{"ً":{"ٌ":282,"ٍ":"مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط عطاءات العلم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/osol_nazer/osol.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر\n[آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٦)]\nالمؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ)\nالناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)\nالطبعة: الخامسة، ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)\nعدد الصفحات: ٥٣١\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":114,"ٕ":11,"ٖ":1780758550,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"حقيقة الحكم وأقسامه","level":1,"page":2},{"title":"أقسام الحكم الشرعي","level":2,"page":4},{"title":"أقسام أحكام التكليف","level":2,"page":5},{"title":"الواجب وأقسامه","level":3,"page":6},{"title":"ما لا يتم الواجب إلا به","level":4,"page":12},{"title":"ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه","level":4,"page":14},{"title":"الزائد على الواجب","level":4,"page":15},{"title":"المندوب","level":3,"page":16},{"title":"المباح","level":3,"page":18},{"title":"الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها","level":4,"page":21},{"title":"المكروه","level":3,"page":23},{"title":"الأمر المطلق لا يتناول المكروه","level":4,"page":24},{"title":"الحرام","level":3,"page":25},{"title":"المنهي عنه لذاته أو لوصفه أو لخارج عنه","level":4,"page":29},{"title":"هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟","level":4,"page":32},{"title":"الأمر بالشيء الذي له أضداد متعددة","level":4,"page":37},{"title":"التكليف وشروطه","level":1,"page":37},{"title":"خطاب الكفار بفروع الإسلام","level":2,"page":43},{"title":"الشروط المعتبرة لفعل المكلف به","level":2,"page":44},{"title":"المقتضى بالتكليف فعل وكف","level":2,"page":50},{"title":"خطاب الوضع وأقسامه والفرق بينه وبين خطاب التكليف","level":2,"page":54},{"title":"العلة","level":2,"page":55},{"title":"السبب","level":2,"page":57},{"title":"الشرط","level":2,"page":58},{"title":"المانع وأقسامه","level":2,"page":59},{"title":"الصحة","level":2,"page":60},{"title":"الفساد","level":2,"page":62},{"title":"الإعادة والقضاء والأداء","level":2,"page":63},{"title":"اجتماع الأداء والقضاء وانفراد كل منهما","level":2,"page":65},{"title":"العزيمة والرخصة","level":2,"page":68},{"title":"باب أدلة الأحكام","level":1,"page":73},{"title":"الأصول المتفق عليها","level":2,"page":73},{"title":"كتاب الله","level":3,"page":75},{"title":"تعريف كتاب الله","level":4,"page":75},{"title":"هل البسملة آية في كتاب الله؟","level":4,"page":78},{"title":"المنقول بغير التواتر","level":4,"page":79},{"title":"ما يثبت به القرآن","level":4,"page":80},{"title":"المجاز في القرآن","level":4,"page":80},{"title":"هل في القرآن ألفاظ غير عربية؟","level":4,"page":88},{"title":"المحكم والمتشابه","level":4,"page":89},{"title":"باب النسخ","level":4,"page":94},{"title":"الفرق بين النسخ والتخصيص","level":5,"page":97},{"title":"ورود المخصص بعد العمل نسخ","level":5,"page":100},{"title":"الرد على من أنكر النسخ","level":5,"page":101},{"title":"نسخ التلاوة دون الحكم أو العكس أو هما معا","level":5,"page":101},{"title":"نسخ الأمر قبل التمكن","level":5,"page":105},{"title":"هل حكمة التكاليف الامتثال أو الابتلاء؟","level":5,"page":106},{"title":"الفروع الفقهية المبنية على الخلاف السابق","level":5,"page":106},{"title":"الزيادة على النص ليست نسخا","level":5,"page":107},{"title":"نسخ جزء العبادة أوشرطها ليس نسخا لجملتها","level":5,"page":112},{"title":"نسخ العبادة إلى غير بدل","level":5,"page":113},{"title":"النسخ بالأخف والأثقل","level":5,"page":117},{"title":"حكم النسخ في حق من لم يبلغه","level":5,"page":119},{"title":"نسخ القرآن بالقرآن والسنة المتواترة بمثلها والآحاد بالآحاد","level":5,"page":121},{"title":"نسخ السنة بالقرآن","level":5,"page":122},{"title":"نسخ القرآن بالسنة المتواترة","level":5,"page":123},{"title":"نسخ القرآن والسنة المتواترة بالآحاد","level":5,"page":125},{"title":"الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به","level":5,"page":128},{"title":"النسخ بالقياس","level":5,"page":129},{"title":"النسخ بالمفهوم","level":5,"page":130},{"title":"النسخ بمفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة","level":5,"page":131},{"title":"ما يعرف به النسخ","level":5,"page":135},{"title":"تقديم خبر متأخر الإسلام","level":5,"page":136},{"title":"السنة","level":3,"page":138},{"title":"مراتب الرواية","level":4,"page":139},{"title":"حد الخبر","level":4,"page":143},{"title":"الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد","level":4,"page":143},{"title":"العلم الحاصل بالتواتر","level":4,"page":144},{"title":"ما حصل به العلم في واقعة يحصل به في غيرها","level":4,"page":145},{"title":"شروط التواتر","level":4,"page":146},{"title":"هل يشترط الإسلام في التواتر؟","level":4,"page":149},{"title":"لا يجوز على أهل التواتر الكتمان","level":4,"page":149},{"title":"أخبار الآحاد","level":4,"page":151},{"title":"حصول العلم بخبر الواحد","level":4,"page":152},{"title":"العمل بخبر الواحد في العقائد","level":4,"page":155},{"title":"إنكار التعبد بخبر الواحد عقلا والرد عليه","level":4,"page":156},{"title":"اقتضاء العقل وجوب قبول خبر الواحد","level":4,"page":157},{"title":"التعبد بخبر الواحد سمعا","level":4,"page":159},{"title":"مذهب الجبائي في هذا والرد عليه","level":4,"page":166},{"title":"شروط قبول الرواية","level":4,"page":166},{"title":"خبر مجهول الحال","level":4,"page":173},{"title":"رواية المرأة والأعمى وغير الفقيه","level":4,"page":177},{"title":"التزكية والجرح","level":4,"page":182},{"title":"هل يثبت الجرح والتعديل بواحد؟","level":4,"page":182},{"title":"الاختلاف في قبول الجرح إذا لم يتبين سببه","level":4,"page":184},{"title":"تعارض الجرح والتعديل","level":4,"page":185},{"title":"قبول التعديل دون بيان سببه","level":4,"page":187},{"title":"الإجماع على عدالة الصحابة","level":4,"page":187},{"title":"خبر المحدود","level":4,"page":191},{"title":"إيضاح في قصة المغيرة ﵁","level":4,"page":192},{"title":"مراتب الرواية عن غير النبي - ﷺ -","level":4,"page":193},{"title":"الدليل على جواز الرواية والعمل بالإجازة","level":4,"page":196},{"title":"إذا وجد الراوي سماعه بخط يوثق به","level":4,"page":198},{"title":"الشك في السماع من الشيخ","level":4,"page":199},{"title":"حكم إنكار الشيخ للحديث","level":4,"page":200},{"title":"زيادة الثقة","level":4,"page":203},{"title":"الرفع والوصل نوع من الزيادة","level":4,"page":207},{"title":"رواية الحديث بالمعنى","level":4,"page":208},{"title":"نقل الحديث بالمعنى في الترجمة","level":4,"page":211},{"title":"منع رواية الحديث بالمعنى في المتعبد به","level":4,"page":212},{"title":"الاحتجاج بألفاظ الحديث في اللغة","level":4,"page":213},{"title":"مراسيل الصحابة","level":4,"page":214},{"title":"مراسيل غير الصحابة","level":4,"page":215},{"title":"ضابط المرسل عند الأصوليين والمحدثين","level":4,"page":216},{"title":"المرسل وعنعنة المدلس","level":4,"page":217},{"title":"مذاهب الأصوليين في حكم المرسل","level":4,"page":217},{"title":"بحث لغوي في كلمة مراسيل","level":4,"page":218},{"title":"قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى","level":4,"page":219},{"title":"قبول خبر الواحد في الحدود","level":4,"page":221},{"title":"قبول خبر الواحد إذا خالف القياس","level":4,"page":222},{"title":"الفرق بين مخالفة الأصول ومعنى الأصول","level":4,"page":226},{"title":"الإجماع","level":3,"page":228},{"title":"تعريفه وإمكان وجوده","level":4,"page":228},{"title":"أدلة حجية الإجماع","level":4,"page":229},{"title":"لا يشترط التواتر في أهل الإجماع","level":4,"page":229},{"title":"اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد","level":4,"page":230},{"title":"العلوم المعتبرة وغير المعتبرة في أهل الإجماع","level":4,"page":230},{"title":"عدم اعتبار الكافر في الإجماع","level":4,"page":231},{"title":"بلوغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة","level":4,"page":231},{"title":"قول الأكثرين ليس إجماعا","level":4,"page":232},{"title":"إجماع أهل المدينة ليس بحجة","level":4,"page":232},{"title":"اتفاق الخلفاء الأربعة وإجماعهم","level":4,"page":233},{"title":"اشتراط انقراض العصر في صحة الإجماع","level":4,"page":234},{"title":"إجماع أهل كل عصر حجة","level":4,"page":235},{"title":"إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة","level":4,"page":236},{"title":"هل يجوز إحداث قول ثالث؟","level":4,"page":236},{"title":"إحداث التفصيل أدخله قوم في ذلك","level":4,"page":238},{"title":"الإجماع السكوتي","level":4,"page":240},{"title":"مستند الإجماع","level":4,"page":241},{"title":"الأخذ بأقل ما قيل","level":4,"page":242},{"title":"الاستصحاب وأقسامه","level":3,"page":243},{"title":"النافي للحكم هل يلزمه الدليل؟","level":4,"page":244},{"title":"الأصول المختلف فيها","level":2,"page":246},{"title":"شرع من قبلنا","level":3,"page":246},{"title":"قول الصحابي","level":3,"page":252},{"title":"قول الصحابي الذي ليس له حكم الرفع","level":4,"page":254},{"title":"الاستحسان","level":3,"page":256},{"title":"الاستصلاح","level":3,"page":258},{"title":"باب تقسيم الكلام والأسماء","level":1,"page":264},{"title":"الخلاف في مبدأ اللغات","level":2,"page":264},{"title":"ما ينبني على هذا الخلاف","level":2,"page":266},{"title":"إثبات الأسماء بالقياس","level":2,"page":267},{"title":"أقسام الأسماء","level":2,"page":269},{"title":"النص والظاهر والمجمل","level":2,"page":271},{"title":"التأويل","level":2,"page":272},{"title":"التأويل الفاسد والتأويل البعيد","level":2,"page":273},{"title":"يلزم كل مؤول أمران","level":2,"page":274},{"title":"المجمل","level":2,"page":277},{"title":"الإجمال في لفظ مركب","level":2,"page":278},{"title":"مبحث صرفي لوزن افتعل إذا كان معتل العين أو مضعفا","level":2,"page":279},{"title":"الإجمال من وجه والوضوع من وجه آخر","level":2,"page":280},{"title":"البيان","level":2,"page":284},{"title":"لا يشترط حصول العلم للمخاطب بالبيان","level":2,"page":285},{"title":"لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة","level":2,"page":287},{"title":"تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة","level":2,"page":288},{"title":"باب الأمر","level":1,"page":290},{"title":"صيغ الأمر","level":2,"page":291},{"title":"بطلان قول من زعم أنه لا صيغة للأمر","level":2,"page":292},{"title":"تحقيق في الكلام النفسي","level":2,"page":293},{"title":"أدلة صيغ الأمر","level":2,"page":294},{"title":"لا يشترط في الأمر إرادة الآمر","level":2,"page":295},{"title":"الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب","level":2,"page":297},{"title":"الأمر بعد الحظر","level":2,"page":299},{"title":"الأمر المطلق لا يقتضي التكرار","level":2,"page":301},{"title":"تعليق الأمر على شرط","level":2,"page":302},{"title":"تكرر الحكم بتكرر العلة أو الشرط","level":2,"page":302},{"title":"اقتضاء الأمر الفور","level":2,"page":303},{"title":"الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته","level":2,"page":305},{"title":"الأمر يقتضي الإجزاء بفعل المأمور به","level":2,"page":307},{"title":"الأمر بالأمر بالشيء","level":2,"page":307},{"title":"الأمر لجماعة يقتضي الوجوب على كل واحد منهم","level":2,"page":308},{"title":"إذا أمر الله نبيه - ﷺ - بلفظ ليس فيه تخصيص","level":2,"page":309},{"title":"تعلق الأمر بالمعدوم","level":2,"page":310},{"title":"يجوز الأمر بما لا يتمكن المكلف من فعله","level":2,"page":311},{"title":"أحكام النواهي تتضح من أحكام الأوامر","level":2,"page":312},{"title":"اقتضاء النهي الفساد","level":2,"page":312},{"title":"باب العموم","level":1,"page":315},{"title":"أقسام العام","level":2,"page":317},{"title":"ألفاظ العموم خمسة","level":2,"page":317},{"title":"تتمة في صيغ العموم","level":2,"page":320},{"title":"أقل الجمع","level":2,"page":323},{"title":"حكم لفظ العموم إذا ورد على سبب خاص","level":2,"page":324},{"title":"الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب","level":2,"page":325},{"title":"قول الصحابي: نهى رسول الله - ﷺ - عن المزابنة وقضى بكذا، هل يقتضي العموم؟","level":2,"page":327},{"title":"دخول العبد في خطاب الناس والمؤمنين","level":2,"page":328},{"title":"دخول النساء في الخطاب العام","level":2,"page":329},{"title":"أدوات الشرط نحو \"من\" تشمل النساء","level":2,"page":331},{"title":"العام حجة بعد التخصيص","level":2,"page":332},{"title":"العام حقيقة بعد التخصيص","level":2,"page":333},{"title":"تخصيص العموم إلى أن يبقى واحد","level":2,"page":335},{"title":"دخول المخاطب تحت الخطاب العام","level":2,"page":337},{"title":"اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه","level":2,"page":338},{"title":"الأدلة التي يخص بها العموم","level":2,"page":339},{"title":"حكم تعارض العمومين","level":2,"page":347},{"title":"فصل في الاستثناء","level":2,"page":349},{"title":"تعدد الاستثناء","level":2,"page":354},{"title":"إذا تعقب الاستثناء جملا","level":2,"page":356},{"title":"الشرط","level":2,"page":357},{"title":"المطلق والمقيد","level":1,"page":358},{"title":"حمل المطلق على المقيد","level":2,"page":359},{"title":"إذا كان هناك مقيدان بقيدين مختلفين","level":2,"page":362},{"title":"باب الفحوى والإشارة","level":1,"page":364},{"title":"دلالة الاقتضاء","level":2,"page":365},{"title":"دلالة الإشارة","level":2,"page":366},{"title":"دلالة الإيماء والتنبيه","level":2,"page":367},{"title":"مفهوم الموافقة","level":2,"page":367},{"title":"دليل الخطاب (مفهوم المخالفة) وأقسامه","level":2,"page":369},{"title":"الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب","level":2,"page":371},{"title":"درجات مفهوم المخالفة","level":2,"page":371},{"title":"موانع اعتبار مفهوم المخالفة","level":2,"page":373},{"title":"باب القياس","level":1,"page":376},{"title":"تعريف العلة","level":2,"page":376},{"title":"أضرب الاجتهاد في العلة","level":2,"page":377},{"title":"تحقيق المناط","level":2,"page":377},{"title":"تنقيح المناط","level":2,"page":378},{"title":"تخريج المناط","level":2,"page":379},{"title":"إثبات القياس على منكريه","level":2,"page":379},{"title":"أوجه تطرق الخطأ إلى القياس","level":2,"page":382},{"title":"إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق وأقسامه","level":2,"page":384},{"title":"نفي الفارق قسم من تنقيح المناط","level":2,"page":387},{"title":"طرق إثبات العلة: النقل والاستنباط","level":2,"page":389},{"title":"أضرب إثبات العلة بالنقل","level":2,"page":389},{"title":"أضرب إثبات العلة بالاستنباط","level":2,"page":392},{"title":"المناسبة","level":2,"page":392},{"title":"السبر والتقسيم","level":2,"page":396},{"title":"السبر والتقسيم قطعي وظني","level":2,"page":400},{"title":"إبطاله بإبطال أحد ركنيه","level":2,"page":400},{"title":"الدوران","level":2,"page":401},{"title":"النقض برائحة الخمر","level":2,"page":402},{"title":"الدوران يكون في صورة ويكون في صورتين","level":2,"page":403},{"title":"الطرد","level":2,"page":404},{"title":"المناسب بالذات والمناسب بالتبع","level":2,"page":406},{"title":"الفرق بين الطرد والوصف الطردي","level":2,"page":407},{"title":"تعارض المصلحة بمفسدة راجحة عليها","level":2,"page":407},{"title":"قياس الشبه","level":2,"page":408},{"title":"الفوارق بين الشبه والمناسب","level":2,"page":414},{"title":"غلبة الأشباه","level":2,"page":415},{"title":"قياس الدلالة","level":2,"page":415},{"title":"تقسيم القياس من حيث الجمع بنفس العلة أو غيرها","level":2,"page":417},{"title":"أركان القياس","level":2,"page":418},{"title":"الأصل وشروطه","level":3,"page":418},{"title":"الحكم وشروطه","level":3,"page":423},{"title":"الفرع وشروطه","level":3,"page":423},{"title":"العلة","level":3,"page":424},{"title":"من شروط العلة أن تكون متعدية","level":4,"page":426},{"title":"اطراد العلة","level":4,"page":428},{"title":"المستثنى من قاعدة القياس","level":2,"page":431},{"title":"الصفات الإضافية","level":2,"page":433},{"title":"تعليل الحكم بعلتين","level":2,"page":433},{"title":"إجراء القياس في الأسباب","level":2,"page":435},{"title":"إجراء القياس في الكفارات والحدود","level":2,"page":437},{"title":"المسائل السبع التي اختلف في جريان القياس فيها","level":2,"page":437},{"title":"فصل القوادح","level":2,"page":439},{"title":"الأول: الاستفسار","level":3,"page":439},{"title":"السؤال الثاني: فساد الاعتبار","level":3,"page":441},{"title":"فائدة","level":4,"page":443},{"title":"السؤال الثالث: فساد الوضع","level":3,"page":443},{"title":"تنبيهان","level":4,"page":446},{"title":"السؤال الرابع: المنع","level":3,"page":446},{"title":"السؤال الخامس: التقسيم","level":3,"page":448},{"title":"(ويشترط لصحة التقسيم شرطان)","level":4,"page":449},{"title":"السؤال السادس: المطالبة","level":3,"page":450},{"title":"السؤال السابع: النقض","level":3,"page":450},{"title":"تنبيه","level":4,"page":452},{"title":"تنبيهات","level":4,"page":456},{"title":"السؤال الثامن: القلب","level":3,"page":466},{"title":"السؤال التاسع: المعارضة","level":3,"page":468},{"title":"السؤال العاشر: عدم التأثير","level":3,"page":473},{"title":"تنبيهان","level":4,"page":475},{"title":"السؤال الحادي عشر: التركيب","level":3,"page":476},{"title":"السؤال الثاني عشر: القول بالموجب","level":3,"page":477},{"title":"تنبيهان","level":4,"page":480},{"title":"حكم المجتهد وشروطه","level":1,"page":482},{"title":"التقليد","level":2,"page":487},{"title":"ترتيب الأدلة","level":2,"page":488},{"title":"الترجيح","level":2,"page":490},{"title":"الترجيح بما يتعلق بالسند","level":3,"page":491},{"title":"الترجيح بأمر يعود إلى المتن","level":3,"page":494},{"title":"النكرة في سياق النفي","level":3,"page":500},{"title":"العام الذي لم يدخله تخصيص مقدم على العام الذي دخله تخصيص","level":3,"page":501},{"title":"الترجيح بين علل المعاني","level":3,"page":510},{"title":"العلة الحاظرة مع غير الحاظرة","level":3,"page":512},{"title":"الترجيح بين الإجماعات والأقيسة والحدود","level":3,"page":526},{"title":"الترجيح بين المرجحات","level":3,"page":526},{"title":"المرجحات يستحيل حصرها","level":3,"page":526},{"title":"مسائل كتاب الاستدلال","level":1,"page":527}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526,"1,530":527,"1,531":528},"ٜ":{"1":[1,531]},"ٝ":["1,1","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"5":[3],"6":[4],"12":[5],"14":[6],"15":[7],"16":[8],"18":[9],"21":[10],"23":[11],"24":[12],"25":[13],"29":[14],"32":[15],"37":[16,17],"43":[18],"44":[19],"50":[20],"54":[21],"55":[22],"57":[23],"58":[24],"59":[25],"60":[26],"62":[27],"63":[28],"65":[29],"68":[30],"73":[31,32],"75":[33,34],"78":[35],"79":[36],"80":[37,38],"88":[39],"89":[40],"94":[41],"97":[42],"100":[43],"101":[44,45],"105":[46],"106":[47,48],"107":[49],"112":[50],"113":[51],"117":[52],"119":[53],"121":[54],"122":[55],"123":[56],"125":[57],"128":[58],"129":[59],"130":[60],"131":[61],"135":[62],"136":[63],"138":[64],"139":[65],"143":[66,67],"144":[68],"145":[69],"146":[70],"149":[71,72],"151":[73],"152":[74],"155":[75],"156":[76],"157":[77],"159":[78],"166":[79,80],"173":[81],"177":[82],"182":[83,84],"184":[85],"185":[86],"187":[87,88],"191":[89],"192":[90],"193":[91],"196":[92],"198":[93],"199":[94],"200":[95],"203":[96],"207":[97],"208":[98],"211":[99],"212":[100],"213":[101],"214":[102],"215":[103],"216":[104],"217":[105,106],"218":[107],"219":[108],"221":[109],"222":[110],"226":[111],"228":[112,113],"229":[114,115],"230":[116,117],"231":[118,119],"232":[120,121],"233":[122],"234":[123],"235":[124],"236":[125,126],"238":[127],"240":[128],"241":[129],"242":[130],"243":[131],"244":[132],"246":[133,134],"252":[135],"254":[136],"256":[137],"258":[138],"264":[139,140],"266":[141],"267":[142],"269":[143],"271":[144],"272":[145],"273":[146],"274":[147],"277":[148],"278":[149],"279":[150],"280":[151],"284":[152],"285":[153],"287":[154],"288":[155],"290":[156],"291":[157],"292":[158],"293":[159],"294":[160],"295":[161],"297":[162],"299":[163],"301":[164],"302":[165,166],"303":[167],"305":[168],"307":[169,170],"308":[171],"309":[172],"310":[173],"311":[174],"312":[175,176],"315":[177],"317":[178,179],"320":[180],"323":[181],"324":[182],"325":[183],"327":[184],"328":[185],"329":[186],"331":[187],"332":[188],"333":[189],"335":[190],"337":[191],"338":[192],"339":[193],"347":[194],"349":[195],"354":[196],"356":[197],"357":[198],"358":[199],"359":[200],"362":[201],"364":[202],"365":[203],"366":[204],"367":[205,206],"369":[207],"371":[208,209],"373":[210],"376":[211,212],"377":[213,214],"378":[215],"379":[216,217],"382":[218],"384":[219],"387":[220],"389":[221,222],"392":[223,224],"396":[225],"400":[226,227],"401":[228],"402":[229],"403":[230],"404":[231],"406":[232],"407":[233,234],"408":[235],"414":[236],"415":[237,238],"417":[239],"418":[240,241],"423":[242,243],"424":[244],"426":[245],"428":[246],"431":[247],"433":[248,249],"435":[250],"437":[251,252],"439":[253,254],"441":[255],"443":[256,257],"446":[258,259],"448":[260],"449":[261],"450":[262,263],"452":[264],"456":[265],"466":[266],"468":[267],"473":[268],"475":[269],"476":[270],"477":[271],"480":[272],"482":[273],"487":[274],"488":[275],"490":[276],"491":[277],"494":[278],"500":[279],"501":[280],"510":[281],"512":[282],"526":[283,284,285],"527":[286]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٦)\n\nمذكرة أصول الفقه على روضة الناظر\n\nتأليف\nالشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ هـ - ١٣٩٣ هـ)\n\nإشراف\nبكر بن عبد الله أبو زيد\n\nدار عطاءات العلم - دار ابن حزم","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>حقيقة الحكم وأقسامه</span>\nاعلم أنَّه -﵀- ترجم هذه الترجمة التي لفظها (حقيقة الحكم وأقسامه) ولم يبين حقيقة الحكم ولا أقسامه، وإنَّما ذكر منها الأقسام الشرعية فقط، ونحن نبين كل ذلك إن شاء اللَّه تعالى.\nاعلم أنَّ الحكم في اللغة: هو المنع. ومنه قيل للقضاء: حكم؛ لأنه يمنع من غير المَقْضِيِّ.\nتقول: حَكَمَه كنَصَرَه، وأحكمه كأكرمه، وحكَّمه بالتضعيف بمعنى منعه. ومنه قول جرير:\nأَبَنِي حنيفة أَحْكِمُوا سفهاءكم ... إني أخافُ عليكمُ أن أغضبا\nوقول حسان بن ثابت ﵁:\nلنا في كل يومٍ مِن مَعَدٍّ ... سبابٌ أو قتالٌ أو هجاءُ\nفنحكم بالقوافي مَنْ هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماءُ\nومن الحكم بمعنى المنع: حَكَمَةُ اللجام، وهي ما أحاط بحنكي الدابة، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها تمنَعها من الجري الشديد.\nوالحَكَمةُ أيضًا: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه، تمنعه من مخالفة راكبه، وكانت العرب تتخذها من القِدِّ والأبق وهو القنب. ومنه قول زهير:","vol":"1","page":5},{"text":"القائد الخيل منكوبًا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القِدِّ والأبقا\nوالحكم في الاصطلاح هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. نحو: زيد قائم وعمرو ليس بقائم.\nوهو ينقسم بدليل الاستقراء إلى ثلاثة أقسام:\n١ - حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه العقلُ النسبةَ إيجابًا أو سلبًا. نحو: الكل أكبر من الجزء إيجابًا. الجزء ليس أكبر من الكل سلبًا.\n٢ - حكم عادي: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة. نحو: السيقمونيا مسهل للصفراء، والسكنجبين مسكن لها.\n٣ - حكم شرعي: وهو المقصود، وحَدَّه جماعة من أهل الأصول بأنه: خطاب اللَّه المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به.\nفخرج بقوله: \"خطاب اللَّه\" خطاب غيره؛ لأنه لا حكم شرعيًّا إلا لله وحده جلَّ وعلا، فكل تشريع من غيره باطل، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ٥٧]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى/ ١٠]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء/ ٥٩].\nوخرج بقوله: \"المتعلق بفعل المكلف\" ما تعلق بذات اللَّه تعالى، نحو: \"لا إله إلا اللَّه\"، وما تعلق بفعله نحو قوله تعالى: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام/ ١٠٢]، وما يتعلق بذوات المكلفين نحو: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية [الأعراف/ ١١]، وما تعلق بالجمادات نحو: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف/ ٤٧].","vol":"1","page":6},{"text":"وخرج بقوله \"من حيث أنه مكلف به\" خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلَّف لا من حيث أنه مكلَّف به، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار/ ١٢]، فإنه خطاب من اللَّه متعلق بفعل المكلف من حيث إن الحفظة يعلمونه، لا من حيث إنه مكلف به.\nواعلم أنَّ عبارات الأصوليين اضطربت في تعريف الحكم الشرعي، وسبب اضطرابها أمران:\nأحدهما: أنَّ بعضَ المكلفين غير موجود وقتَ الخطاب، والمعدوم ليس بشيء حتى يخاطب.\nثانيهما: زعمهم أنَّ الخطاب هو نفس المعنى الأزلي القائم بالذات المجردِ عن الصيغة.\nوسنبين إن شاء اللَّه تعالى غلطهم الذي سبَّب لهم تلك الإشكالات في مبحث الأمر.\nواعلم أنَّ الحكم الشرعيَّ قسمان:\nأولهما: تكليفي، وهو خمسة أقسام: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام.\nوالثاني: خطاب الوضع، وهو أربعة أقسام: العلل والأسباب والشروط والموانع.\nوأدخل بعضُهم فيه الصحةَ والفساد، والرخصةَ والعزيمة، وبعضُهم يجعل الصحة والفساد من خطاب التكليف.","vol":"1","page":7},{"text":"إذا علمت ذلك فهذه تفاصيل الأحكام الشرعية.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>(أقسامُ أحكام التكليف </span>خمسة: واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحظور).\nالتكليف لغة: هو إلزام ما فيه كلفة، أي مشقة.\nومنه قول الخنساء:\nيُكَلِّفُه القومُ ما نابهم ... وإنْ كان أصغرهم مولدًا\nوقول علقمة بن عبدة التميمي:\nتكلِّفني ليلى وقد شَطَّ وَلْيُها ... وعادت عوادٍ بيننا وخطوبُ\nوحده في الاصطلاخ: قيل: \"إلزام ما فيه مشقة\".\nوقيل: \"طلب ما فيه مشقة\".\nفعلى الأول لا يدخل في حده إلا الواجب والحرام؛ إذْ لا إلزام بغيرهما، وعلى الثاني يدخل معهما المندوب والمكروه؛ لأنَّ الأربعة مطلوبة.\nوأما الجائز فلا يدخل في تعريف من تعاريف التكليف؛ إذْ لا طلب به أصلًا، فعلا ولا تركًا، وإنَّما أدخلوه في أقسام التكليف مسامحةً\n_________\n(^١) يعني ابن قدامة في كتابه \"روضة الناظر وجنة المناظر\" (١/ ١٤٦)، تحقيق د. عبد الكريم النملة، مكتبة الرشد، الطبعة السابعة.","vol":"1","page":8},{"text":"وتكميلًا للقسمة المشار إليها بقول المؤلف (^١): (وجه هذه القسمة أن خطاب الشرع إمَّا أنْ يَرِدَ باقتضاءِ الفعلِ أو التركِ أو التخيير بينهما، فالذي يَرِدُ باقتضاءِ الفعل أمرٌ، فإن اقترن به إشعارٌ بعدم العقاب على الترك فهو ندب، وإلا فيكون إيجابًا، والذي يَرِدُ باقتضاء التركِ نهيٌ، فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهةٌ، وإلا فحظرٌ).\nكلامه واضح.\n\nالواجب\nثم قال (^٢): (وحد الواجب: \"ما تُوُعِّدَ بالعقاب على تركه\".\nوقيل: \"ما يعاقب تاركه\".\nوقيل: \"ما يلزم تاركه شرعًا العقاب\").\nاعلم أولًا: أنَّ الوجوب في اللغة هو سقوط الشيء لازمًا محلَّه، كسقوط الشخص ميتًا، فإنه يسقط لازمًا محلَّه لانقطاع حركته بالموت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج/ ٣٦] أي سقطت ميتة لازمة محلَّها، وقوله -ﷺ- في الميت: \"فإذا وجب فلا تبكين باكية\".\nوقول قيس بن الخطيم:\nأطاعت بنو عوفٍ أميرًا نهاهمُ ... عن السِّلْمِ حتى كان أول واجبِ\nويطلق الوجوب على اللزوم.\n_________\n(^١) (١/ ١٤٦ - ١٤٨).\n(^٢) (١/ ١٥٠).","vol":"1","page":9},{"text":"وفي الاصطلاح عرَّفه المؤلف بأنه: \"ما تُوُعِّدَ بالعقاب على تركه\". والوعيد بالعقاب على تركه لا ينافي المغفرة، كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/ ٤٨].\nوإن شئت قلت في حد الواجب: \"ما أُمر به أمرًا جازمًا\".\nوضابطه: أن فاعله موعود بالثواب، وتاركه متوعد بالعقاب، كالصلاة والزكاة والصوم.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين).\nفحاصل كلامه أنَّ الفرض هو الواجب على إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي ومالك، وعلى الرواية الأخرى فالفرض آكدُ من الواجب، فالفرضُ ما ثبت بدليل قطعيٍّ كالصلاة، والواجب ما ثبت بدليل ظنيٍّ كالعمرة عند من أوجبها، وهو قول أبي حنيفة.\nوقيل: الفرضُ ما لا يسامَحُ بتركه عمدًا ولا سهوًا كأركان الصلاة، والواجب ما يسامَحُ فيه إن وقع من غير عمدٍ كالصلاة بالنجاسة عند من يقول بالمسامحة في ذلك.\nواصطلح كثير من العلماء من مالكية وشافعية وحنابلة على إطلاق الواجب على السنة المؤكدة تأكيدًا قويًّا.\n_________\n(^١) (١/ ١٥١).","vol":"1","page":10},{"text":"فصل\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(والواجب ينقسم إلى معيَّن وإلى مبهم في أقسام محصورة. . .).\nاعلم أن الواجب ينقسمُ ثلاثة تقسيمات:\n١ - ينقسم باعتبار ذاته إلى واجب معيَّن لا يقومُ غيرُه مقامه، كالصوم والصلاة.\nوإلى مبهم في أقسام محصورة، فهو واجبٌ لا بعينه، كواحدةٍ من خصال الكفارة في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة/ ٨٩]، فالواجب واحد منها لا بعينه، فأي واحد فعله الحانث أجزأه.\nوزَعْمُ المعتزلة أنَّ التخيير مطلقًا ينافي ذلك الوجوب باطلٌ؛ لأنَّه لم يخير بين الفعل والترك تخييرًا مطلقًا حتى ينافي ذلك الوجوب، بل لا يجوز ترك بعضها إلا مشروطًا بفعل بعضٍ آخر منها، فلو ترك جميعها لكان آثمًا، ولا خيار له في ترك الجميع، ولا يجب عليه فعل جميعها إجماعًا.\nفتبين أن الواجب واحدٌ منها لا بعينه؛ لأن كل واحد منها يفي بالمقصود الشرعي، ولا يحصل دون واحد منها.\n_________\n(^١) (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":11},{"text":"وكذلك غير المحصورة، كإعتاق رقبة في الظهار أو اليمين، فإن الواجب في ذلك رقبة لا بعينها من غير حصر لما تجب منه.\nونظير ذلك تزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفأين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين؛ فإن كل ذلك يجب في واحد لا بعينه، ولا يمكن أن يقال فيه بإيجاب الجميع ولا بسقوط إيجاب الجميع كما ترى.\n٢ - وينقسمُ الواجبُ -أيضًا- باعتبار وقته إلى مضيَّقٍ وموسَّع.\nفالواجبُ المضيَّقٌ: هو ما وقتُه مضيَّق.\nوضابطُ ما وقتُه مضيَّقٌ واجبًا كان أو غيره: هو ما لا يسع وقتُه أكثر من فعله، كصومِ رمضانَ في الواجب، وستة من شوال عند من يقول بأنَّها لابد أَن تكون متتابعة تلي يوم الفطر، وهو ظاهر حديث أبي أيوب، وحديث ثوبان، والأيام البيضِ في غير الواجب.\nوالواجبُ الموسَّعُ هو ما يسعُ وقتُه أكثر من فعله، كالصلوات الخمس. ومثالُه في غير الواجب: الوتر، وركعتا الفجر، والعيدان، والضحى.\nوالوقت في الاصطلاح: هو الزمن الذي قدَّره الشارع للعبادة.\nوما زعمه بعضهم من أنَّ الواجب الموسع مستحيل، زاعمًا أنَّ التخيير في فعل العبادة ذات الوقت الموسع في أول الوقت ووسطه ينافي الوجوب، إذ الواجب حتمٌ، لا تخييرَ فيه، ولا يجوز تركه = فهو باطل -أي الزعم بأنَّ الواجب الموسع مستحيل-؛ لأن الواجب","vol":"1","page":12},{"text":"الموسع من قبيل الواجب المبهم في واحد لا بعينه، كالصلاة يجب أن تؤدى في حصةٍ من حصص الوقت لا بعينها، كوجوب واحدةٍ من خصال الكفارة لا بعينها، فأي حصة من حصص الوقت من أوله أو وسطه أو آخره فعل فيها الصلاة أجزأته، كما أن أي واحدة من خصال الكفارة فعلها أجزأته.\nوقد أجمع العلماءُ على أنَّ من أدى الصلاة في أول وقتها أنه يثاب ثواب الفرض، وتلزمه نية الفرض -محلُّ الاستدلال لزومُ نية الفرض مع جواز التأخير-؛ فدلَّ ذلك على بطلان قول من قال: إنه لو وجبت في أول الوقت لما جاز ترك أدائها إلى وسط الوقت أو آخره، وتبين أنها غير واجبة في أول الوقت، لأن التخيير في تركها في ذلك الوقت إلى ما بعده ينافي الوجوب، ولا شك أن ذلك كله باطل كما بينا.\n٣ - وينقسم الواجبُ -أيضًا- باعتبار فاعله إلى واجب عينيٍّ وواجب على الكفاية.\nفالواجب العيني: هو ما يَنْظُرُ فيه الشارع إلى ذات الفاعل، كالصلاة والزكاة والصوم؛ لأن كل شخص تلزمه بعينه طاعة اللَّه ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات/ ٥٦].\nوأمَّا الواجب على الكفاية فضابطه أنه ما يَنْظُرُ فيه الشارعُ إلى نفس الفعل، بقطع النظر عن فاعله، كدفن الميت، وإنقاذ الغريق، ونحو ذلك؛ فإنَّ الشارع لم ينظر إلى عين الشخص الذي يدفن الميت أو ينقذ الغريق، إذ لا فرق عنده في ذلك بين زيد وعمرو، وإنما ينظر إلى نفس","vol":"1","page":13},{"text":"الفعل الذي هو الدفن والإنقاذ مثلًا، وستأتي مسألة فرضِ الكفاية في مباحث الأمر -إن شاء اللَّه تعالى-.\n\nفصل\nقال المؤلف (^١):\n(إذا أخرَّ الواجب الموسَّع فمات في أثناء وقته قبل ضيقه لم يمت عاصيًا. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أنَّ المكلف إذا مات في أول الوقت أو وسطه والحال أنه لم يؤدِّ الصلاة لم يمت عاصيًا؛ لأن الوقت موسع، والوقت الموسع يجوزُ للإنسان أن يأتي بالصلاة في أية حصة شاءها من حصصه، سواءً كانت من أوله أو وسطه أو آخره.\nوأمَّا إن مات والحالُ أنه لم يبق من الوقت قدر ما يسع الصلاة، فإنه إذًا يموت غير عاصٍ فيما إذا لم يغلبْ على ظنه أنه يموت في أول الوقت أو وسطه، كالمحكوم عليه بالقتل مع تعيين وقت التنفيذ؛ لأن الوقت يضيق في حقِّه بسبب ظن الموت.\nفلو تخلف الظن وسلم من الموت، وأدى الصلاة في آخر الوقت، فهل تكون صلاته أداء -وهو الظاهر؛ لوقوعها في الوقت- أو تكون قضاءً ولو وقعت في آخر الوقت، بناءً على أن الوقت ضاق في حقه بسبب ظن الموت، بدليل أنه لو مات في الوقت مع ظن الموت\n_________\n(^١) (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":14},{"text":"ولم يبادر بالصلاة مات عاصيًا؟\n\nفصل\nقال المؤلف (^١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>(ما لا يتم الواجب إلا به </span>ينقسم إلى ما ليس داخلًا تحت قدرة المكلف، كالقدرة واليد في الكتابة، وحضور الإمام والعدد في الجمعة، فلا يوصف بوجوب.\nوإلى ما هو داخلٌ تحت قدرة العبد فيما يتعلقُ باختيار العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي للجمعة، وغسل جزءٍ من الرأس، وإمساك جزءٍ من الليل مع النهار في الصوم، فهو واجب. . .) الخ.\nحاصل معنى كلامه -﵀- أنَّ ما لا يتم الواجب إلَّا به قسمان:\n١ - قسم ليس تحت قدرة العبد، كزوال الشمس لوجوب الظهر، وككون مَنْ تعينت عليه الكتابةُ مقطوع اليدين، وكحضور الإمام والعدد الذي لا تصح الجمعة بدونه، فلا قدرة للمكلَّف على قهر الإمام والجماعة على الحضور إلى المسجد، فهذا النوعُ لا يوصف بوجوبٍ إلَّا على قول من جوَّز التكليف بما لا يُطاق، وهو مذهبٌ باطلٌ مردود.\n٢ - وقسمٌ تحت قدرة العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي للجمعة، وغسل جزءٍ من الرأس، إذْ لا يتحققُ تعميمُ غسل الوجه إلا\n_________\n(^١) (١/ ١٨٠).","vol":"1","page":15},{"text":"بغسل جزءٍ يسير من الرأس، وإمساك جزءٍ من الليل مع النهار، إذ لا يتحقق الإمساك في جميع نهار رمضان إلا بإِمساك جزء يسير من الليل، بناءً على أنَّ الغاية في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ الآية [البقرة/ ١٨٧] خارجة، وهو الصحيح؛ لأنَّ من أخَّر الإمساك عن جميع أجزاء الليل بتمامها فهو متناولٌ للفطر قطعًا في نهار رمضان، إذ لا واسطة بين الليل والنهار، وما جاء من الأحاديث موهمًا جوازَ تناولِ المفطر بعد الصبح، فهو محمولٌ على أن المراد به أنَّه في آخر جزءٍ من الليل، لشدة قربه من النهار.\nوهذا القسم الأخير أعني ما هو تحت قدرة المكلَّف، قال المؤلفُ: إنه واجب. هذا حاصلُ معنى كلامه -﵀-.\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-: وهذا التقسيمُ غيرُ جيد.\nوحاصلُ تحرير المقام أن يقال: ما لا يتم الواجب إلَّا به ثلاثة أقسام:\n١ - قسمٌ ليس تحت قدرة العبد، كما مثَّلنا له آنفًا.\n٢ - وقسمٌ تحت قدرة العبد عادةً إلا أنَّه لم يؤمر بتحصيله، كالنصاب لوجوب الزكاة، والاستطاعة لوجوب الحج، والإقامة لوجوب الصوم.\nوهذان القسمان لا يجبان إجماعًا.\n٣ - القسمُ الثالث: ما هو تحت قدرة العبد مع أنَّه مأمورٌ به، كالطهارة للصلاة، والسعي للجمعة. . . الخ. وهذا واجب على","vol":"1","page":16},{"text":"التحقيق.\nوإن شئت قلت: ما لا يتم الواجبُ المطلقُ إلا به فهو واجبٌ، كالطهارة للصلاة، وما لايتمُّ الواجب المعلَّق -أي المعلَّق على شرطٍ، كالزكاةِ معلقة على ملك النصاب، والحج على الاستطاعة- إلَّا به فليس بواجبٍ، كالنصاب للزكاة، والاستطاعة للحج.\nوأوضح من هذا كلَّه أن تقول: مالا يتم الواجبُ إلا به فهو واجب، كالطهارة للصلاة، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، كالنصاب للزكاة.\n\nتنبيه:\nاعلم أنَّ الطهارة للصلاة واجبةٌ إجماعًا كما لا يخفى، وحينئذ فعلى أنَّ ما لا يتم الواجب المطلق إلَّا به واجب، فجميع النصوص الموجبة للصلاة توجب الطهارة؛ لأنها لا تتم إلَّا بها، وما لا يتم الواجب إلَّا به واجب، وإن كانت الطهارة واجبةً بأدلةٍ أخرى، إذْ لا مانع من تعدد الأدلة، وعلى العكس فالطهارة واجبةٌ بالنصوص الأخرى فقط دون النصوصِ الموجبة للصلاة.\n\nفصل\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(وإذا اختلطت أختُه بأجنبيةٍ أو ميتةٌ بمذكاةٍ حرَّمنا الميتة بعلةِ\n_________\n(^١) (١/ ١٨٤).","vol":"1","page":17},{"text":"الموتِ والأخرى بعلة الاشتباه).\nهذه المسألةُ يترجم لها علماءُ الأصول بقولهم: \"ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب\".\nفإن اختلطت ميتةٌ بمذكاة، أو أختُه بأجنبيةٍ، فلا يتم تركُ الحرام الذي هو أكلُ الميتة في الأول ونكاحُ الأُخت في الثاني إلا بترك الجميع، فتركُ الجميع واجب.\nوقول المؤلف -﵀-: حرَّمنا الميتة بعلة الموت والأخرى بعلة الاشتباه، فيه نظرٌ؛ لأنَّ الميتة غيرُ معروفة بعينها، فالجميع محرَّم؛ لأنه لا يتم ترك الحرام إلا بترك الجميع، فكل واحدة أكل منها احتمل أن تكون هي الميتة.\nوقول من قال: إنَّ المذكَّاة حلال، لكن يجب الكف عنها، ظاهر التناقض، كما بينه المؤلف.\n\nفصل\nقال المؤلف (^١):\n(الواجب الذي لا يتقيد بحدٍّ محدودٍ، كالطمأنينة في الركوع والسجود. . .) الخ.\nاعلم أولًا أنَّ الزيادة على الواجب لها حالتان:\n_________\n(^١) (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":18},{"text":"الأولى: أنْ تكون الزيادةُ على الواجب متميزةً عنه، كصلاة النافلة بالنسبة إلى الصلوات الخمس، وهذه الزيادة غيرُ واجبةٍ، كما هو واضح.\nالثانية: أن تكون الزيادة غير متميزةٍ عن الواجب، كالزائد على قدر الفرض من الطمأنينة في الركوع والسجود ونحو ذلك، فقال قوم: الزيادة هنا واجبة؛ لأن الجميع امتثالٌ للأمر الواجب، ولم يتميزْ فيه واجب عن غيره، فالكلُّ واجب؛ لأنَّه امتثالٌ للواجب.\nوالحقُّ أنَّ الزائد غير واجب، والدليلُ على ذلك جوازُ تركه والاقتصار على ما يحصل به الفرض فقط من الطمأنينة من غير شرطٍ ولا بدلٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المندوب</span>\nقال المؤلف (^١): (الثاني: المندوب).\nخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنَّ المندوب هو ما في فعله الثواب، وليس في تركه عقاب.\nوهذا أجود التعريفين اللذين ذكرهما المؤلف.\nوإن شئت قلت: ما أُمِرَ به أمرًا غير جازم.\nوالتحقيق أنَّ المندوب مأمورٌ به؛ لأنَّ الأمر قسمان:\n١ - أمر جازم، أي في تركه العقاب، وهو الواجب.\n_________\n(^١) (١/ ١٨٩).","vol":"1","page":19},{"text":"٢ - وأمر غير جازم، أي لا عقاب في تركه، وهو المندوب.\nوالدليل على شمول الأمر للمندوب قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج/ ٧٧]. أي ومنه المندوب.\n﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان/ ١٧] أي ومنه المندوب.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل/ ٩٠] أي ومن الإحسان وإيتاء ذي القربى ما هو مندوب.\nواحتجَّ من قال: إنَّ الندب غير مأمور به بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور/ ٦٣]، قالوا: في الآية التوعدُ على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب الأليم، والندبُ لا يستلزمُ تركه شيئًا من ذلك.\nوبحديث: \"لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كلَّ صلاة\" مع أنه ندبهم إلى السواك، قالوا: فدلَّ ذلك على أنَّ الندب غير مأمور به.\nوالجوابُ أنَّ الأمر في الآية والحديث المذكورين يراد به الأمرُ الواجب، فلا ينافي أن يطلق الأمر -أيضًا- على غير الواجب، وقد قدَّمنا أنَّ الأمر يطلق على هذا وهذا.\nوزعمُ من قال إنَّ الندب تخييرٌ؛ بدليل جواز تركه، والأمر استدعاءٌ وطلب، والتخيير والطلب متنافيان = زعمٌ غير صحيح؛ لأن الندب ليس تخييرًا مطلقًا؛ بدليل أن الفعل فيه أرجحُ من الترك؛ للثواب في فعله وعدم الثواب في تركه، ولأنَّ المندوب -أيضًا- مطلوبٌ إلا أنَّ","vol":"1","page":20},{"text":"طلبه غير جازم.\nوالندب في اللغة: الدعاءُ إلى الفعل. ومنه قوله:\nلا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانًا\nوالثواب في اللغة: الجزاء مطلقًا. ومنه قوله:\nلكلِّ أخي مدحِ ثوابٌ علمته ... وليس لمدح الباهلي ثوابُ\nأي جزاء.\nوزَعْمُ أنَّ الثواب يختصُّ بجزاء الخير بالخير غيرُ صحيح، بل يطلق الثواب أيضًا على جزاء الشرِّ بالشرِّ في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ الآية [المائدة/ ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٣٦].\nوالعقابُ في اللفة التنكيل على المعصية. ومنه قولُ النابغة الذبياني:\nومن عصاكَ فعاقِبْهُ معاقبةً ... تنهى الظلومَ ولا تقعد على ضَمَدِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المباح</span>\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n_________\n(^١) (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":21},{"text":"(القسمُ الثالث: المباح. وحدُّه: ما أذن اللَّه في فعله وتركه غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه، وهو من الشرع. . .) الخ كلامه.\nاعلم أن الإباحة عند أهل الأصول قسمان:\n١ - الأولى: إباحةٌ شرعية، أي عُرِفَتْ من قِبَل الشرع، كإباحة الجماع في ليالي رمضان المنصوص عليها بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٧]، وتسمى هذه الإباحة: الإباحة الشرعية.\n٢ - الثانية: إباحةٌ عقلية، وهي تسمى في الاصطلاح: البراءة الأصلية، والإباحة العقلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصليِّ حتى يرد دليل ناقل عنه.\nومن فوائد الفرق بين الإباحتين المذكورتين أن رفع الإباحة الشرعية يُسمَّى نسخًا، كرفع إباحة الفطر في رمضان، وجعل الإطعام بدلًا عن الصوم المنصوص في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة/ ١٨٤]، فإنه منسوخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة/ ١٨٥].\nوأما الإباحةُ العقليةُ فليس رفعُها نسخًا؛ لأنَّها ليست حكمًا شرعيًّا، بل عقليًّا، ولذا لم يكن تحريم الربا ناسخًا لإباحته في أول الإسلام؛ لأنها إباحةٌ عقلية، وأمثال ذلك كثيرة جدَّا.\nوالمباح في اللغة: هو ما ليس دونه مانع يمنعه. ومنه قولُ عبيد بن الأبرص:","vol":"1","page":22},{"text":"ولقد أبحنا ما حَمَيْت ... ولا مبيح لما حَمَيْنَا\n\nتنبيه:\nقد دلَّت آيات من كتاب اللَّه على أنَّ استصحاب العدم الأصلي حجةٌ على عدم المؤاخذة بالفعل حتى يَرِدَ دليلٌ ناقل عن العدم الأصلي.\nمن ذلك أنهم كانوا يتعاملون بالربا، فلمَّا نزل تحريم الربا خافوا من أكل الأموال الحاصلة منه بأيديهم قبل تحريم الربا، فأنزل اللَّه في ذلك: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة/ ٢٧٥]، فقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ يدلُّ على أن ما تعاملوا به من الرِّبا على حكم البراءة الأصلية قبل نزول التحريم لا مؤاخدة عليهم به.\nونظير ذلك قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء/ ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء/ ٢٣]، فإنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في الموضعين استثناء منقطع، أي لكن ما سلف قبل التحريم على حكم البراءة الأصلية، فهو عفو.\nونظائر هذا في القرآن الكريم كثيرة، ومن أصرح الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة/ ١١٥] فإنهم لمَّا استغفروا لموتاهم المشركين، فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة/ ١١٣] ندموا على استغفارهم للمشركين،","vol":"1","page":23},{"text":"فأنزل اللَّه الآية مبينة أن ما فعلوه من الاستغفار لهم على حكم البراءة الأصلية قبل نزول التحريم، لا مؤاخذة عليهم به حتى يحصل بيان ما ينهى عنه.\n\nفصل\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(واختلف في الأفعال وفي<span data-type=\"title\" id=toc-10> الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها</span>. . .) الخ.\nاعلم أنَّ خلاصة ما ذكره المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا المبحث: أنَّ حكم الأفعال والأعيان -أي الذوات المنتفع بها- قبل أن يرد فيها حكمٌ من الشرع فيها ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنها على الإباحة، وهو الذي يميلُ إليه المؤلف. واستدل بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة/ ٢٩]، فإنَّه تعالى امتنَّ على خلقه بما في الأرض جميعًا، ولا يمتن إلَّا بمباح، إذْ لا منَّة في محرَّم.\nواستدلَّ لإباحتها أيضًا بصيغ الحصر في الآيات، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف/ ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآية [الأنعام/ ١٤٥]، ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ\n_________\n(^١) (١/ ١٩٧).","vol":"1","page":24},{"text":"رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [الأنعام/ ١٥١].\nواستدل لذلك أيضًا بحديث: \"الحلال ما أحله اللَّه في كتابه، والحرام ما حرَّمه اللَّه في كتابه، وما سكت عنه فهو ممَّا عفا عنه\".\nالمذهب الثاني: أنّ ذلك على التحريم حتى يرد دليل الإباحة. واستدل لهذا بأنَّ الأصل منع التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وجميع الأشياء ملك للَّه جلَّ وعلا فلا يجوز التصرف فيها إلا بعد إذنه.\nونوقش هذا الاستدلالُ بأنَّ منع التصرف في ملك الغير إنَّما يَقْبُحُ عادةً في حقِّ من يتضرر بالتصرف في ملكه، وأنه يقبح عادةً المنع ممَّا لا ضرر فيه، كالاستظلالِ بظلِّ حائطِ إنسانٍ، والانتفاع بضوءِ ناره، والله جلَّ وعلا لا يلحقه ضرر من انتفاع مخلوقاته بالتصرف في ملكه.\nالمذهب الثالث: التوقف عنه حتى يرد دليلٌ مبيِّن للحكم فيه.\nواعلم أن لعلماء الأصول في هذا المبحث تفصيلًا لم يذكره المؤلف، ولكنه أشار إليه إشارة خفية، وهو أنهم يقولون: الأعيان -مثلًا- لها ثلاث حالات:\n١ - إمَّا أن يكون فيها ضررٌ محضٌ ولا نفع فيها البتة، كأكل الأعشاب السامة القاتلة.\n٢ - وإمَّا أن يكون فيها نفعٌ محض، ولا ضرر فيها أصلًا.\n٣ - وإمَّا أن يكون فيها نفع من جهةٍ وضرر من جهةٍ.\nفإن كان فيها الضرر وحده ولا نفع فيها، أو كان ضررها أرجح من","vol":"1","page":25},{"text":"نفعها أو مساويًا له = فهي حرام؛ لقوله -ﷺ- \"لا ضرر ولا ضرار\".\nوإن كان نفعها خالصًا لا ضرر معه، أو معه ضرر خفيف والنفع أرجح منه = فأظهر الأقوال الجواز.\nوقد أشار المؤلف إلى هذا التفصيل بقوله: (المنتفع بها)؛ فمفهومه أنَّ ما لا نفع فيه لا يدخلُ في كلامه.\nقال المؤلف (^١) -﵀-: (المباح غير مأمور به. .) الخ.\nمن المعلومِ أنَّ المباحَ لم يُؤْمَرْ به، لا تركًا ولا فعلًا، وقد قدَّمنا أنه لا يدخلُ في تعريف التكليف بوجهٍ من الوجوه، وإنَّما عدوه من أقسام الحكم التكليفي مسامحةً وتكميلًا للقسمة، كما تقدَّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المكروه</span>\nقال المؤلف (^٢) -﵀-:\n(القسم الرابع: المكروه، وهو ما تركُه خيرٌ من فعله، وقد يطلق ذلك على المحظور، وعلى ما نُهي عنه نهي تنزيه، فلا يتعلق بفعله عقاب. . .) الخ.\nكلامه واضح.\nوالمكروه في اللغة: اسم مفعول كرهه، إذا أبغضه ولم يحبه، فكلُّ\n_________\n(^١) (١/ ٢٠٣).\n(^٢) (١/ ٢٠٦).","vol":"1","page":26},{"text":"بغيض إلى النفوس فهو مكروه في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ (^١) عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء/ ٣٨].\nوقولُ عمرو بن الإطْنابة:\nوإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح\nواعلم أن المكروه قد يطلق على الحرام؛ لأنه بغيض إلى النفوس العارفة، وذلك هو معنى قول المؤلف: (وقد يطلق ذلك على المحظور)، فالإشارة في قوله \"ذلك\" راجعة إلى المكروه والمحظور والحرام.\nومراده أن الكراهة قد تُطلق على كراهة التحريم وكراهة التنزيه، كما هو معروف في كلام العلماء.\nوعرِّف المكروه في الاصطلاح بأنه: هو ما تركه خير من فعله.\nوإن شئت قلت: هو ما نهي عنه نهيًا غير جازم.\n\nفصل\nقال المؤلف (^٢) -﵀-:\n\n(و<span data-type=\"title\" id=toc-12>الأمرُ المطلقُ لا يتناول المكروه</span>؛ لأن الأمر استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدعًى ولا مطلوب، ولأن الأمر ضد النهي، فيستحيل\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وغيره.\n(^٢) (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":27},{"text":"أنْ يكون الشيء مأمورًا به ومنهيًّا عنه، وإذا قلنا: إنَّ المباح ليس بمأمور فالنهي عنه أولى).\nإيضاحُ معنى كلامه -﵀-:\nأن المأمور به إذا كان بعض جزئياته منهيًّا عنه نهي تنزيه أو تحريم لا يدخلُ ذلك المنهيٌّ عنه منها في المأمور به؛ لأنَّ النهي ضدُّ الأمر، والشيء لا يدخل في ضدِّه، خلافًا لبعض الحنفية القائلين بدخوله فيه، فتحيَّةُ المسجد مثلًا مأمور بها، فإذا دخل المسجد وقت نهي، فتلك الصلاة المنهي عنها لوقت النهي لم تدخل في الأمر للمضادة التي بين الأمر والنهي، وهكذا.\nوقال الشافعي -﵀-: إنَّ الصلوات ذوات الأسباب الخاصة لم يتناولها النهي، فهي داخلة في الأمر؛ لأنَّها لم تدخل في النهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الحرام</span>\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(القسم الخامس: الحرام ضد الواجب).\nاعلم أنَّ الحرام صفةٌ مشبهةٌ باسم الفاعل، لأنه الوصف مِنْ حَرُمَ الشيءُ فهو حرام.\n_________\n(^١) (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":28},{"text":"والحرام في اللغة: هو الممنوع. ومنه قول امرئ القيس:\nجالت لتصرعني فقلتُ لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام\nوقول الآخر:\nحرامٌ على عينيَّ أن تطعما الكرى ... وأن تَرْقآ حتى ألاقيك يا هند\nوقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص/ ١٢]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة/ ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء/ ٩٥] الآيات.\nوقوله: \"ضد الواجب\" يعني أنَّ الحرام في الاصطلاح: هو ما في تركه الثواب وفي فعله العقاب.\nوإن شئت قلت: ما نهي عنه نهيًا جازمًا.\nوقول المؤلف (^١) -﵀-:\n(فيستحيل أنْ يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة ومعصية، من وجهٍ واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد. . .) الخ.\nإيضاحُ معنى كلامه -﵀- أنَّ الوحدة ثلاثة أقسام:\n١ - وحدة بالجنس.\n_________\n(^١) (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":29},{"text":"٢ - وحدة بالنوع.\n٣ - وحدة بالعين.\nأما الوحدةُ بالجنس أو النوع فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حرامًا وبعضها حلالًا، بخلاف الوحدة بالعين، فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حرامًا وبعضُها حلالًا.\nمثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير؛ لأنهما يشملُهما جنسٌ واحدٌ هو الحيوان، فكلاهما حيوان، فهما متحدان جنسًا، ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير.\nومثال الوحدة بالنوع: السجود؛ فإنه نوع واحد، فالسجود للَّه والسجود للصنم يدخلان في نوع واحدٍ هو اسم السجود، ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، وللَّه قربة، كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت/ ٣٧].\nومثال الوحدة بالعين عند المؤلف -﵀-: الصلاة في الأرض المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حرامًا وبعضها مباحًا.\nوإيضاحُ مراده: أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشَغْلُه الفراغَ المملوك لغيره بجسمه تعدِّيًا غصبٌ، فهو حرامٌ، فهذا الركن الذي هو القيام غصبٌ، فهو حرامٌ، فإذا ركع شغل الفراغ الذي هو كائنٌ فيه في ركوعه، وإذا","vol":"1","page":30},{"text":"سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده، وهكذا، وشَغْلُ الفراغ المملوك لغيره تعدِّيًا غصبٌ، فلا يمكن أنْ يكون قربة؛ لامتناع كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا، قربةً معصيةً، لاستحالة اجتماع الضدَّين في شيءٍ واحدٍ من جهةٍ واحدة؛ فيلزم بطلان الصلاة المذكورة.\nومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة، وهم الجمهور، قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعلٌ له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان هو طاعةٌ من إحداهما ومعصيةٌ من إحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة من حيث هي صلاةٌ قربةٌ، ومن حيث هي غصبٌ معصيةٌ، فله صلاته وعليه غصبه.\nفيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي ردٌّ، للحديث الصحيح: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\".\nفيقول خصمُه: الصلاةُ في نفسها من أمرنا، فليست بردٍّ، وإنَّما الغصبُ هو الذي ليس من أمرنا فهو ردٌّ.\nواعلم أن حاصل أقوال العلماء في الصلاة في المكان المغصوب أربعة مذاهب:\nالأول: أنها باطلة يجب قضاؤها، وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد -﵀-.\nالثاني: أنها باطلة ولا يجب قضاؤها؛ لأنَّ النهي يقتضي البطلان؛","vol":"1","page":31},{"text":"ولأنَّ السلف لم يكونوا يأمرون بقضاء الصلاة في المكان المغصوب، وممن قال به الباقلاني، والرازي. ولا يخفى بُعْدُه.\nالثالث: أنَّها صحيحة، وهي رواية أخرى عن أحمد، وعليه الجمهور منهم مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وأكثرهم على أنها صحيحة لا أجر فيها، كالزكاة إذا أخذت منه قهرًا.\nوالرابع: أنها صحيحة، وله أجر صلاته وعليه إثم غصبه. وهذا أقيس.\n\nفصل\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(مصححوا الصلاة في الدار المغصوبة قسَّموا النهي ثلاثة أقسام. . .) إلى آخره.\nاعلم أنَّ حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة أنَّ المنهي عنه إمَّا أن تكون جهة النهي فيه منفردةً، أعني أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها، كالشرك باللَّه والزنا، فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا إشكال في أنه باطل على كل حال.\nوإمَّا أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها. وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي فالفعل صحيح، وإن لم تنفك عنها فالفعل باطل. لكنهم عند التطبيق\n_________\n(^١) (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":32},{"text":"يختلفون:\nفيقول الحنبليُّ: الصلاةُ في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، مأمور بها من جهة الصلاة، إلا أنَّ الجهة هنا غير منفكة، لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصبًا، والصلاة يشترط فيها نية التقرب، وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصبٌ لا يمكن فيه نية التقرب، إذ لا يمكن أن يكون متقربًا بما هو عاصٍ به.\nأما إذا انفكت الجهة فالفعل صحيح، كالصلاة بالحرير، فإنَّ الجهة منفكة؛ لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقًا في الصلاة وغيرها، فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة، وعليه إثم لبسه الحرير.\nفيقول المالكي والشافعي مثلًا: لا فرق البتة بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب -أيضًا- حرامٌ في الصلاة وفي غيرها، فصلاته صحيحة، وعليه إثم غصبه.\nويقول المالكي -مثلًا-: مثال الجهة غير المنفكة صوم يوم العيد أو الفطر؛ لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة اللَّه، لأن الصوم إمساك، وهذا الإمساك هو بعينه الإعراض عن ضيافة اللَّه، لأن الإعراض عنهما هو الامتناعُ عن الأكل والشرب، فلا يمكن انفكاك الجهة.\nفيقول الحنفي: الجهة منفكة -أيضًا-؛ لأن الصوم من حيث إنه","vol":"1","page":33},{"text":"صومٌ قربةٌ، ومن حيث كونه في يوم العيد منهيٌّ عنه، فالجهة منفكة، ولذا لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد، ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد بناء على انفكاك الجهة عنده.\nوقول المؤلف (^١) -﵀- في هذا المبحث: (قسَّموا النهي إلى ثلاثة أقسام).\nإيضاح معناه: أنَّ المنهيَّ عنه إمَّا أن يكون النهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه، زاد بعض المحققين قسمًا رابعًا: وهو أن المنهيَّ عنه لخارج عنه قد تكون فيه جهة النهي غير منفكة عن جهة الأمر، وقد تكونُ منفكة عنها، فتكون الأقسام أربعة.\nمثال المنهي عنه لذاته: الشرك والزنا، ومثال المنهي عنه لوصفه القائم به: الخمر بالنسبة إلى الإسكار، ومثَّل له المؤلف بالصلاة في حالة السُّكر؛ لأنَّها منهي عنها لوصف السُّكر القائم بالمصلي، ومثال المنهي عنه لخارج غير لازم: الصلاة بالحرير، ومثال المنهي عنه لخارج لازم عند المؤلف: الصلاة في المكان المغصوب.\nوالنهي يقتضي البطلان في ثلاثة منها، وهي: ما نهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه لازمٍ له لزومًا غير منفك.\nأمَّا الرابع فلا يقتضي البطلان، وهو ما كان النهي عنه لخارج غير لازم.\n_________\n(^١) (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":34},{"text":"وقد قدمنا اختلافهم في انفكاك الجهة.\nوقد بين صاحب \"مراقي السعود\" بعض المسائل التي اختلفوا في انفكاك الجهة فيها وعدمه بقوله:\nمثل الصلاة بالحرير والذهب ... أو في مكان الغصب والوضو انقلب\nومعطنٍ ومنهج ومقبرة ... كنيسةٍ وذي حميم (^١) مجزرة\nوالمؤلف -﵀- يرى أنَّ الصلاة في الأمكنة المنهي عنها باطلة، والخلاف فيها مشهور.\n\nفصل\nقال المؤلف (^٢) -﵀-:\n(الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه من حيث المعنى، فأمَّا الصيغة فلا، فإنَّ قوله: (قم) غير قوله: (لا تقعد)، وإنَّما النظر في المعنى، وهو أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود. . .) إلى آخره.\nاعلم أنَّ كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده فيه ثلاثة مذاهب:\nالأول: أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضدِّه. وهذا قول جمهور المتكلمين.\n_________\n(^١) ذي حميم: أي الحمَّام؛ لوجود الماء الحار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ [محمد/ ١٥]. \"عطية\".\n(^٢) (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":35},{"text":"قالوا: اسكن -مثلًا-، السكونُ المأمورُ به فيه هو عين ترك الحركة، فهو إذن عين النهي عن الحركة -أيضًا-، فالأمرُ بالسكون هو النهي عن الحركة.\nقالوا: وشغل الجسم فراغًا هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق، وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد.\nقالوا: ومثل ذلك طلب السكون، فهو بالنسبة إليه أمر وإلى الحركة نهي.\nوالذين قالوا بهذا القول اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينًا، وكون وقته مضيقًا، ولم يذكر ذلك المؤلف، أمَّا إذا كان غير معين -كالأمر بواحد من خصال الكفارة- فلا يكون نهيًا عن ضده، فلا يكونُ في آية الكفارة نهي عن ضد الإعتاق -مثلًا-؛ لجواز ترك الإعتاق من أصله والتلبس بضده، والتكفير بالإطعام -مثلًا-، وذلك بالنظر إلى ما صِدْقِه أي فرده المعيَّن، كما مثلنا، لا بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بين تلك الأشياء؛ فإنَّ الأمر حينئذٍ نهيٌ عن ضد الأحد الدائر، وضده هو ما عدا تلك الأشياء المخير بينها.\nوكذلك الوقت الموسع، فلا يكون الأمر بالصلاة في أول الوقت نهيًا عن التلبُّس بضدها في ذلك الوقت، بل يجوز التلبس بضدها في أول الوقت وتأخيرها إلى وسطه أو آخره بحكم توسيع الوقت.","vol":"1","page":36},{"text":"قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nالذي يظهر -واللَّه أعلم- أنَّ قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أنَّ الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، مبني على زعمهم الفاسد أنَّ الأمر قسمان: نفسي ولفظي، وأنَّ الأمر النفسي هو المعنى القائم بالذات المجرَّد عن الصيغة، وبقطعِهم النظر عن الصيغةِ واعتبارِهم الكلامَ النفسيَّ زعموا أنَّ الأمر هو عين النهي عن الضد مع أن متعلق الأمر طلب ومتعلق النهي ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، والنهي استدعاء ترك فليس استدعاء شيء موجود.\nوبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهي عن ضده، وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أنَّ الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرَّد عن الصيغة.\nويوضح ذلك اشتراطُهم في كون الأمر نهيًا عن الضد أن يكون الأمر نفسيًا، يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة، وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحبُ الضياء اللامع وغيره، وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله: (من حيث المعنى، وأمَّا الصيغة فلا)، ولم ينتبه لأنَّ هذا من المسائل التي فيها النارُ تحت الرماد؛ لأن أصل هذا الكلام مبنيٌّ على زعم باطل، وهو أنَّ كلام اللَّه مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ؛ لأنَّ هذا القول الباطل يقتضي أنَّ ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها ربُّ السموات والأرض. وبطلان ذلك واضح، وسيأتي له إن شاء اللَّه زيادة إيضاح في مباحث القرآن ومباحث الأمر.","vol":"1","page":37},{"text":"المذهب الثاني: أنَّ الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، ولكنه يستلزمه. وهذا هو أظهر الأقوال؛ لأنَّ قولك: اسكن -مثلًا- يستلزم نهيك عن الحركة؛ لأن المأمور به لا يمكنُ وجوده مع التلبس بضده؛ لاستحالة اجتماع الضدين، وما لا يتم الواجب إلَّا به واجب كما تقدَّم، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلاني في آخر مصنفاته، وكان يقولُ بالأول.\nالمذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنُه. وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية، واستدلَّ من قال بهذا بأنَّ الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلًا عن ضدِّه، وإذا كان ذاهلًا عنه فليس ناهيًا عنه، إذْ لا يتصور النهي عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلًا.\nويجابُ عن هذا بأنَّ الكفَّ عن الضد لازم لأمره لزومًا لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده، فالأمر مستلزم ضرورة للنهي عن ضده، لاستحالة اجتماع الضدين.\nقالوا: ولا تشترط إرادة الأمر، كما ألثمار إليه المؤلف -﵀-.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nقولهم هنا: \"ولا تُشترط إرادة الأمر\" في هذا المبحث غلطٌ؛ لأن المراد بعدم اشتراط الإرادة في الأمر إرادة الآمر وقوع المأمور به، أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه بالأمر، فلا بدَّ منها على كل","vol":"1","page":38},{"text":"حال، وهي محل النزاع هنا.\nومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة قولُ الرجل لامرأته: إنْ خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي، فقعدت.\nفعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله: \"قومي\" هو عين النهي عن القعود، فيكون قعودها مخالفةً لنهيه المعبَّر عنه بصيغة الأمر، فتطلق.\nوعلى أنه مستلزم له، فيتفرع على الخلاف المشهور في لازم القول هل هو قول أو لا؟\nوعلى أنه ليس عين النهي عن الضد، ولا مستلزمًا له، فإنَّها لا تطلق.\nومن المسائل المبنيَّة عليها -أيضًا- ما لو سرق المصلِّي في صلاته، أو لبس حريرًا، أو نظر محرَّمًا، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهي عن السرقة -مثلًا-، فتبطل الصلاة بناءً على أن النهي يستلزم الفساد، فعين السرقة منهي عنها في الصلاة بنفس الأمر بالصلاة؛ فعلى أنَّ النهي يقتضي الفساد فالصلاة باطلة.\nوسيأتي لهذا زيادةُ إيضاح -إن شاء اللَّه تعالى-، وخلافُ العلماء في مثل هذه الفروع مشهور.","vol":"1","page":39},{"text":"تنبيه:\nتكلم المؤلفُ -﵀- على الأمر بالشيء الذي له ضدٌّ، ولم يذكر حكم الشيء الذي له أضداد متعددة، وحكمهما واحد، فالأمرُ بالشيء نهي عن الضد الواحد أو مستلزم له. . إلى آخره، ونهي عن جميع الأضداد المتعددة أو مستلزم لها. . إلى آخره.\nمثال الواحد: ضد السكون، وهو الحركة. ومثال المتعددة: النهي عن القيام، فضده القعود والاضطجاع.\n\nفصل\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(التكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفةٌ، أي مشقة. قالت الخنساء:\nيكلِّفه القومُ ما نابهم ... وإنْ كان أصغرهم مولدًا)\nفقد عرفنا التكليف لغة واصطلاحًا فيما تقدم.\nوقوله: (وهو في الشريعة الخطابُ بأمر أو نهي). قد بينَّا فيما تقدم وجه إدخال الجائز في أقسام التكليف مع أنَّه ليس مكلَّفًا به فعلًا ولا تركًا.\nقال المؤلف (^٢) -﵀-:\n(وله شروط بعضُها يرجعُ إلى المكلَّف، وبعضُها يرجعُ إلى نفس\n_________\n(^١) (١/ ٢٢٠).\n(^٢) (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":40},{"text":"الفعل المكلَّف به. . .) إلى آخره.\nأما شروط التكليف الراجعة إلى المكلف فذكر منها: العقل، والبلوغ، وعدم النسيان، وعدم النوم، فجعل السكران الذي لا يعقل غير مكلَّف، ولم يجعل عدم الإكراه شرطًا، فالمكره عنده مكلَّفٌ، وذكر الخلاف في اشتراط عدم الكفر بالنسبة إلى فروع الإسلام، ولذا ذكر أن الكفار اختلف في خطابهم بفروع الإسلام.\nوذكر ثلاثة شروط راجعة إلى نفس الفعل المكلف به، وهي: علم المكلَّف المأمور به، فلا يصح تكليفه بما لا يعلمه.\nالثاني: كون الفعل المأمور به معدومًا، لأنَّ التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل. وهو محال.\nالثالث: كونه ممكنًا، فلا يصح التكليف بالمحال.\nهذا حاصلُ ما ذكره من شروط التكليف، ودونك تحقيق المقام في الشروط المذكورة.\nأمَّا اشتراط العقل في التكليف فلا خلاف فيه بين العلماء، إذ لا معنى لتكليف من لا يفهم الخطاب، وأمَّا لزوم قيم المتلفات وأروش الجنايات لمن لا عقل له، كالصبي الصغير والمجنون، فهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف.\nوأمَّا الصبيُّ المميز: فجمهور العلماء على أنه غير مكلَّف بشيء مطلقًا، لأنَّ القلم مرفوع عنه حتى يبلغ، وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز، ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبي","vol":"1","page":41},{"text":"بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والحرام، قالوا: للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب، ولا بارتكاب حرام؛ لرفع القلم عنه، وأما المكروه والمندوب فاستدلوا لتكليفه بهما بحديث الخثعمية التي أخذت بضبعي صبي، وقالت: يا رسول اللَّه ألهذا حج؛ قال: \"نعم ولك أجر\".\nوأما النائم والناسي: فاختُلف في تكليفهما، فقيل: غير مكلفين، كما درج عليه المؤلف؛ للإجماع على سقوط الإثم عنهما، ولو كانا مكلفين كانا آثمين بترك العبادة حتى فات وقتها لأجل النوم والنسيان.\nوقيل: هما مكلفان؛ بدليل الإجماع على وجوب القضاء عليهما، إذ لو كانت الصلاة غير واجبة عليهما في وقت النوم أو النسيان لما وجب قضاؤها عند اليقظة والذكر؛ لأن ما لم يجب لا يجب قضاؤه.\nوجمع بعض محققي الأصوليين من المالكية بين القولين بأنْ قال: إنَّ عدم النوم والنسيان شرطٌ في الأداء لا في الوجوب، فالصلاة واجبة عليهما مع أنهما غير مكلفين بنفس أدائها، فالتمكن من الأداء بعد النوم والنسيانِ شرطٌ في الأداء فقط لا في الوجوب، ومرادُهم بشرط الإيجاب أنَّه شرط في الإيجاب الإعلامي الذي المقصود منه اعتقادُ وجوب إيجاد الفعل، ومرادهم بشرط الأداء الإيجاب الإلزامي الذي المقصود منه الامتثال الذي لا يحصل إلا بالاعتقاد والإيجاد معًا.\nواعلم أنَّ ما جزم به المؤلف ﵀ من كون الناسي والنائم غير مكلَّفين، يشكل عليه وجوب قضاء الصلاة، والإجماع على أنَّها قضاء، وقد يُجاب عنه بأنَّ القضاء وجب بانعقاد سبب الوجوب، وإن منع منه تمامه مانع النوم أو النسيان. واللَّه تعالى أعلم.","vol":"1","page":42},{"text":"وأما السكران الذي لا يعقل: فجزم المؤلف بأنه غير مكلَّف، وبين أن لزوم الطلاق للسكران، ولزوم قيم المتلفات للنائم والناسي، أنَّ ذلك من خطاب الوضع، وذلك هو مراده بقوله (^١): (من قبيل ربط الأحكام بالأسباب)؛ لأنَّ ذلك بعينه من خطاب الوضع.\nواعلم أنَّ العلماء اختلفوا فيما يلزمُ السكران، ومما قيل في ذلك: التفصيل؛ لأنَّ السكر قد يذهب جميع عقله حتى يكون لا يعقل شيئًا، وهو المعروف بالسكران الطافح، وقد يذهب بعض عقله، ويبقى معه بعضه.\nفالأظهر في الطافح أنه لا يلزمه شيء من العقود ولا العتق ولا الطلاق ولا الجنايات إلا ما كان من خطاب الوضع كغرم قيمة المتلف، وأمَّا الذي لم يفقد جميع عقله فهو الذي فيه قول من قال:\nلا يلزم السكران إقرار عقود ... بل ما جنى عتق طلاق وحدود (^٢)\nفإنْ قيل: قد دلَّ القرآن على تكليف السكران في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء/ ٤٣]؛ لأنَّ قوله: ﴿وَأَنْتُمْ\n_________\n(^١) (١/ ٢٢٤).\n(^٢) هذا في غير الطافح، وهو الذي لم يفقد كل عقله. أما الطافح فلا يلزمه شيء. وللشيخ أبيات في ذلك، وهي:\nلا يلزم الطافح في عقود ... ولا جنايات ولا حدود\nومن جميع عقله لن يفقدا ... فهو الذي ذا البيت فيه أنشدا\nلا يلزم السكران. . . ... . . . . . . . . . . . . البيت\n\"عطية\"","vol":"1","page":43},{"text":"سُكَارَى﴾ جملة حالية، العامل فيها ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾، وصاحبها الضمير الذي هو الواو، والمعروف في علم العربية أنَّ الحال إن كانت غير مقدرة، فوقتها هو بعينه وقت عاملها، فيلزم من ذلك أن وقت النهي عن قربان الصلاة هو وقتُ السُّكر بعينه، ونهي السكران في وقت سكره يدل على أنَّه مكلَّف.\nفالجواب عن هذا الإشكال من الجهتين اللتين ذكرهما المؤلف:\nالأولى: أن المراد بالنهي النهيُ عن شرب الخمر في أول الإسلام قبل تحريمها قرب أوقات الصَلاة بحيث يغلب على الظن أنها يدخل وقتها وهو سكران، لأن من شرب المسكر في وقت يظن فيه أنه يأتي وقت الصلاة وهو سكران فكأنه عالم بأنَّ صلاته تكون في وقت سكره.\nودليل هذا الوجه: أنَّ الآية لما نزلت كانوا لا يشربونها إلا في وقتين: بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح؛ لأنه يغلب على الظن أن السكران يصحو فيما بين العشاء والصبح، وفيما بين الصبح والظهر، وأما في غير ذينك الوقتين فلا يشربونها؛ لأن وقت الصلاة في غيرهما يدخل قبل صحو السكران، وهو واضح.\nالثانية: أن المراد بالنهي خطابُ مَنْ وَجدَ مبادئ النشاط والطرب قبل زوال عقله؛ فإنَّه إن ابتدأ الصلاة في ذلك الوقت قد يتمكن منه السكر في أثنائها.\n\nتنبيه:\nقد أشار تعالى إلى ما يُعرف به زوال السكر، وهو أن يكون فاهمًا","vol":"1","page":44},{"text":"لما يتكلم به غير طائش عنه، وذلك في قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية [النساء/ ٤٣].\nوأمَّا المُكْرَه: فجزم المؤلفُ ﵀ بأنَّه مكلَّف، وإطلاقه تكليفه من غير تفصيل لا يخلو من نظر، إذ الإكراه قسمان:\n١ - قسمٌ لا يكون فيه المكره مكلفًا بالإجماع، كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلًا، فقهره من هو أقوى منه، وكبَّله بالحديد، وحمله قهرًا حتى أدخله فيها، فهذا النوع من الإكراه صاحبه غير مكلَّف كما لا يخفى، إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه.\n٢ - وقسمٌ هو محلُّ الخلاف الذي ذكره المؤلف، وهو ما إذا قيل له: افعل كذا مثلًا وإلا قتلتك، وجزم المؤلف بأنَّ المكره هذا النوع من الإكراه مكلَّف، وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرَّم الذي أكره عليه هذا النوع من الإكراه لكان آثمًا، والظاهر أنَّ في ذلك تفصيلًا.\nفالمكره على القتل بأن قيل: \"اقتله وإلا قتلتك أنت\"، لا يجوز له قتل غيره، وإن أدَّى ذلك إلى قتله هو، وأمَّا في غير حق الغير فالظاهر أنَّ الإكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل/ ١٠٦].\nوفي الحديث: \"إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\".\nوالحديث وإنْ أعلَّه أحمد وابن أبي حاتم، فقد تلقاه العلماء بالقبول، وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة.","vol":"1","page":45},{"text":"وأما<span data-type=\"title\" id=toc-18> خطابُ الكفَّار بفروع الإسلام:</span> فاختلف فيه، فقيل: غير مخاطبين بها. واحتجَّ من قال بأنَّهم غير مخاطبين بها بأنَّهم لو فعلوها في حال كفرهم لم تقبل منهم، ولا يجب قضاؤها عليهم بعد الإسلام، وما لم يُقبل منهم فلا يُخاطبون به.\nوهذا الاحتجاجُ مردودٌ؛ لأنَّهم مخاطبون بها وبما لا تصحُّ إلَّا به وهو الإسلام، كالمحدث يخاطب بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به كالطهارة، كما قدَّمنا من أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب،\nوالحقُّ أنَّهم مكلفون بها لدلالة النصوص على ذلك.\nفمن الأدلة عليه قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر/ ٤٢ - ٤٤].\nففي الآية التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر عدم إطعام المسكين، وهو فرع من الفروع.\nونظيره قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ ثم بين السبب بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ [الحاقة/ ٣٣ - ٣٤].\nومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان/ ٦٩ - ٦٨]؛ لأن الآية نص في مضاعفة العذاب في حق من جَمَعَ بين المحظورات.","vol":"1","page":46},{"text":"واعلم أنَّ المسألة فيها ثلاثة أقوال:\nالأول: أنهم مخاطبون بها. وهو الحق.\nالثاني: أنهم غير مخاطبين بها مطلقًا.\nالثالث: أنهم مخاطبون بالنواهي لصحة الكفِّ عن الذنب منهم دون الأوامر.\nوحجة من قال بالإطلاق أن الكفِّ عن المنهيِّ عنه وإن صدر منهم فلا أجر لهم فيه؛ لأنَّ الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة.\nوأمَّا الجوابُ عن كونها لا تقضى بعد الإسلام، فهو أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n\n(فأماَّ<span data-type=\"title\" id=toc-19> الشروط المعتبرةُ لفعل المكلَّف به </span>فثلاثة: أحدها: أن يكون معلومًا للمأمور به حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلومًا كونه مأمورًا به من جهة اللَّه تعالى، حتى يتصور فيه قصد الطاعة والامتثال، وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب).\nإيضاحُ معنى هذا الشرط الأول أنَّ الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعًا أن يكون المكلف يعلمه، فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة؛ لأن التكليف بالمجهول من\n_________\n(^١) (١/ ٢٣٣).","vol":"1","page":47},{"text":"تكليف ما لا يطاق، إذ لو قيل للمكلف: \"افعل ما أُضْمِرُ في نفسي أنك تفعلُه وإلَّا عاقبتُك\" فقد كلف بفعل ما لا طاقة له به؛ لأنَّ اهتداءه إلى الفعل المطلوب من غير علمٍ ليس في طاقته، كما هو واضح.\nواعلم أنَّ الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدي محض، وقسم معقول المعنى.\nفالتعبدي كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط في التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلَّف به كما بينا، ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور به من اللَّه تعالى، إذْ لابد له من نية التقرب به إلى اللَّه تعالى، ونية التقرب إليه ﷿ لاتمكن إلا بعد معرفة أنَّ الأمر المتقرب به إليه أمر منه جل وعلا.\nوأمَّا معقول المعنى فلا يشترط في صحة فعله نية التقرب، ولكن لا أجر له فيه البتة إلا بنية التقرب إلى اللَّه تعالى.\nومثالُ ذلك ردُّ الأمانة والمغصوب، وقضاءُ الدَّين، والإنفاق على الزوجة، فمن قضى دينه، وأدَّى الأمانة، وردَّ المغصوب مثلًا لا يقصد بشيء من ذلك وجه اللَّه، بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلًا، ففعلُه صحيح دون النية، وتسقطُ به المطالبة، فلا يلزمُه الحقُّ في الآخرة بدعوى أنَّ قضاءه في الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب، بل القضاء صحيح، والمطالبة ساقطة على كل حال، ولكن لا أجر له إلا بنية التقرب، وهذا هو مراد المؤلف بقوله: (وهذا يختصُّ بما يجب به قصد الطاعة والتقرب).","vol":"1","page":48},{"text":"قال المؤلف (^١):\n(الثاني: أن يكون معدومًا، أما الموجود فلا يمكن إيجاده فيستحيل الأمر به).\nإيضاح معنى هذا الشرط أنه يشترط في المطلوب المكلَّف به أن يكون الفعل المطلوب معدومًا، فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لابد أن يكونا غير موجودين، والمكلف ملزم بإيجادهما على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به، كما لو كان صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامةً من كلِّ جهاتها، فلا يمكن أمرُه بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أدَّاها على أكمل وجه؛ لأنَّ الأمر بتحصيلها معناه أنَّها غير حاصلة، والفرضُ أنَّها حاصلة، فيكون تناقضًا.\nومن هنا قالوا: تحصيل الحاصل محال، لأنَّ السعي في تحصيله معناه أنَّه غير حاصلٍ بالفعل، وكونه حاصلًا بالفعل ينافي ذلك، فصار المعنى هو غير حاصل هو حاصل. وهذا تناقض، واجتماع النقيضين محال.\n\nتنبيه:\nمثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ الآية [الأحزاب/ ١] صريح في الأمر بما هو حاصلٌ وقت الطلب؛ لأنه -ﷺ- مُتَّقٍ وقت أمره بالتقى.\n_________\n(^١) (١/ ٢٣٤).","vol":"1","page":49},{"text":"والجواب: أنَّ أمره بالتقوى يرادُ به الدوام على ذلك أو أمر أمته بأمره لأنه قدوةٌ لهم.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(الثالث: أن يكون ممكنًا، فإنْ كان محالًا كالجمع بين الضدَّين ونحوه، لم يجز الأمر به، وقال قوم: يجوز ذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة/ ٢٨٦] والمحالُ لا يسأل دفعه؛ لأنَّ اللَّه تعالى علم أنَّ أبا جهل لا يؤمن وقد أمره بالإيمان، وكلفه إياه. . .) إلى آخره.\nاعلم أن هذه المسألة هي المعروفة عند أهل الأصول بمسألة التكليف بما لا يطاق، وبعضهم يقول: التكليف بالمحال، وفيها تفصيل لا بدَّ منه، ولم يذكره المؤلف رحمه اللَّه تعالى، ولكنه أشار إليه إشارة خفيفة في آخر كلامه.\nاعلم أنَّ حاصل تحقيق المقام في هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيها من جهتين:\nالأولى: من جهة الجواز العقلي، أي هل يجوز عقلًا أن يكلف اللَّه عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلًا؟\nالثانية: هل يمكن ذلك شرعًا أو لا؟\nاعلم أنَّ أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلًا بما لا يُطاق.\n_________\n(^١) (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥).","vol":"1","page":50},{"text":"قالوا: وحكمته ابتلاء الإنسان، هل يتوجَّه إلى الامتثال، ويتأسف على عدم القدرة، ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعًا للَّه بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون في حكم العاصي.\nومنهم من يقول: لا يلزم ظهور الحكمة في أفعال اللَّه؛ لأنهم يزعمون أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والحكم، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى إيضاح إبطال ذلك في الكلام على علة القياس.\nوأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلًا. قالوا: لأنَّ اللَّه يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه، فهو محال عقلًا.\nأمَّا بالنسبة إلى الإمكان الشرعي ففي المسألة التفصيل المشارُ إليه آنفًا، وهو أن المستحيل أقسام، فالمستحيل عقلًا قسمان:\nقسم مستحيل لذاته، كوجود شريك للَّه ﷾ عن ذلك علوا كبيرًا، وكاجتماع النقيضين والضدَّين في شيءٍ واحدٍ في وقتٍ واحد من جهةٍ واحدة، ويسمى هذا القسم: المستحيل الذاتي.\nوإيضاحه: أنَّ العقل إما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه، أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده، أو يقبلهما معًا، فإن قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتي المعروف بواجب الوجود، كذات اللَّه جل وعلا، متصفًا بصفات الكمال والجلال، وإن قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلًا، كوجود شريك للَّه ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنْ قبل العقل","vol":"1","page":51},{"text":"وجوده وعدمه فهو المعروف بالجائز عقلًا، وهو الجائز الذاتيُّ، كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه.\nفالمستحيل الذاتيُّ أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصحُّ شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة / ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن/ ١٦]، ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة.\nالقسم الثاني من قسمي المستحيل عقلًا: هو ما كان مستحيلًا لا لذاته، بل لتعلق علم اللَّه بأنه لا يوجد؛ لأنَّ ما سبق في علم اللَّه أنه لا يوجد مستحيل عقلًا أن يوجد؛ لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي.\nوهذا النوع يسمونه المستحيل العرضي، ونحن نرى أنَّ هذه العبارة لا تنبغي، لأنَّ وصف استحالته بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلي لا يليق بصفة اللَّه، فالذي ينبغي أن يقال: إنَّه مستحيل لأجل ما سبق في علم اللَّه من أنه لا يوجد.\nومثال هذا النوع: إيمان أبي لهب، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائزٌ عقلًا الجواز الذاتي؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلًا عقلًا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلف به قطعًا إجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلًا الذاتي مستحيل من جهة أخرى، وهي من حيث تعلق علم اللَّه فيما سبق أنَّه لا يؤمن؛ لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزليُّ.\nوالتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا وجائز عقلًا وشرعًا","vol":"1","page":52},{"text":"بإجماع المسلمين لأنَّه جائز ذاتيٌّ، لا مستحيل ذاتي.\nوالأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان: واجب ومستحيل فقط؛ لأن العلم إما أن يتعلق بالوجود فهو واجب، أو بالعدم فهو مستحيل، ولا واسطة، والمستحيل العادي كتكليف الإنسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي.\nهذا هو حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة، والآيةُ لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق؛ لأنَّ المراد بما لا طاقة به هي الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا؛ لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به.\n\nفصل\nقال المؤلف (^١):\n\n(و<span data-type=\"title\" id=toc-20>المقتضى بالتكليف فعلٌ وكفٌّ</span>، فالفعل كالصلاة، والكفُّ كالصومِ وتركِ الزنا وشرب الخمر. . .) إلى آخره.\nاعلم أنَّ اللَّه جلَّ وعلا إنَّما يُكلِّفُ بالأفعال الاختيارية، وهي باستقراء الشرع أربعة أقسامٍ:\nالأول: الفعل الصريح، كالصلاة.\nالثاني: فعلُ اللسان وهو القول، والدليلُ على أن القول فعلٌ قوله\n_________\n(^١) (١/ ٢٤١).","vol":"1","page":53},{"text":"تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام/ ١١٢].\nالثالث: الترك، والتحقيقُ أنَّه فعلٌ، وهو كفُّ النفس وصرفُها عن المنهي عنه، خلافًا لمن زعم أن الترك أمر عدميٌّ لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء.\nوالدليلُ على أن الترك فعلٌ الكتاب والسنة واللغة:\nأما دلالةُ الكتاب على أن الترك فعل ففي آيات من القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة/ ٦٣].\nفسمى اللَّه جل وعلا عدم نهي الربانيين والأحبار لهم صنعًا، والصنع أخصُّ مطلقًا من الفعل، فدلَّ على أنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعلٌ، بدليل تسمية اللَّه له صنعًا.\nوكقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة/ ٧٩].\nفسمَّى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا، وهو واضح، ولم أر من الأصوليين من انتبه لدلالة هذه الآيات على أن الترك فعل.\nوقال السبكي في طبقاته: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان/ ٣٠] يدلُّ على أنَّ الترك فعل. قال: لأن الأخذَ التناولُ، والمهجور المتروك، فصار المعنى: تناولوه متروكًا، أي فعلوا تركه.","vol":"1","page":54},{"text":"هكذا قال.\nوأما دلالة السنة ففي أحاديث، كقوله -ﷺ-: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\".\nفسمى ترك الأذى إسلامًا، وهو يدل على أن الترك فعل.\nوأمَّا اللغة فكقول الراجز:\nلئن قعدنا والنبيُّ يعملُ ... لذاك منا العمل المضلَّلُ\nفمعنى \"قعدنا\" تركنا الاشتغال ببناء المسجد، وقد سمَّى هذا الترك عملًا في قوله: \"لذاك منا العمل المضلل\".\nوينبني على الخلاف في الترك هل هو فعل أو لا؟ فروعٌ كثيرةٌ في المذاهب، كمن منع مضطرًّا فضل طعام أو شراب حتى مات، فعلى أن الترك فعل فإنه يضمن ديته، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه.\nوكمن منع خيطًا ممَّن به جائفة حتى مات، ومن منع جاره فضل مائه حتى هلك زرعه، ومن منع صاحب جدار خاف سقوطه عُمُدًا عنه حتى سقط، ومن أمسك وثيقة حق حتى تلف الحقُّ.\nوأمثال هذا كثيرة جدًّا في الفروع.\nفعلى أنَّ الترك فعل فإنَّه يضمن في الجميع، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه.\nوأشار إلى هذا صاحب مراقي السعود بقوله:","vol":"1","page":55},{"text":"ولا يكلف بغير الفعل ... باعث الأنبيا ورب الفضل\nفكفُّنا بالنهي مطلوب النبي ... والكفُّ فعل في صحيح المذهب\nله فروع ذكرت في المنهج ... وسردها من بعد ذا البيت يجي\nمن شرب أو خيط ذكاة فضل ما ... وعمد رسم وشهادة وما\nعطل ناظر وذو الرهن كذا ... مفرط في العلف فادر المأخذا\nالرابع: العزم المصمم على الفعل، والدليل على أنه فعلٌ قوله -ﷺ- في حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار\". قالوا: يا رسول اللَّه قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: \"إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه\".\nفالحديث يدلُّ دلالة لا لبس فيها على أنَّ عزم هذا المقتول المصمم على قتل صاحبه فعل دخل بسببه النار، لأنهم قالوا له: قد عرفنا القاتل، أي عرفنا الموجب الذي دخل بسببه النار وهو قتل المسلم، فما بال المقتول، أي ما تشخيص الذنب الذي دخل بسببه النار؛ لأنه لم يحصل منه قتل بالفعل؟ فأجابهم -ﷺ- بأن سبب دخوله النار هو حرصُه على قتل صاحبه.\nفدلَّ ذلك بدلالة الإيماء والتنبيه على أنَّ حرصه على قتل صاحبه، هو الفعلُ الذي دخل بسببه النار، كما هو واضح.\nوقولُ المؤلف ﵀ في هذه المسألة: (والمقتضَى بالتكليف) هو بفتح الضاد بصيغة اسم المفعول، أي الشيء المقتضى بالتكليف","vol":"1","page":56},{"text":"فعلٌ وكفٌّ، كما أوضحناه.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(الضرب الثاني من الأحكام: ما يتلقى من خطاب الوضع والأخبار. وهو أقسامٌ أيضًا).\nاعلم أنَّ ما ذكر من أقسام خطاب الوضع ستة أقسام:\nالقسم الأول: ما يظهر به الحكم، وهو نوعان: العلل والأسباب.\nالثالث: الشروط.\nالرابع: الموانع.\nالخامس: الصحة.\nالسادس: الفساد.\nوانجرَّ الكلامُ إلى الرخصة والعزيمة والقضاء والأداء والإعادة، وهذه تفاصيل ذلك كله:\nاعلم أولًا أنَّ خطاب الوضع إنَّما سُمي خطاب الوضع لأنَّ الشرعَ وضع الخطاب بالأسباب والشروط والموانع مثلًا، بمعنى أنه يقول: إذا زالت الشمس مثلًا فقد وضعتُ وجوب الصلاة، وإذا تم النصاب والحول فقد وضعتُ وجوب الزكاة، وإذا حصل الحيض فقد وضعتُ سقوط الصلاة والصوم. وقس على هذا.\n_________\n(^١) (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":57},{"text":"واعلم أنه يُفَرَّقُ بين خطاب التكليف وخطاب الوضع بفارقين ظاهرين، وهما: أنَّ خطاب الوضع علامته أنه إما أن لا يكون في قدرة المكلف أصلًا، كزوال الشمس والنقاء من الحيض، أو يكون في قدرته ولا يؤمرُ به، كالنصاب للزكاة، والاستطاعة للحج، وعدم السفر للصوم.\nوبهذا تعرف أنَّ خطاب التكليف علامتهُ أمران: أن يكون في قدرة المكلف، ويؤمر به فعلًا، كالوضوء للصلاة، أوْ تركًا كسائر المنهيات.\nوخطاب الوضع أعمُّ من خطاب التكليف؛ لأنَّ كلَّ تكليف معه خطابُ وضعٍ، إذ لا يخلو من شرط أو مانع مثلًا، وقد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف، كلزوم غرم المتلفات وأروش الجنايات لغير المكلَّف كالصبي، وقيل: بينهما عموم وخصوص من وجه، واعتمده القرافي في الفروق.\n\nأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-22> العلة </span>فهي في اللغة: عبارةٌ عما اقتضى تغييرًا، ومنه سُميَّت علةُ المريض؛ لأنَّها اقتضت تغير الحال، ومنه قول زهير:\nإن تلق يومًا على علاته هَرِمًا ... تلق السماحة منه والندى خُلُقا\nأي إن تلقه على علاته -أي حالاته المقتضية تغيير الجود، كالفقر والجدب- تلقه متصفًا بالجود والسماحة على كل حال.\nوالعلة العقلية عبارة عما يوجب الحكم لا محالة، كتأثير حركة الأصبع في حركة الخاتم، وتأثير الكسر في الانكسار والتسويد في السواد.","vol":"1","page":58},{"text":"والفقهاء يستعملون العلة في ثلاثة أشياء:\nالأول: ما يوجب الحكم لا محالة، أي إذا وجد وجد قطعًا، وهو المجموع المركب من مقتضى الحكم، وشرطه، ومحله، وأهله، كوجوب الصلاة؛ فإنه حكم شرعي، ومقتضيه أمرُ الشارع بالصلاة، وشرطه أهلية المصلي لتوجه الخطاب إليه بأن يكون بالغًا عاقلًا، ومحله الصلاة، وأهله المصلي، فإذا وجد هذا المجموع وجدت الصلاة، ويطلق على هذا المجموع اسم العلةِ تشبيهًا بالعلة العقلية.\nوقول المؤلف (^١) في هذا البحث:\n(والأهل والمحل وصفان من أوصافها. . .) إلى آخره.\nصوابُه أن يقول: ركنان من أركانها؛ لأنَّ الأهل والمحل ركنان من أركانها على هذا التفسير لها.\nالثاني من الأشياء التي يطلقون عليها العلة: هو العلة التي تخلَّف شرطها أو وجد مانعها، كاليمين مع عدم الحنث بالنسبة لوجوب الكفَّارة، فاليمين علةُ الكفَّارة، وشرط وجوبها بها الحنثُ، فتسمى اليمين دون الحنث علةً وهي علةٌ تخلَّف شرطها، وهكذا في نحوه، وهذا أولى عند المؤلف.\nالثالث من الأشياء التي يطلقون عليها اسم العلة: هو الحكمة.\nوضابط الحكمة أنها هي المعنى الذي من أجله صارَ الوصف علة،\n_________\n(^١) (١/ ٢٤٥).","vol":"1","page":59},{"text":"فعلةُ تحريم الخمر -مثلًا- الإسكار، وحكمتُه حفظُ العقل؛ لأنَّ حفظ العقل هو الذي صار من أجله الإسكار علة للتحريم في الخمر.\nقال صاحب مراقي السعود في تعريف الحكمة:\nوهي التي من أجلها الوصف جرى ... علة حكم عند كلِّ من درى\nوهذا هو معنى قول المؤلف (^١) -﵀-: (كقولهم: المسافر يترخص لعلة المشقة)؛ لأن علة الرخصة بالقصر وعدم الصوم هي السفر، والحكمة رفعُ المشقة؛ لأنَّها هي التي من أجلها صار السفر علة للرخصة.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-23> السبب </span>فهو كل ما توصَّلْتَ به إلى شيء. ومنه قول زهير:\nومن هابَ أسبابَ المنية يلقها ... ولو رامَ أسبابَ السماءِ بسُلَّمِ\nويروى: \"أسباب المنايا ينلنه\"، أي طرقها الموصلة إليها.\nوالسببُ يطلق عند الفقهاء على أربعة أشياء:\nالأول: ما يُقابل المباشرة، كالحفر مع التردية، فالحافر يسمى صاحب سبب، والمُردِّي الذي هو المباشر صاحب علة، وكمن قدَّم طعام شخص إلى آخر فأكله، فالمُقدِّم متسبب، والآكل مباشر، والقاعدة عند الفقهاء تقديم المباشر في الضمان، فإن تعذَّر تضمينه لموت أو فلس ضمن المتسبب، ولا يخلو تضمينه من خلاف.\n_________\n(^١) (١/ ٢٤٦).","vol":"1","page":60},{"text":"الثاني: علة العلة، يسمونها علة، كالرمي، فإنه علة لإصابة السهم بدن الشخص المرمي، وإصابته إياه علة لقتله، فالرمي علة لعلة القتل تسمى سببًا.\nالثالث: العلة التي تخلف شرطها، كنصاب الزكاة بدون الحول.\nالرابع: العلة الشرعية نفسها، وعليه أكثر أهل الأصول.\nقال في مراقي السعود:\nومع علة ترادف السبب ... والفرق بعضهم إليه قد ذهب\nوسيأتي إن شاء اللَّه تعالى زيادة إيضاح معنى العلة الشرعية في مبحث العلة من كتاب القياس.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-24> الشرط </span>في اللغة: فهو العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد/ ١٨].\nوقول أبي الأسود الدؤلي:\nلئن كنت قدْ أزمعت بالصرم بيننا ... فقد جعلت أشراط أوَّله تبدو\nوالشرط الشرعي في الاصطلاح عند أهل الأصول: هو ما لا يلزم من وجوده لذاته وجود ولا عدم، ولكنه يلزم من عدمه عدم المشروط، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، فإن وجود الطهارة لا يلزم منه وجود الصلاة ولا عدمها، لأن المتطهر قد يصلي وقد لا يصلي، بخلاف عدم الطهارة فإنه يلزم منه عدم الصلاة الشرعية.\nواعلم أنَّ الشرط قسمان: شرط وجوب، وشرط صحة.","vol":"1","page":61},{"text":"فشرط الوجوب كالزوال لصلاة الظهر، وشرطُ الصحة كالوضوء للصلاة.\nوضابط الفرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة هو عين الفرق المتقدم بين خطاب التكليف وخطاب الوضع؛ لأنَّ شرط الوجوب من خطاب الوضع، وشرط الصحة من خطاب التكليف، إلا أنَّ صحة الواجب قد تشترط لها شروط الوجوب من حيث هي شروط في الوجوب.\nوزاد بعض العلماء شرطًا ثالثًا، وهو شرط الأداء، وقد قدمنا الإشارة إليه في أقسام التكليف.\nواعلم أنَّ الشرط من حيث هو شرطٌ ثلاثة أقسام:\nالأول: الشرطُ الشرعي، وهو المذكور آنفًا، وهو المقصودُ في الأصل.\nالثاني: الشرطُ اللغوي، كـ \"إنْ دخلت الدار فانتِ طالق\"، وهو واضح.\nالثالث: الشرطُ العقليُّ، وهو مالا يمكن المشروط في العقل دونه، ومثَّل له المؤلف بالحياة للعلم، والعلم للإرادة.\nوأما المانع فهو في اللغة: اسمُ فاعل منعه.\nوفي اصطلاح أهل الأصول: هو ما لا يلزم من عدمه وجودٌ ولا عدمٌ، ولكنه يلزم من وجوده عدم الحكم، كالحيض بالنسبة للصلاة","vol":"1","page":62},{"text":"والصوم مثلًا، فإنَّ عدم الحيض لا يلزم منه وجودهما ولا عدمهما؛ لأنَّ المرأة الطاهرة قد تصلي وتصوم، وقد لا تفعل ذلك؛ بخلاف وجود الحيض فإنه مانعٌ من الصلاة والصوم.\n\nتنبيه:\nالمانع ثلاثة أقسام:\n١ - مانع للدوام والابتداء معًا، كالرضاع بالنسبة إلى النكاحِ، فإنه مانع منه ابتداء ودوامًا، ومعنى منعه ابتداء أنه يمنع من ابتداء عقد النكاح، إذ لا يجوزُ عقد النكاحِ ابتداءً على امرأة هي أخته من الرضاعة، ومعنى منعه الدوام أنه لو تزوج رضيعةً ليست له بمحرم، ثم بعد عقد النكاح أرضعتها أمُّه أو أختُه مثلًا، فإنَّ هذا الرضاع الطارئ على العقدِ يمنع من الدوام على العقد، بل يجب فسخه حالًا.\n٢ - مانع للابتداء فقط دون الدوام، كالإحرام بالنسبة إلى النكاح، فإنَّ الإحرام يمنع ابتداء عقد النكاح ما دام مُحْرِمًا، ولا يمنع من الدوام على نكاح قبله.\n٣ - مانع للدوام دون الابتداء، كالطلاق، فإنه مانع من الدوام على النكاح الأول ولا يمنع ابتداء نكاح ثان.\n\nوأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-26> الصحة </span>فهي في اللغة: السلامة وعدم الاختلال، ومنه قوله:\nوليل يقول المرء من ظلماته ... سواء صحيحاتُ العيون وعورها\nوالصحة في اصطلاح الفقهاء تطلق في العبادات وفي المعاملات،","vol":"1","page":63},{"text":"فالصحة عندهم في العبادات: هي الإجزاء وإسقاط القضاء، فكلُّ عبادة فُعلت على وجهٍ يجزئ ويسقط القضاء فهي صحيحة.\nوالصحةُ عندهم في المعاملات: هي ترتبُ الأثر المقصود من العقد على العقد، فكلُّ نكاح أباح التلذذ بالمنكوحة فهو صحيحٌ، وكلُّ بيع أباح التصرف في المبيع فهو صحيح. وهكذا.\nوأمَّا عند المتكلمين فضابطُ الصحة مطلقًا في العبادات وغيرها هي موافقةُ ذي الوجهين الشرعي منهما.\nوإيضاحه: أنَّ كلَّ فعل -عبادة كان أو معاملة- لا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكون موافقًا للوجه الشرعي، أو مخالفًا له، فإنْ وقع موافقًا له فهو الصحيح.\nوالقائلون بهذا القول منهم من قال: إنَّ الموافقة للوجه الشرعي لابدَّ أن تكون واقعة في نفس الأمر، ولا يكفي فيها ظنُّ المكلف الموافقة، إنْ كانت غير حاصلة في نفس الأمر.\nومنهم من قال: تكفي الموافقة في اعتقاد المكلَّف وإن لم تحصلْ في نفس الأمر، كمن صلى يظنُّ أنَّه متطهر وهو محدث، فالموافقة للوجه الشرعي حاصلة في ظنِّه لا في نفس الأمر، فمن قال: يكفي في ذلك اعتقاده، قال: صلاتُه صحيحة، وهو قولُ بعض المتكلمين، وبعضهم يقول: هي صحيحة، ولكن يجب قضاؤها، وبعضهم يقول: هي صحيحة لا يجب قضاؤها، وعامةُ الفقهاء على أنها باطلةٌ؛ لاختلال شرط الصحة وهو الطهارة.","vol":"1","page":64},{"text":"وقولُ المؤلف (^١) في هذا المبحث:\n(وهذا يبطل بالحج الفاسد، فإنَّه يؤمر بإتمامه وهو فاسد).\nإيضاحُ مراده: أنَّ قول المتكلمين إن الصحة موافقةُ ذي الوجهين الشرعي منهما يقدح فيه بأن إتمام الحج الفاسد بعد فساده مأمور به، فتتميمه موافق للوجه الشرعي، ولو كانت الصحة موافقته لكان صحيحًا، مع أنَّه فاسد.\nويجاب عن هذا بأن الحج إنَّما فسد لأنَّه وقع مخالفًا للوجه الشرعي بارتكاب ما يفسده أولًا. وهو واضح.\n\nوأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-27> الفساد </span>فهو في اللغة: ضد الصلاح.\nوهو في اصطلاح الفقهاء يُعْرَفُ من تعريف الصحة المتقدم.\nفالفساد في اصطلاح الفقهاء في العبادات: هو عدم الإجزاء وعدم إسقاط القضاء، وكلُّ عبادةِ فُعِلَتْ على وجهِ لم يجزئ ولم يسقط القضاء فهي فاسدة. وفي المعاملات: عدمُ ترتبِ الأثر المقصود من العقد على العقد، فكلُّ نكاح لم يفد إباحة التلذذ بالمنكوحةِ فهو فاسد، وكلَّ شراءٍ لم يفد إباحة التصرف في المشترى فهو فاسد.\nوعند المتكلمين، فالفساد: هو مخالفة ذي الوجهين الشرعي منهما.\n_________\n(^١) (١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":65},{"text":"والفاسد والباطل مترادفان، فمعناهما واحد عند الجمهور، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، فجعل الباطل هو ما منع بوصفه وأصله، كبيع الخنزير بالدم، وجعل الفاسد هو ما شرع بأصله ومنع بوصفه، كبيع الدرهم بالدرهمين، فهو مشروع بأصله وهو بيع درهم بدرهم، ممنوعٌ بوصفه الذي هو الزيادة التي سببت الربا، ولذا لو حذف الدرهم الزائد عنده صح البيع في الدرهم الباقي بالدرهم، على أصل بيع الدرهم بالدرهم يدًا بيد.\nقال في مراقي السعود:\nوقابل الصحة بالبطلان ... وهو الفساد عند أهل الشان\nوخالف النعمانُ فالفسادُ ... ما نهيُه بالوصف يستفاد\nوأمَّا الإعادة فهي في اللغة: تكرير الفعل مرة أخرى. ومنه قول توبة بن الحمير:\nمن الخفرات البيض ودَّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها\nوهي في اصطلاحهم: فعل العبادة مرة أخرى؛ إمَّا لبطلانها -مثلًا- فتعاد في الوقت وبعده، وإمَّا لغير ذلك، كإعادتها لفضل الجماعة في الوقت.\nوأمَّا القضاء في اللغة، فيأتي لمعان كثيرة، ومنها: فعل العبادة كيف ما كان في وقتها أم لا، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء/ ١٠٣]، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ الآية [البقرة/ ٢٠٠]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة/ ١٠].","vol":"1","page":66},{"text":"وهو في اصطلاح أهل الأصول: فعلُ جميع العبادة المؤقتة خارج الوقت المقدَّر لها.\nوقولنا: \"جميع العبادة\" لأنَّها إن فعل بعضها في الوقت كانت أداء على الأصح.\nوأمَّا الأداء في اللغة: فهو إعطاء الحق لصاحب الحق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء/ ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران/ ٧٥]:\nوالأداء في الاصطلاح: هو إيقاع العبادة في وقتها المعيَّن لها شرعًا لمصلحة تشتمل عليها في الوقت.\nوعرفه صاحب مراقي السعود بقوله:\nفعلُ العبادة بوقت عُيِّنا ... شرعًا لها باسم الأداء قُرِنا\nوكونه بفعل بعض يحصل ... لعاضد النصِّ هو المعولُ\nوقيل ما في وقته أداء ... وما يكون خارجًا قضاء\nوعرَّف القضاءَ بقوله:\nوضدُّه القضا تداركًا لما ... سبق الذي أوجبه قد علما\nوعرَّف الوقت بقوله:\nوالوقتُ ما قدره من شرعا ... من زمن مضيقًا موسعًا","vol":"1","page":67},{"text":"وعرَّف الإعادة بقوله:\nوانتفيا في النفل والعبادة ... تكريرُها لو خارجًا إعادة\n\nتنبيه:\nقد يجتمع الأداء والقضاء في العبادة، كالصلوات الخمس، فإنَّها تؤدَّى في وقتها وتُقضى بعد خروجه.\nوقد ينفرد الأداء دون القضاء، كصلاة الجمعة، فإنها تُؤدَّى في وقتها ولا تقضى بعد خروج الوقت بل يجب قضاؤها ظهرًا.\nوقد ينفرد القضاء دون الأداء، كما في صوم الحائض، فإنَّ أداءه حرام، وقضاءه واجب.\nوقد ينتفيان معًا في النوافل التي ليس لها أوقات معينة.\nولا يخفى أن القضاء في الاصطلاح إنَّما هو فيما فات وقته المعين له، وقد سبق له وجوب في وقته، فما لم يعين له وقت لا يُسمى قضاءً، كالزكاة إذا أخرَّها عن وقتها، وكمن لزمه قضاء صلاة على الفور فأخرها، فلا يقال: إنَّ صلاته بعد التأخير قضاء القضاء.\nوهنا سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يقال: الحائض في بعض أيام رمضان يجبُ عليها القضاء إجماعًا مع أن الوقت فات، والصوم عليها حرام، فكيف يجب قضاء ما فات وقته وهو حرام؟\nوكذلك يُقال في الناسي والنائم؛ لأنَّهما فات عليهما وقت الصلاة وهي غير واجبة عليهما، بدليل الإجماع على سقوط الإثم عنهما.","vol":"1","page":68},{"text":"وقد تكلَّمنا فيما سبق على مسألة الناسي والنائم بما يُغني عن إعادة الكلام هنا.\nوأمَّا الحائض فقد اختلف في إطلاق وجوب الصوم عليها زمن الحيض وعدمه، فأكثر العلماء على أنَّ انعقاد السبب مع وجود المانع يكفي في إطلاق الوجوب على العبادة المنعقد سببها المانع منها مانع.\nوقال بعضهم: انعقاد سبب الوجوب مع وجود المانع لا أثر له، فلا يوصفُ بوجوب إلا ما توفرت شروطه وانتفت موانعه.\nوعلى قول الجمهور: إنَّه يكفي في إطلاق اسمِ الوجوب عليه انعقادُ سببه وإن منع منه مانع، فالفعل الثاني قضاء للأول، وعلى قول من قال: إنه لا يطلق عليه اسم الوجوب، فالفعل الثاني أداء بأمر جديد وليس قضاء للأول.\nوفرق بعض العلماء بين النائم والناسي والمسافر وبين الحائض، فقال: الفعل في غير زمن الحيض كزمن النوم والنسيان والسفر يوصف بالوجوب، ففعله الثاني قضاء لذلك الواجب، وأمَّا الحيض فالصوم فيه حرام، فلا يمكن وصفه بالوجوب، فصوم الحائض عدَّة من أيام أخر على هذا أداءٌ بأمر جديد لا قضاء.\nوذكر ابن رشد في \"المقدمات\" أنَّ هذا التفصيل هو الراجح عند المالكية. وعليه درج في المراقي بقوله:\nهل يجب الصوم على ذي العذر ... كحائضٍ ومُمْرَضٍ وسَفْرِ\nوجوبه في غير الأول رجح ... وضعفه فيه لديهمُ وَضَح","vol":"1","page":69},{"text":"وهذا القول بأن صوم الحائض ما فاتها من رمضان إذا طهرت أداءٌ لا قضاءٌ هو الذي رده المؤلف بقوله (^١):\n(وهذا فاسد؛ لوجوهٍ ثلاثة:\n١ - ما روي عن عائشة ﵂: \"كُنَّا نحيض على عهد رسول اللَّه -ﷺ- ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرُنا بقضاء الصلاة\".\n٢ - أنَّه لا خلافَ بين أهلِ العلمِ في أنهم ينوون القضاء.\n٣ - أنَّ العبادة متى أمر بها في وقت مخصوص فلم يجب فعلها فيه لا يجب بعده. . .) الخ.\nهذه الأوجه الثلاثة التي رد بها المؤلف ذلك:\nالوجه الأول منها لا دليل فيه؛ لأنَّ إطلاق عائشة ﵂ اسم القضاء على صوم الحائض ما فاتها من رمضان لا دليل فيه؛ لأن القضاء يطلق في اللغة على فعل العبادة مطلقًا في وقتها أم لا.\nوتخصيصه بفعلها بعد خروج الوقت اصطلاح خاص للأصوليين والفقهاء، فلا دليل قطعًا في لفظ عائشة المذكور؛ لأن الاصطلاح المذكور حادث بعدها.\nوأما الوجه الثاني، وهو الإجماع على أنهم ينوون القضاء، فهو الدليل الجيد المعتمد في محل النزاع، مع أن بعض أهل العلم ناقش\n_________\n(^١) (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"1","page":70},{"text":"هذا الدليل قائلًا: إنه لم ينعقد فيه إجماع، وإنه لا مانع من قصد الحائض الأداء بأمر جديد.\nوعليه -أي الخلاف في ذلك- درج في المراقي بقوله:\nوهو في وجوب قصد للأدا ... أو ضده لقائل به بدا\nوالاكتفاء بانعقاد سبب الصوم -مثلًا- في وجوب القضاء، وإن منع من تمام الوجوب مانع كالحيض، هو مراد المؤلف بقوله (^١):\n(ولا يمتنع وجوب العبادة في الذمَّة بناء على وجود السبب مع تعذُّرِ فعلها، كما في النائم والناسي، وكما في المحدث تجب عليه الصلاة مع تعذر فعلها منه في الحال، وديون الآدميين تجب على المعسر مع عجزه عن أدائها) وهذا واضحٌ كما ترى.\nوأمَّا العزيمة فقد عرَّفها المؤلف ﵀ في اللغة بقوله (^٢): (العزيمة في اللسان: القصدُ المؤكد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه/ ١١٥] ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران/ ١٥٩]).\nوعرفَّها -أيضًا- في عرف حملة الشرع بقوله (^٣): (فالعزيمة الحكمُ الثابتُ من غير مخالفةِ دليلٍ شرعيٍّ. وقيل: ما لزم بإيجاب اللَّه تعالى).\nوالتعريفُ الأولُ أكمل؛ لأنَّ العزيمة تشملُ الواجب والمندوب\n_________\n(^١) (١/ ٨٢٥).\n(^٢) (١/ ٢٥٨).\n(^٣) (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":71},{"text":"والحرام والمكروه.\nوكثير من أهل الأصول يُطْلِقُ اسم العزيمة على كل ما ليس برخصةٍ كما سيأتي.\nوأما الرُّخصة فهي في اللغة: النعومة واللِّين، ومنه قول عمرو بن كلثوم:\nوثَدْيًا مثل حق العاج رخصًا ... حصانًا من أكف اللامسينا\nوعرَّفها المؤلف لغة بأنها السهولة واليسر، قال (^١): (ومنه رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء).\nوعرَّفها في اصطلاح أهل الأصول بأنها: (استباحة المحظور مع قيام الحاظر. وقيل: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح) (^٢).\nوهذا التعريف الأخير الذي حكاه بقيل أجود من الأول.\nومثاله: إباحة الميتة للمضطر، ففيها استباحة المحظور الذي هو أكل الميتة مع قيام الحاظر أي المانع الذي هو خبث الميتة الذي حُرِّمت من أجله، وهو -أيضًا- ثابت على خلاف دليل شرعيِّ هو ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣] لمعارضٍ راجح، كقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ الآية [المائدة/ ٣] ونحوها من الآيات.\n_________\n(^١) (١/ ٢٥٨).\n(^٢) (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":72},{"text":"ومن أجود تعاريف الرُّخصة، ما عرُّفها به بعضُ أهل الأصول من أنَّها: هي الحكم الشرعي الذي غُيِّر من صعوبة إلى سهولةٍ لعذرٍ اقتضى ذلك، مع قيام سبب الحكم الأصلي.\nفخرج بالتغيير ما كان باقيًا على حكمه الأصلي، كالصلوات الخمس، وخرج بالسهولة نحو حرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، لأنه تغيير من سهولة إلى صعوبة، وكذلك الحدود والتعازير، مع تكريم (^١) الآدمي المقتضي للمنع من ذلك قبل وروده.\nوخرج بالعذر ما تغيَّر من صعوبة إلى سهولة لا لعذر، كترك تجديد الوضوء لكل صلاة، فإنَّ التجديد لكل صلاة كان لازمًا ثم غير إلى سهولةٍ هي أنَّه يصلي بوضوء واحد كلَّ الصلوات ما لم يُحْدِث، إلا أن هذا التغيير لا يسمى رخصة اصطلاحًا، لأنه لم يكن لعذر جديد.\nوخرج بقيام سبب الحكم الأصلي النسخُ، كتغيير إيجاب مصابرة المسلم الواحد العشرة من الكفارِ بمصابرة اثنين منهم فقط المنصوص في أخريات الأنفال؛ لأنَّ الحكم الأصليَّ الذي هو مصابرة العشرة كان في أول الإسلام لقلة المسلمين وكثرة الكافرين، وفي وقت النسخ زال هذا السبب بكثرة المسلمين، وكذلك ما لو قطع من إنسان بعض أعضاء الوضوء فإن غسله يسقط عنه وجوبه ولا يسمى رخصة؛ لأن سبب الحكم الأصلي وجود محله وقد زال هنا بقطعه.\n_________\n(^١) أي أن إكرام الآدمي حق له، فتغير هذا الحق بصعوبة، وهو التعزير، فليس ذلك رخصة. \"عطية\"","vol":"1","page":73},{"text":"وعرَّف صاحب المراقي الرخصة والعزيمة بقوله:\nللعذر والرخصة حكمٌ غُيِّرا ... إلى سهولةٍ لعذر قُرِّرا\nمع بقاء علة الأصلي ... وغيرها عزيمة النبي\nوقد ذكر المؤلف -﵀- في هذا المبحث أنَّ إباحة التيمم إنْ كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرضٍ أو لزيادة ثمنٍ سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه كعدم الماء فلا تسمى رخصة؛ لأنّ سبب الحكم الأصلي وهو وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه. وهو ظاهر.\nوالأكثرون على أنَّ إباحة الميتة للمضطر رخصة وإنْ وجب عليه الأكل لإحياء نفسه، لأنَّ الرخصة قد تجبُ كما هنا، وسميت رخصة لما فيها من التسهيل عليه بالإذن في أكل الميتة، ولم يضيق عليه بإلزامه ترك الأكل منها حتى يموت. وقيل: من جهة التوسيع رخصة، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة، والواحد بالشخص له جهتان كما تقدم.\nوذكر المؤلف في هذا المبحث أيضًا ما خلاصتُه: أنَّ الصورة المخرجة من العموم بمخصص إن كانت توجد فيها علة الحكم العام تسمى رخصة، وإن كانت لا توجد فيها لا تسمى رخصة.\nمثال ما وجدت فيه علة الحكم العام من صور التخصيص: مسألة بيع العرايا؛ لأنَّ بيع الرطب بالتمر اليابس فيها داخل في عموم أدلة النهي عن المزابنة، وعلة تحريم المزابنة التي هي عدم تحقق المماثلة الواجب تحققها في التمر بالتمر إجماعًا موجودة في الصورة المخرجة","vol":"1","page":74},{"text":"من حكم العام بدليل خاص، وهي إباحة بيع العرايا المذكور.\nومثال ما لم توجد فيه علة العام: إباحة رجوع الأب فيما وهب لابنه، فإنه داخل في عموم المنع في حديث الواهب: \"العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه\" ولكنه خرج بدليل خاص، وعلةُ المنع غيرُ موجودةٍ في الأب؛ لأنَّ الأبوة تجعل له من التسلط على ما تحت يد الولد ما لم يكن لغيره.\nوناقش بعضُ العلماء في الفرق بينهما، وقال: لا فرق بين المسألتين.\n *   *   *","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>باب أدلة الأحكام</span>\nقال المؤلف (^١):\n(الأدلةُ جمع دليل، وهو فعيل بمعنى فاعل، من الدَّلالة وهي فهم أمر من أمر، أو كون أمر بحيث يفهم منه أمرٌ فُهِمَ أو لم يُفْهَم، وهي مثلثة الدال والفتح أفصح، والدليل في اصطلاح أهل الأصول: هو ما يمكن التوصلُ بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري).\nوعرَّفه في المراقي بقوله:\nوما به للخبر الوصول ... بنظر صحَّ هو الدليل\nوالنظر في الاصطلاح: الفكرُ الموصل إلى علمٍ أو غلبةِ ظن.\nوعرَّفه في المراقي بقوله:\nوالنظرُ الموصل من فكرٍ إلى ... ظنٍّ بحكم أو لعلمٍ مسجلا\nوالفكرُ في الاصطلاح: حركةُ النفس في المعقولات. أمَّا حركتُها في المحسوسات فتخييل.\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(الأصول أربعة: كتابُ اللَّه، وسنة رسوله -ﷺ-، والإجماع، ودليلُ العقلِ المبقي على النفي الأصلي.\n_________\n(^١) (١/ ٢٦٤).\n(^٢) (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":76},{"text":"واختلف في قول الصحابي، وشرع من قبلنا، وسنذكرُ ذلك إنْ شاء اللَّه).\nكلامُه واضح.\nواعلم أنَّ المؤلف ترك مسائل كثيرة يذكرها الأصوليون في كتاب الاستدلال، كتحكيم العرف، والقضاء بسد الذرائع إلى المحرَّمات، وفتحها إلى الواجبات، وغير ذلك.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(وأصل الأحكام كلها من اللَّه سبحانه، إذْ قولُ الرسول إخبارٌ عن اللَّه بكذا).\nمعنى كلامه ظاهر، وهو الحق، فالحلالُ ما أحلَّه اللَّه، والحرامُ ما حرَّمه اللَّه، والدين ما شرعه اللَّه، فالحكم له وحده جلَّ وعلا، كما قال: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر/ ١٢]، وقال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ٥٧]، [يوسف/ ٤٠، ٦٧]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى/ ١٠]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء/ ٥٩]، ونحو ذلك من الآيات.\nفكلُّ من يتبع تشريع غير اللَّه معتقدًا أن جَعْلَه عوضًا من تشريع اللَّه جائزٌ أو أفضل منه فهو كافر بإجماع المسلمين، وقد دلَّت على ذلك آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام/ ١٢١]\n_________\n(^١) (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":77},{"text":"وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس/ ٦٠]، ونحو ذلك من الآيات.\nوقد دلَّ القرآنُ على أنَّ من يحكم غير شرع اللَّه، يتعجب من دعواه الإيمان، وإذا كان زعمه أنَّه مؤمنٌ مع تحكيم غير الشرع أمرًا يتعجب منه، دلَّ ذلك على أنَّ دعواه الإيمان دعوى كاذبة وبعيدة وعجيبة، وذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء/ ٦٠].\nوقول المؤلف (^١): (الإجماعُ يدلُّ على السنة. . .) إلى آخره، يأتي إيضاحه في الإجماع.\n\nفصل\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(و<span data-type=\"title\" id=toc-33>كتاب اللَّه </span>سبحانه هو كلامه، وهو القرآن الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي -ﷺ-. . .) إلى آخره.\nاعلم أنَّ هذا القرآن المكتوب في المصاحف الذي أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس، هو كلام اللَّه تعالى بألفاظه ومعانيه، كما صرَّح تعالى بأن هذا المسموع هو كلام اللَّه في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ\n_________\n(^١) (١/ ٢٦٤).\n(^٢) (١/ ٢٦٦).","vol":"1","page":78},{"text":"الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٦]، فصرَّح بأنَّ هذا الذي يسمعه هذا المشرك المستجير هو كلام اللَّه، فالكلام كلام الباري، والصوتُ صوت القاري.\nوما يزعمه بعضُهم من تجريد كلامه جلَّ وعلا عن الحروف والألفاظ، وأنَّ التوراة هي القرآن والإنجيل، وأنَّ القرآن هو التوراة والإنجيل، وأنَّ الاختلاف إنما هو بحسب التعلق فقط، كلُّ ذلك باطل، ومخالف لما عليه أهل الحقِّ.\nفالقرآن هو بألفاظه ومعانيه كلام اللَّه، ومن ادعى أنَّ تأليف لفظه من فعل مخلوف عبَّر عن تلك المعاني القائمة بالذات بعبارةٍ من نفسه، وأنَّ اللَّه خلق له علمًا بذلك، فعبرَّ عنه من تلقاء نفسه، فهذا من أبطل الباطل، ولو كان اللفظ لمخلوق لما جاز التعبد به، والتقرب إلى اللَّه بالصلاة به، ولجاز حمل المحدث له كسائر كلام المخلوقين، إلى غير ذلك.\nفالحاصلُ أنَّ هذا القرآن المحفوظ في الصدور، المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، هو كلام اللَّه تعالى بألفاظه ومعانيه، تكلَّم به اللَّه تعالى فسمعه جبريل منه، وتكلم به جبريل فسمعه النبي -ﷺ- منه، وتكلَّم به النبي -ﷺ- فسمعته منه أمته وحفظته عنه، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القاري، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٦].\nوعرَّف القرآن في \"المراقي\" بقوله:","vol":"1","page":79},{"text":"لفظٌ منزَّل على محمد ... لأجل الاعجاز وللتعبد\nفصرَّح بأنَّ القرآن لفظ، أي مشتمل على تلك المعاني العظيمة، لا مجرد المعنى القائم بالذات المجرَّد عن الألفاظ والحروف.\nوالكتابُ هو القرآن بلا شكَّ، ومن ادَّعى أنَّه غيره كما نسبه المؤلف لقوم، فإنَّ مقصودهم بالتغاير تغاير المفهوم لا تغاير المصدوق، فإنَّ ما يصدق عليه القرآنُ هو ما يصدق عليه الكتاب، وهو هذا القرآن العظيم، وإنْ كان التغاير حاصلًا في مفهومهما، فإنَّ مفهوم الكتابة هو اتصاف هذا القرآن بأنه مكتوب، ومفهوم القرآن هو اتصافه بأنه مقروء، والكتابةُ غير القراءة بلا شك، ولكن ذلك الموصوف بأنه مكتوب هو بعينه الموصوف بأنَّه مقروء، فهو شيء واحد موصوف بصفتين مختلفتين، ومن هنا ظهر لك أن القرآن والكتاب واحد باعتبار المصدوق، وإن تغاير باعتبار المفهوم.\nوكتابُ اللَّه هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، ولا خلاف بين العلماء في قراءة السبعة: نافع المدني، وابن كثير المكي، وابن عامر الشامي، وأبي عمرو البصري، وعاصم وحمزة والكسائي الكوفيين، وكذلك على الصحيح قراءة الثلاثة: أبي جعفر، وخلف، ويعقوب.\nقال في \"المراقي\":\nمثل الثلاثة ورجح النظر ... تواترًا لها لدى من قد غبر\nتواتر السبع عليه أجمعوا ... ولم يكن في الوحي حشو يقع","vol":"1","page":80},{"text":"تنبيه:\nاختلفَ العلماء في البسملة، هل هي آيةٌ من أولِ كلِّ سورةٍ، أو من الفاتحة فقط، أو ليست آية مطلقًا؟\nأما قوله في سور النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل/ ٣٠] فهي آية من القرآن إجماعًا، وأمَّا سورة براءة فليست البسملة آية منها إجماعًا، واختُلف فيما سوى هذا.\nفذكر بعض أهل الأصول أنَّ البسملة ليست من القرآن.\nوقال قومٌ: هي منه في الفاتحة فقط.\nوقيل: هي آية من أول كل سورة. وهو مذهب الشافعي رحمه اللَّه تعالى.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nومن أحسن ما قيل في ذلك: الجمعُ بين الأقوال بأنَّ البسملة في بعض القراءات كقراءة ابن كثيرٍ آيةٌ من القرآن، وفي بعض القراءات ليست آية، ولا غرابة في هذا.\nفقوله في سورة الحديد: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد/ ٢٤]، لفظة (هو) من القرآن في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع وابن عامر؛ لأنهما قرآ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، وبعض المصاحف فيه لفظة (هو) وبعضُها ليست فيه، وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ","vol":"1","page":81},{"text":"عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة/ ١١٥ - ١١٦] فالواو من قوله: (وقالوا) في هذه الآية من القرآن، على قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن؛ لأنه قرأ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بغير واو وهي محذوفة في مصحف أهل الشام.\nوقس على هذا، وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء.\nوأشار إلى هذا الجمع في \"المراقي\" بقوله:\nوليس للقرآن تعزى البسملة ... وكونها منه الخلافي (^١) نقله\nوبعضهم إلى القراءة نظر ... وذاك للوفاق رأي معتبر\n\nفصل\nقال المؤلف (^٢) -﵀-:\n(فأمَّا ما نقلَ نقلًا غير متواتر كقراءة ابن مسعود ﵁: \"فصيام ثلاثة أيام متتابعات\"، فقد قال قوم: ليس بحجة، لأنه خطأ قطعًا. . .) إلى آخره.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل، أنَّ ما نُقِلَ آحادًا كقراءة (متتابعات) المذكورة لا يكون قرآنا، وهذا لا خلاف فيه، وهل يجوز\n_________\n(^١) الخلافي: أي المخالف، أي أن المخالف نقل كون البسملة من القرآن الكريم. \"عطية\".\n(^٢) (١/ ٢٦٩).","vol":"1","page":82},{"text":"الاحتجاج به مع الجزم بأنَّه ليس قرآنًا؟\nقال جمع من أهل الأصول: لا يجوز الاحتجاج به؛ لأنَّه رواه على أنه قرآن، فلمَّا بطل كونه قرآنًا بطل الاحتجاج به من أصله.\nوقال قوم: يجوزُ الاحتجاج به كأخبار الآحاد؛ لأنَّه لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي -ﷺ- ومرويًّا عنه، وهذا هو اختيار المؤلف، وعليه فلا مانع من أخذ لزوم التتابع في صوم كفارة اليمين من قراءة ابن مسعود: (متتابعات)، وإن جزمنا أنها ليست من القرآن.\n\nتنبيه:\nالأشياء التي لابدَّ منها في ثبوتِ القرآن ثلاثة عند بعضهم، ونظمها ابنُ الجزري بقوله:\nوكل ما وافق وجهًا نحوي ... وكان للرسم احتمالًا يحوي\nوصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان\nوالجمهور يشترطون فيه التواتر.\n\nفصل\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(والقرآنُ يشتملُ على الحقيقة والمجاز، وهو اللفظ المستعمل في غير موضعه الأصلي على وجه يصح، كقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣).","vol":"1","page":83},{"text":"مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء/ ٢٤]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف/ ٨٢]، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف/ ٧٧]، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء/ ٤٣] و[المائدة/ ٦]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى/ ٤٠]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة/ ١٩٤]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب/ ٥٧] أي أولياء اللَّه، وذلك كله مجاز؛ لأنه استعمال اللفظ في غير موضعه، ومن منع فقد كابر، ومن سلَّم وقال: لا أسميه مجازًا فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه).\nمعنى كلامه واضحٌ ظاهر.\nواعلم أنَّ ممن منع القول بالمجاز في القرآن ابنُ خويز منداد من المالكية، وأبا الحسن الخرزي البغدادي الحنبلي، وأبا عبد اللَّه بن حامد، وأبا الفضل التميمي، وداود بن علي، وابنه أبا بكر، ومنذر بن سعيد البلوطي وألف فيه مصنفًا، وقد بينَّا أدلة منعه في القرآن في رسالتنا المسماة \"منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز\".\nومن أوضح الأدلة في ذلك أنَّ جميع القائلين بالمجاز متفقون على أن من الفوارق بينه وبين الحقيقة أنَّ المجاز يجوز نفيه باعتبار الحقيقة، دون الحقيقة فلا يجوز نفيها، فتقول لمن قال: رأيت أسدًا على فرسه، هو ليس بأسد وإنَّما هو رجل شجاع، والقول في القرآن بالمجاز يلزم منه أن في القرآن ما يجوز نفيه، وهو باطل قطعًا، وبهذا الباطل توصَّل المعطِّلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة للَّه تعالى في كتابه وسنة نبيه -ﷺ-، بدعوى أنَّها مجاز، كقولهم في ﴿اسْتَوَى﴾: استولى، وقس على ذلك غيره من نفيهم للصفات عن طريق المجاز.","vol":"1","page":84},{"text":"أمَّا الآيات التي ذكرها المؤلف فلا يتعين في شيء منها أنَّه مجاز.\nأما قولُه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء/ ٢٤] فليس المراد به أنَّ للذل جناحًا، وإنْ كان كلام العلَّامة ابن القيم ﵀ يقتضيه، وظنَّ أبو تمَّام أنه معنى الآية لَّما قيل له: صُبَّ في هذا الإناء من ماء الملام، يعني قوله:\nلا تسقني ماء الملام فإنني ... صَبٌّ قد استعذبتُ ماء بكائي\nفقال: هات ريشة من جناح الذلِّ، حتى أصبَّ لك من ماء الملام.\nبل المراد بالآية الكريمة كما يدلُّ عليه كلام جماعة أهل التفسير أنها من إضافة الموصوف إلى صفته، أي واخفض لهما جناحك الذليل لهما من الرحمة، ونظيره من كلام العرب قولهم: حاتم الجود، أي الموصوف بالجود، ووصفُ الجناح بالذلِّ مع أنَّه صفة الإنسان؛ لأنَّ البطش يَظْهَرُ برفع الجناح، والتواضع واللين يظهرُ بخفضه؛ فخفضُه كناية عن لين الجانب، كما قال:\nوأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك في رفعه أجدلا\nونظيره في القرآن: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان/ ٤٠] و﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام/ ٩٣] أي المطر الموصوف بأنَّه يسوء من وقع عليه، والعذاب الموصوف بوقوع الهون على من نزل به.\nوإضافة صفة الإنسان لبعض أجزائه أسلوب من أساليب اللغة العربية، كما قال هنا: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، مع أن الذليل صاحب الجناح.","vol":"1","page":85},{"text":"ونظيره قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق/ ١٦] والمراد صاحب الناصية التي هي مقدم شعر الرأس، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ [الغاشية/ ٢، ٣] مع أنَّ تلك الصفات لأصحاب الوجوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فيه حذفُ مضافٍ، وحذفُ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوبٌ من أساليب اللغة معروف، عقده في الخلاصة بقوله:\nوما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الاعراب إذا ما حُذِفا\nوالمضافُ المحذوف مدلولٌ عليه بدلالة الاقتضاء، وهي عند جماهير الأصوليين دلالةُ التزام، وليست من المجاز عندهم، كما هو معروف في محلَّه.\nوقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ لا مجاز فيه؛ إذْ لا مانع من حمل الإرادة في الآية على حقيقتها؛ لأنَّ للجمادات إرادات حقيقية يعلمها اللَّه جل وعلا، ونحن لا نعملها.\nويوضح ذلك حنين الجذع الذي كان يخطبُ عليه -ﷺ- لمَّا تحوَّل عنه إلى المنبر، وذلك الحنين ناشئ عن إرادة يعلمها اللَّه تعالى.\nوقد ثبت في صحيح مسلم أنَّ النبي -ﷺ- قال: \"إني لأعرف حجرًا كان يسلمُ عليَّ في مكة\".\nوسلامه عليه عن إرادة يعلمُها اللَّه، ونحن لا نعلمُها، كما صرَّح اللَّه تعالى بذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا","vol":"1","page":86},{"text":"تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء/ ٤٤]، فصرَّح بأننا لا نفقهه، وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب والسنة.\nوكذلك لا مانع من كون الإرادة تطلق في اللغة على معناها المعروف، وعلى مقاربة الشيء والميل إليه، فيكون معنى إرادة الجدار: ميله إلى السقوط وقربه منه، وهذا أسلوب عربي معروف، ومنه قول الراعي:\nفي مَهْمَهٍ قَلِقَتْ به هاماتها ... قلق الفؤوس إذا أردن نُصولا\nوقول الآخر:\nيريد الرمح صدر أبي براء ... ويعدل عن دماء بني عقيل\nوكذلك قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ لا مجاز فيه، بل إطلاق اسم المحل على الحالِّ فيه وعكسه كلاهما أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، وكلاهما حقيقة في محله، كما أقروا بنظيره في أن نسخ العرف للحقيقة اللغوية لا يمنع من إطلاق اسم الحقيقة عليه، فيسمونه حقيقة عرفية.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآية، لا مجاز فيه، وبذلك اعترف أكثر علماء البلاغة، حيث عدُّوا هذا النوع من البديع وسموه باسم المشاكلة، ومعلوم أن المجاز من فن البيان لا من فن البديع، فأكثرهم قالوا: إنَّ المشاكلة من البديع، كقوله:\nقالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصًا","vol":"1","page":87},{"text":"والحق أنَّ هذا أسلوب من أساليب اللغة، ومنه الآيتان، نعم زعم قوم من علماء البلاغة أن المشاكلة من علاقات المجاز المرسل، فسموا ما استعمل في غير معناه عندهم للمشاكلة مجازًا.\nوأما تفسيره ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ بقوله: يؤذون أولياءه، فليس بصحيح، بل معنى إيذائهم اللَّه كفرهم به وجعلهم له الأولاد والشركاء وتكذيبهم رسله، ويوضح ذلك حديث \"ليس أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّه، إنهم يدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم\".\nوأكثر المتأخرين على أنَّ في الآيات التي ذكرها المؤلف مجازًا، كما هو معروف، وقد بينا منع القول بالمجاز في القرآن في رسالتنا التي ألفناها في ذلك.\nوقول المؤلف (^١) في تعريف المجاز: (وهو اللفظ المستعملُ في غير موضعه الأصلي على وجه يصح).\nيعني بقوله: (على وجه يصح) أنْ تكون هناك علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، وأن تكون ثَمَّ -أيضًا- قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي.\nوتعريفه للمجاز لا يدخل فيه إلا اثنان من أنواع المجاز الأربعة، وهما: المجاز المفرد، وهو عندهم الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، والعلاقة\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":88},{"text":"إن كانت المشابهة: \"كقولك رأيت أسدًا يرمي\" سُمِّي هذا النوعُ من المجاز استعارة، وحدُّ الاستعارة: مجاز علاقته المشابهة، وإن كانت علاقته غير المشابهة كالسببية والمسببية، ونحو ذلك، سمي مجازًا مفردًا مرسلًا، كقول الشاعر:\nأكلتُ دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر\nأطلق الدمَ وأراد الدية مجازا مرسلًا علاقته السببية؛ لأن الدية المعبر عنها بالدم سببها الدم وهي مسبب له.\nالثاني من النوعين اللذين دخلا في كلامه: المجاز المركب، وضابطه: أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام مفيد آخر، لعلاقة بينهما، ولا نظر فيه إلى المفردات، فقد تكون حقائق لغوية، وقد تكون مجازات مفردة، وقد يكون بعضها مجازًا وبعضها حقيقة، وعلاقته إن كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، ومنها جميع الأمثال السائرة، والمثل يحكي بلفظه الأول، ومثالُه قولك لمن فرط في أمر وقت إمكان فرصته، ثم بعد أن فات إمكان فرصته جاء يطلبه: (الصيف ضيعتِ اللبن).\nوأصل المثل أن امرأة من تميم خطبها رجلان أحدهما كبير في السن وله مواشي كثيرة، والثاني شاب وماشيته قليلة، واختارت الشاب وكانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذي ردت خطبته لبنًا فقال لها: (الصيف ضيَّعتِ اللبن).\nوهذا الاستعمال لعلاقة المشابهة بين مجموع الصورتين، وإنْ","vol":"1","page":89},{"text":"كانت علاقته غير المشابهة سمي مجازًا مركبًا مرسلًا كقوله:\nهواي مع الركب اليمانين مصعدٌ ... جنيبٌ وجثماني بمكة مُوثَقُ\nفالبيت كلام خبريٌّ أريد به إنشاءُ التحسر والتأسف؛ لأنَّ ما أخبر به عن نفسه هو سبب التحسر والتأسف، وهو مجازٌ مركب مرسل، علاقتُه السببية؛ لأنَّه لم يقصد بهذا الخبر فائدة الخبر، ولا لازم فائدته.\nوالنوعان اللذان لم يدخلا في كلامه هما: المجاز العقليُّ ومجاز النقص والزيادة.\nأمَّا المجازُ العقلي عندهم فالتجوزُ فيه في الإسناد خاصة، لا في لفظ المسند إليه ولا المسند، وسواء فيه كانا حقيقتين لغويتين، أو مجازين مفردين، أو أحدهما حقيقة والثاني مجازًا؛ لأنَّ التجوز فيه في خصوص الإسناد، كقول المؤمن: (أنبت الربيعُ البقلَ) فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز إنَّما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع، وهو للَّه جلَّ وعلا عند المتكلم، وكذلك هو في الواقع.\nوأنكر المجاز العقلي السكاكيُّ وردَّه إلى الاستعارة المكنية.\nوأمَّا مجازُ النقص والزيادة فمداره عندهم على وجود زيادة أو نقص يُغيِّران الإعراب.\nومثال النقص -عندهم-: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف/ ٨٢]. وهذا المثال ذكره المؤلف مع أنه لم يدخل في تعريفه للمجاز؛ لأنَّ جميع ألفاظه مستعملة فيما وضعت له، والتجوز من جهة الحذف المغيِّر للإعراب.","vol":"1","page":90},{"text":"ومثالُ مجاز الزيادة -عندهم-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى/ ١١].\nوقد بينَّا أنَّه لا ينبغي للمسلم أنْ يقول: إنَّ في كتاب اللَّه مجازًا.\nوالتحقيق أنَّ اللغة العربية لا مجاز فيها، وإنَّما هي أساليبُ عربيةٌ تكلَّمت بجميعها العرب، ولو كَلَّفنا من قال بالوضع للمعنى الحقيقي أولًا ثم للمعنى المجازي ثانيًا بالدليل على ذلك، لعجز عن إثبات ذلك عجزًا لا شك فيه.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(قال القاضي: ليس في القرآن لفظ بغير العربية. . .) إلى آخره.\nخلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ العلماء اختلفوا هل في القرآن ألفاظ أصلها أعجمية ولكن عُرِّبَتْ، أو كله عربي؟\nفحجةُ من قال: كلُّه عربيٌّ الآياتُ الدالة على ذلك، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف/ ٣]، وقوله: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل/ ١٠٣]، وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت/ ٤٤]، ونحو ذلك من الآيات.\nوحجة من قال: فيه عجمي معرَّب، ادعاؤه الوقوع، قال: كـ ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل/ ٦] أصلها حبشية، و﴿مِشْكَاةٍ﴾ [النور/ ٣٥] أصلها هندية، و﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف/ ٣١] أصلها فارسية.\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٤).","vol":"1","page":91},{"text":"وقال: هذا الوقوع لا يُعارض الآيات المذكورة؛ لأنَّ اشتمال القرآن الكريم على كلمات قليلة أعجمية لا يخرجه عن كونه عربيًا، أو لأن العرب لما نطقت به وعرَّبته صار عربيًا.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nأظهر القولين عندي ما اختاره بعض أهل العلم، كابن جرير، من أن القرآن ليس فيه لفظ من غير العربية، وأن بعض كلماته في النادر لا مانع منه.\nوالدليلُ على هذا القول أنَّ دعوى أن أصله عجمي ثم عُرِّبَ معارضةٌ بمثلها، وهو إمكان كون أصله عربيًا ثم عُجِّمَ في اللغات الأخرى.\n\nتنبيه:\nأمَّا الأعلام الأعجمية فهي في القرآن بلا خلاف؛ لأنَّ العَلَم يحكى بلفظه في جميع اللغات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المحكم والمتشابه</span>\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(وفي كتاب اللَّه محكم ومتشابه. . .) إلى آخره.\nاعلم أن بعض الآيات دلَّ على كون القرآن كلِّه محكمًا، كقوله\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":92},{"text":"تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود/ ١] وغيرها من الآيات.\nوبعضها دلَّ على كونه كلّه متشابهًا، وهو قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية [الزمر/ ٢٣].\nوبعضها دلَّ على أنَّ منه محكمًا ومنه متشابهًا، وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران / ٧].\nولا معارضة بين الآيات؛ لأنَّ معنى كونه كلِّه محكمًا هو اتصاف جميعه بالإحكام الذي هو الأتقان، لأنَّ جميعه في غاية الإتقان في ألفاظه ومعانيه، أحكامه عدل، وأخباره صدق، وهو في غاية الفصاحة والإعجاز والسلامة من جميع العيوب.\nومعنى كونه كله متشابهًا أنَّ آياته يشبه بعضها بعضًا في الإعجاز والصدق والعدل والسلامة من جميع العيوب.\nومعنى أنَّ منه آيات محكمات وأخر متشابهات، اختلف فيه اختلافًا مبنيًا على الاختلاف في معنى الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران/ ٣]. فمن قال إن الواو استئنافية، والراسخون مبتدأ خبره جملة: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ والوقف تام على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فإنه يُفسِّر المتشابه بأنه ما استأثر اللَّه بعلمه. وعلى هذا القول أكثر أهل العلم.\nوعليه درج صاحب \"المراقي\" بقوله:\nوما به استأثر علمُ الخالق ... فذا تشابهٌ عليه أطلقِ","vol":"1","page":93},{"text":"وهو على هذا القول واضحٌ، لأنَّ الضمير في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ راجع إلى ما تشابه منه، وهو بعينه المتشابه.\nومن قال بأنَّ الواو عاطفة، فإنَّه فسر المتشابه بما يعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم، كالآيات التي ظاهرها التعارض، وهي غير متعارضة في نفس الأمر، كقوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص/ ٧٨] وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن/ ٣٩] مع قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر/ ٩٢] وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف/ ٦]، ونحو ذلك من الآيات.\nوقول من قال: إن المتشابه القصص والأمثال، فسَّر المتشابه بما يشبه بعضه بعضًا؛ لأنَّ قصص الأمم الماضية يشبه بعضه بعضًا، وكذلك الأمثال.\nورجح المؤلف -﵀- أنَّ المتشابه ما استأثر اللَّه بعلمه، وأن الوقف تام على قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، أي وما يعلم تأويله إلا اللَّه وحده، بقرائن في الآية:\nفمن القرائن المعنوية اللفظية: أنَّه لو أراد عطف الراسخين لقال: \"ويقولون\" بالواو.\nومن القرائن المعنوية: أنه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك معلومًا للراسخين لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذمومًا، ولأن قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه،","vol":"1","page":94},{"text":"لا سيما إذا أتبعوه بقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فذكرهم ربهم هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره، وأنه من عنده كالمحكم، ولأن لفظة (أما) في قوله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ لتفصيل الجمل، فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إياهم باتباع المتشابه وابتغاء تأويله، يدلُّ على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم الراسخون، ولو كانوا يعلمون تأويله لم يُخالفوا القسم الأول بابتغاء التأويل.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nمراده أنَّ قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الآية، يفهم منه ما مضمونه: وأمَّا الراسخون في العلم فلا يتبعون ما تشابه منه، ولا يبتغون تأويله.\nوقول المولف (^١) -﵀- في هذا المبحث: (والصحيح أنَّ المتشابه ما ورد في صفات اللَّه ﷾ ممَّا يجب الإيمان به، ويحرم التعرضُ لتأويله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾. . .) إلى آخره = لا يخلو من نظر؛ لأنَّ آيات الصفات لا يُطلق عليها اسم المتشابه بهذا المعنى من غير تفصيل، لأن معناها معلوم في اللغة العربية وليس متشابهًا، ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بها ليست معلومة للخلق.\nوإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر اللَّه بعلمه دون خلقه، كانت كيفية الاتصاف داخلة فيه لا نفس الصفة.\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":95},{"text":"وإيضاحه: أنَّ (استوى) إذا عُدِّيَ بِـ (على) معناه في لغة العرب: الارتفاع والاعتدال، ولكن كيفية اتصافه جلَّ وعلا بهذا المعنى المعروف عند العرب لا يعلمها إلا اللَّه جلَّ وعلا، كما أوضح هذا التفصيل إمام دار الهجرة مالك بن أنس تغمَّده اللَّه برحمته، بقوله: \"الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول\".\nفقوله -﵀-: \"الاستواءُ غيرُ مجهول\"، يوضحُ أنَّ أصل صفة الاستواء ليست من المتشابه، وقوله: \"والكيف غير معقول\" يبين أنَّ كيفية الاتصاف تدخل في المتشابه، بناءً على تفسيره بما استأثر اللَّه تعالى بعلمه، كما تقدم.\nوهذا التفصيل لابدَّ منه، خلافًا لظاهر كلام المؤلف -﵀-.\nوقد بسطنا الكلام بإيضاح هذه المسألة في كتابنا \"أضواء البيان\" في أول سورة آل عمران. والعلم عند اللَّه تعالى.\nفإنْ قيل: إنْ فسرنا المتشابه بأنه ما استأثر اللَّه بعلمه، فما الحكمة في خطاب الخلق بما لا يفهمونه؟\nفالجواب: أن اللَّه تعالى يمتحن خلقه بما شاء، فلا مانع من أن يكلفهم الإيمان بما لا يعلمون معناه امتحانًا وابتلاء لهم.\nويدل لهذا الوجه ما ذكر تعالى عن الراسخين في العلم من قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فإنهم آمنوا به لأنهم علموا أنَّه من عند ربهم كالمحكم. واللَّه تعالى أعلم.\n* * *","vol":"1","page":96},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه للَّه تعالى-:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>(باب النسخ</span>\nالنسخُ في اللغة: الرفع والإزالة، ومنه: نسخت الشمسُ الظلَّ، ونسخت الريح الأثر. وقد يطلقُ لإرادة ما يشبه النقلَ، كقولهم: نسختُ الكتابَ).\nمعنى كلامه ظاهر، وقولُه: \"ما يشبه النقلَ\" عبَّر بأنَّه يشبهه لأنَّه ليس نقلًا حقيقيًّا؛ لأنَّ ما في الكتابِ المنقولِ منه لم يُنقل بالكلية، وإنما نقلت صورته منه في الكتابِ الثاني.\nواعلم أنَّ النسخَ جاءَ في القرآن العظيم لثلاثة معاني، وجاء بمعناه اللغويِّ، وهو الرفع والإبطال من غير تعويض شيءٍ عن المنسوخ، وهذا في قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج/ ٥٢].\nوجاءَ بمعناه الشرعي، وهو رفع حكم شرعيٍّ بخطابٍ جديد، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦].\nوجاء بمعنى نسخ الكتاب، أي كتابته، كقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية/ ٢٩]، وقوله: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف/ ١٥٤].\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":97},{"text":"قال المؤلف (^١) -﵀-:\n(فأمَّا النسخُ في الشرع فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير. وحدُّه: رفعُ الحكم الثابتِ بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه.\nومعنى الرفع: إزالة الحكم على وجه لولاه لبقي ثابتًا).\nوقولُه: (بخطاب متقدم) متعلقُ بالثابت، يعني أنَّه ثابتٌ بخطابٍ شرعي متقدم لا بالبراءة الأصلية.\nوقولُه: (بخطاب متراخ عنه) متعلق برفع الحكم، يعني أنه مرفوع بخطابٍ متراخٍ عنه لا متصل به.\nوإيضاحُ تقريره: أنَّ النسخَ هو أنْ يرفعَ حكمٌ ثابتٌ بخطابٍ متراخٍ حكمًا ثابتًا بخطابٍ متقدم.\nواحترز بقوله: (رفع الحكم) عمَّا لم يرفع أصلًا، كالأحكام التي لم يدخلها نسخ.\nواحترز بقوله: (بخطابٍ متقدم) عمَّا كانَ ثابتًا بالبراءة الأصلية، كعدمِ حرمة الرِّبا، وعدمِ وجوب الصيامِ والصلاة، فإنَّ رفعه ليس بنسخ؛ لأنَّه كان ثابتًا بالبراءة الأصلَيةِ، لا بخطابٍ شرعي.\nواحترز بـ (خطاب ثانٍ) عن زوال الحكمِ بالجنونِ ونحوه، فليس بنسخ؛ لأنَّه لم يُرفعْ بخَطابٍ ثانٍ.\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":98},{"text":"واحترز بتراخيه عن المتصلِ بالخطاب الأول، فإنَّه تخصيصٌ له وبيان، لا نسخٌ له، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران/ ٩٧] فإنَّ بدل البعض من الكلَّ فيه رفعُ حكمِ وجوبِ الحجِّ عن غير المستطيع ولكنه متصل به، فليس نسخًا، لأنَّه لم يتراخ عنه.\nوكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور/ ٣٣] فرفعُ حكم الأمرِ بالكتابةِ في حقِّ مَنْ لَم يُعْلَمْ فيه خيرٌ، المفهوم من الشرط، ليس نسخًا لأنه متصلٌ به، وستأتي إن شاء للَّه أمثلةٌ كثيرةٌ لهذا في مبحثِ المخصصاتِ المتصلة.\nقال المؤلف (^١) -رحمه للَّه تعالى-:\n(وقال قومٌ: إنَّ النسخ كشفُ مدة العبادة بخطاب ثان. . .) إلى آخره.\nحاصلُ هذا القول الأخير أنَّ النسخِ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول؛ لأن ظاهر الخطاب الأول أَنَّ الحكمَ مؤبدٌ، والناسخ قد دَلَّ على انتهاءِ زمنه.\nوأشارَ إلى القولين في \"المراقي\" بقوله في تعريفِ النسخ:\nرفع لحكم أو بيانُ الزمن ... بمحكم القرآن أو بالسنن\nوعلى هذا القول الثاني فالنسخ يرجع إلى التخصيص في الأزمان،\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٤).","vol":"1","page":99},{"text":"وهو معترض؛ لأنَّه لا يشمَلُ النسخَ قبل التمكن من الفعل.\nواعلم أنَّ حدَّ المعتزلةِ للنسخ الذي ذكره المؤلف باطل، فلا حاجة له.\nوما أوردَ من الاعتراضاتِ على حدِّ النسخِ الذي ذكرنا بأنه رفع الحكم، كلُّه ساقطٌ، والحدُّ صحيح.\nواعلم أنَّ النسخَ لا يلزمُه البداء الذي هو الرأي المتجدد، لأنَّ اللَّه يشرع الحكم الأولَ وهو يعلمُ أنه سينسخه في الوقتِ الذي تزول مصلحتُه فيه وتصير المصلحةُ في الناسِخ، فإذا جاءَ ذلك الوقتُ نَسخَ الحكم الأول وعوَّضَ منه الحكمَ الناسخ على وَفْقِ ما سبقَ في علمه أنَّه سيفعله، كما أنَّ المرض بعد الصحة، وعكسه، والموتَ بعد الحياة، وعكسه، والفقر بعد الغنى، وعكسه، ونحو ذلك، ليس فيه بداءٌ؛ لسبقِ علمه تعالى بأنَّه سيفعل ذلك في وقته، كما هو ظاهر.\nقال المؤلف (^١):\n\n(فإن قيل: فما<span data-type=\"title\" id=toc-42> الفرق بين النسخ والتخصيص</span>. . .) إلى آخره.\nاعلم أنَّ السلف يطلقون اسم النسخ على ما يطلقه عليه الأصوليون، وعلى التخصيص والتقييد، فالجميع يسمونه نسخًا كما نبَّه عليه غير واحد.\nوأمَّا الأصوليون فلا يطلقون النسخ على التخصيص، ولا\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٩).","vol":"1","page":100},{"text":"التخصيص على النسخ، وحد النسخ عندهم هو ما تقدَّم.\nوحدُّ التخصيص في اصطلاحهم هو: قصر العام على بعض أفراده بدليل يقتضي ذلك، كما سيأتي إن شاء اللَّه.\nوبتعريف كل منهما يظهر الفرق، وذكر المؤلف الفرق بينهما من سبعة أوجه:\nالأول: أنَّ التخصيص بيان أنَّ المخصوص غير مراد باللفظ، والنسخ يخرج ما أريد باللفظ الدلالة عليه.\nوإيضاحه: أنَّ مثل قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت/ ١٤] ظاهره أنَّها ألف كاملة، لكن قوله: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ بين أنَّ هذه الخمسين غير مراد دخولها في الألف، وأن المراد بالألف تسعمائة وخمسون، بدليل قوله: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، وهذا المثال بناء على أن الاستثناء بِـ \"إلَّا\" ونحوها من العدد تخصيص، وهو قول الأكثر، كما أشار إليه في \"المراقي\" بقوله:\nوعدد مع كـ \"إلا\" قد وجب ... له الخصوص عند جلَّ من ذهب\nبخلاف النسخ، فالذي يرفعه الناسخ كان قبل النسخ مقصودًا دخولُه في معنى اللفظ وفي الحكم، كما هو واضح.\nالثاني: أنَّ النسخ يشترط تراخيه كما تقدم، بخلاف التخصيص فإنه يجوز اقترانه، وربما لزم، كالتخصيص بالشرط والصفة والغاية والاستثناء وبدل البعض من الكل، كما يأتي إيضاحه إن شاء اللَّه تعالى في مبحث المخصِّصات.","vol":"1","page":101},{"text":"الثالث: أنَّ النسخ يدخل في الشيء الواحد، كنسخ استقبال بيت المقدس ببيت اللَّه الحرام، فالمنسوخ شيء واحد، بخلاف التخصيص فلا يدخل إلا في عام له أفراد متعددة يخرج بعضها بالمخصِّص، ويبقى بعضها الآخر.\nالرابع: أنَّ النسخ لا يكون إلا بخطاب جديد، والتخصيص قد يقع بغير خطاب، كالتخصيص بالقياس وبالعقل وبالعرف المقارن للخطاب، وغير ذلك كما سيأتي إيضاحُه في مبحث المخصِّصات المنفصلة.\nالخامس: أنَّ النسخ لا يدخل الأخبار، وإنما هو في الإنشاء فقط، بخلاف التخصيص فإنَّه يكون في الإنشاء وفي الخبر.\nالسادس: أنَّ النسخ لا يبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته، والتخصيص لا ينتفي معه ذلك.\nإيضاحه: أنَّ مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة/ ٢٤٠] لمَّا نُسِخَ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة/ ٢٣٤] لم تبق دلالةُ الآية الأولى على الحول في العدَّة مقصودة في المستقبل بعد ورود الناسخ بخلاف التخصيص.\nوسيأتي أن التحقيق عند متأخري الأصوليين أنَّ العام المخصوص يراد فيه شمول جميع الأفراد من حيث تناول اللفظ لها، دون الحكم لها، لوجود المخصص، أمَّا العام المراد به الخصوص، فالأفراد","vol":"1","page":102},{"text":"الخارجة بالمخصص لم ترد فيه تناولًا ولا حكمًا، كما يأتي إيضاحه إن شاء اللَّه تعالى.\nالسابع: أنَّ المتواتر لا يُنسخ بالآحاد بخلاف التخصيص، فإنَّ المتواتر يخصَّص بالآحاد، لأنَّ النسخ رفع والتخصيص بيان، فقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤] متواتر، خُصِّصَ عمومه بحديث \"لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها\" وهو آحاد.\nوقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء/ ١١] خُصِّص بقوله: \"إنا معاشر الأنبباء لا نورث\" الحديث، وهو آحاد.\nوأمثلته كثيرة، وسيأتي في مبحث التخصيص كثير منها إن شاء اللَّه تعالى.\nوأشارَ في \"المراقى\" إلى جواز بيان المتواتر بالآحاد، وبيان المنطوق بالمفهوم بقوله:\nوبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد\nتنبيه:\nاعلم أنَّ التخصيص إن لم يرد فيه المخصِّص -بالكسر- إلا بعد العمل بالعام، والتقييد إن لم يرد فيه المقيِّد -بالكسر- إلا بعد العمل بالمطلق، فكلاهما حينئذ نسخ، ولا يجوز أن يكون تخصيصًا وتقييدًا؛ لأنَّ التخصيص والتقييد بيان، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل، فلمَّا تأخر عن وقته تعين كونه نسخًا، وأشار إلى ذلك في \"المراقي\" في الأول بقوله:","vol":"1","page":103},{"text":"وإن أتى ما خَصَّ بعد العملِ ... نَسَخَ والغيرُ مخصِّصًا جلي\nوفي الثاني بقوله:\nوإن يكن تأخر المقيد ... عن عمل فالنسخ فيه يعهد\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n\n(فصل\nوقد أنكر قوم النسخ، وهو فاسد. . .) إلى آخره.\nلا شكَّ أنَّ إنكار النَّسخ فاسد، وأن النسخ جائز عقلًا، كما قدمنا أنَّه لا يلزمُه البداء، وواقع شرعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة/ ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل/ ١٠١].\nوإنكار أبي مسلم الأصفهاني له معناه أنَّه يميل إلى أنَّه تخصيص في الزمن، لا رافع للحكم، كما تقدمت الإشارة إليه.\nقال المؤلف (^٢):\n\n(فصل\nيجوز نسخ تلاوة الآية دون حكمها، ونسخُ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما معًا).\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٢).\n(^٢) (١/ ٢٩٤).","vol":"1","page":104},{"text":"معنى كلامه ظاهر.\nومثال نسخ التلاوة دون الحكم: نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها، وهي قوله تعالى: ﴿والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم﴾ قيل: كانت هذه الآية من براءة، وقيل: من الأحزاب.\nومنه: نسخ تلاوة آية (خمس رضعات) عند الشافعي ومن وافقه.\nومثال نسخ الحكم دون التلاوة: آية العدة المذكورة آنفًا. وهو أغلب ما في القرآن من النسخ.\nومثال نسخهما معًا: نسخ آية (عشر رضعات)، فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ \"كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول اللَّه -ﷺ- وهن فيما يقرأ من القرآن\".\nتنبيه:\nيتوجه على هذا الذي ذكر في هذا البحث ثلاثة أسئلة:\nالأول: أن يقال: كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم، فكيف يرفع المدلولُ مع بقاء دليله؛ لأنَّ هذا يلزمه الدليل بلا مدلولى وهو محال، إذ لا تعقل الدلالة بدون مدلول؟\nالثاني: أن يقال: تقدَّم في حد النسخ أنه رفع الحكم. . . إلى آخره، فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؛ لأنَّ الحكم فيه لم يرفع؟","vol":"1","page":105},{"text":"الثالث: أن يقال: ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه إنما نزل ليُتلى ويُثاب عليه، فكيف يرفع، إذ رفعه يقتضي انتفاء حكمته؟\nالجواب عن السؤال الأول: هو أنا لا نُسَلِّمُ كون اللفظ دليلًا على الحكم بعد نسخ الحكم، بل هو إنَّما يكون دليلًا عليه عند انفكاكه عمَّا يرفع حكمه، فإذا جاء الخطاب الناسخُ لحكمه زالت دلالته على الحكم بالكلية، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص.\nوإيضاحه: أن الحكم الشرعي المنسوخ مع بقاء اللفظ الدال عليه سابقًا، وتلاوة ذلك اللفظ، وكتابته في القرآن، وانعقاد الصلاة به، كلها أحكامٌ شرعية مع أحكام ذلك اللفظ، وكل حكم شرعي فهو قابل للنسخ.\nقال في \"المراقي\":\nوكل حكم قابل له وفي ... نفي الوقوع لاتفاق قد قفي\nوإذا عرفت ذلك عرفت أنه لا مانع من نسخ بعض أحكام اللفظ كالتحريم، والوجوب المفهوم منه، مع بقاء أحكام أخر من أحكامه لم تنسخ، كالتعبد به وإجزائه في الصلاة ونحو ذلك.\nفآية الاعتداد بحولٍ -مثلًا- نُسِخَ ما دلَّت عليه من إيجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيتْ أحكام أخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، وكتابتها مع القرآن في المصحف. وهو واضح كما ترى.\nوالجواب عن السؤال الثاني: هو أنَّ نسخ التلاوة فقط معناه نسخُ","vol":"1","page":106},{"text":"التعبد بلفظه والصلاة به وكتبه مع القرآن في المصحف، وهذه أحكام من أحكامه، فلا مانع من نسخها مع بقاء حكم آخر لم ينسخ، وهو ما دل عليه اللفظ، فآية الرجم -مثلًا- لا مانع من نسخ التعبد بها والصلاة بها، وكتبها في المصحف، مع بقاء حكم آخر من أحكامها لم ينسخ، وهو رجم الزانيين المحصنين، كما تقدَّم مثله.\nفإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قولهم: هذا منسوخ تلاوة لا حكمًا؛ لأنَّه يفهم منه أن نسخ التلاوة منافٍ لنسخ الحكم؟\nفالجواب: أنَّ الحكم المنفي عنه النسخ في قولهم (لا حكمًا) غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة؛ لأنَّها أحكام قد نسخ بعضها دون بعض كما تقدم قريبًا.\nوالجواب عن السؤال الثالث: هو أنه لا مانع من أن يكون أصل المقصود من المنسوخ تلاوة لا حكمًا إنَّما هو الحكم دون التلاوة، لكنه أنزل على رسول اللَّه -ﷺ- بلفظ معين ليثبت به الحكم وليستقر، والحال أنه هو المقصود فلا مانع من نسخ اللفظ؛ لأن المقصود هو مجرد الحكم.\nفإن قيل: فإن جاز نسخ التلاوة فلينسخ الحكمُ معها، لأنَّ الحكم تبع للتلاوة، فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل؟\nفالجواب: أن التلاوة حكم، وانعقاد الصلاة بها حكم آخر، ودلالتها على ما دلَّتْ عليه حكم آخر، فلا يلزم من نسخ التعبد بها وعدم الصلاة بها نسخ حكمها الذي دلَّت عليه، فكم من دليل لا يتلى ولا","vol":"1","page":107},{"text":"تنعقد به صلاة، والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوةً في القرآن، والنسخ لا يرفعُ ورودها ونزولها، ولا يجعلها كانها غير واردة، بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى.\nقال المؤلف (^١):\n\n(فصل\nيجوزُ<span data-type=\"title\" id=toc-46> نسخُ الأمر قبل التمكن </span>من الامتثال. . .) إلى آخره.\n\nحاصلُ إيضاح هذا البحث باختصار أنَّ التحقيق هو جواز وقوع نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال.\nفإن قيل: فما حكمة الأمر الأول إذا كان ينسخُ قبل التمكن من الفعل؟\nفالجواب: أنَّ الحكمة في الأمر الأول هي الابتلاء، هل يتهيأُ للامتثالِ ويظهر الطاعة فيما أُمر به، أو لا؟\nودليلُ هذين الأمرين قصة أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، فإنَّه نُسِخَ عنه ذبحُه قبل التمكن من فعله، وبيَّن اللَّه تعالى أنَّ الحكمة في ذلك هي ابتلاؤه، هل يتهيأ لذبح ولده، فتهيَّأ لذلك وتلَّه للجبين، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات/ ١٠٦، ١٠٧].\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٧).","vol":"1","page":108},{"text":"وهذا واضح، كما ترى.\nوأقوال من منع هذا وحججهم ظاهرة البطلان، فلا نطيل الكلام بها.\n\nتنبيه:\nمنشأ الخلاف في هذه المسألة هو: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، وهو الحقُّ، أو هي الامتثالُ فقط، وهو قول القدرية؟ فعلى أن الحكمة مترددة بينهما فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ، والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمتُه الابتلاء، وقد حصل قبل النسخ.\nوإلى هذا أشار في \"المراقي\" بقوله:\nللامتثال كلَّف الرقيبُ ... فموجبٌ تمكنًا مصيبُ\nأو بينه والابتلا تردَّدا ... شرط تمكنٍ عليه انفقدا\nوأشار إلى المسألة التي نحن بصددها بقوله:\nوالنسخ من قبل وقوع الفعل ... جاء وقوعًا في صحيح النقل\n\nتنبيه آخر:\nذكر بعض أهل الأصول أنَّ هذه القاعدة المذكورة آنفًا التي هي: هل حكمةُ التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، أو هي الامتثال فقط؟ التي هي مبنى الخلاف في جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال = ينبني عليها بعض الفروع الفقهية.","vol":"1","page":109},{"text":"من ذلك -مثلًا-: من علمتْ بالعادة المطَّردة أنها تحيض في أثناء النهار غدًا فبيَّتت الإفطار، ثم حاضت في أثناء النهار بالفعل كما كانت تعتقده. ومن تعتاده حُمَّى الرِّبْع، وعادته أن تأتيه غدًا في أثناء النهار، فبيَّت الإفطار لذلك، ثم أصابته الحمى بالفعل في أثناء النهار كما كان يعتقد.\nفعلى أن الحكمة في التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، فتبييت الفطر ممنوع على كل منهما، وقيل فيه بالكفارة إن فعل موجبها قبل حصول الحيض أو الحُمَّى، وهو مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى ومن وافقه.\nوعلى أن الحكمة الامتثال فقط، فلا كفارة، ولا مانع من تبييت الإفطار؛ لأنه غلب على ظنه انتفاء الحكمة المقصودة بوجود العذر، واللَّه تعالى أعلم.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nوالزيادة على النص ليست بنسخ، وهي على ثلاثة مراتب: أحدها: ألا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما إذا أوجب الصلاة ثم أوجب الصوم، فلا نعلم فيه خلافًا، لأنَّ النسخ رفعُ الحكم وتبديله، ولم يتغير حكم المزيد عليه، بل بقي وجوبه وإجزاؤه. . .) إلى آخره.\n_________\n(^١) (١/ ٣٠٥).","vol":"1","page":110},{"text":"لا يخفى أن زيادة وجوب الصوم على وجوب الصلاة ليس نسخًا للصلاة كما ترى.\nوإيضاحُ هذا المبحث أنَّ فيه تفصيلًا لابدَّ منه لم يذكره المؤلف، وهو أن الزيادة على النص لها حالتان:\nالأولى: أن تنفي ما أثبتهُ النصُّ الأول أو تثبت ما نفاهُ، وهذه لا شك أنها نسخ، ولم يتعرض لها المؤلف -﵀-.\nومثالها: تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ونحو ذلك.\nفإن تحريم هذه المحرمات ونحوها زادته السنة على آية ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام/ ١٤٥] مع أن هذه الآية الكريمة تدلُّ على إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها، بدليل حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة بأقوى أدوات الحصر، وهي النفي والإثبات.\nونظير الآية حصر المحرَّمات في الأربع المذكورة في النحل والبقرة بقوله تعالى في النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل/ ١١٥]، وقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة/ ١٧٣].\nوقد تقرر في الأصول في مبحث دليل الخطاب -أعني مفهوم المخالفة-، وفي المعاني في مبحث القصر، أن (إنَّما) من أدوات","vol":"1","page":111},{"text":"الحصر، وهو الحق؛ فأحاديث تحريم الحمر الأهلية وذي الناب من السباع -مثلًا- زادت تحريم شيء قد دل القرآن قبل ورود تحريمه على أنه مباح، فكونها نسخًا لاشك فيه، وإن خالف فيه كثير من أهل العلم؛ لوضوح النسخ فيه كما ترى؛ لأنه رفع حكم سابق دلَّ عليه القرآن بخطاب جديد.\nالحالة الثانية: هي التي ذكرها المؤلف -﵀- وقسمها إلى مرتبتين:\nالمرتبة الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، على وجه لا يكون شرطًا فيه، كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مئة.\nوالمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، تعلق الشرط بالمشروط.\nوالتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحدٌ، كما نصره المؤلف، وكما هو الحقُّ.\nوإيضاحُه: أن الأولى منهما زيادة جزء، والثانية زيادة شرط، وحكمُ زيادتهما واحد؛ لأن التغريب جزء من الحد، فزيادته على الجلد زيادة جزء من الحد كما هو واضح، ومثله زيادة ركعتين في الرباعية، بناء على أن الصلاة فرضت اثنتين، ثم زيدت في صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه، كما جاء به الحديث.\nومثال زيادة الشرط: زيادة وصف الإيمان في صفة رقبة كفارة اليمين والظهار.","vol":"1","page":112},{"text":"فمذهب الجمهور -وهو الظاهر- أن هذا النوع من الزيادات لا يكون نسخًا؛ لأنه لم يرفع حكمًا شرعيًّا، وإنما رفع البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل صارف عنه، والزيادة في مثل هذا زيادة شيء سكت عنه النص الأول فلم يتعرض له بصريح إثبات ولا نفي.\nوخالف في هذا الإمام أبو حنيفة -﵀-، فمنع كون التغريب جزءًا من الحد، وإن جاء بذلك الحديث الصحيح، قائلًا: إنَّ الجلد كان مجزئًا وحده، وزيادة التغريب دلَّت على أنه لا يكفي وحده، بل لابدَّ معه من زيادة التغريب، وهذا نسخ لاستقلال الجلد بتمام الحد، وهذا بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد؛ لأن آية الجلد متواترة، وأحاديث زيادة التغريب آحاد، والفرضُ عنده أنَّ الزيادة نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد؟ فلم يقبل ثبوت التغريب بالآحاد بناء على ذلك.\nولأجل هذا بعينه لم يقل بالحكم بالشاهد واليمين في الأموال، الثابت عن النبي -ﷺ-، بناء على أنه آحاد، وأنه زيادة على آية ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، وأن الزيادة على النص نسخ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد.\nوكذلك قال الجمهور: إن شرط وصف الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخًا، فيلزم القول به حملًا للمطلق وهو رقبة كفارة اليمين والظهار على المقيد بالإيمان وهو كفارة القتل خطأ.\nومنع ذلك أبو حنيفة بأن الزيادة على النص نسخ، وحمل المطلق","vol":"1","page":113},{"text":"على المقيد لا يصلح دليلًا النسخ.\nوإيضاح هذا: أن الجمهور قالوا: هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول، والناسخُ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر، ولا يمكن الجمع بينهما، فالمزيد في مثل هذا مسكوت عنه.\nفإن قيل: هو مدلول عليه بمفهوم المخالفة.\nفالجواب: أن الحنفية المخالفين في هذا لا يقولون بمفهوم المخالفة أصلًا، ونحن لا نقول به هنا، مع أنَّا لا نُسلِّم دلالة المفهوم عليه، فقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور/ ٢] لا يدلُّ على عدم وجوب شيء آخر بدليل آخر، إذ ليس فيه ما يدلُّ على الحصر، فالمزيد مسكوت عنه في النص المتقدم، والزيادة رافعة للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي منصوص بدليل شرعي، ثم تلك الدعوى إنما تستقيم لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر، ثم وردت الزيادة بعده، وهذا لا سبيل إلى معرفته، بل لعله ورد بيانًا لإسقاط المفهوم متصلًا به أو قريبًا منه كما أشار له المؤلف.\nوإيضاحه: أنَّا لا نُسلِّم أن قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ دلَّ بمفهومه على عدم التغريب، ثم استقر حكم هذا المفهوم بعدم التغريب، ثم وردت الزيادة بالتغريب بعد ذلك، حتى يقال: إنها نسخ، بل يمكن أن تكون زيادة التغريب ذكرها النبي -ﷺ- متصلة بنزول آية الجلد بيانًا أنه لا مفهوم يراد به الاقتصار على الجلد دون التغريب، ويدلُّ لعدم الانفصال بينهما حديث \"خذوا عني قد جعل اللَّه لهن","vol":"1","page":114},{"text":"سبيلا. . . \" الحديث، فالسبيل آية الحد، وقد ذكر النبي -ﷺ- التغريب مقترنًا بذكره لها كما ترى، والعلم عند اللَّه تعالى.\nوإلى التفصيل المذكور آنفًا أشار في \"المراقي\" بقوله:\nوليس نسخًا كلُّ ما أفادا ... فيما رسا بالنصِّ الازديادا\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nونسخ جزء العبادة المتصل بها أو شرطها ليس نسخًا لجملتها. . .) إلى آخره.\nحاصل هذا المبحث: أن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لنفس ذلك الجزء وذلك الشرط فقط، لا نسخ لجميع الحكم، وهو واضح؛ لأن هذا نُسِخَ وهذا أُبْقِيَ على ما كان عليه.\nفمثال نسخ الشرط: أن استقبال بيت المقدس كان شرطًا في صحة الصلاة، فنسخ هذا الشرط ولم يكن نسخُه نسخًا لحكم الصلاة من أصلها، كما ترى.\nومثال نسخ الجزء: نسخ عشر رضعات بخمس، ولا سيما عند من يقول ببقاء حكم خمس رضعات إلى الآن، كالشافعي.\nوحجة من قال بأن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لجملة الحكم هو أنَّ\n_________\n(^١) (١/ ٣١١).","vol":"1","page":115},{"text":"الاقتصار على الحكم بدون ذلك الجزء أو ذلك الشرط كان ممنوعًا لا يعتد معه بذلك الحكم، وبعده كان الحكم تامًا، وهذا نسخ.\nوأجيب من جهة الجمهور أن ذلك الشرط أو ذلك الجزء إنما كان وقت تشريعه رافعًا للبراءة الأصلية، فلما نسخ رجع سقوطه إلى حكم البراءة الأصلية، والباقي كان مشروعًا، ولم يزل كذلك.\nوأشار إلى هذا في \"المراقي\" بقوله:\nوالنسخ للجزءِ أو الشرط انتقي ... نسخه للساقط لا لِلَّذْ بقي\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nيجوز<span data-type=\"title\" id=toc-51> نسخ العبادة إلى غير بدل</span>. وقيل: لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]).\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nهذا الذي حكاه -﵀- بصيغة التضعيف التي هي قيل، يجب المصير إليه، ولا يجوز القول بسواه البتة؛ لأنَّ اللَّه جل وعلا صرَّح به في كتابه، واللَّه يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء/ ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء/ ١٢٢]؛ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ الآيات [الأنعام/ ١١٥] أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في\n_________\n(^١) (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":116},{"text":"الأحكام.\nفالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم من مالكية وشافعية وحنابلة وغيرهم القائلين بجواز النسخ لا إلى بدل ووقوعه، مع أن اللَّه يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فقد ربط بين نسخها وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط رَبْطَ الجزاءِ بشرطِه، ومعلوم عند المحققين أنَّ الشرطية إنَّما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الربط، ولا شك أنَّ هذا الربط الذي صرَّح اللَّه به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيحٌ لا يمكن تخلفُه بحال، فمن ادَّعى انفكاكه وأنَّه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل، فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقضُ القاطع كاذبٌ يقينًا، لاستحالة اجتماع النقيضين، صدق اللَّه العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئًا من كلامه جل وعلا.\nوقول المؤلف (^١) -﵀- (ولنا: أنَّه متصوَّر عقلًا. . .) ظاهر السقوط، لأن صريح القرآن لا يناقض بالتجويز العقلي.\nوقوله (^٢): (قام دليله شرعًا. .) ليس بصحيح، إذ لا يمكن قيام دليل شرعي على ما يخالف صريح القرآن.\nوقوله (^٣): (إن نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي، وتقديم\n_________\n(^١) (١/ ٣١٣).\n(^٢) (١/ ٣١٣).\n(^٣) (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":117},{"text":"الصدقة أمام المناجاة، كلاهما نسخ إلى غير بدل، وأن ذلك دليل على النسخ لا إلى بدل. .) غيرُ صحيح؛ لأنَّ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي نسخ ببدل خير منه، وهو التخيير في الادخار والإنفاق المذكور في الأحاديث، وتقديم الصدقة أمام المناجاة منسوخ ببدل خير منه، وهو التخيير بين الصدقة تطوعًا ابتغاء لما عند اللَّه وبين الإمساك عن ذلك، كما يدل عليه قوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة/ ١٣].\nوقولُ المؤلف (^١) -﵀-: (فأمَّا الآية فإنها وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر. . .) ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنَّ الآية الكريمة صريحة في أنه مهما نسخ آيةً أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها، كما هو واضح.\nوقول المؤلف (^٢): (على أنَّه يجوز أن يكون رفعُها خيرًا منها في الوقت الثاني، لكونها لو وجدت فيه لكانت مفسدة) يُقال فيه: ذلك الرفع الذي هو خير منها، هو عينُ البدل الذي هو خير منها، الذي هو محل النزاع.\nوما أجاب به صاحب \"نشر البنود شرح مراقي السعود\" تبعًا للقرافي من أن الجواب لا يجب أن يكون ممكنًا فضلًا عن أن يكون واقعًا، نحو: إن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان = ظاهر\n_________\n(^١) (١/ ٣١٤).\n(^٢) (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":118},{"text":"السقوط أيضًا؛ لأن مورد الصدق والكذب في الشرطية إنَّما هو الربطُ، فتكون صادقة لصدق ربطها، ولو كانت كاذبة الطرفين لو حُلَّ ربطُها.\nألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء/ ٢٢] قضية شرطية في غاية الصدق، مع أنها لو أزيل منها الربط لكذب طرفاها، إذْ يصير الطرف الأول: كان فيهما آلهة إلا اللَّه، وهذا باطل قطعًا، ويصير الطرف الثاني: فسدتا، أي السموات والأرض، وهو باطل أيضًا، والربط لاشك في صحته، وبصحته تصدق الشرطية، فلو كان فيهما آلهة غير اللَّه لفسد كل شيء بلا شك.\nوكذلك لو صحَّ أن الواحد نصف العشرة لصح أن العشرة اثنان، لكنَّه لم يصح أن فيهما آلهة غير اللَّه، ولا أن الواحد نصف العشرة، كما هو معروف، بخلاف الشرط في الآية فقد صح، وبصحته يلزم وجود المشروط.\nواعلم أن قول من قال: إن أهل العربية يجعلون الصدق والكذب في الشرطية إنَّما يتواردان على الجزاء والشرط إنَّما هو شرط في ذلك. . . غيرُ صحيح، بل التحقيق أن الصدق والكذب عندهم يتواردان على الربط بينهما كما ذكرنا، كما حقَّقه السيد في حواشيه على \"المطول\"، وكما حققه البنَّاني في \"شرح السلم\"، وهو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه؛ لصدق الشرطية مع كذب الطرفين كما بينَّا.","vol":"1","page":119},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nويجوز<span data-type=\"title\" id=toc-52> النسخ بالأخف والأثقل</span>. . .) إلى آخره.\nحاصل هذا المبحث أنه يجوز نسخ الحكم الأثقل بالأخف منه، كما يجوز نسخ الأخف بالأثقل منه.\nومثال نسخ الأثقل بالأخف: نسخ الاعتداد بالحول في قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة/ ٢٤٠]، بأربعة أشهر وعشر في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة/ ٢٣٤]، ومعلوم أن الأربعة أشهر وعشر ليال أخف من السنة.\nوكنسخ مصابرة الواحد عشرة من الكفار، المنصوص في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال/ ٦٥] بمصابرة اثنين، المنصوص في قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال/ ٦٦]؛ فإن مصابرة اثنين أخف من مصابرة عشرة.\nوكنسغ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة/ ٢٨٤] بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦].\nومثال نسخ الأخف بالأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والإطعام،\n_________\n(^١) (١/ ٣١٥).","vol":"1","page":120},{"text":"المنصوص في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة/ ١٨٤] بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة/ ١٨٥] لأن إيجاب الصوم أثقل من التخيير بينه وبين الإطعام.\nونسخ حبس الزواني في البيوت، المنصوص عليه بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء/ ١٥] بالجلد بقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور/ ٢]، والرجم أثقل من الحبس في البيوت.\nولو قيل: إن آية الحبس في البيوت غير منسوخة؛ لأنَّها كانت لها غاية هي قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ الآية، وقد حصلت الغاية بجعل السبيل كما قال -ﷺ-: \"خذوا عني، خذو عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا\" الحديث، فذلك السبيل هو الجلد والرجم = لكان حسنًا متَّجهًا.\nومن أمثلته: نسخ إباحة الخمر المنصوص في قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل/ ٦٧] بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة/ ٩٠ - ٩١]، خلافًا لمن زعم أنَّ تحريم الخمر رافع للبراءة الأصلية، لا حكم شرعي، فليس عنده بنسخ؛ لأنه فسر قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ بأن المراد بالسَّكر الطعم أو الخل لا الخمر، وهو خلافُ الصحيح.\nفإن قيل: كيف جاز نسخُ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف مع أن اللَّه يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، فإن كان الأثقل خيرًا لكثرة الأجر فلم جاز نسخه بالأخف؟ وإن كان الأخف خيرًا لسهولته فلم جاز","vol":"1","page":121},{"text":"نسخه بالأثقل؟\nفالجواب: أنَّ الخيرية دائرة بين الأخف والأثقل، فتارة تكون في الأخف فينسخ به الأثقل لسهولة الأخف، وتارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر فيه فينسخ به الأخفُّ.\nوإنكار الظاهرية لنسخ الأخف بالأثقل، محتجين بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٨]، ونحو ذلك من الآيات = لا وجه له، لأنَّ المراد بالآيات التخفيف بالجملة، فلا ينافي أنَّه ربما شرع حكمًا أثقل مما قبله، كما أوجب الصوم بعد التخيير، ونحو ذلك.\nوإلى هذه المسألة أشار في \"المراقي\" بقوله:\nويُنْسَخُ الخِفُّ بماله ثِقَل ... وقدْ يجيء عاريًا من البدل\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإذا نزل الناسخُ فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه. . .) الخ.\nحاصل هذا المبحث: أن الحكم اختلف فيه، هل يثبت بمجرد وروده، وإن لى يبلغ المكلف، أو لا يثبت بحق المكلف إلا بعد بلوغه له؟\n_________\n(^١) (١/ ٣١٨).","vol":"1","page":122},{"text":"وقال القاضي: إنه لا يكون نسخًا حتى يبلغ المكلف؛ لأنَّ أهل قباء بلغهم نسخُ استقبال بيت المقدس وهم في الصلاة، فاعتدوا بما مضى من صلاتهم، ولو كان الحكم يستقر بمجرد وروده وإن لم يعلم به المكلف لما اعتدُّوا بما مضى من الصلاة قبل العلم بالناسخ.\nقال أبو الخطاب: يتخرَّج أن يكون نسخًا، بناءً على قول الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في الوكيل أنَّه ينعزل بعزل الموكل، وإن لم يعلم الوكيل بالعزل.\nويتفرع على هذا الخلاف نسخُ خمسة وأربعين صلاة ليلة الإسراء، فعلى أن الحكم يثبت بمجرد الورود فهي منسوخة في حق الأمة، وعلى عكسه فلا.\nومن الفروع المبنية عليه: عزل الوكيل بموت موكله أو عزله له قبل العلم، وهل تصرُّفه بعد موت موكله، أو بعد عزله له، قبل علمه بذلك، ماضٍ أوْ لا؟ الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في هذه المسألة.\nوينبني على الخلاف في هذه المسألة أيضًا: من أسلم في دار الكفر، ولم يجد من يعلمه أمر دينه كالصلاة والصوم، ومن نشأ على شاهق جبل وهو على الفطرة، ولم يجد من يعلمه، ثم بعد ذلك حصل العلم بأمور الدين لكل منهما، فعلى أن الحكم يثبت بالورود فعليهما قضاء ما فاتهما من الصلاة والصوم، وعلى أنه لا يستقلُّ إلا ببلوغه للمكلف فلا قضاء عليهما.","vol":"1","page":123},{"text":"واحتج من قال: \"لا يستقلُّ إلا ببلوغه للمكلف\" بأن الناسخ خطاب، والخطاب يشترط فيه علم المخاطب به، فلا يكون خطابًا في حق من لم يبلغه.\nورد القائلون بثبوته بالورود وإن لم يبلغ المكلف الاحتجاجَ بقصة أهل قباء بأن الخطأ في القبلة يعذر فيه، كمن صلى إلى غير القبلة يظنُّ أنها القبلة، وكما يدلُّ له قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة/ ١١٥] على أحد التفسيرات، وعليه أكثر أهل العلم.\nوإلى هذه المسألة أشار في \"المراقي\" بقوله:\nهل يستقل الحكم بالورود ... أو ببلوغه إلى الموجود\nفالعزل بالموت أو العزل عرض ... كذا قضاء جاهل للمفترض\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n\n(فصل\n\nيجوز<span data-type=\"title\" id=toc-54> نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد</span>. . .) الخ.\nاعلم أن هذه الصور الثلاث لا خلاف فيها بين العلماء يعتدُّ به، كما حكى غير واحد عليها الإجماع، وخلاف من خالف في ذلك لا يعتد به ولا وجه له، فنسخ القرآن بالقرآن كنسخ الاعتداد بالحول\n_________\n(^١) (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":124},{"text":"بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر، ونسخ السنة بالسنة مساوية لها سندًا كقوله: \"كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" الحديث.\nويفهم ممَّا ذكرنا أنَّ نسخ الآحاد بالمتواتر جائز من باب أولى.\nقال المؤلف (^١) -﵀-: (والسنة بالقرآن).\n\nيعني أن السنة تنسخ بالقرآن سواء كانت متواترة أو آحادًا. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه لوقوعه، وروي عن الشافعي منع<span data-type=\"title\" id=toc-55> نسخ السنة بالقرآن </span>قائلًا: إن النسخ للسنة إنما هو بسنة موافقة للقرآن.\nومثال نسخ السنة المتواترة بالقرآن: نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة المتواترة بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة/ ١٤٤].\nومثال نسخ السنة الثابتة بالآحاد بالقرآن: نسخ رد المسلمات إلى الكفار الذي وقع عليه الصلح في صلح الحديبية بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة/ ١٠].\nومن أمثلته: تحريم المباشرة في ليالي رمضان الذي كان ثابتًا بالسنة، فإنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة/ ١٨٧]، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٧].\nهكذا ذكر المؤلف هذا المثال لنسخ السنة بالقرآن، تبعًا للغزالي في \"المستصفى\"، مع أن بعض العلماء جعل هذا المثال من نسخ\n_________\n(^١) (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":125},{"text":"القرآن بالقرآن، قائلًا: إنه هو مقتضى التشبيه في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٣] أي: وكان من قبلنا لا تحلُّ لهم المباشرة في ليالي رمضان بعد النوم أو صلاة العشاء، فعلى هذا فالآية ناسخة لما دلَّ عليه التشبيه لنا بمن قبلنا، واللَّه أعلم.\nومن أمثلته: نسخ جواز تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بفعل النبي -ﷺ- في غزوة الأحزاب بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء/ ١٠٢].\nقال المؤلف (^١):\n\n(فأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-56> نسخ القرآن بالسنة المتواترة </span>فقال أحمد ﵀: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده. . .) الخ.\nحاصل هذا القول: منع نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وأحرى الآحاد؛ لأنَّ اللَّه يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦] والسنة لا تكون خيرًا من القرآن ولا مثله. وقد تمدَّح تعالى بأن ذلك لا يقدر عليه غيره بقوله بعده: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة/ ١٠٦].\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nالتحقيق جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة ووقوعه، ومثالُه: نسخُ آية خمس رضعات بالسنة المتواترة، ونسخُ سورة الخلع وسورة الحفد بالسنة المتواترة. وأمثال ذلك كثيرة.\n_________\n(^١) (١/ ٣٢٢).","vol":"1","page":126},{"text":"والجوابُ عن الاستدلال بالآية الكريمة هو أنَّ كلًّا من الناسخ والمنسوخ من عند اللَّه تعالى، فهو الناسخ للحقيقة، ولا يقدر على ذلك غيره، كما بينه بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس/ ١٥]، ولكنه يظهر النسخ على لسان رسوله -ﷺ-، [فإذا نسخَ آيةً] (^١) ثم أتى بآية أخرى مثلها كان حقَّق وعده، فلم يشترط في الآية المذكورة أن تكون الآية هي الناسخة بعينها، بل يجوز أن ينسخ الأولى على لسان نبيه بوحيٍ غير القرآن، ثم بعد نسخها يأتي بآية أخرى مثلها. ولا تنافي بين هذا وبين ظاهر الآية الكريمة كما ترى.\nوقد قال بعض العلماء: ليس المراد الإتيان بنفس آية أخرى خير منها، بل المراد نأتي بعمل خير من العمل الذي دلَّت عليه الأولى أو مثله. واللَّه تعالى أعلم.\nوالحديث الذي أورده عن جابر ﵁ مرفوعًا: \"القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن\" الظاهر أنه غير صحيح، وثبوت نقيضه بالسنة الثابتة ممَّا يدلُّ على عدم صحته.\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق. وليست في الأصل المطبوع.","vol":"1","page":127},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nفأمَّا نسخ القرآن والمتواتر من السنة بأخبار الآحاد فهو جائز عقلًا؛ إذْ لا يمتنع أن يقول الشارع: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد، وغير جائز شرعًا. .) إلى آخره.\nحاصل ما ذكره في هذا المبحث أنَّ نسخَ المتواتر بالآحاد جائز عقلًا، وأمَّا شرعًا ففيه ثلاثة أقوال:\nالأول: أن المتواتر من كتاب أو سنة لا ينسخ بخبر الآحاد مطلقًا. وهذا هو الذي نصره المؤلف، وعلى هذا القول جمهور أهل الأصول. وعليه درج في \"المراقي\" بقوله:\nوالنسخُ بالآحاد للكتاب ... ليس بواقع على الصواب\nوحجة هذا القول أن المتواتر قطعيُّ المتن، وخبر الآحاد دونه رتبة، والأقوى لا يُرفع بما هو دونه في الرتبة.\nواستدل له المؤلف بقوله عمر ﵁: \"لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت\".\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nالتحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد\n_________\n(^١) (١/ ٣٢٧).","vol":"1","page":128},{"text":"الصحيحة الثابت تأخرها عنه، والدليل الوقوع.\nأمَّا قولهم: إن المتواتر أقوى من الآحاد، والأقوى لا يُرفع بما هو دونه، فإنهم قد غلطوا فيه غلطًا عظيمًا مع كثرتهم وعلمهم.\nوإيضاح ذلك: أنَّه لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ؛ لإمكان صدق كل منهما في وقته، وقد أجمع جميع النظار أنَّه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أمَّا إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها، فلو قلت: النبي -ﷺ- صلى إلى بيت المقدس، وقلت -أيضًا-: لم يصل إلى بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما قبل النسخ، وبالثانية ما بعده، لكانت كل منهما صادقة في وقتها.\nومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه: نسخُ إباحة الحمر الأهلية -مثلًا- المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام/ ١٤٥] بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه؛ لأن الآية من سورة الأنعام وهي مكيَّة، أي نازلةٌ قبل الهجرة بلا خلاف، وتحريم الحمر الأهلية بالسنَّة واقع بعد ذلك في خيبر، ولا منافاة البتة بين آية الأنعام المذكورة وأحاديث تحريم الحمر الأهلية؛ لاختلاف زمنهما، فالآية وقت نزولها لم يكن محرَّمًا إلا الأربعة المنصوصة فيها، وتحريم الحمر الأهلية طارئ بعد ذلك، والطروء ليس منافاة لما قبله، وإنما تحصلُ المنافاة بينهما لو كان في الآية ما يدل على نفي تحريم شيء في المستقبل غير الأربعة المذكورة في الآية، وهذا لم تتعرض له الآية، بل الصيغة فيها مختصة بالماضي، لقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾","vol":"1","page":129},{"text":"بصيغة الماضي، ولم يقل: فيما سيوحى إلي في المستقبل. وهو واضح كما ترى، واللَّه أعلم.\nوأمَّا آية الوصية للوالدين والأقربين، فالتحقيقُ أنَّها منسوخة بآية المواريث، والحديث بيان للناسخ، وبيانُ المتواتر لا يُشترط فيه التواتر كما تقدَّم.\nوالحديث يُشيرُ إلى أن الناسخ لها آياتُ المواريث؛ لأنَّ ترتيبه -ﷺ- نفي الوصية للوارث بالفاء على إعطاء كل ذي حقٍّ حقه -يعني الميراث- في قوله -ﷺ-: \"إنَّ اللَّه قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث\" يدلُّ على ذلك.\nوأمَّا قول عمر ﵁: \"لا ندع كتاب ربنا. . . \" الخ؛ فالحقُّ في ذلك ليس معه ﵁، بل مع المرأة المذكورة وهي فاطمة بنت قيس -﵂-، قالت: إن زوجها طلَّقها آخر ثلاث تطليقات، فلم يجعل لها رسول اللَّه -ﷺ- نفقةً ولا سكنى. وعندما سمعت قول عمر: لا ندع كتاب ربِّنا لقول امرأة. . . الخ قالت: بيني وبينكِم كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق/ ١] فأيُّ أمرٍ يحدث بعد الثلاث؟\nوصرَّح أئمة الحديث بأنَّه لم يثبت من السنة ما يخالف حديثها.\nفالسنةُ معها، وكتاب اللَّه معها، فلا وجه للاستدلال بمخالفة عمر لما سَمِعَتْهُ من النبي -ﷺ-؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ،","vol":"1","page":130},{"text":"والذي يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن عمر لم يخالفها ولكنه لم يثق في روايتها، وعلى هذا فلا منافاة إذًا.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n\n(فصل\n(فأما الإجماعُ فلا يُنْسَخْ. . . ولا يُنْسَخُ به. . .) الخ.\nحاصلُ هذا المبحث أنَّ الإجماع لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا؛ لأنَّ الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي -ﷺ-، لأنَّه ما دام موجودًا فالعبرة بقوله وفعله وتقريره -ﷺ-، ولا حجة معه لأحد، ولا يعتبر للأمة إجماع معه، وإذا كان لا ينعقد إلا بعد وفاته -ﷺ- علمت أن بوفاته ينقطع التشريع، والنسخ تشريع؛ فلا يحصل بعدها نسخ أصلًا، وإذا وجد في كلام بعض العلماء ما يوهم النسخ بالإجماع، فمرادهم النسخ بالدليل الذي هو مستند الإجماع، كما أشار له المؤلف في هذا المبحث، وأشار له في \"المراقي\" بقوله في النسخ:\nفلم يكن بالعقل أو مجرد ... الاجماع بل ينمى إلى المستند\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":131},{"text":"قال المؤلف (^١) -﵀-:\n\n(فصل\nما ثبت بالقياس إن كان منصوصًا على علَّته فهو كالنص يَنْسَخُ ويُنْسَخُ به، وما لم يكن منصوصًا على علته فلا يُنْسَخ به. .) الخ.\nكلامه ظاهر، وهو قول بعض الحنابلة، وجمهور العلماء على أن القياس لا يُنْسَخُ به ولا يُنْسَخْ؛ لأنه إنما يعتبر فيما لا نص فيه، والقياس مع وجود النص المخالف له فاسد الإعتبار لا يعتدُّ به، كما سيأتي في القوادح.\n\nوإلى عدم<span data-type=\"title\" id=toc-59> النسخ بالقياس </span>أشار في \"المراقي\" بقوله:\nومنع نسخ النص بالقياس ... هو الذي ارتضاهُ جُلُّ الناس\nومثال ما ذكره المؤلف من نسخ النص بالقياس: ما لو قال الشارع -مثلًا-: أبحتُ لكم النبيذ المسكر المتخذ من الذُّرة، ثم بعد ذلك قال: حرَّمتُ عليكم النبيذ المتخذ من العنب لعلَّة الإسكار. فنصَّ على العلة التي هي الإسكار، فيقاسُ النبيذ المسكر المتخذ من التمر على نبيذ العنب بجامع العلة المنصوصة التي هي الإسكار، فينسخُ هذا القياسُ إباحةَ نبيذ الدُّرة المسكر؛ لأنَّ تحريم نبيذ التمر وإباحة نبيذ الذُّرة حكمان متضادَّان مع اتحاد علتهما وهي الإسكار، فكان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، كما لو قال الشارع: أبحتُ المسكر، ثم قال:\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":132},{"text":"حرَّمتُه.\nواعلم أن القاعدة المقررة في الأصول أن المثال لا يُعْتَرض؛ لأن المراد منه إيضاح معنى القاعدة، ولذا جاز المثال بالمفروض المقدر والمحتمل، كما أشار له في \"المراقي\" بقوله:\nوالشأنُ لا يُعْتَرَضُ المثالُ ... إذْ قد كفى الفرضُ والاحتمال\nواعلم أن قياس النسخ على التخصيص في قول من قال: يجوز النسخ بما يجوز به التخصيص، ظاهرُ البطلان؛ لأنَّ التخصيص بيان وإرشاد، والنسخ رفع للحكم، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n\n(فصل\nوالتنبيه يُنْسَخُ ويُنْسَخُ به. .) الخ.\nاعلم أن مراده بكلمة التنبيه هنا وفي مبحث المفهوم والمنطوق إنَّما هو مفهوم الموافقة.\nوضابط مفهوم الموافقة: هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، على أن حكمه وحكم المنطوق به سواء، وسواء كان ذلك المدلولُ المسكوت عنه أولى من المنطوق به بالحكم أو مساويًا له.\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":133},{"text":"مثال ما هو أولى: دلالة النهي عن التأفيف المنطوق به في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣] على النهي عن الضرب المسكوت عنه؛ لأن الضرب أولى بالنهي من التأفيف؛ لأنه أبلغ في الإيذاء منه.\nومثال المساوي: دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء/ ١٠] المنطوق به على تحريم إحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه، مع أنه مساوٍ للمنطوق في الحكم؛ لأن الجميع إتلاف لمال اليتيم.\nوسيأتي إن شاء اللَّه إيضاحُ أقسام المفاهيم في محلِّه مع أمثلة كثيرة لكل قسم منها.\nوإذا عرفت مراد المؤلف -﵀- بالتنبيه، فاعلم أن معنى كلامه في هذا الفصل أن مفهوم الموافقة كالنهي عن الضرب المفهوم من النهي عن التأفيف، والنهي عن الإحراق والإغراق المفهوم من النهي عن الأكل في الأمثلة المذكورة، يجوز أن يُنْسَخَ ويُنْسَخَ به؛ لأن اللفظ دلَّ في محل السكوت على أنه كالمنطوق به في الحكم، أو أولى منه.\nوجمهور علماء الأصول على أنه مفهوم من نفس اللفظ وليس بقياس، خلافًا للشافعي الذي يسميه: القياس الجليَّ، والقياس في معنى الأصل، كما يأتي إيضاحه، وإيضاح بقية الأقوال فيه في محلِّه إن شاء اللَّه تعالى.","vol":"1","page":134},{"text":"وإذا كان مدلولًا عليه باللفظ فلا مانع من نسخه دون أصله، والنسخِ به، وهذا قول الجماعة من أهل الأصول. قالوا: يجوز عقلًا أن ينسخ الضرب ويبقى التأفيف، كعكسه، مثلًا. قالوا: ولا مانع عقلًا من ذلك، وقد يأمر بعض الملوك بقتل إنسان محترم عنده جدًّا، فينهى عن التأفيف في وجهه وغير ذلك من الازدراء، مع أنه أمر بقتله، مع أن القتل أشدُّ إيذاءً من التأفيف وغيره من الازدراء.\nوأكثر علماء الأصول على تلازمهما، أعني المنطوق والمفهوم، فلا يُنسخان إلا معًا، ولا يمكن نسخ أحدهما دون الآخر؛ لأن المفهوم تابم للمنطوق ولازم له، ورفع اللازم يقتضي رفع الملزوم، ورفع المتبوع يقتضي رفع التابع.\nومثال نسخ الفحوى والنسخ بها يذكرونه عادة على سبيل الفرض والتقدير، ويمكن عندي أن يمثل للنسخ بمفهوم الموافقة بما لو فرضنا أن قوله -ﷺ-: \"ليُّ الواجد ظلمٌ يُحِلُّ عرضه وعقوبته\" ورد قبل نزول آية ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وعُمِلَ به قبل نزولها، لأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخٌ كما قدَّمنا.\nوإيضاحُه: أن قوله في الحديث: \"يحل عرضه\" أي بقوله: مطلني، \"وعقوبته\" أي بالحبس، وعموم الحديث يشمل الوالد إذا مطل دين ولده وهو غني، وفحوى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ تدلُّ على أنَّه لا يُحْبَسُ الوالد في دين عليه لولده؛ لأنَّ الحبس أشدُّ إيذاءً من التأفيف، فإنْ ورد هذا المخصِّص قبل العمل بالعام فهو تخصيص، وإلا فهو نسخ، وهو المقصود بالتقدير في المثال المذكور.","vol":"1","page":135},{"text":"وقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى- في هذا المبحث:\n(وإذا نُسخ الحكمُ في المنطوق بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبتُ بعلته أو بدليل خطابه، وأنكر ذلك بعض الحنفية، لأنَّه نسخ بالقياس، وليس بصحيح، لأنَّ هذه فروع تابعة لأصل، فإذا سقط حكم الأصل سقط حكم الفرع).\nوعلى هذا الذي ذكره المؤلف درج في \"المراقي\" بقوله:\nويجبُ الرفعُ لحكم الفرعِ ... إن حكم أصله يُرى ذا رفعِ\nوإيضاح معنى كلام المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- أنَّ منطوق اللفظ إذا نُسخ بطل حكم ما يتفرَّع عليه من مفهوم وما أُلحق به بعلَّته.\nومراده بدليل خطابه مفهوم مخالفته، فلو فرضنا نسخ قوله: \"كل مسكر حرام\" لبطل قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار، ولو فرضنا نسخ إيجاب الزكاة في السائمة لبطل مفهومُه الذي هو عدمُ وجوبها في المعلوفة، لبطلان أصله، وهكذا.\nوخالف في هذا بعض الحنفية قائلين: إنَّ الأصل حكمٌ والفرع حكمٌ آخر، فيجوز نسخُ هذا وبقاءُ هذا.\nومثاله: ما حكاه الباجي عن بعضهم من شهادة أهل الذمَّة بعضهم على بعض، قياسًا على شهادتهم على المسلمين في الوصية في السفر المنصوص في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة/ ١٠٦] بجامع العلة\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦).","vol":"1","page":136},{"text":"التي هي تعذر وجود الشهود من المسلمين، ثم نُسخت شهادتُهم على المسلمين في السفر على القول بذلك بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢] وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢] والكفار غير مرضيين، وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/ ٤] أي وأحرى الكافرون برد الشهادة من الفاسقين، وبقي حكم شهادة بعضهم على بعض غيرَ منسوخٍ مع نسح الأصل المقيسِ عليه بناءً على القول بذلك.\n\nتنبيهان:\nالأول: قد قدَّمنا أنَّ جماعة من الأصوليين قالوا: إن مفهوم الموافقة يجوز نسخُه دون أصله، كالعكس، وصححه السبكيُّ في \"جمع الجوامع\".\nوعليه فهذا الخلاف لم يعرج عليه المؤلف.\nالثاني: لم يتعرض المؤلف -أيضًا- لمفهوم المخالفة، هل يمكن نسخه مع بقاء أصله أولا؟ والتحقيق جواز ذلك ووقوعه.\nومثاله: حديث: \"إنَّما الماء من الماء\"، منطوقُ هذا الحديث أنَّ من نزل منه الماء الذي هو المنيُّ وجب عليه استعمالُ الماء، أي غسل الجنابة، من نزول ذلك المني، ومفهوم الحصر بإنَّما أن من جامع وحصل من جماعه التقاءُ الختانين ولم ينزل منه مني أنَّه لا غسل عليه، فنُسِخَ هذا المفهومُ بوجوب الغسل عند التقاء الختانين -وإن لم يحصل إنزالٌ- الثابت عنه -ﷺ-، وبقي المنطوقُ الذي هو وجوب الغسل من","vol":"1","page":137},{"text":"الإنزال محكمًا غير منسوخ.\nواعلم أنه لا يجوز النسخُ بمفهوم المخالفة؛ لضعفه، ولاختلافٍ في اعتباره.\nوأشار إلى حكم مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة في النسخ صاحب \"المراقي\" بقوله:\nوجاز بالفحوى ونسخه بلا ... أصل وعكسه جوازُه انجلى\nورأيُ الاكثرين الاستلزامُ ... وبالمخالفة لا يرام\nوهي عن الأصل لها تجرد ... في النسخ وانعكاسه مستبعد\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nفي<span data-type=\"title\" id=toc-62>ما يُعرف به النسخ:</span> اعلمْ أنَّ ذلك لا يعلمُ بدليل عقليٍّ ولا بقياسٍ، بل بمجرد النقل. . .) إلى آخره.\nحاصلُ هذا المبحث أنَّ العقل والقياس لا يُعرف بهما الناسخ من المنسوخ، وأنَّ ذلك إنما يعرف بمجرد النقل الدال على ذلك، ولذلك طرق:\nمنها: أن يكون في اللفظ ما يدلُّ على النسخ، كقوله -ﷺ-: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" الحديث.\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٧).","vol":"1","page":138},{"text":"الثاني: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه، نحو: سمعتُ عام الفتح كذا، وسمعت في حجة الوداع كذا، أي شيئًا يناقضه، فيعرف الناسخُ بتأخره، فما في حجة الوداع يكون ناسخًا لما في عام الفتح؛ لتأخره عنه، إذا لم يمكن الجمع بينهما.\nالثالث: إجماعُ الأمة على أنَّ هذا الحكم منسوخ، وأنَّ ناسخه متأخر، ومثَّل له ابن السمعاني بنسخ وجوب الزكاة لغيرها من الحقوق المالية.\nومنها: أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ، فيقول: \"رخص لنا في المتعة ومكثنا ثلاثة، ثم نهانا عنها\".\nومنها: أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي -ﷺ-، والآخر لم يصحب النبي -ﷺ- إلا في أول الإسلام، كرواية طلق بن علي وأبي هريرة في الوضوء من مس الفرج، واللَّه تعالى أعلم.\nهكذا ذكر المؤلف ﵀.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nاعلم أن محلَّ التقديم لخبر متأخر الإسلام عمن أسلم قبله فيما إذا مات الأول قبل صحبة الثاني النبيَّ -ﷺ-.\nأما إن عاش الأولُ حتى صحب الآخرُ النبيَّ -ﷺ- فلا يكون حديث المتأخر ناسخًا لحديث متقدم الإسلام؛ لاحتمال أن يكون متقدم الإسلام روى الحديث بعد متأخر الإسلام، إذ لا مانع من ذلك عقلًا، ولا عادةً، ولا شرعًا، ولأجل هذا قال بعض العلماء: لا يقدم حديث","vol":"1","page":139},{"text":"أبي هريرة المذكور على حديث طلق من هذا الوجه، بناءً على أنه لم يثبت وفاة طلق قبل صحبة أبي هريرة.\nواعتمد هذا صاحب \"نشر البنود\" في شرح قوله في \"مراقي السعود\" عاطفًا على ما لا يقبل النسخ به:\nوكون راويه الصحابي يقتفي ... ومثله تأخر في المصحف\nواللَّه جل وعلا أعلم.\nوقوله: يقتفي، أي يتبع الآخر في الإسلام، يعني أنه أسلم بعده، فكأنَّ إسلامه يقتفي إسلامه.\nوحديث أبي هريرة هو ما روى عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من أفضى بيده إلى ذكره وليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء\".\nوحديث طلق هو ما روى عن النبي -ﷺ- أنه سئل عن مس الذكر فقال: \"وهل هو إلا بضعة منك\".\nمع أنَّ حديث طلقٍ مضعَّف؛ قال النووي في شرح المهذب: إنَّه ضعيفٌ باتفاق الحفاظ، وقد بيَّن البيهقيُّ وجوهًا من وجوه تضعيفه.\nوهذا هو مضمون الحديثين، واللَّه تعالى أعلم، وصلى اللَّه على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.\n *  *  *","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>السُّنَّة</span>\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(الأصل الثاني من الأدلة: سنة النبي -ﷺ-).\n\nاعلم أنَّ السنة في اللغة: الطريقة والسيرة، ومنه قول لبيد في معلقته:\nمن معشر سنَّتْ لهم آباؤهم ... ولكلِّ قومٍ سنةٌ وإمامُها\nأي طريقة يسيرون عليها.\nوفي اصطلاح الشرع: هي ما قاله رسول اللَّه -ﷺ- أو فعله أو قرَّر عليه.\nوقول المؤلف (^٢) ﵀: (وقول رسول اللَّه -ﷺ-)، أي وكذلك فعله وتقريره؛ لأنَّه لا يقرر على باطل.\nوقوله: (لدلالة المعجزة على صدقه)، أي أن معجزات الأنبياء تتضمن شهادةً من اللَّه لهم أن ما جاءوا به حقٌّ.\nوقوله (^٣): (وهو دليلٌ قاطعٌ على من سمعه منه شفاهًا)، أي وكذلك من شاهد فعله أو تقريره -ﷺ-.\n_________\n(^١) (١/ ٣٤٠).\n(^٢) (١/ ٣٤٠).\n(^٣) (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":141},{"text":"وقوله (^١): (فأمَّا من بلغه بالأخبار، فينقسم في حقِّه قسمين: تواترًا وآحادًا) كما سيأتي إن شاء اللَّه إيضاحُه.\nوقوله (^٢): (وألفاظُ الرواية في نقل الأخبار خمسة) يعني أن كيفية رواية الصحابي عن النبي -ﷺ- خمس مراتب:\nأقواها المرتبة الأولى: وهي ما كان اللفظُ فيه صريحًا في السماع من النبي -ﷺ-، نحو: سمعته -ﷺ- يقول، أو حدثني، أو أخبرني، أو شافهني، وهذا هو الأصل في الرواية.\nالمرتبة الثانية التي تلي الأولى في القوة: هي ما كان اللفظُ فيه ظاهرًا في السماع منه -ﷺ- مع أنه محتمل؛ لأنه لم يسمع منه مباشرة بل بواسطة، نحو قوله: قال رسول اللَّه -ﷺ-، أو عن رسول اللَّه -ﷺ-، ونحو ذلك.\nوإنَّما كانت هذه المرتبة دون التي قبلها؛ لأنَّها ليست صريحة في السماع، لإمكان أن يكون سمعه من غير النبي -ﷺ-.\nوهذه الصورة إن وقعت من الصحابي، فالروايةُ بها مقبولة، إذ لو فرضنا أن هناك واسطة، وأنَّه مرسل، فمراسيل الصحابة مقبولة؛ لأن لها حكم الوصل.\nوأما إن صدرت هذه الصورة التي هي \"قال\" و\"عن\" ونحوهما من\n_________\n(^١) (١/ ٣٤٠).\n(^٢) (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":142},{"text":"غير الصحابي، فإن كان غير مدلس فهي صحيحة كالتصريح بالسماع، وإن كان مدلسًا لم تقبل ما لم يثبت السماع من طريق أخرى، كما هو مقرر في علم الحديث.\nومن يحتجُّ من العلماء بالمرسل يحتجُّ بعنعنة المدلس، وقوله: \"قال\"، ونحو ذلك، من باب أولى.\nومثَّل المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- لقول الصحابي: \"قال رسول اللَّه -ﷺ-\" مع أنه لم يسمع منه مباشرة بما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من أصبح جنبًا فلا صوم له\"، فلما استُكْشِفَ قال: حدثني الفضل بن عباس.\nوما روي عن ابن عباس أنَّه قال: \"إنما الرِّبا في النسيئة\"، فلما روجع أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد.\nوقد بينَّا أنَّ مثل ذلك لا يضرُّ؛ لأنَّ مرسل الصحابي له حكم الوصل.\nالمرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي: أمر رسول اللَّه -ﷺ- بكذا، أو نهى عن كذا، وإنَّما كانت هذه دون التي قبلها؛ لأنَّ فيها من احتمال عدم السماع مباشرة مثل ما في الأولى، وتزيد عليها بأنه قد يظن ما ليس بأمر أمرًا.\nهكذا قيل، ولا يخفى بُعْدُه، إذ عدالةُ الصحابي تمنعه من أن ينقل عن النبي -ﷺ- الأمر فيما ليس بأمرٍ، ولذا جعلت جماعة من أهل الأصول هذه المرتبة في منزلة التي قبلها لضعف الاحتمال المذكور.","vol":"1","page":143},{"text":"المرتبة الرابعة: أن يقول: أُمرنا أو نُهينا، ولا يذكر الفاعل. وإنما كانت دون التي قبلها لأن فيها من الاحتمال ما في التي قبلها، وتزيد باحتمال أن يكون الآمر غير النبي -ﷺ- من الأئمة والعلماء، وأكثر أهل الأصول على أنه لا يحمل إلا على أمر اللَّه ورسوله، خلافًا لمن أبطل هذه المرتبة لذلك الاحتمال.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(وفي معنى هذه المرتبة قوله: من السنة كذا، والسنة جائزة بكذا. فالظاهر أنه لا يريد إلا سنة رسول اللَّه -ﷺ-. . .، ولا فرق فى قول الصحابي ذلك بين أن يقوله في حياته أو بعد وفاته -ﷺ-).\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(وقول التابعي والصحابي في ذلك سواء إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر).\nالمرتبة الخامسة: أن يقول: كنا نفعل كذا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، أو كانوا يفعلون كذا على عهده -ﷺ-، كقول جابر: \"كنَّا نعزل والوحي ينزل\".\n_________\n(^١) (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٢) (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":144},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى- ممثلًا لهذا-:\n(مثل قول ابن عمر: كنا نفاضلُ على عهد رسول اللَّه -ﷺ- فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول اللَّه -ﷺ- فلا ينكره.\nوقال: \"كنا نخابرُ أربعين سنة\". . .) الخ.\nأمَّا إذا لم يذكر زمن النبي -ﷺ- بل قال: كانوا يفعلون كذا -مثلًا-، فقال أبو الخطاب: يكون نقلًا للإجماع. ومنعه بعض أصحاب الشافعي ما لم يصرح بنقله عن أهل الإجماع.\nقال أبو الخطاب: وإذا قال الصحابيُّ: هذا الخبرُ منسوخٌ وجب قبول قوله، ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره.\nهكذا نقل عنه المؤلف، ومنع الأمرين كثير من علماء الأصول، واللَّه أعلم.\nولم يذكر المؤلف -هنا- جميع صور أداء الحديث؛ لأن رواية الراوي عن شيخه قد تكون بالسماع -كما ذكرنا-، وقد تكون بالعرض وهو قراءته على الشيخ، وقد تكون بالمناولة، وغيرها من أقسام الإجازة، كما سيذكره المؤلف.\n_________\n(^١) (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":145},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-66>حدُّ الخبر:</span> هو الذي يتطرقُ إليه التصديقُ أو التكذيب).\nوإيضاحُه: أن ضابط الخبر هو ما يمكن أن يُقال لقائله: صدقت أو كذبت، وما لا يمكن فيه ذلك فهو الإنشاء، كالأمر والنهي، وغيرهما من أنواع الطلب، وكصيغ العقود، لأنَّها لإنشاء العقد لا للإخبار به.\nقال المؤلف (^٢):\n(وهو قسمان: متواتر وآحاد، فالمتواترُ يفيدُ العلم. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن الخبر قسمان متواتر وآحاد، وأنَّ المتواتر يفيدُ العلم اليقيني الذي لا يتطرق إليه الشكُّ من غير حاجة إلى شيء زائد على نفس الخبر المتواتر، وأنَّ السُّمنية خالفوا في إفادته العلم زاعمين حصر العلم في الحواس، فلا يقين عندهم إلا بمحسوس فقط.\nوالسُّمَنِيَّة -بضم السين وفتح الميم- فرقة هندية من عبدة الأصنام، دهريون، قائلون بالتناسخ، ينكرون وقوع العلم بغير المحسوس، منسوبون إلى صنم يسمى سمن، أو بلد يسمى سمونات.\n_________\n(^١) (١/ ٣٤٧).\n(^٢) (١/ ٣٤٧).","vol":"1","page":146},{"text":"وهذا المذهب لا شك في بطلانه، فلا يشك عاقل في اليقين بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكلَّ أكبر من الجزء، ونحو ذلك من الأحكام العقلية.\nقال المؤلف (^١):\n\n(فصل\n\nقال القاضي:<span data-type=\"title\" id=toc-68> العلمُ الحاصلُ بالتواتر </span>ضروريٌّ. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنَّ العلم الحاصل بالخبر المتواتر فيه قولان:\nأحدهما: أنه ضروري. وهو قول القاضي.\nوالثاني: أنه نظري. وهو قول أبي الخطاب.\nوالضروري: هو ما لا يحتاجُ إلى تأمل.\nوالنظري: هو ما يحتاجُ إلى تأمل.\nوحجة من قال: هو ضروري: أن السامع يجد نفسه مضطرًّا للعلم يقينًا به، كوجود الأئمة الأربعة، ووجود مكة وبغداد بالنسبة لمن لم يرهما، فلو أراد التخلص من العلم بذلك لم يقدر.\nوحجة من قال: إنه نظري: هي أن العلم لابد له من العلم بمقدمتين قبله:\n_________\n(^١) (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":147},{"text":"الأولى: أن يعلم أن هذا الأمر أخبر به عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة.\nالثانية: أن يعلم أن ما أخبر به عدد على تلك الصفة فهو حقٌّ يقينًا.\nفينتج من ذلك أن هذا الخبر يقين.\nوأكثر أهل الأصول على الأول.\nقال المؤلف (^١):\n\n(فصل\nذهب قوم إلى أن ما حصل العلم في واقعةٍ يفيدُه في كل واقعة، وما حصله لشخص يحصله لكل شخص يشاركه في السماع. . .) الخ.\n\nخلاصة ما ذكر في هذا الفصل أن القدر الموجب للعلم اليقيني لا يتفاوت بحسب الوقائع والأشخاص، بل<span data-type=\"title\" id=toc-69> ما حصل به العلم في واقعة يحصل به في غيرها</span>، وما حصل به لشخص يحصل به لغيره من غير تفاوت.\nوقيل: لا مانع من تفاوته باعتبار الأشخاص والوقائع، ومحلُّ هذا في الخبر المتجرد عن القرائن، أما إن احتفت به قرائن فلا\n_________\n(^١) (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":148},{"text":"شكَّ أنَّ حصول اليقين به يتفاوت، لأن القرائن الخفية يفهمها الذكي، وتخفى على الغبي، فتقوم القرائن للذكي مقام عدد من المخبرين، وكذلك القرائن الظاهرة إن علم بها بعض المخبرين دون بعض، كما لو تواتر الخبر لجماعة أن فلانًا مات وفلانًا تزوج، وأحدهم قد رأى قبل ذلك الذي أخبروا بموته في النزع، والذي أخبروا بتزويجه في السوق يشتري ما يحتاج إليه المتزوج، فإنَّ العالم بمثل هذه القرائن يحصل له اليقين قبل حصوله لغير العالم بها، لأنَّ القرائن قد تفيد العلم منفردة عن الأخبار، فإنَّا نعلم محبة شخص لآخر، وخوف شخص من آخر بما نرى من القرائن الدالة على ذلك، ونحو ذلك كثير. فإذا انضمَّت القرائن إلى الأخبار قامت مقام بعض المخبرين في إفادة العلم.\nقال المؤلف (^١) -﵀-:\n(وللتواتر ثلاثة شروط. . .). الخ.\nاعلم أن التواتر في اللغة: هو مجئ الواحد بعد الواحد بفترة بينهما. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون/ ٤٤] لأنَّ التاء الأولى مبدلة من واوٍ كتاء تقوى.\nوقيل التواتر: التتابع مطلقًا، ومنه قولُ لبيد في معلقته:\nيعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كفر النجومَ غمامُها\n_________\n(^١) (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":149},{"text":"والتواترُ في الاصطلاح: هو إخبارُ جماعةٍ يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة عن أمر محسوس.\nوخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أن التواتر المفيد للعلم اليقيني تشترط فيه ثلاثةُ شروط:\nالأول: أن يكون إخبارهم عن أمر محسوس، أي مدرك بإحدى الحواس، كقولهم: رأينا وسمعنا، لأنَّ تواطؤ الجم الغفير على الخطأ في المعقولات لا يستحيلُ عادة، فترى الآلاف من العقلاء يتواطؤون على قدم العالم، وعلى كذب الأنبياء، مع أن تواطؤهم باطل، لأنه ليس في إخبار عن محسوس، أمَّا تواطؤهم على الكذب في الإخبار عن محسوس فهو مستحيل عادةً مع كثرتهم وعدم الدواعي إلى التواطؤ.\nالشرط الثاني: أن يكون العددُ بالغًا حدًا يستحيلُ معه التواطؤ على الكذب عادةً.\nالثالث: أن يكون العدد المذكور في كل طبقة من طبقات السند من أوله إلى آخره.\nواختلف أهل الأصول في تحديد العدد الذي يحصلُ بخبرهم اليقين. والمذهب الصحيح المعتمدُ أنَّه ليس له حد معين، بل ما حصل به العلمُ اليقيني فهو العدد الكافي، كالخبز نقطع بأنَّه يشبع، والماء نقطع بأنه يُروي، مع عدم تحديد الحدِّ الذي يقع به الشبعُ والري منهما.","vol":"1","page":150},{"text":"وقيل: أقلُّه اثنان. وقيل: أقلُّه أربعة. وقيل: خمسة. وقيل: عشرون. وقيل: ثلاثون. وقيل: سبعون.\nوالصحيح الأول. وبطلان القول بالأربعة فما دونها واضح؛ لوجوب تزكية الأربعة في شهادتهم على الزنا، ومعلوم أنَّ عدد التواتر لا تشترط فيه العدالة، بل ولا الإسلام.\nومثال المتواتر: حديث: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\".\nوأشار في \"مراقي السعود\" إلى هذه المسألة بقوله:\nواقطع بصدق خبر التواتر ... وسوِّ بين مسلم وكافر\nواللفظ والمعنى وذاك خبر ... من عادة كذبهم منحظر\nعن غير معقول وأوجب العدد ... من غير تحديد على ما يعتمد\nوقيل بالعشرين أو بأكثرا ... أو بثلاثين أو اثني عشرا\nإلغاء الأربعة فيه راجحُ ... وما عليها زاد فهو صالح\nوأوجبن في طبقات السند ... تواترًا وفقًا لدى التعدد","vol":"1","page":151},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nليس من شروط التواتر أن يكون المخبرون مسلمين ولا عدولًا. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن التواتر لا يُشترط في المخبرين به إسلام ولا عدالة؛ لأنَّ القطع بصدق خبرهم من حيث إن اجتماعهم وتواطأهم على الكذب مستحيلٌ عادة لكثرتهم، والعادة تحيل ذلك في الكفار والمسلمين، وليس صدق خبرهم من حيث إن المخبرين به عدولٌ مسلمون، وأنهم لا يُشترط فيهم ألا يحصرهم بلد، بل يحصل القطعُ بخبرهم وإن حصرهم بلد أو مسجد، كالحجيج إذا أخبروا بواقعة صدَّتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن حادثة منعتهم من صلاة الجمعة، عُلِم صدقهم في الأمرين مع حصرهم في محل أو مسجد.\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nولا يجوز على أهل التواتر كتمانُ ما يحتاجُ إلى نقله ومعرفته، وأنكر ذلك الإمامية. .) الخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أهل التواتر لا يجوز عليهم\n_________\n(^١) (١/ ٣٦٠).\n(^٢) (١/ ٣٦١).","vol":"1","page":152},{"text":"كتمان ما يحتاج إلى نقله؛ لأنَّ كتمانه يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو عليه، فلم يجزْ وقوعُ ذلك منهم، وتواطؤهم عليه، فإن قال رجل من أهل الجمعة: إن الخطيب ضربه رجل بالسيف فقتله وهو يخطب على المنبر، ولم يذكر هذا باقي أهل الجمعة، جزمنا بأن ذلك الرجل كاذب، لأنَّ توطأهم على كتمان مثل هذا الأمر مستحيل عادة، ومن هنا قالوا: ما نُقل آحادًا مع توفر الدواعي إلى نقله تواترًا حكم ببطلانه.\nفإن قيل: لم ينقل النصارى كلام عيسى في المهد نقلًا متواترًا مع أنه حقٌّ واقع؟\nفالجواب: أن كلامه في المهد وقع قبل ظهوره واتباعهم له.\nوخالف في هذه المسألة الإمامية قائلين: إن أهل التواتر قد يكتمون، ورتَّبوا على ذلك أنَّ جميع الصحابة ﵃ وأرضاهم مع كثرتهم كتموا كلُّهم النصوص المصرحة بإمامة علي ﵁، وقالوا: والوقوع دليل على الجواز (^١).\nحاشا أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ممَّا يفتريه عليهم الإمامية من المختلقات.\n_________\n(^١) قولهم: \"والوقوع دليل على الجواز\" يعنون به ما زعموه من كتمان الصحابة ﵃ نصوص إمامة علي -﵁-، وليس هناك وقوع كتمان آخر. وهذا الاستدلال باطل؛ لأنه استدلال بصورة الخلاف، والممانع يقول لهم: لم توجد النصوص التي زعمتم، ولو وجدت لنقلت؛ لأن أهل التواتر لا يتواطؤون على الكتمان. \"عطية\".","vol":"1","page":153},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(القسم الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-73> أخبارُ الآحاد</span>، وهي ما عدا المتواتر).\nاعلم أولًا أن الآحاد جمع أحد، وهمزة أحد مبدلة من واو، فأصلها وَحَد، وربَّما نطقت العرب فيه بالواو على الأصل، ومنه قولُ نابغة ذبيان:\nكأنَّ رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وَحِدُ\nوضابط خبر الآحاد أنه هو ما لم يدخل في حدِّ المتواتر الذي قدمنا تعريفه؛ لأن القسمة ثنائية عند الجمهور.\nوعليه، فالمستفيض الذي لم يبلغ حد التواتر من الآحاد، خلافًا لمن جعل القسمة ثلاثية، فجعل المستفيض واسطة بين المتواتر والآحاد.\nوأقل المستفيض أربعة، وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثة.\nوأشار في \"المراقي\" إلى هذا بقوله:\nوخبرُ الآحاد مظنون عرا ... عن القيود في الذي تواترا\nوالمستفيض منه وهو أربعة ... أقلُّه وبعضهم قد رفعه\nعن واحد وبعضهم عما يلي ... وجعله واسطة قول جلي\n_________\n(^١) (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":154},{"text":"قال المؤلف (^١) -﵀-:\n\n(اختلفت الرواية عن إمامنا ﵀ في<span data-type=\"title\" id=toc-74> حصول العلم بخبر الواحد</span>. . .) الخ.\nحاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة التي هي هل يفيد خبر الآحاد اليقين، أو لا يفيد إلا الظن؟ أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب:\nالأول -وهو مذهب جماهير الأصوليين-: أنَّ أخبار الآحاد إنَّما تفيد الظن فقط، ولا تفيد اليقين، وهو مراد المؤلف بالعلم، فالعلم هو اليقين في الاصطلاح.\nوحجة هذا القول أنك لو سئلت عن أعدل رواة خبر الآحاد، أيجوز في حقه الكذب والغلط؛ لاضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعُك إذن بصدقِه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له.\nالمذهب الثاني: أنه يفيد اليقين إن كان الرواة عدولًا ضابطين.\nواحتج القائلون بهذا بأن العمل بخبر الآحاد واجب، والظن ليس من العلم حتى يجب العمل به؛ لأنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس/ ٣٦]، والنبي -ﷺ- يقول: \"إياكم والظن فإن الظن كذب الحديث\".\nوهذا القول بإفادته العلم رواية عن أحمد، وحكاه الباجي عن\n_________\n(^١) (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":155},{"text":"ابن خويز منداد من المالكية، وهو مذهب الظاهرية.\nالمذهب الثالث: هو التفصيلُ بأنَّه إن احتفت به قرائنُ دالة على صدقه، أفاد اليقين، وإلا أفاد الظن.\nومثال ما احتفَّت به القرائن: إخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش.\nومن أمثلته -أيضًا-: أحاديث الشيخين؛ لأنَّ القرائن دالةٌ على صدقها، لجلالتهما في هذ الشأن، وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، كما قاله غير واحدٍ.\nواختار هذا القول ابنُ الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي. قاله صاحب \"الضياء اللامع\".\nوممَّن اختار هذا القول أبو العباس ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى.\nوحمل بعضُهم الرواية عن أحمد على ما قامت القرائنُ على صدقه خاصة دون غيره.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nالذي يظهر لي أنَّه هو التحقيق في هذه المسألة -واللَّه جل وعلا أعلم- أنَّ خبر الآحاد -أي الذي لم يبلغ حد التواتر- ينظر إليه من جهتين؛ هو من إحداهما قطعي، ومن الأخرى ظني.\nينظر إليه من حيث إن العمل به واجب، وهو من هذه الناحية","vol":"1","page":156},{"text":"قطعي؛ لأن العمل بالبينات -مثلًا- قطعي منصوص في الكتاب والسنة، وقد أجمع عليه المسلمون، وهي أخبار آحاد.\nوينظر إليه من ناحية أخرى، وهي هل ما أخبروا به مطابق للواقع في نفس الأمر؟ فلو قتلنا رجلًا قصاصًا بشهادة رجلين، فقتلنا له هذا قطعي شرعًا لا شك فيه، وصدق الشاهدين فيما أخبرا به مظنونٌ في نفس الأمر لا مقطوعٌ به؛ لعدم العصمة.\nويوضح هذا قوله -ﷺ- في حديث أم سلمة المتفق عليه: \"إنَّما أنا بشر تختصمون إليَّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلمٍ فإنَّما هي قطعةٌ من نارٍ فليأخذها أو ليتركها\".\nفعمل النبي -ﷺ- في قضائه قطعي الصواب شرعًا، مع أنه صرَّح بأنه لا يقطع بحقيقة الواقع في نفس الأمر كما ترى.\nوأشار في \"المراقي\" إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله في خبر الآحاد:\nولا يُفيد العلم بالإطلاق ... عند الجماهير من الحذَّاق\nوبعضهم يفيد إن عدل روى ... واختير ذا إن القرينة احتوى\nوفي الشهادة وفي الفتوى العمل ... به وجوبه اتفاقًا قد حصل\nكذاك جاء في اتخاذ الأدوية ... ونحوها كسفر والأغذية\nويوضحُه -أيضًا-: قول علماء الحديث في تعريف الصحيح: إنَّ","vol":"1","page":157},{"text":"المراد صحتُه في ظاهر الأمر.\n\nتنبيه:\nاعلم أنَّ التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تُقبل في الفروع تقبلُ في الأصول؛ فما ثبت عن النبي -ﷺ- بأسانيد صحيحة من صفات اللَّه يجب إثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال اللَّه وجلاله على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى/ ١١].\nوبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أنَّ أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، ولا يثبت بها شيء من صفات اللَّه، زاعمين أنَّ أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، وأنَّ العقائد لا بدَّ فيها من اليقين، باطل لا يُعَوَّلُ عليه.\nويكفي من ظهور بطلانه أنَّه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ- بمجرد تحكيم العقل. والعقولُ تتضائل أمام عظمة صفات اللَّه.\nوقد جرت عادة المتكلمين أنَّهم يزعمون أنَّ ما يسمونه الدليل العقلي -وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها- أنَّه مقدم على الوحي. وهذا من أعظم الباطل؛ لأن ما يسمونه الدليل العقلي، ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعيٌّ، هو جهل وتخبط في الظلمات.\nومن أوضح الأدلة وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقولُ -","vol":"1","page":158},{"text":"مثلًا-: إن العقل يمنع كذا من الصفات، ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحي بناءً على ذلك.\nفيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعُه كذبتم فيه، بل العقل يوجبه، وما ذكرتم بأنه يجيزه أو يوجبه، كذبتم فيه، بل هو يمنعه، وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة، كاختلافهم في أفعال العبد، وجواز رؤية اللَّه بالأبصار، وهل العرض يبقى زمانين. . . إلى غير ذلك.\nفيجب على المسلم أن يتقبل كل شيء ثبت عن النبي -ﷺ- بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدى والنجاة باتباع ما ثبت عنه -ﷺ-، فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل.\nوعلى كل حال، فإثبات صفات اللَّه بأخبار الآحاد الصحيحة، واعتقاد تلك الصفات، كالعمل بما دلت عليه من أوامر اللَّه ونواهيه، كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه، وكذلك تثبت بها صفاته.\nوقد بينَّا أنها من إحدى الجهتين قطعية.\nقال المؤلف (^١):\n\n(فصل\nوأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا. .) إلخ.\n_________\n(^١) (١/ ٣٦٦).","vol":"1","page":159},{"text":"خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن قومًا أنكروا جواز التعبد بخبر الآحاد عقلًا، قالوا: لا يجوز عقلًا أن يأمر اللَّه خلقه أن يعبدوه بمقتضى ما يبلغهم عنه وعن رسله على ألسنة الآحاد، وعللوا ذلك الامتناع العقلي بأن الآحاد غير معصومين، فخبرهم غير مقطوع بصدقه، وغير المقطوع بصدقه ليس من العلم، والتكليف بما ليس بمعلوم علفا يقينيًا يقبح، والقبيح مستحيل في حق اللَّه تعالى.\nوممن يروي عنه هذا القول ابن عُليَّة والأصم والجبائي وجماعة من المتكلمين، وهذا القول لا شك في بطلانه، كما أنَّه لا شك أنَّ التحقيق هو مذهب الجمهور، وهو جوازُ وقوع التعبد بأخبار الآحاد، فالعمل بها قطعي، والموافقة لما في نفس الأمر ظنية، ولا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة من بناء قطعي شرعًا على أمر ظني بالنسبة لما في نفس الأمر، كما تقدَّم قريبًا.\nقال المؤلف (^١):\n\n(فصل\nوقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة. .) إلخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أبا الخطاب قال: إن العمل بخبر الآحاد يوجبُه العقلُ؛ لثلاثة أمور:\n_________\n(^١) (١/ ٣٦٨).","vol":"1","page":160},{"text":"الأول: أن الأمور القطعية في الشرع قليلة، والأغلب فيه الظنيات، فلو علِّق العمل على القطع لتعطل أغلب الأحكام؛ لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين.\nالثاني: أنه -ﷺ- مبعوث إلى الناس كافةً، ولا تمكن مشافهةُ جميعهم، ولا إبلاغ جميعهم بالتواتر.\nالثالث: أن العدل الراوي لخبر الواحد مظنونُ الصدق لعدالته، والظن أرجح من مقابله، والعمل بالراجح يوجبه العقل، فمتى ترجح وجود أمر اللَّه ورسوله بإخبار العدل فالعمل به إذن أرجح من مقابله، فالعقل يقتضيه.\nوأجاب المخالفون عن الأمور الثلاثة بأنه لا يلزم من عدم التعبد به تعطل الأحكام؛ لإمكان البقاء على البراءة الأصلية، واستصحاب العدم الأصلي.\nوكذلك الظن الناشئ منه، قالوا: لا يرفع حكم اليقين الثابت بالبراءة الأصلية واستصحاب العدم الأصلي.\nقالوا: والنبي يكلَّف بتبليغ من أمكنه تبليغه من أمته دون من لم يمكنه.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nالتحقيق أن العقل بالنظر إليه وحده لا يمنع التعبد بخبر الواحد ولا يوجبه، فكلا القولين المتقدمَيْن باطل بلا شك، أعني قول من قال: يمنعه العقل، كالأصم والجبائي، وقول من قال: يوجبه، وهو","vol":"1","page":161},{"text":"أبو الخطاب. فالعقل يجيز التعبد به ولا يمنعه ولا يوجبه، وهذا هو الحق إن شاء اللَّه تعالى.\nقال المؤلف: (^١)\n\n(فصل\n\nفأما<span data-type=\"title\" id=toc-78> التعبد بخبر الواحد سمعًا</span>، فهو قول الجمهور، خلافًا لأكثر القدرية، وبعض أهل الظاهر، ولنا دليلان قاطعان. .) إلخ.\nخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أنَّ التعبد بخبر الواحد بالنظر إلى الحكم الشرعي -فهو مراده بقوله: \"سمعًا\"- هو مذهب الجمهور، خلافًا لأكثر القدرية، وبعض أهل الظاهر، وأن للجمهور دليلين قاطعين على التعبد به شرعًا:\nالأول: إجماع الصحابة ﵃ في وقائع لا تنحصر على قبوله، كرجوع أبي بكر لقول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة لما أخبراه أنه -ﷺ- أعطاها السدس.\nومنها: رجوع عمر ﵁ إلى قول المذكورين في دية الجنين أنه -ﷺ- قضى فيها بغرةٍ عبد أو وليدة.\nومنها: رجوع عمر إلى قول الضحاك بن سفيان أن رسول اللَّه -ﷺ- كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكرجوعه إلى قول عبد الرحمن بن عوف أن النبي -ﷺ- أخذ الجزية من مجوس هجر.\n_________\n(^١) (١/ ٣٧٠).","vol":"1","page":162},{"text":"ومنها: رجوع عثمان ﵁ إلى قول فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- أمرها بالسكنى في دار زوجها لما قتل حتى تنقضي عدتها.\nإلى غير ذلك من الوقائع التي لا تنحصر (^١)، والمقصودُ المثال لا حصر جميعها، وقد جاء عنهم التصريح برجوعهم عمَّا كانوا يرونه لنفس تلك الأخبار التي هي آحاد، كما جاء في بعض روايات حديث الغرَّة في الجنين أن عمر قال: \"اللَّه أكبر، لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره\"، عند أبي داود وغيره،\nكما روي عنه أنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن رسول اللَّه -ﷺ- كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكان قد قُتِلَ خطأ.\nوأمثال هذا كثيرة.\nفإن قيل: قد جاء ما يدل على ترك العمل بخبر الواحد في وقائع أخرى، كعدم قبوله -ﷺ- لخبر ذي اليدين لما قال له: أقصرت الصلاة أم نسيت، وأخبره أنه سلم من اثنتين.\nولم يقبل أبو بكر ﵁ خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة.\n_________\n(^١) ومن أقواها وأصرحها تحول بني سليم إلى الكعبة وهم في صلاة الظهر، لما أخبرهم رجل واحد أنه صلى مع النبي -ﷺ- الصبح إلى الكعبة، فاستداروا إليها حالًا. \"عطية\".","vol":"1","page":163},{"text":"ولم يقبل عمر خبر أبي موسى في الاستئذان ثلاثًا حتى شهد معه أبو سعيد الخدري.\nولم تقبل عائشة خبر ابن عمر في حديثه أن الميت يعذب ببكاء أهله.\nفالجواب من وجهين:\nالأول: أن هذا اعتراف من المخالف بقبول خبر الآحاد، وإذن فهو إقرار منه بمحل النزاع؛ لأنَّ شهادة محمد بن مسلمة مع المغيرة، وأبي سعيد مع أبي موسى لا تنقل الخبر من كونه آحادًا؛ لأنَّ خبر الاثنين خبر آحاد كما ترى.\nالثاني: أنَّ تلك الوقائع ليس فيها ما يدلُّ على عدم قبول خبر الآحاد؛ لأنَّ عدم تصديق النبي -ﷺ- لذي اليدين لأنه كان يظنُّ خلاف ما أخبر به، ولذا قال له: \"كل ذلك لم يكن\" أي لم أنس ولم تقصر الصلاة، أي في ظني، ولا يكلف الإنسان بقبول خبر هو يظنُّ عدم صدقه، ولما أخبره الصحابة بصدق ذي اليدين أتم صلاته وسجد للسهو.\nوهذا هو الصواب في الجواب عن هذا، خلافًا لما ذكره المؤلف -﵀- من أنَّ الجواب عنه أنَّ عدم تصديقه -ﷺ- لذي اليدين ليعلمهم أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد، لأنهم كانوا خلفه -ﷺ- كثيرين جدًّا، وفيهم من هو أضبط للصلاة وأحرص على كمالها من ذي اليدين، فكان انفراده بالتنبيه على ذلك دون جميعهم بعيدًا؛ ولذا","vol":"1","page":164},{"text":"لم يصدقه حتى أخبر غيره.\nوأما أبو بكر ﵁ فلم يرد قول المغيرة، وإنما طلب الاستظهار بشهادة آخر معه، ولو لم يجد غيره لقبله منفردًا، كقول إبراهيم: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة/ ٢٦٠].\nوأمَّا عمر ﵁ فإنه قال لأبي موسى [ما قال] سدًّا للذريعة، لئلا يكون الناس كما توجه إلى أحد منهم لَوْمٌ وضع حديثًا عن النبي -ﷺ- يرفعُ به عنه ذلك اللوم، وقد ثبت عن عمر ﵁ أنه غيرُ مُكَذِّبٍ ولا مُتَّهِمٍ لأبي موسى، ولكنه خشي أن يتقول الناس على رسول اللَّه -ﷺ-.\nوأمَّا عائشة فهي لم تكذِّب ابن عمر، بل قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ، كما ثبت عنها ﵂ في الصحيح.\nوفي رواية عنها في الصحيح أيضًا أنها قالت: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن -تعني ابن عمر- سمع شيئًا فلم يحفظه. . . إلخ.\nولكنها ظنَّت أنه غلط، لاعتقادها أنَّ ما أخبر به مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام/ ١٦٤، الإسراء/ ١٥، فاطر/ ١٨، الزمر/ ٧]؛ لأن بكاء أهل الميت ليس من فعله، فلو عُذِّب به لكان من مؤاخذته بعمل غيره، والقرآن ينفي هذا، ومن هنا ظنت أنه غلط.\nوظنُّ شخصٍ غلطَ شخصٍ معين في حادثة معينة لسبب معين، ليس فيه البتة ما يقتضي رد قول ذلك المخبر مطلقًا كما ترى، مع أن","vol":"1","page":165},{"text":"الصواب في هذه المسألة مع ابن عمر ﵄، وليس الأمر كما ظنت عائشة ﵂، وتوجيهه عند العلماء من أربعة أوجه:\nالأول: أنَّ ذلك الميت أوصى أهله بالبكاء عليه، كقول طرفة بن العبد في معلقته:\nإذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه ... وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد\nوحينئذ فتعذيبه بفعله الذي هو أمره وإيصاؤه بالمنكر.\nالثاني: أن يعلم أن أهله يفعلون ذلك بعد موته ولم ينههم عنه؛ لأن اللَّه فِيأمره بنهيهم عن ذلك المنكر، كما قال تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم/ ٦]، وتعذيبه إذن بتقصيره وإهماله ما أمره اللَّه به من نهي أهله عن المنكر.\nالثالث: أنَّ معنى تعذيبه ببكاء أهله توبيخ الملائكة له بما يندبُه أهلُه به.\nالرابع: أنَّ معنى تعذيبه تألُّمه بما يقع من أهله من النياحة وغيرها.\nقال ابن حجر في \"الفتح\": وهذا اختيارُ أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة، ومحل الشاهد في كلامه من حديثها قوله -ﷺ-: \"فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد اللَّه لا تعذبوا موتاكم\".","vol":"1","page":166},{"text":"قال: وهذا حديث طويل حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم.\nالدليل الثاني: ما تواتر من إنفاذ رسول اللَّه -ﷺ- أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف لتبيلغ الأحكام والقضاء وتبليغ الرسالة.\nومن المعلوم أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي -ﷺ- مأمور بتبليغهم الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به. وهذا دليل قاطع على قبول أخبار الآحاد.\nوقال البخاريُّ في صحيحه: باب ما جاء فى إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، قول اللَّه تعالى: ﴿وَفَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة/ ١٢٢]، ويسمى الرجلُ طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات/ ٩] فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات/ ٦]، وكيف بعث النبي -ﷺ- أمراءه واحدًا بعد واحدٍ، فإن سها أحد منهم رد إلى السنة.\nثم ساق -﵀- أحاديث في وقائع متعددة كلَّها دالة على إلزامه -ﷺ- بقبول خبر الآحاد، فانظرها فيه إن شئت.\nومراد البخاري ﵀ أن العمل بخبر الواحد دلَّ عليه الكتاب والسنة.\nفمن الآيات الدالة عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ","vol":"1","page":167},{"text":"طَائِفَةٌ﴾ الآية [التوبة/ ١٢٢]؛ لأن تلك الطائفة لم يقل أحد بشرط بلوغها عدد التواتر، مع أن اللَّه يُلزم بقبول خبرها في قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة/ ١٢٢]، بل ذكر البخاري أن الطائفة تصدق بالرجل الواحد، واستدل على ذلك بالآية التي ذكرناها آنفًا، وقد سبقه للاستدلال بالآية على ذلك الشافعي ومجاهد رحمهم اللَّه تعالى.\nومن الآيات الدالة على قبول خبر الواحد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية، فإنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية -أعني مفهوم مخالفتها- أن ذلك الجائي بنبأ لو كان غير فاسق، بل كان معروفًا بالعدالة والصدق، فإنه لا يلزم التبين في خبره على قراءة \"فتبينوا\"، ولا التثبت على قراءة \"فتثبتوا\"، بل يلزم العمل به حالًا من غير تبين ولا تثبت.\nوالتحقيق اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، خلافًا لأبي حنيفة ﵀ تغالى.\nقال المؤلف (^١) رحمه اللَّه تعالى:\n(دليل ثالث، وهو أن الإجماع انعقد على قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنِّه، فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى).\n_________\n(^١) (١/ ٣٨٠).","vol":"1","page":168},{"text":"قال المؤلف (^١) -﵀-:\n\n(فصل\nوذهب الجبَّائي إلى أنَّ خبرَ الواحد إنَّما يُقبلُ إذا رواه عن النبيِّ -ﷺ- اثنان ثم يرويه عن كلِّ واحد منهما اثنان، إلى أن يصير في زماننا إلى حدٍّ يتعذر معه إثبات حديث أصلًا. .) إلخ.\nخلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ الجبَّائي قاس الروايةَ على الشهادة، وهذا مذهب باطل بإجماع من يعتد به من العلماء.\nفروايةُ المرأةِ كروايةِ الرجل، وليست شهادتُها كشهادته، وروايةُ النساء مقبولةٌ في الدماء والحدود ونحو ذلك، ولا تقبلُ شهادتهن في ذلك، والشهادةُ في الزنا لا بدَّ فيها من أربعة، والرواية فيه لا تحتاج إلى ذلك. إلى غير ذلك من الفوارقِ بينهما التي لا نزاع فيها بين أهل العلم.\nقال المؤلف (^٢) -﵀-:\n(ويعتبر في الراوي المقبول روايتُه أربعةُ شروط: الإسلام والتكليف والعدالة والضبط. .) إلخ.\nاعلم أنَّ الكافر لا تقبل روايتُه على التحقيق ولو كان متأولًا معظمًا للدين، لأنَّ منصب القبول لا يستفاد بغير الإسلام. وخلاف من خالف في هذا لا يعوَّل عليه.\n_________\n(^١) (١/ ٣٨٢).\n(^٢) (١/ ٣٨٣).","vol":"1","page":169},{"text":"وأمَّا غير المكلَّف، كالصغير والمجنون، فلا تقبلُ روايته -أيضًا- على التحقيق.\nأمَّا المجنون فلا تقبل مطلقًا، لا في التحمل ولا في الأداء.\nوأمَّا الصبيُّ فيقبل في التحمل دون الأداء على التحقيق، والمعنى أنه إن سمع الحديث من النبي -ﷺ- فتحمله عنه وهو صغير عاقل ثم أدَّاهُ بعد بلوغه، قُبِلَ، كما هي حالة رواية ابن عباس والحسن والحسين وعبد اللَّه بن جعفر وعبد اللَّه بن الزبير والنعمان بن بشير وأضرابهم.\nأمَّا لو أداه في حال صغره فإنه لا تقبلُ روايته؛ لكونه لا يخافُ اللَّه ولا يعرفُه، ولو فرضنا أنه يعرفه فهو يعلم أن الصبي مرفوعٌ عنه القلم، فلا يخاف عاقبة الكذب، ولأنه لا يقبلُ قولُه فيما يخبر به عن نفسه وهو الإقرار، فما يخبر به عن غيره أولى بعدم القبول.\nولا ينتقض هذا بالعبد، فإن إقراره لا يقبل مع أن روايته مقبولة؛ لأن المانع من قبول إقراره هو حق سيده الذي يملكه، وليس لأحد إقرار بملك غيره، مع أن قومًا أجازوا إقراره في العقوبات البدنية. وهو مذهب مالك.\nوقول من قال من العلماء بقبول شهادة الصبيان فيما يقع بينهم من الجنايات لا يرد على ما ذكرنا؛ لأنه من قبيل الاستدلال بالقرائن إذا كثروا وأخبروا قبل التفرق، مع مسيس الحاجة لذلك، لكثرة وقوع الجنايات بينهم، وانفرادهم غالبًا عن غيرهم.\nوأمَّا الضبط فلا خلاف في اشتراطه، فلا تقبلُ روايةُ غير المميز ولا","vol":"1","page":170},{"text":"المجنون ولا المغفل الذي لا يحسن ضبط ما حفظه ليؤديه على وجهه، فلا ثقة بقوله وإن كان غير فاسق.\nوالضبط في اللغة: هو حفظُ الشيء بالحزم.\nوفي الاصطلاح: هو كون الراوي غير كثير الغلط والخطأ، بل خطؤه نادر.\nويعرف ذلك بمخالفته للجماعة المشهورين بالعدالة والضبط، فمن كثرت مخالفته لهم فليس بضابط فلا تقبل روايتُه، ومن ندرت مخالفتُه لهم فهو الضابطُ المستكملُ لهذا الشرط.\nقال في \"طلعة الأنوار\" معرفًا للضابط:\nكذاك لا يُقبلُ إلا من ضبط ... من زايل الخطأ كثيرًا والغلط\nبالضابطين اعتبرن فإن غلب ... وفق فضابطٌ وإلا يُجتنب\nوأما العدالة فلا اختلاف في اشتراطها في الراوي.\nوالعدالة في اللغة: التوسط.\nوفي الاصطلاح: سلامةُ الدين من الفسق والمروءة من القوادح.\nوعرفها ابن عاصم في رجزه بقوله:\nوالعدل من يجتنب الكبائرا ... ويتقي في الأغلب الصغائرا\nوما أبيح وهو في العيان ... يقدح في مروءة الإنسان\nوقال بعض علماء الأصول: العدالةُ هيئةٌ راسخةٌ في النفس تحمل","vol":"1","page":171},{"text":"على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا حتى تحصل ثقةُ النفوس بصدقه.\nفلا ثقة بقول من لا يخاف اللَّه تعالى خوفا وازعًا عن الكذب.\nوخلاف أهل الأصول في اشتراط الملكة المانعة من فعل ما يُخِلُّ بالدين والمروءة مشهور.\nوممَّن جزم باشتراط الملكة فيها صاحب \"جمع الجوامع\" والغزالي والأبياري والفهري وغيرهم.\nوأكثر أهل العلم على أنَّ العدل هو من يجتنب الكبائر مطلقًا، وصغائر الخسة مطلقًا، كسرقة لقمة وتطفيف حبة، لدلالة ذلك على سقوط مروءته، وساقط المروءة لا ثقة بقوله، ويجتنبُ صغائر غير الخسة في أغلب الأحوال، ويجتنب ما يخلُّ بالمروءة عرفًا من المباحات، كالبول في الطريق، والأكل في السوق لغير سوقي، ونحو ذلك.\nوظاهر كلامهم سواء كان ذلك الاجتناب بسبب ملكة، أي هيئة راسخة في النفس لا تزول أصلًا، أو بسبب علةٍ (^١) مانعة من ذلك، أو بسبب علاج النفس ومجاهدتها دون فعل ذلك.\nوهذا هو الأظهر عندي، وممن مال إليه ابن حلولو في \"الضياء اللامع\"، والعبادي في \"الآيات البينات\". واللَّه تعالى أعلم.\nواعلم أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة؛ لإشعاره بعدم\n_________\n(^١) في الأصل المطبوع: أو إلا بعسر. ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":172},{"text":"التقوى من فاعله، قال في \"المراقي\":\nولا صغيرة مع الإصرار ... المبطل الثقة بالأخبار\nوخلاف العلماء في حد الكبيرة معروفٌ فلا نطيلُ به الكلام.\nهذا وما ذكره المؤلف من اشتراط العدالة يُعلم منه أنه لا تقبل رواية فاسق، وهو كذلك، كما نص اللَّه على ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/ ٤]، وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات/ ٦].\nأما إن كان فسقه بارتكاب كبيرة، كقذف المحصنات، ونحو ذلك، فلا خلاف في عدم قبول روايته.\nوأمَّا إن كان فسقه عن تأول، كبعض أهل الأهواء الذين لم تبلغ بهم بدعهم الكفر البواح، فاختلاف أهل الأصول والحديث في قبول رواياتهم معروف.\nوأمَّا من كان منهم يرى أن الكذب لترويج بدعته جائزٌ، كالخطابية وغيرهم، فلا تقبل روايته قولًا واحدًا، وكذلك من يدعو منهم إلى بدعته.\nأما الذي لا يدعو إلى بدعته ولا يرى جواز الكذب، بل عرف بالصدق والتحرز من الكذب واحترام الدين، فأكثر أهل العلم على قبول روايته؛ لأن صدقه مما يغلبُ على الظن، وقد روى الشيخان وغيرهما عن جماعة من المبتدعة من خوارج ومرجئة وقدرية.","vol":"1","page":173},{"text":"وممن أخرج له البخاري عمران بن حطان، وهو القائل في ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي ﵁ يمدحه على ذلك:\nيا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا\nإني لأذكره يومًا فأحسبه ... أوفى البرية عند اللَّه ميزانا\nولقد صدق من رد عليه بقوله:\nبل ضربة من غويٍّ أوردته لظى ... وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا\nوفي هذه المسألة أعني الرواية عن أهل البدع كلام كثير للعلماء لم نُطِلْ به الكلام، وأظهره هو ما ذكرنا. واللَّه تعالى أعلم.\nوإنَّما تثبتُ العدالة بواحد من ستة أمور:\nالأول: الاختبارُ بالمعاملة والمخالطة التي تطلعُ على خبايا النفوس ودسائسها.\nالثاني: التزكيةُ ممن ثبتت عدالته، وهي إخبارُ العدول المبرزين عنه بصفات العدالة.\nالثالث: السماعُ المتواتر أو المستفيضُ عنه أنَّه عدل، فمن اشتهرت عدالتُه بين أهل العلم وشاع الثناءُ عليه بالعدالة كفى ذلك في ثبوت عدالته، كمالكٍ والسفيانَيْن والأوزاعي والشافعي وأحمد وأشباههم.\nالرابع: قضاء قاضٍ بشهادة شاهد إن كان معروفًا عنه أنه لا يحكم بعلمه، أو لم يكن عالمًا بالواقعة مع شهرته بالعدالة، وعدم الحكم","vol":"1","page":174},{"text":"بقول غير العدل أو مجهول الحال، فإن احتمل أنه حكم بعلمه لا بشهادة الشاهد، فليس ذلك تعديلًا له.\nوحكى ابن الحاجب الإجماع على أن حكم القاضي بشهادة الشاهد نحو ما ذكرنا تعديل له، والظاهر أنه لا يخلو من خلاف.\nالخامس: أن يروي عنه من عرف من عادته أو من لفظه أنه لا يروي إلا عن العدل، كالبخاري في صحيحه، ومالك، فإنَّ تلك الرواية عنه تعديل له، وذهب جماعة من علماء الحديث إلى أن ذلك ليس تعديلًا له، لاحتمال مخالفته عادته، وكونُ ذلك تعديلًا له هو اختيار الأصوليين. أما إن كان يروي عن غير العدل فليست روايتُه عن شخص تعديلًا له قولًا واحدًا.\nالسادس: أن يعمل عالمٌ بروايته، بشرط أن يُعرف من لفظ ذلك العالم أو عادته أنه لا يعملُ إلا بقول العدل. وعلى هذا جماعة من الأصوليين.\nوقالت جماعة من أهل الحديث: ليس عمل العالم بروايته تعديلًا له، ولا تصحيحًا لمرويه؛ لجواز أن يكون عمل به احتياطًا، أو في فضائل الأعمال التي أجاز بعضهم العمل فيها بالضعيف بشرطه المعروف في علم الحديث.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nإن كان العملُ المذكور في الترغيب أو كان أحوط، فالظاهر أن العمل به لا يستلزم تعديل راويه، أما إن كان ليس من مواضع الترغيب،","vol":"1","page":175},{"text":"وكان الاحتياط في ترك العمل به، كما لو دل المرويُّ المذكور على جواز أخذ مال إنسان، أو عقوبته، وكان العالم الذي عمل به لا يعمل إلا برواية العدل، فالظاهر أنَّ عمله بروايته حينئذ تعديل له، وقطع بذلك العبَّاديُّ في \"الآيات البينات\"، وقال صاحب \"نشر البنود\": ليس بعيدًا.\nأما إن كان العالم لا يلتزمُ في العمل بالرواية عدالة الراوي، فعملُه بروايته ليس تعديلًا له اتفاقًا.\nوإلى هذه المسألة أشار في \"المراقي\" بقوله:\nومثبتُ العدالة اختبارُ ... كذاك تعديل والانتشارُ\nوفي قضا القاضي وأخذ الراوي ... وعمل العالم أيضًا ثاوي\nوشرط كل أن يرى ملتزما ... ردًّا لما ليس بعدل علما\nوستأتي هذه المسألة في المتن، وقدمناها لنذكر مثبت العدالة عند ذكر العدالة.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nولا يقبل<span data-type=\"title\" id=toc-81> خبرُ مجهول الحال </span>في هذه الشروط في إحدى الروايتين،\n_________\n(^١) (١/ ٣٨٩). ووقع في الأصل المطبوع: \"وهو مذهب أبي حنيفة\"، والتصحيح من الروضة.","vol":"1","page":176},{"text":"وهو مذهب الشافعي. .) إلخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنَّ من جهل إسلامُه، فلم يُعرف أمسلم هو أم لا؟ ومن جهل بلوغه فلم يدر أبالغ هو أم صبي؟ ومن جهل ضبطه فلم يدر أضابط هو أم لا؟ لا تقبل رواية واحد منهم قولًا واحدًا.\nأمَّا من جهلت عدالته فلم يدر أعدل هو أولا؟ فالرواية المشهورة عن أحمد أنه لا يقبل، وهو مذهب الشافعي.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-: وهو مذهب مالك والجمهور.\nوالرواية الأخرى عن أحمد أنه يُقبل. قال المؤلف (^١): (وهو مذهب أبي حنيفة).\nومدار هذا الخلاف على أن شرط القبول هل هو العلم بالعدالة أو هو عدم العلم بالفسق؟\nفمن قال: لا يقبلُ مجهولُ العدالة، قال: المدارُ على علم العدالة، والمجهول لم تعلم عدالتُه، فلا يُقبلِ، ومن قال: يقبلُ، قال: المدار على عدم العلم بالفسق، وهذا لم يُعْلمْ منه فسق فيقبل.\nواحتج من قال بأن مجهول العدالة لا يُقبل بحجج:\nالأولى: أن مستند قبول خبر الواحد الإجماعُ، والمجمع عليه قبول رواية العدل، ورد خبر الفاسق، والمجهول ليس بعدلٍ ولا هو في\n_________\n(^١) (١/ ٣٨٩).","vol":"1","page":177},{"text":"معنى العدل في حصول الثقة بخبره.\nالثانية: قياس الشك في العدالة على الشك في بقية الشروط الذي هو محل اتفاق على عدم القبول، إذ لا فرق بين الشروط المذكورة، فلا وجه لجعل الشك مانعًا من القبول في بعض منها دون بعض بلا دليل.\nالثالثة: قياس روايته على شهادته، فشهادة مجهول العدالة لا تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)﴾ [الطلاق/ ٢] وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، والمجهول غير عدل ولا مرضي، فكذلك روايته.\nالرابعة: أن المقلد إذا شك في بلوغ المفتي الدرجة التي تخول له الإفتاء لم يجز تقليده، فكذلك الرواية عنه.\nالخامسة: أنَّ الفرع الشاهد على شهادة أصل لا تقبل شهادته ما لم يعينه، فلو كانت شهادة المجهول مقبولة لما احتيج إلى تعيينه.\nهذا حاصلُ ما ذكره المؤلف من حجج القول مع بعض اختصار.\nواحتج من قال بقبول رواية مجهول العدالة بحجج:\nالأولى: قبوله -ﷺ- شهادة الأعرابي برؤية الهلال، ولم يعرف منه إلا الإسلام.\nالثانية: أنَّ الصحابة ﵃ كانوا يقبلون رواية الأعراب والعبيد والنساء؛ لأنهم لم يعرفوهم بفسق.\nالثالثة: أنَّ من أسلم من الكفار ثم روى فور إسلامُه، فروايته","vol":"1","page":178},{"text":"مقبولة، والقول بردها بعيد، ولا مستند لقبولها إلا إسلامهُ وعدمُ العلم بفسقه بعد إسلامه.\nالرابعة: أنه لو أخبر بطهارة ماء أو نجاسته، أو أنه على طهارة، أو أنَّ هذه الجارية ملكه، أو أنها خالية من زوج، قُبِلَ قوله في ذلك، فيجوز التطهر بالماء الذي أخبر بطهارته، ويترك الماء الذي أخبر بنجاسته، ويجوز الائتمام به لقوله: إنه على طهارة، ويجوز وطء الجارية المشتراة منه بقوله: إنها ملكه، وإنها خالية من زوج.\nهذا الذي ذكره المؤلف من حجج هذا القول.\nوأجاب أهل القول الأول عن هذه الحجج: بأن قبوله -ﷺ- لشهادة الأعرابي لم يتعين فيه كون الأعرابي كان مجهولًا عنده؛ لاحتمال أن يكون كان عالمًا بعدالته بوحي أو بغيره، أو يكون زكاهُ بعض الصحابة.\nوالظاهر أنَّ الجواب عن هذا أنَّ الصحابة كلَّهم عدول تثبت عدالتهم وتزكيتهم بالنص، وبأنَّ الصحابة ما كانوا يقبلون رواية أحد من غير الصحابة من العبيد والنساء إلا من عرفوا صدقه وعدالته.\nوأما قريب العهد بالكفر ممن أسلم ثم روى، فإن كان صحابيًّا فله عدالة الصحابة، وطراوة إسلامه ورغبته في الدين تجعله يتباعد من الكذب، وأمَّا إن كان من غير الصحابة، فلا نسلمُ قبول روايته حتى تعرف عدالتُه.\nوأما من أخبر عن نجاسة الماء أو طهارته من غير الصحابة فلا تصدق روايته إلا إذا عرفنا عدالته.","vol":"1","page":179},{"text":"وأما قول البائع: إنَّ هذه السلعة له، وإن هذه الأمة لا زوج لها، فقد رُخِّص في قبول ذلك في المعاملات لشدة حاجة الناس إليها، ولو كان الذي بيده المتاع معروفًا أنه غير عدل؛ إذ لو توقفت المعاملات على إثبات ملك السلع المعروضة للبيع لتعذر ذلك، وصار فيه حرجٌ كبير، فاكتفي في ذلك بوضع اليد ودعوى الملك، ولو من غير عدل.\nقال المؤلف (^١):\n\n(فصل\nولا يشترط في الرواية الذكورية. .) إلخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل سبعة أشياء:\nالأول: أن رواية المرأة كرواية الرجل، فرواية عائشة -مثلًا- لا فرق بينها ورواية الرجال من الصحابة، إذ الرواية ليست كالشهادة، فالنساء في باب الرواية هن والرجال سواء.\nالثاني: أن رواية الأعمى إذا وثق بمعرفة الصوت مقبولة، واستدلَّ لذلك بأن الصحابة ﵃ كانوا يروون عن عائشة وغيرها من النساء من وراء حجاب، اعتمادًا على الصوت، إلا أنَّ الأصوليين قرَّروا في مباحث الترجيح أن الذي روى عن النساء من غير حجاب لكونه من محارمهنَّ ترجح روايته على رواية من روى عنهن من وراء حجاب،\n_________\n(^١) (١/ ٣٩٤). ووقع في الأصل المطبوع: \"الرواية المذكورة\". والتصويب من \"الروضة\".","vol":"1","page":180},{"text":"ومثلوا له برواية القاسم بن محمد عن عائشة: أنَّ بريرة عتقت وزوجُها عبد، مع رواية الأسود بن يزيد عنها: أنَّه كان حرًا؛ لأنَّ القاسم ابن أخيها يروي عنها من غير حجاب، والأسود ليس محرمًا لها فلا يروي عنها إلا من وراء الحجاب.\nوعن البخاري أن القائل بأنه كان حرًّا الحكم، وليس من قول عائشة.\nالثالث: أنَّ الراوي لا يشترط فيه كونه فقيهًا، بل تقبل رواية العدل الذي ليس بفقيه، واستدل له المؤلف بحديث: \"رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه\"، وبأن الصحابة كانوا يقبلون خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثًا واحدًا.\nالرابع والخامس: أنه لا يقدح في الرواية بالعداوة والقرابة بخلاف الشهادة.\nوإيضاحه: أنَّه لو كانت خصومة بين اثنين ثم روى قريب أحدهما أو عدوُّه حديثًا عن النبي -ﷺ- يقتضي نفع ذلك القريب، أو ضر ذلك العدو، فلا يقدح في روايته بتلك العداوة أو القرابة؛ لأنَّ حكم الرواية عام لكل الناس، لا يختص بشخصٍ بعينه، بخلاف الشهادة.\nالسادس: أنَّه لا يُقدحُ في رواية الراوي بعدم معرفة نسبه.\nالسابع: أنَّه لو ذكر اسم شخص متردد بين مجروح وعدل، فلا تقبلُ تلك الرواية؛ لاحتمال كون ذلك الشخص المذكور في السند هو المجروح.","vol":"1","page":181},{"text":"هذا هو حاصلُ ما ذكره المؤلف في هذا الفصل، وجميع ما فيه صواب.\nوالمقرر في أصول مالك وأبي حنيفة أنَّهما لا يقبلان رواية غير الفقيه، وبعضهم يقيده عن أبي حنيفة بما إذا خالفت رواية غير الفقيه القياس، وبهذه القاعدة ردُّوا كثيرًا من أحاديث أبي هريرة ﵁ بدعوى أنَّه غير فقيه، وأن روايته مخالفة للقياس.\nومثال ذلك: ردُّهم لحديثه في المُصَرَّاة أنه يردها إذا حلبها وصاعًا من تمر.\nوالمرويُّ في أصول المالكية عن مالك عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقًا، بدعوى أن غير الفقيه لا يوثق بفهمه الكلام على وجهه، فربما فهم غير المقصود لعدم فقهه، وربمَّا نقله بالمعنى فيقع بذلك الخلل في روايته.\nولا شك أنَّ هذا باطل من وجهين:\nالأول: أنَّ عدالتَه تمنعه من أن يقول شيئًا لم يفهمه، ولم يجزم بفهمه، مع أن معنى الكلام الذي لا خفاء فيه ولا إجمال يفهمه على وجهه غير الفقيه كما لا يخفى.\nالثاني: أن النبي -ﷺ- بين أنه قد يحمل الفقه غير الفقيه، وذلك نصٌّ في محل النزاع، وهو ثابت عنه -ﷺ-، فقد روى زيد بن ثابت ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"نضر اللَّه امرءًا سمع منَّا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس","vol":"1","page":182},{"text":"بفقيه\".\nفقوله -ﷺ-: \"ورب حامل فقه ليس بفقيه\" نصٌّ في محل النزاع، دالٌّ على صحة رواية غير الفقيه كما ترى.\nوقد قال المناوي في شرح \"الجامع الصغير\" في الكلام على هذا الحديث: رواه الترمذي في العلم والضياء في المختارة عن زيد بن ثابت، قال الترمذي: صحيح. وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وابن أبي حاتم والخطيب وأبو نعيم والطيالسي والترمذي. وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وأنس وغيرهم. وقال في موضع آخر: الحديث صحيح المتن وإن كان بعض أسانيده معلولًا. اهـ.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nومعنى هذا ثابت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ لأنَّ قول النبي -ﷺ- في حديث أبي موسى المتفق عليه المشهور: \"وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا. . .\" الحديث، مثلٌ مضروبٌ لكون الراوي قد يكون غير فقيه، فكما أن تلك الأجادب لم تنبت، ولم تُثمر، ولكنها أمسكت ذلك الماء للناس، فنفعهم اللَّه به، فشربوا منه وسقوا وزرعوا، فكذلك أولئك الرواة لم يتفقهوا، ولكن نفع اللَّه الناس بما حفظوا من العلم، فانتفعوا به، وتفقهوا فيه، ولذا قال -ﷺ-: \"ربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع\".","vol":"1","page":183},{"text":"وقوله: \"مبلَّغ\" بصيغة اسم المفعول. وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم في باب قول النبي -ﷺ-: \"ربَّ مبلَّغ أوعى من سامع\" من حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي -ﷺ-.\nوذكر صاحبُ \"الجامع الصغير\" هذا الحديث من رواية ابن مسعود وعزاه للإمام أحمد في المسند والترمذي وابن حبان، وجعل عليه علامة الصحة.\nوقال شارحه المناوي: قال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث مشهور خُرج في السنن أو بعضها من حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت وجبير بن مطعم، وصححه ابن حبان والحاكم.\nوذكر أبو القاسم بن منده في تذكرته أنه رواه عن المصطفى -ﷺ- أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم.\nوقال عبد الغني في الآداب: تذاكرت أنا والدارقطني طرق هذا الحديث، فقال: هذا أصح شيءٍ روي فيه. اهـ.\nوهذه النصوصُ تدلُّ على أنَّ ما روي عن مالك وأبي حنيفة رحمهما اللَّه تعالى من عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقًا، أو إذا خالفت القياس، خلافُ الصواب، وقد ردَّ صاحب مراقي السعود هذا القول على أهل مذهبه من المالكية بقوله:\nمن ليس ذا فقهٍ أباه الجيلُ ... وعكسُه أثبته الدليل\nوالجيل: المصنف من الناس، ومراده بهم علماء المالكية، وقوله: و\"عكسه\" أي عكس قولهم \"أثبته الدليل\"، وهو ما ذكرنا آنفًا من","vol":"1","page":184},{"text":"الأحاديث في ذلك.\n\nقول المؤلف في<span data-type=\"title\" id=toc-83> التزكية والجرح</span>\nقال المؤلف (^١) رحمه اللَّه تعالى:\n\n(فصل)\nالمراد بالتزكية في الاصطلاح إخبارُ العدول عنه بصفات العدالة، والمراد بالجرح فِي الاصطلاح: إخبارهم عنه بما يُخِلُّ بعدالته من فسقٍ أو سقوط مروءة.\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(اعلم أنَّه يُسْمَعُ الجرح والتعديل من واحد في الرواية؛ لأنَّ العدالة التي تثبتُ بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية، بخلاف الشهادة، وكذلك تقبل تزكية العبد والمرأة كما تقبلُ روايتهما).\nمعنى كلامه واضح، وهو أن التعديل والجرح بالنسبة إلى الرواية كلاهما يثبتُ بواحد عدل، ولو عبدًا أو امرأة؛ لأن نفس الرواية تثبت بواحدٍ ولو عبدًا أو امرأة، فكذلك التزكية فيها، أمَّا الشهادة فلا يكفي فيها واحد كما هو معروف، وكذلك لا يكفي في التزكية فيها واحد.\nوحاصل كلام العلماء في هذه المسألة أنَّ لهم فيها ثلاثة مذاهب:\n_________\n(^١) (١/ ٣٩٧).\n(^٢) (١/ ٣٩٧).","vol":"1","page":185},{"text":"الأول: لا بدَّ في التعديل والتجريح من عدلين مطلقًا، سواء كان ذلك بالنسبة إلى الرواية أو الشهادة.\nوالثاني: يكفي فيهما معًا واحد.\nوالثالث: التفصيل، فيكفي الواحدُ فيهما بالنسبة إلى الرواية دون الشهادة. وهو الذي درج عليه المؤلف.\nوأشار في \"مراقي السعود\" إلى هذه المسألة بقوله في الجرح والتعديل:\nكلاهما يثبته المنفردُ ... ومالك عنه روى التعددُ\nوقال بالعدد ذو دراية ... في جهة الشاهد لا الرواية\nوالقولُ باشتراط التعدد في المعدِّل والمجرِّح في الرواية والشهادة معًا عزاه الفهري للمحدِّثين، والأبياري لأكثر الفقهاء.\nوأظهرها عندي الفرقُ بين الرواية والشهادة في ذلك، وكون التعديل والتجريح تبعًا لما فيه التعديل والتجريح، فإن كان يكتفى فيه بواحد، اكتفى في تعديله وتجريحه بواحدٍ، وإلا فلا.\nوإنْ كان صاحب \"الضياء اللامع\" يقول: إن الفرق بينهما غلط، قائلًا: إن معقول الشهادة فيهما سواء؛ لأن كلا منهما إخبار عن شخص بصفات العدالة أو عدمها.\nوما قاله يرده الإجماع على الفرق بين الرواية والشهادة في مسائل كثيرة، كقبول رواية المرأة منفردة ولو في الدماء والحدود، مع عدم","vol":"1","page":186},{"text":"قبول شهادتها في ذلك، وكلا الأمرين إخبار منها عن أمر.\nوقد قال ابن عاصم المالكي في تحفته:\nوواحد يُجزئ في باب الخبر ... واثنان أولى عند كل ذي نظر\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(واختلفت الرواية في قبول الجرح إذا لم يتبين سببه. .) إلخ.\nخلاصةُ ما ذكره في هذا المبحث أن فيه ثلاثة مذاهب:\nأحدها: أنَّ الجرح يقبل ولو لم يبين المجرِّح سببه؛ لأن عدالته تمنعه من الجرح بأمر غير قادح.\nالثاني: أنَّ الجرح لا يقبلُ إلا مع بيان سببه؛ لاختلاف الناس فيما يحصلُ به الجرح، فقد يُظَنُّ الأمر قادحًا وهو ليس بقادح.\nالثالث: التفصيل بين المجرِّح الذي حصلت الثقةُ ببصيرته وشدة معرفته وتمييزه لأسباب الجرح، فيقبل تجريحُه مع عدم بيان السبب، وبين من ليس كذلك، فلا يقبلُ تجريحه حتى يبين السبب.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nجمهور أهل الأصول والحديث: لا يقبل إلا مع بيان السبب؛ لأنَّ المجرِّحَ قد يظنُّ ما ليس بقادح قادحًا، وقد قيل لشعبة: لم تركتَ حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون، فتركت حديثه.\n_________\n(^١) (١/ ٣٩٧).","vol":"1","page":187},{"text":"وروي عن مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن حديث صالح المري؟ فقال: وما تصنع بصالح؟ ذكروه يومًا عند حماد بن سلمة فامتخط حماد.\nوأشباه هذا كثيرة.\nولأجل هذا احتج الشيخان في صحيحيهما بجماعة سبق من غيرهما تجريحهم، فلم يقبلوا ذلك التجريح لعدم بيان السبب.\nومن أمثلة ذلك روايةُ البخاري عن عكرمة وعمرو بن مرزوق، وروايةُ مسلم عن سويد بن سعيد وغيره.\nقال العراقي في ألفيته:\nوربما رد الكلام الجارح ... كالنَّسَئِي في أحمد بن صالح\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(أمَّا إذا<span data-type=\"title\" id=toc-86> تعارض الجرحُ والتعديل </span>قدَّمنا الجرح. .) الخ.\nخلا ما ذكره في هذا المبحث: أنَّ الجرح إذا تعارض مع التعديل قدِّم الجرح؛ لأنَّ المجرِّح اطَّلع على أمر خفي على المعدِّل، هذا إن تساوى عدد المجرِّحين والمعدِّلين، أو كان المجرِّحون أكثر.\nفإن كان المعدِّلون أكثر من المجرِّحين، فكذلك على الصحيح؛ لأنَّ سبب تقديم الجرح علم المجرِّح بما خفي على المعدِّل، وذلك لا\n_________\n(^١) (١/ ٣٩٨).","vol":"1","page":188},{"text":"ينتفي بكثرة عدد المعدِّلين. وقيل: قُدِّم التعديلُ؛ للكثرة، وهو ضعيف.\nهذا حاصل كلامه.\nوتحقيق المقام في هذه المسألة أنَّ المجرِّحين إن كانوا أكثر فالتجريح مقدم إجماعًا، فإن تساوى عدد المجرِّحين والمعدِّلين أو كان المعدِّلون أكثر فكذلك على الصحيح، وقيل بالترجيح فيهما.\nوأسباب الترجيح ستأتي إن شاء اللَّه تعالى في آخر الكتاب.\nوأشار في \"المراقي\" إلى هذه المسألة بقوله:\nوالجرح قدم باتفاق أبدا ... إن كان من جرَّح أعلى عددا\nوغيرُه كهو بدون مَيْنِ ... وقيل بالترجيح في القسمينِ\nوشذ من زعم أن التعديل يقدَّم في جميع الصور.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nفي التعديل، وذلك إمَّا بقول وإمَّا بالرواية عنه. .) الخ.\nقد قدَّمنا ما ذكره في هذا المبحث مستوفى في الكلام على اشتراط العدالة، فلا حاجة إلى إعادته هنا.\nوأعلى أنواعِ التزكية الشهاده له بأنه عدلٌ رضا، وإنْ لم يبين أسباب\n_________\n(^١) (٢/ ٤٠٠).","vol":"1","page":189},{"text":"ذلك.\nواعلم أنَّ التحقيق قبولُ التعديل بدون بيان السبب، كما هو مذهبُ الجمهور من أصوليين ومحدِّثين.\nواعلم أنَّ عدم العمل بشهادة شاهد ليس تجريحًا له، كما هو ظاهر.\nقال المؤلف (^١) رحمه اللَّه تعالى:\n\n(فصل\nوالذي عليه سلفُ الأمة وجمهورُ الخلف أنَّ الصحابة ﵃ معلومةٌ عدالتُهم بتعديل اللَّه تعالى وثنائه عليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة/ ١٠٠]، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح/ ١٨] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح/ ٢٩]. .) الخ.\nخلاصةُ ما ذكره في الفصل أنَّ الصحابة كلَّهم عدول؛ للثناء عليهم في كتاب اللَّه وسنة نبيه -ﷺ-، وهذا قولُ جمهور علماء المسلمين، وهو الصواب إن شاء اللَّه تعالى.\nوعلى هذا فجهالةُ الصحابي لا تضرُّ لأنَّهم كلَّهم عدول.\nوالصحابيُّ: هو من اجتمع مع النبي -ﷺ- مؤمنًا ومات على ذلك.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٠٣).","vol":"1","page":190},{"text":"والصحبة تثبتُ بقوله عن نفسه: إنَّه صحب النبي -ﷺ-، إنْ كان أدرك عصره، وكذلك تثبتُ بقول غيره من الصحابة ﵃.\nهذا حاصل كلامه ﵀.\nوخالف جماعة، فقالوا: لا تثبتُ العدالةُ إلا لخصوص الذين لازموه -ﷺ-، واهتدَوْا بهديه، أمَّا من رآهُ مرة مثلًا ثم فارقه، فلا تثبتُ له العدالة بذلك.\nوممَّن اختار هذا التفصيل المازريُّ في شرح \"البرهان\" لإمام الحرمين، والقرافي، وغيرهما.\nوالصواب -إن شاء اللَّه تعالى- هو مذهبُ الجمهور، وأنهم كلُّهم عدولٌ ﵃ وأرضاهم، سواء لازموه أو اجتمعوا به وذهبوا.\nوقد أطبقَ العلماءُ على قبول رواية وائل بن حُجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص الثقفي، وغيرهم، ممَّن اشتهرتْ صحبتُهم وروايتُهم عنه -ﷺ-، مع أنَّهم وفدُوا إليه، واجتمعُوا به -ﷺ-، ورجعُوا إلى أهليهم، ولم يلازموه.\nوقال ابنُ حجر في مقدمة \"الإصابة\": اتفق أهل السنة على أنَّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة.\nوذكر الخطيبُ في \"الكفاية\" فصلًا نفيسًا في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتةٌ معلومةٌ بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران/ ١١٠]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾","vol":"1","page":191},{"text":"[البقرة/ ١٤٣]، وقوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح/ ١٨]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة/ ١٠٠]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال/ ٦٤]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر/ ٨ - ١٠].\nفي آيات كثيرة يطول ذكرُها، وأحاديث كثيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل اللَّه إلى تعديل أحدٍ من الخلق، على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء ممَّا ذكرناه، لأوجبت الحالُ التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ بتعديلهم.\nإلى أن قال: والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، ومن أدلَّها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مغفَّل قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"اللَّه اللَّه في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا، فمن أحبَّهم فبحبي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذى اللَّه، ومَنْ آذى اللَّه فسيوشك أنْ يأخذه\".\nوقال أبو محمد بن حزم: الصحابةُ كلُّهم من أهل الجنة قطعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً","vol":"1","page":192},{"text":"مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد/ ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء/ ١٠١]؛ فثبت أنَّ الجميع من أهل الجنَّة، وأنَّه لا يدخلُ أحد منهم النار؛ لأنَّهم هم المخاطبون بالآية السابقة.\nفإنْ قيل: التقييد بالإنفاق والقتال يُخرج من لم يتصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة/ ١٠٠] يخرج من لم يتصف بذلك.\nفالجواب أنَّ التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمرادُ من اتصف بالإنفاق بالفعل أو القوة. انتهى منه مع حذف واختصارٍ غير مخل بالمقصود.\nوأشار في \"مراقي السعود\" إلى مسألة عدالة الصحابي جامعًا معها الفرق بين الرواية والشهادة بقوله:\nشهادةُ الأخبار عمَّا خصَّ إنْ ... فيه ترافع إلى القاضي زُكِنْ\nوغيرُه رواية والصحب ... تعديلُهم كلٌّ إليه يصبو\nواختار في الملازمين دون مَنْ ... رآه مرةً إمامٌ مؤتمن\nومراده بالإمام المؤتمن القرافي، وقد سبقه إلى ذلك القول المازريُّ وغيره، كما تقدم.\nفالحاصلُ أنَّ الحق الذي عليه من يعتدُّ به من المسلمين أنَّ الصحابة كلَّهم محكوم لهم بالعدالة، ولا يبحثُ عن عدالة أحد منهم،","vol":"1","page":193},{"text":"وليسوا معصومين، فمن ثبت عليه في خصوصه قادح ثبوتًا واضحًا لا مطعن فيه، عُمِلَ به، وقد ارتد بعضهم كعبيد اللَّه بن جحش الذي كان زوج أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة ﵂، والرِّدة أعظم من ارتكاب كبيرة توجب الفسق، وقد مات والعياذ باللَّه على ردته متنصِّرًا.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nالمحدود في القذف إن كان بلفظ الشهادة، فلا يرد خبره؛ لأن نقصان العدد ليس من فعله، ولهذا روى الناس عن أبي بكرة، واتفقوا على ذلك، وهو محدود في القذف، وإن كان بغير لفظ الشهادة فلا تقبل روايتُه حتى يتوب).\nحاصل ما ذكر في هذا الفصل أن في إبطال الرواية بالحد في القذف تفصيلًا:\nفإنْ كان المحدودُ شاهدًا عند الحاكم بأن فلانًا زنى، وحُدَّ لعدم كمال الأربعةِ، فهذا لا تردُّ به روايتُه؛ لأنَّه إنما حُدَّ لعدم كمالِ نصاب الشهادة في الزنا، وذلك ليس من فعله، وإن كان القذف ليس بصيغة الشهادة كقوله لعفيف: يا زاني، ويا عاهر، ونحوِ ذلك، بطلت روايتُه حتى يتوب، أي ويُصْلِح، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا\n_________\n(^١) (٢/ ٤٠٥).","vol":"1","page":194},{"text":"وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور/ ٤ - ٥].\nواستدل المؤلفُ -﵀- لما ذكره من الفرق بين الحدِّ على سبيل القذف، والحدِّ على سبيل عدم كمال النصابِ في الشهادة، بقصة أبي بكرة؛ لأنه متفق على قبول روايته، مع أنَّه محدود في شهادته على المغيرة بن شعبةَ الثقفي بالزنا، والشهادةُ في هذا ليست كالرواية، فلا تُقْبَلُ شهادة المحدود في قذفٍ أو شهادةٍ حتى يتوب ويصلح، بدليلِ قول عمرَ لأبي بكرة: \"تُبْ أَقبل شهادتك\"، خلافًا لمن جعل شهادته كروايتهِ فلا تُردُّ، وهو محكيٌّ عن الشافعي.\nوالحاصلُ أنَّ القاذفَ بالشتمِ تردُّ شهادتُه وروايتُه بلا خلافٍ حتى بتوب ويُصْلح، والمحدود في الشهادةِ لعدمِ كمالِ النصابِ تقبلُ روايتُه دون شهادته، وقيل: تقبلُ شهادتُه وروايتُه.\nوقصةُ أبي بكرةَ المشارُ إليها أنه شهد على المغيرة بن شعبةَ بالزِّنا، هو وأخوه زياد ونافع بن الحارثِ وشبل بن معبد (^١)، فتلكأ زياد أو غيرُه في الشهادة، فجلد عمر الثلاثةَ المذكورين.\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nيظهرُ لنا في هذه القصةِ أن المرأةَ التي رأوا المغيرةَ ﵁ مخالطًا لها عندما فتحت الريح الباب عنهما إنَّما هي زوجتُه، ولا يعرفونها، وهي تشبه امرأة أخرى أجنبية كانوا يعرفونها تدخل على\n_________\n(^١) وقع في المطبوع: سعيد بن سهيل، وهو خطأ، والإصلاح من مصادر القصة.","vol":"1","page":195},{"text":"المغيرة وغيره من الأمراء، فظنُّوا أنها هي، فهم لم يقصدُوا باطلًا، ولكنَّ ظنَّهم أخطأَ، وهو لم يقترف إن شاء اللَّه فاحشة، لأنَّ أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يعظم فيهم الوازعُ الدينيُّ الزاجرُ عمَّا لا ينبغي في أغلب الأحوال، والعلمُ عند اللَّه تعالى.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nفي كيفية الرواية، وهي على أربع مراتب. .) الخ.\nخلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ كيفية الروايةِ -يعنى الرواية عن غير النبيَّ -ﷺ-، بدليل ما تقدم- على أربع مراتب.\nالأولى، وهي أعلاها عند المؤلف: قراءةُ الشيخ عليه في معرض الإخبار، ليروي عنه، وذلك يسوغُ للراوي أنَّ يقول حدَّثني، وأخبرني، وسمعته يقول، وقال كذا، ونحو ذلك من صيغ الأداء.\nالمرتبة الثانية: أن يقرأَ على الشيخِ فيقول: نعم، أو يسكت، فتجوزُ الروايةُ به، خلافا لبعض أهلِ الظاهرِ القائل بأنه لابد من إقرار الشيخِ نطقًا، ولا يكفي سكوتُه، لأنَّ الساكتَ لا يُنسبُ إليه قول عندهم، واستدلاله -أيضًا- بظاهر قوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران/ ٨١].\nوالجمهور على قبول الرواية ولو سكتَ، لأنَّ عدالته تمنعه من أن\n_________\n(^١) (٢/ ٤٠٦).","vol":"1","page":196},{"text":"يسكت مع علمه بعدم صحةِ ما يقرأُ عليه، ما لم تكن هناك مخيلة إكراه، أو غفلة، ونحو ذلك، فلا يكتفى بسكوته.\nوهذه المرتبةُ الثانيةُ تسوغُ للراوي أن يقول: أنبأنا، وحدَّثنا فلانٌ قراءةً عليه.\nوهل يجوزُ الاقتصارُ على حدثنا فلانٌ، دون ذكره قراءةً عليه؟\nفيه روايتان:\nإحداهما: يجوزُ ذلك. وعزاه المؤلف لأكثر الفقهاء.\nوالأخرى: لا يجوزُ ذلك، كما لا يجوز سمعت من فلان في ذلك.\nوهل يجوز للراوي أنْ يُبْدِلَ قوله، شيخه \"حدثنا\" بأخبرنا، أو عكسه؟ فيه روايتان أيضًا بالجوازِ والمنع.\nووجه القولِ بجواز ذلك اتحادُ اللفظين في المعنى لغةً.\nووجه المنع من ذلك اختلاف مقتضى اللفظين عند المحدِّثين، لأنهم يخصُّون \"حدَّثنا\" بما سُمع من لفظ الشيخ، و\"أخبرنا\" يصلحُ عندهم لذلك أيضًا ولما قُرئ على الشيخ فأقرَّ به، فالإخبارُ عندهم أعمُّ من التحديث.\nالمرتبة الثالثة: الإجازة، وهي أربعة أنواع:\nالأول: الإجازةُ لمعيَّن في معيَّن، \"كقوله: أجزت لك أو لكم أنْ تروي، أو ترووا عني الكتاب الفلاني.","vol":"1","page":197},{"text":"الثاني: الإجازةُ لمعيَّن في غير معيَّن، كقوله: أجزتُ لك، أو لكم أنْ ترووا عني جميع مروياتي.\nالثالث: الإجازةُ لغير معيَّن في معيَّن، كأنْ يقولَ: أجزتُ للمسلمين أنْ يرووا عني الكتاب الفلاني.\nالرابع: الإجازة لغير معيَّن في غيرِ معيَّن، كأنْ يقولَ: أجزت للمسلمين أنْ يرووا عنِّي جميع مروياتي.\nوجمهورُ أهل العلم على جواز الرواية والعمل بالإجازة، واستقر عليه عملُ عامة أهل العلم، وحكى الإجماع على ذلك أبو الوليد الباجي وعياضُ من المالكية.\nومنع الروايةَ بالإجازة والعمل بها جماعةٌ من الطوائف، ممَّن روى عنه ذلك شعبةُ بنُ الحجاجِ، قائلا: لو جازتْ الإجازةُ لبطلت الرحلة، وإبراهيم الحربي، وأبو نصر الوائلي، وأبو الشيخ الأصبهاني. ومِمَّن قال بذلك من الفقهاء القاضي حسين، والماوردي، وأبو بكر الخجندي الشافعي، وأبو طاهر الدبَّاس الحنفي، وهذا هو إحدى الروايتين عن الشافعي، وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك، وقال ابن حزم: إنها بدعة غيرُ جائزة.\nوفيها أقوال آخر غيرُ ما ذكرنا، بالتفصيل بين أنواع الإجازة، مذكورة في الأصول وعلوم الحديث.\nوالحقُّ جواز الرواية بالإجازة، كما عليه الجمهور.","vol":"1","page":198},{"text":"وقال صاحب \"المراقي\":\nواعمل بما عن الإجازة رُوِي ... إن صح سمعه بظن قد قوي\n\nتنبيه:\n\nفإن قيل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-92> الدليل على جواز الرواية والعملِ بالإجازة</span>؟\nفالجوابُ أنَّ بعض أهل العلم استدل لذلك بما يأتي:\nقال صاحب \"تدريب الراوي\": قال ابن الصلاح: وفي الاحتجاج لتجويزها غموض، ويتجه أن يقال: إذأ أجاز له أن يروي عنه مروياته، فقد أخبره بها جملة، كما لو أخبره بها تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح قطعًا، كما في القراءة، وإنما الغرض حصولُ الإفهام والفهم، وذلك حاصل بالإجازة.\nوقال الخطيب في \"الكفاية\": احتجَّ بعض أهل العلم لجوازها بحديث أنَّ النبي -ﷺ- كتب سورة براءة في صحيفةٍ ودفعها لأبي بكر، ثم بعث علي بن أبي طالب فأخذها منه، ولم يقرأها عليه، ولا هو أيضًا، حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس\".\nفكأنَّ النبي -ﷺ- أجاز له أنْ يروي عنه ما في تلك الصحيفة من غير سماع منه.\nالمرتبة الرابعة: المناولة، وهي أن يناوله كتابًا ويقول له: ارو عني ما فيه، فهو كالإجازة؛ لأنَّ مجرد المناولة دون اللفظ لا يكفي، واللفظ وحده يكفي، وكلاهما تجوز الرواية به، فيقول: حدثني إجازة، أو","vol":"1","page":199},{"text":"أخبرني إجازة، فإن لم يقل إجازة لم يجز على أصح القولين.\nفإن قال: هذا الكتاب سماعي، ولم يأذن في روايته عنه، فلا تجوزُ الرواية بذلك؛ لأنَّه يمكن ألا يجيز روايته عنه لخلل يعلمه فيه.\nوكذلك لو قال: عندي شهادة، لا يشهد بها ما لم يقل: أذنت لك أن تشهد على شهادتي، وكذا لو وجد شيئًا بخطه لا يرويه عنه، لكن يجوزُ له أن يقول: وجدت بخط فلان كذا وكذا.\nفإن قال العدل: هذه نسخة من صحيح البخاري أو مسلم -مثلًا-، فليس له أن يرويه عنه ما لم يأذن. وهل يلزمه العمل به؟ فيه خلاف، وأظهره لزومُ العمل به؛ لأنَّ أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حامليها بصحتها دون أن يسمعها كلُّ واحد منهم، فإن ذلك يفيد سكون النفس، وغلبة الظن، وإلى ذلك أشار في المراقي بقوله:\nوالخلف في إعلامه المجرد ... وأعملن منه صحيح السند\nهذا هو خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث، مع زيادات إيضاح واستدلال واستظهار، وهذا الذي مشى عليه المؤلف ﵀ من ترتيب هذه المراتب الأربعة المذكورة قولُ بعض أهل العلم، وفيه أقوال أُخر غير هذا.\nمنها: أنَّ المناولة والسماع والعرض -الذي هو القراءة على الشيخ، فيقول: نعم- في مرتبة واحدة، وأنَّ الإجازة المجردة عن المناولة مرتبة ثانية دونها. وهذا هو المشهور عند المالكية، وعليه درج","vol":"1","page":200},{"text":"في مراقي السعود بقوله:\nللعرض والسماع والإذن استوى ... متى على النوال ذا الإذن احتوى\nومرادُه بالإذن الإجازةُ، وبالنوال المناولةُ، يعني أنَّ الإجازة المشتملة على المناولة في مرتبة السماع والعرض. وكون المناولةِ المذكورة تساوي السماع هو ما ذهب، إليه ابن شهاب، وربيعة، ومالك، وخلق كثير. قاله في \"نشر البنود\". وكونها دون السماع هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وصححه النووي. قاله في \"نشر البنود\" أيضًا.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإذا وجد سماعَه بخط يوثق به جاز له أن يرويَه، وإن لم يذكر سماعه. . .) الخ.\nخلاصةُ ما ذكره فى هذا الفصل أنه إذا وجد سماعه بخط يغلب على الظن به أنَّه سمعه، مع أنَّه ناسٍ للسماع، فهل له أنْ يرويه اعتمادًا على الخط؟ وهو ما اختاره المؤلف وعزاه للشافعي، وعلل ذلك بأنَّ مبنى الرواية على حسنِ الظن وغلبته بناءً على دليل، وقد وُجِدَ ذلك في هذه المسألة؛ لأنَّ الثقة بالخط المذكور يغلبُ على الظن بها صحة السماعِ المذكور.\n_________\n(^١) (٢/ ٤١٢).","vol":"1","page":201},{"text":"و[قيل] (^١): لا يجوزُ له أن يروي ذلك اعتمادًا على الخط؛ لأجل نسيانه للسماع. وعزاه لأبي حنيفة، مستدلًا له بقياس الرواية على الشهادة في ذلك.\nواعترض المؤلف قياس الرواية على الشهادة في هذه المسألة من جهتين:\nالأولى: أنَّ الشهادة تصحُّ اعتمادًا على الخط الموثوق به، وإن لم يتذكرها على إحدى الروايتين.\nالثانية: أن الشهادة أضيق من الرواية؛ لما علم بينهما من الفروق، كما تقدم، واللَّه تعالى أعلم.\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإذا شكَّ في سماعِ حديث من شيخه لم يجزْ أن يرويه عنه. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل ثلاث نقط:\nالأولى: أنَّه إن شك في سماع حديث من شيخه لا يجوز له أن يرويه عنه مع الشك. وهذا واضح؛ لأنَّ منعَ رواية المشكوك فيه ضروري كما ترى.\n_________\n(^١) زيادة ضرورية، وليست في الأصل المطبوع.\n(^٢) (٢/ ٤١٤).","vol":"1","page":202},{"text":"الثانية: أنَّه إن شك في حديث من سماعه ثم التبس عليه ذلك الحديثُ المشكوك فيه، فلم يُميزه من غيره، لم يجز له أن يروي عنه شيئًا مع ذلك الشك؛ لأن كل حديث رواه عنه احتملَ أن يكونَ هو ذلك الحديث الذي شك في سماعِه.\nالثالثة: إذا غلب على ظنه أنَّه سمع منه حديثًا، ولم يجزم بذلك، فهل تكفي غلبة الظن، فتجوز الرواية بها، أو لا تكفي فلا تجوز بها؟ ولم يرجح واحدًا منهما.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإذا أنكر الشيخ الحديثَ، وقال: لستُ أذكره، لم يقدح ذلك في الخبر في قول إمامنا، ومالك، والشافعي، وأكثر المتكلمين، ومنع منه الكرخي قياسًا على الشهادة).\nخلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أنَّ شيخ الراوي إذا أنكر الحديث وقال: لستُ أذكره، فلا يبطلُ ذلك روايته عنه؛ لأنَّه نسي الحديثَ والراوي ذاكر له، فلا وجه لرد ذاكر بنسيان ناسٍ. وهذا القول هو الصحيح.\n[وقيل بالمنع، قياسًا على الشهادة] (^٢)، وعزاه المؤلفُ للكرخي،\n_________\n(^١) (٢/ ٤١٥).\n(^٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل المطبوع، والسياق يقتضيه.","vol":"1","page":203},{"text":"وردَّ المؤلفُ هذا القياس بكثرِة الفوارق بين الرواية والشهادة.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nالذي يظهر صوابُه في هذه المسألة هو ما اختاره غير واحد من الأصوليين والمحدِّثين من التفصيل في ذلك: فإن كان الشيخ جازمًا بنفيه، وأنه ما روى هذا الحديث أصلًا، لم تُقبل روايةُ الراوي عنه، ولا يقدحُ ذلك في رواية ذلك الراوي في غير ذلك الحديث؛ لأنَّه لم يَثبت كذبُه، وإن لم يجزم بنفيه بل قال: لا أعرفه، أو لا أذكره، أو نحو ذلك، لم يقدح فيه.\nوقد روى ربيعة بنُ أبي عبد الرحمن عن سهيل بنُ أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النبيّ -ﷺ- قضى باليمين مع الشاهد. ثم نسيه سهيل فكان يقول: حدثني ربيعةُ عنِّي أني حدثته. ولم ينكر عليه أحد.\nقال العراقي في الفيته:\nوإنْ يردَّه بلا أذكر أو ... ما يقتضي نسيانَه فقد رأوا\nالحكمَ للذاكر عند المعظم ... وحكي الإسقاطُ عن بعضهم\nكقصة الشاهدِ واليمين إذ ... نَسِيَهُ سهيلٌ الذي أُخِذ\nعنه فكان بعدُ عن ربيعة ... عن نفسه يرويه لن يضيعه\nوذكر صاحب \"المراقي\" تفصيلًا في جزم الشيخ بعدم رواية الراوي، وعزاه للباجي، وحاصلُه أن الشيخ إذا قال: هذا الحديث من جملة مروياتي إلَّا أن فلانًا هذا لم يروه عني جزمًا، قُبلت روايةُ الراوي","vol":"1","page":204},{"text":"وإنْ كان الشيخُ جازمًا بعدمها، وإن قال الشيخُ: هذا الحديث لم يكن من مروياتي أصلًا، رُدَّتْ روايةُ الراوي عنه. وذلك في قوله عاطفًا على ما تقبلُ فيه الرواية:\nوالجزمُ من فرع وشك الأصلِ ... ودع بجزمه لذلك النقل\nوقال بالقبول إن لم ينتفِ ... أصل من الحديث شيخ مقتفِ\nومرادُه بهذا الشيخ الباجي.\nثم أشار إلى أنَّ جزمَ الأصلِ بتكذيب الفرع لا يقدحُ في عدالةِ الفرعِ بقوله:\nوليس ذا يقدح في العدالة ... كشاهد للجزمِ بالمقالة\n\nتنبيه:\nذكر بعضُ أهل العلمِ في هذا المبحث أنَّ السبب الذي منعَ الحنفيةَ من قبول الحكمِ بالشاهد واليمين هو نسيانُ الراوي المذكورِ للحديث، وأنَّ نسيانَه مبطلٌ للروايةِ عندهم.\nوقد قدَّمنا في النسخِ أن الموجبَ لردِّ حديث الحكم بالشهادة واليمين عندهم أنَّه زيادة على قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة/ ٢٨٢]، وأنَّ الزيادة على النصِّ نسخ عندهم، والحديث المذكور آحاد، والآيةُ معلومُ أنَّها من المتواتر، والمتواترُ لا يُنسخ عندهم بالآحاد، كما تقدَّم إيضاحُه.","vol":"1","page":205},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nانفرادُ الثقةِ في الحديث بزيادةٍ مقبول، سواء كانت لفظًا أو معنى. . .) الخ.\nخلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل أن الثقةَ إذا روى زيادةً في الحديث لم يروها غيرُه، بل انفرد بها، فروايتُه لها مقبولة.\nواستدلَّ لذلك بأمرين:\nالأول: أن الثقةَ لو انفردَ بحديثٍ لَقُبِلَ، فكذلك الزيادة في حديثٍ.\n\nالثاني: إمكانُ انفراده دون غيره بحفظ الزيادة، لاحتمال أن يكونَ النبيُّ -ﷺ- ذكر الحديث في مجلسين، وذكر الزيادة في أحدهما دون الآخر، وحضر هذا المجلس الذي ذكر فيه ال<span data-type=\"title\" id=toc-96>زيادة الثقةُ </span>الذي زادها ولم يحضره الآخر الذي روى الحديث بدونها، كما يحتملُ أيضًا أن الراوي الذي لم يرو الزيادة دخل في أثناء المجلس، وقد سمع غيره الزيادة قبل دخوله، أو عَرض له في أثناءِ الحديثِ ما يزعجُه أو يدهشُه عن الإصغاءِ أو يوجبُ له القيامَ عن تمامِ الحديث، وسَمع غيره الزيادة بعد أن عرضَ له هو ما يمنعُه من سماعها، كمَا يحتملُ أنْ يسمعَ جميع الحديث وينسى منه بعضَ الذي زاده الثقةُ الآخر.\n_________\n(^١) (٢/ ٤١٩).","vol":"1","page":206},{"text":"فهذه الاحتمالاتُ تبينُ أنَّ انفرادَ الثقة بحفظها دون غيره ممكن، وقد أخبر بها الثقةُ، ولا داعي لردِّ خبر ثقةٍ عن أمرٍ ممكنٍ لم يُعارِضْهُ فيه غيرُه كما ترى.\nفإنْ عُلِمَ أنَّهما معًا إنَّا سمعا في مجلسٍ واحد، فقال أَبو الخطاب: يُقدَّمُ قولُ الأكثرين وذوي الضبط، فإنْ تساووا في الحفظ والضبط قدِّمَ قول المثبت.\nوإيضاح معنى قول أبي الخطاب المذكور أن السماع إذا كان في مجلس واحد قُدِّمَ قول الأكثرين، سواء كانوا رواة الزيادة أو غيرهم، تغليبًا لجانب الكثرة، لأن الخطأ أبعد عن العدد الكثير من غيره، فإن تساووا في العدد قُدِّمَ أحفظهم وأضبطهم، للترجيح بالحفظ والضبط، فإن استووا في الكثرة والحفظ قُدِّمَ قول المثبت على النافي.\nوقال القاضي: إذا تساويا، فى روايتين. أي إحداهما: قبول الزيادة، وهو الصحيح. والأخرى: عدمُ قبولِ الزيادة.\nهذا حاصل كلامه ﵀.\nواعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن فيها تفصيلًا، لأنها واسطة وطرفان:\nطرفٌ لا تقبل فيه الزيادة على التحقيق، وهو ما إذا كانت الزيادة مخالفةً لروايةِ الثقاتِ الضابطين، لأنها يحكمُ عليها حينئذ بالشذوذ فتُرَدُّ.\nوطرفٌ تقبلُ فيه الزيادة بلا خلاف، وهو ما إذا تفرَّدَ ثقة بجملةِ","vol":"1","page":207},{"text":"حديثِ لا تعرض فيه لما رواه بمخالفة أصلًا، ومِمَّن حكى الإجماع على قبول هذا الطرفِ الخطيبُ.\nوواسطةٌ هي محلُّ الخلاف، وهو زيادةُ لفظة في حديث لم يذكرها غيرُ مَنْ زادَ من رواة ذلك الحديث، كحديثِ حذيفة \"وجُعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا\"؛ انفرد أَبو مالك سعد بن طارق الأشجعي فقال: \"وجعلت تربتها لنا طهورًا\" وسائر الرواةِ لم يذكروا ذلك.\nوالصحيحُ قبولُ مثل هذه الزيادة، كما قرر المؤلف رحمه اللَّه تعالى، وعليه جمهورُ الأصوليين.\nومن أمثلة هذا الباب: حديثُ ابن مسعود الثابتُ في الصحيحين قال: سألتُ رسول اللَّه -ﷺ- \"أيُّ العملِ أفضل؟ قال: \"الصلاة على وقتها\"، اتفق أصحاب شعبة عنه على هذا اللفظ، وزاد عليُّ بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم فقال: \"الصلاةُ في أولِ وقتها\" كما أخرجها الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريقه.\nوكذلك روى الزيادة المذكورةَ الحسن بن علي المعمري في \"اليوم والليلة\" عن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة كذلك.\nقال ابنُ حجر في \"الفتح\": وكذلك روى الزيادة المذكورةَ عثمانُ بن عمرَ عن مالك بن مِغْوَل عن شيخِ شعبةَ في الحديث المذكورِ، وهو الوليد بن العَيْزار، عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود، أخرجه ابنُ خزيمةَ في صحيحه والحاكم وغيرهما، قاله ابنُ حجر -أيضًا-.","vol":"1","page":208},{"text":"فالظاهرُ ثبوتُ هذه الزيادة وإن لم تكن في جميع طرقها.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\": إنَّها ضعيفة.\nومن أمثلته -أيضًا- حديث الصحيحين عن أَنس: \"أُمِرَ بلال أن يشفعَ الأذان، ويوتر الإقامة\".\nزاد سماك بنُ عطية \"إلَّا الإقامة\"، وزيادتُه لها عن أيوب عن أبي قلابةَ عن أَنس ثابتةٌ في صحيح البخاري وغيره.\nومن أمثلة ما قدَّمنا في هذا الباب من أن راوي الحديث بدون الزيادة قد يدخل في أثناء الحديث فتفوته الزيادة: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بنُ عامر ﵁ قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروَّحتها بعشيٍّ، فأدركت رسول اللَّه -ﷺ- قائمًا يحدِّث الناس فأدركت من قوله: \"ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلًا عليها بقلبه ووجهه إلَّا وجبت له الجنَّةَ\"، فقلتُ: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر، قال: إني قد رأيتُك جئت آنفًا، قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا عبد اللَّه ورسوله، إلَّا فتحت له أَبواب الجنَّةَ الثمانية يدخل من أيها شاء\".\nهذا لفظ مسلم في صحيحه.\nومثال ما قدَّمنا من أن راوي الحديث بدون الزيادة قد يعرض له في أثناء الحديث ما يزعجه عن سماع الزيادة التي رواها غيره: ما ثبت في","vol":"1","page":209},{"text":"الصحيح من حديث عمران بن حصين ﵄ قال: دخلت على النبي -ﷺ- وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم، فقال: \"اقبلوا البشرى يا بني تميم\"، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، مرتين، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: \"اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم\". قالوا: قد قبلنا يا رسول اللَّه -ﷺ-، قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر؟ قال: \"كان اللَّه ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض\". فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت، فإذا هي يقطع دونها السراب، فواللَّه لوددت أني تركتها. هذا لفظ البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق.\n\nتنبيه:\n\nالتحقيق أن<span data-type=\"title\" id=toc-97> الرفع والوصل نوعٌ من الزيادة</span>، فلو روى بعض الرواة حديثًا موقوفًا، ورواه ثقة آخر مرفوعًا، أو رواه بعض الرواة مرسلًا، ورواه ثقة آخر موصولًا، فذلك الرفع وذلك الوصل يُقبل؛ لأَنَّه من زيادة الثقات، وهي مقبولة، ولا تكون الطَّرِيقِ الموقوفة أو المرسلة علة في الطَّرِيقِ المرفوعة أو الموصولة، خلافًا لمن زعم ذلك.\nوللأصوليين أقوال كثيرة في زيادات العدول، منها: عدم القبول مطلقًا، ومنها عدمُ القبول إن علم اتحاد المجلس، ومنها: التعارض إذا غيَّرت الزيادة الإعرابَ، إلى غير ذلك من الأقوال.\nوأشار إلى بعضها في \"المراقي\" بقوله:","vol":"1","page":210},{"text":"والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ\nإن أمكن الذهول عنها عادة ... إلَّا فلا قبول للزيادة\nوقيل لا إن اتحاد قد علم ... والوفق في غير الذي مر رسم\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nوتجوزُ<span data-type=\"title\" id=toc-98> رواية الحديث بالمعنى </span>للعالم المفرِّق بين المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، عند الجمهور، فيُبدلُ لفظًا مكان لفظ فيما لا تختلف الناس فيه، كالألفاظ المترادفة، مثل القعود والجلوس، والصبِّ والإراقة، والحظر والتحريم. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره -﵀- في هذا الفصل: أنَّ نقل الحديث بالمعنى جائز عند الجمهور بشروط، وأنَّ بعض أصحاب الحديث قال بمنعه مطلقًا، وأنَّه لابدَّ من أداء الحديث بنفس اللفظ لا بمعناه.\nوشروط جوازه عند من أجازه:\nالأول منها: أن يكون ناقلُ الحديث بالمعنى عالمًا باللسان العربي، لا تخفى عليه النكت الدقيقة التي يحصل بها الفرق الخفيُّ بين معاني الألفاظ، عارفًا بالمحتمل وغيره، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، ونحو ذلك؛ لأنَّ من ليس كذلك قد يبدل اللفظ بلفظ يساويه\n_________\n(^١) (٢/ ٤٢٢).","vol":"1","page":211},{"text":"في ظنه وبينهما تفاوت في المعنى خافٍ عليه، فيأتي الخلل في حديثه من ذلك.\nالثاني: أن يكون جازمًا يقينًا بمعنى الحديث، لا أن يكون فهمُه للمعنى بنوع استنباط واستدلال يختلف فيه، أو بظنٍّ عدم وضوح الدلالة، خلافًا لمن زعم الاكتفاء بالظن الغالب.\nالثالث: أن لا يكون اللفظ الذي نقل به الراوي معنى الحديث أخفى من لفظ النبي -ﷺ- ولا أظهر، أما منع نقله بما هو أخفى منه فواضح، وأمَّا منعه بما هو أظهر منه فقد علَّله المؤلف بأنَّ الشارع ربما قصد إيصال الحكم باللفظ الجلي تارة وبالخفي أخرى. والمعروف عند أهل الأصول تعليلُه بأن الظهور من المرجحات عند التعارض، فقد يتعارضُ مع الحديث الذي رواه الراوي بأظهر من معناه حديثٌ آخر فيرجحه المجتهد عليه بالظهور ظانًّا أن اللفظ للنبي -ﷺ- والواقع أنَّ موجب الترجيح من تصرف الراوي لا من النبي -ﷺ-. وهذه العلة ظاهرةٌ كما ترى.\nوحجج جواز نقله بالمعنى المذكورة في هذا الفصل:\nمنها: الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدالُ كلمة عربية بكلمة عجمية فإبدالها بكلمة عربية أولى.\nومنها: أن سفراء النبي -ﷺ- كانوا يبلغونهم أوامره بلغتهم.\nومنها: أن الخطب المتحدة والوقائع المتحدة رواها الصحابة بألفاظ مختلفة والمعنى واحد.","vol":"1","page":212},{"text":"ومنها: أنَّ من سمع شاهدًا يشهد بالعجمية جاز أنْ يشهد على شهادته بالعربية، والشهادة آكد من الرواية.\nومنها: أن الرواية بالمعنى عن غيره -ﷺ- جائزة، فكذلك الرواية عنه، بجامع حرمة الكذب فيهما معًا.\nوحجة من قال بالمنع في هذا الفصل حديثُ: \"نضَّر اللَّه امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها\" الحديث.\nهذا هو خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nالتحقيقُ في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز نقل الحديث بالمعنى بالشروط المتقدمة، لأَنَّه غير متعبد بلفظه، والمقصود منه المعنى، فإذا أدَّى المعنى على حقيقته كفى ذلك دون اللفظ، ومن أتى بالمعنى بتمامه فقد أدَّاه كما سمعه، فيدخل في قوله: \"فأدَّاها كما سمعها\"، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى/ ١٨، ١٩]، والذي في تلك إنَّما هو معنى ما ذكر، لا لفظه. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن.\nفإنْ قيل: ما الجوال عن حديث البراء بن عازب المشهور الصحيح، ومحلُّ الشاهد منهْ أن البراء سمع من النبي -ﷺ- ذلك الحديث ومن جملته: \"آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت\"، فقال البراء: \"ورسولك الذي أرسلت\" فأبدل لفظ النبي بلفظ الرسول فقال له -ﷺ-: \"قل آمنت بنبيك الذى أرسلت\".","vol":"1","page":213},{"text":"فأنكر عليه إبدال لفظ النبي بلفظ الرسول، وهذا يدلُّ على منع نقل الحديث بالمعنى.\nقلنا: قد أُجيب عن هذا بأجوبة متعددة، والذي يظهر لي -واللَّه تعالى أعلم- أن وجه إنكار النبي -ﷺ- على البراء إبدال النبي بالرسول أن لفظ الرسول لا يقوم مقام لفظ النبي في الحديث المذكور لتفاوت معنى الكلمتين، فإنَّك لو قلت \"ورسولك الذي أرسلت\" كان قولك \"الذي أرسلت\" لا حاجة له مع قولك \"ورسولك\" فهو تكرار ظاهر، وتأكيد لا حاجة إليه، بخلاف لفظ النبي، فإن النبي قد يكون غير مرسل، فصرَّح بأنه مرسل، فيكون قولُه \"الذي أرسلت\" تأسيسًا لا تأكيدًا، ومعلوم أن التأكيد لا يساوي التأسيس.\nوقد تقرَّر في الأصول أنَّه إنْ دار اللفظ بين التأكيد والتأسيس فحملُه على التأسيس أرجح إلَّا لدليل، كما أوضحناه في كتابنا \"أضواء البيان\" في سورة النحل في الكلام على قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل/ ٩٧].\n\nتنبيهات:\n\nالأول: حكى قوم الإجماع على جواز<span data-type=\"title\" id=toc-99> نقل الحديث بالمعنى في التَّرجمة</span>، أعني إبدال اللفظ العربي بلفظ أعجمي لإفهام أهل ذلك اللسان الأعجمي، وحكى قوم الإجماع -أيضًا- على إبدال لفظ بمرادفه، وأدخل ذلك في الخلاف قوم آخرون.\nوالفرقُ بين إبدال اللفظ بمرادفه وبين مسألة نقل الحديث بالمعنى،","vol":"1","page":214},{"text":"أن إبدال اللفظ بمرادفه لابدَّ فيه من بقاء التركيب الأول على حالته من غير تقديم ولا تأخير، ولا إبدال فعل باسم -مثلًا- ولا عكسه، فلو فرضنا مثلًا أن لفظ النبي -ﷺ- في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد \"أريقُوا على بوله سجلًا من ماء\" فقال الراوي: أريقوا على بوله دلوًا ملأى، أو ذنوبًا من ماء، فهذا من إبدال لفظ بمرادفه، لأنَّه لم يغير فيه شيئًا من تركيب الكلام، وإنَّما أبدل السَّجْل بمرادفه، وهو الذَّنوب أو الدلو المليء، ولو قال -مثلًا-: أمر النبي -ﷺ- بصب دلوٍ ملأى من الماء على بول الأعرابي، فهذا من النقل بالمعنى، لأنه غيَّره من تركيب إلى تركيب آخر يساويه في المعنى.\nوببيان الفرق بين المسألتين يظهر أن المؤلف أدخل إحداهما في الأخرى في قوله: (فيبدل لفظًا مكان لفظٍ).\nالتنبيه الثاني: اعلم أنَّ الخلاف في جواز نقل الحديث بالمعنى إنَّما هو في غير المتعبد بلفظه، أمَّا ما تُعبد بلفظه كالأذان والإقامة والتشهد والتكبير في الصلاة، ونحو ذلك، فلا يجوز نقله بالمعنى لأنَّه متعبد لفظه.\nوقال بعض أهل العلم: وكذلك جوامع الكلم التي أوتيها -ﷺ-، فلا يجوزُ نقلُها بالمعنى إذْ لا يقدر غيره على الإتيان بمثلها.\nقال: ومثال ذلك قوله: \"الخراجُ بالضمان\"، \"البينةُ على المدَّعي\"، \"العجماء جُبار\"، \"لا ضرر ولا ضرار\"، \"الآن حمي الوطيس\"، ونحو ذلك.","vol":"1","page":215},{"text":"التنبيه الثالث: اختلف أهلُ العلم في الاحتجاج بألفاظ الحديث على مسائل اللغة العربية، فقال قوم: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ الغالب الرواية بالمعنى دون اللفظ، وكثير من الرواة الذين يروون بالمعنى لا يحتجُّ بهم في اللغة؛ لأنَّ أصلهم عجم أو عرب لا يحتجُّ بقولهم.\nواستدلُّوا لهذا بكثرة اختلاف ألفاظ الرواة في الواقعة الواحدة، إذْ ليس كل تلك الألفاظ المختلفة من لفظ النبي -ﷺ-.\nوممن قال بهذا القول الدَّمامينيُّ زاعمًا أن علماء عصره، كالبلقيني، وابن خلدون، وغيرهم، وافقوه في ذلك، كما ذكره العبَّادي في \"الآيات البينات\" عن شهاب الدين عميرة.\nوذهب آخرون إلى جواز الاحتجاج بألفاظ الحديث على اللغة العربية بناءً على أن الأصل والغالب الروايةُ باللفظ.\nقالوا: ولا حجة على خلاف ذلك باختلاف الألفاظ في الواقعة الواحدة؛ لجواز كونه -ﷺ- حدث عن واقعة واحدةٍ في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة، فروى كلُّ راوٍ كما سمع.\nوممَّن اشتهر بالاستدلال بلفظ الحديث على اللغة ابن مالك -﵀-.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nالذي يظهر لي في هذه المسألة -واللَّه أعلم- هو التفصيل فيها، فما غلب على الظن أنَّه من لفظ النبي -ﷺ-، كبعض الأحاديث التي اتفق فيها جميع الرواة أو معظمهم على لفظ واحد، فإنَّه حجة في اللغة، وما","vol":"1","page":216},{"text":"غلب على الظن أنَّه من لفظ الراوي بالمعنى، لا يحتج بقوله في العربية، فلا يحتج بلفظه، والعلم عند اللَّه تعالى.\nوأشار صاحبُ \"المراقي\" إلى ما في هذه المسألة من الأقوال بقوله:\nوالنقلُ للحديث بالمعنى مُنع ... ومالك عنه الجواز قد سُمع\nلعارف يفهمُ معناه جزم ... وغالبُ الظنِّ لدى البعض انحتم\nوالاستواء في الخفاء والجلا ... لدى المجوِّزين حتمًا حصلا\nوبعضُهم منع في القصارِ ... دون التي تطول لاضطرار\nوبالمرادفِ يجوزُ قطعًا ... وبعضُهم يحكون فيه المنعا\nوجوزت وفقًا بلفظ عجمي ... ونحوه الإبدال للمترجمِ\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nمراسيلُ أصحاب النبي -ﷺ- مقبولة عند الجمهور، وشذَّ قومٌ فقالوا: لا يُقبل مرسل الصحابي إلَّا إذا عرف بصريح خبره أو عادته أنَّه لا يروي إلَّا عن صحابي، وإلَّا فلا، لأنه قد يروي عمن لم تثبت لنا صحبتُه. . .) الخ.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٢٥).","vol":"1","page":217},{"text":"حاصل ما ذكره في هذا الفصل أن مراسيل الصحابة لها حكم الوصل، لأنَّ الصحابي لا يروي -غالبًا- إلَّا عن صحابي، ولأن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عبَّاس ونظرائه من صغار الصحابة، مع إكثارهم من الحديث عنه -ﷺ-، وكثير من روايتهم عنه مراسيل.\nوشذَّ قوم فخالفوا في ذلك، إلَّا إذا عرف عن الصحابي أنَّه لا يروي غالبًا إلَّا عن صحابي.\nهذا خلاصة ما ذكره في هذا الفصل.\nوقبول مرسل الصحابي هو الصواب.\nوالذي يظهر لي أن الصحابي لو علم أن أكثر روايته عن التابعين كان مرسله كمرسل غيره، واللَّه تعالى أعلم.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nفأمَّا مرسلُ غير الصحابة، وهو أن يقول: قال النبيُّ -ﷺ- من لم يعاصره، أو يقول: قال أَبو هريرة ولم يدركه، ففيها روايتان:\nإحداهما: تقبل، اختارها القاضي، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وجماعة من المتكلمين.\nوالأخرى: لا تقبل، وهو قولُ الشافعي، وبعضِ أهل الحديث،\n_________\n(^١) (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩).","vol":"1","page":218},{"text":"وأهل الظاهر. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن في قبول الحديث المرسل روايتين عن الإمام أحمد، وأن مذهب مالك وأبي حنيفة ومَنْ ذكر معهم قبوله، ومذهب الشافعي ومن ذكر معه عدم قبوله.\nوحجة من قال بقبوله هي: أنَّ العدل لا يحذفُ الواسطة مع الجزم بالخبر إلَّا وهو عالم أنَّ الواسطة التي حذف ثقة، فحذفُه لها مع الجزم بالخبر بمثابة قوله: أخبرني فلان وهو ثقة؛ لأنَّ إخباره عنه -ﷺ- بالجزم مع عدم عدالة الناقل الذي لم يذكره ينافي عدالته، لما في ذلك من إحلال الحرام وتحريم الحلال، وإلزام الناس بالعبادات بأمر مشكوك فيه.\nوحجة من قال بعدم قبوله: أنَّ الواسطة المحذوفة في المرسل لا تعرفُ عينُها، ومن لا تعرف عينه لم تعرف عدالتُه، وروايةُ مجهول العدالة مردودة كما تقدَّم، ولأنَّ شهادة الفرع لا تقبل على شهادة الأصل، فكذلك الرواية، وافتراق الشهادة والرواية في بعض الأحكام -كما تقدم- لا يستلزمُ افتراقهما في هذا المعنى، كما أنهما لا فرق بينهما في عدم قبول رواية المجروح والمجهول.\nهذا هو خلاصة ما ذكره في هذا المبحث، وما أشار إليه هنا من الفوارق بين الشهادة والرواية تقدمت الإشارةُ إلى ما فيه كفاية منه.\n\nتنبيهات:\nالأول: اعلم أنَّ المرسل في اصطلاح أهل الأصول غيرُ المرسل","vol":"1","page":219},{"text":"في الاصطلاح المشهور عند المحدثين.\nفضابط المرسل في الاصطلاح الأصولي: هو ما عُرف أنَّه سقطت من سنده طبقة من طبقات السند، كما مثَّل له المؤلف في هذا الفصل.\nفالمرسل في اصطلاح أهل الأصول يشملُ أنواع الانقطاع، فيدخلُ فيه المنقطع والمعضل، فمن قال من أهل الأصول بقبول المرسل، فإنه يقبلُ المنقطع والمعضل، كما بينَّا.\nوالمرسل في الاصطلاح المشهور عند المحدثين: هو قولُ التابعي مطلقًا، أو التابعي الكبير خاصة: قال رسول اللَّه -ﷺ-.\nوبعض أهل الحديث يُطلقُ الإرسال على كل انقطاع، كاصطلاح أهل الأصول.\nالتنبيه الثاني: اعلم أن من يحتجُّ بالمرسل يحتج بعنعة المدلسين من باب أولى، كما نبَّه عليه غير واحد.\nالتنبيه الثالث: اعلم أن في المرسل لعلماء الأصول ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنَّه مردود؛ للجهل بالساقط فيه، وعلى هذا جماهيرُ أهل الحديث.\nالثاني: أنَّه مقبول كما تقدَّم، وهو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وأحمد، ولكنه يقدَّم عليه عند التعارض المسندُ؛ لأنَّه أرجح منه.\nالثالث: قولُ جماعةٍ: إنَّ المرسل يرجخ على المسند عند التعارض؛ لأنَّ الراوي ما حذف الواسطة في المرسل إلَّا لأنَّه جازم","vol":"1","page":220},{"text":"بعدالتها، بخلاف المسند، فقد يحيل فيه الناظر على تعديل الراوي.\nولا يخفى عدم اتجاه هذا القول لأنَّ من كانت عدالتُه معروفة لا شك أنَّه أولى ممن لم تعرف عدالته ولا عينه إلَّا بحسن الظن بمن روى عنه أنَّه عالم بأنه عدلٌ وإلَّا لما جزم بالخبر.\nالتنبيه الرابع: اعلم أن قول المؤلف \"فأمَّا مراسيل الصحابة\" فيه بحث عربي وهو أن يقال: الياءُ في المراسيل من أين جاءت، والمفردُ مرسل، فالقياس مراسل، كمساجد، لعدم موجب للياء؟\nوأظهر ما يقالُ في ذلك -عندي- أن إشباع الكسرة في بعض الكلمات أسلوب عربيُّ معروف، ومنه قولُ كعب بن زهير:\nأمست سعادُ بأرض لا يبلغُها ... إلَّا العتاق النجيبات المراسيل\nوقول الآخر، وهو من أبيات كتاب سيبويه:\nتنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف\nفالدراهيم بالياء جمع درهم، وأمَّا على زعم من قال: إنَّها جمعُ درهام لغةٌ في درهم، فلا شاهد في البيت.\nوأشار في المراقي إلى تعريف المرسل ومذاهب العلماء فيه بقوله:\nومرسل قولةُ غير من صحب: ... قال إمامُ الأعجمين والعرب\nعند المحدثين قول التابعي ... أو الكبير قال خير شافع","vol":"1","page":221},{"text":"وهو حجة ولكن رجحا ... عليه مسند وعكس صححا\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nويُقبل خبرُ الواحد فيما تعمُّ به البلوى، كرفع اليدين في الصلاة، ومسِّ الذكر، ونحوه، في قول الجمهور.\nوقال أكثر الحنفية: لا يقبل، لأنَّ ما تعمُّ به البلوى، كخروج النجاسة من السبيلين، يوجد كثيرًا، وتنتقض به الطهارة، ولا يحلُّ للنبي -ﷺ- ألا يشيع حكمه، إذْ يؤدي إلى إخفاء الشريعة وإبطال صلاة الخلق، فتجبُ الإشاعة فيه، ثم تتوفر الدواير إلى نقله، وكيف يخفى حكمه وتقف روايته على الواحد. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنَّ مذهب الجمهور هو قبول أخبار الآحاد فيما تعمُّ به البلوى، أي فيما يعمُّ التكليف به، وأن أكثر الحنفية خالف في ذلك قائلًا: إنَّ ما تعمُّ به البلوى تتوفر الدواعي إلى نقله، فلا يقبل إلَّا متواترًا، وأن الحق قبوله، بدليل أنّ الصحابة ﵃ كانوا يقبلون خبر الواحد فيما تعمُّ به البلوى، كقبولهم خبر عائشة في وجوب الغسل من الجماع بدون إنزال، وخبر رافع بن خديج في المخابرة، ولأنَّ الراوي عدل جازم بالرواية، وصدقُه ممكن، فلا يجوز تكذيبه مع إمكان صدقه، وأنَّ ما تعمُّ به البلوى يثبت بالقياس، والخبر\n_________\n(^١) (٢/ ٤٣٢).","vol":"1","page":222},{"text":"أوْلى من القياس؛ لأنَّه أصل له، ومقدَّم عليه.\nوما ذكره الحنفية في توجيه عدم قبوله يَبْطُلُ بالوتر، والقهقهة، وخروج النجاسة من غير السبيل، وتثنية الإقامة، فإنَّ كلَّ ذلك ممَّا تعمُّ به البلوى، وقد أثبتوه بخبر الواحد.\nهذا خلاصة ما ذكره -﵀- في هذا الفصل.\nوالمخابرة: المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، مشتقة من الخَبار كسحاب، وهي الأرض الرخوة ذات الحجارة، أو الخبراء وهي القاع ينبت السدر.\nوحديث رافع المذكور فيه النهي عن بعض أنواع المزارعة، كأن يشترط رب الأرض أن له ما نبت في بقعة معينة من الأرض، كالبقعة التي تلي مجرى السيل، لأنَّه قد ينبت الزرع فيها دون غيرها، كالعكس، وغير ذلك مما هو مذكور في حديثه، كاشتراط القصارة، وما يسقي الربيع، ونحو ذلك، والقصارة: ما بقي في السنبل من الحب بعد ما يداس.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nالتحقيق هو قبولُ أخبار الآحاد فيما تعمُّ به البلوى، ولم يزل الصحابة ﵃ ومن بعدهم يقبلون أخبار الآحاد فيما يعمُّ التكليف به كالصلاة والطهارة والصوم وغير ذلك، ولأنَّ النبيَّ -ﷺ- قد يبلغ الشاهد ويأمره بتبليغ الغائب.","vol":"1","page":223},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nويقبلُ خبر الواحد في الحدود وما يسقط بالشبهات، وحكي عن الكرخي أنَّه لا يقبل؛ لأنه مظنون، فيكون ذلك شبهة، فلا يقبل، لقوله ﵊: \"ادرءوا الحدود بالشبهات. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره في هذا الفصل: أن خبر الواحد يقبل فيما يسقط بالشبهة كالحدود، وأن الكرخي خالف في ذلك، زاعمًا أن خبر الواحد\nإنَّما يفيد الظن، وعدمُ إفادته القطع شبهةٌ فيدرأ بها الحدُّ، للحديث المذكور.\nوهذا باطل؛ لما قدَّمنا من أن أخبار الآحاد من جهة العمل بها قطعية، فتثبت بها الحدود كسائر الأحكام، ولأن الحدود تثبت بشهادة العدول، وهي أخبار آحاد، والمشهور جواز القياس في الحدود، كما عقده في المراقي بقوله:\nوالحدُّ والكفَّارة التقديرُ ... جوازُه فيها هو المشهور\nوالضمير في \"جوازه\" راجع إلى القياس، وإذا جاز فيها القياس فخبرُ الواحد أولى منه كما تقدم.\nوحديث: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\" الذي استدلَّ به المؤلف، كل طرقه ضعيفة، والمعروف أنَّه من قول عمر بمعناه لا بلفظه.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٣٤).","vol":"1","page":224},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nويُقبل خبر الواحد فيما يخالفُ القياس، وحكى عن مالك أنَّ القياس يقدم عليه، وقال أَبو حنيفة: إذا خالف الأصول أو معنى الأصول لم يُحْتَجَّ به. . .) الخ.\nخلاصة مما ذكره في هذا الفصل: أنَّ خبر الواحد يقبل فيما يخالفُ القياس، وأنَّ مالكًا حكي عنه تقديم القياس على خبر الآحاد، وأن أبا حنيفة لا يقبل خبر الواحد إذا خالف الأصول أو معنى الأصول.\nواستدل المؤلف لقبوله بحديث معاذ، فإنه قدَّم الكتاب والسنة على الاجتهاد وصوَّبه النبيُّ -ﷺ-.\nوبأنَّ الصحابة كانوا لا يستعملون القياس إلَّا عند عدم النص. ومن ذلك: رجوع عمر إلى حديث حمل بن مالك بن النابغة في غُرَّة الجنين. وكان يفاضل بين ديات الأصابع، ويقسمها على منافعها، فرجع عن ذلك لحديث: \"في كل اصبع عشر من الإبل\" وهو آحاد.\nولأنَّ الحديث من كلام المعصوم، والقياس استنباط، وكلام المعصوم أولى من الاستنباط لأنه أبلغ منه.\nواحتج المؤلف على أصحاب الإمام أبي حنيفة -﵀- بأنَّهم أوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، وأبطلوا الوضوء\n_________\n(^١) (٢/ ٤٣٥).","vol":"1","page":225},{"text":"بالقهقهة داخل الصلاة دون خارجها، وحكموا في القسامة بخلاف القياس، وهو مخالف للأصول.\nهذا هو خلاصةُ ما ذكره في هذا الفصل.\nوقوله في هذا الفصل: (وحُكي عن مالك أنَّ القياس يقدَّم عليه)، هذا الذي ذكر عن مالك بصيغة \"حكي\" هو المقررُ في أصولِ الفقه المالكي، وعقده في \"المراقي\" بقوله في أول كتاب القياس:\nوالحامل المطلق والمقيد ... وهو قبل ما رواه الواحد\nيعني أن القياس مقدَّم عند مالك على خبر الواحد، لكنَّ فروعَ مذهبه تقتضي خلاف هذا، وأنَّه يقدم خبر الواحد على القياس، كتقديمه خبر صاع التمر في المصراة على القياس الذي هو ردُّ مثل اللبن المحلوب من المصراة؛ لأنَّ القياس ضمان المثلي بمثله، وهذا هو الذي يدلُّ عليه استقراء مذهبه، مع أنَّ المقرر في أصوله أيضًا: أن كل قياس خالف نصًّا من كتاب أو سنة، فهو باطل بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول: فساد الاعتبار.\nوعقده في \"المراقي\" بقوله في القوادح:\nوالخُلْفُ للنص أو اجماع دعا ... فسادَ الاعتبارِ كلُّ من وعى\nوهذا القول هو الحقُّ الذي لا شك فيه؛ لأنَّ القياس لا يجوز مع وجود النص من النبي -ﷺ-.","vol":"1","page":226},{"text":"قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nقدَّم مالك وغيره من العلماء الخبر على نوع القياس المسمى عند الشافعي بالقياس في معنى الأصل، وهو المعروف بتنقيح المناط، وهو مفهوم الموافقة، في صورة لا يكاد العقل السليم يستسيغ فيها تقديم الخبر على القياس المذكور، وقد بينَّا في كتابنا \"أضواء البيان\" في سورة بني إسرائيل أن ذلك لا يمكن فيما يظهر لنا، كما أنكره ربيعة بن أبي عبد الرحمن.\nوذلك هو ما رواه مالك في \"الموطأ\" والبيهقي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنَّه قال لسعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل. قلتُ. فكم في أصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. قلتُ: فكم في ثلاثة أصابع؟ قال: ثلاثون من الإبل. قلتُ: فكم في أربعة أصابع؟ قال: عشرون من الإبل. قلتُ: حين عَظُمَ جرحُها واشتدت مصيبتُها نقص عَقْلُها، قال سعيد: أعراقي أنت؟ ! قلتُ: بل عالم متثبِّتٌ أو جاهل متعلم. قال: هي السنَّة يا ابن أخي.\nفكونُ عقل ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثين من الإبل، وعقل أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل، ينافي ما علم من حكمة الشرع الكريم، ووضعه الأمور في مواضعها، وإيقاعها في مواقعها، كما بيناه في كتابنا المذكور، وتكلمنا على سند الحديث المقتضي لذلك، وعلى المراد بالسنَّة في قول سعيد بن المسيب: هي السنة يا ابن أخي.\nوبالجملة؛ فلزوم ثلاثين من الإبل في ثلاثة أصابع يقتضي بقياس","vol":"1","page":227},{"text":"التنقيح الأحروي المعروف بالقياس في معنى الأصل أن أربعة أصابع لا يمكن أن تقل ديتها عن ذلك، لأنَّها مشتملة على الثلاثة وزيادة أصبع.\nوحديث معاذ الذي استدلَّ به المؤلف ضعَّفه غير واحد، والمناقشة في تضعيفه وتصحيحه كثيرة معروفة، وممَّن انتصر لتضعيفه ابن حزم وغيره.\nوقال ابن كثير في مقدمة تفسيره، بعد أن ساق حديث معاذ المذكور بصيغة الجزم بقوله: قال رسول اللَّه -ﷺ- لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"فبم تحكم. . . \" إلى قوله: \"الحمد لله الذي وفَّق رسول رسول اللَّه -ﷺ- لما يرضي رسول اللَّه -ﷺ-\" ما نصُّه: وهذا الحديثُ في المسند والسنن بإسناد جيِّد، كما هو مقرر في موضعه.\nوقال ابن قدامة في \"روضة الناظر\" (^١) في كتاب \"القياس\" بعد أنْ ساق حديث معاذ المذكور ما نصُّه: قالوا: هذا الحديث يرويه الحارث بن عمرو عن رجال من أهل حمص، والحارث والرجال مجهولون. . . إلى أن قال: قلنا قد رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، ثم هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول، فلا يضرُّه كونه مرسلًا. اهـ.\nوقد أوضحنا الكلام على وجه الاحتجاج بالحديث المذكور، وبطلان الطريق التي أشار لها عن عبادة بن نسي، في كتابنا \"أضواء\n_________\n(^١) (٣/ ٨٢٠).","vol":"1","page":228},{"text":"البيان\" في سورة الأنبياء وسورة بني إسرائيل.\nوما استشهد به المؤلف -﵀- من رجوع عمر إلى حديث حمل بن مالك في دية الجنين كان الأولى له أن يستدلَّ لذلك برجوع عمر في دية الجنين إلى قول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة؛ لأنَّ رجوعه لحديثهما في ذلك متفق عليه.\n\nتنبيه:\nفإن قيل: ما الفرقُ بين مخالفة الأصولِ أو معنى الأصول؟\nفالظاهر في الجواب: أنَّ مخالفة القياس أخصُّ من مخالفة الأصول؛ لأنَّ القياس أصل من الأصول، فكلُّ قياس أصل، وليس كلُّ أصل قياسًا، فما خالف القياس خالف أصلًا خاصًّا، وما خالف الأصول يصدقُ بما خالف قياسًا، أو نصًّا، أو إجماعًا، أو استصحابًا، أو غير ذلك.\nفوجوب الوضوء بالنوم -مثلًا- موافق للقياس من حيث إنه تعليق حكم بمظنَّته، كسائر الأحكام المعلَّقة بمظانِّها، مع أنَّه مخالف لبعض الأصول، وهو استصحابُ العدمِ الأصلي في خروج الحدث حتى يُعْلَمَ أمرٌ ناقلٌ عن استصحاب العدم الأصلي في ذلك.\nوالمراد بمعنى الأصل في الاصطلاح: نفي الفارق، كما عقده في \"المراقي\" بقوله:\nقياسُ معنى الأصل عنهم حَقِّقِ ... لما دُعِي الجمعَ بنفي الفارق","vol":"1","page":229},{"text":"ومن أمثلة ذلك ما قدمنا من كون ثلاثة أصابع من أصابع المرأة فيها ثلاثون من الإبل، وأربعة أصابع من أصابعها فيها عشرون؛ لأنَّ نفي الفارق المؤثر في نقص الأصابع المذكورة محقق يقينًا، وإنَّما الفارق بينهما فارق مستوجب للزيادة، لأنَّ الأربعة مشتملة على الثلاثة مع زيادة أصبعٍ كما ترى.","vol":"1","page":230},{"text":"الأصل الثالث:<span data-type=\"title\" id=toc-112> الإجماع</span>\nومعنى الإجماعِ لغةً: الاتفاق، يقالُ: أجمع القومُ على كذا، إذا اتفقوا عليه، ويطلق على العزم المصمِّم، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوَا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس/ ٧١].\nوفي الشرع عرَّفه المؤلف بأنه: اتفاقُ علماء العصر من أمَّة محمد -ﷺ- على أمر من أمور الدين (^١).\nوبقي عليه شرط، وهو كون ذلك بعد وفاته -ﷺ-، لأَنَّه في حياته لا عبرة بقولِ غيره.\nواختار المؤلف أن وجود الإجماع ممكنٌ متصوَّر خلافًا لمن قال: لا يمكنُ بعد الصحابة؛ لكثرة العلماء وانتشارهم في أقطار الدنيا، وعدم القدرة على معرفة أقوال الكلِّ.\nواحتجَّ المؤلفُ لإمكانه وتصوره بأنَّنا نعلمُ إجماع المسلمين كلهم على وجوب الصلاة -مثلًا-، وبأنَّ العلماء مشهورون في نواحي الدنيا، فلا يمتنع معرفتهم ومعرفة أقوالهم في المسألة بإخبار أو مشافهةٍ.\nوذكر أن الإجماع حجةٌ قاطعةٌ عند الجمهور، خلافًا للنَّظَّام في قوله: ليس بحجة.\nواعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو\n_________\n(^١) (٢/ ٤٣٩).","vol":"1","page":231},{"text":"القطعي لا الظني. والقطعيُّ هو القوليُّ المشاهد، أو المنقولُ بعدد التواتر، والظنيُّ كالسكوتي والمنقول بالآحاد.\nواستدلَّ المؤلفُ لحجية الإجماع بدليلين:\nالأول: الكتابُ، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء/ ١١٥]؛ لأنَّ فيها التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، وسبيلهم هو ما أجمعوا عليه، وفي الاستدلال عليه بهذه الآية بحوث ومناقشات.\nوالثاني: من السنة، كقوله -ﷺ-: \"لا تجتمع أمتي على ضلالة\"، وكقوله: \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق. . . \"، وأحاديث الحض على الجماعة، وعدم الشذوذ عنها، ونحو ذلك.\nوذكر المؤلف أنَّ الصحابة كانوا يستدلُّون بمثل تلك الأحاديث على حُجِّيَّةِ الإجماع من غير نكيرٍ إلى زمن النظَّام.\n\nفصل\nلا يشترطُ في أهلِ الإجماعِ أنْ يبلغُوا عددَ التواتر؛ لأنَّ الحجةَ في قولهم، لصيانة علماء الأمة عن الخطأ بالأدلة المتقدمة، وإن لم يوجد من علمائها غيرهم، فهُم على الحقِّ، وإن لم يبلغُوا عدد التواتر، صيانةً لهم عن الخطأ (^١).\n_________\n(^١) (٢/ ٤٥٠).","vol":"1","page":232},{"text":"فصل\n\nولا خلافَ في<span data-type=\"title\" id=toc-116> اعتبارِ علماء العصرِ من أهل الاجتهاد </span>في الإجماع، وأنَّه لا يعتدُ فيه بقول الصبيان والمجانين، وأما العوامُّ فلا يعتبرُ قولهم عند الأكثرين، وقال قوم: يُعتبرُ قولُهم؛ لدخولهم في اسم المؤمنين ولفظ الأمة. وهذا القولُ يقتضي إبطال الإجماع، إذْ يستحيلُ معرفةُ أقوال الأمة جميعها في مسألةٍ واحدة، والحقُّ أن العوامَّ لا عبرة بهم؛ لجهلهم (^١).\nفصل\nومن يعرفُ من العلم ما لا أثرَ له في الأحكام الشرعية، كعلم الكلام واللغة والنحو والحساب، لاعبرةَ به في الإجماع؛ لأنَّه بالنسبة إلى الأحكام الشرعية عاميٌّ.\nفأمَّا الأصوليُّ الذي لا يعرفُ تفاصيل الفروعِ، والفقيهُ الحافظُ لأحكام الفروعِ من غير معرفة الأصول، والنحويُّ إذا كان الكلام في مسألة تبنى على النحوِ = فلا يعتبر بقولهم -أيضًا-، خلافًا لقوم (^٢).\nهكذا ذكره المؤلف، مع أن أكثر الشَّافعية والمالكية يعتبرون الأصوليَّ وإن لم يحفظ تفاصيل الفروع؛ لأنَّ فيه قوة قابلة لمعرفتها من الأصول.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٥١).\n(^٢) (٢/ ٤٥٤).","vol":"1","page":233},{"text":"فصل\nولا يُعتبرُ في الإجماع بقول كافر سواء كان بتأويل أو غيرِه.\nفأمَّا الفاسق باعتقاد أو قول أو فعل، فقال القاضي: لا يعتد به، وهو قول جماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة/ ١٤٣] أي عدولًا. وهو ليس بعدلٍ. ولأنَّه لا يُقبل منفردًا، فلا يقبلُ مع غيره.\nوقال أَبو الخطَّاب: يُعتبر قول الفاسق لدخوله في عمومِ الأمة والمؤمنين في الأدلةِ المتقدمة (^١).\n\nمسألة\nإذا بلغ التابعيُّ رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، اعْتُدَّ به في الإجماع عند الجمهور، واختاره أَبو الخطَّاب، وقال القاضي وبعضُ الشَّافعية: لا يعتد به، وأومأ أحمدُ ﵀ إلى القولين.\nووجه الاعتداد به -وهو الحقُّ- عند الجمهور: أنَّه مجتهد من علماء الأمة، فلا وجهَ لإلغائه.\nووجهُ إلغائه أنَّ الصحابة لما شاهدوا التنزيل وكانوا أعلم بالتأويل، كان غيرهم من العلماء بالنسبة إليهم كالعاميِّ بالنسبة إلى العلماء، فإن انعقد إجماع الصحابة قبل بلوغ التابعي رتبة الاجتهاد فلا عبرة بقوله؛ لأنَّه مسبوق بالإجماع (^٢).\n_________\n(^١) (٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩).\n(^٢) (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٩).","vol":"1","page":234},{"text":"فصل\nولا ينعقدُ الإجماعُ بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور.\nوقال ابن جرير الطَّبري وأَبو بكر الرَّازي: لا عبرة بمخالفة الواحد والاثنين، فلا تقدحُ مخالفتهما في الإجماع، وقد أومأ إليه أحمد ﵀ (^١).\nوحُجَّة الجمهور أنَّ العبرةَ بقول علماء جميع الأمة؛ لأن العصمة إنَّما هي للكل، لا البعض.\nوحجة الآخرِ اعتبارُ الأكثر، وإلغاء الأقل.\nقال في \"المراقي\":\nوالكلُّ واجب وقيل لا يضر ... الاثنان دون من عليهما كثُر\n\nفصل\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-121>إجماعُ أهل المدينة ليس بحجةٍ</span>، وقال مالك: هو حجة (^٢).\nأمَّا حجة الجمهور على أنَّه غيرُ حجةٍ فواضحة، لأنهم بعضُ الأمة، والمعتبرُ إجماعُ الأمةِ كلَّها.\nوأمَّا حجة مالك، فالتحقيق أنَّها ناهضةٌ -أيضًا-؛ لأن الصحيح\n_________\n(^١) (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤).\n(^٢) (٢/ ٤٧٩).","vol":"1","page":235},{"text":"عنه أنَّ إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان:\nأحدهما: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه.\nالثاني: أن يكون من الصحابة أو التابعين لا غير ذلك؛ لأنَّ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع، فألحق بهم مالك التابعين من أهل المدينة فيما فيه اجتهاد لتعلمهم ذلك عن الصحابة.\nأما في مسائل الاجتهاد فأهلُ المدينة -عند مالكٍ في الصحيح عنه- كغيرهم من الأمة. وحُكِيَ عنه الإطلاق.\nوعلى القول بالإطلاق يتوجه عليه اعتراضُ المؤلف بأنَّهم بعض من الأمة، كغيرهم.\nوإلى ما ذكرنا عن مالك أشار في \"المراقي\"، قال:\nوأوجبنْ حجية للمدني ... فيما على التوقيف أمرُه بُني\nوقيل: مطلقًا وما قد أجمعا ... عليه أهل البيت مما منعا\nومعناه: عند مالك اتفاق الصحابة والتابعين الذين في المدينة، واتفاقُ الخلفاء. . . الخ.\n\nفصل\nواتفاقُ الخلفاء الأربعة ليس بإجماع عند الجمهور (^١).\n_________\n(^١) (٢/ ٤٨١).","vol":"1","page":236},{"text":"والصحيح أنَّه حجةٌ وليس بإجماع، لأن الإجماع لا يكونُ إلَّا من الجميع؛ فالإجماعُ إنما يكون من الكلِّ. . . الخ.\nوقيل: إجماعٌ. وقيل: حجةٌ لا إجماع، وهو أظهرها.\nوما نُقل عند أحمد ﵀ من أنَّه لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، لا يدلَّ على أن قولهم إجماع؛ لأنَّ الدليل قد يكونُ حجةً وليس إجماعًا.\n\nمسألة\nظاهر كلام أحمد -﵀- أن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع، وهو قولُ بعض الشَّافعية.\nوقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط، بل لو اتفقت كلمةُ الأمة ولو في لحظةٍ واحدةٍ، انعقد الإجماعُ، وهو قول الجمهور، واختاره أَبو الخطَّاب (^١).\nووجه هذا القول أن حقيقة الإجماع المعصوم تحصلُ باتفاقهم، ولو في لحظة واحدة، والنصوص الدالةُ على حجية الإجماع ليس فيها القيدُ بانقراض العصر، ولأنَّه يؤدي إلى تعذر الإجماع؛ لأنَّه لا يكادُ عصرٌ ينقرضُ حتى يحدث من أولاده من يكونُ من علماء العصر، فيتسلسل.\nووجهُ اشتراطه: احتمالُ رجوع البعض عن اجتهاده، فيؤولُ الأمرُ\n_________\n(^١) (٢/ ٤٨٢).","vol":"1","page":237},{"text":"إلى الخلاف.\nوقد ذكر الإمام أحمد أن أم الولد كان حكمها حكم الأمةِ بإجماع، ثم أعتقهن عمر، وخالفه عليٌّ بعد موته.\nوحدُّ الخمر كان في زمن أبي بكر ﵁ أربعين، ثم جلد عمر ثمانين، ثم جلد عليٌّ أربعين، ولولا اشتراطُ انقراضِ العصر لما جاز ذلك.\nوأشار في \"المراقي\" إلى أن مذهب الأكثرِ عدم اشتراطِ انقراض العصر بقوله:\nثم انقراض العصرِ والتواترُ ... لغو على ما ينتحيه الأكثرُ\n\nمسألة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>إجماعُ أهل كلِّ عصر حجةٌ </span>كإجماعِ الصحابة، خلافًا لداود، فعنده إجماعُ الصحابة لا غير هو المعتبر، وقد أومأ أحمد ﵀ إلى ذلك (^١).\nوحاصل ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنَّ الإجماعَ من الأمة معتبر في كل عصر، فالماضي لا يُعتبر، والمستقبل لا يُنتظر، وكلية الأمة حاصلة بالموجودين في كلِّ عصر.\nوخالفَ الظاهريةُ في إجماع غير الصحابة، وأومأ إليه أحمد، ويعتبر في الإجماعِ الغائبُ لا الميتُ.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":238},{"text":"فصل\nإذا اختلف الصحابةُ على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما، فقال أَبو الخطَّاب والحنفية: يكونُ إجماعًا؛ لأنَّه اتفاق من جميعِ أهل العصر.\nوقال القاضي وبعضُ الشَّافعية: لا يكونُ إجماعًا؛ لأنَّ الذين ماتُوا هم مخالفون لا يسقطُ قولُهم بموتهم (^١).\nأمَّا إذا اختلف الصحابةُ ثم اتفقُوا بعدَ الاختلاف، كاختلافهم في إمامة أبي بكر ثم اتفاقهم عليها بأن رجع بعضُهم إلى قول الآخرين، فهو إجماع منهم، كما هو الحقُّ. وخالف فيه الصَّيرفي من الشافعية.\nواعلم أنَّ غير الصحابة من أهل كلِّ عصر كذلك عند الجمهور، فإذا اختلفُوا ثم اتفقُوا كان إجماعًا، وإذا اتفق مَنْ بعدهم على أحد قوليهم ففيه الخلاف المذكور، والراجحُ أنَّه إجماع.\n\nفصل\nإذا اختلف الصحابةُ إلى قولين لم يجزُ إحداثُ ثالثٍ مخالفٍ لقوليهما، في قول الجمهور.\nوقال بعضُ الحنفية والظاهرية: يجوز (^٢).\n_________\n(^١) (٢/ ٤٦٤).\n(^٢) (٢/ ٤٨٨).","vol":"1","page":239},{"text":"فحجةُ الأول: أنَّ اختلافهم إلى القولين في قوة الإجماعِ على بطلان ما سواهما.\nوحجة الثاني: أنَّهم خاضوا في المسألة خوض مجتهدين، ولم يحرِّمُوا ولم يصرِّحوا بتحريم قول ثالث. وأنَّ الصحابة لو علَّلوا بعلة، أو استدلُوا بدليل، فلمن بعدهم التعليلُ والاستدلال بغير ذلك؛ لأنَّهم لم يصرِّحُوا ببطلان ذلك. وأنَّهم لو اختلفُوا في مسألتين، فذهب بعضهم إلى الجواز فيهما وذهب الآخرون إلى المنع فيهما، فذهب التابعيُّ إلى التجويز في إحداهما والمنع في الأخرى كان له ذلك.\nمثال إحداث الثالث المخالف: ما حكاهُ ابنُ حزم من أنَّ الأخ يحجب الجدَّ؛ لأن الصحابة اختلفوا في ذلك إلى قولين، فمن قائل إنَّ الجدِّ أب يحجبُ الأخَ، ومن قائل: يرثان معًا؛ فكان إجماعًا على أنَّ للجدِّ نصيب؛ فالقولُ بحجب الأخ له خرقٌ لإجماعهم بإحداث هذا الثالث.\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nحاصلُ تحرير هذه المسألة عند الأصوليين أنهم اختلفوا في إحداث القول الثالث، فقال بعضهم: لا يكون إلَّا خارقًا للإجماع، فهو ممنوع مطلقًا، ومثاله ما ذكرناه عن ابن حزم.\nوقال بعضهم: هو قد يكون خارقًا فيمتنع، وغير خارق فيجوز.\nمثال الخارق: الجد والإخوة، وقد تقدم.\nومثالُ غير الخارق: ما لو فرضنا أنَّه تقدَّم القولان في متروك","vol":"1","page":240},{"text":"التسمية، لكونه يؤكل عند البعض مطلقًا، وممنوعًا عند بعض مطلقًا، فعلى قول القائل بأنَّه يؤكل في تركها نسيانًا لا عمدًا [لا يكون خارقًا] (^١)؛ لأنَّه وافق بعضًا في كل منهما ولم يخالفهم جميعًا، لأنَّه في حالة النسيان وافق القائل بالإباحة، وفي حالة العمد وافق القائل بالمنع.\nومن أمثلته: اختلافُ العلماء في فسخ النكاح بعيوب الزوجين المعروفة، فمن قائل: يفسخ بكلها، ومن قائل: لا يفسخُ بشيءٍ منها، فلو أُحْدِثَ قول ثالث بالفسخِ ببعضها دون البعض، لم يكن خارقًا، لموافقته لكل مذهب في البعض (^٢).\n\nتنبيه:\nإحداثُ التفصيلِ جعلَه قوم داخلًا في إحداث القول الثالث.\nوقال قومٌ: ليس داخلًا فيه، وهو ممنوع أيضًا إن كان التفصيلُ خارقًا للإجماع.\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق. وليست في الأصل المطبوع.\n(^٢) بيان وجه موافقة المذهب الثالث هنا أنَّه لو كانت العيوب مثلًا خمسة، كالفتق والعفل والجب والجذام والبرص، فقال صاحب المذهب الثالث بجواز الفسخ بالثلاثة الأولى فقط التي هي عيوب الفرج، ومنع في الاثنتين الباقيتين، لكان موافقًا للمذهبين في البعض، حيث وافق من يقول بالفسخ بجميعها في ثلاثة منها فقط، ووافق من يقول بالمنع منها كلها في اثنين فقط. \"عطية\".","vol":"1","page":241},{"text":"ومثالُه: اختلاف العلماء في توريث العمة والخالة، فمن قائل: لا ترثان، ومن قائل: ترثان، فلو أحدث التفصيل بإرث العمة دون الخالة أو العكس كان باطلا؛ لأنه خارق لإجماعهم على أنهما سواء، لأنَّهم لو قالوا في المسألتين: إنهما سواء، امتنع التفصيل بينهما قولًا واحدًا.\nواعلم أنَّ الأصوليين اختلفوا في انقسام الأمة إلى قسمين في مسألتين، وكلاهما مخطئ في إحداهما.\nوحاصلُ تحرير هذا المقام أنَّ له ثلاث حالاتٍ، اثنتان يتفق عليهما، وواحدةٌ هي المختلف فيها.\n\nفالمتفق عليهما:\n١ - اتفاقُهم على الخطأ في المسألةِ الواحدة من الوجه الواحد، فهذا لا يجوزُ إجماعًا.\n٢ - اتفاقُهم على الخطأ في مسألتين متباينتين، كخطأ بعضهم في مسألة من الجنايات، وخطأ البعض الآخر في مسألة من العبادات، فهذا يجوزُ إجماعًا.\n\nومحل الخلاف:\n٣ - المسألة الواحدةُ ذات الوجهين، نحو المانع من الميراث، فإنه جنس واحد إلَّا أنَّه ينقسم إلى نوعين -مثلًا- قَتْلٌ ورِقٌّ، فهل يجوزُ أن يقول بعضهُم: القاتل يرث والعبد لا يرث؟ ويقول البعض الآخر بعكس ذلك؟ فيخطئ كلٌّ منهما فيما أصابَ فيه الآخر؟","vol":"1","page":242},{"text":"فقيل: هذا لا يمتنعُ؛ لأن الأمةَ لم تجتمع على خطأ في شيء معين واحد. وقيل: يمتنعُ؛ نظرًا إلى خطأ المجموع في الجملة. وهذه المسألة هي محل الخلاف.\n\nفصل:<span data-type=\"title\" id=toc-128> الإجماع السكوتي</span>\nإذا قال بعضُ الصحابة قولًا في تكليف، فانتشر في بقية الصحابةِ فسكتُوا (^١)، ففي ذلك ثلاثةُ أقوال -والحق أنَّه إجماع سكوتي ظني-:\n١ - أنَّه إجماع، وروي عن أحمد ما يدلُّ عليه، وبه قال أكثر الشَّافعية، أي والمالكية؛ تنزيلًا للسكوتِ منزلةَ الرضا والموافقة.\nويُشترطُ في ذلك ألا يعلم أن الساكت ساخط غير راض بذلك القول، وأن تمضي مهلة تسع النظر في ذلك القولِ بعد سماعِه.\n٢ - أنَّه حجةٌ لا إجماع.\n٣ - ليس بحجةٍ ولا إجماع؛ لأن الساكتَ قد يسكتْ وهو غيرُ راضٍ. ولذلك أسباب متعددة، كاعتقاده أن كلَّ مجتهد مصيب، أو أنَّه لا إنكار في مسائلِ الاجتهاد، ونحو ذلك.\nوتحريرُ هذه المسألةِ أنَّ لها ثلاث حالات:\n١ - أن يُعْلَمَ مِنْ قرينةِ حالِ الساكتِ أنَّه راضٍ بذلك، فهو إجماع قولًا واحدًا.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٩٢).","vol":"1","page":243},{"text":"٢ - أن يُعْلَمَ مِنْ قرينته أنَّه ساخط غير راضٍ، فليس بإجماع قولًا واحدًا.\n٣ - ألا يُعْلَمَ منه رضًى ولا سُخط، ففيه الأقوال الثلاثة المتقدمة.\nومذهبُ الجمهورِ أنَّه إجماع سكوتيٌّ، وهو ظنيٌّ كما تقدَّم.\n\nمسألة\n\nاعلم أنَّ الأصوليين اختلفُوا في<span data-type=\"title\" id=toc-129> مستندِ الإجماع</span>، هل يصحُّ أن يكونَ عن اجتهادٍ وقياس؟ (^١) على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنَّه لا يتصور (^٢).\nالثاني: أنَّه يتصور وليس بحجة.\nالثالث، وعليه الأكثر: أنَّه جائز وواقع، وهو اختيار المؤلف، ومثل له بعضُهم بالإجماعِ على تحريم شحمِ الخنزير قياسًا على لحمه.\nومن أمثلته: الإجماعُ على تحريم القضاء في حالةِ الجوع والعطشِ المفرطَيْن، ونحو ذلك، كالحقنِ والحقب مِنْ مُشَوِّشات الفكر، قياسًا على الغضب المنصوص عليه في الحديث المتفق عليه: \"لا يقضينَّ حكم بين اثنين وهو غضبان\".\n_________\n(^١) (٢/ ٤٩٧).\n(^٢) في الأصل المطبوع: الأول أحدها أنَّه لا يتصور.","vol":"1","page":244},{"text":"فصل\nالإجماعُ ينقسمُ إلى مقطوع ومظنون (^١)، وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى هذا.\n\nفصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الأخذُ بأقل ما قيلَ </span>ليس تمسكا بالإجماع، كالاختلاف في ديةِ الكتابي، فقيل: كدية المسلم. وقيل: نصفُها. وقيل: ثلثها.\nفالتمسكُ بالثلث ليس بالإجماع (^٢)، وأظهرُ دليلٍ على ذلك جوازُ مخالفته (^٣).\n_________\n(^١) (٢/ ٥٠٠).\n(^٢) كذا في الأصل المطبوع، ولعل صواب العبارة: فالأخذ بالثلث ليس تمسُّكًا بالإجماع.\n(^٣) (٢/ ٥٠٢).","vol":"1","page":245},{"text":"الأصل الرابع: الاستصحاب\nاستصحاب الحال ودليل العقل (^١)\nاعلم أن الاستصحاب ثلاثة أقسام، اثنان مقبولان عند الجمهور، وواحد مردود عندهم:\n١ - استصحابُ العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقلٌ عنه؛ لأنَّ العقل يدلُّ على براءة الذمَّة حتى يقوم الدليل، كعدم وجوب صيام صفر -مثلًا-؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة منه، فيستصحب الحال في ذلك.\nوهذا النوع هو الذي ينصرف إليه اسم الاستصحاب، وهو المعروف بالبراءة الأصلية والإباحة العقلية.\nوهذا النوع قد دلَّ القرآن على اعتباره في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة/ ٢٧٥]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة/ ١١٥].\nووجه الدلالة في الآية الأولى: أنَّه لمَّا نزل تحريم الربا خافوا من الأموال المكتسبة من الربا قبل التحريم، فبينت الآية أن ما اكتسبوا من الربا قبل التحريم على البراءة الأصلية حلال لهم، ولا حرج عليهم فيه.\nووجه دلالة الآية الثانية: أن النبي -ﷺ- لما استغفر لعمه أبي طالب\n_________\n(^١) (٢/ ٥٠٤).","vol":"1","page":246},{"text":"واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين، وأنزل اللَّه ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة/ ١١٣]، ندموا على استغفارهم للمشركين، فبينت الآية أن استغفارهم لهم قبل التحريم على البراءة الأصلية، لا إثم عليهم فيه ولا حرج، حتى يبيِّن لهم اللَّه ما يتقونه، كالاستغفار لهم -مثلًا-.\n٢ - استصحابُ دليل الشرع، كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ، والعموم حتى يرد المخصص، ودوام الملك حتى يثبت انتقاله، ودوام شغل الذمة الثابت حتى تثبت براءتها، ونحو ذلك.\n٣ - وهو المردود عند الجمهور، هو استصحابُ حال الإجماع في محل النزاع، واعتبره بعضهم، واختاره أَبو إسحاق بن شاقلا.\nومثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: الإجماعُ منعقد على صحة صلاته ودوامه فيها، فنحن نستصحب ذلك إلى ورود الدليل الصارف عنه.\nوهذا غير صحيح؛ لأنَّ الإجماع إنما دل على الدوام فيها حال عدم الماء، أما مع وجوده فلا إجماع حتى يقال باستصحابه.\n\nفصل\nاعلم بأنه من نفى حكمًا بأن الأمر الفلاني ليس بكذا اختلف فيه، هل يكفيه مجرد النفي بناء على أنَّه الأصل حتى يرد دليل الوجوب، أو يكلف بالدليل على ما ادعاه من النفي؟ (^١)\n_________\n(^١) (٢/ ٥١١).","vol":"1","page":247},{"text":"وهذا الأخير هو مذهب الجمهور، وهو الحقُّ، واختاره المؤلف، واستدلَّ له بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة/ ١١١].","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الأصول المختلف فيها</span>\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(هذا بيان أصول مختلف فيها، وهي أربعة:\n\nالأول:<span data-type=\"title\" id=toc-134> شرع من قبلنا </span>إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، هل هو شرع لنا؟ وهل كان النبي -ﷺ- متعبدًا قبل البعثة باتباع شريعة من قبله؟\nفيه روايتان:\nإحداهما: أنَّه شرعٌ لنا، اختارها التميمي، وهو قول الحنفية.\nالثانية: ليس شرعًا لنا.\nوعن الشافعي كالمذهبين).\nاعلم -أولًا- أن كونه -ﷺ- متعبدًا بعد البعثة بشرع من قبلنا أو غير متعبد به متفرعٌ على الاختلاف في شرع من قبلنا؛ فعلى أنَّه شرع لنا بعد وروده في شرعنا فهو متعبد به، وعلى العكس فلا.\nوحاصل ما ذكره المؤلف في هذا الأصل، أن فيه قولين، ورجح أنَّه شرع لنا إن ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم ينسخ في شرعنا. وهو مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة.\nومشهور مذهب الشافعي أنَّه ليس شرعًا لنا.\n_________\n(^١) (٢/ ٥١٧ - ٥١٨).","vol":"1","page":249},{"text":"وحاصل تحرير هذه المسألة: أن لها واسطة وطرفين، طرفٌ يكون فيه شرعًا إجماعًا، وطرفٌ يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا، وواسطةٌ هي محلُّ الخلاف المذكور.\nأما الطرف الذي يكون فيه شرعًا لنا إجماعًا فهو ما ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم ثبت بشرعنا أنَّه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لمن قبلنا في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة/ ٤٥]، ثم صرَّح لنا في شرعنا بأنَّه شرع لنا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة/ ١٧٨].\nوأما الطرف الثاني الذي يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا فهو أمران:\nأحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلًا، كالمأخوذ من الإسرائيليات.\nالثاني: ما ثبت بشرعنا أنَّه كان شرعًا لهم، وصرح في شرعنا بنسخه، كالأصر والأغلال التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف/ ١٥٧].\nوقد ثبت في صحيِح مسلم أنَّه -ﷺ- لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] قال: قال اللَّه: \"قد فعلت\".\nوالواسطة: هي ما ثبت بشرعنا أنَّه شرع لمن قبلنا ولم يصرح بنسخه في شرعنا.\nوحجة الجمهور أنَّه ما ذكر لنا في شرعنا إلَّا لنعمل به، سواء علينا أكان شرعًا لمن قبلنا أم لا، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة، كتوبيخه","vol":"1","page":250},{"text":"تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات/ ١٣٧ - ١٣٨].\nوقد صرح تعالى بأن الحكمة في قصِّ أخبارهم إنما هي الاعتبار بأحوالهم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف/ ١١١].\nوقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام/ ٩٠].\nوحجة الشافعي ﵀ قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨]، وحمل ﵀ الهدى في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدين في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى/ ١٣] على خصوص التوحيد، دون فروعه العملية.\nوقال: إن الخطاب الخاص به -ﷺ- في نحو قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ لا يشمل حكمه الأمة إلا بدليل منفصل؛ لأنه لا يشملها في الوضع اللغوي، فإدخالها فيه صرف للفظ اللغوي عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل.\nوأجيب عن استدلال الشافعي بأن النصوص دالة على شمول الهدى والدين في الآيتين للأمور العملية.\nأما في الأولى: فقد روى البخاري في صحيحه عن مجاهد أنَّه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص)؟ فقال: \"أَوَمَا تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ حتى بلغ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ","vol":"1","page":251},{"text":"اقْتَدِهْ﴾؟ فسجدها داود فسجدها رسول اللَّه -ﷺ-.\nفهو تصريح صحيح عن ابن عباس أنه -ﷺ- قد أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وسجود التلاوة من الفروع العملية، لا من الأصول.\nوأمَّا الدين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى/ ١٣] فقد دل الكتاب والسنة على شموله -أيضًا- للأمور العملية، فقد قال -ﷺ- في حديث جبريل المشهور: \"هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم\"، يعني الإسلام والإيمان والإحسان، مع أنه فسر الإسلام فيه بأنه يشمل الأمور العملية كالصلاة والزكاة والصوم والحج.\nوفي حديث ابن عمر المتفق عليه: \"بني الإسلام على خمس\". الحديث. ومعلوم أن الصلاة والزكاة والصوم والحج أمور عملية لا عقائد.\nوقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران/ ١٩]، وقال ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران/ ٨٥]؛ فدل على أنَّ الدينَ يشمل الأمورَ العلمية كتابًا وسنة.\nوبأنَّ الأدلة دلَّت على أنَّ الخطابَ الخاصَّ به -ﷺ- يشملُ الأمةَ حكمُه لا لفظُه إلا بدليل على الخصوص، كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب/ ٢١]، وقد علمنا من استقراء القرآن أن اللَّه يخاطبُ نبيَّه -ﷺ- بخطاب لفظه خاصٌّ، والمقصودُ منه تعميمُ الحكم.","vol":"1","page":252},{"text":"فمن ذلك قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية [الطلاق/ ١]، فأفهمَ شمولَه حكمَ الخطابِ للجميع.\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم/ ١ - ٢].\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب/ ١ - ٢].\nوقال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ [يونس/ ٦١].\nفدل التعميم بعد الخطابِ الخاص به في الآيات المذكورة على عموم حكمِ الخطاب الخاصِّ به.\nوقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ ثم قال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم/ ٣٠ - ٣١] فهو حال من الضمير المستتر في ﴿فَأَقِمْ﴾ وهو خاصٌّ به -ﷺ-، وتقديره: \"فأقم وجهك للدين يا نبي اللَّه في حال كونكم منيبين\".\nفلو لم يشمل الأمة حكمًا لقال: \"منيبًا\" بالإفراد، لإجماع أهل اللسان العربي على أنَّ الحالَ الحقيقية، أعني التي لم تكن سببية، لا بد من مطابقتها لصاحبها إفرادًا وتثنيةً وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا، فلا يجوز: جاء زيد ضاحكين، إجماعًا، ودعوى أنَّ العامل في الحال \"الزموا\" مقدَّرًا، وصاحبها الواو فى \"الزموا\"، أي: الزموا فطرة اللَّه فى حال كونكم منيبين، تقديرٌ لا دليل عليه، ولا حاجة إليه.","vol":"1","page":253},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ثم قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب/ ٣٧].\nوقال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب/ ٥٠] مع أن الكلام خاصٌّ به -ﷺ- فى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية، فلو كان حكمُه خاصًّا به لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوبأنَّ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة/ ٤٨] معناه أن بعض الشرائع يُنْسَخُ فيه بعض ما كان فى غيره منها، ويزاد فيها أحكام لم تكن مشروعة مِنْ قبل، وبهذا الاعتبارِ يكونُ لكلٍّ شرعةٌ ومنهاجٌ مِنْ غير مخالفة لما ذكرنا.\nقال صاحب \"المراقي\" فى هذه المسألة:\nولم يكن مكلَّفا بشرع ... صلى عليه اللَّه قبل الوضع\nوهو والأمةُ بعدُ كلفا ... إلا إذا التكليفُ بالنص انتفى\nوقيل: لا، والخلف فيما شرعا ... ولم يكن داع إليه سمعا","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>قول الصحابي</span>\nالأصل الثاني المختلف فيه: قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(قول الصحابي ليس بحجة على صحابي آخر).\nوخلاصة كلام المؤلف في قول الصحابي أنَّه ذكر فيه أربعة أقوال:\n١ - أنَّه حجة يقدَّم على القياس، ويُخَصُّ به العموم. وعزاه لمالك، والشافعي فى القديم، وبعض الحنفية، واستدل بحديث \"أصحابي كالنجوم\" الحديث.\nوهذا القول يُحْمَلُ على ما إذا كان مما لا مجال فيه للرأي.\n٢ - ليس بحجة. وعزاه لعامة المتكلمين، والشافعي فى الجديد، واختيار أبي الخطاب، واستدل له بإمكان الغلط والخطأ من الصحابة، وبأنه يجوز عليهم الاختلاف، ولم تثبت عصمتهم.\n٣ - قول الخلفاء الراشدين دون غيرهم. واستدل له بحديث: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين\" الحديث.\n٤ - قول أبي بكر وعمر. واستدلَّ له بحديث: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\"\n_________\n(^١) موضع الكلام على المسألة (٢/ ٥٢٥). وليس فيه النص المذكور.","vol":"1","page":255},{"text":"ويظهر من الثالث والرابع أنه ولو هناك مخالف.\nهذه خلاصة كلامه ﵀ في هذا المبحث.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nحاصلُ تحرير هذه المسألة أنَّ قول الصحابي الموقوف عليه له حالتان:\nالأولى: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه.\nالثانية: أن يكون مما له فيه مجال.\nفإن كان مما لا مجالَ للرأي فيه فهو في حكم المرفوع، كما تقرَّر في علم الحديث؛ فيقدَّمُ على القياس، ويُخَصُّ به النصُّ، إن لم يُعْرَفْ الصحابيُّ بالأخذ من الإسرائيليات.\nوإن كان مما للرأي فيه مجال، فإن انتشر فى الصحابة ولم يظهر له مخالف فهو الإجماع السكوتي، وهو حجة عند الأكثر.\nوإن علم له مخالف من الصحابة فلا يجوز العمل بقول أحدهم إلا بترجيح بالنظر فى الأدلة، كما ذكره المؤلف فى الفصل الذي بعد هذا.\nوإن لم ينتشر؛ فقيل: حجة على التابعي ومن بعده؛ لأن الصحابي حضر التنزيل، فعرف التأويل؛ لمشاهدته لقرائن الأحوال.\nوقيل: ليس بحجة على المجتهد التابعي -مثلًا-؛ لأن كليهما مجتهد يجوز في حقه أن يخطئ وأن يصيب.","vol":"1","page":256},{"text":"والأول أظهر.\nوعن أحمد: لا يُخْرَجُ عن قول الخلفاء الأربعة.\nفقولهم عنده حجة، وليس بإجماع.\nوحديث: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين\" أخرجه الترمذي وأبو داود. وقال المحلي: إنَّ الترمذي صححه. وهو كذلك.\nوحديث: \"اقتدوا باللذين من بعدي\" أخرجه الترمذي وغيره.\nوقال صاحب \"الضياء اللامع\" عن ولي الدين: إنه صححه ابن حبان والحاكم. وقال المحلي: إنَّ الترمذيَّ حسنه.\nوحديث: \"أصحابي كالنجوم. . \" الحديث، ضعيفٌ لا يحتج به.\n\nتنبيه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>قول الصحابي الذي ليس له حكمُ الرفعِ </span>ليس بحجة على مجتهد آخر من الصحابة إجماعًا.\nواعلم أن الذين قالوا: إن قول الخلفاء الأربعة، وقول أبي بكر وعمر، كغيرهم من الصحابة، قالوا: إنَّ المراد بالأمر بالاقتداء بهم هو المقلِّد، وأما المجتهد العارف بالدليل فليس بمأمور بترك الدليل الظاهر له إلى قول غيره.\nواعلم أنَّ التحقيق أنه لا يُخَصَّصُ النصُّ بقول الصحابي إلا إذا كان له حكمُ الرفع، لأنَّ النصوصَ لا تُخَصَّصُ باجتهاد أحد، لأنَّها حجة على كل مَنْ خالفها.","vol":"1","page":257},{"text":"وأشار صاحب \"المراقي\" إلى مسألة قول الصحابي بقوله:\nرأي الصحابي على الأصحاب لا ... يكون حجة بوفق من خلا\nفي غيره، ثالثها: إن انتشر ... وما مخالف له قطُّ ظهر","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الاستحسان</span>\nالأصل الثالثُ المختلفُ فيه: الاستحسان.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-: (الثالث: الاستحسان، ولا بدَّ أولًا من فهمه، وله ثلاثة معان:\nأحدها: أنَّ المراد به العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليلٍ خاصٍّ من كتابٍ أو سنة.\nقال القاضي يعقوب: القولُ بالاستحسان مذهبُ أحمد ﵀).\nوهذا التعريف للاستحسان هو الصحيح عند المؤلف، ولذا ردَّ التعريفين الآخرين.\n(الثاني: أن المراد به ما يستحسنُه المجتهدُ بعقله) (^٢).\n(الثالث: أنَّه دليل ينقدح في نفس المجتهدِ لا يقدر على التعبير عنه) (^٣).\nوبطلان هذين التعريفين ظاهر؛ لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرَّد عقله في تحسين شيء، وما لم يُعبِّر عنه لا يمكن الحكم له بالقبولِ حتى يظهر ويُعْرَضَ على الشرع.\n_________\n(^١) (٢/ ٥٣١).\n(^٢) (٢/ ٥٣٢).\n(^٣) (٢/ ٥٣٥).","vol":"1","page":259},{"text":"ومثالُ الاستحسان على معناه الذي ارتضاه المؤلف: ما لو باع رجل سلعةً بثمن لأجل، ثم اشتراها بائعها بعينها قبل قبض ثمنها بأكثر من الثمن الأول لأبعد من الأجل الأول.\nفالقياسُ يقتضي جواز البيعتين فيهما، لأنَّ كلًّا منهما بيع سلعة بثمن إلى أجل معلوم، لكنْ عُدِلَ بهذه المسألة عن نظائرها من أفراد بيع سلعةٍ بثمن إلى أجلٍ بدليلٍ خاصٍّ، وهو هنا أنَّ السلعة الخارجةَ من اليد العائدة إليها ملغاة، فيؤول الأمر إلى أخذه عند الأجلِ الأولِ نقدًا، ودفعُه أكثر منه من حينه عند الأجل الثاني. وهذا عين الرِّبا.\nوأشار في \"المراقي\" إلى مسألة الاستحسان بقوله:\nوالأخذ بالذي له رجحانُ ... من الأدلة هو استحسان\nأو هو تخصيص بعرفٍ ما يَعُم ... ورَعْيَ الاستصلاح بعضُهم يَؤُم\nوردُّ كونِه دليلًا ينقدح ... ويقصر التعبير عنه متضح","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الاستصلاح</span>\nالأصل الرابع المختلف فيه: الاستصلاح، وهو الوصف الذي لم يشهد الشرع لا بإلغائه ولا باعتباره.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(الرابع من الأصول المختلف فيها: الاستصلاح واتباع المصلحة المرسلة. . .) الخ.\nوخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنَّ المصلحة المرسلة إن كانت من الحاجيات أو التحسينيات، فهو لا يعلم خلافًا في منع التمسك بها؛ لأنَّه وضع حكمٍ بغير دليل.\nوإن كانت من الضروريات، فهو يرى جواز العمل بها عن مالك وبعض الشافعية، مع أنَّه يرى منع العمل بها مطلقًا.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nاعلم أن الوصف من حيث هو إمَّا أن يكون في إناطة الحكم به مصلحة أو لا، فإن لم تكن في إناطة الحكم به مصلحة فهو الوصف الطردي، كالطول والقِصَر بالنسبة إلى جميع الأحكام، وكالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، والطردي لا يعلل به حكم.\nوإن كان في إناطة الحكم به مصلحة فهو المسمى بالوصف\n_________\n(^١) (٢/ ٥٣٧).","vol":"1","page":261},{"text":"المناسب، وهو على ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يشهد الشرع باعتبار تلك المصلحة، كالإسكار، فإنه وصف مناسب لتحريم الخمر؛ لتضمنه مصلحة حفظ العقل. وقد نصَّ الشرع على اعتبار هذه المصلحة، فحرَّم الخمر لأجلها.\nوهذا هو المؤثر والملائم. وسيأتي الكلام عليهما فى القياس إن شاء اللَّه.\nفقول المؤلف (^١): (إنَّ هذا القسم هو القياس) لا يخلو من نظر.\nالثاني: أنْ يلغي الشرع تلك المصلحة، ولا ينظر إليها، كما لو ظاهر الملك من امرأته، فالمصلحة في تكفيره بالصوم، لأنَّه هو الذي يَرْدَعُه؛ لخِفَّةِ العتق ونحوه عليه، لكنَّ الشرع ألغى هذه المصلحة، وأوجب الكفارة بالعتق من غير نظر إلى وصف المكفِّر بكونه فقيرًا أو ملكًا، وهذا الوصف يسمَّى \"الغريب\" عند جماعةٍ من أهل الأصول.\nالثالث: أن لا يشهد الشرعُ لاعتبار تلك المصلحة بدليل خاص، ولا لإلغائها بدليل خاص، وهذا بعينه هو الاستصلاح، ويسمَّى المرسل، والمصلحة المرسلة، والمصالح المرسلة، وسُمِّيَ مصلحة لاشتماله على المصلحة، وسميت مرسلة لعدم التنصيص على اعتبارها ولا على إلغائها.\nوعرفه في \"المراقي\" بقوله:\n_________\n(^١) (٢/ ٥٣٧).","vol":"1","page":262},{"text":"والوصف حيث الاعتبار يجهل ... فهو الاستصلاحُ قل والمرسل\nواعلم أنَّ المصالح من حيث هي ثلاثة أقسام:\nالأول: مصلحة درء المفاسد، وهي المعروفة بالضروريات، وهي ستة؛ لأن درء المفسدة إمَّا عن الدين، أو النفس، أو العقل، أو النسب، أو المال، أو العرض.\nومن فروع درء المفاسد: نصبُ الأئمة، ووجوب قتل المرتد، وعقوبة المضل صيانةً للدين.\nوتحريمُ القتل ووجوبُ القصاص فيه صيانةٌ للأنفس.\nوتحريمُ الخمر ووجوبُ الجلد فيه صيانةٌ للعقول.\nوتحريمُ الزنا ووجوبُ الحدِّ فيه صيانةٌ للنسب.\nوتحريمُ السرقة ووجوبُ القطع فيه صيانةٌ للمال.\nوتحريمُ القذفِ ووجوبُ الحدِّ فيه صيانةٌ للأعراض.\nوقد جعلها المؤلف خمسًا بحذف العِرْض، وإتيانه فيها لا بد منه.\nالثاني: مصلحة جلب المصالح، وتسمَّى الحاجيات، ومنها: تسليط الولي على عقد نكاح الصغيرة لحاجة تحصيل الكفؤ خوفًا من فواته.\nومن فروعها: المساقاة والكِرى فى العقود.\nالثالث: التحسينات، وتسمَّى التتميمات، وهي الجري على","vol":"1","page":263},{"text":"مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.\nومن فروعها: خصال الفطرة، كإعفاء اللحى، وقصِّ الشوارب.\nومنها: تحريم المستقذرات، ووجوب الإنفاق على الأقاربِ الفقراء، كالآباء والأبناء.\nواعلم أنَّ مالكًا يراعي المصلحة المرسلة فى الحاجيات والضروريات كما قرره علماءُ مذهبه، خلافًا لما قاله عنه المؤلف من عدم مراعاتها فى الحاجيات.\nودليل مالك على مراعاتها إجماعُ الصحابة عليها، كتولية أبي بكر لعمر، واتخاذ عمر سجنًا، وكتبه أسماء الجند في ديوان، وإحداث عثمان لأذان آخر فى الجمعة، وأمثال ذلك كثيرة جدًّا.\nفقد عرفتَ أنواع المصالح، وعرفت المرسل منها وغيرَ المرسل، وعرفت أنَّ مالكًا يراعيها فى الحاجيات كالضروريات.\nواعلم أنَّ الضروريَّ له مكمِّل والحاجىَّ له مكمِّل.\nفمكمِّل الضروريِّ كتحريم القليل جدًّا من المسكر، ومكمِّل الحاجيِّ كالخيار فى البيع والرهن، بناء على أنَّ البيعَ من الحاجيات.\nوالحقُّ أن أهل المذاهبِ كلَّهم يعملون بالمصلحة المرسلة، وإن قرَّروا في أصولهم أنَّها غير حجة، كما أوضحه القرافيُّ في \"التنقيح\".\nوما ذكره المؤلف -﵀- من أنَّ مالكًا -﵀- أجاز قتل الثلث لإصلاح الثلثين، ذكره الجويني وغيره عن مالك، وهو غير","vol":"1","page":264},{"text":"صحيح، ولم يروه عن مالك أحد من أصحابه، ولم يقله مالك (^١)، كما حققه العلامة محمد بن حسن البنَّاني في حاشيته على شرح عبد الباقي الزرقاني لمختصر خليل.\nوأشار صاحب \"المراقي\" إلى هذه المسألة بقوله:\nثم المناسبُ عنيت الحكمة ... منه ضروري وجا تتمة\nبينهما ما ينتمي للحاجي ... وقدم القويَّ فى الرواج\nدين فنفس ثم عقلٌ نسبُ ... مال إلى ضرورة تنتسبُ\nورتبن ولتعطفن مساويا ... عِرْضًا على المال تكن موافيا\nفحفظها حتم على الإنسان ... في كل شرعة من الأديان\nألحقْ به ما كان ذا تكميل ... كالحد فيما يسكر القليل\nإلى أن قال:\nوالبيع فالإجارة الحاجي ... خيار بيع لاحق جلي\nوما يتمم لدى الحذَّاق ... حث على مكارم الأخلاق\nوبهذا الإيضاح يظهر لك أنَّ ما يوهمُه كلام المؤلف من شمول الاستصلاح لما دلَّ الشرع على اعتباره غير مراد له. لكنَّ المؤلف ﵀ ترجم للاستصلاح الذي هو المصلحة المرسلة، ثم ذكر\n_________\n(^١) كذا في الأصل المطبوع. ولعل الصواب: مالكيٌّ.","vol":"1","page":265},{"text":"جميع أنواع المصالح من مرسلة وغيرها، فحصل الإيهام. وقد عرفت التحقيق.","vol":"1","page":266},{"text":"باب في تقسيم الكلام والأسماء\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(اختلف في مبدأ اللغات: فذهب قوم إلى أنَّها توقيفية. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحث أن مبدأ اللغات:\nقيل: هو توقيفي، أي بتعليم من اللَّه، وَقَفَ الخلقَ على معاني تلك الألفاظ.\nوقيل: هي اصطلاحية.\nوالذي يقول هي توقيفية يحتجُّ بأن الاصطلاح يحتاج إلى مفاهمة سابقة ليعلم كل منهم مراد الآخر.\nوالذين يقولون هي اصطلاحية يقولون أيضًا: إنَّ التوقيف يحتاج إلى فهم لكلام المُوقِفِ سابقًا على التوقيف، وإلا لم يفهم.\nوالكلُّ باطل؛ لأنَّ الاصطلاح لا يحتاج إلى علم سابق؛ لإمكان الفهم بالإشارة والتعيُّن (^٢)، كما يفهم الطفلُ عن أبويه، ولأنَّ اللَّه سبحانه قادر على أن يخلق في الإنسانِ علمًا ضروريًّا يعرف به معاني\n_________\n(^١) (٢/ ٥٤٣).\n(^٢) في الأصل المطبوع: واليقين. والمثبت هو الصواب. انظر: \"نشر البنود\" (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":267},{"text":"الألفاظ من غير فهم سابق.\nوذكر المؤلفُ أنَّ القاضي جوَّز كونها اصطلاحية، وكونها توقيفية، وكون بعضِها توقيفيًّا وبعضِها اصطلاحيًّا، وكون بعضِها ثابتًا قياسًا.\nقال: والواقع في ذلك لا دليل عليه.\nثم قال المؤلف (^١): إنَّ هذه المسألةَ لا تدعو لها حاجة، فالخوضُ فيها تطويل بما لا فائدةَ تحته.\nوقال بعضُ أهل الأصول: هي مسألة طويلة الذيل، قليلةُ النَّيل.\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(الأشبه أن تكون توقيفية؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ [البقرة/ ٣١]).\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nوفى الحديث أيضًا: \"وعلَّمك أسماء كل شيء\" الحديث.\nولم يُعَرِّف المؤلفُ اللغة، وعَرَّفها في \"المراقي\" بقوله:\nوما من الألفاظ للمعنى وضع ... قل: لغةٌ، بالنقل يدري مَنْ سمع\nوأشار إلى الخلاف الذي ذكره المؤلفُ بقوله:\n_________\n(^١) (٢/ ٥٤٥).\n(^٢) (٢/ ٥٤٥).","vol":"1","page":268},{"text":"واللغة الربُّ لها قد وضعا ... وعزوها للاصطلاح سمعا\nفبالإشارة وبالتعيُّن ... كالطفل فهم ذي الخفا والبين\n\nتنبيه:\nلم يذكر المؤلفُ فائدة مبنية على الخلاف المذكور في مبدأ اللغات.\nوقال الأبياري: لا فائدة تتعلقُ بهذا الخلاف أصلًا.\nوقال قوم: ينبني على هذا الخلافِ جوازُ قلب اللغة، كتسمية الثوب فرسًا -مثلًا-، وإرادة الطلاق والعتق بنحو: اسقني الماء.\nقالوا: فعلى أنَّها اصطلاحية يجوزُ لقومٍ أن يصطلحوا على تسمية الثوب فرسًا -مثلًا-، ولواحدٍ أن يقصد ذلك في كلامه.\nوعلى القول بالتوقيف لا يجوزُ ذلك.\nوكذلك على الأول -أيضًا- يصحُّ الطلاق والعتاق بكاسقني الماء، إن نواه به. وعلى القول الثاني لا يصحُّ.\nقال المازريُّ: ومحل هذا الخلاف ما إذا لم يكن اللفظ متعبَّدًا به كتكبيرة الإحرام، أمَّا المتعبَّدُ به فلا يجوزُ فيه القلب إجماعًا.\nوأشار إلى هذا فى \"المراقي\" بقوله:\nيُبنى عليه القلبُ والطلاق ... بكاسقني الشرابَ والعتاقُ\nأي يبنى [على] الاختلافِ في اللغة، فعلى أنَّها توقيفية يمنع،","vol":"1","page":269},{"text":"واصطلاحية يجوز.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nقال القاضي يعقوب: يجوزُ أن تثبت الأسماء قياسًا. . .) الخ.\nخلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا الفصل: أنَّهم اختلفوا في تثبيت الأسماء بالقياس.\nفقيل: يجوزُ ذلك.\nومراد قائله: أنَّ العرب إذا سمَّت شيئًا باسمٍ لأجل صفة فيه، ثم وجدنا تلك الصفة في شيء آخر، فلنا أنْ نقول بإطلاق ذلك الاسم عليه، كإطلاقها الخمر على عصير العنب القاذف بالزبد، وهذه التسمية لأجل صفة فيه هي مخامرة العقل، فإذا وجدنا هذه الصفة فى النبيذ سمَّيناه خمرًا في لغتهم.\nوقيل: يمنع ذلك؛ لأنَّ الحال لا يخلو من واحدة من ثلاث:\nإمَّا أن تكون العربُ وضعت الاسم لهما معًا، أو لواحد منهما، أو احتمل الأمرُ هذا وذاك.\nفإن وَضَعَتْهُ لهما فليس هناك قياس، وإنَّما هو وضع منهم.\nوإن كانت وضعته لواحد فليس لنا أن نتعدَّى عليهم، ونزعم أنَّهم\n_________\n(^١) (٢/ ٥٤٦).","vol":"1","page":270},{"text":"وضعوه للثاني أيضًا.\nوإن احتمل الأمرين فليس لنا أن نتحكم.\nوهذا القول أظهر.\nولم يذكر المؤلفُ فائدةً مرتبةً على هذا الخلاف.\nوذكر بعضُ أهل الأصول فائدةً، وهي: أنَّا إذا قلنا بثبوت الأسماء قياسًا كفانا ذلك مؤونة القياس الشرعيِّ؛ فلو أدخلنا النبيذ -مثلًا- في اسم الخمر بقياس اللغة تناولته النصوص الواردة فى الخمر، فلا يحتاج إلى قياسٍ شرعيٍّ.\nولو قلنا بأنَّه لا يدخل فى اسم الخمر احتجنا إلى قياسٍ عليها بالقياس الشرعي، فيجبُ مراعاةُ شروطه.\nوإلى هذا أشار في \"المراقي\" بقوله:\nوفرعه المبنيُّ خفة الكلف ... فيما بجامع يقيسه السلف\n\nتنبيه:\nيُشترطُ فى الخلاف المذكور أنْ يكون اللفظُ المقيسُ عليه مشتقًّا.\nوفى المسألة قول ثالث لم يذكره المؤلف، وهو جوازُ ذلك فى الحقيقةِ دون المجاز -عند بعضهم-.\nوأشار إلى هذا في \"المراقي\" بقوله:\nهل تثبت اللغةُ بالقياس ... والثالث الفرقُ لدى أناس","vol":"1","page":271},{"text":"محله عندهم المشتقُّ ... وما عداهُ جاء فيه الوفقُ\nوأمَّا المقيسات بالقياس التصريفي فهي تسعة، وهي: الفعل، واسم الفاعل، واسم المفعول، وصيغة المبالغة، والصفة المشبهة، وصيغة التفضيل، واسم المكان، واسم الزمان، واسم الآلة.\nومحل البحث في تحقيقها في فن الصرف، فلا نطيلُ بها الكلام هنا.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nفي تقاسيم الأسماء، وهي أربعة أقسام: وضعية، وعرفية، وشرعية، ومجاز مطلق. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا البحث أن الأسماء منقسمة إلى الأقسام الأربعة، وأن الحقيقةَ الشرعية مقدَّمة، ولا يكونُ لفظها مجملًا لاحتمالِ قصد الحقيقة اللغوية.\nفلو وجد في كلام الشارع اسمُ \"الصلاة\" -مثلًا- وجب حملُه على معناه الشرعي دون اللغوي الذي هو الدعاء، ولا يقال: مجملٌ لاحتماله هذا وذاك.\nإذا عرفت ذلك فاعلم أن مراده بالوضعي هو الحقيقة اللغوية،\n_________\n(^١) (٢/ ٥٤٩).","vol":"1","page":272},{"text":"كاستعمالِ الرجل فى الإنسان الذكر، والمرأة فى الإنسان الأنثى، وإن كان الوضعيُّ يشملُ فى اصطلاحهم المجاز؛ لأنَّ دلالةَ المجاز عندهم على معناه المجازيِّ دلالة مطابقة، وهي وضعية بلا خلاف.\nومراده بالشرعية ما عرفت فيه التسمية الخاصة من قبل الشرع، كالصلاة والصوم والزكاة؛ إذ الصومُ فى اللغة كلُّ إمساك، والزكاة فى اللغة الطهارةُ والنماء، والصلاة فى اللغة الدعاء.\nوعرَّف في \"المراقي\" الشرع بقوله:\nوما أفاد لاسمه النبيُّ ... لا الوضع مطلقًا هو الشرعيُّ\nومراد المؤلف بالعرفية أمران:\nأحدهما: داخل فى المجاز، والمجاز سيأتي.\nوالثاني منهما: هو أن يخصص عرف الاستعمال في أهل اللغة الاسم ببعضِ مسمياته الوضعية، كتخصيص اسم الدابة بذوات الأربع، مع أنَّ الوضع لكل ما يدبُّ على الأرض.\nوأما المجازُ فهو المعروف عند أهل البلاغة وغيرهم: استعمالُ الكلمة في غير ما وضعتْ له لعلاقةٍ بينهما، مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي.\nوهذا التعريف للمجاز المفرد المنقسم إلى استعارة، ومجاز مرسل.\nوأقسام المجاز عند البيانيين أربعة: هذا الذي ذكرنا، والمجاز","vol":"1","page":273},{"text":"المركب المنقسم إلى استعارة تمثيلية، ومجاز مرسل مركب، والمجاز العقليُّ، والتجوز فيه في الإسناد لا في لفظ المسند إليه ولا المسند، ومجاز النقص والزيادة بناء على عدِّها من أقسام المجاز.\nوبرهان الحصر فى الأقسام الأربعة: أن اللفظ إمَّا أن يبقى على أصل وضعه، أو يغير عنه، فإن غيِّر فلا بدَّ أنْ يكون ذلك التغيير من قِبل الشرع، أو من قِبل عرف الاستعمال، أو من قِبل استعمال اللفظ في غير موضعه لعلاقة بقرينة، فالأول الوضعية، والثاني الشرعية، والثالث العرفية، والرابع المجاز.\nواعلم أن التحقيق حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية، ثم المجاز عند القائل به إن دلت عليه قرينة.\nوأشار إلى هذا في \"المراقي\" بقوله:\nواللفظ محمول على الشرعيِّ ... إن لم يكن فمطلق العرفي\nفاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز فى الذي انتخب\nوالتحقيق وجود الحقيقة الشرعية، خلافًا لمن أنكرها وزعم أنَّها اللغوية وزيدت فيها شروط؛ لأنه قول باطل.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(والكلام المفيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نص، وظاهر،\n_________\n(^١) (٢/ ٥٥٩).","vol":"1","page":274},{"text":"ومجمل).\nوبرهان الحصر في الثلاثة أنَّ الكلام إمَّا أن يحتمل معنًى واحدًا فقط، فهو النصُّ، نحو: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة/ ١٩٦].\nوإن احتمل معنيين فأكثر، فلا بدَّ أن يكون في أحدهما أظهر من الآخر أوْ لا، فإن كان أظهر في أحدهما فهو الظاهر، ومقابلُه المحتملُ المرجوح، كالأسد فإنَّه ظاهر فى الحيوان المفترس، ومحتمل فى الرجل الشجاع.\nوإن كان لا رجحان له في أحد المعنيين أو المعاني، فهو المجمل، كالعين والقرء ونحوهما.\nوحكم النصِّ أن لا يعدل عنه إلا بنسخ.\n\nوحكم الظاهر أن لا يعدل عنه إلا بدليل على قصد المحتمل المرجوح. وذلك هو<span data-type=\"title\" id=toc-145> التأويل</span>، وسيأتي إن شاء اللَّه.\nوحكم المجمل أن يتوقف عن العمل به إلا بدليل على تعيين المراد.\nوالتأويل في اصطلاح الأصوليين: هو صرفُ اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدلُّ على ذلك.\nومثالُه قولُه -ﷺ-: \"الجار أحقُّ بصقبه\"، فإنه ظاهر في ثبوت الشفعة للجار مطلقًا، محتملًا احتمالًا مرجوحًا أن يكون المرادُ به خصوص الشريك المُقاسِم، إلا أنَّ هذا الاحتمال المرجوح دل عليه الدليل،","vol":"1","page":275},{"text":"وهو قولُه -ﷺ- \"فإذا ضربت الحدود، وصرفت الطرقُ فلا شفعة\".\nولا بدَّ في دليل التأويل من أن يكون أغلب على الظنِّ من الظاهر الذي صرف عنه اللفظُ بالتأويل.\nوالاحتمال البعيد يحتاج إلى دليل قويٍّ كما مثَّلنا، والاحتمال القريب يكفيه دليل يجعله أغلب على الظن من الظاهر، والمتوسط من الدليل للمتوسط من الاحتمال، ولكل مسألة من هذا ذوق خاص، فالأحقُّ بتفصيل ذلك الفروع.\nواعلم أنَّ النصَّ قد يطلق على الظاهر أيضًا، ويطلق على الوحي، وقد يطلق على كل ما دلَّ.\nواختار المؤلفُ -﵀- الإطلاق المذكور أولًا.\n\nتنبيه:\nلم يتعرض المؤلفُ للتأويل بدليل يظنُّه المؤوِّلُ دليلًا، وليس بدليل في نفس الأمر، ولا للتأويل بلا دليل أصلًا.\n\nوالأول: هو المسمَّى ب<span data-type=\"title\" id=toc-146>التأويل الفاسد، والتأويل البعيد</span>، ومثَّل له الأصوليون من المالكية والشافعية بنصوصٍ أوَّلها الإمام أبو حنيفة ﵀، وستأتي في هذا المبحث، منها: حَمْلُ \"المسكين\" على \"المُدّ\" في قوله -ﷺ-: \"ستين مسكينا\"، وستأتي بقيتها.\nوالثاني: هو المسمَّى باللعب، كقول غلاة الشيعة في ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة/ ٦٧]: هي عائشة.","vol":"1","page":276},{"text":"واعلم أنَّ دليل المؤول قد يكون قرينة، كمناظرة الإمامين الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه في عود الواهب في هبته؛ فالشافعيُّ يجيز، وأحمد يمنع؛ فاستدلَّ أحمد بحديث: \"العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه\"، فقال الشافعيُّ: نعم، ولكنَّ الكلب لا يحرم عليه أنْ يعود في قيئه؛ فقال أحمد: في أول الحديث: \"ليس لنا مثلُ السوء\" وهو قرينة على أنَّ هذا المثلَ السيء منفيٌّ عنَّا، فلا يجوز لأحد إتيانه لنا.\nوقد يكون نصًّا آخر، كعموم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣] فإنه ظاهر في شموله الانتفاع بجلدها، والنصُّ على الانتفاع بجلد الشاة الميتة في قوله -ﷺ-: \"هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به\" الحديث يصرفُ ذلك العموم عن ظاهره.\nوقد يكونُ ظاهر عمومٍ آخر، كالآية المذكورة مع عمومِ \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\".\nوقد يكون قياسًا راجحًا، فعموم جلد الزاني مئة جلدةٍ ظاهرٌ في شمول العبد، ولكنه تعالى لمَّا خصَّ عموم الزانية الأنثى بغير الأمة بقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء/ ٢٥] عُرِفَ أنَّ الرِّقَّ علة لتشطير الجلد، فحكم بتشطير جلد العبدِ قياسًا على الأمة، فكان في قياسه عليها صرفُ اللفظ عن إرادة عموم \"الزاني\" إلى محتمل مرجوح هو كونُه في خصوص الحر، اعتمادًا على القياس على الأمَةِ المنصوصِ عليها.\nواعلم أنَّ كل مؤوِّل يلزمه أمران:","vol":"1","page":277},{"text":"الأول: بيانُه احتمال اللفظ لما حملَه عليه.\nالثاني: الدليل الصارفُ له إلى المحتملِ المرجوح.\nقال المؤلفُ (^١): (وهو ظاهر).\nواعلم أنَّ الظاهر قد يكونُ فيه قرائن يدفعُ الاحتمالَ مجموعُها لا آحادُها، كحمل الحنفية قولَه -ﷺ- لغيلان بن سلمةَ الثقفيِّ وقد أسلم على عشر نسوةٍ: \"أَمسك منهنَّ أربعًا وفارقْ مَنْ سواهنَّ\" على الانقطاع عنهنَّ، وأنْ يبتدئ نكاحَ أربع منهنَّ.\nفهذا ليس ظاهر اللفظ، وفيه قرائنُ يدفعه مجموعها:\nمنها: أنَّه قال: \"أمسك\"، ولو أراد ابتداء النكاح لما أمر الزوج بالإمساك؛ لأنَّ ابتداء النكاح يُشترط فيه رضى المرأة والولي.\nومنها: أنَّه لو أراد النكاحَ لذكرَ شروطَه؛ لأنَّه حديث عهد بالإسلام، والبيانُ لا يؤخرُ عن وقتِ الحاجة.\nومنها: أنَّ ابتداء النكاحِ لا يختصُّ بهنَّ.\nومن التأويل البعيد فى العموم: حملُ المرأة في قوله: \"أيما امرأة نكحت\" الحديث، على \"المكاتِبَةِ\" عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنَّها صورة نادرة.\nوهذا الحديث صريح في عموم النساء؛ لأنَّ لفظةَ \"أيُّ\" صيغة\n_________\n(^١) موضع الكلام على المسألة: (٢/ ٥٦٤)، وليس القول فيه.","vol":"1","page":278},{"text":"عموم، وقد أكد عمومها بما المزيدة للتوكيد، ورتَّب بطلان النكاح على الشرط في معرضِ الجزاء، وهذا من أبلغ صيغةٍ فى الدلالة على العموم، فحملُه على خصوص المكاتِبةِ لا يخفى بُعْدُه.\nومن التأويل البعيد -أيضًا- حمل \"لا صيامَ لِمَنْ لم يُبيِّتْ الصيامَ من الليل\" على النذر والقضاء؛ لأنَّ صوم التطوع غير مراد، فلم يبق إلا الفرض الذي هو ركن الإسلامِ وهو صوم رمضان، والقضاء والنذر يجيئان لأسباب عارضة، فهما كالمكاتبة في مسألة النكاحِ المتقدمة.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(والصحيح أن ندرة هذا ليست كندرة المكاتبة، وأنَّ الفرضَ أسبقُ إلى الفهمِ فيه، فيحتاجُ هذا التخصيصُ بالنذر والقضاء إلى دليل قوي).\nوهذه الأمثلةُ المذكورةُ للتأويل البعيد هي ما سبقت الإشارةُ إليها من أنَّها لأبي حنيفة -﵀-، وأنَّ الأصوليين من المالكية والشافعية والحنابلة مثلوا لها بالتأويل البعيد.\nوعرَّف في \"المراقي\" النصَّ بقوله:\nنص إذا أفاد ما لا يحتمل ... غيرًا وظاهر إن الغير احتمل\nوأشار إلى إطلاقات النص الآخر بقوله:\nوالكلُّ من ذين له تجلى ... ويطلق النص على ما دلَّا\n_________\n(^١) (٢/ ٥٦٨).","vol":"1","page":279},{"text":"وفي كلام الوحي. . . . . ... . . . . . . . . . . . . .\nوأشار إلى هذه التأويلات البعيدة التي ذكرها المؤلفُ، وزاد عليها حملَ المسكين على المدِّ في قوله: \"ستين مسكينًا\" بقوله:\nفجعل مسكين بمعنى المد ... عليه لائح سمات البعد\nكحمل مرأة على الصغيرة ... وما ينافي الحرة الكبيرة\nوحمل ما ورد فى الصيامِ ... على القضاءِ مع الالتزام\nوعرَّف التأويل فى الاصطلاح الأصوليِّ، وذكر أقسامه إلى صحيحٍ وفاسدٍ ولعبٍ بقوله:\nحمل لظاهر على المرجوحِ ... واقسمْه للفاسد والصحيح\nصحيحُه وهو القريبُ ما حُمِلْ ... مع قوة الدليل عند المستدل\nوغيره الفاسد والبعيد ... وما خلا فلعبًا يفيدُ\nقال المؤلفُ (^١):\n\n(القسمُ الثالث:<span data-type=\"title\" id=toc-148> المجمل</span>.\nوهو ما لا يفهمُ منه معنى عند الإطلاق.\nوقيل: ما احتمل أمرين لا مزيةَ لأحدهما على الآخر، كالألفاظِ المشتركة. . .) إلخ.\n_________\n(^١) (٢/ ٥٧٠).","vol":"1","page":280},{"text":"قال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nاعلم أنَّ التحقيق في معنى المجملِ عند الأصوليين، هو ما تقدَّمَ في تقسيم الكلام المفيد إلى نصٍّ وظاهر ومجمل، وهو ما احتمل معنيين، كالقرءِ للطهر والحيض، والشفقِ للحمرة والبياض، والمتردد بين معانٍ، كالعين للباصرة، والجارية، والنقد.\nوهذا مثال الإجمال بسبب الاشتراكِ في اسمٍ، وقد يأتي بسبب الاشتراك في حرف أو فعل.\nمثاله فى الحرف: الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران/ ٧]؛ فإنها محتملة للعطف، فيكون الراسخون يعلمون المتشابه، ومحتملة للاستئناف، فيستأثر اللَّه بعلمه.\nولفظة \"من\" في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة/ ٦] محتملةٌ للتبعيض، فيشترط ما له غبار يعلقُ فى اليد، ومحتملة لابتداء الغاية، فلا يشترطُ.\nومثاله فى الفعل: قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ [التكوير/ ١٧] مشترك بين أقبل وأدبر.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(وقد يكون<span data-type=\"title\" id=toc-149> الإجمال في لفظ مركب</span>، كقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة/ ٢٣٧] متردد بين الزوج والولي).\n_________\n(^١) (٢/ ٥٧١).","vol":"1","page":281},{"text":"وقد يكون بحسب التصريف، كالمختار، يصح لاسم الفاعل واسم المفعول.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nكلُّ فعل على وزن \"افتعل\" إذا كان معتلَّ العين أو مضعَّفًا يتحد اسم فاعله واسم مفعوله؛ لأنَّ الكسرة المميِّزة لاسم الفاعل، والفتحة المميِّزة لاسم المفعول، كلتاهما تسقطُ للاعتلال والتضعيف.\nمثالُه في معتل العين: المختار، والمصطاد، والمجتاب.\nومثالُه فى المضعَّف: المضطر، والمحتل.\nوكذلك كلُّ صيغةِ \"فاعل\" مضعَّفة، يستوي لفظ اسم فاعلها واسم مفعولها، كما يستوي مضارعها المبني للفاعل ومضارعها المبني للمفعول، كـ \"مضار\" لهما، و\"يضار\" للفعلين.\nولأجله اختلف في إعراب ﴿وَالِدَةُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ [البقرة/ ٢٣٣] فقيل: فاعل، وقيل: نائب فاعل.\nوكذلك ﴿كَاَتِبٌ﴾ و﴿شَهِيدٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة/ ٢٨٢].\nوحكم المجمل: التوقفُ عنه حتى يُعْرَفَ البيان، كما تقدم.\nوعرف المجمل في \"المراقي\" بقوله:\nوذو وضوحٍ محكم والمجملُ ... هو الذي المرادُ منه يجهلُ","vol":"1","page":282},{"text":"تنبيه:\nقد يكون الإجمالُ مع الوضوح في وجهٍ آخر، كقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام/ ١٤١]، فإنَّه واضح في إتيان الحقِّ، مجمل في مقدار الحق، لاحتماله النصف وأقلَّ وأكثر.\nوأشار له في \"المراقي\" بقوله:\nوقد يجي الإجمالُ من وجه ومن ... وجه يراه ذا بيانٍ مَنْ فَطِن\nوالتحقيقُ أنَّ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣] ونحوه، غير مجمل؛ لظهورِه من جهة العرف في تحريم الأكل.\nوكذلك قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة/ ٢٧٥] ليس بمجمل؛ لأنَّه على عمومه إلا ما أخرجه الدليل. وتظهرُ فائدته في حمل بيوع المسلمين على الصحة حتى يقومَ دليل على الفساد.\nوكذلك قوله: \"لا صلاة إلا بطهور\" ليس بمجملٍ أيضًا؛ لأنَّ المراد نفي الصحة، وإن شئت قلت: نفي الصلاةِ بمعنى حقيقتها الشرعية. والمعنيان متلازمان؛ لأنَّ الصحة كلما وُجدت فحقيقة الصلاة الشرعية موجودةٌ، وكلما عدمت فهي معدومةٌ.\nوالتحقيقُ -أيضًا- في قوله -ﷺ-: \"لا عمل إلا بنيةٍ\" أنَّه غيرُ مجملٍ -أيضًا-.\nوحاصل تحرير المقام فيه: أنَّ العمل إن كان عبادةً، كالصلاة، فالمرادُ فيه نفيُ الصحة والاعتماد. وإن شئت قلت: نفي العمل باعتبار","vol":"1","page":283},{"text":"حقيقته الشرعية، كما قدَّمنا في مبحث: \"لا صلاة إلا بطهور\".\nوإن كان معاملةً فهو يصحُّ ويعتدُّ به دون النية إجماعًا، والنفيُ فيه ينصبُّ على انتفاء الأجر؛ فمن أنفق على زوجته، وقضى الدين، وردَّ الأمانة والمغصوب، لا يريد بشيء من ذلك وجه اللَّه، فإنَّ المطالبة تسقطُ عنه، ويصحُّ فعلُه، ويعتدُّ به، ولكن لا أجر له، وكذلك جميع التروك.\nوكل هذه المسائل التي ذكرنا أنَّها غيرُ مجملةٍ، قال فيها بعضُ العلماء بالإجمال، مستدلًا بأنَّ الصورة غيرُ منفيةٍ؛ فالمنفي إذًا غيرُها، ولم يصرح به فإنَّه محتمل، وإذًا فهو مجملٌ.\nوقد علمت التحقيق فيه، وأنَّه غيرُ مجمل، وإليه الإشارةُ بقول، صاحب \"المراقي\":\nوالنفي للصلاة والنكاح ... والشبه محكم لدى الصحاحِ\nوكذلك خبرُ: \"رُفِعَ عَنْ أمتي الخطأُ والنسيانُ\" على تقدير ثبوت هذا اللفظِ، ليس بمجمل -أيضًا-؛ لانَّ العرف يبينُ أنَّ المراد رفع المؤاخذةِ، وهو الحقُّ، ولا يلزم من ذلك رفعُ ضمان ما أتلفه خطأ أو نسيانًا؛ لأنَّ ضمان المتلفات وأروش الجنايات من خطاب الوضع، ولذا يلزم الصبي مع أنَّ القلم مرفوع عنه، ويجب على العاقلة في دية الخطأ مع أنَّهم لا علم لهم بالجناية.\nوما ذكره المؤلفُ عن أبي الخطاب من أنَّ إرادة نفي المؤاخذة لا تصحُّ؛ مستدلًا بأنَّه لو أراد نفي الإثم لم يكن لهم في هذه الأمة مزية؛","vol":"1","page":284},{"text":"لأنَّ الناسي غيرُ مكلَّف في جميع الشرائع، فيه عندي أمران:\nأحدهما: أنَّ رفع إثم الناسي والمخطئ من غير هذه الأمة غيرُ مسلَّم؛ لورود أدلة تدلُّ على اختصاص هذه الأمة بعفو الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.\nمنها: هذا الحديث الذي نحن بصدده، فقوله: \"عن أمتي\" يفهم منه أنَّ غيرها ليس كذلك.\nومنها: حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النارَ في ذباب قرَّبه لصنم، مع أنه مكره بالخوف من القتل؛ لأنَّهم قتلوا صاحبه لمَّا أبى عن ذلك.\nومنها: أنَّ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة/ ٢٨٦] وقول اللَّه: \"قد فعلت\" كما ثبت في صحيح مسلم، يدلُّ على أنَّ المؤاخذة بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا، إذ لو كانت مرفوعة عن كلِّ أحد لما دعت ضرورة إلى ذلك الدعاء، وإظهار الكرامة بالإجابة بقوله: \"قد فعلتُ\"؛ فظاهرُ الامتنان أنَّه خاصٌّ بنا.\nويُستأنسُ لهذا بما ذكره البغوي عن الكلبى من أنَّ من قبلنا كانوا يؤاخذون بالخطأ والنسيان.\nوقد قال اللَّه تعالى في آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه/ ١١٥]، وقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه/ ١٢١]؛ فأضاف إليه العصيان والنسيان؛ فدلَّ على المؤاخذةِ به.\nوأمَّا على القول بأنَّ \"نسي\" بمعنى ترك فلا دليل فى الآية.","vol":"1","page":285},{"text":"ومن الأدلة على مؤاخذتهم فى الإكراه: قولُه تعالى عن أصحاب الكهفِ: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف/ ٢٠]، فهذا صريح فى الإكراه، مع أنَّهم قالوا: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف/ ٢٠] فدلَّ على عدم عذرهم به.\nثانيهما: هو أنَّا نقول: متعلق الرفع في قوله: \"رفع عن أمتي. . \" الخ، لا بدَّ أن يكون أحدَ أمرين، أو كليهما، وهما: الإثم والضمان؛ إذْ لا وصفَ يتعلق به الرفعُ إلا الإثم والضمان.\nوالإثمُ مرفوعٌ قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب/ ٥]، وقوله في الحديث القدسي: \"قد فعلتُ\"، كما تقدم.\nوالضمان غير مرفوع إجماعًا؛ لتصريحه تعالى بضمان المخطئ في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء/ ٩٢] إلى قوله: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء/ ٩٢].\nفاتضح أنَّ الإثم مرفوع، وأنَّ الضمان غيرُ مرفوع؛ فتعيَّن كونُ المرفوع متعلقَ الرفع في الحديث [هو الإثمُ]، كما هو واضح.","vol":"1","page":286},{"text":"فصل في<span data-type=\"title\" id=toc-152> البيان</span>\nوالمبين في مقابلة المجمل.\nواختلف فى البيان، فقيل: هو الدليل، وهو ما يتوصلُ بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن.\nوقيل: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح.\nوقيل: ما دلَّ على المراد بما لا يستقلُّ بنفسه فى الدلالة على المراد.\nوقد قيل: هذان الحدان مختصان بالمجمل. . . إلخ.\nحاصل هذا الخلاف هو: هل البيانُ يطلقُ على كلِّ إيضاحٍ تقدَّمه خفاء أو لا؟ أو هو إيضاحُ ما فيه خفاء خاصٌّ؟\nوأكثر الأصوليين على أنَّ البيان فى الاصطلاح الأصولي هو تصيير المشكلِ واضحًا، والبيانُ يحصلُ بكلِّ ما يُزيل الإشكال من:\nأ- كلام: كبيان قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة/ ١] بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة/ ٣].\nب- أو كتابة: ككتابته -ﷺ- إلى عماله على الصدقات.\nج- أو إشارة: كقوله: \"الشهر هكذا وهكذا\" وأشار بأصابعه إلى كونه مرة ثلاثين، ومرة تسعًا وعشرين.\nد- أو فعل: كبيانه -ﷺ- للصلاة والحج بالفعل، وقال في الأولى:","vol":"1","page":287},{"text":"\"صلوا كما رأيتموني أصلي\" وفي الثانية: \"خُذُوا عني مناسككم\".\nهـ- أو سكوت على فعل: فإنَّه بيان لجوازه.\nوعرَّف في المراقي البيانَ وما به البيان بقوله:\nتصيير مشكل من الجلي ... وهو واجبٌ على النبي\nإذا أريد فهمُه وهو بما ... من الدليل مطلقًا يجلو العمى\nفقوله: \"بما من الدليل. . . \" إلخ يدلُّ على أنَّ كلَّ شيء يزيل الإشكال بيانٌ، واختار المحشِّي أنَّ البيان شامل لكلِّ إيضاح تقدمه خفاء أولا. وهو قولٌ معروف لبعض أهل الأصول، ولا مشاحة فى الاصطلاح.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(ولا يشترط حصول العلم للمخاطب، فإنَّه يقال: بيَّن له ولم يتبين).\nومثاله -فيما يظهر لى- أنَّه -ﷺ- بيَّن أنَّ عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء/ ١١] لا يتناول الأنبياء، لأنهم لا يورثُ عنهم المال، فلا يقدح في هذا البيان أنَّ فاطمة الزهراء ﵂ وصلى وسلم على أبيها لم تعلم به، وجاءت إلى أبي بكر تطلبُ ميراثها منه -ﷺ-.\nوإلى هذه القاعدة أشار في \"المراقي\" بقوله:\n_________\n(^١) (٢/ ٥٨١).","vol":"1","page":288},{"text":"ونسبة الجهل لذي وجود ... بما يخصص من الموجود\nويجوز بيان النص بما هو دونه سندًا، قال بعضهم: أو دلالة، فتبين المتواترات بالآحاد، وهو مذهب الجمهور، وإليه الإشارة بقوله في \"المراقي\":\nوبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد\nوأوجبن عند بعض علمًا ... إذا وجوب ذى الخفاء عما\nومن قال بهذا أجاز بيان المنطوق بالمفهوم، كتخصيص عموم قوله -ﷺ-: \"ليُّ الواجد ظلمٌ، يحلُّ عرضَه وعقوبتَه\" بمفهوم الموافقة في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣]؛ لأنَّ فحواه يقتضي منع الأذى بالحبس فى الدين، فلا يحبسُ الوالدُ في دين ولده.\nوكتخصيص عموم قوله: \"في أربعين شاة شاة\" بمفهوم المخالفة في قوله: \"في الغنم السائمة الزكاة\" عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة.\nهكذا ذكر جماعة من أهل الأصول.\nوذهب قوم إلى أنَّ الأضعف دلالة لا يمكن البيان به؛ إذ لا يبينُ الأظهرُ بالأخفى.\nوأمَّا الأضعف سندًا إذا كان أقوى دلالة فلا مانع من أن يبيَّنَ به الأقوى سندًا الذي هو أضعفُ دلالة.\nومثالُه قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤]، فإنَّه","vol":"1","page":289},{"text":"أقوى سندًا من حديث: \"لا تُنكح المرأةُ على عمتها أو خالتها\"، ولكنَّ الحديث أقوى دلالة على تحريم المرأة مع عمَّتها من دلالة عموم الآية على إباحة ذلك.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nلا خلاف في أنَّه<span data-type=\"title\" id=toc-154> لا يجوزُ تأخير البيان عن وقت الحاجة)</span>.\nوجزم في \"المراقي\" بأنَّ من أجازه وافق على عدم وقوعه بقوله:\nتأخرُ البيان عن وقت العمل ... وقوعُه عند المجيز ما حصل\nوذهب قوم إلى أنَّه واقعٌ، واحتجوا بأنَّ جبريل أخَّر بيان صلاة الصبح من ليلة الإسراء.\nوأجيب من جهة الجمهور بأنَّ أول صلاة منها يجبُ أداؤها صلاةُ الظهر من اليوم الذي بعد ليلة الإسراء، ولو كانت صلاة الصبح من ذلك اليوم واجبة الأداء لبيَّنها جبريل ﵇.\nوالحقُّ ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنَّ تكليف الإنسان بما لا يعلمُ تكليف له بالمحال، وهو ممنوعُ الوقوعِ على التحقيق.\n_________\n(^١) (٢/ ٥٨٥).","vol":"1","page":290},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nواختلف في<span data-type=\"title\" id=toc-155> تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة:</span>\nفقال ابن حامد: يجوز، وبه قال بعضُ الحنفية وبعضُ الشافعية.\nوقال أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن التميمي: لا يجوزُ ذلك، وهو قول أهل الظاهر والمعتزلة. . .) إلخ.\nخلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا البحث ثلاثة أقوال:\nأولًا: اختيارُ المؤلف منها: أنَّ تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز وواقع مطلقًا.\nثانيًا: أنه لا يجوز مطلقًا.\nثالثًا: لا يجوزُ إن كان له ظاهر؛ لأنَّه يوقع في المحظور، فقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة/ ٥]-مثلًا- ظاهرُه العموم، فلو أخِّر البيان لأدى إلى قتل الذمي والمعاهد والمستأمن؛ لشمول ظاهر العموم لهم.\nواستدل المؤلفُ لجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة/ ١٨، ١٩] و\"ثم\" للتراخي؛ فدلَّت على تراخي البيان عن وقت الخطاب.\nوكذلك عنده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود/ ١].\n_________\n(^١) (٢/ ٥٨٥).","vol":"1","page":291},{"text":"وبأنَّه -ﷺ- علم بأنَّ المراد بقوله [تعالى] في خمس الغنيمة: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال/ ٤١] بنو هاشم والمطلب، دون إخوانهم من بني نوفل وعبد شمس، مع أنَّ الكلَّ أولاد عبد مناف، فأخر بيانهم حتى سئل فقال: \"إنَّا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام\".\nوبأنَّه تعالى قال لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود/ ٤٠]، وأخَّر بيان أنَّ ولده الذي غرق ليس من الأهل الموعود بنجاتهم، حتى (^١) قال نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود/ ٤٥] فبين له أنَّه ليس من أهله بقوله: ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود/ ٤٦].\nوبأن آيات الصلاة والزكاة والحج بينتها السنة بالتراخي والتدريج فى أوقات الحاجة.\nوبأنَّ النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول، ولا خلاف في تأخير بيانه إلى وقته.\nإلى غير ذلك من الأدلة.\nوأشار في \"المراقي\" إلى هذا الخلاف في هذه المسألة مع زيادة قول رابع بقوله:\nتأخيره للاحتياج واقع ... وبعضُنا هو لذاك مانعُ\nوقيل بالمنع لما كالمطلق ... ثم بعكسه لدى البعض انطقِ\n_________\n(^١) في الأصل المطبوع: حين. ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>باب الأمر</span>\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(الأمر: استدعاءُ الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.\nوقيل: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. . .، وهو فاسد).\nوجه فساد الحدِّ الأخير أنَّ فيه لفظة \"المأمور\" مرتين، وهى مشتقة من الأمر، فيحصل الدَّور، فيمتنع الفهم.\nومفهوم قوله: \"على وجه الاستعلاء\" أنَّه إن كان على عكس ذلك فهو دعاء، وإن كان على التساوي فهو التماس، كما قال الأخضريُّ في سلَّمه:\nأمر مع استعلا وعكسه دعا ... وفى التساوي فالتماسٌ وقعا\nواشتراطُ الاستعلاء الذي مشى عليه المؤلفُ هو قولُ الفخر الرَّازي، وأبي الحسين، والآمدي، وابن الحاجب، والباجي.\nوقيل: يشترط فيه العلوُّ فقط. وهو قولُ المعتزلة، وأبي إسحاق الشيرازي، وابن الصبَّاغ، والسمعاني.\nوقيل: يشترطُ فيه العلوُّ والاستعلاء معًا. وهو قول القشيري، والقاضي عبد الوهاب.\n_________\n(^١) (٢/ ٥٩٤).","vol":"1","page":293},{"text":"وقيل: لا يشترطُ فيه علوٌّ ولا استعلاءٌ، فيصحُّ من المساوي والأدون على غير وجه الاستعلاء. وهو مذهب المتكلمين، واختاره غيرُ واحد من متأخري الأصوليين.\nوأشار في \"المراقي\" إلى هذه الأقوال بقوله:\nوليس عند جلِّ الأذكياء ... شرطُ علو فيه واستعلاء\nوخالف الباجي بشرط التالي ... وشرط ذاك رأي ذى اعتزال\nواشترطا معًا على توهين ... لدى القشيري وذي التلقين\nوالاستعلاء: كون الأمر على وجه الغلظة والترفع والقهر.\nوالعلو: شرف الآمر وعلوُّ منزلته في نفس الأمر.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(وللأمر صيغة مبينةٌ تدلُّ بمجردها على كونها أمرًا إذا تعرَّت عن القرائن، وهي: افعل للحاضر، وليفعل للغائب، هذا قول الجمهور. . .) إلخ.\nاعلم أنَّ الصيغ الدالة على الأمر أربع، وكلها في القرآن، وهي:\n١ - فعل الأمر، نحو ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء/ ٧٨].\n٢ - المضارع المجزوم بلام الأمر، نحو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ\n_________\n(^١) (٢/ ٥٩٥).","vol":"1","page":294},{"text":"عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور/ ٦٣].\n٣ - اسم فعل الأمر، نحو ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة/ ١٠٥].\n٤ - المصدر النائب عن فعله، نحو ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد/ ٤].\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(وزعمت فرقة من المبتدعة أنَّه لا صيغة للأمر؛ بناءً على خيالهم أنَّ الكلام معنى قائمٌ بالنفس، فخالفوا الكتاب والسنةَ وأهل اللغة والعرف. . .) إلخ.\nاعلم أنَّ كثيرًا من المتكلمين يزعمون أنَّ كلام اللَّه معنى قائمٌ بذاته مجرَّدٌ عن الألفاظ والحروف.\nوالأمر عندهم -هو اقتضاءُ الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجردِ عن الصيغة.\nولأجل هذا الاعتقاد الفاسد قسموا الأمر إلى قسمين: نفسي، ولفظي.\nفالأمر النفسيُّ -عندهم- هو ما ذكرنا.\nوالأمر اللفظيُّ: هو اللفظُ الدالُّ عليه، كصيغة \"افعل\".\nوأشار إلى مرادهم هذا صاحب \"مراقي السعود\" بقوله في تعريف النفسي -عندهم- واللفظي:\n_________\n(^١) (٢/ ٥٩٥).","vol":"1","page":295},{"text":"هو اقتضاءُ فعلٍ غير كفِّ ... دلَّ عليه لا بنحو كُفِّي\nهذا الذي حُدَّ به النفسيُّ ... وما عليه دلَّ قل لفظيُّ\nإذا علمت ذلك، فاعلم أنَّ هذا المذهب باطلٌ، وأنَّ الحقَّ أنَّ كلام اللَّه هو هذا الذي نقرؤه بألفاظه ومعانيه، فالكلامُ كلامُ الباري، والصوت صوت القاري.\nوقد صرَّح تعالى بذلك في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة/ ٦]، فصرَّح بأنَّ ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه كلامه تعالى.\nوأقام المؤلفُ الحجج على أنَّ ما في النفس إن لم يُتَكَلَّمْ به لا يسمى كلامًا، كقوله في قصة زكريا: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ [آل عمران/ ٤١] مع أنه أشار إليهم، كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم/ ١١] فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه الذي عبَّر عنه بالإشارة كلامًا.\nوكذلك في قصة مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم/ ٢٦] مع قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم/ ٢٩].\nوفى الحديث: \"إنَّ اللَّه عفا لأمتي عما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به\".\nواتفق أهل اللسان على أن الكلام: اسمٌ وفعلٌ، وحرفٌ.\nوأجمع الفقهاء على أنَّ من حلف لا يتكلم لا يحنثُ بحديث","vol":"1","page":296},{"text":"النفس، وإنَّما يحنثُ بالكلام.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nوإذا أطلق الكلام في بعض الأحيان على ما فى النفس فلا بدَّ أنْ يقيَّد بما يدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة/ ٨].\nفلو لم يُقيد بقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ لانصرف إلى الكلام باللسان، كما قرَّره المؤلف -﵀-.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(فأما الدليل على أنَّ هذه صيغة الأمر فاتفاقُ أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمرًا. ولو قال رجلٌ لعبده: \"اسقني ماءً\" عُدَّ أمرًا، وعُدَّ العبدُ مطيعًا بالامتثال).\nوهذا واضحٌ.\nومن الواضح -أيضًا- أنه لا يقدح في كون \"افعلْ\" صيغة أمر كونها قد تردُ لغير ذلك، كالندب في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور/ ٣٣] على القول به.\nوالإباحة في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة/ ٢].\nوالإكرام في قوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحجر/ ٤٦].\n_________\n(^١) (٢/ ٥٩٦).","vol":"1","page":297},{"text":"والإهانة في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان/ ٤٩].\nوالتهديد في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت/ ٤٠].\nوالتعجيز في قوله: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران/ ١٦٨].\nإلى غير ذلك من المعاني؛ لأن صيغة \"افعل\" حقيقة متبادرةٌ في استدعاء الفعل وطلبه، مع أنها تُستعملُ في معنى آخر مع قرينةٍ تبينُ أنَّ المراد ذلك المعنى الآخر.\nوهذا لا إشكال فيه، كما أوضحه المؤلف.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nولا يشترطُ في كون الأمر أمرًا إرادة الآمر. . .) إلخ.\nاعلم أنَّ التحقيق في هذا المبحث أنَّ الإرادة نوعان:\nإرادةٌ شرعيةٌ دينية، وإرادةٌ كونيةٌ قدرية.\nوالأمرُ الشرعيُّ إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية، فاللَّه أمرَ أبا جهلٍ -مثلًا- بالإيمان، وأراده منه شرعًا ودينًا، ولم يرده منه كونًا وقدرًا؛ إذْ لو أراده كونًا\n_________\n(^١) (٢/ ٦٠١).","vol":"1","page":298},{"text":"لوقع، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام/ ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة/ ١٣]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام/ ٣٥].\nفإن قيل: ما الحكمة في أمره بشيء وهو يعلمُ أنه لا يريدُ وقوعه كونًا وقدرًا؟\nفالجواب: أنَّ الحكمة في ذلك ابتلاءُ الخلق، وتمييز المطيع من غير المطيع، وقد صرح تعالى بهذه الحكمة، فإنَّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده مع أنَّه لم يُرِدْ وقوع ذبحه بالفعل كونًا وقدرًا، وقد صرَّح بأنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم حيث قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ [الصافات/ ١٠٦].\nفظهر بطلان قول المعتزلة أنه لا يكون أمرًا إلا بإرادة وقوعه.\nوقد جرَّهم ضلالهم هذا إلى قولهم: إنَّ معصية العاصي ليست بمشيئة اللَّه؛ لأنه أمرَ بتركها، ولم يُرِدْ إلا التزام الذي أَمَر به؛ لأن الأمر لا يكونُ أمرًا إلا بالإرادة.\nفنسبوا إليه تعالى العجز، واستقلال الحادث بالفعل دونه، ﷾ عن ذلك علوًّا كبيرا.\nوقد يُشاهَدُ السيدُ يأمرُ عبده اختبارًا لطاعته، ونيَّتُه أنه إنْ أظهر الطاعة أعفاهُ من فعلِ المأمور به، فهو أمرٌ دون إرادة وقوع المأمور به لا لبس فيه كما ذكره المؤلفُ -﵀-.","vol":"1","page":299},{"text":"مسألة\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(إذا ورد الأمرُ متجردًا عن القرائن اقتضى الوجوبَ في قول الفقهاء. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أربعة أقوال:\n١ - أنَّ الصيغة المذكورة للوجوب.\n٢ - أنها للإباحة. وحجتُه أنَّا رأينا الأمر قد يأتي لها، كقوله: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة/ ٢]، فنحمله على أدنى الدرجات وهو الإباحة.\n٣ - أنَّها للندب. وحجتُه أن صيغة \"افعل\" تقتضي طلب الفعل، وأدنى درجات الطلب الندبُ، فنحمله عليه.\n٤ - الوقف حتى يَرِدَ الدليلُ ببيانه.\nوالحقُّ أنَّها للوجوب إلَّا بدليل صارفٍ عنه؛ لقيام الأدلة، كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور/ ٦٣]، فالتحذير من الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر يدل على أنه للوجوب.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب/ ٣٦]، فإنه جعل أمر اللَّه ورسوله مانعًا من\n_________\n(^١) (٢/ ٦٠٤).","vol":"1","page":300},{"text":"الاختيار، وذلك دليل الوجوب.\nوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ [المرسلات/ ٤٨] فهو ذمٌّ لهم على ترك امتثال الأمر بالركوع، وهو دليلُ الوجوب.\nوقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف/ ١٢]، فقرَّعه على مخالفة الأمر، وهو دليل الوجوب.\nوقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه/ ٩٣]، فهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية، وذلك دليل الوجوب.\nوقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم/ ٦].\nإلى غير ذلك من أدلة الكتاب والسنة.\nولا خلاف بين أهل اللسان العربي أنَّ السيد لو قال لعبده: افعل، فلم يمتثل، فأدَّبه لأنَّه عصاه، أنَّ ذلك واقعٌ موقعه، مفهومٌ من نفس صيغة الأمر.\nوأشار في \"المراقي\" إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله:\nو\"افعل\" لدى الأكثرِ للوجوبِ ... وقيل للندبِ أو المطلوبِ\nوقيل للوجوبِ أمرُ الربِّ ... وأمرُ مَنْ أرسله للندبِ\nوالحقُّ أنَّ دليل اقتصاء \"افعل\" للوجوب الشرعُ واللغةُ -كما ذكرنا-، وقيل: العقلُ، كما أشار إليه في المراقي بقوله:\nومفهمُ الوجوبِ يُدْرَى الشرعُ ... أو الحجا أو المفيد الوضع","vol":"1","page":301},{"text":"قال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإذا وردت صيغةُ<span data-type=\"title\" id=toc-163> الأمرِ بعد الحظر </span>اقتضت الإباحة، وهو ظاهرُ قول الشافعي).\nخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث: أنَّ صيغة \"افعل\" إذا وردت في أمرٍ كان ممنوعًا، ففيما تفيده ثلاثة أقوال:\nالأوَّل: الإباحة. وعزاه لظاهر قول الشافعي.\nالثَّاني: أنَّها كالتي لم يتقدمها حظرٌ. وقد قدَّمنا أنها للوجوب عند التجرد من القرائن.\nالثالث: إنْ ورد الأمرُ بصيغة \"افعل\" فهي للجواز، وإنْ ورد بمثل \"أنتم مأمورون\" فكالتي لم يتقدمها حظر.\nوحجة القول بالوجوب هو ما قدمنا من أدلة كون \"افعل\" للوجوب.\n\nوحجةُ القول بالإباحة -وهو اختيار المؤلف-: أنَّ عرف الاستعمال في الأمر بعد الحظر بالإباحة، بدليل أنَّ أكثر أوامر الشرع بعد الحظر بالإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة/ ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة/ ١٠]، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ\n_________\n(^١) (٢/ ٦١٢).","vol":"1","page":302},{"text":"فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة/ ٢٢٢]، إلى غير ذلك من الأدلة.\nوحجة القول الثالث: أنَّ الجملة الاسميةَ قد تفيدُ من الثبوت والدوام ما لا تُفيدُه صيغةُ \"افعل\".\nولا يخفى ضعفُ هذا القول.\nوحاصلُ معنى اختيار المؤلفِ أنَّها للإباحة هو: أنَّ الحظرَ الأوَّل قرينةٌ صارفةٌ للصيغة عن الوجوب إلى الإباحة.\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nالذي يظهرُ لي في هذه المسألة هو ما يشهدُ له القرآنُ العظيم، وهو أنَّ الأمر بعد الحظر يدلُّ على رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان قبله جائزًا رجع إلى الجواز، وإنْ كان قبله واجبًا رجع إلى الوجوب.\nفالصيد -مثلًا- كان مباحًا، ثم مُنِعَ للإحرام، ثم أُمِرَ به عند الإحلال، فيرجعُ لما كان عليه قبل التحريم.\nوقتل المشركين كان واجبًا، ثم مُنِعَ لأجل دخول الأشهر الحرم، ثم أُمِرَ به عند انسلاخها في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية [التوبة/ ٥]، فيرجعُ إلى ما كان عليه قبل التحريم. وهكذا.\nوهذا الذي اخترنا قال به بعضُ الأصوليين، واختاره ابن كثيرٍ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة/ ٢].","vol":"1","page":303},{"text":"وإلى هذه الأقوال في هذه المسألة أشار في \"المراقي\" بقوله:\nوالأمرُ للوجوب بعد الحظلِ ... وبعد سؤلٍ قد أتى للأصلِ\nأو يقتضي إباحة للأغلب ... إذا تعلقَ بمثل السبب\nإلَّا فذى المذهب والكثيرُ ... له إلى إيجابه مصيرُ\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>الأمرُ المطلقُ لا يقتضى التكرارَ </span>في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو اختيار أبي الخطاب، وقال القاضي وبعضُ الشافعية: يقتضى التكرارَ. . .) الخ.\nخلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحث أنَّ الأمر المطلقَ؛ أي غير المقيَّدِ بمرةٍ ولا تكرارٍ ولا صفةٍ ولا شرطٍ، فيه أربعة أقوال:\nالأوَّل: لا يقتضي التكرار. وهو الحق.\nالثَّاني: يقتضيه.\nالثالث: إن عُلِّقَ على شرطٍ اقتضى التكرار، وإلَّا فلا.\nالرابع: إنْ كُرِّرَ لفظُ الصيغة اقتضى التكرار، وإلا فلا.\nأعلم أولًا أنَّ ذكر القول بأنَّه إنْ علِّق على شرطٍ مكرر سهوٌ من\n_________\n(^١) (٢/ ٦١٦).","vol":"1","page":304},{"text":"المؤلف ﵀؛ لأنَّ الكلام في الأمر المطلقِ خاصةَ، والمعلقُ على شرطٍ غيرُ مطلق.\nوالحقُّ أنَّ المطلقَ لا يقتضى التكرار، بل يخرجُ من عهدته بمرةٍ واحدة، فلو قال لوكيله: طلِّق زوجتي، فليس له إلَّا تطليقة واحدة. ولو قال لعبده: اشتر متاعًا لم يلزمْه ذلك إلا مرَّة واحدة. وهذا لا شك فيه، سواء قلنا باقتضائه المرة، أو مطلق الماهية، لأنَّ معناهما آيلٌ إلى شيء واحد؛ فادِّعاءُ اقتضاء التكرارِ لا وجه له ألبتة.\nوكذلك تكرير الصيغة، فكونُه للتأكيد أظهر.\n\nتنبيهان:\nالأوَّل: إذا عُلِّق الأمرُ على شرطٍ، فالظاهرُ أنَّه يكونُ بحسب ما يدلُّ عليه ذلك الشرطُ لغة، فإن كان يفيدُ التكرار تكرَّرَ، وإلَّا فلا.\nمثالُ الأوَّل: كما جاءك زيدٌ فأعطه درهمًا.\nومثالُ الثَّاني: إنْ جاءك زيدٌ فأعطه درهمًا.\nالثَّاني: قول المؤلف (^١): (وقولهم: إنَّ الحكم يتكررُ بتكرر العلة، فكذا الشرطُ.\nقلنا: العلة تقتضي حكمها، فيوجدُ بوجودها، والشرطُ لا يقتضي. . .) إلخ.\n_________\n(^١) (٢/ ٦٢١).","vol":"1","page":305},{"text":"معناه أنَّه قائل بأن الحكم يتكرر بتكرر علته، وكذلك كلام محشيه.\nوالظاهرُ أنَّ ذلك لا يصحُّ على الإطلاق؛ لأنَّ تكرر العلة قد يتكررُ معه الأمرُ وقد لا يتكرر، إمَّا إجماعًا، وإمَّا على قول.\nفمثالُ ما لا يتكررُ فيه الأمرُ بتكرر علته قولًا واحدًا: مَنْ بال مرَّات متعددة، أو جامعَ كذلك، فعلة وجوب الوضوء والغسل متكررةٌ، والأمرُ بهما غيرُ متكررٍ، بل يكفي فيهما واحد.\nوكذلك من زنا مرَّات قبل أن يُحَدَّ، أقيم عليه حَدٌّ واحد.\nومثالُ ما يتكررُ فيه إجماعًا: أن يضرب امرأةً حاملًا فتسقط جنينين، فعليه غُرَّتان. ومنْ وُلِدَ له توأمان فعليه عقيقتان.\nومثالُ ما اختُلف فيه: تعددُ صاع المُصَرَّاة بتعدد الشِّياه، وتعدد كفارة الظِّهار إنْ ظاهر من زوجاتٍ، وتعدد غسل الإناء بتعدد ولوغ كلبٍ أو كلاب، وتعدُّد الحمد بتعدُّد العُطاس، وحكاية أذان المؤذنين، إلى غير ذلك.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(مسألة\nالأمر يقتضي فعل المأمور على الفور في ظاهر المذهبِ، وهو قول\n_________\n(^١) (٢/ ٦٢٣).","vol":"1","page":306},{"text":"الحنفية. وقال أكثر الشَّافعية: هو على التراخي. . .) الخ.\nخلاصةُ ما ذكره في هذا المبحث أنَّ فيه القولين المذكورين.\nوكونه للفور هو الحقُّ؛ لأمورٍ:\nالأوَّل: أن ظواهر النصوص تدلُّ عليه، كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ. . .﴾ الآية [الحديد/ ٢١]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة/ ٤٨]، وقد مدح اللَّه تعالى المسارعين بقوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الآية [المؤمنون/ ٦١].\nالثَّاني: أنَّ السيد لو أمر عبده فلمْ يمتثلْ، فعاقبه، لم يكن له عذرٌ بأنَّ الأمرَ على التراخي، وذلك مفهومٌ من وضع اللُّغة.\nالثالث: أنَّه لو قيل: هو على التراخي، فلا بدَّ أن يكون لذلك التراخي غايةٌ أو لا.\nفإن قيل: له غاية. قلنا: مجهولة، والتكليفُ بالمجهول لا يصحُّ.\nوإن قيل: إلى غير غاية. قلنا: أدَّى ذلك إلى سقوطه، والفرضُ أنَّه مأمورٌ به.\nوإن قيل: غايته الوقتُ الذي يغلبُ على الظنِّ البقاءُ إليه. فالجوابُ أنَّ ظنَّ البقاء معدومٌ؛ لأنَّه لا يدري أيخترمه الموتُ الآن، وقد حذَّر تعالى من التراخي لئلا يفوت التدارك باقتراب الأجل، بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ","vol":"1","page":307},{"text":"عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف/ ١٨٥]، ولا سيما والإنسان طويلُ الأمل، يهرم ويشيب أمله.\nوأشار في \"المراقي\" إلى أنَّ كونه للفور مذهب مالك -أيضًا- بقوله:\nوكونُه للفور أصل المذهب ... وهو لدى القيد بتأخيرٍ أبي\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الواجبُ المؤقتُ لا يسقطُ بفواتِ وقته</span>، ولا يفتقر القضاءُ إلى أمرٍ جديد، وهو قول بعض الفقهاء.\nوقال الأكثرون: لا يجبُ القضاءُ إلَّا بأمرٍ جديد، واختاره أبو الخطاب. .) الخ\nحاصلُ هذا المبحث: أنَّ العبادة المؤقتة بوقت معيَّن إذا فات وقتُها فهل يجبُ قضاؤها بالأمر الأوَّل، وهو اختيارُ المؤلفِ، أو لا يجبُ إلَّا بأمرٍ جديدٍ، وهو قولُ الأكثرين.\nحجةُ الأوَّل: أن الأمر قد شمل أمرين:\nأحدهما: فعل العبادة.\nوالثَّاني: اقترانُها بالوقت المعيَّن لها.\n_________\n(^١) (٢/ ٦٢٩).","vol":"1","page":308},{"text":"فإذا فات الوقت تعذَّر أحدُهما، وبقي الآخرُ في الإمكان، فيجبُ الإتيانُ بالممكن؛ لأنَّ المركب من أجزاء ينسحب حكمُه عليهما.\nوحجةُ الثَّاني: أنَّها لمَّا قُرِنَتْ بالوقت المعين عُلِمَ أنَّ مصلحتها مختصةٌ به، إذْ لو كانتْ في غيره لما خصصت به، فيحتاجُ القضاءُ إلى أمرٍ جديد.\nوإلى هذه المسألة أشار في \"المراقي\" بقوله:\nوالأمر لا يستلزمُ القضاء ... بل هو بالأمرِ الجديد جاء\nلأنَّه في زمنٍ معيَّن ... يجي لمَا عليه من نفعٍ بُني\nوخالف الرازي إذ المركب ... لكل جزءٍ حكمُه ينسحب\nفمَنْ ترك الصَّلاة عمدًا، على القول بعدمِ خروجه من الملة، يلزمُه القضاءُ بالأمر الأوَّل على الأوَّل، وعلى الثَّاني فبعضُهم يقول: لا قضاء عليه، لأنَّه بأمرٍ جديدٍ وهو لم يردْ فيه أمرٌ، وبعضُهم يوجبُ عليه القضاء بالقياس على النائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما، والأظهرُ أنَّه يجبُ عليه القضاءُ بنصٍّ جديدٍ هو عمومُ قوله -ﷺ-: \"فَدَيْنُ اللَّه أحقُّ أن يُقضى\".","vol":"1","page":309},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nذهب بعضُ الفقهاء إلى أنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-169> الأمر يقتضي الإجزاءَ بفعل المأمور به </span>إذا امتثل المأمور بكمالِ وصفهِ وشروطه. . .) إلخ.\nحاصلُ هذا المبحث أنَّ من امتثل الأمر وجاء به على الوجهِ المطلوب، اختُلف فيه: هل يقتضي ذلك الإجزاء وعدم القضاءِ أو لا؟\nوالحقُّ الذي لا شك فيه أنَّه يقتضيه، ولا يُعترضُ عليه بالمضي في الفاسد من الحجِّ، ولا بمن صَلَّى يظنُّ الطهارة ثم تبيّن حدثُه، لأنَّه في الأوَّل أفسدَ حجَّه، وفى الثَّاني صَلَّى مُحْدِثًا، فلم يمتثل في واحدٍ منهما على الوجه المطلوب.\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(مسألة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>الأمر بالأمر بالشيء </span>ليس أمرًا به ما لم يدل عليه دليلٌ).\nمثاله: قوله -ﷺ- \"مُرُوهم بالصلاة لسبع\"، ليس بخطابٍ من الشارع للصبيِّ ولا بإيجاب عليه، مع أنَّ الأمرَ واجبٌ على الوليِّ، لكنْ إذا كان المأمورُ النبيَّ -ﷺ - كان واجبًا بأمر النَّبيِّ -ﷺ- لقيام الدليل على وجوبِ طاعته، وتحريم مخالفته.\n_________\n(^١) (٢/ ٦٣١).\n(^٢) (٢/ ٦٣٤).","vol":"1","page":310},{"text":"قال بعضُ أهل العلم: الأمرُ بالأمرِ أمرٌ، فالأولُ مأمورٌ بالمباشرة، والثَّاني بالواسطة. وله وجهٌ من النظر.\nأمَّا إذا حصل في اللفظ ما يدلُّ على الأمر فهو أمرٌ بلا خلافٍ، كقوله -ﷺ- لعمرَ في شأن طلاقِ ابنه عبد اللَّه امرأته في الحيض: \"مُرْهُ فلْيُراجِعْها\"؛ لأنَّ لامَ الأمرِ صدرت منه -ﷺ- متوجهة إلى ابن عمر، فهو مأمورٌ منه بلا خلاف.\nوإلى هذه المسألة أشار في \"المراقي\" بقوله:\nوليس من أَمَرَ بالأمرِ أَمَر ... لثالثٍ إلَّا كما في ابن عمر\nوالأمرُ للصبيانِ ندبُه نمي ... لما رَوَوْهُ من حديث خثعم\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nالأمرُ لجماعةٍ يقتضي وجوبه على كل واحدٍ منهم. . .) الخ.\nخلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحثِ أنَّ الأمرَ لجماعة يقتضي وجوبَه على كلِّ غريب منهم إلَّا بدليل يدلُّ على أنَّه على الكفاية، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ الآية [آل عمران/ ١٠٤].\nوالتحقيق في فرض الكفاية أنَّه واجبٌ على كلهم يسقطُ بفعل بعضهم، بدليل أنَّهم إنْ فعلوه كلُّهم نالوا ثواب الواجب كلهم، وإنْ\n_________\n(^١) (٢/ ٦٣٥).","vol":"1","page":311},{"text":"تركوه كلُّهم أثموا كلُّهم.\nوالدليل على أنَّه ليس على واحدٍ معيَّنٍ تعذرُ تكليف المجهول.\nوأشار إليه في \"المراقي\" بقوله:\nوهو على الجميع عند الأكثر ... لإثمهم بالتركِ والتعذرِ\nيعني تعذر تكلية المجهول.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإذا أمرَ اللَّه تعالى نبيَّهُ بلفظٍ ليس فيه تخصيص. . .) إلخ.\nقدمنا هذا الفصلَ مستوفى في مسألةِ شرع من قبلنا.\nوذكر المؤلفُ هنا أنَّ ما خوطب به صحابي واحدٌ يعمُّ غيرَه.\nوأشار في \"المراقي\" إلى أنَّ غيرَ الحنابلة خالفهم في عموم خطاب الواحدِ بقوله:\nخطابُ واحدٍ لغير الحنبلي ... مِنْ غير رعي النصِّ والقيس الجلي\nوذكر فيه -أيضًا- أنَّ الخطابَ العامَّ للنَّاس يدخلُ فيه الرسولُ -ﷺ- إلَّا بدليل على عدم دخوله.\nوأشار إليه في \"المراقي\" بقوله:\n_________\n(^١) (٢/ ٦٣٧).","vol":"1","page":312},{"text":"وما يعمُّ يشملُ الرسولا ... وقيل لا ولنذكر التفصيلا (^١)\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nالأمرُ يتعلقُ بالمعدوم. . .) إلخ.\nأعلم -أولًا- أنَّ الخلاف في هذا المبحث لفظيٌّ؛ لأنَّ جميعَ العلماء مطبقون على أنَّ أولَ هذه الأمة وآخرها إلى يوم القيامة سواء في الأوامرِ والنواهي.\nوالذين يقولون: لا يدخلُ المعدومُ في الخطاب، يقولون: تكليفُ المعدوم وقت الخطاب بأدلةٍ منفصلةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الآية [الأنعام/ ١٩].\nواحتجُّوا بأنَّ الخطاب صفةٌ إضافيةٌ لا تعقلُ بدون مخاطبٍ.\nوأجابَ الآخرون بأنَّ الخطاب متوجهٌ إليهم بشرط وجودهم متصفين بصفات التكليف. وهذا لا إشكال فيه.\nوتبع صاحبُ \"المراقي\" القرافيَّ في أن المعدومَ لا يدخلُ في الخطاب؛ لأنَّ المعدومَ ليس بشيءٍ، وأنَّ تكليفهم بعد وجودهم عُلِمَ\n_________\n(^١) قيل: التفصيل في البيت هو أن الرسول داخل أو غير داخل، ويكون غير داخل إن كان مصدر، بـ \"قل\"، ويكون داخلًا إن كان مصدر، بغير \"قل\". \"عطية\".\n(^٢) (٢/ ٦٤٤).","vol":"1","page":313},{"text":"بالضرورة من الدين، لا من الخطاب اللغوي؛ لأنَّه ليس في اللُّغة خطابُ المعدوم، فقال:\nوالعبدُ والموجودُ والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nقد دلَّت النصوصُ الصحيحةُ على خطاب المعدومين من هذه الأمة، تبعًا للموجودين منها، كقوله -ﷺ-: \"تُقاتلون اليهود. . . \" الحديث، وقوله: \"تُقاتلون قومًا نعالهم الشعر. . . \" الحديث، وقوله في قصَّة عيسى: \"وإمامُكم منكم\".\nفالمقصود بجميع تلك الخطابات المعدمون يومئذٍ، بلا نزاعٍ، كما هو ظاهر. وإنَّما ساغ خطابهم تبعًا لأسلافهم الموجودين وقت الخطاب.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nويجوز الأمر من اللَّه سبحانه لما في معلومه أنَّ المكلفَ لا يتمكنُ مِنْ فعله، وعند المعتزلة: لا يجوز. . .) إلخ.\nوالتحقيق فيه الجواز، والحكمة: الابتلاءُ.\nويوضحه أنَّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، وهو يعلمُ أنَّه لا يمكنه\n_________\n(^١) (٢/ ٦٤٧).","vol":"1","page":314},{"text":"من ذبحه بالفعل، وصرَّح بأنَّ الحكمة في ذلك الابتلاء بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ [الصافات/ ١٠٦]-كما قدمنا-.\nوهذه المسألة مبنية على النسخ قبل التمكن من الفعل، والحقُّ جوازُه، كما وقع في خمسٍ وأربعين صلاةً ليلة الإسراء.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nاعلمْ أنَّ ما ذكرناه من الأوامر تتضح به أحكامُ النواهي. . .) إلى آخره.\nأي فكما أنَّ الأمر استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، فالنهي استدعاء الترك بالقولِ على وجه الاستعلاء.\nوصيغة الأمر \"افعل\" وصيغة النَّهي \"لا تفعل\"، ولا يُشترط فيه إرادةُ الناهي.\nوالنهيُ يقتضي التكرار والفور، خلافًا للأمرِ في الأولى على الصَّحيح.\nوالأمر يقتضي الأجزاء، والنهي يقتضى الفسادَ، واقتضاؤه الفسادَ هو الحقُّ خلافًا لأبي حنيفة القائل: يقتضي الصحة.\nوالدليل على اقتضائه الفسادَ قوله -ﷺ-: \"من أحدثَ في أمرنا هذا ما\n_________\n(^١) (٢/ ٦٥٢).","vol":"1","page":315},{"text":"ليس مِنْه فهو ردٌّ\"، والمنهيُّ عنه ليس من أمرنا، فهو مردود بهذا النصِّ المتفق عليه.\nوأشار في \"المراقي\" إلى اقتضائه الفساد على الصحيح بقوله:\nوجاء في الصحيح للفسادِ ... إنْ لم يَجى الدليل للسداد\nوأشار إلى قول أبي حنيفة باقتضائه الصحة بقوله:\nوبث للصحةِ بالمدارس ... معللًا بالنهي حبر فارس\nوحجة أبي حنيفة أنَّ النَّهي عن الفعل يدلُّ على تصور المنهيِّ عنه؛ إذْ لو كان ممتنعًا في نفسه لا يقعُ لم يَتَوجَّهْ إليه النَّهي، كما لا يتوجه النَّهي عن الإبصار إلى الأعمى. ولا يخفى ما فيه.\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nفي اقتضاء النَّهي الفسادَ أقوالٌ كثيرةٌ عند أهل الأصول، ومدارُ تلك الأقوال على أن النهيَ إنْ كانت له جهة واحدةٌ كالشرك والزنا اقتضى الفسادَ بلا خلافٍ، وإن كان له جهتان هو من إحداهما مأمور به ومن الأخرى منهيٌّ عنه، فهم متفقون على أن جهة الأمرِ إن انفكتْ عن جهة النَّهي لم يقتض الفسادَ، وإن لم تنفك عنها اقتضاه، ولكنهم يختلفون في انفكاك الجهة، ومِنْ ثَمَّ يقع بينهم الخلاف.\nفالحنبليُّ يقول: الصَّلاة بالحرير مأمورٌ بها من جهة كونها صلاة، منهيٌّ عن لبس الحرير فيها، والصلاة في الأرض المغصوبة لا تنفك فيها الجهة، لأنَّ نفس شغلِ أرض الغيرِ بحركات الصَّلاة حرامٌ، فهي","vol":"1","page":316},{"text":"باطلة.\nفيقول المالكيُّ والشافعيُّ والحنفيُّ: لا فرق بين المسألتين، فهو -أيضًا- مأجورٌ على صلاته، آثمٌ بغصبه.\nوهكذا.","vol":"1","page":317},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(باب في العموم\nاعلمْ أنَّ العمومَ من عوارض الألفاظ حقيقة، وقد يطلق في غيرها. . .) إلخ.\nمعنى كلامه أنَّ العمومَ من صفات الألفاظ.\nوقيل: توصف به المعاني أيضًا. واختاره العضد وابن الحاجب وغيرهما. وإليه الإشارة في \"المراقي\" بقوله:\nوهو من عوارضِ المباني ... وقيل للألفاظِ والمعاني\nومرادُه بالمباني: الألفاظ.\nوعرف المؤلف \"العام\" تعريفين:\nالأوَّل: العامُّ هو اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدًا مطلقًا.\nوهذا التعريف لا يصحُّ تعريف العام في الاصطلاح به؛ لأنَّه ليس بمانع، فلفظة زوج وشفع -مثلًا- تدلُّ على اثنين، ولم يقل أحدٌ إنَّها صيغة عموم.\nالتعريف الثاني: العامُّ كلامٌ مستغرقٌ لجميع ما يصلحُ له.\nقلتُ: وهذا التعريف جيدٌ، إلَّا أنَّه ينبغي أن يزاد عليه ثلاثُ\n_________\n(^١) (٢/ ٦٦٠).","vol":"1","page":318},{"text":"كلمات:\nالأولى: بحسب وضعٍ واحدٍ.\nوالثانية: دفعةً.\nوالثالثة: بلا حصر من اللفظ.\nفيكون تعريفًا تامًّا جامعًا مانعًا.\nفخرج بقوله: (مستغرقٌ لجميع ما يصلحُ له) ما لم يستغرق، نحو: بعض الحيوان إنسانٌ.\nوخرج بقوله: (دفعة) النكرةُ في سياق الإثبات، كرجلٍ، فإنَّها مستغرقةٌ، ولكنَّ استغراقها بدليٌّ لا دفعة واحدة.\nوخرج بقوله: (بلا حصر) لفظُ عشرة -مثلًا-؛ لأنَّه محصورٌ باللفظ، فلا يكون من صيغ العموم، على رأي الأكثرين.\nوخرج بقوله: (بحسب وضع واحدٍ) المشتركُ كـ \"العين\"، فلا يسمى عامًّا بالنسبة إلى شموله الجارية والباصرة؛ لأنَّه لم يوضع لهما وضعًا واحدًا، بل لكلٍّ منهما وضعٌ مستقل.\nوعرَّفَ العامَّ في \"المراقي\" بقوله:\nما استغرقَ الصالحَ دفعةً بلا ... حصرٍ من اللفظِ كعشر مثلا","vol":"1","page":319},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(ثم العامُّ ينقسم إلى عامٍّ لا أعم منه. . .) إلى آخره.\nحاصلُه أنَّ للعموم والخصوصِ واسطةً وطرفين:\nطرفٌ لا شيء أعم منه، كالمعلوم، والمذكور، فإنَّه يشملُ جميع الموجوداتِ والمعدومات.\nوطرفٌ لا شيء أخصُّ منه، كالأشخاص، نحو زيد، وهذا الرجل.\nوواسطةٌ هي أعمُّ ممَّا تحتها وأخصُّ ممَّا فوقها، كالحيوان، فإنَّه أعمُّ من الإنسان وأخصُّ من النامي، وكالنامي، فإنَّه أعمُّ من الحيوان وأخصُّ من الجسم؛ لشمولِ الجسم غير النامي، كالحجر. وهكذا.\nقال المؤلف (^٢) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-179>ألفاظ العموم خمسةُ </span>أقسام:\nالأوَّل: اسمٌ عُرِّفَ بالألف واللام لغير المعهود، وهو ثلاثة أنواع:\n١ - ألفاظ الجموع، كالمسلمين والمشركين والذين.\n٢ - أسماء الأجناس، وهو ما لا واحدَ له من لفظه، كالناسِ\n_________\n(^١) (٢/ ٦٦٣).\n(^٢) (٢/ ٦٦٥).","vol":"1","page":320},{"text":"والحيوان والماءِ والتراب.\n٣ - لفظُ الواحد، كالسارق، والسارقة، والزاني، والزانية، و﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر/ ٢]).\nقلت: معنى كلامه ظاهرٌ إلَّا أن إدخال: الذين، والسارق، والزاني، والمشركين -مثلًا- من المعرَّف \"بأل\" فيه نظر؛ لأنَّ \"أل\" في (الذين) زائدةٌ لزومًا على الصحيح، وهو اسمٌ موصولٌ مُعَرَّفٌ، كما قال في \"الخلاصة\":\nوقد تُزادُ لازمًا كاللاتي ... والآن والذين ثم اللات\nولأن \"أل\" في السارق، والزاني، والمشركين، اسمٌ موصولٌ أيضًا، كما قال:\nوصفةٌ صريحةٌ صلة أل ... وكونُها بمعرب الأفعال قل\nوأعلم أنَّ المثني كذلك، نحو: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتولُ في النَّار\"، فإنَّه يعمُّ كلَّ المسلمين، وهذا بناء على تناسي الوصفية في المسلم، وإن لم تُتناسى فَـ \"أل\" فيه موصولة.\n(القسم الثَّاني: أدوات الشرط: كـ \"مَنْ\" فيمن يعقل، و\"ما\" فيما لا يعقل، و\"أي\" في الجميع، و\"أين\" و\"أيان\" في المكان، و\"متى\" في الزمان. . .) إلى آخره.\nقلت: جعلُه \"أيَّانَ\" للمكان سهوٌ منه ﵀، بل هو للزمان كـ \"متى\".","vol":"1","page":321},{"text":"القسم الثالث من ألفاظ العموم: ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة إلى معرفة، كعبيد زيدٍ، ومال عمروٍ).\nقلتُ: ومن أمثلته في القرآن: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ الآية [إبراهيم/ ٣٤]، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور/ ٦٣].\nوأعلم أنَّ \"ما\"، و\"مَنْ\"، و\"أي\"، تعمُّ مطلقًا، سواء كانت شروطًا -كما ذكره المؤلف- أو موصولاتٍ، أو استفهاميةً، والأمثلةُ واضحةٌ، نحو: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق/ ٣]، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة/ ١٩٧]، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء/ ٧٨]، وقوله -ﷺ-: \"أيّما امرأة نكحتْ بغير إذن وليِّها فنكاحُها باطلٌ\" الحديث.\nالقسم الرابع: \"كل\" و\"جميع\"، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران/ ١٨٥]، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف/ ٣٤]، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد/ ١٦، الزمر/ ٦٢]).\n(القسم الخامس: النكرةُ في سياق النفي، نحو: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام/ ١٠١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة/ ٢٥٥]).\nقلت: النكرةُ في سياق النفي تكونُ نصًّا صريحًا في العموم في ثلاث مسائل:\nالأولى: المركبة مع \"لا\" التي لنفي الجنس، نحو: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾","vol":"1","page":322},{"text":"[البقرة/ ٢].\nالثَّانية: التي زيدت قبلها \"مِنْ\"، وتطردُ زيادتها في:\n١ - الفاعل، نحو: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [القصص/ ٤٦، السجدة/ ٣].\n٢ - والمفعول، نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الأنبياء/ ٢٥، الحج/ ٥٢].\n٣ - والمبتدأ، نحو: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة/ ٧٣].\nالثَّالثة: الملازمة للنفي، كالعريب، والصافر، والدابر، والديار.\nوفيما سوى هذه الثلاثة فهي ظاهرةٌ في العموم، كالعاملة فيها \"لا\" عمل \"ليس\".\n\nتنبيه:\nمن صيغ العموم: النكرةُ في سياق الشرط، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة/ ٦].\nوالنكرةُ في سياق الامتنان، نحو: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان/ ٤٨].\nوالنكرةُ في سياق النَّهي، نحو: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان/ ٢٤].","vol":"1","page":323},{"text":"فائدة:\nوربَّما أفادت النكرةُ في سياق الإثبات العمومَ بمجرَّد دلالة السياق، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ [التكوير/ ١٤]، ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ [الانفطار/ ٥]، بدليل قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ الآية [يونس/ ٣٠].\nوأنشد لنحوه صاحب \"اللسان\":\nيومًا ترى مرضعةً خَلُوجا ... وكلَّ أنثى حملتْ خَدُوجا\nوكلَّ صاحٍ ثَمِلًا مَرُوجا\nوأعلم أنَّ الحقَّ أنَّ صيغ العموم الخمس التي ذكرها المؤلف التي هي:\n١ - المعرف بـ \"أل\" غير العهدية.\n٢ - والمضاف إلى المعرفة.\n٣ - وأدوات الشرط.\n٤ - كل وجميع.\n٥ - والنكرة في سياق النفي.\nتُفيدُ العموم، وخلافُ من خالف في كلها أو بعضها كله ضعيفٌ لا يعول عليه.\nوالدليل على إفادتها العموم إجماعُ الصحابة على ذلك، لأنَّهم","vol":"1","page":324},{"text":"كانوا يأخذون بعمومات الكتاب والسنة، ولا يطلبون دليل العموم، بل دليلَ الخصوص، وبأنَّ السيِّد لو قال لعبده إحدى الصيغ المذكورة نحو: مَنْ دخل فأعطه درهمًا أو كلَّ داخلٍ فأعطه درهمًا، فعليه التعميمُ، وليس له منعُ أحدِ ممَّن شملهم العمومُ.\nومَنْ قال: إنَّ المفردَ المعرَّف بـ \"أل\" لا يعمُّ، يُرَدُّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر/ ١ - ٣]، إذْ لو لم يعم كلَّ إنسانِ لما استثنى منه ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.\n\nتنبيه:\nقال محققو الأصوليين: لا فرقَ في الجموع المعرفة بـ \"أل\" بين جمع القلة والكثرة؛ لأنَّ الاستغراق فيها مفهومٌ من الألف واللام، ولذا عمَّ معهما المفرد، كما ذكرنا آنفًا، فكيف بالجمع؟\nوقد أشار المؤلفُ إلى هذا في هذا المبحث، وهو ظاهر.\nوذكر في \"المراقي\" صيغ العموم بقوله:\nصيغُه كلٌّ أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع\nأين وحيثما ومَنْ أيٌّ وما ... شرطًا ووصلًا وسؤالًا أفهما\nمتى وقيل لا وبعض قيدا ... وما معرفًا بـ \"أل\" قد وجدا\nأو بإضافةٍ إلى المعرف ... إذا تحققُ الخصوصِ قد نفي\nوفي سياقِ النفي منها يذكر ... إذا بُني أو زِيد من منكر","vol":"1","page":325},{"text":"أوْ كان صيغةً لها النفي لزم ... وغير ذا لدى القرافي لا يعم\nوقيل بالظهور في العمومِ ... وهو مفاد الوضعِ لا اللزومِ\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>أقلُّ الجمع </span>ثلاثة، وحُكي من أصحاب مالكٍ وابنِ داودَ وبعض النَّحويين وبعضِ الشَّافعية: أقلُّه اثنان. . .) الَخ.\nخلاصةُ هذا المبحث أنَّ في أقلِّ الجمعِ قولين:\nأحدهما: أنَّه ثلاثة. وهو مذهب الجمهور.\nوالثَّاني: أنَّه اثنان. وعزاه المؤلف لمن ذكر، وهو رأي مالكٍ -﵀-.\nقال في \"المراقي\":\nأقلُّ معنى الجمعِ في المشتهرِ ... الاثنانِ في رأي الإمام الحميري\nيعني: مالكًا.\nوحجةُ هذا القول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ الآية [النساء/ ١١]؛ لأنَّها تحجبُ بالاثنين من الثلثِ إلى السدس.\nوقوله: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ الآية [طه/ ١٣٠]، مع أنَّهما\n_________\n(^١) (٢/ ٦٨٨).","vol":"1","page":326},{"text":"طرفان.\nإلى غير ذلك من الأدلة.\nقلتُ: وينبني على الخلاف ما لو أقرَّ بدراهمَ أو دنانير ولم يبيِّنْ، وقلنا يلزمُ أقلُّ الجمع، لأنَّه مُحَقَّقٌ، فعلى القول بأنَّه ثلاثةٌ تلزمُه ثلاثةٌ، وهو الحقُّ. واتفق علَى لزوم الثلاثة المذكورة المالكيةُ.\nوحجة الجمهور واضحةٌ، وهي أنَّ أهل اللسان العربيِّ فرَّقوا بين المفرد والمثنى والجمع، وجعلوا لكلِّ واحدٍ منها لفظًا وضميرًا مختصًّا به، فالفرقُ في اللسان بين التثنيةِ والجمع ضروريٌّ، ولا حجة لمن يقول: \"أقلُّه اثنان\" في حديث \"الاثنان فما فوقهما جماعةٌ\"؛ لأنَّ المرادَ حصولُ فضل الجماعة بالاثنين، وهو أمرٌ شرعيٌّ، والكلام في أمرٍ لغويٍّ.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإِذا وردَ لفظُ العموم على سببٍ خاصٍّ لم يسقط عمومه. . . (إلى أن قال) وقال مالكٌ وبعضُ الشَّافعية: يسقط عمومُه. . .) إلخ.\nحاصلُه: أنَّ العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص الأسباب، فالنصوصُ العامةُ الواردةُ على أسبابٍ خاصةٍ تكونُ أحكامُها عامةً، وهذا هو الحقُّ.\n_________\n(^١) (٢/ ٦٩٣).","vol":"1","page":327},{"text":"قلتُ: تحرير المقام في هذه المسألةِ أنَّ العامَّ الواردَ على سبب خاصٍّ، له ثلاثُ حالات:\nالأولى: أن يقترنَ بما يدلُّ على العموم، فيعمُّ إجماعًا، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨]، لأنَّ سبب نزولِها المخزوميةُ التي قطعَ النَّبيُّ -ﷺ- يدها، والإتيانُ بلفظ السارق الذكرِ يدلُّ على التعميم.\nوعلى القول بأنَّها نزلتْ في الرجل الذي سرقَ رداءَ صفوانَ بن أُميَّةَ في المسجد، فالإتيانُ بلفظ السارقة الأنثى دليل على التعميم أيضًا.\nالثَّانية: أن يقترنَ بما يدلُّ على التخصيصِ، فيخصُّ إجماعًا، كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب/ ٥٠].\nالثَّالثة: ألا يقترن بدليل التعميم ولا التخصيص، وهي مسألة المؤلف. والحقُّ فيها أنَّ العبرة بعموم اللفظِ لا بخصوصِ السبب، فيعمُّ حكم آية اللعان النازلة في عويمر العجلاني وهلال، وآية الظهَارِ النازلة في امرأة أوس بن الصَّامت، وآية الفديةِ النَّازلة في كعب بن عُجرة، وآية ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء/ ٧] النازلة في ابنتي سعد بن الرَّبيع. وهكذا.\n\nتنبيه:\n\nفإن قيلَ: ما<span data-type=\"title\" id=toc-183> الدليلُ على أنَّ العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوصِ السبب</span>؟\nفالجوابُ: أنَّ ذلك دلَّ عليه الوحيُ واللغة.","vol":"1","page":328},{"text":"أمَّا الوحيُ فإنَّ هذه المسألةَ سئل عنها رسول اللَّه -ﷺ- فأفتى بذلك، وذلك أنَّ الأنصاريَّ الذي قبَّل الأجنبية، ونزلت فيه ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية، [هود/ ١١٤]. قال للنبيِّ: أَلِيَ هذا وحدي يا رسول اللَّه؟\nومعنى ذلك: هل حكمُ هذه الآية يختصُّ بي لأنَّي سببُ نزولها؟\nفأفتاهُ النبيُّ -ﷺ- بأنَّ العبرةَ بعمومِ لفظِ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ لا بخصوصِ السبب، حيثُ قال له: \"بل لأمتي كلِّهم\".\nوهو نصٌّ نبويٌّ في محلِّ النزاع.\nومن الأحاديثِ الدالةِ على ذلك: أنَّه -ﷺ- لمَّا أيقظَ عليًّا وأمره وفاطمةَ بالصَّلاةِ من الليل، وقال له علي ﵁: إنَّ أرواحنا بيد اللَّه إنْ شاء بعثنا، ولَّى -ﷺ- يضربُ فخذَه ويقول: \" ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ \" [الكهف/ ٥٤]، فجعل عليًّا داخلًا فيها مع أنَّ سببَ نزولِها الكفارُ الذين يجادلون في القرآن.\nوخطابُه -ﷺ- لواحدٍ كخطابه للجميعِ -كما تقدم- ما لم يقُم دليلٌ على الخصوص.\nوأمَّا اللغةُ فإنَّ الرجلَ لو قالت: له زوجتُه: طلِّقني، فطلَّق جميع نسائه، لا يختصُّ الطلاقُ بالطالبةِ التي هي السبب.\nوالتحقيقُ عن مالكٍ أنَّه يوافقُ الجمهورَ في هذه المسألةِ خلافًا لما ذكره عنه المؤلف.","vol":"1","page":329},{"text":"وأشار في \"المراقي\" إلى أنَّ السبب لا يخصصُ عموم اللفظِ عند مالكٍ بقوله:\nوالعرف حيث قارن الخطابا ... ودع ضميرَ البعضِ والأسبابا\nوجمهورُ أهل الأصول على أنَّ صورة السبب قطعية الدخول في العامِّ، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، وهو التحقيق. وروي عن مالك: أنَّها ظنية الدخول كغيرها من أفراد العام.\nوأشار له في \"المراقي\" بقوله:\nواجزمْ بإدخالِ ذواتِ السبب ... واروِ عن الإمامِ ظنًّا تُصِبِ\nيعني بالإمامِ: مالكًا ﵀.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nقولُ الصحابيِّ: \"نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن المزابنةِ، وقضى بالشفعةِ فيما لم يُقسم\"، يقتضي العمومَ. وقال قوم: لا عموم له. . .) إلخ.\nهذه المسألةُ يترجمُ لها عند الأصوليين بـ \"حكاية الصحابي فعلًا ظاهره العموم\" نحو: \"نهى رسولُ اللَّه -ﷺ- عن بيع الغرر\"، و\"حكم بالشاهدِ واليمين\"، ونحو ذلك.\nوأكثرُهم يقولون: لا يعمُّ كلَّ غررٍ وكلَّ شاهدٍ -مثلًا-، زاعمين أنَّ\n_________\n(^١) (٢/ ٦٩٨).","vol":"1","page":330},{"text":"الحجةَ في المحكي لا في الحكاية، والمحكيُّ غيرُ عامٍّ.\nوالمؤلفُ يجزمُ باقتضائه العمومَ، وهو الذي اختاره ابنُ الحاجب، والفهري، والقرافي، وغير واحد.\nقلت: واقتضاؤه العمومَ هو الحقُّ؛ لأنَّ الصحابيَّ عدلٌ عارفٌ، فلا يروي ما يدلُّ على العمومِ إلَّا وهو جازمٌ بالعموم.\nوالحقُّ جوازُ نقل الحديثِ بالمعنى، وعدالةُ الصحابيِّ تنفي احتمالَ منافاةِ حكايته لما حكى، كما هو ظاهرٌ.\nوقد حققهُ القرافيُّ بإيضاح.\nوتبع في \"المراقي\" الأكثر القائلين بعدم العموم في هذه المسألة، فقال -عاطفًا على ما لا يعمُّ على الصحيح عنده-:\nوسائرٌ حكايةُ الفعلِ بما ... منه العمومُ ظاهرًا قد علمًا\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nوما ورَد مِنْ خطاب مضافٍ إلى النَّاس والمؤمنين دخل فيه العبد. . .) إلخ.\nحاصلُه أنَّ العبيد داخلون في الخطاباتِ العامة، نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية [النساء/ ١، الحج/ ١، لقمان/ ٣٣]، وقوله: ﴿وَتُوبُوا\n_________\n(^١) (٢/ ٧٠١).","vol":"1","page":331},{"text":"إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور/ ٣١]، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران/ ١١٠]؛ لأنهم من جملة النَّاس والمؤمنين والأمة، ومِنْ جملةِ المكلَّفين.\nوقال قومٌ: لا يدخلون إلَّا بدليل خاصٍّ؛ لخروجهم في كثير من العمومات، كالحجِّ، والميراثِ، ووجوبِ الجمعةِ، ونحو ذلك.\nوأجيبَ عنه: بأنهم داخلون إلَّا إذا دلَّ دليلٌ على إخراجهم. وهذا هو الظاهرُ. واعتمد في \"المراقي\" دخولَهم بقوله:\nوالعبدُ والموجودُ والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر\nوقول المؤلف (^١) في هذا الفصل: (ويدخُلُ النساءُ في الجمع المضاف إلى النَّاسِ وما لا يتبين فيه لفظ التذكير والتأنيث. .) إلخ.\nخلاصتُه: أنَّ له طرفين وواسطةً:\nأ - طرفٌ يدخلُ فيه النساءُ مع الرجال اتفاقًا، نحو: الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، وكأدوات الشرطِ نحو \"مَنْ\".\nب - وطرفٌ لا يدخلن فيه معهم إجماعًا، نحو: الرجال والذكور، كما لا يدخل الرجال في لفظ النساء والأناث، ونحو ذلك.\nج- وواسطةٌ اختلفَ فيها، وهي: الجموعُ المذكرةُ السالمةُ، كالمسلمين، وضمائر جماعةِ الذكور، نحو: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾.\n_________\n(^١) (٢/ ٧٠١).","vol":"1","page":332},{"text":"والمؤلفُ يميلُ إلى دخولهم في الجموع المذكرةِ ونحوها، وذكر أنَّه اختيارُ القاضي، وقولُ بعضِ الحنفية، وابن داود، وعزا عدمَ دخولهنَّ للأكثرين، وهو اختيارُ أبي الخطاب.\nقلتُ: واحتجَّ كل من الفريقينِ بالقرآن الكريم، كالآتي:\nأ - احتجَّ من قالَ بدخولهنَّ في جموع التذكيرِ ونحوها بقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم/ ١٢]، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف/ ٢٩]، وقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل/ ٤٣].\nوفي ضمائر المذكرِ بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة/ ٣٨]؛ فإنَّ الضمير يتناول حواء إجماعًا.\nب - واحتج من قال بعدم دخولهنَّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب/ ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية [النور/ ٣٠]، ثم قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية [النور/ ٣١]، والعطفُ يقتضي عدم الدخول، وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب/ ٧٣].\nواحتجَّ المؤلفُ وغيرُه لدخولهنَّ بأنَّ المذكَّر يغلبُ في الجمعِ على المؤنث.","vol":"1","page":333},{"text":"وأجاب المخالفون بأنَّ الخلاف ليس في جواز التغليبِ المذكور، وإنَّما هو في الظهورِ والتبادرِ من اللفظ.\n\nتنبيه:\nظاهرُ كلام المؤلف ﵀ أنَّ أدوات الشرط نحو \"مَنْ\" مجمعٌ على شمولها للنساء، مع أنَّ ذلك خالف فيه جماعةٌ من الحنفية.\nوقال إمامُ الحرمين: لفظُ \"مَنْ\" يتناولُ الأنثى باتفاقِ كلِّ من يُنسبُ للتحقيقِ من أرباب اللسان والأصول، وقالت شرذمة من الحنفية: لا\nيتناولهنَّ، فقالُوا في قوله -ﷺ-: \"مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه\": إنَّه لا يتناولُ المرأة، فلا تقتلُ عندهم المرتدةُ بناءً على ذلك.\nقلتُ: ومن الأدلة القرآنية على دخول النساء في لفظ \"مَنْ\" قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النساء/ ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب/ ٣٠]، ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب/ ٣١].\nوأشار إلى مسألة \"مَنْ\" والجمع المذكر السالمِ ونحوه في \"المراقي\" بقوله:\nوما شمولُ مَنْ للأنثى جنفُ ... وفي شبيه المسلمين اختلفوا","vol":"1","page":334},{"text":"قال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nالعامّ إذا دخله التخصيصُ يبقى حجةً فيما لم يخصَّ عند الجمهور. وقال أبو ثورٍ وعيسى بن أبان: لا يبقى حجةً؛ لأنَّه يصيرُ مجازًا، فقد خرج الوضعُ من أيدينا ولا قرينةَ تفصلُ وتحصلُ، فيبقى مجملًا.\nولنا: تمسكُ الصحابة ﵃ بالعمومات، وما من عموم إلَّا وقد تطرَّق إلي تخصيص إلَّا اليسير. . .) إلخ.\nمعنى كلامه ظاهرٌ، وهو مذهب الجمهورِ، وهَو الحقُّ.\nولا يخفى أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٤]-مثلًا- إذا بيَّن النبيُّ -ﷺ- أنَّه يخرجُ منه جمعُ المرأةِ مع عمتها أو خالتها، يبقى عمومه حجةً فيما سوى ذلك.\nوإلى هذه المسألة أشار في \"المراقي\" بقوله:\nوهو حجة لدى الأكثرِ إنْ ... مخصصٌ له معيَّنًا يَبِن\nوالقولُ بأنَّه لا يبقى حجةً في الباقي بعد التخصيص يلزمه بطلانُ جلِّ عموماتِ الكتاب والسنة؛ لأنَّ الغالب عليها التخصيص، والتخصيصُ لا يقدحُ في دلالة اللفظِ على الباقي، كما أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت/ ١٤] لا يقدحُ فيه\n_________\n(^١) (٢/ ٧٠٦).","vol":"1","page":335},{"text":"إخراج الخمسين بالاستثناءِ في صحة لبثه فيهم تسعمائة وخمسين -كما هو ظاهر-.\nوقولُهم: لا قرينةَ تفصلُ، مردودٌ بأنَّ اللفظَ شاملٌ للكلِّ بحسب الوضعِ، فلا يخرجُ منه إلَّا ما أخرجه دليلٌ.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nواختار القاضي أنَّه حقيقةٌ بعد التخصيص، وهو قولُ أصحاب الشافعي، وقال قوم: يصيرُ مجازًا على كلِّ حال. . .) إلخ.\nحاصلُ ما يقولُه الأصوليون في هذا المبحث أنَّ تخصيص العامّ ينقسمُ إلى عامٍّ مخصوصٍ، وعام أريد به الخصوص:\nأ - فالعامُّ المرادُ به الخصوص عندهم مجازٌ من غير خلافٍ بينهم.\nب - والعامُّ المخصوصُ فيه عندهم طرق:\nالأولى: أنَّه يصيرُ مجازًا -أيضًا-. وعزاه غيرُ واحدٍ للأكثر، واختاره ابن الحاجبِ والبيضاويُّ وغيرهما. وعزاه القرافيُّ لبعض أصحاب مالكٍ، وأصحابِ أبي حنيفة، وأصحاب الشافعي.\nوالثانية: أنَّه حقيقةٌ في الباقي. وذكر المؤلف أنَّه اختيارُ القاضي، واختاره -أيضًا- صاحب \"جمع الجوامع\"، وعزاه لوالده والفقهاء.\n_________\n(^١) (٢/ ٧٠٩).","vol":"1","page":336},{"text":"وهو أظهرها.\nوقال الغزاليُّ: إنَّه مذهب الشافعيِّ.\nوعزاه القرافيُّ لبعض أصحاب مالكٍ، وأصحابِ الشافعي، وأصحابِ أبي حنيفة.\nوحجةُ هذا القول: أنَّ تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص، لأنَّه يتناولُه بحسب الوضع الأصلي. وهو واضحٌ.\nواحتجَّ المانعون بأنَّ أصل الوضع يتناولهُ مع غيره لا دونه، والشيءُ مع غيرِه غيرُه، لا معَ غيرِه.\nولا يخفى أنَّ الأوَّل أظهر.\nالثَّالثة: إن خُص بما لا يستقلُّ بنفسه، كالاستثناء والشرط والصفة والغاية، فهو حقيقةٌ، وإن خُصَّ بمستقلٍّ مِنْ سمع أو عقلٍ فهو مجازٌ. وعزاه الآمديُّ والأبياريُّ للقاضي أبي بكر.\nوهذه الطرق هي التي أشار إليها المؤلفُ، وفيه أربعة أقوالٍ غيرها:\nالأوَّل: أنَّه حقيقةٌ إنْ كان الباقي غير منحصرٍ؛ لبقاء خاصية العموم. وبه قال ابنُ فورك.\nالثَّاني: أنَّه حقيقةٌ في تناول ما بقي، مجاز في الاقتصار عليه. وبه قال إمام الحرمين، وضعفه الأبياري.","vol":"1","page":337},{"text":"الثالث: إن خُصَّ باستثناء كان مجازًا، وإن خُصَّ بشرط أو صفة كان حقيقةً. وبه قال عبد الجبار من المعتزلة.\nالرابع: إن خصَّ بغير لفظٍ كالعقل فهو مجازٌ، وإن خُصَّ بدليلٍ لفظيٍّ مطلقًا فهو حقيقة.\nوأشار في \"المراقي\" إلى بعض الأقوال في هذه المسألة، مع تعريف العامِّ المخصوصِ والعامِّ المراد به الخصوص بقوله:\nوذو الخصوصِ وهو ما يستعمل ... في كلِّ الأفرادِ لدى مَنْ يعقلُ\nوما به الخصوص قد يرادُ ... جعلَه في بعضها النقادُ\nوالثَّاني اعْزُ للمجازِ جزمًا ... وذاك للأصلِ وفرع ينمى\nوهذا التقسيمُ للمتأخرين، وهما شيءٌ واحدٌ عند القدماء.\nقال في المراقي:\n* واتحدَ القسمان عند القُدما *\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nويجوز<span data-type=\"title\" id=toc-190> تخصيص العموم إلى أن يبقى واحدٌ</span>. وقال القاضي، والرازي، والقفال، والغزاليُّ: لا يجوزُ النقصان عن أقلِّ\n_________\n(^١) (٢/ ٧١٢).","vol":"1","page":338},{"text":"الجمع. . .) إلخ.\nحاصلُه: هل يجوزُ إخراج أفراد العامِّ بالمخصِّص حتَّى لا يبقى إلَّا فردًا واحدًا، أو لا بدَّ من بقاء أقلِّ الجمع؟\nجزم المؤلف بالأول، وعزا الثَّاني لمن ذكرنا.\nوذكر هذه المسألة في \"المراقي\" بقوله:\nجوازُه لواحدٍ في الجمعِ ... أتتْ به أدلةٌ في الشرع\nوموجبٌ أقلَّه القفَّالُ ... والمنعُ مطلقًا له اعتلالُ\nومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ الآية [آل عمران/ ١٧٣]؛ لأنَّ المراد بالنَّاس نعيمُ ابن مسعودٍ، أو أعرابي من خزاعة.\nويدل لذلك إفراد الإشارة في قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ الآية [آل عمران/ ١٧٥] كما نبه عليه غير واحد.\nوقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (^١) الآية [النساء/ ٥٤] المرادُ به النبيُّ -ﷺ-.\n_________\n(^١) في الأصل المطبوع: وقوله: (فنادته الملائكة). ولا وجه له هنا. ولعل المثبت هو الصواب. وانظر: \"نثر الورود\" (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":339},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nوالمخاطِبُ يدخل تحت الخطاب بالعام. وقال قوم: لا يدخل. . .) إلخ.\nحاصلُه: أن المخاطِب -باسم الفاعل- إذا خاطب غيره بصيغة العموم، هل يدخلُ هو في عموم ذلك الخطاب أو لا؟\nاختار المؤلفُ أنَّه يدخل.\nواحتجَّ المخالفُ بأنه لو قال لعبده: مَنْ دخل فأعطه درهمًا، فدخل هو، لم يدخل في عموم خطابه، فليس عليه أن يعطيه.\nوأجاب المؤلف عن هذا بأنَّ اللفظ عامٌّ، والقرينة هي التي أخرجت المخاطِب، وقدْ قدَّمنا طرفًا من هذا في الأمر.\nقلتُ: سأل أصحابُ رسولِ اللَّه النبيَّ -ﷺ- عن مضمون هذه المسألة، فأجابهم بما يقتضي دخول المخاطِب في الخطاب، وذلك أنَّه لمَّا قال لهم: \"لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنةَ\" سألوه: هل هو داخل في هذا الخطاب، بقولهم: ولا أنت؟ فقال -ﷺ-: \"ولا أنا إلَّا أن يتغمدني اللَّه برحمةٍ من فضله\".\nوذكر المؤلفُ في هذا المبحث أنَّ أبا الخطاب اختار أنَّ الآمر لا\n_________\n(^١) (٢/ ٧١٤).","vol":"1","page":340},{"text":"يدخلُ في الأمر، وقد قدمنا هذا في قولِ صاحب \"المراقي\":\nوما يعمُّ يشملُ الرسولا ... وقيل لا ولنذكر التفصيلا\n\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(فصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>اللفظ العامُّ يجبُ اعتقادُ عمومه </span>في الحال في قول أبي بكر والقاضي.\nوقال أبو الخطَّاب: لا يجبُ حتى يبحث فلا يجدُ ما يخصصُه. قال: وقد أومأ إليه في رواية صالح وأبي الحارث. . .) إلخ.\nحاصلُه: أنَّ التحقيقَ ومذهب الجمهورِ وجوبُ اعتقادِ العموم والعملِ به مِنْ غيرِ توقفِ على البحث عن المخصص؛ لأنَّ اللفظَ موضوعٌ للعموم فيجبُ العملُ بمقتضاه، فإن اطُلعَ على مخصِّصِ عُمِلَ به.\nوقيل: لا يجوزُ اعتقادُ عمومه ولا العمل به حتى يبحث عن المخصص بحثًا يغلبُ به على الظنِّ عدمُ وجوده؛ لأنه قبل البحث محتملٌ للتخصيص.\nقلت: وقد قدَّمنا أن الظاهر يجبُ العملُ به حتى يوجدَ دليلٌ صارف عنه، ولا شك أن العمومَ ظاهر في شمولِ جميع الأفرادِ كما لا\n_________\n(^١) (٢/ ٧١٧).","vol":"1","page":341},{"text":"يخفى.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nفي<span data-type=\"title\" id=toc-193> الأدلة التي يُخصُّ بها العمومُ</span>، ولا نعلمُ اختلافًا في جوازِ تخصيصِ العمومِ. . .) إلخ.\nأعلم -أولًا- أنَّه ﵀ لم يذكر تعريف التخصيص، ولا تقسيم المخصِّصِ إلى متصل ومنفصل، ونحنُ نوضحُ ذلك إن شاء اللَّه.\nفالتخصيص في الاصطلاح: قصرُ العامِّ على بعضِ أفراده بدليل يدلُّ على ذلك.\nوعرَّفه في \"المراقي\" بقوله:\nقصرُ الذي عمَّ مع اعتمادِ ... غير على بعض من الأفراد\nوالمخصِّصُ ينقسمُ عند أهل الأصولِ إلى متصلٍ ومنفصل:\n[أ - المتصل: وهو ما لا يستقلُّ بنفسه دون العام، بل لابدَّ من مقارنته للعام. وهو خمسةُ أقسام] (^٢):\n١ - الاستثناء: نحو: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور/ ٤ - ٥]، وقوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا\n_________\n(^١) (٢/ ٧٢١).\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق. وانظر: \"نثر الورود\" (١/ ٢٨٠).","vol":"1","page":342},{"text":"يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق/ ١].\n٢ - الشرط: نحو: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء / ١١]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور/ ٣٣].\n٣ - الصفة: نحو: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [النساء/ ٢٥]، و\"في الغنم السائمة الزكاة\".\n٤ - الغاية: نحو: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الآية [البقرة/ ٢٢٢]، ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة/ ٢٣٥].\n٥ - بدل البعضِ من الكلِّ: نحو: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران/ ٩٧].\nوأشار في \"المراقي\" للتخصيص بالاستثناء بقوله في المخصص المتصل:\nحروف الاستثناءِ والمضارع ... مِنْ فعلِ الاستثنا وما يضارع\nوأشار في \"المراقي\" للشرط بقوله:\nومنه ما كان مِن الشرط أَعِدْ ... للكلِّ عند الجلِّ أو وفقًا تُفِدْ\nأخرجْ به وإنْ على النصف سما ... كالقومِ أكرمْ إن يكونوا كُرما\nوإن ترتب على شرطين ... شيءٌ فبالحصولِ للشرطين\nوما على البدلِ قد تعلقا ... فبحصولِ واحدٍ تحققا","vol":"1","page":343},{"text":"وأشار للوصف بقوله:\nومنه في الإخراج والعود يرى ... كالشرط قُلْ وصفٌ وإن قبل جرى\nوأشار للغاية بقوله:\nومنه غاية عموم يشملُ ... لو كان تصريحٌ بها لا يحصلُ\nوما لتحقيقِ العمومِ فدع ... نحو سلامٌ هي حتَّى مطلع\nوهي لما قبل خلا تعود ... وكونها لما تلي بعيد\nوأشار لبدلِ البعضِ مِن الكلِّ بقوله:\nوبدلُ البعضِ مِن الكلِّ يفي ... مخصصًا لدى أناسٍ فأعرف\nب - وأمَّا المخصِّصُ المنفصلُ: فهو ما يستقلُّ بنفسه دونَ العامِّ مِنْ لفظٍ أو غيره.\nوهو ثمانيةُ أقسامٍ عند أهلِ الأصول:\n١ - الحس: وهم يمثلون له بقوله تعالى في ريح عادِ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأحقاف/ ٢٥]، فيقولون: أثبت الحسُّ أمورًا لم تدمرْها تلك الريحُ، كالسماواتِ، والأرضِ، والجبال.\nقلتُ: وفيه عندي نظرٌ؛ لأنَّ التخصيصَ قد يفهمُ مِنْ قوله تعالى: ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، وقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات/ ٤٢].\nنعم قد يصلحُ مثالُه بقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [النمل/","vol":"1","page":344},{"text":"٢٣]، و﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا﴾ الآية [القصص/ ٥٧]؛ لأنَّه مَنْ تتبَّعَ أقطار الدُّنيا قد يشاهدُ بالحسِّ بعض الأشياءِ التي لم تؤتَها بلقيس، ولم تُجْبَ إلى الحرم.\n٢ - العقل: ويمثلون له بقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الرعد/ ١٦، الزمر/ ٦٢].\nيقولون: دلَّ العقلُ على أنَّه تعالى لا يتناولُه ذلك، وإن كان لفظُ الشيءِ يتناوله، كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص/ ٨٨]، وقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام/ ١٩].\nومثَّل له المؤلفُ بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران/ ٩٧]؛ فإنَّ العقلَ دلَّ على أنَّ فاقد العقلِ بالكليةِ لا يدخلُ في هذا الخطاب.\n٣ - الإجماع: ومثَّل له بعضهم بإجماع المسلمين على أنَّ الأختَ من الرضاع لا تحل بملك اليمين، فيلزمُ تخصيصُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ الآية [المعارج/ ٣٠] بالإجماع.\nوالإجماعُ في الحقيقةِ -هنا- إنَّما يدلُّ على مستندٍ للتخصيصِ، فمستندُ هذا الإجماعِ الذي ذكرنا هو قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء/ ٢٣].\nالرابع: القياس، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ الآية [النور/ ٢]، فإنَّ عموم الزانية خُصِّصَ بالنَّصِّ وهو قوله في الإماءِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية [النساء/ ٢٥]، فقِيسَ عليها","vol":"1","page":345},{"text":"العبدُ، فخُصَّ عمومُ الزاني بهذا القياس، أعني قياسَ العبدِ على الأمة في تشطير الحدِّ عنها المنصوصِ عليه بقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ بجامع الرقِّ، فيلزمُ جلدُ العبدِ خمسين، لقياسه على الأمَة، ويخرج بذلك مِنْ عموم \"الزاني\" الذي يُجلدُ مائةً. وهذا التخصيصُ في الحقيقةِ إنَّما هو بما دل عليه قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ مِنْ أنَّ الرقَّ مناطُ تشطيرِ الحدِّ.\nالخامس: المفهوم، وهو:\nأ - مفهوم موافقة.\nب - ومفهوم مخالفة.\nفمثالُ التخصيص بمفهوم الموافقةِ: تخصيصُ قوله -ﷺ-: \"ليُّ الواجدِ ظلمٌ يحلُّ عرضَه وعقوبتَه\" الحديث، بمفهومِ الموافقةِ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء/ ٢٣]، فإنَّه يفهمُ منه منع حبس الوالد في الدَّينِ، فلا يحبسُ في دَيْنِ ولده.\nومثالُ التخصيصِ بمفهوم المخالفةِ: تخصيصُ حديثِ \"في أربعين شاةً شاة\" بمفهوم المخالفةِ في قوله: \"في الغنمِ السائمةِ الزكاة\"، فمفهومُ \"السائمة\" أنَّه لا زكاةَ في المعلوفة، فتخرجُ مِنْ عموم \"في أربعين شاةً شاةٌ\".\nالسادس: العرف المقارنُ للخطاب، ولم يذكره المؤلف -﵀-. ومثالُه: ما رواه الإمامُ أحمد ومَسلمٌ مِنْ حديثِ مَعْمرِ بن عبد اللَّه -﵁- قال: كنتُ أسمع النَّبيَّ -ﷺ- يقولُ: \"الطعامُ بالطعامِ","vol":"1","page":346},{"text":"مثلًا بمثل\" وكان طعامُنا يومئذٍ الشعير.\nفمَنْ يقولُ بأنَّ علة الربا غير الطعم خَصَّصَ عموم الطَّعام في هذا الحديثِ بالشعيرِ؛ للعرف المقارنِ للخطاب.\nالسابع: نصٌّ آخر يُخصِّصُ العمومَ، وهذا النوع أربعةُ أقسام؛ لأنَّ كلًّا من المخصِّص والمخصَّص -باسم الفاعلِ والمفعولِ- تارةً يكونُ كتابًا، وتارةً يكونُ سنةً؛ فالمجموعُ أربعةٌ مِنْ ضرب اثنتين في اثنتين:\nالأولى: تخصيصُ كتابٍ بكتاب، كتخصيص عموم ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية [البقرة/ ٢٢٨] بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ الآية [الطلاق/ ٤] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [الأحزاب/ ٤٩].\nوكتخصيص: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة/ ٢٢١] بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية [المائدة/ ٥].\nالثَّانية: تخصيص كتابٍ بسنة، كتخصيص: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ الآية [النساء/ ٢٤] بحديث \"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها\" الحديث.\nوتخصيص: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية [النساء/ ١١] بحديث \"إنَّا معشر الأنبياء لا نُورث\" الحديث.\nالثَّالثة: تخصيص سُنَّة بسنة، كتخصيص: \"فيما سقت السماءُ العشر\" بقوله: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\".","vol":"1","page":347},{"text":"ويدخل في هذا النوع التخصيصُ بفعله -ﷺ- أو تقريره؛ لأنَّ التقريرَ فعل ضمنيٌّ، وفعلهُ مِنْ سنَّته -ﷺ-.\nومن أمثلة تخصيص القرآن بالفعلِ تخصيصُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة/ ٢٢٢] بما ثبت عنه -ﷺ- أنَّه كان يأمرُ بعضَ أزواجه أن تشدَّ إزارَها ثم يباشرها وهي حائض.\nالرابعة: تخصيصُ السنة بالكتاب، ومثالُه: حديث \"ما أبينَ مِنْ حيٍّ فهو ميِّتٌ\"، فإنَّ عمومَه مخصَّصٌ بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ الآية [النحل/ ٨٠].\nوكتخصيص حديث \"أمرتُ أن أقاتِل النَّاسَ حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا اللَّه\" بقول اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة/ ٢٩].\nوأشار في \"المراقي\" إلى تعريف المخصِّصِ المنفصل وأقسامه بقوله:\nوسم مستقله منفصلا ... للحسِّ والعقلِ نماه الفضلا\nوخصص الكتاب والحديث به ... أو بالحديث مطلقًا فلْتنتبه\nواعتبر الإجماعَ جُلُّ النَّاسِ ... وقِسمي المفهومِ كالقياسِ\nوالعرفُ حيث قارنَ الخطابا ... ودع ضميرَ البعضِ والأسبابا\nوأعلم أنَّ التحقيقَ أنَّه يجوزُ تخصيصُ المتواتر بأخبار الآحاد؛ لأنَّ التخصيص بيانٌ، وقد قدَّمنا أن المتواترَ يُبيَّنُ بالآحاد قرآنًا أو سنة، كما","vol":"1","page":348},{"text":"أنَّ التحقيق -أيضًا- جوازُ تخصيص السنة بالكتاب، كما ذكرنا، خلافًا لِمَنْ منعه محتجًّا بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل/ ٤٤]، ومن الحجة عليه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [النحل/ ٨٩].\nوأعلم -أيضًا- أنَّ التحقيقَ هو تخصيصُ العامِّ بالخاصِّ سواء تقدَّم عنه أو تأخرَ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ القائلِ بأنَّ المتأخِّر منهما ناسخٌ، محتجًّا بقول ابن عباس أو الزُّهريّ: كانوا يأخذون بالأحدثِ فالأحدث، وبأنَّ العامَّ قطعيُّ الشمول للأفرادِ -عنده-، وعليه إنْ جُهِلَ التَّاريخ يلزمُ التوقف حتَّى يدلَّ دليلٌ آخر على أحدهما. وهذا المذهبُ روايةٌ -أيضًا- عن أحمد.\nوالدليلُ على تقديم الخاص على العامِّ مطلقًا أمران:\nالأوَّل: أن الصحابة كانوا يقدمونه عليه، كما قاله المؤلفُ وغيرُه، ومَنْ تتبع قضاياهم تحقَّق ذلك عنهم.\nالثَّاني: أن دلالة الخاصِّ أقوى من تناولِ العامِّ له، فلا شك أنَّ دلالة \"إنا معاشر الأنبياءِ لا نورث\" على عدم إرثِ فاطمة له -ﷺ- أقوى من دلالة عمومِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء/ ١١] على إرثها له -ﷺ﵂.\nوزاد المؤلفُ من المخصِّصاتِ المنفصلةِ قولَ الصحابي عند مَنْ يراه حجةً، وقد قدَّمنا أنَّ قولَ الصحابي لا يمكنُ أن يُخَصَّ به العامُّ إلَّا إذا كان له حكم الرفعِ بكونه لا مجالَ للرأي فيه.","vol":"1","page":349},{"text":"والمؤلفُ جعل فعله وتقريره -ﷺ- مخصِّصين مستقلَّين، ونحنُ أدرجناهما في التخصيصِ بالسنة؛ لأنَّ السنة قولٌ وفعلٌ وتقريرٌ، وقد مثلنا للفعلِ، ومثَّل بعضهم للتقرير بتقريره -ﷺ- على عدم إخراجِ الزكاة مِنَ الخيلِ فإنَّه يُخَصِّصُ وجوبَ الزكاة، مع أنَّ الخيل جاء بها نصٌّ وهو حديثُ \"ليس على مسلمٍ في عبده ولا في فرسه صدقةٌ\" متَّفقٌ عليه. والمخالفُ يقول: إن كثرت وكانت سائمةً ففيها الزكاة.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإذا تعارضَ العمومان فإن أمكنَ الجمعُ بينهما جمع. . .) إلخ.\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nحاصلُ كلامِ أهل الأصولِ في التعارض أنَّ له ثلاث حالات:\nالأولى: تعارضُ عامٍّ وخاصٍّ، وهي التي قدمنا أنَّ العامَّ فيها يُحملُ على الخاصِّ، خلافًا لأبي حنيفة القائل بأنَّ المتأخرَ ناسخٌ، وهو رواية عن أحمد.\nالثَّانية: تعارضُ خاصَّين، فيجبُ الترجيح، كتعارضِ حديثِ ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ -ﷺ- تزوجَ ميمونةَ وهو مُحرمٌ، مع حديثِ ميمونةَ وأبي رافعٍ بخلاف ذلك.\n_________\n(^١) (٢/ ٧٤٠).","vol":"1","page":350},{"text":"فيرجحُ حديثُ ميمونة بأنَّها صاحبةُ القصة، فهي أدرى بها، وحديثُ أبي رافعٍ بأنَّه هو السفير بينهما، والمباشرُ أعلم بالقصة من غيره.\nالثالثة: تعارضُ عامَّين مطلقًا أو مِنْ وجهٍ، فإنْ أمكن الجمعُ جُمِعَ وإلَّا وجبَ الترجيحُ.\nمثالُ ما أمكن فيه الجمع: أحاديثُ ذمِّ مَنْ يشهدُ قبلَ أنْ يُستشهد، مع أحاديث مدحه. فيجمعُ بحمل ذمِّه على أنْ يكون عالمًا بأنَّ صاحبَ الحقِّ عالمٌ بأنَّه يعرفُ حقَّه، ويحملُ مدحُه على كونه لم يعلم بأنَّه شاهدٌ له على حقِّه.\nومثالُ ما يجب فيه الترجيح: حديثُ وجوبِ الوضوء مِنْ مسِّ الذكر، وحديث عدم وجوبه. فيرجحُ حديثُ الوجوبِ بأنَّه أحوطُ في الخروج من العهدة.\nومثال الترجيع في الأعمَّين مِن وجهٍ: ترجيحُ عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦، المعارج/ ٣٠] بأنَّه أحوطُ -أيضًا-، وبأنَّه نصٌّ مقصودٌ لتحريم النساء وتحليلهنَّ، بخلاف: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فإنَّه في معرض مدحِ المتقين.\nوحاصلُ تحريره أنَّ المتعارضَيْنِ يجبُ الجمعُ بينهما إنْ أمكن، فإنْ لم يمكنْ رُجِّحَ أحدُهما، فإن لم يرجحْ فالأخيرُ ناسخٌ، فإن لم يُعلم الأخيرُ طُلِبَ الدليلُ من غيرهما.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>فصل في الاستثناء</span>\nصيغُ الاستثناء هي المعروفة في النحو، وأمُّ البابِ \"إلا\".\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(وحدُّه: أنَّه قولٌ ذو صيغةٍ متصل يدلُّ على أنَّ المذكور معه غيرُ مرادٍ بالقول الأول).\nوذكر المؤلف أن الاستثناء يفارق التخصيص في شيئين:\nالأول: أنَّ اتصاله لازمٌ بخلاف التخصيص.\nالثاني: أنه يتطرق إلى النصِّ الذي لا يحتملُ إلا معنى واحدًا، نحو: عشرة إلا ثلاثة، بخلاف التخصيص فهو من العمومات، وهي ظواهر.\nقلتُ: وقد قدَّمنا أنَّ غير المؤلف يعدُّ الاستثناء من المخصصات المتصلة.\nقال المؤلف (^٢):\n(ويفارقُ النسخَ -أيضًا- في ثلاثة أشياء:\nأحدها: في اتصاله.\n_________\n(^١) (٢/ ٧٤٣).\n(^٢) (٢/ ٧٤٤).","vol":"1","page":352},{"text":"والثاني: أنَّ النسخَ رافعٌ لما دخل تحت اللفظ، والاستثناء يمنعُ أنْ يدخل تحت اللفظ ما لولاه لدخل.\nالثالث: أنَّ النسخ يرفعُ جميع حكم النصِّ، والاستثناء إنما يجوزُ في البعض).\nقلتُ: وقد يجوز النسخُ في البعض، كحديث عائشة الثابت في مسلم من نسخ عشر رضعاتٍ بخمسٍ معلوماتٍ.\nواشترط المؤلفُ ثلاثة شروط:\nالأول: أن يكون متصلًا بالمستثنى منه.\nالثاني: أن يكون من جنس المستثنى منه.\nالثالث: أن يكون المستثنى أقل من النصف.\nوقال: في استثناء النصف وجهان.\nوحكى المؤلفُ جوازَ تأخيرِ الاستثناء عن ابن عباس. وحكى عن طاووسٍ والحسن جوازه في المجلس. قال (^١): (وأومأ إليه أحمد -﵀- في الاستثناء في اليمين، والأولى ما ذكرناه).\nقلتُ: التحقيق أنَّ الاستثناء لا بدَّ أنْ يكون متصلًا بالمستثنى منه، ويدلُّ له قوله تعالى في قصة أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص/ ٤٤]؛ إذْ لو كان تدارك الاستثناء ممكنًا لقال: قل إن شاء\n_________\n(^١) (٢/ ٧٤٧).","vol":"1","page":353},{"text":"اللَّه.\nوالظاهرُ فيما روي عن ابن عباس أنَّ مراده به الخروج من عهدةِ النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ الآية [الكهف/ ٢٣]، وليس مراده أنْ تُحَلَّ به الأيمانُ وغيرها مع تأخيره عنها.\nوأمَّا اشتراط كون المستثنى من جنس المستثنى منه، فاسْتُدِلَّ له بأنَّ الاستثناء أخرج بعض ما دخل في المستثنى منه، وغير جنسه لم يدخل حتى يخرج.\nوأكثر الأصوليين على جواز الاستثناء المنقطع، واستدلوا له بكثرةِ وروده في القرآن وفي كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم/ ٦٢]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة/ ٢٥، ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل/ ١٩، ٢٠]، وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء/ ٢٩].\nوقال النابغة الذبياني:\nوقفتُ فيها أُصَيْلالًا أُسائلُها ... عيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْعِ مِنْ أحدِ\nإلا الأواريَّ لأيًا ما أُبيِّنُها ... والنُّؤْيُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ\nوقال الراجز:\nوبلدةٍ ليس بها أنيسُ ... إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ","vol":"1","page":354},{"text":"وينبني على الخلاف في هذه المسألة ما لو قال: له عليَّ ألف درهم إلا ثوبًا، فعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع تسقط قيمة الثوب بتقدير مضافٍ، أو على المجاز عندهم من إطلاق الثوب وإرادة قيمته.\nوفرَّق بعضهم بين الإقرار فأسقط فيه قيمة الثوب، وبين العقد فجعل \"إلا\" فيه بمعنى الواو، وهو مقتضى كلام مالك في \"المدونة\".\nوأشار في \"المراقي\" إلى هذه المسألة مع تعريف الاستثناء المتصل والمنقطع بقوله:\nوالحكم بالنقيض للحكم حصل ... لما عليه الحكمُ قبل متصل\nوغيرُه منقطعٌ ورجِّحا ... جوازُه فهو مجازًا وَضَحَا\nفَلْتَنْمِ ثوبًا بعد ألف درهم ... للحذف والمجاز أو للندمِ\nوقيل: بالحذف لدى الإقرارِ ... والعقد معنى الواوِ فيه جار\nوأمَّا اشتراطُ كون المستثنى أقلَّ من النصف فقد استُدِلَّ له بأنَّ استثناءَ الأكثر ليس من لغة العرب.\nقال: وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير.\nوقال ابنُ جني: لو قال قائلٌ: له عليَّ مائةٌ إلا تسعةً وتسعين، ما كان متكلمًا بالعربية، وكان كلامهُ عيًّا من الكلام ولُكْنَةً.\nقلتُ: وهذا القولُ عزاه غيرُ واحدٍ لمالك، وهو قولُ الباقلاني والبصريين، وعليه أكثر النحاة.","vol":"1","page":355},{"text":"وقال أكثر الأصوليين: يجوزُ استثناءُ الأكثر، واستدلُّوا بأنَّ اللَّه تعالى قال في آية: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [الآية ص/ ٨٢، ٨٣]، وقال في أخرى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية [الحجر/ ٤٢]، قالوا: فلا بدَّ أنْ يكون الغاوون أكثر من المخلصين، أو العكس، وعلى كلٍّ فقد استثنى اللَّه الأكثر.\nقلتُ: وهذا الدليلُ في المسألة قويٌّ. وجواب المؤلف -﵀- عنه بدخول الملائكة في آية استثناء الغاوين وخروجهم من آية استثناء المخلصين، ليس بمتجهٍ فيما يظهرُ لي، بل الظاهر إخراجهم من الآيتين، أو إدخالهم فيهما. أمَّا إخراجهم من واحدةٍ وإدخالهم في الأخرى بلا دليلٍ، فهو تحكمٌ لا دليلَ عليه.\nأمَّا البيتُ الذي استدلَّ به بعضهم وهو قوله:\nأدُّوا التي نقصتْ تسعين عن مائةٍ ... ثم ابعثُوا حَكَمًا بالحقِّ قوَّامًا\nفقد أجاب عنه المؤلفُ بجوابين:\nأحدهما: أنَّه ليس فيه استثناء أصلًا.\nوالثاني: أنه مصنوعٌ، وعزاهُ لابن فضَّالٍ النحوي.\nوأشار في \"المراقي\" إلى جميع الأقوال في هذه المسألة بقوله:\nوجُوِّزَ الأكثرُ عند الجلَّ ... ومالكٌ أوجبَ للأقلِّ\nومنع الأكثر من نصِّ العدد ... والعقدُ منه عند بعضٍ انفقد","vol":"1","page":356},{"text":"تنبيه:\n\nلم يتكلم المصنفُ -﵀- على حكم<span data-type=\"title\" id=toc-196> تعدد الاستثناء</span>.\nوحكمه: إنْ تعدد بعطفٍ فجميع الاستثناءات راجعةٌ للمستثنى منه الأول، بلا خلافٍ، نحو: له عليَّ عشرة إلا واحدًا وإلا اثنين.\nفإنْ تكررت بلا عطفٍ فلها أربعُ حالات:\nالأولى: أن لا يستغرقَ واحدٌ منها. وفي هذه الحالة فكلُّ استثناءٍ راجعٌ لما قبله على التحقيق، نحو: له عليَّ عشرة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة. فتلزمه ستة؛ لأنَّ الثلاثة تخرجُ من الأربعة، فيبقى واحدٌ يخرجُ من الخمسة، تبقى أربعة تخرج من العشرة، تبقى ستة.\nالثانية: أن يستغرق كلّ ما يليه. فيبطل الكلُّ.\nالثالثة: أن يستغرق غير الأول. فيرجع الكل للمستثنى منه الأول بلا خلافٍ، نحو: له عليَّ عشرةٌ إلا اثنين إلا ثلاثة، فتلزم خمسة.\nالرابعة: أن يستغرق الأول وحده. نحو: عشرة إلا عشرة إلا أربعة. فقيل: يبطل ما بعد المستغرق تبعًا له، فيلزم العشرة.\nوقيل: يعتبر ما بعده.\nواختلف في طريق اعتباره.\nفقيل: يُستثنى من الاستثناء الأول، فيلزمُ أربعة.\nوقيل: يعتبر الثاني دون الأول، فتلزم ستة.","vol":"1","page":357},{"text":"وهذه الأقوالُ على قولِ من يجيزُ استثناءَ الأكثر.\nوالمثالُ لا يُعْتَرَضُ؛ لأنَّ المقصود منه فهمُ القاعدة.\nواعلم أنَّ التحقيقَ هو ما ذكرنا من جوازِ الاستثناء من الاستثناءِ، وذكره السَّيرافي في \"شرح كتاب سيبويه\".\nقلتُ: ودليله من القرآن قولُه تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية [الحجر/ ٥٨ - ٦٠].\nوأشار في \"المراقي\" إلى تعدد الاستثناء وأحكامه بقوله:\nوذا تعددٌ بعطفٍ حَصِّلِ ... بالاتفاقِ مسجلًا للأول\nإلَّا فكلٌّ للذي به اتصل ... وكلُّها مع التساوي قد بطل\nإنْ كان غير الأولِ المستغرقا ... فالكلُّ للمخرجِ منه حُقّقا\nوحيثما استغرق الأول فقط ... فألغِ واعتبر بخلفٍ في النمط\nوبهذا نعلمُ أنَّ قولَ ابن مالكٍ في \"الخلاصة\":\n. . . . . . . . . ... وحكمُها في القصدِ حكمُ الأولِ\nليس على إطلاقه.\nوقولُ المؤلف في هذا المبحث: (ولا نعلمُ خلافًا في أنه لا يجوزُ استثناءُ الكلِّ) (^١) فيه أنه خالف فيه ابنُ طلحة الأندلسي في كتابه\n_________\n(^١) (٢/ ٧٥٢).","vol":"1","page":358},{"text":"المسمى بالمدخل، وأشار له في \"المراقي\" بقوله:\nوالمثلُ عند الأكثرين مبطلُ ... ولجوازِه يدلُّ المدخلُ\nوعليه فلو قال: له عليَّ عشرة إلَّا عشرة، لم يَلْزَمْهُ شيءٌ. وعامةُ العلماءِ على خلافِه.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>إذا تعقب الاستثناءُ جُمَلًا</span>. . .) إلى آخره.\nخلاصةُ ما ذكره في هذا المبحث: أنَّ الاستثناء إذا ورد بعد جملٍ متعاطفةٍ رجع لجميعها، خلافًا لأبي حنيفة القائلِ برجوعِه للأخيرِ فقط، وبنى على هذا الأصل عدمَ قبولِ شهادةِ القاذفِ ولو تاب وأصلح؛ لأنَّ الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ لا يرجعُ عنده إلَّا للأخيرةِ، وهي ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الآية [النور/ ٤ - ٥].\nواستدل المؤلفُ لرجوعِ الاستثناءِ للكلِّ بثلاثةِ أمورٍ:\nالأول: قياسُه على الشرط.\nوقد قدَّمنا أنَّ الشرطَ يرجعُ لكلِّ المتعاطفاتِ قبله.\nالثاني: اتفاقُ أهل اللغة على أنَّ تكرار الاستثناءِ عقب كلِّ جملةٍ عِيٌّ ولكنةٌ فيما يُرادُ فيه الاستثناءُ من الجميع.\n_________\n(^١) (٢/ ٧٥٦).","vol":"1","page":359},{"text":"الثالث: أنَّ العطف بالواو يوجبُ نوعًا من الاتحاد بين المعطوف والمعطوف عليه.\nوأشار في \"المراقي\" إلى هذه المسألة بقوله:\nوكل ما يكون فيه العطفُ ... مِنْ قبلِ الاستثنا فكلًّا يقفو\nدون دليلِ العقلِ أو ذي السمعِ ... والحقُّ الافتراقُ دون الجمعِ\nوظاهرُ كلام المؤلف الفرقُ بين الواو وغيرها، وذكرَ غيرُ واحد أنَّ الفاء و\"ثم\" كذلك؛ لأنَّ الكلَّ يدلُّ على الاتفاقِ في الحكم، وإنَّما التفاوتُ في الترتيب والتراخي ومطلقِ التشريك، وهو الظاهر.\nأمَّا نحو: \"بَلْ\" و\"لكن\" و\"لا\"، فظاهرٌ أنها ليست كذلك؛ لأنَّها لأحد الشيئينِ بعينه، وهل يمكنُ رجوعُه فيهما للكلِّ؟ هو محلُّ تردُّدٍ للأصوليين.\nوأمَّا: \"أوْ\" و\"أمْ\" و\"إمَّا\"، فإنَّها لأحدهما لا بعينه، فلا يتأتَّى دخولُ المتعاطفين بها في محلِّ النزاع.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nفي<span data-type=\"title\" id=toc-198> الشرط</span>. . .) إلى آخره.\nقد قدَّمنا الكلام على الشرط مستوفًى في المخصصاتِ المتصلة.\n_________\n(^١) (٢/ ٧٦١).","vol":"1","page":360},{"text":"وهو ينقسمُ إلى عقليٍّ وشرعيٍّ ولغويٍّ.\nفالعقليُّ كالحياةِ للعلم، والشرعيُّ كالطهارة للصلاة، واللغويُّ نحو: إنْ دخلتِ الدار فأنتِ طالقٌ.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل في<span data-type=\"title\" id=toc-199> المطلق والمقيد</span>\nالمطلق: هو المتناولُ لواحدٍ لا بعينه باعتبار حقيقةٍ شاملةٍ لجنسه. وهي النكرةُ في سياق الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية [المجادلة/ ٣].\nوقد يكون في الخبر، نحو: \"لا نكاحَ إلا بوليٍّ وشاهدين\". . .) الخ.\nمشى المؤلفُ إلى اتحاد النكرة والمطلق الذي هو اسم الجنس، وكثيرٌ من الأصوليين يفرِّقون بينهما.\nوحَدَّ المؤلفُ المقيَّدَ بأنَّه: المتناولُ لمعيَّنٍ أو لغيرِ معيَّنٍ موصوفٍ بأمرٍ زائدٍ على الحقيقةِ الشاملةِ لجنسه.\nكقوله تعالى: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء/ ٩٢]، قيَّد الرقبة بالإيمانِ، والصيامَ\n_________\n(^١) (٢/ ٧٦٣).","vol":"1","page":361},{"text":"بالتتابع.\nوقد يكونُ اللفظُ مقيدًا مِنْ جهةٍ ومطلقًا مِنْ جهةٍ أخرى، كقوله: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فهي مقيدةٌ بالإيمان، مطلقةٌ بالنسبة إلى السلامة وسائرِ الأوصاف.\nوحَدَّهما في \"المراقي\" تحت ترجمة المقيَّدِ والمطلقِ بقوله:\nفما على معناه زيد مسجلًا ... معنى لغيره اعتقده الأولا\nوما على الذاتِ بلا قيدٍ يدل ... فمطلقٌ وباسمِ جنسٍ قد عُقِل\nوما على الواحدِ شاعَ النكرة ... والاتحادُ بعضُهم قد نصره\nعليه طالقٌ إذا كان ذكر ... فولدت الاثنين عند ذي النظر\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإذا ورد لفظان: مطلقٌ ومقيدٌ، فهو على ثلاثةِ أقسام. . .) الخ.\nاعلم أنَّ الأصل في القسمة كونها رباعية؛ لأنَّ المطلق والمقيَّد لهما أربعُ حالات:\nالأولى: أن يتحد حكمهما وسببُهما.\nالثانية: أن يتحد الحكمُ ويختلفَ السبب.\n_________\n(^١) (٢/ ٧٦٥).","vol":"1","page":362},{"text":"الثالثة: أن يتحد السببُ ويختلفَ الحكم.\nالرابعة: أن يختلفا معًا.\nفإن اتحد السببُ والحكمُ وجب حملُ المطلقِ على المقيدِ، خلافًا لأبي حنيفة.\nومثالُه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة/ ٣] مع قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام/ ١٤٥].\nوحجةُ أبي حنيفة: أنَّ الزيادةَ على النصِّ نسخٌ.\nوإن اتحد الحكمُ واختلفَ السببُ، كقوله في كفارة القتل: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء/ ٩٢] مع قوله في اليمينِ والظِّهارِ: ﴿رَقَبَةٍ﴾ [المائدة/ ٨٩، المجادلة/ ٣] فقط.\nفقيل: يحملُ المطلقُ على المقيد، فيشترطُ الإيمانُ في رقبة الظِّهارِ واليمين. وعزاه المؤلفُ للمالكيةِ وبعضِ الشافعيةِ واختيارِ القاضي.\nوقيل: لا يحملُ عليه. وعزاه المؤلفُ لجلِّ الحثفية، وبعض الشافعيةِ، وأبي إسحاق بن شاقلَّا، ونقلَ عن أحمدَ ما يدلُّ عليه.\nوأمَّا إن اختلف الحكمُ، فقال المؤلفُ (^١): (لا يُحْمَلُ المطلقُ على المقيَّدِ، سواء اختلف السببُ أو اتفقَ، كخصالِ الكفارةِ، إذْ قيَّد الصوم\n_________\n(^١) (٢/ ٧٦٩).","vol":"1","page":363},{"text":"بالتتابع؛ وأطلقَ الإطعام؛ لأنَّ القياسَ من شرطه اتحادُ الحكم، والحكمُ هنا مختلفٌ).\nهكذا قال المؤلفُ -رحمه اللَّه تعالى-.\nقلتُ: أمَّا إن اختلف الحكمُ والسببُ معًا فهو كما قال المؤلفُ، لا خلافَ في عدم حمله عليه.\nوأمَّا إن اختلف الحكمُ واتحد السببُ فبعضُ العلماء يقولُ في هذه الصورة: يحملُ المطلقُ على المقيَّدِ كما قبلها، ومثَّلوا له بصوم الظِّهارِ وعتقه، فإنهما مقيَّدان بقوله: ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وإطعامه مطلقٌ عن ذلك، فيقيَّدُ بكونه قبلَ المسيسِ، حملًا للمطلقِ على المقيَّد؛ لاتحاد السبب.\nومثَّل له اللخميُّ بالإطعام في كفارة اليمينِ، حيثُ قُيَّدَ في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة/ ٨٩]، وأطلقت الكسوةُ عن القيد بذلك في قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، فيحملُ المطلقُ على المقيَّد، فيُشترطُ في الكسوة أن تكون من أوسطِ ما تكسون أهليكم.\nوحَمْلُ المطلق على المقيَّد، قيل: من أساليب اللغة؛ لأنَّ العربَ يثبتون ويحذفون اتكالًا على المثبت، كقول قيس بنِ الخطيم:\nنحنُ بما عندنا وأنتَ بما ... عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ\nفحذفَ \"راضون\" لدلالة \"راضٍ\" عليه.\nوقول عمرو بن أحمر الباهلي:","vol":"1","page":364},{"text":"رماني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي ... بريئًا ومِنْ أجلِ الطويِّ رماني\nوقيل: بالقياس. وقيل: بالعقل، وهو أضعفها، ولم يذكره المؤلف.\n\nتنبيه:\nهذا الذي ذكرنا فيما إذا كان المقيدُ واحدًا.\n\nأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-201> إذا كان هناك مقيدان بقيدين مختلفين</span>، فإنْ كان أحدُهما أقربَ للمطلقِ حُمِلَ عليه عند جماعة من العلماء، وبه يقولُ المؤلف، وإنْ لم يكنْ أحدهما أقربَ لم يحمل على واحدٍ منهما اتفاقًا.\nمثالُ الأول: إطلاقُ صومِ كفارة اليمين عن القيدِ، مع قيدِ التتابعِ في صومِ الظِّهار، وقيدِ التفريقِ في صوم التمتع.\nفالظِّهارُ أقربُ لليمين من التمتع؛ لأنَّ كلًّا منهما كفارةٌ، فيُقَيَّد بالتتابع دون التفريق، وقراءةُ ابن مسعودٍ ﴿متتابعات﴾ لم تثبت قرآنًا؛ لإجماع الصحابة على عدم كَتْبِها في المصاحف العثمانية.\nومثالُ الثاني: صلامُ قضاء رمضان، فإنه تعالى أطلقه في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥]، مع قيد صوم الظهار بالتتابع، وصوم التمتع بالتفريق.\nوقضاءُ رمضان ليس أقربَ لواحدٍ منهما، فيبقى على إطلاقه، مَنْ شاء تابعه، ومَنْ شاء فرَّقه.\nوأشار في \"المراقي\" إلى هذه المسألة بقوله:","vol":"1","page":365},{"text":"وحملُ مطلقٍ على ذاك وجب ... إنْ فيهما اتحدَ حكمٌ والسبب\nوحيثما اتحد واحد فلا ... يحمله عليه جُلُّ العقلا","vol":"1","page":366},{"text":"قال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(باب في الفحوى والإشارة)\nاعلم أنَّ مرادَهُ بالفحوى والإشارةِ المفهومُ.\nوعَرَّفَ المفهومَ بأنه ما يقتبسُ من الألفاظِ من فحواها وإشارتِها، لا من صيغتها.\nقلتُ: وتعريفها المشهورُ عند أهل الأصول هو أنَّ المنطوقَ: ما دلَّ عليه اللفظُ في محلِّ النُّطق. والمفهومَ: ما دلَّ عليه اللفظُ لا في محلِّ النُّطقِ.\nوعرَّف في \"المراقي\" المنطوق بقوله:\nمعنًى له في القصد قل تأصُّلُ ... وهو الذي اللفظُ به يُستعملُ\nوعرَّف المفهومَ بقوله:\nوغير ما مرَّ هو المفهوم ... منه الموافقةُ قل معلوم\nوحاصلُ تحرير المقامِ في هذه المسألة: أنَّ لها واسطةً وطرفين:\nطرفٌ منطوقٌ بلا خلاف.\nوطرفٌ مفهومٌ بلا خلاف.\n_________\n(^١) (٢/ ٧٧٠).","vol":"1","page":367},{"text":"وواسطةٌ مختلفٌ فيها، هل هي من المنطوق غير الصريح أو من المفهوم؟\nفالمجمع على أنَّه منطوقٌ: دلالةُ الألفاظ على مسمياتها.\nوالطرفُ المتفقُ على أنَّه مفهومٌ: كمفهوم المخالفة الآتي ذكرُه.\nوالواسطةُ المختلفُ فيها، هل هي من المنطوق غير الصريح أو من المفهوم؟ هي<span data-type=\"title\" id=toc-203> دلالةُ الاقتضاء</span>، والإشارة، والإيماء والتنبيه. وجزم المؤلفُ بأنَّها من المفهوم، وأجرى غيرُه فيها الخلاف الذي ذكرنا.\nوإليه الإشارةُ في \"المراقي\" بقوله:\nوفي كلامِ الوحي والمنطوق هل ... ما ليس بالصريح فيه قد دخل\nوهو دلالةُ اقتضاءِ أنْ يدل ... لفظٌ على ما دونه لا يستقل\nدلالةُ اللزومِ مثل ذات ... إشارة كذاك الإيماءاتِ\nفأول إشارةُ اللفظِ لما ... لم يكن القصدُ له قد علما\nدلالة الإيماءِ والتنبيهِ ... في الفنِّ تقصد لدى ذويه\nأنْ يقرنَ الوصفُ بحكمٍ إن يكن ... لغير علةٍ يَعِبْهُ مَنْ فطن\nوسنوضِّحُ لك الفرق بينها:\n\n* اعلم أنَّ دلالة الاقتضاء لا تكون أبدًا إلا على محذوف دلَّ المقامُ عليه، وتقديرُه لا بدَّ منه؛ لأنَّ الكلام دونه لا يستقيمُ؛ لتوقفِ الصدقِ أو الصحةِ عليه.","vol":"1","page":368},{"text":"فمثال توقف الصدقِ عليه: \"رُفِعَ عَنْ أُمتي الخطأ والنسيان\" لو قُدِّرَ ثبوتُه؛ لأنَّه إنْ لم يُقَدَّرْ محذوفٌ، أي المؤاخذة بالخطأ، كان الكلامُ كذبًا؛ لعدم رفع ذات الخطأ؛ لأنه كثيرًا ما يقع الخطأ من الناس.\nوكقوله -ﷺ- لذي اليدينِ: \"كلُّ ذلك لم يكن\"، أي في ظنِّي؛ لأنه دون ذلك المحذوف يكونُ كذبًا؛ لأنه قد وقع بالفعل واحدٌ منهما.\nومثالُ توقف الصحة شرعًا عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: فأفطر، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة/ ١٨٤]، ومثله قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة/ ١٩٦] أي: فحلق شعره.\nفاتضح أنَّ دلالة الاقتضاءِ إنَّما هي على مقصودٍ محذوفٍ لا بدَّ من تقديره لتوقف الصدق أو الصحةِ عليه.\n\n* وإيضاحُ<span data-type=\"title\" id=toc-204> دلالة الإشارة:</span> أنَّها دلالةُ اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه لازمٌ للمقصود، فكأنَّه مقصودٌ بالتبع لا بالأصل.\nكدلالةِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية [البقرة/ ١٨٧] على صحة صومِ مَنْ أصبحَ جُنُبًا؛ لأنَّ إباحة الجماع في الجزء الأخير من الليل الذي ليس بعده ما يتسعُ للاغتسال من الليل يلزمُ إصباحَه جُنبًا.\nوكدلالةِ قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف/ ١٥]","vol":"1","page":369},{"text":"مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان/ ١٤] على أنَّ أقلَّ أمدِ الحمل ستة أشهر.\n\n* وأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-205> دلالةُ الإيماء والتنبيه:</span> فهي لا تكونُ إلا على علة الحكم خاصة، وضابطها: أن يذكر وصفٌ مقترن بحكم في نصٍّ نصوص الشرع على وجهٍ لو لم يكنْ ذلك الوصفُ علةً لذلك الحكم لكانَ الكلام معيبًا.\nومثالُه: قولُه -ﷺ- للأعرابي الذي قال له: هلكتُ! واقعتُ أهلي في نهارِ رمضانَ: \"أعتقْ رقبةً\". فلو لم يكن ذلك الوقاعُ علة لذلك العتقِ كان الكلامُ معيبًا.\nوكلُّ هذه الثلاثة مِنْ دلالةِ الالتزام. والحقُّ أنَّها مِن المفهوم.\nأمَّا المفهومُ فهو قسمان:\n١ - مفهوم موافقة.\n٢ - مفهوم مخالفة.\n\nأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-206> مفهومُ الموافقة </span>فهو: ما يكونُ فيه المسكوتُ عنه موافقًا لحكم المنطوق، مع كونِ ذلك مفهومًا مِنْ لفظ المنطوق.\nوعرَّفه في \"المراقي\" بقوله:\nإعطاء ما للفظة المسكوتا ... مِنْ بابِ أولى نفيًا أو ثبوتا\nوهو أربعةُ أقسام، لأنَّ المسكوتَ عنه:","vol":"1","page":370},{"text":"تارةً يكونُ أوْلى بالحكم من المنطوق، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة/ ٧]، فمثقالُ الجبلِ المسكوت عنه أولى بالحكم من مثقال الذرة، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢]، فأربعةُ عدولٍ المسكوتُ عنهم أوْلى.\nوتارة يكونُ مساويًا، كإحراق مال اليتيمِ وإغراقه المفهوم منعُه مِنْ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء/ ١٠].\nوكلا هذين القسمين يكونُ ظنيًّا، وقطعيًّا.\nفالأقسام أربعةٌ، وستأتي هذه المسألةُ بإيضاحٍ إن شاء اللَّه تعالى في القياس.\nواعلم أنَّ مذهب الجمهور هو كونُ هذا النوع من المفهوم.\nوذهب جماعةٌ منهم الشافعيُّ إلى أنَّه قياسٌ، وهو المسمى عندهم بالقياس في معنى الأصل.\nوذهب قوم إلى أنه مجازٌ من إطلاق البعض وإرادة الكل.\nوذهب قومٌ إلى أنَّ العرفَ اللغويَّ نقلَ اللفظَ مِنْ وضعه لثبوت الحكمِ في المذكور خاصةً إلى ثبوته في المذكور والمسكوتِ عنه معًا.\nوأشار إلى هذه الأقوال في \"المراقي\" بقوله:\nدلالةُ الوفاقِ للقياسِ ... وهو الجلي تعزى لدى أناسِ\nوقيل للفظِ مع المجازِ ... وعزوُها للنقلِ ذو جوازِ","vol":"1","page":371},{"text":"وأمَّا مفهومُ المخالفة فهو: أن يكون المسكوتُ عنه مخالفًا لحكمِ المنطوق، كقوله -ﷺ-: \"في الغنم السائمةِ الزكاةُ\".\nفالمنطوقُ: السائمةُ، والمسكوتُ عنه: المعلوفةُ، والتقييدُ بالسومِ يفهمُ منه عدمُ الزكاةِ في المعلوفة.\nويُسمى دليلَ الخطاب، وتنبيه الخطاب، وهو ثمانية أقسام:\n١ - مفهومُ الحصر. وأقوى صيغِ الحصر: النفيُ والإثباتُ، نحو: لا إله إلا اللَّه.\nفالأصوليون يقولون: منطوقُها نفيُ الألوهية عن غيرِه جلَّ وعلا، ومفهومُها إثباتُها له وحده جلَّ وعلا، والبيانيون يعكسون.\nقلتُ: الحقُّ الذي لا شك فيه: أنَّ النفي والإثبات كلاهما منطوقٌ صريحٌ، فلفظةُ \"لا\" صريحةٌ في النفي، ولفظةُ \"إلا\" صريحةٌ في الإثبات.\nفعدُّ مثلِ هذا من المفهوم غلطٌ -فيما يظهر لي-، وقد نبَّه عليه صاحب \"نشرِ البنود\".\nوإنَّما يكونُ للحصر مفهومٌ في الأدوات الأخر، نحو: إنَّما، وتقديم المعمول، وتعريف الجزءين، ونحو ذلك.\n٢ - ومفهومُ الغاية. نحو: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة/ ٢٣٠]، ومفهومه: أنَّها إنْ نكحتْ زوجًا غيره حلَّت له.\n٣ - ومفهومُ الشرط. نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ الآية [الطلاق/","vol":"1","page":372},{"text":"٦]، يفهمُ منه أنَّ غيرَ الحوامل لا نفقةَ لهنَّ.\n٤ - ومفهومُ الوصف. نحو: \"في الغنم السائمةِ زكاةٌ\".\n٥ - ومفهومُ العدد. نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور/ ٤]، يُفهمُ منه أنَّه لا يُجلدُ أكثر من ذلك.\n٦ - ومفهومُ الظرف زمانًا كان أو مكانًا.\nمثالُ الزماني: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة/ ١٩٧]، يُفهمُ منه أنَّه لا حجَّ في غيره.\nومثالُ المكاني: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة/ ١٨٧]، يُفهمُ منه أنَّه لا اعتكاف في غير المسجد عند مَنْ يقولُ ذلك.\n٧ - ومفهومُ العلة. نحو: أعطِ السائلَ لحاجته. يُفهمُ منه أنه لا يُعطى غير المحتاج.\n٨ - ومفهومُ اللقب. وهو أضعفها.\nوضابطُ اللقب عند الأصوليين: هو كلُّ اسمٍ جامدٍ، سواء كان اسم جنسٍ أو اسم جمعٍ أو اسم عينٍ، لقبًا كان أو كنيةً أو اسمًا، فلو قلتَ: جاء زيدٌ، لم يفهم منه عدمُ مجيء عمرو.\nبل ربما كان اعتبارُه كفرًا، كما لو قيل: محمدٌ رسولُ اللَّه، يُفهم من مفهوم لقبه أنَّ غيره لم يكن رسولَ اللَّه.\nوأشار في \"المراقي\" إلى أقسامه ومراتبه بقوله:","vol":"1","page":373},{"text":"وهو ظرفٌ علةٌ وعددُ ... ومنه شرطٌ غايةٌ يعتمدُ\nوالحصرُ والصفةُ مثل ما علم ... مِنْ غنمٍ سامتْ وسائم الغنم\nأضعفُها اللقبُ وهو ما أُبي ... من دونه نظمُ الكلامِ العربي\nفالشرطُ فالوصفُ الذي يناسب ... فمطلقُ الوصف الذي يقارب\nفعددٌ ثمت تقديم يلي ... وهو حجةٌ على النهج الجلي\nواعلم أنَّ أبا حنيفة -﵀- لا يقول بمفهوم المخالفةِ مِنْ أصله.\n\nتنبيه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>الفرقُ بين مفهوم الصفة ومفهومِ اللقب:</span> أنَّ تخصيص الغنم بالسَّوْمِ -مثلًا- لو لم يَكن للفرق بين السائمة وغيرها في الحكمِ لكان تطويلًا بلا فائدةٍ، بخلافِ: جاء زيدٌ، فإنَّ تخصيصه بالذكرِ ليمكن إسناد المجيء إليه، إذْ لا يصحُّ الإسنادُ بدون مسندٍ إليه.\nإذا علمتَ هذا فاعلم أنَّ المؤلفَ ﵀ لم يذكرْ دلالة الإشارة التي بيَّنَّا أصلًا، وإنّما أطلق الإشارة على الإيماءِ الذي بيَّنَّا، وأطلقَ التنبيهَ على مفهومِ الموافقة، ولا مشاحةَ في الاصطلاح.\nوذكر لمفهومِ المخالفةِ ستَّ درجاتٍ:\nالأولى: مفهومُ الحصر. وصيغُ الحصرِ كثيرةٌ، كالنفي والإثبات، و\"إنما\"، والتحقيق أنَّها أداةُ حصرٍ كما يدلُّ عليه جعلها في القرآن كثيرًا في موضعِ النفي والإثباتِ، نحو: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف/ ١١٠،","vol":"1","page":374},{"text":"الأنبياء/ ١٠٨، فصلت/ ٦]، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور/ ١٦، التحريم/ ٧]، وتقديم المعمولِ، وتعريفُ الجزأينِ، ونحو ذلك.\nالثانية: الشرط. قال: وأنكرَ مفهومَ الشرطِ قومٌ.\nقلتُ: ومِمَّن أنكره الباقلاني.\nالثالثة: الوصف. وجعله المصنفُ درجتين:\nإحداهما: أنْ يذكرَ الوصف قيدًا للاسم العامِّ.\nوالثانية: أنْ يذكر قيدًا لغير العامِّ، لا للفظِ الشاملِ لجميعها.\nالأولى أقوى من الثانية.\nومثالُ الأولى: \"في الغنم السائمةِ زكاةٌ\".\nومثالُ الثانية: \"الثيبُ أحقُّ بنفسها مِنْ وليِّها\".\nوالفرقُ بين المسألتين أنَّ التلفظَ باسم الغنمِ في الأولى تدخلُ فيه السائمةُ والمعلوفة، فلا يمكنُ أنْ يكون غافلًا عن المعلوفةِ لدخولها في لفظةِ الغنم، فيُعْلَمُ أنَّه ما خصَّ السائمةَ إلَّا لمخالفة حكمها لحكمِ المعلوفة، بخلافِ لفظ الثيب في الثانيةِ فلا يتناولُ البكْرَ، فيمكنُ أنْ يكونَ غافلًا عن البكرِ وقتَ التلفظِ باسمِ الثيب في الثانيةَ.\nوكثيرٌ من الأصوليين لا يفرقُ بين المسألتين.\nالدرجة الخامسة: مفهوم العدد. كحديثِ \"لا تحرمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتان\"، يفهمُ منه أنَّ الثلاثةُ تُحَرِّمُ، ولكن جاء نصٌّ يخالفُ هذا","vol":"1","page":375},{"text":"المفهومَ، وهِو: \"خمسُ رضعاتٍ يُحَرِّمْنَ\"، وقصة من عشر رضعاتٍ (^١) يُحَرِّمْنَ فنُسِخْن بخمسٍ. . . الخ معروفةٌ في الفروع.\nالسادسة: مفهوم اللقب. وهو مرادُ المؤلفِ بقوله (^٢): (السادسة: أنْ يخصَّ اسمًا بحكمٍ فيدلُّ عَلى أنَّ ما عداه بخلافه. . .) إلى آخره.\nوقد علمت أنَّ الحقَّ عدم اعتبارِ مفهوم اللقب، وأنَّ فائدة ذكرِه إمكانُ الإسنادِ إليه.\nوقال المؤلفُ (^٣) فيه: (وأنكره الأكثرون، وهو الصحيح).\n\nخاتمة:\n\nلم يذكر المؤلفُ -﵀-<span data-type=\"title\" id=toc-210> موانع اعتبارِ مفهوم المخالفة</span>، وله موانعُ تمنعُ اعتباره ذكرها الأصوليون، منها:\n١ - أنْ يكون تخصيصُ المنطوق بالذكر للامتنان، كقوله تعالى: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر/ ١٢]، فلا يفهم منه منعُ قديدِ الحوت.\n٢ - ومنها: تخصيصُه بالذكر لموافقةِ الواقع، كقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [آل عمران/ ٢٨]، فإنَّها نزلت في قومٍ والوا اليهود من دون المؤمنين، فجاءت الآيةُ ناهيةً عن الحالة الواقعةِ\n_________\n(^١) كذا في الأصل المطبوع.\n(^٢) (٢/ ٧٩٦).\n(^٣) (٢/ ٧٩٦).","vol":"1","page":376},{"text":"من غيرِ قصدِ التخصيصِ بها.\n٣ - ومنها: تخصيصُه بالذكرِ جريًا على الغالب، كقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء/ ٢٣]؛ لأنَّ الغالب في الربيبةِ كونها في حجر زوج أمِّها.\n٤ - ومنها: تخصيصُه بالذكر لأجل التوكيد، كحديث: \"لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللَّه واليوم الآخر. . . \" الخ.\n٥ - ومنها: ورودُ الجواب على سؤالٍ، فلو فُرِضَ أنَّ سائلًا سأله -ﷺ-: هل في الغنمِ السائمةِ زكاَةٌ؟ فأجابه: في الغنم السائمةِ زكاةٌ. لم يكن له مفهومٌ؛ لأنَّ صفة السومِ في الجواب لمطابقةِ السؤال.\n٦ - ومنها: أنْ يكون المتكلمُ لا يعرفُ حكمَ المفهوم، فإذا كان المتكلمُ يعلمُ حكمَ السائمةِ، ويجهلُ حكمَ المعلوفةِ، فقال: في السائمةِ زكاةٌ، يكونُ قوله لا مفهومَ له؛ لأنَّ تركهُ للمفهومِ لعدمِ علمه بحكمه.\n٧ - ومنها: الخوفُ، كأنْ يقول قريبُ العهد بالإسلامِ لعبده بحضرةِ المسلمين: تَصَدَّقْ بهذا على المسلمين. فلا يعتبرُ مفهومُ المسلمين؛ لتركه ذكر غيرهم خوفًا مِنْ أنْ يُتَّهمَ بالنفاق.\n٨ - ومنها: أن يكون السائلُ يعلمُ حكم المفهوم ويجهلُ حكمَ المنطوق، فلا يكونُ للمنطوقِ مفهومٌ؛ لأنَّ تخصيصَهُ بالذكرِ لأنَّ السائلَ لا يجهلُ إلا إيَّاه.","vol":"1","page":377},{"text":"وأشار في \"المراقي\" إلى أسماء مفهومِ المخالفةِ ومواقعه بقوله:\nوغيرُ ما مرَّ هو المخالفة ... ثمت تنبيه الخطابِ خالفه\nكذا دليلٌ للخطابِ انضافا ... ودعْ إذا الساكتُ عنه خافا\nأو جهلَ الحكمَ أو النطق انجلب ... للسُّؤلِ أو جريٍ على الذي غلب\nأو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>باب القياس</span>\nالقياسُ في اللغة (^١): التقدير. ومنه: قست الثوبَ بالذراع، إذا قدَّرته به، أو قست الجراحةَ إذا جعلت الميلَ فيها لتعرفَ غورَها.\nوهو في الشرع: حملُ فرعٍ على أصلٍ في حكمٍ بجامعٍ بينهما.\nوالمرادُ بالحملِ هنا الإلحاق، فالفرعُ كالأرز، والأصلُ كالبرِّ، والحكمُ كتحريم الرِّبا، والجامعُ كالكيل.\nولا بدَّ لكلِّ قياس مِنْ أصلٍ وفرعٍ وعلةٍ وحكم، كما سيأتي إيضاحُه -إنْ شاء اللَّه تعالى- في أركان القياس.\nواعلمْ أنَّ العلةَ هي مناطُ الحكم؛ لأنَّها مكانُ نوطِه أيْ تعليقه، وسُمِّيتْ علةً لأنَّها أثَّرتْ في المحلِّ كعلة المريض.\nومِنْ إطلاقِ النَّوطِ على التعليقِ في اللغةِ قولُ حسَّان ﵁:\nوأنت زنيمٌ نيط في آلِ هاشمٍ ... كما نِيطَ خلفَ الراكبِ القدحُ الفردُ\nوقول أبي تمام:\nأحبُّ بلاد اللَّه ما بين مَنْعِجٍ ... إليَّ وسلمى أنْ يصوبَ سحابُها\nبلادٌ بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي ... وأولُ أرضٍ مسَّ جلدي تُرابُها\n_________\n(^١) (٣/ ٧٩٧).","vol":"1","page":379},{"text":"ومِنْ هذا المعنى: ذاتُ أنواطٍ.\nوالاجتهادُ في العلةِ على ثلاثةِ أضرب:<span data-type=\"title\" id=toc-214> تحقيقُ المناطِ</span>، وتنقيحه، وتخريجه. وقد علمتَ أنَّ المناطَ هو العلة.\nفمعنى تحقيقِ المناط: تحقيقُ العلةِ في الفرع، وهو نوعان:\nالأول: مجمعٌ عليه في كلِّ الشرائعِ، وهو أنْ تكونَ القاعدةُ الكليةُ منصوصةً أو متفقًا عليها، فيجتهد في تحقيقها في الفرع، كوجوب المثل من النعم في بخزاء الصيد، وكوجوب نفقةِ الزوجة، فيجتهد في البقرة -مثلًا- بأنَّها مثلُ الحمارِ الوحشيِّ، ويجتهدُ في القدرِ الكافي في نفقة الزوجة.\nفوجوبُ المثلِ والنفقةِ معلومٌ من النصوص، وكونُ البقرةِ -مثلًا- وكونُ القدرِ المعينِ كافيًا في النفقةِ عُلِمَ بنوع من الاجتهاد، وهو هذا القسمُ مِن تحقيقِ المناط.\n\nوالمناطُ هنا ليس بمعناه الاصطلاحي؛ لأنَّه ليس المرادُ به العلة، وإنَّما المرادُ به النصُّ العامُّ، وتطبيق النصِّ في أفراده هو هذا النوعُ من تحقيقِ المناط. ولا يخفى أنَّ في عدِّه مِنْ تحقيق المناطِ مسامحةً، ولا مشاحة في الاصطلاح.\nالنوعُ الثاني منه: هو ما عرف فيه علةُ الحكمِ بنصٍّ أو إجماعٍ، فيحققُ المجتهدُ وجودَ تلك العلةِ في الفرع، كالعلمِ بأنَّ السرقةَ هي مناطُ القطع، فيحققُ المجتهدُ وجودها فيَ النبَّاش لأخذه الكفنَ مِنْ حرز مثله.","vol":"1","page":380},{"text":"الضرب الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-215> تنقيحُ المناط</span>.\n\nوالتنقيحُ في اللغة: التهذيب والتصفية، فمعنى تنقيحِ المناط: تهذيب العلةِ وتصفيتها، بإلغاء ما لا يصلحُ للتعليل، واعتبار الصالح له.\nومثالُه: قصة الأعرابي المجامع في نهار رمضان، ففي بعض رواياتها أنَّه جاءَ يضرب صدره وينتف شعره، ويقول: هلكتُ، واقعتُ أهلي في نهارِ رمضان، فقال له النبي -ﷺ-: \"أعتقْ رقبةً\".\nفكونُه أعرابيًّا، وكونُه يضربُ صدره، وينتفُ شعره، وكونُ الموطوءة زوجته -مثلًا-، كلها أوصافٌ لا تصلحُ للعليةِ فتُلغى تنقيحًا للعلةِ، أي تصفيةً لها عند الاختلاطِ بما ليس بصالحٍ.\nواعلمْ أنَّ تنقيحَ المناطِ تارةً يكونُ بحذف بعضِ الأوصاف لأنَّها لا تصلح، وتارةً بزيادة بعض الأوصافِ لأنَّها صالحةٌ للتعليل.\nوقد اجتمع مثالُهما في قصة الأعرابي المذكورة، فقد نَقَّحَ فيها المناطَ الشافعيُّ وأحمدُ مرةً واحدةً، وهي تنقيحُه بحذف الأوصافِ -كما قلنا-.\nونَقَّحَه مالكٌ وأبو حنيفة مرتين: الأولى هي هذه التي ذكرنا، والثانيةُ هي تنقيحُه بزيادة بعضِ الأوصاف، وهي أنَّ مالكًا وأبا حنيفةَ ألغيا خصوصَ الوقاعِ، وأناطا الحكمَ بانتهاك حرمةِ رمضان، فأوجبا الكفارة في الأكل والشرب عمدًا، فزادا الأكل والشربَ على الوقاعِ تنقيحًا للمناطِ بزيادة بعض الأوصاف.","vol":"1","page":381},{"text":"تنبيه:\nهذه الصورةُ التي فسَّر بها المؤلفُ تنقيحَ المناطِ، وهي تنقيحُه بالنقص، هي السبر والتقسيم بعينه، وتنقيحُه بالزيادة هي مفهومُ الموافقةِ بعينه وهو المعروفُ عند الشافعي -﵀- بالقياس في معنى الأصل.\n\nالضربُ الثالثُ:<span data-type=\"title\" id=toc-216> تخريج المناط</span>. وهو استخراج العلةِ بمسلكِ المناسبةِ والإخالةِ بعينه. وسيأتي -إن شاء اللَّه- في استنباطِ العلة بالمناسبة.\nهذا هو المعروفُ في الاصطلاح.\nوظاهرُ كلامِ المؤلفِ أنَّ مرادَه بتخريج المناطِ هو استخراجُ العلةِ بالاستنباطِ مطلقًا، فيدخلُ فيه السبرُ والتقسيمُ والدورانُ الوجوديُّ والعدمي مع المناسبةِ والإخالة.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل في<span data-type=\"title\" id=toc-217> إثباتِ القياسِ على منكريه</span>\nقال بعض أصحابنا: يجوزُ التعبدُ بالقياسِ شرعًا وعقلًا؛ لقول أحمدَ -﵀-: لا يستغني أحدٌ عن القياس.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٠٦).","vol":"1","page":382},{"text":"وبه قال عامةُ الفقهاءِ والمتكلمين.\nوذهبَ أهلُ الظاهرِ والنظامِ إلى أنَّه لا يجوزُ التعبدُ به عقلًا ولا شرعًا، وأومأَ إليه أحمدُ -﵀- فقال: يجتنبُ المتكلمُ في الفقه المجمل والقياس. وحمله القاضي على قياسٍ يخالفُ نصًّا. .) الخ.\nاعلمْ أولًا أنَّ ما ورد عن الصحابةِ مِنْ ذمِّ الرأي والتحذيرِ منه، إنَّما يعنون به الرأي الفاسدَ، كالقياس المخالفِ للنصِّ، أو المبني على الجهل؛ لإجماعهم على العمل بالرأي والاجتهاد فيما لا نصَّ فيه.\nوإلى هذا أشار في \"المراقي\" بقوله:\nوما روي من ذمه فقد عني ... به الذي على الفسادِ قد بني\nوذكر المؤلف أدلة لوجوب العملِ بالقياسِ، منها:\n١ - أنَّ عدمَ العمل به يُفضي إلى خلوِّ كثيرٍ من الحوادثِ عن الأحكامِ؛ لقلةِ النصوصِ وكونِ الصورِ لا نهايةَ لها.\n٢ - ومنها: أنَّ العقلَ يدركُ حكمَ العلل الشرعية، إذْ مناسبتُها للحكمِ عقليةٌ مصلحيةٌ يدركُ العقلُ طلب تحصيلها وورود الشرع بها.\n٣ - ومنها: أننا نستفيدُ بالقياسِ ظنًّا غالبًا، والعملُ بالظنِّ الراجح متعينٌ.\n٤ - ومنها: إجماعُ الصحابة ﵃ على الحكمِ بالرأي في الوقائع الخاليةِ من النصِّ، كقياسهم العهدَ على العقدِ في الإمامةِ العظمى، وكاجتهادهم في مسالةِ الجدِّ والإخوة، وتمثيلهم في ذلك","vol":"1","page":383},{"text":"بالغصنين والخليجين، وكقولهم في المشرَّكة، وكقول أبي بكر ﵁ في الكلالة: \"أقول فيها برأي\"، وكقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري: \"اعرف الأشباه والأمثالَ، وقس الأمورَ برأيك\"، وكقولهم في السكرانِ: \"إذا سكرَ هذى وإذا هذى افترى\"، فحدوه حدَّ الفرية، وكقول معاذٍ للنبيِّ -ﷺ- أنَّه يجتهدُ حيثُ لا كتابَ ولا سنة، فصوَّبه النبيُّ -ﷺ-.\nوأمثالُ هذا كثيرٌ جدًّا، إنْ لم تتواتر آحادها حصل بمجموعها العلمُ الضروري أنهم كانوا يجتهدون فيما لا نصَّ فيه.\n٥ - وقد استدلَّ على إثبات القياسِ بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر/ ٢]، وحقيقةُ الاعتبار مقايسةُ الشيء بغيره، كقولهم: اعتبر الدينارَ بالصنجةِ. وهذا الاعتبارُ هو القياس.\n٦ - وقولُه -ﷺ-: \"الحمدُ للَّه الذي وفَّق رسولَ رسولِ اللَّه لما يُرضي رسولَ اللَّه\".\n٧ - وقولُه -ﷺ-: \"إذا اجتهدَ الحاكمُ فأخطأ فله أجرٌ\".\n٨ - وقولُه -ﷺ-: \"أرأيتِ لوْ كان على أبيكِ دينٌ فقضيتِه أكان ينفعُه؟ \" قالتْ: نعم، قال: \"فدَيْنُ اللَّهِ أحقُّ أنْ يُقضى\"؛ فهو تنبيهٌ على قياس دَيْنِ اللَّهِ على دَيْنِ المخلوق.\n٩ - وقولُه -ﷺ- لعمرَ حين سأله عن القبلةِ للصائم: \"أرأيت لوْ تمضمضتَ\"؛ فهو قياسٌ للقُبلةِ على المضمضةِ بجامع أنَّ الكل مقدمةُ الفطر.","vol":"1","page":384},{"text":"وأمثالُ هذا كثيرٌ جدًّا.\n\nتنبيه:\nهذه الأدلة التي ذكر المؤلفُ منها ما هو أعمُّ مِنْ محلِّ النزاعِ؛ لأنَّ مطلقَ الاجتهادِ أعمُّ من القياس، ومنها ما يدلُّ على محلِّ النزاع كقصة معاذٍ، فإنَّه صرَّحَ فيه بأنَّ اجتهادَه فيما لا نصَّ فيه، وذلك إنَّما يكونُ بالإلحاقِ بالمنصوصِ، وكحديثِ الدَّينِ والمضمضة.\nومِنْ أصرحِ الأدلة على إثبات القياسِ ما ثبت في الصحيحينِ مِنْ قصة الذي وُلِدَ له ولدٌ أسود يخالفُ لونُه لونَ أُمِّه وأبيه، فقاسه -ﷺ- على أولادِ الإبلِ الحُمْرِ يكونُ فيها الأَوْرق، وقال فيه ﵊: \"فلعلَّه نزعه عرقٌ\"، والقصة صحيحةٌ مشهورة.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>(أوجه تطرقِ الخطأ إلى القياس)</span>\nاعلمْ أنَّ القياسَ يتطرقُ إليه الخطأُ من خمسةِ أوجه:\n١ - ألا يكون الحكمُ معللًا، كأن يُعَلَّلَ نقضُ الوضوءِ بلحم الجزورِ بأنَّه حارٌّ، فيُلحقُ به لحم الظبي فيجعله ناقصًا. وهذا بناء على أنَّ نقضَ الوضوءِ بلحم الجزورِ ليس تعبديًّا.\n٢ - ألا يصيب علته في نفس الأمرِ، كأنْ لا تكون علة الربا في البرِّ\n_________\n(^١) (٣/ ٨٣٢).","vol":"1","page":385},{"text":"الطعم، بالنسبة إلى مَنْ يُعَلِّلُ بالطعم.\n٣ - أنْ يقصرَ في بعض أوصاف العلة، كأنْ يقول: علةُ القصاصِ القتلُ العمدُ، ويحذف العدوان، فيلزمُ على علته القصاصُ مِن وليِّ الدم إذا اقتصَّ من القاتلِ لأنَّ قصاصَهُ منه قتلُ عمدٍ.\n٤ - أنْ يجمعَ إلى العلةِ ما ليس منها، كما لو جعل علة وجوبِ الكفارةِ على المواقع في نهارِ رمضانَ كونَه أعرابيًّا مجامعًا، فيلزمُ عليهَ أنَّ جماعَ الحضري ليَس علة الكفارة، وهو باطلٌ.\n٥ - أنْ يخطئ في وجود العلة في الفرعِ، كما لو ظنَّ التفاح مكيلًا فيلحقُه بالبر في الربا بجامع الكيل.\n\nتنبيه:\nاعلمْ أنَّ هذه الخمسة المذكورة هنا راجعةٌ إلى القوادحِ الآتية في آخر الكتاب.\nأمَّا الأول: وهو ألا يكون الحكمُ معللًا. . . الخ، فهو راجعٌ إلى نوع من أنواع القادحِ المعروفِ بعدم التأثير، وهو المعبرُ عنه بعدمِ التأثيرِ في الوصف، كما سيأتي إيضاحُه -إن شاء اللَّه-.\nوأمَّا الثاني: وهو ألا يصيب علته في نفس الأمر. . . الخ، فهو راجعٌ إلى القادح المذكورِ آنفًا -أيضًا-.\nوإن كان هناك مجتهدٌ آخرُ يُعَلِّلُ ذلك الحكم بعلة أخرى فهو راجعٌ إلى القادحِ المعروفِ بمركب الأصل.","vol":"1","page":386},{"text":"وأمَّا الثالث: وهو أنْ يُقصر في بعضِ أوصاف العلةِ. . . الخ، فهو راجعٌ إلى القادح المسمى بالكسر؛ لأنَّه إخلالٌ بجزئي العلة، والإخلالُ بجزئها كسرٌ لها. وهذا القادحُ لم يذكرهُ المؤلف.\nوأمَّا الرابع: وهو أن يجمعَ إلى العلة ما ليس منها. . . الخ، فهو راجعٌ -أيضًا- إلى عدم التأثير في الوصف؛ لأنَّ حكمَ جزء العلة كحكمِ جميعها.\nوأمَّا الخامس: وهو أنْ يخطئ في وجود العلة في الفرع، فهو راجعٌ إلى نوعٍ من أنواع القادحِ المسمى \"بالمنع\"، وهو منعُ وجود العلةِ في الفرع.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون:\nفالمقطوع ضربان:\nأحدهما: أنْ يكونَ المسكوتُ عنه أوْلى بالحكم مِن المنطوق، ولا يكون مقطوعًا به حتى يوجدَ فيه المعنى الذي في المنطوقِ وزيادة. . .) الخ.\nاعلمْ أولًا: أنَّ الإلحاق مِنْ حيثُ هو ضربان:\n_________\n(^١) (٣/ ٨٣٣).","vol":"1","page":387},{"text":"الأول: الإلحاقُ بنفي الفارق.\nالثاني: الإلحاقُ بالجامع.\nوضابطُ الأول: أنَّه لا يحتاجُ فيه إلى التعرضِ للعلة الجامعة، بل يكتفى فيه بنفي الفارقِ المؤثرِ في الحكم، كإلغاء الفارقِ بينَ البولِ في الماء الراكد، وبين البولِ في إناءٍ وصبه فيه.\nإذا علمتَ ذلك فاعلم أنَّ التحقيقَ أنَّ نفي الفارق أربعة أقسامٍ؛ لأنَّ نفيه إمَّا أنْ يكون قطعيًّا أو مظنونًا، وفي كلٍّ منهما إمَّا أنْ يكونَ المسكوتُ عنه أولى بالحكم مِن المنطوق أو مساويًا له.\nفالمجموعُ أربعة:\nالأول: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه أولى بالحكم من المنطوقِ، مع القطعِ بنفي الفارق، كإلحاقِ أربعةِ عدولٍ بالعدلين في قبول الشهادةِ في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق/ ٢]، وإلى مثقال الجبل (^١) بمثل الذرَّة في المؤاخذةِ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ الآية [الزلزلة/ ٧]، وكإلحاق الضرب بالتأفيفِ في الحرمةِ في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ الآية [الإسراء/ ٢٣].\nالثاني: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه مساويًا للمنطوقِ مع القطعِ بنفي الفارقِ أيضًا، كإلحاق إحراق مال اليتيم وإغراقه بأكله في الحرمة\n_________\n(^١) كذا في الأصل المطبوع. ولعل الصواب: وكإلحاق مثقال الجبل.","vol":"1","page":388},{"text":"في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية [النساء/ ١٠].\nوكإلحاق صبِّ البول في الماء بالبول فيه المذكور في حديثِ \"لا يبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ الذي لا يجري ثم يغتسلُ فيه\" الحديث.\nالثالث: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه أولى مع نفي الفارقِ بالظنِّ الغالب، كإلحاقِ شهادةِ الكافرِ بشهادة الفاسقِ في الردِّ المنصوصِ عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/ ٤]، لاحتمالِ الفرقِ بأنَّ الكافرَ يحترزُ عن الكذبِ لدينه في زعمه، والفاسقُ متهمٌ في دينه.\nوكإلحاق العمياءِ بالعوراءِ في منع التضحيةِ المنصوصِ في الحديث، فالعمياءُ أولى بالحكمِ المذكورِ من العوراء، ولكنَّ نفيَ الفارقِ مظنونٌ ظنًّا غالبًا مزاحمًا لليقين، وليس قطعيًّا، كما قاله غيرُ واحد.\nووجهُ ذلك أنَّ الغالبَ على الظنِّ أنَّ علة منع التضحيةِ بالعوراء هي كونُ العورِ نقصًا في ثمنها وقيمتها، والعمياءُ أحرى بذلك من العوراء، ولكنْ هنالك احتمالٌ آخرُ، هو أنْ تكونَ العلةُ هي أنَّ العورَ مظنَّةُ الهزالِ؛ لأنَّ العوراءَ ناقصةُ البصرِ إذْ لا ترى إلَّا ما قابل عينها المبصرة، ونقصُ بصرها المذكور مظنةٌ لنقصِ رعيها، ونقصُ رعيها مظنةٌ لهزالها. وهذه العلةُ المحتملةُ ليستْ موجودةً في العمياء؛ لأنَّ مَنْ يعلفها يختارُ لها أجودَ العلف، وذلك مظنةُ السِّمَن.\nوبما ذكرنا تعلمُ أنَّه لا يلزمُ مِنْ كون المسكوتِ عنه أولى بالحكمِ","vol":"1","page":389},{"text":"مِن المنطوقِ أنْ يكونَ قطعيًّا، خلافًا لما ذكره المؤلفُ -﵀-، وأنه لا يلزمُ -أيضًا- مِنْ كونه مساويًا أن يكون نفيُ الفارقِ ظنيًّا، خلافًا لظاهر كلامه.\nالرابع: هو ما كان المسكوتُ عنه فيه مساويًا للمنطوقِ به مع كونِ نفي الفارقِ مظنونًا لا مقطوعًا، كإلحاق الأمةِ بالعبد في سراية العتق المنصوص عليه في العبد في الحديث الصحيح، فالغالبُ على الظنِّ أنَّه لا فرقَ في سراية العتقِ بين الأمةِ والعبد؛ لأن الذكورة والأنوثةَ بالنسبةِ إلى العتقِ وصفانِ طرديَّانِ لا يُعَلَّقُ بواحدٍ منهما حكمٌ من أحكام العتق.\nوهناك احتمالٌ آخر هو الذي منع كون نفي الفارقِ قطعيًّا، وهو احتمالُ أن يكونَ الشارعُ إنَّما نصَّ على العبدِ في قوله: \"مَنْ أعتق شركًا له في عبدٍ. . . \" الحديث، لخصوصيةٍ في العبد لا توجدُ فى الأمةِ، وهي أنَّ العبدَ إذا أُعتقَ يزاولُ مِنْ مناصبِ الرجالِ ما لا تزاوُله الأنثى ولو حرةً.\n\nتنبيه:\nاعلم أنَّ نفي الفارق الذي ذكرنا أقسامه الأربعة إنَّما هو قسمٌ من تنقيح المناط، وهو مفهومُ الموافقةِ بعينه، واختلف العلماءُ في دلالته على مدلوله، هل هي قياسيةٌ أو لفظية؟ ولهم في ذلك أربعةُ مذاهب:\nالأول: أنَّ دلالة مفهوم الموافقةِ إنَّما هي مِنْ قبيلِ القياس، وهو المعروفُ عند الشافعي بالقياسِ في معنى الأصل، ويقالُ له: القياسُ الجلي.","vol":"1","page":390},{"text":"الثاني: أنَّ دلالة الموافقةِ لفظيةٌ، لكن لا في محلِّ النطق، لأنَّ ما دلَّ عليه اللفظُ في محلِّ النطقِ هو المنطوقُ، وما دلَّ عليه لا في محلِّ النطقِ هو المفهومُ، وكلاهما من دلالة اللفظ.\nالثالثُ: أنَّها دلالةٌ لفظيةٌ مجازيةٌ -عند القائلين بالمجاز-، وهو عندهم من المجاز المرسل، ومن علاقاتِ المجاز المرسل الجزئيةُ والكلية.\nقالوا: ففي مفهوم الموافقةِ يطلقُ الجزءُ ويُراد الكلُّ، وبعبارةٍ أخرى يُطلقُ الأخصُّ ويُرادُ الأعمُّ، فقد أطلقَ التأفيفَ في الآية وأريدَ به عمومُ الأذى، مجازًا مرسلًا كما زعموا.\nقالوا: وكذلك أطلق النهي عن أكل مال اليتيم، وأريد الإتلاف، فيدخلُ الإحراقُ والإغراقُ وغيرهما من أنواع الإتلاف، مجازًا مرسلًا كما زعموا -أيضًا-.\nالرابع: أنَّها لفظيةٌ؛ لأنَّ العرفَ اللغويَّ نقل اللفظ من وضعه لمعناهُ الخاصِّ إلى ثبوته فيه، وفي المسكوتِ عنه -أيضًا-.\nقالوا: فعرفُ اللغةِ نقلَ التأفيفَ من معناه الخاصِّ إلى عمومِ الأذى، ونقل أكل مال اليتيمِ من معناهُ الخاصِّ إلى عمومِ الإتلاف.\nوعلى هذا تكونُ دلالتُه لفظيةً، من قبيلِ الحقيقةِ العرفية.\nوأكثرُ الأصوليين على أنَّ اللفظَ دلَّ عليه لا في محلِّ النطق.\nالضربُ الثاني: هو الإلحاقُ بالعلةِ الجامعة، كإلحاقِ الذُّرة بالبُرِّ","vol":"1","page":391},{"text":"بجامعِ الكيل.\n\n(طرق إثبات العلة)\nاعلمْ أنَّ إثباتَ العلةِ له طريقان: النقلُ، والاستنباط.\nفالنقلُ ثلاثةُ أضربٍ، والاستنباطُ ثلاثةُ أضربٍ كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>أَضْرُبُ إثباتِ العلةِ بالنقل:</span>\nالضربُ الأول: النصُّ الصريحُ على العِلِّية، نحو: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة/ ٣٢]، وقوله -ﷺ-: \"إِنَّما جُعِلَ الاستئذانُ مِنْ أجلِ البصر\".\nوالمؤلفُ جعل اللامَ -لامَ التعليلِ-، والباء، ونحو ذلك، من الصريح، نحو: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة/ ١٤٣]، ونحو: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال/ ١٣، الحشر/ ٤]، ونحو ذلك.\nوغيرُه جعلَ هذا من الظاهر لا من الصريح.\nالضربُ الثاني: الإيماءُ والتنبيه، أنْ يُقْرَنَ الحكمُ بوصفٍ على وجهٍ لو لم يكنْ علةً لكان الكلامُ معيبًا عند العقلاء.\nوأنواعُ الإيماءِ والتنبيه -عند المؤلف- ستةٌ:\nالأول: أنْ يُذكر الحكمُ عقب وصفٍ بالفاءِ، فيدلَّ على أنَّ ذلك الوصفَ علةٌ لذلك الحكمِ، نحو: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي\nالْمَحِيضِ﴾ [البقرة/ ٢٢٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة/ ٣٨].","vol":"1","page":392},{"text":"ويلحق بهذا ما رتبه الراوي بالفاءِ، كقوله: \"سها النبيُّ -ﷺ- فسجد\"، و\"رَضَّ يهوديٌّ رأسَ جاريةٍ فأمرَ ﵊ أنْ يُرَضَّ رأسُه بين حجرين\".\nوبعضُ علماء الأصولِ يقول: إنَّ ما رتبه الراوي الفقيه بالفاء مقدَّمٌ على ما رتبه بها الراوي غيرُ الفقيه.\nالثاني: ترتيبُ الحكم على الوصف بصيغة الجزاء يدلُّ على التعليل، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب/ ٣٠]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق/ ٢].\nالثالث: أنْ يُذْكَر للنبيِّ -ﷺ- أمرٌ حادثٌ فيجيبُ بحكم، فيدل على أنَّ ذلك الأمرَ المذكورَ له -ﷺ- علةٌ لذلك الحكم الذي أجابَ به، كقول الأعرابي: \"واقعتُ أهلي في نهارِ رمضان\"، فقال له -ﷺ-: \"أعتق رقبةً\"، فدلَّ على أنَّ الوقاعَ هو علةُ العتق.\nالرابع: أن يَذْكُر مع الحكم شيئًا لو لم يُقَدَّر التعليل به لكان لغوًا غير مفيدٍ، وهو قسمان:\nالأول: أن يستنطقَ السائلَ عن الواقعةِ بأمرٍ ظاهرِ الوجود، ثم يذكر الحكم عقبه، كقوله لمَّا سئل عن الرطب بالتمرِ، قال: \"أينقصُ الرطبُ إذا يبسَ؟ \" قالوا: نعم، قال: \"فلا إذًا\"،، فلو لم يكن نقصانُ الرطب باليبس علةً للمنع لكان الاستكشافُ عنه لغوًا.\nالثاني: أن يعدل في الجوابِ إلى نظيرِ محلِّ السؤال، كما روي أنَّه","vol":"1","page":393},{"text":"لمَّا سألته الخثعميةُ عن الحجِّ عن الوالدين، فقال -ﷺ-: \"أرأيتِ لو كان على أمِّك دينٌ فقضيتِهِ، أكان ينفعها؟ \" قالت: نعم، قال: \"فديْنُ اللَّهِ أحقُّ بالقضاء\"، ففُهِمَ منه التعليل بكونه دينًا.\nالخامس: أن يُذْكَر في سياق الكلامِ شيءٌ لو لم يعلل به صار الكلامُ غيرَ منتظم، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة/ ٩]، فإنَّه يفهم منه أنَّ علة النهي عن البيع كونه مانعًا من السعي إلى الجمعة.\nالسادس: ذكرُ الحكم مقرونًا بوصفٍ مناسبٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار/ ١٣ - ١٤] أي لبرِّهم وفجورهم.\nالضرب الثالث: ثبوتُ العلةِ بالإجماع، كالإجماع على تأثيرِ الصغرِ في الولايةِ على المال.\nواعلمْ أنَّ بعضَ الأصوليين يقولون بتقديم الإجماع على النصِّ، لأنَّ النصَّ يحتملُ النسخَ، والإجماعَ لا يحتملُه. وسيأتي بيانُ ذلك، وبيانُ موجب تقديم الإجماع على النصِّ، في الكلام على ترتيب الأدلة.\nومرادهم بالإجماع الذي يقدمُ على النصِّ خصوصُ الإجماعِ القطعي دون الإجماع الظنيِّ.\nوضابطُ الإجماع القطعي هو الإجماعُ القولي، لا السكوتي، بشرط أن يكونَ مشاهدًا أو منقولًا بعدد التواترِ في جميع طبقاتِ السند.","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>أضربُ إثباتِ العلةِ بالاستنباطِ </span>الثلاثة:\nالضربُ الأول: إثباتُ العلةِ بمسلك<span data-type=\"title\" id=toc-224> المناسبة</span>.\nوالمناسبةُ لغةً: الملائمة.\nوفي الاصطلاح: كونُ الوصفِ يتضمنُ ترتبُ الحكمِ عليه مصلحةٌ، كالإسكارِ فإنَّ ترتب المنع عليه فيه مصلحةُ حفظِ العقلِ من الاختلال، ويسمى: المناسبة، والمناسبة والإخالة.\nوضابطُ مسلك المناسبة والإخالة عند الأصوليين: أنْ يقترنَ وصفٌ مناسبٌ بحكمٍ في نصٍّ من نصوصِ الشرع، ويكون ذلك الوصفُ سالمًا من القوادحِ، ويقوم دليلٌ على استقلالَه بالمناسبةِ دون غيره، فيعلم أنَّه علةُ ذلك الحكم.\nومثالُه: اقترانُ حكم التحريم بوصف الإسكارِ في قوله: \"كل مسكرٍ حرامٌ\"؛ فالإسكارُ مناسبٌ للتحريم، مقترنٌ به في النصِّ، سالمٌ من القوادحِ، مستقل بالمناسبة.\nواعلمْ أنَّ الوصفَ مِنْ حيثُ هو قسمان:\n١ - طرديٌ، كالطول والقصر.\n٢ - ومناسبٌ، كالإسكار والصغر لتحريم الخمرِ وولايةِ المال.\nإذا علمتَ ذلك، فالمناسبُ -عند المؤلفِ- ثلاثةُ أقسام: مؤثرٌ، وملائمٌ، وغريبٌ.\nوعند غيره أربعة: الثلاثةُ الأُوَلُ السابقة، والرابعُ: المرسل، وهو","vol":"1","page":395},{"text":"المعروفُ بالمصلحةِ المرسلة.\nواعلمْ أولًا أنَّ المراد بالجنس في هذا المبحث القدرُ المشتركُ بين أفرادٍ مختلفةٍ حقائقها، والمرادُ بالنوع القدرُ المشتركُ بين أفرادٍ متفقةٍ حقائقها.\nإذا علمت ذلك، فاعلمْ أنَّ المؤثر -عند المؤلف- قسمان:\nالأول: ما دلَّ نصٌّ أو إجماعٌ على تأثير عين الوصف في عين الحكم. ومثَّل له المؤلفُ بنفي الفارقِ المتقدم.\nالثاني: ما دلَّ نصٌّ أو إجماعٌ على تأثير عين الوصف في جنس الحكم. ومثَّل له المؤلفُ بالأخوَّةِ من الأب والأمِّ فإنَّه مؤثرٌ بالنصِّ في التقديم في الميراث، فيقاسُ عليه ولايةُ النكاح.\nوالملائمُ -عند المؤلف- هو ما دلَّ نصٌّ أو إجماعٌ على تأثير جنس الوصفِ في عين الحكمِ فيه. ومثَّل له بتأثير جنسِ المشقةِ في إسقاطِ الصلاةِ عن الحائض (^١)؛ لأنَّه ظهرَ تأثيرُ جنس الحرجِ في عين إسقاط الصلاة، كتأثيرِ مشقة السفرِ في إسقاطِ ركعتين من الرباعية.\nوالغريبُ -عند المؤلف- هو ما دلَّ الدليلُ المذكورُ على تأثير جنس الوصفِ في جنسِ الحكم فيه. ومثَّل له بتأثير جنسِ المصالح في جنسِ الأحكام.\n_________\n(^١) المراد إسقاط القضاء؛ لأن قضاء الحائض الصلاة عن أيام حيضها بعد الطهر مشقة عليها. \"عطية\"","vol":"1","page":396},{"text":"وقال محشِّيه: وذلك كإلحاق الصحابةِ شاربَ الخمرِ بالقاذفِ في جلده ثمانين؛ لأنَّه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى.\nوذكر جماعةٌ من أهل الأصولِ: أنَّ المؤثرَ ما دلَّ نصٌّ أوْ إجماعٌ على اعتبار عينه في عين الحكم.\nوالملائمَ: هو ما دلَّ فيه الدليلُ المذكورُ على اعتبارِ عينه في جنسِ الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم.\nوأنَّ الغريبَ: هو ما دلَّ الدليلُ على إهدارِ المصلحةِ التي صار بها مناسبًا.\nومثالُه: جماعُ الملكِ في نهارِ رمضان، فالمصلحةُ تتمحَّضُ في تكفيره بخصوصِ الصوم، لأنَّه هو الذي يردعه، لخفةِ العتقِ والإطعامِ عليه، ولكنَّ الشرعَ ألغى هذه المصلحة.\nواعلمْ أنَّ الشرعَ لا يلغي مصلحةِ إلَّا لأجل مصحلةِ أخرى أرجح منها، فإلغاؤه مصلحةَ زجر الملكِ المجامع في نهار رمضانَ بخصوصِ الصومِ إنَّما هو مِنْ أجلِ أنَّ مصلحةَ إعتاقَ الرقبةِ وإطعامِ المساكين أرجحُ في نظر الشرعِ من التضييقِ على الملك بخصوصِ الصومِ لينزجرَ.\nوالمرسلَ: هو ما لم يقمْ دليلٌ خاصٌّ على اعتبارِ مناسبته، ولا على إهدارِها.\nومثَّلوا لتأثير العينِ في العينِ بتأثير الصغر في عين الولايةِ على المال، وبتأثير مسِّ الذكرِ في نقضِ الوضوء.","vol":"1","page":397},{"text":"ولتأثير العين في الجنس بتأثير عين الصغر في ولاية النكاح؛ لأنَّ عين الصغر اعتبر إجماعًا في جنس الولاية الصادق بولايةِ المال؛ لأنَّ الجنس يوجدُ في كلِّ فردٍ من أفراده من حيثُ هو قدرٌ مشتركٌ بينها.\nومثلوا لتأثيرِ الجنس في العين بأنَّه لو لمْ يَرِدْ دليلٌ على الجمع في الحضرِ لمشقة المطرِ ونحوه فإنَّ الدليلَ دلَّ على اعتبارِ جنس المشَقةِ في عين الحكمِ الذي هو الجمع، كتأثيرِ مشقة السفرِ في الجمع.\nومثلوا لتأثيرِ الجنس في الجنس بتأثير القتل بالمثقل في القصاص، للإجماعِ على اعتبارِ جنس الجناية في جنس القصاص.\nواعلم أنَّ للجنس مراتب بعضها أعمُّ من بعضٍ في الأوصافِ والأحكامِ، فأعمُّ أجناس الحكمِ كونُه حكمًا، وأخصُّ من ذلك كونُه واجبًا أو محرَّمًا -مثلًا- وأخصُّ من الواجبِ كونُهُ عبادةً أو غيرَ عبادةٍ.\nوالمرادُ بغير العبادةِ ما ليس تعبديًّا، كقضاء الدَّين، وردِّ المغصوبِ والأمانةِ، والتعبدي كالصلاة.\nويظهرُ الفرقُ بينهما بأنَّ فاعلهما لا بقصدِ الامتثالِ يصحُّ له الأولُ دون الثاني، وإنْ كان لا يؤجرُ إلا بالنيةِ.\nوأَخَصُّ من العبادة كونُها صلاةً أو غيرها.\nوأعمُّ أنواع الوصف كونُه وصفًا تُناطُ به الأحكام، وأخصُّ منه كونه مناسبًا، وأخصُّ من المناسبِ كونُه مصلحةً أو درء مفسدة، كالحاجياتِ والضرورياتِ والتتميمات.","vol":"1","page":398},{"text":"إذا علمتَ مراتبَ الأحكامِ والأوصافِ، فاعلمْ أن ما هو أخصُّ مقدَّمٌ على ما هو أعمُّ.\nفجنسُ القرابةِ -مثلًا- مؤثرٌ في نوع الميراثِ، فيقدمُ الأخصُّ، فلذا تقدَّمُ البنوةُ على الأخُوَّةِ، والأُخُوَّةُ على العمومةِ -مثلًا-.\nومِنْ هنا قال بعضُ العلماء: يُقَدَّمُ الحريرُ على النجس إذا لم يجد المصلي غيرهما؛ لأنَّ النجسَ أخصُّ بالصلاةِ من الحرير؛ لأنَّ تحريم الحرير لا يختصُّ بالصلاة، فكان تحريم النجس أقوى منه لأنَّه يختصُّ بها.\nوأنَّه إن لم يجد المحرمُ المضطرُّ إلا ميتةً وصيدًا أكل الميتةَ دون الصيدِ؛ لأنَّ تحريم الصيدِ خاصٌّ بالإحرامِ، والقاعدةُ تقديمُ الأخصِّ.\nوخالف بعضُ العلماء في الفرعين. واللَّه أعلم.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(النوعُ الثاني في إثبات العلةِ: السبر. . .) الخ.\nاعلمْ أولًا أنَّ هذا المسلك مِنْ مسالكِ العلةِ يسمى بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبهما معًا، وهو الأكثر.\nوالسَّبرُ -بالفتح- لغةً: الاختبار، ومنه سمي ما يعرفُ به طولُ الجرحِ وعرضه سِبارًا ومسبارًا.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٥٦).","vol":"1","page":399},{"text":"وأصلُ هذا الدليل من حيث هو مبنيٌّ على أمرين:\nأحدها: حصرُ أوصافِ المحلِّ، وهو المعبرُ عنه بالتقسيم.\nثانيهما: إبطالُ ما ليس صالحًا للتعليلِ بطريقٍ من طرقِ الإبطالِ الآتية، فيتعينُ الوصفُ الباقي، وهو المعبَّرُ عنه بالسبر.\nفإذا عرفتَ معنى هذا المسلكِ، فاعلمْ أنَّ خلاصته ما ذكره فيه المؤلفُ أنَّ أبا الخطَّاب اشترطَ في هذا المسلكِ إجماعَ الأمةِ على أنَّ الأصل المقيس عليه مُعَلَّلٌ، أي غير تعبديٍّ، مع الاختلافِ في تعيين العلة، فيبطل المستدلُّ بالسبرِ جميع ما قالوه إلا واحدةً فيعلم صحتها، كي لا يخرج الحق عن أقاويل الأمة.\nفنقول: الحكمُ معلَّلٌّ ولا علة فيه إلا كذا وكذا، وقد بطل أحدهما فيتعينُ الآخرُ.\nكأنْ يقولَ الحنبليُّ -مثلًا-: علةُ تحريم الربا إمَّا الكيل وإمَّا الطعمُ وإمَّا الاقتياتُ والادخار، فيبطلُ ما سوى الكيلِ، فيتعين الكيلُ.\nفهذا المسلكُ متأسِّسٌ على ثلاثةِ أمورٍ -على ما درج عليه المؤلفُ-:\nالأول: الإجماعُ على كونِ حكمِ الأصلِ معللًا.\nالثاني: كونُ التقسيم حاصرًا لجميع ما يعلل به، وذلك إمَّا بموافقةِ الخصمِ أو عدمِ إبدائه وصفًا زائدًا، سواء أقرَّ بالعجزِ عن ذلك، أو ادعاهُ وامتنعَ عن ذكره.","vol":"1","page":400},{"text":"الثالث: إبطالُ ما سوى ذلك الوصف.\nولهذا الإبطال طريقتان:\nالأولى: وجودُ الحكم بدونِ الوصفِ الذي يبطله المستدلُّ بالسبر، فيظهرُ أنَّه غيرُ العلةِ، لوجودِ الحكمِ دونه.\nومثالُه: قولُ الشافعيِّ المعلِّل تحريم الربا في البرِّ بالطعم: إنَّ وصف الكيل والاقتياتِ والادخارِ لغوٌ، بدليلِ وجودِ الحكمِ الذي هو منعُ الربا في ملء الكفِّ من البرِّ مع أنَّه لا يُكالُ، وليس فيه قوتٌ لقلته، فيتعينُ وصفُ الطعم.\nومثَّل لهذا المحشِّي بقول الحنبلي والشافعيِّ -مثلًا-: يصحُّ أمانُ العبدِ لأنَّه صادر عن عاقلٍ مسلمٍ غير متهم، فيصلحُ، قياسًا على الحرِّ.\nفيقول الحنفيُّ -مثلًا-: بقي وصفٌ آخرُ هو الحريةُ، لم يوجد في الفرعِ، فيبطلُ القياس.\nفيقول المستدلُّ: وصفُ الحرية لغوٌ هنا، بدليلِ الاتفاقِ على صحةِ أمان العبدِ المأذونِ له.\nالثانية: أن يكونَ الوصفُ طرديًّا لم يعهد من الشارع الالتفاتُ إليه في إثباتِ الأحكام، إمَّا بالنسبةِ إلى جميع الأحكام كالطولَ والقصر، أو إلى بعضها كالذكورةِ والأنوثةِ بالنسبة إلى العتقِ لأنَّهما يعتبران في غير العتقِ كالشهادةِ والميراث.\nولا يكفي المستدلَّ بالسبر في الإبطالِ المذكورِ النقضُ الذي هو","vol":"1","page":401},{"text":"وجودُ الوصفِ دون الحكم. وسيأتي إيضاحُه في القوادح إنْ شاء اللَّه.\nواعلمْ أنَّ المؤلفَ ذكر أنَّه لا يكفي في حصر الأوصافِ أنْ يقول المستدلُّ: بحثتُ فلم أجدْ إلا هذا، وأنَّه لا يكفي في الإبطال أنْ يقول: بحثتُ في الوصفِ الفلاني فما عثرتُ فيه على مناسبةٍ؛ لأنَّ الخصمَ يُعارضُ بمثلِ ذلك.\nثم قال المؤلفُ (^١): (فإنْ بيَّن صلاحيةَ ما يدَّعيه علةً، أو سَلَّمَ له الخصمُ ذلك، فإنَّه يكفيه ابتداءً بدون السبر، فالسبرُ إذًا تطويل طريقٍ غير مفيدٍ، فلنصطلح على ردِّه).\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nأكثر المالكية والشافعية على الاكتفاء بقوله: \"بحثتُ فلم أجدْ غيرَ هذا، أو عدم ما سوى هذا الأصل\"، وعليه فالسبرُ ليس تطويلَ طريقٍ.\nومما يوضحُ ذلك إطباقُ النظَّار على أنَّ مِنْ أعظمِ طرقِ الحصرِ العقلُ والاستقراء، فالاستقراءُ مِنْ طرق الحصر قطعًا، وقوله: \"بحثت فلم أجدْ غيرَ هذا\" استقراءٌ منه لأوصافِ المحلِّ حتى لم يجدْ غير تلك الأوصاف التي حصرها بالاستقراء، فردُّ هذا الحصر لا وجه له.\nوالأكثرُ منهم يثبتُ به الحجة للناظر والمناظر معًا، ولا يشترطون الإجماعَ على تعليلِ حكم الأصل؛ لأنَّ الغالبَ في الأحكامِ التعليلُ، خلافًا لأبي الخطَّاب.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٥٩).","vol":"1","page":402},{"text":"تنبيهان:\nالأول: اعلمْ أنَّ هذا الدليلَ الذي هو السبرُ والتقسيمُ منقسمٌ عند الأصوليين إلى قطعيٍّ وظنيٍّ:\nفالقطعيُّ هو ما كان فيه حصرُ الأوصافِ وإبطالُ الباطل منها قطعيَّيْن.\nوالظنِّيُّ منه هو ما إذا كانا ظنيَّيْن أو أحدهما ظنِّيًّا.\nالثاني: اعلمْ أنَّ المعترضَ إذا أبدى وصفًا زائدًا على الأوصافِ التي حصرها المستدلّ، فإنَّ السبر يبطلُ؛ لبطلان أحدِ ركنيه وهو الحصرُ.\nومحلُّ هذا ما لم يبين المستدلّ أنَّ الوصفَ الزائد الذي أبداه المعترضُ طرديٌّ لا دخل له في التعليلِ، فإنَّه يكونُ وجوده وعدمُه سواء، فيستقيمُ حصرُ المستدلَّ بالسبر، ولا يبطلُ دليلُه.\nوقد أوضحنا البحث في هذا الدليل، وأكثرنا من أمثلته في القرآن وغيره، وذكرنا بعض آثاره العقائدية والتاريخية، وبيَّنا المراد به عند الأصوليين، والجدليين، والمنطقيين، وما تسميه به كلُّ طائفةٍ منهم، في كتابنا \"أضواء البيان\" في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم/ ٧٨].","vol":"1","page":403},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(النوعُ الثالثُ في إثباتِ العلة: أنْ يوجدَ الحكمُ بوجودها ويعدمَ بعدمها، كوجودِ التحريم بوجود الشدةِ في الخمرِ وعدمه بعدمها. . .) الخ.\n\nاعلمْ أولًا أنَّ هذا المسلكَ من مسالك العلةِ يُسمَّى ب<span data-type=\"title\" id=toc-228>الدورانِ </span>الوجوديِّ والعدمي، وبالدورانِ فقط، وبالطردِ والعكس.\nواعلمْ أنَّ الطرد في الاصطلاحِ: الملازمةُ في الثبوت.\nوالعكسُ في الاصطلاحِ: الملازمةُ في الانتفاء.\nوخلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا المسلكِ أنَّ اقتران الحكمِ بالوصفِ وجودًا وعدمًا دليلٌ على أنَّه علتُه.\nولا يقدحُ في ذلك أنَّ اقترانَه به في الوجودِ فقطْ لا يفيدُ العليةَ على الصحيحِ الذي هو الحقُّ، كما يأتي في مبحث الطردِ قريبًا إن شاء اللَّه.\nوكذلك اقترانُه به في العدم فقط لا يفيدُ العليةَ إجماعًا؛ لأنَّ عدم تأثيرِ كلِّ واحدٍ منهما منفردًا لا يمنعُ تأثيرَهما مجتمعين:\nلا تُخاصِمْ بواحدٍ أهلَ بيتٍ ... فضعيفانِ يغلبان قويًّا\nولا يقدحُ في هذا المسلكِ بأنَّ رائحةَ الخمرِ -مثلًا- يدورُ معها المنعُ وجودًا وعدمًا، وليست بعلة.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٥٩).","vol":"1","page":404},{"text":"قال المؤلفُ (^١) -رحمهُ اللَّه تعالى-:\n(و<span data-type=\"title\" id=toc-229>النقضُ برائحة الخمر </span>ليس بلازمٍ؛ لأنَّ صلاحيةَ الشيءِ للتعليل لا يلزمها أنْ لا يعلل به، إذْ قد يمتنعُ ذلك لمعارضته ما هو أولى منه).\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\n\nالنقضُ برائحة الخمر يدفعه القيدُ الذي ذكره جماهيرُ من أهل الأصولِ، وهو أنهم جعلوا الوصف المذكور في مسلك الدوران يشترطُ فيه المناسبةُ أو احتمالُها، فإنْ كان طرديًّا محضًا عُلِمَ قطعًا أنَّه غيرُ العلةِ ولو دار معه الحكمُ وجودًا وعدمًا، كرائحة الخمرِ المذكورة.\nوإليه الإشارةُ بقول صاحب \"المراقي\" معرِّفًا للدوران:\nأنْ يوجدَ الحكمُ لدى وجودِ ... وصفٍ وينتفي لدى الفقودِ\nوالوصفُ ذو تناسبٍ أو احتمل ... له وإلا فعن القصد اعتزل\nوهو عند الأكثرين سند ... في صورةٍ أو صورتين يوجدُ\nوالحقُّ أنَّ في هذا المسلكِ ثلاثةَ أقوالٍ:\nالأول: أنَّه يُفيدُ العليةَ ظنًّا. وهو مذهب الجمهورِ، وعليه درج المؤلف.\nالثاني: أنَّه يُفيدُ العليةَ قطعًا. وبه قال المعتزلة.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٦١).","vol":"1","page":405},{"text":"الثالث: أنَّه لا يفيدُ التعليلَ أصلًا، لاحتمالِ كون الوصفِ الدائرِ معه الحكمُ ملازمًا للعلةِ كرائحة الخمرِ أو جزءًا منها.\n\nتنبيه:\nالدورانُ يكونُ في صورةٍ واحدةٍ، كما مثلَنا به في شدة الخمر، فإنَّ المنعَ يدورُ معها وجودًا وعدمًا.\nوقد يكونُ في صورتين، وهو أضعفُ من الأول، ولذا أبطله بعضُ من اعتبر الأول.\nومثاله: ما لو قلتَ: الحليُّ المباحُ تجبُ فيه الزكاةُ لكونه نقدًا، والنقدُ أحدُ الحجرين (^١)، والنقديةُ يدورُ معها الوجوبُ وجودًا في المصكوكِ والمسبوك -مثلًا-، وعدمًا في العبيد والثيابِ والدواب.\nوهذا المسلكُ الذي هو الدورانُ كما أنَّ له دخلًا في الأمورِ الشرعيةِ فنفعه كثيرٌ جدًّا في الأمور الدنيوية، وهو الذي توصل به الأطباء إلى ما علموهُ مِنْ فوائد الأدوية والأغذية حيثُ دارتْ معها\n_________\n(^١) أي الذهب والفضة. والنقدية يدور معها الوجوب، أي وجوب الزكاة في المصكوك دراهم فضة، أو دنانير ذهب، والمسبوك خواتم أو أساور، ففيها النقدية التي هي أحد الحجرين من الذهب والفضة، ويدور معها في العدم، فإذا انعدمت النقدية انعدم وجوب الزكاة، أي في الأعيان، مثل العبيد والثياب والدواب فلا زكاة في أعيانها، لانعدام النقدية عن أعيانها، فحصل الدروان في صورتين: صورة وجود في المصكوك والمسبوك من الذهب والفضة، وصورة عدم في العبيد والثياب والدواب. \"عطية\"","vol":"1","page":406},{"text":"آثارُها وجودًا وعدمًا.\nكما أشار إليه في \"المراقي\" بقوله:\nأصلٌ كبيرٌ في أمورِ الآخرة ... والنافعاتِ عاجلًا والضائرة\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nفأمَّا الدلالة على صحةِ العلةِ باطرادها ففاسدٌ. . .) الخ.\n\nاعلمْ -أولًا- أنَّ هذا المسلكَ من مسالك العلةِ هو المعروفُ ب<span data-type=\"title\" id=toc-231>الطرد</span>، ويُسمى بالدورانِ الوجوديِّ، وهو مختلَفٌ في صحةِ دلالته على العلة:\nفجمهورُ العلماء على أنَّه مردودٌ، وعليه درج المؤلف.\nوذهب طوائفُ من أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه حجةٌ إنْ سلمَ من الانتقاضِ وجرى على الاطراد.\nومثاله: المائعُ الذي تبنى عليه القناطرُ، ويُصادُ فيه السمكُ، تقعُ به الطهارة.\nفنقولُ: ليس بعلةٍ؛ لأنَّ الطهارةَ تقعُ بغيرِ المذكورِ، كالترابِ ونحوه.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٦٣).","vol":"1","page":407},{"text":"وذهب كثيرٌ من الشافعيةِ إلى أنَّه حجَّةٌ بشرطِ مقارنةِ الحكمِ والوصفِ في جميعِ الصورِ غير صورة النزاعِ، إلحاقًا للنادرِ بالأغلب.\nوقيل: تكفي المقارنةُ في صورة واحدة. ولا يخفى بُعْدُه.\nوذهب الكرخيُّ من الحنفيةِ إلى أنَّه مقبولٌ جدلًا لا فتيا وعملًا. وهو بعيدٌ أيضًا.\nفإذا عرفتَ ذلك، فاعلمْ أنَّ معنى الطردِ هو ما قدَّمنا من أنَّه الملازمةُ في الثبوت، أي كلما ثبت الوصفُ ثبتَ معه الحكم.\nوالمرادُ بالطردِ هنا الملازمةُ في الثبوتِ فقط، أي وعدمُ الملازمةِ في الانتفاء، فقولُ المؤلفِ: (فأمَّا الدلالةُ على صحةِ العلةِ باطرادها ففاسدٌ) يعني به دورانَ الحكمِ معها وجودًا فقط لا عدمًا.\nوخلاصةُ ما ذكر فيه المؤلفُ أنَّه لا يدلُّ على العلية، إذْ لا معنى له إلا سلامتها من مفسدٍ واحدٍ هو النقضُ، والنقضُ هو وجودُ الحكم دونَ الوصفِ -كما سنوضحُه إنْ شاء اللَّه تعالى في مبحثِ القوادح-، وانتفاءُ المفاسدِ ليس بدليلِ على الصحة، بل لو سلم من كل مفسدٍ لم يكن دليلًا على الصحة، كما لو سلمتْ شهادةُ المجهولِ من جارح لم تكنْ حجةَ ما لم تقمْ بينة معدلةٌ مزكية، فكذلك لا يكفي في الصحةِ انتفاءُ المفسدِ، بل لابدَّ من دليلٍ على الصحة.\nفلو قيل: دليلُ صحتها انتفاءُ المفسدِ، لقال الخصمُ: دليلُ فسادها انتفاءُ المصحح.","vol":"1","page":408},{"text":"قال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(ثم للمعترضِ في إفساده المعارضة بوصفٍ مطردٍ يختصُّ بالأصلِ فلا يجدُ إلى التخلصِ عنه طريقًا، كقولهم في الخلِّ: مائعٌ لا يُصادُ من جنسه السمكُ، ولا تبنى عليه القناطرُ، فلا تحصلُ الطهارةُ به كالمرقِ) انتهى.\nأي ومعلومٌ أنَّ كونه مائعًا لا يُصادُ من جنسه السمكُ. . . الخ، دائرٌ معه الحكمُ الذي هو عدمُ الطهارة، مع أنَّها أوصافٌ طرديةٌ لا تُناطُ بمثلها الأحكام؛ فظهرَ أنَّ الحكمَ يدورُ مع الوصفِ في الوجودِ وليس علة له.\n\nتنبيه:\nذكر جماعةٌ من الأصوليين أنَّه يشترطُ في عدم الاحتجاجِ باطراد الوصفِ أن لا يكون مناسبًا بالذاتِ أو بالتبع.\nفإنْ كان مناسبًا بالذاتِ فهو قياسٌ عليه لا طردٌ.\nوإن كان بالتبعِ فهو قياسُ شبهٍ لا طردٌ.\nوإلى هذا أشار صاحبُ \"المراقي\" بقوله معرِّفًا للطردِ:\nحصولُ حكمٍ حيثما الوصفُ حصل ... والاقترانُ في انتفا الوصفِ انحظل\nولم يكن تناسبٌ بالذاتِ ... أو تبعٌ فيه لدى الثقاتِ\n_________\n(^١) (٣/ ٨٦٤).","vol":"1","page":409},{"text":"ثم يبينُ صاحبُ \"المراقي\" إبطالَ الردِّ بأنَّ المنقولَ عن الصحابةِ هو التعليلُ بالمناسبِ دون الطردِ حيث قال:\nوردَّه النقلُ عن الصحابة ... ومَنْ رأى بالأصل قد أجابه\nومعنى قوله: \"ومن رأى بالأصلِ قد أجابه\" أنَّ من رأى كون الطرد يفيدُ العلية أجاب المانعَ لذلك بأنَّ الأصل في الملازمةِ في الوجودِ أنْ تكونَ لموجبٍ يقتضي ذلك، وهو كونُ الوصفِ الدائر معه الحكم في الوجودِ علةً له.\n\nتنبيه:\nلا يلتبسُ عليك الطردُ بالوصف الطردي، فإنَّ الطردَ هو ما عرفناهُ الآن في هذا المسلك، والوصفُ الطرديُّ هو الذي ليس في إناطةِ الحكمِ به مصلحة، كالطولِ والقصر.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(متى لزِم من الوصف المتضمن للمصلحةِ مفسدةٌ مساويةٌ للمصلحةِ أو راجحةٌ عليها، فقيل: إنَّ المناسبةَ تنتفي. . .) الخ.\nاعلمْ أنَّ التحقيقَ في هذه المسألة أنَّ الخلافَ فيها لفظيٌّ؛ لأنَّ المصلحةَ إذا استلزمتْ مفسدةً مساويةً أو راجحةً، فإنَّ الحكمَ لا ينبني على تلك المصلحةِ قولًا واحدًا؛ لأنَّ الشرع لا يأمرُ باستجلاب مصلحةٍ مؤديةٍ لمفسدةٍ أكبر منها، أو مساويةٍ لها.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٦٥).","vol":"1","page":410},{"text":"ولكن الخلافَ في المصلحةِ المعارضةِ بالمفسدة، هل هي منخرمةٌ زائلةٌ من أصلها، أو هي باقية معارضة بغيرها -وهو اختيارُ المؤلف-؟ فعلى أنَّ المصلحةَ باقيةٌ فعدمُ الحكم لوجودِ المانعِ، وعلى أنها زائلةٌ فعدمُ الحكمِ لعدم المقتضي.\nومن أمثلته: فداءُ أسارى المسلمين بالسلاح إذا كان يؤدي إلى قدرة الكفارِ بذلك السلاحِ على قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل في<span data-type=\"title\" id=toc-235> قياسِ الشَّبه</span>\nواختلف في تفسيره وفي أنَّه حجةٌ. . .) الخ.\n\nاعلمْ -أولًا- أنَّ هذا المسلكَ من مسالكِ العلةِ هو أصعبها وأدقُّها فهمًا، كما صرَّح به الأصوليون، وحدُّوه بحدودٍ مختلفةٍ غالبها يرجعُ إلى أنَّ الوصفَ في قياسِ الشبهِ مرتبةٌ بين الطرديِّ والمناسب، فمِنْ حيثُ إنَّه لم تتحققْ فيه المناسبةُ أشبه الطرديَّ، ومِنْ حيثُ إنَّه لم يتحققْ فيه انتفاؤها أشبهَ المناسبَ، ولهذا سمي شبهًا.\nفإذا عرفت ذلك، فاعلمْ أنَّ المؤلفَ ذكر في حدِّه قولين:\n_________\n(^١) (٣/ ٨٦٨).","vol":"1","page":411},{"text":"الأول: قولُ القاضي يعقوب: أنَّ الشبه هو أنْ يتردد الفرعُ بين أصلينِ، فيلحقُ بأكثرهما شبهًا، كالاختلاف في العبدِ هل يملكُ؟ وهل إذا قتل تلزمُ فيه القيمةُ أو الديةُ؟ فإنَّه يشبهُ المال من حيثُ إنَّه يباعُ ويوهبُ ويورثُ ونحو ذلك، ويشبهُ الحر من حيثُ إنَّه يثابُ ويُعاقبُ وينكحُ ويُطلق ونحو ذلك، فيلحقُ بأكثرهما شبهًا. والأكثرُ على أنَّ شَبهه بالمالِ أكثرُ، فتلزمُ فيه القيمةُ إذا قُتل. وقيل بالعكس.\nوهذا النوعُ هو المعروفُ بغلبةِ الأشباه.\nوأجمع جمهور الأصوليين على أنَّ غلبةَ الأشباهِ لا يخرجُ عن الشبه؛ لأنَّه إمَّا أنْ يكون هو بعينه، وإمَّا أنْ يكون نوعًا منه، خلافًا لما زعمه العضدُ مِنْ أنَّه ليس نوعًا من المسلكِ المسمى بالشبه، وأنَّ حاصلَه تعارضُ مناسبين بالذات، رُجِّح أحدهما، فهو من مسلك المناسبِ بالذات، وأنَّ الشبه لفظٌ مشتركٌ يطلقُ على كلٍّ منهما.\nوغلبةُ الأشباهِ من أقوى قياساتِ الشبه.\nوأقوى أنواعه الشبهُ في الحكمِ والصفةِ معًا، ثم الشبهُ في الحكمِ فقط، ثم الشبهُ في الصفةِ فقط.\nومثالُ الشبه في الصفةِ والحكمِ معًا: شبهُ العبدِ بالمالِ في أنْ يورثَ ويباعَ ويشترى، ونحو ذلك، وهذا شبهٌ في الحكمِ، وشبهه للمال في الصفةِ هو كونُ العبيدِ تتفاوتُ قيمةُ أفرادهم بحسب تفاوتِ أوصافهم جودةً ورداءةً.\nوالشبه في الصفة فقط: كشبه الأقوات بالبُرِّ والشعير في الربا.","vol":"1","page":412},{"text":"والشبه في الحكم فقط، مثاله: تشبيه الخلوة بالدخول في ترتُّبِ المهر في كلٍّ منهما.\nالثاني: أنَّ الشبه هو الجمعُ بين الأصل والفرع بوصفٍ يوهم اشتماله على حكمةِ الحكمِ من جلبِ مصلحةٍ أو دفعِ مفسدة.\nوذلك أنَّ الأوصافَ ثلاثةُ أقسام:\nالأول: قسمٌ يُعْلَمُ اشتمالُه على المناسبة، كالإسكار، وقياسُه هو قياسُ العلة.\nالثاني: قسم لا تتوهمُ فيه مناسبةٌ، كالطول والقصر، وهو الطرديُّ، والقياسُ به باطلٌ.\nالثالث: قسمٌ بين القسمينِ الأولين، وهو ما يُتوهمُ اشتمالُه على مصلحةِ الحكمِ، ويُظَنُّ أنَّه مظنتها، مِنْ غيرِ اطلاع على عينِ المصلحة، مع عهدِنا اعتبارَ الشارع له في بعضِ الأحكام، كالجمع بين مسح الرأس ومسح الخفِّ في نفي التكرارِ بجامع كونه مسحًا، والجمعِ بينه وبينَ الأعضاء المغسولةِ في التكرارِ بكونه عضوًا من أعضاء الوضوءِ، كالوجه.\nوهذا هو قياسُ الشبه، وهو مختلفٌ فيه، واختلفت فيه الروايةُ بالصحةِ وعدمها عن الإمام أحمد، وأكثرُ الأصوليين على قبوله، لأنَّه يثيرُ ظنًّا بثبوتِ الحكم.","vol":"1","page":413},{"text":"قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nالذي يظهرُ لي في كلام المؤلفِ -﵀- في هذا المسلكِ أنَّه لا يخلو مِنْ بعضِ نظرٍ، واللَّه تعالى أعلم، وذلك لأنَّ مثاله للقول الثاني من القولينِ اللذَين ذكرهما في تفسيرِ الشبهِ هو بعينه مثالُ الأول، لأنَّ قضيةَ تكرار مسح الرأس في الوضوء راجعةٌ إلى غلبةِ الأشباهِ، لأنَّ تكرار مسح الرأس في الوضوء دائرٌ بين أصلينِ فيلحقُ بأكثرهما شبهًا:\nأحدهما: أنَّه مسحٌ، فلا يتكررُ كغيره من المسح، كمسح الوجهِ واليدينِ في التيممِ، ومسحِ الخفِّ في الوضوء.\nثانيهما: أنَّه ركن من أركان الوضوء الأربعة المذكورةِ في الآية، فيكررُ كما يكررُ غسلُ الوجهِ واليدين.\nفمَنْ قال بعدم تكرار مَسْحِه قال: إنَّه أكثرُ شبهًا بالأول، ومَنْ قال بتكراره قال: إنَّه أكثرُ شبهًا بالثاني.\nوالقولُ الأخيرُ في تفسيرِ الشبهِ مثَّلَ له صاحبُ \"المستصفى\" بأمثلةٍ متعددة، منها: قول الشافعيِّ -﵀- في مسألة اشتراطِ النيةِ في طهارةِ الحدث: طهارةٌ موجَبها (^١) في غير محلِّ موجِبها، فتفتقرُ إلى النية قياسًا على التيمم. وهذا يوهمُ الاجتماعَ في مناسبٍ هو مأخذُ\n_________\n(^١) بفتح الجيم، وهو غسل أعضاء الوضوء في غير محل موجِبها بكسر الجيم، وهو الناقض للوضوء كالريح مثلًا، فإنه موجب لغسل أعضاء غير محل الناقض، بخلاف الطهارة من النجس، فإنها تستوجب غسل المحل الذي فيه النجاسة، فيطهر بإزالتها عنه بدون نية. \"عطية\"","vol":"1","page":414},{"text":"النيةِ، وإن لم يطَّلعْ على ذلك المناسب.\nومنها: تشبيهُ الأرز والزبيب بالتمرِ والبرِّ لكونهما مطعومينِ أو قوتين، فإنَّ ذلك إذا قوبل بالتشبيهِ بكونهما مقدَّرين أو مكيلين ظهر الفرقُ، إذ يعلمُ أنَّ الربا ثبتَ لسرٍّ ومصلحةٍ، والطعمُ والقوتُ وصفٌ ينبئ عن معنًى به قوامُ النفسِ، والأغلبُ على الظنِّ أنَّ تلك المصلحةَ في ضمنهما لا في ضمن الكيلِ الذي هو عبار عن تقديرِ الأجسام.\nإلى غير ذلك مِنْ أمثلته لهذا النوعِ المذكور.\nوقد أوضح مسلك الشبه جماعةٌ من أهل الأصول بأنَّه هو ما كان الوصفُ الجامعُ فيه مستلزمٌ للوصفِ المناسب.\nوإيضاحُه: أنَّ نفس الوصفِ الجامع ليس مناسبًا بالذاتِ، ولكنَّه مناسبٌ بالتبعِ، أي مستلزمٌ للوصفِ المناسب، وقد شهدَ الشرعُ بتأثير الجنس القريب لذلك الوصف في الجنس القريبِ لذلك الحكم.\nومثَّلوا لذلك بأمثلة:\nومنها: قولهم في الخلِّ: مائعٌ لا تبنى القنطرةُ على جنسه، فلا تحصلُ به الطهارةُ، قياسًا على الدهن.\nفقولهم: لا تبنى القنطرةُ على جنسه، ليس مناسبًا في ذاته، لكنَّه مستلزمٌ للمناسب؛ لأنَّ العادةَ أنَّ القنطرةَ لا تبنى على الأشياءِ القليلةِ بل على الكثيرةِ كالأنهار، فالقلةُ مناسبة لعدمِ مشروعيةِ المتصفِ بها من المائعاتِ للطهارة العامة؛ لأنَّ الشرعَ العامَّ يقتضي أن تكون أسبابُه عامَّة الوجود، أمَّا تكليفُ جميع الناسِ بما لا يجدُه إلّا بعضهم فبعيدٌ عن","vol":"1","page":415},{"text":"قواعد الشرع.\nفقولهم: لا تبنى القنطرةُ على جنسه، ليس بمناسب، وهو مستلزمٌ للمناسب، وقد شهدَ الشرعُ بتأثيرِ جنس القلةِ والتعذرِ في عدمِ مشروعيةِ الطهارة، بدليلِ أنَّ الماءَ إذا قلَّ واشتدتْ إليه الحاجةُ فإنَّه تتركُ الطهارةُ به، وينتقلُ إلى التيمم.\nومنها: تعليلهم لوجوب النية في التيمم بكونه طهارةً، فيُقاسُ عليه الوضوءُ بجامع أنه طهارةٌ، فإنَّ الطهارةَ مِنْ حيثُ هي لا تناسبُ اشتراط النيةِ لعدمِ اشتَراطها في طهارةِ الخبثِ، ولكن تناسبُه مِنْ حيثُ إنَّها عبادةٌ وقربةٌ، والعبادةُ مناسبةٌ لاشتراطِ النيةِ لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [البينة/ ٥].\nفإنْ قيل: إنْ كان المناسبُ لاشتراطِ النيةِ جهةَ العبادةِ لزمَ اشتراطُها في الطهارةِ من النجاسةِ، لتحقق تلك الجهةِ فيها، إذْ لا تكونُ إلا واجبةً أو مندوبةً، والواجبُ والمندوبُ كلاهما عبادةٌ، مع أنَّ عدمَ اشتراطها فيها مجمعٌ عليه.\nفجوابُ المخالفين هو أنَّ الطهارةَ من النجاسةِ مِنْ حيثُ هي لم توضع لمحضِ التعبدِ، فقد تكونُ غيرَ واجبةٍ ولا مندوبةٍ، كإزالتك لها عن أرضك دفعًا للاستقذارِ، بخلافِ الوضوءِ -مثلًا- فإنَّه لا يقعُ إلَّا عبادةً، ولا ينافي ذلك غسلُ الأعضاءِ لمجردِ التنظيفِ، لأنَّ غسلها على الوجه والترتيب الخاصَّيْنِ لا يكونُ إلا للتعبد.","vol":"1","page":416},{"text":"تنبيه:\nاعلمْ أنَّ من الفوارقِ التي ذكرها بعضُ أهل الأصولِ بين الشبه والمناسبِ أنَّ صلاحيةَ الشبهِ لما يترتبُ عليه من الأحكامِ لا يدركها العقلُ لو قُدِّرَ عدمُ ورود الشرع.\nقالوا: فاشتراطُ النيةِ في الوضوءِ لو لم يرد الشرعُ باشتراطها في التيممِ لما أدرك العقلُ اعتبارها فيه، بخلافِ المناسب فإنَّ صلاحيتَه لما يترتبُ عليه من الأحكامِ قد يدركها العقلُ قبل ورود الشرع.\nولذلك حرَّم بعضُ رجال العرب الخمرَ على نفسه قبلَ ورود الشرعِ بتحريمها؛ لأنَّ عقله أدركَ قبحَ زوالِ، العقلِ، وما يلزمُ عليه من القبائح، حرَّمها على نفسه للموجب المذكورِ قيسُ بن عاصمٍ المنقريُّ التميميُّ، كما ذكره عنه بعضُ المؤرخين، وذكره ابنُ عبد البر في \"الاستيعاب\"، وفي ذلك يقول:\nرأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها ... خصالٌ تفسدُ الرَّجل الحليما\nفلا واللَّهِ أشربها صحيحًا ... ولا أشفي بها أبدًا سقيما\nولا أعطي بها ثمنًا حياتي ... ولا أدعو لها أبدًا نديما\nلأنَّ الخمر تفضحُ شاربيها ... وتجنيهم بها الأمر العظيما\nفقوله: لأنَّ الخمرَ تفضحُ شاربيها. . . البيت، دليلٌ على أنَّه أدرك بعقله مناسبة الإسكارِ للتحريم، كما لا يخفى.","vol":"1","page":417},{"text":"تنبيه:\nفإنْ قيل: ذكرتم أنَّ عباراتِ الأصوليين في تعريف الشبه يدورُ غالبها على أنَّ الوصفَ الجامعَ فيه مرتبةٌ بين الطرديِّ والمناسب، وأنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-237> غلبةَ الأشباهِ </span>لا تخرجُ عن الشبهِ المذكور، فما وجهُ كونِ الوصفِ في غلبةِ الأشباهِ مرتبةً بين الطرديِّ والمناسب؟\nفالجوابُ: أنَّ ذلك واقعٌ فيه بالنظرِ إلى اعتبارينِ مختلفين، فشبهُ العبدِ بالمالِ مناسبٌ للزومِ القيمةِ، طرديّ بالنسبةِ إلى لزومِ الديةِ، وشبهُه بالحرِّ مناسبٌ بالنسبةِ إلى لزومِ الديةِ، طرديٌّ بالنسبةِ إلى لزومِ القيمةِ. وهكذا.\n\nفصار الوصفُ في غلبة الأشباهِ مناسبًا باعتبار، طرديًّا باعتبارٍ آخر، واللَّه تعالى أعلم.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل في<span data-type=\"title\" id=toc-238> قياس الدلالة</span>\nوهو أنْ يجمعَ بين الفرعِ والأصلِ بدليلِ العلةِ، ليدلَّ اشتراكُهما فيه على اشتراكهما في العلةِ، فيلزمُ اشتراكهما في الحكم).\nكأنْ نقولَ في إجبارِ البكرِ البالغةِ: جاز تزويجُها وهي ساكتةٌ،\n_________\n(^١) (٣/ ٨٧٤).","vol":"1","page":418},{"text":"فجازَ وهي ساخطةٌ، قياسًا على الصغيرة، فإنَّ إباحةَ تزويجها مع السكوتِ تدلُّ على عدمِ اعتبارِ رضاها، ولو اعتبرَ لاعتبر دليلُه، وهو النطقُ؛ لأنَّ السكوتَ محتملٌ مترددٌ، وإذا لم يعتبر رضاها جازَ تزويجُها حالةَ السخط.\nفقد جمعَ في هذا القياسِ بين الصغيرةِ والبكرِ الكبيرةِ في جوازِ الإجبارِ على النكاحِ عند من يقولُ بذلك بدليلِ عدمِ اعتبارِ رضاهما، أي وهو السكوتُ، بناءً على ما قاله مِنْ أنَّه محتملٌ مترددٌ، فعدمُ اعتبارِ الرضا هو علةُ الإجبار، وقد جمعَ في هذا المثالِ بين الفرعِ والأصلِ بدليله الذي هو التزويجُ في حالةِ السكوت.\nهذا حاصلُ ما ذكره المؤلفُ في قياسِ الدلالة.\nوقد أوضحَ قياس الدلالة جماعةٌ من الأصوليين بأنَّه الجمعُ بين الأصل والفرعِ بملزومِ العلةِ، أو أثرها، أو حكمها.\nفمثالُ الجمع بملزومها: إلحاقُ النبيذِ بالخمرِ في المنع بجامعِ الشدةِ المطربة؛ لأنَّها ملزومةٌ للإسكارِ الذي هو العلة.\nومثالُ الجمع بأثر العلة: إلحاقُ القتلِ بالمثقلِ بالقتلِ بمحددٍ في القصاصِ بجامع الإثم؛ لأنَّ الإثم أثرُ العلةِ التي هي القتلُ العمدُ العدوان.\nومثالُ الجمعِ بحكمِ العلة: الحكمُ بحِلِّيَّة (^١) شعرِ المرأةِ قياسًا على\n_________\n(^١) في الأصل المطبوع: بحياة. ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":419},{"text":"سائرِ شعرِ بدنها بجامعِ الحِلِّيَّةِ بالنكاحِ والحرمةِ بالطلاق.\nوكقولهم بجوازِ رهن المشاعِ قياسًا على جوازِ بيعه بجامعِ جوازِ البيع.\n\nتنبيه:\nاعلمْ أنَّ القياسَ مِنْ حيث الجمعُ بنفس العلةِ أو غيرِها ينقسمُ ثلاثةَ أقسام:\nالأول: ما كان الجمعُ فيه بنفس العلة، كالإسكار، وهو المسمى بقياسِ العلة.\nالثاني: ما جمعَ فيه بدليل العلة، كملزومها أو أثرِها أو حكمها، وهو قياسُ الدلالة، كما مرَّ آنفًا.\nالثالث: ما جمع فيه بنفي الفارق، وهو القياسُ في معنى الأصل، وهو مفهومُ الموافقةِ وتنقيحُ المناط. والأكثرُ على أنَّه ليس من القياس.\nوقد قدمنا في مسلك الشبهِ أنَّه ينقسمُ -أيضًا- باعتبار تحققِ المناسبةِ وعدمِه إلى قياس علةٍ، وطرديٍّ، وشَبَهٍ.","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>أركان القياس</span>\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(بابُ أركانِ القياسِ\nوهي أربعةٌ: أصلٌ، وفرعٌ، وعلةٌ، وحكمٌ، فالأول له شرطان. . .) الخ.\nظاهرُ كلامه أنَّ الشرطينِ في الأصل، ولا يخفى أنَّ الشرطينِ المذكورين شرطانِ في حكمِ الأصل لا في نفس الأصل، ويمكنُ أنْ يكونَ كلامُ المؤلفِ مبنيًّا على ما قالَه جماعةٌ من أنَّ الأصلَ هو الحكمُ لا محلُّ الحكم، فمشى في عبارته الأولى على أحدِ القولين، وفي الثانيةِ على الآخر.\nإذا علمت ذلك، فالأولُ من الشرطينِ هو أنْ يكونَ حكمُ الأصلِ ثابتًا بنصٍّ أو اتفاق الخصمين.\nالشرط الثاني: هو أنْ يكونَ الحكمُ معقولَ المعنى، كتحريمِ الخمرِ، لا إنْ كان تعبديًّا، كأوقات الصلاةِ وأعداد الركعات.\nووجهُ اشتراط الأولِ أنَّ الحكمَ إنْ كان مختلَفًا فيه لم يصح التمسكُ به، لأنَّ كونه أصلًا مقيسًا عليه ليس بأولى من كونه فرعًا مقيسًا.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٧٥).","vol":"1","page":421},{"text":"فلو أراد المستدلُّ أنْ يثبتَ حكمَ الأصل بالقياسِ على محلٍّ آخر، فقيل: لم يجز له ذلك، وهو اختيارُ المؤلف.\nوقيل: يجوزُ، وعزاه المؤلفُ لبعضِ الأصحاب من الحنابلةِ، وهو مذهبُ مالك، وعليه درج في \"المراقي\" بقوله:\nوحكمُ الأصلِ قد يكونُ ملحقا ... لما من اعتبار الأدنى حققا\nومثاله: قياسُ الأرز على البرِّ في تحريم الربا، فيكونُ الأرزُ أصلًا ثابتًا بالقياسِ، فيقاسُ الذرة عليه -مثلًا-.\nوقد يظهرُ لك أنَّ هذا تطويلٌ لا فائدةَ فيه، لإمكانِ قياس الكلِّ على الأصلِ الأول، كما احتجَّ به من قال بالمنع.\nوالقائلون به يقولون: قد يكونُ فيه فائدةٌ، ككونِ المقيسِ الثاني أقربَ إلى الأصل الثاني منه إلى الأول، واعتبارُ الأدنى مقصدٌ صحيحٌ.\nوإليه الإشارةُ بقول صاحب \"المراقي\" المذكور آنفًا: \"لما من اعتبار الأدنى حققا\"، فيجوزُ مثلًا أنْ يكونَ الأرز أقرب إلى الذرة منه إلى البرِّ، فيقاسُ على الذرة لأنَّها أقربُ إليه من البرِّ بعد قياس الذرةِ على البرِّ.\nوالحاصلُ أنَّ المؤلفَ استدلَّ لمنع إثبات حكمِ الأصلِ بالقياسِ على محل آخر بأنَّه لا يخلو الحالُ مِن أحدِ أمرين:\nالأول: أنْ تكونَ علةُ الأصل موجودةً في الفرع الثاني.\nالثاني: أنْ تكونَ غيرَ موجودةٍ فيه.","vol":"1","page":422},{"text":"فإنْ كانتْ موجودةً فيه، فاللازمُ قياسُ كلٍّ من الفرعينِ على الأصل. الأول، كأنْ تقيسَ كلًّا من الذرة والأرز على البرِّ الذي هو الأصلُ الأولُ بجامع الكيلِ -مثلًا-، لأنَّ قياسَ الذرةِ على البرِّ -مثلًا- ثم قياسَ الأرز على الذرةِ تطويلٌ لا فائدةَ فيه.\nوأمَّا إنْ كانتْ غيرَ موجودةٍ فيه فلا يصحُّ القياسُ فيه؛ لأنَّه قد تبينَ ثبوتُ حكمِ الأصل الأولِ بعلةٍ غيرِ موجودةٍ في الفرع، ومن شرط القياس تساوي الفرع والأصل في العلة.\nقال: ولا يمكنُ تعليل الحكمِ في الأصل الأول بغيرِ ما علله به في قياسه الأصل الثاني عليه، لأنَّ إبداء تلك العلة الثانيةِ فيه يقدحُ فيه كما سيأتي في القوادح.\nواستدلَّ -أيضًا- لقول بعضِ أصحابه بجوازِ القياسِ على ما ثبتَ بالقياس، بأنَّه لمَّا ثبتَ بالقياس صار أصلًا ثابتًا في نفسه، فجاز القياسُ عليه كالثابتِ بالنصِّ ثمَّ قال: ولعل المرادَ بذلك ما ثبتَ بالقياسِ واتفقَ عليه الخصمان.\nوقولُه في هذا المبحث (^١): (فإنَّه لا يعتبرُ كونُ الأصل متفقًا عليه بين الأمة، فإنَّه إنْ لم يكنْ مجمعًا عليه فللخصمِ أن يعلل الحكم في الأصل بمعنًى مختصٍّ به لا يتعدى إلى الفرع، فإنْ ساعدهُ المستدلُّ على التعليلِ به انقطعَ القياسُ لعدمِ المعنى في الفرعِ، وإن لمْ يساعدهُ منع الحكمَ في الأصلِ، فبطلَ القياسُ، وسمُّوهُ \"القياسَ المركب\".\n_________\n(^١) (٣/ ٨٧٩).","vol":"1","page":423},{"text":"ومثالُه: قياسنا العبد على المكاتَب، فنقولُ: العبدُ منقوصٌ بالرِّقِّ ولا يقتلُ به الحرُّ كالمكاتب، فيقولُ المخالفُ: العلةُ في المكاتب أنَّه لا يُعلمُ هل المستحِقُّ لدمه الوَارثُ أو السيد؟ فإنْ سلمتم ذلك امتنع قياسُ العبد عليه؛ لأنَّ مستحقَّه معلومٌ، وإنْ منعتم منعنا الحكمَ في المكاتبِ، فذهب الأصلُ، فبطل القياسُ. . .) الخ = لا يخلو من نظر فيما يظهرُ، واللَّه تعالى أعلم.\nلأنَّ قوله: (وإن لم يساعده منع الحكمَ في الأصلِ، فبطل القياسُ، وسمَّوهُ القياسَ المركبَ) فيه نظرٌ؛ لأنه لا يعرفُ عند الأصوليين تسميةُ منع الحكمِ في الأصلِ بالقياسِ المركب، وليس القادحُ فيه التركيب، وإنَّما هو أحدُ أقسامِ المنعِ الأربعةِ الآتية.\nوالقدحُ به يسمى منعًا لا تركيبًا، وليس من قسمي المنع اللذينِ هما قسما القياسِ المركبِ -كما سيأتي إيضاحه-.\nواعلمْ أنَّ إيضاح القياس المركب في اصطلاح أهل الأصول أنَّه قسمان:\nأحدهما: يسمَّى مركب الأصل.\nوالثاني: يسمَّى مركبَ الوصف.\nأمَّا مركبُ الأصلِ: فهو أنْ يتفق الخصمانِ على حكمِ الأصلِ، وعلى كونِ الوصفِ المدعى أنَّه علةٌ موجودةٌ فيه، ولكن كلُّ واحدٍ منهما يدير له علةً غيرَ علةِ الآخر.\nكالاتفاقِ على تحريمِ الربا في البُرِّ، وعلى وجودِ وصف الكيلِ","vol":"1","page":424},{"text":"والطعمِ فيه، مع أنَّ بعضهم يقول: العلةُ الكيلُ، والآخرُ يقولُ: العلةُ الطعمُ مثلًا. . . الخ.\nأمَّا مركبُ الوصفِ: فهو أنْ يتفقَ الخصمان -أيضًا- على حكم الأصل، ولكنَّ العلة التي يثبته بها المستدلُّ يقولُ الخصمُ إنَّها غيرُ موجودةٍ في الأصل.\nومثالُه: قياسُ الشافعيِّ والحنبليِّ: \"إنْ تزوجتُ فلانةً فهي طالقٌ\" على \"فلانةٌ التي أتزوجُها طالقٌ\" في عدم لزوم الطلاقِ بعد التزوج.\nفإنَّ المالكيَّ يوافقهم في عدم الطلاق في الأصلِ، وهم يقولون: العلةُ تعليقُ الطلاقِ قبل ملك محله، فيمنعُ المالكيُّ وجود هذه العلةِ في الأصلِ، فيقول: هو تنجيزُ طلاقِ أجنبيةٍ وهي لا ينجزُ عليها الطلاقُ، ولو كان فيه التعليقُ على زواجها لطلقتْ بعد التزوج.\nفالحاصلُ: أنَّ الاتفاقَ ثابتٌ بين الخصمينِ في الحكمِ في نوعي المركب، فإنْ منع الخصمُ كون الوصفِ علةَ الحكمِ مع اعترافه بوجودِ الوصف في الأصلِ فهو مركبُ الأصلِ، وإنْ منع وجود الوصفِ في الأصلِ فهو مركبُ الوصفِ، سواء اعترفَ بأنَّ ذلك الوصف المزعومَ نفيُه عن الأصلِ هو العلةُ أو لا.\nوبما ذكرناه تعلمُ أنَّ قول المؤلفِ -﵀- (وسمَّوه القياس المركبَ) لا يخلو من نظرٍ. واللَّه أعلم.\nوقياس العبد على المكاتب الذي مثَّل به يصحُّ أنْ يكون مثالًا للمركب، ولكنْ أولُ الكلامِ لا يُسَاعدُ على ذلك.","vol":"1","page":425},{"text":"ووجهُ اشتراط الثاني واضحٌ؛ لأنَّ ما ليس بمعقولٍ لا تمكنُ فيه التعديةُ إلى محل آخر.\nقال المؤلفُ (^١) -﵀-:\n\n(الركنُ الثاني: الحكم: وله شرطان):\nالأول: أنْ يكونَ حكمُ الفرع مساويًا لحكمِ الأصلِ، كقياسِ الأرز على البرّ في تحريم الربا، فلا يصحُّ قياسُ واجب على مندوب، ولا مندوبٍ على واجبٍ -مثلًا-؛ لعدم مساواتهما في الحكم.\nالثاني: كونُ الحكمِ شرعيًّا، أي وفرعيًّا، لا إنْ كان عقليًّا، أو من الأصولِ -أعني العقائدَ-، فلا يثبتُ ذلك بالقياس.\n\nالركنُ الثالث: الفرع:\nويشترطُ فيه وجودُ علة الأصلِ فيه؛ لأنَّ وجودها فيه مناطُ تعدية الحكمِ إليه.\nواختلف في اشتراطِ تقدمِ الأصلِ على الفرع، فعلى أنَّه شرطٌ لا يقاسُ الوضوءُ على التيممِ -مثلًا- في وجوبِ اشتراط النية؛ لأنَّ التيممَ شُرع متأخرًا عن الوضوء، وعلى عدمِ اشتراطه فلا مانع مِنْ قياسه عليه.\nواختار المؤلفُ اشتراط ذلك في قياس العلةِ دون قياس الدلالة؛ لأنَّ العلةَ لا يجوزُ تأخيرها عن المعلول، لئلا يلزم وجودُه بدونِ علةٍ،\n_________\n(^١) (٣/ ٨٨٣).","vol":"1","page":426},{"text":"أو بعلةٍ غيرِ المتأخرة، بخلافِ قياس الدلالة، لجوازِ تأخيرِ الدليلِ عن المدلول.\nومنع غيرُ واحدٍ ظهورَ حكمِ الفرع للمكلَّفينَ قبل ظهورِ حكمِ الأصلِ مطلقًا. وعليه درج صاحبُ \"المراقي\" بقوله:\nمنع الدليلين وحكم الفرعِ ... ظهوره قبل يرى ذا منعِ\n\nالركنُ الرابعُ:<span data-type=\"title\" id=toc-244> العلة:</span>\nوهي الجامعُ بين الفرع والأصل، وهو الوصفُ المشتملُ على الحكمةِ الباعثةِ على تشريع الحكم.\nفتعريفُ المؤلفِ لها بأنَّها مجردُ علامةٍ لا يخلو من نظرٍ، وقد تبِعَ فيه غيرَه، وهو مبنيٌّ على قول المتكلمين: إنَّ الأحكامَ الشرعيةَ لا تُعَلَّلُ بالأغراضِ قائلينَ: إنَّ الفعل من أجل غايةٍ معينةٍ يتكملُ صاحبُه بوجود تلك الغاية، واللَّه جلَّ وعلا منزَّهٌ عن ذلك؛ لأنَّه غنيٌّ لذاته الغنى المطلق.\nوالتحقيقُ أنَّ اللَّه يشرعُ الأحكامَ من أجل حِكمٍ باهرةٍ ومصالح عظيمةٍ، ولكنَّ المصلحةَ في جميع ذلك راجعةٌ إلى المخلوقينَ الذين هم في غايةِ الفقرِ والحاجةِ إلى مَا يشرعُه لهم خالقهم من الحكمِ والمصالح، وهو جلَّ وعلا غنيٌّ لذاته الغنى المطلق، ﷾ عن كل ما لا يليقُ بجلاله وكماله.\nواعلمْ -أولًا- أنَّ العلةَ قد تكونُ حكمًا شرعيًّا، كما تقدم في قياس الدلالة.","vol":"1","page":427},{"text":"وتكونُ وصفًا عارضًا، كالشدةِ في الخمر.\nوتكونُ وصفًا لازمًا، كالأنوثةِ في ولايةِ النكاح.\nوقد تكونُ فعلًا للمكلَّف، كالقتلِ والسرقة.\nوتكونُ وصفًا مجردًا، كالكيلِ عند مَنْ يعللُ به تحريم الربا في البرِّ.\nوقد تكونُ مركبةً من أوصافٍ، كالقتل العمدِ العدوانِ، وكالاقتياتِ والادخارِ وغلبةِ العيشِ، عند مَنْ يعلِّلُ بذلك تحريمَ الربا في البرِّ.\nوقد تكونُ نفيًا، نحو: لم ينفذْ تصرفُه لعدم رشدِه.\nوتكونُ وصفًا مناسبًا وغيرَ مناسبٍ:\nفالمنالسبُ كالإسكار لتحريم الخمر.\nوالظاهرُ أنَّ المرادَ بغيرِ المناسبِ يشملُ أمرين:\nالأول: هو ما لم يتحقق فيه المناسبةُ ولا عدمها، كما تقدَّم في الدوران وقياسِ الشبهِ مِنْ أنَّ الوصفَ المدارَ في الدورانِ والوصف الجامعَ في قياس الشبهِ لا يشترطُ في واحدٍ منهما تحققُ المناسبةِ فيه، بل يكفي في الدواران احتمالُ المناسبةِ، ويكفي في الشبهِ أنْ يشبهَ المناسبَ مِنْ جهةٍ، ولو كان يشبهُ الطرديَّ من جهةٍ أخرى.\nوكذلك الوصفُ المومى إليه في مسلك الإيماءِ والتنبيه، فالأكثرونَ من الأصوليين لا يشترطونَ فيه المناسبة.","vol":"1","page":428},{"text":"والثاني: هو ما تخلفت فيه الحكمةُ عن العلةِ في بعضِ الصورِ مع كونِ وجودها هو الغالب.\nومثالُه: المسافرُ سفر ترفُّهٍ كالنائمِ على محملٍ، فإنَّ أكثر أهل العلم على أنَّ له أنْ يترخص بسفره ذلك، فيقصرَ الصلاةَ ويُفطرَ في رمضان، لأنَّ العلةَ التي هي السفرُ موجودةٌ، ووصفُ السفرِ في هذا المثالِ ليس مناسبًا لتشريع الحكم؛ لتخلف الحكمة؛ لأنَّ حكمةَ التخفيفِ بالقصرِ والإفطارِ هي تخفيفُ المشقةِ على المسافر، وهذا المسافرُ المذكورُ لا مشقةَ عليه أصلًا.\nووجهُ بقاءِ الحكمِ هنا مع انتفاءِ حكمته هي أنَّ السفر مظنَّةُ المشقةِ غالبًا، والمعلَّلُ بالمظانّ لا يتخلفُ بتخلفِ حكمته، اعتبارًا بالغالبِ وإلغاءً للنادر.\nوممَّا يوضحُ ذلك أنَّ الوصف الطرديَّ المحضَ لا يُعَلَّلُ به قولًا واحدًا.\nوربما كانت العلةُ وصفًا غيرَ موجودٍ في محلِّ الحكمِ إلا أنَّه يترقبُ وجوده، كتحريم نكاحِ الأمةِ لعلةِ خوفِ رقِّ الولدِ.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(قال بعضُ أصحابنا: مِنْ شرطِ العلةِ أنْ تكونَ متعدية، فإنْ كانت قاصرةً على محلِّها، كتعليلِ الربا في الأثمانِ بالثمنيَّة، لم يصح، وهو\n_________\n(^١) (٣/ ٨٨٨).","vol":"1","page":429},{"text":"قولُ الحنفيةِ. . .) الخ.\nاعلمْ أنَّ علةَ الحكمِ إذا كانت لا تتعدَّاهُ إلى غيره، أجمع العلماءُ على منع القياس بها، لعدمِ تعديها إلى الفرع.\nواختلفوا في صحةِ تعليلِ محلِّها القاصرةِ عليه بها:\nفذكر المؤلفُ عن الأصحابِ عدمَ صحته، وعزاهُ للحنفية، واستدلَّ له بثلاثةِ أمور:\nالأول: أنَّ علل الشرع أماراتٌ، والقاصرةُ ليست كذلك.\nالثاني: أنَّ الأصل عدمُ العمل بالظنِّ، وإنَّما جُوِّزَ لضرورة العملِ بالأدلةِ الظنِّية، والقاصرةُ لا عمل بها.\nالثالثُ: أنَّ القاصرةَ لا فائدةَ فيها.\nوأجاز التعليلَ بها أكثرُ المالكيةِ والشافعية، وصححه صاحبُ \"جمع الجوامع\"، واختاره أبو الخطَّاب، وعليه درج في \"المراقي\" بقوله:\nوعلَّلوا بما خلتْ مِنْ تعدية ... ليعلم امتناعه والتقوية\nوذكروا لها فوائد، منها:\n١ - أنَّها تقوي الحكمَ بإظهارِ حكمته، وذلك أدعى إلى القبولِ والطمأنينة.\n٢ - ومنها أنَّها يعلمُ بسببها امتناعُ القياسِ عليه، لكونها قاصرةً على","vol":"1","page":430},{"text":"محلِّها.\nومِنْ أمثلتها: جعلُ شهادةِ خزيمة كشهادة رجلين، لعلَّة سبقه إلى ذلك النوعِ مِنْ تصديقه -ﷺ-.\nومناقشاتُ الأصوليين في قبولِ العلةِ القاصرةِ وردّها كثيرةٌ جدَّا، والأظهرُ بحسبِ النظرِ جوازُ التعليلِ بها مع منع القياسِ بها قولًا واحدًا.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nفي<span data-type=\"title\" id=toc-246> اطراد العلةِ</span>، وهو استمرارُ حكمها في جميعِ محالِّها.\nحكى أبو حفصٍ البرمكيُّ في كونِ ذلك شرطًا لصحتها وجهين:\nأحدهما: أنَّه شرط، فمتى تخلفَ الحكمُ عنها مع وجودها استدللنا على أنَّها ليست العلا إنْ كانت مستنبطةً، أو على أنَّها بعضُ العلةِ إنْ كانت منصوصةً.\nوقد نصرَ هذا الوجه القاضي أبو يعلى، وبه قال بعضُ الشافعية.\nالوجه الآخر: تبقى حجةً فيما عدا المحل المخصوص، كالعمومِ إذا خصَّ.\nواختارَ هذا الوجهَ أبو الخطَّاب، وبه قال مالكٌ والحنفيةُ وبعضُ الشافعية. . .) الخ.\n_________\n(^١) (٣/ ٨٩٦ - ٨٩٧).","vol":"1","page":431},{"text":"اعلمْ أنَّ هذا المبحثَ الذي هو: هل يشترطُ في العلةِ الاطرادُ؟ أي وجودُ الحكمِ كلما وُجدت العلةُ، هو بعينه مبحثُ النقضِ هل هو قادحٌ في العلةِ أو مخصصٌ لعمومها؟ لأنَّ النقض هو وجودُ العلةِ دون الحكمِ، كما تقدم، فعلى اشتراط اطراد العلَّة فالنقضُ قادحٌ فيها، وعلى عدمه فهو تخصيصٌ لعمومها.\nإذا علمتَ ذلك، فاعلمْ أنَّ خلاصة ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحثِ أنَّه راجعٌ إلى أربعةِ أضرب:\nالأول: ما علم أنَّه مستثنى من قاعدة القياسِ، كإيجاب الديةِ على العاقلةِ، مع أنَّ جنايةَ الشخصِ علةٌ لوجوبِ الضمان عليَه هو دون غيرِه.\nوكإيجابِ صاع من تمرٍ في لبنِ المصرَّاة، مع أنَّ علةَ إيجابِ المثلِ في المثلياتِ التماثُلُ بينهما.\nوكبيع العرايا مع وجود المزابنةِ فيها، أي الربا، وورودها على علةِ كلِّ معلِّلٍ (^١).\nفمثلُ هذا لا ينقضُ العلةَ إجماعًا.\nالضربُ الثاني: تخلف الحكمِ عن العلةِ من أجل معارضتها بعلةٍ\n_________\n(^١) أي كل مَنْ علَّل الربا، سواء بالكيل، لأنها بيع رطب بتمر مكيل، أو بالطعم، لأنه مطعوم، أو بالادخار والقوت، فكلها موجودة في العرايا، فلم تتخلف عنها علة الربا. \"عطية\"","vol":"1","page":432},{"text":"أخرى. واختيارُ المؤلفِ في هذا أنَّه -أيضًا- ليس نقضًا للعلة.\nومثالُه: تعليلُ رقّ الولدِ برقِّ أمه، فولدُ المغرورِ بحريَّة جاريةٍ فتزوجها يكونُ حرًّا مع وجودِ العلةِ التي هي رقُّ الأم؛ لأنَّها عورضتْ بعلةٍ أخرى وهي الغرورُ الذي صار سببًا لحريَّة الولد.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(فهذا لا يكونُ نقضًا للعلةِ -أيضًا-، ولا يفسدها؛ لأنَّ الحكمَ ههنا كالحاصل تقديرًا).\nيعنى أنَّ رِقَ الولدِ كالحاصل، بدليلِ لزومِ القيمةِ فيه.\nولا يخفى أنَّ هذا إنَّما هو على القولِ بلزومِ القيمة، وعلى القول بعدمِ لزومها فالظاهرُ أنَّه من قبيل العلةِ التي منع من تأثيرها مانعٌ، فالغرورُ مانعٌ من تأثيرِ رقُّ الأمِّ في رقِّ الولد.\nالضربُ الثالث: أنْ يتخلفَ الحكمُ عنها لعدمِ مصادفتها لمحلِّها، أو لفواتِ شرطها، كالسرقةِ من غيرِ حرزٍ، وسرقةِ أقلَّ من نصابٍ، وكوجودِ الزنا دون الإحصانِ بالنسبةِ إلى الرجم.\nومن هذا القبيلِ وجودُ المانع، كتخلفِ القصاصِ عن القتلِ لمانعِ الأبوة.\nالضربُ الرابع: هو ما كان تخلفُ الحكمِ فيه لغيرِ أحدِ هذه\n_________\n(^١) (٣/ ٩٠٧).","vol":"1","page":433},{"text":"الأضربِ الثلاثة.\nوهو الذي قدَّمنا فيه الوجهين عن أبي حفصٍ البرمكيِّ في أولِ هذا المبحث.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>المستثنى من قاعدةِ القياسِ </span>منقسمٌ إلى ما عُقل معناه، وإلى ما لم يُعقل. . .) الخ.\nفالأولُ: يصحُّ أنْ يقاس عليه ما وُجدتْ فيه العلةُ، كاستثناءِ العرايا للحاجة، فلا يبعدُ قياسُ العنبِ على الرطبِ في ذلك إذا تبينَ أنَّه في معناه.\nوكإباحة أكل الميتةِ للمضطرِّ صيانةً لحياته، يقاسُ عليه بقيةُ المحرماتِ إذا اضطر إليها.\nوالثاني: لا يصحُّ فيه القياسُ، كشهادة خزيمة، وقوله -ﷺ- لأبي بُردة: \"اذبحها، ولنْ تجزئَ عن أحدٍ بعدك\"، وكتفريقه -ﷺ- بين بول الجارية وبول الغلامِ. ونحو ذلك.\nهذا حاصلُ ما ذكره المؤلفُ، مع أنَّ القياسَ على الأولِ خالف فيه كثيرٌ من العلماء، كما أشار إليه صاحبُ \"المراقي\" بقوله:\n_________\n(^١) (٣/ ٩٠٩).","vol":"1","page":434},{"text":"وقِسْ على الخارج للمصالح ... وربَّ شيخٍ لامتناعٍ جانح\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(قال أبو الخطاب: يجوزُ أنْ تكونَ العلةُ نفي صورةٍ أو اسمٍ أو حكمٍ على قولِ أصحابنا. . .) الخ.\nمثالُ نفي الصورة: قولهم: ليس بمكيلٍ ولا موزونٍ، فلأنَّ يمتنعُ فيه ربا الفضل.\nومثال نفي الاسم: قولهم: ليس بترابٍ، فلا يجوزُ التيمم به.\nومثال نفي الحكم: قولهم في الخمر: لا يجوزُ بيعه، فلا يجوزُ رهنُه.\nوخلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا الفصلِ أنَّه يجوزُ تعليلُ الوجوديِّ بالعدميِّ خلافًا لمنْ منع ذلك.\nومثالُه: تركُ الصلاة؛ فإنَّ عدم فعلها علةٌ للقتلِ، والقتلُ وجوديٌّ. وعدمُ مال القريب علةٌ لوجوبِ النفقةِ عليه. وعدمُ المالِ في حقِّ المسكينِ والفقيرِ علةٌ لكونهما من مصارف الزكاة.\nقال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nحاصلُ هذا المبحث راجعٌ إلى أربعةِ أقسام:\nلأنَّ العلةَ إمَّا وجوديةٌ وإمَّا عدميةٌ، والمعلَّلُ بها إمَّا وجوديٌّ أو\n_________\n(^١) (٣/ ٩١١).","vol":"1","page":435},{"text":"عدميٌّ، فالمجموعُ أربعةٌ من ضربِ اثنتين باثنتين.\nثلاثةٌ منها لا خلاف في التعليلِ بها، وهي: تعليلُ الوجوديِّ بالوجوديِّ، وتعليلُ العدميِّ بالعدميِّ، وتعليلُ العدميِّ بالوجوديِّ.\nوالرابعةُ هي محلُّ الخلافِ، وهي تعليلُ الوجوديِّ بالعدميِّ، وقد عرفتَ الراجحَ منها آنفًا.\nمثالُ تعليلِ العدميِّ بالوجوديِّ: كتعليلِ عدمِ الميراثِ بالكفر.\n\nتنبيه:\n\nاختلف في<span data-type=\"title\" id=toc-248> الصفاتِ الإضافيةِ</span>، كالأبوةِ والبنوة، هل هي وجوديةٌ أو عدميةٌ؟ وعلى أنَّها عدميةٌ يجري فيها الخلافُ المذكور.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\n\nيجوزُ<span data-type=\"title\" id=toc-249> تعليلُ الحكم بعلتين)</span>.\nاعلمْ أنَّ لهذا المبحثِ صورتين:\nإحداهما: أن يعلل الحكمُ الواحدُ بعلتين أو أكثر، بأنْ يثبت الحكمُ بكلِّ واحدة منفردةً عن الأخرى، كالبولِ والغائط والتقبيل بالنسبة إلى نقضِ الوضوء.\n_________\n(^١) (٣/ ٩١٧).","vol":"1","page":436},{"text":"وهذا لا اختلاف فيه في العللِ المنصوصة، واختلف في جوازه في العللِ المستنبطة.\nوقد أشار إليه في \"المراقي\" بقوله:\nوعلةٌ منصوصةٌ تعدد ... في ذاتِ الاستنباطِ خلفٌ يعهد\nالصورة الثانيةُ -وهي التي يعنيها المؤلفُ-: أنْ يكون الحكمُ معللًا بمجموع العلتين لا إحداهما بعينها، كمَنْ لمس وبال في وقتٍ واحدٍ، فعلَّةُ نقضِ وضوئه بمجموعهما، لا أحدهما بعينه.\nوكذلك إذا اجتمع لبانُ أختك ولبانُ زوجة أخيك، ووصل المجموعُ دفعةً واحدةَ إلى حلقِ المرأة، فإنَّك تكونُ عمًّا لها وخالًا في وقتٍ واحد، والمجموعُ هو علةُ التحريم؛ لعدمِ تميزِ واحدٍ بعينه. ولا يمكنُ أنْ يقالَ: هما تحريمان؛ لأنَّ التحريمَ حقيقةٌ واحدة.\nوهذه الصورةُ اختلف في التعليلِ بها، واختيارُ المؤلفِ جوازُ ذلك.\nوشرطُه عنده أنْ تكونَ منصوصةً لا مستنبطةً، بدليلِ قوله (^١) في هذا المبحثِ: (وإنْ كانتْ ثابتةً بالاستنباطِ فسدتْ. . .) الخ.\nومنع التعليلَ بهذه الصورةِ الباقلَّاني وإمامُ الحرمينِ وغيرهما.\nوالظاهرُ بحسب النظرِ هو ما درجَ عليه المؤلفُ؛ لأنَّ العلة لا تعدو\n_________\n(^١) (٣/ ٩١٨).","vol":"1","page":437},{"text":"تلك الأوصافَ المجتمعة، ولا تميز لواحدٍ منها بعينه، فيتعينُ اعتبارُ مجموعها. واللَّه أعلم.\nولا يرِدُ على ما ذكره المؤلفُ القدحُ بعدمِ العكس، أي ملازمةُ المعلولِ للعلةِ في الانتفاء، كما لو قلتَ: قد ينتفي البولُ والغائطُ ولا ينتفي نقضُ الوضوء، لوجودِ علةٍ أخرى كالنومِ -مثلًا-، وكقولك: قد ينتفي رضاع الأختِ وزوجةِ الأخِ ولا ينتفي تحريمُ النكاحِ، لوجودِه بعلةٍ أخرى كالمصاهرةِ أو إرضاع مِنْ غير مَنْ ذُكِرَ = لأنَّ عدمَ العكس على القولِ بأنَّه قادحٌ محلُّه في الحكم المعلل بعلةٍ واحدةٍ دون المعللِ بعللٍ فلا يقدحُ فيه قولًا واحدًا.\nقال في \"المراقي\":\nوعدمُ العكسِ مع اتحادِ ... يقدحُ دون النصِّ بالتمادِي\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nقال قوم: يجوز<span data-type=\"title\" id=toc-250> إجراءُ القياس في الأسباب)</span>.\n\nخلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا الفصلِ أنَّ الأصوليين اختلفوا في إجراء القياس في الأسباب، واختيارُ المؤلفِ جواز ذلك.\nوحاصلُ كلامه فيه: أنْ يجعل الشارعُ وصفًا سببًا لحكمٍ، فيقاسُ\n_________\n(^١) (٣/ ٩٢٠).","vol":"1","page":438},{"text":"عليه وصفٌ آخرُ، فيحكمُ بكونه سببًا أيضًا.\nفالنبيُّ -ﷺ- جعل الغضبَ سببًا لمنع الحكم من القضاء، فيقاسُ على الغضب الجوعُ والحزنُ -مثلًا-، فتُجعل أسبابًا لمنع القضاء أيضًا.\nواعلمْ أنَّ أكثر الأصوليين على منع القياسِ في الأسبابِ والشروطِ والموانع، وجعلوا المثالَ الذي ذكرناهُ ونحوَه من تنقيحِ المناطِ وهو مفهومُ الموافقة، والأكثرون على أنَّه ليس قياسًا كما تقدم، خلافًا للشافعيِّ وطائفة.\nوعللوا بأنَّ القياسَ في الأسباب يُفضي إلى ما لا ينبغي، فلا يحسنُ قياسُ طلوع الشمسِ على غروبها في كونه سببًا لوجوب الصلاةِ -مثلًا-.\nوعللوا منعه في الأسباب -أيضًا- بكونه يخرجها عن أنْ تكونَ أسبابًا؛ لاستلزامِ القياسِ نفي السببيةِ عن خصوصِ الأصل المقيسِ عليه، فيكونُ السببُ أحد الأمرين، لأنَّ ما له سببانِ يحصلُ لكلِّ واحدٍ منهما، فيصيرُ السببُ المقيسُ عليه بالقياسِ غير سببٍ مستقلٍّ، وهكذا في المانعِ والشرط.","vol":"1","page":439},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل\nويجري القياسُ في الكفاراتٍ والحدود، وهو قولُ الشافعية، وأنكره الحنفية. . .) الخ.\nخلاصةُ ما ذكره المؤلفُ في هذا المبحثِ أنَّ دخول القياس في الكفاراتِ والحدودِ، اختلف فيه، واختارَ هو جوازَه، واستدلَّ له بأنَّه يجري فيه قياسُ التنقيحِ كما تقدَّم في السبب، ولأنَّها أحكامٌ شرعيةٌ عُقِلَتْ عللُها فجاز فيها القياس.\n\nتنبيه:\nاعلمْ أنَّ المسائل التي اختلف في جريان القياس فيها سبعٌ، وهي:\n١ - الحدود.\n٢ - الكفارات.\n٣ - التقادير.\n٤ - الرخص.\n٥ - الأسباب.\n٦ - الشروط.\n_________\n(^١) (٣/ ٩٢٦).","vol":"1","page":440},{"text":"٧ - الموانع.\nواختيارُ المؤلفِ جوازه في الرخص، كما تقدم في جوازِ قياس العنب على الرطب في بيع العرايا، ونحو ذلك، ولم يتعرض للباقي، وقد أجازه في الباقي قومٌ، ومنعه آخرون وهم الأكثرُ ومنهم المالكية، كما هو ممنوعٌ عندهم -أيضًا- في الرخص.\nومثالُ القياسِ في الأسبابِ قد تقدم.\nومثاله في الحدود: قياسُ اللائطِ على الزاني في وجوب الحدِّ بجامعِ إيلاج فرجٍ في فرج مشتهى طبعًا محرمًا شرعًا.\nوقياس النباش على السارق في القطعِ بجامع أخذ مال الغير من حرز مثله.\nومثالُه في الكفارات: اشتراطُ الإيمانِ في رقبةِ كفارة الظِّهارِ واليمينِ قياسًا على كفارةِ القتلِ خطأً بجامعِ أنَّ الكلَّ كفارةٌ.\nومثاله في التقديرات: جعلُ أقلِّ الصداق ربعَ دينارٍ عند مَنْ اشترطَ ذلك قياسًا على إباحةِ قطع اليدِ في السرقةِ بجامع أنَّ كلًّا منهما فيه استباحةُ عضوٍ.\nومثالُه في الشروط: قياسُ استقصاءِ الأوصافِ في بيع الغائبِ على الرؤيةِ عند من يقولُ بذلك.\nومثالُه في المانع: قياسُ نسيانِ الماء في الرحل على المانع من استعماله حسًّا كالسبعِ واللصِّ في صحةِ الصلاةِ بالتيممِ عند من يقول","vol":"1","page":441},{"text":"بذلك.\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>(فصل القوادح</span>\nقال بعضُ أهل العلم: يتوجهُ على القياس اثنا عشر سؤالًا. . .) الخ.\nاعلمْ أنَّ هذا المبحثَ هو المعروفُ ببحثِ القوادح، وأوصلها بعضهم إلى خمسةٍ وعشرين، وبعضهم إلى ثمانيةٍ وعشرين.\nوأصلُ هذا المبحثِ من فنِّ الجدل، وإنَّما يذكره الأصوليون لأنَّه من مكملات الدليل، كالقياس.\nواعلمْ أنَّ القوادحَ منها ما يقدحُ في العلة فقط، كالنقض والتركيب، ومنها ما يقدحُ في الدليلِ علةً أو غيرها، كالقولِ بالموجب.\nوهذه هي الأسئلةُ التي ذكرها المؤلف:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الأول: الاستفسار:</span> وهو طلبُ تفسيرِ اللفظِ إذا كان فيه إجمالٌ أو غرابة.\nولا يردُ هذا السؤالُ إلَّا على ما فيه إجمالٌ أو غرابة.\n_________\n(^١) (٣/ ٩٢٩).","vol":"1","page":442},{"text":"ومثالُ الإجمال: ما لو قال الحنبليُّ: يقاسُ الأرزُ على البرِّ في تحريم الربا بجامع الوصفِ القائمِ بالبرِّ الموجودِ في الأرز.\nفيقولُ المعترضُ: فسِّر لنا مرادَكَ بالوصف، ليمكننا النظرُ فيه، أصحيحٌ أم لا؟\nومثالُ الغرابة: ما لو قال: مَنْ قَتَلَ بالزَّخيخ قُتِلَ به قياسًا على السيف. فيقالُ: ما الزخيخ؟ (وهو النار).\nوعلى المعترضِ في هذا السؤالِ إثباتُ الإجمالِ أو الغرابة، ويكفيه في إثباتِ الإجمالِ بيانُ احتمالينِ في اللفظ.\nكما لو قال: يجبُ أخذُ العينِ بالعينِ قياسًا على غيرِه مِنْ سائرِ الانتصافات.\nفيقولُ: ما مرادُك بالعين؟\nفيُجيبُ: ليسَ في قولي إجمالٌ.\nفيثبتُ خصمُه الإجمالَ بأنَّ العينَ تطلقُ على الباصرةِ، والجاريةِ، والنقدِ. وجوابُه بمنعِ تعددِ الاحتمالِ أو بترجيحِ أحدهما.\nومثالُ منع تعددِ الاحتمال: كما لو قيل: يجوزُ لك أنْ تمنعَ الشربَ مِنْ عينِكَ قياسًا على قِرْبتك.\nفيقولُ: ما مرادك بالعين؟\nفيجيبُ: ليس في كلامي إجمالٌ؛ لأنَّه لا يحتملُ إلَّا معنًى واحدًا.","vol":"1","page":443},{"text":"فيقولُ: أليستِ العينُ مشتركةً بين الباصرةِ والجاريةِ -مثلًا-؟\nفيجيبُ: لفظُ الشربِ قرينةٌ تعيِّنُ الجاريةَ دون الباصرة، فلا يحتملُ اللفظُ غيرَ الجارية.\nومثالُ الترجيحِ: أنْ يقول: إذا حال الأسدُ بينك وبين الماءِ، والماءُ قريبٌ منك، جاز لك التيممُ قياسًا على عادمِ الماء.\nفيقولُ: الأسدُ يطلقُ على الحيوانِ المفترسِ، وعلى الرجل الشجاعِ، فأيهما تريد؟\nفيجيبُ: هو في الحيوانِ أظهرُ عند التجردِ من القرينة، واحتمالُه أرجحُ من غيره، فيجبُ الحملُ عليه دون الاحتمالِ المرجوح.\nوهذا السؤالُ ليس بقادع في الحقيقة، وإنَّما هو مطالبةٌ بإظهارِ المرادِ من الدليل، ليمكنَ المعترض الحكمَ عليه بإبطالٍ أو تسليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>السؤالُ الثاني: فساد الاعتبار:</span> وهو مخالفةُ الدليلِ لنصٍّ أو إجماع.\nفمخالفتُه للنصِّ، كقياس لبن المصرَّاةِ على غيره من المثليَّاتِ في وجوب المثل، فإنَّه فاسدُ الاعتبارِ، لمخالفتهِ نصَّ الرسول -ﷺ- على أنَّ فيه صاعًا من تمرٍ.\nوكالقولِ بمنعِ السلفِ في الحيوانِ لعدمِ انضباطه قياسًا على غيره من المختلطات، فيعترضُ بأنَّه مخالفٌ لما ثبتَ عنه -ﷺ- من أنَّه استسلفَ بكرًا وردَّ رباعيًّا، وقال: \"إنَّ خيرَ الناسِ أحسنُهم قضاءً\".","vol":"1","page":444},{"text":"ومثالُ مخالفةِ الإجماع: قولُ الحنفي: لا يغسِّلُ الرجلُ زوجته الميتةَ؛ لحرمةِ النظرِ إليها قياَسًا على الأجنبيةِ. فيعترضُ بأنَّ عليًّا غسَّل فاطمةَ ولم ينكرْ عليه أحد من الصحابةِ، فصار إجماعًا سكوتيًّا.\nوعرَّفه في \"المراقي\" بقوله:\nوالخلفُ للنَّصِّ أو اجماعٍ دعا ... فسادَ الاعتبارِ كلُّ مَنْ وعَى\nوجوابُ المستدلِّ عن فسادِ الاعتبارِ مِنْ وجهين:\nأحدهما: أنْ يُبِّين أن النصَّ لم يُعارضْ دليلَه.\nالثاني: أنْ يُبيِّنَ أنَّ دليله أوْلى بالتقديمِ من نصِّ المعارض.\nفمثالُ الأولِ أنْ يقال: شرطُ الصومِ تبييتُ النيةِ في رمضان، فلا تصحُّ نيَّتُه في النهارِ قياسًا على القضاء.\nفيقولُ الحنفيُّ: هذا فاسدُ الاعتبار؛ لمخالفتِه لقوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب/ ٣٥]، فإنَّه يدلُّ على ثبوتِ الأجرِ العظيمِ لكلِّ مَنْ صامَ، وذلك مستلزمٌ للصحة.\nفيقولُ المستدلُّ: الآيةُ لا تعارضُ دليلي (^١)، ولا تدلُّ على الصحة؛ لأنَّ عمومها مخصصٌ بحديثِ \"لا صيامَ لِمَنْ لم يُبيِّت النيةَ من الليل\".\nومثالُ الثاني: أنْ يُقال: قياسُ العبدِ على الأمةِ في تشطير حدِّ الزنا بالرِّقِّ فاسدُ الاعتبارِ؛ لمخالفةِ عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي\n_________\n(^١) في الأصل المطبوع: دليلًا. ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":445},{"text":"فَاجْلِدُوا﴾ [النور/ ٢]؛ لأنَّنا نقولُ: هذا القياسُ مقدَّم على ذاك العمومِ ومخصصٌ له، لأنَّه أخصُّ منه في محلِّ النزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>فائدة:</span>\nاعلمْ أنَّ أول مَنْ قاس قياسًا فاسدَ الاعتبار إبليسُ، حيث عارضَ النصَّ الصريحَ الذي هو السجودُ لآدمَ بأنْ قاسَ نفسه على عنصره، وقاسَ آدمَ على عنصره، فأنتج من ذلك أنَّه خيرٌ من آدم، وأنَّ كونه خيرًا من آدمَ يمنعُ سجودَه له المنصوصَ عليه من اللَّه.\nوقياسُ إبليس هذا مردودٌ مِنْ ثلاثةِ أوجه:\nالأول: هو ما ذُكِرَ من كونه فاسدَ الاعتبارِ لمخالفةِ النصِّ.\nالثاني: منعُ كونِ النارِ خيرًا من الطينِ، بأنَّ النار طبيعتها الخفةُ والطيشُ والإفسادُ والتفريق، وأنَّ الطينَ طبيعتُه الرزانةُ والإصلاحُ، تودعه الحبةَ فيعطيكها سنبلةً، والنواةَ فيعطيكها نخلةً، وإذا نظرتَ إلى ما في البساتينِ الجميلةِ مِنْ أنواع الفواكه والحبوب والزهورِ عرفتَ أنَّ الطينَ خيرٌ من النار.\nالثالث: أنَّا لو سلمنا جدليًّا أنَّ النار خيرٌ من الطينِ، فشرفُ الأصلِ لا يستلزمُ شرف الفرعِ، فكمِ من أصلٍ رفيعٍ وفرعُه وضيعٌ.\nإذا افتخرتَ بآباءٍ لهم شرف ... قلنا: صدقتَ ولكن بئس ما ولدوا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>السؤالُ الثالث: فساد الوضع:</span>\nوضابطُه: أنْ يكونَ الدليلُ على غير الهيئة الصالحةِ لأخذِ الحكمِ","vol":"1","page":446},{"text":"منه.\nكأنْ يكونَ صالحًا لضدِّ الحكمِ أو نقيضِه، كأخذ التوسيع من التضييق، والتخفيفِ من التغليظ، والنفي من الإثبات، أو الإثباتِ من النفي.\nفمثالُ أخذ التوسيعِ من التضييقِ: قولُ الحنفيِّ: الزكاةُ واجبةٌ على وجه الإرفاقِ لدفع حاجة المسكين، فكانت على التراخي، كالديةِ على العاقلة.\nفالتراخي الموسعُ ينافي دفع الحاجةِ المضيق.\nومثالُ أخذ التخفيفِ من التغليظِ: قولُ الحنفيِّ: القتلُ العمدُ العدوانُ جنايةٌ عظيمةٌ فلا تجبُ فيه الكفارةُ، كالردَّة.\nفعظمُ الجنايةِ يناسبُ تغليظَ الحكمِ، لا تخفيفَه بعدمِ الكفارة.\nومثالُ أخذِ النفي من الإثباتِ: قولُ الشافعيِّ في معاطاةِ المحقرات: لم يوجد فيها سوى الرضا، فلا ينعقدُ بها البيعُ، كغير المحقرات.\nفالرضا يناسبُ الانعقادَ لا عدمَه.\nومثالُ أخذ الإثباتِ من النفي: قولُ من يرى صحةَ انعقاد البيع في المحقراتِ وغيرها بالمعاطاةِ، كالمالكيةِ: بيعٌ لم توجد فيه الصيغةُ فينعقدُ.\nفإنَّ انتفاء الصيغةِ يناسبُ عدمَ الانعقادِ لا الانعقاد.\nواعلمْ أنَّ من صور فساد الوضعِ كون الوصف الجامعِ ثبتَ اعتبارُه","vol":"1","page":447},{"text":"بنصٍّ أو إجماع في نقيضِ الحكمِ أو ضدِّه، أعني الحكم في قياسِ المستدلِّ، كقول الحنفيِّ: الهرُّ سبعٌ ذو نابٍ فيكونُ سؤرُه نجسًا كالكلبِ.\nفيقالُ: وصفُ السبعيةِ اعتبره الشارعُ علةً للطهارةِ حيثُ دُعِيَ إلى دارٍ فيها كلبٌ فامتنعَ، وإلى دارٍ فيها سنَّورٌ فلم يمتنعْ، فسئل عن ذلك فقال: الهرُّ سبعٌ.\nمثَّل بهذا بعضُ الأصوليين.\nوالظاهرُ أنَّه على تقدير ثبوتِ الحديثِ، قد يكونُ الامتناعُ عن دارٍ فيها كلبٌ من أجلِ أنَّ الملائكةَ لا تدخلُ بيتًا فيه كلبٌ. واللَّه أعلم.\nوعرَّف في \"المراقي\" فساد الوضعِ بقوله:\nمن القوادحِ فسادُ الوضعِ أن ... يجي الدليلُ حائدًا عن السنن\nكالأخذِ للتوسيعِ والتسهيل ... والنفي والإثباتِ مِنْ عديل\nوالجواب عن فسادِ الوضعِ بأحدِ أمرين:\nالأول: أنْ يَدْفَعَ قول الخصم: إنَّه يقتضي نقيضَ الحكم، كقول الحنفي: قولكم: إن القتل عمدًا يقتضي نقيضَ نفي الكفارةِ الذي هو وجوبها مدفوعٌ؛ فإنَّ جناية القتل لعظمها تستدعي أمرًا أغلظَ من الكفارةِ، وهو القصاصُ، فلا يقتضي عظمها نقيضَ نفي الكفارة.\nالثاني: أنْ يبينَ أن ما ذكره يقتضيه دليلُه من جهةٍ أخرى، كقولِ الحنفي في مسألةِ الزكاةِ المتقدمة: إنَّما قلتُ بالتراخي لمناسبته للرفقِ","vol":"1","page":448},{"text":"بالمالك.\nفالمستدلُّ نظر إلى الرفقِ بالمالكِ، والمعترضُ نظر إلى حاجة المسكين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>تنبيهان:</span>\n١ - اعلمْ أنَّ فساد الاعتبارِ وفسادَ الوضعٍ يقدحُ بهما في كلِّ دليلٍ، قياسًا كان أو غيره.\n٢ - اعلمْ أنَّ النسبةَ بينهما اختلف فيها:\nفقيل: فسادُ الاعتبارِ أعمُّ مطلقًا، وبه صرَّح الآمدي في \"إحكامه\"، وهو ظاهرُ قول السبكي في \"جمع الجوامع\".\nوالحقُّ في ذلك ما حققه بعضُ المتأخرين من أنَّ النسبةَ بينهما العمومُ والخصوصُ من وجهٍ:\nيجتمعانِ فيما هو مخالفٌ للنصِّ مع كونه على غيرِ الهيئة الصالحةِ لأخذِ الحكم.\nوينفرد فسادُ الوضعِ بكونِ الدليلِ ليس على الهيئة الصالحةِ لأخذِ الحكمِ منه مع كونِه لم يخالف نصًّا.\nوينفردُ فسادُ الاعتبارِ بما خالف النصَّ وكان على الهيئةِ الصالحةِ لأخذِ الحكمِ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>السؤال الرابع: المنع:</span>","vol":"1","page":449},{"text":"ومواقعه أربعة:\n١ - منعُ حكم الأصل.\n٢ - منعُ وجودِ ما يدعيه علةً في الأصل.\n٣ - منعُ كونِه علةً.\n٤ - منعُ وجوده في الفرع.\nومثالُ منع حكمِ الأصلِ: قولُ الحنبليِّ: جلدُ الميتةِ نجسٌ فلا يطهرُ بالدباغِ كجَلدِ الكلب.\nفيقول الحنفي: لا أُسَلِّمُ حكمَ الأصلِ، وهو أنَّ جلدَ الكلبِ لا يطهرُ بالدباغِ، بل هو يطهرُ به عندي.\nوأمَّا منعُ وجودِ ما يدَّعيه علةً، ومنعُ كونه علةً: فهما مركبُ الوصفِ ومركبُ الأصلِ، وقد أوضحناهما سابقًا.\nوعدُّهما في القوادحِ بناءً على أنَّ المركبَ بنوعيه مردودٌ، وهو المختارُ، كما أشار إليه في \"المراقي\" بقوله:\nوإنْ يكنْ لعلتينِ اختلفا ... تركبُ الأصلِ لدى مَنْ سلفا\nمركبُ الوصفِ إذا الخصمُ منع ... وجودَ ذا الوصفِ في الأصلِ المتبع\nوردُّه انتقي وقيل: يقبلُ ... وفي التقدمِ خلافٌ ينقلُ\nومحلُّ الشاهدِ منه قوله: \"وردُّه انتقي\" أي اختير.\nومثالُ منعِ وجوده في الفرعِ: قولُ الجمهورِ بقطعِ يد النبَّاشِ قياسًا","vol":"1","page":450},{"text":"على السارقِ بجامعِ السرقة.\nفيقولُ الحنفيُّ: وجودُ العلةِ التي هي السرقةُ ممنوعٌ في الفرعِ؛ لأنَّ النبَّاشَ ليس بسارقٍ، بل هو آخذُ مالٍ عارضٍ للضياعِ، كالملتقطِ.\nواعلمْ أنَّه اختلف في توجيه المنعِ على حكمِ الأصلِ هل ينقطعُ به المستدلُّ أو لا؟\nواختيارُ المؤلفِ أنَّه لا ينقطعُ به، بل له إقامةُ الدليلِ على الحكم. ووجهُ منعه انتشارُ الكلامِ، والانتقالُ إلى مسالةٍ أخرى؛ لأنَّ ذلك قد يتسلسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>السؤالُ الخامس: التقسيم:</span>\nوهو قادحٌ عند الجمهورِ في الدليلِ، ومنعَ قومٌ القدحَ به.\nوضابطُ التقسيمِ: أنَّ يحتملَ لفظٌ موردٌ في الدليلِ معنيينِ أو أكثر، بحيثُ يكونُ مترددًا بين تلك المعاني.\nوالمعترضُ يمنعُ وجودَ علةِ الحكمِ في واحدٍ من تلك المحتملات، كان يقولَ مشترطُ النيةِ في الوضوءِ: الطهارةُ قربةٌ فتشترطُ فيها النيةُ، كغيرها من القُرب.\nفيقولُ الحنفيُّ: الطهارةُ النظافةُ أو الأفعالُ المخصوصة التي هي الوضوءُ شرعًا، والأولُ ممنوعٌ كونُه قربةً، التي هي علةٌ في وجوبِ النية.\nومن أمثلته: أن يستدلَّ على ثبوتِ الملكِ للمشتري في زمن الخيارِ","vol":"1","page":451},{"text":"بوجودِ سببِ الملكِ، وهو البيعُ.\nفيقولُ المعترضُ: السببُ مطلقُ البيعِ أو البيعُ الذي لا شرطَ فيه، والأولُ ممنوعٌ، والثاني مسلَّمٌ ولكنَّه مفقودٌ في محلِّ النزاع.\nفالجوابُ عن التقسيمِ كالجوابِ عن الاستفسارِ المتقدم، وهو أن يبينَ أنَّ لفظه لا يحتملُ إلَّا ذلك المعنى، أو أنَّه أظهرُ فيه.\nوعرَّفه في \"المراقي\"، وعرَّف جوابه والخلف فيه، بقوله:\nويقدحُ التقسيمُ أنْ يحتملا ... لفظٌ لأمرين ولكنْ حظلا\nوجود علةٍ بأمرٍ واحدٍ ... وليس عند بعضِهم بالواردِ\nجوابُه بالوضعِ في المرادِ ... أو الظهورِ فيه باستشهاد\nقال المؤلفُ (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>(ويشترطُ لصحةِ التقسيمِ شرطان):</span>\nالأول: أنْ يكونَ ما ذكره المستدلُّ منقسمًا إلى ما يمنعُ وما يُسَلَّم، فلو زاد المعترضُ وصفًا لم يذكره المستدلُّ لم يقبل منه.\nالثاني: أنْ يكونَ التقسيمُ حاصرًا لجميع الأقسام، فإنْ لم يحصرها فللمستدلِّ أنْ يبيِّن أنَّ مورده غيرُ ما عيَّنه المعترضُ بالذكرِ.\nووجهُ قبولِ القدحِ بالتقسيمِ: أنَّ اللفظَ إذا احتملَ أمرين أحدهما\n_________\n(^١) (٣/ ٩٣٥).","vol":"1","page":452},{"text":"باطلٌ فهو محتملٌ للبطلانِ، فلا تنتهضُ به حجة.\nووجهُ ردِّ القدحِ به: أنَّ احتمالَ البطلانِ لا يبطلُ الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>السؤال السادس: المطالبة:</span>\nاعلمْ أن حقيقةَ المطالبةِ في الاصطلاحِ هي: منعُ كون الوصفِ علةَ الحكم. وهي بعينها أحدُ أقسام المنعِ الأربعةِ المتقدمة.\nوقد قدَّمنا أنَّ هذا النوعَ من المنعِ هو مركبُ الأصلِ في موضعينِ إن ادعى الخصمُ المانعُ علةً أخرى.\nومثالُ المطالبةِ قولُ الحنبليِّ للشافعيِّ: أثبتْ دليلك على أنَّ علةَ الربا في البرِّ الطعمُ.\nولمَّا ذكر القدح في \"المراقي\" بمنع وجود الوصفِ وبمنعِ كونه علةً في قوله:\nمِن القوادحِ كما في النقلِ ... منعُ وجودِ علةٍ في الأصلِ\nومنعُ عليةِ ما يعللُ ... به وقدحُه هو المعولُ\nقال في شرحِه: \"وهذا الأخيرُ هو المسمى بالمطالبة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>السؤال السابع: النقض:</span>\nوقد قدَّمنا حدَّه مرارًا، وقلنا بأنَّه وجودُ الوصفِ المعلل به دون الحكم.\nوقسمناه في الكلامِ على اشتراطِ اطرادِ العلةِ إلى أربعةِ أقسامٍ،","vol":"1","page":453},{"text":"وأوضحناها سابقًا.\nونزيدُ هنا ذكر أقوال العلماء فيه، وأوجهَ الجوابِ عن القدحِ به، بناءً على أنَّه قادحٌ.\nاعلمْ أنَّ بيع العرايا ونحوه لا يقدحُ به في علةِ الربا بالنقضِ إجماعًا كما تقدم، بل هو تخصيصٌ لحكم العلةِ، كالعموم.\nأمَّا غيره، فقال قومٌ: هو قادحٌ مطلقًا.\nوقال قومٌ: هو تخصيصٌ لحكمِ العلةِ، لا قدحٌ فيها. وعليه الأكثر.\nوروي عن مالكٍ أنَّه تخصيصٌ في المستنبطةِ، وقدحٌ في المنصوصة.\nوقال قومٌ بالعكس، وعزاهُ إمامُ الحرمين في البرهانِ للأكثر، وهو أوجه عندي مما قبله؛ لأنَّ النصَّ على صحة العلةِ أقوى من النقضِ بتخلفِ الحكمِ عنها، فلا يبطلُ الأقوى بالأضعف.\nواختار ابنُ الحاجبِ في مختصره الأصولي: أنَّ النقضَ قادحٌ في المنصوصةِ الثابتةِ بدلالةٍ قطعيةٍ بخلافِ الثابتةِ بظاهرٍ عامٍّ فهو تخصيصٌ لها، وأنَّه يقدحُ في المستنبطةِ إنْ لم يكنْ تخلفُ الحكمِ عنها لوجودِ مانعٍ أو فقدِ شرطٍ.\nوذكر في \"المراقي\" هذا الخلاف مع تعريف النقضِ بقوله:\nمنها وجودُ الوصف دون الحكم ... سمَّاه بالنقض وعاةُ العلمِ","vol":"1","page":454},{"text":"والأكثرون عندهم لا يقدح ... بل هو تخصيص وذا مصحح\nوقد روي عن مالك تخصيص ... إنْ يك الاستنباط لا التنصيص\nوعكسُ هذا قد رآه البعضُ ... ومنتقى ذي الاختصارِ النقضُ\nإنْ لمْ تكن منصوصةً بظاهرِ ... وليس فيما استنبطت بضائرِ\nإنْ جا لفقد الشرط أو لما منع ... والوفقُ في مثل العرايا قد وقع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>تنبيه:</span>\nوالجوابُ عن النقضِ بناءً على أنَّه قادحٌ مِنْ أوجهٍ خمسة:\nالأول: منعُ وجودِ الوصفِ -أي العلةِ- في صورةِ النقض، فيصيرُ تخلفُ الحكمِ لعدمِ وجودِ علته، فلا نقضَ إذن.\nومثالُه: أنْ يُقال فيما لو رمى الوالدُ ولده بحديدةٍ -مثلًا- فقتله: قتلُ عمدٍ عدوانٍ، وهذه علةُ القصاصِ في هذه الصورة، وقد تخلفَ الحكمُ عنها مع وجودها، فهذا نقضٌ للعلة.\nفيقول المالكيُّ -مثلًا-: العلةُ غيرُ موجودةٍ في هذه الصورة، فعدمُ القصاص فيها لعدمِ وجود العلة، ففيها دليلٌ على صحةِ انعكاس العلةِ الذي هو عدمُ الحكمِ عند عدمها، بل رميُ الوالدِ لولدهِ بحديدةٍ أو نحوها أنْ يقصدَ به التأديبَ ولا يقصدُ به القتلَ، فلم يتحققْ وجودُ القتلِ العمد العدوانِ في هذه الصورة.\nوقد قدَّمنا مرارًا أنَّ المثال يصحُّ على شطرِ خلافٍ، وأنَّه يكفي فيه الفرضُ والاحتمالُ، لأنَّ المرادَ منه فهمُ القاعدة.","vol":"1","page":455},{"text":"الثاني من أجوبةِ النقض: منعُ تخلفِ الحكمِ عن العلةِ بأنْ يقول: الحكمُ موجودٌ لوجود علته.\nومثالُه: ما لو ذبح الوالدُ ولده أو شقَّ بطنه، أو قطع رأسه، أو نحو ذلك مما لا يحتملُ التأديبَ بحالٍ، وإنَّما هو صريحٌ في قصدِ قتله عمدًا عدوانًا، فإنَّ المالكيةَ يقولون بوجوب القصاصِ من الأبِ في هذه الصورة.\nفلو قال غيرهم في الصورةِ المذكورةِ: قتلُ عمدٍ عدوانٍ، وهذه هي علةُ القصاصِ، وقد تخلف عنها الحكمُ الذي هو القصاصُ، وذلك نقضٌ للعلة.\nفإنَّهم يجيبون -أي المالكيةُ- عن هذا النقضِ بمنع تخلف الحكمِ، بل يقولون: الحكمُ غيرُ متخلفٍ -هنا-، والقصاصُ واجبٌ من الأَبِ في هذه الصورة، وقولكم: الوالدُ سببٌ في وجود الولدِ فلا يصحُّ أنْ يكون الولدُ سببًا في إعدامه، منتقضٌ بما لو زنى الأبُ بابنته، فإنَّه يرجمُ اتفاقًا، فقد كان سببًا في وجودها، وكانت سببًا في إعدامه، وجنايةُ الزنا ليست أعظمَ مِنْ جنايةِ القتل.\nوشرطُ صحة الجواب بهذا أنْ لا يكونَ انتفاء الحكم في صورةِ النقضِ مذهب المستدلِّ، فالذي يرى عدم القصاصِ من الأبِ في الصورةِ المذكورةِ لا يمكنه أنْ يجيبَ عن النقضِ المذكور بوجودِ الحكمِ الذي هو القصاصُ؛ لأنَّه يرى عدمَ وجوبه.\nالثالث مِنْ أجوبةِ النقض: بيانُ وجود مانعٍ مِن تأثيرِ العلةِ في","vol":"1","page":456},{"text":"الحكم، أو فقدِ شرطِ تأثيرها فيه عند مَنْ يرى ذلك مانعًا من النقض.\nومثالُ بيان مانعٍ من تأثيرها: أنْ يُقال في قتل الوالدِ ولده: قتلُ عمدٍ عدوانٍ، وهذه علةُ القصاصِ، والحكمُ الذي هو القصاصُ متخلفٌ هنا عن علته، إذْ لا قصاصَ من الوالدِ لولده، فالعلةُ منتقضةٌ لوجودها بدونِ حكمها.\nفيُجابُ عن هذا بأنَّ القتل العمدَ العدوانَ علةٌ للقصاصِ، ولكنَّ هذه العلةَ منع من تأثيرها في الحكمِ في هذه الصورةِ مانعٌ هو الأبوة.\nومن أمثلته: المغرورُ بحرِّية الأمةِ، فتزوجها يظنُّها حرةً، لغرورِ سيِّدها له بدعواهُ أنَّها حرةٌ، على قول منْ يقولُ إنَّ ولدَه منها حرٌّ، ولا يلزمه دفعُ قيمتِه لسيِّدها الذي غرَّه.\nفيُقالُ: رقُّ الأمِّ علةٌ لرقِّ ولدها؛ لأنَّ كلَّ ذاتِ رحمٍ فولدُها بمنزلتها، وقد وجدتْ في هذه الصورةِ علةُ رقِّ الولدِ التي هي رقُّ أمِّه مع تخلف الحكمِ لأنَّ ولد المغرورِ حرٌّ، فهذا نقضٌ للعلة.\nفيُجابُ عن هذا بأنَّ رقَّ الأمِّ علةٌ لرقِّ الولد، ولكن هذه منع من تأثيرها في حكمها في هذه الصورةِ مانعٌ هو الغرور.\nومثالُ فقدِ شرط تأثير العلةِ في حكمها: ما لو سَرَقَ أقلَّ من نصابٍ، أو سرقَ نصابًا من غير حرز مثله، فيقالُ: هذا قد وجدتْ منه السرقةُ، وهي علةُ القطع، وقد تخلف عنها حكمُها الذي هو القطعُ، وهذا نقضٌ لها.\nفيجابُ بأنَّ السرقةَ هي علةُ القطع، ولكنْ شرطُ تأثير هذه العلةِ في","vol":"1","page":457},{"text":"حكمها مفقودٌ هنا؛ لأنَّه يشترطُ في تأثيرها في حكمها أنْ يكونَ المسروقُ نصابًا، وأنْ يكونَ السارقُ أخرجه مِنْ حرز مثله.\nالرابع من أجوبةِ النقض: كونُ الصورةِ الواردِ فيها النقضُ مستثناةً بالنصِّ من القاعدةِ الكلية، بأنْ يقول في بيع العرايا: بيعُ رطبٍ بتمرٍ، وعلةُ التحريمِ التي هي المزابنةُ موجودةٌ فيه، وقد تخلف حكمُها عنها وهو منعُ البيعِ، فهو نقضٌ للعلة.\nفيُجابُ عن هذا بأنَّ هذه الصورةَ أخرجها دليلٌ خاصٌّ مع بقاءِ علتها معتبرةً في تحريم الرطبِ بالتمرِ في ما سواها.\nوقد يقولُ المستدلُّ للمعترضِ بالنقضِ في هذه الصورةِ المذكورةِ: هذا واردٌ عليك وعليَّ، فليس بطلانُ مذهبي به أولى مِنْ بطلانِ مذهبك.\nومثلُ هذا لا خلافَ بين العلماء في أنَّه تخصيصٌ لحكمِ العلةِ لا نقضٌ لها، فهو تخصيصُ العامِّ بقصره على بعضِ الأفرادِ بدليل خاصٍّ.\nالخامس من أجوبةِ النقض: هو أنْ تكونَ المصلحةُ المشتملةُ عليها العلةُ معارضةً بمفسدةٍ أرجح منها، أو مساوية لها، كأن يقال في أكل المضطرِّ الميتةَ: قذارةُ الميتةِ علةٌ لحرمةِ أكلها، والعلةُ التي هي قذارتها موجودةٌ في هذه الصورة، مع أنَّ الحكمَ الذي هو منع الأكل متخلفٌ عنها.\nفيُجابُ عن هذا بأنَّ مصلحةَ تجنبِ المستقذراتِ معارضةٌ في هذه الصورةِ بمفسدةٍ أرجح منها هي هلاكُ المضطر إنْ لم يأكل الميتةَ،","vol":"1","page":458},{"text":"فالقذارةُ علةٌ لمنعِ الأكل، ولكنَّها عورضتْ بما هو أقوى منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>تنبيهات:</span>\nالتنبيه الأول: قولُ المؤلفِ (^١) -﵀- في هذا المبحث: (وأمَّا الكسر: وهو إبداء الحكمةِ بدون الحكمِ، فغيرُ لازمٍ. . .) الخ.\nفيه نظرٌ من جهتين:\nالأولى: أنَّه عرَّف الكسر بأنَّه إبداء الحكمةِ بدونِ الحكم. والكسرُ يشملُ أعمَّ ممَّا ذكره.\nالثانية: أنَّه قال: لا يلزمُ به قدحٌ. وبه قال بعضُ الأصوليين، واختاره ابنُ الحاجبِ في بعضِ المواضعِ من مختصره. مع أنَّ جماعةً من أهل الأصولِ صححوا أنَّه قادحٌ.\nقال ابنُ الحاجب في مختصره الأصولي في عدِّه للقوادحِ: \"الرابع عشر: الكسر وهو نقضُ المعنى، والكلامُ فيه كالنقضِ\".\nوقال صاحبُ \"جمع الجوامع\" في مبحث القوادحِ: \"ومنها: الكسرُ، قادحٌ على الصحيحِ؛ لأنَّه نقضُ المعنى، وهو إسقاطُ وصفٍ من العلةِ. . . \" الخ.\nفالظاهرُ أنَّ الكسر كالنقض، فعلى أنَّ النقضَ قادحٌ فالكسرُ كذلك، والجوابُ عنه كالجوابِ عنه.\n_________\n(^١) (٣/ ٩٤٠).","vol":"1","page":459},{"text":"وقال صاحبُ \"الضياء اللامع في شرح جمع الجوامعِ\": \"واتفق أهل العلم على صحته وإفساد العلةِ به\". انتهى محلُّ الغرضِ منه.\nواعلمْ أنَّ مِنْ أنواع الكسر ما ذكره المؤلفُ، وهو إبداء الحكمةِ بدون الحكمِ، وجزمَ بأنَّه غيرُ قادحٍ، واختاره ابن الحاجبِ في بعضِ المواضع من مختصره، ومثَّل له بقول الحنفي في المسافرِ العاصي بسفره: مسافرٌ، فيترخصُ في سفره، كغير العاصي.\nفإذا قيلَ له: ولم قلتَ: إنَّ السفرَ علةٌ للترخُّص؟ قال: بالمناسبة؛ لما فيه من المشقةِ المقتضيةِ للترخص؛ لأنَّه تخفيفٌ، وهو نفعٌ للمترخص.\nفيعترضُ عليه بصنعةٍ شاقةٍ في الحضر، كحمل الأثقالِ وضربِ المعاولِ وما يوجبُ قربَ النار في ظهيرةِ القيظِ في القُطْرِ الحارِّ، فهنا قد وجدت الحكمةُ وهي المشقة، ولم يوجد الحكمُ الذي هو قصرُ الصلاة وإباحةُ الفطر -مثلًا-.\nوالجوابُ عن هذا: أنَّ الشرعَ إنَّما اعتبرَ مشقةَ السفر، فالعلةُ في الترخيصِ السفرُ، وحكمتها رفعُ المشقة.\nفأصلُ العلةِ لم يوجدْ في الصنعةِ الشاقةِ في الحضر، فلم يقعْ كسرٌ في العلة، وسفرُ العاصي بسفره علةٌ للترخص، والمانعُ من تأثيرها هنا عند من يقولُ به أنَّ الترخيصَ تخفيفٌ، والتخفيفُ على العاصي إعانةٌ له على معصيته، واللَّه يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة/ ٢].","vol":"1","page":460},{"text":"ومن أنواعِ الكسرِ: تخلفُ الحكمةِ (^١) مع وجودِ الحكم. اختلف فيه: هل ينتفي فيه الحكمُ لانتفاء حكمته، أو لا ينتفي بناءً على أنَّ المعللَ بالمظانِّ لن يتخلفَ فيه الحكمُ بتخلفِ الحكمةِ نظرًا إلى إناطةِ الحكمِ بالمظنة؟\nوإلى هذا الخلافِ أشار في \"مراقي السعودِ\" بقوله:\nوفي ثبوتِ الحكمِ عند الانتفا ... للظنِّ والنفي خلافٌ عرفا\nوقال في شرحِه لمراقي السعودِ المسمى بنشر البنود: \"لكنَّ الفروعَ المبنيةَ على هذه القاعدةِ، منها ما رجح فيه ثبوتُ الحكمِ، كاستبراء الصغيرةِ، فإنَّ حكمةَ الاستبراء تحقُّقُ براءةَ الرحمِ، وهي متحققةٌ بدون الاستبراء. وكمن مسكنه على البحرِ ونزل منه في سفينةٍ قطعتْ به مسافةَ القصرِ في لحظةٍ، فإنَّه يجوزُ له القصرُ في سفره هذا.\nومنها ما يرجحُ فيه انتفاء الحكمِ لانتفاء حكمته قطعًا، إلغاءً للمظنةِ مِنْ أصلها، أو بدليلٍ مخصوصٍ اقتضى إلغاء المظنَّةِ فيها.\nوعلى هذا يتخرجُ كثيرٌ من المسائلِ، كشرعِ الاستنجاءِ من حصاةٍ لا بلل معها، والغسلِ من وضع الولدِ جافًّا، وعدمِ نقضِ الوضوء إذا لم توجد اللذَّةُ في اللمس بباطنِ الكفِّ أو الأصابع، والنقضِ بالقُبلةِ على الفمِ إذا لم توجد اللذةُ\" اهـ. منه.\n_________\n(^١) المراد بالحكمة هنا: العلة، أي علة الحكم؛ لأن العلة تقدم أنها تطلق على سبب الحكم، كما تطلق على حكمة الحكم، فالعلة هنا المشقة، والحكمة التخفيف. \"عطية\".","vol":"1","page":461},{"text":"ومن المسائلِ التي تتخرجُ على القاعدةِ المذكورة: ما لو قال لامرأتِه: \"أنتِ طالقٌ\" مع آخر جزءٍ مِنْ الحيض. فهذا طلاقٌ صادف الحيضَ، وهو علةٌ لتحريم الطلاقِ، ولكن يستعقبُ العدةَ، فلا تطويلَ فيه. فالحكمةُ الموجبةُ للمنع التي هي التطويلُ منتفيةٌ هنا، فمنهم مَنْ نظر إلى المعنى وقال: هو سُنِّيٌّ، ومنهم مَنْ نظرَ إلى مظنَّةِ التطويلِ وهو الحيضُ، فقال: هو بدعيٌّ.\nوكذلك لو قال لها: \"أنتِ طالقٌ\" مع آخر جزءٍ من الطهر.\nفعلى أنَّ هذه المسائل المذكورةَ وأمثالها الكثيرةَ ينتفي فيها الحكمُ لانتفاء حكمتِه، فتخلفُ الحكمةِ عن الحكمِ كسرٌ قادحٌ في العلةِ، ولذا انتفى حكمُها بانتفاء الحكمة.\nوعلى أنَّ الحكمَ فيها باقٍ مع انتفاء حكمته، فعلى قول من يقولُ: إنَّ هذا النوعَ من الكسرِ غيرُ قادحٍ، فلا إشكال.\nوعلى قول من يقولُ: إنَّه قادحٌ، فالجوابُ عنده أنَّ هذه المسائلَ عُلِّقَ الحكمُ فيها بمظنَّةِ وجودِ الحكمةِ، والمعروفُ أنَّ المعلَّل بالمظانِّ لا يتخلفُ الحكمُ فيه بتخلفِ الحكمة؛ لأنَّ الحكمَ فيها منوطٌ بالمظنَّة. وأشار بعضُ أهل العلمِ إلى هذا بقوله:\nإنْ عُللَ الحكمُ بعلةٍ غلبْ ... وجودُها اكتفى بذا عن الطلب\nلها بكلِّ صورةٍ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . .\nوعليه، فالمانعُ من القدحِ بهذا النوع من الكسرِ إناطةُ الحكمِ بمظنَّةِ الحكمةِ لا بنفسِ الحكمة، وذلك لأنَّ نفس الحكمةِ ربما لا","vol":"1","page":462},{"text":"يمكنُ انضباطها، فلو علقنا حكم قصر الصلاةِ وإباحةِ الفطر في رمضان -مثلًا- بحصولِ المشقةِ لم تنضبطْ هذه الحكمة؛ لاختلافها باختلافِ الأشخاصِ والأحوال، فأنيطَ بسفر أربعةِ بردٍ -مثلًا- لأنَّه مظنَّةُ المشقة. ومِنْ هنا لم يُنْظَرْ إلَّا للمظنَّةِ عند مَنْ يقولُ بذلك.\nومن أنواع الكسرِ: إبطالُ المعترضِ جزءًا من المعنى المعلَّلِ به، ونقضُه ما بقيَ من أجزاء ذلك المعنى المعلَّل به.\nفعلمَ أنَّه إنَّما يكونُ في العلةِ المركبةِ من وصفينِ فأكثر.\nوالقدحُ به مقيَّدٌ بأنْ يعجزَ المستدلُّ عن الإتيانِ ببدلٍ من الوصفِ الذي أبطله المعترض، فإنْ ذكر بدلًا يصلحُ أنْ يكونَ علةً للحكمِ ألغي الكسرَ واستقامَ الدليل.\nوإبطالُ الجزء بأنْ يبينَ المعترضُ أنَّه ملغيٌّ بوجود الحكمِ عند انتفائه.\nوالمرادُ بنقضِ الباقي عدمُ تأثيرِه في الحكمِ، وله صورتان:\nالصورةُ الأولى: أنْ يأتيَ المستدلُّ ببدل الوصفِ المسقطِ عن الاعتبار، كما يقالُ في وجوب أداء صلاةِ الخوفِ: هي صلاةٌ يجبُ قضاؤها لو لم تفعل، فيجبُ أداؤَها، قياسًا على صلاة الأمنِ، فإنَّها كما يجبُ قضاؤها لو لم تفعل يجبُ أداؤها.\nفوجوبُ القضاء هو العلةُ، ووجوبُ الأداء هو الحكمُ المعلَّلُ بتلك العلة.","vol":"1","page":463},{"text":"فيعترضُ بأنَّ خصوص الصلاةِ ملغيٌّ، ويبينُ بأنَّ الحجَّ واجبُ الأداء كالقضاء.\nفيبدلُ المستدلُّ خصوص الصلاةِ بوصفٍ عامٍّ هو العبادةُ، بأنْ يقول: عبادةٌ يجبُ قضاؤها لو لم تُفْعَلْ. . . الخ.\nفينقضُ عليه المعترضُ -أيضًا- هذا البدلَ بصوم الحائضِ، فإنَّه عبادةٌ يجبُ قضاؤها، ولا يجبُ أداؤها، بل يحرم.\nوالصورةُ الثانية: أن لا يبدل المستدلُّ الوصف الذي أبطله المعترضُ، فلا يبقى للمستدلِّ علةٌ في المثالِ المذكورِ إلَّا قوله: \"يجبُ قضاؤها\"، فينقضُه المعترضُ بأنْ يقول: ليس كلُّ ما يجبُ قضاؤه يجبُ أداؤه، بدليلِ صومِ الحائضِ في رمضان، فإنَّها يجبُ عليها قضاؤه، ولا يجبُ عليها أداؤه، بل يحرم.\nفعُلم ممَّا ذكرنا أنَّ الكسر يصدقُ بأنواعٍ، منها ما لا ينبغي أنْ يختلفَ في أنَّه قادحٌ، ومنها ما اختلفَ فيه، والأظهرُ في بعضِ صورِه عدمُ القدح.\nوقد أشار صاحبُ \"مراقي السعودِ\" إلى أنَّه قادحٌ، مع ذكر بعضِ صوره بقوله في مبحثِ القوادح:\nوالكسرُ قادحٌ ومنه ذكرا ... تخلفَ الحكمةِ عنه مَنْ درى\nومنه إبطالٌ لجزءٍ والحيل ... ضاقتْ عليه في المجيءِ بالبدل\nوضابطُ الكسرِ المنطبقِ على جميعِ جزئياتِه: أنَّه إظهارُ خللٍ في","vol":"1","page":464},{"text":"بعضِ العلَّة، فيصدقُ بوجودِ حكمتها بدونِها، وبوجودها دون حكمتها، وبإبطال بعضِ أجزائها مع العجزِ عن بدلٍ منه صالحٍ.\nوقد تقدَّم إيضاحُ ذلك كلِّه بأمثلته.\nوبما ذكرنا تعرفُ ما في كلام المؤلفِ -﵀- كما أشرنا إليه.\nالتنبيه الثاني: أظهرُ قولَيْ أهل الأصولِ -عندي- وجوبُ الاحترازِ في الدليلِ عن صورة النقضِ، بأنْ يذكرَ في دليلهِ ما تخرجُ به الصورةُ التي يردُ عليها النقضُ، كأنْ يقول في علةِ القصاصِ: قتلٌ عمدٌ عدوانٌ واقعٌ مِنْ غيرِ والدٍ لولده، فيجبُ فيه القصاص.\nفقوله: \"واقعٌ مِنْ غيرِ والدٍ لولده\" احترز به عن صورةِ النقضِ، فلو لم يحترزْ بذلك عنها لقالَ المعترضُ: هذه العلةُ منتقضةٌ بقتلِ الوالدِ ولدَه، فهو قتلٌ عمدٌ عدوانٌ ولا قصاصَ فيه.\nوهكذا في الأمثلةِ السابقة، خلافًا لمن قال من الأصوليين: لا يجبُ الاحترازُ المذكورُ، بل يستحبُّ.\nوقال المؤلفُ (^١) -﵀- في هذا المبحثِ:\n(والأليقُ وجوبُ الاحترازِ؛ فإنَّه أقربُ إلى الضبطِ، وأجمعُ لنشرِ الكلامِ، وهو هينٌ).\n_________\n(^١) (٣/ ٩٣٨).","vol":"1","page":465},{"text":"وإن اختارَ وجوبَه غيرُ واحدٍ، واختار ابنُ الحاجبِ في مختصره الأصوليِّ أنَّ الاحترازَ المذكورَ ليس بلازمٍ.\nوفيه أقوالٌ وتفصيلٌ معروفٌ عند الأصوليين أشار إليه ابنُ الحاجب.\nوقال صاحبُ \"جمع الجوامع\": \"ويجبُ الاحترازُ منه على المناظرِ مطلقًا، وعلى الناظرِ إلَّا فيَما اشتهر من المستثنيات، فصار كالمذكور، وقيل: يجب مطلقًا. وقيل: إلَّا في المستثنياتِ (مطلقًا) \". انتهى محلُّ الغرضِ منه.\nومرادهُ بالمستثنياتِ العرايا ونحوها.\nوالذين لم يوجبوا الاحترازَ المذكورَ وجهوا ذلك بأنَّ النقضَ سؤالٌ خارجٌ عن القياسِ، فلا يجبُ إدخالُه في صلبِ القياسِ، بل إذا أورده المعترضُ لزمَ جوابُه بما يدفعُه، كسائرِ الأَسئلة، ولأنَّ فيه تنبيهًا للمعترضِ على موضع النقض، وقد يدَّعي أنَّ الوصفَ الذي به الاحترازُ طرديٌّ، وذلَك يؤدي إلى انتشار الكلام، وهو خلاف المطلوبِ من المناظرة.\nوأمَّا الذين أوجبوا الاحترازَ المذكور فقد وجهوا ذلك بأنَّ فيه حسم مادةِ الشغبِ وانتشار الكلامِ وسدًّا لبابه، فكان واجبًا، لما فيه من صيانةِ الكلامِ عن الانتشار.\nوهذا الأخيرُ أظهرُ عندنا، وقد أجاب القائلونَ به بأنَّ سؤال النقضِ وإنْ كان خارجًا عن القياس فهو مصححٌ له، ومانعٌ مِنْ إظهارِ خللِ","vol":"1","page":466},{"text":"النقضِ فيه.\nوأجابوا عن كونه فيه تنبيهٌ للمعترضِ على موضعِ النقضِ بأنَّ ذلك لا يمنعُ وجوبَ الاحترازِ؛ لأنَّ المناظرةَ المشروعةَ مبنيةٌ على العدل والإنصافِ، وقصدِ ظهورِ الحقِّ، لا على المشاغبةِ وقصدِ غلبةِ الخصم.\nالتنبيه الثالث: قد قدَّمنا أنَّ من أجوبةِ المستدلِّ عن النقضِ منعَه وجود الوصف الذي هو العلةُ في صورةِ النقضِ، فلو أراد المعترضُ إثباتَ وجوده بالدليلِ فقد اختلف أهلُ الأصولِ هل يُمَكَّنُ مِنْ ذلك؟ إلى أربعةِ مذاهب:\nالأول -وبه قال الأكثرُ-: إنَّه ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه نقل الكلام إلى مسألةٍ أخرى، وبذلك يصيرُ المعترضُ مستدلًّا، والمستدلُّ معترضًا، وكلُّ ذلك على خلافِ ما تقتضيه طريقةُ الجدل.\nالثاني: أنَّ له ذلك؛ لأنَّه متممٌ للنقض.\nالثالث -وبه قال الآمديُّ-: إن تعينَ ذلك طريقًا للمعترضِ في دفع كلام المستدلِّ وجبَ قبولُه، وإنْ أمكنَ القدحُ بطريقٍ أخرى هي أقربُ للمقصودِ فلا يقبلُ منه ذلك.\nالرابع -وحكاه ابن الحاجب، واختاره بعضهم-: هو أنَّ العلةَ إنْ كانت حكمًا شرعيًّا لم يقبلْ منه ذَلك؛ لما فيه من الانتشار، وإنْ كانت حكمًا عرفيًّا أو عقليًّا فله ذلك؛ لقربِ المأخذ في العقلياتِ والعرفياتِ دون الشرعيات.","vol":"1","page":467},{"text":"ولم يذكر صاحبُ \"جمع الجوامع\" هذا القول الأخير؛ لأنَّه لم يره لغيرِ ابن الحاجبِ، كما ذكره عنه المحلي.\nالتنبيه الرابع: قد قدمنا أنَّ من أجوبة النقضِ منعَ المستدل تخلفَ الحكم، فإن منعه وقال: بل الحكمُ موجودٌ فلا نقض، فأراد المعترضُ إقامة الدليل على عدم الحكم؛ فقال بعضهم: له ذلك؛ إذ به يحصل مطلوبه، وهو النقضُ بتخلف الحكمِ عن الوصف.\nوقال بعضهم: ليس له ذلك؛ لأنَّه انتقالٌ من الاعتراضِ إلى الاستدلال.\nوقال بعضهم: له ذلك إن لم يكن طريقٌ آخر أولى بالقدح نظير ما تقدم.\nوالقولُ بمنعه من الاستدلال مطلقًا صححه صاحبُ \"جمع الجوامع\".\nوقال صاحبُ \"الضياء اللامع\": وعزاه ولي الدين لأكثر النُّظار.\nالتنبيه الخامس: لو أقام المستدلُّ الدليل على وجود العلة في محل التعليلِ، وذلك الدليل موجود في محل النقض، فنَقَضَ المعترضُ العلَة، فقال المستدل: لا نسلِّم وجوده في محل النقض، فقال المعترض: ينتقضُ دليلُك؛ لوجوده في محل النقض دون مدلوله وهو وجود العلة = فاختلف: هل يسمع منه ذلك أو لا؟\nفقال الجدليون: لا يسمع. واختاره صاحب \"جمع الجوامع\" وغير واحد؛ لأنَّه انتقال.","vol":"1","page":468},{"text":"وقال بعضهم: يسمع منه ذلك.\nومثل له بعضهم بقول الحنفي: يصح صوم رمضان بنية قبل الزوال، للإمساك والنية.\nفينقضه الشافعي بالنية بعد الزوال، فإنها لا تكفي.\nفيمنع الحنفي وجود العلة في هذه الصورة.\nفيقول الشافعي: ما أقمتَه دليلًا على وجود العلة في محل التعليل دالٌّ على وجودها في صورة النقض أيضًا.\nأما لو قال المعترض: يلزمك أحد الأمرين، إما نقض العلة أو نقض دليلها، وأيًّا ما كان فلا تثبت العلِّية، كان مسموعًا يفتقر إلى الجواب، ولا نزاع في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>السؤال الثامن: القلب:</span>\nوضابطه: أن يثبت المعترضُ نقيضَ حكم المستدلِّ بعين دليل المستدل، فيقلب دليلَه حجةً عليه، لا له.\nوهو قسمان:\nأحدهما: ما صَحَّحَ فيه المعترضُ مذهبَه، وذلك التصحيح فيه إبطالُ مذهب خصمه، سواء كان مذهب الخصم المستدلِّ مصرحًا به في دليله أو لا.\nومثال ما كان مصرحًا به فيه: قول الشافعي في بيع الفضولي: عقدٌ في حقٍّ لغيرٍ بلا ولايةٍ عليه، فلا يصح؛ قياسًا على شراء الفضولي فإنه","vol":"1","page":469},{"text":"لا يصح لمن سمَّاه.\nفيقول المعترض، كالمالكي والحنفي: عقدٌ، فيصحُّ، كشراء الفضولي، فإنه يصحُّ لمن سماه إذا رضي المسمَّى له، وإلا لزم الفضولي.\nومثال غير المصرح فيه: قول من يشترط الصوم في الاعتكاف كالمالكي: لبثٌ، فلا يكون بنفسه قربة، كوقوف عرفة. أي فإنه قربةٌ بضميمة الإحرام إليه، فكذلك الاعتكاف إنما يكون قربة بضميمة عبادةٍ إليه، وهي الصوم، في الاعتكاف المتنازع فيه، ومذهبه -وهو اشتراط الصوم في الاعتكاف- غير مصرح به في دليله.\nفيقول المعترض، كالشافعي: الاعتكاف لبثٌ، فلا يشترط فيه الصوم، كوقوف عرفة، أي فإنه لا يشترط فيه الصوم.\nالقسم الثاني من قسمي القلب: هو ما كان لإبطال مذهب الخصم، من غير تعرض لتصحيح مذهب المعترض، سواء كان الإبطال المذكور مدلولًا عليه بالمطابقة أو الالتزام.\nمثال الأول: قول الحنفي في مسح الرأس: عضوُ وضوءٍ، فلا يكفي في مسحه أقل ما يطلق عليه اسم المسح، قياسًا على الوجه، فإذن لا يكفي في غسله ذلك.\nفيقول المعترض، كالشافعي: فلا يقدر بالربع، كالوجه، فإنه لا يتقدر بالربع.\nومثال الثاني، وهو ما أبطل فيه مذهب المستدل بالالتزام: قولُ","vol":"1","page":470},{"text":"الحنفي في جواز بيع الغائب: عقد معاوضةٍ يصح مع الجهل بالعوض، كالنكاح يصح مع الجهل بالزوجة، أي عدم رؤيتها.\nفيقول المعترض، كالمالكي: فلا يثبت خيار الرؤية، كالنكاح.\nفقد أبطلَ مذهب الحنفي بالالتزام؛ لأن ثبوت خيار الرؤية لازم عنده شرطًا للصحة، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.\nوعرَّف في \"المراقي\" القلب بنوعيه بقوله:\nوالقلب إثبات الذي الحكم نقض ... بالوصف والقدح به لا يعترض\nفمنه ما صحح رأي المعترض ... مع أن رأي الخصم فيه منتقض\nومنه ما يبطل بالتزام ... أو الطباق رأي ذي الخصام\nولم يذكر المؤلف قلب المساواة، ولذا تركناه.\nواعلم أن القلب نوعٌ من المعارضة، إلا أنه نوعٌ خاص؛ لأن المعترض فيه يعارض المستدل بنفس دليله -كما تقدمت أمثلته-، والجواب عنه كالجواب عن المعارضة، إلا أن يستثنى من ذلك منع وجود الوصف فلا يصح في القلب لاتفاق الخصمين عليه، كما يتضح من الأمثلة السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>السؤال التاسع: المعارضة:</span>\nوهي قسمان:\n١ - معارضة في الأصل.","vol":"1","page":471},{"text":"٢ - ومعارضة في الفرع.\nوأحسنهما المعارضة في الأصل؛ لأنَّه لا يحتاج إلى ذكر غير صلاحية ما يذكره للعلة.\nواعلم أن ضابط المعارضة هو إقامة الدليل على خلاف ما أقام الخصم عليه دليله، وترد على جميع الأدلة قياسًا أو غيره.\nوهذا الذي ذكره المؤلف: المعارضة في القياس.\nوضابط المعارضة في الأصل: أن يبدي المعترض وصفًا آخر صالحًا للتعليل، كأن يقول الشافعي: علةُ تحريم الربا في البرِّ الطعمُ. فيعارض الحنبلي بإبداء وصفٍ آخر صالح للتعليل وهو الكيل.\nولا يخفى أن هذا النوع من المعارضة مبنيٌّ على القول بمنع تعدد العلل المستنبطة؛ لأنه على القول بجواز تعددها، فلا مانع من أن تكون كلتا العلتين صحيحة.\nأما العلل المنصوصة فلا خلاف في جواز تعددها، كالبول والنوم لنقض الوضوء، ولا يرد عليها هذا النوع من المعارضة.\nوأشار إلى هذا في \"المراقي\" بقوله:\nوعلة منصوصة تعدد ... في ذات الاستنباط خُلْفٌ يعهد\nوهذا النوع المذكور من المعارضة في الفرع: إبداء وصفٍ مانع من الحكم في الفرع منتف عن الأصل، كقياس الهبة على البيع في منع الغرر.","vol":"1","page":472},{"text":"فيقول المعترض: البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسةٌ يخلُّ بها الغرر، والهبة محض إحسان لا يخلُّ بها الغرر، فإن لم يحصل شيء لم يتضرر الموهوب له، فكون الهبة محض إحسان معارضة في الفرع ليست موجودة في الأصل مانعة من إلحاقه به.\nوكقول الحنفي: يقتل المسلم بالذمي كغير المسلم، بجامع القتل العمد العدوان.\nفيقول المعترض: الإسلام في الفرع مانع من القَود.\nوذكر المؤلفُ أن من المعارضة في الفرع فساد الاعتبار المتقدم، وهو واضح؛ لأنك لو قلت كالحنفي: يمنع السلف في الحيوانات؛ لعدم انضباطها، كسائر المختلطات، فللمعترض أن يقول: إن في هذا الفرع وصفًا مانعا من إلحاقه بالأصل، وهو أن النبي -ﷺ- استلف بكرًا ورد رباعيًّا، وهذا النص الموجود في الفرع منتفٍ عن الأصل الذي هو سائر المختلطات.\nوذكر المؤلف (^١) في جواب المعارضة في الأصل أربع طرق:\nالأولى: أن يبين المستدل أن مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره المعترض، فيستقلُّ به ما ذكره المستدل.\nومثاله: قول الشافعي: علة تحريم الربا في البرِّ الطعمُ.\nفيعارضه الحنفيُّ -مثلًا- بوصف الكيل.\n_________\n(^١) (٣/ ٩٤٨ - ٩٤٩).","vol":"1","page":473},{"text":"فيقول الشافعي: إن ملء الكف من البر ينتفي عنه الكيل؛ لقلته، ومنع الربا موجود فيه، فيستقل الطعم بالعلية.\nوالقصدُ المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.\nالثانية: أن يبين المستدل إلغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختلف فيه، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، فإن في الحديث: \"من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ. . . \" الحديث، فيقول المستدل: الأمة كالعبد في سراية العتق الواردة في الحديث بجامع الرق.\nفيقول المعترض: إن في الأصل وصفًا مانعًا من إلحاق الفرع به، وهو الذكورة؛ لأن عتق الذكر تلزمه مصالح، كالشهادة والجهاد، وجميع المناصب المختصة بالرجال لا توجد في الفرع الذي هو الأمة.\nفيجيب المستدل عن هذا الاعتراض بأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق (^١) وصفان طرديَّان لا يترتب عليهما شيءٌ من أحكام العتق، كما تقدم إيضاحه.\nالثالثة: أن يبين أن العلة ثابتة بنصٍّ أو إيماءٍ وتنبيه.\nومثاله في الإيماء والتنبيه: قول الشافعي: العلة في تحريم الربا في البرِّ الطعمُ.\nفيعارضه المالكي بالاقتيات والادخار.\n_________\n(^١) في الأصل المطبوع: بأن الذكورة لا توجد بالنسبة إلى العتق. ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"1","page":474},{"text":"فيقول الشافعي: إن كون الطعم هو العلة تثبت بمسلك الإيماء والتنبيه في حديث معمر بن عبد اللَّه في \"صحيح مسلم\": \"كنت أسمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل\" الحديث. فترتيب اشتراط المثلية على وصف الطعم يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن العلةَ الطعمُ.\nوالقصدُ المثال لا مناقشة الأقوال.\nومثالُه في النصِّ: أنْ يقول الحنبليُّ: علة الربا في البرِّ الكيل.\nفيعارضُه المالكيُّ بوصف الاقتيات والادخار.\nفيقول الحنبليُّ: إنَّ كون العلة الكيل ثبت بالنصِّ، ففي حديث حيان بن عبيد اللَّه عند الحاكم عن أبي سعيد بعد أن ذكر الستة المنصوص على تحريم الربا فيها أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: \"وكذلك كلُّ ما يكالُ أو يوزن\".\nوفي الصحيحين بعد ذكر الرِّبويَّات أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: \"وكذلك ما يوزنُ\" بعد ذكر الكيلِ في الحديث.\nالرابعة: أن يبين رجحان ما ذكره على ما أبداه المعترض.\nومثالُه: قول المالكيّ والحنفيِّ: إن علة كفارة الجماع في نهار رمضان انتهاكُ حرمة رمضان، فتجب في الأكل والشرب، كالجماع.\nفيعارضه الحنبليُّ والشافعيُّ بخصوص وصف الجماع الذي رتَّب النبيُّ -ﷺ- عليه حكم الكفارة.","vol":"1","page":475},{"text":"فيجيبُ المالكيُّ والحنفيُّ بأن الوصف المتعدِّي إلى غيره أرجح من الوصف الذي لم يتعدَّ إلى غيره؛ لأنَّ التعدية من المرجحات، وكون العلة هي انتهاك حرمة رمضان يتعدى بها الحكم من الجماع إلى الأكل والشرب، فتجبُ الكفارة في الجميع، وكون العلة خصوص الجماع تكون به قاصرةً على محلِّها، فلا يتعدى حكمها إلى شيء.\nوالقصدُ المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.\nوردَّ قوم القدح بالمعارضة بدعوى أن القدح هدمٌ، والمعارضة بناءٌ، والتحقيقُ خلافُه، لأنَّها هدمٌ للدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>السؤال العاشر: عدمُ التأثير:</span>\nأي عدم تأثير الوصف في الحكم.\nوضابطُه: أن يذكر في الدليل ما يستغنى عنه.\nوهو عند الأصوليين ثلاثةُ أقسام:\nالأول: وهو المسمى بعدم التأثيرِ في الوصف.\nوضابطُه: أن يكون الوصف طرديًّا لا مناسبة فيه أصلًا.\nكقول الحنفيِّ في صلاة الصبح -مثلًا-: صلاةٌ لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت، كالمغرب.\nفعدم القصر طرديٌّ في تقديم الأذان.\nوحاصل هذا القسم: إنكار علة الوصف بكونه طرديًّا.","vol":"1","page":476},{"text":"الثاني: وهو المسمى بعدم التأثير في الأصل.\nوضابطُه: إبداء المعترض علة لحكم الأصل غير علة المستدل، بشرط كون المعترض يرى منع تعدد العلة لحكمٍ واحد، أمَّا إذا كان يرى جواز التعدد فلا يقدح في هذا القسم.\nمثالُه: أن يقال في بيع الغائب: بيعُ غير مرئيٍّ، فلا يصحُّ بيعُه، كالطير في الهواء.\nفيقول المعترض: لا أثر لكونه غير مرئيٍّ في الأصل، فإن العجز عن التسليم كافٍ في عدم الصحة، وعدمها واقعٌ مع الرؤية.\nوهذا النوع من هذا القادح الذي هو عدم التأثير يتداخل مع المعارضة في الأصل -كما تقدَّم-.\nالثالث: وهو المسمى بعدم التأثير في الحكم.\nوأضربه ثلاثة:\n١ - أن لا يكون لذكره فائدة أصلًا، كقول الحنفيِّ في المرتدين: مشركون أتلفوا مالًا بدار الحرب، فلا ضمان عليهم، كالحربيِّ.\nودار الحرب عندهم لا أثر لذكرها في الأصل ولا في الفرع، لأنَّ مَنْ أوجب الضمان ومَنْ نفاه لم يفرق أحدٌ منهم بين دار الحرب وغيرها.\nوهذا راجع إلى القسم الأول، وهو كون الوصف طرديًّا.\nفالمعترضُ يطالب المستدلَّ بتأثير كون الإتلافِ في دار حربٍ.","vol":"1","page":477},{"text":"والذي عليه المحققون فساد العلة بذلك.\nوذهب بعضهم إلى صحة التمسك به. ولا يخفى ضعفه.\n٢ - أن يكون لذكرها فائدةٌ ضرورية، كقول معتبر العدد في الاستجمار بالأحجار: عبادةٌ متعلقة بالأحجار لم تتقدمْها معصيةٌ، فاعتبر فيها العدد قياسًا على رمي الجمار.\nفقوله: \"لم تتقدمها معصية\" عديم التأثير في الأصل والفرع، لكنه مضطرٌّ إلى ذكره ليحترز به عن الرجم؛ لأنه عبادةٌ متعلقة بالأحجار ولم يُعتبر فيها العددُ.\n٣ - أن يكون لذكرها فائدةٌ غير ضرورية، كان يقول: الجمعةُ صلاةٌ مفروضة، فلا تفتقر في إقامتها إلى إذن الإمام الأعظم كالظهر.\nفقوله: \"مفروضة\" لو حذف لما ضرَّ، لكنه ذكر لفائدة تقريب الفرع من الأصل، بتقوية الشبه بينهما، إذ الفرض بالفرض أشبه منه بغيره، ومنع قوم ردَّ ما ذكر لفائدة، وله اتجاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>تنبيهان:</span>\n١ - اعلم أن التأثير في هذا المبحث يراد به معنًى أعم من معناه المقابل للملائم والغريب.\n٢ - اعلم أنه يُشترطُ في القدح بعدم التأثير أن يكون القياسُ قياسَ علة، فلا يقدح في قياس الشبه، ولا في الطرد، على القول باعتباره.\nويُشترطُ فيه -أيضًا- أن تكون العلة مستنبطةً مختلفًا فيها، فلا","vol":"1","page":478},{"text":"يقدحُ به في علة منصوصةٍ ولا مستنبطةٍ مجمعٍ عليها.\nوأشار في \"المراقي\" إلى تعريف هذا القادح وشروطه وأقسامه بقوله:\nوالوصفُ إن يعدم له تأثير ... فذاك لانتقاضه يصير\nخصَّ بذي العلةِ بائتلافِ ... وذاتِ الاستنباطِ والخلافِ\nيجيءُ في الطرديِّ حيثُ عللا ... به وقد يجيءُ فيما أصلا\nوذا بإبدا علةٍ للحكمِ ... ممن يرى تعددًا ذا سقم\nوقد يجي في الحكمِ وهو أضربُ ... فمنه ما ليس لفيدٍ يجلب\nوما لفيدٍ عن ضرورةٍ ذكر ... أو لا وفي العفو خلافٌ قد سُطِر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>السؤال الحادي عشر: التركيب:</span>\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n(وهو القياسُ المركبُ. . .) الخ.\nاعلمْ أنَّ القياسَ المركب هو مركبُ الأصلِ ومركبُ الوصف، وهما داخلان في المنع -كما قدمناه واضحًا-؛ لأنَّ مركب الأصل يمنعُ المعترض فيه كون الوصف علةً، ومركب الوصف يمنع فيه وجود الوصف -كما تقدَّم-.\n_________\n(^١) (٣/ ٩٥٣).","vol":"1","page":479},{"text":"فذكرُ هذا القادح تكرارٌ مع ذكر قادح المنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>السؤال الثاني عشر: القول بالموجب:</span>\nوضابطُه: تسليم المعترض دليل الخصم مع بقاء النزاع في الحكم. أي وذلك بجعل الدليل الذي سلَّمه ليس هو محلَّ النزاع.\nكقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الآية [المنافقون/ ٨]، فابنُ أُبَيٍّ في هذه الآية استدلَّ على أنَّه يخرج الرسول -ﷺ- وأصحابه من المدينة بأنَّ الأعزَّ قادرٌ على إخراج الأذلِّ، والله سلَّم له هذا الدليل مبيِّنًا أنَّه لا يجديه؛ لأنَّه هو الأذلُّ، حيث قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [المنافقون/ ٨].\nواعلمْ أنَّ القولَ بالموجبِ عند الأصوليين يقعُ على أربعةِ أوجه:\nالوجه الأول: أنْ يَرِدَ لخللٍ في طرف النفي.\nوذلك أنْ يستنتج المستدلُّ من الدليل إبطال أمر يتوهم منه أنَّه مبنى مذهب الخصم في المسألة، والخصم يمنع كونه مبنى مذهبه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه.\nوأكثر القول بالموجب من هذا النوع.\nكأن يقال في وجوب القصاص بالقتل بالمثقَّل: التفاوت في الوسيلة من آلات القتل وغيره لا يمنع القصاص، كالمتوسل إليه من قتلٍ أو قطعٍ أو غيرهما لا يمنع التفاوتُ فيه القصاص.","vol":"1","page":480},{"text":"فتفاوت الآلات ككونه بسيفٍ أو برمحٍ أو غيرهما.\nوتفاوت القتل ككونه بحزِّ عنق أو قطع عضو.\nوتفاوت القطع ككونه بحزِّ المفصل من جهة واحدة، أو من جهتين، أو بغير ذلك.\nفيقول المعترض، كالحنفيِّ: سلمنا أنَّ التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، ولكن لا يلزم من إبطال مانعٍ انتفاء جميع الموانع، ووجود جميع الشروط بعد قيام المقتضي. وثبوتُ القصاص متوقف على جميع ذلك.\nفقول المستدل: \"لا يمنع القصاص\" نفيٌ، ولأجل ما وقع فيه من الخلل ورد القول بالموجب، فكأنَّ الحنفيَّ يقول للمستدلِّ: ما توهمتَ أنه مبنى مذهبي في عدم القصاص في المثقَّل ليس مبناه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبي، بل مبنى مذهبي شيء آخر لم تتعرض له في اعتراضك.\nومعلوم أنَّ موجب منع الحنفيِّ القصاص في القتل بالمثقَّل عدمُ تحقق العلة التي هي قصد القتل، فهو عنده من الخطإ شبه العمد، إذ لا يلزم من قصده ضربه بالمثقَّل قصده إزهاق روحه عنده.\nالوجه الثاني: أن يقع على ثبوت.\nوضابطه: أن يستنتج المستدلُّ من الدليل ما يتوهم منه أنَّه محلُّ النزاع أو ملازمه، ولا يكونُ كذلك.","vol":"1","page":481},{"text":"كأن يقال في القصاص بالقتل بالمثقَّل: قتلٌ بما يقتل -غالبًا-، لا ينافي القصاص؛ فيجب فيه القصاص قياسًا على الإحراق بالنار.\nفيقول المعترض، كالحنفي: سلَّمنا عدم المنافاة بين القتل بمثقَّل وبين ثبوت القصاص، ولكنْ لمَ قلتَ: إن القتل بمثقَّل يستلزم القصاص، وذلك هو محلُّ النزاع، ولم يستلزمه دليلك وهو العلة التي هي قوله: \"قتل بما يقتل غالبًا لا ينافي القصاص\".\nفقوله: \"يجب فيه القصاص\" ثبوتٌ، ولأجل ما ورد فيه من الخلل عنده وقع عليه القول بالموجبِ المذكور.\nالوجه الثالث: أن يقع لشمول لفظ المستدلِّ صورةً متفقًا عليها، فيحمله المعترض على تلك الصورة، ويبقى النزاع فيما عداها.\nكقول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: حيوانٌ يسابق عليه، فتجب فيه الزكاة، كالإبل.\nفيقول المعترض: أقول به إذا كانت الخيل للتجارة.\nوهذا أضعف أنواعه، لأنَّ المستدلَّ يقول: عنيت وجوب الزكاة في رقابها.\nالوجه الرابع: أن يقع لأجل سكوت المستدلِّ عن مقدمة غير مشهورة مخافة منع الخصم لها لو صرَّح بها.\nكقول مشترط النية في الوضوء والغسل: كلُّ ما هو قربة تشترطُ فيه النية، كالصلاة، وسكت عن الصغرى وهي: الوضوء والغسل قربة.","vol":"1","page":482},{"text":"فيقول المعترض، كالحنفيِّ -مثلًا-: نسلِّم أنَّ كلَّ ما هو قربة تشترط فيه النية، ولا يلزم من ذلك اشتراطها في الوضوء والغسل، فلو صرَّح المستدلُّ بالصغرى لَمَنَعها (^١) المعترض، وخرج عن القول بالموجب.\nوبعضهم يقول في هذا المثال: السكوت عن مقدمةٍ مشهورة. وما تقدم أظهر؛ لأنَّ المشهورة كالمذكورة، فكأنَّها غير مسكوت عنها لشهرتها.\nوهذا النوع من القول بالموجب إنَّما ورد على السكوتِ عنها، ووجه كون الأول أظهر أنَّ غير المشهورة مسكوت عنها.\nووجه من قال: السكوت عن مقدمة مشهورة: أنَّ الشهرة هي التي تبيحُ الحذف؛ لأنَّ حذف غير المشهور يؤدي إلى عدم فهم الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>تنبيهان:</span>\nالأول: منشأ الخلاف في اشتراط النية في الوضوء والغسل هو أنَّهما وسيلة إلى صحة الصلاة، فمَنْ أعطى الوسيلة حكم ما يقصد بها جَعَلَها قربةً فأوجب النية فيهما، وهذا هو الأظهر.\nومن لم يعط الوسيلة حكم مقصدها لم يجعلها قربة، فلم يُوجِبْ فيهما النية.\n_________\n(^١) لأن أبا حنيفة ﵀ يقول: الوضوء والغسل طهارةٌ معقولة المعنى، وليست قربة. \"عطية\"","vol":"1","page":483},{"text":"الثاني: قال بعض أهل الأصول: القولُ بالموجب والقلب معارضةٌ في الحكم لا قدحٌ في العلة. وجعلهما الفخر الرازي من القوادح في العلة.\nوأشار في \"المراقي\" إلى تعريف القول بالموجب وأقسامه، فقال:\nوالقولُ بالموجبِ قدحه جلا ... وهو تسليم الدليل مُسْجَلا\nمِنْ مانعٍ أنَّ الدليلَ استلزما ... لما مِنَ الصورِ فيه اختُصِما\nيجيءُ في النفي وفي الثبوتِ ... ولشمول اللفظِ والسكوتِ\nعمَّا من المقدِّماتِ قد خلا ... مِنْ شهرةٍ لخوفه أنْ تحظلا\nواعلم أن الذي بيناه هنا هو القول بالموجب في اصطلاح أهل الأصول، أما القول بالموجب الذي هو نوعٌ من أنواع البديع المعنوي عند البلاغيين فقد تركنا إيضاحه هنا، لأن محله في فنِّ البلاغة.","vol":"1","page":484},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل في حكم المجتهد\nاعلمْ أن الاجتهاد في اللغة: بذل المجهود في استفراغ الوسع في فعلٍ. ولا يستعمل إلا فيما فيه جهدٌ أي مشقة، يقال: اجتهد في حمل الرَّحى، ولا يقال: اجتهد في حمل النواة).\nوالجهد -بالفتح-: المشقة، وبالضمِّ: الطاقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة/ ٧٩] قاله القرافي.\nوالاجتهادُ في اصطلاح أهل الأصول: بذلُ الفقيه وُسْعَهُ بالنظر في الأدلة، لأجل أن يحصل لَه الظنُّ أو القطعُ بأنَّ حكم اللَّه في المسألة كذا.\nوالأصل في الاجتهاد قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة/ ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء/ ٧٨].\nوقوله -ﷺ-: \"إذا اجتهد الحاكمُ فأصاب\" الحديث، وقوله -ﷺ- لمعاذ: \"الحمدُ للَّه الذي وفقَ رسول رسول اللَّه\".\n\nوشروط المجتهد:\n_________\n(^١) (٣/ ٩٥٩).","vol":"1","page":485},{"text":"١ - إحاطتُه بمدارك الأحكامِ المثمرة لها من كتاب، وسنة، وإجماع، واستصحاب، وقياس، ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض، وتقديم ما يجب تقديمه منها كتقديم النصِّ على القياس.\nوالعدالة ليست شرطًا في أصل الاجتهاد، وإنَّما هي شرطٌ في قبول فتوى المجتهد.\nولا يشترطُ حفظُ آياتِ الأحكام، وأحاديثها، بل يكفي علم مواضعها في المصحف وكتب الحديث ليراجعها عند الحاجة.\n٢ - ويشترط علمه بالناسخ والمنسوخ، ومواضع الإجماع والاختلاف، ويكفيه أن يعلم أنَّ ما يستدلُّ به ليس منسوخًا، وأنَّ المسألة لم ينعقد فيها إجماعٌ من قبل، ولا بدَّ من معرفته للعامِّ والخاصِّ، والمطلقِ والمقيدِ، والنصِّ والظاهرِ والمؤولِ، والمجملِ والمبينِ، والمنطوق والمفهومِ، والمحكمِ والمتشابه.\n٣ - ولا بدَّ من معرفة ما يصلحُ للاحتجاجِ به من الأحاديثِ، من أنواع الصحيحِ والحسن، والتمييز بين ذلك، وبين الضعيفِ الذي لا يحتجُّ به، لمعرفته بأَسبابِ الضعف المعروفة في علم الحديثِ والأصول.\n٤ - وكذلك القدرُ اللازمُ لفهم الكلام من النحو واللغة.\nتجزُّؤ الاجتهاد: والصحيح جوازُ تجزُّؤ الاجتهاد.\nالتعبد بالقياس: واختلف في جواز التعبدِ بالقياس في زمنه -ﷺ-، فمنعه قومٌ لإمكان الحكم بالوحي، وأجازه قومٌ لقصة معاذ.","vol":"1","page":486},{"text":"اجتهادُه -ﷺ-: واختلف في اجتهاده -ﷺ-، فمنعه قومٌ لقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم/ ٤]، وأجازه قومٌ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال/ ٦٧] ونحوها، وأجازه قومٌ في الأمور الدنيوية دون الدينية.\nواختلف: هل المصيبُ واحدٌ من المجتهدين المختلفين، أو كلٌّ مصيب؟\nوالأول هو اختيار المؤلف، وهو الصحيح، كما يدلُّ عليه حديث: \"إذا اجتهد الحاكم فأخطأ. . . \" الحديث، فهو نصٌّ صحيحٌ صريحٌ في أنَّ المجتهدين منهم المخطئ ومنهم المصيب.\nومعلوم أن المخطئ في الفروع مع استكماله الشروط معذورٌ في خطئه، مأجورٌ باجتهاده، كما في الحديث.\nوقصة بني قريظة تدلُّ على أنَّه قد يكون الكلُّ مصيبًا في الجملة؛ لأنَّه -ﷺ- لم يخطِّئ مَنْ صلى العصر قبل بني قريظة، ولا من لم يصلِّها إلا في بني قريظة، وهو لا يُقِرُّ على باطلٍ.\nوإذا لم يترجح عند المجتهد أحد الدليلين المتعارضين وجب عليه التوقفُ. وقيل: يُخَيَّر. وقيل: يأخذ الأحوط منهما، وهو أظهرها؛ لحديث: \"دَعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك\".\nوليس للمجتهد أن يقول قولين في المسألة في حالةٍ واحدةٍ، في قول عامة الفقهاء.\nواتفقوا على أنَّ المجتهد إذا اجتهد فغلب على ظنِّه الحكم لم يَجُزْ","vol":"1","page":487},{"text":"له تقليدُ غيره. أمَّا القاصر في فنٍّ فهو كالعامِّيِّ فيه.\nواعلم أنَّه إذا نصَّ المجتهد على حكمٍ في مسألةٍ لعلةٍ بيَّنها، فكلُّ وصفٍ توجد فيه تلك العلة فحكمُه حكمُ ما نصَّ عليه، فلأصحابه العارفين بمذهبه أن يحكموا عليها أنَّها كمذهبه، نظرًا للعلة الجامعة التي بيَّنها المجتهدُ.\nفالمجتهد المقيَّد يُلْحِقُ ما سكت عنه إمامُه بما نصَّ عليه للعلة الجامعة، كما يفعله المجتهد المطلقُ بالنسبة إلى نصوص الشرع العامَّة.\nولأجل هذه القاعدة أوجب بعضُ المالكية الزكاة في التِّين مع أنَّ مالكًا لم يذكر في التين زكاةً، ومعلومٌ أنَّ علة الزكاة في الثمار عنده إنَّما هي الاقتياتُ والادخارُ، فلمَّا كان الاقتيات والادخار موجودًا في التين جعل بعض أصحابه الزكاة فيه كالزبيب بمقتضى علته المذكورة، ولذا قال ابن عبد البرِّ: أظنُّ مالكًا ما كان يعلم أنَّ التين ييبس ويقتات ويُدَّخَر، ولو كان يعلم ذلك لجعله كالزبيب، ولَمَا عدَّه مع الفواكه التي لا تيبس ولا تُدَّخَر كالرمَّان والفِرْسِك.\nفإن لم يبيِّن المجتهدُ العلةَ لم يُجْعَلْ ذلك الحكمُ مذهبًا له في مسألة أخرى، وإن أشبهتها شبهًا يجوزُ خفاء مثله على بعض المجتهدين، إذ لا يدرى أنَّها لو خطرتْ ببالِه صار فيها إلى ذلك الحكم، بل قد يظهرُ له فرقٌ بينهما مع المشابهة.\nوإنْ نصَّ المجتهدُ في مسألة واحدة على حكمين مختلفين، فإن","vol":"1","page":488},{"text":"عُرِفَ الأخيرُ منهما فهو مذهبه على الصحيح، وإن لم يعلم الأخير اجتُهِدَ فى أشبههما بأصوله وأقواها دليلًا فتُجْعَل مذهبًا له، وتكون الأخرى كالمشكوك فيها.\nومثَّل لذلك مُحَشِّي \"الروضة\" بمثالين:\n١ - ما لو اختلف نصُّ أحمد في أنَّ الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر، لكان الأشبه بأصله أنهم لا يملكونها، بناءً على تكليفهم بالفروع، وهو أشبه بقاعدته؛ لأنَّ الأسباب المحرمة لا تفيدُ الملك، ولذلك رجحه أبو الخطاب ونصره في تعليقه، وإن كان مخالفًا لنصوص أحمد على أنَّهم يملكونها.\n٢ - هو أنَّه لما اختلف نصُّه في بيع النجش، وتلقي الركبان، ونحو ذلك: هل هو باطلٌ أو لا؟ كان الأشبه بنصِّه البطلان، بناءً على اقتضاء النهي الفساد مطلقًا. اهـ. منه.","vol":"1","page":489},{"text":"قال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل في<span data-type=\"title\" id=toc-274> التقليد)</span>\nالتقليد في اللغة: وضع القلادة في العنق، ويستعملُ في تفويض الأمر إلى الشخص، كأنَّ الأمر مجعولٌ فى عنقه كالقلادة، ومنه قول لقيطٍ الأيادي:\nوقلِّدوا أمركم للَّه دركمُ ... رَحْبَ الذراعِ بأمرِ الحربِ مطَّلعا\nوهو في اصطلاح الفقهاء: قبولُ قول الغير من غير معرفة دليله.\nواعلم أنَّ قول الغير لا يطلق إلَّا على اجتهاده، أمَّا ما فيه النصوص فلا مذهب فيه لأحد، ولا قول فيه لأحد؛ لوجوب اتباعها على الجميع، فهو اتباعٌ لا قولٌ حتى يكون فيه التقليد.\nوالاجتهادُ إنَّما يكونُ في شيئين:\nأحدهما: ما لا نصَّ فيه أصلًا.\nوالثاني: ما فيه نصوصٌ ظاهرها التعارض، فيجب الاجتهاد في الجمع بينها، أو الترجيح.\nفالأخذ بقول النَّبيِّ -ﷺ-، أو بالإجماع، لا يُسمى تقليدًا؛ لأنَّ ذلك هو الدليلُ نفسه.\n_________\n(^١) (٣/ ١٠١٦).","vol":"1","page":490},{"text":"ولم يخالف في جواز التقليد للعاميِّ إلا بعض القدريَّة.\nوالأصل في التقليد قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة/ ١٢٢]، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل/ ٤٣، الأنبياء/ ٧]، وإجماع الصحابة عليه.\nولا يستفتي العاميُّ إلا من غلب على ظنِّه أنَّه من أهل الفتوى.\nوإذا كان في البلد مجتهدون فله سؤال من شاء منهم، ولا يلزمه مراجعة الأعلم؛ لجواز سؤال المفضول. وقيل: يلزمه سؤال الأفضل.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل في<span data-type=\"title\" id=toc-275> ترتيب الأدلة </span>ومعرفة الترجيح)\nأما ترتيبُ الأدلة: فقد ذكر أنَّ المقدَّم منها الإجماع، ثم المتواتر من الكتاب أو السنة، فمتواترُ السُّنَّةِ في مرتبة القرآن، ثم أخبار الآحاد.\nواعلم أنَّ الإجماع الذي يذكر الأصوليون تقديمه على النصِّ هو الإجماعُ القطعيُّ خاصَّةً، وهو الإجماع القوليُّ المُشَاهَدُ، أو المنقول بعدد التواتر، أمَّا غير القطعيِّ من الإجماعات كالسكوتيِّ والمنقولِ بالآحادِ فلا يقدَّم على النصِّ.\nواعلم أنَّ تقديم الإجماع على النصِّ إنَّما هو في الحقيقة تقديمُ\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٢٨).","vol":"1","page":491},{"text":"النصِّ المستند إليه الإجماع على النصِّ الآخر المخالف للإجماع. وتارة يكون النصُّ معروفًا، وتارةً يكون غير معروف إلا أنَّا نجزم أنَّ الصحابة لم يجمعوا على ترك ذلك النصِّ إلا لنصٍّ آخر هو مستند الإجماع.\nفمثال الأول: ما لو تنازع خصمان في الأخت من الرضاع: هل يحلُّ وطؤها بملك اليمين؟\nفقال أحدهما: لا يحلُّ ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء/ ٢٣]، وظاهره يشمل النكاح وملك اليمين.\nفقال خصمه: يحلُّ وطؤها بملك اليمين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ. . .﴾ الآية في (قد أفلح، وسأل سائل)، وظاهرها الإطلاق في الأخت من الرضاع وغيرها.\nفيقول خصمه: أجمع جميع المسلمين على منع وطء الأخت من الرضاع بملك اليمين، وهذا الإجماع مقدَّم على قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، والمقدَّم في الحقيقة النصُّ المستند إليه الإجماع، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾.\nومثال الثاني: المضاربةُ المعروفةُ في اصطلاح بعض الفقهاء بالقراض، فإنَّ ظاهر النصوص العامة منعها؛ لأنَّ الربح المجعول للعامل جزءٌ منه لا يدرى هل يحصل منه قليل أو كثير، أو لا يحصل منه شيء، وهذا داخلٌ في عموم الغرر.\nولم يثبت نصٌّ صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة بجواز","vol":"1","page":492},{"text":"المضاربة، والحديث الوارد فيها ضعيف لا يحتجُّ به، إلَّا أنَّ الصحابة أجمعوا على جواز المضاربة، وكذلك من بعدهم، فقدِّم هذا الإجماع على ظاهر تلك النصوص الدالة على منع الغرر؛ لعلمنا بأنَّهم استندوا في إجماعهم إلى شيء علموه منه -ﷺ- يدلُّ على إباحة ذلك. واللَّه أعلم.\nواعلم أنَّ التعارض لا يكون بين قطعيَّين، ولا بين قطعيٍّ وظنِّيٍّ، وإنَّما يكون بين ظنيَّين فقط.\nواعلم أنَّ تعادل الدليلين الظنيَّين بحسب ما يظهر للمجتهد جائزٌ اتفاقًا، أمَّا تعادلهما في نفس الأمر فاختُلف فيه، فنقل عن الإمام أحمد والكرخيِّ أنَّه لا يمكن تعادلهما في نفس الأمر، وصححه صاحب \"جمع الجوامع\"، والأكثرون على جوازه، ومنهم من قال: هو جائز غير واقع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>الترجيح</span>\nوالترجيحُ في الاصطلاح: تقوية أحد الدليلين المتعارضين.\nواعلم أنَّه إن حصل التعارض وجب الجمع أوَّلًا إن أمكن، كتنزيلهما على حالين، كما أكثرنا من أمثلته القرآنيةِ في كتابنا \"دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب\".\nومن أمثلته في الحديث: الحديث الوارد بذمِّ الشاهد قبل أن تطلب منه الشهادة، مع الحديث الوارد بمدحه.\nفيجمع بينهما بأن ينزَّل كلٌّ منهما على حالٍ:","vol":"1","page":493},{"text":"فيحملُ حديثُ المدحِ على مَنْ شهد في حقِّ اللَّهِ، ومَنْ يعلمُ أنَّ المشهود له لا يعلمُ أنه شاهدٌ له.\nويحمل حديث الذمِّ على الشاهد في حقِّ الآدميِّ العالم بأنَّ الشاهد يعلم ما يشهد به ولم يطلبه.\nفإن لم يمكن الجمعُ فالمتأخر ناسخٌ للمتقدم، فإن لم يعرف المتأخر فالترجيح.\n\nوالترجيحُ في الأخبار مِن ثلاثةِ أوجه:\nالأول: يتعلقُ بالسندِ، وهو خمسة:\nأولًا: كثرةُ الرواية.\nثانيًا: ثقة الراوي، وضبطه، وقلة غلطه.\nثالثًا: ورع الراوي وتقواه؛ لشدة تحرزه من رواية من يشك فيه.\nرابعًا: أن يكون صاحب القصة، كحديث ميمونة أنَّه -ﷺ- تزوجها وهو حلالٌ.\nخامسًا: أن يكون مباشرًا للقصة، كحديث أبي رافع بذلك، لأنَّه هو السفير بينه وبين ميمونة. فكلاهما يرجح على حديث ابن عباس أنَّه تزوجها وهو محرم.\nوللأصوليين في الترجيح باعتبار السند أمور كثيرةٌ زائدةٌ على ما ذكره المصنف:","vol":"1","page":494},{"text":"منها: علوُّ السند، فالسند الذي هو أعلى يقدَّم على غيره؛ لأنَّ قلة الوسائط بين المجتهدِ وبين الرسول -ﷺ- أرجح من كثرتها؛ لأنَّ قلة الوسائط يقلُّ معها احتمال النسيانِ والاشتباهِ والزيادةِ والنقص.\nومنها: السلامةُ من البدع، فالراوي غير البدعيِّ أرجح من الرواي البدعيِّ.\nومنها: فقهه في الباب المتعلق به المروي، فالفقيهُ في البيوع مثلًا يُقَدَّم خبره على غير الفقيه فيها.\nوكذا يُقَدَّمُ زائد الفقه على غيره، ولذا قالت المالكية: يُقَدَّمُ خبرٌ رواه ابن وهب في الحجِّ على ما رواه ابن القاسمِ فيه؛ لأنَّه أفقه منه فيه، وإن كان ابن القاسم أفقه منه في غيره.\nويُقَدَّمُ عندهم العالمُ باللغة على غير العالم بها، والعالمُ بالنحو على غير العالم به، لأنَّ الخطأ منهما في فهم مقاصدِ الكلامِ أقل.\nويُقَدَّمُ الفطنُ على من دونه.\nويُقَدَّمُ المشهور بالعدالة على المعدَّل بالتزكية.\nويُقَدَّمُ الراوي الذي زكَّاه المجتهد باختباره إيَّاه على المزكَّى بالإخبار، إذ ليس الخبر كالعيان.\nويُقَدَّمُ من زُكِّيَ تزكية صريحةً على من زُكِّيَ تزكيةً ضمنيةً، كالحكم بشهادته والعمل بروايته.\nويُقَدَّمُ من زكَّاه جماعة كثيرون على من زكَّاه واحد مثلًا.","vol":"1","page":495},{"text":"ويُقَدَّمُ غير المدلِّس على المدلِّس.\nويُقَدَّمُ الحرُّ على العبدِ؛ لأنَّ الحرَّ لشرف منصبه يتحرزُ عن ما لا يتحرزُ عنه العبد. وضعَّف بعضهم الترجيحَ بالحرية.\nويُقَدَّمُ حافظُ الخبر الذي يسرده متتابعًا على من ليس كذلك، وهو من يتخيلُ اللفظ ثم يتذكره ويؤديه بعد تفكر وتكلفٍ، ومن لا يقدر على التأدية أصلًا لكنْ إذا سمع اللفظ علم أنَّه مرويه عن فلان.\nويُقَدَّمُ الراوي الذي يُعْرَفُ نسبُه على الراوي الذي لم يُعْرَفْ نسبُه؛ لأنَّ الوثوق بالأول أشد.\nويُقَدَّمُ عندهم الذكرُ على الأنثى، إلَّا إذا عُلِمَ أنَّها أضبطُ من الذكر فتقدمُ عليه، وكذلك إن كانت صاحبة القصة قُدمت على الذكر.\nقال بعضهم: الأنثى والذكر على السواء، ولا يرجح عليها إلَّا بما يرجحُ به الرجل على الرجل.\nوفصَّل بعضُ العلماء فقال: يرجحُ الذكر في غير أحكام النساء، بخلاف أحكامهنَّ كالحيض والعدة، فيرجحن فيها على الذكور؛ لأنَّهنَّ أضبطُ فيها.\nويُقَدَّمُ الذي كانت روايته أوضح في إفادة المروي على الذي في روايته خفاءٌ كالإجمال، ولأجل ذلك يُقَدَّمُ الراوي بالسماع على الراوي بالإجازة؛ لأنَّ السماع طريقٌ واضحٌ في إفادة المروي ببيان تفاصيله، بخلاف الإجازة لما فيها من الإجمال.","vol":"1","page":496},{"text":"ويُقَدَّمُ من عُلِمَتْ جهة تحمله من سماع لفظ الشيخ أو القراءة عليه ونحو ذلك على رواية من لم تُعلم جهةُ تحمله.\nوتُقَدَّمُ رواية المكلَّف وقت التحمل على رواية من هو صبيٌّ وقت التحمل، والحالُ أنَّه أدَّى بعد البلوغ؛ للاختلاف في المتحمل قبل البلوغ، وعدم الاختلاف في المتحمل بعد البلوغ؛ لأنَّ ما لا خلاف فيه يقدم على ما فيه خلافٌ، وإن كان المشهور المعروفُ قبول رواية من تحمَّل قبل البلوغ إذا كانت التأدية بعد البلوغ.\nويُقَدَّمُ راوي الحديث بلفظه على الراوي بالمعنى؛ لسلامة المرويِّ باللفظ عن احتمال وقوع الخلل في المرويِّ بالمعنى.\nويُقَدَّمُ خبر الراوي الذي لم ينكر شيخُه أنَّه حدَّثه على خبر من أنكر شيخُه الذي روى عنه روايته له عنه، وإن قلنا بأنَّ إنكاره لا يضر.\nويُقَدَّمُ ما في الصحيحين أو أحدهما على ما ليس فيهما.\nإلى غير ذلك.\nوكثيرٌ ممَّا ذكرنا من المرجِّحات باعتبار السند لا يخلو من خلافٍ، ولكن له كله وجهٌ من النظر.\n\nالوجه الثاني من<span data-type=\"title\" id=toc-278> الترجيح: بأمرٍ يعودُ إلى المتن</span>، كاعتضادِ أحد الدليلين المتعارضين بكتابٍ أَو سنةٍ أو غير ذلك من الأدلة، كأحاديثِ صلاة الصبح فإنَّ في بعضها التغليس بها، أي فعلها في بقية الظلام، وفي بعضها الإسفار بها، فتعتضدُ أحاديث التغليسِ بعموم قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٣٣].","vol":"1","page":497},{"text":"وكأن يختلف في وقف أحد الخبرين على الراوي، والآخر يتفق على رفعه.\nوكأن يكون راوي أحدهما قد نُقِلَ عنه خلافُه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارضِ، فيكون أولى.\nوكأن يكون أحدهما مرسلًا، والآخر متصلًا، فالمتصلُ أولى؛ لأنَّه متفقٌ على الاحتجاجِ به، وذلك مختلفٌ فيه.\nهذا حاصل ما ذكره المؤلف، وللأصوليين باعتبار حال المتن مرجحاتٌ كثيرةٌ غير ما ذكرها المؤلف:\nمنها: كثرةُ الأدلة، فالخبر الذي اعتضد بأدلة كثيرة مقدمٌ على ما اعتضد بأقل من ذلك من الأدلة.\nومنها: أن يكون المتنُ قولًا فهو مقدمٌ على الفعل، كما أنَّ الفعل مقدَّمٌ على التقرير. وإنَّما كان القولُ أقوى من الفعل لاحتمال الفعل الاختصاص به -ﷺ-.\nويُفْهَمُ منه أن ليس كلُّ قول أقوى، بل إذا احتمل القول الاختصاص فلا يكون أقوى من الفعل، فلا يَرِدُ قولهم: إنَّ الإحرام بالعمرة من الجعرانة أفضل منه من التنعيم، تقديمًا لفعله -ﷺ- على أمره لعائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنَّ أمره وإن كان قولًا يحتمل الخصوصية لعائشة، فليس أقوى من فعله، بل هو دونه كما قالوا؛ لاحتمال أنَّه إنَّما أمرها بذلك لضيق الوقت، لا لأنَّه أفضل، ويمكنُ على هذا أن يقاس على عائشة كلُّ من كان له عذرٌ.","vol":"1","page":498},{"text":"وإنَّما كان الفعل مُقَدَّمًا على التقرير لأنَّ التقرير كالفعل الضمني، والفعل الصريحُ مقدَّمٌ على الضمني.\nقال بعضهم: ويقدم تقريره ما وقع بحضرته على ما بلغه فأقرَّه.\nومنها: الفصاحة، فالخبر الفصيح يقدم على غير الفصيح؛ للقطع بأنَّ غير الفصيح مرويٌّ بالمعنى؛ لفصاحته -ﷺ-.\nولا عبرة بزيادة الفصاحة، فلا يقدم الخبر الأفصح على الفصيح. وقيل: يقدم عليه؛ لأنَّه -ﷺ- أفصح العرب، فيبعد نطقه بغير الأفصح، فيكون مرويًّا بالمعنى، فيتطرقُ إليه الخللُ.\nوأجيب بأنَّه لا يعدُّ في نطقه بغير الأفصح؛ لأنَّه كان يخاطبُ العرب بلغاتهم.\nومنها: الزيادة، فالخبرُ المشتملُ على الزيادةِ يقدم على غيره؛ لما فيه من زيادةِ العلم، كخبر التكبير في العيدِ سبعًا، مع خبر التكبير فيه أربعًا، خلافًا لمن قدَّم الأقلَّ كالحنفية.\nومنها: ورود أحد الخبرين بلغة قريش، مع أنَّ الثاني واردٌ بغيرها؛ لاحتمال الوارد بغيرها الرواية بالمعنى، فيتطرَّق إليه الخلل.\nومنها: دلالة أحد الخبرين على علوِّ شأن الرسول -ﷺ- وقوته، ودلالة الآخر على الضعف وعدم القوة؛ لأنَّ قوته -ﷺ- وعلوَّ شأنه كان يتجدَّد شيئًا فشيئًا، فما أشعر بعلوِّ شأنه مقدَّمٌ على غيره، لأنَّ المشعر بعلوِّ شأنه معلومٌ أنَّه هو المتأخر.","vol":"1","page":499},{"text":"ومنها: أن يتضمن الخبر قصة مشهورة، فإنه يقدَّم على المتضمن قصة خفية؛ لأنَّ القصة المشهورة يبعد الكذبُ فيها. قاله القرافي.\nومنها: ذكر السبب، فالخبر المذكور فيه السبب مقدمٌ على ما ليس كذلك؛ لاهتمام راوي الأول به، واهتمامُه دليلٌ على كمال ضبطه للمرويِّ؛ لأنَّه يترتبُ عليه عادةً.\nوأيضًا، فإنَّ علم السبب يعين على فهم المراد، ولأجل ذلك اعتنى المفسرون بذكر أسباب نزول الآيات.\nومنها: أن يكون أحد الخبرين رواه راويه عن شيخه بدون حجاب، مع أنَّ الثاني رواه من وراء حجاب، كرواية القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أنَّ بريرة عتقت في حال كون زوجها عبدًا، على رواية الأسود بن يزيد عنها أنَّه كان حرًّا؛ لأنَّ القاسم كان محرمَها لكونها عمَّته، وكان يسمعُ منها بدون حجابٍ، بخلاف الأسود.\nومنها: الخبر المدنيُّ، فإنَّه مقدمٌ على الخبر المكيِّ؛ لتأخره عنه.\nومعلومٌ أنَّ المدنيَّ ما رُوِيَ بعد الشروع في الهجرة، والمكيَّ ما رُوِيَ قبل الشروع فيها.\nفيشملُ المدنيُّ ما ورد بعد الخروج من مكة، وقبل الوصول إلى المدينة في سفر الهجرة.\nهذا هو الاصطلاح المشهور في المدنيِّ والمكيِّ.\nولذا كان المشهور عندهم في آية ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ","vol":"1","page":500},{"text":"لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص/ ٨٥] أنَّها مدنية، مع أنَّها نزلت بالجحفة في سفر الهجرة، كما قاله غير واحد.\nومنها: كون أحد الخبرين جامعًا بين الحكم وعلته، مع أنَّ الآخر ليس كذلك؛ لأنَّ الجامع بين الحكم والعلة أقوى في الاهتمامِ بالحكم من الخبر الذي فيه الحكم دون علته.\nكحديثِ البخاري: \"مَنْ بدَّل دينَه فاقتلوه\"، فهذا الحديث يدلُّ بمسلك الإيماء والتنبيه على أنَّ علة القتل هنا هي تبديلُ الدين، فيشملُ الذكر والأنثى، مع الحديثِ الصحيح الآخر أنَّه -ﷺ- \"نهى عن قتل النساء والصبيان\"، ففيه الحكم دون ذكر العلة، فيقدم عليه الأول لذكر العلة مع الحكم، فيكون الأرجح قتل المرتدة، خلافًا لمن منع قتل النساء مطلقًا بالكفر، مرتداتٍ كنَّ أو حربياتٍ، كالحنفية.\nومعلوم أنَّ النصَّين المذكورين بينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه، والأعمَّان من وجهٍ يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح، وهي هنا في المثالين: النساءُ المرتداتُ، فإنَّهنَّ يدخلن في عموم \"مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلوه\" بناء على ما هو الحقُّ من شمول لفظة \"مَنْ\" للأنثى، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب/ ٣١]، ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ الآية [الأحزاب/ ٣٠]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآية [النساء/ ١٢٤]، كما أنهنَّ يدخلن في عموم النهي عن قتل النساء الكافرات.\nوإلى الترجيح بين الأعمَّين من وجهٍ أشار في \"مراقي السعود\" بقوله:","vol":"1","page":501},{"text":"وإنْ يكُ العمومُ مِنْ وجهٍ ظَهَر ... فالحكمُ بالترجيح حتمًا معتبر\nومنها: تأكيد الخبر، فالخبرُ المشتملُ على تأكيدٍ يقدم على الخبر الذي لم يشتمل عليه.\nمثال المشتمل على توكيدٍ: حديثُ: \"أيَّما امرأة نكحتْ بغير إذن وليها فنكاحُها باطلٌ باطلٌ\"، مع حديث: \"الأيِّمُ أحقُّ بنفسها\" على تسليم ما فسرته به الحنفية؛ لأنَّ القصد مطلقُ المثالِ لا مناقشة أدلة الأقوال، فتكرار البطلان في الخبر الأول توكيدٌ لحكمه، فيرجح حكمه على الخبر الذي لم يؤكَّد حكمه.\nومنها: التهديد، فالخبر الذي فيه تهديدٌ وتخويفٌ مقدمٌ على ما ليس كذلك، ومثَّل له بعضهم بحديث عمَّار ﵁: \"من صامَ يومَ الشكِّ فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-\".\nففي الحديثِ تخويفٌ مِنْ صوم يوم الشك بأنَّه معصية للرسول -ﷺ-، فيقدم هذا الحديثُ على الأحاديثِ المرغبةِ في صوم النفل.\nفإنْ قيل: التخويفُ المذكورُ من كلام الراوي، فليس ترجيحًا باعتبار حال المتن.\nفالجوابُ: أنَّ حكمه الرفعُ، إذ لا يقالُ من جهة الرأي. نعم للناظر أن يقول: في التمثيل المذكور نظر؛ لأنَّه تقديمُ خاصٍّ على عامٍّ، فلا تعارضَ أصلًا. ويمكنُ أن يجاب بأنَّ الخاصَّ إنَّما رجح على العام في خصوص ما تعارضا فيه فقط. واللَّه تعالى أعلم.\nومنها: إطلاق العامِّ عن ذكر سببٍ، فالعامُّ المطلقُ الذي لم يذكر","vol":"1","page":502},{"text":"له سببٌ يقدَّم عمومُه على العامِّ الذي ذُكر سببُه؛ لأنَّ هذا أضعفُ، لاحتمال الخصوص بصورة السبب، والخلافُ في ذلك معروفٌ، أمَّا صورة السببِ فهي مقدمةٌ على العامِّ المطلق؛ لأنَّها قطعية الدخول على الأصحِّ.\n\nأمَّا صيغُ العمومِ فيقدَّم ما دلَّ منها على الشرطِ، كـ \"مَنْ\" و\"ما\" الشرطيتين، على<span data-type=\"title\" id=toc-279> النكرة في سياق النفي</span>، على ما صححه بعضهم محتجًّا بأنَّ الشرطيَّ من العائم يفيدُ التعليلَ غالبًا، نحو: \"مَنْ جامع فعليه الكفَّارةُ\"، \"مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه\".\nويُفْهَمُ من هذا أنه إن لم يفد التعليل فلا يقدم على النكرة، كقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة/ ٢٠٣].\nوقال بعضهم: إنَّ النكرة في سياق النفي تقدم على أدوات الشرطِ العامة كـ \"من\" و\"ما\".\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nالظاهرُ أنَّ النكرةَ في سياقِ النفي إذا كانت نصًّا صريحًا في العموم، كالمبنية مع \"لا\" نحو: \"لا إله إلا اللَّه\"، أو المزيدة قبلها \"مِنْ\" نحو: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران/ ٦٢]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الأنبياء/ ٢٥، الحج/ ٥٢]، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [القصص/ ٤٦] أنَّها أقوى مرتبة في العموم مِنْ صيغ الشرط. واللَّه أعلم.\nوباقي أدوات العموم تقدم عليه النكرة في سياق النفي إلا لفظة \"كل\" ونحوها، فلا شك أنَّها مقدَّمة على النكرة في سياق النفي.","vol":"1","page":503},{"text":"والجمعُ المعرف بالألف واللام أو بالإضافة يقدمُ عمومُه على \"مَنْ\" و\"ما\" الاستفهاميتين، لأنَّهما أقوى منهما في العمومِ؛ لامتناع تخصيص الجمع إلى الواحد دونهما، على ما رجحه بعض أهل الأصول.\nوالثلاثة المذكورة التي هي: الجمع المعرَّف، و\"مَنْ\" و\"ما\"، المذكورتان مقدَّمةٌ على المفرد الذي هو اسم جنس المعرف بأل، نحو: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر/ ١ - ٢] أي كلُّ إنسان، لأنَّه يحتمل فيه أنَّ \"أل\" عهدية، بخلاف \"مَنْ\" و\"ما\"، فلا يحتمل فيهما ذلك، والجمع المعرَّف يبعد فيه.\n\nومنها: عدم التخصيص، ف<span data-type=\"title\" id=toc-280>العامُّ الذي لم يدخله تخصيصٌ مقدم على العامِّ الذي دخله تخصيصٌ</span>، وهذا رأيُ جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلَّا صفيَّ الدين الهنديِّ، والسبكي.\nوحجة الجمهور: أنَّ العامَّ المخصَّص اختُلِفَ في كونه حجةً في الباقي بعد التخصيص، والذين قالوا: هو حجة في الباقي بعد التخصيصِ قال جماعةٌ منهم: هو مجازٌ في الباقي، بخلاف الذي لم يدخله تخصيصٌ فهو سالم من ذلك، وما اتفق على أنَّه حجة وأنَّه حقيقةٌ أولى ممَّا اختلف في حجيته، وهل هو حقيقة أو مجاز، وإن كان الصحيحُ أنَّه حجةٌ وحقيقةٌ في الباقي بعد التخصيصِ؛ لأنَّ مطلق الخلاف يكفي في ترجيح غيره عليه.\nوحجة الصفيِّ الهنديِّ والسبكيِّ أنَّ الغالب في العامِّ التخصيصُ، والحملُ على الغالب أولى، وأنَّ ما دخله التخصيصُ يبعدُ تخصيصه","vol":"1","page":504},{"text":"مرةً أخرى بخلاف الباقي على عمومه.\nومثال هذه المسألة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ الآية [النساء/ ٢٣]، فإنَّه عامٌّ في كلِّ أختين سواء كان الجمع بينهما بنكاح أو بملك يمين، وهذا العامُّ لم يدخله تخصيصٌ، فهو مقدَّم على عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٥، ٦، المعارج/ ٢٩ - ٣٠]، فإنَّ قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ شاملٌ بعمومه للأختين، إلَّا أنَّ عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ دخله التخصيص؛ للإجماع على أنَّ عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصُّه عموم ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء/ ٢٣]، فلا تحلُّ الأخت من الرضاعة بملك اليمين إجماعًا.\nويخصصه -أيضًا- عموم ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء/ ٢٢]، فلا تحلُّ موطوءة الأب بملك اليمين إجماعًا.\nفإن قيل: عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مخصَّصٌ بعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.\nفالجواب: أنَّ ذلك التخصيص هو محلُّ النزاع، والاستدلال بصورة النزاع ممنوعٌ بإطباق النظَّار، كما هو معلوم في محلّه.\nفإن كان كلُّ واحد من العامَّين دخله تخصيصٌ، فالأقلُّ تخصيصًا مقدمٌ على الأكثر تخصيصًا.","vol":"1","page":505},{"text":"ومثال هذا: ما لو ذبح الكتابيُّ ذبيحة، ولم يسمِّ عليها اللَّه، ولا غيره، فعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة/ ٥] يقتضي إباحتها، وعموم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام/ ١٢١] يقتضي تحريمها، وكلٌّ من العمومَيْن دخله تخصيصٌ، إلا أنَّ الأول خُصَّصَ مرةً واحدةً، والثاني خُصِّصَ مرتين، فالأول أقوى؛ لأنَّه أقلُّ تخصيصًا.\nلأنَّ قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ لم يخصَّص إلا تخصيصةً واحدة، وهي تخصيصُه به، إذا لم يُسمِّ الكتابيُّ على ذبيحته غير اللَّهِ، كالصليب أو عيسى، فإن سمَّى على ذبيحته غير اللَّه، دخلت في عموم ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة/ ٣، النحل/ ١١٥] على الأصحِّ الذي لا ينبغي العدول عنه.\nأمَّا آية ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فقد خُصِّصَتْ تخصيصتين، خصَّصها الجمهور بغير الناسي، فتارك التسمية ناسيًا تؤكل ذبيحته عند الجمهور، وحكى عليه ابن جرير الإجماع مع أنَّه خالف فيه اثنان، وخصصه الشافعيُّ وأصحابه بما ذُبح لغير اللَّه.\nويقدَّم الدالُّ بدلالة الاقتضاء على الدالِّ بدلالة الإيماء، والدال بدلالة الإشارة، والظاهرُ تقديم الدالِّ بالإيماء على الدَّال بالإشارة.\nووجهُ تقديم الدَّالِّ بالاقتضاء: أنَّه مقصودٌ للمتكلم، يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلًا أو شرعًا -كما تقدم إيضاحُه-.\nووجهُ تقديم الدالِّ بالإيماء على الدالِّ بالإشارة: أنَّ دلالة الإيماء","vol":"1","page":506},{"text":"مقصودة للمتكلم، وإن لم يتوقف عليها الصدق أو الصحة، والمدلول عليه بالإشارة ليس بمقصودٍ ولكنه لازم للمقصود -كما تقدم إيضاح ذلك كلِّه بأمثلته-.\nوقال صاحب \"الضياء اللامع\": ويقدم ما كان في دلالة الاقتضاء؛ لضرورة صدق المتكلم على ما كان، لضرورة صحة الملفوظ به عقلًا أو شرعًا.\nويقدَّم الدالُّ بالإشارة والإيماء على المفهوم بنوعيه؛ لما تقدم من أنَّ دلالة الإيماء والإشارة كدلالة الاقتضاء في كون الجميع من المنطوق غير الصريح، على ما صححه بعضهم، والمنطوق ولو غير صريح مقدَّم على المفهوم.\nويقدَّم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة، على الصحيح؛ لضعف مفهوم المخالفة بالخلاف في حجيته -كما تقدم-.\nوشذَّ من قال بتقديم مفهوم المخالفة، ولا يخفى ضعف قوله وبعدُه عن الصواب.\nالوجه الثالث: الترجيحُ بأمرٍ خارجيٍّ، ككونِ أحدِ الخبرين ناقلًا عن حكمِ الأصل.\nومثالُه: حديث: \"من مسَّ ذكره فليتوضأ\"، مع حديث: \"وهل هو إلا بضعة منك\"، فإنَّ هذا الأخير نافٍ لوجوب الوضوء موافقٌ للبراءة الأصلية، والخبر الموجب له ناقلٌ عن حكم الأصل.\nوعكس بعضهم فرجَّح المبقي على الأصل بالبراءة الأصلية.","vol":"1","page":507},{"text":"والمشهور عند الأصوليين الأول.\nوكذلك رواية الإثبات، فإنَّها مقدمةٌ على رواية النفي.\nومثاله: حديث أنَّه -ﷺ- صلى في الكعبة، مع حديث أنَّه لم يصلِّ فيها.\nوحديث أنَّ المتمتعين مع النبيِّ -ﷺ- سَعَوا لحجِّهم وسَعَوا لعمرتهم، مع حديث أنَّهم لم يَسْعَوا إلا سعي العمرة الأول ولم يَسْعَوا للحجِّ.\nوالظاهر أنَّ المثبت والنافي إذا كانت رواية كلٍّ منهما في شيء معيَّن في وقت معيَّن واحد أنَّهما يتعارضان.\nفلو قال أحدهما: دخلت الكعبة مع النبي -ﷺ- في وقت كذا ولم أفارقه، ولم يغب عن عيني حتى خرج منها، ولم يصل فيها. وقال الآخر: رأيته في ذلك الوقت بعينه صلَّى فيها. فإنَّهما يتعارضان، فيطلبُ الترجيح من جهة أخرى. واللَّه أعلم.\nوهذا أصوب من قول مَنْ قدَّم المثبت مطلقًا، ومَنْ قدَّم النافي مطلقًا.\nووجه تقديم رواية المثبت أنَّ معه زيادة علمٍ خفيتْ على صاحبه، وقد عرفت أنَّ ذلك لا يلزم في جميع الصور ممَّا ذكرناه آنفًا.\nويقدم -عنده- الحاظرُ على المبيحِ، وقيل: لا.\nوالحظرُ: المنعُ.","vol":"1","page":508},{"text":"ومثال تقديم الحاظرِ على المبيحِ: تقديم عموم قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء/ ٢٣] المقتضي بعمومه منع الأختينِ بملك اليمين على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون/ ٦، المعارج/ ٣٠] الشامل بعمومه للأختين بملك اليمينِ، فهذا مبيحٌ وذلك حاظر، فيقدم الحاظرُ على المبيح.\nومن فروع تعارض الحاظر والمبيح -عند بعضهم-: المتولِّد من بين المأكول وغيره، كولد الذئب من الضبع -عند من يمنع أكل الذئب، ويبيح أكل الضبع-، فعلى تقديم الحاظر على المبيح لا يؤكل، وعلى القول بالعكس يؤكل.\nوقيل: الحاظر والمبيح لا يرجح أحدهما على الآخر، فيطلبُ الترجيح بسواهما.\nووجه تقديم الحاظر على المبيح: أنَّ ترك مباحٍ أهون من ارتكاب حرام.\nوزاد بعض الأصوليين: تقديم الخبر الدَّالِّ على الأمر على الدالِّ على الإباحة.\nووجه ذلك: هو الاحتياطُ في الخروج من عهدة الطلب، وأنَّ الخبر الدالَّ على النهي مقدم على الدالِّ على الأمر.\nووجهُه عندهم: أنَّ درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.\nومن أمثلته -عند القائل به-: ترك تحية المسجد في وقت النهي.","vol":"1","page":509},{"text":"أمَّا الخبر المسقطُ للحدِّ فلا يرجح على الخبر الموجبِ له -عند المؤلف-.\nوكذلك -عنده- الخبر الموجب للحرية لا يرجح على الخبر المقتضي للرِّق، قال (^١): (لأنَّ ذلك لا يوجب تفاوتًا في صدق الراوي فيما ينقله من لفظ الإيجاب والإسقاط).\nوذهب المالكية وغيرهم إلى أنَّ الخبر النافي للحدِّ مقدَّم على الخبر الموجب له، قالوا: لما في الخبر النافي للحدِّ من اليسر الموافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج/ ٧٨]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥].\nقالوا: ولأنَّ الحدَّ يدرأُ بالشبهاتِ، وتعارضُ الأدلة في وجوبه وسقوطه شبهةٌ، وهو مستثنى عندهم من تقديم المثبت على النافي.\nوالتعزيرُ -عندهم- كالحدِّ فيما ذكر.\nوقال المتكلمون بتقديم الموجب للحدِّ أو التعزير على النافي لذلك؛ لأنَّه ناقلٌ عن الأصل، لأنَّ النفي مستفادٌ من البراءة الأصلية، وإيجاب الحدِّ ناقلٌ عنها، فهو مقدمٌ.\nوأجاب بعضهم بأنَّ النفي الشرعيَّ هنا مستفادٌ من الحكم الشرعيِّ، لا من البراءة الأصلية.\nوقال بعض أهل العلم: إنَّ الخبر الموجب للحرية مقدَّم على\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٣٦).","vol":"1","page":510},{"text":"الخبر المقتضي للرقِّ؛ لرجحانه بشدة تَشَوُّفِ الشارع للحرية.\nومثال تعارض الخبر الموجب للحد والنافي له: ما لو سرق سارقٌ مِجَنًّا قيمته ثلاثة دراهم.\nفحديث ابن عمر المتفق عليه يوجبُ قطعه.\nوالأحاديثُ التي تمسكت بها الحنفية ومن وافقهم في أنَّه لا قطع في أقلَّ من عشرة دارهم، وأنَّ المجنَّ على عهد رسول اللَّه -ﷺ- كانت قيمته عشرة دراهم، فسقط الحدُّ عنه، فرجَّحوا الروايات بعشرة دراهم على الروايات الأخرى المتفق عليها بأن الحدَّ يدرأ بالشبهات، وأنَّ النافي للحدِّ مقدَّم على الموجب له.\nوقصدُنا مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقول.\nوعلى ما ذهب إليه المصنف فلا ترجيح بإسقاط الحدِّ، وحينئذ يترجح موجب الحد في المثال المذكور؛ لأنَّ أدلته أصح.\nومثال تعارض الخبر الموجب للحرية والموجب للرقِّ: حديث ابن عمر المتفق عليه: \"مَنْ أعتق شِرْكًا له في عبدٍ وكان له مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ قوِّمَ العبد عليه قيمةَ عدلٍ، فأعطي شركاؤه حصصَهم، وعتق عليه العبدُ، وإلَّا فقد عتقَ عليه ما عتق\".\nفظاهر هذا الحديث الصحيح أنَّ الشريك المعتقَ نصيبه من العبد إن كان فقيرًا لا مال له بقي ما لشركائه من العبد رقيقًا، وظاهرُه أنَّ العبد لا يستسعي ليحصِّل قيمة الباقي، فيخلص نفسه من الرقِّ.","vol":"1","page":511},{"text":"فهذا الحديث موجبٌ لرقِّ الباقي في حالة فقر معتقِ نصيبِه من العبد المشترك.\nمع الحديث الآخر (^١) المتفق عليه عن أبي هريرة أنَّه -ﷺ- قال: \"مَنْ أعتقَ شقصًا له مِنْ مملوكِه فعليه خلاصُه مِن مالهِ، فإنْ لم يكن له مالٌ قُوِّمَ المملوكُ قيمةَ عدلٍ ثم استُسْعِيَ في نصيبِ الذي لم يعتق غيرَ مشقوقٍ عليه\".\nفهذا الحديث موجبٌ للحرية باستسعاء العبد ليحصل قيمة الباقي من نفسه.\nفعلى ما ذهب إليه المؤلف لا يرجح أحد الخبرين على الآخر بإيجاب الحرية ولا بإسقاطها.\nوعلى قول من قال: يرجح موجب الحرية، يجب استسعاء العبد لتحصيل قيمة الباقي ليتخلص من الرقِّ.\nوالحديثان صحيحان، ودعوى الإدراج فيهما لا يخفى سقوطُها، كما هو واضحٌ من صنيع الشيخين.\nوالقصدُ مطلق المثال لا مناقشة الأقوال.\nمع أنَّ بعض العلماء جمع بين الحديثين، ونحن مثَّلنا بهما للتعارض، نظرًا لأنَّ الجمع المذكور لا يجب الرجوع إليه. والعلم عند\n_________\n(^١) سياق الكلام: \"ومثال تعارض الخبر الموجب للحرية والموجب للرق: حديث ابن عمر المتفق عليه. . . مع الحديث الآخر. . . \".","vol":"1","page":512},{"text":"اللَّه تعالى.\nقال المؤلف (^١) -رحمه اللَّه تعالى-:\n\n(فصل ترجيح المعاني)\n\nيعنى بذلك<span data-type=\"title\" id=toc-281> الترجيح بين علل المعاني</span>.\nثم قال: (قال أصحابنُا: إنَّ العلةَ ترجحُ بما يرجحُ به الخبرُ، مِنْ موافقتِها لدليلٍ آخر مِن كتابٍ، أو سنةٍ، أو قولِ صحابيٍّ، أو خبرٍ مرسلٍ).\nومن أمثلة ذلك: قولُ المالكيِّ: علة تحريم الربا في البرِّ الاقتياتُ والادخار، مع قول الشافعيِّ: علةُ الربا فيه الطعمُ؛ لأنَّ علة الشافعيِّ هنا قد ترجح بموافقتها لحديث معمر بنِ عبد اللَّه في صحيح مسلم: كنت أسمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"الطعامُ بالطعامِ مثلًا بمثل. . . \" الحديث.\nوقصدُنا مطلق المثال لا مناقشة الأقوال.\nوالشأنُ لا يعترضُ المثالُ ... إذ قد كفى الفرضُ والاحتمالُ\nوترجح العلة أيضًا بكونها ناقلةً عن الأصل، كالخبر.\nفقولُه في حديث عدم نقض الوضوء بمس الذكر: \"هل هو إلا\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٣٩).","vol":"1","page":513},{"text":"بضعةٌ منكَ؟ \" علةٌ في عدم نقض الوضوء بذلك؛ إذ لا ينقض الوضوء بمسِّ عضوٍ لعضوٍ من إنسانٍ واحدٍ.\nوحديث \"مَنْ مسَّ ذكرَه فليتوضأ\" يدلُّ بمسلك الإيماء والتنبيه على أنَّ علة الوضوء فيه مسُّ الذكر؛ فهذه العلة ناقلة عن الأصل، والعلة المقتضية البقاء على الأصل في عدم وجوب الوضوء التي هي \"وهل هو إلا بضعة منك؟ \" موافقة للبراءة الأصلية، فتقدَّم عليها الناقلة عن الأصل، فيجب الوضوء من مسِّ الذكر.\nوهذان الحديثان صالحان لمثالِ الحكم الناقلِ عن الأصل، والعلة الناقلة عن الأصل، معًا، ولذا مثَّلنا لهما بهما.\nثم ذكر المؤلفُ (^١) -﵀- أنَّه إذا تعارضت علتان إحداهما حاظرةٌ والأخرى مبيحةٌ، أو علتان إحداهما مسقطةٌ للحدِّ والأخرى موجبةٌ له، أو علتان إحداهما موجبةٌ للعتق والأخرى نافيةٌ له، فقد اختلف أهل العلم في ترجيح الحاظرة، والمسقطة للحدِّ، والموجبة للعتق، على مقابلاتها.\nفرجَّح بذلك قومٌ، احتياطًا للحظر، ونفي الحدِّ، ولأنَّ الخطأ في نفي هذه الأحكامِ أسهلُ من الخطإ في إثباتها.\nومنع آخرون الترجيح بذلك، مِنْ حيث إنَّهما حكمان شرعيان فيستويان، ولأنَّ سائرَ العلل لا ترجحُ بأحكامها، فكذا هنا.\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٠).","vol":"1","page":514},{"text":"هكذا قال المؤلف.\nثم ذكر أنَّ كلَّ هذه الترجيحاتِ مع الاختلاف فيها ضعيفةٌ.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nالذي يظهر لي أنَّ العلة الحاظرة مغ غير الحاظرة، كالنصِّ الحاظر مع غيره، إلى آخره، فالأظهر إجراءُ العلل في الترجيحِ بما ذكر مجرى أحكامها، لأنَّ الجميع أدلةٌ.\nوالأظهر -عندي- تقديم الحاظر على المبيح؛ لأنَّ ترك مباح أهون من ارتكاب حرامٍ. وتقديم المقتضية لنفي الحدِّ؛ لأنَّ الخلاف شبهةٌ، والحدودُ تدرأُ بالشبهات، كما عليه جماعةٌ من الأصوليين، ما لم يقم مرجحٌ آخر أقوى يترجحُ به جانب الحدِّ. وأنَّ الموجبة للحرية أرجح؛ لشدة تشوُّف الشارع للحرية وترغيبه فيها، ما لم يقم مرجحٌ آخر أقوى يترجح به جانب الرقِّ.\nثم ذكر المؤلف (^١) أنَّه إن تعارضت علتان إحداهما أخف حكمًا؛ والأخرى أثقل حكمًا أنَّ قومًا رجحوا التي هي أخف حكمًا، لأنَّ الشريعة خفيفة مرفوع فيها الحرج، وأنَّه قال آخرون بالعكس؛ لأنَّ الحقَّ ثقيلٌ.\nقال مقيده -عفا اللَّه عنه-:\nلا يمكنُ الحكم مطلقًا في هذه المسألة؛ لأنَّ التخفيف يكون\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٠).","vol":"1","page":515},{"text":"أرجح تارة، والتثقيل يكون أرجح أخرى.\nوممَّا يوضح ذلك أنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة/ ١٠٦]، ولا خلاف أنَّه تارة ينسخ الأثقل بالأخف لأنَّ الأخف خير في ذلك المحلِّ، وتارة ينسخ الأخف بالأثقل لأنَّ الأثقل خير في ذلك المحلّ؛ كما أوضحناه في النسخ.\nثم ذكر المؤلف أنَّه إن كانت علتان إحداهما حكم شرعيٌّ، والآخر وصف حسيٌّ، ككونه مسكرًا أو قوتًا، أنَّ القاضي اختار ترجيح الحسِّية، وأن أبا الخطاب مال إلى ترجيح الحكمية، وذكر ما رجح به كلٌّ منهما قوله، وقد تركنا ذكره لعدم اتجاه شيء منه عندنا.\nثم قال المؤلف (^١): (وقيل: هذا كله ترجيح ضعيف).\nوقد صدق من قال ذلك. واللَّه أعلم.\nوالمالكية ومن وافقهم يرجحون العلة التي هي وصف حسيٌّ على التي هي حكم شرعي.\nووجه ترجيحهم لها أنَّها ألزم للمحلِّ منها. ولا يخفى عدم ظهوره كما ترى.\nثم ذكر المؤلف عن أبي الخطاب أنَّه ذكر ترجيح العلة التي هي أقلُّ أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا، ووجَّه ذلك بمشابهتها العلة العقلية، وبأنَّ ذلك أجرى على الأصول.\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤١).","vol":"1","page":516},{"text":"ولا يخفى ضعف هذا التوجيه -أيضًا-.\nووجَّه المالكية ومن وافقهم ترجيح العلة التي هي أقلُّ أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا بأنَّ تطرق البطلان أقل في التي هي أقلُّ أوصافًا؛ لأنَّ المركب يسرى إليه البطلان ببطلان كلِّ واحد من أوصافه، فاحتمال البطلان في كثيرة الأوصاف أكثر منه في قليلة الأوصاف.\nويُفْهَمُ منه أنَّ غير المركبة -أعني العلة التي هي وصف واحد- تقدم على المركبة من وصفين فأكثر -على ما ذكرنا-؛ لأن تطرق الخلل للمتعدد أقوى احتمالًا من تطرقه لغير المتعدد، كما كان أقوى احتمالًا في الأكثر أوصافًا من الأقلِّ أوصافًا.\nوقال بعضهم: إنَّ العلة التي هي أكثر أوصافا مقدَّمةٌ على العلة التي هي أقلُّ أوصافًا؛ لأنَّ كثرة أوصاف العلة الجامعة بين الفرع والأصل تدلُّ على كثرة الشبه بينهما.\nوقد قدمنا الكلام في القياس على العلة المركبة وغيرها.\nثم ذكر عن أبي الخطاب أنَّه ذكر ترجيح العلة بكثرة فروعها وعمومها، قال (^١): (ثم اختار التسوية وأنَّ هذين لا يرجح بهما؛ لأنَّ العلتين سواء في إفادتهما حكمهما وسلامتهما من الفساد، ومتى صحَّت لم يلتفت إلى كثرة فروعها، ولا كثرة أوصافها).\nومثال ترجيح التي هي أقل أوصافًا على التي هي أكثر أوصافًا:\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٢).","vol":"1","page":517},{"text":"ترجيحُ علة الحنفي والحنبلي في تحريم الربا بالكيل؛ لأنَّ الكيل وصفٌ واحدٌ = على علة المالكية تحريم الربا في البرِّ المركبة من أكثر من وصف وهي: الاقتيات والادخار وغلبة العيش، على خلافٍ في الوصف الأخير.\nومثال الترجيح بكثرة فروعها: الكيل -أيضًا- مع الاقتيات والادخار؟ لأنَّ المكيلات أكثر من المقتات المدَّخر، فالكيل تحته فروع كثيرة، كالنُّورة، والأشنان، ونحو ذلك، لم تدخل في الاقتيات والادخار، فهو أكثر فروعًا.\nواعلم أنَّ الترجيح بكثرة الفروع مبنيٌّ على ترجيح العلة المتعدية على القاصرة، فالمتعدية التي هي أكثر فروعًا ترجح على المتعدية التي هي أقلُّ فروعًا، وعلى العكس بالعكس.\nوقد مثَّلنا -سابقًا- لتقديم المتعدية على القاصرة.\nومن أمثلته: تعليل بعضهم منع الربا في النقدين بالوزن، فالوزن علة متعدية إلى غيرهما كالحديد والنحاس، مع تعليل بعضهم منع الربا فيهما بالثمنية أو النقدية، فهي قاصرةٌ عليهما.\nواعلم أنَّ المؤلف ذكر عن أبي الخطاب أنَّ العلة المتعدية ترجح على القاصرة، وهو المعروف عند الأصوليين.\nثم قال (^١): (ومنع ذلك قومٌ، لأنَّ الفروع لا تنبئ عن قوة في ذات\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٣).","vol":"1","page":518},{"text":"العلة بل القاصرة أوفق للنصِّ. والأول أولى، فإنَّ المتعدية متفق عليها، والقاصرة مختلف فيها).\nولا يخفى أنَّ المؤلف قد قدَّم في القياس أنَّ العلة القاصرة مردودة لا يصحُّ التعليل بها أصلًا، واستدلَّ لذلك بأمور -كما أوضحناه هنالك، وبيَّنا الصواب فيه-.\nوما ذكرنا عن المؤلف أنَّه ذكر عن أبي الخطاب من ترجيح العلة بعمومها، معناه: أنَّ العلة العامة في جميع أفراد أصلها، أعني الشاملة لجميعها بوجودها في جميعها، مقدَّمةٌ على ما ليست كذلك.\nومثَّل له بعضهم بتعليل الشافعيِّ منع الربا في البرِّ بالطعم، مع تعليل الحنفيِّ بالكيل، فالطعمُ موجود في جميع البرِّ على كل حال من أحواله قليلًا كان أو كثيرًا، بخلاف الكيل، فلا يوجد في ملء كفٍّ من البر، فعلة الطعم عامةٌ في جميع أفراد الأصل بخلاف علة الكيل.\nوالقصدُ مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.\nثم ذكر (^١) عن أبي الخطاب ترجيح العلة المنتزعة من أصولٍ على المنتزعة من أصلٍ واحد؛ لأنَّ الأصول شواهد للصحة، وما كثرت شواهدُه كان أقوى في إثارة غلبة الظنِّ.\nقصورُ كلامه هذا ظاهرٌ.\nومثَّل له بعضهم بقياس الوضوء في وجوب النية وعدم وجوبها،\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٢).","vol":"1","page":519},{"text":"فإنَّ الذي يقول بعدم وجوب النية فيه يقيسه على وصفٍ منتزع من أصل واحد، وهو أنَّه تنظيفٌ لا تلزم فيه النيةُ كطهارة الخبث. وطهارةُ الخبث التي قاس علمها الوضوء أصلٌ واحدٌ.\nأمَّا القائل بوجوب النية فيه، فيقول: هو قربةٌ، فتجب فيه النية، كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك من القرب، فهذه أصولٌ كثيرة، وذلك أصلٌ واحد.\nومثَّل له بعضهم بما ورد من تضمين الغاصب، وتضمين المستعير من الغاصب.\nويستنبط من كلٍّ منهما أنَّ علة الضمان وضع اليد على مال الغير، وظاهره: ولو لغير تملكٍ.\nفهما أصلان يشهدان بأن علة ضمان مال الغير وضع اليد عليه، ولو بغير تملكٍ.\nقالوا: فيرجح ذلك على ما قاله أبو حنيفة من كون العلة وضع اليد بقصد التملك، وإن صحَّ استنباط ذلك من تضمينِ مُسْتَامِ السلعة.\nثم ذكر عن أبي الخطاب أنَّه رجَّح العلة المطردة المنعكسة على ما لا تنعكس، قال (^١): (لأنَّ الطرد والعكس دليلٌ على الصحة ابتداءً؛ لما فيه من غلبة الظنِّ، فلا أقلَّ من أنْ يصلح للترجيح).\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٣).","vol":"1","page":520},{"text":"قال مقيِّده -عفا اللَّه عنه-:\nوقد أوضحنا فيما مضى أنَّ الطرد في اصطلاح الأصوليين هو ملازمة العلة والحكم في الثبوت.\nوقضيته: كلما وُجِدَتْ العلةُ وُجِدَ الحكمُ، وإن وُجِدَتْ العلة بدون الحكم هو المسمَّى بالنقض.\nوقد قدَّمنا الكلام عليه مستوفى، هل هو قادح أو تخصيص للعلة؟\nوأنَّ العكس (^١) هو الملازمة في الانتفاء.\nوقضيتُه: كلما انتفت العلة انتفى الحكم.\nواختلف في القدح بعدم الانعكاس، والصواب أنَّه يقدح عند من يمنع تعدد العلل، أمَّا مع تجويز تعدد العلة فلا يقدح تخلف العكس قولًا واحدًا.\nوقد علمت ممَّا قدَّمنا أنَّ العلة المنصوصة تتعدَّد بلا خلافٍ، ولا يقدح فيها تخلف العكس إجماعًا.\nفلو قلت: البول علةٌ لنقض الوضوء، وهو معدومٌ من هذا الشخص، مع أنَّ وضوءه منتقض، قلنا: لثبوت نقض وضوئه بعلة أخرى غير البول، كالغائط، والنوم، والتقبيل.\nوكما لو قلت: الجماع علةٌ لوجوب الغسل، وهو منتفٍ عن هذه\n_________\n(^١) معطوف على قوله: \"وقد أوضحنا فيما مضى أن الطرد. . . \".","vol":"1","page":521},{"text":"المرأة، مع أنَّ الغسل واجب عليها، فإنَّا نقول: لثبوته بعلةٍ أخرى، وهي انقطاع دم الحيض عنها. وهكذا.\nأمَّا العلل المستنبطة فهي التي اختلف في جواز تعددها، فعلى القول بجواز تعددها فتخلف العكس ليس بقادح؛ لأنَّه قد تنتفي العلة، ويثبت الحكم بأخرى.\nأمَّا على القول بمنع تعددها فتخلف العكس قادحٌ ما لم يرد نصٌّ ببقاء الحكم مع تخلف العلة، كالرَّمل في الأشواط الثلاثة الأُول في طواف القدوم، فعلَّته واحدة، وهي أن يعتقد المشركون أنَّ النبيَّ -ﷺ- وأصحابه أقوياء، وأنَّهم لم تُنهكهم حمَّى يثرب، وقد زالت علة هذا الحكم مع بقائه، فتخلف العكس هنا ليس بقادح؛ لأنَّ الدليل ورد ببقاء الحكم المذكور مع زوال علته؛ لأنَّه -ﷺ- رمل في حجة الوداع بعد زوال علة الرَّمل التي فعل من أجلها.\nوإلى هذا أشار في \"مراقي السعود\" بقوله في القوادح:\nوعدم العكس مع اتحاد ... يقدح دونَ النصِّ بالتمادي\nفإذا علمت ذلك فمثال المطردة المنعكسة: الإسكار للتحريم.\nومثال غير المطردة: العلة التي ورد عليها نقضٌ.\nوقد قدَّمنا أمثلة ذلك مستوفاة.\nومثال غير المنعكسة: الكيل بالنسبة إلى ملء كفٍّ من البرِّ عند من يقول: إنَّ الربا حرامٌ فيه، مع أنَّ الكيل منتفٍ عنه لقلَّته، فقد انتفت علة","vol":"1","page":522},{"text":"الربا، وبقي حكم الربا على هذا.\nوالقصدُ المثال لا مناقشة أدلة الأقوال.\nوالمعروف عند أهل الأصول أنَّ المطردة المنعكسة مقدَّمةٌ على المطردة، والمطردة مقدَّمةٌ على المنعكسة.\nوإليه أشار في \"المراقي\" في ترجيح العلل بقوله:\nوذات الانعكاسِ واطرادِ ... فذات الآخر بلا عناد\nثم ذكر المؤلف عن أبي الخطاب أنَّه رجَّح ما كانت علته وصفًا على ما كانت علته اسمًا بأنَّه متفق على الوصف مختلف في الاسم، فالمتفق عليه أقوى.\nمثال التعليل بالوصف: تعليل الربا في البرِّ بالطعم أو الكيل.\nومثال التعليل بالاسم: تعليله فيه بكونه برًّا.\nوتعليلُه في الذهب بكونه موزونًا تعليلٌ بالوصف، وتعليلُه بكونه ذهبًا تعليلٌ بالاسم. والوصف مقدَّم على الاسم.\nوهذا راجع في الحقيقة إلى مسألة تعدي العلة وقصورها. واللَّه تعالى أعلم.\nثم ذكر عن أبي الخطَّاب أنَّه رجح ما كانت علتُه إثباتًا على التعليل بالنفي لهذا المعنى أيضًا.\nوالظاهر أنَّ مراده بهذا المعنى أن التعليل بالإثباتِ متفقٌ عليه،","vol":"1","page":523},{"text":"وبالنفي مختلفٌ فيه، وليس ذلك على إطلاقه؛ لأنَّ تعليل النفي بالنفي لا خلاف فيه، إنَّما الخلاف في تعليل الإثبات بالنفي -كما تقدَّم-، ولا يبعد ترجيح تعليل الإثبات على النفي مطلقًا من حيث إنَّ الموجود أولى من المعدوم في الجملة، واللَّه تعالى أعلم.\nثم ذكر عن أبي الخطاب أنَّه رجَّح العلة المردودة إلى أصل قاس الشارع عليه، كقياس الحجّ على الدَّين في أنَّه لا يسقطُ بالموت، فهو أولى من قياسهم له على الصلاة، لتشبيه النبيِّ -ﷺ- له بالدَّين.\nوإيضاحُه: أنَّ الإنسان إذا مات ولم يحجَّ حجة الإسلام، وقد ترك مالًا، فقد قال بعض أهل العلم: يجب أن يُحَجَّ عنه من ماله؛ لأنَّ الحجَّ دينٌ في ذمته، فيجب قضاؤه عنه بعد الموت كسائر ديونه.\nفقاسوا الحجَّ على دين الآدمي بجامع أنَّه مطالب بالجميع، ويسقط عنه بالأداء في الجميع، وينتفعُ بالقضاء في الجميع.\nوقال بعض أهل العلم: لا يلزم الحجُّ عنه من ماله إن لم يوص به؛ لأنَّ الحجَّ عبادٌ بدنيةٌ، فتسقطٌ المطالبة بها بالموت قياسًا على الصلاة.\nفيرجَّح القياس الأول بأنَّه وردت أحاديث متعددة بأن النبيَّ -ﷺ- سئل عن الحجِّ عن الميت؟ فشبَّهه بالدَّينِ، وقال: \"أرأيت لو كان على أمِّكَ دينٌ فقضيته عنها، أكان ينفعُها؟ \" قالت: نعم. قال: \"فدينُ اللَّه أحقُّ بالقضاء\".\nوالحاصلُ أنَّ القياس الأول يترجَّح بأنَّ علته جَمَعَ بها النبيُّ -ﷺ- بين ذلك الأصل والفرع، فصارت مردودةً إلى أصلٍ قاس الشارع عليه كما","vol":"1","page":524},{"text":"مثَّلنا.\nثم قال المؤلف (^١) -﵀-:\n(ومتى كان أصل إحدى العلتين متفقًا عليه والآخر مختلفًا فيه كانت المتفق على أصلها أولى، فإنَّ قوة الأصل تؤكد قوة العلة، وكذلك ترجَّحُ كل علةٍ قَوِيَ أصلُها.\nمثل أن يكون أحدهما محتملًا للنسخ والآخر لا يحتمل، أو يثبت أحدهما بخبر متواتر والآخر بآحاد، أو أحدهما ثابت بروايات كثيرةٍ والآخر برواية واحدة، أو أحدهما بنصٍّ صريح والآخر بتقدير أو إضمار).\nوحاصل كلامه: أنَّ العلة ترجح بقوة حكمها، فإذا تعارضت علتان وكان ما يثبت به حكم إحداهما أقوى ممَّا يثبت به حكم الأخرى، فإنَّ قوة حكمها مرجحة لها؛ لأنَّ قوة الأصل تؤكد قوة العلة.\nهكذا قال.\nوالأسبابُ التي تقوي أحدَ الحكمينِ على الآخرِ كثيرةٌ:\nمنها: أن يكونَ أحد الحكمين منصوصًا، والآخر مستنبطًا، فعلة المنصوصِ تقدم على علة المستنبطِ، كما لو قال أحد المجتهدين: الأرز يمنعُ فيه الربا قياسًا على البرِّ بجامع الكيل، وقال الآخر: الأرز\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٥).","vol":"1","page":525},{"text":"يمنعُ فيه الربا قياسًا على الذرة بجامع الاقتيات والادخار.\nفترجَّح العلة الأولى لأنَّ أصلها وهو البرُّ منصوص على تحريم الربا فيه، بخلاف الذُّرة التي هي الأصل في القياس الآخرِ فتحريم الرِّبا فيها مستنبطٌ لا منصوص.\nويمثل لهذا -أيضًا- بما إذا كان أحد الأصلين متفقًا على حكمه، والآخر مختلفًا فيه، فإنَّ تحريم الرِّبا في البرِّ مجمعٌ عليه، وتحريمه في الذُّرة خالف فيه الظاهرية.\nومنها: أن يشهد لحكمها أصلان، كما قدَّمنا في ضمان الغاصب والمستعير منه بمطلق وضع اليد، مع قول القائل: إنَّه لا بدَّ مع وضع اليد من قصد التملك.\nومرادُه بمحتمل النسخ: النصُّ، وبما لا يحتمله: الإجماعُ؛ لأنَّه لا ينسخ.\nوقدَّم قومٌ العلة التي مستند حكمها النصُّ على التي مستند حكمها الإجماع؛ لأنَّ الإجماع فرع النصِّ؛ لأنَّه مستنده.\nوقول المؤلف (^١): (أو يكونَ أحدُهما أصلًا بنفسه، والآخرُ أصلًا لآخر).\nفيه تعقيدٌ، والظاهرُ أنَّ مراده المثال الذي ذكرنا في قياس الأرز على البرِّ، وقياسه على الذُّرة، لأنَّ البرَّ أصل بنفسه، والذُّرة ليست\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٥).","vol":"1","page":526},{"text":"أصلًا مستقلًّا، وإنَّما هي أصلٌ بالنسبة إلى إلحاقها بالبرِّ، فتكون فرعًا بالنسبة إلى البرِّ، وأصلًا آخر بالنسبة إلى الأرز في المثال المذكور.\nوقد قدَّمنا أنَّ مثل هذا لا يجوز عنده، وأنَّ الصحيح جوازه، فلعله مشى أولًا على منعه، وثانيًا على جوازه، كما صنع في العلة القاصرة، فإنَّه أولًا ذكر منع التعليل بها، وأخيرًا ذكر جوازه. واللَّه تعالى أعلم.\nوقول المؤلف (^١): (أو يكون أحدهما اتفق على تعليله، والآخر اختلف فيه).\nيمكن أن يمثَّل له بما لو قال أحدهما: ينبغي إزالة النجاسة عن المكان، قياسًا على إزالتها عن بدن الإنسان.\nوقال الآخر: ينبغي إزالة النجاسة عن المكان، قياسًا على غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلبُ، فإنَّه لإزالةِ (^٢) ما أصابه من نجاسة لعاب الكلب.\nفإنَّ الأصل الأول وهو إزالتها من البدن مجمعٌ على أنَّه معلَّل بأنَّه ينبغي إزالة الأقذار عن البدن والنظافة منها، بخلاف غسل الإناء من ولوغ الكلب فهو مختلف في كونه معللًا، فالشافعيُّ يقول: علة غسل الإناء نجاسة لعاب الكلبِ، ومالك -مثلًا- يقول: لعاب الكلب طاهرٌ وغسلُ الإناء من ولوغه تعبديٌّ، وليس معللًا أصلًا، إذ لو كان معللًا لما احتاج إلى سبعٍ، كغسل سائر النجاسات، ولأنَّ لعاب الكلب\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٥).\n(^٢) في الأصل المطبوع: فإن إزالة. ولعل المثبت هو الأشبه.","vol":"1","page":527},{"text":"عنده طاهرٌ بدليل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة/ ٤] ولم يرد أمرٌ بغسلِ ما مسَّه لعابُ الكلب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nوقول المؤلف (^١): (أو يكون أحدهما مفيدًا للنفي الأصلي. . .) الخ = تقدم إيضاحُه.\nوقولُه (^٢): (وترجح العلة المؤثرة على الملائمة، والملائمة على الغريبة).\nقد قدَّمنا إيضاح المؤثر والملائم والغريب -عند المؤلف-.\nأمَّا عند غير المؤلف فالغريب لا يصحُّ التعليل به -أصلًا-، فلا مدخل له في الترجيح كما تقدم.\nوقولُه (^٣): (وترجح المناسبة على الشبهية؛ لأنَّها أقوى في تغليب الظنِّ).\nقد قدَّمنا إيضاح المناسب وأنواعه، والشبه وأنواعه، فراجعه إن شئت، واللَّه أعلم.\nوهنا انتهى كتاب روضة الناظر.\n_________\n(^١) (٣/ ١٠٤٥).\n(^٢) (٣/ ١٠٤٦).\n(^٣) (٣/ ١٠٤٦).","vol":"1","page":528},{"text":"تنبيهات:\nالأول: لم يتعرض المؤلف للترجيح بين الإجماعات والأقيسة والحدود، أعني التعاريف، مع أنَّ كلَّ ذلك مذكور في كتب الأصول.\n\nالثاني: اعلم أنَّه قد يكون<span data-type=\"title\" id=toc-284> الترجيح بين المرجحات</span>، وهو بابٌ واسعٌ لا تمكن الإحاطة به.\nومن أمثلته: ترجيح حديثِ ميمونة في أنَّه -ﷺ- تزوجها وهما حلالٌ بأنَّها صاحبة القصة، وحديثِ أبي رافع بأنَّه مباشر، على حديث ابن عباس بأنَّه تزوجها وهو محرم.\nمع ترجيح حديث ابن عباس بأنَّه اتفق عليه الشيخان، وحديث ميمونة عند مسلم فقط، وحديث أبي رافع عند الترمذيِّ.\nفيلزم الترجيح بين هذين المرجحين -مثلًا-.\nفنقول: سلَّمنا ترجيح حديث الشيخين من جهة السند، فلنفرضْ أنَّا جازمون بأنَّ ابن عباس قال ذلك، وجزمُنا بأنَّه قاله هو غاية الترجيح بكونه في الصحيحين، فيكون الطرف الآخر راجحًا بأنَّ ميمونة وأبا رافع أعلم بنفس الواقعة من ابن عباس؛ لأنَّ لهما من الملابسة للواقعة ما ليس له، لأنَّها صاحبتها وهو مباشرها، مع أنَّهما بالغان وقت التحمل، وهو ليس كذلك.\n\nالثالث: اعلم أنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-285> المرجحات يستحيل حصرها</span>؛ لكثرتها وانتشارها.","vol":"1","page":529},{"text":"وضابطُ الترجيح هو: ما تحصل به غلبة ظنِّ رجحان أحد الطرفين.\nوإليه أشار في \"مراقي السعود\" بقوله:\nوقد خلتْ مرجِّحاتٌ فاعتبر ... واعلمْ بأنَّ كلَّها لا ينحصر\nقُطْبُ رحاها قوةُ المَظِنَّة ... فهي لدى تعارضٍ مَئِنَّة\nوقال صاحب \"الضياء اللامع\" في المرجحات: ومن رام هذه الأجناس بضابط فقد رام شططًا لا تتسع له قوة البشر.\nالرابع: اعلم أنَّه جرت عادة الأصوليين بعقد باب يسمُّونه (كتاب الاستدلال)، ومرادهم بالاستدلال هو ما لم يدل عليه دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياسٍ أصوليٍّ.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-286>مسائل كتاب الاستدلال </span>كثيرة، ذكر المؤلف منها مسائل متفرقة، كالاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، وقول الصحابيِّ، وشرعِ من قبلنا.\nوترَكَ منها أمورًا كثيرة لم يذكرها، كإجماع أهل المدينة عند من يحتجُّ به، وإجماع العشرة، وإجماع الخلفاء الأربعة عند من يحتجُّ بذلك، وإجماع أهل الكوفة عند من يحتجُّ به، وكالقياس المنطقيِّ بنوعيه -أعني: القياس الاقترانيَّ والاستثنائيَّ الذي هو الشرطيُّ المتصلُ والمنفصل-، والاستقراء، وقياس العكس، وسدِّ الذرائع إلى المحرمات، وفتحها إلى الواجبات، والعوائد، والأخذ بأخفِّ الضررين، وفقد الشرط، ووجود المانع، ووجود المقتضي، وانتفاء","vol":"1","page":530},{"text":"مدرك الحكم -أي دليله الذي يدرك به-، خلافًا للأكثر في الأخير، ونحو ذلك من مسائل الاستدلال، وبعضها فيه الخلاف.\nوالعلم عند اللَّه، وصلى اللَّه على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":531}]}