{"ً":{"ٌ":29884,"ٍ":"الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/waq44016/44016.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح\nالمؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة [ت ١٤٣٥ هـ]\n(الأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)\nالناشر: مكتبة الرشد - الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م\nعدد الصفحات: ٤٣٠\nأعده للشاملة: أبو إبراهيم حسانين\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح]\n\nكتاب يجمع مسائل أصول الفقه بدون التطويل بذكر المذاهب حتى يكون مفيدًا للطالب المبتدي وتذكيرًا للطالب المنتهي.\nوقد جعله المؤلف في ستة فصول كالتالي:\nالفصل الأول: في المقدمات.\nالفصل الثاني: في الحكم الشرعي.\nالفصل الثالث: في أدلة الأحكام الشرعية.\nالفصل الرابع: في الاجتهاد.\nالفصل الخامس: في التقليد.\nالفصل السادس: في التعارض والترجيح.","ٓ":"1.0","ٔ":1313,"ٕ":11,"ٖ":1770155574,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الفصل الأول في المقدمات","level":1,"page":7},{"title":"المسألة الأولى: تعريف أصول الفقه","level":2,"page":7},{"title":"المسألة الثانية: الفرق بين أصول الفقه والفقه","level":2,"page":8},{"title":"المسألة الثالثة: أهم الفروق بين القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية","level":2,"page":8},{"title":"المسألة الرابعة: موضوع أصول الفقه","level":2,"page":9},{"title":"المسألة الخامسة: تعلم أصول الفقه فرض عين بالنسبة لمن يريد بتعلم هذه الشريعة الوصول إلى درجة الاجتهاد","level":2,"page":9},{"title":"المسألة السادسة: فوائد علم أصول الفقه","level":2,"page":9},{"title":"المسألة السابعة: يقدم تعلم أصول الفقه على تعلم الفقه","level":2,"page":10},{"title":"المسألة الثامنة: المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه مادته ثلاثة","level":2,"page":10},{"title":"المسألة التاسعة: نشأة علم أصول الفقه وطرق التأليف فيه","level":2,"page":11},{"title":"الفصل الثاني في الحكم الشرعي وأقسامه","level":1,"page":15},{"title":"القسم الأول الحكم التكليفي وأنواعه","level":2,"page":17},{"title":"النوع الأول الواجب","level":3,"page":18},{"title":"النوع الثاني المندوب","level":3,"page":32},{"title":"النوع الثالث المباح","level":3,"page":36},{"title":"النوع الرابع المكروه","level":3,"page":40},{"title":"النوع الخامس الحرام","level":3,"page":43},{"title":"القسم الثاني الحكم الوضعي وأنواعه","level":2,"page":55},{"title":"النوع الأول السبب","level":3,"page":56},{"title":"النوع الثاني الشرط","level":3,"page":66},{"title":"النوع الثالث المانع","level":3,"page":69},{"title":"النوع الرابع العزيمة والرخصة","level":3,"page":72},{"title":"الفصل الثالث في أدلة الأحكام الشرعية","level":1,"page":77},{"title":"القسم الأول الأدلة المتفق عليها","level":2,"page":78},{"title":"الدليل الأول القرآن الكريم","level":3,"page":79},{"title":"المسألة الأولى: القرآن هو: الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه، أو أقل منها، المتعبد بتلاوته.","level":4,"page":79},{"title":"المسألة الثانية: القراءة المتواترة","level":4,"page":79},{"title":"المسألة الثالثة: القراءة الشاذة حجة - أي: تؤثر في الأحكام الفقهية إثباتا ونفيا","level":4,"page":80},{"title":"المسألة الرابعة: لا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة","level":4,"page":80},{"title":"المسألة الخامسة: القرآن فيه مجاز","level":4,"page":81},{"title":"المسألة السادسة: القرآن يشتمل على ألفاظ أصولها غير عربية","level":4,"page":81},{"title":"المسألة السابعة: القرآن مشتمل على ما هو محكم وعلى ما هو متشابه","level":4,"page":82},{"title":"المسألة الثامنة: المتشابه لا يمكن إدراك المراد منه ولا يعلم تأويله إلا الله تعالى","level":4,"page":83},{"title":"المسألة التاسعة: يوجد في القرآن لفظ مشترك","level":4,"page":85},{"title":"الدليل الثاني السنة","level":3,"page":86},{"title":"المسألة الأولى: السنة هي: ما صدر عن النبي - ﷺ - غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير، مما يخص الأحكام التشريعية.","level":4,"page":86},{"title":"المسألة الثانية: السنة حجة يجب قبولها والعمل بها كما يجب قبول القرآن","level":4,"page":86},{"title":"المسألة الثالثة: الخبر من حيث سنده ينقسم إلى قسمين:","level":4,"page":87},{"title":"المسألة الرابعة: الخبر المتواتر","level":4,"page":87},{"title":"المسألة الخامسة: العلم الحاصل بالمتواتر ضروري لا نظري","level":4,"page":88},{"title":"المسألة السادسة: شروط المتواتر","level":4,"page":88},{"title":"المسألة السابعة: لا يشترط في المتواتر عدد محصور","level":4,"page":89},{"title":"المسألة الثامنة: لا يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين وعدولا","level":4,"page":89},{"title":"المسألة التاسعة: لا يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم عدد","level":4,"page":90},{"title":"المسألة العاشرة: لا يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم وأوطانهم","level":4,"page":90},{"title":"المسألة الحادية عشرة: لا يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين","level":4,"page":91},{"title":"المسألة السابعة عشرة: الرواية في الزنا لا يشترط فيها أن يكون الرواة أربعة","level":4,"page":94},{"title":"المسألة الثامنة عشرة: الصحابي هو","level":4,"page":95},{"title":"المسألة التاسعة عشرة: يعرف الصحابي بطرق هي","level":4,"page":95},{"title":"المسألة العشرون: يقبل خبر الصحابي مطلقا لثبوت عدالته في الكتاب، والسنة، والعقل.","level":4,"page":96},{"title":"المسألة الواحدة والعشرون: لا يقبل خبر غير الصحابي إلا بشروط هي:","level":4,"page":96},{"title":"المسألة الثانية والعشرون: لا يشترط في الراوي كونه فقيها، لدليلين:","level":4,"page":98},{"title":"المسألة الثالثة والعشرون: لا تشترط في الراوي كثرة مجالسته للعلماء","level":4,"page":98},{"title":"المسألة الرابعة والعشرون: لا تشترط في الراوي كثرة روايته للأحاديث","level":4,"page":98},{"title":"المسألة الخامسة والعشرون: لا يشترط في الراوي: كونه مشاهدا حال السماع منه","level":4,"page":99},{"title":"المسألة السادسة والعشرون: لا يشترط في الراوي: كونه عالما باللغة العربية","level":4,"page":99},{"title":"المسألة السابعة والعشرون: لا يشترط في الراوي: كونه ذكرا","level":4,"page":99},{"title":"المسألة الثامنة والعشرون: لا يشترط في الراوي عدم القرابة","level":4,"page":99},{"title":"المسألة التاسعة والعشرون: الكافر الأصلي هو: الخارج عن الإسلام كاليهودي والنصراني لا يقبل خبره","level":4,"page":100},{"title":"المسألة الثلاثون: الفاسق بعمل الجوارح لا يقبل خبره","level":4,"page":100},{"title":"المسألة الواحدة والثلاثون: الصبي لا يقبل خبره","level":4,"page":101},{"title":"المسألة الثانية والثلاثون: مجهول الحال في الإسلام، والتكليف، والضبط، لا يقبل خبره إجماعا","level":4,"page":102},{"title":"المسألة الثالثة والثلاثون: مجهول الحال في العدالة لا يقبل خبره","level":4,"page":102},{"title":"المسألة الرابعة والثلاثون: التعديل: هو","level":4,"page":103},{"title":"المسألة الخامسة والثلاثون: يحصل تعديل الشخص بأمور:","level":4,"page":103},{"title":"المسألة السابعة والثلاثون: إذا اشتهر شخص بين طائفة من الناس بالعدالة","level":4,"page":105},{"title":"المسألة الثامنة والثلاثون: إذا لم يحكم الحاكم بشهادة الراوي ولم يعمل بها فإن هذا لا يعتبر جرحا","level":4,"page":105},{"title":"المسألة التاسعة والثلاثون: يكتفى في الجرح والتعديل بقول واحد ليس من عادته التساهل في التعديل أو المبالغة في الجرح","level":4,"page":106},{"title":"المسألة الأربعون: تعديل العبد والمرأة للراوي مقبول؛ قياسا على روايتهما","level":4,"page":106},{"title":"المسألة الواحدة والأربعون: إذا عدل الثقة العدل شخصا، أو جرحه، فإنه يجب ذكر سبب التعديل والجرح","level":4,"page":107},{"title":"المسألة الثانية والأربعون: إذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدل، ولكنه اشتبه باسم رجل آخر مجروح فإن خبره لا يقبل","level":4,"page":108},{"title":"المسألة الثالثة والأربعون: إذا عدل زيد الراوي؛ وجرحه بكر","level":4,"page":108},{"title":"المسألة الرابعة والأربعون: إذا ورد التعديل والتجريح من واحد","level":4,"page":109},{"title":"المسألة الخامسة والأربعون: إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين","level":4,"page":109},{"title":"المسألة السادسة والأربعون: رواية المحدود في القذف مقبولة بشرط","level":4,"page":109},{"title":"المسألة السابعة والأربعون: ألفاظ الصحابي في نقل الخبر","level":4,"page":110},{"title":"المسألة الثامنة والأربعون: ألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر","level":4,"page":113},{"title":"المسألة التاسعة والأربعون: زيادة الثقة في الحديث","level":4,"page":119},{"title":"المسألة الخمسون: إذا عمل الرواي بخلاف الحديث الذي رواه","level":4,"page":120},{"title":"المسألة الواحدة والخمسون: إذا عمل أكثر الأمة بخلاف حديث من الأحاديث","level":4,"page":121},{"title":"المسألة الثانية والخمسون: إذا خالف القياس خبر الواحد فإنا نعمل بخبر الواحد","level":4,"page":121},{"title":"المسألة الثالثة والخمسون: خبر الواحد فيما تعم به البلوى","level":4,"page":122},{"title":"المسألة الرابعة والخمسون: خبر الواحد الوارد بإثبات حد أو ما يجري مجراه","level":4,"page":122},{"title":"المسألة الخامسة والخمسون: تجوز رواية الحديث بالمعنى بشروط","level":4,"page":123},{"title":"المسألة السادسة والخمسون: مرسل الصحابي","level":4,"page":124},{"title":"المسألة السابعة والخمسون: مرسل غير الصحابي","level":4,"page":125},{"title":"المسألة الثامنة والخمسون: إذا تعارض المرسل مع المسند فإنه يقدم المسند","level":4,"page":125},{"title":"المسألة التاسعة والخمسون: أفعال النبي - ﷺ - أقسام","level":4,"page":126},{"title":"المسألة الستون: تقرير النبي - ﷺ -","level":4,"page":127},{"title":"ما يشترك فيه الكتاب والسنة","level":3,"page":129},{"title":"المبحث الأول النسخ","level":4,"page":130},{"title":"المسألة الأولى: النسخ: هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه","level":5,"page":130},{"title":"المسألة الثانية: شروط النسخ أربعة","level":5,"page":131},{"title":"المسألة الثالثة: النسخ والتخصيص يشتركان في","level":5,"page":131},{"title":"المسألة الرابعة: الفروق بين النسخ والتخصيص","level":5,"page":132},{"title":"المسألة الخامسة: النسخ جائز عقلا؛ لأمور","level":5,"page":133},{"title":"المسألة السادسة: النسخ جائز شرعا لأمرين","level":5,"page":133},{"title":"المسألة السابعة: من حكم النسخ ما يلي","level":5,"page":134},{"title":"المسألة الثامنة: النسخ بعد الاستقراء والتتبع قد وقع","level":5,"page":134},{"title":"المسألة التاسعة: يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها، ويجوز العكس، ونسخهما معا","level":5,"page":135},{"title":"المسألة العاشرة: يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله وامتثاله","level":5,"page":136},{"title":"المسألة الحادية عشرة: الزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وليست من جنس المزيد عليه","level":5,"page":137},{"title":"المسألة الثانية عشرة: الزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وهي من جنس المزيد عليه","level":5,"page":137},{"title":"المسألة الثالثة عشرة: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء بالكل","level":5,"page":138},{"title":"المسألة الرابعة عشرة: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط","level":5,"page":138},{"title":"المسألة الخامسة عشرة: نسخ جزء العبادة أو شرط من شروطها ليس بنسخ؛ لأمرين","level":5,"page":139},{"title":"المسألة السادسة عشرة: يجوز نسخ الحكم من غير أن يأتي ببدل عنه؛ لأمرين","level":5,"page":140},{"title":"المسألة السابعة عشرة: يجوز نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ","level":5,"page":141},{"title":"المسألة الثامنة عشرة: يجوز نسخ الحكم ببدل مثله في التخفيف والتثقيل","level":5,"page":141},{"title":"المسألة التاسعة عشرة: يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل؛ لأمرين","level":5,"page":141},{"title":"المسألة العشرون: إذا بلغ الناسخ النبي - ﷺ -، ولم يبلغ بعض الأمة، فإنه لا يكون نسخا في حق من لم يبلغه","level":5,"page":142},{"title":"المسألة الواحدة والعشرون: يجوز نسخ القرآن بالقرآن؛ لأمرين","level":5,"page":142},{"title":"المسألة الثانية والعشرون: يجوز نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة؛ لأمرين","level":5,"page":143},{"title":"المسألة الثالثة والعشرون: يجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة الآحادية؛ لأمرين","level":5,"page":143},{"title":"المسألة الرابعة والعشرون: يجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة المتواترة","level":5,"page":143},{"title":"المسألة الخامسة والعشرون: يجوز نسخ السنة بالقرآن","level":5,"page":144},{"title":"المسألة السادسة والعشرون: يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة","level":5,"page":144},{"title":"المسألة السابعة والعشرون: لا يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد شرعا؛ لأمرين","level":5,"page":144},{"title":"المسألة الثامنة والعشرون: الإجماع لا يكون منسوخا","level":5,"page":145},{"title":"المسألة التاسعة والعشرون: الإجماع لا يكون ناسخا","level":5,"page":145},{"title":"المسألة الثلاثون: القياس ينسخ بقياس أجلى وأقوى منه","level":5,"page":146},{"title":"المسألة الواحدة والثلاثون: إذا نسخ حكم الأصل في القياس فإن حكم الفرع ينسخ تبعا","level":5,"page":146},{"title":"المسألة الثانية والثلاثون: مفهوم الموافقة يقع ناسخا ومنسوخا","level":5,"page":147},{"title":"المسألة الثالثة والثلاثون: مفهوم المخالفة يأتي منسوخا","level":5,"page":148},{"title":"المسألة الرابعة والثلاثون: مفهوم المخالفة لا يكون ناسخا","level":5,"page":148},{"title":"المسألة الخامسة والثلاثون: طرق معرفة الناسخ من المنسوخ هي","level":5,"page":148},{"title":"المبحث الثاني الألفاظ ودلالتها على الأحكام","level":4,"page":150},{"title":"المطلب الأول في اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية؟","level":5,"page":152},{"title":"المطلب الثاني في الاشتقاق","level":5,"page":154},{"title":"المطلب الثالث في الاشتراك","level":5,"page":156},{"title":"المطلب الرابع في الترادف","level":5,"page":161},{"title":"المطلب الخامس في التأكيد","level":5,"page":165},{"title":"المطلب السادس في التابع","level":5,"page":167},{"title":"المطلب السابع في الحقيقة","level":5,"page":169},{"title":"المطلب الثامن في المجاز","level":5,"page":172},{"title":"المطلب التاسع في النص","level":5,"page":180},{"title":"المطلب العاشر في الظاهر","level":5,"page":182},{"title":"المطلب الحادي عشر في التأويل","level":5,"page":183},{"title":"المطلب الثاني عشر في المجمل","level":5,"page":186},{"title":"المطلب الثالث عشر المبين، والمبين، والبيان","level":5,"page":189},{"title":"المطلب الرابع عشر في حروف المعاني","level":5,"page":195},{"title":"المطلب الخامس عشر في الأمر","level":5,"page":205},{"title":"المطلب السادس عشر في النهي","level":5,"page":224},{"title":"المطلب السابع عشر في العموم","level":5,"page":230},{"title":"المطلب الثامن عشر في التخصيص","level":5,"page":252},{"title":"المطلب التاسع عشر في المطلق والمقيد","level":5,"page":276},{"title":"المطلب العشرون في المنطوق","level":5,"page":281},{"title":"المطلب الواحد والعشرون في المفهوم","level":5,"page":285},{"title":"الدليل الثالث الإجماع","level":3,"page":302},{"title":"المسألة الأولى: الإجماع هو","level":4,"page":302},{"title":"المسألة الثانية: الإجماع ممكن عادة","level":4,"page":302},{"title":"المسألة الثالثة: الاطلاع على الإجماع والعلم به","level":4,"page":303},{"title":"المسألة الرابعة: يمكن العلم بالإجماع والاطلاع عليه في جميع العصور؛","level":4,"page":303},{"title":"المسألة الخامسة: الإجماع حجة مطلقا","level":4,"page":303},{"title":"المسألة السادسة: لا يشترط في حجية الإجماع أن يبلغ عدد المجمعين حد التواتر","level":4,"page":304},{"title":"المسألة السابعة: إذا لم يوجد في العصر إلا اثنان من المجتهدين فإن اتفاقهما يعتبر إجماعا","level":4,"page":305},{"title":"المسألة الثامنة: إذا لم يوجد في العصر إلا مجتهد واحد فإن قوله لا يعتبر إجماعا","level":4,"page":305},{"title":"المسألة التاسعة: العدالة تشترط في المجتهدين في الإجماع، فلا يقبل قول المجتهد الفاسق في الإجماع مطلقا","level":4,"page":306},{"title":"المسألة العاشرة: لا يعتبر قول العامي في الإجماع","level":4,"page":306},{"title":"المسألة الحادية عشرة: العالم بأصول الفقه دون الفروع","level":4,"page":307},{"title":"المسألة الثانية عشر: انقراض أهل العصر","level":4,"page":308},{"title":"المسألة الثالثة عشرة: إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة بعد اتفاقهم","level":4,"page":309},{"title":"المسألة الرابعة عشرة: يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين","level":4,"page":310},{"title":"المسألة الخامسة عشرة: اتفاق الأكثر ليس بإجماع","level":4,"page":310},{"title":"المسألة السادسة عشرة: يشترط في الإجماع وحجيته أن يكون له مستند ودليل يوجب ذلك الإجماع","level":4,"page":311},{"title":"المسألة السابعة عشرة: يجوز أن يكون مستند الإجماع دليلا قطعيا من الكتاب والسنة","level":4,"page":311},{"title":"المسألة الثامنة عشرة: الدليل الظني يصلح أن يكون مستندا للإجماع؛ قياسا على الدليل القطعي","level":4,"page":312},{"title":"المسألة التاسعة عشرة: لا يشترط نقل الإجماع بالتواتر","level":4,"page":312},{"title":"المسألة العشرون: إذا اختلف الصحابة على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما","level":4,"page":312},{"title":"المسألة الواحدة والعشرون: يجوز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد اختلافهم في ذلك الحكم","level":4,"page":313},{"title":"المسألة الثانية والعشرون: إذا اختلف الصحابة على قولين فإنه لا يجوز إحداث قول ثالث","level":4,"page":313},{"title":"المسألة الثالثة والعشرون: إذا استدل علماء العصر بدليل","level":4,"page":314},{"title":"المسألة الرابعة والعشرون: يجوز وجود خبر أو دليل راجح","level":4,"page":315},{"title":"المسألة الخامسة والعشرون: الإجماع السكوتي","level":4,"page":315},{"title":"المسألة السادسة والعشرون: إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة","level":4,"page":316},{"title":"المسألة السابعة والعشرون: اتفاق الخلفاء الأربعة، أو اتفاق أبي بكر وعمر، أو اتفاق أهل المدينة، أو اتفاق أهل البيت والعترة ليس بحجة","level":4,"page":317},{"title":"الدليل الرابع القياس","level":3,"page":318},{"title":"المسألة الأولى: القياس هو","level":4,"page":318},{"title":"المسألة الثانية: أركان القياس","level":4,"page":318},{"title":"المسألة الثالثة: القياس حجة","level":4,"page":319},{"title":"المسألة الرابعة: التنصيص على العلة يوجب الإلحاق عن طريق القياس لا عن طريق اللفظ فقط","level":4,"page":322},{"title":"المسألة الخامسة: يجوز القياس في العقوبات كالحدود والكفارات","level":4,"page":322},{"title":"المسألة السادسة: يجوز القياس في المقدرات","level":4,"page":323},{"title":"المسألة السابعة: يجوز القياس في الأبدال","level":4,"page":324},{"title":"المسألة الثامنة: يجوز إثبات الرخص بالقياس","level":4,"page":324},{"title":"المسألة التاسعة: يجوز القياس في فروع العبادات لا في أصولها","level":4,"page":325},{"title":"المسألة العاشرة: يجوز إثبات اللغة بالقياس","level":4,"page":325},{"title":"المسألة الحادية عشرة: لا يجوز القياس في العاديات","level":4,"page":326},{"title":"المسألة الثانية عشرة: القياس لا يجري في جميع الأحكام الشرعية","level":4,"page":326},{"title":"المسألة الثالثة عشرة: الأمور التي لا يتعلق بها عمل كدخول النبي - ﷺ - مكة عنوة","level":4,"page":327},{"title":"المسألة الرابعة عشرة: أن القياس يسمى دينا","level":4,"page":327},{"title":"المسألة الخامسة عشرة: حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالعلة","level":4,"page":328},{"title":"المسألة السادسة عشرة: يشترط في حكم الأصل","level":4,"page":328},{"title":"المسألة السابعة عشرة: يشترط في حكم الأصل الذي قصد تعديته إلى الفرع","level":4,"page":329},{"title":"المسألة الثامنة عشرة: يشترط في القياس","level":4,"page":329},{"title":"المسألة التاسعة عشرة: يشترط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولا بعمومه حكم الفرع","level":4,"page":329},{"title":"المسألة العشرون: لا يشترط في الأصل: أن يقوم دليل على جواز القياس عليه","level":4,"page":329},{"title":"المسألة الواحدة والعشرون: لا يشترط في الأصل: أن يكون قد اتفق العلماء على أن حكمه معلل","level":4,"page":330},{"title":"المسألة الثانية والعشرون: يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين","level":4,"page":331},{"title":"المسألة الثالثة والعشرون: يشترط كون حكم الأصل معللا بعلة معينة قد صرح بها","level":4,"page":331},{"title":"المسألة الرابعة والعشرون: يجوز القياس على أصل ثبت بالنص","level":4,"page":331},{"title":"المسألة الخامسة والعشرون: يجوز القياس على أصل ثبت بالإجماع","level":4,"page":332},{"title":"المسألة السادسة والعشرون: يكفي اتفاق الخصمين على حكم الأصل المقيس عليه","level":4,"page":332},{"title":"المسألة السابعة والعشرون: لا يجوز القياس على أصل ثبت بالقياس","level":4,"page":333},{"title":"المسألة الثامنة والعشرون: يجوز القياس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس","level":4,"page":334},{"title":"المسألة التاسعة والعشرون: يشترط كون العلة الموجودة في الفرع","level":4,"page":335},{"title":"المسألة الثلاثون: يشترط في الفرع: أن يكون خاليا عن نص، أو إجماع ينافي حكم القياس","level":4,"page":335},{"title":"المسألة الواحدة والثلاثون: إذا وجد نص أو إجماع في حكم الفرع موافق للقياس","level":4,"page":336},{"title":"المسألة الثانية والثلاثون: يكفي ظن وجود العلة في الفرع","level":4,"page":336},{"title":"المسألة الثالثة والثلاثون: لا يشترط في الفرع أن يكون مما ثبت بالنص جملة","level":4,"page":337},{"title":"المسألة الرابعة والثلاثون: مسالك العلة، أو طرق ثبوت العلة هي","level":4,"page":337},{"title":"المسألة الخامسة والثلاثون: يشترط أن تكون العلة مشتملة على حكمة قصدها الشارع.","level":4,"page":350},{"title":"المسألة السادسة والثلاثون: يشترط أن تكون العلة ظاهرة جلية","level":4,"page":351},{"title":"المسألة السابعة والثلاثون: يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي","level":4,"page":351},{"title":"المسألة الثامنة والثلاثون: لا يجوز التعليل بالحكمة","level":4,"page":352},{"title":"المسألة التاسعة والثلاثون: يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء","level":4,"page":352},{"title":"المسألة الأربعون: يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر مطلقا","level":4,"page":353},{"title":"المسألة الواحدة والأربعون: يجوز تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة","level":4,"page":353},{"title":"المسألة الثانية والأربعون: يشترط في الوصف المستنبط المعلل به أن لا يرجع على الأصل بإبطاله","level":4,"page":354},{"title":"المسألة الثالثة والأربعون: لا يجوز التعليل بالاسم المجرد","level":4,"page":355},{"title":"المسألة الرابعة والأربعون: يجوز التعليل بالوصف العرفي","level":4,"page":355},{"title":"المسألة الخامسة والأربعون: العلة المتعدية هي: ما ثبت وجودها في الأصل والفرع","level":4,"page":356},{"title":"المسألة السادسة والأربعون: فوائد التعليل بالعلة القاصرة.","level":4,"page":357},{"title":"القسم الثاني الأدلة المختلف فيها","level":2,"page":359},{"title":"الدليل الأول الاستصحاب","level":3,"page":360},{"title":"المسألة الأولى: الاستصحاب هو","level":4,"page":360},{"title":"المسألة الثانية: أنواع الاستصحاب","level":4,"page":360},{"title":"المسألة الثالثة: جميع أنواع الاستصحاب السابقة حجة في ثبوت الأحكام وعدمها","level":4,"page":361},{"title":"المسألة الرابعة: النافي للحكم يلزمه الدليل ويطالب به","level":4,"page":362},{"title":"الدليل الثاني شرع من قبلنا","level":3,"page":363},{"title":"المسألة الأولى: المراد بشرع من قبلنا هو","level":4,"page":363},{"title":"المسألة الثانية: ما أورده الله تعالى في كتابه، أو أورده رسول - ﷺ - في سنته","level":4,"page":363},{"title":"الدليل الثالث قول الصحابي","level":3,"page":365},{"title":"المسألة الأولى: المراد بقول الصحابي","level":4,"page":365},{"title":"المسألة الثانية: إذا قال صحابي رأيا، ولم يرجع عنه ولم يخالف فيه قول صحابي آخر","level":4,"page":365},{"title":"المسألة الثالثة: إذا قال صحابي قولا في مسألة اجتهادية، ولم يخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر في بقية الصحابة","level":4,"page":366},{"title":"الدليل الرابع الاستحسان","level":3,"page":368},{"title":"المسألة الأولى: الاستحسان هو","level":4,"page":368},{"title":"المسألة الثانية: أنواع الاستحسان","level":4,"page":368},{"title":"المسألة الثالثة: الاستحسان بذلك التعريف حجة باتفاق العلماء","level":4,"page":370},{"title":"الدليل الخامس المصلحة المرسلة","level":3,"page":371},{"title":"المسألة الأولى: المصلحة المرسلة هي","level":4,"page":371},{"title":"المسألة الثانية: أقسام المصالح باعتبار أهميتها","level":4,"page":371},{"title":"المسألة الثالثة: أقسام المصالح من حيث اعتبار الشارع لها وعدم ذلك","level":4,"page":373},{"title":"المسألة الرابعة: المصلحة المعتبرة حجة بالاتفاق","level":4,"page":374},{"title":"الدليل السادس سد الذرائع","level":3,"page":376},{"title":"المسألة الأولى: الذرائع","level":4,"page":376},{"title":"المسألة الثانية: سد الذرائع حجة يعمل به","level":4,"page":376},{"title":"الدليل السابع العرف","level":3,"page":378},{"title":"المسألة الأولى: العرف هو","level":4,"page":378},{"title":"المسألة الثانية: العرف من حيث مصدره ثلاثة أقسام هي","level":4,"page":378},{"title":"المسألة الثالثة: العرف من حيث سببه ومتعلقه قسمان هما:","level":4,"page":379},{"title":"المسألة الرابعة: العرف حجة، ودليل شرعي تثبت به الأحكام الشرعية بشروط هي:","level":4,"page":379},{"title":"الدليل الثامن الاستقراء","level":3,"page":381},{"title":"المسألة الأولى: الاستقراء هو","level":4,"page":381},{"title":"المسألة الثانية: الاستقراء نوعان:","level":4,"page":381},{"title":"المسألة الثالثة: الاستقراء التام حجة اتفاقا","level":4,"page":381},{"title":"الفصل الرابع في الاجتهاد","level":1,"page":383},{"title":"المسألة الأولى: الاجتهاد هو","level":2,"page":383},{"title":"المسألة الثانية: الاجتهاد يكون في الظنيات فقط","level":2,"page":383},{"title":"المسألة الثالثة: شروط المجتهد هي:","level":2,"page":384},{"title":"المسألة الرابعة: الاجتهاد يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، ويكون مندوبا، ويكون محرما","level":2,"page":386},{"title":"المسألة الخامسة: يجوز تجزؤ الاجتهاد","level":2,"page":387},{"title":"المسألة السادسة: يجوز الاجتهاد في زمان النبي - ﷺ","level":2,"page":388},{"title":"المسألة السابعة: يجوز الاجتهاد للنبي - ﷺ -","level":2,"page":388},{"title":"المسألة الثامنة: يجوز الخطأ فى اجتهاده - ﷺ -،","level":2,"page":389},{"title":"المسألة التاسعة: المصيب واحد من المجتهدين في الفروع","level":2,"page":390},{"title":"المسألة العاشرة: إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز عن الترجيح","level":2,"page":391},{"title":"المسألة الحادية عشرة: لا يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والتحليل في وقت واحد","level":2,"page":392},{"title":"المسألة الثانية عشرة: المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم كلها حاصلة عنده","level":2,"page":392},{"title":"المسألة الثالثة عشرة: إذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل هذا الحكم بعلة توجد في مسائل أخرى","level":2,"page":393},{"title":"المسألة الرابعة عشرة: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر علة ذلك الحكم","level":2,"page":393},{"title":"المسألة الخامسة عشرة: إذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص في مسألة أخرى تشبهها على حكم آخر","level":2,"page":394},{"title":"المسألة السادسة عشرة: إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة حكمان مختلفان كالتحريم والإباحة","level":2,"page":394},{"title":"الفصل الخامس في التقليد","level":1,"page":396},{"title":"المسألة الأولى: التقليد هو","level":2,"page":396},{"title":"المسألة الثانية: لا يجوز التقليد في أصول الدين","level":2,"page":396},{"title":"المسألة الثالثة: لا يجوز التقليد في أركان الإسلام إجمالا","level":2,"page":397},{"title":"المسألة الرابعة: يجوز تقليد العامي للعالم في فروع الدين","level":2,"page":397},{"title":"المسألة الخامسة: طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه.","level":2,"page":398},{"title":"المسألة السادسة: مجهول الحال في العلم لا يجوز تقليده، ولا العمل بفتواه","level":2,"page":398},{"title":"المسألة السابعة: إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر فللعامي أن يسأل من شاء","level":2,"page":399},{"title":"المسألة الثامنة: إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثة","level":2,"page":399},{"title":"المسألة التاسعة: إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهما في جميع الأحوال","level":2,"page":400},{"title":"الفصل السادس في التعارض والجمع والترجيح","level":1,"page":401},{"title":"المسألة الأولى: التعارض هو","level":2,"page":401},{"title":"المسألة الثانية: شروط التعارض هي:","level":2,"page":401},{"title":"المسألة الثالثة: إذا ثبت تعارض دليلين","level":2,"page":402},{"title":"المسألة الرابعة: الترجيح","level":2,"page":402},{"title":"المسألة الخامسة: لا يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين سواء كانا نقليين، أو عقليين","level":2,"page":402},{"title":"المسألة السادسة: يجب العمل بالراجح من الدليلين المتعارضين","level":2,"page":403},{"title":"المسألة السابعة: يجوز الترجيح بكثرة الأدلة","level":2,"page":403},{"title":"المسألة الثامنة: طرق الترجيح بين منقولين.","level":2,"page":404},{"title":"المسألة التاسعة: طرق الترجيح بين معقولين","level":2,"page":411},{"title":"المسألة العاشرة: الترجيح بين المنقول والقياس.","level":2,"page":414}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,61":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,85":77,"1,87":78,"1,89":79,"1,90":80,"1,91":81,"1,92":82,"1,93":83,"1,94":84,"1,95":85,"1,96":86,"1,97":87,"1,98":88,"1,99":89,"1,100":90,"1,101":91,"1,102":92,"1,103":93,"1,104":94,"1,105":95,"1,106":96,"1,107":97,"1,108":98,"1,109":99,"1,110":100,"1,111":101,"1,112":102,"1,113":103,"1,114":104,"1,115":105,"1,116":106,"1,117":107,"1,118":108,"1,119":109,"1,120":110,"1,121":111,"1,122":112,"1,123":113,"1,124":114,"1,125":115,"1,126":116,"1,127":117,"1,128":118,"1,129":119,"1,130":120,"1,131":121,"1,132":122,"1,133":123,"1,134":124,"1,135":125,"1,136":126,"1,137":127,"1,138":128,"1,139":129,"1,141":130,"1,142":131,"1,143":132,"1,144":133,"1,145":134,"1,146":135,"1,147":136,"1,148":137,"1,149":138,"1,150":139,"1,151":140,"1,152":141,"1,153":142,"1,154":143,"1,155":144,"1,156":145,"1,157":146,"1,158":147,"1,159":148,"1,160":149,"1,161":150,"1,162":151,"1,163":152,"1,164":153,"1,165":154,"1,166":155,"1,167":156,"1,168":157,"1,169":158,"1,170":159,"1,171":160,"1,172":161,"1,173":162,"1,174":163,"1,175":164,"1,176":165,"1,177":166,"1,178":167,"1,179":168,"1,180":169,"1,181":170,"1,182":171,"1,183":172,"1,184":173,"1,185":174,"1,186":175,"1,187":176,"1,188":177,"1,189":178,"1,190":179,"1,191":180,"1,192":181,"1,193":182,"1,194":183,"1,195":184,"1,196":185,"1,197":186,"1,198":187,"1,199":188,"1,200":189,"1,201":190,"1,202":191,"1,203":192,"1,204":193,"1,205":194,"1,206":195,"1,207":196,"1,208":197,"1,209":198,"1,210":199,"1,211":200,"1,212":201,"1,213":202,"1,214":203,"1,215":204,"1,216":205,"1,217":206,"1,218":207,"1,219":208,"1,220":209,"1,221":210,"1,222":211,"1,223":212,"1,224":213,"1,225":214,"1,226":215,"1,227":216,"1,228":217,"1,229":218,"1,230":219,"1,231":220,"1,232":221,"1,233":222,"1,234":223,"1,235":224,"1,236":225,"1,237":226,"1,238":227,"1,239":228,"1,240":229,"1,241":230,"1,242":231,"1,243":232,"1,244":233,"1,245":234,"1,246":235,"1,247":236,"1,248":237,"1,249":238,"1,250":239,"1,251":240,"1,252":241,"1,253":242,"1,254":243,"1,255":244,"1,256":245,"1,257":246,"1,258":247,"1,259":248,"1,260":249,"1,261":250,"1,262":251,"1,263":252,"1,264":253,"1,265":254,"1,266":255,"1,267":256,"1,268":257,"1,269":258,"1,270":259,"1,271":260,"1,272":261,"1,273":262,"1,274":263,"1,275":264,"1,276":265,"1,277":266,"1,278":267,"1,279":268,"1,280":269,"1,281":270,"1,282":271,"1,283":272,"1,284":273,"1,285":274,"1,286":275,"1,287":276,"1,288":277,"1,289":278,"1,290":279,"1,291":280,"1,292":281,"1,293":282,"1,294":283,"1,295":284,"1,297":285,"1,299":286,"1,300":287,"1,301":288,"1,302":289,"1,303":290,"1,304":291,"1,305":292,"1,306":293,"1,307":294,"1,308":295,"1,309":296,"1,310":297,"1,311":298,"1,312":299,"1,313":300,"1,314":301,"1,315":302,"1,316":303,"1,317":304,"1,318":305,"1,319":306,"1,320":307,"1,321":308,"1,322":309,"1,323":310,"1,324":311,"1,325":312,"1,326":313,"1,327":314,"1,328":315,"1,329":316,"1,330":317,"1,331":318,"1,332":319,"1,333":320,"1,334":321,"1,335":322,"1,336":323,"1,337":324,"1,338":325,"1,339":326,"1,340":327,"1,341":328,"1,342":329,"1,343":330,"1,344":331,"1,345":332,"1,346":333,"1,347":334,"1,348":335,"1,349":336,"1,350":337,"1,351":338,"1,352":339,"1,353":340,"1,354":341,"1,355":342,"1,356":343,"1,357":344,"1,358":345,"1,359":346,"1,360":347,"1,361":348,"1,362":349,"1,363":350,"1,364":351,"1,365":352,"1,366":353,"1,367":354,"1,368":355,"1,369":356,"1,370":357,"1,371":358,"1,373":359,"1,375":360,"1,376":361,"1,377":362,"1,378":363,"1,379":364,"1,380":365,"1,381":366,"1,382":367,"1,383":368,"1,384":369,"1,385":370,"1,386":371,"1,387":372,"1,388":373,"1,389":374,"1,390":375,"1,391":376,"1,392":377,"1,393":378,"1,394":379,"1,395":380,"1,396":381,"1,397":382,"1,398":383,"1,399":384,"1,400":385,"1,401":386,"1,402":387,"1,403":388,"1,404":389,"1,405":390,"1,406":391,"1,407":392,"1,408":393,"1,409":394,"1,410":395,"1,411":396,"1,412":397,"1,413":398,"1,414":399,"1,415":400,"1,416":401,"1,417":402,"1,418":403,"1,419":404,"1,420":405,"1,421":406,"1,422":407,"1,423":408,"1,424":409,"1,425":410,"1,426":411,"1,427":412,"1,428":413,"1,429":414,"1,430":415},"ٜ":{"1":[5,430]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,61","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,85","1,87","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,297","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,373","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430"],"ٞ":{"2":[1],"7":[2,3],"8":[4,5],"9":[6,7,8],"10":[9,10],"11":[11],"15":[12],"17":[13],"18":[14],"32":[15],"36":[16],"40":[17],"43":[18],"55":[19],"56":[20],"66":[21],"69":[22],"72":[23],"77":[24],"78":[25],"79":[26,27,28],"80":[29,30],"81":[31,32],"82":[33],"83":[34],"85":[35],"86":[36,37,38],"87":[39,40],"88":[41,42],"89":[43,44],"90":[45,46],"91":[47],"94":[48],"95":[49,50],"96":[51,52],"98":[53,54,55],"99":[56,57,58,59],"100":[60,61],"101":[62],"102":[63,64],"103":[65,66],"105":[67,68],"106":[69,70],"107":[71],"108":[72,73],"109":[74,75,76],"110":[77],"113":[78],"119":[79],"120":[80],"121":[81,82],"122":[83,84],"123":[85],"124":[86],"125":[87,88],"126":[89],"127":[90],"129":[91],"130":[92,93],"131":[94,95],"132":[96],"133":[97,98],"134":[99,100],"135":[101],"136":[102],"137":[103,104],"138":[105,106],"139":[107],"140":[108],"141":[109,110,111],"142":[112,113],"143":[114,115,116],"144":[117,118,119],"145":[120,121],"146":[122,123],"147":[124],"148":[125,126,127],"150":[128],"152":[129],"154":[130],"156":[131],"161":[132],"165":[133],"167":[134],"169":[135],"172":[136],"180":[137],"182":[138],"183":[139],"186":[140],"189":[141],"195":[142],"205":[143],"224":[144],"230":[145],"252":[146],"276":[147],"281":[148],"285":[149],"302":[150,151,152],"303":[153,154,155],"304":[156],"305":[157,158],"306":[159,160],"307":[161],"308":[162],"309":[163],"310":[164,165],"311":[166,167],"312":[168,169,170],"313":[171,172],"314":[173],"315":[174,175],"316":[176],"317":[177],"318":[178,179,180],"319":[181],"322":[182,183],"323":[184],"324":[185,186],"325":[187,188],"326":[189,190],"327":[191,192],"328":[193,194],"329":[195,196,197,198],"330":[199],"331":[200,201,202],"332":[203,204],"333":[205],"334":[206],"335":[207,208],"336":[209,210],"337":[211,212],"350":[213],"351":[214,215],"352":[216,217],"353":[218,219],"354":[220],"355":[221,222],"356":[223],"357":[224],"359":[225],"360":[226,227,228],"361":[229],"362":[230],"363":[231,232,233],"365":[234,235,236],"366":[237],"368":[238,239,240],"370":[241],"371":[242,243,244],"373":[245],"374":[246],"376":[247,248,249],"378":[250,251,252],"379":[253,254],"381":[255,256,257,258],"383":[259,260,261],"384":[262],"386":[263],"387":[264],"388":[265,266],"389":[267],"390":[268],"391":[269],"392":[270,271],"393":[272,273],"394":[274,275],"396":[276,277,278],"397":[279,280],"398":[281,282],"399":[283,284],"400":[285],"401":[286,287,288],"402":[289,290,291],"403":[292,293],"404":[294],"411":[295],"414":[296]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح]ـ\nالمؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة\nالناشر: مكتبة الرشد - الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م\nعدد الأجزاء: ١\nأعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد:\nفإنه بعد أن صنفت كتاب: \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر في أصول الفقه \" وطبع في ثمانية مجلدات، وصنفت كتاب: \" المهذب في أصول الفقه المقارن \" وطبع في خمسة مجلدات، وشرحتهما لطلاب الجامعة، وطلاب الدراسات العليا في كلية الشريعة، والمعهد العالي للقضاء، وكلية التربية للبنات، وكنت قد أكثرت في هذين الكتابين من المسائل الخلافية؛ حيث أني أذكر مذاهب العلماء في كل مسألة، وأدلة كل مذهب، والترجيح ومناقشة المذهب المرجوح.\nبعد ذلك طلب مني كثير من طلاب العلم أن أصنّف كتابًا يجمع مسائل أصول الفقه بدون التطويل بذكر المذاهب حتى يكون مفيدًا للطالب المبتدي وتذكيرًا للطالب المنتهي، وقالوا في تعليل هذا الطلب: إن المختصرات الموجودة في هذا الفن لم تذكر إلا اليسير النادر من مسائل أصول الفقه، وإذا ذكرها أحدهم فإما أن يذكر أدلة على ما قال أو لا.","vol":"1","page":5},{"text":"فإن كان من الذاكرين للأدلة، فإنه يصعب علينا فهمها.\nوإن كان من غير الذاكرين للأدلة: فإنه يصعب فهم المسألة بدون أدلة.\nفأجبت لهم طلبهم؛ لأن الشارع قد أمرنا ببيان الشريعة للناس، وكشف الشبه والالتباس، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فوجب علي أن أجيبهم، فقمت بتأليف هذا الكتاب؛ إجابة لطلب هؤلاء الطلاب؛ رجاء الأجر والمثوبة، ولتكثير طرق الخير ونشره، لأنه كلما كثر التأليف كلما كثرت طرق تعلمه، لأن بعض الطلاب قد يفهم المراد من كتاب دون كتاب آخر مع أنهما في نفس الفن.\nوجعلته - أي هذا الكتاب - في ستة فصول.\nالفصل الأول: في المقدمات.\nالفصل الثاني: في الحكم الشرعي.\nالفصل الثالث: في أدلة الأحكام الشرعية.\nالفصل الرابع: في الاجتهاد.\nالفصل الخامس: في التقليد.\nالفصل السادس: في التعارض والترجيح.\nفتكلمت في الفصل الأول - الذي هو في المقدِّمات - عن تعريف أصول الفقه، والفرق بينه وبين الفقه، والفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، وموضوع أصول الفقه، وحكم تعلمه، وفوائده، وأيهما الذي يقدم في التعلم: أصول الفقه أو الفقه؟ ومصادر أصول الفقه، ونشأته، وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقه.","vol":"1","page":6},{"text":"وتكلمت في الفصل الثاني - الذي هو في الحكم الشرعي - عن تعريف الحكم الشرعي، وتقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي، وعرَّفت كل نوع من أنواع الحكم التكليفي وهي: الواجب والمندوب، والمباح والمكروه، والحرام، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع من المسائل بالتفصيل، وبينت التكليف وشروطه وما يتعلق به.\nوعرَّفت كل نوع من أنواع الحكم الوضعي، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والعزيمة، والرخصة، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع من المسائل بالتفصيل.\nثم فرَّقت بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي من وجوه.\nوتكلمت في الفصل الثالث - الذي هو في أدلة الأحكام الشرعية - عن الأدلة المتَّفَق عليها، والأدلة المختلف فيها.\nفذكرت الدليل الأول وهو الكتاب، وما يتعلق به من مسائل.\nوذكرت الدليل الثاني وهو السنة وما يتعلق به من مسائل.\nثم ذكرت ما يشترك فيه الكتاب والسنة وهو: النسخ والألفاظ ودلالتها على الأحكام.\nفبدأت بذكر النسخ وما يتعلق به من مسائل.\nوفضلت في ذكر الألفاظ ودلالتها على الأحكام فتكلَّمت عن اللغات والاشتقاق، والاشتراك، والترادف، والتأكيد، والتابع، والحقيقة، والمجاز، والنص، والظاهر، والتأويل، والمجمل، والمبين، والبيان، وحروف المعاني، والأمر والنهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع مما سبق من المسائل بالتفصيل.","vol":"1","page":7},{"text":"ْثم ذكرت الدليل الثالث - وهو الإجماع - وما يتعلق به من مسائل.\nثم ذكرت الدليل الرابع - وهو القياس - وما يتعلق به من مسائل.\nثم تكلمت عن الأدلة المختلف فيها وهي: الاستصحاب،\nوشرع مَن قبلنا، وقول الصحابي والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والعُرف، والاستقراء.\nثم تكلَّمت في الفصل الرابع - عن الاجتهاد - وذكرت ما يتعلق به من مسائل بالتفصيل.\nوكذلك فعلت في الفصل الخامس - الذي هو في التقليد -، وفي الفصل السادس الذي هو في التعارض والترجيح.\nهذا ما وضعته في هذا الكتاب، وقد سلكت فيه المنهج التالي:\nأولًا: جمعت كل مسائل أصول الفقه في هذا الكتاب.\nثانيًا: أذكر المسألة والمذهب الراجح فيها فقط، وأستدل لذلك بدليل أو دليلين أو أكثر.\nثالثًا: أذكر مثالًا أو مثالين يتبين فيهما تطبيق هذا المذهب من الفروع الفقهية.\nرابعًا: أشير في الهامش إلى أن من أراد التوسع في معرفة المذاهب الأخرى فليراجع كتبي الأخرى، سواء كانت عامة لجميع مسائل أصول الفقه مثل كتاب: \" إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر \"، وكتاب: \" المهذب في أصول الفقه المقارن \".","vol":"1","page":8},{"text":"أو كانت خاصة في بعض موضوعات ومسائل أصول الفقه مثل: \" كتاب الواجب الموسع عند الأصوليين \"، و\" الخلاف اللفظي عند الأصوليين \"، و\" أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه \"، و\" مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف \"، و\" الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام \"، و\" الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس \"، و\" إثبات العقوبات بالقياس \".\nخامسًا: كتبت هذا الكتاب بأسلوب عصري مفهوم.\nهذا ما فعلته في هذا الكتاب وقد سمَّيته بـ \" الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقها على المذهب الراجح \"، أرجو أن يكون كما سمَّيته.\nوأخيرًا: لا أدعي أني أصبت في كل ما كتبت، لأن الكمال لله وحده، ويكفيني أني لم أقصد بهذا المصنف إلا نفع طلاب العلم، وإعانتهم على فهم مسائل أصول الفقه، وأسأل الله العلي القدير أن ينفع به مؤلفه، وقارئه، ومن أعان على نشره، وأن يجعله مقرِّبًا إلى الله مبلغًا إلى رضوانه، إنه سميع مجيب.\nوصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.\nكتبه\nأ. د. عبد الكريم بن علي بن محمد النملة\nالأستاد في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول\nفي المقدِّمات</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المسألة الأولى:\nتعريف أصول الفقه:</span>\nالأصول: جمع أصل، والأصل لغة، ما يُبنى عليه غيره؛ لأن الأصل هو أسفل الشيء وأساسه، ولا شك أن أسفل الشيء وأساسه هو الذي يعتمد عليه في البناء.\nوالأصل اصطلاحًا هو: الدليل، لمناسبته وموافقته لمعناه لغة، وهو: ما يُبنى عليه غيره؛ حيث إن الدليل يبنى عليه الحكم، فأصول الفقه هي: أدلة الفقه.\nوالفقه: لغة هو: الفهم مطلقًا، لوروده ووقوعه في القرآن، كقوله تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ)، وقوله: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) (٧٨).","vol":"1","page":11},{"text":"والفقه اصطلاحًا هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية.\nوأصول الفقه هو: معرفة أدلة الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المسألة الثانية:\nالفرق بين أصول الفقه والفقه </span>هو: أن أصول الفقه يكون في البحث عن أدلة الفقه الإجمالية بالتفصيل، فهو عبارة عن المناهج والأسس التي يجب أن يسلكها ويتَّبعها الفقيه.\nأما الفقه: فهو يبحث في العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة من أدلتها التفصيلية، فهو عبارة عن استخراج الأحكام من الأدلة التفصيلية مع التقيد بتلك المناهج. فأصول الفقه بالنسبة للفقه كعلم المنطق بالنسبة لسائر العلوم الفلسفية، حيث إنه ميزان يضبط العقل، ويمنعه من الخطأ في التفكير.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المسألة الثالثة:\nأهم الفروق بين القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية</span>، هي كما يلي:\nالأول: إن القواعد الأصولية كلية تضم جميع جزئياتها، بخلاف القواعد الفقهية؛ حيث إنها أغلبية.\nالثاني: أن القواعد الأصولية أدلة للأحكام الشرعية، بخلاف القواعد الفقهية، حيث إنها مجموعة من الأحكام المتشابهة ترجع إلى علة واحدة تجمعها، والغرض منها هو تسهيل المسائل الفقهية فقط.","vol":"1","page":12},{"text":"الثالث: إن القواعد الأصولية قد وجدت قبل الفروع، بخلاف القواعد الفقهية فإنها قد وجدت بعد وجود الفروع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المسألة الرابعة:\nموضوع أصول الفقه: </span>هو الأدلة الإجمالية الموصلة إلى الأحكام الشرعية العملية وأقسامها، واختلاف مراتبها وكيفية أخذ الأحكام الشرعية على وجه كلي، فيبحث الأصولي عن العوارض اللاحقة لهذه الأدلة من كونها عامة، أو خاصة، أو مطلقة، أو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو منطوقًا، أو مفهومًا وهكذا.\nوليس موضوع أصول الفقه الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابعة له.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المسألة الخامسة:\nتعلم أصول الفقه فرض عين بالنسبة لمن يريد بتعلم هذه الشريعة الوصول إلى درجة الاجتهاد</span>، وذلك ليقدر بواسطة تعلم هذا العلم على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وهو فرض كفاية لطالب العلم بصورة عامة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المسألة السادسة:\nفوائد علم أصول الفقه </span>هي:\nالأولى: تعلم طرق استنباط الأحكام للحوادث المتجددة. الثانية: أن من تعلمه فإنه يكون قادرًا على الدفاع عن وجهة نظر إمامه؛ حيث إنه بتعلمه لأصول الفقه قد اطلع على مأخذ إمامه وقواعده التي اعتمد عليها ذلك الإمام.\nالثالثة: أن العارف بالحكم وأدلة هذا الحكم أعظم أجرًا من الذي يعلم الحكم بدون أدلته.","vol":"1","page":13},{"text":"الرابعة: أن العارف بالقواعد الأصولية يستطيع أن يدعو إلى الله وإلى دينه بأسلوب مقنع.\nالخامسة: أن العارف بتلك القواعد يستطيع أن يبين لأعداء الإسلام أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.\nالسادسة: أنه لا يمكن لأي شخص أن يقوم بتفسير القرآن أو شرح الأحاديث إلا إذا كان عالمًا بأصول الفقه؛ حيث لا يمكنه معرفة دلالة النص هل هي قطعية أو ظنية، أو أي نوع من أنواع الدلالات إلا بعد معرفته بأصول الفقه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المسألة السابعة:\nيقدَّم تعلم أصول الفقه على تعلم الفقه: </span>وذلك ليكون المتعلم على ثقة مما يدخل فيه، ويكون قادرًا على فهم مرامي جزئيات الفقه، فالفروع لا تدرك إلا بأصولها، والنتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها، وعلى هذا ينبغي أن تحفظ الأدلة، وتحكم الأصول، ثم حينئذِ تبنى عليها الفروع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المسألة الثامنة:\nالمصادر التي استمد منها علم أصول الفقه مادته ثلاثة:</span>\nالأول: أصول الدين - وهو علم الكلام - وسبب استمداده من هذا العلم هو: توقف الأدلة الشرعية على معرفة البارئ ﷿، وصدق الرسول - ﷺ - المبلغ عنه فيما قال لتعلم حجيتها وإفادتها للأحكام الشرعية.\nواستمد منه مسائل مثل: مسألة الحاكم، والتحسين والتقبيح العقليين، والتكليف بما لا يطاق، وتكليف المعدوم ونحوها.","vol":"1","page":14},{"text":"الثاني: علم اللغة العربية، وسبب استمداده من هذا العلم هو: أن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - قد نزلا بلغة العرب، فمحتاج إلى معرفة قدر كبير من اللغة العربية ليستطيع معرفة دلالة الأدلة وفهمها وإدراك معانيها.\nواستمد منه كثيرًا من المسائل ومنها: الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، ومعاني الحروف، والحقيقة والمجاز والاستثناء، والمنطوق والمفهوم، ونحو ذلك.\nالثالث: الأحكام الشرعية، وسبب استمداده من هذا العلم هو: أن المقصود من هذا العلم إثبات الأحكام الشرعية، فلا بد للأصولي من معرفة قدرًا من الفقه والأحكام الشرعية ليتمكن به إيضاح المسائل الأصولية، وتصويرها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المسألة التاسعة:\nنشأة علم أصول الفقه وطرق التأليف فيه:</span>\nكان الصحابة - ﵃ في زمن النبي - ﷺ - يرجعون إليه في بيان أحكام الحوادث التي تنزل بهم، فلما توفي - ﷺ - كان الصحابة يأخذون حكم حوادثهم ونوازلهم من الكتاب والسنة، فإذا لم يجدوا حكمها فيهما، اجتهدوا وأخذوا الحكم عن طريق الاجتهاد بأنواعه، ونهج التابعون ذلك، وزادوا أخذهم بفتاوى الصحابة واجتهاداتهم.\nثم بعد ذلك كثر الاجتهاد، وكثرت طرقه، ثم أصبح لكل إمام قواعد قد اعتمدها في الفتوى والاجتهاد، وهؤلاء الأئمة لم يدونوا تلك القواعد التي اعتمدوها في اجتهاداتهم سوى الإمام الشافعي، فقد دوَّنها في كتابه: \" الرسالة \"، فنبه الشافعي أنظار","vol":"1","page":15},{"text":"العلماء والباحثين إلى متابعة البحث في هذا العلم، حتى أصبح علم أصول الفقه علمًا مستقلًا رُتبت أبوابه، وحُررت مسائله، وجُمعت مباحثه، وأُلفت فيه المؤلفات على اختلاف فى الطرق التي اتبعوها في التأليف.\nوإليك ذكر طرق التأليف في هذا العلم ومميزات كل واحدة. الطريقة الأولى: طريقة الحنفية، وتتميز بأنها تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من الفروع والفتاوى الصادرة عن أئمة الحنفية المتقدمين كأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف وابن أبي ليلى، وزُفر.\nوسميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء، لأنها أمس بالفقه وأليق بالفروع، ومن أهم كتب هذه الطريقة: الفصول في الأصول للجصاص، وتقويم الأدلة للدبوسي، وأصول البزدوي، وأصول السرخسي، ومسائل الخلاف للصيمري، وميزان الأصول للسمرقندي.\nالطريقة الثانية: طريقة الجمهور - وهم المالكية، والشافعية، والحنابلة، والمعتزلة -، وتتميز بالميل الشديد إلى الاستدلال العقلي، والبسط في الجدل والمناظرات وتجريد المسائل الأصولية عن الفروع الفقهية، ومن أهم كتب هذه الطريقة:\n١ - كتب مالكية: التقريب والإرشاد للباقلاني، وأحكام الفصول للباجي، ومنتهى السول لابن الحاجب، وشرح تنقيح الفصول، والنفائس للقرافي.\n٢ - كتب شافعية: الرسالة للشافعي، واللمع، وشرح اللمع، والتبصرة لأبي إسحاق الشيرازي، والبرهان والتلخيص،","vol":"1","page":16},{"text":"والورقات لإمام الحرمين وقواطع الأدلة لابن السمعاني، والمستصفى، والمنخول للغزالي، والوصول إلى الأصول لابن برهان، والإحكام للآمدي، والمحصول لفخر الدين الرازي، ومنهاج الوصول للبيضاوي، والبحر المحيط للزركشي.\n٣ - كتب حنبلية: العدة لأبي يعلى، والتمهيد لأبي الخطاب، والواضح لابن عقيل، وروضة الناظر لابن قدامة وقد قمت بتحقيقه في ثلاث مجلدات، ثم شرحته في ثمانية مجلدات.\n٤ - كتب ظاهرية: الإحكام لابن حزم، والنبذ له.\n٥ - كتب على مذهب المعتزلة: العمد للقاضي عبد الجبار، وشرح العمد والمعتمد لأبي الحسين البصري.\nالطريقة الثالثة: الجمع بين طريقة الحنفية وطريقة الجمهور؛ حيث إن من سار على هذه الطريقة حقَّق القواعد الأصولية، وأثبتها بالأدلة النقلية والعقلية، وطبق ذلك على الفروع، ومن أهم كتب هذه الطريقة: بديع النظام لابن الساعاتي، وتنقيح أصول الفقه، وشرحه التوضيح لصدر الشريعة، وجمع الجوامع لتاج الدين ابن السبكي، والتحرير لكمال الدين ابن الهمام، ومسلم الثبوت لمحب الدين بن عبد الشكور، والمهذب في أصول الفقه المقارن، وهذا قد قمت بتأليفه وطبع في خمسة مجلدات، وهذا الكتاب وهو الجامع يعتبر من هذه الطريقة.\nالطريقة الرابعة: تخريج الفروع على الأصول، وهي طريقة: ربط الفروع بالأصول، ومن أهم كتب هذه الطريقة: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، والتمهيد للأسنوي، ومفتاح الوصول للتلمساني، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحَّام.","vol":"1","page":17},{"text":"الطريقة الخامسة: وهي طريقة عرض أصول الفقه من خلال المقاصد والمفهوم العام الكلي للتكليف، ومن أهم كتب هذه الطريقة الموافقات للشاطبي.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفصل الثاني\nفي الحكم الشرعي وأقسامه</span>\nالحكم الشرعي:\nهو خطاب الله المتعلِّق بفعل المكلَّف اقتضاء، أو تخييرًا، أو وضعًا.\nفالحكم عند الأصوليين هو نفس خطاب الشارع.\nأما الحكم عند الفقهاء فهو: ما ثبت بالخطاب الشرعي، أي: أثره المترتب عليه، لا نفس النص الشرعي.\nفمثلًا قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) هو الحكم عند الأصوليين.\nووجوب الصلاة هو: الحكم عند الفقهاء.\nوالحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين هما:\nالقسم الأول: الحكم التكليفي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير.","vol":"1","page":19},{"text":"القسم الثاني: الحكم الوضعي، وهو: خطاب الله تعالى\nالمتعلق بجعل الشيء سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو رخصة، أو عزيمة.\nوكل قسم يتنوَّع إلى أنواع، إليك بيانها:","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>القسم الأول\nالحكم التكليفي وأنواعه</span>\nالحكم التكليفي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاءًا أو تخييرًا.\nوهو أنواع:\n- النوع الأول: الواجب.\n- النوع الثاني: المندوب.\n- النوع الثالث: المباح.\n- النوع الرابع: المكروه.\n- النوع الخامس: الحرام.\nوإليك بيان كل نوع وما يتعلق به من المسائل:","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>النوع الأول\nالواجب</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nتعريف الواجب:\nالواجب لغة: الساقط، يقال: وجب الحائط: إذا سقط، وهو مرتبط بالحكم الشرعي؛ حيث إنا نتخيل الحكم الواجب جزمًا سقط ووقع على المكلف من الله تعالى.\nوالواجب اصطلاحًا هو: ما ذُم تاركه شرعًا مطلقًا.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nصيغ الواجب هي:\n١ - فعل الأمر كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).\n٢ - الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).\n٣ - اسم فعل الأمر كقوله تعالى؛ (عَليكم أَنفُسَكم).","vol":"1","page":23},{"text":"٤ - المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ).\n٥ - التصريح من الشارع بلفظ الأمر كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).\n٦ - التصريح بلفظ الإيجاب أو الفرض، أو الكتب كقوله تعالى: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)، وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ).\n٧ - كل أسلوب يفيد الوجوب في لغة العرب كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ).\n٨ - ترتيب الذم والعقاب على الترك كقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ. . .).\n* * *\nالمسألة الثالثة:\n\" الواجب \" و\" الفرض \" غير مترادفين، ويوجد فرق بينهما.\nووجه الفرق: أن \" الفرض \" اسم لما ثبت حكمه عن دليل مقطوع به، كالآية والحديث المتواتر اللَّذَين قد قطع بدلالتهما على الحكم، والإجماع الصريح الذي نقل إلينا نقلًا متواترًا.\nأما \" الواجب \" فهو: اسم لما ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد، والإجماع السكوتي، والقياس، وجميع دلالات الألفاظ الظنية.\nودل على التفريق: أنه يوجد فرق بينهما من حيث اللغة، فالفرض لغة: الحز في الشيء والتأثير فيه، والوجوب لغة: السقوط.\nولا شك أن ما يؤثر آكد من السقوط، فقد يسقط الشيء ولا يؤثر، وعليه: فإنه يجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم","vol":"1","page":24},{"text":"كما اختص بقوة في اللغة، حملًا للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية، لأن الأصل عدم التغيير.\nولأن وجود التفاوت بينهما في الآثار والأحكام يجعلنا نخص كل نوع باسم، حيث إن حكم الفرض أنه يكفر جاحده بخلاف الواجب فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا استخف به، أما إذا تأول: فلا، وأن الحج يشتمل على فروض وواجبات، وأن الفرض لا يتم النسك إلا به، والواجب يجبر بدم، وأن الصلاة مشتملة - أيضًا - على فروض وواجبات، والفروض هي الأركان فإذا ترك ركنًا كالركوع أو السجود فإن صلاته باطلة ولا يسقط في عمد ولا سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا ترك واجبًا من واجباتها فإنه يجبر بسجود السهو، وصلاته صحيحة، ولكنها ناقصة.\nولأن هناك فرقًا بينهما عن طريق العقل؛ حيث إن كل عاقل يجد في عقله أن صلاة الظهر آكد من الصلاة المنذورة، والزكاة آكد من النذر في الصدقة وإن كانتا لازمتين، وعلى هذا: فإنه ينبغي أن يفرق ما هو آكد عما هو دونه باسم يعرف به، فيجعل اسم الفرض لما هو آكد، والوجوب لما هو دونه فرقًا بين الاثنين.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nالواجب باعتبار ذاته - أي: بحسب الفعل المكلَّف به - ينقسم إلى قسمين:","vol":"1","page":25},{"text":"القسم الأول: الواجب المعيَّن، وهو: ما طلبه الشارع طلبًا جازمًا بعينه دون تخيير بينه وبين غيره كالصلوات الخمس، والصيام.\nالقسم الثاني: الواجب المخيَّر، وهو: ما طلبه الشارع طلبًا جازمًا لا بعينه، بل خير الشارع في فعله بين أفراده المعينة المحصورة، مثل: تخيير المكلف بين خصال كفارة اليمين، وتخيير الإمام في حكم الأسرى بين المن والفدى وغير ذلك.\nوالخطاب في الواجب المعين قد تعلق بواحد معين.\nوالخطاب في الواجب المخير قد تعلق بواحد مبهم من الأمور المخير بينها.\nفالمكلف مخير في تحقيق الخطاب في أي فرد من الأفراد المعينة المخير بينها، وقلنا ذلك؛ لوقوعه شرعًا؛ حيث وقع التخيير بين واجبات في الشرع كما سبق في الأمثلة.\nولأن العقل لا يمنع من ذلك، فلو قال السيد لعبده أمرتك أن تشتري لحمًا أو سمنًا، لكان هذا قولًا معقولًا، فيكون الواجب على العبد أحد الأمرين، لا كلاهما، ولا واحد بعينه.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nشروط الواجب المخير:\nالأول: أن تكون الأشياء المخير بينها معلومة للمخاطَب","vol":"1","page":26},{"text":"ومحصورة ومعينة؛ حتى يحيط المكلف بها ويوازن بينها.\nالشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المخيَّر بينها في الرتبة؛ فيخير بين واجب وواجب، ولا يجوز التخيير بين واجب ومندوب.\nْالشرط الثالث: أن لا يخيَّر بين شيئين متساويين تمام التساوي بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، كما لو خير بين أن يصلي أربع ركعات وبين أن يصلي أربع ركعات، بل لا بد أن تكون الأشياء المخير بينها، تتميز بعضها عن بعض.\nالشرط الرابع: أن يتعلق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح التخيير بين شيء يستطيعه، وآخر لا يستطيعه.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nالواجب باعتبار وقته الذي يقع فيه ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: الواجب غير المؤقت وهو الواجب المطلق، وهو الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلبًا جازمًا ولم يحدد وقتًا لأدائه وإيقاعه فيه مثل: كفارة اليمين، والوفاء بالنذر، والحج عند بعض العلماء، وقضاء العبادات التي فاتت من غير تقصير عند بعض العلماء، فإن جميع ذلك تجب في جميع العمر، وليست نهايته معلومة للمكلف.\nتنبيه: يتضيق الوقت في الواجب المطلق إذا غلب على ظن","vol":"1","page":27},{"text":"المكلف عدم البقاء إلى آخر الوقت، فيجب - حينئذ - أن يفعل\nذلك الواجب قبل ذلك الوقت الذي غلب على ظنه عدم البقاء\nإليه، وقلنا ذلك لأنه لا يمكن أن يؤخَّر الفعل مطلقًا، لأنه يلزم\nمنه: أن لا يكون واجبًا، فلا بد من تأخير الفعل إلى زمن معين\nلا يجوز التأخير عنه، ولا يمكن ذلك إلا إذا عين هذا الزمن\nبعلامة أو أمارة، ولا يوجد معيِّن لذلك سوى أن يغلب على ظنه\nعدم البقاء إلى آخر الوقت، وعلى ذلك فإن المكلف يعصي في\nهذا بمجرد التأخير عن وقت يظن عدم بقاءه بعده.\nتنبيه ثان: إذا لم يغلب على ظنه الموت في وقت محدَّد، ثم أخر فعله بدون عذر فمات فإنه يعصِ، لأن المكلف كان يمكنه المبادرة وفِعل الواجب أثناء حياته فلم يفعل، فالتمكن موجود، والوجوب محقَّق مع التمكن فيعصي.\nالقسم الثاني: الواجب المؤقت، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلبًا جازمًا، وحدَّد له وقتًا معينًا لأدائه وإيقاعه به، وهو شيئان:\nالشيء الأول: الواجب المضيَّق، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلبًا جازمًا وحدَّد وقت أدائه بحيث يسعه ولا يسع غيره من جنسه، مثل: صيام يوم من رمضان، ومعروف أن اليوم يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده، ولا يتسع لفعل شيء آخر معه، ويمثل له الشافعية بوقت صلاة المغرب على القول الجديد.","vol":"1","page":28},{"text":"الشيء الثاني: الواجب الموسع وهو: الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه طلبًا جازمًا وحدَّد وقت أدائه بحيث يسعه ويسع غيره من جنسه، مثل: صلاة الظهر؛ حيث إن الشارع قد ألزم المكلف بفعلها في وقت محدد يزيد عن وقت أدائها بحيث يمكن فعلها فيه عدة مرات، فيجوز - على هذا - للمكلف أن يصلي الظهر في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nالواجب الموسع ثابت عندنا؛ لعموم قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)، حيث إن هذا الأمر عام يتناول جميع أجزاء الوقت المذكور من غير إشعار بالتخصيص ببعض أجزائه.\nولأن جبريل ﵇ قد صلَّى بالنبي - ﷺ - في أول الوقت وآخره، وقال له - بعد ذلك -: \" يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين \". وهذا يفيد تخيير المكلف في أداء الصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد لها، أي: أن الإيجاب يتناول جميع أجزاء الوقت، وليس تعيين بعض أجزاء الوقت للوجوب أولى من تعيين البعض الآخر.\nوللقياس على الواجب المخير، فكما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير - كخصال كفارة اليمين -","vol":"1","page":29},{"text":"فكذلك يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة ولا فرق، بجامع: حصول المصلحة، وسقوط الفرض.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nلا يجوز ترك الفعل في أول الوقت في الواجب الموسع - إلا بشرط العزم على فعله في وسط أو آخر الوقت، فإذا جاء آخر الوقت وهو لم يفعل الواجب فحينئذٍ تعيَّن فعله، لأن القائل، بجواز تأخير الفعل بدون بدل، وهو العزم يقال له: \" لما لم يفعل المكلف الواجب في أول الوقت ما هي نيته؟ \" فإما أن يقول: لا نية له، أو يقول: له نية.\nفإن قال: لا نية له فهذا لا يصح؛ لأنه لا بد لكل عبادة من نية.\nوإن قال: له نية، فنقول له: إما أن تكون نيته ترك فعله أو أن تكون نيته فعله فيما بعد.\nفإن كان الأول - وهو كون نيته ترك فعله - فلا يصح، لأنه عزم على الترك، وهو معصية، وترك المعصية واجب.\nفلم يبق إلا الثاني - وهو كون نيته عمله فيما بعد - وهو الصحيح، فيكون قد عزم على فعله، وهو المطلوب.\nوللقياس على الواجب المخيَّر، فكما أنه لا يجوز للمكلَّف","vol":"1","page":30},{"text":"ترك أي خصلة من خصال الواجب المخير إلا بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز ترك الفعل في الجزء الأول من الوقت - من الواجب الموسع - إلا بشرط النية - وهي العزم - على فعله في الجزء الأوسط، أو الأخير من الوقت.\n* * *\nالمسألة التاسعة:\nيتضيَّق الوقت في الواجب الموسع بطريقين:\nالطريق الأول: بالانتهاء إلى آخر الوقت بحيث لا ينفصل زمانه عنه.\nالطريق الثاني: بغلبة الظن بعدم البقاء إلى آخر الوقت، فإنه مهما غلب ذلك على ظنه فإنه يجب عليه الفعل، كما لو كانت المرأة تعرف أن الحيض يأتيها في ساعة معينة من الوقت، فيتضيق الوقت عليها، فيجب عليها الفعل قبل ذلك الوقت.\nوبناء على ذلك: فإن المكلف يعصي إذا أخره عن ذلك الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يبقى إليه.\n* * *\nالمسألة العاشرة:\nإذا أخَّر المكلَّف الفعل في الواجب الموسع عن أول الوقت مع غلبة ظن السلامة إلى آخر الوقت، فمات فجأة أثناء الوقت الموسع، فإنه لم يمت عاصيًا؛ لأن الواجب الموسع يجوز تركه","vol":"1","page":31},{"text":"في أول الوقت ليعمله في آخر وقته المحدد، وقد جاز الترك مع عدم علمه بالعاقبة، فقد فعل ما له فعله فكيف يعصي؟\n* * *\nالمسألة الحادية عشرة:\nإذا فعل المكلف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه\nلا يعيش إليه، فالفعل يكون أداء لا قضاء، لأن الفعل قد وقع في وقته المحدد له شرعًا، وهذه حقيقة الأداء.\nولأنه بانَ خطأ ظنه، ولا عبرة بالظن الذي بانَ خطؤه.\n* * *\nالمسألة الثانية عشرة:\nالواجب بالنظر إلى تقديره وتحديده بحد معين ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: الواجب المحدَّد، وهو: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا وقدره بمقدار معين وفضله وميَّزه عن غيره، مثل الصلوات الخمس، فقد حددت كل صلاة بركعات محددة، ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر لمن حدده، وغسل اليدين والرجلين ونحو ذلك.\nفالمكلف - في هذا القسم - لا يفعل شيئًا زائدًا على الفعل المحدد والمعين، وإذا توقف وجوده على شيء يكون ما توقف عليه واجبًا؛ لأنه لا تبرأ الذمة إلا بأدائه بمقداره الذي قدَّره","vol":"1","page":32},{"text":"الشارع، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فيكون واجبًا.\nالقسم الثاني: الواجب غير المحدَّد، وهو: الذي لم يُحدده الشارع، ولم يقدره بقدر معين، مثل: الطمأنينة في الركوع والطمأنينة في السجود، ومدة القيام، ومدة القعود، وذلك في الصلاة، حيث وجبت الطمأنينة في الركوع والسجود - مثلًا - ولكن لم يقدر الشارع مدة هذه الطمأنينة.\nفالمكلف - هنا - يستطيع أن يزيد على أقل الواجب بحيث تكون هذه الزيادة لا تنفصل عن حقيقة الواجب، مثل: الزيادة، في الطمأنينة في الركوع والسجود، والزيادة في مدة القيام وفي مدة القعود.\nوهذه الزيادة مندوبة، لأن الواجب لا يجوز تركه إلا بشرط البدل، وهو: العزم على الفعل في آخر الفعل في الواجب الموسع، أو فعل غيره من الخصال المخير بينها في الواجب المخيَّر، وهذه الزيادة في الطمأنينة - مثلًا - على أقل الواجب يجوز تركها بلا شرط ولا بدل، وهذا هو حدُّ الندب، فتكون الزيادة مندوبة.\n* * *\nالمسألة الثالثة عشرة: ْ\nالواجب باعتبار فاعله والمخاطبين به ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: الواجب العيني، وهو: ما يتحتَم أداؤه على","vol":"1","page":33},{"text":"مكلف بعينه، أو هو: ما طلب حصوله من عين كل واحد من المكلفين كالصلاة والصيام.\nوسُمِّي بذلك؛ لأن الفعل الذي تعلق به الإيجاب منسوب\nإلى العين والذات، باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة، فيلزم الإتيان به من كل واحد بعينه، بحيث لا تبرأ ذمته إلا بفعله.\nالقسم الثاني: الواجب الكفائي، وهو: ما يتحتَّم أداؤه على جماعة من المكلَّفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أدِّي الواجب، وسقط الإثم والحرج عن الباقين، مثل: الجهاد في سبيل الله إن لم يكن النفير عامًا، والصلاة على الميت، وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، وإنقاذ الغرقى، وسُمِّي بذلك؛ لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من حيث إن فعله من أي فاعل أسقط طلبه عن الآخرين، وإذا لم يؤدِّه أحد فإن الإثم يلحق جميع المكلفين.\nوالقصد من الفعل الكفائي هو: وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة بقطع النظر عمَّن يقع منه.\n* * *\nالمسألة الرابعة عشرة:\nفرض العين أفضل من فرض الكفاية.\nلأن فرض العين مفروض حقًا للنفس، فهو أهم عندها من فرض الكفاية وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية فإنه مفروض حقًا للكافة، ولأمر إذ عمَّ خفَّ، وإذ خُصَّ ثقل، قال بعض العلماء: إن من عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية وزعم أن مقصوده الحق فهو كذاب، ومثاله: من ترك الصلاة، واشتغل في","vol":"1","page":34},{"text":"تحصيل الثياب ونسجها قصدًا لستر العورات، والأمثلة كثيرة في هذه الأزمنة الأخيرة، يتركون الواجبات العينية عليهم، ويفعلون الواجب الكفائي، أو المندوبات، ومنهم من ترك وظيفته وعمله الرسمي للنصح في المساجد، أو للاعتكاف في المسجد الحرام، أو نحو ذلك.\n* * *\nالمسألة الخامسة عشرة:\nفرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه إلا في حالتين:\nالحالة الأولى: الجهاد في سبيل الله، لأنه إذا شرع في الجهاد ثم ترك الصف ففي ذلك كسر لقلوب الجند، وعدم حثهم على القتال.\nالحالة الثانية: الصلاة على الجنازة، لأن الانسحاب من ذلك فيه هتك لحرمة الميت، كمن قام من مجلس مسلم بدون إذنه.\n* * *\nالمسألة السادسة عشرة:\nالمخاطب بفرض الكفاية هو: جميع المكلفين، وفعل بعضهم هذا الواجب مسقط للطلب من الباقين، لأنه لو لم يقم به أحد لترتب على ذلك: أن الجميع يأثمون - كما قلنا فيما سبق - فتأثيم الجميع موجب لتكليفهم جميعًا، لأنه لا يمكن أن يؤاخذ المكلف على شيء لم يكلف به، فدل على أن وجوبه على الجميع.","vol":"1","page":35},{"text":"المسألة السابعة عشرة:\nما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب مطلقًا، أي: سواء كان سببًا شرعيًا مثل: الصيغة للعتق الواجب، أو سببًا عقليًا مثل: النظر المحصل للعلم الواجب، أو سببًا عاديًا كحز الرقبة بالنسبة إلى القتل، أو شرطًا شرعيًا كالوضوء للصلاة، أو شرطًا عقليًا كترك أضداد المأمور به، أو شرطًا عاديًا كغسل جزء من الرأس مع الوجه ليتحقق غسل كل الوجه.\nوقلنا ذلك لأن الواقع يشهد له، حيث إن السيد لو قال لعبده: \" أعطني ماء \" ولا يوجد الماء إلا في البئر، فإنه لا يمكن أن يحضر الماء لسيده إلا بسحب الماء من البئر برشاء ودلو، فيلزمه - حينئذٍ - إحضار الرشاء والدلو ليسحب بهما الماء، وذلك ليفعل ما أمره به سيده إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه - مع القدرة عليه - وإلا لاستحق العقوبة من السيد، فوجب عليه إحضار السبب وهو: الرشاء والدلو، حيث إنه بهما يمكنه تنفيذ أمر سيده، وهو جلب الماء، لأنه لا يمكن إحضار الماء إلا بهما، فلذلك وجبا، فينتج: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>النوع الثاني\nالمندوب</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nتعريف المندوب:\nالمندوب لغة مأخوذ من الندب، وهو: الدعاء إلى أمر مهم.\nوالمندوب اصطلاحًا هو: المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nصيغ المندوب هي كما يلي:\n١ - كل أمر صريح إذا وجدت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب، كقوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، فإن هذا الأمر للندب، والقرينة الصارفة هي السنة التقريرية.\n٢ - التصريح بأن ذلك سنة كقوله - ﷺ -: \" وسننت لكم قيامه \" - يقصد رمضان -.","vol":"1","page":37},{"text":"٣ - التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، كقوله في غسل الجمعة: \" ومن اغتسل فالغسل أفضل \".\n٤ - كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله ﵇ لبريرة: \" لو راجعتيه \".\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nأسماء المندوب: المستحب، والتطوع، والسنة، والإحسان، والمرغَّب فيه، وكلها أسماء مترادفة، حيث إنها أسماء لمسمَّى واحد، وهو: الفعل المطلوب طلبًا غير جازم.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nالمندوب مأمور به حقيقة: لأن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب، حيث إن حقيقة الأمر هي: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، والجامع بينهما: أن كلًا منهما مستدعى ومطلوب، فتصدق عليهما حقيقة الأمر.\nولأنه قد أطلق الأمر على المندوب في الكتاب والسنة واستُعمل، والأصل في الاستعمال والإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب مأمورًا به حقيقة، من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)، فقد أمر هنا بواجب وهو: العدل، وأمر بمندوبين وهما: الإحسان، وإعطاء ذي القربى، ومن ذلك ما قالته أم عطية - ﵂ -: أمرنا","vol":"1","page":38},{"text":"النبي - ﷺ - أن نخرج في العيدين العواتق \"، ومعروف أن ذلك ليس بواجب.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالمندوب من الأحكام التكليفية: لأن التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وفعل المندوب رغبة في الثواب واحتياطًا للدين فيه مشقة، وتركه فيه مشقة على المكلف القوي الإيمان، نظرًا لفوات الثواب الجزيل وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nالمندوب لا يلزم بالشروع فيه: حيث يجوز تركه وقطعه متى ما شاء؛ في غير مندوب الحج والعمرة؛ حيث يجب فيهما الإتمام، وقلنا لا يلزم المندوب بالشروع فيه، لصريح قوله - ﷺ -: \" الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر \".\nولفعل النبي - ﷺ -؛ حيث أكل من الحيس الذي أهدي لعائشة\n- ﵂ - ثم قال: \" كنت أصبحت صائمًا \"، ولإجماع الصحابة السكوتي، حيث إن بعض الصحابة - كأبي الدرداء، وأبي طلحة، وأبي هريرة، وابن عباس، وحذيفة - كانوا يصومون","vol":"1","page":39},{"text":"تطوعًا، ثم يقطعون ذلك - فيما ثبت عنهم - من غير نكير من بقية الصحابة، إذ لو حصل إنكار لنقل، وبلغنا، وما دام أنه لم يبلغنا إنكار، فإن هذا يكون إجماعًا منهم على جوازه.\nوللقياس، وهو قياس وسط المندوب وآخره على أوله:\nفكما أن المكلف مخير في الابتداء بين أن يشرع فيه وبين عدم الشروع، لكونه نفلًا، فكذلك هو مخيَّر في الوسط والانتهاء، إن شاء أتمَّه، وإن شاء قطعه.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>النوع الثالث\nالمباح</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nتعريف المباح:\nالمباح لغة: الإطلاق والإذن، يقال: \" أباح الأكل من بستانه \"، أي: أذن بالأكل منه.\nالمباح اصطلاحًا: ما أذن الله - تعالى - للمكلفين في فعله وتركه مطلقًا من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nصيغ المباح هي:\n١ - لفظ: \" أحل \"، كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ).\n٢ - لفظ: \" لا جناح \"، كقوله تعالى: \" لا جناح عليكم إن طلقتم النساء \".\n٣ - لفظ: \" لا حرج \"، كقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ). . . وقوله - ﷺ -: \" افعل ولا حرج \".","vol":"1","page":41},{"text":"٤ - صيغة الأمر التي صرفت من اقتضائها للوجوب والندب إلى الإباحة بسبب قرينة اقترنت بها، كقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)، فهذا الأمر للإباحة، والقرينة الصارفة هي: منع الفعل قبل ذلك في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)، حيث إنه كان الانتشار للبيع ممنوعًا ثم أباحه بعد انتهاء الصلاة.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nالمباح من الشرع أي: حكم شرعي؛ قياسًا على بقية الأحكام الشرعية كالواجب والمندوب، فكما أن تلك من الأحكام شرعية فكذلك المباح، ولا فرق بينه وبينها، بجامع: أن كلًا منها متوقف في وجوده على الشرع.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nحكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع الإباحة، لتصريحه بلام التمليك في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، حيث إن الله تعالى قد خصنا بما في الأرض وملكنا إياها، فلا بد أن نتحصل على فائدة الملك، وهي: الانتفاع بها.\nولتصريحه بالمحرم في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، وقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)، فهنا جعلت الإباحة أصلًا في هذه الأشياء","vol":"1","page":42},{"text":"إلا ما صرح الله تعالى بتحريمه، ولصريح قوله - ﷺ - لما سئل عن حكم السمن والجبن: \" الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه \"، فهنا قد بيَّن الشارع أنه قد عفى لمن فعل المسكوت عنها ولمن تركها، وهذا هو معنى الإباحة.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالمباح غير مأمور به من حيث هو مباح: لوجود الفرق بين معنى الأمر، ومعنى الإباحة، فمعنى الأمر: اقتضاء الفعل من المأمور به، والمطالبة به، والنهي عن تركه، ومعنى الإباحة: الإذن في الفعل والترك، فيعلم كل عاقل - من ذلك - الفرق بين أن يأذن الله في الفعل وبين أن يأمره به، وأنه إذا أذن له فليس بمقتض له، وإذا أمره به فليس هذا إذن، فإذا أثبت الفرق: لزم من ذلك أن المباح غير مأمور به.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nالإباحة ليست تكليفًا: لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة ليس فيها مشقة جازمة كمشقة الوجوب والتحريم، ولا مشقة غير جازمة كمشقة الندب،","vol":"1","page":43},{"text":"وهي مشقة فوات الفضيلة، فالمكلف في المباح، مخير بين الفعل والترك مطلقًا، وهذا لا تكليف فيه، فإن قال قائل: إذا كان المباح لا تكليف فيه فما سبب وضعه ضمن الأحكام التكليفية؟\nأقول: إنه وضع ضمن الأحكام التكليفية؛ لأنه يختص بالمكلفين، أي: أن الإباحة والتخيير لا يكون إلا ممن يصح إلزامه بالفعل أو الترك، أما غيره - كالمجنون والصبي - فلا يسمَّى ما يفعلونه أو يتركونه مباحًا.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nالمباح ليس بجنس للواجب ولا هو داخل فيه؛ لوجود الفرق بين الواجب والمباح في الحقيقة. فالمباح مطلق الفعل ومطلق الترك، فلا فرق فيه بين الترك والفعل، أما الواجب فهو ما ذُم تاركه شرعًا مطلقًا كما سبق بيان ذلك في تعريفهما.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nالمباح يُسمى حسنًا، لأن الشارع رفع الحرج عن فعله، وكل ما رُفع الحرج عن فعله فإنه يكون حسنًا، فالمباح يكون حسنًا.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>النوع الرابع\nالمكروه</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nتعريف المكروه:\nالمكروه لغة: ضد المحبوب، تقول: \" كرهت الشيء \" إذا لم تحبه، والكره: المشقة، فالمكروه يكون: ما نفر عنه الشرع والطبع، لأن الطبع والشرع لا ينفران إلا عن مشقة وشدة تلحق بالمكلف.\nوالمكروه اصطلاحًا هو: ما تَركُه خير من فعله، ولا عقابْ في فعله.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي:\n١ - لفظ \" كره \" وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال \".","vol":"1","page":45},{"text":"٢ - لفظ: \" بغض \" وما يشتق منها، ومنه قوله - ﷺ -: \" أبغض الحلال إلى الله الطلاق \".\n٣ - لفظ النهي: \" لا تفعل \"، إذا اقترنت بها قرينة تصرفها عن التحريم إلى الكراهة، كقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). فالنهي عن السؤال للكراهة، والقرينة الصارفة من التحريم إلى الكراهة هي آخر الآية، حيث قال تعالى: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١٠١).\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nإطلاقات المكروه:\nبعض العلماء يطلق لفظ: \" مكروه \" على ما نهي عنه نهيًا تنزيهيًا، وهو الذي ذكرنا تعريفه، وإذا أطلق لفظ المكروه انصرف إلى هذا. وبعضهم يطلق لفظ \" مكروه \" ويريد به الحرام، وقد روي هذا الإطلاق عن الأئمة الثلاثة - مالك، والشافعي، وأحمد ﵏ جميعًا - وذلك تورعًا منهم وحذرًا من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ)، وهذا كان من أسباب غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة كما قال ابن القيم ﵀.\nوبعضهم يطلقه ويريد به: ما وقعت الشبهة في تحريمه وإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع.","vol":"1","page":46},{"text":"المسألة الرابعة:\nالمكروه منهي عنه حقيقة: لأن لفظ \" النهي \" تطلق على ما نهي عنه لحرمته، وتطلق على ما نهي عنه لكراهته، ولا فرق بينهما في الاستعمال إلا في العقاب على فعل الحرام، دون المكروه.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالمكروه ليس من التكليف: لأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة، والمكروه لا كلفة فيه ولا مشقة - كما بانَ من تعريف المكروه - حيث إن المكلف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر، وإن لم يتركه فلا إثم عليه.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>النوع الخامس\nالحرام</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nتعريف الحرام:\nالحرام لغة: الممنوع، يقال: \" حرمه الشيء \" إذا منعه إياه، والحرام اصطلاحًا: ما ذُم فاعله شرعًا.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nصيغ الحرام هي كما يلي:\n١ - لفظ \" التحريم \" ومشتقاتها، كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ).\n٢ - صيغة النهي المطلق، كقوله تعالى: (وَلَا تقربُوا الزِّنَا).\n٣ - التصريح بعدم الحل، كقوله - ﷺ -: \" لا يحل دم امرئ مسلم. . . \".\n٤ - أن يرتب الشارع على فعل شيء عقوبة، فيدل هذا على أن هذا الفعل حرام، كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).","vol":"1","page":48},{"text":"المسألة الثالثة:\nيجوز أن يكون الواحد بالنوع واجبًا وحرامًا، مثل: \" السجود \" حيث إنه واحد بالنوع، فمنه: سجود واجب هو السجود لله تعالى، ومنه سجود حرام وهو: السجود لغير الله تعالى، ولا تناقض في ذلك، وذلك لتغايرهما بالشخصية، فيكون بعض أفراده واجبًا كالسجود لله، وبعضها حرامًا كالسجود لغيره، قال تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ).\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nيمتنع أن يكون الواحد بالعين حرامًا واجبًا من جهة واحدة، كقوله: \" اعتق هذا العبد لا تعتق هذا العبد \" ويقصد معيَّنًا؛ وذلك لتضادهما وتنافيهما وتناقضهما، وهو من باب تكليف ما لا يطاق، وهو لا يجوز، لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nيجوز أن يكون الواحد بالعين حرامًا واجبًا من جهتين، كالصلاة في الدار المغصوبة فإنها صحيحة؛ لأن الفعل - وهو الصلاة - مطلوب الفعل، والمكان المصلى فيه مطلوب الترك؛ حيث إنه مغصوب، فيكون متعلق الأمر والنهي غير متَحِد.","vol":"1","page":49},{"text":"فالصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها - بقطع النظر عما يلحقها من مكان أو غيره، والغصب من حيث هو غصب منهي عنه - بقطع النظر عما يلابسه من أفعال الصلاة، فتكون - على هذا - الصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة، فيمكن وجود أحدهما بدون الآخر؛ قياسًا على الصلاة منفردة، وعلى الغصب منفرد، فيجب أن يثبت للصلاة حكمها - وهو الأجر - ويثبت للغصب حكمه - وهو الإثم - كما لو كانا منفردين، فالجمع بينهما لا يقلب حقيقتهما في أنفسهما.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nيجوز أن يحرم واحدًا لا بعينه - وهو الحرام المخيَّر - لأنه واقع شرعًا؛ حيث ثبت تحريم إحدى الأختين لا بعينها، ولأنه لا يمتنع عقلًا أن يقول السيد لعبده: \" لا تكلم زيدًا أو عمرًا \"، فلا يفهم من ذلك تحريم تكليم واحد بعينه، ولا تحريم تكليم زيد وعمرو، فلم يبق إلا أنه حرم عليه كلام أحدهما لا بعينه.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nالأمر بالشيء المعين نهي عن ضد ذلك الشيء المعين من جهة المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد؛ لأنه لا يمكن","vol":"1","page":50},{"text":"أن نتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك ضده، فوجب أن يكون الأمر به نهيًا عن ضده، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلو قال له: \" قم \"، لا يمكنه فعل القيام إلا بترك ما يضاد القيام، فوجب - على هذا - أن يكون هذا نهيًا عن القعود، والركوع والاضطجاع ونحو ذلك.","vol":"1","page":51},{"text":"التكليف وشروطه وما يتعلق به\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nتعريف التكليف:\nالتكليف لغة هو: المشقة، ويطلق على الأمر بما يشق عليك، فهو إذًا: الأمر بما فيه كُلفة.\nالتكليف اصطلاحًا هو: الخطاب بأمر أو نهي.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nيشترط في المكلف أن يكون بالغًا، عاقلًا، فاهمًا للخطاب.\nفخرج بشرط البلوغ: الصبي، وإن كان عاقلًا فاهمًا للخطاب، فإنه لا يمكن تكليفه.\nوخرج بشرط العقل: المجنون وإن كان بالغًا، فإنه لا يمكن تكليفه.\nوخرج بشرط الفهم: النائم والغافل والساهي، فإنه لا يمكن","vol":"1","page":52},{"text":"تكليف هؤلاء لعدم الفهم - وهم في حالتهم تلك.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nالصبي غير المميِّز بين الأشياء وهو ما دون سبع سنوات - غير مكلف، لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع وإدراكه لمقتضاه، فلا يمكن أن يعمل عملًا وهم لم يعرف المراد منه، ولعدم صحة النية والقصد منه، فلا يقبل أيُّ عملٍ إلا بنية.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nالصبي المميز بين الأشياء وهو من تجاوز سن السابعة من عمره - غير مكلف، لأن هذا وإن كان مميزًا بين حقائق الأمور إلا أنه لا يمكن تكليفه؛ لأننا لا نعرف متى ميَّز، ومتى فهم الخطاب؛ لأن الفهم يتزايد تزايدًا غير واضح، فلا يمكن له ولا لغيره. أن يقف على أول وقت فهم خطاب الشارع، وعرف المرسل، والغرض من الرسل، ولذلك حط عنه التكليف؛ لعدم الانضباط في ذلك، فوضع الشارع ضابطًا يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله وهو: \" البلوغ \"، ولهذا فإن أكثر الأحكام تتعلق به.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالمجنون - سواء كان جنونه أصليًا أو طارئًا، وسواء كان","vol":"1","page":53},{"text":"مطبقًا أو غير مطبق - غير مكلف؛ لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع، وعدم إدراكه وعلمه للفعل المكلف به، وطريقة امتثاله، وعدم وجود النية والقصد منه.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nالمعتوه - وهو مختلط الكلام بسبب ما يعرض للعقل من خلل - غير مكلف؛ قياسًا على المجنون، والصبي غير المميز، فكما أن المجنون والصبي غير المميز غير مكلفين، فكذلك المعتوه ولا فرق، والجامع: ضعف العقل عن إدراك حقائق الأمور، وعن فهم خطابات الشارع على ما هي عليه.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nالناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه غير مكلفين وهم في حالة السهو والنسيان والغفلة والنوم والإغماء، لأن هؤلاء وهم في حالتهم تلك قد فقدوا شرطًا من شروط التكليف، وهو: \" الفهم \"، فهم لا يدركون - وهم في تلك الحالة - معنى الخطاب، فلو كلفوا وهم في تلك الحال لكان تكليفًا بما لا يطاق، وهو لا يجوز.","vol":"1","page":54},{"text":"المسألة الثامنة:\nالسكران غير مكلف مطلقًا: لأن السكران في حالة سكره لا يفهم الخطاب فكيف يتوجه إليه خطاب لا يفهم المراد منه؟! فلو طلب منه امتثال ما يقتضيه الخطاب - وهو في حالته تلك - لكان تكليفًا بما لا يطاق، وهو لا يجوز.\n* * *\nالمسألة التاسعة:\nالمكره المُلْجَأ - وهو: من حمل على أمر يكرهه ولا يرضاه، ولا تتعلق به قدرته واختياره، كمن ألقي من شاهق على مسلم فقتله - غير مكلف اتفاقًا؛ لأنه مسلوب القدرة غير مختار كالآلة.\n* * *\nالمسألة العاشرة:\nالمكره غير الملجأ - وهو: من حُمل على أمر يكرهه، ولا يرضاه، ولكن تتعلق به قدرته واختياره وإرادته، كمن قيل له: اقتل أخاك المسلم وإلا قتلناك - هذا مكلف؛ لأن شروط التكليف - وهي: البلوغ، والعقل والفهم - قد توفرت فيه، فلا يوجد مانع من تكليفه، فهو بهذا كغير المكره بجامع: توفر جميع شروط التكليف بالإضافة إلى توفر القدرة، وكمال البدن والذمة، ومجرد الإكراه ليس سببًا لإسقاط الخطاب عن المكره بأي حال.","vol":"1","page":55},{"text":"المسألة الحادية عشرة:\nالكفار مكلَّفون بفروع الإسلام مطلقًا: لعموم قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فيدخل الكفار؛ حيث إنهم من جملة الناس، ولا يوجد مانع من دخولهم؛ لأنه لو وجد لعرفناه عند الطلب.\nولعموم قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، حيث إن هذا عام في حق المسلمين والكفار، فلا يخرج الكافر إلا بدليل والكفر ليس برخصة مسقطة للخطاب عن الكافر.\nولقوله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢».\nحيث إن الله تعالى ذم الكافر على تركه لفرع من فروع الشريعة وهي الصلاة، وهذا يدل على أنهم مكلفون بها.\nوللقياس على المسلم المحدِث، فكما أن المحدِث قد فقد شرط الصلاة، ولم يمنع ذلك من وجوب الصلاة عليه وإلزامه بها بسبب قدرته على تحصيل الشرط، فكذلك الكافر فإن فقد شرط العبادة - وهما الشهادتان - مع القدرة عليه لا يمنع من توجه الخطاب بها، حيث إنه قادر على تحصيل شرط العبادة وهو: الإيمان.\n* * *\nالمسألة الثانية عشرة:\nيشترط في الفعل المكلف به ما يلي:\nالشرط الأول: أن يعلم المكلف حقيقة الفعل المكلف به،","vol":"1","page":56},{"text":"وذلك من أجل أن يتصور هذا الفعل المأمور به، إذ لا يعقل أن يكلف بشيء مجهول، فيجب أن يعلم طريقة الصلاة وشروطها، وأركانها وواجباتها ونحو ذلك مما يتعلق بها، فلو لم يعلم ذلك لم يصح منه الفعل.\nالشرط الثاني: أن يعلم المكلف أن هذا الفعل مأمور به من قِبل الله تعالى؛ لأنه إذا علم ذلك تُصوِّر منه قصد الطاعة والامتثال بفعله؛ أما إذا لم يعلم ذلك فلا يكفي مجرد حصول الفعل منه من غير قصد ولا نية لامتثال أمر الله تعالى، لقوله ﵇: \" لا عمل إلا بنية \".\nالشرط الثالث: أن يكون حاصلًا بكسب المكلف، فلا يصح تكليف المسلم بكسب غيره؛ لقوله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩».\nالشرط الرابع: أن يكون الفعل الذي طلب من المكلف فعله معدومًا، أي: لم يوجد، فيؤمر المسلم بصلاة الظهر - مثلًا - قبل الزوال، فهنا أمر بها قبل وجودها، ويؤمر الإنسان بخياطة ثوب معدوم.\nوقلنا ذلك؛ لأن إيجاد الشيء الموجود تحصيل حاصل لا يرد به الشرع، ولأنه لا يحسن عقلًا أن يؤمر من هو قائم بالقيام، ومن هو يكتب بالكتابة.","vol":"1","page":57},{"text":"الشرط الخامس: أن يكون الفعل مقدورًا للمكلف، أي:\nيستطيع المكلف فعله والقدرة عليه، فلا يجوز تكليفه بما لا يطاق كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد الموجود؛ لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقوله: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا)؛ حيث بين الله تعالى: أنه لا يكلف العباد عملًا من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه.\nولقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وأيُّ حرج فوق التكليف بما لا يطاق، قال بعض العلماء: ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق.\nولقوله - ﷺ -: \" فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم \"، فكلف الناس بما يستطيعون من الفعل.\nالشرط السادس: أن يكون التكليف بفعل - بيانه: أن متعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا فعلًا، فلا يكلف إلا بفعل، ولا يطلب من المكلف إلا فعل، والتكليف في الأمر تكليف بفعل بالاتفاق؛ لأن مقتضاه: إيجاد الفعل المأمور به كالصلاة والزكاة، وكذلك التكليف في النهي تكليف بفعل؛ لأن المكلف به في النهي هو كف النفس عن الفعل لا نفي الفعل؛ حيث إن كف النفس عن المنهي عنه فعل، فالأمر بالصوم","vol":"1","page":58},{"text":"- مثلًا - أمر بكف النفس عن الفطر، والكف فعل الإِنسان، وهو داخل تحت كسبه يؤجر عليه، وكذلك لما نهي عن شرب الخمر فإنه اقتضى التلبس بضد من أضداده، وهو: الترك، فيكون الترك داخلًا تحت كسب المكلف فيثاب عليه، فالترك - في الحقيقة - فعل؛ لكونه ضد الحال التي هو عليها.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>القسم الثاني\nالحكم الوضعي وأنواعه</span>\nلقد قلنا: إن الحكم الوضعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو عزيمة أو رخصة، فتكون أنواعه - على هذا - هي:\nالأول: السبب.\nالثاني: الشرط.\nالثالث: المانع.\nالرابع: العزيمة والرخصة.\nوإليك بيان كل نوع وما يتعلق به من المسائل.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>النوع الأول\nالسبب</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nتعريفه:\nالسبب لغة هو: ما يتوصل به إلى مقصود ما؛ لذلك يسمى الطريق سببًا.\nوالسبب اصطلاحًا هو: ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته.\nفيلزم من وجود دخول الوقت وجود الحكم وهو وجوب الصلاة على ذلك المكلف.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالسبب باعتبار قدرة المكلف ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: سبب مقدور عليه، وهو: ما كان داخلًا تحت كسب المكلف وطاقته، بحيث يستطيع فعله وتركه، كالقتل","vol":"1","page":63},{"text":"المسبب للقصاص، وعقد النكاح المسبب لحل الوطء.\nالقسم الثاني: سبب غير مقدور عليه، وهو: ما لم يكن من كسب المكلف، ولا دخل له في تحصيله أو عدم ذلك كزوال الشمس أو غروبها سبب لوجوب الصلاة أو الإفطار، والموت سبب لانتقال الملك، فهذه الأمور تكون، ولا يقدر المكلف على منعها أو جلبها.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nالسبب باعتبار المشروعية ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: سبب مشروع، وهو: ما كان سببًا للمصلحة أصالة، وإن كان مؤديًا إلى بعض المفاسد تبعًا، كالجهاد في سبيل الله فإنه سبب لإقامة الدين وإعلاء كلمة الله، وإن أدى في الطريق إلى نوع من المفاسد كإتلاف الأنفس، وإضاعة الأموال.\nالقسم الثاني: سبب غير مشروع وهو: ما كان سببًا للمفسدة أصالة وإن ترتب عليه نوع من المصلحة تبعًا، كالقتل بغير حق فإنه سبب غير مشروع، وإن ترتب عليه ميراث ورثة المقتول.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nالسبب باعتبار المناسبة ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: سبب مناسب للحكم، وهو الذي يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة، أو دفع مفسدة يدركها العقل، كالسرقة بالنسبة لعقوبة القطع؛ حيث إنها تحقق مصلحة حفظ الأموال، وتدفع مفسدة ضياعها.\nالقسم الثاني: سبب غير مناسب للحكم، وهو الذي لا يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة أو دفع مفسدة،","vol":"1","page":64},{"text":"كدلوك الشمس، حيث إنه سبب لوجوب الظهر، ومثل: شهود الشهر بالنسبة لوجوب الصيام.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالسبب باعتبار مصدره ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nْالقسم الأول: سبب شرعي، وهو: ما كان مستمدًا من الشارع فقط، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة.\nالقسم الثاني: سبب عقلي، وهو: ما كان مستمدًا من العقل فقط، كوجود النقيض فإنه سبب في انعدام نقيضه عقلًا مثل الموت فإنه سبب لعدم الحياة.\nالقسم الثالث: سبب عادي، وهو: ما كان مستمدًا من العادة المألوفة المتكرر وقوعها كالذبح، فإنه يتسبب في إزهاق الروح في العادة.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nالسبب باعتبار اقترانه بالحكم وعدم ذلك ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: سبب متقدم على الحكم، وهذا هو الأصل كالأسباب الموجبة للصلوات، والزكاة، والبيع، والنكاح، وهو الأكثر.\nالقسم الثاني: سبب مقارن للحكم، كقتل المسلم للكافر في الحرب، فإنه سبب لاستحقاق سلبه فورًا، وإحياء الموات فإنه سبب فوري للملك.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nالسبب باعتبار اللفظ والفعل ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: سبب قولي ولفظي، وهو: ما كان معتمدا","vol":"1","page":65},{"text":"على القول واللفظ، كصيغ العقود مثل البيع والشراء، وصيغ التصرفات كالطلاق والعتاق والنكاح.\nالقسم الثاني: سبب فعلي، وهو: ما كان ناشئًا عن الفعل، كالقتل سبب للقصاص، وشرب الخمر والسرقة سببان للحد، وإحياء الموات سبب للملك.\nوالفرق بينهما: أن الأسباب القولية لا تصح من السفيه أو المحجور عليه كما لو أعتق عبده، أو وهبه، أو باع واشترى.\nأما الأسباب الفعلية فإنها تصح منه، كما لو وطأ المحجور عليه أمته فإنها تصير أم ولد؛ وذلك لأن أقواله يمكن إلغاؤها - كما قال ابن القيم في بدائع الفوائد - حيث إنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء، أما الأفعال فإنها إذا وقعت فلا يمكن إلغاؤها، فلا يمكن أن يقال لمن وطأ أمته، أو أتلف شيئًا لغيره، إنه لم يطأ أو لم يتلف.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nالعلة - وهي: الوصف المعرِّف للحكم، تعتبر قسمًا من أقسام السبب. فالسبب أعم من العلة؛ حيث إن السبب ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: سبب معقول المعنى: أي: أدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سببًا وكلة كقطع يد السارق، فالسرقة تسمى سببًا وعلة للقطع.","vol":"1","page":66},{"text":"القسم الثاني: سبب غير معقول المعنى، وهو الذي لا يدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سببًا لا علة، كدخول الوقت يسمَّى سببًا لوجوب الصلاة، ولا يسمى علة؛ لعدم إدراكنا للمناسبة بين دخول الوقت ووجوب هذه الصلاة بعينها.\nفالسبب - على هذا - شامل للوصف المناسب وغير المناسب.\n* * *\nالمسألة التاسعة:\nالصحة، وهي: موافقة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع، والفساد: وهو مخالفة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع داخلان ضمن السبب، لأن حقيقة السبب قد وجدت فيهما؛ حيث إن الفعل إذا استوفى أركانه وشروطه فإن هذا سبب لصحته، وترتب عليه آثاره، والفعل إذا لم يستوف أركانه أو شروطه فإن هذا سبب لفساده وعدم ترتب آثاره عليه.\n* * *\nالمسألة العاشرة:\nالصحة والفساد من الأحكام الشرعية لا من الأحكام العقلية، لأن معرفة استجماع الفعل لشروطه وأركانه، وارتفاع موانعه موقوفة على معرفة الركن والشرط والمانع، ومعرفة هذه","vol":"1","page":67},{"text":"الأمور الثلاثة موقوفة على خطاب الشارع اتفاقًا، فتكون الصحة والفساد لا يعرفان إلا من الشارع.\n* * *\nالمسألة الحادية عشرة:\nالصحة والفساد من الأحكام الوضعية لا من الأحكام التكليفية، لأن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين - فقط - وهما: \" الحكم التكليفي \" و\" الحكم الوضعي \"، ولا يمكن أن تكون الصحة والفساد من الأحكام التكليفية؛ لأن الحكم التكليفي - كما سبق - فيه اقتضاء أو تخيير، وبعد النظر في الصحة والفساد تبين عدم وجود اقتضاء ولا تخيير فيهما؛ حيث إن الحكم بصحة العبادة وفسادها، والحكم بصحة المعاملة وفسادها لا يفهم اقتضاء ولا تخييرًا، فلم توجد حقيقة الحكم التكليفي، فلم يبق إلا أن نقول: إن الصحة والفساد من القسم الثاني، وهو: الحكم الوضعي.\n* * *\nالمسألة الثانية عشرة:\nالمقصود بالصحة في العبادات هو: ما وافق الأمر، وأجزأ، وأسقط القضاء، كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها، فعدم وجوب قضائها هو: صحتها، وهذا اختيار","vol":"1","page":68},{"text":"الفقهاء؛ حيث إن ذلك هو الموافق للغة - فالعرب تسمي الآنية صحيحة إذا كانت سليمة من جميع الجهات، وإذا كانت صحيحة من جميع الجهات إلا جهة واحدة، فإن العرب لا تسميها صحيحة، وهذه الصلاة - مثلًا - قد تطرق إليها الخلل من جهة ذكر الحدث، فلا تكون صحيحة؛ قياسًا على الآنية المكسورة من جهة.\n* * *\nالمسألة الثالثة عشرة:\nالمقصود بالصحة في المعاملات هو: ترتب أحكامها المقصودة عليها؛ لأن العقد لم يوضع إلا من أجل إفادة مقصوده، كملك المبيع، وملك البضع في النكاح. وإن لم يكن الأمر كذلك فهو فاسد، فيكون الفاسد في المعاملات: كون الشيء لا يترتب عليه أثره المطلوب منه؛ نظرًا لوجود خلل في ركنه أو شرطه كبيع المجنون، أو بيع المعدوم أو بيع الميتة.\n* * *\nالمسألة الرابعة عشرة:\nالفاسد والباطل مترادفانْ قياسًا للشرع على اللغة، حيث إن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، يقال: \" بطل الشيء \"، إذا فسد وسقط حكمه، فإذا لم يفرق بينهما لغة فإنه يجب عدم التفريق بينهما شرعًا؛ حملًا للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.","vol":"1","page":69},{"text":"المسألة الخامسة عشرة:\nبيان أن التقديرات الشرعية والحجاج داخلان ضمن السبب؛ حيث إن التقديرات الشرعية هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو إعطاء المعدوم حكم الموجود.\nفمثال الأول - وهو إعطاء الموجود حكم المعدوم - الماء في حق المريض والخائف، ومثال الثاني - وهو: إعطاء المعدوم حكم الموجود - المقتول خطأ تورث عنه ديته، حيث إنها لا تملك إلا بعد موته، وهي ليست في ملكه قبل موته، فنقدِّر دخولها في ملكه قبل موته حتى تنتقل إلى ورثته، فهنا قدرنا المعدوم موجودًا، للضرورة.\nأما الحجاج فهي التي يستند إليها القضاء في الأحكام، كالشهود، والإقرار، واليمين، فإذا نهضت تلك الحجة عند القاضي وجب عليه الحكم.\nوالأمران لو دققت النظر فيهما لوجدتهما يرجعان إلى السبب، حيث إن هذه التقديرات وهذه الحجاج إنما نشأت عن أسبابها.\n* * *\nالمسألة السادسة عشرة:\nالأداء: وهو ما فُعل أولًا في وقته المقدر له شرعًا، والإعادة: وهو ما فُعل ثانيًا في وقت الأداء لخلل في الأول،","vol":"1","page":70},{"text":"والقضاء: وهو ما فعل بعد خروج وقته المحدَّد شرعًا مطلقا، كلها داخلة ضمن السبب؛ لأن دخول الوقت سبب للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وفساد الفعل سبب للإعادة.\n* * *\nالمسألة السابعة عشرة:\nإذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فإن هذا يُسمى قضاء، لا أداء؛ لقول عائشة ﵂: \" كنا نحيض على عهد رسول الله - ﷺ - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة \"، فسمَّت ما يفعل بعد رمضان قضاء بدون نكير.\nولإجماع العلماء على أنه إذا صام هؤلاء الأيام التي أفطروها سابقًا فإن الواجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء.\n* * *\nالمسألة الثامنة عشرة:\nالقضاء يتعلّق بالمندوب إذا كان له وقت معيَّن؛ قياسًا على الواجب؛ لأنه لا فرق بينهما من حيث حقيقة القضاء. وبناء على هذا يكون قضاء المندوب مندوبًا، كما أن قضاء الواجب واجب.","vol":"1","page":71},{"text":"المسألة التاسعة عشرة:\nوجوب القضاء ثابت بالأمر الأول: فالدليل الذي أوجب الأداء هو الذي أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى أمر جديد، لأن الأداء كان واجبًا مستحقًا على المكلف في الوقت المحدَّد شرعًا، والواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالفعل، أو بإسقاط من له الحق، أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما يسقط الواجب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب لا يزول هذا الشغل إلا بمزيل له وهو: أحد الأمور الثلاثة السابقة.\nوللقياس على الذين؛ حيث إن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدَّين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعيَّن فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين كأنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه في وقت آخر. ويكون ذلك مستفادًا من الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>النوع الثاني\nالشرط</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالشرط - هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.\nحيث يلزم من عدم الشرط - وهو: الطهارة مثلًا - عدم وجود الحكم - وهو: صحة الصلاة -، ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الحكم وهو: صحة الصلاة، فقد توجد الطهارة ويصلي ولكن لا تصح صلاته، لكونه صلَّى قبل دخول الوقت، أو صلَّى لغير القبلة.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالشرط باعتبار وصفه ينقسم إلى أربعة أقسام:\nالقسم الأول: شرط عقلي وهو: ما لا يوجد المشروط عقلًا بدونه، كاشتراط الحياة للعلم، والفهم للتكليف.","vol":"1","page":73},{"text":"القسم الثاني: شرط عادي، وهو: ما يكون شرطًا عادة، كنصب السُّلَّم لصعود السطح.\nالقسم الثالث: شرط لغوي، وهو: ما يذكر بصيغة التعليق مثل: \" إن نجحت فلك جائزة \".\nالقسم الرابع: شرط شرعي، وهو: ما جعله الشارع شرطًا لبعض الأحكام، كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nالشرط باعتبار قصد المكلف له وعدم ذلك: ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما قصده الشارع قصدًا واضحًا، وهو: الذي يرجع إلى خطاب التكليف، وهو: إما أن يكون مأمورًا بتحصيله كالطهارة للصلاة، وإما أن يكون منهيًا عن تحصيله كنكاح المحلل في مراجعة الزوجة لزوجها الأول.\nالقسم الثاني: ما لم يقصد الشارع تحصيله، وهو: الذي يرجع إلى خطاب الوضع كالحول في الزكاة، فإن بقاء النصاب حتى يكمل الحول لأجل أن تجب الزكاة ليس مطلوب الفعل، ولا هو مطلوب الترك.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nالشرط باعتبار مصدره ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: شرط شرعي، وهو: ما كان مصدر اشتراطه","vol":"1","page":74},{"text":"الشارع، وهو: المراد من الشرط عند الإطلاق، وهو المقابل للسبب والمانع.\nالقسم الثاني: شرط جعلي، وهو: ما كان مصدر اشتراطه المكلف، حيث يعتبره ويعلق عليه تصرفاته ومعاملاته كالاشتراط في البيوع والنكاح.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nيفارق الشرط السبب من وجهين:\nالوجه الأول: أن الشرط يؤثر في الحكم من جهة العدم، أما السبب فإنه يؤئر في الحكم من جهة الوجود والعدم.\nالوجه الثاني: أن الشرط ليس فيه مناسبة في نفسه، أما\nالسبب فإنه مناسب في نفسه - فالنصاب سبب في وجوب الزكاة، وهو مشتمل على الغنى في ذاته، بخلاف مرور الحول فإنه ليس فيه مناسبة في نفسه وإنما هو مكمل لحكمة الغنى في النصاب.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>النوع الثالث\nالمانع</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالمانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.\nفيلزم من وجود الدَّين - مثلًا - عدم وجود الحكم وهو:\nوجوب الزكاة، ولا يلزم من عدم الدين الزكاة أو عدمها، فقد يكون الشخص غنيًا يملك النصاب وحال على ماله الحول، فهذا تجب عليه الزكاة، وقد يكون فقيرًا فهذا لا تجب عليه الزكاة.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالمانع ينقسم باعتبار ما يمنعه من حكم أو سبب إلى قسمين:\nالقسم الأول: مانع الحكم، وهو: كل وصف وجودي ظاهر منضبط لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع تحقق السبب، كالحيض فإنه مانع من وجوب الصلاة مع تحقق السبب","vol":"1","page":76},{"text":"وهو: دخول الوقت، فقد ترتب - هنا - على وجود المانع عدم ترتب المسبب على سببه.\nوهذا القسم - وهو: مانع الحكم - ثلاثة أشياء:\nالشيء الأول: مانع يمنع ابتداء الحكم - فقط - دون\nاستمراره مثل: الإسلام، فإنه يمنع ابتداء السبي، ولكنه لا يمنع استمراره، فلو أسلم بعد أن صار مملوكًا فإنه لا ينقطع عنه الرق.\nالشيء الثاني: مانع يمنع دوام الحكم واستمراره - فقط - دون ابتداء الحكم كالطلاق، فإنه يمنع من الدوام على النكاح الأول، ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح ثاني.\nالشيء الثالث: مانع يمنع ابتداء الحكم، ويمنع أيضًا استمراره، كالرضاع فإنه يمنع ابتداء النكاح على امرأة هي أخته من الرضاع، كما يمنع استمراره، إذا طرأ عليه، وكذلك \" الحدث \" يمنع انعقاد العبادة ابتداء كما يمنع صحتها إذا طرأ عليها.\nالقسم الثاني: مانع السبب، وهو: كل وصف يقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب كالدَّين في باب الزكاة؛ حيث إنه مانع من وجوب الزكاة؛ لأن السبب في وجوب الزكاة هو: بلوغ النصاب حيث إنه يفيد غنى من يملك هذا النصاب، فطلب منه مواساة الفقراء من فضل ذلك المال، وهذه هي الحكمة، ولكن الدَّين في المال لم يدع فضلًا يواسي به الفقير، حيث إن النصاب قد صار مشغولًا بحقوق الغرماء، فهنا قد أخل الدَّين بحكمة السبب، فكانت رعاية براءة الذمة من الذين أولى من رعاية مواساة الفقراء.","vol":"1","page":77},{"text":"المسألة الثالثة:\nالمانع من حيث ارتباطه بخطاب الشارع ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: مانع داخل تحت خطاب التكليف، كالإسلام فإنه مانع من انتهاك حرمة الدم والعرض إلا بحقهما، والكفر فإنه مانع من صحة العبادات، والإسلام مأمور به، والكفر منهي عنه.\nالقسم الثاني: مانع داخل تحت خطاب الوضع، وهو:\nالذي ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع، ولا في عدم تحصيله، فإن الشخص المدين ليس مخاطبًا برفع الدَّين عن نفسه إذا كان عنده نصاب لتجب الزكاة عليه، كما أن مالك النصاب غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه زكاة النصاب، لأن المانع من خطاب الوضع، فلا يكون مأمورًا به ولا منهيًا عنه.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>النوع الرابع\nالعزيمة والرخصة</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالعزيمة هي: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح.\nوالرخصة هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.\nفمثلًا: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، هو عزيمة، لكن إن وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم وهو قوله تعالى: (فَمَنِ اضطُرَّ فِى مَخمصَةٍ)، وهو راجح على دليل التحريم الذي هو قوله تعالى: (حُرِّمَت عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس والمحافظة عليها مقدَمة على مفسدة الميتة وما فيها من الخبث.","vol":"1","page":79},{"text":"المسألة الثانية:\nالعزيمة والرخصة من الحكم الوضعي؛ لأن اعتبار كل من السفر والمرض، والضرورة، والحاجة، أو غيرها أسبابًا للترخص، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة، كل ذلك لو فكرنا فيه لوجدنا أنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع وجعل، فتكون حقيقة الحكم الوضعي متحققة فيه، فكانت من الحكم الوضعي.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nالعزيمة أفضل من الرخصة؛ لأن العزيمة هي الأصل المقطوع به الذي لا يختلف فيه، أما الرخصة فسببها ظني وهو: المشقة، لأن مقدار المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت بحسب الأشخاص والأحوال.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nتنقسم الرخصة من حيث الحكم إلى أقسام هي:\nالقسم الأول: رخصة واجبة كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر لمن غصَّ بلُقمة وخشي على نفسه الهلاك، والتيمم للمريض.\nالقسم الثاني: رخصة مندوبة كقصر الصلاة الرباعية","vol":"1","page":80},{"text":"للمسافر؛ لقوله - ﷺ -: \" صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\"، والإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر.\nالقسم الثالث: رخصة مباحة كالعرايا - وهو: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصًا -، والإجارة وهي: تمليك المنافع بعوض، والتلفظ بكلمة الكفر لمن أُكره على ذلك، لكن لو امتنع عن ذلك وصبر لكان آخذًا بالعزيمة وهو أفضل.\nالقسم الرابع: رخصة خلاف الأولى، كالإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرر به، وقلنا ذلك، لقوله تعالى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، وكذلك المسح على الخفين.\nالقسم الخامس: رخصة مكروهة كالسفر للترخص فقط.","vol":"1","page":81},{"text":"خاتمة\nفي الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي\nبعد أن تكلمنا عن الحكم التكليفي وأنواعه، والحكم الوضعي وأنواعه، أحببت أن أختم ذلك بذكر أهم الفروق بين الحُكمين، لئلا يلتبس أحدهما بالآخر عند بعض طلاب العلم، فأقول: إن بينهما فروقًا هي:\nالأول: إن الخطاب في الحكم الوضعي خطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه، وربط فيه بين أمرين بحيث يكون أحدهما سببًا للآخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه.\nأما الخطاب في الحكم التكليفي: فإنه خطاب طلب الفعل، أو طلب الترك، أو التخيير بينهما، فيكون خطاب التكليف هو: طلب أداء ما تقرَّر بالأسباب والشروط.\nالثاني: أن الحكم التكليفي يشترط فيه قدرة المكلف على فعل الشيء المكلف به.\nأما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك: فقد يكون مقدورًا للمكلف كالسرقة، وصيغ العقود الشرعية ونحوها، وقد يكون غير مقدور للمكلف كدلوك الشمس الذي هو سبب لوجوب الصلاة، وحولان الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة.","vol":"1","page":82},{"text":"الثالث: أن الحكم التكليفي يتعلق بالكسب والمباشرة للفعل من الشخص نفسه، فإن عمل شيئًا يوافق أمر الشارع يؤجر عليه، وإذا عمل شيئًا مخالفًا لأمر الله فإنه يأثم.\nبخلاف الحكم الوضعي فقد يعاقب أشخاصًا بفعل غيرهم، ولهذا وجبت الدية على العاقلة.\nالرابع: أنه يشترط في الحكم التكليفي أن يكون معلومًا للمكلف، وأن يعلم أن هذا التكليف به صادر من الله تعالى.\nبخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك، ولذلك يرث الإنسان بدون علمه، وتحل المرأة بعقد أبيها عليها، وتحرم بطلاق زوجها لها وإن كانت لا تعلم، ويضمن النائم، والناسي والساهي ما أتلفوه وإن كانوا لا يعلمون.\nالخامس: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلَّف الذي توافرت فيه شروط التكليف وهو: البلوغ، والعقل، والفهم.\nبخلاف الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالمكلف وغير المكلف، لذلك تجد الزكاة وجبت في أموال الصبي والمجنون، ويضمن النائم والناسي والغافل والسكران ونحوهم ما يتلفون.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الفصل الثالث\nفي أدلة الأحكام الشرعية</span>\nإن الأحكام التكليفية من وجوب وندب وإباحة وكراهة وتحريم، والأحكام الوضعية من سبب وشرط ومانع ورخصة وعزيمة، لا يمكن أن تثبت ويعمل بها إلا بأدلة شرعية، وهذه الأدلة تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: أدلة متفَق عليها.\nالقسم الثاني: أدلة مختلَف فيها.\nوإليك بيان ذلك:","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>القسم الأول الأدلة المتَّفَق عليها</span>\nويشتمل على الأدلة التالية:\nالدليل الأول: القرآن الكريم.\nالدليل الثاني: السنة.\nالدليل الثالث: الإجماع.\nالدليل الرابع: القياس.\nوإليك بيان كل واحد منها.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الدليل الأول\nالقرآن الكريم</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المسألة الأولى:\nالقرآن هو: الكلام المنزَّل للإعجاز بسورة منه، أو أقل منها، المتعبد بتلاوته</span>.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المسألة الثانية:\nالقراءة المتواترة: </span>هي كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، وهي قراءة السبعة وهم: نافع بن عبد الرحمن المدني، وعبد الله بن كثير المكي، وريان بن العلاء: أبو عمرو البصري، وعبد الله بن عامر الشامي، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وحمزة بن حبيب الكوفي، وعلي بن حمزة الكسائي.\nوقراءة الثلاثة - أيضًا - وهم: يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وخلف بن هشام الأسدي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع.","vol":"1","page":89},{"text":"فإذا اختل أحد الشروط الثلاثة السابقة في تعريف القراءة المتواترة فإن القراءة تكون غير متواترة، وهي: الشاذة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المسألة الثالثة:\nالقراءة الشاذة حجة - أي: تؤثر في الأحكام الفقهية إثباتًا ونفيًا</span>، لأن الناقل للقراءة الشاذة - وهو الصحابي - أخبر أنه سمع ذلك من النبي - ﷺ -، فالمنقول إما أن يكون قرآنًا، أو خبرًا عن النبي - ﷺ -، ولا ثالث لهما، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة.\nوبناء على هذا: فإنه يجب التتابع في صيام كفارة اليمين لقراءة ابن مسعود - ﵁ - \" فصيام ثلاثة أيام متتابعات \". وتجب النفقة على كل ذي رحم محرم؛ لقراءة ابن مسعود - ﵁ - \" وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المسألة الرابعة:\nلا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة: </span>لأن الصلاة لا تصح إلا بقرآن، والقرآن لا يكون إلا متواترًا، وهذه القراءة لم يثبت أنها قرآن، وهي خارجة عن الوجه الذي ثبت به القرآن فلا تصح القراءة بها.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المسألة الخامسة:\nالقرآن فيه مجاز </span>كما فيه حقيقة عند الجمهور واستدلوا بدليلين هما:\nالأول: أن القرآن وصف بأنه عربي نزل بلغة العرب، ولغة العرب يدخلها المجاز بدليل: وقوعه فيها، فاستعمل العرب لفظ: \" الأسد \" للرجل الشجاع، ولفظ: \" الحمار \" للرجل البليد، وقولهم: \" قامت الحرب على ساق \"، وقول الشاعر:\nأشاب الصغير وأفنى الكبير. . . كرُّ الغداة ومرُّ العشي\nوهذا لا شك أنه مجاز، فيكون القرآن - على هذا - قد اشتمل على المجاز؛ لأنه نزل بلغتهم.\nوالثاني: وقوع المجاز في القرآن: بحيث يذكر الشيء\nبخلاف ما وضع له: وهو إما نقصان كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أو استعارة كقوله تعالى: (وَاخفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ)، وقوله: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ).\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المسألة السادسة:\nالقرآن يشتمل على ألفاظ أصولها غير عربية</span>، كقوله تعالى: (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) و(مشكاة) و(إستبرق)، لكن العرب عرَّبتها بكثرة الاستعمال، وحوَّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فهي عربية بهذا الوجه؛ حيث إن كثرة اختلاط العرب بالعجم جعل العرب يأخذوا عن العجم بعض ألفاظهم، وغيَّرت بعضها بالنقص من حروفها، وخففت ثقل العجمة، واستعملتها في شعرها ونثرها حتى جرت مجرى اللغة","vol":"1","page":91},{"text":"العربية، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المسألة السابعة:\nالقرآن مشتمل على ما هو مُحكم وعلى ما هو متشابه: </span>والمحكم من القرآن هو: ما أمكن معرفة المراد بظاهره، أو بدلالة تكشف عنه، أو بأي طريق من طرق المعرفة.\nوالمتشابه منه هو: ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، والتصديق بأنه لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه، كوصفه سبحانه بالاستواء الوارد في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، واليد الوارد في قوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، والعين الوارد في قوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)، وغير ذلك من الصفات التي اتفق أهل السنة والجماعة على إقرارها وإمرارها على ما هي عليه، وترك تأويلها.\nودليل ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، حيث إن الله تعالى قد صرَّح بوجود المحكم والمتشابه في القرآن، ثم ذم المبتغين لتأويل المتشابه ووصفهم بأنهم يبتغون الفتنة، وسمَّاهم","vol":"1","page":92},{"text":"أهل زيغ، ولا يذم إلا على تأويل الصفات كما أجمع على ذلك السلف - ﵏ -، فلو كان المقصود بالمتشابه غير ذلك لما ذم الله المبتغين لتأويله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المسألة الثامنة:\nالمتشابه لا يمكن إدراك المراد منه ولا يعلم تأويله إلا الله تعالى</span>، دلت على ذلك الآية السابقة؛ حيث إن الوقف الصحيح على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، والواو في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) للابتداء، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله تعالى، وقد دل على ذلك لفظ الآية ومعناها.\nأما الدليل من لفظ الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: \" إلا الله \"، فهو: أن الله تعالى لو أراد عطف الراسخين على لفظ الجلالة، وهو الله ﷾، لقال: \" ويقولون آمنا به \" بزيادة \" الواو \"؛ حيث إن جملة: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) تكون جملة واحدة، ولفظ \" يقولون \" مستأنفة، فكان لا بدَّ من \" الواو \" ولكنه سبحانه لم يقل: \" ويقولون \"، بل قال: \" يقولون \" مما يدل على أن عبارة \" يقولون آمنا به \" مرتبطة بما قبلها، وليس لها إلا أن تكون خبر عن مبتدأ وهو قوله: \" والراسخون \" فينتج من ذلك أن \" الواو \" في قوله: \" والراسخون \"، للابتداء، وما قبل ذلك يكون نهاية جملة مفيدة وهو قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ).","vol":"1","page":93},{"text":"أما الدليل من معنى الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: \" إلا الله \" فمن وجوه:\nالوجه الأول: أن لفظة \" أما \" تأتي في اللغة لتفصيل الجمل، فلا بد أن يكون في سياقها قسمان، وهكذا ورد في الآية السابقة، حيث قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، فهذا القسم الأول، وهناك قسم آخر يخالف هذا القسم، تقديره، وأما غيرهم فيؤمنون بالمتشابه، ويفوضون معناه إلى الله تعالى، فيكون عندنا قسمان:\n- قسم ذمَّهم الله، وهم الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب.\n- وقسم مدحهم الله، وهم الذين آمنوا بالمتشابه، وفوضوا معرفته إلى الله تعالى، وهذا كله يدل على أن الوقف على قوله: \" إلا الله \".\nالوجه الثاني: أن الله تعالى ذكر أن الراسخين في العلم يقولون: \" آمنا به \"، ولم يقولوا: \" علمنا به \"، والإيمان غير العلم؛ حيث إن معنى الإيمان، التصديق، فهذا يدل على أنهم فوَّضوا علم المتشابه إلى الله تعالى، وبينوا أن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فهذا يدل على أن الراسخين في العلم لم يدركوا معنى المتشابه.\nالوجه الثالث: أن الله تعالى وصف الذين يبتغون تأويل المتشابه بأنهم أهل زيغ، وهذا ذم لهم، ولو كان تأويل المتشابه معلومًا للراسخين في العلم - لكان مبتغي تأويله ممدوحًا غير مذموم، فلما ذم الله تعالى مبتغي التأويل عرفنا أن سبب هذا الذم هو: أنه يزاحم الله فيما استأثر بعلمه، فينتج من ذلك: أن الله هو المتفرد بعلم المتشابه لا يشاركه فيه أحد، فيكون الوقف الصحيح","vol":"1","page":94},{"text":"على قوله: \" إلا الله \".\nوبناء على ذلك: فإنه لا يجوز أن نجتهد في النصوص الواردة في صفات الله تعالى، ويجوز أن نجتهد في غير ذلك من النصوص ونستنبط منها الأحكام الفرعية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المسألة التاسعة:\nيوجد في القرآن لفظ مشترك </span>- وهو: اللفظ الدال على معنيين فأكثر لا مزية لأحدها على الآخر، وقلنا ذلك لأمرين:\nأولهما: أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب يرد فيها المشترك؛ حيث إنه يُتردد في المراد من لفظ \" القرء \" و\" العين \" و\" الشفق \" و\" الجون \" و\" الجلل \"، وهذا التردد: علامة الاشتراك.\nثانيهما: الوقوع؛ حيث وقع المشترك اللفظي في القرآن؛ كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، والقرء يصلح للطهر والحيض، لذلك اختلف العلماء في عدة المطلقة الحائض، فقيل: إن عدتها ثلاث حيض استنادًا إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الحيض.\nوقيل: إن عدتها ثلاثة أطهار؛ استنادًا إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الطهر.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الدليل الثاني\nالسُّنَّة</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسألة الأولى:\nالسنة هي: ما صدر عن النبي - ﷺ - غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير، مما يخص الأحكام التشريعية</span>.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المسألة الثانية:\nالسنة حجة يجب قَبولها والعمل بها كما يجب قَبول القرآن </span>والعمل به؛ للآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول - ﷺ -، كقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢»، أو للآيات الدالة على وجوب الإيمان به - ﷺ - كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وللآيات الدالة على وجوب اتباعه في جميع ما صدر عنه، والدالة على أن اتباعه لازم لمحبة الله تعالى كقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، وكقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤»،","vol":"1","page":96},{"text":"وقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ولإجماع المسلمين منذ بعثته - ﷺ - إلى يومنا هذا على أن كل ما صدر عن النبي - ﷺ - من أقوال وأفعال وتقريرات حجة يجب العمل به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المسألة الثالثة:\nالخبر من حيث سنده ينقسم إلى قسمين:</span>\nالقسم الأول: الخبر المتواتر، وهو: خبر عدد يمتنع معه لكثرته التواطؤ على الكذب.\nالقسم الثاني: خبر الآحاد، وهو: خبر واحد أو عدد لا يمتنع معه التواطؤ على الكذب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المسألة الرابعة:\nالخبر المتواتر </span>يفيد العلم اليقيني بالمخبر عنه: لأنا نجد أنفسنا عالمة علمًا يقينيًا بما أخبرنا به عن طريق التواتر، كإخبارنا بالأنبياء والعلماء والسلاطين، والبلاد النائية كالهند والصين ونحو ذلك، كما نجد أنفسنا عالمة بما نشاهده وما نحس به، ومن أنكر ذلك فقد أنكر ما قطع به، وهذا لا يُعتد بقوله.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المسألة الخامسة:\nالعلم الحاصل بالمتواتر ضروري لا نظري: </span>لأنه يحصل لأهل النظر ولغيرهم من العوام والصبيان، فلو كان العلم الحاصل بالمتواتر نظريًا فإنه لا يقع إلا لمن هو من أهل النظر والاستدلال فقط، وللزم من ذلك: اختلاف الناس فيه فيعلمه بعضهم أو يجهله آخرون.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المسألة السادسة:\nشروط المتواتر </span>هي:\nالشرط الأول: أن يكون المخبرون عالمين ضرورة بما أخبروا به عن طريق إحدى الحواس الخمس، كأن يقولوا: \" سمعنا فلان يقول \"، أو \" رأينا الصين \"، أو \" لمسنا الثلج فوجدناه باردا \"؛ لأن ما لا يكون كذلك فإنه يحتمل الغلط، أو السهو، أو الغفلة فلا يحصل به العلم.\nالشرط الثاني: أن يكون حال وعدد الطبقة الثانية كحال وعدد الطبقة الأولى، وكذلك تكون الطبقة الثالثة، وهكذا حتى ينتهي الخبر إلينا، فكل طبقة يشترط فيها شروط التواتر؛ لأن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه، فلا بد من توافر شروط التواتر فيه، فإن لم يتوافر هذا الشرط في كل عصر فإنه لا يحصل العلم بصدقهم، لعدم استواء طرفي الخبر ووسطه في كمال العدد والصفة.\nالشرط الثالث: أن لا يكون السامع عالمًا بما أخبر به ضرورة، لأن العلم الضروري يستحيل أن يصير أقوى مما كان.","vol":"1","page":98},{"text":"الشرط الرابع: أن يكون السامع للخبر من أهل العلم غير المتشددين أو المتساهلين؛ لأنه يستحيل حصول العلم من غير متأهل له.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المسألة السابعة:\nلا يشترط في المتواتر عدد محصور: </span>بل متى ما حصل العلم بخبر المخبرين المجرد عن القرائن فإنا نعلم أن الخبر قد بلغ التواتر، وإذا لم يحصل لنا العلم بخبر المخبرين فإنا نعلم أن الخبر لم يبلغ حد التواتر؛ لأنه لا يمكن معرفة العدد بالتحديد الذي حصل علمنا عنده بوجود بلد لم نشاهده، وإنما الطريق لمعرفة كون هذا الخبر متواترًا هو حصول العلم بالخبر؛ لأن العلم يتزايد تزايدًا خفي التدريج، فهو يشبه تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المسألة الثامنة:\nلا يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين وعدولًا</span>، فيحصل العلم بالمتواتر سواء كان المخبرون مسلمين أو لا، عدولًا أو لا؛ لأن سبب إفضاء الخبر المتواتر إلى العلم هو: كثرة المخبرين الذين لا يُتصوَّر اجتماعهم أو تواطؤهم على الكذب في الخبر، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يمكننا أن نستفيد العلم بأخبار الكفار، وبأخبار الفساق كما لو أخبروا عن موقعة","vol":"1","page":99},{"text":"وقعت في السوق، كما يمكن أن نستفيد العلم بأخبار المسلمين أو العدول ولا فرق، والجامع: الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب، فكثرة المخبرين جعلته في مرتبة قوية في إفادته للعلم، فلا يحتاج إلى شيء يقوِّيه كالإسلام والعدالة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المسألة التاسعة:\nلا يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم عدد </span>ولا يحويهم بلد؛ لأن الواقع يدل على ذلك. فلو أخبرنا المصلون في مسجد عن سقوط الإمام من المنبر - وهو يخطب - فإنه يحصل العلم بخبرهم مع أنهم محصورون، بدليل أن المسجد قد حواهم، فإذا كان الأمر كذلك في المسجد فمن باب أولى أن يحصل العلم بخبر أهل بلد لو أخبروا عن وقوع شيء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المسألة العاشرة:\nلا يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم وأوطانهم </span>وأديانهم؛ لأن الواقع يدل على ذلك. فلو أن قبيلة من القبائل المتفقة في الدين، والوطن، والنسب، أخبروا عن حادثة وقعت في ناحيتهم فإنه يحصل العلم بخبرهم ضرورة.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المسألة الحادية عشرة:\nلا يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين</span>، لأن الواقع يدل على ذلك، فلو أخبر أهل بلد من بلدان الكفار عن حصول فتنة لحصل العلم بخبرهم مع كونهم كفارًا فضلًا عن كون الإمام المعصوم ليس فيهم.\n* * *\nالمسألة الثانية عشر:\nلا يجوز على أهل التواتر والجماعة العظيمة أن يكتموا ما يحتاج الخلق إلى نقله ومعرفته، لأن كتمان ذلك بمثابة الكذب - وهو: الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع - والكذب محال على أهل التواتر والجماعة العظيمة، لاستحالة أهل التواتر على الكذب.\n* * *\nالمسألة الثالثة عشرة:\nخبر الواحد المجرد يفيد الظن، ولا يفيد العلم؛ لأنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم، لكان العلم حاصلًا بخبر الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم من غير حاجة إلى إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم، ولوجب على القاضي أن يصدق المدَّعي من غير بينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولجاز أن ينسخ خبر الواحد","vol":"1","page":101},{"text":"القرآن والسنة المتواترة، ولكن لما أخبر الأنبياء عن نبوتهم وأظهروا مع ذلك المعجزات الدالة على ذلك، ولما لم يصدق القاضي المدَّعي إلا ببينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولما لم يجز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد، دل كل ذلك على أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن.\n* * *\nالمسألة الرابعة عشرة:\nالمستفيض وهو: ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة، وهو المشهور - داخل ضمن خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما لا يفيد الظن أصلًا، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على السواء.\nالقسم الثاني: ما يفيد الظن، وهو: ترجيح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع، سواء نقله واحد أو نقله الثلاثة والأربعة.\n* * *\nالمسألة الخامسة عشرة:\nيجوز التعبد بخبر الواحد شرعًا والعمل به لدليلين:","vol":"1","page":102},{"text":"أولهما: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث قبل أبو بكر - ﵁ - خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في أن الرسول - ﷺ - قد أعطى الجدة السدس، وأن عمر قبل خبر حمل ابن مالك وهو قوله: \" كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - في جنينها بغرة عبد أو أمة وأن تقتل \"، وقبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - قال - في المجوس -: \" سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب \".\nوقبل الصحابة خبر عائشة أن النبي - ﷺ - قال: \" إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل \"، وقبل ابن عباس خبر أبي سعيد الخدري في الصرف وهو أن رسول الله - ﷺ - قال: \" لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل\"، فحرم بذلك ربا الفضل وربا النسيئة، وقال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى في ذلك بأسًا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي - ﷺ - نهى عن المخابرة، وغير ذلك.\nوهذه الأخبار وإن لم تتواتر آحادها إلا أنها بمجموعها أفادتنا علمًا يقينيًا لا يقبل الشك أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد ويعملون به، ويتركون ما خالفه، دون إنكار من أحد؛ إذ لو وجد إنكار لبلغنا كما بلغتنا تلك الأخبار، فلما لم يبلغنا إنكار على العمل بتلك الأخبار دل هذا على إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد.\nثائيهما: أن النبي - ﷺ - كان يبعث آحاد الصحابة إلى البلاد، كبعثة مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وإرساله عليًا ومعاذًا إلى اليمن، ليعلِّموا أهل تلك الديار الأحكام","vol":"1","page":103},{"text":"الشرعية، ويبعث الواحد من الصحابة ليخبرهم بالناسخ والمنسوخ، وكان أهل تلك الديار يقبلون منهم ذلك، فلو أن خبر الواحد غير مقبول لما بعثهم النبي - ﷺ -، ولما قبل السامعون الأحكام التي جاء بها.\n* * *\nالمسألة السادسة عشرة:\nلا يشترط لقَبول الخبر أن يرويه اثنان، بل يقبل الخبر وإن كان راويه واحدًا؛ لما سبق من الدليلين اللذين ذكرا في المسألة السابقة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المسألة السابعة عشرة:\nالرواية في الزنا لا يشترط فيها أن يكون الرواة أربعة</span>، بل يكفي واحد كغير الرواية في الزنا، ولا فرق، لعموم الدليلين السابقين؛ حيث دلًا على أن خبر الواحد الثقة يقبل مطلقًا سواء في الزنا أو في غيره.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المسألة الثامنة عشرة:\nالصحابي هو: </span>من رأى النبي - ﷺ - مؤمنًا به، واختص به اختصاص المصحوب، متَّبعًا إياه مدة يثبت معها إطلاق صاحب عليه عرفًا بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، هذا هو تعريف الصحابي الأصح؛ لأن شهود التنزيل، والاطلاع على أسباب ورود الأحكام، ومعرفة التأويل، ومقاصد الشريعة لا يمكن إلا باختصاص مصاحبة، وكثرة مجالسة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المسألة التاسعة عشرة:\nيُعرف الصحابي بطرق هي:</span>\nالطريق الأول: النقل المتواتر؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة قد علمنا بصحبتهم عن طريق التواتر كالخلفاء الأربعة، وزوجاته - ﷺ -، والمهاجرين، والأنصار.\nالطريق الثاني: أن يخبر الشخص العدل الثقة المعاصر للنبي - ﷺ - عن نفسه بأنه صحابي ويقول: \" أنا صحبت النبي - ﷺ -\".\nالطريق الثالث: إن يخبر الواحد ممن ثبتت صحبته ويقول: إن فلانًا من الصحابة؛ لأن الصحابي عدل فيقبل كل ما يخبر به.\nالطريق الرابع: أن يقول المسلم الذي ثبتت صحبته: \" كنت أنا وفلان من الصحابة عند رسول الله - ﷺ -\".\nالطريق الخامس: أن يقول المسلم الذي ثبتت صحبته: \" دخلنا على النبي - ﷺ -\".","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المسألة العشرون:\nيُقبل خبر الصحابي مطلقًا لثبوت عدالته في الكتاب، والسنة، والعقل</span>.\nفمن الكتاب قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)، وقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃)، حيث إن الله تعالى قد صرَّح بأنه قد رضي عن الصحابة، ولا يرضى الله تعالى إلا على من اتصف بالعدالة؛ حيث إنه لا يرضى عن الفسَّاق.\nومن السنة قوله - ﷺ -: \" خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم \"، فلو لم يكونوا عدولًا لما وصفهم بالخيرية، لأن الفساق لا خير فيهم.\nوالعقل دلَّ على عدالتهم؛ حيث إن تواتر واشتهار طاعتهم المطلقة لله ولرسوله، وبذل النفس والنفيس، وقتالهم للآباء والأبناء والأقرباء والأهل في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وكون الواحد منهم لا تأخذه في الله لومة لائم في ذلك، يجعل كل عاقل يقطع بصلاحهم وأنهم آمنوا وصدقوا باطنًا وظاهرًا، ويقطع بنفي الفسق عنهم، ومن انتفى فسقه، وظهر صلاحه فهو العدل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المسألة الواحدة والعشرون:\nلا يُقبل خبر غير الصحابي إلا بشروط هي:</span>\nالشرط الأول: أن يكون مسلمًا، فلا تقبل رواية الكافر لأنه متهم بالدين، غير مؤتمن على أي خبر يخص الشريعة الإسلامية فعداوته للمسلمين تحمله على الكيد لهم، والحرص على التدليس والتلبيس عليهم في دينهم، لأنه أبغضهم من أجله.","vol":"1","page":106},{"text":"الشرط الثاني: أن يكون الراوي بالغًا، أما الصبي فلا تقبل روايته؛ لأن الصبي لا يعرف الله تعالى وإذا كان كذلك فلا يخاف عقاب من لا يعرفه ولا يرجو ثواب من يجهله، فيكون الصبي لا رغبة له في الصدق، ولا يوجد شيء يجعله يتجنب الكذب، وبالتالي لا يؤمن جانبه فلا يوثق بخبره، فلا يقبل.\nوأيضًا: فإن الصبي إذا أقر بشيء على نفسه فإنه لا يقبل، فإذا كان لا يقبل منه هذا مع أنه خاص بنفسه، فإنه من باب أولى أن لا يقبل خبره عن غيره.\nالشرط الثالث: أن يكون الراوي عاقلًا، فلا يقبل خبر المجنون، لأن العاقل يُميز بين خبر الرسول - ﷺ - وخبر غيره، وبين قبح الكذب، وحسن الصدق، ويعلم معنى المنقول والمراد منه.\nالشرط الرابع: أن يكون الراوي متصفًا بالعدالة وهي: هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة؛ حتى تحصل ثقة النفس بصدقه، ويتحقق ذلك باجتناب جميع الكبائر والصغائر، واجتناب بعض المباحات التي يدل فعلها على نقص المروءة ودناءة الهمة، كالإفراط في المزاح، والبول في الشارع، والأكل في السوق، والضابط في هذا: ظهور أمارة الصدق، وعدم ظهور أمارة الكذب، وهذا يختلف باختلاف المجتهدين.\nوعلى هذا لا يقبل خبر الفاسق؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦»، حيث إن الله تعالى قد نهانا عن قبول خبر الفاسق والعمل به إلا بعد التثبت والتأكد من صحته، فلو كان خبر الفاسق مقبولًا لما أمرنا بالتثبت من خبره.","vol":"1","page":107},{"text":"والشرط الخامس: أن يكون الراوي ضابطًا متقنًا لما يحفظه، دون تغيير، لأن غير الضابط قد يُغير لفظ الخبر، فيتغير بذلك المعنى، وقد يسقط من الخبر ما يحتاج إليه في الاستدلال، وقد يُضيف إلى الخبر ما يفسد الاستدلال به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسألة الثانية والعشرون:\nلا يشترط في الراوي كونه فقيهًا، لدليلين:</span>\nأولهما: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، حيث إن الله قد أوجب التبين في حالة الفسق، وعليه فلا يجب التبين في غير الفاسق سواء كان فقيهًا أو غير فقيه.\nثانيهما: قوله - ﷺ -: \"نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه \"، وهو صريح في الدلالة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المسألة الثالثة والعشرون:\nلا تشترط في الراوي كثرة مجالسته للعلماء</span>؛ لأن بعض الصحابة - ﵃ - قد قبلوا رواية بعض الأعراب، والأعرابي لا يجالس العلماء لكثرة ترحاله وتنقله، فهم لم يفرِّقوا بين الراوي المكثِر لمجالسة العلماء وبين غيره إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة الذكر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المسألة الرابعة والعشرون:\nلا تشترط في الراوي كثرة روايته للأحاديث</span>؛ لأن بعض الصحابة - ﵃ - قد قبلوا خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثًا واحدًا، فلم يفرقوا بين من يروي حديثًا واحدًا، وبين","vol":"1","page":108},{"text":"من يروي الأحاديث الكثيرة إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المسألة الخامسة والعشرون:\nلا يشترط في الراوي: كونه مشاهدًا حال السماع منه</span>، لأن الصحابة - ﵃ - قد قبلوا أخبار عائشة ﵂ وكانوا يسمعونها من وراء ستر؛ اعتمادًا على صوتها بدون رؤية شخصها، فهم في تلك الحالة كالعميان بالنسبة لعائشة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المسألة السادسة والعشرون:\nلا يشترط في الراوي: كونه عالمًا باللغة العربية</span>، لأن جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه للحديث، ولهذا يمكنه حفظ القرآن الكريم، وإن لم يعرف معناه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المسألة السابعة والعشرون:\nلا يشترط في الراوي: كونه ذكرًا</span>؛ لإجماع الصحابة على قَبول أخبار عائشة، وأم سلمة، وحفصة - رضي الله عن الجميع - بدون نكير من أحد.\nوأيضًا: لو كانت الأنوثة مانعة للمرأة من قبول روايتها، لكان ذلك مانعًا من قبول فتواها، ولكن قولها يقبل في الفتوى، فيقبل خبرها في الرواية، قياسًا عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المسألة الثامنة والعشرون:\nلا يشترط في الراوي عدم القرابة</span>، وعدم العداوة، بل تجوز رواية الولد بما يعود منفعته إلى والده، ويجوز العكس، ويجوز أن يروي خبرًا يضر بعدوه وينفعه مطلقًا؛ لأن حكم الرواية عام؛","vol":"1","page":109},{"text":"فيلزم الراوي والمروي له وغيرهما، فلا يختص بواحد معين، فالتهمة معدومة حتى تكون العداوة أو الصداقة أو القرابة مؤثرة فيه بنفي أو إثبات، فالرواية ليست كالشهادة التي تختص بالمشهود له أو عليه، نفعًا أو ضرًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المسألة التاسعة والعشرون:\nالكافر الأصلي هو: الخارج عن الإسلام كاليهودي والنصراني لا يقبل خبره</span>، وقد سبق بيان ذلك.\nأما الكافر المتأوِّل، وهو: المسلم الذي فعل بدعة كفَّره بها أهل السنة والجماعة - وهو يعلم بذلك أو لا يعلم - ففيه التفصيل الآتي:\nإن كان يدعو إلى بدعته: فلا يقبل خبره؛ لأنه لا يؤمن أن يضع حديثًا يوافق تلك البدعة ويقويها، فأثر ذلك في صدقه فترجَّح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من أخبار.\nوإن كان لا يدعو إلى بدعته - التي كُفر بسببها - فإن خبره يقبل؛ لأنه قد أمن جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه، فيقبل خبره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المسألة الثلاثون:\nالفاسق بعمل الجوارح لا يُقبل خبره</span>، وقد سبق بيان ذلك.\nأما الفاسق المتأول - وهو: الذي فعل بدعة قد فُسِّق بسببها","vol":"1","page":110},{"text":"- وهو يعلم ذلك أو لا يعلم - ففيه التفصيل الآتي:\nإن كان يدعو إلى بدعته: فلا يقبل خبره، لأنه لا يؤمن أن يضع خبرًا يوافق تلك البدعة، فأثرت تلك الريبة في صدقه، فترجح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من أخبار.\nوإن كان لا يدعو إلى بدعته - التي فُسق بسببها -: فإنه يقبل خبره، لأن الراوي الذي توفرت فيه شروط الراوي الذي أخطأ بتأويل إذا كان لا يجوِّز الكذب، وهو يعتقد أنه على حق قد أُمن جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه فيقبل خبره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المسألة الواحدة والثلاثون:\nالصبي لا يقبل خبره</span>، وقد سبق بيان ذلك، لكن إذا سمع الصبي الخبر وتحمله قبل البلوغ وكان مميزًا ضابطًا لذلك الخبر، وأدَّاه بعد البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنه يقبل خبره لدليلين:\nأولهما: إجماع الصحابة والسلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة - وهم الذين توفي النبي - ﷺ - وهم لم يبلغوا - كابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وأنس بن مالك، وغيرهم من أحداث الصحابة ﵃ - فكان يقبل منهم كل خبر يروونه من غير تفريق بين ما تحملوه في حالة الصِّبا، وما تحملوه بعد البلوغ.\nثانيهما: قياس الرواية على الشهادة، بيانه: أنه إذا جاز أن يتحمل الشهادة صبيًا، ويشهد بها بعد البلوغ وتقبل، فمن باب","vol":"1","page":111},{"text":"أولى جواز تحمل الرواية في حالة الصبا وأدائها بعد البلوغ، لأن الشهادة يحترز منها أكثر من غيرها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المسألة الثانية والثلاثون:\nمجهول الحال في الإسلام، والتكليف، والضبط، لا يقبل خبره إجماعًا</span>، أي: أنه إذا روى لنا شخص خبرًا ونحن لا نعرف أنه مسلم، أو كافر، أو لا نعرف أنه مكلف أو لا، أو لا نعرف أنه ضابط أو لا، فإن هذا لا يقبل خبره، ولا نعمل به، لأن الإسلام والتكليف والضبط من شروط قبول الرواية، وعليه: فلا يمكن قبول خبر شخص إلا إذا تأكدنا من توفر هذه الشروط، فإذا شككنا في أي واحد منها فإنه لا يقبل الخبر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المسألة الثالثة والثلاثون:\nمجهول الحال في العدالة لا يقبل خبره</span>؛ لدليلين:\nأولهما: قياس مجهول الحال في العدالة على مجهول الحال في الإسلام، والتكليف والضبط، بيانه: أنه كما أن مجهول الحال في الإسلام والتكليف والضبط لا يقبل خبره، فكذلك مجهول الحال في العدالة - وهو الذي لا يعرف عنه عدل ولا فسق - لا يقبل خبره، ولا فرق والجامع: أنه لم يثبت فيه شرط قبول الرواية، وإذا تخلف الشرط: تخلف المشروط - وهو القبول - كالطهارة في الصلاة إذا لم توجد الطهارة فإن الصلاة لا تصح، كذلك هنا.\nثائيهما: قياس مجهول العدالة في الرواية على مجهول العدالة في الفتوى، بيانه: أن المفتي إذا بلغ درجة الاجتهاد وشك في عدالته فإن فتواه لا تُقبل، فكذلك إذا شك في عدالة الراوي فإن خبره لا يقبل ولا فرق، والجامع: أن كلًا منهما يحكي","vol":"1","page":112},{"text":"حكمًا شرعيًا يعمل به، إلا أن المفتي يحكيه عن اجتهاد نفسه واستنتاجه من الأدلة المعتبرة، والراوي يحكي ذلك الحكم عن غيره بصورة خبر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المسألة الرابعة والثلاثون:\nالتعديل: هو </span>وصف المسلم المكلَّف الضابط بملازمة التقوى والمروءة، بحيث يُنسب إليه الخير والعِفَّة، والحرص على فعل الواجبات، وترك المحرَّمات والشبهات، وتحري الصدق وتجنب الكذب، مما يجعلنا نظن غالبًا بأن قوله صدق.\nوالتجريح هو ضد التعديل، وهو: أن لا يوصف المسلم، بما سبق، فلا نصفه بالعدالة، مما يجعلنا نظن ظنًا غالبًا بأن هذا الشخص لا يتحرى الصدق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المسألة الخامسة والثلاثون:\nيحصل تعديل الشخص بأمور:</span>\nأولها: التعديل بالحكم بشهادته.\nفإذا علمنا أن هذا الحاكم العدل قد حكم بشهادة ذلك الشخص فإنه يدل على أن هذا الشخص عدل، وهذا أقوى من التعديل بالقول، وهو قوله: \" هو عدل رضي \"؛ لأن الحكم بشهادته استلزم القول وتضمنه، أما القول فهو مجرد لم يتضمن الحكم بشهادته فيكون الحكم بشهادته قولًا وزيادة.","vol":"1","page":113},{"text":"ثانيها: التعديل بالقول، وهو على مراتب:\nالمرتبة الأولى: قول المعدل: \" هو عدل رضي \" مع ذكر السبب.\nالمرتبة الثانية: قول المعدل: \" هو عدل رضي \" مع عدم ذكر السبب.\nوهذه المرتبة تتفاوت في القوة، فأعلاها قوة: أن يكرر اللفظ قائلًا: \" هو عدل عدل \"، أو \" ثقة ثقة \"، أو \" ثقة عدل \"، أو \" ثقة ثبت \"، أو \" ثقة حجة \"، أو \" ثقة حافظ \"، أو \" ثقة ضابط \".\nوأدناها: أن يذكر اللفظ بدون تكرار فيقول: \" هو عدل \" أو \" ثقة \".\nالمرتبة الثالثة: قول المعدل: \" هو صدوق \" أو \" مأمون \" أو \" خيار \".\nالمرتبة الرابعة: قول المعدل: \" محله الصدق \"، أو \" رووا عنه \"، أو \" صالح الحديث \"، أو \" حسن الحديث \"، أو \" أرجو أن ليس به بأس \" ونحو ذلك.\nثالثها: التعديل بعمل العدل الثقة بخبر ذلك الشخص بشرط: أن يُعلم يقينًا أن هذا العدل لم يعمل إلا بخبر ذلك الشخص، أما إذا لم يتوفر ذلك الشرط، فإن العمل بذلك الخبر لا يكون تعديلًا للمروي عنه؛ لاحتمال أن يكون قد عمل به احتياطًا، أو أنه عمل بدليل آخر وافق روايته، وإذا تطرق الاحتمال بطل الجزم.\n* * *\nالمسألة السادسة والثلاثون:\nرواية العدل عن غيره لا تعتبر تعديلًا لذلك الغير؛ لدليلين:","vol":"1","page":114},{"text":"أولهما: أنه قد يكون هذا الشخص عدلًا عند الراوي، وليس عدلًا عند غيره، فيجب التأكد.\nثانيهما: أنه وقع أن بعض الأئمة قد رووا عن العدل وغير العدل، وإذا كان الأمر كذلك فقد وجد الاحتمال، وهو: احتمال أن يكون المروي عنه عدلًا أو غير عدل، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيجب التوقف فيه حتى يأتي دليل وقرينة تبين عدالة المروي عنه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المسألة السابعة والثلاثون:\nإذا اشتهر شخص بين طائفة من الناس بالعدالة </span>والثقة وشاع الثناء عليه بينهم - وهو ما يُسمَّى بالاستفاضة - فإن هذا لا يعتبر من الأمور التي يحصل بها التعديل؛ لأن الشخص قد يُشاع عنه بأنه عدل وثقة، وما أشاع ذلك إلا أنصاره وأتباعه ومن لهم فيه مصلحة، فإذا تحققنا من الأمر ودققنا فيه بان خلاف ذلك - وقد وقع كثيرًا - لذلك يُقتصر في التعديل على الأمور الثلاثة التي يحصل بها التعديل، وقد سبقت، لما فيها من الاحتياط.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المسألة الثامنة والثلاثون:\nإذا لم يحكم الحاكم بشهادة الراوي ولم يعمل بها فإن هذا لا يعتبر جرحًا </span>في الراوي، أي: لا يلزم من عدم قبول شهادته","vol":"1","page":115},{"text":"عدم قبول روايته، لأن الحاكم قد يتوقف في الحكم بشهادة الراوي لأسباب غير الجرح، كعداوة، أو تهمة قرابة، أو صداقة، فيكون الحاكم قد ترك العمل بشهادة الراوي لواحد من تلك الاحتمالات، لا لانتفاء العدالة، وعليه: فلا يحكم عليه بالجرح والتفسيق مع وجود تلك الاحتمالات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المسألة التاسعة والثلاثون:\nيُكتفى في الجرح والتعديل بقول واحد ليس من عادته التساهل في التعديل أو المبالغة في الجرح</span>، فإذا عدَّل شخص عارف بأمور التعديل راويًا من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونقبل رواية الراوي المعدَّل، وكذا لو جرَّح شخص عارف بأمور الجرح راويًا من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونرد رواية ذلك الراوي المجرَّح؛ لأن العدالة شرط من شروط قبول الرواية، والشرط لا يزيد في إثباته على مشروطه، ومعروف أن الأصل - وهو الرواية - يكفي فيه واحد، فتعديل الراوي وتجريحه تبع للرواية وفرع لها؛ لأنه إنما يُراد لأجلها، فإذا كانت الرواية يكفي فيها راوٍ واحد، فكذا ما هو تبع وفرع لها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة الأربعون:\nتعديل العبد والمرأة للراوي مقبول؛ قياسًا على روايتهما</span>، بيانه: كما أن رواية العبد والمرأة مقبولة، فكذلك تعديلهما","vol":"1","page":116},{"text":"للراوي مقبول، ولا فرق، والجامع: أن كلًا منهما خبر يجب فيه الصدق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المسألة الواحدة والأربعون:\nإذا عدَّل الثقة العدل شخصًا، أو جرَّحه، فإنه يجب ذكر سبب التعديل والجرح</span>.\nوقلنا: يجب بيان سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل لا يكون محصلًا للثقة بالعدالة؛ حيث إن العادة قد جرت بتسارع الناس إلى ذلك، بناء على الظاهر، وكم من شخص قد خدع غيره بمظهره، حيث يظهر التقى، والصلاح، والعلم، ومخافة الله تعالى، ويُعبر بتعبيرات تدل على ذلك في المجالس والمحافل، فإذا دققنا في شأنه وحالته وأموره الخاصة وجدناه على خلاف ظاهره تمامًا، حيث وجدناه يتساهل في كسب ماله فلا يأخذه من طرقه المشروعة.\nوبعض الأشخاص تجده يظهر أنه عالم وصالح لطائفة من النبلاء أو العلماء؛ نظرًا لطمعه في منصب وجاه، بينما هو على خلاف ذلك، كذلك تجد أناسًا يتساهلون في تعديل شخص، بينما يتشدَّدون في تعديل آخر، وهكذا، والأمثلة على ذلك كثيرة، فيجب أن يُبين المعدل أسباب تعديله لأي شخص، ثم نتأكد منها، فإن كانت صحيحة قبلنا ذلك، وإن كانت غير ذلك بينا وجه الخطأ فيه.\nوقلنا: يجب بيان سبب الجرح؛ لاختلاف الناس فيما يجرح","vol":"1","page":117},{"text":"به، فلعل الجارح اعتقد شيئًا جارحًا، وغيره لا يراه جارحًا، فبعضهم قد جرح بعض الرواة بكونه يبول قائمًا، وبعضهم قد جرحه بسبب أنه يركض على برذونه، وبعضهم قد جرحه بسبب كثرة كلامه، ونحو ذلك. وكل ما سبق لا يُجرح به الراوي، وبعضهم قد يُجرح شخصًا آخر؛ للتقليل من قيمته العلمية أو للنيل منه حتى لا يُفضَّل عليه، وهكذا، فلا بد من ذكر سبب الجرح حتى نتأكد منه، فإن كان صالحًا قبلناه، وإن كان فاسدًا رددناه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المسألة الثانية والأربعون:\nإذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدَّل، ولكنه اشتبه باسم رجل آخر مجروح فإن خبره لا يقبل</span>، نظرًا للاشتباه بالاسم الثاني، وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح، فلا تقبل روايته، بل يتوقف حتى يُعلم هل هو المجروح أو غيره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المسألة الثالثة والأربعون:\nإذا عدَّل زيد الراوي؛ وجرَّحه بكر</span>، فإنا ننظر في سبب التعديل وسبب الجرح، فإن كان أحدهما أقوى من الآخر رجحنا الأقوى، وإن كانا متساويين في القوة: تساقطا، وتوقفنا في هذا الراوي؛ قياسًا على الأدلة إذا تعارضت.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المسألة الرابعة والأربعون:\nإذا ورد التعديل والتجريح من واحد</span>، فإن علمنا المتأخر منهما، قدمنا المتأخر وعملنا به؛ لكونه ناسخًا للمتقدم، وإن لم نعلم المتأخر منهما، فإنا نتوقف حتى يثبت جرحه أو تعديله.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المسألة الخامسة والأربعون:\nإذا زاد عدد المعدلين على الجارحين </span>فإنا نقدم الجرح على التعديل وإن كثر عدد المعدِّلين، لأن الجارح اطلع على زيادة في العلم عن الراوي قد خفيت على المعدِّل؛ فالمعدلون وإن كثروا ليسوا يُخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون فلم ينفوا ما قاله المجرحون، فلا ينتفي ذلك العلم الذي أخبر به الجارحون بسبب كثرة عدد المعدلين، فلا يلتفت إلى الكثرة مع وجود زيادة في الجرح.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المسألة السادسة والأربعون:\nرواية المحدود في القذف مقبولة بشرط: </span>أن يكون قد أخرج القول بالقذف مخرج الشهادة، أما إن أخرج القول مخرج القذف فإن روايته لا تقبل، لدليلين:\nأولهما: الوقوع؛ حيث إن عمر قد جلد أبا بكرة واثنين معه حدَّ القذف لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا، ولم تتم الشهادة، ومع ذلك فقد قبل أهل الحديث ما رواه أبو بكرة من الأحاديث، وبعضها موجود في صحيح البخاري ومسلم.","vol":"1","page":119},{"text":"ثانيهما: أن الشاهد العدل يغلب على الظن صدقه، ولكن لم يكمل العدد في الشهادة على الزنا، ونقصان عدد الشهادة لم يكن من جهته، ولا من فعله، وبناء على نقصان الشهادة أقام الإمام الحد عليه، وذلك لا يقدح بعدالة المحدود بالقذف، ولذا قبلت روايته.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المسألة السابعة والأربعون:\nألفاظ الصحابي في نقل الخبر </span>هي:\nالأول: قول الصحابي: \" سمعت رسول الله - ﷺ - يقول كذا \".\nأو قال: \" أخبرني رسول الله بكذا \"، أو قال: \" حدثني بكذا \"، أو قال: \" شافهني بكذا \"، حجة يجب قبوله والعمل به؛ لصراحته في أنه لا يوجد واسطة بين الصحابي ورسول الله - ﷺ -، ولعدم تطرق أي احتمال إلى هذه الرواية.\nالثاني: قول الصحابي: \" قال رسول الله - ﷺ - \"، أو \" أخبر رسول الله - ﷺ - \"، أو \" حدَّث رسول الله \"، حجة يجب قبوله؛ لاتفاق السلف على قبول ذلك؛ حيث إنهم لم يفهموا من ذلك إلا السماع من النبي - ﷺ - مباشرة؛ حيث إن الظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة العربية، وطرق استعمالاتها، أنه لا يُعبر بمثل هذا اللفظ إلا إذا كان سامعًا ذلك من النبي - ﷺ -، حتى لو فرض أن الصحابي قد سمعه من غير النبي - ﷺ - من الصحابة فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي - ﷺ -؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ولأن مراسيل الصحابة مقبولة.","vol":"1","page":120},{"text":"الثالث: قول الصحابي: \" أمر رسول الله - ﷺ - بكذا \"، أو \" نهى عن كذا \"، أو \" حرم كذا \"، أو \" أباح كذا \"، أو \" فرض كذا \"، أو نحو ذلك، حجة يجب العمل به، لإجماع الصحابة السكوتي على قبول ذلك والعمل به، حيث إن بعض الصحابة كانوا ينقلون الحديث بمثل تلك الألفاظ، ويقبل الصحابة الآخرون ذلك، ويعملون به من غير نكير، ومن ذلك ما قاله بعض الصحابة: أمر رسول الله - ﷺ - بوضع الجوائح، وفرض زكاة الفطر صاعًا من تمر، ونهى عن المخابرة والوصال.\nالرابع: قول الصحابي: \" أُمرنا بكذا \"، أو \" نُهينا عن كذا \"، أو \" أوجب علينا كذا \"، أو \" حرم علينا كذا \"، أو \" أبيح لنا كذا \"، ونحو ذلك، يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول - ﷺ - ولا يحمل على غير ذلك، لذلك يجب العمل به؛ لأن مراد الصحابي من قوله هذا هو الاحتجاج لإثبات الأحكام الشرعية، فيجب حمل الأمر أو النهي على أنه صدر ممن يحتج بقوله، وهو الرسول - ﷺ -، ولا يحمل على أنه صدر ممن لا يحتج بقوله من الأئمة والولاة والعلماء.\nالخامس: قول الصحابي: \" من السنة كذا \"، أو \" السنة جارية بكذا \"، أو \" مضت السنة بكذا \"، يفيد أن المراد هو: سنة الرسول - ﷺ -، فيحمل على ذلك دون غيره، فيكون حجة ويعمل على ذلك لأنه مراد الصحابي من هذا التعبير أن يعلمنا الشرع،","vol":"1","page":121},{"text":"فيجب حمل قوله هذا على أنه صادر من الشرع، وهو سنة رسول الله - ﷺ -.\nوكذلك إذا قال التابعي أو من بعدهم: \" من السنة كذا \"، فانه يحمل على سنة رسول الله - ﷺ -؛ لأنه لا يمكن لأي عالم من التابعين أو غيرهم ممن ثبتت عدالته أن يقول ذلك ويطلق إلا وهو يريد سنة رسول الله - ﷺ -؛ حيث إنه هو الذي تجب طاعته.\nالسادس: قول الصحابي: \" عن النبي - ﷺ -\" يفيد أنه سمعه من النبي - ﷺ - لأن الصحابي لا يمكن أن يطلق ذلك إلا إذا ثبت عنده أنه سمعه من النبي - ﷺ - حقيقة؛ حيث إن عدالته تمنعه من إطلاق ذلك إذا لم يسمعه من النبي - ﷺ -.\nالسابع: قول الصحابي: \" كنا نفعل \"، أو \" كانوا يفعلون \" وأطلق، فإنه لا يكون حجة، لأن الحجة في إقراره - ﷺ -، والإقرار هنا منتف في غير عهده، فيحتمل أنه رأي جماعة.\nالثامن: قول الصحابي: \" كنا نفعل في عهد رسول الله - ﷺ -، أو \" كانوا يفعلون في عهده - ﷺ -، يكون كالمسند فيكون حجة؛ لأنه يعتبر من السنة التقريرية؛ حيث إن الظاهر من","vol":"1","page":122},{"text":"حال الصحابة أنهم لا يقدمون على أمر من أمور الدين والنبي - ﷺ - بين أظهرهم إلا إذا كان عالمًا به.\nوالتاسع: قول الصحابي: \" كانوا يفعلون كذا \"، يفيد حكاية الإجماع؛ لأن اللفظ في هذه العبارة يدل دلالة واضحة على أن الصحابي يحكي هذا الفعل عن الجميع؛ لأنه قال ذلك في معرض الاحتجاج به على حكم معين، فيجب أن يحمل على من قولهم حجة، وهو الإجماع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>المسألة الثامنة والأربعون:\nألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر </span>تختلف باختلاف موقف الشيخ المروي عنه من هذا الراوي والعكس مما سيتبين على التفصيل الآتي:\nأولًا: قراءة الشيخ على الراوي وهو يسمع تجوز الرواية عنه والعمل به سواء قرأ إملاء من حفظه أو من مكتوب.\nثانيًا: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي خاصة، فإن الراوي يقول: \" حدثني فلان \"، أو \" أخبرني فلان \".\nثالثًا: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي مع غيره فإن الراوي يقول: \" حدثنا فلان \"، أو \" أخبرنا فلان \".","vol":"1","page":123},{"text":"رابعًا: إذا لم يقصد الشيخ إسماع الراوي منفردًا ولا مع جماعة فإنه يقول: \" سمعته يقول كذا \"، أو يقول: \" سمعته يخبر بكذا \".\nخامسًا: قراءة الشيخ الحديث على الراوي أقوى من قراءة الراوي على الشيخ، لأنه هو طريق النبي - ﷺ -، ولأن ذلك أبعد عن الخطأ والسهو والغلط؛ لكون الشيخ يقرأ ما تحقق منه، فيكون أحق فيما هو المقصود، وهو تحمل الأمانة بصفة تامة.\nسادسًا: قراءة الراوي على الشيخ وهو يسمع، وقول الشيخ بعد ذلك: \" سمعت ذلك \"، أو قوله: \" الأمر كما قرئ علي \"، تجوز الرواية عنه مع العمل بذلك.\nسابعًا: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الراوي: هل سمعت أيها الشيخ؛ فسكت الشيخ، فإنه تجوز الرواية عنه، ويجب العمل بذلك بشرط: أن لا يوجد لدى الشيخ أي مانع من الإنكار إذا أخطأ الراوي في القراءة؛ لأنه لو لم تكن قراءة الراوي على الشيخ صحيحة، لكان سكوت الشيخ عن الإنكار مع القدرة عليه فسقًا؛ لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك بعيد جدًا عن العدل والثقة، أما إذا غلب على ظننا وجود مانع من الإنكار لدى الشيخ كغفلة أو قلة مبالاة، أو نوم، أو إكراه على السكوت، ففي هذه الحالة لا يكتفى بسكوته، بل لا بد من نطقه بلفظ \" نعم \" أو نحو ذلك مما يدل على موافقته على صحة ما قرئ عليه.","vol":"1","page":124},{"text":"ثامنًا: إذا قرأ الراوي على الشيخ، وأراد - هذا الراوي - أن يُحدِّث بما قرأه على الشيخ فإنه يقول: \" أخبرنا أو أنبأنا أو حدثنا فلان قراءة عليه \"، فلا يجوز أن يقول: \" حدثنا أو أخبرنا \" مطلقًا بدون ذكر لفظ \" قراءة عليه \"؛ لأن هذا يوهم: أن الشيخ هو الذي قرأ على الراوي، وهذا ليس بصحيح، حيث إن الحقيقة: أن الراوي هو الذي تولى القراءة على الشيخ، وفرق بين أن يقرأ الشيخ على الراوي وبين أن يقرأ الراوي على الشيخ؛ حيث إن الأولى أقوى من الثانية كما سبق بيانه.\nثاسعًا: إذا قال الشيخ: \" حدثنا \"، يجوز للراوي أن يبدلها بقوله: \" أخبرنا \" أو العكس، ولا مانع من ذلك؛ لأن معنى \" حدثنا \" و\" أخبرنا \" واحد في اللغة؛ لاشتقاقه من الخبر والحديث، فهما لفظان لمعنى واحد.\nعاشرًا: إذا قال الشيخ للراوي عنه: \" أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي \"، فإن ذلك يُسمَّى: \" إجازة \".\nحادي عشر: إذا قال الشيخ للراوي عنه: \" خذ هذا الكتاب فأروه عني \".\nأو قال: \" خذ هذا وحدث به عني فقد سمعته من فلان \"، فإن هذا يُسمَّى \" مناولة \".\nثاني عشر: تجوز الرواية بالإجازة والمناولة، فيقول الراوي:","vol":"1","page":125},{"text":"\" حدثني فلان إجازة \" أو \" أخبرني فلان إجازة \"؛ لأن الطريق - وهو قول الراوي: \" حدَّثنا فلان عن فلان \" - إنما هو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، ومعرفة صحة الحديث حاصلة بالإجازة والمناولة؛ لأن الظاهر من حال المجيز العدل الثقة أنه لا يُجيز شيئًا إلا إذا علم صحته، وإلا كان - بإجازته رواية ما لم يروه - فاسقًا وهو لا يمكن في العدل. وإذا علمت الرواية بإجازته: جازت الرواية عنه.\nثالث عشر: الراوي المجاز لا بد أن يقول: \" حدثني فلان إجازة \"، ولا يجوز أن يقول: \" حدثني أو أخبرني \" مطلقًا، بدون ذكر \" إجازة \"؛ لأن ذلك يوهم أن الرواية بالتحديث على الحقيقة والسماع؛ لأنها الأصل المتبادر إلى الذهن، فمنعًا لذلك الوهم قلنا: لا بد من ذكر لفظ: \" إجازة \".\nرابع عشر: إذا قال الشيخ: \" خذ هذا الكتاب وهو مسموعي \" ولم يقل: \" اروه عني \"، فإنه لا تجوز الرواية عنه مطلقًا؛ لأن علامة الإذن في الرواية هي عبارة: \" اروه عني \"، وهي لم توجد هنا، فيحتمل احتمالًا قويًا أن الشيخ لم يقل: \" اراوه عني \" نظرًا لكونه يعرف أن في هذا الكتاب خللًا قد منع من إذنه لروايته عنه، فلم يجوز ذلك، فامتنع من قوله: \" اروه عني \".","vol":"1","page":126},{"text":"خامس عشر: إذا وجد الراوي شيئًا من الأحاديث مكتوبًا بخط الشيخ الذي يعرفه ويثق بأنه خطه: فإن ذلك يسمى \" وِجادة \".\nسادس عشر: لا تجوز الرواية في الوجادة، فلا يجوز أن يقول: \" حدثني فلان أو أخبرني فلان إجازة \"، ولا غيرها؛ لأن روايته بذلك شهادة عليه بأنه قاله، وهذا ليس بصحيح، فيكون كذبًا، ولكن الشخص إذا وجد صحيفة مكتوبة بخط شيخه له أن يقول: \" رأيت مكتوبًا في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان \"، يقول ذلك لأن الخط قد يشبه الخط.\nسابع عشر: إذا قال الشيخ: \" هذا خطي \" يقبل قوله، ولكن لا يروى عنه ما لم يأذن بروايته عنه بصريح قوله بأن يقول: \" اروه عني \"، أو يكون الإذن بقرينة حاله في الجلوس لرواية الحديث.\nثامن عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب ووجده، ولم يذكر سماعه ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كما يراه من خطه الذي توثَّق منه، فإنه يجوز له روايته والعمل به؛ لأن الرواية قد بُني أمرها على حسن الظن وغلبته، والمسامحة، ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أن الرواية تقبل من العبيد والنساء، ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، كل ذلك يدل على خفتها، فإذا وجد الراوي سماعه، وغلب على ظنه أنه سمعه كما يراه من خطه الذي توثق منه فإنه تجوز الرواية بذلك والعمل به.","vol":"1","page":127},{"text":"تاسع عشر: إذا روى الراوي كتابًا عن بعض المحدثين فيه مائة حديث، ولكنه شك في سماع حديث واحد منها، ولم يستطع تعيين ذلك الحديث المشكوك فيه، فإنه لا يجوز أن يروي شيئًا من جميع تلك الأحاديث المائة؛ لأن الرواية تعتبر شهادة، والشهادة لا تجوز مع الشك والتردد؛ حيث إنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي لم يسمعه من شيخه، فلذلك يتركها جميعها احتياطًا.\nعشرون: إذا غلب على ظن الراوي أن حديثًا قد سمعه من شيخه، ولكنه لم يقطع بذلك السماع، فإنه يجوز أن يرويه ويعمل به، لأن الراوي العدل الثقة إذا غلب على ظنه وجود شيء فهو صدق يجب العمل به، في حين أنه لا معارض لذلك، وغالب الأحكام مبناها على غلبة الظن.\nواحد وعشرون: إذا روى الراوي حديثًا عن شيخ، ولكن الشيخ قد أنكر ذلك إنكارًا صريحًا وقال: \" كذب علي \" أو \" ما رويت له قط \"، فلا يقبل هذا الحديث، ولا يعمل به؛ لأن كل واحد من الشيخ والراوي موصوف بالعدالة والثقة، وكل منهما مكذَّب للآخر فيما يدعيه، فلا بد أن يكون أحدهما كاذب، وهذا موجب للقدح في الحديث، لكن هذا لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين؛ لأنه وقع الشك في كذبه، والأصل العدالة، وهي متيقنة، فلا يترك اليقين بالشك، ولذلك؛ فإن رواية كل واحد منهما تقبل في غير ذلك الحديث الذي أنكره الشيخ.","vol":"1","page":128},{"text":"ثاني وعشرون: إذا أنكر الشيخ الحديث الذي رواه عنه الراوي إنكارًا غير صريح؛ حيث يقول: \" لست أذكر ذلك الحديث \"، فإنه لا يقدح في الحديث، بل يُقبل ويُعمل به، لأن الراوي العدل الثقة قد جزم بهذه الرواية عن ذلك الشيخ في حين أن الشيخ لم يكذبه، ولم ينكر حديثه على وجه الجزم، فيقتضي ذلك ترجيح صدق الراوي، واذا كان صادقًا فيجب قبول الحديث الذي رواه والعمل به، أما قول الشيخ فيحمل على أنه نسي الحديث، لأن النسيان غالب على الإنسان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>المسألة التاسعة والأربعون:\nزيادة الثقة في الحديث </span>يختلف الحكم في قبولها أو عدم ذلك باختلاف تعدد المجالس أو عدم ذلك، وكون الراوي قد انفرد بالزيادة أو لا على التفصيل الآتي:\nأولًا: إن عُلم تعدد المجلس، قبلت الزيادة اتفاقًا؛ لأنه لا يمتنع أن يذكر النبي - ﷺ - الزيادة في مجلس، ويتركها في مجلس آخر، فيكون راوي الزيادة قد حضر المجلس الذي ذكرت فيه تلك الزيادة، أما الآخر فلم يحضر ذلك المجلس.\nثانيًا: إن جهلنا أن المجلس متعدد أو متحد فإنا نقبل تلك الزيادة، لأن ذاكر تلك الزيادة قد توفرت فيه شروط الراوي ومنها: العدالة والثقة، فيترجح صدقه، وإذا ترجح صدقه فيجب قَبول قوله.","vol":"1","page":129},{"text":"ثالثًا: إن علمنا أن المجلس واحد، وعلمنا أن ناقل الزيادة وتاركها متساويان في جميع شروط الراوي، فإن تلك الزيادة تقبل مطلقًا، لأن العدل الثقة لو انفرد بنقل حديث لقبل، فكذلك لو انفرد بزيادة، ولا فرق، بجامع: رواية العدل الثقة الجازم لكل منهما، في حين أن الراوي الآخر الذي لم يذكر تلك الزيادة لم يخالفه، كل ما في الأمر أنه لم يذكر الزيادة، وهذه ليست مخالفة صريحة.\nوزيادة الراوي مثل ما روى بعضهم: \" أن النبي - ﷺ - دخل الكعبة وصلى بين العمودين اليمانيين \"، وروى آخر: \" أن النبي - ﷺ - دخل الكعبة وكبَّر \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المسألة الخمسون:\nإذا عمل الرواي بخلاف الحديث الذي رواه</span>، فإنه يعمل بالحديث الذي رواه، ويترك عمل الراوي مطلقًا؛ لأن الراوي قد توفرت فيه شروط الرواية، وقد جزم بروايته للحديث عن النبي - ﷺ -، فيجب العمل بهذا الحديث؛ لأن قول الرسول - ﷺ - حجة، وقول الراوي وعمله ليس بحجة، فلا يقدم ما ليس بحجة على ما هو حجة.\nويؤيد ذلك: أنه يحتمل أن الراوي قد نسى الحديث أو حمل الحديث على أحد محامله وقد أخطأ فيه، أو أنه خالفه لدليل أقوى منه في ظنه فلا يترك الحديث الذي جزم به من أجل شيء قد دخله الشك والاحتمال.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المسألة الواحدة والخمسون:\nإذا عمل أكثر الأمة بخلاف حديث من الأحاديث</span>، فإنا نعمل بالحديث، ونترك عمل أكثر الأمة؛ لأن عمل أكثر الأمة حجة ظنية، وخبر الواحد، وإن كان يفيد الظن في سنده إلا أنه أقوى من عمل أكثر الأمة؛ لأن الراوي العدل قد جزم بسنده إلى النبي - ﷺ -، فيكون قولًا للنبي - ﷺ - وقوله حجة فيعمل به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>المسألة الثانية والخمسون:\nإذا خالف القياس خبر الواحد فإنا نعمل بخبر الواحد</span>؛ لإجماع الصحابة السكوتي على ذلك، حيث إن بعض الصحابة كانوا يبحثون عن حكم الحادثة في كتاب الله فإن لم يجدوا فيه، بحثوا في السنة، فإن لم يجدوا حكمها اجتهدوا بأنواع الاجتهادات، ومنها القياس، فلا يستدلون بقياس ولا بغيره من أنواع الاجتهادات إلا إذا لم يجدوا نصًا سواء كان هذا النص متواترًا أو آحادًا، ولم ينكر عليهم أحد؛ إذ لو وجد إنكار لبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك، فكان إجماعًا سكوتيًا.\nمن ذلك: أن عمر ﵁ كان قد قضى بالإبهام بخمس عشرة من الإبل، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بسبع، وفي الخنصر بست، حكم بذلك لما عرف أن النبي - ﷺ - قد قضى في اليد بخمسين، وكانت","vol":"1","page":131},{"text":"اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع، فحكم عمر لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، وهذا يعتبر قياسًا على الخبر، ووافقه من سمع من الصحابة على ذلك، فلما علم بكتاب عمرو بن حزم في الديات؛ حيث إن النبي - ﷺ - قال فيه: \" وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل \"، رجع إليه ورجع إليه من وافقه من الصحابة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المسألة الثالثة والخمسون:\nخبر الواحد فيما تعم به البلوى</span>، لكثرة تكرره ووقوعه، كأن يتعلق بأحكام الوضوء أو الصلاة كقوله - ﷺ -: \" من مس ذكره فليتوضأ \" مقبول؛ لإجماع الصحابة السكوني على قبوله، فقد قبلوا خبر عائشة وهو: \" إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل \"، وقبلوا خبر رافع: أن النبي - ﷺ - نهى عن المخابرة دون نكير من أحد، فكان إجماعًا.\nولأن الراوي لهذا الخبر فيما تعم به البلوى عدل ثقة قد جزم بتلك الرواية فغلب على ظننا صدقه، وإذا كان كذلك فيجب قبول ما رواه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المسألة الرابعة والخمسون:\nخبر الواحد الوارد بإثبات حد أو ما يجري مجراه </span>مما تسقطه الشبهة يقبل مطلقًا؛ قياسًا على غيره من الأخبار، فكما أن خبر الواحد في غير الحد من سائر الأحكام الشرعية يُقبل،","vol":"1","page":132},{"text":"فكذلك يقبل خبر الواحد الوارد بإثبات حد ولا فرق، بجامع: أن الراوي فيهما عدل ثقة جازم في الرواية، ولم يعارضه مثله، ولأن الأدلة المثبتة لحجية خبر الواحد لم تفرق بين ما ورد بإثبات حد أو بغير ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المسألة الخامسة والخمسون:\nتجوز رواية الحديث بالمعنى بشروط </span>هي:\nالشرط الأول: أن تتوفر في الراوي شروط الرواية السابقة الذكر مع معرفته بدلالات الألفاظ، وصيغ الخطابات، وأساليبها، واستعمالاتها.\nالشرط الثاني: أن يُبدل لفظة بما يرادفها، ولم يختلف الناس في هذا الترادف، كأن يبدل لفظة \" الجلوس \" بلفظة \" القعود \".\nالشرط الثالث: أن لا يكون اللفظ في الحديث من باب المتشابه كأحاديث الصفات، فإن كان منها فإنه لا يجوز روايتها بالمعنى لأن الذي تحتمله هذه الأحاديث من وجوه التأويل لا ندري أن غيره من الألفاظ يساويه أو لا.\nالشرط الرابع: أن لا يكون اللفظ الوارد في الحديث ممَّا تعبّدنا الشارع بلفظه، فإن كان منه كلفظ \" التشهد \" و\" الأذان \" و\" التكبير \" فإنه لا يجوز نقله بالمعنى.\nالشرط الخامس: أن لا يكون الحديث من جوامع الكلم،","vol":"1","page":133},{"text":"فإن كان منها كقوله: \" العجماء جبار \"، وقوله: \" البينة على المدعي \"، و\" لا ضرر ولا ضرار \"، فإنه لا يجوز نقله بالمعنى.\nفإذا توفرت هذه الشروط فإنه يجوز رواية الحديث بالمعنى؛ لوقوع ذلك من الصحابة - ﵃ - حيث كان النبي - ﷺ - يقيم الخطب في الجمع، وفي بعض الوقائع يتكلم بكلام فيه الأوامر والنواهي وقد رواها الصحابة بألفاظ تختلف عن ألفاظ البعض الآخر مع أن المقصود واحد، ولم ينكر ذلك أحد.\nولأنه يجوز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال لفظة عربية بلفظة أعجمية تساويها وترادفها، فمن باب أولى نقل لفظة عربية بلفظة أخرى عربية ترادفها بجامع: استبدال لفظة بما يرادفها دون زيادة ولا نقصان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المسألة السادسة والخمسون:\nمرسل الصحابي </span>- وهو أن يروي الصحابي حديثًا عن النبي - ﷺ - وهو لم يسمعه منه شفاهًا، بل سمعه من صحابي آخر - مقبول مطلقًا؛ لإجماع الصحابة على ذلك؛ حيث كان بعضهم يرسلون الأحاديث فيقبل الآخرون ذلك بدون نكير من أحد، وأكثر روايات الصحابة عن النبي - ﷺ - لم يسمعوها من النبي - ﷺ - مباشرة، بل بواسطة صحابي آخر، ومنها ما رواه ابن عباس أن النبي - ﷺ - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فلما سئل عنه أسنده إلى الفضل بن عباس، وما رواه ابن عمر: أن النبي - ﷺ -","vol":"1","page":134},{"text":"قال: \" من صلَّى على جنازة فله قيراط \"، ثم أسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة السابعة والخمسون:\nمرسل غير الصحابي </span>- وهو: أن يقول الذي توفرت فيه شروط الرواية وهو لم ير النبي - ﷺ -: قال رسول الله - ﷺ -- مقبول مطلقًا؛ لأن من عادة الراوي العدل أنه لا يرسل الحديث إلا إذا تيقن من ثبوت هذا الحديث أو غلب على ظنه ذلك، أما إن شك فيه فإنه لا يرسله، بل يذكر الشيخ الذي حدثه به؛ لتكون العهدة على ذلك الشيخ، وهذه عادة مستمرة لهم، وإذا كانت هذه عادتهم فإن الحديث المرسل يكون ثابتًا والثابت يُقبل وُيعمل به، يؤيد ذلك قول إبراهيم النخعي: \" إذا رويت عن عبد الله - يقصد عبد الله بن مسعود - فقد حدثني واحد، وإذا أرسلت فقد حدَّثني جماعة عنه \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المسألة الثامنة والخمسون:\nإذا تعارض المرسل مع المسند فإنه يُقدم المسند</span>؛ لأنه قد اتُّفق على قَبوله والاحتجاج به، أما المرسل فقد اختُلف فيه، والنفس تسكن للمسند؛ حيث عرفنا رجال الحديث بخلاف المرسل.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المسألة التاسعة والخمسون:\nأفعال النبي - ﷺ - أقسام </span>إليك بيانها وحكم كل قسم:\nالقسم الأول: أفعال فطرية وهي: الأفعال التي فطر الله عليها البشر كالقيام والقعود، وهواجس النفس، فهذه لا أسوة فيها، ولايتبع النبي - ﷺ - في شيء منها.\nالقسم الثاني: أفعال صدرت منه - ﷺ - على وفق العادات كطريقة شربه، وأكله، وملبسه، وتوسده يده أثناء نومه، ولبس الأبيض من الثياب، فهذه تباح منا ومنه - ﷺ -، لأنه لم يُقصد بها التشريع، ولم تقع تلك الأفعال على سبيل الطاعة.\nالقسم الثالث: أفعال لم يتبين أمرها، ولم يوجد دليل على وقوعها قربة أو عادة، كالاضطجاع بعد الفجر، ونزوله بالأبطح، ومبيته بذي طوى، فيستحب للأمة اتباع النبي - ﷺ - في هذه الأفعال، ويندب إلى ذلك، ولا يجب، لعدم وجود الدليل الذي يدل على الوجوب، فيحمل على أن فعله أرجح من تركه، وهو الندب.\nالقسم الرابع: أفعال قد فعلها - ﷺ - لبيان مجمل ولتقييد مطلق، كصلاته وحجه: فإن هذا حكمه حكم المبيَّن، فإن كان المبين واجبًا فهو واجب، وإن كان المبيَّن مندوبًا فهو مندوب؛ لأن البيان لا يتعدَّى رتبة المبين، ومتى تعداه لا يكون بيانًا له.\nالقسم الخامس: أفعال خاصة به - ﷺ - كالزواج بأكثر من أربع","vol":"1","page":136},{"text":"وجواز زواجه بدون مهر، فإن هذا لا يجوز أن نتأسى به في تلك الأفعال.\nالقسم السادس: أفعال قد فعلها - ﷺ - وثبت أنها على وجه القربة، ولم تكن بيانًا لمجمل أو غيره، ولم يقم دليل على أنها خاصة به، وعلمنا صفتها من الوجوب أو الندب، وذلك بنصه - ﷺ -، أو بغير ذلك من الأدلة، فإنا متعبَّدون بالتأسي بها؛ لإجماع الصحابة - ﵃ - فقد كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله - ﷺ - والتأسي بها وهو: أن يفعلوا مثل ما فعل، كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة وهو محرم، وفي تقبيله الحجر الأسود، وجواز تقبيله لزوجته وهو صائم، ونحو ذلك.\nولقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) حيث جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>المسألة الستون:\nتقرير النبي - ﷺ </span>- وهو: كف النبي - ﷺ - عن الإنكار على ما علم به من قول أو فعل - حجة، ويعتبر قسمًا من أقسام السنة؛ لإجماع الصحابة - ﵃ - فقد كانوا يحتجون بتقريره - ﷺ - على الجواز بدون نكير، ومن أمثلة ذلك: قول أنس ﵁ لما سئل عن الفعل بعد عرفة: \" كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبِّر فلا ينكر عليه \"، وقول أبي بن كعب: \" الصلاة في ثوب واحد سنة كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ - ولا يُعاب علينا \".","vol":"1","page":137},{"text":"ولأن الله تعالى أرسل نبيه بشيرًا ونذيرًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلو سكت عما يُفعل أمامه مما يخالف الشرع لم يكن ناهيًا عن المنكر، فثبت أنه ما سكت عنه إلا لجواز فعله.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>ما يشترك فيه الكتاب والسنة </span>وهو: النسخ، والألفاظ ودلالتها على الأحكام\nوهو يشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: في النسخ.\nالمبحث الثاني: الألفاظ ودلالتها على الأحكام.\nوإليك بيانهما:","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الأول\nالنسخ</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المسألة الأولى:\nالنسخ: هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه</span>.\nفلا بد من وجود خطاب ثابت بخطاب شرعي متقدم، فجاء خطاب آخر من الشارع - فجأة - وهو: متأخر عن الأول فرفع ذلك الحكم.\nمثل: أن الله سبحانه قد حكم بأن عدة المتوفى عنها زوجها حول كامل، وذلك بخطاب شرعي وهو قوله تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)، بعد ذلك بزمن رفع هذا الحكم بخطاب متأخر عنه وهو قوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).\nفالنسخ هو: قطع لدوام الحكم فجأة، لا بيان انتهاء مدته، والفرق بينهما كالفرق بين فسخ الإجارة، وانقضاء مدتها: فلو استأجر شخص منزلًا - مثلًا - سنة كاملة، فإن المستأجر والمؤجر يعلمان - عند ابتداء العقد - أنه عند انتهاء السنة سيرتفع حكم الإجارة، لكن لو انهدم المنزل فجأة في أثناء السنة فإن للمستأجر الفسخ مع عدم علمه عند ابتداء العقد بانهدام المنزل، وهذا هو","vol":"1","page":141},{"text":"فسخ الإجارة فيقاس على ذلك نسخ الحكم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المسألة الثانية:\nشروط النسخ أربعة:</span>\nالشرط الأول: أن يكون الحكم المنسوخ قد ثبت بخطاب متقدم، أما لو ثبت الحكم بدليل العقل، أو البراءة كاستباحة الناس للخمر على عادة كانت لهم، فرفع ذلك، فإن ذلك ليس بنسخ، لأنه لم يثبت الحكم السابق بخطاب متقدم.\nالشرط الثاني: أن يكون الحكم المنسوخ مطلقًا لم يُحدد بمدة معلومة، فيأتي الناسخ فجأة دون انتظار من المكلفين.\nالشرط الثالث: أن يكون الناسخ خطابًا شرعيًا، فلو ارتفع الحكم بموت المكلف أو جنونه، أو غير ذلك من العوارض الأهلية فليس هذا بنسخ.\nالشرط الرابع؛ أن يكون الناسخ منفصلًا عن المنسوخ متأخر عنه، فإن اتصل واقترن به كالشرط أو الغاية فإنه يسمى تخصيصًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسألة الثالثة:\nالنسخ والتخصيص يشتركان في </span>أن كلاَّ منهما قصر للحكم على بعض مشتملاته، إلا أن النسخ: قصر للحكم على بعض الأزمان، والتخصيص، قصر للحكم على بعض أفراده.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المسألة الرابعة:\nالفروق بين النسخ والتخصيص </span>هي:\nالأول: أن النسخ يشترط فيه أن يكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ، بخلاف التخصيص فلا يشترط فيه ذلك، فقد يقترن مع العام، وقد يفترق عنه.\nالثاني: أن النسخ يجوز وروده على الأمر بمأمور واحد كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام، أما التخصيص فلا يدخل ولا يرد على الأمر بمأمور واحد مثل: \" أكرم زيدًا \" فلا يجوز تخصيصه؛ لأنه لا يكون إلا من متعدِّد.\nالثالث: أن التخصيص تبقى معه دلالة اللفظ العام على ما تحته حقيقة، أي: أن اللفظ العام يبقى حجة فيما بقي بعد التخصيص، أما النسخ فلا تبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته حينما يرد النسخ على الأمر بمأمور واحد.\nالرابع: أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى، ويجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى.\nالخامس: إن التخصيص لا يكون إلا لبعض أفراد العام، أما النسخ فقد يرفع جميع أفراد العام، وقد يرفع بعضه.\nالسادس: أن التخصيص لا يرد إلا على العام، أما النسخ فإنه يرد على العام والخاص.\nالسابع: أن النسخ لا يجوز إلا بالنص وهي: الكتاب والسنة، أما التخصيص فإنه يجوز بالنص وبالإجماع والقياس والقرائن.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة الخامسة:\nالنسخ جائز عقلًا؛ لأمور:</span>\nأولها: أنه ليس في الأمر بالشيء بعد النهي عنه إلا ما في تحريك الجسم بعد تسكينه، وتبييضه بعد تسويده، وإذا كان تحريك الشيء بعد تسكينه جائزًا، وجب أن يكون الأمر بالشيء بعد النهي عنه جائزًا، وهذا هو النسخ.\nثانيها: أنا نعلم اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا يمتنع أن يأمر الله تعالى بالفعل في زمان لعلمه سبحانه أن العباد لهم مصلحة فيه في هذا الزمان، ثم ينهاهم عنه ويحرمه عليهم في زمن آخر؛ لأن مصلحتهم في الزمن الثاني تقتضي ذلك، كما يفعل الطبيب بالمريض؛ حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في زمن آخر.\nثالثها: أنه إذا جاز أن يخلق الله تعالى خلقًا على صفة ثم ينقله إلى صفة أخرى، فخلقه الله تعالى طفلًا ثم نقله إلى الشباب، ثم إلى الكهولة ثم إلى الشيخوخة ثم إلى الموت بدون اختيار للعبد، ولم يكن ذلك قبيحًا في شرع ولا عقل، فإنه يجوز أن يكلف الله خلقه بعبادة ثم ينقلهم عنها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المسألة السادسة:\nالنسخ جائز شرعًا لأمرين:</span>\nأولهما: وقوعه في الشريعة، حيث نسخ وجوب التربص حولًا كاملًا عن المتوفى عنها زوجها بالتربص أربعة أشهر وعشرًا، ونسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس إلى التوجه إلى الكعبة، والوقوع دليل الجواز.","vol":"1","page":144},{"text":"ثانيهما: إجماع الصحابة؛ حيث أجمعوا على أن شريعة محمد - ﷺ - ناسخة لجميع الشرائع السابقة، إما بالكلية، وإما فيما يخالفها فيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المسألة السابعة:\nمن حِكَم النسخ ما يلي:</span>\nالحكمة الأولى: تهيئة نفوس الناس إلى تقبل الحكم الأخير، وهذا يكون في النسخ من الأخف إلى الأشد. مثل: تحريم الخمر؛ حيث بيَّن الله تعالى ما في الخمر من الإثم والنفع، وإن إثمه أكبر من نفعه، ثم منع ثانيًا الصلاة حالة السكر، ثم حرم الخمر في جميع الأوقات، وكذلك فعل في تحريم الربا.\nالحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان، وهذا يكون في النسخ من الأشد إلى الأخف؛ ليظهر المؤمن الحق فيفوز، ويظهر المنافق فيهلك، كنسخ ثبات الواحد للعشرة، ونسخ أمر إبراهيم بذبح ابنه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المسألة الثامنة:\nالنسخ بعد الاستقراء والتتبع قد وقع </span>وتناول الأحكام الشرعية الجزئية التكليفية الفرعية العملية التي تحتمل كونها مشروعة أو غير مشروعة في نفسها في زمن النبوة، أي أن مصلحتها تتغير: فتكون في وقت نافعة، وفي وقت آخر ضارة على ما يعلمه الله تعالى.","vol":"1","page":145},{"text":"ولم يتناول النسخ ما يلي من الأحكام:\n١ - الأحكام التي تتعلق بأصول الدين كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر، والأسماء والصفات.\n٢ - الأحكام الكلية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك.\n٣ - الأحكام التي لا تحتمل عدم المشروعية وهي أمهات الأخلاق والفضائل، كالعدل، والأمانة، والصدق، والوفاء، فهذه حسنها لا يتغير بتغير الأزمان، ولذلك لا يمكن أن تنسخ.\n٤ - الأحكام التي لا تحتمل المشروعية وهي: أمهات الرذائل، مثل الكذب، والظلم، والخيانة، والغدر، فهذه لا يمكن أن تنسخ، لأن قبحها لا يتغير بمرور الزمن.\n٥ - الأحكام التي ارتبط بها ما ينافي النسخ كالتأبيد مثل: الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وتحريم زوجاته - ﷺ -.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المسألة التاسعة:\nيجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها، ويجوز العكس، ونسخهما معًا</span>، وذلك لوقوعه: فقد نسخت التلاوة والحكم معًا؛ حيث قالت عائشة ﵂: \" كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي - ﷺ - وهن فيما يقرأ من القرآن، فكانت العشر منسوخة الحكم والتلاوة معًا بخمس رضعات.\nونسخ الحكم وبقيت التلاوة؛ حيث نسخ حكم آية الاعتداد بالحول الثابت بقوله تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ","vol":"1","page":146},{"text":"إِخْرَاجٍ) بالاعتداد بأربعة أشهر وعشرًا الثابت بقوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).\nونسخت التلاوة وبقي الحكم؛ حيث نسخت تلاوة: \" الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله \" وبقي حكمها وهو: الرجم للمحصن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المسألة العاشرة:\nيجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله وامتثاله</span>، فيجوز أن يقول الشارع مثلًا في رمضان: \" حجوا في هذه السنة \"، ثم يقول قبل ابتداء الحج: \" لا تحجوا \"؛ وقلنا ذلك لأمرين:\nأولهما: أن النسخ قبل التمكن من الفعل رفع لتكليف قد ثبت على المكلف فكان نسخًا، ولا يترتب على ذلك محال، ولا بداء، ولم يرد اشتراط فعل المنسوخ، بل اشترط: كون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ، وقد حصل فكان جائزًا.\nثانيهما: وقوعه: فقد أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ بذبح ابنه فقال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦»، ثم نسخ ذلك قبل التمكن من الذبح","vol":"1","page":147},{"text":"بقوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧»، فهنا قد وقع النسخ قبل التمكن من الفعل، والوقوع دليل الجواز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المسألة الحادية عشرة:\nالزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وليست من جنس المزيد عليه</span>، كأن يوجب الله تعالى الصلاة، ثم يوجب الصوم، فهذه الزيادة ليست نسخًا بالاتفاق، لأن حقيقة النسخ لم تتحقق هنا؛ حيث إنا قلنا: إن النسخ رفع الحكم، وهنا لم يرتفع الحكم، وهو وجوب الصلاة ولم يتبدل ولم يتغير بزيادة الصوم، فبقي حكم المزيد عليه - وهو الصلاة - بعد الزيادة كما كان ثابتًا قبلها، فلا يوجد تنافي.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المسألة الثانية عشرة:\nالزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وهي من جنس المزيد عليه </span>كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، فهذه الزيادة ليست نسخًا؛ لأن حقيقة النسخ لم توجد؛ حيث إن هذه الزيادة لم ترفع حكمًا، فالمزيد عليه باق على حاله بعد الزيادة كما كان قبل الزيادة، فهذه الزيادة كالزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه ولا فرق، فكما أن وجوب الصلاة لم يتغير بزيادة الصوم، فكذلك الحال بالنسبة لزيادة صلاة على صلاة أخرى ولا فرق.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المسألة الثالثة عشرة:\nالزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء بالكل</span>، أي: تتعلق بالمزيد عليه بأن تكون جزءًا من المزيد عليه، كزيادة تغريب عام على جلد مائة في حد الزاني البكر، فكان حد الزاني البكر يتكون من جزأين: أحدهما: جلد مائة الوارد في القرآن الكريم، والآخر: تغريب عام الوارد في السنة، فهذه الزيادة ليست نسخًا؛ لأن حقيقة النسخ لم توجد، فلم يوجد رفع الحكم وتبديله عند تلك الزيادة، بل إن هذه الزيادة تقرير للحكم المزيد عليه، وتثبيت له؛ لأن ضم شيء إلى شيء آخر يثبت المضموم إليه ويُقرره: فزيادة التغريب على جلد مائة لم تخرج الجلد عن كونه واجبًا، مثل إيجاب الصوم بعد إيجاب الصلاة.\nومثل لو أن إنسانًا معه كيس فيه عشرة ريالات فأضاف إليها ريالًا فإنه لا يقال: إنه رفع وأزال ما في الكيس، بل يقال: أضاف إليه زيادة\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>المسألة الرابعة عشرة:\nالزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط</span>، أي: تكون الزيادة شرطًا للمزيد عليه، فلا يعمل بالمزيد عليه إلا بهذا الشرط، كزيادة النية في الطهارة؛ حيث إن الشارع أمر بالطهارة مطلقًا، ثم زيد شرط النية لها، فهذه الزيادة ليست نسخًا - أيضًا -؛ لأن حقيقة النسخ - وهي رفع الحكم - لم توجد هنا.\nفمثلًا قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) اقتضى أمرين هما:","vol":"1","page":149},{"text":"\" وجوب الصلاة \" والآخر \" الإجزاء \" حيث تجوز - على هذا اللفظ - الصلاة بدون طهارة، فلما جاءت الزيادة - وهي: اشتراط الطهارة للصلاة - فالحكم وهو الوجوب لم يرتفع بها، بل هو باق على حاله بعد الزيادة وقبلها؛ حيث بقي الأمر به، أما المرتفع بهذه الزيادة فهو \" الإجزاء \"؛ حيث أصبحت الصلاة لا تجزئ إلا بالطهارة، وارتفاع الإجزاء - فقط - جعل المرتفع بعض ما تناوله اللفظ الذي هو قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وهذا يُسمَّى تخصيصًا لا نسخًا.\nوالخلاصة: أن الزيادة مطلقًا ليست بنسخ عندنا، وبناء على ذلك فإن تلك الزيادة ثابتة وإن كان ثبوتها جاء بخبر الواحد فنقبلها، لذلك زدنا التغريب على الجلد مائة، وقبلنا خبر: \" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \"، ولم نعتبره نسخًا لما جاء في القرآن، بل يزاد عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المسألة الخامسة عشرة:\nنسخ جزء العبادة أو شرط من شروطها ليس بنسخ؛ لأمرين:</span>\nأولهما: الوقوع؛ حيث وقع أنه نسخ الشارع شرط عبادة من العبادات ولم تكن تلك العبادة قد نسخت بالكلية مثل: استقبال بيت المقدس الذي هو شرط لصحة الصلاة، فقد نسخ هذا","vol":"1","page":150},{"text":"الشرط ولم يكن نسخه نسخًا لحكم الصلاة، بل إن العبادة - وهي الصلاة - باقية بحالها لم تتغير، وإنما التغير قد تناول شرطها فقط، وكذلك نسخ عشر رضعات بخمس، ونسخ هذا الجزء - وهو الخمس - لم يكن نسخًا لكل العشر، والوقوع دليل الجواز.\nثانيهما: أن حقيقة النسخ هو: رفع الحكم الشرعي، ولم توجد هذه الحقيقة هنا؛ حيث إن نقص الجزء أو الشرط لم يرفع حكم تلك العبادة من الوجوب أو الندب أو غيرهما، فلا يكون نسخًا، وذلك كمن أخذ ريالًا من كيس فيه عشرة ريالات، فإن الباقي بعد نقص الريال باق على حاله لم يرتفع أو لم يتأثر بشيء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المسألة السادسة عشرة:\nيجوز نسخ الحكم من غير أن يأتي ببدل عنه؛ لأمرين:</span>\nأولهما: أن حقيقة النسخ: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه، ورفع الشيء يتحقق في نفسه، وإن لم يثبت له خلف وبدل، فليس في حقيقة النسخ تعرض للخلف والبدل.\nثانيهما: وقوعه؛ حيث إن تقديم الصدقة بين يدي المناجاة لرسول الله - ﷺ - كان واجبًا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)، والوقوع دليل الجواز.","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المسألة السابعة عشرة:\nيجوز نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ</span>؛ لوقوعه، حيث نسخت عدة المتوفى عنها من الحول إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، والوقوع دليل الجواز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>المسألة الثامنة عشرة:\nيجوز نسخ الحكم ببدل مثله في التخفيف والتثقيل</span>؛ لوقوعه؛ حيث نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة والوقوع دليل الجواز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المسألة التاسعة عشرة:\nيجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل؛ لأمرين:</span>\nأولهما: الوقوع؛ حيث وقع نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل، فقد ثبت أنه كان في أول الإسلام يجوز تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى وقت آخر أكثر أمنًا، فنسخ ذلك إلى وجوب الإتيان بها في حالة الخوف وذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ)، ولا شك أن الصلاة حالة الخوف أثقل، وكذلك كان المسلم مخيرًا في أول الإسلام بين الصيام والفداء عنه بالمال، ثم نسخ ذلك بتعيين الصيام فقط.\nثانيهما: القياس على تكليف العباد ابتداء، بيانه:\nكما أنه إذا جاز أن لا يكلف الله عباده ابتداء، ثم يكففهم بالعبادات الشاقة، جاز أن ينتقل من الأخف إلى الأثقل ولا فرق،","vol":"1","page":152},{"text":"والجامع: التكليف في كل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>المسألة العشرون:\nإذا بلغ الناسخ النبي - ﷺ -، ولم يبلغ بعض الأمة، فإنه لا يكون نسخا في حق من لم يبلغه</span>، فيجب على من لم يبلغه الناسخ العمل بالمنسوخ، ولا يلزمه العمل بالناسخ؛ لأمرين:\nأولهما: أن أهل قباء لما جاءهم المخبر وقال لهم: إن رسول الله - ﷺ - قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة واعتدوا بما مضى من صلاة الصبح فلم يقضوها ولم يؤمروا بذلك، فدل على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم.\nثانيهما: أن المكلف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها قبل بلوغه بالناسخ. لكان آثمًا عاصيًا غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان مخاطبًا بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيًا بفعل ما خوطب به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المسألة الواحدة والعشرون:\nيجوز نسخ القرآن بالقرآن؛ لأمرين:</span>\nأولهما: صريح قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)","vol":"1","page":153},{"text":"ثانيهما: وقوعه؛ حيث وقع نسخ القرآن بالقرآن. فقد نسخ الفداء بالمال عن الصيام، قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، فنسخ ذلك بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) والوقوع دليل الجواز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المسألة الثانية والعشرون:\nيجوز نسخ السنَّة المتواترة بالسنَّة المتواترة؛ لأمرين:</span>\nأولهما: القياس على القرآن: فكما يجوز نسخ القرآن بالقرآن، كذلك يجوز نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة ولا فرق، بجامع: أن كلًا منهما قطعي الثبوت.\nثانيهما: أن كلًا من الناسخ والمنسوخ في درجة واحدة من القوة وهي: قطعية الثبوت، فيقوى كل واحد منهما على نسخ الآخر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المسألة الثالثة والعشرون:\nيجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة الآحادية؛ لأمرين:</span>\nأولهما: وقوعه؛ حيث روي أن النبي - ﷺ - قال - في شارب الخمر -: \" إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه \"، فأتي رسول الله - ﷺ - بسكران في الرابعة فجلده وخلَّى سبيله، فنسخ فعله - ﷺ - قوله، وكل منهما خبر آحاد، والوقوع دليل الجواز.\nثانيهما: الاتحاد في الرتبة من حيث السند؛ حيث إن الناسخ والمنسوخ يتَّحدان في أن كلاُّ منهما ظني الثبوت.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>المسألة الرابعة والعشرون:\nيجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة المتواترة</span>؛ لأن المتواتر","vol":"1","page":154},{"text":"قطعي السند والآحاد ظني السند، والقطعي يقوى على نسخ الظني.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المسألة الخامسة والعشرون:\nيجوز نسخ السنة بالقرآن</span>؛ لأمرين:\nأولهما: أن كلًا من القرآن والسنة وحي، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلًا.\nثانيهما: وقوعه؛ حيث نسخ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسنة بالصلاة حالة الخوف وهو قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ)، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) والوقوع دليل الجواز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>المسألة السادسة والعشرون:\nيجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة </span>للاتحاد في السند حيث إن كلًا منهما متواتر، والاتحاد في المصدر؛ حيث إن كلًا منهما من الله تعالى، فإذا كان كل واحد منهما قطعي الثبوت، ومصدره من الله تعالى، فإن كل واحد منهما يقوى على نسخ الآخر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المسألة السابعة والعشرون:\nلا يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد شرعًا؛ لأمرين:</span>\nأولهما: الاختلاف في الرتبة: فالقرآن قطعي السند وكذلك السنة","vol":"1","page":155},{"text":"المتواترة، وخبر الواحد ظني السند والظني لا يقوى على نسخ القطعي.\nثانيهما: عدم الوقوع: فإنه بعد تتبع الأدلة واستقرائها لم نجد فيها أن متواترًا قد نسخه خبر واحد، فإذا لم يقع فإنه يدل على عدم الجواز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>المسألة الثامنة والعشرون:\nالإجماع لا يكون منسوخًا: </span>لأن الناسخ إما أن يكون نصًا أو إجماعًا آخر أو قياسًا، وكلها باطلة، بيان ذلك:\nأما كون الإجماع منسوخًا بنص فهذا باطل، لأن الناسخ لا بد أن يكون متأخرًا عن المنسوخ، ومعلوم أن النص متقدم على الإجماع، والمتقدم لا ينسخ المتأخر.\nأما كون الإجماع منسوخًا بإجماع آخر فهذا باطل أيضًا، لاستحالة انعقاده على خلاف إجماع آخر؛ حيث إنه لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ.\nأما كون الإجماع منسوخًا بقياس فهذا باطل أيضًا؛ لأن القياس لا يكون على خلاف الإجماع؛ حيث اشترطنا في القياس: عدم مخالفته لنص أو إجماع، فعند مخالفة الإجماع للقياس فإن القياس يكون باطلًا، فلا يكون حجة، فلا يكون ناسخًا للإجماع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>المسألة التاسعة والعشرون:\nالإجماع لا يكون ناسخًا: </span>لأن الإجماع إنما يكون حجة","vol":"1","page":156},{"text":"بعد عهد النبي - ﷺ -؛ حيث إنه يعتمد على الاجتهاد، والنسخ إنما يكون في زمن النبي - ﷺ -، وعلى هذا يستحيل اجتماعهما.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>المسألة الثلاثون:\nالقياس يُنسخ بقياس أجلى وأقوى منه</span>، وبناء عليه: فإنه لما نفق الشارع على تحريم بيع البُر بالبُر متفاضلًا فإنا قسنا عليه التفاح؛ لعلة جمعت بينهما، ونتج عن هذا القياس: عدم جواز بيع التفاح بالتفاح متفاضلًا؛ قياسًا على بيع البر بالبر، ولو نصَّ أيضًا على إباحة التفاضل في بيع الموز بالموز، وكان مشتملًا على علة أقوى من العلة التي في الأول، فإن هذا يقتضي إلحاق التفاح بالموز، فيكون هذا القياس ناسخًا للقياس الأول، فيكون - على هذا - القياس ناسخًا ومنسوخًا.\nولا ينسخ القياس بالنص ولا بالإجماع؛ لأنه لا قياس - أصلًا - مع النص والإجماع، ولا ينسخ القياس بقياس مساو له؛ لأنه يؤدي إلى ترجيح أحد المتساويين بدون مرجح وهو باطل، ولا ينسخ بقياس أدنى منه لأن ذلك يؤدي إلى العمل بالمرجوح، وترك الراجح.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>المسألة الواحدة والثلاثون:\nإذا نسخ حكم الأصل في القياس فإن حكم الفرع ينسخ تبعًا</span>","vol":"1","page":157},{"text":"لذلك؛ لأن حكم الفرع قد ثبت بالعلة التي اعتبرت لحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل فقد زال اعتبار أي علة لهذا الحكم، ومتى ما زال اعتبار العلة فقد زال اعتبار الحكم الذي ثبت بها، وبذلك يكون رفع حكم الأصل مستلزمًا لرفع حكم الفرع.\nفمثلًا: وجبت الكفارة على المُجامع في نهار رمضان لحديث الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان، فقال له النبي - ﷺ -: \" اعتق رقبة \"، وعلة تلك الكفارة: \" إفساد الصوم المحترم \" عند كثير من العلماء؛ لذلك قاسوا على الجماع في نهار رمضان كل من أكل أو شرب عمدًا في نهار رمضان فإنه تجب عليه الكفارة؛ نظرًا لوجود العلة؛ حيث إنه أفسد صومًا محترمًا، فلو نسخ حديث الأعرابي - مثلًا - فلا شك أنه سينسخ معه الحكم الذي اشتمل عليه، وهو: وجوب الكفارة في الجماع في نهار رمضان، وحكم الفرع - وهو وجوب الكفارة على الأكل والشارب عمدًا في نهار رمضان - سيرتفع تبعًا لذلك، لأن العلة، وهي: انتهاك حرمة رمضان قد زال اعتبارها بسبب رفع حكم الأصل الذي استنبطت منه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>المسألة الثانية والثلاثون:\nمفهوم الموافقة يقع ناسخًا ومنسوخًا</span>؛ لأن مفهوم الموافقة كالنص المنطوق به، فكما يجوز نسخ النص، والنسخ به، فكذلك يجوز نسخ المفهوم الموافق والنسخ به ولا فرق، والجامع: أن الحكم يؤخذ من اللفظ في كل منهما.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المسألة الثالثة والثلاثون:\nمفهوم المخالفة يأتي منسوخًا: </span>فيجوز نسخ حكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور مع نسخ الأصل، ودونه.\nأما نسخ المفهوم المخالف مع أصله فهو واضح؛ حيث إنه إذا نسخ الأصل وهو النص المنطوق به ينسخ معه كل ما يفهم منه.\nأما نسخ المفهوم المخالف مع بقاء أصله فقد وقع؛ حيث روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" إنما الماء من الماء \"، فقد نسخ مفهومه بما روته عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: \" إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل \"، وبقي أصله وهو وجوب الغسل بالإنزال.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>المسألة الرابعة والثلاثون:\nمفهوم المخالفة لا يكون ناسخًا</span>، لأن النص أقوى منه، فمفهوم المخالفة أضعف من النص المنطوق به، فلا يقوى على نسخه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>المسألة الخامسة والثلاثون:\nطرق معرفة الناسخ من المنسوخ هي:</span>\nالأول: أن يعلم من اللفظ تقدم أحد الحكمين على الآخر، فيكون المتقدِّم منسوخًا، والمتأخِّر ناسخًا؛ كقوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، فإنه يفيد نسخ الإمساك بعد الإفطار، وكقوله - ﷺ -: \" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها \"، وقوله: \" كنت","vol":"1","page":159},{"text":"نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، أما الآن فكلوا. . . \".\nالثاني: أن يذكر الراوي - صراحة - وقت سماعه ذلك النص من النبي - ﷺ - فيقول: \" سمعت عام الفتح كذا \"، فيكون المنسوخ هو الذي تقدم على ذلك التأريخ.\nالثالث: أن تجمع الأمة أو الصحابة - ﵃ - على أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر كنسخ رمضان لصيام يوم عاشوراء.\nالرابع: أن يفهم الناسخ والمنسوخ من كلام الراوي صراحة، كقول علي ﵁: \" أمرنا النبي - ﷺ - بالقيام للجنازة ثم قعد \"، وكقول الراوي: \" رخص لنا رسول الله - ﷺ - في المتعة ثلاثًا، ثم نهانا عنها \".\nالخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين لم يصحب النبي - ﷺ - إلا في أول الإسلام ثم انقطع، وأن راوي الخبر الآخر أسلم في آخر حياة النبي - ﷺ -، فيكون نقل الثاني هو الناسخ وما نقله الأول هو المنسوخ، كخبر طلق بن علي: أن النبي - ﷺ - سئل عن الوضوء من مسِّ الذكر فقال: \" هل هو إلا بضعة منك \"، فهنا لا يجب الوضوء من مس الذكر، ولكن ذلك منسوخ بما رواه أبو هريرة ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: \" من مسَّ ذكره فليتوضأ \"؛ لأن أبا هريرة أسلم في آخر حياة النبي - ﷺ -، وبعد وفاة طلق بن علي.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المبحث الثاني الألفاظ ودلالتها على الأحكام</span>\nويشتمل على مطالب:\nالمطلب الأول: في اللغات.\nالمطلب الثاني: في الاشتقاق.\nالمطلب الثالث: في الاشتراك.\nالمطلب الرابع: في الترادف.\nالمطلب الخامس: في التأكيد.\nالمطلب السادس: في التابع.\nالمطلب السابع: في الحقيقة.\nالمطلب الثامن: في المجاز.\nالمطلب التاسع: في النص.\nالمطلب العاشر: في الظاهر.\nالمطلب الحادي عشر: في التأويل.\nالمطلب الثاني عشر: في المجمل.","vol":"1","page":161},{"text":"المطلب الثالث عشر: في المبيَّن، والمبيِّن، والبيان.\nالمطلب الرابع عشر: في حروف المعاني.\nالمطلب الخامس عشر: في الأمر.\nالمطلب السادس عشر: في النهي.\nالمطلب السابع عشر: في العموم.\nالمطلب الثامن عشر: في التخصيص.\nالمطلب التاسع عشر: في المطلق والمقيَّد.\nالمطلب العشرون: في المنطوق.\nالمطلب الواحد والعشرون: في المفهوم: مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>المطلب الأول\nفي اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية</span>؟\nيجوز أن تكون اللغات والأسماء كالسماء والأرض والجنة والنار وغيرها من الأسماء كلها توقيفية، ويجوز أن تكون كلها اصطلاحية، ويجوز أن يكون بعض هذه اللغات توقيفية، وبعضها اصطلاحية، لأن الاستدلال على كونها توقيفية أو اصطلاحية، أو احتمال الأمرين يكون إما عن طريق العقل أو عن طريق الواقع.\nأما العقل فإنه يجوز الأمور الثلاثة: حيث يجوز كونها توقيفية؛ لأن الله قادر على أن يخلق للناس العلم بهذه الأسماء والألفاظ، ويُسمعها بعضهم أو جميعهم، ويُخبرهم بأن هذه الأسماء قصدت للدلالة مع مسمياتها ومعانيها.\nوالعقل أيضًا يجوز كونها اصطلاحية بأن واحدًا قد انبعثت داعيته أو جماعة انبعثت دواعيهم إلى وضع هذه الألفاظ بإزاء معانيها، ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار كما يفعل الوالدان بالولد الرضيع.\nوالعقل - أيضًا - يجوِّز كون بعضها توقيفي، وبعضها الآخر اصطلاحي؛ لأنه إذًا أمكن كل واحد من القسمين أمكن التركيب منهما جميعًا.\nأما الواقع من هذه الأقسام فلا يمكن إلا ببرهان عقلي، أو","vol":"1","page":163},{"text":"نقل وسمع قاطع، وهذا باطل؛ لأن العقل لا مجال له في اللغات ليستدل عليها به، ولعدم وجود النقل والسمع القاطع.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>المطلب الثاني\nفي الاشتقاق</span>\nوفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى:\nالاشتقاق هو: رد لفظ إلى لفظ آخر لموافقته له في حروفه الأصلية، ومناسبته له في المعنى، مثل: \" كاذب \" مشتق من \" الكذب \"، و\" نَصَر \" مشتق من \" النصر \".\n* * *\nالمسألة الثانية:\nأركان الاشتقاق هي:\nالركن الأول: لفظ موضوع لمعنى، وهو: المشتق منه.\nالركن الثاني: لفظ آخر له نسبة إلى اللفظ الأول، وهو: المشتق.\nالركن الثالث: المشاركة بين الحروف الأصلية والمعنى.\nالركن الرابع: تغيير يلحق المشتق بزيادة أو نقصان.","vol":"1","page":165},{"text":"مثال زيادة حرف: \" كاذب \" مشتق من \" الكذب \"، زيدت الألف.\nمثال زيادة الحركة: \" نَصَر \" مشتق من \" النصر \"، زيدت حركة الصاد.\nمثال نقصان الحرف: \" خُفْ \" مشتق من \" الخوف \" نقصت الواو.\nمثال نقصان الحركة: \" ضرب \" مشتق من \" ضَرَب \" نقصت حركة الراء.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>المطلب الثالث\nفي الاشتراك</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالمشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعًا أولًا كلفظ العين تطلق على الجارية، والباصرة، والذهب، والشمس. والقرء: يطلق على الحيض والطهر.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالمشترك ممكن وواقع في اللغة: لقيام الدليل على إمكانه وجوازه، وقيام الدليل على وقوعه.\nأما الدليل على إمكانه وجوازه: فهو أن المشترك يمكن أن يقع من واضعين: بأن وضع أحدهما لفظًا لمعنى، ثم وضع آخر ذلك اللفظ لمعنى آخر، كلفظ العين - يمكن أن يكون أحدهما وضعه للجارية، والآخر وضعه للباصرة، ثم اشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين في إفادة ذينك المعنيين.\nويمكن أن يقع من واضع واحد لغرض الإبهام.","vol":"1","page":167},{"text":"أما الدليل على وقوعه فهو: أن \" القرء \" يطلق على \" الطهر \" و\" الحيض \"، فهو إما أن يكون متواطئًا أو يكون حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، أو يكون مشتركًا.\nأما الأول: وهو: كونه متواطئًا - فهو باطل؛ لأن شرط التواطؤ: اتحاد المعنى، وهاهنا ليس كذلك.\nأما الثاني: وهو كونه حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر - فهو باطل أيضًا، لأنه لو كان كذلك لتبادر المعنى الحقيقي إلى الذهن، ولكن الحق: أن الذهن - عند سماع هذا اللفظ مجردًا عن القرينة - يتردد بين \" الطهر \" و\" الحيض \"، فلم يبق إلا الثالث، وهو أنه مشترك بين هذين المعنيين، والتردد علامة الاشتراك.\nوالمشترك واقع في القرآن مثل: \" القرء \" و\" عسعس \" و\" الصريم \"، وواقع في السنة مثل \" الشفق \" الوارد في الحديث وهو: أن النبي - ﷺ - أقام العشاء حين غاب الشفق.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nيصح استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه في وقت واحد إذا أمكن الجمع بينها؛ لوقوعه؛ حيث قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، فالصلاة من الله تعالى: الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة الاستغفار، وهما معنيان متغايران، واستعمل لفظة \" الصلاة \" فيهما دفعة واحدة؛ حيث وقع الإخبار به، فدل ذلك على صحة استعمال المشترك في كل","vol":"1","page":168},{"text":"معانيه في وقت واحد، والوقوع دليل الجواز.\nولأن كل عاقل يصح أن يقصد بقوله: \" لا تنكح ما نكح أبوك \" نهيه عن العقد وعن الوطء جميعًا من غيرِ تكرار اللفظ، ولا ينكر هذا إلا معاند، فثبت ما قلناه، وهو: أنه يصح أن يراد باللفظ المشترك جميع معانيه.\nوبناء على ذلك: فإنه لا يقع طلاق المكره؛ لقوله - ﷺ -: \" لا طلاق ولا عتاق في إغلاق \" حيث إنا نحمل لفظ \" إغلاق \" على معنيين، وهما: \" الجنون \" و\" الإكراه \".\nوبناء على ذلك أيضًا يُخير أولياء الدم بين القصاص والدية في القتل العمد العدوان؛ حملًا لكلمة: \" سلطانا \" في قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) على معنييها وهما: القصاص والدية.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nأقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته:\nالقسم الأول: اللفظ المشترك بين مسميات متضادة لا يمكن الجمع بينها ولا الحمل عليها، كالقرء مشترك بين \" الطهر \" و\" الحيض \" وهما متضادان، والشفق مشترك بين البياض والحمرة وهما متضادان.","vol":"1","page":169},{"text":"القسم الثاني: اللفظ المشترك بين مسميات مختلفة لا صلة لأحدها بالآخر كالعين، فإنها تطلق على معان كثيرة ومختلفة حقيقة. فتطلق على العين الباصرة، وعين الإراء، أو الشمس، والذهب، فهذه المعاني لا يوجد صلة بين بعضها والبعض الآخر.\nالقسم الثالث: اللفظ المشترك بين مسميات متناقضة مثل \" إلى \" على رأي القائل: إنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه.\nالقسم الرابع: اللفظ المشترك بين الشيء ووصفه مثل لفظ: \" تأبَّط شرّا \".\nالقسم الخامس: اللفظ المشترك بين الفاعل والمفعول، مثل لفظ: \" المختار \"، يقال لمن اختار ثوبًا إنه مختار، ويقال للثوب إنه مختار.\nالقسم السادس: الاشتراك في التركيب مثل قوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك بين الزوج، والولي.\nالقسم السابع: الاشتراك في الحرف مثل: \" الواو \" تكون للقسم، وللعطف، وللابتداء، أو حرف \" من \" تكون للتبعيض، وبيان الجنس، وحرف \" الباء \" تكون للاستعانة والسببية.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالاشتراك خلاف الأصل: لأن الأصل في اللسان العربي: أن يكون لكل لفظ معنى واحد فقط، أما أن يكون للفظ الواحد أكثر من معنى، وهو: المشترك فهو خلاف الأصل.","vol":"1","page":170},{"text":"فالاشتراك مرجوح عند السامع، واللفظ الذي له معنى واحد راجح.\nوعلى هذا: فإنه إذا دار اللفظ بين كونه مفردًا، وكونه مشتركًا حمل على الانفراد، دون الاشتراك.\nودل على أن اللفظ الذي له معنى واحد راجح: الاستقراء والتتبع للألفاظ العربية؛ حيث أثبت ذلك الاستقراء أن أكثر ألفاظ اللغة العربية ألفاظ منفردة ليس لها إلا معنى واحد، والكثرة تفيد الظن والرجحان، فيكون اللفظ المنفرد بمعنى واحد أكثر وجودًا من اللفظ الدال على معنيين فأكثر - وهو: المشترك - فيكون مرجوحًا؛ نظرًا لقلته.\nولأن الاشتراك يؤدي إلى مفسدة ترجع إلى السامع، وهي: أن السامع قد لا يفهم المعنى المراد؛ لعدم القرينة الدالة عليه، ولا يستفسر من المتكلم، نظرًا لهيبة المتكلم، أو لمانع منع السامع من الاستفسار، أو لضيق وقته، فيفهم السامع ذلك اللفظ فهمًا غير صحيح، ثم يحكيه لغيره، وهكذا، وفي ذلك إفشاء للجهل وفساد كبير.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>المطلب الرابع\nفي الترادف</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالترادف هو: توالي الألفاظ المفردة الدالة على مسمَّى واحد باعتبار واحد، مثل: \" البُر والقمح \" و\" جلس وقعد \".\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالترادف جائز عقلًا وواقع لغة: لأنه لا يترتب على فرض وقوعه محال.\nولأنه واقع في اللغة؛ حيث إنه بعد الاستقراء والتتبع لألفاظ اللغة ثبت وجود الترادف فيها:\nإما بحسب اللغة: كالإنسان والبشر.\nأو بحسب الشرع: كالفاسد والباطل.\nأو بحسب العرف: كالأسد والسبع.\nأو بحسب لغتين مختلفتين: مثل \" الله \" و\" خُداي \" بالفارسية.","vol":"1","page":172},{"text":"والوقوع دليل الجواز.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nأسباب الترادف هي:\nالسبب الأول: أن يصدر اللفظان المترادفان من واضعين، فيضع أحدهما لفظًا لمعنى، ويشتهر في قبيلة ذلك الواضع، ثم يضع الشخص الآخر لفظًا آخر لذلك المعنى، ويشتهر ذلك في قبيلته، ثم اشتهر اللفظان، ولم يُعين أيُّ واضع.\nالسبب الثاني: أن يكون اللفظان المترادفان قد صدرا من واضع واحد، ويكون الهدف والقصد من وضعه للفظين لمعنى واحد فائدة هي: تكثير وسائل الإخبار عما في النفس، وتكثير الطرق إلى المطالب، والتوسع في مجال النظم والنثر، حيث إن المتكلم إذا عسر عليه النطق بأحد اللفظين فإنه يُعبر بلفظ آخر يكفي بالمراد.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nيشترط في اللفظين المترادفين: أن يدلان على المعنى دون زيادة أحدهما على الآخر، مثل: \" الليث والأسد والغضنفر \"، فالمفهوم من هذه الألفاظ واحد دون مزية أحدها على الآخر، وكذلك: \" القمح والبر \"، فإنه لا يتميز أحدهما على الآخر بشيء.\nأما إذا كان أحد اللفظين يدل على المعنى مع زيادة لم يأت","vol":"1","page":173},{"text":"بها اللفظ الآخر: فإنه لا يكون هذان اللفظان مترادفين؛ لاختلافهما في المدلول والمفهوم، فمثلًا: لفظ \" السيف \" و\" الصارم \" و\" المهنَّد \" قد تبدو للناظر أنها مترادفة، وهي في الحقيقة ليست كذلك؛ لأن مدلول ومفهوم \" المهنَّد \" يختلف عن مفهوم \" السيف \"؛ لوجود زيادة فيه دون \" السيف \"، حيث إنه يفهم منه نسبته إلى الهند، وكذلك \" الصارم \" يدل على السيف مع زيادة صفة الحدة وسرعة القطع، فعرف بذلك: أن تلك الألفاظ ليست مترادفة؛ لانعدام شرط الترادف.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالترادف خلاف الأصل؛ حيث إن الأصل: أن لكل معنى لفظًا واحدًا خاصًا به، فيكون الترادف - وهو: أن يكون للمعنى الواحد أكثر من لفظ واحد - خلاف الأصل.\nوقلنا ذلك؛ لأنه ثبت بعد استقراء كلام العرب: أن لكل معنى لفظًا خاصًا به، وهذا في أكثر كلامهم، والكثرة تفيد الظن والرجحان، فيكون المعنى المنفرد بلفظ واحد أكثر وجودًا من المعنى الذي له لفظان فأكثر - وهو: المترادف - فيكون مرجوحًا؛ نظرًا لقلَّته.\nولأنه لمَّا عرفنا المعنى بأحد اللفظين، وحصل المقصود، فالأصل عدم الثاني؛ لعدم الحاجة إليه، ولأنه يلزم منه تعريف المعرف، فيكون تحصيل حاصل وهو باطل.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nيجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر في لغة واحدة","vol":"1","page":174},{"text":"ولا يجوز من لغتين مختلفتين؛ لأن واضع أحد المترادفين موضع الآخر من لغة واحدة لا يلزم منه الإخلال والإفساد للمعنى؛ أي: أن صحة التركيب وفساده متعلق بالمعنى دون اللفظ، فإذا صح المعنى لم يبق محذور، لأن كلا اللفظين معروف لأهل هذه اللغة فكان ذلك جائزًا.\nأما وضع أحد اللفظين موضع الآخر من لغتين فلا يجوز، فلا يصح أن تضع: \" خداي أكبر \" موضع \" الله أكبر \"؛ لأنه يلزم منه اختلاط اللغتين، ويلزم منه أيضًا: ضم مهمل إلى مستعمل؛ لأن اللفظ المرادف من اللغة الأخرى يُعتبر مهملًا بالنظر إلى أهل اللغة الأخرى الذين لا يفهمونه.\nوبناء على هذا: فإنه يجوز نقل الحديث بالمعنى في لغة واحدة، دون اللغتين.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المطلب الخامس\nفي التأكيد</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالتأكيد هو: تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر مستقل بالإفادة.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nيُفرَّق بين التأكيد والترادف: بأن اللفظ المؤكِّد - بكسر الكاف - يقوي اللفظ المؤكَّد - بفتح الكاف -.\nأما اللفظان المترادفان فلا يقوي أحدهما الآخر، لأن اللفظ المرادف يدل على الذات لا على التقوية.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nالتوكيد جائز عقلًا، وواقع لغة؛ لأنه لا يترتب على فرض وقوعه محال، ولوقوعه؛ حيث إنه بعد استقراء كلام العرب ثبت وجود ألفاظ مؤكدة لألفاظ أخرى مثل: \" جاء زيد نفسه \"، و\" جاء العلماء كلهم \" ونحو ذلك، والوقوع دليل الجواز.","vol":"1","page":176},{"text":"المسألة الرابعة:\nأقسام التأكيد هي:\nالقسم الأول: تأكيد اللفظ بنفسه، وهو نوعان:\nالنوع الأول: تأكيد اللفظ بنفسه إذا كان مفردًا مثل: \" جاء محمد محمد \".\nالنوع الثاني: تأكيد اللفظ بنفسه إذا كان جملة، مثل قوله - ﷺ -: \" والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا \".\nالقسم الثاني: أن يؤكد اللفظ بغيره، وهو أنواع:\nالنوع الأول: أن يكون المؤكد مفردًا، فيؤكد بألفاظ معروفة مثل: \" النفس \" و\" العين \"، كقولك: \" جاء زيد نفسه أو عينه \".\nالنوع الثاني: أن يكون المؤكد مثنى، فيؤكد بلفظ: \" كِلا \" و\" كلتا \"، كقولك: \" جاء الرجلان كلاهما \"، و\" جاءت المرأتان كلتاهما \".\nالنوع الثالث: أن يكون المؤكد جمعًا، فيؤكد بلفظ \" كل \" و\" أجمعون \"، كقولك: \" جاء الرجال كلهم \"، و\" أكرمت العلماء أجمعين \"، ويؤكد أيضًا بلفظ: \" أكتع \" و\" أبتع \" و\" أبصع \".","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المطلب السادس\nفي التابع</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالتابع هو: أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها إشباعًا أو تأكيدًا، كقولك: \" عطشان نطشان \"، و\" جائع نائع \"، و\" شذر مذر \"، و\" شيطان ليطان \"، و\" حياك الله وبياك \"، و\" حقير نقير \".\n* * *\nالمسألة الثانية:\nيفرق بين التابعٍ والترادف بأن التابع - وهو: اللفظ الذي بعد الأول - لا يفيد شيئا غير تقوية الأول، فلا يفيد بدون المتبوع.\nأما اللفظان المترادفان: فإن كل واحد من المترادفين يفيد المعنى لو انفرد؛ لأنه مثل مرادفه في الرتبة.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nوجه الاتفاق بين التابع والتأكيد: أن كلًا من التأكيد مع المؤكد، والتابع مع المتبوع: لم يفد عين ما أفاده الآخر، وإنما أفاد تقوية المعنى - فقط -.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nوجه الفرق بين التابع والتأكيد؛ أن التابع يُشترط فيه: أن يكون","vol":"1","page":178},{"text":"على وزن متبوعه مثل: \" عطشان نطشان \"، و\" جائع نائع \"، و\" حسن بسن \".\nأما التأكيد مع المؤكد فلا يشترط ذلك فيه، مثل: \" جاء زيد نفسه أو عينه \".","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المطلب السابع\nفي الحقيقة</span>\nوفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى:\nالحقيقة هي: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي كالأسد يطلق على الحيوان المفترس.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nأقسام الحقيقة هي:\nالقسم الأول: حقيقة لغوية وضعية، وهي: الثابتة بالوضع اللغوي.\nأي: أن يضع الواضع لفظًا لمعنى إذا أطلق ذلك اللفظ فُهم ذلك المعنى الموضوع له، مثل لفظ \" الأسد \" يفهم منه الحيوان المفترس فلا ينقدح في الذهن - عند إطلاقه - إلا هذا المعنى، فيكون حقيقة، وهذا هو المقصود بالحقيقة، وهي الأسبق إلى الذهن من الحقيقة العرفية والشرعية.\nالقسم الثاني: حقيقة عرفية وهي: قول خُصَّ في العُرف ببعض مسمَّياته وإن كان وضعها للجميع حقيقة، وهي:","vol":"1","page":180},{"text":"إما أن يكون للاسم معنيان، فيستعمله أهل اللغة لمعنى واحد فقط دون الآخر أو يخصصونه به، ويعرف بينهم، مثل لفظ \" الدابة \"، فإنه خصِّص في العرف للفرس ولكل ذات حافر، مع أنه يطلق في اللغة على كل ما يدب على الأرض.\nوإما إن يشيع استعمال الاسم في غير ما وضع له أصلًا بحيث لا ينكره أحد، كلفظ \" الغائط \" فإنه يطلق لغة على المطمئن والمنخفض من الأرض، ثم استعمل عرفًا في الخارج المستقذر من الإنسان، وهذا الاستعمال وإن كان مجازًا إلا أنه اشتهر وشاع حتى صار هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، ونُسي الأول.\nالقسم الثالث: حقيقة شرعية، وهي: اللفظ المستعمل في الشريعة على غير ما كان عليه في وضع اللغة، كالصلاة - مثلًا - فإنها في اللغة: الدعاء، فاستعمل هذا اللفظ في الشريعة على الأقوال والأفعال المخصوصة، فصارت حقيقة فيها.\nوالشارع نقل لفظ \" الصلاة \" وغيرها كالصوم، والزكاة، والحج عن مسمياتها ومعانيها اللغوية إلى معانِ أخر بينها وبين تلك المسمَّيات - بحسب اللغة - مناسبة معتبرة، واشتهرت بعد أن كانت لغوية، فصارت حقائق شرعية.\nفالصلاة لغة: الدعاء، والزكاة لغة: النماء، والصوم لغة: الإمساك، والحج لغة: القصد، فنقل الشارع هذه الألفاظ من معانيها اللغوية السابقة واستعملها في معان أُخر شرعية، وليس هذا نقلًا مطلقًا، بل مع وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.\nدل على ذلك: الاستقراء والتتبع للألفاظ الشرعية التي","vol":"1","page":181},{"text":"استعملها الشارع، حيث إنه ثبت - بعد هذا الاستقراء - أن الشارع قد استعمل لفظ \" الحج \" و\" الصوم \" و\" الإيمان \" و\" الزكاة \" و\" الصلاة \" في معان لها علاقة بمعناها اللغوي - كما سبق بيانه - وثبت أنه ليس نقلًا كليًا للفظ، بل يوجد ارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.\nوبناء على ذلك: فإن تلك الألفاظ - وهي: الصلاة والزكاة ونحوها - إذا وجدت في كلام الشارع مجردة عن القرينة، تحمل على الحقيقة الشرعية دون اللغوية، ويكون المعنى واضحًا لا إجمال فيه.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المطلب الثامن\nفي المجاز</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي لعلاقة.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالمجاز واقع في اللغة: لأن اللغة العربية لغة فصيحة، والمجاز لا ينافي الفصاحة، بل ربما كان المجاز أبلغ من الحقيقة.\nولأن المجاز قد وقع في اللغة؛ حيث كانت العرب تستعمله كثيرًا في لغتهم، كاستعمال لفظ \" الأسد \" للرجل الشجاع، ولفظ \" الحمار \" للرجل البليد، وقول الشاعر:\nأشاب الصغير وأفنى الكبير. . . كرُّ الغداة ومرُّ العشي","vol":"1","page":183},{"text":"المسألة الثالثة:\nيشترط في المجاز: وجود العلاقة، وهذه العلاقة أنواع:\nالأول: السببية: وهو إطلاق السبب على المسبِّب، كقولهم: \" سال الوادي \"، والمراد: سال الماء في الوادي، لكن لما كان الوادي سببًا قابلًا لسيلان الماء فيه: صار الماء من حيث القابلية كالمسبب له، فوضع لفظ الوادي موضعه.\nالثاني: المسببية: وهو إطلاق المسبِّب على السبب، كتسمية المرض الشديد بالموت؛ لأن المرض الشديد عادة يؤدي إلى الموت.\nالثالث: المشابهة: بأن يُسمى الشيء باسم مشابهة في صفة ظاهرة، كتسمية الرجل الشجاع بالأسد، ويُسمَّى المجاز الذي باعتبار المشابهة بالاستعارة.\nالرابع: المجاورة: بأن يُسمَّى الشيء باسم مجاوره، كإطلاق \" الراوية \" على القربة، والراوية في الأصل اسم للجمل الذي يحمل تلك القربة، ولكنه أطلق على القربة لمجاورتها له.\nالخامس: المضادة: بأن يُسمَّى الشيء باسم ضده، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، فقد أطلق على الجزاء سيئة مع أنه عدل، لكونها ضدها.\nالسادس: إطلاق اسم الشيء كله على ما أعد له، مثل قولهم: \" الزوجة محللة \"، ومعروف أن المحلَّل هو وطئها فقط.\nالسابع: النقصان: بأن يذكر المضاف إليه ويراد به مجموع المضاف مع المضاف إليه، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ).","vol":"1","page":184},{"text":"الثامن: الكلية: بأن يطلق الجزء، والمراد به الكل، كقولك: \" أنا أملك رأسين من الغنم \"، فأطلق الجزء وهو: \" الرأس \"، وأراد جميع الجسم.\nالتاسع: الجزئية: بأن يطلق الكل، والمراد الجزء، كقوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ)، فقد أطلق الكل وهي: الأصابع، والمراد الجزء وهي: الأنامل منها فقط، لأن العادة أن الإنسان لا يدخل أصبعه في أذنه.\nالعاشر: تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه، كتسمية المعتَق عبدًا باعتبار أنه كان كذلك.\nالحادي عشر: تسمية الشيء باعتبار ما سيكون عليه، كتسمية الخمر في الدُّن بالمسكر، حيث إن الخمر في الدُّن ليس بمسكر، بل سيكون مسكرًا إذا شُرب.\nالثاني عشر: التعلق، وهو التعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول، واسم الفاعل، فإن كلًا منها يطلق على الآخر مجازًا.\nفيطلق المصدر على اسم المفعول كقوله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) أي: مخلوقه، ويطلق اسم المفعول على المصدر كقوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦» أي: الفتنة، ويطلق اسم الفاعل على اسم المفعول كقوله تعالى: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) أي: مدفوق، ويطلق اسم المفعول على اسم الفاعل كقوله تعالى: (حِجابًا مَّستُورُا) أي: ساترًا، ويطلق اسم الفاعل على المصدر كقولك: \" قم قائمًا \" أي: قيامًا، ويطلق المصدر على اسم الفاعل كقولك: \" رجل عدل \"، أي عادل.","vol":"1","page":185},{"text":"الثالث عشر: إطلاق الأثر على المؤثر، كتسمية ملك الموت موتًا.\nالرابع عشر: إطلاق المؤثر على الأثر، كقولك: \" ما في الوجود إلا الله تعالى \"، تريد آثاره، والدلالة عليه في العالم.\nالخامس عشر: إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كإطلاق \" المس \" على الجماع.\nالسادس عشر: إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كقوله تعالى: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ)، أي: يدل، والدلالة من لوازم الكلام.\nالسابع عشر: إطلاق اسم البدل على المبدل، كتسمية الدية بالدم، فيقولون: \" أكل فلان دم فلان \"، أي: ديته.\nالثامن عشر: إطلاق اسم المبدل على البدل، كتسمية الأداء بالقضاء في قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ)، أي: أديتم.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nأسباب العدول من الحقيقة إلى المجاز هي:\nالسبب الأول: الحرص على بلاغة الكلام، قال بعض أهل اللغة: إن المجاز في الاستعمال أبلغ من الحقيقة، وأنه يلطف الكلام ويكسبه حلاوة، ويكسوه رشاقة، فمثلًا قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)، وقوله: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦» لو استعملت الحقيقة في ذلك لم تعط ما أعطي المجاز من البلاغة والإعجاز اللغوي.\nالسبب الثاني: تكثير الفصاحة، وتحريك الذهن، لأن فهم","vol":"1","page":186},{"text":"المعنى منه يتوقف على قرينة، وفي ذلك غموض يحوِج إلى حركة الذهن، فيحصل من الفهم شبيه بلذة الكسب.\nالسبب الثالث: التعظيم والتبجيل كقولهم: \" سلام الله على الحضرة العالية والمجلس الكريم \"، فيعدل عن اللقب الصريح إلى المجاز تعظيمًا محال المخاطب.\nالسبب الرابع: التنزه عن ذكر الحقيقة، فيُعبِّر العربي عن قضاء الوطر من النساء بالوطء، وُيعبر عن ذكر ما يخرج من الإنسان من القذارة بالغائط.\nالسبب الخامس: الحرص على اختصار الكلام، وإيجازه كقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)، وقولهم: \" رأيت أسدًا يخطب \".\nالسبب السادس: تفهيم المعقول بصورة المحسوس لتلطيف الكلام وزيادة الإيضاح، كقوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ).\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالحقيقة لا تستلزم المجاز: فلا يلزم أن يكون لكل حقيقة مجاز؛ لأن كون اللفظ قد استعمل فيما وضع له لا يلزم منه أن يستعمل فيما عداه من المعاني، بل قد يكون له معنى واحد فقط.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nأن المجاز يستلزم الحقيقة، فيلزم أن يكون لكل مجاز وجود حقيقة في شيء أَخر؛ لأن المجاز فرع والحقيقة أصل، ومتى ما","vol":"1","page":187},{"text":"وجد الفرع لا بد أن يوجد الأصل.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nالمجاز خلاف الأصل: لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وقلنا ذلك؛ لأن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول، ويحتاج إلى المناسبة بين الموضوع الأصلي والمدلول المجازي، والنقل إلى المعنى الثاني، والمجاز أيضًا مخل بالفهم؛ إذا لم توجد قرينة، أو لم يتنبه للقرينة، أو تعددت المجازات.\nأما الحقيقة فهي محتاجة إلى الأمر الأول - وهو: الوضع الأول - ومعلوم أن المفتقر إلى أمر واحد أغلب وجودًا وأرجح مما هو مفتقر إلى أمور كثيرة.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nنعرف الحقيقة من المجاز بالطرق التالية:\nالطريق الأول: سبق الفهم: أي: يكون اللفظ حقيقة في المعنى الذي تبادر إلى فهم السامع مطلقًا، أي: بدون قرينة.\nالطريق الثاني: العراء عن القرينة؛ حيث إن أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى من المعاني اقتصروا على عبارة مخصوصة، بدون ذكر قرينة، فهذا هو الحقيقة، أما لو أراد المجاز فإنهم يذكرون معها قرينة.\nالطريق الثالث: صحة الاشتقاق: أي: يكون أحد اللفظين","vol":"1","page":188},{"text":"يصح فيه الاشتقاق والتصريف إلى الماضي والمستقبل واسم الفاعل واسم المفعول، واللفظ الآخر لا يصح فيه ذلك، فيكون الأول هو الحقيقة، والثاني هو المجاز؛ لأن تصريف اللفظ يدل على قوته وأصالته، وعدم تصريفه يدل على ضعفه وفرعيته، فلفظ \" الأمر \" يطلق على الطلب مثل: \" اُدخل \"، ويطلق على \" الفعل \" كقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)، فوجدنا العرب يصرفون الأمر الذي بمعنى الطلب فيقولون: أمر يأمر أمرًا فهو مأمور، وهو: آمر، في حين أنهم لا يقولون ذلك في الأمر بمعنى الفعل.\nالطريق الرابع: صحة نفي المجاز؛ حيث يصح أن يقال لمن سمي من الناس حمارًا لبلادته: إنه ليس بحمار، ولكن لا يصح أن يقال: إنه ليس بإنسان في نفس الأمر؛ لأنه حقيقة فيه.\nالطريق الخامس: الاطراد وعدمه، فالمطرد هو الحقيقة، وغير المطرد هو المجاز، كتسمية الرجل الطويل نخلة فهذا مجاز؛ لأنه لا يطرد؛ حيث لا يسمى كل طويل من شجر أو عصا ونحو ذلك بالنخلة.\nالطريق السادس: إطلاق اللفظ على المستحيل يُعلم به أن هذا الإطلاق مجاز كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فإن السؤال بالنسبة إلى القرية مستحيل عادة.\n* * *\nالمسألة التاسعة:\nإذا دار اللفظ المتجرد عن القرائن بين الحقيقة والمجاز فإنه يحمل على الحقيقة، ولا يكون مجملًا ومشتركًا بين المعنيين، لأننا لو رأينا كل لفظ احتمل أن يكون حقيقة وأن يكون مجازًا وجعلناه مجملًا، للزم من ذلك أمران باطلان.","vol":"1","page":189},{"text":"أولهما: بقاء كثير من ألفاظ الكتاب والسنة بدون أن يعمل بها، فيفضي ذلك إلى عدم الاستفادة منها؛ لأن حكم المجمل هو التوقف حتى يأتي دليل يرجح أحد المعاني، وهذا يؤدي إلى تعطيل كثير من النصوص بلا عمل، وهذا ظاهر البطلان.\nثانيهما: اختلال واضطراب مقصود الوضع اللغوي، أي: لا نفهم من أي لفظة أي معنى مقصود مما يؤدي إلى عدم تفاهم الناس في مخاطباتهم.\nوعلى هذا لا يمكن صرف اللفظ إلى المجاز إلا بقرينة.\n* * *\nالمسألة العاشرة:\nإذا غلب المجاز في استعمال الناس أي: تعارف الناس واعتادوا على التخاطب بالمجاز دون الحقيقة، وانتشر ذلك بينهم: فإن اللفظ يحمل على المجاز، وتكون الحقيقة كالمتروكة المنسية التي لا تنقدح في أذهان المتخاطبين.\nفلو قال شخص: \" رأيت راوية \"، أو قال: \" رأيت غائطا \"، أو قال: \" وطئت زوجتي \"، فإنه ينقدح في أذهان الناس أن المقصود بالأول هو: \" وعاء الماء \"، وفي الثاني: الشيء المستقذر الخارج من الإنسان، وفي الثالث: الجماع.\nولا تنقدح في أذهانهم الحقيقة وهي في الأول: الجمل الذي يستقى عليه، وفي الثاني: المكان المطمئن المنخفض من الأرض، وفي الثالث: الوطء بالرجل.\nففي هذه الأمثلة صارت الحقيقة منسية متروكة، والمجاز معروفًا سابقًا إلى الفهم، ولا يمكن صرفه إلى الحقيقة إلا بدليل.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المطلب التاسع\nفي النص</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالنص هو: اللفظ الذى يفيد معناه بنفسه من غير احتمال، كقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وقوله - ﷺ -: \" أطعموا الجدات السدس \"، فهذه النصوص تفيد معانيها بدون أي قرينة، ولا تحتمل أي معنى آخر ولو كان ضعيفًا.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nلا يجوز إطلاق النص على الظاهر: فالنص له تعريفه الخاص به، والظاهر له تعريفه الخاص به، وذلك لأننا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر للزم من ذلك أمران هما على خلاف الأصل عند أهل اللغة.\nأولهما: الترادف؛ حيث يكون معنى النص والظاهر واحدًا، وهذا هو الترادف الذي هو على خلاف الأصل.","vol":"1","page":191},{"text":"ثانيهما: الاشتراك؛ حيث إنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن الذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهر: النص والظاهر، وهذا هو الاشتراك الذي هو خلاف الأصل.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nيجب على المكلف أن يعمل بالحكم الذي دل عليه النص ولا يتركه إلا إذا ثبت ناسخ له، فيترك المنسوخ ويعمل بالناسخ.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المطلب العاشر\nفي الظاهر</span>\nوفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى:\nالظاهر: هو اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، كالصيغ التي جُعلت للعموم، مثل: \" مَن دخل داري فأكرمه \"، فإن لها معنيين: العموم والخصوص، والعموم أرجح.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nيجب على المكلف أن يعمل بالحكم الذي ظهر وترجح من اللفظ، ولا يجوز ترك ذلك المعنى الراجح إلا إذا قام دليل صحيح على تأويله، أو تخصيصه، أو نسخه.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المطلب الحادي عشر\nفي التأويل</span>\nوفيه مسائل:\n* * *\nالمسألة الأولى:\nالتأويل هو: حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده، وأمثلته ستأتي في المسألة الثانية.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nأنواع التأويل هي:\nالنوع الأول: التأويل القريب، وهو: ما إذا كان المعنى المأؤَل إليه اللفظ قريبًا جدًا، فهذا يكفيه أدنى دليل.\nمثل: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ)، فإن القيام إلى الصلاة قد صرف عن معناه الظاهر إلى معنى قريب محتمل، وهو: العزم على أداء الصلاة، والمراد: إذا عزمتم على أداء الصلاة، والذي رجح هذا الاحتمال دليل وهو: أن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلفين بعد الشروع في الصلاة.","vol":"1","page":194},{"text":"النوع الثاني: التأويل البعيد، وهو: ما إذا كان المعنى المأوَّل إليه اللفظ بعيدًا جدًا، فهذا يحتاج إلى دليل في غاية القوة.\nمثل قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)، فقد أؤَل ذلك بعضهم بأن المراد: مسح الرجلين بدلًا من غسلهما، وقد استدل على هذا التأويل بقراءة الجر في قوله: (وَأَرْجُلِكُمْ) وأن ذلك كان عطفًا على قوله: (بِرُءُوسِكُمْ) فقالوا ذلك نظرًا إلى تلك القراءة، ولكن ما ثبت من الأحاديث الصحيحة التي أمرت بغسل الرجلين جعل هذا التأويل بعيدًا جدًا.\nالنوع الثالث: التأويل المتوسط، وهو: ما كان المعنى المأوَّل إليه متوسطًا، فإن هذا يحتاج إلى دليل متوسط في القوة.\nوالفقيه المجتهد هو الذي يُعين التأويل البعيد من القريب من المتوسط، ويوضح حدودها وذلك بدقة نظره، وقوة ملاحظته.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nشروط التأويل هي:\nالشرط الأول: أن يكون المتأول من أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال.\nالشرط الثاني: أن يكون المعنى الذي أُوِّل إليه اللفظ من المعانى التي يحتملها اللفظ ظاهرًا فيما صُرف عنه، محتملًا لما صُرف إليه.\nالشرط الثالث: أن يعتمد التأويل على دليل صحيح يدل دلالة واضحة وصريحة على صرف اللفظ من ظاهره إلى غيره، وهو إما","vol":"1","page":195},{"text":"نص، أو قرينة، أو قياس، أو نحو ذلك مما هو أقوى من الظاهر.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nحكم التأويل: إنه مقبول إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل العلماء في كل عصر من عهد النبي - ﷺ - إلى زماننا هذا عاملين به من غير أن ينكر عليهم أحد.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المطلب الثاني عشر\nفي المجمل</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالمجمل: هو ما له دلالة على معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nأسباب الإجمال هي:\nالسبب الأول: الاشتراك في اللفظ المفرد كالعين، والشفق، والقرء.\nالسبب الثاني: الاشتراك في اللفظ المركب، كقوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فالذي بيده عقدة النكاح مشترك بين أن يكون الزوج، وهو رأي الجمهور، أو هو الولي وهو رأي الإمام مالك.\nالسبب الثالث: الاشتراك في الحرف كالواو في قوله تعالى:","vol":"1","page":197},{"text":"(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ) مترددة بين أن تكون عاطفة وبين أن تكون للابتداء.\nالسبب الرابع: التصريف في اللفظ، كلفظ: \" المختار \" في عبارة: \" زيد المختار \"، فلا يعرف هل زيد هو الذي اختار فيكون فاعلًا أو زيد هو الذي اختير فيكون مفعولًا به.\nالسبب الخامس: التردد في مرجع الضمير كقوله - ﷺ -: \" لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره \"، فالضمير فى لفظ\n\" جداره \" يحتمل أن يعود إلى الغارز، أو إلى جاره.\nالسبب السادس: التخصيص بالمجهول كقولهم: \" اقتلوا المشركين إلا بعضهم \"، لأن العام إذا خص بمجهول يصير الباقي محتملًا، فكان مجملًا.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nالإجمال كما يكون في اللفظ فإنه يكون في الفعل؛ لذلك قلت في تعريفه: \" ما له دلالة على معنيين \" ولم أقل: \" اللفظ الدال على معنيين \"، ليشمل اللفظ والفعل، وقد ورد ذلك مثل: أن يفعل الرسول - ﷺ - فعلًا يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه - ﷺ -: \" أنه جمع بين الصلاتين في السفر\" فإن هذا مجمل؛ لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو سفر قصير، فلا يحمل على أحدهما إلا بدليل.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nحكم المجمل: يجب أن نتوقف فيه، فلا يجوز العمل به حتى يأتي دليل خارجي يدل على أن المراد هو أحد المعنيين، لأن اللفظ المتردد بين معنيين إما أن يراد كل واحد منهما معًا","vol":"1","page":198},{"text":"وهذا باطل لاستحالة العمل بمعنيين كل واحد منهما ضد الآخر، وإما أن لا يراد كل واحد منهما، وهذا باطل - أيضًا - لأنه يؤدي إلى خلو اللفظ عن المعنى، وهذا لا يتكلم به العقلاء.\nوإما أن يراد أحد المعنيين دون الآخر، وهو الصحيح لكننا لا نعرف المعنى المراد إلا بدليل خارجي.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالمجمل إذا تعلق به حكم تكليفي لا يجوز بقاؤه بدون بيان بعد وفاة النبي - ﷺ -؛ لأن تأخير بيانه تأخير للبيان عن وقت الحاجة وهذا لا يجوز، أما إن لم يتعلق به حكم تكليفي فيجوز بقاؤه مجملًا؛ لعدم وجود ضرورة تدعو إلى بيانه.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المطلب الثالث عشر\nالمبيَّن، والمبيِّن، والبيان</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالمبيَّن - بفتح الياء -: اسم مفعول من التبيين وهو: الموضَّح والمفسَّر، وهو: اصطلاحًا يطلق ويراد به الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان، وهو الواضح بنفسه.\nويطلق ويراد به: ما وقع عليه البيان مما احتاج إليه، وهو: الواضح بغيره، وُيسمَّى ذلك الغير مبيِّنًا.\nوالمبيِّن - بكسر الياء -: اسم فاعل من بيَّن، يبيِّن فهو مبيِّن، أي: موضِّح لغيره، وهو: الدليل المبيِّن.\nوالبيان: اسم مصدر بيَّن.\nوهو اصطلاحًا: الدليل، والدليل هو: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالمراد من البيان هو: الدليل؛ حيث إن البيان عام لما سبقه إجمال، ولما جاء ابتداء، ولا يكون خاصًا بالمجمل فقط، وقلنا","vol":"1","page":200},{"text":"ذلك؛ لأن الواقع يشهد أن الشخص إذا دلَّ غيره على شيء فإنه يقال له: \" بينه له \" ويوصف بأنه: \" بيان حسن \" فهذا يصح إطلاقه، فإن لم يكن قد سبقه لفظ مجمل، والأصل في الإطلاق الحقيقة.\nولأن النصوص الشرعية التي أوردت الأحكام ابتداء تُسمَّى بيانًا قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) وأراد به القرآن، فلا يشترط فيه أن يكون بيانًا لمشكل.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nأقسام المبيَّن - بفتح الياء -:\nالقسم الأول: المبيَّن بنفسه، وهو: الذي استقل بإفادة معناه بنفسه، أي: من غير أن ينضم إليه قول أو فعل، وُيسمَّى بالواضح بنفسه، وهو نوعان:\nالنوع الأول: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى اللغة كقوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، فإن إفادته شمول علمه تعالى جميع الأشياء ثبت عن طريق اللغة من غير توقف.\nالنوع الثاني: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى العقل كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فاللغة اقتضت طلب السؤال من القرية، وهو غير ممكن عقلًا، بل إن المقصود هو طلب السؤال من أهل القرية؛ لأن الأبنية لا يوجه إليها أسئلة، فتعين المضمر من غير توقف.","vol":"1","page":201},{"text":"القسم الثاني: المبيّن بغيره، وهو: الذي لا يستقل بإفادة معناه، بل يفتقر إلى دليل يبينه من قول أو فعل، وذلك الدليل يُسمَّى مبيِّنًا.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nيحصل البيان بما يلي:\nأولًا: القول: أي يحصل البيان به وُيسمَّى البيان بالكلام، وهو: التلفظ صراحة بالمراد؛ لوقوعه في الشريعة؛ حيث بين الرسول - ﷺ - قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بقوله: \" فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر \" وهو كثير.\nثانيًا: الفعل: أي يحصل البيان به؛ لوقوعه في الشريعة؛ حيث إنه لما نزل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، بين النبي - ﷺ - كيفية الصلاة وكيفية الحج بفعله.\nثالثًا: الكتابة، أي: يحصل البيان بالكتابة؛ لوقوعه؛ حيث روي عن النبي - ﷺ - أنه كتب إلى عماله في الصدقات، وكتب كتابًا بعثه مع عمرو بن حزم إلى أهل اليمن بين فيه الفرائض والسنن والديات.\nولأن الكتابة تقوم مقام القول اللساني، والجامع: أن كلًا منهما يقوم بتأدية الذي في النفس.\nرابعًا: ترك الفعل، أي: يحصل البيان بترك الفعل، حيث","vol":"1","page":202},{"text":"إن النبي - ﷺ - إذا ترك فعل شيء فإنه يتبين من ذلك نفي وجوب ذلك الشيء، لأن النبي - ﷺ - لا يقع في فعله محرم، ولا ترك واجب.\nخامسًا: السكوت، أي: يحصل البيان بالسكوت، فلو سئل النبي - ﷺ - عن حكم حادثة، وسكت: فإن سكوته يدل على أنه لا حكم للشرع في هذه الحادثة، وهذا يعتبر بيانًا لها؛ حيث إن النبي - ﷺ - لا يقرّ على الخطأ.\nسادسًا: الإشارة، أي: يحصل البيان بالإشارة؛ لوقوعه؛ حيث روي أن النبي - ﷺ - آلى من نسائه شهرًا، فلم بلغ تسعة وعشرين يومًا دخل عليهن فقيل له: إنك آليت شهرًا فقال: \" الشهر هكذا وهكذا \"، وأشار بأصابعه العشر وقبض إبهامه في الثالثة: يعني تسعًا وعشرين يومًا.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nإذا اجتمع القول والفعل وكل واحد منهما صالح لأن يكون بيانًا للمجمل، وكانا متفقين في الدلالة على حكم معين، فإن أحدهما يكون هو المبيِّن، والآخر يكون مؤكدًا له من غير تعيين؛ لحصول المقصود به.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nإذا اجتمع القول والفعل، وكل واحد صالح لأن يكون بيانًا للمجمل، وكانا مختلفين، أي: ما يفيده القول يخالف ما يفيده الفعل، فإنه يقدم القول مطلقًا سواء تقدم القول أو الفعل، أو لم يعلم شيء من ذلك؛ لأن القول يدل بنفسه على البيان بخلاف الفعل فإنه لا يدل على كونه بيانًا إلا بواسطة دلالة القول عليه،","vol":"1","page":203},{"text":"والدال بنفسه أقوى من الدال بغيره.\nوبناء على ذلك: فإنا قدمنا قوله - ﷺ -: \" من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما جميعًا \"، على ما فعله علي ﵁ حيث طاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع.\nلذلك قلنا: إن القِران يكفي فيه طواف واحد وسعي واحد.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nيجوز البيان بالأدنى والمساوي، كما يجوز البيان بالأقوى؛ لأن المبيِّن أوضح من المبيَّن في الدلالة على المراد، فوجب العمل بالواضح وإن كان أدنى من المبيَّن أو مساويًا له.\nوبناء على ذلك: فإنه يجوز تخصيص وتقييد القطعي كالقرآن والسنة المتواترة بالظني كخبر الواحد والقياس، كما يجوز بيان المجمل القطعي بالظني.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة: لأن وقت الحاجة وقت للأداء، فإذا لم يكن مبينًا تعذَّر الأداء، فالبيان إذن ضرورة من الضروريات التي لا بد منها.","vol":"1","page":204},{"text":"ولأن تأخير البيان عن وقت الحاجة يعتبر تكليفًا بما لا يطاق وهو: لا يجوز، حيث لا قدرة للمكلف حينئذٍ على الامتثال.\nمثل: ما لو قال: \" حجوا هذا العام \"، ثم إذا جاء وقت الحج لم يبين لهم كيفية الحج وطريقته.\n* * *\nالمسألة التاسعة:\nيجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة وهو وقت وجوب العمل بمقتضاه؛ لأنه لا يترتب على فرض جوازه محال؛ وغاية ما في الأمر هو: جهل المكلف بما كلف به مدة منْ الزمن، وهذا ليس بمحال، ولا يؤدي إلى المحال.\nولوقوع تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة في الشريعة، حيث إنه لما نزل قوله تعالي: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، أخرَّ بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بين ذلك جبريل ﵇، ثم بين الرسول - ﷺ - ذلك لأمته قائلًا: \" صلوا كما رأيتموني أصلي \"، ولما نزل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) بين الرسول - ﷺ - طريقة الحج بعد ذلك بمدة قائلًا: \" خذوا عني مناسككم \" والوقوع دليل الجواز.\nوبناء على ذلك: فإنه يجوز للرسول - ﷺ - أن يؤخِّر التبليغ لما أوحي إليه من قرآن أو غيره إلى وقت الحاجة إليه.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المطلب الرابع عشر\nفي حروف المعاني</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nفي \" الواو \" تأتي للمعاني التالية:\nأولًا: أنها تأتي عاطفة، وهي لمطلق الجمع من غير إشعار بخصوصية المعية أو الترتيب. فالواو تدل على جمع المعطوف والمعطوف عليه في حكم واحد من غير ملاحظة حصولهما معًا، أو أن أحدهما قبل الآخر، فإذا وجد ترتيب أو معيَّه فإنما هو من خارج دلالة الواو؛ لأن أهل اللغة يستعملون الواو في أبنية يمتنع فيها الترتيب كقولهم: \" تقاتل زيد وعمرو \"، فلو كانت للترتيب لما حسن هذا، حيث لا ترتيب فيه، وكذلك قولهم: \" جاء زيد وعمرو قبله \"، فلو كانت للترتيب: للزم التناقض.\nولأنه لو قال قائل: \" رأيت زيدًا وعمرًا \"، فإنه يسبق إلى فهم السامع أنه رآهما معًا، ولا يسبق إلى فهمه أنه رأى زيدًا قبل عمرو، وسبق الفهم يدل على الحقيقة، فلا تكون الواو للترتيب حقيقة.","vol":"1","page":206},{"text":"وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال: \" إن دخلت الدار وكلمت زيدًا فأنت طالق \"، فإنه لا يقع الطلاق حتى تدخل وتكلم، ولا فرق في أيهما المقدم.\nثانيًا: أن الواو تأتي بمعنى \" مع \"، مثل: \" سرت والليل \".\nثالثًا: أن الواو تأتي بمعني \" أو \"، كقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ).\nرابعًا: أن الواو تأتي للاستئناف، كقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ).\nخامسًا: تأتي الواو بمعنى \" رب \" كقول الشاعر:\nوبلدة ليس بها أنيس. . . إلا اليعافير وإلا العيس\nأي: ورب بلدة.\nسادسًا: تأتي الواو للقسم، كقوله تعالى: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢».\nسابعًا: تأتي الواو بمعنى الحال، كقولك: \" جاء زيد وهو يضحك \".\nوإذا أطلقت الواو فإنها تكون عاطفة متضمنة مطلق الجمع، ولا تستعمل في غير ذلك من المعاني إلا بقرينة.","vol":"1","page":207},{"text":"المسألة الثانية:\nفي \" الفاء \" تأتي للمعاني الآتية:\nأولًا: أنها تأتي عاطفة، وهي للترتيب والتعقيب؛ حيث إنها تفيد لغة: إن ما بعدها ثبت له الحكم بعد ثبوته لما قبلها من غير مهلة، فإذا قلت: \" جاء زيد فعمرو\"، أفاد هذا: أن عمرًا ثبت له المجيء بعد مجيء زيد من غير تراخ بينهما في الزمان.\nوالوقوع هذا دل على أنها للترتيب، ودل على أنها للتعقيب وقوعها في جواب الشرط كقولك: \" إن دخلت الدار فأنت طالق \"، فالطلاق يقع بعد الدخول مباشرة.\nوبناء على هذا: فإنه لو قال الزوج: \" إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى فأنت طالق \"، فإنه يلزم أنها لا تطلق حتى تدخل الدار الأولى قبل الثانية، فلو عكست لم تطلق؛ لأن الفاء للترتيب.\nثانيًا: تأتي الفاء بمعنى \" الواو \"، كقول امرئ القيس:\nبسقط اللوى بين الدخول فحومل\nوالفاء عند التجرد تستعمل حقيقة في العطف والترتيب، والتعقيب، ولا تستعمل في غيره إلا بقرينة.","vol":"1","page":208},{"text":"المسألة الثالثة:\nفي \" ثم \": تفيد التشريك في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه، والترتيب بينهما بمهلة كقولك: \" جاء زيد ثم عمرو \"، دل على ذلك الاستقراء والتتبع لكلام العرب، والاستعمال كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ).\nوبناء على ذلك: فإنه إذا قال: \" وقفت على أولادي ثم على أولادهم \"، فإنه لا يستحق أحد من البطن الثاني مع وجود أحد من البطن الأول.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nفي \" أو \" تأتي للمعاني التالية:\nأولًا: أنها تفيد أحد الشيئين أو الأشياء، وهي تقع بين اسمين، كقولك: \" جاء زيد أو عمرو \"، وبين فعلين كقولك: \" خُط هذا الثوب أو ابن هذا الجدار \".\nثانيًا: أنها تأتي للشك، وهي المختصة بالخبر، كقولك: \" جاء زيد أو عمرو \"، دل على ذلك الاستقراء لكلام العرب، كقوله تعالى: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ).\nثالثًا: أنها تأتي للإباحة، كقولك: \" جالس الفقهاء أو الأدباء \".","vol":"1","page":209},{"text":"رابعًا: أنها تأتي للتخيير، وهي التي يمتنع فيه الجمع، كقولك: \" تزوج هندًا أو أختها \"، أما الإباحة فيجوز الجمع بينهما.\nخامسًا: أنها تأتي بمعنى \" الواو \" فتكون لمطلق الجمع، كقوله تعالى: (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ).\nسادسًا: أنها تأتي للإضراب، بمعنى \" بل \"، كقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧»، أي: بل يزيدون.\nسابعًا: أنها تأتي بمعنى \" إلا \"، كقولك: \" لأقتلن الكافر أو يُسلم \"، أي: إلا أن يسلم.\nثامنًا: أنها تأتي بمعنى \" إلى \"، كقولك: \" لألزمنك أو تقضيني حقي \".\nتاسعًا: أنها تأتي للتقسيم بين الأشياء، كقولك: \" الكلمة اسم أو فعل أو حرف \".\nوالأصل في: \" أو \" هو المعنى الأول وهي: تفيد أحد الشيئين أو الأشياء، فإن كانت في أمر أفادت التخيير بينهما، وإن كانت في نهي أفادت العموم، وحظر كل واحد منهما منفردًا أو هما معًا مجتمعين، كقولك: \" لا تكلم زيدًا أو عمرًا \" ولا تفيد غير ذلك من المعاني إلا بقرينة.\nوبناء على ذلك: فلو قال في النفي: \" والله لا أكلم زيدًا أو عمرًا \"، فإنه لو كلَّم واحدًا منهما أو كلمهما معًا: حنث.\nولو قال في الإثبات: \" والله لأدخلن هذه أو هذه الدار \" برَّ بدخول إحدى الدارين.","vol":"1","page":210},{"text":"المسألة الخامسة:\nفي \" الباء \" تأتي للمعاني التالية:\nأولًا: أنها تأتي للإلصاق، وهو: إضافة الفعل إلى الاسم فيلصق به بعد ما كان لا يضاف إليه لولا دخولها، وهو قسمان:\nالقسم الأول: إلصاق حقيقي، كقولك: \" مسحت برأسي \"، و\" مسكت بالقلم \".\nالقسم الثاني: إلصاق مجازي، كقولك: \" مررت بزيد \".\nثانيًا: أنها تأتي بمعنى الاستعانة، وهي: الداخلة على آلة الفعل، كقولك: \" قطعت بالسكين \".\nثالثًا: تأتي بمعنى المصاحبة، وهي التي يصلح في موضعها \" مع \"، كقولك: \" جاء زيد بسلاحه \".\nرابعًا: تأتي بمعنى البدل كقوله - ﷺ -: \" لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم \"، أي: ما أحب أن يكون لي بديلًا عنه حمر النعم.\nخامسًا: تأتي بمعنى \" عن \" التي للمجاوزة، كقوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا).\nسادسًا: تأتي للقسم، كقولك: \" بالله لأقومن \".\nسابعًا: تأتي بمعنى \" إلى \"، كقولك: \" قد أحسن بي \"، أي: إليَّ.\nثامنًا: تأتي بمعنى \" على \" كقوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) أي: على قنطار.\nتاسعًا: أنها تأتي بمعنى \" في \" الظرفية الزمانية، كقوله تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ)، أي: وفي","vol":"1","page":211},{"text":"الليل، والظرفية المكانية كقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) أي: في بدر.\nعاشرًا: أنها تأتي بمعنى السبب كقوله تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) أي: بسبب ذنبه.\nوالأصل في استعمال \" الباء \" هو الأول وهو: أنها للإلصاق ولا تستعمل في غيره من المعاني إلا بقرينة.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nفي \" اللام \" وتأتي للمعاني التالية:\nأولًا: تأتي للاختصاص حقيقة؛ وتستعمل للملك مجازًا؛ لأمرين:\nأولهما: أن الاختصاص معنى عام لجميع موارد استعمالها.\nثانيهما: أن الملك اختصاص، وليس كل اختصاص ملكًا، أي: كل مالك مختص بملكه، مثال ذلك: \" المال لزيد \"، و\" الباب للمسجد \".\nثانيًا: أنها تأتي للملك، كقولك: \" هذا المال لزيد \".\nثالثًا: أنها تأتي للاستحقاق، كقولك: \" النار للكافرين \" والفرق بين الاختصاص، والاستحقاق، والملك هو: أن ما صح أن يقع فيه التملك، وأضيف إليه ما ليس بمملوك له فاللام معه لام الاختصاص، كقولك: \" الباب للمسجد \"، أما ما لا يصح","vol":"1","page":212},{"text":"له التملك فاللام معه لام الاستحقاق كقولك: \" النار للكافرين \"، أما ما عدا ذلك فاللام لام الملك.\nرابعًا: أنها تأتي للتعدية، كقولك: \" ما أضرب زيدًا لعمر \".\nخامسًا: أنها تأتي للصيرورة، كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، أي: ليصير لهم، وهذا عند البصريين.\nسادسًا: أنها تأتي للتعليل، كقوله تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا).\nوالفرق بينهما: أن لام التعليل تأتي للتعليل، والترتيب، أما لام الصيرورة، فليس فيها إلا الترتيب.\nسابعًا: أنها تأتي بمعنى \" في \"، كقوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)، أي: في يوم القيامة.\nثامنًا: أنها تأتي بمعنى \" من \" كقولك: \" سمعت له صراخًا \" أي: منه.\nتاسعًا: أنها تأتي بمعنى \" على \"، كقول الرسول - ﷺ - لعائشة لما أرادت شراء بريرة وإعتاقها: \" خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق \"، أي: اشترطي عليهم.\nعاشرًا: أنها تأتي بمعنى التمليك، كقولك: \" وهبت لزيد دينارًا \"، أي: ملَّكت الدينار زيدًا.\nحادي عشر: أنها تأتي بمعنى \" إلى \"، كقوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)، أي: إليها.\nثاني عشر: أنها تأتي بمعنى \" عند \" الزمانية، كقوله تعالى:","vol":"1","page":213},{"text":"(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، وكقوله - ﷺ -: \" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته \".\nوالأصل في استعمال \" اللام \" أنها للاختصاص حقيقة، ولا تستعمل لأي معنى آخر من المعاني المذكورة إلا بقرينة.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nفي \" في \" وتأتي للمعاني الآتية:\nأولًا: أنها تأتي ظرفية مكانية، كقولك: \" تعلمت في الكلية، وتأتي ظرفية زمانية كقولك: \" جئتك في المساء \".\nثانيًا: أنها تأتي بمعنى \" على \"، كقوله تعالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ).\nثالثًا: أنها تأتي للسببية والتعليل، كقوله - ﷺ -: \" دخلت امرأة الجنة في هرَّة \".\nرابعًا: أنها تأتي بمعنى: \" إلى \"، كقوله تعالى: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) أي: إليها.\nخامسًا: أنها تأتي مؤكدة - وهي: التي يفيد الكلام بدونها - كقوله تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا)، أي: اركبوها.\nسادسًا: أنها تأتي بمعنى \" مع \"، كقوله تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ)، أي ادخلوا مع أمم.\nوتستعمل \" في \" للظرفية حقيقة، ولا تستعمل في غير ذلك إلا بقرينة.","vol":"1","page":214},{"text":"المسألة الثامنة:\nفي \" مِنْ \" وتأتي للمعاني الآتية:\nأولًا: إنها تأتي لابتداء الغاية في المكان وفي الزمان، كقولك في المكان: \" لك من الأرض من هذا إلى هذا \"، وكقولك في الزمان: \" زرتك من الصباح إلى المساء \".\nثانيًا: أنها تأتي للتبعيض، كقولك: \" كُل من هذا الطعام \".\nثالثًا: أنها تأتي لتبيين الجنس. كقولك: \" اشتريت مترًا من الأرض \"، ومنه قوله - ﷺ -: \" التمس ولو خاتمًا من حديد \".\nرابعًا: أنها تأتي بمعنى \" على \"، كقوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: على القوم.\nخامسًا: أنها تأتي بمعنى \" الباء \"، كقوله تعالى: (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) أي: بطرف.\nسادسًا: أنها تأتي بمعنى البدل، كقوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠» أي: بدلكم.\nسابعًا: أنها تأتي بمعنى \" في \"، كقوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أي: في الأرض.\nثامنًا: أنها تأتي بمعنى \" عند \"، كقوله تعالى: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: عند الله.\nتاسعًا: أنها تأتي للتعليل، كقوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)، أي: لأجل الصواعق.\nوتستعمل \" مِنْ \" لابتداء الغاية لكثرة استعمالها فيه، والكثرة يرجح بها، وعلى ذلك فلا تستعمل في غير ابتداء الغاية من المعاني إلا مجازًا فتحتاج إلى قرينة.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المطلب الخامس عشر\nفي الأمر</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.\nالمسألة الثانية:\nلا تشترط إرادة الآمر المأمور به: لأن الله تعالى أمر إبراهيم - ﵇ - بذبح ابنه ولم يرده؛ لأنه لو أراده لوقع؛ لأن الله تعالى فعال لما يريد.\nولأنه يحسن أن يقول الرجل لعبده: \" أمرتك بكذا ولم أرده منك \"، ولو كان من شرط الأمر الإرادة لما حسن ذلك، كما لا يحسن أن يقول الرجل لعبده: \" أردت منك كذا ولم أرده \"؛ لما فيه من التناقض.","vol":"1","page":216},{"text":"المسألة الثالثة:\nالأمر له صيغة موضوعة لغة له، وتدل عليه حقيقة، أي: بدون قرينة، كدلالة سائر الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها ومعانيها، وهي: صيغة فعل الأمر: \" افعل \"، مثل: \" أخرج \"، والمضارع المجزوم بلام الأمر كقولك: \" ليفعل \"، واسم فعل الأمر كقوله تعالى: (عَليكم أَنفُسَكُم)، والمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ).\nوإنما خصصنا صيغة \" افعل \" بالذكر؛ نظرًا لكثرة دورانها في الكلام.\nوقلنا: إن للأمر صيغة قد وضعت له وهي: \" افعل \"؛ لأن العرب قد وضعوا لما لا يُحتاج إليه كثيرًا أسماء كالأسد، والهر، والخمر، فمن باب أولى أن يضَعوا صيغة للأمر تدل عليه، وذلك لأن الحاجة داعية إلى معرفة الأمر، لكثرة مخاطبات الناس عن طريقه، حيث لا يمكن أن يتخاطبوا بغير صيغة، فدل هذا على أنهم وضعوا له صيغة هي: \" افعل \".\nولأن السيد لو قال لعبده: \" اسقني ماء \" فلم يسقه، فإنه يستحق عند عقلاء أهل اللغة الذم والتوبيخ، فلو لم تكن هذه الصيغة موضوعة للأمر لما استحق ذلك.\nوبناء على ذلك: فإنه إذا ورد لفظ: \" افعل \" في الكتاب والسنة فإنه ظاهر؛ حيث إنه له معنيان هما: إفادته للأمر \" و\" عدم إفادته له \" ويرجح الأول، وهو إفادته للأمر بدون قرينة، ويعمل","vol":"1","page":217},{"text":"على ذلك.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nالأمر ليس بحقيقة في الفعل أي: أنه إذا فعل الرسول - ﷺ - فعلًا فلا يدل هذا على أن المفعول مأمور به حقيقة، لوجود فرق بين الأمر والفعل من وجوده هي كما يلي:\nالوجه الأول: أن الأمر هو: الاستدعاء بالقول على وجه الاستعلاء كما سبق، ولا يقال ذلك في الفعل، وإن قيل في الفعل تعريف الأمر السابق فإنه يحتاج إلى دليل يعتمد عليه، فيكون الأمر حقيقة في القول المخصوص لعدم الحاجة إلى دليل في ذلك.\nالوجه الثاني: إن الآمر بالقول يقال له إنه آمر، أما فاعل الفعل فإنه لا يقال له إنه آمر بذلك الفعل.\nالوجه الثالث: أن الفعل يصح نفي الأمر عنه، فتقول: \" فعل ذلك ولم يأمر به \"، ولكن لا يجوز قول ذلك في الأمر بالقول، فلا يقال: \" أمر بذلك ولم يأمر به \"؛ لأنه يلزم منه التناقض.\nوبناء على ذلك: فإنه إذا فعل الرسول - ﷺ - فعلًا أمام الصحابة ﵃، فإن هذا الفعل ليس بأمر لهم بأن يفعلوا مثله على الوجوب، أو على الندب؛ لأن النبي - ﷺ - قد يفعل الشيء وهو له خاصة، وقد يفعله على جهة النفل والفضل","vol":"1","page":218},{"text":"والندب، وقد يفعله سجيَّة وخلقًا، لكن إذا أمر بالقول فإن الأمر يؤخذ من هذا القول فيكون للوجوب أو الندب على حسب الصيغة والقرينة.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nصيغة \" افعل \" تستعمل لمعان هي:\nالأول: الوجوب، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).\nالثاني: الندب، كقوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، والصارف له من الوجوب إلى الندب هو: أن النبي - ﷺ - لم ينكر على الصحابة الذين لم يكاتبوا العبيد الذين كانوا تحت أيديهم مع أن فيهم خيرًا للإسلام والمسلمين.\nالثالث: التأديب كقوله - ﷺ - لعمرو بن أبي سلمة: \" يا غلام سم الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك \".\nوالفرق بينهما: أن الندب خاص بالمكلفين، أما التأديب فهو عام للمكلفين ولغيرهم.\nالرابع: الإرشاد كقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ).\nوالفرق بينه وبين الندب: أن المندوب مطلوب لمنافع الآخرة؛ ولذلك يوجد فيه ثواب، أما الإرشاد فهو مطلوب المنافع الدنيا، فلا ثواب فيه.\nالخامس: الإباحة، كقولك لشخص آخر: \" كل من طعامي \".\nالسادس: التهديد، كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ).","vol":"1","page":219},{"text":"السابع: الإكرام، كقوله تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦». الثامن: الإهانة، كقوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩»، وتعريفه: أن يؤتى بلفظ دال على الإكرام، والمراد ضده.\nالتاسع: التعجيز، كقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ).\nالعاشر: السخرية، كقوله تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً).\nالحادي عشر: الدعاء، كقولك: \" رب اغفر لي \".\nالثائي عشر: التسوية، كقوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) بعد قوله: (اصْلَوْهَا).\nالثالث عشر: التمني، كقوله - ﷺ - \" كن أبا ذر \"، أي: تمنى أن يكون ذلك الرجل المقبل هو أبو ذر.\nالرابع. عشر: الامتنان، كقوله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ).\nوالفرق بينه وبين الإباحة: أن الإباحة مجرد إذن، أما الامتنان فلا بد من اقترانه بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه.\nالخامس عشر: التكوين، كقوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ)، والفرق بينه وبين السخرية: أن التكوين: سرعة الوجود من العدم، وليس فيه انتقال إلى حال ممتهنة، بخلاف السخرية فإنه لغة: الذل والامتهان.\nالسادس عشر: التحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم، كقوله تعالى: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ).","vol":"1","page":220},{"text":"السابع عشر: الخبر، كقوله - ﷺ -: \" إذا لم تستح فاصنع ما شئت \"، أي: إذا لم تستح صنعت ما شئت.\nالثامن عشر: التعجب، كقوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ).\nالتاسع عشر: الالتماس، كقولك لنظيرك: \" أعطني كتابا \".\nالعشرون: المشورة، كقوله تعالى: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ).\nالواحد والعشرون: التصبر، كقوله تعالى: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).\nالثاني والعشرون: الاحتقار، كقوله تعالى: (أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ)، وذلك في قصة موسى ﵇ يخاطب السحرة.\nوالفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة تكون بالقول، أو بالفعل أو بالسكوت، والاحتقار يكون في الاعتقاد، يقال في ذلك: احتقره، ولا يقال: أهانه.\nالثالث والعشرون: التكذيب، كقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).\nالرابع والعشرون: التحسير، كقوله تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ).\nالخامس والعشرون: التفويض، كقوله تعالى: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ).\nالسادس والعشرون: الاعتبار، كقوله تعالى: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ).\nالسابع والعشرون: الاحتياط، كقوله - ﷺ -: \" إذا قام أحدكم","vol":"1","page":221},{"text":"من النوم فلا يغمس يده في الأناء حتى يغسلها ثلاثًا \"، بدليل قوله بعده: \" فإنه لا يدري أين باتت يده \".\n* * *\nالمسألة السادسة:\nصيغة الأمر: وهي: افعل، إذا تجردت عن القرائن تقتضي الوجوب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من المعاني السابقة الذكر كالندب والإباحة وغيرها يكون مجازًا، أي: لا يحمل على أي معنى مما سبق إلا بقرينة.\nوقلنا: إنها للوجوب؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)،\nحيث إن الله تعالى قد ذم إبليس لما امتنع عن السجود وأنكر عليه بقوله: (مَا مَنَعَكَ)، فلو لم يكن السجود واجبًا عليه لما استحق الذم والتوبيخ على تركه؛ لأنه لا يذم أحد إلا بسبب تركه لواجب، حيث قلنا - فيما سبق -: إن الواجب هو: ما ذم تاركه شرعًا مطلقًا، فتكون الصيغة - وهي: افعل - تقتضي الوجوب عند التجرد.\nولإجماع الصحابة - ﵃ - على أن الأمر يقتضي الوجوب؛ حيث إنهم كانوا يسمعون الأمر من الكتاب والسنة فيحملونه على الوجوب، ولهذا لم يرد عنهم أنهم سألوا النبي - ﷺ - عن المراد بهذا الأمر، بل كانوا يحملون جميع الأوامر على الوجوب إلا إذا اقترن به قرينة تصرفه عن الوجوب، ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك، فكان إجماعًا. من ذلك: استدلالهم على وجوب الصلاة عند ذكرها بالأمر المطلق الوارد في قوله - ﷺ -: \" من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها \"،","vol":"1","page":222},{"text":"واستدلالهم على وجوب الزكاة على المرتدين بالأمر المطلق الوارد في قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، واستدلالهم على وجوب أخذ الجزية من المجوس بقوله - ﷺ -: \" سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب \" وغير ذلك.\nوبناء على ذلك: فإن جميع الأوامر الواردة في الكتاب والسنة للوجوب إلا إذا وجدت قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره فإنها تعمل بما تقتضيه تلك القرينة، فمثلًا قوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، فيه أمر يوجب الإشهاد على المراجعة، فإن ترك الإشهاد فهو آثم.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nصيغة الأمر - وهي: إفعل - اقتضت الوجوب بوضع اللغة؛ لأنه قد ثبت عن أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصيًا، وإذا كان الأمر كذلك فإن الأمر المطلق يقتضي الوجوب.\nولأن الوعيد مستفاد من اللفظ نفسه كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم.","vol":"1","page":223},{"text":"وبناء على ذلك: فإنه يجب حمل الأمر على الوجوب سواء كان قد ورد من الشارع أو من غيره إلا ما خرج بدليل.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nأيُّ قرينة قوية تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره سواء كانت نصًا، أو إجماعًا، أو قياسًا، أو مفهومًا، أو مصلحة، أو ضرورة، أو سياق كلام، أو غير ذلك مما يراه المجتهد، لأن القرينة تعتبر دليلًا شرعيًا، فلو لم نأخذ بها للزم من ذلك ترك دليل شرعي قد ثبت، وهذا لا يجوز.\nوبناء على هذا: فإن وليمة العرس ليست واجبة، والأمر الوارد في قوله - ﷺ - لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: \" أَوْلِم ولو بشاة \" مصروف عن الوجوب إلى الندب بالقياس؛ حيث إنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة.\n* * *\nالمسألة التاسعة:\nإذا وردت صيغة الأمر: وهي افعل: بعد الحظر - وهو النهي - فإنها تقتضي الإباحة؛ لأنه بعد الاستقراء والتتبع للأوامر الواردة بعد النهي في النصوص الشرعية لم نجد أمرًا بعد حظر - إلا والمراد به الإباحة، كقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)،","vol":"1","page":224},{"text":"وقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) وقوله - ﷺ -: \" كنت قد نهيتكم عن ادخار. لحوم الأضاحي أما الآن فكلوا وادخروا \".\nولأنه لو قال السيد لعبده: \" لا تأكل من هذا الطعام \"، ثم قال له بعد ذلك: \" كل منه \" فإن هذا الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة؛ لأنه لو لم يأكل لا يذم، ولو أكل لا يمدح، وهذا هو حد الإباحة.\nوبناء على ذلك: فإن النظر إلى المخطوبة مباح؛ لأنه أمر بعد النهي؛ حيث نهى عن النظر إلى المرأة الأجنبية، ثم أمر بالنظر إليها في قوله - ﷺ -: \" اذهب فانظر إليها \".\n* * *\nالمسألة العاشرة:\nالأمر المطلق لا يقتضي التكرار أي: لا يقتضي فعل المأمور به إلا مرة واحدة - فقط -، فلو قال السيد لعبده: \" صم \"، فإنه يخرج عن العهدة وتبرأ ذمته بصوم يوم واحد فقط، لأن قول القائل لغيره: \" ادخل الدار \" معناه: كن داخلًا، وبدخلة واحدة يوصف بأنه داخل، فكان ممتثلًا، وكان الأمر عنه ساقطًا.\nولأنه لو قال: \" والله لأصومن \"، فإنه يَبرُّ بصوم يوم واحد، فكذلك الأمر المطلق ولا فرق.","vol":"1","page":225},{"text":"وبناء على ذلك: فإن السارق إذا سرق مرة ثانية، فإن يده اليسرى لا تقطع، لأن الأمر في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) لا يقتضي التكرار؛ ولا يحتمله، فلا تقطع من الأيدي إلا يمين السارق فقط.\nوكذلك يبنى على ذلك: أن الزوج لو وكل شخصًا آخر بأن يطلق امرأته وقال له: \" طلق زوجتي \"، فإنه لا يجوز للوكيل أن يطلق إلا مرة واحدة؛ لأن الأمر يقتضي المرة الواحدة.\n* * *\nالمسألة الحادية عشرة:\nالأمر المعلق بشرط لا يقتضي التكرار وإن تكرر الشرط؛ لأن العرف دل على ذلك؛ حيث إنه لو قال السيد لعبده: \" إن دخلت السوق فاشتر ثوبا \"، فإنه لا يفهم منه عرفًا إلا شراء ثوب واحد مرة واحدة عند دخوله السوق، ولا يفهم منه عرفًا تكرار شراء ثوب كلما دخل السوق.\nولأن أهل اللغة فرقوا بين قول القائل: \" أعط زيدًا درهمًا إذا طلعت الشمس \"، وقوله: \" أعط زيدًا درهما كلما طلعت الشمس \"، حيث إن الأولى تفيد: أنه لا يتكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس، أما الثانية فإنها تفيد تكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس بسبب كلمة \"كلما\"، فلو كان الأمر المعلق بشرط يقتضي التكرار: لما كان بين العبارتين فوق.","vol":"1","page":226},{"text":"وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال لوكيله: \" إن دخلت زوجتي الدار فطلقها \"، فإنه لا يطلقها إلا مرة واحدة وإن تكرر الدخول \".\n* * *\nالمسألة الثانية عشرة:\nإذا كرر لفظ الأمر نفسه كقوله: \" صلِّ ركعتين صل ركعتين \"، فإنه لا يقتضي التكرار، فيجب عليه أن يصلي ركعتين فقط، فلا يجوز حمل لفظ الأمر الثاني على واجب غيره؛ قياسًا على اليمين؛ حيث إنه لو قال: \" والله لأصومن، والله لأصومن \" فإنه يبر بصوم يوم واحد فقط، فلم يكن للفظ الأمر الثاني أيُّ أثر، وقد وقع ذلك؛ حيث إن الرسول - ﷺ - قال: \" والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا \"، فلم يكن لهذا التكرار من أثر؛ حيث إنه - ﷺ - غزاهم مرة واحدة، وهي غزوة الفتح، وإذا كان الفعل لا يتكرر هنا فكذلك لفظ الأمر لا يقتضي تكرار الفعل، ولا فرق.\nوبناء على ذلك: فإنه لو قال لوكيله: \" طلِّق زوجتى طلِّق زوجتي \" فإنه لا يطلقها إلا مرة واحدة.\nوكذلك يبنى عليه: أنه لو قال لزوجته: \" طلقي نفسك طلقي نفسك \"، فإنها لا تطلق نفسها إلا مرة واحدة فقط.","vol":"1","page":227},{"text":"المسألة الثالثة عشرة:\nالأمر المطلق يقتضي الفور، ولا يجوز تأخيره إلا بقرينة؛ لأن الأمر قد اقتضى الوجوب، فحمله على وجوب الفعل عقيبه مباشرة واجب؛ لأمرين:\nأولهما: أنه إذا فعل المأمور به فور صدور صيغة الأمر يكون ممتثلًا للأمر بيقين، دون شك.\nثانيهما: أنه بمجرد تأخير الفعل يكون مُعَرضًا نفسه لخطر عدم القيام به ودرءًا لذلك واحتياطًا فإنه تجب المبادرة إليه.\nولأن صدور صيغة \" افعل \" هو سبب للزوم الفعل، فيجب أن يقع الفعل عَقيب صدوره؛ قياسًا على قول البائع للمشتري: \" بعتك هذه الدار بكذا \"، فإن ملكية الدار تنتقل فورًا إلى المشتري القابل لهذا دون تأخير، وقياسًا على قول الزوج: \" فلانة طالق \"، فإن الطلاق يقع فورًا، فكذلك الأمر المطلق يقتضي الفور ولا فرق، والجامع أن كل لفظ اقتضى معنى يجب أن يقع ذلك عَقيبه.\nوبناء على ذلك: فإن قضاء ما فات من رمضان يجب على الفور، وإذا أخره بدون عذر فإنه يأثم، ولا يجوز فعل النوافل من الصيام حتى يؤدي ما عليه من رمضان.","vol":"1","page":228},{"text":"وكذلك يبنى عليه: أنه إذا بلغ المال النصاب، وحال عليه الحول: فإنه يجب إخراجها على الفور، وإن أخر ذلك فهو آثم، لأن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) للفور.\n* * *\nالمسألة الرابعة عشرة:\nالواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته، فيكون القضاء واجبًا بالأمر الأول، ولا يحتاج إلى أمر جديد، فلو لم يصل الفجر في وقتها وطلعت الشمس فإنه يقضيها بنفس الأمر الأول، وهو: أمر الأداء؛ لأن الأمر أثبت وجوب الفعل في ذمة المكلف، وكل ما ثبت وجوبه في الذمة، فلا يمكن أن تبرأ الذمة منه إلا بشيئين:\nأولهما: أن يؤدى ذلك الفعل.\nثانيهما: أن يبرئه من كان له حق عليه من الآدميين، فلا يسقط هذا الفعل إلا بأحد هذين الشيئين، وبخروج الوقت لم يحصل الأداء، ولا الإبراء، فلم يسقط الواجب، فتكون الذمة مشغولة بهذا الوجوب، ولا يزول هذا الشغل إلا بمزيل، وهو أحد الشيئين السابقين فقط.\nوبناء على ذلك: فإن دليل القضاء هو نفسه دليل الأداء،","vol":"1","page":229},{"text":"فمن ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها يلزمه القضاء بالأمر\nالأول، فيكون الأمر الأول قد اشتمل على أمرين هما: \" الفعل أداء \" و\" الفعل قضاء إن فاته الأداء \".\n* * *\nالمسألة الخامسة عشرة:\nالأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء ما لم يدل عليه دليل، أي: أن الأمر المتعلق بأمر المكلِّف لغيره بفعل من الأفعال لا يكون أمرًا لذلك الغير بذلك الأمر، فلو قال زيد لبكر: \" مر عمرًا بأن يشتري لي كذا \"، فإن زيدًا لا يكون آمرًا عمرًا بشراء تلك السلعة؛ لأنه لو كان الأمر بالشيء أمرًا لذلك الغير: لكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك: لكان أمره - ﷺ - لأولياء الصبيان بقوله: \" مروهم بالصلاة لسبع \" أمرًا للصبيان بالصلاة من الشارع، ولكن هذا ليس أمرًا للصبيان من الشارع ولا إيجابًا عليهم؛ لأن الأمر موجه إلى الأولياء؛ حيث إنه أمر تكليف، ولذلك يذم الولي بترك هذا الأمر شرعًا.\nوأيضًا لو كان ذلك أمرًا للصبيان لكانوا مكلَّفين بأمر الشارع، وهذا غير متصوَّر في حق الصبيان؛ لعدم فهمهم خطاب الشارع.\nوبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال لابنه: \" قل لأمك:","vol":"1","page":230},{"text":"أنت طالق \"، فإن أراد التوكيل فهذا واضح، حيث إنها تطلق؛ لأن الابن يعتبر وكيلًا في طلاق أمه، أما إذا لم يرد شيئًا فإنه لا يلزم منه وقوع الطلاق على أمه.\n* * *\nالمسألة السادسة عشرة:\nإذا خاطب الله تعالى النبي - ﷺ - بالأمر بفعل عبادة بلفظ ليس فيه تخصيص، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ)، فإن أمته تشاركه في حكم ذلك الأمر والفعل حتى يدل دليل على تخصيصه بذلك الحكم؛ لأن الصحابة - ﵃ - إذا اختلفوا في حكم من الأحكام الشرعية فإنهم يرجعون إلى أفعال النبي - ﷺ -، كرجوعهم إلى فعله في الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال، ونحو ذلك، فلو كان مخصوصًا بهذا الحكم لما صح رجوعهم إلى فعله - ﷺ -، فدل على مساواته بغيره في أحكام الشرع.\nولأن بعض الصحابة يسأل الرسول - ﷺ - عن الأمر فيجيب عن حال نفسه، وهذا يدل على أنه لا فرق بينه وبينهم، كما روته أم سلمة - ﵂ - أن امرأة قبَّلها زوجها وهو صائم، فأتت النبي - ﷺ - فقالت له ذلك: فقال النبي - - ﷺ -: \" ألا فأخبريها أني أفعل ذلك \"، فلو كان الحكم مختصًا به لم يصلح فعله أن يكون جوابًا لذلك.","vol":"1","page":231},{"text":"وبناء على ذلك: فإن الأمة تدخل في الخطابات الموجهة إلى النبي - ﷺ - عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرج أحد إلا بدليل خارجي.\n* * *\nالمسألة السابعة عشرة:\nإذا توجه الخطاب بالأمر إلى الصحابة - ﵃ - والأمة كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، وقوله - ﷺ -: \" يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا \"، فإن النبي - ﷺ - يدخل فيه، ولا يخرج إلا بقرينة؛ لأن ابن عمر قال: لما أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحل بعمرة قلنا: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال: \" إني هديت ولبَّدت فلا أحل حتى أنحر هديي \"، فلم ينكر عليهم النبي - ﷺ - سؤالهم، بل أقرَّهم عليه؛ لأنه يعرف أن الصحابة أرادوا بسؤالهم أن يفسر لهم انفراده عنهم بالحكم في هذه المرة، فلو لم يكن الرسول - ﷺ - داخلًا معهم في الخطابات الموجهة إليهم لما سألوه عن سبب عدم موافقته لهم، ولما أقرَّهم على ذلك.\nوبناء على ذلك: فإن الرسول - ﷺ - يدخل في الخطابات الموجهة إلى الأمة عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرج إلا بدليل خارجي.","vol":"1","page":232},{"text":"المسألة الثامنة عشر:\nْإذا توجه الأمر إلى واحد من الصحابة كرجم ماعز، وقطع يد سارق رداء صفوان بن أميَّة، فإن غيره يدخل ضمن هذا الأمر؛ لأن الصحابة - ﵃ - بعد وفاة النبي - ﷺ - كانوا يرجعون إلى ما قضى به النبي - ﷺ - على أعيان وأشخاص منهم، فيأخذون تلك الأحكام المعينة ويعممونها له ولهم، كرجوعهم في حد الزنى إلى قصة ماعز، وفي المفوِّضة إلى قصة بروع بنت واشق، ونحو ذلك، ولم يوجد منكر لذلك، فهذا يدل على تساوي الجميع في تلك الأحكام.\nوبناء على ذلك: فإن بقية الصحابة يدخلون في الخطاب الموجه إلى فرد منهم عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرجون إلا بدليل خارجي.\n* * *\nالمسألة التاسعة عشرة:\nالأمر يتعلق بالمعدوم على تقدير وجوده، ووجود شروط التكليف فيه، أي: أن الأمر يتناول المعدومين الذين علم الله تعالى أنهم سيوجدون على صفة التكليف؛ لإجماع الصحابة والتابعين على ذلك؛ حيث إن جميع الصحابة والتابعين كانوا يأخذون بأوامر الله وأوامر رسوله - ﷺ -، ويطبقونها على من لم يوجد في زمان نزول تلك الأوامر، بدون نكير، فكان هذا إجماعًا منهم على أن الأوامر الشرعية تتناول من كان معدومًا حال الخطاب بالأمر.","vol":"1","page":233},{"text":"ولقوله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)، والمعدوم قد بلغه الأمر حين وجوده، فدلَّ على أن الأمر يتعلق بالمعدوم.\nوبناء على ذلك: فإن الأمر قد توجه إلى المعدومين عن طريق اللفظ والنص.\nولا يخرج أي واحد منهم إلا بدليل، فمثلًا لو أن السيد خاطب عبيده قائلًا: \" ليقف كل واحد منكم ساعة \"، ثم اشترى عبدًا جديدًا فإنه يدخل معهم بالنص واللفظ.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المطلب السادس عشر\nفي النهي</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالنهي هو: استدعاء ترك الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالنهي له صيغة موضوعة له في اللغة تدل بمجردها عليه وهي: \" لا تفعل \"؛ لإجماع أهل اللغة على أن \" لا تفعل \" صيغة للنهي؛ حيث إن السيد لو قال لعبده: \" لا تدخل هذه الدار \"، فلو دخلها فإنه يستحق العقوبة بإجماع عقلاء أهل اللغة، دون نكير، فكان ذلك إجماعًا منهم على أن ذلك اللفظ وضع للنهي.\nولأن أهل اللغة قد قسموا الكلام: إلى \" أمر \" و\" نهي \" و\" خبر \" و\" استخبار \"، فجلعوا للأمر \" افعل \"، وللنهي \" لا تفعل \"، وللخبر \" قد فعلت \"، وللاستخبار \" هل فعلت؟ \".","vol":"1","page":235},{"text":"وبناء على ذلك: فإن صيغة \" لا تفعل \" من باب الظاهر، حيث إن لها معنيان: معنى راجح وهو طلب الترك، ومعنى مرجوح وهو: عدم إفادتها لشيء، فرجَّحنا إفادتها لطلب الترك، ويعمل على ذلك بدون قرينة.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nصيغة \" لا تفعل \" تستعمل لمعان هي:\nالأول: التحريم، كقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا).\nالثاني: الكراهة، كقوله تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ).\nالثالث: الإرشاد، كقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).\nالرابع: الدعاء، كقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا).\nالخامس: التقليل والاحتقار، كقوله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ).\nالسادس: بيان العاقبة، كقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩».\nالسابع: التسكين والتصبر، كقوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦».\nالثامن: اليأس، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ).\nالتاسع: الشفقة، كقوله - ﷺ -: \" لا تتخذوا الدواب كراسي \".\nالعاشر: الالتماس، كقولك لمن هو في مرتبتك: \" لا تضرب فلانا \".","vol":"1","page":236},{"text":"الحادي عشر: التهديد، كقول السيد لعبده: \" لا تفعل اليوم شيئا \".\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nصيغة النهي وهي: \" لا تفعل \"، إذا تجردت عن القرائن فإنها تقتضي التحريم حقيقة، ولا تحمل على غيره من المعاني السابقة إلا بقرينة؛ لإجماع الصحابة والتابعين؛ حيث كانوا يستدلون على تحريم الشيء بصيغة \" لا تفعل \" فيقولون: حرم القتل؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) وحرم الزنا، لقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ونحو ذلك، فقد كانوا ينتهون عن ذلك بمجرد سماعهم لتلك الصيغة، ويعاقبون من يفعل المنهي عنه، واستدلالهم على التحريم، وانتهائهم عن المنهي عنه، ومعاقبتهم لمن يفعل المنهي عنه دليل واضح على أن الصيغة حقيقة في التحريم، فإذا استعملت في غيره: كان ذلك مجازًا.\nوبناء على ذلك: فإن النهي في قوله - ﷺ -: \" لا يبع بعضكم على بيع بعض \"، يقتضي التحريم ابتداء، ولا يصرف عنه إلى غيره إلا بقرينة.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nصيغة النهي الواردة بعد الأمر تقتضي التحريم، بخلاف","vol":"1","page":237},{"text":"الأمر الوارد بعد النهي فإنا قلنا: إنه يقتضي الإباحة، وقلنا ذلك لوجود الفرق بينهما من وجوه:\nالوجه الأول: أن دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة\nالأمر على الوجوب؛ لعموم قوله - ﷺ -: \" ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال \".\nالوجه الثاني: أن الأصل في الأشياء العدم، فالقول بأن النهي بعد الأمر يقتضي التحريم فيه عمل بالأصل.\nالوجه الثالث: أن الشارع قد اعتنى بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المنافع والمصالح، فالقول بأن النهي بعد الأمر للتحريم فيه عمل بهذا الأصل.\nوبناء على ذلك: فإن السيد لو قال لعبده: \" كُلْ من هذا الطعام \" ثم قال له: \" لا تأكل منه \" فإن أكل من ذلك الطعام فإنه يستحق العقوبة بلا قرينة.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nالنهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه على الفور ويقتضي التكرار؛ لأن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل، وعدم الإتيان بالفعل لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأزمنة، وبذلك يكون ترك الفعل مستغرقًا جميع الأزمنة، ومن جملتها الزمن الذي يلي النهي مباشرة، فيكون النهى مفيدًا للتكرار كما هو مفيد للفور.","vol":"1","page":238},{"text":"ولأن الناهي لا ينهى إلا عن قبيح، والقبيح يجب اجتنابه على الفور، وفي كل وقت.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nالنهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدها، فقوله: \" لا تقم \" هو أمر بالقعود؛ لأن المنهي يتحتم عليه ترك المنهي عنه، ولا يمكنه ترك المنهي عنه إلا بفعل ضده، وما تحتم فعله إلا لأنه مأمور به.\nوبناء على ذلك: فإن الرجل إذا قال لزوجته: \" إن خالفت أمري فأنت طالق \"، ثم قال لها: \" لا تقومي \" فقامت، فإنه يلزم أنها تطلق، لأن النهي عن الشيء أمر بضده.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nالنهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا - أي: سواء كان المنهي عنه عبادة أو معاملة.\nوالمراد بالفساد: عدم ترتب الآثار فأثر النهي في العبادات: عدم براءة الذمة، وأثر النهي في المعاملات: عدم إفادة الملك وعدم الحل.\nفالنهي عن البيع بعد النداء الثاني، والنهي عن بيع المزابنة، والنهي عن نكاح المتعة والشغار يقتضي فساد المنهي عنه؛ لأن","vol":"1","page":239},{"text":"الشارع لا ينهى عن شيء إلا لأن المفسدة متعلقة بالمنهي عنه، أو لازمة له، ويلزم من ذلك أن الأشياء المنهي عنها فيها مفاسد، وإذا كانت كذلك فسيلحق الناس منها ضرر، وإزالة الضرر وإعدامه مناسب عقلًا وشرعًا، ولا يمكن ذلك إلا بقولنا: إن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا.\nولإجماع الصحابة على ذلك؛ حيث إنهم استدلوا على فساد عقود الربا بالنهي الوارد في قوله ﵊: \" لا تبيعوا الذهب بالذهب. . . \"، واستدلوا على فساد نكاح المُحْرِم في الحج بالنهي عنه الوارد في قوله - ﷺ -: \" لا ينكح المحرم ولا يُنكح \"، فلو لم يكن النهي يقتضي فساد المنهي عنه لما استدلوا بتلك النواهي على فساد الأمور المنهي عنها، ولم ينكر أحد هذا الاستدلال فكان إجماعًا.\nوبناء على ذلك: فإن نذر صيام يوم العيد فاسد، ولو صام الناذر لا يصح صومه، ولا يسقط القضاء عنه؛ لأنه نهي عن صوم يوم العيد، والنهي يقتضي الفساد، فلا يكون صوم يوم العيد مشروعًا.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المطلب السابع عشر\nفي العموم</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالعام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالعموم من عوارض الألفاظ حقيقة، والعوارض: جمع عارض، والعارض هو الذي يذهب ويجيء، ولذلك سمي المال عرضًا في قوله تعالى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) لأنه يذهب ويجيء، فالعموم عارض للفظ قد يجيء إليه، وقد يزول عنه.\nوليس المراد من ذلك: أن العموم داخل في حقيقة اللفظ بحيث كلما وجد اللفظ يكون عامًا، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود ما ذكرناه.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nالعموم له صيغة في اللغة خاصة به موضوعة له تدل على","vol":"1","page":241},{"text":"العموم حقيقة، ولا تحمل على غيره إلا بقرينة - وهي: صيغ العموم التي سيأتي ذكرها كأدوات الشرط والاستفهام، وكل اسم دخلت عليه \" أل \" الاستغراقية، و\" كل \" و\" جميع \" وغيرها مما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى؛ لإجماع الصحابة على أن تلك الصيغ للعموم؛ حيث كانوا يجرون تلك الألفاظ والصيغ على العموم إذا وردت في الكتاب والسنة، ولا يطلبون دليلًا على ذلك؛ نظرًا لأن إفادتها للعموم أمر مسلم به عندهم، ولكنهم كانوا يطلبون دليل التخصيص: فإن وجدوا المخصص أخذوا به، وإن لم يجدوا أجروا تلك الصيغ على أصلها وحقيقتها، وهو العموم، وكانوا يفعلون ذلك دون نكير من أحد، فكان إجماعًا.\nومن أمثلة ذلك: أنهم عاقبوا جميع السارقين والسارقات، وعاقبوا جميع الزناة والزانيات وذلك لورود صيغة العموم في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ومنها أنهم تمسكوا بقوله ﵇: \" أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله \" على عدم جواز قتال مانعي الزكاة حتى نبَّههم أبو بكر ﵁ على أن الرسول - ﷺ - قال: \" إلا بحقها \" حيث إنه استثناء، والاستثناء يدل على أن المستثنى منه عام.\nومنها: احتجاج أبي بكر - ﵁ - على الأنصار لما قالوا: \" منا أمير ومنكم أمير \" بقوله - ﷺ -: \" الأئمة من قريش \" ولم ينكر عليه أحد.\nومنها: احتجاجهم بقوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) على تحريم جميع أنواع الربا، واحتجوا بغير ذلك من النصوص التي وردت فيها صيغة من صيغ العموم على تعميم الحكم بسبب تلك الصيغة.","vol":"1","page":242},{"text":"وأيضًا: أن القضاة والحكام والمفتين يبنون على أن تلك الصيغ والألفاظ تفيد العموم إذا نطق بها المتكلم فيحكمون أن جميع العبيد والإماء أحرار إذا قال السيد: \" أعتقت عبيدي وإمائي \"، ولو قال زيد لعمرو: \" لي عليك ألف ريال \"، فقال عمرو: \" ما لك علي شيء \"، لكان هذا إنكارًا لجميع الألف، لأنه نكرة في سياق نفي وهي تفيد العموم.\nوبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) عام لجميع الناس دون استثناء.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nصيغ العموم هي:\nالصيغة الأولى: أدوات الاستفهام، كقولك: \" من عندك؟ \".\nودلَّ على أنها من صيغ العموم: أنها إما أن تكون للعموم فقط، أو للخصوص فقط، أو لهما معًا بالاشتراك اللفظي، أو لا تكون لكل واحد منهما والكل باطل إلا الأول، وإليك بيان ذلك.\nلا يصح أن تكون موضوعة للخصوص فقط: لأنه لو كانت موضوعة له: لما حسن من المجيب أن يجيب بلفظ \" كل \" أو \" جميع \"، ولكنه يجوز أن يجيب: فلو قال: \" من عندك؟ \" فإنه يمكن للمجيب أن يقول: \" عندي جميع الطلاب \".","vol":"1","page":243},{"text":"ولا يصح أن تكون موضوعة للخصوص والعموم بالاشتراك اللفظي، لأنه يكون مجملًا، والمجمل لا يمكن أن يجاب عنه. بجواب معين إلا بعد عدة استفهامات عن الأقسام الممكنة:\nفلو قال: \" من عندك؟ \" فإن المجيب لا بد أن يقول: \" أتسألني عن الرجال أم عن النساء؟ \"، فإذا قال: أسالك عن الرجال فلا بد أن يقول: أتسألني عن العرب أم عن العجم؟ وهكذا إلى أن يأتي على جميع أحياء العرب مثلًا، وعلى جميع أصنافها من العلماء، والجهال، والبيض والسود ونحو ذلك، فثبت أنه لو صح الاشتراك لوجدت هذه الاستفهامات، لكنها غير واجبة؛ لأن أهل اللسان يستقبحون مثل هذه الاستفهامات؛ لأنها غير متناهية، فبطل كون تلك الصيغ موضوعة للعموم والخصوص بالاشتراك اللفظي.\nولا يصح أن لا تكون تلك الصيغ موضوعة للعموم ولا للخصوص؛ لأنه يؤدي إلى أنه يوجد في الكتاب والسنة ألفاظ لا تفيد شيئًا وهذا باطل. فلما بطلت الأقسام الثلاثة الأخيرة لم يبق إلا الأول وهو: أنها موضوعة للعموم، وهو المطلوب.\nالصيغة الثانية: أدوات الشرط كمن، كقولك: \" من نجح فله جائزة \".\nودل على أنها للعموم: صحة الاستثناء مما دخلت عليه أداة الشرط فيصح أن تقول: \" مَن دخل داري فأكرمه إلا زيدًا \"، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فيدل الاستثناء على أن المستثنى منه عام.\nالصيغة الثالثة: \" كل \" و\" جميع \".","vol":"1","page":244},{"text":"دل على أنها للعموم: أن أهل اللغة واللسان إذا أرادوا التعبير والغوص في الاستغراق فإنهم يفزعون إلى استعمال لفظ \" كل \" أو \" جميع \"، ولو لم يكونا مفيدين للعموم لما فزعوا إليهما.\nولصحة الاستثناء مما دخلت عليه كل أو جميع فتقول: \" كل الطلاب يكرمون إلا زيدًا \".\nالصيغة الرابعة: الجمع المعرَّف بأل كالرجال، والمسلمين، والناس، بشرط: أن لا تكون \" أل \" هذه عهدية.\nودل على ذلك: صحة الاستثناء من الجمع المعرَّف بأل فتقول: \" أكرم الرجال إلا زيدًا \"، فلو لم يفد العموم لما صح الاستثناء منه.\nوأيضًا: أنه يؤكد بما يقتضي العموم، كقوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ).\nوبناء على ذلك: فإنه لو قال: \" والله لأصومن الأيام \" للزمه أن يصوم جميع أيام العمر.\nالصيغة الخامسة: الجمع المعرَّف بالإضافة، كقولك: \" أكرم طلاب الكلية \".\nودل على أنها للعموم: صحة الاستثناء فتقول: \" أكرم طلاب الكلية إلا زيدا \"، وهو كما سبق.\nالصيغة السادسة: واو الجمع، كقوله: \" قوموا \".","vol":"1","page":245},{"text":"ودل على أنها للعموم: صحة الاستثناء، فلو قال: للطلاب الذين أمامه: \" قوموا إلا زيدا \" لصح، وهذا يدل على إفادة ذلك العموم.\nوبناء على ذلك: فإنه لو قال لوكلائه: \" أعطوا زيدًا مما في أيديكم عشرة \"، للزم من ذلك أن كل واحد مأمور بإعطائه شيئًا، ويلزم أيضًا: أن كل واحد مأمور بإعطاءه عشرة غير ما يعطيه صاحبه.\nالصيغة السابعة: النكرة في سياق النفي، كقولك: \" لا رجل في الدار \".\nدل على أنها تفيد العموم صحة الاستثناء من هذه النكرة، فتقول: \" لا رجل في الدار إلا زيدًا \"، و\" ما قام أحد إلا زيدًا \".\nولأنه لو لم تكن النكرة في سياق النفي تعم لما كان قول الموحِّد: \" لا إله إلا الله \"، نفيًا لجميع الآلهة سوى الله تعالى.\nوبناء على ذلك: فإنه لو قال: \" والله لا آكل رغيفا \"، يحنث إذا أكل رغيفًا فأكثر.\nالصيغة الثامنة: المفرد المحلَّى بأل، كقولك: \" قدم الحاج \" أي: جميع الحجاج.\nدل على أنه يفيد العموم صحة الاستثناء منه، كقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا).","vol":"1","page":246},{"text":"ولأنه ينعت بما ينعت به العموم، كقوله تعالى: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ).\nوبناء على ذلك: فإن المرأة لو قالت: \" قد أذنت للعاقد بهذا البلد أن يزوجني \"، فإنه يجوز لكل عاقد أن يزوجها.\nوكذلك لو قال الزوج: \" إذا قدم الحاج فأنتِ طالق \"، فإنها لا تطلق إلا إذا قدم جميع حجاج هذه البلدة، فلو مات أحد حجاج هذه البلدة، أو لم يرجع فإنها لا تطلق.\nالصيغة التاسعة: المفرد المنكر المضاف إلى معرفة، كقولك: \" أكرم عالم هذه المدينة \".\nودل على أنها تفيد العموم: صحة الاستثناء في ذلك، فتقول: \" أكرم عالم هذه المدينة إلا زيدًا \"، والاستثناء يدل على أن المستثنى منه عام.\nوبناء على ذلك: فإنه لو قال: \" زوجتي طالق وعبدي حر \" ولم ينو معينًا، فإن جميع زوجاته طوالق أو جميع عبيده أحرار استدلالًا بهذه القاعدة.\nالصيغة العاشرة: الاسم الموصول سواء كان مفردًا كالذي،\nوالتي، أو مثنى كالذين أو جمعًا كالذين واللاتي واللائي، ودل على أنها تفيد العموم: صحة الاستثناء، فتقول: \" أكرم الذي نجح إلا زيدًا \".","vol":"1","page":247},{"text":"الصيغة الحادية عشرة: \" سائر \"، المشتقة من سور المدينة، كقولك: \" أكرم سائر العلماء \".\nوالدليل على كونها مفيدة للعموم: صحة الاستثناء.\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nالجمع المنكر في سياق الإثبات لا يفيد العموم؛ لأن الجمع المنكر صالح لكل مرتبة من مراتب الجماعة التي تبتدي من الثلاثة إلى العشرة، فيصح أن تقول: \" رجال ثلاثة وأربعة وخمسة \"، ولا يمكن ذلك في أقل من الثلاثة، إذن الثلاثة لا بد منها فثبت أنها تفيد الثلاثة فقط؛ لأنه أقل الجمع، ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل.\nوبناء على ذلك: فلو قال السيد لعبده: \" أكرم علماء \" فإنه تبرأ ذمة العبد إذا أكرم ثلاثة فقط.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nنفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة بينهما من كل الوجوه التي يمكن نفيها عنهما؛ فإذا قال: \" لا يستوي زيد وعمر \"، فإن هذا يقتضي نفي المساواة في جميع الوجوه: في الكرم، والعلم، والخُلق وغير ذلك.\nوقلنا ذلك: لأن هذا من قبيل النكرة في سياق النفي،","vol":"1","page":248},{"text":"والنكرة في سياق النفي من صيغ العموم - كما سبق - وهي تفيد العموم من جميع الوجوه.\nوبناء على ذلك: فإن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي؛ لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ)، ونفي المساواة يقتضي نفيه من جميع الوجوه، فلو قتل المسلم بالكافر لحصل بينهما استواء في القصاص، ومعروف أن الكافر الذمي غير مساو للمسلم، بل هو أقل منه في العصمة.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nإذ كان الفعل متعديًا، ولم يذكر مفعوله ووقع ذلك الفعل في سياق نفي كقولك: \" والله لا آكل \"، أو وقع في سياق شرط كقولك: \" إن أكلتِ فأنتِ طالق \"، فإن ذلك يكون عامًا في جميع المأكولات، فلو أكل هذا الحالف أيَّ أكل فإنه يحنث وتجب عليه الكفارة، ولو أكلت الزوجة أي أكل فإنها تطلق، وقلنا ذلك لأن الفعل من باب النكرة، والنكرة إذا وقعت في سياق النفي فإنها تعم، وكذلك الفعل إذا وقع في سياق شرط فإنه يعم؛ لما سبق ذكره من أن النكرة في سياق النفي، وأدوات الشرط من صيغ العموم.","vol":"1","page":249},{"text":"وبناء على ذلك: فإنه لو قال: \" إن أكلت فأنتِ طالق \"، فإنها تطلق إن أكلت أيَّ شيء، لكن لو نوى أكلًا معينًا كالتفاح فإنها لا تطلق إن أكلت غيره كالبرتقال، لأن كلامه عام، وخصَّصه بالنية؛ لأن العام يقبل التخصيص.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nدلالة العام ظنية، وليست قطعية، أي: أن تلك الصيغ والألفاظ تدل على العموم والخصوص، لكن دلالتها على العموم أرجح من دلالتها على الخصوص.\nوقلنا ذلك لأن هذه الصيغ تستعمل للعموم - كما سبق بيانه - ومع ذلك فقد كثر إطلاقها وإرادة الخصوص كثرة لا تحصى حتى أنه اشتهر قولهم: \" ما من عام إلا وقد خصص إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، واستعمال تلك الألفاظ والصيغ في الخصوص كثيرًا تجعل دلالتها على العموم ظنية؛ لأن احتمال إرادة الخصوص بها وارد وثابت بدليل.\nوبناء على ذلك: فإن أي دليل ظني كخبر الواحد، والقياس، والمفاهيم، يقوى على تخصيص العام؛ لأن الظني يقوى على تخصيص الظني.","vol":"1","page":250},{"text":"المسألة التاسعة:\nأقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولا يطلق الجمع على الاثنين والواحد إلا مجازًا؛ لقوله - ﷺ -: \" الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة رَكب \"، ولقوله: \" الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم \"،، فقد فصل النبي - ﷺ - بين التثنية والجمع، وجعل للاثنين اصطلاحًا دون الجمع، فعلم أن التثنية ليست بجمع حقيقة.\nولأن الثلاثة تنعت بالجمع، والجمع ينعت بالثلاثة فيقال: \" ثلاثة رجال \"، و\" رجال ثلاثة \" لكن التثنية لا تنعت بالجمع، ولا الجمع ينعت بالتثنية فلا يقال: \" رجال اثنان \" ولا \" اثنان رجال \"، فلو كان الاثنان أقل الجمع: لجاز نعت أحدهما بالآخر، لكن ذلك لا يجوز، فلا يكون الاثنان جمعًا.\nولأن أهل اللغة فرقوا بين التثنية والجمع بالضمير المتصل والمنفصل والتأكيد، فقالوا في الجمع: \" فعلوا \" و\" هم \" و\" جاء الزيدون أنفسهم \"، ولم يقولوا ذلك في التثنية.\nوبناء على ذلك: فإنه لو قال: \" والله لا أكلم رجالًا \"، فإنه يحنث إذا كلم ثلاثة رجال، ولا يحنث إذا كلَّم اثنين أو واحد.","vol":"1","page":251},{"text":"وكذلك إذا نذر صوم أيام فإنه يلزمه ثلاثة أيام.\nوكذلك لو قال لزوجته: \" أنتِ طالق طلقات \"، فإنه يلزمه ثلاث طلقات.\n* * *\nالمسألة العاشرة:\nالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، أي: أن اللفظ الوارد على سبب خاص لا يختص به، بل يكون عامًا لمن تسبب في نزول الحكم ولغيره؛ لأن الحجة في لفظ الشارع: فإن أورد الشارع الحكم، وهو مشتمل على صيغة من صيغ العموم: جعلنا الحكم عامًا سواء نزل ذلك الحكم بسبب أو بغير سبب، وإن أورد الشارع الحكم بلفظ خاص: خصصنا ذلك الحكم، فالمعتبر هو اللفظ.\nولإجماع الصحابة - ﵃ - على تعميم الأحكام الواردة على أسباب خاصة كآيات الظهار التي نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات اللعان النازلة في عويمر العجلاني وزوجته، وآية السرقة النازلة في سرقة رداء صفوان بن أمية، وآية القذف النازلة في شأن عائشة - رضي الله عن الجميع - فقد علم الصحابة تلك الأحكام بدون نكير، فكان إجماعًا.\nوبناء على ذلك: فإن الأحكام الواردة على أسباب قد ثبتت","vol":"1","page":252},{"text":"لأوس، ولعويمر، ولصفوان، ولعائشة وللحوادث المشابهة لها عن طريق اللفظ والنص.\n* * *\nالمسألة الحادية عشرة:\nقول الصحابي: \" أمر رسول الله - ﷺ -، أو نهى، أو قضى، أو حكم، يقتضي العموم؛ لإجماع الصحابة والتابعين على ذلك؛ حيث كانوا يرجعون إلى هذه الألفاظ، ويحتجون بها في عموم الصور التي تحصل في أزمانهم.\nفقد قال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة حتى أخبرنا رافع أن النبي - ﷺ - نهى عن المخابرة، وإذا رأى أحد منهم شخصًا يبيع بالمزابنة أو المحاقلة منعوه استدلالًا بقول الصحابي: \" نهى رسول الله - ﷺ - عن المزابنة والمحاقلة \"، وأخذوا بقول الصحابي: \" أمر رسول الله - ﷺ - بوضع الجوائح \"، وبقوله: \" رخص رسول الله - ﷺ - في السَّلَم \"، وبقوله: \" رخص رسول الله - ﷺ - في العرايا \"، وبقوله: \" قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة للجار \"، وكانوا يفعلون ذلك، ويستدلون بتلك الألفاظ، دون نكير، فكان إجماعًا.\nوبناء على ذلك: فإن النهي عن بيع المزابنة، والمنابذة، والملامسة، والمحاقلة، والغرر، والأمر بوضع الجوائح، والقضاء بالشفعة للجار، وفيما لم يقسم: عام وشامل للأشخاص الذين","vol":"1","page":253},{"text":"نُهوا وأمروا وقضي في حقهم، ولمن جاء بعدهم ممن شابههم، وذلك عن طريق لفظ الصحابي ونصه.\n* * *\nالمسألة الثانية عشرة:\nإذا قال الصحابي: كان النبي - ﷺ - يفعل كذا فإن هذا يفيد العموم؛ لأن الراوي إنما يحكي الفعل والحادثة بلفظ: \" كان \"، إذا ثبت عنده تكرار ذلك الفعل؛ حيث لا يُفهم من لفظ: \" كان \" إلا التكرار في مخاطباتنا العادية، فمثلًا يقول القائل: \" كان زيد يأتي هذه المكتبة \"، فإنا لا نفهم من ذلك عادة إلا أن زيدًا يتردد عليها أكثر من مرة.\nوبناء على ذلك: فإن تعبير الصحابي بلفظ \" كان \" يدل على أن فعل النبي - ﷺ - الذي أداه هذا الصحابي بلفظ \" كان \" متكرر، ومعلوم أن ما تكرر وقوعه من فعله - ﷺ - أقوى مما وقع مرة واحدة، وهذا يفيد عند التعارض.\n* * *\nالمسألة الثالثة عشرة:\nالعبد يدخل تحت خطاب التكليف بالألفاظ العامة المطلقة، كلفظ: \" الناس \" و\" المؤمنين \" و\" المسلمين \" و\" الأمة \"، فهو كالحر، ولا فرق، ولا يخرج منها إلا بقرينة، لأن العبد من جملة من يتناوله اللفظ، فهو من الناس، ومن المؤمنين، ومن المسلمين،","vol":"1","page":254},{"text":"ومن الأمة؛ حيث إن العبد يوصف بذلك فيقال: هذا العبد مسلم، ومؤمن، ومن الناس، ومن الأمة، ولا يوجد مانع من دخوله، لا شرعي، ولا عقلي.\nوبناء على ذلك: فإن العبد يدخل ضمن الخطابات الموجهة إلى الناس، والأمة، والمؤمنين والمسلمين، دخولًا أصليًا، ولا يخرج عن ذلك الخطاب إلا بدليل وسبب، كسقوط صلاة الجمعة والحج والجماعة بسبب اشتغاله بخدمة سيده، ولو أذن له سيده لوجبت عليه.\n* * *\nالمسألة الرابعة عشرة:\nالنساء يدخلن ضمن الجمع الذي تبيَّنت فيه علامة التذكير، كالمسلمين، والمؤمنين، وفعل: \" اشربوا وكلوا \" و\" قاموا \" ولا يخرجن إلا بدليل؛ لأن العرب اعتادوا أنه إذا اجتمع الذكور والإناث فإنهم يغلبون جانب التذكير في ألفاظهم وخطاباتهم، ولو كان الذكر واحدًا، فإذا كان أمامك عدد من الرجال والنساء فإن الصحيح عند أهل اللغة هو قولك: \" قوموا \"، ولو قلت للرجال: \" قوموا \" وللنساء \" قمن \"، لعده أهل اللغة لكنة وعيًَّا.\nوقد وقع ذلك في قوله تعالى - وهو يخاطب آدم، وحواء، وإبليس - (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) فقال: (اهْبِطُوا) مع وجود حواء.","vol":"1","page":255},{"text":"ولأن أكثر أوامر الشرع ونواهيه وخطاباته العامة وردت بلفظ التذكير كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ونحو ذلك، وانعقد الإجماع على أن النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر والنواهي.\nوبناء على ذلك: فإنه لو قال رجل لجمع من الرجال والنساء ومعهم زوجته - وهو يعلم بوجودها -: \" طلقتكم \" فإنها تطلق؛ لأنها تدخل في خطاب الرجال.\nولو قال لمن أمامه من الرجال والنساء: \" ملكتكم هذه الدار \"، فإن النساء يشاركن في ملكية هذه الدار.\n* * *\nالمسألة الخامسة عشرة:\nالعام إذا أدخله التخصيص فإنه حقيقة فيما بقي بعد التخصيص مطلقًا؛ لأن المخصِّص قد أثر في المخصوص والمخرج - فقط -، ولم يؤثر في الباقي بعد التخصيص، فيبقى على ما هو عليه.\nفمثلًا: لفظ \" السارق \" قد وضع لجميع السارقين، وأنها تقطع يد كل واحد منهم، ولما جاء المخصص - وهو قوله - ﷺ -: \" رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق \" - صرف دلالة لفظ: \" السارق \" عن بعض السارقين وبين أن هذا","vol":"1","page":256},{"text":"البعض - وهما: المجنون والصبي - لا تقطع أيديهما إذا سرقا، وإذا صرفت دلالته عن هذين الشخصين فإن دلالة اللفظ - وهو السارق - على الأفراد غير المخصوصين باقية لم تتغير، ومستمرة على ما هي حقيقة، إذن المخصص لم يؤثر في الباقين، بل أثر في المخصص والمخرج، فتبقى دلالة اللفظ العام المخصوص حقيقة فيما بقي.\nوبناء على ذلك: فإن الأفراد الذين بقوا بعد التخصيص قد دل عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة، أي: دخلوا في عمومه بدون قرينة، وأي لفظ دل على ما بقي بدون قرينة فإنه يكون أقوى من اللفظ الذي لا يدل إلا بقرينة، وهذا يفيد عند تعارض اللفظين.\n* * *\nالمسألة السادسة عشرة:\nيجوز أن يخص العام إلى أن يبقى واحد؛ لوقوعه في القرآن؛ حيث قال تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وأراد بذلك عائشة - ﵂ - وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) والمراد بالناس واحد وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي كما ذكره المفسرون.\nولوقوعه عند أهل اللغة؛ حيث كتب عمر إلى سعد بن أبي","vol":"1","page":257},{"text":"وقاص - ﵄ - قائلًا: \" قد انفذت إليك ألفي رجل \"، وكان قد أرسل إليه ألفًا من الرجال والقعقاع بن عمرو، ولم ينكر عليه أحد.\nوبناء على ذلك: فإنه إذا كان للرجل أربع نساء وقال: \" نسائي طوالق \"، ثم قال: كنت قد أخرجت ثلاثًا: فإنه يقبل، حيث إن الباقية واحدة ويجوز تخصيص إلى أن يبقى واحد.\n* * *\nالمسألة السابعة عشرة:\nالمخاطِب - بكسر الطاء - والمتكلم يدخل في عموم خطابه مطلقًا؛ لأن السيد لو قال لعبده: \" من أحسن إليك فأكرمه \"، ثم أحسن إليه السيد، فإن أكرمه فإنه يستحق المدح والثناء، وإن لم يكرمه فإنه يستحق اللوم، وهذا باتفاق العقلاء من أهل اللغة، فاستحقاقه للمدح في الحالة الأولى وللذم في الحالة الثانية دليل على أن السيد داخل في عموم خطابه ومتناول له.\nوبناء على ذلك: فإن المخاطب يدخل في عموم خطابه ولا يخرج إلا بقرينة، فلو قال: \" نساء المسلمين طوالق \" فإن زوجته تطلق، لأن المخاطب والمتكلم يدخل في عموم كلامه.","vol":"1","page":258},{"text":"ولو قال: \" عندي لورثة أبي ألف ريال \" فإنه يدخل معهم، ويكون له نصيب من هذه الألف.\n* * *\nالمسألة الثامنة عشرة:\nيجب اعتقاد عموم اللفظ في حال علمنا به، وإذا اعتقد عمومه وجب العمل بذلك إذا جاء وقت العمل به قبل البحث عن المخصص، فإن وجدنا مخصصًا تركنا العام وعملنا بالمخصص وما بقي بعد التخصيص، وإن لم نجد مخصصًا له نستمر في العمل بالمخصص؛ لأن ترك التمسك بالعام لاحتمال وجود مخصص له يلزم منه ترك العمل بالدليل الثابت يقينًا من أجل دليل قد شك في ثبوته وهذا لا يجوز.\nولأن الأصل عدم التخصيص، وذلك يوجب ظن عدم التخصيص، وهو: يكفي في ظن إثبات الحكم باللفظ العام والعمل به فور علمنا به.\nوبناء على ذلك: فإن اللفظ العام يجب أن يعمل به حال سماعنا به بدون قرائن.\n* * *\nالمسألة التاسعة عشرة:\nالجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع يقتضي العموم في","vol":"1","page":259},{"text":"كل من المضاف والمضاف إليه فقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك، فلا تكفي صدقة من نوع واحد من الأموال.\nوقلنا ذلك لأن الجمع المضاف من صيغ العموم، وضمير الجمع من صيغ العموم - أيضًا، فإذًا يكون العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؛ عملًا بالظاهر.\nوتطبيق ذلك كما قلنا بالمثال.\n* * *\nالمسألة العشرون:\nالمفهوم له عموم، أي: يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه إما على موافقة المنطوق به، أو على مخالفته، قياسًا على اللفظ، فكما أن اللفظ يثبت الحكم في جميع صور مسمياته فكذلك مفهومه يثبت الحكم في جميع صور مسمياته، فالرسول - ﷺ - لما قال: \" في سائمة الغنم الزكاة \"، فقد تضمن ذلك القول قولًا آخر، وهو: أنه لا زكاة في المعلوفة، ولو صرح بذلك: لكان عامًا.\nوبناء على ذلك: فإن قوله - ﷺ -: \" إذا بلغ الماء قُلتين لم ينجس \"، قد دل بمفهومه على أن ما دونهما ينجس بملاقاه النجاسة، وهذا عام لجميع صوره، أي: سواء تغير أو لا، كوثر بماء طاهر ولم يبلغ قلتين أو لم يُكاثر.","vol":"1","page":260},{"text":"المسألة الواحدة والعشرون:\nترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فقوله - ﷺ - لغيلان الثقفي - الذي أسلم وتحته عشرة نسوة -: \" أمسك أربعًا وفارق سائرهن \"، وهو لم يستفسر منه هل عقد على هذه النسوة بعقد واحد في زمن واحد، أو عقد عليهن بعقود متعددة في أزمان مختلفة؛ هذا يفيد العموم في جميع الأحوال؛ لأن ترك الرسول - ﷺ - الاستفصال من الحاكي في حكايته مع قيام الاحتمال الذي من شأنه أن يؤثر في الحكم، ينزل منزلة العموم في المقال، أي: أن الحكم - وهو: إمساك أربع ومفارقة الباقي عام في الحالتين المذكورتين سابقًا، وهذا يتبين فيه سماحة الإسلام ويسره.\n* * *\nالمسألة الثانية والعشرون:\nالمقتضَى لا عموم له، أي: أن الشيء الذي اقتضاه اللفظ لصدق الكلام، أو لصحته العقلية، أو لصحته الشرعية، يكون واحدًا فقط؛ لأن ثبوت المقتضَى كان للضرورة حتى إذا كان الكلام مفيدًا للحكم بدونه لم يصح إثباته لغة ولا شرعًا، وإذا كان للضرورة فإن الضرورة تقدّر بقدرها، ولا حاجة لإثبات","vol":"1","page":261},{"text":"العموم فيه ما دام الكلام مفيدًا بدونه، ويبقى فيما وراء موضع الضرورة - وهو استقامة الكلام - فلا يثبت العموم فيه؛ قياسًا على أكل الميتة فإنه لما أبيح للضرورة قدِّر بقدرها، وهو: سدُّ الرَمَق - فقط - فكذلك هنا.\nوبناء على ذلك: فإن من تكلَّم في صلاته ناسيًا، أو مخطئًا، بطلت صلاته ولا إثم عليه، وعليه الإعادة، لأن قوله - ﷺ -: \" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان \" لا عموم له، فيكون المرفوع حكمًا واحدًا وهو: \" الإثم \" المقتضي للعقوبة في الآخرة، ولم يرفع الحكم الدنيوي وهو: الإعادة.","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المطلب الثامن عشر\nفي التخصيص</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالتخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده.\nمثاله: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، هذا عام لجميع المطلقات الحوامل وغيرهن، ولكن هذا خُصص بقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، فأخرجت الحوامل من عموم اللفظ - وهو: المطلقات - وجعل عدتها وضع الحمل، فلم يبقى لفظ العموم - وهو المطلقات - على عمومه، بل قصره على بعض أفراده.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nتخصيص العموم يجوز مطلقًا، أي: سواء كان اللفظ العام أمرًا، أو نهيًا، أو خبرًا؛ لوقوعه في الكتاب والسنة، والوقوع دليل الجواز، ومن أمثلة وقوعه في الأمر قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوَا) مع أن الصبي والمجنون لا تنقطع أيديهما إذا","vol":"1","page":263},{"text":"سرقا، ومن أمثلته في النهي قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) مع أن بعض القربان غير منهي عنه، ومن أمثلته في الخبر قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مع أنها لم تؤت السموات والأرض وملك سليمان.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nالتخصيص بالحسِّ - وهو: الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس وهي: البصر، والسمع، واللمس، والذوق، والشم - هذا جائز، لوقوعه، والوقوع دليل الجواز، مثل قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)، ونحن نشاهد أشياء لم تدمرها الريح كالجبال والسماء والأرض.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nالتخصيص بالعقل جائز؛ لوقوعه في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، فالعقل اقتضى بنظره عدم دخول الصبي والمجنون بالتكليف بالحج، لعدم فهمهما، والوقوع دليل الجواز.","vol":"1","page":264},{"text":"المسألة الخامسة:\nتخصيص الكتاب بالكتاب جائز؛ لوقوعه في قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) حيث ورد مخصصًا لقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، أي: لا يجوز نكاح المشركات إلا نساء أهل الكتاب المحصنات، والوقوع دليل الجواز.\nولأن العام والخاص من الكتاب دليلان قد ثبتا فيجب العمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين على حسب القدرة، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nيجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة سواء كانت السنة قولية أو فعلية، لوقوعه في قوله - ﷺ -: \" لا يرث القاتل \"، وقوله: \" لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم \"، حيث وردا مخصِّصين لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ).\nووقوعه في رجم ماعز بن مالك فإنه خصص قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) فأصبحت الآية قاصرة على الزاني البكر، والزانية البكر.\nوالوقوع دليل الجواز.\nولأن العام من الكتاب والخاص من السنة المتواترة دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.","vol":"1","page":265},{"text":"المسألة السابعة:\nيجوز تخصيص السنة المتواترة بمثلها، وتخصيص السنة الأحادية بمثلها؛ لوقوعه في قوله - ﷺ -: \" لا زكاة فيما دون خمسة أوسق \"، حيث ورد مخصصًا لقوله - ﷺ -: \" فيما سَقَت السماء العشر \"، والوقوع دليل الجواز.\nولأن العام من السنة المتواترة، والخاص منها دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين، وهذا أولى من إلغاء أحدهما بالكلية، وكذلك في العام من الآحاد والخاص منها.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nيجوز تخصيص السنة المتواترة والآحادية بالكتاب؛ لقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) حيث إن السنة شيء من الأشياء، والتخصيص بيان، فيكون الكتاب مخصصًا لها.\nولأن العام من السنة المتواترة والآحاد، والخاص من الكتاب دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.\n* * *\nالمسألة التاسعة:\nيجوز تخصيص الكتاب والسنة والمتواترة بخبر الواحد؛","vol":"1","page":266},{"text":"لإجماع الصحابة - ﵃ - حيث كان البعض منهم يخصص العام من الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد بدون نكير، فكان إجماعًا.\nمن ذلك: أنهم خصصوا قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) بقوله - ﷺ -: \" نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة \" وهو خبر واحد وهو أبو بكر ﵁.\nوخصصوا عموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) بما روي أنه - ﷺ - قال: \" لا تنكح المرأة على عمَّتها ولا على خالتها \".\nولأن العام في الكتاب والسنة المتواترة والخاص من خبر الواحد دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.\nوبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) مخصص بقوله - ﷺ -: \" ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر \"، ولذلك فإن متروك التسمية، حلال أكله.\n* * *\nالمسألة العاشرة:\nيجوز تخصيص الكتاب والسنة بتقرير النبي - ﷺ -، لأن تقرير النبي - ﷺ - لذلك الواحد على ذلك الفعل وسكوته عن الإنكار عليه","vol":"1","page":267},{"text":"دليل على جواز ذلك الفعل - مثلًا -، وهو مقابل بالنص العام من الكتاب أو السنة، فهما دليلان قد ثبتا، فيجب في هذه الحالة العمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.\nوبناء على ذلك: فإنه لو وجد عام من النص، وأقر النبي - ﷺ - على فعل يخالف دلالة ذلك النص، فإن العام لا يكون حكمه متناولًا لهذا الفعل، بل يكون مرادًا به غيره.\n* * *\nالمسألة الحادية عشرة:\nالإجماع يُخصص العام من الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع أولى من عام الكتاب والسنة؛ لأنه نص، والنص قابل للتأويل، والإجماع غير قابل له، فيكون الإجماع أقوى والقوي يخصِّص الضعيف.\nولوقوعه؛ حيث إن العلماء قد أجمعوا على أن قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) مخصص بالإجماع على أن العبد يجلد خمسين جلدة على النصف من الحر، ومستند هذا الإجماع هو: القياس على الأمة؛ حيث ورد النص على أنها تجلد نصف ما على الحرة، فقال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، فقاس العلماء العبد على الأمة، وأجمعوا على هذا القياس.","vol":"1","page":268},{"text":"المسألة الثانية عشرة:\nمفهوم الموافقة والمخالفة يخصصان العام من الكتاب والسنة؛ لأن الخاص من مفهوم الموافقة والمخالفة، والعام من الكتاب والسنة، دليلان قد ثبتا وتعارضا ظاهرًا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.\nومثال التخصيص بمفهوم الموافقة: لو قال شخص: \" كل من دخل داري فاضربه \"، ثم قال: \" إن دخل زيد فلا تقل له أف \"، فإن مفهوم ذلك يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم.\nومثال التخصيص بمفهوم المخالفة قوله - ﷺ -: \" في أربعين شاة شاة \"، قد خصص بمفهوم قوله - ﷺ -: \" في سائمة الغنم الزكاة \"، فتكون الزكاة واجبة في الغنم السائمة فقط، أما المعلوفة فتخرج عن الوجوب، والذي أخرجها المفهوم.\n* * *\nالمسألة الثالثة عشرة:\nالقياس يخصص العام من الكتاب والسنة؛ لأن الخاص من القياس، والعام من الكتاب والسنة دليلان قد ثبتا، ولا يمكن أن نقدم العام على الخاص؛ لأنه يلزم منه إلغاء الخاص بالكلية وهذا","vol":"1","page":269},{"text":"لا يجوز، أما تقديم الخاص فلا يوجب ذلك، بل فيه عمل بالخاص وعمل بما بقي بعد التخصيص، وهذا فيه جمع بين الدليلين.\nوبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) لم يبق على عمومه؛ حيث إن من وجب عليه حد في النفس ثم لجأ إلى الحرم فإنه يقتص منه ولو كان داخل الحرم، وخصصنا ذلك من عموم الآية السابقة بالقياس؛ حيث قسناه على من جنى داخل الحرم، فإن قتله جائز أخذًا من قوله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ).\n* * *\nالمسألة الرابعة عشرة:\nإذا تعارض الخاص مع العام كأن يقول السيد لعبده: \" أكرم الطلاب \" وروي عنه أنه قال: \" لا تكرم زيدا \" وهو من الطلاب فإن النص الخاص يخصص اللفظ العام، فيكرم جميع الطلاب إلا زيدًا، وهذا يكون مطلقًا، أي: سواء علمنا تاريخ نزول كل واحد منهما، أو لم نعلم، وسواء تقدم العام على الخاص، أو العكس، أو جهل التاريخ فلم نعلم أيهما المتقدم والمتأخر، أو كانا مقترنين في النزول؛ لأن الصحابة - ﵃ - كانوا يفعلون ذلك.\nفمثلًا قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) نص عام يدل على أن جميع الأولاد يرثون من آبائهم، ولكن الصحابة","vol":"1","page":270},{"text":"خصصوه: أولًا بما روي أن النبي - ﷺ - قال: \" لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر \" فخرج الولد الكافر، وخصصوه ثانيًا بما روي أن النبي - ﷺ - قال: \" لا يرث القاتل \" فخرج الولد القاتل، وخصصوه ثالثًا بما رواه أبو بكر أن النبي - ﷺ - قال: \" نحن الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة \" فخرج أولاد الأنبياء، ولم ينقل إلينا أنهم بحثوا هل العام نزل قبل الخاص، أو الخاص قبله؛ فدل على أن الخاص يخصص العام مطلقًا.\nولأن في ذلك جمعًا بين دليلين قد ثبتا كما سبق قوله مرارًا.\nوبناء على ذلك: فإن الخاص يخصص العام بدون البحث عن تأخر أحدهما أو تقدُّمه أو نحو ذلك، فمثلًا قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) يفيد العموم، فالقاتل يقتل سواء كان المقتول مسلمًا أو كافرًا، ولكن قد خصصنا هذا العام بقوله - ﷺ -: \" لا يقتل مؤمن بكافر \"، وعليه: فلا يقتل المسلم بالكافر الذمي، ولم نبحث عن تاريخ نزول أحدهما.\n* * *\nالمسألة الخامسة عشرة:\nقول الصحابي وفعله ومذهبه لا يخصص العموم؛ لأن العام دليل ظاهر فيما اقتضاه من التعميم، ولم يوجد له ما يصلح أن يكون معارضًا له سوى فعل الصحابي أو قوله وهو غير صالح","vol":"1","page":271},{"text":"لمعارضته؛ حيث إن فعله غير مستند إلى نص يدل على أن المراد بذلك العام الخاص، بل يكون مستندًا إلى ما يظنه دليلًا أقوى منه: فيحتمل أن يكون دليلًا ويحتمل أن يكون غير دليل، وإذا قدرنا كونه دليلًا فيحتمل أن يكون أقوى من العموم، ويحتمل أن لا يكون، وهذه الاحتمالات متساوية، ولا مرجح، أما العام فهو دليل لا يحتمل شيئًا، فيقدم غير المحتمل على المحتمل، وعليه فلا يقوى قول الصحابي ومذهبه وفعله على تخصيص العام من الكتاب والسنة.\nوبناء على ذلك فإن قوله - ﷺ -: \" من بدَّل دينه فاقتلوه \" يبقى على عمومه حيث إن المرأة والرجل إذا بدَّلا دينهما فإنهما يقتلان، ولا يؤخذ بمذهب ابن عباس وهو: أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل.\n* * *\nالمسألة السادسة عشرة:\nالعُرف لا يخصص العام؛ لأن أفعال الناس وعاداتهم وأعرافهم لا تكون حجة على الشرع، فيبقى اللفظ على عمومه ولا يوجد له معارض، والعادات والأعراف لا تصلح أن تكون معارضة، فوجب العمل بعموم اللفظ.","vol":"1","page":272},{"text":"وبناء على ذلك: فإن الرسول - ﷺ - لو قال: \" نهيتكم عن أكل الطعام \"، وكانت عادتهم جارية بأكل طعام معين كالأرز - مثلًا - فإن النهي يكون على جميع الأطعمة ولا تؤثر العادة على هذا العموم.\nالمسألة السابعة عشرة:\nلا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه؛ لأن المخصص يجب أن يكون منافيًا للعام، وذكر بعض العام بحكم العام غير مناف له فحكمهما واحد فامتنع التخصيص؛ لعدم وجود ما يقتضيه.\nوبناء على ذلك: فإن قوله - ﷺ -: \" أيما إهاب دبغ فقد طهر \" يبقى على عمومه؛ حيث إن كل جلد ميتة يطهر بالدباغ من غير فرق بين مأكول اللحم وغيره وبين الشاة وغيرها، ولا يُخصص ذلك بما روي أنه - ﷺ - مرَّ على شاة ميمونة فوجدها ميتة فقال: \" هلا أخذوا جلدها فانتفعوا به، دباغها طهورها \".\n* * *\nالمسألة الثامنة عشرة:\nقصد الذم والمدح من اللفظ العام لا يُخصص العام؛ لأن قصد الذم والمدح وإن كان مقصودًا ومطلوبًا للمتكلم لكن هذا لا","vol":"1","page":273},{"text":"يمنع من قصد العموم معه؛ لأنه لا منافاة بين قصد الذم والمدح وبين العموم، وقد أتى بصيغة العموم، وقصد المدح والذم ليس ْمن مخصِّصاتها، فتبقى على ما هي عليه مفيدة للعموم.\nوبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤» يصلح للاستدلال به على وجوب زكاة الحلي؛ لكون العموم مقصودًا، والذم لم يخرج اللفظ عن العموم.\n* * *\nالمسألة التاسعة عشرة:\nعطف الخاص على العام لا يُخصص العام، فمثلًا\nقوله - ﷺ -: \" لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده \"، يعمل\nعلى أن لفظ \" كافر \" عام لجميع الكفار: الذمي والمستأمن، والحربي، فإذا قتل المسلم أحد هؤلاء الثلاثة فإنه لا يقتل به قصاصًا، لأن لفظ \" كافر \" نكرة وردت في سياق نفي فاقتضت العموم؛ لأنها صيغة من صيغ العموم، والمعارض الموجود وهو عطف الخاص عليه - وهو قوله: \" ولا ذو عهد في عهده \" - لا يصلح أن يكون معارضًا له؛ لأن مقتضى العطف هو: الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم الذي عطف عليه، لا الاشتراك فيه في جميع الوجوه، وإذا كان كذلك لم يكن عطف الخاص منافيًا لتعميم المعطوف عليه، وإذا وجد","vol":"1","page":274},{"text":"المقتضي للتعميم ولم يوجد المعارض له وجب القول بالتعميم.\nوبناء على هذا: يكون قوله: \" ولا ذو عهد في عهده \"، معطوفًا على لفظ: \" لا يقتل \"، فيكون التقدير: وأيضًا لا يقتل ذو عهد وهو ما يزال في عهده.\n* * *\nالمسألة العشرون:\nالشرط - وهو: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من حروف الشرط مثل: \" إن \" أو \" إذا \" أو أخواتهما - من مخصصات العموم المتصلة، مثل قولك: \" أكرم الطلاب إن نجحوا \"، فإنه لو اقتصر على قوله: \" أكرم الطلاب \" لوجب أن يكون جميع الطلاب يجب إكرامهم، أي: سواء كانوا ناجحين أو راسبين، ولما أتى بالشرط وهو: إن نجحوا \" خصص المكرمين وبينهم وهم الناجحون فقط.\n* * *\nالمسألة الواحدة والعشرون:\nيجب أن يكون الشرط متصلًا بالمشروط اتصالًا عاديًا بحيث","vol":"1","page":275},{"text":"لا يصح الفصل بينهما بالزمن فصلًا تحكم العادة بأن الشرط غير تابع للمشروط، فلا يجوز أن يقول: \" أكرم الطلاب \" ثم يسكت مدة طويلة، ثم يقول: \" إن نجحوا \".\n* * *\nالمسألة الثانية والعشرون:\nيجوز تقديم الشرط وتأخيره، وإن كان وضعه الطبيعي هو صدر الكلام والتقدم على المشروط لفظًا لكونه متقدمًا عليه في الوجود، فتقول: \" إن نجح الطلاب فأكرمهم \"، وتقول: \" أكرم الطلاب إن نجحوا \".\n* * *\nالمسألة الثالثة والعشرون:\nالشرط الواقع بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى جميع الجمل، كقولك: \" أكرم الرجال وتصدَّق على المساكين إن دخلوا الدار \"، فهذا بمثابة قولنا: \" أكرم الرجال إن دخلوا الدار، وتصدَّق على المساكين إن دخلوا الدار \" ولا فرق.\n* * *\nالمسألة الرابعة والعشرون:\nحالات اتحاد الشرط والمشروط وتعدُّدهما، أو تعدُّد أحدهما واتحاد الآخر: تسع حالات وهي:\nالحالة الأولى: أن يتَّحد الشرط والمشروط، كقولك: \" إن دخل زيد الدار فأكرمه \"، فيتوقف المشروط على هذا الشرط وحده وجودًا وعدمًا.\nالحالة الثانية: أن يتَّحد الشرط ويتعدد المشروط بحرف","vol":"1","page":276},{"text":"\" الواو \"، كقولك: \" إن نجحت تصدقت بدرهم وصمت يومًا \"، فيقتضي الشرط الجمع بين التصدق والصيام.\nالحالة الثالثة: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بحرف \" أو \"، كقولك \" إن نجحت فإني سأتصدق أو أصوم يومًا \"، فيقتضي الشرط حصول التصدق وحده، أو الصيام وحده.\nالحالة الرابعة: أن يتعدد الشرط بحرف \" الواو \" ويتّحد المشروط كقولك: \" إن نجحت وشفي أبي تصدَّقت بألف ريال \" فلا يمكن أن يوجد المشروط - وهو: التصدق بالألف - إلا بعد حصول الشرطين معًا وهما: النجاح والشفاء.\nالحالة الخامسة: أن يتعدد الشرط بحرف \" الواو \" ويتعدد المشروط بحرف \" الواو \" أيضًا كقولك: \" إن نجحت وشفي أبي تصدقت وصمت يوما \"، فيقتضي هذا: أنه لا يمكن وجود المشروطين وهما: التصدق ووالصيام إلا إذا وجد الشرطان وهما: النجاح والشفاء معًا.\nالحالة السادسة: أن يتعدد الشرط بحرف \" الواو \" ويتعدد المشروط بحرف \" أو \"، كقولك: \" إن نجحت وشفي أبي تصدقت أو صمت يوما \"، فحصول الشرطين وهما النجاح والشفاء يقتضي حصول أحد المشروطين على التخيير، فإما التصدق أو الصيام.\nالحالة السابعة: أن يتعدد الشرط بحرف \" أو \" ويتحد المشروط، كقولك: \" إن نجحت أو شفي أبي سأتصدق بدرهم \"، فلا بد هنا من حصول أحد الشرطين حتى يجب عليه التصدق.\nالحالة الثامنة: أن يتعدَّد الشرط بلفظ \" أو \" ويتعدد المشروط بحرف \" الواو \"، كقولك: \" إن بنى زيد الجدار أو، نجح فأعطه","vol":"1","page":277},{"text":"كتابًا ودرهمًا \"، فلا بد من حصول أحد الشرطين وهما: البناء أو النجاح حتى يستحق المشروطين معًا وهما: الكتاب والدرهم.\nالحالة التاسعة: أن يتعدد الشرط بحرف \" أو \" ويتعدَّد المشروط بحرف \" أو \" أيضًا، كقولك: \" إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابًا أو درهمًا \"، فلا بد - هنا - من حصول أحد الشرطين وهما البناء أو النجاح حتى يستحق أحد المشروطين وهما: الكتاب أو الدرهم.\n* * *\nالمسألة الخامسة والعشرون:\nالصفة - وهو: اللفظ المُشعر بمعنى يتصف به بعض أفراد العام - من مخصصات العموم المتصلة، نقول: \" أكرم الطلاب الناجحين \"، فلفظ \" الطلاب \" عام يشمل الناجحين والراسبين، ولما وصف الطلاب بالناجحين أخرج الطلاب الراسبين، فيخص الناجحون بالإكرام فقط.\n* * *\nالمسألة السادسة والعشرون:\nحالات الصفة مع الجمل ثلاث هي:\nالحالة الأولى: إن وقعت الصفة بعد جمل، كقولك: \" أكرم العلماء والأدباء، والتجار الطوال \"، فإن الصفة ترجع إلى جميع الجمل وتخصصها، فكأنك قلت: أكرم العلماء الطوال، والأدباء الطوال، والتجار الطوال.\nالحالة الثانية: إن وقعت الصفة قبل جمل، كقولك: أكرم الطوال من العلماء والتجار، فإن الصفة تعود إلى جميع الجمل وتخصصها فيكون المراد: أكرم الطوال من العلماء والطوال من التجار فقط.","vol":"1","page":278},{"text":"الحالة الثالثة: إن وقعت الصفة وسطًا بين جملتين كقولك: \" أكرم العلماء الطوال والتجار \"، فإن الصفة تعود إلى الجملة التي قبلها وتخصِّصها فقط، أما ما بعدها فلا ترجع إليه، والتقدير: أكرم العلماء الطوال، أما التجار فأكرمهم جميعًا: طوالهم وقصارهم.\n* * *\nالمسألة السابعة والعشرون:\nالغاية - وهي: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من أحرف الغاية وهي: اللام، وحتى، وإلى، من المخصصات المتصلة مثل: \" أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار \"، فهنا بين أن إكرام العلماء ليس عامًا لجميع الأزمنة، بل مخصص إلى غاية دخولهم الدار فقط.\n* * *\nالمسألة الثامنة والعشرون:\nالغاية إذا كانت متعددة فلها حالتان هما:\nالحالة الأولى: أن تكون الغاية متعددة وكانت على الجمع بحرف \" الواو \"، كقولك: \" أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار وبأكلوا الطعام \"، فهنا يستمر الإكرام إلى تمام الغايتين معًا وهما: دخول الدار، وأكل الطعام دون ما بعدهما.\nالحالة الثانية: أن تكون الغاية متعددة وكانت على التخيير بحرف \" أو \"، كقولك: \" أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار أو يدخلوا السوق \"، فيقتضي ذلك استمرار الإكرام إلى تمام إحدى الغايتين - أيهما كانت - دون ما بعدها.\n* * *\nالمسألة التاسعة والعشرون:\nالغاية إذا ذكرت بعد جمل متعددة كقولك: \" أكرم العلماء","vol":"1","page":279},{"text":"والتجار إلى أن يدخلوا الدار \"، فإن الغاية ترجع إلى الجملتين معًا أي: إكرام العلماء يستمر إلى غاية دخولهم الدار، وإكرام التجار يستمر إلى غاية دخولهم الدار، وهذا مطلقًا، أي: سواء كانت الغاية واحدة كما مثلنا، أو متعددة على الجمع بالواو، كقولك: \" أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار والسوق \"، أو على الجمع بأو كقولك: \" أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار أو يدخلوا السوق \"، وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في وقتها كقولك: \" أكرم العلماء إلى أن تطلع الشمس \"، أو غير معلومة الوقت كقولك: \" أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار \".\n* * *\nالمسألة الثلاثون:\nالاستثناء - وهو: قول متصل يدل بحرف \" إلا \" أو إحدى أخواتها على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول - من أهم المخصصات المتصلة، مثل قولك: \" أكرم الطلاب إلا زيدا \"، فقولك: \" أكرم الطلاب \" يقتضي إكرام جميع الطلاب، ولما قلت: \" إلا زيدا \" بيَّنت أن زيدًا غير مراد بالقول الأول، فلا يكرم، أي: لا يشمله الإكرام.\n* * *\nالمسألة الواحدة والثلاثون:\nيشترط الصحة الاستثناء: أن يكون الاستثناء متصلًا بالمستثنى منه حقيقة، فتقول: \" نجح الطلاب إلا زيدًا \" بدون انقطاع، أو يكون في حكم المتصل بأن يكون انفصاله بسبب ضرورة كانقطاع نفَسه، أو بلع ريقه، أو سعال، أو ما أشبه ذلك.","vol":"1","page":280},{"text":"وقلنا ذلك: لأن الاستثناء غير مستقل بنفسه، فهو جزء من الكلام أتي به لإتمامه وإفادته، لذلك لا يفيد شيئًا إلا إذا اتصل به مباشرة، لكن لو انفصل الاستثناء عن المستثنى منه لم يكن ذلك الاستثناء متممًا لذلك الكلام الأول وذلك قياسًا على الخبر مع المبتدأ، فكما أن الخبر لا يفيد شيئًا بدون المبتدأ، والمبتدأ لا يفيد شيئًا بدون الخبر فكذلك المستثنى لا يفيد شيئًا بدون المستثنى منه.\nوبناء على ذلك: فإن المتكلم لو فصل بين المستثنى منه والمستثنى، فإن المستثنى لا يؤثر على المستثنى منه إلا إذا فصله بشيء اضطر إليه كسعال ونحوه، كما لو قال: \" علي ألف ريال استغفر الله إلا مائة \" فإنه لا يصح الاستثناء؛ لأنه فصل بشيء يستطيع تركه.\n* * *\nالمسألة الثانية والثلاثون:\nيجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه إذا كان متصلًا به، فيجوز أن تقول: \" قام إلا زيدًا القوم \"، وتقول: \" القوم إلا زيدًا ذاهبوان \"؛ لوقوعه في كلام العرب كقول الشاعر:\nفما لي إلا آل أحمد شيعة. . . وما لي إلا مشعب الحق مشعب\nوالتقدير: ما لي شيعة إلا أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب الحق.","vol":"1","page":281},{"text":"ولأنه لا يخل بالفهم.\nوبناء على ذلك: فإن الشخص لو قال: \" له علي إلا عشرة، مائة درهم \"، فإنه استثناء صحيح، ويكون المتكلم قد أقر بتسعين.\n* * *\nالمسألة الثالثة والثلاثون:\nيشترط لصحة الاستثناء: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء من غير الجنس، فلا يقال: \" رأيت الناس إلا حمارا \"، لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس، وإذا ورد استثناء من غير الجنس فهو مجاز وليس حقيقة.\nوقلنا ذلك؛ لأن الاستثناء من الجنس قد كثر استعماله كثرة شائعة، حتى إذا أطلق يتبادر منه أنه من الجنس، والتبادر أمارة الحقيقة، فكان حقيقة في الاستثناء من الجنس، فإذا ورد استثناء من غير الجنس فقد ورد على خلاف الحقيقة فيكون مجازًا.\nولأن الاستثناء من غير الجنس عيب عند عقلاء أهل اللغة، فلو قال: \" قدم الحاج إلا الحمير \" لعابه أهل اللغة، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافًا إلى أهل اللغة.\nوبناء على ذلك: فإن المكلف لو قال: \" علي لزيد ألف درهم إلا ثوبًا \" فإن هذا لا يصح.","vol":"1","page":282},{"text":"المسألة الرابعة والثلاثون:\nلا يجوز استثناء كل المستثنى منه بحيث لا يبقى منه فرد، فلا يجوز أن تقول: \" له علي عشرة إلا عشرة \"، وقلنا ذلك لأن استثناء الكل يفضي إلى العبث؛ حيث إنه نفي بعد إثبات.\nوبناء على ذلك فإنه لو قال المكلف: \" له علي عشرة إلا عشرة \"، فإن العشرة تلزمه، كذلك لو قال: \" أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا \" فإنه يلزمه الطلاق بالثلاث، لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه.\n* * *\nالمسألة الخامسة والثلاثون:\nلا يجوز استثناء الأكثر، أي: لا يجوز أن يكون المستثنى أكثر من الباقي بعد الاستثناء؛ لأن استثناء الأكثر عيب عند أهل اللغة، قال ابن جني: \" ولو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين ما كان متكلمًا بالعربية، وكان كلامه عيًا ولكنة \".\nولأن الاستثناء على خلاف الأصل عند العرب؛ لأنه إنكار بعد إقرار، والأصل: عدم الإنكار، لكن لما كان الإنسان قد يغفل عن بعض ما أقر به أجيز استثناء القليل لدفع الضرر، وأما الأكثر فلا يعقل أن يغفل عنه الإنسان، فلم يجز فيه الاستثناء جريًا على الأصل في الكلام.\nوبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال: \" أنت طالق ثلاثًا إلا","vol":"1","page":283},{"text":"اثنتين \"، فإنه يلزم الزوج جميع المستثنى منه، وهي: التطليقات الثلاث ويكون الاستثناء لغوًا.\nوكذلك لو قال: \" له علي عشرة إلا تسعة \"، فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغوًا، فتلزمه العشرة.\n* * *\nالمسألة السادسة والثلاثون:\nلا يجوز استثناء نصف المستثنى منه، بل الذي يجوز استثناء أقل من النصف؛ لما سبق من الدليلين المذكورين في المسألة السابقة.\nوبناء على هذا: فإنه لو قال: \" له علي عشرة إلا خمسة \"، فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، أي: تلزمه العشرة كلها ويكون الاستثناء لغوًا.\n* * *\nالمسألة السابعة والثلاثون:\nالاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع إلى جميع الجمل؛ لاتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة يعتبر نوعًا من العي والركاكة فيما لو أراد إرجاعه إلى الجميع، كما لو قال: \" إن شرب زيد الخمر فاضربه إلا أن يتوب، وأن زنا فاضربه إلا أن يتوب \"، فإذا ثبت استقباح ذلك عند أهل اللغة فلم يبق - للتخلص من ذلك - إلا أن يجعل استثناء","vol":"1","page":284},{"text":"واحدًا في آخر الجمل ويعود إلى جميعها فتقول: \" إن شرب زيد الخمر فاضربه، وإن زنا فاضربه إلا أن يتوب \".\nولأن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس البعض أولى من البعض، فوجب العود إلى الجميع كالعام.\nوبناء على ذلك: فإن الاستثناء الوارد في قوله - ﷺ -: \" لا يُؤم الرجل في أهله، ولا يُجلس على تكرمته إلا بإذنه \"، راجع إلى الجملتين معًا، فيكون التقدير: لا يؤم الرجل في أهله إلا بإذنه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.\n* * *\nالمسألة الثامنة والثلاثون:\nيفرق بين الاستثناء والتخصيص بالمنفصل من وجهين:\nأولهما: أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال، فتقول: \" أكرم الطلاب إلا زيدًا \"، وقد سبق بيان ذلك.\nأما التخصيص بالمنفصل فلا يشترط فيه ذلك: فيجوز أن يكون متصلًا، وأن يكون منفصلًا.\nثانيهما: أن الاستثناء يتطرق إلى ما يدل على معناه دلالة ظاهرة كقولك: \" أكرم الطلاب إلا زيدا \"، ويتطرق إلى ما نص على معناه كقولك: \" له علي عشرة إلا ثلاثة \".","vol":"1","page":285},{"text":"أما التخصيص بالمنفصل فإنه يجوز في الظاهر - وهو العام فقط - كقولك: \" أكرم الطلاب \" ثم تقول: \" لا تكرم زيدا \"، لأن دخول زيد في عموم الطلاب ظني؛ لأن دلالة العموم ظنية، ولكن لا يصح أن تقول: \" أكرم زيدًا وعمرًا وبكرًا \" ثم بعد ذلك تقول: \" لا تكرم زيدا \"، فإن قلت ذلك يكون نسخًا لا تخصيصًا.\n* * *\nالمسألة التاسعة والثلاثون:\nيفرق بين الاستثناء والنسخ من ثلاثة أوجه وهي:\nأولها: أن الاستثناء يشترط فيه اتصاله بالمستثنى منه؛ لأنه لايستقل بنفسه.\nأما النسخ فيشترط فيه: أن يكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ؛ لأن كلًا من الناسخ والمنسوخ يستقل بنفسه.\nثانيها: أن النسخ رافع، والاستثناء مانع، أي: أن النسخ يرفع ما دخل تحت اللفظ الوارد.\nأما الاستثناء فهو يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ، ولولا هذا الاستثناء لدخل، فالاستثناء يمنع دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى منه.\nثالثها: أنه في النسخ يجوز رفع جميع الحكم كرفع وجوب الصدقة بين يدي مناجاة النبي - ﷺ -، ويجوز أن يرفع بعض الحكم كرفع بعض عدة المتوفى عنها زوجها، فقد كانت حولًا كاملًا، فنسخ ورفع بعضها حتى صارت أربعة أشهر وعشرًا.\nأما الاستثناء فإنه يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ فتقول: \" أكرم الطلاب إلا زيدًا \"، ولكن لا يجوز أن يمنع الاستثناء جميع الأفراد من الدخول تحت اللفظ، فلا يجوز أن تقول: \" لي عليه عشرة إلا عشرة \".","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المطلب التاسع عشر\nفي المطلق والمقيَّد</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالمطلق هو: اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه.\nمثل قول السيد لعبده: \" أكرم طالبًا \" أو \" أكرم طلابا \"، فإن هذا الأمر قد تناول واحدًا غير معين، وتناول جماعة غير معينين، ومدلول هذا الأمر شائع في جنسه، فلا يوجد طالب معروف، أو جماعة من الطلاب معروفين بصفة معينة، بل الواجب على العبد اختيار أي طالب ويكرمه، أو أي طلاب فيكرمهم وتبرأ ذمته.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nالمقيد هو: اللفظ المتناول لمعين، أو لغير معين موصوف بأمر زائد على. الحقيقة الشاملة لجنسه.\nمثل: قولك: \" أعط هذا الطالب \"، أو قولك: \" أعط الطالب الطويل \"، فقد قيدنا الطالب الأول بتعيينه بالإشارة إليه وقيدنا الطالب الثاني بوصفه بالطول الذي أخرجه عن بقية الطلاب.","vol":"1","page":287},{"text":"المسألة الثالثة:\nالمطلق يكون في أمور هي:\nالأول: يكون في معرض الأمر، كقولك: \" أعتق رقبة \"، أو \" أعط طالبًا جائزة \".\nالثاني: يكون في مصدر الأمر، كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).\nالثالث: يكون في مصدر الخبر عن المستقبل، كقوله ﵇: \" لا نكاح إلا بولي \"، وقولك: \" سأعتق رقبة \".\nلكن لا يمكن أن يكون المطلق في معرض الخبر المتعلق بالماضي، كقولك: \" رأيت رجلًا \" أو \" أعطيت طالبًا \" أو \" أعتقت رقبة \"؛ لأن هؤلاء - وهم الرجل والطالب والرقبة - قد تعيَّنوا بالضرورة، وهي: ضرورة إسناد الرؤية إلى الرجل، وضرورة إسناد الإعطاء إلى الطالب، وضرورة إسناد الإعتاق إلى الرقيق.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nالمقيد يكون في أمرين هما:\nالأول: يكون في الألفاظ الدالة على مدلول معيَّن، أو ما تناول معينًا كزيد وعمرو، وهذا الرجل.\nالثاني: يكون في الألفاظ الدالة على غير معين، ولكنه موصوف بوصف زائد على مدلول المطلق، كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، وكقولك: \" أكرم الطالب الناجح \".\n* * *\nالمسألة الخامسة:\nمقيِّدات المطلق هي مخصصات العموم المتصلة والمنفصلة","vol":"1","page":288},{"text":"- السابقة الذكر -، فعلى هذا: فإنه يجوز تقييد مطلق الكتاب بالكتاب، وبالسنة، ومطلق السنة بالسنة والكتاب، وتقييد مطلق الكتاب والسنة بالإجماع، والقياس، والمفاهيم ونحو ذلك مما قلناه.\n* * *\nالمسألة السادسة:\nإذا كان متعلق حكم المطلق غير متعلق حكم المقيد، كقوله: \" أدوا الصلاة \"، وقوله: \" اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم \"، فهنا لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقًا؛ لأنه ليس بينهما مناسبة، ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلًا.\n* * *\nالمسألة السابعة:\nإذا كان متعلق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد، وكان السبب واحدًا، وكل واحد منهما أمر كقوله: \" اعتقوا رقبة إذا حنثتم \"، ثم يقول: \" اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم \" فهنا يحمل المطلق على المقيد مطلقًا، أي: سواء كان المطلق هو المتقدم، أو هو المتأخر، أو جهل ذلك؛ لأن الجمع بين الدليلين أولى من إعمال أحدهما وترك الآخر.\n* * *\nالمسألة الثامنة:\nإذا كان متعلق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد، وكان السبب واحدًا، وكل واحد منهما نهي كقوله: \" لا تعتق رقبة إذا حنثت، ثم قال: \" لا تعتق رقبة كافرة إذا حنثت \"، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وهو كالتخصيص، وهذا على مذهبنا في أن المفهوم حجة وأنه يخصص به العموم، حيث إنه يخصص النهي العام؛ لأن النهي في قوله: \" لا تعتق رقبة كافرة \" يدل بمفهومه على أنه لا يجزىء إلا الرقبة المسلمة، لأنه صرح بالنهي عن الكافرة.","vol":"1","page":289},{"text":"المسألة التاسعة:\nإذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلَّق حكم المقيد، وكان السبب واحدًا، وكان أحدهما أمرًا والآخر نهيًا فإن المقيد يوجب تقييد المطلق بضده مطلقًا، أي: سواء كان المطلق أمرًا والمقيد نهيًا كقوله: \" اعتق رقبة \"، ثم يقول: \" لا تعتق رقبة كافرة \"، أو كان المطلق نهيًا والمقيد أمرًا كقوله: \" لا تعتق رقبة \"، ثم يقول: \" اعتق رقبة مؤمنة \".\n* * *\nالمسألة العاشرة:\nإذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلَّق حكم المقيد، وكان سبب المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما أمر كقوله تعالى: في كفارة الظهار - (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، مع قوله في كفارة القتل: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، فهنا السبب مختلف؛ حيث إن سبب عتق الرقبة في المطلق هو: الظهار، وسبب عتق الرقبة في المقيد هو: القتل الخطأ، فيحمل المطلق على المقيد إن قام دليل كالقياس على المقيد؛ لأن القياس دليل شرعي عام في كل صورة إلا إذا فقد فيه ركن من أركانه، أو شرط من شروطه؛ حيث إن الأدلة على حجيته لم تفرق بين صورة وصورة، فإذا دل القياس على حمل المطلق على المقيد فإنه يجب العمل على ذلك عملًا بحجية القياس.\nولأن العام يخصص بالقياس، فكذلك المطلق يقيد بالقياس ولا فرق، والجامع صيانه القياس عن الإلغاء.","vol":"1","page":290},{"text":"وبناء على ذلك: فإنه يحمل المطلق على المقيد هنا، فلا يجزئ في كفارة الظهار، وكفارة القتل الخطأ إلا رقبة مؤمنة.\n* * *\nالمسألة الحادية عشرة:\nإذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد وكان سبب المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما نهي كقوله: \" لا تعتق رقبة \" في كفارة الظهار، ثم قوله: \" لا تعتق رقبة كافرة \" في كفارة القتل، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وهو كالتخصيص، وهذا على مذهبنا، وهو أن المفهوم حجة وأنه يخصص به، فيخصص النهي العام بالكافرة إن وجد دليل، فمفهوم قوله: \" لا تعتق رقبة كافرة \" هو: أنك يجب أن تعتق رقبة مؤمنة، فهذا المفهوم يقيد قوله: \" لا تعتق رقبة \".\n* * *\nالمسألة الثانية عشرة:\nإذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد، وكان سبب المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكان أحدهما أمرًا والآخر نهيًا، فإنه يحمل المطلق على المقيد سواء كان المطلق أمرًا كقوله: \" اعتق رقبة \" في كفارة الظهار، والمقيد نهيًا كقوله: \" لا تعتق رقبة كافرة \" في كفارة القتل، أو بالعكس.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المطلب العشرون\nفي المنطوق</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nالمنطوق هو: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي: أن يكون حكمًا للمذكور وحالًا من أحواله سواء ذكر ذلك الحكم ونطق به أو لا، مثل: وجوب الزكاة في الغنم السائمة الذي دل عليه منطوق قوله - ﷺ -: \" في سائمة الغنم الزكاة \".\n* * *\nالمسألة الثانية:\nينقسم المنطوق إلى قسمين:\nالقسم الأول: منطوق صريح وهو: دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التضمن.\nمثاله قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، حيث دل هذا اللفظ بمنطوقه الصريح على نفي المماثلة بين البيع والربا، فالبيع جائز والربا حرام.\nالقسم الثاني: منطوق غير صريح وهو: دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام، أي: أن اللفظ لم يوضع لذلك الحكم أصالة، بل لزم مما وضع له.","vol":"1","page":292},{"text":"مثاله: قوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، فالحكم المنطوق به صراحة هو: أن نفقة الوالدات من رزق وكسوة واجبة على الاباء، فهذا هو المتبادر من صريح اللفظ، ولكن الآية دلت بالالتزام على أن النسب يكون للأب، لا للأم، وعلى أن نفقة الولد على الأب، دون الأم.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nينقسم المنطوق غير الصريح إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: اقتضاء النص، وهي دلالة الاقتضاء، وهي: دلالة اللفظ على معنى لازم مقصود للمتكلم يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته العقلية، أو صحته الشرعية، وهذا القسم أنواع:\nالنوع لأول: ما يتوقف عليه صدق الكلام، أي: ما وجب تقديره ضرورة صدق الكلام، فلولا تقديره لكان الكلام كذبًا ومخالفًا للواقع والحقيقة.\nمثاله: قوله - ﷺ -: \" إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه \"، فإن ظاهر هذا يدل على أن الخطأ والنسيان والإكراه قد وضع عن الأمة أو أنها لا تقع فيها، وهذا غير صحيح، حيث إنه لا يطابق الواقع، حيث إنه يقع من الأمة الخطأ والنسيان والإكراه؛ لأن الأمة ليست معصومة.\nوما دام أن الرسول لا يخبر إلا صدقًا فلا بد إذن - لأجل أن يكون الكلام صدقًا - من تقدير محذوف، فتعين أن نقدر شيئًا زائدًا عن الذي استفدناه عن طريق العبارة، وهو: \" الإثم \" فيكون تقدير الكلام بعد هذا: \" رفع عن أمتي إثم الخطأ، وإثم النسيان، وإثم ما استكرهوا عليه \".","vol":"1","page":293},{"text":"مثله: قوله - ﷺ -: \" لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل \"، والمقصود: \" لا صيام صحيح \"، فلا بد من تقدير ذلك؛ لأن صورة الصيام تقع.\nالنوع الثاني: ما توقف عليه صحة الكلام شرعًا، أي: ما وجب تقديره ضرورة تصحيح الكلام شرعًا، فتمتنع صحة الملفوظ به شرعًا بدون ذلك المقدَّر.\nمثاله: قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فظاهر هذا يدل على أن المسافر يصوم عدة من أيام أخر مطلقًا، أي: سواء صام في سفره أو لم يصم، ولكن الشرع دل على أن المسافر إذا أفطر في سفره فعليه القضاء في أيام أخر، أما إذا صام في سفره فلا موجب للقضاء عليه، لذلك وجب أن نقدر شيئًا لأجل تصحيح الكلام شرعًا فنقول: \" أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر \".\nالنوع الثالث: ما توقف عليه صحة الكلام عقلًا، أي: ما وجب تقديره لتصحيح الكلام من جهة العقل، فيمتنع وجود الملفوظ عقلًا بدون ذلك المقدر.\nمثاله: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) فإن العقل يمنع من إضافة التحريم إلى ذات الأمهات، فوجب إضمار فعل يتعلق به الحكم وهو هنا: \" الوطء \"؛ نظرًا إلى أن العقل يقتضيه فيكون التقدير: حرم وطء أمهاتكم، كذلك قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، والمقصود: أكل الميتة، وقولك: \" حرمت عليك هذه الدار \" أي: دخولها.\nالقسم الثاني: إيماء النص، وهو دلالة الإيماء، وهي: دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلًا أو شرعًا، في حين أن الحكم المقترن بوصف لو لم","vol":"1","page":294},{"text":"يكن للتعليل لكان اقترانه به غير مقبول ولا مستساغ، فذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب يفهم منه أن علة ذلك الحكم هو ذلك الوصف.\nمثاله قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، فالشارع هنا قد أومأ إلى أن علة قطع اليد هي: السرقة.\nكذلك قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤».\nإيماء أن هؤلاء ما صاروا في النعيم إلا لبرهم، وهؤلاء ما صاروا في الجحيم إلا لفجورهم.\nودلالة الإيماء تتنوع إلى أنواع كثيرة، وهو من مسالك العلة، وسيأتي الكلام عنها في القياس إن شاء الله.\nالقسم الثالث: إشارة النص، وهي دلالة الإشارة وهي: دلالة اللفظ على لازم غير مقصود من اللفظ، لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته.\nأي: ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه، فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ فيسمى إشارة، فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به، ويبنى عليه.\nمثاله: قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، فقد دل هذا مع قوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر بدلالة الإشارة.\nوهذا الحكم غير مقصود من لفظ الآيتين، بل المقصود من الآية الأولى هو: بيان حق الوالدة، لما تقاسيه من الآلام في الحمل وفي الفصال، والمقصود من الثانية هو: بيان أكثر مدة الفصال، ولكن لزم منهما: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهذه دلالة إشارة.","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المطلب الواحد والعشرون في المفهوم</span>\nالمفهوم هو: معنى يستفاد من اللفظ في غير محل النطق.\nوهو ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: مفهوم الموافقة.\nالقسم الثاني: مفهوم المخالفة.\nوإليك بيانهما:","vol":"1","page":297},{"text":"القسم الأول\nفي مفهوم الموافقة\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nمفهوم الموافقة هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه وموافقته له نفيًا وإثباتًا، مثل قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) فالمنطوق به هو: تحريم مجرد التأفيف والتضجر، ولكن اللفظ قد دل بمفهومه على تحريم ضرب الوالدين وشتمهما، وسبهما، وقتلهما، وأيِّ نوع من أنواع الإيذاء؛ لأنه إذا حرم مجرد التأفيف فمن باب أولى أن يحرم ما هو أشد منه مما لم ينطق به الشارع.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nيتنوع مفهوم الموافقة إلى نوعين:\nالنوع الأول: مفهوم موافقة أولى: وهو: ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، أي: أن المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم أقوى وأشد منها بين المنطوق وبين هذا الحكم، فيكون المسكوت أولى منه بالحكم، وهو ما يسمى بالتنبيه بالأدنى على الأعلى، مثل قولنا: إذا كان مجرد التأفيف قد حرم فمن باب أولى تحريم الضرب والقتل؛ لأنه أشد في الإيذاء وذلك من الآية السابقة.","vol":"1","page":299},{"text":"النوع الثاني: مفهوم الموافقة المساوي، وهو: ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم، أي: أن المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم على قدر المناسبة الموجودة بين المنطوق وبين هذا الحكم.\nمثاله: قوله تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) فالمنطوق به هو: تحريم أكل مال اليتيم.\nوالمفهموم منه: تحريم إحراق مال اليتيم أو تبذيره؛ لأنه مساو لأكله المحرم بجامع: إتلاف المال.\nوقلنا بهذا النوع الثاني، لأنا نعلم قطعًا أنه ربما يفهم ثبوت الحكم في المسكوت عنه من ثبوته للمنطوق به مع عدم أولويته بالحكم، وذلك الفهم مناط الحكم لغة من غير حاجة إلى إعمال الذهن في البحث عن هذا المناط، ولا فرق بين المساوي والأولوي؛ حيث إن كلًا منهما يفهم من معنى النص بمجرد فهم اللغة إلا أن الاحتجاج بالمفهوم الأولوي أقوى من الاحتجاج بالمفهوم المساوي.\nوبناء على ذلك: فإن ثبوت حكم المنطوق للمسكوت في حال المساواة إنما يكون بطريق اللفظ والنص.","vol":"1","page":300},{"text":"المسألة الثالثة:\nدلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية معنوية وليست دلالة قياسية؛ لأن التنبيه بالأدنى على الأعلى، أو بأحد المتساويين على الآخر أسلوب فصيح تستعمله العرب للمبالغة في تأكيد الحكم في محل السكوت، وهو أفصح عندهم من التصريح بحكم المسكوت عنه - فتجدهم يقولون: \" هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس \"، وهذا عندهم أبلغ وأفصح من قولهم: \" هذا الفرس سابق لهذا الفرس \".\nولأن الحكم الثابت بمفهوم الموافقة يتنبه له أي عارف باللغة دون الحاجة إلى اجتهاد أو إعمال فكر، أو استنباط وتأمل دقيق، أو مقدمات شرعية، أو استنتاجية.\nوبناء على ذلك: فإنا نتعامل مع مفهوم الموافقة كما نتعامل مع الألفاظ، لذلك قلنا: إنه ينسخ وينسخ به، ويخصص وغير ذلك وهو أقوى من القياس.\n* * *\nالمسألة الرابعة:\nمفهوم الموافقة حجة، أي: طريق من طرق استنباط الأحكام الشرعية؛ لإجماع الصحابة - ﵃ - حيث إنهم فهموا ذلك من خطاب الله تعالى ورسوله، ومن مخاطباتهم فيما بينهم، ففهموا من قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)","vol":"1","page":301},{"text":"وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨» أن ما زاد على مثقال ذرَّة أولى في أن الشخص يراه يوم القيامة.\nولأن هذا الأسلوب من الدلالة معروف عند أهل اللغة بل هو أبلغ في الدلالة من التصريح عندهم، فيكون حجة عندهم، وما هو حجة لغة يجب أن يكون حجة شرعًا ما لم يقم دليل يدل على أن الشارع أراد معنى خاصًا.\nوبناء على ذلك: فإن مفهوم الموافقة يكون حجة عن طريق اللفظ، فتحريم ضرب الوالدين أخذناه من مفهوم قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) كما سبق.","vol":"1","page":302},{"text":"القسم الثاني\nفي مفهوم المخالفة\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى:\nمفهوم المخالفة هو: دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف للحكم الذي دل عليه المنطوق نفيًا أو إثباتًا، فقوله - ﷺ -: \" في سائمة الغنم الزكاة \"، دل بمنطوقه: أن الغنم السائمة فيها زكاة، ودل بمفهوم المخالفة: أن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها.\n* * *\nالمسألة الثانية:\nأنواع مفهوم المخالفة هي:\nالنوع الأول: مفهوم الصفة. أي: أن يأتي خطاب وُيعلق حكمه على صفة لا توجد هذه الصفة في كل مدلول: فإن هذا يدل على نفي ذلك الحكم عما انتفت عنه تلك الصفة كقوله - ﷺ -: \" في سائمة الغنم الزكاة \" يدل على نفي الزكاة عن غير الغنم غير السائمة وهي: المعلوفة.\nوقلنا ذلك: لأن تخصيص الحكم بالصفة لا بد له من فائدة؛ صونًا للكلام عن اللغو، ولا يسبق إلى الذهن من فوائد ذكر الصفة سوى انتفاء الحكم عما عدا الموصوف بتلك الصفة،","vol":"1","page":303},{"text":"فثبت أنه يحمل تخصيص الحكم بتلك الصفة على نفيه عند عدم تلك الصفة.\nولأن الحكم المرقب على الخطاب المقيد بالصفة معلول بتلك الصفة؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليَّة - كما سيأتي بيانه في القياس.\nوانتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم، فيلزم من ذلك انتفاء الحكم فيما انتفت عنه تلك الصفة.\nوبناء على ذلك، فإنه لو قال: \" وقفت هذا على أولادي الفقراء \"، فإن غير الفقراء لا يدخلون.\n* * *\nتنبيه: تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي الحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك الجنس لا غير، فقوله ﵇: \" في سائمة الغنم الزكاة \" يدل بمفهومه: أن معلوفة الغنم لا زكاة فيها فقط، أما معلوفة الإبل والبقر ففيها زكاة.\nوقلنا ذلك لأن دلالة المفهوم مخالفة لدلالة المنطوق، والمنطوق لم يتناول إلا الجنس المذكور، فمخالفه كذلك لا يخالف إلا الجنس المذكور؛ تحقيقًا لمعنى المخالفة.\nالنوع الثاني: مفهوم التقسيم وهو أن يذكر قسمين، ويذكر","vol":"1","page":304},{"text":"حكم أحد القسمين: فإن هذا يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، كقولك: \" عندي زيد وبكر أما زيد فهو كريم \"، فإن هذا يدل على نفي الكرم عن بكر.\nودليل ذلك هو دليل حجية مفهوم الصفة.\nالنوع الثالث: مفهوم العلة، وهو: دلالة اللفظ المقيد بعلة على ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي انتفت عنه تلك العلة، كقوله: \" حرمت الخمرة لإسكارها \"، فإن هذا يدل بمفهومه على أن ما لا إسكار فيه حلال. ودليل ذلك هو نفس دليل حجية مفهوم الصفة.\nالنوع الرابع: مفهوم الحال، وهو: دلالة اللفظ المقيد بحال من الأحوال على ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي عدمت فيه تلك الحال كقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فحرمت المباشرة في حالة معينة وهي: الاعتكاف، ودل بمفهوم الحال المخالف: حل المباشرة في غير الاعتكاف، ودليل ذلك نفس دليل حجية مفهوم الصفة.\nالنوع الخامس: مفهوم المكان، وهو: دلالة اللفظ الذي علق الحكم فيه بمكان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه الذي انتفى عنه، كقول السيد لعبده: \" لا تدخل هذه الغرفة \"، فإنه يدل بمفهوم المكان المخالف: أنه يباح له أن يدخل جميع الغرف إلا هذه الغرفة، ودليل ذلك هو دليل حجية مفهوم الصفة.\nالنوع السادس: مفهوم الزمان، وهو: دلالة اللفظ الذي علَّق الحكم فيه بزمان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم","vol":"1","page":305},{"text":"للمسكوت عنه الذي انتفى عنه، كقول السيد لعبده: \" ادخل علي يوم الجمعة \"، فإنه يدل بمفهوم الزمان المخالف أنه لا يدخل عليه في بقية أيام الأسبوع، ودليل ذلك هو: دليل حجية مفهوم الصفة.\nالنوع السابع: مفهوم الشرط، وهو: أن يعلق الحكم على شيء بحرف \" إن \" أو غيره من أدوات الشرط: فإنه يدل على انتفاء الحكم عند عدم الشرط كقولك: \" لك جائز إن نجحت \"، فإن هذا يدل على عدم الجائزة إذا لم ينجح.\nوقلنا ذلك: لأن أبا يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب: ما لنا نقصر وقد أمِنَّا، وقد قال تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، حيث فهم أبو يعلى من تخصيص القصر بحالة الخوف: عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: عجبتُ مما عجبت منه، فسألت النبي - ﷺ - عن ذلك فقال: \" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته \".\nولأن كتب اللغة والنحو ناطقة بأن كلمة \" إن \" تسمى عند أهل اللغة بحرف الشرط، والشرط هو: ما ينتفي الحكم عند انتفائه، فيقال: \" الطهارة شرط لصحة الصلاة \"، فيلزم من انتفاء الطهارة انتفاء صحة الصلاة، فيكون انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط معنى عامًا في جميع موارد استعماله، فوجب جعله حقيقة فيه.","vol":"1","page":306},{"text":"وبناء على ذلك: فإن المطلقة ثلاثًا الحائل لا تجب النفقة عليها، أخذًا بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، فقد جعلت الآية النفقة للبائن بشرط: أن تكون حاملًا، فينتفي الحكم عند انتفاء الشرط، فيثبت عدم وجوب النفقة للمطلقة ثلاثًا الحائل.\nالنوع الثامن: مفهوم الغاية، وهو: أن تقييد الشارع للحكم بغاية يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية؛ لأن ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، فلو قال السيد لعبده: \" لا تعط زيدًا حتى يقوم \" و\" اضرب عمرًا إلى أن يتوب \"، فإنه يقبح من العبد أن يسأل ويقول: إذا قام هل أعطيه درهمًا؛ وإذا تاب هل أضربه؟ وسبب هذا القبح: أن الجواب قد فهم بدون ذلك، فالسؤال يكون تحصيل حاصل، فلو لم يفهما لما قبح الاستفهام عنهما، ولأن غاية الشيء: نهايته، ونهاية الشيء: منقطعه، ومعروف أن الشيء إذا انقطع وانتهى صار خاصًا بحكم، وصار ما بعده خاصًا بحكم آخر، وهو ضده.\nوبناء على ذلك: فإن الزوجة تحل بعد الزواج بزوج آخر؛ استدلالًا بمفهوم الغاية الوارد في قوله تعالى: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).\nوكذلك: أن الغسل يجزئ عن الوضوء؛ استدلالًا بمفهوم","vol":"1","page":307},{"text":"الغاية الوارد في قوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) حيث إن مفهومه: إن اغتسلتم فلكم أن تقربوا الصلاة، فلولا أن الغسل يجزئ عن الوضوء لم يكن للمغتسل أن يقرب الصلاة.\nالنوع التاسع: مفهوم العدد، وهو: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على نفي ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد، سواء كان زائدًا أو ناقصًا، لأن الحكم لو ثبت فيما زاد على العدد كما ثبت في العدد المذكور لم يكن لذكر العدد فائدة، وكلام الشارع لا يجوز أن يعرى عن الفائدة ما أمكن، كما لا يجوز أن يخلى ذكر الصفة والشرط والغاية عن الفائدة، فثبت أن فائدة ذكر العدد هي: أن ينفي الحكم عما عدا المقيد بعدد.\nوالاْمة قد عقلت وفهمت من تحديد القذف بثمانين: نفي الزيادة، ونفي النقصان.\nوبناء على ذلك: فإن يجب الوضوء من ثلاث قطرات من الدم؛ استدلالًا بمفهوم العدد من قوله - ﷺ -: \" ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دمًا سائلًا \".\nوكذلك: لو قال لوكيله: \" بع هذا الثوب بمائة ريال \"، فإن باع وكيله هذا الثوب بأكثر من مائة أو أقل فإنه لا يصح البيع.\nالنوع العاشر: مفهوم الاستثناء من النفي، وهو: أن الاستثناء من النفي يُفهم منه الإثبات، فلو قال: \" لا عالم في","vol":"1","page":308},{"text":"المدينة إلا زيد \"، فإنه يدل على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون زيد عالمًا؛ لأن هذا يتبادر إلى ذهن كل سامع لغوي فهو من أدل الألفاظ على علم زيد وفضله.\nولإجماع الأمة على أن القائل: \" لا إله إلا الله \" يُعتبر موحدًا مثبتًا للألوهية لله تعالى، ونافيًا لها عما سواه.\nوبناء على ذلك: فإنه لو قال: \" ليس له علي شيء إلا درهمًا \" فإنه يكون مقرًا بدرهم، لأن الاستثناء من النفي إثبات.\nالنوع الحادي عشر: مفهوم \" إنما \"، وهو: أن تقييد الحكم بلفظ \" إنما \" يدل على الحصر وإثبات الحكم، ونفيه عما عداه؛ لأن هذا هو المتبادر إلى أفهام أهل اللغة والعارفين بأساليب اللغة العربية من هذا اللفظ؛ إذ لم يستعمل لفظ \" إنما \" في موضع من النصوص الشرعية أو الأشعار العربية إلا ويحسن فيه الحصر والنفي، والأصل في الاستعمال الحقيقة من ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، وقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وقوله - ﷺ -: \" إنما الأعمال بالنيات \"، وقوله الشاعر:\nأن الضامن الراعي عليهم وإنما. . . يُدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي\nوإذا كانت: \" إنَّ \" للإثبات، و\" ما \" للنفي حال انفرادهما، فيجب استصحاب ذلك وإبقاء ما كان على ما كان في حال اجتماعهما في التركيب.","vol":"1","page":309},{"text":"وبناء على ذلك: فإنه لو أخبر مخبر قائلًا: \" إنما العالم زيد \"، فإن هذا يُفهم أن العلم محصور على زيد، وأن غيره لا علم عنده.\nالنوع الثاني عشر: مفهوم حصر المبتدأ في الخبر، وهو: أن حصر المبتدأ في الخبر يدل على الحصر؛ لأن أهل اللغة يفرقون بين قول القائل: \" زيد صديقي \"، وقوله: \" صديقي زيد \" بأن الثاني يفيد الحصر، ولولا أن الثاني يفيد الحصر لما حصلت التفرقة بينهما، فكل من قال بالتفرقة بينهما قال: إن تلك التفرقة بإفادة الحصر في الثاني دون الأول.\nوبناء على ذلك: فإن قوله - ﷺ -: \" الشفعة فيما لم يُقسم \"، وقوله: \" تحريمها التكبير وتحليلها التسليم \" وقولنا: \" العالم زيد \" و\" صديقي زيد \" يفيد حصر الشفعة فيما لم يقسم، وحصر التحريم في التكبير، وحصر التحليل في التسليم، وحصر العلم والصداقة في زيد.\nالنوع الثالث عشر: مفهوم اللقب، وهو: تقييد الحكم أو الخبر باسم وهذا ليس بحجة، أي: أنه إذا قيد الحكم أو الخبر","vol":"1","page":310},{"text":"بإسم فلا يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه، فلو قال قائل: \" زارني محمد \" فإن هذا لا يدل على أن غيره لم يزره؛ لأنه لو كان تقييد الحكم بالاسم يدل على نفي الحكم عما عداه، لما حسن من الإنسان أن يخبر أن زيدًا يأكل إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبرًا بما يعلم أنه كاذب فيه، أو ربما لا يأمن الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم علمه بذلك دل على عدم دلالته على نفي الأكل من غير زيد.\nوبناء على ذلك: فإنه لو أوصى بعين لزيد، ثم قال بعد ذلك: أوصيت بها لعمرو، فإن هذا لا يُعتبر رجوعًا عن الوصية لزيد، بل يشرك بينهما؛ لأنه لا يفهم من كونه أوصى بها لزيد أنه ما أوصى بها لعمرو، والثاني لا ينفي الأول.\nوكذلك لو قال في الخصومة: \" إن زوجتي ليست بزانية \"، فإن هذا لا يعتبر قذفًا لزوجة خصمه، فلا يجوز إقامة الحد على القائل.\n* * *\nالمسألة الثالثة:\nشروط مفهوم المخالفة - إن قولنا: إن مفهوم الصفة، والتقسيم، والعلة، والحال، والمكان، والزمان، والشرط، والغاية،","vol":"1","page":311},{"text":"والعدد، وإنما، والاستثناء من النفي، وحصر المبتدأ في الخبر كلها حجة ليس هذا على إطلاقه بل يشترط لذلك شروط هي:\nالشرط الأول: أن لا يرجع حكم المفهوم المخالف على\nأصله المنطوق به بالإبطال، لأن المفهوم فرع المنطوق، ولا يقدم الفرع على أصله، ويسقط به.\nالشرط الثاني: أن لا يوجد في المسكوت دليل خاص يدل على نقيض حكم المنطوق، فإن وجد ذلك الدليل الخاص كان هو المعمول به دون المفهوم، لذلك لم نعمل بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) لذلك جاز القصر عند عدم الخوف، وذلك لوجود دليل آخر في ذلك وهو قوله - ﷺ -: \" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته \".\nالشرط الثالث: أن يذكر القيد مستقلًا، فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له كقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فتقييد ذلك في المساجد لا مفهوم له؛ لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقًا.\nالشرط الرابع: أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه من جهة المخاطب.\nالشرط الخامس: أن لا يكون القيد قد خرج مخرج الأغلب المعتاد كقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، حيث إن الآية أفادت أن الخُلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما أمر الله به من قِبل كل من الزوجين، فلا يفهم من ذلك: أنه عند عدم الخوف لا يجوز الخلع، لكن","vol":"1","page":312},{"text":"جاءت الآية بذلك لأن الأغلب أن الخلع لا يكون إلا عند خوف عدم القيام بما أمر الله به.\nكذلك قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)، فإن وصف الربائب بكونهن في الحجور جار وموافق للغالب لمن تزوج امرأة معها ابنتها فإنه يربيها في بيته، فهذا الوصف لا مفهوم له، إذ لا يجوز للرجل أن يتزوج من ابنة امرأته، ولو تربت في غير بيته.\nالشرط السادس: أن لا يكون المقصود من القيد هو: المبالغة في التكثير كقولك: \" جئتك ألف مرة ولم أجدك \".\nالشرط السابع: أن لا يكون المقصود من القيد: المبالغة في التنفير كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فهذا لا مفهوم له؛ حيث لا يدل بالمفهوم المخالف: أن الربا القليل حلال.\nالشرط الثامن: أن لا يكون المقصود من القيد: الحث على الامتثال، كقوله - ﷺ -: \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا \". فالوصف بالإيمان لا مفهوم له؛ لأنه سيق للحث على الامتثال لأمر الله في الإحداد ثلاث ليال على الميت، وليس المقصود منه: جواز ما زاد إن كانت لا تؤمن بالله.\nالشرط التاسع: أن لا يكون المقصود من القيد: إظهار الامتنان، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) فإن هذا لا مفهوم له؛ لأنه سيق لإظهار المنة بطيب اللحم الطري، وليس المقصود من ذلك الوصف - وهو","vol":"1","page":313},{"text":"قوله: (لَحْمًا طَرِيًّا) كون اللحم غير الطري ممتنع كله.\nالشرط العاشر: أن لا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جوابًا لسؤال سائل، فإن كان كذلك فلا مفهوم له؛ لأن فائدة المنطوق قد وردت خاصة بذلك السؤال، كما لو سئل النبي - ﷺ - عن سائمة الغنم هل فيها زكاة فأجاب بوجوب الزكاة في سائمة الغنم، فإن هذا الجواب لا يدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها.\nالشرط الحادي عشر: أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس عليه، فإن وجدت جميع شروط القياس فلا مفهوم له، كقوله - ﷺ -: \" خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُدَيَّا \"، فهذا لا مفهوم له؛ حيث إن الشارع ذكرهن لما فيهن من الأذى، فيجوز أن نلحق بهن كل ما فيه أذى.\nالشرط الثاني عشر: أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه بالحكم، أو مساواته فيه للمنطوق، وإلا استلزم ثبوته في المسكوت عنه، فكان مفهوم موافقة، لا مفهوم مخالفة.\n* * *\nتنبيه: بهذا نكون قد انتهينا من الدليل الأول وهو الكتاب، والدليل الثاني وهو السنة وما يشترك فيه الدليلان من وجود النسخ فيهما، ودلالة ألفاظهما على الأحكام الشرعية، ويليه الدليل الثالث وهو: الإجماع.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الدليل الثالث\nالإجماع</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>المسألة الأولى:\nالإجماع هو: </span>اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد - ﷺ - بعد وفاته على أيِّ أمر كان من أمور الدِّين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>المسألة الثانية:\nالإجماع ممكن عادة</span>، لوقوعه فعلًا في أمثلة كثير ومنها: الإجماع على حجب ابن الابن بالابن، وعلى تقديم الدَّين على الوصية، وعلى أن الواجب في الغسل والمسح في الوضوء مرة واحدة، وعلى حرمة شحم الخنزير كلحمه.\nوللقياس على اتفاقهم على الأكل والشرب: فكما أنه لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب فكذلك لا يمتنع اتفاقهم على حكم معين لحادثة حدثت في عصرهم، ولا فرق، والجامع: توافق الدواعي لكل منهما.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>المسألة الثالثة:\nالاطلاع على الإجماع والعلم به </span>يكون بأحد طريقين هما:\nأولهما: الأخبار والنقل إن كان الإجماع متقدمًا؛ لتعذر المشاهدة.\nثانيهما: المشافهة والمشاهدة إن كان الإجماع قد حصل في عصر المجتهدين.\nوقلنا ذلك: لأنه لا يمكن أن يعلم الإجماع بالعقل، ولا بالوحي، لتعذر ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>المسألة الرابعة:\nيمكن العلم بالإجماع والاطلاع عليه في جميع العصور</span>؛ لأن أرباب العلوم غير الدينية قد تحقق الإجماع بينهم في كثير من الأحكام التي تخصهم، فكذلك الفقهاء يتحقق الإجماع بينهم وُيعلم به، بل الفقهاء أولى؛ لوجود الدافع الديني.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>المسألة الخامسة:\nالإجماع حجة مطلقًا</span>؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥».","vol":"1","page":316},{"text":"فمشاقة الرسول - ﷺ - هي: منازعته، ومخالفة ما جاء به عن ربه، والمراد من سبيل المؤمنين: ما اختاروه لأنفسهم من قول أو فعل أو اعتقاد، وقد توعَّد الله تعالى بالعقاب على متابعة غير سبيل المؤمنين، وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين، وتحريم مخالفتهم؛ فلو لم تكن مخالفتهم حرامًا لما توعَّد عليه، ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم، وهو: مشاقة الرسول - ﷺ - في الوعيد، كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح، وبذلك يكون سبيل المؤمنين حجة يجب اتباعه، والعمل بمقتضاه.\nولقوله - ﷺ -: \" إن أمتي لا تجتمع على ضلالة \" وقوله: \" إن يد الله على الجماعة \"، وقوله: \" من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه \" وغيرها، فإن كل واحد من هذه الأحاديث وما في معناها خبر واحد يجوز تطرق الخطأ إليه إلا أنه حصل لنا بمجموعها علم ضروري بأن النبي - ﷺ - قد عظم شأن هذه الأمة، وأخبر أنها معصومة عن الخطأ، كما علمنا بالضرورة شجاعة علي وسخاء حاتم، وإذا عصمت الأمة عن الخطأ فإن إجماعهم يكون حجة؛ لأنه حق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>المسألة السادسة:\nلا يشترط في حجية الإجماع أن يبلغ عدد المجمعين حد التواتر</span>؛ لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسنة وردت","vol":"1","page":317},{"text":"مطلقة، وبناء عليه: فإنه مهما كان عدد المجمعين أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ \" المؤمنين \" ولفظ \" الأمة \"، فإذا قالوا قولًا كانت الحجة في قولهم، لأنهم على الحق قطعًا، فيجب اتباعهم؛ صيانة لهم عن الاتفاق على الخطأ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>المسألة السابعة:\nإذا لم يوجد في العصر إلا اثنان من المجتهدين فإن اتفاقهما يُعتبر إجماعًا</span>؛ لأن حقيقة الإجماع وحده يصدق عليهما؛ حيث إن الاتفاق أقل ما يصدق باثنين.\nولأنه يصدق عليهما أنهما كل الأمة، وكل المؤمنين المعتبرين في الإجماع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>المسألة الثامنة:\nإذا لم يوجد في العصر إلا مجتهد واحد فإن قوله لا يُعتبر إجماعًا</span>؛ لأنه لا يصدق عليه تعريف الإجماع.\nولكنه يُعتبر حجة يُعمل به؛ لعموم قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، حيث إن ذلك يتناوله.\nولحفظ دين الله حتى لا يخلو الزمن الذي وقعت فيه الحادثة من حكم فيها، لذلك يكون قوله حجة على غيره ممن لم يبلغ درجة الاجتهاد.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المسألة التاسعة:\nالعدالة تشترط في المجتهدين في الإجماع، فلا يقبل قول المجتهد الفاسق في الإجماع مطلقًا</span>، سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد، أو من جهة الفعل؛ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، حيث إن الله تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس وحجة عليهم فيما يشهدون به؛ لكونهم عدولًا، والوسط هو العدل، فلما لم يكن الفاسق متصفًا بالعدالة؛ لم يجز أن يكون من الشهداء على الناس، فلا يُعتد بقوله في الإجماع، ولا في الشهادة، ولا في الرواية، وذلك لاتهامه في دينه.\nولأن الفاسق لا يقبل قوله ولا يقلد في فتوى وهو منفرد، فكذلك لا يقبل قوله مع الجماعة، ولا فرق، والجامع: أن المتسبِّب في اتهامه في دينه - وهو الفسق - لا زال موجودًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>المسألة العاشرة:\nلا يعتبر قول العامي في الإجماع</span>؛ لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وقوله - ﷺ -: \" ألا سألوا إذا لم يعلموا فإن شفاء العيِّ السؤال \". فقد تبين هنا أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء، فلا تعتبر مخالفته فيما يجب عليه التقليد فيه.","vol":"1","page":319},{"text":"ولأن المجتهدين إنما كان قولهم حجة؛ لأنه مستند إلى دليل؛ حيث لا يجوز إثبات الأحكام بلا دليل، والعامي ليس أهلًا للاستدلال والنظر في الأدلة، فلا يكون قوله معتبرًا لذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>المسألة الحادية عشرة:\nالعالم بأصول الفقه دون الفروع </span>يُعتبر قوله في الإجماع، ولا يعتبر قول العالم بالفروع دون الأصول، لأن العالم بأصول الفقه قد توفر فيه آلة الاستنباط لمعرفة الحكم الشرعي لأي حادثة جديدة، وهو أقرب إلى الاجتهاد من غيره فيها؛ نظرًا لعلمه بمدارك الأحكام على اختلاف أقسامها، وكيفية دلالتها، وعلمه الشامل الدقيق بالأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، وعلمه بمقاصد الشريعة، فمن هذه صفته فإنه يستضاء برأيه، ويستشهد بهديه، ولا يمكن أن يُستغنى عنه.\nوعليه: فإنه لا يشترط فيمن ينعقد به الإجماع حفظ الفروع.\nولأن الفقيه الحافظ للفروع دون معرفته للأصول يحتمل أن يفوته حفظ الجزئيات الدقيقة لمسائل الحيض، أو دقائق مسائل الوصايا، أو النفقات، أو الطلاق، أو الحدود، أو نحو ذلك، أما الأصولي فلا يحتمل فيه ذلك؛ لأنه قد فهم القواعد الأصولية التي تندرج تلك الفروع تحتها.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المسألة الثانية عشر:\nانقراض أهل العصر </span>- وهو: موت جميع المتفقين على الحكم - لا يشترط لصحة الإجماع مطلقًا، أي: سواء كان صريحًا أو سكوتيًا، إجماع صحابة أو غيرهم -.\nوبناء على ذلك فإن لو اتفق جميع مجتهدي الأمة على حكم شرعي في مسألة معينة ولو في لحظة واحدة مهما قصرت فإنه ينعقد الإجماع، وأصبح حجة تحرم مخالفته على المجمعين وعلى غيرهم؛ وذلك لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسنة قد بينت أن الإجماع حجة بمجرد اتفاق مجتهدي العصر الواحد ولو في لحظة؛ حيث إن الحجية تترتب على نفس الاتفاق؛ لأن الاتفاق مناط العصمة، فاشتراط انقراض العصر لا دليل عليه قوي.\nولأن بعض التابعين كانوا يحتجون بإجماع الصحابة في أواخر عصر الصحابة؛ حيث حكي عن الحسن البصري أنه احتج بإجماع الصحابة وأنس كان حيًا. والاحتجاج بإجماعهم مع وجودهم قد وقع ولم ينكره أحد، فعلم من ذلك أن شرط الانقراض غير معتبر، فلو كان الانقراض شرطًا لما احتج التابعون بإجماع الصحابة مع وجود بعض الصحابة.","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>المسألة الثالثة عشرة:\nإذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة بعد اتفاقهم </span>فإنه لا يُعتد بقوله؛ لأنه قول في حكم مسألة قد أجمع عليها، وهذا معلوم من عدم اشتراطنا لانقراض أهل العصر في المسألة السابقة.\nأما إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة قبل اتفاقهم على حكم معين فإنه يُعتد بقوله؛ لأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع دلت على أن المتبع هم كل المجتهدين من المؤمنين، ومن الأمة الموجودين حين حدوث الحادثة فى عصر واحد، وهذا الاسم - وهم المؤمنون والأمة - لا يصدق مع خروج التابعي المجتهد عن الصحابة، لأن التابعي من المؤمنين، فلو نظر الصحابة دون التابعي المجتهد في تلك المسألة وأجمعوا على حكمها فإنه لا يقال: \" أجمع جميع مجتهدي أمة محمد - ﷺ -، لأن الحجة هي إجماع الكل.\nولأنه قد وقع أن بعض التابعين قد اجتهدوا وأفتوا في مسائل مع وجود بعض الصحابة، ولم ينكر الصحابة عليهم ذلك.\nفهذا علقمة النخعي والأسود النخعي كانا يفتيان مع وجود ابن مسعود، وهذا سعيد بن المسيب كان يفتي بالمدينة مع وجود خلق كثير من الصحابة فيها، فلو كان قول التابعي المجتهد مع وجود الصحابي باطلًا لما ساغ للصحابة تجويزه والأخذ به والرجوع إليه.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المسألة الرابعة عشرة:\nيشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين</span>، فلا ينعقد الإجماع بقول أكثر العلماء، وعليه فلو اتفق علماء العصر على حكم حادثة إلا الواحد أو الاثنين منهم: لم ينعقد الإجماع؛ لأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع دلت على عصمة الأمة عن الخطأ، ولفظ الأمة إنما يطلق على جميع الأمة حقيقة - لا على أكثرها - وعليه: فالعصمة عن الخطأ تكون بجميع الأمة، أما أكثر الأمة فلا عصمة لهم، ونظرًا إلى أنه لا عصمة لأكثر الأمة، فإنه لا ينعقد الإجماع باتفاقهم.\nولأنه قد وقع في زمن الصحابة اتفاق الأكثر منهم على حكم من الأحكام ومخالفة الأقل، بل تفرد الواحد منهم برأيه في مسألة معينة كمخالفة ابن عباس لأكثر الصحابة في مسألة الجد والإخوة، ومخالفة زيد بن أرقم لأكثر الصحابة في مسألة العينة وغير ذلك، فلو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعًا للزم الأقل أو الواحد منهم أن يعمل بذلك الإجماع، ولأنكروا على ذلك المخالف مخالفته لذلك الإجماع، ولكنه لم يقع شيء من ذلك، فأصبحت المسألة خلافية وبقيت هكذا إلى زماننا هذا، وربما كان رأي الواحد منهم هو المعمول عليه عند بعض العلماء.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>المسألة الخامسة عشرة:\nاتفاق الأكثر ليس بإجماع </span>كما سبق في المسألة السابقة،","vol":"1","page":323},{"text":"وليس بحجة، وعليه: فتجوز مخالفة ما اتفق عليه الأكثر إذا ظهر الحق في غيره؛ لأن الحق قد يكون مع الأكثر وقد يكون مع الأقل، والاحتمالان متساويان، فنتوقف في ذلك حتى يظهر لنا دليل يرجح أحد هذين الاحتمالين، والكثرة لا تتميز بشيء؛ لما تقدم من أن العصمة قد ثبتت للكل، لا للكثرة، وكثيرًا ما ظهر أن الحق يكون مع الأقل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>المسألة السادسة عشرة:\nيشترط في الإجماع وحجيته أن يكون له مستند ودليل يوجب ذلك الإجماع</span>؛ قياسًا على النبي - ﷺ -، فكما أن النبي - ﷺ - لا يقول شيئًا ولا يحكم بحكم إلا عن وحي، فكذلك علماء الأمة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا عن مستند ودليل قد اعتمدوا عليه.\nولأن عدم المستند من دليل أو أمارة يحتمل عدم الوصول إلى الحق مما يؤدي إلى جواز الخطأ، فقلنا: إنه لا بد من مستند للإجماع؛ سدًا لهذا الاحتمال.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>المسألة السابعة عشرة:\nيجوز أن يكون مستند الإجماع دليلًا قطعيًا من الكتاب والسنة</span>؛ قياسًا على ثبوت الحكم الواحد بآيات متعددة، أو بالكتاب والسنة المتواترة كما هو واقع في الصلاة والزكاة وجميع أركان الإسلام، إذن لا مانع من ذلك، فيكون من تضافر الأدلة.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المسألة الثامنة عشرة:\nالدليل الظني يصلح أن يكون مستندًا للإجماع؛ قياسًا على الدليل القطعي: </span>فكما يجوز إستناد الإجماع على دليل قطعي، فكذلك يجوز استناد الإجماع على دليل ظني ولا فرق، والجامع: أن كلًا من الدليل القطعي والظني يوجب العمل.\nولأنه قد وقع أن أكثر الإجماعات الموجودة الآن قد ثبتت وهي مستندة إلى أدلة ظنية كالعموم، والمفاهيم، والقياس، وخبر الواحد والوقوع دليل الجواز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>المسألة التاسعة عشرة:\nلا يشترط نقل الإجماع بالتواتر</span>، فالإجماع يثبت بخبر الواحد، ويكون الإجماع المنقول إلينا عن طريق الآحاد ظنيًا، ويجب العمل به، قياسًا على خبر الواحد. فكما أن خبر الواحد يجب العمل به وإن كان ناقله واحدًا، فكذلك الإجماع يثبت ويجب العمل به إذا نقله واحد ولا فرق، والجامع: وجوب العمل في كل منهما.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المسألة العشرون:\nإذا اختلف الصحابة على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما </span>فإن ذلك يكون إجماعًا، وبناء على ذلك: فإنه تحرم","vol":"1","page":325},{"text":"مخالفته كمسألة \" بيع أم الولد \"، فإن الصحابة قد اختلفوا فيها على قولين: الجواز وعدم الجواز، ثم اتفقوا على قول واحد، وهو: عدم الجواز، فإن هذا يكون إجماعًا تحرم مخالفته ويجب العمل به؛ لأن أدلة حجية الإجماع قد دلت على حجية أي إجماع من مجتهدي العصر سواء سبقه اختلاف في العصر الذي سبقه أو لم يسبقه شيء، فاتفاق علماء العصر المتأخر على أحد قولي علماء العصر المتقدم يعتبر سبيل المؤمنين فيجب اتباعه.\nولأنه اتفاق بعد اختلاف، كما لو اختلفوا أنفسهم في عصرهم في حكم معين، ثم اتفقوا عليه بعد ذلك، فيقطع الاتفاق الاختلاف، فيكون إجماعًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>المسألة الواحدة والعشرون:\nيجوز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد اختلافهم في ذلك الحكم</span>؛ لوقوعه؛ حيث إن الأمة قد أجمعت على خلافة أبي بكر بعد اختلافهم فيها، والوقوع دليل الجواز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسألة الثانية والعشرون:\nإذا اختلف الصحابة على قولين فإنه لا يجوز إحداث قول ثالث </span>إن لزم منه رفع ما اتفقا عليه، وإن لم يلزم منه ذلك فإنه يجوز إحداث قول ثالث ويعمل به.\nمثال القول الثالث: الذي يلزم منه رفع ما اتفقا عليه:","vol":"1","page":326},{"text":"\" الجد مع الأخ في الإرث \"، قد اختلف في ذلك على قولين؛ فقيل: المال للجد، وقيل: المال للجد والأخ يتقاسمانه، فالقول الثالث وهو: حرمان الجد قول خارق للإجماع، فلا يجوز العمل به.\nومثال القول الثالث الذي لا يلزم منه رفع ما اتفقا عليه فسخ النكاح بالعيوب الخمسة وهي: الجذام، والجنون، والبرص، والرتق، والعنة. اختلف في ذلك على قولين: فقيل: يفسخ بجميعها، وقيل: لا يفسخ بشيء منها، فالقول الثالث وهو: إنه يفسخ بالبعض دون البعض لا يرفع ما اتفق الفريقان عليه؛ لأنه يوافق في كل صورة قولًا فيجوز ذلك.\nدل على ذلك: أن القول الثالث المحدث إذا كان رافعًا لما اتفق عليه الأولون يكون إحداثه مخالفًا للإجماع؛ لأن اختلاف الأولين يتضمن الإجماع على أن ما سواهما باطل، فمخالفة ذلك لا يجوز، أما إذا لم يكن ذلك القول الثالث المحدث رافعًا لما اتفق عليه الأولون فلا يكون إحداثه مخالفًا للإجماع، فلا مانع منه، ويجوز؛ لأن المسألة تكون اجتهادية، فالمحذور - وهو: مخالفة الإجماع - لم يقع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المسألة الثالثة والعشرون:\nإذا استدل علماء العصر بدليل</span>، أو تأولوا تأويلًا، فيجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر بشرط: أن لا يلزم من","vol":"1","page":327},{"text":"هذا الدليل أو التأويل القدح فيما أجمعوا عليه؛ قياسًا على الاستدلال على مسألة لم يسبق أن استدل عليها، بيانه: أنه كما أنه يجوز الاستدلال على مسألة لم يسبق أن استدل عليها كذلك يجوز إحداث دليل أو تأويل آخر، والجامع: أنه لا يلزم من هذا الاستدلال قدح في إجماع قد سبق.\nولوقوع ذلك؛ حيث إنه ما زال علماء كل عصر يثبتون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>المسألة الرابعة والعشرون:\nيجوز وجود خبر أو دليل راجح</span>، واتفق علماء الأمة على عدم العلم به بشرط: أن يكون عمل علماء الأمة موافق لمقتضى ذلك الخبر أو الدليل؛ لأن علماء الأمة غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر لهم، ولم يبلغهم، فإتفاقهم واشتراكهم في عدم العلم لا يكون خطأ؛ لأن عدم العلم ليس من فعلهم، وذلك كعدم حكمهم في واقعة لم يحكموا فيها بشيء، فجاز لغيرهم أن يسعى في طلب ذلك الدليل أو الخبر ليعلم.\nأما إن كان عمل علماء الأمة على خلاف الخبر أو الدليل، فهذا محال بالاتفاق، لأنه يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهذا مخالف للأدلة النقلية السابقة الذكر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>المسألة الخامسة والعشرون:\nالإجماع السكوتي</span>، وهو: أن يعلن بعض المجتهدين رأيًا","vol":"1","page":328},{"text":"في مسألة ويسكت بقية أهل عصره من المجتهدين يُعتبر إجماعًا وحجة؛ لأنه لو اشترط لانعقاد الإجماع: أن يُصرح كل مجتهد برأيه في المسألة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبدًا؛ لأنه يتعذَّر اجتماع أهل كل عصر على قول يُسمع منهم، والمتعذر معفو عنه، والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم الباقون لهم بعد مدة تكفي لبحث المسألة، فثبت أن سكوت الباقين دليل على أنهم موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة فكان إجماعًا وحجة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>المسألة السادسة والعشرون:\nإذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة: </span>فلا يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل، أي: الأخذ بأقل ما قيل ليس متمسكًا بالإجماع، مثل: اختلافهم في دية الكتابي، فقيل: إن ديته مثل دية المسلم، وقيل: إن ديته نصف دية المسلم، وقيل؛ إن ديته ثلث دية المسلم وهو مذهب الشافعي، فظن بعضهم أن الشافعي قال متمسكًا في ذلك بإجماع الأقوال الثلاثة عليه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن أقل ما قيل - وهو: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم - قد اشتمل على أمرين:\nأولهما: إثبات الثلث وهو: مجمع عليه، وثانيهما: نفي الزيادة على الثلث، وهو مختلف فيه؛ حيث إن أصحاب القولين: الأول والثاني، قد زادوا دية الكتابي عن الثلث، وأصحاب القول","vol":"1","page":329},{"text":"الثالث لم يزيدوا عن الثلث، فهنا وقع الخلاف، وبناء على هذا: لا يكون الآخذ بأقل ما قيل قد تمسك بالإجماع، وإنما هو متمسك بدليل آخر غير الإجماع، قد يكون الاستصحاب والبراءة الأصلية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المسألة السابعة والعشرون:\nاتفاق الخلفاء الأربعة، أو اتفاق أبي بكر وعمر، أو اتفاق أهل المدينة، أو اتفاق أهل البيت والعترة ليس بحجة</span>، وبالتالي لا يُسمى إجماعًا؛ لأن الخلفاء الأربعة، أو أبا بكر وعمر، أو أهل المدينة، أو أهل البيت والعترة بعض المؤمنين، وبعض الأمة، والأدلة المثبتة لحجية الإجماع من الكتاب والسنة قد دلت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت للأمة كلها، لا لبعضها، فلا تتناول تلك الأدلة هؤلاء لأنهم بعض الأمة وبعض المؤمنين، وعليه فلا يكون اتفاق الخلفاء الأربعة، أو اتفاق أبي بكر وعمر، أو اتفاق أهل المدينة، أو اتفاق أهل البيت حجة.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>الدليل الرابع\nالقياس</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>المسألة الأولى:\nالقياس هو: </span>إثبات مثل حكم أصل لفرع لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>المسألة الثانية:\nأركان القياس </span>هي:\nالأول: الأصل، وهو: محل الحكم المشبة به كالخمر فإنه أصل للنبيذ.\nوقلنا ذلك: لأن الأصل هو: ما كان حكم الفرع مقتبسًا منه ومردودًا إليه، وهذا إنما يتحقق في محل الحكم المقيس عليه أو المشبه به.\nالثاني: الفرع، وهو: المحل الذي لم ينص على حكمه","vol":"1","page":331},{"text":"كالنبيذ، فإنه فرع والخمر أصل، لأن الجميع مسكر.\nوقلنا ذلك؛ لأن الفرع هو المفتقر إلى غيره والمردود إليه، وهذا إنما يتحقق على المحل وهو النبيذ؛ حيث إنه مقيس على الخمر ومشبه به بوجه شبه، وهو الإسكار، فلولا الخمر لما عرفنا حكم النبيذ.\nالثالث: العلة، وهي: الوصف المعرف للحكم.\nوينبغي أن يكون هذا الوصف: ظاهرًا منضبطًا مجاوزًا، مشتملًا على معنى مناسب للحكم كالإسكار بالنسبة لتحريم الخمر، والاقتيات والادخار بالنسبة لتحريم البُر، والسرقة بالنسبة لقطع اليد وهكذا.\nالرابع: حكم الأصل، وهو: الحكم الشرعي الذي ورد به نص من كتاب أو سنة، أو إجماع، ويراد إثبات مثله في الفرع كحرمة الخمر؛ فإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو النبيذ أو حرمة الربا في البُر، فإنا قد أثبتنا مثله في الفرع وهو: الأرز أو الذرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>المسألة الثالثة:\nالقياس حجة</span>، أي: أن القياس دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة لإثبات أحكام شرعية؛ لإجماع الصحابة - ﵃ - على ذلك.\nبيانه: أنه ثبت عن كثير من الصحابة القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها، كقياسهم خلافة أبي بكر على الإمامة في الصلاة وقالوا في ذلك: \" رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا \".","vol":"1","page":332},{"text":"وقياس عمر ﵁ في مسألة المشركة، وقياس علي حد شارب الخمر على حد القاذف؛ حيث قال: \" إذا شرب سكر، وإذا شكر هذى، وإذا هذى افترى، فعليه حد المفتري \"، وقياس ابن عباس الجد على ابن الابن في حجب الأخ، وقياس زيد الأخ على الجد في أن كلًا منهما يرث، وقياس ابن مسعود في مسألة المفوِّضة وغير ذلك مما لا يحصى يدل على أنهم قد استدلوا بالقياس وعملوا بما ينتج عنه، بدون أن ينكر عليهم أحد، فكان إجماعًا سكوتيًا منهم على حجيته، والمجمع عليه بين الصحابة حجة يجب العمل به.\nولقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إن الاعتبار عند أهل اللغة هو تمثيل الشيء بغيره، وإجراء حكمه عليه، ومساواته به وهذا هو القياس. فقد أمر الشارع - هنا - بالقياس، والأمر إذا تجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، إذن: القياس واجب، والوجوب يستلزم الجواز.\nولقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)، حيث إن القياس حقيقة هو: تمثيل الشيء بالشيء، وتشبيه أحدهما بالآخر.\nولحديث معاذ وهو: أن الرسول - ﷺ - لما بعث معاذًا إلى اليمن قاضيًا قال: \" كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟ \"، قال: بكتاب الله، قال: \" فإن لم تجد \"، قال: بسنة رسول الله، قال: \" فإن لم تجد \"، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فصوبه النبي - ﷺ - على ذلك. وهذا يدل على جواز أخذ الأحكام عن طريق الاجتهاد، والقياس نوع من أنواع الاجتهاد، فيكون القياس دليلًا من أدلة الشرع.","vol":"1","page":333},{"text":"ولأننا لو لم نعمل بالقياس لأدى ذلك إلى خلو أكثر الحوادث بدون أحكام؟ لقلة النصوص، وكثرة الحوادث والصور التي لا نهاية لها.\nوبناء على ذلك: فإنه يقاس على البر في تحريم الربا كل شيء من الأرز والذرة بجامع الادخار والاقتيات.\nوكذلك يُقاس على الفواسق الخمس التي أمر الشارع بقتلهن - وهي: الحية، والكلب العقور، والحدأة، والفأرة، والغراب الأبقع - كل ما شابهها: بجامع الإيذاء.\nوكذلك يقاس على قول الرجل لزوجته: \" أنت عليَّ كظهر أمي \"، كل لفظ يشبه ذلك، كقوله: أنت علي كيد أمي، أو كرجلها أو نحو ذلك من تشبيه الزوجة بمن تحرم عليه فإنه يثبت به الظهار؛ قياسًا على لفظ الظهار الصريح.\nوكذلك إذا دخل اللبن إلى جوف الصبي - دون السنتين - عن طريق الأنف، أو صب اللبن في الحلق ودخل الجوف فإنه يثبت الرضاع، قياسًا على التقام الثدي، والجامع: أن كلًا منهما يقوي العظم وُينبت اللحم.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المسألة الرابعة:\nالتنصيص على العلة يوجب الإلحاق عن طريق القياس لا عن طريق اللفظ فقط</span>؛ لأننا لو نظرنا نظرة مجردة في قوله: \" حرم الخمر لشدته \"، فإنه لا يتناول إلا تحريم الخمر خاصة، ولو لم يرد التعبد بالقياس لاقتصرنا على ذلك ولما جاز لنا إلحاق كل مشتد من نبيذ وغيره بالخمر، ولكن جاز إلحاق النبيذ وكل مشتد بالخمر بسبب ورود التعبد بالقياس فقط.\nوبناء على ذلك: فإن تحريم النبيذ قد ثبت عن طريق القياس، لا عن طريق اللفظ والنص، وفرق بين ما ثبت عن طريق القياس وما ثبت عن طريق اللفظ؛ حيث إن ما ثبت عن طريق القياس أضعف مما ثبت عن طريق اللفظ، وأن الحكم الثابت عن طريق اللفظ يُنسخ وينسخ به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>المسألة الخامسة:\nيجوز القياس في العقوبات كالحدود والكفارات</span>؛ لعموم أدلة حجية القياس؛ حيث إنها تدل دلالة واضحة على أن القياس يجري في جميع الأحكام إذا توفرت جميع شروطه، فلم تفرق بين حكم وحكم.\nولأن خبر الواحد تثبت به الحدود والكفارات وإن كان","vol":"1","page":335},{"text":"طريقه غلبة الظن ويجوز الخطأ فيه والسهو، فكذلك يجوز أن تثبت الحدود والكفارات بالقياس ولا فرق، والجامع: أن كلًا منهما يفيد الظن ويجوز الخطأ والسهو في كل منهما.\nوبناء على هذا: فإن النباش - وهو: من ينبش القبر ليأخذ ما في الأكفان - تقطع يده؛ قياسًا على السارق بجامع: أخذ مال غيره من حرزه.\nوكذلك: أن من أفطر متعمدًا بدون عذر في نهار رمضان بأكل أو شرب فعليه كفارة المجامع في نهار رمضان؛ قياسًا على المجامع في نهار رمضان، والجامع: أن كلًا منهما قد انتهك حرمة رمضان بقصد منه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>المسألة السادسة:\nيجوز القياس في المقدَّرات</span>، للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة.\nوبناء على ذلك: فإنه يقدر المسح للرأس بثلاثة أصابع؛ قياسًا على مسح الخف.","vol":"1","page":336},{"text":"وكذلك تقدير الخرق الذي يُعفى عنه فى الخف بثلاثة أصابع؛ قياسًا على مسحه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>المسألة السابعة:\nيجوز القياس في الأبدال</span>؛ للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة. وبناء على ذلك: فإن تارك الواجب في الحج إذا لم يجد الدم فإنه ينتقل إلى الصوم؛ لأنه دم تعلَّق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى الصوم؛ قياسًا على دم التطيب واللباس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>المسألة الثامنة:\nيجوز إثبات الرخص بالقياس</span>، للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة.\nوبناء على ذلك: فإن الثلج تجمع من أجله الصلاتين؛ قياسًا على المطر بجامع: أنه كلًا منهما يتأذى منه المسلم.\nوكذلك: يجوز بيع العنب بالزبيب؛ قياسًا على العرايا، وهي: بيع الرطب بالتمر الذي رخص فيه النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المسألة التاسعة:\nيجوز القياس في فروع العبادات لا في أصولها</span>؛ للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة.\nوبناء على ذلك فإنه يجوز إثبات صلاة بإيماء الحاجب، قياسًا على صلاة المومئ برأسه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>المسألة العاشرة:\nيجوز إثبات اللغة بالقياس</span>، فيجوز أن يُسمَّى النباش سارقًا، والنبيذ خمرًا، واللائط زانيًا؛ لعموم أدلة حجية القياس؛ حيث إنها أجازت القياس بدون تفريق بين اللغة وغيرها.\nولأن الاسم يدور مع الوصف وجودًا وعدمًا - وهذا هو الدوران، والدوران يفيد ظن العلية، فيحصل بذلك ظن أن العلة لتلك التسمية هو ذلك الوصف، فأينما حصل ذلك الوصف حصل ظن كونه مسمى بذلك الاسم، فالخمر دار مع الوصف وهو: السكر وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي صورة الخمر، أما عدمًا ففي صورة الماء، فوجب أن يُسمَّى النبيذ - أيضًا - خمرًا بالقياس.\nوبناء على ذلك: فإن النباش هو سارق، فيكون قطع يد النباش قد ثبت بالنص؛ لأنه يدخل في عموم قوله تعالى:","vol":"1","page":338},{"text":"(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).\nوكذلك فإن اللائط زان فيكون وجوب الحد عليه ثبت بالنص.\nوهو قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>المسألة الحادية عشرة:\nلا يجوز القياس في العاديات</span>، وهو ما كان طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره، وأقل الحمل وأكثره؛ لأن القياس مبني على إدراك العلة، والأمور العادية ترجع إلى العادة والخلقة، وهذه تختلف باختلاف الأشخاص والأمزجة ولا يُعرف أسبابها، فلا يجوز إثباتها بالقياس.\nوبناء على ذلك: فإن الحامل لا تحيض: إذ لو كان الدم الذي ينزل من الحامل دم حيض لحرم به الطلاق، وانقضت به العدة، ولكن كل ذلك لم يصح، فلم يكن ما ينزل منها دم حيض.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>المسألة الثانية عشرة:\nالقياس لا يجري في جميع الأحكام الشرعية</span>؛ لأنه معلوم بالضرورة أنه يتعذر إجراء القياس في كثير من الأحكام كعدد","vol":"1","page":339},{"text":"الصلوات، وعدد الركعات، وعدد الطواف، والسعي، وأكثر مناسك الحج وما شابه ذلك مما لم نتمكن من عقل معناه وإدراك علته، ومدار القياس على تعقل المعنى الذي يعلل به الحكم في الأصل، وهذه الأمور لم ندرك العلة التي من أجلها شرع الحكم.\nوبناء على ذلك: فإن الأحكام تنقسم إلى قسمين: قسم يجوز فيه القياس؛ لإدراكنا العلة التي من أجلها شرعت تلك الأحكام، وقسم آخر لا يجوز فيه القياس، لعدم إدراكنا لعلة مشروعيته.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>المسألة الثالثة عشرة:\nالأمور التي لا يتعلق بها عمل كدخول النبي - ﷺ - مكة عنوة </span>أو صلحًا لا يجري فيه القياس؛ لأن ما كان من هذا القبيل إنما يذكر ليعرف ويعلم، لا ليعمل به، فطريق ذلك الرواية والسماع، ولا مجال للقياس في ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>المسألة الرابعة عشرة:\nأن القياس يُسمى دينًا</span>، لقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إن الله قد أمرنا بالقياس، وإذا أمرنا به فإنا نكون متعبَّدين به، وإذا ثبت أن الله تعالى قد تعبَّدنا به فإنه يكون من الدين.","vol":"1","page":340},{"text":"وبناء على ذلك: فإنا نكون مأجورين إذا عملنا بحكم قد ثبت عن طريق القياس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>المسألة الخامسة عشرة:\nحكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالعلة</span>؛ لأنه لو كان الحكم يثبت في محل النص بالنص دون العلة لامتنع جريان القياس بإلحاق الفرع بالأصل، وسبب ذلك: أنه لا يتحقق القياس إلا إذا كان الحكم ثابتًا في المنصوص عليه بالعلة حتى يمكن إثبات مثل ذلك الحكم بمثل تلك العلة، أما إذا كان الحكم ثابتًا في الأصل بالنص لا بالعلة ولا نص في الفرع، ولم يثبت بالعلة في الأصل: لم يتصور إثبات مثل حكم الأصل بمثل الوصف الذي في الفرع، وينقطع نظام القياس - حينئذ - ويكون الفرع غير مقاس على الأصل، لكن القياس صحيح بإجماع القائسين، فيكون إجماعهم على ذلك إجماعًا على أن الحكم في الأصل ثابت بالعلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المسألة السادسة عشرة:\nيشترط في حكم الأصل: </span>أن يكون حكمًا شرعيًا عمليًا قد ثبت بكتاب أو سنة أو إجماع؛ لأن المراد فيه القياس الشرعي الذي يكون الغرض منه إثبات حكم شرعي في الفرع.\nوخرج بذلك: الحكم العقلي، والحكم اللغوي أو الحكم الحسي. فعلى تقدير جريان القياس فيها: فإنه ليس قياسًا شرعيًا، بل عقليًا ولغويًا وحسيًا، إلا إذا كان القياس لغويًا ولكنه يتوصل به إلى حكم شرعي فإن هذا يعتبر داخلًا في الحكم الشرعي كتسمية النبش سرقة قياسًا عليها، وتسمية اللواطة زنا قياسًا عليه ليثبت بذلك الحد عن طريق اللفظ والنص.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>المسألة السابعة عشرة:\nيشترط في حكم الأصل الذي قصد تعديته إلى الفرع: </span>أن يكون ثابتًا مستمرًا في الأصل، أما إذا لم يكن ثابتًا؛ لكونه قد نسخ مثلًا فإنه لا يجوز أن يقاس عليه، ولا بناء حكم الفرع عليه، لأن كون الشيء مبنيًا على الغير صفة له، وتحقق الصفة يستدعي تحقق الموصوف، فإذا لم يكن الموصوف ثابتًا لم تكن الصفة ثابتة له.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>المسألة الثامنة عشرة:\nيشترط في القياس: </span>أن يكون حكم الأصل معقول المعنى مدرك العلة التي لأجلها شرع الحكم؛ لأن القياس مبني على إدراك العلة. أما ما لا يعقل معناه ولا تدرك علته كأعداد الصلوات، وركعات كل صلاة ونحو ذلك فلا يجوز القياس فيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>المسألة التاسعة عشرة:\nيشترط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولًا بعمومه حكم الفرع</span>، فلو جعلنا - مثلًا - دليل تحريم الخمر هو ما روي عن النبي - ﷺ -: \" كل مسكر حرام \"، فإنه لا يصح قياس النبيذ على الخمر هنا؛ لأن هذا النص قد تناول بعمومه النبيذ كتناوله للخمر، فيكون على هذا النبيذ محرَّم بالنص لا بالقياس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>المسألة العشرون:\nلا يشترط في الأصل: أن يقوم دليل على جواز القياس عليه</span>؛ لعموم الأدلة المثبتة للقياس؛ حيث إنها أجازت القياس على الأصل مطلقًا.","vol":"1","page":342},{"text":"ولأننا إذا ظننا كون حكم الأصل معللًا بوصف، ثم علمنا أو ظننا حصوله في الفرع: حصل ظن أن حكم الفرع مثل حكم الأصل، والعمل بالظن واجب.\nولأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل وجواز القياس عليه وأصرح شيء في ذلك قول عمر لأبي موسى: \" اعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور برأيك \"، ولم يفصِّل.\nوبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن اشترط ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>المسألة الواحدة والعشرون:\nلا يشترط في الأصل: أن يكون قد اتفق العلماء على أن حكمه معلل</span>، ولا يشترط - أيضًا - أن تثبت علته بالنص، بل لو ثبت ذلك بالطرق الاجتهادية الظنية: لجاز القياس عليه؛ للأدلة الثلاثة المذكورة في المسألة السابقة.\nوبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن اشترط ذلك، لأن أكثر العلل اجتهادية عقلية، فلو لم نعلل بتلك العلل لما بقي لنا قياس إلا في القليل النادر.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>المسألة الثانية والعشرون:\nيجوز القياس على أصل محصور بعدد معين</span>؛ لعموم أدلة حجية القياس، حيث إنها لم تفرق بين الأصل المحصور بالعدد وبين الأصل غير المحصور، فالقياس في كل ذلك جائز إذا أدركت العلة.\nوبناء على ذلك: فإنه يجوز أن يقاس كل حشرة على الخمس اللاتي يقتلن في الحِل والحَرَم وهي - الحية، والفأرة، والكلب العقور، والحدأة، والغراب الأبقع - إذا كانت مؤذية مثلها.\nويجوز أن يقاس على الأشياء الستة الواردة في حديث عبادة بن الصامت.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>المسألة الثالثة والعشرون:\nيشترط كون حكم الأصل معللًا بعلة معينة قد صرح بها</span>؛ لأن العلة المبهمة لا يعلم وجودها في الفرع، فلا يقال - مثلًا -: تجب الزكاة في الحلي للعلة المقتضية لوجوبها في النقد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>المسألة الرابعة والعشرون:\nيجوز القياس على أصل ثبت بالنص</span>؛ لأن النص من الأدلة المثبتة للأصل فينبني عليه الفرع، ويُلحق به، وُيعتمد عليه، والشيء الذي لم يثبت لا يتصور بناء غيره عليه.","vol":"1","page":344},{"text":"مثال ذلك قولنا: إن الخنزير إذا ولغ في الإناء: فإنه يغسل الإناء سبع مرات، قياسًا على الكلب، بجامع: أن كلًا منهما حيوان نجس، فإن منع أحدهم الحكم في ولوغ الكلب دلَّلنا عليه بنص الحديث الذي هو قوله - ﷺ -: \" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا \"، فهنا نقيس على الأصل الثابت بالنص وإن خالف فيه الخصم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>المسألة الخامسة والعشرون:\nيجوز القياس على أصل ثبت بالإجماع</span>؛ قياسًا على النص، أي: أنه كما أنه يجوز القياس على ما ثبت بالنص فكذلك يجوز القياس على أصل ثابت بالإجماع ولا فرق، والجامع: أن كلًا منهما تثبت به أحكام الشرع، بل الإجماع أولى من خبر الواحد؛ لأن الإجماع آكد من خبر الواحد.\nوبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن قال: إنه لا يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>المسألة السادسة والعشرون:\nيكفي اتفاق الخصمين على حكم الأصل المقيس عليه</span>، ولا يشترط: أن يكون حكم الأصل المقيس عليه متفقًا عليه بين الأمة","vol":"1","page":345},{"text":"كلها؛ لأن الخصمين - المستدل والمعترض - إذا اتفقا على حكم الأصل فإن المناظرة تكون منضبطة وتحصل فائدتها، أما إن كان حكم الأصل مختلفًا فيه: فإن المعترض له أن ينازع فيه كما ينازع في الفرع.\nوبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن قال: إنه يشترط في حكم الأصل المقيس عليه: أن يكون متفقًا عليه بين الأمة كلها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>المسألة السابعة والعشرون:\nلا يجوز القياس على أصل ثبت بالقياس: </span>فلا يجوز قياس الذرة على الأرز الذي هو مقاس على البر، لأن العلة الجامعة بين الأصل الثاني - وهو البر - والأصل الأول - وهو الأرز -: إن كانت موجودة في الفرع - وهو الذرة - فليقم القائس بقياس الفرع - وهو الذرة - على الأصل الثاني - هو: البر - مباشرة، فيكون ذكر الأصل الأول - وهو الأرز - تطويلًا من غير فائدة، وغير المفيد عبث يجب رده، وعدم اعتباره.\nوإن كانت العلة الجامعة بين الأصلين - الأصل الأول وهو الأرز والأصل الثاني وهو: البر - غير موجودة في الفرع - وهو الذرة - لم يجز قياس الذرة على الأصل الأول - وهو الأرز - لأنه ظهر أن حكم الأصل الأول - وهو: الأرز - قد ثبت بعلة غير","vol":"1","page":346},{"text":"موجودة في الفرع، وهذا يبطل القياس؛ لأن من شرط صحة القياس: أن تكون علة الأصل وعلة الفرع متساويتين، وهنا عدم هذا التساوي لذلك بطل القياس.\nوبناء على ذلك: فإنه لا يجوز القياس إلا على أصل ثبت بثلاثة أدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، وهذا فيه احتراز من التوسع في استعمال القياس.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>المسألة الثامنة والعشرون:\nيجوز القياس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس</span>، والمعدول به عن سنن القياس، وهو: ما شرع من الأحكام على وجه الاستثناء والاقتطاع عن القواعد العامة وهو مخالف للقواعد العامة، بشرط: أن يكون معقول المعنى؛ لأنه حكم شرعي معقول المعنى مدرك العلة إما عن طريق النص أو عن طريق الاستنباط، فجاز القياس عليه كالقياس على غيره من الأصول التي لم يعدل بها عن سنن القياس، والجامع: توفر أركان القياس وشروط كل ركن.\nوبناء على ذلك: فإنه يجوز بيع العنب بالزبيب؛ قياسًا على العرايا وهو: بيع الرطب بالتمر.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المسألة التاسعة والعشرون:\nيشترط كون العلة الموجودة في الفرع </span>مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت مثل: الادخار والاقتيات فإنه موجود في الأرز والذرة وفي البر من غير اختلاف وتفاوت، لذلك قسنا الأرز والذرة على البر.\nكذلك: القتل العمد العدوان موجود في القتل بالمثقل كما هو موجود في القتل بالمحدَّد من غير تفاوت، لذلك قسنا القتل بالمثقل على القتل بالمحدد وهكذا.\nفإن وجد تفاوت واختلاف بين العلتين: فإنا ننظر:\nإن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق نقصان علة الفرع عن علة حكم الأصل كقول بعضهم: \" تجب الزكاة في مال الصبي؛ قياسًا على مال المكلف بجامع: أن كلًا منهما يملك ماله \" فإن هذا لا يصح، لأنه قياس مع الفارق، حيث إن علة حكم الأصل تختلف عن علة الفرع؛ حيث إن علة الأصل - وهو البالغ - هي أنه يملك ماله بالقوة والفعل، أما علة الفرع - وهو الصبي - فهي: إنه يملك ماله بالقوة فقط.\nوإن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق زيادة علة الفرع: فإن القياس يصح، بل يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل كما في قياس الضرب للوالدين على التأفيف لهما في التحريم بجامع الإيذاء، حيث إن الإيذاء في الضرب أشد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>المسألة الثلاثون:\nيشترط في الفرع: أن يكون خاليًا عن نص، أو إجماع ينافي حكم القياس</span>، فإن وجد نص أو إجماع ينافي الحكم الذي","vol":"1","page":348},{"text":"أخذناه عن طريق القياس: فلا يصح القياس؛ لأنه لا قياس مع النص.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>المسألة الواحدة والثلاثون:\nإذا وجد نص أو إجماع في حكم الفرع موافق للقياس </span>فإنا ننظر:\nإن كان هذا النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع بعينه هو الذي دل على حكم الأصل، مثل ما لو جعلنا قوله - ﷺ -: \" كل مسكر حرام \" هو الأصل في تحريم الخمر فالقياس باطل، لأن نسبة دلالة النص أو الإجماع على حكم الفرع وحكم الأصل على السواء، فلا فرق بينهما، فليس جعل تلك الصورة أصلًا والأخرى فرعًا أولى من العكس.\nوإن كان هذا النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع غير النص أو الإجماع الدال على حكم الأصل: فالقياس جائز؛ لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز، لإفادة زيادة الظن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>المسألة الثانية والثلاثون:\nيكفي ظن وجود العلة في الفرع</span>، ولا يشترط: أن تكون العلة في الفرع معلومة قطعًا؛ لقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إنه عام، ولم يشترط فيه العلم القطعي، فتخصيصه بالقطعي تخصيص بلا مخصص وهو باطل، فثبت أنه يدخل فيه العلم والظن.","vol":"1","page":349},{"text":"وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع من دائرة القياس عند الذين اشترطوا: أن تكون العلة في الفرع معلومة قطعًا، حيث تكون نادرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>المسألة الثالثة والثلاثون:\nلا يُشترط في الفرع أن يكون مما ثبت بالنص جملة</span>، بل يجوز القياس مطلقًا؛ لعموم أدلة حجية القياس السابقة الذكر؛ حيث إنها دلت على حجية القياس مطلقًا دون أن تفرق بين ما ثبت حكم الفرع فيه على جهة الإجمال وبين غيره.\nوبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع من دائرة القياس عند الذين اشترطوا لصحة القياس: أن يثبت حكم الفرع بالنص على جهة الإجمال.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>المسألة الرابعة والثلاثون:\nمسالك العلة، أو طرق ثبوت العلة هي:</span>\nالمسلك الأول: النص الصريح، وهو ما وضع للتعليل من غير احتمال، فيكون قاطعًا في تأثيره، كأن يصرح الشارع بكون هذا الوصف علة أو سببًا للحكم الفلاني، كقوله: اقطعوا يد فلان لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لموجب كذا، أو لأجل كذا، أو من أجل كذا.\nالمسلك الثاني: النص الظاهر، وهو: ما لا يكون قاطعًا في","vol":"1","page":350},{"text":"تأثيره، أي: يحتمل التعليل ويحتمل غيره، ولكن التعليل به أرجح.\nمثل: التعليل بلفظ: \" كي \"، كقوله تعالى: (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا)، والتعليل باللام كقوله تعالى: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)، والتعليل بـ \" أَنْ \" كقوله تعالى: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا)، والتعليل بلفظ: \" حتى \"، كقوله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ)، والتعليل بذكر المفعول له كقوله تعالى: (لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ)، والتعليل بلفظ \" الفاء \" كقوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا).\nالمسلك الثالث: الإجماع، وهو: اتفاق مجتهدي العصر على أن هذا الوصف المعين علة للحكم المعين، مثال ذلك: البكر الصغيرة يولى عليها، والعلة هي: الصغر إجماعًا، ويقاس عليها الثيب الصغيرة في وجوب التولية عليها بجامع: الصغر.\nوكذا: أن الأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب في الإرث، والعلة هي: امتزاج النسبين: نسب الأم ونسب الأم واختلاطهما إجماعًا، ويقاس على ذلك: تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في ولاية النكاح وتحمل العاقلة بجامع امتزاج النسبين.\nالمسلك الرابع: الإيماء إلى العلة وهو: ما كان التعليل فيه مفهومًا من لازم مدلول اللفظ؛ أي: يفهم التعليل فيه من السياق أو القرائن اللفظية الأخرى، وهو أنواع:\nالنوع الأول: أن يذكر الوصف ثم يذكر الحكم بعده وهو مقترن بالفاء كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوا).\nوقوله: (قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)،","vol":"1","page":351},{"text":"وقوله - ﷺ -: \" من بدَّل دينه فاقتلوه \". فإنه يفهم من ذلك: أن علة قطع اليد هي: السرقة، وعلة وجوب اعتزال النساء في المحيض هو: الأذى، وعلة القتل هو: تبديل الدِّين.\nوهذا يُفهم العلية مطلقًا، أي: سواء عرفنا المناسبة كالأمثلة السابقة، أو لم نعرف المناسبة كقوله - ﷺ -: \" من مسَّ ذكره فليتوضأ \"، لأنه لا يمكن أن يتكلم الشارع بالعبث، ولا توجد علة أخرى فتعيَّن أن الوصف علة.\nوكذلك: هذا النوع يُفهم العلية سواء كان الكلام من الشارع كما سبق من الأمثلة، أو كان الكلام من الصحابي، كقوله: \" سهى رسول الله - ﷺ - فسجد \"؛ لأن الصحابي - وهو الراوي - الذي شهد الله له بالعدالة، والعارف بمواقع الكلام، ومجاري اللغة، والعالم بدلالات الألفاظ واشتقاقاتها، وأساليبها لا يمكن أن يُعبِّر بلفظ يفهم السببية والعلية إلا إذا كان الأمر كذلك حقيقة.\nويشترط في الصحابي هذا: أن يكون فقيهًا؛ لأن احتمال الخطأ والوهم في كلام الراوي غير الفقيه أقوى من احتماله في كلام الراوي الفقيه.","vol":"1","page":352},{"text":"النوع الثاني: ترتب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء والشرط، كقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)، وقوله ﵊: \" من بدَّل دينه فاقتلوه \"، فإذا وردت أداة من أدوات الشرط فإن فعل الشرط يكون وصفًا وعلة، وجواب الشرط يكون هو الحكم.\nالنوع الثالث: أن يذكر الشارع حكمًا بعد سؤال سائل مباشرة: فإن ذلك يغلب على الظن: كون ذلك السؤال علة لذلك الحكم.\nمثاله: حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: \" هلكت يا رسول الله، قال: \" ماذا صنعت؟ \" قال: وقعت على أهلي في رمضان، قال: \" اعتق رقبه .. \". فهنا غلب على الظن: أن الوقاع وهو: جماع مكلف عمدًا لزوجته في نهار رمضان \" علة لوجوب الكفارة، لأنه وقع بعد سؤال الأعرابي مباشرة فكأنه قال: إذا واقعت أهلك في نهار رمضان. فكفِّر بكذا.\nْالنوع الرابع: أن يُسال النبي - ﷺ - عن حكم شيء ما، فيسأل النبي - ﷺ - عن وصف له، وبعد إخباره بالوصف: يقول النبي - ﷺ -: إن حكمه كذا، فهذا يفيد أن ذلك الوصف الذي أخبروه به علة لذلك الحكم الذي نطق به بعده.\nمثاله: أن النبي - ﷺ - سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال ﵊:: أينقص الرطب إذا جف؟ \" فقالوا: نعم: فقال: \" فلا إذن \"، فهنا: قد دل سؤاله واستكشافه عن نقصان الرطب عند الجفاف على أن هذا النقصان علة لعدم جواز بيعه رطبًا، ولو لم يفهم ذلك منه: لما كان للسؤال عنه وذكر الحكم بعده فائدة.","vol":"1","page":353},{"text":"النوع الخامس: أن يتوجه إلى النبي - ﷺ - سؤال عن حكم واقعة معينة، فيذكر الرسول - ﷺ - حكم حادثة أخرى مشابهة لها منبهًا على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما، فإن هذا يفيد أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم.\nمثاله: أن امرأة جاءت إلى الرسول - ﷺ - فقالت يا رسول الله: \" إن أمي أدركتها الوفاة وعليها فريضة الحج، فهل يجزئ أن أحج عنها؟ \" فقال: \" أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ \" قالت: نعم. قال: \" فدَين الله أحق أن يُقضى \". فقد ذكر النبي - ﷺ - نظير دين الله، وهو دَين الآدمي، ونبَّه على التعليل به؛ ولو لم يكن قد سأله لهذا الغرض - وهو التعليل به - لكان عبثًا، ففهم من هذا أن نظيره في المسؤول عنه - وهو دين الله وهو هنا الحج - كذلك علة لمثل ذلك الحكم؛ حيث إن كلًا منهما يُسمى دينًا اشتغلت به الذمة، ولا تبرأ الذمة إلا بأدائه.\nالنوع السادس: أن يذكر الشارع وصفًا ظاهرًا في محل الحكم ابتداء من غير سؤال لو لم يكن هذا الوصف مؤثرًا في الحكم لكان ذِكره عبثًا.\nمثاله: أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لابن مسعود بعد ما توضأ بماء نبذت فيه تمرات لتجذب ملوحته: \" تمرة طيبة وماء طهور \"، فقد نبه - ﷺ - على تعليل الطهورية ببقاء اسم الماء عليه.\nالنوع السابع: أن يذكر الشارع الحكم لدفع إشكال في محل آخر، ويردفه بوصف، فحينئذ يغلب على الظن أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم.\nمثاله: أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه امتنع من الدخول على","vol":"1","page":354},{"text":"قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرَّة، فقال - ﷺ -: \" إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات \". فهنا قد قالوا ما قالوا ظنًا منهم أن الكلب والهرة في الحكم سواء، فبين لهم - ﷺ - أن الحكم مختلف؛ حيث إن الهرة طاهرة، وعلة طهارتها: كثرة تطوفها وصعوبة التحرز منها، ولو لم يكن لذكر تطوافها عقيب الحكم أثر في الطهارة لما كان لذكره فائدة.\nالنوع الثامن: أن يُفرق الشارع بين أمرين في الحكم بأن يذكر صفة ما تشعر بأنها هي علة التفرقة في الحكم ما دام أنه قد خصَّها بالذكر دون غيرها، فلو لم تكن علة لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ كقوله تعالي: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ)، فقد فرق بينهما في أن تعقيد الأيمان هي المؤثرة في المؤاخذه.\nالنوع التاسع: أن يأتي أمر الشارع أو نهيه في شيء ما، ثم يذكر في أثناء هذا الأمر أو هذا النهي شيئًا أخر لو لم يُقدر كونه علة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام، لا بأوله ولا بآخره مما قد يُعتبر خبطًا واضطرابًا في الكلام يتنزه عنه الشارع.\nمثاله: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) فإن يُفهم من ذلك: أن علة النهي عن البيع هي: كونه مانعا من السعي إلى الجمعة؛ لأننا لا يمكن أن نقدر النهي عن البيع مطلقًا حيث يقع التناقض","vol":"1","page":355},{"text":"مع قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) ويكون خبطًا في كلام الشارع واضطرابًا فيه؛ فلم يبق إلا أن يكون النهي عن البيع في وقت محدد، وهو وقت كونه شاغلًا عن السعي للجمعة.\nالنوع العاشر: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا مناسبًا لأن يكون علة لذلك الحكم، كقوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤»، وقولك: \" أكرم العلماء وأهن الفساق \". فعلة جعل الأبرار في النعيم هي: البر، وعلة جعل الفجار في الجحيم هي: الفجور، وعلة إكرام العلماء هو: العلم، وعلة إهانة الفساق هي: الفسوق.\nوهذا النوع إما أن تكون العلة هي نفس الوصف مثل الأمثلة السابقة.\nأو تكون العلة: ما تضمنه الوصف واشتمل عليه، كقوله - ﷺ -: \" لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان \". فقد نهى الشارع عن القضاء مع الغضب، والعلة ليست هي نفس الوصف - وهو الغضب - ولكن العلة ما تضمنه الوصف وهي: الدهشة المانعة من تركيز الفكر التي تضمنها وصف الغضب، لأنا لما علمنا. أن الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الفكر ولا يشوش عليه لا يمنع من القضاء، وأن الجوع المبرح والألم الشديد ومدافعة الأخبثين يمنع من استيفاء الفكر وتركيزه، علمنا أن علة المنع من القضاء ليست هي الغضب، بل تشويش الفكر.","vol":"1","page":356},{"text":"وبناء على ذلك: فإنه يجوز قياس كل ما يشوش الفكر على الغضب كالجوع، والعطش، والألم، وحصر البول ونحو ذلك؛ حيث إن العلة متعدية.\nالمسلك الخامس: الوصف المناسب وهو: وصف ظاهر منضبط يحصل عقلًا من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا للعقلاء من حصول مصلحة أو دفع مفسدة.\nوقلنا إن الوصف المناسب من مسالك العلة؛ لأن الأحكام مشروعة لمصالح العباد، حيث إن الله تعالى حكيم بإجماع المسلمين، ولا معنى لحكمته إلا أنه لا يأمر بشيء إلا وفيه مصلحة للعباد، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة لهم.\nفإذا وجدنا مصلحة قد تضمنها الحكم فإنا نُعَلِّل بها لأنه غلب على ظننا أنها هي العلة.\nولكن إذا عورضت هذه المصلحة المناسبة التي علَّلنا بها الحكم بمفسدة مساوية أو راجحة فإنها تبطل؛ لأن العمل بالمصلحة حينئذ لا يُعدُّ من المصلحة عند العقلاء، بل يكون عبثًا يخرجه العقل عن كونها مناسبة إلى كونها غير مناسبة.\nالمسلك السادس: السبر والتقسيم وهو: حصر الأوصاف التي تحتمل أن يُعلَّل بها حكم الأصل في عدد معين، ثم إبطال","vol":"1","page":357},{"text":"ما لا يصلح بدليل، فيتعين أن يكون الباقي علة.\nفمثلًا: يقول المجتهد: إن تحريم الربا في البُر ثبت لعلة، وهذه العلة يحتمل أن تكون: كونه مكيلًا، أو كونه موزونًا، أو كونه مطعومًا، أو كونه مقتاتًا، أو كونه مدخرًا، أو كونه مالًا، وعجز عن استنباط علة أخرى فوق هذه العلل الست، فهذا يُسمَّى بالتقسيم، ثم يبدأ بسبر واختبار تلك الأوصاف، وينظر فيها ويسقط ما لم يجده مناسبًا، وما لا يصلح لتعليل الحكم به، فإذا أبطلها كلها إلا واحدة كانت هي العلة، فيقول: إن علة تحريم الربا في البر هي: الاقتيات، فيقيس كل شيء مقتات عليه كالأرز والذرة فيحرم الربا فيهما؛ قياسًا على البر.\nمثال آخر: أن يقول المجتهد في ولاية الإجبار على النكاح: إن هذا الحكم إما أن يعلل بالصغر، أو يعلل بالبكارة، أما تعليل الإجبار على النكاح بالصغر فإنه باطل؛ لأنها لو كانت العلة الصغر لمبثت ولاية الإجبار على الثيب الصغيرة؛ نظرًا لوجود نفس العلة فيها، وهذا مخالف لنص قوله - ﷺ -: \" الثيب أحق بنفسها \"، وهو عام للثيب الصغيرة والكبيرة، فلم يبق إلا أن يعلل بالثاني وهي: البكارة.\nالمسلك السابع: تنقيح المناط، وهو: أن ينص الشارع على حكم ويضيفه إلى وصف فيقترن به أوصاف أخرى لا مدخل لها في الإضافة ولا أثر لها في الحكم، فيقوم المجتهد بحذف ما لا يصلح علة ليتسع الحكم.","vol":"1","page":358},{"text":"وهو قريب من مسلك السبر والتقسيم، إلا أن تنقيح المناط خاص في الأوصاف التي دل عليها ظاهر النص، وهي محصورة بواسطة هذا الظاهر، بخلاف السبر والتقسيم فإنه خاص في الأوصاف المستنبطة الصالحة للعلية.\nمثال تنقيح المناط: حديث الأعرابي، وهو: أنه قد أتى أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: هلكت يا رسول الله، قال: \" ما لك؟ \"، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال: \" اعتق رقبة \".\nفقد أشار النص إلى أوصاف وهي: \" كون المواقع أعرابيا \" و\" كون الموطوءة زوجته \" و\" كون الوقاع حصل في رمضان خاص \" و\" كون الوقاع حصل في رمضان من مكلف \" و\" كونه أفسد صومًا محترمًا \"، فحذف المجتهد جميع هذه الصفات بالأدلة إلا وصفًا واحدًا وهو: \" كونه مكلفًا واقَع في نهار رمضان \" فعلل الحكم بهذا الوصف.\nوُيفرق بين تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط: بأن تحقيق المناط هو: أن المجتهد قد تحقق من وجود العلة والمناط في الأصل، ولكنه يجتهد من تحقق وجودها في الفرع. فوظيفة المجتهد هنا سهلة؛ حيث إن علة الأصل موجودة في الأصل، ولكنه يتأكد فقط من وجودها في الفرع بنوع اجتهاد.\nمثاله: الاجتهاد في القبلة؛ حيث إن استقبال القبلة معلوم بالنص، ولكن لو اختلطت عليه القبلة في صحراء فإنه يجتهد فيها.","vol":"1","page":359},{"text":"كذلك علة طهارة سؤر الهرة معلومة بالنص، حيث قال - ﷺ -: \" إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات \"، ولكن المجتهد يتأكد من وجودها في الفرع كالفأرة ونحوها.\nأما تنقيح المناط فهو: ما سبق بيانه، ووظيفة المجتهد هنا أصعب من وظيفته في تحقيق المناط؛ حيث إنه يبذل جهدًا في إبراز علة حكم الأصل وتعيينها، ثم يجتهد مرة أخرى في تحققها في الفرع.\nأما تخريج المناط فهو: أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه وعلته لا صراحة ولا إيماء، فوظيفة المجتهد هنا أصعب من السابقين؛ حيث إن المجتهد يقوم باستنباط العلل التي يمكن أن يُعلل بها الحكم، ويختبرها، ثم يرجح أحدها، ثم يتحقق من وجودها في الفرع، مثل قولنا: إن علة تحريم الخمر هي الإسكار، فقسنا عليه النبيذ، وقولنا: إن علة تحريم الربا في البر هي: الاقتيات، فقسنا عليه الأرز وهكذا، وهذا هو القياس الخفي الذي اختلف العلماء فيه.\nالمسلك الثامن: الدوران، وهو: أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، وينعدم عند انعدامه، مثل: دوران حكم العصير مع وجود الإسكار وعدمِ وجوده؛ حيث إن عصير العنب قبل وجود الإسكار كان حلالا، فلما حدث الإسكار حرم، فلما زال الإسكار وصار خلًا صار حلالًا، فهنا بأن لك: أن الحكم - وهو التحريم - قد دار مع الإسكار وجودًا وعدمًا، فكما وجد وصف كونه مسكرًا وجد الحكم وهو: التحريم، ولما انتفى عنه وصف الإسكار انتفى عنه الحكم، وهو: التحريم، فهذا الدوران دلنا","vol":"1","page":360},{"text":"على أن العلة في تحريم العصير إنما هي السكر، وقلنا ذلك لأن الدوران يفيد العلية في الأمور العادية والمألوفة، فلو أن زيدًا قد دخل فرأينا عمرًا قد قام فلما خرج زيد جلس عمرو وتكرر ذلك فإنه يغلب على ظننا: أن العلة في قيام عمرو هي: دخول زيد، فإذا كان الأمر كذلك في الأمور العادية فإنه يفيد ظن العلية في غيرها؛ لعدم الفارق.\nالمسلك التاسع: الوصف الشبهي وهو: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام عنها ممن هو أهله، ولكن ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام.\nولبيان ذلك لا بد من تقسيم الوصف إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الوصف المناسب، وهو: الوصف الذي ظهرت فيه المناسبة - بعد البحث التام - كالإسكار أو القتل العمد العدوان ونحو ذلك، وهذا يُعتبر طريقًا من طرق إثبات العلة كما سبق بيانه.\nالقسم الثاني: الوصف الطردي، وهو: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة، ولم يؤْلَف من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام كالطول، والقصر، والسواد، والبياض، كقول القائل في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف فكان طاهرًا كالخروف، فهذا لا يعتبر ولا يصلح دليلًا على صحة العلة؛ لأن تلك الأوصاف طردية لا مناسبة بينها وبين الحكم الشرعي؛ حيث إن الشارع لم يُعهد عنه أنه التفت إليها، أو علَّل بها، فلا يغلب","vol":"1","page":361},{"text":"على الظن اعتباره علة لثبوت الأحكام فلا يُعتبر.\nالقسم الثالث: الوصف الشبهي، وهو الذي عرفناه فيما سبق.\nوسُمِّي بذلك لأنه أشبه الوصف الطردي من جهة: أن المجتهد لم يقف على مناسبة بين هذا الوصف وبين الحكم رغم البحث والتقصي، فهنا ظن المجتهد أنه غير معتبر كالوصف الطردي.\nوأشبه الوصف المناسب من جهة: أن المجتهد قد وقف على اعتبار الشرع له في بعض الأحكام والتفت إليه، فإن هذا يوجب على المجتهد أن يتوقف عن الجزم بانتفاء مناسبته، فاعتبر هذا طريقًا من طرق ثبوت العلة؛ قياسًا على الوصف المناسب؛ لأنه يشبهه.\nمثاله: الاستدلال على إزالة النجاسة حيث قلنا: طهارة تراد لأجل الصلاة فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، والجامع: كون كل منهما طهارة لأجل الصلاة، أما مناسبتها لتعيين الماء فيها فإنها غير ظاهرة، لكن عهد من الشارع الالتفات إليها في بعض الأحكام كمس المصحف، والطواف وذلك يوهم اشتمالها على المناسبة.\nوالوصف الشبهي يخالف قياس الأشباه وهو: أن يتردد فرع","vol":"1","page":362},{"text":"بين أصلين ويكون شبهه بأحدهما أكثر فليحق بأكثرهما شبهًا به.\nمثاله: \" المذي \" متردد بين البول والمني، فمن قال: إنه نجس، قال: هو خارج من الفرج ولا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل فهو في ذلك يشبه البول أكثر من مشابهته للمني فيلحق به فيكون نجسًا.\nومن قال: إنه طاهر: قال: هو خارج فيه نوع من الشهوة ويخرج أمامها فهو في ذلك يشبه المني.\nوالخلاصة: أنا نلحق الفرع بالأصل الذي يغلب على ظننا أنه يشبهه أكثر، لذلك سمي بـ \" غلبة الأشباه \" أو \" قياس الشبه \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>المسألة الخامسة والثلاثون:\nيشترط أن تكون العلة مشتملة على حكمة قصدها الشارع</span>.\nوالمراد بالحكمة: تحصيل مصلحة. أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، مثل: تعليل الترخُّص في قصر الصلاة بالسفر؛ لاشتماله على الحكمة المناسبة للتخفيف، وهي: المشقة، ومثل: جعل الزنا علة لوجوب الحد على الزاني؛ لاشتماله على حكمة مناسبة، وهي: اختلاط الأنساب.\nوقلنا ذلك لأن الحكم حينما أثبتناه في الفرع فإنما أثبتناه بواسطة وصف غلب على ظننا أن حكم الأصل قد ثبت من أجله.","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>المسألة السادسة والثلاثون:\nيشترط أن تكون العلة ظاهرة جليَّة </span>كالإسكار علة لتحريم الخمر، والسفر علة لإباحة الفطر، وذلك لأن المقصود من الوصف المعلل به إثبات الحكم في الفرع ولا يمكن هذا إلا إذا كان هذا الوصف جليًا واضحًا في الأصل ويوجد في الفرع كما وجد في الأصل.\nأما إذا كان خفيًا في الأصل فإنه لا يمكن إثبات الحكم بواسطته في الفرع، فلا يصح التعليل في الملك في البيع بالتراضي بين المتبايعين، لأن الرضى من الأوصاف الخفية التي يتعذر الوقوف عليها بنفسها، لذلك لا بد أن يعلل الملك في البيع بأمر ظاهر يكون مظنة الرضا في البيع وهو: الإيجاب والقبول من الطرفين، أو المعاطاة في الأشياء اليسيرة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>المسألة السابعة والثلاثون:\nيجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي</span>، فيقول المجتهد في الذمي: يصح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقه كالمسلم.\nوقلنا ذلك لأن العلة هي المعرف للحكم، ولا يستبعد أن يجعل حكمًا ما معرفًا لحكم آخر، كأن يقول الشارع: \" مهما رأيتم أني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعلموا أني أثبت الحكم الفلاني فيها أيضًا \".","vol":"1","page":364},{"text":"وبناء على ذلك: فإنه يصح ظهار الذمي، وما صحَّ بيعه صحَّ رهنه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>المسألة الثامنة والثلاثون:\nلا يجوز التعليل بالحكمة </span>- وهي: تطلق على ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، فلا يجوز التعليل بالمشقة على إباحة الفطر للمسافر بل يعلل بنفس السفر؛ لأن المشقة حكمة الحكم، وقلنا ذلك لأن حكمة الحكم الغالب فيها الخفاء، وعدم الانضباط، فهي تختلف باختلاف الأحوال، والأفراد، والأزمان.\nفالمشقة التي تكون عند فلان قد لا تكون عند الآخر، والمشقة التي تكون في الصيف، قد لا تكون في الشتاء وهكذا، أما السفر فإنه لا يختلف باختلاف الأحوال والأفراد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>المسألة التاسعة والثلاثون:\nيجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء</span>؛ قياسًا على التعليل بالوصف الواحد. فكما أن الوصف الواحد يغلب على الظن أنه علة بأحد مسالك إثبات العلة السابقة، فكذلك الوصف المركب من عدة أجزاء يُظن عليته بتلك المسالك والطرق ولا فرق؛ لأن القول بالفرق لا دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتمد عليه.","vol":"1","page":365},{"text":"فيجوز التعليل بالقتل العمد العدوان على وجوب القصاص.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>المسألة الأربعون:\nيجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر مطلقًا</span>؛ لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، ولا مانع من اجتماع المعرِّفات والأمارات على شيء واحد كما قالوا: إن من لمَس وبال فإنه ينتقض وضوءه بهما.\nولأنه بعد الاستقراء وجد أنه يمكن أن يصدر من شخص واحد في ساعة واحدة سببان يوجبان قتله كالزنا والردة، وتحرم المرأة بسببين: الحيض والإحرام، أو الإحرام والعدة، أو الحيض والعدة، أو تحرم بالثلاثة وهي: الإحرام، والعدة، والحيض، كذلك لو جمع شخص بين لبن أخته ولبن زوجة أخيه ثم سقاه لصبية دون السنتين خمس مرات مشبعات فإن هذه الصبية تحرم على ذلك الشخص بسببين معًا وهما: أنه يعتبر عمها، ويعتبر خالها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>المسألة الواحدة والأربعون:\nيجوز تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة</span>؛ لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، ولا مانعِ من أن يكون الوصف الواحد معرفًا لحكمين فأكثر، لكونه مناسبا لهما.","vol":"1","page":366},{"text":"فالقذف - مثلًا - علة لوجوب الحد على القاذف، وهو أيضًا علة لعدم قَبول شهادته، والقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص، وعلة أيضًا لحرمان القاتل من الميراث، وغروب الشمس علة لجواز الفطر في رمضان، وعلة أيضًا لوجوب صلاة المغرب، وعلة أيضًا لصحة الحج.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>المسألة الثانية والأربعون:\nيشترط في الوصف المستنبَط المعلل به أن لا يرجع على الأصل بإبطاله</span>؛ لأن العلة لما كانت فرعًا لهذا الحكم من حيث إنها مستنبطة منه، والفرع لا يجوز أن يعود على أصله بالإبطال - أيضًا - باعتبار أن إبطال الأصل إبطال للفرع، فلا يجوز - إذن - أن يكون الوصف المعلل به مبطلًا لحكم أصله أو جزء منه؛ لأن إبطال الشيء نفسه محال.\nمثال ذلك: أنه لما ورد قوله - ﷺ -: \" في كل أربعين شاة شاة \"، علل بعض الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقراء، ولذلك جوزوا إخراج قيمتها.\nوهذا التعليل - وهو: دفع الحاجة - يرفع وجوب الشاة بعينها مع أن الحديث صريح في وجوبها؛ لأن حاجة الفقير تندفع بقيمة الشاة أيضًا، فتعليل هذا بهذه العلة - وهي: دفع الحاجة - نقل وجوب الشاة بعينها إلى تخيير المزكي بين إخراج شاة بعينها وبين قيمتها، وهذا التعليل قد عاد على أصله بالإبطال، وهو لا يجوز.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>المسألة الثالثة والأربعون:\nلا يجوز التعليل بالاسم المجرد</span>، مثل: تعليل تحريم الخمر: بكون العرب سمَّته خمرًا، وتعليل تحريم الربا في الذهب: بكونه ذهبًا، لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، والاسم ليس وصفًا، ولا فيه معنى الوصف، فانتفت عنه حقيقة العلة، ومجرد الاسم لا أثر له.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>المسألة الرابعة والأربعون:\nيجوز التعليل بالوصف العُرفي </span>- وهو: الوصف الذي لا يختلف باختلاف الأزمان، كالشرف، والخسة، والدناءة، والكمال، والنقصان.\nوقلنا ذلك: لأن المناسبة التي هي الشرط الأساسي في التعليل موجودة في تلك الأوصاف العرفية، فمثلًا: الشرف يناسب التكريم، وتحريم الإهانة، ووجوب المحافظة، والخسة تناسب إباحة الإهانة.\nولكن لا يجوز التعليل بتلك الأوصاف إلا بشرطين هما:\nالشرط الأول: أن يكون الوصف العرفي مطَّردًا، أي: لا يختلف باختلاف الأوقات والأزمان؛ لأن العرف لو لم يكن مطَردًا لجاز أن يكون ذلك العُرف حاصلًا في عصر دون العصر الآخر، وهذا يجعله غير صالح للتعليل به.\nالشرط الثاني: أن يكون الوصف العرفي متميزًا عن غيره؛","vol":"1","page":368},{"text":"لأن التعليل بالشيء فرع تميزه عن غيره، ولا يتم ذلك إلا عند تمام التصور للوصف المعلل به.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>المسألة الخامسة والأربعون:\nالعلة المتعدية هي: ما ثبت وجودها في الأصل والفرع</span>، أي: تتعدى من محل النص إلى غيره.\n\" والعلَّة القاصرة هي: التي ثبت وجودها في الأصل فقط، ولا تتعدى إلى الفرع.\nأما العلة المتعدية فيجوز التعليل بها اتفاقًا، وهذا مطلق، أي: سواء كانت منصوصًا عليها كقوله - ﷺ - في الهرة: \" إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات \"، فيقاس عليه الفأرة، أو كانت العلة مستنبطة كالتعليل بالقتل العمد العدوان، والزنا والإسكار، والاقتيات ونحو ذلك.\nأما العلة القاصرة فيجوز التعليل بها إن كانت منصوصًا عليها اتفاقًا، كتعليل وجوب الكفارة بوقاع مكلف في نهار رمضان.\nوأما العلة القاصرة المستنبطة كالسفر المبيح للفطر، والاستبراء للأَمة في أول حدوث ملكها للتعرف على براءة رحمها، والرمل في الأشواط الأول من الطواف، لإظهار الجَلَد والنشاط للمشركين، فإنه يجوز التعليل بها على الصحيح من أقوال العلماء؛ قياسًا على العلة القاصرة المنصوص عليها ولا فرق؛ فإذا جاز التعليل بالعلة القاصرة المنصوص عليها، فكذا يجوز التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة، فيجب أن تكون صحيحة، ولا فرق، كما أننا لم نفرق بين العلة المتعدية","vol":"1","page":369},{"text":"المنصوص عليها وبين المتعدية المستنبطة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>المسألة السادسة والأربعون:\nفوائد التعليل بالعلة القاصرة</span>.\nالفائدة الأولى: أنه بسبب العلة القاصرة يمكننا التعرف على أن ذلك الحكم مطابق للحكمة والمصلحة، فتميل النفوس بطبيعتها إلى قبول ما عرفت الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع ذلك الحكم أكثر من قبولها للأحكام التي لم تعرف الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع الحكم.\nالفائدة الثانية: إن ثبوت العلة القاصرة دليل يستدل به\nالمجتهد على اختصاص النص الأصلي بذلك الحكم، وحينئذٍ لا يشتغل المجتهد بالتعليل لأجل أن يعدِّي الحكم إلى أي فرع.\nالفائدة الثالثة: أن العلة القاصرة تفيد بمفهومها، فمثلًا: لما ثبتت النقدية علة في تحريم الربا في النقدين، فإن عدم النقدية مشعر بانتفاء تحريم الربا.\nالفائدة الرابعة: أن العارف للعلة القاصرة يحصل له أجران إذا امتثل الحكم: أجر قصد به الامتثال، وأجر قصد به فعل الفعل لأجل العلة القاصرة من جلب مصلحة أو دفع مفسدة.\nالفائدة الخامسة: أن العلة قد تكون في زمان قاصرة لا فرع لها، ولكن قد يحدث فرع في زمان آخر يشبه العلة القاصرة","vol":"1","page":370},{"text":"فحينئذٍ يقوم المجتهد بإلحاق ذلك بالمنصوص عليه.\nالفائدة السادسة: لو ظهرت علة قاصرة أو علة متعدية في حكم واحد، ولم يوجد دليل يرجح العلة المتعدية بالعلية، فإنه لا يجوز تعدية الحكم إلى الفرع؛ لأن وجود العلة القاصرة منع من ذلك، فلولا وجود العلة القاصرة لتعدَّى الحكم بتلك العلة من غير توقف على دليل مرجح.\n* * *\nتنبيه: هذا آخر الكلام عن القياس الذي هو آخر الأدلة المتفق عليها إجمالًا - التي هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس - وهو القسم الأول من الأدلة، ويلي ذلك القسم الثاني من الأدلة، وهي الأدلة المختلف فيها.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>القسم الثاني الأدلة المختلف فيها</span>\nويشتمل على الأدلة التالية:\nالدليل الأول: الاستصحاب.\nالدليل الثاني: شرع من قبلنا.\nالدليل الثالث: قول الصحابي.\nالدليل الرابع: الاستحسان.\nالدليل الخامس: المصلحة المرسلة.\nالدليل السادس: سد الذرائع.\nالدليل السابع: العرف.\nالدليل الثامن: الاستقراء.\nوإليك بيان كل واحد منها.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>الدليل الأول\nالاستصحاب</span>\nويشتمل على مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>المسألة الأولى:\nالاستصحاب هو: </span>عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول؛ لفقدان ما يصلح للتغيير.\nأو تقول: هو: بقاء ما كان على ما كان نفيًا وإثباتًا حتى يثبت دليل يغير الحالة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>المسألة الثانية:\nأنواع الاستصحاب </span>هي:\nالنوع الأول: استصحاب البراءة الأصلية، وهو: استصحاب العدم الأصلي المعلوم، وذلك كبراءة الذمة من التكاليف حتى يقوم الدليل على التكليف بأمر من الأمور، فإذا لم يقم دليل: بقي ما كان على ما كان وهو: أن كل شيء مباح للإنسان؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما سبق أن بيناه، وبعضهم يُسمي ذلك بـ \" عدم الدليل \": دليل على البراءة، مثال ذلك: أن الوتر غير واجب؛ لأن طريق وجوبه الشرع وقد طلب الدليل فلم يوجد، فعدم وجود الدليل على الوجوب دليل على عدم","vol":"1","page":375},{"text":"الوجوب، وأن الذمة بريئة منه، فهو إذن مندوب.\nوهذا النوع يستدل به الفقهاء كثيرًا.\nالنوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه، مثل: استصحاب الطهارة إذا شك في الحدث، فإن وصف الطهارة إذا ثبت وتأكدنا منه أبيحت الصلاة، فإن هذا الحكم يستصحب حتى يثبت خلافه، وهو الحدث، ومثل: الكفالة فإنه وصف شرعي يستمر ثابتًا حتى يؤدي الدَّين، أو يؤديه الأصيل، أو يُبرئه المدين.\nالنوع الثالث: استصحاب ما دلَّ الشرع على ثبوته واستمراره، مثل: استمرار ملك الإنسان لهذه الأرض مثلًا بسبب الشراء؛ حتى يوجد ما يزيله ويغيره.\nالنوع الرابع: استصحاب حكم العموم والعمل به حتى يرد ما يُخصص ذلك العموم، واستصحاب العمل بالنص حتى يرد ما ينسخه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>المسألة الثالثة:\nجميع أنواع الاستصحاب السابقة حجة في ثبوت الأحكام وعدمها</span>؛ لأن استصحاب الحال يفيد بقاء الحكم إلى الزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل بالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به.\nولأن الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول الزوجية ابتداء حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في حصول الطلاق مع سبق العقد جاز له الاستمتاع، ولا يوجد فرق بينهما إلا أن الأول قد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - وهي: عدم الزوجية وحصول العقد، وأما الثاني فقد استصحب فيه الحالة الموجودة","vol":"1","page":376},{"text":"قبل الشك - وهي العقد عليها - فلو لم يعتبر الاستصحاب وكان غير مفيد لظن البقاء للزم استواء الحالين: التحريم والجواز، وهو: حرمة الوطء أو إباحته، وهو: باطل بالإجماع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>المسألة الرابعة:\nالنافي للحكم يلزمه الدليل ويطالب به</span>؛ لقوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١».\nفهنا قد نفى اليهود والنصارى وقالوا: لن يدخل الجنة إلا نحن ومع ذلك فقد أمر الله تعالى نبيه - ﷿ - بأن يطالبهم بالدليل على هذا النفي، وهذا يفيد أن النافي يلزمه الدليل.\nولأن نفي الحكم دعوى، والدعوى لا تثبت إلا بدليل.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>الدليل الثاني\nشرع من قبلنا</span>\nوفيه مسألتان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>المسألة الأولى:\nالمراد بشرع من قبلنا هو: </span>ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانت الأمم السابقة قد كلفت بها على أنها شرع لله تعالى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>المسألة الثانية:\nما أورده الله تعالى في كتابه، أو أورده رسول - ﷺ - في سنته </span>من القصص والأخبار والأحكام التي وردت في الشرائع السابقة من غير إنكار، ولم يدل دليل على أنها مشروعة في حقنا، ولم يدل دليل على أنها منسوخة عنا، فإن هذه الأحكام مشروعة لنا، وملزمون بها، أي: أن شرع من قبلنا شرع لنا، فتكون حجة؛ لقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، حيث إن الله تعالى قد أمر نبيه - ﷺ - باتباع جميع الأنبياء السابقين، فيكون متعبدًا بشرع من قبله.\nولقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا)، حيث إن هذا يدل على أن شرع نبينا محمد - ﷺ - مثل شرع غيره","vol":"1","page":378},{"text":"من الأنبياء كنوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى، ولا فرق بينهم في أخذ الأحكام من جميع الشرائع السابقة.\nولقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، حيث إن الله تعالى قد بين أن من لم يحكم بما أنزل فقد خرج عن الملة، والأحكام التي عمل بها النبيون السابقون هو مما أنزل الله، فيجب العمل بها.\nوعلى هذا فإنه يستدل على قتل الرجل بالمرأة بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، ويستدل على جواز الجُعالة بقوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ).","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>الدليل الثالث\nقول الصحابي</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>المسألة الأولى:\nالمراد بقول الصحابي: </span>ما نقل إلينا عن أحد أصحاب رسول الله - ﷺ - من فتوى، أو قضاء، أو عمل، أو رأي، أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص، ولم يحصل عليها إجماع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>المسألة الثانية:\nإذا قال صحابي رأيًا، ولم يرجع عنه ولم يخالف فيه قول صحابي آخر</span>، ولم ينتشر: فإن هذا القول حجة مطلقًا، أي: سواء وافق القياس، أو لا، أو كان من الخلفاء، أو من غيرهم؛ لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، حيث إن هذا خطاب مع الصحابة بأن كل ما يأمرون به معروف والمعروف يجب القول به.\nولأن قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد فإنه يرجح على رأي التابعي ومن بعده؛ لأن رأي الصحابي أقرب إلى إصابة الحق، وأبعد عن الخطأ؛ حيث شاهد التنزيل، وعرف التأويل،","vol":"1","page":380},{"text":"ووقف من أحوال النبي - ﷺ - ومراده في كلامه على ما لم يقف عليه غيره مع اجتهاد وحرص على طلب الحق، وعرف مقاصد الشريعة، مع فضل درجة ليست لغيرهم كما وردت الأخبار بذلك، كقوله - ﷺ -: \" خير القرون قرني ثم الذين يلونهم \"، فمَن هذا شأنه فإن قوله أولى بالاتباع من قول غيره.\nوبناء على هذا: فإنه يستدل على عدم وجوب الزكاة في الحلي بمذهب ابن عمر حيث كان لا يخرج الزكاة على حلي بناته وجواريه، ويستدل على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون بقول عمر ﵁: \" اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>المسألة الثالثة:\nإذا قال صحابي قولًا في مسألة اجتهادية، ولم يخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر في بقية الصحابة: </span>فإن هذا القول حجة، وقد سبق، وعلى هذا: فإنه يجوز العمل به بدون دليل آخر يُعضده.\nلكن إذا قال صحابي قولًا في مسألة، وخالفه صحابي آخر في نفس المسألة بقول آخر، فإنه لا يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل؛ لأن القولين لا يمكن أن يكونا خطأ، ولا يمكن أن يكونا صوابًا، بل إن أحدهما صواب والآخر خطأ، ولا يمكن معرفة القول الصواب والقول الخطأ إلا بدليل خارجي، إذن: لا بد من الدليل لترجيح أحد القولين.","vol":"1","page":381},{"text":"ولأنهما قولان قد تعارضا فلا بد من دليل آخر يرجح أحدهما مثل: الآيتين، أو الخبرين إذا تعارضا، فلا يمكن ترجيح أحدهما إلا بمرجح خارجي.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>الدليل الرابع\nالاستحسان</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>المسألة الأولى:\nالاستحسان هو: </span>العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص أقوى من الأول.\nفالقياس يقتضي حكمًا عامًا في جميع المسائل، لكن خُصِّصت مسألة وعُدل بها عن نظائرها، وصار لها حكم خاص بها نظرًا لثبوت دليل قد خصَّصها وأخرجها عما يماثلها، وهذا الدليل هو أقوى من المقتضي العموم في نظر المجتهد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>المسألة الثانية:\nأنواع الاستحسان </span>هي:\nالنوع الأول: الاستحسان بالنص، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب أو السنة.\nمثاله: أن القياس لا يجوِّز العرايا، لأنه يبع تمر برطب وهو داخل تحت النهي عن بيع المزابنة، ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو الجواز لدليل ثبت بالسنة وهو قول الراوي:","vol":"1","page":383},{"text":"\" ورخص بالعرايا \"، فتركنا القياس لهذا الخبر استحسانًا.\nالنوع الثاني: الاستحسان بالإجماع، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع.\nمثاله: أن القياس لا يجوِّز عقد الاستصناع، وهو: أن يتعاقد شخص مع صانع على أن يصنع له كرسيًا - مثلًا - بمبلغ وقدره مِائة ريال بشروط معينة -، فهذا لا يجوز؛ لأنه بيع معدوم، لكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز هذا العقد؛ نظرًا لتعامل الأمة به من غير نكير، فصار إجماعًا.\nالنوع الثالث: الاستحسان بالعرف والعادة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر يخالفه؛ نظرًا لجريان العرف بذلك، وعملًا بما اعتاده الناس.\nمثاله: لو حلف شخص وقال: \" والله لا أدخل بيتًا \"، فالقياس يقتضي: أنه يحنث إذا دخل المسجد؛ لأنه يسمى بيتًا لغة، ولكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: عدم حنثه إذا دخل المسجد؛ لتعارف الناس على عدم إطلاق هذا اللفظ على المسجد.\nالنوع الرابع: الاستحسان بالضرورة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له ضرورة.\nمثاله: جواز الشهادة في النكاح والدخول، فالقياس يقتضي عدم جواز الشهادة في النكاح والدخول؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة وذلك بالعلم، ولم يحصل في هذه الأمور، لكن عُدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز الشهادة في النكاح والدخول ضرورة؛ لأنه لو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامح لأدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام.","vol":"1","page":384},{"text":"النوع الخامس: الاستحسان بالقياس الخفي، وهو: العدول عن حكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم آخر بقياس آخر، وهو: أدق وأخفى من الأول، لكنه أقوى حجة، وأسدّ نظرًا، وأصح استنتاجًا منه.\nمثاله: أن من له على آخر دين حال من دراهم فسرق منه مثلها قبل أن يستوفيها فلا تقطع يده.\nلكن إذا كان الذين مؤجلًا، فالقياس يقتضي قطع يده إذا سرق مثلها قبل حلول الأجل؛ لأنه لا يباح له أخذه قبل الأجل، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أن يده لا تقطع؛ لأن ثبوت الحق - وإن تأخرت المطالبة - يصير شبهة دارئة، وإن كان لا يلزمه الإعطاء الان، فعدم قطع اليد هنا ثبت استحسانًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>المسألة الثالثة:\nالاستحسان بذلك التعريف حجة باتفاق العلماء</span>؛ حيث لم ينكره أحد، وإن اختلف في تسميته استحسانًا، فبعضهم سماه بهذا الاسم، وبعضهم لم يسمه بذلك، وهو في الجملة راجع إلى العمل بالدليل القوي الذي ترجح بذلك على ما هو أضعف منه، وهذا لا نزاع فيه.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>الدليل الخامس\nالمصلحة المرسلة</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>المسألة الأولى:\nالمصلحة المرسلة هي: </span>كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الخمسة - وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل - دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء.\nفتكون المصالح المرسلة هي التي لم يقم دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها، فإذا حدثت حادثة لم نجد حكمها في نص ولا في إجماع ووجدنا فيها أمرًا مناسبًا لتشريع الحكم، أي: أن تشريع الحكم فيها من شأنه أن يدفع ضررًا، أو يحقق نفعًا، فهذا الأمر المناسب في هذه الحادثة يُسمى المصلحة المرسلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>المسألة الثانية:\nأقسام المصالح باعتبار أهميتها </span>هي:\nالقسم الأول: الضروريات، وهي: المصالح التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وصيانة مقاصد الشريعة، بحيث إذا فقدت أو فقد بعضها: فإن الحياة تختل أو تفسد، وللمحافظة","vol":"1","page":386},{"text":"على المصالح الضرورية شرع الله حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال.\nفشرع لحفظ الدين: قتل الكافر المضل، وقتل المرتد الداع إلى ردته، وشرع الجهاد، وشرع لحفظ النفس: عقوبة القصاص، وعقوبة الدية، ووجوب الأكل والشرب عند الضرورة في حالة صوم المسلم، وشرع لحفظ العقل: عقوبة شرب الخمر، وشرع لحفظ النسل والنسب: عقوبة الزنا، وشرع لحفظ المال: عقوبة قطع يد السارق.\nالقسم الثاني: الحاجيات وهي: المصالح والأعمال والتصرفات التي لا تتوقف عليها الحياة واستمرارها، بل إن الحياة تستمر بدونها ولكن مع الضيق والحرج والمشقة، مثل: التوسع في بعض المعاملات كالمساقاة، والقصر في السفر، والإجارة، ونحو ذلك في الأمور العامة.\nومثال ذلك في الأمور الخاصة: تسليط الشارع الأب في تزويج ابنته الصغيرة من الكفء، فإن هذا لا ضرورة إليه؛ حيث إنه يمكن استمرار الحياة بدون ذلك، ولكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح لتحصيل هذا الكفء؛ خوفًا من فواته؛ لأنه يحصل بحصوله نفع في المستقبل، ويحصل بفواته بعض الضرر.\nالقسم الثالث: التحسينيات، وهي: المصالح والأعمال والتصرفات التي لا تتوقف الحياة عليها، ولا تفسد ولا تختل، فالحياة تتحقق بدون تلك التحسينيات وبدون أي ضيق، فهي من قبيل التزيين والتجميل، ورعاية أحسن المناهج وأحسن الطرق للحياة، فتكون من قبيل استكمال ما يليق، والتنزه عما لا يليق","vol":"1","page":387},{"text":"من المدنسات التي لا تألفها العقول الراجحة.\nومن أمثلة ذلك العامة: المنع من بيع الماء، والكلأ، والمنع من الإسراف والتقتير، وآداب الأكل والشرب.\nومن أمثلتها الخاصة: اشتراط الولي في النكاح، صيانة للمرأة عن مباشرة عقد النكاح بنفسها؛ لأن المرأة لو باشرت عقد نكاحها لكان ذلك مشعرًا بتوقانها إلى الرجال، ومشعرًا بقلة حيائها، وهذا يقلل من قيمتها عند الخاطب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>المسألة الثالثة:\nأقسام المصالح من حيث اعتبار الشارع لها وعدم ذلك </span>هي:\nالقسم الأول: المصالح المعتبرة، وهي المصالح التي اعتبرها الشارع وأثبتها وأقام دليلًا على رعايتها، فهذه المصالح حجة لا إشكال في صحتها وأمثلتها ما سبق.\nالقسم الثاني: المصالح الملغاة، وهي: المصالح التي ألغاها الشارع ولم يعتبرها، فلو نص الشارع على حكم في واقعة لمصلحة قد استأثر الله بعلمها، وبدا لبعض الناس حكم فيها مغاير لحكم الشارع لمصلحة توهمها هذا البعض، فتخيل أن ربط الحكم بذلك يحقق نفعًا أو يدفع ضررًا، فإن هذا الحكم مردود على من توهمه؛ لأن هذه المصلحة التي توهمها قد ألغها الشارع، ولم يلتفت إليها.\nمثاله: أن الملك عبد الرحمن بن الحكم قد جامع جارية في نهار رمضان وكرر ذلك في عدد من الأيام، وكان يكرر","vol":"1","page":388},{"text":"الإعتاق مطبقًا بذلك حديث الأعرابي، ولكن جاء الفقيه: يحيى بن يحيى الليثي المالكي فأفتى بأن عليه صوم ستين يومًا كفارة له، وعلل ذلك بأن الكفارة قد وضعت للزجر والردع، فلو أوجبنا عليه العتق لسهل عليه الجماع في نهار رمضان مرة بعد الأخرى؛ نظرًا لكثرة ماله، لذلك نوجب عليه الصيام زجرًا له، وظن هذا الفقيه أن في ذلك مصلحة، ولكن هذه المصلحة ملغاة؛ لأنها معارضة للنص الشرعي، وهو: حديث الأعرابي.\nالقسم الثالث: المصالح المرسلة، وهي: المطلقة التي لم يقيدها الشارع باعتبار، ولا بإلغاء، وهذا القسم هو المراد بالمصلحة المرسلة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>المسألة الرابعة:\nالمصلحة المعتبرة حجة بالاتفاق</span>، والمصالح الملغاة ليست بحجة بالاتفاق.\nأما المصالح المرسلة فهي حجة بشروط هي كما يلي:\nالشرط الأول: أن تكون المصلحة المرسلة ضرورية، وهو ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها.\nالشرط الثاني: أن تكون المصلحة عامة كلية؛ لتعم الفائدة جميع المسلمين.\nالشرط الثالث: أن تلاءم تلك المصلحة مقاصد الشرع في الجملة فلا تكون غريبة.\nالشرط الرابع: أن تكون المصلحة قطعية، أو يغلب على الظن وجودها ولم يختلف في ذلك.","vol":"1","page":389},{"text":"ودل على حجيتها: إجماع الصحابة؛ حيث إن من تتبع الفتاوى الصادرة عنهم، ونظر إلى طرق اجتهاداتهم، علم أنهم كانوا يراعون المصالح، وينظرون إلى المعاني التي علموا أن القصد من الشريعة رعايتها، دون نكير من أحد، فكان إجماعًا.\nوأيضًا: لو لم نجعل المصلحة المرسلة دليلًا من الأدلة، للزم من ذلك خلو كثير من الحوادث من أحكام، ولضاقت الشريعة عن مصالح الناس، وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف المجتمعات والأزمان والأحوال، وهذا خلاف القاعدة الشرعية وهي: \" إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان \"، فلا بد من جعلها دليلًا من الأدلة الشرعية؛ لهذه القاعدة، ولأن النصوص قليلة، والحوادث كثيرة.\nوعلى هذا: يستدل بالمصلحة على أن المرأة البكر لا تغرَّب إذا زنت لأن في تغريبها تعريضًا لها للفساد، وُيستدل بها على قتل الجماعة بالواحد؛ لأنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى اتساع القتل به.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>الدليل السادس\nسد الذرائع</span>\nوفيه مسألتان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>المسألة الأولى:\nالذرائع: </span>جمع ذريعة، وهي: كل وسيلة مباحة قصد بها التوصل بها إلى المفسدة، أو لم يقصد بها التوصل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالبًا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها.\nفسد الذرائع هو: حسم مادة وسائل الفساد بمنع هذه الوسائل ودفعها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>المسألة الثانية:\nسد الذرائع حجة يُعمل به</span>، وُيستدل به على إثبات بعض الأحكام الشرعية، أو نفيها؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).\nفالله سبحانه هنا قد حرَّم سبَّ الأصنام التي يعبدها المشركون، لكون هذا السب ذريعة إلى أن يسبوا الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبِّنا لأصنامهم، فلذلك أمرنا بترك سبِّ أصنامهم؛ لأنه يؤدي إلى سبًّا الله تعالى، وهذا هو سد الذرائع.","vol":"1","page":391},{"text":"ولأن النبي - ﷺ - لم يقتل من ظهر نفاقه وقال: \" أخاف أن يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه \" وذلك سدًا للذرائع؛ حيث إن ذلك سيؤدي إلى نفور بعض الناس من الإسلام، ومفسدة التنفير أعظم من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.\nوالأخذ بدليل سد الذرائع راجع إلى الأخذ بدليل المصلحة.\nوبناء على حجية سد الذرائع: فإن الشخص لو مات وعليه زكاة لم يؤدها: فإنه لا يلزم الورثة إخراجها عنه من تركته؛ لأنه لو ألزمنا الورثة بذلك لأدى ذلك بأن يترك الإنسان أداء زكاته طول عمره اعتمادًا على أن الورثة سيخرجونها بعد موته، وربما يتخذ ذلك ذريعة للإضرار بهم.","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الدليل السابع\nالعُرف</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>المسألة الأولى:\nالعُرف هو: </span>ما يتعارفه أكثر الناس، ويجري بينهم من وسائل التعبير، وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه من الأعمال، ويعتادونه من شؤون المعاملات مما لم يوجد في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>المسألة الثانية:\nالعرف من حيث مصدره ثلاثة أقسام هي:</span>\nالقسم الأول: العُرف العام، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في جميع البلدان مثل عقد الاستصناع في الأحذية أو الألبسة أو نحو ذلك.\nالقسم الثاني: العُرف الخاص، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في بعض البلدان، مثل: إطلاق لفظ \" الدابة \" على الفرس عند أهل العراق بينما ذلك يختلف في مصر.\nالقسم الثالث: العُرف الشرعي، وهو: اللفظ الذي استعمله","vol":"1","page":393},{"text":"الشارع مريدًا منه معنى خاصًا مثل: \" الصلاة \" فإنها في الأصل: الدعاء، ولكن الشارع أراد بها شيئًا مخصوصًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>المسألة الثالثة:\nالعُرف من حيث سببه ومتعلَّقه قسمان هما:</span>\nالقسم الأول: العرف القولي واللفظي، وهو: أن يتعارف أكثر الناس على إطلاق لفظ على معنى ليس موضوعًا له، بحيث يتبادر إلى الذهن عند سماعه بدون قرينة ولا علاقة عقلية، كلفظ \" الدابة \"، فإنه لغة يطلق على كل ما يدبُّ على الأرض، وقد خصَّصه بعضهم بالفرس، وآخرون خصَّصوه بالحمار.\nالقسم الثاني: العرف الفعلي، وهو: ما كان موضوعه بعض الأعمال التي اعتادها الناس في أفعالهم العادية، أو معاملاتهم، كبيع المعاطاة وهي: أن يقول: أعطني بهذا الريال خبزًا فيعطيه ما يرضيه، أو أن يدفع الثمن ويأخذ السلعة بدون لفظ عن تراض بينهما، فهذا بيع صحيح ثبت عن طريق العرف.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>المسألة الرابعة:\nالعُرف حجة، ودليل شرعي تثبت به الأحكام الشرعية بشروط هي:</span>\nالشرط الأول: أن يكون العرف عامًا أو غالبًا.\nالشرط الثاني: أن يكون العرف مطردًا أو أكثريًا.\nالشرط الثالث: أن يكون العرف موجودًا عند إنشاء التصرف.\nالشرط الرابع: أن يكون العرف ملزمًا، أي: يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس.","vol":"1","page":394},{"text":"الشرط الخامس: أن يكون العرف غير مخالف لدليل معتمد.\nالشرط السادس: أن يكون العرف غير معارض بعُرف آخر في نفس البلد.\nفإذا توفرت هذه الشروط فإن العرف حجة، دل على ذلك: الاستقراء؛ حيث إنه بعد استقراء وتتبع أحكام الله تعالى وجدنا أنه سبحانه قد اعتبر العادات - التي هي: وقوع المسببات عن أسبابها العادية - ورتب عليها أحكامًا شرعية، فشرع القصاص لأنه سبب للانكفاف عن القتل عادة، وشرع النكاح لأنه عادة وعرفًا سبب لبقاء النسل عادة وعرفًا، وشرع التجارة: لأنها سبب لنماء المال عادة.\nوبناء على حجية العُرف: فإنه صح بيع المعاطاة - كما سبق - وكذلك يعْطى الأجير الصانع أجرة المثل، وإن لم تذكر الأجرة قبل العمل إذا كان منتصبًا للعمل.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الدليل الثامن\nالاستقراء</span>\nوفيه سائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>المسألة الأولى:\nالاستقراء هو: </span>الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته في الأمر الكلي الجامع لتلك الجزئيات.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>المسألة الثانية:\nالاستقراء نوعان:</span>\nالنوع الأول: استقراء تام، وهو ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثباته بالتتبع والتصفح لجميع الجزئيات ما عدا صورة النزاع.\nالنوع الثاني: استقراء ناقص، وهو: ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثبات بالتتبع والتصفح لأكثر الجزئيات ما عدا صورة النزاع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>المسألة الثالثة:\nالاستقراء التام حجة اتفاقًا</span>؛ لكونه يفيد القطع، حيث إنه ثبت عن طريق استقراء جميع الجزئيات.\nأما الاستقراء الناقص فهو حجة على الصحيح؛ حيث إنه","vol":"1","page":396},{"text":"يفيد الحكم ظنًا؛ وذلك لأن تصفح وتتبع أكثر الجزئيات مع تماثلها في الأحكام يوجد ظنًا غالبًا بأن حكم ما بقي من الجزئيات - وهو قليل - كذلك؛ حيث إنه معلوم: أن القليل يلحق بالكثير الغالب، والعمل بالظن الغالب واجب.\nوقلنا: إن الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظنًا، ولا يفيده قطعًا؛ لجواز أن يكون حكم ما لم يستقرًا بخلاف حكم ما استقرئ، فنظرًا إلى هذا الاحتمال الضعيف قلنا: إنه يفيد الحكم ظنًا.\nوبناء على حجية الاستقراء الناقص: نحكم بأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، للاستقراء؛ حيث إنا نرجع فيما لم ينص على حكمه إلى الوجود، وقد وجد بعد استقراء الحمل لأربع سنوات كنساء بني عجلان.\nوبناء عليه: حكم بعضهم بأن أكثر مدة النفاس ستون يومًا؛ للاستقراء، حيث إنه قد وجد بعد الاستقراء والتتبع: أن بعض النساء يرين النفاس هذه المدة، والاعتماد في هذا الباب على الوجود.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>الفصل الرابع\nفي الاجتهاد</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>المسألة الأولى:\nالاجتهاد هو: </span>بذل المجتهد ما في وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي عملي من دليل تفصيلي.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>المسألة الثانية:\nالاجتهاد يكون في الظنيات فقط </span>وهو يشمل الأقسام التالية:\nالقسم الأول: النص قطعي الثبوت ظني الدلالة، وهذا يكون في الآية والحديث المتواتر اللذين قد دل لفظهما على الحكم دلالة ظنية.\nالقسم الثاني: النص ظني الثبوت قطعي الدلالة، وهذا يكون في خبر الواحد الذي دل على معناه دلالة قطعية.\nالقسم الثالث: النص ظني الثبوت والدلالة معًا، وهذا يكون في خبر الواحد الدال على معناه دلالة ظنية.","vol":"1","page":398},{"text":"القسم الرابع: الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع، وهذا يكون في حادثة لم يرد حكمها في نص ولا في إجماع، فيبذل المجتهد ما في وسعه في تحصيل حكم لتلك الحادثة، وذلك باستعمال أدلة أرشده إليها الشارع كالقياس، والاستصحاب، وقول الصحابي، والاستحسان، وشرع من قبلنا، والمصلحة المرسلة، والعرف، وسد الذرائع وغيرها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>المسألة الثالثة:\nشروط المجتهد هي:</span>\nالشرط الأول: أن يكون عارفًا بكتاب الله تعالى وما يتعلَّق به، فإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة فلا بد أن يعرف: هل هي ناسخة أو منسوخة؛ وسبب نزولها، وأقوال الصحابة في تفسيرها، وأقوال كبار التابعين فيها وتفاسير علماء الشريعة لها، وأن يعرف ما يعارضها من آيات أخر أو أحاديث، وأن يعرف نوع دلالتها على الحكم، وإعرابها.\nولا يشترط حفظ القرآن، بل المشترط تذكر آيات الأحكام، فمثلًا لو نزلت حادثة تخص الأطعمة فإنه يعرف مواقع آيات الأطعمة، وكذلك مواضع آيات الحدود، وآيات النكاح والطلاق والرضاع والنفقات ونحو ذلك.\nالشرط الثاني: أن يكون عارفًا بالسنة، فإذا أراد الاستدلال بحديث على حكم حادثة، فإنه لا بد أن يعرف عنه مثل معرفته عن الآية كما قلنا سابقًا.\nويزاد في الحديث: معرفة سند الحديث، وطريق وصوله إلينا، وحال رواته من العدالة والضبط ونحو ذلك.\nالشرط الثالث: أن يكون عالمًا بالمجمع عليه من الأحكام،","vol":"1","page":399},{"text":"وذلك لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على حكمها. الشرط الرابع: أن يكون عالمًا بالمختلف فيه من الأحكام، فيعرف المسألة وأدلة كل فريق، لذا حرص الأئمة الأربعة ومن تبعهم على معرفة الاختلافات والمناظرات والمحاورات في المسائل التي اختلف فيها بين الصحابة.\nالشرط الخامس: أن يكون عالمًا بعلم أصول الفقه؛ فمن جهله لا يمكنه ترتيب الأدلة، ومعرفة الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها، فلا بد من معرفته؛ ليعرف تلك الأدلة وشروطها، وأدلة ثبوتها، وفك التعارض بينها.\nالشرط السادس: أن يكون عالمًا بالقياس؛ حيث إن أكثر من نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروطه وتفاصيل مسائله. قال الإمام الشافعي: \" من لم يعرف القياس فليس بفقيه \"، وقال الإمام أحمد: \" لا يستغني أحد عن القياس \".\nالشرط السابع: أن يكون عالمًا باللغة العربية وقواعدها من لغة ونحو وبلاغة وبديع، وأن يعرف كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، والرسول - ﷺ - من أفصح العرب، فلا يمكن لأي شخص أن يعرف ما تدل عليه ألفاظهما إلا بمعرفة اللغة العربية، فبسبب معرفته لذلك يستطيع أن يفرق بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه، ومتشابهه، ومطلقه، ومقيده، ونصه، وفحواه، ولحنه، ومنطوقه، ومفهومه.\nالشرط الثامن: أن يكون عارفًا بمقاصد الشريعة، فيعرف المجتهد مقاصد الشارع العامة من تشريع الأحكام.","vol":"1","page":400},{"text":"الشرط التاسع: أن يكون خبيرًا بمصالح الناس، وأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم.\nالشرط العاشر: أن يكون عدلًا مجتنبًا للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس بعدل وتوفرت فيه شروط المجتهد السابقة، فإنه لا تقبل فتواه ولا اجتهاده، ولا يعمل بها الآخرون، أما هو فيجب عليه أن يعمل باجتهاده.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>المسألة الرابعة:\nالاجتهاد يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، ويكون مندوبًا، ويكون محرمًا</span>، وإليك بيان ذلك:\nأولًا: يكون الاجتهاد فرض عين في حالتين:\nالحالة الأولى: اجتهاد المجتهد في حق نفسه فيما نزل به؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلِّد غيره في حق نفسه.\nالحالة الثانية: اجتهاد المجتهد في حق غيره إذا تعين عليه الحكم فيه بأن لا يوجد في العصر إلا هو، أو ضاق الوقت فإنه يجب عليه الاجتهاد على الفور، لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز.\nثانيًا: يكون الاجتهاد فرض كفاية عندما تنزل حادثة بأحد، فاستفتى العلماء، أو عين واحدًا أو طائفة، فإن الوجوب هنا يكون فرضًا عليهم جميعًا، فإن أجاب واحد منهم عنها سقط الفرض عن الجميع، وإن أمسكوا مع ظهور الصواب أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عُذروا.\nثالثًا: يكون الاجتهاد مندوبًا إليه في حالتين هما:","vol":"1","page":401},{"text":"الحالة الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة حكمها قبل وقوعها.\nالحالة الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل وقوعها.\nرابعًا: يكون الاجتهاد محرمًا في حالتين هي:\nالحالة الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نص أو إجماع.\nالحالة الثانية: أن يقع الاجتهاد ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد فيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>المسألة الخامسة:\nيجوز تجزؤ الاجتهاد</span>، أي: يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب، فالشخص العارف لمسألة المشركة - وهي: زوج وذات سدس، وإخوة لأم وإخوة أشقاء - يجوز له أن يجتهد فيها بشرط: إحاطته بعلم الفرائض إجمالًا وأركانه وشروطه، وإن كان جاهلًا بأي مسألة أخرى من باب الفرائض.\nوقلنا ذلك: لأنه لو كان العمل في جميع مسائل الفقه شرطًا لبلوغ درجة الاجتهاد وشرطًا لقبوله منه: لكان توقف بعض الصحابة - ﵃ - وبعض الفقهاء في بعض المسائل وعدم قدرتهم على ذلك مخرجًا لهم عن الاجتهاد، ولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث إن توقف بعض الصحابة وبعض الفقهاء لم يخرجهم عن زمرة المجتهدين.","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>المسألة السادسة:\nيجوز الاجتهاد في زمان النبي - ﷺ </span>-؛ لأن النبي - ﷺ - قد أذن بذلك لبعض الصحابة؛ حيث إنه قد جاءه خصمان يختصمان، فقال النبي - ﷺ - لعمرو بن العاص: \" أقض بينهما يا عمرو \"، فقال عمرو: أنت أولى مني يا رسول الله، قال: \" وإن كان \"، قال عمرو: فإن قضيت بينهما فما لي؟ قال: \" إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة \".\nوقال النبي - ﷺ - لعقبة بن عامر ولرجل من الأنصار: \" اجتهد فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة \".\nولأن النبي - ﷺ - قد فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ، حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم باجتهاده، فقال الرسول - ﷺ - له: \" لقد حكمت بحكم الله فوق سبعة أرقعة \".\nوبناء على ذلك: فإنه يجوز الاجتهاد بين مياه تنجس بعضها وهو على شاطئ البحر، ويجوز الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى اليقين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>المسألة السابعة:\nيجوز الاجتهاد للنبي - ﷺ </span>- وهو واقع منه؛ لعموم قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، والرسول - ﷺ - أعلى أهل البصائر وأرفعهم منزلة.","vol":"1","page":403},{"text":"ولقياسه على داود وسليمان ﵉.\nولوقوعه منه - ﷺ -؛ حيث اجتهد في أسرى بدر، واجتهد في نزوله ببدر دون الماء فقال له الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي والمكيدة فأنزل بالناس دون الماء لنحول بينه وبين العدو، فقال لهم: \" ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد \" ورجع إلى قوله.\nوبناء على ذلك: فإنه يجوز للمجتهد أن يكتفي بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر على الاستدلال عليه بدليل قطعي، فيجوز - مثلًا - الاجتهاد فى أوقات الصلاة والقبلة مع إمكان الصبر إلى اليقين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>المسألة الثامنة:\nيجوز الخطأ فى اجتهاده - ﷺ </span>-، لقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣»، وقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ)، فقد بين الله تعالى خطأ اجتهاد النبي - ﷺ - لما أذن للذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، ولما أخذ المال عوضًا عن أسرى بدر.\nولقوله - ﷺ -: \" إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء","vol":"1","page":404},{"text":"من حق أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>المسألة التاسعة:\nالمصيب واحد من المجتهدين في الفروع</span>، أي: إذا حدثت حادثة في الفروع، ولم يوجد دليل قاطع في حكمها من نص أو إجماع، فإنا نعلم أن لله تعالى فيها حكمًا شرعيًا معينًا، فيطلب المجتهدون ذلك الحكم بشتى أنواع الاجتهاد، فمن أدركه كان مصيبًا، ومن لم يدركه كان مخطئًا لا إثم عليه، ولا يقطع بخطأ واحد من المجتهدين، ولا يقطع بإصابة واحد بعينه.\nوقلنا ذلك؛ لإجماع الصحابة السكوتي، حيث إنه قد انتشرت عن الصحابة - ﵃ - وقائع ومسائل خطأ بعضهم بعضًا فيها، وصرَّحوا بلفظ الخطأ والإنكار كقول ابن عباس - يعني زيد بن ثابت في مسألة الجد والإخوة -: \" ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا \".\nوقال علي ﵁ - يعني عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف -: \" إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشاك عليك الدية، قاله لعمر بن الخطاب لما أرسل إلى امرأة فأفزعها فأجهضت فسأل عثمان وعبد الرحمن فقالا: \" لا شيء عليك إنما أنت مؤدب \"، وغير ذلك.\nفلو كان كل مجتهد في ذلك مصيبًا لما خطأ بعضهم بعضًا، بل كان يقول بعضهم لبعض: \" أنا مصيب وأنت مصيب \".","vol":"1","page":405},{"text":"ولقوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)، حيث إن الله قد بين أن المصيب واحد.\nوبناء على ذلك: فإن من صلَّى خلف من توضأ وهو تارك للنية، أو الترتيب، أو أي شيء مما اختلف فيه فإنه تجب الإعادة على من يرى وجوب النية في الوضوء أو الترتيب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>المسألة العاشرة:\nإذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز عن الترجيح: </span>فإن عليه أن يتوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من الآخر بأي أمارة، فإن لم يعلم: فإنه يسقطهما، ويعمل بالبراءة الأصلية، ولا يجوز التخيير بينهما، ولا العمل بأحدهما؛ لأن تخيير المجتهد في الأخذ بأحد الدليلين المتعارضين عنده يؤدي إلى باطل، وما يؤدي إلى باطل فهو باطل؛ لأنه يلزم من التخيير الجمع بين النقيضين؛ حيث إنه لو تعارض دليل مبيح مع دليل محرم، فخيَّرنا المجتهد بين كونه محرمًا يأثم بفعله، وبين كونه مباحًا لا إثم على فعله: كان ذلك جمعًا بين هذين المتناقضين وهو باطل كما قلنا.\nوبناء على ذلك: فإنه يجوز الاستدلال بالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>المسألة الحادية عشرة:\nلا يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والتحليل في وقت واحد</span>؛ لأنه بعد استقراء وتتبع ما روي عن الصحابة من الفروع الفقهية الكثيرة: لم يرو عن واحد منهم أنه قال في مسألة واحدة قولين متضادين في وقت واحد، وهذا يدل على عدم الجواز.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>المسألة الثانية عشرة:\nالمجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم كلها حاصلة عنده</span>، وعنده القدرة على الاجتهاد: فإنه لا يجوز أن يقلِّد غيره من المجتهدين مطلقًا، أي: سواء مع ضيق الوقت أو سعته، وسواء فيما يخصه، أو فيما يخص غيره ويفتي به، وسواء كان المجتهد الآخر مثله في العلم، أو أقوى منه؛ لأن الصحابة - ﵃ - قد سوَّغوا الخلاف لصغار الصحابة كابن عباس وابن عمر، وابن الزبير، وزيد، وعائشة، وغيرهم من أحداث الصحابة، حيث كانوا يخالفون كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي وعثمان.\nولقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)؛ حيث إن المجتهد من أولي الأبصار الذين أمرهم الله تعالى بالاعتبار والاجتهاد، فلو جاز له تقليد غيره لكان تاركًا ما وجب عليه، وترك الواجب حرام. فكان تقليده لمجتهد آخر حرامًا.","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>المسألة الثالثة عشرة:\nإذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل هذا الحكم بعلة توجد في مسائل أخرى </span>- سوى المنصوص عليها - فإن مذهبه في تلك المسائل هو مذهبه في المسألة المعللة؛ لأن المجتهد جعل الحكم تابعًا للعلة، أي: يوجد الحكم حيث وجدت العلة.\nفمثلًا: المجتهد اعتقد أن وجوب النية لعلة هي: \" الطهارة عن الحدث \"، فكل ما وجدت هذه العلة فيه يجب أن يكون الحكم موجودًا فيه، وهو: وجوب النية، فالوضوء طهارة عن حدث، والغسل عن الحيض طهارة عن حدث، فيجب أن يوجد الحكم، وهو: وجوب النية وهكذا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>المسألة الرابعة عشرة:\nإذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر علة ذلك الحكم</span>، ووجد مسألة أخرى تشبهها شبهًا يجوز أن يخفى على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز أن يجعل ذلك الحكم مذهبه في المسألة الأخرى، أي: لا يجوز أن يحكم بحكم تلك المسألة المنصوص عليه، ويجعل في المسألة الأخرى المشابهة؛ لأن تلك المسألة المشابهة الأخرى لم يتناولها لفظ المجتهد في المسألة الأولى، ولا أشار إليها لا من قريب ولا من بعيد، ولم تخطر على بال ذلك المجتهد، ويمكن لو خطرت على باله، أو عرضت عليه: لصار فيها إلى حكم آخر غير حكم المسألة التي نص على حكمها.","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المسألة الخامسة عشرة:\nإذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص في مسألة أخرى تشبهها على حكم آخر: </span>فإنه لا يجوز نقل حكم المسألة الأولى، وجعله في الثانية، ولا يجوز العكس؛ لأن المذهب إنما يضاف إلى المجتهد إذا قاله ونص عليه، أو دل عليه بدلالة تجري مجرى نصه من تنبيه وغيره، فإذا عدم شيء من ذلك لم يجز إضافته إليه، وقد تكون تلك المشابهة نوعًا من الدلالة من المجتهد على حكم المسألة الأخرى لكن المجتهد نفسه قد نص على خلاف تلك الدلالة، وإذا تعارضت الدلالة مع النص الصريح: فإنه يقدم النص الصريح.\nوبناء على ذلك: فإنه لا يجوز أن يكون للمجتهد في كل مسألة منهما قولان.\nولا يكون هذا طريقًا لمعرفة مذهب المجتهد.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>المسألة السادسة عشرة:\nإذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة حكمان مختلفان كالتحريم والإباحة</span>، وصح هذا النقل عنه: فإنه لا يجوز أن يقول كل واحد منهما في وقت واحد وفي حالة واحدة - كما سبق.\nإذن: لا بد أن يقول هذين الحكمين المختلفين في وقتين مختلفين، وهذا لا يخلو: إما أن لا نعلم الرواية الأخيرة، أو نعلمها.","vol":"1","page":409},{"text":"فإن لم نعلم الرواية الأخيرة عن هذا المجتهد: أي: لم نعلم تقدم إحداهما على الأخرى: فإنا ننظر في هذين الحكمين: فإن كان أحدهما أشبه من الآخر بأصول ذلك المجتهد: فإنا نجعله مذهبه، ويكون الآخر مشكوكًا فيه ولا يعمل بالشك.\nوإن علمنا الرواية الأخيرة: فإنا نجعل الرواية الأخيرة عنه هي مذهبه في المسألة، وتكون الرواية الأولى قد رجع عنها، فلا تضاف إليه، لأنها تكون كالمنسوخ، والرواية الأخيرة كالناسخ.\nوبناء على هذا: فإنه يُنسب إلى المجتهد الرواية الأخيرة، وتكون مذهبًا له، والرواية الأولى تكون باطلة ومنسوخة.","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>الفصل الخامس\nفي التقليد</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>المسألة الأولى:\nالتقليد هو: </span>قبول مذهب الغير من غير حجة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>المسألة الثانية:\nلا يجوز التقليد في أصول الدين</span>، وهي: المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد كمعرفة الله تعالى، ووحدانيته، وصحة الرسالة، والأسماء والصفات، ووجود الله تعالى، وما يجب له، وما يجوز عليه، وما يستحيل عليه، فيجب على العالم والعامي معرفة ذلك بغير تقليد، لأن أدلة أصول الدين قليلة وواضحة، وأكثرها قد أخذ من الواقع، فيعرفها العامي كما يعرفها العالم، وإن كان العامي لا يقدر على أن يعبر عنها بالألفاظ الكلامية فإن ذلك لا يضره، لأن ذلك عجز عن العبارة، لا عن المعنى المحصِّل للمعرفة، بخلاف أدلة الفروع فإنها كثيرة ومتنوعة، وتحتاج إلى دقة في النظر.","vol":"1","page":411},{"text":"ولأنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي للمجتهد في الفروع؛ حيث إن الإثم محطوط عن المجتهد إذا أخطأ، وهذا بخلاف أصول الدين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>المسألة الثالثة:\nلا يجوز التقليد في أركان الإسلام إجمالًا </span>- وهي: الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج -؛ لأنها ثبتت بالتواتر، ونقلتها الأمة خلفًا عن سلف، وتفقتها الأمة بالقَبول، فمعرفة العامي فيها توافق معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار التواتر عن البلدان كالصين والهند.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>المسألة الرابعة:\nيجوز تقليد العامي للعالم في فروع الدين </span>- كتفصيلات مسائل الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والمعاملات، والعقوبات ونحو ذلك - لإجماع الصحابة - ﵃ - والتابعين؛ حيث إن هؤلاء كانوا يُسألون عن الأحكام فيفتون، ولم يقل أحد منهم: اذهب أيها السائل واعرف الحكم بنفسك، وكان السائل يتبع المجتهد فيما يقول، وكان العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق الحكم، ولم ينكر أحد ذلك، فكان ذلك إجماعًا منهم على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقًا.\nولقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ","vol":"1","page":412},{"text":"لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، حيث إن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط وهم المجتهدون.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>المسألة الخامسة:\nطرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه</span>.\nالطريق الأول: انتصاب ذلك الشخص للفتيا بمشهد من أعيان العلماء، دون أن ينكروا عليه ذلك.\nالطريق الثاني: أخذ الناس عنه، واجتماعهم على سؤاله والعمل بما يقول، دون منكر.\nالطريق الثالث: ما يظهر على ذلك الشخص المفتي من علامات وصفات الدِّين والتقوى والعدالة والورع.\nالطريق الرابع: أن يخبره عدل ثقة عنده بأن هذا عالم عدل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>المسألة السادسة:\nمجهول الحال في العلم لا يجوز تقليده، ولا العمل بفتواه</span>؛ لأنا لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول، بل قد يكون أجهل من السائل، وهذا الاحتمال قوي؛ لأن الأصل عدم العلم؛ حيث إن الغالب إنما هم العوام، لذلك لا بد أن يُسأل عنه فإن كان عالمًا قلده وإلا فلا.","vol":"1","page":413},{"text":"ولعدم قبول رواية مجهول الحال في الخبر، فكذلك لا يجوز قبول فتوى مجهول الحال في العلم ولا فرق، والجامع: أن كلًا منهما متبع فيما يقول.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>المسألة السابعة:\nإذا كان في البلد مجتهدان فأكثر فللعامي أن يسأل من شاء </span>ممن غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد، ويتخيَّر، ولا يلزمه أن يسأل الأعلم والأفضل لأن الصحابة - ﵃ - كان فيهم الفاضل والمفضول؛ لقوله - ﷺ -: \" أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ. . . \". وكان فيهم العوام، ومن فرض ذلك اتباع الفاضلين، والأخذ بقولهم لا غير، ولكن الواقع خلاف ذلك؛ حيث إن العوام منهم كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل، بدون نكير من أحد، فهذا واضح الدلالة على أن العامي والمستفتي له أن يتخير بين الفاضل والمفضول.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>المسألة الثامنة:\nإذا سأل العامي مجتهدَين عن حكم حادثة</span>، فحكم أحدهما بالتحريم، وحكم الآخر بالإباحة، وأحدهما أفضل من الآخر من حيث العلم: فإن هذا العامي يأخذ بقول وحكم الأفضل، ويترك قول وحكم المفضول، ولا يتخير؛ قياسًا على المجتهد؛ حيث إنه","vol":"1","page":414},{"text":"كما أن المجتهد إذا تعارض عنده دليلان: أحدهما يحرِّم، والآخر يبيح، فإنه يأخذ بأرجحهما وأقواهما في ظنه، فكذلك العامي يتبع ظنه في الترجيح بين المجتهدين المتفاضلين.\nوبناء على ذلك: فإنه لو اختلف مجتهدان في القبلة فإن الثالث يقلِّد أوثقهما وأعلمهما بجهات القبلة عنده.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>المسألة التاسعة:\nإذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهما في جميع الأحوال</span>، وأحد المجتهدين قد أفتى بحكم أشد من الحكم الذي أفتى به الآخر، فإن العامي يتخير بين الحكمين: فإن شاء أخذ بالأخف وإن شاء أخذ بالأشد، لأنه ليس قول أحدهما بأفضل وأقوى وأولى من قول الآخر، فلا مجال للمفاضلة بينهما - في هذه الحالة - ولو أراد أن يفاضل بينهما لما استطاع.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>الفصل السادس\nفي التعارض والجمع والترجيح</span>\nوفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>المسألة الأولى:\nالتعارض هو: </span>تقابل الدليلين على سبيل الممانعة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>المسألة الثانية:\nشروط التعارض هي:</span>\nالشرط الأول: أن يكون الدليلان متضادين تمام التضاد، بأن يكون أحدهما يحرِّم والآخر يبيح.\nالشرط الثاني: أن يتساوى الدليلان في القوة، فلا تعارض بين متواتر وآحاد، ولا بين ما دلالته قطعية وما دلالته ظنية.\nالشرط الثالث: أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد؛ لأن اختلاف الزمن ينفي التعارض.\nالشرط الرابع: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد، لأن التضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين.","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>المسألة الثالثة:\nإذا ثبت تعارض دليلين </span>فإنا نقدم الجمع بينهما بأي طريق، فإن تعذر الجمع بينهما، فإنا نرجح أحدهما على الآخر بأي وجه من وجوه الترجيح، فإن تعذر كل ما سبق، فإنا نحكم بسقوط الدليلين المتعارضين ونستدل على حكم الحادثة بالبراءة الأصلية، وكأن الدليلين المتعارضين غير موجودين.\nوقلنا: بتقديم الجمع على الترجيح؛ لأن الدليلين المتعارضين قد ثبتا، ويمكن استعمالهما معًا، وبناء أحدهما على الآخر، فلا يمكن إلغاؤهما، أو إلغاء واحد منهما إذا أمكن العمل بكل واحد منهما ولو من وجه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>المسألة الرابعة:\nالترجيح </span>- وهو: تقديم المجتهد لأحد الدليلين المتعارضين؛ لما فيه من مزية معتبرة تجعل العمل به أولى من الآخر - لا يوجد إلا بين الدليلين المتعارضين؛ لأنه لولا التعارض لما وجدت حاجة إلى الترجيح والبحث عنه بعد تعذر الجمع، فلم يلجأ المجتهد إلى الترجيح إلا من أجل التخلص من ذلك التعارض.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>المسألة الخامسة:\nلا يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين سواء كانا نقليين، أو عقليين</span>، لأن الترجيح لا بد أن يكون موجبًا لتقوية أحد الدليلين","vol":"1","page":417},{"text":"المتعارضين على الآخر، والدليل المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان، فلا يطلب فيه الترجيح.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>المسألة السادسة:\nيجب العمل بالراجح من الدليلين المتعارضين</span>؛ لإجماع الصحابة ﵃، فقد كانوا يعملون بالراجح من الدليلين ويتركون العمل بالمرجوح منهما، فقد عملوا بحديث: \" إذا التقا الختانان فقد وجب الغسل \"، وتركوا العمل بحديث: \" إنما الماء من الماء \".\nولأنه لو لم نعمل بالراجح: للزم العمل بالمرجوح، ولا شك أن ترجيح المرجوح على الراجح ممتنع عقلًا، فلم يبق إلا العمل بالراجح.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>المسألة السابعة:\nيجوز الترجيح بكثرة الأدلة</span>؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يرجحون بكثرة العدد، فلم يعمل أبو بكر بخبر المغيرة \" أن النبي - ﷺ - أطعم الجدة السدس \" حتى شهد معه محمد بن مسلمة، وأن عمر لم يعمل بخبر \" من استأذن ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع \" حتى شهد مع الراوي بعض الصحابة. فالعدد الكثير يتقوى به الخبر، كذلك الأدلة يتقوى بها الحكم؛ حيث إن الكثرة أقرب إلى الصحة من القلة.","vol":"1","page":418},{"text":"وبناء على ذلك: فإنه إذا ادعى رجلان شيئًا وهو في يد أحدهما، وأقام كل واحد منهما بينة، فإنا نقدم بينة ذي اليد على بينة الآخر؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، وترجَّحت بينة ذي اليد، لكون الشيء المتنازع عليه معه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>المسألة الثامنة:\nطرق الترجيح بين منقولين</span>.\nالطريق الأول: يرجح الخبر الذي كان راويه قريبًا من الرسول - ﷺ -، لأن الراوي القريب أوعى للحديث من البعيد، وأكثر سماعًا له منه، فيكون القريب أبعد عن احتمال الخطأ.\nالطريق الثاني: يرجح الخبر الذي كان راويه كبير السن؛ لأن الغالب أن كبير السن يكون أقرب الناس مجلسًا إلى النبي - ﷺ - حيث قال: \" ليليني أولوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم \".\nولأن الغالب في الكبار أنهم يحترزون عن الكذب.\nالطريق الثالث: يرجح الخبر الذي كان راويه متأخرًا عن الإسلام؛ لأن تأخره في الإسلام يدل على تأخره في روايته، فهو يحفظ آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -.\nالطريق الرابع: يرجح الخبر الذي كان راويه كثير الصحبة، لأن كثير المصاحبة للنبي - ﷺ - أعلم برواية الحديث وأحفظ لها، وأكثر استيعابًا لأقوال النبي - ﷺ - وأفعاله، وأعلم بمقاصده.","vol":"1","page":419},{"text":"الطريق الخامس: يرجح الخبر الذي كان راويه قد سمع الحديث من غير حجاب، لأن رؤية المحدث تعين المسموع منه، بخلاف راوي الحديث مع وجود حجاب، حيث إن الأول يكون آمنًا من تطرق الخلل الموجود في الرواية الأخرى.\nالطريق السادس: يرجح الخبر الذي كان راويه قد اتفق على عدالته؛ لأن المتفق عليه مقدَّم على المختلف في عدالته في كل شيء.\nالطريق السابع: يرجح الخبر الذي كان راويه تتعلق القصة به أو كان سفيرًا فيها، لأنه أعرف بتفاصيل الموضوع، وأعلم بالقضية من غيره، فتكون روايته أقرب إلى الصحة.\nالطريق الثامن: يرجح الخبر الذي كان راويه فقيهًا؛ لأنه أعلم بدلالات الألفاظ، وأعلم باستنباط الأحكام الشرعية منها، فهو يميز بين ما يجوز وما لا يجوز، وما يدل على الحكم بظاهره وما يدل على الحكم بغير ذلك، ويعلم اللفظة من الخبر الدالة على الحكم فيعتني بها.\nبخلاف الراوي غير الفقيه فإنه يروي ما يسمعه دون الاعتناء باللفظة المهمة في الحديث، فيكون احتمال الخطأ في كلام الفقيه أقل.\nالطريق التاسع: يرجح الخبر الذي كان راويه حسن الاعتقاد؛ لأن الثقة بكلام الراوي حسن الاعتقاد أكثر من غيره.\nالطريق العاشر: الترجيح بكون الراوي ورعًا، لأن ورعه يمنعه من التساهل بنقل الخبر بخلاف غير الورع.\nالطريق الحادي عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه أعلم باللغة العربية؛ لأنه إذا سمع خبرًا وعرف أن ما فيه لا يحمل على ظاهره بحث عنه، وعن سبب وروده، وعن اشتقاقات كلماته حتى","vol":"1","page":420},{"text":"يزول الإشكال، فيكون الوثوق بروايته أكثر من غير العارف باللغة العربية.\nالطريق الثاني عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه راجح العقل؛ لأن عقله يمنعه من التساهل بالرواية، بخلاف خفيف العقل، أو الذي يعتريه خلل عقلي في بعض الأوقات.\nالطريق الثالث عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه قد زكي بعدد أكثر؛ لأنه يغلب على الظن صدق روايته أكثر من الراوي الذي زكَّاه عدد أقل.\nالطريق الرابع عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه مشهورًا بالحفظ والإتقان والضبط؛ لأن شهرته في هذه الأمور تؤدي إلى كثرة الثقة به، وقوة الاعتماد عليه، وقلة احتمال الخطأ والغلط منه، بخلاف الراوي غير المشهور بهذه الأمور.\nالطريق الخامس عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه مشهور النسب؛ لأن علو النسب والاشتهار به يسبب كثرة احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة، بخلاف الراوي غير مشهور النسب.\nالطريق السادس عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه مشهورًا بدقة الإسناد، لأن دقة الإسناد توجب علم الطمأنينة، فيكون قريبًا من اليقين، بخلاف الراوي غير المشهور بذلك.\nالطريق السابع عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه لم يلتبس اسمه بغيره لأنه أبعد من الاضطراب والشك، بخلاف الراوي الذي التبس اسمه بأسماء الضعفاء.\nالطريق الثامن عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه أكثر","vol":"1","page":421},{"text":"ملازمة للشيخ المحدِّث؛ لأنه يكون أعرف بطرق الأحاديث، وطرق روايتها، وشروطها، بخلاف قليل الملازمة للشيخ المحدِّث.\nالطريق التاسع عشر: يرجح الخبر الذي قد كثر رواته؛ لأن قول الجماعة أقوى في الظن وأبعد عن السهو والغلط والكذب؛ لذلك تجد الناس في أمورهم العادية يميلون ويأخذون بالأقوى، ولا شك أن الخبر الذي رواته أكثر أقوى من الخبر الذي رواته أقل.\nالطريق العشرون: يرجح خبر المتواتر على الآحاد والمشهور؛ لأن المتواتر يفيد القطع، بخلاف خبر الآحاد والمشهور فإنه لا يفيد إلا الظن، والقطع مقدَّم على الظن.\nالطريق الواحد والعشرون: يُرجح المسند على المرسل، لأن المرسل يكون بينه وبين الرسول - ﷺ - مجهول، وهذا الاحتمال منتف في المسند، فيرجح ما لا يحتمل على ما يحتمل.\nولأن الاعتماد في حجية الحديث على السند وصحته، وهذا يكون بالعلم بحال الرواة، والعلم بذلك متحقق في المسند بخلاف المرسل، ولهذا تقبل شهادة الفرع إذا عرف شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلًا.\nالطريق الثاني والعشرون: يرجح الخبر قليل الوسائط؛ لأن قليل الوسائط بين الراوي وبين النبي - ﷺ - أبعد عن احتمال الخطأ والكذب، وأقوى في الظن اتصاله برسول الله - ﷺ -.\nالطريق الثالث والعشرون: يرجح الخبر قوي الدلالة على","vol":"1","page":422},{"text":"الحكم: فيرجح الخاص على العام، ويرجح المقيد على المطلق، وُيرجح الدال على الحكم بمفهوم الموافقة على الدال على الحكم بمفهوم المخالفة، ويرجح الخبر الدال على الحكم بمفهوم الشرط على الخبر الدال على الحكم بمفهوم العدد، ويرجح الخبر الدال على الحكم مع ذكر العلة، على الخبر الدال على الحكم بدون ذكر العلة، ونحو ذلك، وقلنا ذلك؛ لقوة دلالته على الحكم، والقوي يرجح على الضعيف.\nالطريق الرابع والعشرون: يرجح الخبر المروي باللفظ، لأنه يكون أغلب على الظن بكونه من كلام النبي - ﷺ -.\nولأنه المروي باللفظ متفق على جواز روايته وعلى كونه حجة، بخلاف الخبر المروي بالمعنى فقد اختلف فيه، والمتفق عليه مقدم على المختلف فيه.\nالطريق الخامس والعشرون: يرجح الخبر الذي قد أكد لفظه، لأنه يكون أبعد عن تطرق الخطأ إليه، بخلاف الذي لم يؤكد لفظه.\nالطريق السادس والعشرون: يرجح الخبر الذي يكون لفظه مستقلًا على الخبر الذي لم يستقل بإفادة الحكم بل احتاج إلى إضمار؛ لأن المستقل بنفسه قد علمنا المراد منه، أما المحذوف منه ربما يلتبس عليه ما هو المضمر منه.\nالطريق السابع والعشرون: يرجح الخبر الذي سلم متنه من الاضطراب على غير السالم؛ لأن ما لا اضطراب فيه أشبه بقول الرسول - ﷺ -.\nالطريق الثامن والعشرون: يرجح الخبر المروي في ثنايا قصة","vol":"1","page":423},{"text":"مشهورة؛ لأنه أقوى في النفوس، وأقرب إلى السلامة من الغلط مما يرويه المنفرد بدون قصة.\nالطريق التاسع والعشرون: يرجح الخبر القولي على الخبر الفعلي، لأن القول أصرح بالحكم من الفعل.\nالطريق الثلاثون: يرجح الخبر الفعلي على التقريري، لأن الفعل أقوى من التقرير.\nالطريق الواحد والثلاثون: يرجح الخبر الذي متنه قد تضمن نهيًا على الخبر الذي تضمن أمرًا؛ لأن الغالب في النهي دفع المفسدة الموجودة في المنهي عنه، والغالب في الأمر بالشيء جلب المصلحة الموجودة في المأمور به، واهتمام الشارع بدفع المفاسد أكثر وأشد من اهتمامه بجلب المصالح.\nالطريق الثاني والثلاثون: ترجيح الخبر الذي يدرأ الحد على الموجب له؛ لأن الحد ضرر والضرر يزال، ولقوله - ﷺ -: \" ادرأوا الحدود بالشبهات \".\nالطريق الثالث والثلاثون: ترجيح الخبر الناقل عن البراءة الأصلية والآتي بحكم جديد على الخبر المبقي عليها؛ لأن الناقل يفيد التأسيس والمبقي يفيد التأكيد، والتأسيس أولى من التأكيد.\nولأنه يوجد في الخبر الناقل زيادة علم، وما أفاد الزيادة يقدم على غيره.\nالطريق الرابع والثلاثون: يرجح الخبر المفيد للوجوب على الخبر المفيد للإباحة أو الكراهة، أو الندب، لأن تارك الواجب مستحق للعقاب بخلاف تارك المباح والمندوب والمكروه، فيكون ذلك أحوط للدِّين.","vol":"1","page":424},{"text":"الطريق الخامس والثلاثون: يُرجح الخبر المحرِّم على الموجب؛ لأن الغالب أن التحريم يكون لدفع مفسدة، والموجب إنما يكون لجلب مصلحة، واهتمام الشارع بدرء المفاسد أكثر من اهتمامه بجلب المصالح، وقد سبق.\nالطريق السادس والثلاثون: يرجح الخبر المفيد للتحريم على ما يفيد الإباحة، لقوله - ﷺ -: \" ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال \".\nولأن العمل بمقتضى الحرام أحوط؛ لأن ملابسة الحرام توقع في الإثم، بخلاف ملابسة المباح فلا توجب ذلك.\nالطريق السابع والثلاثون: يرجح الخبر المثبت للطلاق والعتاق على نافيهما، لأن الأصل عدم القيد، ولأن المثبت عنده زيادة علم لا توجد عند النافي.\nالطريق الثامن والثلاثون: يُرجح الخبر المفيد لحكم أثقل وأشد على الخبر المفيد لحكم أخف؛ لأن زيادة شدته ومشقته وثقله تدل على تأكد المقصود، وفضله على الأخف الأيسر، فالمحافظة عليه أولى.\nالطريق التاسع والثلاثون: يرجح الخبر المحرم، على الخبر المفيد لكراهة؛ احتياطًا؛ لأن فعل الحرام يستوجب العقوبة بخلاف فعل المكروه.\nالطريق الأربعون: يرجح الخبر الموافق لآية من القرآن؛ لأنها أفادت زيادة قوة في الظن في الخبر، بخلاف غير الموافق لآية.","vol":"1","page":425},{"text":"الطريق الواحد والأربعون: يرجح الخبر الموافق لخبر آخر؛ لأن الخبر الذي وافقه قد أفاد زيادة قوة في الظن في الخبر الموافق له.\nالطريق الثاني والأربعون: يرجح الخبر الموافق للقياس؛ لما قلناه في موافقته لآية أو لحديث.\nالطريق الثالث والأربعون: يُرجح الخبر المعمول به؛ لأن\nعملهم به يدل على أنه كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -، بخلاف الخبر غير المعمول به.\nالطريق الرابع والأربعون: يرجح الخبر الذي اقترنت به قرائن تدل على تأخر وقته، على الخبر الذي لم يقترن به ذلك؛ لأن المتأخر يكون هو آخر الأمرين من النبي - ﷺ -، فيجب العمل به، فيكون ناسخًا للخبر الذي لم يقترن به ذلك.\nالطريق الخامس والأربعون: يُرجح الخبر الذي اشتمل على زيادة على الخبر الذي لم يشتمل على تلك الزيادة؛ لأن دلالة الخبر الذي فيه زيادة دلالة ناطق، ودلالة الخبر الذي لم يشتمل على الزيادة، دلالة ساكت، ودلالة الناطق مقدمة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>المسألة التاسعة:\nطرق الترجيح بين معقولين: </span>وهو الترجيح بين الأقيسة:\nالطريق الأول: يرجح القياس الذي حكم أصله قطعي على القياس الذي حكم أصله ظني، لأن ما كان حكم أصله ظنيًا يتطرق إليه الخلل بخلاف الآخر.\nالطريق الثاني: يرجح القياس الذي حكمه جرى على وفق القواعد الكلية؛ لكونه أبعد عن التعبد وأقرب إلى العقول وموافقة الدليل على القياس الذي جرى حكمه على مخالفة القواعد وهو المعدول به عن سنن القياس.","vol":"1","page":426},{"text":"الطريق الثالث: يرجح القياس المقتضي للتحريم على القياس المقتضي للإباحة؛ لأنه إذا اشتبه المباح بالحرام فإنه يغلب جانب التحريم.\nالطريق الرابع: يرجح القياس المفيد إسقاط الحد، على القياس المفيد إثبات الحد؛ لقوله - ﷺ -: \" ادرأوا الحدود بالشبهات \".\nولأن الحدود ضرر، والضرر يزال.\nالطريق الخامس: يرجح القياس المثبت للعتق على النافي له؛ لأن العتق يتشوَّف إليه الشارع، دون الرق، فيقدم ما يتشوف إليه الشارع، وما يتفق مع أهداف الإسلام، ومقاصد الشريعة.\nالطريق السادس: يرجح القياس المتفق على تعليل حكم أصله على القياس المختلف على تعليل حكم أصله، لأن المتفق على تعليله مقدم على المختلف فيه.\nالطريق السابع: يرجح القياس المتفق على عدم نسخ حكم أصله على القياس المختلف في نسخ حكم أصله؛ لأن النسخ يؤدي إلى الخلل في فهم المقصود.\nالطريق الثامن: يرجح القياس الذي علة أصله وجدت بصورة قطعية على القياس الذي وجدت علة أصله بصورة ظنية؛ لأن القاطع لا يحتمل غير العلية، بخلاف الظن.\nالطريق التاسع: يُرجح القياس الذي علته منعكسة - أي: كلما عدم الوصف عدم الحكم - على القياس الذي ليس كذلك؛ لأن الانعكاس دليل اختصاص الحكم بالعلة.\nالطريق العاشر: يرجح القياس الجلي على القياس الخفي؛ نظرًا لقوة الجلي، وعدم الاختلاف فيه، بخلاف الخفي.","vol":"1","page":427},{"text":"الطريق الحادي عشر: يرجح القياس الذي علته ثبتت عن طريق الإجماع على القياس الذي ثبتت علته عن طريق النص، لأن الإجماع لا يحتمل النسخ، ولا التأويل، بخلاف النص.\nالطريق الثاني عشر: يرجح القياس الذي ثبتت علته عن طريق النص الصريح على القياس الذي ثبتت علته عن طريق النص الظاهر، نظرًا لقوته في المراد.\nالطريق الثالث عشر: يرجح القياس الذي ثبتت علته عن طريق الإيماء بجميع أنواعه، على القياس الذي ثبتت علته عن طريق غيره من الطرق الاجتهادية، كالمناسبة، والوصف الشبهي، والسبر والتقسيم والدوران، لأن الإيماء طريق متفق عليه، والمتفق عليه أولى بالاتباع.\nالطريق الرابع عشر: يرجح القياس الذي علته عامة توجد في جميع الأفراد على القياس الذي علته خاصة وهي التي خرج منها بعض الأفراد، لأن العامة أكثر فائدة.\nالطريق الخامس عشر: يرجح القياس الذي علته شهد لها أصلان على القياس الذي علته شهد لها أصل واحد؛ لأن ما شهد له اثنان أقوى مما شهد له واحد.\nالطريق السادس عشر: يرجح القياس الذي علته ناقلة - أي: مفيدة حكمًا شرعيًا جديدًا - على القياس الذي علته مبقية على الأصل لأن الناقلة فيها زيادة علم، فيقدَّم لأجل ذلك.\nالطريق السابع عشر: يرجح القياس الذي علته مفردة على القياس الذي علته مركبة من أوصاف؛ لأنه كلما كانت العلة أقل أوصافًا كلما كان ذلك أقرب إلى القبول، وأقوى في الظن.","vol":"1","page":428},{"text":"الطريق الثامن عشر: يرجح القياس الذي قطع بوجود العلة في الفرع على القياس الذي ظن بوجود العلة في الفرع؛ لأن المقطوع بوجود العلة فيه أغلب على الظن، وأبعد عن الاحتمال.\nالطريق التاسع عشر: يرجح القياس الذي وافقه أي دليل شرعي كالكتاب والسنة، أو عمل الخلفاء الأربعة، أو الإجماع، أو قياس آخر، على القياس الذي لم يوافقه أيُّ واحد مما سبق.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>المسألة العاشرة:\nالترجيح بين المنقول والقياس</span>.\nالمنقول قسمان: \" منقول خاص \"، و\" منقول عام \".\nأما القسم الأول - وهو المنقول الخاص - فهو نوعان:.\nالنوع الأول: أن يكون هذا النقل الخاص دالًا على حكمه بالمنطوق.\nالنوع الثاني: أن يكون هذا النقل الخاص دالًا على حكمه بالمفهوم.\nفإذا تعارض القياس مع النقل الخاص الدال على حكمه بالمنطوق، فإن المنقول الخاص يُرجح؛ لقلة تطرق الخطأ إليه.\nأما إذا تعارض القياس مع النقل الخاص الدال على حكمه بالمفهوم:\nفإن كان مفهوم موافقة: فإن النقل الخاص مقدم؛ لأن مفهوم الموافقة يفيد دلالة أقوى من دلالة القياس؛ حيث قلنا: إن دلالته لفظية.\nوإن دلَّ النقل الخاص على حكمه بمفهوم المخالفة وخالف","vol":"1","page":429},{"text":"القياس، فإن هذا يختلف باختلاف قوة أنواع المفاهيم، ويختلف بحسب اختلاف المجتهدين، وما يقع في نفوسهم من قوة الدلالة وضعفها، وهذا لا يمكن ضبطه بقاعدة، فيكون هذا موكولًا إلى نظر الناظرين والمجتهدين في آحاد الصور.\nأما القسم الثاني: وهو المنقول العام، فإنه إذا عارضه القياس الخاص، فإن القياس يخصص العام؛ لأنه يلزم من العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس بالكلية، ولا يلزم من العمل بالقياس إبطال العام بالكلية، بل إنه يلزم العمل بالقياس وما بقي من العام بعد تخصيصه، وهذا فيه جمع بين الدليلين وهو أولى من العمل بأحدهما وإبطال الآخر، وقد سبق بيان ذلك.\nوبعد، فإن هذه آخر مسألة من مسائل هذا الكتاب المسمَّى بـ: \" الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقها على المذهب الراجح \"، وكان الفراغ منه في يوم الأربعاء الموافق للسادس عشر من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وعشرين من الهجرة النبوية الشريفة، وذلك بمدينة الرياض حماها الله من كل مكروه.\nأرجو من الله العلي القدير أن ينفع به الطلاب الذين طلبوا مني تصنيفه، وأن ينفع به سائر طلاب العلم، وأن يكون هذا المصنف ذخيرة لي في الآخرة.\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nكتبه\nأ. د: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة\nالأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية","vol":"1","page":430}]}