{"ً":{"ٌ":29736,"ٍ":"آيات عتاب المصطفى في ضوء العصمة والإجتهاد","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/آيات عتاب المصطفى صلى الله عليه وسلم - المطرفي","files":["70531.pdf"]},"ّ":"الكتاب: آيات عتاب المصطفى - ﷺ - في ضوء العصمة والاجتهاد\nتأليف: د. عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي\nالناشر: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز - مكة المكرمة حرسها الله تعالى\nالطبعة: الثالثة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\nعدد الصفحات: ٣١٥\nأعده للشاملة: أبو إبراهيم حسانين\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مقابل]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":530,"ٕ":1,"ٖ":1770154828,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"خطبة الكتاب","level":1,"page":2},{"title":"خطر المناهج الأجنبية على المسلمين","level":2,"page":3},{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"من مفتريات أعداء الله ورسوله","level":2,"page":3},{"title":"انسياق وغفلة","level":2,"page":4},{"title":"أسباب كتابة هذا البحث","level":2,"page":5},{"title":"منهجية البحث والتناول","level":2,"page":5},{"title":"الباب الأول عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام","level":1,"page":9},{"title":"العصمة في اللغة","level":2,"page":10},{"title":"حاصل ما تدل عليه أقوال أهل اللغة","level":2,"page":15},{"title":"العصمة في الاصطلاح","level":2,"page":19},{"title":"نشأة التعريف الاصطلاحي","level":2,"page":19},{"title":"تعريف الراغب ودلالته","level":2,"page":20},{"title":"تعريف الحافظ ابن حجر","level":2,"page":21},{"title":"تعريف السعد","level":2,"page":22},{"title":"اتفاق التعريفين في المآل والثمرة","level":2,"page":23},{"title":"تعريف ابن الهمام","level":2,"page":24},{"title":"تعريف الحكماء","level":2,"page":25},{"title":"جمع اللقاني معاني التعريفات","level":2,"page":25},{"title":"ما تنتهي إليه تعريفات العلماء للعصمة اصطلاحا","level":2,"page":27},{"title":"مواقع العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام","level":2,"page":28},{"title":"عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قبل البعثة","level":2,"page":28},{"title":"اعتراض وجوابه","level":2,"page":31},{"title":"الاستدلال رواية على عصمة الأنبياء قبل النبوة","level":2,"page":31},{"title":"الانتصار لصحة هذا الحديث","level":2,"page":33},{"title":"وجوه صحة هذا الحديث","level":2,"page":34},{"title":"عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بعد البعثة","level":2,"page":38},{"title":"عصمة الأنبياء من الكذب","level":2,"page":38},{"title":"منع السهو والنسيان على الأنبياء في التبليغ","level":2,"page":40},{"title":"انتصار ابن تيمية للقول بعصمة الأنبياء في التبليغ","level":2,"page":41},{"title":"إجماع العلماء على القول بوجوب عصمة الأنبياء في التبليغ","level":2,"page":42},{"title":"تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر","level":2,"page":43},{"title":"مسالك التكليف","level":2,"page":43},{"title":"وجه القول بأن جميع الذنوب كبائر","level":2,"page":43},{"title":"جمع الحافظ ابن حجر بين قولي ابن عباس في الكبائر","level":2,"page":45},{"title":"الاستدلال بالقرآن والسنة على تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر","level":2,"page":46},{"title":"الأدلة من السنة على تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر","level":2,"page":49},{"title":"الأدلة من أقوال الصحابة والتابعبن على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر","level":2,"page":51},{"title":"خطر القول بأن جميع الذنوب كبائر","level":2,"page":53},{"title":"عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب صغائرها وكبائرها","level":2,"page":54},{"title":"وجوه الاستدلال على عصمة الأنبياء من الصغائر والكبائر","level":2,"page":60},{"title":"توافر وسائل الرواية على عصمة النبي - ﷺ - من جميع الذنوب","level":2,"page":65},{"title":"الباب الثاني الاجتهاد","level":1,"page":68},{"title":"تعريف الاجتهاد لغة","level":2,"page":69},{"title":"تعريف الاجتهاد اصطلاحا","level":2,"page":70},{"title":"الفرق بين اجتهاد النبي - ﷺ - واجتهاد علماء أمته","level":2,"page":71},{"title":"اجتهاد النبي - ﷺ -","level":2,"page":73},{"title":"أدلة المانعين لاجتهاد الرسول - ﷺ -","level":2,"page":76},{"title":"أدلة الجمهور على جواز اجتهاد الرسول - ﷺ -","level":2,"page":82},{"title":"أدلتهم من السنة","level":2,"page":86},{"title":"أظهر أدلتهم العقلية","level":2,"page":94},{"title":"أدلة القائلين بجواز الاجتهاد له - ﷺ - في الحروب فقط","level":2,"page":97},{"title":"الباب الثالث","level":1,"page":98},{"title":"معنى العتاب","level":2,"page":99},{"title":"تباين أسلوب الآيات المكية والمدنية في تربية الله للنبي - ﷺ -","level":2,"page":99},{"title":"ما يلمح من شدة العتاب فيراد به تربية المجتمع","level":2,"page":101},{"title":"العتاب في اللغة","level":2,"page":102},{"title":"منهجي في التعرف على آيات العتاب","level":2,"page":102},{"title":"أنواع عتاب الله تعالى لنبيه ﵊:","level":2,"page":103},{"title":"الذنب","level":2,"page":106},{"title":"اختلاف نسبة الذنب باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل","level":2,"page":106},{"title":"إسناد الذنب إلى ضمير خطاب رسول الله في القرآن الكريم","level":2,"page":106},{"title":"دلالة أمره تعالى لنبيه - ﷺ - بالصبر","level":2,"page":107},{"title":"دلالة أمره - ﷺ - بالاستغفار في سورة محمد","level":2,"page":108},{"title":"دلالته في آية سورة الفتح","level":2,"page":109},{"title":"تهنئة وتطلع","level":2,"page":110},{"title":"التوبة","level":2,"page":111},{"title":"التوبة لغة","level":2,"page":111},{"title":"اختلاف التوبة باختلاف التائبين","level":2,"page":111},{"title":"آيات عتاب المصطفى - ﷺ -","level":2,"page":114},{"title":"النوع الأول","level":2,"page":114},{"title":"الحال الأول من عتاب التوجيه","level":2,"page":114},{"title":"من تلطف الله برسوله - ﷺ - في الخطاب","level":2,"page":118},{"title":"الحال الأولى","level":2,"page":119},{"title":"الحال الثانية","level":2,"page":121},{"title":"حراسة فتيان بني هاشم لرسول الله - ﷺ -","level":2,"page":122},{"title":"العباس أحد حراس رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":123},{"title":"(ملازمة العباس لرسول الله - ﷺ)","level":2,"page":124},{"title":"(قدوم البراء وكعب ابن مالك على رسول الله - ﷺ)","level":2,"page":124},{"title":"(حضور العباس بيعة العقبة الكبرى)","level":2,"page":125},{"title":"(أسباب حراسته - ﷺ - بمكة)","level":2,"page":126},{"title":"(أسباب حراسته - ﷺ - بالمدينة)","level":2,"page":126},{"title":"(حراسة أبي أيوب رسول الله - ﷺ - ليلة بنائه بصفية)","level":2,"page":126},{"title":"(مشروعية حراسة ولي الأمر)","level":2,"page":127},{"title":"(وثوق الرسول - ﷺ - بعصمة الله له)","level":2,"page":128},{"title":"ظهور القول بمكية (والله يعصمك من الناس)","level":2,"page":128},{"title":"القسم الأول من عتاب التوجيه","level":2,"page":131},{"title":"(الحرج لغة)","level":2,"page":132},{"title":"(الغرض من النهي عن الحرج من الإنذار بالقرآن)","level":2,"page":135},{"title":"(من جميل التلطف في الخطاب برسول الله - ﷺ)","level":2,"page":137},{"title":"(ثانية آيات العتاب التوجيهي)","level":2,"page":137},{"title":"ما يدل عليه التعبير بـ (لعل) في هذه الآية","level":2,"page":139},{"title":"(موطن العتاب في هذه الآية الكريمة)","level":2,"page":141},{"title":"(الآية الثالثة)","level":2,"page":142},{"title":"(موطن العتاب فيها)","level":2,"page":144},{"title":"(عتاب الدفع وتقوية العزيمة)","level":2,"page":144},{"title":"القسم الثاني من عتاب التوجيه","level":2,"page":146},{"title":"(آيات عتاب الإقصار)","level":2,"page":146},{"title":"(تضمن القرآن وجوه الخير)","level":2,"page":147},{"title":"(التلطف والإشفاق برسول الله - ﷺ - في توجيه الخطاب إليه)","level":2,"page":148},{"title":"(موطن العتاب في الآية)","level":2,"page":149},{"title":"(موضع العتاب من هذه الآية)","level":2,"page":151},{"title":"الآية الثالثة من آيات عتاب الإقصار","level":2,"page":152},{"title":"(موضع العتاب منها)","level":2,"page":154},{"title":"(محصلة هذا النوع من العتاب التلطف به)","level":2,"page":154},{"title":"النوع الثاني عتاب التنبيه","level":2,"page":155},{"title":"(الغرض من هذا النوع)","level":2,"page":155},{"title":"(حصر آيات هذا النوع من العتاب)","level":2,"page":155},{"title":"(أولى آيات هذا النوع من العتاب)","level":2,"page":157},{"title":"(تهديد المتقاعسين عن الخروج إلى غزوة تبوك)","level":2,"page":158},{"title":"(إظهار نوايا المنافقين للتحذير منهم)","level":2,"page":160},{"title":"(موضع العتاب من الآية)","level":2,"page":162},{"title":"(بيان وجه الصواب في الإذن لهم بالقعود)","level":2,"page":163},{"title":"(نفي الإيمان عن المستأذنين)","level":2,"page":164},{"title":"(ظهور عداوة المنافقين توجب منعهم من الخروج مع جيش المؤمنين)","level":2,"page":164},{"title":"(وجوه صواب إذن رسول الله - ﷺ - للمنافقين بالقعود عن الخروج معه)","level":2,"page":164},{"title":"(خطر اندساس المنافقين في المجتمع الإسلامي)","level":2,"page":165},{"title":"(جفوة التعبير دليل ضعف في التفكير)","level":2,"page":168},{"title":"(تلطف في التعبير لا عتابا له)","level":2,"page":169},{"title":"(إجراء الخطاب على وجهه خير من تأويله)","level":2,"page":171},{"title":"(موضع العتاب في هذه الآية)","level":2,"page":171},{"title":"(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)","level":2,"page":172},{"title":"(نفي التخيير عن دلالة هذه الآية)","level":2,"page":175},{"title":"(إفادة العدد سبعة)","level":2,"page":175},{"title":"(تقديم منطوق حديث ابن عباس على منطوق حديث ابن عمر)","level":2,"page":180},{"title":"(الرد على الزمخشري)","level":2,"page":182},{"title":"(التماس وجه القول لصلاة رسول الله - ﷺ - على عبد الله ابن أبي)","level":2,"page":183},{"title":"(النهي عن الاستغفار للمشركين)","level":2,"page":185},{"title":"(نفي التهيؤ للفعل أبلغ من نفي الفعل)","level":2,"page":186},{"title":"(موقع العتاب من هذه الآية)","level":2,"page":190},{"title":"(إيجاب تعليق عموم الأعمال على مشيئة الله)","level":2,"page":191},{"title":"(وجه كون الخطاب بهذه الآية عتابا)","level":2,"page":196},{"title":"النوع الثالث عتاب التحذير","level":2,"page":197},{"title":"(آيات عتاب التحذير)","level":2,"page":197},{"title":"(تفصيل القول في الموضع الأول من هذه الآيات)","level":2,"page":199},{"title":"(الأمر بالتزام الحق والعدل في معاملة جميع الناس)","level":2,"page":200},{"title":"(ما يدل عليه توسيط الأمر بالاستغفار بين النهيين)","level":2,"page":203},{"title":"(تصوير حال المختانين أنفسهم)","level":2,"page":204},{"title":"(وصفهم بسوء ما بيتوا للتحذير من الاغترار بمثل ما تجمعوا عليه)","level":2,"page":205},{"title":"(التمويه بالجدل الكاذب في الدنيا لا ينجي من عذاب الآخرة)","level":2,"page":206},{"title":"(فتح باب التوبة للتائبين)","level":2,"page":206},{"title":"(قطع أطماع المنافقين في حجب الحقيقة عن رسول الله - ﷺ)","level":2,"page":207},{"title":"(موضع العتاب في هذه الآية)","level":2,"page":210},{"title":"(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)","level":2,"page":211},{"title":"(تسلية رسول الله - ﷺ - عما يلقاه من أذى المشركين)","level":2,"page":212},{"title":"(الرد على المستهينين بالفقراء من المؤمنين)","level":2,"page":216},{"title":"(ما فتن به المستكبرون عن قبول الإيمان)","level":2,"page":219},{"title":"(ما يكون به علو المنزلة عند الله ورسوله)","level":2,"page":220},{"title":"(موضع العتاب من هذه الآية)","level":2,"page":221},{"title":"(الربط بين آية سورة الأنعام وآية سورة الكهف الناهيتين عن طرد الذين يدعون ربهم)","level":2,"page":227},{"title":"(اختصاص الله بعلم الغيب وانفراده بالحكم في خلقه)","level":2,"page":227},{"title":"(تيئيس رسول الله - ﷺ - من رجاء إيمان المستكبرين)","level":2,"page":230},{"title":"(تهديدهم بالعذاب الشديد)","level":2,"page":231},{"title":"(وجه العتاب في الآية)","level":2,"page":231},{"title":"(النهي عن استبقاء الأسرى)","level":2,"page":232},{"title":"(توجيه وجه الخطاب بالآية الكريمة)","level":2,"page":235},{"title":"(تنزيه رسول الله - ﷺ - عن إرادة شيء من الدنيا)","level":2,"page":235},{"title":"(موضع العتاب من الآية)","level":2,"page":236},{"title":"(المعاتبون بالآية)","level":2,"page":236},{"title":"(إشارة إلى اختلاف العلماء في بيان الإبهام بالمراد بالكتاب الذي سبق)","level":2,"page":238},{"title":"(قرار الصحابة بأخذ الفداء)","level":2,"page":240},{"title":"(لا عتاب على الفداء ولا على أخذ الغنيمة)","level":2,"page":243},{"title":"(توجيه العتاب إلى من تعجلوا أخذ الغنيمة ولم يثخنوا في العدو)","level":2,"page":246},{"title":"(وجه القول بأن في الآية عتابا)","level":2,"page":246},{"title":"(إبطال عادة التبني على يدي رسول الله - ﷺ -)","level":2,"page":248},{"title":"(تزويج الله - ﷿ - زينب بنت جحش رسول الله - ﷺ -)","level":2,"page":251},{"title":"(ما أخفاه النبي - ﷺ - في نفسه)","level":2,"page":255},{"title":"(احتمالات ما يدل عليه الخطاب بهذه الآية الكريمة)","level":2,"page":256},{"title":"(ما كان يخشاه من الناس)","level":2,"page":258},{"title":"(التشريع المقصود بهذه الآية الكريمة)","level":2,"page":260},{"title":"(التنويه بزيد بن حارثة ووجه ذلك)","level":2,"page":261},{"title":"(رد الله تعالى عن رسوله - ﷺ -)","level":2,"page":262},{"title":"(وجه تقديم نفي الحرج عن المؤمنين على نفيه عن النبي - ﷺ)","level":2,"page":263},{"title":"(رفع الحرج عن المجتمع المؤمن بإبطال عادة التبني)","level":2,"page":263},{"title":"(تنزه كثير من أهل العلم عن أقوال القصاص)","level":2,"page":269},{"title":"(مذهب السلف إثبات ما أثبته القرآن الكريم)","level":2,"page":269},{"title":"(العمل على إبطال التعاظم بالأنساب والأحساب)","level":2,"page":271},{"title":"(بدء التنافر بين قلبي زينب وزيد بن حارثة)","level":2,"page":273},{"title":"(الله المزوج وجبريل الشاهد)","level":2,"page":274},{"title":"(الخير العام في كل من زواج زييد بن حارثة بزينب بنت جحش وطلاقه لها)","level":2,"page":275},{"title":"(آية آخرى في عتاب التحذير)","level":2,"page":276},{"title":"(المنع المحرم وغير المحرم)","level":2,"page":277},{"title":"(التحليل والتحريم خاص بالله)","level":2,"page":279},{"title":"(ما يدل عليه تصدير الآية بندائه بوصف النبوة)","level":2,"page":279},{"title":"(ما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه)","level":2,"page":282},{"title":"(موئل العتاب من هذه الآية)","level":2,"page":287},{"title":"(قصة نزول عبس وتولى)","level":2,"page":293},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":302}],"ٛ":{"1,10":1,"1,11":2,"1,12":3,"1,13":4,"1,14":5,"1,15":6,"1,16":7,"1,17":8,"1,19":9,"1,20":10,"1,21":11,"1,22":12,"1,23":13,"1,24":14,"1,25":15,"1,26":16,"1,27":17,"1,28":18,"1,29":19,"1,30":20,"1,31":21,"1,32":22,"1,33":23,"1,34":24,"1,35":25,"1,36":26,"1,37":27,"1,38":28,"1,39":29,"1,40":30,"1,41":31,"1,42":32,"1,43":33,"1,44":34,"1,45":35,"1,46":36,"1,47":37,"1,48":38,"1,49":39,"1,50":40,"1,51":41,"1,52":42,"1,53":43,"1,54":44,"1,55":45,"1,56":46,"1,57":47,"1,58":48,"1,59":49,"1,60":50,"1,61":51,"1,62":52,"1,63":53,"1,64":54,"1,65":55,"1,66":56,"1,67":57,"1,68":58,"1,69":59,"1,70":60,"1,71":61,"1,72":62,"1,73":63,"1,74":64,"1,75":65,"1,76":66,"1,77":67,"1,79":68,"1,80":69,"1,81":70,"1,82":71,"1,83":72,"1,84":73,"1,85":74,"1,86":75,"1,87":76,"1,88":77,"1,89":78,"1,90":79,"1,91":80,"1,92":81,"1,93":82,"1,94":83,"1,95":84,"1,96":85,"1,97":86,"1,98":87,"1,99":88,"1,100":89,"1,101":90,"1,102":91,"1,103":92,"1,104":93,"1,105":94,"1,106":95,"1,107":96,"1,108":97,"1,109":98,"1,110":99,"1,111":100,"1,112":101,"1,113":102,"1,114":103,"1,115":104,"1,116":105,"1,117":106,"1,118":107,"1,119":108,"1,120":109,"1,121":110,"1,122":111,"1,123":112,"1,124":113,"1,125":114,"1,126":115,"1,127":116,"1,128":117,"1,129":118,"1,130":119,"1,131":120,"1,132":121,"1,133":122,"1,134":123,"1,135":124,"1,136":125,"1,137":126,"1,138":127,"1,139":128,"1,140":129,"1,141":130,"1,142":131,"1,143":132,"1,144":133,"1,145":134,"1,146":135,"1,147":136,"1,148":137,"1,149":138,"1,150":139,"1,151":140,"1,152":141,"1,153":142,"1,154":143,"1,155":144,"1,156":145,"1,157":146,"1,158":147,"1,159":148,"1,160":149,"1,161":150,"1,162":151,"1,163":152,"1,164":153,"1,165":154,"1,166":155,"1,167":156,"1,168":157,"1,169":158,"1,170":159,"1,171":160,"1,172":161,"1,173":162,"1,174":163,"1,175":164,"1,176":165,"1,177":166,"1,178":167,"1,179":168,"1,180":169,"1,181":170,"1,182":171,"1,183":172,"1,184":173,"1,185":174,"1,186":175,"1,187":176,"1,188":177,"1,189":178,"1,190":179,"1,191":180,"1,192":181,"1,193":182,"1,194":183,"1,195":184,"1,196":185,"1,197":186,"1,198":187,"1,199":188,"1,200":189,"1,201":190,"1,202":191,"1,203":192,"1,204":193,"1,205":194,"1,206":195,"1,207":196,"1,208":197,"1,209":198,"1,210":199,"1,211":200,"1,212":201,"1,213":202,"1,214":203,"1,215":204,"1,216":205,"1,217":206,"1,218":207,"1,219":208,"1,220":209,"1,221":210,"1,222":211,"1,223":212,"1,224":213,"1,225":214,"1,226":215,"1,227":216,"1,228":217,"1,229":218,"1,230":219,"1,231":220,"1,232":221,"1,233":222,"1,234":223,"1,235":224,"1,236":225,"1,237":226,"1,238":227,"1,239":228,"1,240":229,"1,241":230,"1,242":231,"1,243":232,"1,244":233,"1,245":234,"1,246":235,"1,247":236,"1,248":237,"1,249":238,"1,250":239,"1,251":240,"1,252":241,"1,253":242,"1,254":243,"1,255":244,"1,256":245,"1,257":246,"1,258":247,"1,259":248,"1,260":249,"1,261":250,"1,262":251,"1,263":252,"1,264":253,"1,265":254,"1,266":255,"1,267":256,"1,268":257,"1,269":258,"1,270":259,"1,271":260,"1,272":261,"1,273":262,"1,274":263,"1,275":264,"1,276":265,"1,277":266,"1,278":267,"1,279":268,"1,280":269,"1,281":270,"1,282":271,"1,283":272,"1,284":273,"1,285":274,"1,286":275,"1,287":276,"1,288":277,"1,289":278,"1,290":279,"1,291":280,"1,292":281,"1,293":282,"1,294":283,"1,295":284,"1,296":285,"1,297":286,"1,298":287,"1,299":288,"1,300":289,"1,301":290,"1,302":291,"1,303":292,"1,304":293,"1,305":294,"1,306":295,"1,307":296,"1,308":297,"1,309":298,"1,310":299,"1,311":300,"1,312":301,"1,313":302,"1,314":303,"1,315":304},"ٜ":{"1":[10,315]},"ٝ":["1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3,4],"4":[5],"5":[6,7],"9":[8],"10":[9],"15":[10],"19":[11,12],"20":[13],"21":[14],"22":[15],"23":[16],"24":[17],"25":[18,19],"27":[20],"28":[21,22],"31":[23,24],"33":[25],"34":[26],"38":[27,28],"40":[29],"41":[30],"42":[31],"43":[32,33,34],"45":[35],"46":[36],"49":[37],"51":[38],"53":[39],"54":[40],"60":[41],"65":[42],"68":[43],"69":[44],"70":[45],"71":[46],"73":[47],"76":[48],"82":[49],"86":[50],"94":[51],"97":[52],"98":[53],"99":[54,55],"101":[56],"102":[57,58],"103":[59],"106":[60,61,62],"107":[63],"108":[64],"109":[65],"110":[66],"111":[67,68,69],"114":[70,71,72],"118":[73],"119":[74],"121":[75],"122":[76],"123":[77],"124":[78,79],"125":[80],"126":[81,82,83],"127":[84],"128":[85,86],"131":[87],"132":[88],"135":[89],"137":[90,91],"139":[92],"141":[93],"142":[94],"144":[95,96],"146":[97,98],"147":[99],"148":[100],"149":[101],"151":[102],"152":[103],"154":[104,105],"155":[106,107,108],"157":[109],"158":[110],"160":[111],"162":[112],"163":[113],"164":[114,115,116],"165":[117],"168":[118],"169":[119],"171":[120,121],"172":[122],"175":[123,124],"180":[125],"182":[126],"183":[127],"185":[128],"186":[129],"190":[130],"191":[131],"196":[132],"197":[133,134],"199":[135],"200":[136],"203":[137],"204":[138],"205":[139],"206":[140,141],"207":[142],"210":[143],"211":[144],"212":[145],"216":[146],"219":[147],"220":[148],"221":[149],"227":[150,151],"230":[152],"231":[153,154],"232":[155],"235":[156,157],"236":[158,159],"238":[160],"240":[161],"243":[162],"246":[163,164],"248":[165],"251":[166],"255":[167],"256":[168],"258":[169],"260":[170],"261":[171],"262":[172],"263":[173,174],"269":[175,176],"271":[177],"273":[178],"274":[179],"275":[180],"276":[181],"277":[182],"279":[183,184],"282":[185],"287":[186],"293":[187],"302":[188]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[آيات عتاب المصطفى - ﷺ - في ضوء العصمة والاجتهاد]ـ\nتأليف: د. عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي\nالناشر: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز - مكة المكرمة حرسها الله تعالى\nالطبعة: الثالثة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\nعدد الأجزاء: ١\nأعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مقابل]\n_________\nفائدة:\nيقول مصحح النسخة الإلكترونية:\nبعد دراسة مستفيضة لآيات العتاب الواردة في حق رسول الله - ﷺ - تبين لي أنها في حقيقتها مدح إلى مدح وكمال إلى كمال ورفعة إلى رفعة ونور على نور، والمتأمل فيها يجد أن تكشف بجلاءٍ ووضوح عن أنوار وإشراقات من جانب الرحمة في التركيبة المحمدية التي وصفها الله تعالى بقوله (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧).\nولولا هذا العتاب لمرَّ الناس على هذه الآيات مرور الكرام. فتأملها ستجد عجبًا. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية)","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>خطبة الكتاب</span>\nالحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده، ورسوله محمد - ﷺ -، تبصرة وذكرى لأولي الألباب، وهدى به الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه إلى سواء الصراط، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة يوم لا ينفع مال، ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أرسله الله رحمة للعالمين، بشيرًا ونذيرًا، وهاديًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، أدبه ربه فأحسن تأديبه، وكمله بأفضل الصفات، والخلق العظيم، وشرفه - ﷺ - بإنزال أفضل الكتب عليه، وعلّمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا.\n* * * * *","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>خطر المناهج الأجنبية على المسلمين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المقدمة</span>\nوبعد. . فمن المؤسف حقًا أن المسلمين -اليوم- يقلدن غيرهم من أعداء الإسلام والمسلمين في مناهج التعليم وسبله ويأخذون عنهم أساليبهم التربوية والفكرية مأسورين بوطأة التقدم المادي الذي حققه أولئك الأعداء الذي يعلمون به ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة -غافلون- غافلين عما يدسه أولئك الأعداء الألداء في مناهجهم المصدرة إلى المسلمين من سموم ينفثونها في قلوب وعقول الذين يأخذون عنهم - ممن يكونوا في درع من الإيمان، أو يتقبلون مناهجهم مغترين بمعسول القول وبهرج الكلام، الذي يكسون به طرائقهم التعليمية الدينية والتاريخية والنفسية والاجتماعية، باسم المنهجية والموضوعية، والبحث العلمي مما هو في الواقع هدم للحقائق العلمية في أكثره، وإبطال للموازين الدينية العادلة وتشكيك للمسلمين في دينهم، وإخراجهم منه، أو صرفهم عنه.\nوبهذا التقليد يتأثر شباب الإسلام، فتسري إلى نفوسهم بعض الشبه التي لا تمكنهم دراستهم الإسلامية من دفعها، وإبطالها، ومن ثَمَّ ترسخ تلك الشبه في نفوسهم فيخشى عليهم منها في عقائدهم وسلوكهم ويخشى منها على من تنتقل إليه من عامة المسلمين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>من مفتريات أعداء الله ورسوله</span>\nومن هذه الشبه شبه يقيمونها على ما يتعلق بالقرآن الكريم، ومنها شبه يثيرونها حول الرسول - ﷺ - لخطابه ﵊ ببعض الآيات القرآنية الكريمة التي جاءت لتعليمه، وتوجيهه، وتربيته، أو جاءت لإبطال عادة جاهلية بشرع حُكمٍ لها، وأجراه الله على يديه الشريفة ليكون ذلك أوقع في نفوس المؤمنين وأثبت لقلوبهم في اجتثاث العادة الجاهلية من أفئدتهم بوصفه - ﷺ - قدوة الأمة الإسلامية في جميع أحوالها وأمورها الدينية","vol":"1","page":12},{"text":"والدنيوية كإبطال الله تعالى عادة التبني الجاهلية بتزويجه - ﷺ - زينب بنت جحش التي كانت زوجة لمولاه زيد بن حارثة - ﵁ -، الذي كان قد تبناه قبل إكرام الله له بالنبوة.\nوقد بنى أولئك الأعداء الحاقدون على هذه الشبه التي افتروها وغيرها طعونهم الظالمة وباطلهم المظلم، واستعانوا على غوايتهم وإغوائهم بما يوجد في بعض كتب التفسير من إسرائيليات، وقصم وروايات باطلة سندًا ومعنى، أو بنوها على فهوم لبعض من علماء المسلمين لم توافق الصواب لبعض مما خوطب به رسول الله - ﷺ - من آيات كريمة بنوا عليها ترهاتهم، وأكاذيبهم، وعززوا بها تشكيكهم في قلوب الذين يقعون تحت تأثيرهم، وجعلوها متكأ لما يزعمونه من طعون ظالمة على النبي - ﷺ - وعلى بعض من إخوانه الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ممن وردت آيات كريمة في خطابهم تشير إلى لون من التربية الإلهية لأولئك المصطفين الأخيار -مع ما هم عليه من كمال في الخلق وإخلاص في العمل- لرفعة شأنهم وعظيم منزلتهم عند الله تعالى لكونهم قدوة البشر فيما يراد لهم من أمور يحسنون السمت فيها لنيل عظيم الدرجات عند الله تعالى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>انسياق وغفلة</span>\nوسار في هذا الطريق قوم من المسلمين اعتمادًا على تلك الروايات الباطلة التي يتوسع فيها رواتها بذكر قصص لا تصح أسانيدها، ولا تقبل متونها لما فيها من مساس بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما فيها من سوء أدب في التعبير ناشئ عن تهاون وغفلة، أو عن قصور في التفكير، وعدم تنبه لما تحمله تلك الروايات من إساءات إلى مقام أولئك الأنبياء الأطهار عليهم الصلاة والسلام.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>أسباب كتابة هذا البحث</span>\nوقد أفزعى تهاون هؤلاء، وتقحم وتجرؤ أولئك على القول في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما ذكروا في تلك الروايات الباطلة، واعتبارهم ما جاء فيها من سيئ القول أمرًا مقبولًا عندهم فحزمت أمري ونهضت للرد عليها وخصصت هذه الرسالة بالرد على ما قيل في آيات عتاب المصطفى - ﷺ - وأخذت أجيل النظر والفكر قارئًا وباحثًا فيما كتب عنه - ﷺ - من كتابات ودراسات وبحوث تفرق العد علّني أجد من تناول ما قيل في هذه الآيات الكريمة بالبحث والتحقيق مستضيئًا بما فيها من نور الحق لرد ما نسج حولها من روايات وقصص باطلة فلم أر بحثًا مستوعبًا لمسائل لهذا الموضوع لأحد من العلماء المتقدمين، أو المتأخرين في رسالة، أو كتاب مخصرص به، وإنما الذي ذكره العلماء - رحمهم الله تعالى - مسائل حول بعض هذه الآيات الكريمة والرد على ما قيل فيها من سقيم القول، هذه الردود منثورة في ثنايا الحديث عن سيدنا رسول الله - ﷺ - فيما كتبوا عن حياته المباركة الشريفة - ﷺ - وأشهر من كتب في هذا القاضي عياض في الشفاء، والقسطلاني في المواهب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>منهجية البحث والتناول</span>\nوقد تناولت هذه الآيات الكريمة بالبحث والتحقيق، لبيان المراد بها -في سياقاتها من السور التي هي فيها- خطابًا لسيدنا رسول الله - ﷺ -، رفعًا لما تجده الكثرة الغالبة من الناس من توقف في فهمها، ودفعًا لكيد","vol":"1","page":14},{"text":"وحقد أعداء الله تعالى وأعداء رسوله - ﷺ -، من المستشرقين والمنصرين -المبشرين بزعمهم- الذين يقلدهم كثير من المسلمين اليوم، ويعجبون بكتاباتهم دون وعي لما تحمله من سموم.\nوأرجو أن أكون قد وفقني الله تعالى لما قصدته من وضع الأمور في هذه الآيات الكريمة موضعها على ميزان الحق حبًا في الله تعالى وفي رسوله - ﷺ -، وحبًا للحق، وتثبيتًا للمؤمنين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.\nوقد سميت رسالتي هذه [أحادياث عتاب المصطفى - ﷺ - فى ضوء العصمة والاجتهاد].\nوإنما سميتها كذا لقيام العصمة في حق النبي - ﷺ - وثبوت الإذن له بالاجتهاد، فيما لم ينزل عليه فيه وحي من الله تعالى، وهما يرفعان الحرج عن رسول الله - ﷺ - فكيف جاء العتاب، وهو - ﷺ - معصوم مأذون له في الاجتهاد؟\nهذا ما ستوضحه أبواب هذه الرسالة، وبحوثها إن شاء الله تعالى.\nوهي تتكون من خطبة، ومقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.\nأما الخطة ففيها الثناء على الله بما ألهمني مما هو أهله من الحمد والثناء، والصلاة على النبي ﵌.\nوأما المقدمة فقد ذكرت فيها سبب اختياري لهذا الموضوع كما ذكرت آنفًا.\nوأما الباب الأول ففي عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويشمل:","vol":"1","page":15},{"text":"١ - تعريف العصمة لغةً واصطلاحًا.\n٢ - مواقع العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: -\n(أ) عصمتهم في فترة ما قبل النبوة.\n(ب) عصمتهم بعد النبوة:\n١ - عصمتهم من الكفر.\n٢ - عصمتهم في التبليغ.\n(ج) تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر.\n(د) عصمتهم عليهم الصلاة والسلام من صغائر الذنوب وكبائرها في هذه الفترة.\nوأما الباب الثاني ففيه بحث الاجتهاد ويشمل:\n١ - شريف الاجتهاد لغة واصطلاحًا.\n٢ - عرض آراء العلماء في: هل كان للرسول - ﷺ - حق الاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي أو ليس له ذلك؟ وترجيح ما يؤيده الدليل، وتعضده الوقائع.\nأما الباب الثالث ففيه:\n١ - بيان معنى العتاب وحقيقته.\n٢ - بيان معنى الذنب، وتحليل الآيات القرآنية الكريمة التي ورد فيها ذكر الذنب مضافًا إلى ضمير خطاب رسول الله - ﷺ - في سياقها توصلًا لمعرفة المراد به فيها.\n٣ - بيان معنى التوبة واختلافها باختلاف التائبين.","vol":"1","page":16},{"text":"٤ - ويشمل بيان معنى العتاب بيان أنواعه في الآيات التي وقع فيها البحث، وهو -فيما تبين لنا من البحث- يتنوع إلى ثلاثة أنواع: -\nالنوع الأول: وسميناه عتاب التوجيه وهو ينقسم إلى فرعين:\nالفرع الأول: عتاب الدفع وتقوية العزيمة للنهوض بأعباء الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة.\nالفرع الثاني: عتاب الإقصار.\nالنوع الثالث: وسميناه عتاب التنبيه.\nالنوع الألث: وسميناه عتاب التحذير.\nثم أجرينا البحث في الآيات التي قيل إن فيها عتابًا لسيدنا رسول الله - ﷺ - على أساس هذا التنويع فكان في النوع الأول بفرعيه: خمس آيات.\nوفي النوع الثاني: من آيات في خمسة مواضع.\nوفي النوع الثالث: عشرون آية في ثمانية مواضع.\nوأما الخاتمة: فهى إجمال موجز لموضوع هذه الرسالة وبيان لفائدة هذا البحث.\nعويد بن عياد بن عابد المطرفي\nمكة المكرمة\nص - ب ٨٥١٥","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الباب الأول\nعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام</span>\n\n١ - تعريف العصمة لغة وشرعًا.\n٢ - مواقع العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:\n(أ) عصمتهم في فترة ما قبل النبوة.\n(ب) عصمتهم بعد النبوة: -\n١ - عصمتهم من الكفر\n٢ - عصمتهم في التبليغ\n(ج) تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر.\n(د) عصمتهم عليهم الصلاة والسلام من صغائر الذنوب وكبائرها في هذه الفترة","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>العصمة في اللغة</span>\nيحسن بنا قبل الخوض في معنى العصمة في اصطلاح أهل الاختصاص من العلماء أن نحدد معناها في اللغة، إذ الاصطلاح مرتبط بالوضع اللغوي وناشى منه.\nوهأنذا أعرض تعريفات أئمة اللغة ليتضح الغرض ويستبين الأمر.\n١ - قال الخليل بن أحمد -فِي كتاب العين-: \"العصمة أن يعصمك الله من الشر، أي: يدفع عنك، واعتصمت بالله أي: امتنعت به من الشر واستعصمت أي: أبيت\".\n٢ - وقال ابن السكيت: \" عصمه يعصمه عصمًا وعصمةً إذا منعه، وقد عصمه الطعام أي: منعه من الجوع \".\n٣ - وقال ابن الأنباري في شرحه لقول زهير بن أبي سلمى:","vol":"1","page":20},{"text":"لحي حلال يعصم الناس أمرهم\nإذا نزلت إحدى الليالي بمعظم\nقال: \". . . ومعنى يعصم: يمنع، كما قال الله - ﷿ -: (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي: لا مانع \".\nوقال في شرحه لقول عمرو بن كلثوم:\nبأنا العاصمون بكل كحل ... وأنا البازلون لمجتدينا\n\" العاصمون: المانعون، يقال: عصم الله ﷾ فلانًا أي: منعه من التعرض لما لا يحل له، وقال جل ذكره: (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) فمعناه: لا مانع.","vol":"1","page":21},{"text":"قال الشاعر:\nوقلت عليكم مالكًا إن مالكًا ... سيعصمكم إن كان في الناس عاصم\nمعناه: سيمنعكم.\n٤ - قال الأزهري -في تهذيب اللغة-: \" العصمة في كلام العرب: المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، واعتصم فلان بالله إذا امتنع به، واستعصم إذا امتنع وتأبَّى. قال الله تعالى حكاية عن امرأة العزيز في أمر يوسف - ﵇ - حين راودته عن نفسه: (فَاسْتَعْصَمَ) أي: تأبَّى عليها، ولم يجبها إلى طلبها \".\nإن تفسير الأزهري (استعصم) بـ (تأبى) يشعر بمقاومة النفس ومنعها مما هي متمكنة منه إذ التأبِّي هو أشد الامتناع.","vol":"1","page":22},{"text":"ثم قال الأزهري: \" قال الزجاج فِي قوله تعالى (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) أي: يمنعني من الماء، قال: \" والحذاق من النحويين اتفقوا\nعلى أن قوله (لا عاصم) بمعنى: لا مانع.\n٥ - قال ابن فارس - في معجم مقاييس اللغة -: \" عصم: العين والصاد والميم أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمة والمعنى في ذلك كله معنى واحد، ومن ذلك العصمة: أن يعصم الله تعالى عبده من سوء يقع فيه. واعتصم العبد بالله تعالى إذا امتنع واستعصم: التجأ، تقول العرب: اعصمت فلانًا: أي هيأت له شيئًا يعتصم بما نالته يده أي يلتجئ ويتمسك به.\nقال النابغة:\nيظل من خوفه الملاح معتصمًا ... بالخيزرانة من خوف ومن رعد\nقال ابن السكيت -في تعليقه على هذا البيت في ديوان النابغة-: \" قال\n-","vol":"1","page":23},{"text":"الأصمعي: معنى معتصمًا: مستمسكًا.\n٦ - وقال الجوهري -في الصحاح-: \" العصمة: المنع. يقال: عصمه الطعام: أي منعه من الجوع. والعصمة: الحفظ يقال: عصمته فانعصم. واعتصمت بالله: أي امتنعت بلطفه من المعصية.\n٧ - وقال ابن منظور -في لسان العرب- \" العصمة في كلام العرب: المنع \".\nوقال: \" عصمه يعصمه عصمًا: منعه ووقاه. وفي التنزيل (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ). . واعتصم فلان بالله إذا امتنع به، والعصمة: الحفظ، يقال: عصمته فانعصم. ثم قال: \" والعصمة: المنعة، والعاصم: المانع الحامي، والاعتصام: الامتساك بالشيء افتعال منه. ومنه شعر أبي طالب ثمال اليتامى عصمة للأرامل أي يمنعهم من الضياع والحاجة. وفي","vol":"1","page":24},{"text":"الحديث: \"فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم\".\nوذكر الزبيدي (٣١) هذا المعنى في تاج العروس، وقد سبقهما إلى هذا ابن الأثير في النهاية.\nومن النظر في هذه الأقوال التي سقناها يظهر أن معنى العصمة في\nاللغة -أعني الاستعمال في الوضع عند خُلَّص العرب- يدور على معنى المنع والامتناع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>حاصل ما تدل عليه أقوال أهل اللغة</span>\nويدل على ذلك صراحة كلام ابن فارس الذي سبق أن عرضناه في أن حروف (عصم) وهي العين والصاد والميم أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمة، وما نص عليه الأزهري في التهذيب وابن منظور في اللسان من أن المنع أصل معنى العصمة في كلام العرب.","vol":"1","page":25},{"text":"وعلى هذا المعنى دار كلام حذاق المفسرين، والأثريين.\nقال الإمام الطبري - رحمه الله تعالى - في تفسيره لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) قال: \" وأصل العصم: المنع، فكل مانع شيئًا فهو عاصمه والممتنع معتصم به \"، ومنه قول الفرزدق:\nأنا ابن العاصمين بني تميم ... إذا ما أعظم الحدثان نابا\nوقال في تفسيره لقول الله تعالى (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ):\n\" أي يمنعك من أن ينالوك بسوء، وأصله من عصام القربة وهو ما توكأ به من سير وخيط، ومنه قول الشاعر:\nوقلت عليكم مالكا إن مالكا ... سيعصمكم إن كان في الناس عاصم\nأي يمنعكم \".","vol":"1","page":26},{"text":"وقال تفسيرًا قوله تعالى: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ): \" يقول سأصير إلى جبل أتحصن به من الماء\nفيمنعني منه أن يغرقني. ويعني بقوله (يَعْصِمُنِي) يمنعني مثل عصام القربة الذي يشد به رأسها فيمنع الماء أن يسيل منها \".\nوفي قول الله تعالى: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) قال: \" من ذا الذي يمنعكم من الله إن هو أراد بكم سوءًا في أنفسكم.\nوفسر (العاصم) بالمانع في قوله تعالى: (مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ) وقوله تعالى (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) وقوله تعالى (مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ).\nفكلام هذا الإمام - رحمه الله تعالى - يدل على أن مادة (عصم) في القرآن الكريم حيثما وردت بشتى تصريفاتها تدور على المنع والامتناع وهو أصلها في الوضع اللغوي.","vol":"1","page":27},{"text":"وما قيل في بعض المعاجم -ضمن المعاني اللغوية- من تفسير العصمة بالحفظ والوقاية ليس معنى لغويًا أصيلًا لها، بل سرى إليها لشدة المقاربة والتلازم بين معنى الحفظ والوقاية ومعنى المنع والامتناع وكأنهما متلازمان.\nوهذا ما يعتذر به عمن ذكر الحفظ على أنه معنى لغوي للعصمة.\n* * *","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>العصمة في الاصطلاح</span>\nْأما العصمة في الاصطلاح، فقد ذكر العلماء فيها كلاما كثيرًا يشعر بعضه بتعريفها، ويشعر بعضه بثمرتها ومواطنها، بيد أن المتقدمين منهم لم يتعرضوا لتعريفها تعريفًا اصطلاحيًا ولكنهم ذكروا كلامًا في ثبوتها، وثمرتها ومواطنها، حيث كانوا يعنون بثمرات المسائل، ولا يعولون على التفاصيل التي لا تفيد إلا ذوي العمق من أهل الاختصاص، وإن كان البعض من متأخري المتقدمين يعرفون الشيء بتقسيمه، أو بطريق السبر والاستقراء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>نشأة التعريف الاصطلاحي</span>\nوبعد أن كان التلاقي بين الفكر الإسلامي، والفكر غير الإسلامي وظهور علماء الكلام من المسلمين، عرفوا العصمة تعريفًا اصطلاحيًا -وشاركوا من قبلهم في ذكر ثمرتها ومواطنها- في عبارات تختلف فِي الأداء، إلا أنهم متفقون جميعًا في قصد الوصول إلى تحديد معناها، ومحاولة الوقوف على المراد منها.\nونبدأ بأقوال من عرفها تعريفًا اصطلاحيًا، وسنحاول أن نجمع بين المتوافقات سلبًا وإيجابًا حتى يتم تصورها، والحكم عليها تحقيقًا للقول المشهور بين العلماء: \" الحكم على الشيء فرع تصوره \".","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>تعريف الراغب ودلالته</span>\n١ - وأول من وقفت على تعريف اصطلاحى له -بعد البحث والتقصي على قدر عطاء المصادر المتيسرة لنا- الراغب الأصفهاني حيث قال في مفرداته: \" عصمة الله تعالى الأنبياء حفظه إياهم أولًا بما خصهم به من صفاء الجواهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية ثم بالنصرة، وتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق \".\nوتعريف الراغب هذا صريح في أن العصمة أمر وجودي حيث فسرها بحفظ الله إياهم، وذكر لهذا الحفظ أسبابًا، وجعل لكل سبب منها مكانة في حياة الأنبياء منذ ولادتهم إلى بعثهم إلى وفاتهم وهذه الأسباب هي:\n(أ) ما خصهم الله به من صفاء الجواهر. وهذا يقتضي أن الحفظ المتسبب من صفاء الجواهر قد خصهم الله به منذ كانوا وهو يشعر بأن العصمة بهذا المعنى ثابتة لهم قبل النبوة.\n(ب) أما السبب الثاني لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -في تعريف الراغب-: فهو ما أولاهم الله من الفضائل الجسمية والنفسية، وهذا يعني أنهم في اكتمال الخلقة البشرية جسمًا وصفاء روح ونضج عقل على خلاف سائر الأجسام البشرية والنفوس الإنسانية.","vol":"1","page":30},{"text":"وهذا السبب لا يكون إلا بعد السبب الأول المختص بصفاء منشأ خلقتهم الطاهر. وهو مشعر بما أشعر به السبب الأول في أن العصمة -بما أولاهم من الفضائل الخلقية والخُلقية- ثابتة لهم قبل النبوة.\n(ج) والسبب الثالث: نصرهم وتثبيت أقدامهم وهذا إنما يكون بعد أن يبعثوا، ويكلفوا بما يوحى إليهم. وهو ظاهر في استمرار حفظ الله لهم أن ينالهم أعداؤهم بضرر يحول بينهم وبين أداء مقصد بعثتهم.\n(د) السبب الرابع: إنزال السكينة عليهم، وحفظ قلوبهم وتوفيقهم وهو مرتبط بالسبب الثالث ونتيجة له، لأن الله تعالى إذا نصرهم على أعدائهم وثبت أقدامهم في المضي بتحقيق ما كلفوه من الوحي يستلزم اطمئنانهم وسكون نفوسهم وحفظ قلوبهم أن ينالها ما يتنافى مع ما كلفوه من تبليغ رسالات الله إلى من أرسلوا إليهم، وهذا إنما يكون بتوفيق الله ولطفه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>تعريف الحافظ ابن حجر</span>\nوقد أخذ الحافظ ابن حجز تعريف الراغب بشيء من التصرف فقال في الفتح: \" وعصمة الله الأنبياء -على نبينا وعليهم الصلاة والسلام- حفظهم من النقائص، وتخصيصهم بالكمالات النفسية والنصرة والثبات في الأمور وإنزال السكينة عليهم \".","vol":"1","page":31},{"text":"فقوله \" وتخصيصهم بالكمالات النفسية. . . الخ \" هو في المعنى عين قول الراغب \" بما خصهم به من صفاء الجواهر. . . الخ \" والفرق بين القولين أن صياغة الراغب جعلت التخصيص بالأمور المذكورة أسبابًا للحفظ الذي جعله تعريفًا للعصمة.\nوصياغة الحافظ ابن حجر جعلت التخصيص بالأمور المذكورة تفصيلًا وبيانًا للحفظ عن النقائص، وأن صياغة الراغب تقتضي ثبوت العصمة بمعنى الحفظ -للأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل البعثة- وأما صياغة الحافظ ابن حجر فلا تقتضي ذلك.\nوهذا مبني على الخلاف القائم بين العلماء - رحمهم الله تعالى - هل العصمة ثابتة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل البعثة وبعدها؟ أو هي ثابتة لهم بعد البعثة فقط؟.\nوهذا خلاف سنأتي على تفصيله عند الكلام على مواطن العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إن شاء الله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>تعريف السعد</span>\n٢ - وعرف السعد العصمة -في شرح العقائد- فقال: \" وحقيقة العصمة ألا يخلق الله تعالى في العبد الذنب مع بقاء قدرته واختياره \" وعرفها في المقاصد -كما ذكر السيلكوتي في","vol":"1","page":32},{"text":"حاشيته على حاشية الخيالي على العقائد- بأنها \" ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها \".\nوليس بين التعريفين خلاف، إذ تعريفه في العقائد تعريف للعصمة بثمرتها ومآلها وغايتها، وتعريفه إياها في المقاصد بيان لحقيقة العصمة بخواصها كما قال السيلكوتي.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>اتفاق التعريفين في المآل والثمرة</span>\nغير أن تعريف المقاصد ظاهر في أن العصمة أمر وجودي وتعريف العقائد ظاهر في أنَّهَا أمر عدمي، لكنه ليس عدمًا مطلقًا وهو الذي يقابل الوجود المطلق فيتنافى معه، وإنما هو من قبيل العدم المقيد بقيد وجودي -وهو بقاء القدرة والاختيار- فلا ينافي الأمر الوجودي، ومن هنا لا تنافي بين التعريفين.\nثم استطرد السعد -في شرح العقائد- فقال: \" وهذا معنى قولهم هى لطف من الله يحمله على فعل الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء \".\nواللطف أمر وجودي، إذ هو مفسر بالتوفيق فلا يسلب اختيار العبد ولا يقيد قدرته، ومن ثم نقل السعد قول أبي منصور - ﵀ - أن \" العصمة لا تزيل المحنة \".","vol":"1","page":33},{"text":"وهذا يؤكد أن السعد يرى أن العصمة أمر وجودي سواء فسرت بملكة اجتناب المعاصي مع القدرة والاختيار أم فسرت بأنها عدم خلق الذنب في العبد المفسر باللطف.\nوقد وافق السعد الإيجي في أن العصمة \" ألا يخلق الله فيهم ذنبًا \" غير أن السعد زاد قيد بقاء القدرة على فعل الذنب والاختيار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>تعريف ابن الهمام</span>\n٣ - وعرف الكمال ابن الهمام العصمة -في المسايرة- بأنَّهَا \" تخصيص القدرة بالطاعة، فلا يخلق له قدرة على المعصية \"\nوذكر هذا المعنى في التحرير ملخصًا فقال: \" وهى (أي العصمة) عدم القدرة على المعصية \"","vol":"1","page":34},{"text":"ومال إلى هذا ابن النجار -من الحنابلة- فقال: \" هي (أي العصمة) سلب القدرة على المعصية \"، وأضاف ابن الهمام إلى تعريفه في التحرير تعريفًا آخر فقال: \" أو هي خلق مانع غير ملجئ \" وهذا التعريف الأخير لا ينافي التعريف الأول، لأنهما في نتيجتهما يستويان في عدم القدرة على المعصية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>تعريف الحكماء</span>\n٤ - وعرف الحكماء العصمة بأنَّهَا \" ملكة تمنع عن الفجور، وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي \".\nويظهر من تعريفهم هذا للعصمة أنَّهم يعتبرونها أمرًا يرجع إلى قوى النفس المفكرة بدليل قولهم \" وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي. . . الخ \" فليست العصمة عندهم أمرًا إلهيًا وإنما هي أثر من آثار قوى النفس الإنسانية، أما المتكلمون فيرونها أمرًا إلهيًا كما يظهر من تعريفاتهم إياها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>جمع اللقاني معاني التعريفات</span>\n٥ - وقد جمع عبد السلام اللقاني معاني التعريفات المتقدمة","vol":"1","page":35},{"text":"للعصمة وحقائقها في تعريف جامع مفيد في شرحه على جوهرة التوحيد فقال: \" هي (أي العصمة) اتصافهم بحفظ الله سبحانه ظواهرهم وبواطنهم -ولو في حال الصغر- من التلبس بمنهي عنه ولو نهي كراهة \".\nوأورد الشيخ حسن الشمطي -شَيخ الحنابلة في عصره- تعريف اللقاني في مختصره للوامع الأنوار، وحذف منه قيد: \" ولو في حال الصغر \"\nويظهر من حذفه لهذا القيد أنه نظر إلى أن الصغر ليس محلًا للمؤاخذة، ثم فسر التعريف بقوله: \" أي كونهم لا يتصور أن يكونوا إلا كذلك \"\nوجاء الدردير فصاغ تعريف اللقاني ومن سبقه للعصمة في عبارة أوضح فقال: \" هي حفظ الله تعالى بواطنهم وظواهرهم من التلبس بمنهي عنه ولو في كراهة ولو في حال الطفولية \".","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>ما تنتهي إليه تعريفات العلماء للعصمة اصطلاحًا</span>\nويظهر من التعريفات التي أوردناها، والمذاهب، والآراء التي عرضناها في تعريف العصمة اصطلاحًا أن لهذه التعريفات وإن اختلفت مناحيها في التعبير وتنوعت جوانب تناولها لمعنى عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنها جميعها تنتهى إلى تنزيه الله تعالى لهم، وحفظه إياهم من مواقعة الذنوب والمخالفات بعد البعثة باتفاق المحققين المحقين، وقبل البعثة على التحقيق واليقين عندنا.\n* * *","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>مواقع العصمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام</span>\nبعد أن عرضنا معنى العصمة لغة، واصطلاحًا، وبان لنا المراد بها، فالبحث يدعونا إلى تحديد زمنها، وبيان مواقعها من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nوحيث إن لعمر كل نبي أو رسول إلى الخلق فترتين، فترة تسبق الإصطفاء، وأخرى تبدأ بالوحي إليه، وتنتهي بلحاقه بربه فقد بحث العلماء - رحمهم الله تعالى - عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فِي هاتين الفترتين، واختلفت وجهات نظرهم هل هي ثابتة لهم قبل البعثة وبعدها؟ أو هي ثابتة لهم بعد البعثة ليس إلا؟.\n* * *\n(١)<span data-type=\"title\" id=toc-22> عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قبل البعثة</span>\nوقد تناول بحث العلماء عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في هذه الفترة من ناحية الاعتقاد وغيره.\nأما الاعتقاد فقد أجمعت الأمة على عصمتهم من وقوع الكفر منهم قبل البعثة، وحكى هذا الإجماع صاحب المواقف وقال شارحه: \" ولا خلاف لأحد منهم في ذلك \"، وقال الكمال ابن الهمام -في المسايرة نقلًا عن القاضي الباقلاني-: \" إنهم معصومون من وقوع الكفر، لأن الذي","vol":"1","page":38},{"text":"صح عند أهل الأخبار والتواريخ أنه لم يبعث من أشرك بالله طرفة عين وإنما بعث من كان تفيًا نقيًا زكيًا أمينًا مشهور النسب حسن التربية \".\nوقال القاضي عياض -في الشفاء-: \" ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدًا نبئ واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك \".\nوقال القرطبي عند تفسيره لقول الله تعالى (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) وحكاية تبري إبراهيم ﵊ مما كان يشرك به قومه بقوله: (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) قال: \" غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء \".\nوقال الآلوسي -في تفسيره لهذه الآية أيضًا-: \" وزعم أنه - ﷺ - قال ما قال إذ لم يكن عارفًا بربه سبحانه -والجهل حال الطفولية قبل قيام الحجة، لا يضر ولا يعد ذلك كفرًا- مما لا يلتفت إليه أصلًا \" فقد قال","vol":"1","page":39},{"text":"المحققون المحقون: إنه لا يجوز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء.\nوعبارة الآلوسي -وإن كان الشطر الأخير منها هو عبارة القرطبي إلا أنه رد بها زعمًا باطلًا- ذكر فيها أن هذا هو قول المحققين المحقين مما يدل على أن القائل بهذا القول كثير من حذاق العلماء ومحققيهم وهو ما يطمئن إليه القلب وتستريح إليه النفس.\nأما غير الاعتقاد -وهو يشمل القول والعمل- فجمهور أهل السنة على جواز وقوع الصغائر والكبائر منهم قبل البعثة إذ لا دليل من العقل أو السمع على امتناعها منهم.\nومنع جمهور المعتزلة صدور الكبائر وصغائر الخسة منهم قبل البعثة لأنها تؤدي إلى النفرة عنهم وعدم الانقياد لهم، قال القاضي عبد الجبار: \". . . وقوع ذلك منهم ينفر عن القبول، وتنزيههم عنه يقتضي سكون النفس إليهم، وأن يقوّي الدواعي في القبول منهم \".\n.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>اعتراض وجوابه</span>\nواعترض على هذا فقيل: \" ومن أين تأتي النفرة من إقدامهم على الكبائر، وصغائر الخسة قبل البعثة؟ \".\nوأجاب عبد الجبار على هذا بأن\" العلم بأن مثل ذلك ينفر مما لا يكتسب بالأدلة العقلية. . وإنما يرجع في ذلك إلى العادات والمتعالم من أحوال الناس في العادة الجارية أن ذلك ينفرهم، كما ينفرهم الإقدام على الأمور المستخفة، ومنكر هذا كالذي يقول: بأنه لا فعل في العالم ينفر، وهذا واضح الفساد \".\nوذهب قوم منهم القاضي عياض، وابن حزم، والقسطلاني في المواهب، والزرقاني في شرحها إلى أن الأنبياء معصومون قبل النبوة من الصغائر والكبائر، قال ابن حزم -في الفصل-: \" فبيقين ندري أن الله تعالى عصمهم قبل النبوة من كل ما يؤذون به بعد النبوة. . . \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الاستدلال رواية على عصمة الأنبياء قبل النبوة</span>\nواستدل على هذا بحديث قال: إنه صحيح ورواه بسنده عن الحسن ابن محمد بن علي بن أبي طالب أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:","vol":"1","page":41},{"text":"\" ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا مرتين من الدهر كلتاهما يعصمني الله منها، قلت لفتى معي من قريش بأعلى مكة في أغنام لها ترعى: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان قال: نعم. فلما خرجت فجئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف وزميرًا فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانه لرجل من قريش، فلهوت بذلك الغناء، وبذلك الصوت حتى غلبتى عيني فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال لي: ما فعلت؟ فأخبرته. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك. ففعل فخرجت فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال لي: ما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا. فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته \".\nوعقب ابن حزم عليه بقوله: \" فصح أنه - ﷺ - لم يعص بكبيرة ولا بصغيرة لا قبل النبوة ولا بعدها، ولا هم بمعصية صغرت أو كبرت لا قبل النبوة ولا بعدها. . . \".\nوهذا الحديث رواه ابن حزم بسنده هو إلى الحسن بن محمد بن علي ابن أبي طالب، ونسب السماع فيه إليه من رسول الله - ﷺ - كما هو ظاهر من سياقه حسبما هو موجود فِي النسخ المطبوعة من كتاب الفصل التي بين أيدينا اليوم. والحسن هذا هو ابن محمد المعروف بابن الحنفية، ومحمد هذا","vol":"1","page":42},{"text":"لم يدرك رسول الله - ﷺ -، إذ كانت ولادته في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - فلا يكون له، ولا لابنه الحسن هذا سماع من رسول الله - ﷺ -.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الانتصار لصحة هذا الحديث</span>\nوهذا الحديث مروي عنه عن أبيه محمد بن علي بن أبي طالب عن جده علي بن أبي طالب مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ - \" كما رواه أبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في الدلائل أيضًا، وابن سيد الناس في عيون الأثر، والماوردي في أعلام النبوة، والحاكم في المستدرك وقال: \" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص ورمز له بحرف (م)، وأخرجه البزار عنه أيضًا مرفوعًا بلفظ \" وما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك ثم ما هممت بعدها بشيء حتى أكرمني الله برسالته \".","vol":"1","page":43},{"text":"وقد صحح علي القاري هذا الحديث في شرح الشفاء، كما صححه الشهاب الخفاجى في نسيم الرياض، وقال السيوطي في الخصائص الكبرى: أخرجه ابن راهويه في مسنده وابن إسحاق والبزار والبيهقي وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به. . .\" فذكر الحديث ثم قال: \" قال ابن حجر: إسناده حسن ورجاله ثقات \".\nونقله ابن كثير في البداية والنهاية عن البيهقي وعقب عليه بقوله: \" وهذا حديث غريب جدًا وقد يكون عن علي نفسه ويكون قوله في آخره \" حتى أكرمني الله - ﷿ - بنبوته مقحمًا \" والله أعلم \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>وجوه صحة هذا الحديث</span>\nمما سلف يظهر ما يلي:\n١ - أن هذا الحديث مروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -، فهو متصل الإسناد مرفوع إليه - ﷺ - ولعله قد سقط من ابن حزم، أو من الناسخ بعده قوله (عن أبيه عن جده) وإلا لما حكم عليه بالصحة في كتابه.\n٢ - أن هذا الحديث صحيح لما قاله الحاكم، ولموافقة الذهبي له على ذلك","vol":"1","page":44},{"text":"ولتصحيح القاري والشهاب لرواية البزار لهذا الحديث.\n٣ - أن كلًا ممن ذكرنا من الأئمة الحفاظ أورد هذا الحديث مستدلًا به على عصمة الله تعالى لنبيه - ﷺ - قبل النبوة وحفظه إياه من جميع أعمال الجاهلية.\nوأما قول الحافظ ابن كثير الذي سبق إيراده عنه في هذا الحديث فمردود من وجهين:\nالوجه الأول: أن وصف الحديث بالغرابة ليس معناه رده في جميع الأحوال إذ من الغريب ما هو في الصحيح، ومتفق عليه كما هو معروف لأهل هذا الشأن.\nوهذا الحديث الذي نحن بسبيل الكلام عليه حديث صحيح كما سبق أن بينا، فلا يسوؤه الوصف بالغرابة ما دام رجاله ثقات، ومتنه صحيحًا مقبولًا.","vol":"1","page":45},{"text":"الوجه الثاني: أن قوله (وقد يكون عن عليٍّ نفسه) حكم بالحدس لا يقوم على دليل، فلا تقوم به حجة، إذ أن رد الأحاديت -وبخاصة الصحيحة منها- لا يكون بفرض الاحتمالات، واتباع الرأي، بل لا بد أن يبني على دليل قائم، وقاعدة مسلمة.\nثم إن كلمات الحديث ولفظه وعبارته تدل على أنه من كلام رسول الله - ﷺ -، إذ أن الجملة التي استنكرها ابن كثير - رحمه الله تعالى - ورأى أنها مقحمة، مروية عند جميع الذين رووا الحديث -وهو واحد منهم- مضافة إلى رسول الله - ﷺ -، قولًا منه مؤكدًا بالقسم عليه منه - ﷺ -، بعدم الهم بشيء من أفعال الجاهلية، وقد أضاف رسول الله - ﷺ - إكرام الله - ﷿ - له بالنبوة، في روايات وبالرسالة كما في رواية البزار إلى ضمير المتكلم في قوله - ﷺ - \" حتى أكرمني الله برسالته \" وما كان لعلي - ﵁ - أن يضيف إلى رسول الله - ﷺ - ما لم يقله، لو لم يكن ينقل اللفظ النبوي الشريف، ويؤده كما سمعه من رسول الله - ﷺ -.\nوقد صرح الراوي في رواية الحاكم وأبي نعيم وابن سيد الناس عند ذكره هذه العبارة بقوله: قال رسول الله - ﷺ -: \" فوالله ما هممت بعدها أبدًا. . . الخ \" وتصريح الراوي وإعادته لجملة (قال رسول الله - ﷺ - يدفع أيضًا ما قاله ابن كثير، ويؤكد أنَّهَا من قول رسول الله - ﷺ - وليست إقحامًا، ولا هي تحدثًا من علي - ﵁ - كما دخل على ابن كثير","vol":"1","page":46},{"text":"رحمه الله تعالى.\nأما القاضي عياض -وهو ممن يقول بعصمتهم قبل النبوة وبعدها من الصغائر والكبائر- فنقل الأبي عنه -في إكمال إكمال المُعْلِم- قوله: \" وفي حشو قلبه - ﷺ - حكمة وإيمانًا في الصغر دليل على ما يقوله المحققون من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الصغر.\nوقال القسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها: \" أنه - ﷺ - معصوم من الذنوب بعد النبوة وقبلها، كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها على الأصح في ظاهره وباطنه، سره وجهره، جده ومزحه، رضاه وغضبه \"\nويفهم من صريح قولهم أن القول بعصمتهم من الكبائر والصغائر قبل البعثة هو مذهب المحققين من العلماء.\nوالحديث السابق برواياته، يشهد لقول القاضي عياض رحمه الله تعالى أن القول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الصغائر والكبائر قبل النبوة هو مذهب المحققين.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بعد البعثة</span>\nقدمنا حكاية الإجماع على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكفر قبل البعثة، وهو -بلا شك- منسحب على عصمتهم منه بعدها.\nفيبقى الكلام في عصمتهم بعد البعثة عن سائر الذنوب كبائرها وصغائرها.\nومن هذا ما يتعلق بإبلاغ الشرع، وتقريره، وبيان الأحكام عن الله تعالى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>عصمة الأنبياء من الكذب</span>\nوقد حكى صاحب المواقف وشارحه الإجماع من \" أهل الملل والشرائع كلها على وجوب عصمتهم عن تعمد الكذب فيما دل المعجز القاطع على صدقهم فيه \".\nواستدلوا لذلك بأنه لو جاز عليهم التقول والافتراء في ذلك عقلًا لأدى إلى إبطال المعجزة القاطعة بصدقهم، وإبطال المعجزة محال فالكذب في ذلك محال أيضًا.\nوقال المازري -في المعلم-: \" الأنبياء ﵈ معصومون من الكذب فيما طريقه التبليغ عن الله تعالى لدلالة المعجزة على صدقهم فيه \".","vol":"1","page":48},{"text":"وأجاز أبو بكر الباقلاني دخول السهو عليهم في ذلك، مصيرًا منه إلى أن \" ذهول النفس وطريان النسيان \"، وبوادر اللسان لا يدخل تحت الصدق الذي هو مدلول المعجزة؛ لأن صدق المعجزة إنما يدل على ما قصدوه في التبليغ.\nوالقاضي أبو بكر، وإن كان يرى أن المعجزة لا تدل \" دلالة التزامية عقلية \" على منع دخول النسيان عليهم في التبليغ فإنه يرى أنهم معصومون عن ذلك بورود الشرع، وإجماع الأمة على عصمتهم في ذلك.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>منع السهو والنسيان على الأنبياء في التبليغ</span>\nومنع أبو إسحاق الإسفرائيني -وكثير من الأئمة الأعلام- ومنهم الفخر الرازي دخول ذلك عليهم، ورأوا أن المعجزة كما تدل على صدقهم فيما يعمدون تبليغه، تدل على أنَّهم لا يسهون، ولا ينسون في ذلك إذ \" لو جاز الخُلْف في ذلك لكان نقضًا لدلالة المعجزة، وهو ممتنع و\" لم يبق الاعتماد على شيء من الشرائع \" و\" لما تميز لنا الغلط، والسهو من غيره ولاختلط الحق بالباطل \".\nوقال صاحب المعتمد في أصول الفقه: \" لا يجوز عليهم الكذب فيما يؤدونه، لا الكتمان، ولا السهو في حال الأداء لأن تلك الحال حال تلقي الفروض، فوقوع السهو فيها يغري باعتقاد كون العبادة لا على ما أوردوها \".\nوقال أبو الحسين الخياط: \". . . النبي - ﷺ - إذا قصد إلى الأداء عن الله - ﷿ - والإخبار عنه بما أمره بأدائه إلى خلقه وبإخبارهم إياه، فليس يجوز","vol":"1","page":50},{"text":"عليه الغلط، والخطأ في ذلك، لأن الله قد أوجب على الخلق طاعته فيما يأمرهم به، وتصديقه فيما أخبرهم به عن ربهم، فلم يكن جل ثناؤه ليأمرهم بتصديق من يجوز عليه خطأ، ولا بطاعة من لا يؤمن منه الغلط \".\nوقال القاضي عياض: \". . لا خلاف أنهم معصومون من كتمان الرسالة والتقصير في التبليغ، لأن ذلك يقتضي العصمة منه المعجزة، مع الإجماع على ذلك من الكافة \".\nونقل ابن عطية -في تفسيره- إجماع الأمة على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في معنى التبليغ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>انتصار ابن تيمية للقول بعصمة الأنبياء في التبليغ</span>\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في كتاب النبوات -: \" وما أنبأ به النبي عن الله لا يكون يطابق كذبًا، لا خطأ ولا عمدًا، فلا بد أن يكون صادقًا فيما يخبر به عن الله يطابق خبره مخبره لا تكون فيه مخالفة لا عمدًا ولا خطأ. وهذا معنى قول من قال: \" هم معصومون فيما يبلغونه","vol":"1","page":51},{"text":"عن الله \" ثم قال: \". . فهو (أي النبي - ﷺ) المؤيد المعصوم بما يحفظه الله من الإنس والجن حتى يبلغ رسالات ربه كما أمر فلا يكون فيها كذب ولا كتمان \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>إجماع العلماء على القول بوجوب عصمة الأنبياء في التبليغ</span>\nوحاصل القول أن الجميع متفقون مطبقون على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من السهو والنسيان في التبليغ عن الله تعالى، وإنما حصل الاختلاف في مقتضى دلالة المعجزة، أهي دالة على صدقهم في جميع ما يبلغون عن الله تعالى -كما هو رأي الجمهور- أم فيما يقصدون تبليغه، ويعمدونه على قول أبي بكر الباقلاني ومن وافقه؟.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر</span>\nتردد ذكر الكبائر والصغائر فيما سبق من بحثنا هذا، وإتمامًا لما قدمنا نرى البحث يدعونا -قبل الكلام على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب صغائرها وكبائرها- إلى توضيح المراد من الكبائر والصغائر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>مسالك التكليف</span>\nأقام الله تعالى تكليف العباد على الأمر والنهي، فأمرهم بطاعته ونهاهم عن مخالفة أمره، فطاعتهم إياه لازمة لهم بأمره إياهم بالطاعة ونهيهم عن المعصية. فدواعي الإلزام بالطاعة لله تعالى تقتضي أن يكون العبد بين الرجاء لثواب الله تعالى، والخوف من عقابه.\nوشدة عقابه تجعل الإقدام على المعصية أمرًا مستفظعًا عند ذوي النُّهى.\nومن ثم اختلف العلماء في تقسيم الذنوب والمخالفات إلى صغائر وكبائر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>وجه القول بأن جميع الذنوب كبائر</span>\nفذهب بعض العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا صغيرة في الذنوب، فكل الذنوب عند هؤلاء كبائر، ولكن كبيرة دون كبيرة لتفاوت المخالفات في ذاتها، وفي آثارها فيقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنى وكلها كبائر \".","vol":"1","page":53},{"text":"فهولاء نظروا في المعاصي بالنسبة للمعصيِّ بها وهو الله تعالى، ولذلك قال إمام الحرمين: \" المرضي عندنا أن كل ذنب كبيرة إذ لا تراعى أقدار الذنوب حتى تضاف إلي المعصيِّ بها، فرب شيء يعد صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو صور في حق ملك لكان كبيرة يضرب بها الرقاب \".\nوكلام إمام الحرمين هذا يشعر بأن من الذنوب كبائر ومنها صغائر ولكنه لا يسمي الصغائر باسمها إجلالًا لحق المعصي بها.\nونسب القاضي عياض -في الشفاء والنووي في شرح مسلم والحافظ ابن حجر في الفتح- القول بهذا إلى طائفة من العلماء.\nوالقول بأن جميع الذنوب كبائر موافق لظاهر ما رواه الطبري عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: \" كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة \"، ورواه عنه أيضًا من طريق آخر بلفظ \" كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة \".\nوقد توقف القرطبي في التسليم بصحة ذلك عن ابن عباس فقال: \" ما أظنه يصح عن ابن عباس أن كل ما نهى الله - ﷿ - عنه كبيرة، لأنه مخالف","vol":"1","page":54},{"text":"لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) وقوله (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فجعل في المنهيات صغائر وكبائر وفرق بينهما في الحكم إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن \".\nقال الحافظ ابن حجر: \" ويؤيده (أي ما ذهب إليه القرطبي) ما ورد عن ابن عباس في تفسير اللمم، وهو ما أخرجه البخاري عنه أنه قال: \" ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - ﷺ -: \" إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>جمع الحافظ ابن حجر بين قولي ابن عباس في الكبائر</span>\nوقد رد الحافظ ابن حجر على القرطبي توقفه في نسبة الرواية لابن عباس بهذا القول فقال: \". . ولكن النقل المذكور عنه أخرجه إسماعيل القاضي، والطبري بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عباس، فالأولى أن يكون المراد بقوله (نهى الله عنه) محمولًا على نهيٍ خاص وهو الذي قرن به وعيد كما قيد في الرواية الأخرى عن ابن عباس فيحمل","vol":"1","page":55},{"text":"مطلقه على مقيده جمعًا بين كلاميه \".\nوكذا التخريج -من الحافظ ابن حجر- يكون الحبر ابن عباس - ﵄ - قائلًا بأن الذنوب تننوع إلى صغائر وكبائر، ولكنها تتفاوت فيما بينها ذاتًا وأثرًا.\nأما الرواية المقيدة التي حمل عليها الحافظ هذه الرواية المطلقة توحيدًا لكلام ابن عباس - ﵄ - فهو ما رواه الطبري عنه بسنده إليه أنه قال: \" الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الاستدلال بالقرآن والسنة على تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر</span>\nوهذا هو الذي يتمشى مع مقتضى ظاهر الآيات القرآنية، وما ورد في السنة المطهرة الصحيحة، فالآيات القرآنية الكريمة صريحة في انقسام الذنوب إلى صغائر، وكبائر، ومن أصرح الآيات في ذلك ما يلي:\n١ - قول الله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١).\nيدل بمقتضى المقابلة أن من الذنوب صغائر وكبائر، وأن اجتناب الكبائر مكفر للصغائر التي سميت في الآية سيئات، ولا شك في أن تسميتها بذلك يعطيها وصف الذنب وحقيقته، فتكفر السيئات المشروط باجتناب كبائر ما نُهُو عنه يقتضي أنها ليست من الكبائر، وقد سماها الله تعالى سيئات، فهي ذنوب وليست بكبائر قطعًا.","vol":"1","page":56},{"text":"وقد ورد هذا التفسير عن النبي - ﷺ - فيما رواه السيوطي إذ يقول:\n\" أخرج النسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن النبي - ﷺ - جلس على المنبر ثم قال: \" والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يوم القيامة حتى أنها لتصطفق، ثم تلا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١).\nفهذا تفسير منه - ﷺ - للآية الكريمة وتبيين للمراد منها من أن من الذنوب صغائر يكفرها الله تعالى باجتناب الكبائر وليس بعد تفسير رسول الله - ﷺ - تفسير، ولا بعد قوله قول لقائل.\n٢ - قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧».\nذكرها الله تعالى في سياق مدح المؤمنين المتصفين باجتناب كبائر الإثم والفواحش، وهي تدل بمفهومها على أن هناك صغائر لا تمنع المدح، كما تدل هذه الآية -أيضًا على أن من الذنوب فواحش- هي أكبر من الكبائر بدليل عطف الفواحش على كبائر الإثم، وهو دليل قاطع على تفاوت الكبائر فيما بينها.","vol":"1","page":57},{"text":"٣ - قول الله تعالى (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) وهو يدل بذكر الأمور الثلاثة (الكفر والفسوق والعصيان) على أن الذنوب تتنوع إلى كفر وهو أعظمها وأغلظها، وإلى فسوق وهو أقل من الكفر، فيكون المراد به كبائر الذنوب، مع وجود أصل الإيمان.\nوالعصيان ويراد به مطلق المعصية بعد الفسوق وليس ذلك إلا صغائر الذنوب.\nفالآية الكريمة بمنطوتها صريحة في تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر مع الإشارة إلى تفاوت الكبائر فيما بينها.\nويؤكد هذا قول النبي - ﷺ -: \" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر -ثلاثًا-؟ قالوا:\nبلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله \" فعد الإشراك بالله أكبر الكبائر، ثم ذكر بعده من الكبائر أشياء أخرى تدخل في الفسوق وهي \" عقوق الوالدين وقول الزور \".\n٤ - قول الله تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) يدل بمقتضى بيان قوله (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) في الآية قبلها على أن المحسنين بأعمالهم من المكلفين هم (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) فاستثناء اللمم من كبائر الإثم والفواحش","vol":"1","page":58},{"text":"يدل بمقتضى قاعدة الاستثناء -وهي أنه يخرج من سابقه ما لولاه لدخل فيه- على أن اللمم ليس من كبائر الإثم والفواحش، فهو من الصغائر، وقد جاء تفسيره بذلك عن ابن عباس فيما رواه البخاري وقد أوردناه فيما سبق.\nوقد نبه الله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) على أن إخراج اللمم واستثناءه \" \" من حكم المؤاخذة ليس لخلوه من الذنب فِي نفسه بل لسعة المغفرة الربانية \" وفي عطف الفواحش هنا على كبائر الإثم ما في نظيره في آية الشورى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الأدلة من السنة على تنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر</span>\nوقد فرقت السنة النبوية المطهرة الصحيحة بين الصغائر والكبائر بطريقين:\n١ - أن بعض الأحاديث ذكر فيها عدد من الذنوب سماها النبي - ﷺ - كبائر جوابًا عن سؤال سائل، أو تعليمًا منه - ﷺ - لأصحابه الكرام من غير أن يسأله عنها أحد.\nفمن الأول ما رواه البخاري ومسلم -واللفظ للبخاري- عن أنس ابن مالك - ﵁ - قال: \" سئل النبي - ﷺ - عن الكبائر فقال: \" الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس وشهادة الزور \".","vol":"1","page":59},{"text":"ومن الثاني ما أورده السيوطي -في الدر- حيث قال: \" وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" الكبائر سبع أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة \".\nواختلاف العدد في الروايات من قبيل أن العدد لا مفهوم له، أو أنه من باب تجدد العلم للنبي - ﷺ -، أو أنه من باب مناسبة حال السائل.\n٢ - ما جاء عن رسول الله - ﷺ - من أن بعض أعمال البر والصلاة تكفر الذنوب ما اجتنبت الكبائر فمن ذلك ما رواه مسلم والترمذي وابن ماجه -واللفظ لمسلم- عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: \" الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر \" وأخرج مسلم أن عثمان","vol":"1","page":60},{"text":"ابن عفان - ﵁ - دعا بطهور فقال: \" سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" ما من أمرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله \".\nولا شك أن هذا في الصغائر، وغير حقوق العباد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الأدلة من أقوال الصحابة والتابعبن على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر</span>\nوفي الآثار عن الصحابة - ﵁ - ما يؤيد التفرقة بين الذنوب فجعل منها صغائر وكبائر، فعن أنس - ﵁ - قال: \" لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا - ﷿ - ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، فما لنا ولها، يقول الله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا). وذكره ابن كثير -في تفسيره- مرفوعًا عند البزار.\nوعنه قال: \" ما لكم والكبائر وقد وعدتم المغفرة فيما دون الكبائر \"\nوقد عددت بعض الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم الكبائر، فعن علي - ﵁ - قال: \" الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر،","vol":"1","page":61},{"text":"وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة \":\nوقد روي مرفرعًا في عدد مما ذكره.\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: \" الكبائر الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله، والأمن من مكر الله \".\nوالآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين كثيرة تفوق الحصر، وما أوردناه أمثلة لبعض ما ورد عنهم في ذلك فلا يمكن العدول عن هذه النصوص الصريحة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأقوال السلف في التفرقة بين الذنوب يجعل بعضها صغائر، وبعضها كبائر وتأويلها بالتعسف إلى ما يفيد أنه لا صغيرة من الذنوب إذ الأخذ بصريح الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة وآثار جمهور الصحابة والتابعين الدالة على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر خير من تأويلها بما ينبو عنه ظاهرها وأسلم من ثنيها عن دلالتها.\nقال النووي: \" وذهب الجماهير من السلف، والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة","vol":"1","page":62},{"text":"واستعمال سلف الأمة وخلفها \".\nونقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قوله:. \" انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء \".\nوقال الغزالي: \" إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه وقد عرفتا من مدارك الشرع \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>خطر القول بأن جميع الذنوب كبائر</span>\nومهما بلغ المرء منا من التقى والذل لله تعالى والخشوع له والانقطاع لعبادته تعالى، فلن يستطع التنزه من لمم الذنوب، وهناتها فلو أجزنا القول بأن جميع معاصي الله تعالى كبائر لحكمنا على جميع المؤمنين باقتراف الكبائر، واستباحة حمى الله تعالى، وانتهاك محارمه فضلًا عن تركنا صريح النصوص سيرًا مع تأويلات لا يعضدها دليل.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب صغائرها وكبائرها</span>\nبعد أن حققنا القول في وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في التبليغ وتنوع الذنوب إلى صغائر وكبائر، وبَانَ لنا أن جميع أهل الشرائع والملل مجمعون على وجوب عصمتهم فيما يبلغونه عن الله تعالى من الأحكام والشرائع، ننتقل إلى الكلام في سائر الذنوب والمعاصي، وهل هي جائزة عليهم - عليهم الصلاة والسلام -؟.\nوهنا نجد العلماء قد قسموا الذنوب -ما خلا الكفر، وقد سبق التدليل على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبل البعثة وبعدها بإجماع الأمة كافة- إلى صغائر وكبائر.\nأما الكبائر فقال القاضي عياض: \" أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش، والكبائر الموبقات \". وقد صرح بهذا الإجماع المازري - فيما نقله عنه النووي - في قوله: \" فهو - ﷺ - معصوم من الكبائر بالإجماع \" وابن عطية -في تفسيره- حيث قال: \" وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء. . من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة \"","vol":"1","page":64},{"text":"ونقله عنه أبو حيان في البحر.\nوممن صرح بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب إمام الحرمين في الإرشاد حيث قال: \" وتجب عصمتهم عن المعاصي والذنوب المؤذنة بالسقوط، وقلة الديانة إجماعًا \".\nوقول إمام الحرمين هذا وإن ظهر أنه أعم من الدعوى فهو منتج لها لأن العام يدل على الخاص وغيره، وقد صرح إمام الحرمين عقب سوقه هذا الكلام بقوله \" أما الذنوب الصغائر. . الخ \" مما يشعر بأنه أراد بكلامه هنا عصمتهم من الكبائر وصغائر الخسة، وسنعرض لنصه عن الذنوب الصغائر في موضعه إن شاء الله تعالى.\nوقد اختلفوا في مستند هذا الإجماع، فالجمهور على أن مستنده نفس الإجماع،: ذهب القاضي الباقلاني إلى أن مستند عصمتهم من الكبائر السمع مضافًا إلى الإجماع نفسه \" قبل ظهور المخالفين في ذلك \".","vol":"1","page":65},{"text":"ويرى أبو إسحاق الإسفرائيني أن مستنده العقل مضافًا إلى الإجماع قال القاضي عياض: \" وهو قول الكافة \".\nوفي عموم الكافة دخل المعتزلة القائلون بهذا الإجماع، وأن مستنده العقل، قال القاضي عبد الجبار: \" يبين ذلك أنَّهم لو بعثوا للمنع من الكبائر، والمعاصي بالمنع والردع، والتخويف، فلا يجوز أن يكونوا مقدمين على مثل ذلك لأن المتعالم أن المقدم على الشيء لا يقبل منه منع الغير منه \".\nظهر لنا مما سبق أن الإجماع منعقد على القول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كبائر الذنوب، ونأتي الآن إلى الكلام عن عصمتهم من صغائرها.\nوقد قسم العلماء صغائر الذنوب إلى صغائر خسة، وصغائر غير خسة. فصغائر الخسة هى التي ينسلك بها فاعلها مع الأراذل والسفلة لإشعارها بدناءة الهمة، ووضاعة النفس، ومن أمثلتهم لها سرقة شيء تافه أو تطفيف القليل.","vol":"1","page":66},{"text":"وقد نقل الشوكاني -في إرشاد الفحول- عن الأصوليين أنهم \" حكوا الإجماع على عصمتهم بعد النبوة مما يزري بمناصبهم كرذائل الأخلاق والدناءات، وسائر ما ينفر عنهم، وهي التي يقال لها صغائر الخسة كسرقة لقمة أو التطفيف بحبة \".\nونقل ابن عطية -في تفسيره- إجماع العلماء على عصمة الأنبياء \" من الصغائر التي هي رذائل \"، ومنع المتكلمون صدورها من الأنبياء مطلقًا ولو سهوًا.\nونقل القاضي عياض عن بعض الأئمة قوله \" أن الأنبياء معصومون عن الصغائر المؤدية إلى إزالة الحشمة، والمسقطة للمروءة، والموجبة الإزراء والخساسة \" قال: \" فهذا مما يعصم عنه الأنبياء إجماعًا، لأن مثل هذا يحط منصب المتسم به ويزري بصاحبه، وينفر القلوب عنه، والأنبياء منزهون عن ذلك \".\nأما صغائر غير الخسة، فقالوا إنها التي لا تشعر بنقص، ولا تلحق بفاعلها معرة.","vol":"1","page":67},{"text":"ومما لا ريب فيه أن كل ذنب مهما صغر لا بد من إشعاره بنقص، ويلحق صاحبه المعرة عند أهل التقوى لوجوب التوبة منه، وهي ندم يشعر بالنقص والمعرة فلا يصح القول بنسبة الصغائر إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nوقد ذكر القاضي عياض أن العلماء إزاء تجويز هذا النوع من الصغائر على الأنبياء ثلاث فئات:\nالفئة الأول أجازت صدور هذه الصغائر عن الأنبياء ووقوعها منهم، وقد نسب هذا المذهب إلى جماعة من السلف وغيرهم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين \" وذكر منهم أبا جعفر الطبري.\nونسب ابن حزم هذا القول -في الفصل- إلى ابن فورك، ونسبه السعد -في شرح المقاصد- لإمام الحرمين من الأشعرية، وأبي هاشم من المعتزلة.\nوذكر الشوكاني أن العلماء اختلفوا في تجويز الصغائر غير الخسية على الأنبياء، وإذا جاز وقوعها عليهم، فهل وقعت منهم أو لا؟.","vol":"1","page":68},{"text":"فذكر أن إمام الحرمين، والكياالهراسى، وابن الحاجب نقلوا القول بالجواز العقلي عن الأكثرية، وأن إمام الحرمين، وابن القشيري نقلا القول بعدم الوقوع عن الأكثرين كذلك.\nوقال إمام الحرمين: \" وأما الذنوب الصغائر فلا تنفيها العقول ولم يقم عندي دليل قاطع على نفيها، ولا على إثباتها، إذ القواطع نصوص أو إجماع، ولا إجماع، إذ العلماء مختلفون في تجويز الصغائر على الأنبياء، والنصوص التي تثبت أصولها قطعًا، ولا يقبل فحواها التأويل غير موجودة والأغلب على الظن عندنا جوازها \".\nوقد تمسك القائلون بوقوع الصغائر منهم بظواهر من القرآن الكريم وبعض الأحاديث الصحاح التي ذكر فيها ما يشعر بوقوع الخطيئة من بعض الأنبياء كحديث الشفاعة الذي جاء فيه أن كل نبي \" يذكر خطيئته التي أصاب \" وبورود طلب الاستغفار منهم وطلبهم التوبة عليهم.\nولا نطيل بذكر ما استدلوا به لئلا يَندَّ بنا البحث عما رسم من أجله وقد وفت مطولات كتب الكلام، والعقائد هذا الموضوع حقه من بسط","vol":"1","page":69},{"text":"القول فيه.\nأما الفئة الثانية فتقول بالجواز العقلي، لأن العقل لا يحيل صدور الصغائر غير الخسية عنهم، ولكنهم توقفوا عن القول بالوقوع، فلم يثبتوه، ولم ينفوه لتعارض الأدلة عندهم وعدم وجود قاطع في النصوص بالإثبات أو النفي.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>وجوه الاستدلال على عصمة الأنبياء من الصغائر والكبائر</span>\nأما الفئة الثالثة فتقول بعصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر.\nومن هؤلاء الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - كما صرح به في الفقه الأكبر إذ قال: \" الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن الصغائر والكبائر \" وأقر ذلك شارحه على القاري.\nوأسند الشوكاني -في إرشاد الفحول- هذا القول إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني نقلا عن ابن حزم في الملل والنحل.\nوبالرجوع إلى الموضع الذي تكلم فيه ابن حزم على عصمة الأنبياء في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل لم نجد ذكرًا لأبي إسحاق","vol":"1","page":70},{"text":"الإسفرائيني فلعله ذكره في موضع آخر استطرادًا.\nويصحح إسناد هذا القول إلى أبي إسحاق نقل تاج الدين السبكى في جمع الجوامع هذا المذهب عنه.\nوأسند عبد القاهر البغدادي هذا المذهب إلى أهل السنة في كتابه الفرق بين الفرق.\nوفى قال بهذا القول أيضًا ابن حزم، وحكاه عن سائر الفرق الإسلامية، وعن ابن مجاهد شيخ الباقلاني، وابن فورك وقال: \" وهذا الذي ندين الله تعالى به \".\nواستدل على عصمتهم من \" جميع المعاصي صغيرها وكبيرها سرها وجهرها \" بقوله - ﷺ -: \" ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين \".","vol":"1","page":71},{"text":"ووجه استدلاله به \" أن الإشارة بالعين أخف ما يكون من الذنوب ومن خلاف الباطن للظاهر \" ومع ذلك لم يقدم عليها النبي - ﷺ -، بل أنكر - ﷿ - على من قال له: \" ألا أومأت لنا بعينك \" بقوله: \" إنه لا ينبغى لنبي أن تكون له خائنة الأعين \".\nوممن صرح بالأخذ بهذا المذهب تاج الدين السبكي في جمع الجوامع حيث قال: \" الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب -ولو صغيرة سهوًا- وفافًا للأستاذ، والشهرستاني، وعياض، والشيخ الإمام \".\nوأسند السفاريني -أحد أئمة الحنابلة- هذا المذهب إلى الحافظ العراقي إذ نقل قوله \" النبي - ﷺ - معصوم من تعمد الذنوب بعد النبوة بالإجماع. . . . وإنما اختلفوا في جواز الصغيرة سهوًا فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني والقاضي عياض، واختاره تقي الدين السبكي","vol":"1","page":72},{"text":"وهو الذي ندين الله تعالى به.\nقال الشوكاني: \" واختاره ابن برهان، وحكاه النووي في زوائد الروضة عن المحققين، قال القاضي حسين: وهو الصحيح من مذهب أصحابنا يعني الشافعية \".\nوقال الفخر الرازي: \" والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة ألبتة لا الكبيرة، ولا الصغيرة \"، وساق في تفسيره الكبير أدلة عقلية ونقلية على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب نذكر منها ما يلي:\n١ - أنه لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء. . . في غاية الجلال والشرف وكل من كان كذلك، كان صدور الذنب عنه أفحش، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) والمحصن يرجم، وغيره يحد، وحد العبد نصف حد الحر، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالًا من الأمة فذلك بالإجماع.","vol":"1","page":73},{"text":"٢ - أن محمدًا - ﷺ - لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى: (فَاتبِعُوني) فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال.\n\" وإذا ثبت ذلك في حق محمد - ﷺ -، ثبت في سائر الأنبياء، ضرورة أنه لا قائل بالفرق \".\nوهؤلاء العلماء الأجلاء: -رحمهم الله تعالى- يحملون ما تفيده ظواهر النصوص من الكتاب والسنة من وقوع بعض الصغائر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -مما تمسك به القائلون بجواز الصغائر على الأنبياء- إما على صدوره منهم بتأويل قائم على الاجتهاد، فلا يكون ذنبًا أو أنه من قبيل خلاف الأولى.\nوالقائلون بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصغائر كعصمتهم من الكبائر أعيان وكثيرون، ولا يتسع المجال لذكرهم وإيراد أقوالهم، وإنما رمنا ذكر أقوال طائفة منهم إشارة إلى القائلين بذلك.\nوقد أورد القاضي عياض أدلة على القول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصغائر نسوق أهمها وأقواها:\nقال: \" واستدل بعض الإئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى (وجوب) امتثال أفعالهم واتباع آثارهم، وسيرهم مطلقًا، وجمهور","vol":"1","page":74},{"text":"الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة. . فقد علم من دين الصحابة -قطعًا- الاقتداء بأفعال النبي - ﷺ -، كيف توجهت، وفي كل فن كالاقتداء بأقواله، فقد نبذوا خواتيمهم حين نبذ خاتمه وخلعوا نعالهم حين خلع. . واحتج في واحد في غير شىء مما بابه العبادة، أو العادة بقوله: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله، والآثار في هذا أعظم من أن نحيط بها، لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها، ولو جوزوا عليه المخالفة في شيء منها لما اتسق هذا، ولنقل عنهم، وظهر بحثهم عن ذلك \".\nلا جرم أن الصغائر -غير الخسية تختلف في أعيانها، وأشخاصها، وتتفاوت مراتبها بحسب ما يستتبعها من ملامة ونقص، فليس النقص الذي يلحق بالقُبلة -مثلًا- كالنقص الذي يلحق بالنظرة -وحاشا الأنبياء من ذلك كله- ولا واحدة منهما كخطرة تمر بالقلب، لا يصدقها القول أو الفعل، بل تجفل النفس عنها قبل أن تظلها، وينفر القلب منها قبل أن تنزل بساحته فيبقى القلب الشريف الطاهر بعيدًا عنها منزهًا منها، طاهرًا نقيًا لم تنزل به دغادغ اللمم ولا رفت عليه هبات الهنات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>توافر وسائل الرواية على عصمة النبي - ﷺ - من جميع الذنوب</span>\nوحيث لم يعلم عنه - ﷺ - الإلمام بصغيرة ولا الدنو من شيء منها، مع أن سبل النقل عنه - ﷺ - أحصت كل حركة من حركاته، وكل قول من أقواله،","vol":"1","page":75},{"text":"فما ترك الصحابة - ﵃ - فعلًا من أفعاله - ﷺ - ولا قولًا من أقواله دق أو جل إلا\nنقلوه إلينا عنه، حتى إنهم وصفوا يقظته ونومه، كما وصفوا حديثه وصمته، وقيامه وجلوسه، وسيره وركوبه وترجله، وجميع شمائله إلى غير ذلك مما هو مدون في كتب الحديث والشمائل والمغازي والسير لأنهم كانوا يرون ذلك تبليغًا عنه، وقد أمرهم - ﷺ - بالتبليغ عنه بقوله - ﷺ - \" ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه \"، وبقوله - ﷺ - لعبد الله ابن عمرو: \" اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق \".\nفلر رأى الصحابة - ﵃ - أو سمعوا منه شيئًا مما أجازه عليه بعض أهل العلم - ﵊ - من قربه الصغائر، وحاشاه من ذلك - لما فاتهم نقل ذلك عنه ضمن ما نقلوا من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.\nولكنهم - ﵃ - لم ينقلوا عنه شيئًا من ذلك -فيما علمنا- ولو رأوا منه شيئًا من ذلك أو علموه عنه لنقلوه إلينا، وعلم عنهم لتوافر دواعي النقل عليه.","vol":"1","page":76},{"text":"فالقول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، سرها وجهرها، عمدها وسهوها، هو ما ندين الله تعالى به، ونرجو مثوبته من الله - ﷿ -.\nوما ثبت في حق نبينا محمد - ﷺ - من العصمة عن صغائر الذنوب عمدًا وسهوًا يثبت لغيره من الأنبياء والمرسلين إذ لا قائل بالفرق.\n* * *","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الباب الثاني\nالاجتهاد</span>\n١ - تعريفه لغة واصطلاحًا.\n٢ - اجتهاد النبي - ﷺ -. وعرض أقوال العلماء في هل كان للرسول - ﷺ - وهو الذي يتلقى الوحي من الله تعالى - حق الأجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي أو ليس له ذلك؟.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>تعريف الاجتهاد لغة</span>\nأصل مادة (جهد) ترجع إلى المشقة، قال الأزهري في تهذيب اللغة: \" الجهد: بلوغك غاية الأمر الذي لا تألو عن الجهد فيه تقول: جهدت جهدي، واجتهدت رأي ونفسي حتى بلغت مجهودي \".\nوعلى ذلك يكون معنى الاجتهاد لغة هو \" بذل الوسع في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد -أي- الطاقة. ومنه حديث معاذ - ﵁ - حين بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن فقال: \" كيف تقضي؟ \" فقال: اقضي بما في كتاب الله، قال: \" فإن لم يكن في كتاب الله؟ \" قال: فبسنة رسول الله - ﷺ -، قال: \" فإن لم يكن في سنة رسول الله - ﷺ -؟ \" قال: اجتهد رأيي - وفي رواية أبي داود \" اجتهد رأيي ولا آلو \" - قال: \" الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - ﷺ \".","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>تعريف الاجتهاد اصطلاحًا</span>\nأما الاجتهاد في الاصطلاح فقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف الاجتهاد اصطلاحًا اختلافًا يرجع إلى معنى واحد، هو ما قاله ابن الحاجب في مختصره، وقاربه الكمال بن الهمام في التحرير.\nونص عبارة ابن الحاجب التي نرى أنَّهَا أدت حق التعريف باعتباره تعريفًا جامعًا مانعًا هو قوله: \" الاجتهاد: بذل الفقيه الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي \".\nوبهذا تظهر نسبة التعريف الاصطلاحى للتعريف اللغوي والعلاقة بينهما من جهة عموم التعريف اللغوي، وخصوص التعريف الاصطلاحي فى جهة العموم الجامعة بينهما هي استفراغ الوسع في تحصيل شىء.\nوإذا نظرنا في المعنى الاصطلاحي رأيناه ينصب على اجتهادات فقهاء الأمة بجميع مداركها من النظر في النصوص كتابًا وسنة، وفي القياس","vol":"1","page":81},{"text":"والإجماع وغيرهما من مدارك الاجتهاد.\nفهل هذا المعنى ينطق على اجتهادات الرسول - ﷺ -؟\nوالجواب عن هذا السؤال يتطلب الرجوع إلى النظر في الحوادث والوقائع التي ثبت فيها اجتهاد للنبي - ﷺ -.\nوهذه الوقائع مرجعها إلى بذل الجهد الخاص منه - ﷺ - فيما تقتضيه المصلحة في دائرة النصوص العامة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفرق بين اجتهاد النبي - ﷺ - واجتهاد علماء أمته</span>\nوالفرق بين اجتهاد النبي - ﷺ -، واجتهاد علماء أمته أن اجتهاد علماء الأمة يعتمد على:\n١ - النظر في النصوص من جهة الخصوص والعموم، والإطلاق والتقييد، والإبهام والتفسير، والإجمال والتفصيل، والناسخ والمنسوخ، والظاهر وغير الظاهر، والحقيقة والمجاز. . . الخ.\n٢ - وجود أصل منصوص عليه، فيه علة جامعة غير معارضة، وهذه العلة موجودة في محل غير منصوص عليه، فيحمل غير المنصوص عليه، على المنصوص عليه في حكمه الشرعي بهذه العلة الجامعة، وهو المعروف عندهم بالقياس.\nأما الإجماع -وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد - ﷺ - بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي في أمر من الأمور- فهو أصل لإدراك الأحكام في اجتهادات علماء الأمة يعتمد على دليل قد يظهر، وقد يخفى.\nأما اجتهاد الرسول - ﷺ - فلا يحتاج إلى النظر في النصوص من الجهات التي احتاج إليها علماء أمته، لأن النصوص جميعها بينة له - ﷺ - من جميع هذه","vol":"1","page":82},{"text":"الجهات وغيرها.\nوأما ما يظهر -في بعض اجتهاداتهﷺ - أنه من قبيل القياس فالحمل فيه لتقريب فهم الحادثة المسئول عنها أو المخبر بها ولفتح باب الاجتهاد لعلماء أمته - ﷺ - المؤهلين له، لا لاستنباط الحكم بالنظر في النصوص.\n* * *","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>اجتهاد النبي - ﷺ </span>-\nاختار الله سيدنا محمدًا - ﷺ - رسولًا إلى خلقه ختم به الرسالات الإلهية، وكلفه تبليغ شرعه إلى عباده، وعهد إليه بتبيين ما نزل إلى الناس من ربهم فهو - ﷺ - المبلغ عن الله تعالى وإليه -في حياته المباركة- يتوجه المسلمون طالبين معرفة حكم ما ينوبهم من أمر سواء كان أمرًا يتعلق بالعبادات وكيفياتها، أم كان مما يعرض لهم في حياتهم اليومية من مسالك ينظمون بها مصالحهم، وتعاملهم، فيما بينهم وبين غيرهم، أم فيما يحتكمون إليه - ﷺ - فيما قد ينشأ بين بعضهم من منازعات، فهو - ﷺ - المرجع لهم في الأمر كله بعد الله تعالى، وعنه تؤخذ جميع الأحكام والشرائع، إذ هو وحده مصدر العلم بأحكام الله تعالى ومقاصد الشريعة ومصالح العباد.\nوكانت الوقائع والحوادث بين الناس تتوالى، وكانت الأحكام تنزل على حسب الحاجة، والمصالح والحكمة الإلهية، فهل كانت الأحكام التي تنزل على رسول الله - ﷺ - بطريق الوحي ردًا علي سؤال سئله رسول الله - ﷺ - أو تأسيسًا لحكم من أحكام الشريعة سادة للحاجة الوقتية التي يتطلبها جو الوقائع؟ أو كان الرسول - ﷺ - يرى أن يجيب سائلًا عن سؤاله أو يخير بحكم اجتهادًا منه - ﷺ -؟\nمن هنا يبرز سؤال هو: هل كان يجوز للرسول - ﷺ - وهو الذي يتلقى الوحي من الله تعالى - أن يجتهد فيما لم ينزل عليه به وحي أو ليس له ذلك؟.\nاختلف العلماء في جواب هذا السؤال اختلافًا منتشرًا. .","vol":"1","page":84},{"text":"فقالت طائفة: لا يجوز للرسول - ﷺ - أن يحكم بالاجتهاد أي أن الله تعالى لم يأذن لرسوله - ﷺ - في الاجتهاد في بيان أحكام الحوادث التي ينزل عليه فيها وحي ولا تعبده الله به.\nوهذا القول منسوب إلى بعض الشافعية، وإلى بعض الحنابلة ومنهم أبو حفص العكبري، وإلى الأشاعرة، وأكثر المعتزلة.\nوفي نسبة القول بمنع اجتهاد الرسول - ﷺ - مطلقًا إلى عموم الأشاعرة نظر، وذلك أنا نجد في كتب الأصوليين، والمتكلمين منهم ما هو صريح في إثبات القول بجواز الاجتهاد للرسول - ﷺ - والدليل على ذلك ما جاء في منهاج البيضاوي وشروحه، وما جاء في جمع الجوامع لابن السبكي وشروحه وحواشيه، وما جاء في كشف الأسرار والتحرير وشرحه، والمسامرة بشرح المسايرة، وشرح العقائد للسعد وغيرها من كتب الأشاعرة الأصولية والعقيدية.","vol":"1","page":85},{"text":"وهؤلاء كلهم أشاعرة، وقد أثبتوا جواز الاجتهاد لرسول الله - ﷺ - ووقوعه منه ودللوا على ذلك في كتبهم، فالظاهر أن نسبة المنع للأشاعرة محمولة على بعضهم.\nكما أن في نسبة القول بمنع الرسول - ﷺ - من الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع إلى أبي حفص العكبري نوعًا من التجوز إذ أنه قد اختار هو وشيخه ابن بطة -فيما نقله عنهما ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة- أنه \" كان يجوز لنبينا صلوات الله وسلامه عليه الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع \".\nقال في المسودة -لآل تيمية-: \" قال شيخنا: قال ابن بطة: فيما كتب به إلى ابن شاقلا في جوابات مسائل، وقال: والدليل على أن سنته وأوامره - ﷺ - قد كان فيها بغير وحي وأنها كانت بآرائه واختياره أنه عوتب على بعضها ولو أٌُمِر بها لما عوتب عليها، فمن ذلك: حكمه فِي أسارى بدر وأخذه الفدية، وإذنه في غزوة تبوك للمتخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له، ومنه قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) فلو كان وحيًا لم يشاورهم فيه \".","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>أدلة المانعين لاجتهاد الرسول - ﷺ </span>-\nوقد استدل القائلون بعدم جواز الاجتهاد للرسول - ﷺ - في بيان أحكام الحوادث التي لم ينزل عليه بها وحي بأدلة نقلية، وأخرى عقلية.\nأما الأدلة النقلية فهي:\n١ - قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤».\nووجه الاستدلال به هو أن الله تعالى أخبر أن رسول الله - ﷺ - لا ينطق إلا عن وحي، والحكم الصادر عن اجتهاد لا يكون وحيًا -لاحتمال الخطأ فيه- فيكون داخلًا تحت النفي.\nورد بأن الآيتين الكريمتين رد وإبطال لما كان يزعمه الكفار من أن محمدًا - ﷺ - كان يفتري القرآن من عند نفسه، وقد حكى الله تعالى قولهم ذلك بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) وليس عامًا في كل ما ينطق به الرسول - ﷺ - والتخصيص واقع قطعًا بما ينطق به النبي - ﷺ - في غير الأحكام الشرعية فالعموم باطل.\nوعلى فرض أنه عام في جميع ما ينطق به الرسول - ﷺ - فليس فيه إثبات لدعواهم أيضًا، لأن اجتهاد الرسول - ﷺ - وما يستند إليه كله وحي وليس","vol":"1","page":87},{"text":"نطقًا عن الهوى، وإنما هو اتباع للوحي المأذون له فيه بالاجتهاد.\n٢ - واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ).\nووجه الاستدلال به أن هذه الآية الكريمة نفت عن رسول الله - ﷺ - أن يكون له حق تبديل ما يلقى إليه من ربه، ونصت على أنه - ﷺ - لا يتبع إلا ما يوحى إليه \" وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد \" إذ الاجتهاد ليس وحيًا، فالأخذ به تبديل لأحكام الله تعالى، واتباع لما لم يوح إليه \".\nورد هذا بأن الآية الكريمة رد على قول الكافرين لرسول الله - ﷺ -\n-على سبيل التعجيز له فيما حكاه الله تعالى عنهم وكما هو ظاهر منه سياق هذه الآية- (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) فهى ليست في منع الاجتهاد بل في بيان أن ما طلبوه ليس من شأن الرسول - ﷺ - إجابته، لأنه إن أريد بالتبديل تغيير نظام القرآن الكريم بوضع آية رحمة مكان آية عذاب أو العكس أو إسقاط عيب الآلهة، وذم عبادتها منه -كما أراده المتعنتون من المشركين- فهذا إفساد لنظام القرآن الكريم، وهو كفر معصموم منه الرسول - ﷺ - قطعًا.","vol":"1","page":88},{"text":"وإن أريد بالتبديل النسخ فهذا لا يكون باجتهاد الرسول - ﷺ -، وإنما هو من الله تعالى و\" الاجتهاد ليس تبديلًا بل هو اتباع للوحي.\nوأيضًا ليس في قوله تعالى: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) دليل لهم في نفى عمله - ﷺ - بالاجتهاد، لأن الإذن له - ﷺ - بالاجتهاد داخل تحت ما يوحى إليه.\n٣ - ومما استدلوا به قوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، ووجه الاستدلال به أنه صريح في نهي الرسول - ﷺ - أن يقفو ويتبع ما ليس له به علم، والاجتهاد، يعتمد على يقين الوحى فهو لذلك قفو، واتباع لما ليس له به علم، وهذا خلاف منطوق الآية الكريمة.\nورد هذا بأن اجتهاد الرسول - ﷺ - مأذون له فيه وما أذن له فيه\nلا يكون قفوا ولا اتباعًا لما ليس له به علم.\nواستدلوا لما ذهبوا إليه عقلًا فقالوا:\n١ - أن الاجتهاد عمل بالظن، والنبي - ﷺ - قادر على تحصيل اليقين من الوحى في الأحكام، ومن كان قادرًا على اليقين لا يجوز له المصير إلى الظن.","vol":"1","page":89},{"text":"ورد هذا بأن الادعاء أن الرسول - ﷺ - قادر على تحصيل اليقين بالوحي ممنوع لأنه - ﷺ -، لا يستطع أن يتحكم في الوحي \" باستدعائه \" -الذي يكون به اليقين- متى شاء.\n٢ - لو كان الرسول - ﷺ - عاملًا بالاجتهاد لما أخَّر جوابًا احتاج الناس إليه، ولما انتظر الوحي، لكنه انتظر الوحي في بعض الوقائع، كما في الظهار، واللعان فدل على أن ليس له - ﷺ - الاجتهاد.\nورد هذا بعدم تسليم أن النبي - ﷺ - أخَّر جوابًا سئل عنه.\nوالاستدلال على هذا بدعوى تأخير الجواب في مسألتي اللعان والظهار مردود بما ثبت أنه ﵊ أجاب على الفور في مسألة الظهار فقال لخولة بنت ثعلبة \" ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء \". وفي رواية \" ما أعلمك إلا قد حرمت عليه \".\nوقال في مسألة اللعان لهلال بن أمية - كما في الصحيح: \" البينة أو حد في ظهرك \" فنزل القرآن الكريم بحكمي اللعان والظهار فكان حكم الظهار ناسخًا لحكم الاجتهاد النبوي الشريف في قوله - ﷺ -: \" ما أراك إلا قد حرمت عَليه ولم أومر في شأنك بشيء \".","vol":"1","page":90},{"text":"وكان حكم اللعان مخصصًا لعموم آية حد قذف المحصن الذي جاء في قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) بمن عدا رمي الزوج لزوجته الذي شَرع له اللعان.\nقال ابن قدامة في المغني: \" أنه لا لعان بين غير الزوجين. . وذلك لأن الله تعالى قال (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) ثم خص الزوجات من عموم هذه الآية بقوله (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) ففيما عداهن يبقى على قضية العموم \".\nودعوى أن الرسول - ﷺ - قال لخولة ما قال \" تقريرًا لما كان عليه أمر الجاهلية دعوى باطلة لا يليق أن تذكر في اجتهاد رسول الله - ﷺ.\nعلى أنه لو ثبت -جدلًا- أنه ﵊ أخر الجواب في بعض ما شئل عنه لكان تأخيره من باب الترقب للوحي وجزئيات يرى - ﷺ - باجتهاده - أن تأخير الاجتهاد فيها لا يفوت مصلحة كما في مسألتي الظهار واللعان لو صح أنه أخر الجواب فيهما.\nوقال جمهور العلماء: يجوز للرسول - ﷺ - أن يحكم باجتهاده فيما لم يوح إليه فيه، بمعنى أن الله تعالى قد أذن للرسول - ﷺ - في بيان بعض الأحكام","vol":"1","page":91},{"text":"الشرعية والأمور الدينية وغيرها من المصالح التي لم ينزل عليه بها وحي.\nبيد أن جمهور الحنفية قيدوا هذا الجواز بانتظار الوحي ما لم يخش فوت الحادثة على غير الوجه الشرعي فإن خاف الفوت فله الاجتهاد فيها وقال الإمام أبو يوسف من الحنفية بقول الجمهور دون اشتراط القيد المذكور في قول الحنفية.\nوالإطلاق في جواز الاجتهاد للرسول عليه الصلاة: السلام بمعنى الإذن له في بيان حكم بعض الحوادث -التي لم يوح إليه فيها شَيء- باجتهاده - ﷺ - هو مذهب عامة الأصوليين والفقهاء الإمام مالك والشافعي وأحمد ْوأتباعهم - رحمهم الله تعالى - ومذهب جمهور أهل الحديث.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>أدلة الجمهور على جواز اجتهاد الرسول - ﷺ </span>-\nوقد استدل الجمهور لجواز عمل الرسول - ﷺ - بالاجتهاد في الأحكام الشرعية والأمور الدينية والحروب بالكتاب والسنة والمعقول.\nأما أدلتهم من الكتاب فنورد منها ما يلى:\n١ - قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ووجه الاستدلال به أن المشاورة إنما تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد إذ لا مشاورة فيما نزل به الوحي.\nولا ريب أن الأمر بالمشاورة أمر له بالاجتهاد لاستظهار آراء من معه من المؤمنين ليختار منها باجتهاده ما يراه - ﷺ - موافقًا للمصلحة وهذا هو الاجتهاد المطلوب.\nوقول من قال إن الآية واردة في الحرب لا يمنع من ثبوت الاجتهاد له - ﷺ - بها إذ الحروب جهاد في سبيل الله وهي أحكام شرعية فالاجتهاد فيها يقتضي جواز الاجتهاد في غيرها إذ لا فارق.\n٢ - قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩». ووجه الاستدلال بهذه الآية","vol":"1","page":93},{"text":"الكريمة في موضعين: -\nأولًا - أن الله تعالى أمر فيها بطاعته وطاعة رسوله، وطاعة الله تعالى إنما تكون بامتثال جميع ما نزل به وحيه على الرسول - ﷺ -.\nوطاعة الرسول ﵊ إنما تكون بامتثال كل حكم يخبر به سواء كان عن وحي أو عن اجتهاد وإلا لم يكن لتخصيص الأمر بطاعة الرسول - ﷺ - بعد الأمر بطاعة الله فائدة في الذكر.\nقال ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى - تعليقًا على هذه الآية الكريمة في كتابه أعلام الموقعين: \" أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول - ﷺ - تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه \".\nوقال صاحب تفسير المنار في عرضه لهذه الآية الكريمة: \". . . إن إعادة كلمة (أطيعوا) تدل على تغاير الطاعتين كأن تجعل الأولى طاعة ما نزل الله من القرآن، والثانية طاعة الرسول فيما يأمر به باجتهاد \".","vol":"1","page":94},{"text":"وتخصيص طاعة الرسول - ﷺ - فيما يأمر به باجتهاده لا يتم إلا بضميمة طاعته - ﷺ - فيما أوحى إليه وحيًا غير متلو إلى قوله \" كأن تجعل طاعة مما نزل من القرآن. . الخ \" ليكون شاملًا لجميع أنواع الوحي المتلو وغير المتلو.\nثانيًا - أن الله تعالى أمر في هذه الآية الكريمة المتنازعين في شيء بالرد إلى الله وإلى الرسول. والرد إلى الله رد إلى وحيه المنزل على الرسول - ﷺ - سراء أكان متلوًا -وهو القرآن الكريم- أم غير متلو وهو وحي السنة المطهرة.\nوالرد إلى الرسول يقتضي أن يكون الأمر المردود إليه غير داخل في الوحي وإلا لزم التكرار، والذي لا يدخل في الوحي وتجب طاعة الرسول - ﷺ - فيه هو ما أمر به باجتهاده. وهو الاجتهاد المطلوب.\n٣ - قوله تعالى (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ووجه الاستدلال به أن الله تعالى قد سوى بين الرسول - ﷺ - وبين أولي الأمر -وهم العلماء- في الاستنباط فلو لم يكن الاجتهاد جائزًا للرسول - ﷺ - لثبت لغيره من مجتهدي أمته فضيلة ليست له وهذا ممنوع.\n٤ - قوله تعالى (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) ووجه الاستدلال به من ناحيتين:","vol":"1","page":95},{"text":"الأولى: أن الله تعالى جعل الرسول - ﷺ - بالخيار في الحكم بينهم فإن شاء حكم وإن شاء أعرض ولم يحكم أي أن الأمر مفوض إليه - ﷺ - فإن رأى -باجتهاده- مصلحة وحسن قبول منهم لحكمه حكم بينهم وإلا أعرض عنهم ولا ضرر عليه منهم.\nالثانية: أن تقييد أمره بالحكم بينهم (بالقسط) يشعر بزيادة تنبيهه - ﷺ - على تحري الصواب فيما يحكم به وهو دليل على أن الله تعالى أذن له أن يحكم بينهم باجتهاده لأنه لو كان الحكم بالوحي لم يكن لهذا القيد فائدة بالنسبة للرسول - ﷺ - لأنه لا يحكم إلا بالقسط.\n٥ - قوله تعالى (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ووجه الاستدلال به أن الآية الكريمة أمر عام بالاعتبار لأهل البصائر، والنبي - ﷺ - أعظم الناس بصيرة وأصوبهم رأيًا وأحسنهم استنباطًا فكان داخلًا في العموم ومأمورًا بالتأمل والاعتبار.\nوالاعتبار -عند الأصوليين- هو النظر في علة الحكم المنصوص عليه وتعديتها إلى غير المنصوص عليه للتسوية بينهما في الحكم بمقتضى هذه العلة، قال الفخر الرازي: قال المفسرون \" الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها \"، وهذا النظر هو الاجتهاد.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>أدلتهم من السنة</span>\nوأما ما استدلوا به من السنة المطهرة فوقائع من اجتهاداته - ﷺ - وهي كثيرة جدًا ذكر أمثلة منها.\nفمن اجتهاداته - ﷺ - ما صدر على صورة القياس ومن هذا النوع:\n١ - ما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: \" نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ \" قالت: نعم قال: \" فاقضوا الذي له، فإن الله أحق بالوفاء.\nووجه الاستدلال بالحديث أنه \" - ﷺ - اعتبر دين الله بدين العباد وذلك بيان بطريق القياس \" أي أنه - ﷺ - أجابها عما سألت \" وضرب لها المثل ليكون أوضح وأوقع في نفسها، وأقرب إلى سرعة فهمها \".\n٢ - ومن هذا النوع أيضًا إجابته - ﷺ - عمر بن الخطاب حين قبل عمر امرأته وهو صائم فظن أنه فعل أمرًا عظيمًا. قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \" هششت يومًا فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي - ﷺ - فقلت:","vol":"1","page":97},{"text":"صنعت اليوم أمرًا عظيمًا فقبلت وأنا صائم فقال رسول الله - ﷺ -: \" أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ \" قلت: \" لا بأس بذلك \" فقال رسول الله: \" ففيم؟ \".\n\" أي ففيم تسأل \" قال الخطابي: \" فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته \"، \" فقد اعتبر النبي - ﷺ - فيه مقدمة الجماع وهى القبلة بمقدمة الشرب وهي المضمضمة في عدم فساد الصوم، وهو قياس ظاهر بل عدم الفساد في القبلة أظهر لأنها تهيج الشهوة ولا تسكنها والتمضمض يسكن شيئًا من العطش \".\nوفي القول بأن \" المضمضمة مقدمة الشرب \" بعض التجاوز والأحسن في القياس أن يقال القبلة قيست على المضمضة في عدم الأثر على الصوم.","vol":"1","page":98},{"text":"ومن اجتهاداته - ﷺ - ما كان النظر فيه إلى مقاصد الشريعة وتحقيق مصالح العباد، ومن هذا النوع اجتهاداته - ﷺ - في غزوة بدر الكبرى.\n٣ - أولًا: قبل المعركة.\n(أ) نزوله - ﷺ - بالجيش في مكان رأى فيه - باجتهاده مصلحة حربية اقتضت عنده عليه صلاة والسلام النزول بالجيش فيه.\n(ب) قبوله - ﷺ - رأي الحباب بن المنذر أن هذا المكان ليس منزل رأي وحرب ومكيدة.\nوذلك بعد أن سأل الحباب رسول الله - ﷺ - عن منزله الذي هو فيه بقوله: \" يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: \" بل هو الرأي والحرب والمكيدة \" قال: \" يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فامض بالناس حى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوِّر ما وراءه من القُلُب ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون \"، فقال رسول الله - ﷺ -: \" لقد أشرت بالرأي \".","vol":"1","page":99},{"text":"٤ - ثانيًا: بعد المعركة.\nوبعد انتهاء المعركة وإقامته - ﷺ - بعرصتها ثلاث ليال كما هي عادته ﵊ حين يظهر على القوم، انصرف رسول الله - ﷺ - وأصحابه مؤيدين منصورين قافلين إلى المدينة المنورة حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له -سير- إلى سرحة به فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، وشاور رسول الله - ﷺ - أصحابه في الأسرى فقال: \" ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ \" فقال أبو بكر: \" يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا","vol":"1","page":100},{"text":"لنا عضدًا \"، فقال رسول الله - ﷺ -: \" ما ترى يا ابن الخطاب؟ \" فقال عمر بن الخطاب: \" أخرجوك وكذبوك قربهم فاضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر وهؤلاء صناديدهم وقادتهم \" فدخل رسول الله - ﷺ - ولم يرد عليهم شيئًا. . ثم خرج عليهم فقال: \" إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وأن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ). ثم قال رسول الله - ﷺ -: \" اليوم أنتم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق \".","vol":"1","page":101},{"text":"ووجه الاستدلال من الحديث على اجتهاد الرسول - ﷺ - في موضعين:\nالموضع الأول: مشاورته أصحابه في شأن الأسرى والمشاورة لا تكون إلا فيما لم ينزل فيه وحي.\nالموضع الثاني: حكمه - ﷺ - بعد استطلاع آراء أصحابه بأخذ الفداء.\nوالذي يدل على أن هذا الحكم باجتهاد منه - ﷺ - نزول قوله تعالى:\n(لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) متضمنًا الإخبار بمنع العذاب عنهم لسبق الكتاب بحل الغنائم -ومنها الفداء- هم ولو كان ما أخذوه من الفداء بوحي من الله تعالى ما نزل ذلك.\nعلى أنه لو نزل وحي -كما في حديث الترمذي وغيره- بإخبار النبي - ﷺ - بأنَّهم مخيرون بين أخذ الفداء ويقتل منهم مثلهم من قابل أو يقتل الأسرى ويسلم المسلمون - لا يعارض الاجتهاد لأن الاجتهاد حينئذ يكون في اختيار أحد الرأيين المخير بينهما وهو أخذ الفداء أو قتل الأسرى.\n٥ - ومن اجتهاده - ﷺ - سوقه الهدْي في حجة الوداع ورغبته أن لو لم يكن ساقه ليرفع المشقة عن أصحابه حين علم ما حل بهم من مشقة الاستمرار على الإحرام حتى انتهاء مناسك الحج. روى البخاري وغيره أن رسول الله - ﷺ - قال: \" لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت \".","vol":"1","page":102},{"text":"ووجه الاستدلال منه على اجتهاده - ﷺ - في موضعين:\nالموضع الأول: سوقه الهدي وهو قربة من القرب وأقل درجات القربة:\nالندب فهو حكم شرعى فعله باجتهاده إذ لم يعلم له نص يدل على طلبه.\nالموضع الثاني: رغبته - ﷺ - حين علم ما حل بأصحابه من مشقة استمرارهم على الإحرام حتى انتهائهم من مناسك الحج أن لو لم يكن ساقه فيتمتع ليقتدي به أصحابه لتزول عنهم المشقة.\n٦ - ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أن رسول الله - ﷺ - صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله - ﷺ - فلما أصبحوا قال: \" قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم \" وذلك في رمضان.\nووجه الاستدلال منه على اجتهاده - ﷺ - أنه \" توقع أن يترتب على المواظبة على صلاة الليل جماعة فرضها عليهم \" كما هي واجبة عليه - ﷺ - \" لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي - ﷺ - وبين أمته في العبادة \" كما قال ابن بطال ما لم يدل دليل على الخصوصية فأداه اجتهاده عليه","vol":"1","page":103},{"text":"الصلاة والسلام بسبب رحمته بهم إلى عدم الخروج إليهم والصلاة بهم خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها.\n٧ - ما رواه البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: \" بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث فقال: \" إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار \" ثم قال رسول الله - ﷺ - حين أردنا الخروج: \" إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما \".\nووجه الاستدلال منه أنه - ﷺ - أمرهم أولًا بحرق الرجلين الكافرين ثم عدل عن الأمر بحرقهما إلى الأمر بقتلهما معللًا عدوله عن حرقهما بأن النار لا يعذب بها إلا الله ولو كان ما أمر به أولًا عن وحي لما رجع عنه، ومما يدل على أن أمره الأول كان باجتهاد منه. ما جاء في رواية أخرى بلفظ \" ثم رأيت أنه لا ينبغى أن يعذب بالنار إلا الله \".\nوقد استدل به الحافظ ابن حجر على \" جواز الحكم بالشيء اجتهادًا ثم الرجوع عنه \".\nوقد جمع بعض الأفاضل من العلماء اجتهادات الرسول - ﷺ - في مؤلف خاص بها، فذكر من اجتهاداته - ﷺ - ما ينوف على ثلاثين موضعًا.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>أظهر أدلتهم العقلية</span>\nما قدمنا من الأدلة النقلية هي خلاصة ما يجب الاعتماد عليه في إثبات اجتهاد الرسول - ﷺ - لأنها وقائع ثبتت بطرق صحيحة متصلة كثيرة لا يمكن العدول عنها وتركها من أجل تخرصات وتخيلات عقلية لا يسندها دليل ثابت، ومع ذلك أورد الجمهور أدلة عقلية لإثبات اجتهاد الرسول - ﷺ - من أظهرها ما يلى:\n١ - أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص، وزيادة المشقة سبب لزيادة\nالثواب لقوله - ﷺ - لعائشة في عمرتها فيما يرويه الدارقطني والحاكم:\n\" أن لك من الأجر على قدر نصبك ونففتك \" فلو لم يكن الرسول ﵊ عاملا بالاجتهاد مع عمل أمته به للزم اختصاص أمته بفضيلة ليست له - ﷺ - في هذا الشأن. وهو ممنوع فكذلك القول بعدم جواز اجتهاده ممنوع.\n٢ - أن النبي - ﷺ - على علم تام بمعاني النصوص وملاحظة إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص لسلامة نظره وبعده عن الخطأ، والإقرار عليه، وهذا يرجح إثبات الحكم في الفرع ضرورة فلو لم يقض به لكان تاركًا لما ظنه حكم الله تعالى على بصيرة منه وهو حرام بالإجماع.","vol":"1","page":105},{"text":"واعترض على هذا بأن عمل الرسول - ﷺ - بالاجتهاد لا يكون إلا عند عدم معرفة الحكم بالوحي. وهذا الشرط لا يتبين في حقه - ﷺ - فلا مشروط.\nويجاب عنه بأن هذا الشرط يمكن تبينه بالقرائن والأمارات التي تدل على الاجتهاد، كما يمكن تبينه بجواز الخطأ في الحكم بالاجتهاد بخلاف ما كان عن وحي فلا يحتاج إلى قرائن وأمارات ولا يمكن وقوع الخصأ فيه.\nوقالت طائفة: يجوز له - ﷺ - الاجتهاد فيما يتعلق بالحروب دون غيرها من الأحكام الشرعية.\nولا شك أن المراد بالحروب هنا الجهاد في سبيل الله تعالى وهو أمر ديني قطعًا لأن الرسول - ﷺ - لم يجاهد الكافرين لطلب شيء من الدنيا وإنما قاتلهم في سبيل الله وإعلاء لدينه فاستثناؤه من الأحكام الشرعية مما لا يظهر له وجه إلا على رأي من يقول: \" أن الحروب قائم أمرها على الفورية فلا تحتمل التأخير لا يترتب على التأخير من مفاسد يجب دفعها بالاجتهاد \". وهذا لا يخرجها عن كونها أمرًا شرعيًا.","vol":"1","page":106},{"text":"وقد اتفقت جميع الطوائف على جواز الاجتهاد له - ﷺ - في أمور الدنيا، ونص على هذا الاتفاق النووي في شرح صحيح مسلم، وذكره الشوكاني في إرشاد الفحول بلفظ الإجماع عن سليم الرازي وابن حزم.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>أدلة القائلين بجواز الاجتهاد له - ﷺ - في الحروب فقط</span>\nواستدل هؤلاء بما وقع في كثير من الروايات في عمله بالاجتهاد في الحروب كما في إنزاله الجيش في غزوة بدر الكبرى في مكان قبل المعركة وتحوله منه إلى مكان آخر بإشارة الحباب بن المنذر، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وأذنه للمتخلفين عنه في غزوة تبوك وغيرها من وقائع اجتهاده - ﷺ - في الحروب.\nواستدلوا أيضًا بأن أمر الحروب قائم على الفور لدفع ما يتوقع من مفسدة لا تحتمل الانتظار بخلاف الأحكام الشرعية فيمكن الانتظار فيها ما لم يخش الفوت كما هو مذهب الحنفية في تجويز الاجتهاد له - ﷺ.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الباب الثالث</span>\nويشتمل على:\n١ - بيان معنى العتاب وحقيقته.\n٢ - بيان معنى الذنب. وتحليل الآيات القرآنية الكريمة التي ورد فيها ذكر الذنب مضافًا إلى ضمير خطاب رسول الله - ﷺ -.\n٣ - بيان معنى التوبة واختلافها باختلاف التائبين.\n٤ - بيان أنواع العتاب في الآيات التي وقع فيها البحث.\n* * * *","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>معنى العتاب</span>\nنظر المعنيون بدراسة البيان العربي وآدابه إلى مناهج التعبير وأساليب التخاطب التي ينقل بها المتكلم ما يروم التحدث به إلى غيره، فوجدوا أن هناك دوافع ومحرضات تحمل المتكلم على إظهار ما لديه من معان في نظم من القول تختلف أساليبه وفنونه بحسب اختلاف الموضوع الذي يراد فهمه وإفهامه طبقًا لمقتضى الحال، فليس مقام أداء الحقائق العلمية كأداء المعاني الأدبية، وليس أداء الحقائق التعبدية كأداء حقائق الترغيب والترهيب، وليس القول في المعاتبة كالقول في التغضب والهجران وهكذا في سائر مقامات الكلام إذ لكل مقام مقال كما يقول أرباب البلاغة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>تباين أسلوب الآيات المكية والمدنية في تربية الله للنبي - ﷺ </span>-\nوقد عالج القرآن الكريم مقامات الكلام وأساليبه بحسب موضوعاتها فنرى اختلاف الأساليب المكية التي جاءت لإثبات العقيدة والبرهنة عليها ومجادلة المخالفين لها -في الأعم الأغلب- عن أساليبه في السور المدنية التي جاءت -في أكثر أحوالها ومناسباتها- لبيان الأحكام الشرعية والآداب الاجتماعية، والصفات الخلقية، وأحوال المجتمع السياسية، وأصول الحكم وغير ذلك.\nففي السور المكية نلمح شدة الأسلوب وقوة الأسر في العبارات وقصر الفقر والآيات، ونزولها على نحو من الاتساق النظمي ليكون مدخلًا لها إلى القلوب.\nونرى في السور المدنية هدوءًا في التعبير، وتفصيلًا في بيان الأحكام والشرائع.","vol":"1","page":110},{"text":"ومن ثم نرى هذا الاختلاف في أسلوب آيات التربية الإلهية للنبي - ﷺ -، فهي في الآيات المكية تحمل في طياتها قوة صارمة وتوجيهًا بليغًا، وذلك لحفز عزيمة النبي - ﷺ -، وتقوية إرادته أمام مصادمة العناد الكافر ومجادلة الشرك والوثنية.\nوفي الآيات المدنية تأتي آيات التربية للنبي - ﷺ - وادعة هادئة موجهة كأنما هي سلاسل من العطف، والحنو الدافع إلى الامتثال.\nوعلى هذا الأساس نجد أن آيات التربية والعتاب للنبي - ﷺ - وما يجري مجراها مما جاء للنضح عن النبي - ﷺ - والدفاع عنه تجري في هذا المجرى فنجد مثلًا في سورة الحاقة وهي مكية قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦». وفي سورة الإسراء وهي مكية أيضًا نجد قوله تعالى: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥). ونجد في مفتتح سورة عبس هذا اللون التربوي بأجلى صورة.\nبينما نجد في سورة التوبة -وهي مدنية- قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وفي مفتتح سورة التحريم -وهي مدنية أيضًا- نجد قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١).","vol":"1","page":111},{"text":"فافتتاح الآية بهذا الاستفهام المتلطف في التقرير وختمها بقوله (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) غاية في التلطف بالنبي - ﷺ -.\nوهذا يدل دلالة قاطعة على أن أسلوب الآيات التربوية يجري في نسق الآيات المكية بما فيها من القوه والشدة، ونجد أسلوب آيات التربية والعتاب يجري في نسق السور المدنية بما فيها من لين الجانب ووداعة الأسلوب والتوجيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>ما يلمح من شدة العتاب فيراد به تربية المجتمع</span>\nوما قد يلمح من شدة في بعض آيات العتاب المدنية مثل قوله تعالى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨». فإنما القصد فيه إلى نوع من تربية المجتمع الإسلامى في أشخاص أصحاب النبي - ﷺ - لتكون أسسًا للتربية العامة في جميع مراحل الحياة، ولهذا عدل عن توجيه الكلام بطريق الإفراد في أول الكلام في قوله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ...) الذي أخرج مخرج الغيبة مع أن المقصود به هو النبي - ﷺ - إلى الجمع في قوله (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) الذي قصد به تربية جماعة المؤمنين.\nولما كان موضوع رسالتنا البحث في آيات عتاب النبي - ﷺ - كان من اللازم أن نبين المعاني التي استعمل فيها العتاب ونستطرد إلى بيان معنى الذنب كذلك، ثم نبين معنى التوبة مما أسند للنبي - ﷺ - في بعض الآيات لينصرف الكلام بعد ذلك إلى الحديث عن آيات العتاب التي وقفنا عليها","vol":"1","page":112},{"text":"في سور القرآن الكريم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>العتاب في اللغة</span>\nونبدأ بالعتاب فنقول: مادة (عتب) في اللغة تستعمل لمعان كثيرة منها: أن العتاب مخاطبة الإدلال والإشفاق. قال الخليل: \" وحقيقة العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموحدة \".\nوقد بسط الأزهري في التهذيب عبارة الخليل فقال: \". . والعتاب مخاطبة الإدلال وكلام المدلين أخِلاءَهم طالبين حسن مراجعتهم ومذاكرة بعضهم بعضًا ما كرهوه مما كسبهم الموحدة \".\nوهذا المعنى هو أنسب معاني العتاب وأمسها بموضوعنا.\nوعلى ضوئه نفهم أن عتاب الله تعالى لنبيه - ﷺ - معناه: تذكيره - ﷺ - في تلطف وإشفاق- لما يقع من الخطأ في اجتهاده توصلًا إلى تصحيح هذا الخطأ الذي يعود به الرسول - ﷺ - إلى موافقة مراد الله تعالى، وتحقيق المطلوب منه ﵊ فينال كامل الرضا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>منهجي في التعرف على آيات العتاب</span>\nبعد أن وفقني الله تعالى لاختيار آيات عتاب النبي - ﷺ - موضوعًا لبحثي عدت إلى القرآن الكريم أتلوه وأتتبع آياته وأقف عند كلماته، أقضي في تلاوته -والحمد لله- ساعات طويلة ليل نهار منفردًا بنفسي منعمًا الفكر فيما يوجه فيه الخطاب إلى رسول الله - ﷺ - محاولًا أن أستخلص آيات عتابه ﵊ من غيرها.","vol":"1","page":113},{"text":"فلما غلب على ظني مواطن العتاب في آيات، وأصبحت ماثلة في ذهني عدت ثانية أعمل الفكر في ترتيبها وأبحث عن نهج يمكنني أن أضبط به أنواع العتاب فيها مستهديًا الله تعالى في أن يكون هذا النهج منسجمًا مع المقصود من آيات عتاب سيد الخلق سيدنا رسول الله - ﷺ -، فوجدت -بحسب ما وصل إليه علمي- أن العتاب في هذه الآيات لا يخرج عن ثلاثة أنواع رئيسية هي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>أنواع عتاب الله تعالى لنبيه ﵊:</span>\n١ - النوع الأول: -\nعتاب التوجيه:\nالقسم الأول من هذه الأنواع هو ما أطلقنا عليه (عتاب التوجيه) وهو ما يقصد به توجيه الرسول - ﷺفي مطلع الرسالة والدعوة إليها- إلى ما يراد منه في تبليغ ما أنزله الله عليه من آيات رسالته وتبليغ ذلك إلى الأمة مهما لاقى في سبيل ذلك من إعنات وعناد وعقبات وإيذاء، ووقوفه بعزيمة صارمة وقوة إرادة ماضية أمام طغيان الشرك وعناد المشركين وشدة تمسكهم بما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من وثنية ملحدة وكفر عنيد، فلا يبالي بما يلقاه منهم من تكذيب ورد لرسالته، وسخرية به واستهزاء بما يلقيه إليهم من آيات الله حتى يخرجهم من ظلمات هذه الجهالة البليدة إلى نور المعرفة والعلم فيعرفوا الحق ويتقلبوه ويهتدوا بهديه.\nوهذا النوع ينقسم إلى قسمين فرعيين:","vol":"1","page":114},{"text":"أولهما: عتاب الدفع وتقوية العزيمة لينهض الرسول - ﷺ - بأبلغ الطاقة البشرية في تبليغ الرسالة ونشر الدعوة وألا يبالي بشيء يقف معوقًا لرسالته وتبليغ دعوته.\nثانيهما: عتاب الإقصار والمقصود منه تخفيف اندفاع النبي - ﷺ - في التبليغ عما يشق على نفسه من الجهد، وبذل فوق ما يستطع من طاقته البشرية حتى كاد يبخع نفسه ويضعف قوته لعظم ما كان يكابد مما كاد -لو استمر فيه- أن يؤخر نشر الدعوة.\nوهذا القسم كالثمرة للقسم الأول لأن ما جاء في قوة الدفع والإغراء وشدة الخطاب جعل رسول الله - ﷺ - يندفع بقوة إلى تبليغ ما أنزل عليه ربه من آيات تخاطب الكفار وتجبه المشركين تجبيها يغمزهم من جميع جوانبهم العقدية والعقلية والاجتماعية حتى كان - ﷺ - يبلغ في ذلك كل مبلغ مما كاد يمس نهوضه بتبليغ رسالته ونشر دعوته كما عبر عنه القرآن الكريم فيما سنسوقه من آيات.\nفجاء هذا للرجوع به - ﷺ - إلى الطريق الوسط السوي الذي يؤدي به إلى تبليغ رسالته تبليغًا بينًا دون أن يلحقه في ذلك إرهاق ربما أخر من سير الرسالة وقوفًا \" مع ما أمر به مما هو تسبب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم \".","vol":"1","page":115},{"text":"٢ - النوع الثاني:\nعتاب التنبيه:\nالقسم الثاني من أقسام العتاب الرئيسية ما سميناه (عتاب التنبيه) والمقصود منه تنبيه الرسول - ﷺ - إلى ما يحتمل وقوعه منه لو لم ينبه إلى ذلك لوقع مثل ذلك الفعل منه مرة أخرى.\n٣ - النوع الثالث:\nعتاب التحذير:\nالنوع الثالث من أنواع العتاب الرئيسبة هو ما سميناه (عتاب التحذير) والمقصود منه تحذير رسول الله - ﷺ - من عاقبة أمر وقع فيه خطأ في اجتهاد يترتب عليه لو لم يحذر منه - ضرر في التشريع والأحكام وسير الأمة على مقتضى رسالة رسول الله - ﷺ - ودعوته التي جاء بها من عند الله تعالى.\n* * *","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الذنب</span>\nترجع حقيقة الذنب في اللغة إلى الفعل الذي تستوخم عاقبته كما فسره الراغب في مفرداته.\nوشرعًا يرجع الذنب إلى مخالفة أمر الله أو نهيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>اختلاف نسبة الذنب باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل</span>\nوهو أمر نسبي يختلف باختلاف الفعل والفاعل وقصد الفاعل فليست المخالفة من العالم كالمخالفة من الجاهل، وليست المخالفة الواقعة عن اجتهاد كالمخالفة التي لا تقع عن اجتهاد، وليست المخالفة الواقعة بالقصد والتعمد كالمخالفة الواقعة بالنسيان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>إسناد الذنب إلى ضمير خطاب رسول الله في القرآن الكريم</span>\nومن هنا تختلف الذنوب ومسئولياتها بالنسبة للفاعل، والحوادث.\nوعلى ضوء ذلك نفهم معاني الآيات التي ورد فيها إسناد الذنب إلى رسول الله - ﷺ - مضافا إلى ضمير خطابه - ﷺ -.\nوهي في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم:\nالموضع الأول: جاء في سورة غافر وهو قوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥».\nالموضع الثاني: جاء فِي سورة القتال - سوره محمد - وهو قوله تعالى:\n(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).","vol":"1","page":117},{"text":"الموضع الثالث: جاء في أول سورة الفتح وهو قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣».\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>دلالة أمره تعالى لنبيه - ﷺ - بالصبر</span>\nأما الآية الأولى وهي آية سورة غافر فقد جاءت بعد أن بين الله تعالى لرسوله - ﷺ - أنه تعالى ينصر رسله وعباده المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم ذكر أن اليوم الآخر لا تنفع الظالمين فيه معذرتهم، ووصمهم بأن لهم اللعنة ولهم سوء الدار، ثم ذكر أنه تعالى آتى موسى الهدى وأورث بني إسرائيل الكتاب وجعله هدى وذكرى لأولي الألباب للتأسي بموسى - ﷺ - في صبره على أذى قومه.\nثم وجه الخطاب لنبيه محمد - ﷺ - فقال له (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) الآية.\nوهذا السياق مشعر بأن المعاندين من الكفرة المشركين كانوا في موقف مع النبي - ﷺ - يشعر بالشدة وسوء اللقاء فأخبره الله تعالى بأنه سبحانه ناصر رسله وناصر المؤمنين، وأن هؤلاء المعاندين سيلقون جزاءهم في الدار الآخرة، وذكر له بعد ذلك أنه أنزل على عبده موسى التوراة وجعلها هدى وذكرى لأولى الألباب.\nوهذا السياق تضمن أن النبي - ﷺ - كان في حالة من ضيق الصدر والضجر لما يلقاه من أعداء دعوته المعاندين المستكبرين من إعراض ومعوقات يقيمونها أمام نشر دعوته وتبليغ رسالته، فكان ما سبق آية","vol":"1","page":118},{"text":"(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) فيه تنبيه إلى التأسي بما كان لأنبياء الله ورسله، وذكر منهم كليمه موسى ﵊ ووعده إياهم بالنصر.\nففي هذا تسلية للنبي - ﷺ - وأمر له بالتأسي بإخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال له: (فَاصْبِرْ) ثم عقب ذلك بأن وعد الله المتضمن لنصر الرسل والمؤمنين في الدنيا والآخرة حق ثابت لا ريب فيه آت لا يتخلف.\nثم أمر الله رسوله - ﷺ - بالاستغفار لما كان منه من الضجر وضيق الصدر.\nثم عقب ﷾ الأمر بالاستغفار بطلب التسبيح والتحميد استغراقًا لسائر أوقاته العبر عنها \" بالعشي والإبكار \" حتى لا يفرغ لحظة من اللحظات يضيق فيها صدره ويضجر لما كان يلقاه وهو دائب على تبليغ رسالته ونشر دعوته وتحمل ما يلقى في سبيلها \" فإن من كان لله كان الله له \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>دلالة أمره - ﷺ - بالاستغفار في سورة محمد</span>\nأما الآية الثانية -وهي آية سورة محمد- فقد جاءت عقب بيان حال المنافقين الذين يستمعون إلى الرسول - ﷺ - فإذا خرجوا من عنده تجاهلوا ما سهوا، وتغافلوا عنه قالوا مستهزئين: \" ماذا قال آنفًا؟ \".\nوبعد بيان أن هؤلاء المنافقين طبع الله على قلوبهم وسد منها منافذ الهداية أن تدخل إليها، بين أن المؤمنين المهتدين يزيدهم ما يسمعون منه - ﷺ - هدى وتقوى.","vol":"1","page":119},{"text":"ثم ذكر عن هؤلاء المنافقين أنَّهم في حالهم هذا لا ينتظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وقد جاءتهم أشراطها وعلاماتها فلن تنفعهم ذكراهم.\nثم قال لرسول الله - ﷺ (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) الآية، وهذا السياق مؤذن بأن المنافقين كانوا في نفاقهم معوقين للرسالة مستهزئين بالرسول - ﷺ - وبما جاء به من الهدى -شأنهم في ذلك شأن المشركين المعاندين المستكبرين الذين ذكروا في آية سورة غافر- وأن المؤمنين هم المستعدون لقبول الهداية، وهم الذين تنفعهم الذكرى إذا ذكروا.\nفأمر الله تعالى رسوله ﵊ بعلم ما يعلمه من توحيده وانفراده تعالى بالربوبية، ووجوب تفريده بالعبودبة تيئيس له - ﷺ - من هؤلاء المنافقين الذين طبع الله على قلوبهم وأمر له بالتطهر من أن يسمع لقولهم أو يصغى إلى استهزائهم وسخريتهم.\nولذلك أمر بالاستغفار لما سمى ذنبًا مسندًا إليه باعتبار ما يشغل قلبه الطاهر لو لم ينصرف عنهم وييأس منهم.\nوطلب منه الاستغفار للمؤمنين المهتدين الذين يزيدهم الهدى هدى وتقوى تشريكًا معه - ﷺ - في استغفاره لنفسه تشريفًا لهم وتنويهًا بمقامهم من الإيمان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>دلالته في آية سورة الفتح</span>\nأما الآية الثالثة -وهي آية سورة الفتح- فقد افتتحت بها أعظم نعمة مَنَّ الله تعالى بها على نبيه - ﷺ -، تلك النعمة هي البشرى بالفتح المبين، والبشرى بالتطهير الدائم للنبي - ﷺ - من كل ما كان يعتريه من الضيق والضجر في سبيل تبليغ رسالته لأن هذا الفتح المبين كان أساسًا لإتمام النعمة عليه - ﷺ -، وهدايته الدائمة إلى الصراط المستقيم، ونصر الله له نصرًا","vol":"1","page":120},{"text":"عزيزًا أعزه الله به وأعز به دينه وأعز به أصحابه المؤمنين فكان ذلك أعظم نعمة على رسول الله - ﷺ -، إذ بعد فتح مكة -المبشر به- صارت الدعوة الإسلامية ظاهرة غالبة \"، وأقبلت وفود العرب إلى رسول الله - ﷺ - من كل وجه يدخلون في دين الله أفواجًا، فزال عن رسول الله - ﷺ - ما كان يضيق به صدره ويضجره من صد وصدود المشركين من دعوته وتحقق له النصر المؤزر والظفر القاهر لأعدائه، وفتح أمام دعوته الطريق فانتشرت في العالم وخفق لواؤها على ربوع المعمور من الأرض.\nوبهذا تمت نعمة الله على رسوله وعباده المؤمنين، وتتابع النصر في الجهاد وتبليغ الرسالة، فكان نصرًا عزيزًا قويًا غالبًا ثم يتحقق مثله لدعوة من دعوات الأنبياء والمرسلين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>تهنئة وتطلع</span>\nوقد فهم الصحابة - ﵃ - من هذه البشرى قدر ما أنعم الله به على رسوله - ﷺ - فهنّأَوه على هذا الفتح المبين والتطهير العظيم، وإتمام النعمة وتحقق النصر فقالوا له - ﷺ - فيما رواه البخاري: \" هنيئًا مريئًا فما لنا؟ \" فأنزل الله تعالى: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥».\n* * *","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>التوبة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>التوبة لغة</span>\nترجع مادة التوبة ومثلها مادة (الإنابة) وما تصرف منهما في الاستعمال اللغوي إلى الرجوع، يقال: \" تاب وناب وأناب إذا رجع \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>اختلاف التوبة باختلاف التائبين</span>\nوعلى ذلك تكون التوبة في الاصطلاح الشرعي مختلفة المعنى باختلاف التائبين، فإن كان التائبون ممن يجوز وقوع الذنوب والمخالفات منهم فمعنى التوبة بالنسبة لهم رجوعهم عما وقع منهم بالندم على فعله والعزم على عدم العودة إليه.\nوإن كان التائب ممن لا يجوز أن يقع منه ذنب بمخالفة أمر أو نهي كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالتوبة منه الرجوع عن حالة في مقام العبودية إلى حالة أرفع منها.\nوعلى هذا الأساس تُنَزَّل معاني الآيات التي أسندت فيها التوبة إخبارًا عن النبي - ﷺ -.\n* * *\n١ - بينا في باب العصمة أن الاتفاق واقع بين سائر الطوائف على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من وقوع الذنوب منهم بعد النبوة عمدًا صغائر وكبائر.\n٢ - اختلف الناس في جواز وقوع الذنوب منهم عليهم الصلاة والسلام بعد النبوة سهوًا أو نسيانًا.","vol":"1","page":122},{"text":"ومذهب جمهور أهل السنة أن هذا لاحق بالقسم الأول لا يجوز عليهم وقوعه منهم.\n٣ - ذهب فريق من العلماء إلى عدم جواز وقوع الذنوب منهم عمدًا قبل النبوة وهي جائزة منهم سهوًا أو نسيانًا قبلها.\nوجمهور العلماء على جواز وقوع الذنوب منهم قبل النبوة عمدًا أو نسيانًا وهذا في الذنوب التي لا تخدش المروءة ولا تلحق بصاحبها ذلًا أو مهانة أو نقصًا.\nعلى أساس هذا البيان رجحنا مذهب جمهور أهل السنة من أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام في مقدمتهم سيدنا محمد رسول الله - ﷺ - خاتم النبيين والمرسلين- معصومون من وقوع الذنب منهم عمدًا أو نسيانًا بعد النبوة باتفاق، وقبلها ترجيحًا.\nثم ذكرنا فصلًا مسهبًا في اجتهاد النبي - ﷺ - بينا فيه حقه ﵊ في الاجتهاد وأنه مأذون له فيه من الله تعالى فيما لم ينزل عليه به وحي.\nوهذا الإذن يقتضي جواز اجتهاد النبي - ﷺ - في كل حادثة تعرض له أو للمسلمين، ولم ينزل عليه فيها وحي أن يبذل جهده وتفكيره فيما يحقق صالح الإسلام والمسلمين.\nوعلى هذا جرى رسول الله - ﷺ - في حياته الكريمة ينزل عليه الوحى\nفيتبع أمر ربه بما جاءه به، وتعرض الحادثة من حوادث المجتمع الإسلامي ويتأخر الوحي قليلًا أو كثيرًا وتتطلب المصلحة الكشف عن حكم هذه الحادثة فيجتهد النبي - ﷺ - فيها، ويخبر بالحكم الذي أداه إليه فيها اجتهاده.","vol":"1","page":123},{"text":"وقد يكون هذا الاجتهاد صوابًا فيقره الله تعالى عليه فيصبح وحيًا، وقد يكون هذا الاجتهاد خطأ فينزل علية الوحي بتصويب ما أخطأ فيه ﵊ فيثبت الحكم بالوحي، ويصدق في كلا الحالين أنه - ﷺ - اتبع ما يوحى إليه من ربه، وما نطق عن الهوى.\n* * *","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>آيات عتاب المصطفى - ﷺ </span>-\nبينا -فيما سبق- أن العتاب لرسول الله - ﷺ - في آيات القرآن -التي غلب على ظني أنها موضع عتاب له ﵊- لا يخرج عن ثلاثة أنواع رئيسية، وقد بينت حقيقة هذه الأنواع والمقصود منها.\nوآتي الآن إلى تفصيلها، وعرض الآيات التي تمثل كل نوع منها كل على حدة آملًا من الله تعالى التوفيق والهداية إلى ما فيه السداد وحسن الأدب في بيان المراد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>النوع الأول</span>\nمن أنواع عتاب الرسول - ﷺ - هو ما سميناه (عتاب التوجيه) -كما سبق أن أوضحنا ذلك- وهو يشمل حالين من أحوال رسول الله - ﷺ - في دعوته إلى الله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الحال الأول من عتاب التوجيه</span>\nالحال الأول: حينما فجأه الوحي بالرسالة والأمر بتبليغها إلى الخلق في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢». وهي أول آية نزلت بالإنذار العام، وقد وجد رسول الله - ﷺ - نفسه وحيدًا في هذا الشأن، وليس معه أحد على مثل ما طلب منه فاستعظم على نفسه إخراج الناس مما هم فيه من كفر وضلال إلى الهدى والنور، فضاق صدره الشريف الطاهر ذرعًا، وتهيب أن يواجه الناس بالتبليغ خشية أن يكذبوه، ويردوا عليه رسالته، فصمت، ولم يسارع إلى أمر الله بالإنذار، فإن ما كلف به من","vol":"1","page":125},{"text":"مواجهة الناس بأن يعبدوا الله إلهًا واحدًا ويتركوا ما ألفوه هم وآباؤهم من عبادة الآلهة المتعددة لأمر جلل في معيارهم الفكري، وعرفهم الجاهلي تنخلع له قلوبهم، يهبون لرده عن بكرة أبيهم ذودًا عن كيانهم، وإبقاء على معتقدهم القديم.\nفليس من اليسير إذن مواجهتهم حالًا بما يكرهون، إذ الإقدام على ذلك -دون تريث وأعمال فكر في أنجع السبل التي تكفل ولو في ظاهر الحال حسن استجابتهم- قد يكون سببًا لصدودهم عنه وعدم قبولهم منه وذلك معناه الاستهداف لسهامه، والتعرض لغضبهم، والوقوع في نقمتهم.\nفي ظل هذا الموقف تريث رسول الله - ﷺ - في إبلاغ قومه، وصمت، ولعله في ذلك كان يتلمس أفضل السبل التي يمكنه بها إبلاغ ما أمره الله به إليهم بسبيل تكون أقرب إلى الاستجابة فنزل عليه جبريل - ﵇ - فأمره أن يسرع إلى تبليغ أمر ربه، وإلا تعرض لعذابه، روى الإمام البخاري -في كتاب \" خلق أفعال العباد \"-. عن أبي الأحوص عن أبيه قال: \" أتيت النبي - ﷺ -، فصعد في النظر وصوب، قلت: إلى م تدعو؟ وعم تنهى؟ قال: \" لا شيء إلا الله والرحم \" قال: \" أتتني رسالة من ربي فضقت بها ذرعًا، ورأيت أن الناس سيكذبونني فقيل لي: لتفعلن أو ليفعلن بك \".","vol":"1","page":126},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -في الفتح-: \" وأصله في السنن، وصححه ابن حبان والحاكم \".\nوفي صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: \" رب إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة \".\nوأخرج ابن راهويه في مسنده - كما ذكره الآلوسى في روح المعاني من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" بعثني الله تعالى بالرسالة فضقت بها ذرعًا، فأوحى الله تعالى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت \".\nقال القرطبي في تفسيره: \": قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ -: \" لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعًا، وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية \" أي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).\nقال السيوطي: \" وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل من طرق عن علي - ﵁ - قال:","vol":"1","page":127},{"text":"\" لما نزلت هذه الآية على رسول الله - ﷺ - (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله - ﷺ - فقال: \" يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعًا، وعرفت أني مهما أبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاء جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم ْتفعل ما تؤمر به يعذبك ربك \".\nوروى البيهقي في الدلائل عن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أن الله\nتعالى لما أمر نبيه - ﷺ - بأن يعلم الناس نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان\nبه كبر عليه ذلك وخاف التكذيب، وأنْ يتناول، فنزل عليه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).\nوأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله - ﷺ - قال: \" إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني \" فأنزلت (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)","vol":"1","page":128},{"text":"وزاد الآلوسي -في روح المعاني- إسناده إلى ابن حبان في تفسيره.\nقال السيوطي: \" وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد \" قال: لما نزلت (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) قال رسول الله - ﷺ -: \" يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع على الناس \" فنزلت (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).\nكان نزول هذه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) باعثًا قويًا في تجديد عزيمة رسول الله - ﷺ - وتقوية إرادته على تبليغ رسالته، ودافعًا قويًا على الامتثال مهما لاقى في سبيل ذلك من شدائد وأزمات لما في الأمر من وجوب التبليغ ولما في خطاب الآية من الشدة عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>من تَلَطُّف الله برسوله - ﷺ - في الخطاب</span>\nوقد علم الله تعالى ذلك من رسوله - ﷺ - فتلطف به لتخفيف ما وقع على قلبه الرحيم الطاهر من شدة الخطاب فأنزل عليه بعد ذلك قوله تعالى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ليلفت نظره إلى أنه هو في رسالته قوة قاهرة لا تغلبها قوة ولكنه ﷾ قد جعل له سببلًا من الأسباب الظاهرة التي تخفف عنه - ﷺ - شدائد الخطاب، وتبعث في قلبه الطمأنينة فقال له: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الحال الأولى</span>\nفإن الأمر بإنذار عشيرته الأقربين -وهو أمر بالإنذار الخاص بعد تقدم درس التربية بخطاب «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. . .) الآية له حكمته الخاصة، وهو أن يأنس الرسول - ﷺ - بطبيعته البشرية إلى أنه سيجد بجانبه من يقف معه إيمانًا أو حمية فيزيده ذلك إسراعًا في امتثال أمر الله تعالى إلى التبليغ، ولذلك جاء في حديث علي - ﵁ - الذي قدمنا صدره ومن خرجه- أن رسول الله - ﷺ - لما نزلت عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعا عليًا فقال له: \" اصنع لي صاعًا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واجعل لنا عسًا من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأبلّغ ما أُمرت به \" قال علي: ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلًا يزيدون رجلًا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول النبي - ﷺ - بضعة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال: \" كلوا بسم الله \" فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال: \" اسق القوم يا علي \" فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعًا وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد النبي - ﷺ - أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم. فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي - ﷺ -. فلما كان الغد قال: \" يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق","vol":"1","page":130},{"text":"القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ثم اجمعهم لي \" ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا، ثم تكلم النبي - ﷺ - فقال: \" يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحدًا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه. . \".\nوحديث علي هذا مروي مجزأ بطرق ليس فيها طعن فقوله \" ضقت بها ذرعًا \" موجود في حديث أبي الأحوص، وحديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس، وفي مرسل الحسن السابقة، وقصة صنع الطعام ومبادرة أبي لهب لرسول الله - ﷺ - بما يكره موجودة في حديث البراء عند ابن مردويه.\nوقصة اجتماع القوم لدعوتهم إلى الله تعالى موجودة في صحيح البخاري، وجمع ناس من أهله - ﷺ - في مسند الإمام أحمد.\nواعتبر الحافظ ابن كثير -في البداية والنهاية- أن في طريق ابن أبي حاتم شاهدًا لحديث علي الذي سقناه آنفًا ثم قال فيها أيضًا: \" وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الأسدي، وربيعة ابن","vol":"1","page":131},{"text":"ناجذ عن علي أيضًا نحو ما تقدم أو كالشاهد له.\nوذكر الحافظ ابن حجر -في الفتح- قطعتين من حديث علي هذا وأسند إخراجه إلى ابن إسحاق والطبري والبيهقي في الدلائل ولم يذكر فيه طعنًا، وأشار إلى أن حديث علي هذا هو عند ابن أبي حاتم من وجه آخر \" وذكر في إحدى القطعتين ما بين الروايتين من اختلاف في عدد من حضر الطعام الذي دعا رسول الله - ﷺ - إليه القوم من عشيرته لما نزلت الآية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الحال الثانية</span>\nبعد أن أنذر رسول الله - ﷺ - عشيرته الأقربين في اجتماعه بهم وبلغهم أنه جاءهم بخير الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى أمره أن يدعوهم إليه فبدره أبو لهب بما بدره به من الإعراض عن الهداية وعدم قبول الإيمان وقام القوم، وتفرقوا عنه، وبلغ هذا الموقف ملأ قريش وطواغيتهم فاشتدت عداوة قريش لرسول الله - ﷺ -، واشتد إيذاؤهم له ولأصحابه، فاشتدت عزيمة رسول الله - ﷺ - وتعالت في مواجهة التحدي، ومضى قدمًا في تبليغ رسالته والدعوة إليها لا يبالي من قريش غضبهم أو سخطهم إذا أسمعهم ما أنزل إليه في شأن آلهتهم، وتسفيه أحلامهم فكان أبو طالب يحرسه ويرسل معه -إذا خرج- بعض بني هاشم ليحرسوه فأنزل الله تعالى عليه قوله عز شأنه (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فترك رسول الله - ﷺ - الحرس.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>حراسة فتيان بني هاشم لرسول الله - ﷺ </span>-\nروى ابن كثير عن ابن مردويه والطبراني، وأخرج السيوطي عنهما أيضًا وعن أبي الشيخ وأبي نعيم في الدلائل وابن عساكر وكذلك الآلوسي في تفسيره عمن تقدم ما عدا الطبراني عن ابن عباس - ﵄ - قال: \" كان رسول الله - ﷺ - يحرس فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالًا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه كعادته فقال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله قد عصمني من الجن والإنس \".\nوروى ابن كثير والسيوطي في تفسيريهما عن ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فذهب ليبعث معه فقال: \" يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة إلى من تبعث \".\nومعنى الآية يقتضي أنها نزلت بمكة أيام الشدائد والأزمات التي كانت تعترض رسول الله - ﷺ - وهو يدعو قومه ويبلغهم ما أنزل إليه من ربه، وفيه عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم فكانوا ينفرون منه لذلك.","vol":"1","page":133},{"text":"فحوى الخطاب بهذه الآية\nوأسلوبها بما فيه من قوة وتحذير يقتضى أنَّهَا واردة على أمر اقتضاه حفزًا لعزيمة رسول الله - ﷺ - وتقوية لإرادته على التبليغ رغم ما فيه مما ينفرهم فكأنه قيل له: بلغ ما أنزل إليك من ربك غير مبال بهم ولا خائفًا شيئا من قبلهم أو من غيرهم فقد تكفل الله بعصمتك منهم ومنعهم من أن يقتلوك أو يكفوك عن أداء رسالة ربك فأنت الظاهر عليهم ولك العقبى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>العباس أحد حراس رسول الله - ﷺ </span>-\nروى ابن كثير عن ابن مردويه، والسيوطي في الدر عنه وعن الطبراني عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: \" كان العباس عم رسول الله - ﷺ - فيمن يحرسه فلما نزلت هذه الآية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ترك رسول الله - ﷺ - الحرس \".\nوالعباس في حراسته هذه لرسول الله - ﷺ - هو -بلا شك- أحد فتيان بني هاشم الذين كان يبعثهم أبو طالب كل يوم لحراسة رسول الله - ﷺ -.\nوذهاب الحافظ لبن حجر -في الفتح- إلى أن ملازمة العباس لرسول الله - ﷺ - إنما كانت بعد فتح مكة عدول منه - رحمه الله تعالى - عما تلهمه الآية ويقتضيه حال الدعوة في مستهلها من حاجة الرسول - ﷺ - إلى العصمة من الناس ليتمكن من إبلاغهم ما أمره الله بتبليغهم إياه.\nواستدلاله على ما ذهب إليه بما ورد في الأخبار من أن رسول الله - ﷺ - حرس في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي رجوعه من خيبر وفي وادي القرى وفي عمرة القضية وفي حنين،: هذا يقتضى عنده نزول الآية متراخية عن","vol":"1","page":134},{"text":"وقعة حنين غير مسلم من وجهين:\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>(ملازمة العباس لرسول الله - ﷺ)</span>\nالوجه الأول: أن ملازمة العباس للرسول - ﷺ - ومداومته عليها كانت معلومة للناس بمكة قبل الهجرة، فقد كان من لا يعرف شخص رسول الله - ﷺ - من العرب، ولم يسبق له أن رآه، ويعرف عمه العباس فإنه يدل على رسول الله - ﷺ - بأنه الرجل الذي يجلس مع العباس بن عبد المطلب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>(قدوم البراء وكعب ابن مالك على رسول الله - ﷺ)</span>\nومن أمثلة ذلك ما روى ابن سيد الناس في عيون الأثر، وابن كثير في البداية والنهاية من أن البراء بن معرور، وكعب بن مالك الأنصاريين ﵄ قدما مكة عام بيعة العقبة الكبرى - وكانا قد أسلما في المدينة على يد مصعب ابن عمير - ﵁ - فذهبا يسألان أهل مكة عن رسول الله - ﷺ - ولم يكونا يعرفانه ولا سبق لهما أن رأياه فأخبرهما رجل من أهل مكة بأنه الرجل الذي يجلس مع العباس بن عبد المطلب في المسجد، قال البراء: \" خرجنا في حجاج قومنا من المشركين. . حتى قدمنا مكة. . فخرجنا نسأل عن رسول الله - ﷺ - وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك - فلقينا رجلًا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله - ﷺ - فقال: هل تعرفانه؟ قلنا: لا. فقال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قال:","vol":"1","page":135},{"text":"قلنا: نعم -وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا- قال: فإذا دخلت المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس، قال: فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله - ﷺ - جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله - ﷺ - للعباس: \" هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ \" قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك، قال: \" كعب بن مالك \" فوالله ما أنسى قول رسول الله - ﷺ - \" الشاعر؟ \" قال: نعم \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>(حضور العباس بيعة العقبة الكبرى)</span>\nومما يؤيد ملازمة العباس لرسول الله - ﷺ - بمكة قبل الهجرة أيضًا -وهي بلا ريب ذات هدف سام أهم ما فيها حراسة رسول الله - ﷺ - من أعدائه- أن العباس لم يترك رسول الله ﵊ وحده حتى في هجوع الليل، وسكون الأرواح فيه فقد حضر العباس مع رسول الله - ﷺ - بيعة العقبة الكبرى التي تمت بين رسول الله - ﷺ - وبين الأنصار بعد أن مضى ثلث الليل كما جاءت الروايات بذلك، فقد كان العباس بن عبد الطلب أول متكلم في اجتماع الأنصار برسول الله - ﷺ - في تلك الليلة فقال: \" يا معشر\nالخزرج. . إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عزة من قومه، ومنعة في بلده. . فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما عملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. . \"","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>(أسباب حراسته - ﷺ - بمكة)</span>\nفحراسات رسول الله - ﷺ - بمكة من قبل أهله وعشيرته كانت لأسباب عامة، الغرض منها حماية محمد - ﷺ - وهو منهم في الذروة لرد اعتداء قريش عنه ومنع طغيانها عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>(أسباب حراسته - ﷺ - بالمدينة)</span>\nالوجه الثاني: إن حراسته - ﷺ - بعد الهجرة كانت جميعها لأسباب خاصة. وباستقصاء الأسباب الخاصة لحراسة رسول الله - ﷺ - في المدينة نراها إما في أول مقدمه المدينة كما في حديث عائشة ﵂ عند البخاري أنها قالت: \" أرق النبي - ﷺ - ذات ليلة فقال: \" ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة \" إذ سمعنا صوت السلاح قال؟ \" من هذا؟ \" قال سعد: يا رسول الله جئت أحرسك، فنام النبي - ﷺ - حتى سمعنا غطيطه \" وهو في مسلم عنها بلفظ \" سهر رسول الله - ﷺ - مقدمه المدينة ليلة فقال: \" فذكره.\nوهو عند الترمذي عنها أيضًا قالت: \" كان النبي - ﷺ - يحرس حتى نزلت هذه الآية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فأخرج رسول الله - ﷺ - رأسه من القبة فقال لهم: \" يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>(حراسة أبي أيوب رسول الله - ﷺ - ليلة بنائه بصفية)</span>\nأو أن تكون أسباب حراسته - ﷺ - أمورًا داخلية. خاصة به كما في حراسة أبي أيوب - ﵁ - لرسول الله - ﷺ - ليلة بنائه ﵊ بصفية وهو عائد من خيبر فقد بَيَّنَ أبو أيوب سبب حراسته لرسول الله - ﷺ - حين","vol":"1","page":137},{"text":"سأله رسول الله - ﷺ - عن حراسته له فقال أبو أيوب: \" خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك \" فقال رسول الله - ﷺ -: \" اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني \".\nأو أن تكون وقائع حربية كما في حراسته - ﷺ - في بدر وأحد والخندق وحنين وغيرها من المشاهد الحربية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>(مشروعية حراسة ولي الأمر)</span>\nوهذه جميعها أمور يجب أن يحرس فيها الإمام والقائد، ورسول الله - ﷺ - كان يعلم قطعًا في هذه الحراسات الخاصة أنه معصوم ولكنه طلبها أو أقرها تشريعًا لأمته وحماية لكيان الجيش من التفرق وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر نفسه: \" وإنما عانى النبي - ﷺ - ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل وأيضًا فالتوكل لا ينافي تعاطى الأسباب لأن التوكل عمل القلب وهي عمل البدن. . وقد قال ﵊: \" اعقلها وتوكل \". . قال: وقال القرطبي: ليس في الآية ما ينافي الحراسة كما أنه ليس في إعلام الله نصر دينه وإظهاره ما يمنع الأمر بالقتال وإعداد العدد \".\nأما حديث عاثشة السابق فاختلاف ألفاظ الروايات فيه تشير إلى أنها حدثت أولًا كل أمر سمعته من غيرها كما في حديث الترمذي - وهذا هو ما ذكرت فيه نزول الآية وهو محتمل احتمالا قويًا أن يكون في مكة","vol":"1","page":138},{"text":"فلا حجة فيه لمن يتمسك بمدنية الآية لأنه كما \" لا يخفى ليس بنص في المقصود كما قال الألوسي في تفسيره.\nوهي ﵂ تحدثت مرة أخرى عما رأته وشاهدته وكانت فيه مع رسول الله - ﷺ - بدليل رواية الإمام أحمد \" وهي إلى جنبه \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>(وثوق الرسول - ﷺ - بعصمة الله له)</span>\nومما يؤيد القول بمكيتها ما كان يجابه الرسول - ﷺ - به المشركين من شديد القول ومؤلم الزجر والإنذار، وبروزه وتعرفه لهم في ساعات استطارة الشر واستعار الغضب غير هائب ولا خائف منهم ذلًا ولا غلبة، فقد قال - ﷺ - لابنته زينب - ﵂ - لما بكت عليه حين رأت إطباق المشركين على أذاه وتطاولهم عليه في مجمع من الناس بمكة في موسم حج من مواسمها فجاءته مذعورة تحمل إليه ماء وقد بدا نحرها من شدة الخوف عليه - مطمئنًا إياها: \" يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلًا \" وفي عيون الأثر وسيرة ابن هشام \" يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك \".\nفهذا يدل بما لا مجال للريب فيه أنه - ﷺ - كان على يقين من عصمة الله تعالى له من جميع ما يكيدون ويدبرون.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>ظهور القول بمكية (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)</span>\nوأيضًا فإن القول بمدنية هذه الآية مع ما في أسلوبها من شدة الأمر بالتبليغ والتحريض عليه والتوعد على التقصير فيه يتنافى مع ما كان عليه","vol":"1","page":139},{"text":"رسول الله - ﷺ - في المدينة من عزة ومنعة مكنته من الوفور على التبليغ ونشر الدعوة بقوة ونقلها إلى خارج المدينة التي هو فيها سيد الموقف وبيده المبادأة متى أرادها. بل كيف يتأتى القول أن تترك عليه آية العصمة من الناس في المدينة وهو للعصمة أحوج في مطلع الرسالة منه إليها في آخرها وسورة \" المائدة من آخر القرآن تنزيلًا ... \".\nوتأييده - ﷺ - في المدينة بالمؤمنين ظاهر في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) فلا معنى لإخباره -على القول بمدنية آية العصمة من الناس- بعصمته من الناس وقد عرفه قبلًا أنه مؤيد بنصره وبالمؤمنين.\nوتعليل ابن كثير نكارة حديث جابر بن عبد الله - في بعث أبي طالب حراسًا مع رسول الله - ﷺ - - بأن \" هذه الآية مدنية وهذا الحديث يقتضي أنها مكية \" غير مسلم لأن دعواه مدنية هذه الآية لم يقم عليها دليلًا سوى ما يظهر من أنها موجودة في نظم التلاوة في سورة مدنية.\nووجود الآية في سورة مدنية لا يستلزم كونها مدنية، لأن كثيرًا من الآيات المكية وضعت توقيفًا منه - ﷺ - في سور مدنية وكثيرًا من الآيات المدنية وضعت توقيفًا في سور مكية.","vol":"1","page":140},{"text":"وبهذا أيضًا يرد على القرطبي فيما ذهب إليه من أن حديث ابن عباس - ﵄ - -الذي سبق أن سقناه- يقتضي مكية هذه الآية والسورة مدنية بإجماع. فمدنية السورة لا يمنع من وجود آية أو آيات مكيات فيها.\nودعوى أبي حبان في البحر أن مكية هذه الآية يجعلها أجنبية بالنسبة لما قبلها وما بعدها لأنه في قصة اليهود والنصارى - في مسلمة أيضًا لأن وجود آية بين آيات منسجمة معها في المعنى متسقة في الربط والتناسب لا يلزمه اتحاد زمن نزول هذه الآيات إذ كثيرًا ما تكون الآية مكية لكنها مناسبة لمعاني آيات مدنية اقتضت وضعها بينها توقيفًا من رسول الله - ﷺ -.\nوبهذا البيان الذي صور حالة الرسول - ﷺ - في مطلع رسالته وموقف أعدائه المشركين منه ومن دعوته وانتصابهم لإيذائه وإيذاء أصحابه وإقامة العوائق أمامه في دعوته وما كان يضيق به صدره الشريف -بما ينزل عليه من آيات تعيب المشركين وتسفه أحلامهم، وأحلام آبائهم وتعيب آلهتهم- من أمره بتبليغ رسالته مهما يكن فيها من شدة على المشركين يفهم ما جاء في آيات وصفت ضيق صدره - ﷺ - بما أنزل إليه من ربه ونهيه عن هذا الضيق وهي التي أطلقنا عليها آيات عتاب التوجيه.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>القسم الأول من عتاب التوجيه</span>\nبينا -فيما سبق- أن المقصود من الحالة الأولى من حالتي عتاب التوجيه لسيدنا رسول الله - ﷺ - هي إشعاره - ﷺبتحميله أمانة القيام بتبليغ رسالته، وتقوية عزيمته في تبليغ ما ينزل عليه من آيات القرآن الكريم مهما بلغ ما فيها من شدة الإنذار والزجر والتهديد وعيب الشرك ومعتنقيه، ومن مات عليه.\nوبالنظر في آيات القرآن الكريم ومطابقتها لوقائع سير الرسالة وتبليغها -مع عدم الجزم بترتيب نزول الآيات- رأينا أن نقف في هذا الترتيب مع وقائع التبليغ التي وردت بها الأحاديث الثابتة في بيان اختلاف مواطن التبليغ، ونشر الدعوة.\nفكانت الآيات التي تعبر عن ضيق صدر النبي - ﷺ - في مطلع الرسالة ومباديها، هي المقصودة بالحديث عن توضيح هذه الحالة، وما جاء فيها من عتاب.\nوأبين موضع يمثل هذ الحالة -في نظرنا- صدر سورة الأعراف: وهو قوله تعالى: (المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢».\nفالكتاب في أسلوب الآية الكريمة هو القرآن الكريم، لأن المخاطب هو المنزل إليه الكتاب، وهو سيدنا رسول الله - ﷺ - خاتم النبيين والمرسلين.","vol":"1","page":142},{"text":"فالكتاب بنص الآية هو القرآن الكريم، وعلى ذلك أجمع المفسرون وتفريع النهي عن أن يحرج صدر رسول الله - ﷺ - بهذا المنزل إليه هو موضع إفادة عتاب التوجيه للرسول - ﷺ - في الآية الكريمة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>(الحرج لغة)</span>\nوالحرج في اللغة هو الضيق الشديد الذي لا يوجد معه في الصدر منفسح، مأخوذ من قولهم \" حرجة للشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها الآكلة \" قال أبو زيد: \" سميت بذلك لالتفافها وضيق المسلك فيها \".\nقال الزجاج في معاني القرآن: \" الحرج في اللغة أضيق الضيق \" وقال ابن الأثير -في النهاية-: \" الحرج في الأصل الضيق \".\nوقد اختلف المفسرون في المراد بالحرج في الآية الكريمة، فذهب كثير منهم إلى أن المراد بالحرج في الآية الكريمة معناه اللغوي: وهو الضيق الشديد.","vol":"1","page":143},{"text":"وذهب غيرهم إلى أن الحرج في الآية معناه الشك. وهذا معنى مجازي للحرج. ثم بيّن القائلون بأن الحرج معناه الشك -لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه- وجهتهم بيد أن عباراتهم اختلفت في المشكوك فيه فقال فريق: \" لا تشك في أنه منزل من الله \". وقال فريق: \" لا تشك في لزوم الإنذار به \". وقال آخرون: \" لا تشك في عدم القدرة على القيام بأدائه وتبليغه \".\nولا وجه للصيرورة إلى المعنى المجازي في الآية مع إمكان المعنى اللغوي الحقيقي فيها، إذ الأخذ بالمعنى الحقيقى للكلمة هو الأصل ولا يعدل عنه إلا لقرينة مانعة من الأخذ به، فما بالك والمعنى في هذه الآية يحتم الأخذ بالحقيقة، لأن الرسول - ﷺ - معصوم من الشك على أي من الوجهين المذكورين في أن القرآن من عند الله أو في عدم لزوم الإنذار به.\nولعل هذا هو مراد أبي حيان في البحر من قوله -بعد أن أورد القول بتفسير الحرج بالشك-: \" وهو تفسير قلق \" وهو بلا ريب أحرى بهذا الوصف وأكثر منه.","vol":"1","page":144},{"text":"وليس معنى هذا امتناع أن يراد معنى مجازي للحرج يليق بمقام الآية كتفسير من فسر الحرج بالخوف من التكذيب، لأن هذا الخوف مع متعلقاته لازم من لوازم ضيق الصدر الطبعي ولا تمنع منه العصمة.\nوليس في روايات ترتيب السور، ولا في أسباب النزول ما يقطع بوقت نزول سورة الأعراف في مكة، والمعهود أن السورة ولا سيما الطول من القرآن لا تنزل آياتها دفعة واحدة، ولم يقل ذلك إلا في الأنعام، فالاحتمال قائم على أن مطلع سورة الأعراف -ومنه الآية التي هي موضع البحث هنا- من أوائل ما نزل من القرآن الكريم بعد الآيات التي قطعت الروايات الصحيحة بأنها أول ما نزل من القرآن العظيم كآيات أوائل سورة \" اقرأ \" وأوائل سورة \" المدثر \".\nوالنظر في الآية التي معنا يفيد -بما احتف به من قرائن كثيرة وما جاء من روايات قدمنا ذكرها وتحقيق ما فيها من ضيق صدر رسول الله - ﷺ - في مطلع هذا البحث - أن هذه الآية مما نزل في أوائل الأمر بالإنذار العام- أي في الوقت الذي كان يعتري رسول الله - ﷺ - فيه ضيق صدره من تبليغ ما أنزل إليه، لأن النهي عن الحرج في الآية يقتضي أن يكون واردًا على سبب اقتضاه.\nوالذي دلت عليه الروايات التي يمكن أن تكون تفسيرًا هذه الآية هو أن رسول الله - ﷺ - لما أعلم أنه رسول الله إلى الناس وأن عليه أن يبلّغ رسالة الله إلى خلقه منذرًا بها، وداعيًا إليها، وهاديًا إلى أحكامها وشرائعها ضاق بها ذرعًا، وتهيب مواجهة الناس بما أنزل إليه فصمت ولم يسرع إلى التبليغ، فنزل عليه جبريل - ﷺ -، وأخبره أنه إن لم يبلغ أمر ربه عرّض نفسه لعذابه.","vol":"1","page":145},{"text":"وسبق أن أوردنا من الأدلة على هذا ما فيه الكفاية.\nوليس بدعًا أن يخاف رسول الله - ﷺ - قومه، وإعراضهم عن دعوة الحق التي بعثه الله بما، وفيهم من المكر والخديعة ما وصفهم الله تعالى به بقوله (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) وقد كان من الرسل من أولى العزم قبله من كان يخاف تكذيب قومه لشدة ما كان يتوقعه منهم من تكذيب وأذى، كما حكى الله تعالى ذلك عن سيدنا موسى ﵊ بقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ).\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>(الغرض من النهي عن الحرج من الإنذار بالقرآن)</span>\nفالنهي عن الحرج في آية الأعراف هذه بيان لما يجب أن يكون عليه رسول الله - ﷺ - من المسارعة في تبليغ ما أنزل الله إليه مهما بلغ ما فيه من تنفير الكافرين وتباعدهم عنه، وما فيه من شدة عليهم لما اشتمل عليه من تسفيه أحلامهم الضالة عن هدى الله تعالى، وعيب آلهتهم وانتقاص آبائهم بما ارتكبوه من جريمة الشرك والإعراض عن توحيد الله.\nكما أن النهي هنا يتضمن أمرًا برفع الحرج من الصدر لأنه إذا لم يحرج صدره منهم استطاع تبليغهم ما أراده الله منه.\nوتهيُّبه - ﷺ - منهم مخالف لهذا الإيجاب، فلذلك نهاه الله تعالى نهيًا متضمنًا لسرعة الإقدام على التبليغ، والتذرُّع بالصبر والاحتمال لما يلقى من شدة الكافرين.","vol":"1","page":146},{"text":"هذا جرْيٌ على تعلق قوله تعالى (لِتُنْذِرَ بِهِ) بالفعل المنهي عنه في قوله (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ).\nوجملة المعنى على هذا هو أن الله تعالى ينهى رسول الله - ﷺ - أن يضيق صدره بالقرآن ليتحقق ما أنزل من أجله وهو الإنذار للمعاندين - الجاحدين والذكرى للمؤمنين الذي يستتبع بصد الكافرين وصدودهم عَنه تننفيرهم وابتعادهم عنه وترغيب المؤمنين وتذكيرهم بنعم الله عليهم ليستديموا موجبات الإيمان والشكر والثبات على الحق.\nوفيه وجه آخر: وهو تعليق قوله (لِتُنْذِرَ بِهِ) بقوله (أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وجاءت جملة النهي (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) متوسطة بين السبب وهو \" الإنذار \" به والمسبب وهو \" المنزل إليه \" تقريرًا لما قبله (وهو الإنزال إليه المقتضى عدم ضيق صدره منه)، وتمهيدًا لما بعده وهو (لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).\nوجملة المعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى يخبر رسوله - ﷺ - بأنه أنزل إليه الكتاب لينذر به، وهذا مقتض للإلزام بالإنذار به فكأنه قيل لرسول الله - ﷺ -: كتاب أنزل إليك لتنذر به فأنت بمقتضى رسالتك المعنونة بإنزال الكتاب إليك ملزم بالإنذار به مهما بلغت آياته من الشدة في تنفير الكافرين عنك.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>(من جميل التلطف في الخطاب برسول الله - ﷺ)</span>\nولما كان في هذا الخطاب شيء من الشدة على رسول الله - ﷺ - تلطف الله به وجعل إلى جانب الإنذار للمعاندين الجاحدين من الكافرين ذكرى للمؤمنين المستجيبين، فقال تعالى: (وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) فكأن إنزال الكتاب اشتمل على أمرين عظيمين:\nالأمر الأول: دفع رسول الله - ﷺ - بقوة إلى إنذار الكافرين بما ينزل إليه من الآيات.\nوالثاني تسليته - ﷺ - في مقام إقدامه على التبليغ بأن الكتاب المنزل إليه ذكرى للمؤمنين يذكرهم بفضل الله وإنعامه وإحسانه إليهم بما هداهم إلى الإيمان.\nأما أن هذا العتاب من قبيل (عتاب التوجيه) فلأنه قصد به نقله ﵊ من حالة التهيب والتأني في التبليغ إلى حالة الدفع والإقدام على تبليغ ما أنزل إليه تقوية لعزيمته وحفزًا لإرادته على التحمل فكأن الله ْتعالى يقول لرسوله - ﷺ - ليكن لك من قوة الإرادة وصلابة العزيمة ما يجعلك لا تبالي بهؤلاء المشركين وإيذائهم وسفاهتهم، وما يجعلك فسيح الصدر لا يضيق صدرك بما يضربونه لك من أمثال ولا بما يقولون من تكذيبك وصد عن سبيل دعوتك، وما عليك إلا أن تنذرهم بطشتنا وبأسنا لعلهم يثوبون فيزدجروا مرتدعين عن ضلالهم وكذلك لتنذر به المؤمنين الذين فتح الله قلوبهم للهداية وقبول الإيمان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>(ثانية آيات العتاب التوجيهي)</span>\nوثانية آيات العتاب التوجيهي لسيدنا رسول الله - ﷺ - بحسب ما وصل إليه بحثي -هي قوله تعالى- في سورة هود - (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا","vol":"1","page":148},{"text":"أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) فقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد أن بيّن الله تعالى حال الإنسان الذي تبطره النعمة ويضجره سلبها، بأنه إذا نزعت منه نعمة -من صحة وأمن ومال وجاه وولد وغيرها مما كان يتمتع بها- بسبب كفره بها وعدم شكره الله عليها، فإنه ييأس من روح الله تعالى، ويقطع رجاءه منه، لعتوه في كفره، وأنه إن ذاق نعماء بعد ضراء مسته نسي ما كان فيه من شدة وبؤس، فبطر وأشر بما أنعم الله عليه، فهو بذلك فخور على الناس منشغل به عن أن يقوم بحقه.\nولم ينج من هذه الصفات السيئة إلا الصابرون على الضراء متى حلت بهم إيمانًا بالله واحتسابًا لثوابه واستسلامًا لقضائه العاملون الصالحات فهؤلاء هم المبشرون بمغفرة من الله لذنوبهم وأجر كبير، وسيد هؤلاء سيدنا محمد - ﷺ - فقد كان المثل الأعلى في الصبر الجميل والصفح العظيم.\nفإقامة الوصف - (صبروا) - في المستثى -وهو صلة الموصول مقام الموصوف وأصله (آمنوا) بدلًا من صبروا- ترغيب لرسول الله - ﷺ - في استدامة ما هو عليه من التذرع بجميل الصبر وقوة الاحتمال في سبيل تبليغ رسالته ونشر دعوته.\nفكان ما سبق قوله تعالى (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) الآية إعدادًا وتهيئة لقبول ما جاء فيها بصدر رحب وقوة لا تقادر للنهض بتبليغ جميع ما أنزل الله إليه، ولذلك \" صدرت بالفاء تفريعًا على ما سبق من الرد عليه، والاستهزاء به، تنبيهًا على سببية ذلك \" في الإشفاق عليه وتحذيره","vol":"1","page":149},{"text":"مما يلحقه، بما تضمنه الاستثناء الذي يقضي بمطالبة الرسول - ﷺ - أن يكون صبره فوق كل صبر كما يشير إلى ذلك وضع \" صبروا \" مكان \" آمنوا \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>ما يدل عليه التعبير بـ (لعل) في هذه الآية</span>\nكما صدرت بـ (لعل) الدالة على الإشفاق المتضمن لمحبة المشفِق -بكسر الفاء- للمشفَق عليه وتحذيره مما يلحقه من الرد عليه والاستهزاء به والإعراض عن دعوته، تلطفًا برسول الله - ﷺ - في (أنه بلغ من حاله في بذل الجهد في تبليغهم مثل حال من يرجون منه أن ييأس منهم فيترك بعض ما يوحى إليه) مما فيه تسفيه لأحلامهم، وسب لآلهتهم وعيب لآبائهم.\nوهذه الآية تجري في شوط آية الأعراف -التي قدمنا الحديث فيها- من جهة أن فيها ذكرًا لضيق صدر رسول الله - ﷺ - ضيقًا بلغ من شدته أن يكون في حالة من يتوقع منه أعداؤه أن يترك بعض ما أنزل إليه لشدة ما بذل من جهد في الأداء دون أن يثمر فيهم.\nوقد استروح ناصر الدين ابن المنير في انتصافه على الكشاف بآية هود هذه على تفسير الحرج بالضيق في آية الأعراف.\nكما استروح إليه الألوسي -في روح المعاني فقال- بعد أن فسر الحرج بالضيق: \" ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ. . .) الآية \".","vol":"1","page":150},{"text":"وهذا المعنى العام يجمع بين هاتين الآيتين آية سورة الأعراف وآية سورة هود هذه.\nوهذا يقتضي مكية آية سورة هود هذه خلافًا لمن زعم أنها مدنية مخالفًا بذلك رأي الجمهور، وهو الذي يتمشى مع مبنى هذه السورة كلها في أنها من قبيل إرشاد الله تعالى نبيه - ﷺ - إلى كيفية الدعوة من مفتتح السورة إلى مختتمها كما صرح بذلك صاحب الكشف فيما نقله عنه الألوسي فِي روح المعاني.\nوقد بينا ما اختصت به آية سورة الأعراف من تعليل النهي عن ضيق الصدر بالإنذار والتذكير، أما هنا في آية سورة هود هذه فنرى ضيق الصدر معللًا بأن المشركين أرادوا من رسول الله - ﷺ - أن يتطلع إلى زخارف الدنيا ليجذب بها قلوب المدعوين إلى الله، فكانوا يقولون لولا أنزل عليه كتر ينفق منه على دعوته ويجتذب به القلوب ويستغني به هو وأصحابه في كسب الأنصار، ويشتري به النفوس، ويستهوي به القلوب.\nفإلم يكن معه كنز فليكن معه ملك يشهد برسالته وصدقه في دعوته.\nوقد جاءهم الرد من الله تعالى على هذا التعنت، والعناد والمكابرة بالباطل ببيان مهمة الرسول - ﷺ -، وأنه في دعوته ورسالته ما هو إلا نذير الكافرين يخوفهم بطش الله تعالى وانتقامه، ويلفت نظرهم إلى ما وقع على أمثالهم من الأمم السابقة الذين أخذهم الله بذنوبهم فلم يترك لهم من باقية.","vol":"1","page":151},{"text":"وهذا الرد شبيه بالرد عليهم فيما تعنتوا به من مقترحات عنادية وطلب آيات لمحض التعنت والعناد، كما جاء في سورة الإسراء -بعد أن حكى الله تعالى ما طلبوه متعنتين- لقوله تعالى: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا).\nثم بيّن لهم أن ما اقترحوه من آيات لم يقصدوا به الإيمان ولو قصدوه لكان في آية واحدة منه غنية عن جميع الآيات المقترحة وقد نزل عليهم القرآن، وتحداهم به، وقال الله تعالى في شأنهم: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) وإن إجابة هذه المقترحات ليس من شأن الرسول - ﷺ - ولا من مهمته وإنما هي من شأن الله تعالى الوكيل على النفوس، الحفيظ عليها، المحصي لأعمالها لمجازاتها في يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت.\nومن هنا جاء ختم هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) حاملًا رفع مسئولية إدخالهم في الهداية عن رسول الله - ﷺ - وتهديدًا قويًا، ووعيدًا شديدًا للكافرين الجاحدين لتوحيد الله الخارجين عن طاعة رسول الله - ﷺ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>(موطن العتاب في هذه الآية الكريمة)</span>\nفموطن العتاب في آية هود هو التشابه الذي بينها وبين آية سورة الأعراف كما بيناه مفصلًا فيما سبق ودليله في أسلوب الآية الكريمة التفريع بالفاء الداخلة على \" لعل \" التي أريد منها التلطف بالنبي - ﷺ - والإشفاق","vol":"1","page":152},{"text":"عليه وتحريك عزيمته وتهييج مشاعره على الثبات أمام ما يلقاه من فوادح الإيذاء والتقول المفترى والتعنت بالمقترحات الباطلة التي رد عليها بما أنزله الله عليه لبيان مهمته بقوله (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ) وقوله (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ).\nوأما أن هذا العتاب من قبيل عتاب التوجيه فهذا ظاهر حيث لم يعقب بما يشعر بلوم أو مؤاخذة وإنما هو محض إرشاد وتوجيه وتبيان لمعالم الطريق التي ينبغي لرسول الله - ﷺ - سلوكها في تبليغ رسالته.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>(الآية الثالثة)</span>\nومن نحو آية سورة هود قوله تعالى -في سورة الحجر- (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧» في أنها تصف النبي - ﷺ - بضيق الصدر مما يقولون.\nوقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن أعداء رسول الله - ﷺ -، وأعداء دعوته المستهزئين المتربصين برسالته الدوائر بعد أن أمره الله تعالى بالصدع بأمر الدعوة، وأن يعرض عن المشركين.\nوعقب آية أمره بالصدع بالدعوة بتبشيره - ﷺ - بأنه تعالى قد أزال من طريقه أولئك المستهزئين الماكرين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر، فكفاه إياهم، ففسح بذلك أمره، ورفع من سبيله ما كان يراه عسرًا فلا يضيق","vol":"1","page":153},{"text":"صدرك أيها الرسول بما يقولون من هجْر القول والتكذيب والاستهزاء والسخرية بك، وبدعوتك التي أرسلك الله بها لتخرجهم من ظلمات جهالة الشرك، والوثنية إلى نور الإيمان والتوحيد، ولا يشغل قلبك أمرهم، فيدخل عليه همًا أو غمًا، ويقتطع شيئًا من وقتك فاصرف قلبك من ذلك، وتوجه إلى الله تعالى بكثرة التسبيح له والسجود لجلاله يكفك ويكشف عنك كل ما يعترض سبيلك من معوقات، ويرفع عنك كل ما تجده من ضيق وحزن لمجرد ما تسمع من مقالات كاذبة تصدر عن أعدائك المشركين.\nوتختلف هذه الآية الكريمة عن الآيتين السابقين في أن ضيق الصدر فيها جاء معللًا \" بما يقولون \" وبيّن في آية سورة هود بعض قولهم، كما بيّن في سور أخرى، وجعل التعليل في آية سورة الأعراف بالإنذار بالكتاب المنزل عليه، والتذكير به.\nوما يقولون محتمل أن يكون من قبيل قولهم في آية سورة هود، وما جاء في مثيلاتها في السور الأخرى.\nوالإبهام هنا -بعدم ذكر ما يقولون- مخفف لوطأة الخطاب، بل يجعل فيه تلطفًا برسول الله - ﷺ - يقتصر على التذكير بما كان فِي صدر رسول الله - ﷺ -، وإنه يراد لهذا الضيق أن يزول فلا يبقى له أثر في صدره الشريف بدليل التفريع بعده في قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩».","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>(موطن العتاب فيها)</span>\nوموطن العتاب في هذه الآية الكريمة أنَّهَا كآية سورة هود وآية سورة الأعراف ذكر فيها ضيق صدر رسول الله - ﷺ - بقول المشركين المستهزئين، وتكذيبهم إياه، وتطلبهم منه -في آية سورة هود- أن يتجه إلى زخارف الدنيا ليكون له منها ما يجتذب به القلوب ويشتري العقول.\nوأما كونه من قبيل عتاب التوجيه فلأنه عقب بطلب التسبيح والتقديس والاستغراق في الفكر في جلال الله تعالى وعظمته ليذهب عنه ما يجد من ضيق الصدر، ولم يعقب بما يدل -من قريب أو بعيد- على ملامة -وحاشاه منها- أو مؤاخذة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>(عتاب الدفع وتقوية العزيمة)</span>\nومما يلحق بآيات عتاب التوجيه -في نوعه الأول (عتاب الدفع وتقوية العزيمة) - ما ورد عن آيات فيها النهي عن الحزن، وعن ضيق الصدر بسبب مكر الماكرين من المشركين.\nوذلك في آيتين:\nالأولى: في آخر سورة النحل - وهي مكية إلا أن هذه الآية وهي قوله تعالى: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) والتي قبلها والتي بعدها، فإنها كما تقول روايات أسباب النزول نزلت في قصة استشهاد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله - ﷺ - في غزوة أُحد.","vol":"1","page":155},{"text":"وقد ضعَّف علماء الحديث ما جاء في قصص السيرة وأسباب النزول من أن رسول الله - ﷺ - أراد التمثيل بأحد من المشركين الذين مثلوا بسيدنا حمزة - ﵁ - إذا ما ظفر بهم يومًا.\nوالثانية: قوله تعالى -في سورة النمل- (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) وهذه مع وحدة الأسباب والألفاظ التي تجعلها في وحدة مع آية سورة النحل جاءت في سياق إنكار المشركين للبعث، وتوعد الله تعالى إياهم بأنه سيوقع بهم ما أوقع بمن قبلهم ممن كانوا على مثل قولهم في إنكار البعث والشرك بالله تعالى والمكابرة.\nولذلك سبقها قول الله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩».\nوهاتان الآيتان إنما ألحقتا بآيات عتاب التوجيه -في نوعه الأول- لما فيهما من النهي عن الحزن وضيق الصدر تقوية لعزيمة رسول الله - ﷺ -: تثبيتًا لإقدامه في تبليغ رسالته دون أن يعتريه ما يكون سببًا في تعويق الدعوة إلى ْالله تعالى ونشرها بين الكافة والخاصة.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>القسم الثاني من عتاب التوجيه</span>\nوهو الذي سميناه عتاب الإقصار والكف عن بعض ما يبذله رسول الله - ﷺ - من المكابدة في التبليغ إبقاء عليه أن يبخع نفسه الشريفة ويقتلها.\nكان ما نزل من الآيات في عتاب الدفع وتقوية العزيمة لرسول الله - ﷺ - مشاعل من النور وقوة في دفع رسول الله - ﷺ - في تبليغ دعوته، وعدم المبالاة بما يلقى في سبيلها من تكذيب، وإيذاء وبلاء، كان يتخطاه رسول الله - ﷺ - بقوة عزيمته، وصارم إرادته، لا يبالي بما يكون، ولا بما يناله من آثار ذلك، ولا يوئسه منهم إعراضهم وصدفهم عن قبول دعوته، وصدودهم عن الاستماع إلى ما ينزل إليه من آيات ربه، بل كان دؤوبًا صادق العزم، قوي الإرادة حتى بلغ من شدة حرصه عليهم ما كفه الله تعالى عن بعضه وأمره بالتخفيف منه قليلًا ليكون دائمًا على أهبة التبليغ، ونشر الدعوة، فلا يؤخره صد منهم عن سبيل الله، ولا إعراض عنه.\nوكان ذلك جهدًا فوق طاقته - ﷺ - ولكنه مهد السبيل لسير الدعوة، وتبليغها رغم ما كان فيه من إجهاد لطاقة رسول الله - ﷺ -، فتلطف الله به وأنزل عليه آيات للإقصار والكف عن المبالغة في الجهد حتى لا يصيبه - ﷺ - من المشاق والمتاعب، والنصب ما يعوق الرسالة عن سيرها، فكان ذلك ما قصدناه من عتاب الإقصار والكف.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>(آيات عتاب الإقصار)</span>\nوقد تمثل هذا القسم في ثلاث آيات من القرآن الكريم حسب ما وصلنا إليه في البحث.","vol":"1","page":157},{"text":"الآية الأولى -في أول سوره الكهف- هي قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦».\nالآية الثانية في -أول سورة الشعراء- هى قوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣».\nالآية الثالثة -في سورة فاطر- هى قوله تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨».\nأما الآية الأولى -آية سورة الكهف- فوردت في سياق آيات بينت أن الحمد لله الذي أنزل الكتاب المستقيم الذي لا التواء في نظمه، ولا تهافت في معانيه وأحكامه، ولا اختلاف في حقائقه قيمًا بمصالح العباد الدينية والدنيوية، وافيًا بها، مصدقًا لما قبله من الكتب شاهدًا بصحتها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>(تضمُّن القرآن وجوه الخير)</span>\nأنزله على عبده ورسوله سيدنا محمد - ﷺ -، فهو يوجهه به لما فيه خيره وخير دعوته، والمدعوين إليها، مرة بدفعه وشد عزيمته في سبيل التبليغ، وأخرى بإقصاره فيه للوقوف به عندما أمره به من تبيين أسباب الهداية، وفائدتها في العاجلة والآجلة، وترك ما وراء ذلك لله تعالى الذي يحاسب كل نفس بما كسبت.","vol":"1","page":158},{"text":"ثم بينت هذه الآيات الكريمة أن الغرض من إنزال الكتاب هو إنذار الكافرين، وتحذيرهم من عذاب شديد ينزل بهم من عند الله تعالى إن لم يؤمنوا بوحدانيته ويتبعوا رسوله محمدًا - ﷺ -، وتبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بما أعده الله تعالى لهم من أجر حسن في الآخرة، وديمومة لهذا الأجر العظيم.\nثم تعود الآيات الكريمة لتذكر نوعًا خاصًا ممن عمهم الإنذار السابق من \" مستحقي البأس الشديد إيذانًا بفظاعة، وشناعة كفرهم بالله \" في تقولهم عليه تعالى بما ليس لهم ولا لآبائهم علم به في افترائهم على أن لله ولدًا سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.\nوهنا يوجه الخطاب لسيدنا رسول الله - ﷺ - فيقول (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦). تفريعًا على ما سبق من إنزال الكتاب إليه، وجعله منذرًا، ومبشرًا به، وهذه مهمة أداء لا مهمة إرهاق وأحزان، وتوجيهًا له - ﷺ - إلى أن هولاء الكفار عطلوا عقولهم بكفرهم، وحجبوها عن أن تعرف خالقها حقه من وجوب الإيمان به والإتباع لرسوله - ﷺ - يستحقون أن يؤبه بهم، ولا أن يحزن عليهم ويؤسف.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>(التلطف والإشفاق برسول الله - ﷺ - في توجيه الخطاب إليه)</span>\nلذلك خوطب رسول الله - ﷺ - بـ \" لعل \" لما فيها من الإشفاق على المخاطب، والتلطف به للعود به إلى ما ينبغي له من الوقوف عنده في التبليغ، وجاء الخبر بعدها \" باخع نفسك \" لبيان ما وصل إليه رسول الله - ﷺ - من جهد في تبليغ قومه، وحرصه على هدايتهم، لأن بخع النفس معناه","vol":"1","page":159},{"text":"في اللغة قتلها وإهلاكها غمًا أو إضعافها فهو لشدة حرصه على إيمانهم، وإشفاقه عليهم، وصل إلى حال من يقتل نفسه وجدًا عليهم أو يضعفها بما يبذل من جهد فوق طاقته طلبًا أن يتحقق له ما يريد من هدايتهم ودخولهم في حظيرة الإيمان.\nوفي التعبير -في الآية الكريمة- بقوله \" على آثارهم \" مزيد بيان لملاحقته - ﷺ - لهم، وسعيه في دعوتهم، وهم عنه معرضون وإكمال للصورة التي رسمها قوله (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ).\nأما قول (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) فبيان لسبب البخع، إذ أن عدم إيمانهم بما جاءهم به هو الذي زادهم بُعدًا عنه، وزاده حرصًا عليهم، وأحزنه وأثار الأسف في نفسه خوفًا عليهم انتقام الله تعالى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>(موطن العتاب في الآية)</span>\nوموطن العتاب في هذه الآية الكريمة في استعمال أداة الإشفاق وهي \" لعل \" فيما وصل إليه حال رسول الله - ﷺ - من شدة حرصه ومبالغته في دعوتهم تطلبًا لإيمانهم حتى كاد يهلك نفسه أسفًا على عدم إيمانهم بالله واتباع رسوله.\nوهذا الإشفاق نظير قوله -في سورة هود- (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ).","vol":"1","page":160},{"text":"وأما أنه من عتاب التوجيه -في قسمه الثاني- فلأنه أريد به إقصاره وكفه - ﷺ - عن بعض ما يبذله مما هو فوق طاقته من الجهد في قوم لا يلوح فيهم رجاء.\n* * *\n(ثانية عتاب الإقصار)\nأما الآية الثانية من آيات كتاب التوجيه الإقصاري لكف رسول الله - ﷺ - عن بعض جهده في تبليغ دعوته إبقاء عليه ورحمة به فهي قوله تعالى -في أول سورة الشعراء- (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).\nوهذه الآية نظيرة لآية سورة الكهف السابقة فهي في لفظها وأسلوبها مماثلة لها.\nوكما وردت آية سورة الكهف في سياق خاص أبرز التمهيد للعتاب في الآية هناك، كذلك هنا جاءت الآية في مفتتح سورة الشعراء إثر آية واحدة هي قوله تعالى (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) وهذه الآية تحمل في طياتها من السياق المضمر ما يحمله سياق آية سورة الكهف في التمهيد لإبراز العتاب في صورته التي جاء بها.\nوذلك أن قوله تعالى (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) معناه في مضمونه الذي انطوى عليه أننا أنزلنا عليك الكتاب -وهو القرآن الحكيم- كتابًا مبينًا فاصلًا بين الحق والباطل، وفارقًا بين الخير والشر، وقد أعَرض عنه هؤلاء المشركون فلم يتدبروا آياته، ولم يتعرفوا منازل أحكامه، واستمرؤا العكوف على الشرك والضلال، وحرصت أنت على إيمانهم حرصًا بلغت فيه مبلغ من يشفق عليه، ويرحم أن يبذل نفسه هذا البذل الذي يبخعها","vol":"1","page":161},{"text":"ويهلكها ويضعفها، وذلك تعويق للرسالة لا تبليغ لها.\nوقوله تعالى «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) إشفاق من الله تعالى على نبيه - ﷺ -، له قوة التعليل الضمني في بلوغ رسول الله - ﷺ - من الجهد ما هو فوق طاقته، وتبليغ الرسالة يقتضى أن يقصر من هذا الجهد ويكف عن بعضه حتى يقوم بواجب تبليغ رسالته على الوجه الأكمل دون أن يلحقه ما يضر بصحته.\nوقوله (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) مفعول لأجله معمول لـ (باخع)، والمعنى: لعلك في هذا الجهد الشديد قاتل نفسك حرصًا على إيمانهم لعدم وجود هذا الإيمان منهم رغم ما تبذل من كل جهد وطاقة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>(موضع العتاب من هذه الآية)</span>\nوموطن العتاب فيها هو موطنه في نظيرتها آية سورة الكهف باستعمال أداة الإشفاق \" لعل \" وصيغة باخع نفسك والتعليل بعدم إيمانهم رغم ما يبذل من حرص على إيمانهم.\nوأما كونه عتاب توجيه فلأنه لم يعقب بتنبيه على شىء يجب تركه وإن لم يترك وقع ما يخاف منه، كما لم يعقب بتحذير وإنما أريد به نقله من حالة بذله غاية الجهد إلى التوسط فيما يبذله من ذلك وقوفًا مع ما أمر به.\nويزيد هذا القسم من العتاب أنه عتاب إقصار وكف عن بعض ما يبذل من جهد في التبليغ على خلاف سابقه -عتاب الدفع- في أن المطلوب فيه كان قوة العزيمة، وبذل كل الجهد في تبليغ الرسالة مع عدم المبالاه بما يلقى من الأذى والبلاء في سبيل تبليغ رسالته.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الآية الثالثة من آيات عتاب الإقصار</span>\nأما الموضع الثالث من العتاب التوجيهي لإقصار وكف بعض جهد رسول الله - ﷺ - في التبليغ إبقاء على نفسه وطاقته فجاء في آية من سورة فاطر وهو قوله تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).\nوالمتأمل في هذه الجملة يجدها جاءت في قوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨». في سياق سبقت فيه بنداء عام إلى جميع الناس يذكرهم ربهم ﵎ فيه بنعمه عليهم وأجل هذه النعم خلقه تعالى لهم إبداعًا من العدم وتوليهم برحمته ورزقهم من السماء والأرض، وكان من حق هذا الإله المنعم المتفضل بالإحسان ألا يتخذ إله غيره، ولكن هؤلاء الكافرين عدلوا عنه إلى غيره، وانصرفوا عن عبادته إلى آلهة أصنام وأوثان عبدوها من دونه وكذبوا رسله، فحاكاهم هؤلاء المشركون الذين كذبوا رسول الله محمدًا - ﷺ -، وسخروا من دعوته، واغتروا بما في أيديهم من زخرف الدنيا ومتاعها مما حملهم عليه الشيطان لعداوته لكل إنسان كما أخبر الله تعالى في قوله (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) ثم توعدهم بشديد العذاب إن ظلوا على كفرهم","vol":"1","page":163},{"text":"وشركهم وإنكارهم فضل الله عليهم وإحسانه إليهم، وعقب ذلك بوعد منه تعالى للمؤمنين العاملين الصالحات فأبان أن لهم جزاء إيمانهم وصالح عملهم مغفرة وأجرًا كبيرًا.\nثم جاءت الآية موضع البحث (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) الآية، والاستفهام في هذا إنكاري ينطوي على تنديد وتقريع لأولئك المشركين الذين اتبعوا ما زين لهم الشيطان من سوء عملهم فرأوه عملًا حسنًا وهم لا يعقلون أن مرد الهدى والضلال إلى الله تعالى (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) بعدله لسوء استعداد المكلف وخبث فطرته (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) بفضله ورحمته وتوفيقه لما جبله عليه الخير والاستعداد لتقبل الحق والإيمان به.\nولما كان رسول الله - ﷺ - شديد الحرص على إيمان قومه من أولئك المشركين إرادة استنقاذهم من عذاب الله تعالي، وخلودهم في دار الجحيم بالغ - ﷺ - في ذلك الجهد، وبذل ما هو فوق طاقته ليهديهم، فأراد الله تعالى من نبيه الكريم - ﷺ - أن يقصر من هذا الجهد، ويكف عن بعضه إبقاء على نفسه وقوته حتى يستطيع أداء رسالته وتبليغها في حدود مهمته التي أخبر الله عنها بقوله تعالى (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) وقوله (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) فقال له ناهيًا مشفقًا رحيمًا به (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).","vol":"1","page":164},{"text":"ومعنى ذلك: أنك أيها الرسول تعلم علم اليقين أن الهداية والضلال بيد الله تعالى ومشيئته فهو الذي يخلق الضلال في قلب الضال فلا تجد الهداية منفذًا إليه، وهو الذي يخلق الهداية في قلب المؤمن فينشرح لها صدره وينفسح لها قلبه فتتطابق أعمال جوارحه مع أعمال قلبه ليكون حقيقًا بوعد الله الذي قال فيه في سياق الآية المتقدم (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>(موضع العتاب منها)</span>\nأما موضع العتاب في هذه الآية ففي النهي عن إذهاب نفسه - ﷺ - على عدم إيمانهم متحسرًا آسفًا حزينًا حتى كاد يبخع نفسه كما في آية سورة الكهف، وآية سورة الشعراء المتقدمتين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>(محصلة هذا النوع من العتاب التلطف به)</span>\nوأما أنه عتاب إقصار وكف يراد بهما التوجيه فلأنه لم يعقب بشيء ويطلب من رسول الله - ﷺ - تحصيله ولا بشىء من التحذير وإنما يراد له ﵊ الانكفاف عن بعض ما يبذله من جهد في دعوته لقوم لا يلوح فيهم رجاء.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>النوع الثاني عتاب التنبيه</span>\nأما النوع الثاني من العتاب الإلهي لسيدنا محمد - ﷺ - فهو ما أطلقنا عليه (عتاب التنبيه) لأنه يختلف عن عتاب التوجيه في أن عتاب التنبيه يقصد به تنبيه المعاتب إلى عدم العود إلى الذي عوتب عليه لأنه لو لم ينبه لتكرر منه ذلك الأمر، وقد يؤدي به حال التكرار وعدم التنبيه عليه إلى ما هو فوقه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>(الغرض من هذا النوع)</span>\nأما عتاب التوجيه فيقصد به نقل المعاتب من حالة كان عليها إلى حالة أخرى، يراد له المصير إليها.\nوفي حق رسول الله - ﷺ - كانت الحالة الأولى في طريق تبليغ الدعوة التهيب وضيق الذرع، فأريد نقله منها إلى حالة الدفع وقوة العزيمة في تبليغ الرسالة، أو نقله من حالة الدفع وشدة الحرص على هدايتهم إلى حالة الاعتدال والإقصار، والكف عن بعض ما يبلغه من جهد فوق طاقته تخفيفًا على نفسه الطاهرة مما يتحمله من شدة المشاق في تبليغ الرسالة مما قد يؤدي به -لو استمر فيه- إلى الإضرار بنفسه فيعوق الاستمرار في تبليغ الرسالة الخاتمة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>(حصر آيات هذا النوع من العتاب)</span>\nوالآيات التي تدخل تحت هذا النوع الضابط -بحسب ما وصل إليه بحثنا- هي الآيات التالية:","vol":"1","page":166},{"text":"١ - قوله تعالى: -في سورة براءة- (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣».\n٢ - قوله تعالى: -في سورة براءة أيضًا- (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠».\n٣ - قوله تعالى: -في سورة براءة أيضًا- (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤».\n٤ - قوله تعالى: -في سورة براءة أيضًا- (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣».\n٥ - قوله تعالى: -في سورة الكهف- (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤».","vol":"1","page":167},{"text":"وكما هو نهجنا فيما تناولناه من الآيات الكريمة بالبحث -أن ننظر للآية في سياقها من السورة التي هي فيها ليكون ذلك السياق مفتاحًا لفهم الآية وكشف المراد بها- نعرض آيات هذا النوع من العتاب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>(أولى آيات هذا النوع من العتاب)</span>\nوأولى هذا النوع قوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣».\nوالحديث عن هذه الآية يستدعي التقدمة لها بعرض ما يدل عليه سياقها ليتضح المراد بها خطابًا لسيدنا محمد رسول الله - ﷺ -.\nوقد بدأ سباق هذه الآية بنداء المؤمنين بأشرف أوصافهم وهو (الإيمان) الذي يبعث الطمأنينة والرجاء في نفوسهم، ويدفعهم إلى تقبل ما يأتي بعده من شدة في الخطاب تذكيرًا لهم بمكانهم من الإيمان، ولفتًا لأنظارهم لما يوجه إليهم من خطاب يذكرون فيه بمقتضيات الإيمان -وأهمها المسارعة إلى الجهاد لإعلاء كلمة الله بصيغة الاستفهام الإنكاري مرتين في آية واحدة \" مشوبًا الثاني منهما بنوع من التعجب \"- بأن ما اعتراهم من تثاقلهم إلى الأرض حين دعاهم رسول الله - ﷺ - إلى النفر للجهاد في سبيل الله -في غزوة تبوك وفي آخر غزوة غزاها رسول الله - ﷺ - بنفسه وهي أشق غزوة وأقساها وقتًا واستعدادًا- إخلاد منهم إلى الأرض ورضى بما عليها من زخرف زائل، وتقديم لراحة الحياة الدنيا الفانية، وطلب للذتها الناقصة مما لا يرضاه عاقل بديلًا، من الآخرة لأن ذلك نزول","vol":"1","page":168},{"text":"بأنفسهم من عز الإيمان وعلاه، وتضييع لما أعده الله للمؤمنين المجاهدين من عظيم الثواب القيم.\nويشتد الخطاب عليهم بسبب تثاقلهم إلى الأرض عن الخروج للجهاد في سبيل الله إلى أن يكون تهديدًا بأنَّهم إلا ينفروا مع رسول الله - ﷺ - يعذبهم الله عذابًا أليمًا موجعًا، وذلك بسبب تركهم النفر مع رسول الله - ﷺ -، ويستبدل بهم قومًا غيرهم يطيعون الله ورسوله، فينفرون إذا استنفروا، ويجيبون إذا دعوا، ثم لا يكونوا أمثالهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>(تهديد المتقاعسين عن الخروج إلى غزوة تبوك)</span>\nولما كان عدم النفر تقاعسًا عن نصرة رسول الله - ﷺوقد رد الله عليهم بأن أبى اعتذارهم بما احتف بهم من شدة الحر وقلة الزاد، وندرة المركب، ونضج الثمر، وبُعد السفر - بيّن السياق القرآني أنه تعالى لا حاجة به إليهم لأنه هو الغني عنهم، وهم الفقراء إليه، كما لا حاجة لدينه ولا لرسوله - ﷺ - بهم أيضًا. فهم إن تخلفوا اليوم عن نصرة رسول الله - ﷺ - بعدم الإستجابة للنفر في غزوة تبوك إذ استنفرهم رسول الله - ﷺ - فقد نصر الله دينه ونصر رسوله - ﷺ - إذ كان وحده من أول بعثته إلى هجرته التي ظهر فيها آثار نصر الله له بإنزال السكينة عليه هو وصاحبه وليس معهما أحد، وهما متبوعان مطلوبان، إذ رأى حزن صاحبه وخوفه عليه، إذ كان الطلب قد وصل إلى مكان لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآهما فقال لصاحبه يثبته ويطمئنه (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا) فهذا نصر مؤزر لم يكونوا فيه، ولا كان أحد فيه معه سوى صاحبه، إذ أيده الله بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفررا السفلى إذ خيبهم، وخذلهم بنصره لرسوله وتأييده له وذلك إعلاء لكلمة الله والله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأمور في مواضعها.","vol":"1","page":169},{"text":"وهذا كله بيان إجمالي لمعنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠».\nويقفي السياق القرآني على ذلك بالأمر بالنفر العام الذي يوجب الجهاد في سبيل الله على كل فرد من أفراد المسلمين إذ لا يعذر فيه أحد بشيخوخة، ولا فقر، ولا مرض فقال الله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١» فكأنه فتح لباب التوبة لهم، وترغيب لمراجعة قوة الإيمان، وصدق العزيمة في متابعة رسول الله - ﷺ - في جهاده، وتحملهم المشاق ورضائهم بما ينالهم من متاعب الدنيا إيمانا بالله وطاعة لرسوله - ﷺ - وجهادًا في سبيله، وإعلامًا لهم بما ينتظرهم من جهد ومشقة في هذه الغزوة التي خالف فيها رسول الله - ﷺ - عادته الشريفة، إذ كان إذا أراد أن يغزو قومًا وَرَّى عنهم، ولم يصرح، ولكنه في هذه الغزوة بيّن وجهته، وأعلن قصده","vol":"1","page":170},{"text":"لما يعلمه من بركاتها، وما فيها من مشاق ومتاعب تستدعي أكمل الاستعداد، وأخذ الأهبة لسفر بعيد ومشقات قاسية، إذ ختمت بها غزوات رسول الله - ﷺ -، وبها أخرج أمته من ضيق مجال الدعوة في داخل الجزيرة العربية إلى عموم مجالاتها في أقطار الأرض.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>(إظهار نوايا المنافقين للتحذير منهم)</span>\nولما كان المنافقون مندسين في مجتمع المؤمنين بما يظهرونه من شعائر الإسلام، وكانوا على عزيمة ألا يخرجوا مع رسول الله - ﷺ - في هذه الغزرة جبنًا وخورًا وفرقًا من ملاقاة العدو -وهذا على خلاف ما كان عليه خلص المؤمنين رغم تثاقلهم إلى الأرض، لما احتف بهم من الشدة، ولكنهم كانوا قد راجعوا أنفسهم، وصمموا عزائمهم على الخروج مع رسول الله - ﷺ - مهما لاقوا من الشدة والأزمات- بيّن الله حال المنافقين بأنهم إنما يريدرن الدنيا وغنائمها وأنهم أوهن من أن يتحملوا مشقات الجهاد وأسفاره، فلو كان ما دعوا إليه عرضًا من أعراض الدنيا ينالونه من قريب، وغنيمة حاضرة يحصلون عليها دون مشقة في سفر قريب، وموضع سهل لاتبعوا الرسول - ﷺ - وهم مضمرون للتخلف عنه، ولكنهم لا يتخلفون عن عرض من أعراض الدنيا وغنائمها فقال الله تعالى فيهم يفضحهم ويكشف سترهم (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢».","vol":"1","page":171},{"text":"وقد أكد ذلك إخبارًا بالغيب ومعجزة لرسول الله - ﷺ - بأنهم سيحلفون لو استطاعوا لخرجوا معه وهم بهذا الحلف يهلكون أنفسهم، كاذبين مفترين.\nولقد كان المنافقون على عزيمة استئذان رسول الله - ﷺ - في التخلف والقعود بأعذار زائفة وهم مضمرون للقعود سواء أذن لهم أم لم يأذن لهم فيه فقد قالوا: \" استأذنوا رسول الله - ﷺ - فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا \".\nوكان رسول الله - ﷺ - على يقين من العلم بأن المنافقين المندسين في مجتمعه مفسدون جبناء يرتعدون فرقًا من ملاقاة العدو، يحاولون أن يخذلوا الجيش الإسلامي، ويفسدوا أمره بإحداث الفتن والقلاقل والاضطرابات والتخويف فأسرع رسول الله - ﷺ - بالإذن لهم بالقعود دون أن يتلبث بهم حتى ينكشف سترهم وينفضح أمرهم، ويظهر الصادق من الكاذب.\nولما كانت هذه الغزوة من أعظم غزوات الإسلام عددًا وعدة، ونهاية خاتمة لغزوات رسول الله - ﷺ - بنفسه أراد الله تعالى أن يجعلها امتحانًا يكشف به أمر المنافقين ويفضح خبايا ضمائرهم ليتميز الصادق من الكاذب، ويخلص المجتمع الإسلامي من الجبناء الرعاديد ولا يبقى فيه إلا ْكل شجاع صنديد، قال لرسوله - ﷺ - (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣».","vol":"1","page":172},{"text":"ومعناه: لم أسرعت بالإذن لهم، ولم تتأن بهم وتتلبث لينكشف حالهم بقعودهم عن الخروج معك دون إذن منك فتعلم أنت وأصحابك الصادقين من الكاذبين منهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>(موضع العتاب من الآية)</span>\nفالعتاب - إنما كان على المسارعة بالإذن لهم بالقعود لا على نفس الإذن لهم بالتخلف والقعود خلافًا لما توهمه عبارات بعض المفسرين، أخذًا بظاهر أسلوب الآية الذي وجه فيه الإنكار للإذن مباشرة، لأن الإذن لهم بالقعود إنما كان عن اجتهاد من رسول الله - ﷺ -، قررت الآيات الآتية صوابه بمقتضى ما يأتي من الوجوه التي سنذكرها في معاني هذه الآيات.\nوقد حمل استفتاح هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ) القائلين بأن في الآية عتابًا لرسول الله - ﷺ - على الجري بأن الآية تقتضي أن رسول الله - ﷺ - خالف ما هو أولى بالحزم في حق هؤلاء المنافقين \".\nوظاهر عبارات كثير من المفسرين أن العتاب كان على نفس الإذن لهم بالقعود، وهذا الظاهر ليس بمسلم، لأن العتاب إنما كان على الإسراع لهم بالإذن بالقعود عن الخروج إلى غزاة تبوك، وعدم التلبث والتأني بهم حتى ينكشف أمرهم، ويظهر نفاقهم لكل أحد لينقطع ما بأيديهم من سبب يضللون به المؤمنين أنهم منهم وما هم منهم في شىء، فنفس الإذن لهم بالقعود عنه صواب في موضعه، لأن الآيات التالية لهذه الآية بينت أنَّهم لو خرجوا معه - ﷺ - لأحدثوا الفتن في الجيش الإسلامي بيد أن المسارعة","vol":"1","page":173},{"text":"بإجابتهم إلى الأذن بالقعود حين طلبوه نجم عنه ألا يعلم الصادق في عذره من الكاذب فيه، فكان ذلك موطنًا للعتاب في الآية الكريمة.\nوهذا الذي قررناه من أن العتاب كان على المسارعة بالإذن لهم لا على نفس الإذن هو ما ذهب إليه المحققون من المفسرين، وقد صرح به الزمخشري في الكشاف فقال: \" ومعناه: ما لك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك، واعتلوا لك بعللهم، وهلا استأنيت بالأذن \" حتى يتبين لك \" من صدق في عذره ممن كذب فيه \".\nوقال أبو السعود: \". . كلمة (حتى) سواء كانت بمعنى اللام أو بمعى إلى لا يمكن تعلقها بقوله تعالى: (لِمَ أَذِنْتَ) لاستلزامه أن يكون إذنه ﵊ لهم معللًا أو مغيًا بالتبين والعلم ويكون توجيه الاستفهام إليه من تلك الحيثية، وذلك بين الفساد بل بما يدل عليه ذلك، كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم وهلا تأنيت حتى ينجلي الأمر كما هو قضية الحزم \" ونهج صاحب تفسر المنار نهجهما فقال: \" .. كان مقتضى الحزم أن تتلبث في الإذن أو تمسك عنه اختبارًا لهم \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>(بيان وجه الصواب في الإذن لهم بالقعود)</span>\nأما بيان الآيات التالية لهذه الآية الكريمة من أن الأذن لهم بالقعود عن الخروج إلى غزوة تبوك صواب في موضعه لما يترتب على خروج المنافقين من الإفساد في الجيش، وإحداث الفتن بين المجاهدين وتثبيط عزائمهم فقد","vol":"1","page":174},{"text":"تمثل فيما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>(نفي الإيمان عن المستأذنين)</span>\nأولًا - في أن الله تعالى نفى الإيمان بالله واليوم الآخر عن المستأذنين في التخلف والقعود عن الجهاد في سبيك الله بأموالهم وأنفسهم ووصمهم بارتياب القلوب، وأنهم متحيرون في أمرهم يوافقون المسلمين فيما يسهل عليهم من العبادات تغطية لما في قلوبهم من نفاق، ويلتمسون لأنفسهم الأعذار مما فيه مشقة عليهم أو إنفاق لأموالهم، قال تعالى (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥».\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>(ظهور عداوة المنافقين توجب منعهم من الخروج مع جيش المؤمنين)</span>\nومن كان كذلك فلا يؤتمن على السير مع عباد الله المجاهدين في سبيله ولا يمكن السماح له بالخروج مع جيش المسلمين لأنه عدو لله تعالى ولدينه ولرسوله - ﷺ -.\nثانيًا - قال تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦».\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>(وجوه صواب إذن رسول الله - ﷺ - للمنافقين بالقعود عن الخروج معه)</span>\nوهذه الآية الكريمة دليل على أن نفس إذن رسول الله - ﷺ - لهم بالقعود صواب من وجوه:\nالوجه الأول: أنه تعالى سجل عليهم ما كانوا يتسترون عليه من عدم عزيمتهم على الخروج بأنهم لم يعدوا العدة لهذا الخروج، وهو خروج لازم بمقتضى تصريح رسول الله - ﷺ - بالغزوة، ذلك التصريح الذي يصور مشقات","vol":"1","page":175},{"text":"السفر، وشدائد الرحلة مما يتطلب أهبة واستعدادًا كبيرًا.\nالوجه الثاني: قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ) وكَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ معناه عدم إرادته لخروجهم مع المؤمنين لئلا يفسدوا عليهم حالهم في تصميمهم على الجهاد في سبيل الله، وترحيبهم بالاستشهاد أملًا في رضا الله تعالى، ونشرًا لدينه، ونصرًا لرسوله - ﷺ -.\nالوجه الثالث: قوله (فَثَبَّطَهُمْ) وهذا تصوير لعدم إرادة الله خروجهم بعدم أخذهم الأهبة والاستعداد للخروج فقذف في قلوبهم الوهن والتكاسل دون إعداد العدة للخروج، ثم ختم ذلك بقوله (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا القول من رسول الله - ﷺ - بالإذن لهم بالقعود، فكأنه قول الله تعالى، وهو مؤكد في المعنى لقوله (فَثَبَّطَهُمْ).\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>(خطر اندساس المنافقين في المجتمع الإسلامي)</span>\nثالثًا - قال تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩».\nوهذه الآيات كسابقتها تظهر أن الإذن لهؤلاء المنافقين بالقعود كان صحيحًا من وجوه أيضًا:","vol":"1","page":176},{"text":"الوجه الأول: قوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) وهذه جملة شرطية صريحة في بيان ما انطوت عليه أنفسهم من العمل المفسد للمجتمع الإسلامي، وإيقاع الخبال فيه، والفتن التي تذهب بقوة الجيش وتوهن عزائمه.\nوالتعبير بقوله (مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) المقتضي لوجود أصل الخبال في جمهرة المسلمين إنما يقصد إلى بعض ضعفاء الإيمان الذين يسمعون إلى قول المنافقين، ويتأثرون به في ضعف عزائمهم، ورعب قلوبهم، وخوفهم من ملاقاة العدو، وهم المقصودون بقوله (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ).\nالوجه الثاني: قوله (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) ومعنى هذا أن الله تعالى يصف هؤلاء المنافقين بأنهم سراع الحركة والتوثب بين جماعات المسلمين لإلقاء الأكاذيب والمفتريات تخذيلًا لهم، وفتنة لأنفسهم لصرفهم عن معالي أمور الجهاد، ثم أكد هذا الأمر بقوله (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي أن هذه المجتمعات الكبيرة المتعددة الأفراد والطوائف، المتعرضة لأشق ما يتعرض له المجاهدون لا تخلو عن ضعاف النفوس الذين يفرقرن بمجرد سماع الإشاعات والأكاذيب، فإذا سمعوا من المنافقين أكاذيبهم فى افتراءاتهم تخاذلوا عن جهادهم ومواقفتهم للعدو في صفوف المؤمنين.\nثم ختم الله تعالى بما يسجل أظلم الظلم على هؤلاء المنافقين، وقد تضمن ذلك وعيدًا شديدًا لهم على ما أضمروا في أنفسهم من إحداث الفتن بين المؤمنين، والإبهام في الوعيد أشد من التصريح به.","vol":"1","page":177},{"text":"الوجه الثالث: قوله (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨». وهذا بيان لما جبل عليه هؤلاء المنافقون من إحداث الفتن، وإشاعة المخاوف بين المجتمع الإسلامى، فذكر الله تعالى أن هذا ديدنهم وعادتهم من قبل، ففد أحدثوا قبل ذلك عظائم الفتن في المجتمع الإسلامى، كالذي كان منهم في غزوة بني المصطلق وأمثالها، ولكن الله تعالى أوبقهم في موبقاتهم، وأوقعهم فيما دبروه لإفساد مجتمع المؤمنين.\nوهذا هو المراد بقوله (حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ) أي نصر الله رسوله - ﷺ - وأصحابه من خلص المؤمنين، وكان المنافقون أكره الناس لهذا النصر، وأبغضهم لا يرون بين المؤمنين من توافق وألفة ومحبة وإخاء.\nالوجه الرابع: قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩».وهذا تسجيل عليهم بأنهم مردوا على الكذب، ومرنوا على الفتن، ولما أخبروا بأن الرسول - ﷺ - متوجه إلى تبوك لغزو الروم وفي الروم جمال لنسائهم، وثروات في بلادهم لعلها تطمعهم فِي الخروج مع رسول الله - ﷺ - كما هي عادتهم في حب الدنيا - تعللوا في ترك الخروج مع رسول الله - ﷺ - بما ليس لهم فيه عذر. فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر ابن عبد الله - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لجد بن قيس: \" يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟ \" قال جد: أتأذن لي يا رسول الله فإني رجل أحب النساء وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن. فقال رسول الله - ﷺ - - وهو معرض عنه -","vol":"1","page":178},{"text":"\" قد أذنت لك \" فأنزل الله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي. . . . . . .) الآية ونحوه عند الطبري من طريق أخرى.\nفرد الله تعالى على هذا المنافق وأمثاله بأنهم سقطوا في الفتنة بما مرنوا عليه من الكذب والبهتان، ثم أوعدهم بأشد العذاب فقال: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) تسجيلًا للكفر عليهم وتكذيبًا لما يتظاهرون به من شعائر الإسلام.\nوفي قوله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) دليل على أنَّهم منغمسون فيها وفي صنوف عذابها لا يغيبون عنها، ولا هم منه بمخرجين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>(جفوة التعبير دليل ضعف في التفكير)</span>\nوقد أساء الزمخشري الأدب في التعبير عن بيان العتاب -في زعمه- فقال إن قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ).: \" كناية عن الجناية لأن العفو رادف لها ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت \".\nوقد استغواه في هذا التعبير السيئ سلفه الجبائى الذي يرى أن إذن رسول الله - ﷺ - للمستأذنين من المنافقين بالقعود عن الخروج معه إلى غزوة تبوك \" كان قبيحًا ووقع صغيرًا \" فالزمخشري مقلد في سوء الأدب لشيخ شيوخ المعتزلة، وقد تابع البيضاويُّ الزمخشري في جفوة التعبير في هذا الموضع من تفسيره.","vol":"1","page":179},{"text":"وقد علق أبو حيان - رحمه الله تعالى - في البحر على هذا المسلك من التفكير والتعبير فقال: \" وكلام الزمخشري في تفسر قوله (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) مما يجب إطراحه فضلًا عن أن يذكر فيرد عليه \".\nقال الآلوسي: \" وكم لهذه السقطة في الكشاف من نظائر \".\n\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>(تلطف في التعبير لا عتابًا له)</span>\nومن العلماء من لم ير في هذه الآية عتابًا، وإنما هي -عندهم- من باب التلطف في الكلام، والدعاء للمخاطب الجاري على الأسلوب العربي في مخاطبة الكرام، ومراسلة الأحباء والأصدقاء على نحو قولهم: \" عفا الله عنك هلا أعطيتني كذا، وأصلحك الله، ووفقك الله كان الأمر كذا وكذا. . \" فابن الأنباري يقول: \" لم يخاطب رسول الله - ﷺ - بذلك لجرم أجرمه، ولكن الله وقره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله: \" عفا الله عنك \" كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريمًا: \" عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك هلا زرتني؟ \".\nوممن قال بذلك أيضًا القاضي عياض في الشفا، والقسطلاني في المواهب ونقلا فيهما عن الداودي، ومكي والقشيري ونفطويه، ونسبه القرطبي إلى مكي والمهدوي والنحاس، ونقله الزرقاني عن","vol":"1","page":180},{"text":"ابن المنير.\nفالقشيري قال: \" وإنما يقول: العفو لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب \" وقال نفطويه فيما أورده عنه أبي حيان في البحر: \" ذهب ناس إلى أن النبي - ﷺ - معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك بل كان له أن يفعل وألا يفعل حتى ينزل عليه الوحي، كما قال: \" لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة \". لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل، وقد قال الله تعالى (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) لأنه كان له أن يفعل ما يشاء مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المتخلفون في التخلف واعتذروا، اختار أيسر الأمرين تكرمًا وتفضلًا منه - ﷺ -، فأبان الله تعالى أنه لو لم يأذن هم لأقاموا للنفاق الذي في قلوبهم وأنَّهم كاذبون في إظهار الطاعة والمشاورة، فـ (عَفَا اللهُ عَنْكَ) عنده افتتاح كلام أعلمه به أنه لا حرج عليه فيما فعله من الإذن وليس هو عفوًا عن ذنب إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه لا يلزمه ترك الإذن لهم كما قال - ﷺ -: \" عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق، وما وجبتا قط \" ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك.\nقال أبو حيان -بعد أن أورد كلام نفطويه-: \" ووافقه عليه قوم فقالوا: ذِكْرُ العفو هنا لم يكن عن تقدم ذنب، وإنما هو استفتاح كلام جرت عادة العرب بأن تخاطب بمثله لمن تعظمه وترفع من قدره، يقصدون بذلك الدعاء","vol":"1","page":181},{"text":"له فيقولون: أصلح الله الأمير كان كذا وكذا، فعلى هذا صيغته صيغة الخبر ومعناه الدعاء \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>(إجراء الخطاب على وجهه خير من تأويله)</span>\nوالذي يظهر من أسلوب هذه الآية الكريمة أن ذكر العفو في افتتاحها وإن لم يكن عن تقدم ذنب إلا أنه يحتمل أنه كان عن خطأ في الاجتهاد فات رسول الله - ﷺ - أن يبذل فيه جهده وهو الإسراع لهم بالإذن بالقعود والتخلف وجعل اجتهاده في خروجهم معه وما يتسبب عليه من إفساد وبلبلة وفتنة وتثبيط للجيش بإشاعات كاذبة ماكرة.\nفقوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ) معقبًا بالاستفهام الإنكاري يبعده عن إرادة الدعاء به ومجرد التلطف لأن الاستفهام الإنكاري يقتضي منكرًا والمنكر هنا إسراع رسول الله - ﷺ - بالإذن لهم -وهو لازم للإذن مدخول أداة الإنكار- دون أن يتلبث بهم ليتبين له ولأصحابه المؤمنين حقيقة حال المستأذنين من الصدق أو الكذب.\nوما ذكروه من أمثلة جرت على لسان بعض الأدباء واللغويين ليس فيه شيء من قبيل الآية لأنَّهم لم يذكروا مثالًا عقب باستفهام إنكاري.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>(موضع العتاب في هذه الآية)</span>\nفالآية عتاب متلطف برسول الله - ﷺ - إذ سبق بالأخبار بالعفو، وهذا يكفى في بيان ما فيها من التلطف والحفاوة برسول الله - ﷺ - ويجعلها من قبيل عتاب التنبيه، إذ لم تعقب بشىء يحذر في المستقبل، أو يخاف وقوعه.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)</span>\nوثانية آيات هذا النوع من العتاب: -بحسب ما وصل إليه بحثنا- هى قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠».\nوقد وردت هذه الآية الكريمة إثر أن بيّن الله تعالى حال المنافقين مع المؤمنين، وكشف الستر عنهم فإن أولئك المنافقين لم يكتفوا بما هم غارقون فيه من بخل بما أوجبه الله عليهم في أموالهم أو ندبهم إليه فيها، ولم يخجلهم شحهم بمال الله تعالى، بل تعدوا ذلك كله إلى إيذاء المؤمنين المتصدقين أغنياء وفقراء استجابة لدعوة رسول الله - ﷺ - لهم بقوله: \" تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثًا \" فلمزوهم بما هم برآء منه وعابوهم على ما يبذلونه في سبيل الله تطوعًا، فتوعدهم الله تعالى بالسخرية منهم في الدنيا بأن \" جعلهم سخرية للمؤمنين، والناس أجمعين بفضيحته لهم في هذه السورة \" الفاضحة لأحوالهم، الحافرة عما في قلوبهم من دغل، وتوعدهم بالعذاب الأليم الذي سينزله بهم فِي الدنيا والآخرة.\nقال ابن كثير في تفسيره: \" هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين، لأن الجزاء من جنس العمل فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصارًا للمؤمنين في الدنيا وأعد للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا لأن الجزاء من جنس العمل \".","vol":"1","page":183},{"text":"وقد أفزعهم هذا الوعيد الشديد، وعلموا أن رسول الله - ﷺ - قد أخبر بحالهم ولمزهم للمتصدقين من المؤمنين فجاءوا إليه يعتذرون، ويطلبون أن يستعفر لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) الآية التي هي موضع البحث هنا.\nوهي في سياقها -الموحي بأنها تسجيل لكفر المنافقين، وبيان لفسقهم- كشف لحال المنافقين، وإعلان لخاتمتهم الخائبة، وإيعاز لرسول الله - ﷺ - بأن لا جدوى من الاستغفار لهم، ولو كثر منه ذلك لهم، فلن ينفعهم، ولن يتقبل في حقهم فيما لو استغفر لهم، وسبب ذلك كفرهم بالله ورسوله وفسقهم عن جادة الإيمان.\nفالآية إخبار للرسول - ﷺ - بحكم الله في المنافقين ليصرف النظر عنهم، وتوجيه للمؤمنين لئلا يبقى لهم تعلق بهم، وإبعادًا لأولئك المنافقين عن صفوف المؤمنين.\nوضمير الجمع الغائب في قوله (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ) عائد على اللامزين الذين جاءوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه أن يستغفر لهم بعد أن فضحهم الله وتوعدهم بقوله (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وهذا هو قول ابن عباس والحسن - ﵄ - من أنا المنافقين اللامزين حين نزل قوله تعالى: (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سألوا رسول الله - ﷺ - أن يستغفر لهم فنزلت هذه الآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) الآية.","vol":"1","page":184},{"text":"فلما كان مجيئهم إلى رسول الله - ﷺ -، وطلبهم إليه الاستغفار لهم بعد ذلك ليس عن رغبة منهم في الإيمان، ولا ندمًا على ما دنسوا به أنفسهم من أوضار النفاق، والهزء بالمؤمنين، وإنما هو استمرار منهم فيما هم فيه غارقون من النفاق، وإيغال في أوحاله، ومحاولة لخديعة رسول الله - ﷺ -، وتضليل للمؤمنين عما تكنه قلوبهم من كفر بالله ورسوله، وفسوق عن الهدى، أخبر الله تعالى رسوله - ﷺ - بحالهم كشفًا لما كانوا يتسترون عليه من النفاق، وربأ به - ﷺ - عن أن يستغفر لمن ليس بأهل للاستغفار وكشف الله تعالى حالهم للناس أجمعين، فقطع بذلك من نفوس المؤمنين رجاء الخير لهم حتى لا ينخدعوا بما يموهون به عليهم.\nوالذي دفع البحث إلى ضم هذه الآية إليه مع أن لا عتاب فيها لسيدنا رسول الله - ﷺ - كما هو ظاهر من سياقها ولحاقها - ما وجد من روايات حديثية بأسانيد صحيحة من روايات الشيخين وغيرهما تذكر أن رسول الله - ﷺ - استغفر لابن أبي فهمًا منه - ﷺ - من الآية التخيير بين الاستغفار وعدمه للمنافقين، وأن العدد المذكور فيها للتحديد لا للتكثير والمبالغة بدليل قوله - ﷺ - كما تقول رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر - عندما أراد عمر منعه من الصلاة على ابن أبي بقوله: \" يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلى عليه \"، وفي رواية أخرى عند البخاري أيضًا عن ابن عمر أيضًا أن عمر قال: \" تصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم \"، قال رسول الله - ﷺ -: \" إنما خيرني الله أو أخبرني \"","vol":"1","page":185},{"text":"فقال: \" استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم \" فقال: \" سأزيده سبعين \".\nوحديث ابن عمر الذي أوردنا المطلوب منه وما جرى مجراه من سائر الروايات التي تنسب إلى رسول الله - ﷺ - فهم التخيير من الآية الكريمة وأن العدد فيها للتحديد قد توقف في قبوله بعض الأكابر من الأئمة والنظار من أهل العلم كالقاضي أبي بكر الباقلاني الذي قال: \" هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها \"، وإمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي والداودي أحد شراح صحيح البخاري.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>(نفي التخيير عن دلالة هذه الآية)</span>\nوحجتهم في التوقف عن قبوله أن فهم التخيير في الآية يتنافى مع ما جرت عليه أساليب اللغة من أن هذا الأسلوب يجري مجرى الإخبار المقتضي للتسوية بين الاستغفار وعدمه في عدم حصول أية فائدة للمنافقين بدليل قوله في الآية (بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) والإشارة تعني التعليل للإخبار المفهوم من التسوية في الآية فكأن عدم الغفران لهم -وهو الخبر المقصود من الآية- معلل بكفرهم وعدم توفيقهم إلى الحق وموتهم على الفسق والخروج عن جادة الإيمان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>(إفادة العدد سبعة)</span>\nوالمعروف أيضًا أن الأعداد -ولا سيما عدد سبعة وعدد سبعين- إنما تذكر لإفادة التكثير والمبالغة لا لإفادة التحديد الذي لو زيد عليه تغير المقصود.","vol":"1","page":186},{"text":"قال ابن الأثير في النهاية: \" وقد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة فِى القرآن والحديث والعرب تضعها موضع التضعيف والتكثير كقوله (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) وكقوله (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ).\nوقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: \" وقد قيل إن السبعين إنما ذكرت حسمًا لمادة الاستغفار لهم، لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها \".\nوقال الشوكاني في تفسيره فتح القدير: \". . . وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولًا. . بل المراد بهذا هو المبالغة في عدم القبول، فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى: أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفارًا بالغًا في الكثرة غاية المبالغ \".\nفنسبة فهم التخيير من الآية الكريمة للنبي - ﷺ - وأن العدد فيها للتحديد لا للتكثير مستبعدة جدًا بل هي إلى المحال أقرب لأن رسول الله - ﷺ - هو أفصح من نطق بالضاد، وهو أعرف الناس بالبيان القرآني وأساليبه لأنه القيم على فهمه وإفهامه كما أريد من معانيه وحقائقه ولا يمكن أن يفهم","vol":"1","page":187},{"text":"جميع البلغاء من أهل العناية بالبيان القرآني التسرية في الآية وينسب إلى رسول الله - ﷺ - ما يخالف ذلك من فهم التخيير، وتحديد العدد ويقول: \" إنما خيرني الله، وسأزيد على السبعين \".\nويزيد في بيان وجه توقف بعض النظار من أهل العلم عن قبول حديث عبد الله بن عمر ما ذكره صاحب تفسير المنار من أن \" حديث معارضة عمر بطريقيه \" مشكل ومضطرب من وجوه:\n١ - جعل الصلاة على ابن أبي سببًا لنزول آية النهي وسياق القرآن صريح في أنها نزلت في سفر وغزوة تبوك سنة ثمان، وإنما مات ابن أبي في السنة التي بعدها.\n٢ - قول عمر للنبي - ﷺ - وقد نهاك ربك أن تصلي عليه \" يدل على أن النهي عن هذه الصلاة سابق لموت ابن أبي - وقوله بعده فصلى عليه رسول الله - ﷺ - فأنزل الله تعالى (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. . .). الخ، صريح في أنه نزل بعد موته والصلاة عليه.\n٣ - قوله أنه - ﷺ - قال إن الله تعالى خيّره في الاستغفار لهم وعدمه إنما يظهر التخيير لو كانت الآية كما ذكر في الحديث ولم يكن فيها بقيتها أي التصريح بأنه لن يغفر الله لهم بسبب كفرهم وأن الله لا يهدي القوم الفاسقين، ومن ثم كان المتبادر من \" أو \" فيها أنها للتسوية بين ما بعدها وما قبلها لا للتخيير وبه فسرها المحققون كما فهمها عمر واستشكلوا الحديث إذ لا يعقل أن يكون فهم عمر أو","vol":"1","page":188},{"text":"غيره أصح من فهم رسول الله - ﷺ - لخطاب الله له ولذلك أنكر بعضهم صحته.\n٤ - التعارض بين رواية \" فلو أعلم أنني لو زدت على السبعين غفر له لزدت له \" ورواية \" وسأزيد على السبعين \".\n٥ - التعارض بين إعطائه - ﷺ - قميصه لابنه لتكفينه فيه وحديث جابر إخراجه - ﷺ - لابن أبي من قبره وإلباسه قميصه.\n٦ - إذا أمكن أن تكون الصلاة على ابن أبي قبل نزول النهي عن الصلاة عليهم فلا شك في أنها كانت بعد آية (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) وآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) والجزم في كل منهما بأن الله لن يغفر لهم.\nثم أورد صاحب تفسير المنار كلام الحافظ ابن حجر في الفتح فيما يتعلق بالآيات رروايات الأحاديث فيها وعلق عليه فقال: \" أقول حاصل ما لخصه الحافظ من أقوال العلماء في هذه المسألة وهو من أوسع حفاظ الملة إطلاعًا أنه لا يمكن الجمع بين القرآن والحديث فيها على وجه مقبول إلا إذا فرضنا أن آية النهي عن الصلاة عليهم قد نزلت بعد الصلاة على ابن أبي وهو وإن كان خلاف ظاهر السياق لا مانع منه عقلًا، ولكن يبعد جدًا أن تكون آية الاستغفار للمنافقين قد نزل صدرها أولًا ثم نزل باقيها متراخيًا بعد سنة أو أكثر أي بعد الصلاة على ابن أبي، وكذا تأويل قول","vol":"1","page":189},{"text":"عمر: \" وقد نهاك الله عن الصلاة على المنافقين \" بأنه يعني بالصلاة الاستغفار، وإذا سلمنا نزول صدر آية من سياق طويل كآية براءة في سنة، ونزول باقيها في سنة أخرى على بعده، فماذا نقول في آية سورة المنافقين، وقد نزلت قبل آية براءة بأربع سنين في غزوة بني المصطلق وكانت سنة خمس من الهجرة، وهى أصرح في التسرية بين الاستغفار وعدمه؟.\nالحق أن هذا الحديث معارض للآيتين فالذين يعنون بأصول الدين ودلائله القطعية أكثر من الروايات والدلائل الظنية لم يجدوا ما يجيبون به عن هذا التعارض إلا الحكم بعدم صحة الحديث ولو من جهة متنه، وفي مقدمتهم أكبر أساطين النظار كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي، ووافقهم على ذلك الداودي من شراح البخاري. وأما الذين يعنون بالأسانيد أكثر من عنايتهم بالمتون، والفروع أكثر من الأصول فقد تكلفوا ما بينا خلاصته عن أحفظ حفاظهم. ومن الأصول المتفق عليها أنه ما كل ما صح سنده يكون متنه صحيحًا، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح، وإنما يعول على صحة السند إذا لم يعارض المتن ما هو قطعي في الواقع أو في النصوص، وإن القرآن مقدم على الأحاديث عند التعارض وعدم إمكان الجمع، فمن اطمئن قلبه لما ذكررا من الجمع أو لوجه آخر ظهر له فهو خير له من رد الحديث ومن لم يظهر له ذلك فلا مندوحة له عن الجزم بترجيح القرآن، والتماس عذر لرواة الحديث بنحو مما ذكرناه في تعارض أحاديث الدجال \". أ. هـ","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>(تقديم منطوق حديث ابن عباس على منطوق حديث ابن عمر)</span>\nعلى أن هذا الحديث وهو من رواية ابن عمر - ﵄ - يعارضه بعض المعارضة حديث من رواية ابن عباس عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في نفس الموضوع أورده البخاري في صحيحه عقيب حديث ابن عمر هذا من غير فاصل بينهما، وفيه أن النبي - ﷺ - قال: \" لو أعلم أني إن زدت على السبعين، يغفر له لزدت عليها \".\nوهذا دليل قاطع على أن رسول الله - ﷺ - لم يحمل العدد على التحديد بخلاف ما جاء في حديث ابن عمر، ويؤكد هذا أن حديث ابن عباس رواه عن عمر وهو الذي وقف أمام الرسول - ﷺ - وحاوره في الصلاة على ابن أبي والاستغفار له، فلو كانت الآية للتخيير - والعدد للتحديد ما وقف عمر هذا الموقف من رسول الله - ﷺ -، وعمر من أساطين العربية الذين يحتج بقولهم فيها وفِي فهم أساليبها.\nونبه الآلوسي -ككثير من العلماء- في روح المعاني على هذا التعارض بين الروايات فقال: \" والأخبار فيما كان منه ﵊ مع ابن أبي من الصلاة عليه وغيرها لا تخلو عن التعارض \".\nوقد فسر الطبري -وهو شيخ المفسرين وإمامهم- الآية على عدم التخيير، وأن المقصود بها الإخبار بعدم المغفرة فقال: \" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: ادع الله لهؤلاء المنافقين الذين وصف صفاتهم في هذه الآيات بالمغفرة أو لا تدع لهم بها، وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. وقوله (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) يقول إن تسأل لهم","vol":"1","page":191},{"text":"أن تستر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها، وترك فضحهم بها، فلن يستر الله عليهم ولن يعفو لهم عنها، ولكنه يفضحهم بها على رؤرس الأشهاد يوم القيامة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) يقول جل ثناؤه: هذا الفعل من الله بهم، وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم من أجل أنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله - ﷺ - (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) يقول: والله لا يوفق للإيمان به وبرسوله من آثر الكفر به، والخروج عن طاعته على الإيمان به وبرسوله - ﷺ - \". أ. هـ\nثم قال بعد ذلك -على خلاف عادته فيما يتصل بالروايات التي يستأنس بها من أقوال السلف- \" وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل \"، أو \" وبنحو هذا القول كان يقول. . \" ويعدد القائلين بقوله قال: \" ويروي \" وساق أخبارًا وآثارًا مسندة ومرسلة لا تتصل بما فسر الآية به، وهذا يدل على عدم ارتضائه هذه الروايات تفسيرًا للآية.\nوقد غلط الزمخشري ومن تابعه من المفسرين -بعد أن فهم الآية على وجهها الصحيح- فأقر فهمًا فاسدًا مدخولًا فقال: \" فإن قلت: كيف خفي على رسول الله - ﷺ - وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار كيف: قد تلاه بقوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ) الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم حتى","vol":"1","page":192},{"text":"قال: قد رخص لي ربي فسأزيد على السبعين؟ قلت: لم يخف عليه ذلك ولكنه خيل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>(الرد على الزمخشري)</span>\nوقد رد عليه أبو حيان في البحر هذا الفهم السقيم فقال: \" وفي هذا السؤال والجواب غض من منصب النبوة وسوء أدب على الأنبياء ونسبته إليه مما لا يليق بهم، وإذا كان - ﷺ - يقول: \" لم يكن لنبي خائنة الأعين \" أو كما قال وهي الإشارة فكيف يكون له النطق بشيء على سبيل التخييل حاشا منصب الأنبياء عن ذلك ولكن هذا الرجل مسرح الألفاظ في حق الأنبياء بما لا يليق بحالهم \".\nومما يتصل بهذا البحث في قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) الآية، البحث في قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤».\nوذلك أن المراد بها المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله - ﷺ - للجهاد الذين أشير إليهم بقوله: تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ","vol":"1","page":193},{"text":"وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣».\nوهذا كما قال الإمام الطبري في تفسيره: \" ولا تصل يا محمَد على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبدًا \".\nوهذا السياق يقتضي أن هذه الآية نزلت في جماعة من المنافقين لم يعينوا ولم يذكر فيهم ابن أبي غير أن بعض الروايات التي وردت في بعض الصحاح بأسانيد صحيحة جعلت سبب نزولها تهيؤ رسول الله - ﷺ - للصلاة عليه حين طلب ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي منه ذلك، وكان ابنه عبد الله من صالحي الصحابة - ﵃ -، أو حين طلب عبد الله بن أبي نفسه ذلك من رسول الله - ﷺ - حين عاده رسول الله - ﷺ - في مرض موته بطلب من ابنه أن يمن عليه فيعطيه قميصه ليكفن فيه ويصلى عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>(التماس وجه القول لصلاة رسول الله - ﷺ - على عبد الله ابن أبي)</span>\nويمكن تخريج هذه الروايات على حملها على أن عبد الله بن أبي أحد من نهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة عليه في ضمن العموم الذي يدل عليه قوله (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) وعند ذلك يمكن حمل تهيؤ رسول الله - ﷺ - للصلاة عليه أو الصلاة عليه فعلًا والقيام على قبره على ما ظهر منه في مرض موته مما يمكن أن يؤخذ منه أنه راجع الإسلام، وتاب من النفاق،","vol":"1","page":194},{"text":"فقد أخرج الطبري عن قتادة قال: \" أرسل عبد الله بن أبي ابن سلول وهو مريض إلى النبي - ﷺ - فلما دخل عليه قال له النبي - ﷺ -: \" أهلكك حب يهود \" قال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره فأنزل الله تعالى ذكره (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) ونقله الحافظ ابن حجر في الفتح عنه وعن عبد الرزاق عن معمر من طريق سعيد كلاهما عن قتادة \" وقال \" وهذا مرسل مع ثقة رجاله ويعضده ما أخرجه الطبراني من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \" لما مرض عبد الله بن أبي جاءه النبي - ﷺ - فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فأمنن عليَّ فكفني في قميصك وصلِّ عليَّ ففعل \". فلعل رسول الله - ﷺ - تهيأ للصلاة عليه أو صلى عليه فعلًا أخذًا بظاهر حاله. وقد استحسن الحافظ ابن حجر هذا فقال: \" ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك. . وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلق بهذه القصة.\n* * *","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>(النهي عن الاستغفار للمشركين)</span>\nومما يدخل في هذا النوع من العتاب قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣».\nقبل أن ندخل في الحديث عن هذه الآية الكريمة بيانًا لما فيها من بحثنا نرى أنه ورد في أسلوبها جملة \" ما كان للنبي \" وهذا الأسلوب المكون من \" كان \" المنفية بـ \" ما \" الآتي بعدها لام الجحود تأكيدًا لتقوية النفى فيها قد ورد في القرآن الكريم، وكلام العرب على وجهين، كما قال المفسرون وأهل المعاني:\nالوجه الأول: النفي كما هو ظاهر أسلوبها كقوله تعالى (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا) وقوله (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)، وهذا هو الأصل في معنى هذا الأسلوب، لأن توكيد فعل الكون بلام الجحود هو \" أبلغ لفظ يستعمل في النفي \" ومعناه انصباب النفى على ما قبل اللام وما بعدها نفيًا مطلقًا \" يشمل جميع الحالات المعنوية التي يتضمنها الكلام \".","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>(نفي التهيؤ للفعل أبلغ من نفي الفعل)</span>\nويفيد هذا التركيب معنى زائدًا على نفى مجرد الفعل وهو نفي التهيؤ للفعل المنفي عنه وإرادته والصلاحية له، بمعنى أن النفي عنه ما في الجملة من معنى منفي عنه أيضًا إرادة ذلك الفعل والتهيؤ والاستعداد والصلاحية له كما أوضح ذلك أبو حيان في البحر، وابن هشام في المغني، وصاحب النحو الوافي وغيرهم.\nولا شك أن \" نفي التهيئة والإرادة للفعل أبلغ من نفي الفعل، لأن نفي الفعل لا يستلزم نفي إرادته، ونفي التهيئة والصلاح والإرادة للفعل تستلزم نفي الفعل، فلذلك كان النفي مع لام الجحود أبلغ.\nوعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة: ما كان من شَأن النبي - ﷺ - من حيث هو نبي، وما كان شأن المؤمنين من حيث هم مؤمنون أن يدعوا للمشركين بالمغفرة، ولا أن يطلبوا من الله لهم الرحمة (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) لأن النبوة تنافي العطف على الشرك، والإيمان من حيث هو إيمان يمنع المؤمنين من ذلك، ولو دعتهم رقة القرابة وشفقة الرحم، ووشائج الدم إلى العطف والحنو عليهم، وحب المغفرة لهم.\nفالآية على هذا الوجه لا تدل على وقوع الاستغفار بل تدل على نفيه، فهي تبرئة وتنزيه للنبي - ﷺ - والمؤمنين عن أن يقع منه أو منهم ذلك حسبما يدل عليه هذا الأسلوب.","vol":"1","page":197},{"text":"وتذييل الآية الكريمة بقوله (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) تعليل لنفى الاستغفار للمشركين، وبيان لسبب عدم صدوره من النبي - ﷺ - والمؤمنين، لأنَّهم يعلمون أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به فلا يسألون \" ربهم ما قد علموا أنه لا يفعله \".\nويؤيد هذا الفهم قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. . . .).\nولا يعكر على هذا الفهم ما ورد من استغفار إبراهيم لأبيه في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ) لأن استغفاره له كان قبل التبين، فلما تبين له أنه من أصحاب الجحيم أمسك عنه لأنه ليس من شأن النبي أن يستغفر للمشركين الذين هم من أصحاب الجحيم.\nوتبين أصحاب الجحيم يكون إما بموتهم على شركهم وكفرهم بالله وإما بنزول الوحي فيهم يدمغهم بأنهم من أصحاب النار خالدين فيها كما نزل في أبي لهب وغيره، أو بإخباره تعالى بأنهم طبع على قلوبهم.\n.","vol":"1","page":198},{"text":"أما الوجه الثاني من وجهي استعمال هذا الأسلوب في القرآن الكريم فهو متضمن لمعنى النهي كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ).\nوقد جعل منه بعض العلماء آية بحثنا هذا وأمثالها من نحو قوله تعالى (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى).\nوعلى هذا الوجه يكون معناها: النهي عن الاستغفار للمشركين، أي: لا تستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لكم أنهم من أصحاب الجحيم.\nفالآية على هذا الوجه واردة على أمر اقتضاها، وهي من آيات العتاب.\nوالذي دعا هؤلاء العلماء إلى حمل هذه الآية الكريمة على هذا الوجه -دون الوجه الأول، وبه كانت من آيات العتاب- ورود أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم تذكر أن سبب نزولها عرض رسول الله - ﷺ - الإيمان على عمه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه إذ دخل عليه رسول الله - ﷺ - وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية المغيرة فقال: \" أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله \" فقال أبو جهل وعبد الله","vol":"1","page":199},{"text":"ابن أبي أمية: \" أترغب عن ملة عبد المطلب؟ \" فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: \" على ملة عبد المطلب \". وأبى أن يقول لا إله إلا الله. قال: قال رسول الله - ﷺ - \" والله لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك \" فأنزل الله - ﷿ - (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ).\nفهل يدل قول النبي - ﷺ -: \" لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك \" على وقوع الاستغفار منه لأبي طالب فعلا؟ أو يدل على وعد منه بالاستغفار له فنزلت الآية نهيًا عن الاستغفار أو الوعد به؟.\nفالآية على هذا مكية نزلت عند موت أبي طالب كما يدل عليه أصل استعمال الفاء في التعقيب والترتيب بغير مهملة، ولهذا لا وجه للقول \" بتقدم السبب وتأخير النزول \" إلى أواخر العهد بالمدينة حملًا للفاء على السببية كما ذهب إلبه بعض من أهل العلم، لما بينا من أصل استعمال الفاء، ولأن الرابط بين السبب والمسبب أمر عقلي لا يمكن أن يتأخر المسبب فيه عن السبب زمنًا طويلًا كما يقولون، وقد يكون الربط عاديًا فيتخلف المسبب عن السبب.\nفعلى حمل معنى الآية على الوجه الأول من معنيي هذا الأسلوب- وهو النفى والتبرئة والتنزيه لرسول الله - ﷺ - أن يكون وقع منه استغفار لأبي طالب- فلا عتاب فيها لسيدنا رسول الله - ﷺ -، ويكون قوله \" لأستغفرن","vol":"1","page":200},{"text":"لك ما لم أنْهَ عنك \"، \" تطييبًا لنفس أبي طالب لعله يدخل الرجاء إلى قلبه فيتوب، ويراجع الإيمان في آخر عهده بالدنيا قبل المعاينة، أو هو من قبل الدعاء له بالهداية كما ورد عنه - ﷺ - أنه دعا لكفار أحد فقال: \" رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون \" وقد أوضحت الرواية الأخرى -وهي قوله - ﷺ - \" اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون \"- أن الدعاء بالمغفرة هنا أريد به الدعاء بالهداية لهم ليؤمنوا. وهذا لا يعاتب عليه رسول الله - ﷺ - فكان أن نزلت الآية عند مناسبتها في ذلك الوقت قطعًا لرجاء رسول الله - ﷺ - في إيمانه وزجرًا لبعض المؤمنين الذين وقع منهم الاستغفار لذوي قرباهم من المشركين، وقد تبين له - ﷺ - بصريح قوله أنه باقٍ على كفره، وهذا معنى قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).\nأما حمل معنى الآية على الوجه الثاني من معنيي هذا التركيب -وهو الذي يدل على تضمنها للنهي- فالعتاب وارد على احتمال وقوع الاستغفار من النبي - ﷺ - لعمه وفاء بوعده \" لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك \" أو على مجرد الوعد بذلك كما يدل عليه تذييل الآية الكريمة، لأن من مات على الكفر لا يستغفر له، ولا يوعد بالاستغفار له.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>(موقع العتاب من هذه الآية)</span>\nوموقع العتاب في هذا جاء على شدة رجاء وإلحاح رسول الله - ﷺ - على إيمان أبي طالب مع تمسكه بملة الأشياخ وقوله لرسول الله - ﷺ - \" لولا","vol":"1","page":201},{"text":"أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع. لأقررت بها عينك \".\nوذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية نزلت في نهي المؤمنين عن استغفارهم لآبائهم المشركين، واستدلوا لذلك بما رواه الترمذي وحسنه والإمام أحمد في مسنده -ونقله ابن كثير في تفسيره في المسند، ولم يعقب عليه بشيء- عن علي - ﵁ - قال: \" سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أو ليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ).\nفهذا الحديث صريح في أن هذه الآية نزلت لنهي المؤمنين عن الاستغفار لآبائهم المشركين، وإنما ذكر النبي - ﷺ - في صدر الآية باعتباره - ﷺ - المتلقي للوحي المبين لأحكامه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>(إيجاب تعليق عموم الأعمال على مشيئة الله)</span>\nومما ينتظم في هذا النوع من العتاب قوله تعالى (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤».","vol":"1","page":202},{"text":"وقد نزلت هاتان الآيتان في قصة تقول: إن النبي - ﷺ - قد سئل من بعض شياطين قريش بإيعاز من أحبار اليهود بالمدينة عن ثلاثة أشياء: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وعن الروح ما هو؟ فقال هم رسول الله - ﷺ - \" أخبركم غدًا بما سألتم عنه \" ولم يستثن فاحتبس عنه الوحي أيامًا قيل إنها أربعون يومًا، وقيل إنها خمسة عشر يومًا، وقيل إنها ثلاثة أيام.\nوهذا الأخير هو الأقرب إلى المعقول، فحزن رسول الله - ﷺ - لإبطاء الوحي عليه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة.\n\" فأتاه جبرائيل فقال: اشتد عليك احتباسنا عنك، وتكلم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبد الله ورسوله، إذا أمرني بأمر أطعته (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ).\nقال بعض المفسرين: في الآيتين عتاب لرسول الله - ﷺ - على ترك الاستثناء أي لتركه قول \" إن شاء الله \".","vol":"1","page":203},{"text":"وعبر بعضهم عن العتاب بالتأديب، ولفظ العتاب أحسن وأليق بموضعه، وقد أبدع الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في التعبير عن هذا فقال: \" هذا إرشاد من الله تعالى لرسول الله - ﷺ - إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله - ﷿ - علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون \".\nوكيفما يكن الأمر من العتاب أو التأديب أو التعليم والإرشاد، فإن النظر في الآيتين يكون أولًا في تركيبهما، وموضع الاستثناء من الآية الأولى وبأي ألفاظها يرتبط، وثانيًا في بيان ما فيها من عتاب ووجهه، وثالثًا في بيان كون هذا العتاب من عتاب التنبيه وهو النوع الثاني من أنواع العتاب فيما ذهبنا إليه من تنويع.\nوقد اختلف في تعلق الاستثناء في الآية الثانية وارتباطه بالآية الأولى.\nفقيل إن الاستثناء مرتبط بالنهي لا بقوله \" إني فاعل ذلك \" لأن تعلقه بقوله \" إني فاعل \" يجعل المعنى: إني فاعل كذا إلا أن تمنعني مشيئة الله من الفعل.\nوهذا المعنى لا مدخل له في النهي، والنهي هو المقصود في الآية لورردها من أجله.\nوارتباط الاستثناء بالنهي محتمل لوجهين:","vol":"1","page":204},{"text":"الوجه الأول: يصير المعنى به: \" ولا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقول بأن يأذن لك فيه \".\nوهذا معنى صحيح في ذاته ولكنه غير مراد هنا، لأن المراد هنا النهي عن القول إلا مرتبطًا بقوله \" إن شاء الله \" وهو الوجه الثاني في الاحتمال، إذ المراد في هذا الوجه الثاني: ولا تقولن قولًا تعد فيه أحدًا بوعد أو تعزم على فعل شيء في المستقبل إلا أن تربط وعدك أو عزمك على الفعل بقولك \" إن شاء الله \".\nهذا ملخص كلام الزمخشري في المراد بتركيب الآيتين، وقد أوضح الوجه المراد هنا فيهما الناصر ابن المنير في انتصافه على الكشاف فقال: \" .. إنما الغرض النهي عن هذا القول إلا مقرونًا بقول المشيئة \" أي بقول \" إن شاء الله \".\nوعبارة القاسمي -في تفسيره- أوضح هنا في بيان المراد من عبارة ابن المنير حيث قال: \" ولا تقولن لما عزمت عليه من فعل إني فاعل ذلك غدًا إلا قائلًا معه: إن شاء الله \".\nوقد نهي ﵊ عن أن يقول قولًا إلا مقرنًا بقوله (إن شاء الله \" تعليمًا له - ﷺ - وتشريعًا لأمته كلها في مستقبل حياتها حتى يتحقق كل قائل لقول أو فاعل لفعل يفعله في مستقبل الأيام بأن قوله أو فعله","vol":"1","page":205},{"text":"لا يقع إلا بمشيئة الله تعالى على حد قوله - ﷿ - (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ).\nفالآيتان على هذا تعليم لرسول الله - ﷺ - -ولأمته عامة- لما ينبغي له التزامه حين يسأل عن أمر، يعلمه ألا يعد بالجواب أحدًا وألا يقول بأنه سيفعل كذا غدًا \" إلا أن يصله بمشيئة الله تعالى لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته \" ابتعادًا عما يظن بذلك من لزوم التحكم على الله تعالى وتبرؤا مما يشعر أنه قام بالفعل بإرادته \".\nقال ابن كثير في اعتراض هاتين الآيتين وسط قصة أصحاب الكهف \" واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقًا لا تعليقًا \".\nوهذا هو الأوجه بمعنى الآيتين الكريمتين، لأنه رد للمشيئة إلى الله تعالى وحده، وإبعاد للمسلم عن الكذب فيما لو لم يتمكن من الوفاء بوعده أو القيام بما عزم عليه من فعل لعارض من عوارض الدنيا اعترضه أو لموت أصابه، لأنه (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا).","vol":"1","page":206},{"text":"وإذا بدر منه قول ناسيًا الاستثناء فيه فليذكر ربه ليتذكر ما فاته من ذكر المشيئة تداركًا لنسيانه إياها امتثالًا لما أمره ربه به في ذلك.\nوختمت الآية الثانية بإرشاده - ﷺ - إلى أن يرجو ربه أن يمنحه من الآيات البينات والدلائل الواضحات الدالة على صحة نبوته ﵊، وصدقه فيها ما عساه أن يكون أظهر مما سألوه عنه وأكثر خيرًا ومنفعة فقال (وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا).\nوالظاهر من قوله - ﷺ - \" أخبركم غدًا \" أنه وكل الأمر إلى الوحي فأعطى لنفسه فرصة الانتظار إلى الغد اعتمادًا على ما في قلبه الطاهر من اطمئنان بالجواب منه تعالى، وليس استقلالًا منه بالتفكير والإخبار، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل هذه الأمور، ولعل العتاب حينئذ كان من أجل التقييد بالغد.\nويظهر مما قلناه أن الآيتين فيهما تلطف في عتاب سيدنا رسول الله - ﷺ - على تركه الاستثناء في قوله \" أخبركم غدًا \".\nولا شك أن في هذا العتاب من لطف الإرشاد والتعليم لسيدنا رسول الله - ﷺ - ما يجعله مثلًا في الأسوة به لاقتداء أمته - ﷺ - به في ربط قولها وفعلها بمشيئة الله تعالى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>(وجه كون الخطاب بهذه الآية عتابًا)</span>\nوأما وجه كون هذا العتاب من سبيل عتاب التنبيه فلأنه إرشاد لسيدنا رسول الله - ﷺ - لم يقترن بشيء من شدة الخطاب أو التحذير مما يخشى وقوعه لو لم ينبه وهو توجيه لأمته - ﷺ - أن ترتبط في قولها وفعلها بمشيئة الله وأن تنهج من بعده - ﷺ - هذا النهج الذي يجعلها خير أمة أخرجت للناس.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>النوع الثالث عتاب التحذير</span>\nأما النوع الثالث من أنواع العتاب لسيدنا رسول الله - ﷺ - فهو ما أطلقنا عليه عتاب التحذير.\nويقصد به التخويف من عاقبة فعل يتوقع ضرره في أسلوب يحمل شيئًا من الشدة يختلف باختلاف مواقف العتاب دون أن يذكر في النص شىء من عقوبة أو وعيد.\nويشترك عتاب التحذير مع عتاب التنبيه في أن كلا منهما فيه تخويف من عاقبة مثل هذا الفعل لو تكرر، وينفرد عتاب التحذير عن عتاب التنبيه في أن أسلوب عتاب التحذير لا يخلو من شدة تُقرِّبُه من الإنذار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>(آيات عتاب التحذير)</span>\nوالآيات التي تدخل تحت هذا الضابط بحسب ما وصل إليه بحثنا هي الآيات التالية:\n١ - قوله تعالى من سورة النساء (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧».\n٢ - قوله تعالى من سورة الأنعام (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ","vol":"1","page":208},{"text":"وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥».\n٣ - وقوله تعالى من سورة الأنعام أيضًا (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢».\n٤ - وقوله تعالى من سورة الكهف (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨».\n٥ - وقوله تعالى من سورة الأنفال (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨».\n٦ - وقوله تعالى من سورة الأحزاب (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ","vol":"1","page":209},{"text":"فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧».\n٧ - قوله تعالى من سورة التحريم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١».\n٨ - قوله تعالى من سورة عبس (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠».\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>(تفصيل القول في الموضع الأول من هذه الآيات)</span>\nأما الموضع الأول من هذا النوع من العتاب فهو قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧».\nوقد جاءت هذه الآيات الثلاث -في سياقها من سورة النساء- إثر تحريض الله تعالى المؤمنين، وتقوية عزائمهم في قوله (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ","vol":"1","page":210},{"text":"وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤» ليواصلوا الجهاد، وملاحقة الكافرين الذين ناصبوهم العداء كسرًا لشوكة الكفر والكافرين، وخضدًا لقوة أعداء الإسلام والمسلمين الذين يحاولون القضاء على الدين الإسلامى وإهلاك أهله المنتمين إليه المخلصين في الدعوة إلى سبيله إعلاء لشأنه وترسيخًا لأركانه.\nولتذكيرهم بألا يجعلوا من آلامهم الجسمية التي أصابتهم في جهادهم لأعداء الله ورسوله مانعًا من ابتغاء الكافرين ومطاردتهم، فإن أعداءهم أصيبوا بمثل ما أصيبوا به من الآلام وأوجاع الجراح والقتل، ومع ذلك فهم يصبرون على آلامهم، وينازلون المسلمين للقضاء عليهم، وعلى دينهم، فلا ينبغى لكم أيها المؤمنون أن تكونوا أقل صبرًا من أعدائكم ولا أن تضعفوا عن مواقفتهم وملاحقتهم وأنتم تزيدون عليهم برفعة الإيمان والرجاء من الله نصره وتأييده وإظهار دينه وهو ما لا يرجوه أعداؤكم لأن الله مولاكم ولا مولى لهم.\nولتحذير المؤمنين ألا يضعفوا عن ملاحقة أعدائهم وألا يغفلوا عن الاستعداد لهم كسرًا لشوكتهم في كل آن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>(الأمر بالتزام الحق والعدل في معاملة جميع الناس)</span>\nوقد جاء صدر الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث -موضع البحث- بعثًا لرسول الله - ﷺ - على التزام الحق والعدل في معاملة جميع الناس أعداء كانوا أم أصدقاء، كفارًا أم مؤمنين -كما هو ديدنه - ﷺ - في جميع الأحوال والأوقات والملابسات ومع جميع الناس من حيث هم ناس دون نظر إلى ما هم عليه من عقيدة ليكون ذلك نهجًا واجب السلوك على أمته من بعده في مقام انتصارها على أعدائها والظهور عليهم والتمكن منهم ألا يجانبوا الحق","vol":"1","page":211},{"text":"والعدل في معاملتهم لأن العداوة لا تبيح مجانبة الحق والعدل، ولأن الكفر لا يبيح معاملة الكافر بما لم يعاملنا به، فلا يعتدى عليهم في مال أو عرض بغير حق ثابث وعدل قائم القواعد ولا يمثل بهم.\nوجاء قوله (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) مقررًا لقاعدة عامة هامة، وهي أن الله تعالى قد جعل الحكم بين جميع الناس قائمًا على الحق والعدل سواء كان الناس كفارًا أم مؤمنين، أصدقاء أم أعداء، لا يُحَابي قريبًا لقرابته ولا صديقًا لصداقته ولا يتحيف على عدو لعداوته، بل الناس بجميع أجناسهم وألوانهم وأديانهم وأحوالهم أمام الحكم بالحق والعدل سواء.\nوهذا رد إلى ما تقدم في هذه السورة الكريمة من الأمر بالحكم بين الناس بالعدل في قوله (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) فهو من باب التأكيد المعنوي، فقوله هنا في هذه الآية -موضع البحث- (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) في مقابلة قوله في تلك (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).\nولعل هذا هو وجه من جعل ربط هذه الآيات الثلاث بالآية المتقدمة الآمرة بالحكم بين الناس بالعدل.\nوالذي أراه الله إياه اختلف فيه العلماء فقال فريق: هو ما يراه - ﷺ - بالرأي والاجتهاد، وقال فريق آخر هو ما ينزل عليه به","vol":"1","page":212},{"text":"الوحي.\nوأيًا ما كان فمرجع ما أراه الله إياه سواء أكان عن رأي واجتهاد منه - ﷺ - أم عن وحي منزل فإن مرجعه إلى الوحي إذ لو كان ما أراه الله رأيًا واجتهادًا فإما أن يصوب إن كان خطأ وإما أن يقر إن كان صوابًا فرجع في صورتيه إلى الوحي.\nوخطابه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) يشعر بأنه - ﷺ - هجس في نفسه الشريفة شىء أو حدث نفسه بشيء أخذًا بظاهر الحال قبل أن يبين الله له جلية الأمر، ولا يلزم هذا النهي وقوع المنهي عنه.\nوقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن اللام في قوله (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) لام التعليل بمعنى أنه - ﷺ - نهي عن مخاصمة البرآء لأجل الخائنين.\nومن المفسرين من ذهب إلى أنها بمعنى \" عن \" أي أنه - ﷺ - نهي عن أن يكون مخاصمًا عن الخائنين.","vol":"1","page":213},{"text":"وفي كلا الحالين ينتهي المعنى إلى أمر واحد، وهو أنه - ﷺ - نهي عن أن يكون خصيمًا للبرآء لأجل الخائنين.\nوعطف هذه الجملة، وهى قوله (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) -وهي جملة إنشائية لفظًا ومعنى- على الجملة التي قبلها من هذه الآية -وهي خبرية لفظًا ومعنى- إنما صح لكون المعطوف عليه ليس هو الجملة الخبرية، وإنما هو \" ما ينسحب عليه النظم الكريم \" من تضمن أمر محذوف تقديره: فاحكم بين الناس به ولا تكن للخائنين خصيمًا.\nثم عطف على جملة النهي الأولى وهي (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) جملة النهي الثانية وهي (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) من باب عطف الأثر على المؤثر، والمسبب على السبب لأن الجدل عن الخائنين أثر من آثار الكون خصيمًا للبرآء لأجل الخائنين وهو -أي الجدل- مسبب عن الكون خصيمًا للبرآء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>(ما يدل عليه توسيط الأمر بالاستغفار بين النهيين)</span>\nوتوسيط الأمر بالاستغفار بين النهيين لمحو بها عسى أن يكون هجس في نفس النبي - ﷺ - من شيء أخذًا بظاهر الحال قبل أن يبين الله له جلية الأمر.\nوالنهي وإن كان لا يدل على وقوع المنهي عنه من المنهي إلا أنه لا ينفي أن يكون قد دار في النفس من متضمن النهي شيء فجاء الأمر بالاستغفار ليمحو ذلك الأثر.","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>(تصوير حال المختانين أنفسهم)</span>\nوفي قوله (الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) تصوير بالغ لحال أولئك المختانين، فإن خيانتهم ومعصيتهم قد بلغت مبلغًا من الشناعة والفظاعة تجاوزت فيه الذين خانوهم وغدروا بهم إلى حد أنهم من شدة خيانتهم قد انعكست الخيانة عليهم فخانوا أنفسهم وظلموها وأوردوها موارد الهلاك والعذاب الشديد من الله تعالى.\nوفي التعبير بالاختيان عن الخيانة إشعار بالتدسس النفسي وشدة إخفاء معالم الخيانة التي كانوا عليها إظهارًا للنفاق الذي في أنفسهم.\nوجاء قوله (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) بيانًا لقاعدة عامة -جريًا على سنة القرآن الكريم- من أنه إذا تحدث القرآن الكريم عن موضوع في وعد أو وعيد أو تحذير أو زجر عن حادث وقع من فرد أو طائفة فإنه يختم آيات ذلك الموضوع بقاعدة عامة لتكون تشريعًا أبديًا للأمة يحميها من الوقوع فيما وقع فيه أصحاب ذلك الحادث.\nوفِي التعبير بصيغتي المبالغة (خَوَّانًا أَثِيمًا) بيان لمدى ما وصل إليه أولئك المختانون أنفسهم من خبث في الخيانة، وأنها ثابتة في طبائعهم، مستقرة في نفوسهم، فقد خانوا الله بمعصيته وخانوا الناس بالاعتداء على حقوقهم التي ائتمنوهم عليها، وخانوا أنفسهم بظلمها وإيرادها موارد العذاب، وخانوا الرسول - ﷺ - بالكذب عليه وإخفاء الحقيقة عنه طمعًا منهم في حمله على تبرئتهم بتظاهرهم بالصلاح في الإسلام وبما زكى به بعضهم بعضًا.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>(وصفهم بسوء ما بيتوا للتحذير من الاغترار بمثل ما تجمعوا عليه)</span>\nفكشف الله خيانتهم، ووصمهم بسوء ما بيتوا فقال (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨».\nوقوله تعالى -في خطاب رسول الله - ﷺ - (ولا تجادل) نهي للتحذير وليس عن أمر واقع لأن الرسول - ﷺ - لا يجادل عن خائن، ويعصمه الله تعالى عن أن يدلسوا عليه الحقيقة.\nوالتحذير إنما كان لما احتف بالحادثة من تجمع المنافقين المتظاهرين بالصلاح في الإسلام وشهادتهم ببراءة صاحبهم والطعن على من ألقيت عليه الدِّرْع وهو زيد بن السمين اليهودي أو غيره ممن ذكرت الروايات، وقصدهم خدع رسول الله - ﷺ - بإكثارهم الطعن على من ألقيت عليه الدرع ولا سيما إذا كان هو اليهودي، ولذلك جاء الخطاب لهؤلاء المنافقين تبكيتًا لهم وتقريعًا على ما فعلوه من الخيانة وشهادة الزور والطعن على البراء فقال تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩».\nوهو خطاب يدل على وقوع الجدل الكاذب الخؤون من هؤلاء المنافقين المتجمعين الذين كانوا ألحن بحجتهم من خصومهم البرآء، والله يعلم أنه جدل زائف باطل نبه رسوله - ﷺ - على بطلانه وزيفه فلم ينخدع به رسول الله - ﷺ - في ترتيب شيء عليه من القضاء أو الحكم.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>(التمويه بالجدل الكاذب في الدنيا لا ينجي من عذاب الآخرة)</span>\nولما كان الجدل في لدنيا يمكن أن يقع به التمويه والخداع، وكان الجدل في الآخرة مكشوف السوأة لا يخدع به أحد نبه الله تعالى على أن جدلهم في الدنيا وإن كان خادعًا لم ينفعهم بشيء لأن الله تعالى أعلم رسوله - ﷺ - ونبهه على ما فيه من خيانة وخداع، ولكن جدل الآخرة لا يمكن أن يقع بسببه خداع ولا خيانة لأن الحاكم إذ ذاك هو الله وحده علام الغيوب فقال لهم منكرًا مقرعًا (فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يوم تنكشف الحقائق فلا يغطيها خداع أو لحن بحجة.\nثم قال لهم (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي من يكون كفيلًا لهم يوم القيامة ينجيهم من عذاب الله حيث لا خداع ولا خيانة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>(فتح باب التوبة للتائبين)</span>\nثم فتح الله تعالى للتائبين باب التوبة رحمة منه وتفضلًا على عباده فقرر قاعدة عامة يدخل فيها كل تائب مستغفر فقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠».\nثم بيّن أن من يكسب إثمًا ومعصية من خيانة أو خداع عن الحق فإنما كسبه لها راجع علي نفسه يضرها ولا يضر غيرها فقال: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١» وفي هذه الفاصلة تهديد ووعيد لهؤلاء المنافقين بأن الله لا يخفى عليه خداعهم، وأن رسوله - ﷺ - في عصمة وحماية منه تعالى لا يتركه لخداعهم وخيانتهم، وأنه تعالى حكيم يضع الأمور في مواضعها.","vol":"1","page":217},{"text":"ثم أخبر تعالى عن القائمين بالباطل والخيانة في هذه الحادثة بأنهم إذ كسبوا الإثم ورموا به البريء فقد احتملوا جريمة البهتان والإثم المبين فقال تعالى (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢».\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>(قطع أطماع المنافقين في حجب الحقيقة عن رسول الله - ﷺ)</span>\nثم عقب الله تعالى هذه الآيات بما امتن به على رسوله - ﷺ - من عصمته أن ينالوا بخداعهم ومكرهم منه شيئًا أو يضروه بشيء مما هموا به من الضلال والإفساد فقطع بذلك -إلى الأبد- أطماع الذين يظنون أن في استطاعتهم حجب الحقيقة عن رسول الله - ﷺ - كما يحجبونها عن غيره من الناس، كما عقب ذلك بمنة أخرى وهي إظهار فضل الله عليه وتعليمه ما لم يكن يعلم، وكان ذلك من عظيم فضل الله على رسوله وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣».\nقال السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار: \" وهذه الآية ناطقة بأنه - ﷺ - لم يجادل عنهم ولا أطمعهم في التحيز لهم قبل نزول الوحي ولا بعده بالأولى \".","vol":"1","page":218},{"text":"ثم نقل عن أستاذه الشيخ محمد عبده في تعقيب هذه الآيات قوله: \" كان الكلام في المختانين أنفسهم ومحاولتهم زحزحة الرسول - ﷺ - عن الحق، وقد أراد الله تعالى بعد بيان تلك الأوامر والنواهي وتوجيهها إلى نبيه - ﷺ - أن يبين فضله ونعمته عليه، قال الأستاذ: ولا يصح تفسير الآية بما ورد من قصة طعمة لأنه على ما روي قد هم هو وأصحابه بإضلال النبي - ﷺ - عن الحق الذي أنزله الله عليه، وهو تعالى يقول إنه بفضله ورحمته عليه قد صرف نفوس الأشرار عن الطمع في إضلاله والهم بذلك، وذلك أن الأشرار إذا توجهت إرادتهم وهممهم إلى التلبيس على شخص ومخادعته ومحاولة صرفه عن الحق فلابد له أن يشغل طائفة من وقته لمقاومتهم وكشف حيلهم وتمييز تلبيسهم وذلك يشغل المرء عن تقرير الحقائق وصرف وقت المقاومة إلى عمل آخر صالح نافع ولذلك تفضل الله على نبيه - ﷺ - ورحمه بصرف كيد الأشرار عنه حتى بِالهمِّ بغشه وزحزحته عن صراط الله الذي أقامه عليه \". أ. هـ.\nوهذا إيجاز لما فصلناه فيما سبق من تفسير الآيات.\nوالذي نفاه الأستاذ محمد عبده من عدم صحة تفسير الآيات بقصة طعمة يقصد به ما أورده جمهور المفسرين والمحدثين من قصة ذكروها في أسباب النزول تنسب إلى رجل من بني أبرق يقال له بشر واشتهر بطعمة وهو متهم بالنفاق وكان يقول الشعر يهجو به المسلمين وينسبه إلى بعض شعراء العرب، وجملة القصة -في إيجاز كما أوردها الترمذي.","vol":"1","page":219},{"text":"والطبري وغيرهما- أن هذا الرجل نقب مشربة لرفاعة بن زيد وسرق منها أدرعًا له وطعامًا فذهب قتادة ابن أخي رفاعة إلى النبي - ﷺ - يشكو إليه بني أبيرق، ويخبره بما وقع من السرقة. قالت الرواية \" فقال له رسول الله - ﷺ -: \" سأنظر في ذلك \" فلما أحس بنو أبيرق بأن الأمر وصل إلى رسول الله - ﷺ - قالوا له: \" يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينه ولا ثبت قالت الرواية: \" فقال رسول الله - ﷺ - لقتادة بن النعمان: \" عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينه \" ولم يلبث أن نزل القرآن بهذه الآيات.\nوقد علق الترمذي على هذه القصة بعد أن أوردها بقوله: \" هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني وذكر أن سائر رواياتها الأخرى مرسلة \".","vol":"1","page":220},{"text":"ولعل الأستاذ محمد عبده في نفيه لتفسير الآيات بهذه القصة نظر إلى إرسال أسانيدها فيما عدا رواية محمد بن سلمة الحراني وهو ثقة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>(موضع العتاب في هذه الآية)</span>\nوموطن العتاب في هذه الآيات في توجيه النهي إلى رسول الله - ﷺ - أولًا: ألا يكون خصيمًا للبرآء لأجل الخائنين.\nوهذا الأسلوب وإن كان لم يستلزم وقوع المنهي عنه من رسول الله - ﷺ - إلا أنه قد يشعر بحديث هجس في نفس الرسول - ﷺ - قبل أن يبين الله له جلية الأمر فيهم - أخذًا بظاهر الحال من الذين تجمعوا وشهدوا عنده - ﷺ - ببراءة هذا الرجل، مع ما في أسلوب الآية من شدة في الخطاب وتصوير هذه الشدة بألفاظ تؤكد هذه الشدة مما يشعر لأول وهلة وقبل التأمل أنه قد وقع من النبي - ﷺ - ما يبرر هذا النهي بهذا الأسلوب.\nوثانيًا: نهيه - ﷺ - عن المجادلة عن الخائنين التي هي أثر من آثار ما تضمنه النهي في الجملة الأولى مع ما فيها -كالنهي الأول- من شدة في الأسلوب والألفاظ.\nأما أنه من عتاب التحذير فلاشتماله -في موضعيه- على شدة الأسلوب الذي خرج مخرج التحذير مما يخشى في ظاهر الحال أثر وقوعه لو تكرر.\n* * *","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>(ثانية آيات هذا النوع من العتاب)</span>\nوثانية آيات هذا النوع من العتاب قوله تعالى -من سورة الأنعام-: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥).\nوهذه الآية تدخل في ظاهر أمرها ومجمل موضوعها تحت عتاب التوجيه لأنها عتاب على شدة حرص رسول الله - ﷺ - على إيمان قومه الذي بلغ فيه مبلغًا ليس وراءه مطلب لحرص حريص، فهي بحسب هذا الظاهر من قبيل (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ).\nغير أنَّهَا لما اشتملت على تحذير وشيء من الشدة في الخطاب بلغ مبلغ التيئيس من إيمانهم الذي أشعر بأن الرسول - ﷺ - لم يترك طريقًا من طرائق جذبهم إلى الإيمان إلا وقد سلكه معهم، حتى كأنه - ﷺ - رغب في أن لا يأتيه الله بشيء ينفرهم منه وأن ينزل عليه ما يقربهم منه فمن هنا كانت أنسب بوضعها في عتاب التحذير.\nْوقد جاءت هذه الآية إثر بيان الله تعالى مبلغ ما وصل إليه حزنه - ﷺ - على عدم إيمان قومه وأنه بلغ في هذا الحزن مبلغًا جعله كالمتطلع إلى أن يأتيه الله تعالى في وحيه بما يقربهم منه ويرغبهم في الاستجابة إليه بتحقيق ما اقترحوا من آيات.","vol":"1","page":222},{"text":"فقدم الله تعالى إلى رسوله الكريم التعزية والتسلية على حزنه البالغ الذي لم يبق في نفس النبي - ﷺ - أثرًا في الأمل فيهم والرجاء في إيمانهم فقال له (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤».\nوهاتان الآيتان تضمنتا أمورًا:\nأولًا - إخبار الله تعالى لنبيه - ﷺ - أنه علم ما يحزنه علمًا أكده بحرف التحقيق الذي يفيد أن هذا العلم محقق ثابت وبدخول اللام على خبر إن المؤكدة، وإبهام ما يحزنه في الإتيان بصلة الموصول مبهمة غير مفسرة (يقولون).\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>(تسلية رسول الله - ﷺ - عما يلقاه من أذى المشركين)</span>\nثانيًا - إخباره ﷾ رسوله بأن تكذيب هؤلاء المشركين لم يكن قط موجهًا لذاته الشريفة - ﷺ - بقوله (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) وفِى هذا تلطف برسول الله - ﷺ - وتلميح إلا ما كان عليه - ﷺ - من الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق ورفيع الشمائل التي يعترف بها هؤلاء المشركون رغم ما يكنونه لدعوته من عداء فهذا تنزيه لذاته - ﷺ - وتبرئة لساحته أن يتوجه إليها الكذب.","vol":"1","page":223},{"text":"وقد روى الترمذي والحاكم والطبري عن علي - ﵁ -: \" أن أبا جهل قال للنبي - ﷺ -: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به \" فأنزل الله تعالى (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ).\nثالثًا - بيان أن سبب عناد هؤلاء المشركين وتعنتهم بطلب الآيات من رسول الله - ﷺ - إنما هو جحدهم آيات الله، وهذا كأنه موجه إلى الله ﷾ فكأن الله تعالى قال له: إن هذا التكذيب موجه إليَّ في آياتي ولم يوجه إليك في دعوتك وصدق رسالتك.\nثم سلك الله تعالى بنبيه - ﷺ - مسلكًاْ آخر في التلطف والتعزية ليستل من قلبه الطاهر كل أثر للحزن على عدم إيمان هؤلاء المشركين وهو مسلك التأسي بإخوانه الأنبياء والمرسلين وبيان أن ذلك العناد والتعنت من الكفرة والمشركين سبيل الأمم قبله وقبل أمته، وأن التذرع بالصبر والاحتمال سبيل حملة رسالات الله تعالى فقال له (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤». وهو بأسلوب التأكيد المفتتح بلام القسم وحرف التحقيق ليبين له أن شأن الرسل من جميع من تقدمك منهم أن يكذبوا وشأن الأمم عامة أن تقابل رسالات الله بالكفر والجحود وإيذاء حملة رسالات الله الذين يدعونهم إلى الجنة وهم لا يريدون إلا النار إلا من عصم الله، وأن عاقبة هذا الصبر والاحتمال على التكذيب والجحود هي تنزل","vol":"1","page":224},{"text":"نصر الله تعالى على أنبيائه ورسله وأخذ الظالمين الجاحدين بانتقامه وبطشه الشديد.\nوفي إبهام الفاعل في قوله (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) والتصريح بالمكذَّبين -بفتح الذال المشددة- من الرسل إعظام لرسل الله ورسالاته وتحقير لمن كذبهم وجحد آيات الله التي جاءوا بها لهدايتهم.\nوقد بيّن الله ﷾ أن هذا سنة من سننه التي لا تتبدل ولا تتغير وأن نصره آتٍ لا يتخلف فقال (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ) وكلمات الله هي الآيات التي أنزلها على رسله ووعدهم النصر فيها كقوله تعالى: (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣». وقوله (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١». وهذا سنة من سنن الله تعالى في خلقه.\nثم أخبر الله رسوله - ﷺ - بأسلوب التأكيد الموثق بأن هذا مما أخبره الله به فقال له (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ).\nفلما بلغت التسلية لرسول الله - ﷺ - مبلغها -وكان ما طبع عليه رسول الله - ﷺ - من الرأفة والرحمة وحب إيمان قومه وحرصه الشديد عليهم أن يجنبهم انتقام الله وبأس عذابه- وجه الله تعالى الخطاب إلى رسوله عليه","vol":"1","page":225},{"text":"الصلاة والسلام في نوع من الحسم ليفصم عرى هذا الحرص ويقطع رجاء رسوله في هؤلاء المتعنتين وبيانه: أنه لا أمل في إيمانهم لأن الإيمان إنما يتعلق بمشيئة الله تعالى وإرادته ولو شاء الله هدايتهم لهداهم أجمعين - فقال (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥». أي أنك قد استنفدت كل طرائق موجبات دلائل الإيمان وآتيتهم من الآيات ما فية الغنية عن طلب المزيد وتحقق لهم أنك صادق فيما جئتهم به من عند ربك ومع ذلك لم يؤمنوا مكابرة وإعناتًا واستهزاء ولم يبق إلا أن تأتيهم بالمستحيلات وما ليس فِي استطاعتك الإتيان به فقد شق عليك إعراضهم وعظم عليك صدودهم عن الإيمان وبلغ بك الحرص على إيمانهم إلى أن لو استطعت أن تدخل سربًا في الأرض أو ترقى سلمًا في السماء فتأتيهم بما اقترحوا من الآيات توصلًا إلى إيمانهم وتطلعًا إلى نجاتهم من عذاب الله بدخولهم حظيرة الإيمان لفعلت ذلك.\nولكنهم بما طبعوا عليه من سوء الاستعداد لقبول الإيمان لن يؤمنوا ولو فعلت معهم ما تستطيع وما لا تستطيع، فتخفف من الحزن عليهم إذ لو شاء الله هدايتهم واستقامتهم على الدين لوفقهم لذلك بلطفه ورحمته ولكنه لم يشأ لهم ذلك بعدله وسابق علمه بحالهم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تكن في رجائك إيمانهم -بعد ما تضافرت لك البراهين على عتوهم وإصرارهم على الكفر- ممن يغفل عن واقعهم ويطمع في إيمانهم لأن هذا شأن الجاهلين الذين ينساقون مع عواطف الرحمة والشفقة فيطمعون في غير مطمع، وهذا ليس من شأنك ولا مما يتعلق برسالتك.","vol":"1","page":226},{"text":"ثم عقب هذه الآية (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ. . .) الآية بما هو كالبيان لها فقال (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦». أي أنك في حرصك الشديد على إيمانهم لا تستطيع منعهم عن هذا الإعراض الذي أحزنك ولا أن تحصل على آية تجذبهم إلى الإيمان بدعوتك لأن الاستجابة لا تكون إلا ممن يسمعون ما يلقى عليهم سماع تدبر وانتفاع وهؤلاء المعرضون عن الإيمان بما جئتهم به وإن كانوا في ظاهر الحال في صور الأحياء إلا أنهم بمنزلة الموتى \" فآيس من هؤلاء أن يستجيبوا لك \".\nوقد سبق أن أشرنا إلى وجه العتاب في هذه الآية، وبينا أنها من عتاب التحذير باعتبار أن فيها شيئًا من شدة الأسلوب وصرامته وإن كانت فيما عوتب عليه النبي من من شدة حرصه على إيمانهم أقرب إلى عتاب التوجيه منها إلا عتاب التحذير.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>(الرد على المستهينين بالفقراء من المؤمنين)</span>\nومما يدخل في هذا النوع من العتاب أيضًا قوله تعالى في سورة الأنعام (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢».","vol":"1","page":227},{"text":"وقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق بيّن الله تعالى فيه مهمة الرسل، وأنها تبشير عباد الله المؤمنين بالخير، وإنذار الكافرين بالله النقمات والعقوبات الدنيوية والأخروية، وأن الناس أمام مهمة الرسل إما مؤمن موعود بالأمن والأجر العظيم، وإما مكذبون بآيات الله ينالهم العذاب الشديد بكفرهم بالله وما جاءتهم به الرسل من الله تعالى، وفسوقهم عن أوامر الله وخروجهم عن طاعته وارتكاب محارمه.\nوبعد أن بيّن الله تعالى أن مقترحاهم المتعنتة إنما كانت على سبيل العناد والصلف والاستهزاء والمكابرة، بيّن لرسوله - ﷺ - مهمته إزاء هذه الآيات، وأنه لا يستطيعها ولا يملكها، شأنه في ذلك شأن إخوانه الرسل من قبله، ومثل لذلك بثلاثة أمور نفاها عن رسول الله - ﷺ - ليخبر بها هؤلاء الجاحدين وهى:\nأولًا - أن خزائن الله تعالى التي يطلبون الثراء منها ليست عنده ولا في ملكه ولا في استطاعته.\nِثانيًا - أنه نفى علم الغيب عنه فهو لا يعلم منه إلا ما أطلعه الله عليه.\nثالثًا - أنه لا يقول لهم إنه ليس بشرًا، ولا يدعي الملكية فيقدر على ما لا يقدر عليه البشر، وإنما شرفه الله بالوحي إليه وأنعم به عليه فهو متبع لما أوحي إليه ولا يخرج عنه.\nثم بيّن أنَّهم إن اتبعوا هدايته كانوا مبصرين للحق، وإن تولوا وأعرضوا كانوا عميًا عن الحق وهدايته، ووبخهم على عدم تفكرهم ونظرهم فيما جاءهم به من الآيات فقال (أَفلَا تَتفَكَّرُونَ).","vol":"1","page":228},{"text":"ثم بيّن أن الإنذار بالقرآن وبما جاء به رسول الله - ﷺ - إنما يفيد الذين يُقرّون بالبعث ويخافون أن يحشروا إلى ربهم وهؤلاء هم المؤمنون، ولا يضرهم فقرهم ولا ضعف منزلتهم في الدنيا، لأنهم سموا بأنفسهم فآمنوا واهتدوا وانقطعوا إلى الله تعالى متبتلين في محاريب دعائه غدوة وعشية لا يريدون بذلك إلا وجهه ولا يتطلعون إلى شيء من الدنيا وزخارفها، وهذا هو قول الله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ثم قال تعالى: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ).\nأي أن هؤلاء الصفوة لم يُحمِّلوك شيئًا من أمرهم فلا أنت ترزقهم ولا أنت تحصي عليهم أعمالهم فتجازيهم عليها وإنما أمرهم إلى الله.\nفهؤلاء الصفوة لم يطلبوا من رسول الله - ﷺ - شيئًا يشق عليه وهم أخلص الناس في مودته وأسعدهم بعلو دعوته وهو بهم رءوف رحيم.\n(وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) أي أن هؤلاء الصفوة لا يتحملون شيئًا من أمرك وتصرفاتك ونشر دعوتك، وتبليغ رسالتك، لأنهم متبعون لأمرك وهديك.\nثم فرع على ذلك تأكيدًا لتأسي الأمة به - ﷺ - ووجوب إتباعها له ووقوفها عند أمره فقال (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) أي إن فعلت ذلك اقتدت بك أمتك وتابعتك عليه، وهو ظلم أنت أبعد الناس عنه، ولتكن قدوة أمتك بك أن تكون على منهجك وحالك فلا يطرد الضعفاء والمساكين من المؤمنين من أجل تقريب الكبراء المترفين من غير المؤمنين","vol":"1","page":229},{"text":"طمعًا في إيمانهم، لأن شأن الإيمان مرتبط بالقلوب لا بالمظاهر والثراء والترف وزخرف الدنيا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>(ما فتن به المستكبرون عن قبول الإيمان)</span>\nثم بيّن الله تعالى أن هؤلاء الكفرة المستكبرين فتنوا في أنفسهم بالإعراض عن النظر في آيات الله تعالى ومعجزات رسوله - ﷺ - وقبول هديه، وأن مثل هذا الإفتتان وقع لهم بافتتانهم بإيمان هؤلاء الصفوة من ضعفاء المؤمنين حسدًا لهم وتحقيرًا لشأنَّهم لما يرون عليهم من سمات الفقر والضعف، ونيلهم المنزلة العظمى بإيمانهم وقبول هدى الله وانقطاعهم له ﷾ بالدعاء والتضرع آناء الليل والنهار لا يبتغون بذلك شيئًا من رغائب الدنيا وزخارفها وإنما يريدون وجه الله تعالى.\nوهذا كناية عن كمال الإخلاص والعبودية لله تعالى، فالمشبه به في قوله (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) فتنة رؤوس الكفر بإعراضهم عن النظر في آيات الله وبراهينه ودلائله على توحيده واستقامة هديه، والمشبه فتنتهم بإيمان هؤلاء الصفوة الذين أثنى الله عليهم أعظم الثناء، ولم يكن لهم من الدنيا شيء، وإنما هم منقطعون إلى الله تعالى بدعائه والتضرع له والتعبد لذاته المقدسة.\nثم أظهر الله تعالى مدار فتنتهم بهم وأنَّهم حقروهم عن أن تكون لهم هذه المنزلة العظمى عند رسول الله - ﷺ - من التقريب والاحتفاء بهم فقالوا: (أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) أي أهؤلاء الفقراء الذين لا يملكون من الدنيا شيئًا وليس لهم ثراء مثل ثرائنا ولا هم مستطيعون أن يترفوا بالنعم ويتمتعوا بنعم الدنيا كما نترف ونتمتع، فالاستفهام إنكاري مشعر بالاستهزاء والتحقير.","vol":"1","page":230},{"text":"ثم رد الله تعالى عليهم باطلهم بأسلوب استفهامي يتلاقى في الإنكار والتوبيخ مع أسلوب استفهامهم في الإنكار والتحقير. فقال تعالى: (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)؟.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>(ما يكون به علو المنزلة عند الله ورسوله)</span>\nومعناه: أن علو المنزلة عند الله تعالى والتقرب من رسول الله - ﷺ - وأخذ الصدارة في مجالس الإيمان ليس بكثرة عرض الدنيا ولا بمظاهر الترف والزخرف ورغائب الشهوات، وإنما هو بما وقر في القلب من قوة الإيمان واستدامة الشكر لله تعالى، وأنتم محرومون من هذا بسوء استعدادكم وإعراضكم عن هدى الله تعالى، ولكن هؤلاء الضعفاء هم صفوة الله من خلقه، وهم أهل الشكر الذين علم الله أن قلوبهم عامرة بحبه وذكره فخصهم بما خصهم به من علو المنزلة عنده تعالى وعند رسوله - ﷺ -.\nثم زاد الله تعالى في حفاوته بهؤلاء الصفوة فأمر رسوله ﵊ أن يكون بهم حفيًا وأن يقربهم منه وأن يبدأهم بالتحية تلطفًا بهم أو أن يبلغهم تحية الله لهم، وهذا معنى قوله تعالى (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).\nثم بيّن أن هذا من غمرات رحمة الله الشاملة التي كتبها على نفسه لعباده المؤمنين، ثم فتح باب التوبة لسائر الخلق مبينًا شأنه تعالى مع التائبين","vol":"1","page":231},{"text":"وأنه غفور رحيم لما يبدر منهم من الذنوب والآثام إذا رجعوا نادمين تائبين إليه مما اقترفوا من أسواء ارتكبوها بجهالتهم لجلال الله تعالى وعظمته فقال تعالى (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>(موضع العتاب من هذه الآية)</span>\nوالعتاب في هذه الآية موضع البحث على هذا التفسير الذي نهجناه في فهم الآية إنما هو في أسلوب الآية:\nأولًا - بتسليط النهي على الطرد، والطرد إبعاد مشعر بالنفرة.\nوثانيًا - توجيه الخطاب في جواب النهي في قوله (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) مباشرة إلى النبي - ﷺ - بالكون من الظالمين إن وقع منه ذلك -وحاشاه أن يقع منه- -ﷺ- فيه شدة تتناسب مع صدر الآية في توجيه النهي إلى الطرد فكانت الآية بصدرها وفاصلتها مشعرة بالشدة التي تحمل العتاب.\nوكأن الله تعالى يحذر نبيه - ﷺ - أن يقع منه ذلك لئلا يكون منهحًا لأمته من بعده بتقريب أهل الدنيا وإبعاد صفوة الله الذين انقطعوا إلى الله تعالى تضرعًا وتعبدًا لا يبتغون إلا وجهه وذلك على الضد من مقاصد هدايات الله.\nومن هنا كان العتاب فيها من عتاب التحذير.\nوقد ذكر المفسرون والذين يُعنَون بأسباب نزول الآيات الكريمة روايات مذكورة في بعض الصحاح تشعر بأن قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). . .) الآية إنما نزلت بسبب أن","vol":"1","page":232},{"text":"المشركين طلبوا من النبي - ﷺ - إبعاد فقراء المؤمنين عن مجلسه وإخلاص مجلسه لهم لعل ذلك يكون أطوع إلى قبول هدايته والإيمان به فوقع في نفس النبي - ﷺ - ما شاء الله أن يقع وحدَّث نفسه.\nوهذا مشعر بأن النبي - ﷺ - هَمَّ بإبعاد هؤلاء الفقراء عن مجلسه فنزلت الآية الكريمة تنهاه وتعاتبه على ما هَمَّ به.\nروى الإمام مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: \" كنا مع النبي - ﷺ - ستة نفر فقال المشركون للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما. فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه فأنزل الله - ﷿ - (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .).\nوهذا أصح ما رُوي في سبب نزولها، وعند الحاكم في مستدركه جاء هذا الحديث عن سعد أيضًا من طريق سفيان ولم يذكر فيه ما جاء في رواية مسلم من قول سعد \" فوقع في نفس النبي - ﷺ - ما شاء الله أن يقع فحدَّث نفسه فنزلت الآية \"، وإنما الذي جاء في حديث الحاكم أن سعدًا قال: \" نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي - ﷺ - منهم ابن مسعود قال: كنا نستبق إلى رسول الله - ﷺ - وندنو منه ونسمع منه فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا فنزلت (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ).","vol":"1","page":233},{"text":"ولا يخلو هذا من الإشعار الذي أشعر به حديث مسلم في كلام سعد، وإن كان حديث مسلم أصرح في الإشعار من حديث الحاكم.\nولعل حديث الحاكم دخله شىء من الاختصار، أو أن حديث مسلم روي بالمعنى فدخله شىء من التفصيل.\nوحديث سعد -عند مسلم- صريح في أن العتاب في الآية وقع على ما حدَّث به النبي - ﷺ - نفسه إن كان قد حدَّث نفسه بما قال سعد. والله ًاعلم.\nبيد أن حديث النفس أمر داخلي في النفس الإنسانية محجوب عن غير صاحبه، لا يطّلع عليه أحد من الخلق سوى من حدّث نفسه بما حدّثها به إن كان قد حدّثها فعلًا.\nوهذا النظر يجعلنا نطمئن تمامًا إلى ترجيح القول بأن رواية مسلم لحديث سعد هذا قد رويت بالمعنى، فدخلها تفصيل أخرجها من نسقها الصحيح الذي قاله سعد، إذ ما كان لسعد ولا لغيره من الناس كائنًا من كان أن يطلع على ما دار بخلد رسول الله - ﷺ - آنذاك، ولا أن يتجرّأ بالقول عليه، وهو لم يخبر عن نفسه بشيء في هذا إن كان قد حدث من المشركين ما عُدَّ سببًا لنزول هذه الآية الكريمة.\nوأيضًا لم يرد لرسول الله - ﷺ - في سياق قول سعد في هذا الحديث قول ولا تقرير حتى يمكن أن يستأنس بشيء منه لما زُعم في ما نسب لسعد من قول في هذه الرواية.","vol":"1","page":234},{"text":"وظاهر حال رسول الله - ﷺ - في إخلاصه التام في الدعوة إلى عبادة الله وحده، وحبه للمؤمنين، وتفرغه الكامل للجلوس معهم، وانقطاعه لتعليمهم، وتفقيههم في الدين مما هو معلوم عنه بالاستفاضة يرد كل ما زُعم في هذا الشأن.\nوسياق قول سعد الذي رواه الحاكم -كما مر آنفًا- هو اللائق بحال رسول الله - ﷺ - مع المؤمنين، لأنه - ﷺ - ما كان يلقي بالًا لما كان يتعنت به المشركون من أقوال وأعمال ومطالب يأملون بها إبعاد المؤمنين بها عنه.\nويؤيد قولي هذا، ويعززه ما أخرجه أبو داود في سننه بإسناده عن علي أبي أبي طالب - ﵁ - أقرب الناس إلى رسول الله - ﷺ - حالًا، وأتمهم به معرفة وأخبرهم به تصرفًا في دعوته، وجميع شؤون حياته حيث قال علي - ﵁ -: \" خرج عِبْدَانٌ إلى رسول الله - ﷺ - -يعني يوم الحديبية- قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربًا من الرق، فقال ناسٌ: صدقوا يا رسول الله ردَّهم إليهم، فغضب رسول الله - ﷺ - وقال: \" ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا \" وأبى أن يردهم، وقال:\n\" هم عتقاء الله - ﷿ \".\nورواه -أيضًا- الترمذي في جامعه بإسناده من طريق رِبْعي بن حِراشٍ -أيضًا- بتفصيل أتم وأوضح عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال:","vol":"1","page":235},{"text":"\" لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس لهم فقهٌ في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا. قال: فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي - ﷺ -: \" يا معشر قريش لتنْتهُنّ أو ليبعثنّ الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف علي الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان \".\nوهذا الحديث بسياقيه صريح في عدم رضى رسول الله - ﷺ - بقولهم ذلك، وردٌّ وصد، ورفض صريح لطلبهم وبيان لغضبه - ﷺ - عليهم، وعلى من آزرهم بالقول منهم، وتهديد ووعيد شديدين لهم جميعًا، مما يدل على أن ما صدر منه من تهديد ووعيد وتوعد لهم في الحديبية قد صدر منه - ﷺ - مثله قبل ذلك حين صدر منهم شبيه بطلبهم ذلك في سابق أيامهم يوم أن كان بمكة، لأن حال رسول الله - ﷺ - حال واحدة في جميع ما يُعترض به على دعوته إلى إخلاص العبادة لله وحده في أول أمره، وآخره لا يتغير.\nوقد أمره الله - ﷿ - بإبلاغ ما أنزل إليه، وأنه - ﷿ - يعصمه من الناس، ويمنعهم من قتله واستئصاله فقال (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).","vol":"1","page":236},{"text":"وأمره بجهاد الكافرين بالقرآن جهادًا كبيرًا، والتشديد عليهم به حتى يؤمنوا بالله وحده. قال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا).\nوقد ضمن الله له حفظه منهم، ووعده بأن يكفيه منهم. قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥». وقال (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧».\nوكل هذا تثبيت من الله - ﷿ - لرسول الله - ﷺ -، ووعد له بالحفظ والعصمة من أعدائه مما يدل بحق ويقين على أن حال رسول الله - ﷺ - من أعدائه حال واحدة لا تتغير بتغير أعدائه، ولا بتغير أنواعهم، وأصنافهم، وقوة مواقفهم منه، فالله هو الحافظ له، وناصره على أعدائه ومؤيد دينه ما بقيت السماوات والأرض مؤيدًا بالطائفة المنصورة التي أخبر رسول الله - ﷺ - عنها بأنَّهَا ستبقى على الحق ظاهرة حتى يأتي أمر الله لا يضرهم من خالفهم.\nومما يكمل قصة الصفوة الواردة في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ. .) الآية ما جاء في سورة","vol":"1","page":237},{"text":"الكهف في قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨».\nفالقصة واحدة تتعلق بطلب فجار الكفرة من المشركين إبعاد الصفوة الفقراء من المؤمنين عن مجلس رسول الله - ﷺ -، ليستأثررا به استكبارًا وعلوًا واحتقارًا لضعفاء المؤمنين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>(الربط بين آية سورة الأنعام وآية سورة الكهف الناهيتين عن طرد الذين يدعون ربهم)</span>\nفآية الأنعام كانت بدءًا للقصة بالنهي عن طرد الصفوة وإبعادهم عن مجلسه - ﷺ -، وآية الكهف كانت ختامًا للقصة بازدياد حفاوة الله تعالى وحفاوة رسوله - ﷺ - بالصفوة الضعفاء من المؤمنين، أن يحبس رسول الله - ﷺ - نفسه معهم حتى يشبعوا رغباتهم من حديثه والأخذ عن منهجه في التربية والسلوك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>(اختصاص الله بعلم الغيب وانفراده بالحكم في خلقه)</span>\nوقد رردت هذه الآية الكريمة في موضعها من سورة الكهف بين آيتين من آيات هذه السورة تأمر الآية السابقة لها - وهي قوله تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) - رسول الله - ﷺ - بتلاوة مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّه في هذا الكتاب تلاوة تبليغ وتعبد واستمساك به، واتباع له وإعلان له على الدنيا كلها دون حذر ولا مبالاة بأحد من الناس، لأن هذا الكتاب هو آخر كتاب ينزله الله على بشر، فلا مبدل لكلماته ولا مغير لشيء منها","vol":"1","page":238},{"text":"ولن يتبع الحق أهواءهم في قولهم (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) إذ كلمات هذا الكتاب هي السبيل والملجأ لهداية البشر أجمعين.\nوفي قوله تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) إخبار لرسول الله - ﷺ - أنه لو ترك -وحاشاه من ذلك- كلمات هذا الكتاب فلن يجد غيره من الكلمات هاديًا ومرشدًا يلجأ إليه \" في البيان والإرشاد \"، إذ لا بيان لمصالح العباد كبيان الله تعالى العليم الخبير، ولا إرشاد لهم كإرشاده تعالى وهدايته وهو الرءوف الرحيم بهم.\nوهذا الذي قاله في هذه الآية (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ) الآية، هو مضمون ما ختمت به آخر آية من آيات قصة أهل الكهف وهي قوله تعالى: (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦».\nالمفيد لاختصاص الله تعالى بعلم غيب السماوات والأرض الذي يدخل فيه علم ما جرى لأهل الكهف، وترك التماري في أمرهم لأنه مما اختص الله تعالى بعلمه، وانفراده بالحكم في خلقه فلا يشركه في ذلك أحد من خلقه.\nوهذا فيه إفراد لله تعالى بإحاطة علمه وإفراده بوحدة الحكم بين عباده.\nوهذا هو ما تضمنه الكتاب الكريم المنزل على خاتم النبيين الذي أمره الله فيه بتلاوته تبليغًا واتباعًا له وتعبدًا واستمساكًا به، وعدم تركه لأنه","vol":"1","page":239},{"text":"لا يوجد كتاب غيره يجمع ما جمع من الهدى والنور والخير.\nومن هنا كان آخر كتاب ينزل من السماء لا مبدل لكلماته ولا مغير لمحكماته.\nولما كان أمر رسول الله - ﷺ - بتلاوه الكتاب الذي أوحى إليه، والاستمساك به الذي لا مبدل لكلماته مقتضيًا للحفاوة بالمؤمنين به ولا سيما الذين تبتلوا في محاريب الإيمان منقطعين إلى الله تعالى يبتغون وجهه لا يريدون شيئًا من زينة الحياة الدنيا وزخارفها ومقتضيًا لإبعاد الظالمين المستغرقين في الدنيا وزخارفها المحقرين لصفوة المؤمنين، وهذه الحفاوة بهؤلاء الصفوة من عباد الله المخلصين تتمثل في أن يصبر النبي - ﷺ - نفسه على الجلوس معهم وفي إعراضه عن الظالمين المستكبرين من المستغرقين في الدنيا وزينتها.\nوقد جاء الأمر بطريق الاستئناف المشعر بأن هؤلاء الصفوة أحقاء بالقرب والتقريب فقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .) الآية، أمرًا لرسول الله - ﷺ - أن يحبس نفسه ويقصرها على مجالستهم وتعليمهم إعلاء لمنزلتهم عند الله تعالى ولمكانتهم من الإيمان بالرسالة وإخلاص العبودية لله تعالى ابتغاء وجهه لا يريدون زينة الحياة الدنيا ولا يحبون أن يكونوا من أهلها.\nوقد أكّد الله تعالى ذلك بنهيه - ﷺ - أن تتجاوز عيناه النظر إلى أولئك الصفوة من المؤمنين طلبًا لإسلام الكبراء من العظماء والأعيان والأغنياء من أئمة الكفر ورؤوس الباطل طمعًا في إيمانهم وإيمان أتباعهم ومن يسيرون في ركبهم وظلهم من عامة الناس الذين يتبعون كل ناعق لا يريدون من الحياة","vol":"1","page":240},{"text":"إلا ملء بطونهم وتحقيق رغائبهم الدنيوية لضعف عقولهم عن إدراك الهدى في رسالة الله وعن النظر في آياته ودلائله وبراهينه التي تنهى عن المتابعة دون تعقل أو تدبر.\nوهذا كناية عن تقدير فضل أولئك الصفوة من المؤمنين، وحبهم وإيثارهم في نفس رسول الله - ﷺ - على غيرهم من أهل الدنيا المستغرقين في زخارفها وترفها تطلعًا إلى أن يكونوا جندًا للرسالة ليتبعهم غيرهم من أتباعهم الذين يقلدونهم ويأخذون بأقوالهم، فالمراد بإرادة زينة الحياة الدنيا إرادة \" أهلها وأشرافها \" -كما قال ابن زيد فيما نقله عنه الطبري- ليكونوا ذرائع لإيمان غيرهم ممن يتبعهم من عامة الناس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>(تيئيس رسول الله - ﷺ - من رجاء إيمان المستكبرين)</span>\nوفي قوله تعالى (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطً) دمغ للظالمين الجاحدين لآيات الله تعالى بأن الغفلة مستولية على قلوبهم فلا يفيقون من سكرتها ولا يصحون من رقدتها لينظروا في آيات الله ودلائله لأن الله تعالى ختم بالغفلة على قلوبهم وعقولهم فكان أمرهم إلى التبار والضياع.\nوهذا يتضمن تيئيس رسول الله - ﷺ - من رجاء إيمانهم، وفيه تعريض بأن هؤلاء المستكبرين لا تنفع فيهم دعوة إلى الله تعالى ولا إقامة حجة أو برهان على صدق رسالة رسول الله - ﷺ - عندهم، وفيه إشارة إلى أن أمر هؤلاء الصفوة من عباد الله المؤمنين في ثبات وعلو وارتفاع على عكس أمر أولئك الغافلين.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>(تهديدهم بالعذاب الشديد)</span>\nثم عقب آية (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .) الآية، بتهديد موجع ووعيد شديد يبين أن هؤلاء الجاحدين واقفون على شفا نار جهنم بما اختاروه لأنفسهم من الكفر والجحود والاستهزاء بصفوة المؤمنين والسخرية بهم. فقال تعالى (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر).\nثم أتبع الله تعالى ذلك التهديد بالإخبار عما أعده للظالمين من سوء العذاب في أسلوب تنخلع له القلوب، وتذهب منه العقول وتجف من هوله الجلود. قال تعالى (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩».\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>(وجه العتاب في الآية)</span>\nووجه العتاب في هذه الآية الكريمة أولًا في أمر رسول الله - ﷺ - بحبس نفسه مع الصفوة من المؤمنين، وثانيًا ما في قوله (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) من المبالغة التي تفيد في ظاهرها إلزام رسول الله - ﷺ - أن يغض بصره عن كل من عداهم كما يشعر به منطوق النهي ومتعلقه.\nوما في قوله (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) من إفادته بظاهره أن مجاوزة نظر رسول الله - ﷺ - للصفوة الفقراء من المؤمنين إلى غيرهم إرادة لزينة الحياة الدنيا.\nثم عقب ذلك بما هو كالمقابل لطرد الصفوة عن مجلس رسول الله - ﷺ - وعدم حبس نفسه عليهم بما هو سمة الفجرة من الكفار الذين طلبوا من رسول الله - ﷺ - ذلك فنهاه الله عن إطاعتهم ووصفهم بغفلة قلوبهم عن ذكر الله واتباعهم للهوى والشهوات حتى كان أمرهم صائرًا إلى البوار والهلاك","vol":"1","page":242},{"text":"في قوله تعالى (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).\nوأما أنَّهَا من عتاب التحذير فلأن ما فيها من شدة النهي يتضمن تحذير النبي - ﷺ - أن يكون منه ما لم يكن خشية أن يقع ما هو أكثر منه.\nوفي هذا التحذير عناية برسول الله - ﷺ - في توجيه رسالته وإظهار منهجه في تبليغها ولبيان أن رفعة الشأن عند الله ونيل شرف القرب من رسول الله - ﷺ - إنما ينالهما الناس باستجابتهم لله تعالى بإخلاص العبادة له وبإتباع رسوله - ﷺ -، وليس بما يتمتعون به في هذه الحياة الدنيا من مال وجاه وسلطان.\nولما كان رسول الله من أسوة لأمته في الدعوة إلى الحق كان ذلك تحذيرًا للأمة وإقامة لوجهها على المنهج الذي مضى عليه رسول الله - ﷺ - بتعليم الله وتوفيقه وتسديده.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>(النهي عن استبقاء الأسرى)</span>\nومن آيات هذا النوع من العتاب أيضًا قوله تعالى من سورة الأنفال (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨».","vol":"1","page":243},{"text":"وقد جاءت هاتان الآيتان في سياقهما من سورة الأنفال بعد أن أمر الله تعالى رسوله - ﷺ - بتحريض المؤمنين على القتال وحثهم على الاستبسال، والصبر فيه تقوية لعزائمهم على خوض المعركة والثبات في ميدانها لمواقفة المشركين والانتصار عليهم، وبشَّرهم أن العشرين الصابرين منهم يغلبون مائتين من أعدائهم، وأن مائة منهم يغلبون ألفًا من الذين كفروا، وذلك لأن المؤمنين يقاتلون متوكلين على الله تعالى طالبين نصره ورضاه، هدفهم إعلاء كلمته ونصرة دينه وإقامة شريعته بين جميع البشر، فهدفهم من القتال واضح، أما الكافرون فيقاتلون المؤمنين تعاليًا وإفسادًا فى الأرض وطمسًا لمعالم الحق والهدى فيها، فلذلك فإنهم لا يفقهون للقتال غاية في معرفة الحق والاهتداء إليه، ولا يعرفون له هدفًا في إصلاح الحياة وإقامتها على الإحسان والعدل، لأنَّهم يقاتلون لرغائبهم الشخصية وإشباع شهواتهم من زينة الحياة الدنيا ومتاعها، وهذا هدف لا يقوم على دعائم ثابتة، وسرعان ما تعصف به رياح الحق، ولذا وصفهم الله تعالى (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) وهذا وصف لهم بالغباء والجهالة وتقديم شهوات الحياة الدنيا الفانية على الآخرة الباقية.\nولما لم يكن جميع المؤمنين في الصبر واحتمال فوادح الكفاح والنضال على غرار أولئك المتقدمين من أهل بدر -وهم الرعيل الأول الذين لم يلحق بهم أحد ممن جاء بعدهم في أجر ولا فضل- أعلمهم الله تعالى أنه خفف عنهم فجعل على الواحد منهم مقابلة اثنين من الكافرين، وأنه تعالى مع الصابرين.","vol":"1","page":244},{"text":"ولما كان الأمر بالتحريض على القتال، وبيان قدرة المؤمنين على غلبة عدوهم في مقابلة المؤمنين لأكثر من عددهم مقتضيًا ألا يبقوا على عدو جاء ساحة القتال. قال تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ. . .) الآية.\nأما بحث تركيب (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) فقد استوفيناه عند الحديث على قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) من سورة التوبة.\nوإجمال ذلك أن هذا التركيب المؤلف من (ما) النافية الداخلة على (كان) المقرون خبرها بلام الجحود يحتمل معنيين:\nالأول: التبرئة والتنزيه، وعدم الوقوع.\nالثاني: النهي الضمني عن أن يقع متعلق الخبر.\nومعنى الآية على الوجه الأول: أن الله يبرئ نبيه - ﷺ - وينزه ساحته عن أن يكون له قصد في أخذ الأسرى وإنهاء المعركة قبل الإثخان في الأرض.\nويجوز -على الوجه الثاني- أن يكون المراد نهيه - ﷺ - عن أن يكون له أسرى قبل الإثخان في الأرض والمبالغة في إضعاف قوة العدو، وإن كان النهي لا يستلزم وقوع المنهي عنه من المخاطب لجواز أن يكون وقوع المنهى عنه كان ممن له صلة تبعية بالمخاطب، ويؤيد هذا \" أن في التنكير -أي تنكير نبي في قوله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) - إبهامًا في كون النفي لم يتوجه عليه معينًا تلطفًا به - ﷺ - وإشارة إلى أن هذا سنة من سنن الله تعالى مع","vol":"1","page":245},{"text":"أنبيائه وبيانًا لأنه لم يكن - ﷺ - متوجه القصد إلى أن يكون له أسرى قبل الإثخان في العدو، وإكثار القتل والجراح فيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>(توجيه وجه الخطاب بالآية الكريمة)</span>\nوعلى ذلك يكون الخطاب -في ظاهره- موجهًا لرسول الله - ﷺ - مع هذا التلطف الذي يبرئ ساحته ﵊ مما يوجب العتاب، ويكون الخطاب في حقيقته موجهًا إلى الذين أسرعوا في إنهاء المعركة وأخذ الغنائم والأسرى بمجرد ظهرر طلائع النصر، ولم يصبروا حتى يكثروا القتل والجراح في العدو كسرًا لشوكته وتوهينًا لقوته ولا سيما أن هذه هي المعركة الأولى في الإسلام وقد نصر الله تعالى فيها نبيه - ﷺ - وأصحابه مع قلة عددهم وضعف عدتهم في مقابل كثرة عدد العدو وقوة عدته.\nوقد امتن الله تعالى عليهم بهذا النصر بقوله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ).\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>(تنزيه رسول الله - ﷺ - عن إرادة شيء من الدنيا)</span>\nوقد نزه الله تعالى نبيه - ﷺ - عن إرادة شيء من الدنيا بنقل توجيه الخطاب من رسول الله - ﷺ - في هذه الآية الكريمة إلى أصحابه في قوله (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) وهذا يدل على أن النبي - ﷺ - لم يدر بخلده أن ينهي المعركة قبل الإثخان في العدو ليأخذ الأسرى ويغنم أصحابه المغانم ويؤكده ما رواه ابن إسحاق في سيرته قال: \" ولما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله - ﷺ - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له: \" كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ \" قال: أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك","vol":"1","page":246},{"text":"فكان الإثخان في القتل أحب إليَّ من استبقاء الرجال \".\nوهذا يدل على أن النبي - ﷺ - لم ينكر على سعد بن معاذ ما رأى في وجهه من كراهية ما يصنع القوم فاستفسره عن ذلك فقال له: \" كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ \" فقال سعد: أجل يا رسول الله، وعلل سعد ذلك بأن هذه أول وقعة في الإسلام نصر الله فيها المسلمين على أعدائهم من المشركين فكان الإثخان في القتل أحب إليه من استبقاء الرجال.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>(موضع العتاب من الآية)</span>\nوفيه دلالة على أن المعاتب عليه عدم الإثخان في القتل والإسراع إلى الغنيمة لا أخذ الفداء لأن سعدًا أبان عن رأيه قبل الاستشارة في أخذ الفداء.\nوقد جاء في الروايات الأخرى أن العذاب لو نزل ما نجا منه غير سعد وعمر ﵄.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>(المعاتبون بالآية)</span>\nوهذا كالصريح في أن أخذ الفداء من الأسرى لا عتاب عليه، وقد بيّن الله تعالى هذا بقوله (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فإنه تعالى لعظيم فضله وبالغ رحمه منع عذابه العظيم عن المؤمنين المجاهدين يوم بدر الذي استحقوه بما مالت إليه أنفسهم من الإسراع في جمع الغنائم والاشتغال بها وترك الإثخان في القتل وحس المشركين حين ظهروا عليهم في أول وقعة تلتقي فيها الفئة المؤمنة من صفوة أصحاب","vol":"1","page":247},{"text":"رسول الله - ﷺ - على قلة في العدد وضعف في العدة بجحافل الشرك ورءوس الطغيان الذين يفوقونهم أضعافًا عددًا وعدة.\nوهذه الآية الكريمة (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) -كما هو ظاهر منها- لا تمنع الأسر وأخذ الفداء نهائيًا ولكنها تقرر أنهما لا يكونان إلا بعد الإثخان في الأرض بظهور المسلمين على أعدائهم، وهى لا تتنافى مع آية سورة محمد -كما يقول الفخر الرازي- لأنه لا زيادة في حكم آية سورة محمد (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) - على حكم هذه الآية لأن كلتا الآيتين متوافقتان \" فإن كلتيهما تدلان على أنه لابد من تقديم الإثخان ثم بعد أخذ الفداء فلا نسخ إذن كما يزعم بعضهم.\nولكن بعض الصحابة - ﵃ - حين اشتغلوا بجمع الغنائم قدموا عرض الدنيا على الآخرة فخالفوا ما أراده الله تعالى لهم من عظيم الظهور وقوة الشوكة وشدة الرهبة في قلوب أعدائهم فيما لو سددوا إليهم الضربة القاصمة استئصالًا لشأفة الكفر والكافرين، إرهابًا لقلوب أعداء الله ورسوله وإظهارًا لقوة المؤمنين وتمكنهم من القضاء على أعدائهم في أول لقاء لهم معهم.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>(إشارة إلى اختلاف العلماء في بيان الإبهام بالمراد بالكتاب الذي سبق)</span>\nأما الكتاب المذكور في قوله تعالى: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فقد أدى إبهامه إلى اختلاف العلماء فيه على أقوال كثيرة أوصلها الشوكاني -في فتح القدير- إلى ستة أقوال، لعل أرجحها وأقربها إلى العقول وأولاها بالقبول هو: ألا يعذب الله أحدًا إلا بعد أن يقدم إليه أمرًا أو نهيًا فيخالف ما قدمه الله إليه.\nوهذا مروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ وعن مجاهد رحمه الله تعالى.\nثم بيّن الله تعالى ما كان مسطورًا في غيبه من إحلال الغنيمة وتطييبها لعباده المؤمنين من هذه الأمة -وهذا كان من خصائص النبي - ﷺ - على الأنبياء كما ورد في الحديث الصحيح فيما رواه الإمامان البخاري ومسلم من قوله - ﷺ - \" وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي \" فقال تعالى: تطيبًا لنفوس أؤلئك المجاهدين (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩».","vol":"1","page":249},{"text":"وهذا يدل على أن أخذ الغنائم وأكلها كان حلالًا طيبًا لا شبهة فيه ولا عتاب عليه وإنما كان العتاب على الإسراع في إنهاء الوقعة قبل الإثخان في العدو وكسر شوكته وإضعاف قوته وهو نظير ما ذكرناه في قوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) في أن الإذن للمنافقين بالتخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك كان صوابًا بالأوجه التي ذكرناها وإنما كان العتاب على الإسراع بالإذن لهم دون التلبث الذي يكشف عن حقيقة المنافقين ليعرفهم الناس ويفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد.\nوتذكر بعض روايات الأحاديث وأسباب النزول أن هذه الآيات نزلت بعد مشاورة رسول الله - ﷺ - أصحابه في أمر أسرى بدر واختيار رسول الله - ﷺ - لرأي أبي بكر ومن معه القائلين بقبول الفداء من الأسرى تقوية لجيش المسلمين على الكفار بالفداء ورجاء أن يهديهم الله تعالى للإسلام أو أن يخرج من أصلابهم بعد وقعة بدر من يؤمن بالله ويهتدي بهداه.\nومن أصح هذه الروايات ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ فيما يرويه عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، قال ابن عباس: \" فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: \" ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ \"، فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: \" ما ترى يا ابن الخطاب؟ \" قلت: لا، والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه وتمكنني من فلان (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":250},{"text":"ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله - ﷺ -: \" أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة \" شجرة قريبة من نبي الله - ﷺ -، وأنزل الله - ﷿ - (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) إلى قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) فأحل الله الغنيمة لهم \".\nوحديث مسلم هذا ظاهر في سياقه أن النبي - ﷺ - بدأ أصحابه بمشاورتهم في شأن الأسرى فأشار أبو بكر بأخذ الفداء منهم للأسباب التي ذكرها أيضًا، فهوى رسول الله - ﷺ - ما رأى أبو بكر ولم يهو ما رأى عمر.\nوهو أيضًا صريح في أن النبي - ﷺ - بكى هو وأبو بكر من أجل ما عرض عليه من عذاب أصحابه فِي أخذ الفداء.\nوصريح أيضًا في أن بكاء النبي - ﷺ - وصاحبه أبي بكر إنما كان شفقة منه لأجل ما عرض عليه من عذاب أصحابه لأخذهم الفداء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>(قرار الصحابة بأخذ الفداء)</span>\nومن ثم فالحديث لا يفيد أصلًا أن النبي - ﷺ - أشار بأخذ الفداء وإنما شاور أصحابه فأشارت الكثرة منهم بأخذ الفداء وهم الذين عوتبوا بقول الله تعالى (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) فلما خرج إليهم بعد","vol":"1","page":251},{"text":"المشاورة قال لهم \" أنتم عالة فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق \".\nوهذا ما يدل عليه حديث مسلم دلالة قاطعة فالنبي - ﷺ - لم يكن مختارًا لأخذ الفداء وإنما كان مشاورًا لأصحابه.\nوهذه المشاورة مأمور بها النبي - ﷺ - كما يدل على ذلك صريح حديث جبريل الذي رواد الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم -قال الحافظ ابن حجر وقد عزاه إلى من ذكرنا: (بإسناد صحيح) - عن علي - ﵁ - قال: \" جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - يوم بدر فقال: خيِّر أصحابك في الأسرى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عامًا مقبلًا مثلهم قالوا: الفداء ويقتل منا \".\nوفي طبقات ابن سعد وعيون الأثر من مرسل عبيدة لهذا الحديث أن النبي - ﷺ - -حين أخبره جبريل بذلك- \" نادى في أصحابه فجاءوا أو من جاء منهم فقال: \" هذا جبريل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم وبين أن تفادوهم ويستشهد قابل منكم بعدتهم \" فقالوا: بل نفاديهم فنتقوى به عليهم ويدخل قابل منا الجنة سبعون. . . ففادوهم.","vol":"1","page":252},{"text":"وكما يدل عليه ما أورده السيوطي في الدر من إخراج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة عن أبي عبيدة - ﵁ - قال: \" نزل جبريل - ﵇ - على النبي - ﷺ - يوم بدر فقال: إن ربك يخيرك إن شئت تقتل هؤلاء الأسارى وإن شئت أن تفادي بهم ويقتل من أصحابك مثلهم. فاستشار أصحابه فقالوا: ْنفاديهم فنتقوى بهم ويكرم الله بالشهادة من يشاء \".\nومن هذا يظهر جليًا أن النبي - ﷺ - لم يختر أخذ الفداء ولا حبَّذه.\n\" وأن حديث مسلم لم يتعرض قط لتخيير جبريل، وإنما ذكر أن النبي - ﷺ - بدأ بمشاورة أصحابه في شأن الأسرى.\nوأحاديث جبريل -في التخيير في أسرى بدر- جعلت المشاورة بعد الإخبار بالتخيير، ولم يذكر فيها مشاورة النبي - ﷺ - لأصحابه التي ذكرها حديث مسلم وجاء فيها أنه - ﷺ - هوى ما قال أبو بكر ولم يهو ما قاله عمر.\nوكذلك ليس في أحاديث التخيير في قتل الأسرى إشارة قط إلى بكاء النبي - ﷺ - وصاحبه وتعليل ذلك بعرض العذاب للذين أخذوا الفداء.\nوهذا الاختلاف بين حديث مسلم في مشاورة رسول الله - ﷺ - لأصحابه في أمر أسرى بدر وبين أحاديث جبريل في أمر رسول الله - ﷺ - بتخيير أصحابه في هؤلاء الأسرى يجعل المرء بين واحد من ثلاثة احتمالات: فإما أن يحتمل حديث مسلم اختصار ما جاء من التخيير في أحاديت جبريل -عند من ذكرنا- اكتفاء بالمشاورة، وإما أن النبي - ﷺ -","vol":"1","page":253},{"text":"لم يذكر تخيير جبريل لأصحابه واكتفى بمشاورتهم تأنيْسًا لهم بما يشمل جانبي التخيير لأن المشاورة لا تخرج عنهما، إذ هي لا تنتهى إلا بأحدهما القتل أو الفداء.\nْوإما أن رسول الله - ﷺ - بدأهم بالمشاورة فلما اختلفوا فيما يفعلون بالأسرى دخل رسول الله - ﷺ - منزله فجاءه جبريل بالأمر بالتخيير.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>(لا عتاب على الفداء ولا على أخذ الغنيمة)</span>\nومما قدمنا يظهر أن أخذ الفداء لا عتاب عليه لرسول الله - ﷺ - بدليل أحاديث تخيير جبريل في أمر الأسرى، إذ لو كان أخذ الفداء موضع مؤاخذة ما جاء جبريل بالتخيير بينه وبين القتل، لأنه لا يخيّر بين جائز مطلق وبين مؤاخذ عليه، ولما صح التفريع على الآيتين بالأمر بالأكل مما غنموه حلالًا طيبًا بقوله (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) لأن الفداء ليس من الغنيمة، إذ الغنيمة هى ما يؤخذ من المحاربين بالقوة والقهر فالذي أخذوه في قوله (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨».\nهو الغنائم التي شغلوا بجمعها عن الإثخان في القتل الذي كان الأولى والأجدر بهم أن يفعلوه.\nوالذي أحل الله لهم وأمروا بالأكل منه حلالًا طيبًا هو الغنيمة بدليل قوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) فلا ذكر للفداء في المؤاخذة في الآية الكريمة حتى يجعل محلًا للعتاب، ويؤيد هذا ما رواه البخاري من أن النبي - ﷺ - قال في أسارى بدر: \" لو كان المطعم بن عدي حيًا وكلمني","vol":"1","page":254},{"text":"ْفي هؤلاء النتني لتركتهم له \".\nوهذا يدل على أن لا عتاب على أخذ الفداء لعزم رسول الله - ﷺ - على ترك الأسرى وإطلاقهم بدون فداء فيمالو كان المطعم بن عدي حيًا وكلم رسول الله - ﷺ - فيهم.\nويؤيده أيضًا أنه سبق أن فادى رسول الله - ﷺ - ابن كيسان مولى هشام ابن المغيرة وعثمان بن عبد الله بن المغيرة اللذين أسرتهما سرية عبد الله بن جحش الأسدي - ﵁ - حين أرسله رسول الله - ﷺ - -ومعه ثمانية من المهاجرين- إلى وادي نخلة بين مكة والطائف لرصد عير لقريش -وذلك قبل غزوة بدر الكبرى بأكثر من شهرين- فالتقوا بهم (في آخر يوم من رجب) من السنة الثانية من الهجرة فغنموا العير واقتادوا معهم الأسيرين إلى المدينة فوقف رسول الله - ﷺ - العير والأسيرين وقال أهل الكفر:\nاستحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وأكثروا في ذلك فرد الله عليهم قولهم فأنزل (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ","vol":"1","page":255},{"text":"سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧».\nفقبض رسول الله من العير والأسيرين وأخذ الغنيمة وهي (أول غنيمة غنمها أصحاب رسول الله - ﷺ - في الإسلام) ولم يعاتب الله تعالى أحدًا على شىء من ذلك.\nوممن قال إن أخذ الفداء من أسرى بدر لا عتاب عليه لسبق أخذه في سرية عبد الله بن جحش ولم يعاتبوا عليه -القاضي عياض ونقله- في الشفاء - عن القاضي بكر بن العلاء.\nوعلى ذلك فلا عتاب لسيدنا رسول الله - ﷺ - في فداء الأسرى يوم بدر لعدم العتاب على أخذه وأخذ الغنيمة فيما سبق هذه الغزوة أولًا، ولأن اختيار أخذ الفداء يوم بدر من الصحابة - ﵃ - كما في أحاديث تخيير جبريل.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>(توجيه العتاب إلى من تعجلوا أخذ الغنيمة ولم يثخنوا في العدو)</span>\nوما في هذه الآيات -موضع البحث- من عتاب موجه لمن تعجلوا أخذ الغنيمة واشتغلوا بجمعها وليس على مجرد أخذها، وإنما لكون الاشتغال بجمعها كان سببًا في ترك الإثخان في العدو الذي قد يعطيه اشتغال المجاهدين من المسلمين بجمع عرض الدنيا فرصة التجمع ولم الشمل واستعادة الهجوم على المسلمين مرة ثانية فيضيع النصر من أيديهم ويبغتوا بما لم يحسبوا له حسابًا.\nوالذي دعانا لضم هذه الآية إلى آيات العتاب مع أنه لا عتاب فيها لسيدنا رسول الله - ﷺ - كما أوضحناه فيما سبق ما درج عليه المفسرون وغيرهم من ذكرها مثالًا للعتاب لرسول الله - ﷺ - وما ورد من روايات وأسباب للنزول يؤيدون بها ما يقولون وقد بينا -فيما سبق- وجهة نظرنا في أقوى وأصح ما استدلوا به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>(وجه القول بأن في الآية عتابًا)</span>\nعلى أن بعض الأئمة -من الذين يرون أن في الآية عتابًا أخذا بظاهر رواية مسلم- رجحوا مسلك النبي - ﷺ -، واستدلوا له بأدلة قوية، ومن هؤلاء العلامة ابن قيم الجوزية -في كتابه زاد المعاد- إذ يقول: \" وقد تكلم الناس في أي الرأيين أصوب، فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث، ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه، وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب ولتشبيه النبي - ﷺ - له في ذلك بإبراهيم وعيسى وتشبيهه لعمر بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أؤلئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ولموافقة رسول الله - ﷺ - لأبي بكر أولًا لموافقة الله له","vol":"1","page":257},{"text":"آخرًا حيث استقر الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرًا وغلبة جانب الرحمة على جانب العقوبة قالوا: وأما بكاء النبي - ﷺ - فإنما كان رحمة لنزول العذاب بمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله - ﷺ - ولا أبو بكر \".\nوقال الحافظ ابن حجر -في الفتح-: \" وقد اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب؟ فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر، ولما استقر الأمر عليه، ولدخول كثير منهم في الإسلام إما بنفسه، وإما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب كما ثبت ذلك عن الله في حق من كتب له الرحمة \".\nوهؤلاء المختلفون إنما نظروا لحديث مسلم ولم ينظروا لحديث تخيير جبريل وهو ليس دون حديث مسلم في الصحة كما سبق أن ذكرنا حكم الحافظ ابن حجر عليه بالصحة عند الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وحديث تخيير جبريل ينفى نفيًا قاطعًا ما جاء في حديث مسلم من البدء بمشاورة الصحابة قبل إخبارهم بالتخيير، وأن النبي - ﷺ - هوى ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر.\nوهذا إنما يعني ميل النبي - ﷺ - إلى رأي أبي بكر لغلبة الرحمة عليه - ﷺ - ويمنع قتل الأسرى لو أراده الصحابة، بل في بعض الروايات ما يدل على أكثر من ذلك في حق ما كان يسمع به النبي - ﷺ - في الأسارى من المن عليهم","vol":"1","page":258},{"text":"وعدم قتل أحد منهم كما في حديث البخاري الذي قدمناه في قصة المطعم ابن عدي الذي يدل على أن النبي - ﷺ - ما كان في نفسه عزيمة أخذ الفداء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>(إبطال عادة التبني على يدي رسول الله - ﷺ </span>-)\nومن آيات هذا النوع من العتاب أيضًا قوله تعالى من سورة الأحزاب (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧».\nوهذه الآية في قصتها من أظهر آيات العتاب وأشدها ورودًا فيما يتعلق بشخص سيدنا رسول الله - ﷺ -.\nوقد وردت هذه الآية الكريمة بعد أن ذكر الله تعالى -في قوله عز شأنه- (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦» أنه ليس لأحد من المؤمنين والمؤمنات خيرة وراء خيرة الله ورسوله - ﷺ - له، وما على المؤمن والمؤمنة إلا الرضا والتسليم لحكم الله تعالى فيه وحكم رسوله - ﷺ -، وهذا كما قال تعالى في سورة النساء (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ","vol":"1","page":259},{"text":"وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥».\nوقوله تعالى في سورة النور (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) لأن (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) إذ أنه بعث هاديًا وأسوة لهم ومن كان أحق بأنفسهم منهم فله -بلا شك- كامل التصرف والحكم فيهم بما قضى الله تعالى، وما عليهم إلا الانقياد له والامتثال لأمره لما فيه من ضمان السعادة لهم لأن أمره من أمر الله تعالى، وقضاءه من قضائه، ولذلك جعل قضاء الله ورسوله -في هذه الآية الكريمة- أمرًا واحدًا فمن لم يرض بذلك فقد عصى الله ورسوله وخرج عن سبيل الهدى والرشاد.\nفكان قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .) الآية توطئة وتمهيد لما ستقرره الآيات التالية لها من حكم شرعي يجب على المؤمنين الانصياع له وامتثاله والعمل به وتقبله بنفس راضية وقلب مطمئن وتسليم كامل.\nروى الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵄ قال: \" خطب رسول الله - ﷺ - زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبًا، وكانت امرأة فيها حدة فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . .) الآية كلها","vol":"1","page":260},{"text":"وروى نحوه عن مجاهد ونحوه عن قتادة.\nوقال السيوطي في لباب النقول: \" أخرج الطبراني -بسند صحيح- عن قتادة قال: خطب النبي - ﷺ - زينب -وهو يريدها لزيد- فظنت أنه يريدها لنفسه فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت فأنزل الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ. . .) الآية فرضيت وسلمت \".\nومن ثم زوّج رسول الله - ﷺ - زينب بنت جحش الأسدية القرشية -بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب- هاشمية الرحم قرشية العصبية بزيد ابن حارثة مولاه، وهي في شرفها النسبي لم تر في هذا الزواج كفاءة نسبية ولكنها سلمت ورضيت بزيد بعلًا خضوعًا لأمر رسول الله من اتباعًا لقوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. . . .) الآية، ولم يكن هذا الخضوع بمزيل من نفسها تعاليها بنسبها على زيد بن حارثة، وذلك التعالي بالحسب كان أكبر سبب في جعل حياة البيت بين الزوجين -زيد وزينب- حياة منغصة فقد فيها الود والسكون والتراحم وهي من الحكمة الكبرى في الزواج. فصبر زيد - ﵁ - قدر ما واتته الطبيعة البشرية، لكن ذلك استمر ولم تنفع فيه وداعة زيد ومسالمته وتلطفه بزوجه فرأى أن لا سبيل إلي الاستمرار في هذه الحياة الزوجية القلقة المنغصة التي تتعالى فيها الزوجة عليه بحسبها ونسبها فتثير بينه وبينها نار المساءة والتنافر والعداء.","vol":"1","page":261},{"text":"فشكا زيد إلى رسول الله - ﷺ - ما يلقى من زوجته وما يسود حياتهما من تباعد وتنافر فلقى رسول الله - ﷺ - شكوى زيد بما جبل عليه - ﷺ - من الرحمة وأدب المعاشرة \" واختبارًا لما عند زيد مما لم يعلمه الله به من رغبته فيها أو رغبته عنها \" فقال له: \" امسك عليك زوجك واتق الله \".\nورجع زيد إلى بيته ووجد من زوجته أشد مما كان يجد، ففي خبر طويل ذكره البيهقي في سننه في قصة زواجها بزيد بن حارثة وفراقه إياها قالت زينب ﵂: \". . فأخذته بلساني فشكاني إلى النبي - ﷺ - فقال له النبي من: \" أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ \" ثم أخذته بلساني فشكاني إلى النبي - ﷺ -.\nفلما أن ضاق زيد ذرعًا بحياته معها لتعاليها عليه وتناولها إياه بلسانها ولم يمكنه رأب الصدع بينهما صمم على طلاقها وذهب إلى رسول الله - ﷺ - يشكوها وهو عازم على طلاقها وكأنما أحسَّ زيد في هذه المرة حياء من النبي - ﷺ - منعه من الإجابة على شكواه منها فقال زيد -فيما ترويه زينب ﵂ - كما في سنن البيهقي-: \" أنا أطلقها، قالت فطلقني، فبتَّ طلاقي \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>(تزويج الله - ﷿ - زينب بنت جحش رسول الله - ﷺ </span>-)\nفلما انقضت عدتها نزل قول الله تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧». فقام رسول الله - ﷺ - ودخل عليها وهي","vol":"1","page":262},{"text":"مكشوفة الشعر فقالت: \" هذا أمر من السماء. . يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة؟ قال: \" الله المزوّج وجبريل الشاهد \" كما في رواية البيهقي عن مذكور مولى زينب أم المؤمنين - ﵂ -.\nوفي صحيح مسلم -في قصة زواج النبي - ﷺ - أنه حين نزل القرآن بتزويجه إياها \" جاء رسول الله - ﷺ - فدخل عليها بغير إذن \".\nوفي ذلك يقول الله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧».\nوقد افتتحت الآية بتذكر النبي - ﷺ - بإنعام الله تعالى على مولاه زيد بن حارثة بنعمة الإسلام وإنعامه - ﷺ - عليه بنعمة الحرية والتربية والمحبة التي خصه بها دون سائر أقربائه وأصحابه زيادة من الله تعالى في الإنعام عليه وتفضيلًا له حيث لم يذكره باسمه، وإنما ذكره بوصف الإنعام عليه من الله تعالى ومن رسول الله - ﷺ -.\nويحتمل أنه ذكر بوصف الإنعام عليه ولم يذكر باسمه -في مفتتح الآية تمهيدًا لبيان إنعام الله بالإيمان وإنعام رسول الله - ﷺ - عليه بالحرية والتربية اللذين كان لهما أثر عند عرض زيد طلاق زينب التي ضاق ذرعًا بالعيش معها لشدة لسانها عليه- \" لرفع استحياء النبي - ﷺ - منه في موافقته على طلاقها \".","vol":"1","page":263},{"text":"وتذكير الله تعالى رسوله. - ﷺ - بقوله لهذا المنعم عليه (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ) لبيان إعظام حياء رسول الله - ﷺ - حتى أنه استحيا ممن لا يستحيا من مثله في علاقته به ومكانته منه.\nوفي قوله (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ) احتمالان:\nالأول: أن رسول الله - ﷺ - قال ذلك وقد \" أعلمه الله أنَّهَا ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها \" بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه.\nفلما عرض عليه زيد طلاقها -وعنده العلم بأنَّهَا ستكون زوجة له- أراد - ﷺ - أن يتعرف ما عند زيد من بقاء رغبة فيها وميل إليها، وأن ما وقع إنما هو ثورة غضب قد تذهب فيما بعد، أو أن إرادة طلاقها كانت عزيمة صارمة تشعر بعدم بقاء أي رغبة فيها وميل إليها.\nالثاني: إنما قال رسول الله - ﷺ - ذلك - وزيد يعرض عليه طلاق زوجه زينب لتعاليها عليه بنسبها وحسبها وشدة لسانها - من باب الرأفة والرحمة اللتين جُبل عليهما رسول الله - ﷺ - والنصح لهما وتقديم الأمر بالمعروف إذ لم يحدد الله تعالى له وقت طلاق زيد لها وزواجه بها فما تزال الفرصة قائمة في اجتهاده - ﷺ -.\nفكان هذا القول (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) من قبيل الاجتهاد في عدم التوقيت.","vol":"1","page":264},{"text":"والاحتمال الأول أرجح -عندنا- لأن تعرف ما في نفس زيد يكشف عن حقيقة ما في عزيمته، فإن كان له فيها بقية رغبة وميل إليها وأن الذي حدث فورة غضب قد تذهب بالتراضى وإحسان العشرة فعندئذ يكون -لو وافقه النبي - ﷺ - على طلاقها- كالمكره على طلاقها، ومن ثم كان هذا التعرف ضروريًا ليكون زيدًا مختارًا في الطلاق راغبًا فيه فلا تتبعها نفسه بعد ذلك، وقد يؤكد هذا إبراز زينب في هذه الجملة (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) بعنوان الزوجية المقتضي للمودة والرحمة والسكون والرغبة.\nأما قوله \" واتق الله \" فإنما جاء لأمر زيد بعدم التجاوز في تناولها عند رسول الله - ﷺ - بنحو قوله فيها \" إن زينب اشتد عليَّ لسانها: أنا أريد أن أطلقها \" فيما رواه قتادة.\nثم قال تعالى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) وهي جملة حالية من فاعل \" تقول \" في (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ. . .).\nوالذي أبداه الله تعالى إنما هو زواجه بها بعد انقضاء عدتها من زيد، وهذا لا يكون موضع عتاب إلا إذا كان قد سبقه إعلام به حتى يصلح التقييد به وقت قوله لزيد \" أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ \" فالذي أخفاه رسول الله - ﷺ - في الحقيقة هو إعلامه أنها ستكون زوجة له بدليل إظهار هذه الزوجية عملًا واقعًا بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه.\nوهذا القدر -أي إخفاء الإعلام بتزويجها منه - ﷺ - وهي ما زالت تحت زيد- كافٍ في توجيه العتاب لرسول الله - ﷺ -، لكن رسول الله - ﷺ - لم يخف","vol":"1","page":265},{"text":"هذا الإعلام المتعلق بكونها زوجة له مخالفة لأمر من الله تعالى وإلا لكان ذنبًا تجب منه التوبة وليس في الآية الكريمة ما يشعر بشيء من ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>(ما أخفاه النبي - ﷺ - في نفسه)</span>\nوإنما الذي تعطيه التلاوة الكريمة أن النبي - ﷺ - أخفى إعلام الله له بتزويجها منه بعد طلاق زيد لها اجتهادًا منه - ﷺ - في توقيت الإعلام إذ لم نر أحدًا من المفسرين والمحدثين قال بتقييد هذا الإعلام بوقت معين، فاجتهد النبي - ﷺ - في تأجيله وتلبثه به متأنيًا انتظارًا لإنجاز الله له الوعد بتزويجه إياها، وحتى يعلم حقيقة ما عند زيد بالنسبة لها من ميل إليها ورغبة فيها أو عزيمة باتة في إرادة طلاقها.\nوعلى هذا القدر في الخطأ في الاجتهاد عاتب الله تعالى رسوله - ﷺ - عتابًا تحذيريًا.\nوبهذا القول -الذي تعطيه التلاوة من أن الذي أخفاه النبي - ﷺ - هو إعلام الله له أنَّهَا ستكون زوجة له بعد طلاقها منْ زيد- قال جمهور السلف ومنهم علي بن الحسين -زين العابدين- والزهري والسدي والمحققون من أهل التفسير والعلماء الراسخون والقاضي بكر بن العلاء وابن العربي والقرطبي والقاضي عياض في الشفاء والقسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها وغيرهم ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية وفقهها وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>(احتمالات ما يدل عليه الخطاب بهذه الآية الكريمة)</span>\nثم قال تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) وهي جملة حالية جاءت لتؤكد ما تضمنته جملة الحال الأولى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) لأن الإخفاء المعاتب عليه كأنه خشية من الناس لا تصلح أن تكون من رسول الله - ﷺ - في مقامه العظيم، فجاءت الجملة الثانية (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) لتؤكد هذا المعنى، وتبعث رسول الله - ﷺ - على المسارعة إلى الأخذ بما كان قد أعلم به أولًا حين أنجز له بقوله (زَوَّجْنَاكَهَا).\nوفيها احتمال ثان وهو أن يكون عطف جملة (وَتَخْشَى النَّاسَ) على جملة (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) من باب عطف السبب على المسبب، فإن إخفاء الإعلام بتزويجها له، وعدم الإسراع إلى إعلان ما أعلمه الله به وقوله لمولاه زيد \" أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ \" إنما كان سببه خشية قالة الناس من المنافقين ومرضى القلوب وأعداء الإسلام من اليهود والمشركين، لما في توهم من التشهر به من صد للناس الراغبين فِي دخول الإسلام وزعزعة لقلوب حدثاء الإيمان من أهل الإسلام.\nوفيها احتمال ثالث يجعلها مستقلة بمعناها، والعطف فيها من عطف جملة على جملة كل منهما تفيد معنى مستقلًا وهو حمل معنى لفظ الناس في قوله تعالى (وَتَخْشَى النَّاسَ) -كما قال بعض المفسرين- على المؤمنين خشية أن يفتتنوا بما يقع من زواج رسول الله - ﷺ - بمطلقة دعيه لأن عدم زواج مطلقة الدعي كان عادة متأصلة في النفوس عميقة الجذور، وكان في المؤمنين حدثاء الإسلام من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم فكانت خشية رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":267},{"text":"على المؤمنين رحمة بهم أن يلقي الشيطان في أنفسهم شيئًا يأثمون به ويهلكون.\nوإنما أوثر تعدية فعل الخشية إلى مفعوله بنفسه على هذا الوجه -دون تعديته بلفظ على المناسب للظاهر من الكلام- تضمينًا للفظ الخشية معنى الحذر بمعنى تحذر فتنة الناس -أي المؤمنين- فترحمهم أن يقعوا في الفتنة.\nونظير هذا -في الخشية على المؤمنين أن يفتنوا- ما ورد في الحديث الصحيح مما رواه البخاري من أن صفية بنت حيي أم المؤمنين زوج النبي - ﷺ - أتت تزور رسول الله - ﷺ - في معتكفه فتحدثت إليه ساعة ثم أرادت الإنصراف فقام معها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة \" مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله - ﷺ - فقال لهما النبي - ﷺ -: \" على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي \" فقالا: سبحان الله يا رسول الله.\nوكبر عليهما، فقال النبي - ﷺ -: \" إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا \".\nقال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: - \" إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به \".\nفهذه الخشية كانت من قبيل الرحمة والإحسان إلى المؤمنين ليحفظ - ﷺ - عليهم إيمانهم كما تضمنه كلام الإمام الشافعى.","vol":"1","page":268},{"text":"ولعل هذا الوجه من أحسن ما تنزل عليه الآية الكريمة لأنه اللائق بما جُبل عليه رسول الله - ﷺ - من الرأفة والرحمة، وبما كان في المسلمين من حدثاء الإسلام الذين لم تتعمق جذور الإيمان في قلوبهم بعد، فخشي رسول الله - ﷺ - عليهم ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>(ما كان يخشاه من الناس)</span>\nوحمل خشيته - ﷺ - من الناس على الخوف من كلام المشركين والمنافقين\nواليهود، وما يرمونه به - ﷺ - من أقوال سيئة تسيء إليه - ﷺ - برده ما تعالم\nوعرف في تاريخ تبليغه الرسالة على مدى مدة الإقامة في مكة -وكان ثلاثة عشر عامًا- وما مضى من مدة قدومه - ﷺ - المدينة إلى حين وقوع قصة زيد وزينب -وهي قد وقعت في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة- من مناهضة الكفر والشرك والوثنية وطغيان ملأ قريش وعتوهم وفجور سفهائهم من مواقف حفظها تاريخ السيرة النبوية المطهرة من صبر على البلاء ومجابهة للأعداء في أحداث ووقائع كثيرة تدل -قطعًا- على أن النبي - ﷺ - ما كان في حياته المباركة يخشى أحدًا غير الله تعالى، ولا يقيم وزنًا لأقوال الناس فيه وأفعالهم معه حتى رفع لواء العقيدة خفاقًا في آفاق الأدلة والبراهين التي جعلت من العقيدة التوحيدية بنيانًا راسخًا وطيد الدعائم لا يستطع -والحمد لله- أحد من الناس أن يخدشه بسوء.\nولم يهاجر رسول الله - ﷺ - من مكة إلى المدينة حتى كان بنيان العقيدة التوحيدية شامخًا يراه كل من ينظر إليه من قريب أو بعيد.\nوفي مهاجره - ﷺ - لقي من أعداء الإسلام اليهود والمنافقين وبقايا المشركين ما لا يقل فى عنفوانه وعتوه عن فجور مشركي مكة فلم يحفل به ولا خشي أحدًا من الناس بل نصب لأعدائه الحرب حتى قضى عليهم","vol":"1","page":269},{"text":"جميعًا، وانفرد الإسلام عزيزًا منصورًا يمشي في تبليغ رسالته إلى أطراف الجزيرة العربية وإلى خارجها.\nولو لم يكن من صور صبره - ﷺ - على سفاهة السفهاء وقالة السوء من أعدى أعداء الإسلام المنافقين واليهود إلا صبره في قصة الإفك، ومقابلة ذلك بأرسخ اليقين، والثقة في الله تعالى، وعدم المبالاة بتقول المتقولين وافتراء المفترين لكفاه - ﷺ - ذلك في مواقف مفاخره بالاعتصام بالله وإفراده وحده بالخشية منه دون خشية أحد من خلقه.\nثم قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) وهذا تفريع على جملتي الحال السابقتين في قوله (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) وقوله (وَتَخْشَى النَّاسَ) على ما ذكرنا من الوجوه في معنييهما والمراد منهما. وهما في ارتباطهما كأنهما جملة واحدة تضمنتا أن النبي - ﷺ - أخفى في نفسه إعلام الله له أن زينب بنت جحش ستكون زوجًا له بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه.\nومعنى قضاء الوطر منها: هو عدم الرغبة فيها وعدم الميل إليها وبذلك حلت لك فزوجناكها.\nوالوطر في الآية الكريمة ما يكون بين الزوجين وهو متضمن معه انتهاء الحب والمودة والرحمة والسكون والميل إليها وتعلق نفسه بشيء منها.\nوحيث انتهى ذلك كله لم يبق إلا تنفيذ ما أعلمناك به من زواجك بها.","vol":"1","page":270},{"text":"وهنا أبرز زيد - ﵁ - باسمه ولم يبرز بوصف الإنعام عليه من الله تعالى ورسوله - ﷺ - كما جاء في صدر الآية -لأنه حينئذ- أي بعد انقضاء الوطر منها - لم يبق للوصف ما يدعو إلى وجوده لما في التزوج بها من تأكيد رفع وإبطال البنوة المدعاة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>(التشريع المقصود بهذه الآية الكريمة)</span>\nثم قال تعالى (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) وهذا الباب القصة وقلبها، وتشريعها المقصود الأهم منها، وكل الذي سبق كان تمهيدًا لها فكأنما قيل: زواج زيد بزينب وقضاء وطره منها، ووقوع النفرة بينهما وذهاب الرغبة منها والميل إليها من قلبه وتزويج الرسول - ﷺ - بها إنما كان تمهيدًا لهذا التشريع الذي يمتد مع الأمة في خلودها والرسالة في عمومها وتفنى الأشخاص ويبقى هذا التشريع قائمًا ينادي على عظمة الإسلام في مساواته بين الناس أجمعين، وقطع جذور أباطيل الجاهلية فيما ابتدعوه من عادات وقبائح سيئة لا تعبر عن حقيقة واقعة أبطها الله تعالى في صدر هذه السورة بقوله تعالى (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ).\nوألزم الله رسول - ﷺ - في هذه الآية الكريمة - بقوله (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا. . . . .) - بالتزوج من زينب بنت جحشن مطلقة دعيه ليكون - ﷺ - حامل راية تقل إبطال هذه العادة الجاهلية لأن ذلك من أمور التشريع","vol":"1","page":271},{"text":"والتبليغ عن الله تعالى إبقاء على التأسي به - ﷺ - لأمته إلى يوم القيامة.\nوقد ختمت هذه الآية الكريمة بقوله تعالى (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) بيانًا لأن ما يريده الله تعالى ويقضي به لابد أن يقع وتشهده الحياة في أحداثها ووقائعها تطبيقًا لما شرعه الله تعالى لعباده المؤمنين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>(التنويه بزيد بن حارثة ووجه ذلك)</span>\nويلاحظ أن زيدًا ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاث مرات:\nالأولى: بالوصف الخاص به الذي لا يكون لغيره وهو تزاوج الإنعام عليه من الله تعالى ومن رسوله - ﷺ - حتى كأنهما شيء واحد.\nوقد كان الإنعام عليه من الله تعالى بالهداية للإيمان والإنعام عليه من رسول الله - ﷺ - بالعتق والحرية والمحبة وحسن التربية.\nالثانية: ذكر باسمه العلم (زيد) العين له.\nالثالثة: في ضمن العموم المدلول عليه بقوله تعالى (فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) إذ كان دعيًا لرسول الله - ﷺ - قبل ذلك.\nوفي هذا من اللطائف -فوق العناية بزيد والخفاوة به- أن ذكره بوصف الإنعام عليه يحمل في طياته الإشارة إلى ما في القصة من نوع إنعام الله عليه بتزويجه من زينب بنت جحش في مكانها من قريش وتعززها بنسبها وحسبها وقربها من رسول الله - ﷺ - لكونها بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب.\nوإن ذكره باسمه يحمل في طياته اختصاصًا له بهذا المقام لا يمكن أن يشركه فيه غيره، لأن أدنى مراتب العلمية منع المشاركة في حقيقة ما تدل عليه.","vol":"1","page":272},{"text":"وإن ذكره في ضمن العموم المعلل بنفي الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم يحمل في طياته أن زيدًا - ﵁ - كان سببًا في هذا التشريع العام الذي رفع عن الأمة الحرج والضيق فيما كانت الأمة تكرهه وتضيق به ذرعًا.\nولما قضى الله تعالى في غيبه زواج رسول الله - ﷺ - بزينب بنت جحش بعد قضاء زيد منها وطرًا أعلمه الله تعالى بذلك كما هو صريح في الآية (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) فأسرع رسول الله - ﷺ - إلى تنفيذ أمر ربه معلنًا له غير مبال بتقول المتقولين وأباطيل الكاذبين فدخل عليها زوجًا بتزويج الله له إياها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>(رد الله تعالى عن رسوله - ﷺ </span>-)\nوعندئذ اشرأب النفاق والخبث اليهودي والضغن الوثني فقالوا عن رسول الله - ﷺ - من قالة السوء ما أوحت به إليهم شياطينهم من كونه - ﷺ - تزوج زوجة ابنه وكان يحرمها، فضاق بذلك النبي - ﷺذرعًا وحزن لإشاعة هذه الأباطيل، فتولى الله تعالى الرد على أعدائه أكاذيبهم ومزاعمهم الباطلة فقال تعالى (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا (٣٩».\nوهذا كالبيان لقوله تعالى -في أول السورة- (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) لأن قوله تعالي (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) صريح في نفي الحرج عن النبي - ﷺ - في إتيانه ما شرع الله له وأجازه له من تزويجه بزوجة دعيه الذي ليس له من صلة البنوة","vol":"1","page":273},{"text":"الصلبية أي شىء من قريب أو بعيد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>(وجه تقديم نفي الحرج عن المؤمنين على نفيه عن النبي - ﷺ)</span>\nونفى الله الحرج عن النبي - ﷺ - بقوله تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) وإن كان متأخرًا في ترتيب التلاوة عن رفع الحرج عن المؤمنين بقوله تعالى: (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) إلا أنه -أي رفع الحرج عن النبي - ﷺ - -كالمتقدم في الواقع على نفي الحرج عن المؤمنين لأن زواج النبي - ﷺ - بمطلقة دعيه كان السابق على كل زواج بمطلقة دعي فكان التطبيق العملي لرفع الحرج عن المؤمنين في التزوج بزوجات الأدعياء.\nونفى الحرج عن النبي - ﷺ - نفي للحرج عن أمته ما لم يدل دليل على الاختصاص، ولا دليل هنا على ذلك.\nوإنما سبق نفي الحرج عن المؤمنين -في ترتيب التلاوة- نفي الحرج عن النبي - ﷺ - لما في نفى الحرج عن المؤمنين من الإشعار بعموم الحكم الشامل لأفراد الأمة في جميع أزمانها وأجيالها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>(رفع الحرج عن المجتمع المؤمن بإبطال عادة التبني)</span>\nوفي التعبير بالحرج في قوله (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) دليل على أن المجتمع المؤمن قد ضاق ذرعًا بهذه العادة الجاهلية وحرج من بقائها تُلْقى عليه جرانها وما يستتبعها من دخول الدعي على زوجة متبنيه وعلى بناته من كشف الحرمات بدخوله عليهن واختلاطه من اختلاط الابن والأخ فيرى منهن ما لا يراه غيره من العورات والمفاتن والمحاسن مما قد يكون سببًا لأفدح الأضرار وإذهاب الغيرة وفتح باب الفساد والإفساد في المجتمع.","vol":"1","page":274},{"text":"ومما يؤيد ضيق المجتمع من ذلك أن أبا حذيفة - ﵁ - كان قد تبنى سالمًا ولكنه ضاق نفسًا من دخوله على أهله لما كبر سالم وبلغ مبلغ الرجال فلما أحست زوجته سهلة بنت سهيل ﵂ منه ذلك جاءت إلى رسول الله - ﷺ - فيما يرويه الإمام مسلم عن عائشة ﵂ - فقالت: \" يا رسول الله والله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم \" قالت عائشة: فقال رسول الله - ﷺ -: \" أرضعيه \" فقالت: \" إنه ذو لحية \". فقال: \" أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة \" فقالت: \" والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة \" وإرضاع الكبير كان خاصًا لسالم وليس لأحد من بعده \".\nوقوله تعالى: (فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) معناه: فيما شرع الله له و\" أحله له \" كما قال قتادة في رواية الطبري عنه.\nوهذا الحل يشير إلى أنه كان قبله حظر ومنع. والحظر الذي كان هنا لم يكن حظرًا شرعيًا بل هو ما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم لزوجة الدعي بزعمه ابنًا عندهم.\nفالله تعالى قال لنبيه - ﷺ - هذا الحظر من الأباطيل التي لم تشرع في دينك ورسالتك والله تعالى شرع لك فيها ما أحله لك ولأمتك من التزوج بزوجة الدعي بعد فراقه إياها وانتهاء عدتها منه.","vol":"1","page":275},{"text":"وهذا على خلاف قوله \" فرض عليك \" فإنه مشعر بالإلزام والإيجاب.\nثم قال تعالى: (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) ويعني بسنة الله: طرائقه في شرائعه لأنبيائه ورسله السابقين من كل ما أحله لهم ولأممهم عمومًا، ويدخل فيه ما حظرته أباطيل الجاهلية وهو حلال في شرائع الله تعالى.\nثم بيّن تعالى أن تشريع الله وأوامره ونواهيه القضائية في قدره حق واقع لا يتخلف فقال (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا).\nثم بيّن تعالى أن (الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) -أي الرسل الذين سبقوا الرسول محمدًا - ﷺ - برسالاتهم وأنه شرع لهم في شرائعهم ما أحله الله لهم ولأممهم فكانوا يبلغونه إلى أممهم، لأنه من رسالات الله التي أوجب الله عليهم تبليغها لهم- لم يخافوا أحدًا غير الله في تبليغ ما أنزل إليهم مهما كان فيه من حرج جاهلي وشدة في التبليغ وإبطال لعادات ألفها الجاهليون وقاموا عليها حياتهم. فقال تعالى في وصفهم (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ).\nوهذا معناه: أنهم القدوة في سنن الله وشرائعه وتبليغها إلى أممهم دون خوف أو خشية من أحد كما قال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).","vol":"1","page":276},{"text":"فهو من قبيل الإرشاد والتربية لرسول الله - ﷺ - في أن يكون في تبليغ أوامر الله تعالى وشريعته إلى أمته على سنن إخوانه الأنبياء والمرسلين لا يخشى في التبليغ أحدًا إلا الله.\nوليس في هذا إشارة من قريب أو بعيد تفيد أن النبي - ﷺ - خشي - في تبليغه رسالات الله أحدًا غير الله.\nثم قال الله لرسوله - ﷺ - إن الله تعالى هو المختص بمحاسبة الضمائر والقلوب على ما تضمر وتُكِن، والجوارح على ما تعمل فقال (وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا) ومعناه: أن الخوف والرجاء لا يكونان إلا من الله ولله تعالى وليس لأحد من الخلق دخل في رجاء أو خوف، لأنَّهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا.\nفالذي قاله المنافقون وخبثاء اليهود، ونفايات الناس أهل الوثنية - من قالة السوء، وإشاعة الأباطيل عن رسول الله - ﷺ - في زواجه بزينب التي كانت زوجًا لزيد بن حارثة: قد تزوج زوجة ابنه وكان يحرمها - باطل.\nوقد رد الله عليهم قالتهم وأكاذيبهم وجهالتهم وقولهم على الله غير الحق بقوله (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) بيانًا لأن التحريم الذي كان ينادي به رسول الله - ﷺ - وما زال، وأنزله الله عليه في شريعته إنما هو في زوجة الابن الصلبي النسبي الذي جاء في قوله تعالى: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) وليس الدعي ابنًا صلبيًا نسبيًا، وإنما كان ابنًا ادعائيًا، فالنبي - ﷺ - لم يكن أبًا","vol":"1","page":277},{"text":"لأحد من رجالهم أبوة صلبية نسبية حتى يحتج بها في تحريم زوجة الابن الدعي.\nوفي أسلوب الآية ما يشعر بالعموم الشمولي الذي ينفي كل أبوة صلبية للنبي - ﷺ - عن أي فرد من أفرادهم، وذلك بدلالة التنكير في قوله (أبا) و(أحد) والإضافة في قوله (من رجالكم).\nثم أثبت للنبي - ﷺ - ما يثبت له أبوة التقديس والاحترام والتوقير -كإثبات الأمومة لأمهات المؤمنين في قوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) - فقال تعالى مستدركًا على العموم السابق: \" وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ \" فكل رسول أب لأمته في الاحترام والتقديس والتوقير، وإلى هذا يشير قوله تعالى (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وقد قيل في بعض التفاسير وكتب الحديث إنه قرئ \" وهو أبٌ لهم \" وهذا محمول على أنه تفسير الأولوية في قوله (أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ).\nوالرسالة إذ يلزمها ذلك فهي عامة الترابط لكل مؤمن برسول الله - ﷺ -، فالاستدراك جيء به لإثبات هذه الرابطة العامة بكل مؤمن وهى في حقيقتها أعظم وأجل من رابطة الأبوة لأن الله تعالى قال في حق رسول الله - ﷺ - بالنسبة للمؤمنين (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) فخصه - ﷺ - بذلك، بعد وصفه بالرسالة في هذه الآية نفسها بقوله (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)","vol":"1","page":278},{"text":"ليحقق هذا الترابط الشامل للأمة في حاضرها، ومستقبلها إلى يوم القيامة، لأن النبي - ﷺ - أسوة دائمة لأمته، وقدوة لها في جميع ما تأتي به من خير أو تذر من شر، وهذا إنما كان مستمدًا من رسالته وشريعته في عمومها وخلودها.\nثم قال تعالى: (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) ليبين أن هذه الرابطة بينه - ﷺ - وبين جميع المؤمنين لا تقتضي وراثة في النبوة ليقطع جذور إدعاء أحد من أمته النبوة من بعده اعتمادًا على رابطة الأبوة بالرسالة وبيانًا لأنه - ﷺ - لا نبي بعده يستدرك عليه وعلى شريعته شيئًا من الأحكام والتشريع، لأن ختم النبوة يستلزم حتمًا ختم التشريع.\nوهذا يقتضي باعتبار عموم رسالته وخلودها أن تكون كاملة في أصولها وجميع ما يتفرع عن تلك الأصول لتؤدي إلى الأمة المسلمة وإلى الحياة عامة ما تتطلبه احتياجاتها في سائر الأزمنة والأمكنة والأجيال فتشمل الحاضر والمستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nثم ختم الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) بيانًا لعموم إحاطة علمه تعالى بأحوال عباده، وما يشرعه لهم من شرائع الخير والهدى وجعل رسول الله - ﷺ - هو النبراس الذي يضيء لأمته طريق السير في هدايتها.\nبعد هذا العرض للقصة كما تفيدها الآيات الكريمة وسياقاتها نرى أن نعرض في إجمال وإيجاز -ما قيل فيها من اختلاف أقوال العلماء- فأقول:","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>(تنزه كثير من أهل العلم عن أقوال القصاص)</span>\nذهب فريق إلى أقوال تنزه بعض المفسرين والمحدثين عن حكايتها لما فيها من عبارات لا يحوطها أدب التعبير مع رسول الله - ﷺ -، وفيها فتح باب لأعداء الإسلام ونبي الإسلام لينفذوا منها - كما هى طرائقهم أن يتصيدوا من ساقط الروايات ومكذوبها ما يطعنون به على الإسلام ونبي الإسلام - إلى قالة السوء والطعن في رسالته - ﷺ - وسمو مقامه، ولولا أن الذين تعرضوا لهذا الاتجاه -وفي مقدمتهم الإمام الطبري في تفسيره والزمخشري ومن تابعه- لهم شهرة بين الأمة ومؤلفاتهم في التفسير وغيره مقروءة، ولها اعتبارها لما أشرنا لشيء من هذا الاتجاه في فهم القصة وآياتها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>(مذهب السلف إثبات ما أثبته القرآن الكريم)</span>\nوذهب فريق من السلف - منهم علي بن الحسين \" زين العابدين \" والزهري والسدي وغيرهم، وتبعهم على ذلك فريق من العلماء منهم القاضي بكر بن العلاء والقاضي عياض وابن فورك","vol":"1","page":280},{"text":"وجمع من المحدثين منهم الحافظ ابن حجر والقسطلاني في المواهب والزرقاني في شرحها والحذاق من المفسرين منهم ابن العربي والقرطبي وغيرهم ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية في سياقها وطلب الهداية منها وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع - إلى القول بأن ما أخفاه رسول الله - ﷺ - في نفسه وأبداه الله تعالى إنما هو إعلام الله له أنَّهَا ستكون من أزواجه بعد طلاق زيد لها وانقضاء عدتها منه كما ذكرناه سابقًا.\nوإنما كان العتاب على إخفاء الإعلام بزواجها منه وتلبثه - ﷺ - بعد أن عرض عليه زيد طلاقها - اجتهادًا منه - ﷺ - استجابة لطبيعته - ﷺ -، المجبولة على الرأفة والرحمة وأخذًا بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة والإرشاد إذ لم يعين الله له وقت تزويجه منها، وليتعرف - ﷺ - ما عند زيد بالنسبة إليها من رغبة فيها وميل إليها.\nويحتمل في فهم القصة وآياتها أن رسول الله - ﷺ - استشعر منذ نزلت عليه آية إبطال التبني في قوله تعالى (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)","vol":"1","page":281},{"text":"الذي يترتب على إبطاله إبطال ما ينتج عنه من أمور وآثار جاهلية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>(العمل على إبطال التعاظم بالأنساب والأحساب)</span>\nوقد نشأ بإبطال التبني أن نزل الأدعياء إلى درجة الموالي وهي أقل في نظر المجتمع مما كانوا عليه حيث أصبحوا أدنى منزلة اجتماعية ممن كانوا في مستواه، فرأى النبي - ﷺ - أنه أول من يطلب منه العمل على إبطال ومحو الفوارق الاجتماعية القائمة على غير ما أنزله الله ومن أهمها وأشدها أثرًا على المجتمع عادة التعالي والتعاظم بالأحساب والأنساب، التي يراها الجاهليون شرعة مرعية في أنكحتهم والظهور في أنديتهم - وعلم رسول الله - ﷺ - أن بقاء هذه العادة الجاهلية مدمر للمجتمع المسلم بما تنشره في النفوس من الأحقاد والضغائن وتقسيمه إلى طبقات يحتقر بعضها بعضًا ويتميز بعضها على بعض غيظًا فلما أن أرسلت زينب بنت جحش الأسدية أختها حمنة إلى النبي - ﷺ - تخبره أن كثيرًا من أصحابه خطبها وهى تشاوره وتستأذنه أن يختار لها ممن خطها من يراه أصلح لها رأى - ﷺ - أن تزويجها بزيد بن حارثة مولاه يحقق أمرين عظيمين صالحين:\nأولهما: أن زيد خير ممن خطبها علمًا بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - فتزويجها إياه يحقق لها عصمة زوجية ونفعًا دينيًا ولذلك قال لأختها: \" فأين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها؟ \". قالت حمنة: من؟.\nقال: \" زيد بن حارثة \" فغضبت وقالت: تزوج ابنة عمتك مولاك؟ وعادت إلى زينب، فأخبرتها، فاشتد غضبها وقولها بأكثر مما قالت أختها فأنزل الله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦». قالت","vol":"1","page":282},{"text":"زينب: فأرسلت إليه: زوجني من شئت فزوجني منه \"\nوثانيهما: أن تزويج زيد بها - وهي في شرفها ونسبها من قومها في قريش، وقرابتها من رسول الله - ﷺ - عمل عظيم يسديه رسول الله - ﷺ - لأمته يهدم به عادة جاهلية، ويغرس به قاعدة العدالة، والمساواة بين أفراد المجتمع المسلم، حتى لا يتفاضل بالأحساب والأنساب، وليرجع إلى ما أمر الله به من التفاضل بالتقوى والعمل الصالح تحقيقًا لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) وقوله - ﷺ -: \" ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عريى، ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى \".\nفزوّجها رسول الله - ﷺ - زيدًا وأمهرها عنه ما ذكرته الروايات، وبهذا وضعت قاعدة المساواة في النكاح بين جميع المسلمين والمسلمات تحقيقًا لقوله - ﷺ -: \" إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض \" الذي جعل قاعدة المساواة في الدين والخلق، ولا دخل في ذلك للأنساب والأحساب مما كان يبني عليه الجاهليون اعتباراتهم.","vol":"1","page":283},{"text":"وكان رضاؤها بهذا الزواج لا يعبر عن رغبة قلبية وميل نفسي منها فاشتد لسانها على زيد وتعاظمت وافتخرت عليه بنسبها وحسبها مما جعل الحياة بينهما حياة لا استقرار فيها ولا سكون ولا مودة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>(بدء التنافر بين قلبي زينب وزيد بن حارثة)</span>\nقالت زينب ﵂ وهي تقص خبرها مع زيد: \" فأخذته بلساني فشكاني إلى النبي - ﷺ - ققال له النبي - ﷺ -: \" أمسك عليك زوجك واتق الله. . \".\nوكان النبي - ﷺ - منذ بدأ في نفسه الاستشعار بإبطال ما يترتب على إبطال بنوة الدعي -وأدى هذا الاستشعار إلى إبطال عادة التعالي والمفاخرة بالأنساب والأحساب ورد المؤمنين إلى التفاضل بالدين والتقوى- لا يزال يدور في نفسه ويقوى معه استشعاره بإبطال ما هو أقوى في جذوره الجاهلية من عادة التفاخر بالأنساب والأحساب وهو إبطال عدم صحة زواج المتبنِّي بزوجة دعيه بعد فراقه إياها.\nفلما جاءه زيد يشكو إليه زوجه زينب واشتداد لسانها عليه وعدم طاقته الصبر على ما يلقى منها وعرض على النبي - ﷺ - أن يطلقها فقال له النبي - ﷺ -: \" أمسك عليك زوجك واتق الله \" - أخذًا بما جُبل عليه - ﷺ - من الرحمة والرأفة وتلبثًا لمعرفة ما عند زيد نحوها، وهل شكايته منها فورة غضبية لعلها تزول، أو تسكن وتهدأ بإحسان العشرة منها، أو أنها عزيمة لا تردد فيها ولا محيد عنها، وأن ثورة المصاعب في هذا الزواج وتصاعد النزاع بين زيد وزينب واشتعال نار الخلاف بينهما لن تهدأ - عرف ﵊ أن عشرتهما لن يكتب لها الدوام ما احتفت بهذه المصاعب لعدم توافقهما في الحياة الزوجية لنفور زينب من زوجها زيد وكرهها","vol":"1","page":284},{"text":"للعيش معه وعدم استطاعة زيد على الصبر عليها لتناولها إياه بلسانها، فرأى - ﷺ - أنه إن طلقها زيد فسيتزوجها ﵊ ليهدم بزواجه منها -بوصفها مطلقة دعيه زيد- عادة الجاهلية التي تمنع تزوج المتبنِّي بمطلقة الدعي ويتحمل - ﷺ - ثقل إزالة هذه العادة رفعًا للحرج عن المؤمنين في التزوج بمطلقات الأدعياء حيث قد يسر الله تعالى بقضائه وقدره سبيل هدمها على يديه بتطليق زيد دعيه لزوجه زينب، لأن إبطال عادة التبني -قبل تزوج زيد بزينب- يستلزم إبطال جميع ما ينتج عنها من آثار وفي مقدمتها إبطال منع التزوج بمطلقة الدعي.\nولما ضاق زيد ذرعًا بالعيش مع زينب ﵄ ولم يبق له وطر فيها عاد إلى النبي - ﷺ - يشكوها إليه وققال: \" أنا أطلقها \" فطلقها وبتَّ طلاقها.\nولما انقضت عدتها أرسل رسول الله - ﷺ - زيدًا إليها يخطبها عليه فنزل القرآن بتزويجه - ﷺ - بها قبل أن يعود زيد من خطبتها فقام رسول الله - ﷺ - ودخل عليها زوجًا لها تنفيذًا لأمر الله تعالى فِي قوله تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧».\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>(الله المزوِّج وجبريل الشاهد)</span>\nقالت زينب -كما في سنن البيهقي- حين دخل عليها رسول الله - ﷺ - زوجًا لها: \" هذا أمر من السماء \" وقالت: \" يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة؟ \" فقال: \" الله المزوج وجبريل الشاهد \".","vol":"1","page":285},{"text":"ويدل لصحة هذا ما رواه البخاري عن أنس - ﵁ - قال: \" كانت زينب تفخر على أزواج النبي - ﷺ - تقول: \" زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات \" وما رواه مسلم من أن رسول الله - ﷺ - \" دخل عليها بغير إذن \" حين نزل القرآن بتزويجه إياها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>(الخير العام في كل من زواج زييد بن حارثة بزينب بنت جحش وطلاقه لها)</span>\nوهكذا كان زواج زيد بزينب خيرًا في أوله حين قضى ومحا الفوارق القائمة على التعالي بالأحساب والأنساب \" وذلك أن الموالي تزوجت في قريش، وتزوج زيد بزينب، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وزوّج أبو حذيفة سالمًا من هند بنت عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار \".\nوكان طلاق زيد لزينب خيرًا كبيرًا أيضًا حيث كان سببًا لإبطال عادة الجاهلية التي تمنع تزوج المتبني بمطلقة دعيه، أو أرملته.\nوحينئذ يكون ما أخفاه رسول الله - ﷺ - في نفسه وعوتب عليه هو استشعاره - ﷺ - من تمكنه من إبطال عادة عدم صحة تزوج المتبني بمطلقة دعيه بمجيء زيد شاكيًا زوجه زينب ويعرض طلاقها دون أن يكون له - ﷺ - دخل قلبي سوى إرادة تحقيق ما أراده الله تعالى من زواجه بزوجة دعيه -التي قضى وطره منها- لرفع الحرج عن المؤمنين في التزوج بمطلقات الأدعياء.","vol":"1","page":286},{"text":"فإن قيل: إذا كان رسول الله - ﷺ - قد أراد تحقيق ما أراده الله تعالى بإبطال عادة جاهلية ففيم يكون العتاب؟.\nفالجواب أن العتاب كان على التأخير بقوله لزيد أمسك عليك زوجك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>(آية آخرى في عتاب التحذير)</span>\nومن الآيات التي هي من هذا النوع من العتاب أول آية من سورة التحريم وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١».\nوالبحث في هذه الآية الكريمة يقع في موضعين منها:\nالموضع الأول: في بيان المراد بهذا التحريم الذي وجه الإنكار إليه.\nالموضع الثاني: فيما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه فخاطبه الله تعالى بهذا الخطاب لذلك التحريم الذي صدر منه - ﷺ -.\nأما الموضع الأول -وهو ما المراد بالتحريم في هذه الآية؟ - فإنا نقول: أن المعنى الأصلي لمادة (حرم) في اللغة \" هو المنع والتشديد \" كما قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة.\nوقد ورد التحريم بهذا المعنى في القرآن الكريم في آيات منها قوله تعالى (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: \" منعنا موسى المراضع أن","vol":"1","page":287},{"text":"يرتضع منهن من قبل أمه \"، وقوله تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ). أي \" منعه من دخولها \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>(المنع المحرم وغير المحرم)</span>\nوعلى ذلك فمن منع نفسه من شيء كان له التمتع به فعلًا كان أو قولًا أو غير ذلك فقد حرم نفسه من ذلك الشيء أي منعها منه، ما لم يؤد هذا المنع إلى ضرر شرعى يلحق بالشخص المحرم على نفسه أو بغيره ممن له علاقة به فحينئذ يصير المنع والتحريم بذلك منعًا وتحريمًا شرعيًا، وهذا كالذي رواه البخاري عن أنس - ﵁ - أن رهطًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - منعوا أنفسهم وحرموها من التمتع بأمور كان لهم حق التمتع بها، لكن هذا المنع أدى إلى ضرر بالنفس وبالغير فإن منه المنع من إتيان النساء وهذا يضر بالزوجة بل يضر بالزوج نفسه، وهكذا في كل ما ذكر مما منعوا أنفسهم منه، ولهذا أباه رسول الله - ﷺ - وقال لهم: \" أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني \".\nوهذا دليل على أن المنع والتحريم أصبح منعًا وتحريمًا شرعيًا ليس لأحد من الخلق أن يقدم عليه إلا بتشريع من الله تعالى، بل قوله - ﷺ - \" إني لم أومر بالرهبانية \" وقوله \" إن الرهبانية لم تكتب علينا \" يدل على أن","vol":"1","page":288},{"text":"هذا تحريم شرعى إذ منع النفس من هذه الأشياء منع لها مما كان مباحًا شرعًا.\nويرشح هذا ما ورد في بعض الروايات أنَّهم أرادوا بهذا المنع التشبه بالقسيسين والرهبان كما جاء ذلك عن ابن عباس ﵄ وعن السدي فيما أخرجه الطبري عنهما في تفسيره. ويؤيده هذا ما رواه البخاري عن أبي جحيفة عن أبيه قال: \" آخى النبي - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال، كُلْ، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حى تأكل، قال:. فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا. فأعطِ لكل ذي حق حقه، فأتى النبي - ﷺ -، فذكر ذلك له فقال النبي - ﷺ -: \" صدق سلمان \".\nأما الحرام في الشرع فإنه ما طلب الشارع من المكلف الكف عنه على وجه الحتم والإلزام كما عرفه الأصوليون بذلك.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>(التحليل والتحريم خاص بالله)</span>\nفإذا ما حرم الله تعالى شيئًا فليس لأحد من كان أن يحله، لأن التحريم حكم الله تعالى وشرعه لعباده، وهو العليم بخفايا الأشياء والأفعال ومضارها، فيحرم منها ما يشاء، ويحل منها ما يشاء، فإذا أحل الله شيئًا فلا محرم له من بعده وإذا حرم شيئًا فلا محل له من بعده.\nومن ذلك يعلم أن النبي - ﷺ - لم يحرم على نفسه شيئًا تحريمًا شرعيًا مما كان الله تعالى قد أحله له، لأنه - ﷺ - لا يملك ذلك ولا يخالف لله تعالى أمرًا ولا نهيًا لعصمة الله تعالى له من ذاك كله.\nفلم يبق إلا أن يتوجه التحريم المخاطب به النبي - ﷺ - في هذه الآية إلى المعنى اللغوي -وهو الامتناع كما قال به حذاق المفسرين- إذ هو الأصل أولًا، ولامتناع صدور المعنى الشرعي منه - ﷺ - في المراد بالتحريم في هذه الآية ثانيًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>(ما يدل عليه تصدير الآية بندائه بوصف النبوة)</span>\nفيكون معنى الآية على هذا -وقد صدرت بندائه - ﷺ -، بوصف النبوة تشريفًا لمكانه وتعظيمًا لمقامه- يا أيها النبي لم تمنع نفسك وتحرمها من الاستمتاع بما أحله الله لك مما لك فيه رغبة ومتعة ونفع بما يشق عليك من حرمان نفسك حقها مما أحللناه لك من متعة الحياة وزهرتها.\nأما ما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه فمنعها منه فجمهور المفسرين على أنه سريته مارية القبطية أم ولده إبراهيم - ﵇.","vol":"1","page":290},{"text":"وهو ما صدر به ابن كثير تفسيره لهذه الآية الكريمة، واستدل بما رواه النسائي عن أنس - ﵁ -: \" أن رسول الله - ﷺ - كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١».\nوقد أورده الحافظ ابن حجر -في الفتح- فقال: \" وقد أخرج النسائي بسند صحيح - فذكره ثم قال: وهذا أصح طرق هذا السبب وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال: أصاب رسول الله - ﷺ - أم إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه فقالت: يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي، فجعلها عليه حرامًا. فقالت: يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها فنزلت (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ).\nثم ساق ابن كثير تعزيزًا لهذا الرأي قول زيد بن أسلم نقلًا عن الطبري -كما نقله عنه الحافظ ابن حجر حسبما ذكرناه آنفًا- وعزز بما أخرجه الهيثم بن كليب في مسنده بسنده إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - لحفصة: \" لا تخبري أحدًا وإن أُم إبراهيم عليَّ حرام \" فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: \" فوالله لا أقربها \" قال:","vol":"1","page":291},{"text":"فلم يقربها حتى أخبرت عائشة \". قال فأنزل الله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).\nقال ابن كثير تعليقًا على هذا الحديث وتعزيزًا له: \" وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج \".\nوقد نقله الحافظ ابن حجر -في الفتح- عن الضياء المقدسي من المختارة وأيده بما أخرجه الطبراني -في عشرة النساء- وابن مردويه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \" دخل رسول الله - ﷺ - بمارية بيت حفصة فجاءت فوجدتها معه فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك \" - قال ابن حجر: \" فذكر نحوه \" أي نحو حديث عمر المتقدم.\nثم قال الحافظ ابن حجر في ترجيحه بين الأقوال التي قيلت فيما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه: \" والراجح - ﷺ - من الأقوال كلها قصة مارية لاختصاص عائشة وحفصة بها بخلاف العسل فإنه اجتمع فيه جماعة منهن \".","vol":"1","page":292},{"text":"واختيارات الضياء المقدسي -التي نقل عنها كل من الحافظين ابن كثير وابن حجر حديث عمر السابق- يقول عنها الإمام ابن تيمية: \" إن أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>(ما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه)</span>\nثم ذكر ابن كثير حديث الطبراني - عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) قال: \" حرّم رسول الله - ﷺ - سريته \".\nوظاهر الآية الكريمة يعزز هذا القول لأن \" ما \" في قوله تعالى: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) وتعليل التحريم بقوله عز شأنه (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) يدل على أن المحرم شيء من جنس ما يُبتغَى به مرضاة الزوجات ويتوصل به إلى قلوبهن في الاستمتاع، وعدم تحريمه بالامتناع عنه يثير في أنفسهن الغيرة، وإن كان المحرم ليس بداخل في الزوجات بوصف الزوجية لكنه مشارك لهن في وجود الاستمتاع به لتحققه فيه كتحققه فيهن، وذلك يناسبه أن يكون المحرم المتنع عنه سريته مارية أم ولده إبراهيم - ﵇ - التي أحل الله له - ﷺ - الاستمتاع بها، وكانت تثير في أنفس الزوجات الطاهرات الغيرة منها، وتحريمه إياها على نفسه وامتناعه عنها أشد مرضاة لهن وأدعى لسرورهن.\nويؤيد هذا أن في لفظ \" لك \" من قوله تعالى: (مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) من معنى الخصوصية ما يدل على أن المحرم من تعلقت به هذه الخصوصية","vol":"1","page":293},{"text":"- وهي سريته - ﷺ - إذ لا خصوصية في غيرها من العسل ونحوه.\nوهذا التعزيز مال إليه جمهور المفسرين الذين قالوا: إن الذي حرمه النبي - ﷺ - على نفسه هو مارية القبطية أم ولده إبراهيم.\nقد ذكر هذا ابن الجوزي في تفسيره -زاد المسير- وأسنده إلى بعض أئمة السلف والأكثرين من المفسرين فقال: \" وإلى هذا المعنى - أي تحريم مارية على نفسه - ﷺ - ذهب سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومسروق ومقاتل والأكثرون \".\nوممن مال إلى هذا القول -أيضًا- ابن العربي في تفسيره لآيات الأحكام حين قال: \" وأما ما روي أنه حرم مارية فهو. . أقرب إلى المعنى \".\nولعل ابن العريى يقصد بالأقربية إلى المعنى أن هذا التحريم قد علل في الآية الكريمة بابتغاء مرضاة الزوجات، وهذا ما صرح به الجصاص في أحكام القرآن بقوله \". . . الأظهر أنه حرم مارية، وأن الآية فيها نزلت لأنه قال (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) وليس في ترك شرب العسل رضا أزواجه، وفي ترك قرب مارية رضاهن \".\nوإلى هذا الترجيح مال جمال الدين القاسمي في تفسيره -محاسن التأويل- حيث قال: \" والذي يظهر لي هو ترجيح روايات تحريم الجارية في سبب نزولها وذلك لوجوه:","vol":"1","page":294},{"text":"منها: أن مثله يبتغى به مرضاة الضرات (١) ويهتم به لهن.\nومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه. . . \".\nوذهب جمهور المحدثين إلى أن المحرم الممتتع عنه هو العسل وحجتهم في ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما.\nوالروايات عندهما متفقة على أن ما حرمه النبي - ﷺ - على نفسه ومنع نفسه منه - ﷺ - هو العسل، ومختلفة في التي شرب عندها العسل من زوجاته.\nوأكثرها أن التي شرب عندها العسل هي زينب بنت جحش، ويليها أن التي شرب عندها هي حفصة.\nوهناك روايات صحيحة الإسناد -كما يقول السيوطي في الدر- لكنها لم ترد في الصحيحين تذكر أن التي شرب عندها العسل هي سودة بنت زمعة ﵂.\n_________\n(١) وهو يقصد بالضرات الزوجات وإن كانت السرية ليست ضرة بالمعنى الشرعي وإنما هي ضرة في الواقع النفسى لهن.","vol":"1","page":295},{"text":"وعزا الحافظ ابن حجر -في الفتح- مثل هذا القول إلى الطبراني وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس وقال: \" ورواته موثقون \".\nودعواه بأن أبا عامر -أحد رواة هذا الحديث عند الطبراني وابن مردويه- \" وهْمٌ فِي قولة سودة \" دعوى لم يقم عليها دليلًا، سوى أنها نحو رواية البخاري التي تذكر أنه شرب العسل عند حفصة.\nولا معنى لتوهيمه الراوي بعد توثيقه إياه، مع أن الروايات مختلفة في التي شرب رسول الله - ﷺ - عندها العسل.\nوفي رواية أسندها الحافظ ابن حجر -في الفتح- إلى السدي في تفسيره ونقلها عن الطبري تقول إن التي شرب عندها العسل هي أم سلمة ﵂ وقال: إنها مرجوحة ومرسلة.\nوأسند السيوطي -في الدر- مثلها إلى ابن سعد فِي الطبقات عن عبد الله بن رافع.\nفهذا الاختلاف في التي شرب النبي - ﷺ - عندها العسل من زوجاته -وهو موجود في الصحيحين في روايات أغلبها متوالية- يدل على الاضطراب مما حمل بعض حذاق العلماء على الترجيح بين هذه الروايات،","vol":"1","page":296},{"text":"فذهب القاضي عياض والنسائي والأصيلي -فيما نقله عنهم النووي في شرح مسلم- إلى ترجيح رواية أن التي شرب النبي - ﷺ - عندها العسل زينب. وقالوا: إنها أصح. ولم يكلموا في صحة غيرها، والأصحية لا تنافي الصحة، وحينئذ يبقى الحديث على الاحتمال فلا يصلح به القطع في الاستدلال.\nورجح الحافظ ابن حجر ما رجحه هؤلاء الأئمة بأن عائشة وحفصة كانتا متظاهرتين على النبي - ﷺ - على ما جاء عن عمر - ﵁ - فيما أخرجه البخاري في التفسير وفي الطلاق وسبق أن حمل القصة على التعدد جمعًا بين الروايات وبذلك يبقى الاحتمال قائمًا إذ لم يمكنه رفع الاحتمال عن الحديث.\nوهذا مما يؤيد ترجيح ما ذهبنا إليه من أن الذي حرمه النبي - ﷺ - على نفسه هو سريته مارية أم ولده إبراهيم - ﵇ -، ويرشح ذلك تعليل التحريم المنكر عليه بقوله (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ).\nووجه الترشيح بهذا أن النبي - ﷺ - في رفعة مقامه وجلال مكانته -نبيًا ورسولًا- قدوة لأمته في جميع ما يقع منه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا ما لم يدل دليل على اختصاصه به - ﷺ -، لأنهم مأمورون بمتابعته، وأن متابعته قد جعلها الله تعالى دليلًا على حبه سبحانه في قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ","vol":"1","page":297},{"text":"فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) وفي قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) إذ لو لم يحذر - ﷺ - من التحريم على نفسه مما أحله الله له لكان قد أتانا به.\nوالمتابعة -في القدوة- قائمة دائمة خالدة مع دوام الرسالة وخلود شرائعها وأحكامها، فلا ينبغي لمن رفع الله شأنه فوق جميع خلقه، وجعله القدوة الحسنة لأمته أن يمنع نفسه مما أحله الله له تطلبًا وابتغاء لمرضاة أزواجه، لأن ذلك مما يشق على أمته في مستقبل حياتها.\nوختمت هذه الآية الكريمة -موضع البحث- بقوله تعالى: (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تلطفًا به - ﷺ -، وإشعارًا له بعلو مقامه، وأنه لا ينبغي له وقد حباه الله تعالى بفضله، ورفعه مكانًا عليًا على سائر خلقه أن يكون في مستوى دون مستوى مقامه الرفيع في ترضية أزواجه.\nوالغفران والرحمة من باب التبشير له - ﷺ - بكمال الطهر والنقاء على حد قوله تعالى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)، لم يقع منه - ﷺ - ذنب يقتضي الغفران وإنما الذي وقع منه - ﷺ - تنازل منه عن بعض فضله، ورفعة شأنه ترضية لزوجاته وإحسانًا لهن ورحمة بهن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>(موئل العتاب من هذه الآية)</span>\nوبناء على ما تقدم وعلى ترجيح أن الذي حرمه النبي - ﷺ - على نفسه هو سريته مارية القبطة أم ولده إبراهيم يكون العتاب على ما كان منه - ﷺ - من تقديمه رضا أزواجه على ما يختص براحته النفسية ومتعته الجسدية","vol":"1","page":298},{"text":"وسروره القلبي بمنعه نفسه مما أحله الله له لابتغاء مرضاة أزواجه. فالقيد \" تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ \" هو محط العتاب في الحقيقة، فكأنه قيل له: يا أيها النبي لم تمنع نفسك وتحرمها مما أحل الله لك من متعة وراحة وسرور تَبْتَغِي بذلك مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ؟.\nوليس مجرد منعه - ﷺ - نفسه من المتعة بالمباح محلًا للعتاب لأنه - ﷺ - كثيرًا ما منع نفسه من بعض المباحات -التي ينعم بها الناس ولا سيما في مجال المتعة الجسدية- زهدًا في الدنيا وبعدًا عنها، ولم يحظر عليه ذلك، ولم يعاتبه الله تعالى على شيء من ذلك كله.\nوفي ذلك تلميح إلى ما فِي طبائع النساء من قلة رضاهُنّ بما يمنحن من الفضل والعطاء والإحسان.\nوفيه -أيضًا- تلميح إلى أن النبي - ﷺ - في مكانته العليا وفضله العظيم أنه ما كان ينبغي له - ﷺ - أن يتنزل -تفضلًا منه وإحسانًا إليهن- بمقامه العظيم عند ترضية أزواجه بتحريم ما أحل الله له، ومنعه نفسه الطاهرة من المتعة والسرور لمجرد إرضائهن.\nوإن رضاءهن -ولا سيما فيما يختص بأسرار الزوجية ومتعتها- عزيز المنال أن رضين مرة فقد يغضبن مرات.\nومن هنا كان في ذلك درس بالغ لتربية أزواجه الطاهرات على سنن الزوجية، وكان في ذلك -أيضًا- درس للنبي - ﷺ - في معاملة أزواجه ومعاشرتهن معاشرة تبقى معها القدوة للنساء المؤمنات.","vol":"1","page":299},{"text":"أما قوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فإن حملناه على ما جاء في الروايات من أن النبي - ﷺ - حلف لحفصة ألا يصيب مارية فيكون معنى الآية: قد شرع الله لكم الكفارة لتتحللوا من أيمانكم في قوله تعالى -من سورة المائدة- (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩».\nوإن حملناه على غير هذه الروايات فيكون من باب المجاز بجعل عزيمة النبي - ﷺ - المصممة على عدم إصابة سريته في قوة الحلف على ذلك.\nولا شك أن الوجه الأول أظهر لموافقته لظاهر الآية الكريمة.\nوأما قوله (وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فهو بيان لإحاطة علم الله تعالى بما كان وما يكون، وأن ذاك جار على مقتضى الحكمة الإلهية التي تضع الأمور في مواضعها.\nثم قال تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ","vol":"1","page":300},{"text":"قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥» فهذا من الامتنان على النبي - ﷺ -، وتذكيره بنعم الله تعالى عليه لأن قوله (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ) معمول لفعل محذوف تقديره واذكر إذ أسر النبي.\nوإبراز النبي - ﷺ - بالاسم الظاهر بوصف النبوة، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وإذا أسررت إلى بعض أزواجك حديثًا، من باب الحفاوة بالنبي - ﷺ - وإظهاره في هذا المقام بأشرف أوصافه وهو النبوة مما يتضمن تعريضًا بمن أفشت سره - ﷺ منهن.\nوفي قوله (إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ) بصورة الإبهام تلطف بهن بعدم الكشف عن شخصيتهن.\nوتنكير \" حديثًا \" للدلالة على عظمة هذا الحديث وأنه من الأسرار التي ما كان ينبغى أن تفشى، وتذاع ولو لأصدق الصديقات.\nوهذا الحديث الذي أسره النبي - ﷺ - إلى بعض أزواجه هو تحريمه مارية ومنعه نفسه - ﷺ - من التمتع بها إرضاء للتي غضبت وتألمت مما نالها من جراء تمتع النبي - ﷺ - بسريته في بيتها.\nْويحتمل أن يكون الحديث الذي أسره النبي - ﷺ - إلى بعض أزواجه -عند من يقول بغير ما رجحنا- هو منعه نفسه - ﷺ - من شرب العسل كما ورد في بعض الروايات.\nْويحتمل أن يكون إخبار النبي - ﷺ - حفصة أن أباها عمر بن الخطاب - ﵁ - سيلي أمر أمته - ﷺ - بعد أبي بكر - ﵁.","vol":"1","page":301},{"text":"وتحتمل الآية العموم الشامل لتحريم السرية والإنباء بالخلافة أو لتحريم العسل والإنباء بالخلافة.\nولما أفشت من أسر إليها هذا الحديث إلى صديقتها وكان النبي - ﷺ - قد أخذ عليها أن تكتمه ولا تخبر به أحدًا عرفه الله تعالى إفشاءها سره وأظهره عليه، فذهب عن الحديث وصف سريته وعرف النبي - ﷺ - بعضه وأعرض عن بعض.\nوالذي عرف به هو تحريم سريته - ﷺ - أو شربه العسل، والذي أعرض عنه هو الإنباء بالخلافة لما يترتب على إذاعته والتحدث فيه من أضرار وفتنة قد تؤثر على أنفس بعض المؤمنين الذين قد يكونون يتطلعون -في صمت- إلى منصب الخلافة بعد رسول الله - ﷺ -.\nفلما نبأ النبي - ﷺ - صاحبة إذاعة السر وإفشائه بما أفشته من سره دهشت وقالت: \" من أنبأك هذا؟ \" ولعلها ظنت أن صاحبتها هي التي أخبرته فقالت له: \" من أنبأك هذا؟ \" فقال لها -كما حكى الله تعالى ذلك- \" نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ \".\nثم توجه الخطاب في قوله تعالى (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) -من باب الحفاوة بالنبي - ﷺ -، والتأديب لمن أفشت سره بهذا الأسلوب المشعر بالزجر والتهديد- إلى اللتين تظاهرتا عليه - ﷺ - بالإذاية والغيرة وإفشاء سره بأنهما إن يتوبا إلى الله تعالى مما أزعجا به النبي - ﷺ - فإن التوبة حق واجب عليكما لأن قلوبكما قد مالت عن الحق كما تدل عليه قراءة ابن مسعود - ﵁ - \" زاغت قلوبكما \".","vol":"1","page":302},{"text":"وعلى هذا فإن قوله (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ليس جواب الشرط وإنما هو دليله وتعليله.\nوالمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله، وترجعا عن مغاضبة رسول الله - ﷺ -، وإيذائه بالتظاهر عليه وإفشاء سره فالتوبة حق واجب عليكما، لأن قلوبكما قد زاغت ومالت عن الحق في مغاضبة رسول الله - ﷺ - وإيذائه.\nويمكن أن تحمل الآية على فهم آخر يأتي من حمل قوله تعالى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) على معنى أنها مالت \" إلى الحق وهو ما وجب من مجانبة ما يسخط رسوله - ﷺ - وندمت على ما كان منها من مغاضبة النبي - ﷺ - وإيذاه.\nوالمعنى على هذا: إن تتوبا إلى الله وترجعا عن مغاضبة النبي - ﷺ - وتندما على ما كان منكما، فقد مالت قلوبكما إلى الحق ومصالحة النبي - ﷺ - ومراضاته، وأن ما كان منكما من مغاضبة وإيذاء لم يكن صادرًا عن قلوبكما وإنما هو فورة غضب ونار غيرة.\nويؤيد هذا قوله (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) أي استمررتما على المغاضبة والإيذاء وتعاونتما عليها فإن الله تعالى ناصر رسوله بقوته القاهرة وخواص ملائكته وعامتهم وصالح المؤمنين، وهذا كالمقابل لقوله (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا).","vol":"1","page":303},{"text":"ثم تلطف الله تعالى بنبيه - ﷺ - إظهارًا لحفاوته به وإعلاء لمقامه بما زاد في تأديب الزوجات الطاهرات متمشيًا مع أسلوب الزجر والتهديد فقال (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) أي جامعات للكمال في إسعاده - ﷺ - حسًا ومعنى فلا يعصين له أمرًا، ولا يخالفن له نهيًا، يعملن على إسعاده وإدخال السرور عليه بما يفرغ قلبه عن حمل أثقال الزوجية إلى القيام بواجبه الأعظم وهو تبليغ رسالته وتعليم أمته وإعطاؤها الأسوة الحسنة به لتكون كما أرادها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>(قصة نزول عبس وتولى)</span>\nومن آيات هذا البحث من النوع الثالث من أنواع العتاب صدر سورة عبس وهو قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠».\nوقد بدأت هذه الآيات بالإخبار عن حال رسول الله - ﷺ - إذ جاءه الأعمى -وهو ابن أم مكتوم وأشهر الأقوال في اسمه أنه عبد الله القرشي العامري وهو من سابقي المهاجرين- يطلب الهداية والعلم منه - ﷺ -،","vol":"1","page":304},{"text":"وهو ينادي -كما في موطأ الإمام مالك ﵀- \" يا محمد استدنني \" وفي رواية الترمذي \" يا رسول الله أرشدني \" وفي بعض الروايات \" يا رسول الله علمني مما علمك الله \".\nوكان رسول الله - ﷺ - مشغولًا يتحدث في شأن رسالته والدعوة إلى الله تعالى مع صناديد قريش وأعيانها الذين ذكر المفسرون منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف أو أخاه أبي بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب.\nوكان ابن أم مكتوم ينادي رسول الله - ﷺ - بصوت جهير ويشبه أن يكون أنه لم يعرف اشتغال رسول الله - ﷺ - مع القوم بدعوتهم إلى الله تعالى.\nوقد اتفق جمهور المفسرين على أن فاعل \" عبس وتولى \" هو رسول الله - ﷺ -، وأجمعوا على أن هذه الآيات الكريمة نزلت في ابن أم مكتوم.\nوأنه لم يصرح بذكر الفاعل للفعلين الماضيين -عبس وتولى- تلطفًا برسول الله - ﷺ - عن المفاجأة بمواجهته بهذا الخطاب المشعر بالشدة.","vol":"1","page":305},{"text":"وإبراز ابن أم مكتوم بوصفه المشتق من العمى دون اسمه بيان لعذره فيما واجه به الرسول - ﷺ - من تكرير القول عليه، وسبب في أحقية التلطف به والعطف عليه فهو مما له مدخل في العتاب.\nثم قال تعالى مخاطبًا رسوله - ﷺ - (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) في هذه الآية تذكير له - ﷺ - بأن ما وقع منه - ﷺ - من التقطيب والإعراض -بسبب قطع الأعمى لحديثه المستمر مع من يدعوه إلى الله تعالى- ليس من سجيته الكريمة - ﷺ -، ولا مما يصلح أن يكون منه - ﷺ - لما ينبغي أن يقابل به الأعمى طالب الهداية من التلطف والرأفة والرحمة به وبكل من جاء يطلب هداية الله تعالى ويسمع آياته، ويتعلم منه - ﷺ - مما علمه الله تعالى، ولا سيما إذا كان في حال ابن أم مكتوم في عذره بالعمى الذي حجب عنه من كان يتحدث مع رسول الله - ﷺ -، ولعله لم يسمع الحديث لأن المتعارف في أحاديث هؤلاء الكبراء أن تكون أقرب إلى الهمس منها إلى الجهارة.\nوإبراز تزكية الأعمى ابن أم مكتوم - في أسلوب الترجي فيه إشعار بأنه لم يكن إذ ذاك مسلمًا، ولا سيما إذا انضم إلى هذا ما ورد في موطأ الإمام مالك - رحمه الله تعالى - من قوله لرسول الله - ﷺ - \" يا محمد استدنني \".\nوقد ذهب السهيلي -في الروض الأنف- إلى ترجيح عدم إيمانه حين جاء إلى رسول الله - ﷺ - وعنده القوم فقال: \". . مع أنه -أي الأعمى- لم يكن آمن بعد، ألا تراه يقول (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) الآية، ولو كان قد صح إيمانه وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله - ﷺ -. . وكذلك لم يكن ليخبر عنه ويسميه بالاسم المشتق من العمى دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام، ولو كان دخل في الإيمان من قبل -والله أعلم- وإنما دخل فيه","vol":"1","page":306},{"text":"بعد نزول الآية، ويدل على ذلك قوله - ﵁ -: \" استدنني يا محمد \" ولم يقل استدنني يا رسول الله، مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء في لعله يزكي عائدة على الأعمى لا على الكافر، لأنه لم يتقدم له ذكر بعد، (ولعل) تعطى الترجي والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجي والانتظار للتزكي والله أعلم \".\nأما قوله تعالى (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) فهو معطوف على قوله \" يزكى \" الواقع خبرًا لحرف الرجاء \" لعل \" فهو من مدخول الرجاء معه على معنى: أن قوله \" لعله يزكى \" يدل على أنه يراد منه التطهر بالإيمان وهذا قول ابن زيد حيث فسر \" يزكى \" بـ \" يسلم \" -كما نقله الطبري عنه- الذي يدل على أنه- حسب تفسيره- لم يكن قد أسلم بعد.\nولعل هذا القول هو مستقى كلام السهيلي في اختياره عدم إيمانه حين مجيئه.\nوقوله \" أَوْ يَذَّكَّرُ \" أي بعد إيمانه يتذكر ما علم عن دلائل الإيمان وبراهينه ما عسى أن يكون قد غاب عنه أو نسيه.\nأما قوله تعالى (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦» فهذا من قبيل البدء في المقابل بعد الانتهاء من طرف الحديث الأول.","vol":"1","page":307},{"text":"ويراد بالمستغني إما شخص، أو أشخاص على حسب ما جاء في روايات أسباب النزول، ففى بعضها أنه الوليد بن المغيرة، وفي بعضها أنه أمية بن خلف، وفي بعضها أنه عظيم من عظماء المشركين ولم يسمه، وفي بعضها ناس من وجهاء المشركين منهم أبو جهل وعتبة.\nوالتعبير بقوله \" استغنى \" فيه دلالة على الجحود استكبارًا وعنادًا وتعاليًا بما في الأيدي من نشب الدنيا.\nثم قال تعالى (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) أي أن هذا المستكبر المستغي المعاند الذي عرف الحق فلم يقبل عليه ولم يقبله، وقد عرفت ذلك من سابق حاله معك فأنت تتصدى له وتتعرض لدعوته، وتحرص على إسلامه وهو- في مقابل إعراضه واستغنائه- أحق بالإعراض والتولي ممن جاءك يسعى لطلب الهداية والإيمان.\nثم قال تعالى في حق هذا المستغني عن الإيمان والهداية مع الإقرار بحقيتهما: (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) بيانًا لرسول الله - ﷺ - أن التزكي والتطهر بقبول الإيمان والهداية لا يتوقف على الأشخاص ومكانتهم في هذه الحياة الدنيا من الثراء والتفاخر بكثرة الأولاد والأموال والإعتزاز بالقبلية وكثرة الاتباع والأعوان.\nثم قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى) أي لطلب الإيمان والهداية أو لطلب الإزدياد في العلم بما أنزل الله من أحكام الشريعة، (وَهُوَ يَخْشَى) أي يخاف من الله تعالى، ومن عذابه (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أي بالحديث مع المستغني المستكبر المعاند حرصًا على دخوله الإسلام طمعًا في أن يسلم","vol":"1","page":308},{"text":"بإسلامه اتباعه، مع أن الإقبال على الذي جاء يسعى وهو يخشى أحق وأولى لمجيئه راغبًا، ولا سيما أن الله تعالى ذكره بوصف جعله عذرًا له في مناداته لرسول الله - ﷺ -، وطلبه الهداية وفي أحقيته بالترفق به والإحسان إليه بحسن الاستقبال.\nهذا هو رأي جمهور المفسرين من السلف والخلف في فهم هذه الآيات الكريمة.\nوقد حكى الحافظ ابن حجر -في الفتح- عن الداودي شارح البخاري أن فاعل (عبس) \" هو الكافر \" الذي كان يحدث رسول الله - ﷺ -.\nولم يرتض الحافظ هذا القول فوصفه بالغرابة لعدم اختلاف السلف -كما قال- في أن فاعل عبس هو النبي - ﷺ - \".\nوقد نقل القاضي عياض هذا القول -في الشفاء- عن أبي تمام.\nوقد رده شارحا الشفاء الشهاب الخفاجي وعلى القاري في شرحيهما فقال الشهاب -في رده-: \" وهو قول -أي القول بأن فاعل عبس هو الكافر- في غاية الضعف بعيد عن السياق، والذي عليه المفسرون أنه النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":309},{"text":"وقال علي القاري في رده هذا القول: \" وهذا التأويل مخالف لظاهر التنزيل بل كاد في مقام النزاع أن يكون مخالفًا للإجماع \".\nوظاهر الآيات يرد قول الداودي، لأن سياقها ظاهره الإخبار عن حال رسول الله - ﷺ -، وهو يحدّث بعض عظماء المشركين حين جاءه الأعمى يطلب الهداية والتعليم، ويؤيد هذا أن ضمير الخطاب في قوله تعالى (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) متعين لأن يكون لرسول الله - ﷺ -.\nوليس أبو تمام الشاعر ممن يعرف بين علماء التفسير أو الحديث بشيء وإنما هو رجل شاعر حكيم في شعره، ولا ندري من أين استقى هذا الرأي، ولا يدخل في دائرة العقول أن يكون الداودي شارح صحيح البخاري قد أخذ هذا القول عنه \".","vol":"1","page":310},{"text":"ثم بيّن الله تعالى أن الهداية والإيمان ليست مرتبطة بالأشخاص وحالاتهم من فقر وضر أو ثراء ومكانة في الحياة الدنيا فقال تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢». وإنما هي تذكرة ينتفع بها من في قلوبهم استعداد لقبول الهداية، ولو كانوا من أهل الفقر والضر.\nوهذا درس تربوي وتوجيه إلهي ختم الله تعالى به الآيات ليبين لرسوله - ﷺ - أنه في رسالته الخاتمة للرسالات الإلهية لا ينبغي له أن يلتفت إلى الأشخاص، ومكانتهم في الحياة الدنيا وتكثير عدد المسلمين بكثرتهم، لأنه في هدايته قدوة عامة خالدة يتأسى بها كل من تشرف بإتباعها.\nْولا شك أن أهل الفقر والضر في الناس أكثر عددًا من أهل الثراء والمعافاة.\nوأهل الضر والفقر هم أحوج إلى المواساة والترفق بهم لإدخالهم فِي حظيرة الإيمان ليكون الإيمان عدتهم على تحمل شدائد الحياة والصبر على نوائبها لما في الإيمان من رضى بالله تعالى وقضائه والتسليم بشرائعه وأحكامه.","vol":"1","page":311},{"text":"وفي هذه الآية ما يشعر بأن اجتهاد رسول الله - ﷺ - في حديثه مع الكافر ليستميله إلى الإيمان رجاء أن يؤمن بإيمانه عدد ممن يتبعه كان غير متمش مع طبيعة الهداية الإلهية- التي عليه - ﷺ - أن يعرضها على الناس دون أن يبخع نفسه حرصًا على إيمانهم- فجاءت الآية الكريمة تصحح هذا الاجتهاد، وتبين الطريق للدعاة إلى الله تعالى الذين يرثون دعوة رسول الله - ﷺ - وتبليغ رسالته ونهجه - ﷺ - في إيصالها إلى جميع الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\n* * *","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الخاتمة</span>\nنحمد الله تعالى على فضله أن وفقنا لإتمام ما أردنا إظهاره فيما عرضنا من الآيات التي نصبت هذه الرسالة لدراستها، وتوجيه الأنظار إلى وجه الهدى فيها حفظًا لإيمان المؤمنين، وإنارة لسبيل الحق أمام المنصفين.\nوبعد. . .\nفقد ظهر لنا من دراستنا -في الباب الأول- لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن جمهور العلماء على القول بعصمة الأنبياء قبل النبوة، وبعدها من الكفر إجماعًا، وأنَّهم كذلك معصومون مأمونون فيما يبلغونه عن الله تعالى.\nوأنهم معصومون من جميع كبائر الذنوب بعد النبوة إجماعًا، وما يخل بالمروءة من صغائرها ترجيحًا.\nثم عرضنا -في الباب الثاني- لبحث الاجتهاد، وبينا الأدلة الدالة على الإذن لرسول الله - ﷺ - في الاجتهاد فيما لم ينزل عليه به وحي. وذكرنا من الحوادث التطبيقية ما يؤكد هذه النصوص.\nوبينا -في الباب الثالث- معنى العتاب، واستطردنا منه إلى بيان معنى الذنب، ووجه إسناده في بعض الآيات إلى ضمير خطاب رسول الله - ﷺ -، ثم قسمنا العتاب -بحسب ما ظهر لنا من فهم الآيات- إلى ثلاثة أنواع هي: عتاب التوجيه، وعتاب التنبيه، وعتاب التحذير.\nوذكرنا ما في كل من الآيات الكريمة، وبينا وجه دخول كل آية منها في نوعها.","vol":"1","page":313},{"text":"وقد وجدنا أن العتاب فيما قيل إنه عوتب عليه رسول الله - ﷺ -، إنما كان على ما حكم فيه رسول الله - ﷺ - بالاجتهاد والاجتهاد محتمل الخطأ.\nفما جاء من العتاب إنما هو من قبيل تصحيح الخطأ في الاجتهاد فوجهه الله تعالى إلى الأخذ بالأصوب فعاد الحكم بذلك إلى الوحي.\nكما ظهر لنا من البحث أن بعضًا من الآيات التي قيل إن فيها عتابًا لرسول الله - ﷺ - تحتمل العتاب وغيره كما قد أوضحنا ذلك في مكانه من دراستنا للآيات الكريمة.\nومما يشرح الصدر، ويبهج النفس أن المتتبع لآيات عتابه - ﷺ -، يرى بوضوح وجلاء أن كل موضع من ذلك يعقب بنوع من الترفق برسول الله - ﷺ - في الخطاب طمأنة لقلبه الطاهر، تنادي بأن ما صدر منه من خطأ في الاجتهاد ووجه إلى الأخذ بالأصوب منه فيما يستقبل من حوادث، لم يؤثر على شيء مما ناله من شرف القرب والرضا عليه من الله تعالى، مما يمكن أن يقال فيه: إنه مسح بيد الرحمة على القلب الطاهر الرحيم الذي جعله الله هدى للعالمين.\nوتظهر فائدة هذا البحث في بيان المراد من الخطاب بهذه الآيات لرسول الله - ﷺ -، وجلاء معناها في سياقها ردًا لبعض الشبه التي يتعلق بها أعداء الإسلام ومقلدوهم من المسلمين.\nكما تظهر فائدته -أيضًا- في تثبيت إيمان المؤمنين بمعرفتهم الصحيحة لمعاني هذه الآيات، وإظهار مكانة النبي - ﷺ - وحفاوة الله تعالى به في تربيته ومخاطباته فيما يعلمه الله إياه ليكون قدوة لأمته.","vol":"1","page":314},{"text":"وأما فائدة هذا البحث الاجتماعية، فتظهر في توطيد إيمان المؤمنين وتقوية محبتهم لرسول الله - ﷺ -، ومعرفتهم بمكانته العليا، وتفتح بابًا للدراسة في مثل هذه الموضوعات ليزداد يقين الموقنين وتزول شبه الملحدين والمشككين في هذا الدين القيم.\nوصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هداه إلى يوم الدين.\nوكان الفراغ من كتابة هذه الرسالة المباركة وتأليفها مساء يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر جمادى الثاني من سنة ألف وثلاثمائة وسبع وتسعين من هجرة سيدنا محمد بن عبد الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وذلك بمكة المكرمة، واسأله تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وجميع المسلمين، والحمد لله ربِّ العالمين.\n* * *","vol":"1","page":315}]}