{"ً":{"ٌ":274,"ٍ":"المحصول في شرح صفوة الأصول","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/mahsool_rayess/mahsool.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المحصول في شرح صفوة الأصول\nالمؤلف: د. عبد العزيز بن ريس الريس\nالناشر: دار البرازي (سوريا) - دار الإمام مسلم (المدينة المنورة)\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٧ هـ\nعدد الصفحات: ١١٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3093,"ٕ":11,"ٖ":1780758548,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تمهيد","level":1,"page":2},{"title":"المقدمة الأولى: أهمية علم أصول الفقه وأنه الشرط الأساس لكل مجتهد","level":2,"page":2},{"title":"المقدمة الثانية: علم أصول الفقه علم سهل، والذي جعله صعبا على كثير من الناس أمور","level":2,"page":2},{"title":"المقدمة الثالثة: ينبغي على دارس علم أصول الفقه أن يعتمد المسائل بدليلها","level":2,"page":3},{"title":"المقدمة الرابعة: فرق بين علم أصول الفقه وعلم القواعد الفقيه","level":2,"page":3},{"title":"تنبيه: ينبغي لدارس القواعد الفقهية أن يميز بين المذهبية منها والمبنية على دليل","level":2,"page":4},{"title":"تنبيه: لا يصح أن ترد الأدلة الشرعية بكل ما يذعم أنه قاعدة فقية","level":2,"page":4},{"title":"حول علم أصول الفقه","level":1,"page":5},{"title":"علم أصول الفقه يقوم على أسس ثلاثة","level":2,"page":5},{"title":"تعريف أصول الفقه","level":2,"page":7},{"title":"تنبيه: ذكر ابن تيمية أن مما عند المناطقة من أخطاء غلوهم في الاشتغال بالتعاريف والحدود","level":2,"page":7},{"title":"الأحكام التكليفية","level":1,"page":8},{"title":"أصل تسمية الأحكام التكليفية بهذا الاسم من المعتزلة","level":2,"page":8},{"title":"تعريف الواجب","level":2,"page":8},{"title":"تعريف المحرم","level":2,"page":9},{"title":"تعريف المسنون","level":2,"page":9},{"title":"تعريف المكروه","level":2,"page":10},{"title":"تعريف المباح","level":2,"page":10},{"title":"تعريف العبادة","level":2,"page":10},{"title":"التعبد بالمباح لذاته بدعة","level":3,"page":11},{"title":"من تحريف الشريعة أن تفسر الأدلة الشرعية بالاصطلاحات الحادثة","level":2,"page":11},{"title":"فرق بين الواجب اصطلاحا وشرعا","level":2,"page":12},{"title":"فرق بين المكروه اصطلاحا وشرعا","level":2,"page":12},{"title":"فرق بين الرخصة اصطلاحا وشرعا","level":2,"page":12},{"title":"الأصل في الأمر الوجوب إلا بقرينة","level":2,"page":13},{"title":"الأمر بعد الحظر يرجع إلى حكمه قبل الحظر","level":2,"page":14},{"title":"فائدة: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ هذا على وجه التهديد لا التخيير","level":2,"page":15},{"title":"الأصل في النهي التحريم إلا بقرينة","level":2,"page":15},{"title":"المجاز ما جمع أربعة أركان","level":1,"page":15},{"title":"الأصل في الكلام أنه على الحقيقة لا المجاز إلا بقرينة","level":2,"page":16},{"title":"الأصل في الكلام أنه يحمل على عمومه إلا بقرينة","level":2,"page":17},{"title":"الأصل في الكلام أنه يحمل على صورته الظاهرة من غير تقدير محذوف إلا بقرينة","level":2,"page":17},{"title":"الأصل في الكلام أنه يحمل على إطلاقه بلا تقييد إلا بقرينة","level":2,"page":18},{"title":"الأصل في كل لفظ أنه دال على معنى جديد","level":2,"page":18},{"title":"فائدة: تنازع العلماء في «وإنما لكل امرئ ما نوى» هل هو مؤكد أو","level":2,"page":19},{"title":"الأصل في الألفاظ المختلفة أنها متغايرة في المعنى","level":2,"page":19},{"title":"فائدة: تنازع أهل العلم هل أولو النهى هم أولو الأحلام أم أن بينهما فرقا","level":2,"page":19},{"title":"الأصل في الأحكام أنها غير منسوخة","level":2,"page":19},{"title":"فائدة: لا يقال أن آيات السيف نسخت آيات الصبر","level":2,"page":20},{"title":"المراد بالشارع","level":2,"page":20},{"title":"الأصل في كلام الشارع أنه يحمل على عرف الشارع","level":2,"page":20},{"title":"(لا ينبغي) في كلام الشارع للتحريم","level":2,"page":20},{"title":"الأصل في كلام الناس أنه يحمل على أعرافهم","level":2,"page":21},{"title":"الوسائل لها أحكام المقاصد","level":1,"page":21},{"title":"وسائل العبادة عبادة، والبدع تدخل في الوسائل كما تدخل في الغايات","level":2,"page":21},{"title":"قاعدة مهمة في التفريق بين الوسائل المحدثة وغيرها","level":2,"page":22},{"title":"تنبيه: ذنوب العباد ليست مسوغا لإحداث الوسائل","level":2,"page":23},{"title":"مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب","level":2,"page":23},{"title":"الفرق بين الواجب والوجوب","level":2,"page":24},{"title":"لا تتم العبادات ولا العقود ولا المعاملات إلا بتوفر شروطها وانتفاء موانعها","level":2,"page":24},{"title":"الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية","level":2,"page":25},{"title":"إذا تعارضت مصلحتان قدمت الكبرى على الصغرى","level":1,"page":26},{"title":"فائدة: الجهاد المستحب يترك لحاجة الوالدين","level":2,"page":26},{"title":"إذا تعارضت مفسدتان تفعل الصغرى وتترك الكبرى","level":2,"page":26},{"title":"إذا اشتبه محرم بمباح في غير ضرورة وجب الكف عنهما","level":2,"page":27},{"title":"الأمر يقتضي المبادرة","level":1,"page":28},{"title":"الفرق بين العلة والحكمة","level":1,"page":28},{"title":"يعم الحكم بعموم علته","level":2,"page":29},{"title":"العموم اللفظي والعموم المعنوي","level":2,"page":30},{"title":"قد يكون الحكم عاما بألفاظ العموم لكن يخصص؛ لأن علته تفيد التخصيص","level":2,"page":30},{"title":"الألفاظ قوالب المعاني","level":1,"page":31},{"title":"معنى السبب","level":2,"page":31},{"title":"معنى الشرط","level":2,"page":31},{"title":"معنى قول الأصوليين (لذاته) في تعريف الشرط والسبب","level":2,"page":32},{"title":"معنى العزيمة","level":2,"page":32},{"title":"الرخصة","level":2,"page":32},{"title":"أحكام الناسي والمخطئ والمكره","level":1,"page":33},{"title":"قاعدة: من ترك مأمورا ناسيا فلا إثم عليه، لكن يجب أن يأتي بالمأمور","level":2,"page":35},{"title":"قاعدة: من فعل محظورا ناسيا فلا إثم عليه، ولا يأتي بشيء","level":2,"page":35},{"title":"قاعدة: الخطأ كالنسيان في القاعدتين السابقتين","level":2,"page":36},{"title":"قاعدة: من ترك مأمورا جاهلا فلا إثم عليه ولا يجب عليه أن يأتي بشيء","level":2,"page":36},{"title":"قاعدة: من فعل محظورا جاهلا فلا إثم عليه، ولا يجب عليه أن يأتي بشيء","level":2,"page":38},{"title":"المراد بالسنة عند بحث الأدلة الشرعية","level":1,"page":38},{"title":"الأصل في أفعال النبي - ﷺ - أنها تدل على الندب","level":2,"page":39},{"title":"الأصل في أفعال النبي - ﷺ - عدم الخصوصية","level":2,"page":40},{"title":"أفعال النبي - ﷺ - التي ليست على وجه التشريع لا تدل على الندب","level":2,"page":40},{"title":"أفعال النبي - ﷺ - أقسام خمسة","level":2,"page":41},{"title":"أنواع إقرار النبي - ﷺ -","level":2,"page":42},{"title":"تنبيه: إقرار النبي - ﷺ - يأخذ حكم ما أقر عليه","level":3,"page":44},{"title":"يقدم قول النبي - ﷺ - على فعله","level":3,"page":44},{"title":"قاعدة: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما","level":3,"page":45},{"title":"الدليل على أن الإجماع حجة شرعية","level":1,"page":46},{"title":"مزية الإجماع على بقية الأدلة أنه لا يكون إلا قطعي الدلالة","level":2,"page":48},{"title":"الإجماع من جهة ثبوته قسمان","level":2,"page":48},{"title":"أول من خالف في حجية الإجماع النظام المعتزلي","level":2,"page":49},{"title":"القول بأن الإجماع لا يكون حجة إلا منطوقا لازمه إسقاط الإجماع","level":2,"page":49},{"title":"القول بأن الإجماع السكوتي لا يكون حجة إنما قاله المتكلمون ومن تأثر بهم","level":2,"page":49},{"title":"خطأ نسبة عدم الاحتجاج بالإجماع للإمام الشافعي والإمام أحمد","level":2,"page":49},{"title":"أكثر مسائل الدين مجمع عليها","level":2,"page":50},{"title":"لو حكى الإجماع ذو استقراء واحد فإنه يغلب على الظن ثبوته فكيف لو حكاه جمع","level":2,"page":51},{"title":"من التناقض إثبات حجية فهم السلف دون حجية الإجماع لأن الأول صورة من الثاني","level":2,"page":51},{"title":"ما من إجماع إلا وهو مستند إلى دليل شرعي","level":2,"page":51},{"title":"لا يشترط للاحتجاج بالإجماع أن يعرف مستنده","level":2,"page":52},{"title":"أنواع الأخبار","level":1,"page":53},{"title":"شروط المتواتر","level":2,"page":53},{"title":"الفرق بين التواتر اللفظي والتواتر المعنوي","level":2,"page":54},{"title":"الأصل في أخبار الآحاد أنها تفيد الظن إلا مع القرائن فإنها تفيد اليقين","level":2,"page":54},{"title":"سبب دخول التصور الخاطئ للتواتر إلى علم الأصول والمصطلح","level":2,"page":54},{"title":"دراسة المتواتر والآحاد في علم مصطلح الحديث لا علم أصول الفقه","level":2,"page":55},{"title":"حجية مذهب الصحابي","level":1,"page":55},{"title":"قول الصحابي إذا خالف النص فهو مردود إجماعا","level":2,"page":55},{"title":"الصحابة إذا اختلفوا ليس قول أحدهم حجة على الآخر إجماعا","level":2,"page":56},{"title":"عند تعارض أقوال الصحابة يرجح أقربها للكتاب والسنة","level":2,"page":56},{"title":"إذا اختلف الصحابة ولم يكن في المسالة دليل فإن قول الخلفاء الراشدين مقدم على غيره","level":2,"page":56},{"title":"حجية مذهب الصحابي صورة من صور الإجماع","level":2,"page":57},{"title":"المراد بحجية قول الصحابي إذا لم يكن له مخالف","level":2,"page":57},{"title":"حجية مذهب الصحابي من باب الظن الغالب","level":2,"page":57},{"title":"الأدلة على حجية مذهب الصحابي","level":2,"page":58},{"title":"أقوال الصحابة قسمان","level":2,"page":59},{"title":"مذهب الصحابي حجة عند الأئمة الأربعة وغيرهم حتى الشافعي في الجديد","level":2,"page":59},{"title":"لا يجوز الخروج عن أقوال الصحابة","level":2,"page":60},{"title":"تنبيه: فرق بين أن يخالف الصحابي النص من كل وجه وبين أن يخالفه من وجه دون وجه","level":2,"page":60},{"title":"ضابط التفريق بين المخالفة من كل وجه وبين التفسيرية التي هي مخالفة من وجه دون وجه","level":2,"page":61},{"title":"حاول بعضهم رد قول الصحابي بأمور منها","level":2,"page":61},{"title":"تطبيقات على حجية مذهب الصحابي","level":2,"page":63},{"title":"مسألة: يسن رفع اليدين في تكبيرات الجنائز","level":3,"page":63},{"title":"مسألة: يحرم دخول مكة لغير المحرم","level":3,"page":63},{"title":"مسألة: يشرع المكث عند القبر بعد الدفن قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه","level":3,"page":63},{"title":"مسألة: مسح بعض الرأس في الوضوء مجزئ","level":3,"page":64},{"title":"مسألة: يسن أن يأخذ من اللحية بمقدار القبضة","level":3,"page":64},{"title":"مسألة: حديث «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» خاص بالنذر","level":3,"page":64},{"title":"الأمر بشيء نهي عن ضده والنهي عن شيء أمر بضده","level":1,"page":64},{"title":"إذا كان للمنهي عنه أكثر من ضد فهو أمر بأحدها لا كلها","level":2,"page":65},{"title":"إذا كان للمنهي عنه أكثر من ضد فهو أمر بأحدها لا كلها","level":2,"page":65},{"title":"الأشاعرة يقولون أن عين الأمر هو عين النهي بخلاف أهل السنة إذ يرون أحدهما يسلزم الآخر أو يقتضيه","level":2,"page":65},{"title":"قاعدة: إذا تكلم الرجل بلفظ مجمل فإنه يرد إلى هديه وسيرته","level":2,"page":66},{"title":"مسألة اقتضاء النهي للفساد","level":2,"page":66},{"title":"التفريق بين ما يرجع إلى ذات العبادة أوشرطها أو وصفها الملازم وبين غيره في المسألة هو من تفريقات المتكلمين","level":2,"page":66},{"title":"صيغ العموم سبع","level":1,"page":68},{"title":"(أل) للعهد لا تفيد العموم إنما تكون بحسب المعهود","level":2,"page":72},{"title":"(أل) أقسام ثلاثة","level":2,"page":72},{"title":"العموم أقسام أربعة","level":2,"page":73},{"title":"خطأ القول بأنه ما من عام إلا وقد خصص؛ فإن أكثر العمومات لم تخصص","level":2,"page":74},{"title":"أنواع المخصصات","level":1,"page":75},{"title":"المراد بالشرط عند الكلام عن المخصصات","level":2,"page":76},{"title":"المراد بالصفة عند الكلام عن المخصصات","level":2,"page":76},{"title":"لا يصح أن يجعل للاستثناء شروط عند الكلام عن المخصصات","level":2,"page":77},{"title":"قاعدة: كلام المكلفين راجع إلى أعرافهم","level":2,"page":78},{"title":"الفرق بين المطلق والعموم","level":1,"page":79},{"title":"المطلق يقيد بذكر فرد من أفراده بخلاف العام لا يخصص بذكر فرد من أفراده","level":2,"page":79},{"title":"من الخطأ أن يقال: «هذا عموم يتقيد بكذا» أو «هذا مطلق يخصص بكذا»","level":2,"page":79},{"title":"مسألة: حمل المطق على المقيد","level":2,"page":80},{"title":"الفرق بين المجمل والظاهر","level":1,"page":83},{"title":"الفرق بين المجمل عند السلف والمجمل عند المتأخرين","level":2,"page":85},{"title":"مبحث المنطوق والمفهوم","level":1,"page":86},{"title":"دلالة الدليل على المطلوب له حالان","level":2,"page":86},{"title":"المنطوق قسمان","level":2,"page":86},{"title":"المفهوم قسمان","level":2,"page":86},{"title":"مفهوم الموافقة نوعان","level":2,"page":87},{"title":"مفهوم المخالفة سبعة أنواع","level":2,"page":88},{"title":"تنبيه: معنى قولهم: لحن الخطاب، وتنبيه الخطاب، وفحوى الخطاب","level":2,"page":90},{"title":"تنبيه: قد يقول العلماء اختصارا: «مفهوم الدليل كذا»","level":2,"page":90},{"title":"قاعدة: ما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له إجماعا","level":2,"page":92},{"title":"قاعدة: ما كان جوابا على سؤال لا مفهوم له إجماعا","level":2,"page":93},{"title":"النسخ تعريف وشروطه","level":1,"page":95},{"title":"تعريف النسخ","level":2,"page":95},{"title":"شروط النسخ","level":2,"page":95},{"title":"تنبيه: إن للنسخ عند المتقدمين معنى مغايرا لمعناه عند المتأخرين","level":2,"page":97},{"title":"تنبيه: النسخ لا يقع في الأخبار؛ لأن معنى دخوله فيها الكذب","level":2,"page":97},{"title":"القياس انواعه وتعريفاته","level":1,"page":98},{"title":"القياس نوعان: صحيح وفاسد","level":2,"page":98},{"title":"الجمع بين أقوال السلف في القياس","level":2,"page":98},{"title":"معنى العلة","level":2,"page":100},{"title":"الشريعة لا تجمع بين المختلفات ولا تفرق بين المتماثلات","level":2,"page":100},{"title":"الاحتجاج بالقياس الصحيح مجمع عليه","level":2,"page":101},{"title":"أول من خالف في حجية القياس هو النظام المعتزلي","level":2,"page":101},{"title":"يقسم العلماء القياس إلى قياس جلي وقياس خفي","level":2,"page":101},{"title":"تنزيل العلة في الفرع على ثلاثة أقسام","level":2,"page":101},{"title":"تنبيه: إن الكلام في القياس مزلة أقدام","level":2,"page":102},{"title":"قواعد فقهية","level":1,"page":103},{"title":"قاعدة فقهية: اليقين لا يزال بالشك","level":2,"page":103},{"title":"قاعدة فقهية: الأصل بقاء ما كان على ما كان","level":2,"page":103},{"title":"قاعدة فقهية: الضرر يزال","level":2,"page":103},{"title":"قاعدة فقهية: المشقة تجلب التيسير","level":2,"page":105},{"title":"قاعدة فقهية: العادة محكمة","level":2,"page":105},{"title":"قاعدة فقهية: الأصل في العبادات المنع","level":2,"page":106},{"title":"قاعدة فقهية: الأصل في العادات الإباحة","level":2,"page":106},{"title":"قاعدة فقهية: الأمور بمقاصدها","level":2,"page":107},{"title":"قاعدة: الأعمال المحتملة يرجع فيها إلى المقاصد بالإجماع","level":2,"page":107},{"title":"أفضل الذكر بالإجماع القرآن","level":2,"page":108}],"ٛ":{"1,6":1,"1,7":2,"1,8":3,"1,9":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,13":7,"1,14":8,"1,15":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109},"ٜ":{"1":[6,115]},"ٝ":["1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115"],"ٞ":{"2":[1,2,3],"3":[4,5],"4":[6,7],"5":[8,9],"7":[10,11],"8":[12,13,14],"9":[15,16],"10":[17,18,19],"11":[20,21],"12":[22,23,24],"13":[25],"14":[26],"15":[27,28,29],"16":[30],"17":[31,32],"18":[33,34],"19":[35,36,37,38],"20":[39,40,41,42],"21":[43,44,45],"22":[46],"23":[47,48],"24":[49,50],"25":[51],"26":[52,53,54],"27":[55],"28":[56,57],"29":[58],"30":[59,60],"31":[61,62,63],"32":[64,65,66],"33":[67],"35":[68,69],"36":[70,71],"38":[72,73],"39":[74],"40":[75,76],"41":[77],"42":[78],"44":[79,80],"45":[81],"46":[82],"48":[83,84],"49":[85,86,87,88],"50":[89],"51":[90,91,92],"52":[93],"53":[94,95],"54":[96,97,98],"55":[99,100,101],"56":[102,103,104],"57":[105,106,107],"58":[108],"59":[109,110],"60":[111,112],"61":[113,114],"63":[115,116,117,118],"64":[119,120,121,122],"65":[123,124,125],"66":[126,127,128],"68":[129],"72":[130,131],"73":[132],"74":[133],"75":[134],"76":[135,136],"77":[137],"78":[138],"79":[139,140,141],"80":[142],"83":[143],"85":[144],"86":[145,146,147,148],"87":[149],"88":[150],"90":[151,152],"92":[153],"93":[154],"95":[155,156,157],"97":[158,159],"98":[160,161,162],"100":[163,164],"101":[165,166,167,168],"102":[169],"103":[170,171,172,173],"105":[174,175],"106":[176,177],"107":[178,179],"108":[180]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد:\n\nفقد منَّ الله بدرس أسبوعي في شرح متن (صفوة أصول الفقه) للعلَّامة عبد الرحمن بن سعدي - ﵀ -، وقد كنت أُمليه، فقام أحد أخواننا الأفاضل بكتابته وتوثيق النقولات، فراجعته بعد ذلك على عُجالة، وأسميته:\nالمحصول في شرح صفوة الأصول\nأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله وهو الرحمن الرحيم، وأن يغفر للإمام العلامة ابن سعدي - ﵀ -.\n\nوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nد. عبدالعزيز بن ريس الريس.\n١٦/ ١١ / ١٤٣٦ هـ","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تمهيد:</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.\nأمَّا بعد:\nفإنَّ علم أصول الفقه: علم مهم ومفيد وسهل، وحاجة المجتهد إليه ماسَّةٌ.\nوقبل البدء بالتعليق على هذه الرسالة، أقدِّم بمقدِّمات:\nالمقدِّمة الأولى:\nأهمُّ علوم الآلة على الإطلاق هو علم أصول الفقه، وهو الشَّرط الأساس لكلِّ مجتهد، ولا يُتَصَوَّر مجتهد ليس ذا علم بأصول الفقه، ذكر هذا أبو المظفر السمعاني (^١)، والرازي (^٢)، والشوكاني (^٣).\nالمقدِّمة الثانية:\nعلم أصول الفقه علمٌ سهل؛ لأنَّه علم عمليٌّ والذي صَعَّبه في الغالب ما يلي:\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (١/ ١٨).\n(^٢) المحصول (٦/ ٢٥).\n(^٣) إرشاد الفحول (٢/ ٢٠٩).","vol":"1","page":7},{"text":"الأمر الأول: أنَّه أصبح أرض معركة بين المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة.\nالأمر الثاني: أنَّه أُدخِل فيه كثير من المسائل النَّظرية التي لا يترتب عليها عمل.\nالأمر الثالث: أنَّ بعض مَنْ كتب فيه كتب بأسلوب صَعْب، وكأنَّه كتَبَه مُسْوَدَّة، كابن قدامة في روضة النَّاظر، فإنَّه يكتب بعبارات مغلقة، وأحيانًا يُدخل مسألتين في مسألة.\nالمقدِّمة الثالثة:\nينبغي لدارس علم أصول الفقه أن يعتمد المسائل الأصولية بدليلها، وألَّا يتبنى المسائل تقليدًا؛ لأنَّ المسألة الأصولية الواحدة ينبني عليها مسائل فقهية كثيرة، ولأنَّ علم أصول الفقه أساسٌ لكلِّ مجتهد، فكيف يكون مجتهدًا وقد بنى اجتهاده على تقليد؟!.\nالمقدِّمة الرابعة:\nأنَّ هناك فرقًا بين علم أصول الفقه، وعلم الفقه، وعلم القواعد الفقهية؛ فأصول الفقه هو الأساس وهو آلةُ معرفةِ الفقه، فمنه ينتج الفقه، فإذا كثرت المسائل الفقهية وأمكن جمعها في قاعدة بحيث ترجع هذه الأجزاء والمسائل الكثيرة إلى قاعدة كلية، فتُسمى هذه القاعدة حينئذٍ بالقواعد الفقهية، فالأصوليُّ يبحث في الأدلة الإجمالية فَيقرِّرُ أنَّ الأمر يقتضي الوجوب، ويذكر الدليل على ذلك، والفقيه يُطبِّق هذه المسائل الأصولية على المسائل الفقهية فردًا فردًا، فهو","vol":"1","page":8},{"text":"محتاجٌ إلى الأدلة الإجمالية، وعلماء القواعد الفقهية يُلَخِّصُون هذه المسائل الكثيرة في قاعدة ترجِعُ إليها مسائل كثيرة، وتُسمَّى بالقاعدة الفقهية.\nتنبيهان:\nالتنبيه الأول:\nينبغي لدارس القواعد الفقهية أن يُفرِّق بين القواعد المذهبية والقواعد التي ذُكرت بالنَّظر للدَّليل؛ فإنَّ كتب القواعد الفقهية المذهبية تَذْكُر القاعدة التي ترجع إليها مسائل المذهب، ولو لم يكن كاتبها مقتنعًا بهذه القاعدة من جهة الدليل.\nالتنبيه الثاني:\nلا يصح أن تُرَدَّ الأدلة الشرعية بكلِّ ما يُدّعى أنَّها قاعدة فقهية، وكم رُدَّتْ الأدلَّة بمثل هذا، ذكر هذا ابن القيم (^١)، والشوكاني (^٢).\nلذا ينبغي لمن أراد أن يتبنَّى قاعدة؛ أن يتبناها بعد النَّظر في دليلها، وكم رَدَّ أهل البدع من الماضين والمعاصرين، من الحَرَكِيين وغيرهم الأدلة الشرعية؛ بحُجَّةِ أنَّ معهم قاعدة.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) أدب الطلب ومنتهى الأدب (ص ١١٢ - ١١٣).","vol":"1","page":9},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nقال المصنِّف - ﵀ -:\n«الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه ..\nاللهم صلَّ على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأمَّا بعد:\nفإن أصول الفقه علم شريف مهم، يحصل بمعرفته لطالب العلم ملكة يقتدر بها على النظر الصحيح في أصول الأحكام، ويتمكن من الاستدلال على الحلال والحرام».\nتقدم في المقدمة الأولى: أن علم أصول الفقه شرط أساس لكل مجتهد، ولا يصح أن يكون الرجل مجتهدًا إلا بعد دراسة علم أصول الفقه.\nقَوْلُهُ: «ويستعين به على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، ويَعْرِفُ بذلك كيفية ذلك كلِّه وطريقه».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>علم أصول الفقه يقوم على أُسُسٍ ثلاثة:</span>","vol":"1","page":11},{"text":"الأساس الأول: الأدلة الشرعية، والمراد بها الأدلة المُجْمَع عليها والمخْتَلَف فيها.\nالأساس الثاني: كيفية التعامل مع هذه الأدلة، وذلك إذا تعارض عامٌّ وخاصٌّ فيقدَّمُ الخاصُّ .. وهكذا.\nالأساس الثالث: حال المستفيد، وذلك بأن ينظر في شروط المجتهد، والمسائل التي يجتهد فيها، وينظر في حال المستفيد وغيره، ذكر هذه الأسس الثلاثة المرداوي (^١)، والسبكي (^٢).\nقَوْلُهُ: «وهذا مختصر انْتَقَيْتُهُ من كتب أصول الفقه، اقتصرت فيه على المهم المحتاج إليه، واجتهدت في توضيحه؛ لأن الحاجة إلى التوضيح والبيان أشد من الحاجة إلى الحذف والاختصار».\nجمع المؤلف - ﵀ - في هذا المتن بين أمرين:\nالأول: الاقتصار على المهم المحتاج إليه.\nالثاني: الاجتهاد في التوضيح والبيان، ولو ترتب على ذلك شيء من الإطالة، فإن التوضيح والبيان أهم من الاختصار والحذف.\n_________\n(^١) التحبير (١/ ١٨٠).\n(^٢) الإبهاج في شرح المنهاج (١/ ٢٤).","vol":"1","page":12},{"text":"قَوْلُهُ: «وأرجو الله تعالى الإعانة والسداد، وسلوك أقرب طريق يوصل إلى الهدى والرشاد بمنه وكرمه. آمين.».\nهذا ما فَعَلَهُ المؤلِّف في هذه الرسالة النافعة، فإنَّها مع اختصارها قد جمعت مسائل كثيرةً عمليةً.\nقَوْلُهُ: «اعلم أنَّ أصول الفقه هي: الأدلة المُوصِلة إليه، وأصلها الكتاب والسنة والإجماع والقياس».\nسيذكر المصنف هذه الأدلة والمسائل المتعلقة بها.\nواشتهر تعريف علم أصول الفقه بتعريفات ترجع إلى أنَّه: معرفة الأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.\nتنبيه:\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رَدِّه على المناطقة أنَّ مما عند المناطقة من الأخطاء: أنَّهم يُغَالُون في الاشتِغَال بالتَّعاريف والحدود، ثُمَّ ذكر أنَّ كثيرًا من المتأخرين من الفقهاء وقَعُوا في هذا، واشتغلوا بالتَّعاريف، بخلاف الفقهاء الأولين، كمالك والشافعي وأحمد.\nلذا من الخطأ أن يُشتغل بالتَّعاريف. هذا معنى كلامه (^١).\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (٩/ ٤٥) وما بعده.","vol":"1","page":13},{"text":"وقد يقال: إنَّه يصِحُّ الاجتهاد في التَّعاريف في حالة، وهو إذا كان التعريف ضابطًا وقاعدة، فليس الاجتهاد فيه؛ لأنَّه تعريفٌ وحَدٌّ، وإنَّما لأنَّه قاعدة.\nقَوْلُهُ: «والأحكام الشرعية خمسة».\nاشتهر تسمية هذه الأحكام الخمسة ب<span data-type=\"title\" id=toc-12>الأحكام التكليفيَّة</span>، وهذه التَّسمية فيها نَظَرٌ، وأصلها من المعتزلة، وقد أنكرها شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وابن القيم (^٢)، وسيأتي بيان هذا أكثر عند التعليق على رسالة ابن عثيمين - ﵀ - في أصول الفقه.\nوالأصوليُّون يَجعلون الأحكام الشرعية قسْمَين:\nالأوَّل: أحكام تكليفيَّة.\nالثاني: أحكام وضعيَّة.\n\nوالأحكام التكليفية هي الأحكام الخمسة المشهورة.\nقَوْلُهُ: «الواجب وهو: ما أُثيبَ فاعله وعوقب تاركه».\n\nالذي ينبغي معرفته في الواجب: أنَّه ما طلبت الشريعة فعله، بحيث إذا لم يُفعل أثم صاحبه، ولا ينبغي أن يُشتغل ب<span data-type=\"title\" id=toc-14>تعريف الواجب</span>، وإنما يُكتفى بفهم معناه.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٥).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٣١).","vol":"1","page":14},{"text":"وأيضا - والله أعلم - لا ينبغي أن يُدَقَّق فيُقال في تعريفه: ما أثيب فاعله، أي: امتثالًا، وعوقب تاركه، أي: استحقاقًا؛ لأنَّ هذا تحصيل حاصل.\nثم إنَّ كلَّ ما يدلُّ على الواجب فهو من الدَّلائل الدَّالة على الوجوب، فكلُّ ما دلَّت الأدلة على أنَّ تركه إثم فهو واجب.\nوذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فالصلوات الخمس المفروضة واجبة.\nقَوْلُهُ: «والحرام يقابِلُه».\nأي: يقابل الواجب، فكلُّ ما دلَّت الشريعة على أنَّ فعلَه إثمٌ فهو مُحرَّم، وكلُّ ما دلَّ على ذلك من الدلائل والصيغ فهو مما يدُلُّ على المُحرَّم، وسيذكر المصنِّفُ شيئًا من ذلك كالنَّهي.\nوذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، فالزنا مُحرَّم.\nقَوْلُهُ: «والمسنون وهو ما أُثِيبَ فاعلُه ولم يُعاقَب تاركُه».\nالمسنُونُ: هو كلُّ ما أثابت الشريعة على فعله، ولو تُرِك لم يؤثم تاركه.\nويعرف المسنون: بكلِّ فعلٍ امْتَدَحَتْهُ الشريعة بأيِّ دلالة، ولو تُرِكَ هذا الفعل لم يأثم تاركه، كأن تَذْكُر فضلَ فِعلٍ، أو تَجعلَه مِن شعب الإيمان .. وهكذا.","vol":"1","page":15},{"text":"وذلك مثل: صلاة السنن الرواتب؛ لما أخرج مسلم (٧٢٨) عن أم حبيبة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «مَنْ صلَّى اثنتي عشرة ركعة في يومٍ وليلةٍ، بُني له بِهِنَّ بيتٌ في الجنة».\nقَوْلُهُ: «وضِدُّه المكروه».\nأي: ضِدُّ المسنون المكروه، وهو: كلُّ فعلٍ أَثابت الشريعة على تَرْكِه، ولو فعله المسلم المكلف لم يأثم، وكلُّ ما يدُلُّ على ذلك فهو مكروه.\nوذلك مثل: الشرب قائمًا؛ لما أخرج مسلم (٢٠٢٤) عن أنس - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «أنَّه نَهى أن يشرب الرجل قائمًا».\nقَوْلُهُ: «والمباحُ ما لَا يتعلَّقُ بِهَ مدْحٌ ولا ذمٌّ».\nأي: المباح وسط لم تطلب الشريعة فعله ولا تركه.\nوذلك مثل النَّوم فإنَّه مباح.\nوينبغي أن يُتنبه فيما يتعلق بالأحكام إلى أمور:\nالأمر الأول: أنَّ العبادة هي: فعلُ ما يُحبُّه الله أو تركُ ما يُحبُّ الله تركه، وهذا معنى قول ابن تيمية أنَّها: «اسم جامعٌ لِكلِّ ما يُحبُّه الله ويرضاه من","vol":"1","page":16},{"text":"الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» (^١)، وهو معنى قوله في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: «أنَّ العبادات لا تكون إلَّا واجبة أو مستحبة» (^٢).\n\nفعلى هذا<span data-type=\"title\" id=toc-20> التعبُّدُ بالمباح لذاته بدعة</span>، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، ولا يُتعبد بالمباح إلا إذا استُعِينَ به على طاعة الله، ذكر هذا ابن تيمية (^٤)، وابن القيم (^٥).\nوقد جاء في صحيح البخاري (٤٣٤١) عن معاذ - ﵁ - قال: «أحتَسِبُ نَومَتي كما أحتسب قَوْمَتي».\nالأمر الثاني: إنَّ من تحريف الكلِم أن تُفسّر الأدلة الشرعية بالاصطلاحات الحادثة، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٦)، وابن القيم (^٧)، وعلى هذا أمثلة:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩).\n(^٢) (ص ٢٠٠).\n(^٣) الاستقامة (٢/ ٣١٠)، مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٣٥)، وانظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٢٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٣٣ - ٥٣٥).\n(^٥) إعلام الموقعين (٢/ ١٢٢).\n(^٦) قاعدة جليلة (ص ١٦٤).\n(^٧) الصواعق المرسلة (٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":17},{"text":"المثال الأول: إنَّ معنى الواجب اصطلاحًا هو ما تقدَّم ذكره، أما شرعًا فيطلق على المعنى الاصطلاحي وعلى السنَّة المؤكدة، قال - ﷺ -: «غسل يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ مُحتلم». والمراد بالوجوب في هذا الحديث السنَّة المؤكدة، ذكر هذا ابن المنذر (^١)، وابن عبد البر (^٢)، ويُطلق الواجب أيضا على المعنى الاصطلاحي، وذلك كما في صحيح مسلم (٤١٢) لما سُئل الرَّسول - ﷺ - عن الحجِّ في كلِّ عامٍ؟ فقال - ﷺ -: «لو قلت نعم لَوَجَبَت ولما استطعتم».\nالمثال الثاني: لفظ المكروه، له معنى اصطلاحي تقدَّم ذكره، أما شرعًا فيطلق بمعنى التحريم غالبًا، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. قاله ابن القيم.\nويُطلق بمعنى الكراهة الاصطلاحية، وذلك كحديث المهاجر بن قنفذ - ﵁ - أن الرسول - ﷺ - قال: «إنِّي كَرِهْتُ أن أذكرَ الله - ﷿ - إلَّا على طُهْرٍ. أو قال: على طَهَارة» أخرجه أبو داود (١٧).\nالمثال الثالث: الرُّخصة، لها معنى اصطلاحي سيأتي، لكن لابدَّ في المعنى الاصطلاحي للرخصة أن تكون مسبوقة بِحَظْرٍ، وهذا بخلاف المعنى الشرعي، فإنها بمعنى السُّهولة واليُسر، ولا يلزم أن تكون مسبوقة بحظرٍ.\n_________\n(^١) الأوسط (٤/ ٤٢).\n(^٢) التمهيد (١٠/ ٧٩)، حيث قال: «وقد أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب».","vol":"1","page":18},{"text":"قال ابن القيم: «وقولُكم إنَّ الرُّخصة لا تكون إلا بعد النهي باطلٌ بنفس الحديث، فإنَّ فيه رَخَّصَ رسول الله في القبلة للصَّائم، ولم يتقدَّم منه نهي عنها، ولا قال أحد إنَّ هذا التَّرخِيص فيها ناسخ لمنعٍ تَقدَّم» (^١)، وبمثله قال الصنعاني (^٢).\nقَوْلُهُ: «وإذا وردَ الأمر في الكتاب والسنَّة فالأصل أنَّه للوجوب».\nدلَّ على هذا الأدلة وإجماع الصحابة، أما الأدلة فقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وأما إجماع الصحابة فقد حكاه أبو يعلى (^٣)، وابن قدامة (^٤)، والعلائي (^٥).\nوذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فإنَّه أمر، والأصل في الأمر أنَّه يقتضي الوجوب، ولا صارف.\nقَوْلُهُ: «إلا بقرينةٍ تصرِفُه إلى النَّدب».\nوذلك مثل: صلاة الوتر فقد أمر بها الرسول - ﷺ -، أخرج الخمسة عن علي - ﵁ - أنَّ الرسول - ﷺ - قال: «أوتروا يا أهل القرآن؛ فإنَّ الله وتر يحبُّ الوتر» (^٦).\n_________\n(^١) تهذيب السنن (٦/ ٣٦٤، عون المعبود).\n(^٢) سبل السلام (٢/ ٥٠٩).\n(^٣) العدة (١/ ٢٣٥).\n(^٤) روضة الناظر (١/ ٥٥٦).\n(^٥) تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد (ص ١٢٩).\n(^٦) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٣)، وأبو داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣)، والنسائي (١٦٧٥)، وابن ماجه (١١٦٩).","vol":"1","page":19},{"text":"فهذا أمر للاستحباب؛ لأنَّ له صارفًا، وهو ما أخرجه الشيخان (^١) عن ابن عباس - ﵁ - في قصة إرسال الرسول - ﷺ - معاذًا - ﵁ - لليمن وفيه: «أنَّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلِّ يومٍ وليلة»، فكلُّ صلاة متعلقة باليوم والليلة غير الخمس المفروضات فهي للاستحباب ومنها صلاة الوتر.\nقَوْلُهُ: «أو الإباحة إذا كان بعد الحظر غالبًا».\nأي: أنَّ الأمر بعد الحظر يرجع إلى حكم الأمر قبل الحظر، عزا شيخ الإسلام ابن تيمية هذا إلى السلف والأئمة (^٢)، ورجَّحه ابن كثير (^٣)، وابن رجب (^٤)، والشنقيطي (^٥).\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ هذا أمر بعد حظر؛ وذلك أنَّ الاصطياد مباح، فلما أَحْرَم المسلم صار محرَّمًا، فلما تحلَّل أُمِر به، فرجع إلى حكمه إلى ما قبل الحظر، أي: قبل الإحرام وهو الإباحة، ولَعلَّ قول المصنف هنا: «غالبًا»: يريد أنَّه يرجع إلى حكمه قبل الحظر غالبًا، كما أشار لذلك في تعليقاته على هذه الرسالة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩).\n(^٢) الرد على الإخنائي (ص ٩٢).\n(^٣) تفسير ابن كثير (١/ ٥٨٧).\n(^٤) فتح الباري (٢/ ٦٢).\n(^٥) أضواء البيان (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨).","vol":"1","page":20},{"text":"تنبيه:\nقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا على وجه التهديد لا على التخيير، وقد دَرَجَ على هذا العلماء والمفسرون، فمن استدل به على جواز ترك دين الاسلام إلى غيره فقد تزنَّدق؛ ويدلُّ لذلك سياق الآية، فإنَّه قال بعد ذلك ﴿... إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ فهو سِياق تهديد.\nقَوْلُهُ: «والنَّهي للتَّحريم إلا بقرينة تصرفه إلى الكراهة».\nومن القرائن أنَّه إذا نهى الرسول - ﷺ - عن أمرٍ ثم خالفه وفعله، أو أَقَرَّ أحدًا خالفه، فإنَّ النَّهي ينتقل من التحريم إلى الكراهة، وذلك مثل نهي الرسول - ﷺ - عن الشرب قائمًا، أخرجه مسلم (٢٠٢٤) عن أنس - ﵁ -، ثُمَّ فعله وشرب من زمزم وهو قائم، أخرجه البخاري (٥٦١٥) عن ابن عباس - ﵁ -، فدلَّ هذا على أن النَّهي للكراهة لا للتَّحريم.\nقَوْلُهُ: «ويتعين حمل الألفاظ على حقائقها دون ما قالوا أنَّه مجاز».\nهذا مبنيٌّ على أنَّ في الكلام مجازًا، وتُفهَم هذه القاعدة بمعرفة معنى المجاز، وهو ما جمع أركانا أربعة:\nالركن الأول: الوضع الأول، وهو الوضع الحقيقي.\nالركن الثاني: الوضع الثاني، وهو الوضع المجازي.","vol":"1","page":21},{"text":"الركن الثالث: القرينة، وهي التي منعت حمل الكلام على المعنى الحقيقي، وكانت سببًا لحمله على المعنى المجازي.\nالركن الرابع: العلاقة بين الوضع الأول والوضع الثاني.\nفإذا قال قائل: رأيت أسدًا على فرسٍ شاهرًا سيفه. فيُقال: الوضع الأول للأسد هو: الحيوان المعروف، والوضع الثاني للأسد هو: الرجل الشجاع، والقرينة التي منعت حمله على الوضع الأول، وأوجبت حمله على الوضع الثاني هي: أنه على فرسٍ شاهرٌ للسيف، وهذا لا يكون في الحيوان المفترس، فلا بدَّ أن يُحمل على الرجل الشجاع.\nأما العلاقة: فهي القوة والإقدام؛ لذا أُطلِق على الرجل الشجاع أنَّه أسد، هذا خلاصة معنى المجاز.\nوقد أجمع العلماء على أنه إذا لم يكن هناك قرينة توجِبُ حمل الكلام على المعنى المجازي، فإنَّ الكلام محمول على الوضع الأول وهو الحقيقي، حكاه إجماعًا ابن تيمية (^١) والرازي (^٢)، وغيرهما.\nإذا تبيَّنَ هذا فإنَّه إذا حصل تردد في كلام هل يراد به المعنى المجازي أو الحقيقي، فإنَّ هذا الكلام يُحمل على المعنى الحقيقي، ومن أمثلة ذلك ما أخرجه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٠).\n(^٢) المحصول (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":22},{"text":"الشيخان عن ابن عمر وحكيم بن حزام - ﵃ - أنَّ الرسول - ﷺ - قال: «البيِّعان بالخيار مالم يتفرقا» (^١).\nقال بعضهم: المراد بالتفرق هنا: التفرق المجازي، وهو: التفرق بالكلام، وقال بعضهم: المراد بالتَّفرُّقِ هنا: التَّفرُّق الحقيقي، وهو التَّفرُّق بالأبدان، فيحمل هذا الحديث على التَّفَرُّق الحقيقي؛ لأنَّه الأصل، وهو التفرق بالأبدان.\nقَوْلُهُ: «وعلى عمومها دون خصوصها».\nأي: أنَّ الأصل في الكلام أن يُحمل على عمومه، ولا يُخَصَّصُ إلَّا بدليل، فقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ هذا عامٌّ في كلِّ الإنسان، ولا يُخَصَّصُ منه أحدٌّ إلا بدليل.\nوقول الرسول - ﷺ -: «عُمرة في رمضان حجة». أخرجه البخاري عن ابن عباس - ﵁ - (١٧٨٢)، هذا لفظ عامٌّ باقٍ على عمومه؛ لأنَّ لفظ «عمرة» نكِرةٌ في سياق الامتنان فتفيد العموم.\nقَوْلُهُ: «وعلى استقلاله دون إضماره».\nأي أنَّ الكلام يُحمل على صورته الظاهرة من غير تقدير محذوف، ولا يُقدَّرُ محذوف إلا بدليلٍ أو قرينةٍ، فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾. محمولٌ على الاستِقْلال،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢).","vol":"1","page":23},{"text":"دون تقدير محذوف أو إضمار، فمن قال: إنَّ المعنى: وجاء أمر ربك. فهذا خلاف الأصل، فلا يُعَوَّل عليه.\nقَوْلُهُ: «وعلى إطلاقه دون تقييده».\nالكلام فيه كالكلام في العموم، ومثاله: قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فإنَّ الأيام مطلقة، وكقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ فإنَّ الأيام مطلقة أيضًا؛ لأنَّها نكرة في سياق الإثبات.\nقَوْلُهُ: «وعلى أنَّه مُؤَسِّسٌ للحكم لا مُؤّكِّد».\n\nأي: إذا حصل تردد في لفظ، هل هو مؤكد لغيره، أو مبتدأ لحكم لمعنى جديد، فإنَّه يُحمل على التأسيس والابتداء لمعنىً جديد؛ لأنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-34> الأصل في كلِّ لفظ أنَّه دالٌّ على معنى جديد</span>.\nوذلك كقوله - ﷺ -: «إنَّما الأعمال بالنِّية، وإنّما لكلِّ امرئ ما نوى» (^١)، فقد تنازع العلماء في قوله: «وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» هل هو مؤكِدٌ لمعنى «إنما الأعمال بالنية» أو مُؤَسِّسٌ لحكم جديد؟\nعلى أصحِّ الأقوال: أنَّه مُؤَسِّسٌ لحكمٍ جديدٍ، وهو أنَّ معنى قوله: «إنَّما الأعمال بالنِّية» أي: أنَّ كلَّ عمل واقعٌ بإرادةٍ فهو بنيِّة، سواءٌ أَكان في أمور\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٨٩)، ومسلم (١٩٠٧)","vol":"1","page":24},{"text":"الدين أم الدنيا، وقوله: «وإنّما لكل امرئ ما نوى» مبيِّنٌ للحكم الشرعي، إن أراد خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nقَوْلُهُ: «وعلى أنَّه متباين لا مُترادف».\nأي: إذا اختُلِف في لفظين، هل الثاني مرادِفٌ للأول أو مغاير له ومختَلِف؟\nفالأصل أن يُقال: إنَّه مختلف ومغاير له؛ لأنّ الأصل في كل لفظ أنَّ له معنى.\nوذلك مثل: ما أخرجه مسلم (٤٣٢) عن أبي مسعود البدري - ﵁ - أن الرسول - ﷺ - قال: «لِيَلِني منكم أُولوا الأحلام والنُّهى».\nتنازع العلماء هل أولوا النُّهى هم أولوا الأحلام أم بينهما فرق؟\nوالأصحّ أنَّ بينهما فَرْقًا؛ لأنَّ الأصل التباين، وأن يقال: إنَّ معنى أولي الأحلام أي: البالغون، ومعنى أولي النُّهى أي: أهل العقول، ذكر هذا ابن علان (^١)، وأشار لذلك السيوطي (^٢).\nقَوْلُهُ: «وعلى بقائه دون نَسْخِه».\nأي: إذا حصل تردُّد واختلاف: هل هذا الحكم منسوخ أم غير منسوخ، ومحمول على حال أخرى؟\n_________\n(^١) دليل الفالحين (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٨).\n(^٢) قوت المغتذي على جامع الترمذي (١/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"1","page":25},{"text":"فالأصل أن يُحمل على حال أخرى، ولا يُقال بالنسخ.\nوذلك مثل: آيات القتال والسَّيف مع آيات الصبر، فلا يقال: إنَّ آيات السيف نَسخت آيات الصبر، بل يُقال آيات السَّيف في حال القوة وآيات الصبر في حال الضعف، ذكر هذا ابن جرير في تفسيره (^١)، وابن تيمية (^٢).\nقَوْلُهُ: «إلَّا بدليل يدل على خلاف ما تقدم».\nأي: إنَّه يُنتَقل إلى خلاف الأصل إذا وُجِد دليل أو قرينة.\nقَوْلُهُ: «وعلى عُرف الشارع إن كان كلامًا للشارع».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المراد بالشارع:</span> الله ورسوله، وَيُطلق الشارع على الله من باب الإخبار، ويُطلق على الرسول - ﷺ -، وقد دَرَج العلماء على ذلك من الأصوليين وغيرهم، واستعمل ذلك ابن تيمية.\nوالمراد بهذه القاعدة: أنَّه إذا ورد لفظ في كلام الشارع فيُحمل المعنى على عُرف الشارع، فمثلًا لفظ الشارع «لا ينبغي» يدلُّ على التَّحريم، بخلاف ألفاظ الناس.\n_________\n(^١). جامع البيان (٨/ ١٤٦) (١٨/ ٤٢٠)، وللفائدة يراجع كلام ابن كثير في تفسيره\n(٤/ ٨٤).\n(^٢). الجواب الصحيح (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":26},{"text":"قَوْلُهُ: «وعلى عُرف المتكلم به في أمور العقود وتوابعها».\nأي: أنَّه يُرجَع في معنى كلام الناس إلى أعرافهم، وهذا من أمثلة تغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والمكان، فإذا كان في عُرف الناس إطلاق اللَّحم على لحم الغنم دون الدَّجاج فإِنَّه يُحمل على ذلك، فإذا باع رجل رجلًا لحمًا، فالمراد به لحم الإبل أو الغنم، ولا يصحُّ للمشتري أن يطالِب بلحم الدَّجاج أو السَّمك؛ لأنَّه عُرفًا لا يشمله.\n\nقَوْلُهُ: <span data-type=\"title\" id=toc-44>«الوسائل لها أحكام المقاصد»</span>.\nهذه قاعدة مهمَّة وتندرج تحتها قواعد.\nومعنى هذه القاعدة: أنَّه إذا كانت الغاية محرَّمة كانت الوسيلة محرَّمة، وإذا كانت الغاية واجبة كانت الوسيلة واجبة، ومن أدلة هذه القاعدة ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾.\nوجه الدَّلالة: أنَّ الشريعة حرمت هذه الوسيلة لأنَّ الغاية منها محرَّمة وهي إظهار الزينة.\nومما يتفرَّع على قاعدة الوسائل: أنَّ وسائل العبادةِ عبادةٌ، وأنَّ البدع تَدْخلُ في الوسائل كما تدخل في الغايات، وهذا هو الذي قرَّره السَّلف من هذه الأمة.","vol":"1","page":27},{"text":"أخرج الدارمي (٢١٠) وابن وضاح (^١) عن ابن مسعود - ﵁ - أنَّه أنكر على الذين كانوا حِلقًا يُسبِّحون بالحصى مائة، فدلَّ هذا على أنَّ البدع تدخل في الوسائل؛ لأنَّ هذا التَّحلُّق والتسبيح بالحصى من الوسائل، ومع هذا أنكره ابن مسعود - ﵁ - وجَعَله مُحدَثًا، والقاعدة في التَّفريق بين الوسائل المحدثة وغيرها أن ينظر إلى المُقْتَضِي والمانع فإذا وُجِدَ المقتضي لفِعل عبادة، ولا مانع يمنع منها، ولم يفعلها الرسول - ﷺ - ولا الصحابة - ﵃ -، ففعل هذه الوسيلة بدعة؛ لأنَّه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، فقد يوجد المقتضي عند الرسول - ﷺ - والصحابة - ﵃ -، ولا يفعلون هذه الوسيلة لمانع، ففعل هذه الوسيلة ليس بدعة، كمثل الأذان في مكبِّر الصوت وحفظ الدروس بالمسجِّلات الصَّوتية وغيرها، وقد يُوجد المقتضي في عهد الصحابة - ﵃ -، ولا يكون موجودًا في عهد الرسول - ﷺ -، فلا تُعدُّ هذه الوسيلة محدثة وذلك مثل جمع القرآن من الصحابة، فإنَّهم ما جمعوه إلَّا لما خشوا ذهابه بعد مقتل كثير من القراء، أخرجه البخاري (٧١٩١)، فهذا المقتضي ليس موجودًا في عهد الرسول - ﷺ -، فلمَّا لم يوجَد المقْتَضَى في عهدِ الرَّسول - ﷺ -، ثم وُجد بعدُ، لم يكن إحداث هذا الفعل بدعة، وقَرَّر هذه القاعدة ابن تيمية (^٢)، وهي فَيْصل في التَّفرِيق بين وسائل الدَّعوة، وبيان الفَرْق بين التَّوقيفي منها وغير التَّوقيفي، ذكر هذا كثيرًا الامام الألباني - ﵀ -.\n_________\n(^١) البدع والحوادث (ص ٣٥).\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٩٧ - ٢٠١).","vol":"1","page":28},{"text":"فبِهذا يُعرف أنَّ الأناشيد المُسمَّاة إسلامية بدعة؛ لأنَّ الرَّسول - ﷺ - والصَّحابة - ﵃ - لم يفعلوها مع وُجُود المُقْتَضِي وانتفاء المانع، ولابُدَّ أن يُتَنَبَّه للفَرْقِ بين الإنشاد على وجه التَّسْلية، والإنشادِ على وجه الدعوة، وبهذا يتبين أنَّ التمثيل المُسمَّى إسلاميًا بدعة، زيادة على كَوْنِه كذبًا.\nتنبيه:\nممَّا يَتَعلَّقُ بهذه القاعدة وهو من دقائقها: أنَّ ذنوبَ العباد ليست مُسَوِّغًا لإحداث الوسائل، بل العباد مأمورون بأن يرجعوا إلى الله، وأن يتوبوا، لا أن تُغَيَّر الشريعة من أجلهم، ذكر هذا ابن تيمية (^١).\nقَوْلُهُ: «و<span data-type=\"title\" id=toc-48>ما لا يَتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجبٌ»</span>.\n\nهذه القاعدة فرع عن قاعدة الوسائل المتَقدِّمة، ومن أمثلتها: لو أَنَّ رجلًا حَجَّ وهو بِمِنى لا يستطيع المشي، وفَقَدَ راحِلَته، وهو يستطيع أن يشتري راحلة لِمثْله، فيجِب عليه أن يشتري راحلة لمثله، ليذهب لِعَرَفة؛ لقاعدة: مالا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٠١).","vol":"1","page":29},{"text":"قَوْلُهُ: «وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب».\nهناك فرق بين الواجب والوجوب، فالمراد بالوجوب الخطاب الشرعي، فمثلًا: لا يجب أن نُغرِب الشمسِ ليدْخُل وقتُ صلاةِ المعرب، فهذا الوجوب ليس واجبًا، بِخلاف إذا دخل وقتُ المغربِ فقَدْ ثبت واجب صلاةِ المغرب على المكلَّف، ومِن أمثلة هذا: أنَّه لا يجب أن يحصل المال الذي يبلغ نصابًا ليزكى، لكن إذا حصل وَجَبَت زكاتُه.\nقَوْلُهُ: «والصَّحِيحُ من العبادات والعقُود والمعاملات ما اجتَمَعت شروطها وفروضها وانتفت مفسداتها، والباطل والفاسد بالعكس».\nوالمراد بهذه القاعدة: أنَّه لا تتمُّ العبادات ولا العقود ولا المعاملات إلا بِتَوفُّرِ شروطها وفروضها، وانتفاء موانعها، فلو حصل البيع بلا تراضٍ، فإنَّه لا يصح؛ لأنَّه اختَلَّ شرطٌ من شروطه، فعلَى هذا لا تنتقل العين ملكًا من البائع إلى المشتري.","vol":"1","page":30},{"text":"قَوْلُهُ: «وما كان طلب الشارع له من كلِّ مكلَّف بالذَّات فهو فرض عين، وما كان القصد مجرَّد فعله والإتيان به، ويتبع ذلك مصلحة الفاعل فهو فرض كفاية، إذا فعله من يحصل به المقصود كفى عن غيره، وإن لم يفعله أحد أَثِم كلُّ من علمه وقدر عليه، وهو يصير فرض عين في حق من يعلم أنَّ غيره لا يقوم به عجزًا أو تهاونًا».\nقَسَّم المصنِّف المفروضات قسمين:\nالأول: فرض عين، وبين أنَّ المراد بفرض العين: المكلَّف، فما كان المراد من خطاب الشارع عين المكلف أن يوجد هذا الطلب فعلًا أو تركًا فهو فرض عين.\nفمثلًا: أرادت الشَّريعة من المكلَّفِين أن يصلُّوا الصلوات الخمس فهذا فرض عين، وهو من الفعل، وأرادت الشريعة من المكلَّفين أن يتركوا الزنى، وهذا فرض عين، لكنَّه تَرْك.\nالثاني: فرض كفاية، وهو ما كان الخطاب راجعًا إلى إيجاد الفعل، بدُون نَظَر إلى المكلَّفين، بمعنى أن المهمَّ أن يوجد الفعل، وذلك كمثل صلاة الجنازة وتغسيل الميت، فمثل هذا يسمى فرض كفاية، فإذا فَعلَه من يكفي سقط هذا الفرض، فإذا وُجِد مَنْ يكفي لتغسيل الميِّت سَقَط هذا الفرض، أمَّا إذا لم يفعل هذا الفرض فيأْثَم من اجتمع في حقه أمران:\nالأمر الأول: أنَّه قادِر على فعل هذا الفرض.","vol":"1","page":31},{"text":"الأمر الثاني: أنَّه قد علم بهذا الفرض.\nفإذا اجتمع هذان الأمران ولم يفعل هذا الفرض فكلُّ من اجتمع فيه هذان الأمران فهو آثِمٌ، فلو أنَّ رجلًا من المسلمين لم يُغسَّل وعَلِم به رجال وهم قادرون على تغسيله ولم يُغسِّلوه فهم آثمون، بخلاف من لم يعلم به، أو من علم به وهو عاجز غير قادر.\nقَوْلُهُ: «وإذا تزاحمت مصلحتان قُدِّم أعلاهُما».\nوالمراد بقوله: «تزاحمت»، أي: تعارَضَت، فلا بُدَّ من العمل بأحد المصلحتين، ولا يمكن الجمع بينهما، فعند التعارض تُقَدَّم المصلحةُ الكبرى والأعلى وتُتْرك المصلحة الصُّغرى والأقل.\nومن أمثلة ذلك: أنَّ الجهاد المستحب يُترك لحاجة الوالدين، أخرج الشيخان عن عبدالله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أنَّ رجلًا استأذن الرسول - ﷺ - في الجهاد، فقال: «أَحيٌّ والدك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (^١).\nفمصلحة بِرِّه بوالديه بالنسبة إليه أكبر من مصلحة الجهاد؛ لأنَّ غيره يقوم به.\nقَوْلُهُ: «أو مفسدتان لا بُدَّ من فعل إحداهما ارْتُكِب أخفُّهما مفسدة».\nهذه المسألة كالمسألة السَّابقة، لكنَّها عند الاضطِّرار لفعل أحد المفسدتين فإنَّه يُفعل المفسدة الصغرى ويُترك المفسدة الكبرى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩).","vol":"1","page":32},{"text":"ومن أمثلة ذلك:\n- تَرْكُ الأعرابي يبُول في المسجد مع أنَّه مفسدة لِدَفْع مفسدة أكبر وهو أَنَّه لو أُنكِرَ عليه قَدْ يرتَدُّ، وأيضًا مع تحرُّكِه ينتشر بولُه في المسجد وفي بدنه وثيابه أكثر، أخرج الشيخان عن أنس بن مالك: أنَّ أعرابيًا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تَزْرِمُوه» ثُمَّ دعا بِدلْو من ماءٍ فصُبَّ عليه (^١).\n- صُلْح الحديبية، فإنَّ الرَّسول - ﷺ - قد أحرَم ولم يتم عمرته، وتَرك المستضعفين في مكة يُعذَّبون لدفع مفسدة أكبر، وحديث صلح الحديبية أخرجه الشيخان من حديث سهل والبراء - ﵃ - (^٢)،\nومسلم من حديث أنس - ﵁ - (١٧٨٤).\nقَوْلُهُ: «وإذا اشتبه المباح بالمحرَّم في غير الضَّرورة وجب الكفُّ عنهما».\nوهذا فرع من قاعدة: مالا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب. ذكر هذا الشنقيطي (^٣)، وذلك أنَّه عند الاشتباه فلو فعل فقد يقع في المحرَّم، وترك المحرم واجب؛ لذا مالا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٢٥)، ومسلم (٢٨٤).\n(^٢) حديث البراء بن عازب - ﵁ -: أخرجه البخاري (٢٦٩٨)، ومسلم (١٧٨٣).\n\nوحديث سهل بن حنيف - ﵁ -: أخرجه البخاري (٣١٨٢)، ومسلم (١٧٨٥).\n(^٣) مذكرة في أصول الفقه (ص ١٨).","vol":"1","page":33},{"text":"ويذكر العلماء مثالًا على هذا: وهو أنَّه لو كان لرجل امرأة محرَّمة عليه برضاع، وكانت هذه المرأة في قرية وهو لا يعرِفها بعينها، فإنَّ جميع نساء هذه القرية محرَّمات عليه؛ لما تقدَّم ذكره.\nومن أمثلة ذلك: ما لو اشتبه على مضطَّر أكل لحم الخنزير بلحم غنم.\nوقول المصنف: «في غير الضَّرورة» هذا من باب التأكيد، وإلَّا فهو معلوم؛ وذلك أنَّ جميع المحرَّمات ترتفع مع الضَّرورة، ومن ذلك المحرَّمات لذاتها، فالمحرَّمات لغيرِها من باب أولى.\nقَوْلُهُ: «والأمر يقتضي الفورية».\nأي: يقتضي المبادرة لتحصيل المأمور وإيجاده، ولو تأخَّر بِلا عذر فإنَّه آثِم؛ ويدُلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا﴾.\nقَوْلُهُ: «والحكمة الشرعية، ويقال لها العلَّة: هي المعنى المناسب الذي شُرع الحكم لأجله».\nالعلَّة من حيث المعنى هي سبب الحكم، فبوجودها يُوجد الحكم وبزوالها يزولُ الحكم، وهذا معنى قول العلماء: «الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا».\nوظاهر كلام العلامة بن سعدي أنَّه لا يُفرِّق بين العلَّة والحكمة.","vol":"1","page":34},{"text":"والصواب: أنَّ بينهما فرقًا، وذلك أنَّ العلة ما تقدَّم ذكره، أما الحكمة فهي معنى من معاني الحُكم، لكن ليس الحُكم معلَّقًا بالحكمة، وذلك مثل السَّفر الطَّويل، فإنَّه علَّة لقصر الصلاة، فإذا انتفى السَّفر الطَّويل وجب إتمام الصلاة، وإذا وُجِد السَّفر الطَّويل استُحِبَّ قَصْر الصلاة، فصار القصر يدور مع السفر الطويل وجودًا وعدمًا، بخِلاف المشقة فإنَّها معنى من معاني قصر الصلاة في السَّفر، فهي حكمة، فلو انتفت المشقة في السفر الطويل فإنَّ الصلاة تقصر، ولو وُجِدَت المشقة في الحضر فإنَّ الصَّلاة لا تُقْصر، فإِذن هي حكمة وليست علَّة.\n\nقَوْلُهُ: «و<span data-type=\"title\" id=toc-58>يعمُّ الحكم بعمُوم علَّته»</span>.\nمعنى هذا: أنَّ اللَّفظ قد يكون خاصًّا، ومع ذلك يعمم؛ لأنَّ علَّته تُفيد العموم، ويُسمى هذا بالعموم المعنوي، وذلك مثل: حكم الشريعة على الهِرَّة بأنَّها طاهرة، بعلَّة وهي أنَّها من الطوَّافين علينا والطوافات (^١)، هذه العلَّة تُفيد أنَّ كلَّ ما هو غير مأكول اللحم من الطوافين فهو طاهِر، عُمِّم هذا لعموم العِلَّة.\nومن الأمثلة أيضًا: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة - ﵁ - أنَّ الرسول - ﷺ - قال: «لا يَقْضِيَن حكم بين اثنين وهو غضبان» (^٢)، هذا الحكم خاصٌّ بالغضبان من حيثُ الأصل، لكن لعموم العلة، وهو أنَّ الغضبان يكون\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي (٦٨)، وابن ماجه (٣٦٧) من حديث أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧)، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":35},{"text":"مُشَوَّشًا غير حاضِر القلب والفكر، فإنَّه يُعَمَّم في كلِّ من كان كذلك، كالجائع فلا يقضي القاضي وهو جائع.\nوبهذا يُعرف أنَّ العموم نوعان:\nالنوع الأول: العموم اللَّفظي، وهو العموم المعروف، وله صيغه المعروفة كالنَّكرة في سِياق الشَّرط.\nالنوع الثاني: العموم المعنوي، وهو ما تقدم بيانه، وهو القياس الصَّحيح.\nقَوْلُهُ: «كما أنَّ اللَّفظ العام يُخَصَّص إذا علم خصوص علَّته».\nوالمراد بهذا أنَّ اللَّفظ يكون عامًا بأَلفاظِ العموم المعروفة، ومع ذلك يُخَصَّص ولا يَبْقى على عُمومه؛ وذلك لأنَّ علَّته تفيد التَّخصيص، وذلك مثل حديث: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان»، فإنَّ ظاهره لفظًا أنَّه عام في كلِّ غضب ولو كان غير مشوش للفكر، لكن بالنَّظر إلى المعنى والعلَّة يُخَصَّص بمن كان غَضَبه مشوشًا للفكر.\nومثل ذلك ما أخرج مسلم (٥٦٠) عن عائشة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان»، بالنَّظر إلى اللَّفظ فإنَّه يفيد العموم في كل طعام حاضر، سواء اشتهاه صاحبه أم لم يشتهه؛ وذلك للعلة، فإنَّ العلَّة خَصَّصت الحكم بمن كان قلبُه متعلقًا بالطَّعام، فمن هنا يتبيَّن أنَّ المعاني مقدَّمة على الألفاظ عند التعارض؛ لأنَّ","vol":"1","page":36},{"text":"المعاني مقصودة لذاتها، والألفاظ مقصودة لغيرها، وهي قوالب المعاني، ذكر هذا ابن القيم (^١) في مناسبة أخرى، لذا عَمَّمت العلَّة اللفظ الخاص، وخَصَّصت العلَّة اللفظ العام.\nقَوْلُهُ: «والسَّبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته».\nبدأ المصنِّف بذكر بعض الأحكام الوضعية بعد أن ذكر الأحكام التكليفية؛ فإن السبب والشرط والعزيمة والرخصة من الأحكام الوضعية، وإن السبب يُعرف بالمثال: وذلك أن غروب الشمس سبب لصلاة المغرب، وعدم غروبها سبب لعدم صلاتها، تطبيقًا على تعريف المصنِّف يقال: يلزم من وجود غروب الشمس وجود صلاة المغرب، ومن عدم غروب الشمس عدم صلاة المغرب، أما قوله «لذاته» فسيأتي بيانه إن شاء الله.\nقَوْلُهُ: «والشَّرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته».\nوهذا يعرف بالمثال: فالوضوء للصلاة شرط لصحتها، وتطبيقًا على هذا التعريف يقال:\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ٧٨ - ٧٩).","vol":"1","page":37},{"text":"يلزم من عدم الطهارة عدم الصلاة، ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة، ولا عدم لذاته.\nأما قول الأصوليين عند ذكر السَّبب والشَّرط والمانع ونحوها، لفظ\n«لذاته» فذلك لحكمة وهي: أنَّه ينظر إلى هذا السبب وحده وذاته دون النَّظر إلى الأسباب الأخرى والموانع والشروط، إذ لو نُظِر إلى الأسباب الأخرى والشروط والموانع لم يتحقق هذا التعريف، ففيما يتعلق بالسَّبب لو غربت الشمس على من أغمي عليه، لم تجب الصلاة عليه على الصحيح لوجود مانع، وكذلك فيما يتعلق بالشرط لو لم يجد المصلي شيئًا يتطهر به فلم يتمكن من الوضوء ولا التيمم، فإِنَّه يصلي صلاة فاقد الطهورين على الصَّحيح، فلو لم يقل: لذاته، لم يستقِم تعريف السبب والشرط والمانع ... الخ\nقَوْلُهُ: «والعزيمة حكم ثابت بدليل شرعي خالٍ من مُعارض راجح».\nهذا يُتَصَوَّر بالمثال، فكل واجبُ يُعدُّ عزيمة؛ لأنَّه حكم ثابت بدليل شرعي، وليس له معارض راجح.\nقَوْلُهُ: «وضِدُّها<span data-type=\"title\" id=toc-66> الرُّخصة»</span>.\n\nأي: ضِدّ وعكس العزيمة: الرُّخصة، وهي حكم ثابت على خلاف دليل شرعي، وهذا المعارض أرجح، وذلك كالقصر في السَّفر فإنَّ العزيمة ألا تقصر،","vol":"1","page":38},{"text":"لكن جاء دليل معارض لهذه العزيمة وهو أرجح منه فعمل به وتُسمى رخصة، وتقدَّم أنَّ هناك فرقًا بين الرُّخصة في اصطلاح الأصوليين وفي الاستعمال الشرعي.\nقَوْلُهُ: «والنَّاسي والمخطئ والمكره لا إثم عليهم».\nالمراد بالنَّاسي: من علم الشيء وذهل عنه.\nوالمخطئ: من أراد شيئًا ففعل غيره بلا قصد، وله معانٍ أخرى، لكن هذا هو المراد بكلام المصنف في هذا الموضع كبقية الأصوليين.\nوالمُكْره: هو من أُلْزِم على فعل شيء ففعله مُلْزمًا.\nقوله: «لا إثم عليهم». أي أنَّ الإثم مرتفع عنهم، أما دليل النَّاسي والمخطئ فقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، جاء في صحيح مسلم (١٢٦) أنَّ الرسول - ﷺ - قال: قال الله تعالى: «قد فعلت».\nأما دليل المكره فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾\nقَوْلُهُ: «ولا يترتَّب على فعلهم فساد عبادة».\nأي: لو فعل المخطئ أو النَّاسي أو المكره فعلًا يُفسِد العبادة فإنَّ عبادته لا تَفْسد، وذلك كأكل الصائم وشربه نسيانًا، لما أخرج الشيخان عن أبي هريرة","vol":"1","page":39},{"text":"- ﵁ - أنَّ الرسول - ﷺ - قال: «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإِنَّما أطعمه الله وسقاه» (^١).\nوالمخطئ كالنَّاسي في الأحكام الشرعية، وكذلك المكره بجامع أنَّهم لم يتعمدوا الفعل لذات الإفساد.\nقَوْلُهُ: «ولا إلزام لهم بعقد».\nأي كما لا تفسد عبادتهم، فكذلك لو عقدوا عقدًا فإنَّه غير لازم، لأنَّهم معذورون.\nقَوْلُهُ: «والنَّاسي والمخطئ يضمنان ما أتلفاه من النُّفوس والأموال».\nالإتلاف أمرٌ متعدٍ وألزمته الشريعة صاحب الغنم المفرط، ولم يذكر المصنف المكره؛ لأنَّ الضمان ليس عليه، وإنَّما على من أكرهه كما بيَّنه في الشرح.\nقوله: «من النُّفوس والأموال». الأصل - والله أعلم - أن يُعَمَّم ولا يُخصَّص بالأموال، بل يُقال: في كلِّ ما أتلفا، ليدخل في ذلك ما أتلَفه المحرِم من شَعْر وقلمه من أظفار، فقد ذهبت المذاهب الأربعة في أنَّ عليه كفارة (^٢)، وهو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥)، واللفظ لمسلم.\n(^٢) ينظر: الاستذكار (٤/ ١٦٠)، والمجموع (٧/ ٣٣٩)، والمغني (٣/ ٤٢٩).","vol":"1","page":40},{"text":"قول عطاء فقد قال: «النَّاسي والمتعمِّد سواء» (^١)، وكأنَّ المصنِّف تبع في هذا ابن تيمية وابن القيم.\nوبعد هذا هناك قواعد مهمَّة تتعلَّق بما ذكره المصنِّف:\nالقاعدة الأولى: من ترك مأمورًا ناسيًا فلا إثم عليه، لكن يجب أن يأتي بالمأمور (^٢).\nودليل عدم الإثم: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.\nودليل أنَّه يجب أن يأتي بالمأمور: ما أخرج الشيخان عن أنس - ﵁ - أن الرسول - ﷺ - قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (^٣).\nوجه الدَّلالة: أنَّه لم يُسْقِط المأمور لنسيانه بل ألزَمه أن يأتي به عند تذكره.\nالقاعدة الثانية: من فعل محظورًا ناسيًا فلا إثم عليه، ولا يأتي بشيء (^٤).\nأما رفع الإثم فقد تقدَّم قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، أما أنَّه لا يأتي بشيء فلما أخرج الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ\n_________\n(^١) ينظر: المصنف لابن أبي شيبة (٣/ ٢١٧) رقم (١٣٥٨٩)، ونصه: «في ثلاث شعرات دم، الناسي والمتعمد سواء».\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٢٩) و(٢٢/ ٩٩)، وإعلام الموقعين (٢/ ٢٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤).\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٨) و(٢٢/ ٩٩)، وإعلام الموقعين (٢/ ٢٤).","vol":"1","page":41},{"text":"الرسول - ﷺ - قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمَّ صومه، فإنَّما أطعمه الله وسقاه» (^١).\nوجه الدَّلالة: أنَّه لم يأمر أن يُؤتَى بشيء عند النسيان.\nومن حيثُ المعنى: فعل المحظور ليس إيجادًا لشيء حتى يُطَالب بإيجاده كترك المأمور.\nالقاعدة الثالثة: الخطأ كالنسيان في القاعدتين السابقتين (^٢).\nالقاعدة الرابعة: من ترك مأمورًا جاهلًا فلا إثم عليه ولا يجب عليه أن يأتي بشيء (^٣)؛ لعموم الأدلَّة في عُذر الجاهل من جهة الإثم كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nمفهوم المخالفة: أنَّ اتِّباع أهوائهم جهلًا لا يجعله من الظالمين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٣) ومسلم (١١٥٥).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٨)، وإعلام الموقعين (٢/ ٢٦).\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٢٩ - ٤٣٠) و(٢٢/ ١٠١ - ١٠٣)، وإعلام الموقعين (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":42},{"text":"أمَّا الأدِلَّة على أنَّه لا يأتي بشيء فحديثُ المسيء في صلاته، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلَّى، ثُمَّ جاء فسلَّم على رسول الله - ﷺ -، فردَّ رسول الله - ﷺ - السلام وقال:\n«ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ»، فرجع الرجل فصلَّى كما كان قد صلَّى، ثم جاء إلى النَّبي - ﷺ - فسلَّم عليه فقال رسول الله - ﷺ -: «وعليك السلام»، ثُمَّ قال: «ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ»، حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا علِّمني ... الحديث (^١) وبعد ذلك علَّمه الرسول الصلاة ولم يأمره بالإعادة.\nوجه الدَّلالة: أنَّه كان يظنُّه عالمًا مفرِّطًا فأمره بالإعادة، لكن لما تبيَّن له أنَّه جاهل لم يأمره بالإعادة، فدلَّ هذا على أنَّ الجاهل معذور في ترك المأمور.\nولو لم يظنُّه مفرِّطًا لما أمره بالإعادة؛ لأنَّه جاهل سيصلِّي صلاة غير شرعية ولو عادها كثيرًا بما أنَّه لم يُعلَّم.\nأخرج الشيخان عن عائشة - ﵂ - في قصة فاطمة بنت أبي حبيش - ﵂ - أنَّها جاءت إلى النَّبي - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إنِّي امرأة أُستَحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنَّما ذلك عِرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدَّم وصلِّي» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٨)، ومسلم (٣٣٣).","vol":"1","page":43},{"text":"فهي قد تركت مأمورًا وهو الطهارة للصلاة جهلًا، فَعذَرها الرسول - ﷺ - ولم يأمرها أن تقضي الصلوات الماضيات. ذكر هذا ابن تيمية في مجموع الفتاوى (^١).\nالقاعدة الخامسة: من فعل محظورًا جهلًا فلا إثم عليه، ولا يجب عليه أن يأتي بشيء (^٢).\nأمَّا فلا إثم عليه؛ فهو للأدلة التي تقدَّم ذكرها في القاعدة السابقة.\nأمَّا الدَّليل على أنَّه لا يجب عليه أن يأتي بشيء: فهو ما أخرج مسلم (٥٣٧) في قصة معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ -، وهو أنَّه تكلم في الصلاة ولم يبطل الرسول - ﷺ - صلاته؛ لأنَّه كان جاهلًا.\nوكل ما تقدم ذكره من القواعد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى وابن القيم في إعلام الموقعين.\nقَوْلُهُ: «فصل:\nالسُّنَّة: قول النَّبي - ﷺ - وفعله وإقراره».\nالمراد بالسنة هنا: ما بيَّنه المصنِّف من قول النَّبي - ﷺ - وفعله وتقريره، ولا يريد به السنة بمعناها عند علماء المعتقد، ولا السُّنة بمعناها عند علماء الحديث.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٣٠).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٧) و(٢٢/ ٤١ - ٤٣)، وإعلام الموقعين (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":44},{"text":"قَوْلُهُ: «فقوله واضح».\nأي: تقدَّم الكلام عليه، وهو أنَّه إذا كان أمرًا فهو للوجوب .. وهكذا.\nقَوْلُهُ: «وفعله الأصل فيه أنَّه مندوب».\nوذلك أنَّ الشريعة دعت إلى الاقتداء به، وهذا مستحب ومندوب، وليس واجبًا؛ لأنَّه لا دليل على الوجوب، ومن الأدلَّة على استحباب متابعته قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\nوما أخرج البخاري (٦٣١) عن مالك بن الحويرث - ﵁ - أنَّ الرَّسول - ﷺ - قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي».\nوأخرج مسلم (١٢٩٧) عن جابر - ﵁ - أن الرَّسول - ﷺ - قال: «لِتأْخذوا مناسككم».\nوكلا هذين الحديثين يَدلَّان على عموم الاتِّباع، لا على الوجوب كما أفاده ابن القيم (^١).\nقَوْلُهُ: «وقد تصرفه القرينة إلى الوجوب».\nأي: قد يَنتقل الفعل من الاستحباب إلى الوجوب بدليل، وذلك مثل طواف الإفاضة فهو فعل، وانتقل إلى الوجوب لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.\n_________\n(^١) تهذيب السنن (١/ ٦٦، عون المعبود).","vol":"1","page":45},{"text":"ومثل ذلك: الركوع والسجود في الصلاة فهو فعل للاستحباب لولا الأمر به لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾.\nقَوْلُهُ: «أو الخصوصية».\nأي: أنَّ الأصل في أفعاله عدم الخصوصيَّة إلَّا لدليل، وقد تنازع العلماء في تطبيق هذه القاعدة في أمثلة كثيرة ومما قرَّرَه جمهور أهل العلم أنَّ الوصال خاصٌّ بالرسول - ﷺ -.\nقَوْلُهُ: «إلَّا أفعاله التي علم أنَّه لم يفعلها على وجه التشريع».\nأي: مالم يفعله على وجه التشريع فليس مستحبًا.\nقَوْلُهُ: «كالأمور التي يفعلها اتفاقًا بلا قصد لجنسها، فإنَّها تكون مباحة».\nمعنى هذا: أنَّ مالم يفعله لذاته، بل فعله وِفاقًا فإنَّه لا يُتَقَصَّد ويُفْعل لذاته.\nوذلك مثل: الأماكن التي صلَّى بِها - ﷺ - في طريقه ذهابًا وإيابًا وفي سفره فإِنَّها لا تُتَقَصَّد، لذا لا يقال إنَّ فعلها مندوب، لأجل هذا قال المصنف: «فإنَّها تكون مباحة» أي لذاتها، وهذا المباح محرَّم لدوافع أخرى كالتَّعبُّدِ فإنَّه يكون بدعة.\nوينبغي أن تعرف أقسام أفعال الرسول - ﷺ -.\nإنَّ أفعال الرسول - ﷺ - أقسامٌ خمسة:","vol":"1","page":46},{"text":"القسم الأول: ما كان من الأفعال الخاصة به، وتقدم الكلام على مثاله.\nالقسم الثاني: ما كان من الأفعال بيانًا للفظ مجمل من القرآن أو من قوله - ﷺ -، كصلاة الظهر أربع ركعات.\nالقسم الثالث: ما كان من الأفعال ابتداء تَعبُّدِيًا من الرَّسول - ﷺ -، مثل السِّواك، والأكل بالأصابع الثلاث.\nالقسم الرابع: ما كان من الأفعال راجعًا إلى عادة قومه، أي: الأفعال العادية، فهذه الأصل فيها أنَّه يستحب أن يفعل فيها كعادة قومه، وذلك كاللباس فإنَّ السنة في اللباس أن يلبس بلباس قومه، ذكر هذا ابن تيمية (^١).\nالقسم الخامس: ما كان من الأفعال راجعًا إلى الجبِلَّة، كمحبَّة أكل شيء أو صفة المشية .. وهكذا.\nتنبيه:\nما كان من عادة القوم، إن كانت إحدى العادات موافقة لعادة الرسول - ﷺ -، فإنَّ تعمَّد فعل ذلك مستحب، مثل: أن تكون للقوم أكثر من عادة، ومن ذلك: لبس العمامة، فتقصُّد لبس العمامة لأنَّها عادة الرَّسول - ﷺ - مستحب، ويدلُّ لذلك ما أخرج البخاري (١٦٦) أنَّ ابن عمر - ﵁ - كان يلبس النّعال السبتية لأنَّ الرَّسُول - ﷺ - كان يلْبَسُها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣١١).","vol":"1","page":47},{"text":"وكذلك من تَعمَّد محبة طعام أو جبلة جُبِل عليها الرَّسول - ﷺ -، فإنَّه يثابُ على ذلك، لذا أخرج الشيخان عن أنس - ﵁ - أنَّه كان يحبُّ الدّباء لما رأى الرَّسول - ﷺ - يتَتبَّعها في القصعة (^١).\nقَوْلُهُ: «والأصل أنَّ أمَّته أسوة له في الأحكام كلها إلا ما خصَّه الدَّليل».\nتقدَّم الكلام على هذا.\nقَوْلُهُ: «وإقراره - ﷺ - على شيء يدلُّ على الجواز إلَّا بدليل».\nالإقرار دليل شرعي، ويدلُّ عليه: كلُّ دليل على وجوب إنكار المنكر، فإنه إذا لم ينكر النبي - ﷺ - شيئًا دلَّ على أنَّه ليس منكرًا وأنَّه قد أقره.\nوالإقرار نوعان:\nالنوع الأول: إقراره - ﷺ - على شيء اطَّلع عليه، وهذا النَّوع قسمان:\nالقسم الأول: إقرار كلِّي، وذلك أنَّه اطَّلَع على عَمَل فَأَقَرَّه، كمثل الذي كان يقرأ سورة الإخلاص في كلِّ ركعة، أخرجه الشيخان عن عائشة - ﵂ - (^٢).\nالقسم الثاني: إقرار جُزئي، ومعنى الإقرار الجزئي: أن يفعل أحدُ الصحابة أفعالًا، فيُنكر بعضها دون بعض، أو ما كان بهذا المعنى، فعدم إنكاره للأمور\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٩٢)، ومسلم (٣/ ١٦١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣).","vol":"1","page":48},{"text":"الأخرى يدلُّ على إقراره، وقد أشار لهذا النوع جمع من العلماء منهم ابن تيمية (^١)، وابن القيم (^٢).\nومن الأدلة على هذا: أنَّ عائشة - ﵂ - قالت: دخل أبو بكر - ﵁ - وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله - ﷺ - وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا أبا بكر، إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا وهذا عيدنا» (^٣).\nوجه الدَّلالة: أنَّ الرسول - ﷺ - لم ينكر على أبي بكر - ﵁ - لما وصف الدف بأنَّه مزمار الشيطان، فدلَّ هذا على أنَّه كذلك، فيُستفاد منه أنَّ الدف محرَّم لكن استُثنيَ في العيد.\nالنوع الثاني: إقرار شيء وقع في عهد الرَّسول - ﷺ - ولم يطلع عليه، فمثل هذا حجة ولو لم يطلع عليه؛ لأنَّه لو لم يكن مرضيًا لما أقرَّه ربُّ العالمين.\nأخرج الشيخان عن جابر - ﵁ - أنَّه قال: «كنَّا نعزِل والقرآن ينزل» قال الثوري: لو كان شيء يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن (^٤).\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٢٨٧).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٢٥٤ - ٢٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٥٢)، ومسلم (٨٩٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٢٠٨)، ومسلم (١٤٤٠).","vol":"1","page":49},{"text":"أيضًا أخرج البخاري (٥٥١٩) عن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: «نحرنا فرسًا على عهد الرَّسول - ﷺ - فأكلناه». أي: أنَّه لو كان محرمًا لنُهينا عن ذلك.\nتنبيه:\nالإقرار يأخذ حكم ما أُقِرَّ عليه، فإن أقرَّ على عبادة فتكون هذه العبادة مشروعة؛ كما أخرج الشيخان عن حمزة بن عمرو الأسلمي - ﵁ - أنه قال: «إنِّي رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر» (^١)، فأقرَّه الرسول - ﷺ - ولم ينكر عليه، فدلَّ على استحباب سَرْدِ الصِّيام، أي: على صيام الدهر، والمراد ما عدا الأيام المحرَّمة كالعيدين وأيام التشريق.\nأما إذا أقرَّ على الجواز فإنَّه يكون جائزًا، كأكل الفرس في حديث أسماء المتقدِّم.\nقَوْلُهُ: «ويُقدَّم قوله على فعله».\nأي: عند التعارض ولم يمكن الجمع، أما إذا أمكن الجمع بأن كان قوله لفظًا عامًا وخالفه بفعله فإنَّه يكون تخصيصًا أو غير ذلك ممَّا يستقيم معه الجمع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٤٢)، ومسلم (١١٢١) واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":50},{"text":"ومن أمثلة هذه القاعدة - وهي عدم إمكان الجمع - أنَّ الرَّسول فَطر بالحجامة، وقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» أخرجه الخمسة إلا الترمذي من حديث شداد بن أوس - ﵁ - (^١).\nوهذا قول يتعارض مع فعله - ﷺ -، وهو ما أخرجه البخاري (١٩٣٩) عن ابن عباس - ﵁ - أنَّ الرسول - ﷺ - احتجم وهو صائم.\nففي هذا المثال يقدَّم قوله - ﷺ -؛ لأنَّ فعله محتمل لاحتمالات، ذكرها ابن القيم (^٢).\nمنها: أن يكون مريضًا أو مسافرًا .. وهكذا.\nتنبيه:\nينبغي أن يُدّقَّقْ عند احتجاج العلماء بهذه القاعدة؛ لأنَّه قد لا يُوافق في كلِّ مثال على التطبيق.\nمثل: نهي الرَّسول - ﷺ - عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، أخرجه الشيخان عن أبي أيوب - ﵁ - (^٣)، ثم خالف ذلك بفعله فاستدبر القبلة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٣٦٩)، والنسائي في «الكبرى» (٣١٤٤)، وابن ماجه (١٦٨١)، وأحمد (٥/ ٢٨٣).\n(^٢) زاد المعاد (٤/ ٥٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤).","vol":"1","page":51},{"text":"في بيت حفصة عند بوله أخرجه الشيخان عن ابن عمر - ﵁ - (^١).\nفمنهم من طبَّق هذه القاعدة وقدَّم القول على الفعل، والأولى في هذا المثال الجمع لأنَّه ممكن، لقاعدة إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.\nووجه الجمع: ما جمع به جمهور أهل العلم وهو الحرمة في الفضاء والصحراء، والجواز في البنيان.\nقَوْلُهُ: «إجماع الأمَّة».\nبدأ كلام المصنِّف في الدَّليل الثالث، وهو دليل الإجماع؛ فإنَّه مشهور عند الأصوليين أن يذكروا:\nالدَّليل الأول: القرآن.\nالدَّليل الثاني: السنة.\nالدَّليل الثالث: الإجماع.\nوالإجماع حجَّةٌ شرعية، دلَّ على ذلك أدلة:\nالدَّليل الأول:\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).","vol":"1","page":52},{"text":"وجه الدَّلالة: أنَّ الله ذمَّ على ترك سبيل المؤمنين، فدلَّ هذا على أنَّ اتباع سبيل المؤمنين واجب، ذكر هذا الشافعي (^١).\nالدَّليل الثاني:\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.\nوجه الدَّلالة: أنَّه إذا لم يحصل نزاع، وهو الإجماع، فاجتمعوا بهذا الإجماع، ذكر هذا الآمدي (^٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\nالدَّليل الثالث:\nعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - قال: «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (^٤).\nوجه الدَّلالة: أنَّ العلماء إذا أجمعوا على قول، فلابدَّ وأنَّ من بينهم الفرقة الناجية التي لا تكون إلَّا على الحق، فدلَّ هذا على أنَّ ما أجمعوا عليه فهو حق.\n_________\n(^١) ينظر: التبصرة في أصول الفقه (ص: ٣٤٩)، والبرهان في أصول الفقه (١/ ٢٦١).\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٤).\n(^٣) منهاج السنة (٨/ ٣٤٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٩٢١).","vol":"1","page":53},{"text":"وإذا عرف هذا فإنَّ لدليل الإجماع مزيَّة على بقية الأدلة، وهو: أنَّه لا يكون إلَّا قطعيًّا في دلالته، فلا يأتي الإجماع محتمِلًا في دلالته، ذكر هذا ابن قدامة (^١)، وابن تيمية (^٢).\nومن هاهنا صار دليل الإجماع دليلًا مهمًّا، واعتنى به علماء الأمة؛ لأنَّه بهذه المزية أصبح من أعظم ما يُحفظ به معتقد أهل السنة؛ لأنَّ أصول معتقد أهل السنَّة مُجمع عليها، فلا يصَحُّ لأحدٍ أن يشكَّ في معتقد أهل السنَّة بحجَّة أنَّ دليله ظنِّي محتمل؛ لأنَّ مسائله مُجمع عليها، ودليل الإجماع لا يكون إلا قطعيًا في دلالته، بخلاف ثبوت الإجماع، فإنَّه من جهة الثبوت قسمان:\nالقسم الأول: القطعي، وهو الذي استند على أدلة قطعية في دلالتها وصحتها، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فأجمع العلماء على أنَّ الصلوات الخمس فرض وواجب، وهذا النَّوع من الإجماع من أنكره كفر.\nالقسم الثاني: الإجماع الظني، وهو مالم يكن من القسم الأول، وهذا النَّوع من الإجماع منكره لا يكفر.\nذكر القسمين السابقين وما يتعلق عليها من الكفر ابن تيمية (^٣).\n_________\n(^١) روضة الناظر (١/ ٣٧٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٦٧، ٢٧٠).","vol":"1","page":54},{"text":"ومما تقدَّم يُعرف أهمِّية الإجماع؛ لذا حاول أهل البدع إسقاطه، فأوَّل من خالف في حجيته النَّظَّام المعتزلي، وذكر هذا ابن قدامة (^١) وغيره.\nومن أهلِ البدع من لم يستطِع إسقاط الإجماع لكن جعلوا وقوعه كالمستحيل فقالوا: الحجَّة في الإجماع المنطوق دون المسكوت، ومعنى المنطوق: أن ينطق كلُّ عالم، ومعنى المسكوت: أن يتكلَّم طائفة من العلماء ولا ينكر عليهم الأخرون، ولازم هذا التأصيل أنه لا إجماع، لذا ذكر ابن قدامة أنَّه لا يُستطاع إثبات وجوب الصلاة عن كل فرد من أهل بدر فضلًا عن غيرهم، فإذا لم يستطع إثبات وجوب الصلاة عن أهل بدر فغيرها من الأحكام عن باقي العلماء من باب أولى، لذا تقسيم الإجماع إلى منطوق ومسكوت، والقول بأنَّ الإجماع السكوتي ليس حجَّة إنَّما قاله المتكلِّمون ومن تأثَّر بهم، ومن نسبه إلى الشافعي فقد أخطأ، كما بين هذا العلائي وأشار لهذا النَّووي، وقد أخطأ من ظنَّ أن الإمام أحمد لا يرى حجية الإجماع، مستندًا إلى قوله لابنه عبدالله: من ادَّعى الاجماع فهو كاذب، وما يدريه لعل النَّاس اختلفوا، هذه دعوى بِشر والأصَمّ.\nوقائل هذا مُخطئ؛ لأنَّ هذا يدلُّ على أنَّ الإمام أحمد لا يرى حُجِّية الإجماع.\nوالجواب عن هذا من وجيهن:\nالوجه الأول: أنَّ الإمام أحمد قد حكى الإجماع في مسائل كثيرة:\n_________\n(^١) روضة الناظر (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩).","vol":"1","page":55},{"text":"منها: قوله: إنَّ قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. أنَّ هذا في الصلاة بالإجماع.\nومنها: قوله إنَّ أولاد المسلمين في الجنَّة بالإجماع، وأنَّ الدَّم نجِس، وأنَّ الاعتكاف سنَّة ... إلى آخره.\nالوجه الثاني: أنَّ أصحاب أحمد لم يفهموا هذا، وفهِموا أنَّه أراد شيئًا غير إنكار الإجماع؛ لذا اختلفوا في تأويل كلامه، وأصح أقوالهم - والله أعلم - أنَّه ذكر هذا في حق مَنْ ليس أهلا لحكاية الإجماع، كأهل البدع، لذا قال هذه دعوى بشر والأصم، اختار هذا أبو يعلى في أحد قوليه (^١)، وهو ظاهر قول ابن القيم (^٢)، ويُؤَكِّدُ هذا الوجه أنَّ العلماء لم ينسبوا إنكار الإجماع إلى أحمد وإنما اشتهر نسبته للنظام.\n\nومما ينبغي أن يعلم أنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-89> أكثر مسائل الدِّين مُجْمع عليها</span>، وإن كان مسائل الخلاف كثيرة لكنَّ المجمع عليه أكثر وأكثر، وهذا كالبحر بالنِّسبة للمحيط، قاله ابن تيمية (^٣).\n_________\n(^١) العدة (٤/ ١٠٦٠).\n(^٢) إعلام الموقعين (٢/ ١٧٥).\n(^٣) الاستقامة (١/ ٥٩).","vol":"1","page":56},{"text":"فإذن: قبل بحث أي مسألة فإنَّ احتمال أن تكون إجماعية أو خلافية احتمالٌ متساوٍ على أقلِّ تقدير، فإذا حكى عالم ذو استقراء إجماعًا فقد غلَّب كفة أنَّها إجماعية ولو بأدنى غلبة الظن؛ فإنَّ أدنى غلبة الظن حُجَّة، فكيف إذا حكى ذلك أكثر من عالم، فإنَّ الظنَّ يزداد بصِحَّة هذا الإجماع، فإذن إذا حكى الإجماع النَّووي أو ابن قدامة أو ابن عبدالبر أو الطحاوي، ومن باب أولى أحمد والشافعي والمروزي فإنَّ حكايتهم للإجماع حجة، ولا يُسقط هذا الدليل إلا بعد إثبات أنَّه مخروم بأن يُثبت الخلاف من عالم في وقت الإجماع، وممَّا يُؤكِّدُ هذا من وجه آخر أنَّه لا يصحُّ لأحد أن يقول في مسألة بقول إلَّا وله سلف، ولا يكفي الاعتماد على ظاهر النص، بل لابد من السلف؛ لأنَّنا مأمورون باتباع سبيل المؤمنين، فمن بدا له ظاهر نص ورأى العلماء على خلاف ما بدا له، فلا يصح له أن يعمل بما بدا له؛ لأنَّه محتاج إلى سلف، والسَّلف على خلاف هذا، فيجب أن يترك ما بدا له إلى قول السلف، وإنَّ القول بحجية مذهب السلف وفهم السلف هو صورة من صور الإجماع، فمن التناقض أن يقال: إنَّ فهم السلف حجة والإجماع ليس حجة، أو أن يُعتدَّ بإجماعٍ في المسائل العقدية دون الفقهية.\nقَوْلُهُ: «إجماع الأمَّة على حكم شرعي حجَّةٌ قاطعة».\nكأنَّ المصنِّف - ﵀ - يتكلَّم عن الإجماع القطعيّ دون الظنِّي، وإلَّا فإنَّ الإجماع الظني ليس بحجة قاطعة، بل حُجَّة ظنيَّة.","vol":"1","page":57},{"text":"قَوْلُهُ: «لا يحلُّ لأحدٍ مخالفة الإجماع المعلوم».\nقولُه: «المعلوم»: يحتمل المعلوم من الدين بالضرورة، أي: القطعي، ويحتمل: المعلوم ثبوته، وعلى أي الاحتمالين، فحصر الإجماع في المعلوم من الدين بالضرورة لا يصِحُّ كما تقدَّم، بل منه المعلوم من الدين بالضرورة، ومنه المعلوم بالظنّ.\nقَوْلُهُ: «ولا بدَّ أن يستند الإجماع إلى دليل شرعي».\nهذا صحيح، بل لم يخالف في ذلك إلا طائفة شاذة، قاله الآمدي (^١).\nقَوْلُهُ: «يعلمه ولو بعض المجتهدين».\nأي: أنَّه لا بد أن يوجد من يعلم مستند الإجماع، وهذا فيه نظر؛ بل المشهور عند الأصوليين أنَّه لا يشترط أن يعرف مستند الإجماع، وقد قرر هذا ابن حزم أيضًا (^٢)، ولم أر سلفًا للعلامة بن سعدي إلا كلامًا محتملًا لابن تيمية (^٣)، واشتراط أنْ يعلمه ولو بعض المجتهدين لا دليل عليه.\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٦١).\n(^٢) مراتب الإجماع (ص ١٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٩٥).","vol":"1","page":58},{"text":"قَوْلُهُ: «والخبر المتواتر ...» إلخ.\nالأخبار تُقسم الى قسمين:\nالأول: المتواتر.\nوالمتواتر نوعان: معنويٌّ ولفظيٌّ.\nالثاني: الآحاد، وهو كلُّ ما لَيس متواترًا.\nوهو أنواع ثلاثة: غريب وعزيز ومشهور.\nواشترط المصنف في المتواتر شروطًا يأتي ذكرها.\nقَوْلُهُ: «والخبر المتواتر لفظًا أو معنى يفيد اليقين بشرط أن ينقُلَه عدد لا يمكن تَواطُؤُهم على الكذب والخطأ».\nهذه الشروط لا تتوفر في حديث، أقر بهذا علماء المصطلح كابن الصلاح فيما ذكره ابن حجر (^١)، وبعض الأصوليين كابن النجار (^٢)، حتى إن ابن الصلاح قال: إلا أن يُدَّعى في حديث «من كذب علي متعمدًا» (^٣).\n_________\n(^١) نزهة النظر (ص ٤٥).\n(^٢) شرح الكوكب المنير (٢/ ٣٣٠).\n(^٣) نقله عنه ابن حجر في نزهة النظر (ص ٤٥).","vol":"1","page":59},{"text":"والفرق بين التَّواتر اللفظي والمعنوي: أنَّ التَّواتر اللفظي تواتر على لفظ: كحديث «من كذب علي متعمدًا»، أما التواتر المعنوي فهو التواتر على إثبات أمر كتواتر الأخبار على إثبات الحوض .. وهكذا.\nوأفاد المصنف أن المتواتر يفيد اليقين.\nقَوْلُهُ: «فإذا لم يبلغ هذه الدرجة قيل له: آحاد».\nوتَقدَّمت الإشارةُ إلى معنى الآحاد، وهو كلُّ ما ليس بمتواتر.\nقَوْلُهُ: «وقدْ يحتف ببعض أخبارِ الآحاد من القرائن ما يفيدُ معها القطع».\n\nأي: أنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-97> الأصل في أخبار الأحاد أنها تفيد الظنَّ إلَّا مع القرائن فإنَّها تفيد اليقين</span>، وهذا ما قرره ابن تيمية (^١)، ونقل كلامه ابن حجر (^٢)، وهو قول علماء من المذاهب الأربعة.\nإذا تبيَّن هذا فإنَّ تقسيم الأخبار إلى متواترة وآحاد بأن يجعل المتواتر بهذا المعنى هو في الأصل من المتكلمين دخل على الأصوليين، ومن الأصوليين دخل على كتب المصطلح المتأخرة، وقد تقدَّم أنَّه لا يوجد له مثال، وليس معنى هذا أنَّه لا يوجد شيء اسمه متواتر بل يريد المحدثون بالمتواتر معنى غير هذا المعنى، وهو أشبه ما يكون بالمعنى اللغوي أي بتكاثر الأخبار وليس كل ما تكاثر من\n_________\n(^١) منهاج السنة (٧/ ٥٢٦)، مقدمة أصول التفسير (ص ٢٨).\n(^٢) النكت على كتاب ابن الصلاح (١/ ٣٧٤).","vol":"1","page":60},{"text":"الأخبار صار متواترًا، بل يحدد هذا المحدثون، وقد يختلف باختلاف ما أخُبِر به عنه، وكذلك باختلاف رواته، هذا معنى كلام ابن تيمية (^١).\nثم بعد هذا كلِّه ينبغي أن يعلم أنَّه لا فائدة من دراسة التواتر والآحاد في كتب الأصول؛ لأنَّ الأصولي لا يحتاج إلى ذلك، فإنَّ علم الأصول متعلق بالمتن، لا بالسند.\nفإن قيل: إنَّ هذا ينفع عند تعارض خبرين فيُقدَّم الأقوى؟\nفيقال: إنَّ تقديم الأقوى صحيح، لكن ليس مبنيًا على معرفة المتواتر والآحاد، بل إنَّ الحديث الغريب نفسه يتفاوت في القوة، فلو تعارض حديثان كلٌّ منهما لم يأت إلا من طريق واحد، ولم يمكن الجمع فإِنَّ الأقوى يقدم على ما دونه، من غير نظر إلى مبحث التواتر والآحاد.\nقَوْلُهُ: «وقول الصحابي إذا لم يخالفه غيره من جملة الحجج».\n\nبدأ المصنف بذكر<span data-type=\"title\" id=toc-100> حُجِّية مذهب الصحابي</span>، وقبل البدء بهذه المسألة فأحرر النِّزاع فيها:\nالأمر الأول: أنَّ قول الصحابي أو غيره إذا خالف النَّص فهو مردود قال ابن القيم: «قال الشافعي - قَدَّس الله تعالى روحه -: أجمع المسلمون على أنَّ من\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٥٨) (١٨/ ٥٠).","vol":"1","page":61},{"text":"استبانت له سنَّة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس» (^١). وقرر هذا ابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣)، والعلائي (^٤).\nالأمر الثاني: أنَّ الصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول أحدهم مقدَّمًا على الآخر، قرره ابن تيمية (^٥) وابن القيم (^٦)، والعلائي (^٧).\nوفي هذه المسألة تفصيل وهو ما يلي:\nأولًا: عند تعارض أقوال الصحابة يرجح القول الأشبه بالكتاب والسنة، أي: الذي يدل الكتاب والسنة على أنَّه أرجح، ذكر هذا الشافعي والإمام أحمد (^٨).\nثانيًا: إذا اختلف الصحابة ولم يكن في المسألة دليل فإنَّ قول أحد الخلفاء الراشدين مقدَّم على غيره من الصحابة، ذكر هذا الشافعي وأحمد وابن القيم (^٩)،\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٤).\n(^٣) إعلام الموقعين (٤/ ١٤٦، ١٥٥).\n(^٤) إجمال الإصابة (ص ٧١).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٤).\n(^٦) إعلام الموقعين (٤/ ١٤٦، ١٥٥).\n(^٧) إجمال الإصابة (ص ٤٠).\n(^٨) ينظر: إعلام الموقعين (٤/ ٩٢ - ٩٣).\n(^٩) ينظر: إعلام الموقعين (٤/ ٩١).","vol":"1","page":62},{"text":"وابن رجب (^١)، ويدلُّ لذلك: ما أخرج الخمسة إلا النَّسائي من حديث العرباض\nابن سارية - ﵁ - أنَّ النَّبي - ﷺ - قال: «إنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا،\nفعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين» (^٢)، وبما أخرج مسلم (٦٨١) عن أبي قتادة - ﵁ - أنَّ النَّبي - ﷺ - قال: «فإن يطيعوا أبا بكر، وعمر يرشدوا».\n\nالأمر الثالث: أنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-105> حُجِيِّة مذهب الصحابي صورة من صور الإجماع</span>، فكلُّ دليل يدلُّ على أنَّ الإجماع حجة يدلُّ على أنَّ قول الصحابي حجة؛ لأنَّ البحث جارٍ في قول الصحابي الذي لم يخالف.\nويزاد على ذلك أدلة سيأتي ذكرها إن شاء الله.\n\nالأمر الرابع: أنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-107> حجية مذهب الصحابي من باب الظنِّ الغالب</span>، أفاد هذا ابن القيم (^٣)؛ لأنَّه جعل لقوله احتمالات ستة وكلَّها حجة إلَّا الاحتمال السادس فبهذا تكون حجيته من الظن الغالب، وقد يقال إنَّه من الظن الغالب؛ لأنَّه مبني على نفي أن يكون له مخالف، وهذا النفي ظنٌّ، والحجة فيه أن يكون غالبًا، ولو أدنى درجات غلبة الظن، فإن ما كان كذلك فهو حجة.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٠).\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٧١٤٢)، وأبو داود في سننه (٤٦٠٧)، والترمذي في جامعه (٢٦٧٦)، وابن ماجه في سننه (٤٢).\n(^٣) إعلام الموقعين (٤/ ١١٣).","vol":"1","page":63},{"text":"وقد دلَّت<span data-type=\"title\" id=toc-108> الأدلة على حجية مذهب الصحابي</span>، ومن هذه الأدلة:\nالدليل الأول: كلُّ دليل يدلُّ على حجة الإجماع، وقد تقدَّم.\nالدليل الثاني: أدلة خاصة تدلُّ على مزيَّة مذهب الصحابي:\nمنها: ما أخرجه مسلم (٢٥٣١) عن أبي موسى - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال:\n«النُّجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمَّتي ما يوعدون».\nقال ابن القيم: «ووجه الاستدلال بالحديث أنَّه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النُّجوم إلى السماء، ومن المعلوم أنَّ هذا التشبيه يُعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم - ﷺ -، ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم، وأيضًا فإِنَّه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم، وحرزًا من الشر وأسبابه، فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنة للصحابة وحرزًا لهم، وهذا من المحال» (^١).\nالدليل الثالث: قال ابن القيم: «إنَّ بيننا وبين الصحابة مدارك، منها ما اشتركنا نحن وإياهم فيها، ومنها ما انفصلوا بها عنا، وما اشتركنا نحن وإياهم فيها فقد فاقونا بمراحل، فأحدنا يحتاج وقتًا ليتعلم اللغة، فإذا تعلم ذلك أخذ\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ١٠٤ - ١٠٥).","vol":"1","page":64},{"text":"من ذهنه شُعبة، ثم يأخذ وقتًا يتعلم علم الحديث والإسناد فإذا تعلم ذلك أخذ من ذهنه شعبة ثم ذكر أشياء نحو ذلك، ثم قال: وإذا انتهينا من هذه انتهينا بأذهان قد كلَّت، قد تتم المسير وقد لا تتم، أما الصحابة فاللغة سليقتهم، والإسناد ما سمعوه من الرسول - ﷺ - .. وهكذا، فأين نحن منهم - ﵃ -، أمَّا المدارك التي انفصلوا بها عنا، فهو أنهم إذا نقلوا حكمًا فقد يكونوا سمعوه من الرسول - ﷺ - أو سمعوه ممن سمعه من الرسول - ﷺ -، أو نقلوا حكمًا كان عصرهم مجمعًا عليه، أو كان فهمًا فهمه بالنظر إلى السِّياق والسَّابق واللَّاحق ..» (^١) الى اخر ما قال - ﵀ -.\n\nوإنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-109> أقوال الصحابة قسمان:</span>\nالقسم الأول: ما اشتهر، وقد ذكر ابن القيم أنَّ طائفة قالت: إنَّه إجماع، وقالت طائفة: إنَّه حجَّة وليس إجماعًا، ثم قال: «وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعا ولا حجة» (^٢).\nالقسم الثاني: أما إذا لم يشتهر قول الصحابي أو لم يعلم هل اشتهر أم لا، فقد ذهب أئمة المذاهب الأربعة وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه إلى أنَّه حجَّة، ثم قال ابن القيم: «وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد» (^٣)، وقد وافق البيهقي ثم ابن القيم والعلائي أنَّ للشافعي أقوالًا في الجديد والحديث تدلُّ على أنَّ قول الصحابي حجَّة، فدلَّ على أنَّه يرى أنَّ قول\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ١١١ - ١١٢).\n(^٢) إعلام الموقعين (٤/ ٩٢).\n(^٣) إعلام الموقعين (٤/ ٩٢).","vol":"1","page":65},{"text":"الصحابي حجَّةٌ ولو لم يشتهر، وأشار لهذا ابن تيمية (^١)، ثم ذكر ابن القيم ستةً وأربعين دليلًا على حجِّية مذهب الصحابي، وأكثرها أدلة تدلُّ على حجية الإجماع عمومًا (^٢).\nتنبيه:\nومما يدل على أنَّ قول الصحابي حجَّة أنَّه لا يجوز إحداث قول جديد، فإذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز الخروج عن قوليهما، قال الإمام أحمد:\n«هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا»، نقله أبو يعلى (^٣).\nوكذلك إذا قال الصحابي قولًا واحدًا ولم يعلم له مخالف، فليس لأحد أن يخالفه؛ لأنَّ من خالفه مأمور أن يأتي بسلف وإلا رُدَّ قوله لأنَّه مُحدِث.\nوبهذا الوجه يتبين أنَّ قول الصحابي حجة.\nقَوْلُهُ: «وإذا خالفه غيره رجع إلى الترجيح».\nتقدَّم بيان هذا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٤).\n(^٢) إعلام الموقعين (٤/ ٩٤).\n(^٣) العدة (٤/ ١٠٥٩).","vol":"1","page":66},{"text":"قَوْلُهُ: «وإذا خالف رأي الراوي روايته عمل بروايته دون رأيه».\nوهذا حق لما تقدم أنَّ قول النَّبي - ﷺ - مقدَّمٌ على قولِ كلِّ أحد، ومن ذلك الصحابة، ولكن ينبغي أن يُتنبَّه إلى أمرٍ دقيق، وهو: ضابط في التمييز بين قول الصحابي الذي يعدُّ تفسيرًا للنَّص، كتخصيص العام وتقييد المطلق وتبيين المجمل وقول الصحابي الذي يعدُّ مخالفًا للنص، والضابط هو: أنَّ الصحابي إذا خالف النص من كل وجه فلا بد أن ينكر عليه صحابي آخر؛ لأنَّ الله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقول الصحابي المرجوح منكر من وجه، فلا يمكن أن ينقل لنا القول المنكر ولا ينقل لنا القول الراجح وهو المعروف، ولو قال الصحابي بقول مرجوح فلا بد أن ينكر عليه صحابي آخر؛ لأنَّهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أفاد هذا ابن القيم (^١).\nتنبيه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>حاول بعضهم ردَّ قول الصحابي بأمور منها </span>ما يلي:\nالأمر الأول: أن مقتضى القول بأن قولهم حجة أنَّهم معصومون، وليست العصمة إلا للرَّسول - ﷺ -، ذكر هذا بعض المتكلمين كالغزالي (^٢) وذكره ابن حزم (^٣).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ٤٠٠ - ٤٠١).\n(^٢) المستصفى (ص ١٦٨).\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٧٦ - ٨٠).","vol":"1","page":67},{"text":"والجواب عن هذا من وجيهن:\nالوجه الأول: أنَّ هذا غير لازم؛ لأنَّ القائلين بحجية قول الصحابة، يقولون: إن قولهم إذا خالف النص فهو مردود، ويقولون: إذا اختلفوا رجح بين أقوالهم، وإنما قول الصحابي حجَّة لغيره لا بذاته، وهذا يتضح بالوجه الثاني.\nالوجه الثاني: تقدَّم أنَّ القول بحجية مذهب الصحابي راجعٌ إلى حجِّية الإجماع، فكما لا يقال إنَّ أفراد العلماء معصومون لأنَّ إجماعهم حجة، فكذلك يقال في القول بحجية مذهب الصحابي فإنَّه حجَّة؛ لأنَّه صورة من صور الإجماع.\nالأمر الثاني: يقول بعض المخالفين لحجية مذهب الصحابي: إنَّه لم يعمل أحد من أهل العلم بما ثبت عند البزار أنَّ أبا طلحة الأنصاري كان يأكل البرد وهو صائم، ويقول: ليس طعامًا ولا شرابًا.\nوالجواب عن هذا أن يقال: إنَّه لما انعقد الإجماع على عدم العمل بهذا الأثر كما حكى الإجماع ابن الصلاح (^١)، والشاطبي (^٢)، فإنَّه لم يعمل بأثر أبي طلحة؛ وهذا ليس لأنَّ أقوال الصحابة ليست حجة وإنَّما للإجماع، وهذا مثل إجماع العلماء على ترك العمل ببعض الأحاديث فلا يلزم منه ترك الاحتجاج بالسنة.\n_________\n(^١) شرح مشكل الوسيط (٣/ ١٩٩).\n(^٢) الموافقات (٣/ ٢٧٤).","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>تطبيقات على حجية مذهب الصحابي:</span>\nوهذه التطبيقات قسمان:\nالقسم الأول: مذاهب الصحابة في ابتداء حكم جديد.\nالمسألة الأولى: رفع اليدين في تكبيرات الجنائز، ثبت رفع اليدين في تكبيرات الجنائز عن ابن عمر، فدل على أنَّه سنة على أصحِّ القولين.\nالمسألة الثانية: ثبت عن ابن عباس عند الشافعي وغيره (^١) أنَّه كان يمنع أن يدخل أحد الحرم إلا مُحرِمًا.\nقال ابن تيمية في شرح العمدة: «ولا يُعرف له مخالف» (^٢).\nفلذا على أصحِّ قولي أهل العلم يحرُم دخول مكة لغير المحرم.\nالمسألة الثالثة: ثبت في مسلم (١٩٢) عن عمرو بن العاص - ﵁ - أنَّه طلب من أهله أن يمكثوا عند قبره بعد دفنه قدرَ ما ينحر جزور ويقسم لحمها، قال: «حتى أستأنس بكم».\n_________\n(^١) مسند الشافعي (٢/ ١١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٣٦٤).\n(^٢) شرح العمدة (٢/ ٣٤٢).","vol":"1","page":69},{"text":"القسم الثاني: أقوال الصحابة في تفسير النصوص من القرآن أو السنة.\nالمسألة الأولى: ثبت عند ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع وابن عمر - ﵃ - أنَّهما مسحا في الوضوء بعض الرأس (^١). فدلَّ هذا على أنَّ مسح بعض الرأس مجزئ، وذهب إلى هذا جمهور أهل العلم.\nالمسألة الثانية: ثبت في البخاري (٥٨٩٢) عن ابن عمر - ﵄ - أنَّه كان يأخذ من لحيته بمقدار القبضة، فدلَّ هذا على أنَّه سنة، وهو قول أحمد والشافعي.\nالمسألة الثالثة: ثبت في الصحيحين عن عائشة - ﵂ - أنَّ النَّبي - ﷺ - قال:\n«من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (^٢).\nثبت عند أبي داود (٢٤٠١) عن ابن عباس - ﵄ - أنَّه خَصَّصه بصوم النَّذر؛ فدلَّ هذا على أنَّه خاصٌ بالنَّذر.\nقَوْلُهُ: «والأمرُ بالشيء نهي عن ضده».\nوذلك كأن يقال لرجل: اجلس، فإنَّه نهي عن كلِّ ضدّ، كالقيام والاضطجاع لذا الأمر بالشيء نهي عن ضده، سواء كان ضدًّا واحدًا أو أكثر من ضد.\n_________\n(^١) أخرجهما ابن أبي شيبة (١/ رقم ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).","vol":"1","page":70},{"text":"قَوْلُهُ: «والنهي عن الشيء أمر بضده».\nفإذا قيل: لا تجلس، فهو أمر بالضد، لكن إن كان له أكثر من ضد، فهو أمر بأحد هذه الأضداد، كالمثال السابق؛ فإنَّه أمر بالقيام أو بالاضطجاع.\nأما إذا لم يكن له إلا ضدٌّ واحد فهو أمر بهذا الضِّدِّ. كأن يُقال: لا تتكلم فهو أمر بالصمت.\nتنبيه:\nمذهب الأشاعرة أنَّ الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، وكذلك النَّهي عن الشيء هو عين الأمر بضده، وذلك أنَّهم لا يرون الكلام إلا نفسيًا، فلا يرون الكلام اللفظي، وبناءً على هذه البدعة عندهم جعلوا عين الأمر هو عين النهي.\nأما أهل السنة فإنَّهم يقولون إن الأمر بالشيء يقتضي ويستلزم النَّهي عن ضدِّه ... إلخ. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nفإن قيل: إنَّه يوجد في كلام بعض أهل السنة كالعلامة السعدي في هذا المتن، يقول: إنَّ الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا يوضح ذلك بقول: يستلزم ويقتضي.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٣٠ - ٥٣١).","vol":"1","page":71},{"text":"فيقال: إنه قد يُحذف هذا عند أهل السنة لكونه معلومًا، ومن القواعد التي قررها ابن القيم: «أنَّه إذا تكلَّم الرجل بلفظ مجمل فإِنَّه يردُّ إِلى هديه وسيرته» (^١).\nفكلام العلامة ابن سعدي يُردُّ إلى عقيدته وهي العقيدة السلفية.\nقَوْلُهُ: «والتحريم إن رجع إلى ذات العبادة أو شرطها فسدت، وإن رجع إلى أمر خارج عن ذلك حرم ولم تفسد».\nإذن قرر أنَّ النَّهي يقتضي الفساد في حالين:\nالحال الأولى: إذا رجع إلى ذات العبادة.\nالحال الثانية: إذا رجع إلى شرط العبادة. وما عدا ذلك فلا يقتضي الفساد.\nوقد أفاد شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ قول الصحابة والتابعين: أنَّ النَّهي يقتضي الفساد مطلقًا، وأنَّ الذي يقول بالتفريق بين ما يرجع إلى ذات العبادة أو شرطها أو وصفها الملازم فهو يقتضي الفساد وماعدا ذلك لا يقتضي الفساد، قال: إنَّ هذه التفصيلات هي تفصيلات المتكلمين، ثم بيَّن أنَّ النَّهي يقتضي الفساد إذا ورد في دليل واحد، كالنَّهي عن البيع بعد نداء الجمعة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فمثل هذا يقتضي الفساد، أما إذا كان مركبًا\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٤٨١).","vol":"1","page":72},{"text":"كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة فلا يقتضي الفساد؛ لأنَّه لم يأت نصٌّ صريح بهذا، وإنَّما مستنبط من الأدلة، وبيَّن أيضا أنَّ ما كان راجعًا إلى حق العباد فلا يقتضي الفساد إذا تراضوا، وتصالحوا» (^١). والدليل على أن النهي يقتضي الفساد ما يلي:\nالدليل الأول: أنَّ الشريعة سمَّت المعاصي فسادًا، فإذًا كل نهي يقتضي الفساد. قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. ذكر هذا ابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣).\nالدليل الثاني: أنَّ الفساد يُعرف بمجرَّد النَّهي، لذلك لم يأتِ في الشَّريعة: إنَّ هذا النَّهي لا يقتضي الفساد، وإن هذا النهي يقتضي الفساد، فبمجرد النهي يُعلم أنَّه يقتضي الفساد.\nالدليل الثالث: أنَّ الصحابة أبطلوا عبادات ومعاملات، كالمعاملات الربوية لمجرَّد النَّهي، ولم يأتِ عنهم أنَّ هذا نهيٌّ يقتضي الفساد، وهذا نهي لا يقتضي الفساد.\nهذه الأدلة ملخصة من كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، وذكر بعضها ابن القيم في كتابه تهذيب السنن وإعلام الموقعين.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٩/ ٢٨١ - ٢٨٥).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٨٣ - ٨٤).\n(^٣) ينظر: تهذيب السنن (٦/ ١٦٩).","vol":"1","page":73},{"text":"ويكفي في قوة هذا القول أنَّه قول الصحابة والتابعين وهو الذي عليه أكثر الفقهاء.\nقال المازري: «أكثر الفقهاء أنَّ النَّهي يقتضي الفساد وأكثر المتكلمين على أنَّ النَّهي لا يقتضي الفساد» (^١).\nقَوْلُهُ: «ومن صيغ العموم: «من، وما، وأيّ، وأين» ونحوها، والموصولات، والألفاظ الصَّريحة في العموم كـ «كل، وأجمع» ونحوهما، وما دخلت عليه\n«أل» من الجموع والأجناس، والمفرد المعرف باللام غير العهدية، والمفرد المضاف لمعرفة، والنكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام».\nذكر المصنف: «ومن صيغ العموم»: فيه شيء من الإبهام والغموض؛ لذا أذكر صيغ العموم مع الأمثلة، ثم أرجع إلى كلام المصنف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>صيغ العموم سبع:</span>\nالصيغة الأولى: الأسماء الموصولة كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. فقوله: «الذين»: عام في كلِّ أحد، فهي اسم موصول.\nالصيغة الثانية: أسماء الاستفهام: كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. فقوله: «فمن»، وقوله: «أين»: من صيغ العموم؛ لأنَّها أسماء استفهام.\n_________\n(^١) ينظر: تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد للعلائي (ص ٧٩).","vol":"1","page":74},{"text":"الصيغة الثالثة: أسماء الشرط: قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. فقوله: «فمن»: عام في كل أحد؛ لأنَّه من أسماء الشرط.\nالصيغة الرابعة: كل ما أفادت العموم بلفظها، كلفظ: «كل، وكافة، وعامة» كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، وكما أخرج الشيخان من لفظ البخاري من حديث جابر - ﵁ - أنَّ النَّبي - ﷺ - قال: «وبُعثت إلى النَّاس كافة»، وفي رواية:\n«عامة» (^١).\nالصيغة الخامسة: إضافة المفرد إلى المعرفة: كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. فلفظ «نعمة» عامٌّ؛ لأنَّه مضاف إلى لفظ العظمة «الله».\nالصيغة السادسة: الألف واللام لاستغراق الجنس.\nومعنى استغراق الجنس أي التي تكون بمعنى (كل)، بحيث إذا حُذفت (أل) ووُضع مكانها (كل)، لاستقام الكلام، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أي: إنَّ كلَّ إنسان لفي خسر. ذكر هذا الضابط الزركشي (^٢)، وابن القيم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٨) واللفظ له، ومسلم (٥٢١)، ولفظ «عامة» أخرجها البخاري (٣٣٥).\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ١٣٣).\n(^٣) مختصر الصواعق المرسلة (ص ٣٤٤).","vol":"1","page":75},{"text":"ومن أمثلة ذلك: ما أخرج السَّبعة من حديث مالك بن الحويرث - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذِّن أحدكم» (^١)، فلفظ الصَّلاة عام؛ لأنَّ الألف واللام لاستغراق الجنس، فيصح أن تقول: إذا حضرت كلُّ صلاة فليؤذن أحدكم.\nالصيغة السابعة: النَّكرة في سياقات خمسة:\nالسياق الأول: في سياق الشرط: كقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. فلفظ «خيرًا» عام؛ لأنَّه نكرة في سياق الشرط.\nالسياق الثاني: في سياق الاستفهام: كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. فلفظ «ماء» عام؛ لأنَّه في سياق الاستفهام.\nالسياق الثالث: في سياق النَّهي: كقوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فلفظ «شيئًا» عام؛ لأنَّه في سياق النَّهي.\nالسياق الرابع: في سياق النَّفي: كقوله سبحانه: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. فلفظ «أحدًا» عام؛ لأنَّه في سياق النَّفي.\nالسياق الخامس: الامتنان، كما أخرج أحمد عن عبدالله بن الزبير - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي هذا» (^٢)، فلفظ «صلاة» عام؛ لأنَّه في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٠٨)، ومسلم (٦٧٤).\n(^٢) مسند أحمد (٢٦/ ٤١)، والصواب وقفه عن عبد الله بن الزبير - ﵁ - ولا مخالف له. انظر: التمهيد (٢٠/ ٦).","vol":"1","page":76},{"text":"سياق الامتنان.\nوكما أخرج البخاري (١٨٦٣) عن ابن عباس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال:\n«عمرة في رمضان»، فلفظ (عمرة) عام؛ لأنَّه نكرة في سياق الامتنان.\nوالأصل في هذين المثالين أنَّهما من صيغ الإطلاق، لكن لأجل الامتنان، وهي قرينة معنوية صارت من ألفاظ العموم.\nبعد هذا نرجع إلى كلام المصنف:\nقَوْلُهُ: «ومن صيغ العموم: «من وما وأيّ وأين» ونحوها». يشير بهذا إلى أسماء الشَّرط والاستفهام؛ لأنَّ هذه الأسماء تأتي للشَّرط والاستفهام، فبِهذا يكون ذكر صيغتين.\nقَوْلُهُ: «والموصولات». هذه هي الصيغة الثالثة، وهي الأسماء الموصولة.\nقَوْلُهُ: «والألفاظ الصريحة في العموم كـ «كل وأجمع» ونحوهما». هذه الصيغة الرابعة، وهي التي تدلُّ على العموم بلفظها.\nقَوْلُهُ: «وما دخلت عليه (أل)». هذه هي الصيغة الخامسة، وهي (أل) لاستغراق الجنس.\nقَوْلُهُ: «من الجموع». أي ما دخل عليها (أل)، وهي من الجموع التي لها مفرد من لفظها، كلفظ المسلمين.\nقَوْلُهُ: «والأجناس». وهو الجمع الذي ليس له مفرد من لفظه كلفظ «الناس».\nقَوْلُهُ: «والمفرد». أي ليس جمعًا.\nقَوْلُهُ: «المعرَّف باللام». أي: لاستغراق الجنس.","vol":"1","page":77},{"text":"قَوْلُهُ: «غير العهدية». يريد أنَّ (أل) للعهد لا تفيد العموم، وهذا ما قرره الأصوليون كابن قدامة (^١)، وابن تيمية (^٢)، فهي إنَّما تعود للمعهود بالإجماع، كما قاله الرازي (^٣)، وإنَّما تكون بحسَب المعهود؛ فإن كان المعهود عامًّا فهي للعموم، وإن كان خاصًّا فهي للخصوص (^٤).\n\nفبهذا يتبين أن <span data-type=\"title\" id=toc-131>(أل) أقسام ثلاثة:</span>\nالأول: لاستغراق الجنس، وقد تقدَّم.\nالثاني: للعهد، وقد تقدَّم.\n_________\n(^١) روضة الناظر (٢/ ١١)، (٢/ ٢٩).\n(^٢) المسودة (ص ١٠٥).\n(^٣) المحصول (٢/ ٣٥٦).\n(^٤) شرح الأصول من علم الأصول لابن عثيمين (ص ٢٧٠).","vol":"1","page":78},{"text":"الثالث: لبيان الجنس، وهذه ليست من ألفاظ العموم، وإنما فيها بيان المعنى من حيث الجملة، ومثَّل الأصوليون والنحاة على ذلك بقول: «الرجل خير من المرأة»، وهذا من حيث الجملة لا كل مفرد.\nقَوْلُهُ: «والمفرد المضاف لمعرفة». هذه هي الصِّيغة السَّادسة.\nقَوْلُهُ: «والنكرة في سياف النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام». وهذه هي الصيغة السابعة. ويُزاد على ذلك الامتِنَان.\nوبعد هذا أنبِّه على أمرين:\nالأمر الأول: أنَّ للعموم أقسامًا أربعة:\nالقسم الأول: العموم المحفوظ: أي: الذي لم يُخصَّص، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فلفظ الناس عامٌّ لم يُخصص.\nالقسم الثاني: العموم المخصوص: كحديث أبي هريرة وابن عباس - ﵃ - في الصحيحين، قال - ﷺ -: «لا يُخْتلى خلاها، ولا يُقطع شجرها ...»، قال - ﷺ -:\n«إلا الإذخر» (^١). فهذا تخصيص للعموم.\nالقسم الثالث: عامٌّ يُراد به الخصوص، كما أخرج الشيخان من حديث مالك بن الحويرث - ﵁ -: «إذا حضرت الصلاة» (^٢)، والمراد الصلوات الخمسة المفروضة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٠٨)، ومسلم (٦٧٤).","vol":"1","page":79},{"text":"القسم الرابع: العام الواردُ على سبب، كالآيات والأحاديث التي جاءت بلفظ العام، وقد وردت على أسبابٍ، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾] النور: ٢ [، وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾] المجادلة: ٢ [.\nالأمر الثاني: قال كثير من الأصوليين المتأخرين: ما من عام إلا وقد خصص، إلا قوله تعالى: «إن الله على كل شيء قدير»، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾] الأنفال: ٧٥ [... ونحوَ ذلك، وخالفهم الشاطبي وقال: «لا يوجد عام خُصِّص، بل العمومات إما محفوظة، أو يُراد بها الخصوص» (^١).\nوذهب ابن تيمية (^٢)، وابن القيم (^٣)، وقبلهما ابن حزم (^٤) أنَّ أكثر العمومات لم تُخصَّص، ووضَّح ذلك شيخ الإسلام بما في سورة الناس. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] الناس: ١ [: لفظ (الناس) عام لم يُخصَّص، إلى آخر السورة.\nوهذا هو الصواب، والردُّ على الشاطبي بحديث: «إلا الإذخر»، فهو بيِّنٌ في أن هذا العام خُصِّص بعد ثبوت عمومه.\nومبحث العام مبحث مهمٌّ، وفيه مسائل دقيقة تُذكر - إن شاء الله - في شرح (الأصول من علم الأصول).\n_________\n(^١) الموافقات (٤/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٤٢).\n(^٣) الصواعق المرسلة (٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨).\n(^٤) الفصل (٣/ ٣٥).","vol":"1","page":80},{"text":"قَوْلُهُ: «وتخصيص العموم».\nلمَّا ذكر المصنف بحث العام وألفاظه ذكر بعد ذلك المخصِّصات، واقتصر المصنِّفُ على ذكرِ المخصِّصات المتَّصِلة؛ لأنَّ المتن مختصر.\nوينبغي أن يُعلم أن المخصصاتِ نوعان:\nالنوع الأول: مخصِّصات مُتَّصلة: وهي التي لا تستقلُّ بنفسها.\nالنوع الثاني: مخصصات منفصلة: وهي التي تستقلُّ بنفسها.\nوسيأتي - إن شاء الله - ذِكرُ الأمثلة على المخصِّصات المتَّصلة عند شرح كلام المصنف.\nأمَّا المثال على المخصِّصات المنفصلة: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾] النساء: ١١ [، هذا عام في جميع الأولاد، سواء كانوا مسلمين أو كافرين، لكن ثبت في البخاري من حديث أسامة - ﵁ - مرفوعًا قال - ﷺ -: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (^١).\nفخصَّص عموم الآية، وهذا التخصيص تخصيص منفصل؛ لأنَّه يمكن أن يَستقلَّ المخصِّصُ بنفسه، وهو حديث: «لا يرث المسلم الكافر».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤).","vol":"1","page":81},{"text":"قَوْلُهُ: «يكون بالشَّرط أو الصِّفة أو نحوهما».\nقوله: «بالشرط»: المراد بالشرط، أي: معناه عند أهل اللغة لا عند الأصوليين، الذي تقدَّم بيانه، وهو أن يُعلَّق شيءٌ بشيء بـ «إنْ وأخواتها».\nومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾] التوبة: ٥ [.\nوجه الدَّلالة: أنَّ تخلية سبيلهم مخصص بإقامتهم الصلاة وإيتائهم الزكاة.\nوقد ذكر أن معنى الشرط بالمعنى اللغوي لا الأصولي البرماوي (^١) والمرداوي (^٢).\nقوله: «أو الصفة»: وليس المراد بالصفة المعنى عند النحاة، وإنما المراد كلُّ ما أَشعرَ بمعنى، بحيث يخصِّص بعض أفراد العام، ذكر هذا المرداوي (^٣).\nويدخل في ذلك الحال والصفة والبدل بالمعنى عند النحاة.\nمثال الحال: كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾] النساء: ٩٣ [.\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٦١٩).\n(^٢) التحبير شرح التحرير (٣/ ١٠٦٨).\n(^٣) التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٦٢٦).","vol":"1","page":82},{"text":"وجه الدَّلالة: أنَّ هذا الجزاء لمن كان حاله عند القتل حالَ متعمِّدٍ، ولولا هذا لكان عامًّا في المتعمِّد وغيره، لكنَّه خصَّص ذلك بالمتعمِّد.\nومثال الصفة عند النحاة: ما في مسلم عن أبي ذر مرفوعًا: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مُؤْخِرةِ الرَّحل: المرأة والحمار والكلب الأسود» (^١).\nوجه الدَّلالة: أنَّه لولا ذكر الوصف الأسود لكان عامًا في كلِّ كلب، لكن ذكر لون الأسود خَصَّصَه به دون غيره.\nأما البدل فمثاله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾] آل عمران: ٩٧ [، فلولا قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ لصار عامًّا على المستطيع وغيرِ المستطيع، لكنَّ هذا البدل خَصَّصه.\nقوله: «أو نحوهما». أي: كالاستثناء، فالاستثناء تخصيص متصل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾] العصر: ٢ - ٣ [.\nوينبغي أن يُتَنَبَّه إلى أنَّ كثيرًا من الأصوليين جعل للاستثناء شروطًا، وهذا مما لا يصح - والله أعلم - وذلك لأنَّ البحث جار في استثناءٍ في كلام الله ورسوله - ﷺ -، وهذا الاستثناء متى ما وجد فهو حُجَّة، ولا يُتوقف في الاحتجاج به على النَّظر إلى الشروط التي وضعها النحاة وأهل اللغة.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥١٠).","vol":"1","page":83},{"text":"والمراد بالاستثناء على معناه عند الفقهاء وهو أعمُّ من معناه عند النحاة، فلو قال قائل: لفلان هذه الدار ولي منها كذا. فهذا استثناء عند الفقهاء دون النحاة. قاله ابن تيمية (^١) وابن القيم (^٢).\nقَوْلُهُ: «فيعمل بذلك في كلام الشارع».\nوهذا واضح؛ لأنَّ البحث الأصولي بحث في كلام الشارع.\nقَوْلُهُ: «وكلام المكلفين».\nوفي هذا نظر - والله أعلم - من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ علم أصول الفقه لا يتعلق بكلام المكلفين، وإنَّما بكلام الشارع.\nالوجه الثاني: أنَّ كلام المكلفين راجع إلى أعرافهم لا سيما مع انتشار العجمة، وضعف العلم بلغة العرب، فإذا تخاصموا عند القاضي حَكم بأعرافهم لا بلغة العرب. أفاده ابن تيمية في مواضع من مجموع الفتاوى وغيره (^٣)، وابن القيم (^٤).\n_________\n(^١) المسودة (ص ١٥٤).\n(^٢) إعلام الموقعين (٤/ ٥٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣١/ ١٤٣).\n(^٤) إعلام الموقعين (٣/ ٦٧).","vol":"1","page":84},{"text":"قَوْلُهُ: «والمطلق من الكلام».\nبدأ ببحث المطلق، وينبغي أن يُعلم أنَّ هناك فرقًا بين المطلق والعام من حيث المعنى والصِّيغة: أما المعنى فإطلاق المطلق إبداليٌّ، وعموم العامّ شموليٌّ.\nفإذا قيل: لم أر رجلًا. فهذا عام، وهو شامل لأيِّ رجل، فلم يرَ لا زيدًا ولا عمرًا ولا خالدًا ... إلخ.\nأما إذا قال: رأيتُ رجلًا. فإطلاقُه إبدالي؛ وذلك أنَّه رأى واحدا من الرجال، لكن يحتمل أن يكون زيدًا أو عمرًا أو خالدًا ... وهكذا.\nلذلك يتقيد المطلق بذكر فرد من أفراده؛ لأنَّ إطلاقه إبداليّ، بخلاف العام؛ فإنَّه لا يخصص بذكر فرد من أفراده. هذا من حيث الأصل؛ لأنَّ عمومه شمولي.\nأما الصِّيغة: فإنَّه ليس للمطلق إلا صيغة واحدة، وهو النَّكرة في سياق الإثبات، ويُلحقُ بها الأفعال.\nأما العام: فقد تقدَّم ذكرُ صِيَغِه.\nإذا تبيَّن هذا فإنَّه من الخطأ أصوليًّا على ما استقر عليه الأصوليون أن يقال: هذا لفظ عام يتقيد بكذا، وإنَّما يقال: هذا لفظ عام يُخصص بكذا. ويقال: هذا لفظ مطلق يُقيد بكذا.","vol":"1","page":85},{"text":"قَوْلُهُ: «والمطلق من الكلام يحمل على المقيد في موضع آخر».\nهذه المسألة تسمى بمسألة حمل المطلق على المقيد، وهي مسألة مهمَّة، ولها أحوال أربعة:\nالحال الأولى: أن يختلف الحكم والسبب.\nوذلك كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾] المائدة: ٣٨ [، مع قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾] المائدة: ٦ [، وذلك: أنَّ السَّبب في الآية الأولى: السَّرقة، والحكم: القطع، أما السَّبب في الآية الثانية: التَّطهر، والحكم: الغسل، فإذا كان كذلك فلا يحمل المطلق على المقيد بالإجماع.\nالحال الثانية: أن يتفق الحكم والسبب.\nوذلك كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾] البقرة: ١٩٦ [. في كفَّارة اليمين، وفي قراءة ابن مسعود قال: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فالحكم فيهما: الصيام، والسَّبب: كفارة اليمين، فيحمل المطلق على المقيد إجماعًا. حكى الإجماع في هذه الحالة والتي قبلها جماعة منهم: إلكيا الطبري الهراسي (^١).\nالحال الثالثة: أن يتفق الحكم ويختلف السبب.\nوذلك كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾] النساء: ٩٢ [في القتل، وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ في كفارة اليمين.\n_________\n(^١) البحر المحيط (٥/ ٩).","vol":"1","page":86},{"text":"الحكم فيهما واحد، وهو أنَّه تحرير رقبة، لكنَّ السَّبب مختلِف، ففي الآية الأولى: السَّبب: القتل، وفي الآية الأخرى: السبب: كفارة يمين، فقد تنازع العلماء على قولين، أصحِّهما لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنَّه لا دليل على ذلك.\nتنبيه:\nيشترط في عتق الرقبة أن تكون مؤمنة، لا لأجل حمل المطلق على المقيد، وإنَّما لدليل خارجي، وهو ما أخرجه مسلم (٥٣٧) عن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ - أنه أراد أن يعتق جارية، فأتى بها إلى النبي - ﷺ - فسألها: «أين الله؟»، قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها، فإنَّها مؤمنة».\nوجه الدلالة: أنَّه ما أعتقها إلا بعد أن تبين أنَّها مؤمنة، لذلك علل بهذا بقوله: «أعتقها فإنَّها مؤمنة».\nالحال الرابعة: أن يختلف الحكم ويتفق السبب:\nوذلك كقوله تعالى في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾] المائدة: ٦ [وفي التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾] المائدة: ٦ [، فاتفق السبب وهو التطهير، واختلف الحكم، ففي الآية الأولى: الحكم: الغسل، أما الثانية: فالتيمم.\nففي مثل هذا لا يحمل المطلق على المقيد؛ على أصحِّ قولي أهل العلم.","vol":"1","page":87},{"text":"قَوْلُهُ: «إلا إذا تضمَّن ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة».\nأي: يُحمل المطلق على المقيد إلا إذا منع من ذلك مانع كتأخير البيان عن وقت الحاجة.\nويتَّضح هذا بالمثال: ثبت في الصحيحين عن ابن عمر - ﵁ - أنَّ النَّبي - ﷺ - سئل لما كان بذي الحليفة ما يلبس المحرم؟ فكان مما أجاب: «فمن لم يجد النَّعلين فليلبس الخفين، وليقطَعْهما حتى يكونا أسفل من الكعبين» (^١).\nوفي يوم عرفة أخرج الشيخان عن ابن عباس - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: «ومن لم يكن له نعلان فليلبس خفين» (^٢). ولم يذكر القطع. وأخرج مسلم (١١٧٩) نحوه عن جابر - ﵁ -.\nفعلى ما تقدَّم من التَّأصيل ينبغي أن يحمل المطلق على المقيد لاتفاق الحكم والسبب فإنَّ السبب الإحرام، والحكم: لبس الخفين لمن لم يجد النعلين، لكن منع مانع من حمل المطلق على المقيد، وهو أنَّ الذين حضروا في يومِ عرفة أعداد كثيرون وأضعاف الذين حضروا بذي الحليفة لما ذكر القطع، فدلَّ هذا على أنَّ القطع نُسخ، وإلا لبيَّنه - ﷺ - في عرفة، ولو كان مرادًا شرعًا ولم يبينه لترتب على ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهذا ممتنع في حقه - ﷺ -.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٦)، ومسلم (١١٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٥٣)، ومسلم (١١٧٨).","vol":"1","page":88},{"text":"ذكر هذا المثال الإمام أحمد، ونقله ابن القيم في بدائع الفوائد وأقرَّه، وذكره ابن تيمية في شرح العمدة.\nقَوْلُهُ: «والمجمل والمشتبه يحمل على المحكم الواضح المبين في موضع آخر، ويجب العمل بالظاهر».\nذكر المصنف المُجْمَل والظاهر، والمجمل والظاهر يجتمعان في شيءٍ، ويفترقان في شيءٍ: يجتمعان في أنَّهما يحتملان أكثر من معنى، ويفترقان في أنَّ معنى المجمل يُعرَف بمرجِّحٍ خارجي، أما معنى الظاهر يُعرَف بنفسه وذاته.\nومن أمثلة المجمل: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾] البقرة: ٢٢٨ [، قال الإمام أحمد: ذهب كبار الصحابة إلى أن المراد بـ «القرء»: الحيض، وقد ثبت هذا عن عمر - ﵁ -، فعرِف معنى القرء بمرجح خارجي، وهو قول عمر، وهو الخليفة الراشد، فلفظ «القروء» مجملٌ، وفتوى عمر مبيِّنٌ.\nومثال الظاهر: قال تعالى في ذكر أصناف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾] التوبة: ٦٠ [، فقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فيه قولان للأولين:\nالقول الأول: أنَّه الجهاد.\nالثاني: أنَّه الجهاد والحج.\nوفي المسألة قولٌ ثالثٌ محدَثٌ، وهو أنَّه في كلِّ أبواب البر والخير.","vol":"1","page":89},{"text":"قال ابن قدامة: «سبيل الله عند الإطلاق إنَّما ينصرف إلى الجهاد، فإنَّ كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله» (^١).\nفإذًا حمْل معنى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على الجهاد من باب الظاهر، ولم يُعرَف معناه بمرجِّح خارجي، وإنَّما بذاته.\nقوله: «يُحمَل على المحكَم». فدلَّ هذا على أنَّه لا يُعمَل بالمجمل إلى أن يتَّضِح معناه.\nولما قال: «يجب العمل بالظاهر». دلَّ هذا على أنَّ الأصل العمل به إلَّا إذا دلَّ الدليل على خلافِ ذلك.\nلذلك قال: «ولا يُعدَل عنه إلا لدليل». فمعرفة الظاهر والمجمل وأمثلتهما مهمٌّ، لا سيما الظاهر، وأختِم بمثالٍ يتعلق بالظاهر ثم بتنبيهٍ: لفظ «التطهير» في الكتاب والسنَّة جاء بمعان ثلاثة:\nالمعنى الأول: إزالة النَّجاسة.\nالمعنى الثاني: رفع الحدث، وأمثلتهما كثيرةٌ.\nالمعنى الثالث: التنظيف: أي بما يكون لغير النَّجاسة.\n_________\n(^١) المغني (٦/ ٤٨٣ - ٤٨٤).","vol":"1","page":90},{"text":"ومن ذلك ما أخرجه أحمد والنسائي عن عائشة، قال النَّبي - ﷺ -: «السِّواك مطهرةٌ للفم» (^١). لكن أكثر ما يطلق على المعنين الأولين، ويترتب على هذا بيان خطأ قول المالكية: أنَّ لعاب الكلب طاهرٌ، وحملوا حديث أبي هريرة - ﵁ - في مسلم (٢٧٩): «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ... إلخ» على التطهير بمعنى التنظيف، لا بمعنى إزالة النجاسة.\nوالردُّ عليهم أن يقال: إنَّ حمل التطهير بما يقابل النجاسة هو الظاهر؛ لأنَّه أكثر استعمالًا، بخلاف حمله على معنى التنظيف.\nتنبيه:\nكان السَّلف - ﵏ - يُجمِلون ويُطلِقون لفظ المجمل على العام، والمطلق، والظاهر، والمجمل بمعناه الخاص عند الأصوليين، كما كان يفعل ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد وغيرهم، ذكر هذا ابن تيمية في كتابه الإيمان الكبير (^٢).\nأمَّا المتأخرون فاستقرَّ اصطلاحهم على ما تقدَّم ذكره من الاصطلاحات، وهذا التفريق مهمٌّ؛ لأنَّه تترتب عليه مسائل، لكن الأولين لمَّا كانوا أكثر علما، وأفهم بالمعاني ما احتاجوا إلى هذا، بخلاف المتأخرين، لما قَلَّ علمهم وفهمهم، كانوا في حاجةٍ ماسَّةٍ لهذا - والله أعلم -.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٤١/ ٤٠٥ طبعة الرسالة)، وسنن النسائي (٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩١ - ٣٩٢).","vol":"1","page":91},{"text":"قَوْلُهُ: «والكلام له منطوقٌ».\nبدأ المصنِّف بذكر مباحث المنطوق والمفهوم، والاستدلال بهما، وقبل التعليق على عبارات المصنِّف نأخذ هذا البحث ثم نرجع للتعليق عليه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>دلالة الدليل على المطلوب له حالان:</span>\nالحال الأولى: المنطوق: فقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾] الأنعام: ٧٢ [. دليلٌ بالمنطوق على وجوب الصلاة، وهذا<span data-type=\"title\" id=toc-147> المنطوق قسمان:</span>\nالقسم الأول: ما كانت دلالته بالمطابقة: كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾] البقرة: ١٦٣ [. فدلالة اسم الرحمن على ذات الله وصفة الرحمة بالتطابق، وكذلك دلالة: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ على الركوع والسجود ... إلخ بالتطابق.\nالقسم الثاني: ما كانت دلالته بالتضمن: كدلالة قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ على صفة الرحمة وحدها، أو على الذات وحدها، وكقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ في دلالتها على الركوع وحده؛ فإنَّه دلالة تضمن، والمراد بدلالة التضمن: الدلالة على جزءٍ من أجزاء المدلول.\n\nالحال الثانية: دلالة المفهوم: ويغاير المفهوم المنطوق أنَّ دلالته مستنبطةٌ بالفهم لا باللفظ، ودلالة<span data-type=\"title\" id=toc-148> المفهوم قسمان:</span>\nالقسم الأول: مفهوم الموافقة: ومفهوم الموافقة يدلُّ على ما يدلُّ عليه المنطوق، لكنَّه بالمفهوم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾] النساء: ١٠ [،","vol":"1","page":92},{"text":"دلَّت هذه الآية بالمنطوق على حرمة أكل أموال اليتامى بغير حقٍّ، ودلَّت بمفهوم الموافقة على حرمة سكنى دارهم بغير حقٍّ.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-149>مفهوم الموافقة نوعان:</span>\nالنوع الأول: مفهوم الموافقة المساوي: والمراد به أن تكون دلالة المفهوم كدلالة المنطوق، فهما متساويان في دلالتهما، وذلك كالمثال السابق، حرَّمت الشريعة بالمنطوق أكل أموال اليتامى، وبمفهوم الموافقة المساوي حرَّمت سكنى دارهم بغير حقٍّ.\nالنوع الثاني: مفهوم الموافقة الأولوي: وذلك أن يدلَّ المفهوم على حرمة أمرٍ لأنَّه أولى من حرمة المنطوق، قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾] الإسراء: ٢٣ [، فحرمة الضرب لهما من باب أولى، فيقال: إنَّ حرمة الضرب محرَّمٌ بمفهوم الموافقة الأولوي.\nالقسم الثاني: مفهوم المخالفة: أن يثبت الحكم في المسكوت عنه على خلاف ما ثبت في المنطوق، قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾] الحجرات: ٦ [، بدلالة المنطوق يجب التثبت من خبر الفاسق، وبمفهوم المخالفة يجب قبول خبر العدْل غير الفاسق.\nإذًا دلالة المفهوم على خلاف دلالة المنطوق.","vol":"1","page":93},{"text":"ومن أمثلته ما أخرج مسلم (٥١٠) عن أبي ذر، أنَّ النَّبي - ﷺ - ذكر ما يقطع الصلاة، ثم قال: «والكلب الأسود» فالمنطوق يدل على أنَّ الكلب الأسود يقطع الصلاة، وبمفهوم المخالفة فإنَّ الكلب الأصفر لا يقطع الصلاة.\nومفهوم المخالفة أنواعٌ سبعةٌ، وكلُّها حجةٌ إلا النَّوع الأخير، وهو مفهوم اللقب، إلَّا إذا دلت القرينة على أنَّه حجةٌ.\nالنوع الأول: مفهوم الصفة: ومثاله: عدم قطْع الكلب الأصفر للصلاة، وتقدَّم ذكره.\nالنوع الثاني: مفهوم الشرط: ومثاله: قبول خبر العدْل غير الفاسق، وقد تقدَّم.\nالنوع الثالث: مفهوم العدد: ومثاله: جلد الزاني مائة جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾] النور: ٢ [، ومفهوم المخالفة: ألا يجلَد أكثر من ذلك.\nالنوع الرابع: مفهوم الحصر: ومثاله: ما أخرج مسلم (٥٥) عن تميم الداري، أنّ النَّبي - ﷺ - قال: «الدين النَّصيحة». وهذا حصرٌ للدين في النَّصيحة، ومعنى النصيحة: الإخلاص، مفهوم المخالفة: ما ليس فيه إخلاص فليس دينًا مقبولًا، وقد بيَّن الحصر بهذا المعنى ابن حجر (^١).\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ١٣٨).","vol":"1","page":94},{"text":"النوع الخامس: مفهوم التقسيم: ومعنى مفهوم التقسيم أنَّ الدَّليل إذا قسَّم أمرًا إلى قسمين، فجعل لأحد الأقسام حكمًا، فبمقتضى مفهوم التقسيم ألَّا يكون للثاني الحكمُ نفسه، بل يكون له حكمٌ مخالفٌ.\nأخرج مسلم (١٤٢١) عن ابن عباس، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «الأيم أحق بنفسها، والبكر تستأذَن»، دلَّ هذا بمفهوم التقسيم أنَّ البكر ليست أحق بنفسها، فإذنها ليس واجبًا بخلاف الثيِّب.\nالنَّوع السادس: مفهوم الغاية: قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾] البقرة: ١٨٧ [. مفهوم المخالفة: إذا تبيَّن فلا تأكلْ.\nوهذه الأنواع الستة كلُها حجَّةٌ على الصحيح، منها ما هو مجمعٌ عليه، ومنها ما اختلف فيه.\nالنوع السابع: مفهوم اللَّقَب: وهو أن يعلَّق حكمٌ على اسم شخصٍ، أو جنسٍ، ونحو ذلك، كما أخرج مسلم (٥٢٢) من حديث حذيفة: «وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء».\nالأصل أنَّ التُّراب ليس شرطًا للتيمم؛ لأنَّه مفهوم اللقب، لكن على الصحيح في هذا المثال حجةٌ؛ لأنَّ هناك قرينة دلت على أنَّه حجَّة.","vol":"1","page":95},{"text":"تنبيهان:\nالتنبيه الأول:\nيسمي العلماء مفهوم الموافقة بـ «لحن الخطاب»، و«تنبيه الخطاب»، و\n«فحوى الخطاب»، لكن على الصحيح يختص مفهوم الموافقة الأولوي بـ\n«فحوى الخطاب»، ذكر هذا بعض أهل العلم، كابن السُّبْكِي (^١)، فعلى هذا تقول: إنَّ دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على حرمة الضرْب بدلالة فحوى الخطاب.\nالتنبيه الثاني:\nيختصر العلماء في كتب الفقه وأصول الفقه بقولهم: «مفهوم الدليل كذا»، فقد يريدون به مفهوم الموافقة المساوي، أو الأولوي (فَحْوَى الخطاب)، أو المخالف، فيُعرَف هذا بسياق كلامهم.\nقَوْلُهُ: «والكلام له منطوق يوافق لفظه».\nيريد بهذا دلالة المطابقة.\nقَوْلُهُ: «أو يدخل المعنى في ضمن اللفظ فيدخل في منطوقه».\nيريد بهذا دلالة التَّضمُّن، وهما من دلالة المنطوق، كما تقدم بيان ذلك.\n_________\n(^١) جمع الجوامع (ص ١٢٠).","vol":"1","page":96},{"text":"قَوْلُهُ: «وله مفهوم».\nبدأ الآن بالكلام على المفهوم بعد أن انتهى الكلام عن المنطوق.\nقَوْلُهُ: «وهو المعنى الذي سكت عنه».\nأي سكت عن التلفظ به، فاستنبِط بالمفهوم.\nثم بدأ الآن بذكر مفهوم الموافقة ونوعيه.\nقَوْلُهُ: «إن كان أولى».\nوهذا مفهوم الموافقة الأولى، فهو فحوى الخطاب.\nقَوْلُهُ: «أو مساويا لحكم المنطوق به».\nوهذا القسم الثاني من مفهوم الموافقة، وهو المساوي، وهو لحن الخطاب، وتنبيه الخطاب.\nقَوْلُهُ: «كان مفهوم موافقة».\nأي ما تقدم ذكره من أقسام مفهوم الموافقة.\nثمَّ عرَّفه بقوله: «يكون الحكم عليه كالحكم على المنطوق به».\nوبعد أن عرَّفه، بدأ بمفهوم المخالفة.","vol":"1","page":97},{"text":"قَوْلُهُ: «وإن كان خلافه قيل له: مفهوم المخالفة». ثمَّ عرَّفه بقوله: «فيكون الحكم فيه مخالفًا للحكم في المنطوق به».\nولأنَّ المتن مختصر لم يذكر أنواع مفهوم المخالفة، وقد تقدَّم ذكره.\nثم بيَّن أمرًا مُهمًّا، وهي الأحوال التي لا يكون فيها المفهوم حُجَّةً: أي لا مفهوم للدليل، وجامعه: كلُّ لفظٍ لم يذكَر مقصودًا، وإنَّما ذُكِر لأمرٍ آخر.\nقَوْلُهُ: «بشرط ألا يخرج مخرج الغالب».\nوذلك أنَّ ما خرج مخرج الغالب فليس مقصودًا؛ وإنَّما ذُكِر لأنَّه الغالب.\nوما كان كذلك فليس له مفهوم بإجماع أهل العلم، قاله الآمدي (^١)، والمرداوي (^٢)، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾] النساء: ٢٣ [، فليس لذكر «الحجور» مفهوم المخالفة، بأن يقال: إنَّه يجوز لزوج الأمِّ أن يتزوج الربيبة التي ليست في حجره، أي لم يربها؛ وذلك أنَّ ذكر الحجر خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام (٣/ ١٠٠).\n(^٢) التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٨٩٤ - ٢٨٩٥).","vol":"1","page":98},{"text":"قَوْلُهُ: «ولا يكون جوابا لسؤال سائل».\nأي ما كان كذلك فليس له مفهوم المخالفة، وهذا بالإجماع، حكاه شيخ الإسلام في (الفتاوى الكبرى) عند الكلام على حديث القلتين (^١).\nفقد أخرج الأربعة عن عمر، أنَّ النَّبي - ﷺ - قال: «إذا كان الماء قلتين لم ينجُس»، وفي لفظ: «لم يحمل الخبث» (^٢). مفهوم المخالفة: إذا كان الماء أقلَّ من قلتين، ولاقى نجاسةً، فإنَّه ينجس مباشرةً، لكن لا مفهوم لهذا الحديث؛ لأنَّه خرج مخرج جواب على سؤال، كما أفاده شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى.\nقَوْلُهُ: «ولا سيق للتفخيم».\nأي أنَّ ما سيق للتفخيم فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾] التوبة: ٨٠ [، ذكْر هذا العدد للتفخيم، فمعناه أنَّه لو استغفر أكثر من سبعين أيضا لا يغفر؛ لأنَّه لا مفهوم له.\nقَوْلُهُ: «أو الامتنان».\nأي أنَّ ما ذُكِر على وجه الامتنان لا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾] النحل: ١٤ [.\n_________\n(^١) (١/ ٤٢٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٦٧)، وأبو داود (٦٣ - ٦٥)، والنسائي (٥٢)، وابن ماجه (٥١٧).","vol":"1","page":99},{"text":"وجه الدَّلالة: أن الله امتن علينا باللحم الطَّري الذي يُستخرج من البحر، فلمَّا كان على وجه الامتنان فلا مفهوم له بأن يقال: إنَّ القديد من لحم البحر فلا يجوز أكله.\nقَوْلُهُ: «ولا لبيان حادثة اقتضت بيان الحكم في المذكور».\nأي أنَّ ما ذُكِر من الأحكام لسببٍ فلا مفهوم له؛ لأنَّه ورد على سببٍ.\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾] البقرة: ١٩٦ [، ليس لهذا مفهوم بحيث أن يقال: إنَّ بقية المحظورات لا كفَّارة فيها؛ وذلك أنَّ ذِكر هذا المحظور، وهو ما يتعلق بحلْق الرأس كان لسببٍ، وهي قصة كعب بن عجرة لما تأَذَّى بالقمل، وكان يتناثَر على وجهه، فأذِن له النَّبي - ﷺ - أن يحلق رأسه، وذكر له كفَّارة فِعل محظورات الحج، أخرجه الشيخان (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١).","vol":"1","page":100},{"text":"فصل\nقَوْلُهُ: «النَّسخ».\nذكر المصنِّف النَّسخ واقتصر فيه على الأمر العملي الَّذي يحتاجُ إليه الأصولي، ولم يذكر الأمور الأخرى التي لا يحتاج إليها الأصولي، كبحث نسْخ التِّلاوة دون الحكم، أو نسْخ الحكم دون التلاوة، أو هل يكون النَّسْخ إلى ما هو أشدّ، أو إلى ما هو أخفّ، أو إلى مساوٍ ... وهكذا، بل اقتصر على الأمر الأهم، وهو المهمّ للأصولي.\nقَوْلُهُ: «هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه».\nأي عندنا دليلان، أحدهما متقدِّمٌ، والآخر متأخِّرٌ.\nقَوْلُهُ: «ولا يصار إليه إلا بعد تعذر الجمع بين النصين».\nإذًا هذان الدليلان الذي أحدها متقدمٌ، والآخر متأخرٌ، إذا لم يمكن الجمع بينهما، فإنَّه ينتقل إلى النَّسخ، فعلى هذا لا يقال بالنسخ إلا بشرطين:\nالشرط الأول: عدم إمكان الجمع بين النَّصين المتعارضين.\nالشرط الثاني: أن يعلَم المتقدِّم من المتأخر.","vol":"1","page":101},{"text":"إذا توَفَّر هذان الشرطان يقال بالنَّسخ، وقد ذكر هذين الشرطين الأصوليون كثيرًا، كما في المسودة (^١)، وكابن السبكي في جمع الجوامع (^٢) وغيرهم.\nقَوْلُهُ: «من كل وجه».\nيريد بهذا أنَّه ليس أيُّ تعارض يبيح القول بالنسخ، وإنَّما التعارض من كل وجه الذي لا يمكن معه الجمع، فعلى هذا التعارض بين العام والخاص لا يقال فيه بالنَّسخ؛ لأنَّه يمكن الجمع، وهو تعارضٌ من وجهٍ دون وجهٍ.\nويكثر عند بعض الفقهاء ذكر النَّسْخ، وإذا أمعِن النظر فيما يدَّعى أنَّ فيه نسخًا، تبيَّن خلاف ذلك، إمَّا لضعف أحد الدليلين روايةً، أو لإمكان الجمع، أو لِعدم معرفة المتقدِّم من المتأخر، لذا ينبغي أن يُدقَّق فيما يقال: إنَّه منسوخٌ، فأكثره ليس كذلك.\nوكثيرٌ من متعصبة المذاهب يفزعون إلى ادِّعاء النَّسخ في الدليل الذي يخالف مذهبهم، وليس عندهم جواب على هذا الدليل.\n_________\n(^١) المسودة (ص ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٢) (ص ٦٦٨).","vol":"1","page":102},{"text":"تنبيهان:\nالتنبيه الأول:\nإنَّ للنَّسخ معنى عند المتقدمين مغايرًا لمعناه عند المتأخرين، وما استقر عليه الأصوليون والفقهاء، فكل بيانٍ يسمى نَسخًا عند الأولين، فعلى هذا تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل يسمى نسْخًا عندهم، وكذلك النَّسخ بمعناه عند المتأخرين - أيْضًا - يسمى نسخا بمعناه عند الأولين، فهو داخلٌ في معنى النسخ عند الأولين، ذكر هذا ابن تيمية (^١)، وابن القيم (^٢)، وابن رجب (^٣).\nالتنبيه الثاني:\nالنَّسخ لا يدخل في الأخبار؛ لأنَّ معنى دخوله في الأخبار الكذب، فإذا ذُكِر خبرٌ، وقيل: قدْ وقع كذا وكذا، ثُمَّ بعد ذلك قيل: إنَّه لم يقعْ، فإنَّ هذا كَذِبٌ؛ لذا لا يدخل النَّسخ في الأخبار، إلَّا إذا استعمل النسخ بمعناه عند الأولين الذي هو مطلق البيان، فقد يُحكى خبرٌ ولا يُسمى صاحبه، ثُمَّ بعد ذلك يسمى صاحبه، فهذا يسمى نسخا عند الأولين، أفاد هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٢٣).\n(^٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٢٩).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٥٢٣).\n(^٤) الاستقامة (١/ ٢٣).","vol":"1","page":103},{"text":"قَوْلُهُ: «وأمَّا القياس».\nبدأ المصنف بذكر دليلٍ مهمٍّ، وهو دليل القياس، وقبل توضيح معنى القياس ينبغي أن يعلَم أنَّ القياس نوعان:\nالنَّوع الأول: القياس الصحيح: وقد سمَّاه الله في كتابه بـ «الميزان»، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾] الحديد: ٢٥ [، قاله ابن تيمية (^١)، وابن القيم (^٢).\nالنوع الثاني: القياس الفاسد: وهو الذي لم تتوافر فيه أركان القياس، فإذًا ما جاء عن السلف من ذمِّ القياس، فيرادُ به القياس الفاسد، وما جاء عنهم من اعتبار القياس، فيرادُ به القياس الصحيح، فبهذا يجمَع بين أقوال السلف في القياس.\nوقد دلَّ على القياس الصحيح أدلةٌ كثيرةٌ، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾] الأنعام: ١١ [.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٧٦).\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":104},{"text":"وجه الدَّلالة: أنَّ المكذبين السابقين عصوا الله فعذَّبهم، وكذلك إذا عصينا الله عذَّبنا.\nوللقياس أركان أربعة:\nالركن الأول: الأصل.\nالركن الثاني: الفرع.\nالركن الثالث: العلَّة.\nالركن الرابع: الحكم، ويراد به حكم الأصل.\nفتعرَف هذه الأركان الأربعة بالمثال: ثبت عند الأربعة من حديث أبي قتادة، أنَّ النَّبي - ﷺ - قال في الهرة: «إنَّها ليست بنجسٍ، إنَّها من الطَّوافين عليكم والطَّوافات» (^١)، تنازع العلماء في قياس الفأرة على الهِرَّة، ويتَّضِح صحة القياس بتطبيق أركان القياس:\nالأصل: الهرة.\nوالفرع: الفأرة.\nوالعلَّة: الطَّواف.\nوحكم الأصل: الطهارة، هذه العلة يمكن تنزيلها على الفرع، وهو الفأرة، فإذًا تكون الفأرة طاهرةً كالهرة.\nقَوْلُهُ: «فهو تسوية فرع غير منصوص عليه».\nوفي المثال السابق: يراد به الفأرة.\nقَوْلُهُ: «بأصل منصوص عليه».\nوفي المثال السابق: يراد به الهرة.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٧٥) والترمذي (٩٢) والنسائي (٦٨) وابن ماجه (٣٦٧).","vol":"1","page":105},{"text":"قَوْلُهُ: «إذا كانت العلة واحدةً».\nوهي في المثال السابق: الطواف علينا.\nقَوْلُهُ: «بحيث لا يكون بينهما فرق».\nأي بين وجود العلة في الأصل والفرع.\nوينبغي أن يعلم أنَّ العِلَّة من حيث المعنى: هي المؤثِّر في حكم الأصل: أي هي سبب حكم الأصل، فإذا أمكن وجودها في الفرع، فإنَّ حكم الفرع كحكم الأصل؛ لأنَّ الشريعة لا تُفرِّق بين المتماثلات، فهي من حكيم عليم، وشريعةٌ محكمةٌ.\nقَوْلُهُ: «وهذا مبني على الجمع بين المتماثلين في الحكم، والتفريق بين المتخالفين».\nهذا أمرٌ مهمٌّ، وهو أنَّ مرجع القياس إلى أنَّ الشريعة محكمةٌ، فهي لا تجمع بين المختلفات، ولا تُفرِّق بين المتماثلات، وإلى هذا كلِّه يرجع القياس، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وابن القيم (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٩).\n(^٢) إعلام الموقعين (٢/ ٤٢).","vol":"1","page":106},{"text":"قَوْلُهُ: «وهو حجَّة عند جمهور الأصوليين».\n\nوالصواب أن يقال: إنَّه حُجَّةٌ عند جميع العلماء، ف<span data-type=\"title\" id=toc-165>الاحتجاج بالقياس الصحيح مجمعٌ عليه</span>، وأوَّل مَن خالف في حُجِّيته النَّظام المعتزلي، كما أنَّ النظام المعتزلي أول من خالف في حجية الإجماع، فقد ذكر ابن عبد البر (^١) أنَّ النَّظام المعتزلي أول من خالف في القياس، وذكره أيضًا ابن قدامة (^٢)، وقبله الغزالي (^٣).\nقَوْلُهُ: «ويتفاوت تفاوتا كثيرا في قوته وضعفه».\n\nأي ليس القياس على درجةٍ واحدةٍ، بل يختلف باختلاف ظهور علَّتِه في الأصل، وإمكان تحقُّقِها في الفرع، لذلك<span data-type=\"title\" id=toc-167> يقسِّم العلماء القياس إلى قياس جليٍّ، وقياس خفيٍّ</span>.\nوتنزيل العلَّة في الفرع على أقسام ثلاثة:\nالقسم الأول: أن تكون العلة منصوصةً بوضوحٍ في الأصل، فيقوم الأصولي بخطوةٍ واحدةٍ، وهي تنزيلها على الفرع، ويسمى هذا بـ «تحقيق المَناط»: أي بـ\n«تحقيق العلة على الفرع».\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٥٦).\n(^٢) روضة الناظر (٢/ ١٨٤).\n(^٣) المستصفى (ص ٣٠١).","vol":"1","page":107},{"text":"القسم الثاني: أن تكون العلَّة في الأصل، لكنَّها ليست واضحةً كالقسم الأول، بل فيها احتمال، فيحتاج الأصولي إلى خطوتين:\nالخطوة الأولى: تنقيح العلَّة في الأصل: أي التأكد من علة الأصل.\nثم الخطوة الثانية: تنزيلها على الفرع، ويسمى هذا بـ «تنقيح المناط».\nالقسم الثالث: ألَّا تكون العلة واضحةً في الأصل، كوضوح القسم الثاني، بل تحتاج إلى دراسة واستنباطات، والنَّظر إلى أشباهها، فيحتاج الأصولي إلى خطوات ثلاثة:\nالخطوة الأولى: ذكْر العِلَل المحتملة عن طريق الاستنباط.\nوالخطوة الثانية: التَّرجيح بين العلل المحتملة.\nوالخطوة الثالثة: تنزيل العلة المرجَّحة على الفرع، وهذا يسمى بـ «تخريج المناط».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>تنبيه:\nإنَّ الكلام في القياس مزلة أقدام</span>؛ لأنَّه راجعٌ إلى الاجتهاد، قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الفقيه في التأويل والاجتهاد، والمراد بالاجتهاد: أي القياس، وقد عدَّ الإمام الشافعي القياس كالميتة، لا يُصار إليه إلَّا عند الضرورة (^١): أي إذا لم يوجد دليلٌ غير القياس استدل بالقياس، قاله الزركشي في البحر المحيط.\n_________\n(^١) الرسالة (ص ٥٩٨).","vol":"1","page":108},{"text":"وبعد هذا سيذكر المصنف<span data-type=\"title\" id=toc-170> قواعد فقهية</span>، وقد تقدَّم في أول الشرح ذكر الفرْق بين القواعد الفقهية وأصول الفقه.\nقَوْلُهُ: «ومن القواعد المقرَّرة: أنَّ اليقين لا يزول بالشك».\nهذه أحد القواعد الخمسة الكلية، وتدلُّ عليها أدلةٌ كثيرةٌ، ومن أوضح ذلك ما أخرج مسلم (٣٦١) عن أبي هريرة، أنَّ النَّبي - ﷺ - قال: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه، أخرج منه شيءٌ أم لا، فلا يخرجن من المسجد، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا»، ففي هذا الحديث الإبقاء على الأصل، وهو الطهارة.\nقَوْلُهُ: «والأصل بقاء ما كان على ما كان».\nأي سواءٌ كان نفيًا أو إثباتًا، فالأصل بقاء المنفي منفيًا، وبقاء المثبت مثبتًا، قاله ابن القيم في إعلام الموقعين عند بحث الاستصحاب (^١).\nوهذه القاعدة فرعٌ عن القاعدة السابقة، كما ذكره المصنِّف في الشرح.\nقَوْلُهُ: «ولا يزال الضَّرر بالضَّرر».\nهذه القاعدة متعلقةٌ بقاعدة: «الضرر يزال»، وهو أحد القواعد الخمسة الكلية.\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":109},{"text":"ومعنى هذه القاعدة: أنَّه يجب أن يزال الضرر، وأن الضرر محرَّمٌ في الشرع، قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾] البقرة: ٢٣١ [.\nومن أمثلة هذه القاعدة: أنه لا يجوز أن يدفع أحدٌ القتل عن نفسه بقتل غيره، وهذا بالإجماع، حكاه ابن تيمية (^١)، وقرره ابن رجب (^٢).\nوينبغي أن تُقيَّد هذه القاعدة بألَّا يُزال الضرر بضررٍ إذا كانا متساويين، أو أن يزال الضرر الأصغر بالضرر الأكبر، أمَّا إذا أُزِيلَ الضَّرر الأكبر بالضرر الأصغر، فهذا واجبٌ، وقد تقدَّم بيان هذا في أوائل الشرح.\nقَوْلُهُ: «والضرورات تبيح المحظورات».\nهذه فرعٌ عن القاعدة السابقة، وذلك أنَّه لا محرَّم مع الضرورة، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾] الأنعام: ١١٩ [.\nوفرقٌ بين الضرورة والحاجة، فإنَّ الحاجة لا تُبيح المحظورات إلَّا في حالةٍ واحدةٍ؛ إذا عمَّت الحاجة.\nقَوْلُهُ: «والعَجْز يُسْقِطُ الواجبات».\nأي لا واجب مع العجز، قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾] التغابن: ١٦ [.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٦٨) (٢٨/ ٥٠٤).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٣٤).","vol":"1","page":110},{"text":"وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنَّ النَّبي - ﷺ - قال: «فإذا أمرتكم بشيءٍ فأْتُوا منه ما استطعتم» (^١).\nقَوْلُهُ: «والمشقَّة تجلب التيسير».\nهذه أحد القواعد الخمسة الكلية، والتي قبلها فرعٌ عنها، ويدلُّ عليه ما تقدَّم ذكره فيما قبلها.\nقَوْلُهُ: «والرجوع إلى العرف في كثير من الأمور».\nهذه القاعدة متعلقةٌ بقاعدة «العادة محكَّمةٌ»، وهذه أحد القواعد الخمسة الكلية، فإنَّه يُرجع إلى العرف إذا لم يُوجد دليل شرعي، ولم تكن اللغة مرادةً.\nومن أدلة الرجوع إلى العرف قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾] الأعراف: ١٩٩ [، وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾] البقرة: ٢٢٩ [.\nوما ثبت عند الشيخان من حديث هِنْد مع زوجها أبي سفيان، قال النبي - ﷺ -: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢١١)، ومسلم (١٧١٤).","vol":"1","page":111},{"text":"قَوْلُهُ: «والأصل في العبادات المنْع؛ فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله».\nذكر هذه القاعدة فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره، قاله ابن تيمية (^١).\nوالدَّليل على هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] الشورى: ٢١ [.\nوما أخرج الشيخان من حديث عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^٢).\nقَوْلُهُ: «والأصلُ في العادات الإباحة؛ فلا يحرُم منها إلا ما حرَّمه الله ورسوله».\nوالدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾] الأنعام: ١١٩ [.\nوجه الدلالة: أنَّ المحرَّم قد بُيِّن، وما لم يُبيَّن فهو مباحٌ، وليس محرَّمًا، ويدخل في ذلك العادات والأعيان، بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على حِلِّ الأعيان (^٣).\n_________\n(^١) القواعد النورانية (ص ١٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٣٨).","vol":"1","page":112},{"text":"قَوْلُهُ: «وكل ما دلَّ على مقصود المتعاقدين والمتعاملين من الأقوال والأفعال انعقدت به العقود».\nهذه القاعدة ترجع إلى قاعدة «الأمور بمقاصدها»، وهي أحد القواعد الخمسة الكلية، ويدلُّ عليها ما أخرجه الشيخان عن عمر عن رسول اله أنَّه قال: «وإنَّما لكل امرئ ما نوى» (^١).\nوقد ذكر الفقهاء في الطلاق غير الصريح أنَّه لا يكون طلاقًا إلا بالنِّية، وقرر العلماء كالزركشي الشافعي أنَّ الأعمال المحتملة يرجع فيها إلى المقاصد (^٢). وطبقه تأصيلًا وعمليًّا في عدم التكفير بالأمور المحتملة الشافعي (^٣)، وأحمد (^٤)، وابن تيمية (^٥)، وابن جب (^٦).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: المنثور في القواعد الفقهية (ص ١١٨).\n(^٣) الأم (٤/ ٢٥٠).\n(^٤) ينظر: بدائع الفوائد (٤/ ٤٢).\n(^٥) الصارم المسلول (٣/ ٩٦٣).\n(^٦) فتح الباري (١/ ١١٤).","vol":"1","page":113},{"text":"قَوْلُهُ: «والمقاصد والنِّيات تعتبر في المعاملات كما تعتبر في العبادات».\nوهذه القاعدة فرعٌ من قاعدة «الأمور بمقاصدها»، وما تقدَّم ذِكرُه من الدليل دليلٌ على هذه القاعدة، فمن صلَّى ركعتين بعد أذان الفجر فيحتمل أنَّها الراتبة، وأنَّها الفريضة، والذي ميَّز هذه من هذه النِّية.\nقَوْلُهُ: «ويعمل عند التعارض بأقوى المرجحات».\nويستوي في ذلك المرجِّحات المتَّصلة والمنفصلة، وهذا داخلٌ في عموم قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾] الزمر: ٥٥ [.\nقَوْلُهُ: «ولذلك قد يعرض للمفضول من المرجِّحات ما يصير به مساويا للفاضل، أو أفضل منه».\nوهذا صحيحٌ، وله أمثلةٌ كثيرةٌ، منها:\n\nأنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-180> أفضلَ الذكر بالإجماع القرآن</span>، كما حكاه ابن تيمية (^١)، وإذا أذَّن المؤذِّن يشتغَل بإجابته والدعاء، وإن كان مفضولا، ويُترك الأفضل، وهو قراءة القرآن.\nومثل ذلك يُقال في عدم قراءة القرآن في الركوع والسجود، مع أنَّه أفضل من التعظيم والدعاء إلَّا أن الشريعة نهت عنه؛ كما أخرج مسلم عن علي بن أبي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٢٠).","vol":"1","page":114},{"text":"طالب، وابن عباس - ﵄ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «ألا وإنِّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا» (^١).\nفبهذا ينتهى من التعليق على هذا المتن المفيد الذي هو فيما أعلم أحسن متن مختصر في علم أصول الفقه، جمع مع اختصاره الأهم الذي يستفيد منه المبتدئ في دراسة علم أصول الفقه.\nأسأل الله أن يجزي العلامة ابن سعدي خيرًا على هذا المتن، وعلى غيره مما قدَّم من العلوم النافعة، وأسأل الله أن يتقبَّل مني ومنكم، إنَّه الرحمن الرحيم.\n_________\n(^١) مسلم من حديث ابن عباس - ﵁ - (٤٧٩)، ومن حديث علي - ﵁ - (٤٨٠).","vol":"1","page":115}]}