع في هذه المعاملة لأنها من صفات الجاهلية ولذلك جعل العقوبة لمن لم يرتدع النار التي أعدت للكافرين.\nكان أبو حنيفة ﵀ يقول: (هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين\nبالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه). (^٢)\nوكما أمر الله المؤمنين بتقواه في مبدأ تحريم الربا (^٣)، فقد أمرهم بها كذلك حينما أغلق باب المعذرة في أكله فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨].\nفأمرهم الله بتقواه قبل الأمر بترك الربا لأن تقوى الله هي أصل الامتثال والاجتناب وترك الربا من جملتها (^٤).\nوقد ختم الله هذه الآيات بالأمر بتقواه كذلك فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]، فهذه الآية آخر ما نزل على رسول الله - ﷺ - كما صح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (آخر آية نزلت على النبي - ﷺ - آية الربا) وسماها آية الربا لأنها جاءت في ختامها معطوفة عليها فدخلت في حكمها ووصفها (^٥) وجعلت هذه الآية خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي لأن فيها الوعد على الخير والوعيد على فعل الشر (^٦). فتكرير الأمر بالتقوى في هذه الآيات، تقطع أي طريق للتحايل أو التلاعب، وإن سمي\n_________\n(^١) جامع البيان ٧/ ٢٠٤\n(^٢) الكشاف، الزمخشري (١/ ٢١٦)\n(^٣) الظاهر أن هذه الآية نزلت قبل نزول آية سورة البقرة فكانت هذه تمهيدا لتلك ولم يكن النهي فيها بالغا ما في سورة البقرة. انظر التحرير والتنوير (٣/ ٨١) (٤/ ٨٥).\n(^٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور (٣/ ٩٣).\n(^٥) رواه البخاري في كتاب التفسير، سورة البقرة، باب (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) ورقمه (٤٢٧٠).\n(^٦) تيسير الكريم الرحمن (ص ١١٧)","vol":"1","page":40},{"text":"الربا بغير اسمه، فتقوى الله سبحانه هي الزاجر الرادع والسياج المانع من الولوج في هذا الباب سواء من يتعامل بهذه المعاملات من أصحاب الأموال أو من يفتي ويبين للناس أحكام الله وشرعه تجاه هذه القضايا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-17> المطلب الثاني: تقوى الله تعالى عند الاستدانة وأداء الديْن</span>.\nأمر الله تعالى بتقواه في آية الدَّيْن فقال تعالى في مطْلع الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]\nفأمر الله جل وعلا المدين بتقواه عند إملاء الدَّيْن والإخبار به، لأنها تدفعه إلى أداء ما عليه من الحق وتردعه عن بخس صاحب الحق حقه.\nوكذلك فإن الأمر بالتقوى ملازم للكاتب في قيامه بالكتابة ابتداءً، وعند أدائه للكتابة لئلا يكتب غير الحق.\nوكذا الشاهد فإنه مخاطب بالتقوى في هذه الآية حتى لا يكتم شهادته فيبخس الدائن حقه أو يزيد على المدين ما لم يستدنه، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ والضمير في منه عائد إلى الحق، وهو حق لكلا المتداينين فإذا بخس الكاتب أو الشاهد منه شيئا أضر بأحدهما لا محالة (^١).\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٣/ ١٠٤)","vol":"1","page":41},{"text":"وأخرج الطبري (^١) بسنده عن قتادة (^٢) قال: (اتقى الله شاهدٌ في شهادته، لا ينقص منها حقًّا ولا يزيد فيها باطلا. اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يَدَعنَّ منه حقًّا ولا يزيدنَّ فيه باطلا) (^٣)\nثم ختم الله جل وعلا هذه الآية وما فيها من أحكام في الإشهاد والكتابة والنهي عن الإضرار بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأمرهم بالتقوى وبين ثمرتها المترتبة عليها وأن التقوى سبب من أسباب إفاضة العلوم (^٤).\nوختْم الآية بتقوى الله وإحاطته وعلمه بجميع الأمور في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يحاول كل واحد منهم أن يبخس غيره ويجلب الحظ لنفسه، كما في الختْم بالتقوى ترغيب في امتثال ما أمر الله به من أحكام في هذه الآية، وهذا الختم جامع لبُشرَى التعليم ونذارة التهديد. (^٥)\n_________\n(^١) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، الإمام العلم المجتهد المفسر، أبو جعفر الطبري، من أهل آمل بطبرستان مولده سنة ٢٢٤، كان من كبار أئمة الاجتهاد، له كتاب (أخبار الأمم وتاريخهم)، كان ثقة صادقا حافظا رأسا في التفسير إماما في الفقه والإجماع والاختلاف، علاّمة في التاريخ وأيام الناس، عارفا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك، توفي سنة ٣١٠ هـ (سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٦٧)\n(^٢) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي أبو الخطاب، ولد سنة ستين، روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وأبي العالية، وروى عنه أيوب السختياني، ومعمر بن راشد والأوزاعي، وهو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع فإنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، وعن عبد الرزاق عن معمر قال: قال محمد بن سيرين: (قتادة أحفظ الناس، أو من أحفظ الناس) وقد كان رأسا في العربية والغريب وأيام العرب وأنسابها توفي سنة ١١٨ هـ. (السير ٥/ ٢٦٩ - ٢٨٣)\n(^٣) جامع البيان (٦/ ٨٦)\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير (٣/ ١١٨).\n(^٥) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١/ ٥٤٩.","vol":"1","page":42},{"text":"ولذا فإن من اتقى الله ﷿ في أداء دَيْنه أو قيامه بالكتابة والشهادة فإن الله يهديه لما فيه الخير والنجاة، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) (^١).\n\nويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح (^٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا قَالَ: صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلَا: فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ، وَإنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا).\nولما كانت التقوى ملاك الخير كله فقد أمر الله بها في الآية التي تليها فقال ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب الاستقراض وأداء الديون، باب مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلَافَهَا، برقم (٢٢٥٧).\n(^٢) البخاري، كتاب الكفالة، باب الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا، برقم (٢١٦٩)","vol":"1","page":43},{"text":"فكرر الخطاب للمدين بتقوى الله في رد الأمانة وهي الدَّيْن، وخوطب الدائن كذلك بتقوى الله في رد الأمانة وهي الرهن، وقد عبر الله جل وعلا بالأمانة لما في هذا الاسم من مهابة في النفوس، ولأن عدم الوفاء بالأمانة يعتبر خيانة وذلك ما تستنكره النفس أن توصف به (^١)، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n(أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (^٢)،والتقوى مانعة من بخس الحق ومن ضياع الأمانة (^٣).\nوقد أكد النبي - ﷺ - على تقوى الله في جميع المعاملات المالية، فعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُه). (^٤) فقوله: (التقوى ههنا) إشارة لكونها تحجز العباد عن هذه المعاملات المشينة.\nوهكذا فإن الشريعة الإسلامية جاءت بالتأكيد على التقوى في المعاملات المالية وذلك أن المال مادة البدن، والبدن تابع للقلب، فإذا صلح القلب بالتقوى صلح سائر البدن وإذا فسد القلب فسد سائر البدن فيحصل التعدي والظلم الذي هو خلاف التقوى (^٥) وقد قال\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٣/ ١٢٢)\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الإجارة، باب الرجل يأخذ حقه من تحت يده برقم (٣٥٣٤) والترمذي في كتاب البيوع، باب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الذِّمِّيِّ الْخَمْرَ يَبِيعُهَا لَهُ، برقم (١٢٦٤)،صححه الشيخ الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٧٨٣) برقم (٤٢٣)\n(^٣) أضواء البيان، الشنقيطي (٥/ ٢٩٨).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله برقم (٢٥٦٤)\n(^٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٢/ ٢٣١).","vol":"1","page":44},{"text":"النبي - ﷺ -: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْب) (^١).\n• ومن تقوى الله جل وعلا في هذا الباب: العلم بأبواب المعاملات المالية، فيعلم العبد ما هو واجب عليه وما هو محرم، وما ينبغي عليه اجتنابه وما يجوز له الإقدام عليه، حتى يكون على بينة وبصيرة فلا يدخل إلى جسده مال حرام بسبب جهله.\n\n• ومن تقوى الله كذلك أن يتقي العبد مواطن الشبهات والريبة، وأن يستفتي قلبه فإن ارتاب في سلعة أو معاملة سأل عنها واستبان حالها، وعليه أن يأخذ بفتوى من يثق بدينه من أهل العلم (^٢)، وخصوصا إذا اختلط الحلال بالحرام، فتقوى الله هي النجاة والمخرج، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢،٣].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه برقم (٥٢)، ومسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات برقم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(^٢) انظر: إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي (٢/ ١٠٧).","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى</span>\nالمراقبة: استدامة علم العبد باطلاع الرب عليه في جميع أحواله، (^١) وراقبَ اللّهَ تعالى في أَمرِهِ أَي خافَه. (^٢)\nومن المراقبة ما ثبت عن النبي - ﷺ - لما سأله جبريل ﵇ عن الإحسان قال: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). (^٣)\nوالمراقبة من أسباب صلاح العبد واستقامته، وهي سياج للعبد أن يقع فيما حرم الله ونهى عنه، خصوصا حين تقوى دوافع الظلم والغش.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-19> المطلب الأول: مراقبة الله تعالى في مال اليتيم</span>\nفقد ذكّر الله عباده بمراقبته حين أمر بحفظ مال اليتيم ونهى عن التصرف فيه بما يعود عليه بالضرر فقال تعالى:\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ١ - ٦].\n_________\n(^١) التعريفات (١/ ٢٦٦).\n(^٢) لسان العرب، ابن منظور (١/ ٤٢٤)\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، برقم (٥٠)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان برقم (٨).","vol":"1","page":46},{"text":"فأخبر تعالى في بداية هذه الآيات أنه رقيب مطلع على أحوال العباد حال تصرفهم في أموال اليتامى إذ لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة، لأنه لا ناصر لهم، وقد يكونون من ذوي الأرحام. (^١)\nفقد يتحايل الولي ويأخذ المال الجيد من مال اليتيم ويقوم بإعطائه المال الرديء بحجة الاستبدال، وقد يجمع مال اليتيم إلى ماله دون حاجة لذلك، ولم يعلم أن الله مطلع عليه عالم بنواياه ولذلك فقد أشار الله إلى اطلاعه وعلمه فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ (^٢) [البقرة: ٢٢٠].\n\nوقد يتصرف الولي في مال اليتيم فينفق منه كيف شاء ويضعه في غير موضعه متعللا بإنفاقه على اليتيم قبل بلوغه، إذ لو بلغ اليتيم الحلم لما استطاع أن يتنعم الولي بالمال فنهى جل وعلا عن هذا التصرف، فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ وأمر الغني بالتعفف، وأوصى الفقير أن يأخذ ما يكفيه بالمعروف فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وقد اختلف العلماء في قوله: (فليأكل بالمعروف) هل هو على سبيل القرض ويقضي إذا أيسر أم لا؟\nفمن العلماء من قال أنه على سبيل القرض (^٣)، فعن علي بن أبي طلحة (^٤) عن ابن عباس ﵁ قال: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\n_________\n(^١) نظم الدرر (٢/ ٢٠٨)\n(^٢) انظر: جامع البيان (٧/ ٥٢٧)، تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٨١)\n(^٣) وهو قول عبيدة السلماني ومجاهد وسعيد بن جبير، قالوا لأنه استباحه من مال غيره فلزمه قضاؤه كالمضطر إلى طعام غيره، انظر: المغني (٦/ ٣٤٤).\n(^٤) علي بن أبي طلحة واسمه سالم بن المخارق الهاشمي يكنى أبا الحسن أصله من الجزيرة وانتقل إلى حمص روى عن ابن عباس ولم يسمع منه بينهما مجاهد، وأبي الوداك جبر بن نوف وراشد بن سعد المقرئي، وروى عنه داود بن أبي هند ومعاوية بن صالح الحضرمي وسفيان الثوري قال أحمد بن حنبل: \"كان في مصر صحيفة واحدة من التفسير قد رواها علي بن أبي طلحة، من رحل من طالبي التفسير لتحصيلها لا يعد كثيرا\" ونقل البخاري من تفسيره رواية معاوية بن صالح عنه عن بن عباس شيئا كثيرا في التراجم وغيرها ولكنه لا يسميه يقول قال ابن عباس أو يذكر عن ابن عباس، له عند مسلم حديث واحد في ذكر العزل قال عنه ابن حجر: صدوق مات سنة ١٤٣ هـ (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٩٨) (طبقات المفسرين الأدنه وي ١/ ٢٤)","vol":"1","page":47},{"text":"يعني القرض. (^١)، وعلى هذا القول يجب على الولي مراقبة الله تعالى في رد القرض، لأنه جل وعلا هو المطلع عليه في أخذه لمال اليتيم ورده له.\nمن العلماء من قال: لا يلزم الفقير العوض، وهو الصحيح (^٢) لأنه عوض عن عمله فلم يلزمه بدله، وعلى هذا فيجب على الولي الفقير أن يراقب الله تعالى في أخذ ما يكفيه بالمعروف.\nفعن عمرو بن شعيب (^٣) عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، قال: فقال: (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل (^٤» (^٥) وعن عائشة ﵂ قالت: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ\n_________\n(^١) جامع البيان (٧/ ٥٨١)، وسنده حسن، قال ابن حجر: وعلي صدوق لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون هذه النسخة (العجاب ١/ ٢٠٧) انظر: موسوعة التفسير الصحيح، أ. د. حكمت بشير (١/ ٤٦).\n(^٢) وهو قول النخعي وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والحسن البصري ورواية للإمام أحمد وقول للشافعي، وحجتهم أنه لو كان رد المال واجبا على الفقير إذا أيسر لكان واجبا عليه في الذمة قبل اليسار. انظر: المغني (٦/ ٣٤٤)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢١٧).\n(^٣) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص الإمام المحدث أبو إبراهيم فقيه أهل الطائف ومحدثهم حدث عن أبيه فأكثر، وعن سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء، وحدث عنه الزهري وقتادة وعطاء بن أبي رباح شيخه وعمرو بن دينار، قال الأثرم: سئل أبو عبد الله، عن عمرو بن شعيب، فقال: ربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شئ، وقال الدارقطني: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد: الأدنى منهم محمد، والأوسط عبد الله والأعلى عمرو، وقد سمع شعيب من الأدنى محمد، ومحمد تابعي، وسمع جده عبد الله، فإذا بينه وكشف، فهو صحيح حينئذ، قال: ولم يترك حديثه أحد من الأئمة، ولم يسمع من جده عمرو بن العاص قال ابن حجر: صدوق من الخامسة مات سنة ١١٨ هـ (السير ١٦٥ - ١٧٦)، (تقريب التهذيب ١/ ٤٢٣).\n(^٤) المتأثل: أي الجامع، انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ١٩٢).\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، بَاب مَا جَاءَ فِي مَا لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَنَالَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، برقم (٢٨٧٢)،والنسائي في كتاب الوصايا، باب مَا لِلْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا قَامَ عَلَيْهِ، برقم (٣٦٦٨). قال الألباني: حسن صحيح. انظر: صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٥٥) برقم (٢٤٩٦). انظر: موسوعة التفسير الصحيح (٢/ ٩).","vol":"1","page":48},{"text":"فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. (^١).\nوقد أمر الله - جل وعلا- الوليَّ بألا يتسرع في التخلص من مال اليتيم بدفعه إليه قبل أن يتحقق في اليتيم شرطان:\nالأول: البلوغ.\nوالثاني: إيناس الرشد (^٢).\nفإذا لم يكن عند ولي اليتيم خوف من الله تعالى فإنه يرى في مال اليتيم فرصة وغنيمة يتعجل فيها المال (^٣)، ولذا فإن الله ﷿ كما أخبر في أول الآيات أنه مراقب لهم ومطلع عليهم ختم هذه الآيات بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]\nأي: وكفى بالله محاسبا وشهيدًا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. (^٤)\nلأنه لا ضمان لهذه الأموال إلا بوازع مراقبة الله تعالى والخوف منه، إذ لا يستطيع اليتيم أن يطالب بحقه وخصوصا إذا كان وليه ذا قرابة له.\nوكما نهى الله عن ظلم اليتيم، فقد أمر الله بالإحسان إليه فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]\nوذلك بالمحافظة على أموال اليتامى وتنميتها وتثميرها له بالتجارة في مواقع النظر والسداد التي يغلب على الظن فيها السلامة والتنمية، ويأمن عليها من الضياع والتلف (^٥)، وهذه\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب: (الآية)، برقم: (٤٢٩٩)،ومسلم في كتاب التفسير برقم (٣٠١٩).\n(^٢) أضواء البيان (١/ ١٨٨).\n(^٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ١٦٤).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢١٤).\n(^٥) انظر: العذب النمير، الشنقيطي (٢/ ٨٥٢).","vol":"1","page":49},{"text":"المرتبة من أعظم مراتب المراقبة، لما فيها من الإحسان إلى اليتيم بتثمير ماله والاتجار به دون ظلمه أو الأخذ منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-20> المطلب الثاني: مراقبة الله تعالى في أداء الأمانات</span>.\nومن المواضع التي أشارت إلى مراقبة الله، قوله جل وعلا في الأمانة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]\nويدخل في هذه الآية كل من هو مؤتمن على أمانة في دِين أو دنيا، ومن ذلك قضاء الدين ورد الحقوق إلى أصحابها، لأن (الأمانة) جاءت بلفظ الجمع فيدخل فيها كل ما يمكن أن يؤتمن الإنسان عليه (^١).\nوقد ختمت الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وهذان الاسمان يستلزمان مراقبة الله تعالى إذ هو سميع لما نقول، بصير بما نفعل، فمن تعبد الله تعالى بهذين الاسمين حصلت له المراقبة (^٢)\nوعن أبي هريرة ﵁ أنه قرأ هذه الآية ثم قال: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ) (^٣).\nوالإحسان في أداء الدين من المراقبة، وهو أن يؤدي العبد الدّيْن على الوجه الأكمل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - دَيْنٌ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا وَقَالَ اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَقَالُوا إِنَّا لَا نَجِدُ سِنًّا إِلَّا سِنًّا هِيَ أَفْضَلُ مِنْ سِنِّهِ قَالَ: (فَاشْتَرُوهَا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٨/ ٤٩٤)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٣٨)، أضواء البيان (٥/ ٥٦٩)\n(^٢) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم (٢/ ٦٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في الجهمية، برقم (٤٧٢٨)، قال الألباني صحيح الإسناد، والإشارة منه ﷺ أراد بها تحقيق إثبات السمع والبصر لله ببيان محلهما من الإنسان يريد أن له سمعا وبصرا، ولم يرد بذلك الجارحة فان الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين، (انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٧٣)\n(^٤) رواه البخاري، كِتَاب فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ وَالتَّفْلِيسِ، باب حسن القضاء، برقم (٢٢٦٣)، ومسلم في كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه، برقم (١٦٠١).","vol":"1","page":50},{"text":"ومن المراقبة أن يُنظِر الدائن مدينه في أداء دينه إن كان معسرا، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه) (^٢)، فكان إنظاره للناس بما قام في قلبه من مراقبة الله تعالى، فتجاوز الله عنه لما كان يتجاوز عن الناس.\nفيجب على العبد أن يستحضر مراقبة الله له وأنه مطلع عليه في معاملته للناس خصوصا تلك التي تتعلق بالحقوق المالية، فإن الله وحده هو المحيط بعباده، ويعلم السر وأخفى.\nفمراقبة الله إن غابت من قلب العبد فسد قلبه، وأصبح غاشا لنفسه وللمجتمع، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - مر على صَبِرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني) (^٢).\nوهكذا فإن مراقبة الله تعالى تجعل العبد مرتبطا بخالقه، مستحضرا عظمته في كل موقف فيدفعه ذلك إلى العدل في معاملته، وألا يظلم من ظلمه، بل قد يتجاوز ويعفو، فيصلح قلبه ويرتقي إلى درجات الكمال.\n_________\n(^١) رواه البخاري في كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف، برقم (١٩٧٢) ومسلم في كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر برقم (١٥٦٠).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ - من غشنا فليس منا، برقم (١٠٢).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثالث: تحقيق الفلاح</span>\nأصل الفلاح البقاء، ومعناه: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير. (^١)\nفالفلاح يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، قال ابن كثير (^٢) ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥]، أي: في الدنيا والآخرة (^٣).\nوعلى هذا فصلاح المسلم يكون بفوزه وفلاحه في الدنيا بطاعة الله وفي الآخرة بالفوز بالجنة.\nوفي آيات المعاملات المالية من التشريعات والأحكام ما إن طبقها العبد المسلم وامتثل ما أمر الله به كان عونا له على الفوز والنجاة والفلاح.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠].\nفبين ﷿ أن امتثال أمره في ترك الربا سبب للفوز والفلاح، ولا غرو أن يكون هذا الفلاح في الدنيا قبل الآخرة، فإن الله جل وعلا يبارك لمن يطيع أمره فيبيع ويشتري ويتاجر بالمال الحلال، وقد حصل هذا لعبد الرحمن بن عوف ﵁ أول قدومه المدينة فعن أنس بن مالك ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ، قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ فَمَا رَجَعَ حَتَّى\n_________\n(^١) لسان العرب، (٢/ ٥٤٧).\n(^٢) إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن درع القرشي البصروي ثم الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين حافظ مفسر مؤرخ فقيه، ولد في قرية من أعمال بصرى الشام عام ٧٠١، وانتقل مع أخ له إلى دمشق سنة ٧٠٦ هـ، ورحل في طلب العلم، وسمع من إسحاق الآمدي وابن عساكر والمزي وابن الرضي وشيخ الإسلام ابن تيمية، من كتبه: البداية والنهاية وطبقات الفقهاء الشافعيين والتفسير وغيرها كثير، وكان كثير الاستحضار حسن المفاكهة سارت تصانيفه في البلاد في حياته وانتفع بها الناس بعد وفاته مات في شعبان سنة ٧٧٤ وكان قد أضر في أواخر عمره (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/ ٢١٨) (الأعلام للزركلي ١/ ٣٢٠)\n(^٣) تفسير القرآن العظيم: (١/ ١٧١)، انظر: التحرير والتنوير (١/ ٢٤٧)","vol":"1","page":52},{"text":"اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ فَمَكَثْنَا يَسِيرًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مَهْيَمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ مَا سُقْتَ إِلَيْهَا قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ (^١).\n\nقال عبد الرحمن: فَلَقَدْ رَأَيْتنِي وَلَوْ رَفَعْت حَجَرًا لَرَجَوْت أَنْ أُصِيب ذَهَبًا أَوْ فِضَّة. (^٢)\nوفي الصحيح أن النبي - ﷺ - أعطى عروة بن الجعد دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيه (^٣).\nوهكذا كل بيع أو معاملة تكون مبنية على امتثال شرع الله فإن عاقبتها إلى فلاح وبركة فعن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) (^٤).\nفإذا حرص العبد المسلم على اكتساب ماله بالحلال فليبشر بالبركة والفلاح، فإن النبي - ﷺ - قال لعمرو بن العاص ﵁: (يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح) (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري،كتاب البيوع، باب قول الله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض)،برقم: (١٩٤٤)\n(^٢) فتح الباري (٩/ ٢٩٢) وقوله في الحديث: (مهيم؟) أي ما الذي أراه بك وقوله: (وضر من صفرة) أي أثر من طيب.\n(^٣) رواه البخاري، في كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي - ﷺ -، برقم (٣٤٤٣).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف، برقم (١٩٧٣)، ومسلم في كتاب البيوع، باب الصدق في البيع والبيان، برقم (١٥٣٢).\n(^٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، كتاب حسن الخلق، برقم (٢٩٩)،وأحمد في المسند برقم (١٧٧٩٨) والبيهقي في الشعب (٢/ ٩١) برقم (١٢٤٨)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الزكاة، برقم (٣٢١٠) قال ابن أبي حاتم: سمع هذا الخبر علي بن رباح عن عمروبن العاص وسمعه من أبي القيس بدل عمرو عن عمرو فالطريقان جميعا محفوظان. (صحيح ابن حبان (٨/ ٦)، وقال الحافظ ابن حجر: صَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَة وَابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن رَبَاح عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ، فتح الباري (٨/ ٩٥)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (٢/ ٣٥٥).","vol":"1","page":53},{"text":"أما من عصى الله ﵎ وتمادى في أكل الربا فإنه بعيد كل البعد عن هذا الفوز، بل إن عاقبة ماله إلى خسارة واضمحلال، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦]\nوهذا دليل على أن متعاطي الربا بعيد عن الفلاح بل إن ماله قد يذهب عنه بالكلية فتحصل له الآفات وتأتيه الجوائح، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) (^١).\nوقد تذهب بركته فلا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، فإذا تصدق من ماله الخبيث لا يقبل منه، لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠]،وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]\nفما أبعد الفلاح عن أولئك الذين يجمعون المال ويتكسبونه بالمعاملات المحرمه، فهم في شقاء في جمع المال، وفي شقاء عند المحافظة عليه، فقلوبهم له متشوقة، وعلى ذهابه وضياعه متخوفه، قد انصرفت عن تذكر الله والدار والآخرة، فمشقتهم في جمعه أعظم من التنعم به، فأي فوز نالوه بهذا المال؟ بل هو غاية الخسران والعياذ بالله.\nوقد أخبر تعالى عن بني إسرائيل أنه حرم عليهم طيبات قد أحلت لهم، ومن أسباب ذلك تعاملهم بالربا وأكل أموال الناس بالباطل، فقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].\nوبهذا يتبين أن الفلاح كل الفلاح في البعد عن المعاملات المالية التي حرمها الله ونهى عنها وخصوصا في هذا الزمن الذي انتشر فيه الربا وأصبح الاقتصاد العالمي لا يتحاشى عن التعامل بالربا، فإن الله تعالى يبارك في القليل إن كان حلالا، هذا في الدنيا، أما في الآخرة\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، برقم (٢٢٧٩)، والحاكم في المستدرك كتاب البيوع برقم (٢٢٦٢) وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند برقم (٣٧٥٤).","vol":"1","page":54},{"text":"فالفلاح هو الفوز بالأجر العظيم والأمن من الخوف والحزن يوم الفزع الأكبر، فإن الله تعالى لما أخبر أن المرابي ممحوق البركة وعد من آمن به وتخلى عن الربا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧] (^١).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم ١/ ٧١٤.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الرابع: التسليم بقضاء الله وقدره</span>\nالإيمان بالقضاء والقدر من أصول الدين وأركان الإيمان، ولا يصح إيمان عبد حتى يسلِّم به، وقد بين النبي - ﷺ - أركان الإيمان حين سأله جبريل ﵇ عن الإيمان فقال: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) قال عبد الله ابن عمر ﵄ بعد أن حدث بهذا الحديث: لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَر. (^١)\nوكما أن العبد يجب عليه التسليم بالقدر فيجب عليه الإذعان لأمر الله وشرعه فكله من قضاء الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].\nفالله جل وعلا قد قضى آجال العباد وقسم أرزاقهم، قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وبين النبي - ﷺ - أن العبد لن يحصل إلا على ما قدِّر له، فعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (إنه ليس شيء يقربكم من الجنة، ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار، ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته) (^٢) فلذلك كان لزاما على العبد أن يطلب رزق الله مما أحله له وأباحه، وهذا من الرضى بقدر الله.\n_________\n(^١) رواه مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾، برقم (٨).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب، (٧/ ٢٩٩)، برقم (١٠٣٧٦)،والطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة (٨/ ١٦٦) برقم (٧٦٩٤)، قال الألباني حديث حسن، انظر السلسلة الصحيحة (٧/ ٦٧) حديث رقم (٢٨٦٦)","vol":"1","page":56},{"text":"أما من يطلب رزقه بالمعاملات المحرمة التي ورد النهي عنها والوعيد لمن ولج أبوابها فهذا مستبطئ لرزقه معترض على ما شرعه الله من كسب ماله بالطرق المباحة\nفإن الله تعالى قال في حق آكل الربا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦].\nقال الحافظ ابن كثير ﵀ في قوله: (والله لا يحب كل كفار أثيم): لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. (^١)\nوهكذا كل آكل للحرام سواء بالربا أم بالغش أو المقامرة، أو التطفيف بالميزان، أو أكل أموال اليتامى ظلما فإنه غير راض لما قسمه الله، فعليه أن يتوب إلى الله وأن يكون راضيا بما قسم الله له في الدنيا من سعة أو ضيق، محتسبا الأجر في الآخرة، فهذه هي حال المؤمنين المذعنين المسلمين لشرع الله فعن صُهَيْبٍ الرومي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n(عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (^٢)\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (١/ ٧١٥).\n(^٢) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق. باب المؤمن أمره كله خير، برقم (٢٩٩٩).","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا</span>\nجاءت الشريعة الإسلامية بما تَصلُح به حياة البشرية، كيف لا وهي من عند أحكم الحاكمين -جل وعلا- الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحهم.\nوإن أعظم صلاح للبشرية هو إقامة شرع الله في الأرض وحفظ الدين، إذ به النجاة في الدنيا والآخرة، ولا يتم ذلك إلا بالقيام بحق الله ﷾ كما أمر.\nوقد جبل الله النفس الإنسانية على حب المال والتكسب، وأمره باتخاذ الطرق الشرعية في ذلك.\nومع بريق الأموال وحب التجارة، وظهور الجشع قد تطغى النفس الأمارة، وتنسى شكر المنعِم المولى، فتضيِّع حق الله تعالى، رغبة في تنمية المال أو خوفا من الخسارة والزوال.\nوقد جاءت الآيات في كتاب الله تبين خطر من وقع في هذا المزلق، وممتدحة من قدم حق الله تعالى على تجارته ومعاشه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-24> المطلب الأول: بيان عقوبة من قدم التجارة على حق الله ﷿</span>.\nأمر الله رسوله - ﷺ - بالهجرة إلى المدينة، جاء الوعيد الشديد لمن لم يهاجر خوفا من كساد تجارته وضياعها (^١)، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (١٤/ ١٧٧).","vol":"1","page":58},{"text":"وهذا الوعيد يشمل كل من قدّم تجارته وماله فأصبحت متاجرته ومضاربته في الأموال أحب إليه مما افترضه الله عليه من الواجبات، فإذا رأى العبد من نفسه ميلا ومحبة إلى هذه الملذات على محبة الله ورسوله فليحذر أن يبيع دينه بدنياه فيكون من الفاسقين. (^١)\nوعلامة هذه المحبة: أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه اللّه ورسوله وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا للّه ورسوله أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه على ما يحبه اللّه، دل ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه. (^٢)\n\nفإذا تملكت التجارة والمال قلب العبد فأصبحت شغله الشاغل وألهته عن أوامره الله فليبشر بالتعاسة، فقد أصبح عبدًا لتجارته، فإن زادت أمواله فرح واستبشر، وطغى وتجبر، وإذا خسر في صفقة أو معاملة، حزن واكتأب، وقد تصيبه الأمراض والأوجاع، بل قد يموت حسرة على ذهاب ماله، وقد نسي أنه ضيع حق الله قبل ذلك، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) (^٣)\nفأي ربح جناه من قدم التجارة والمضاربات على حقوق الله؟!! بل هو من الخاسرين الذين وصفهم الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩].\n• المطلب الثاني: معاتبة أهل الإيمان في انصرافهم عن خطبة الجمعة إلى البيع والتجارة.\nوقد جاء القرآن معاتبا من انصرف عن خطبة الجمعة ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، إلى التجارة والبيع، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١].\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٢٤)، التحرير والتنوير (١٠/ ١٥٤).\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن (ص ٣٣٢).\n(^٣) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، برقم (٢٧٣٠)، والخميصة: كساء أسود له خطوط، وقوله: (شيك فلا انتقش) أي: إِذَا دَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَة لَمْ يَجِد مَنْ يُخْرِجهَا بِالْمِنْقَاشِ.","vol":"1","page":59},{"text":"فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) (^١).\nولما كانت التجارة من أعظم ما يشغل العبد عن الصلاة (^٢)، أمرهم الله تعالى كما انفضوا إليها وسعوا لها، أن يسعوا إلى الصلاة فإنها هي الأحق بالسعي والاهتمام وأن يتركوا البيع والشراء، فإن ما عند الله خير من اللهو والتجارة فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩].\nوليس المراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، وإنما الإسراع بالقلب والنية والعمل، بأن تكون الصلاة هي الشغل الشاغل، وأن يكون العبد متيقظا لأمر الله بالاستجابة لأمره والقيام بحقوقه (^٣).\nفالواجب على العبد أن يقدم حق الله على مصالحه وذلك لأن الله قد تكفل لعباده بالرزق، فمن قدّم حق الله واشتغل بما أمر كفاه الله مؤونة الرزق (^٤) والله خير الرازقين.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب البيوع، بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ برقم (١٩٥٣). ومسلم في كتاب الجمعة، بَاب في قَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ برقم (٨٦٣).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٤٧٤).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم (٨/ ١١٩).\n(^٤) انظر: الموافقات (٣/ ٢٢٢).","vol":"1","page":60},{"text":"وقد كَانَ عَرَّاكُ بْنُ مَالِكٍ (^١) ﵁، إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ، أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرْتُ كَمَا أَمَرْتَنِي فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-26> المطلب الثالث: الثناء على من قدّم حق الله على بيعه وتجارته</span>.\nوكما بين الله ﷿ عقوبة من ضيع حقه، ووجّه عباده المؤمنين إلى السعي إلى ذكره امتدح أولئك الرجال الذين لم تلههم تجارتهم عن القيام بأوامره، ووعدهم بالفضل العظيم والأجر الجزيل فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨] فذكر الله ﵎ أنهم يتاجرون ويبيعون ولكن. لم تلههم هذه التجارة عن ذكر الله من صلاة وزكاة وأي عبادة أمر الله بها، فهم لها مسارعون.\nوأخرج الطبري عن ابن مسعود ﵁: أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي بالصلاة، تركوا بيعاتهم، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ﴾. (^٣)\nوقال أبو الدرداء ﵁: (إِنِّي أَقَمْتُ عَلَى هَذَا الدَّرَجِ أُبَايِعُ عَلَيْهِ أَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَشْهَدُ الصَّلاةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَا إِنِّي لا أَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ\n_________\n(^١) عراك بن مالك الغفاري المدني روى عن ابن عمر وأبى هريرة، روى عنه ابنه خيثمة وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ثقة، قال عمر بن عبد العزيز: ما أعلم أحدا أكثر صلاة من عراك بن مالك، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك. (انظر: الجرح والتعديل ٧/ ٣٨، السير ٥/ ٦٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم. انظر التفسير (١٠/ ٣٣٥٦).\n(^٣) جامع البيان ١٩/ ١٩٢.","vol":"1","page":61},{"text":"بِحَلالٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾) (^١).\nومن هؤلاء الرجال الذين امتدحهم الله ﵎ لأنهم باعوا أنفسهم بجميع ما حصلوه من المال في سبيل الله، صهيب بن سنان الرومي ﵁ حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُك عِنْدَنَا، وَبَلَغْت الّذِي بَلَغْت، ثُمّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِك وَنَفْسِك، وَاَللّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْت لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ فَإِنّي جَعَلْت لَكُمْ مَالِي. قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ ﷺ فَقَالَ رَبِحَ صُهَيْبٌ رَبِحَ صُهَيْبٌ. (^٢)\nفكذلك يجب على العبد المسلم الذي يرجو تزكية نفسه وصلاحها ألا يقدِّم مصلحته الذاتية، ورغبته الشخصية على أمر الله تعالى، فيتعامل بالمعاملات المحرمة، وإن أدى ما افترضه الله عليه من صلاة وزكاة وغيرها من الأعمال، فإن الله تعالى كما أمر بهذه العبادات أمر بالكسب الطيب فقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟) (^٣). فتقديم أمر الله ﷿ بالأكل من الطيبات إنما هو تقديم لهوى النفس من الجشع والتكاثر بالمال.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده، انظر التفسير (٨/ ٢٦٠٧).\n(^٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه مرسلا عن أبي عثمان النهدي، في كتاب المناقب برقم (٧٠٨٢) قال شعيب الأرناؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين وهو مرسل، وأخرجه الحاكم في مستدركه،كتاب معرفة الصحابة باب مناقب صهيب موصولا عن ثابت عن أنس برقم (٥٧٠٠) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وصححه الشيخ الألباني ﵀ في تخريجه لفقه السيرة، انظر: فقه السيرة، (ص ١٥٧).\n(^٣) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم (١٠١٥).","vol":"1","page":62},{"text":"والنهي لا يقف عند المحرمات البيِّنة فحسب، بل إن الكمال وصلاح الدين إنما يكون بالبعد عن المعاملات المشتبهة، لأن الولوج في هذه الشبهات وقوع في الحرام، كما ثبت عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ..) الحديث (^١).\nفإذا وُفِّق العبد لتقديم حق الله عند تعارض المصالح أثمر ذلك في قلبه توكلا على الله واعتمادا عليه، وحسن ظن به، كيف لا .. وقد فوّض أمره إلى خالقه ورازقه (^٢).\nوقد تجلت هذه الثمرة في حديث رسول الله - ﷺ - حينما أوصى عبد الله بن عباس ﵄ قائلا: يا غلام إني أعلمك كلمات (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). (^٣)\nفعلى العبد أن يسعى إلى براءة دينه وعرضه، وأن يبعدها عما نهى الله من الانشغال بجمع المال والتجارة عن القيام بحقوق الله والسعي إليها، فإن ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، برقم (٥٢)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم (١٥٩٩).\n(^٢) انظر: الموافقات، (٣/ ٢٢٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (٢٦٦٩)، والترمذي، في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، برقم (٢٥١٦) وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة</span>\nإن غاية ما يرجوه العبد يوم القيامة هو أن يزحزحه الله عن النار ويدخله الجنة، وهذا غاية الفوز وأعظمه كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، بل إن الكافر يتمنى أن يكون ترابا وألا يذوق العذاب كما قال تعالى:\n﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ: ٤٠].\nولما نهى الله عباده عن المعاملات المحرمة، بيّن ما ينبني على مخالفة أمره من سوء العاقبة. فإن النفس البشرية إن لم يصلحها الترغيب بما أعد الله لها، فقد يردعها التخويف والوعيد، وفي ذلك صلاح للنفس البشرية وتزكية لها حتى تعبده سبحانه كما شرع، وتتوب إليه إن هي خالفت أمره.\nوقد جاء هذا التحذير بأشد الأوصاف التي تبين قبح ما يؤول إليه من اتبع هواه، وأعماه جشعه وطمعه عن الوقوف عند حدود الله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-28> المطلب الأول: سوء عاقبة أكل أموال الناس بالباطل</span>.\nجاء الوعيد الشديد لمن يأكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].\nفأخبر جل وعلا أن النار هي مصير من يأكل أموال الناس بالباطل، فأي وسيلة حرم الله التعامل بها فهي أكل لأموال الناس بالباطل، سواء كانت بالربا أو القمار أو غيرها من العقود الفاسدة والمعاملات المحرمة (^١)، حتى وإن كانت عن طريق الحيلة، وظاهرها طريقة\n_________\n(^١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ٥١١.","vol":"1","page":64},{"text":"شرعية، فليحذر صاحبها هذا العقاب (^١)، لما في هذه المعاملات من الاعتداء والتجاسر على أمر الله، والظلم الواقع على عباده فعلى العبد أن يتحرى ما فيه نجاته وعتق رقبته من النار. وخير وسيلة لتجنب أكل المال بالباطل أن يتعلم العبد ما يهمه من هذه الأحكام، وأن يسأل من يثق بعلمه وتقواه من أهل الفتوى، حتى لايكون معتديا ظالما. (^٢).\nومن المعاملات التي هدد الله فاعلها بسوء العقاب لما فيها من أكل مال الناس بالباطل: التطفيف (^٣) في الميزان كما قال ﷿: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣].\nفقد توعد الله المطففين بالهلاك والعذاب وقد وصفهم الله أنهم إذا اكتالوا على الناس يأخذون حقهم بالوافي الزائد أما إذا كالوا للناس فهم ينقصون منه (^٤) وهذا من أعظم الظلم لأن عامة الناس محتاجون للمعاملات المبنية على الكيل والوزن، ولذلك عظّم الله أمر المكيال والميزان فقال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن: ٧ - ٩] ... وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].\nولقد قص الله لنا في كتابه من ختم لهم بسوء العاقبة بسبب كفرهم بالله وبخسهم وتطفيفهم في الميزان، وهم أصحاب الأيكة، فقد قال لهم نبي الله شعيب ﵇: ... ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣]. ولكن حين عصوا واستكبروا وخالفوا أمر الله في ذلك سلط الله عليهم أشد أنواع العقاب فقد أخبر تعالى\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم، (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) انظر: البحر المحيط، لأبي حيان (٣/ ٣٢٥).\n(^٣) الطاء والفاء يدلُّ على قِلّةِ الشيء. يقال: هذا شيءٌ طفيف. ويقال: إِناءٌ طَفَّانُ، أي ملآن. والتَّطْفِيف: نقص المكيال والميزان في الإيفاء والاستيفاء. قال بعض أهل العلم: إِنّما سمِّي بذلك لأنَّ الذي ينقصه منه يكون طفيفًا. انظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (٣/ ٤٠٢)، المفردات، الراغب الأصفهاني (ص ٣٠٥)\n(^٤) تفسير القرآن العظيم، (٨/ ٣٤٦).","vol":"1","page":65},{"text":"أنهم قد أخذتهم الرجفة فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)﴾ [الأعراف: ٩١]، وأخبر أنهم أخذتهم الصيحة فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود: ٩٤]. وأخبر أنهم أخذهم عذاب يوم الظلة فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ [الشعراء: ١٨٩]. فقد جاءتهم سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام، وما أشدها وأقساها من عاقبة سيئة (^١)، أبعدوا فيها وخابوا وخسروا كما قال تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [هود: ٩٥].\nومن الذين يأكلون أموال الناس بالباطل وجاء فيهم الوعيد الشديد بسوء العاقبة: الذين ينفقون سلعتهم بالحلف الكاذب، فعن أبي ذر ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n(ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثَ مِرَار،قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِب) (^٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-29> المطلب الثاني: سوء عاقبة آكلي الربا</span>.\nوكما بين الله سوء مصير من يأكل مال الناس بالباطل على وجه العموم، فقد خص منهم أصنافا بالتهديد والعقاب، تشنيعا لما يتعاملون به.\nومن هؤلاء: المرابون، فقد بين تعالى سوء عاقبة أكلة الربا وأنهم يقومون يوم القيامة بهيئة مقيتة فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم، (٣/ ٤٤٩)، وهذا هو اختيار ابن كثير أن (مدين والأيكة) أمة واحدة وأن العذابين اجتمعا عليها وسيأتي تفصيل ذلك في (ص ١٨٩)\n\n(^١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الْإِزَارِ وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ، برقم: (١٠٦).","vol":"1","page":66},{"text":"فيبعث آكل الربا كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جميع أهل المحشر. (^١) والتخبط: التخبل فيتخبل من مسه إياه، كما قال قتادة ﵀: (وتلك علامةُ أهل الرّبا يوم القيامة، بُعثوا وبهم خَبَلٌ من الشيطان). (^٢) ولا يخص هذا الوعيد آكل الربا فحسب بل كل من شارك في هذه الصفقة المحرمة، فعن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) (^٣).\nفليتأمل المرابي حاله إذا أغراه المال والطمع فقام إلى صفقاته ومراباته كالمجنون لا يفكر إلا في مصلحته وغناه، أنه يقوم يوم القيامة كأن به خبلا ومسا من الشيطان!! فإن تأمل هذا الحال كان رادعا له عن هذا المنكر العظيم، أما إذا عاند واستكبر، فليتفكر فيما ختم الله به الآية حيث قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ فهل يطيق ذلك؟!\nوقد وصف لنا النبي - ﷺ - حال آكل الربا، أشنع وصف وأقبحه ليبين سوء عاقبة هذه الجريمة، فعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا) (^٤).\nوعلى هذا .. فليعلم المتعامل بالربا بعد أن عرف سوء مآله ومصيره ثم أصر على ذلك أنه مخذول مهزوم، كيف لا وقد أعلن بمعاقرته للربا الحربَ على الله ورسوله، وأنى يستطيع ذلك؟ فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩].\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن، (٤/ ٣٩٠).\n(^٢) أخرجه الطبري بسنده عن قتادة (٦/ ١٠)، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وكان من أثبت الناس في قتادة. (انظر: التهذيب ٤/ ٥٧) وهي طريق صحيحة، (انظر: موسوعة التفسير الصحيح، للدكتور: حكمت بن بشير ياسين ١/ ٥٠).\n(^٣) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله، برقم (١٥٩٨).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب آكل الربا وشاهده وكاتبه، برقم (١٩٧٩)","vol":"1","page":67},{"text":"قال ابن عباس ﵁ عند تفسير هذه الآية: (فمن كان مقيمًا على الرّبا لا ينزعُ عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضَرب عنقه) (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-30> المطلب الثالث: سوء عاقبة أكل مال اليتيم</span>.\nومن المعاملات التي بين الله سوء عاقبة فاعلها: أكل مال اليتيم فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠].\n\nفتوعد الله من أكل مال اليتيم أو انتفع به بغير وجه حق أنه يأكل في بطنه نارا تأجج يوم القيامة (^٢) وذلك أن الولي حين لم يراع حال اليتيم وضعفه وعجزه عن صيانة ماله في وقت كان أحوج فيه إلى الرعاية، توعده الله جل وعلا بسوء العقاب، بل جعل عقابه أشد من عقوبة مانعي الزكاة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] والسبب فيه: أن الفقير لا يملك المال ابتداءً وإنما يحصل له التمليك بدفع الزكاة إليه، أما اليتيم فهو مالك لذلك المال فكان منعه منه أقبح من منع الزكاة، فكان الوعيد أشد، ولأن الفقير قد يكون كبيرا يقدر على الاكتساب، أما اليتيم فإنه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد. (^٣)\nوتقريرا لهذا الوعيد فقد بين النبي - ﷺ - أن الربا وأكل مال اليتيم من السبع المهلكات.\nفعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. قَالُوا يَا رَسُولَ الله: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسند عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. انظر: جامع البيان (٦/ ٢٤).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٢).\n(^٣) انظر: التفسير الكبير، الفخر الرازي (٩/ ٢٠٨).\n(^٤) رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) برقم (٢٦١٥) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم (٨٩).","vol":"1","page":68},{"text":"فعلى العبد المسلم الذي يرجو صلاح نفسه وتزكيتها البعد عما يوجب سوء العاقبة باجتناب ما حرم الله، فإنه وإن تحمل عواقب ما اقترفه في الدنيا فلن يتحمل سوء العقاب يوم القيامة، حينها يتمنى أن يتقدم بالمعاذير وهيهات هيهات كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ [الزمر: ٤٧ - ٤٨].","vol":"1","page":69},{"text":"الفصل الثاني\n\nوفيه مبحثان:\n\nالمبحث الأول: تقوى الله ﷿.\n\nالمبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الأول: تقوى الله ﷿</span>\nجبلت النفس البشرية على حب ملذات الحياة الدنيا وزينتها.\nوبين الله ﵎ أن المال والولد من زينة الحياة الدنيا\nوقد أوصى الله عباده وحثهم على النفقة للفقراء والمساكين.\nوحينئذ قد يقع العبد في حيرة، وخصوصا إذا حضرته الوفاة وأراد أن يوصي وبين يديه تركة، هل يوصي بإنفاقها على الفقراء والمحتاجين علها تكون سترا له من النار، أم يتركها لأولاده المستحقين، خاصة إذا كانوا ضعفة وليس لهم من يقوم على مصالحهم؟\nوقد ورد النص القرآني صريحا مبينا أن امتثال التقوى يقود إلى الصواب والرشاد، فقال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩].\nفجاء الأمر بالتقوى الذي في امتثاله صلاح العبد وتوفيقه إلى القول السديد، سواء في ذلك الموصي أو من حضره حال وصيته.\nفإن كان يخشى إن هو أوصى بماله للفقراء والمساكين أن يضر بورثته وأولاده، فعليه أن يتقي الله في هؤلاء الورثة وألا يدعهم فقراء (^١)، وهذا من السداد.\nفعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: (فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ إنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِيِّ امْرَأَتِكَ وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ. (^٢)\n_________\n(^١) ﴿انظر: جامع البيان (٧/ ١٩)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٢)، المحرر الوجيز (٣/ ٥٠٧).\n(^٢) ﴿رواه البخاري في كتاب الوصايا، باب: أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، برقم (٢٥٩١) ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم (١٦٢٨).","vol":"1","page":71},{"text":"وكذلك فإن من حضر الميت أثناء وصيته ورأى في وصية الميت ما يضر بورثته، فعليه أن يتقي الله ويجعل ورثة الميت مكان أولاده، فهل يرضى لهم ما يرضى لأولاده، فإذا رآه أوصى بما يضر بورثته فعليه نصحه وتوجيهه إلى الهدي النبوي والشرع الإلهي.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يَحْضُره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تَضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضَّيْعَةَ. (^١)\nأما إن غلب على ظنه أنه لو أوصى للفقراء والمساكين ألا يضرَّ بورثته، فإن ذلك من التقوى، فكما أنه يحب أن يُحسَن إلى ذريته فعليه أن يتقي الله في الفقراء والمساكين.\nومن حضر الميت حين وصيته في هذه الحال فعليه أن ينصحه عن الزيغ وأن لا ينهاه عن الوصية لذوي القربى من الفقراء والمساكين، بل يأمره بذلك، وأن هذا الأمر فيه صلاحه، إذ لو كان مكانهم لسره أن يوصى له. (^٢)\nفتقوى الله متحققة في كلا الحالين بالنظر فيما هو أقرب إلى الله وأصلح إلى عباده فيقوم به، ويراعي الأضعف والأحوج فإذا ترك ورثة مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين فالمراعى إنما هو الضعف، فيجب أن يمال معه، حتى لا يكون المال وزرا على صاحبه. (^٣)\nوكذلك فإن من التقوى أن يوصي العبد لأهل قرابته المحتاجين بما لا يضر بورثته أيضا، فقد جعل الله ذلك حقا على المتقين لأنهم هم الذين يسعون إلى الكمال ويخافون التقصير وذلك في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠].\n_________\n(^١) ﴿أخرجه الطبري بسنده في التفسير (٧/ ١٩).\n(^٢) ﴿انظر: جامع البيان (٧/ ٢٢)، المحرر الوجيز (٣/ ٥٠٨).\n(^٣) ﴿وهذا القول اختيار ابن عطية ﵀، (المصدر السابق)، والقرطبي ﵀ في تفسيره (٦/ ٨٩).","vol":"1","page":72},{"text":"ومعنى (حقا) أي: ثابتا ثبوت نظر وتحصين، لا ثبوت فرض ووجوب. (^١)\nومعلوم أن هذه الآية قد خرج منها الوالدان الوارثَان وبقى ذوو القرابة الذين لا يرثون فعن ابن عباس ﵄: (كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث، فبين ميراث الوالدين وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت) (^٢)\nقال النووي (^٣) ﵀: (إِنْ كَانَتْ الْوَرَثَة أَغْنِيَاء اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِي بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاء اُسْتُحِبَّ أَنْ يَنْقُص مِنْ الثُّلُث). (^٤)\nفالحاصل أن التقوى تمنع العبد من الظلم وتعينه على حراسة حقوق الضعفاء من الضياع أو التبديد. (^٥)\nوالتقوى كذلك تقود العبد إلى الصراط السوي وامتثال ما أمر الله به وفرضه من أحكام المواريث.\nومن التقوى كذلك: تعلم هذه الفرائض وتعليمها حتى يتعلم الناس ما يجب عليهم في أموالهم بالطريقة التي شرعها الله جل وعلا.\nفإذا امتثل العبد المسلم أمر ربه، سلم من الضلال والزيغ كما قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. والمعنى: يفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده ويوضح لكم شرائعه لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان. (^٦)\n_________\n(^١) ﴿الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٠٩).\n(^٢) ﴿أخرجه الطبري بسنده في تفسيره (٣/ ٣٩٠).\n(^٣) هو يحيى بن شرف بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الحازمي محيي الدين أبو زكريا النووي ثم الدمشقي الشافعي العلامة شيخ المذهب وكبير الفقهاء في زمانه ولد بنوى سنة ٦٣١ هـ وله تصانيف كثيرة منها: شرح مسلم ورياض الصالحين والأذكار وغير ذلك ومما لم يتممه وقد كان زاهدا عابدا ورعا وكان على جانب كبير لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، كان لا يضيع شيئا من أوقاته، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم توفي سنة ٦٧٦ هـ. (البداية والنهاية ١٣/ ٢٦٨).\n(^٤) ﴿شرح النووي على صحيح مسلم، (١١/ ٧٧).\n(^٥) ﴿انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٥٢).\n(^٦) ﴿انظر: نظم الدرر (٢ - ٢١٨)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٨٥).","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته</span>\nأسماء الله ﷿ غاية في الحسن والكمال، وصفاته عليا في القدر والمنزلة كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nولما كانت هذه الأسماء العظيمة الدالة على صفات الله ﷿ ختمت بها معظم آيات المواريث، فتارة يقرن صفة العلم بصفة السمع وتارة يقرن العلم بالحكمة، وأخرى يقرن المغفرة بالرحمة، كان من المهم أن تدرس هذه الصفات وما تدل عليها من حكم، وما تبعثه في نفس القارئ من آثار ومعانٍ عظيمة، فإن العارف بالله حقيقة المعرفة يستدل بما يعرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله جل شأنه، وعلى ما يشرعه من أحكام، لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة. (^١)\nومن الآثار والمعاني العظيمة التي تحصل من التفكر في هذه الأسماء ما يلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-34> المطلب الأول: الحث على مراقبة الله تعالى</span>.\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١]. نهى الله جل وعلا عن تبديل ما أوصى به الميت أو كتم شيئا من وصيته ثم ختم الآية بقوله: (إن الله سميع عليم) وفي هذين الاسمين ما يدعو النفس إلى مراقبة الله جل وعلا وامتثال أمره، سواء في ذلك الموصي فلا يوصي بمحرم أو\n_________\n(^١) ﴿انظر: شجرة المعارف والأحوال للعز بن عبد السلام (ص ٨١)، تيسير الكريم الرحمن (ص ٣٥).","vol":"1","page":74},{"text":"بما يضر ورثته، فالله ﷿ يسمع ما يوصي به الميت قبل موته حين يوصي هل يعدل أم يظلم؟ (^١).\nوكذلك فإن الآية داعية لأهل الميت وورثته إلى أن يراقبوا الله فيما أوصى به الميت ويسعون في تنفيذها إن لم يكن فيها ظلم وجوْر، فلا يقومون بتبديلها أو كتمان شيء منها، في حين لا يراهم أحد ولا يعلم الموصَى له ما أوصى له الميت فيدفعهم ذلك إلى الظلم، فأخبر الله تعالى أنه يعلم تبديل المبدل وإن تحايل على الناس فإن الله عليم بما تخفيه نفسه. (^٢)\nوالتعبير بهاتين الصفتين لله جل وعلا من أقوى الدوافع لمراقبته تعالى والخوف من عقابه لأنه لا يخفى معهما شيء من جور الموصين وتبديل المعتدين (^٣).\nومتى تذكر العبد هذين الاسمين في جميع شؤونه وأعماله، فإن حياته ستؤول إلى الأفضل لأنها ستجعله دائم التعلق بالله ﷿، يخشى أن يسمع منه باطلا، ويخشى أن يخفي ويضمر سوءا وشرا فيطلع الله عليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-35> المطلب الثاني: الحث على التوبة والسعي إلى الإصلاح</span>.\nوذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢].\nوهذه الآية مكملة للآية التي قبلها وقد ختمت باسمين من أسماء الله تعالى التي تحث على التوبة والاستغفار، وتدارك الظلم والزلل.\nوقوله: (غفور رحيم) أي: يغفر جميع الزلات ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه، رحيم بعباده، حيث شرع لهم كل أمر به يتراحمون ويتعاطفون.\n_________\n(^١) ﴿انظر: جامع البيان (٣/ ٣٩٩).\n(^٢) ﴿انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٥٢).\n(^٣) ﴿الجامع لأحكام القرآن، (٣/ ١١٥).","vol":"1","page":75},{"text":"فقد يريد الموصي أن يوصي بما فيه إضرار بورثته سواء عن طريق الخطأ أو عن طريق العمد أو بتحايل، كأن يوصي لزوج ابنته ليكثر مال ابنته إلى غير ذلك من الأشكال، فإن علم الولي أو المصلح بذلك فنهاه عن الجور في الوصية وأمره بالعدل والإحسان فيها - وهذا غاية الصلح_ فإن الله تعالى غفور للموصي فيما حدث به نفسه من الظلم والجور إذا لم يقع منه، رحيم بالمصلح الذي منع الظلم أن يقع وحرص على أن تصل الحقوق إلى مستحقيها بالعدل والإحسان. (^١)\nوالله سبحانه غفور للمصلح كذلك حال تبديله للوصية فإن الله ﷿ لما نهى عن تبديل الوصية في الآية السابقة بين في هذه الآية أن التبديل هنا مخالف للتبديل في الآية السابقة لأنه بدّلها من الجور إلى الحق والعدل وهذا هو المطلوب ولهذا بين الله تعالى أنه لا إثم عليه بل غفور له فيما أخطأ فيه بعد الاجتهاد وغرضه الوصول للحق رحيم يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم، حيث رحم الموصي وخشي عليه الوقوع في المعصية والظلم عند موته.\nوالله ﷾ يجازي من ترك بعض حقه لأخيه وتسامح في هذا الحق بالمغفرة والرحمة، لأن من سامح سامحه الله.\nوهو جل شأنه غفور للميت الجائر في وصيته إذا احتسب أولياؤه التسامح فيما بينهم لأجل براءة ذمته (^٢).\nوبهذا تتبين الحكمة العظيمة من ختم هذه الآية بقوله: (غفور رحيم) وهي تطبيق مراد الله تعالى بتنفيذ الوصية المشروعة بالعدل والإنصاف بدون ميل أو ظلم. (^٣)\nكما أن تغيير المنكر والأمر بالمعروف يحصل بهما المغفرة والرحمة من الله تعالى (^٤).\n_________\n(^١) ﴿انظر: جامع البيان (٣/ ٤٠٦ - ٤٠٨).\n(^٢) ﴿انظر: التفسير الكبير (٥/ ٧٣)، نظم الدرر (١/ ٣٣٦)، تيسير الكريم الرحمن (ص ٨٥).\n(^٣) ﴿انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٥٤).\n(^٤) ﴿انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ٨٥).","vol":"1","page":76},{"text":"ويدل على ذلك أيضا ما روته عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (يردُّ من صدقة الحائف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته) (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-36> المطلب الثالث: الرضا بحكم الله وامتثال أمره</span>.\nويتضح ذاك في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ..... وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١].\nوهذه الآية هي آية المواريث التي بين الله فيها ميراث الأولاد والوالدين وقدّر نصيبهم من تركة الميت، وقد ختمها الله ﷿ بقوله: (إن الله كان عليما حكيما).\nوحكمة ختم الآية بهذين الاسمين المشتملين على صفتي العلم والحكمة لله ﷾، لِما في ذلك من إرشاد الخلق إلى امتثال أمر الله جل وعلا في تقديره للمواريث وفرضها على عباد الله لكونها تشريع ممن هو أعلم بعباده إذ هو خالقهم، وهو الحكيم الذي أحكم هذه القسمة، وله الحكمة البالغة في تقدير ما يصلح العباد وما ينفعهم، فلا مجال لمن آمن بذلك إلا التسليم والرضى.\nيقول ابن جرير ﵀ حول هذا المعنى: (وأما قوله: (إن الله كان عليمًا حكيمًا): فإنه يعني جل ثناؤه: إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم. \"حكيما\"لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة). (^٢)\nولربما خطرت للنفس خاطرة بأن التركة لو قسمت على غير هذا الوجه لكانت أنفع وأولى، كما كان أهل الجاهلية يورثون الرجال دون النساء، أو يورثون من الرجال من يحمل السلاح أو نحو هذا، فبين الله - جلت حكمته - شيئا من هذه الحكم حتى تطمئن\n_________\n(^١) ﴿أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٠٣)، بسند صحيح (التفسير الصحيح ١/ ٢٨٥).\n(^٢) ﴿جامع البيان (٧/ ٤٩).","vol":"1","page":77},{"text":"النفس وتسلم لأمر الله فقال: (لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) فأنكر ﷿ علمهم بما هو أنفع لهم وبين أنهم لا علم لهم بحقيقة النفع، فبعضهم قد يرى النفع كما كان يراه أهل الجاهلية، وبعضهم قد يغلب جانب الأبوة أو جانب البنوة، واعتمدوا في ذلك على أسباب غير منضبطة فرد الله عليهم أنهم لا يدرون من هو أنفع لهم. (^١) وهذه حكمة واحدة من حكم العليم الحكيم ﷾، ولذلك فقد تكفل الله فرض هذه الفرائض بنفسه تعالى وكفانا مؤونة الاجتهاد وأمرنا بما يصلحنا وهو الانقياد له سبحانه (^٢).\nفختم الآية بقوله: (إن الله كان عليما حكيما) إنما هو تعليل لفريضته وهي كقوله تعالى للملائكة ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]. حين أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. (^٣)\nوفي الآية التي تليها ختمها الله ﷿ بصفة العلم مقرونة بصفة أخرى ألا وهي صفة الحلم فقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ .... غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢].\nفلما بين الله ﷿ في هذه الآية بقية أحكام الإرث، وبين أن هذا الإرث يكون بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية الجائزة، وأكد على النهي عن الإضرار بالورثة في الوصية، ختم الآية بقوله: (والله عليم حليم) فهو سبحانه عليم بما يصلح العباد وما يضرهم فيما فرضه عليهم، وهو عليم بنوايا العباد وأفعالهم سواء من عدل، أو من جار وظلم.\nوهو كذلك حليم: أي ذو أناة عن عباده لا يعجل لهم بالعقوبة فيما يحصل منهم من ظلم (^٤).\nوذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أنّ الأحكام المتقدّمة فيها إبطال لكثير من أحكام الجاهلية، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعًا مثارُه الجهل والقساوة.\n_________\n(^١) ﴿انظر: التفسير الكبير (٩/ ٢٢٥)، روح المعاني (٤/ ٢٢٨)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٦٢).\n(^٢) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٢٥).\n(^٣) ﴿انظر: التفسير الكبير (٩/ ٢٢٥)، نظم الدرر (٢/ ٢٢١).\n(^٤) ﴿انظر: جامع البيان (٨/ ٦٨)، روح المعاني، الآلوسي (٤/ ٢٣٢).","vol":"1","page":78},{"text":"فإنّ حرمان البنت والأخ للأمّ من الإرث جهل بأنّ صلة النسبة من جانب الأمّ مماثلة لصلة نسبة جانب الأب. فهذا ونحوه جهل، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم فالله عليم بالمصالح حليم بأهل الجهل. (^١)\nفعلى العبد المسلم أن يؤمن بهذه الأسماء والصفات حق الإيمان، فإن من مقتضى الإيمان مراقبة الله ﷿ العليم بما في الصدور.\nومن مقتضى الإيمان بها كذلك التوبة والاستغفار، فإذا أذنب العبد وعلم أن ربه حليم لا يعاجل العبد بالعقوبة دعاه ذلك إلى التوبة والاستغفار، وألا يتمادى في مخالفة أمر الله ومعصيته، فإن الله شديد العقاب لمن أصر وتمادى.\nومن لوازم الإيمان بهذه الصفات كذلك أن على العبد أن يحرص على نجاة نفسه بتعلم ما يفيده من أمور دينه وأن يحذر أن يضل بعد أن هداه الله وبيّن له ما ينفعه مما هو بحاجة إليه فقد قال تعالى في آية الكلالة في آخر سورة النساء: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]. والمعنى: يبين الله لكم أحكامه التي تحتاجون إليها لكي تهتدوا وتعملوا بأحكامه ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم والله بكل شيء عليم ويعلم حاجتكم إلى تعليمه وبيانه فيعلمكم ويبين لكم. (^٢)\nوكذلك فإن من لوازم علم الله ﷾: قدرته فهو الذي خلقهم وهو أعلم بما يصلحهم، وبهما تثبت ربوبية الله جل وعلا وألوهيته، وذلك يدعو العبد إلى أن يكون مطيعا للأوامر مجتنبا للنواهي منقادا لكل التكاليف. (^٣)\n_________\n(^١) ﴿التحرير والتنوير (٣٤/ ٢٦٧).\n(^٢) ﴿تيسير الكريم الرحمن. (ص ٢١٨).\n(^٣) ﴿انظر: التفسير الكبير (١١/ ١٢٤).","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى.\nالمبحث الثاني: تقوى الله تعالى.\nالمبحث الثالث: مراقبة الله ﷿.\nالمبحث الرابع: شكر الله ﷿.\nالمبحث الخامس: التوكل على الله.\nالمبحث السادس: التربية على الصبر.\nالمبحث السابع: البعد عن قول الزور.\nالمبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى</span>\nإن أول ما يتأمله القارئ لكتاب الله وهو يقرأ في آيات النكاح أن يتأمل في هذه الغريزة البشرية، كيف جعلها الله جل وعلا حاجة من حاجات الإنسان، وكيف جعلها سببا في التكاثر وإعمار هذه الأرض، فهي حقًا آية من آياته كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١]\nإن هذا يدعونا إلى التأمل في هذه الآية وكيف أنها نعمة من الله الذي خلق الإنسان وشرع له ما يصلحه، فإذا تأمل العبد هذه النعمة العظيمة أورث ذلك في نفسه الإخلاص لخالقه الذي خلقه وخلق له ما يؤنسه.\nولذلك فقد جاءت الآيات مذكرة بهذه النعمة العظيمة كي لا يغفل العبد بالنعمة عن المنعم جلا وعلا.\nومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢]\nفهذه الآية ساقها الله تعالى في سياق الامتنان على عباده فهو سبحانه الذي خلق للإنسان من جنسه ما يلتذُّ به ويأنس إليه، فكيف تجحد نعمة الله بعد ذلك فيعصى ولا يطاع ويشرك في عبادته سواه!!\nولذلك جاء الاستفهام في هذه الآية توبيخا لمن يعبد من لا يملك الإنعام ويترك عبادة المنعم المتفضل. (^١)\nوقد بيّن النبي - ﷺ - عاقبة من تناسى أن الله هو المنعم عليه بهذه النعمة وغيرها من النعم فبدّل نعمة الله كفرا والعياذ بالله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ قالوا: لا.\n_________\n(^١)﴾ ﴿انظر: نظم الدررر (٤/ ٢٩١)، التحرير والتنوير (١٤/ ٢٢١).","vol":"1","page":81},{"text":"قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا.\nقال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العبد فيقول: أي فل (^١)، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني.\nثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول: ههنا إذا، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه) (^٢)\nفتأمل قوله: (ألم أكرمك وأسودك وأزوجك؟) كيف جعل نسيان هذه النعم سببا في حرمان العبد من رحمة ربه لأنه لم يسخِّر هذه النعم في طاعة الله جل وعلا (^٣).\nومن الآيات التي تشير إلى هذا المعنى قوله تعالى:\n﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ\n_________\n(^١) ﴿معنى: أي فل: أي فلان، وهذا من الترخيم (شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/ ١٠٤)\n(^٢) ﴿رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، برقم (٢٩٦٨)\n(^٣) ﴿انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١٨/ ١٠٤).","vol":"1","page":82},{"text":"اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦]\nففي هذه الآية إشارة لكل من غفل ونسي حق الله عليه وهو الذي خلقه وخلق زوجه ليقوم ناموس التناسل وتعمر الأرض، فلذلك كان لزاما على العبد أن يخلص العبادة للمنعم ﷾، ولقد نبه الله ﷾ إلى ذلك في آخر هذه الآية فقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ فجعل سبحانه خلق زوج من آدم ﵇ دليل على عظيم قدرته جل في علاه، فمن غيرُ الله ﵎ قادر على هذا فلا يجب صرف شيء من العبادة لغيره (^١).\nولذلك فقد جاء الاستفهام إنكاريا على من لم تقده هذه الظواهر التي يتقلب بها صباح مساء إلى عبادة ربه، إذ كيف يُصرَف عن عبادة الله بعد إدراكه لهذه النعم العظيمة وأنها منه ﵎.\nوبهذا يعلم العبد أن هذه الظاهرة الغريزية ألا وهي النكاح تدعو إلى تذكر نعمة الله بتحقيق العبودية له جل وعلا، فلا تلهيه عن نسيان حق الله، فهو الذي خلقه وخلق زوجه فهو المستحق للعبادة دون سواه.\n_________\n(^١) ﴿انظر: التحرير والتنوير (٢٣/ ٣٣١).","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الثاني: تقوى الله تعالى</span>\nلما كانت التقوى سببا لصلاح العبد في دينه ودنياه كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nأمر الله بها عباده في أحوال كثيرة من أمور دينهم ودنياهم إذ هم بحاجة إلى التذكير بالتقوى والأمر بها.\nوالنكاح من جملة الأحوال التي جاء فيها التذكير بالتقوى.\nوقد جاء الأمر بالتقوى والحث عليه في آيات النكاح متكررا ومتنوعا بتنوع أبوابه، وما ذاك إلا لتكون هذه الحياة الأسرية قائمة بأمر الله وعلى منهج الله كي تحيا حياة كريمة مستقيمة لا ظلم فيها ولا جور، فتكون سببا في صلاح العبد - رجلا كان أو امرأة- وسعادته في دينه ودنياه.\nومن تلك الأحوال التي جاء فيها الأمر بالتقوى:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-40> المطلب الأول: إقامة الحياة الزوجية على مبدأ التقوى بين الرجل والمرأة:</span>\nقال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\nجاء الأمر الرباني في هذه الآية بالتقوى مذكرا جميع الناس بأصل الخلق وأنهم خلقوا من ذكر وأنثى وأن أصل الجنس البشري كان مطيعا لله متقيا له، ولذلك يجب على الفروع التي نشأت من هذا الأصل أن تقيم حياتها على تقوى الله تعالى.\nوفي هذا التذكير إشارة أيضا لما في توافق الرجل والمرأة وأنسهما مع بعضهما البعض أن يتعاونا على التقوى في شؤون حياتهما، وأن تكون التقوى دافعة لهما في حفظ حقوقهما","vol":"1","page":84},{"text":"فيحفظ الرجل للمرأة حقها، وتحفظ المرأة للرجل حقه، وكأن هذا النداء يذكرهم أنهم من نفس واحدة، فيحافظ كل واحد منهما على زوجه وبذلك تصلح الحياة ويسعد العباد (^١).\nوفي الآية تذكير للرجال بأن يتقوا الله في نسائهم وفي طبيعة خلقهن وكيف يتعاملون مع أزواجهم، حيث بيّن تعالى أن المرأة خلقت من الرجل، وبين النبي - ﷺ - أنها خلقت من ضلع، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خيرا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاء خيرا) (^٢).\nفينبغي على العبد حينئذ أن يتقي الله في زوجه ويستوصي بها خيرا ويحسن تربيتها ويصبر على ذلك كما أوصانا رسول الله - ﷺ -.\n• المطلب الثاني: تقوى الله تعالى تمنع العبد أن يقدم محبة زوجه على حق ربه:\nذلك أن طبيعة النفس البشرية: أن يأنس الرجل بالمرأة وتأنس المرأة بالرجل، ولذلك فقد حذر الله تعالى من صنف من الأزواج يصبح عدوا لزوجه، وذلك حين يصل الأمر إلى التهاون بحقوق الله تعالى وما أمر به من حقوق العباد المتعلقة بالفرد، كبر الوالدين وصلة الأرحام ونحو ذلك فحينئذ تكون هذه العلاقة علاقة معاداة وإن كان ظاهرها المحبة والمودة والشفقة، وفي ذلك يقول الباري جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٤ - ١٦].\n_________\n(^١) ﴿انظر: البحر المحيط، (٣/ ٢١٧).\n(^٢) ﴿رواه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، برقم (٤٨٩٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء برقم (١٤٦٨).","vol":"1","page":85},{"text":"قال مجاهد (^١) ﵀: (يحملُ الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه) (^٢)\nويبين هذا المعنى ما ورد في سبب نزولها فقد أخرج الطبري - ﵀- بسنده عن عكرمة (^٣) عن ابن عباس قال: سأله رجل عن هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ قال: هؤلاء رجال أسلموا فأرادوا أن يأتوا رسول الله - ﷺ - فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدَعوهم يأتوا رسول الله - ﷺ - فلما أتوا رسول الله - ﷺ - فرأوا الناس قد فقهوا في الدين همُّوا أن يعاقبوهم فأنزل الله جل ثناؤه\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. (^٤)\nفإذا كانت الزوجة بهذه المنزلة من العداوة ولم يتنبه الرجل لذلك فإنها تفسد عليه دنياه وآخرته، أما في الدنيا فبإذهاب ماله وعرضه، وأما في الآخرة فبما يسعى في اكتسابه من الحرام لها ولأولادها، وبما تكسبه وأولادها منه بسبب جاهه. (^٥)\nوقد بين الله في هذه الآيات علاج هذه العداوة وكيفية التعامل معها فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فأمر الله عباده أن يتقوه فيما جعل فتنة لهم من أزواج وأموال وأولاد وألا تغلبهم فتنتهم وتصدهم عما يجب عليهم مما أمرهم الله ﵎ به، بل عليهم الانقياد\n_________\n(^١) ﴿هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي مولى عبد الله بن السائب القارئ، مفسر ثقة سمع من ابن عباس وابن عمر وعلي وروى عنه الحكم ومنصور وابن أبي نجيح وعطاء وطاووس، قال مجاهد: قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت. مات مجاهد سنة ١٠٣ هـ وقيل ١٠٢ هـ. (التاريخ الكبير ٧/ ٤١١) (تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٠)\n(^٢) ﴿... جامع البيان (١٢/ ١١٦)، تفسير القرآن العظيم (٨/ ١٣٩).\n(^٣) هو أبو عبد الله القرشي مولاهم المدني، البربري الأصل مولى ابن عباس، العلامة الحافظ المفسر حدث عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم من الصحابة، وحدث عنه إبراهيم النخعي والشعبي وعمرو ابن دينار، كان يقول: طلبت العلم أربعين سنة وكنت أفتي بالباب وابن عباس في الدار. وقال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل على تعليم القرآن والسنن. توفي سنة ١٠٥ هـ (سير أعلام النبلاء ٥/ ١٢ - ١٤) (طبقات المفسرين للأدنه وي ص ١٢)\n(^٤) ﴿جامع البيان (١٢/ ١١٦).\n(^٥) ﴿انظر: البحر المحيط (٨/ ٣٩٠).","vol":"1","page":86},{"text":"لأمر الله وطاعته والإنفاق في سبيله، فلا ينساق العبد لهواه في طاعة زوجته في معصية الله بل عليه الحذر منها، والتعامل معها بالحسنى وبذلك يسعد العبد بطاعة ربه وإصلاح زوجته (^١).\nوكذلك على الزوجة ألا تطيع زوجها فيما يأمرها به من معصية إن هو أمرها بل عليها أن تتقيَ الله في القيام بعبادته وأن تتقيَ الله في زوجها بطاعته فيما لا معصية فيه والتودد له والإحسان إليه.\nفمن امتثل الأمر وأطاع الله فقد وعده الله بالأجر العظيم والثواب الجزيل أما من انساق وراء هواه وتغلبت عاطفته ومحبة زوجه على أمر الله ورسوله فقد وعده الله في آية أخرى بعذاب منه حيث قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].\nفعلى العبد الذي يرجو صلاحه ونجاته أن يمتثل أمر الله ويتبع شرعه ففيه النجاة في الدنيا والآخرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-42> المطلب الثالث: تقوى الله تعالى في حال الصلح</span>.\nلقد أقام الله السماوات والأرض على العدل، وأمر به، وفي المقابل فقد حرم الظلم على نفسه، وحرمه على عباده، فعن عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ... الحديث) (^٢).\nولما أمر الله عباده بالعدل بين الزوجات حال التعدد، كانت التقوى من أعظم ما يدعو إلى العدل، ولذلك فقد ذكّر الله عباده وأمرهم بها كي تستقيم الحياة وينعم العبد (^٣).\n_________\n(^١) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢١/ ٢٢)، التحرير والتنوير (٢٨/ ٢٨٤).\n(^٢) ﴿رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (٢٥٧٧).\n(^٣) ﴿انظر: نظم الدرر (٢/ ٢٠٤).","vol":"1","page":87},{"text":"فأخبر في هذه الآية ألا جناح على المرأة إذا هي خافت من زوجها نشوزا وأثرة عليها إلى غيرها واستعلاء منه أو انصرافا عنها، أن تتصالح معه فيما يتفقان عليه لبقاء واستدامة عقد النكاح من ترك يومها له أو إعطائه مالا أو نحو ذلك، فلما بيّن ذلك ذكر عباده بالتقوى وأن ذلك خير من إلجاء المرأة إلى التنازل عن شيء من حقها فقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨].\nفوعد الله بالأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقى الله في نسائه وأبقى من كرهها وقسم لها ما قسم لمثيلاتها، وإن وجد في ذلك مشقة وكراهية، فما عند الله خير وأبقى، ولعله بامتثال أمر الله وبالصبر عليها وحسن معاشرتها وتحمل خلقها وطبعها تصفو حياتهما وتنقلب الكراهية إلى محبة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر) (^١).\nولما كان قلب العبد بمنزلة لا يستطيع معها أن يساوي ويعدل في محبته لأزواجه رفع الله ﵎ الحرج عن عباده في ذلك وبين أن التقوى هو إصلاح العمل بالقسم بين النسوة بالسوية وعدم الميل والجور في التعامل.\nفقد قال ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩].\n_________\n(^١) ﴿رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، برقم (١٤٦٩)، ويفرك: أي يبغض.","vol":"1","page":88},{"text":"فقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم (^١) بسنديهما عن علي أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، يعني: في الحب والجماع. (^٢)\nفالواجب على الرجل حينئذ ألا يتعمد الإساءة لزوجته، أو يظلمها في حقها فتكون كالمعلقة لا هي مطلقة ولا هي متزوجة فهذا هو المنهي عنه، فعن مجاهد قال: لا تعمدوا الإساءة.\nوعن ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁ قال: تذروها لا هي أيِّم ولا هي ذات زوج. (^٣)\nوعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقسم فيعدل فيقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) (^٤).\nثم بين ﵎ أن تقوى الله وامتثال أمره فيما يملك العبد من الإحسان إلى زوجته وإصلاح ما سلف سبب لمغفرة الذنوب. فقال: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ وما أسعد العبد إذا غفر الله له ذنوبه ورحمه لأنه اتقاه. فالعبد محتاج لهذه التقوى لأن فيها صلاح له ونجاة في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو محمد التميمي الحنظلي الإمام ابن الإمام حافظ الري وابن حافظها سمع من أبيه وابن وارة وأبي زرعة وروى عنه أبو الشيخ بن حيان ويوسف الميانجي أخذ علم أبيه وأبي زرعة وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال كان عابدا زاهدا من كبار الصالحين ومن تصانيفه التفسير المسند وكتاب الجرح والتعديل وتوفي سنة ٣٢٧ هـ (طبقات المفسرين للأدنه وي ص ٦٦).\n(^٢) ﴿جامع البيان، (٩/ ٢٨٦). تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٨٣).\n(^٣) ﴿جامع البيان (٩/ ٢٩٠).\n(^٤) ﴿رواه أبو داود في السنن، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء برقم (٢١٣٤)، والترمذي في كتاب النكاح، باب التسوية بين الضرائر، برقم (١١٤٠)، والنسائي في كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، برقم (٣٩٤٣)، وابن ماجه في كتاب النكاح باب القسمة بين النساء، وأحمد في المسند برقم (٢٥١٥٤). والحاكم في المستدرك في كتاب النكاح برقم (٢٧٦١) قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":89},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-43> المطلب الرابع: تقوى الله تعالى عند حصول الطلاق</span>.\nإن صلاح حياة العبد وسعادته ونجاته في الدنيا والآخرة لا يتحقق إلا إذا كان العبد متبعا لهذه الشريعة الغراء، فمهما حاول المرء أن يبحث عن أحكام وقوانين تناسب هذا الكون وتضبطه فلن يجد خيرا من حكم الله ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].\nإن القوانين الجاهلية قوانين لا تخاطب الفرد بكونه عبدا منقادا لأمر الله فلا تلامس روحه ومشاعره فتقوده إلى الفوز والفلاح.\nفإذا قرأ العبد قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ [النساء: ١٣١]. وتأمل هذه الوصية العظيمة التي أوصى الله تعالى بها الخلائق أجمعين ألا وهي تقوى الله تعالى الجامعة لكل خير وعلم أن هذه الوصية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [النساء: ١٣٠].\nتبين له أن هذه الآية جاءت لترشد العباد أنه إذا أغلقت كل السبل بين الزوجين، ولم ترض الزوجة بنشوز زوجها عنها، وأبى الزوج الإحسان إليها، ففي هذه الحالة شرع الله لعباده المتقين مخرجا ألا وهو الطلاق، وأن الله سيغني كلا من سعته، فقد يغني الله المطلقة بزوج أصلح لها من زوجها السابق، أو برزق أوسع، ويغني الله الزوج بزوجة أصلح له من زوجته السابقة أو عفة أو غير ذلك من رزق الله الواسع (^١).\nوإذا تأمل العبد مناسبة قوله تعالى: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ مع قوله تعالى في الآية التي بعدها ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يدرك أنّ الذي له ما في السماوات\n_________\n(^١) ﴿انظر: جامع البيان (٩/ ٢٩٤).","vol":"1","page":90},{"text":"وما في الأرض قادر على أن يغني كلّ أحد من سعته. وهذا تمجيد لله تعالى وتذكير بأنّه ربّ العالمين، وكناية عن عظيم سلطانه واستحقاقه للتقوى. (^١)\nفعلى المسلم إذا لجأ إلى الطلاق أن يكون متقيا لله جل وعلا، ولا ينوي بذلك شرا أو إضرارا، حتى يحقق الله له ما وعده ويغنيه من فضله.\nوقد جاءت الآيات المبينة لأحكام الطلاق مذكرة بالتقوى لأنها تمنع العبد من تغلب هواه عليه في هذه الحالة التي يغلب فيها الغضب ويكون مدعاة إلى الظلم والبغي.\nفمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق:١]\nفقد أمر الله ﷿ عباده بالتقوى في مطلع هذه السورة لما في هذا الأمر من المصالح العظيمة التي تعود على الرجل والمرأة.\nوإذا تأملت وجه المناسبة بين مطلع هذه السورة والتي قبلها يتبين لك أنه لما ختمت سورة التغابن بالحذر من عداوة النساء، وقد تكون هذه العداوة جالبة إلى الفراق افتتحت هذه السورة بالأمر بالتقوى عند ثوران الغضب وتغلب حظوظ النفس، وأنه يجب على العبد أن يتقي الله في أمر الطلاق وألا يلقيه كيف شاء ومتى شاء.\nولقد جاء قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ معترضا بين جملة ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وجملة﴾ ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ وحذف متعلق (واتقوا الله) وذلك ليعم جميع ما يتقى الله فيه، وأول ما يقصد بأن يتقى الله فيه ما سيق الكلام لأجله.\n_________\n(^١) ﴿التحرير والتنوير (٥/ ٢١٩).","vol":"1","page":91},{"text":"فأمر الله ﵎ الرجل أن يتقيه فلا يطلق إلا في زمن العدة التي شرعت له وسنها النبي - ﷺ -، وفي هذا ما يعود على الفرد بالخير لما فيه من التأني والتريث الذي يجعل كلا الزوجين يصطلحان وتعود الأسرة متماسكة، بفضل امتثال أمر الله ورسوله. (^١)\nولقد أنكر رسول الله - ﷺ - صنيع ابن عمر ﵄ وتغيظ لذلك حينما علم أنه طلق امرأته وهي حائض، فقد ثبت في الصحيحين أن عبد الله بن عمر طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمرُ لرسول الله - ﷺ -، فتغيظ رسول الله - ﷺ - ثم قال: (مره فليرجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء). (^٢)\nفعلى العبد أن يتقي الله في الطلاق وألا يطلق إلا في العدة التي أمر الله بها فلا يطلقها وهي حائض أو في طهر قد جامعها فيه وأن يطلقها تطليقة، كما أخرج ابن جرير بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: (لا يطلقها وهي حائض ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن: تتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة) (^٣).\nكما أمر الله ﵎ الرجل إذا طلق أن يتقي الله فلا يدفعه الغضب أن يظلمها بل يجب عليه السكنى والنفقة حتى تنتهي عدتها، ولتأكيد استحقاقها لذلك جاء النص القرآني في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ فأضاف البيوت لهن لأنهن في حال العصمة كن مالكات له فكذلك في حال العدة.\nوعلى المرأة أن تتقي الله ﵎ في حال العدة كذلك، فلا يجوز لها أن تعتدي على زوجها أو تؤذيه بالسباب والشتائم أو خروجها دون إذنه أو أن تفعل كل ما هو معصية فقد حذرها الله من ذلك فقال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ\n_________\n(^١) ﴿انظر: نظم الدرر (٨/ ٢٤)، التحرير والتنوير (٢٨/ ٢٩٨\n(^٢) ﴿رواه البخاري، كتاب الطلاق، برقم (٤٩٥٣)، ومسلم في كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها، برقم (١٤٧١).\n(^٣) ﴿جامع البيان (٢٣/ ٤٣٦).","vol":"1","page":92},{"text":"بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ والفاحشة في هذه الآية تشمل الزنا؟والعياذ بالله- أو النشوز والعصيان أو البذاءة في القول والفعل، فإذا فعلت ذلك جاز لزوجها إخراجها (^١)\nوفي امتثال التقوى وملازمتها الخير والسعادة وذلك أنه أدعى لرجوع المودة لما يظهر من حسن تعامل الزوج وكرمه ومروءته وعدم الفحش في التعامل، ولما في أدب الزوجة وعدم الإتيان بما فيه معصية من بقاءها في بيتها حتى تنقضي عدتها، ولما في ذلك أيضا من إطفاء جذوة الغضب لدى الزوج ورجوع المودة بينهما كما قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ والمعنى أننا إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة، لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله في قلبه رَجْعَتَها، فيكون ذلك أيسر وأسهل. (^٢)\nولما أمر الله تعالى بتقواه في العدة وإحصاءها وما ينبغي فيها أمر بتقواه بعد انتهاء العدة وانقضاء أجلها وجاء هذا الأمر مخاطبا به الزوج وأولياء المطلقة.\nأما الزوج فعليه أن يتقي الله في طليقته إذا انقضت عدتها ألا يبقيها في عصمته بقصد الإضرار وإنما يسرحها بإحسان أو يمسكها بمعروف، وفي ذلك يقول الله جل شأنه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١].\nوقال في سورة الطلاق: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ...﴾ الآية [الطلاق: ٢ - ٣]\nفأمر الله بتقواه وبين عقوبة من خالف أمره في الموضع الأول ثم بين ما تورثه التقوى من الخير في الموضع الآخر وذلك لما في أمر الطلاق وما يصاحبه من خصومات ونزاعات من حضور داعي الظلم والعدوان على المرأة، حيث إنها ما زالت في عصمته فيدعوه الشيطان ويزين له الإضرار بهذه المرأة الضعيفة بأن يرجعها قبل انقضاء عدتها إضرارا بها فنهى الله\n_________\n(^١) ﴿جامع البيان (٢٣/ ٤٣٦)، أضواء البيان (١/ ١٤٣)\n(^٢) ﴿تفسير القرآن العظيم (٨/ ١٤٤).","vol":"1","page":93},{"text":"عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ فعن مجاهد قال: (الضرار: أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الأجل، حتى يفي لها تسعة أشهر، ليضارها به)\nوعن قتادة قال: (هو في الرجل يحلف بطلاق امرأته، فإذا بقي من عدتها شيء راجعها يضارها بذلك ويطول عليها، فنهاهم الله عن ذلك) (^١).\nبل أمره الله تعالى إن أمسكها أن يمسكها بمعروف أو أن يفارقها بمعروف، والمعروف هو ما تعارفه الأزواج من حسن التعامل في المعاشرة أو الفراق، فإن أمسكها فإنه يحسن لقاءها ويعود لحسن المعاشرة، والمعروف في الفراق ألا يذكرها بسوء في غيبتها ويكف لسانه عن ذكرها بسوء (^٢)، فهذه هي تقوى الله حقا، ومن خالف ذلك فهو غير متق وقد ظلم نفسه، وظلْم النفس يؤثر على العبد في دينه ودنياه، أما في دينه فإنه يكسب بذلك إثما لمخالفته أمر ربه، ويعرض نفسه للعقاب، ويضيع على نفسه ما أعد الله من الثواب لمن أطاعه وأحسن إلى زوجه.\nأما في الدنيا فإنه يعيش في بيته مضطربا قلقا، ويصبح خاطره مكدرا بالخصومات والمشاحنات، وقد يشتهر ذلك عنه فيؤدي إلى رغبة النساء عنه لاتصافه بهذا الفعل القبيح (^٣).\nأما من اتقى الله تعالى فتعامل بالمعروف في الإمساك أو المفارقة فقد وعده الله بالصلاح والفوز في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ -والسياق في هذه الآية نكرة في سياق الشرط فهو يفيد العموم- (^٤)\nوقال في الآية التي تليها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٤ - ٥].\n_________\n(^١) ﴿أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٩) عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.\n(^٢) ﴿انظر: التحرير والتنوير (٢٨/ ٣٠٨).\n(^٣) ﴿انظر: (جامع البيان (٥/ ١١)، البحر المحيط (٢/ ربيع أول ربيع أول صفر)، التحرير والتنوير (٢/ ٤٢٣).\n(^٤) ﴿انظر: الإتقان في علوم القرآن (١/ ٦٣٢).","vol":"1","page":94},{"text":"أما في الآخرة فيجعل الله له مخرجا بما يخص به المتقين من تخليصهم من أهوال الحساب والانتظار، كما وعدهم الله بتكفير السيئات ومضاعفة الأجور (^١).\nوفي الدنيا يدفع الله تعالى عنه المضار مما أحاط به من الشرور، ويكفيه ما يحصل له في هذه الحال من الغموم والوقوع في المضايق، ويكشف عنه الكروب فهو القادر على ذلك ﷾، كما يجعل الله له مخرجا بالرجوع إلى زوجه مرة أخرى إن أراد، فقد جعل الله له السبيل إلى ذلك (^٢).\nفقد أخرج الطبري بسنده عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ يقول: (نجاته من كل كرب في الدنيا والآخرة)، وأخرج عن الربيع بن خثيم (^٣) في هذه الآية أنه قال: (من كلّ شيء ضاق على الناس) (^٤)، وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة ﵂ قالت عن هذه الآية: (يَكْفِيهِ غَمَّ الدُّنْيَا وَهَمَّهَا) (^٥).\nكما وعده الله بالرزق بل بأفضله وهو من حيث لا يحتسب، حيث إن أفضل الهبات ما جاء من مكان لا يرجى، كما وعده الله تعالى بتيسير أموره.\nفمن كان يبتغي الخير لنفسه فعليه بتقوى الله فيما أمره به وخصوصا عند الطلاق فإن النفس في هذه الحال قد تحجم أو تقصر في القيام بهذه التكاليف ولكن المؤمن حين يرى ما وعد الله به ورغب فيه من امتثال أمره وتقواه فإن ذلك يدعوه للإذعان والامتثال.\n_________\n(^١) ﴿التحرير والتنوير (٢٨/ ٣١١).\n(^٢) ﴿انظر: جامع البيان (٢٣/ ٤٤٥)، نظم الدرر (٨/ ٢٩)، روح المعاني (٢٨/ ١٣٥)، التحرير والتنوير (٢٨/ ٣١١).\n(^٣). الربيع بن خثيم بن عائذ، الإمام القدوة العابد، أبو يزيد الثوري الكوفي ثقة عابد مخضرم، أدرك زمان النبي - ﷺ - وأرسل عنه، وروى عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب الانصاري، وعمرو بن ميمون، حدث عنه: الشعبي وإبراهيم النخعي، وهلال بن يساف، قال له ابن مسعود لو رآك رسول الله - ﷺ - لأحبك، توفي قبل سنة خمس وستين قيل سنة إحدى وستين وقيل ثلاث وستين. انظر: (السير ٤/ ٢٥٨، ٢٦٢) (تهذيب التهذيب ٣/ ٢١٠)\n(^٤) ﴿جامع البيان (٢٣/ ٤٤٦).\n(^٥) ﴿تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٦٠).","vol":"1","page":95},{"text":"وقد جعل الله على المتقين حقًاّ لطليقاتهم ألا وهو حق المتعة فقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١].\nواختلفوا هل المتعة على سبيل الوجوب أم الندب، فمذهب الإمام مالك وبعض الأئمة كالليث (^١) وابن أبي ليلى (^٢) أنها مستحبة وغير واجبة لأن الله تعالى خص بها المحسنين فدل هذا أنها على سبيل الإحسان والتفضل، والجمهور على أن المتعة واجبة لأنه أمر والأمر يقتضي الوجوب (^٣) وهو الراجح (^٤).\nبل جعل القرطبي -﵀- قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ دليلا على تأكيد وجوب المتعة إذ يجب على كل عبد أن يتقي الله. (^٥)\n_________\n(^١) الليث بن سعد بن عبدالرحمن، عالم الديار المصرية ثقة ثبت، أبو الحارث الفهمي سمع عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، ونافعا العمري، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وابن شهاب الزهري، وروى عنه ابن عجلان شيخه وابن المبارك والقعنبي وآدم بن أبي إياس، مات سنة ١٧٥ هـ. (تاريخ بغداد ١٣/ ٣) (سير أعلام النبلاء ٨/ ١٣٦، ١٣٧، ١٦١) (تقريب التهذيب ١/ ٤٦٤)\n(^٢) هو محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، العلامة، الإمام مفتي الكوفة وقاضيها، أبو عبد الرحمن الأنصاري الكوفي ولد سنة نيف وسبعين. أخذ عن أخيه عيسى وعن الشعبي ونافع العمري وعطاء ابن أبي رباح، وحدث عنه: شعبة وسفيان بن عيينه وزائدة والثوري وحمزة الزيات وقرأ عليه، وكان نظيرا للإمام أبي حنيفة في الفقه، كان يحيى ابن سعيد يضعف ابن أبي ليلى، وقال العجلي: كان فقيها صاحب سنة صدوقا جائز الحديث، مات سنة ١٤٨ هـ. (سير أعلام النبلاء ٦/ص ٣١٠ - ٣١٥)\n(^٣) ﴿انظر: المغني (١٠/ ١٣٨).\n(^٤) ﴿وهذا الرأي هو رأي ابن عمر وعلي أبن أبي طالب ﵄ (الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٦٢)، كما رجح ذلك ابن جرير ﵀ في تفسيره وقال: \" فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة، ولم يخصص منهن بعضا دون بعض. فليس لأحد إحالة ظاهر تنزيل عام، إلى باطن خاص، إلا بحجة يجب التسليم لها\" (٥/ ١٢٥) وهو رأي ابن قدامة في المغني (١٠/ ١٣٨)، ومال إليه صاحب الأضواء وقال أنه الأحوط (الأضواء ١/ ١٤٤).\n(^٥) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٦٢)، وقد بين الشيخ محمد الأمين ﵀ أن الاستدلال بقوله (حقا على المحسنين) وقوله (حقا على المتقين) على استحباب المتعة أنه لا ينهض ولا يستقيم (أضواء البيان ١/ ١٤٥).","vol":"1","page":96},{"text":"فعلى المطلِق الذي يرجو التوفيق والصلاح أن يتقي الله في مطلقته بفرض نصيب لها تتمتع به، ولا يشترط لذلك نصيب محدد (^١) وذلك كما بين الله تعالى: ... ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦].\nوفي ذلك جبر لخاطر المرأة وصلا ح للرجل، فحين يشعر العبد أنه أحسن للمرأة بهذه المتعة فإنه بذلك قد تصلح نفسه وتتهذب فلا يدعوه ذلك لغيبتها أو الكلام فيها فيفسد ما أمره الله تعالى به من الإحسان إليها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-44> المطلب الخامس: تقوى الله تعالى في إرضاع المولود:</span>\nلما بين جل وعلا أحكام الرضاعة أمر بتقواه إذ فيها السعادة والفلاح وهي الطريق المبعد عن الوقوع في الظلم والضرر والخلافات والمشاحنات، والتقوى هي التي تخاطب النفس البشرية بما يصلحها وتردعها عما لا يجب أن تقوم به.\nفقال ﷿: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nوفي هذه الآية أمر الباري جل وعلا الوالدين بتقواه فيما يحفظ حق ولدهما في الرضاعة وجعل الأمر شورى بينهما، فلا يجوز لواحد أن يستبد بالأمر دون مشاورة الآخر وهذا من رحمة الله بعباده حيث أرشدهما إلى ما فيه الخير لهما ولمولودهما (^٢).\n_________\n(^١) ﴿انظر: أضواء البيان (١/ ١٤٥).\n(^٢) ﴿انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٣٥).","vol":"1","page":97},{"text":"كما بين ﵎ أن على والد الطفل أن يستحضر تقوى الله تعالى فيما يخص والدة طفله فلا يمنعْها من إرضاعه إضرارا بها فهو حق لها، وذلك لأن الأم أحنى وأرق على ولدها من غيرها (^١).\nوكذلك فإن عليه ما يلزمها من نفقة وكسوة، وذلك أن إرضاع الطفل يحتاج إلى ما يدر لبن الأم وتقوى به على الإرضاع، فتحتاج الأم إلى قوت لها ولولدها، سواء كانت الأم زوجة أم مطلقة (^٢) وبين تعالى أن النفقة والكسوة على قدر الاستطاعة حيث قال: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\nوإذا كان هذا فيما يتعلق بالآباء، فإن على الوالدات أن يتقين الله في أمر أولادهن فلا يمتنعن عن إرضاع أولادهن اللبأ الذي لا يعيش بدونه غالبا، قبل تسليمه لوالده، إن لم ترد إرضاعه، وكذلك عليها الحذر من أن يكون امتناعها عن إرضاع المولود بقصد الإضرار بوالده (^٣) فإن ذلك ينافي التقوى، هذا إن كانت مطلقة أما إن كانت في حال الزوجية وتستطيع إرضاعه فيجب عليها (^٤)\nوبهذا تتبين الحكمة بالأمر بالتقوى في ختام هذه الآية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ وذلك حتى تحفظ الحقوق فيما ألزم الله به كلا من الرجل والمرأة وفي ذلك صلاح لهما ولولدهما.\n_________\n(^١) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٠٦).\n(^٢) ﴿وهذا هو الراجح لعموم الآية، كما رجح ذلك القرطبي ﵀ في تفسيره (٤/ ١١١)، وابن قدامة ﵀ في المغني (١١/ ٤١٣، ٤٢٩).\n(^٣) ﴿تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٣٢).\n(^٤) وذلك لأنه عرف يلزم إذ قد صار كالشرط (الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٠٧).","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثالث: مراقبة الله ﷿</span>\nمن رحمة الله بعباده أن يسر لهم ما يصلحهم في شؤون دينهم ودنياهم، ولئن كانت النفس البشرية تتقلب على صاحبها إما بوسوسة أو طغيان أو ظلم أو جشع فتعرض عما شرعه الله لها، فلقد أودع الله في كتابه الكريم من المواعظ والتذكير ما يصلح هذه النفس ويردها إلى الطريق المستقيم، ولاشك أن أعظم ما يجنبها الهوى ويقودها إلى الصلاح هو تذكر عظمة الباري جل وعلا ومراقبته في السر والعلن.\nوتشتد الحاجة إلى المراقبة حين يستتر العبد عن أعين الناس، حينها لا رادع له عن غيه وظلمه إلا تذكر عظمة الله وأنه يراه في كل حال.\nولما كانت الحياة الزوجية وما يكون فيها بين الزوجين مما لا يطلع عليه غيرهما من الخلق كان الأمر بمراقبة الله وتذكير العباد بأنه سميع بصير، من أعظم الحِكَم التي تأخذ بيد العبد إلى الإيمان والصلاح.\nولذا فقد جاءت آيات الكتاب المبين تشير إلى أهمية المراقبة وأثرها وأنها سبب في إيمان العبد رجلا كان أو امرأة.\nومن ذلك الإشارة إليها في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]\nفكما أمر الله تعالى بالتقوى في بداية هذه الآية كما سبقت الإشارة لذلك، فقد ختمها بالإخبار عن مراقبته لعباده، إذ هو المطلع عليهم في السر والنجوى، فإذا نسي الزوجان أنهما من أب واحد وأم واحدة الأمر الذي يوجِد العطف والمودة بينهما، فعليهما أن يتذكرا أن الله مطلع عليهما مراقب لأعمالهما وسيجازي المحسن على إحسانه والمسيء","vol":"1","page":99},{"text":"على إساءته (^١) ولذا جاءت الآيات في هذه السورة مبيِّنة مفصِّلة لأحوال النكاح، فكأن هذه الأحكام مبنية على مراقبة الله تعالى والأمر بتقواه. (^٢)\n\nومن الأحوال التي ينبغي استحضار المراقبة فيها ما يلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-46> المطلب الأول: استحضار المراقبة يمنع المطلقة من كتمان ما يتوقف عليه أمر الطلاق</span>\nقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ....﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nلما كانت عدة المطلقة دائرة بين الحيض أو الطهر، ولا سبيل لمعرفة ذلك إلا بطريق الزوجة، وَكَل الله هذا الأمر إليها ونهاها أن تكتم ما في رحمها إن كان حملا أو حيضا.\nوقد يزين الشيطان للمرأة المطلقة أنه بكتمان ما في رحمها يحصل لها بعض المصالح من التعجيل بفراق زوجها، أو التأخير في انقضاء العدة مما يجعلها تبقى في بيت زوجها، أو إن كان حملًا ينسب المولود لغير والده.\nفنهاها الله عن الكتمان وذكّرها بمراقبته، فهي وإن كتمت ذلك عن الخلق، فأين هي عن الخالق الذي خلقها وخلق ما أرادت كتمانه ولذا فإن التذكير بالإيمان بالله واليوم الآخر في قوله ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إشارة إلى مراقبة الله تعالى، وفي ذلك الخير لها، فإنها لا تدري إن هي أرادت تعجيل انتهاء العدة فقد يكون بقاؤها عند زوجها خير لها، وإن هي أرادت تأخير انقضاء العدة فقد يكون طلاقها خير لها، فلا علم لأحد بذلك إلا الله جل شأنه الذي خلق ما في الأرحام وهو أعلم بما يصلح عباده، فلذلك يجب على المرأة التسليم لأمر الله ومراقبته، فإن المراقبة سبب في زيادة الإيمان وسبب التوفيق في الدارين.\n_________\n(^١) ﴿انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) ﴿انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ١٦٣).","vol":"1","page":100},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-47> المطلب الثاني: استحضار الزوجين للمراقبة حال الخِطبة</span>.\nوذلك في قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]\nلما أباح الله التعريض بخطبة المرأة المتوفى عنها زوجها أو المطلقة المبتوتة - والتعريض هو عدم التصريح بالنكاح، وإنما يقول: وددت لو أني تزوجت امرأة صالحة أو نحو هذا - نهى عن مواعدتها في السِّر.\nوذلك أن الله تعالى أباح للعبد أن يبوح بما يجول في صدره من التعريض بالخطبة، ونهاه عما دونها مما قد يتساهل فيه العبد أو يوسوس به الشيطان له خوفا من أن تفوته تلك المرأة فقد يدعوه ذلك لمواعدتها في السر وحينها يقع المحذور، وقد يقعا في الزنا والعياذ بالله، وقد يتناكحا سرا قبل انقضاء العدة ثم يعلنان الزواج بعد ذلك، وقد يذكر الرجل لها من الألفاظ التي نهى الله من التصريح بها كأن يقول لها: \" إني عاشق، وعاهديني ألا تتزوجي غيري \" ونحوها من الألفاظ. (^١)\nفعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ فيقول: (عَاهِدِينِي أَلا تَتَزَوَّجِي غَيْرِي، وَنَحْوَ هَذَا).\nوفسَّر قتادة والحسن (^٢) رحمهما الله هذه الآية بالزنا. (^٣)\n_________\n(^١) ﴿انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٤٠).\n(^٢) ﴿هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصري، روى عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، والنعمان بن بشير، وابن عباس، وأنس، وخلق من الصحابة. وروى عن خلق من التابعين. وروى عنه أيوب، ويونس بن عبيد، وثابت البناني، ومالك بن دينار، ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرا ويدلس قال البزار كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة، مات سنة ١١٠ هـ وقد قارب التسعين (سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٣) (تقريب التهذيب ١/ ١٦٠).\n(^٣) ﴿تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٠).","vol":"1","page":101},{"text":"وأخرج الطبري بسنده عن ابن زيد (^١) قال في هذه الآية: (كان أبي يقول: لا تواعدها سرا، ثم تمسكها، وقد ملكت عقدة نكاحها، فإذا حلَّت أظهرت ذلك وأدخلتها) (^٢)\nولما كانت هذه المواعدة في جميع صورها لا تقع إلا في حالة تستر من الناس واستخفاء أمر الله عباده بالحذر منه ومراقبته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ وهذا فيه تنبيه على أنه تعالى لما كان عالمًا بالسر والعلانية، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في سره وجهره (^٣)، وهذا من أعظم ما يصلح العبد ويربطه بخالقه جل وعلا وهو ربط الأوامر والنواهي بما يقوم في قلب العبد من الخوف والرجاء والمحبة والخوف، فهذه الأعمال مما تعين العبد على تطبيق شرع الله وتنفيذ أمره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-48> المطلب الثالث: مراقبة الله تعالى عند رغبة الولي في نكاح اليتيمة التي في حجره</span>.\nكان العرب في الجاهلية إذا كانت اليتيمة في حجره، كره أن يشاركه فيها أحد غيره فإن كانت جميلة تزوجها بدون أن يُصْدِقها، أما إن كانت دميمة عضلها ومنعها من الزواج خشية أن يشاركه أحد في مالها أو يفوت عليه هذا المال، فأنزل الله قوله (^٤):\n﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧].\n_________\n(^١) ﴿هو أسامة بن زيد، أبو زيد الليثي مولاهم المدني. الإمام العالم الصدوق حدث عن سعيد بن المسيب، ومحمد ابن كعب القرظي، وعمرو بن شعيب، روى عنه حاتم بن إسماعيل، وابن وهب، وأنس بن عياض، قال يحيى ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقد يرتقي حديثه إلى رتبة الحسن، استشهد به البخاري وأخرج له مسلم في المتابعات، توفي ١٥٣ هـ. (سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٢، ٣٤٣)\n(^٢) ﴿جامع البيان (٥/ ١١٠).\n(^٣) ﴿التفسير الكبير (٦/ ١٤٥).\n(^٤) ﴿انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٧٧)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٢٤).","vol":"1","page":102},{"text":"ولما كان الأمر في الجاهلية بهذه المنزلة أمر الله عباده المؤمنين باجتناب ظلم اليتيمة، ثم حثهم على فعل الخير فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ وفي هذا إشارة إلى سعة علم الله واطلاعه على عباده، وهذا يدعو العبد إلى مراقبة الله والخوف من عقابه إن هو عضلها أو ظلمها.\nوفي الآية دعوة كذلك إلى المنزلة العليا من المراقبة وهي الإحسان إلى اليتيمة بأن يتطلب لها الولي من هو خير منه، أو لا يرد مَن طلبها فإن الله ﷿ وعد على ذلك بأحسن الجزاء فقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل:٩٦].\nولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يأخذ الناس بالدرجة العليا في هذا المعنى فكان إذا سأل الوليَّ عن مولاته فقيل: هي غنية جميلة قال له: اطلب لها من هو خير منك وأعْوَد عليها بالنفع. وإذا قيل: هي دميمة فقيرة قال له: أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-49> المطلب الرابع: استحضار مراقبة الله تعالى حال الخصومة بين الزوجين</span>.\nويتضح ذلك جليا في حال المجادلة مع زوجها التي أنزل الله فيها قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ١ - ٢].\nفعن عائشة ﵂ قالت: تبارك الذي وسع سمعه كلّ شيء، إني لأسمع كلام خولة ابنة ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله - ﷺ -، وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني\n_________\n(^١) ﴿البحر المحيط (٣/ ٥١٤).","vol":"1","page":103},{"text":"اللهمّ إني أشكو إليك، قال: فما برحت حتى نزل جبريل ﵇ بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ قال: زوجها أوس بن الصامت (^١)\nوفي مطلع هذه السورة إشارة إلى مراقبة الله في التعامل بين الزوجين عند الخصومة فكما أن الله سمع شكوى تلك المرأة الضعيفة وما أصابها جراء تلك الكلمة وهي تسارُّ النبي - ﷺ - فهو سميع لما يكون بين الزوجين.\nفقد يحصل بين الزوجين ما يدعوا إلى الشحناء والتخاصم.\nواستحضار مراقبة الله في هذه الحالة يحجز كِلَا الزوجين عما يوقعهما في الإثم والعقوبة والضرر، وفي ذلك الخير للزوج وزوجته في العاجل والآجل.\n_________\n(^١) ﴿جامع البيان (٢٣/ ٢٢٦).","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الرابع: شكر الله ﷿</span>\nالنكاح من الأحوال العظيمة التي تتجلى فيه حكمة شكر الله ﷿ لمن تأمل وتبصر في شأنه.\nوالشكر لغة: عرفان الإحسان ونشره (^١).\nوحقيقته: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافا، وعلى قلبه شهودا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة. (^٢)\nولما كان الأمر كذلك فقد امتن الله على العباد بأن خلقهم أزواجا كما قال تعالى:\n﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ [النبأ: ٨] ففي الآية إيماء إلى امتنان الله على خلقه بأن خلقهم بحالة تجعل لكل واحد من الصنفين ما يصلح لأن يكون له زوجًا ليحصل التعاون والتشارك في الأنس والتنعم (^٣).\nفلو تأمل العبد أن الله سخر له ما يؤنسه ويسكن إليه لكان حقيقا به أن يشكر الله على هذه النعمة، فكيف به إذا علم أن هذه النعمة تقود إلى نعم أخرى ومنها حصول الولد، فلو لم يسكن الرجل إلى المرأة لما حصل التناسل بينهما ولذلك فقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ... الآية﴾ [الأعراف: ١٨٩] فبين تعالى أنه تغشاها فقضى حاجته منها بعد أن سكن إليها، فحصل بذلك الحمل والولد بإذنه تعالى.\nوحصول الولد بعد النكاح يورث في النفس بهجة وفرحة كيف لا وهم من زينة الحياة.\nفهذه النعمة تستحق من الزوجين أن يشكرا ربهما عليها، وخصوصا أنهما في حالة انتظار وترقب فهما لا يعلمان أيعيش ولدهما أم يموت، ولا يعلمان أيكون سليما مستوي الخلقة\n_________\n(^١) القاموس المحيط (ص ٣٩٠).\n(^٢) ﴿مدارج السالكين (٢/ ٢٤٤).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير (٣٠/ ١٧).","vol":"1","page":105},{"text":"أم يكون مريضا، كما أنهما لا يعلمان أيكون صالحا سعيدا أم يكون شقيا - نسأل الله العافية - فلذلك تجدهما قد غلبا جانب الرجاء والطمع في رحمة الله فيدعوانه صباح مساء أن يكون صالحا بجميع ما تحمله هذا الكلمة من معاني الصلاح (^١)، فإذا يسر الله لهما ما أمّلا وحقق لهما ما كانا يرجوان كان جل وعلا هو الحقيق بالشكر على هذه النعمة، وكان الانصراف عن طاعته كفرانا (^٢)، وقد بينت آية الأعراف هذا المعنى بقوله:\n﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) [الأعراف: ١٨٩] (^٣).\nفالنكاح في ذاته يدعو العبد إلى الشكر، كما أن فيما يلحق هذا النكاح من نعم يتقلب فيها الزوجان دعوة كذلك إلى الشكر، فالشكر فيه صلاح للإنسان ونجاة في الدنيا والآخرة، كما أن في الانصراف عن شكره الخزي والعقوبة كما قال تعالى: ... ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (١٣/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٥٨)، في ظلال القرآن (٣/ ١٤١٢).\n(^٣) قال الشيخ الشنقيطي ﵀: في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، والقرآن يشهد لأحدهما، الأول: أن حواء كانت لا يعيش لها ولد فحملت فجاءها الشيطان فقال لها: سمي هذا الولد عبد الحارث فإنه يعيش، والحارث من أسماء الشيطان، فسمته عبد الحارث فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ أي ولدًا إنسانًا ذكرًا جعلا له شركاء بتسميته عبد الحارث، وقد جاء بنحو هذا حديث مرفوع وهو معلول كما أوضحه ابن كثير في تفسيره، الوجه الثاني: أن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحًا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء، لأنهما أصل لذريتهما كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] أي بتصويرنا لأبيكم آدم لأنه أصلهم بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾، وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه الحسن البصري، واختاره ابن كثير - والعلم عند الله تعالى. (أضواء البيان ١/ ٤٣٥).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الخامس: التوكل على الله</span>\nالتوكل على الله: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد (^١) وهو من العبادات التي تجلب للعبد السعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة، فالمتوكل على الله قد علق قلبه بالله وترك ما في أيدي الناس فهو يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.\nوحيث إن النكاح من الأمور المستقبلية التي يستشرفها العبد ولا يعلم ما هو مقبل عليه فإن التوكل على الله والاستعانة به من أعظم ما يعين العبد المسلم في كل ما يستقبله في شؤون حياته ومعاشه.\nفكثير من الناس قد يعيقه التفكير في هم الرزق عن المضي قدما في النكاح ومتطلباته، فبيّن الله ﷿ أن التوكل والاعتماد عليه يضمن للعبد الرزق، فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢].\nبل جعل النكاح بابا من أبواب الرزق لمن توكل عليه حق التوكل، فقد أخرج ابن جرير ﵀ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ أنه قال في هذه الآية:\n(أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ (^٢)\n_________\n(^١) ﴿مدارج السالكين (٢/ ١١٢)\n(^٢) ﴿جامع البيان (١٩/ ١٦٦).","vol":"1","page":107},{"text":"وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن عبد العزيز (^١) أنه قال: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، قَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ النِّكَاحِ، يُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ مِنَ الْغِنَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٢)\nفكيف لا تطمئن النفس ويركن العبد لهذا الوعد الصادق من الله لمن توكل عليه؟! وقد أكّد النبي - ﷺ - هذا الوعد، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف) (^٣).\nفهذه الأمور الثلاثة التي وردت في الحديث من الأمور الشاقة التي تقصم ظهر الإنسان وتشق عليه ولولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف، لأنه قمع الشهوة الجبلِّية المركوزة في الإنسان، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين. (^٤)\nوحين يحصل النكاح ويرى العبد ما أنعم الله به عليه من الغنى والرزق بفضل التوكل تنشرح نفسه وتطمأن، فينبغي عليه حينئذ أن يستصحب التوكل في جميع شؤون حياته في العسر واليسر والشدة والضيق، وحين يرزقه الله الأولاد كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].\n_________\n(^١) سعيد بن عبد العزيز أبو محمد التنوخي الدمشقي سمع مكحولا والزهري روى عنه الثوري، ثقة إمام سوّاه أحمد بالأوزاعي لكنه اختلط في آخر أمره وقال علي عن الوليد بن مسلم أحدثكم عن الثقات صفوان بن عمرو وابن جابر وسعيد، مات سنة ١٦٧ هـ (التاريخ الكبير ٣/ ٤٩٧) (تقريب التهذيب ١/ ٢٣٨)\n(^٢) ﴿تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٨٢).\n(^٣) ﴿رواه الإمام أحمد في المسند برقم (٧٤١٠)، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب وعون الله إياهم، برقم (١٦٥٥) وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجة في كتاب العتق. باب المكاتب برقم (٢٥١٨)، والنسائي في كتاب النكاح، باب معونة الله الناكح الذي يريد العفاف، برقم (٣٢١٨)، وصححه ابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وحسنه الشيخ الألباني، انظر: صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٥١).\n(^٤) ﴿تحفة الأحوذي (٥/ ٢٤٢).","vol":"1","page":108},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-52> مطلب: التوكل على الله عند حصول الخلافات أو حدوث الطلاق</span>.\nوينبغي للعبد أن يستحضر التوكل كذلك في تعامله مع زوجته وما يحصل بينهما من خلاف أو غير ذلك فالله ﷿ هو الذي بيده تغيير الأحوال، ولذا فإن الله ﵎ أشار إلى فضيلة التوكل في سياق آيات الطلاق وذلك لأن الركون إلى الله والتوكل عليه هو المُخْرِج من هذا الظرف العصيب، فقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].\nففي الطلاق تشتد دواعي الغضب والكراهية، فيتسع مجال الكيد والظلم وتكثر مسالكه فالزوج يفكر كيف يقهر زوجته إما بإمساكها ضرارا، أو بأي طريق من طرق الكيد وكذلك الزوجة تفكر كيف تدفع هذا الظلم بالظلم والمكيدة، فبيّن الله ﷿ أن من يتوكل عليه سيجعل له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا، ومن التوكل التعامل بالمعروف وترك الكيد والإضرار، فالله هو الفعال لما يريد وبيده كفاية عبده إذا توكل عليه. (^١)\nوقد يكون من أسباب الافتراق والخلاف ما يحصل من تقتير في الإنفاق لضيق ذات اليد مما يسبب وقوع الطلاق، أو عدم المراجعة إن وقع، فأتبع الله الوعد بجعل المخرج للمتقين .. بالوعد بمخرج خاص لمن توكل عليه وهو توسعة الرزق، فلا يظن أحد أن طرق الرزق معطلة بل إن الرزق يأتي للعبد من حيث لا يظن ولا يحتسب. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٢)\nفعلى العبد المسلم أن يربي نفسه على التوكل على الله ويجاهد نفسه، ويربي زوجته على ذلك، فإذا حقق التوكل علم يقينا أن الله لن يضيعه، فكل ما يصيبه بقدر الله فإن ضاق عليه الأمر صبر وإن أنعم الله عليه شكر، وبذلك تنعم حياته وتسعد نفسه ويعيش مطمئنا.\n_________\n(^١) ﴿انظر: في ظلال القرآن (٦/ ٣٦٠١).\n(^٢) ﴿انظر: التحرير والتنوير (٢٨/ ٣١١).","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث السادس: التربية على الصبر</span>\nالصبر من الصفات العظيمة التي أمر الله جل وعلا بالتحلي بها ووعد عليها أعظم الجزاء.\nوأصل الصبر الحبس (^١)، والمراد به حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن البطش والأذى.\nوالله ﷾ يعطي على الصبر ما لا يعطي على غيره كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وقال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦].\nوالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، فإذا ثبت العبد على مخالفة الشهوة التحق بالصابرين (^٢) ولذلك فإن الصبر عن الشهوات يحتاج من العبد إلى مجاهدة ورياضة، وقد بيَّن ذلك النبي - ﷺ - فيما رواه عنه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر) (^٣).\nوفي أبواب النكاح ما يربي العبد المؤمن على الصبر والتصبر ويأمره به، وفي التحلي بذلك الخير العظيم والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-54> المطلب الأول: الحث على الصبر عند عدم القدرة على النكاح</span>.\nفحين لا يستطيع العبد المسلم تحصيل ما أباح الله له من شهوة النساء بطريق النكاح فقد أُمِر بالصبر حتى يأتي الله له بالفرج.\n_________\n(^١) ﴿لسان العرب (٤/ ٤٣٧).\n(^٢) ﴿إحياء علوم الدين (٤/ ٧٧).\n(^٣) ﴿أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم (١٤٠٠)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، برقم (١٠٥٣).","vol":"1","page":110},{"text":"فقد قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].\nفإذا لم يقدر المسلم على النكاح إما لفقره أو فقر وليه، أو مُنِع من التزويج فقد أمره الله أن يصبر ويستعف عما حرم الله، وأن يشتغل بالأسباب التي تصرف عن قلبه الخواطر والأفكار (^١) كما قال - ﷺ - (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (^٢).\nوقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: (هُوَ الرَّجُلُ يَرَى الْمَرْأَةَ فَكَأَنَّهُ يَشْتَهِي، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهَا فَلْيَقْضِ حَاجَتَهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ فَلْيَنْظُرْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (^٣).\nوقد وعد الله من صبر واستعف أن يغنيه من فضله وأن ييسر له أمره ويفرج كربه لئلا يشق عليه ما هو فيه. (^٤)\nفإذا طال بالإنسان ما يجد من عدم وجود سعة وقدرة على النكاح، ولم يطق الصبر عن الجماع وخشي العنت والحرج على نفسه والوقوع في الإثم فإن الله قد أباح له أن ينكح ملك اليمين، ولكن الصبر خير له وأفضل حتى يغنيه الله جل وعلا فينكح الحرائر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]\nفختم الله جل وعلا الآية بالتأكيد على خيرية الصبر وأن من جاهد نفسه عن الوقوع في الحرام فهو خير له من نكاح ملك اليمين.\n_________\n(^١) ﴿انظر: تيسير الكريم الرحمن، (ص ٥٦٧).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٣٢)\n(^٣) ﴿تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٨٢).\n(^٤) ﴿تيسير الكريم الرحمن (٥٦٧).","vol":"1","page":111},{"text":"فالصبر يدل على شجاعة النفس وقوة عزمها، وعظم إبائها، وشدة حفاظها. وهذا كله يستحسنه العقل، ويندب إليه الشرع وقد جعل الله تعالى أجر الصابر موفاة\nبغير حساب. (^١).\nوالصبر عن نكاح الإماء خير للعبد من أن يسترق ولده، ولا تخلص له زوجته لأن حق الموالي لهن أقوى في استخدامهن حضرا وسفرا كما أن ترك ذلك أرفع له عن الابتذال، فالصبر على مكارم الأخلاق أولى وأرفع للعبد (^٢).\nكما أن الأمَة قد تضيِّع مصالح البيت وشؤون تدبيره مما ينغص على الزوج عيشه فالصبر خير له، كما قال الشاعر:\nإذا لم يكن في منزل المرء حرة ... تدبره ضاعت مصالح داره (^٣)\nوفي الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه وإذا نكح الحر الأمة فقد أرق نصفه) (^٤).\nوبهذا يتبين أهمية الصبر وفضله وأن العبد يجب أن يتحلى به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-55> المطلب الثاني: الصبر عن فتنة الزوجة والأولاد:</span>\nوإذا أنجز الله لعبده ما وعده من تيسير النكاح، فلا يظنن المسلم أن هذا نهاية عهده بالصبر، بل هو مقبل على حوادث لا غنى له عنه، فإن الصبر هو الحل الأمثل والعلاج الرباني الذي أمر الله تعالى به، فلئن صبر العبد في بداية أمره حتى أنعم الله عليه بالنكاح، فإنه يحتاج في التعامل مع زوجته وأولاده إلى الصبر وقد يكون هذا الصبر صبرا عن معصية الله، وقد يكون صبرا في طاعة الله.\nوقد بين الله تعالى ذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].\n_________\n(^١) ﴿البحر المحيط (٣/ ٣١٤).\n(^٢) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٤٣)، روح المعاني (٥/ ١٢).\n(^٣) ينسب هذا البيت لعلي بن طالب ﵁ ومطلع قصيدته: (رأتك الليالي يابن آدم ظالما ..)\n(^٤) ﴿أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة (انظر: الدر المنثور ٤/ ٣٤٤).","vol":"1","page":112},{"text":"فإن الزوجة والأولاد قد يفتنان الزوج ويصدانه عن الطاعات وأعمال البر، فكثير من الأزواج قد يتقاعس عن فعل الخير بسبب استعطاف زوجته له فإذا فات الأمر وانقضى همَّ أن يعاقبها أو يطلقها، وهذا خطأ بيِّن في كلا الحالين.\nوقد وجهنا الله ﵎ التوجيه المناسب تجاه هذه الظاهرة، فحذرنا من طاعتهن في المعصية وأمرنا بالصبر والصفح عنهن، حتى وإن كن سببا في تقصير الزوج في الطاعات فقال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾.\nقال السّعدي في تفسيره: (لما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد فيما هو ضرر على العبد، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ لأن الجزاء من جنس العمل) (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-56> المطلب الثالث: تربية الزوجة والأولاد على الصبر:</span>\nومن الصبر كذلك الصبر في الإنفاق على زوجته وأولاده من الحلال، فمع قلة ذات اليد واضطراب الأرزاق، قد يكون النكاح سببا في أن يلج الإنسان باب الحرام فيُدخِل في جوف زوجته وعياله ما حرم الله فيكون ذلك سببا في هلاكه.\nولذلك كان لزاما على العبد أن يصبر على هذا النوع من العداء، ألا وهو عداء المحبين.\nوما أجمل أن يجد العبد زوجته وأولاده عونا له على الطاعة، يحثونه على الخير ويحذرونه من اكتساب الحرام، وأنهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على النار، حينها يعيش العبد في طمأنينة وسعادة. ولا يكون ذلك إلا بتربية الأهل والزوجة على الطاعات وخصال الخير، والورع، والابتعاد عن المعاصي والذنوب، وهذا يحتاج من العبد إلى تصبر ومجاهدة حتى يستقيم البيت كله على طاعة الله\nولذلك فقد أمر الله نبيه - ﷺ - فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢].\n_________\n(^١) ﴿تيسير الكريم الرحمن، (ص ٨٦٨).","vol":"1","page":113},{"text":"فلما كانت العبادة شديدة على النفس ورعايتها تحتاج إلى مجاهدة أمر الله بالاصطبار عليها، فكيف بالزوجة والأولاد. (^١)\nولاشك أن هذا يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة، بل وعد الله بالرزق من امتثل أمره فقال: ... ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ أي: لا نسألك مالًا بل نكلفك عملا ببدنك، نؤتيك عليه أجرا عظيما وثوابا جزيلا ونعطيك المال ونكسبكه. (^٢)\nوعلى هذا فإن النكاح مدرسة للتربية على الصبر، وكفى بالإنسان رفعة وفلاحا أن يكون من الصابرين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]. وقال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]\n_________\n(^١) ﴿انظر: روح المعاني، (١٦/ ٢٨٥).\n(^٢) ﴿جامع البيان، (١٨/ ٤٠٥).","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث السابع: البعد عن قول الزور</span>\nأمر الشارع الكريم باجتناب قول الزور والبعد عنه في كل حال، فقال: ... ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج- ٣٠].\nوقول الزور: هو القول الباطل والكذب، وسمي زورا لأنه أمْيَل عن الحق، وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور. (^١)\nوقد بيّن النبي - ﷺ - أنه من الكبائر، وأكّد على اجتنابه فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قلت لا يسكت) (^٢).\nفجلوسه - ﷺ - لاهتمامه بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه (^٣).\nوسبب اهتمامه - ﷺ - بهذا الأمر وتعظيم شأنه؛ كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعا على الناس، والتهاون بها أكثر من الشرك والعقوق، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما. (^٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-58> المطلب الأول: النهي عن قول الزور بين الزوجين</span>.\nوكما حذر الله عباده من قول الزور في عموم أحوالهم فقد أكد ذلك، وبين شناعة قول الزور بين الزوجين، لما فيه من مخالفة أمر الله وما قد يحصل من العداوة بين الزوجين.\n_________\n(^١) ﴿الجامع لأحكام القرآن، (١٤/ ٣٨٦).\n(^٢) ﴿أخرجه البخاري من حديث أبي بكرة، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر، برقم (٥٦٣١) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم (٨٧).\n(^٣) ﴿المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (٢/ ٨٨).\n(^٤) ﴿فتح الباري، (٥/ ٣٢٤).","vol":"1","page":115},{"text":"ففي حادثة أوس بن الصامت مع زوجته خولة ﵄، قال تعالى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة- ٢].\nفبيّن جل وعلا أن الظهار من منكرات الأقوال، وهو زور من القول يخالف الواقع وتنكره الشريعة.\nفليحرص الزوج والزوجة أن يحسنا القول بينهما، وأن يتجنبا الأقوال المنكرة، فإن عاقبتهما إلى خير ومن هذا الخير:\n• امتثال أمر الله ﵎، وذلك باجتناب قول الزور.\n• أن في ذلك كظما للغيظ ومجاهدة للنفس وفي ذلك يقول - ﷺ -: (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله ﵎ على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء) (^١).\n• مقابلة السيئة بالحسنة، وذلك أدعى لاستدامة روح المحبة، والتراجع عن الخطأ سواء كان ذلك من الزوج أو من الزوجة كما قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾\n[فصلت: ٣٤].\n• تربية الأولاد على القول الحسن وترك القبيح، فشتان بين أن ينشأ الأولاد في بيت يسمعون فيه أقوالا سيئة وشتائم ونحوها، وبين أن ينشئوا في بيت يسمعون فيه كل جميل.\n_________\n(^١) ﴿أخرجه أحمد في المسند برقم (١٥٦٧٥)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب من كظم غيظا، برقم (٤٧٧٧) والترمذي وحسنه، كتاب البر والصلة، باب في كظم الغيظ، برقم (٢٠٢١)، كلهم من حديث معاذ بن أنس ﵁. قال الألباني: حديث حسن لغيره (صحيح الترغيب والترهيب ٣/ ٣٠)، وقال الأرناؤوط في تعليقه على المسند: إسناده حسن.","vol":"1","page":116},{"text":"ثم إن الأقوال السيئة بين الزوجين لا تؤدي إلى نتائج طيبة، بل على العكس، فهي توغل الصدور وتثير شهوة الانتقام، وقد تؤدي إلى الطلاق.\nولكن الله ﵎ بيّن لنا الطريق الصحيح لعلاج المشكلات الزوجية، أو الشقاق بين الزوجين، وأنه ليس بالشتائم والرمي بالتهم والأوصاف القبيحة المنكرة، فقال تعالى:\n﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٤ - ٣٥].\nوعن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي - ﷺ -: أنه قال في حجة الوداع: (فاتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنهن عندكم عَوَانٌ، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشكم أحدا تكرهونه، فإن فَعَلْن فاضربوهن ضَرْبا غير مُبَرِّح ..) (^١)\nفلا مكان إذا لمنكرات الأقوال حتى إذا وصل الأمر إلى النشوز والعصيان، وفي ذلك الحكمة البالغة من الحكيم الخبير.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-59> المطلب الثاني: النهي عن القذف ورمي المحصنات</span>.\nومن الأحوال التي نهى الله عنها وغلظ عقوبة فاعلها لما فيها من الزور، القذف ورمي المحصنات، فهذا غاية الزور والبهتان، فقد رتب الله جل وعلا عليه أغلظ العقوبات في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣].\nفبين الله جل وعلا في هذه الآيات خطورة قذف العفيفات الحرائر سواء كن ثيبات أو أبكارا\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم (١٢١٨). ومعنى: (عوان) أي هن عندكم بمنزلة الأسرى","vol":"1","page":117},{"text":"ولشناعة هذا القول وما يترتب عليه كانت شهادة الفرد غير كافية، في إثبات وقوع الزنا حتى يأتي بأربعة شهداء عدول، فمن لم يفعل ذلك فقد وقع في الإثم وعرض نفسه للعقوبة\nلما لهذا القول المنكر من الشناعة والخطورة فقد رتب الله ﷿ في هاتين الآيتين على من تفوه بهذا القول أربع عقوبات:\nالأولى: عقوبة جسدية، وقد جعلت قريبة من عقوبة الزنا، بأن يجلد ثمانين جلدة.\nالثانية: عقوبة أدبية، فيكون متهما لا يوثق بكلامه، وترد شهادته.\nالثالثة: عقوبة دينية، فيصبح بذلك فاسقا بعيدا عن الإيمان.\nالرابعة: عقوبة أخروية، وهي العذاب العظيم والطرد من رحمة الله في الآخرة كذلك.\nوإن كانت الآيتين نصت على قذف الرجال للنساء فإن الحكم عامٌّ في قذف الرجال للرجال أو النساء للنساء أو النساء للرجال بإجماع العلماء (^١).\nفعلى العبد المسلم الذي يرجو صلاح نفسه ونجاتها أن يبتعد عن قول الزور كبيره وصغيره، فإن من سب إنسانا وقذفه كذبا وزورا بالفسق أو بارتكاب كبيرة من الكبائر أو بما فيه معرة فإنه يلزمه التعزير (^٢).\n\nومن رحمة الله بعباده أن من تاب من هذه الفرية العظيمة فإن الله يتوب عليه، بعد أن يطهَّر بالجلد، فيرتفع عنه الفسق، ويصبح بين المسلمين ثقة عدلا تقبل شهادته (^٣).\nكما لا يناله شيء من الوعيد الأخروي إذا صدقت توبته، لأن عمومات نصوص الكتاب والسنة دالة على أن من تاب تاب الله عليه وإن اقترف كبيرة من الكبائر\nلقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\n_________\n(^١) ﴿أضواء البيان، (٤/ ٤٤ - ٤٦).\n(^٢) ﴿انظر: التحرير والتنوير (١٨/ ١٦١)، أضواء البيان (٤/ ٤٨).\n(^٣) ﴿وهذا القول هو قول الجمهور من أئمة المذاهب، خلافا لأبي حنيفة، لأن الاستثناء -عنده- بعد المتعاطفات يرجع إلى الأخير منها. (انظر: تفسير القرآن العظيم ٦/ ١٤، أضواء البيان ٤/ ٤٧).","vol":"1","page":118},{"text":"خلافا لمن جعل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ خاصة فيمن رموا عائشة أو بقية أزواج النبي - ﷺ - وأنه لا توبة لهم. (^١)\nفليحذر العبد المسلم من خطورة قول الزور وما يترتب عليه من الآفات في الدنيا والآخرة وليجتهد في اجتنابه وخصوصا في بيت الزوجية فإن ذلك أدعى للطمأنينة وراحة العيش وقبل ذلك رضا الله عن عبده وتوفيقه للخير والفلاح في الدارين.\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان (٤/ ٤٦)، ولأن النبي - ﷺ - لم يعامل حسان ومسطح معاملة المرتدين بل طهروا بالحدِّ (روح المعاني ١٨/ ١٢٧). أما بالنسبة لأمهات المؤمنين بعد نزول تبرئة الله ﷿ فمن رماهن بذلك فهو كافر، قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به [بعد هذا الذي ذكر] في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن. وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم. (تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٢)","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة</span>\nلما كان النكاح مشتملا على مقاصد عظيمة وحِكم نبيلة، فقد أرشد الله عباده عما يقدح في هذه الحكم، فإنه ﷿ كما أمر العباد بالابتعاد عن قول الزور، فقد أمرهم بالبعد عن العادات السيئة التي تخدش هذا النكاح وتؤثر فيه.\nولقد كان لدى أهل الجاهلية من العادات والمظاهر في تعاملهم مع زوجاتهم ما يخالف الشرع والفطر السليمة، ولذا جاء القرآن بنبذ هذه العادات وأمر بالبعد عنها، وبين للعباد الطريق الأمثل والنهج الأقوم، ومن ذلك:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-61> المطلب الأول: التعامل مع المرأة حال الحيض:</span>\nفقد كانت المرأة في الجاهلية إذا حاضت، فإن زوجها لا يساكنها، ولا يؤاكلها ولا يقربها (^١). فلما سألوا عن ذلك أنزل الله قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nوهذه الآية فيها الإرشاد الصحيح لما ينبغي البعد عنه، فقد نهى الله تعالى عن جماع المرأة في زمن حيضها وبين الحكمة من ذلك فقال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ وذلك أن النفوس والفطر السليمة تتأذى أن تباشر في هذه الحالة، كما أن في المباشرة أذى على صحة الرجل والمرأة على السواء، بل فيه أذى على النطفة لاختلاطها بركس الدم الفاسد العفن حتى قيل إن الموطوءة فيه يعرض لولدها أنواع من الآفات (^٢)، فلما كان الأمر كذلك أمر جل وعلا باعتزال المرأة في هذه الحالة وعدم مباشرتها، ولذلك فقد تغير وجه رسول الله - ﷺ - حين سأله أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄ عن مجامعة النساء حال الحيض، فعن\n_________\n(^١) جامع البيان (٤/ ٣٧٣).\n(^٢) فيض القدير (٦/ ٢٣).","vol":"1","page":120},{"text":"أنس بن مالك ﵁: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي - ﷺ - عن ذلك فأنزل الله تعالى:\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ .. إلخ الآية﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فقال رسول الله - ﷺ - اصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله - ﷺ - حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي - ﷺ - فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما (^١).\nفقد كان سؤالهما ﵄ للنبي - ﷺ - إمعانا في مخالفة اليهود، فلما طلبا ذلك تغير وجه رسول الله - ﷺ - كالمنكر عليهما هذا الطلب لكون النص نزل بتحريمه وبيان حكمته (^٢)، وهذا يدل على ما يحث عليه الدين الإسلامي من البعد عن الرذائل وسيء الأعمال.\nوفي هذا الحديث بيان لمعنى الاعتزال في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ حيث قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) أي المباشرة فيما عدا الفرج، وهذا فيه إبطال كذلك للعادة اليهودية الجاهلية من نبذ المرأة وامتهانها لما فيها من السوء ومخالفة مقصد النكاح والسكن والطمأنينة.\nوكما أبطل النبي - ﷺ - هذه العادة بالقول، فقد أبطلها بفعله ﵊، فقد كانت عائشة ﵂ تغسل له رأسه وهي حائض وهو معتكف في المسجد فيدخل لها رأسه، وكان يأمرها أن تناوله الثوب وهي حائض بل كان يقرأ القرآن في حجرها وهي حائض (^٣)، بل بالغ النبي - ﷺ - في إبطال هذه العادة السيئة أعظم المبالغة فعن عائشة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحيض، باب جواز غسل رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه برقم (٣٠٢).\n(^٢) انظر: عون المعبود (١/ ٣٠٢).\n(^٣) انظر: صحيح مسلم، كتاب الحيض باب جواز غسل رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن برقم (٢٩٧، ٢٩٩، ٣٠١).","vol":"1","page":121},{"text":"﵂ قالت: كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي - ﷺ - فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب، وأتعرق العَرْق وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ) (^١).\nفتأمل إكرام النبي - ﷺ - للمرأة في تلك الحالة التي يصيبها فيه النقص الخِلْقي، وتكون في أمسِّ الحاجة لمن يواسيها، وفي ذلك بيان لها ولجميع الأمة أن ما قدّره الله عليها ليس سببا لهجرها أو عدم صلاحها للخدمة في البيت والأسرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-62> المطلب الثاني: النهي عن إتيان المرأة في دبرها</span>.\nومما جاء القرآن بالأمر بالبعد عنه إتيان المرأة في دبرها، فقد كان بعضهم في الجاهلية إذا حاضت امرأته يجتنب إتيانها في مخرج الدم ويأتيها في دبرها، فنهى الله عن اعتزالها حال الحيض على ما سبق بيانه، ونهى إتيانها في دبرها على أية حال (^٢).\nوأنزل الله قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة: ٢٢٣].\nفعن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٣)\nوعن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل هذا الحي من الأنصار -وهم أهل وثن -مع أهل هذا الحي من يهود -وهم أهل كتاب -وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم\nفكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يَشْرَحون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون بهن مقبلات\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه كتاب الحيض باب جواز غسل رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن برقم (٣٠٠).\n(^٢) انظر: جامع البيان (٤/ ٣٧٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة برقم (٤٢٥٤)، ومسلم في كتاب النكاح باب جواز جماع امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها من غير تعرض للدبر برقم (١٤٣٥).","vol":"1","page":122},{"text":"ومدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار\nفذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نُؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات -يعني بذلك موضع الولد (^١).\nفبينت أسباب النزول ما احتف بهذه الآية من حوادث، وجاءت الآية الكريمة تقر ما كان موافقا للفطر السليمة وهو جواز إتيان المرأة حيث شاء زوجها شريطة أن يكون الإيلاج في مكان الحرث وهو القبُل حيث موضع الولد.\nكما يفهم من هذه الآية البعد عن تلك العادة القبيحة والفعلة السيئة ألا وهي إتيان المرأة في دبرها (^٢).\nولما في هذه العادة من القبح، وحرصا من الشريعة عن البعد عن سيء الأعمال جاء الوعيد الشديد والنهي الأكيد لمن يقوم بهذا العمل، فعن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ملعون من أتى امرأته في دبرها) (^٣).\nوعنه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما يقول: فقد كفر يما أنزل على محمد) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه كتاب النكاح، باب في جامع النكاح برقم (٢١٦٤)، والحاكم في المستدر، كتاب النكاح برقم (٢٨٩١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٤٠٦) برقم (١٨٩٦).\n(^٢) انظر: آداب الزفاف (ص ٢٩).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند برقم (٩٧٣١)، وأبو داود في سننه كتاب النكاح، باب في جامع النكاح برقم (٢١٦٢) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٤٠٦) برقم (١٨٩٤).\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٠١٧٠)، وأبو داود في سننه كتاب الطب، باب في الكهان برقم (٣٩٠٤)، والترمذي في جامعه كتاب الطهارة، باب كراهية إتيان الحائض برقم (١٣٥)، وابن حبان في صحيحه كتاب النكاح باب النهي عن إتيان النساء في أعجازهن برقم (٤٢٠٣)، وقال الأرناؤوط في تعليقه على صحيح ابن حبان: إسناده حسن، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ٦٨).","vol":"1","page":123},{"text":"فهذان الحديثان فيهما تغليظ شديد ووعيد هائل لمن يرتكب هذا العمل حيث لم يكتف بكفره بل ضم إليه بما أنزل على محمد - ﷺ - (^١).\nوقد اشتد نكير الصحابة رضوان الله عنهم في هذا الأمر، فعن سعيد بن يسار (^٢) قال: سألت ابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن، قال: وما التحميض؟ قال: نأتيهن في أدبارهن. قال: أو يعمل هذا مسلم؟! (^٣).\nوعن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن الذي يأتي امرأته من دبُرها فقال: هذا يسألني عن الكفر (^٤).\nوهكذا تدعو الشريعة الإسلامية العباد إلى البعد عن قبيح العادات وسيء الأفعال، تكريما لهم وتنزيها لهم عما يضرهم ويشينهم، وتقودهم إلى ما فيه هداية لهم للتي هي أقوم في جميع شؤون حياتهم.\n_________\n(^١) انظر: فيض القدير (٦/ ٢٣).\n(^٢) هو أبو الحباب سعيد بن يسار المدني مولى أم المؤمنين ميمونة، وقيل: بل مولى الحسن بن علي، حدث عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وروى عنه ابن أخته معاوية بن أبي مزرد، وسعيد المقبري، وأبو طوالة، وكان من العلماء الأثبات. توفي سنة ١١٦ هـ، وقيل ١١٧ هـ. (السير ٥/ ٩٣، ٩٤).\n(^٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب تأويل قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) برقم (٨٩٧٩)، وقال الألباني: سنده صحيح وهو نص صريح من ابن عمر في إنكاره أشد الإنكار إتيان النساء في الدبر فما أورده السيوطي في \" أسباب النزول \" وغيره مما ينافي هذا النص خطأ عليه قطعا فلا يلتفت إليه (آداب الزفاف ص ٢٩).\n(^٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب في تحريم الفروج وما يجب من التعفف (٤/ ٣٥٥) ورقم (٥٣٧٨) وقال الألباني: سنده صحيح (آداب الزفاف ص ٣٣).","vol":"1","page":124},{"text":"الفصل الرابع\n\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: تقوى الله ﷿.\nالمبحث الثاني: مراقبة الله ﷿.\nالمبحث الثالث: شكر الله ﷿.\nالمبحث الرابع: تعظيم شعائر الله.\nالمبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان.\nالمطلب الثاني: اجتناب الفسق.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث الأول: تقوى الله ﷿</span>\nإن القارئ لكتاب الله ﷿ لا تكاد تمر عليه سورة إلا ويقرأ فيها الأمر بالتقوى والحث عليها، فما من حكم يشرعه الله ﷿ إلا كانت التقوى مصاحبة له، وداعية إلى القيام به وامتثال أمر الله فيه، ومرشدة العباد إلى الصلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.\nتأتي هذه الإرشادات الربانية لتبني حياة العبد كلها على تقوى الله بامتثال أمره واجتناب نهيه.\nولما كان الإنسان مكوّنا من جسد وروح، والروح ممتزجة بالبدن امتزاجا لا تنفك عنه إلا إذا أراد الله ﷿، وكانت سلامة الإنسان بما يقتاته من الطعام والشراب، فدل هذا على أن ما يطعمه العبد يؤثر على روحه التي بين جنبيه، ولذلك فإن الله ﷿ أباح لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث فإن كان ما يطعمه العبد طيبا ظهر أثر ذلك في طبيعته وتعامله، وعلى العكس فإن كان مطعمه خبيثا أثر ذلك في سلوكه وتعامله. (^١)\nولذلك جاءت آيات الأطعمة مشتملة على الأمر بالتقوى والحث عليها مرشدة للعبادة وقائدة لهم لما فيه النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة.\nويتبين ذلك من خلال ما يلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-65> المطلب الأول: التقوى سبب في تحري الطيب الحلال والبعد عن الحرام</span>.\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤].\nفقد بين الله لعباده في الآية السابقة على هذه الآية ما هو محرم عليهم من الأطعمة إلا ما اضطروا إليه وفي هذه الآية بين الله ﵎ ما أحل لهم من الطيبات من الرزق\n_________\n(^١) ﴿انظر: إحياء علوم الدين (٢/ ٥).","vol":"1","page":126},{"text":"وما أحل لهم مما يصطادونه بالجوارح من السباع أو الطيور شريطة أن تكون معلّمة، وذُكِر اسم الله عليها (^١).\nثم ختم الله ﵎ هذه الآية بالأمر بالتقوى كي يجتنب العبد ما نهاه الله عنه في الآية السابقة من الميتة وذبائح المشركين وغيرها، ويتوخى الحذر فيما يطعمه من صيد الجوارح إن لم يذكر اسم الله عليه، أو كان الجارح صاد لنفسه ولم يدرك العبد ذكاة الصيد، أو كانت الجارحة غير معلمة إلى غير ذلك من أمور الصيد التي لا يقف عندها إلا من اتقى الله تعالى لأنها تحجز الإنسان عن الوقوع في الحرام، وتدفعه للحلال، وتوصله إلى مرضاة الله ﷿ (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-66> المطلب الثاني: التقوى تمنع العبد من الغلو وترك ما أباح الله من الطيبات</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨].\nفكما أمر الله عباده بالتقوى في اجتناب ما حرم، فقد أمرهم بأن يتقوه فلا يحرموا طعام طيبا أباحه الله لهم!! فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ لأن الإيمان يحمل على التقوى في امتثال الأوامر واجتناب النواهي (^٣)، فإذا حرّم العبد على نفسه المباح، فقد أصبح مخالفا أمر الله، وليخش من العقوبة وعليه بالتوبة إلى الله تعالى وملازمة التقوى. (^٤)\n_________\n(^١) ﴿انظر: جامع البيان (٩/ ٥٦٤).\n(^٢) ﴿انظر: جامع البيان (٩/ ٥٧٢)، نظم الدرر (٢/ ٣٩٧).\n(^٣) ﴿البحر المحيط (٤/ ١٥).\n(^٤) ﴿انظر: جامع البيان (١٠/ ٥٢٣).","vol":"1","page":127},{"text":"كما أن الآية تدل على أن أكل الطيبات واللذائذ لا ينافي التقوى.\nوقد ورد النهي الصريح عن النبي - ﷺ - فيمن يزهد عما أحل الله له فعن أنس بن مالك ﵁ أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش.\nفحمد الله وأثنى عليه فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (^١)، وفي لفظ من حديث عائشة ﵂: (ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فو الله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية) (^٢).\nفأعلمهم النبي - ﷺ - أنه وإن غفِر له إلا أن ذلك لا يمنعه من التعبد لله.\nفكل فعل يفعله - ﷺ - من عزيمة ورخصة فهو فيه في غاية التقوى والخشية، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجد في العمل قياما بالشكر، وما ترخص فيه فإنما هو للإعانة على العزيمة ليعملها بنشاط.\nوبهذا يُعلم أن التنزه مما ترخص فيه رسول الله - ﷺ - ليس من التقوى في شيء، بل قد يكون من أعظم الذنوب وأخطرها على العبد (^٣).\nوقد أنكر الله ﷿ على من امتنع عن أكل الطيبات تزهدا وتمنعا بلا حاجة أو لما يلقيه أهل الضلال من الشبهات فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٩].\n_________\n(^١) ﴿رواه مسلم في صحيحه، في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم (١٤٠١).\n(^٢) ﴿رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع، برقم (٦٨٧١).\n(^٣) ﴿فتح البار ي (١٣/ ٣٤٢).","vol":"1","page":128},{"text":"فالاستفهام يتضمن الإنكار على من امتنع عما أباح الله تعالى له، ويتضمن الإنكار على من يتبع هواه فيقول: (ما ذبح الله بسِكِّينهِ خير مما ذبحتم بسكاكينكم) قولا على الله تعالى بغير علم لأن الحكمة إخراج ما حرمه الله علينا من الدم بخلاف ما مات حتف أنفه (^١).\nولكن الحق: أن اتباع أمر الله تعالى خير من اتباع الأهواء، وهذا هو التقوى ولذلك قال تعالى في الآية التالية: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ [الأنعام: ١٢٠].\nفالتقوى الحقيقية هي التقرب إلى الله بترك الآثام والمعاصي الظاهرة والباطنة التي حرمها الله ﵎ لا بترك الحلال الطيب. (^٢)\nكما أن من تقوى الله عدم الاعتداء فيما هو حق له ﷿، وهو التحليل والتحريم فهو أعلم بما يصلح العباد.\nوقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى قتادة أنه قرأ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧] فقال: (منْ حَرَّمَ حَلالَ اللَّهِ فَقَدْ أَحَلَّ حَرَامَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ) (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-67> المطلب الثالث: التقوى باعثة على امتثال أمر الله ﷿ والثبات على دينه</span>.\nقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣].\nلقد كان بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يشربون الخمر قبل أن يُحرَّم ويتداولونه بينهم وفي أنديتهم، ولكن إيمانهم بالله وتقواهم له غلب ما يشتهونه، فلما نزل تحريم الخمر وسمعوا المنادي ينادي بتحريمه، ما كان منهم إلا أن امتثلوا في الحال، بل إن بعض الصحابة مجَّ ما كان في فمه فور سماع تحريم الخمر.\n_________\n(^١) ﴿انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٧٣)، الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٠)، العذب النمير (٢/ ٦٢٤)\n(^٢) ﴿انظر: الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١١)، التحرير والتنوير (٨/ ٣٧).\n(^٣) ﴿تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٨).","vol":"1","page":129},{"text":"فعن أنس بن مالك رضي الله قال: (إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل). (^١)\nوبهذا يتبين أن تقوى الله ﷿ حاملة على امتثال الأمر وسرعة الإذعان.\nومن ذلك أن النبي - ﷺ - قد شهد لمن كان مؤمنا متقيا لله ووافته المنية قبل نزول تحريم الخمر بأنهم لو كانوا أحياء لكانوا من المنتهين عنها، وقد رفع الله عنهم الإثم والجناح، فعن ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية. (^٢).\nوقال النبي - ﷺ -: (لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم). (^٣)\nومن هؤلاء المتقين: عمر بن الخطاب ﵁ لما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] كان يدعو الله ويقول: (اللهم بين لنا في الخمر بينا شافيا فإنها تذهب بالعقل والمال) حتى نزل تحريم الخمر على الإطلاق فقال: (انتهينا انتهينا) (^٤) امتثالا لأمر الله وإذعانا له.\nفكل هذه الأحاديث تبين ما لتقوى الله تعالى من الأثر الكبير في امتثال أمر الله والإذعان له.\nوإذا لازم العبد التقوى واستمر عليها كانت خير معين له على الثبات على الدين وبعده عن الزيغ والانحراف.\n_________\n(^١) ﴿أخرجه البخاري، كتاب التفسير، برقم (٤٣٤١)، ومسلم في كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، برقم (١٩٨٠).\n(^٢) ﴿أخرجه ابن جرير ﵀ في تفسيره بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس (١٠/ ٥٧٧) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، ورواه أحمد في مسنده برقم (٢٠٨٨) والترمذي في سننه، في كتاب التفسير، برقم (٣٠٥٠)، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني والشيخ شعيب الأرناؤوط.\n(^٣) ﴿أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁، برقم (٨٦٠٥)، وحسنه شعيب الأرناءوط ﵀ في تعليقه على المسند.\n(^٤) ﴿أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٣٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٠٠) والإمام أحمد في مسنده برقم (٣٧٨). وصححه شعيب الأرناؤوط.","vol":"1","page":130},{"text":"ولذلك فإن الله ﵎ كرر التقوى في هذه الآية ثلاث مرات، فالاتقاء الأوّل في قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هو الاتقاء بتلقِّي أمر الله بالقَبُول والتصديق، والدينونة به والعمَل، والاتقاء الثاني في قوله ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير.\nبل إن التقوى تصل بالعبد بعد ذلك إلى منزلة المراقبة ومقام الإحسان فقوله: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ المراد به: الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال. (^١)\nفإن العبد إذا لازم تقوى الله منعته من اقتراف ما حرم الله وامتثال ما أمر.\nولا يفهم من الآية أن العبد إن كان من المتقين فلا جناح عليه أن يقترف المحرمات، بل إن ذلك ينافي التقوى.\nفعن ابن عباس ﵄ أنه أتي في عهد عمر بن الخطاب ﵁ برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به أن يجلد فقال: لم تجلدني بين وبينك كتاب الله؟ فقال عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ فقال له: إن الله ﷿ يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد.\nفقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا للماضين وحجة على المنافقين لأن الله ﷿ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر.\n_________\n(^١) ﴿انظر: جامع البيان (١٠/ ٥٧٧)، نظم الدرر (٢/ ٥٣٩).","vol":"1","page":131},{"text":"فقال عمر: صدقت، ماذا ترون؟ قال علي ﵁: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة فأمر به عمر فجلد ثمانين (^١)\nفقد بين له ابن عباس ﵄ أن الذي يرتكب ما حرّمه الله ليس بمتق.\n\nفتأمل .. كيف أن تقوى الله تعالى في المأكل والمشرب تقود العبد إلى منازل الصالحين وتحجبه عما يغضب رب العالمين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-68> المطلب الرابع: تقوى الله تعالى سبب في فتح أبواب الرزق وتسهيل طرقه</span>.\nالطعام والشراب نعمة من نعم الله التي أنعم بها على عباده، وبها يكون قوام الناس وانتفاعهم، وأعظم من هذا تيسير سبل الحصول عليهما، بحيث لا يجد الناس العناء في إيجاد لقمة العيش، أو التعب في تحصيل شرابهم وطعامهم، ولذا كان من نعيم أهل الجنة أن يحصل العبد فيها على ما يتمنى بمجرد أن يشتهي، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾ [الطور: ٢٢].\nوشتان بين من يحصل على قوته بسهولة ويسر أينما ذهب وجده، وبين من يجلس الساعات الطوال يسعى ويكابد ثم يرجع خاوي اليدين.\nولذا .. فقد أخبر الله عباده أن التقوى سبب من أسباب الحصول على الرزق فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾. [الأعراف: ٩٦].\nفجعل الله ﵎ الإيمان والتقوى سببا في حصول بركات السماء والأرض، وهو قطر السماء ونبات الأرض وما لا يدركه البشر مما يخفى عليهم من بركاتهما التي لا يعلمها إلا الله ﵎.\n_________\n(^١) ﴿رواه الدارقطني في سننه، كتاب الحدود برقم (٣٣٤٤) (٤/ ٢١١). وحسنه ابن حجر (انظر: موافقة الخبر الخبر ٢/ ٤٢٣، ٤٢٤)، وأصله في البخاري من حديث السائب بن يزيد قال: (كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين) كتاب الحدود، باب الضرب بالجريد والنعال برقم (٦٣٩٧).","vol":"1","page":132},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا﴾ إشارة إلى سهولة وتناول هذه البركات (^١)\nومن أعظم ما ينفع العبد من هذه البركات، بركة المطعم والمشرب ولذا جاء التعبير في سورة المائدة بالأكل، حيث قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦].\nومما يدل على هذا المعنى ما أخبرنا الله عنه في قصة أصحاب السبت وأنه بسبب فسقهم عاقبهم الله، فصعب عليهم الحصول على الرزق، فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣].\nفهذه القرية كانت قريبة من البحر وعلى شاطئه، ولكن حينما تحايلوا على أمر الله وانتهكوا حرمته في يوم السبت، عاقبهم الله تعالى فأتتهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهاهم الله فيه عن العمل ظاهرة من كل ناحية كشوارع الطرق قريبة من سطح البحر آمنة من أن تصاد، وباقي الأيام غير يوم السبت الذي يعملون فيه لا تأتيهم الحيتان (^٢)، كل هذا بسبب فسقهم ومخالفة أمر الله الذي أمرهم به.\nفعلى العبد أن يتعظ بحال هؤلاء فقد كانوا على مقربة من الرزق ولكن أنى لهم الحصول عليه وقد فارقوا التقوى.\n_________\n(^١) ﴿انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٤٤)، تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٥١)، روح المعاني (٩/ ١٠).\n(^٢) ﴿انظر: جامع البيان (١٣/ ١٨٣)، التحرير والتنوير (٩/ ١٤٩).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى</span>\nوعد الله ﷿ أهل المراقبة من عباده بمغفرة الذنب وزيادة الأجر فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢] ففرق بين من يعيش في هذه الحياة لأجل متاعها وزخرفها، لا يربطه بالآخرة رابط ولا يذكره بالله مذكر وبين من يعيش مستشعرا عبودية الله واطلاعه عليه، وكل ما يحصل حوله أو يعرض له فهو بمثابة الموقظ الذي يبصره ويأخذ بيده إلى الهدى والرشاد.\nفحين يقرأ العبد المسلم قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨] يدعوه ذلك إلى مراقبة من في السماء جل وعلا الذي يراه، ويطعمه، ويرزقه، فهو سبحانه إن شاء أطعمه وإن شاء حرمه، فهو المستحق لهذه المراقبة جل وعلا.\nولذا جاءت الآيات في حديثها عن الأطعمة متضمنة للمراقبة ومصرحة بها في مواضع أخرى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-70> المطلب الأول: مراقبة الله ﷿ حال الاضطرار والمخمصة</span>.\nأحل الله ﷿ لعباده الطيبات، وبين لهم ما حرم عليهم، ثم استثنى جل وعلا حالة الاضطرار في خمس مواضع من القرآن يذكر فيها هذه المحرمات وهي قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقوله في المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].","vol":"1","page":134},{"text":"وقوله في الأنعام: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقوله في النحل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ [النحل: ١١٥].\nولما كانت هذه المحرمات الأربع من أغلظ المحرمات تحريما فقد جعل الله جل وعلا الاضطرار مشروطا بعدم البغي والعدوان (^١)، ومعنى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد): فمن اضطر غير باغ بأكله ما حُرم عليه من أكله، ولا عاد في أكله، وله عن ترك أكله -بوجود غيره مما أحله الله له- مندوحة وغنى. (^٢)\nوقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن الحسن قال: (غير باغ فيها ولا معتدٍ فيها بأكلها، وهو غنيٌّ عنها). (^٣)\nوبهذا المعنى يتضح أن حالة الاضطرار لدى العبد لا تخلوا من استشعار مراقبة الله ﷿ لأن العبد في هذه الحالة لا يعلم أحد صدق اضطراره إلا الله، فقد لا يصل العبد إلى حالة الاضطرار ولكن نفسه تسوِّل له الأكل من المحرم، وقد يزيد عن حاجته من ذلك المحرم تلذذا، إلى غير ذلك من البغي والعدوان الذي لا يمنع العبد من الوقوع فيه سوى استشعار أن الله مطلع عليه وهو عالم بالسرائر والخفيات. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان (٥/ ١٢٨).\n(^٢) هذا القول هو ما رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣/ ٣٢٥)، وسياتي ذكر الخلاف في ص (٣٤٠)\n(^٣) جامع البيان (٣/ ٣٢٤).","vol":"1","page":135},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-71> المطلب الثاني: المراقبة توصل العبد إلى محبة الله تعالى، وأهلها مشهود لهم بالفضل والإحسان</span>.\nشهد الله لأهل المراقبة من عباده بالفضل ورفع عنهم الحرج فزكاهم وأخبر بمحبته لهم فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ ... [المائدة: ٩٣].\nفبين الله ﷿ أنهم لما اتقوا ربهم أوصلهم ذلك إلى المراقبة والإحسان، فلما كان هذا حالهم قبل نزول تحريم الخمر، بين أنهم حتى وإن ماتوا وقد شربوها قبل التحريم فقد رفع عنهم الجناح وزال عنهم إثمها ورجسها لما كان منهم من المراقبة.\nوذلك أنهم راقبوا الله تعالى فيما كان محرما عليهم، ثم راقبوه فيما قد حرم عليهم إلى أن لقوا الله تعالى وهم على هذه الحالة.\nكما أن في هذه الآية شهادة لأصحاب هذه المنزلة من الأحياء فهي أدعى لثباتهم، وأقوى في استجابتهم وإذعانهم، وهو ما حصل من الصحابة رضوان الله عليهم حين نزول آية تحريم الخمر، وقد شهد رسول الله - ﷺ - لبعض أصحابه بهذه المنزلة العظيمة، فعن ابن مسعود ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ قال رسول الله - ﷺ -: (قيل لي: أنت منهم) (^١)\nوفي هذه الآية دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات، فضّله بأجر الإحسان. (^٢)\nأما شارب الخمر حين لم يراقب الله تعالى حال شربه ولم يستح من نظر الله تعالى له كان من عقوبته أن الله تعالى لا ينظر إليه يوم القيامة، فعن ابن عمر ﵄ قال:\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل عبدالله بن مسعود وأمه ﵄، برقم (٢٤٥٩).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٧٢).","vol":"1","page":136},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان بما أعطى) (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-72> المطلب الثالث: ابتلاء الله تعالى لعباده بمنعهم نوعا من أنواع الرزق، ليتبين بذلك من يراقبه ممن يخالف أمره</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤].\nابتلى الله عباده واختبرهم بمنع نوع من أنواع الرزق عنهم وجعل تعليل ذلك ليعلم من يراقبه تعالى ويخافه، ممن لا يراقبه ولا يقوى على هذا الامتحان.\nوفي قوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ بيان أن هذا الابتلاء ليس بالابتلاء العظيم الذي يصيب الأنفس والأموال، فإذا لم يصبروا على هذا فكيف يصبرون على غيره (^٢) ومع ذلك فقد كان العرب يفتخرون بالصيد ويتلذذون باقتناصه.\nفكان من الابتلاء سهولة تناوله وصيده إما بالأيدي أو بالرماح كما قال تعالى: ... ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾، ولقد حصل ذلك للصحابة رضوان الله عليهم في عمرة الحديبية فقد كان يتغشاهم الصيد والطير في رحالهم ولم يروا مثله قط قبل ذلك.\nفبيَّن الله ﷿ أن النجاة والفوز في هذا الابتلاء هو مخافته بالغيب، باستشعار رؤيته في الدنيا، سواء كان العبد بين الناس أو بعيدا عنهم.\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (٦١٨٠). وابن حبان في صحيحه، كتاب إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة، باب إخباره عن البعث وأحوال الناس في ذلك اليوم، برقم (٧٣٤٠). والطبراني في الكبير برقم (١٣١٨٠). والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الأشربة والحد فيها، باب التشديد على مدمن الخمر برقم (١٧١١٩)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٨٧)، وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على صحيح ابن حبان: إسناده قوي.\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٥).","vol":"1","page":137},{"text":"فتأمل .. كيف يربي الله تعالى عباده على مراقبته ويتدرج بهم حتى في أمور معاشهم وطعامهم، فإن هذه المنزلة توصل العبد إلى البعد عن المعاصي والآثام، بل تأخذ بيده إلى التزود من الطاعات حتى يكون من أهل الإحسان.\nوما أجمل ما وعظ به إبراهيم بن أدهم (^١)\nحين جاءه سائل فقال له: يا أبا إسحاق: إني مسرف على نفسي، فاعرض علي ما يكون لها زاجرًا، ومستنقذًا لقلبي قال: إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية ولم توبقك لذة قال: هات يا أبا إسحاق قال: أما الأولى فإذا أردت أن تعصي الله ﷿ فلا تأكل رزقه قال: فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه؟ قال له: يا هذا: أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه؟ قال: لا هات الثانية، قال: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئًا من بلاده، قال الرجل: هذه أعظم من الأولى، إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين أسكن؟ قال: يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟ قال: لا هات الثالثة، قال: إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعًا لا يراك فيه مبارزًا له فاعصه فيه، قال: يا إبراهيم: كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر؟ قال: يا هذا أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره به؟! قال: لا هات الرابعة، قال: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحًا وأعمل لله عملًا صالحًا قال: لا يقبل مني، قال: يا هذا! فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير فكيف ترجو وجه الخلاص؟! قال: هات الخامسة قال: إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذونك إلى النار فلا تذهب معهم، قال: لا يدعونني\n_________\n(^١) إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر، القدوة الامام العارف سيد الزهاد، أبو إسحاق العجلي، مولده في حدود المائة، حدث عن: أبيه ومحمد بن زياد الجمحي - صاحب أبي هريرة - وأبي إسحاق السبيعي ومالك بن دينار، وحدث عنه رفيقه سفيان الثوري، وشقيق البلخي، وبقية بن الوليد، ومحمد بن يوسف الفريابي، قال النسائي: هو ثقة مأمون. ووثقه الدارقطني، وقال ابن حجر: صدوق. وتوفي سنة ١٦٢ هـ وهو غاز في البحر ودفن في بلاد الروم. (تاريخ دمشق ٦/ ٣٤٩) (سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٩٦) (تقريب التهذيب ١/ ٨٧)","vol":"1","page":138},{"text":"ولا يقبلون مني قال: فكيف ترجو النجاة إذًا؟! قال له: يا إبراهيم! حسبي حسبي! أنا أستغفر الله وأتوب إليه. (^١)\nوبهذا يعلم أن من أدرك هذا المعنى العظيم وجعله حاضرا شاهدا في أفعاله، فإنه يقوده إلى الفلاح والسعادة في الدنيا والفوز والنجاة في الآخرة.\n_________\n(^١) كتاب التوابين. (ص ٧٩).","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الثالث: شكر الله ﷿</span>\nأنعم الله ﵎ على عباده بنعم عظيمة، لا يحصيها العبد كثرة، وأنى له ذلك وكل نَفَسٍ يتردد في صدر العبد دخولا وخروجا هو من نعمه جل وعلا!!.\nوإن من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده نعمة الطعام والشراب، فلئن كان الخلق سبب الوجود في هذه الحياة، فإن الطعام والشراب سبب البقاء والحياة، وإن الإنسان بطبعه مَدِينٌ لمن تفضل عليه، فكيف بمن حياتنا فضل من أفضاله؟ وطعامنا وشرابنا قطرة في بحر إنعامه؟!\nولما كان جهل الخلق وغفلتهم عن هذه النعمة هما سبب انصراف الناس عن الشكر (^١) عرّف الله خلقه بهذه النعمة الجليلة، وذكّرهم بآلائه وأفضاله على وجه الإجمال والخصوص، لأن في ذلك الخير والنجاة في الدنيا والآخرة.\nوقد جاء القرآن بالأمر بالشكر والتذكير به في المأكل والمشرب بصور شتى وأساليب متنوعة، فمن ذلك:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-74> المطلب الأول: الأمر بشكر الله على الأكل من الطيبات:</span>\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].\nلما أمر الله عباده في هذه الآية بالأكل مما أباحه لهم وطيّبه من الرزق، أمرهم بالشكر على هذه النعمة، وعلى تلك الكرامة التي أكرم الله بها عباده، فعن قتادة ﵀ قال: (كَرَامَةٌ أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهَا فَاشْكُرُوا لِلَّهِ نِعْمَتَهُ) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: إحياء علوم الدين (٤/ ١٢٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده في التفسير (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":140},{"text":"ومما يدل على وجوب الشكر في هذه الآية تعليق التوحيد والعبادة به، لأن الشكر لا يصح إلا بالتوحيد، واختصاص الله جل وعلا بالعبودية سبب للشكر، وهذا يدل على ارتفاع الأمرين بارتفاع أحدهما، وأن من لم يشكر الله لم يعبده وحده، وان من شكره فقد عبده ووحّده. (^١)\nولما كان العمل الصالح من الشكر كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] فقد أمر الله الرسل به كما أمر به عباده المؤمنين فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].\nوهذا يدل على أن كل رسول أمر في زمنه بالأكل من الحلال وبالعمل الصالح.\nوأمر الله جل وعلا بالشكر بعد الأكل من الطيبات؛ لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة ويجلب النعم المفقودة. (^٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-75> المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه، وأن غاية ذلك هو الشكر </span>(^٣).\nامتن الله على عباده بما سخر لهم من المطعومات والمشروبات مع تعددها وتنوعها، فمرة يمتن عليهم بما خرج من الأرض، وتارة يمتن عليهم بما سخر لهم من الأنعام وتارة بما سخر لهم من صيد البحر وطعامه، وتارة يذكرهم بأنه هو المتفرد بالإطعام سبحانه دون غيره والمتكفل بجعله طيبا للآكلين، والآيات في هذا كثيرة، وسأذكر في هذا المقام بإذن الله من الآيات ما يدل على نظائرها من الآيات الأخرى، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤].\n_________\n(^١) انظر: نظم الدرر (١/ ٣١٥)، تيسير الكريم الرحمن، (ص ٨١).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٨١).\n(^٣) انظر: مدارج السالكين (٢/ ٢٥١).","vol":"1","page":141},{"text":"فقوله ﵎: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي هو الرازق لهم من غير احتياج إليهم جل وعلا (^١).\nوخص الإطعام في هذه الآية دون غيرها من النعم، لأن الحاجة إليها أمس، ولا غنى للخلق عنها. (^٢)\nوكان من دعاء النبي - ﷺ - بعد الطعام، ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي - ﷺ -، قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي - ﷺ - وغسل يديه قال: (الحمد لله الذي يُطعِم ولا يَطْعَم، ومَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسَقانا وكلّ بَلاء حَسَن أبلانا، الحمد لله غير مُودّع ولا مكافَأ ولا مكفور ولا مُسْتَغْنًى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبَصَّرنا من العَمَى، وفَضَّلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين). (^٣)\nوهذا من شكر النبي - ﷺ - لربه، وثنائه عليه بهذه النعم التي تفرد بها جل وعلا. (^٤)\nوقد بين الله سبحانه في هذه الآية أن الإشراك، كفران للنعمة وليس شكرا لها، لأن الشكر يستلزم التوحيد والعبادة، وقد قرن الله بين العبادة والشكر عند طلب الرزق في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٤٣).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٣٣٣)، روح المعاني (٧/ ١١٠).\n(^٣) رواه النسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا غسل يديه برقم (١٠١٣٣) (٦/ ٨٢)، وأبو نعيم في الحلية، من حديث بشر بن منصور (٦/ ٢٤٢). وابن حبان في صحيحه، (١٢/ ٢٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٧٣١)، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه الشيخ أحمد شاكر، انظر: عمدة التفسير (١/ ٧٦٥).\n(^٤) حمد النبي - ﷺ - يعتبر شكرا، ومعلوم أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص، فالشكر أخص من الحمد من جهة متعلقه وهي النعم، والحمد يشمل النعم وغيرها، والحمد أخص من جهة أسبابه ووقوعه فإنه يقع بالقلب واللسان، والشكر يشمل الجوارح جميعها، قال ابن القيم ﵀: (فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس) (مدارج السالكين ٢/ ٥٨٠).","vol":"1","page":142},{"text":"لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت:١٧].\nفجاءت هذه الآيات لتذكر العباد بنعمة الر زق وغيرها من النعم التي تقود العبد لحقيقة الشكر وهي التوحيد لله جل وعلا والاعتراف بالعبودية له دون غيره من الكائنات حيث لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق لأن أكلهم رزقه، وعبادتهم غيره كفر ظاهر. (^١)\n\n• نعمة إحياء الأرض وإخراج النبات.\nومن الآيات التي بين الله فيها فضل هذه النعمة وعظمتها قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ ... [يس: ٣٣ - ٣٥].\nفبين الله سبحانه أنه هو الذي أحيا الأرض وقد كانت مواتا وأخرج منها النبات والحب، وجعل فيها الحدائق والثمار، كل هذا ليأكل العباد مما أنبت لهم وأنشأ جل وعلا، وما سخر لهم وأعانهم عليه من الحرث والغرس، أما إنضاجه وإخراجه فليس لهم فيه حول ولا قوة، وهذا كله يستحق شكر المنعم المطعِم جل وعلا. (^٢)\nوهذه الآيات وإن كانت للاستدلال على البعث ففيها إدماج للامتنان ضمن الاستدلال ولذلك فرع عليه ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ وفرع عليه ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. (^٣)\nوبين الله تعالى أن نعمة الأكل تسبقها نِعَم، وهي إحياء الأرض وشق الحب وإخراجه وإنشاء الجنات التي تخرج منها الثمار والفواكه، ثم يأتي الأكل منها بعد كل هذه النعم.\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان (٢/ ١٧٤).\n(^٢) انظر: جامع البيان (٢٠/ ٥١٤،٥١٥).\n(^٣) التحرير والتنوير (٢٣/ ١٣).","vol":"1","page":143},{"text":"وقد جاء في سورة عبس ما يفصل هذه المراحل ويبينها حتى تكون أدعى لتذكر النعمة وشكر المنعم، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢].\nفهذا أمر من الله سبحانه لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه كالخبز الذي يأكله ويعيش به من خلق الماء الذي كان سببًا لنباته. هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ (^١).\nوجيء بالمضارع في قوله ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾: مبالغة في تكرار الشكر وإيقاعه على الدوام بسبب هذه النعم العظيمة. (^٢)\n• نعمة تسخير لحوم الأنعام للأكل.\nوكما ذكّر الله عباده بنعمة ما يطعمونه من نبات الأرض فقد ذكرهم بنعمة الأنعام وأنه خلقها لهم وأباح لهم الأكل منها فقال في سورة النعم (^٣): ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥].فلما أخبر الله قبل هذه الآية أنه خلق الإنسان، أخبر في هذه الآية ما امتن به عليه من خلق الأنعام (^٤) فقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ أي: ما خلقها إلا لكم يا جنس الإنسان (^٥).\nومن جملة النعم التي امتن الله بها على خلقه، الأكل من هذه الأنعام فقال: ... ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ وتقديم الجار والمجرور هنا إنما هو بيان للاهتمام بهذه النعمة العظيمة\n_________\n(^١) أضواء البيان (٥/ ١١)، وانظر: نظم الدرر (٦/ ٢٦٠).\n(^٢) انظر: نظم الدرر (٦/ ٢٦١)، التحرير والتنوير (٢٣/ ١٥).\n(^٣) تسمى سورة النحل: سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من النعم على عباده (الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٦٦).\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٧١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٥٧)، التحرير والتنوير (١٤/ ١٠٤).\n(^٥) مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي (١/ ٦٧٤). وقدر رجح أبو حيان في تفسيره أن (لكم) في قوله: (لكم فيها دفء) مستأنفة وليست متعلقة بما قبلها (البحر المحيط ٥/ ٦٠٧)، وعلى كلا القولين فالآية سيقت للامتنان.","vol":"1","page":144},{"text":"التي هي من أعظم المنافع المتكررة من الخلق، ولذلك جاء التعبير بالمضارع لاستمرار هذا الفعل وتجدده من العباد، ورغبتهم الشديدة في الأكل من هذه اللحوم (^١).\nوقد ختم الله هذه الآيات بما يوجب على العباد شكره والثناء عليه فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ [النحل: ٧]، لأن من رحمته جل وعلا أن خلق هذه الأنعام وسخر لنا فيها هذه النعم العظيمة التي من أعظمها نعمة الطعام، فهي تعليل لقوله تعالى: ... ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ (^٢).\nوقد جاء في آيات أخرى ما يوجب الشكر صراحة كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].\nومن لطيف رحمة الله ﷿ وعظيم رأفته، أن نوع لعباده ما يطعمونه من اللحوم فكما أن لكل أهل بلد ما يناسبهم حسب طبيعة أرضهم وما يوجد فيها من الرزق، فقد نوع لعباده الطيبات من اللحوم فكما أحل صيد البر، وأحل بهيمة الأنعام، فقد أحل لعباده كذلك صيد البحر رحمة منه جل وعلا وفضلًا، وحتى يحصل للعباد التلذذ والتفكه بتنوع الأكل من هذه الطيبات، وهذه من النعم العظيمة التي تستحق الشكر للمولى المنعِم جل وعلا، فامتن الله على الخلق بهذه النعمة حتى يؤدوا شكرها على ما أمر فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤] وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٥/ ٦٠٨)، التحرير والتنوير (١٤/ ١٠٥).\n(^٢) انظر: جامع البيان (١٧/ ١٧١)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٥٧)، التحرير والتنوير (١٤/ ١٠٧).","vol":"1","page":145},{"text":"شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ [فاطر: ١٢].\nفامتن الله ﷻ على عباده في هاتين الآيتين بأن سخر لهم البحر، والتسخير: هو التذليل (^١)، وهذه من أعظم النعم أن مكّن لعباده هذا البحر العظيم المتلاطم، وتلك اللجج التي تغشاها الظلمة، فجعلهم يغوصون في أعماقه، ويركبون على أمواجه (^٢).\nفهيأ لهم هذا التسخير، لعدة منافع، ومن أولها وأعظمها ما قال ﷿ عنه: ... ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ فجعل الله جل وعلا من تسخير البحر نعمة استخراج اللحم.\nوفي وصف اللحم بالطري مزيد فائدة فإن السمك مع مكوثه في البحر الشديد الملوحة إلا أن لحمه في غاية العذوبة، فسبحان الخالق الرازق الذي أخرج الضد من الضد (^٣).\nولما بين الله جل وعلا لعباده منافع تسخير البحر لهم، ختم الآية بحكمة من حكم هذا التسخير وهي شكر الله ﷿ بالاعتراف بعبوديته واستعمال هذه النعم في طاعته فقال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. (^٤)\n• التفكر في هذه النعم لو سلبت من العباد، كيف يكون حالهم؟\nوكما عدد الله ﵎ هذه النعم على عباده مع تنوعها حتى يشكروه، فقد أمرهم بالتفكر فيما لو سلب هذه النعم حلاوتها وعذوبتها ونفعها، فجعل النبات يابسا والماء غائرا مالحا، وماذا لو جعل اللحم يابسا لا يلين إذا استنضج بالنار؟!\nفأمرنا الله بالتفكر في هذه النعم لحكمة عظيمة، ألا وهي شكره على تسخير هذه المطعومات بما يجعله نافعا لنا، فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب (٤/ ٣٥٢).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٩٥)، أضواء البيان (٢/ ١٢٥).\n(^٣) انظر: التفسير الكبير (٢٠/ ٥).\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير (١٤/ ١٢٠)، أضواء البيان (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":146},{"text":"نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٧٠].\nفأمرنا الله بالنظر في هذا الزرع الذي غاية ما نقوم به هو حرث الأرض ووضع الحب فيها، ثم يتكفل الله بزرعها وحفظها من التعفن والأرضة والدواب، ثم يخرج هذه الحبة من التراب نباتا أخضر يانعا، أو شجرا باسقا مليئا بالثمر، ولو شاء الله لأهلكه، أو جعله يابسا فلا نستطيع الانتفاع به، وحينها تحصل الندامة ويعلم العباد أنهم قد أصابهم العذاب والحرمان من الله بسبب كفرهم وعدم شكرهم.\nوكذلك الأمر في الماء الذي نشرب منه، كيف أنعم الله علينا وأنزله من السحاب عذبا طيبا مستساغا، ولو شاء لأنزله مالحا لا نستطيع تذوقه فضلا عن شربه أو الارتواء به.\nوالحكمة من هذا النظر إنما هو شكر الله، والقيام بعبادته وحده لا شريك له، والاجتهاد في طاعته والبعد عن معصيته، ولذلك ختم الله هذه الآيات بقوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-76> المطلب الثالث: بيان عاقبة من كفروا بالنعمة ولم يشكروا الله عليها</span>.\nلما أمر الله ﷿ عباده بالشكر، وعدد لهم أنواع النعم ليشكروه وأمرهم أن يتفكروا فيها وأنه لو شاء لسلبها عنهم، بين لعباده عاقبة من كفر بنعمة الله فلم يشكرها ولم يؤد حقها، وذاك لبيان أهمية الشكر وأنه مطية لنجاة العبد وفلاحه في الدنيا والآخرة، فضرب لهم الأمثال وقص عليهم القصص، وبيّن لهم حقيقة الشكر الذي يريده منهم.\nقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ [النحل: ١١٢، ١١٣]. وهذا مثل ضربه الله بهذه القرية، وقد اختلف المفسرون في المراد بها فمن العلماء من ذكر أن هذا مثل ضربه الله لأهل مكة، حين","vol":"1","page":147},{"text":"استعصت على رسول الله - ﷺ - كمجاهد وقتادة عن ابن عباس ﵄، وروي عن أم المؤمنين حفصة ﵂ أنها المدينة حين قتل عثمان بن عفان ﵁ ومنهم من قال: إنها قرية غير معينة، ولذلك جاءت القرية بصيغة التنكير. (^١)\nوأما ما جاء من وصف هذه القرية فقد حصل لأهل مكة، وبينه الله ﷿ في آيات كثيرة من كتابه، فقوله ﷿: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أخبر الله أنه أنعم على أهل مكة بالأمن حيث كان الناس في خوف فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾ [العنكبوت:٦٧] وبين أنهم مع نعمة الأمن فإن رزقهم وطعامهم يأتيهم في ديارهم وهذه نعمة أخرى عظيمة، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧] وقال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش:١ - ٤]. وجعل هذا الرزق متجددا متنوعا ولذلك عبر عنها بالمضارع فقال: (يأتيها) (^٢)\nوأما قوله عن القرية: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ فقد دل عليها قوله ﷿ عن كفار مكة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ ... [إبراهيم: ٢٨].\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (١٧/ ٣٠٩، ٣١٠). أضواء البيان (٢/ ١٩٩).\n(^٢) انظر: روح المعاني (١٤/ ٢٤٢).","vol":"1","page":148},{"text":"وأما بيان ما نزل بأهل القرية في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فقد حصل ذلك لأهل مكة حين تولوا واستكبروا، فدعا عليهم رسول الله - ﷺ - فقال: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف) (^١) فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء، حتى أكلوا الجيف ووبر البعير، وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن من جيوش رسول الله - ﷺ - وغزواته وبعوثه وسراياه. (^٢)\nولما وعظ تعالى بضرب ذلك المثل، وصل هذا الأمر للمؤمنين بالفاء، فأمر المؤمنين بأكل ما رزقهم وشكر نعمته ليباينوا تلك القرية التي كفرت بنعم الله فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤] ولما أخبر عن القرية أنها كفرت بأنعم الله، جاء الخطاب للمؤمنين بقوله: واشكروا نعمة الله (^٣).\nوكما ضرب الله هذا المثل فقد قص علينا ما حصل من قوم سبأ من الإعراض وما كانوا فيه قبل ذلك من النعم العظيمة، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ ... [سبأ: ١٥].\nفأخبر الباري جل شأنه أنه أنعم على قوم سبأ بنعم عظيمة كان من أولها نعمة الرزق فقد أنعم الله عليهم في بلدتهم ببستانين جهة اليمين وجهة الشمال، وكان ثمرهما سهل التناول، بل إنه لا يحتاج إلى هذا الجهد، فقد روي أن المرأة كانت تُخرِج مكتلها على رأسها فتمشي بين الجبلين، فيمتلئ مكتلها، وما مست بيدها (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة برقم (٢٧٧٤)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة برقم (٦٧٥).\n(^٢) انظر: أضواء البيان (٢/ ١٩٩).\n(^٣) البحر المحيط (٧/ ٣٠٠)، وانظر: التحرير والتنوير (٨/ ١٤٩).\n(^٤) كما ورد عن قتادة ﵀. انظر: (جامع البيان ٢٠/ ٣٧٦).","vol":"1","page":149},{"text":"فأمرهم الله جل وعلا أن يشكروه على هذه النعمة، فيجازيهم بالعفو الرحمة والغفران.\nوأي نعمة أعظم من أن يكون العبد في رغد من العيش ومغفرة وصفح من الرب ولذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.\nولكنهم حين أعرضوا عن طاعة الله وشكره، وكفروا هذه النعمة العظيمة بدل الله حالهم ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٦، ١٧].\nفأرسل الله عليهم سيلا بدلت بساتينهم الجميلة وثمارهم الناضجة ومناظرهم الحسنة إلى أشجار مليئة الشوك قليلة الثمر من الأراك والسدر، ولما كان أجود هذه الأشجار المبدلة هو السدر قال جل وعلا: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وهذا كله بسبب كفرهم وعدم شكرهم (^١).\nولذلك جعل الله ما حل بهؤلاء القوم من النكال والعذاب، عبرة وآية لكل صبار على المصائب، شكور على النعم فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ ... [سبأ: ١٩].\nفهذه الآيات وما حوته من معانٍ وعظات تبين أهمية الشكر، وأنه سبب النجاة، وطريق للسعادة وطيب الحياة.\nوليعلم العبد أنه مهما بذل من الشكر لهذه النعمة فإنه لن يؤديَ شكرها على أتم وجه وأكمله.\nومن شكر الله على هذه النعمة الثناء عليه وحمده عليها فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها) (^٢).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٦/ ٥٠٨).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، برقم (٢٧٣٤).","vol":"1","page":150},{"text":"ومن الشكر كذلك إظهار ما في القلب من حقوق هذه النعمة باللسان، بتأليه الله وتوحيده، وبالجوارح بالعمل بطاعته والانتهاء عن معصيته، وأن يشفق العبد من زوال هذه النعمة (^١)، فعن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه قال: ... (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوٍ). (^٢)\n_________\n(^١) انظر: شعب الإيمان (٤/ ٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم (٢٧١٥).","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الرابع: تعظيم شعائر الله</span>\nلقد أمر الله ﷿ في كتابه الكريم بتعظيم شعائره فقال ﷿: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج:٣٢].\nوالمراد بشعائر الله: هي جميع ما أمر الله به ونهى عنه (^١)، ومن ذلك تعظيم حرمات الله كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ... [الحج:٣٠].\nوقد أخرج الطبري بسنده عن عطاء بن أبي رباح (^٢) أنه سئل عن شعائر الله فقال: (حُرُمات الله: اجتناب سَخَطِ الله، واتباع طاعته، فذلك شعائر الله). (^٣)\nوقال الحسن: (دين الله كله) (^٤).\nفتعظيم شعائر الله: إظهار ما في القلب من تعظيم الله ﷿ بتعظيم أمره ونهيه (^٥).\nوقد ورد في سياق آيات الأطعمة الأمر بتعظيم شعائر الله، والوعيد الشديد لمن تساهل فيها.\n_________\n(^١) فسر بعضهم الشعائر بأنها مكة ومنهم من قال أنها الصفا والمروة والبدن إلى غير ذلك من الأقوال وهذا القول عام ترجع جميع الأقوال إليه، وقد ذهب إليه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٦٤)، والقرطبي (٧/ ٢٥٥)، وابن كثير (٥/ ٤٢١)، والشنقيطي في الأضواء (٣/ ٥١٠).\n(^٢) هو عطاء بن أبي رباح واسم أبي رباح أسلم أبو محمد القرشي الفهري سمع جابرا وابن عباس وأبا هريرة روى عنه عمرو بن دينار والزهري وقتادة بن دعامة، وقال ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية قال: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم يخيل لنا أنه يؤيد توفي سنة ١١٧ هـ وقيل ١١٤ هـ .. (تاريخ دمشق ٤٠/ ٣٦٦، ٣٦٩) (سير أعلام النبلاء ٥/ ٨٣، ٨٨).\n(^٣) جامع البيان (٩/ ٤٦٢).\n(^٤) الكشف والبيان للثعلبي (٤/ ٨). الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٥٥).\n(^٥) انظر: التحرير والتنوير (١٧/ ٢٥٧). تيسير الكريم الرحمن (ص ٥٣٨).","vol":"1","page":152},{"text":"فقد ابتدأ الله جل شأنه سورة المائدة في الآية الثانية منها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ...﴾ الآية [المائدة:٢]، ومن المواضيع التي تعرضت لها سورة المائدة أحكام الأطعمة والذبائح والصيد وما يتعلق بهذا الباب من أحكام، ويتبين فيه ما لتعظيم هذه الأحكام والأوامر من الخير والسعادة، وما للمخالفة من الإثم والعقوبة.\nوتتجلى صور هذا التعظيم في مواضع من كتاب الله، ومن ذلك:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-78> المطلب الأول: تحريم أكل ما فيه تعظيم لغير الله</span>.\nففي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ...﴾ الآية [المائدة:٣].\nفذكر جل وعلا من جملة المحرمات في هذه الآية: ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب.\nفما أهل به لغير الله: هو ما ذبح وذكر عليه غير اسم الله تعالى (^١)، والإهلال رفع الصوت والجهر به (^٢).\nوقد أمر الله أن يذكر اسمه العظيم على الذبيحة، فمتى ما ذبح الذابح وذكر عليها غير اسم الله ورفع بها صوته، فليس هذا من تعظيم الله في شيء وإنما هو تعظيم لما ذبح له.\nوقد كان المشركون إذا ذبحوا للأصنام يرفعون أصواتهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، تشريفا لهم وتعظيما (^٣) ولذلك فقد أجمع العلماء أن ما ذبح للأصنام والأوثان والطواغيت فلا يجوز أكلها. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٧)، الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٣).\n(^٢) لسان العرب (١١/ ٧٠١).\n(^٣) لأن التسمية فيها تشريف ورفعة للمسمى، لأنها مشتقة من السمو وهي الرفعة. (انظر: لسان العرب ١٤/ ٣٩٧).\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٣)،تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٧)، التحرير والتنوير (٦/ ٩٥).","vol":"1","page":153},{"text":"وبهذا يتبين أن التسمية على النسك من تعظيم الله ﷿ وتعظيم شعائره.\nولما كانت الأنصاب من شعائر الشرك حرّم الله ﷿ أكل ما ذبح عليها فقال: ... ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، والنصب: الأوثان من الحجارة، وهي مجموعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض فكان المشركون يقرِّبون لها، وليست بأصنام.\nوكان الذبح عليها مختصا بأهل الجاهلية، فعن مجاهد ﵀ قال:: النصب: حجارة حول الكعبة، يذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجارة أعجب إليهم منها. (^١)\nفلما كانت هذه النصب علامة على أهل الشرك وشعيرة لهم، وكانوا يذبحون عليها وينضحون عليها الدم ويشرحون اللحم تعظيما لها في نفوسهم، وتشريفا لهذه النصب ويزعمون بذلك أنهم يعظمون البيت الحرام (^٢)، أبطل الله ﷿ دعواهم بهذا التعظيم وحرم الأكل من هذا اللحم، وبين لهم حقيقة التعظيم فقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ ... [الحج:٣٧].\nفقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده إلى ابن زيد أنه قال في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال: إن اتقيت الله في هذه البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله، فإنه قال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) قال (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟ (^٣)\nولذلك فقد نهى العلماء عن أكل ما ذبح عليها حتى ولو ذكر عليها اسم الله، لما في الذبح عند هذه النصُب من الشرك، ومخالفة أمر الله (^٤).\n_________\n(^١) جامع البيان (٩/ ٥٠٨).\n(^٢) انظر: جامع البيان (٩/ ٥٠٨)، المحرر الوجيز (٤/ ٣٤١)، التحرير والتنوير (٦/ ٩٤).\n(^٣) جامع البيان (١٨/ ٦٤١).\n(^٤) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٠).","vol":"1","page":154},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-79> المطلب الثاني: تغليظ العقوبة لمن تعمد الوقوع في محارم الله</span>.\nإن تعظيم الله ﷿ وتعظيم شعائره من الأسباب التي تحجز العبد عن الوقوع في محارم الله ونواهيه، حتى لو وقع العبد في معصية أو ارتكب حراما لغلبة شهوة أو نسيان فاستحضر عظمة الله، فإنه سرعان ما يتوب ويقلع، فإذا صدقت توبته فإن الله يتوب عليه.\nفعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - قال: (إن عبدا أصاب ذنبا وربما قال أذنب ذنبا فقال رب أذنبت وربما قال أصبت فاغفر لي فقال ربه أَعَلِم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبا أو أذنب ذنبا فقال: رب أذنبت - أو أصبت - آخر فاغفره؟ فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا وربما قال أصاب ذنبا، قال: رب أصبت - أو قال أذنبت - آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي ثلاثا فليعمل ما شاء) (^١).\nأما الذين يصرون على المعصية، ويتجرؤون على ما نهى الله عنه، بل ويتحدثون بمعاصيهم أمام الناس، فهؤلاء لم يرعوا لله حرمة، ولم يقدروا الله ﷿ حق قدره، وقد جاء الحديث بالوعيد الشديد لهم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) (^٢).\nوالله جل وعلا في كتابه العظيم حين نهى عباده عن قتل الصيد حال الإحرام، وفصّل لهم الحكم، توعد من تعمد قتل الصيد بعد ذلك بانتقامه ﷿ وعظيم بأسه فقال: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله)، برقم (٧٠٦٨)، ومسلم في كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، برقم (٢٧٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه، برقم (٥٧٢١)، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، برقم (٢٩٩٠).","vol":"1","page":155},{"text":"النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة:٩٥].\nفإن الله ﷿ لما أباح لعباده الصيد حال الحل، نهاهم عن قربان الصيد وقتله حال الإحرام، وعظم ﷿ هذا النهي أشد التعظيم لمن تعمد ارتكابه.\nفجعل على من تعمد قتل الصيد الجزاء فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وذلك تأديب وعقوبة من الله تعالى لمن هتك حرمة الله ﷿ (^١).\nومن تعظيم هذه الحرمة: تعظيم أمر الكفارة وتغليظها، وجعل الحكم فيها لاثنين من العدول. فقال: ... ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فجعل الكفارة جزاء المثل أو الإطعام أو الصيام، وهذه الثلاثة ثقيلة على الطبع فاثنان منها يوجبان نقص المال، وواحدة توجب إيلام البدن (^٢).\nفأي هذه الثلاثة اختارها العبد كان تأديبا وردعا له على هذه المخالفة (^٣).\nومن تعظيم الله ﷿ لهذه الحرمة أنه لم يجعل الحكم بالمثلية لشخص واحد فقط، بل جعله لاثنين عدلين يتشاوران ويحكمان فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولذلك فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا سئل أحدهم عن الجزاء، ما كان يحكم فيها حتى يستشير رجلا آخر، وذلك لتعظيمهم أمر الله، وقد روي ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٧/ ٤٥).\n(^٢) انظر: تفسير اللباب، ابن عادل (٧/ ٥٢٨).\n(^٣) القول بالتخيير في هذه الآية هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية، لأن (أو) تفيد التخيير، أما القول بالترتيب فهي رواية ثانية عن الإمام أحمد (انظر: المغني ٥/ ٤١٥)، والراجح هو قول الجمهور. (انظر: أضواء البيان ١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":156},{"text":"فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى ميمون بن مهران (^١) أَنَّ أَعْرَابِيًّا، أَتَى أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: قَتَلْتُ صَيْدًا وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَمَا تَرَى عَلَيَّ مِنَ الْجَزَاءِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَهُ: (مَا تَرَى فِيهَا؟)، قَالَ: قَالَ الأَعْرَابِيُّ: أَتَيْتُكَ وَأَنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُكَ، فَإِذَا أَنْتَ تَسْأَلُ غَيْرَكَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (وَمَا تَذْكُرُ قَوْلَ اللَّهِ: ... ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؟، فَشَاوَرْتُ صَاحِبِي حَتَّى إِذَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَمْرٍ أَمَرْنَاكَ بِهِ). (^٢)\nفلم يستنكف خليفة رسول الله - ﷺ - أن يشاور أبيًاّ ﵁ أمام الأعرابي، امتثالا لأمر الله وتعظيما له.\nوأخرج الطبري بسنده إلى قبيصة بن جابر (^٣) قال: (خرجنا حُجاجًا، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا نتماشى نتحدث، قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ خُشَّاءه فركب رَدْعه ميتًا (^٤)، قال: فَعَظَّمْنا عليه، فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر ﵁، قال: فقص عليه القصة قال: وإلى جنبه رجل كأن وجهه قُلْب فضة -يعني عبد الرحمن بن عوف-فالتفت عمر إلى صاحبه\n_________\n(^١) هو ميمون بن مهران أبو أيوب الجزري الرقّي الإمام الحجة، عالم الجزيرة ومفتيها، نشأ بالكوفة ثم سكن الرقة، وحدث عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين، وروى عنه ابنه عمرو، وأبو بشر جعفر بن إياس، وحميد الطويل قيل أنه ولد سنة أربعين، وثقه جماعة، وقال أحمد بن حنبل: هو أوثق من عكرمة. توفي سنة ١١٧ هـ وقيل سنة ١١٦ هـ. (سير أعلام النبلاء ٥/ ٧١، ٧٢، ٧٨).\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٠٦)، قال ابن كثير ﵀: وهذا إسناد جيد، لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق، ومثله يحتمل هاهنا. (انظر: تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٩٣).\n(^٣) قبيصة بن جابر بن وهب بن مالك بن عميرة بن جذار الأسدي أسد خزيمة أبو العلاء، روى عن عمر ابن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاص ومعاوية والمغيرة بن شعبة روى عنه الشعبي وعبد الملك بن عمير، وعنه عن قبيصة أنه قال: ألا أخبركم عمن صحبت صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت أحدا أفقه في دين الله تعالى ولا أحسن مدارسة منه .. الخ،مات سنة ٦٩ هـ (التاريخ الكبير ٧/ ١٧٥) (تهذيب التهذيب ٨/ ٣١٠).\n(^٤) الخُشاء هو العظم الناتئ خلف الأذن (انظر: القاموس المحيط ص ٥٤٨)، وركب ردعه: أي خر صريعا لوجهه فمات (انظر: غريب الحديث، لإبراهيم الحربي ٢/ ٦٩١).","vol":"1","page":157},{"text":"فكلمه قال: ثم أقبل على الرجل فقال: أعمدًا قتلته أم خطأ؟ قال الرجل: لقد تعمدت رميه، وما أردت قتله. فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها واستبق إهابها. قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل، عَظّم شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه: اعمد إلى ناقتك فانحرها، ففعل ذاك. قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدّرّة.\nقال: فعلا صاحبي ضربًا بالدرة، وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفَّهت الحكم؟ قال: ثم أقبل عليَّ فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك اليوم شيئا يحْرُم عليك مني، قال: يا قبيصة بن جابر، إني أراك شابّ السن، فسيح الصدر، بيّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ، فيفسد الخلقُ السيئ الأخلاقَ الحسنة، فإياك وعثرات الشباب) (^١).\nفتأمل موقف عمر من الرجل حين قال له: (أقتلت في الحرم وسفَّهت الحكم؟) وهذا من تعظيم الفاروق ﵁ لحرمات الله أن استشار عبد الرحمن بن عوف ﵁، ثم عاتب الرجل حين خالف حكمهما الذي أمر الله ﷿ به.\nومن تغليظ عقوبة قتل الصيد حال الإحرام كذلك قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، فجعل الله جل وعلا العفو عما سلف بين قوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ وبين قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾.\nوجملة: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ دلّت على أن مقصد التشريع في جزاء قتل الصيد إنما هو العقوبة، وقد جاء التعبير بلفظ الوبال: حتى يحس القاتل بعظمة وشدة الفعل الذي ارتكبه إذ أصل الوبال: الشدة في المكروه. (^٢)\n_________\n(^١) جامع البيان (١٠/ ٢٥)، تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٠٦).\n(^٢) انظر: جامع البيان (١٠/ ٤٧)، التحرير والتنوير (٧/ ٤٥، ٥٠).","vol":"1","page":158},{"text":"ثم أعقب الله ﷿ بعد ذكر العفو عما كان في الجاهلية تهديدا للمتساهلين المتعمدين بقتل الصيد حال الإحرام فقال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾.\nوقد اختلف أهل التفسير في هذا المعنى فمنهم (^١) من أسقط الجزاء عمن تكرر منه القتل عمدا ويقال له: ينتقم الله منك.\nومنهم (^٢) من قال: أن من عاد لقتل الصيد متعمدا بعد نهي الله ﵎ فإن الله ينتقم منه وعليه مع ذلك الجزاء. وهذا القول هو القول الراجح. (^٣)\nوهذا يدل على عظيم ما اقترف القاتل من الجرم خصوصا عند تكرر الفعل منه عمدا لأن الله ﵎ أوجب عليه في المرة الأولى الجزاء حتى يشعر بعظيم ما اقترفه، ثم زاد العقوبة على من تكرر منه الفعل بالانتقام منه، فحصل له الوبال في الدنيا والانتقام من الله جل وعلا إما في الدنيا أو الآخرة، ولا يلزم أن يكون الجزاء مانعا للانتقام. (^٤)\nولا شك أنه لا يعود لمثل هذا الفعل متعمدا بعد بيان الحكم والتغليظ فيه إلا من خف قلبه من تعظيم الله ﵎، والتساهل فيما أمر به، ولذلك ختم الله ﵎ الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. فمن اعتز وتعاظم بقتل الصيد الذي حرم الله قتله وجعله آمنا، فإن الله ﵎ هو القوي القادر على الانتقام.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-80> المطلب الثالث: ذم عادات الجاهلية في اعتدائهم على الله وإشراك الأصنام معه في قسمة حروثهم وأنعامهم</span>.\nقال جل وعلا مبينا ما عليه أهل الشرك من السخف والتعدي عليه ﵎: ... ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ\n_________\n(^١) وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس ﵄، (انظر: جامع البيان ١٠/ ٥١).\n(^٢) وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير (انظر: المصدر السابق ١٠/ ٤٩).\n(^٣) وقد رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٥). وابن كثير في تفسيره وقال: جمهور السلف والخلف على إيجاب الجزاء لمن تكرر منه القتل (٣/ ١٩٦).\n(^٤) انظر: جامع البيان (١٠/ ٥٥).","vol":"1","page":159},{"text":"بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ ... [الأنعام:١٣٦].\nأخرج الطبري بسنده إلى ابن عباس: (جعلوا لله من ثمراتهم وما لهم نصيبًا، وللشيطان والأوثان نصيبًا. فإن سقط من ثمرة ما جَعَلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب الله التقَطُوه وحفظُوه وردُّوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سِقْي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدُّوه. فهذا ما جعلوا من الحروث وسِقْي الماء. وأما ما جعلوا للشيطان من الأنعام فهو قول الله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣]) (^١).\nوهذا الفعل منهم في غاية الجهل والتعالي على الله ﷿.\nولا شك أن من خف قلبه من تعظيم الله الخالق البارئ الذي ذرأ وبرأ (^٢) لهم الحرث والأنعام ليأكلوا منها، وركب سبيل الهوى فإنه يعظم ما لا يستحق التعظيم من الأوثان والأحجار بل ويقدم لهم القرابين التي خلقها الله وأوجدها، فأين تعظيم الله ﵎؟!!\nبل هذا غاية الجهل والسفه، فعن ابن عباس ﵄ قال: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَلْيَقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠]) (^٣).\nوذلك أنهم فضلوا ما جعل لغير الله على ما جعل له ﷾ وعظموا غير الله على الله ﵎، ولذلك ذمهم الله ﵎ ووبخهم، وختم الآية بقوله:\n_________\n(^١) جامع البيان (١٢/ ١٣٢).\n(^٢) ذرأ وبرأ بمعنى خلق إلا أن برأ لها من الاختصاص بخلق الحيوان ما ليس لغيرها (انظر: لسان العرب ١/ ٣١)\n(^٣) أحكام القرآن، ابن العربي (٢/ ٧٥٢).","vol":"1","page":160},{"text":"﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء ما يقسمون، فقسمتهم بين الله الخالق المالك الذي لا يتقرب إلا إليه، وبين آلهتهم في ذاتها سيئة وآثمة، ثم تفضيل ما جعل لغير الله والجور في القسمة، يدل على سوء حكمهم (^١)، وجرم صنيعهم، وقد بين الله في الآيات بعدها أنه سيجزيهم على هذه الفرية العظيمة، والوصف الظالم الآثم.\n\nوبهذا يعلم العبد أن الفلاح والفوز بتعظيم شعائر الله جل وعلا فيما أمرنا ونهانا، وأن تعظيم هذه النعم إنما هو تعظيم للمنعم سبحانه.\nوأن الشقاء كل الشقاء في التعدي على ما نهى الله عنه، والتجرؤ على حقوقه ﵎ بإشراك أي أحد معه.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٤٤).","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية</span>\nامتن الله على عباده المؤمنين أن بعث فيهم رسولا يزكيهم ويتلو عليهم الآيات كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ ... [آل عمران:١٦٤].\nفلا خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها منه وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.\nفطاعته - ﷺ - واتباع شرعه إنما هو عين الخروج من الضلال والغواية، ومن رحمة الله بهذه الأمة أن بين لها مسالك الغواية حتى تهتدي وترشد.\nوإن مما تكثر فيه سبل الغواية ومسالك الضلال باب الأطعمة وما يتعلق به، ذلك أنها تدخل على العبد من بابي الشهوات والشبهات.\nوقبل الحديث عن مسالك الغواية يحسن التعريف بمعناها.\nفالغواية: من الغي وهو الضلال والخيبة. (^١)\nوالغي في قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾: تعدي الحق وتجاوزه إلى الضلال. (^٢)\nوقد جاءت آيات الأطعمة محذرة من هذا المزلق الخطير ومبينة أعظم الطرق التي توقع العبد في الغواية والضلال، حتى نجتنبها ونبتعد عنها.\nفالطريق الأول: اتباع خطوات الشيطان.\nوالطريق الثاني: الفسق، وهما طريقان عظيمان كل طريق منهما يتشعب إلى شعاب يوقع في غياهب الضلال.\n_________\n(^١) لسان العرب (١٥/ ١٤٠).\n(^٢) انظر: جامع البيان (٥/ ٤١٦).","vol":"1","page":162},{"text":"وحتى ننجو من هذين الطريقين فقد أرشدنا الله إلى كيفية تجنبهما، حتى نهتدي ونرشد\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-82> المطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان</span>.\nلقد نهى الله تعالى عباده نهيا عاما عن اتباع خطوات الشيطان وبين لهم مغبة ذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور:٢١].\nوفي آيات الأطعمة أكّد الله ﷿ هذا النهي وقرنه بالأمر بأكل الطيبات تحذيرا لعباده وتنبيها، لما في ذلك من الخطر العظيم في هذا الباب، ولا أدل على هذا الخطر من المعصية الأولى التي عصي الله تعالى بها من قِبَل البشر، فقد كانت من تزيين الشيطان وإيحاءه لنبي الله آدم ﵇ في الأكل مما حرَّمه الله عليه، فكانت النتيجة: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ ... [طه:١٢١].\nوحتى ينجو العبد ويسعد في الدارين يجب عليه معرفة خطوات الشيطان ومكايده التي حذرنا الله تعالى منها.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة:١٦٨].\nوقال: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾ [الأنعام: ١٤٢].\nففي الآية الأولى يأمر الله تعالى عباده بالأكل مما في الأرض من زروع وثمار وأنعام على أن تكون طيبة حلالا.\nوفي الآية الثانية: يأمر الله عباده بالأكل مما رزقهم من الأنعام ومن غير ذلك من الحرث والزرع.","vol":"1","page":163},{"text":"والحمولة: اسم لما حمَلَ من الأنعام على ظهره، والفرش: كل ما لطف فقرب جسمه من الأرض (^١).\nوفي كلتا الآيتين ينهى الله عباده عن اتباع خطوات الشيطان حيث قد ظهرت وبانت عداوته.\nولما كانت عداوة الشيطان ظاهرة بينة، فأي خطوة من خطواته يجب الحذر منها حتى ولو تلبس فيها بلباس النصح كما فعل مع آدم ﵇ حيث قال الله تعالى عنه: ... ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف:٢١].\nولهذا فقد بين السلف ﵏ خطوات الشيطان ومكايده في باب الأطعمة حتى نحذر وننتبه.\nفمن تلك الخطوات:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-83> تحريم ما أحل الله ﷿</span>.\nفكما أن الشيطان يزين للعبد المعصية، فإنه قد يأتيه من جانب الورع والزهد فيجعله يحرم على نفسه أمورا قد أباحها الله له فهذه من خطوات الشيطان التي أمرنا الله تعالى باجتنابها فعن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه أتي بضرع (^٢) وملح فجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم، فقال: لا أريد.\nفقال: أصائم أنت؟ قال: لا، قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فأطعم وكفر عن يمينك. (^٣)\nولما امتنع أقوام عن أكل اللحم وغير ذلك مما أباحه الله ظنا منهم أن في ذلك تعبدا لله قام النبي - ﷺ - فحمد الله وأثنى عليه وقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي\n_________\n(^١) جامع البيان (١٢/ ١٨١).\n(^٢) المراد بذلك الشاة أو البقر (انظر القاموس المحيط ص ٦٨٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٨٠). وأخرجه الثوري في جامعه وابن المنذر من طريقه بسند صحيح (انظر: فتح الباري ١١/ ٧٠٠).","vol":"1","page":164},{"text":"وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)، ولا شك أن ما يخالف سنة النبي - ﷺ - من خطوات الشيطان.\nومن خطوات الشيطان في تحريم ما أحل الله ما كان يفعله أهل الجاهلية من تحريم ما أباحه الله لهم، مثل البحائر التي كانوا يجدعون آذانها فلا ينتفع أهل البيت بها ولا بشيء من أشعارها وألبانها، والسوائب التي كانوا يسيبونها لآلهتهم ويحرمونها على أنفسهم، والوصائل التي كانت تلد ستة أبطن فإذا ولدت سبعة جدعت وقطع قرنها ويقولون: وصلت فلا يذبحونها، وكذلك الحام وهو الفحل من الإبل، فقد كان إذا ولد لولده قالوا: حما هذا ظهره فلا يذبحونه (^١)،فخص الله هذه بالإبطال فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة:١٠٣]\nوحذر من اتخاذ هذه الوسيلة الشيطانية بالعموم فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس:٥٩].وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل:١١٦]\nوقد حذر النبي - ﷺ - من هذا الطريق فعن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - ﷺ - قال في إحدى خطبه: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا (كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ...) الخ الحديث. (^٢).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢١١)\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفة التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، برقم (٢٨٦٥).","vol":"1","page":165},{"text":"قال النووي ﵀ في تعليقه على الحديث: والمراد إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة والوصيلة والبحيرة والحامي وغير ذلك وأنها لم تصر حراما بتحريمهم (^١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-84> الإيحاء بالمعصية والكفر في تحليل ما حرم الله</span>.\nفإن الشياطين يوسوسون لأتباعهم ويوحون لهم بما يصد عن سبيل الله وقد بين الله أن هذه خطوة من خطوات الشيطان التي نهانا سبحانه عن اتباعها فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢].\nوإن مما أوحاه الشيطان إلى أوليائه في باب الأطعمة من أن الميتة التي حرمها الله أولى بالأكل مما يذبحه الذابح بنفسه لأن ذبح الله أولى من ذبح العبد، وهي في الحقيقة وسوسة شيطانية يراد منها الجدال بالباطل والصد عن دين الله فنهانا الله عن سلوك هذه الوسيلة التي توقع في الشرك فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ ... [الأنعام:١٢١].\nفقد أخرج الطبري بسنده إلى ابن عباس في قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [الأنعام: ١١٨] قال: قالوا: يا محمد، أمّا ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأمّا ما قتل ربُّكم فتحرِّمونه! فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه، إنكم إذًا لمشركون.\n_________\n(^١) صحيح مسلم بشرح النووي (١٧/ ١٩٧).","vol":"1","page":166},{"text":"وأخرج بسنده إلى قتادة أن عدوّ الله إبليس، أوحى إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم: خاصموا أصحاب محمد في الميتة فقولوا: أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون، وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمرَ الله! فأنزل الله على نبيه: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، وإنا والله ما نعلمه كان شرك قط إلا بإحدى ثلاث: أن يدعو مع الله إلهًا آخر، أو يسجد لغير الله، أو يسمي الذبائح لغير الله (^١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-85> تسمية المحرمات بغير اسمها تزيينا للنفس</span>.\nلما حرم الله على آدم ﵇ الأكل من الشجرة لم يطمعا في الأكل من الشجرة حتى أتاهما الشيطان وغرهما وأسمى هذه الشجرة بشجرة الخلد مكرا وكيدا منه.\nوكذلك الحال مع بني آدم فإن الشيطان يزين لهم ما حرمه عليهم من الطعام والشراب فيزين لهم الخمر بتسميتها شراب الأفراح، أو مشروب الروح ونحو ذلك، فيقع العبد بهذه الوسيلة في المعصية، حيث يخف وقع الاسم عليه فيدعوه ذلك لشرب الخمر. (^٢)\nوقد بين النبي - ﷺ - لأمته هذه المكيدة الإبليسية، فعن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، ويضرب على رءوسهم المعازف، والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة، والخنازير) (^٣)\nفهاهو النبي - ﷺ - يبين لأمته ما يحصل من تسمية ما حرمه الله تعالى بغير اسمه ومن ذلك الخمر وأخبر بالوعيد الشديد لمن يغير الحقائق ويغر الناس.\n_________\n(^١) جامع البيان (١٢/ ٨٠، ٨١).\n(^٢) انظر: إغاثة اللهفان (١/ ١١٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٢٩٥١)، وأبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب ما جاء في الداذي برقم (٣٦٨٨). والنسائي في السنن، كتاب الأشربة، باب منزلة الخمر، برقم (٥٦٥٨)، وابن ماجة في كتاب الفتن، باب العقوبات، برقم (٤٠٢٠)، وابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، باب إخباره - ﷺ - عما يكون في أمته من الفتن والحوادث، برقم (٦٧٥٨)، والحاكم في المستدرك في كتاب الأشربة برقم (٧٢٣٧) وصححه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح لغيره (صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٠٢).","vol":"1","page":167},{"text":"فعلى العبد أن يحذر الوقوع في حبائل الشيطان، فإن أي عمل محرم فهو من خطوات الشيطان، فقد أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: خطوات الشيطان: عمله (^١).\nوأخبرنا الله تعالى أن الخمر من عمل الشيطان وحذرنا وأمرنا باجتنابها فقال: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة:٩٠].\nومن عمل الشيطان كل طعام حرمه الله تعالى علينا من ميتة أو مما لم يذكر اسم الله عليه، فهو الذي يحمل العبد على الوقوع في شراكه وفي أعماله المحرمة.\nوقد جاء في تفسير قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: أنه هو الذي عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه ثم اقتدى بها غيره (^٢).\nويعضد هذا القول ما أخرجه عبد الرزاق (^٣) عن معمر (^٤)\nعن قتادة قال: (لما أهبط إبليس قال: أي رب! قد لعنته فما عمله؟ قال: السحر، قال: فما قراءته؟ قال:\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٧١).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٨٨).\n(^٣) عبد الرزاق بن همام بن نافع أبو بكر مولى حمير اليماني ولد سنة ١٢٦ هـ حدث عن: معمر، فأكثر عنه، والأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس، وحدث عنه: شيخه سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وابن راهويه ويحيى بن معين وعلي بن المديني، قال عبد الرزاق: لزمت معمرا ثماني سنين، وعن ابن معينقال: كان عبد الرزاق في حديث معمر أثبت من هشام بن يوسف، وقال الإمام أحمد: إذا اختلف أصحاب معمر، فالحديث لعبد الرزاق. قال عنه ابن حجر: ثقة حافظ مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير، وقال البخاري: ما حدث من كتابه فهو أصح، مات سنة ٢١١ هـ (سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٦٤، ٥٦٥) (تقريب التهذيب ١/ ٣٥٤) (التاريخ الكبير ٦/ ١٣٠).\n(^٤) معمر بن راشد الإمام الحافظ، أبو عروة بن أبي عمرو الازدي، مولاهم البصري، نزيل اليمن، مولده سنة خمس أو ست وتسعين، وطلب العلم وهو حدث، حدث عن: قتادة والزهري وعمرو بن دينار، وهمام بن منبه ... وحدث عنه: أيوب، وعمرو بن دينار، والسفيانان، وابن المبارك وعبد الرزاق بن همام .. عن معمر، قال: سمعت من قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما شئ سمعت في تلك السنين إلا وكأنه مكتوب في صدري = ... = قال أبو حفص الفلاس: معمر من أصدق الناس، وثقه النسائي وابن حبان وغيرهم مات في رمضان سنة ١٥٢ هـ أو ١٥٣ هـ (سير أعلام النبلاء ٧/ ٥ - ٧) (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٩)","vol":"1","page":168},{"text":"الشعر، قال: فما كتابه؟ قال: الوشم، قال: فما طعامه؟ قال: كل ميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما شرابه؟ قال: كل مسكر، قال: فأين مسكنه؟ قال: الحمام، قال: فأين مجلسه؟ قال: الاسواق، قال: فما صوته؟ قال: المزمار، قال: فما مصايده؟ قال: النساء) (^١).\nفدل هذا الأثر على أن شرب المسكر وأكل المحرمات من أعمال الشيطان، ويريد الشيطان أن يوقع بني آدم في هذه المحرمات التي سماها الله تعالى رجسا أي: شرًّا وسخطا (^٢)، وهي توصل إلى الغواية ولا شك، كيف لا وهي تصد العبد عن ذكر ربه، وعن الصلاة كما نصت الآية الكريمة فهي تلهي القلب والبدن عن خالقه، وتبعده عن النجاح والفلاح، وقد بين الله تعالى في سورة النور أن خطوات الشيطان تقود كذلك إلى الفحشاء والمنكر فقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١].\nفمن رحمة الله تعالى وحكمته أن أمرنا باجتناب ما يبعدنا عنه، ونهانا عن كل ما يشين العبد في الدنيا ويوبقه في الآخرة.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب الشعر والرجز برقم (٢٠٥١١) (١١/ ٢٦٨)، والبيهقي في شعب الإيمان، باب في حفظ اللسان برقم (٥٠٩١) (٤/ ٢٧٧).\n(^٢) انظر: جامع البيان (١٠/ ٥٦٥)، تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٩).","vol":"1","page":169},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-86> المطلب الثاني: اجتناب الفسق</span>.\nالفسق هو: العصيان والترك لأَمر الله ﷿ والخروج عن طريق الحق (^١)، ومنه الضلالة والغواية (^٢).\nومن فضل الله أحكم الحاكمين أن بين لنا في باب الأطعمة ما يورث الفسق، حتى يكون العبد على بينة مما يطعم، ويتغذى بدنه على الطيب الذي يحبه الله ولا يقبل سواه فـ (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا) (^٣).\nومن الوسائل التي تفضي إلى الفسق مما حذرنا الله منها في باب الأطعمة:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-87> التحذير من أكل ما يورث الفسق:</span>\nلما ذكر الله ﷿ ما يحرم علينا من الطعام في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ ... [المائدة:٣]. وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]\nختم المحرمات في الآيتين بأنه فسق والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ تعود إلى جميع المحرمات التي حرمها الله تعالى في هذه الآية، كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ يعني: (من أكل من ذلك كله فهو فسق) (^٤).\nوهذا يدل على أن أكل هذه المحرمات يورث الفسق والمعصية.\n_________\n(^١) لسان العرب (١٠/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٥).\n(^٣) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم (١٠١٥).\n(^٤) أخرجه الطبري، ورجح هذا القول. انظر: جامع البيان (٩/ ٥١٤).","vol":"1","page":170},{"text":"ثم إن هذه المحرمات وأمثالها تولد في نفس آكلها هيئات دنيئة توجب أخلاقا سيئة وفسادا في الطبع مما قد يؤدي إلى الفسق والعياذ بالله.\nفالميتة والدم والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع كلها تشترك في علة أنها ماتت والدم محبوس فيها ومحتقن فأصبحت خبيثة تورث خبثا لدى آكلها، ثم إن الشطان يجري في مجاري الدم من الحيوان، ولذلك كانت التذكية الشرعية واجبة لما فيها من تطهير الذبيحة من الدم وخروج الشيطان منها حتى تصبح من الطيبات التي أبيحت لنا.\nوأما لحم الخنزير: فإنه الحيوان الذي مسخ الله اليهود الفاسقين بصورته، فأصبح بين هذا النوع من الحيوان وبين هؤلاء المغضوب عليهم البعيدين من الرحمة مناسبة خفية، وأصبح بينه وبين النفوس السوية نفورا، فضلا عما يأكله الخنزير من القذارات والنجاسات.\nوأما ما أهل به لغير الله مما يذبحه المجوسي أو المرتد وتارك التسمية: فإن قيامهم بالذبح أكسب المذبوح خبثا أوجب تحريمه، وقد يكون ما يذكرونه عليها من الكواكب والشياطين تكسبها خبثا أيضا، فقبح الفعل يسري ويصل إلى الذبيحة (^١)\nوقد حرم النبي - ﷺ - الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، لشكاسة أخلاقها وقسوة قلوبها وخروجها عن طبيعة الاعتدال (^٢)\nفكل هذه المحرمات تورث فسقا والعياذ بالله لدى آكلها، وقد كرّه الله عباده من الفسق والعصيان وكرهه لهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات:٧].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-88> التحذير من مشابهة الفاسقين</span>.\nكما نهانا الله تعالى عما يورث الفسق من الطعام، نهانا عن طاعة الفاسقين والتشبه بهم في ذبائحهم وطعامهم وما يعتقدونه فيه.\n_________\n(^١) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ١٧٢ - ١٧٤)،حجة الله البالغة (٢/ ١١٢٠، ١١٢١).،\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ١١٢٢)","vol":"1","page":171},{"text":"ومن الآيات التي حذرتنا من مشابهة أهل الفسق ما حكاه الله عن المشركين من عاداتهم الجاهلية في طعامهم فقال: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٣٨ - ١٤٠].\nفقد كان من شأنهم أن حرموا بعض الأنعام وقالوا لا نطعمها إلا لمن شئنا، وكانوا يحرمون اللبن على النساء ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء (^١).\nفأخبر الله تعالى في الآية الثالثة أن من هذا شأنه فهو من الخاسرين وذلك لما اتصف به من صفات الفاسقين ومن أعظمها: افتراء الكذب على الله ﷿ والجرأة عليه، ثم وصفهم الله بالضلال وهو الانحراف عن سواء السبيل فلا يرجعون إلى الحق ولا يهتدون إليه، وهي الصفة التي ختم الله بها الآية فقال: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾، والآية فيها تحذير وتهديد لمن تشبه بهم، واقتدى بفعلهم. قال ابن العربي (^٢) ﵀: (فهذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثه الرسول ﵇، فكان من الظاهر لنا أن نميته\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٤٦).\n(^٢) هو محمد بن عبد الله، ابن العربي الأندلسي المالكي، ولد في سنة ٤٦٨ هـ، سمع من خاله الحسن بن عمر الهوزني وجعفر السراج، ومكي بن عبد السلام الرميلي، وحدث عنه: عبد الخالق بن أحمد اليوسفي الحافظ ... وأحمد بن خلف الاشبيلي القاضي والحسن بن علي القرطبي، صنف كتاب عارضة الاحوذي في شرح جامع الترمذي، وفسر القرآن المجيد، فأتى بكل بديع، وله كتاب كوكب الحديث والمسلسلات، وكان ثاقب الذهن، عذب المنطق، كريم الشمائل، ولي قضاء إشبيلية، فحمدت سياسته، وكان ذا شدة وسطوة، فعزل، وأقبل على نشر العلم وتدوينه. توفي بفاس في شهر ربيع الآخر سنة ٥٤٣ هـ. (سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١٩٨ - ٢٠٣)","vol":"1","page":172},{"text":"حتى لا يظهر، وننساه حتى لا يذكر، إلا أن ربنا ﵎ ذكره بنصه وأورده بشرحه، كما ذكر كفر الكافرين به.\nوكانت الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن قضاءه قد سبق، وحكمه قد نفذ بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة) (^١).\nوقد حذرنا الله جل شأنه في آيات أخر من مشابهة الفاسقين في بغيهم حتى ننجو من عقوبته تعالى، فقال ﷿: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام:١٤٦] إلى قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠].\nفما حصل لبني إسرائيل من التضييق إنما هو بسبب بغيهم وظلمهم وصدهم عن سبيل الله كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]. (^٢).\nوقد حذرت الآيات من التشبه بفعل القوم الفاسقين من عدة أوجه:\nالوجه الأول: أن ذكر ما حصل لبني إسرائيل إنما هو تحذير لهذه الأمة أن يحصل منهم بغي أو ظلم فيعاقبوا كما عوقب بنو إسرائيل. (^٣)\nولقد حذر النبي - ﷺ - أمته أن يقعوا فيما وقع فيه اليهود، فعن ابن عباس ﵁ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - جالسا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك فقال:\n_________\n(^١) أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٧٥٣).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٥٥).\n(^٣) انظر: نظم الدرر (٢/ ٧٣٧).","vol":"1","page":173},{"text":"(لعن الله اليهود - ثلاثا - إن الله تعالى حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله تعالى إذا حرّم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه) (^١).\nفبين الحديث أن من شابه اليهود في تحليل ما حرم الله بأي نوع من أنواع الحيل فإنه يستحق اللعن والعياذ بالله. (^٢)\nولذلك فقد أنكر عمر ﵁ ودعا على من فعل كما فعلت اليهود، فعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ يقول: (قاتل الله فلانا ألم يعلم أن النبي - ﷺ - وسلم قال (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها) (^٣).\n\nالوجه الثاني: ما أخبر الله به عما سيقوله المشركون للرسول - ﷺ - في احتجاجهم بالمشيئة في شركهم وتحريمهم ما أحل الله لهم في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام:١٤٨]\nفبين الله تعالى أن تكذيبهم مشابه لتكذيب الأمم السابقة التي حل عليها العقاب والبأس وهو ما حصل مع المشركين فقد أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم. (^٤)\nوهي دلالة واضحة أن من شابه فعله فعل المكذبين بإلقاء الشبه لتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله وتكذيب المرسلين فإن الله سيذيقه بأسه وعقابه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة، باب في ثمن الخمر والميتة، برقم (٣٤٨٨) وصححه الألباني في تعليقه على السنن، وأحمد في مسنده برقم (٢٢٢١) وصححه شعيب الأرناؤوط.\n(^٢) انظر: عون المعبود (٩/ ٢٧٥).\n(^٣) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، برقم (٣٢٧٣)، ومسلم في كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، برقم (١٥٨٢).\n(^٤) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٥٨).","vol":"1","page":174},{"text":"الوجه الثالث: ما ختم الله به هذه الآيات من نهيه عن اتباع المكذبين المشركين حيث قال: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ... [الأنعام: ١٥٠].\nفنهى الله نبيه عن اتباع أهل الأهواء المكذبين الذين يزعمون أن الله حرّم عليهم ما حرموه من البحائر والسُّيَّب، والمراد بهذا النهي إنما هم أصحاب النبي - ﷺ - والمؤمنون به (^١).\nوفي قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أظهر ما مقامه الإضمار ليعم جميع أهل الأهواء المكذبين بآيات الله، فيدخل في ذلك المشركين واليهود وجميع من اتبع هواه. (^٢)\nفهذه الآيات تحذر المسلم من التشبه بأهل الفسق حتى لا ينقاد إلى الغواية والضلال.\n\n• وقد جمع الله ﵎ النهي عن اتباع خطوات الشيطان والتحذير من الفسق\nوالنهي عن اتباع الفاسقين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١].\nفبين تعالى أن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من ميتة أو مما أهل به لغير الله أو ما ذبحه أهل الأوثان فسق ومعصية (^٣).\nوتوعد جل شأنه من أطاع ما يوحيه الشياطين لأوليائه في النصف الثاني من الآية، وهي تشمل شياطين الجن وشياطين الإنس أهل الأهواء.\nقال ابن جرير ﵀: (وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم، وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس، وجائز أن\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (١٢/ ٢١٣، ٢١٤).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير (٨/ ١٥٤).\n(^٣) انظر: جامع البيان (١٢/ ٧٦).","vol":"1","page":175},{"text":"يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك، كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام:١١٢] بل ذلك الأغلب من تأويله عندي، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجن والإنس، كما جعل لأنبيائه من قبله، يوحي بعضهم إلى بعض المزيَّنَ من الأقوال الباطلة، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرمَ الله من الميتة عليهم) (^١).\nفالفلاح كل الفلاح هو البعد عما يوقع الإنسان في الغواية، والبحث عن سبل الهداية ففيها النجاة والفوز في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) جامع البيان (١٢/ ٨٢، ٨٣).","vol":"1","page":176},{"text":"• الباب الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة.\nوفيه أربعة فصول:\n\nالفصل الأول: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات\nالفصل الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المواريث\nالفصل الثالث: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات النكاح\nالفصل الرابع: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة","vol":"1","page":177},{"text":"الفصل الأول\n\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: التعامل بالمعروف.\nالمبحث الثاني: تحقيق العدل.\nالمبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة.\nالمبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة.\nالمبحث الخامس: حفظ الحقوق.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المبحث الأول: التعامل بالمعروف</span>\nحث الله ﵎ على المعروف وأمر به، بل استثنى من التناجي المذموم التناجي بالمعروف.\nوالطبائع السليمة كلها متفقة على قبول المعروف، وبغض المنكر أيا كان، وذلك لما له من آثار حسنة في بناء المجتمع المسلم على التعارف والتسامح، بحيث يكون مجتمعا صالحا مستقيما.\nوالمعروف: هو اسم لكل ما يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، والعرف المعروف من الإحسان (^١)\nولقد أمر الله نبيه - ﷺ - بذلك فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. والمراد به في الآية: هو كل ما أمر الله به من الأعمال وندب إليه (^٢)، فيدخل في ذلك جميع خصال المعروف.\nوقولك المعروف للسائل دون إعطائه المال، خيرًا من إعطاء المال بالمن ومنكر القول فإن ذلك مبطل له كما قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣].\nولما كانت النفس مجبولة على حب المال وجمعه، فقد يسبب ذلك شيئا من الشح والتنافس الذي يورث العداوة والبغضاء.\nولذلك جاءت الإشارة في القرآن إلى أهمية التعامل بالمعروف في المعاملات المالية كي لا تتكدر النفوس ويكون المجتمع بذلك مجتمعا سليما متآلفا.\nومن المواضع التي جاء فيها الأمر بالتعامل بالمعروف ما يلي:\n_________\n(^١) المفردات (ص ٣٣١)\n(^٢) جامع البيان (١٣/ ٣٣١).","vol":"1","page":179},{"text":"• المطلب الأول: قول المعروف عند الحجر على مال السفيه.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].\nنهى الله ﷾ في هذه الآية أن تُجعل الأموال في يد السفهاء رحمة بهم، والسفيه في هذه الآية هو كل من لا يحسن التصرف في ماله، بالتضييع والإفساد وسوء التصرف فيه رجلا كان أو امرأة صغيرا أو كبيرا (^١)، فيدخل في ذلك الأيتام (^٢) المتصفين بالسفه، فيجب أن يحجر عليهم حتى لا يحصل منهم تضييع للمال.\nوكما أمر الله ولي السفيه بالإنفاق عليه فقد أمره بحسن التعامل معه وقول المعروف له بأن يعده بإعطاء المال له حال رشده، وأن يطمئنه أن مآل المال راجع إليه، ويبين له أنه قائم على رعاية هذا المال، إلى غير ذلك مما هو من قول المعروف (^٣).\nوهذا القول الحسن يسهم في بناء المجتمع بناء أخلاقيا، وذلك من وجوه:\n• الوجه الأول: أن قول المعروف يؤثر في نفس السفيه وقلبه فيزيل السفه عنه، فإن الولي إذا قال لوليه: إن المال صائر إليك حال رشدك، يثير في نفس السفيه تفكيرا في تدبير الأمور، ويكون حافزا له ليتدرب على الترشد في المال، أما إن أغلظ القول له فإنه يزيد سفها إلى سفهه، ويجعل تفكيره محصورا في استخلاص المال من الولي بأي وسيلة كانت. (^٤)\n• الوجه الثاني: أن قول المعروف أبقى للمودة بين الولي ووليه، فإن السفيه يستنكر منع ما يطلبه دون النظر في مصلحة ذلك، فإذا أضاف الولي إلى منعه قولا منكرا\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٧/ ٥٦٥).\n(^٢) اليتيم في اللغة هو المنفرد عن الأب (التعريفات ص ٣٣١) (معجم مقاييس اللغة ٦/ ١٥٤) وعند الفقهاء هو من مات أبوه قبل البلوغ انظر: مغني المحتاج (٣/ ٥٥).\n(^٣) انظر: جامع البيان (٧/ ٥٧٣).\n(^٤) انظر: التفسير الكبير (٩/ ١٩٣).","vol":"1","page":180},{"text":"فسينتج عن ذلك سوء أخلاق المحجور عليه بل قد يتهمه ويسمع وليه كلمات مكروهة فيحصل بذلك الخلاف والشقاق.\nأما إذا أحسن الولي القول، ووعظه بالحسنى، فذلك أدعى لبقاء الكرامة بين الأولياء ومواليهم، وقد ينتفع السفيه بقول المعروف، فتكون سببا في صلاح حاله (^١)، وهكذا تقوى أواصر المجتمع وتترابط.\n• الوجه الثالث: أن جانب السفيه موصوف بالهوان لنقصان عقله وقلة تدبيره ... - وهي نقصان في الخِلقة- وذلك قد يحمل وليه على التلفظ عليه بسيء الألفاظ وإسماعه ما يكره، وهذا يجعل حال السفيه من صغار إلى صغار، أما إذا أكرمه الولي وتحمّل ضعفه الجبلّي وألان له القول، فذلك يرفع من شأن المحجور عليه ويشعره بالكرامة، فلا يشعر بالهوان والدون في تعامله مع الناس ولذلك فإن الله تعالى نهى أن يقهر اليتيم فقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩]. فقد يحصل من اليتيم ما يستدعي قهره فنهى الله ﵎ عن جميع أنواع القهر بالقول والفعل (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-93> المطلب الثاني: أخذ الولي الفقير من مال اليتيم بالمعروف</span>.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦].\nأباح الله ﵎ لولي اليتيم إن كان فقيرا أن يأكل من مال وليه شريطة أن يكون بالمعروف، فلا يكون الأخذ بغير المعروف.\nوقد بين النبي - ﷺ - ضابط الأخذ بالمعروف من مال اليتيم، فعن قتادة ﵀ أن عم ثابت ابن رفاعة وثابت يومئذ يتيمٌ في حجره، أتى نبيّ الله - ﷺ - فقال: يا نبي الله، إن ابن أخي يتيمٌ\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٣٧).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٣٦، ٢٣٧)، (٣٠/ ٤٠٢).","vol":"1","page":181},{"text":"في حجري، فما يحلُّ لي من ماله؟ قال: (أن تأكل بالمعروف، من غير أن تقي مالك بماله ولا تتخذ من ماله وَفْرًا) (^١).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رجلا سأل رسول الله - ﷺ - فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: (كُلْ من مال يتيمك غير مُسْرِف ولا مُبذر ولا متأثِّل مالًا ومن غير أن تقي مالك -أو قال: تفدي مالك -بماله) (^٢).\nفمن رحمة الله وفضله أن يسر لليتيم من يرعاه ويقوم على مصالحه، وأباح لولي اليتيم إذا كان فقيرا أن يأخذ من مال وليه بالمعروف، وبذلك تتكاتف المجتمعات وتقوى أواصرها فيجد اليتيم من يعوله ويرعاه، ويجد الفقير ما يسد عوزه وفقره (^٣).\n• وكما أن الله تعالى أمر بالمعروف في التعامل مع مال اليتيم، فيجب أن يكون التعامل بالمعروف في سائر المعاملات المالية، ولقد بين النبي - ﷺ - ما للتعامل بالمعروف بين الناس في البيع والشراء من البركة فعن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) (^٤).\nفإذا حصل الصدق من الطرفين بارك الله للمشتري في سلعته وللبائع في ثمنها، أما إن حصل الكذب والغش من الطرفين أو أحدهما فحينئذ تمحق البركة وتزول.\nفإن كان الكاذب أحد الطرفين فإن الحديث يحتمل زوال البركة من كليهما وإن كان الصادق مأجورا والكاذب مأزورا، ويحتمل أن تمحق البركة من الكاذب وحده. (^٥)\nفعلى المجتمع المسلم الذي يرجو الفلاح والبركة أن يبتعد عن التعاملات المحرمة ويحرص على التعامل المباح والمعروف، حتى تعم البركة وينتشر الخير.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده إلى قتادة في تفسيره (٧/ ٥٩٠)، وأورده ابن حجر في ترجمته لثابت في الإصابة وقال: هذا مرسل رجاله ثقات (انظر: الإصابة ١/ ٣٨٧).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٤٨)\n(^٣) انظر: منهج القرآن الكريم في رعاية ضعفاء المجتمع، د. عماد زهير حافظ (ص ١٧٠).\n(^٤) سبق تخريجه (ص ٥٣).\n(^٥) انظر: فتح الباري (٤/ ٤١٧).","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المبحث الثاني: تحقيق العدل</span>\nجبلت النفس البشرية على الشح والحرص كما قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. والشح المذموم هنا هو حرص العبد على المال والممتلكات مما يؤدي إلى ضياع الحقوق (^١)، وقد بين الله ﵎ أن الفلاح في وقاية العبد نفسه من الشح فقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].\nفبالشح يقع الظلم بين الناس فيؤدي إلى فساد المجتمع وأكل المال بالباطل، فإذا أطلق الإنسان العنان لنفسه في طاعة شحها فقد هلك وظلم وجانب العدل، فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه من الخيلاء، وثلاث منجيات: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفاقة، ومخافة الله في السر والعلانية) (^٢).\nفبين النبي - ﷺ - أن الهلاك في الشح المطاع أما النجاة ففي العدل على كل حال، ولما كان المال أغلب ما يوقع في الشح (^٣)، كان العدل أعظم ما يعالج به البخل والظلم.\nولقد شرع الله العدل لحكمة عظيمة وهي صلاح المجتمع، فبالعدل قامت السماوات والأرض، وشرعه الله ليقوم الناس به في معاملاتهم وسائر شؤون حياتهم كما في قوله:\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٣/ ٥١٦)، أضواء البيان (١/ ٢٥١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس، برقم (٥٤٥٢)، والبيهقي في شعب الإيمان، باب في الخوف من الله تعالى برقم (٧٤٥) (١/ ٤٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥٩). ورواه الطبراني كذلك في الأوسط عن ابن عمر برقم (٥٧٥٤)، والبيهقي أيضا في شعبه عن أبي هريرة، فصل في الطبع على القلب برقم (٧٢٥٢) (٥/ ٤٥٢)، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه موقوفا عن عمر ﵁ في كتاب الفتن برقم (٣٧٥٧٢) بلفظ (إن أخوف ما أتخوف عليكم شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء برأيه وهي أشدهن) (٧/ ٥٠٣)، قال الألباني ﵀: حسن لغيره. (انظر: صحيح الترغيب والترهيب ١/ ١٢).\n(^٣) انظر: أضواء البيان (٥/ ٤٠١).","vol":"1","page":183},{"text":"﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] (^١).\nفالآية قررت أصلا عظيما وهو أن من الغايات الكبرى للرسالة الإلهية قيام نظام عادل للتعامل بين الناس (^٢).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]\nفهذا أمر من الله لجميع من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل في سائر المعاملات، ومنها: أبواب المعاملات المالية (^٣).\nومن هذه المواضع التي قررت هذه الحكمة العظيمة.\n• المطلب الأول: تحريم الربا لقيامه على الظلم.\nحرم الله الربا في آخر سورة البقرة ونهى العباد عنه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]\nففي قوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ إشارة إلى أن الحكمة من تحريم الربا رفع\nالظلم (^٤).\nوبين الله في هذه الآية طريق التوبة وأن العدل وعدم الظلم شرط لها (^٥)، وكما نهي المرابي حال التوبة عن الظلم فقد نهي غيره عن ظلمه، فشرع له رأس المال وهذا غاية العدل، فلا\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٨/ ٢٧)، أضواء البيان (٤/ ٤٣٠) (٥/ ٥٦٩).\n(^٢) المنهاج القرآني في التشريع، د. عبد الستار فتح الله سعيد (ص ٤٨١).\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٢٧)، تيسير الكريم الرحمن (ص ١٨٣).\n(^٤) تفسير سورة البقرة، لابن عثيمين (٣/ ٣٨٨).\n(^٥) انظر: الكشف والبيان (٢/ ٢٨٥).","vol":"1","page":184},{"text":"يأخذ زيادة عن رأس المال ولا يبخسه غيره حقه فينقص من رأس ماله (^١)، وهكذا ينمو المال في المجتمع نموا سليما قائما على العدل بعيدا عن الظلم.\nوقد بين الله في هذه الآيات المنهج العدل الذي ينمو به المال بصورة صحيحة فقال:\n﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nقال ابن تيمية ﵀: (وقد ذكر الله في آخر البقرة أحكام الأموال وهى ثلاثة أصناف: عدل وفضل وظلم، فالعدل البيع، والظلم الربا، والفضل الصدقة، فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم، وذم المرابين وبين عقابهم، وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى) (^٢).\nوهذا يدل على أن هذه الآيات أصل عظيم في البيوع المنهي عنها، وأن أي بيع لا يبنى على العدل فهو محرم ولذلك فقد نهى النبي - ﷺ - عن تلقي الركبان فيشترى منهم فقال: (لا يتلقى الركبان لبيع) (^٣) لأن فيه ظلما وغبنا لأصحاب السلعة فربما يُضِرون بهم في القيمة، كما أن فيه ضررا لأهل البلدة كذلك، وهذا مناف للعدل.\nكما نهى النبي - ﷺ - عن احتكار الأقوات فقال: (من احتكر فهو خاطئ) (^٤) لأنه يحصل به تضرر الناس فهذا كذلك من الظلم وعدم العدل (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-96> المطلب الثاني: تحقيق العدل في المداينات</span>.\nلما كان التداين من أسباب رواج المعاملات (^٦)،أباحه الله للعباد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٦/ ٢٨)، الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٤٠٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٥٤).\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، كتاب البيوع، باب النهي عن تلقي الركبان، برقم (٢١٦٢)، ومسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه وتحريم النجش، برقم (٣٨٩٠).\n(^٤) رواه مسلم في كتاب المساقاة، باب تحريم الاحتكار في الأقوات، برقم (٤٢٠٦).\n(^٥) انظر: المغني (٦/ ٣١٣، ٣١٥).\n(^٦) التحرير والتنوير (٣/ ٩٨).","vol":"1","page":185},{"text":"كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ....﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].\nوقد اشتملت هذه الآية على وسائل تحقيق العدل (^١) في المداينات، وهي:\nأ) الكتابة وتعظيم منزلتها: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ بأن يكتب الكاتب بين المتداينَيْنِ بالحق والإنصاف، وهذا يتضمن أمورا:\n• أن يكون الكاتب عدلا في نفسه لأجل اعتبار كتابته، لأن الفاسق لا يعتبر قوله ولا كتابته.\n• أن يكون الكاتب عارفا بكتابة الوثائق، وما يحصل به التوثيق، لأنه لا سبيل إلى العدل إلا بذلك. (^٢)\n• ألا يزيد الدائن في حقه ولا ينقص منه، كما قال قتادة ﵀: (اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقا، ولا يزيدنَّ فيه باطلا) (^٣).\nثم كرر الله الأمر بالكتابة مبينا منزلتها فقال: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فبين الله جل وعلا هنا الحكمة من مشروعية الكتابة، قلّ الدين أو كثر، وأن من أعظم هذه الحكم أنها أقسط عند الله، أي: أعدل عند الله.\nوهذا يدل على محبته لها ﷾ لأن فيها العدل والقسط.\nوكانت الكتابة بهذه المنزلة، لأنه جل وعلا أمر بها وحث عليها، وإذا كان الأمر كذلك فما أحرى العباد أن يمتثلوا تطبيقها والعمل بها. (^٤)\n_________\n(^١) العدل في اللغة: ما قام في النفوس أَنه مُسْتقيم وهو الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وهو ضِدُّ الجَوْر انظر: لسان العرب (١١/ ٤٣٠)، التعريفات (ص ١٩١)\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن (ص ١١٨).\n(^٣) جامع البيان (٦/ ٥١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٦/ ٧٧، ٧٨).","vol":"1","page":186},{"text":"ب) أن يكون الإملاء بالحق من المدين أو وليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ فهذه الآية بينت أنه على المدين أن يملي بالحق فإن حصل له سبب من أسباب القصور التي ذكرها الله جل وعلا وهي:\n• السفه، وذلك بجهل الصواب من الخطأ فيما يكتب.\n• والضعف، وذلك إما بعجز في المدين أو عي في لسانه ونحو ذلك.\n• أو عدم الاستطاعة، وذلك لغَيْبَتِه وعدم حضوره (^١).\nففي هذه الحالة يتعين على ولي المدين أن يملي بالعدل، فلا يظلمه بسبب ما فيه من القصور.\nوهذا المعنى هو الذي عليه جمهور المفسرين (^٢)، أما الطبري ﵀ فقد ذهب إلى أن الضمير في (وليه) يعود على صاحب الحق وهو الدائن (^٣)، وعلى هذا القول فإن ذلك أدعى لتحري العدل واجتناب الظلم من صاحب الحق فلا يملي إلا بما يوجب الحق على كلا الطرفين.\nوإذا تأملت في هذا الموضع والذي قبله يتبين أن فيه الأمر بالعدل للكاتب والدائن والمدين، فإذا امتثلوا العدل في أقوالهم وكتابتهم، يكون المجتمع متمثلا للعدل في المداينات.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٦/ ٥٨).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز (٢/ ٥٠٥)، البحر المحيط (٢/ ٥٥٧)، الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٤٣٨) التحرير والتنوير (٣/ ١٠٤).\n(^٣) انظر: جامع البيان (٦/ ٥٨)، وقد استدل بأثر عن ابن عباس، ولكن ابن عطية رد هذا القول ونفى صحة رواية ابن عباس، مخرجا قول الطبري على أن يقر من عليه الحق بما أملاه صاحب الحق بعد الإملاء، مبينا أن هذا المعنى لا تشير إليه الآية.","vol":"1","page":187},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-97> المطلب الثالث: العدل في الموازين والنهي عن التطفيف فيه</span>ا.\nنهى الله تعالى عباده وزجرهم عن التطفيف في الميزان، فالميزان إنما وضع لإقامة العدل ونشره، فالتطفيف فيه مناف لهذه الحكمة العظيمة ومخالف له.\nفقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣].\nفحذر الله تعالى من هذا الصنيع، وكفى هذا الفعل قبحا أن صاحبه لا يرضاه لنفسه فهو إن نقص في ميزان غيره إذا كال له أو وزن، فإنه لا يرضى ذلك لنفسه، بل إنه يستوفي حقه كاملا وقد يزيد .. فأين هذا من العدل؟!\nولقد عظّم الله أمر المكيال والميزان وجمع بينه وبين رفع السماوات بغير عمد فقال:\n﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن: ٧ - ٩] فنهى الله جل وعلا عن ظلم الناس في الوزن حال بيعهم وشرائهم واستيفائهم حقوقهم.\nوبهذا العدل يصلح الناس، فقد أخرج الطبري بسنده إلى قتادة في قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾: (اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل عليك، وأوف كما تحبّ أن يُوَفى لك، فإن بالعدل صلاح الناس) (^١).\nومن منافع العدل في المكاييل والموازين ما ذكر الله في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ [الإسراء: ٣٥].\nوجاء التعبير بـ (خير) منكرا ليعم ويشمل كل خير في الدنيا والآخرة، وهو كذلك أحسن مآلا وعاقبة فإن من يوفي الناس يكسب محبة الله، فتسري محبته بين الناس، إضافة إلى ما يشتهر عنه من السمعة الحسنة والذكر الجميل، كما يبارك له في رزقه أضعاف أضعاف ما يأخذه المطفف من اليسير القليل الممحوق البركة. (^٢).\n_________\n(^١) جامع البيان (٢٢/ ١٤).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (٢٠/ ٢٠٨)، التحرير والتنوير (١٥/ ٩٩).","vol":"1","page":188},{"text":"أما ما يعود على المطفف من المضار فهو الظلم، وابتعاد الناس عنه، إضافة إلى لؤم النفس والعياذ بالله (^١).\nوأما إذا اتفق المجتمع على هذا الظلم والتطفيف في الميزان، فذلك إيذان بالهلاك والعقوبة الدنيوية، كما حصل مع قوم شعيب ﵇ حينما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان.\nوقد كان ابن عباس ﵁ يعظ الناس ويقول في سوق المدينة: (يا معشر الموالي إنكم قد بُليتم بأمرين أهلك فيهما أمتان من الأمم: المِكْيال، والميزان) (^٢).\nفهذه النصوص والشواهد تدعو الأمة إلى أن تكون معاملاتهم وبيعهم وشراؤهم قائما على العدل، وأن يبذلوا النصيحة فيما بينهم، فإن في ذلك الصلاح والنجاة، والبركة في المال بإذن الله.\nفإن الحاجة ماسة إلى ذلك خصوصا مع تنوع المعاملات وكثرتها في هذه الأزمنة واختلاط الحلال بالحرام، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالعدل، وأن يحب أحدنا لأخيه ما يحب لنفسه.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٣٠/ ١٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن جرير بسنده عن أبي المغيرة عن ابن عباس في التفسير (٢٢/ ١٤)، ومراد ابن عباس أهل مدين وأصحاب الأيكة، وقد اختلف أهل التفسير هل هما أمة واحدة أم أنهما امتان متغايرتان فذهب عكرمة وقتادة وغيرهما إلى أنهما أمتان متغايرتان وأن أهل مدين عوقوبا بالرجفة وأصحاب الأيكة بيوم الظلة ويستلون بحديث فيه ضعف عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: (إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان، بعث الله إليهما شعيبًا النبي، ﵇) قال ابن كثير: وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفا، وممن يرجح هذا القول: الطاهر ابن عاشور ويقول: \"والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لمَّا ذكرَ هذه القصةَ لأهل مدين وصف شعيبًا بأنه أخوهم، ولما ذكرها لأصحاب ليكة لم يصف شعيبًا بأنه أخوهم إذ لم يكن شعيب نسيبًا ولا صهرًا لأصحاب ليكة، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة. ومما يرجح ذلك قوله تعالى في سورة الحجر (٧٨، ٧٩) ﴿وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين﴾، فجعل ضميرهم مثنى باعتبار أنهم مجموع قبيلتين: مدين وأصحاب ليكة\"، وذهب أكثر المفسرين أنهما أمة واحدة وممن ذهب إلى ذلك ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، وابن جريج وابن زيد وغيرهم ومال إليه الطبري ورجحه ابن كثير وانتصر له وقال: \"والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء؛ ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهم أمة واحدة\"،ومنهم من قال أن مدين أهل المدينة والأيكة أهل البادية وعلى كلا القولين فلا إشكال والله تعالى أعلم. انظر: (جامع البيا ١٩/ ٣٩٠، تفسير ابن كثير ٦/ ١٥٨،التحرير والتنوير ١٩/ ٨٩، أضواء البيان ٤/ ١٩٠)","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة</span>\nالأخوة الإسلامية نعمة عظيمة أنعم الله بها على عباده وأمرهم بشكرها فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] كما أخبر سبحانه وأكّد أن الأصل في المسلمين الاجتماع والتآخي، وأن التفرق عارض. وأوجب على العباد نبذه والعمل على معالجته فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].\nوقد وردت في آيات المعاملات سبل ووسائل يحصل بسببها تقوية روح الأخوة وإذكائها وتقضي على التفرق والتباعد وهي كالتالي:\n• المطلب الأول: النهي عن أكل المال بالباطل.\nفقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].\nفنهى الله ﷿ في هاتين الآيتين عباده أن يأكل بعضهم مال بعض بغير وجه حق أيا كانت هذه الوسيلة من ربا أو قمار أو غش أو حيلة لأن ذلك مناف للأخوة (^١).\nوالتعبير في الآيتين بضمير المخاطب في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ على ما فيه من العموم والشمول، فهو يوحي للعبد أن مال أخيه بمنزلة ماله، فيجب أن يحافظ عليه كما يحافظ\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٨/ ٢١٦)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٦٨)، محاسن الإسلام، لمحمد بن عبد الرحمن البخاري (ص ٨٤)، حكمة التشريع وفلسفته للجرجاوي (٢/ ١٤١).","vol":"1","page":190},{"text":"على خاصة ماله، فهي رحمة من الله بعباده المؤمنين، إذ اجتماعهم وتوحدهم باسم الإيمان يدعوهم إلى الحفاظ على مال بعضهم البعض (^١).\n\nولما نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، ذكر في آية البقرة وسيلة من الوسائل التي تباعد بين الإخوة، وتُحْدِث الفجوة، ألا وهي الرشوة (^٢).\nففي قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. حرم الله على العباد أن يرشوا الحكام والقضاة ويآكلوهم أموالهم حتى يستعينوا بذلك على أكل مال غيرهم بغير وجه حق (^٣).\nفتخصيص الله تعالى لهذه الصورة لشناعتها وجمعها صورا كثيرة من المحرمات، ومن هذه المحرمات ما يجده العبد المسلم صاحب الحق من قهر وذل عند من كان يظن أنه سيوفيه حقه (^٤).\nوهذا من قهر الرجال الذي كان يتعوذ منه النبي - ﷺ -، (^٥) فهو يشعر بقلة حيلته وعجزه في إرجاع حقه، مما يسبب الضغينة والبغض، ويورثه العداوة والحقد.\nوفي آية سورة النساء بين الله ﷿ أثرا سيئا وخطيرا من آثار أكل المال بالباطل ألا وهو أن أكل المال بالباطل يثير في صاحب الحق الشحناء والرغبة في إرجاع حقه فتحصل\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ١٧٦)، التحرير والتنوير (٥/ ٢٤).\n(^٢) الرَّشْوَةُ والرُّشْوَةُ الوُصْلَةُ إلى الحاجة بالمُصانعة وأَصله من الرِّشاءِ الذي يُتَوَصَّلُ به إلى الماء فالرَّاشي من يُعطي الذي يُعينُه على الباطل والمُرْتَشي الآخذُ والرَّائش الذي يسعى بينهما يَسْتَزيد لهذا ويَسْتَنْقِصُ لهذا (لسان العرب ١٤/ ٣٢٢).\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٢٦)، البحر المحيط (٢/ ٩٥).\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٩٠)، منهج التشريع الإسلامي وحكمته للشنقيطي (ص ٤٥).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، كتاب الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال، برقم (٦٠٠٢)، ولفظه: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال).","vol":"1","page":191},{"text":"بذلك فتن ومصائب قد تؤدي إلى القتل -عياذا بالله- فقال تعالى محذرا ومحرما: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١).\nوالضمير المضاف إلى النفس في هذه الآية، تجعل آكل المال بالباطل يحذر وينظر في عواقب الأمور، فأكله مال أخيه بالباطل، هو الذي تسبب في جعل أخيه يتعدى عليه بالقتل فكأنه قتل نفسه، مما قد يوجب القصاص على القاتل وبهذا تفسد المجتمعات وتنتهك الحرمات وتسفك الدماء، والله ﷿ أرحم بعباده منهم بأنفسهم فحرم هذه السبل البغيضة التي تورث الأحقاد، ولذلك ختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-100> المطلب الثاني: الأمر بكتابة الدَّين</span>.\nأمر الله ﷿ المتدايِنَيْن بكتابة الدين بينهما سواء أكان صغيرا أم كبيرا فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nوبين جل وعلا أن لهذه الكتابة حِكما عظيمة، ومن تلك الحكم ما نص عليه جل وعلا في قوله: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nومعنى الآية: أن من حِكَم كتابة الدَّين وكيفيته ومقداره بين المتدايِنَيْن أنه أقرب إلى عدم الريبة بين الطرفين، حيث يرجع للكتاب الذي كتِب فيفصل النزاع، ويزيل ما يعلق في القلب من شكوك. (^٢)\nوهذا من عظيم فضل الله بالمجتمع المسلم أن قطع عنهم السبل والوسائل التي تؤدي إلى حصول الريبة والشكوك.\nفأي أخوة ترجى بعد ذلك؟ وخصوصا إذا اتسع الأمر وانتقل الأمر من مجرد الظن إلى التباغض والتنازع وما يحصل جراء ذلك من غيبة ونميمة (^٣).\n_________\n(^١) انظر: نظم الدرر (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٧٢٥).\n(^٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ١١٨)، تفسير سورة البقرة للعثيمين (٣/ ٤١٨).","vol":"1","page":192},{"text":"وقد بين الله ﵎ أن هذه الظنون تقدح في الأخوة فوصفها بالإثم فقال:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) (^١).\nولأجل هذا فقد حث أحكم الحاكمين على قطع ما يفضي إلى الشكوك والظنون في مثل هذه الحالة، حرصا على تكاتف المؤمنين وتآخيهم كما نص الحديث السابق.\nوفي بعض الأحوال يحصل من حسن الظن والمحبة بين الأخ وأخيه ما يُشعر الدائن بالأمان والاطمئنان نحو المدين، فإن وصل الأمر إلى هذا الحد فلا بأس حينئذ من عدم الكتابة أو الرهن (^٢) كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nوهكذا تتوثق الصلات بين المجتمع، ويحب كل أخ لأخيه ما يحبه لنفسه. (^٣)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-101> المطلب الثالث: التخفيف على الأُجَراء والرحمة بهم</span>.\nمن رحمة الله اختلاف مشارب العباد ومنافعهم وتسخير بعضهم لبعض، وقد شرع الله لعباده الإجارة، فيقضي صاحب الحاجة حاجته، ويأخذ الأجير أجره.\nوقد رغبت الشريعة في الرحمة بالأجراء والتخفيف عليهم، فشتان بين أجير لا يَسْلم من توبيخ أو نقد مع مايبذله من العمل، وبين أجير قد عامله مؤجره بالحسنى مع اشتراطه إتمام العمل وإنجازه، فهو وإن كان أجيرا لديه، فهو أخ له في الله قبل ذلك.\nوقد قص الله لنا ما حصل بين موسى ﵇ والعبد الصالح صاحب مدْين، لنتفكر ونتأمل في هذه القصة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، برقم (٥٧١٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها، برقم (١٩٨٥).\n(^٢) انظر: أضواء البيان (١/ ١٦٥).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير (٣/ ١٢٢).","vol":"1","page":193},{"text":"قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٧].\nفقد طلب صاحب مدين من موسى ﵇ أن يأجره على رعيه الغنم ثمان سنين والزيادة إلى عشر إنما هو تفضل وتبرع، ثم بين له أن هذه المؤاجرة إنما هي قائمة على السهولة وعدم المشقة فقال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.\nوعدم المشقة إما بالتخيير بأي الأجلين وعدم الإلزام بالعشر كاملة. وإما بعدم مؤاخذته وتكليفه ما لا يطيق من الاحتياط الشديد في كيفية الرعي، أو تكليفه أمرا خارجا عن الشرط. (^١)\nفلما كان من صاحب مدين التخفيف وعدم المشقة، كان من موسى إتمام الأجل فقد أكمل موسى ﵇ الأجل الأوفى والأكمل، فقد سأل سعيد بن جبير (^٢) عبد الله بن عباس عن أي الأجلين قضى موسى؟ فأجابه أنه قضى عشر سنين. (^٣)\nولهذا ينبغي على المستأجر أن يحسن أخلاقه مع أجيره وخادمه وألا يشق عليه، فإذا وجد الأجير الخلق الجميل والتيسير دعاه ذلك إلى رد الجميل وإتقان العمل.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (٢٤/ ٢٤٢)، البحر المحيط (٧/ ١٥٠).\n(^٢) سعيد بن جبير بن هشام الاسدي الوالبي مولاهم الكوفي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الامام الحافظ المقرئ المفسر أحد الاعلام، روى عن ابن عباس فأكثر وجوّد، وعن عبد الله بن مغفل، وعائشة، وأبي هريرة، قرأ القرآن على ابن عباس، وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء وطائفة، وحدث عنه أبو صالح، السمان، وأيوب السختياني وبكير بن شهاب، عن حبيب بن أبي ثابت: قال لي سعيد بن جبير: لَأَن أنشر علمي أحب إلي من أن أذهب به إلى قبري، قتله الحجاج في شعبان سنة ٩٥ هـ (السير ٤/ ٣٢١ - ٣٤١)\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٨٩).","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة</span>\nحذر الله جل وعلا عباده أشد التحذير من كتمان الشهادة، وأخبر أنه لا أحد أشد ظلما من كاتم الشهادة فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾ [البقرة: ١٤٠].\nوفي المقابل فقد امتدح جل شأنه من يؤدي الشهادة ويقوم بها على أتم وجه فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣] فأخرجهم من وصف الهلع والجزع.\nوما الترغيب في إقامة الشهادة إلا لأهميتها ودخولها في أبواب كثيرة من حوائج الناس ومنها المعاملات المالية، فهي تدخل في البيوع كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وتدخل في كتابة الديْن كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nوتدخل في دفع مال اليتيم إذا رشد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]. (^١) فاستوجبت هذه المصالح الحث بالقيام بالشهادة، والتحذير من كتمانها.\n_________\n(^١) اختلف أهل العلم هل الأمر بالإشهاد في الكتابة والبيع للوجوب أم للندب فمنهم من قال أنه للوجوب كابن عمر وعطاء والضحاك واستدلوا بنص الآية، والجمهور أنه للندب كما ذكر ابن العربي ومنهم الشعبي والحسن لوجود القرينة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وهو الصحيح. انظر: المحرر الوجيز (٢/ ٥١٧)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٥٨)،الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٤٥٨ - ٤٦٠) أضواء البيان (١/ ١٦٧). أما الإشهاد على مال اليتيم فمن العلماء من قال أنه للاستحباب ومنه من قال أنه فرض وممن رجح أنه للندب الشافعي في أحكام القرآن (٢/ ١٢٨). والجصاص في أحكام القرآن كذلك (٢/ ٣٤١).","vol":"1","page":195},{"text":"ولذلك نهى الله سبحانه الشهداء أن يمتنعوا عن الشهادة إذا دعوا إليها فقال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nوقد اختلف العلماء هل الآية تشمل التحمل أم يقصد بها أداء الشهادة إذا دعي إليها؟\nفذهب الطبري إلى أن المراد بالآية أداء الشهادة دون التحمل (^١)، وذهب غيره من العلماء إلى أن الآية تعم التحمل والأداء (^٢).\nفدلّت الآية على أن من تحمل الشهادة وجب عليه أداؤها ويحرم عليه كتمانها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nفالنهي في هذه الآية مع الوعيد المترتب على الكتمان يقتضي تحريم هذا الفعل (^٣).\nوقد حذر السلف من كتمان الشهادة، فقد أخرج ابن جرير بسنده إلى الربيع في قوله:\n﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فلا يحل لأحد أن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.\nعن ابن عباس ﵄ قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. (^٤)\nوإذا تأملنا هذا الوعيد الشديد عرفنا ما يحويه من الحِكم العظيمة مما يقِّوم المجتمع ويصلحه فمن ذلك:\n_________\n(^١) وحجته في ذلك أن الشاهد لا يوصف بهذا الوصف حتى يتحمل الشهادة فإذا تحملها صح إطلاق وصف الشاهد عليه، انظر: جامع البيان (٦/ ٧٤).\n(^٢) كابن عباس والحسن بن أبي الحسن وقد رجح ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/ ٥١٣)، والفخر الرازي في التفسير الكبير (٧/ ١٢٤)، وابن القيم في الطرق الحكمية (ص ٢١٧)، والشيخ العثيمين في تفسيره (٣/ ٤١٦)، وهو الراجح.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٤٧٨).\n(^٤) جامع البيان (٦/ ٩٩، ١٠٠).","vol":"1","page":196},{"text":"١ - أن القيام بأداء الشهادة إنما هو قيام بشرع الله ومراده بين الناس وقد نص الله على ذلك فقال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فقوله: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ تدل على أن مراد الله إقامة الشهادة على وجهها، وكفى بهذه حكمة في صلاح المجتمع وسعادته. (^١)\n٢ - منع الظلم وإظهار الحق، فإذا قام الشاهد بأداء الشهادة فقد منع الظلم أن يقع بين الناس ودل على طهارة قلبه وأمانته، وخصوصا إن لم يشهد عليها غيره، فإذا كتمها دل على ما انطوى عليه قلبه من الإثم والخيانة، ولذلك نسب الله الإثم إلى القلب.\nوهذا يؤكد القول بفرضية تحمل الشهادة وأدائها سواء كانت فرض عين أم فرض كفاية، فإن المجتمع قد يأثم بترك الشهادة لتسببه في وقوع الظلم والله المستعان. (^٢)\nفإذا تبيّن هذا علم العبد ما للقيام بالشهادة من الخيرية والفضيلة التي أخبر عنها النبي - ﷺ - فعن زيد بن خالد الجهني (^٣) ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) (^٤).\nومعنى الحديث: أن خير الشهداء من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٣/ ١٢٦).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٥٥)، التحرير والتنوير (٣/ ١٢٦).\n(^٣) زيد بن خالد الجهني، روى عن النبي - ﷺ - وعن عثمان وأبي طلحة وعائشة، روى عنه: ابناه خالد وأبو حرب ومولاه أبو عمرة وأبو سلمة وآخرون. وشهد الحديبية وكان معه لواء جهينة يوم الفتح وحديثه في الصحيحين وغيرهما مات سنة ٧٨ هـ بالمدينة وله خمس وثمانون وقيل مات سنة ٦٨ هـ وقيل مات قبل ذلك في خلافة معاوية بالمدينة. (الإصابة ٢/ ٦٠٣)\n(^٤) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم (١٧١٩).\n(^٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ذم الشهادة وفيه (ويشهدون ولا يستشهدون) وهو عند البخاري ومسلم فهذا الحديث محمول على من يشهد بالزور أو من شهد وهو ليس أهلا للشهادة والله أعلم (١٢/ ١٧).","vol":"1","page":197},{"text":"٣. قطع النزاعات والخصومات، فالقيام بالشهادة يحسم النزاع ويرفع الخصومة قبل حصولها (^١).\n٤. الاحتياط وبراءة الذمة: وهذه عند الإشهاد على دفع الولي لمال اليتيم، فلا يدّعي اليتيم ما ليس له، ويقطع الولي اتهام اليتيم بإبراء ساحته وإظهار أمانته (^٢).\n\nفهذه الحِكم تبين ما لأداء الشهادة وعدم كتمانها من صلاح للمجتمع.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٤٧).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٦٤)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٤٧).","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المبحث الخامس: حفظ الحقوق</span>\nجاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الحقوق، والاهتمام بها، وأعظم هذه الحقوق هي الدين والنفس والعقل والنسل والمال والعرض، فمصالح الدين والدنيا مبنية على الحفاظ على هذه الحقوق وبضياعها ضياع الدنيا ومصالحها.\nوقد جاءت الأحكام الشرعية لتحقيق هذه المصالح الضرورية وحفظها أن تضيع أو تنتهك.\nوالمال داخل في هذه المصالح، فلو ضاع وعُدم لم يبق في الدنيا عيْش (^١).\nوقد جاءت الآيات في كتاب الله حافظة لهذا الحق العظيم، ومشرعة للأمة ما يحفظه لها.\nويتضح ذلك فيما يلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-104> المطلب الأول: حفظ المال كحق للأمة بوجه عام</span>.\nإن الأمة مكونة من مجموع الأفراد الذين ينتمون إليها، فإذا نقص دخل كل فرد من المال أو ضاع حقه منه، تطرق النقص إلى الأمة بمجموعها، وضاع حقها، لما للمال من سد حاجة الناس.\nوإذا ضاع المال بين أفراد المجتمع احتاجت الأمة إلى غيرها، وقد يطمع فيها أعداؤها فيصبح المجتمع ذليلا فقيرا، بخلاف ما إذا نما المال وحفظت الحقوق، فإن الأمة تكون في عزة ومنعة لا تحتاج إلى غيرها من الأمم.\nولذلك فإن الله أمر الأمة بما يحفظ لها المال من جانب الوجود ومن جانب العدم، فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا\n_________\n(^١) انظر: الموافقات (٢/ ٣٣٢).","vol":"1","page":199},{"text":"تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩] (^١).\nفهاتان الآيتان من أهم الأصول في حفظ مال الأمة، فقد بين الله تعالى لعباده ما يباح لهم من الزيادة المشروعة، وحرم عليهم الزيادة الباطلة الممنوعة.\nوإذا كان بعض الناس، لا يرى فرقا بين البيع والربا، وأنهما سيان في الزيادة، فذلك لجهله بالشريعة وبعده عن منهج الله.\nوأي فرق أعظم من تفريق أحكم الحاكمين بينهما بأن أباح لنا البيع وجعله وسيلة لحفظ المال وزيادته، وحرم الربا وجعله سببا للهلاك والنقص وتلف الأموال (^٢).\nوفي الآيتين دليل على أن الأصل في البيوع والتجارات الحل إذا سلمت من المحاذير التي بينها الله ورسوله - ﷺ -، وحصل التراضي بين المتبايعين، وبذلك تتنوع سبل تنمية المال وتكثر من عقارات وأمتعة وأشربة وأوان مما ينمي المال ويحفظه من الزوال (^٣).\nوهذا يدعو الأمة بمجموع أفرادها إلى التكسب وحفظ الأمة من أن يضعف اقتصادها فتزول هيبتها وكرامتها، وقد ورد عن النبي - ﷺ - وسلف الأمة ما يشير إلى هذا المعنى، فعن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) (^٤).\nوقال سفيان الثوري (^٥) ﵀: (كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن)\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٣٤)، مقاصد الشريعة الإسلامية لليوبي (ص ٢٨٤، ٢٨٥).\n(^٢) انظر: جامع البيان (٦/ ١٣)، المحرر الوجيز (٢/ ٤٨١)، تفسير سورة البقرة للعثيمين (٣/ ٣٧٧).\n(^٣) انظر: تيسير اللطيف المنان، ابن سعدي (ص ٧٠).\n(^٤) سبق تخريه (ص ٥٣)\n(^٥) هوسفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد، مصنف كتاب \" الجامع \".إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، ولد سنة ٩٧ هـ وطلب العلم وهو حدث باعتناء والده، حدث عن إبراهيم بن عبد الأعلى وإبراهيم بن عقبة وأيوب السختياني ويقال: إن عدد شيوخه ست مائة شيخ، وحدث عنه أبو حنيفة والأوزاعي ومعاوية بن صالح، وابن أبي ذئب، وكلهم ماتوا قبله = ... = وقال أحمد بن حنبل: قال لي ابن عيينة: لن ترى بعينيك مثل سفيان الثوري حتى تموت، توفي سنة ١٦١ هـ (سير أعلام النبلاء ٢٢٩ - ٢٣٥).","vol":"1","page":200},{"text":"وقال: (من كان في يده من هذه الأموال شيء فليصلحه، فإنه زمان إن احتاج كان أول من يبذل دينه) (^١).\n• وكما بين الله ﷿ لنا سبل حفظ المال فقد حذرنا ونهانا عن اقتراف ما يسبب ضياعها وتلفها فنهانا عن الربا وأكل المال بالباطل، فأي نوع من أنواع البيوع أو المعاملات يحصل فيها أكل مال بالباطل من ربا أو غرر أو جهالة أو ظلم فإنه منهي عنه، ويدخل في ذلك أيضا القمار وصنوف الحيل التي يحتال بها صاحبها على الحكم الشرعي ليتعاطى الربا، ويدخل في ذلك البخس الذي نهى الله ﷿ عنه في قوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]، والميسر الذي أخبر ﷿ أنه رجس فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. (^٢).\nفحق على ولاة أمور الأمة أن ينظروا فيما يحفظ أموالها العامة والخاصة، ويبقي المال في يدها، سواء بالاتجار بأساليب التجارة المشروعة، والاحتساب على من احتكر مالا أو أكل بالباطل مما حرمه الله ﷿ (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-105> المطلب الثاني: حفظ حق الدائن</span>.\nلما نهى الله تعالى الدائن أن يشترط أخذ زيادة على رأس المال، وأمره بإنظار المعسر فقد بين ما يضمن له حقه من الضياع أو الظلم.\nومما يبين عناية الله سبحانه بحفظ حق الدائن، أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار وفي آية الدين وصف مفصل فإنه تعالى أمر في هذه الآية والتي تليها بأوامر\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٤١)، مشكاة المصابيح (٣/ ١٤٧).\n(^٢) انظر: معالم التنزيل (١/ ٥١١)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٦٨)، تيسير اللطيف المنان، (ص ٧٠)، مقاصد الشريعة عند العز بن عبد السلام (ص ٥٠٥).\n(^٣) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، لابن عاشور (ص ١٧٨).","vol":"1","page":201},{"text":"لحفظ حق الدائن في الحضر والسفر ثم أكدها بمؤكدات وبالغ في التأكيد ووعظ فيها وأمر بالتقوى، كل هذا مبالغة في التوصية بحفظ المال الحلال وصيانته عن الضياع.\nوتتلخص هذه الأحكام فيما يلي:\nأ- الأمر بكتابة جميع عقود المداينات إما وجوبا أو استحبابا، لشدة الحاجة لذلك وأنه إذا عدمت الكتابة حصل من الغلط والنسيان شر عظيم.\nب- أمر الكاتب أن يكتب بالعدل.\nج- أمر المدين - الذي عليه الحق- أن يبين جميع ما عليه من الحق ولا يبخس منه شيئا.\nد- الأمر بالإشهاد على الديْن على وجه الاستحباب أو الوجوب، لأن المقصود من ذلك الإرشاد إلى ما يحفظ الحقوق.\nهـ - مشروعية الرهن وأنه عوض عن الكتابة للتوثق إذا لم تتوفر أسبابها، سواء في الحضر والسفر، وإنما نص الله على السفر لأنه مظنة الحاجة.\nو- أمر الذي عليه الحق بأداء الحق كاملا إذا أمنه صاحب الحق فلم يكتب ولم يشهد ولم يرهن.\nوكل هذه الأوامر لها تفصيلات وتأكيدات لبيان أهمية حفظ حق الدائن حتى لا يضيع ماله أو يؤكل بغير وجه حق.\nوفي هذه الآية دليل على عناية الشريعة بما يحفظ مصالح العباد وحقوقهم من التلف والضياع. (^١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-106> المطلب الثالث: حفظ حق اليتيم والسفيه</span>.\nإن الشريعة الإسلامية كما اعتنت ببيان حفظ المال بين الناس، فقد جاءت مؤكدة على حفظ حق الضعفاء في المجتمع لضعفهم وعجزهم عن القيام على حفظ حقوقهم\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (٧/ ١١٦)، تيسير الكريم الرحمن (ص ١١٨، ١١٩)، تفسير القرآن الكريم لابن عثيمين (٣/ ٤١٠).","vol":"1","page":202},{"text":"ومصالحهم (^١)، وقد نبه النبي - ﷺ - أمته وحذرهم من الاقتراب من حقوق الضعفاء، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) (^٢).\nومن أعظم هذه الحقوق المال كما قال - ﷺ -: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ..) (^٣) الحديث.\nوقد أرشد الله جل وعلا في كتابه الكريم إلى حفظ هذا الحق من الضياع، بعدة طرق وهي:\n١. منع السفيه من التصرف بماله.\nكما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].\nفأمر الله تعالى عباده بإمساك أموال السفهاء حفظا لأموالهم من الضياع.\nوالتعبير بضمير المخاطب في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ مبالغة في محافظة الأولياء على أموال الضعفاء، وكأن أموالهم هي عين أموال الأولياء، وهي دعوة كذلك لجميع المخاطبين بهذه الآية بالسعي إلى حفظ المال، وأن في حفظ مال المحجور عليهم حفظ لمال المجتمع الذي توجه إليه النداء في بداية السورة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ (^٤).\nوفي قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ تأكيد لحفظ المال الذي به قيام الحياة ومصالحها وبضياعه ضياعها، وهو كذلك كالقيم للنفوس لأن بقاءها بها كما تدل على ذلك القراءة الأخرى ﴿قِيَمًا﴾، (^٥) وهذا توجيه للناس إلى حفظ ما به قيام الحياة وبقاؤها.\n_________\n(^١) انظر: منهج القرآن الكريم في رعاية ضعفاء المجتمع (ص ١٦٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند، برقم (٩٦٦٤)، والنسائي في سننه، كتاب عشرة النساء، باب حق المرأة على زوجها، برقم (٩١٤٩)، قال الأرناؤوط في تعليقه على المسند: إسناده قوي من أجل محمد بن عجلان وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين، وحسنه الشيخ الألباني (السلسلة الصحيحة ٣/ ١٢).\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٤٤).\n(^٤) انظر: التفسير الكبير (٩/ ١٩٠)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٣٤).\n(^٥) هي قراءة نافع وابن عامر (انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٣٧)، الدر المصون (٣/ ٥٨٠، ٥٨١).","vol":"1","page":203},{"text":"وفي قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ حفظ لحق اليتيم ومن في حكمه من الإنفاق عليهم بما ينفعهم ويصلحهم، فلا يضيّق عليه في رزقه وكسوته.\nوفي التعبير بـ (في) بدل (من) في الآية إشارة إلى حفظ المال بالاتجار فيه وتنميته حتى لا ينقص من الإنفاق حال تسليمه للسفيه إذا رشد، والمراد أن جملة المال ما يحصل به الرزق والكسوة تارة من عينه وتارة من ثمنه وتارة من نتاجه (^١).\n٢. النهي عن الاقتراب من مال اليتيم.\nوقد كرر الله ﷿ النهي عن القرب من مال اليتيم فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]\nفنهى الله ﵎ عن إتلاف أموال اليتامى، إذ هم أحق الناس بالنهي عن قربان أموالهم لضعفهم وعجزهم، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يستحلون أموال اليتامى فيأكلونها، فهم ضعفاء في حجرهم، لا يستطيعون رد الحق، ولا يفطن أحد لمظلمتهم\nولذلك نهى الله عن مجرد قربان شيء منها فضلا عن الأكل، مبالغة في الابتعاد وسدا للذريعة، وتحذيرا من الأخذ ولو كان أقل القليل.\nومجيء النهي ثلاث مرات بضمير الجماعة إشارة إلى أن المجتمع مسؤول عن اليتيم والحفاظ على ماله من التلف والضياع (^٢).\nوالنهي عن الاقتراب في الآية يشمل ما تتطلع إليه النفس من الفوارق الخفيفة والتحايل من استبدال شيء مكان شيء فيحصل بذلك استبدال الخبيث بالطيب، وقد نص الله على تحريم ذلك فقال: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [النساء: ٢]. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: الكشاف (١/ ٢٤٧)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٣٥).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (٢٠/ ٢٠٥)، التحرير والتنوير (٥/ ١٦٣) (١٥/ ٦٧، ٩٦).\n(^٣) أضواء البيان (٦/ ٧٠).","vol":"1","page":204},{"text":"• وقد استثنى الله جل وعلا القرب منها بالتي هي أحسن وفي ذلك حفظ لمال اليتيم من الفساد فعن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ قال: اجتنب الناس مالَ اليتيم وطعامه، حتى كان يفسُد، إنْ كان لحمًا أو غيره. فشقّ ذلك على الناس، فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. (^١)\nفالتعامل مع مال اليتيم إذًا لا يكون إلا بالتي هي أحسن في حقه وأصلح لماله، ومن ذلك ما نص عليه الفقهاء أن من ولي مال اليتيم واستحق أجرًا، فله الأقل من أحد أمرين: إما نفقته في نفسه، وإما أجرته على عمله حفظا لماله (^٢).\nوقد يحتال بعض الناس أو تسول له نفسه حاجته للأكل من مال اليتيم فيأكله من غير حاجة ضرورية قبل بلوغ اليتيم فلا يبقى له عند البلوغ إلا النزر اليسير من المال فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦].\n٣. دفع أموالهم إليهم بعد البلوغ ومؤانسة رشدهم:\nفقد أمر الله الأوصياء بدفع أموال اليتامى إليهم فقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].\nوالأمر بالدفع متعلق بشرطين لا بد من تحققهما:\nالأول: البلوغ.\nالثاني: إيناس الرشد منهم.\nوهي دعوة للأوصياء باختبار اليتامى ومؤانسة الرشد منهم قبل التسليم فإن حصل أدنى مؤانسة وجب دفع المال إليه بدون مماطلة أو تأخير (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في التفسير (٤/ ٣٥٣)، والنسائي في سننه، كتاب الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه برقم (٦٤٩٦) وحسنه الألباني.\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٢٥)، أضواء البيان (٦/ ٧٠).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٦٧)، أضواء البيان (١/ ١٨٨)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٤٢).","vol":"1","page":205},{"text":"والرشد المراد: هو الرشد في العقل وحصوله في رعاية الأموال وحفظها من التلف\nوالضياع (^١).\n• ولما كان اليتيم قبل البلوغ غير قادر على إصلاح المال وحفظه أضافه الله لمن يصلحه بإضافته إلى ضمير المخاطبين بقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾، فلما أصبح رشيدا قادرا على القيام على ماله بما يصلحه أضافه الله إليه فقال: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٢).\nوبهذا يتبين ما على المجتمع القيام به من حفظ مال اليتيم، وأن في حفظ ماله حفظا لمال الأمة ورعاية لمصلحتها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-107> المطلب الرابع: حفظ حق الكاتب والشهيد</span>.\nلئن كان ما سبق بيانه في هذا المبحث بيان حفظ الحقوق المالية، فقد بين الله تعالى في آية الدين حفظ حق الكاتب والشهيد في الديون والمبايعات، فلهما حق غير حق المال.\nفإن الله تعالى لما أمر الكاتب أن يكتب الدين ونهاه عن الإباء، ونهى الشهداء عن التخلف عن الشهادة إذا دعوا إليها، نهى عن الإضرار بهم فقال: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nوقد بين السلف رحمهم الله تعالى سبل الإضرار بالكتبة والشهداء.\nفعن مجاهد ﵀: (ينطلق الذي له الحق فيدعو كاتبَه وشاهدَه إلى أن يشهد، ولعله أن يكون في شُغل أو حاجة، ليؤثمه إن ترك ذلك حينئذ لشغله وحاجته) وقال: (لا يقمْ عن شغله وحاجته، فيجدَ في نفسه أو يحرَج).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: (والضِّرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غنىّ: إنّ الله قد أمرك أن لا تأبَى إذا دعيت! فيضارُّه بذلك، وهو مكتف بغيره. فنهاه الله ﷿ عن ذلك وقال: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٧/ ٥٧٧)، روح المعاني (٤/ ٢٠٥).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (٩/ ١٩١).\n(^٣) جامع البيان (٦/ ٨٨).","vol":"1","page":206},{"text":"وبهذا يحفظ للكاتب والشهيد حقهما، فلا يقعان في حرج إذا حصل لهما بسبب الكتابة أو الشهادة إضرار (^١).\n_________\n(^١) اعلم أن هناك معنى آخر تحتمله الآية ولا ينافي القول الآخر، وهو أن النهي يعود على الكاتب والشهيد، فنهيا أن يكونا هما القائمان بالضرار، انظر: (جامع البيان ٦/ ٨٨)، (المحرر الوجيز ٢/ ٥١٨)، التحرير والتنوير (٣/ ١١٧)، وإنما اقتصرت على ذكر وجه واحد لمناسبته لهذا المبحث.","vol":"1","page":207},{"text":"الفصل الثاني\n\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه.\nالمبحث الثاني: التكافل الاجتماعي.\nالمبحث الثالث: صلة الرحم.\nالمبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة.\nالمبحث الخامس: حفظ الحقوق.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه</span>\nلقد كان من عادة العرب في الجاهلية أنهم لا يورثون النساء ولا الصبيان، فهم لا يشاركون في جلب المال، ولا يقاتلون الأعداء ولا يحوزون الغنائم، فالأوْلى بمال الميت هو من يقاتل ويضرب بالسيف ويحوز الغنائم.\nهكذا كانت عادتهم، فالمرأة والطفل عندهم ليس لهم حق في الميراث.\nولما نزل القرآن على أهل الإيمان مشرعا لهم ومبينا أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية جاء بما فيه صلاحهم ونجاتهم، يدعوهم ويأخذ بيدهم لإقامة حكم الله.\nوقد ورد في آيات المواريث ما يدعو الفرد والمجتمع لإقامة حكم الله في المواريث، وإزالة الباطل الذي كانوا يعتقدونه من قلوبهم ونفوسهم.\nومن ذلك:\n\n١.<span data-type=\"title\" id=toc-110> المطلب الأول: الوصية بهذه الفرائض، وإضافتها للفظ الجلالة تعظيما لها واهتماما بها</span>.\nقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].\nفقوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ يدل على أنه نصيب مبيّن معيّن المقدار والنصاب والمجيء باسم المفعول يدل على أن هناك من فرض هذه الأنصبة وقدرها.\nويأتي بيان المشرّع المقدِّر لهذه الأنصبة في الآية الأخرى بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]. فالذي فرض الأنصبة وقدرها هو الله، وهو الذي حكم بها وقضاها.\nوهذه دعوة إلى التسليم لأمر الله والانقياد لحكمه (^١).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٩)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٥٠).","vol":"1","page":209},{"text":"وهذا حال الجماعة المؤمنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].\nومما يدعو العبد كذلك للعناية بهذه الفرائض أن الله لم يفتتح شيئا في كتابه كما افتتح هذه الأحكام ولم يختم شيئا بما ختمها به فقال في افتتاحها: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ...﴾ الآية [النساء: ١١].\nوالوصية: العهد (^١).\nوالمعنى: يعهد الله إليكم فيما بين لكم من آيات المواريث (^٢).\nفالمجيء بلفظ الوصية مضافا للفظ الجلالة يراد منه الاهتمام بتطبيق هذه الوصية وتعظيم الموصِي بها والترهيب من إضاعتها، فإن هذا اللفظ أحق الأسماء بالتعظيم.\nثم ختم الآيات بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]. فأكد هذا الأمر بالوصية تأكيدا بعد تأكيد ليدل على وجوب طاعة الله وامتثال أمره في المواريث.\nوهذا الخطاب موجه إلى جميع المكلفين في الأمة لتنفيذ وصية الله في تقسيم التركة (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-111> المطلب الثاني: بيان عجز العقول عن إدراك ما ينفع العباد ويصلحهم، وتسليم الحكم لله</span>.\nلما بين الله جل شأنه مقادير كل من الآباء والأبناء قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١].\nبينت الآية أن العباد عاجزون عن إدراك الأنفع لهم في تقسيم المواريث، فلو كان الأمر موكل إليهم، فمنهم من ينظر في غنى كل واحد من الورثة ويعطي الأقل فالأقل ومنهم من يرى أن صنفا أحق من صنف آخر، ومنهم من يرى أن شخصا أولى من شخص، وكلها أمور لا تنضبط وتعم بها الفوضى ويحصل بسببها ضرر كثير.\n_________\n(^١) لسان العرب (١٥/ ٣٩٤).\n(^٢) جامع البيان (٨/ ٦٨).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٣١)، نظم الدرر (٢/ ٢٢١)، شرح آيات الوصية (ص ٣٤)، تفسير المنار (٤/ ٤٠٤).","vol":"1","page":210},{"text":"فإذا أدرك العباد عجزهم عن ذلك تطلعوا لما فيه نفعهم وصلاحهم، ويسعون في تطبيقه بينهم، ولا يكون ذلك إلا بالقيام بوصية الله التي أوصى بها.\nوهذا ما دعت إليه الآية الكريمة (^١).\nوقد أخبر الله جلت حكمته أن فيما شرع لنا من الأحكام هداية لنا إلى سلوك الطريق السوي والصراط المستقيم الذي سار عليه من قبلنا من الأنبياء وأتباعهم من أهل الإيمان وإن خفي علينا من المصالح ما لا ندركه، فقال تعالى بعد بيان أحكام المواريث وغيرها من الأحكام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]. وهذا أدعى لقبول هذه الأحكام وأعون على امتثالها. (^٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-112> المطلب الثالث: الترغيب في إقامة حدود الله والترهيب من تضييعها</span>.\nقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].\nفبعد أن فصّل الله ﵎ آيات المواريث، أخبر أنها حدوده جل وعلا التي لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها.\nوالحد في اللغة: الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر (^٣).\nوالمعنى في الآية: أن هذه القسمة التي قسمها الله في المواريث فصل بين طاعته ومعصيته (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٢٥)، روح المعاني (٣/ ٤٦٣).\n(^٢) انظر: جامع البيان (٨/ ٢٠٩)، نظم الدرر (٢/ ٢٣٨)، التنزيل وحقائق التأويل، النسفي (١/ ٢٤٧).\n(^٣) لسان العرب (٣/ ١٤٠).\n(^٤) جامع البيان (٨/ ٦٩).","vol":"1","page":211},{"text":"وفي هذه الآية ترغيب لأهل الطاعة بدخول الجنة لكونهم من المقيمين لحدود الله في المواريث، وترهيب لمن عصى الله بدخول النار، وكان الدخول مقرونا بالخلود لكون هؤلاء غيروا حكم الله ولم يرضوا بما قسم الله به لعباده، فاستحقوا بذلك هذا الوعيد (^١).\nفيتبين مما سبق أن آيات المواريث جاءت داعية المجتمع لتطبيق هذه الأحكام مبينة لهم ما يترتب على إقامتها من صلاح ونجاة في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٣٢).","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الثاني: التكافل الاجتماعي</span>\nجاء الدين الإسلامي داعيا إلى محاسن الأخلاق ومحذرا من مساوئها، وهذا من أعظم أسباب الدخول في هذا الدين (^١)، وقد وصف الله تعالى نبيه - ﷺ - بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].\nومن أعظم هذه الأخلاق الحسنة هي التكاتف والتكافل بين المؤمنين غنيهم وفقيرهم وقويهم وضعيفهم، حتى يكون المجتمع كالبنيان المرصوص.\nوفي آيات تشريع المواريث الحكمة البالغة الدالة على تكافل المجتمع وتعاونه.\nويتضح هذا التكافل بأمور منها مايلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-114> المطلب الأول: قيام التوارث في بداية الأمر على الهجرة:</span>\nعاش المسلمون في مكة ثلاث عشرة سنة في اضطهاد من قومهم وصبر على أذاهم وجهاد في تمسكهم بدينهم، حتى أذن الله للمؤمنين بالهجرة إلى دار الإسلام - وهي المدينة في ذلك الوقت- وأوجبها عليهم.\nوقد خرج المسلمون من أهل مكة فرارا بدينهم تاركين وراءهم الأموال والأولاد، ابتغاء وجه الله ونصرة لدينه.\nوما إن وصل المسلمون إلى المدينة حتى آخى النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار، مؤسسا في ذلك مبدأ التكافل الاجتماعي بين الفئة المؤمنة والتناصر فيما بينهم.\nوكان من هذا التآخي قيام التوارث على هذا المبدأ بين المهاجرين والأنصار، فقد كان كل أخوين يتوارثان إرثا مقدما على القرابة.\n_________\n(^١) ولا أدل على ذلك من وصف جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي ما كانوا عليه في الجاهلية، وما أكرمهم الله به من الإسلام ومحاسنه العظام.","vol":"1","page":213},{"text":"وقد بين الله ذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ...﴾ الآية [الأنفال: ٧٢].\nوعن ابن عباس ﵁ قال: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الأَنْصَارِي الْمُهَاجِرِي دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِي - ﷺ - بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ ... قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿... وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^١) [النساء: ٣٣].\nفجعل الله التكافل قائما على أخوة الإسلام في بداية المجتمع المسلم، وهذا من حكمة الله وفضله على أهل الإيمان من المهاجرين الذين تركوا أموالهم ابتغاء وجه الله ووفدوا إلى أرض ليست بأرضهم، لا عمل يكسبون به، ولا مال ينفقون منه، فأبدلهم الله بإخوة خير لهم من أخوة النسب، يعينونهم وينصرونهم ويتوارثون فيما بينهم.\nفلما قويت الشوكة ومكّن الله للمسلمين بعد غزوة بدر أنزل الله قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].فجُعِل التوارث بين القرابات وبقيت الولاية والنصرة. (^٢)\nقال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يعني: في الميراث جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في الميراث، فنسخت التي قلبها، وصار الميراث لذوي الأرحام (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفرائض، باب ذوي الأرحام برقم (٦٧٤٧).\n(^٢) انظر: زاد المعاد (٣/ ٦٣). الرحيق المختوم، المباركفوري (ص ٢٦٣، ٢٦٤).\n(^٣) أخرجه الطبري في التفسير بسنده إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٤/ ٧٨).","vol":"1","page":214},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-115> المطلب الثاني: الأمر بإيتاء من حضر القسمة منها، من الأقرباء غير الورثة أو الضعفاء</span>.\nفقد ندب الله عباده لذلك فقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨].\nوقد اختلف المفسرون في نسخ هذه الآية من عدمها، وقد ذهب عدد من السلف على أنها محكمة ليست بمنسوخة (^١).\nفإذا حضر الفقراء والمساكين وغيرهم من الأقارب الذين لا يرثون مجلس قسمة المواريث وكان المال كثيرا فإن نفوسهم قد تتطلع لشيء من هذا المال، ولا يستطيعون إليه سبيلا لأنهم ليسوا من الورثة، فقد يثقل عليهم أن يروا الناس يأخذون من المال وهم منه محرمون.\n_________\n(^١) اختلف العلماء في هذه الآية على أقوال: فمنهم من قال أنها منسوخة، وممن قال بذلك: سعيد بن المسيب والضحاك ورواية عن ابن عباس وقالوا: نسختها آية المواريث.\nومنهم من قال أنها محكمة كابن عباس، وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن وأجابوا بألا نسخ في الآية لأنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم، وهو الراجح\nثم اختلفوا: هل الأمر للوجوب أم للندب فمن العلماء من حمل الآية على الوجوب كما حكى ذلك ابن عطية ومنهم من حمله على الندب لوجود قرينة (وقولوا لهم قولا معروفا) ولأنه لو كان فرضا لكان استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث، لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول. وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل في الآية أن يكون على الندب والترغيب في فعل الخير، والشكر لله عزوجل.\nوهناك قول ذهب إليه ابن جرير الطبري وهو أن الأقرباء في هذه الآية إن كانوا وارثين يرزقون حقهم الذي فرضه الله، وإن كانوا غير وارثين أو الفقراء والمساكين فيقال لهم قولا معروفا، وإليه تشير رواية ابن عباس ﵁ في البخاري: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ، يَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ (كتاب الوصايا، باب قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة) برقم (٢٧٥٩). انظر: (الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٣٠٣) (جامع البيان ٧/ ١٢) (المحرر الوجيز ٣/ ٥٠٤) (أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣٢٩) (الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٨٤) (تفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٢١)","vol":"1","page":215},{"text":"فحث الله العباد وندبهم أن يكرموهم ويعطوهم شيئا من هذا المال بِرًاّ بهم وإشفاقا عليهم فإن كان المال قليلا أو كان عقارا فإنه يقال لهم قولا معروفا يطيّب خواطرهم ويجبر كسرهم. (^١)\nولذلك فقد نبه السلف ﵏ على هذه السنة التي قد هجرت، فعن يحي بن يعمر (^٢) قال: ثلاث آيات مدنيات محكمات ضيعهن كثير من الناس ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية وآية الاستئذان ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] (^٣)\nوعن ابن عباس ﵄ قال: (أمر الله جل ثناؤه المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يَصِلوا أرحامهم ويتاماهم من الوصية، إن كان أوصىَ، وإن لم تكن وصية، وصَل إليهم من مواريثهم) (^٤).\nوقال الحسن: (ولكن الناس شحوا)، وبه عمل عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ حين قسّم ميراث أبيه لم يدع في الدار أحدا إلا أعطاه (^٥).\nوفي ذلك أعظم برهان على ما تميزت به الشريعة الغراء من ترابط المجتمع وتكاتفه، كما أن فيه تربية للأمة على التعاون والتأدب بالأدب الرفيع عند الإعطاء أو عدمه بقول الكلام المعروف الحسن الذي لا يجرح ويطيب الخواطر.\n_________\n(^١) انظر: (التفسير الكبير ٩/ ٢٠٤)، (الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٤٩)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢١)،\n(^٢) يحيى بن يعمر الفقيه أبو سليمان العدواني البصري، العلامة المقرئ قاضي مرو ويكنى أبا عدي حدث عن أبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر مرسلا، وعن عائشة وأبي هريرة، وقرأ القرآن على أبي الأسود الدؤلي، حدث عنه عبد الله بن بريدة وهو من طبقته، وقتادة، وعطاء الخراساني، وسليمان التيمي توفي يحيى بن يعمر قبل التسعين. (سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤١، ٤٤٣).\n(^٣) أخرجه الطبري في التفسير بسنده (٧/ ٩)، وسعيد بن منصور في سننه (٣/ ١١٦٩)، وانظر: الدر المنثور (٤/ ٢٤٤).\n(^٤) أخرجه الطبري في التفسير من طريق علي بن أبي طلحة (٧/ ١٣) وابن أبي حاتم في التفسير (٣/ ٨٧٣). انظر: (الدر المنثور ٤/ ٢٤٤).\n(^٥) جامع البيان (٧/ ٩، ١٠)، (المحرر الوجيز (٣/ ٥٠٤).","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث الثالث: صلة الرحم</span>\nكما أمر الله ﵎ بالتعاون والتكافل بين المؤمنين، فقد أمر وأوجب صلة الرحم فهي آكد وأقوى لما جبل عليه الناس من نصرة ذوي أرحامهم والانتماء إليهم.\nولما كان الأمر كذلك أمر الله بصلتها وامتدح الواصلين لها ونهى عن قطيعتها وذم قاطعيها فقال مادحا ومبشرا للواصلين: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ٢١]. وقال محذرا ومهددا لقاطعي الرحم: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥].\nوأخبرنا الله تعالى كذلك أن اتباع شرائع الإسلام سبب لصلة الأرحام، وأن الإعراض عن القرآن سبب لقطع الأرحام فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣].\nومن شرائع الإسلام التي تتبين فيها صلة الأرحام أحكام المواريث.\nولئن كان الأمر في بداية الهجرة أن التوارث كان قائما على التآخي، فقد كانت الحكمة في ذلك الوقت أن يتوارث المسلمون بالهجرة، تمكينا لأواصر الأخوة الإسلامية، وتقوية للدولة الإسلامية الناشئة، ولما قوي المسلمون وانتصروا في غزوة بدر أرجع الله أمر التوارث بين الأقربين وذوي الأرحام قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].","vol":"1","page":217},{"text":"ولما كانت أبواب صلة الرحم كثيرة، أوجب الله على الأقرباء ما يلزمهم من هذه الرابطة العظيمة كإعالتهم عند الحاجة ومساعدتهم في الديات والتعويضات، ومن ذلك التوارث فيما بينهم إذا مات أحدهم على ما بيّن الله ﵎ في سورة النساء.\nوقد نص الله على ذكر الوالدين والأقربين في بداية ذكر الميراث فقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧].\nولما كانت جهة القرابة متفاوتة، فمنهم القريب ومنهم البعيد، قسّم الله ﵎ المواريث حسب الأقرب فالأقرب كما هو بيّن في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية [النساء: ١١]. وقال النبي - ﷺ - (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر) (^١).\nوالمعنى أن الرجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد فان استووا اشتركوا (^٢).\nوبهذا يتبين ما للتوريث من تقوية لأواصر القرابة والرحم، وما يحصل بسببها من النفع في الدنيا والآخرة فإن الله تعالى قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١].\nفإن صاحب الميراث قد يعطي أحد أبنائه زيادة على الآخر ظنا منه أنه أنفع له، فنفى الله الدراية عنهم بمن هو أنفع من الآخر وجعل النفع عاما في الدنيا والآخرة. (^٣) ومن أعظم النفع ما يحصل بسبب تقسيم التركة على الجميع من صلة للرحم بين الأولاد فيما بينهم وبين الأولاد والآباء أو الآباء والأولاد بعد وفاة أحدهم، كما أن في ذلك قطعا للنزاع والخلاف بين الأقرباء (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس، كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، برقم (٦٣٥١) ومسلم في كتاب الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر برقم (١٦١٥).\n(^٢) فتح الباري (١٢/ ١٦)، وانظر شرح النووي على مسلم (١١/ ٥٣).\n(^٣) انظر: جامع البيان (٧/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٢٥)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٩).\n(^٤) انظر: محاسن الإسلام للبخاري (ص ٣٩).","vol":"1","page":218},{"text":"فعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ قال: (أطوعكم لله من الآباء والأبناء: أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض) (^١).\nوعن مجاهد ﵀ أنه قال في قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: في الدنيا. (^٢)\nوبين النبي - ﷺ - أن الأولاد ينفعون الميت بعد موته، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-117> توريث ذوي الأرحام </span>(^٤).\nومن أحكام المواريث التي ذكرها الفقهاء ولها تعلق بصلة الرحم، توريث ذوي الأرحام كالعمة والخال والخالة وابن الأخت، وابن البنت. إذا لم يوجد للميت من يرثه بالتعصيب أو بالفرض غير الزوجين، ينتقل المال إليهم لكونهم يرتبطون بالميت بالرحم الذي بينهم فيقدمون في الميراث على بيت مال المسلمين لهذا السبب. (^٥)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-118> التوريث بالنكاح والولاء</span>.\nولا شك أن الزوجين داخلان في الأرحام وملحقان بهم، لأن النفع الذي يرجع على أحد الزوجين راجع للآخر وكذلك الضرر.\n_________\n(^١) جامع البيان (٧/ ٤٩).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم (١٦٣١).\n(^٤) ذو الأرحام: هو كل قريب لا يرث بالفرض ولا بالتعصيب. (انظر: شرح الرحبية لسبط المارديني ص ١٦٨).\n(^٥) وهذا المذهب هو الراجح وهو مذهب الحنفية والحنابلة وهو منقول عن علي وعمر وابن مسعود ﵃ أجمعين، وقد استدلوا بأدلة نقلية وعقلية، ومنها سبب الرحم. للاستزادة انظر: (شرح الرحبية لسبط المارديني ص ١٦٨، المواريث في الشريعة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة للصابوني ص ١٦٨ - ١٨٤)","vol":"1","page":219},{"text":"والزوج ينفق على زوجته ويستودع منها ماله، والزوجة تلد من زوجها الأولاد، فالنكاح متصل بالرحم اتصالا قويا (^١)، ولذلك فإن توريث الزوجين من بعضهما فيه صلة لما كان بينهما في حياتهما.\nولما كان الولاء شبيها بما يحصل بالنسب من النصرة والحماية، وأن السيد إذا أعتق مولاه ثبت له الولاء كثبات النسب للمولود، فقد أُلحق بأسباب الميراث تنزيلا له منزلة النسب (^٢) فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (الولاء لُحمة كلُحمة النسب لا تباع ولا توهب) (^٣).\nوبذلك يُعلم ما في التوارث من صلة للأرحام، ودوام للمودة، وإبقاء للمحبة بين أهل النسب والقرابة، ولكن إذا قطعت هذه الرحم بما يزهق الروح ويتلف النفس، فلا حق حينئذ للقاتل من الميراث فقد طغت شهوته وهواه وحبه للمال فأزهق ذو رحمه وقريبه ولذلك منع من أن يرث من المقتول، وقد قال - ﷺ -: (ليس لقاتل ميراث) (^٤).\nوكذلك الكافر فإنه لا يرث فهو وإن كان قريبا من جهة النسب فقد قطع هذا القرب ببعده عن الدين، وأصبح في عداد الأموات، كما قال محمد بن عبد الرحمن البخاري: (إذا مات المسلم فالكافر لا يورث منه لأن الكافر ميت كما قال الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] والميت لا يرث الميت) (^٥)\n_________\n(^١) انظر: حجة الله البالغة (٢/ ٩٤٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٩٥٨)، فتح الباري (٥/ ٢٣٦).\n(^٣) رواه الدارمي في السنن، كتاب الفرائض، باب بيع الولاء، برقم (٣١٥٩)، وابن حبان في صحيحه، كتاب البيوع، باب البيع المنهي عنه، برقم (٤٩٥٠)، والحاكم في المستدرك، كتاب الفرائض برقم (٧٩٩٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني (إرواء الغليل ٦/ ١٠٩).\n(^٤) أخرجه ابن ماجة في سننه عن عمر بن الخطاب ﵁، كتاب الديات، باب القاتل لا يرث، برقم (٢٦٤٦)، والدر قطني في سننه، كتاب الفرائض والسير وغير ذلك، برقم (٨٣)، وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب العقول، باب ليس للقاتل ميراث برقم (١٧٧٨٣). وهو مروي عن أبي هريرة وابن عباس ﵄، وصححه الألباني مرسلا بلفظ (ليس للقاتل شيء) (الإرواء ٦/ ١١٦).\n(^٥) محاسن الإسلام (ص ٤١).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة</span>\nأمر الله تعالى بالعدل فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] وأخبر في غيرما آية أنه يحب القائمين به فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [المائدة: ٤٢].\nوالله ﷿ قائم بالعدل كما أخبر عن نفسه جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].\nفأفعال الله ﵎ كلها عدل، وأحكام الشريعة قائمة على العدل مبنية عليه.\nولذا فإن الناظر في أحكام المواريث وفروضها التي فرضها الله يرى فيها غاية العدل والقسط، ولو اجتمع أهل الأرض قاطبة على قسمة غير قسمة الله ﵎ لهذه الفرائض يمكنهم أن يعدلوا فيها لما استطاعوا، والواقع يشهد بذلك من زمن الجاهلية وحتى زماننا هذا ممن وضعوا القوانين على غير منهج الله.\nولو تأمل القارئ لآيات المواريث يظهر له ما حوته تلك الآيات من تحقيق العدل، ومن ذلك:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-120> المطلب الأول: إبطال وإنكار عادات الجاهلية التي فيها ظلم للمرأة والصغير</span>.\nفقد جاءت آيات المواريث مبطلة ومنكرة لهذه العادة الجاهلية، ولا أدل على ذلك مما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا وأن عمهما أخذ مالهما فلم","vol":"1","page":221},{"text":"يدع لهما مالا فقال: (يقضي الله في ذلك) قال: فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك. (^١)\nفبيّن هذا الحديث أن ما كان يفعله الجاهليون في صدر الإسلام لم يكن شرعا مسكوتا عنه مقرا عليه؛ لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي - ﷺ - على عم الصبيتين برد ما أخذ من مالهما؛ لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما تؤثر في المستقبل، ولا ينقض به ما تقدم، وإنما كانت هذه الحادثة ظلما وقع فنزلت هذه الآية ترد الظلم وتبطله. (^٢)\nفبيّن الله ﵎ في آيات المواريث العلة التي يقوم عليها الإرث، وهذا غاية العدل لأنه يسد الطريق على كل علة أو سبب يوصل لمنع فريق من مستحقي الميراث حقهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-121> المطلب الثاني: ما فرضه الله من أن للذكر مثل حظ الأنثيين</span>.\nفإن الله - جلت حكمته- فرض عند اجتماع الذكور والإناث في الميراث أن للذكر مثل حظ الأنثيين سواء كانوا أولادا أو إخوة فقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ...﴾ الآية [النساء: ١١]. وقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦].\nوفي هاتين الآيتين تتجلى مظاهر العدل للقارئ المتبصر في أمرين:\n• الأول: التسوية بين الذكور فيما بينهم من الميراث، وبين الإناث كذلك.\nفلقد كان أهل الجاهلية يورثون من الذكور الأكبر فالأكبر ولا يعطون الصغير شيئا، معللين ذلك بأن الكبير أنفع لهم من الصغير، فأبطل الله هذا الحكم وأمر بالتسوية بين\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في المسند برقم (١٤٨٤٠)، وأبو داود في سننه. كتاب الفرائض باب ماجاء في ميراث الصلب برقم (٢٨٩١)، والترمذي في جامعه وصححه كتاب الفرائض، باب ميراث البنات برقم (٢٠٩٢)، والحاكم في المستدرك، كتاب الفرائض برقم (٧٩٩٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه الألباني في حكمه على سنن أبي داود (٢/ ٥٦٠)، وآية الميراث المقصودة في هذا الحديث هي قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم ...) الآية.\n(^٢) أحكام القرآن، لابن العربي (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":222},{"text":"الذكور فيما بينهم ملغيا في ذلك أي علة يراد منها تغيير فرض الله الذي فرضه (^١) فقال: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١].\nولذلك فقد جاء التعبير بلفظ (الذكر والأنثى) دون ذكر (الرجال والنساء) في هذه الآية للتنصيص على استواء الصغار والكبار من الفريقين في الميراث دون البلوغ (^٢).\nوهذا عدل منه جل وعلا، فلئن كان الكبار أحوج إلى المال لحملهم السلاح في نظر قوم فإن الصغار الذين لا يستطيعون التكسب والحصول على المال هم أحوج في نظر آخرين فكان العدل في ذلك هو ما حكم به أحكم الحاكمين.\n• الثاني: تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث.\nفإن من عدل الله ﵎ عدم التسوية بين الرجال والنساء في الميراث، وكيف يُسوَّى بمن فرّق الله بينهما وفضل بعضهما على بعض فقال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦].\nوقد بيّن الله ﵎ أن هذه القسمة أعدل قسمة وأقومها، وأن من رام غيرها فهو في ضلال كما ذكر في آخر سورة النساء.\nوإذا وجد من يعترض على توريث النساء لضعفهن وعدم قيامهن بما يقوم به الرجل ووجد من يعترضون على عدم التسوية بين الرجل والمرأة فقد ردّ الله ﷻ عليهم جميعا بقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢].\nفعن أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله: تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث! فنزلت: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٧/ ٣٢)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٦)، روح المعاني (٤/ ٢٢٨).\n(^٢) انظر: روح المعاني (٤/ ٢١٧).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٢٦١)، وابن أبي حاتم في التفسير (٤/ ١٣٢)، والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة النساء برقم (٣٠٢٢)، والإمام أحمد في المسند برقم (٢٦٧٧٩)، والحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، باب تفسير سورة النساء برقم (٣١٩٥)، كلهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال الترمذي= ... = هذا حديث مرسل، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة، وافقه الذهبي في التصحيح بدون التعليل، وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: وأما حكم الترمذي في روايته من طريق ابن عيينة -بأنه حديث مرسل، فإنه جزم بلا دليل، ومجاهد أدرك أم سلمة يقينًا وعاصرها فإنه ولد سنة ولد ٢١ هـ، وأم سلمة ماتت بعد سنة ٦٠ على اليقين، والمعاصرة - من الراوي الثقة - تحمل على الاتصال، إلا أن يكون الراوي مدلسًا. ولم يزعم أحد أن مجاهدًا مدلس.","vol":"1","page":223},{"text":"فالله ﵎ هو العدل ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون.\nوتتجلى مظاهر العدل لنا في هذه القسمة الربانية بما أخبر الله تعالى عن الرجال والنساء في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]\nفإن الله ﵎ جعل الرجال أكمل من النساء، ولما كان ضعف النساء ونقصهن جبلة وطبيعة خلقهن الله عليها، فقد كلف الرجال بما لم يكلف به النساء، وجعل المرأة الضعيفة تحت نظر الرجل، ولذلك فإن الرجل مكلف بالإنفاق عليها والقيام على حوائجها دون أن يُطلَب منها ذلك، فالرجل أحوج منها للمال لما يجب عليه من النفقة وتكلف معاناة التكسب والتجارة، ولذلك كان من العدل أن يكون ميراثه ضعفي ميراث الأنثى.\nثم إن هذا المال الذي ورثاه لم يتعبا في جمعه، وليس هو حق من أحدهما أعطي للآخر، بل هو فضل من الله وتمليك منه سبحانه ملّكهما إياه تمليكا جبريا، فاقتضت حكمته سبحانه أن يضاعف للرجل لأنه مترقب النقص بالنفقة ودفع المهور، والبذل على نوائب الدهر.\nبينما المرأة مترقبة للزيادة بدفع المهر والميراث لها، والنفقة عليها، وإيثار مترقب النقص دائمًا على مترقب الزيادة دائمًا لجبر بعض نقصه المترقب، حكمة ظاهرة واضحة لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي (^١).\nوكفى بالإشارة لهذا المقدار وما فيه من العدل بيانا لما احتوته بقية الفروض من العدل والإنصاف، وكله فضل من الله في أن يملك عباده تمليكا ملزما ما لا جهد لهم فيه.\n_________\n(^١) انظر: محاسن الإسلام للبخاري (ص ٣٩)،تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٥)، روح المعاني (٤/ ٢١٧)، أضواء البيان (٢/ ٢٢٢، ٢٢٣).","vol":"1","page":224},{"text":"فإذا تدبر المجتمع هذه الحكمة علم أنه نجاته وصلاحه في امتثال شرع الله وحكمه مهما تغير الزمن، وتجددت الأحوال، فلن يجدوا غير حكم الله العدل العليم بما كان وما سيكون، فلا مبدل لكلماته ولا مغير لأحكامه ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].\n\nوثمت ملحظ في الآية نختم به هذا المبحث يجدر التنبيه عليه لما فيه من بيان فضل الله وإكرامه للمرأة، وذلك في قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾\nفإن المراد من هذه الآية تضعيف حظ الذكر على الأنثى، وقد كان صالحا أن يؤدى بمثل: للأنثى نصف حظ الذكر أو للأنثيين مثل حظ الذكر، ولكن جاء هذا التعبير للإيماء إلى أن حظّ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهَمّ من حظّ الذكر، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظّها، وكأنه هو المقدار الذي يقدّر به حظ الرجل (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٣/ ٢٥٢)، روح المعاني (٤/ ٢١٧)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٥٧).","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث الخامس: حفظ الحقوق</span>\nجاءت آيات المواريث وما اشتملت عليه من أوامر ونواهٍ بحفظ حقوق العباد، فبينت لكل صاحب حق حقه، حتى لا يحصل البغي ولا تضيع الحقوق، لاسيما وأن هذه الحقوق متعلقة بالمال الذي جبلت النفس على حبه والحرص عليه.\nولذلك فإن كل من له علاقة بتركة الميت فقد أمر الله بحفظ حقه ووصى بذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-123> المطلب الأول: حفظ حق الورثة:</span>\nوأعظم من تحفظ حقوقهم هم ورثة الميت ولذا فإن الله ﷿ لما وصى بهم، تكفل جل شأنه ببيان حقهم ونصيبهم بيانا شافيا وأوجبها على مستحقيها، ونهى عن الإضرار بهم وذلك في آيات سورة النساء (^١).\nولذلك فإن من رام تعلم الفرائض دون الرجوع لكتاب الله فأنى له بتحصيل ذلك العلم كما روى الإمام مالك ﵀ قال: كنت أسمع ربيعة (^٢) يقول: (من تعلم الفرائض دون علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها) (^٣) لأن فيها بيان حقوق الورثة.\n_________\n(^١) وهي الآية الحادية عشر والثانية عشر، وآخر آية في سورة النساء.\n(^٢) ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، مفتي المدينة، وعالم الوقت، أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن القرشي التيمي مولاهم المشهور بربيعة الرأي، من موالي آل المنكدر، روى عن أنس بن مالك والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب وكان من أئمة الاجتهاد، وروى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان التيمي، وسهيل بن أبي صالح وهم من أقرانه، وعن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، قال: مكث ربيعة دهرا طويلا عابدا، يصلي الليل والنهار صاحب عبادة كان ثقة كثير الحديث توفي سنة ١٣٦ هـ (السير ٦/ ٨٩ - ٩٣).\n(^٣) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٣١).","vol":"1","page":226},{"text":"وقد وصى السلف على تعلم الفرائض، فعن ابن مسعود ﵁ قال: (تعلموا الفرائض والحج والطلاق فإنه من دينكم) (^١)، وما ذاك إلا أن بتعلمها حفظ حقوق الخلق من الضياع.\nوقد ورد في آيات المواريث الأمر بحفظ حق صنفين ممن لهم حق في تركة الميت إضافة إلى الورثة وهما: الدائن والموصَى له.\nفقد اهتم جل وعلا بحفظ حقهما، فبعد أن ذكر الله ﵎ كل صاحب فرض وحقه أعقبه بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فكرر هذا القيد أربع مرات (^٢)، لاهتمامه جل وعلا بالدين والوصية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-124> المطلب الثاني: حفظ حق الدائن:</span>\nوقد أجمع العلماء على أن الدين أحق الحقوق المتعلقة بتركة الميت ثم تليها الوصية (^٣).\nوعن علي بن أبي طالب ﵁، أن النبي - ﷺ - (قضى بالدين قبل الوصية) وأنتم تقرءون الوصية قبل الدين. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض، برقم (١١٦٩٢) (٦/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٦١).\n(^٣) وقد نقل الإجماع الطبري في تفسيره (٧/ ٤٦)، والبغوي في تفسيره (١/ ٤٨٩)، وابن كثير (٢/ ٢٢٨)،\n(^٤) هذا الحديث رواه الترمذي في جامعه، كتاب الوصايا باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية، برقم (٢٢٦٨) وقال: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية، والإمام أحمد في مسنده برقم (١٢٣٥) وذكره البخاري بصيغة التمريض في صحيحه، كتاب الوصايا، باب تأويل قول الله تعالى (من بعد وصية يوصى بها أو دين)، وأخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الفرائض برقم (٧٩٦٧)، وقال: هذا حديث رواه الناس عن أبي إسحاق والحارث بن عبد الله على الطريق لذلك لم يخرجه الشيخان وقد صحت هذه الفتوى عن زيد بن ثابت، وأخرجه الطبري في التفسير (٧/ ٤٦)، وقد ضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري، وقال البيهقي في السنن: امتناع أهل الحديث عن إثبات هذا لتفرد الحارث الأعور بروايته عن علي ﵁ والحارث لا يحتج بخبره لطعن الحفاظ فيه وكذلك رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق (٦/ ٢٦٧)، وقال ابن كثير عن الحارث: لكن كان حافظا للفرائض معتنيا بها وبالحساب (٢/ ٢٢٩)، وقد حسنه الشيخ الألباني (انظر: إرواء الغليل ٦/ ١٣١).","vol":"1","page":227},{"text":"ويتبين مما سبق أن من حفظ حق صاحب الدين، أن لا يعطى صاحب ميراث إرثه ولا صاحب وصية وصيته حتى يستوفي الدائن حقه وإن استغرق جميع المال، وذلك لأنه الأحق بهذا (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-125> المطلب الثالث: حفظ حق الموصى له:</span>\nوأما الموصى له فقد حفظ القرآن حقه فقدّمه على الدين في الذكر في جميع المواضع، مع أن الدّين مقدم عليه في الحكم، وقد ذكر العلماء لذلك أسبابا متقاربة، وحاصلها: أنها مظنة التفريط لأنها تؤخذ بلا عوض كحال الميراث، فقد يشق على الورثة أداؤها بخلاف الدين الذي قد لزم الميت، وأن الوصية قد تكون حظ المساكين والفقراء أما الدين فحق للغريم، والغريم يطلب ماله بالقوة والسلطان، ولذلك جاء تقديمها لإظهار كمال العناية بها والاهتمام بشأنها. (^٢)\nومن حفظ الحقوق النهي عن الإضرار في الوصية، ففي ذلك حفظ لحق الورثة والموصى له كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى في الباب الثالث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-126> المطلب الرابع: حفظ حق الميت:</span>\nومما يستنبط من آيات المواريث في هذا المبحث: حفظ حق الميت من غسله وتكفينه وما يتبع ذلك من مؤن، فإن الآيات التي قدمت الدين والوصية إنما قدمتهما على الميراث، ولم تدل الآيات أنهما أسبق ما يخرجان من مال الميت، وإن مما يتعلق بمال الميت مؤونة تجهيزه وتغسيله وتكفينه (^٣).\nوبهذا يتبين ما اشتملت عليه آيات المواريث من حفظ الحقوق والاهتمام بها.\nفإذا قام المجتمع بما أمر الله فإنه سيضمن لا محالة حق أفراده، وكل يعلم حقه فلا يزيد عليه.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٧/ ٤٦).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (٩/ ٢٢٤)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٢٣)، روح المعاني (٤/ ٢٢٧).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٥٩).","vol":"1","page":228},{"text":"الفصل الثالث\n\nوفيه تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها.\nالمبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة.\nالمبحث الثالث: التكاثر والتناسل\nالمبحث الرابع: الطمأنينة والسكن.\nالمبحث الخامس: التعامل بالمعروف\nالمبحث السادس: التكافل الاجتماعي.\nالمبحث السابع: حفظ الأعراض.\nالمبحث الثامن: حفظ الحقوق.\nالمبحث التاسع: إشاعة العفة ومحاربة الرذيلة.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها</span>\nإن من رحمة الله تعالى وفضله على الناس أن شرع لهم في دينهم ما هم محتاجون إليه ومفطورون عليه، ومن ذلك ما رغب الله به عباده من النكاح، فهي غريزة جعلها الله في بني البشر من لدن آدم ﵇.\nوقد جاءت الآيات في كتاب الله مبينة لأحكام النكاح وحِكمه وما يجب فيه من الحقوق وما يلزمه من التبعات وموضحة لهم العلاج للمشكلات الزوجية وما يتعلق بها من طلاق وظهار وفسخ وإيلاء في أتم بيان وأوضحه بما يسعد الزوجين ويصلح المجتمع.\nوبين جل وعلا أن هذه الأحكام ما شرعها وما أمر بها إلا لتقام بين الناس وتطبق في المجتمعات والشعوب.\nوفي هذا المبحث سأعرض إلى المواضع القرآنية التي تبين أهمية القيام بحدود الله في النكاح وأبوابه:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-129> المطلب الأول: مشروعية افتراق الزوجين عند الخشية ألا يقيما حدود الله ولو بالافتداء</span>.\nقال جل وعلا: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nنهى الله ﷿ الزوج في هذه الآية أن يأخذ من مال زوجته شيئا مما أعطاها، مستنكرا ذلك بعد الإفضاء وأخذ الميثاق الغليظ من الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان كما قال تعالى في سورة النساء ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١].\nونهاه كذلك أن يضيق عليها ويضر بها حتى تفتدي منه بمالها فقال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]","vol":"1","page":230},{"text":"كما نهى النبي - ﷺ - المرأة أن تطلب الطلاق من غير حاجة وعذر فقال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) (^١).\nثم بعد هذا النهي استثنى ﵎ حالة يجوز فيها أن تفتدي المرأة نفسها بإعطاء الزوج ما آتاها من الصداق، وما الاستثناء بعد هذا النهي إلا لأمر عظيم يُخشى وقوعه وهو ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.\nفإذا خشيت المرأة ألا تقيم حق الله في زوجها إما بكراهيتها الشديدة له التي لا تستطيع فيها أن تطيعه بل قد تعصيه، وتمتنع إذا دعاها لحاجته، وقد تسيء خلقها معه، فحينئذ لا يصلح أن تستمر هذه الأسرة وهي لا تقيم حدود الله التي أمرها بها، لأن الزوج إذا رأى من زوجته الإعراض والنشوز فهذا يدعوه إلى التقصير في حقها ومجازاتها بسوء فعلها ولهذا جاء التعبير في الآية بـ (يَخافا) ليدل على أن الخوف من القيام بحدود الله واقع من الزوجين.\nفحينئذ أباح الله للزوجة أن تفتدي نفسها بأن ترد عليه ما أصدقها إياه. (^٢)\nففي هذه الآية بيان أكيد لما في إقامة حدود الله من الأهمية وأنه لا حاجة لوجود أسرة بين المسلمين لا تقوم بحقوق الله، ولذلك فإن على أهل الحل والعقد من القضاة أو أقارب الزوجين أن يسعوا في هذا الخلع عند خوفهم من عدم القيام بحقوق الله.\nوفي الآية إشارة إلى ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾\nفالخطاب في هذه الآية للحكام ومن يتوسط بين الناس في حل مشاكلهم أو الإصلاح فيما\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الخلع برقم (٢٢٢٦)، والترمذي في جامعه، كتاب الطلاق، باب المختلعات برقم (١١٨٧)، وابن ماجة في السنن، كتاب الطلاق، باب كراهية الخلع للمرأة برقم (٢٠٥٥)، وأحمد في المسند برقم (٢٢٤٣٣) وقال الأرناؤوط في تعليقه: حديث صحيح ورجاله ثقات رجال الصحيح. وابن حبان في صحيحه، كتاب النكاح باب معاشر الزوجين برقم (٤١٨٤)، والحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي في كتاب الطلاق برقم (٢٨٠٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني (انظر: إرواء الغليل ٧/ ١٠٠).\n(^٢) انظر: جامع البيان (٤/ ٥٥٢، ٥٦٣)، التفسير الكبير (٦/ ١١٠)، الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٧٤)، البحر المحيط (٢/ ٣١٤).","vol":"1","page":231},{"text":"بينهم. (^١) وفي قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ على القراءة بالضم (يُخافا) (^٢) فالخوف هنا يرجع لولي الأمر أو أهل الزوجين أو من يقوم بالإصلاح بينهما. (^٣)\nوهذا يدل كذلك على مسؤولية المجتمع في إقامة حدود الله بينهم.\nوهذا ما فعله النبي - ﷺ - مع ثابت بن قيس بن شماس وزوجته ﵄، فعن ابن عباس ﵄ أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله ثابت ابن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله - ﷺ - (فتردين عليه حديقته). قالت: نعم فردت عليه، وأمره ففارقها (^٤).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-130> المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده، وذمه للمخالف والمعرض عنها</span>.\nرغب الله ﵎ وحث على إقامة حدوده التي أمر بها وذلك بالثناء على أهلها ووصفهم بالصفات الحسنة التي وعد من اتصف بها بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة كما ذم المخالفين لأمره ووصفهم بصفات يستحقون عليها العقاب في الدنيا والآخرة.\n١. الثناء على المقيمين للحدود بوصفهم بصفة العلم.\nفقد ختم الله الآيات التي بين فيها أحكام العدة والإيلاء والطلاق والرجعة والفدية في سورة البقرة بقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].\nفأخبر ﷿ أن هذه الحدود التي أنزلها مميزا فيها وفاصلا بين الحلال والحرام إنما ينتفع بها الذين يعلمون لأنهم لما علموا أنها من عند الله صدقوا بها وأدركوا ما فيها من المصالح فعملوا بمقتضاها ولذلك فقد شرفهم الله بوصف العلم وخصهم ببيان هذه الحدود دون غيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٤/ ٥٦٣)، المحرر الوجيز (٢/ ٢٨١)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل (١/ ١٢٨)، الكشاف (١/ ١٣٩)، التحرير والتنوير (٢/ ٤٠٨). الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٧٥)\n(^٢) قرأ بالضم في هذه الآية أبو جعفر ويعقوب وحمزة (انظر: النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٢٧).\n(^٣) انظر: الدر المصون (٢/ ٤٤٦، ٤٤٧)، تفسير سورة البقرة للعثيمين (٣/ ١٠٨).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، برقم (٥٢٧٦).\n(^٥) انظر: جامع البيان (٤/ ٣٩٩)، البحر المحيط (٢/ ٣٢٥)، التحرير والتنوير (٢/ ٤٢١).","vol":"1","page":232},{"text":"وفي الآية إشارة إلى أن الذين لا يقيمون حدود الله هم من الجاهلين، لأنهم على كثرة ما أمروا به لا يحفظون حدود الله ولا يتعاهدونها بالعمل، وفي ذلك ذم لهم بإعراض الله ﵎ عن خطابهم وتشريفهم بهذه الأحكام، مع قيام الحجة عليهم (^١).\nومن هؤلاء الجهال الذين يتخذون النكاح الذي شرعه الله حيلة للوصول إلى ما حرمه فينكحون المرأة ليحللونها إلى من طلقها، فليس ذلك من إقامة حدود الله في شيء، بل قد نهى النبي - ﷺ - أشد النهي عن ذلك ووصف فاعله بأقبح وصف فقال: (ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى. يا رسول الله، قال: (هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له) (^٢). وذلك أنه لا يقيم شرع الله بهذا النكاح، كما قال ابن القيم ﵀: (فسل هذا التيس هل دخل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] وهل دخل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وهل دخل في قوله - ﷺ -: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) (^٣) وهل دخل في قوله - ﷺ -: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) (^٤) أم حقٌّ على الله لعنته تصديقا لرسوله فيما أخبر عنه، وسله هل يلعن الله ورسوله - ﷺ - من يفعل مستحبا أو جائزا أو مكروها أو صغيرة؟ أم لعنته مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها) (^٥)، وفي هذا أعظم دلالة على أن نكاح المحلل من الجهل واتخاذ حدود الله في غير ما شرعت له.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٤/ ٤٠٠)، الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب النكاح، باب المحلل والمحلل له برقم (١٩٣٦)، والحاكم في المستدرك كتاب الطلاق برقم (٢٨٠٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني: إسناده حسن (إرواء الغليل ٦/ ٣١٠).\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٣٢).\n(^٤) سيأتي تخريجه (ص ٢٥١)\n(^٥) إعلام الموقعين (ص ٥٦١).","vol":"1","page":233},{"text":"وهذه الآية تبين أن المجتمع الذي لا يقيم حدود الله إنما هو مجتمع جاهل، وإن علموا ظاهرا من الحياة الدنيا كما قال تعالى عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧].\n٢. الثناء عليهم بصفة الإيمان المستلزم للثواب، وذم المخالفين بوصفهم بالكفر المستحق للعقاب.\nفحين بيّن الله تعالى أحكام الظهار، وفصّل في أمر الكفارة قال: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٤].\nوالتصديق بالأمر بالكفارة وإقامتها سبب لحصول الإيمان الذي وعد الله عليه بالجنة، فهذا وعد من الله وترغيب للمقيم لهذه الحدود بالجنة والنعيم.\nثم أنذر الله من أعرض عن هذه الحدود فوصفه بالكفر الذي يلزم منه العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فالترغيب والترهيب في الآية داعيان إلى القيام بحدود الله.\nوالذي يرى حال المجتمعات التي أعرضت عن تطبيق حدود الله، وما هم فيه من التفكك يعلم يقينا أنهم في عذاب، وأما المجتمع الذي يطبق حدود الله فإنه ينعم بالأمن والإيمان بما يقيمه من حدود الله وفرائضه.\n٣. ذم من ينتهك حدود الله بالظلم.\nكما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩] فأخبر تعالى بعد بيان جملة من أحكام الطلاق وأحواله أن هذه حدود حدها لعباده فمن يتعداها فهو من الظالمين.\nوهذا فيه إشعار بالذم والتحقير للمتعدي، كما أن فيه تهديد بالعقوبة، لأن الله أخبر أنه لا يحب الظالمين، وأن النار جزاء الظالمين عياذا بالله.\nوالخطاب في هذه الآية يشمل جميع المخاطبين رجالا كانوا أو نساءا، وكما أن هذا الظلم الذي وقع منهم يضر بغيرهم فهو راجع عليهم كذلك بالضرر والخسارة، ولذلك فقد أخبر الله تعالى عنهم في سورة الطلاق أن تعديهم على حدود الله ظلم للنفس قبل أن","vol":"1","page":234},{"text":"يكون ظلما للغير فقال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ... [الطلاق: ١].\nوأعظم ظلم للنفس هو بمعصية الله ومخالفة أمره، كما أن هذا الظلم يفوت عليه من المصالح المنطوية في هذه الأحكام الشيء الكثير (^١).\nوفي ختام هذا المبحث فإن القارئ يلاحظ أن التنبيه على إقامة الحدود إنما ذكر عند آيات العدة والطلاق والظهار ونحوها، وهذا لا يلزم منه أن باقي أحكام النكاح ليست من حدوده جل وعلا، بل هي من الحدود التي يجب إقامتها، لكن لما كانت إقامة هذه الأحكام فيها مخالفة لحظوظ النفس وشهواتها من كظم الغيظ ومخالفة شح النفس؛ ناسبت أن تذكر في مثل هذه المواطن والله تعالى أعلم\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (٦/ ١١١)، التحرير والتنوير (٢٨/ ٣٠٥).","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>المبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة</span>\nإن من الحِكَم العظيمة التي شرع الله من أجلها النكاح، أن تبنى الأسرة المكونة من الزوج والزوجة على الدين والصلاح.\nفبصلاح هذه الأسرة يكون صلاح المجتمع، فالأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع وفي هذه الأسرة تُنَشَّأ الأجيال من البنين والبنات.\nولذلك حث الإسلام وأمر باختيار الأساس الجيد لهذه الأسرة سواء في ذلك الزوج والزوجة لما لهما من أثر مباشر على الأولاد إما في إصلاحهم أو إفسادهم، فقد وضح لنا رسول الله - ﷺ - أثر صلاح الأبوين أو فسادهما بقوله: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟) (^١).\nوقد وردت الآيات في كتاب الله داعية لهذه الحكمة العظيمة بأوامر ونواه وتشريعات آخذة كل آية بزمام الأخرى لبيان ما لبناء الأسرة على الصلاح والدين من الخير العظيم للفرد والمجتمع، وفيما يلي بيانها:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-132> المطلب الأول: تحريم نكاح المشركات وإنكاح المشركين</span>.\nفقد نهى الله عباده عن ذلك وبيّن لهم وجه النهي فقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام برقم (١٢٩٢)، ومسلم في كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين برقم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":236},{"text":"خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].\n\nفبينت الآية الكريمة أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح امرأة مشركة - غير الكتابية - (^١)\nبأي حال، مهما شرف نسبها وكرم أصلها أو كانت ذا مال وجمال، وكذلك نهى أن تُنكَح المسلمة لمشرك مهما كان نسيبا حسيبا.\nفاشترط جل وعلا الإيمان في النكاح وأكد ذلك بأن الأمَة مهما كانت فقيرة ودميمة وكانت مؤمنة فهي خير من المشركة وإن كانت حسيبة جميلة، وكذلك العبد إن كان مؤمنا فهو خير من المشرك وإن كان ذو نسب وحسب.\n_________\n(^١) اختلف المفسرون في دخول الكتابية في عموم هذه الآية على قولين:\n\nالقول الأول: لم ير دخول الكتابيات في عموم هذه الآية وأن المراد بهذه الآية المشركات من العرب ولذلك لم ير أن الآية دخلها تخصيص أو نسخ وذهب إلى هذا القول قتادة وسعيد بن جبير ووافقهم ابن جرير الطبري ﵀.\nواستدلوا بما ورد من الآيات التي تفرق بين المشركين وأهل الكتاب كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة: ١] فجعل أهل الكتاب من جملة الكفار ولم يدخلهم في المشركين فدل على أن المراد بهذه الآية هن المشركات من العرب.\nالقول الثاني: قول من قال أن المراد في هذه الآية عام في المشركات من العرب وغيرهن من أهل الكتاب، ثم خص الكتابية بجواز نكاحها بآية المائدة وهي قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... الآية﴾ [المائدة: ٥] وعلى هذا القول جمهور السلف والمفسرين كابن عباس، ومالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثوري، والأوزاعي.، وهو الراجح لعموم الآية ودخول أهل الكتاب في اسم المشركين كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١].\nوروي عن عمر بن الخطاب وابن عمر ﵄ أن الآية عامة ولم يدخلها تخصيص، وأنهما نهيا عن نكاح الكتابية، ولعل النهي منهما لم يقصدا به التحريم وإنما أرادا به الكراهة وألا يعدل عن نكاح المؤمنات والله أعلم. انظر: (جامع البيان ٤/ ٣٦٢ - ٢٦٥) (أحكام القرآن للجصاص ٢/ ١٥، ١٦)، (الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٤٥٥ - ٤٥٧) (أضواء البيان ١/ ١٠٦).","vol":"1","page":237},{"text":"وهذا التحريم لبيان أهمية الإيمان في صلاح الأسرة واستقامتها ولذلك بين الله الحِكمة من هذا النهي فقال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾.\nأي أن مخالطة المشركين في أعمالهم تقود إلى النار والعياذ بالله لانعدام أصل الإيمان لديهم فليس لهم دين يدينون به فيحرم عليهم الخيانة، إضافة إلى ما لديهم من العادات الرذيلة والخرافات الشركية، فقد يحصل من المخالطة التهاون في تعاليم الإسلام والمجاراة في بعض الشركيات، إضافة إلى ما يحصل من تأثر الأبناء بما يرونه ويشاهدونه من الشرك.\nولما كان درء المفاسد مقدم على جلب المصالح فلا عبرة باحتمال أن يترك الكافر كفره ويدخل في الإسلام.\nوهذا يبين ما لاجتماع الزوجين على الإيمان من صلاح للأسرة وتنشئة أبنائها على الدين وفضائل الأخلاق، الأمر الذي يقود إلى الجنة والمغفرة بإذنه ﷿. (^١)\nولما كان هذا النهي عند إرادة النكاح فقد أمر الله من دخل في الإسلام وزوجته لا تزال على الكفر بفسخ نكاحها، وكذلك الزوجة إذا أسلمت وزوجها مازال على الكفر فلا تحل له ولا يحل لها فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠]\nفإنه لما كان صلح الحديبية كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي - ﷺ - أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه، فكاتبه النبي - ﷺ - على ذلك فرد يومئذ أبا جندل (^٢) إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٤/ ٣٧٠، ٣٧١)، نظم الدرر (١/ ٤٢٠)، روح المعاني (٢/ ١٢٠).\n(^٢) أبو جندل ابن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر العامري القرشي، واسمه العاص، كان من خيار الصحابة توفي شهيدا في طاعون عمواس بالأردن ١٨ هـ (السير ١/ ١٩٢) (أسد الغابة ٥/ ٥٤).","vol":"1","page":238},{"text":"المدة وإن كان مسلما، وجاء المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله يومئذ وهي عاتق (^١) فجاء أهلها يسألون النبي - ﷺ - أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ..... إلى قوله ..... وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (^٢).\nفنهى الله ﵎ عن رد المؤمنات المهاجرات إلى الكفار بعد التثبت من أن الهجرة للمدينة إنما كانت رغبة في الإسلام، وبين أن العلة في ذلك هو اختلاف الدين وأن التفريق بين المرأة وزوجها بسبب إسلامها وبقائه على الكفر فقال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: لم يحل الله مؤمنة لكافر ولا نكاح مؤمن لمشركة.\nثم أمر الله المؤمنين بفراق زوجاتهم إذا بقين على الكفر فقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾\nولما نزلت هذه الآية طلّق عمر بن الخطاب ﵁ امرأتين له كانتا على الشرك (^٣).\nفهذه الآيات تؤكد أن الكفر مانع من صلاح الأسرة، وأن الحياة الزوجية لا تؤسس على الإيمان بالله إن كان أحد الزوجين كافرا وذلك لأن الزوجين هما ركنا هذه الأسرة فكيف يكون أحد الركنين فاسدا؟\nأما ما خصه الله من جواز نكاح الكتابية مع كونها كافرة، ومنع الكتابي من النكاح بالمسلملة في قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].\n_________\n(^١) أي: استحقت التزويج. انظر: (الفائق في غريب الحديث والأثر ١/ ٢٨٣)\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة، برقم (٢٥٦٤)\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، برقم (٢٥٨١).","vol":"1","page":239},{"text":"فذلك أن أهل الكتاب يجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء ويفرق بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى والإيمان بمحمد - ﷺ - ويفرق بيننا وبين اليهود الإيمان بمحمد ﷺ وتصديق عيسى، فأباح الله تعالى للمسلم أن يتزوج الكتابية ولم يبح تزوج المسلمة من الكتابي اعتدادًا بقوة تأثير الرجل على امرأته فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية وبصحة دينها قبل النسخ فيوشك أن يكون ذلك جالبًا إياها إلى الإسلام، لأنها أضعف منه جانبًا وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يردها عن دينها (^١).\nوالظاهر من قوله تعالى في الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أنها الحُرَّة العفيفة (^٢).\nفلا يجوز للمسلم أن ينكح الإماء الكتابيات أو المومسات منهن فيجتمع فيها الكفر والبغي أو الكفر والرق، أو جميع هذه الصفات وبذلك يتخلل الفساد إلى الأسرة إما بسبب الفجور ونقص الدين أو بسبب الرق الذي يلحق الأولاد.\nومع ذلك كله فإن المسلم إذا خشي على ولده الكفر من هذا النكاح فلا ينبغي له أن يقدم عليه، ولذلك فقد كره عمر ﵁ نكاح الكتابيات وخشي أن يزهد الناس في المسلمات أو تنكح المومسات منهن أو لغير ذلك من المعاني (^٣).\nوقد سئل الحسن عن زواج الكتابية فقال: (ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة). قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: (هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته) (^٤).\nوهذا كله من حرص الإسلام على بناء الأسرة الصالحة دينيا ودنيويا.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢/ ٣٦٣).\n(^٢) وهذا القول هو الراجح وعليه جمهور المفسرين في هذه الآية. انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٢) أضواء البيان (٤/ ١١٠).\n(^٣) انظر: جامع البيان (٩/ ٥٨٩)، (٤/ ٣٦٧).\n(^٤) أخرجه الطبري في التفسير وقد صححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للطبري (٩/ ٥٩١).","vol":"1","page":240},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-133> المطلب الثاني: اشتراط اختيار الزوج الصالح البعيد عن الفواحش والفجور رجلا كان أو امرأة </span>(^١).\nومن حرص الإسلام على بناء الأسرة الصالحة أن الله تعالى لما بين المحرمات من النساء وأباح ما وراء ذلك في آية النساء اشترط على الرجال شروطا فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] وأكده جل وعلا في آية المائدة فقال: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥].\nفاشترط جل وعلا أن يكون الزوج محصنا أي عفيفا، كما أنه يجب عليه ألا يكون ممن يغشى الفجور والفواحش علانية أو ممن يتخذ العشيقات والبغايا سرا فيغشاها دون غيرها.\nوكذلك الزوجة فإنه يشترط ألا تكون ممن تجاهر بالزنا وألا تكون عشيقة لرجل في السر فإنه لا يجوز النكاح بها، وقد قال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]. (^٢)\n_________\n(^١) وهذا هو مذهب الحنابلة انظر: (المغني ٩/ ٥٦١) ورجحه ابن كثير في التفسير (٣/ ٤٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.\n(^٢) اختلف المفسرون ﵏ في المراد بهذه الآية وسبب الخلاف في ذلك: معنى النكاح في قوله (لا ينكح إلا زانية) هل هو التزوج أو الوطء وأن التحريم راجع إلى الزنا؟ وهل المراد بصدر الآية التشريع أم أن صدر الآية ممهد لآخرها وهو تحريم نكاح الزاني أو الزانية؟ فمن ذهب إلى أن النكاح بمعنى الزواج: ابن عباس من طريق عطاء ومجاهد وعطاء وسعيد بن المسيب، ومن ذهب إلى أن معنى النكاح الوطء: عكرمة وسعيد بن جبير وابن عباس من طريق ابن أبي طلحة وكل له وجه فيما ذهب إليه لاشتراك لفظ النكاح في الوطء والزواج، وقد سرت على قول من قال أن المراد بالآية تحريم نكاح الزاني والزانية لورود سبب النزول لهذه الآية ولدلالة آية النساء (٢٤) والمائدة (٥) وأن أقل ما يفسر به الإحصان هو العفة وما بعده مكمل له، وهناك قول ثالث بأن الآية نسخت بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ والله أعلم للاستزادة: انظر (جامع البيان ١٩/ ٩٦ - ١٠١) (مجموع الفتاوى ١٥/ ٣١٥ - ٣١٨) (زاد المعاد ٥/ ١١٤) (التحرير والتنوير ١٨/ ١٥٣ - ١٥٦) (أضواء البيان ٤/ ٣٨ - ٤٣).","vol":"1","page":241},{"text":"وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵁ كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقته قال: فجئت إلى النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا؟ قال: فسكت عني فنزلت ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ فقرأ علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا تنكحها (^١).\nفدل سبب النزول على تحريم نكاح الزانية.\nفمن هذه حالهم لا يجوز ولا يصح تزويج الرجال منهم أو تزوج النساء منهن لما في ذلك من نقض دعائم الأسرة الصالحة وفسادها من خيانة الزوج لزوجته، وتسلطه عليها وهي حرة عفيفة كما أن فساد خلقه وذهاب غيرته قد يؤدي إلى فساد الزوجة.\nوكذلك الزانية فإنها تفسد على الزوج فراشه وتنقض دعائم بيته. (^٢)\nأما إذا تاب الزوج وأقلع عن هذه المعاصي وصدق في توبته فلا بأس حينئذ من تزويجه (^٣).\nوقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصابَ فاحشة في الإسلام أن يتزوج مُحْصنة) فقال له أبيّ بن كعب: (يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب) (^٤).\nوكذلك الحال مع الزوجة فإن تابت وأقلعت عما كانت تواقعه من الفاحشة فهي حينئذ مؤهلة لبناء أسرة صالحة.\nوهذا ما فعله الفاروق ﵁ حينما أتاه رجل فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من\n_________\n(^١) رواه أبو داود في السنن، كتاب النكاح، باب في قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية) برقم (٢٠٥١) والترمذي في جامعه كتاب التفسير، باب سورة النور برقم (٣١٧٧) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والحاكم في المستدرك في كتاب النكاح برقم (٢٧٠١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وحسنه الشيخ الألباني (انظر: إرواء الغليل ٦/ ٢٩٦).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ٣١٦). التحرير والتنوير (١٨/ ١٥٣).\n(^٣) انظر: جامع البيان (٩/ ٥٩٠)، تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٣).\n(^٤) جامع البيان (٩/ ٥٨٤).","vol":"1","page":242},{"text":"حدود الله، فعمدَتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتها وقد قطعَت بعض أوداجها فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبرُ من شأنها بالذي كان؟\nفقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة (^١).\nفلما أحدثت توبة صادقة حكم لها عمر ﵁ أن تنكح نكاح العفيفة.\n\nومع التحذير الشديد في القرآن من تزويج أهل الفحش والفجور فقد جاءت السنة المطهرة بالترغيب في تزويج أهل الدين والخلق، فقد قال رسول الله - ﷺ -: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد) قالوا يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ثلاث مرات (^٢).\nفتأمل تحذير النبي - ﷺ - من عدم تزويج أهل الديانة والخلق بحصول الفساد في الأرض والفتنة وذلك لأن في رد هؤلاء لأجل انتظار أصحاب المال والحسب والجمال تعطيل لمصلحة الزوج وإبقاء للنساء في البيوت وهما أسس بناء الأسرة فإذا حصل هذا كثر الافتتان وخشي وقوع الزنا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره من عدة طرق متقاربة في اللفظ (٩/ ٥٨٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي من حديث أبي حاتم المزني، كتاب النكاح، باب إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه برقم (١٠٥٨) وقال: هذا حديث حسن غريب وأبو حاتم المزني له صحبة ولا نعرف له عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، ورواه من طريق أبي هريرة بسند منقطع (١٠٨٤)، ورواه ابن ماجة، كتاب النكاح باب الأكفاء برقم (١٩٦٧)، والحاكم في المستدرك، كتاب النكاح (٢٦٩٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه الشيخ الألباني (انظر: إرواء الغليل ٦/ ٢٦٨)\n(^٣) انظر: تحفة الأحوذي (٤/ ١٧٣).","vol":"1","page":243},{"text":"وكذلك حث ﵊ الرجال على نكاح ذوات الدين فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) (^١).\nفهذان الحديثان فيهما دلالة أن بناء الأسرة على الدين بقاء لها من التفكك أو الطلاق وذلك لأن الزوج والزوجة صحبتهما تطول فإذا كان الاختيار للمال والجمال فإنها أعراض سرعان ما تزول وبعد ذلك يحصل الشقاق والخلاف بين الزوجين (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-134> المطلب الثالث: التضييق في نكاح الإماء</span>.\nفإن الله جل وعلا حين أباح لعباده النكاح وبيّن لهم ما يحرم عليهم من النساء وأباح لهم ما وراء ذلك فصّل لعباده الحكم في نكاح الإماء فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥].\nوالآية تدل على منع تزوج الإماء إلا بالشروط التي ذكرها الله في هذه الآية وهي:\nأ- عدم استطاعة الطول: والطول في الآية بمعنى الغنى والمال، فمن لم يجد مالا لنكاح الحرة فإنه يعدل إلى نكاح الأمة.\nب- أن تكون الأمة مؤمنة كما نصت الآية الكريمة ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي فتزوجوا من الإماء المؤمنات التي يملكها المؤمنون.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين برقم (٤٨٠٢)، ومسلم كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين برقم (١٤٦٦).\n(^٢) انظر: فتح الباري (٩/ ١٦٩).","vol":"1","page":244},{"text":"ج- أن تنكح بإذن سيدها ويدفع لها المهر وذلك في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nد- أن تكون الأمة عفيفة طاهرة لم تغش فاحشة في السر أو في العلن كما قال تعالى في الآية: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (^١).\nوإذا تأملت في هذه الشروط وأن الله منع من زواج الأمة إلا عند عدم المقدرة وخوف الوقوع في المعاصي علمت أن الحكمة من ذلك: ما يتطرق للأسرة من نقص وذلك أن أبناء الرجل سيلحقهم الرق لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها، ولذلك فأن الأكمل لصلاح الأسرة ألا يتسبب الرجل في استرقاق أولاده. ولذلك حث الله على الصبر في آخر الآية فقال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. (^٢)\nولما كان الاسترقاق نقصا يلحق الأبناء اشترط الله أن تكون الأمة مؤمنة، ولذلك لا يجوز نكاح الأمة الكافرة كتابية كانت أو غيرها فيجتمع على الأبناء نَقصان وذلك مؤثر في بناء أسرة صالحة.\nثم إن في إباحة النكاح بهذه الشروط حكمة أخرى في بناء الأسرة وهي أنه وإن كان رق الولد مؤثرا في الأسرة فإن فيه سدا لذريعة الزنا خصوصا إذا خاف الرجل العنت والوقوع في الحرام، ولا شك أن هذه الفاحشة مفسدة للأسرة ومدمرة لها وهذا أعظم وأشد من استرقاق الأولاد ولذلك فإن الله اشترط في الإماء أن يكنَّ عفيفات حتى لا يحصل للأسرة الرق وفساد الفراش (^٣).\nومما سبق يتبين أهمية الأسرة في الإسلام وأن صلاحها بصلاح الزوجين لأن بصلاحهما صلاح الذرية، وبذلك يصلح المجتمع، لأنهم سيقيمون شرع الله وسيعمرون أوطانهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، ويجاهدون في سبيل الله ويدافعون عن أرضهم وبلادهم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٦٠، ٢٦١).\n(^٢) انظر: أضواء البيان (٤/ ١١١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣١٨).","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث الثالث: التكاثر والتناسل</span>\nمن الحِكم العظيمة التي شرع من أجلها النكاح: التكاثر والتناسل.\nوالمراد بذلك: تكاثر الجنس البشري بالطريق الذي أباحه الله جل وعلا وحفظُه من التعطيل والانقطاع. (^١)\nوكان من المفاسد التي عوقب بها قوم لوط قطعهم السبيل في قوله تعالى: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أي: قطع النسل والعدول عن النساء إلى الرجال، على أحد أوجه التفسير في الآية (^٢).\nولذلك كان حفظ النسل من الضروريات التي جاءت الشريعة بحفظها، وشرع لأجله النكاح، كما قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. أي: ما كتب الله لكم من الولد، وهذا يدل أن النكاح يتحرى به طلب النسل الذي يكون سببا لبقاء النوع البشري. (^٣)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-136> المطلب الأول: التكاثر والتناسل عن طريق النكاح سنة الله في الكون</span>.\nومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].\nوهذه الآية العظيمة فيها إشارة إلى بداية تكاثر بني آدم وإلى سنة الله الكونية في ذلك، وأنها الطريقة الشرعية التي أباحها الله للخلق، إنها الفطرة التي فطرها الله في آدم وحواء عليهما\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب (١١/ ٦٦٠)، مقاصد الشريعة لليوبي (ص ٢٤٨)\n(^٢) انظر: معالم التنزيل (٣/ ٤٦٨)، الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٣٥٨)، وعزاه القرطبي لوهب بن منبه، ثم قال: ولعل الجميع كان فيهم فكانوا يقطعون الطريق لاخذ الاموال والفاحشة، ويستغنون عن النساء بذلك.\n(^٣) انظر: جامع البيان (٣/ ٤٩٨)، بصائر ذوي التمييز (٤/ ٣٣٣).","vol":"1","page":246},{"text":"السلام وبهذا يحصل التكاثر في الجنس البشري شيئا فشيئا على ما قضى الله وقدر، ولو شاء الله ﷿ لخلق رجالا كثر ونساءً كثيرات، وإنما يبدأ التكاثر شيئا فشيئا بأحكم نظام وأحسن تكوين.\nوهكذا بث الله من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساءً، وبثهم في أقطار العالم على اختلاف أجناسهم وألوانهم يخلف بعضهم بعضا في هذه المعمورة، ويعمرونها، إذا مضى جيل خلفه جيل آخر حتى يرث الله الأرض ومن عليها (^١).\nوقد ساق الله هذه الحكمة العظيمة في مساق الامتنان على عباده وأن جحودها كفر\nفبين أنه جعل لنا من أنفسنا أزواجا وجعل عن طريق ذلك الزواج البنين وهم أولاد الصلب وجعل من هؤلاء الأولاد الأحفاد أي أبناء الأبناء (^٢) وهكذا يتكاثرون ويتناسلون\nفقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢].\nوقال: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].\nوالمعنى يخلقكم ويبثكم وينشركم جيلا بعد جيل ولذا فإن التعبير بالمضارع يدل على أنه جل وعلا لا يزال يكثركم ولذلك جعل التزاوج بين الذكور والإناث (^٣).\nوفي قوله تعالى في آية النحل: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ وشمول الضمير للبشر والأنعام في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ... إشارة إلى حفظ النسل، لأنه جل وعلا لما خلق البشر وجعل لهم\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) وهذا هو ظاهر سياق الآية وهو ما رجحه ابن العربي في أحكامه (٣/ ١١٦٢) والقرطبي في جامعه (١٢/ ٣٨٠)، وابن عاشور في التفسير (١٤/ ٢١٨) والشنقيطي في الأضواء (٢/ ١٧١)، وذهب الطبري إلى شمول الآية لأولاد الأولاد والأختان والخدم (١٧/ ٢٥٨، ٢٥٩) وتبعه أبو حيان (٥/ ٦٥٥)، ووجه ابن كثير ما ذهب إليه الطبري فقال: وأما من جعل الحَفَدة هم الخدم فعنده أنه معطوف على قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: وجعل لكم الأزواج والأولاد (٤/ ٥٨٧).\n(^٣) انظر: روح المعاني (٢٩/ ١٧).","vol":"1","page":247},{"text":"ما يكثر نسلهم عن طريق النكاح، جعل لهم من الطيبات والأنعام ما يقتاتون به ويحفظون به هذا النسل من الهلاك.\n\nويبين الله تعالى حكمته وقدرته في تنويع هذا النسل وتنظيمه في قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]\nفمن تمام ملك الله جلت حكمته أن يهب لمن شاء من خلقه إناثا فكل ما حملت زوجته تلد أنثى، ويهب لمن شاء من خلقه ذكورا فقط.\nفسوى الله بين الذكر والأنثى في كونهما هبة من الله وقدم الأنثى في الذكر لأنهن أكثر وبهن يحصل تكثير النسل، ولما ترسب في أذهان الكثير أن الأنثى شؤم على أهلها مما يجعلهم يئدونها، فبين الله تعالى أن الأنثى والذكر هبة منه جل شأنه (^١).\nومن الناس من يجمع الله له بين الذكور والإناث إما مجتمعَيْن في بطن واحدة أو متفرقَين فتلد زوجته مرة ذكرا ومرة أنثى، ومنهم من يجعله جل شأنه عقيما لا ينجب.\nثم ختم الآية ﷾ ببيان حكمته وعلمه في تنظيم التكاثر بهذه الطريقة فقال:\n﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ فهو عليم بالأسباب والقُوى والمؤثرات التي وضعها في العوالم وبتوافق آثار بعضها وتخالف بعض، وكيف تتكون الكائنات على نحو ما قُدِّر لها من الأوضاع، وكيف تتظاهر فتأتي الآثار على نسق واحد، وتتمانع فينقص تأثير بعضها في آثاره بسبب ممانعة مؤثراتٍ أخرى، وكل ذلك من مظاهر علمه تعالى في أصل التكوين العالمي ومظاهر قدرته في الجري على وفاق علمه (^٢).\n_________\n(^١) انظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (ص ٦٤٥).\n(^٢) التحرير والتنوير (٢٥/ ١٣٩).","vol":"1","page":248},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-137> المطلب الثاني: الرد على دعاة تحديد النسل</span>.\nوإذا تأمل المتأمل فيما سبق من الآيات يجدها تتضمن ثلاثة أمور تضمن تكثير النسل والحفاظ عليه:\nالأول: الحث على الزواج وإباحة التعدد وأن به ينشر الله الخلق ويكثرهم في أرجاء البلاد.\nالثاني: ضمان الرزق الذي به بقاء النسل.\nالثالث: تنويع الجنس البشري من الذكور والإناث وبذلك يحصل التزاوج والتكاثر.\nفبالإيمان بهذه الأمور الثلاثة والعمل على تحقيقها تضمن المجتمعات الفلاح والاستقرار في كافة المجالات الدنيوية والفوز بالأجر في الآخرة.\nوعلى العكس من ذلك فإنك تجد من يوصي بنقيض ما وصى به القرآن. بل تجد من يوصي بتأخير الزواج إلى سن محدد، ويوصي بتحديد النسل لعلاج اقتصاد بلدانهم وأوطانهم.\nوقد فنّد القرآن دعواهم ورد عليهم في هذه الأمور الثلاثة.\n• ففي القضية الأولى: حث على الزواج ووعد عليه بالغنى فقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]. (^١)\n• وفي القضية الثانية: نهى عن قتل الأولاد مع حصول الفقر أو خشية حصوله. فقال عند حصول الفقر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] فوعد برزق الآباء أولا لفقرهم ثم رزق الأولاد بعدهم إذ لزمتهم مؤونتهم.\n_________\n(^١) وهو ما فسر به ابن عباس ﵄ هذه الآية، انظر: جامع البيان (١٩/ ١٦٦).","vol":"1","page":249},{"text":"وقال عند خشية حصول الفقر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء: ٣١]. فقدم رزق من يخشى حصول الفقر بسببه وهم الأولاد، ثم وعد برزقهم فقدم في كل موضع ما يقتضيه المقام (^١).\nففي الآيتين إزالة لأدنى شبهة تعرض في هذه القضية.\n• وفي القضية الثالثة: ذم تلك العادة الجاهلية التي كانوا يقومون بها ألا وهي وأد البنات ودفنهن أحياء بعد ولادتهن تشاؤما وخشية من العار والفقر، بل نهى عن ذلك وبين أن فاعل ذلك موقوف بين يدي الله وسائله عن جريمته فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ ... [النحل: ٥٨، ٥٩] وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾ [الزخرف: ١٧]. (^٢)\nقال قتادة ﵀: (وهذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته) (^٣).\nوقال تعالى مهددا من هذا الفعلة الجاهلية ومتوعدا لصاحبها بالعقاب: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩]، وذلك في يوم القيامة، تسأل تهديدا لقاتلها، وإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذًا؟! (^٤)\nوهكذا دحض القرآن الكريم هذه الشبه وردها على أصحابها.\n_________\n(^١) انظر: درة التنزيل وغرة التأويل للاسكافي (ص ٩٩).\n(^٢) انظر: مقاصد الشريعة ومكارمها للفاسي (ص ٢٢٤).\n(^٣) أخرجه الطبري في التفسير (١٧/ ٢٢٨).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٣٣٣).","vol":"1","page":250},{"text":"وإن الناظر في واقع المجتمعات والدول التي ألزمت شعوبها بتحديد النسل لمعالجة الاقتصاد والإسكان، ليرى بجلاء ما ذاقته من ويلات لمخالفتها أمر ربها وطبيعته في الكون حيث أدى ذلك إلى كثرة الرجال وقلة النساء في مجتمعهم، وهي أحد تلك المصائب التي ألمّت بهم وأوجدت لديهم اضطرابا في نمو مجتمعهم، وذلك أنهم يستبقون الذكور ويئدون الإناث.\nوبذلك يرى العبد قدرة الله وعلمه وحكمته في قوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠].\nوأختم هذا المبحث بما وصى به - ﷺ - حيث قال: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم) (^١).\nومن ذلك ما وصى به - ﷺ - من نكاح الأبكار وذكر من أسباب نكاحهن (أنهن أنتق أرحاما) أي أكثر أولادا (^٢).\nوهذا يبين ما في النكاح من حكمة تكثير النسل وحفظه وفي ذلك صلاح المجتمع (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (١٢٦٣٤)، وأبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب من تزوج الولود برقم (٢٠٥٠)، وابن حبان في صحيحه كتاب النكاح برقم (٤٠٢٨)، والحاكم في المستدرك كتاب النكاح برقم (٢٦٨٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وصححه الألباني (انظر: إرواء الغليل ٦/ ١٩٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في السنن في كتاب النكاح، باب تزويج الأبكار برقم (١٨٦١)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٤٠) برقم (٣٥٠)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب استحباب التزويج بالأبكار (٧/ ٨١) برقم (١٣٢٥١)، وحسنه الألباني (انظر: السلسلة الصحيحة ٢/ ١٩٢). وانظر: فيض القدير (٣/ ٢٤١).\n(^٣) انظر: حجة الله البالغة (٢/ ٩٦٢)","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المبحث الرابع: الطمأنينة والسكن</span>\nالطمأنينة والسكن من الحكم العظيمة التي جعلها الله ﵎ في النكاح، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] بل جعلها من الآيات الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].\nفبينت الآيتان أنه جعل الزوجة، حتى يسكن الرجل إليها ويطمئن (^١).\nولهذه الحكمة آثار عظيمة تعود على المجتمع بالصلاح والاستقرار وهي كالتالي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-139> المطلب الأول: حصول المودة والرحمة بين الزوجين:</span>\nكما قال تعالى في سورة الروم: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.\nفأخبر تعالى أنه جعل بين الزوجين المودة والرحمة، وهما آصرتان عظيمتان لا تجتمعان بمثل النكاح ولذا عبر الله تعالى في الآية لفظ (أزواجا) ولم يقل (إناثا)، لأن المودة والرحمة إن كانت بغير نكاح فهي ناقصة زائلة كما قال النبي - ﷺ -: (لم ير للمتحابين مثل النكاح) (^٢)\nفبالمودة يكون الحب بين الزوجين وما ينتج عن ذلك من الإلف وتقارب الأرواح والقلوب والأنس بالنظر والملاعبة، ولذا لا يكون الأنس بالإكراه وإنما بالحب والمودة.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٩/ ٢١١)، فتح القدير (٢/ ٢٧٤)، روح المعاني (٩/ ١٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في سننه عن ابن عباس، كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح برقم (١٨٤٧)، والطبراني في المعجم الكبير برقم (١٠٨٩٥) (١١/ ١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى مرسلا، كتاب النكاح باب الرغبة في النكاح برقم (١٣٢٣٠) (٧/ ٧٨)، قال في كنز العمال: إسناده صحيح ورجاله ثقات (١٦/ ٢٧٨)، وصححه الشيخ الألباني. (انظر: السلسلة الصحيحة ٢/ ١٩٦).","vol":"1","page":252},{"text":"وبالرحمة يكون العطف والشفقة الحاصلة بين الزوجين وبها ينفق الزوج على زوجته ويراعي ضعفها، ويخشى أن يصيبها أذى، وبها تراعي الزوجة حال زوجها فلا تطلب منه فوق ما يطيق وهكذا تنتظم حياة الأسرة.\n• ومن المودة والمحبة والرحمة ما يحصل من قضاء اللذة والوطر بين الزوجين، كما ورد في تفسير الآية.\nوفي هذا المعنى صلاح للمجتع من الوقوع في الحرام، فإن الزوج إذا قويت شهوته أو رأى ما يثير غريزته فإن إتيانه أهله يطفئ شهوته، فتسلم المجتمعات من الفواحش.\nومما يشير إلى هذا المعنى التفريع بالفاء في قوله: (فلما تغشاها) بعد ذكر السكن إلى الزوجة في آية الأعراف ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ...﴾ الآية (^١). أي أن من السكن إتيان الرجل أهله، وقد بين النبي - ﷺ - هذا المعنى فعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي - ﷺ - رأى امرأة فأتى امرأته زينب فقضى حاجته، ثم خرج إلى أصحابه فقال: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه) (^٢).\nفأرشد النبي - ﷺ - أن الرجل إذا واقع حليلته فإن في ذلك سكنا لنفسه، وجمعا لقلبه ودفعا لوسوسة الشيطان الرجيم (^٣).\nولما كان في حصول المودة والرحمة الأمن والاستقرار وحفظ المجتمع من الحرام، كان أحب شيء إلى الشيطان التفريق بين الرجل وزوجه حتى يتوصل كل منهما إلى قضاء شهوته بالحرام (^٤)، كما في حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجئ أحدهم فيقول فعلت\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٦/ ٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب النكاح باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها برقم (١٤٠٣).\n(^٣) انظر: فيض القدير (٢/ ٣٨٩).\n(^٤) انظر: روضة المحبين (ص ٢١٨).","vol":"1","page":253},{"text":"كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجئ أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت) (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-140> المطلب الثاني: اطمئنان البيوت</span>.\nمن آثار السكن الذي يحصل بين الزوجين الطمأنينة والهدوء والسكينة الذي يضمن الأمن الأسري في المنزل، ويتحقق بذلك أمران:\nالأول: كون البيت المطمئن بيئة صالحة لتربية الأولاد، وتأهيلهم لحمل الأمانة ونفع الأمة بعيدا عن أجواء الشقاق والخصومة، وبهذا يحصل التوازن والاستقرار في الأولاد.\nأما إن كان البيت مكانا للنزاع والخلاف، فهذا تكدير لجو الأسرة ومخالفة لمقصد السكن الذي ذكره الله تعالى في كتابه (^٢).\nالثاني: أنه إذا حصل السكن واطمئن كل واحد لصاحبه فهذا هو المكان المناسب الذي يمكن أن تفضى فيه الأسرار وتحفظ فلا تخرج، فإن الإنسان بحاجة إلى من يفضي إليه وبحاجة إلى من يكتم عنه سره. وقد قال تعالى عن الزوجين: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي أن كل واحد منكم ستر لصاحبه (^٣).\nوفي إفشاء هذه الأسرار نقض لدعائم الأسرة، ونزع للثقة التي تزرع الشكوك وتزيل الاطمئنان من النفوس، ولذلك فقد ذم النبي - ﷺ - من يفعل ذلك فقال: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) (^٤).\nوهذا من الوعيد الشديد الذي حذر منه المصطفى - ﷺ - لما ينتج عنه من المفاسد العظيمة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينا برقم (٢٨١٣).\n(^٢) انظر: في ظلال القرآن (٣/ ١٤١٢).\n(^٣) انظر: حجة الله البالغة (٢/ ٩٩٣)، جامع البيان (٣/ ٤٩٢).\n(^٤) أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري، كتاب النكاح باب تحريم إفشاء سر المرأة، برقم (١٤٣٧).","vol":"1","page":254},{"text":"والنهي في هذا الحديث يشمل المرأة كذلك فلا يجوز لها إفشاء سر زوجها للناس فذلك أحفظ للزوجين وأسكن لهما (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-141> المطلب الثالث: الترويح عن النفس وتجديد الهمة</span>.\nإن النفس كثيرة التقلب وقد يصيبها ما يكدر صفوها، أو ما يضايقها خصوصا مع كثرة المشغلات، ومخالطة كثير من الناس على اختلاف طباعهم وأخلاقهم، أو ما يحصل من الخطوب والحوادث التي تكدر الصفو، فإذا وجد الزوج صدرا رحبا يبث له شكواه ويهدئ من روعه ففي ذلك الاطمئنان والسكون، وتجديد النشاط وبعث الهمة في النفس فيخرج الزوج بعد ذلك للمجتمع فاعلا متفاعلا قد استراح قلبه وزال همه وكربه (^٢).\nوهكذا كان النبي - ﷺ - مع زوجاته أمهات المؤمنين، فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث بدء الوحي حين رجع النبي - ﷺ - من الغار يرجف فؤاده دخل على خديجة ﵂ فقال: (زملوني زملوني)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: (لقد خشيت على نفسي). فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق (^٣).\nوذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وما زالت به ﵂ حتى ذهب عنه ما يجد.\nوعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها حتى إذا آذاه البرد جاءني فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة يحرسها ويقول: (ما أخشى أن يؤتى الناس إلا منها) فبينا رسول الله - ﷺ - في حضني قد دفئ وهو يقول: (ليت رجلا صالحا يحرسني) قالت: إلى أن سمعت صوت السلاح وقعقعة الحديد\n_________\n(^١) انظر: فيض القدير (٢/ ٥٣٨).\n(^٢) انظر: إحياء علوم الدين (٢/ ٣٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - برقم (٣) ومسلم في كتاب الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - برقم (١٦٠).","vol":"1","page":255},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ - من هذا؟ فقال: سعد بن أبي وقاص، قال: (عليك بهذه الثلمة فاحرسها) قالت ونام رسول الله - ﷺ - حتى سمعت غطيطه (^١).\nوهذا يدل على أثر السكون إلى الزوجة الصالحة وماله من أثر في تبليغ الدين والدعوة إلى الله، والقيام بما يصلح المجتمع.\nفتأمل هذه الحكمة العظيمة من حِكم النكاح كيف جعلها الله ﷿ بين الزوجين بلا رحم بينهما، وذلك لما فيها من صلاح النفس والأسرة والمجتمع، وهذا من فضل الله ورحمته.\nوقد روي أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا نبيّ الله لقد عجبتُ من أمر وإنَّه لعجب، إنّ الرجل ليتزوّج المرأة وما رآها وما رأتهُ قط حتى إذا ابتنى بها اصطحبا وما شيء أحبّ إليهما من الآخر، فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (^٢).\nوهذا الذي ينبغي أن تكون عليه البيوت، أما إن حصل بين الزوجين من التنافر والشقاق ما لا يرجى فيه بعد ذلك سكون بعضهما إلى بعض فقد شرع الله للزوجين سبيلا للابتعاد حتى لا يكون ما هو سبب للسكون، سببا للاضطراب والشقاء والعداوة، فشرع للزوجين الطلاق (^٣).\nوهذا من حكمة الله ﵎ ورحمته بعباده في تيسير ما تسكن إليه نفوسهم وتبتهج به القلوب وتحصل به المودة والرحمة.\n_________\n(^١) رواه الواقدي في المغازي (٢/ ٤٦٣)، وللرواية أصل في البخاري (٦٨٠٤) ومسلم (٢٤١٠) ولفظه: (أرق النبي - ﷺ - ذات ليلة فقال (ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة). إذ سمعنا صوت السلاح قال (من هذا)؟ قيل سعد يا رسول الله جئت أحرسك فنام النبي - ﷺ - حتى سمعنا غطيطه، وفي لفظ مسلم (سهر رسول الله - ﷺ - مقدمه المدينة ليلة) قال ابن حجر: وليس المراد بقدومه المدينة أول قدومه إليها من الهجرة لأن عائشة إذ ذاك لم تكن عنده ولا كان سعد أيضا ممن سبق (فتح الباري ٦/ ٨٢).\n(^٢) أخرجه الثعلبي بسنده في تفسيره (٧/ ٢٩٩) ولم أقف على درجته.\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير (٢٨/ ٢٩٦).","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث الخامس: التعامل بالمعروف</span>\nوردت آيات النكاح داعية الزوجين إلى المعروف في كل ما يخص الحياة الزوجية، وإذا تأملت المواضع التي وردت فيها الدعوة إلى المعروف في القرآن وجدت آيات النكاح قد حظيت بأكثر هذه المواضع، وذلك لأهمية هذا الأمر بين الزوجين.\nفإن الله قد أوجب على الزوج حقوقا كما أوجب على الزوجة حقوقا، ولكن إذا تعامل الزوجان في حياتهما على المحاسبة والمشاحة في هذه الحقوق فإن ذلك سينغص حياتهما ويسبب النفرة بينهما فكل واحد يرى زوجه خصيما له، فيصبح أداء الحقوق عاريا عن المودة والتسامح والصفح.\nولذا فقد أمر الله في كتابه أن تكون الحياة الزوجية قائمة على المعروف في العشرة والنفقة والمهر، بل أمر الله بالمعروف في الطلاق ليقوم الزوجان على أداء حقوقهما على الوجه الأكمل والأحسن، والعفو عما يحصل من تقصير مما هو من طبيعة البشر.\nوقبل ذكر المواضع التي حث الله عباده فيها على التعامل بالمعروف يحسن بيان المراد بالمعروف.\nفالمعروف: هو كل ما كان معروفًا فعله، جميلا مستحسنًا، غير مستقبح في أهل الإيمان وإنما سميت طاعة الله (معروفًا) لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله، فيشمل ذلك ما حدده الشرع ووصفه العرف (^١).\nوجميع شؤون الحياة الزوجية قد أمر الله عباده فيها ببذل المعروف وهي كالآتي:\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٧/ ١٠٥)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٧/ ٢٨٦)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٨٦) تيسير اللطيف المنان (ص ٧٧).","vol":"1","page":257},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-143> المطلب الأول: المعاشرة بالمعروف:</span>\nفقد أمر الله عباده بذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].\nفأمر الله الأزواج بمعاشرة النساء بالمعروف كما أن الرجال يحبون ذلك من النساء.\nوالمعاشرة تقتضي المخالطة والممازجة فيلزم من ذلك تطييب الأقوال وتحسين الأفعال والابتعاد عما تنكره النفوس والعقول مما يستهجن ويستقبح.\nوتشمل المعاشرة بالمعروف: دفع المهر واختيار النفقة والكسوة والسكنى الطيبة بما هو في استطاعة الزوج، كما أن على الزوجة من المعاشرة ما على الزوج من حسن الحديث وطيب الأفعال وحسن التبعل والخدمة.\nوفي القيام بهذا المعروف هدوء النفس ولذة العيش، وذلك أن حياتهما اشتملت على المعروف من شرع الله، وعلى ما تعارفا عليه، فلا يجدان شيئا ينكرانه بينهما، أما سوء المعاشرة فبها يحصل الشقاق والخلاف والمفارقة.\nولذلك فقد جاء الأمر بحسن المعاشرة حتى ولو وجد الزوج شيئا من الكراهة تجاه زوجته فإن الله تعالى قال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ ولم يقل: (فعسى أن تكرهوهن) لأن الزوج قد يكره من زوجته شيئا، فلاينبغي أن يطغى هذا الشيء فيؤدي إلى كراهتها فكراهيته لخصلة لا يدل على انتفاء الخير منها ولذلك قلل الله جانب الكراهة وغلّب جانب الخير فقال: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ ومن ذلك ما يحصل من إنجاب الذرية، وتحسّن أخلاق الزوجة وغير ذلك من الخيرات (^١)، وعن عمر بن الخطاب رضي\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٦٣)، البحر المحيط (٣/ ٢٨٥)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٤٢)، فتح القدير (١/ ٤٤١)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٨٧).","vol":"1","page":258},{"text":"الله عنه أنه قال لزوجين حصل بينهما كراهة: (ليس كل البيوت تبنى على الحب ولكن معاشرة على الأحساب والإسلام) (^١).\nولقد كان النبي - ﷺ - من خير الرجال معاشرة لزوجاته فكان يؤانسهن ويجالسهن ويسامرهن وكان في حاجتهن، فعن عائشة ﵂ أنها سئلت: ما كان رسول الله - ﷺ - يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) (^٢).\nوقالت: كان - ﷺ - (يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم) (^٣).\nومعلوم أن هذه الأمور مما يقوم بها النساء من الخدمة ولكن النبي - ﷺ - كان يعاون أهله وهذا من حسن العشرة والتعامل بالمعروف، فحري بالأزواج الاقتداء بالنبي - ﷺ - في ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-144> المطلب الثاني: التعامل بالمعروف في الطلاق</span>.\nكما وصى الله تعالى بالمعروف بين الزوجين حال المعاشرة، فقد وصى به وكرره مؤكدا له عند الطلاق، فإن الله سبحانه إذا قدر على الزوجين الطلاق وظنا أن هذا هو الأصلح فيجب أن يكون الطلاق بالمعروف، فلا يصاحبه من منكرات الأقوال وسوء الأفعال ما يحصل من كثير من الناس.\nفقد أمر الله الزوج إن طلق زوجته وكانت في العدة، إما أن يمسكها ويراجعها بالمعروف لا أن يمسكها إضرارا بها وتطويلا لعدتها، وإما أن يسرحها ويفارقها كذلك بالمعروف فلا يأخذ شيئا من مالها أو يؤذيها بالقول أو الفعل فقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأكد الله هذا الأمر تحذيرا من الإضرار (^٤) فقال:\n_________\n(^١) كنز العمال (١٦/ ٥٥٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإمامة، باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج برقم (٦٤٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٤٩٤٧)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الحظر والإباحة باب التواضع والكبر والعجب برقم (٥٦٧٧)، وصححه الألباني (صحيح الجامع ٢/ ٨٨٦).\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ٤٢١)، تيسير الكريم الرحمن (ص ١٠٢).","vol":"1","page":259},{"text":"﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فبين أن الإضرار ليس من حق الزوج، فهو إن حصل إنما يكون عدوانا وظلما للنفس.\nوكذلك فإن تراضى الزوجان على الرجعة بالمعروف فلا حق لأهل المرأة بعضلها ومنعها عن الرجوع لزوجها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. فالآية تدل على أن الزوجين أو أحدهما إذا تراضوا على غير المعروف لكان للأولياء الحق في عضلها (^١).\nومن التسريح بالإحسان والمفارقة بالمعروف ما أمر الله به من متعة للمطلقة سواء دخل بها أو لم يدخل وذلك في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ ... [البقرة: ٢٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]. وهذه المتعة تكون بما هو متعارف عليه.\nومن الأحوال التي أمر الله الطليقين فيها إلى التعامل بالمعروف النفقة والكسوة حال الحمل والإرضاع، ونهاهما عن الإضرار ببعضهما وبمولودهما فقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٨٤).","vol":"1","page":260},{"text":"عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦].\nفنهى الله الوالدة أن تدفع الولد لأبيه بعد الولادة مباشرة بقصد الإضرار بأبيه، كما نهى الله الزوج أن يأخذ الرضيع من أمه بقصد الإضرار بها، وأمرهما الله بالاتفاق على المعروف في شأن الإرضاع والفطام وفي شأن النفقة والكسوة والسكنى.\nفيجب أن تكون جميع هذه المعاملات على المعروف الذي رضيه الله لعباده.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-145> المطلب الثالث: فعل المعروف في زمن العدة وبعد انقضائها</span>.\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nأمر الله تعالى الزوجات اللاتي توفي عنهن أزواجهن أن يتربصن في العدة أربعة أشهر وعشرا، ونهاها في هذه الفترة أن تخرج أو تمس طيبا أو تتزوج، ولقد شدد النبي - ﷺ - في هذا الحكم على النساء، فعن أم سلمة ﵂ قالت: (جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله. إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (لا). مرتين أو ثلاثا. كل ذلك يقول (لا) ثم قال رسول الله - ﷺ -: ... (إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول) (^١).\nفإذا انقضت عدتها فقد أباح الله لها ما تريد أن تفعل شريطة أن يكون بالمعروف، وذلك أن المرأة بعد هذه العدة يجوز لها الخروج من البيت والتشوف للخطاب والتزين، وليس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا برقم (٥٠٢٤)، ومسلم في كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام برقم (١٤٨٨). ومعنى قوله (ترمي بالبعرة على رأس الحول) إشارة إلى ما نسخ من كون عدة المتوفاة سنة كاملة لا تمس فيها طيبا ولا تغتسل.","vol":"1","page":261},{"text":"على الأولياء منعها من ذلك بحجة حزنها على زوجها المتوفى أو لأي سبب آخر إذا كان ما تفعله المرأة من قبيل المعروف شرعا وعرفا، أما إن تجاوزت ذلك إلى التبرج أو مباشرة عقد النكاح بدون ولي أو غير ذلك مما هو من قبيل المنكر شرعا وعادة فعلى الولي منعها من ذلك (^١).\nولما بين الله تعالى ما على النساء فعله من المعروف، بين ما يباح للرجال تجاه من توفي عنها زوجها وهي في العدة فقال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥].\nفقد أباح الله ﵎ للرجال إذا رغبوا في نكاح امرأة توفي عنها زوجها وهي معتدة، ويدخل في ذلك المطلقة طلاقا بائنا، أن يقولوا لهم قولا معروفا من التعريض بالخطبة دون التصريح كأن يقول لها: إني أريد التزوج، أو إني أريد امرأة من صفاتها كذا وكذا، فهذا من المعروف الذي أباحه الله، ونهاهم عن المنكر من المواعدة في السر سواء للتصريح لها برغبته في النكاح، أو عقد النكاح وقت العدة مما هو مجمع على تحريمه، أو الزنا والعياذ بالله مما هو منكر شرعا وعرفا. (^٢) فالواجب على العبد قول المعروف الذي أحله الله له والابتعاد عما دون ذلك.\nفالتعامل بالمعروف في جميع شؤون الحياة الزوجية من نكاح وطلاق وعدة فيها صلاح ظاهر للمجتمع بأن يكون المعروف هو السائد في المعاملات بين الرجال والنساء، وأن يتواصى المجتمع على حفظ المعروف الذي تعارفوا عليه وأقره الشرع مما يؤدي إلى الترابط والتناصح، وما يسببه المعروف كذلك من دوام العشرة بين الزوجين، أو نزع البغضاء بينهما حال الطلاق مما يحفظ العهد بينهما ويقطع عنهما ذكر بعضهما بسوء.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٤٣)، البحر المحيط (٢/ ٣٦٠).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٣٩).","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المبحث السادس: التكافل الاجتماعي</span>\nالتكافل من الأخلاق العظيمة التي جاء الإسلام آمرًا بها، ومحققا لها بين العباد، بل هي من محاسن الشريعة الغراء، فصلاح المجتمع بترابطه وتآلفه وتكاتفه.\nوقد جاءت التشريعات والأحكام الإسلامية بتحقيق أواصر المحبة والتكافل بين المجتمع المسلم، وسد طرق القطيعة والخصومة والنزاع، مما يعزز التآلف والتناصر والتعاون بين المجتمع المسلم.\nوإن من الحِكم العظيمة التي اشتمل عليها النكاح بتشريعاته، تطبيق هذا الخلق العظيم وتحقيقه بين أفراد المجتمع.\nولذا فقد ورد في آيات النكاح ما يدعو إلى التكافل وتقوية الأواصر الاجتماعية بين الناس، وسأبين ذلك من خلال ما يلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-147> المطلب الأول: النكاح أصل النظام البشري في الاجتماع والترابط</span>.\nويتضح ذلك جليا من قوله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ [الفرقان: ٥٤].\nفبينت الآية الكريمة عظيم قدرة الله أن خلق من هذا الماء بشرا واختصه بتكوين نظام اجتماعي فريد، بأن قسّم البشر - ذكورا وإناثا - إلى أنساب وأصهار، فبعد أن يكون الولد نسيبا يبلغ ثم ينكح المرأة التي يصاهر بها فيصبح صهرا.\nوهكذا يرتبط في مجتمعه بقرابتين، قرابة نسب وقرابة مصاهرة، وقد تجتمع القرابتين سويا وهكذا تقوى أواصر التقارب والترابط بين المجتمع (^١).\nولما كان هذا النظام من نعم الله على البشرية جمعاء أمر الله عباده المؤمنين أن يسخروا هذا الترابط فيما يصلح المجتمع المسلم لا فيما يفسده فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٦/ ١١٧)،روح المعاني (١٩/ ٣٦، التحرير والتنوير (١٩/ ٥٥، ٥٦).","vol":"1","page":263},{"text":"فأخبر الله تعالى أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى وجعلهم أنسابا وأصهارا ثم جعلهم شعوبا وقبائل لحكمة أرادها جل وعلا من عباده ألا وهي التعارف (^١).\nوهكذا تتعارف العوائل ثم تتعارف القبائل، وهذا التعارف هو الذي تحصل به صلة الرحم وحسن المعاشرة والتواد والتحاب وتقوية أواصر القرابة، ولذلك فقد أمر النبي - ﷺ - تعلم الأنساب لهذا المقصد النبيل، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر) (^٢).\nوقد بينت أول آية في سورة النساء هذا المعنى فإن الله تعالى ابتدأها بأنه خلق البشر من نفس واحدة ثم تكونت وشيجة الزواج، وكوّن من الزواج الأسرة الصغيرة، وهكذا تكونت الأسرة تلو الأسرة بنظام اجتماعي بديع تربطه روابط وثيقة، ولو شاء الله لخلقهم رجالا ونساء بلا روابط تربطهم أو وشائج تجمعهم.\nولذلك ختم الله الآية بالوصية بالأرحام (^٣) فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\nولو لم يكن للمجتمع روابط تربطهم أو وشائج تجمعهم لم يكن للمجتمع الإنساني نظام يصلحه من المواساة والتعاون والاتحاد فيما بينهم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٢٦/ ٢٥٩)، روح المعاني (٢٦/ ١٦٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٨٨٥٥)، والترمذي في جامعه، كتاب البر والصلة، باب تعلم الأنساب برقم (١٩٧٩)، والحاكم في المستدرك، كتاب البر والصلة برقم (٧٢٨٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وصححه الألباني (انظر: صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٣٥).\n(^٣) كما روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة (انظر: تفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٠٦).\n(^٤) انظر: التحرير والتنوير (١٥/ ٧٤).","vol":"1","page":264},{"text":"فسبحان الله القدير الذي جعل من النكاح نسبا وصهرا، العليم بما يصلح المجتمع من جعله شعوبا وقبائل ليحصل التعارف والتواصل بين الأرحام، إنه بعباده خبير بصير، وهذا ما تضمنته هذه الآيات الثلاث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-148> المطلب الثاني: النكاح مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي</span>.\nالزواج فيه كفاية للمؤونة، وتكافل بين الأسر والقبائل، فإن الرجل إذا تزوج المرأة فإنه يخفف على أبيها أن يعيلها، وتصبح النفقة على الزوج بدل الوالد، فبعد أن كان الأب ينفق على ثلاثة أو أربعة تسهل عليه النفقة والمؤونة، ويصبح الزوج مكلفا بكفالة زوجته فإذا كان موسرا وأمن العدل أبيح له التعدد وبهذا يتكافل المجتمع ويترابط، كما أن في النكاح إحسان القوي - وهو الرجل - على الضعيف - وهي المرأة - (^١).\nوقد هدى القرآن العظيم البشرية إلى هذه الطريقة بأقوم هدي وأعدل نظام وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].\nوإذا تأمل العبد وجه الارتباط بين الخوف من عدم القسط في يتامى النساء وبين الأمر بنكاح النساء وتعددهن تبين له كيف عالج الإسلام مشكلة الظلم والعضل، بالتكافل والترابط عن طريق النكاح والتعدد فيه.\nففي السابق إذا كان للرجل يتيمة في حجره، تزوجها إن كانت جميلة من غير أن يقسط في صداقها، وإن كانت دميمة رغب عن نكاحها وعضلها أن تنكح غيره لئلا يشاركه أحد في مالها. فنهُوا أن ينكحوهنَّ إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنَّ (^٢).\n_________\n(^١) انظر: محاسن الإسلام، لمحمد البخاري (ص ٤٤).\n(^٢) كما في أثر عائشة ﵂ عند البخاري، كتاب التفسير، باب سورة النساء برقم (٤٢٩٨)، ومسلم في كتاب التفسير برقم (٣٠١٨).","vol":"1","page":265},{"text":"وهكذا سخر الله ﵎ الغريزة الفطرية، ووجه عباده من الظلم فيها إلى التكافل ومن الاعتداء إلى الإحسان.\nفبعد أن كان الرجل يظلم اليتيمة بنكاحه لها، نهاه الله عن هذا السلوك المشين، وأباح الله له أن يكفل ما طاب له من النساء بطريق النكاح.\nوبهذا تظهر حكمة النكاح في التكافل الاقتصادي بين أفراد المجتمع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-149> المطلب الثالث: قطع كل سبيل يفضي إلى التباغض بين الأقربين</span>.\nفالله جل وعلا حين جعل النكاح سببا للتناسب والتصاهر لتحصل المحبة والمودة بين الأقارب والأرحام، حرم قطع ما أمر بصلته، ووعد قاطعي الأرحام بالعقاب الأليم فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥].\nولقد وجد في الجاهلية صور من صور النكاح تفضي إلى قطع الأرحام وتغلب عليها ظهور الشحناء والتباغض بين الأقربين، وذلك ينافي حكمة النكاح في التقارب والمحبة بين الناس.\nولذلك فقد حرم الله هذه الأنكحة التي تفضي إلى ذلك في آية المحرمات في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية .... إلى قوله ... ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾\n[النساء: ٢٢، ٢٣].\nومن هذه الصور:\n١. تحريم نكاح زوجة الأب، وتحريم نكاح زوجة الابن.\nفقد وجد من العرب من نكح زوجة أبيه، وروي عن بعضهم في زمن النبي - ﷺ - من كان يرغب في ذلك فأنزل الله قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]. وذلك تحريما لهذا النكاح وتبشيعا لفاعله، وذلك أن حق الأب من أعظم الحقوق، ومن حق الأب احترامه ولو بعد موته والبعد عما يؤذيه، فإذا نكح الابن زوجة أبية دل على عدم احترامه","vol":"1","page":266},{"text":"لأبيه وقد يتسبب هذا النكاح في مقت الابن لأبيه، وذلك أن الغالب فيمن تزوج امرأة أنه يبغض من تزوجها قبله (^١).\nولأجل ذلك حرم الله نكاح أمهات المؤمنين لكونهن زوجات النبي - ﷺ - وهو كالأب لأمته وحقه أعظم الحقوق وبين أن في ذلك إيذاء له ﵊ فقال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣] (^٢).\nوكما نهى الله الأبناء عن نكاح زوجة الأب فقد نهى الآباء عن نكاح حليلة الابن فقال في الآية: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لما يسبب ذلك من القطيعة والتباغض بين الأب وابنه، وفي التعبير القرآني بلفظ الحليلة إشارة إلى هذا المعنى وذلك أن هذه اللفظة توحي بشدة اتصال كل واحد بصاحبه وأنهما حلَاّ في ثوب واحد فكيف يسوغ للأب بعد ذلك أن ينكح زوجة ابنه (^٣).\nوهذا من عناية الإسلام بصلة الرحم ولذلك أجمع العلماء أن زوجة الأب وزوجة الابن يحرمان بمجرد العقد (^٤).\nويدخل في هذا التحريم زوجة الابن من الرضاع لقول النبي - ﷺ -: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (^٥)، وأما قوله في الآية: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ فإن ذلك قيد لإبطال زوجة الابن من التبني وأنها غير داخلة في التحريم (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٤٦)، نظم الدرر (٢/ ٢٣١).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٤٦)\n(^٣) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٣٥).\n(^٤) انظر: الإجماع لابن المنذر (ص ١٠٥)، أضواء البيان (١/ ١٩٤).\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم برقم (٢٥٠٢)، ومسلم في كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاع برقم (١٤٤٧).\n(^٦) انظر: جامع البيان (٨/ ١٥٠).","vol":"1","page":267},{"text":"٢. تحريم نكاح أم الزوجة، وتحريم نكاح بنت الزوجة.\nنهى الله ﵎ عن ذلك وجعلهما من المحرمات في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nوذلك أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم تزوج أمها أو العكس أدى ذلك إلى فساد ذات بينهن مما يؤدي إلى العقوق والتباغض بينهن.\nولما كانت غيرة البنت أقوى من غيرة أمها فقد جعل الله تحريم أم الزوجة بمجرد العقد على ابنتها سواء دخل بها أم لم يدخل، وجعل تحريم الربيبة (^١) -سواء كانت في حجره\nأم لا-بشرط الدخول بالأم فإن لم يحصل الدخول وطلقها جاز له أن يتزوج ابنتها (^٢).\n٣. الجمع بين الأختين.\nفقد ختم الله آية المحرمات بهذا النهي فقال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣].\nفقد حرم الله ﵎ الجمع بينهما حرصا على إبقاء الصلة والمودة التي أمر بها بين ذوي القرابات وخصوصا إن كانت قرابة شديدة، فإن في الجمع بينهما سببا لحصول الغيرة والخصومة بينهما.\nولما كان الأمر بهذه المنزلة في الحرص على القرابات وعدم قطعها جاءت السنة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن\n_________\n(^١) الربيبة هي ابنة امرأة الرجل. قيل لها ربيبة لتربيته إياها، وإنما هي مربوبة صرفت إلى ربيبة (جامع البيان ٨/ ١٤٧)\n(^٢) انظر: (جامع البيان ٨/ ١٤٦). والدخول المراد به الجماع قال الطبري: قال جميع أهل العلم متقدمهم ومتأخرهم أن البنت من المُبهمات، وحرام على من تزوَّج امرأةً أمُّها، دخل بامرأته التي نكحها أو لم يدخل بها (٨/ ١٤٣). وأما وصف الربائب بقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فقد خرج مخرج الغالب ولا مفهوم له وهو قول جمهور العلماء انظر: (تفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٥١) انظر كذلك: نظم الدرر (٢/ ٢٣٣)، وم","vol":"1","page":268},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) (^١). وذلك أن الجمع بينهما سبب لقطيعة الرحم (^٢).\nوهكذا فإن الشريعة الإسلامية جعلت في النكاح التقارب والتكافل والترابط، وحرمت منه ما يخالف هذه الحكمة العظيمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها بر قم (٤٨٢٠)، ومسلم في كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح برقم (١٤٠٨).\n(^٢) انظر: فتح الباري (٩/ ٢٠٢).","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المبحث السابع: حفظ الأعراض</span>\nحفظ الأعراض من الحكم العظمى في الشريعة الإسلامية، بل جعلها بعضهم من الضروريات (^١).\nوالمراد بحفظ الأعراض في هذا المبحث: هو حفظ أنساب الناس وأحسابهم وتنقيتها من الخطأ والدنس.\nفعلى هذا يكون حفظها من الكليات (^٢)،وبحفظها صلاح للمجتمع ونظامه، وباختلاطها وضياعها يحصل فساد النظام بين الناس.\nولذلك فإن القرآن قد جاء بحفظ الأعراض وشرع لأجلها الأحكام وأنزل ببيانها الآيات.\nويتبين لنا ذلك من خلال الفقرات التالية:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-151> المطلب الأول: وجوب انتساب الذرية للآباء</span>.\nاقتضت حكمة الله جل وعلا فيما ينتج عن النكاح من حصول الذرية والولد أن ينتسب الأبناء لآبائهم لا لأمهاتهم، وفي ذلك حفظ للأنساب بحصول التعارف بين الناس ذلك أن الأمهات محجوبات مستورات عن أعين الناس ولا يمكن في الغالب أن تعرف عين الأم، فلو انتسب الناس لأمهاتهم لجهلت الأنساب وحصل فساد كبير في التعامل بين الناس.\nوكذلك فإن الأب هو المولود له والأم وعاء، وقد جعل الله ﵎ الابن خليفة أبيه ولذلك فإن المصلحة في انتساب الأولاد لآبائهم (^٣)، وتظهر حكمة ذلك جليا حال تعدد\n_________\n(^١) ومنهم الطوفي والسبكي والمحلي وزكريا الأنصاري والشوكاني وغيرهم (انظر: مقاصد الشريعة لليوبي ص ٢٧٧).\n(^٢) انظر: لسان العرب (٧/ ١٦٥)، القاموس المحيط (ص ٥٩٥)، قال الزركشي: (والظاهر أن الأعراض تتفاوت فمنها ما هو من الكليات وهي الأنساب وتحريم الأنساب مقدم على الأموال ومنها ما هو دونها وهو ما عدا الأنساب) انظر: حاشية العطار (٢/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين (ص ٢٩٤).","vol":"1","page":270},{"text":"الزوجات فلوا انتسب الأولاد لأمهاتهم، فإن الإخوة ينسبون لأكثر من امرأة والمولود له واحد وهو الأب وفي ذلك ضياع للقرابات والحقوق من الإرث ونحو ذلك.\nوكذلك إن تزوجت المرأة برجل قبله أو بعده وأنجبت ذرية فإن الانتساب للأمهات حينها يفضي إلى اختلاط الأنساب وعدم معرفة الوالد.\nولذلك فقد حرم الله تعالى في كتابه العظيم الانتساب إلى غير الأب على أي حال فقال:\n﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥] فلقد كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلَد رجل وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له نصيب الذكر من أولاده، فجاءت الآية بإبطال التبني وتحريمه، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم ينسبون زيد بن حارثة إلى رسول الله - ﷺ - فيقولون: (زيد بن محمد) فلما نزلت الآية أمرت بالانتساب إلى الآباء فكانوا ينادونه (زيد بن حارثة) (^١).\nوأعظم حكمة في ذلك أنه هو العدل الذي أمر الله به، فهو عدل للوالد الذي نشأ منه الولد، وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه ويرثه ويورثه، وعدل عند الله ﵎ الذي شرّع هذا الحكم لما فيه مصلحة الولد والوالد والمجتمع بأسره، فإن الانتساب لغير الأب فيه ضياع للأعراض ودخول على غير المحارم من النساء، وتوريث من لا يستحق من الميراث.\nولذلك فإن نظام الأسرة الذي شرعه الله وهو النكاح وما يتفرع عنه من انتساب الأبناء لآبائهم فيه الخير والصلاح وحفظ الأعراض والأنساب.\nومهما اعتذر الناس بأي عذر في انتساب شخص لغير أبيه ولو لم يعلم نسبه فلا يجوز انتسابه لشخص آخر، بل يكون أخا في الدين أو مولى من موالي المسلمين، إلا ما حصل عن طريق الخطأ فهو معفوٌّ عنه كما نصت الآية الكريمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) برقم (٤٥٠٤)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد برقم (٢٤٢٥).","vol":"1","page":271},{"text":"وفي ذلك تأكيد لحفظ الأعراض والتنبيه من التساهل فيها لما في حفظها من المصلحة العظيمة، وفي اختلاطها وضياعها من المفاسد الكبيرة (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-152> المطلب الثاني: تحريم نكاح المحارم</span>.\nلما بيّن الله تعالى المحرمات في آية النساء نص على محارم الرجل فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].\nولقد كانت هذه المحرمات محرمة في الشرائع السابقة (^٢) ثم جاءت الآية تؤكد هذا التحريم وتغلظه.\nوفي تحريم المحرمات بالنسب والرضاع حكمة عظيمة وهي حفظ هذا العرض من المهانة وحفظ وقار الولادة أصلا وفرعا وما تعلق به من أخوة وعمومة وخؤولة، ولما في نكاح ما حرمهن الله في الآية من اختلاط الأنساب مما فيه فساد المجتمع واضطرابه، بأن تصبح الأم زوجة والابن أخا، أو الأخت زوجة وأبناء الأخت أولادًا، وهكذا يفسد نظام الأسرة في المجتمع بسبب انتهاك الأعراض.\nولذلك أكّد الله تحريم نكاحهن في كتابه الكريم وجعل لهن وقارا تحفظ به الأعراض من هذا الخلل الاجتماعي والفوضى الأسرية. (^٣)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-153> المطلب الثالث: فرض العدة على المطلقة والمتوفى عنها زوجها</span>.\nفقد أوجب الله تعالى حال الفراق بين الزوجين بطلاق أو وفاة العدة على الزوجة وفي ذلك حكم عظيمة منها: هو استبراء الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وألاّ يسقي الرجل ماء غيره.\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٢١/ ٢٦٢)، في ظلال القرآن (٥/ ٢٨٢٥).\n(^٢) انظر: جامع البيان (٨/ ١٣٣).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٩٦)، حجة الله البالغة (٢/ ٩٨٤).","vol":"1","page":272},{"text":"فبين الله ﷿ أن عدة المطلقة المدخول بها ثلاثة قروء، وذلك في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوالقرء يطلق ويراد به الحيض ويطلق ويراد به الطهر والراجح أن المراد بالقرء في الآية الطهر (^١).\nوبهذه العدة تتحقق براءة الرحم، ويضمن حفظ النسب من أن يختلط ماء رجل بماء رجل آخر في رحم المطلقة (^٢).\nولما كان من عادة النساء في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحق الولد بالزوج الجديد (^٣) فإن كون العدة ثلاثة قروء، تجعل الزوج ينظر ويتحقق بما يظهر له من القرائن من حصول حمل من عدمه حتى يتحقق من براءة الرحم (^٤).\n_________\n(^١) الذين قالوا: إن القرء الحيض: هم عمر وعلي وابن مسعود ومجاهد وقتادة، واستدلوا بحديث: (دعي الصلاة أيام أقرائك)، والذين قالوا إنه الطهر: عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت وهو مذهب الشافعية والمالكية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ وبينت السنة أن شرط الطلاق أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه كما في الصحيحين من حديث ابن عمر (ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمره الله) أي أن بداية العدة في الطهر فدل على أن القرء في الآية الطهر، أما قوله - ﷺ - في الحديث: (دعي الصلاة أيام أقرائك) فيقال: إن لفظ القرء مشترك بين الطهر والحيض ولا يمنع مجي السنة بأن القرء الحيض وجاء القرآن بأن القرء الحيض، ولا قرينة بين الحديث والآية ليحمل هذا على هذا فالحديث متعلق بالطهارة، والآية متعلقة بالمعاملات الزوجية. والله تعالى أعلم. انظر: (الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٣٧) (التحرير والتنوير ٢/ ٣١٩)، (أضواء البيان ١/ ١١٠).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ٣٩٠)، (أضواء البيان ٢/ ٢٣٨).\n(^٣) كما أخرج الطبري عن قتادة. انظر: (جامع البيان ٤/ ٥٢١).\n(^٤) انظر: حجة الله البالغة (٢/ ١٠١٤).","vol":"1","page":273},{"text":"أما من توفي عنها زوجها فقد جعل الله عدتها أربعة أشهر وعشرا كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nوالحكمة في جعل العدة بهذا العدد لأنها نصف مدة الحمل ويحتمل اشتمال رحم الزوجة على الولد، ففي الاعتداد بهذه العدة ظهور الحمل لكل من يراه إن كان موجودا حتى لا تختلط الأنساب، وفي زيادة العشر بعد الأربعة أشهر لما قد ينقص من الشهور ولأن فيها ينفخ الروح، فعن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب (^١)، ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح) (^٢).\nولما كانت المطلقة ذات الحمل براءتها متحققة بوضع حملها فقد جعل الله ﵎ عدتها منقضية بذلك فقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. ولذلك فإن المتوفى عنها زوجها إن كانت ذات حمل فإن أجلها بوضع الحمل طال أم قصر لأن به تحقق براءة الرحم (^٣)، وبذلك قضى رسول الله - ﷺ - فعن سبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة (^٤) وهو من بني عامر بن لؤي وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته\n_________\n(^١) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة أبو محمد القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، رأى عمر، وسمع عثمان، وعليا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، وسعدا، وعائشة وأبا هريرة، وابن عباس، وروى عنه خلق: عثمان بن حكيم، وعطاء الخراساني، وعقبة وقتادة وكان ممن برز في العلم والعمل توفي سنة ثلاث وتسعين. (سير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٧،٢١٨، ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبري في التفسير (٥/ ٩٢)، وانظر: (الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٣١٦)، (تفسير القرآن العظيم ١/ ٦٣٦، ٦٣٧)، (حجة الله البالغة ٢/ ١٠١٤).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير (٢٨/ ٣٢٠).\n(^٤) سبيعة بنت الحارث: سبيعة بِنْت الحَارِث الأسلمية. كانت امْرَأَة سعد بن خَوْلَة فتوفي عنها بمَكَّة في حجة الوداع وهي حامل، فوضعت بعد وفاة زوجها بليال، قيل: شهر، وقيل: خمس وعشرون (الإصابة ٧/ ٦٩٠)\nسعد بن خولة: القرشي العامري. من بني مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وقيل من حلفائهم وقيل من مواليهم. قال ابن هشام: هو فارسي من اليمن حالف بني عامر. (انظر: الإصابة في معرفة الصحابة ٣/ ٥٣).","vol":"1","page":274},{"text":"فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك (^١) رجل من بني عبد الدار فقال لها ما لي أراك تجملت للخطاب ترجين النكاح، فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا.\nقالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي) (^٢)\nوبهذا يتبين ما في العدة من حكمة عظيمة لحفظ العرض والحرص على عدم اختلاط الأنساب (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-154> المطلب الرابع: مشروعية اللعان</span>.\nوذلك أن في اللعان نفي العار والمسبة الذي يلحق الزوج بزنا امرأته، ونفيا لإلحاق ولد غيره به ولا سبيل لإثبات ذلك ببينة لأنها لا تقر قول زوجها فشرع الله لهما التحالف بأغلظ الأيمان وتأكيدها بدعائه على نفسه باللعنة ودعائها على نفسها بالغضب إن كانا كاذبين ثم يفسخ النكاح بينهما إذ لا يمكن أحدهما أن يصفو للآخر أبدا فهذا أحسن حكم يفصل به بينهما في الدنيا وليس بعده أعدل منه ولا أحكم ولا أصلح (^٤).\n\nوبهذه الأحكام التي ذكرها الله في كتابه تتبين أهمية حفظ الأعراض وكيف اهتم القرآن ببيانها وتفصيل أحكامها لما فيها من النفع البيّن للمجتمع من إثبات الانتساب إلى الآباء ومنع حصول الفوضى باختلاط الأنساب وما يترتب على ذلك من حقوق في النفقات والمواريث والأعراض، فلو اجتمع الخلق على أن يأتوا بما يحقق هذا الأمر كما شرع الله لم يهتدوا إلى ذلك فتبارك من أبان ربوبيته ووحدانيته وحكمته وعلمه في شرعه وخلقه.\n_________\n(^١) هو أبو السنابل بن بعكك بن الحارث بن عميلة بفتح أوله ابن السباق بن عبد الدار القرشي العبدري اسمه صبة بموحدة وقيل بنون وقيل عمرو وقيل عامر وقيل أصرم وقيل لبيد ربه بالإضافة= ... وقيل حبة أو حنة وقال البخاري: لا أعلم أنه عاش بعد النبي ﷺ. وقال ابن سعد وغيره أقام بمكة حتى مات وهو من مسلمة الفتح (الإصابة ٧/ ٤٨) (أسد الغابة (٥/ ١٥٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب من فضل من شهد بدرا برقم (٣٧٧٠)، ومسلم في كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل برقم (١٤٨٤).\n(^٣) لمن أراد الاستزادة فإن للعلامة ابن القيم ﵀ كلاما طويلا عن حكمة العدة والفرق بين كل عدة وغيرها. انظر: (إعلام الموقعين (ص ٣٠٨ - ٣١٠).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٣٣٢).","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>المبحث الثامن: حفظ الحقوق</span>\nإن من رحمة الله ﵎ أن شرع الله لكلا الزوجين ما لهما من الحقوق وما عليهما من واجبات، وأمرهما بحفظ هذه الحقوق والقيام بها كما ينبغي، وذلك أن النكاح من المعاملات التي إن لم توضع لها الحدود وتبيّن فيها الحقوق فسيكثر وقوع الخلاف والنزاع الذي ينافي حكمة النكاح في الطمأنينة والاستقرار، فالزوج قد يطلب من زوجه حقوقا ليست له والزوجة قد تطلب حقوقا ليست لها.\nولذلك فقد جاء في القرآن العظيم بيان الحقوق التي تخص كلا الزوجين حتى تتضح المعالم وتتحدد المسؤوليات ويزول الغموض والالتباس عن كلا الزوجين في المطالبة بحقوقهما.\nولقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ العام في حفظ الحقوق بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨] ثم فصل في هذه الحقوق على ما سيأتي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-156> المطلب الأول: حفظ حق الزوج</span>.\n١. تدبير شؤون الأسرة: وهذا الحق من الحقوق المندرجة تحت قول الله تعالى:\n﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] فالزوج هو حاكم هذه الأسرة ورئيسها، وهو القائم بتدبير مصالحها، وذلك أن الله فضله بزيادة العقل والدين والولاية وبذلك كان هو الأحق بالنظر في الأقوم لبيته وزوجه وولده، ولذلك فإنه إذا اجتهد في أمر ورأى صلاحه فهو الأحق بتطبيق هذا الأمر (^١).\nولا يعني هذا ألا يستشير أهله وولده في شؤون الأسرة ولكن هو الذي عليه تطبيق الأصلح لأسرته وأهل بيته.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٩٢)، روح المعاني (٥/ ٢٣).","vol":"1","page":276},{"text":"ولذلك فإن على الزوجة أن ترعى هذا الحق لزوجها وتعاونه فيه لا أن تزاحمه أو تنافسه فإنها بذلك تكون معتدية متطلبة حقا لم يكلفها الله به، كما أن على الزوج أن يلتزم بالقيام بهذا الحق فإن ذلك من أسباب قوامته ومما أوجبه الله عليه قبل أن يكون حقا له على زوجته.\n٢. حق الطاعة.\nطاعة الزوجة لزوجها حق من حقوقه، فإن قوامة الرجل تقتضي ذلك، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]\nفبين الله جل وعلا أن الصالحات قانتات أي مطيعات لربهن قائمات بحقه، ومطيعات لأزواجهن، وأنهن حافظات لحق أزواجهن وحافظات لأنفسهن حال غيب أزواجهن، بل حافظات لكل ما غاب عنهم فلا يتحدثن بما يكون بينه وبينهن، ولا يفشين له سرا (^١).\nوعن ابن عباس ﵄ أنه قال في تفسير قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يعني: أمرَاء، عليها أن تطيعه فيما أمرَها الله به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنةً إلى أهله، حافظةً لماله (^٢).\nوطاعة الزوج من أعظم أسباب استقرار الأسرة وعدم تفككها، فإن الطاعة تجلب الرضا وتمنع الخلاف والتباغض.\nوإن من تمام الطاعة وكمالها حسن عشرة الزوج والقيام على ما يصلحه، فمن قامت بذلك فهي من خير النساء فعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي - ﷺ - أي النساء خير؟ قال: (التي تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه فيما يكره في نفسها ولا في ماله) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٨/ ٢٩٧)، البحر المحيط (٣/ ٣٣٧).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره عن علي بن أبي طلحة (٨/ ٢٩٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٩٥٨٥) وقال الأرناؤوط في تعليقه: إسناده قوي، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٢٩٥)، والحاكم في المستدرك، كتاب النكاح برقم (٢٦٨٣) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وأخرجه كذلك عن مجاهد عن ابن عباس بلفظ قريب منه وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (كتاب الزكاة ١٤٨٧).","vol":"1","page":277},{"text":"وعنه رضي الله قال: عن النبي - ﷺ - قال: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش أحناه على ولده في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده) (^١).\nفهذان الحديثان يبينان أن صلاح المرأة وطاعتها لزوجها وحسن مخالطته من أعظم حِكَم النكاح (^٢).\nوقد وعد النبي - ﷺ - من اتصفت بهذه الصفات بالجنة، فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت) (^٣).\nولا شك أن هذه الطاعة مشروطة بألا يأمرها بمعصية فعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله) (^٤).\n٣. حق التأديب:\nإذا نشزت الزوجة وتمردت على زوجها ولم تقم بحقوقه التي أمرها الله بالقيام بها فقد شرع الله للزوج حق التأديب وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤] كما شرع له في الآية سبل التأديب التي يقوم بها، فبأي وسيلة حصل التأديب فلا ينبغي له أن يتعداها إلى غيرها.\nفأول طريق يسلكه الزوج: الموعظة، وذلك بأن يذكرها بالله في القيام بحقه وما توعدها الله من العقاب على المعصية وما وعدها به من الثواب على الطاعة، فإن هي تذكرت ورجعت وأنابت فقد حصل المقصود.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب النكاح، باب إلى من ينكح وأي النساء خير وما يستحب أن يتخير لنطفه من غير أيجاب برقم (٤٧٩٤)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل نساء قريش برقم (٢٥٢٧).\n(^٢) انظر: حجة الله البالغة (٢/ ٩٦٠)، فتح الباري (٩/ ١٥٧).\n(^٣) رواه الإمام أحمد في المسند برقم (١٦٦١). وحكم عليه الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على المسند بالحسن لغيره، وكذلك الشيخ الألباني وقال: رواته رواة الصحيح خلا ابن لهيعة وحديثه حسن في المتابعات (صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ١٩٦).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٠٦٧٢)، وصححه الألباني انظر: (صحيح الجامع ٢/ ١٢٥٠).","vol":"1","page":278},{"text":"وإن أصرت وعاندت فله أن يستخدم الطريق الثاني وهو هجرانها: وذلك بأن يهجرها في المضجع ويوليها ظهره فلا يجامعها وزاد بعض المفسرين هجرانها في الحديث فلا يخاطبها وهذا له أثر شديد على الزوجة وغالبا ما ترجع بعد ذلك وتتوب (^١).\nفإن تمادت في نشوزها ولم تُجْد الوسائل السابقة فقد أباح الله له أن يضربها.\nوقد بينت السنة هذا الضرب بأنه ضرب غير شديد لا يؤثر في جسدها ولا يكسر لها عضوا (^٢).\nوينبغي على الزوج ألا يتخذ هذا الأسلوب إلا عند الحاجة وذلك أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تضربوا إماء الله) فجاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله - ﷺ - فقال: ذئرن (^٣) النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله - ﷺ - نساء كثير يشكون أزواجهن فقال النبي - ﷺ - (لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم) (^٤).\n٤. حق الخدمة.\nفللمرأة على زوجها حق خدمته والقيام بشؤون المنزل وإصلاح ما يحتاجه في ملبسه ومأكله فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: ما تعارف عليه الناس من حقوق للزوج على زوجه ومن ذلك الخدمة (^٥)، فإن المرأة إذا ترفهت عن خدمة الزوج والقيام بشؤون البيت من طهي وتنظيف فإن ذلك من المنكر الذي لم يأذن\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٩٤).\n(^٢) كما في حديث جابر عند مسلم في كتاب الحج باب حجة النبي - ﷺ - برقم (١٢١٨) وجاء فيه: ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح\n(^٣) معناه سوء الخلق والجرأة على الأزواج (عون المعبود ٦/ ١٣٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود في السنن كتاب النكاح باب في ضرب النساء برقم (٢١٤٦)، وابن ماجة في سننه كتاب النكاح باب ضرب النساء برقم (١٩٨٥)، وابن حبان في صحيحه كتاب النكاح باب معاشر الزوجين برقم (٤١٨٩)، والحاكم في المستدرك كتاب النكاح برقم (٢٧٦٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وصححه الألباني في تعليقه على سنن أبي داود برقم (١٨٧٩).\n(^٥) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ٣٩٩).","vol":"1","page":279},{"text":"به الله وهو مخالف للمعروف الذي ذكره الله في الآية كما أن من المعروف أن يتفرغ الزوج لشؤون المعاش وطلب الرزق (^١).\nوقد كان أزواج النبي - ﷺ - يقمن بخدمته وهن أشرف نساء العالمين وأمهات المؤمنين فعن عائشة ﵂ قالت: (كنا نعد لرسول الله - ﷺ - سواكه وطهوره ...) الحديث (^٢).\nوكانت أم المؤمنين ميمونة ﵂ تعد لرسول الله - ﷺ - غسله ليغتسل (^٣)، وكانت فاطمة ﵂ تطحن الرحى حتى اشتكت من ذلك وأتت إلى الرسول - ﷺ - تطلبه خادما، فأرشدها النبي - ﷺ - إلى ما هو خير لها من خادم (^٤) ولم ينكر على علي ﵁ أن جعلها تخدمه، وكانت أسماء بنت الصديق ﵄ تقول: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شي غير ناضح وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، ولقد رآها - ﷺ - تنقل النوى على رأسها إلى أرض الزبير وهي على بعد ثلثي فرسخ (^٥)، ومع ذلك لم ينكر النبي - ﷺ - على الزبير خدمة زوجته له (^٦)\nفإذا كان أفضل النساء وأشرفهن كنّ يخدمن أزواجهن وكان أمرا متعارفا لديهم فغيرهن من باب أولى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-157> المطلب الثاني: حقوق الزوجة:</span>\nكما فرض الله ﵎ للرجال حقوقا فقد جعل للنساء حقوقا على أزواجهن وأمر الرجال بالقيام بها ونهاهم عن التفريط فيها ومن هذه الحقوق ما يلي:\n_________\n(^١) انظر: إحياء علوم الدين (٢/ ٤٠)، زاد المعاد (٥/ ١٨٨).\n(^٢) أخرجه مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض برقم (٧٤٦).\n(^٣) أخرجه مسلم كتاب الحيض، باب تستر المغتسل بثوب ونحوه برقم (٣٣٧).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الخمس باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله - ﷺ - برقم (٢٩٤٥).\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الغيرة برقم (٤٩٢٦)، ومسلم في كتاب السلام باب جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق برقم (٢١٨٢). ومعنى وأخرز غربه المراد به الدلو (الفتح ٩/ ٣٢٣)\n(^٦) استدل ابن القيم ﵀ بهذه الأحاديث في تقوية القول بوجوب خدمة الزوجة لزوجها وأن ذلك حق للزوج. انظر: (زاد المعاد ٥/ ١٨٨).","vol":"1","page":280},{"text":"١. حق المرأة في الصداق:\nفقد أوجب الله ﵎ على الزوج إذا أراد الزواج أن يُصدق امرأته فقال تعالى:\n﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] وجعل المهر فرق ما بين النكاح والزنى ولذلك فلا يجوز نكاح بدون صداق لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا المهر يدفع للمرأة ولا يجوز لوليها أخذ شيء منه (^١).\nوقد جعله الله ﵎ شرطا من شروط النكاح فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ...﴾ الآية [المائدة: ٥] (^٢).\nوقد حذر الله الأزواج ونهاهم عن أخذ هذا المهر عن غير رضا وخصوصا عند الفراق وأخبر أنه من الآثام العظام فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢٠، ٢١].\nوهذا الفعل من الشناعة بمكان وهو أن يضار الزوج زوجته للتخلي عن مالها، ولذا فقد جاء الاستفهام في قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ إنكارا على من يفعل هذا الفعل، ثم جاء بيانه بأنه إثم وبهتان للبعد عن الوقوع فيه، ثم أعقبه بالتعجب ممن يفعل هذا الفعل تنزيها\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٨٧)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٥)،\n(^٢) انظر: نظم الدرر (٢/ ٣٩٨).","vol":"1","page":281},{"text":"للمسلمين عن فعل ذلك ثم ختم الآية ببيان سبب هذا المال وهو قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ أي: قد حصل بينكم من المعاشرة والميثاق على حسن المعاملة ودوام الألفة فكيف تأخذون ما ينقض هذا الميثاق الغليظ حتى وإن حصل الطلاق وأردتم استبدال الزوجة بأخرى، أما إذا أرادت المرأة أن تختلع من زوجها أو أعطته على طيب نفس منها فلا بأس (^١).\nوقد حذر الله أولياء يتامى النساء أن ينكحوهن دون أن يعطونهن حقهن من المهر كما يعطى غيرهن، فإذا أعطيت حقها من المهر فلا بأس له أن يتزوجها (^٢) كما قال تعالى:\n﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧]\nوقد بين الله ﵎ وجوب الصداق كذلك حال وجود مهاجرات مسلمات تركن المشركين، فلا حرج من الزواج بها بعد انقضاء عدتها وأن تعطى صداقها فقال تعالى:\n﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] (^٣).\nفهذه الآيات كلها على اختلاف حالاتها دلت على أحقية المرأة للصداق وتعظيم شأنه.\n٢. حق النفقة والسكنى.\nأجمع العلماء على وجوب نفقة الزوج على زوجته وأولاده (^٤) وقد فضله الله بذلك كما في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. وقد أمره الله أن ينفق على قدر طاقته فالغني ينفق على قدر غناه والفقير ينفق على قدر فقره كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦١٣)، التحرير والتنوير (٤/ ٢٩٠).\n(^٢) انظر: أضواء البيان (١/ ١٨٨).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم (٨/ ٩٤).\n(^٤) المغني (١١/ ٣٤٧).","vol":"1","page":282},{"text":"فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧] (^١).\nوقد بين النبي - ﷺ - هذا الحق للزوجة في حجة الوداع فقال: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (^٢)، كما بين ﵊ الضابط في النفقة فقال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت) (^٣).\nومن النفقة الواجبة على الزوج توفير السكن لها وأن يسكنها حيث يسكن.\nولذا فإن الزوج إن قتر على زوجه وأولاده وقصر في نفقتهم فللزوجة أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف فعن عائشة ﵂ أن هند بنت عتبة قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (^٤).\nوالنفقة والسكنى حقان للمرأة المطلقة كذلك' فلا يجوز للرجل إخراج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها كما قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ... [الطلاق: ١]، وقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦] (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٢١/ ٥٧).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ١١٧).\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده برقم (٢٠٠٣٦)، وأبو داود في سننه كتاب النكاح باب في حق المرأة على زوجها برقم (٢١٤٢)، والحاكم في المستدرك كتاب النكاح برقم (٢٧٦٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني (انظر: إرواء الغليل ٧/ ٩٨).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب النفقات باب إذا لم ينفق الرجل فللمراة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها من معروف برقم (٥٠٤٩)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب قضية هند برقم (١٧١٤).\n(^٥) انظر: جامع البيان (٢٣/ ٤٥٧).","vol":"1","page":283},{"text":"فإن كانت المرأة ذات حمل ووضعت حملها فيجب لها عليه نفقتها حتى تنتهي من إرضاع ولدها كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] (^١).\nوبهذه الحقوق تنتظم الحياة الزوجية وتستقر فكما أن المرأة تقوم بشؤون البيت وتهيؤه للزوج وهو حقه عليها فيجب على الرجل القيام بما يصلحها في شؤون المعاش (^٢).\n٣. حق التربية والأمر بطاعة الله.\nفللزوجة حق على زوجها وهو أن يأمرها بطاعة الله ويقيها كل سبيل يبعدها عن الله فهو المسؤول عن زوجه وولده فقد أمر الله بذلك فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢] وهذا أمر من الله لنبيه - ﷺ - أن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم والخطاب يشمل جميع أمته (^٣)، وأمر الله المؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦] قال علي ﵁: (علموهم وأدبوهم) وعن ابن عباس ﵁ قال: (اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينْجيكم الله من النار) (^٤).\nفأمْرُ الزوجة والأولاد بالطاعة من المسؤولية التي حمَّلها الله للزوج، وهي من سنن الأنبياء الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم، فكان إسماعيل ﵇ يأمر أهله بالطاعة كما قال تعالى:\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥]، وهكذا كان النبي - ﷺ - وسيرته مليئة بذلك.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٣٤).\n(^٢) انظر: المغني (١١/ ٣٤٨).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٦٤).\n(^٤) جامع البيان (٢٣/ ٤٩١).","vol":"1","page":284},{"text":"فعلى الزوج مراعاة هذا الحق، فحفظه حفظ لحق الله، وهو سبب في استقرار البيوت وطمأنينتها.\n• ومن الحقوق المشتركة بين الزوجين والتي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] حق قضاء الحاجة والوطر فكما أنه حق للزوج فهو حق للزوجة وقد أشار ابن عباس ﵄ إلى ذلك بقوله: (إني أحبُّ أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي; لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١).\nومما يدخل ضمن هذا الحق ألا يعْجَل الزوج على زوجه في الجماع حتى تقضي حاجتها كما عليه أن يتوخى أوقات حاجتها فيعفها ويغنيها (^٢).\nوكذلك فإن على الزوجة أن تجيب زوجها إذا دعاها لحاجته، ولا يجوز لها التباطؤ في إجابته فقد قال رسول الله - ﷺ -: (إذا الرجل دعا زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور) (^٣).\nففي القيام بهذا الحق إعفاف لكلا الزوجين من أن يشبعا حاجتهما بما حرم الله.\nفإذا امتثل الزوجان ما وجب عليهما من الحقوق ففي ذلك صلاح للأسرة وصلاح للمجتمع من التفكك والقطيعة.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٤/ ٥٣٢)، المحرر الوجيز (٢/ ٢٧٤).\n(^٢) انظر: المغني (١٠/ ٢٣٢)، الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٥٢)، روح المعاني (٢/ ١٣٥).\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب الرضاع، باب حق الزوج على المرأة برقم (١١٦٠) وقال الترمذي حديث حسن غريب، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى كتاب عشرة النساء، باب في المرأة تبيت مهاجرة لفراش زوجها برقم (٨٩٧١)، وابن حبان في صحيحه، كتاب النكاح، باب معاشر النساء برقم (٤١٦٥)، كلهم من حديث طلق بن علي. وصححه الألباني (انظر: صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ١٩٩).","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المبحث التاسع: حفظ العفة ومحاربة الرذيلة</span>\nالعفة طبع أصيل وخلق نبيل، جامع للفضائل ودافع للرذائل، جاء به الإسلام ليقوّم به ما اعوج من خلق الجاهلية، فقد أخبر بذلك أبو سفيان ﵁ هرقل حين سأله عن النبي - ﷺ - وقال له: بماذا يأمركم؟ فقال أبو سفيان: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة (^١).\nقال سماك بن حرب (^٢): كان أهل الجاهلية إذا كان في الرجل ست خصال سودوه الحلم والعقل والسخاء والشجاعة والبيان والتواضع ولا يكملن في الإسلام إلا بالعفاف (^٣).\nوكان من دعاء النبي - ﷺ -: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) (^٤).\nوالعفاف لفظ عام يشمل الكف عن المحرمات وخوارم المروءة (^٥)، ويدخل فيه عفة العبد في حفظ فرجه وهو المراد في هذا المبحث.\nوقد جاء القرآن آمرا بهذه العفة مادحا أهلها، فقد امتدح جل علا المفلحين بصفات ومنها قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول - ﷺ - برقم (٧) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام برقم (١٧٧٣).\n(^٢) سماك بن حرب بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة، أبو المغيرة الذهلي البكري الكوفي حدث عن ابن الزبير، والنعمان بن بشير، وجابر بن سمرة، وأنس بن مالك، وحدث عنه شعبة، والثوري، وزائدة، والحسن ابن صالح، قال سفيان الثوري: ما سقط لسماك بن حرب حديث. مات سنة ١٢٣ هـ (السير ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٨).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ٣٢٣).\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل برقم (٢٧٢١).\n(^٥) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٢/ ١٠٦).","vol":"1","page":286},{"text":"فبين الله ﵎ أن النكاح وملك اليمين هما طريقا الطهر والعفة وأن ما عداهما طريق للفواحش والرذائل.\nولذلك فإن المجتمع الذي يستعف عما حرم الله هو مجتمع طاهر نظيف، ينعم بالأمن الخلقي والفكري في بيته وأسرته، فقد استغنى بالحلال عن الحرام ولا يفكر في إشباع غريزته إلا بما شرع الله له، أما المجتمع الذي طرح العفة عن نفسه فلا يخلو من فساد ودنس، فهو يحاول إشباع رغبته بغير حساب (^١) ولذلك فهو مجتمع منحط إلى دركات البهيمية متوعد بعقاب الله.\nوقد ضرب القرآن لذلك مثلا في قصة قوم لوط ﵇ وما حصل منهم فقد كانوا يأتون الذكران من العالمين، وقد وعظهم لوط ﵇، فقال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨]، فبين لهم ﵇ أن الزواج عفة وطهارة، ودل على أن فعلهم رجس، وبين أثر هذا الفعل على انحطاطهم العقلي كذلك بقوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، فنفى عنهم الرشد الذي تصلح به المجتمعات وتنهض، فاستوجبوا عقوبة الله تعالى لهم.\nويظهر لنا ذلك من خلال مايلي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-159> المطلب الأول: الاستعفاف لمن لا يستطيع النكاح</span>.\nولما كان النكاح لا يستطيعه كل أحد فقد أمر الله عباده الذين لا يقدرون على النكاح بالاستعفاف عن الحرام فقال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. أي: بالاجتهاد في الاستعفاف والامتناع عن أي وسيلة تفضي إلى المحرم، ومن الوسائل في ذلك ما أمر الله به الرجال والنساء من غض الأبصار، وعدم تبرج النساء في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ\n_________\n(^١) انظر: في ظلال القرآن (٤/ ٢٤٥٥).","vol":"1","page":287},{"text":"بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ...﴾ الآية [النور: ٣٠ - ٣١] ومن الوسائل النبوية في طلب العفة الصوم كما أخبر بذلك - ﷺ - فقال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (^١).\nوقد بينت الآية أن العفة لا تنفك عن العباد من حيث إنهم مأمورون بها فهم إما مستعفون بالحلال أو مستعفون عن الحرام، وأما غيرهم فهم معتدون آثمون (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-160> المطلب الثاني: تعدد الزوجات وأثره في عفاف المجتمع</span>.\nوإذا وجد العبد القدرة على النكاح فعليه المبادرة إلى ذلك لما فيه من إعفاف نفسه وحفظه عن الرذيلة، بل شرع الله أن ينكح أكثر من زوجة إذا استطاع العدل بينهن وذلك لما فيه من إعفاف الرجال والنساء، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]\nلأن سنة الله في الكون اقتضت أن يكون الرجال أقل عددا من النساء، وليس جميع الرجال لديهم استعداد للزواج لما قد يستلزمه النكاح، ولذا لو اقتصر كل رجل على زوجة واحدة فقط لبقي عدد كبير من النساء دون أزواج، ولضاعت حقوق كثير من المستعدات للزواج دون زوج يحفظ حقوقهن ويقضي وطرهن (^٣)، فقد يؤدي ذلك إلى قضائه بطريق الحرام فيكثر الفساد في المجتمع.\nوبذلك يكون التعدد حلا شرعيا يكفل حفظ المجتمع وعفافه والقضاء على وسائل الرذيلة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-161> المطلب الثالث: نهي المطلقة عن الخروج من بيتها وأثره في عفتها وعفة المجتمع</span>.\nإن الله جل وعلا حين نهى المطلقة أن تخرج من بيتها أو تُخرَج منه في قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، كان في منعها من الخروج حكمة من الحكم وهي أن المطلقة يكثر التفات العيون لها وقد يتسرب سوء الظن إليها فيكثر الاختلاف\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٣٢).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٣٨٠).\n(^٣) انظر: أضواء البيان (٢/ ٢٢١)، في ظلال القرآن (٢/ ٥٧٩، ٥٨٠).","vol":"1","page":288},{"text":"عليها ولا تجد ذا عصمة يذب عنها وقد لا تجد مسكنا فلذلك كان في وجوب السكنى لها حفظ لكرامتها وعفتها، وصيانة للمجتمع من أسباب الفساد (^١).\nولذلك فقد أباح الله إخراجها إن وقعت في الفاحشة، ونهى في حالة التعريض بخطبة المطلقة البائنة أو المتوفى عنها زوجها بأن يواعدها الخاطب سرا في حال عدتها كل ذلك صيانة لعفة المجتمع كما قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-162> المطلب الرابع: النهي عن إشاعة الفاحشة وعقوبة من يحب ذلك</span>.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩] فالفواحش قد تحدث في المجتمعات ولكن الأصل فيها أن تستر فلا تنشر كما قال النبي - ﷺ -: (ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) (^٢)،وأن يتم علاجها بالطرق الشرعية، ومن علامة المؤمن أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فكما لا يحب المسلم أن يشاع عنه خبر سيء، فكذلك لا ينبغي له أن يشيع الأخبار السيئة عن الناس وخصوصا فيما يتعلق بأعراضهم.\nثم إن الله تعالى لما حرم هذه الفواحش زرع في قلوب الناس الترهيب منها وعظمة جرم من اقترفها حتى تنصرف قلوب الناس وعقولهم عن التفكير فيها ويتهيبون وقوعها أما إذا انتشر بين المجتمع الحديث عن وقوع هذه الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع فتخف هيبتها في النفوس ويحصل التهاون بوقوعها فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها، وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها يصير أمرها معتادا بين الناس ويخف إنكارها.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٨/ ٣٠٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، برقم (٢٣١٠)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم برقم (٢٥٨٠).","vol":"1","page":289},{"text":"ولذلك فإن قوم لوط ﵇ حين استمرؤوا الفاحشة والوقوع فيها اعتبروا الطهر جريمة فقالوا عن لوط ﵇ ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ [الأعراف: ٨٢].\nولذلك فإن في النهي عن إشاعة الفاحشة صونا لعفة المجتمع.\nولعظمة هذا الأمر وأثره في فساد المجتمع توعد الله مجرد من يحب إشاعة هذه الفواحش ويستحبها بقلبه، فكيف بمن أظهرها ونشرها؟!\nوسواء كانت هذه الفاحشة قد حصلت، أو لم تحصل، والثانية أشد وأعظم لما فيها من قذف الأطهار من الرجال والنساء فلذلك جعل الله عقوبة القاذف بدنية ونفسية ودينية فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤].\nوفي ختْم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أعظم تأديب للمؤمنين بأن يجتنبوا هذه الظاهرة السيئة لأنه سبحانه يعلم ما في ذلك من المفاسد فنهى العباد عنها وهم لا يعلمون ما يترتب عليها من الشرور والمصائب فيحسبون التحدث بذلك هينا وهو عند الله عظيم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٣/ ٤٨٥)، التحرير والتنوير (١٨/ ١٨٤، ١٨٥).","vol":"1","page":290},{"text":"الفصل الرابع: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة\n\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: إقامة شعائر الله.\nالمبحث الثاني: حفظ الحقوق.\nالمبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المبحث الأول: إقامة شعائر الله</span>\nخلق الله الخلق لغاية عظيمة وهي عبادته وحده لا شريك له، واقتضت هذه العبودية القيام بما أمر الله به عباده من الحدود والفرائض.\nوكما ورد في سياق آيات الأطعمة الدعوة إلى تعظيم شعائر الله، فقد ورد فيها كذلك تذكير العباد بإقامة هذه الشعائر وما لها من أثر على المجتمع.\n• فقد أشارت الآيات في كتاب الله أن هناك تلازما بين إقامة الأمة لشعائر الله وبين طعامهم وشرابهم.\nوذلك أنه لما كان الطعام والشراب من الحظوظ التي تستدعيها النفس، وربما سعت في البحث عنها وطلبها سعيا حثيثا لحاجتها إليها، اقتضت حكمة الله جل وعلا تذكير العباد بما فيه مخالفة الهوى (^١)، بإقامة أوامره وحدوده، ومن رحمة الله تعالى أن جعل حاجة الإنسان لا تعارض شريعته، بل جعل إقامتها طريقا إلى التوسعة على العباد في المأكل والمشرب.\nوقد بين جل وعلا للعباد في كتابه هذا الأمر غاية البيان وخصوصا حينما يتعلق الأمر بحال مجتمع من المجتمعات أو أمة من الأمم فإن أثر إقامة هذه الأوامر أو إضاعتها سيؤثر على المجتمع سلبا أو إيجابا.\nفقد أخبر تعالى عن حال اليهود حين طُلِب منهم ما فيه خير لهم في العاجل والآجل فكان الحال أن ضيعوا أمر الله وحرفوه إلى ما يوافق أهواءهم وشهواتهم فقال عن حالهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٨ - ٥٩].\n_________\n(^١) انظر: الموافقات (٢/ ٤٨٠).","vol":"1","page":292},{"text":"فقد أمرهم الله بدخول الأرض المقدسة ركعا ووعدهم فيها بالعيش الهنيء الذي لا يتطلب منهم العناء والتعب وطلبهم أن يقولوا ما يحط به عنهم خطاياهم وذنوبهم وما فيه حياة قلوبهم، ولكنهم ضيعوا أمر الله واستبدلوه بطلب الحنطة نظرا لحياة أجسامهم وأبدانهم وقد أغناهم الله عن طلبه بضمانه لهم قبل ذلك في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى. ولكنهم حين أعرضوا عن إقامة أمر الله واشتغلوا ببطونهم سلبهم الله هذه النعمة وحل عليهم العقاب جزاء تضييعهم (^١).\nوالذي يظهر من خلال الآيات أن بني إسرائيل أشغلهم طلب الطعام والتلذذ به عن إقامة دين الله فقد وصل بهم الحال إلى البطر عما أنزله الله لهم من المن والسلوى دون عناء وتعب إلى طلب الدنيء من الطعام مع ما يجدون فيه من الجهد في إصلاحه وإنضاجه ولذلك فقد عوقبوا بالمذلة والغضب لإضاعتهم أمر الله، واعتدائهم في طلب ما تكفل الله لهم من الرزق.\nوقد أخبر الله أنهم لو أقاموا شعائره لفتحت عليهم بركات السماء وخزائن الأرض وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] فقد أشارت الآية إلى أن سبب ضيق عيش اليهود هو غضب الله تعالى عليهم لإضاعتهم التوراة وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن، ولو أنهم أقاموا أوامر الله لأغدق عليهم في النعم ولرفع عنهم غضبه ورجزه (^٢)،وفي هذا دلالة واضحة على التلازم بين إقامة حدوده الله وبين المأكل والمشرب.\nكما أن في هذه الآية تحذيرا للمجتمع أنهم معرضون لحرمان الرزق إن ضيعوا أمر الله فقد قال رسول الله - ﷺ -: (يوشك أن يرفع العلم، فقال زياد بن لبيد (^٣): يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمنا أبناءنا؟ فقال: (ثكلتك أمك يا ابن لبيد: إن كنت\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٧٣ - ٢٧٧)، نظم الدرر (١/ ١٤٣).\n(^٢) التحرير والتنوير (٦/ ٢٥٣).\n(^٣) زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر الأنصاري البياضي شهد العقبة وبدرا، كان عامل النبي ﷺ في حضرموت، وولاه أبوبكر ﵁ قتال أهل الردة من كندة (الإصابة ٢/ ٥٨٦).","vol":"1","page":293},{"text":"لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله، ثم قرأ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (^١).\nفدل الحديث على أن من شابه حاله حال اليهود والنصارى سيحل به ما حل بهم من ضيق العيش.\nوقد أخبر جل شأنه عمن تنكب طريق الإسلام أنهم لو أقاموا الإسلام لوسّع عليهم في الرزق فقال: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ [الجن: ١٦].\nوالمعنى: لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها، لأسقيناهم ماءً كثيرًا. والمراد بذلك سَعَة الرزق (^٢)\nفعلى المجتمع أن يعلم أن المقصد الأعظم هو إقامة شرع الله وبقدر تحقيقه وإقامته يحصل لهم النمو والبركة في مطاعمهم ومشاربهم، وبقدر تضييعهم لحق الله بقدر ما يصيبهم من الضيق في المأكل والمشرب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده إلى جبير بن نفير مرسلا في التفسير (٤/ ١١٧٠)، وقد أخرجه الترمذي موصولا عن أبي الدرداء ﵁، كتاب العلم باب ذهاب العلم برقم (٢٦٥٣)، وروي موصولا عند أحمد برقم (١٧٥٠٨) عن زياد بن لبيد وأخرجه الحاكم في المستدرك عنهما وصحح أسناديهما، كتاب العلم برقم (٣٣٨) (٣٣٩). وصححه الألباني (مشكاة المصابيح ١/ ٥٩).\n(^٢) انظر: (جامع البيان ٢٣/ ٦٦٢)، تفسير القرآن العظيم (٨/ ٢٤٢)","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الثاني: حفظ الحقوق</span>\nإن من أعظم الحقوق التي يجب على العبد أن يحفظها ويرعاها حق نفسه وما به حياتها وصحتها وقوامها، وقد أوجب النبي - ﷺ - للنفس حقا يجب القيام به (^١).\nوقد بين القرآن الكريم سبل حفظ هذا الحق، وسأبين ذلك من خلال ما يلي:\n• المطلب الأول: المحافظة على البدن وصحته بتناول الطعام الطيب وتعاطي الدواء النافع.\nفقد أباح الله في كتابه الطيبات من الطعام والشراب لأنها قوت الأبدان.\nولما كان في الصوم الامتناع عن الطعام والشراب رخصه الله ﵎ للمريض والمسافر حفظا لصحة البدن فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فإذا امتنع المريض عن الطعام والشراب زاد مرضه، وكذلك المسافر إذا اجتمع عليه كثرة الحركة مع قلة الطعام خارت قوته وضعفت (^٢).\nوقد جعل تعالى من الأشربة ما هو شفاء للأبدان من الأمراض حفظا للصحة فقال تعالى عن النحل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩].\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: أخي يشتكي بطنه. فقال: (اسقه عسلا). ثم أتاه الثانية فقال: (اسقه عسلا). ثم أتاه الثالثة فقال: (اسقه عسلا). ثم أتاه فقال قد فعلت؟ فقال (صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا). فسقاه فبرأ (^٣).\nقال ابن كثير ﵀: (قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع، فزاد إسهاله، فاعتقد الأعرابي أن\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف برقم (٥٧٨٨).\n(^٢) انظر: زاد المعاد (٤/ ٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب الطب باب الدواء بالعسل برقم (٥٣٦٠)، ومسلم في كتاب السلام باب التداوي بسقي العسل برقم (٢٢١٧).","vol":"1","page":295},{"text":"هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام) (^١).\nوقد أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه بالتداوي فقال: (تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء ..) (^٢) الحديث\nوهذا يدل على أن حفظ البدن حق من الحقوق التي يجب على العبد القيام به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-167> المطلب الثاني: تحريم ما يفسد العقل والبدن ويؤثر في صحتهما</span>.\nمن حكمة الله تعالى أن حرم على عباده ما يؤثر في أبدانهم وما يضرها ومن ذلك ما حرمه الله في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فكما أنها تورث آكلها خبثا كما سبق، فإنه قد ثبت لدى الأطباء أن الميتة والدم تجتمع فيهما المواد الضارة والسموم التي تضر آكلها، وكذلك لحم الخنزير تبين أن لحمه يشتمل على ذرات حيوانية تضر آكلها. (^٣)\nومما حرمه الله تعالى وفيه مضرة على البدن والعقل الخمر وما في حكمها من سائر المفترات والمسكرات وقد بين الله ﵎ عظيم ما فيها من المضرة فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ومن أكبر هذه الآثام وأعظمها ما يحصل من زوال العقل حال شرب الخمر فهي تنقل العقل من حالة التفكير والتدبير إلى الجنون والفساد (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٨٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم (٣٤٣٦)، وابن حيان في صحيحه، كتاب الطب برقم (٦٠٦١)، والحاكم في المستدرك، كتاب الطب برقم (٧٤٣٠) وقال: هذا حديث أسانيده صحيحة كلها على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الشيخ الألباني (صحيح الجامع ١/ ٥٦٥) برقم (٢٩٣٠).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير (٨/ ١٣٩)، في ظلال القرآن (١/ ١٥٦).\n(^٤) انظر: جامع البيان (٤/ ٣٢٦)، حكمة التشريع وفلسفته (٢/ ٢٧١).","vol":"1","page":296},{"text":"فحفظ البدن والعقل أمانة يجب الحفاظ عليها وسيسأل عنها العبد يوم القيامة.\nكما أن لحفظ البدن والعقل أثر على المجتمع، فإن الأمة بحاجة إلى القوة العضلية المتمثلة في البدن والقوة الفكرية التي تسهم في بناء المجتمعات.\nومن آثار الخمر والمسكرات على المجتمع أنها سبب حصول الجرائم، ومن ذلك ما أخرجه الطبري ﵀ أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: صنع رجل من الأنصار طعاما، فدعانا. قال: فشربنا الخمر حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم! قال: فأخذ رجل من الأنصار لحيى جمل فضرب به أنف سعد ففزره، فكان سعد أفزر الأنف. قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخر الآية (^١).\nوالواقع يشهد بما للمسكرات من أثر في انتشار الجرائم في المجتمع.\nكما أن المسكرات تؤثر في ضعف متعاطيه واستعداده للعمل، وذلك أنه يذهب العقل فلا يستطيع الفرد الإدراك والعمل حتى يفيق ولذلك نهى الله عن الإتيان إلى الصلاة حالة السكر لأنها تجعل العبد لا يعي ما يقول في صلاته فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وذلك قبل التحريم بالكلية.\nومما يعضد هذا في واقعنا أن بعض رؤساء الجند في أوروبا كلف فرقتين من جنده بعمل متساو، ثم سمح لفريق بشرب الخمر ومنع الفريق الآخر، فرأى أن الفريق الذي يشرب الخمر بدأ ينقص إنتاجه شيئا فشيئا، ثم سمح للفريق الآخر بشرب الخمر ومنع الفريق الأول فتحسن إنتاجهم، وبدا يضعف إنتاج الفريق الآخر (^٢).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٠/ ٥٦٩)، قال الشيخ أحمد شاكر: رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد. كلها صحيح.\n(^٢) انظر: حكمة التشريع وفلسفته (٢/ ٢٧٧).","vol":"1","page":297},{"text":"ولقد حرص النبي - ﷺ - على إظهار صحة البدن لأعدائه في عمرة القضاء، لما تقتضيه صحة الأجسام من حفظ المجتمع والدفاع عنه، فأمر أصحابه أن يضطبعوا ويرملوا (^١) إظهارا لصحة أجسامهم لأن قريشا ظنت أن المسملين قد أصابتهم الأمراض في المدينة فضعفوا (^٢).\nومن أعظم ما يحفظ هذه الصحة الطعام الطيب الذي أباحه الله ﷿ لعباده.\n_________\n(^١) الاضطباع: هو ما يفعله المعتمر من إدخال الثوب من تحت يده اليمنى فيلقيه على منكبه الأيسر، والرمل الإسراع في المشي مع هز الكتفين (لسان العرب ٧/ ٢٥٣، ١١/ ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عباس ﵄، كتاب المناسك، باب في الرمل برقم (١٨٨٥) وأحمد في المسند برقم (٢٧٠٧)، وصححه الألباني (انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٢٣) برقم (١٦٦٠).","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة</span>\nامتن الله تعالى على عباده بأن جعلهم إخوة متحابين بعد أن كانوا أعداء متفرقين، وقد جاء الإسلام لحفظ هذه الرابطة العظيمة وهي الأخوة الإسلامية وتقوية سبلها ووسائلها بين المؤمنين، وسد كل طريق يقطع هذه العلاقة أو يؤثر فيها لما يحصل جراء ذلك من التفرق والعداءات.\nومن جملة ما حرمه الله تعالى لما يسببه من عداوة وخصومة بين المؤمنين، شرب الخمر كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].\nفذكر تعالى أنها توقع الخصومة بين المتحابين، وذلك أن أغلب اجتماع الناس يكون بقصد التآنس والمودة فإذا شربوا الخمر وزالت عقولهم حصل لهم عكس ما أرادوا من التباغض والعداء فيما بينهم وهذا غاية ما يريده الشيطان وهو التفريق بين الأخ وأخيه، وهذا ما حصل لقبيلتين من قبائل الأنصار شرِبوا. حتى إذا ثملوا، آذى بعضهم بعضا، فلما أن صَحوْا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل بي هذا أخي فلان!\nوالله لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا. حتى وقعت في قلوبهم ضغائن (^١) - وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن-\nفهذه العداوة تجعل الإخْوة لا يجتمعون لنصرة دين أو عمل خير بل يصبح أمرهم بينهم شتاتا مفرقا، فلا خير في شراب يفرق بين الإخوة والأحباب.\n• ولما كان إطعام الطعام الطيب يزيد المحبة وتحصل به المواساة فقد جاءت الشريعة بالحث عليه.\nوفي قوله تعالى في قصة موسى والخضر: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ [الكهف: ٧٧].\n_________\n(^١) أخرجه الطبري بسنده إلى ابن عباس (١٠/ ٥٧١)، والحاكم في المستدرك، كتاب الأشربة برقم (٧٢١٩)، وقال الذهبي: صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":299},{"text":"إشارة إلى هذا المعنى، فقد كانت الضيافة شائعة من عهد إبراهيم ﵇ ومن المواساة المتبعة عند الناس وخصوصا عند الحاجة لذلك، ومع ذلك فقد طلب موسى والخضر الضيافة ورفضا، فدل على لؤم تلك القرية، ولذلك أنكر موسى ﵇ صنيع الخضر وإقامته الجدار دون مقابل في قوم لا يستحقون الإكرام (^١).\nولو قام أهل القرية بالإطعام وحق الضيافة لحصلت المواساة والمودة ولما أنكر موسى ﵊ هذا الصنيع من الخضر.\nوقد جاء التصريح في السنة النبوية بإطعام الطعام والاجتماع عليه فعن وحشي بن حرب ﵁ أن أصحاب النبي - ﷺ - قالوا: يا رسول الله إننا نأكل ولا نشبع، قال:\n(فلعلكم تفترقون؟) قالوا: نعم قال: (فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه) (^٢).\nفيؤخذ من هذا الحديث فضيلة الاجتماع على الطعام وأن لا يأكل المرء وحده وأن المواساة إذا حصلت، حصلت النعمة معها والبركة فتعم الحاضرين.\nومن فوائد الاجتماع على الطعام ما يحصل من ائتلاف القلوب وكثرة الرزق وامتثال أمر الشارع لأنه تعالى أمرنا بإقامة الدين وعدم التفرق فيه ولا يستقيم ذلك إلا بائتلاف القلوب ومن أعظم ما يسبب التآلف الاجتماع على الطعام وشر الناس من أكل وحده (^٣)\nوإذا تأمل المتأمل كيف جعل الله الطعام والشراب مما يزرع الألفة والمحبة علِم عظمة الدين الإسلامي حيث دعا إلى التآخي في العبادات والمعاملات، وأن الأمة بحاجة إلى الاجتماع والتآلف حتى تستقيم لهم أمور دينهم ودنياهم.\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني (١٦/ ٥)، التحرير والتنوير (١٦/ ٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنن كتاب الأطعمة، باب في الاجتماع على الطعام برقم (٣٧٦٤)، وابن ماجة في سننه كتاب الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام برقم (٣٢٨٦)، وابن حبان في صحيحه كتاب الأطعمة، باب آداب الأكل برقم (٥٢٢٤)، وحسنه الشيخ الألباني (صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٢٤٢).\n(^٣) انظر: فيض القدير (٥/ ٧٥).","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>الباب الثالث: التيسير ورفع الحرج على الفرد والمجتمع في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة</span>.\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات\nالفصل الثاني: التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث.\nالفصل الثالث: التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح\nالفصل الرابع: التيسير ورفع الحرج في آيات الأطعمة","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>الفصل الأول التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عنه.\nالمبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عليه</span>\nإن من تيسير الله تعالى على جميع خلقه أن أنزل لهم رحمته، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) (^١).\nفبهذه الرحمة يحصل من التيسير على العباد فيما بينهم خير كثير، وهذا من تيسير الله لعباده.\nومن مظاهر هذا التيسير الرفق بالمدين والتخفيف عنه.\nفلقد كان من المظاهر المنتشرة لدى العرب في الجاهلية التعامل بالربا في المداينات، وقد كان فيه من المشقة والعنت على المدين ما يثقل كاهله ويوقعه في الحرج إضافة إلى ما في ذلك من الظلم والبغي فقد كان الدائن إذا أراد أن يستوفي حقه من المدين يقول له: (إما أن تقضي وإما أن تربي)، فلما حرم الله ﷿ هذه العادة الظالمة الشاقة التي تضطر المدين إلى أضيق السبل ندب إلى السبيل القويم، الذي يحصل به التفريج عن المعسر، ولا يضيع حق الدائن مع الفضل العظيم والأجر من عند الله (^٢)، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].\nفأرشد العباد إلى إنظار الغرماء ممن لا يقدر على رد رأس المال بعد بطلان الربا، أو أيِّ غريم مدين حتى يوسر (^٣).\nوهذا من حكمة الله تعالى في تيسيره على عباده، ليرحم الغني الفقير، وينظِر الدائن المدين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الرجاء مع الخوف برقم (٦١٠٤)، ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه برقم (٢٧٥٢) واللفظ لمسلم.\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٧١٧).\n(^٣) وهذا القول هو الذي اختاره ابن جرير الطبري (٦/ ٣٤)، وابن كثير (١/ ٧١٧).","vol":"1","page":303},{"text":"ولما كان هذا التيسير من شرع الله وأمره فقد علّق عليه الأجر العظيم وجعل الجزاء من جنس العمل، فوعده بأن ييسر له أمره في الدنيا والآخرة، وقد أخبر بذلك رسوله - ﷺ - فقال: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ...) الحديث (^١).\nفلما كان الإعسار من أعظم كرب الدنيا لم يجعل جزاء الميسِّر خاصا بتيسير الحساب عليه في الآخره، بل جعله عاما في الدنيا والآخرة (^٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه) (^٣)،ويدخل في لفظ التجاوز الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي (^٤)\nوعن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت (^٥) قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا فكان أول من لقينا أبا اليسر (^٦) صاحب رسول الله - ﷺ - ومعه غلام له معه ضمامة من صحف وعلى أبي اليسر بردة ومعافري وعلى غلامه بردة ومعافري فقال له أبي: يا عم إني أرى في وجهك سفعة من غضب، قال: أجل كان لي على فلان بن فلان الحراميّ (^٧) مال فأتيت أهله فسلمت فقلت أثم هو؟\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر برقم (٢٦٩٩).\n(^٢) انظر: فيض القدير (٦/ ٢٤٣)\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٥١).\n(^٤) فتح الباري (٤/ ٣٩١).\n(^٥) عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري سمع أباه وجابرا وأبا اليسر ﵃ سمع منه يحيى ابن سعيد الأنصاري ويعقوب بن مجاهد مديني، قال أبو زرعة والنسائي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال كنيته أبو الوليد (التاريخ الكبير ٦/ ٩٤) (تهذيب التهذيب ٥/ ١٠٠)\n(^٦) هو كعب بن عمرو، شهد العقبة وبدرا وهو ابن عشرين سنة، وهو آخر من توفى من أهل بدر ﵃ توفى بالمدينة سنة خمس وخمسين (انظر: شرح النووي على مسلم ١٨/ ١٣٣).\n(^٧) الضمامة: هي اللفافة من الكتب، والمعافري: ثياب تعمل بقرية يقال لها معافر، والسفعة: العلامة وقوله: فلان الحراميّ: نسبة إلى بني حرام (انظر: المصدر السابق ١٨/ ١٣٤).","vol":"1","page":304},{"text":"قالوا: لا فخرج عَلَيَّ ابن له جفر (^١) فقلت له أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي فقلت اخرج إلي فقد علمت أين أنت فخرج فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأن أعدك فأخلفك وكنت صاحب رسول الله - ﷺ - وكنت والله معسرا، قال: قلت آلله، قال: الله قلت: آلله قال: الله قلت: آلله قال: الله قال فأتى بصحيفته فمحاها بيده فقال إن وجدت قضاء فاقضني وإلا أنت في حل فأشهد بصر عيني هاتين (ووضع إصبعيه على عينيه) وسمع أذني هاتين ووعاه قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه) رسول الله - ﷺ - وهو يقول: (من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله) (^٢).\nفتأمل حال المدين في هذه القصة وما ركبه من الهم، خوف ألا يراه الدائن، لأنه لايستطيع الأداء، وحال أبي اليسر ﵁ قبل أن يعرف عذر المدين، وبعد أن استبصر حاله وعرف عذره.\nإن هذا الحديث لمن أدل الدلائل على ما في إنظار المعسر من رفع الحرج عنه، وتخفيف ما يجد من مخافة الكذب أو خلف الوعد.\nوفي الآية كذلك ترغيب لأصحاب المال وزيادة فضل لهم بترغيبهم في التجاوز عن المدين إذا رغبوا في ذلك، فهو خير لهم وأفضل عند الله.\nوكما أمر الله الدائن بإنظار المعسر لما فيه من التيسير والتخفيف عنه، فقد حذر النبي - ﷺ - من مطل الغني، حتى لا يتخذها من ضعفت نفسه ذريعة في المماطلة وتأخير الأداء، وفي ذلك مشقة على الدائن أن يرى مدينه وقد أغناه الله ولا يريد أداء ما عليه.\nفعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: (مطل الغني ظلم) (^٣).\nوبهذا يعلم أن التيسير بين العباد هو من التيسير الذي رضيه الله لعباده وأمر به.\n_________\n(^١) الجفر: هو من قارب البلوغ (انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/ ١٣٥).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، برقم (٣٠٠٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المساقاة، باب مطل الغني ظلم، برقم (٢٢٧٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني وصحة الحوالة واستحباب قبولها إذا أحيل على مليء برقم (١٥٦٤).","vol":"1","page":305},{"text":"ومن مظاهر التيسير التي بيَّنها الله تعالى وهي مندرجة تحت هذه الصورة:\n• شهادة المرأتين مع الرجل في كتابة الدين، وذلك في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأمر تعالى بإشهاد رجلين على الدَّين وذلك أدعى في عدم تأثرهما بخوف أو نحوه، فإذا تطلب الدائن رجلين ولم يحصل له توفرهما فقد رخص الله تعالى أن يشهد رجل وتشهد معه امرأتان وعلل ذلك بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ إشارة إلى نقص الضبط وأن باجتماعهن يحصل التذكير، وهذا من التيسير في الشريعة الإسلامية (^١).\n• مشروعية الرهن بدل الكتابة:\nكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]\nكثير من الناس من يحصل له أمر فيحتاج فيه إلى من يقرضه وقد لا يجد، فقد يضطره ذلك إلى بيع شيء عنده ليحصل على ما يريد، وبهذا يخرج المبيع من ملكه ولا أمل له في إرجاعه.\nولذلك فقد رخص الله لعباده الرهن وبهذا يضمن المرتهن حقه الذي أخذ منه حتى يرجع إليه، ويبقى لصاحب الرهن أمل في استرداد حاجته إذا وفّى ما عليه (^٢).\nوهذا من تيسير الله تعالى على العباد بما يناسب أحوالهم وحوائجهم مع اختلاف طباعهم وأخلاقهم.\n_________\n(^١) انظر: مظاهر التيسير ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية (ص ٢٣١)، نظم الدرر (١/ ٥٤٧).\n(^٢) انظر: مظاهر التيسير ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية (ص ٢٢٦).","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم</span>\nيسر الله تعالى لعباده ما هو من مصالحهم وحاجاتهم، ومن مظاهر هذا التيسير: التيسير في المعاملات المالية، ويتضح ذلك في الصور التالية:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-173> المطلب الأول: الامتنان على العباد بإباحة التكسب لهم على وجه العموم</span>.\nوقد جاء ذلك في آيات كثيرة ومنها قوله تعالى في آيات الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]\nفجعل الله تعالى الشريعة الإسلامية شريعة سمحة سهلة، ولو شاء ﷿ لأمر خلقه بالانقطاع لعبادته فهو خالقهم ومالكهم، لكن من فضل الله على هذه الأمة ورفع الحرج عنهم أن أباح لهم حاجاتهم من المعاملات وسهل لهم سبلها، للقيام بوظائفهم المتعلقة بهم وبأهليهم وأولادهم، تيسيرا لهم وتحبيبا في هذا الدين، إذ لو كان الأمر كما ذكر من الانقطاع للعبادة دون سائر الوظائف لأدى ذلك إلى كراهة التكليف.\nومما يدخل في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ..﴾ الآية [المزمل: ٢٠]\nفقد خفف الله تعالى على عباده فرض قيام الليل رفعا للحرج وتيسيرا لهم لما علمه جل وعلا أنه سيكون من عباده المريض أو المسافر للتجارة وطلب المعاش أو المجاهد في سبيل الله.","vol":"1","page":307},{"text":"وهذا مظهر من مظاهر التيسير ورفع الحرج على الأمة أن أباح لها التكسب وغيره من الحاجيات خوفا من الملل والانقطاع عن العبادة، وللقيام بما يصلح أمور المعاش للعباد (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-174> المطلب الثاني: إباحة صنوف المعاملات التي يحصل بها النفع والتيسير على الأمة</span>.\nفمن صور التيسير ورفع الحرج أن أباح الله تعالى من البيوع ما فيه نفع للعباد وحرم عليهم ما فيه ضرر عليهم فللناس أن يبيعوا كيف شاؤوا بسائر أنواع المعاملات ما لم يرد فيها نهي أو تضمنت شروطا ليست من الكتاب أو السنة (^٢).\nوفي ذلك يقول ابن تيمية: (والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله وإلا دخلنا في معنى قوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩] ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله ....) ثم قال:\n(وهذه قاعدة عظيمة نافعة وإذا كان كذلك فنقول البيع والهبة والإجارة وغيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم كالأكل والشرب واللباس فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لابد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها، وإذا كان كذلك فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروها وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي) (^٣).\nوبهذه القاعدة تتبين مظاهر التيسير ورفع الحرج على الأمة في تعاملاتها من بيع وشراء ومداينات ونحوها فكل هذه المعاملات ما وضعت إلا تيسيرا على الأمة.\n_________\n(^١) انظر: الموافقات (٢/ ٤٤٠ - ٤٤٦).\n(^٢) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، د. محمد اليوبي (ص ٤٠٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٨).","vol":"1","page":308},{"text":"وإن من العجب أن يتطلب الناس بعد ذلك بيوعا محرمة وعقودا فاسدة متذرعين بقاعدة التيسير في الشريعة! وهذا من الجهل والخطأ، فمهما ظنوا أن هذه المعاملات فيها تيسير لهم فهي في حقيقتها جالبة للمشقة والحرج. فاليسر كله في اتباع الشريعة، والمشقة والعنت في الإعراض عنها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-175> المطلب الثالث: تنوع طبائع الناس في اختيارهم طرق كسبهم وسبل معاشهم</span>.\nإن من تيسير الله لهذه الأمة أن نوع بين عباده طرق كسبهم وأسباب عيشهم، ولو كان الناس كلهم متجهين لنوع واحد من أنواع الكسب، وطريقة واحدة من طرق المعاش لحصلت المشقة بين الناس ولفسد الكون، فقد جعل الله تعالى الخلق بعضه محتاجا إلى بعض فهذا بائع وذلك مشتري، وذاك أجير والآخر مستأجر، وآخر يضارب بماله وصاحبه يبذل وقته وجهده ليتاجر له بالمال.\nوقد بين الله تعالى هذه الحكمة العظيمة في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢] ولولا تسخير الناس بعضهم لبعض لتعسرت أمور الناس وأحوالهم، ولما اختار الناس من الأعمال إلا أرفعها ولكنه تعالى قسم معايشهم بحكمته فإما راض بصنعته لا يبغي غيرها، وإما كاره لها لكنه يكابد فيها لا يجد لها بدلا (^١)\nوهذا من تيسير الله لعباده في تسخير بعضهم لبعض.\n_________\n(^١) انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة. (ص ٢٦٣).","vol":"1","page":309},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-176> المطلب الرابع: رفع الحرج والإثم عمن تاب من المعاملات المالية المحرمة</span>.\nفالتوبة مظهر من مظاهر رفع الحرج عن المذنب بأن يجعل له مخرجا مما عليه من الإثم (^١) وهي من أهم قواعد الإسلام (^٢).\nوقد أمر الله متعاطي الربا بالتوبة رحمة به، ورفعا لما فيه من الإثم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].\nفتوبة الله على المرابي صورة من صور رفع الحرج، وذلك أن المرابي إذا أراد الإقلاع عما كان عليه وبقيت ذنوبه دون أن تمحى لبقي في نفسه ألم شديد، ولربما تمادى فيما كان عليه من المعاملات المحرمة، وفي هذا من المشقة والحرج ما يؤدي إلى القنوط من رحمة الله (^٣) ولكن الله خفف على هذه الأمة ورضي منها بالتوبة اصطفاءً لها كما قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nلكن .. لابد أن تكون هذه التوبة بشروطها المعتبرة حتى تكون رافعة للحرج.\nوبهذه الصور تتجلى عظمة هذا الدين بالتيسير على العباد ورفع الجناح والحرج عنهم، فلا مجال فيه للمشقة أو التعسير كما قال - ﷺ -: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا ...) (^٤) الحديث.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (١٨/ ٦٨٩)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٣٠٥) عند تفسير قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٧/ ٢٥).\n(^٣) انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، يعقوب الباحسين (ص ٤٥٣).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر برقم (٣٩).","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>الفصل الثاني التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث</span>","vol":"1","page":311},{"text":"الفصل الثاني: التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث\n\nمن رحمة الله تعالى أن جاءت جميع شرائع الدين مبنية على التيسير والتخفيف فما من حكم من الأحكام إلا ويحمل تخفيفا للعباد وتيسيرا عليهم.\nوأحكام المواريث وما ورد فيها من آيات من جملة أحكام الشريعة السمحة التي جاءت بالتيسير وللتيسير.\nبل إن هذه الأحكام وصى الله بها، فدلت على رحمة الله بعباده وأنه أرحم بعباده منهم وهذه الرحمة تقتضي التيسير والتخفيف على العباد (^١)، ثم بين الله تعالى في هذه السورة أيضا أنه يريد بهذه الأحكام التخفيف على عباده فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨] فالإنسان ضعيف لا يتحمل المشاق، ولا يدرك ما يصلحه إلا بنور الوحي، ولذلك فكل ما ورد من أول سورة النساء من أحكام على وجه الخصوص وغيرها على وجه العموم تخفيف من الله تعالى لعباده (^٢).\nوفي هذا الفصل بإذن الله سأعرض إلى صور ومظاهر هذا التيسير:\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٥).\n(^٢) انظر: روح المعاني (٥/ ١٤)، التحرير والتنوير (٥/ ٢٢)، واعلم أن كثيرا من المفسرين يفسر التخفيف في الآية بالتخفيف في نكاح الإماء ولا يمنع أن تشمل الآية جميع ما ورد في الآية، قال ابن عاشور: (وقد فسّر بعضهم الضعف هنا بأنّه الضعف من جهة النساء. قال طاووس ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء وليس مراده حصر معنى الآية فيه، ولكنّه ممّا رُوعي في الآية لا محالة، لأنّ من الأحكام المتقدّمة ما هو ترخيص في النكاح) المصدر السابق، وقال ابن عطية في تفسيره بعد ذكر قول جمهور المفسرين: (ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل، لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده، وجعله الدين يسرًا، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عامًا، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب ..) (٤/ ٢٣).","vol":"1","page":312},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-178> المطلب الأول: التيسير في أسلوب التبليغ </span>(^١):\nفقد وردت آيات المواريث ممهدة وموطئة لما يليها من الأحكام ولم تأت مباشرة بتقسيم الفروض، فقد أصبح من المسلّمات لدى العرب في الجاهلية أن المرأة لا حق لها من الميراث وقضوا على ذلك العقود بعد العقود، فإذا جاء تشريع المواريث مبينا الأحكام التفصيلية ومقدار ما يستحقه كل من الذكر والأنثى، سيشق ذلك على الناس وقد لا تقبله النفوس مباشرة.\nفكان من الحكمة أن تأتي آية تشريع المواريث ممهدة لبيان الأحكام التفصيلية، لتهيِّئ النفوس لقبول حكم الله والإذعان له (^٢).\nفقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].\nإجمال لما سيتبع من البيان، وإبطال لما قد كان.\nوكان التمهيد في هذه الآية بقاعدتين أساسيتين هما كالمدخل لبقية الأحكام:\nالأولى: إثبات حق المرأة في الميراث، لا كما يفعله أهل الجاهلية.\nالثاني: أن نصيب كل من الرجل أو المرأة محدد معيّن لامجال فيه للآراء أو العادات. (^٣)\nفإن سلمت هاتان القاعدتان واطمئنت النفس إليها، أذعنت واستشرفت لبيان هذه الأحكام لتطبيقها والعمل بها.\nوفي هذا من تثبيت القلب وتخفيف التكليف الذي يخالف عادة الجاهلية ما يرفع الحرج ويزيل المشقة، ولذلك فقد كان القرآن الكريم ينزل مفرقا على النبي - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ [الفرقان: ٣٢] وجعله الله تعالى مفرقا ليقرأه نبيه - ﷺ - على مكث فقال:\n_________\n(^١) انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، للباحسين (ص ٧٢).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (١/ ٣٢٨).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٤٩).","vol":"1","page":313},{"text":"﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦].\nوهذا التيسير في أسلوب تبليغ الحكم من رحمة الله وإرادته الخير لعباده حتى يذعنوا ويطيعوا، فهو سبحانه لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين، وما هذا التيسير إلا من اصطفاء الله واختياره لهذه الأمة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-179> المطلب الثاني: مشروعية الوصية للميت</span>.\nمن فضل الله تعالى وتخفيفه على الناس أن شرع للميت أن يوصي لغير الوارثين\nوالوصية في حقيقتها تمليك لمال بعد الموت والقاعدة في التمليك أنه لا يصح تمليك مضاف إلى حال زوال الملك، ولكن الله شرعها وأباحها لحاجة الناس وذلك: أن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله فإذا عرض له عارض وخاف الهلاك يحتاج إلى تلافي ما فاته من التقصير بماله ليتحقق ما كان يرجوه في هذه الحال، ولو اتسع الوقت وأحوجه إلى الانتفاع بالمال صرفه إلى حاجته في حياته، فشرعها الشارع تمكينا منه جل وعلا من العمل الصالح وقضاء لحاجته عند احتياجه إلى تحصيل المصالح (^١).\nفهذا تيسير من الله تعالى للعباد في حال الحياة وفي حال الموت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-180> المطلب الثالث: النهي عن الضرر</span>.\nفالنهي عن الضرر من مظاهر رفع الحرج (^٢)، وقد ورد في آيات المواريث النهي عن الضرر في الوصية، فإن الله تعالى لما بين ما للورثة من حق وما للموصَى لهم من حق ختم الآية بالنهي عن الضرر فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]. أي: لا يدخل الضرر على الورثة بالوصية التي يوصي بها الميت، وذلك أنه لما كان الموصى لهم والورثة شركاء فيما بقي من التركة بعد أداء الدّين نهى الله عما يضر الورثة في مال مورثهم لما يلحقهم من المشقة والحرج.\n_________\n(^١) تبيين الحقائق (٧/ ٣٧٥)، وانظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، د. يعقوب الباحسين (ص ٣٠٦).\n(^٢) انظر: الموافقات (٣/ ٢٦٥)، رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، د. صالح بن حميد (ص ١١٤).","vol":"1","page":314},{"text":"وقد بيّن ابن عباس ﵄ أن الإضرار في الوصية كبيرة من كبائر الذنوب (^١).\nوقد حدد النبي - ﷺ - مقدار الضرر الذي تحصل به المشقة وأن ذلك يكون بالزيادة على ثلث المال، وعن ابن عباس ﵄ قال: (لو غض الناس إلى الربع لأن رسول الله ﷺ قال (الثلث والثلث كثير أو كبير) (^٢).\nوعلى هذا: إن كان الورثة أغنياء استحب أن يوصى بالثلث تبرعا وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص من الثلث (^٣).\nفإذا زاد الوصي على الثلث فقد أضر بورثته، ولذا فإنه يجوز لهم تعديلها إلى الثلث، وقد سمى الله ﵎ هذا إصلاحا، حفظا لحقوق الورثة فقال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢].\nفعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ إذا أخطأ الميت في وصيته أو خاف فيها، فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب). (^٤)\nومن الضرر المنافي للتيسير كتمان الوصية وتبديلها، فقد حكم الله على من فعل ذلك بالإثم فقال: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١] ويدخل في ذلك التحريف والتبديل والكتمان (^٥).\nوالإثم مناف لما أراده الله لهذه الأمة من وضع الإصر عنهم والتخفيف عليهم.\nومن الضرر الذي يُلحق العنت بالورثة أن يخص الميت بعض الورثة بزيادة على فرضه الذى فرضه الله له، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه.\n_________\n(^١) كما أخرجه الطبري بسنده إليه في تفسيره (٨/ ٦٥).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٥١).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١١/ ٧٦).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣/ ٤٠٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٠٣).\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٩٥).","vol":"1","page":315},{"text":"ففي كل هذه الحالات يحصل الضرر الجالب للمشقة، وقد نهى النبي - ﷺ - عن جميع صور الضرر فقال: (لا ضرر ولا ضرار) (^١).\nفهذه الصور تبين ما اشتملت عليه آيات المواريث من التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم، وهذا من فضل الله ﵎ على هذه الأمة.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٠/ ٧٤٥) برقم (١٤٢٩) وأحمد في المسند (١/ ٣١٣) برقم (٢٨٦٧) وحسنه شعيب الأرناؤوط وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٤٩٨).","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الفصل الثالث التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تيسير أمر النكاح.\nالمبحث الثاني:. التيسير في إباحة الطلاق.\nالمبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المبحث الأول: تيسير أمر النكاح</span>\nالنكاح من الأحكام الشرعية التي تتجلى فيها مظاهر اليسر والتخفيف، كيف لا وهو سنة نبينا محمد - ﷺ - الذي أرسل ليضع عن الأمة إصرها.\nلقد كان نكاح الجاهلية لا يخلوا من هذه الآصار مما تستقبحه العقول والنفوس، فلا فرق لديهم بين نكاح البغايا والزنا وبين النكاح الذي تعارف عليه الناس عن طريق الخطبة والصداق ثم النكاح.\nفجاء الإسلام بتحريم تلك الأنكحة التي لا تخلوا من حرج وإثم وأحل النكاح المنضبط الذي لا حرج به وترضاه النفوس الطاهرة والعقول السليمة، وأصبح هذا النكاح لا يلحق بصاحبه العار، بل إنه من صفات المؤمنين الذين وصفهم به جل وعلا فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، بل زاده النبي - ﷺ - شرفا، حين قال: (حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة) (^١). فمحبة الزوجة تحصل بها لذة البدن وحفظ صحته مع المؤانسة وبقاء النسل وقد كان ذلك محببا للنبي - ﷺ - (^٢).\nولما كان النكاح مشتملا على مصالح عظيمة للفرد والمجتمع فقد جاء القرآن داعيا إلى تيسير أمر النكاح، وجاءت أحكامه مشتملة على التيسير بين الزوجين.\nويظهر لنا ذلك من خلال عدة أمور:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند برقم (١٢٣١٥)، والنسائي في سننه، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء برقم (٣٩٣٩) عن أنس بن مالك، قال الألباني: حسن صحيح (في تعليقه على سنن النسائي) وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على المسند: إسناده حسن.\n(^٢) انظر: شرح السيوطي لسنن النسائي (٧/ ٦١).","vol":"1","page":318},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-183> المطلب الأول: تيسير مؤونة النكاح</span>.\nفقد أمر الله عباده المؤمنين بإنكاح من يحتاج الزواج من الرجال والنساء وأهل الصلاح من العبيد والإماء فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]، فأرشد الله في هذه الآية الكريمة الأولياء إلى أن الفقر ليس مانعا من النكاح فالله سبحانه هو المتكفل بأن يغنيهم من فضله وهذه الآية تدعو الأولياء إلى تيسير مؤونة النكاح على راغبي الزواج، حتى يُعِفوا أنفسهم.\nومن تيسير مؤن النكاح عدم المغالاة في المهور، خاصة إذا أصبح الصداق عائقا عن النكاح فإن الله تعالى لما أوجب الصداق كحق واجب للمرأة في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ختم الآية بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]\nوقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤]، أي: إذا أعطت المرأة زوجها شيئا من هذا المال بعد فرضه وتسميته لزوجها فلا حرج في أن يأكله حلالا طيبا، فلا بأس فيما يتراضى عليه الزوجان في ذلك، ولا شك أن في ذلك من التيسير على الزوجين ما تطيب به النفس ويحصل به النفع.\nكما أن غلاء المهور يعتبر عقبة كؤود في وجوه كثير من الشباب الذي لا يستطيع القيام بتوفير الصداق، كما أنه لا يؤدي إلى البركة في النكاح، وقد بين عمر الفاروق ﵁ ذلك بقوله: (ألا لا تغالوا بصُدُق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي - ﷺ - ما أصدق رسول الله - ﷺ - امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشر أوقية وإن الرجل ليبتلى بصدُقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت إليك علَقَ القِرْبة ...) (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٢٨٥)، وأبو داود في كتاب النكاح باب الصداق برقم (٢١٠٦)، والترمذي كتاب النكاح باب مهور النساء برقم (١١١٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في المستدرك كتاب النكاح برقم (٢٧٢٥)، وصححه الألباني (إرواء الغليل ٦/ ٣٤٧)، وعلق القربة هو الحبل الذي تحمل به القربة.","vol":"1","page":319},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-184> المطلب الثاني: رفع الحرج عن نكاح الأمة عند عدم القدرة على نكاح الحرة</span>.\nأخبر الله جل وعلا عن ضعف الإنسان ومن مظاهر هذا الضعف الميل إلى النساء وعدم الصبر عنهن، فإن الرجل قد يخشى العنت على نفسه أن يقع في الفاحشة، وهو مع ذلك لا قدرة له على نكاح الحرة لعدم استطاعته، فمن رحمة الله وتخفيفه على عباده أن رفع الحرج عنهم في هذه الحال إلى نكاح الأمة المؤمنة، وإن حصل بذلك رق الولد إلا أن العفة التي تحصل بزواجه بالأمة أعظم، وهذا من رحمة الله جل وعلا بعباده أن شرّع لهم ما يبعدهم عن الفواحش وما يخفف عنهم ما يجدونه من الحرج في نكاح الإماء ولذا ختم الله الآيات بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨]. (^١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-185> المطلب الثالث: رفع الحرج بالتعريض في خطبة من توفي عنها زوجها</span>.\nلما أمر الله تعالى من توفي عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، ونهاها خلال ذلك عن التطيب أو النكاح حتى تنقضي العدة، وفي هذه الفترة قد تتوق الأنفس إلى التزوج وذكر النساء، فقد رفع الله تعالى الجناح عن تعريض الرجال للمرأة بالخطبة.\nوكما في هذا الأمر من التيسير على الرجال ففيه من التخفيف على المعتدة من جبر خاطر المرأة وإيناسها بالتعريض لها بذلك ولذلك فقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فمن رحمة الله جل وعلا العليم بما في النفوس خفف على العباد بما يزيل ما في أنفسهم من الحرج (^٢).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٦٠)، نظم الدرر (٢/ ٢٣٧)، التحرير والتنوير (٥، ١٢، ٢٠).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٩٥).","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المبحث الثاني: التيسير في إباحة الطلاق</span>\nإن من حكم النكاح العظيمة حصول المودة والرحمة بين الزوجين فإذا وجدت المودة والرحمة تحقق الاستقرار الأسري، وقد تحصل من الخلافات بين الزوجين ما لا يستطيعان به أن يعيشا حياة مطمئنة، لذا فإن من المشقة العظيمة أن تستمر حياتهما كذلك لما يحصل فيه من تضييع الحقوق وعدم حصول الغاية من النكاح.\nوللمسلم أن يتأمل المشقة العظيمة التي تحصل إذا كان الطلاق محرما أو ممنوعا، وما يلحق هذه المشقة من حصول المفاسد المحرمة، وله أن يتأمل الحرج الشديد إن كان مسموحا به دون قيد أو شرط، فيطلق متى شاء ويراجع متى شاء.\nوتتجلى هذه المشقة فيما ترويه عائشة ﵂ قالت: (كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا أرجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذاك؟ قال أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك) (^١)، فلم يكونوا ينتهون عن الطلاق حتى أنزل الله قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوبهذا انتقل الطلاق من كونه مشقة وتعذيبا للمرأة إلى كونه تخفيفا وتيسيرا لكلا الزوجين وأصبح للرجل أن يراجع زوجته ما دامت في العدة مرتين فإذا طلق الثالثة بانت منه زوجته وهذا خلاف ما كان من عادة الجاهلية (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٤٠)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤١٨)، والترمذي في سننه كتاب الطلاق برقم (١١٩٢)، والحاكم في المستدرك، كتاب التفسير-سورة البقرة برقم (٣١٠٦)، وقال هذا حديث صحيح الإسناد، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦١٢).","vol":"1","page":321},{"text":"ومن التخفيف أن الله تعالى لم يحرمهما على بعض تحريما أبديا بل جعل لهما فسحة لكن بعد أن تنكح المرأة زوجا غيره ثم يطلقها رغبة عنها كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولابد في النكاح أن يدخل بها فلا يكفي مجرد العقد، وذلك أن امرأة رفاعة (^١) حين طلقها ثلاثا وأرادت الرجوع له بعد نكاحها بعبد الرحمن بن الزبير جاءت إلى النبي - ﷺ - في ذلك فقال لها: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-187> المطلب الأول: رفع الجناح عن الطلاق قبل البناء</span>.\nومن التيسير في الطلاق ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦].\nوالمعنى: ليس عليكم جناح أيها الأزواج بأن تطلقوا نساءكم قبل البناء بهن.\nوقد ذكر المفسرون وجهين من أوجه رفع الحرج في هذه الآية.\nالوجه الأول: رفع الحرج في وقوع الطلاق قبل المسيس وذلك أن النكاح لما كان المقصد منه طلب العصمة والتماس الثواب ودوام الصحبة لا التذوق وقضاء الشهوة فحسب وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءًا من هذا المكروه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن.\n_________\n(^١) رفاعة بن سموأل القرظي له ذكر في الصحيح، واسم زوجته تميمية بنت وهب (الإصابة ٢/ ٤٩١) وعبد الرحمن: هو عبد الرحمن بن الزبير القرظي (الإصابة ٤/ ٣٠٥)\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق باب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره فلم يمسها برقم (٥٠١١)، ومسلم في كتاب النكاح باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره ويطأها ثم يفارقها وتنقضى عدتها برقم (١٤٣٣).","vol":"1","page":322},{"text":"فإن الطلاق قبل المسيس وإن كان فيه كسر لخاطر المرأة فإنه أبعد عن إثارة البغضاء منه بعد الدخول بها، وقد شرع الله للزوج أن يمتعها جبرا لخاطرها.\nوبهذا يظهر ما في هذا الحكم من التيسير على العباد. (^١)\nالوجه الثاني: رفع الحرج والتبعة في عدم دفع الصداق للمطلقة إن لم يسم لها المهر ولم يَبْنِ بها فإن الله ﷿ خفف عن الرجل دفع المهر لها عند انتفاء الشرطين وهما المسيس وتسمية الصداق لأنه لم يَعِدْها بصداق مسمى، فجعل ﵎ فيما تجده المرأة من كسر خاطرها بالطلاق أن يمتعها بشيء من المال (^٢).\nأما إن سمى لها صداقا فتعلقت به نفسها ثم طلقها فقد أوجب عليه نصف ما فرض لها. جزاء ما فرض، وهذا يخفف على الزوجة ألم الطلاق وما تعلقت به نفسها حين سمى الصداق لها (^٣)، ومع ذلك فقد رغب جل وعلا في العفو في هذا القدر من باب الإحسان والفضل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-188> المطلب الثاني: رفع الجناح أن تختلع المرأة من زوجها عند الحاجة</span>.\nوهذا من مظاهر التيسير الوارد في آيات الطلاق، فإن الطلاق لما كان بيد الرجل، فإنه قد يحصل بين الرجل وزوجته من المشاحنات ما لا تستطيع المرأة البقاء مع الرجل وقد يقع عليها من الظلم ما لا تستطيع تحمله، وقد لا تستطيع المرأة أن تستمر مع هذا الزوج لسبب من الأسباب إما لكراهة شديدة أو سوء خلق أو غير ذلك، فإذا امتنع الزوج في هذه الحالة عن تطليقها ستصبح الزوجة في مشقة شديدة.\nفمن حكمة الله أن يسر الله لها سبيلا لما هي فيه وذلك في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز (٢/ ٣١٦)، الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٥٧)، البحر المحيط (٢/ ٣٦٨)، التحرير والتنوير (٢/ ٤٥٧).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٥٨)،نظم الدرر (١/ ٤٤٦)، روح المعاني (٢/ ١٥٢)، تيسير الكريم الرحمن (ص ١٠٥).\n(^٣) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ٤٥٩).","vol":"1","page":323},{"text":"عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وذلك أن تختلع نفسها بما أصدقها إياه، كما حصل مع ثابت بن قيس (^١) وامرأته.\nوفي هذا بيان لما اشتملت عليه أحكام الطلاق من التيسير ورفع الحرج، بيد أنه لا بد أن يتخذ هذا التيسير بقدر الحرج الواقع على الزوجة، لا أن تتخذه بدون حاجة، لأنه حينئذ يصبح وبالا على المرأة كما أخبر بذلك - ﷺ - حين قال: (أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-189> المطلب الثالث: إباحة اللعان رفعا للحرج عن الزوج</span>.\nنهى الله ﷾ عباده عن قذف المحصنات بالزنى واشترط في قبول ذلك أربعة شهداء، لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة.\nأما الزوج إذا رأى زوجته واقعة في الفاحشة فهل يلزمة الإتيان بأربعة شهداء؟\nوللمتأمل أن يتأمل مقدار المشقة الذي يجدها الزوج في هذه الحالة وما يلحقه من العار وإفساد الفراش، وخصوصا إذا أنكرت المرأة فعلها، وأنى له أن يأتي بأربعة شهداء في ذلك الحين وكيف يطالب بذلك؟\nولأجل ذلك استشكل سعد بن عبادة ﵁ ذلك فقال للنبي - ﷺ -: يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله - ﷺ -: نعم.\nقال: كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك قال رسول الله - ﷺ -: (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني) (^٣).\nوهذا الحرج وجده هلال بن أمية ﵁ واصطلى بناره حتى أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاءا، فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله - ﷺ - ما أتاه به وثقل عليه جدا، حتى عُرف ذلك في وجهه، فقال\n_________\n(^١) هو ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك، يكنى بأبي محمد وقيل بأبي عبد الرحمن وكان خطيب الأنصار وخطيب النبي - ﷺ - شهد أحدا وما بعدها وقتل في خلافة الصديق شهيدا في معركة اليمامة (أسد الغابة ١/ ٢٧٥).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٢٣١).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب اللعان برقم (١٤٩٨)، وهو عند البخاري بلفظ قريب برقم (٦٤٥٤).","vol":"1","page":324},{"text":"هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلا حقا، فإني لأرجو أن يجعل الله فرجا، قال: واجتمعت الأنصار، فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال بن أميَّة، وتبطل شهادته في المسلمين؟ فهمّ رسول الله ﷺ بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦] إلى قوله: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٩] فقال رسول الله ﷺ: \"أبْشِرْ يا هِلالُ، فإنَّ الله قدْ جَعَل فَرَجا \" فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله ...) الحديث (^١)\nفتأمل كيف جاءت هذه الآيات رافعة للحرج ومخففة على الزوج.\nثم ذكر تعالى بعد هذه الآيات لطفه بخلقه، ورأفته بهم، وأنه شرع لهم الفرج والمخرج من شدة ما يكونون فيه من الضيق، فقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: لحرجتم ولشق عليكم كثير من أموركم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ على عباده -وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة- ﴿حَكِيمٌ (١٠)﴾ [النور ١٠] فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة النور، برقم (٤٤٧٠).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٦/ ١٥).","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>المبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية</span>\nمن سنة الله ﷿ في النكاح أن جعله سكنا وطمأنينة، ولئن تبنى هذه الحياة على المودة والرحمة خير من أن تقام على المشاحنة والمطالبة بالحقوق وهذا مظهر من مظاهر الشريعة السمحة.\nولكن قد تحصل في كثير من البيوت مشاكل وخلافات تؤثر في هذه الحياة الزوجية، فهل يُلجأ مباشرة إلى الطلاق؟\nلاشك أن الطلاق يعتبر هو الحل الأخير، وقد جعله الله ﵎ آخر طرق الإصلاح إذا استنفد ما سواها من الطرق.\nومن تيسير الله جل وعلا أن شرع لعباده طرقا ومخارج لعلاج المشاكل الزوجية حتى ترفع عنهم ما يجدونه من الحرج في ذلك.\nومن أعظم هذه الخلافات التي عالجها القرآن الكريم: الإيلاء والنشوز والظهار، وفيما يلي بيان لمظاهر التيسير في علاج هذه الأمور.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-191> المطلب الأول: في الإيلاء</span>.\nالإيلاء مظهر من مظاهر حالات الخلاف التي تحدث بين الرجل والمرأة وهو أن يحلف الرجل ألا يجامع امرأته مدة معينة (^١).\nولقد كان الرجل إذا حصل له مع زوجته خصومة آلى ألا يقربها السنة والسنتين إضرارا بها، بل إن بعضهم لا يريد امرأته ومع ذلك لا يطلقها زيادة في النكال فيحلف ألا يقربها حتى إن حصل له ندم بعد ذلك يحجزه اليمين عن مراجعتها، فتمكث المرأة تعاني الألم النفسي وألم ما تجد من إهانة ولا حول لها ولا قوة، ولا شك أنها تصبح في حرج شديد فهي معلقة بين النكاح والطلاق، وهذا ظلم لا يرضاه الله ولا رسوله - ﷺ -.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٠٤).","vol":"1","page":326},{"text":"فجاء القرآن مخففا على الزوجة ومراعيا للزوج بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]\nوإذا تأملت هذا الحكم الذي شرعه الله علمت يسر الإسلام ومراعاته لكلا الزوجين، فهو لم يحرم الإيلاء مطلقا، لأنه قد يكون علاجا نافعا لبعض حالات الإعراض والاستكبار فقد يحتاجه الرجل حينئذ للتأديب أو أي عارض من سآمة أو غضب فحدد الله له فترة أربعة أشهر يحصل بها مقصوده، ويراجع نفسه فيما أقدم عليه، ويتروى فيما سيقدم عليه من طلاق أو رجعة، ولا شك أن هذا خير من الطلاق الذي قد يندم عليه بعد ذلك (^١).\nكما أن هذا الحد الذي قدره الله ﵎ فيه تخفيف على الزوجة المغلوبة على أمرها، وفيه مراعاة لحاجة المرأة الفطرية فإن هذه الفترة تعتبر أقصى فترة تصبر المرأة فيها عن زوجها، وتعتبر هذه الأشهر كذلك ثلث العام والثلث معظم الشيء المقسوم مثل ثلث المال في الوصية (^٢)، فرحم الله المرأة بأن ملّكها أمرها بعد انقضاء الأربعة أشهر فإذا انقضت خير بين الرجعة أو الطلاق، فإن لم يراجع وأبى الطلاق فلولي الأمر أن يطلقها (^٣).\n_________\n(^١) انظر: التحرير والتنوير (٢/ ٣٨٥)، في ظلال القرآن (١/ ٢٤٤)، المفصل في أحكام المرأة (٨/ ٢٦٣).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٠٥)، التحرير والتنوير (٢/ ٣٨٧)، وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن الثلث موافق لطباع الإنسان حيث قال في سياق كلامه على حكمة التعدد بأربع: (وكان هذا العدد موافقا لعدد طباعه وأركانه، وعدد فصول سنته، ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها، والثلاث أول مراتب الجمع، وقد علق الشارع بها عدة أحكام، ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا، وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثا، وجعل حد الضيافة المستحبة أو الموجبة ثلاثا، وأباح للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثا، فرحم الضرة بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثا ثم يعود؛ فهذا محض الرحمة والحكمة والمصلحة) إعلام الموقعين (٣١٦).\n(^٣) وهذا القول هو قول الجمهور من المالكية والشافعية الحنابلة وبه قال ابن عمر وعائشة وسعيد بن المسيب وعروة ومجاهد، وهو ظاهر الآية، أما من قال من الحنفية أن الطلاق يحصل بمجرد انقضاء الأربعة أشهر فقالوا: إن هذه مدة ضربت لاستدعاء الفعل منه وكان ابن مسعود يقرأ: فإن فاؤوا (فيهن) وأجاب الجمهور عليهم بظاهر الآية وأن العزم لا يكون إلا بعد مضي المدة ولو كان كما ذكروا لا حاجة لذكر العزم والله أعلم. (انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٨٠) (المجموع (٢١/ ٦٣). (المغني ١١/ ٣١، ٣٢).","vol":"1","page":327},{"text":"وهكذا نجد القرآن عالج هذه القضية علاجا خفف فيه على المرأة ما كانت تجده قبل ذلك من تعليق النكاح بالإيلاء، وأمهل الرجل مهلة تناسب ما آلى من أجله.\n\n• المطلب الثاني: في النشوز والإعراض من الزوج.\nالأصل في الحياة الزوجية أن تقوم على المعاشرة بالمعروف، لكن قد يتخللها بعض المشاكل التي تحصل بين الزوجين ومن هذه الحالات إذا خافت المرأة نشوز زوجها أو إعراضه عنها لسبب من الأسباب، فينصرف عنها إلى غيرها أو يرغب في فراقها خوفا من ظلمها.\nولما كان الأصل تحريم أخذ الرجل من مهر زوجته ووجوب النفقة عليها والعدل لها في القسم جاءت الآيات رافعة الجناح في هذه الحالة بقوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨].\nفبين الله تعالى أن الصلح خير من الفراق على أية حال، وذلك إذا رضيت المرأة أن تصالح زوجها فتتنازل عن قسمها في المبيت أو عن نفقتها أو على إعطائه مالا إبقاء لهذا العقد الوثيق، واستعطافا له، وإبقاء المودة بينهما.\nوهذا من التخفيف فيما فيه مصلحة الزوجين وبقاء النكاح، وقد أشار جل وعلا إلى ذلك بقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (^١).\nومع هذا التخفيف فقد حث الله تعالى الزوج على الإحسان إلى زوجته في حقها كاملا ومعاشرتها بالمعروف فإن ذلك أكمل، فإن المرأة وإن تنازلت عن حقها فإن نفسها جبلت على الشح والغيرة أن ترى ضرتها خيرا منها فقد ترجع فيما تصالحا عليه، فقد روي أن رافع بن خديج ﵁ تزوج على امرأته الكبيرة شابة فآثر الشابَّة عليها، فأبت الكبيرة أن تَقِرَّ على الأثرة، فطلقها تطليقة وتركها. فلما قارب انقضاء عِدَّتها خيَّرها بين\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٩/ ٢٦٨)، المغني (١٠/ ٢٦٢)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٢٦).","vol":"1","page":328},{"text":"الفراق والرجعة والصبر على الأثرة، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة. فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر، فطلقها (^١)، وقد سبقت الإشارة إلى فضيلة ذلك في الباب الأول.\n• المطلب الثالث: في الظهار.\nالظهار أثر من آثار المشاكل والخلافات بين الزوجين فإن الزوج قد يختلف مع امرأته وقد يصل هذا الخلاف إلى أن يتلفظ الرجل على امرأته في شدة غضبه بكلام يندم عليه ويوقعه في الحرج بأن يحكم على زوجته بأمر يحرمها عليه، وبذلك يتعدى هذا الحرج إلى الزوجة التي هي بعيدة كل البعد عما وصفت به.\nوتظهر هذه المشقة جلية في حادثة خولة ﵂ حينما ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فقد جاءت تشتكي إلى النبي - ﷺ - ما يجدانه من المشقة بسبب التلفظ بهذا اللفظ.\nفعن عائشة ﵂ قالت: (تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله - ﷺ - وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك)، وهذه الأوصاف التي وصفت بها نفسها وشكواها إلى الله يدل على المشقة التي وجدتها والمعاناة التي لحقتها إثر كلمة الظهار.\nوفي رواية أخرى تبين عظيم ما وجدت هي وزوجها من العناء تقول: (إن زوجي كان تزوّجني، وأنا أحَبّ الناس إليه، حتى إذا كبرتُ ودخلت في السنّ، قال: أنت عليّ مثل ظهر أمي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رُخصة يا رسول الله تنْعَشني وإياه بها فحدثني بها ...) (^٢).\nفمن رحمة الله ﵎ وتخفيفه عليها وعلى زوجها وعلى الأمة أن أنزل صدر سورة المجادلة مبينا فيها عظيم تلك المقولة وشناعتها وما احتوته من الكذب فقال: ﴿الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري (٩/ ٢٨٣)، والحاكم في المستدرك كتاب التفسير-تفسير سورة النساء برقم (٣٢٠٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(^٢) أخرجه الطبري (٢٣/ ٢٢٢).","vol":"1","page":329},{"text":"يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ٢] وختم الآية بعفو الله وغفرانه إيذانا بالتخفيف وهو ما شرعه الله من الكفارة بعد هذه الآية بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣ - ٤].\nومع ما روعي من التغليظ في أنواع هذه الكفارة محافظة على العلاقة الزوجية، ومنعا من ظلم المرأة (^١)، إلا أنه اشتمل على التيسير عند عدم الاستطاعة والقدرة وما أعظمه من تيسير في تيسير.\nوما أجمل أن يجتمع التيسير الإلهي مع التيسير النبوي في حال أوس بن الصامت حين قال النبي - ﷺ - لخولة: (مريه فليعتق رقبة) قالت: فقلت والله يا رسول الله ما عنده ما يعتق.\nقال: (فليصم شهرين متتابعين) قالت: فقلت والله يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: (فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر) قالت: قلت والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: (فإنا سنعينه بعرق من تمر) قالت: فقلت وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، قال: (قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا) (^٢). فإعانة النبي - ﷺ - له وتوصيته لخولة بزوجها، مع قوله تعالى في الآية:\n_________\n(^١) انظر: فقه السنة (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (٢٧٣٦٠)، وأبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الظهار برقم (٢٢١٤)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطلاق باب الظهار برقم (١٠/ ١٠٧) وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على صحيح ابن حبان: حديث صحيح رجاله كلهم ثقات، وحسنه الألباني (إرواء الغليل ٧/ ١٧٣).","vol":"1","page":330},{"text":"﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ إشارة إلى أن مراد الله من هذا الحكم التوسعة على الناس كما يدل على أن مقصد الشريعة الإِسلامية أن تدور أحكام الظهار على محور التخفيف والتوسعة (^١).\n\nوفي ختام هذا الفصل يتبين ما اشتملت عليه أحكام النكاح من التخفيف ورفع الحرج ولولا فضل الله علينا بهذا التخفيف لتفرقت كثير من الأسر، ولوقعت كثير من المشاحنات والخصومات، فالحمد لله الذي هدانا لهذه الشريعة الغراء، والواجب على الزوجين أن تكون حياتهما قائمة على التيسير فيما بينهما والتخفيف على بعضهما حتى تنعم حياتهما بالود والاطمئنان في ظل الشريعة الإسلامية.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٨/ ١٤).","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الفصل الرابع التيسير ورفع الحرج في آيات الأطعمة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: التيسير في إباحة الطيبات.\nالمبحث الثاني: التيسير ورفع الحرج عن المضطر.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>المبحث الأول: التيسير في إباحة الطيبات</span>\nإن من المعلوم لدى الفطر السليمة أن الكائنات مفطورة على حاجتهم للطعام والشراب ولو منعوا منها لهلكوا، ثم إن العباد لما كانوا مأمورين بعبادة الله وحده لا شريك له وكان لا يمكنهم تحقيق هذه العبودية إلا بسلامة البدن التي تحصل بالطعام والشراب، فإن من رحمة الله وتيسيره لهذه الأمة أن وسع لها في أرزاقها ونوع لها طعامها وشرابها، وهذا التيسير إنما هو بسبب الانقياد لأمر الله واتباع الشريعة الإسلامية السمحة.\nوقد جاء القرآن الكريم بتقرير هذا الأمر وتأكيده بوجوه عدة، ومن ذلك:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-196> المطلب الأول: عموم الإباحة وحصر المحرمات</span>.\nوذلك في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ...﴾ الآية [المائدة: ٤]\nوقد جاءت هذه الآية بعد آية المحرمات من الأطعمة وكأن سائلا يسأل، ما يباح لنا من المطاعم؟ فجاء الجواب: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (^١).\nوبين هذا العموم في هذه الآية والتفصيل في تعداد المحرمات دلالة على تيسير الله وتوسعة الله لهذه الأمة بأن وسع لهم طرق الحلال من المطاعم والمشارب، وحصر لهم المحرمات\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٣٥٠)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل (١٤١)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل (١/ ٣٠٧). وروي في سبب النزول: أن جبريل جاء إلى سول الله - ﷺ - فوجد في البيت كلبًا فلم يدخل فقال له النبي - ﷺ - ادخل فقال أنا لا أدخل بيتًا فيه كلب فأمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب فقتلت حتى بلغت العوالي فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة فقالوا يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الكلاب؟. قال ابن عطية: وظاهر الآية أن سائلًا سأل عما أحل للنا س من المطاعم لأن قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ليس الجواب على ما يحل لنا من اتخاذ الكلاب اللهم إلا أن يكون هذا من إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه وهذا موجود كثيرًا من النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":333},{"text":"كما يفهم من الآية الكريمة أن ما حرم في الآية السابقة ليس نكالا بالناس وإعناتا لهم، وإنما هو رحمة وفضل لأن هذه المحرمات ليست من جنس الطيبات إنما هي من الخبائث التي تستقذرها الفطرة السليمة من الناحية الحسية كالميتة والدم ولحم الخنزير، أو ينفر منها القلب المؤمن كالذي أهل لغير الله به أو ما ذبح على النصب، أو كان الاستقسام فيه بالأزلام، فلم يمنعنا الله ﵎ من طيب أبدا ولذلك فقد أباح لنا ما لم يذكّ مما تصطاده الجوارح المعلمة من الفهود والصقور والكلاب ونحوها بالشروط التي ذكرها الله تعالى في الآية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-197> المطلب الثاني: التقرير بإباحة الطيبات على وجه الثبوت والدوام</span>.\nوذلك في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥].\nوهذه الآية واردة بعد الإجابة بإباحة الطيبات، ومناسبة ذكرها بهذا الأسلوب مرة أخرى إنما هو مزيد امتنان بإتمام النعمة وأن هذا الحكم ثابت فلا ينسخ أبدا، كما أنه أعيد مرة أخرى ليبنى عليه تيسير آخر وهو قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ فعطْف هذه الجملة على قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ لأجل ما في هذه الرخصة من المنّة لكثرة مخالطة المسلمين أهل الكتاب فلو حرّم الله عليهم طعامهم لشقّ ذلك عليهم (^٢).\n• المطلب الثالث: بيان يسر الشريعة بين عنت مشركي العرب وبين بغي اليهود.\nأخبر الله تعالى في سورة الأنعام أصنافا من المحرمات التي حرمها أهل الجاهلية على أنفسهم وذرياتهم افتراء على الله واتباعا لأهوائهم، فأنزل الله ﵎ ردا عليهم: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ٢٢١)، في ظلال القرآن (٢/ ٨٤٧).\n(^٢) انظر: نظم الدرر (٢/ ٣٩٧)، التحرير والتنوير (٦/ ١١٩).","vol":"1","page":334},{"text":"خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]\nوالمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لاأجد فيما أوحي إلي شيئا محرما على آكل يأكله مما تذكرون أنه محرم بزعمكم إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير، وهذا إعلام من الله ﷿ للمشركين الذين جادلوا النبي - ﷺ - وأصحابه في تحريم الميتة بما جادَلوهم به، أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرّمه الله، وأن الذي زعموا أنّ الله حرمه حلالٌ قد أحلَّه الله، وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله ﷿ (^١).\nوهذا الرد على المشركين الذين ضيقوا على أنفسهم أرزاقهم بسبب اتباع أهوائهم يبين حسن هذه الشريعة التي جاءت بالتيسير على الناس ولم تحرم إلا ما هو فسق أو رجس وهذا التيسير هو بسبب اتباع الوحي.\nولما بين الله حال المشركين في تحريم ما أحل الله وأن الوحي لم يحرم ما حرموه غير ما ذكر من المحرمات الثلاثة وقت نزول الآية (^٢)\n، أخبر عن حال اليهود فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦]. فهذا التحريم هو تحريم خاص بهم لحكمة خاصة بهم وهي التي أخبر الله عنها بقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فليس هذا التضييق عليهم المطعم والمشرب ظلما\n_________\n(^١) جامع البيان (١٢/ ١٩١).\n(^٢) اختلف المفسرون في هذه الآية على أقوال:\n\nالأول: أنها منسوخة، الثاني: أنها محكمة ولا حرام من الحيوان إلا ما فيها، القول الثالث: أنها محكمة وكل ما حرمه رسول الله داخل فيها، القول الرابع: أنها محكمة وكل ما حرمه رسول الله - ﷺ - مضموم إليها داخل في الاستثناء، القول الخامس: أن هذه الآية جواب لما سألوا عنه فأجيبوا عما سألوا وقت نزول الآية وقد حرم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم غير ما في الآية، وقد ذهب إلى هذا القول: النحاس، وبه فسّر الطبري هذه الآية ولم يذكر غيره، ورجحه الطاهر ابن عاشور (انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٤٣٢ - ٤٣٨، جامع البيان ١٢/ ١٩١، التحرير والتنوير ٨/ ١٤٠).","vol":"1","page":335},{"text":"لهم بل هو بسبب بغيهم وظلمهم لأنفسهم كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾ [النحل: ١١٨].\nوفي هذا أعظم دلالة على ما في اتباع الشريعة من التيسير والتوسعة على العباد، وأن من يبتغي التيسير في غير الشريعة إنما يحجر واسعا ويشق على نفسه وغيره، وهذا بسبب اتباع هواه أو بغيه وظلمه، وقد أمر الله نبيه - ﷺ - بالبعد عن هؤلاء فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المبحث الثاني: التيسير ورفع الحرج عن المضطر</span>\nتبين في المبحث الأول رحمة الله تعالى وتيسيره للناس أمور معاشهم فما من طيب إلا أباحه الله ﷿ وما من خبيث إلا حرمه وهكذا فإن الله تعالى نوع للعباد مآكلهم من طعام البر وطعام البحر وما يخرج من الأرض من نباتات شتى وثمار متنوعة، فمتى فقد العبد نوعا وجد نوعا آخر، وقد يكون في مكان لا يوجد فيه صنف من الأطعمة فيجد صنفا غيره وهذه منة عظيمة من الله على العباد.\nومن عظيم تيسير الله أنه مع تنوع هذه الأطعمة أحل لنا المحرم حال الضرورة والاضطرار فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣] وقد ذكرت حالة الاضطرار هذه أربع مرات في كل مرة تختم فيها الآية بذكر صفتي المغفرة والرحمة لله ﷿ وهذا مناسب غاية المناسبة للتوسعة التي وسّع بها على خلقه (^١).\nوهذه التوسعة شرطها الاضطرار الملجئ لتناول المحرم وهو الجوع الشديد كما في قوله:\n﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] ويدخل في ذلك المكره (^٢).\nكما يشترط أن يكون الآكل غير مبتغ بأكله ما حرم عليه ولا معتد فيه وله عن ترك أكله مندوحة وغنى مما أباحه الله له، وقد رجح هذا القول الطبري، والقرطبي وغيرهم (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن (ص ٨١).\n(^٢) وقد اختلفوا في دخول المكره في معنى الآية والذي عليه الجمهور أن المضطر في الآية هو من صيره العدم وهو الجوع إلى ذلك، ويروى عن مجاهد أن المكره داخل في الآية. (انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٣٥، جامع البيان ٣/ ٣٢٢).\n(^٣) انظر: جامع البيان (٣/ ٣٢٥)، الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٤ - ٤٦)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٤/ ١١٠ - ١١٢)، تيسير الكريم الرحمن (ص ٨١).","vol":"1","page":337},{"text":"وذهب بعض السلف إلى أن البغي والعدوان يراد به سفر المعصية وقطع الطريق والخروج على الإمام فمن هذه حالهم لا يجوز لهم أكل المحرم حال الاضطرار لأنهم خرجوا في معصية.\nوعلى كل فالواجب على من رأى الهلاك أمام عينيه ثم ظهرت له رحمة الله حيث أباح له الخبيث حفظا عليه من الهلاك أن يسارع بالتوبة والرجوع إلى الله لا أن يقتل نفسه فيزداد إثما إلى إثم، فهذا التيسير هو مدعاة إلى التوبة والإنابة.\n\nومن تيسير الله كذلك في إباحة هذه المحرمات أن الضرر والخبث الذي في هذا الطعام لا يضر من أكله حال الضرورة، وذلك أن في الميتة سمية شديدة فلو أكلها ابتداء لأهلكته فشرع له أن يجوع ليصير في بدنه بالجوع سمية أشد من سمية الميتة فإذا أكل منها حينئذ لا يتضرر بإذن الله (^١) وكذلك فإن النفس كلما اشتد عليها الجوع كان هضمها سريعا بحيث لا يتضرر الجسم بإذن الله (^٢).\n\nوهكذا تتجلى مظاهر التيسير في هذه الشريعة من جميع نواحيها فمن ابتغى التيسير في غيرها ضل، ومن أراد التشديد فيها كلّ، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (٩/ ٨٣٢) قال ابن حجر بعد ذكره لهذه الفائدة: وهذا إن ثبت حسن بالغ في غاية الحسن\n(^٢) تفسيرسورة البقرة، لابن عثيمين (٢/ ٢٥١).\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٣١٠)","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الخاتمة</span>\nوبعد التطواف في الحكم من آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة أختم بذكر النتائج والمقترحات.\nفمن أهم النتائج مايلي:\n١. الحكمة العظمى من التكليف هي تحقيق العبودية لله ﷿ والإذعان له، وأن يكون العبد على يقين أنه ما من أمْر أمَر الله به أو نهْي نهى عنه إلا وهو عائد عليه بالنفع في العاجل أو في الآجل، وفي ذلك سر سعادة العبد واطمئنانه.\n\n٢. إن معرفة الحكم مهمة ومفيدة لجميع الناس\nفهي مفيدة للعالِم في فهم الأدلة والأحكام الشرعية، وهي مفيدة للداعية في تبيين محاسن الإسلام، والرد على أعداء الدين والمبتدعة والمبطلين، وهي مفيدة للعامي في ترسيخ عقيدته وزيادة إيمانه، بل هي مفيدة لغير المسلم؛ فقد تكون سببا في هدايته واعتناقه للإسلام.\n\n٣. حق الله ﷾ مقدم على بقية الحقوق، فقد ذم الله وعاتب من قدّم التجارة ومحبة الأولاد على أمره وأمر رسوله - ﷺ - بل شَرع الطلاق والفداء عند الخوف ألا تقام حدوده جل وعلا، كما حرم أكل ما فيه تعظيم لغيره أو ذُكِر عليه اسمٌ غير اسمه ﵎.\n\n٤. تقوى الله ومراقبته والتوكل عليه من الحِكم العظيمة التي تقود العبد لتطبيق الشريعة وفي ذلك الصلاح والفلاح له في العاجل والآجل.","vol":"1","page":340},{"text":"٥. الشكر غاية الله من خلقه على ما تفضل به على العباد بهذا الدين القويم، وعلى ما أنعم به عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، ولذلك فقد جاءت الآيات مبيِّنة للعباد وجه الشكر في كل نعمة وبيان وجه الانتفاع بها، وبهذا الشكر تحقيق لعبودية الله تعالى كمال قال: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].\n\n٦. حفظ الحقوق من الضرورات الشرعية والمقاصد المرعية، وقد ورد في الآيات بيانها والأمر بحفظها، فغاية العبد أن يأمن على نفسه وعرضه وماله\nوبحفظ هذه الحقوق صلاح الفرد والمجتمع.\n٧. التعامل بالمعروف من الحِكم التي دعت إليها الآيات، لأنه يضمن للعباد حفظ حقوقهم، فبها تكون الحقوق قائمة على المسامحة والعفو والتآخي بعيدة عن الظلم والعدوان والمشاحة، وفي ذلك حفظ لها من جانب الوجود ومن جانب العدم\nولذلك أمر الله بالسماحة والعفو والتجاوز في المبايعات والمداينات والنكاح والوصايا.\n\n٨. التيسير ورفع الحرج من الحِكم التي امتنّ الله بها على هذه الأمة في كتابه، وهي قاعدة من قواعد الدين، وحصول التيسير مرهون\nبتطبيق الشريعة لأن الدين يسر في ذاته\nوالواجب في ذلك: تبيين مظاهر التيسير في هذا الدين القويم، وهذا يكشف زيف أدعياء التيسير الذين تلبسوا به لتمييع الإسلام ونقض ثوابته.","vol":"1","page":341},{"text":"٩. إن هذه الحِكم تجعل العبد المسلم يعيش لهدف نبيل وغاية عظمى فهو في بيعه وشرائه ونكاحه يسعى للإخلاص إلى المعبود والإحسان إلى العبيد كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾ [الإنسان: ٩ - ١٠]، أما الكافر فهو يبيع ويشتري وينكح بلا غاية أو هدف كما قال تعالى عنهم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الحجر: ٣].\nوأما المقترحات:\n١. أن يتم تدريس الفقه في المدارس والجامعات ببيان أوجه الحكم والآثار المترتبة على العبادات والمعاملات في العاجل والآجل.\n\n٢. تذكير الناس بههذه الحِكم في الخطب والمواعظ والندوات، حتى يكونوا على تيقظ دائم بما يريده الله ﷿ من عباده.\n\nهذا وأحمد الله الذي وفقني لإتمام هذا العمل، كما أسأل الله تعالى أن يجعل ما كتبته خالصا لوجهه الكريم وأن ينفعني به وينفع به الإسلام والمسلمين\n\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>قائمة المصادر والمراجع</span>\n- آداب الزفاف في السنة المطهرة، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٩ هـ.\n- أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، صديق بن حسن القنوجي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع، عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة الدمشقي، ت: إبراهيم عطوة عوض، مكتبو مصطفى البابي الحلبي.\n- الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، ت: فواز أحمد زمرلي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م.\n- إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، ت: محمد خير طعمة حلبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ/٢٠٠٢ م.\n- أحكام القرآن، محمد بن إدريس الشافعي، ت: عبد الغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n- أحكام القرآن، أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، ت: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n- أحكام القرآن: لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، ت: علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n- الأدب المفرد، محمد بن إسماعيل البخاري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م.\n- الإجماع، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، ت: أبو حماد صغير أحمد ابن محمد حنيف، مكتبة الفرقان، عجمان/ مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م.","vol":"1","page":383},{"text":"- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م.\n- أسد الغابة في معرفة الصحابة، عز الدين علي بن محمد بن الأثير، دار الفكر\nبيروت.\n- الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، ت: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م.\n- إعلام الموقعين عن رب العالمين، شمس الدين ابن قيم الجوزية، ت: رائد بن صبري بن أبي علفة، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ/٢٠٠٦ م.\n- الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة عشرة، ٢٠٠٢ م.\n- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، شمس الدين ابن قيم الجوزية، ت: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٥ هـ/ ١٩٧٥ م.\n- الإمام في بيان أدلة الأحكام، العز بن عبد السلام، ت: رضوان مختار، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ/١٩٨٧ م.\n- أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ناصر الدين عبد الله بن عمر الشيرازي البيضاوي، دار الفكر، بيروت.\n- أهمية المقاصد في الشريعة الإسلامية وآثارها في فهم النص واستنباط الحكم، سميح عبد الوهاب الجندي، دار الإيمان، الإسكندرية.\n- بدائع الفوائد، شمس الدين ابن قيم الجوزية، ت: محمد بن إبراهيم الزغلي، دار المعالي الأردن، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ/١٩٩٩ م.\n- البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.","vol":"1","page":384},{"text":"- بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتب العزيز، محمد بن يعقوب الفيروزابادي، ت: عبد العليم الطحاوي، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م.\n- تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- تاريخ دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر، ت: علي شيري، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ/١٩٩٨ م.\n- التاريخ الكبير، محمد بن إسماعيل البخاري، ت: السيد هاشم الندوي، دار الفكر، بيروت.\n- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي، ت: أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، ت: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n- تعليل الأحكام، محمد مصطفى شلبي، دار النهضة العربية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ/١٩٨١ م.\n- تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون، تونس.\n- تفسير البحر المحيط، محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.\n- التفسير الصحيح موسوعة الصححي المسبور من التفسير بالمأثور، حكمت بن بشير بن ياسين، دار المآثر، المدينة النبوبة، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م.\n- تفسير القرآن الحكيم المسمى تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية.","vol":"1","page":385},{"text":"- تفسير القرآن العظيم مسندا عن رسول الله - ﷺ -، عبد الرحمن بن إدريس الرازي ابن أبي حاتم: ت/ أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n- تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، ت: سامي سلامة، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩ م.\n- تفسير القرآن الكريم، محمد بن صالح العثيمينو دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n- التفسير الكبير ومفاتيح الغيب: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي، دار الفكر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\n- تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، ت: محمد عوامة، دار الرشيد، حلب، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م.\n- تكملة المجموع، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ/٢٠٠٢ م.\n- تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.\n- التوابين، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ت: عبد القادر الأرناؤوط، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ/١٩٨٣ م.\n- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت: عبد الرحمن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ/٢٠٠٠ م.\n- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، عبد الرحمن ناصر السعدي، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٠ هـ، ١٩٨٠ م.\n- جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ/٢٠٠ م، الطبعة مذيلة بحواشي أحمد ومحمود شاكر.\n- الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ/٢٠٠٦ م.","vol":"1","page":386},{"text":"- الجرح والتعديل، عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٧١ هـ/١٩٥٢ م.\n- حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع وبهامشه تقرير الشربين على جمع الجوامع، حسن العطار، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- حجة الله البالغة، شاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، مكتبة الكوثر، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م.\n- حكمة التشريع وفلسفته، علي أحمد الجرجاوي، أعضاء جمعية الأزهر العلمية بالقاهرة، الطبعة الخامسة، ١٣٨١ هـ/١٩٦١ م.\n- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥ هـ.\n- الخراج، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، ت: محب الدين الخطيب، الطبعة الثانية، القاهرة، ١٣٥٢ هـ.\n- درة التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في الكتاب العزيز، محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي، ت: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ/٢٠٠٢ م.\n- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ابن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ/١٩٩٧ م.\n- الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، ت: أحمد الخراط، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ/١٩٨٧ م.\n- الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي، ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مركز هجر للبحوث، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٣ م.\n- الذريعة إلى مكارم الشريعة، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م.\n- الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوريو دار الكتاب والسنة، باكستان، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ/١٩٩٦ م.\n- رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، يعقوب الباحسين، دار الرشد، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٢٠ هـ/٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":387},{"text":"- رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ضوابطه وتطبيقاته، صالح بن عبد الله بن حميد، جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي والتراث الإسلامي، الطبعة الأولى.\n- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n- روضة المحبين ونزهة المشتاقين، شمس الدين ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٢ هـ/١٩٩٢ م.\n- روضة الناظر وجنة المناظر، موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ت: عبد الكريم النملة، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ/١٩٩٣ م.\n- زاد المعاد في هدي خير العباد، شمس الدين ابن قيم الجوزية، ت: شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة السادسة والعشرون\n١٤١٢ هـ /١٩٩٢ م.\n- السلسلة الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.\n- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.\n- سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث، أبو داود السجستاني، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.\n- سنن الترمذي (الجامع الصحيح)، محمد بن عيسى الترمذي، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- سنن الدارقطني، علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني، ت: السيد عبد الله هاشم يماني المدني، دار المعرفة، بيروت، ١٣٨٦ هـ/١٩٦٦ م.\n- سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت: فواز زمرلي وخالد العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":388},{"text":"- سنن سعيد بن منصور، ت: سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميِّد، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، ١٩٩٩٣ م.\n- السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي أبوبكر البيهقي، ت: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، ١٤١٤ هـ/١٩٩٤ م.\n- سنن النسائي، أحمد بن شعيب النسائي، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ/١٩٨٦ م.\n- سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة السادسة، ١٤٠٩ هـ/ ١٩٩٨ م.\n- شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، العز بن عبد السلام، اعتنى به: حسان عبد المنان، بيت الأفكار الدولية، الأردن، عمان.\n- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، محمد بن محمد مخلوف، دار الكتاب العربي، بيروت، طبعة جديدة عن الطبعة الأولى ستة ١٣٤٩ هـ المطبعة السلفية.\n- شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح، سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.\n- شرح الرحبية في علم الفرائض، سبط المارديني، تعليق: مصطفى ديب البغا، دار القلم، دمشق، الطبعة الثامنة، ١٤١٩ هـ/١٩٩٨ م.\n- شرح السيوطي لسنن النسائي، جلال الدين السيوطي، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ/١٩٨٦ م.\n- شعب الإيمان، أحمد بن الحسين أبوبكر البيهقي، ت: محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ت: محمد بدر الدين الحلبي، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ/ ١٩٧٨ م.\n- صحيح البخاري (الجامع الصحيح المختصر)، محمد بن إسماعيل البخاري، ت: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ هـ/١٩٨٧ م.","vol":"1","page":389},{"text":"- صحيح الترغيب والترهيب، محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، الطبعة الخامسة.\n- صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ،١٩٨٨ م.\n- صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، تعليق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٨ هـ/١٩٨٨ م.\n- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- طبقات المفسرين، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ت: علي محمد عمر، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n- طبقات المفسرين، أحمد بن محمد الأدنه وي، ت: سليمان بن صالح الخزي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٩٩٧ م.\n- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، شمس الدين ابن قيم الجوزية، ت: محمد جميل غازي، مطبعة المدني، القاهرة.\n- طرق الكشف عن مقاصد الشارع، نعمان جغيم، دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠٢ م.\n- طلب العلم وطبقات المتعلمين، محمد بن علي الشوكاني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م.\n- العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر العسقلاني، ت: عبد الحكيم محمد الأنيس، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الثانية، ١٤٢٦ هـ.\n- العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير، اعتنى به: خالد بن عثمان السبت، دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٣ م.\n- علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه، عبد الله بن بيه، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، ١٤٢٧ هـ/ ٢٠٠٦ م.","vol":"1","page":390},{"text":"- عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير، أحمد محمد شاكر، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٣ م.\n- عون المعبود شرح سنن أبي داوود، محمد شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\n- غريب الحديث، أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، ت: محمد عبد المعيد خان، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n- غريب الحديث، إبراهيم بن إسحاق الحربي، ت: سليمان بن إبراهيم العايد، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار السلام، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ/٢٠٠٠ م.\n- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٩ هـ/١٩٨٩ م.\n- الفرائض وشرح آيات الوصية، أبو القاسم، عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي، ت: محمد إبراهيم البنا، مكتبة الفيصلية، مكة المكرمة، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n- الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ/١٩٨٤ م.\n- فقه السنة، السيد سابق، دار الفكر، لبنان، الطبعة الرابعة، ١٤٠٣ هـ/١٩٨٣ م.\n- فقه السيرة، محمد الغزالي، دار القلم، دمشق، الطبعة السابعة، ١٤١٨ هـ/١٩٩٨ م.\n- فيض القدير شرح الجامع الصغير، عبد الرؤوف المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، الطبعة الأولى، ١٣٥٦ هـ.\n- في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الخامسة والعشرون،١٤٢٥ هـ/٢٠٠٥ م.\n- القاموس المحيط، مجد الدين الفيروزآبادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":391},{"text":"- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام، مؤسسة الريان، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٨ م.\n- القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت: خالد السبت، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n- الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، شمس الدين ابن قيم الجوزية، اعتنى به: عبد اله بن محمد العمير، دار ابن خزيمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٦ م.\n- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عبد الله المشهور بـ (حاجي خليفة)، دار العلوم الحديثة، بيروت.\n- الكشف والبيان، أبو إسحاق أحمد المعروف بالثعلبي، ت: أبو محمد عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ/٢٠٠٢ م.\n- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علي المتقي الهندي، صححه ووضع فهارسه: صفوة السقا، مكتبة التراث الإسلامي، حلب، الطبعة الأولى\n١٣٩٧ هـ/ ١٩٧٧ م.\n- لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر، بيروت الطبعة الأولى.\n- اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي، ت: عادل عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ/١٩٩٨ م.\n- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، شمس الدين ابن قيم الجوزية، ت: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ هـ/١٩٧٣ م.","vol":"1","page":392},{"text":"- مدارك التنزيل وحقائق التأويل، أحمد بن محمود النسفي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م.\n- مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع عبد الرحمن ابن قاسم النجدي، اعتنى بهذه الطبعة: محمد بن حسين بن سعيد القحطاني، دار الرشد، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ/٢٠٠٥ م، طبعة محافظة على ترقيم الصفحات القديمة.\n- محاسن الإسلام، لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن البخاري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٦ هـ.\n- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: أبو محمد عبدالحق بن غالب بن عبدالرحمن بن تمام ابن عطية المحاربي، ت: السيد عبد العال السيد إبراهيم، طبعة رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بقطر، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n- المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، ت: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ/١٩٩٠ م.\n- مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، ت: شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٦ هـ/١٩٩٥ م.\n- مشكاة المصابيح، محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، ت: محمد ناصر الدين الأباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ/١٩٨٥ م.\n- المصنف في الأحاديث والآثار، أبوبكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ت: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى،١٤٠٩ هـ.\n- مصنف عبد الرزاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية،١٤٠٣ هـ.\n- مظاهر التيسير ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية: فرج علي الفقيه حسين، دار قتيبة، سوريا، الطبعة الأولى،١٤٢٣ هـ/٢٠٠٣ م.\n- معالم التنزيل، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، ت: محمد النمر وعثمان ضميرية وسليمان الحرش، دار طيبة، الرياض، الإصدار الثاني، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ/٢٠٠٢ م.","vol":"1","page":393},{"text":"- المعجم الأوسط للطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ت: طارق عوض الله وعبد المحسن الحسيني، دار الحرمين، القاهرة،١٤١٥ هـ.\n- المعجم الكبير للطبرني، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ت: حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ/١٩٨٣ م.\n- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م.\n- المعجم المفهرس لمعاني القرآن الكريم، محمد بسام رشدي الزين، دار الفكر، دمشق، دار الفكر المعاصر، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ/١٩٩٦ م.\n- معجم المؤلفين تراجم مصنفي الكتب العربية، عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م.\n- معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فار بن زكريا، ت: عبد السلام هارون، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٩ هـ/١٩٧٩ م.\n- المغازي، محمد بن عمر الواقدي، ت: مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت.\n- المغني، موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ت: عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو، دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الخامسة، ١٤٢٦ هـ/٢٠٠٥ م.\n- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، محمد الشربيني الخطيب، در إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٧٧ هـ/١٩٥٨ م.\n- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة، شمس الدين ابن قيم الجوزية، ت: علي حسن عبد الحميد، دار ابن عفان، الخبر، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ/١٩٩٦ م.\n- المفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، ت: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت.\n- المفصل في أحكام المرأة، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ/١٩٩٣ م.","vol":"1","page":394},{"text":"- مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، ت: محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، الأردن، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ،٢٠٠١ م.\n- مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، يوسف أحمد محمد البدوي، دار النفائس، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ/٢٠٠٠ م.\n- مقاصد الشريعة عند العز بن عبد السلام، عمر بن صالح بن عمر، دار النفائس، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٣ م.\n- مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، محمد سعد بن أحمد بن مسعود اليوبي، دار الهجرة، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م.\n- المقاصد الشرعية وصلتها بالأدلة الشرعية والمصطلحات الأصولية، نور الدين بن مختار الخادمي، دار إشبيليا، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م\n- مقاصد الشريعة ومكارمها، علال الفاسي، مكتبة الوحدة العربية، الدار البيضاء.\n- منهاج السنة النبوية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ت: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، الطبعة السادسة، ١٤٢٠ هـ/١٩٩٩ م.\n- المنهاج القرآني في التشريع، عبد الستار فتح الله سعيد، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٢ م.\n- منهج التشريع الإسلامي وحكمته، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، منشورات المكتبة العلمية، المدينة المنورة.\n- منهج القرآن الكريم في رعاية ضعفاء المجتمع، عماد زهير حافظ، مطابع شركة المدينة المنورة للطباعة والنشر، جدة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٢ م.\n- المواريث في الشريعة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة، محمد علي الصابوني، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ/١٩٨٩ م.\n- الموافقات في أصول الشريعة، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، اعتنى بها: إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، الطبعة السادسة، ١٤٢٥ هـ/٢٠٠٤ م.","vol":"1","page":395},{"text":"- موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر، ابن حجر العسقلاني، ت: حمدي عبد المجيد السلفي وصبحي السيد جاسم السامرائي، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م.\n- موطأ الإمام مالك، مالك بن أنس الأصبحي، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.\n- الناسخ والمنسوخ، أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس، ت: محمد عبد السلام محمد، دار الفلاح، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n- النشر في القراءات العشر، أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري، دار الكتاب العربي.\n- نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، أحمد الريسوني، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الطبعة الثانية، الرياض، ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":396}]}