{"ً":{"ٌ":29910,"ٍ":"علوم القرآن الكريم - نور الدين عتر","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/علوم القرآن الكريم - العتر - ط الصباح","files":["55649.pdf"]},"ّ":"الكتاب: علوم القرآن الكريم\nالمؤلف: نور الدين محمد عتر الحلبي\nالناشر: مطبعة الصباح - دمشق\nالطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م\nعدد الصفحات: ٢٩٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1637,"ٕ":4,"ٖ":1770155701,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول التعريف العام بعلوم القرآن","level":1,"page":3},{"title":"\"علوم القرآن في الاصطلاح","level":2,"page":4},{"title":"التصنيف في علوم القرآن","level":2,"page":4},{"title":"الفصل الثاني القرآن والوحي وتنزلاته","level":1,"page":6},{"title":"القرآن","level":2,"page":6},{"title":"هذا الإسم\"قرآن\" في اللغة","level":3,"page":6},{"title":"وأما تعريف القرآن اصطلاحا","level":3,"page":6},{"title":"آ) كلام الله المنزل على النبي ﷺ","level":4,"page":6},{"title":"ب) المكتوب في المصاحف","level":4,"page":7},{"title":"ج) المنقول بالتواتر","level":4,"page":7},{"title":"د) المتعبد بتلاوته","level":4,"page":7},{"title":"هـ) المعجز ولو بسورة منه","level":4,"page":8},{"title":"أسماء القرآن","level":3,"page":8},{"title":"\"الكتاب\"","level":4,"page":9},{"title":"ومن أسماء القرآن\"النور\"","level":4,"page":10},{"title":"\"الفرقان\"","level":4,"page":10},{"title":"الوحي","level":2,"page":10},{"title":"معنى الوحي لغة","level":3,"page":10},{"title":"أما في الاصطلاح الشرعي","level":3,"page":11},{"title":"مراتب الوحي","level":3,"page":11},{"title":"كيفيات الوحي","level":3,"page":12},{"title":"المرتبة الأولى","level":4,"page":13},{"title":"المرتبة الثانية","level":4,"page":13},{"title":"المرتبة الثالثة","level":4,"page":13},{"title":"المرتبة الرابعة","level":4,"page":14},{"title":"المرتبة الخامسة","level":4,"page":14},{"title":"المرتبة السادسة","level":4,"page":14},{"title":"المرتبة السابعة","level":4,"page":14},{"title":"مظاهر الوحي","level":3,"page":15},{"title":"الرد على منكري الوحي","level":3,"page":18},{"title":"الفصل الثالث نزول القرآن منجما وأسراره","level":1,"page":21},{"title":"للقرآن ثلاث تنزلات","level":2,"page":22},{"title":"١ - التنزل الأول","level":3,"page":22},{"title":"٢ - التنزيل الثاني","level":3,"page":22},{"title":"٣ - التنزيل الثالث","level":3,"page":22},{"title":"نزول القرآن منجما على قلب النبي الكريم","level":2,"page":23},{"title":"الحكم في نزول القرآن منجما","level":3,"page":24},{"title":"أولا، تثبيت فؤاد النبي ﷺ وتقوية قلبه","level":4,"page":25},{"title":"ثانيا: مواجهة ما يطرأ من أمور أو حوادث تمس الدعوة","level":4,"page":26},{"title":"ثالثا: تعهد هذه الأمة التي أنزل عليها القرآن","level":4,"page":28},{"title":"رابعا: التنبيه على وجه من إعجاز القرآن","level":4,"page":30},{"title":"الفصل الرابع أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن","level":1,"page":31},{"title":"أول ما نزل من القرآن الكريم","level":2,"page":31},{"title":"آخر ما نزل من القرآن الكريم","level":2,"page":32},{"title":"الأوائل والأواخر النسبية","level":3,"page":33},{"title":"الفصل الخامس ترتيب آيات القرآن وسوره","level":1,"page":35},{"title":"تعريف الآية","level":2,"page":35},{"title":"الآية في اللغة","level":3,"page":35},{"title":"وأما في اصطلاح علم القرآن الكريم","level":3,"page":35},{"title":"تعريف السورة","level":2,"page":35},{"title":"للسورة في اللغة إطلاقات متعددة","level":3,"page":35},{"title":"أما في الاصطلاح فالسورة","level":3,"page":35},{"title":"\"الفائدة في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة ...","level":4,"page":36},{"title":"مصدر ترتيب القرآن الكريم","level":2,"page":36},{"title":"وأما ترتيب سور القرآن","level":2,"page":38},{"title":"الفصل السادس أسباب النزول","level":1,"page":42},{"title":"ويعرف سبب النزول بأنه","level":2,"page":42},{"title":"فوائد علم أسباب النزول","level":2,"page":43},{"title":"١ - الاستعانة على فهم المعنى المراد","level":3,"page":43},{"title":"٢ - معرفة وجه الحكمة التي ينطوي عليها تشريع الحكم","level":3,"page":43},{"title":"٣ - إزالة الإشكال عن ظاهر النص لمن لم يتعرف سبب النزول","level":3,"page":43},{"title":"٤ - كشف أسرار البلاغة في القرآن العظيم","level":3,"page":44},{"title":"كيف نعرف أسباب النزول","level":2,"page":44},{"title":"اختلاف روايات أسباب النزول","level":2,"page":45},{"title":"١ - ضعف الرواة","level":3,"page":46},{"title":"٢ - تعدد الأسباب والمنزل واحد","level":3,"page":46},{"title":"٣ - أن يتعدد نزول النص لتعدد الأسباب","level":3,"page":47},{"title":"عموم اللفظ وخصوص السبب","level":2,"page":48},{"title":"١ - أما إن كان النص النازل خاصا بالسبب، ولا عموم للفظه","level":3,"page":48},{"title":"٢ - وإما أن يكون السبب خاصا ولفظ الآية عاما","level":3,"page":49},{"title":"أشهر المؤلفات في أسباب النزول","level":2,"page":49},{"title":"الفصل السابع المكي والمدني","level":1,"page":51},{"title":"ضابط المكي والمدني","level":2,"page":51},{"title":"أهمية علم المكي والمدني","level":2,"page":53},{"title":"كيف نعرف المكي والمدني","level":2,"page":54},{"title":"أما السماع","level":3,"page":54},{"title":"وأما القياس","level":3,"page":54},{"title":"القرآن المكي من حيث الموضوع","level":2,"page":56},{"title":"القرآن المدني من حيث الموضوع","level":2,"page":61},{"title":"القرآن المكي من حيث الأسلوب","level":2,"page":62},{"title":"القرآن المدني من حيث الأسلوب","level":2,"page":64},{"title":"ومن سمات أسلوب القرآن المدني","level":3,"page":64},{"title":"مناقشة المستشرقين حول المكي والمدني","level":2,"page":64},{"title":"الفصل الثامن التفسير أصوله ومصادره","level":1,"page":68},{"title":"تعريف التفسير","level":2,"page":68},{"title":"التفسير في اللغة","level":3,"page":68},{"title":"والتفسير اصطلاحا","level":3,"page":68},{"title":"التأويل في اللغة","level":2,"page":68},{"title":"وأما التأويل اصطلاحا","level":2,"page":69},{"title":"مراتب التفسير وحكمها","level":2,"page":69},{"title":"أقسام التفسير من حيث منهجه العلمي","level":2,"page":70},{"title":"القسم الأول: التفسير بالمأثور","level":3,"page":70},{"title":"أسباب الضعف في التفسير المأثور","level":4,"page":70},{"title":"السبب الأول: الإسرائيليات","level":5,"page":71},{"title":"أثر الإسرائيليات في التفسير","level":6,"page":72},{"title":"وتنقسم الإسرائيليات إلى ثلاث أقسام","level":6,"page":72},{"title":"الأول: ما يعلم صحته بالنقل عن النبي ﷺ","level":7,"page":72},{"title":"الثاني: ما يعلم كذبه","level":7,"page":72},{"title":"الثالث: مسكوت عنه","level":7,"page":72},{"title":"موقف المفسر إزاء الإسرائيليات","level":6,"page":72},{"title":"وأشهر الرواة للإسرائيليات","level":6,"page":72},{"title":"السبب الثاني لضعف التفسير المأثور: حذف الإسناد","level":5,"page":73},{"title":"السبب الثالث: الوضع","level":5,"page":73},{"title":"وأهم المصنفات في التفسير المأثور","level":4,"page":73},{"title":"١ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري","level":5,"page":73},{"title":"مؤلفه","level":6,"page":73},{"title":"طريقة الطبري في تفسيره","level":6,"page":74},{"title":"٢ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير","level":5,"page":77},{"title":"طريقة هذا التفسير","level":6,"page":77},{"title":"٣ - لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن","level":5,"page":78},{"title":"طريقة هذا التفسير","level":6,"page":79},{"title":"٤ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي","level":5,"page":79},{"title":"طريقة الثعالبي في تفسيره","level":6,"page":80},{"title":"القسم الثاني من أقسام التفسير التفسير بالرأي","level":3,"page":81},{"title":"معنى التفسير بالرأي","level":4,"page":81},{"title":"التحقيق في الموضوع","level":4,"page":83},{"title":"العلوم التي يحتاج إليها المفسر: والتمكن منها شرط أساسي للباحث في التفسير، وهي","level":4,"page":83},{"title":"أهم كتب التفسير بالرأي","level":4,"page":84},{"title":"١ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري","level":5,"page":84},{"title":"طريقته في تفسير الكشاف","level":6,"page":85},{"title":"٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي","level":5,"page":85},{"title":"التعريف بالتفسير وطريقته","level":6,"page":85},{"title":"٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: للنسفي","level":5,"page":86},{"title":"طريقة هذا التفسير","level":6,"page":87},{"title":"٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود","level":5,"page":87},{"title":"التعريف بهذا التفسير","level":6,"page":88},{"title":"عنايته بالكشف عن بلاغة القرآن وسر إعجازه","level":6,"page":88},{"title":"٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي","level":5,"page":89},{"title":"طريقة هذا التفسير","level":6,"page":89},{"title":"ويمكن تلخيص طريقته فيما يلي","level":6,"page":89},{"title":"شروط المفسر والقواعد التي يحتاج إليها","level":4,"page":90},{"title":"أولا: التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بينة","level":5,"page":90},{"title":"ثانيا: ينبغي على الناظر في القرآن أن يعتمد في ذلك على من تقدمه","level":5,"page":91},{"title":"ثالثا: أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم على القرآن أن ما يقوله من التفسير هو قول بلسان بيانه","level":5,"page":91},{"title":"رابعا: من واجبات المفسر أيضا إضافة لما ذكرنا واجب هام، وهو أن يلاحظ المنهجية في كلامه في التفسير","level":5,"page":92},{"title":"خامسا: خطة التفسير","level":5,"page":92},{"title":"الفصل التاسع التفسير الإشاري","level":1,"page":93},{"title":"تعريفه","level":2,"page":93},{"title":"الأصل فيه","level":2,"page":93},{"title":"شروط التفسير الإشاري","level":2,"page":94},{"title":"من أهم كتب التفسير الإشاري","level":2,"page":96},{"title":"١ - \"تفسير القرآن العظيم\"، للتستري","level":3,"page":96},{"title":"٢ - \"لطائف الإشارات\" للقشيري","level":3,"page":96},{"title":"الفصل العاشر التفسير الفقهي","level":1,"page":99},{"title":"تعريف التفسير الفقهي ونشأته","level":2,"page":99},{"title":"أشهر ما ألف في التفسير الفقهي","level":2,"page":100},{"title":"١ - أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (الجصاص)","level":3,"page":100},{"title":"مؤلف الكتاب","level":4,"page":100},{"title":"طريقة المؤلف فيه","level":4,"page":101},{"title":"٢ - الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي","level":3,"page":103},{"title":"مؤلف الكتاب","level":4,"page":103},{"title":"طريقة هذا التفسير","level":4,"page":103},{"title":"الفصل الحادي عشر التفسير في العصر الحديث","level":1,"page":106},{"title":"الفصل الحادي عشر التفسير في العصر الحديث","level":1,"page":107},{"title":"وأهم أنواع التفسير المعاصرة ما يلي","level":2,"page":108},{"title":"الأول: التفسير المنهجي","level":3,"page":108},{"title":"الثاني: التفسير الأدبي الاجتماعي","level":3,"page":109},{"title":"الثالث: التفسير العلمي","level":3,"page":110},{"title":"الرابع: التفسير العام","level":3,"page":110},{"title":"الخامس: التفسير الموضوعي","level":3,"page":111},{"title":"الفصل الثاني عشر ترجمة القرآن الكريم وحكمها","level":1,"page":112},{"title":"القسم الأول: الترجمة الحرفية","level":2,"page":112},{"title":"القسم الثاني: الترجمة التفسيرية","level":2,"page":113},{"title":"حكم الترجمة التفسيرية","level":3,"page":114},{"title":"شروط الترجمة التفسيرية","level":3,"page":115},{"title":"الفصل الثالث عشر المحكم والمتشابه","level":1,"page":116},{"title":"الاحكام لغة","level":2,"page":116},{"title":"وأما المتشابه: فهو في أصل اللغة","level":2,"page":116},{"title":"المحكم والمتشابه اصطلاحا","level":2,"page":117},{"title":"هل يمكن تفسير المتشابه","level":2,"page":118},{"title":"التحقيق في المسألة","level":3,"page":119},{"title":"كيف نفسر المتشابهات","level":2,"page":120},{"title":"متشابه الصفات","level":3,"page":121},{"title":"المذهب الأول: مذهب السلف","level":4,"page":121},{"title":"المذهب الثاني: مذهب الخلف","level":4,"page":122},{"title":"لماذا ورد المحكم والمتشابه","level":2,"page":126},{"title":"الفصل الرابع عشر الناسخ والمنسوخ","level":1,"page":127},{"title":"تعريف النسخ","level":2,"page":127},{"title":"المعنى الأول","level":3,"page":127},{"title":"المعنى الثاني","level":3,"page":127},{"title":"أقسام النسخ","level":2,"page":128},{"title":"أ - نسخ الحكم مع بقاء التلاوة","level":3,"page":128},{"title":"ب - نسخ القرآن بالقرآن","level":3,"page":128},{"title":"ج - د - نسخ القرآن بالسنة أو العكس.","level":3,"page":128},{"title":"هـ - نسخ التلاوة مع بقاء الحكم","level":3,"page":128},{"title":"و- نسخ الحكم والتلاوة معا","level":3,"page":128},{"title":"حكمة وقوع النسخ","level":2,"page":128},{"title":"التأليف في الناسخ والمنسوخ","level":2,"page":131},{"title":"الفصل الخامس عشر الأحرف السبعة","level":1,"page":132},{"title":"تعريف الأحرف السبعة","level":2,"page":132},{"title":"تعريف الحرف لغة","level":3,"page":132},{"title":"تعريف الأحرف السبعة اصطلاحا","level":3,"page":132},{"title":"بيان الأحرف السبعة في الحديث النبوي","level":2,"page":133},{"title":"دلالة هذه الأحاديث على أصول الموضوع","level":3,"page":135},{"title":"الأحرف السبعة والقراءات السبع","level":2,"page":136},{"title":"ما هي حقيقة الأحرف السبعة","level":2,"page":137},{"title":"المذهب الأول","level":3,"page":138},{"title":"المذهب الثاني","level":3,"page":139},{"title":"أين الأحرف الستة","level":2,"page":140},{"title":"الفصل السادس عشر القراءات والقراء","level":1,"page":142},{"title":"تعريف القراءة","level":2,"page":142},{"title":"ضابط القراءة المقبولة","level":2,"page":143},{"title":"الشرط الأول: موافقة العربية ولو بوجه","level":3,"page":143},{"title":"الشرط الثاني: موافقة خط أحد المصاحف ولو احتمالا","level":3,"page":143},{"title":"الشرط الثالث: صحة السند","level":3,"page":144},{"title":"أنواع القراءات حسب أسانيدها","level":2,"page":144},{"title":"الأول: المتواتر","level":3,"page":144},{"title":"الثاني: المشهور","level":3,"page":144},{"title":"الثالث: الآحاد","level":3,"page":144},{"title":"الرابع: الشاذ","level":3,"page":144},{"title":"الخامس: الموضوع","level":3,"page":145},{"title":"السادس: ما يشبه المدرج من أنواع الحديث","level":3,"page":145},{"title":"القراءات المتواترة وقراؤها","level":2,"page":145},{"title":"شبهات بعض المستشرقين حول القراءات","level":2,"page":146},{"title":"القراءات الشاذة","level":2,"page":149},{"title":"الفصل السابع عشر فواتح السور","level":1,"page":151},{"title":"الافتاح بحروف التهجي","level":2,"page":151},{"title":"الفصل الثامن عشر جمع القرآن الكريم حفظا في الصدور والسطور","level":1,"page":157},{"title":"جمع القرآن في الصدور","level":2,"page":157},{"title":"حفظ النبي ﷺ للقرآن","level":3,"page":157},{"title":"حفظ الصحابة للقرآن الكريم","level":3,"page":158},{"title":"جمع القرآن الكريم تدوينا في السطور","level":2,"page":163},{"title":"جمع القرآن تدوينا على عهد النبي ﷺ","level":3,"page":163},{"title":"جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق ﵁","level":3,"page":165},{"title":"جمع القرآن بنسخ المصاحف على عهد عثمان ﵁","level":3,"page":168},{"title":"شروط الكتابة في المصاحف العثمانية","level":4,"page":170},{"title":"نشر عثمان المصاحف في الأمصار","level":4,"page":172},{"title":"فضيلة عمل عثمان","level":4,"page":173},{"title":"حفظ الله تعالى القرآن العظيم من التحريف والتبديل فيه والزيادة والنقصان أبد الآبدين","level":2,"page":176},{"title":"الفصل التاسع عشر رسم القرآن الكريم","level":1,"page":183},{"title":"أحكام تختص بالمصحف","level":2,"page":185},{"title":"الفصل العشرون إعجاز القرآن الكريم","level":1,"page":187},{"title":"المعجزة في اصطلاح علماء التوحيد هي","level":2,"page":187},{"title":"الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر","level":2,"page":187},{"title":"تنوع المعجزة وحكمته: وتنقسم المعجزات إلى قسمين","level":2,"page":188},{"title":"القسم الأول: المعجزات الحسية","level":3,"page":188},{"title":"القسم الثاني: المعجزات العقلية","level":3,"page":189},{"title":"مصدر علمنا بإعجاز القرآن","level":2,"page":189},{"title":"القدر المعجز من القرآن","level":2,"page":190},{"title":"خصائص إعجاز القرآن","level":2,"page":190},{"title":"شهادة العالم بإعجاز القرآن","level":2,"page":192},{"title":"شهادة العرب بأحوالهم وأفعالهم","level":3,"page":192},{"title":"شهادة بلغاء العرب بإعجاز القرآن بأقوالهم","level":3,"page":193},{"title":"بلغاء كبار سمعوا القرآن فآمنوا","level":3,"page":196},{"title":"شهادة بلغاء من النصارى بإعجاز القرآن","level":3,"page":197},{"title":"منشأ إعجاز القرآن","level":2,"page":199},{"title":"رأي الإعجاز بالصرفة","level":3,"page":199},{"title":"أوجه إعجاز القرآن الكريم","level":2,"page":200},{"title":"عرض الإعجاز عند المتقدمين","level":3,"page":201},{"title":"ووجه إعجاز القرآن الكريم عشرة","level":4,"page":201},{"title":"عرض الإعجاز عند المعاصرين","level":3,"page":204},{"title":"نتائج مستفيدين من هذه الدراسات","level":2,"page":205},{"title":"القسم الأول من أوجه إعجاز القرآن: أسلوب القرآن الكريم","level":3,"page":205},{"title":"الوجه الأول: خاصية تأليف القرآن الصوتي في شكله وجوهره","level":4,"page":206},{"title":"أما خاصية تأليف القرآن الصوتي في شكله","level":5,"page":206},{"title":"وأما جوهر تأليف القرآن الصوتي","level":5,"page":206},{"title":"الوجه الثاني: القصد في اللفظ والوفاء بالمعنى","level":4,"page":207},{"title":"الوجه الثالث: خطاب العامة وخطاب الخاصة","level":4,"page":208},{"title":"الوجه الرابع: إقناع العقل وإمتاع العاطفة","level":4,"page":208},{"title":"الوجه الخامس: تآلف الألفاظ والمعاني","level":4,"page":210},{"title":"القسم الثاني من أوجه إعجاز القرآن: الإعجاز بالمضمون","level":3,"page":211},{"title":"الوجه الأول: الإخبار عن الغيب","level":4,"page":212},{"title":"أولا: الإخبار عن غيب المستقبل","level":5,"page":212},{"title":"ثانيا: الإخبار عن غيب الحاضر","level":5,"page":214},{"title":"ثالثا: أخبار الغيب الماضي","level":5,"page":215},{"title":"الوجه الثاني: الإعجاز التشريعي","level":4,"page":215},{"title":"الوجه الثالث: اتساق نظريات القرآن وأحكامه","level":4,"page":217},{"title":"الوجه الرابع: تأثير القرآن وفاعليته في الأفئدة","level":4,"page":218},{"title":"الفصل الحادي والعشرون التصوير في القرآن","level":1,"page":220},{"title":"وسائل التصوير الفني في القرآن","level":2,"page":222},{"title":"فمن التصوير بالحرف","level":3,"page":223},{"title":"ومن التصوير بالكلمة","level":3,"page":224},{"title":"ومن التصوير بالجملة","level":3,"page":226},{"title":"الفصل الثاني والعشرون الكون في القرآن","level":1,"page":229},{"title":"الأصول العامة لحديث القرآن عن الكون","level":2,"page":232},{"title":"شروط تفسير الآيات الكونية","level":2,"page":235},{"title":"الملاحظة الأولى","level":3,"page":235},{"title":"الملاحظة الثانية","level":3,"page":235},{"title":"الفصل الثالث والعشرون القصة في القرآن","level":1,"page":236},{"title":"أهداف القصة في القرآن","level":2,"page":236},{"title":"قصص القرآن حقيقة تاريخية","level":2,"page":241},{"title":"طريقة القصص في القرآن","level":2,"page":243},{"title":"أولا - القصة لا ترد في القرآن بتمامها دفعة واحدة","level":3,"page":243},{"title":"ثانيا - استخراج التوجيهات والعظات، والإعلان بها في ثنايا القصة وختامها","level":3,"page":244},{"title":"ثالثا - التكرار","level":3,"page":245},{"title":"١ - تكرار القصة في القرآن","level":4,"page":245},{"title":"٢ - تكرار العبارات في القرآن","level":4,"page":245},{"title":"أسلوب القصة الفني في القرآن","level":2,"page":248},{"title":"الفصل الرابع والعشرون علم غريب القرآن وأثره في التفسير وكشف الإعجاز","level":1,"page":251},{"title":"أثر علم الغريب في التفسير","level":2,"page":251},{"title":"ومن خير ما يستعان به في تفسير الغريب أشعار العرب وكلامهم","level":2,"page":252},{"title":"المؤلفات في غريب القرآن","level":2,"page":254},{"title":"المعرب في القرآن","level":2,"page":255},{"title":"نذكر منها هذه الأمثلة","level":3,"page":255},{"title":"أثر علم الغريب والمفردات في كشف الإعجاز","level":2,"page":257},{"title":"١ - حسن اختيار ألفاظه ودقة أدائها","level":3,"page":258},{"title":"٢ - تآلف الألفاظ مع المعاني","level":3,"page":259},{"title":"٣ - التناغم الموسيقى","level":3,"page":260},{"title":"٤ - إفادة التصوير","level":3,"page":261},{"title":"٥ - الإعجاز العلمي","level":3,"page":261},{"title":"الفصل الخامس والعشرون فضائل القرآن وآداب حملته","level":1,"page":263},{"title":"فضائل القرآن في القرآن","level":2,"page":263},{"title":"فضائل القرآن في الحديث الشريف","level":2,"page":264},{"title":"١ - أنه خير الحديث والكلام قاطبة","level":3,"page":264},{"title":"٢ - القرآن يشفع لصاحبه","level":3,"page":265},{"title":"٣ - القرآن يرفع صاحبه مع السفرة البررة","level":3,"page":266},{"title":"٤ - القرآن يؤنس صاحبه في الحشر","level":3,"page":266},{"title":"خطورة الغفلة عن القرآن","level":2,"page":267},{"title":"آداب حملة القرآن وتلاوته","level":2,"page":268},{"title":"آداب معلم القرآن وحامله","level":3,"page":268},{"title":"١ - أول هذه الآداب (الإخلاص)","level":4,"page":268},{"title":"٢ - أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل","level":4,"page":269},{"title":"٣ - ليحذر عالم القرآن أو أي علم شرعي أن يتخذ القرآن أو العلم أداة لكسب المال","level":4,"page":269},{"title":"٤ - أن يبذل المعلم النصيحة لطلبته","level":4,"page":270},{"title":"٥ - اتخاذ حال المهابة والوقار","level":4,"page":270},{"title":"آداب متعلم القرآن","level":3,"page":270},{"title":"١ - التواضع مع المعلم والتأدب مع الرفقة","level":4,"page":270},{"title":"٢ - مذاكرة الحفظ والعلم","level":4,"page":271},{"title":"آداب التأهب لتلاوة القرآن","level":3,"page":271},{"title":"١ - الطهارة","level":4,"page":271},{"title":"٢ - استحسان المكان والزمان","level":4,"page":272},{"title":"٣ - السواك","level":4,"page":272},{"title":"الاستعاذة والبسملة","level":4,"page":273},{"title":"آداب تلاوة القرآن","level":3,"page":273},{"title":"١ - التدبر والخشوع","level":4,"page":273},{"title":"ويستحب: للتدبر والتخشع","level":5,"page":274},{"title":"قراءة النظر وقراءة الحفظ","level":5,"page":275},{"title":"٢ - ترتيل التلاوة","level":4,"page":275},{"title":"وحده الأدنى: تبيين الحروف","level":5,"page":276},{"title":"وكمال الترتيل: أن يعطي الأداء حقه التام","level":5,"page":276},{"title":"وأكمل الترتيل: أن يتوقف على الحروف والمدود","level":5,"page":276},{"title":"رفع الصوت بالقراءة","level":4,"page":276},{"title":"أما القراءة في الصلاة","level":5,"page":276},{"title":"وأما القراءة في غير الصلاة","level":5,"page":277},{"title":"تحسين الصوت بالقرآن","level":4,"page":278},{"title":"تلحين قراءة القرآن","level":4,"page":278},{"title":"قراءة الجماعة مجتمعين أو بالدور","level":4,"page":280},{"title":"حكم القراءة للغير","level":4,"page":281},{"title":"استدل الجمهور بظواهر أدلة كثيرة، منها من القرآن","level":5,"page":281},{"title":"آداب استماع القرآن","level":3,"page":282},{"title":"١ - الاستماع والإنصات","level":4,"page":282},{"title":"٢ - استحباب طلب القراءة الطيبة","level":4,"page":282},{"title":"آداب ختم القرآن","level":3,"page":282},{"title":"١ - يسن ختم القرآن كل أسبوع","level":4,"page":282},{"title":"٢ - التكبير","level":4,"page":283},{"title":"٣ - يستحسن الصيام","level":4,"page":283},{"title":"٤ - الشروع في ختمة أخرى","level":4,"page":283},{"title":"٥ - حضور مجلس الختم","level":4,"page":283},{"title":"٦ - الدعاء عقب الختم","level":4,"page":283},{"title":"الفصل الختامي حقوق القرآن على بني الإنسان","level":1,"page":284}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286},"ٜ":{"1":[5,290]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"4":[3,4],"6":[5,6,7,8,9],"7":[10,11,12],"8":[13,14],"9":[15],"10":[16,17,18,19],"11":[20,21],"12":[22],"13":[23,24,25],"14":[26,27,28,29],"15":[30],"18":[31],"21":[32],"22":[33,34,35,36],"23":[37],"24":[38],"25":[39],"26":[40],"28":[41],"30":[42],"31":[43,44],"32":[45],"33":[46],"35":[47,48,49,50,51,52,53],"36":[54,55],"38":[56],"42":[57,58],"43":[59,60,61,62],"44":[63,64],"45":[65],"46":[66,67],"47":[68],"48":[69,70],"49":[71,72],"51":[73,74],"53":[75],"54":[76,77,78],"56":[79],"61":[80],"62":[81],"64":[82,83,84],"68":[85,86,87,88,89],"69":[90,91],"70":[92,93,94],"71":[95],"72":[96,97,98,99,100,101,102],"73":[103,104,105,106,107],"74":[108],"77":[109,110],"78":[111],"79":[112,113],"80":[114],"81":[115,116],"83":[117,118],"84":[119,120],"85":[121,122,123],"86":[124],"87":[125,126],"88":[127,128],"89":[129,130,131],"90":[132,133],"91":[134,135],"92":[136,137],"93":[138,139,140],"94":[141],"96":[142,143,144],"99":[145,146],"100":[147,148,149],"101":[150],"103":[151,152,153],"106":[154],"107":[155],"108":[156,157],"109":[158],"110":[159,160],"111":[161],"112":[162,163],"113":[164],"114":[165],"115":[166],"116":[167,168,169],"117":[170],"118":[171],"119":[172],"120":[173],"121":[174,175],"122":[176],"126":[177],"127":[178,179,180,181],"128":[182,183,184,185,186,187,188],"131":[189],"132":[190,191,192,193],"133":[194],"135":[195],"136":[196],"137":[197],"138":[198],"139":[199],"140":[200],"142":[201,202],"143":[203,204,205],"144":[206,207,208,209,210,211],"145":[212,213,214],"146":[215],"149":[216],"151":[217,218],"157":[219,220,221],"158":[222],"163":[223,224],"165":[225],"168":[226],"170":[227],"172":[228],"173":[229],"176":[230],"183":[231],"185":[232],"187":[233,234,235],"188":[236,237],"189":[238,239],"190":[240,241],"192":[242,243],"193":[244],"196":[245],"197":[246],"199":[247,248],"200":[249],"201":[250,251],"204":[252],"205":[253,254],"206":[255,256,257],"207":[258],"208":[259,260],"210":[261],"211":[262],"212":[263,264],"214":[265],"215":[266,267],"217":[268],"218":[269],"220":[270],"222":[271],"223":[272],"224":[273],"226":[274],"229":[275],"232":[276],"235":[277,278,279],"236":[280,281],"241":[282],"243":[283,284],"244":[285],"245":[286,287,288],"248":[289],"251":[290,291],"252":[292],"254":[293],"255":[294,295],"257":[296],"258":[297],"259":[298],"260":[299],"261":[300,301],"263":[302,303],"264":[304,305],"265":[306],"266":[307,308],"267":[309],"268":[310,311,312],"269":[313,314],"270":[315,316,317,318],"271":[319,320,321],"272":[322,323],"273":[324,325,326],"274":[327],"275":[328,329],"276":[330,331,332,333,334],"277":[335],"278":[336,337],"280":[338],"281":[339,340],"282":[341,342,343,344,345],"283":[346,347,348,349,350],"284":[351]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[مقدمة المؤلف]</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وصلى الله على سيدنا محمد هادي البشرية، ومنقذ بني الإنسان، على مدى السنين والأزمان، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلّم تسليما كثيرا.\nأما بعد:\nفإن القرآن الكريم هو هداية الله العظمى، وبينته الخالدة، وهو شريعة الله ودينه الذي ارتضاه لعباده، من ابتغى الهدى في غيره فلن يقبل منه، ومن اعتصم به فلن يضل عن صراط ربه، وهو الروح الذي يطير به الإسلام إلى القلوب، والمد الساري في تغذية الأرواح والنفوس، والنظام الكامل الكافل لسعادة الإنسان، في هذه الدنيا، ثم في الآخرة في أعالي الجنان.\nفلا عجب أن تكثر الدراسات حوله حتى لا تحصى، وأن تفيض القرائح والأقلام بالمؤلفات من دراسته حتى لا تستقصى، وإن من أهم دراسة تتأكد على دارس القرآن خاصة، والمثقف المسلم عامة هي هذه الدراسة التي نقدم فيها هذا الكتاب، تبين مصدر هذا القرآن الإلهي، ونزوله لهدايتنا، وأصول تفسيره، وما يلزم من علوم ودراسات ضرورية لحسن فهمه، وتبرز إعجازه في فنون بيانه، وعجائب معانيه ومضامينه، تثلج قلب القارئ بحلاوة اليقين","vol":"1","page":5},{"text":"بكتاب الله، وحقية الإيمان برسول الله ﷺ، مؤيدا بالأدلة الساطعة والحجج اليقينية القاطعة، وضمنته إيضاحا لما التبس على بعض الكاتبين، وتصحيحا لما خبط فيه بعض المعاندين، من أجانب مستشرقين، أو أتباع لهم من جلدتنا مقلدين.\nوراعيت في ترتيبه ما يتصل بالتفسير، ثم الإعجاز، وفي أسلوبه وضوح العبارات، والاقتصار على المهمات، مما يحتاجه دارسو الشرع الحنيف، وراغبو الثقافة في ضوء القرآن الكريم.\nونود أن ننبه أخيرا إلى أن كل مسلم يحتاج إلى هذه الدراسة، فإن أحسست بشيء في صدرك فارجع إلى هذه الدراسة وتأملها، لتجد راحة القلب بالإيمان، وادع إليها من تحبه ومن تريد قربه إلى كتاب الله، لأنها تزيد اليقين بكتاب الله تعالى، وترسخه.\nقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.\nكتبه نور الدين عتر خادم القرآن وعلومه والحديث وعلومه","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الأول التعريف العام بعلوم القرآن</span>\nهذا التعبير «علوم القرآن» يدل لغة على أنواع العلوم التي تتصل بالقرآن الكريم.\nوهكذا كان يستعمل في عصور المتقدمين، فيراد به علوم تؤخذ من القرآن من علوم الشرع، كالعقيدة، أو الفقه، أو الأخلاق، أو من المعارف العامة حول الإنسان، والكون، والطبيعة، والنبات، والسماء والأفلاك.\nكما يراد ب «علوم القرآن» لغة علوم تخدم معاني القرآن مباشرة، وتوصل إليها، أو تدور حوله، أو تستمدّ منه، فيدخل تحت هذا التعبير بهذا الاستعمال اللغوي الثاني علوم كثيرة ضخمة، مثل: علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الرسم العثماني، وعلم إعجاز القرآن، وعلم إعراب القرآن، وسائر علوم الدين واللغة والبلاغة، وغير ذلك، من علوم، درس العلماء في تآليفهم فيها القرآن كله في ضوء كل علم دراسة تفصيلية.\nثم جعل العلماء هذه العبارة: «علوم القرآن» اسم علم، يراد به معنى خاص يدل على علم خاص غير ما سبق كله، لأن هذا المعنى الجديد يختص بأنه علم واحد يجمع ضوابط تلك العلوم المتصلة بالقرآن من ناحية كلية عامة، أما علوم القرآن بالمعنى اللغوي فإن كل علم منها يدرس القرآن كله من زاوية اختصاصه آية آية دراسة تفصيلية.","vol":"1","page":7},{"text":"وبناء على ذلك يمكن أن نعرف «علوم القرآن» باعتباره اسما لعلم واحد فنقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>«علوم القرآن في الاصطلاح:</span>\nهو المباحث الكلية التي تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله، وترتيبه وجمعه، وكتابته، وتفسيره، وإعجازه وناسخه ومنسوخه، وغير ذلك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>التصنيف في علوم القرآن:</span>\nوبالنظر لأهمية هذا العلم كثرت الدراسات فيه في القديم والحديث، فكتب كثير من المفسرين في مقدمات تفاسيرهم بحوثا هامة في علوم القرآن، عنوا فيها بما يتعلق بأصول تفسيره وإعجازه، على مثال مقدمة الطبري، لتفسيره «جامع البيان»، والقرطبي لتفسيره «الجامع لأحكام القرآن».\nوصنف العلماء مؤلفات مستقلة تشمل كل علوم القرآن، مثل هذه الكتب الهامة:\n١ - «فنون الأفنان في عيون علوم القرآن»، للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧.\n٢ - «البرهان في علوم القرآن»، للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤.\n٣ - «الإتقان في علوم القرآن»، للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة ٩١١. وقد بناه على كتاب البرهان، وأضاف إليه فوائد وبحوثا.\nوفي هذا العصر اقتصر الباحثون في هذا العلم على أهم ما يحتاج إليه الدارس في هذا العصر، اعتمادا على تكملة بحوث أخرى من علوم شرعية\n_________\n(١) ومن هنا ندرك الخطأ الواضح الذي وقع فيه من عرّف علوم القرآن فقال: «هي جميع المعلومات والبحوث التي تتعلق بالقرآن ...».\nفقد خلط بين المعنى اللغوي وهو يدل على علوم كثيرة، والمعنى الاصطلاحي وهو علم واحد، ألا ترى إلى قوله «هي». وهكذا استمر الخطأ ...","vol":"1","page":8},{"text":"ولغوية أو اعتقادية مقررة في مناهج معاهد العلوم والدراسات الإسلامية.\nومن أهم المؤلفات المعاصرة ما يلي:\n١ - «مناهل العرفان في علوم القرآن»، للعلّامة الكبير محمد عبد العظيم الزرقاني. وهو كتاب حافل واسع المحتوى، عذب الأسلوب يقع في مجلدين.\n٢ - «المدخل إلى دراسة القرآن الكريم»، لفضيلة أستاذنا الدكتور العلّامة الشيخ محمد محمد أبو شبهة.\n٣ - «البيان في علوم القرآن»، لفضيلة أستاذنا الدكتور العلّامة الشيخ عبد الوهاب غزلان.\n٤ - «مباحث في علوم القرآن»، للأستاذ الدكتور صبحي الصالح.\n٥ - «من روائع القرآن»، للأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.\nوقد قسم بعضهم كتابه أبوابا. منها: «باب تاريخ علوم القرآن» و«باب علوم القرآن».\nونرى في هذا التقسيم خللا وضعفا، لأن العنوان الثاني: «علوم القرآن» يوهم أن الأبحاث الأخرى ليست من علوم القرآن، وهي قطعا من علوم القرآن، فكيف تستبعد عن هذا العنوان ولا تدرج تحته.\nونود التنبيه إلى أن التصنيف في علوم القرآن بالمعنى الأول مستمر أيضا لم ينقطع، وذلك تلبية لحاجة العصر من كشف دسائس وفضح أباطيل، أو تفصيل مسائل واستيفائها بالبحث، أو لإظهار مزيد من أوجه الإعجاز الذي أفاده تقدم العلوم، الأمر الذي يزيد اليقين بأن هذا القرآن كتاب الله المعجز على الدوام.\nتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى. تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الثاني<span data-type=\"title\" id=toc-6> القرآن </span>والوحي وتنزلاته</span>\nالقرآن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>هذا الإسم «قرآن» في اللغة:</span>\nعلى أصح الآراء مصدر على وزن غفران، بمعنى القراءة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>وأما تعريف القرآن اصطلاحا:</span>\nفقد تعددت تعاريف العلماء للقرآن، بسبب تعدد الزوايا التي ينظر العلماء منها إلى القرآن- وإن كان التعبير بأنه الكلام المعجز كافيا- ونحن نختار هنا التعريف المناسب لغرض دراستنا، أعني التمهيد بمعارف عامة وهامة موجزة عن القرآن الكريم فنقول:\n«القرآن هو كلام الله المنزل على النبي محمد ﷺ المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المعجز ولو بسورة منه».\nوقد اشتمل هذا التعريف على الصفات التالية للقرآن، وتعتبر في اصطلاح أهل التعاريف قيودا تشمل المعرّف وتميزه عما عداه وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>آ) كلام الله المنزل على النبي ﷺ:</span>\nوتتضمن هذه الجملة أمورا نذكر منها:\n١ - إبعاد كل كلام لغير الله تعالى- مهما كان عظيما- عن أن يسمّى قرآنا، وسواء في ذلك حديث النبي ﷺ أو غيره من الإنس والجن والملائكة، فكل ذلك لا يسمى قرآنا.","vol":"1","page":10},{"text":"٢ - قوله: «على محمد»: احتراز عما أنزل على الأنبياء السابقين، كالتوراة والإنجيل، والزبور وغيرها، فلا يسمى شيء منها قرآنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ب) المكتوب في المصاحف:</span>\nوهذه مزية للقرآن أنه دوّن وحفظ بالكتابة منذ عهد النبي ﷺ وبإشرافه واعتنائه الزائد.\nثم لما قام الصحابة بجمع القرآن في المصحف وكتبت المصاحف في عهد عثمان، أجمع الصحابة على تجريد المصحف من كل ما ليس قرآنا، وقالوا: جرّدوا المصاحف، فمن ادعى قرآنية شيء ليس في المصاحف فدعواه باطلة كاذبة، وهو من المفترين على الله وعلى رسوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>ج) المنقول بالتواتر:</span>\nأي أن القرآن قد نقله جمع عظيم غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب ولا وقوع الخطأ منهم صدفة، هذا الجمع الضخم ينقل القرآن عن جمع مثله وهكذا إلى النبي صلّى الله\nعليه وسلم، وذلك يفيد العلم اليقيني القاطع بأن هذا القرآن هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه ﷺ.\nوهذه خصوصية ليست لغير القرآن من كتب السماء. فإن الكتب السابقة لم يتح لها الحفظ في السطور ولا في الصدور، فضلا عن أن تنقل بالحفظ نقلا متواترا جيلا عن جيل.\nأما القرآن فقد جعل الله فيه قابلية عجيبة للحفظ، كما قال تعالى:\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.\nبل إن هذه الخصوصية، خصوصية حفظ القرآن في الصدور بلغت مبلغا عجيبا، فهذه أمم العجم، تحفظ القرآن عن ظهر قلب حفظا متينا لا يتطرق إليه خلل ولا بكلمة واحدة، ولا تفريط في حكم تجويد، وتجد أحدهم مع حفظه هذا لا يدري من العربية شيئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>د) المتعبد بتلاوته:</span>\nأي أن مجرد تلاوة القرآن عبادة يثاب عليها المؤمن، ولو لم يكن","vol":"1","page":11},{"text":"استحضر نية تحصيل الثواب بالتلاوة، كما أن الصلاة لا تصح إلا بتلاوة شيء منه، وقد وردت نصوص كثيرة غزيرة في الحض على تلاوة القرآن وبيان فضلها وعظمة ثوابها، وألّف العلماء في ذلك كتبا كثيرة نافعة (١). وهذا القيد يخرج من اعتبار القرآن القراءات الشاذة، لأنا غير متعبدين بها، وكذا الأحاديث القدسية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>هـ) المعجز ولو بسورة منه:</span>\nالإعجاز أعظم خصائص القرآن، حتى لو عرّف القرآن بهذه الصفة:\n«الكلام المعجز» لكفى ذلك لتمييزه والتعريف به.\nوالقرآن معجز بجملته، كما أنه معجز بأي سورة منه، ولو كانت هي أقصر سورة من سوره.\nقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٢).\nوقال تباركت أسماؤه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٣).\nوهذا الإعجاز برهان قاطع على أن القرآن كلام الله تعالى، وأنه الحق الذي يجب الإيمان به واتباعه، والحذر من مخالفته وعصيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أسماء القرآن:</span>\nعرفنا أن لفظة القرآن هي أشهر أسماء القرآن الكريم، بل هي الاسم العلم الدال على هذا الكتاب العزيز، وللقرآن الكريم أسماء أخرى كثيرة يشير كل منها إلى جانب من خصائص القرآن أو فضائله، أو أهدافه، وقد عني العلماء بإحصائها واستقصائها وشرحها.\n_________\n(١) نذكر للقارئ منها كتاب «تلاوة القرآن المجيد» لفضيلة أستاذنا العلّامة الشيخ عبد الله سراج الدين.\n(٢) سورة الإسراء، الآية ٨٨. ظهيرا: ناصرا ومؤيدا.\n(٣) سورة البقرة، الآيتان ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":12},{"text":"ومن أشهر أسماء القرآن الكريم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>«الكتاب»:</span>\nوهذه المادة مأخوذة في أصلها من الكتب، أي الجمع، ومنه الكتيبة للجيش لاجتماعها، ثم أطلقت على الكتابة، لجمعها الحروف (١)، وسمّي القرآن بذلك لأنه يجمع أنواعا من القصص والآيات والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة، كما ذكروا.\nإلا أنا نرى حقا ما قرره المحقق الدكتور محمد عبد الله دراز (٢) أن في تسمية القرآن بهذين الاسمين: القرآن والكتاب: «إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفّاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.\nوبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيّها بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٣)، ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، فإن الله لم يتكفل بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس فقال تعالى: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ (٤)، أي بما طلب إليهم حفظه.\nوالسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، وكان\n_________\n(١) كما اتفقت عليه المعاجم، فلا معنى للالتفات لما كتبه بعض المستشرقين من إرجاع هذه الكلمة أو غيرها إلى أصل غير عربي من الآرامية أو غيرها، فذلك زعم لا أرومة له.\n(٢) في النبأ العظيم ص ٧ - ٩.\n(٣) سورة الحجر، الآية ٩.\n(٤) سورة المائدة، الآية ٤٤.","vol":"1","page":13},{"text":"سادّا مسدّها ولم يكن شيء منها ليسدّ مسدّه، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرا يسر له أسبابه، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ومن أسماء القرآن «النور»:</span>\nقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١).\nومناسبة هذه التسمية أن القرآن يكشف الحقائق ويجلوها ببيانه الناصع، وبرهانه الساطع، ويجعلنا ندرك غوامض الحلال والحرام، وما لا يستقل العقل بالتوصل إليه من علوم العقيدة والشريعة وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>«الفرقان»:</span>\nقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (٢).\nووجه هذه التسمية: أنه فرّق بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والحلال والحرام، والخير والشر، وذلك لغاية كماله في الهداية والبيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>الوحي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>معنى الوحي لغة:</span>\nقال الإمام ابن فارس (٣): «الواو والحاء والحرف المعتل: أصل يدل على إلقاء علم في إخفاء إلى غيرك، فالوحي الإشارة، والوحي: الكتاب والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان».\nويختص معنى الوحي لغة إضافة إلى ما قاله ابن فارس بتضمنه معنى السرعة، فالإشارة السريعة هي التي يقال لها: وحي.\nوورد الوحي في القرآن بمعنى الإلهام، كما في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ (٤).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية ١٧٤.\n(٢) أول سورة الفرقان.\n(٣) معجم مقاييس اللغة.\n(٤) سورة القصص، الآية ٧.","vol":"1","page":14},{"text":"كما ورد بمعنى الوسوسة: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>أما في الاصطلاح الشرعي:</span>\nفالوحي هو إعلام الله تعالى لمن اصطفاه من عباده بطريق خفية سريعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>مراتب الوحي:</span>\nوإذا ابتغينا التفصيل لهذا الإجمال عن الوحي، وتساءلنا عن كيفياته وأحواله وآثاره فإن خير مرجع يحقق لنا تلك الأمنية هو صاحب الوحي نفسه، في نصوص القرآن الصريحة والأحاديث الصحيحة.\nكما جاء في الحديث الصحيح: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لمثلها».\n«حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال:\nاقرأ، قلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثالثة فقال:\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده.\nفدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زمّلوني زمّلوني، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع. فقال لخديجة- وأخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي. فقالت له: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب في\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية ١٢١.","vol":"1","page":15},{"text":"الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى.\nفقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: «أو مخرجيّ هم؟!» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا.\nثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي».\nقال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: وهو يحدث عن فترة الوحي: فقال في حديثه: «بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاء في حراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت، فقلت:\nزمّلوني زمّلوني، فأنزل الله ﷿: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. فحمي الوحي وتواتر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>كيفيات الوحي:</span>\nوليست مراتب الوحي مقتصرة على هذين الحالين اللذين عرفناهما من الحديث،: الرؤيا والأخذ من الملك، بل إن له مراتب وكيفيات عدة ذكر القرآن الكريم أصولها في قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٢).\nوقد دلّت هذه الآية الجامعة على كيفيات الوحي وأنها ثلاث لا رابع لها، وسماها العلماء مراتب الوحي، وهي:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في أول صحيحه وغيره. غطّني: ضمني وعصرني بقوة. زمّلوني:\nلففوني بالثياب. الرّوع: الفزع. الناموس: صاحب السّرّ. جذع: شاب. لم ينشب: لم يلبث.\n(٢) سورة الشورى: الآية ٥١.","vol":"1","page":16},{"text":"١ - أن يلقي الله ما يريد إلقاءه إلى النبي مباشرة بطريق خفي سريع دون واسطة.\n٢ - أن يكلم الله النبي، من وراء حجاب تكليما.\n٣ - أن يرسل الله الملك إلى النبي فيلقي إليه ما أمره الله تعالى به.\nوقد بحث العلماء في هذه المراتب- ومرادهم كيفيات الوحي- واستقصوا أحوالها فيما ورد من وصف الوحي من الكتاب والسنّة، وأوصلوها إلى سبع مراتب ينقسم إليه الوحي ويقع بها، ومنهم من جعلها ثماني مراتب (١)، وترجع كلها إلى المراتب الأساسية التي ذكرتها الآية، وتندرج في ضمنها ولا تتجاوز حدها، كما يتضح من هذا البيان الذي يشرحها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المرتبة الأولى:</span>\nالرؤيا الصادقة، وذلك كما ورد في حديث عائشة:\n«أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم»، والوحي في هذه المرتبة إما أن يكون بإلقاء الله أو بواسطة الملك فهو داخل في الآية لا يخرج عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المرتبة الثانية:</span>\nأن يأتيه الملك فيلقي في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما أخرج الشهاب والحاكم عن ابن مسعود أنه ﷺ قال: «إن روح القدس نفث في روعي: أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>المرتبة الثالثة:</span>\nأن يتمثّل له الملك رجلا فيخاطبه فيعي عنه ما يقول:\nكما في الحديث المشهور من سؤال جبريل النبي ﷺ عن\n_________\n(١) انظر في ذلك الروض الأنف للسهيلي ج ١ ص ١٥٣ - ١٥٤، وزاد المعاد لابن القيم ج ١ ص ٧٧ - ٨٠ (ط. الرسالة)، والإتقان للسيوطي ج ١ ص ٤٤، والمواهب اللدنية للقسطلاني، وشرحه للزرقاني ج ١ ص ٥٥، وغيرها.\n(٢) مسند الشهاب بلفظه ج ٢ ص ١٨٥ والمستدرك بنحوه ج ٢ ص ٤ وله شواهد كثيرة تقويه.","vol":"1","page":17},{"text":"الإسلام والإيمان والإحسان والساعة. وهو متفق عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المرتبة الرابعة:</span>\nأن يأتيه الملك على حاله الملكية ويوحي إليه، وفي هذه المرتبة يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، وكان ذلك أشد الوحي عليه ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المرتبة الخامسة:</span>\nأن يأتيه الملك جبريل ويظهر له في صورته الملكية العظيمة التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له ﷺ مرتين: إحداهما في الأرض، والثانية: في السماء ليلة المعراج عند سدرة المنتهى، كما قال تعالى في سورة النجم (١): وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى.\nوهذه المراتب الأربعة التي بعد الأولى كلها صور لمرتبة واحدة لا تخرج عنها، ذكرها القرآن في قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المرتبة السادسة:</span>\nكلام الله تعالى للنبي من وراء حجاب، كما وقع للنبي ﷺ ليلة المعراج بعد أن استقرت فريضة الصلوات على الخمس فنودي: أحكمت فريضتي وخففت على عبادي، وكما وقع لموسى ﵇: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المرتبة السابعة:</span>\nكلام الله تعالى للنبي وحيا بلا واسطة ملك ولا حجاب: كما أوحاه إلى النبي ﷺ ليلة المعراج وهو فوق السموات من فرض الصلوات ومضاعفة الحسنات الحسنة بعشر أمثالها، وغير ذلك، وهي مرتبة داخلة في قوله: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أي إعلاما خفيا.\nلكن بعضهم استشكل ما وردت به الأحاديث في هذه المرتبة وقال به أكثر\n_________\n(١) الآيات: ١٣ - ١٨.","vol":"1","page":18},{"text":"العلماء أنه ﷺ رأى ربه ﷿ ليلة المعراج كيف يتفق مع قوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ وليس هاهنا حجاب؟\nإلا أن هذا الإشكال في الحقيقة غير وارد هنا إذا ما علمنا أن الوحي الإلهي في هذه المرتبة لا يشبه خطاب الخلق، بل هو داخل في قوله إلا وحيا، لأن الوحي إعلام في خفاء، وقد أبان الإمام المفسر البيضاوي عن ذلك في تفسيره لهذه الآية وهو يفسر إِلَّا وَحْيًا: «كلاما خفيا يدرك بسرعة، لأنه تمثيل، ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة يتوقف على تموجات متعاقبة»، فأزاح بذلك شبهة خروج هذه المرتبة عن حد الآية الكريمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>مظاهر الوحي:</span>\nوالوحي في أي مرتبة من مراتبه أمر عظيم يقتضي من الإنسان أن يتجاوز حدود المادة وعالم الشهادة ليتصل بالملائكة وعالم الغيب، وذلك يقتضي من صاحبه استعدادا يهيئه الله تعالى في أولئك الأخيار الذين اصطفاهم من خلقه لهذه المنزلة، وكثيرا ما كان يحدث للنبي ﷺ مشقة شديدة في التلقي من الملك. قالت عائشة ﵂: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول». قالت عائشة ﵂: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا» (١).\nومن آثار الوحي ومظاهره على النبي ﷺ ما وردت به هذه الأحاديث:\n١ - ما ذكر في حديث السيدة عائشة الذي رويناه سابقا.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري في مطلع صحيحه ص ٢ - ٣ ومسلم في الفضائل (باب عرق النبي ﷺ ...) ج ٧ ص ٨٢.","vol":"1","page":19},{"text":"وأخرج البخاري أول صحيحه وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة وكان ممّا يحرك شفتيه، فقال ابن عباس فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، وقال سعيد أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله ﷿: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، قال جمعه لك صدرك وتقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، قال فاستمع له وأنصت ثم إن علينا بيانه، ثم إن علينا أن تقرأه. فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما كان قرأ».\n٢ - أنه ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل: عن عبد الرحمن بن عبد القارّيّ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال:\n«اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة»، ثم قرأ علينا: «قد أفلح المؤمنون ... حتى ختم العشر» (١)، أخرجه أحمد والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\n٣ - أنه ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي ثقل جسمه حتى يكاد يرضّ فخذه فخذ الجالس إلى جنبه.\n_________\n(١) وهي: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ.\nوانظر الحديث في المسند رقم ٢٢٣ والترمذي ج ٢ ص ٣١٦ - ٣١٧ والمستدرك ج ١ ص ٥٣٥.","vol":"1","page":20},{"text":"عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أملى عليه:\nلا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يملّها عليّ قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت.- وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذي ثم سرّي عنه فأنزل الله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، أخرجه البخاري بلفظه وأحمد وأبو داود وغيرهم (١).\n٤ - أنه ﷺ إذا نزل عليه الوحي بركت به راحلته.\nعن عائشة ﵂ قالت: «إن كان يوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها» أخرجه أحمد.\nوعن عروة بن الزبير: أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع أن تحرّك حتى يسرّى عنه. أخرجه ابن جرير، وهو مرسل، والجران باطن عنق الناقة.\nوقد حضّ النبي ﷺ المسلم على أن يجعل ليوم الوحي اهتماما وتوجها خاصا إلى الله، بمجاهدة النفس والتصفية لها بصيام مستحب، تكميلا ومتابعة لمجاهدتها بالصيام المفروض في شهر رمضان حتى تصفو النفوس من أكدارها وتخلص القلوب وجهتها نحو بارئها سبحانه، وتقبل عليه بقوة وعزم، وعلى العالم بالمكارم والإصلاح ودعوة الخير الذي نزل به الوحي في ذلك اليوم، أخرج مسلم (٢) عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الاثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ» (٣).\n_________\n(١) البخاري: ج ٦: ٤٧ وأبو داود ج ٣: ١١ والمسند ج ٥: ١٨٤.\n(٢) في صحيحه كتاب الصيام ج ٣ ص ١٦٨.\n(٣) وبهذه الدراسة يتبين لنا بجلاء الفرق بين الوحي والإلهام أو الكشف، وذلك من وجوه كثيرة نذكر منها:\n١ - إن الوحي أخذ وتلقّ من ذات خارجية علوية آمرة قاهرة، تتلقاه شخصية النبي مذعنة ضعيفة مأمورة. أما الإلهام والكشف فيدخل فيهما عنصر الحدس","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الرد على منكري الوحي</span>\nوقد أثار أعداء الأنبياء والكافرون ببعثة الرسل الشبهات حول ثبوت الوحي من الله تعالى لهؤلاء الخيرة المصطفين من عباده، وتعللوا في إنكارهم بتعللات مختلفة، بدأها أوائلهم في العصور السالفة الغابرة وجددها أواخرهم في العصور الخالفة الحاضرة.\nويتخلص أهم ما قالوه في دعويين سبق إليهما الكفرة المشركون من قبل، حين زعموا أن النبي ﷺ مجنون، أو أنه مصاب بمرض عصبي، وزعموا أنه يأتيه رئيّ من الجن يلقي إليه هذا القرآن، ولما كان منكروا النبوة في هذا العصر ينكرون الجن فقد صاغوا شبهتهم باسم «الوحي النفسي».\nولا شك أن دعوى المرض العصبي كذب واضح يدل على الجهل الفاضح بشخص محمد ﷺ وبالقرآن الكريم، بل يدين قائله بأنه بلغ به العناد والتجني على الحقيقة مبلغا فقد به توازنه العقلي، فالتاريخ يشهد بأدلته القاطعة للنبي ﷺ أنه كان أعظم الناس خلقا، وأوسعهم أفقا، وأشجعهم قلبا، وأسخاهم يدا، لا تصمد أمامه معضلة، ولا يتعقد أمامه موقف إلا واجهه بأحسن الحلول وأعلاها وأفضلها، وأنه كان أفصح الناس لسانا وأعذبهم بيانا، مما يشهد بأنه ﷺ أكمل العالم عقلا وتفكيرا وأنه أمة وحده في علوّ أخلاقه وثباته وحلمه، وكمال عقله ورباطة\n_________\nوالتخمين وعمل الذهن غير الشعوري.\n٢ - إن الوحي يوقع في القلب علما يقينيا اضطراريا لا يقبل التغيير ولا التبديل، أما الكشف أو الإلهام فهو أمر يقع في النفس فتعرفه معرفة دون اليقين، وقد تتحمس له كاليقين، لكن كثيرا ما يظهر الخطأ فيه.\n٣ - إنه يجب الأخذ بالوحي قطعا، لكن لا يجوز الأخذ بالإلهام أو الكشف وإن تكرر صدقه إلا بعد عرضه على دلائل الشرع، لأن الوحي معصوم، أما الإلهام وكذا الكشف ونحو ذلك فليس شيء منها بمعصوم، فلا بد من مراجعة ذلك.","vol":"1","page":22},{"text":"جأشه، ولهذا ردّ القرآن على هؤلاء بأنهم هم الذين فقدوا رشدهم: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ.\nوأما دعوى (الوحي النفسي) فقد وجدت لدى المنكرين ومثيري الشبهات مرتعا خصيبا ولا سيما اليهود من المستشرقين (١) لما فيها من التلبيس الخبيث والمكر في الدس والافتراء الذي يضفي على هذه الفرية مسحة كاذبة من دعوى البحث العلمي العصري.\nوإن الثابت المقرر من مظاهر الوحي وآثاره ليثبت بطلان هذه الدعوى وكذبها، من وجوه كثيرة جدا، نذكر منها:\n١ - إعجاز القرآن، فإن نفس محمد ﷺ مهما صفت فإنها ستظل كسائر المتعبدين والعباقرة يأتون بالشيء العظيم لكن لا يعجز أمثالهم أن يلحقوا بهم أو يسبقوهم ويتفوقوا عليهم، وهذا القرآن الذي أوحي به إلى محمد بن عبد الله ﷺ معجز تحدى الجن والإنس، والأولين والآخرين، فأنّى يمكن أن يكون هذا الكتاب إلا من عند الله.\n٢ - إن حادث الوحي يثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه آت من ذات مستقلة خارجة عن ذات النبي ﷺ، وذلك واضح في حديث بدء الوحي في غار حراء، حيث إن الملك جاء إلى النبي ﷺ فجأة كما في الحديث الصحيح المتفق عليه: «فجاءه الملك فقال اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ ...\nفهذا الحادث يوضح أن هناك ذاتا خارجة عن ذات محمد وشخصه تملي عليه وتأخذه وتغطّه أي تضمّه وتعصره عصرا شديدا، وتقول له: اقرأ، فهي ذات متكلمة، وهي ذات آمرة ومؤثرة في بدنه بالضغط الشديد عليه، حتى يقول النبي ﷺ: «لقد خشيت على نفسي». وذلك يثبت بطلان زعم الوحي النفسي ويفنّده تفنيدا.\n_________\n(١) مثل جولد زيهر.","vol":"1","page":23},{"text":"٣ - إن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ غير مرتبط بإرادته أو رغبته، ولا بتفكيره أو بحثه لدى وقوع المهمات، فربما كان في بيته يأخذ شيئا من الراحة فينهض والبشر على محياه وقد نزلت سورة، كما ثبت الخبر في نزول سورة الكوثر كما أخرج ذلك مسلم في صحيحه، ومن القرآن ما تنزل في هزيع أخير من الليل، كآية التوبة على الثلاثة الذين خلّفوا، وآية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وكان النبي ﷺ في خيمته والحرس حوله، فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من الخيمة فقال: «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى» (١) ولهذا كثرت أقسام القرآن بحسب أوقات نزوله، فمنه السفري والحضري، ومنه الليلي والنهاري، ومنه ما نزل مشيّعا، ومنه ... ومنه، مما فصله علماؤنا في مصادر علوم القرآن.\n٤ - «إن عبقرية الإنسان تحمل بالضرورة طابع الأرض حيث يخضع كل شيء لقانون الزمان والمكان، ويتقيد بحدودهما وآفاقهما، بينما يتخطى القرآن دائما نطاق هذه الحدود، ليدلّ من خلال رحابة موضوعاته إلى أن دور محمدﷺ- فيه إنما هو الحفظ والوعي، أو الأخذ والتلقي، ثم الإبلاغ للعالم.\nبل إن جميع معارف الإنسان في عصر نزول القرآن- لا معارف النبي ومعارف بيئته- ومعارف عصور لا حقة لا تمثل شيئا من شمول المعارف القرآنية وتنوعها وعمقها، فضلا عما في معارف القرآن من تصحيح تلك المعارف وتقويم عوجها من جذورها، حتى ما كان منها متعلقا بما هو سابق لعصر نزول القرآن، فليت شعري إن لم يكن هذا وحيا ممن يعلم السر في السموات والأرض فأي شيء يكون» (٢).\n_________\n(١) البرهان ج ١ ص ١٩٨.\n(٢) باختصار وتصرف عن كتاب «الظاهرة القرآنية» تأليف مالك بن نبي ﵀، وليرجع إلى هذا الكتاب ففيه فوائد هامة. وانظر ما يأتي في الإعجاز العلمي وفي بحث «الكون في القرآن».","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الفصل الثالث نزول القرآن منجما وأسراره</span>\nلقد حدثنا القرآن عن نزوله في مناسبات كثيرة يدور قطب بحثنا هنا على هذه الجمل منها:\nشَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ.\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ.\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.\nبَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ.\nوظاهر الآية الأولى يستدعي البحث، لما هو معلوم عند الجميع أن القرآن لم ينزل جملة واحدة، إنما نزل مفرقا، وقد تساءل عن ذلك الدارسون منذ العصر الأول، كما روي:\nعن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك من قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وقد أنزل في شوّال\nوفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرم وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر، وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثمّ أنزل على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور والأيام»،","vol":"1","page":25},{"text":"رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه (١).\nوقد تضافرت الأسانيد الصحيحة إلى ابن عباس تثبت قوله بنزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ليلة القدر في رمضان، وبهذا قال أكثر العلماء، وبذلك يكون\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>للقرآن ثلاث تنزّلات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>١ - التنزّل الأول:</span>\nنزوله إلى اللوح المحفوظ، كما نصّت الآية: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ. واللوح المحفوظ عالم علوي عظيم جعله الله تعالى من أعظم المظاهر الدالة على عظمة علمه تعالى وحكمته وقدرته النافذة في الأكوان، ويختص اللوح المحفوظ بكونه مشتملا على تسجيل ما قضى الله تعالى وقدّر ما كان وما سيكون (٢).\nقال الإمام أبو حيان في تفسير الآية: «واللوح المحفوظ هو الذي فيه جميع الأشياء» اهـ.\nوهو من أسرار الغيب التي لم يطلعنا الله تعالى على حقيقتها وستظل كذلك في أستار الغيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٢ - التنزيل الثاني:</span>\nالنزول إلى بيت العزّة في السماء الدنيا جملة واحدة، كما سبق عن ابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٣ - التنزيل الثالث:</span>\nالنزول على قلب النبي الكريم ﷺ منجما في ثلاث وعشرين سنة.\nويرى كثير من العلماء تفسير آيات نزول القرآن في ليلة القدر وشهر رمضان على غير ما ذكرناه، وأن المراد ابتدأنا إنزاله في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، كما هو مستعمل كثيرا في اللغة إطلاق «فعل» على ابتداء الفعل،\n_________\n(١) وهذا لفظ ابن مردويه، أنظر تفسير ابن كثير ج ١ ص ٣١٠ والإتقان ج ١ ص ٤٠ وفيه تصحيف.\n(٢) قارن ب «مباحث في علوم القرآن» ص ٥١ حيث جعل هذا النزول ثابتا بالأسانيد الصحيحة، وإنما هو ثابت بالقرآن.","vol":"1","page":26},{"text":"وكأن هذا الفريق يرى حديث ابن عباس تفسيرا من اجتهاده ورأيه، لأنه لم يأت مرفوعا إلى النبي ﷺ في شيء من طرقه، ولا ورد عن أحد من الصحابة غير ابن عباس، وإن كان هذا التأويل غير ظاهر.\nوقد يتساءل القارئ عن الحكمة من إنزال القرآن جملة واحدة ثم إنزاله منجما بعد ذلك.\nوالحق أنه لم يرد لنا نص صريح يجلو لنا سر ذلك. لكن الباحث يتلمس باجتهاده حكمة لذلك وسرا، ومن ذلك ما يلي:\n١ - تفخيم أمر القرآن وأمر من نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم» (١).\n٢ - سرّ يرجع لإعجاز القرآن، في ترتيب القرآن في النزول، ثم ترتيبه في المصحف، حيث ينظره جبريل في سماء الدنيا وهو على ترتيب المصحف، ثم يتنزل بآياته تباعا على حسب الحوادث فتوضع كل آية في مكانها في المصحف وفق الترتيب في اللوح المحفوظ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>نزول القرآن منجما على قلب النبي الكريم</span>\nلقد صرّحت الآيات القاطعة بأن القرآن الكريم كلام الله المنزل من عند الله تعالى بلفظه ومعناه على قلب النبي ﷺ، لا تصرف لأحد في شيء منه ولا في حرف من حروفه.\nقال تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ.\nوقال: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ.\nفالقرآن تلقاه النبي ﷺ من الله تعالى كما تشير كلمة\n_________\n(١) البرهان ج ١ ص ٢٣٠ والإتقان: ١: ٤٠ - ٤١ وصرح بعزو هذا إلى المرشد الوجيز لأبي شامة. وانظر المرشد الوجيز ص ٢٤.\n(٢) باختصار وتصرف عن كتاب الوحدة الموضوعية: ٧٤.","vol":"1","page":27},{"text":"«لدن»، وهو كلام الله كما صرحت الآية: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ.\nلكن تنزيل القرآن على النبي ﷺ لم يكن دفعة واحدة، كما نزلت الكتب السابقة على الأنبياء دفعة واحدة، بل اختص الله تعالى هذا القرآن بأن أنزله منجما أي مفرقا، بحسب المناسبات، واقتضاء الحال، فكثيرا ما كانت تنزل خمس آيات، أو تنزل عشر آيات، أو أقل أو أكثر، وقد صح نزول عشر آيات قصار في أول سورة المؤمنون، ونزلت عشر آيات طوال في قصة الإفك في سورة النور، وقد ينزل بعض آية كقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إلى آخر الآية نزلت بعد نزول أول الآية وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا.\nوقد استمر نزول القرآن ثلاثا وعشرين سنة، منذ بدء الوحي إلى النبي ﷺ وهو في سن الأربعين، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى في الثالثة والستين من عمره الشريف ﷺ كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الحكم في نزول القرآن منجما:</span>\nهكذا اختص القرآن الكريم من بين الكتب السماوية بأنه نزل مفرقا على نجوم كثيرة كما ذكرنا، وقد أثار ذلك أعداء القرآن من المشركين واليهود وغيرهم، فتساءلوا لماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة، كما نزلت الكتب التي قبله؟.\nوهذا سؤال تولّى الله تعالى الإجابة عنه في موضعين من قرآنه:\nقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا. وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (١).\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآيتان ٣٢، ٣٣.","vol":"1","page":28},{"text":"وقال أيضا: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١).\nفبيّن القرآن حكما وأسرارا غفل عنها المتطفلون باقتراحهم، اقتضت نزول القرآن مفرقا، وبالنظر إلى عبارات الآيات القرآنية نستطيع عرضها من خلال أربعة جوانب، يستدل عليها من الآيات السابقة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>أولا، تثبيت فؤاد النبي ﷺ وتقوية قلبه:</span>\nكما قال تعالى: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ.\nفقد بعث الرسول ﷺ في قوم جفاة شديدة عداوتهم، كما قال تعالى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا. وكانوا لا يكادون ينتهون من حملة أو مكيدة حتى يشرعوا في تدبير أخرى مثلها أو أشد أو أمرّ، فكانت تنزلات القرآن بين الفينة والأخرى تواسيه وتسليه، وتشدّ أزره وعزيمته على تحمل الشدائد والمكاره، لما فيها أولا من تجديد الاتصال بالملإ الأعلى كلما ادلهمّ الأمر أو نزل الخطب، مما يثلج القلب ويشرح الصدر. ثم ما هنالك من التذكير بالأسوة بالأنبياء السابقين وأحوالهم مع أقوامهم كما قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ....\nويستطيع القارئ تبين هذه الحكمة بسهولة ويسر لدى مراجعته قصص القرآن، كأن يقوم باستعراض سريع لسورة هود مثلا، وما فيها من بيان مواقف الأمم من أنبيائهم وتحمّل الأنبياء والمؤمنين معهم وصبرهم حتى ينزل الله تعالى نقمته على أعدائهم، ويكرم المؤمنين بالفوز والنجاة، مما له أثره البالغ في تثبيت المؤمنين وزلزلة قلوب الكافرين لتكرار ذلك في كل موقف، حتى ضربت الأمة الإسلامية المثل البالغ حيث تعرضت لهزات وأعاصير أباد جزء منها أمما وأذاب شعوبا وحضارات، فثبتت الأمة الإسلامية أمام ذلك كله.\nبل سجلت أمة الإسلام في هذا المضمار ما هو معجز، حيث إنها\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية ١٠٦.","vol":"1","page":29},{"text":"حافظت على نفسها ودينها وحضارتها ليس هذا فحسب، بل امتصت القوى التي جاءت لإفنائها وجعلتها هي تتحول لتكون من أسباب قوّتها، كما حصل من الانقلاب الكبير للصليبيين بعد احتكاكهم بالمسلمين، والعبرة الأكبر في التتار الذين دخلوا الإسلام واعتنقوه، مما يبرز لنا أهمية التربية الإسلامية، وأسلوبها في غرس هذه العوامل بوسائل كثيرة منها أسلوب قصص الأمم السابقة، ولهذا ندرك أيضا موقع هذا الاختتام العظيم لسورة هود بهذه الآيات:\nوَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا ....\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ثانيا: مواجهة ما يطرأ من أمور أو حوادث تمس الدعوة:</span>\nكما قال تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا. وهذه حكمة جليلة لها أثرها البالغ في نجاح الدعوة، لمواجهة الوحي نفسه للطوارئ والملمات، ومن أهم ذلك ما يثيره المبطلون من الاعتراضات أو الشبهات، وهو الأصل الذي صرحت به الآية الكريمة أي لا يأتونك بسؤال عجيب أو شبهة يعارضون بها القرآن بباطلهم العجيب إلا جئناهم بما هو الحق في نفس الأمر، الدامغ له، وهو أحسن بيانا وأوضح، وأحسن كشفا لما بعثت له (١)، وكأن جبريل واقف بالمرصاد يشرع سهم القرآن في صدور المشركين كلما أجمعوا أمرهم وألقوا سؤالهم أو حزبوا لنصرة الباطل أمثالهم.\nهذا أبيّ بن خلف من رؤساء الشرك جاء إلى النبي ﷺ وفي يده عظم رميم وهو يفتته ويذريه في الهواء وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال: «نعم، يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار»، ونزلت هذه الآيات من آخر سورة يس (٢):\n_________\n(١) تفسير ابن كثير الموضع السابق، وأنوار التنزيل للبيضاوي مع حاشية الكازروني ج ٤ ص ٩٤.\n(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٥٧٩ وفي رواية أن العاص بن وائل فعل ذلك وصححه الحاكم","vol":"1","page":30},{"text":"أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ....\nأي استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة- الذي خلقه من نطفة والذي خلق السموات والأرض- للأجساد والعظام الرميمة ونسي نفسه، وأن الله خلقه من العدم، وهو أعظم من الحشر الذي استبعده ولهذا قال: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.\nكذلك كانوا يلقون عليه أسئلة اختبار للتثبت من نبوته، كما روي في سبب نزول سورة الكهف أن قريشا سألت اليهود في المدينة عن النبي ﷺ، فقالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ... فنزلت في الإجابة عن الأسئلة الثلاثة سورة الكهف بشأن الفتية أصحاب الكهف وبقصة ذي القرنين، ونزلت آية الإسراء وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (١).\nوقد جاء مع هذا الجواب التوجيه الرباني للنبي ﷺ يعتب عليه أن قال لهم: «أخبركم غدا»، ولم يستثن، أي لم يقل إن شاء الله فأبطأ عليه الوحي خمسة عشر يوما، وشق ذلك على النبي ﷺ ونزل عليه الوحي بالإجابات، ونزل قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا.\nوكان المسلمون كذلك يسألون عما يهمهم من أمر دينهم، كالأسئلة عن النفقة: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (٢). وعن الأهلّة:\n_________\nكما في لباب النقول ص ٦٠٧ ولا مانع من أن تكون الواقعة تعددت.\n(١) تفسير ابن كثير ج ٥ ص ١١١ - ١١٢ و١٣٢ - ١٣٣ ولباب النقول ص ٤٩١ - ٤٩٣.\n(٢) أي الفضل والزائد.","vol":"1","page":31},{"text":"يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. والحيض: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ...\nولا شك أن الأسئلة لم تكن في وقت واحد بل كانت في أوقات متفرقة مختلفة فكان لا بد من نزول القرآن منجما.\nويدخل في هذا الجانب متابعة الوقائع والأحداث في وقتها ينزل الوحي بشأنها ببيان التوجيه الإلهي، كما في غزوة بدر ومسألة الأنفال، ومصيبة المسلمين يوم أحد ونزول القرآن بالدروس والعبر التي نجعت فيهم مدى حياتهم مع تسلية أحزانهم ومواساتهم.\nأو ينزل القرآن ببيان الحكم الإلهي كما في آيات الزنا والظّهار، والعدّة والأيمان ...\nوهذه غزوات الرسول الكريم وحدها مثل غزوة بدر وأحد والخندق وتبوك وحنين مثال ناطق بهذه الحكمة الجليلة التي تقتضي نزول القرآن منجما في مناسبتها فكان لا بد للقرآن أن ينزل منجما وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ثالثا: تعهد هذه الأمة التي أنزل عليها القرآن:</span>\nوذلك لصياغتها على النهج الإسلامي القرآني علما وعملا، فكرا واعتقادا وسلوكا، تخلقا وعرفا.\nكما قال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ.\nومن مظاهر هذا الجانب أنهم كانوا قوما أميين لا يحسنون القراءة والكتابة فكانت الذاكرة عمدتهم الرئيسية، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه، فأنزل الله قرآنه مفرقا ليقرأه الرسول ﷺ عليهم على تمهّل فيسهل عليهم حفظه ويتيسر فهمه ودرسه كذلك.\nثم إن الأمة العربية التي خوطبت بالقرآن أولا قبل سائر الأمم كانت لها عقائد راسخة وعادات موروثة وأخلاق مأثورة عن أسلافهم يتباهون بها ويتفاخرون، ويتبارون في التمسك بها ويتسابقون، على عنجهيّة لم تعرفها أمة","vol":"1","page":32},{"text":"غيرهم إذ ذاك، فكان كما قال الإمام مكّيّ بن أبي طالب (١): «أدعى إلى قبوله إذا نزل على التدريج، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة فإنه ينفر من قبوله كثير من الناس، لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي».\nلهذا سلك القرآن الكريم معهم مسلك التربية الحكيمة، وهو مسلك التدرج في التشريع من حكم إلى حكم. والتأنّي في نقلهم من حال إلى حال، ومن خلق إلى خلق، وهكذا بلغ الغاية في تخليهم عن عقائدهم الباطلة، وعاداتهم المسترذلة، وسما بهم إلى عقائد القرآن وأخلاقه وعباداته وأحكامه ونظامه الشامل.\nويصور لنا هذه الحكمة التربوية ما أخرجه البخاري (٢) عن عائشة ﵂ قالت: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا».\nوهكذا كانت تنزل الفرائض: تنزل الفريضة حتى إذا تمكنت في النفوس نزلت الأخرى، وكذلك المحرمات، بل إن التدرج في أحيان كثيرة كان يقع في الحكم الواحد، مثل فرائض النفقات، والجهاد، وحقوق المرأة، والميراث، وتحريم الخمر، حتى أثمرت تلك التربية الربانية خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وحتى كان في وقائع امتثالها ما تباهي أرقى الدول في هذا العصر في محاولتها إصلاح مجتمعها، وما قصة تحريم الخمر المشهورة ومحاولة بعض الدول الكبرى في معالجتها ببعيدة عنّا، فقد كان الفشل ذريعا بل تسبب باستفحال المشكلة حتى انجرّ الكثيرون إلى الإمعان والزيادة في الشراب من الأنواع الأشد رداءة مما يعطينا العبرة في إعجاز التربية القرآنية التي كان التدرج في نزول الوحي بالاحكام من أنجع وسائلها.\n_________\n(١) في كتابه الناسخ والمنسوخ، انظر الإتقان.\n(٢) في فضائل القرآن ج ٦ ص ١٨٥.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>رابعا: التنبيه على وجه من إعجاز القرآن:</span>\nوإليه الإشارة بقوله: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ فعبّر بقوله كَذلِكَ أي مثل ذلك التنزيل العجيب الشأن البالغ الغاية في الحكمة والإحكام، ثم تذييل الآية بقوله وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وأصل الترتيل: التنضيد.\nوكذلك يشير إليه قوله تعالى في الآية الأخرى: وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.\nبيان ذلك أننا إذا ما لاحظنا أن القرآن نزل مفرقا على حسب أحداث ووقائع لم تكن على ترتيب أو نسق معين ثم قد وضعت كل آية أو مجموعة آيات نزلت في مكان خاص بها من سورة يأمر الوحي بوضع الآية أو الآيات فيها، ويتناول ذلك عدة سور في آن واحد، حتى إن سورة البقرة كانت أول ما نزل من القرآن في المدينة واستمر نزولها يتتابع فكان فيها آخر ما تنزل من القرآن قاطبة، وهي. طول سورة في القرآن.\nثم يقرأ القارئ المتدبر هذا القرآن بعد ذلك فيجد الترابط المحكم والاتساق العجيب وكأن السورة الطويلة أيا كانت لوحة جميلة متناسقة الألوان والظلال والمشاهد، أو بناء محكم الترابط تام التكوين. قال الإمام الشاطبي:\n«إن السورة الواحدة مهما تعددت قضاياها فهي تكون قضية واحدة» (١). أي تدور على موضوع واحد.\nمما يدل دلالة قاطعة على أن هذا القرآن تنزيل حكيم عليهم، أحاط علمه بما هو كائن، كما قال تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا.\n_________\n(١) الموافقات ج ٣ ص ٤١٤.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفصل الرابع أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>أول ما نزل من القرآن الكريم</span>\nإن أول ما نزل من القرآن الكريم هو صدر سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.\nوذلك كما ثبت في حديث السيدة عائشة الذي أخرجه البخاري ومسلم.\nلكن هذا قد يشكل بما أخرجه الشيخان (١) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت: أو اقْرَأْ فقال جابر أحدثكم ما حدثنا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت، فإذا هو جبريل، فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ».\nوقد اغتر بهذه الرواية بعض أهل العلم، وجعل صدر سورة المدثر أول ما نزل من القرآن.\n_________\n(١) البخاري في بدء الوحي ج ١ ص ٣ - ٤ وتفسير سورة المدثر ج ٤ ص ١٦١ - ١٦٣ وتفسير سورة اقرأ ج ٤ ص ١٧٤. ومسلم ج ١ ص ٩٨ - ٩٩.","vol":"1","page":35},{"text":"لكن التحقيق أن حديث جابر لا يتحدث عن ابتداء الوحي الأول إنما يتحدث عن أول ما نزل بعد فتور الوحي، وهو هذه الآيات من سورة المدثر، وهي أول ما نزل من القرآن يأمر النبي ﷺ بالإنذار.\nيدل على ذلك ما ثبت في الحديث نفسه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله الأنصاري في حديثه السابق وفيه قوله: .. فإذا الملك الذي جاءني بحراء» (١).\nوليس بخاف ما في هذا الافتتاح لبدء الوحي ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ...\nعَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ من الحكمة الجليلة حتى أن الخطباء والكتّاب والأدباء لا يملّون من القول فيها، ومن أن يرددوه في كل مناسبة تقال عن العلم وعن الحضارة، وعن الثقافة وعن القرآن وعن الإسلام، وعن أثر القرآن في تحويل العالم، ولا سيما إذا قارنّا ذلك بما افتتح به كتاب آخر لدى الأمم الأخرى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>آخر ما نزل من القرآن الكريم</span>\nأقوى الآراء وأرجحها في آخر ما نزل من القرآن مطلقا أنه قوله تعالى:\nوَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.\nثبت ذلك من طرق عن عبد الله بن عباس، وروي عن أبي سعيد أيضا.\nوقد ورد أنه ﷺ مكث بعدها تسع ليال.\n_________\n(١) انظر ما سبق، ونحوه ثابت عندهما من أكثر من وجه يؤكد ما قلناه، وأما ادعاء أن سورة المدثر نزلت بتمامها جملة واحدة فلا يتلاءم مع ما ذكرناه في سبب نزولها، فإنها أسباب متعددة ومتباعدة في الزمن، وقد نزل لكل سبب منها جملة من آيات من السورة، فضلا عن افتقار هذا القول للدليل المثبت.\n(٢) نلفت النظر هنا للعبارة البليغة التي عبّر بها الأستاذ مالك بن نبي ﵀ في كتابه إنتاج المستشرقين ص ٣٢ فليرجع إليه.","vol":"1","page":36},{"text":"وهي الآية الحادية والثمانون ومائتين من سورة البقرة، نزلت ختاما لآيات تحريم الربا وآخرها آية الوعيد الشديد: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.\nوروى البخاري عن ابن عباس قال: «آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا» (١).\nوهذا ليس منافيا لما ثبت عن ابن عباس في الآية السابقة، لأن مراد ابن عباس أنها آخر ما نزل في الربا، كما أشار لذلك الإمام البخاري ﵁.\nولا يخفى عظم موقع الآية من الآيات التي سبقتها وعظم الحكمة في اختتام وحي القرآن بها، فإن تأثير المال على الإنسان عظيم حتى قالوا: المال شقيق الروح، والآخرة أعظم دواء لداء الدنيا وأموالها، وخير مقوّم لعوج النفس فيها، فكان اختتام الوحي بهذه الآية في غاية المناسبة الجليلة لما قصده تعالى من وعظ عباده وتذكيرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من المال والمتاع وغيرهما، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى ليحاسب خلقه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الأوائل والأواخر النسبية:</span>\nوقد عني العلماء في بحوثهم بالأوليات المقيدة أي النسبية في موضوع معين، أو ناحية معينة، وبالآخر المقيد النسبي كذلك، وهو مأثور في أصله عن الصحابة والتابعين، حتى ربما كانت الأولية أو الآخرية المقيدة ترد عن الصحابي أو التابعي فيظنها بعضهم مطلقة، لذلك وجب الاطلاع عليها.\nومن أمثلة أول ما نزل من القرآن مقيدا:\n١ - أول سورة نزلت بتمامها سورة الفاتحة.\n٢ - أول ما نزل في تشريع الجهاد:\n_________\n(١) البخاري آخر تفسير سورة البقرة ج ٦ ص ٣٣.\n(٢) انظر كتابنا «التفسير أحكام القرآن» ص ٤٧٣ - ٤٧٤.","vol":"1","page":37},{"text":"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ... الآيات ٣٩ - ٤١ من سورة الحج نزلت في السنة الثانية للهجرة (١).\n٣ - أول ما نزل في تحريم الخمر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ... الآية من سورة البقرة (٢).\nومن أمثلة آخر ما نزل من القرآن مقيدا:\n١ - آخر ما نزل يذكر النساء خاصة: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ. الآية في أواخر سورة آل عمران.\n٢ - آخر ما نزل في المواريث آية الكلالة في آخر سورة النساء:\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ...\n٣ - آخر سورة نزلت بتمامها من القرآن: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ...\nولهذا البحث في أول ما نزل وآخر ما نزل فوائد هامة، يحتاج إليها دارس التفسير، وباحث الأحكام، ومن ذلك:\n١ - تمييز الناسخ من المنسوخ إذا وردت آيتان أو آيات متعددة في موضوع واحد.\n٢ - معرفة تاريخ التشريع الإسلامي وتدرجه، والتوصل إلى حكمة القرآن العظيم في تربية الناس وأخذهم بالرفق، والتحرز عن الطفرة في تنقيتهم وتخليصهم من أوحال\nالجاهلية، ونقلهم إلى الفضائل الإسلامية (٣).\n_________\n(١) الإتقان: ١: ٢٦ ومناهل العرفان: ١: ٩٤ - ٩٥.\n(٢) الإتقان: ١: ٢٦/ ٢٧ ومناهل العرفان: ١: ٩٠ - ٩٣ وقد استخلصنا الأمثلة من مناقشة الأقوال المرجوحة في آخر ما نزل.\n(٣) مناهل العرفان: ١: ٨٥.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الفصل الخامس ترتيب آيات القرآن وسوره</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>تعريف الآية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الآية في اللغة:</span>\nأصلها بمعنى العلامة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>وأما في اصطلاح علم القرآن الكريم:</span>\nفهي قرآن مركب من جمل ولو تقديرا، ذو مبدأ ومقطع مندرج في ضمن سورة.\nسميت آية لمناسبات عدة، أولاها في اختيارنا: أنها علامة على صدق من أتى بها، وعلى عجز المتحدّى بها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>تعريف السورة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>للسورة في اللغة إطلاقات متعددة</span>\n، لعلّ أقربها هنا أنها مأخوذة من سور المدينة، أو من السورة بمعنى المرتبة والمنزلة الرفيعة، على حد قول النابغة:\nألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب\nأي أعطاك منزلة عالية على غيرك من الملوك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>أما في الاصطلاح فالسورة:</span>\nقرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات.\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ٢٤٨.\n(٢) البرهان ج ١ ص ٢٦٦ و٢٦٧.","vol":"1","page":39},{"text":"ومناسبة التسمية واضحة، لأنها كالسور تحيط بآياتها وتجمعها كاجتماع البيوت بالسور، أو لعلوّ قدرها وشرفها (١).\nوفي تقسيم القرآن إلى سور وآيات فوائد كثيرة، وحكم جليلة تعرض العلماء لها، نذكر إجمالات من كلامهم عنها فيما يلي:\nقال الزمخشري:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>«الفائدة في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة </span>...\nمنها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا.\nومنها: أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا اقتطع ميلا أو فرسخا وانتهى إلى رأس برية نفّس ذلك منه ونشطه للمسير، ومن ثمة جزّأ القرآن أجزاء وأخماسا.\nومنها: أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حفظه، ومنه حديث أنس: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا»، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة أفضل.\nومنها: أن التفصيل يسبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض، وبذلك تتلاحظ المعاني والنظم، إلى غير ذلك من الفوائد».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>مصدر ترتيب القرآن الكريم:</span>\nأجمع العلماء سلفا فخلفا على أن ترتيب الآيات في السور توقيفي، أي اتبع فيه الصحابة أمر النبي ﷺ، وتلقّاه النبي الكريم عن جبريل ﵇، ولا يشتبه في ذلك أحد (٢).\nوفي هذا يقول أبو جعفر بن الزبير: «ترتيب الآيات في سورها واقع\n_________\n(١) البرهان ج ١ ص ٢٦٣ و٢٦٤.\n(٢) البرهان ج ١ ص ٢٥٦ والإتقان ج ١ ص ٦٠.","vol":"1","page":40},{"text":"بتوقيفه ﷺ وأمره، من غير خلاف في هذا بين المسلمين» انتهى (١).\nوقال القاضي أبو بكر الباقلاني في الانتصار: «ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا» (٢).\nوالأحاديث في إثبات التوقيف في ترتيب الآيات في السور كثيرة جدا كثرة تفوق حد التواتر، وتجعل من العسير استيعابها وحصرها لكنا نذكر هنا أمثلة منها تلقي الضوء على صنيع النبي ﷺ:\nأخرج البخاري (٣) عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها؟\nقال: يا ابن أخي لا أغيّر شيئا منه من مكانه.\nوأخرج أحمد ومسلم (٤) عن عمر قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: «يكفيك آية الصيف التي في آخر النساء».\nوأخرج أحمد بالإسناد الثابت عن عثمان بن أبي العاص قال كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوّبه، ثم قال:\n«أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى» إلى آخرها (٥).\nومنها الأحاديث التي تخبر عن آيات بموضعها، وذلك يشعر بكون هذا الترتيب معلوما شائعا مفروغا منه، وهي أحاديث كثيرة تعسر على الحصر:\nمثل الأحاديث في فضل خواتيم البقرة في الصحيحين، وحديث فضل من\n_________\n(١) الإتقان في الموضع السابق.\n(٢) انظر المرجعين السابقين.\n(٣) ج ٦ ص ٣١.\n(٤) المسند ج ١ ص ٢٦ ومسلم ج ٥ ص ٦١.\n(٥) المسند ج ٤ ص ٢١٨ وانظر الإتقان ج ١ ص ٦٠.","vol":"1","page":41},{"text":"حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجّال أخرجه مسلم، وفي رواية العشر الأواخر من سورة الكهف.\nومن ذلك الأحاديث الكثيرة المتضافرة في قراءة النبي ﷺ سور القرآن، وغير ذلك مما يصعب عده وإحصاؤه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>وأما ترتيب سور القرآن:</span>\nفقد وقع فيه خلاف بسبب وجود روايات فهم منها بعض العلماء أن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة.\nلكن جماهير العلماء على أن ترتيب سور القرآن توقيفي، وليس باجتهاد من الصحابة، وإن كانوا اختلفوا هل كل ذلك الترتيب بتوقيف قولي صريح من النبي ﷺ ينص على كل سورة أنها بعد سورة كذا، أو أن بعض هذا الترتيب قد استند فيه الصحابة إلى مستند فعلي من قراءة النبي ﷺ مثلا.\nوذهب ابن عطية وبعض العلماء إلى أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها في حياته ﷺ، كالسبع الطوال والحواميم والمفصّل، وأن بعض السور يمكن أن يكون فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده.\nولعل أقوى ما يستدل به لهذا الرأي حديث ابن عباس، قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموهما في السبع الطوال؟\nفقال عثمان: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: «ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا»، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن","vol":"1","page":42},{"text":"الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال» أخرجه أحمد والثلاثة وابن حبان والحاكم.\nوهو استدلال غير سديد سندا ومتنا.\nأما السند فإن إسناد هذا الحديث ضعيف، فيه يزيد الفارسي وهو ضعيف ضعفه البخاري وغيره، وقالا تفرد به فلا يصلح للاحتجاج (١)، فضلا عن أن يكون مرجعا في قضية هامة كهذه.\nوأما المتن: فإن الصحابة يقرءون القرآن ويتلقونه، فكيف لا يوجد عند أحد منهم علم بسورتين من القرآن الكريم.\nيؤيد ما ذكرناه أيضا ما أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال:\nسألت علي بن أبي طالب: لم لم تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟\nقال: لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف».\nوقال الإمام القشيري: والصحيح أن البسملة لم تكن فيها لأن جبريل ﵇ لم ينزل بها فيها.\nوالأدلة على أن ترتيب السور كلها توقيفي كثيرة جدا من السنة نجد فيها ترتيب السور على وفق مصحف عثمان بن عفان ﵁، نذكر منها:\nعن ابن مسعود ﵁ قال في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: «إنهن من العتاق الأول، وهنّ من تلادي»، أخرجه البخاري.\nفذكر ابن مسعود السور نسقا كما استقر ترتيبها.\nومثله في البخاري أيضا، أنه ﵊ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين.\nوعن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: «أعطيت مكان\n_________\n(١) انظر التوسع في نقد السند. كتابنا الجامع المفصل في علوم القرآن يسر الله إخراجه.","vol":"1","page":43},{"text":"التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضّلت بالمفصّل» أخرجه أبو داود الطيالسي وأبو عبيد (١).\nقال أبو جعفر النحاس: «وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي ﷺ: وأنه مؤلف من ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شيء واحد، لأنه قد جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله ﷺ على تأليف القرآن، وفيه أيضا دليل على أن سورة الأنفال سورة على حدة، وليست من براءة» انتهى (٢).\nوعن سعيد بن خالد أنه قال: «قرأ ﷺ بالسبع الطوال في ركعة» أخرجه ابن أبي شيبة (٣).\nوعن أوس بن أبي أوس عن حذيفة الثقفي في حديث طويل قال فيه أوس: فسألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزبون القرآن؟\nفقالوا: ثلاث (٤)، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصّل وحده» أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد (٥).\nوغير ذلك يضيق المجال عن حصره.\nويشهد لذلك من حيث الدراية والعقل واقع الترتيب وطريقته، وذلك من وجهين لا يشك الناظر فيهما أن الترتيب بين السور توقيفي: أي مأخوذ عن النبي ﷺ:\nالأول: مما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم، رتبت ولاء، وكذا\n_________\n(١) من رواية سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي المليح الهذلي عن واثلة، وفي حديث سعيد لين، لكنه ورد من طريق آخر هو عمران القطان عن قتادة عند الطيالسي كما في البرهان ج ١ ص ٢٤٤ و٢٥٨ فتقوى من هذه الناحية.\n(٢) البرهان ج ١ ص ٢٥٨ ونقله في الإتقان بتصرف ج ١ ص ٦٢.\n(٣) الإتقان، الموضع السابق.\n(٤) أي ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، والنساء، وخمس سور بعدها وهكذا ... حتى يختم في أسبوع، كما سبق في حديث عبد الله بن عمرو.\n(٥) البرهان ج ١ ص ٢٤٦ - ٢٤٧ والإتقان ٦٣.","vol":"1","page":44},{"text":"الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء، بل فصل بين سورها، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس النمل مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء، وأخرت طس النمل عن طسم القصص (١).\nوهكذا من يتدبر سائر السور يعلم أن ترتيبها توقيفي.\nالثاني: ما راعاه العلماء الأئمة في بحوثهم من التزام بيان أوجه التناسب بين كل سورة وما قبلها، وبيان وجه ترتيبها.\nويدل الإجماع على ذلك أيضا، فإن الصحابة قد أجمعوا على هذا الترتيب وقرءوا به في صلواتهم، وفي المصاحف من غير مخالفة، ولو كان لدى بعضهم مستند لترتيبه على غير ذلك لتمسكوا به، لكنهم أجمعوا على التزام هذا الترتيب وترك ما سواه، ثم استمرت الأمة على ذلك من غير خلاف قط، فكان ذلك إجماعا على الترتيب الذي في مصحف عثمان، ووجوب التزامه مدى الأزمان (٢).\n_________\n(١) انظر الإتقان والبرهان.\n(٢) وقد أخطأ من خالف هذا الترتيب في تفسيره للقرآن أو لجزء منه، وذلك لما يلي:\n١ - مخالفة الإجماع على ترتيب سور القرآن كما هي في المصحف.\n٢ - الإخلال بمقاصد الوحي الإلهي من ترتيب القرآن، وما فيه من مناسبات حكيمة تتصل بمعاني القرآن وتدخل في إعجازه، فمهما خطر ببال أحدهم فحكمة الوحي أعلى وأسمى، وقد أحكم الحكيم العليم ترتيب كتابه آيات وسورا، كما أحكم ترتيب أطرافه، وقد افتتح القرآن بالمعارف الإلهية وأصول العقيدة في سورة الفاتحة، ثم قرر في البقرة عظمة القرآن ومقاصد هدايته ودعا إلى توحيد الله مستدلا بدلائل الخلق والآفاق وإلى الإيمان بالنبي ﷺ والقرآن وتحدى العالم بمثل سورة منه، وذكر الجنة والنار، ثم أقام الحجج على المشركين وغيرهم ...\nوهكذا فقد عرّف القرآن الإنسان منذ بداية طرف المصحف الأول بمقام ربه وعظيم شأنه وأجال نظره في آياته التي تتجلى في مخلوقاته، وعرف نبوة رسوله وحقية كتابه، وصار بذلك أهلا لفهم التشريع متهيئا لقبوله، فأتاه حينئذ بالتشريع والأحكام.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الفصل السادس أسباب النزول</span>\nهذا علم جوهري من علوم القرآن، وأثير لدى الباحثين في التفسير عامة، وفي أسرار أسلوب القرآن خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>ويعرف سبب النزول بأنه:</span>\nما نزلت الآية أو الآيات تتحدث عنه أيام وقوعه.\nوهذا القيد «أيام وقوعه» يعتبر شرطا جوهريا لبيان سبب النزول وتمييزه عن الآيات التي نزلت للإخبار بالوقائع الماضية، حتى انتقد العلماء «ما ذكره الواحدي في تفسيره سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك.\nوجدير بالتنبيه عليه هنا أنه ليس كل القرآن قد نزل على أسباب، بل إن من القرآن الكريم ما نزل ابتداء غير مبني على سبب، ومن ذلك أكثر قصص الأنبياء مع أممهم، وكذا وصف بعض الوقائع الماضية، أو أنباء الغيب القادمة، وبيان أهوال القيامة، والجنة والنار، فقد نزل أكثر من ذلك ابتداء، من غير توقف على سبب (١).\n_________\n(١) أما قول ابن مسعود «والله ما نزلت آية إلا وأنا أعلم فيمن نزلت ...» ونحوه عن علي ﵄، فليس يعني أن لكل آية سببا بل المراد إن كان لها سبب فهو يعلمه، وقد حاد عن الجادة من حمله على المبالغة أو ظن بالرواة تزيدا. فليتنبه.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>فوائد علم أسباب النزول:</span>\nولا ريب عند من له تأمل وخبر بدراسة النصوص والوثائق أن لمعرفة أسباب النزول والوقائع التي بني عليها ورود النص أو ترتب عليها وقوع الحدث من أحداث التاريخ له أثر بالغ الخطر في دراسة تلك النصوص أو الأحداث، وذلك من أوجه كثيرة، نذكر منها في هذا المقام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>١ - الاستعانة على فهم المعنى المراد:</span>\nلما هو معلوم من الارتباط بين السبب والمسبب، قال الواحدي: «لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها».\nوقال ابن دقيق العيد: «بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن» (١).\nوقال ابن تيمية: «معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٢ - معرفة وجه الحكمة التي ينطوي عليها تشريع الحكم:</span>\nمما يكون أدعى لتفهمه وتقبله، فمن قرأ أسباب نزول آيات تحريم الخمر متدرجة واحدة بعد الأخرى، أدرك ضرورة تحريم الخمر، وبعثه موقف الصحابة عند نزول تحريمها الباتّ لأن يقتدي بهم ويأتسي بعملهم فينزجر عما قد يكون عليه من فعل محرّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٣ - إزالة الإشكال عن ظاهر النص لمن لم يتعرف سبب النزول:</span>\nوذلك كثير يصادفه المفسر، ومنه هذا المثال المشهور وهو أنه قد أشكل على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢)، وقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم\n_________\n(١) الإتقان ج ١ ص ٢٨ وقارن نصه بالبرهان ج ١ ص ٢٢.\n(٢) سورة آل عمران، الآية ١٨٨.","vol":"1","page":47},{"text":"يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون؟ حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه» أخرجه الشيخان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٤ - كشف أسرار البلاغة في القرآن العظيم:</span>\nلما يفيده علم أسباب النزول من تلاؤم أسلوب القرآن مع مقتضى حال السامعين والعالمين إلى يوم الدين. وقد حفلت مصادر التفسير البلاغي بهذا اللون (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>كيف نعرف أسباب النزول:</span>\nلما كان سبب النزول أمرا واقعا نزلت الآية بشأنه كان من البدهي ألا يدخل العلم بهذه الأسباب في دائرة الرأي والاجتهاد لهذا قال الإمام الواحدي في ديباجة كتابه أسباب النزول (٣):\n«ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدّوا في الطّلاب».\nومن هاهنا نفقه تشدد السلف في البحث عن أسباب النزول حتى قال الإمام محمد بن سيرين: سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال: «اتق الله وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيم أنزل الله من القرآن» (٤).\nولما أن أسباب النزول غير خاضعة للاجتهاد أدخلها علماء الحديث من الصحابي الذي عاين التنزيل وعاصره فيما له حكم المرفوع، وإن كانت العبارة فيها لفظ الصحابي (٥) كحديث ابن عباس السابق في جوابه لمروان، فإن\n_________\n(١) البخاري في التفسير ج ٦ ص ٤٠ - ٤١ ومسلم بلفظه في المنافقين ج ٨ ص ١٢٢.\n(٢) انظر دراسة موسعة لهذه الناحية في كتابنا «القرآن الكريم والدراسات الأدبية» ص ٨٥.\n(٣) ص ٣ - ٤ وقارن بالإتقان ج ١ ص ٣١.\n(٤) الموافقات للشاطبي ج ٣ ص ٤٢٢ - ٤٢٣، والإتقان الموضع السابق.\n(٥) انظر المسألة في معرفة علوم الحديث للحاكم ص ٢٠ ومنهج النقد في علوم الحديث ص ٣٢٨ - ٣٢٩.","vol":"1","page":48},{"text":"اللفظ لابن عباس، لكن له حكم المرفوع أي المنسوب إلى النبي ﷺ.\nوقد اتفق علماء الحديث على اعتبار قول الصحابي في سبب النزول له حكم المرفوع، وأخرج المحدثون أسباب النزول في كتبهم كالبخاري ومسلم وغيرهما.\nأما ما يرويه التابعون من أسباب النزول فهو مرفوع أيضا، لكنه مرسل (١)، لعدم ذكر الصحابي فيه.\nلكن ينبغي الحذر والتيقظ، فلا نخلط بأسباب النزول ما ليس منها، فقد يقع على لسانهم قولهم: «نزلت هذه الآية في كذا»، أو «في الرجل يفعل كذا». ويكون المراد بيان موضوع الآية، أو ما دلت عليه من الحكم. كقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. أخرج البخاري عن حذيفة في هذه الآية قال: «نزلت في النفقة» (٢).\nقال الإمام الزركشي (٣): «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها ... فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>اختلاف روايات أسباب النزول:</span>\nلما كان سبيل الوصول إلى أسباب النزول هو الرواية والنقل، كان لا بد أن يعرض لها ما يعرض للرواية مما هو معلوم ومدروس في علوم الحديث، من صحة وضعف، واتصال وانقطاع، وغير ذلك مما لا نطيل به، غير أنا ننبه هنا على ظاهرة هامة يحتاج الدارس إليها وهي اختلاف روايات أسباب النزول\n_________\n(١) الإتقان ج ١ ص ٣١.\n(٢) ج ٦ ص ٥٧ والآية هي ١٩٥ من سورة البقرة.\n(٣) البرهان ج ١ ص ٣١ - ٣٢ باختصار.","vol":"1","page":49},{"text":"وتعددها، وذلك لأسباب يمكن تلخيص مهماتها فيما يلي (١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>١ - ضعف الرواة:</span>\nوضعف الراوي يسبب له الغلط في الرواية، وأن تكون مردودة، فإذا خالفت روايته رواية المقبولين، كانت أولى بالرد.\nومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (٢).\nفقد ثبت أنها في صلاة التطوع للراكب المسافر على الدابة: أخرج مسلم عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (٣).\nوأخرج الترمذي (٤) وضعفه أنها في صلاة من خفيت عليه القبلة فاجتهد فأخطأ القبلة، فإن صلاته صحيحة.\nفالمعول هنا في سبب النزول على الأول لصحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٢ - تعدد الأسباب والمنزّل واحد:</span>\nوذلك بأن تقع عدة وقائع في أزمنة متقاربة فتنزل الآية لأجلها كلها، وذلك واقع في مواضع متعددة من القرآن، والعمدة في ذلك على صحة الروايات، فإذا صحت الروايات بعدة أسباب ولم يكن ثمة ما يدل على تباعدها كان ذلك دليلا على أن الكل سبب لنزول الآية والآيات.\n_________\n(١) قارن سياقنا في التقسيم بسياق السيوطي في الإتقان ج ١ ص ٣١ - ٣٤ ولا سيما في الصورة الثالثة.\n(٢) سورة البقرة، الآية ١١٥.\n(٣) صحيح مسلم ج ٢ ص ١٤٩ وأصله متفق عليه، أنظر البخاري ج ٢ ص ٤٤ و٤٥، وقد قصر السيوطي فلم يعز الحديث إلى مسلم.\n(٤) الترمذي ج ١ ص ١٧٦ وأخرجه أيضا ابن ماجة ج ١ ص ٣٢٦ والدارقطني ص ١٠١ طبع الهند.","vol":"1","page":50},{"text":"مثال ذلك: آيات اللعان:\nفقد أخرج البخاري أنها نزلت في هلال بن أمية لما قذف امرأته عند النبي ﷺ فأنزل الله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ ....\nوفي الصحيحين أنها نزلت في عويمر العجلاني وسؤاله النبي ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلا .. فقال ﷺ: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك» (١).\nوظاهر الحديثين الاختلاف، وكلاهما صحيح.\nفأجاب الإمام النووي بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضا فنزلت في شأنهما معا، وبذلك قال الإمام الخطيب، قال:\n«لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٣ - أن يتعدد نزول النص لتعدد الأسباب:</span>\nقال الإمام الزركشي (٣): «وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه ...».\nولذلك أمثلة، منها:\nما ثبت في الصحيحين (٤) عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو في المدينة، ومعلوم أن هذه الآية في سورة «سبحان»، وهي مكّية بالاتفاق، فإن المشركين لما سألوه عن ذي القرنين وعن أهل الكهف قبل ذلك بمكة وأن اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك، فأنزل الله الجواب، كما سبق بيانه (٥).\nولا يقال: كيف يتعدد النزول بالآية الواحدة، وهو تحصيل حاصل؟\nفالجواب: أن لذلك فائدة جليلة، «والحكمة من هذا- كما قال\n_________\n(١) البخاري في التفسير: ٦: ٩٩ و١٠٠ ومسلم في اللعان: ٤: ٢٠٥.\n(٢) الإتقان ج ١ ص ٣٣.\n(٣) البرهان ج ١ ص ٢٩.\n(٤) البخاري في التفسير ج ٦: ١٠٨ - ١٠٩ ومسلم في القيامة: ٨: ١٢٨.\n(٥) ص ٣١ وانظر المسند ج ٢ ص ٢٥٥ والطبري ج ١٥ ص ١٠٤.","vol":"1","page":51},{"text":"الزركشي (١) - أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية، وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها، فتؤدّى تلك الآية بعينها إلى النبي ﷺ، تذكيرا لهم بها، وبأنها تتضمّن هذه».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>عموم اللفظ وخصوص السبب:</span>\nهذه قضية أصولية من قواعد أصول الفقه، كما أنها من أصول التفسير الهامة، تضبط كيفية تفسير السبب للنص ضبطا يزيل التوهم الفاسد.\nفالسبب الخاص قد ينزل فيه نص خاص بموضوع السبب، وقد ينزل نص عام الصيغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>١ - أما إن كان النص النازل خاصا بالسبب، ولا عموم للفظه</span>\nفإن الآية حينئذ تقتصر عليه قطعا (٢).\nمثال ذلك قوله تعالى في سورة الليل: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى.\nهذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق بالإجماع، ومن هنا استدل بها الإمام فخر الدين الرازي مع قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ على أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ.\nأما من ظنّ أنها عامة في كل من عمل عمله فهذا غلط منه، لأن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم حتى نطبق عليها قاعدة: «العبرة لعموم اللفظ»، بل إن «ال» في الأتقى للعهد، يؤكد ذلك أن «ال»، الموصولة التي تفيد العموم لا توصل بأفعل التفضيل إجماعا، والأتقى ليست جمعا، بل هو مفرد، والعهد موجود، خصوصا مع ما يفيده أفعل التفضيل من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص، والقصر على من نزلت فيه رضي الله تعالى عنه.\n_________\n(١) البرهان ج ١ ص ٣١.\n(٢) الإتقان ج ١ ص ٣٠.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>٢ - وإما أن يكون السبب خاصا ولفظ الآية عاما:</span>\nفالمعتمد الذي عليه جمهور الفقهاء والأصوليين والمفسرين وغيرهم «أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب».\nومن الأدلة على ذلك احتجاج الصحابة والتابعين فمن بعدهم في وقائع كثيرة بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة، وكان ذلك الاستدلال شائعا ذائعا بينهم، لا ينكره أحد.\nلذلك قال محمد بن كعب القرظي: «إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد».\nوسأل نجدة الحنفي ابن عباس عن قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... أخاصّ أم عام؟ قال: بل عام (١).\nويدل لذلك أيضا أنه كما قال الإمام الزركشي:\n«قد جاءت آيات في مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها، كنزول آية الظّهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في شأن هلال بن أمية، ونزول حدّ القذف في رماة عائشة ﵂، ثم تعدّى إلى غيرهم» (٢).\nوهذه القاعدة من البدهيات، لا يمكن للعالم أن يخصص ألفاظ القرآن العامة «بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق» كما قال ابن تيمية (٣).\nوعلى ذلك درجت القوانين في الدنيا كلها، فإن القانون يصدر لأسباب خاصة في أحيان كثيرة ثم يكون حكمه عاما على الجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>أشهر المؤلفات في أسباب النزول:</span>\nكان التسطير في أسباب النزول من اختصاص الأئمة الكبار المحدثين\n_________\n(١) الإتقان ج ١ ص ٢٩ - ٣٠.\n(٢) البرهان ج ١ ص ٢٤.\n(٣) الإتقان ص ٣٠. وانظر البرهان ج ١ ص ٣٢.","vol":"1","page":53},{"text":"المشاركين في عدد من العلوم، ثم منهم من تعرض لأسباب النزول في كتب التفسير كما نراه في كتب التفسير بالمأثور بصورة خاصة، ومنهم من أفرد جمع مادة هذا العلم في تأليف مفرد.\nوأول من عرفناه ألّف في أسباب نزول القرآن الكريم شيخ البخاري الإمام علي بن عبد الله المديني (المتوفى سنة ٢٣٤ هـ)، ثم تتابعت المصنفات في ذلك، لكنها لم تعن بالتنقيح ولم تلتزم ببيان السقيم من الروايات من الصحيح، مما يلزم الدارس بالتثبت والتحقيق.\nوأهم الكتب المصنفة في ذلك هذان الكتابان المطبوعان:\n١ - «أسباب النزول» للإمام المفسّر النحوي المحدث أبي الحسين علي بن أحمد النيسابوري الشهير بالواحدي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ، وقد عول فيه على رواية الأسباب بأسانيده، وأورد أشياء معلقة بدون إسناد.\n٢ - «لباب النقول في أسباب النزول» للإمام المحدث الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ) جرّده من الأسانيد وعزى كل حديث لمن أخرجه، فكفى القارئ بذلك جهدا كبيرا، وزاد على ما ذكره الواحدي، غير أنه أخلّ بأمرين:\nالأول: أنه لم ينص على الصحيح من غيره، معتمدا على المراجع التي أحال القارئ عليها وكثير منها نادر الوجود، وبعضه في زمننا هذا مفقود.\nالثاني: أنه ترك كثيرا من أسباب النزول لم يوردها، كما يعلم من مطالعة المراجع مثل تفسير ابن كثير، والدر المنثور للسيوطي نفسه، فلا تظنن الآية نزلت مبتدأة لا على سبب لعدم ذكر سببها في اللباب فقد يكون لها في المراجع سبب أو أسباب.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفصل السابع المكي والمدني</span>\nهذا الموضوع يدرس جوانب الظروف العامة التي أحاطت بنزول القرآن، وليس قاصرا على ما يدل عليه ظاهر العبارة من تقسيم القرآن إلى مكي نزل بمكة أو مدني نزل\nبالمدينة، ومن هنا فإن هذا الموضوع يحتل أهمية كبيرة في دراسة بلاغة القرآن، لما يكشفه من توفر عميق لأصل البلاغة ومراعاة مقتضى الحال، إلى جانب توفر عنصر آخر من سمات إعجاز القرآن هو انعتاقه من قيود الزمان والمكان وانطلاقه من إسار البيئة الضيقة ليحلق في علياء الموضوعية التي يخاطب بها الإنسان في كل زمان، وفي أي مكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ضابط المكي والمدني:</span>\nتعددت طرائق علماء هذا الفن في كيفية التمييز بين القرآن المكي والقرآن المدني، على ثلاثة نماذج نوضحها فيما يلي:\nالمذهب الأول: أن القرآن المكي هو ما نزل قبل الهجرة، والقرآن المدني هو ما نزل بعد الهجرة.\nوهذا هو أشهر الاصطلاحات في المكي والمدني (١)، ويمتاز بشمول تقسيمه جميع القرآن لا يخرج عنه شيء، حتى كان عموم قولهم في المدني:\n«ما نزل بعد الهجرة» يشمل ما نزل بعد الهجرة في مكة نفسها في عام الفتح أو عام حجة الوداع، مثل آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ....\n_________\n(١) كما ذكر السيوطي في الإتقان ج ١ ص ٩.","vol":"1","page":55},{"text":"كما يشمل ما نزل بعد الهجرة خارج المدينة في سفر من الأسفار أو غزوة من الغزوات.\nروي عن يحيى بن سلام قال: «ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي ﷺ المدينة فهو من المكي، وما نزل على النبي ﷺ في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني».\nوهذا أثر هام ومفيد، يؤخذ منه أن ما نزل في سفر الهجرة مكي اصطلاحا (١).\nالمذهب الثاني: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة.\nوهذا المذهب مكاني، قد تقيد بالتسمية المكانية، والتزم ظاهر التسمية، وإن كان شرّاحه أدخلوا في مكة ضواحيها، فاعتبروا من القرآن المكي ما نزل بمنى وعرفات والحديبية، ومن القرآن المدني ما نزل بأحد وسلع (٢).\nلذلك كان في هذا الضابط ثلمة هي وجود قسم ثالث هو واسطة بين القسمين، وهو ما نزل من القرآن في الأسفار، فإنه لا يعد مكيا ولا مدنيا ...\nالمذهب الثالث: أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة.\nوفسّر بهذا قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: «كل شيء نزل فيه: «يا أيها الناس» فهو بمكة، وكل شيء نزل فيه «يا أيها الذين آمنوا» «فهو بالمدينة» (٣).\n_________\n(١) كما قال السيوطي في الإتقان ج ١ ص ٩.\n(٢) المرجع السابق وزاد في ضواحي المدينة ذكر «بدر»، وهو مستبعد لبعدها الشاسع عن المدينة.\n(٣) أخرجه الحاكم عن ابن مسعود، ويشهد له ما ورد بمثله عن كثير من المفسرين وعن ابن عباس، أنظر البرهان ج ١ ص ١٨٩ - ١٩٠.","vol":"1","page":56},{"text":"غير أنا نرى أن هذا الأثر ليس صالحا للاستدلال لهذا المذهب لأن ابن مسعود لم يقصد وضع ضابط وتعريف للمكي والمدني، إنما أراد بيان علامة من علامات القرآن المكي والمدني، أو تفسيرا لبيان المراد بهذا الخطاب، وهو أمر أغلبي ليس مضطردا دائما كما سيتضح.\nوهذا المذهب في تفسير المكي والمدني أضيق من المذهب السابق، لأنه قد تقيد بالأشخاص المعينين في أمكنة معينة، وتقيد بموضوع معين هو ما كان فيه خطاب من آيات القرآن، فبقي القسم الأكبر من القرآن خارج هذا المنهج في تعريف المكي والمدني.\nولهذا الذي ذكرناه في نقد المذهبين الثاني والثالث، كان المذهب الأول أكثر قبولا لدى العلماء، حتى كان هو الأشهر كما ذكرنا.\nويندرج في ضمن المكي والمدني بناء على المذهب الأشهر المعتمد أنواع كثيرة من الدراسات المتصلة بالظروف المحيطة بنزول القرآن كالسفري والحضري، والليلي والنهاري، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى مكة، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وغير ذلك من دراسات تدل على الاعتناء العجيب الذي أحيط به هذا القرآن، وتوفير وسائل دراسته من جميع الجهات.\nوبناء على هذا الضابط المختار كان عدد السور المدنية تسعا وعشرين سورة، وسائر السور بعد ذلك مكية، وقد يوجد في السورة المدنية ما هو مكي، كما قد يوجد في السورة المكية ما هو مدني، والنظر في ذلك لمطلع السورة إن نزل بمكة عدّت مكية، وإن نزل بالمدينة عدّت مدنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>أهمية علم المكي والمدني:</span>\nمما لا يخفى على الباحث أهمية معرفة الأحوال التي احتفت بنزول القرآن في فهمه وتفسيره، حتى صرحوا بأنه لا يحل لمن ابتعد عن علمها أن يتكلم في تفسير القرآن الكريم، ونوضح أوجه أهمية هذا العلم فيما يلي:","vol":"1","page":57},{"text":"١ - إن علم المكي والمدني يعين الدارس على معرفة تاريخ التشريع والوقف على سنّة الله الحكيمة في تشريعه، بتقديم الأصول على الفروع، وترسيخ الأسس الفكرية والنفسية ثم بناء الأحكام والأوامر والنواهي عليها، مما كان له الأثر الكبير في تلقي الدعوة الإسلامية بالقبول، ومن ثم الإذعان لأحكامها.\n٢ - إنه يعرف بالمكي والمدني الناسخ والمنسوخ، الذي كان من حكمة تربية القرآن في التشريع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>كيف نعرف المكي والمدني:</span>\nذكروا لمعرفة المكي والمدني طريقتين لا ثالث لهما، وهما: السماع والقياس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>أما السماع:</span>\nفالمراد به النقل عن النبي ﷺ، أو عن الصحابة الذين عاينوا التنزيل.\nوقد كانت عناية الصحابة والتابعين بهذه الأمور عناية بالغة حتى نجد العالم يعتز بعلمه بهذا الموضوع.\nأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: «والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت ...» (٢).\nوقال أيوب السختياني سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن؟ فقال:\nنزلت في سفح ذلك الجبل، وأشار إلى سلع، أخرجه أبو نعيم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>وأما القياس:</span>\nفهو ضوابط عرفت بالاستقراء، واستدل بها العلماء على المكي والمدني، وكان ذلك موضع عناية المتقدمين.\n_________\n(١) البرهان نقلا عن الجعبري أنه حددهما ج ١ ص ١٨٩.\n(٢) البخاري ج ٦ ص ١٨٦ - ١٨٧ ومسلم ج ٧ ص ١٤٨.\n(٣) الإتقان الموضع السابق.","vol":"1","page":58},{"text":"١ - أول هذه الضوابط ما سبق عن عبد الله بن مسعود: «كل شيء فيه يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو بمكة، وكل شيء نزل فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهو بالمدينة».\nوهذه العلامة ليست عامة عموما شاملا، بل استثني من ذلك مواضع قليلة، منها موضعان في سورة البقرة هما: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (١) ويا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا (٢) وسورة البقرة مدنية كلها اتفاقا.\nوأربع مواضع في سورة النساء هي: الآية الأولى من السورة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ. وإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ.\nويا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ. ويا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ (٣).\n٢ - كل سورة فيها الاستفتاح بالحروف المقطعة فهي مكية سوى الزهراوين: البقرة وآل عمران.\n٣ - كل سورة فيها كُلا فهي مكية.\n٤ - كل سورة فيها ذكر آدم وإبليس فهي مكية سوى السورة الطولى- أي البقرة-.\n٥ - كل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية.\n٦ - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية سوى العنكبوت.\nوالحكمة في ذلك ترجع إلى المقاصد الموضوعية التي نزل بها القرآن، فالخطاب في مكة كان لأمور اعتقادية تشمل كل الناس، وهي مناط إنسانيتهم،\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية ٢١.\n(٢) سورة البقرة، الآية ١٦٨.\n(٣) سورة النساء، الآيات ١ و١٣٣ و١٧٠ و١٧٤، ولم نذكر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* في سورة الحج المكية، لأنها مكية ومدنية.","vol":"1","page":59},{"text":"فناسب خطابهم ب يا أَيُّهَا النَّاسُ كما أن محاورة أهل العناد تناسب حرف الردع كُلا، وكذلك التنويه بإعجاز القرآن لإفحام المنكرين، والاستفتاح بحروف الهجاء في أوائل السور، وقد وجد من ذلك قليل في القرآن المدني تبعا لاقتضاء الموضوعات المدنية التي كانت فترة بناء وكانت فترة مكة فترة تأسيس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>القرآن المكي من حيث الموضوع:</span>\nفمن سمات القرآن المكي الاعتناء بالموضوعات التالية الأساسية:\n١ - تقرير أصول العقائد الإيمانية، بدعوة الخلق إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، والإيمان باليوم الآخر وما يتبع ذلك من الجزاء والجنة والنار، وتقرير رسالة\nالنبي ﷺ والرسل من قبله، والإيمان بالملائكة ﵈.\nتأمل مثلا سورة القصص المكية ودعوتها لهذه الأصول، وانظر هذه الآيات التي تدعو إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده:\nوَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١).\nوتأمل هذه الآيات الخاتمة من سورة إبراهيم تعرض من مشاهد القيامة:\nفَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ. يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ. سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ.\n_________\n(١) سورة القصص، الآيات ٦٩ - ٧٣.","vol":"1","page":60},{"text":"لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.\nويطمئن القلب إيمانا بالآخرة وهو يتفكر في مثل هذه الآيات من سورة ق:\nأَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ. وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ. رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١).\nوهكذا الحجة البالغة في مثل هذه الآيات الخاتمة من سورة القيامة:\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى. ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى. أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.\n٢ - الحملة على الشرك والوثنية، والإلحاد والدهرية، وإقامة الحجج والبراهين الدامغة على بطلان عقائدهم الزائغة، مستعينا بضرب الأمثال وأنواع البيانات، حتى كشف لهم سوأة عقائدهم وفضحها حتى جعل أصنامهم دون الذباب، تأمل هذه الآيات من سورة الحج أيضا:\nيا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ. وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ. ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢).\nوتأمل قوله في سورة العنكبوت: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣).\n_________\n(١) سورة ق، الآيات ٦ - ١١.\n(٢) سورة الحج، الآيات ٧٣ - ٧٥.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية ٤١.","vol":"1","page":61},{"text":"ولما كان التقليد منبعا خطيرا من منابع الضلال، واحتج المشركون بما وجدوا عليه آباءهم، عني القرآن بتوسيع آفاق العقل والفكر وأمر بالتفكر وحض على النظر والتعقل، وسفّه أحلامهم وأحلام آبائهم، حتى جعل التقليد الأعمى للآباء عارا وشنارا، يعتبر به المعتبر، فضلا عن تقليد الأعداء فيما يبتكرونه في الفكر من الأزياء.\nقال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (١).\nوقال تعالى: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ. وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ. قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ. قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢).\n٣ - الاستدلال بدلائل الأنفس والأكوان على عظمة الله تعالى وسلطانه، ووجوب طاعته والانقياد له، وتوحيده في ألوهيته وربوبيته، والإيمان بالقيامة والبعث بعد الموت.\nحتى كانت في تلك الآيات دلائل إعجاز علمي، لما اشتملت عليه من حقائق الكون والإنسان والحياة، ونواميس خلقه تعالى وسنن تصريفه لأمور الأكوان.\nانظر هذه الآيات من سورة لقمان وما فيها من سبق علمي:\nأَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ\n_________\n(١) سورة لقمان، الآية ٢١.\n(٢) سورة الزخرف، الآيات ٢٢ - ٢٥.","vol":"1","page":62},{"text":"إلى أن قال:\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١).\nوتأمل هذه الآيات من سورة الأنعام:\nإِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢).\n٤ - اعتناء القرآن المكي بقصص الأنبياء مع أقوامهم، حتى كاد ذلك أن يكون علامة تميزه، إذ لم يوجد قصص الأنبياء في القرآن المدني إلا في سور قليلة، كقصة موسى وقومه في سورة البقرة والمائدة وهما مدنيتان، وقصة عيسى وموسى ﵉ في سورة آل عمران والصف وهما مدنيتان أيضا.\nوالحكمة في اعتناء القرآن المكي بقصص الأنبياء والأمم الغابرة ظاهرة جدا مما ذكرناه في حكم نزول القرآن منجما، وما كان لها من أثر عظيم في\n_________\n(١) سورة لقمان، الآيات ٢٠ - ٢٧.\n(٢) سورة الأنعام، الآيات ٩٥ - ٩٩.","vol":"1","page":63},{"text":"تثبيت النبي ﷺ والمسلمين، ومواساتهم فيما كان يصيبهم، وإنذار أعدائهم، وإثارة العبرة والعظة بقصص من سبقهم.\nانظر على سبيل المثال القصص في سور الأعراف، يونس، هود وغيرها وغيرها ... تجد فيها أبلغ المواعظ وأنفع العبر لتقرير سننه تعالى في إهلاك أهل الكفر والطغيان وانتصار أهل الإيمان والإحسان.\nتأمل قوله تعالى في آخر قصة موسى مع فرعون في سورة غافر:\nفَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ. وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ. وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ. قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى. قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ. إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.\n٥ - إن القرآن المكي شرح أصول الأخلاق، وقواعد عامة في الاجتماع مما لا يختلف فيه حال ولا عقل، لكونها من البدهيات الظاهرة والمقوّمات الأساسية لإنسانية الإنسان، واطمئنانه بالإيمان، كالصدق، والبرّ، والصلة، وبرّ الوالدين، وإكرام الجار، وطهارة القلب واللسان، وغير ذلك. وقد شرح القرآن تلك القيم ببيانه المعجز شرحا غرسها في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق، والظلم، ووأد البنات، والقتل والزنا.\nانظر هذه الآيات بالوصايا العشر الأخلاقية والاجتماعية في سورة الإسراء:\nوَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا.","vol":"1","page":64},{"text":"وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا. وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا. وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا. وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا. إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا. وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا. وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا. كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا. ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>القرآن المدني من حيث الموضوع:</span>\nومن سمات القرآن المدني الاعتناء بالموضوعات التالية:\n١ - بيان جزئيات التشريع وتفاصيل الأحكام العملية، في العبادات كأحكام الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والمعاملات كالبيوع والأموال، والاجتماعيات كالنكاح والطلاق والرضاع، والعقوبات كالحدود والقصاص كما هو ملاحظ في سورة البقرة والنساء والمائدة والنور.\n٢ - دعوة أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إلى الإسلام، وإقامة\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآيات ٣٣ - ٣٩.","vol":"1","page":65},{"text":"الحجج عليهم، كما هو ملحوظ في سورة البقرة، وآل عمران، والمائدة وغيرها.\nانظر مثلا قوله تعالى لليهود: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وذلك بعد قوله:\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ.\n٣ - وصف المنافقين، وكشف فضائحهم والتحذير من أساليبهم، لأن النفاق أخطر ما تبتلى به دعوة، حتى أنزلت سورة خاصة تحمل اسم المنافقين، وغير ذلك من مواضع في القرآن تتعلق بهم.\n٤ - بيان الأحكام الخاصة بالعلاقات بين الأمة الإسلامية وغيرها.\nوكان ذلك أول تنظيم وتقنين يحكم العلاقات بين الدول، كالأحكام المتعلقة بالحرب، والسلم والصلح، والمعاهدات، والغنائم والأسرى، كما في سور: البقرة والأنفال وبراءة والقتال والفتح والحشر، مما جعل القانون الدولي مدينا للقرآن في هذه الأحكام، ولا تزال الأصول القرآنية في هذا الباب نبراسا يعمل بها القانون الدولي في هذا العصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>القرآن المكي من حيث الأسلوب:</span>\nوإذا كان لكل من القرآن المكي والمدني موضوعات يعنيان بها، فلا غرو أن تكون لهما أساليبهما التي تميز أحدهما عن الآخر في كثير من الأحيان بحسب تنوع الموضوعات التي يعالجها القرآن مكيا كان أو مدنيا.\nذلك أن المبنى والمعنى، والشكل والمضمون ركنان متآزران في الأداء القرآني، كل فكرة لها قالب، ولها أسلوب وتناغم خاص، وإثارة معينة للخيال والعاطفة.\nفمن سمات أسلوب القرآن المكي:","vol":"1","page":66},{"text":"١ - أنه يغلب عليه قصر الآيات والسور، وقوة التعبير والتناغم الموسيقى.\n٢ - كثرة الفواصل القرآنية وقصرها، وتنوعها بما يتناسب مع المعاني والمواقف والصور.\n٣ - كثرة أسلوب التأكيد، والاعتناء بوسائل التقرير أي ترسيخ المعاني وتثبيتها، فكثر في المكي القسم، وضرب الأمثال، والتشبيه وتكرار بعض الجمل أو الكلمات.\n٤ - إن الآيات المكية يكثر فيها التجسيم الحسي، وإضفاء الحركة وخواص الحياة على الأشياء، ولا سيما في مشاهد القيامة، وأهوال النار، وبيان أحوال أهل الجنة والنار، وكذلك القصص.\nوالحكمة في اختيار هذه الأساليب للقرآن المكي واضحة ظاهرة لنزول القرآن بمكة، وكان أهلها ينكرون دعوة القرآن وهم أصحاب عنجهية، وحمية جاهلية، فكان المناسب لهم النذر القارعة، والعبارات الشديدة الرادعة ليزدجروا عن غيّهم، ويسلسلوا قيادهم أمام التأكيدات والتخييلات الحسية، كما أن مضمون خطابات القرآن في مكة لا يختص بالمؤمنين، بل يتوجه للناس أجمعين، يحمل الدعوة إلى أصول الإيمان، فكان من المناسب أن يبرز في إعجازها عنصر الجانب الصوتي، والجرس الموسيقى، فتصخ آياته الآذان، وتستولي على المشاعر وتدعهم في حيرة ودهشة مما يسمعون، فلا يلبث البليغ منهم أن يلقي عصا العجز، بل يرسلها قولة صريحة تعلن إعجاز القرآن.\nومن أمثلة ذلك المعروفة: الوليد بن المغيرة القرشي، الذي لم يلبث بعد أن سمع القرآن سماع تأمل وتروّ أن تغير موقفه حتى شهد للقرآن بالإعجاز فقال: «والله لقد سمعت كلاما ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر، وإنه ليعلو ولا يعلى».","vol":"1","page":67},{"text":"ولما أكرهه أصحابه المشركون على أن يقول قولا ينصر آلهتهم ويرضيهم لم يتمكن من إخفاء الصراع الذي في نفسه، فاستمهلهم وقتا ليفكّر، ثم خرج ليقول: إن القرآن سحر يؤثر يأخذه محمد من بعض العالمين بالسحر.\nفأنزل الله تعالى فيه: ... إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ...\nفتأمل هذه الآيات كيف صورت صراعه النفسي، وتكلفه الشديد ذلك التصوير المعبّر الموحي، الذي صار مثلا يضرب في الجهد العظيم، الذي يخرج بعده صاحبه بالقول الباطل العقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>القرآن المدني من حيث الأسلوب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>ومن سمات أسلوب القرآن المدني:</span>\n١ - طول أكثر السور والآيات، كما هو واضح ظاهر من سورة البقرة وآل عمران مثلا.\n٢ - أنها غالبا ما تسلك سبيل الهدوء، واللين في أسلوبها، واسترسال فواصلها.\nوالحكمة في اختيار هذا الأسلوب اشتمال القرآن المدني على الموضوعات السابقة، وهي تقتضي البسط والإسهاب، كما أن الخطاب في المدينة توجّه في أكثره للمؤمنين وذلك يناسب الهدوء واللين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>مناقشة المستشرقين حول المكي والمدني:</span>\nومن ذلك نتبين فساد ما توهمه بعض المستشرقين، ومن تبعهم من ببغاوات تتلمذت عليهم من أبنائنا من توهم أو تصور ما زعم من تأثر القرآن بالبيئة، وأن القرآن لما كان في مكة بين الأميين جاءت سور المكي وآياته قصيرة، ولما وجد في المدينة بين مثقفين مستنيرين جاءت سور المدني وآياته طويلة، وجاء القرآن المكي لذلك خلوا من التشريع والأحكام، بينما القسم","vol":"1","page":68},{"text":"المدني مشحون بتفاصيل التشريع والأحكام، بل بلغ الأمر بهذا الزاعم أن قال: «إن القسم المكي يمتاز بالهروب من المناقشة، وبالخلو من المنطق والبراهين، فيقول: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.\nبخلاف القسم المدني فهو يناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين فيقول: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.\nهكذا يستدل هذا الزاعم بهذه الاستدلالات على ما توهمه من تأثر القرآن بالبيئة واقتباسه منها ... (١).\nوهذا في الواقع تجنّ واختلاق، صادر عن سفيه جهول، أو آفك مغرض متحامل حقود، ونورد إلماحات وجيزة لرد هذا الزعم فيما يلي:\n١ - إن سمات المكي والمدني الأسلوبية وكذا الموضوعية خاضعة لقضية البلاغة الجوهرية والمسلمة لدى كل ذي إلمام بالبلاغة والبيان عربيا أو غير عربي، وهي مراعاة مقتضى الحال، كما ذكرنا من قبل، لذلك نجد في المكي سورا طوالا بل من أطول الطوال ونجد في المدني سورا قصارا وفيها الآيات والفقرات القصيرة، بل من أقصر القصار، كما في سورة «الفتح» وسورة «الكوثر» وهي أقصر سورة في القرآن وهي مدنية كما ثبت بذلك الحديث الصحيح الذي لا يقاوم.\nكذلك نجد في المدني شدة أحيانا، كما في هذه الآيات من مطلع سورة «الصف» المدنية بالاتفاق:\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ.\n_________\n(١) انظر تفاصيل عبارات هذه الفقرة ومناقشتها في كتاب: مناهل العرفان ج ١ ص ١٩٨ - ٢٣٢ والمدخل إلى دراسة القرآن الكريم لفضيلة أستاذنا الشيخ محمد","vol":"1","page":69},{"text":"بل نجد في المدني ما بلغ الغاية في الشدة والتخويف، كما في قوله تعالى في سورة آل عمران (١):\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.\nكان الإمام أبو حنيفة يقول (٢) في هذه الآية: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هي أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.\nكما قد نجد كذلك في المكي اللين والعفو البالغ أقصاه، كقوله تعالى في سورة «فصّلت» (٣):\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.\n٢ - إن ادعاء خلو القرآن المكي من الحجج والأدلة قلب للقضايا وعكس للأوضاع ومناقضة للحقائق، فالقرآن المكي من سماته الموضوعية كما ذكرنا اعتناؤه بالدلائل العلمية الكونية على عظمة الله تعالى ووحدانيته، وعلى إبداع حكمته وجليل علمه وقدرته، حتى كانت فيه دلائل الإعجاز العلمي، الذي ألّفت ولا تزال الكتب تؤلّف في كشف عجائب هذا الإعجاز، وأسرار دلالته على موافقة ما يكشفه العلم بعد هذه القرون والحقب الطوال.\n_________\nأبو شهبة وقد عني بذكر عبارات هذا الزاعم بنصها ص ٢٣٢ - ٢٥١.\n(١) الآيات ١٣٠ - ١٣٢.\n(٢) كما في تفسير الكشاف للزمخشري ج ١ ص ٣١٨.\n(٣) الآيات ٢٣ - ٢٥.","vol":"1","page":70},{"text":"وكذلك نجد في القرآن المكي الدلائل العقلية القاطعة على حقّيّة التوحيد، والقيامة، وبعث الرسل وغير ذلك، وقد سبقت لنا آيات من سورة «يس» في دلائل القيامة، وانظر قوله تعالى في إثبات التوحيد في سورة «المؤمنون» المكية (١):\nمَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.\n٣ - إن هذا الزاعم قد حكم على نفسه بالجهل المطبق أو التجاهل والتجني المهلك، فإن الآية التي أوردها على أنها من المدني: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، إنما هي من القرآن المكي، وهي الآية (٢٢) من سورة الأنبياء، وهي مكية كلها، وهذه الآية مكية بالإجماع.\nوهكذا كان دأب الباطل أن يتّخذ الإفك وتحريف الحقائق ذريعة يسند إليها باطله وجحوده، سواء كان صاحبه جاهليا قديما، أو عصريا حديثا، ويريد الله أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره الجاحدون.\n_________\n(١) الآيتان ٩١ - ٩٢.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الفصل الثامن التفسير أصوله ومصادره</span>\nهذا البحث هام وجليل، فإنه يحتل بين بحوث علوم القرآن منزلة الغاية من الوسيلة، والهدف من المقدمات، قد سمى بعض أساتذتنا الأفاضل (١) كتابه في علوم القرآن: «المدخل إلى دراسة القرآن الكريم» فأصاب بتسميته مفصل القضية ولبابها. وكثرت الكتابة في أصول التفسير ومنها مؤلفات مفردة نذكر منها: مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، وكتاب «التفسير والمفسرون» للدكتور الشيخ محمد حسين الذهبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>تعريف التفسير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>التفسير في اللغة:</span>\nالتفسير مأخوذ من الفسر، وهو الإبانة والكشف، قال في لسان العرب في مادة (ف س ر): الفسر البيان، فسر الشيء يفسره بكسر السين، ويفسره بالضم فسرا، وفسّره أبانه. ثم قال: «الفسر: كشف المغطى، والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>والتفسير اصطلاحا:</span>\nهو: «علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه» (٢).\nويستعمل العلماء أيضا عبارة (التأويل) ونعرفه فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>التأويل في اللغة:</span>\nمأخوذ من الأول، وهو الرجوع. قال في القاموس:\n_________\n(١) فضيلة أستاذنا الجليل الشيخ محمد محمد أبو شهبة ﵀.\n(٢) الإتقان ج ٢ ص ١٧٤.","vol":"1","page":72},{"text":"«آل إليه الأمر أولا ومآلا: رجع، وعنه ارتد ...».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>وأما التأويل اصطلاحا:</span>\nفنختار لتعريف التأويل بالنسبة لدراسة القرآن هذا التعريف وهو: «التأويل: بيان ما يرجع إليه معنى القرآن بمقتضى القواعد والنظر الدقيق» (١).\nعلى أنه قد يطلق «التأويل» ويراد به ما يشمل التفسير، كما هو استعمال الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره، فإنه يصدّر الآية قبل الكلام عليها بقوله: «القول في تأويل قوله تعالى ... كذا ... ويذكر ما هو من التفسير، وما هو من التأويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>مراتب التفسير وحكمها:</span>\nوقد ورد في ذلك بيان عن أقدم إمام في التفسير هو رئيس المفسرين عبد الله ابن عباس ﵄، نورده بلفظه، قال ابن عباس:\n(التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله).\nوهو تقسيم صحيح ودقيق (٢):\nأما التفسير الذي تعرفه العرب بلغاتها: فهو ما يرجع إلى اللسان العربي من اللغة والإعراب وعلوم العربية.\nوأما التفسير الذي لا يعذر أحد بجهالته: فهو ما يظهر للأفهام معرفة معناه من القرآن ظهورا لا خفاء فيه.\nوأما التفسير الذي يعلمه العلماء: فهو ما يرجع إلى اجتهادهم ودقة نظرهم في استنباط دقائقه من المعاني الخفية أو أوجه البلاغة المعجزة، أو الأحكام الفقهية، أو غير ذلك بحسب اختصاص العالم الباحث.\n_________\n(١) انظر البحث في الفرق بين التأويل والتفسير في الإتقان ج ٢ ص ١٧٣ والتفسير والمفسرون ج ١ ص ١٩ - ٢٢.\n(٢) كما في البرهان والإتقان ج ٢ ص ١٨٢.","vol":"1","page":73},{"text":"وأما القسم الرابع: فهو ما يتعلق بحقائق المغيّبات كالروح والملائكة، فهذه يفوّض علمها على حقيقتها إلى الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>أقسام التفسير من حيث منهجه العلمي</span>\nينقسم التفسير من حيث منهجه العلمي إلى قسمين رئيسيين هما:\nالتفسير المأثور، والتفسير بالرأي، نبحثهما فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>القسم الأول: التفسير بالمأثور</span>\nويشمل ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل وما نقل عن الرسول وأصحابه. أما ما ينقل عن التابعين فبعض العلماء يعتبره من المأثور وبعضهم يعتبره من التفسير بالرأي، ولكن كتب التفسير بالمأثور قد ضمت ما نقل عن التابعين في التفسير، ولذلك نعتبره مدرجا في التفسير المأثور.\nالتفسير المأثور أول أنواع علوم القرآن تدوينا، وكان رجال الحديث والرواية هم أصحاب الشأن الأول في هذا. ويقولون: إن أول من جمع فيه هو الإمام مالك بن أنس، ثم انفصل التفسير عن الحديث فألّفت في القرن الثاني تفاسير جمعت أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج وغير ذلك وقد جمعها ابن جرير في تفسيره الكبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>أسباب الضعف في التفسير المأثور:</span>\nتسرب الخلل إلى التفسير المأثور لا سيما ما كان عن الصحابة والتابعين إلى حد كاد يفقد الثقة به لولا جهود العلماء ﵃، حتى قال الشافعي: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث».\nونستطيع أن نجمل أسباب الضعف في أمور ثلاثة:\nأولها: دخول الإسرائيليات.\nثانيا: حذف الأسانيد.","vol":"1","page":74},{"text":"ثالثا: كثرة الوضع في التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>السبب الأول: الإسرائيليات:</span>\nوالمراد بها اللون اليهودي واللون النصراني في التفسير وما تأثر به التفسير من الثقافتين اليهودية والنصرانية. ومبدأ دخولها في التفسير يرجع لعهد الصحابة، غير أن الصحابة وإن تشوقوا لمعرفة التفاصيل لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء ولم يقبلوا منهم كل شيء، مع توقفهم فيما يلقى إليهم ما دام يحتمل الصدق والكذب، امتثالا لقول الرسول ﷺ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله» (١). فلم يسألوهم عن شيء يتصل بالعقيدة ولم يعدلوا عما ثبت عن النبي ﷺ. كذلك لا يصدقون اليهود فيما يخالف الشريعة ...\nوهكذا لم يخرج الصحابة عن دائرة الجواز التي حددها لهم الرسول في قوله: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» (٢). كما أنهم لم يخالفوا قول رسول الله: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا». أباح الأول أن يحدثوا عما وقع لبني إسرائيل من الأعاجيب للعبرة والعظة بشرط أن يعلموا أنه ليس مكذوبا، والثاني يراد منه التوقف فيما يحدّث به أهل الكتاب مما يكون محتملا للصدق والكذب، أما ما خالف شرعنا فنحن في حل من تكذيبه.\nأما التابعون: فقد توسعوا في الأخذ عن أهل الكتاب وكثرت في عهدهم الروايات الإسرائيلية لكثرة من دخل منهم في الإسلام، فظهرت في هذا العهد جماعة حشوا التفسير بكثير من القصص المتناقضة كمقاتل بن سليمان. وهكذا تزايد أمر الإسرائيليات حتى كان جماعة بعد عصر التابعين لا يردون قولا، ثم في عصر التدوين وجد من المفسرين من حشوا كتبهم بهذه القصص الإسرائيلية؟.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: ٤: ١٧٠.\n(٢) أخرجه البخاري أيضا: ٦: ٢٠ - ٢١.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>أثر الإسرائيليات في التفسير:</span>\nكان للإسرائيليات أثر سيّئ لأن الأمر لم يقف على ما كان في عهد الصحابة، بل زاد ودخل فيه النوع الخيالي المخترع. فوضعوا الشوك في طريق المفسر، إذ أنه أصبح يشك فيها جميعا لاعتقاده أن الكل من واد واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>وتنقسم الإسرائيليات إلى ثلاث أقسام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الأول: ما يعلم صحته بالنقل عن النبي ﷺ</span>\nوهو صحيح مقبول. وكذا إذا كان له شاهد من الشرع يؤيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>الثاني: ما يعلم كذبه</span>\nفلا يصح قبوله ولا روايته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الثالث: مسكوت عنه</span>\nلا هو من الأول ولا من الثاني، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته للحديث السابق ... وهذا القسم غالبه مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>موقف المفسر إزاء الإسرائيليات:</span>\nيجب أن يكون المفسر يقظا جدا ليستخلص ما يوافق العقل ويتقيد بمقدار الضرورة. ويجب أن لا يرتكب النقل عن أهل الكتاب إذا وجد في سنة نبيناﷺ- بيانا للقرآن، ويجوز أن يذكر خلاف المتقدمين بشرط أن لا يطلقه بل ينبه على الصحيح ويزيف غيره، لئلا يوقع القراء في الاضطراب، على أن من الخير للمفسر كل الخير الإعراض عن هذه الإسرائيليات وأن يمسك عما لا طائل تحته مما يعد صارفا عن القرآن وشاغلا عن التدبر في حكمته وأحكامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>وأشهر الرواة للإسرائيليات:</span>\n١ - عبد الله بن سلام.\n٢ - كعب الأحبار.\n٣ - وهب بن منبه.\n٤ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>السبب الثاني لضعف التفسير المأثور: حذف الإسناد:</span>\nمنذ ظهر الوضع في عصر الصحابة صاروا يسألون عن الإسناد، فكان ما يروونه من التفسير المأثور عن النبي أو الصحابة لا يروونه إلا بإسناد، ثم جاء بعد عصر التابعين من جمع التفسير، فدوّن التفسير المأثور بإسناده كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح، ثم جاء بعد هؤلاء أقوام ألفوا في التفسير فاختصروا الأسانيد وأهملوا عزو الأقوال لقائليها ولم يتحروا الصحة فالتبس الصحيح بالعليل، ثم صار كل من يسنح له قول يورده وينقل ذلك من بعده ظانا له أصلا، ولعل هذا أخطر الأسباب جميعا، لأن حذف الأسانيد جعل من ينظر في هذه الكتب يظن صحة كل ما جاء فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>السبب الثالث: الوضع:</span>\nوقد كثر الوضع أي الكذب في الحديث والتفسير، وأثّر الوضع بأن ضاع كثير من هذا التراث الذي خلفه لنا السلف، لأن ما أحاط به من شكوك أفقدنا الثقة به، وجعلنا نرد كل رواية تطرق إليها شيء من الضعف، وربما كانت صحيحة، كما أن اختلاطها جعل بعض من ليس قادرا على التمييز بين الصحيح والعليل يحكم على الجميع بالصحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>وأهم المصنفات في التفسير المأثور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>١ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري</span>.\n٢ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير.\n٣ - لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن.\n٤ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن، للثعالبي.\nنعرف بمؤلفيها وبمناهجهم في هذه الكتب بإيجاز فيما يلي:\n\n١ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري:\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>مؤلفه:</span>\nهو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري الإمام الجامع للعلوم والمعارف والمجتهد المطلق، ولد في آمل طبرستان (سنة ٢٢٤ هـ) واستقر به","vol":"1","page":77},{"text":"المقام بعد أن نضج واكتمل في مدينة بغداد حتى توفي سنة ٣١٠ هـ.\nوكان محمد بن جرير كما وصفه المؤرخون: أحد الأئمة الأعلام، يحكم بقوله، ويرجع إليه لمعرفته وفضله، جمع من العلوم مع التقدم والإمامة فيها ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا للقراءات عارفا بها، عارفا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن- عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، وناسخها من منسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس والأمم وتاريخهم وأخبارهم.\nوأما مؤلفاته فكثيرة وبالفوائد حافلة وغزيرة، أشهرها تأليفه في التاريخ وتأليفه في التفسير، حتى عد بحق شيخ المؤرخين وشيخ المفسرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>طريقة الطبري في تفسيره:</span>\nكتاب «جامع البيان في تفسير القرآن» كاسمه كتاب جامع ومرجع واسع في هذا الفن، قد تعرض فيه مؤلفه لدراسة القرآن الكريم من جوانب متعددة من حيث اللغة والنحو والاشتقاق وغير ذلك ومن حيث الرواية والمأثور عن النبي ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين، والترجيح بينها، واستنباط الفوائد والأحكام، وبيان المذاهب والأدلة، حتى ليمكن أن يعتبر من مراجع التفسير بالرأي، لما اشتمل عليه من تلك الفنون، لكنه اعتبر من كتب التفسير بالمأثور لاعتنائه بالآثار عناية كبيرة.\nوقد أجمع العلماء من الشرق والغرب على عظمة هذا الكتاب وأنه مرجع لا يستغني عنه باحث في التفسير.\nيستهل ابن جرير كلامه على الآية أو الجملة من الآية بهذه العبارة:\n«القول في تأويل قول الله تعالى ... كذا وكذا ... ثم بعد أن يذكر نص الآية أو الجملة يفسرها، ويستشهد لما يقول بشواهد اللغة والآثار، ويورد الأقوال وينقد ويناقش.\nومن أمثلة بحثه اللغوي تفسير كلمة (اسم) في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)","vol":"1","page":78},{"text":"حيث قال: «... وإنما معنى قوله «بسم الله» أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء، أو أقرأ بتسميتي الله ... ثم قال:\nفإن قال (أي معترض): فإن كان الأمر على ما وصفت فكيف قيل «بسم الله» وقد علمت أن الاسم اسم وأن التسمية مصدره (١). قيل: إن العرب قد تخرج المصادر مبهمة على أسماء مختلفة، كقولهم: أكرمت فلانا كرامة، وإنما بناء مصدر (أفعلت) إذا أخرج على فعله (الإفعال)، وكقولهم: أهنت فلانا هوانا، وكلمته كلاما. وبناء مصدر (فعّلت) التفعيل.\nومن ذلك قول الشاعر:\nأكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا\nيريد إعطائك ... إلى آخر ما أورده من الشواهد ...\nومن أمثلة بحثه الإعرابي ما يلي نصه من كلامه ﵀:\n«القول في تأويل قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.\nقال أبو جعفر: والقراء مجمعة على قراءة «غير» بجر الراء منها، والخفض يأتيها من وجهين:\nأحدهما: أن يكون «غير» صفة «الذين» ونعتا لهم فتخفضها، إذ كان «الذين» خفضا، وهي لهم نعت وصفة.\nوإنما جاز أن يكون غير نعتا ل «الذين» و«الذين» معرفة و«غير» نكرة لأن «الذين» بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة (٢) كالأسماء التي هي أمارات بين الناس، مثل زيد وعمرو وما أشبه ذلك. وإنما هي كالنكرات المجهولات مثل الرجل، والبعير وما أشبه ذلك.\n_________\n(١) المراد أن كلمة (اسم) ليست مصدرا وأنت فسرتها «بتسمية الله» والتسمية مصدر، فكيف تفسر الاسم بالمصدر.\n(٢) أي المعينة وهي اسم العلم الشخصي.","vol":"1","page":79},{"text":"والوجه الآخر من وجهي الخفض فيها: أن يكون «الذين» بمعنى المعرفة المؤقتة.\nوإذا وجه إلى ذلك كانت «غير» مخفوضة لتكرير «الصراط» (١) الذي خفض «الذين» عليها، فكأنت قلت: صراط الذين أنعمت عليهم، صراط غير المغضوب عليهم.\nوهذان التأويلان في غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وإن اختلفا في اختلاف معربيهما فإنهما يتقارب معناهما ...» انتهى.\nومن أمثلة استشهاده بالمأثور أنه بعد أن فسر قوله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بأنهم من ذكرهم الله في القرآن: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا. استشهد بالآثار فقال:\n«وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس وغيره:\nحدثنا محمد بن العلاء حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة قال حدثنا أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يقول: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين أطاعوك وعبدوك.\nحدثني أحمد بن حازم الغفاري قال أخبرنا عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر عن ربيع قال صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: النبيون.\nحدثني القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: المؤمنين ...\nحدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: النبي ﷺ ومن معه» انتهى.\n_________\n(١) يريد أن تكون (غير) بدلا كما سيتضح لك من تفسير الجملة على هذا الوجه.","vol":"1","page":80},{"text":"ويمتاز عمل ابن جرير في التفسير بالمأثور أنه يورد الروايات بأسانيدها، لكنه وقد التزم هذا الأسلوب لم يلتزم الصحة فيما يورده، كما أنه قلّما يعقّب على الروايات بتصحيح أو تضعيف، وذلك لأنه كان يرى- فيما يبدو- أن من أسند فقد حمّلك البحث عن رجال السند ودرسه، وكان عصره عصر العلم بهذا الفن يسهل على طالب العلم معرفة حال الروايات أسانيد ومتونا، فاعلم ذلك وراعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٢ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير:</span>\nهو الإمام المحدث الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمرو بن كثير البصيري ثم الدمشقي، الفقيه والمفسر والمؤرخ ولد نحو سنة (٧٠٠ هـ) وتوفي سنة (٧٧٤ هـ) وكان أبو الفداء إسماعيل بن كثير على مبلغ عظيم من العلم الذي تجلّى في تفسيره، وتاريخه (البداية والنهاية) حتى ليمكن أن نقول: «إنه منقح التفسير، ومحقق التاريخ».\nقال عنه الذهبي في المعجم المختص: «الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن مفسر نقال، وله تصانيف مفيدة».\nوقال ابن حبيب فيه: «زعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه في البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والتفسير».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>طريقة هذا التفسير:</span>\nاتبع الإمام ابن كثير في تفسيره هذا طريقة نبّه عليها في مقدمته القيّمة التي صدر بها لتفسيره بأن يفسر القرآن بالقرآن، ثم يفسر القرآن بالسنة، ثم بالآثار عن الصحابة والتابعين. وقد أتى في ذلك بغرر تفاسير ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، ومصادر السنة مع العزو إلى كل مصدر، وذكر إسناده غالبا.\nعلى أنه يعنى كذلك باللغة عند الحاجة لذلك، ويدعم تفسيره المنقول","vol":"1","page":81},{"text":"بذلك، ويمتاز تفسيره بالانتقاء لمادة الكتاب، وأنه كثيرا ما ينقد الرواة والروايات ويصحح ويضعف، ويجرح ويعدل، وينبه إلى ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات ويحذر منها.\nومن الأمثلة من هذا التفسير تفسيره لقوله تعالى:\nثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال ابن كثير (ثم) هاهنا عطف خبر على خبر وترتيبه عليه كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشا فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته.\nوقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن حازم حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمّون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ.\nوكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة، والسدّي، وغيرهم، واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع، ﵀.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أضللت بعيرا لي بعرفة، فذهبت أطلب، فإذا النبي ﷺ واقف، قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه هاهنا؟ أخرجاه في الصحيحين ...».\nوالكتاب مطبوع طبعات متعددة أحسنها تحقيق عبد العزيز غنيم وزملائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٣ - لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن:</span>\nوهو العلّامة علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الشّيحي","vol":"1","page":82},{"text":"البغدادي الشافعي الصوفي، عرف بالخازن، لأنه كان خازن كتب خانقاه السميساطية بدمشق.\nولد ببغداد سنة ٦٧٨ هـ وسمع من علمائها ثم قدم دمشق وتلقّى فيها العلم حتى تمكن، فاشتغل بنشر العلم والتأليف وكانت له مؤلفات كبيرة وكثيرة، أشهرها كتابه في التفسير، وتوفي سنة ٧٤١ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>طريقة هذا التفسير:</span>\nاختصر الخازن تفسيره هذا من تفاسير من سبقه ولا سيما تفسير «معالم التنزيل» للبغوي، فكان عمله فيه كما ذكر في مقدمته النقل والانتخاب، مع حذف الأسانيد وتجنب التطويل والإسهاب.\nوعني فيه بتخريج الأحاديث النبوية من الصحيحين والسنن الأربعة وغيرها وشرح غريب الأحاديث التي يوردها، وهو في الواقع يكثر من التفسير المأثور، مما جعلنا نضمه إلى هذه الزمرة خلافا لما صنعه بعض الكاتبين حيث صنفه ضمن كتب التفسير بالرأي، وكأنه اغتر بعنوان «لباب التأويل».\nوقد عرف هذا التفسير بتوسعه في رواية الإسرائيليات وأخبار الأمم الماضية والأخبار التاريخية، حتى جعله هذا التوسع يورد أمورا مما لا يسلم أمام النقد العلمي.\nلكن للخازن طريقة خاصة في إيراد هذه الروايات، هي أنه يصدرها بلفظ يشعر بعدم جزمه بها، مثل (يروى) أو (روى) أو (عن فلان)، وما أشبه ذلك من عبارات، وهو أسلوب اصطلح عليه العلماء رمزا إلى أنّ ما صدر بمثل هذه الصيغ فهو ضعيف أو مشكوك فيه، وهذا يتيح فرصة حسن الإفادة منه لمن أوتي حظا من التيقظ والتنبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>٤ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي:</span>\nهو الإمام العالم المحقق أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، الجزائري، المالكي، المتوفى سنة ٨٧٦ هـ عن عمر يقارب تسعين سنة ودفن في الجزائر ﵀ ورضي عنه.","vol":"1","page":83},{"text":"كان الثعالبي من كبار العلماء العاملين ورعا زاهدا: معرضا عن الدنيا وكان إماما علّامة مصنفا، صنّف كتبا كثيرة نافعة منها: «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» الذي نحن بصدده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>طريقة الثعالبي في تفسيره:</span>\nنستطيع أن نعتبر تفسير الثعالبي صفوة منتخبة ومستخلصة من مصادر كثيرة في هذا الفن، وقد ذكر في ديباجة هذا التفسير أنه جمعه من كتب الأئمة، وثقات أعلام هذه الأمة، وذلك قريب من مائة تأليف، ما فيها تأليف إلا وهو لإمام مشهور بالدين ومعدود في المحققين.\nوقد اشتمل الكتاب بهذا على فوائد هامة نظرا لنقوله الكثيرة عن مصادر مفقودة، كما أنه يمتاز بوضوح العبارة وسلاسة الأسلوب، مع احتياطه في شأن الاسرائيليات.\nوهذا مثال منه من تفسيره لبعض قصار السور وهي سورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ.\nقال الثعالبي ما نصه: «روي في سبب نزول هذه السورة عن ابن عباس وغيره أن جماعة من صناديد قريش قالوا للنبي ﷺ: دع ما أنت فيه ونحن نمولك ونملكك علينا، وإن لم تفعل هذا فلتعبد آلهتنا، ونعبد إلهك حتى نشترك، فحيث كان الخير نلناه جميعا.\nوروى أن هذه الجماعة المذكورة هم: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وأمية بن خلف، وأبيّ بن خلف، وأبو جهل وأبناء الحجاج، ونظراؤهم ممن لم يكتب له الإسلام وحتم بشقاوته. فأخبرهم النبي ﷺ عن أمر الله ﷿ أنه لا يعبد ما يعبدون وأنهم غير عابدي ما يعبد. ولما كان قوله: لا أعبد، محتملا أن يراد به الآن ويبقى المستأنف منتظرا ما يكون فيه من عبادته «جاء البيان بقوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ أي أبدا» ثم جاء قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ الثاني حتما عليهم أنهم لا يؤمنون به أبدا، كالذي كشف الغيب ... إلى آخر ما ذكر.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>القسم الثاني من أقسام التفسير التفسير بالرأي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>معنى التفسير بالرأي:</span>\nهو تفسير القرآن بالاجتهاد اعتمادا على الأدوات التي يحتاج إليها المفسّر.\nوقد اختلف العلماء من قديم الزمان في جواز تفسير القرآن بالرأي: فقوم تشددوا ولم يبيحوا تفسير شيء من القرآن ما لم يرد فيه أثر من المرفوع أو الموقوف، وقوم لم يروا بأسا من أن يفسروا القرآن باجتهادهم.\nوقد استدل المانعون بما يلي:\nأولا: التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، وذلك منهي عنه لقوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. والقول بالظن قول على الله بغير علم كذلك.\nوقد رد المجيزون هذا الدليل بمنع دلالته لأن الظن نوع من العلم، إذ هو إدراك الطرف الراجح وعلى تسليمها نمنع الاستدلال الآخر لأن الظن منهي عنه إذا أمكن العلم اليقيني القطعي بأن يوجد نص شرعي قاطع أو دليل عقلي موصل لذلك.\nثانيا: قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، فقد أضاف بيان القرآن إليه فعلم أن ليس لغيره شيء من ذلك.\nوأجيب بأن النبي لم يبيّن كل شيء، وقد اكتفينا ببيانه فيما بيّنه، وما لم يرد بيانه عنه ففيه اجتهاد أهل العلم كما قال في آخر الآية: وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.\nثالثا: استدلوا بما ورد في السنة المرفوعة، كحديث ابن عباس أنه ﷺ قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار». حديث حسن.","vol":"1","page":85},{"text":"وحديث جندب: عن النبي ﷺ: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».\nوقد أجيب بأن النهي محمول على من قال برأيه فيما لا يعلم إلا عن طريق النقل وأنه أراد بالرأي الرأي الذي يغلب على صاحبه من غير دليل يقوم عليه، فيتناول من يعرف الحق لكنه يميل إلى رأي من طبعه وهواه فيتأول القرآن وفق هواه، ويتناول من كان جاهلا فيحمل الآية على ميله وهواه، ويتناول من يستدل بالقرآن على غرض صحيح غير مقصود به ما أراد، كمن يستدل ب اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى على مجاهدة النفس بحمل فرعون على النفس.\nوأجيب أيضا بحمل النهي على من يقول في القرآن بظاهر العربية دون رجوع لما يجب معرفته على من يتكلم في التفسير. على أن حديث جندب ضعيف، فيه: سهل بن أبي حزم وهو ضعيف متكلم فيه (١).\nواستدل الفريق الثاني وهم الجمهور على جواز التفسير بالرأي بما يأتي:\nأولا: بنصوص كثيرة وردت في القرآن نحو أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ. فقد حثّ سبحانه على تدبر القرآن، بل وبخ الذين لا يتدبرونه.\nثانيا: لو كان التفسير بالرأي غير جائز لما كان الاجتهاد جائزا، وهذا باطل بيّن البطلان.\nثالثا: ثبت أن الصحابة قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره، ومعلوم أنهم لم يسمعوا كل ما قالوه في تفسير القرآن من النبي ﷺ، بل توصلوا إلى معرفة البعض بعقولهم، ولو كان التفسير بالرأي محظورا لما فعلته الصحابة.\n_________\n(١) راجع مقدمة التفسير لابن تيمية ص ٢٩ - ٣١ ومقدمة التفسير للراغب الأصفهاني ص ٤٢٢.","vol":"1","page":86},{"text":"رابعا: استدلوا بدعاء النبيﷺ- لابن عباس «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». فلو كان التأويل مقصورا على السماع والنقل لما كانت فائدة في تخصيص ابن عباس بهذا الدعاء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>التحقيق في الموضوع:</span>\nلو عرفنا سر المتشددين في التفسير ووقفنا على شروط تفسير القرآن بالرأي عند المجوزين للتفسير بالرأي لظهر لنا أن الخلاف لفظي لا حقيقي، وذلك لأن الرأي قسمان:\nقسم جار على كلام العرب مع مراعاة سائر شروط التفسير وهو جائز لا شك فيه.\nوقسم غير جار على قوانين العربية أو لا يوافق الأدلة الشرعية أو غير مستوف لشروط التفسير، وهذا هو مورد النهي، وهو مراد ابن مسعود بقوله:\n«ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع»، وقال عمر بن الخطاب: «إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه». وهذا هو الذي يفسّر عليه كلام المانعين للتفسير بالرأي.\nقال ابن تيمية: «فهذه الآثار الصحيحة عن السلف، وما شاكلها محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا، فلا حرج عليه ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد ...».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>العلوم التي يحتاج إليها المفسر: والتمكن منها شرط أساسي للباحث في التفسير، وهي:</span>\n١ - علم اللغة.\n_________\n(١) انظر هذه وغيرها في المرجعين السابقين والموافقات للشاطبي ج ٣ ص ٤٢١ - ٤٢٢.","vol":"1","page":87},{"text":"٢ - علم النحو والصرف والاشتقاق.\n٣ - علوم البلاغة.\n٤ - علم القراءات.\n٥ - علم أصول الدين.\n٦ - أصول الفقه.\n٧ - الأحاديث المبينة للتفسير، مثل أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، أو ما فيه بيان لتفسير المجمل أو المبهم ...\n٨ - علم القصص.\n٩ - علم الموهبة، وهو علم يورثه الله لمن عمل بما علم، كما ورد في الحديث وقد اختلف العلماء في سرد هذه العلوم إسهابا وإيجابا.\n١٠ - الإلمام بمسلّمات العلوم الحديثة. وللشيخ محمد عبده في مقدمة تفسير المنار كلمة يحسن الرجوع إليها تتميما للفائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>أهم كتب التفسير بالرأي:</span>\n١ - الكشاف، للزمخشري.\n٢ - أنوار التنزيل وحقائق التأويل، للبيضاوي.\n٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي.\n٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم لأبي السعود العمادي.\n٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي.\nنتكلم عنها باختصار فيما يلي (١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>١ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري:</span>\nوهو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي المعتزلي، الملقب بجار الله، لإقامته بمكة ومجاورته بها.\n_________\n(١) ونرجو ممن يدرس الموضوع أن يرجع إلى هذه الكتب نفسها في ضوء دراستنا الموجزة للاستزادة من فهمها.","vol":"1","page":88},{"text":"ولد سنة ٤٦٧ في زمخشر من قرى خوارزم وتوفي في جرجانية خوارزم سنة ٥٣٨. وحاز الزمخشري في العلوم القدم الراسخ، ولا سيما علوم اللغة العربية، وبلاغتها، وعلوم التوحيد والجدل على طريقة المعتزلة ومذهبهم، وكان مستعلنا بتأييد المعتزلة، يفخر بانتمائه إليهم ويتعصب لهم تعصبا شديدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>طريقته في تفسير الكشاف:</span>\n١ - غلب عليه إظهار ثروة القرآن البلاغية التي لها أثر كبير في عجز العرب عن معارضته وقد تأثر بهذه الطريقة جميع المفسرين الذين جاءوا بعده، ولذلك امتاز تفسير أهل المشرق على أهل الأندلس بهذا الفن في التفسير.\n٢ - يتعرض بدون توسع إلى المسائل الفقهية التي تتعلق ببعض الآيات باعتدال، ودون تعصب لمذهبه الحنفي، انظر تفسيره وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ... ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ....\n٣ - يقل من الروايات الإسرائيلية، وما يذكر منها يصدّره بلفظ «روي» المشعر بالضعف، أو يفوض علمها إلى الله، وهذا غالبا فيما لا مساس له بالدين، وأحيانا ينبه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف.\n٤ - انتصاره لمذهبه: مثل اهتمامه بآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا في الاستدلال على خلود أهل الكبائر في النار، كما هو مذهب المعتزلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي:</span>\nوهو قاضي القضاة: ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي، البيضاوي الشافعي، من بلاد فارس. قال فيه ابن قاضي شهبة:\n«صاحب المصنفات، وعالم أذربيجان، ولي قضاء شيراز». توفي ٦٩١ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>التعريف بالتفسير وطريقته:</span>\nتفسير العلّامة البيضاوي: متوسط الحجم جمع التفسير والتأويل، وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السنّة.\nاختصر البيضاوي تفسيره من الكشاف للزمخشري، وترك ما فيه من الاعتزالات وأحيانا يذهب إلى ما يذهب إليه صاحب الكشاف وبعض المفسرين","vol":"1","page":89},{"text":"كأن يذكر في نهاية كل سورة حديثا في فضلها. وليتهم لم يفعلوا ذلك، لأن الحديث المروي في فضل سور القرآن سورة سورة موضوع كما بين المحدثون (١).\nكما استمد تفسيره من التفسير الكبير المسمى: بمفاتيح الغيب للفخر الرازي، ومن تفسير الراغب الأصفهاني، وضمّ لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، غير أنه أعمل فيه عقله فضمنه استنباطات بلاغية دقيقة، في أسلوب رائع موجز، ويورد أحيانا القراءات ولا يلتزم المتواتر منها، ويعرض للصناعة النحوية ويتعرض لبعض المسائل الفقهية بدون توسع.\nوكثيرا ما يقرر مذهب أهل السنّة ومذهب المعتزلة عند ما يعرض لتفسير آية لها صلة بنقاط النزاع بينهم مع ترجيح لمذهب أهل السنّة.\nوهو يقل من الروايات الإسرائيلية ويصدر روايتها ب «روي» أو «قيل» إشعارا منه بضعفها ويقف موقف الموزج لها غير القاطع بصحتها.\nثم إذا عرض للآيات الكونية فإنه لا يتركها بدون أن يخوض في مباحث الكون والطبيعة مماشيا لطريقة الفخر الرازي في التفسير، وبذلك كله كان من أمهات الكتب في التفسير التي لا يستغنى عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: للنسفي:</span>\nوهو أبو البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي، أحد الزهاد، والأئمة المعتبرين، صاحب التصانيف المعتبرة في الفقه والأصول وغيرهما، منها متن الوافي في الفروع، والمنار في أصول الفقه، والعمدة في أصول الدين، وكذا تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل. وغير ذلك من المؤلفات التي تداولها العلماء دراسة وبحثا، وهذا لا يستكثر عليه لتفقهه على شمس الأئمة الكردري، وأحمد بن محمد الذي روى عنه الزيادات توفي سنة ٧٠١ هـ.\n_________\n(١) راجع كتابنا «منهج النقد في علوم الحديث»، وفيه بيان ما صح في فضائل السور بإيجاز ص ٣١٠ - ٣١١.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>طريقة هذا التفسير:</span>\nاختصر التفسير من تفسير البيضاوي ومن الكشاف للزمخشري وغيرهما، غير أنه ترك الاعتزالات وجرى فيه على مذهب أهل السنّة، ومما يمتاز به:\n١ - أنه جمع فيه بين وجوه الإعراب والقراءات غير أنه من ناحية الإعراب لا يستطرد كثيرا ولا يزج بالتفاصيل النحوية في تفسيره.\n٢ - وأما من ناحية القراءات فهو ملتزم للقراءات السبع مع نسبة كل قراءة إلى قارئها وهي مزية هامة لهذا التفسير.\n٣ - عني بكشف وجوه البلاغة وأساليب الأداء في القرآن بعبارات موجزة مفيدة جدا.\n٤ - عند آيات الأحكام يعرض للمذاهب الفقهية التي لها تعلق وارتباط بالآية ويوجه الأقوال بدون توسع.\n٥ - يقل من ذكر الإسرائيليات كثيرا وما يذكره من ذلك يمرّ عليه بدون أن يتعقبه أحيانا وأحيانا يتعقبه ولا يرتضيه ويرى أن كل ما يمس العقيدة من هذه القصص يجب التنبيه على عدم صحته وما لا يمس العقيدة فلا مانع من روايته بدون تعقيب عليه ما دام يحتمل الصدق والكذب في ذاته ولا يتنافى مع العقل أو يتصادم مع الشرع.\nإذن فهو موجز العبارة سهل المأخذ غزير الفائدة، مما جعله مرجعا مهما في التفسير للدارسين متداولا بين أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود:</span>\nوهو أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى، العمادي الحنفي، المولود سنة ٨٩٣ هـ من بيت عرف بالعلم، قرأ كثيرا من العلوم على والده وتتلمذ على أجلّة العلماء وتولّى التدريس وقلّد قضاء «بروسة» ثم القسطنطينية، ثم تولى أمر الفتوى الذي طال ثلاثين سنة، أظهر فيه الدقة العلمية التامة والبراعة، وكان يكتب جواب الفتوى على منوال ما يكتب له السؤال منظوما مع","vol":"1","page":91},{"text":"الاتفاق في الوزن والقافية أو نثرا عربيا أو تركيا، وكانت أعماله هذه عائقا عن التفرغ للتصنيف والتأليف. توفي سنة ٩٨٢ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>التعريف بهذا التفسير:</span>\nاختلس فرصا من وقته وألّف تفسيره فيها مما جعل تأليفه لهذا التفسير غاية في بابه، فقد أتى فيه صاحبه من الفوائد بما لم يسبقه إليه أحد، فذاعت شهرته بين أهل العلم، وصار يقال له: خطيب المفسرين. حيث اعتمد فيه على تفسير الكشاف والبيضاوي جاريا على مذهب أهل السنّة في تفسيره متجنبا الاعتزالات ومحذرا منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>عنايته بالكشف عن بلاغة القرآن وسرّ إعجازه:</span>\nيهتم أبو السعود بأن يكشف عن نواحي القرآن البلاغية وسر إعجازه في نظمه وأسلوبه وبخاصة في الوصل والفصل، والإيجاز والإطناب والتقديم والتأخير والاعتراض والتذييل كما يهتم بإبداء المعاني الدقيقة التي تحملها التراكيب القرآنية بين طياتها، فهو أول المفسرين في هذه الناحية، ما مع تفرد به من فوائد بلاغية ليست في غيره من كتب التفسير، ولم يسبقه إليه أحد.\nويجد القارئ أنه مقل في سرد الإسرائيليات غير مولع بذكرها يصدّرها ب «روى وقيل» مما يشعر بضعفها إذا ذكرها ومع ذلك فلم يعقب عليها بكلمة واحدة، وكأنه فعل ذلك لأنه تحاشى ما يجب رده منها.\nويهتم أبو السعود بإبداء وجوه المناسبات بين الآيات ويعرض كذلك للقراءات بقدر ما يوضح به من المعنى دون توسع، لكن لا يلتزم المتواتر.\nويتعرض أبو السعود في تفسيره لبعض المسائل الفقهية لكنه مقل جدا ولا يكاد يدخل في المناقشات الفقهية والأدلة المذهبية بل يسرد المذاهب في الآية.\nونلحظ أنه يعرض للناحية النحوية: إذا كانت الآية تحتمل أوجها من الإعراب ويرجح واحدا منها ويدلل على رجحانه. كما يعرض لاحتمالات الآية من المعاني ويرجح بينها بنظر دقيق، وتحقيق عميق.","vol":"1","page":92},{"text":"فالكتاب دقيق بعيد عن خلط التفسير بما لا يتصل به غير مسرف فيما يضطر إليه من التكلم عن النواحي العلمية وهو مرجع ضروري يعتمد عليه المفسرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي:</span>\nوهو أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الآلوسي البغدادي المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ وكان شيخ العلماء في العراق. أكثر من العلوم حتى أصبح علامة المنقول والمعقول فهامة في الفروع والأصول. أخذ عن فحول العلماء. منهم والده العلّامة الشيخ خالد نقشبندي، والشيخ علي السويدي، اشتغل بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقلّد إفتاء الحنفية وتتلمذ له خلق كثير، كان عالما باختلاف المذاهب خلّف ثروة علمية كبيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>طريقة هذا التفسير:</span>\nتفسير روح المعاني جامع لآراء السلف رواية ودراية شامل لخلاصة ما سبقه من التفاسير، ينقل عن تفسير أبي السعود ويعبر عنه بقوله: «قال شيخ الإسلام»، وعن البيضاوي بقوله: «القاضي»، وعن الفخر الرازي بقوله:\n«الإمام». ويقف حكما عدلا بين المراجع، وناقدا مدققا، ثم يبدي رأيه حرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>ويمكن تلخيص طريقته فيما يلي:</span>\n١ - إنه يستطرد إلى الكلام في الأمور الكونية، ويقر منه ما يرتضيه ويفند ما لا يرتضيه.\n٢ - يستطرد إلى الكلام في الصناعة النحوية ويتوسع حتى يكاد يخرج به عن وصف كونه مفسرا.\n٣ - يتكلم عن آيات الأحكام ويستوفي مذاهب الفقهاء وأدلتهم، مع عدم تعصب منه لمذهب بعينه.\n٤ - يعنى بجلاء ثروة القرآن البلاغية، ويتوسع في ذلك بإفاضة بالغة.\n٥ - أما الإسرائيليات: فهو شديد النقد للإسرائيليات والأخبار المكذوبة التي","vol":"1","page":93},{"text":"ذكرها كثير من المفسرين، وظنوها صحيحة، مع سخرية منهم أحيانا.\n٦ - يعرض الآلوسي لذكر القراءات، متواترة وغير متواترة.\n٧ - يعتني بإظهار أوجه المناسبات بين السور مع بعضها، وبين الآيات مع بعضها. وهذا فن عميق ومهم لفهم بلاغة القرآن.\n٨ - يعتني ببيان أسباب النزول.\n٩ - يكثر الاستشهاد بأشعار العرب على ما يذهب إليه من المعاني اللغوية.\n١٠ - يتكلم الآلوسي عن التفسير الإشاري بعد أن يفرغ من الكلام على كل ما يتعلق بظاهر الآيات، لذا عدّ بعض العلماء تفسيره وتفسير النيسابوري ضمن كتب التفسير الإشاري.\nلكن الصواب أن يعدّا في ضمن كتب التفسير المنهجي، لما أنه لم يكن مقصودهما الأهم هو التفسير الإشاري، بل كان تابعا لغيره من التفسير الظاهر.\nوهكذا نجد «روح المعاني» موسوعة تفسيرية قيّمة جمعت كل ما قال علماء التفسير، مع النقد الحر، والترجيح الذي يعتمد على قوة الذهن، وإن كان يتوسع في نواح علمية مختلفة، إلا أنه متزن في كل ما يتكلم به، مما يشهد له بالإحاطة والعمق فيما أتى به في تفسيره هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>شروط المفسر والقواعد التي يحتاج إليها:</span>\nإن النقاش الذي سبق في التفسير بالرأي يفيد أمورا هي شروط وقواعد على غاية من الأهمية تتعلق بالاحتياط في التفسير بالرأي (١)، نعرضها موجزة فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>أولا: التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بيّنة</span>\n، باستيفاء العلوم التي ذكرناها. فإن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات:\nإحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين، كالصحابة والتابعين ومن يليهم، وهؤلاء قالوا في التفسير برأيهم مع التوقي والتحفظ، والهيبة والخوف\n_________\n(١) وقد نبّه الإمام الشاطبي عليها في الموافقات ج ٣ ص ٤٢٣ - ٤٢٤.","vol":"1","page":94},{"text":"من الهجوم، فنحن أولى منهم إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم.\nوهيهات.\nالثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم، فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه. وسبيله أن يأخذ تفسيرا يدرسه بمراجعة العلماء.\nالثالثة: من شكّ في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض. فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه، لأن الأصل عدم العلم، فعند ما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال. وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال، وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>ثانيا: ينبغي على الناظر في القرآن أن يعتمد في ذلك على من تقدمه</span>\nوله في ذلك سعة إلا فيما لا بد له منه وعلى حكم الضرورة، وما زال السلف الصالح يتحرجون من القول في القرآن، فإن المحظور فيه شديد جدا، وهو خوف التقوّل على الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>ثالثا: أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم على القرآن أن ما يقوله من التفسير هو قول بلسان بيانه:</span>\nهذا مراد الله من هذا الكلام، فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد وإلا كان باطلا، ودخل صاحبه تحت الوعيد الشديد الوارد في أهل الرأي المذموم.\nولذلك احتاط السلف في الكلام على القرآن أيما احتياط، مع ما كانوا عليه من العلم.\nعن مسروق الهمداني قال: «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله».\nوعن إبراهيم النخعي قال: «كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه».\nوهذا الأصمعي وجلالته في علم اللغة وإمامته معروفة قد نقل عنه أنه لم يفسر قط آية من كتاب الله، وإذا سئل عن ذلك لم يجب.","vol":"1","page":95},{"text":"وعن سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين وأحد الفقهاء الأئمة السبعة أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن قال: «أنا لا أقول في القرآن شيئا».\nوسأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني! فقال ابن عباس: «هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما. نكره أن نقول في كتاب الله ما لا نعلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>رابعا: من واجبات المفسر أيضا إضافة لما ذكرنا واجب هام، وهو أن يلاحظ المنهجية في كلامه في التفسير</span>\n، وقد أوضح السيوطي ذلك فقال (٢):\nقال العلماء: يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسّر، وأن يتحرز في ذلك من نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى، أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون المفسّر فيه ميل عن المعنى وعدول عن طريقه، وعليه بمراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف، والغرض الذي سيق له الكلام، وأن يؤاخي بين المفردات. وأن يتصف بالعدل والإنصاف في بحثه، فذلك أساس في البحث العلمي وفي التفسير خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>خامسا: خطة التفسير:</span>\nيبدأ المفسر بالمناسبة ثم أسباب النزول ثم العلوم اللفظية، وأولها «تحقيق الألفاظ المفردة، فيتكلم عليها من جهة اللغة ثم التصريف، ثم الاشتقاق، ثم يتكلم عليها بحسب التركيب، فيبدأ بالإعراب، ثم بما يتعلق بعلم المعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم يبين المعنى المراد، ثم الاستنباط، ثم الإشارة» (٣).\nوقد أصبح التفسير الذي يعنى بالدقة والعمق في استعمال العلوم التي يحتاج إليها المفسّر وخصوصا اللغوية والبلاغية أصبح يسمى في اصطلاح المعاصرين «التفسير التحليلي». والعمدة فيه مصادر التفسير بالرأي الأمهات، فاعتن بها.\n_________\n(١) الأثر عن سعيد بن المسيب وابن عباس في الموافقات ج ٣ ص ٤٢٢.\n(٢) الإتقان ج ٢ ص ١٨٥.\n(٣) الموضع السابق. وانظر ما يأتي في التفسير الإشاري.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الفصل التاسع التفسير الإشاري</span>\nويسمى أيضا التفسير الصوفي، لكنا نؤثر التسمية الأولى، لما فيها من الدلالة على الانضباط، بقواعد، بما يشبه ما يسمى «إشارة النص» عند الأصوليين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>تعريفه:</span>\nالتفسير الإشاري: هو تأويل آيات القرآن الكريم على معنى غير ما يظهر منها، بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة (١).\nوهذا الشرط الأخير وهو «أن يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر» هام جدا، لأنه يفيد انضباط التفسير بما يحتمله كلام العرب، الذي نزل به القرآن، ويجب فهمه على وفق كلام العرب، كما يفيد الالتزام بالمعنى الظاهري الأصلي المراد من كلام الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الأصل فيه:</span>\nوعلى هذا الأساس فإن التفسير الإشاري ليس جديدا في إبراز معاني القرآن، بل هو معروف، قد فسر به الصحابة من غير نكير.\nأخرج البخاري (٢) عن عبد الله ابن عباس ﵄ قال: «كان\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ج ٣ ص ١٨ بتصرف. وفيه قوله: «خلاف ما يظهر». وما قلناه أولى، لأنه يبعد معنى التعارض.\n(٢) في كتاب التفسير إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ج ٦ ص ١٧٩.","vol":"1","page":97},{"text":"عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد (١) في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟. فقال عمر: إنه من حيث علمتم.\nفدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.\nقال: ما تقولون في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟. فقال بعضهم:\nأمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا.\nفقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟. فقلت: لا. قال: فما تقول؟. قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له: قال: إذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك، فسبّح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>شروط التفسير الإشاري:</span>\nلما كان التفسير الإشاري إثارة لمعاني كتاب الله تعالى، كان لا بد له من معيار ينضبط به، حتى يتميز عن عبث المتلاعبين بالقرآن تحت ستار اسم باطن القرآن، وهم لا يفسرون القرآن على الحقيقة بل يتلاعبون لهدم الشريعة باسم الشريعة.\nوالمعيار الذي ينضبط به التفسير الإشاري ليكون مقبولا هو الشروط الآتية:\n١ - أن يكون له شاهد شرعي يؤيده من غير معارض. وذلك لأنه إن لم يكن للتفسير الإشاري شاهد في محل آخر، أو كان له شاهد لكن له معارض صار دعوى تدّعى على القرآن من غير دليل. والدعوى التي لا دليل عليها مرفوضة باتفاق العلماء (٢).\n٢ - أن يصح التفسير الإشاري على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، وذلك ضرورة كون القرآن عربيا، إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، ولو كان\n_________\n(١) أي عتب.\n(٢) الموافقات للشاطبي ج ٣ ص ٣٩٤.","vol":"1","page":98},{"text":"له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا، بل يدخل قائله تحت وعيد من قال في كتاب الله بغير علم.\n٣ - أن لا يكون له معارض شرعي ولا عقلي. لما علم مما سبق.\n٤ - أن لا يدّعى أن التفسير الإشاري هو المراد وحده دون الظاهر، بل لا بد أن نعترف بالمعنى الظاهر أوّلا، إذ لا يطمع في الوصول إلى الإشارة قبل إحكام فهم العبارة، «ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادّعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب!!» (١).\nومن أمثلة ما اختل فيه بعض هذه الشروط: كمن فسّر قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. فقال: معناه: «من ذلّ» من الذل، إشارة إلى النفس «يشف» من الشفاء «ع» أمر من الوعي.\nومن أمثلة ما وقفنا عليه في هذا العصر في أملية خاصة طبعت في كتاب وإذا فيه تفسير سورة العاديات هكذا:\n«والعاديات» الريح تجري مستمرة «ضبحا» صوتها أثناء جريها «فالموريات» الغيوم «قدحا» تحتك ببعضها فينشأ عن ذلك البرق «فالمغيرات» المغيثة بالمطر «صبحا» تغيثكم غياثا ظاهرا كالصبح ... وهكذا إلى آخر السورة من عجاب التحريف .. !؟!.\nوهذا تحريف مخالف لصريح اللغة، ومصادم لاتفاق المفسرين أن «العاديات» هي الخيل المسرعة تضبح «ضبحا» وهو اسم صوت الخيل وهي تسرع، فتصدم حوافرها الأرض فتقدح الشرر «قدحا» فتغير «صبحا» تشن الهجوم على العدو صباحا ...\nهذا هو الصواب في تفسير السورة، وليس ذلك التفسير الذي نقلناه سابقا من الصواب بسبيل، إنما هو تمزيق للنص وعبث به.\n_________\n(١) كما قال السيوطي في الإتقان ج ٢ ص ١٨٥.","vol":"1","page":99},{"text":"وقد ظهر حديثا بعض الأدعياء، وراح يتلاعب بالقرآن، حتى توصل إلى معان مسفة يستحيي منها، فكشف العلماء دجله وحذروا منه (١).\nوقال بعضهم في الآية الخاتمة لسورة العنكبوت: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ أي أضاء المحسنين، وإنما هي لام التوكيد، و«مع» الظرفية، فانظر أنّى ذهب عن النص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>من أهم كتب التفسير الإشاري:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>١ - «تفسير القرآن العظيم»، للتّستري:</span>\nوهو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التّستري، والمولود بتستر، سنة ٢٠٠، وكان من كبار العلماء العارفين، أهل الورع والكرامات، أقام بالبصرة وتوفي بها سنة ٢٧٣.\nوتفسيره هذا جزء واحد، يظهر أنه قطعة من مجموعة أخذت من كلامه، ونجده- في الجملة- متمشيا مع الشروط السابقة. وأنه يعنى بتزكية النفوس، وتطهير القلوب، والتحلي بالفضائل مما يدل عليه القرآن بطريق العبارة أو الإشارة.\nومن أمثلة ذلك قوله (٢) في سورة الصافات [١٠٧]: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ: «إبراهيم ﵊ لما أحبّ ولده بطبع البشرية، تداركه من الله فضله وعصمته حتى أمره بذبحه، إذ لم يكن المراد منه تحصيل الذبح، وإنما كان المقصود تخليص السر من حب غيره بأبلغ الأسباب، فلما خلص السر له ورجع عن عادة الطبع فداه بذبح عظيم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>٢ - «لطائف الإشارات» للقشيري:</span>\nالإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، زين الإسلام.\n_________\n(١) ونحوه قول بعض آخر معاصر في حديث «الحج عرفة»، هو: «الحج عرفه» أي عرف الله. وهو عبث ركيك ينم عن جهل عميق، باللغة وبكتاب الله. قال تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ.\n(٢) تفسير التستري ص ١٢٠.","vol":"1","page":100},{"text":"المولود سنة ٣٧٦. وهو عربي النسب من قبيلة قشير. كان علّامة في علوم عصره، وتوجه بعد إتقانها إلى التصوف بتلمذته على أبي علي الحسن الدقاق، وكان الدقاق إمام عصره، فارها في العلم، جنيدي الطريقة. فجمع القشيري العلوم العقلية والنقلية والصوفية، وراح يمزج بينها بما لا يعارض بينها، وألّف كتبا كثيرة، وكانت له كرامات ظاهرة. وتوفي سنة ٤٦٥ (١).\nويمتاز هذا التفسير بأنه تفسير إشاري كامل للقرآن الكريم، وأن صاحبه سار على خطة واضحة بينها في مطلع كتابه، وهي خطة تتمشى مع شروط التفسير الإشاري،\nوأحيانا كثيرة مع التفسير الظاهري نفسه. وهو مطبوع في ثلاثة مجلدات كبار.\nومن أمثلة ذلك:\nقوله جل ذكره: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.\nقال القشيري (٢): «الإسلام هو الإخلاص، وهو الاستسلام، وحقيقته الخروج عن أحوال البشرية بالكلية من منازعات الاختيار ومعارضات النفس.\nقالَ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ: قابلت الأمر بالسمع والطاعة، واعتنقت الحكم على حسب الاستطاعة، ولم يدخر شيئا من ماله وبدنه وولده، وحين أمر بذبح الولد قصد الذبح، وحين قال له خله من الأسر عمل ما أمر به، فلم يكن له في الحالين اختيار ولا تدبير. ويقال: إن قوله: «أسلمت» ليس بدعوى من قبله، لأن حقيقة الإسلام إنما هو التبرّي من الحول والقوة، فإذا قال:\n«أسلمت» فكأنّه قال: أقمني فيما كلّفتني، وحقق مني ما به أمرتني، فهو أحال الأمر عليه، لا لإظهار معنى أو ضمان شيء من قبل نفسه.\nويقال: أمره بأن يستأثر بمطالبات القدرة، فإن من حلّ في الخلّة محلّه يحل به لا محالة ما حلّ به ...» إلى آخر ما ذكره من فوائد قيمة.\n_________\n(١) باقتضاب عن تقديم المحقق لكتاب «لطائف الإشارات».\n(٢) لطائف الإشارات ج ١ ص ١٢٦. أخذنا المثالين منه بالتقليب العفوي.","vol":"1","page":101},{"text":"وعند قوله جل ذكره: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ. جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ: يقول القشيري (١):\n«أي هذا القرآن فيه ذكر ما كان، وذكر الأنبياء والقصص أو يقال: إنه شرف لك، لأنه معجزة تدل على صدقك، وإن للذين يتقون المعاصي لحسن المنقلب.\nجَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ: أي إذا جاءوها لا يلحقهم ذلّ الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالترحاب والتبجيل، متكئين فيها على أرائكهم، يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب على ما يشتهون، وعندهم حور عين قاصرات الطرف عن غير أزواجهن، أَتْرابٌ لدات مستويات في الحسن والجمال والشكل.\n_________\n(١) في اللطائف ج ٣ ص ٢٦٠.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>الفصل العاشر التفسير الفقهي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>تعريف التفسير الفقهي ونشأته:</span>\nالتفسير الفقهي هو التفسير الذي يعنى فيه بدراسة آيات الأحكام وبيان كيفية استنباط الأحكام منها.\nوهذا التفسير بهذه الصفة يتميز بمزيد من دقة الفهم، وعمق الاستنباط، ويسمح بإعمال الذهن في المناقشة والموازنة بين الآراء أكثر من غيره، مما يجعل له أهمية أكبر. ويلزم بالاعتناء به أكثر.\nويرجع ابتداء هذا التفسير إلى عهد النبي ﷺ، فقد فسّر للصحابة كثيرا من آيات القرآن وبيّن لهم أحكامه بأنواع البيانات.\nثم جاء الصحابة وراحوا يعالجون ما يجد لهم من الأمور، وكانوا يبحثون أولا في كتاب الله تعالى ثم في سنّة رسول الله ﷺ ثم يجتهدون، فكان من المتوقع أن تختلف اجتهاداتهم في فهم بعض الآيات واستنباط الأحكام منها.\nومن أمثلة ذلك اختلافهم في عدة المطلقة هل تحسب بالحيض أو بالأطهار؟ فذهب عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود إلى أنها الحيض، وذهب عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت والسيدة عائشة إلى أنها الأطهار.\nوالسبب في ذلك أن القروء في قوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ تحتمل في لغة العرب أن تفسر بالحيض، وبالأطهار.","vol":"1","page":103},{"text":"فالتمس كل فريق قرينة رجح بها ما ذهب إليه (١).\nوكان الصحابة ﵃ متجردين لطلب الحق لا يحيدون عنه، وربما تناظروا فإن اقتنع الواحد برأي الآخر أخذ به، وإلا عذر كل واحد أخاه في اجتهاده ووسع له فيه.\nوهكذا استمر الحال في اجتهاد أئمة التابعين ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وأمثالهم، لكن ازدادت الوقائع المستجدّة فازدادت المسائل التي تستنبط من القرآن الكريم وتوسعت الدراسات التفسيرية لآيات الأحكام.\nولما ظهرت مذاهب فقهاء الأمصار ببنيانها الضخم المؤصل على الأصول الاجتهادية ودوّنت ثم ذاعت في الناس تأثر بكل مذهب منها طوائف من العلماء، كما حصل من قبل أن تأثر بفقهاء الصحابة طوائف من الصحابة والتابعين، لكن العصور المتأخرة شهدت توسعا في المناقشات يؤيد كل فريق مذهبه الذي اعتقد أنه الحق، وربما جرّ ذلك إلى تشديد النقد على المذهب المخالف مما يخالف منهج البحث العلمي، لا سيما في القرن الرابع وما بعده حين انتشرت المناظرات الكلامية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>أشهر ما ألف في التفسير الفقهي:</span>\nوهكذا ظهرت التفاسير الفقهية للقرآن وكثرت وكان أكثرها يقتصر على تفسير آيات الأحكام، وفسّر بعضها القرآن كله.\nونعرف القارئ بأشهر تفسيرين فقهيين وهما: (أحكام القرآن) للرازي الجصّاص و(الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>١ - أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (الجصّاص):</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>مؤلف الكتاب:</span>\nهو الإمام العلّامة المفتي المجتهد الحافظ عالم العراق أبو بكر أحمد بن\n_________\n(١) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج ٣ ص ١١٢، وغيره.","vol":"1","page":104},{"text":"علي الرازي المشهور بالجصّاص نسبة إلى العمل بالجصّ، ولد سنة ٣٠٥ وتوفي سنة ٣٧٠. أخذ الفقه عن أبي سهل الزجاج وأبي الحسن الكرخي وعن غيرهما من فقهاء عصره، وأخذ الحديث وتوسع فيه ورحل إلى الآفاق، فأخذ عن ابن قانع والطبراني وجماعة من الأئمة الحفّاظ.\nاستقر له التدريس ببغداد وانتهت إليه الرحلة، وكان على طريق شيخه الكرخي وبه انتفع، وكان الجصاص زاهدا ورعا متعبدا، عرض عليه منصب قضاء القضاة فامتنع منه، وعظم الانتفاع به وانتهت إليه رئاسة الحنفية وتخرّج به أصحاب المذهب، وكان له فضل كبير في إظهار حجج الحنفية وأدلتهم.\nويحتج في كتبه بالأحاديث المتصلة بأسانيده.\nله كتب كثيرة، منها: أصول الفقه، وشرح مختصر الطحاوي، وأهمها كتاب (أحكام القرآن) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>طريقة المؤلف فيه:</span>\nهذا التفسير هو أول تفسير فقهي مطبوع، وأهم كتب التفسير الفقهي، لما فيه من عمق الاستنباط وفنون الاستدلالات، وقد شمل آيات الأحكام كلها على ترتيبها في المصحف، لكنه مع ذلك مبوّب على مثال ترتيب كتب الفقه، يضع لكل آية أو آيات عنوانا يدل على مضمون المسائل التي تستنبط منها أو تتفرع عليها، فكان بذلك أسبق من العصريين في اتباع هذه الطريقة.\nومن مزايا هذا التفسير أنه لا يقتصر على ذكر الأحكام التي تستنبط من الآيات، بل يستطرد إلى تفريع مسائل تتفرع منها، ويذكر فيها خلافيات بين الأئمة والأدلة بتوسع كثير.\nويعتني الإمام الجصاص في كل مسائل كتابه بتأييد مذهب الحنفية، بأن\n_________\n(١) الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي ص ٢٧ - ٢٨ وسير أعلام النبلاء للذهبي ج ١٦ ص ٣٤٠ - ٣٤١.","vol":"1","page":105},{"text":"يبين وجه استدلالهم بالآية، أو يدفع استدلال المخالفين بآية احتجوا بها على الحنفية.\nومن الأمثلة تفسيره لقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فقد فسّر آتُوا بمعنى أعطوا والْيَتامى بما بعد البلوغ، مجازا باعتبار ما كان، وفائدة المجاز الإشارة إلى الإسراع بدفع ما لهم إليهم حتى كأنّ اسم اليتم لم يزل عنهم، لأنه لا يسمى يتيما بعد البلوغ. وهذا ظاهر لا تكلف فيه.\nثم فرّع على هذا التفسير وجوب دفع مال اليتيم إليه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أخذا من قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، لأن الآية الأولى لم تشترط إيناس الرشد لإيتاء المال إلى اليتيم، فجعلها فيما إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، والثانية اشترطته فجعلها فيما دون ذلك، لانعقاد الإجماع على أن لا يدفع له المال قبل الخامسة والعشرين، يعني ولا إجماع بعد ذلك فاستعمل الآية فيه، وهو مذهب الحنفية (١).\nوهو استدلال بعيد كتفسير للآية، وإن كان يمكن أن يقال: إن هذا السن مظنّة بلوغ الرّشد، فيعامل معاملة تحققه، دفعا لطمع الأوصياء في مال اليتيم.\nوربما شدد الجصاص الهجوم على مخالفي الحنفية من الأئمة، وكانت أجواء المنافسات والمناظرات تهيّأ لذلك خصوصا في بغداد مما ينبهنا إلى أن لا نتأثر في عصرنا بمثل هذه المؤثرات، وقد كثرت ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nومن أمثلة ذلك قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا.\n_________\n(١) أحكام القرآن للجصاص ج ٢ ص ٥٤ - ٥٩.","vol":"1","page":106},{"text":"فسر جمهور المفسرين أَلَّا تَعُولُوا أن لا تميلوا إلى إحدى الزوجات.\nوفسرها الشافعي بألا تكثر عيالكم، فشنّع الجصاص تبعا للمبرد على الشافعي هذا التفسير بأنه يخالف اللغة، لأنه لو كان هذا هو المراد لقال «ألّا تعيلوا»، وشدّد في التشنيع\nمما لا ينبغي أن يصدر عن مثله (١).\nوالحاصل أن هذا التفسير- على ما انتقدناه به- فإنه تفسير جليل وعميق، ومفيد جدا لطالب العلم في تعميق ملكة التفقه في كتاب الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>٢ - الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>مؤلف الكتاب:</span>\nهو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، نشأ في قرطبة ثم رحل منها إلى المشرق واستقر بمنية ابن خصيب شمالي أسيوط، وتوفي فيها سنة ٦٧١ هـ.\nكان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين. الزاهدين في الدنيا، المشغولين بالآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف. وبلغ من زهده أنه اطّرح التكلف وصار يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية.\nأخرج كتبا كثيرة انتفع الناس بها، منها كتابه التفسير الذي نتكلم عنه، والتذكار في أفضل الأذكار، والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، وهي مطبوعة، وله كتب غير ذلك مفيدة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>طريقة هذا التفسير:</span>\nاسم هذا التفسير هو (الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمّن من السنّة وآي الفرقان)، واشتهر بتفسير القرطبي، وهو من أجل كتب التفسير وأعظمها\n_________\n(١) وتابعه على ذلك أبو بكر ابن العربي أيضا في كتابه «أحكام القرآن» ج ١ ص ١٣١.\nوقد انتقده القرطبي في تفسيره ببيان واسع ج ٢ ص ٣٢٢.\n(٢) نفح الطيب للمقري ج ١ ص ٤٢٨ ومقدمة تفسير القرطبي.","vol":"1","page":107},{"text":"نفعا. بيّن مؤلفه في مقدمته طريقته فيه وتتخلص بما يلي:\nالعناية بالرواية وتخريج الأحاديث، وبيان جوانب اللغة والإعراب، وذكر القراءات، وبيان الناسخ والمنسوخ وإسقاط القصص والتواريخ، والتعويض عنها بالأحكام المستنبطة، وذكر أدلة الأئمة، ثم الإدلاء برأيه بغاية الهدوء والموضوعية.\nويمتاز هذا التفسير بمزايا هامة، منها: وضوح عبارته وسهولته، ومنها حسن ترتيبه، فهو يقسم الأفكار ويجعل كل فكرة مسألة، ويصدر تفسير الآية بهذه العبارة: قوله تعالى كذا ... فيه سبع عشرة مسألة مثلا، المسألة الأولى .. وهكذا .. ما يساعد القارئ على ترتيب أفكاره وحسن الفهم.\nومنها اعتناؤه بعلوم اللغة في دلالة الكلمة واشتقاقها ووجوه الإعراب وفائدتها في المعنى. ومنها أنه عني بالاستنباط من كل القرآن فاستنبط أحكاما من آيات ليست مما يورده أصحاب تفسير أحكام القرآن.\nومن أمثلة طريقته في الجانب الفقهي الذي نتكلم عنه هنا:\nقوله تعالى في آية الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ: قال ﵀ (١):\n«ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وإمرار اليد عليه، وهذه حقيقة الغسل عندنا وقد بيّناه في النساء. وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده. ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلّك يقال: غسل وجهه ويده. ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الإسم فإذا حصل كفى».\nفقد رجح مذهب غير المالكية أنه لا يجب الدلك في الغسل، واستدل بأن الغمس في الماء يسمى غسلا، وبالتالي فإن المطلوب حصول ما يسمى غسلا، وهو معنى قوله: «لا يعتبر في ذلك غير حصول الإسم» أي لا يجب إلا\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ج ٦ ص ٨٣. وانظر تفسيره آية النساء ج ٥ ص ٢٠٩.","vol":"1","page":108},{"text":"حصول ما يسمى في اللغة غسلا، فإذا حصل- أي ما يسمى غسلا- كفى لأداء الواجب. وهو إنصاف واضح واعتماد دقيق على أصول فن التفسير وتطبيقها.\nولاعتناء القرطبي بالاستنباط نجده يلتفت لفوائد لا يذكرها غيره، ومن ذلك قوله تعالى فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ... قال القرطبي في الآية (١) «دليل على أنه- أي المهر- في مقابلة البضع، لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا. وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو؟ بدن المرأة أو منفعة البضع أو الحلّ- أي حلّ الاستمتاع- ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع، فإن العقد يقتضي كل ذلك».\nومن غاية إنصاف القرطبي وسموّه رفضه النيل من أئمة الإسلام وإن وقع ذلك من بعض أعلام مذهبه، مما يعطي أهل العلم درسا في ذلك (٢).\nوهكذا جاء تفسير «الجامع لأحكام القرآن» جامعا كاسمه لفنون اللغة والعلوم التي يحتاج إليها المفسر مسبوكة بأسلوب واضح وترتيب جميل وتقسيم ميسر، مما جعل هذا التفسير من أجلّ كتب التفسير وأعظمها نفعا وأكثرها تداولا في هذا العصر.\n_________\n(١) ج ٥ ص ١٢٩. لكن قوله «إن المهر في مقابلة البضع ...» غير مسلّم، لأن الاستمتاع مشترك بين الزوجين، وسمي المهر أجرا لتأكيد لزومه وإلا فهو عطية مبتدأه للمرأة، قال تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي عطية مبتدأة ليست في مقابل شيء.\n(٢) انظر ما سبق ص ١٠٧ تعليقا.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>الفصل الحادي عشر التفسير في العصر الحديث</span>\nفي مطالع القرن الرابع عشر الهجري المنصرم وفي ظل الاحتلال الأجنبي لكثير من البلاد الإسلامية أو أكثرها احتدم الصراع الفكري في البلاد الإسلامية وأثيرت شبهات وإشكالات حول مفاهيم القرآن الأساسية والعلوم التي اشتمل عليها، وكانت النزعة المادية الصرفة الملحدة متسلطة على المفكرين في أوربة مما جعل جملة هذه العوامل وغيرها يثير الجدل والشبهات، التي أثارت رجال العلم والفكر المسلمين للاضطلاع بمهمتهم تجاه هذا الواجب.\nوكان من الطبيعي أن تتجه أنظار الجميع إلى القرآن: توجه المنحرفون إلحادا وتشكيكا، وتوجه العلماء إظهارا للحق وهداية القرآن، وتفسيرا صحيحا لآياته ولإعجازه (١).\nلكن في ظل الانبهار والدهشة لتفوق الأجنبي جاءت بحوث عدد من العلماء والمفكرين الإسلاميين متأثرة بمناهج الأجانب ومفاهيمهم المادية البحتة، وظهر أثر ذلك واضحا في تفاسير عدد منهم مما يتعارض مع الأدلة ومناهج التفسير.\nومن ذلك إنكار بعضهم المعجزات الحسية وتأويل الآيات الواردة فيها تأويلا بعيدا متكلفا، مثل تأويل الإسراء على أنه كان بالمنام أو بالروح فقط،\n_________\n(١) كما هو صريح مقصد الشيخ محمد عبده في «تفسير القرآن الحكيم» المشهور بتفسير المنار.","vol":"1","page":110},{"text":"مصادما صريح الآية والأحاديث المتواترة.\nكذلك إنكار خلق آدم وتأويل قصته، حتى فسّر بعضهم قوله تعالى:\nخَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أن المراد خلق العرب من إسماعيل ﵇ (١)، جاهلا أو متجاهلا إجماع المفسّرين، وأن العرب ليسوا كلهم من إسماعيل ..؟!\nومن ذلك تأويل الملائكة بالخاصة في المخلوق «وهو- كما قال الشيخ محمد عبده- أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان».\nوفسّر الناس كلامه ذلك بأنه أراد قوى الطبيعة، وانتشر في أوساط كثيرة آنذاك، وهو خطأ في العلم وفي الفهم أيضا، ولا ينسجم مع الإيمان بالوحي والنبوات (٢).\nوراح بعضهم يفسر الآيات القرآنية على أي شيء يسمعه من المكتشفات العلمية دون تثبت من صحة الاكتشاف فضلا عن فهم حقيقته وطبيعته، ودون تقيد بأصول علم التفسير التي لا يجوز الإخلال بها، حتى ظهر تفسير ضخم للقرآن كله هو: «الجواهر في تفسير القرآن»، للشيخ طنطاوي جوهري يعجّ بالطامات في أمور العلم والجموح العجيب في تفسير القرآن، حتى نجده يفسر الآيات التي تذكر إحياء الموتى في سورة البقرة فيجعلها أصلا في علم تحضير الأرواح وأنه استخرج منها بزعمه، حتى يقول: «والمسلمون يؤمنون بها، حتى ظهر علم الأرواح بأمريكا أولا، ثم بسائر أوربة ثانيا ...» (٣)؟!!\n_________\n(١) انظر ذلك في تفسير المراغي. في مطلع سورة النساء؟!\n(٢) انظر كلام الشيخ محمد عبده مطولا بتمامه في تفسيره ج ١ ص ٢٦٧ - ٢٦٨. لكنه نفى أن يكون هذا هو مراده ص ٢٧٠ - ٢٧٣ وبيّن أن مراده هو «أنها قوى أو أرواح منبثة فيما حولك وما بين يديك وما خلفك وأن الله ذكرها لك بما يعرفها سلفك ..؟!».\nلكن يظل هذا التأويل غير مقبول، لمخالفته أوصاف الملائكة وأعمالهم الواردة في الكتاب والسنّة.\n(٣) تفسير الجواهر ج ١ ص ٧١ وما بعده.","vol":"1","page":111},{"text":"وفي الحروف المقطعة أول سورة آل عمران الم يعقد بحثا طويلا عنوانه «الأسرار الكيميائية في الحروف الهجائية ..» أتى فيه بما يبعد عن العلم وعن فطرة العقل كذلك (١).\nولا نزال نوافى بمثل تكلفاته هذه في عصرنا هذا!!.\nنحن نقدر حرص الكاتبين على إظهار إعجاز القرآن والنهوض بالمسلمين في مدارج الرقي لكنهم أخطئوا الطريق، فليس الطريق إلى ذلك بمخالفة العلم في درسه ولا القرآن في أصول بحثه.\nوقد ظهرت ردود ومناقشات حول هذه القضايا كلها، لكن لم يظهر تفسير كامل ملتزم بمنهج التفسير في ذلك الوقت، يتضمن التفسير الصحيح في هذه الآيات الكثيرة.\nحتى إذا كان الربع الأخير من القرن الرابع عشر نشطت الدراسات القرآنية نشاطا عظيما، وظهرت دراسات تفسيرية لبعض السور أو الجوانب، كما ظهرت تفاسير متنوعة، ذات مناهج مبتكرة متعددة، فيها تجديد في عرض معاني كتاب الله، يعتمد أصول التفسير، ويعوّل على المصادر القديمة، ويلائم حاجة القارئ المعاصر في ضوء استقرار الحقائق العلمية، وانجلاء الغبار عن أخطاء السابقين، وإن كان بعضهم تأثر بأخطاء السابقين لكن الجملة يعتمد عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>وأهم أنواع التفسير المعاصرة ما يلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>الأول: التفسير المنهجي </span>(٢):\nومن أشهر كتبه المتداولة: «التفسير الواضح» للدكتور الشيخ محمد محمود حجازي.\n_________\n(١) المرجع السابق ج ٢ ص ١٠ - ١١.\n(٢) هكذا اخترنا تسميته، لما بينا من طريقته، وهي طريقة عامة في هذا العصر. أما التفسير التحليلي فيتميز بمزيد الدقة والعمق.","vol":"1","page":112},{"text":"وطريقة هذا التفسير أنه يتبع أصول التفسير وخطواته عند العلماء، لكنه ينظم هذه الخطوات في فقرات منفصلة هكذا: أسباب النزول، مناسبة الآية لما قبلها، المفردات اللغوية، الإعراب وأثره في المعنى، البلاغة، المعنى العام، ثم ما يستنبط من النص من الفوائد، مع مراعاة سلاسة الأسلوب ووضوحه، ومزج فيه التفسير بالمعاني العلمية والتوجيهات الاجتماعية والاستنباطات.\nلكن المؤلف كثيرا ما يخالف ما عليه الجمهور، دون أن يظهر مبرّر لعمله ذلك (١).\nوعلى كل فالكتاب هام وسهل لعامة القراء، ومفيد، يلائم بث روح النهوض في المسلم، وإيقاظ وعيه للعلوم والثقافات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>الثاني: التفسير الأدبي الاجتماعي:</span>\nوهو تفسير يبرز إعجاز القرآن ويعتمد في عرض معانيه على الأسلوب الأدبي الجذّاب ليصل إلى القارئ بما يريد من التأثير والتوجيه.\nوقد لفت هذا التفسير الوحيد إليه الأنظار، لأنه استطاع أن يملك ناصية البيان الأدبي في عرض المعاني، وناصية الذوق الأدبي في فهم أسرار إعجاز القرآن، ثم في المنطلق المعاصر الذي عني به وهو إبراز إعجاز القرآن في فن التصوير حتى استطاع أن ينال الاعتراف به والإعجاب، إذ سبق وبادر لإثبات إعجاز القرآن وفق مقياس أدبي فنّي حديث: هو فن التصوير، وأن يقدم تفسيرا\n_________\n(١) مثل تفسيره النَّازِعاتِ ... بالكواكب، خلافا للجمهور، وخلافا لظاهر قوله تعالى فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا.\nومثل تفسيره الْعِشارُ عُطِّلَتْ السحاب. وتعطيلها منعها من حمل الماء، وقيل: «هي النياق أتى على حملها عشرة أشهر ...». فعبر بقيل عن التفسير الذي هو ظاهر اللغة ورأي أكثر الناس، ولم يبين سبب اختياره؟! مع أنه لا إشكال على المعنى الظاهر، لأنه يشير إلى اشتغال الناس بداهية القيامة عن أنفس أموالهم، وكانت العشار أعزّ أموال العرب عليهم.","vol":"1","page":113},{"text":"كاملا للقرآن يبرز فيه مصداق هذه النظرية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>الثالث: التفسير العلمي:</span>\nهو التفسير الذي يجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية من القرآن الكريم (٢).\nوقد أخذ هذا النوع من التفسير اهتماما عظيما لدى المثقفين في الآونة الأخيرة، وذلك لما كشف عنه تقدم العلم من إعجاز القرآن، وتصديقه الحقائق العلمية، على حين قضى تقدم العلم بالبطلان على التراث الديني لدى الأمم الأخرى. وزاد ذلك الاهتمام ضعف ملكة الدارسين الأدبية، فضلا عن أن القسم الأعظم من المسلمين ليسوا من العرب.\nلكن وقع من بعض الكاتبين غلو وجنوح في هذا التفسير مما سبق أن حذرنا منه، وأوضحناه بالأمثلة. وأتينا في بحث الكون في القرآن على تفاصيل وشروط يجب أن تتبع في هذا التفسير.\nومما يذكر من المؤلفات في هذا الباب: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة. للدكتور موريس بوكاي (٣). وآيات الله في الآفاق.\nللأستاذ الشيخ محمد وفا أميري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>الرابع: التفسير العام:</span>\nهو تفسير يعرض مقاصد الآيات ومعانيها، دون دخول في تفاصيل المفردات وجزئيات المعنى.\nوقد احتل هذا التفسير مكانة كبيرة في الأوساط العامة، وأصبح عمدة في الخطب والمقالات، والأحاديث والبحوث الإسلامية الثقافية.\n_________\n(١) انظر ما سيأتي في الفصل الخاص بالتصوير في القرآن.\n(٢) بتصرف عن التفسير والمفسرون ج ٣ ص ١٤٠.\n(٣) على تحفظ من آرائه في الحديث النبوي تعرضنا لها في كتابنا: «السنّة المطهرة والتحديات» فارجع إليه.","vol":"1","page":114},{"text":"لكن كثر دخول من ليس من أهل التفسير فيه، وكثر الخطأ فيه، حتى ربما أدخل كثيرون في تفسير الآية أشياء لا علاقة لها بالآية، فضلا عما هو أشد من ذلك.\nوالذي يجب أن يتنبّه له كلّ باحث أو محاضر أو خطيب أو داعية أن يعلم أنه مطالب بمراعاة أصول التفسير وقواعده، ليكون ما يعرضه على الناس من التفسير العام حصيلة دراسة مبنية على المنهج السليم، فيحوز أجر المبلّغين لكتاب الله وعلومه، وينجو من الوعيد الشديد الذي عرفناه فيمن تكلم في القرآن برأيه.\nولعل أهم ما صنّف كتفسير في هذا النوع: تفسير القرآن الكريم، لفضيلة أستاذنا الشيخ محمود شلتوت ﵀ شيخ الأزهر الأسبق، وشمل فيه الأجزاء العشر الأولى فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>الخامس: التفسير الموضوعي:</span>\nوهو تفسير يدرس القضايا بحسب دلالة الآيات القرآنية في القرآن كله.\nأو بحسب مقصد سورة منه (١).\nوقد عني المعاصرون بالتفسير الموضوعي، لملاءمته حاجة العصر ودراسة القضايا الحديثة. ومن الكتب الهامة المفيدة فيه كتابا «هدي القرآن إلى الحجة والبرهان» و«هدي القرآن إلى معرفة العوالم والتفكر في الأكوان» كلاهما لفضيلة أستاذنا الشيخ عبد الله سراج الدين. وكتاب «نبوة محمد ﷺ في القرآن» للدكتور حسن ضياء الدين عتر.\nوهكذا جاءت جهود المعاصرين بأساليب مبتكرة في التفسير، تلبي حاجة العصر، وتبرز إعجاز القرآن في أسلوبه ومضمونه وفي هدايته، وخصوصا تلك التي التزمت منهج التفسير الذي قرره العلماء.\n_________\n(١) قارن تعريفنا هذا بالتعاريف الواردة في كتاب «مباحث في التفسير الموضوعي» للدكتور مصطفى مسلم ص ١٦. وانظر الكتاب كله لفائدته.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الفصل الثاني عشر ترجمة القرآن الكريم وحكمها</span>\nهذا موضوع حاق، والحاجة لبحثه ضرورية. فقد انتفع بفهم معاني القرآن أقوام فآمنوا، وازداد آخرون إيمانا، وضلّ قوم بسوء ما فسّر لهم القرآن بغير لغته، وصدهم ذلك التحريف لمعانيه عن الإيمان.\nونرى لزاما علينا لبحث الموضوع بحثا علميا منهجيا أن نقسم الترجمة إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>القسم الأول: الترجمة الحرفية</span>.\nالقسم الثاني: الترجمة التفسيرية.\nالقسم الأول: الترجمة الحرفية\nالترجمة الحرفية: هي أن يترجم نظم القرآن بلغة أخرى، ترجمة تحاكيه حذوا بحذو، بحيث تحلّ مفردات الترجمة محل مفرداته، وأسلوبها محل أسلوبه.\nوهذه الترجمة مستحيلة في حق القرآن العظيم وذلك لسببين أساسيين:\nأولهما: كونه معجزة للبشر لا يقدرون على الإتيان بسورة مثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.\nالثاني: إنه هداية تؤخذ منه الأحكام، وتستنبط الفوائد والتوجيهات، وهذا الاستنباط لا يؤخذ فقط من المعاني الأصلية التي يسهل فهمها والتعبير","vol":"1","page":116},{"text":"عنها بلغات أخرى، بل إن كثيرا من الاستنباطات إنما يستفاد من المعاني الثانوية، مثل إشارة النص، ودلالة النص، إلى آخر ما هنالك، ومن غير الممكن أن يحافظ في الترجمة على المعاني الثانوية هذه، لأنها لازمة للقرآن لا تنتقل إلى اللغات الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>القسم الثاني: الترجمة التفسيرية</span>\nالترجمة التفسيرية أو المعنوية: هي شرح الكلام بلغة أخرى على قدر طاقة الإنسان. فهي في الواقع تفسير لمعاني القرآن لكنه مكتوب بلغة غير لغة القرآن. بأن نفهم المعنى المراد من النص قدر طاقتنا ثم نعبر عنه باللغة المترجم إليها على وفق الغرض الذي سيق له.\nوهذه ولا شك ممكنة، لا يماري فيها أحد.\nويمكن أن نتبين الفرق بين الترجمة الحرفية والترجمة المعنوية التفسيرية بالتطبيق العلمي على مثال هو هذه الآية: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (١).\nلو أراد المترجم أن يترجم هذه الآية الكريمة ترجمة حرفية، لقال بلغة أخرى: «لا تربط يدك إلى عنقك ولا تمدها غاية المد ..». وهذا تعبير بعيد عن المقصود الحقيقي للآية، يثير استنكار القارئ غير العربي، لأنه مثير للاستغراب، ولا يفهم منه المعنى الذي قصده القرآن وما فيه من التشبيه البليغ.\nأما إذا أراد ترجمتها ترجمة تفسيرية فإنه يبين نهي القرآن عن الضدين:\nالتقتير والتبذير، وقد عرضهما القرآن مصوّرين صورة شنيعة ينفر منها الإنسان، فإن الكلام الذي فسّر به معنى الآية باللغة الأخرى يكون مفهوما للقارئ الأعجمي، ومقبولا عنده ومؤثرا فيه. وشتان ما بين العملين، وما أبعد ما بينهما.\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية ٢٩.","vol":"1","page":117},{"text":"وهذه شهادة منصفة من رجل متمكن من اللغة العربية ولغته الفرنسية، هو المستشرق الفرنسي الدكتور ماردريس، فقد كلفته وزارة الخارجية والمعارف الفرنسيتان بترجمة ٦٢ سورة من السور الطوال، فحاول جهده، وقال في مقدمة ترجمته هذه (١):\n«أما أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالق جلّ وعلا، فإن الأسلوب الذي ينطوي على كنه الكائن الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيا ..\nلذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان أداء تأثير هذا النثر البديع الذي لم يسمع بمثله بلغة أخرى، وخاصة الفرنسية القاسية الضيقة التي لا تتسع للتعبير عن الشعور .. زد على ذلك أن اللغة الفرنسية ومثلها جميع اللغات العصرية ليست لغة دينية، وما استعملت قط للتعبير عن الألوهية» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>حكم الترجمة التفسيرية:</span>\nإن تفسير القرآن الكريم علم جليل، وهو من العلوم التي فرض الله على الأمة تعلمها وتعليمها، والترجمة التفسيرية هي تفسير للقرآن الكريم بلغة أخرى غير اللغة العربية، فكانت هذه الترجمة فرضا مما فرضه الله تعالى على الأمة، بل هي الآن أكثر فرضية لما يترتب عليها من الواجبات المحتمة، مثل تبليغ معاني القرآن على وجه صحيح إلى المسلمين غير العرب، وكذلك إلى غير المسلمين أيضا، ومثل المحافظة على العقيدة الإسلامية من التحريف الخاطئ أو المعتمد الذي كثر فيما يسمى ترجمات القرآن، مما يشوّش عقيدة قارئها المسلم، ويصد غير المسلم عن دين الله تعالى، وكذلك الدفاع عن القرآن بكشف أضاليل المبشرين والمستشرقين الذين تعالت أصوات الشكايات من دسهم وتزييفهم.\n_________\n(١) الصادرة سنة ١٩٢٦. كما في المعجزة الخالدة ص ١٨٦ - ١٨٧ عن الوحي المحمدي ص ٢١ - ٢٢.\n(٢) هذا هو حال اللغة العربية قبل نزول القرآن، كما يلاحظ من دراسة الأدب الجاهلي، لكن إعجاز القرآن هو الذي جعلها لغة دين وإيمان بأقصى تفاصيل إيمانية وإلهية لا توجد في دين آخر، كما جعلها لغة العلوم والمعارف.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>شروط الترجمة التفسيرية:</span>\nولتكون الترجمة التفسيرية ترجمة صحيحة ومؤدية للغرض المطلوب، وبعيدة عن أي ضرر فقد اشترط العلماء المعاصرون في إعدادها وطبعها الشروط التالية:\n١ - أن تكون مستوفية شروط التفسير التي سبقت. وذلك يوجب على المترجم استحضار معنى الأصل من تفسير عربي مستوف لتلك الشروط. أما إذا استقل برأيه ولم يكن أهلا لذلك، أو اعتمد على تفسير غير مستوف للشروط فلا تكون هذه الترجمة صحيحة ولا جائزة. وينطبق عليها الوعيد الشديد والإثم الأكيد فيمن قال في القرآن برأيه المجرد.\n٢ - أن يكون المترجم بعيدا عن الميل إلى أي عقيدة زائغة تخالف عقيدة القرآن، وهذا شرط في الأصل التفسيري أيضا كما هو معلوم.\n٣ - أن يكون المترجم عالما باللغتين: المترجم منها والمترجم إليها معرفة خبرة بأسرارهما، وعلم دقيق بوجوه وضع اللغة، وطرق الأساليب، واختلاف الدلالة بحسب الأسلوب في كل من اللغتين.\n٤ - أن يراعى في طباعة الترجمة التفسيرية اشتمال الطبعة على القرآن أولا، ثم تفسيره العربي ثانيا، ثم يتبع ذلك بترجمته التفسيرية، حتى لا يتوهم متوهم أن هذه ترجمة حرفية للقرآن.\nوالجدير بالذكر أن بعض البلاد الإسلامية طبعت المصاحف محاطة بتفسير باللغة المحلية في هامش المصحف، كما فعل الإيرانيون والباكستانيون، وليت هذا التفسير يكتبه أولا فريق من العلماء أهل الاختصاص إذن لكان العمل أسلم وأجدى (١).\n_________\n(١) انظر التوسع في الموضوع: في منهج الفرقان في علوم القرآن لمحمد علي سلامة ج ٢ ص ٧١ - ٩٠ ومناهل العرفان ج ٢ ص ٦ - ٢٥ وديباجة ابن قتيبة لكتابه تأويل مشكل القرآن، والتفسير والمفسرون ج ١ ص ٢٣ - ٣٠ والمعجزة الكبرى ص ٦١١ - ٦١٩ وغيرها.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>الفصل الثالث عشر المحكم والمتشابه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الاحكام لغة:</span>\nالإتقان البالغ، ومنه البناء المحكم الذي أتقن فلا يتطرق إليه الخلل أو الفساد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>وأما المتشابه: فهو في أصل اللغة:</span>\nمن الشبه وهو التماثل بين شيئين أو أشياء. ولما كان التماثل بين الأشياء يؤدي إلى الشك والحيرة، ويوقع في الالتباس توسعوا في اللفظ، وأطلقوا «متشابه» و«مشتبه» على كل ما غمض ودقّ.\nوكما توسعوا في المتشابه توسعوا في «المشكل» فصار كما قال ابن قتيبة «يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل».\nويمكن أن نلحق بهذين النوعين نوعا ثالثا هو المبهم، وهو مأخوذ من الإبهام، والمراد به ما أغفل ولم يعيّن فيه الفرد أو الشخص مع فهم المعنى، مثل: «رجل»، «امرأة».\nوبناء على الإطلاق اللغوي للمحكم والمتشابه وهو إطلاق شامل واسع فإن بوسعنا أن نفهم استعمال القرآن هذين اللفظين بإطلاقات متعددة ولمعان متنوعة، وصف فيها القرآن بالإحكام ووصف بالتشابه:\nلقد جاء وصف القرآن كله بالإحكام في أكثر من موضع من القرآن، كما وصف بالحكمة أيضا:","vol":"1","page":120},{"text":"قال تعالى في أول سورة هود: الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ.\nفوصف الله تعالى القرآن بأنه كِتابٌ عظيم الشأن جليل القدر، وعبر بالإحكام في قوله: أُحْكِمَتْ عن الإتقان للإشارة إلى أنه متكامل العظمة من الناحية الإيجابية بإتقانه البالغ، نظما ومعنى ومن الناحية السلبية فلا يتطرق إليه دخل ولا خلل لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ.\nكذلك وصف القرآن كله بأنه متشابه، في قوله تعالى في سورة الزمر (١):\nاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ. ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ.\nفقد جاء مدح القرآن هنا بأنه متشابه أي يشبه بعضه بعضا في الحسن والإعجاز، ويصدق بعضه بعضا مَثانِيَ يردد فيه القول، أو يذكر الشيء وضده، كذكر المؤمنين ثم الكافرين، وكصفة الجنة ثم صفة النار، وهكذا ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المحكم والمتشابه اصطلاحا:</span>\nوليس موضوع هذا البحث تفصيل أوجه الإحكام والتشابه اللذين وردا فيما سبق، وإنما موضوع البحث وصف القرآن حسبما ورد النص فيه صراحة في سورة آل عمران في هذه الآية من مطلعها:\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.\n_________\n(١) الآية ٢٣.","vol":"1","page":121},{"text":"فقد دلّت الآية على أنّ من القرآن ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، فما هو المراد بهما هاهنا؟\nلقد تعددت الآراء في تعريف المحكم والمتشابه المذكورين في هذه الآية وكان السبب في ذلك اختلاف الوجهة التي ينظر منها صاحب كل رأي.\nولعلنا إذا نظرنا إلى سياق الآية نخلص إلى ترجيح رأي الإمام الطيبي.\nالمحكم: هو الواضح المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال.\nوالمتشابه: هو الذي طرأ عليه خفاء في المعنى المراد منه (١).\nفإن سياق الآية يؤيد هذا، لأنه تعالى جعل المحكم مقابلا للمتشابه، فينبغي أن يفسّر بما يقابله، وأشار إلى أن المتشابه يحتاج إلى تأويل، الأمّ فيه أي المرجع والأصل الذي يجب التعويل عليه هو المحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>هل يمكن تفسير المتشابه:</span>\nوبالنظر لغموض المتشابه وخطورة البحث فيه لكونه بحثا في كلام الله تعالى اختلفت الآراء فيه، هل هو مما يمكن الاطلاع على علمه، أو لا يمكن الاطلاع على علمه، ولا يعلمه إلّا الله.\nوقد أرجعوا السبب في هذا الاختلاف إلى الاختلاف في آية آل عمران السابقة وقوله تعالى فيها: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ....\nفذهب بعض أهل العلم إلى أن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه، وفسروا الآية على أن قوله وَالرَّاسِخُونَ معطوف على قوله إِلَّا اللَّهُ وقوله يَقُولُونَ في محل نصب حال، ولا يقف هؤلاء على لفظ الجلالة اللَّهُ، بل على قوله رَبِّنا. والمعنى أن الله هو الذي يعلم تأويله وكذا الراسخون في العلم حال كونهم قائلين آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، وتكون الآية دالة\n_________\n(١) انظر رأي الطيبي في الإتقان ج ٢ ص ٤.","vol":"1","page":122},{"text":"على أن الراسخين في العلم أي الثابتين المتمكنين فيه يعلمون تأويله.\nوذهب كثير من أئمة العلماء المتقدمين والمتأخرين إلى أن المتشابه لا يطلع على علمه إلا الله تعالى، واستدلوا بالآية نفسها كذلك وقالوا: إن قوله تعالى: إِلَّا اللَّهُ نهاية الكلام السابق والوقوف في القراءة عليه، وقوله:\nوَالرَّاسِخُونَ مبتدأ، وجملة يَقُولُونَ في محلّ رفع خبر، والمعنى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ثم استأنف ويقول الراسخون في العلم آمنا به كل من عند ربنا، أي كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا ﵎، لا نفرق بينهما في الإيمان والخضوع، وكل واحد منهما يصدق الآخر، وليس شيء من عند الله بمختلف ولا بمتناقض.\nوقد وردت آثار تشهد لهذا الرأي، منها ما أخرجه عبد الرزاق والحاكم في المستدرك عن ابن عباس أنه كان يقرأ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ... (١).\nفهذا خبر بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن يدل على أنه يفسر الآية هكذا، وهو دليل على أن الواو في قوله: وَالرَّاسِخُونَ للاستئناف.\nويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذمّ متبعي المتشابه، وعلى مدح الذين فوّضوا العلم إلى الله وسلّموا إليه، كما مدح المؤمنين في مواضع كثيرة بأنهم يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>التحقيق في المسألة:</span>\nونحن إذا أمعنا النظر في الموضوع من أصله، وبحثنا منطلقات الفريقين نجد أنهما متقاربان، وأن الخلاف ليس جوهريا، وإنما هو خلاف فرعي ناشئ عن اختلافهم في حقيقة المتشابه.\nوذلك أن الذين قالوا لا يعلم المتشابه إلا الله أدخلوا في المتشابه قضايا من الغيب مثل قيام الساعة، وخروج الدجال، وحقائق العوالم الأخرى. بل\n_________\n(١) الإتقان ج ٢ ص ٣ وانظر الطبري ج ٦ ص ٢٠٢ وابن كثير ج ٢ ص ٨.","vol":"1","page":123},{"text":"إن منهم من قصر المتشابه على هذه القضايا ونحوها من مبهمات القرآن.\nوهذه أمور قد استأثر الله بعلمها، لا خلاف في ذلك بينهم إطلاقا.\nوأما الذين قالوا إن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه فلم يدخلوا فيه هذه القضايا، فبقي الموضوع في إطار ما يمكن بحثه لهذه النخبة من أئمة العلم والدين.\nوثمة أمر آخر له أثره في اختلاف الآراء، هو تحديد حقيقة التأويل، أو بعبارة أخرى المدى الذي يبلغه التأويل، وفي هذا يقول الإمام المفسر ابن كثير (١):\n«ومن العلماء من فصّل في هذا المقام فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان:\nأحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه ... ومنه قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ. يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ .. أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة إِلَّا اللَّهُ، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله ﷿ ..\nوأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء، كقوله: نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أي بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.\nلأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه ...».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>كيف نفسر المتشابهات:</span>\nلما كانت المتشابهات تقع في القرآن الكريم في موضوعات متعددة فإنها\n_________\n(١) في تفسيره ج ٢ ص ٨ باختصار وتصرف يسير.","vol":"1","page":124},{"text":"تنقسم إلى أكثر من قسم نكتفي منها هنا بأهم ما يجب على دارس القرآن، وهو<span data-type=\"title\" id=toc-174> متشابه الصفات:</span>\nمتشابه الصفات:\nالمراد من «متشابه الصفات» الآيات المشكلة الواردة في شأن الله تعالى، مما قد يوهم من لم يتمعن الكلام تشبيها لله تعالى بخلقه، كقوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى، وقوله يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وغير ذلك، وتسمى أيضا «آيات الصفات».\nوقد اختلفت الآراء في هذه المسألة بما يمكن حصر المقبول منه في هذين المذهبين المشهوري:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>المذهب الأول: مذهب السلف:</span>\nوهو تفويض علم حقيقة معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده، مع اعتقاد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة في حقه تعالى.\nواستدلوا لمذهبهم بأدلة من النقل والعقل:\nأما أدلة النقل فمنها حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال في الآية السابقة: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم متفق عليه (١).\nوعن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر عليهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أخرجه الطبراني (٢).\nوكذلك سار الصحابة والتابعون حيث تركوا الاشتغال بتأويل المتشابه وفوضوا علم حقيقته إلى الله تعالى، مع اعتقاد تنزيهه عن التعطيل والتشبيه والتجسيم.\n_________\n(١) البخاري في التفسير ج ٦ ص ٣٤ ومسلم في العلم ج ٨ ص ٥٦.\n(٢) الإتقان ج ٢ ص ٣.","vol":"1","page":125},{"text":"وأما دلالة العقل فلأن تعيين المراد من هذه المتشابهات إنما يكون بتأويل نتبع فيه قواعد اللغة وأسلوب العرب، وهي لا تفيد العلم اليقيني القاطع، بل قد تحتمل أكثر من وجه، وصفات الله تعالى من العقائد لا بد فيها من اليقين، لذلك نتوقف، ونفوض إلى الله تعالى.\nومن هنا قالوا: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى المراد معنى يليق بجلاله تعالى لا يشبه صفاتنا، الله أعلم بحقيقته، وكذلك يقولون في غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>المذهب الثاني: مذهب الخلف:</span>\nوهو تأويل هذه الآيات بما يناسب استعمالات اللغة مما يليق بكمال الله تعالى وتقدسه.\nفيفسرون: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى بأن المراد: استولى مثلا ويَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بمعنى القدرة، وهكذا ...\nودليلهم أنه لما استحال أن يكون المعنى الظاهري مرادا، كان دليلا على أن المراد هو معنى مجازي، فنفسره وفق ما يفسر به كلام العرب، لأن القرآن عربي كما صرح القرآن بذلك في مواضع كثيرة فيجب الاعتماد على منهج فهم كلام العرب.\nوبالنظر في حقيقة الأمر نجد بين المذهبين اتفاقا في جوهر المسألة وأساسها، وهو:\n١ - الاعتماد فيها على الآيات المحكمات، التي سماها الله تعالى أُمُّ الْكِتابِ أي الأصل والمرجع وهي قاطعة في تنزيه الله عن مشابهة الخلق.\n٢ - صرف هذه النصوص عن ظواهر ألفاظها اللغوية المستحيلة، واعتقاد أن هذه الظواهر الموهمة للتشبيه غير مرادة قطعا، فالفريقان إذن متفقان في جوهر القضية، غاية الأمر أن السلف اكتفوا بالإجمال، وهو اعتقاد التنزيه عن هذه الظواهر، لكن دون تعيين التأويل المراد، أما الخلف فقد خطوا خطوة","vol":"1","page":126},{"text":"ثانية وهي تفسير تلك النصوص حسبما يتبادر منها وفق استعمالات كلام العرب.\nوقد تاه أقوام في فهم مذهب السلف، وأتوا في تعريفهم به بعبارة موهمة فقالوا:\nإن المراد من هذه الآيات المتشابهة في الصفات هو معناها الحقيقي على وجه يليق به تعالى.\nوهذا تعبير منتقد من حيث اللفظ والمعنى:\nأما انتقاده من حيث اللفظ فلأن السلف لم يأتوا بكلمة «حقيقة»، وهذا باب دقيق يجب التقيد فيه بالعبارات المنقولة تماما، فكيف نقحم على كلامهم ما لم يقولوا؟! وأما انتقاده من حيث المعنى: فلأن قولهم «المراد معناها حقيقة» يوهم تشبيه الله تعالى بخلقه، وقولهم «على وجه يليق به» ينافي ذلك، فصارت العبارة متناقضة موهمة، حتى وجدنا كثيرا ممن نظر في كلام أصحاب هذا الرأي أو اعتقده يتجه فهمه إلى التشبيه من حيث لا يشعر.\nوإنّ من نظر في سياق تلك الآيات الواردة من متشابه الصفات وتمعن في الغرض الذي سيقت له علم بعدها عن إرادة المعنى الظاهري، واستحالة تفسيرها به.\nتأمل قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ. وقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وقوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ. وقوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، تعلم أن هذه الآيات وردت في مقام بيان قدرته تعالى، ووردت فيها اليد مفردة ومثناة وجمعا، مما يدل على استحالة إرادة المعنى الظاهري.\nوحسبنا في هذا كلام الإمام الحافظ السلفي ابن كثير، قال في تفسير","vol":"1","page":127},{"text":"قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ (١): «أي الأمور كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يمنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصرف التام ...».\nوقال في تفسير آية: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٢): «أي هو حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله ﷺ».\nوقال في آية بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ (٣): «أي بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه».\nوهكذا الشأن في قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى: ما ورد هذا التعبير إلا في مناسبة بيان عظمة سلطانه تعالى، وأنه هو وحده المتصرف في الأكوان بقهره وجبروته كالأمثلة التالية:\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٢٤].\nالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [طه: ٥ - ٦].\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ [السجدة: ٤].\nقال الإمام ابن كثير في آية الأعراف (٤) ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ:\n«وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية ٧٣ وتفسير ابن كثير ج ٢ ص ٤٩.\n(٢) سورة الفتح، الآية ١٠ وتفسير ابن كثير ج ٧ ص ٣١٢.\n(٣) سورة المائدة، الآية ٦٤ وتفسير ابن كثير ج ٣ ص ١٣٨.\n(٤) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٤٢٢ وكذا قال في تفسير آية (٢) من الرعد ج ٤ ص ٣٥٢.\n«يمرّر كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل، تعالى الله علوا كبيرا».","vol":"1","page":128},{"text":"وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى الأذهان المشبّهين منفيّ عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.\nوهكذا سائر الآيات يفسرها السلف ﵃ على هذه الطريقة (١).\nوقد اتفقوا على وجوب تأويل الآيات الواردة في متشابه الصفات في بعض الأحوال مثل:\n١ - أن يكون للمتشابه تأويل واحد يفهم منه فهما قريبا، فيجب القول به إجماعا، وذلك كقوله سبحانه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، فهذه الآية ليس لها إلا تأويل واحد، هو الكينونة مع الخلق بالإحاطة بهم علما وسمعا وبصرا وقدرة وإرادة.\nقال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: «أي رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث أنتم، وأين كنتم من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو القفار الجميع في علمه على السواء ...» (٢).\n٢ - أنه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين ويرد طعن الطاعنين (٣).\nونقول أيضا: إنه إذا خيف من ترك التأويل سوء فهم الناس ووقوعهم في الزيغ وجب التأويل والأخذ بمذهب الخلف، وما أكثر ما يحتاج إليه في هذا الزمن الذي قل فيه العلم وكثر الجهل، وشاعت في أوساط المتعلمين أساليب التفكير العامّيّة، وطرق التصور السطحية.\n_________\n(١) انظرها في مواضعها من تفسير ابن كثير.\n(٢) ج ٨ ص ٣٤.\n(٣) انظر هاتين المسألتين في مناهل العرفان ج ٢ ص ١٨٢.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>لماذا ورد المحكم والمتشابه:</span>\nلقد أشار القرآن الكريم إلى بعض الحكم والأسرار الكامنة في ورود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم في هذه العبارة: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ....\nفتضمن هذا النص حكما علمية وعملية توسع العلماء في بحثها، نورد نبذا منها فيما يلي:\nأولا: أن الله سبحانه احتج على العرب بالقرآن، إذ كان فخرهم ورياستهم بالبلاغة وحسن البيان، والإيجاز والإطناب، والمجاز والكناية، والإشارة والتلويح، وهكذا فاشتمل القرآن كذلك على هذه الفنون.\nثانيا: أنزله الله سبحانه اختبارا ليقف المؤمن عنده، ويرده إلى عالمه فيعظم به ثوابه، ويرتاب به المنافق فيستحق العقوبة، ولم يضرهم جهلها ولو افتقروا إلى علمه لم يطوه عنهم، كما اختبر قوم طالوت بالماء فقال: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فكما جاز ترك الأغراض في هذا وأن لا يقال ما العلة في هذا، فكذلك يؤمر بالمتشابه، ولا يقال: لم لم يكشف معانيها ولم يوضحها.\nثالثا: أنزل المتشابه لتشغل به قلوب المؤمنين، وتتعب فيه جوارحهم وتنعدم في البحث عنه أوقاتهم، ومدد أعمارهم، فيحوزوا من الثواب حسبما كابدوا من المشقة، والأثرة له على غيره مما يعمل لربه، كما تعبدهم بالصلوات، والصيام، والحج من المنازل إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وغيرها من الشرائع.\nوهكذا كانت المتشابهات ميدان سباق تنقدح فيه الأفكار والعلوم لما ذكرنا من الحكم في ورودها في القرآن (١).\n_________\n(١) أخذناها عن مقدمة كتاب المباني باختصار وتصرف ص ١٧٧ - ١٨٢ وانظر مشكل القرآن للإمام ابن قتيبة ص ٦٣ وما بعد، ومناهل العرفان ج ٢ ص ١٧٨ - ١٨١.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>الفصل الرابع عشر الناسخ والمنسوخ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>تعريف النسخ:</span>\nالنسخ في اللغة يطلق بمعنيين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>المعنى الأول:</span>\nالإبطال والإزالة، كقولهم نسخت الشمس الظل:\nأزالته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>المعنى الثاني:</span>\nالنقل، ومنه نسخت الكتاب أي نقلته من كتاب آخر.\nوالمراد بالنسخ بالاصطلاح الشرعي: رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر (١).\nوهذا العلم هام لدارس القرآن الكريم، وقد قال الأئمة: «لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ» (٢).\nوقد قال علي بن أبي طالب لقاض: «أتعرف الناسخ من المنسوخ؟\nقال: لا، قال: هلكت وأهلكت» (٣).\n_________\n(١) انظر تعريف النسخ والتوسع في شرحه في الاعتبار للحازمي ص ٧ - ٩.\n(٢) الإتقان ج ٢ ص ٢٠.\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>أقسام النسخ:</span>\nوقد قسموا النسخ عدة تقسيمات، أهمها بالنسبة لدراستنا هنا هذه الأقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>أ- نسخ الحكم مع بقاء التلاوة</span>\n، وهو أكثر الأقسام وقوعا، مثل نسخ آية العدة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ، فكانت العدة للمتوفى عنها زوجها حولا، ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>ب- نسخ القرآن بالقرآن</span>\nكما سبق ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>ج- د- نسخ القرآن بالسنّة أو العكس</span>.\nمثل نسخ استقبال بيت المقدس بالتوجه إلى القبلة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، فهذا نسخ للسنّة بالقرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>هـ- نسخ التلاوة مع بقاء الحكم</span>\nكما ورد عن عمر ﵁ أنه نزلت آية في رجم الزاني المتزوج، وقد نسخت التلاوة وبقي الحكم.\n\nونسخ الحكم والتلاوة معا\nمثل حديث السيدة عائشة: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نسخ بخمس رضعات معلومات يحرّمن، والجملة الأولى منسوخة التلاوة والحكم، أما الجملة الثانية فهي من منسوخ التلاوة فقط وحكمها باق عند الشافعية، ولم يعمل المالكية والحنفية بهذه الرواية من أصلها. ومما يؤيدهم في ذلك أن الرواية غير متواترة، ولا تثبت قرآنية شيء إلا بالتواتر، كما لا ينسخ القرآن إلا بالتواتر، وهذا الاعتراض يرد على ادعاء قرآنية آية الرجم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>حكمة وقوع النسخ:</span>\nيحتل النسخ مكانة هامة في تاريخ الأديان، لما كان يتحقق به من نقل الإنسان إلى الدين الذي يأتي به كل نبي بعد النبوات التي قبله، حتى جاءت","vol":"1","page":132},{"text":"شريعة الإسلام أكمل الشرائع وخاتمة الشرائع جميعا، فكان من حكمته سبحانه أن نسخ بها الشرائع والأديان السابقة كلها.\nوتفصيل هذا وشرحه: «أن النوع الإنساني تقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره، فالبشر أول عهدهم بالوجود كانوا كالوليد أول عهده بالوجود سذاجة وبساطة، وضعفا وجهالة، ثم أخذوا يتحولون من هذا العهد رويدا رويدا، ومروا في هذا التحول أو مرت عليهم أعراض متباينة، من ضآلة العقل، وعماية الجهل، وطيش الشباب، وغشم القوة على تفاوت في هذا بينهم، اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعا لهذا التفاوت.\nحتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه جاء هذا الدين الحنيف ختاما للأديان، ومتمما للشرائع، وجامعا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية ومرونة القواعد، جمعا وفّق بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات وأمم وشعوب وحيوان ونبات وجماد مما جعله بحق دينا عاما خالدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها» (١).\nلذلك لم يقع خلاف بين الأمم حول النسخ ولا أنكرته ملة من الملل قط، إنما خالف في ذلك اليهود، فأنكروا جواز النسخ عقلا، وبناء على ذلك جحدوا النبوات بعد موسى ﵇، وتذرعوا بذلك الزعم لإنكارهم نبوة عيسى ونبوة سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام.\nوأثاروا الشبهة فزعموا أن النسخ محال على الله تعالى، لأنه يدل على البداء، أي ظهور رأي بعد أن لم يكن، وكذا استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم، والبداء مستحيل في حق الله تعالى، لأنه واجب له تعالى لذاته وصف العلم المحيط بكل شيء من الأزل إلى الأبد.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n_________\n(١) مناهل العرفان ج ٢ ص ٩٠ - ٩١.","vol":"1","page":133},{"text":"١ - قال الإمام الغزالي (١) يرد هذه الشبهة محتكما إلى فهم معنى النسخ فقال: وهو عبارة عن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت المشروط استمراره بعدم لحوق خطاب يرفعه، وليس من المحال أن يقول السيد لعبده:\n«قم»، ولا يبين له مدة القيام، وهو يعلم أن القيام مقتضى منه إلى وقت بقاء مصلحته في القيام، ويعلم مدة مصلحته ولكن لا ينبه عليها، ويفهم العبد أنه مأمور بالقيام مطلقا وأن الواجب الاستمرار عليه أبدا إلا أن يخاطبه السيد بالقعود، فإذا خاطبه بالقعود قعد ولم يتوهم بالسيد أنه بدا له أو ظهرت له مصلحة كان لا يعرفها والآن قد عرفها، بل يجوز أن يكون قد عرف مدة مصلحة القيام وعرف أن الصلاح في أن لا ينبه العبد عليها ويطلق الأمر له إطلاقا حتى يستمر على الامتثال، ثم إذا تغيرت مصلحته أمره بالقعود.\n٢ - إن القرآن الكريم رد على خرافة هؤلاء في شأن النسخ في قوله تعالى في سورة البقرة: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nفبين أن مسألة النسخ ناشئة عن مداواة وعلاج مشاكل الناس، لدفع المفاسد عنهم وجلب المصالح لهم، لذلك قال: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، ثم عقّب فقال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.\n٣ - الاستدلال بوقوع النسخ بين شرائع الأنبياء من لدن آدم إلى موسى ﵇، واليهود يعترفون بذلك وبنبوة هؤلاء الأنبياء الذين نسخت شرائعهم أحكاما من شرائع أنبياء قبلهم، فلماذا يجحدون بنبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام متذرعين بزعم استحالة النسخ ...\nوقد ذكر العلماء من النسخ الذي وقع في الشرائع السابقة أمثلة: منها أنه أحلّ لآدم تزويج بناته من بنيه من بطن آخر ثم حرم ذلك. وأباح الله تعالى لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ثم نسخ حل بعضها. وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها،\n_________\n(١) في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد أول القطب الرابع ص ٩٩.","vol":"1","page":134},{"text":"فإن كانوا صادقين في إيمانهم بالتوراة فواجب أن يقروا بالنسخ، ويؤمنوا بالنبي ﷺ، وإلا فإنهم يكونون مكذبين للتوراة نفسها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>التأليف في الناسخ والمنسوخ:</span>\nهذا ولأهمية هذا العلم فقد عني به العلماء في تفاسيرهم، وفي كتب أحكام القرآن، فبينوا ما وقع من النسخ في بعض الآيات، بل أفرده بالتصنيف في كتب خاصة خلائق لا يحصون كما قال السيوطي (١)، منهم أبو عبيد القاسم بن سلّام، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس وابن الأنباري وابن العربي، ومكي ابن أبي طالب وآخرون».\nإلا أنا ننبه إلى أنه وقع توسع كثير من بعض العلماء في النسخ، فقالوا بنسخ آيات كثيرة لا دليل على نسخها، وكثير من ذلك من باب التخصيص لا النسخ.\nومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. ادّعي في هذه الآية وأمثالها أنها نسخت بآية فرض الزكاة. وليس ذلك بسديد لأن الآية عامة في النفقات الواجبة\nوالمندوبة والمباحة، وهي بهذا لا تعارض آية فرض الزكاة، فمن أين يأتي النسخ؟!!.\nومن أشهر الأمثلة وأهمها ادعاء أن آية السيف أي وجوب الجهاد قد نسخت: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ونحوها من الآيات كما نجده في تفسير الجلالين.\nوليس ذلك مقبولا، لأن آية الجهاد والشدة في حال علاقات الحرب، والآيات الأخرى تأمر بالإحسان ومكارم الأخلاق في حال السلم فكل من الآيات خاص بوقته المناسب له، وليس ذلك من النسخ.\nوغير ذلك مما يوجب التنبه والتحقق في هذا الأمر الخطير.\n_________\n(١) الإتقان ج ٢ ص ٢٠.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الفصل الخامس عشر الأحرف السبعة</span>\nيجد الدارس لهذا الموضوع في دراسته هنا تطبيقا لأصل عظيم من الأصول التي جاءت بها الشريعة، وهو مراعاة اليسر على الناس ورفع العسر والمشقة عنهم، وموضع اليسر هنا هو أن يسهل على العرب أخذ كتاب الله تعالى، والاهتداء بهداه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>تعريف الأحرف السبعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>تعريف الحرف لغة:</span>\nالحرف في أصل كلام العرب معناه الطرف والجانب، وحرف السفينة والجبل جانبهما، ومنه قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١).\nأي أن من الناس من لا يدخل في الدين دخول متمكن، فإن أصابه خير أي خصب وكثر ماله أو ماشيته اطمأن به، ورضي بدينه، وإن أصابته فتنة اختبار بجدب وقلة مال انقلب على وجهه أي رجع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>تعريف الأحرف السبعة اصطلاحا:</span>\nالأحرف السبعة سبعة أوجه فصيحة من اللغات والقراءات أنزل عليها القرآن الكريم.\n_________\n(١) سورة الحج، الآية ١١.\n(٢) من تفسير الزجاج وقال بنحوه ابن قتيبة في كتابه «تأويل مشكل القرآن» ص ٢٧ - ٢٨.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>بيان الأحرف السبعة في الحديث النبوي:</span>\nولما أن سبيل درس هذا الموضوع هو النقل الثابت الصحيح من الذي لا ينطق عن الهوى، ولا مجال للرأي والاجتهاد فيه إلا لحسن الفهم، والترجيح بين الآراء، وبتعرف الصواب من الخطأ، فإنا نقدم نخبة من الأحاديث الثابتة تلقي لنا الضوء على هذا الموضع فيما يلي:\nعن عمر بن الخطاب ﵁ قال:\n«سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ.\nفكدت أساوره في الصلاة فتصبّرت حتى سلّم، فلبّبته بردائه، فقلت:\nمن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ، قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ.\nفقلت له كذبت، أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ، فقلت إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ القراءة التي سمعته فقال رسول الله ﷺ: «كذلك أنزلت»، ثم قال رسول الله ﷺ: «اقرأ يا عمر»، فقرأت التي أقرأني، فقال: «كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه».\nمتفق عليه (١) عن أبيّ بن كعب ﵁ قال:\n«كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ. فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه.\n_________\n(١) البخاري ج ١ ص ١٨٤ ومسلم ج ٢ ص ٢٠٢ مختصرا.","vol":"1","page":137},{"text":"ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه. فأمرهما رسول الله ﷺ فقرءا، فحسّن النبيّ ﷺ شأنهما. فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في\nالجاهلية. فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأني أنظر إلى الله ﷿ فرقا.\nفقال لي: يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف. فرددت إليه أن هوّن على أمتي. فرد إليّ الثانية اقرأه على حرفين. فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فردّ إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ».\nأخرجه مسلم (١) وعن أبيّ بن كعب ﵁ أيضا:\n«أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار، قال: فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال:\nإن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا».\nأخرجه مسلم (٢)\n_________\n(١) صحيح مسلم في صلاة المسافرين (باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف) ج ٢ ص ٢٠٣ وانظر سنن أبي داود في الصلاة ج ٢ ص ٧٦ والنسائي في مفاتيح الصلاة (باب جامع ما جاء في القرآن) ج ٢ ص ١٥٣ وتفسير الطبري رقم ٣٣، ٣٨، ٨٩.\n(٢) صحيح مسلم في صلاة المسافرين ج ٢ ص ٢٠٣ - ٢٠٤، وأبو داود في الصلاة ج ٢ ص ٧٦. والنسائي في مفاتيح الصلاة ج ٢ ص ١٥٢ - ١٥٣ وتفسير الطبري الأحاديث ٣٤ و٣٥ و٣٦ و٣٧ و٤٦.","vol":"1","page":138},{"text":"عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:\n«أقرأني جبريل على حرف، فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف».\nمتفق عليه (١) ولمسلم عن ابن شهاب قال:\n«بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا، لا يختلف في حلال ولا حرام».\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ في قصة اختلافه مع بعض الصحابة في القراءة وأنه راجع النبي ﷺ وعنده عليّ بن أبي طالب فقال علي ﵁: «إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علّمتم». أخرجه الحاكم في المستدرك وأحمد والطبري وابن حبّان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>دلالة هذه الأحاديث على أصول الموضوع:</span>\nدلت هذه الأحاديث على جملة قواعد هامة نوضحها فيما يلي:\n١ - ثبوت التوسعة في إنزال القرآن على سبعة أحرف ثبوتا قاطعا، نظرا لصحة أسانيد الأحاديث الواردة في القضية صحة حازمة، بل إن الحديث بلغ درجة التواتر الذي يفيد اليقين، لكثرة أسانيده ورواته من الصحابة فمن بعدهم.\n٢ - إن القراءة بأي حرف من هذه الأحرف يلزم فيها اتباع التلقي عن النبي ﷺ.\n_________\n(١) البخاري في فضائل القرآن ج ٦ ص ١٨٤ وفي بدء الخلق (باب ذكر الملائكة) ج ٤ ص ١١٣ ومسلم في صلاة المسافرين ج ٢ ص ٢٠٢ والمسند ج ١ ص ٢٦٣ - ٢٦٤ و٢٩٩ و٣١٣ وتفسير الطبري حديث رقم ١٩.\n(٢) المستدرك في كتاب التفسير ج ٢ ص ٢٢٤ والمسند ج ١ ص ١٥٠ وتفسير الطبري حديث رقم (١٣).","vol":"1","page":139},{"text":"وأول ما يدل على ذلك هذا التعبير أُنْزِلَ الذي تواترت به الأحاديث فإنه يدل على أنه نزل به الوحي.\nويدل على ذلك أيضا دلائل كثيرة في نصوص الأحاديث، مما يدل على أن المعيار في قبول الحرف أو رده ليس هو عدم ألفته من السامع، ولا كونه لهجة غير مألوفة له، إنما الأساس في الموضوع كله هو السماع والتلقي عن رسول الله ﷺ أو عدم التلقي عنه.\nومما يدل على بطلان تفويض القراءة للقارئ بما يختاره من تلقاء نفسه أن ذلك يؤدي إلى ذهاب إعجاز القرآن وتعريضه لأن يبدّل، وذلك خلاف قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.\nثم إن التغيير والتبديل بمرادف أو بغير مرادف مرفوض بقوله تعالى في سورة يونس: قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. فإذا كان هذا ليس من حق النبي نفسه ﷺ، فكيف يسوّغ ذلك في حق أحد من الناس؟ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث السابق «هكذا أنزلت».\n٣ - تثبت عبارات الأحاديث المفصلة الواردة في الأحرف السبعة أصلا هاما يجب أن لا يغيب عن بال الباحث في تفسير الأحرف السبعة، وهو أنها وجوه في أداء الألفاظ فقط، أي كيفيات في القراءة، وجه الدلالة على ذلك أن الخلاف بين الصحابة في القراءة إنما وقع حول قراءة الألفاظ، ولم يكن اختلاف في تفسير المعاني، أنظر إلى قول عمر بن الخطاب: «فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ»، وهكذا سائر العبارات تشير إلى أن القضية كانت تدور حول كيفية قراءة الألفاظ، لا تفسير المعاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>الأحرف السبعة والقراءات السبع:</span>\nدلتنا النصوص التي درسناها ومحصنا دلالاتها على أن المراد بالأحرف","vol":"1","page":140},{"text":"السبعة سبع لغات نزل بها القرآن، ونود أن ننبه بأن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع المشهورة، التي يظن كثير من عامة الناس أنها الأحرف السبعة. وهو خطأ عظيم ناشئ عن الخلط وعدم التمييز بين الأحرف السبعة والقراءات.\nوهذه القراءات السبع إنما عرفت واشتهرت في القرن الرابع، على يد الإمام المقرئ ابن مجاهد الذي اجتهد في تأليف كتاب في القراءات، فاتفق له أن جاءت هذه السبعة موافقة لعدد الأحرف، فلو كانت الأحرف السبعة هي القراءات السبع لكان معنى ذلك أن يكون فهم أحاديث الأحرف السبعة بل العمل بها أيضا متوقفا حتى يأتي ابن مجاهد ويخرجها للناس ...\nوقد كثر تنبيه العلماء في مختلف العصور على التفريق بين القراءات السبع والأحرف السبعة، والتحذير من الخلط بينها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>ما هي حقيقة الأحرف السبعة:</span>\nإذا بحثنا بعد هذا عن حقيقة الأحرف السبعة بدقة نجد أمامنا مذاهب تجتهد في تفسير المراد بهذه الأحرف، وتحاول تبيين الاختلاف في كيفية أداء ألفاظ القرآن على الأوجه السبعة التي نزل بها القرآن، ولعل هذا الخلاف أن يكون مستغربا مع اتفاق أصحاب هذا المنهج على أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه في قراءة القرآن، وقد هدانا البحث إلى معرفة سبب هذا الاختلاف، وهو اختلاف الطريقة التي توصل إلى تحديد هذه الأحرف:\nذهب بعض العلماء إلى استخراج الأحرف السبعة باستقراء أوجه الخلاف الواردة في قراءات القرآن كلها صحيحها وسقيمها، ثم تصنيف هذه الأوجه سبعة أصناف، بينما عمد آخرون إلى التماس الأحرف السبعة في لغات العرب. فتكوّن بذلك مذهبان رئيسيان، نذكر نموذجا عن كل منهما فيما يلي:\n_________\n(١) انظر كلماتهم في النشر ج ١ ص ٣٦ و٣٩ و٤٠ و٤٦ وفتح الباري ج ٩ ص ٢٥.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المذهب الأول:</span>\nمذهب استقراء أوجه الخلاف في لغات العرب، وفي القراءات كلها ثم تصنيفها وقد تعرض هذا المذهب للتنقيح على يد أنصاره الذين تتابعوا عليه، ونكتفي هنا بأهم تنقيح وتصنيف لها فيما نرى، وهو تصنيف الإمام الرازي نسوقه فيما يلي:\nقال أبو الفضل عبد الرحمن الرازي:\n«فمن التأويلات التي يحتملها الخبر ولم يتقدم على نظامه تأويل هو أن كل حرف من الأحرف السبعة المنزلة جنس ذو نوع من الاختلاف».\n- أحدها: اختلاف أوزان الأسماء من الواحد والتثنية والجموع والتذكير والمبالغة وغيرها. ومن أمثلته: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ، وقرئ لأمانتهم بالإفراد.\n- والثاني: اختلاف تصريف الأفعال وما يسند إليه، نحو الماضي والمستقبل والأمر، وأن يسند إلى المذكر والمؤنث والمتكلم والمخاطب والفاعل والمفعول به.\nومن أمثلته: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا بصيغة الدعاء، وقرئ:\nربنا بعد فعلا ماضيا.\n- الثالث: وجوه الإعراب: ومن أمثلته: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ قرئ بفتح الراء وضمّها، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ برفع الْمَجِيدُ وجره.\n- الرابع: الزيادة والنقص: مثل: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى قرئ والذكر والأنثى.\n- الخامس: التقديم والتأخير: مثل: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، قرئ:\nفَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، ومثل: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، وقرئ:\nوجاءت سكرة الحق بالموت.\n- السادس: القلب والإبدال في كلمة بأخرى، أو حرف بآخر: مثل:","vol":"1","page":142},{"text":"وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها بالزاي، وقرئ: ننشرها بالراء.\n- السابع: اختلاف اللغات: مثل: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى تقرأ بالفتح والإمالة في أتى وموسى وغير ذلك من ترقيق وتفخيم، وإدغام ... وهكذا ...\nثم قال أبو الفضل الرازي: «... فهذا التأويل مما جمع شواذ القراءات ومشاهيرها ومناسيخها على موافقة الرسم ومخالفته، وكذلك سائر الكلام لا ينفك اختلافه من هذه الأجناس السبعة المتنوعة، فإن وافق هذا التأويل معنى الخبر (أي حديث الأحرف السبعة) حذوا بحذو فقد أصاب من أخذ به، وإن لم يوافقه فلا شك في دخول معنى الخبر تحت هذه الوجوه، وإن لم يكن مرتبا عليها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>المذهب الثاني:</span>\nإن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات قبائل العرب الفصيحة.\nوذلك لأن المعنى الأصلي للحرف هو اللغة، فأنزل القرآن على سبع لغات مراعيا ما بينها من الفوارق التي لم يألفها بعض العرب، فأنزل الله القرآن بما يألف ويعرف هؤلاء وهؤلاء من أصحاب اللغات، حتى نزل في القرآن من القراءات ما يسهل على جلّ العرب إن لم يكن كلهم، وبذلك كان القرآن نازلا بلسان قريش والعرب كما قال الإمام البخاري في صحيحه.\nوقال جماعة من العلماء: إنّ هذه اللغات هي لغات: قريش، وهذيل، وتميم، وأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر (٢).\nوالحاصل أن هذين المذهبين أقوى ما قبل في تفسير حقيقة الأحرف السبعة. ولا خلاف بينهما في النتيجة، لأن أحدهما يبين أوجه الاختلاف،\n_________\n(١) «الأحرف السبعة في القرآن» ص ١٠٠ نقلا عن كتاب أبي الفضل الرازي نفسه وهو مخطوط محفوظ في مكتبة الأوقاف بحلب. وانظر فتح الباري ج ٩ ص ٢٣ - ٢٤ ومناهل العرفان ج ١ ص ١٤٩.\n(٢) البرهان ج ١ ص ٢١٧.","vol":"1","page":143},{"text":"والثاني ما تنطبق عليه هذه الأوجه من لغات العرب. وهما يحققان ما وردت به الأحاديث من نزول القرآن على سبعة أحرف يقرأ بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>أين الأحرف الستة:</span>\nذلك ما تبين بالأدلة من حقيقة الأحرف السبعة، والقول الصحيح فيها الذي يجب أن لا يخرج عنه الباحث، فأين هي الأحرف السبعة، هل ما يقرأ به المسلمون من القراءات اليوم يشتمل على الأحرف السبعة ويحققها، أو أنه حرف واحد، وأين هي الستة الباقية إذن.\nيرى المحققون في هذا الموضوع كالإمام الباقلاني وغيره أن الأحرف السبعة باقية وأن المصاحف العثمانية التي استنسخها عثمان بن عفان ﵁ قد اشتملت على الأحرف السبعة جميعا.\nوهذه عبارات الإمام المحقق أبي بكر الباقلاني تلقي الضوء ساطعا على القضية، قال ﵀ ورضي عنه:\n«لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ﷺ، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه ...» (١).\n«... لأن القوم عندنا لم يختلفوا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول ﷺ التي لم يمت حتى علم من دينه أنه أقرأ بها، وصوّب المختلفين فيها، وإنما اختلفوا في قراءات ووجوه أخر لم تثبت عن الرسول ﵇، ولم تقم بها حجة، وكانت تجيء مجيء الآحاد وما لا يعلم ثبوته وصحته وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله:\n_________\n(١) انظر البرهان ج ١ ص ٢٣٥ وشرح صحيح مسلم للنووي ج ٦ ص ١٠٠.","vol":"1","page":144},{"text":"والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر (١). فَإِنْ فاؤُ (٢)، ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج (٣) ... فمنع عثمان من هذا الذي لم يثبت ولم تقم الحجة به، وأحرقه وأخذهم بالمتعين المعلوم من قراءات الرسول ﵇ ... (٤)».\n_________\n(١) أصل الآية حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ وورد عن بعض الصحابة زيادة «وهي صلاة العصر»، وهي قراءة تفسيرية، وقد ثبت عن النبي ﷺ تفسير الصلاة الوسطى أنها صلاة العصر.\n(٢) الآية أصلها في المرأة يحلف زوجها لا يقربها: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nوقراءة فِيهِنَّ تفسيرية.\n(٣) الآية في بيان بعض أحكام الحج، وجواز تعاطي التجارة ونحوها للمحرم بالحج، وقوله «في مواسم الحج» تفسير ليس من الآية.\n(٤) الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها ص ١٧٤ - ١٧٥ نقلا عن الانتصار للباقلاني مخطوط ج ١ ورقة ١١٣.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>الفصل السادس عشر القراءات والقراء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>تعريف القراءة:</span>\nالقراءة في اللغة: مصدر لقرأ.\nوفي الاصطلاح: «القراءات علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة» (١).\nوقولهم: كلمات القرآن: أي كلمة كلمة من أول القرآن إلى آخره، ببيان ما يندرج تحت قاعدة عامة، وما هو حالة خاصة. مثل السكوت اللطيف على عِوَجًا من الكهف.\nوقولهم: بعزو الناقلة: أي أن هذا العلم ثابت بالنقل الثابت المتواتر عن النبي ﷺ، لا مصدر له سوى النقل والتلقين الشفاهي.\nوالمقرئ: العالم بالقراءات، الذي رواها مشافهة بالتلقي عن أهلها إلى أن يبلغ النبي ﷺ، فلو حفظ كتاب «التيسير» في القراءات مثلا فليس له أن يقرأ بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلا، لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة» (٢).\n_________\n(١) منجد المقرئين لابن الجزري ص ٣. وانظر تعريفا آخر في مناهل العرفان ج ١ ص ٤٠٥.\n(٢) منجد المقرئين ص ٣.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>ضابط القراءة المقبولة:</span>\nولما كان النقل بعزو الناقلة يختلف قوة وضعفا بحسب حال الناقلة، فقد احتاج الأمر إلى ضابط تميز به القراءة المقبولة وغير المقبولة.\nوقد ضبط علماء القراءات القراءة المقبولة بقاعدة مشهورة متفق عليها بينهم، وهي:\n«كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت رسم أحد المصاحف ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة» (١).\nويتبين من هذا الضابط ثلاثة شروط يتوقف قبول القراءة على اجتماعها كلها وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>الشرط الأول: موافقة العربية ولو بوجه:</span>\nومعنى هذا الشرط أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه النحو، ولو كان مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، فلا يصح مثلا الاعتراض على قراءة حمزة: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ، بجر الأرحام بأنه عطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وهو خلاف مذهب البصريين، لأنا نقول إن الكوفيين يجيزون مثل هذا العطف، وهكذا ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>الشرط الثاني: موافقة خط أحد المصاحف ولو احتمالا:</span>\nوذلك أن النطق بالكلمة قد يوافق رسم المصحف تحقيقا، إذا كان مطابقا للمكتوب، وقد يوافقه احتمالا أو تقديرا باعتبار ما عرفنا أن رسم المصحف له أصول خاصة به تسمح بقراءته على أكثر من وجه.\nمثال ذلك: ملك يوم الدين رسمت ملك بدون ألف في جميع المصاحف، فمن قرأ ملك يوم الدين بدون ألف موافق للرسم تحقيقا، ومن قرأ مالِكِ فهو موافق تقديرا، لحذف هذه الألف من الخط اختصارا.\n_________\n(١) النشر بتصرف يسير ج ١ ص ٩.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الشرط الثالث: صحة السند:</span>\nوهو أن يروي القراءة عدل ضابط عن مثله إلى رسول الله ﷺ من غير شذوذ ولا علّة.\nويشترط في هذه القراءة أن تنال ثقة أئمة القراء الضابطين، بحيث تكون مشهورة لديهم متلقاة بالقبول عندهم.\nوقد يتساءل من لم يتمعّن حقيقة المسألة، كيف يكفي لقبول القراءة صحة السند مع أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر؟.\nوالجواب عن هذا التساؤل من أوجه كثيرة نكتفي منها بوجه هو أن القراءة ثابتة بنقل أهل المنطقة كلهم، لكن بحكم قانون الانتخاب الطبيعي يوجد أفراد يفوقون أهل عصرهم، حتى يكونوا مرجعا لهم، وكذلك شأن هؤلاء القراء فإن السند وإن اتصل بخبر صحيح ظاهرا، لكنه متواتر في الحقيقة، لذلك قالوا يشترط أن تنال ثقة الأئمة وتكون مشهورة بينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>أنواع القراءات حسب أسانيدها:</span>\nوبالنظر لما ذكرناه فقد قسّموا القراءات بحسب أسانيدها ستة أقسام، وبينوا حكم كل نوع ودرجته من حيث القبول أو الرد، وهذه الأقسام هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>الأول: المتواتر:</span>\nوهو ما نقله جمع غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهى السند، وهذا النوع هو غالب القراءات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>الثاني: المشهور:</span>\nوهو ما صح سنده واستوفى شروط القراءة الصحيحة واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ، وهذا تصح القراءة به، ولا يجوز رده، ولا يحل إنكاره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>الثالث: الآحاد:</span>\nوهو ما صحّ سنده وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور، وهذا لا تجوز القراءة به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>الرابع: الشاذ:</span>\nوهو ما لم يصح سنده ولو وافق رسم المصحف والعربية مثل قراءة: ملك يوم الدين، بصيغة الماضي في ملك ونصب يَوْمِ مفعولا.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>الخامس: الموضوع:</span>\nوهو المختلق المكذوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>السادس: ما يشبه المدرج من أنواع الحديث</span>\n، وهو ما زيد في القراءة على وجه التفسير كما نقل عن ابن عباس أنه قرأ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا. فكلمة صالحة ليست قرآنا، إنما هي تفسير.\nوهذه الأنواع الثلاثة الأخيرة لا تحل القراءة بها، بالأحرى والأولى إذا كانت قراءة الآحاد لا تجوز القراءة بها، ويعاقب من قرأ بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>القراءات المتواترة وقراؤها:</span>\nتلقى الصحابة القرآن من النبي ﷺ، وقرأت كل قبيلة القرآن كما تعلموه منه ﷺ. ثم خرجت كل قبيلة في الفتوحات في كتيبة أو كتائب مجتمعة إلى بعضها، واستقرت في البلاد تقرأ قراءتها، ويتلقاها الأبناء عن الآباء فكان لكل بلد أو قطر قراءته المتواترة جيلا عن جيل.\nوكان من الضروري والطبيعي أن يشتهر في كل عصر جماعة من القراء، في كل طبقة من طبقات الأمة، يتفوقون في حفظ القرآن وإتقان ضبط أدائه، والتصدي والتفرغ لتعليمه، من عصر الصحابة، ثم التابعين، وأتباعهم، وهكذا، وكان من القراء من بلغ الذروة في الإتقان والضبط، كما كان ثمة قراء دونهم، وآخرون ليسوا من أهل الإتقان، فقام العلماء بتمحيص هذه القراءات ودراسة أحوالها، وبينوا للناس المتواتر منها.\nواعتبارا من عصر التابعين انتشرت القراءات كثيرا فشعرت طائفة من أهل العلم بضرورة الاحتياط للقرآن وقراءاته، فنهض كل إمام بضبط القراءة عن الأئمة المقرئين وهكذا في العصور التالية، ثم أودعت تلك القراءات في مؤلفات خاصة، كما فعله أبو عبيدة ثم الطبري ومن جاء بعد ...\nثم جاء الإمام أحمد بن موسى بن العباس المشهور بابن مجاهد المتوفى سنة ٣٢٤، فأفرد القراءات السبع المعروفة فدونها في كتابه «القراءات السبع» فاحتلت مكانتها في التدوين وأصبح علمها مفردا يقصدها طلاب القراءات.","vol":"1","page":149},{"text":"وقد بنى اختياره هذا على شروط عالية جدا، فلم يأخذ إلا عن الإمام الذي اشتهر بالضبط والأمانة، وطول العمر في ملازمة الإقراء، مع الاتفاق على الأخذ منه، والتلقي عنه، فكان له من ذلك قراءات هؤلاء السبعة وهم:\n١ - عبد الله بن كثير الداري المكي المتوفى سنة ١٢٠ هـ.\n٢ - عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي المتوفى سنة ١١٨ هـ.\n٣ - عاصم بن أبي النّجود الأسدي الكوفي المتوفى سنة ١٢٧ هـ.\n٤ - أبو عمرو زبّان بن العلاء البصري المتوفى سنة ١٥٤ هـ.\n٥ - حمزة بن حبيب الزيات الكوفي المتوفى سنة ١٥٦ هـ.\n٦ - نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني المتوفى سنة ١٦٩ هـ.\n٧ - أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي الكوفي المتوفى سنة ١٨٩ هـ.\nوقد تابع العلماء البحث لتحديد القراءات المتواترة، حتى استقر الاعتماد العلمي واشتهر على زيادة ثلاث قراءات أخرى، أضيفت إلى السبع فأصبح مجموع المتواتر من القراءات عشر قراءات، وهذه القراءات الثلاث هي قراءات هؤلاء الأئمة:\n٨ - أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني المتوفى سنة ١٣٠ هـ.\n٩ - يعقوب بن إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ٢٠٥ هـ.\n١٠ - خلف بن هشام، المتوفى سنة ٢٢٩ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>شبهات بعض المستشرقين حول القراءات:</span>\nدأب بعض المستشرقين على محاولة التشكيك بالقرآن العظيم وتشويش أذهان الناس، ولما أن القرآن محوط بأعظم أنواع الحفظ والصيانة في نقله وأدائه بالسطور والصدور، كان سبيل هذه الشبهات هو المغالطة وتجاهل الحقائق الثابتة، كذلك فعل المستشرق جولد تسيهر في موضوع القراءات، قال جولد تسيهر (١): «وترجع نشأة قسم كبير من هذه الاختلافات إلى خصوصية\n_________\n(١) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٨.","vol":"1","page":150},{"text":"الخط العربي الذي يقدم هيكله المرسوم مقادير صوتية مختلفة تبعا لاختلاف النقط الموضوعية فوق هذا الهيكل أو تحته، وعدد تلك النقاط، بل كذلك في حال تساوي المقادير الصوتية، يدعو اختلاف الحركات الذي لا يوجد في الكتابة الغربية الأصلية ما يحدده إلى اختلاف مواقع الإعراب للكلمة، وهذا إلى اختلاف دلالتها، وإذن فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط أو اختلاف الحركات في المحصول الموحّد القالب من الحروف الصامتة كانا هما السبب الأول في نشأة حركة اختلاف القراءات في نص لم يكن منقوطا أصلا، أو لم تتحرّ الدقة في نقطه أو تحريكه» انتهى.\nكذلك يقول بعض الكاتبين المعاصرين: «وقد يدل بعضها- أي بعض الروايات- على تحريف بعض الكلمات القرآنية بمعنى قراءتها بشكل مختلف عن القراءة التي أنزلت على صدر رسول الله ﷺ، وهذا ينسجم مع الرأي الذي ينكر تواتر القراءات السبعة، ويرى أنها نتيجة لاختلاف الرواية والاجتهاد» (؟!!).\nويستدل هذا القائل لزعمه هذا ببعض روايات، وبعض نقول عن بعض الأئمة، مثل ما نقله عن جابر الجعفي عن أبي جعفر- وهو محمد الباقر﵁ قال في رواية طويلة جاء فيها قوله: «أما كتاب الله فحرفوا ...».\nهكذا يحاول هذا المستشرق وهذا الكاتب نسبة القراءات إلى تصرف فردي واختيار شخصي، مصادمين الوقائع الثابتة، والدلائل القطعية، نكتفي منها بما يلي:\n١ - إن أحدا لم يقبل القرآن إلا موافقا للمتلقى عن النبي ﷺ، وقد مرت بنا وقائع من إنكار الصحابي لما سمع قراءة لم يسمعها من النبي ﷺ، وبالتالي كان من شروط القراءة المقبولة التلقي بالأسانيد.","vol":"1","page":151},{"text":"وقد أحسّ جولدتسيهر بهذا الضعف الخطير، فراح يستره بما هو أعظم، فادعى أن شرط صحة الرواية لا يحد من حرية القراءة، لأنه ليس عسيرا- في زعمه- أن يسند المرء قراءته إلى ثقات معترف بهم فتحرز قراءته القبول» (١).\nوهذا الزعم من تسيهر يكشف عن جهله بحقائق نقل القرآن عن النبي ﷺ وحقائق مصطلح الحديث، أو تجاهله المتعمد لهذه الحقائق كلها، فإنه ليس يصح الحديث بمجرد الادعاء ونسبة القراءة أو الرواية إلى ثقة معرف به، بل هناك شروط الراوي ومنها العدالة والضبط، وهناك شروط سلسلة السند، وهناك السلامة من الشذوذ والعلة، وما في ذلك من تفاصيل تجعل من المتعذر حصول الاعتراف بقراءة أو رواية غير ثابتة على الحقيقة.\nفضلا عن أن حقيقة المطلوب في القراءة المقبولة هو التواتر كما حققناه، لذلك لا تقبل قراءة رجل انفرد بها عن أهل بلده، كما هو متفق عليه في هذا العلم.\n٢ - لو كان ثمة تسامح في القراءة وفق رسم المصحف من غير توقيف على التلقي لوجب أن يكون عدد القراءات كثيرا كثرة تبلغ أضعافا هائلة بالنسبة للقراءات الثابتة التي دققها العلماء وحققوا صحة سندها وتواترها، وقد اعترف جولدتسيهر نفسه بقراءات يسمح بها الخط، لكنها اعتبرت عند العلماء منكرة، مثل قراءة تستكثرون في قوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [الأعراف: ٢٤٨].\nومثل قراءة حماد الرواية أَباهُ عوضا عن إِيَّاهُ في قوله تعالى:\nوَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [التوبة: ١١٤].\nولو كان مجرد موافقة الخط كافيا لاعتمدت هذه القراءات ...، وحسبنا\n_________\n(١) مذاهب التفسير الإسلامي ص ٨.","vol":"1","page":152},{"text":"هذا دليلا على أن مجرد موافقة الخط لم يكن هو العمدة في صحة القراءة.\nوإذا كانت قضية القراءة نقل قبيلة ثم بلد، فكيف يمكن لرسم المصحف أن يؤثر فيها، أو يؤثر فيها الاجتهاد الشخصي؟!.\n٣ - إن فذلكة تسيهر للموضوع جرت على قلب القضية من أساسها، وذلك أنه ليس هناك أي اختلاف في أن تجريد المصاحف العثمانية من الشكل والنقط كان بقصد استيعاب الأحرف المروية الثابتة من قبل عن النبي ﷺ، لكن هذا الزاعم قلب القضية وجعل هذا الرسم للمصحف سببا لظهور القراءات فيما بعد بزعمه الباطل.\n٤ - أن يكون الاستدلال بقراءة مكذوبة كما سبق، أو تكون قراءة تفسيرية كما هو مقرر، أو أن يكون النقل مختلقا على الإمام الذي نسب إليه، مثل الكلام المنقول عن الإمام أبي جعفر ﵁، فإنه مكذوب عليه، لأن سنده من طريق كذاب، قال أبو حنيفة ما رأى أكذب منه (١).\nفتحققنا من ذلك كله قطعية نقل القراءات المعتمدة، بأقوى نقل، هو التواتر عن النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>القراءات الشاذة:</span>\nالقراءة الشاذة: هي كل قراءة لم يتوفر فيها شرط واحد من شروط القراءة الصحيحة التي سبقت في ضابط القراءة الصحيحة.\nوهذا الإطلاق للشذوذ قديم، وكان الأصل فيه إطلاق الشذوذ على ما خالف رسم المصحف، واستوفى سائر الشروط، ويطلق على القراءة التي استوفت الشروط إلا أن\nسندها ضعيف: «رواية ضعيفة»، كما أطلقوا عليها وصف: «الشذوذ» أيضا على سبيل التوسع. أما إذا لم يوجد للقراءة سند فإنها تكون رواية مكذوبة مختلقة، يكفّر متعمدها حتى لو وافقت المعنى ورسم المصحف.\n_________\n(١) علل الترمذي بشرح ابن رجب ص ٦٩.","vol":"1","page":153},{"text":"أما حكم القراءة الشاذة فيتلخص بما يلي:\n١ - يحرم القراءة بها، ولا تجوز الصلاة بها، لأنها ليست قرآنا، ويعاقب لقارئ بها ويستتاب.\n٢ - ذهب كثير من الفقهاء ومنهم الشافعية إلى عدم الاحتجاج بالقراءة الشاذة، لأنها زعمت قرآنا ولم يثبت ذلك.\nوخالف الحنفية فقالوا: يجوز الاحتجاج بها في الأحكام، لأنها من قبيل التفسير، والظاهر أنه تفسير نقله الصحابي عن النبي ﷺ.\n٣ - أما الاحتجاج بالقراءات الشاذة في اللغة فالراجح قبولها، لأنها لا تقل عن كثير من شواهد النحويين واللغويين.\nوبعد:\nفإن للأحرف السبعة والقراءات أهمية بالغة، لما جاءت به من فوائد في تنزيل القرآن وحفظ لغات العرب ولهجاتها. ولزيادة الدلالة على إعجاز القرآن، فإنها تؤيد بعضها بعضا، كما أن نظم القرآن المعجز يجري في كل قراءاته على ما هو عليه من الإعجاز: جزالة أو تتابع سرد، ونغم موسيقي، مع كثرة أوجه القراءات، مما يزيد الدلالة على إعجاز القرآن الكريم (١).\n_________\n(١) انظر التوسع في حكم نزول القرآن على سبعة أحرف وقراءاته في تفسير الطبري ج ١ ص ٧٠ - ٧١ والأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها للدكتور حسن ضياء الدين عتر ص ١٣٨ - ١٤٦ وغيرهما.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>الفصل السابع عشر فواتح السور</span>\nحسن افتتاح الكلام من غاية البلاغة وأسباب القبول، لأنه أول ما يلامس أذن السامع، فإن كان بليغا جميلا استدعى انتباه السامع وإقباله، وإلا لم يكن له ذلك الوقع والتأثير.\nوقد شهد أئمة البيان والبلاغة للقرآن الكريم أنه أتت فيه فواتح السور على أحسن الوجوه وأكملها، حتى أخذت منه فنون حسن الافتتاح وبراعة الاستهلال، كما أخذت من أساليبه سائر فنون البلاغة.\nويجد الناظر في فواتح السور تفننا عظيما في أنواع الافتتاحيات، أثارت انتباه البلغاء وعقدوا لها دراسات، ومؤلفات، لحسنها، وكثرة فنونها، ففيها الافتتاح بالتحميد، والتسبيح لله تعالى، والقسم، والنداء، والأمر، والجمل الخبرية، وحروف التهجي، وجمل الشرط، والاستفهام، والدعاء، والتعليل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>الافتاح بحروف التهجي:</span>\nوكان أعجب فواتح السور حالا، وإثارة للبحث، هي حروف التهجي، التي افتتحت بها سور كثيرة من القرآن، وعرفت باسم «الحروف المقطعة في فواتح السور»، مثل: «الم»، «المص»، «ألر»، «حم»، «ق»، «ن».\n_________\n(١) انظر تفصيلها وبيان السور التي افتتحت بكل نوع منها في الإتقان، النوع الستين.","vol":"1","page":155},{"text":"فما هو الهدف أو المقصود من إيرادها؟.\nأكثر العلماء من المفسرين واللغويين، وغيرهم قالوا: إن هذه الحروف المقطعة في فواتح السور هي أسماء للسور التي افتتحت بها، قالوا: سمّيت بها إيذانا بأنها كلمات عربية معروفة التركيب، قد ركّبت من هذه الحروف وأمثالها، وفي ذلك إشارة إلى الإعجاز، وأن القرآن لولا أنه وحي من الله تعالى لما عجزوا عن معارضته (١).\nيؤيد هذا القول أحاديث، منها ما في الصحيحين (٢) عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: الم السجدة، وهل أتى على الإنسان».\nوكذا حديث: «يس قلب القرآن» (٣).\nوحديث: «من قرأ آية «الكرسي» و«حم» المؤمن عصم ذلك اليوم من كل سوء» (٤).\nوذهب كثير من المحققين إلى أن هذه الحروف هي حروف مسرودة على طريقة التعديد- أي النطق بلفظها فقط- تنبيها على إعجاز القرآن، وكأنه يقول: إن القرآن منتظم من عين الحروف التي يتألف منها كلام العرب، فلولا أنه نازل من عند خلّاق القوى والقدر لما تضاءلت عن الإتيان بمثله قدرتهم، ولا عجزت عن كلام يساويه طاقاتهم، وهم فرسان البيان وأرباب الفصاحة والبلاغة.\n_________\n(١) هكذا نقله أبو السعود في تفسيره ج ١ ص ١٦ وكثيرون ذكروه أنه اسم للسورة دون ذكر الإشارة إلى الإعجاز.\n(٢) كلاهما في الجمعة البخاري ج ٢ ص ٥ ومسلم ج ٣ ص ١٦.\n(٣) أخرجه أحمد عن معقل بن يسار مرفوعا في ضمن حديث ج ٢ ص ٢٦ وأخرجه الترمذي عن أنس عنه ﷺ وفيه «وقلب القرآن يس». في فضائل القرآن رقم ٣٠٤٨ والبزار عن أبي هريرة. تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٥٤٧.\n(٤) أخرجه البزار والترمذي في فضائل القرآن رقم ٣٠٣٩، والأحاديث في تسمية السور «حم» و«يس» وغيرهما كثيرة، انظرها في الجامعين الصغير والكبير في لفظ «من قرأ» وفي مصادر التفسير المأثور.","vol":"1","page":156},{"text":"وقيل: إن هذه الحروف جاءت ليدل كل حرف منها على اسم من أسمائه تعالى، أو أنها لو وصلت صارت اسما من أسماء الله تعالى. وهما منقولان عن ابن عباس. فقد ورد عنه أنه قال: الم: «أنا الله أعلم». وقيل: إن الألف من «الله»، واللام من «لطيف»، والميم من «مجيد».\nومثال وصلها ببعضها ما ورد عن ابن عباس: «الر» و«حم» و«ن» هي الرحمن.\nواستشهدوا لهذا بأن العرب قد تستعمل الحرف تريد به الكلمة، كقول الشاعر:\nفقلت لها قفي ... فقالت ق.\nأي وقفت.\nوالذي يترجح عندنا من هذه الأقوال وغيرها هو المذهب الأول، وذلك لما ذكرنا من الأدلة، ولأنه أقرب المذاهب لاستعمال العرب، وإفادة الكلام.\nأما الرأي الثاني الذي يجعلها إشارة فقط إلى إعجاز القرآن، لأن القرآن مؤلف من هذه الحروف وغيرها، وكلامكم هو كذلك، وحيث عجزتم عن الإتيان بمثله فقد ثبت أنه كلام الله، فهذا الرأي له مؤيدات كثيرة.\nمنها: أن عدد السور التي افتتحت بحروف التهجي تسع وعشرون، وهو عدد حروف الهجاء إذا جعلنا الهمزة والألف حرفين، وعدد الحروف الواردة فيها هو/ ١٤/ أي نصف الحروف، وأنها جاءت على نظام تركيب الكلمة عند العرب، منها ما هو حرف واحد، ومنها اثنان، وثلاثة، وأربعة، وخمسة.\nومن أقوى ما يؤيّد به هذا الرأي أن عادة القرآن أن يذكر بعد هذه الافتتاحيات القرآن وعظمته، إلا مواضع قليلة هي ثلاثة.\nلكنه بعد ما فسّر الرأي الأول بأن هذه الفواتح أسماء للسور سمّيت بها إشارة للإعجاز فقد أصبح الرأي الأول يتضمن هذا الثاني، وهو بذلك أقرب منه، لما فيه من إفادة معنى مراد، ليس مجرّد الرمز والإشارة.","vol":"1","page":157},{"text":"وأما جعل هذه الحروف رمزا لاسم من أسماء الله تعالى منفردة أو بوصلها مع بعضها فقد أولع به كثيرون من أهل الرياضات والتعبدات، وراح كل واحد يحملها محامل حسبما يخطر له، فليس مما نرجحه، لعدم انضباطه، أما شواهد كلام العرب فمنضبطة بقرينة تفيد المراد، والله تعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين.\nوبناء على الرأيين الأقوى في تفسير هذه الفواتح لحظ العلماء دقة التناسب بينها وبين السور التي افتتحت بها، وأتوا بعجائب غريبة:\nقال الإمام الزركشي ﵀ (١): «ومن ذلك افتتاح السور بالحروف المقطعة، واختصاص كل واحدة بما بدئت به، حتى لم يكن لترد «الم» في موضع «الر» ولا «حم» في موضع «طس». وذلك أن كل سورة بدئت بحرف منها فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الواردة فيها، فلو وضع «ق» موضع «ن» لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله.\nوسورة «ق» بدئت به لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذكر القرآن، والخلق، وتكرير القول ومراجعته مرارا، و...، وقول العتيد والرقيب ... وحقّيّة الوعيد ... وغير ذلك مما هو واضح فيها».\nونضيف إلى ذلك ملاءمة حرف القاف الشديد لموضوع السورة ومعانيها كذلك.\n«واشتملت سورة «ص» على خصومات متعددة: فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ وقولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا. ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ\n_________\n(١) فيما لخصه السيوطي في الإتقان: النوع الثاني والستون مع تصرف.","vol":"1","page":158},{"text":"الأعلى، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم، ثم في شأن بنيه وإغوائهم ...» (١).\nوهكذا نخلص بعد هذه الدراسة إلى أن حروف الهجاء الواقعة في فواتح السور لها شأن عظيم: افتتحت بها تسع وعشرون سورة، وهو أكبر عدد بالنسبة لغيره من فواتح السور الأخرى، وكل هذه السور مكية عدا البقرة وآل عمران، وقد اشتملت السور التي افتتحت بهذه الحروف على بيان عظمة القرآن\n_________\n(١) وأما إخضاع هذه الحروف إلى حساب رقمي- الذي ظهر حديثا- فقد سبق بمحاولة قديمة هي حساب الجمّل الذي توصل به بعضهم إلى وقائع معينة، أو فضيلة شخص، وكل منهما وكذا ما يشابههما من أي تفسير للقرآن- على هذا النحو- باطل مردود، وذلك لأنه طريق غير مقبول للفهم في كلام العرب، ولا يجوز فهم القرآن بغير طرائق فهمهم، ولما في ذلك من فتح أبواب لأهل الباطل، فإن كتابا كبيرا لا يخلو من أن تتفق فيه كلمات أو حروف مع رقم ما، فهل نجعل ذلك دليلا على حقية ما يزعمه أصحاب هذا الرقم؟! ثم إن الله تعالى تحدى العرب والعالم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، من الكلام الدال على المعاني، ولم يتحدّ أحدا بحروف تعدّ ثم تقسم على عدد، فإدخال هذا الأمر خروج بالقرآن أسلوبا ومضمونا وإعجازا عن حقيقة القرآن. هذا لو فرضنا أن هذا الحساب المزعوم قد انتظم، كيف وقد اختل على يد مدعيه ولم ينتظم.\nوليس أمر العدد جديدا، بل قد لاحظ أسلافنا كثرة هذه الحروف في السورة التي افتتحت بها، بل ذهبوا لما هو أبعد من ذلك وهو تلاؤم مضمون السورة لهذه الحروف ونغمها الموسيقى، فعلمنا من هذه البحوث العددية المعاصرة تأكيد دراستهم فقط، وهو إحكام القرآن ودقة نظمه وعمق أغواره، ليس بطريق حساب عدد متوهم مزعوم بل بطريق دقة النظم وعمق التجاوب بين هذه الفواتح وسورها.\nقال الزركشي: «وقد عد بعضهم القافات التي وردت في سورة «ق» فوجدها سبعا وخمسين، مع أن آيات السورة خمس وأربعون، وفي سورة «ن» تكرر هذا الحروف أربع عشرة ومائة مرة وآياتها اثنتان وخمسون ...\nكذلك أحصى العلماء عدد كلمات القرآن وحروفه، وكلمات سوره وحروفها أيضا، فلم يكن أمر الإحصاء والعدد غائبا عنهم.\nلكن العلماء كانوا أبعد نظرا وأسدّ مسلكا فإنهم أخذوا من هذا العمل بيان إحكام القرآن في نظمه ومعناه، كما رأينا.","vol":"1","page":159},{"text":"وإعجازه، كما أن كل افتتاح منها جاء ملائما للسورة التي افتتحت بها، لفظا ومعنى، شكلا ومضمونا، نغما ودلالة، مما يجعلها واقعة في مواقعها لتمييز هذه السور التي افتتحت بها، فتكون أسماء لها، ومفاتيح افتتحت بها، كما قال الإمام التابعي الجليل الحسن البصري ﵁: «سمعت السلف يقولون: إنها أسماء السور ومفاتيحها».","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>الفصل الثامن عشر جمع القرآن الكريم حفظا في الصدور والسطور</span>\nجمع القرآن يعني حفظه، وأول ما ورد هذا التعبير ورد في القرآن إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ.\nوهذا موضوع جليل، قد عني العلماء بدرسه في كتب علوم القرآن، بل أفردوه بالدراسة في مؤلفات خاصة متعددة، نذكر منها هذه المؤلفات:\n١ - «المصاحف» لابن أبي داود، مطبوع.\n٢ - «المصاحف» لابن أشتة.\n٣ - «الانتصار لنقل القرآن» للقاضي الإمام أبي بكر بن الطيب الباقلاني (٤٠٣ هـ).\n٤ - «نكت الانتصار لنقل القرآن» للإمام الصيرفي. مطبوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>جمع القرآن في الصدور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>حفظ النبي ﷺ للقرآن:</span>\nكان النبي الكريم أعظم العالم حفظا للقرآن، وكان يتلو هذا القرآن عن ظهر قلب لا يفتر لا سيما في الليل، حتى إنه ليقرأ في الركعة الواحدة العدد من السور الطوال.\nولزيادة التثبيت كان جبريل يعارضه بالقرآن كذلك.\nقال ابن عباس ﵄: «كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل","vol":"1","page":161},{"text":"ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة» أخرجه البخاري (١).\nوقال أبو هريرة: «كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض، وكان يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض» أخرجه البخاري (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>حفظ الصحابة للقرآن الكريم:</span>\nتوفرت للصحابة العوامل التي تجعلهم يحرصون على حفظ القرآن إلى أقصى حد، وتجعل حفظ القرآن يتوفر فيهم إلى أبعد مدى، ومن تلك العوامل:\n١ - قوة ذاكرتهم الفذة التي عرفوا بها واشتهروا، حتى كان الواحد منهم يحفظ القصيدة الطويلة من الشعر بالسمعة الواحدة.\n٢ - نزول القرآن منجما كما عرفنا من قبل.\n٣ - لزوم قراءة شيء من القرآن في الصلاة، وما هنالك من الفضل والثواب في تطويل المنفرد صلاته لنفسه.\n٤ - وجوب العمل بالقرآن، فقد كان هو ينبوع عقيدتهم وعبادتهم، ووعظهم وتذكيرهم، وقد ترجموه إلى سلوك وخلق وحضارة.\n٥ - حض النبي ﷺ على قراءة القرآن، والترغيب بما أعد للقارئ من الثواب والأجر العظيم، والقوم أميون لا سبيل لهم إلا الحفظ عن ظهر قلب، وقد حددت السنة أقصى مدة للمسلم يختم بها القرآن شهرا، أو أربعين يوما.\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله\n_________\n(١) في فضائل القرآن ج ٦ ص ١٨٦.","vol":"1","page":162},{"text":"عليه وسلم يقول: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول «الم» حرف ولكن «ألف» حرف و«لام» حرف و«ميم» حرف» أخرجه الترمذي.\nوعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أجد قوة، حتى قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» متفق عليه.\n٦ - تعاهد النبي ﷺ الصحابة بتعليم القرآن:\nفكان الصحابة تلامذة للنبي ﷺ يتعلمون منه القرآن، وكان النبي ﷺ شيخهم، يتعاهدهم بتعليم القرآن، فإذا أسلم أهل أفق أو قبيلة أرسل إليهم من القرّاء من يعلّمهم القرآن، وإن كان في المدينة ضمه إلى حلق التعليم في جامعة القرآن النبوية.\nوقد وافتنا الوثائق الثابتة الصحيحة بنماذج عن كثرة الحفاظ بين الصحابة، فهذه حرب المرتدين في اليمامة يقتل فيها، سبعون من القراء، بل ثبت بأوثق الإثباتات أنه ﷺ أرسل في وفادة واحدة لتعليم بعض القبائل سبعين من القراء، وهم الذين غدر بهم المشركون في طريقهم وقتلوهم، كما في الصحيحين.\nوإننا إذ نوضح هذا نذكّر أولا جيلنا بواجبهم تجاه القرآن الكريم وأن يحذوا حذو سلفهم الصالح في حفظ القرآن، أو على الأقل أن يجعل المسلم من تحصيله ودرسه للقرآن حصة كسائر ما يدرسه ويتحفظه من المعارف، ونذكّر ثانيا بتلك الصيانة الكبيرة الواسعة التي أحيط بها القرآن منذ عصره الأول ولم يزل كذلك حتى وصل إلينا بنقل الكافة عن الكافة.\nعلى أن التاريخ إذ يسجل بدقة سمات مجتمع سلفنا، فإنه في الظواهر العامة لا يستطيع أن يسجل كل حالة على انفراد من حالات السمة العامة، إنما يسجل الحالات الخاصة والمتميزة عن سائر الأفراد فهو لا يسجل من الأطباء كل طبيب ولا من المهندسين كل مهندس ولا من العباد كل عابد، ولا من الفقهاء","vol":"1","page":163},{"text":"كل فقيه، إنما يسجل من هؤلاء وهؤلاء الأفذاذ الذين بزّوا أقرانهم، وفاقوا أندادهم، حتى يكونوا كالمراجع لهم، وحتى لا يتبادر إلى الذهن لدى ذكر اختصاصهم غيرهم.\nوقد أرشد النبي ﷺ أصحابه إلى كبار المقرئين ليأخذوا عنهم القرآن، كما أرشد وذكر مناقب اختص بها واحدا منهم أو اثنين بالذكر، ولم يفهم من ذلك أحد حصر القضية فيهم.\nعن مسروق أنه قال: «ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود فقال:\nلا أزال أحبّه، سمعت النبي ﷺ يقول: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبيّ بن كعب» أخرجه البخاري (١).\nوعلى هذا النحو ورد الحديث عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك ﵁: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ؟ قال:\n«أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وأبو زيد» أخرجه البخاري (٢).\nفقد ذكر أنس هؤلاء لمعنى خاص لاحظه، أو أنهم هم الذين حضروا لذهنه (٣).\n_________\n(١) في فضائل القرآن ج ٦ ص ١٨٦.\n(٢) ج ٦ ص ١٨٧.\n(٣) وأما رواية قول أنس: «مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة:\nأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد»، أخرجها البخاري أيضا عقب الرواية السابقة، فليس يصلح أن نأخذ منها ما يخلّ بما قدمنا الدلالة القاطعة عليه.\nأما السند: فقد انتقده العلماء بأنه خالف الرواية الأولى وهي الأصح عند البخاري كما أشار لذلك البخاري نفسه، والمخالفة جاءت من وجهين: أحدهما التصريح بالحصر، والآخر ذكر «أبي الدرداء» بدل «أبيّ بن كعب»، وقد استنكر جماعة من الأئمة الحصر في الأربعة.","vol":"1","page":164},{"text":"وقد تنوعت المواصفات التى سردت فيها قوائم القراء من الصحابة، فهناك الأئمة الذين اشتهروا أكثر، وكانوا مصادر تلقى عنهم المسلمون وهم سبعة: «عثمان بن عفّان، وعلي بن أبي طالب، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري» (١).\nوهناك آخرون كثيرون ذكرهم العلماء.\nوقد ذكر الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام- في كتاب القراءات الذي صنّفه (٢) - القراء من أصحاب النبي ﷺ، فعدّ من المهاجرين: الخلفاء الراشدين الأربعة، وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وسالما مولى أبي حذيفة، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة (وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير)، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة.\nوحفظ القرآن من الأنصار في حياة النبي ﷺ: عبادة ابن الصامت، ومعاذ أبو حليمة، ومجمّع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلّد.\n_________\nواما المتن: فلا يصلح فهمه على معنى نفي الحفظ عن غير هؤلاء، وحسبنا حديث أنس الأول دليلا حاسما في المسألة، وغاية ما هنالك أن الراوي فهم الحصر من الحديث فرواه على المعنى الذي فهمه، فأخطأ فيه، وخالف الثقات، لذلك قال الإمام البيهقي في المدخل «الرواية الأولى أصح».\nوأجيب عن المتن على تقدير صحته وسلامته من أي علة بأن المراد به الحصر الإضافي لا الحقيقي، والمعنى: لم يجمعه على جميع الأوجه والأحرف والقراءات التي نزل بها إلا أولئك النفر.\nالإتقان ج ١ ص ٧٠، ولا يشكل على ذلك ورود الرواية في البخاري لأن البخاري قد يورد الحديث من أكثر من وجه، لبيان قوة أصل الحديث، والتنبيه على ما في بعض الروايات فلا يقدح ذلك فيه لأن العمدة على الأصل.\n(١) الإتقان ج ١ ص ٧٢.\n(٢) كما نقل عنه السيوطي في الإتقان ج ١ ص ٧٢ وقال إنه صرح بأن بعضهم كمله بعد النبي ﷺ وهذا لا يخل.","vol":"1","page":165},{"text":"لكن هذا التعداد ليس للحصر قطعا، فهناك أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك.\nوقد أضاف الإمام الذهبي (١) جملة من القراء إلى ما ذكره أبو عبيد وهناك غيرهم كثير يستخرجهم القارئ من دراسة الكتب المؤلفة في الصحابة، ومما تتوارد به الروايات في المراجع (٢).\nوهكذا ثبت حفظ الصحابة للقرآن في صدورهم بما يبلغ رتبة التواتر بل يزيد عليها أضعافا، تجعلنا تتيقن ما قاله الإمام أبو الخير بن الجزري: «إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة».\nوذلك مصداق البشارة التي وردت عن الأنبياء السابقين في وصف هذه الأمة: «أناجيلهم في صدورهم»، وهو تحقيق للحديث القدسي: «إني مبتليك ومبتل بك، ومنزّل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ...» (٣)، كما أن هذا من تحقيق الإعلان القرآن الذي كرره القرآن وأكده:\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.\n_________\n(١) في كتابه طبقات القراء كما نقل عنه الزركشي في البرهان ج ١ ص ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٢) ومن ذلك: أبو زيد الذي ورد اسمه في الصحيح. وكمثل هذه الصحابية التي وجدها السيوطي ولم يعدها أحد وهي أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث: وكان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، أنظر الإتقان ج ١ ص ٧٢، وكذلك أبو أمامة، وكان يقرئ في مسجد دمشق مع أبي الدرداء.\n(٣) أخرجه مسلم في الجنة ج ٨ ص ١٥٨ - ١٥٩ في حديث طويل.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>جمع القرآن الكريم تدوينا في السطور</span>\nهذا الجمع هو لون من الحفظ يدوم مع الزمان، ولا يذهب بذهاب الإنسان، فلا غرو أن يتحقق أكمل تحقق لهذا الكتاب الذي تكفل الله تعالى بحفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.\nوقد رافق الجمع بالكتابة كل نجم من نجوم هذا القرآن منذ أن تنزّل هذا النجم بالوحي، إلى أن تكامل العمل بجمعه في المصحف جمعا محوطا بأشد أنواع العناية والحفاظ، حتى انتشر بين أمة الإسلام وهو في كل ذلك بإجماعها واطلاعها.\nوتقتضي الدراسة الدقيقة تقسيم البحث في جمع القرآن إلى ثلاثة مراحل، كما قسمها المحققون من قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>جمع القرآن تدوينا على عهد النبي ﷺ:</span>\nلقد عني النبي ﷺ بكتابة القرآن عناية بالغة جدا، فكان كلما نزل عليه نجم دعا الكتاب فأملاه عليهم، فكتبوه على ما يجدونه من أدوات الكتابة حينئذ مثل الرّقاع، واللّخاف، والأكتاف، والعسب (١). وقد اشتهر أن عدد كتّاب الوحي خمس وعشرون كاتبا، لكنه فيما يبدو أكثر من ذلك بكثير. فقد بلغ عدد الكتّاب فوق الأربعين، حسبما أفاده الإحصاء المستقصي لبعض المحققين (٢)، وقد حصر النبي الكريم جهد هؤلاء الكتّاب في كتابة القرآن فمنع من كتابة غيره إلا في ظروف خاصة أو لبعض أناس مخصوصين، كما في الحديث الصحيح: «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه» أخرجه مسلم (٣).\n_________\n(١) الرقعة: القطعة من الأديم أي الجلد ونحوه، واللحاف الحجارة الرقيقة، والعسب:\nسعف النخل يكشط طرفه العريض ويكتب عليه.\n(٢) ابن حديدة الأنصاري في كتابه «المصباح المضيّ في كتّاب النبي العربي» وقد بلغ عدد الكتّاب عنده أربعة وأربعين.\n(٣) مسلم في الزهد ج ٨ ص ٢٢٩ وأحمد ج ٣ ص ٢١ بلفظه، وانظر في المسألة كتابنا منهج النقد ص ٣٩ وما بعد.","vol":"1","page":167},{"text":"فتحقق بذلك توفر طاقة كبيرة لكتابة القرآن وترتيبه، كما أخرج الحاكم (١) بسند على شرط الشيخين عن أنس ﵁ قال: «كنّا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع ..»، ومقصود هذا الحديث فيما نرى هو أن «المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه\nوسلم».\nومن هنا كان لا بد أن تتوفر نسخ كثيرة من القرآن مدونة عند عدد من الصحابة مثل «أبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، فبغير شك جمعوا القرآن، والدلائل عليه متظاهرة».\nوكذلك السيدة عائشة ﵂.\nوثمة نصوص تثبت كثرة كتابة القرآن وانتشاره مكتوبا، تؤكد ما ذهبنا إليه، نذكر منها، أن النبي ﷺ نهى عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو»، متفق عليه (٢).\nوفي لفظ لمسلم: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو».\nوهذا ظاهر في وجود المصاحف عندهم مكتوبة كما أشار البخاري في صحيحه.\nوكذلك كتابه ﷺ المشهور إلى عمرو بن حزم: «أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر» أخرجه مالك والنسائي وابن حبان (٣).\nوقد تظاهرت الأخبار أن سبب إسلام عمر بن الخطاب هو سماعه القرآن يقرأ في المصحف من سورة طه.\nوغير ذلك من الأخبار في هذا الباب يثبت وجود القرآن عندهم مكتوبا في نسخ عديدة لديهم في عهد النبي ﷺ. وبذلك تحقق للقرآن\n_________\n(١) ج ٢ ص ٢٢٩ وانظر المرشد الوجيز لأبي شامة ص ٤٤ - ٤٥.\n(٢) البخاري ج ٤ ص ٥٦ ومسلم ج ٦ ص ٣٠.\n(٣) الموطأ ج ١ ص ١٥٧ والنسائي ج ٨ ص ٥٧ وموارد الظمآن ص ٢٠٣.","vol":"1","page":168},{"text":"على عهد النبي ﷺ الحفظ التام بنوعيه: حفظ الصدور وحفظ السطور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق ﵁:</span>\nثم لاحت في الأفق إشارات تحذّر من الخطر، وذلك نتيجة القتل الكثير الذي وقع في صفوف الصحابة في حروب الردة، وكان قرّاؤهم أكثر إقداما بين مقاتليهم، فكثر فيهم القتل حتى دعا ذلك للتدبر في المستقبل الذي سيواجه فيه المسلمون الدولتين الأعظم في العالم آنذاك، كما فصلت لنا الروايات الصحيحة القطعية الثبوت، نسوق منها هنا رواية الإمام البخاري:\nأخرج البخاري (١) عن زيد بن ثابت ﵁ قال:\n«أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحرّ يوم القيامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبّع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه\n_________\n(١) في فضائل القرآن (باب جمع القرآن) ج ١ ص ١٨٣.","vol":"1","page":169},{"text":"الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵃».\nوهذا النص يفيد تخوّف الصحابة وحسابهم للمستقبل الذي يوجب الحذر والاستعداد لما يطرأ للقراء في مجتمع فرض عليه الجهاد وأحدقت به الأعداء.\nويذكر الحديث ما اقتضاه العمل من الجهد في قول زيد: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال».\nإن هذا يعني في ضوء المعلومات الثابتة التي قدمناها معنى جليلا هو أنه «طلب القرآن متفرقا ليعارض (١) بالمجتمع عند من بقي ممن جمع القرآن، ليشترك الجميع في علم ما جمع، فلا يغيب عن جمع القرآن أحد عنده منه شيء، ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف، ولا يشكّوا في أنه جمع عن ملأ منهم» (٢).\nوفي ضوء هذا نفهم قوله: «وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره».\nوروى البخاري عن ابن شهاب قال: «وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد بن ثابت قال: «فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، فقد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فألحقناها في سورتها في المصحف» (٣).\nفقد ورد من أكثر من طريق (٤) أن زيدا وعمر بن الخطاب قاما بعمل جمع\n_________\n(١) أي يقابل وتدقق نسخته.\n(٢) البرهان ج ١ ص ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(٣) أخرجه البخاري في فضائل القرآن ج ٦ ص ١٨٤.\nوقد اخترنا أن قصة هذه الآية وقعت في جمع القرآن على عهد أبي بكر لاتحاد مخرج القصتين فإنهما ترويان عن زيد بن ثابت، أما الجمع على عهد عثمان فمن رواية أنس بن مالك، كما أنه من المستبعد جدا فقد شيء من مصحف أبي بكر، وعمل الصحابة في عهد عثمان إنما كان نشرا للمصاحف عن مصحف أبي بكر، وهو الذي جزم به الإمامان ابن كثير والزركشي.\n(٤) كما أخرجها ابن أبي داود في المصاحف ص ١٢ و١٧ وانظر الإتقان ص ٥٨.","vol":"1","page":170},{"text":"القرآن هذا «وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان».\nوقد فسر هذا القول بتفاسير متعددة كلها تشير إلى غاية التثبت، ولعل أولاها عندنا هو الاستشهاد على أن ذلك كتب بين يدي رسول الله ﷺ، كما فسره أبو شامة المقدسي، وعلم الدين السخاوي. «ولذلك قال في آخر سورة التوبة: لم أجدها مع غيره، أي لم أجدها مكتوبة على الشرط المذكور مع غيره».\nوإلا فإن خاتمة براءة محفوظة عنده وعند غيره من الصحابة، مشهورة قد وردت أحاديث في فضلها.\nوبهذا جمعت نسخة المصحف بأدق توثق ومحافظة، واستغرق هذا الجمع زهاء سنة، هي مدة ما بين واقعة اليمامة ووفاة الصديق ﵁، وأودعت نسخة المصحف لدى الخليفة لتكون إماما تواجه الأمة به ما قد يحدث في المستقبل ولم يبق الأمر موكولا إلى النسخ التي بين أيدي كتّاب الوحي، أو إلى حفظ الحفّاظ وحدهم.\nويعجبنا في هذا ما قاله الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب «فهم السنن»: «كتابة القرآن ليست محدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، وإنما أمر الصدّيق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ، فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء (١).\nوما كان أقواه وأمتنه من خيط ذاك الذي جمع به الصحابة ﵃ كتاب الله تعالى.\nوقد اعتمد الصحابة كلهم وبالإجماع القطعي هذا العمل وهذا المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق ﵁، وتتابع عليه الخلفاء الراشدون كلهم والمسلمون كلهم من بعده، وسجلوها لأبي بكر الصديق منقبة فاضلة\n_________\n(١) البرهان ج ١ ص ٢٣٨ والإتقان ج ١ ص ٥٨.","vol":"1","page":171},{"text":"عظيمة من مناقبه وفضائله الجمة ﵁، أثنوا عليها وأشادوا بها، لكونه أول من جمع القرآن، أي هذا الجمع العظيم الموثق، وحسبنا في ذلك ما ثبت عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>جمع القرآن بنسخ المصاحف على عهد عثمان ﵁:</span>\nإن ما يميز السياسة الراشدية نظرها الثاقب الذي يتدبر الأمور، بل الذي يسبق الحوادث قبل وقوعها، كما سجلها المؤرخون قديما وحديثا، وهكذا كان عمل أبي بكر والصحابة في جمع المصحف عدة ماضية آتت أعظم النتائج في مواجهة ما تطويه الأيام من تغيرات ومفاجآت (٢)، فقد استجد في عهد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان ﵁ ما يوجب نشر هذا المصحف وتعميمه على الآفاق ليحقق الغاية التي جمع لأجلها واستغرق تلك الجهود والأوقات.\nأخرج البخاري (٣) عن أنس بن مالك ﵁ أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وآذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف. والمراد أنه أول من جمع كتاب الله الجمع الموثّق باطلاع جميع المسلمين عليه، لما علمنا بالأدلة القاطعة الثبوت أن الصحابة كان عندهم القرآن مكتوبا.\n(٢) نذكر هنا بمواقف الصحابة من رواية الحديث لما برز قرن الفتنة وظهر الكذب وكيف واجهوا الموقف بأحكم الوسائل العلمية في المحافظة على الحديث النبوي، كما فصلناه في كتابنا منهج النقد في علوم الحديث ص ٥٥ - ٥٧ محققا بالأدلة الثابتة.\n(٣) ج ٦ ص ١٨٣ - ١٨٤.","vol":"1","page":172},{"text":"الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا،\nوأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرّق».\nفقد أفادت هذه الرواية فوائد لها أهميتها في فهم العمل الذي قام به عثمان بن عفان ﵁، عني العلماء ببحثها ودراستها:\nوأول ذلك: السبب الدافع للعمل الذي قام به عثمان وهو اختلاف الناس في وجوه قراءة القرآن، حتى قرءوه بلغاتهم- كما قال ابن التين (١) - على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخت تلك الصحف في مصحف واحد مرتّبا لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش ...».\nوهذا يوضح لنا فرقا جوهريا بين عمل أبي بكر وعمل عثمان، وهو أن عمل أبي بكر كان جمع القرآن كله في نسخة معتمدة يشترك فيها الجميع لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعا في نسخة واحدة موثقة ذلك التوثيق، بل كان ما وجد من نسخ المصحف عند كتّاب الوحي على مسئوليتهم الخاصة.\nوأما نوع الاختلاف الذي حدث بين الناس في القراءة فيلخصه لنا الإمام أبو بكر الباقلاني في الانتصار بأن عثمان «إنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ﷺ، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل ...\nخشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد» (٢).\n_________\n(١) الإتقان ج ١ ص ٦٠، وقارن بفتح الباري ج ٩ ص ١٩.\n(٢) البرهان ج ١ ص ٢٣٥ - ٢٣٦، والإتقان الموضع السابق.","vol":"1","page":173},{"text":"ثم إنا نجد ما يدل على أن العمل في نسخ المصاحف ساهم فيه غير هؤلاء الأربعة المذكورين هنا، وقد أخرج ابن أبي داود من أربعة طرق عن محمد بن سيرين قال: «جمع عثمان اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، منهم أبيّ بن كعب ...» (١).\nوتوافينا روايات تفصيلية بأسماء صحابة آخرين سوى أعضاء اللجنة الرباعية ساهموا في نسخ المصاحف، حتى اجتمع من التتبع إحصاء أسماء تسعة نفر منهم، مما يقوي رواية الاثني عشر، ويشير إلى أن اللجنة الرباعية كانت هي الرئيسية، ورفدها في العمل خبراء، عملوا معها لكتابة المصاحف التي تكفي لحاجة المسلمين» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>شروط الكتابة في المصاحف العثمانية:</span>\nوأما القواعد التي اتبعوها في كتابة المصاحف، فكانت أصولا هامة سارت عليها الأمة من بعد، وقد صرّح الحديث بقاعدة هامة منها، وحدثتنا الروايات عن غيرها، فمن مهمات ذلك:\n١ - اختيار حرف قريش: لما جاء في الحديث: «وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا».\nوهذا لا يدل على إبطال بقية الأحرف السبعة، لما هو معلوم من قواعد رسم الصحف أنه غير مشكول ولا منقوط، وأنه لم تثبت فيه ألفات المد حسب قواعد في رسم الألف وعدمها، فمثلا «مالك» تكتب «ملك» و«الكتاب» تكتب «الكتب».\nومن هنا كان لقراءة رسم المصحف طريقان: الموافقة للرسم المكتوب تحقيقا، والموافقة احتمالا وتقديرا.\n_________\n(١) المصاحف ص ٣٣ - ٣٤ وانظر فتح الباري ج ٩ ص ١٦.\n(٢) قارن رأينا هذا بفتح الباري ج ٩ ص ١٦ - ١٧، وفيه التتبع للزيادة على الأربعة.\nوراجع للتوسع نكت الانتصار لنقل القرآن للصيرفي ص ٣٦٧ وما بعد.","vol":"1","page":174},{"text":"فقراءة «ملك يوم الدين» موافقة للرسم تحقيقا. وقراءة «مالك يوم الدين» موافقة له تقديرا.\nلكن لا تجوز أي قراءة يحتملها الرسم إلا إذا ورد بها النقل المتواتر عن النبي ﷺ، كما هو مقرر في ضابط القراءة الصحيحة، غاية الأمر هنا أن يكون الرسم موافقا للسان قريش تحقيقا، ولغيرهم تقديرا (١).\n٢ - إذا لم يمكن استيعاب كل الأوجه كتب بعض المصاحف ببعض الأوجه، وكتب بعض آخر بأوجه أخرى مثل «ووصّى»، «وأوصى».\n٣ - تجريد المصحف عن كل ما ليس قرآنا، حتى سرت هذه العبارة المأثورة التي تناقلها التابعون: «جرّدوا المصاحف».\n٤ - التثبت البالغ في الرسم، كما قال كثير بن أفلح أحد الكاتبين مع اللجنة الرباعية: «فكانوا إذا اختلفوا في الشيء أخروه»، قال ابن سيرين:\n«أظنه ليكتبوه على العرضة الأخيرة» (٢).\nوقد ورد نحو ذلك بأكثر من وجه.\nوبهذا كان عمل عثمان بن عفان متكاملا في غاية الضبط والإتقان وقد حقق الهدف الذي قصد إليه من وراء هذا العمل من وجهين هما بيت القصيد:\nآ- المحافظة على نص القرآن أن يدخل فيه ما ليس منه، أو أن يتعرض لأي تحريف، بسبب العوامل التي سبق ذكرها.\nب- اعتماد القراءات المتعددة المتواترة التي يمكن أن يقرأ بها القرآن، كما ذكرنا في قاعدة الرسم، وبذلك قضى عثمان ﵁ على الخصام\n_________\n(١) وأما رواية أنهم اختلفوا في التابوت فقال القرشيون: التابوت، وقال زيد: التابوة، فرفع إلى عثمان فقال اكتبوه «التابوت» فإنه نزل بلسان قريش، فهذه الرواية في إسنادها كلام، رواها الزهري مرسلة، وتفرد بوصلها من هو ضعيف، وانظر فتح الباري ج ٩ ص ١٧.\n(٢) فتح الباري ج ٩ ص ١٦.","vol":"1","page":175},{"text":"بسبب القراءات بين المسلمين، لأن الجميع علموا شرعية ما يقرأ به القرآن، لاعتماده على الأصل المجمع عليه من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.\nيشير إلى هذا الهدف قول عثمان يرد على الخارجين عليه اعتراضهم لحرقه المصاحف: «إنما منعتكم من الاختلاف ...».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>نشر عثمان المصاحف في الأمصار:</span>\nتم العمل الضخم الذي قام به عثمان وهو نسخ المصاحف بما لا يتجاوز كثيرا (سنة ٢٥ هـ) التي هي سنة غزو المسلمين إرمينية كما يثبته التاريخ (١)، فأعاد عثمان الصحف إلى حفصة أم المؤمنين ﵂، ووزع المصاحف على وجه يحقق المقصود، ويزيل الإشكال فأرسل إلى كل مصر من الأمصار الإسلامية بمصحف من المصاحف التي نسخت، واحتفظ عنده بمصحف سمي «المصحف الإمام»، وقد وقع الاختلاف في عدد هذه المصاحف، والمشهور أنها خمس على ما قرره السيوطي، لكن إذا أضفنا إليها المصحف الإمام كان المجموع ستة مصاحف.\nولاحظ عثمان في هذا التوزيع إرداف الكتابة بالقراءة، وهي العمدة بالنسبة لقراءة القرآن التي تحتاج إلى التلقي من الأفواه، فأرسل إلى كل بلد قارئا يرافق المصحف ويقرأ بالقراءة الموافقة لرسم المصحف، على التوزيع التالي: زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني، وعبد الله بن السائب مقرئ المصحف المكي، والمغيرة بن شهاب مقرئ المصحف الشامي، وأبو عبد الرحمن السّلمي مقرئ المصحف الكوفي، وعامر بن عبد القيس مقرئ المصحف البصري (٢).\nوفي مقابل ذلك أمر عثمان بما سوى ذلك من المصاحف أن يحرّق،\n_________\n(١) خلافا لما توهمه بعض السابقين ممن لم يحقق فزعم أنه كان سنة ٣٠، ومن ثم جاء بعض الأجانب ليبني على هذا القول الساقط خيالات باطلة، وانظر تحقيق الترجيح في فتح الباري للحافظ ابن حجر.\n(٢) بتصرف يسير عن مناهل العرفان ج ١ ص ٣٩٦ - ٣٩٧.","vol":"1","page":176},{"text":"فاستجاب الصحابة كلهم لذلك، وحمدوا صنيعه، حتى عبد الله بن مسعود نفسه، فإنه بعد أن امتنع قليلا وافق طواعية، كما ثبت ذلك بالأدلة القاطعة الثابتة عنه (١).\nوإنما صنع عثمان ذلك بهذه المصاحف الفردية لإزالة جذور الخلاف ومنابته.\nوقد انعقد إجماع الأمة عبر كل العصور منذ عهد الصحابة على التزام المصحف الذي أجمع عليه الصحابة ﵃، وعملت بذلك جميع الفرق الإسلامية، لا يسمح أحد بمخالفة المصحف لا في رسمه ولا ترتيبه.\nوهذه المصاحف في مختلف البلاد الإسلامية ولدى مختلف الفرق المسلمة لا تختلف في شيء عن مصاحف أهل السنّة، حتى في طريقة تقسيم السور وترقيمها، الأمر الذي أثبت بالدلالة القاطعة لكل العقلاء المنصفين على اختلاف أديانهم «أن المصحف الذي نسخه عثمان قد تواتر إلينا بدون أي تحريف على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها المتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي من الجميع للنص المقبول نفسه حتى اليوم يعدّ أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>فضيلة عمل عثمان:</span>\nوقد حمد المسلمون سلفا فخلفا لعثمان ﵁ صنيعه، حتى لقبوه جامع القرآن، لما «وفّق له من هذا الأمر العظيم، ورفع الاختلاف، وجمع الكلمة، وأراح الأمة» (٣).\n_________\n(١) انظر الآثار عنه في المصاحف لابن أبي داود تحت عنوان «رضا عبد الله بن مسعود لجمع عثمان ...».\n(٢) باختصار عن المستشرق (و. موير).\n(٣) البرهان ج ١ ص ٢٣٩ و٢٤٠.","vol":"1","page":177},{"text":"وقد ثبت عن عليّ ﵁ أنه قال: «يا معشر الناس، اتقوا الله، وإياكم والغلو في عثمان وقولكم حراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملإ منا» (١).\nوقال علي ﵁ أيضا: «لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل» (٢).\nوقد عنيت الأمة الإسلامية بهذه المصاحف العثمانية أكبر عناية، فاتخذت هذه المصاحف أصولا يؤخذ منها، وأئمة يقتدى في كتابة المصاحف بها، حتى حدثنا الرحالون المسلمون العلماء، والأئمة الكبار عن نسخ من هذه المصاحف أو قطع منها شاهدوها في بلاد الإسلام، ولا تزال أجزاء هامة من بعض هذه المصاحف حتى عصرنا هذا تحتفظ بها بعض دور الآثار الضخمة وتزهو بها على العالم.\nويحدثنا الإمام ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة (٧٧٤ هـ) عن المصحف الشامي فيقول (٣): «أما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديما بمدينة طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود سنة ٥١٨، وقد رأيته كتابا عزيزا، جليلا، عظيما، ضخما، بخط حسن مبين، قوي، بحبر محكم، في رقّ أظنه من جلود الإبل».\nوقد ظل هذا المصحف مفخرة تزهو بها دمشق، ويحتضنها جامعها الأموي الكبير، حتى كان الحريق الكبير الذي أصاب المسجد الأموي سنة\n_________\n(١) فتح الباري ج ٩ ص ١٥ والنص أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٣٠ وابن الأنباري والسياق لابن أبي داود لكن الجملة الأولى من سياق ابن الأنباري، وانظر الإتقان ج ١ ص ٥٩ ومقدمتان في علوم القرآن ص ٤٦ ومناهل العرفان للزرقاني ج ١ ص ١٥٥.\n(٢) المصاحف من أكثر من طريق ص ١٩ و٣٠ وانظر البرهان ج ١ ص ٢٤٠.\n(٣) في كتابه فضائل القرآن المطبوع في آخر تفسير ابن كثير ج ٤ ص ١٥.","vol":"1","page":178},{"text":"١٣١٠ هـ، واحترق فيه هذا المصحف الجليل (١).\nوهكذا سجلت الأمة الإسلامية بحفظها القرآن في الصدور والسطور منذ عهد الرسالة، ثم بصنيع أبي بكر وصنيع عثمان بن عفان والصحابة في نسخ المصاحف مزية ليست لأمة غيرها، هي اعتماد المسلمين على نسخ من كتاب ربهم، منقولة على غاية الدقة والتحري عن الأصل المكتوب عن نبيهم ﷺ، مع مقابلة ذلك كله بحفظه في صدور المسلمين كلهم، ثم نقله كذلك عبر أجيالهم، ليعترف لهم التاريخ على لسان الموالي لهم والمخالف لدينهم بأنه أدق وأكمل مما يتوقعه أو يمكن أن يفعله أي إنسان، تحقيقا لقول الله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.\n_________\n(١) قال الأستاذ العلّامة الدكتور صبحي الصالح في كتابه مباحث في علوم القرآن ص ٨٩:\n«وقد ذكر لي الزميل الأستاذ الدكتور يوسف العش أن القاضي عبد المحسن الأسطواني أخبره بأنه قد رأى المصحف الشامي قبل احتراقه، وكان محفوظا في المقصورة، وله بيت خشب» انتهى بحروفه.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>حفظ الله تعالى القرآن العظيم من التحريف والتبديل فيه والزيادة والنقصان أبد الآبدين</span>\nلقد أثبت البحث العلمي في حفظ القرآن على عهد الصحابة الكرام أنه قد ثبت قطعا ويقينا حفظ الصحابة للقرآن الكريم بعدد يفوق التواتر حفظا في الصدور، كما أنه حفظ تسجيلا في السطور في الصحف حتى بلغ عدد النسخ جملة كثيرة عند كتّاب الوحي الذين زاد عددهم على الأربعين.\nوهذا يدل قطعا على أن الله تعالى قد حفظ القرآن الكريم من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان. ويدل على ذلك أيضا أدلة أخرى كثيرة قطعية يقينية، نذكر نبذة منها فيما يلي:\nأولا: قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١). فقد دل على أنه سبحانه هو الذي أنزل هذا القرآن وهو تكفل أن يحفظه من التلاعب والزيادة والنقصان، فكما يجب الإيمان قطعا بأن هذا القرآن أنزله الله تعالى، يجب الإيمان قطعا بأن الله هو حافظ لهذا القرآن قطعا. وذلك يوجب ألا يدخل عليه أي تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان.\nفلو جرى على هذا القرآن تبديل أو تغيير أو زيادة أو نقص: لما صحّ الخبر في قوله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ولما صدق الله تعالى وعده بالحفظ لهذا القرآن العظيم، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإن الله تعالى لا يخلف\n_________\n(١) سورة الحجر، الآية ٩.","vol":"1","page":180},{"text":"وعده، وإن خبره صادق محتم الوقوع. ومن أصدق من الله قيلا! ومن أوفى بعهده من الله!! فإنه سبحانه لا يكذب خبره ولا يتخلّف وعده ولا تنقض كفالته.\nثانيا: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (١).\nفإنه لو جرى على هذا القرآن الكريم تبديل أو زيادة أو نقص: لكان ذلك منافيا ومعارضا لقوله لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فإن الله تعالى أخبر أن الباطل لا يأتي هذا القرآن ولا يتسرب إليه لا في نصوصه ولا في معانيه، فهو لا يعارض ولا يناقض، ولا يزاد فيه ولا ينقص منه، لأن الزيادة فيه باطلة ليست منه، والنقص منه هو إبطال لما هو منه حقا دالا على حق. فقوله تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ دليل صيانته وحفظه من التلاعب والزيادة والنقص. وهذا الخبر القرآني لا يتخلف ولا يتبدل. إذن فالباطل لا يمكن أن يتسرب إلى هذا القرآن قطعا، لا في نصوص كلماته بزيادة أو نقص، ولا في معانيه بتكذيب أو نقض.\nثالثا: لو جرى على هذا القرآن الكريم تحريف أو زيادة أو نقص: لكان ذلك منافيا ومخالفا لقوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ الآية. وذلك أن الله\nتعالى أمر نبيه ﷺ بقوله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. فقد أمر الله رسوله ﷺ أن ينذر به أول هذه الأمة وأوسطها وآخرها على حد سواء، وجعل الله تعالى القرآن الكريم حجة لرسول الله ﷺ على جميع العباد، وبلاغا عنه لكافة العباد إلى يوم المعاد، فإنه ﷺ صاحب الرسالة العامة للثقلين إلى يوم القيامة، ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يبقى كتابه الذي أنزله الله عليه، يبقى محفوظا إلى يوم الدين، لتقوم الحجة على العباد، وليهتدوا به إلى سبيل\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية ٤١.","vol":"1","page":181},{"text":"الرشاد، ويبلّغه آخر هذه الأمة كما بلغه ﷺ لأولها.\nفلو جاز أن يجري عليه تحريف أو زيادة أو نقص لما تحقق إنذاره ﷺ بالقرآن لمن يأتي من بعده، كما أنذر الذين في عصره، في حين أن الآية تخبر بإنذاره ﷺ لمن في عصره ومن بعده على حد سواء.\nرابعا: لو جرى على هذا القرآن الكريم تحريف أو زيادة أو نقص:\nلأدّى ذلك إلى ذهاب الثقة به، ولأدّى ذلك إلى عدم الإيمان الجازم بما جاء به، وكيف لا يوثق به ولا يقطع جزما بما جاء به، مع أن الله تعالى بيّن لعباده أن هذا الكتاب الذي هو بجميع آياته موثوق به ومقطوع بحقيقته لا يتطرق الباطل ولا الخلل إلى جانب من جوانبه. قال تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فإن فحوى هذه الآية ونصها يناديان العباد ويخبرانهم أن الثقة كل الثقة، واليقين كل اليقين، والحق كل الحق، في هذا الكتاب العزيز الذي لا يجد الباطل والوهم والكذب والافتراء والتلاعب وما شابه ذلك- لا يجد ذلك إلى الكتاب سبيلا أصلا.\nفلو جرى عليه تحريف أو زيادة أو نقص لذهبت الثقة واليقين به.\nأما ذهاب الثقة بالمزيد فالأمر بيّن. وأما ذهاب الثقة بالمزيد عليه فإن العاقل يقول: لعل في هذا الأصل زيادة أيضا، فما يدرينا أنها كلّها أصل؟! وأما ذهاب الثقة به حالة النقص: فذلك لأن بين الأصل المنقوص عنه والشيء الناقص منه ارتباطا في المعاني والأحكام والأخبار وغير ذلك، ولو جرى عليه النقص لأدى ذلك إلى عدم الثقة بالناقص والمنقوص منه. فلا يكون أحد من المسلمين على ثقة بدينه، لاحتمال نسخ بعض الصلوات أو تغيير أوقاتها أو الزيادة عليها، أو نسخ الزكاة أو مقاديرها، أو نسخ الصيام أو الزيادة فيه أو بتبديله بغيره، أو نسخ الحج، أو تحليل الخمر والميسر ونحوهما من المحرمات، أو تحريم بعض أنواع من الحلال، وبذلك لا يكون أحد من الناس على عبادة إلا وهو على شك منها، ولا يقدم على حلال ولا يحجم عن","vol":"1","page":182},{"text":"حرام إلا وهو متشكّك، فأين الإيمان والجزم بشرع الله تعالى! نعوذ بالله تعالى! إن ذلك يخل بوجوب امتثال الإسلام، الذي كلف الله تعالى به جميع الأنام، في كل الأزمان، وذلك الإخلال ضد نصوص القرآن القطعية التي تطالب الناس بالإسلام في كل عصر وآن. قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا الآية. وقال تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فلذلك كان أيضا حفظ كتابه النازل عليه ﷺ ثابت بالأدلة القطعية المفحمة للعقول، كما تقدم.\nومن ذلك أيضا قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا فقد بيّن سبحانه في هذه الآية أن وظيفة سيدنا محمد ﷺ عبد الله ورسوله أن ينذر العالمين إلى يوم الدين، دون أن يقتصر على أهل زمانه فحسب. ولا بد لهذا الخبر أن يتحقق وقوعه، لأنه من الله تعالى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا فكيف كان ذلك؟ هل تحقق أم لا؟.\nنعم كان ذلك حقا، كما بيّن الله تعالى في قوله وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أي وأنذر القرآن كل من بلغه هذا القرآن إلى يوم الدين، لأن هذا القرآن باق كما هو، إلى يوم الدين بحفظ رب العالمين (١).\nخامسا: إن من المعلوم قطعا أن القرآن الكريم كان في حياة الصحابة والسلف الصالح بمنزلة الروح من الجسد، به آمنوا بالإسلام، وبه جاهدوا، وبه جادلوا وقارعوا أهل الملل، ولأجله عاشوا، وبذلوا أرواحهم رخيصة من أجل القرآن ودعوته، واستحفظوه حوافظهم الفذة، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار. فمن المحال أن يحصل في كتاب الله تعالى خلل أو زيادة أو نقص من أي شخص كان مهما عظم شأنه سهوا أو عمدا إلا وينهض القوم بأجمعهم\n_________\n(١) تلاوة القرآن المجيد ص ١١ وما بعد، وهدي القرآن الكريم إلى الحجة والبرهان ص ٢١٦ وما بعد، كلاهما لفضيلة أستاذنا الشيخ عبد الله سراج الدين حفظه الله.","vol":"1","page":183},{"text":"كبيرهم وصغيرهم، دانيهم وقاصيهم لتقويم العوج وتصحيح النص.\nويحاربون لأجله، ويجاهدون في سبيله، لا سيما وأن إعداد نسخة المصحف التي أريد أن تكون مرجعا للناس، التي أعدت في عهد أبي بكر الصديق ﵁ ثم نسخ\nالمصاحف عنها في عهد عثمان بن عفان ﵁ كان ذلك كله باطلاع المسلمين كلهم، ومراجعة كل من عنده علم بشيء من كتاب الله تعالى، الأمر الذي يوقن به كل عاقل بأن نص القرآن الموجود هو طبق الوحي الذي نزل على النبي ﷺ، وكما هو في اللوح المحفوظ، يتعبد به المسلمون ربهم، ويتشرف به القارءون، ويهتدي به العالم (١).\nسادسا: على أنه لو كان عليّ بن أبي طالب ﵁ يعلم أن في القرآن الكريم الذي نشره عثمان في الأمصار إسقاطا، أو تغييرا ما، لما أمكن أن يتجاوزه أبدا، ولما جاز له أن يشتغل وهو خليفة آلت إليه أمور المسلمين لمدة ست سنوات تقريبا يشتغل بمقاتلة من خالفوه في السياسة عن تصحيح القرآن ومقاتلة الذين رضوا بتحريفه وتبديله. فكيف وهو لم يفعل شيئا من\n_________\n(١) وليست القضية كما زعم بعضهم: «أن المعارضة لا يمكن أن تترك هذه الفرصة تمر، دون أن تستغلها في صراعها مع العهد والخليفة، مع أننا لا نجد إشارة إلى ذلك في كلامهم» انتهى.\nوهذا زعم عجيب جدا، ناشئ عن الخطأ العظيم في فهم مجتمع الصحابة الذين نزع الله الغلّ من صدورهم، وكانوا إخوانا متحابين، لا سيما في عصر الراشدين، أو هو قياس غريب على الأوضاع السياسية الحاضرة التي فيها أحزاب حكومة وأحزاب معارضة.\nوإلا فإن المعارضة في عهد الشيخين أبي بكر وعمر وكذا في عهد عثمان لا وجود لها إلا في خيال هذا القائل الواهم.\nومما يدل على ما نقول أنه لولا أن الكلمة مجتمعة عند الصحابة كلهم على كتاب الله بأقصى تقديس وغيرة لما كان بوسع المعارضة المزعومة في كلام هذا القائل أن تفعل شيئا. فدلّ كلام هذا القائل نفسه على أن القضية هي قداسة القرآن، والحفاظ عليه، والإجماع على العمل به وبسنّة النبي ﷺ من الصحابة جميعهم، والأمة كلها في عهد الراشدين ومن بعدهم، وإلا فلا سلطان بل لا وجود لمن خالف ذلك، فلا يمكن أن يطرأ على القرآن تغيير قط.","vol":"1","page":184},{"text":"ذلك، ولا فاه بكلمة حوله، بل كيف وقد كان هو يتلو القرآن وفق المصحف الذي نشره عثمان ويؤم الناس به في الصلوات.\nسابعا: لقد ذكر الله تعالى بالمدح والتعظيم- التوراة، ثم ذكر الإنجيل، ثم ذكر هذا القرآن الكريم، وبيّن منزلته من بين الكتب الإلهية، ورفعة رتبته على جميع الكتب، وأنه المهيمن على الكتب السماوية التي نزلت قبله! قال تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ الآية. ثم قال تعالى ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ الآية. ثم قال تعالى وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.\nفقد أخبر سبحانه عن رتبة هذا الكتاب العزيز بالنسبة لجميع الكتب قبله بأنه مصدق لما جاءت به من عند الله تعالى، وأنه المهيمن على جميع الكتب قبله.\nقال ابن عباس ﵄: «المهيمن الأمين. والقرآن أمين على كل كتاب قبله».\nوقال أيضا: «المهيمن: الحاكم».\nوكلا قوليه هنا صحيح.\nفإذا كان أمر القرآن وموقفه من الكتب السابقة أنه هو الأمين عليها، والحاكم على ما فيها فلا يمكن أن يجري عليه تحريف في كلمة، ولا زيادة أو نقص، لأن ذلك يعني أن الله تعالى قد نصب على كتبه السماوية السابقة أمينا غير مضمون وحكما غير مأمون. تعالى الله الحكيم العليم عن ذلك علوا كبيرا.\nبل إن في جعل الله تعالى هذا القرآن الكريم أمينا وحكما على الكتب قبله شهادة منه سبحانه بضمانة وأمانة هذا القرآن وحفظه من التلاعب فيه والزيادة والنقص، ولذلك حقّ له أن يكون مهيمنا على الكتب السماوية قبله،","vol":"1","page":185},{"text":"حاكما عليها وشاهدا وأمينا، يحقّ ما فيها من حق، ويبطل ما حرّف منها، أو زيد فيها.\nوهكذا نجد الأدلة القطعية اليقينية تشهد بحقية نقل القرآن، ذلك النقل الذي لم يكن لكتاب غيره قط باجتماع التواتر له حفظا في الصدور وتدوينا في السطور. وضمان من الله تعالى بل ضمانات، وتكفل بل كفالات، وأي ضمان أعظم من ضمان الله، وأي كفالة أحفظ من كفالة الله تعالى، كيف وقد أكّد ﷿ وعده القاطع وكفالته الضامنة بمؤكدات على غاية القوة، فقد أكّد ب «إنّ»، ثم أكد بالضمير «نحن»، ثم باللام في لَحافِظُونَ.\nثم زاد هذه المؤكدات قوة بالتعبير بصيغة العظمة التي في الجمع إِنَّا نَحْنُ، وبالجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام، فأفاد ذلك تأكيدا بالغا غاية الغايات، ونهاية النهايات.\nوبهذا آمنا بحفظ القرآن الكريم من التبديل والتغيير والزيادة أو النقص، إيماننا بنزوله من عند الله، وإيماننا بمن أنزله وهو الله ﷾، لنقبل عليه تلاوة وتدبرا، وعلما وعملا، ودعوة للخلق إليه، بكل يقين واطمئنان، كما تشير لذلك عبارة الآية الكريمة، لمن تأملها:\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>الفصل التاسع عشر رسم القرآن الكريم</span>\nهذا البحث يظهر لنا غاية حفظ الأمة لكتاب ربها، حتى في طريقة كتابته.\nوالمراد برسم القرآن هنا كيفية كتابة الحروف والكلمات في المصحف على الطريقة التي كتبت عليها في المصاحف التي أمر عثمان اللجنة الرباعية فكتبتها، ووزّعها على الأمصار. ويطلق عليه: رسم المصحف، ومرسوم الخطّ (١).\nويرجع هذا الرسم في الأصل إلى كتابة القرآن بإملاء النبي ﷺ على كتاب الوحي، فكتبوه حسبما يعرفون وبإشرافه ﷺ واطلاعه عليه (٢).\nومن هنا فإن جمهور العلماء ذهبوا إلى منع كتابة المصحف بما استحدث الناس من قواعد الاملاء، للمحافظة على نقل المصحف بالكتابة على الرسم نفسه الذي كتبه الصحابة واستمرت عليه الأمة (٣)، وقد صرح الإمام أحمد فيه\n_________\n(١) الإتقان ج ٢ ص ١٦٦.\n(٢) وليس منشأ الرسم هو تأثر المسلمين العاطفي بإجلال الخليفة الشهيد عثمان بن عفان كما تصوره بعض الكاتبين متأثرا بآراء استشراقية.\n(٣) مناهل العرفان ج ١ ص ٣٧٠.","vol":"1","page":187},{"text":"بالتحريم فقال: «تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك» (١).\nوسئل الإمام مالك: هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى.\nقال الإمام أبو عمرو الداني: «ولا مخالف له من علماء الأمة» (٢).\nوهكذا اتخذت الأمة الإسلامية الرسم العثماني سنّة متبعة إلى عصرنا هذا، كما قال البيهقي في شعب الإيمان: «واتباع حروف المصاحف عندنا كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها» (٣).\nوكان ذلك للمبالغة في المحافظة والاحتياط على نص القرآن حتى في مسألة شكلية هي كيفية رسمه.\nلكن العلماء استثنوا من ذلك نقط المصاحف وتشكيلها، لتمييز الحروف، والحركات فأجازوا ذلك بعد اختلاف في الصدر الأول عليه، وذلك لما اضطروا إلى ذلك لتلافي الاخطاء التي شاعت بسبب اختلاط العرب بالعجم.\nوكان أول ما فعلوه من ذلك ضبط حركات الحروف، وقد رمزوا لذلك في بادئ الأمر بنقط على كيفية معينة، ثم تلا ذلك تمييز الحروف المعجمة عن غيرها.\nوقد اختلفوا في أول من نقّط المصاحف، فقال المبرد: «أول من نقّط المصاحف أبو الأسود الدؤلي صاحب علي بن أبي طالب، وذكروا أن ابن سيرين التابعي كان له مصحف نقّطه له يحيى بن يعمر، وذكر الجاحظ في\n_________\n(١) المقنع لأبي عمرو الداني ص ٣٠ وانظر البرهان ج ١ ص ٣٧٩.\n(٢) المقنع ص ١٠ والبرهان الموضع السابق.\n(٣) البرهان ج ١ ص ٣٨٠.","vol":"1","page":188},{"text":"كتاب الأمصار أن نصر بن عاصم أول من نقّط المصاحف وكان يقال له: نصر الحروف (١).\nوهكذا حافظت الأمة على صورة الحروف والكتابة وفق الرسم العثماني، إنما أضافت له النقط والشكل، لما أن ذلك دلالة على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها.\nوإذا ما نظرنا لمتطلبات العصر وللحاجة إلى تسهيل قراءة القرآن وتعلمه على الناس فبوسعنا أن نقول: إنه يجوز كتابة القرآن بالرسم المعتاد لنا في مجالس التعليم، لتسهيل التعلم ولكي يتم نقل المتعلم إلى الرسم الأصلي بسهولة، نتيجة تدربه على أسلوب القرآن الكريم، على ما يستفاد من رأي الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀، الذي توسّع في هذه المسألة ولم يلزم العامي بالرسم العثماني قائلا: «لئلا يوقع في تغيير الجهّال، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاته لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>أحكام تختص بالمصحف:</span>\nلما كان المصحف يضم بين دفتيه كلام الله ﵎، فقد اختص بأحكام شرعية ليست لغيره من الكتب مهما جلّت أو عظمت أهميتها، وقد عني العلماء بتفصيل تلك الأحكام، وتفريعها، نذكر مهمات منها فيما يلي:\n١ - كره كثير من العلماء بيع المصاحف وشراءها، لما أخرج ابن أبي داود عن عبد الله بن شقيق قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يشددون في بيع المصاحف».\nوالمختار عند بعض الأئمة ومنهم الشافعية كراهية البيع دون الشراء، والثمن يتوجه إلى الورق أو أجرة الكتابة، أو يتوجه لهما معا.\n_________\n(١) البرهان ج ١ ص ٢٥٠ - ٢٥١.\n(٢) البرهان ج ١ ص ٣٧٩.","vol":"1","page":189},{"text":"ولعل هذا بالنسبة لمن عنده مصحف في بيته فلا يبيعه، أما أصحاب المكتبات فلا يمكن تطبيق ذلك عليهم، لما فيه من تعطيل مصالح المسلمين، غير أنه لا يسمى بيعا بل هبة، ولا يقال اشترى بل استوهب، تأدبا واحتراما.\n٢ - يستحبّ تقبيل المصحف وتطييبه، وجعله على كرسي، ويحرم توسده، لأن فيه امتهانا، وكذا مد الرجلين إليه.\n٣ - يستحب الاستياك لقراءة القرآن.\n٤ - إذا احتيج إلى تعطيل أوراق فيها قرآن لبلاء أو نحوه فلذلك طرق:\nغسلها بالماء إن أمكن أو إحراقها بالنار، واختار الحنفية أن يحفر له في الأرض ويدفن في موضع بعيد عن أن تطأه الأقدام.\n٥ - اتفق جماهير العلماء ومنهم الأئمة الأربعة على تحريم مسّ المصحف للمحدث حدثا أصغر أو أكبر، لقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، ولما ثبت في الحديث: «أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر» (١).\n_________\n(١) انظر هذه الأحكام وغيرها في البرهان ج ١ ص ٤٥٩ و٤٧٧ - ٤٨٠ والإتقان ج ٢ ص ١٧٢ - ١٧٣، وانظر تفصيل مسألة مس المصحف في كتابنا هدي النبي ﷺ في الطهارة والصلاة.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>الفصل العشرون إعجاز القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>المعجزة في اصطلاح علماء التوحيد هي:</span>\n«أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة».\nويطلق على المعجزات دلائل النبوة وأعلام النبوة، ونحو ذلك، وهذه الألفاظ إذا سميت بها آيات الأنبياء كانت أدل على المقصود من لفظ المعجزات، ولهذا لم يكن لفظ المعجزات موجودا في الكتاب ولا في السنّة، وإنما فيه لفظ الآية، والبينة، والبرهان» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر:</span>\nقد يكرم الله تعالى بعض أوليائه من المتقين الأبرار بأمر خارق يجريه له، ويسمى ذلك «الكرامة».\nوثمة فرق شاسع بين المعجزة والكرامة، لأن الكرامة لا يدّعي صاحبها النبوة، بل لا يتحدى بها الناس، وإنما تظهر على يده لصدقه في اتباع النبي، لذلك قرر كثير من المحققين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره أن الكرامات التي تقع للأولياء هي من جملة معجزات الأنبياء، وهذا حق وصواب، لأن هؤلاء الأبرار ما كانت تقع لهم هذه الخوارق لولا اعتصامهم بالاتباع الحق للنبي ﷺ، وقيامهم بدعوته، فكانت الكرامة لهم معجزة للنبي\n_________\n(١) لوائح الأنوار البهية للسفاريني ج ٢ ص ٢٧٨ نقلا عن الجواب الصحيح لابن تيمية، لكن يجب التنبه إلى التمييز بين المعجزة والآية أو البرهان والبينة في اصطلاح علماء التوحيد.","vol":"1","page":191},{"text":"ﷺ، ومن ثم تقررت هذه القاعدة: «كل كرامة لولي معجزة لنبيه».\nوهذا يبين لنا أن شرط الكرامة للولي صدق الاتباع للنبي ﷺ لكن ليس من شرطه العصمة، فإن الولي قد يقع في المعصية، أما الأنبياء فقد عصمهم الله تعالى.\nوأما السحر فهو أبعد شيء عن المعجزة أو الكرامة، وإن كان قد يقع فيه غرابة وعجائب، لكنه يفترق عن المعجزة والكرامة من أوجه كثيرة تظهر في شخص الساحر وفي عمل السحر:\nفمما يفترق به الساحر عن الولي ركوب متن الفسق والعصيان، والطاعة للشيطان، والتقرب إلى الشياطين بالكفر والجنابة والمعاصي، حتى ترى الساحر أكذب الناس وأشدهم شرا.\nوأما عمل السحر فقد يكون مستغربا طريفا، لكنه لا يخرج عن طاقة الإنس والجن أو الحيوان، كالطيران في الهواء مثلا، بل هو أمر مقدور عليه لأنه يترتب على أسباب إذا عرفها أحد وتعاطاها صنع مثلها أو أقوى منها، لذلك ما إن يواجه السحر بالحقيقة حتى يذهب سدى، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى، ومن هنا خضع السحرة لموسى ﵇، لأنهم وهم أعرف الناس بالسحر، كانوا أكثر الناس يقينا بحقية معجزته، وصدق نبوته فما وسعهم أمام جلال المعجزة الإلهية إلا أن خروا سجدا وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>تنوع المعجزة وحكمته: وتنقسم المعجزات إلى قسمين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>القسم الأول: المعجزات الحسية:</span>\nمثل معجزة الإسراء والمعراج، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ حتى روى المئين، وتكثير الطعام القليل، وقلب الحصى حية، وإحياء\nالموتى ...","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>القسم الثاني: المعجزات العقلية:</span>\nمثل الأخبار عن المغيبات، والقرآن الكريم، واستجابة الدعاء.\nوقد جرت سنّة الله تعالى كما قضت حكمته أن يجعل معجزة كل نبي مشاكلة لما يتقن قومه ويتفوقون فيه. ولما كان العرب قوم بيان ولسن، يقادون بمقولهم كانت معجزة النبي ﷺ الكبرى هي القرآن الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>مصدر علمنا بإعجاز القرآن:</span>\nوقد أعلن إعجاز القرآن على العالم من أعظم مصدر ثابت وهو القرآن نفسه، حيث نادى على رءوس الأشهاد وفي كل جيل وقبيل يتحدى الناس بل العالم أن يأتوا بمثله، قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (١).\nفقد كبّلهم بالعجز عن هذا التحدي فلم يفعلوا ما تحداهم، فجاءهم بتخفيف التحدي فتحداهم بعشر سور فحسب في هذه الآية:\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٢).\nثم أرخى لهم حبل التحدي، ووسّع لهم غاية التوسعة فتحدّاهم بسورة واحدة أيّ سورة ولو من قصار السور، قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣).\nوقد مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر عاما والمسلمون قليل مستضعفون، وكان الوحي يتتابع وهو يتحداهم، ويفضح عجزهم الذي استبان وظهر لكل من له عين تبصر، وأذن تسمع، وعقل يعي،\n_________\n(١) سورة الطور، الآيتان ٣٣ و٣٤.\n(٢) سور هود، الآيتان ١٣ و١٤.\n(٣) سورة يونس، الآية ٣٨.","vol":"1","page":193},{"text":"وقد قطع الله عليهم بل على الثقلين كلهم منافذ اللدود لهذا الإعلان الحاسم قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (١).\nوقد أمعن القرآن في هذا التحدي وأكده في سورة البقرة المدنية، فتحداهم ثانية بسورة منه، وأكد عجزهم عن ذلك بالإعلان على العالم أنهم لن يستطيعوا ذلك، ولن يفعلوه أبدا:\nوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>القدر المعجز من القرآن:</span>\nوهكذا نجد القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثل سورة واحدة من القرآن، ولو كانت من قصار سوره، وإذا كانت أقصر سورة فيه هي سورة الكوثر تتألف من ثلاث آيات قصار علمنا أن كل آية طويلة معجزة، وكل عدة آيات قصار تبلغ سورة الكوثر أو أكثر من ذلك فهي معجزة كذلك.\nوإذا علمت أن عدد آيات القرآن يزيد على ستة آلاف آية علمت كم عدد المعجزات في القرآن الكريم، فضلا عن النظر فيما يحمله من أوجه الإعجاز المتعددة، فتكون معجزاته بذلك كثيرة متنوعة يضيق عنها الحصر والتعداد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>خصائص إعجاز القرآن:</span>\nإن من المقرر المعلوم أن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى بين سائر المعجزات، لما اختص به في إعجازه من خصائص ليست لمعجزة سواه.\n١ - اختص القرآن: «مع كونه معجزا أنه معجز لجميع المكلفين، فوجب في الحكمة أن يكون أمرا يبقى ببقاء التكليف، ولذلك تكفل الله تعالى\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية ٨٨.\n(٢) سورة البقرة، الآيتان ٢٣ و٢٤.","vol":"1","page":194},{"text":"بحفظه وحراسته، وخصّه بأن أودعه من علم الأولين والآخرين ومن دلالة الحرام والحلال ما يدعو إلى تحفظه والتوفر على تأمله ...» (١).\n٢ - اختص بالقرآن بكونه معجزة بذاته بخصوصية ثانية انفرد بها عن جميع المعجزات بل عن جميع البراهين والبينات، قال ابن خلدون:\n«فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه، والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه، ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه، وهذا معنى قوله ﷺ «ما من نبيّ من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (٢). يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهي كونها نفس الوحي، كان المصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدق والمؤمن وهو التابع والأمة» (٣).\n٣ - ثمة خصوصية أخرى بالغة الأهمية هي أن الإعجاز في الخوارق الحسية أنها أمور مخالفة للمعتاد من سنن الكون، وقواعد الطبيعة، فتأتي المعجزة الحسية ويدركها الناس بتلك المخالفة لقوانين الطبيعة فيعلمون إعجازها وصدق النبي الذي ظهرت على يديه (٤).\n_________\n(١) المغني للقاضي عبد الجبار ج ١٦ ص ٣٤٤.\n(٢) البخاري ج ٩ ص ٩٣ ومسلم ج ١ ص ٩٢ - ٩٣.\n(٣) مقدمة ابن خلدون ص ١٠٦ - ١٠٧ مطبعة التقدم بمصر سنة ١٣٢٩.\n(٤) ننبه هنا إلى أنها ليست مخالفة للعقل، ولا هي مستحيلة في النظر العقلي المجرد، أي أن تتابع الأحداث في الطبيعة وإنتاج الأسباب للمسببات ليس واجبا عقليا مثل كون الواحد والواحد يساوي اثنين، لكن العادة جرت على ذلك بحكمة الله تعالى وتدبيره، وقد يتحقق السبب ولا يتحقق المسبب لمانع، أو لتدخل قانون طبيعي أعلى من الأول، وهكذا يجري الله المعجزات وفق سنن إلهية خاصة غير معروفة للبشر، ولا داخلة في تعلمهم، وهو خالق العالم ومدبره، وذلك لتحقيق حكمته وإرادته في تأييد رسله وأنبيائه.","vol":"1","page":195},{"text":"أما إعجاز القرآن فإنه لم يكن بواسطة مخالفة السنن الكونية، وصرف الإنسان عنها، بل إن معجزة هذا القرآن يدركها الإنسان بمقدار إعمال عقله وفهمه، بل إنه كلما ازداد معرفة بسنن الكون والطبيعة ازداد يقينا بإعجاز هذا القرآن.\nولذلك واجه القرآن عناد المشركين وتطلبهم للمعجزات بخصوصية القرآن الكبرى التي تجعله يكفي عن كل معجزة، فقال ﷿:\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>شهادة العالم بإعجاز القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>شهادة العرب بأحوالهم وأفعالهم:</span>\nبعث الله محمدا ﷺ والعرب أكثر ما كانت شاعرا وخطيبا،- كما ذكر الجاحظ- وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت في البيان عدة، لهم القصيد العجيب، والرّجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، إذا تأملت بالذوق الصحيح والملكة الفنية المذواق تبينت من خلال أدبهم ما بلغوه في هذا المضمار.\nفلما أمر الله نبيه أن يبلغ دعوته للناس راح يتتبع أفراد عشيرته وقومه، يقرأ عليهم ما نزل عليه من القرآن، ولم يكن برهانه ولا ما أمر به أن يلزمهم حجة وبرهانا، أنما هو إله واحد وأن محمدا نبي لله إلا دليلا واحدا هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه.\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآيتان ٥٠ - ٥١.","vol":"1","page":196},{"text":"قال الإمام الباقلاني: «فلو كان هذا القرآن من ذلك القبيل- الشعر- أو من الجنس الذي ألفوه لم تزل أطماعهم عنه، ولم يدهشوا عند وروده عليهم، فكيف وقد أمهلهم، وفسح لهم الوقت، وكان يدعوهم إليه سنين كثيرة، وقال عزّ من قائل: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ.\nوبظهور العجز عنه بعد طول التقريع والتحدي بان أنه خارج عن عاداتهم وأنهم لا يقدرون عليه ..» (١).\nبل إن العرب قد تحملوا في مواجهة التحدي بالقرآن وركوبهم متن العناد والتصميم على الشرك وعبادة الأوثان الأهوال والأخطار، فلو كان ذلك بوسعهم، وتحت مقدورهم لما عدلوا عن السهل المتناول من القول يخملون به حجته، ويصرفون الناس عن دعوته، إلى ركوب متن كل صعب وذلول، وتكلف الوعر المضني من الفعل بخوض غمار الحروب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>شهادة بلغاء العرب بإعجاز القرآن بأقوالهم:</span>\nصدرت عن سادة العرب الفصحاء البلغاء اعترافات صريحة بإعجاز القرآن، أملتها عليهم سجيتهم العربية، وطبيعتهم الفنية التي لا يمكن معها جور ولا محاباة، وإن كانوا مخالفين لرسول الله ﷺ معاندين دعوته إلى الإيمان، وقد أوردت لنا المصادر وقائع كثيرة يطول بسطها واستقصاؤها هنا (٢).\nمن ذلك ما روى الإمام محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله ﷺ في\nالمسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة ﵁ ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ قد اشتد\n_________\n(١) إعجاز القرآن ص ٢٨٩.\n(٢) انظر للاستزادة إن شئت كتاب «المعجزة الخالدة» فقد توسع وأفاض.","vol":"1","page":197},{"text":"ساعدهم، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث علمت من السّطة (١) في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم وسفّهت به أحلامهم، وعبت آلهتهم ودينهم وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها؟\nقال فقال له رسول الله ﷺ: «قل يا أبا الوليد أسمع».\nقال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع (٢) على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: «أفرغت يا أبا الوليد» قال: نعم. قال: فاستمع مني، قال:\nأفعل. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٣). ثم مضى رسول الله ﷺ فيها وهو يقرؤها عليه فلما سمع عتبة أنصت وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال:\n«قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك».\nفقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: «نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكوننّ لقوله الذي سمعت نبأ، فإن\n_________\n(١) أي الفضل.\n(٢) أي الجني بزعمه الفاسد.\n(٣) سورة فصلت، الآيات ١ - ٤.","vol":"1","page":198},{"text":"تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإنّ يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزّكم وكنتم أسعد به. فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم» (١).\nولقد تحيرت العرب في شأن هذا القرآن لأنه نزل بلسانهم، لسان عربي مبين، ثم هم يجدونه مباينا لكلامهم، فحاروا ماذا يقولون فيه من طغيان اللدد والخصومة.\nوإنه لخبر مشهور، خبر تحير الملأ من قريش، حينما ائتمرت حين حضر موسم الحج، لكي يتفقوا على قول واحد يقولونه للناس، وقد رأوا شتات كلامهم السابق المختلف، وأداروا الرأي فيما يقولون في هذا القرآن وفي النبي الكريم الذي سوف يتلو هذا القرآن على الناس في الموسم؟.\nفطرحوا فكرة القول بأنه شاعر، وأنه كاهن، أو أنه مجنون أو ساحر، وصاحب المشورة فيهم الوليد بن المغيرة يرد كل ذلك عليهم بالحجة والبرهان، ثم قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لغدق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: «ساحر جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته».\nفهذا التحير المظلم الذي غشاهم وأخذ منهم بالكظم، والذي نعته الوليد فأجاد النعت، كان تحيرا لما يسمعون من نظمه، وإعظاما ودهشة لما يحسون من إعجاز بيانه.\nولهذا فإنهم كانوا يخافون أن يفلت الزمام من أحدهم فيدخل في الإسلام لتأثره بعظمة القرآن، حتى قالوا لبعضهم كما سجل القرآن ذلك عليهم:\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.\nفكانوا إذا تلا النبي القرآن عليهم صخبوا وصفقوا كيلا يتمكن الناس من\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٩٠ - ٩١.","vol":"1","page":199},{"text":"سماع القرآن بهذا الضجيج، فكانت طريقة في الغلبة طريفة ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>بلغاء كبار سمعوا القرآن فآمنوا:</span>\nوهذا أعظم الشهادات بإعجاز القرآن، إن سادة العرب في البيان ألقوا زمام قيادتهم وأسلموا لهذا القرآن وللنبي ﷺ «مثل لبيد بن ربيعة العامري في حسن إسلامه وكعب بن زهير في صدق إيمانه، وحسان بن ثابت، وغيرهم: من الشعراء والخطباء الذين أسلموا.\nعلى أن الصدر الأول ما فيهم إلا نجم زاهر، أو بحر زاخر» (١).\nوما قصة إسلام عمر بخافية عنا، وما أسلم إلا بتلاوته للقرآن الكريم من سورة «طه» كما هو معلوم.\nوروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ حديثا طويلا عن إسلامه، وفيه: أن أنيسا أخا أبي ذر ذهب إلى مكة ثم عاد فقال لأبي ذر:\n«لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت فما يقول الناس؟\nقال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم. ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر. والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون» (٢).\nونسوق لك تصريح جبير بن مطعم بأن سبب تحول قلبه إلى الإسلام، أنه أصغى إلى تلاوة الرسول سورة الطور في صلاة المغرب. فقد روى البخاري في صحيحه عن محمد بن جبير عن أبيه قال:\n_________\n(١) انظر إعجاز القرآن- للباقلاني- ص ٣٠٤ - ٣٠٥.\n(٢) صحيح مسلم- فضائل الصحابة- باب فضائل أبي ذر ﵁ ج ٤ ص ١٩٢٠ - طبع عيسى البابي الحلبي بمصر، أما قوله (على دينك) أي مثلك يعبد الله والمراد بقوله: (أقراء الشّعر) طرقه وبحوره، وبقوله (فما يلتئم .. أنه شعر) لا يوافق نسق الشعر.","vol":"1","page":200},{"text":"«سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>شهادة بلغاء من النصارى بإعجاز القرآن:</span>\nقال الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا في تقديمه كتاب إعجاز القرآن للرافعي:\n«فإن من أوتي حظا من بيان هذه اللغة وفاز بسهم رابح من آدابها حتى استحكمت له ملكة الذوق فيها، لا يملك أن يدفع عن نفسه عقيدة إعجاز القرآن ببلاغته وفصاحته، وبأسلوبه في نظم عبارته. وقد صرّح بهذا من أدباء النصرانية المتأخرين الأستاذ جبر ضومط مدرس علوم البلاغة بالجامعة الأمريكانية في كتاب (الخواطر الحسان)».\nقال الرافعي يعلق على هذا:\n«وصرح لنا بذلك «بإعجاز القرآن» أديب هذه الملة وبليغها الشيخ إبراهيم اليازجي الشهير، وهو أبلغ كاتب، أخرجته المسيحية، وقد أشار إلى رأيه ذلك في مقدمة كتابه (نجعة الرائد)، وكذلك سألنا شاعر التاريخ المسيحي الأستاذ خليل مطران، ولا نعرف من شعراء القوم من يجاريه فأقرّ لنا بمثل ما أقرّ به أستاذه اليازجي، والأمر بعد إلى العقل «المنصف»، والعقل «المنصف» ليس له دين إلا الحق. والحق واحد لا يتغير» (٢).\nكذلك الأديب الشاعر المعاصر نقولا حنا قد تلا القرآن، فجذبه إليه وشغل قلبه وفؤاده، وزاده إيمانا بالله على إيمانه، وقذف في أعماق فكره وضميره يقينا راسخا بأن القرآن هو كتاب الله المعجز العزيز وأنه يسمو على سائر معجزات الأنبياء، فهو معجزة إلهية خالدة تبرهن بنفسها على نفسها. وأعلن ذلك في قصيدة من روائع الشعر، عنون لها بهذا العنوان «من وحي القرآن» وقال في مقدمة هذه القصيدة:\n_________\n(١) كتاب المغازي والسير- قبيل باب تسمية من سمي أهل بدر.\n(٢) عن «وحي القلم» - بتصرف يسير ص ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":201},{"text":"«قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقت به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت ... آمنت بالقرآن الإلهي العظيم، وبالرسول من حمله، النبي العربي الكريم، أما الله فمن نصرانيتي ورثت إيماني به، وبالفرقان عظم هذا الإيمان ...\n«وكيف لا أومن ومعجزة القرآن بين يديّ أنظرها وأحسها كل حين ..\nهي معجزة لا كبقية المعجزات .. معجزة إلهية خالدة تدل بنفسها عن نفسها، وليست بحاجة لمن يحدّث عنها أو يبشر بها.\nوكان يقول: «وكم احتاجت وتحتاج الأديان السابقة إلى علماء ومبشرين وشواهد وحجج وبراهين لحضّ الخلق على اعتناقها، إذ ليس لديها ما هو منظور محسوس يثبّت أصولها في القلوب. أما الإسلام فقد غني عن كل ذلك بالقرآن، فهو أعلم معلم وأهدى مبشر، وهو أصدق شاهدا وأبلغ حجة وأدمغ برهانا ... هو المعجزة الخالدة خلود الواحد الأزلي، المنظورة المحسوسة في كل زمان ... ومن إيماني العميق هذا استلهمت أبيات قصيدتي هذه» (١).\nوذكر في قصيدته ثبوت نبوة محمد ﷺ بمعجزات كثيرة أجلّها القرآن، وكان مما قال فيها:\nيقولون ما آياته، ضلّ سعيهم ... وآياته- ليست تعدّ- عظام (٢)\nكفى معجز الفرقان للناس آية ... علا وسما كالنجم ليس يرام\nفكل بليغ عنده ظل صامتا ... كأن على الأفواه صرّ كمام (٣)\nوشاء إله العرش بالناس رحمة ... وأن يتلاشى حقدهم وخصام\nففرّق ما بين الضلالة والهدى ... بفرقان نور لم يشبه قتام\n_________\n(١) من وحي القرآن- نقولا حنا ص ١.\n(٢) «ليست تعد» جملة معترضة بين المبتدأ «آياته» والخبر «عظام»، والمراد أن آيات النبي عظام أي معجزاته عظيمة جدا وكثيرة لا يحيط بها العد والإحصاء.\n(٣) الصرّ: الشد أو الربط. الكمام: ما يكم به فم البعير لئلا يأكل أو يعضّ.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>منشأ إعجاز القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>رأي الإعجاز بالصّرفة:</span>\nعلى الرغم من إجماع العلماء على إعجاز القرآن، وأن إعجازه وصف ثابت له، فقد شذّ بعض المتكلمين وهو أبو إسحاق النظّام من المعتزلة، ونحى في هذه المسألة منحى انفرد به دون أهل العلم قاطبة، وعرف رأيه بينهم ب «الصّرفة».\nوقد فسر النظام إعجاز القرآن بهذا وقال يشرح رأيه: «إن الله ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك، وسلب علومهم به».\nوقد جرّ النظّام لهذا القول بعده عن معاناة أساليب البيان وانشغاله بالأساليب الفلسفية، مما أدى إلى وقوعه في هذا الخلط في تفسير إعجاز القرآن.\nوجدير بالذكر أن هذا القول لا يدخل فيه عنصر الطعن في القرآن، ولا كان في قصد صاحبه ما يحوم حول ذلك، لأنه يعترف ويشهد بأنه من عند الله تعالى، إلا أنه شذّ في تفسير إعجاز القرآن، وحسب القارئ هنا أن أحدا من علماء البيان لم يوافقه على ذلك، حتى المعتزلة أنفسهم ومنهم تلميذه الجاحظ، الذي عني برد هذا الرأي وجلاء إعجاز نظم القرآن حتى كان- أي الجاحظ- أول من يبلغنا عنه هذا التعبير «نظم القرآن».\nوالحقيقة أن هذا الرأي من الضعف بحيث يغني شرحه عن تكلف الردّ عليه، ولولا ترداده على ألسنة بعض المتحذلقين في هذا العصر لما عرضنا له بشيء لمصادمته بدهيات الدلالة من القرآن والإجماع والعقل والواقع، كما أوضحه العلماء.","vol":"1","page":203},{"text":"قال الإمام الزركشي في البرهان (١):\n١ - «وهو قول فاسد، بدليل قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم. ولو سلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى وليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره.\n٢ - هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة- أي نسبة- الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا غيره وليس فيه صفة إعجاز بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم قدرتهم عن الإتيان بمثله ...\n٣ - «ومما يبطل القول بالصّرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصّرفة لم يكن الكلام معجزا وإنما يكون المنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضلا على غيره في نفسه». يعني وأن فضيلة القرآن ظاهرة، ومزاياه معجزة باهرة، مما يدل على بطلان تفسير إعجاز القرآن بالصرفة، ويثبت الإعجاز الذاتي للقرآن العظيم.\nونتكلم عن أوجه إعجاز القرآن فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>أوجه إعجاز القرآن الكريم</span>\nكثرت الدراسات واستفاضت البحوث في تبيان أوجه الإعجاز الذاتي للقرآن فما من عصر إلا قدمت فيه مجموعة من الدراسات والآراء تحاول كشف أوجه إعجاز القرآن مما قدم للدراسات القرآنية واللغوية البيانية كنوزا لا تفنى ذخائرها ولا تبيد.\nوالجدير بالذكر هاهنا أن تعدد الآراء في بيان أوجه إعجاز القرآن وتنوع الوجهات في دراستها ليس تنوع اختلاف وتعارض، إنما هو تنوع ناشئ من غزارة فنون هذه المعجزة وعظمتها، مما يجعل أي فكر أو أي عصر من\n_________\n(١) ج ٢ ص ٩٣. باختصار وتصرف يسير.","vol":"1","page":204},{"text":"العصور عاجزا عن استنفاد أوجه إعجاز القرآن والإحاطة بها خبرا، وإنما يبلغ من ذلك مقدارا يتناسب مع ما يمكن أن يحققه هذا الإنسان العاجز المحدود، وهو يحاول\nفك أسرار الإعجاز، الذي تجاوز الطاقة والحدود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>عرض الإعجاز عند المتقدمين:</span>\nوسوف نكتفي بنموذج من بيان الأسلاف لأوجه إعجاز القرآن يساعد على استجماع الأفكار وتلخيص عصارة زبدة دراساتهم، ويمهد لتحليل جديد لهذه الأوجه.\nوهذا النموذج للإمام المفسّر الكبير أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ في مطالع كتابه العظيم في التفسير «الجامع لأحكام القرآن». قال القرطبي رحمه الله تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>ووجه إعجاز القرآن الكريم عشرة:</span>\n١ - منها: النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء، وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذرّ قال لأبي ذر: لقيت رجلا في مكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت:\nفما يقول الناس؟ قال يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء، قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.\nوكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا شعر لما قرأ عليه رسول الله ﷺ: حم فصلت، فإذا اعترف عتبة بن ربيعة على موضعه من اللسان وموضعه من الفصاحة والبلاغة، بأنه ما سمع مثل القرآن قط كان في هذا القول مقرا بإعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه.\n٢ - ومنها: الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب.\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ج ١ ص ٧٣ - ٧٥.","vol":"1","page":205},{"text":"٣ - ومنها: الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلى آخرها، وقوله سبحانه: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلى آخر السورة [الزمر: ٦٧ - ٧٥]، وكذلك قوله سبحانه:\nوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إلى آخر السورة [إبراهيم: ٤٣ - ٥٢].\nقال ابن الحصار: فمن علم أن الله ﷾ هو الحق، علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول:\nلِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا أن يقول: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ.\nقال ابن الحصار: وهذه الثلاثة من النظم، والأسلوب، والجزالة، لازمة كلّ سورة، بل هي لازمة كلّ آية، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر، وبها وقع التحدي والتعجيز، ومع هذا فكل سورة لا تنفرد بهذه الثلاثة، من غير أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة، فهذه سورة «الكوثر» ثلاث آيات قصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمنت الإخبار عن مغيّبين:\nأحدهما: الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرسل.\nوالثاني: الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد، على ما يقتضيه قول الحق: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا. وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا. وَبَنِينَ شُهُودًا. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثم أهلك الله- سبحانه- ماله وولده، وانقطع نسله.\n[قال نور الدين: قال القرطبي آخر تفسيره يفسّر الآية: «الأبتر: أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة». انتهى. قال نور الدين: «وهذا هو الصحيح. وقد حصل ذلك لمبغضي النبي ﷺ على أبلغ وجه.\nالصحيح. وقد حصل ذلك لمبغضي النبي ﷺ على أبلغ وجه.\nوفي الآية على هذا إشارة إلى غيب ثالث، هو عزّة الإسلام وانتشاره، حتى يؤدي إلى بتر مبغض النبي ﷺ وانقطاع ذكره، من خير الدنيا والآخرة].\n٤ - ومنها: التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به مخلوق،","vol":"1","page":206},{"text":"حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه.\n٥ - ومنها: الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطّه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه وتحدوه به من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين، فجاءهم- وهو أمّي من أمة أميّة ليس لها بذلك علم- بما عرفوا من الكتاب السالفة صحته، فتحققوا صدقه.\nقال القاضي أبو الطيب: ونحن نعلم ضرورة أن هذا ما لا سبيل إليه إلا عن تعلم، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار، وحملة الأخبار، ولا مترددا إلى المتعلم\nمنهم، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي.\n٦ - ومنها: الوفاء بالوعد، المدرك بالحس في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم: إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله ﵇، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، وإلى وعد مقيد بشرط كقوله:\nوَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وشبه ذلك.\n٧ - ومنها: الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي فمن ذلك ما وعد الله نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ الآية، ففعل ذلك.\nوكان أبو بكر ﵁ إذا أغزى جيوشه عرّفهم ما وعدهم الله من إظهار دينه، ليثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقا وغربا، برا وبحرا، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ","vol":"1","page":207},{"text":"قَبْلِهِمْ وقال: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وقال: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وقال:\nالم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ....\nفهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكون دلالة على صدقه.\n٨ - ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وفي سائر الأحكام.\n٩ - ومنها: الحكم البالغة التي لم تجر العادة أن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي.\n١٠ - ومنها: التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرا وباطنا من غير اختلاف، قال الله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا. انتهى كلام القرطبي.\nوبالنظر في هذه الأوجه العشرة نجد أن إعجاز القرآن يتنوع تنوعا واسعا شاملا للأسلوب وللمضمون أي المعنى، مما يجعل إعجازه متناولا كل أنواع البشر: من كان مميزا للكلام البليغ والأبلغ، ومن لم يرزق تلك الموهبة، وإن كانت الحجة تلزم هذا النوع من الناس بشهادة أهل الموهبة الفنية والذوق الأدبي، من الفصحاء العقلاء، والبلغاء المراجيح الألبّاء.\nلكن إذا أفحم هؤلاء القاصرون بمضمون القرآن وبما اشتمل عليه من المعاني لم يبق في الإعجاز أبلغ ولا أعظم من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>عرض الإعجاز عند المعاصرين:</span>\nوقد عني العلماء المعاصرون والباحثون المحدثون بتحقيق البحث في أوجه إعجاز القرآن مستفيدين من دراسات القدماء ومن نتائج بحث الحدثاء، وقدموا دراسات متوالية تنقّح كلّ دراسة الدراسة التي قبلها وتضيف إليها ما ولّدته","vol":"1","page":208},{"text":"قريحة كل دارس جاء بعدها. وكان أول المشاهير في العصر الحديث علّامة الأدب مصطفى صادق الرافعي ﵀ في كتابه «إعجاز القرآن»، ثم جاء البحّاثة المحقق الدكتور محمد عبد الله درّاز ﵀ فقدّم دراسات متعددة عن إعجاز القرآن كان أشهرها كتابه «النبأ العظيم»، الذي تميز بنظرات جديدة في الموضوع، ثم جاء معاصره العلّامة محمد عبد العظيم الزرقاني (١) فنقح القول في أوجه إعجاز القرآن وأفاد من دراسات الدكتور درّاز واستكمل دراسته فجاءت دراسة عصرية وافية اقتبس منها الدارسون وأفادوا من نتائجها، وعني بعضهم أخيرا (٢) بتنقيحها والبناء عليها فجاء عمله بذلك أتم وأوفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>[نتائج مستفيدين من هذه الدراسات]</span>\nوسنقدم فيما يلي خلاصات ونتائج مستفيدين من هذه الدراسات مع الإيجاز الشديد مراعاة لمقتضى المقام في هذا الكتاب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>القسم الأول من أوجه إعجاز القرآن: أسلوب القرآن الكريم</span>\nهذا القسم من أوجه إعجاز القرآن فيه أعظم جوانب الإعجاز في القرآن، وإن كان قد يخفى معنى عظمه على كثير من الناس، والسبب في عظمة هذا الوجه أنه هو الذي به كان القرآن قرآنا، وأن المنهج البياني المعجز للقرآن هو سمة عامة لجميع القرآن الكريم، أما الأوجه الأخرى فيوجد الوجه منها في بعض الآيات دون الآخر، مثل أخبار الغيب، والإعجاز العلمي، والإعجاز التشريعي وهكذا.\nوهذا الوجه يدركه العرب، وهم أول من يخاطب به وإذا عجزوا هم عنه، فغيرهم أعجز وأعجز، لكن جلال الإعجاز في هذا الكتاب لا يقتصر\n_________\n(١) في كتابه القيم مناهل العرفان في علوم القرآن ج ٢ ص ٢٠٥ وما بعد إلى ص ٣٠٨، وبلغت أوجه إعجاز القرآن عنده أربعة عشر وجها، عدا ما يتضمنه بعضها من خواص معجزة، أدمجها في بعض الأوجه.\n(٢) هو شقيقي الدكتور حسن ضياء الدين عتر في كتابه «المعجزة الخالدة»، فليرجع إليه للاستزادة ص ٢٢٥ - ٣٨٨.","vol":"1","page":209},{"text":"على ذلك بل إنه يشمل أوجها أخرى يدرك الإعجاز فيها كل من يفقه معاني الكلام، ولو لم يكن له في ساحة البيان جولات.\nوقد أطال الدارسون القدماء والمحدثون في بيان خصائص أسلوب القرآن الكريم، ونلخص منها هذه الجوانب فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>الوجه الأول: خاصية تأليف القرآن الصوتي في شكله وجوهره:</span>\nوهي خاصية بارزة عني بها بعض المتأخرين، وصاغها نظرية في إعجاز القرآن الموسيقى، وهو الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي ﵀ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>أما خاصية تأليف القرآن الصوتي في شكله:</span>\nفهي أول ما يسترعي سامع القرآن الكريم عن بعد بحيث يسمع فيه جملة الحركات والسكنات، والغنّات والمدّات وهكذا ... فإن السمع يجد نفسه إزاء لحن غريب عجيب لا يجده في كلام آخر، هو لحن فرد اختص به القرآن لا يوجد في الموسيقى ولا في الشعر، وذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد فيها الأوزان بيتا بيتا وشطرا شطرا، وتسمع القطعة من الموسيقى فإذا هي تتشابه أصداؤها وتذهب مذهبا متقاربا، فلا يلبث سمعك أن يمجها، وطبعك أن يملها إذا أعيدت وكرّرت عليك بتوقيع واحد بينما أنت من القرآن أبدا في لحن متنوع ومتجدد، على أوضاع مختلفة يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>وأما جوهر تأليف القرآن الصوتي:</span>\nفيكمن في نظم حروفه ورصفها وترتيب أوضاعها: هذا ينقر وذاك يصفر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر حرف استعلاء وغيره حرف شدة أو رخاوة، وهكذا، ترى الجمال اللغوي ماثلا أمامك في هذا التناغم الموسيقى المعجز، الذي جعل منه القرآن قالبا لما حمله من معاني الرسالة وحكمها وأحكامها، وعقائدها وقواعدها، ومواعظها وزواجرها، وما امتاز به أسلوبها في عرض هذه المعاني من سائر الخصائص المعجزة.\n_________\n(١) في كتابه القيم «إعجاز القرآن» ونكتفي بالإشارة إلى نظريته هذه لضيق المقام.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>الوجه الثاني: القصد في اللفظ والوفاء بالمعنى:</span>\nوهما نهايتان في اتجاهين متضادين، لا يقبل المرء على إحداهما إلا ابتعد عن الأخرى، ذلك أن البليغ إما أن يؤدي مراده جملة مختصرا، مقلّا من الألفاظ فلا بد أن يحيف على المعنى قليلا أو كثيرا، وإما أن يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى عناصره وإبراز كل دقائقه، فلا يجد بدا من أن يمدّ في نفسه مدا، لأنه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي صدره ويؤدي عن نفسه رسالتها كاملة.\nولئن وفق البليغ لتقريب هاتين الغايتين تقريبا ما في جملة أو جملتين، فلا يلبث أن يدركه الكلال والإعياء، وضعف الطبع الإنساني فلا يسترجع قوته إلا في الشيء بعد الشيء، كما تصادف في التراب قطعة من التبر هاهنا وقطعة هنالك، فتقول هذا نفيس جيد، وهذا أنفس وأجود ... وقد أجمع نقّاد الشعر والنثر على أن أبرع الشعراء لم يبلغوا مرتبة الإجادة إلا في أبيات محدودة من قصائد معدودة، ثم وراء ذلك الوسط والرديء والغثّ والمستكره ...\nأما القرآن الكريم فقد جاء البيان فيه مقدرا أحسن تقدير، فلا تحسّ فيه بالإسراف ولا بالتقتير، فهو يؤدي لك الصورة وافية نقية لا يشوبها شيء مما هو غريب عنها، ولا يشذ عنها شيء من عناصرها وكمالها، كل ذلك في أوجز لفظ وأنقاه، كما قال الإمام أبو بكر الباقلاني: «محاسن تتوالى، وبدائع تترى».\nولنزيدك إيضاحا في هذا فخذ ما شئت من القرآن، واحص كلماته عدّا، ثم احص مثل عددها من أبلغ كلام تختاره خارجا عن المصحف، وانظر ما حواه هذا الكلام من المعاني، وقايسه إلى ذلك، ثم انظر كم كلمة تستطيع أن تسقطها من غير القرآن أو يمكن أن تبدلها بأخرى غيرها دون إخلال بغرض قائله؟ وانظر مقابل ذلك أي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من القرآن؟؟ لما وجدت لذلك سبيلا في القرآن، بل إن كتاب الله تعالى- كما","vol":"1","page":211},{"text":"قال الإمام ابن عطية (١): لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد»، بل هو كما وصفه الله: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>الوجه الثالث: خطاب العامة وخطاب الخاصة:</span>\nوهاتان غايتان أخريان متباعدتان عند الناس، فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك- إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حقها كاملا من بيانك- أن تخاطب كل واحدة منهما بغير ما تخاطب به الأخرى، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال، فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته، فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم، فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسّر لكل من أراد وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>الوجه الرابع: إقناع العقل وإمتاع العاطفة:</span>\nفي النفس الإنسانية قوتان قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها: فأما إحداهما فتنقّب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخرى\nفتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معا.\n_________\n(١) في مقدمة تفسيره الجليل «المحرر الوجيز» ج ١ ص ٣٩.","vol":"1","page":212},{"text":"فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس؟\nلقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غلوّا في جانب، وقصورا في جانب، فأما الحكماء فإنما يؤدون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك، ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك واختلاب عاطفتك، فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم لا يأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبوّ عن الطباع، وأما الشعراء فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار الشعور في نفسك، فلا يبالون بما صوروه لك أن يكون غيّا أو رشدا، وأن يكون حقيقة أو تخيلا، فتراهم جادين وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويطربون وإن كانوا لا يطربون:\nوَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ.\nهذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم أي القوتين كان خاضعا لها حين قال أو كتب، فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية أو وصف طريقة عملية قلت: هذا ثمرة الفكرة، وإذا رأيته يعمد إلى تحريض النفس أو تنفيرها وقبضها أو بسطها، واستثارة كوامن لذاتها أو ألمها، قلت هذا ثمرة العاطفة، وإذا رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين إلى الآخر فتفرّغ له بعد ما قضى وطره من سابقه، كما ينتقل من غرض إلى غرض، عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه.\nوأما أن أسلوبا واحدا يتجه اتجاها واحدا ويجمع في يديك هذين الطرفين معا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقا وأزهارا وأثمارا معا، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.\nفمن لك إذا بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين، ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟","vol":"1","page":213},{"text":"ذلك الله رب العالمين، فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معا بلسان، وأن يمزج الحق والجمال معا يلتقيان ولا يبغيان، وأن يخرج من بينهما شرابا خالصا سائغا للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجّهت، ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟.\nأولا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟ يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ. إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>الوجه الخامس: تآلف الألفاظ والمعاني:</span>\nالتآلف في الألفاظ هو ألا تكون بينها ثغرة في المخارج، ولا في النغم بل تتآلف وتتآخى في نسق واحد.\nويقول الإمام أبو بكر الباقلاني في هذا: «واعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان، قليل الطلاب، ضعيف الأصحاب، ليست له عشيرة تحميه، ولا أهل بيت عصمة تفطن لما فيه، وهو أدقّ من السحر وأهول من البحر، وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح في موضع الفجر يحسن في كل كلام إلا أن يكون شعرا أو سجعا، وليس كذلك، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع وتزلّ عن مكان لا تزل فيه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه وتضرب بجرانها، وتراها في مكانها، وتجدها غير منازعة في أوطانها، وتجد الأخرى لو وضعت في موضعها لكانت في محل نفار، ومرمى شرار، ونابية عن استقرار ...» (١).\nوأما التآلف في المعاني: فهو ألا يكون معنى لفظ نافرا من المعنى الذي بليه، وأن تتآلف الألفاظ والمعاني: وما تثيره من الصور والأخيلة، وما\n_________\n(١) إعجاز القرآن ص ٢٨٠.","vol":"1","page":214},{"text":"تستدعيه من معان يستلزم بعضها بعضا، فيتألف من ذلك علم كثير، وأفهام زاخرة.\nوهذه الخصوصية هي كغيرها أيضا مستوفاة في جميع القرآن، وفي كل آية منه، لا يحتاج الدارس والباحث إلى اختيار وانتقاء، بل كيفما قلب المصحف ونظر بعين البصيرة المدركة وجد أي خصوصية يطلبها على أعظم منازل الكمال الذي لا يطيقه إنسان، ووجد أسلوبه ينفذ من كافة أقطار النفس، ويتغلغل في أعماق الأفئدة، فيحملها على الخشوع والإخبات، لما في طياته من قوة وهيمنة تدل على تنزله من علو، وصدوره من عظمة الألوهية وشرف الربوبية، وقدرة الإله الحق ذي الجبروت.\nفالقرآن بنفسه يدل على قدر متكلمه ويخبر عن مقام منزله ﷿، كما ينبه على عظيم شأنه ﵎، فيثبت لكل عاقل صحة رسالة محمد ﷺ، وصدق نبوته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>القسم الثاني من أوجه إعجاز القرآن: الإعجاز بالمضمون</span>\nيمتاز هذا القسم من أوجه إعجاز القرآن بأنه معجزة عقلية، يعقلها ويدركها كل من يفهم الخطاب ويرد الجواب، سواء كان يملك ذوقا أدبيا فنيا أم لا يملك، بل سواء كان\nعربيا أو أعجميا. وذلك من غاية كمال الإعجاز في القرآن الكريم.\nونقتصر على مهمات من أوجه إعجاز المضمون في القرآن فيما يلي:\n_________\n(١) انظر في خصائص أسلوب القرآن هذا كتاب «النبأ العظيم» للدكتور محمد عبد الله دراز ص ٩٥ وما بعد ومناهل العرفان للزرقاني ج ٢ ص ٢١٥ وما بعد، وبينات المعجزة الخالدة ص ٣٠٢ - ٣٠٧ و٣١٧ - ٣٢٠ والعمدة في الخاصة الأخيرة على المرجعين الأخيرين وإعجاز القرآن للباقلاني وكتاب المعجزة الكبرى للشيخ محمد أبو زهرة ص ١٣٣ - ١٣٥.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>الوجه الأول: الإخبار عن الغيب:</span>\nوالقرآن حافل بأنواع الاخبار عن الغيب: غيب المستقبل، وغيب الحاضر، وغيب الماضي، مما يحتاج تفصيله لتأليف واسع كبير، لذلك سنكتفي هاهنا بإلماعة ولمحة وجيزة لضيق المقام عن التوسع فضلا عن الاستيفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>أولا: الإخبار عن غيب المستقبل:</span>\nفي القرآن تنبؤات كثيرة جدا عن أمور ستقع في المستقبل، لعل أهم ما نذكر منها تلك الأخبار المتعلقة بأمور مصيرية، إذا لم تتحقق بدقة كاملة أدت إلى انتقاض دعوة القرآن من الأساس، ومن ذلك:\n١ - إخبار القرآن في مكة والمسلمون في أقل القلة وأشد الضعف عن تحول المؤمنين إلى القوة وانتصارهم، وهزيمة المشركين، وذلك في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (١).\nفنبّأ القرآن بهزيمة جموع المشركين في وقت لا مجال فيه للتفكير بالحرب، لغاية ما كان عليه المسلمون من الضعف والقلة، لذلك تساءل عمر: أيّ جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: «سيهزم الجمع ويولون الدّبر»، فعرفت تأويلها (٢).\nوفي الحديث الآخر عن ابن عباس في يوم بدر قال: «وهو- يعني النبي ﷺ- في الدرع فخرج وهو يقول سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٣).\n_________\n(١) سورة القمر، الآيتان ٤٤ - ٤٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم.\n(٣) أخرجه البخاري ج ٦ ص ١٤٣ - ١٤٤. وانظر ابن كثير في تفسيره سورة القمر ج ٧ ص ٤٥٦ - ٤٥٧.","vol":"1","page":216},{"text":"٢ - إخباره بوقوع الجدب على المشركين وكشف الله إياه عنهم وعودهم إلى الكفر:\nقال تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ. رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ. أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ. إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ. يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١).\nفأخبر الله تعالى في هذه الآيات عن أمرين: رفع العذاب عن قريش بدعائهم وعدم اتعاظهم بذلك وعودهم إلى الكفر، وهزيمتهم يوم البطشة الكبرى، وهو يوم بدر.\nكما في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: «... إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارا فقال: اللهم سبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حصّت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله ﷿: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ .. إلى قوله إِنَّكُمْ عائِدُونَ قال:\nأفيكشف عذاب الآخرة؟ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ فالبطشة الكبرى يوم بدر ...» (٢).\n٣ - إخباره عن عودة النصرة للروم بعد هزيمتهم المنكرة أمام الفرس حتى اضطر ملك الروم للالتجاء إلى القسطنطينية.\nوقد فرح المشركون بذلك لكون الفرس مجوسا يعبدون النار والأصنام، والروم أهل كتاب، فأنزل الله تعالى:\n_________\n(١) سورة الدخان، الآيات ١٠ - ١٦.\n(٢) متفق عليه واللفظ لمسلم، وانظر تفسير ابن كثير ج ٧ ص ٢٣٣.","vol":"1","page":217},{"text":"الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ. لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ ....\nوهذا مثال مشهور من أخبار الغيب بالقرآن، وقد اشتمل على خبرين خطيرين:\nأولهما: انتصار الروم على الفرس في فترة وجيزة جدا بالنسبة لتغير ميزان القوى بين الدول، ولا سيما في ذلك العصر، وخصوصا بعد هزيمة ساحقة منكرة، وقد تحقق\nذلك في سبع سنين من تاريخ الحادث ونزول القرآن فيه.\nثانيهما: احتفاف ذلك بتغير ميزان القوة لمصلحة المسلمين وانتصارهم على المشركين وكان ذلك يوم بدر، وفرح المؤمنون بنصر الله لهم، كما فرحوا بنصر الروم وهم أهل كتاب على الفرس وليس لهم كتاب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>ثانيا: الإخبار عن غيب الحاضر:</span>\nفي القرآن أخبار كثيرة عن مغيبات حدثت في زمن النبي ﷺ ولا سيما مما كان يبيته الاعداء والمنافقون، وقد عنيت سورة التوبة بكشف دخائل المنافقين ودسائسهم، وفضح مؤامراتهم حتى سميت الفاضحة.\nومن هذا النوع من الأخبار أيضا هذان المثالان:\n١ - مؤامرة المشركين في بعض الغزوات على المسلمين أن يعطوهم الهدنة التي اعتادوها لأجل الصلاة، ويفاجئوهم بالهجوم عليهم غدرا وهم يصلون، فأنزل الله تعالى بيان كيفية صلاة الحرب بما فيه الوقاية من هذه المكيدة وقال فاضحا نوايا العدو:\n_________\n(١) انظر النبأ العظيم ص ٤١ - ٤٢ ومناهل العرفان ج ٢ ص ٢٦٥ - ٢٦٧، ومصادر التفسير، تفسير أول سورة الروم، وانظر التحقيق في كتاب «المعجزة الخالدة» ص ٣٤٠ - ٣٤٤، وفيه أمثلة أخرى كثيرة ليست في غيره.","vol":"1","page":218},{"text":"وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً (١).\n٢ - ائتمر المنافقون بتوجيه من اليهود فبنوا مسجدا بجوار مسجد قباء، زعموا أنه للصلاة وللمساكين يأوون إليه، وطلبوا من النبي ﷺ أن يصلي فيه، فأنزل الله تعالى يكشف خبيئة نفوسهم الخبيثة (٢): وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>ثالثا: أخبار الغيب الماضي:</span>\nوذلك كثير جدا في القرآن يتضمن الإخبار عن حوادث قديمة وقعت من قبل، وقصص الأنبياء وأممهم مما سنعرض له بشيء من التفصيل في بحث القصة في القرآن (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>الوجه الثاني: الإعجاز التشريعي:</span>\nإن القرآن قد جاء بتشريع معجز يثبت أنه تنزيل من الله ووحي منه ﵎، وذلك من أوجه كثيرة نذكر منها:\n١ - إنها جاءت على لسان رجل أمي وفي أمة أمية، تعيش الحياة القبلية بكل كيان أفرادها، لا يخطر على بال أحد منهم انتظام أو التزام بقانون عام أو نظام حضاري.\n_________\n(١) سورة النساء، الآية ١٠٢.\n(٢) سورة التوبة، الآيتان ١٠٧ - ١٠٨.\n(٣) وقد عدّ صاحب مناهل العرفان الأخبار عن الملائكة والجن من أنباء الغيب الحاضر، ونحن نرى أنها تعتبر كذلك بالنسبة لمن سبق منه الإيمان، لا سيما إن قورنت بما عند الأمم الأخرى من علوم الغيب، أما غير تلك الحالة فهي من الغيبيات التي يتوقف الإيمان بها على أصل الإيمان بالله ورسله.\n(٤) انظر التوسع في هذا الوجه الثاني كتاب «بينات المعجزة الخالدة» فقد أطال وأجاد بما لا تجده في غيره ص ٣٢١ - ٣٥٨.","vol":"1","page":219},{"text":"٢ - إنه تشريع شامل وكافل لإحقاق الحق، وصيانة مصالح الناس في جميع شئونهم المالية، والاجتماعية والأسرية، والدولية ...\n٣ - إنه تسامى على كل قانون عرفته الأمم قديمها وحديثها، حتى أقرت المجامع القانونية الدولية الفقه الإسلامي مصدرا أساسيا تقتبس منه القوانين، وإن القوانين الحديثة في تطورها تتسامى لتقترب من الفقه الإسلامي.\nقال فضيلة العلّامة الكبير الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ (١):\n«ومن هذه الأحكام الشرعية التي اشتمل عليها القرآن، فإنها لا يمكن أن تكون من عند محمد ﷺ، بل هي من عند الله، وقد كتبنا في هذه عدة بحوث في إحدى المجلات الإسلامية بعنوان (شريعة القرآن دليل على أنه من عند الله) جمعتها إحدى الهيئات الإسلامية في رسالة، ونشرتها، وترجمتها إلى الفرنسية والإنكليزية، وقد أقمنا الدليل على أن تلك الشريعة المحكمة لا يمكن أن يأتي بها أمي لا يقرأ ولا يكتب وقد نشأ في بلد أمي ليس به مدرسة ولا مكتب دراسة وهي في أحكامها لا يمكن أن تكون إلا من عند الله تعالى.\nوكتبنا بحثا وازنا فيه بين شريعة القرآن وقانون الرومان في الملكية بالخلافة (الميراث)، وذكرنا أن قانون الرومان قد تكوّن في نحو ثلاثة عشر قرنا ومع ذلك هو بالملكية بالخلافة لا يوازن بشريعة القرآن إلا إذا وازنا بين عصا هشة وسيف بتّار، فلا يمكن أن يأتي به محمد من عنده، بل هو من عند الله تعالى.\nوالأوربيون القانونيون يرون في قانون الميراث في القرآن أن العقل البشري لم يصل إلى الآن إلى خير منه ونحن نقرر لهذا أن ما ذكره القرطبي غير الصرفة يدل على أن القرآن كله جملة وتفصيلا هو من عند الله تعالى العليم الخبير».\n_________\n(١) في كتاب «المعجزة الكبرى» ص ٩٥، وانظر دراسات مفصلة حول هذا الموضوع وبيان تفوق أنظمة القرآن ص ٤٥٤ - ٥٤٧ من كتابه هذا.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>الوجه الثالث: اتساق نظريات القرآن وأحكامه:</span>\nجاء القرآن الكريم بهداية كاملة شاملة، كافية وافية في جميع الشئون المختلفة المتنوعة، وزاد عدد آياته على ستة آلاف آية تناولت مختلف الموضوعات التي تزيد على المئات، وجاء ذلك كله متفقا في معانيه وأحكامه، متسقا في أسلوبه وإعجازه، فكان ذلك دلالة على أنه كلام الله، كما قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (١).\nوقد فصّل الإمام الغزالي وجه الدلالة بهذا تفصيلا وافيا بإيجاز جميل فقال (٢):\n«الاختلاف لفظ مشترك بين معان، والمراد هنا نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يقال: هذا كلام مختلف، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة، أو هو مختلف الدعوى، أي بعضه يدعو إلى الدين وبعضه يدعو إلى الدنيا، أو هو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعر وبعضه منزحف وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة وبعضه على أسلوب يخالفه.\nوكلام الله منزّه عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره، وعلى درجة واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، مسوق لمعنى واحد وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى وصرفهم عن الدنيا إلى الدين.\nوكلام الآدميين تتطرق إليه هذه الاختلافات، إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف في درجات الفصاحة، بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث والسمين، ولا يتساوى رسالتان وقصيدتان بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات\n_________\n(١) سورة النساء، الآية ٨١.\n(٢) كما نقل عنه السيوطي في الإتقان ج ٢ ص ١٢٤ بتصرف يسير.","vol":"1","page":221},{"text":"سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة، لأن الشعراء والفصحاء في كل واد يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن ويسمونه حزما وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صرامة وتارة يذمونها ويسمونها تهوّرا، ولا ينفك كلام الآدمي عن هذه الاختلافات، لأن منشأها اختلاف الأغراض بالأحوال.\nوالإنسان تختلف أحواله فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه وتتعذر عليه عند الانقباض.\nوكذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشيء مرة ويميل عنه أخرى، فيوجب ذلك اختلافا في كلامه بالضرورة، فلا يصادف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة وهي مدة نزول القرآن فيتكلم على غرض واحد ومنهاج واحد، ولقد كان النبي ﷺ بشرا تختلف أحواله، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجدوا فيه اختلافا كثيرا».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>الوجه الرابع: تأثير القرآن وفاعليته في الأفئدة:</span>\nوهو وجه هام، ذهب عنه الناس، فلا يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك هو صنيعه العجيب في القلوب، وتأثيره العميق في القلوب (١).\nلو أن إذاعات عالمية أو صحفا كبرى أخبرت عن دويلة صغرى أنها أخذت بكتاب لديها فارتقت من دحض الضعف والتخلف والجهل إلى أوج القوة والتقدم والعلم حتى اكتسحت الدولتين الأعظم لاعتبرنا ذلك حيلة إذاعية، أو خدعة صحفية، لأن هذا يتنافى مع ما جرت به العادة وقوانين الاجتماع، وقد كان العرب أدنى من ذلك حالا وأشد تخلفا، وإذا بهم بهذا القرآن وتأثيره فيهم انقلبوا حتى كانوا كما سجل القرآن نفسه في مدحهم:\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وهكذا ظل القرآن مدى التاريخ كتاب\n_________\n(١) كما ذكر الخطابي في رسالته «بيان إعجاز القرآن» ص ٦٤.","vol":"1","page":222},{"text":"الهداية، يؤمن بسببه الكافر، ويهتدي الضال، ويتوب الفاسق ويثوب العاصي، مما لا تجده من التأثير العميق لكتاب آخر قط.\nوهذا كما قال الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>الفصل الحادي والعشرون التصوير في القرآن</span>\nبحث هذه الخاصة في أسلوب القرآن قديم وحديث، سابق ولا حق، يبرز الإعجاز عن إدراك إعجاز القرآن، وقد أشار القدماء لهذه الخاصة بما عبّروا عنه حسب\nمصطلحاتهم كالتخييل والتجسيم، دون أن يغوصوا أعماقه الفنية، حتى إذا جاءت العصور الحديثة وفيها ارتقى التصوير، وأدوات العرض بالرؤية من أشرطة وأجهزة رائية جهد الأدب أن يلحق المصوّرة، ويحل بالكلمة والعبارة محل الصورة، وكان من البدهي أن يلتفت الدارسون إلى إعجاز القرآن يبحثون فيه عن الصورة وعن فن التصوير.\nوكان أن وجدوا في أدب القرآن المعجز أنه معجز في تصويره بالمعنى العصري الحديث كما أنه معجز في نظمه في نظرية النظم في الاصطلاح القديم (١)، كيف لا وهو الذي تحدّى الله تعالى العالمين كلهم أن يأتوا بمثله، أو بمثل سورة منه، وأعلن لهم على رءوس الأشهاد أنهم لم يأتوا بمثله، ولن يأتوا بمثله، فكان إعجاز القرآن معجزا في كل عصر، وفي أي مقياس أدبي صحيح، وذوق فني سليم، لا ينحصر بعصر دون آخر، ولا يضيق على مقياس أدبي صحيح أو آخر، ولا يستطيع أن يدرك كنهه أو يحيط بأسراره عبقري بل ولا عصر من العصور أو جيل من الأجيال، إنها معجزة فوق الإعجاز، معجزة كل عصر وزمان.\n_________\n(١) إشارة إلى نظرية «النظم» التي فسّر بها الجرجاني إعجاز القرآن.","vol":"1","page":224},{"text":"يتجه القرآن لهذا الإنسان فيخاطبه بكليته، وذاته كلها عقله وفكره ونفسه ووجدانه، يخاطب كينونة الإنسان كلها، وذلك بأسلوبه العجيب أسلوب التصوير الحي.\nلو استعرضت القرآن من بدايته إلى ختامه فستجد طريقة خاصة بالتعبير الفني تكسو أسلوب القرآن حتى يصطبغ بألوانها البرّاقة الزاهية فإنك لن تجد فيه بيانا مجردا لمعنى ذهني، أو حالة نفسية أو حادث مادي أو مشهد منظور، أو طبيعة آدمية، أو موقف من مواقف يوم الحساب، بل تجده عبّر عن كل منها بصورة محسوسة متخيلة، حاضرة شاخصة، صورها بالألوان أو الحركات أو الإيقاع، ومزج بها جرس الكلمات ونغم العبارات، حتى تسري في أوصالها الحياة وتدب في جنباتها الحركة فإذا خلع عليها الحوار فقد نفخ فيها الروح فاكتملت فيها كل عناصر التخييل الحسي والتشخيص الحي، حتى تريك ساحة الحوادث على بساط الطبيعة والواقع، وتنسى أن هذا كلاما يتلى، لأن القرآن قد أحالك من قارئ أو مستمع إلى مشاهد يتابع أحداث المنظر وتجدد الحركات، وفيض الانفعالات الدافقة والوجدانات المتجاوبة مع الحوادث الجارية ... فتتبدى لك صورة حية بارعة خلّابة، تهيمن على مشاعرك وأحاسيسك حتى تجعلك أمام قبس من الحياة الحقيقية.\nأما الحوادث والمشاهد والقصص والمناظر فيردها شاخصة حاضرة فيها الحياة وفيها الحركة فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض وحادث يقع أمامه، فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنم عن الأحاسيس المضمرة».\n«إنها الحياة هنا وليست حكاية الحياة».","vol":"1","page":225},{"text":"«فإذا ذكرنا أن الأداة التي تصور المعنى الذهني، والحالة النفسية، تشخّص النموذج الإنساني، أو الحادث المرئي، إنما هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصور، ولا شخوص تعبر أدركنا موضع الإعجاز في تعبير القرآن» (١).\nوبوسعنا أن نقول: إن هذه النتيجة التي انتهى إليها صاحب البحث في «التصوير الفني» لعلها كما قال الدكتور صبحي الصالح (٢): «أن تكون أصدق ترجمة لمفهومنا الحديث لإعجاز القرآن، لأنها تساعد جيلنا الجديد على استرواح الجمال الفني الخالص في كتاب الله، وتمكّن الدارسين من استخلاص ذلك بأنفسهم، والاستمتاع به بوجدانهم وشعورهم، ولا ريب أن العرب المعاصرين للقرآن دهشوا قبل كل شيء بأسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا، حتى إذا فهموه أدركوا جماله، ومسّ قلوبهم بتأثيره ...».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>وسائل التصوير الفني في القرآن:</span>\nليست أدوات التصوير الفني قاصرة كما قد يتوهمه بعض الناس على أدوات معينة، من تشبيه مركب أو بسيط، أو من استعارة تخييلية أو غير تخييلية، أو مجاز أو نحوه مما قد يقع في خاطر الدارس قبل التمعن والتروي، هذا ظن الذين يغلطون فيحسبون الأدب صناعة كصناعات الحرف والحديد والخشب، وهم بذلك يفقدون الأدب حيويته ويحنطونه جثمانا فاقدا روحه، فالأدب والفن أوسع من أن تحيط به القوالب، أو تحده الحدود، فكيف بمعجزة الأدب وفن التصوير فيها.\nإن وسائل التصوير في القرآن هي كل وسيلة من وسائل التعبير تثير المخيلة وتستدعي الصورة إلى الفكر، وتسيّر الحركة، وتلمس مشاعر الوجدان والقلب.\n_________\n(١) التصوير الفني في القرآن ص ٣٣.\n(٢) في كتابه «مباحث في علوم القرآن» ص ٣٢٠.","vol":"1","page":226},{"text":"فالحروف في القرآن تصوّر، والكلمة تصور، والجملة، وفنون البلاغة كذلك تصور، وهناك من وراء ذلك أدوات وأدوات، فهناك «تصوير باللون وتصوير بالحركة وتصوير بالإيقاع ... وكثيرا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات، ونغم العبارات وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور تتملاها العين والأذن، والحسّ والخيال، والفكر والوجدان ...».\nأما المادة التي تستخدم من المعاني والأشياء فهي مادة «تصوير حي منتزع من عالم الأحياء، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة، تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانات، فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة» (١).\nولسنا هنا أمام ظاهرة ضيقة لكي نلتمس لها الأمثلة، ونتكلف لها الاختيار، بل إنك حيثما قلبت الطرف في هذا القرآن وجدت فيه خصائص الإعجاز الأسلوبي عامة، والتصوير منها خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>فمن التصوير بالحرف:</span>\nهذه الآية الوجيزة الجامعة من سورة القلم:\nوَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.\nهذه الآية أمدح قول يقال، جمعت في وجازة عبارتها الفضائل العلمية والعملية، لأن الخلق الكريم لا يتحقق في الإنسان إلا بعد معرفته ما يحسن من الأمور وما يقبح، وما هو الأحسن، ثم يختار الأحسن والأفضل في كل موقف، وأمام كل مسألة، وينفذه، فذلك ما يقتضيه الوصف بالخلق العظيم.\nلكن حرف الجر «على» نقل هذا المعنى المجرد إلى صورة حسية يتخيلها المرء، لأن هذا الحرف معناه الاستعلاء، والاستعلاء إنما يكون على شيء مادي، فكأن مكارم الأخلاق قد ذلّلت وانقادت للنبي ﷺ يتصرف فيها تصرف المستعلي على الشيء المتمكن منه، كما أنها أفادت رفعة مقام النبي ﷺ لأنه في قمة المكارم والفضائل،\n_________\n(١) التصوير الفني في القرآن ص ٣٢.","vol":"1","page":227},{"text":"فلا يمكن أن يدانيه أحد أو يساويه لأنه علا فأصبح لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.\nوهكذا ارتقى المعنى بهذا التصوير ليبلغ غاية لا تساميها غاية، حيث أصبح النبي ﷺ في أعلى المكارم والفضائل، ثم هي فوق ذلك لا تصدر عنه بتكلف أو مشقة بل بغاية اليسر، لأنها منقادة له، وتلك نهاية في الكمال لا تدرك، ولا يبلغها إلا من قال الله تعالى له: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.\nومن ثم قال المادح المتذوق عظم هذه الآية وجلالها:\nإذا الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى\nومن التصوير بالحرف: هذه الجملة من مطلع سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ.\nفقوله: ذلِكَ الْكِتابُ أفاد غاية كمال القرآن، حتى كأنه لا كتاب سواه، وذلك لأن هذه العبارة جملة اسمية معرّفة الطرفين، وتعريف طرفي الجملة الاسمية يفيد الحصر، فأفادت الجملة حصر صفة الكتاب في القرآن، والمراد بيان غاية كماله حتى كأنه لا كتاب سواه، كما تقول: لا شجاع إلا علي.\nلكن حرف اللام في ذلِكَ وهو لام البعد أضفى على المعنى خيالا مصورا فإنه أفاد أن هذا الكتاب لفرط كماله بعيد عن أن تناله أطماع الطامعين بانتقاص شيء منه أو الإتيان بمثله، فصوّر تعاليه المعنوي بالبعد الحسي، فاستعمل اسم الإشارة، وهي تستعمل حقيقة في الحسيات، وأدخل لام البعد، يصوره لنا في بعده المعنوي عن أن يتوصل إليه بالبعد المكاني الذي لا تبلغه وسائل التوصيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>ومن التصوير بالكلمة:</span>\nقوله تعالى (١): الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.\n_________\n(١) في مطلع سورة الملك.","vol":"1","page":228},{"text":"فقوله تعالى هنا: لِيَبْلُوَكُمْ المراد منه يختبركم، وأصل المقصود ليظهر أيكم أحسن عملا، ولما أن الاختبار يكشف هذه الحقائق ويظهرها فقد عبّر به عن ذلك، لكن الآية القرآنية نقلتنا من هذا المعنى المجرد إلى صورة فيها المعاناة المستمرة باستعمال كلمة لِيَبْلُوَكُمْ وأصل الكلمة من (البلى)، فصورت هذه الكلمة الإنسان بتعرضه للامتحانات واحتكاكها به في كل شئونه وكأنه قد بلي منها، وجاءت الصيغة لِيَبْلُوَكُمْ بالفعل المضارع الدال على التجدد والاستمرار لكي تحضر لك صورة هذا الإنسان وأنواع الاختبارات تتوالى عليه في عباداته ومعاملاته، وماله وبدنه، ونفسه ومجتمعه، ودنياه وآخرته هل يستقيم فيها جميعها على أمر الله أو لا يستقيم، فتتابع عليه الابتلاء حتى بلي، فأثرت الكلمة في إيجاد الصورة كما لعبت الصيغة دورا أعطى الصورة حركة وحسا، لو عبّرت بكلمة أخرى أو صيغة أخرى غير المضارع من المادة نفسها لفات من غرض الكلام ونقص مغزاه.\nولصيغة الكلمة الصرفية دورها الهام جدا في أسلوب القرآن الكريم، ينطوي على لون من قمة الإعجاز البياني، بل وجدناه ينطوي على إعجاز علمي عظيم.\nومن أمثلة ذلك هذه الآية (١): أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ.\nتصوّر كل من الكلمتين صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ طيران الطيور في الهواء، في حال بسط أجنحتها، وفي حال ضربها بأجنحتها على جنوبها صافَّاتٍ:\nأي باسطات أجنحتها وَيَقْبِضْنَ أي يضربن بأجنحتهن على جنوبهن، والصورة واضحة من التعبير، وجاءت كلمة فوقهم لتستكمل صورة الطيران فهو محلق في الهواء فَوْقَهُمْ.\nلكن التأمل الدقيق يوقفنا على سر في التعبير غاية في العجب، ذلك أنه\n_________\n(١) سورة الملك أيضا، الآية ١٩.","vol":"1","page":229},{"text":"اختار في المعنى الأول صيغة اسم الفاعل صافَّاتٍ، وفي المعنى الثاني الفعل المضارع يَقْبِضْنَ.\nولو أنه قال: «قابضات ويصففن» لما فات التناغم الموسيقى الذي يتوهم بعض الناس فيه ما لا يجوز من الأوهام، فما السر في هذا الاختيار للصيغة المختلفة في كل معنى من المعنيين؟\nإن الإعجاز العلمي الكامن وراء هذا التصوير هو الذي يكشف لنا سر هذا الاختيار.\nلقد عبّر القرآن عن بسط جناح الطائر في طيرانه باسم الفاعل صافَّاتٍ، وعبّر عن قبض الطائر جناحه وضربه جنوبه بجناحيه بصيغة الفعل يَقْبِضْنَ، ليأتي التصوير الفني في القرآن على غاية الدقة في موافقة قانون الطيران، وذلك لأن الأصل في قاعدة الطيران هو بسط أطراف الجسم الطائر في الهواء، وهو القانون الذي بنيت عليه الطائرات الحديثة بأنواعها، ووجدت به رياضة الطيران الشراعي، فجاء القرآن في تصويره للطيران بالتعبير عما هو طارئ بلفظ الفعل، لأنه يفيد الحدوث وعبّر عما هو الأصل بصيغة اسم الفاعل، أي أنهن في جو السماء صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>ومن التصوير بالجملة:</span>\nقوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ.\nوقد جاء التصوير في الجمل هنا بواسطة الاستعارة، وهي استعارة قرآنية تعلو إلى أسمى مراتب البلاغة، لا يصل إليها بيان إنساني قط، إنما هو بيان القرآن فقط.\n_________\n(١) باختصار وتصرف عن تفسيري الكشاف والنسفي وكتابنا محاضرات في تفسير القرآن ص ١٢٧ - ١٢٨.","vol":"1","page":230},{"text":"ففي هذه الآية الكريمة استعارات متعددة تبلغ أعلى درجات البيان:\nأنظر قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وتأمل ما فيه من اجتذاب النفوس والعقول والمشاعر، فقد أضاف اللباس إلى الجوع، وفي ذلك تشبيه الجوع باللباس، على سبيل الاستعارة، فالجوع القائم المستمكن الذي يعدم فيه القل، ويكثر العدم، والخوف الذي يفزع النفوس، ويذهب بالاطمئنان، ويلقي بالاضطراب، شبه باللباس السابغ، لأن اللباس يعم ويكسو الجسم كله، وكذلك الجوع إذا عم، والخوف إذا طم، فإنه لا يبقى في الجماعة أحد لم ينله، لأن الأزمات الجانحة، والخوف من عدوّ داهم لا ينجو منه أحد، فكان التعبير عن هذه الحال باللباس، وفوق ذلك فإن اللباس يلتصق بالجسم ويلازمه ولا يفارقه، وكذلك الجوع، والهم والغم والخوف، وفي ذلك تصوير للأمة أو المدينة إذا عمّها البؤس والشقاء وداهمها الخوف من كل ما يحيط بها.\nوهناك استعارة أخرى وهي قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ، فإن اللباس يلبس ولا يذاق، ولكن لباس الجوع والخوف لأنه يتصل بالنفس، وبالنعمة تزول بعد أن كفروا بها، عبّر عنه بالذوق، فشبّه حال النزول بحال الإذاقة، للنزول الذي ترتب عليه أنهم أحسوا بمرارة المذاق بعد أن كانوا في بحبوحة العيش فكان التعبير بأذاق أنسب لهذا المعنى.\nوهناك استعارة تمثيلية ثبتت من مجموع العبارات، وهو تشبيه حال جماعة من الناس كانت مؤمنة مرزوقة فلما كفرت بالنعم فلم تقم بحقها، ولم تؤد الطاعات ولم تنته عن المنهيات بحال قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها واسعا من كل مكان فجحدت نعمة الله تعالى فضاق رزقها، وبدلت من الأمن خوفا، ومن الرغد جوعا (١).\nومن الأمثلة للتصوير بالجملة قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا (٢).\n_________\n(١) المعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة ص ٢٧٨ - ٢٨٠.\n(٢) سورة مريم، الآية ٤.","vol":"1","page":231},{"text":"قال الرماني (١) يوضح بلاغة هذه الآية وما بها من الاستعارة:\n«أصل الاشتعال للنار، وهو في هذا النص أبلغ، وحقيقته كثرة شيب الرأس، إلا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايدا سريعا صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار، وله موقع في البلاغة عجيب، وذلك أنه انتشر في الرأس انتشارا لا يتلافى، كاشتعال النار».\nوهذا التعبير لم يكن معروفا عند العرب، وذلك أنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار للسرعة وللبياض وللملازمة، ولأنه ينتهي بتدمير ما تتصل به، وتجعل حطامه ترابا (٢).\nهذا عرض سريع لفن التصوير في القرآن، يبرز إعجاز القرآن وفق منظور معاصر، ومقياس فني حديث، سبق فيه القرآن تقدم العصور والقرون، بل تفنن في هذا التصوير بما تعجز عنه آلات التصوير الحسية، وفنون التصوير الأدبية، وقد شمل في تصويره أنواع الظواهر الطبيعية في الإنسان والكون، وتوغل في المشاعر الداخلية، وعرض للمعاني الدقيقة في صور من السمع والبصر والذوق والوجدان واللون والزمان والمكان ... وجعل من هذا الجمال الفني المعجز قالبا يحمل جمال الفكرة والدعوة، والحجج والبراهين، والحكم والتشريع، لكي يعتصم الإنسان بحبل القرآن في كل مكان وكل زمان.\n_________\n(١) في رسالته النكت في إعجاز القرآن ٨١ - ٨٢.\n(٢) انظر المعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة ص ٢٨٠ - ٢٨١. وللجرجاني تفصيل قيم حول بلاغة الآية لم نطول به.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>الفصل الثاني والعشرون الكون في القرآن</span>\nهذا البحث من الدراسات التي أجداها تقدم العلم في إبراز وجه عظيم من أوجه إعجاز القرآن وهو إعجازه العلمي، ولا يزال الدارسون يفيضون فيه مع ظهور الجديد في العلم ووسائله، وكلما استقر قرار العلم في مسألة ما بإعطاء الحكم الجازم أو استخلاص النتيجة النهائية فيها.\nوعلى الرغم من بدائية الإنسان العلمية لدى نزول القرآن وانتشار التسليم بالأفكار التي هي اليوم خرافة، وعلى الرغم أيضا من أن القرآن لم يقصد فيما عرض له من شئون الكون تقرير علم كوني، فإنا نجد القرآن يسبق القرن العشرين وعصور الكهرباء والذرة وغزو الفضاء.\nونستطيع أن نوجز إعجاز القرآن العلمي في ركنين أساسيين:\nالأول: ما احتواه القرآن من المعارف عن الكون وأصناف المخلوقات.\nوفي هذا يقول الدكتور موريس بوكاي (١): «إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه مثل هذا النص (يعني القرآن) لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالجة، فهناك الخلق، وعلم الفلك، وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض، وعالم الحيوان، وعالم النبات، والتناسل الإنساني، وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة لا نكتشف في القرآن أي خطأ. يعني فضلا عن أن\n_________\n(١) دراسة الكتب المقدسة، ص ١٤٥.","vol":"1","page":233},{"text":"القرآن أتى بثقافة علمية سبقت بحوالي عشرة قرون ثقافتنا العلمية فيما يخص بعض الموضوعات».\nالركن الثاني: وقد يستغربه القارئ: وهو أن ما لا يحتويه القرآن هام أيضا، فإن القرآن «لا يحتوي في الواقع على ذكر النظريات السائدة في عصر تنزيله، عن تنظيم العالم السماوي مثلا، تلك النظريات التي أثبت العلم فيما بعد عدم صحتها ... ولا بد من التنويه بهذا الطابع السلبي، كما يقول الدكتور موريس بوكاي (١).\nوالسبب في ذلك أنه لو كان مصدر القرآن غير سماوي لكان لازما قطعا أن تتسرب إليه نظريات ذلك العصر، كما حدث لبعض مفسري القرآن أن فسر بعض الآيات خطأ متأثرا بمعارف عصره. كما فسر بعضهم قوله: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ ... فسر الصخرة بأنها صخرة عظيمة تستقر عليها الأرض (٢).\nوتؤكد المقابلة بين القرآن والتوراة والإنجيل دلالة هذين الركنين: فإن القرآن- كما يقول الدكتور بوكاي: «يثير وقائع ذات صفة علمية، وهي وقائع كثيرة جدا خلافا لقلتها في التوراة، إذ ليس هناك وجه للمقارنة بين القليل جدا لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية وبين تعدد وكثرة الموضوعات ذات السمة العلمية في القرآن، وأنه لا يتناقض موضوع ما من مواضيع القرآن العلمية مع وجهة النظر العلمية ..».\nومن هنا كانت النتائج خطيرة ومتباينة جدا لدى الدراسة المقارنة، والتي توصل إليها عالم كبير لم يكن لدى تصديه للدراسة مسلما، هو الدكتور موريس بوكاي نفسه، فاستمع إليه يحدثك عن النتائج (٣):\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٧٥.\n(٢) انظر ذلك في تفسير النسفي للآية ١٦ من سورة لقمان وكذا وقع نحوه لغيره وانظر تفسير الآية في كتابنا في التفسير ص ٧١.\n(٣) دراسة الكتب المقدسة، ص ١٣ - ١٤.","vol":"1","page":234},{"text":"«لقد قمت أولا بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق، وبموضوعية تامة باحثا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي (١) استطعت\nأن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.\nوبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل:\nأما بالنسبة للعهد القديم: فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخا في عصرنا.\nوأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة ونعني بها شجرة أنساب المسيح. وذلك أن نص إنجيل متى يناقض بشكل جليّ إنجيل لوقا، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة بقدم الإنسان على الأرض ..».\n«وسيجد القارئ في الجزءين الأول والثاني في هذا الكتاب (٢) أمثلة صحيحة في ذلك. أما الجزء الثالث فسيجد فيه القارئ أمثلة توضيحية لتطبيق العلم على دراسة أحد الكتب المقدسة (يعني القرآن)، وهو تطبيق لم يكن ليتوقعه الإنسان، كما سيجد القارئ في ذلك بيانا لما قد جاء به العلم الحديث الذي هو في متناول كل يد من أجل فهم أكمل لبعض الآيات القرآنية التي ظلت حتى الآن مستغلقة أو غير مفهومة، ولا عجب في هذا إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائما أن الدين والعلم توأمان متلازمان.\n_________\n(١) تعلّم الدكتور موريس بوكاي اللغة العربية بإتقان حتى يتمكن من دراسة القرآن بنفسه، فليعتبر بذلك شبابنا.\n(٢) أي كتاب «دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة».","vol":"1","page":235},{"text":"فمنذ البداية كانت العناية بالعلم جزءا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام، وإن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوربا. وإن التقدم الذي تمّ اليوم بفضل المعارف العلمية في شرح بعض ما لم يكن مفهوما أو في شرح بعض ما قد أسيء تفسيره حتى الآن من آيات القرآن، ليشكّل قمّة المواجهة بين العلم والكتب المقدسة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>الأصول العامة لحديث القرآن عن الكون:</span>\nفإذا أردنا بعد هذا أن نزداد فهما للقرآن في حديثه عن الكون فتأملنا حديثه هذا وما اشتمل عليه من المعلومات والمعارف فإننا نجد أن هناك أصولا عامة يجب أن تكون نصب أعيننا لدى دراسة الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكون، وهذه الأصول هي:\n١ - إن القرآن الكريم لم يتخذ العلوم الكونية موضوعا من موضوعاته الأساسية، بل كان غرضه الأكبر هو هداية الناس. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. فهو لم يضع نظريات في العلوم، وليس يرفع من قدره أن يفعل ذلك، لأن هذه العلوم إذا خلت من الهداية تحولت إلى نقمة تحقيق بالإنسانية.\nكما هو مشاهد لنا على مستوى الأفراد والجماعات والدول، فحسب القرآن أن ينشئ المجتمع الفاضل، لكنه في الوقت نفسه قد أرسى أسس تقدم العلم بما رسخ من مفاهيم صحيحة، وأبطل من أفكار زائغة.\n٢ - إن العلوم الطبيعية خاضعة للتدرج يوما بعد يوم فترك القرآن بحث النظريات العلمية ابتلاء للناس كما ترك غيرها من الوسائل الحيوية والمهن والصناعات والحرف ليترك المجال مفتوحا وليستحق كل بما يقدمه. وقد وقف القرآن من هذه العلوم موقف المؤيد الموافق لها فأمر بها وحض الناس على النظر في مظاهر الكون وما تكنه من أسرار ودلائل مما أودعه الخبير القدير من أعاجيب الخلق والتكوين، وبيّن القرآن أن حقائق هذا الكون فيها عبرة للعقلاء","vol":"1","page":236},{"text":"من الناس: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.\n٣ - قرر القرآن أن الكون خادم الإنسان مسخّر له، وأثبتت العلوم الحديثة ما قرره القرآن، والتاريخ الإسلامي لم يعرف الانفصال بين عالم الدين وعالم الطبيعيات، فابن النفيس مثلا عالم الضوء كان إماما في الفقه الشافعي يقتدى به، وغيره كثيرون، فليس هناك تباين بين الدين والعلم، بل كثيرا ما قد نجد عالم الدين عالما كونيا وعالم الكون عالما دينيا، فلا عداء بين الإسلام والعلوم الكونية قديمها وحديثها لأن الكون في مفهوم القرآن مسخّر كما بينا للإنسان، بخلاف ما ساد في أوربة حتى عهد قريب من أن الإنسان وجد في جو معاد له وأن الكون يصارع الإنسان.\nوقد أثبتت الأبحاث العلمية المتقدمة أن هذا الكون خادم للإنسان، وأن مجال انتفاع الإنسان منه لا يمكن أن يحيط به الحصر، بل يخضع لمدى قدرة الإنسان على الانتفاع منه، وذلك ما أشار إليه القرآن في مواطن كثيرة كقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وقوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ...\nوقوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.\nفقد عبّر القرآن تعبيرا دقيقا عن العلاقة بين الكون والإنسان في هذه الكلمة سَخَّرَ بكل ما فيها من معاني استمرار الخدمة، فكان هذا الموقف من القرآن الكريم تقريرا لقاعدة العلم الأساسية ومنطلقا للعلماء في أبحاثهم.\n٤ - إن القرآن تكلم عن حقائق الكون ولم يتبنّ نظريات علمية، لكنه تكلم ولفت النظر إلى ما في الكون من عجيب الصنع وكان هدفه الاستنباط والاستدلال على المكون\nالخالق والامتنان على الناس بما أنعم الله عليهم.\nوهذان الغرضان متلازمان مع الهدف الذي من أجله جاء القرآن، فالمنّة والإنعام تستدعي الشكر والطاعة والتقرب إلى الله تعالى.","vol":"1","page":237},{"text":"ومن ثمّ جاء موقف هام آخر للقرآن، وهو أن القرآن في حديثه عن الكون جاء من حيث طريقته جامعا بين الإجمال والتفصيل، وفي هذا الحديث نجد التوافق بين القرآن والعلم قرنا فقرنا، وهنا يظهر عنصر معجز عظيم لأن القرآن في حديثه عن الكون انعتق من التأثر بما كان عليه أمر الناس من علوم ونظريات سائدة في ذلك العصر، فقد كان في عصر القرآن الكريم من يعبد الفلك ومظاهر الطبيعة مثلا، فجاء القرآن وتكلم عن الكون وعن الأفلاك كلاما علميا يتفق مع أحدث النظريات القائمة المعتمدة اليوم، ولا مصدر لهذا العلم في ذلك الوقت القصي إلا التنزيل عمن خلق الكون، ولذلك نجد أن كثيرا من مواقف القرآن الكريم يزداد على مدى الزمن وضوحا ودقة، بعد أن كان يفهم فهما إجماليا.\nخذ مثلا قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ في معرض الحديث عن المطر والسحاب، وقد تبين ذلك في العلم الحديث، فالرياح التي تمطر تلقح السحاب ببعضه، إذ تتفاعل القوة الموجبة في السحاب مع القوة السالبة فيكون البرق والرعد والمطر ..\nوخذ مثلا قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وقد فهم المتقدمون من زوجين الأمرين المتقابلين كالليل والنهار والظلمة والضياء، ولكن المعنى الأوسع هو السالب والموجب، فإن أصغر خلية في الذرة وهي الجوهر تتألف من السالب والموجب وقد جاء العلم الحديث يقرر أن مادة الكون ترجع إلى عنصر واحد هو (الطاقة) ومن الطاقة الموجبة والطاقة السالبة تتكوّن الذرة، ثم المادة.\nوهكذا توصّل التقدم العلمي الحديث إلى ما سبق أن قرره القرآن منذ أربعة عشر قرنا. وهذا الموقف للقرآن من العلوم كان له أثر في تحرر الناس من الخرافة والأوهام وفي تقدم العلوم على أيدي المسلمين بعد أن كان العالم في الظلمات حتى تتلمذ العالم قرونا على يد المسلمين الذين منهم انبثقت الشعلة، وإنا لنرجو أن تحقق هذه الأمة بتقدمها الخلقي الديني وما ينبثق عنه","vol":"1","page":238},{"text":"من تقدم علمي مجدا يسابق مجدها القديم برسالتها الخالدة في إنقاذ الإنسانية وهداية بني الإنسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>شروط تفسير الآيات الكونية:</span>\nيحاول كثير من العلماء المخلصين تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكون، وإبراز ما في تضاعيفها من موافقة مكتشفات العلم، وكثيرا ما أوغل بعضهم وتكلف. مما لا يتفق مع أصول علم التفسير، ونقتبس على هذا الصنيع ملاحظتين من فضيلة الأستاذ العلّامة الشيخ محمد أبو زهرة (١) تشملان شروط قبول هذا التفسير:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>الملاحظة الأولى:</span>\nأنهم يحاولون أن يحمّلوا القرآن نظرياتهم، وعليهم أن يفهموه كما تبين ألفاظه وكما تومي إشاراته، وذلك لأنهم أحيانا يحمّلون القرآن ما لا يحتمل، ويرهقون ألفاظه بالتأويل، وأحيانا يأتون بنظريات لم تكن حررت بعد من الشكّ والنظر، وقد تتغير.\nولا يصح أن يبقى القرآن تتردد معانيه باختلاف النظريات، بل إن الواجب أن ندرس ما في القرآن على أنه حقائق، فما وافقه من العلوم قبلناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>الملاحظة الثانية:</span>\nأن يدرس الكون في القرآن على أنه (يعني القرآن) حقائق ثابتة، وأنه هو موضع التسليم من المؤمن بالله تعالى وبالقرآن، فلا تجعل حقائقه (القرآن) موضع نظر، بل إن الإيمان بالقرآن يوجب الإيمان بكل ما اشتمل عليه، ولا يصح لنا أن نترك ظاهر القرآن ونتجه إلى تأويله، إلا أن يكون الظاهر يقبل التأويل وتكون حقائق العلم الثابتة تقتضي الأخذ بالتأويل الذي يحتمله القرآن من غير تعسف، ولا خروج بالألفاظ إلى غير معانيها.\nوإنا بهذه الدراسة وبما قررناه من شروط تفسير الآيات الكونية نؤكّد الحقيقة المسلمة أن كتاب الله تعالى هو كتاب الحق، والصدق والعلم، لأنه من عند الله تعالى الذي لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض،\n_________\n(١) في كتابه «المعجزة الكبرى» ص ٥٥٢.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>الفصل الثالث والعشرون القصّة في القرآن</span>\nلا يخفى ما تدل عليه أخبار الأمم السابقة مع أنبيائها، ووقائع الماضي البعيد الذي عفت عليه الأيام، وذهبت بعلمه ومعرفته، فالقصص عن الأمم السابقة معجزة بينة، وحجة حاسمة من دلائل علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، كما أنه دروس وعبر، وحكم ومواعظ يفهمها العامة من مؤمن ومنكر، والخاصة من متعمق ومتمعن، لذلك عني القرآن الكريم بأنباء السابقين أيما عناية، وبث هذه الأخبار في ثنايا دعوته، لتأييد حججه وبيناته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>أهداف القصة في القرآن:</span>\nلا بد أن يلاحظ المتأمل لكتاب الله تعالى عنايته بالقصص حتى انها قد بثّت في ثنايا الكتاب الكريم بشكل بارز ملحوظ، وذلك لما يهدف إليه إيرادها من الحكم والأسرار الجليلة، نلخص جملة من أهمها فيما يلي:\nأولا: الهدف الأكبر والأعظم للقصص في القرآن هو إثبات نبوة النبي ﷺ، وأن القرآن وحي يوحى من الله تعالى، وذلك لأن علم الماضي قد ذهب واندثر، والنبي ﷺ أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، وقومه كذلك أميون، لم ينشأ بين أهل الكتاب ولا كان ثمة مدرسة يتعلم منها هو أو أحد من قومه، ولا خالط أحدا من أهل العلم بالكتاب السابق ولا تلقى عن أحد منهم شيئا قط، فلما جاء بهذه الأخبار ينبئ بها نبأ الأنبياء مع أممهم، فيطابق ما كان عند أهل الكتاب صوابا لم يدخله خطأ، ويصحح ما كان عندهم","vol":"1","page":240},{"text":"دخله تغيير أو تبديل، ويخبر بوقائع لا يعلمها أهل الكتاب ولا ذكرت في تراثهم فكان كما قال تعالى في وصف القرآن: مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. وهذا مع أن علماء أهل الكتاب كانوا يخفون تلك العلوم التي عندهم ولا يطلعون أحدا عليها، فدل ذلك القصص على أنه لا يمكن إلا أن يكون تلقيا من عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم السر في السموات والأرض.\nوقد ذكر القرآن الكريم هذا الوجه من الإعجاز، وصرح به في مواضع متعددة، تأكيدا لإعجازه، وتأكيدا لتحدي المرتاب الشاك، والمنكر المعاند.\nفنجده- مثلا- عقب ذكر قصة مريم وكفالة نبي الله زكريا لها يقول:\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (١).\nويقول في سورة هود: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٢).\nفقد كان النبي ﷺ أميا لم يقرأ كتابا قط، ولا تعلم من عالم قط، وقومه كذلك أميون، وهو لم يشاهد تلك الحوادث ولا التقى بشخصيات تلك الوقائع التي قصها القرآن، بل قد تعرض للامتحان فيما يأتي به من قصص الغيب الماضي، فطرح عليه أهل الكتاب أسئلة مما يعلمونه مغيبا عنه فسألوه بواسطة أهل مكة عن أهل الكهف والروح وذي القرنين فأجابهم عن ذلك كله بدقة وتفصيل، فآمنا من ذلك «.. إنه ما علم إلا بوحي الله واطلاعه عليه، وهي أخبار كثيرة، لا يقع الصدق فيها إلا بالوحي من الله ﷿» (٣).\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية ٤٤.\n(٢) سورة هود، الآية ٤٩.\n(٣) تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار الهمذاني ص ٨٦ - ٨٧. وفي هذه العبارة إشارة هامة إلى حكمة من حكم كثرة القصص واتساع المساحة التي يحتلها من القرآن، وهي تأكيد هذا الإعجاز.","vol":"1","page":241},{"text":"ثانيا: بيان أن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله في النهاية، ويهلك الكافرين المكذبين، ولا يخفى ما في ذلك من تثبيت قلب النبي ﷺ، وتقوية نفوس المؤمنين وزجر الضالين المعاندين وزحزحتهم عن مواقفهم، فتتأثر النفوس كل نفس بحسب ما تحتاج إليه، إذ يتوالى عليها بيان نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وإحقاق الحق وإزهاق الباطل ويتكرر رفع راية العدل، ومحق قوة الظلم من خلال وقائع القصص التي يذكرها القرآن، بل بما يقع فيه من التصريح بهذا التنبيه، وإثارة هذه القضية، في كثير من مناسبات القصص.\nتأمل هذه الآيات تعقيبا على قصص الأنبياء في سورة هود: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ. وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١).\nوفي سورة غافر يقول تعالى عقب قصة موسى وفرعون ومؤمن آل فرعون وإنجاء الله موسى والمؤمن وإهلاك فرعون: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢).\nثالثا: بث المعاني الدينية الواضحة وترسيخ قواعد الدين، بما يقع في ثنايا القصص من حوار، ومواعظ وحجاج، يصغي إليها السامع، ويتابعها القارئ، سواء كان موافقا أو مخالفا مؤمنا أو كافرا، لما في طبيعة القصص من التشويق والإثارة. تأمل ما يلقيه مؤمن آل فرعون لما خشي على موسى من طغيان فرعون وبطشه:\n_________\n(١) سورة هود، الآيات ١٠٠ - ١٠٣.\n(٢) سورة غافر، الآيتان ٥١ - ٥٢.","vol":"1","page":242},{"text":"وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآيات إلى آخر القصة في سورة غافر .. (١).\nففي قصة موسى مع فرعون هنا برزت التوجيهات على لسان الرجل المؤمن يقرر أمورا على غاية من الأهمية وهي جميعها معان دينية، وتوجيهات صريحة تضمنها الحوار القصصي، مما يجعل وقعها في النفوس أبلغ وأعمق.\nرابعا: في قصص القرآن دحض ادعاءات تزعم في نشأة الأديان أن الإنسان الأول كان في ظروف الطبيعة القاسية والغابات ورءوس الجبال، فجره الخوف من مظاهر\nالطبيعة وعجزه عن تفسيرها إلى أن يتصور لكل منها إلها، فجعل للريح إلها، وللمطر إلها، وللخصب إلها ... وصنع التماثيل لهذه الآلهة وعبدها. وكان ذلك برأيهم قبل ظهور الأديان السماوية، ثم تطور الحال إلى الأديان السماوية وإلى توحيد الله تعالى ..\nإن القرآن الكريم الذي وصفه الحديث: «فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم ...» (٢) ليعطينا الأجوبة الكثيرة لإبطال هذا الزعم الوهمي، نقتصر منها هنا على ما يلي (٣):\n١ - إن الدين السماوي المبني على توحيد الله قد وجد مع وجود الإنسان، فحين أهبط الله آدم وزوجته وإبليس إلى الأرض قال لهم: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ...\nثم كان موقف الأنبياء جميعهم على ضد ما توهمه هؤلاء، فقد قاموا كلهم بإبطال العادات الفاسدة، والعقائد الزائغة التي تفشّت في المجتمع\n_________\n(١) على القارئ استحضار الآيات وتأملها.\n(٢) أخرجه الترمذي في فضائل القرآن ج ٥ ص ١٧٢.\n(٣) انظر التوسع في كتابنا «الفكر المسلم».","vol":"1","page":243},{"text":"بسبب البعد عن العلم. وبسبب اتّباع الأهواء ... قال تعالى: وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (١).\nفبنى الأنبياء ﵈ دعوتهم على نبذ التقليد لكي يتحرر العقل ويعمل ببصيرته النافذة، فيتوصل إلى الحق ويعتصم به.\n٢ - إن الأنبياء- كما قصّ القرآن علينا- إنما دعوا قومهم إلى الله تعالى وتوحيده بالحجج القاطعة والأدلة الساطعة، وعلى أوجه متنوعة كثيرة يشغل استيفاؤها بحثا كبيرا.\nهذا نبي الله نوح ﵇ يقول لقومه: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا. وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا .. (٢).\nوإبراهيم ﵇ يقول لمن حاجّه في ربه: قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ. قالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ .. (٣).\nوموسى ﵇ يقول لفرعون عند ما سأله قالَ: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى؟ قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٤).\nوالقرآن حافل بالحجج، كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٥).\nوقوله: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٦).\n_________\n(١) سورة الزخرف، الآية ٢٣.\n(٢) سورة نوح، الآية ١٥ - ١٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية ٢٥٨.\n(٤) سورة طه، الآية ٥٠.\n(٥) سورة الأنبياء، الآية ٢٢.\n(٦) سورة الطور، الآية ٢٥.","vol":"1","page":244},{"text":"وغير ذلك كثير جدا، يحكم بالبطلان على من زعم تأثر العقيدة أو الدين في القرآن وفي دعوة الأنبياء بعادة أو عرف أو أثر من المجتمع ... ويثبت أن القضية إنما هي قضية حجة وبرهان، فنقول لمن خالف القرآن في الإيمان بالله وتوحيده ما قاله القرآن وتحدّى به كل مخالف: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>قصص القرآن حقيقة تاريخية:</span>\nلقد صرح القرآن بأنه يقص القصص الحق أي الثابت الواقع، فكان ذلك دلالة على أن ما جاء في هذا الكتاب الكريم تبيان لوقائع حدثت في غيب الماضي الذي اندثر علمه عن الناس، وكان هذا القصص وجها من أوجه إعجاز القرآن الدالة على أنه من عند الله تعالى.\nغير أن التحريف والدس في قصص الأنبياء الذي وقع في تراث الأمم السابقة عامة، وفي المرويات الإسرائيلية خاصة دفع الباحثين العلميين الأجانب إلى التشكك في هذه القصص بل إلى الغلو في التشكك، حتى في القضايا البدهية، مثل وجود بعض الأنبياء المتقدمين الذين تدل دلائل اليقين القاطع على وجودهم، بل من كان له الأثر الكبير في تحول الإنسانية مثل إبراهيم أبي الأنبياء أو موسى وعيسى ﵈.\nثم جاء ببغاوات الثقافة الأجنبية من أبناء ملتنا ليرددوا بغير علم قالة أولئك، ويطبقوها على قصص القرآن، ويثيروا حوله الشك والريب، وكأنّ ثمة فئة من الناس تستكثر\nعلى هذا الإنسان أن يبقى له مرجع واحد ثابت لا يتطرق إليه الظن، يرقى بهذا الإنسان مما آل إليه من الانحدار.\nوالعجيب أن القرآن الكريم أحال الناس من قديم على مخلّفات الأمم البائدة وآثارها، قبل أن يتقدم علم الآثار ليقرأ فيها الباحثون أخبار الأمم ويستنطقوها أحوالها، تأمل قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ ..، وقال لفرعون: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ...","vol":"1","page":245},{"text":"لقد أثيرت أسئلة حول موسى ﵇ وعلاقة فرعون بقومه، وزعم بعض المبشرين أنه كان مجرد طاغية كافر، ليس بينه وبين قومه علاقة عبادة، وأطلق بعض المبشرين ألسنتهم بما شاء لهم أدبهم في حق القرآن. وأثيرت أيضا ريبة حول إبراهيم ﵇ ووجوده، أثار المستشرق اليهودي جولد تسيهر هذه الريبة (١).\nلكن تقدم علم الآثار وتفوق العلماء في قراءة الأحافير جاء ليسجل مصداق ما جاء به القرآن الكريم، وأنه صحح أخطاء في تراث الأمم السابقة، وتفرّد بمعلومات دقيقة لم تكن معروفة عند أحد من العالم.\nأما بشأن فرعون فقد تبين من الآثار أنه كان يقيم نوعا من علاقة التأليه مع شعبه. كما اكتشفت جثته التي تفرد القرآن بالإخبار عن نجاتها: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً. وعقد الدكتور موريس بوكاي فصلا هاما (٢) حول هذه القضية وهو قد شاهد «مومياء» فرعون هذا بنفسه في متاحف القاهرة واختتم الفصل بقوله: «أيّ بيان رائع لآيات القرآن ذلك الذي يخص بدن فرعون والذي تهبه قاعة الموميات الملكية بدار الآثار بالقاهرة لكل من يبحث في معطيات المكتشفات الحديثة عن أدلة على صحة الكتب المقدسة».\nوأما بشأن إبراهيم الخليل ﵇ فقد جاءت الحفريات لتثبت أخبار القرآن عنه وعن قومه تلك التي قام بدراستها «ليوناردو وولي» وألّف بناء عليها كتابه عن إبراهيم، وإذا به يخبر عن قوم بابل وعبادتهم للنجوم، وأن عبادة القمر سابقة على عبادة الشمس خلافا لما قد يتبادر للذهن، وأن رب الأرباب عند اليونان هو كوكب المشتري وليس الشمس أو القمر، ومن ذلك قدم القرآن\n_________\n(١) في أوائل كتابه: «العقيدة والشريعة في الإسلام» ص ١٢ وما بعدها.\n(٢) في كتابه القيم «دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة» ص ١٤٩ - ٢٧١.","vol":"1","page":246},{"text":"ذكر الكوكب في قصة إبراهيم فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي ... (١).\nونختم بهذه الكلمة التي يقولها الدكتور بوكاي عن جثة فرعون إذ يقول (٢): «في عصر محمد ﷺ كان كل شيء مجهولا عن هذا الأمر ولم تكتشف هذه الجثث إلا في نهاية القرن التاسع عشر، وكما يقول القرآن فقد أنقذ بدن هذا الفرعون، وأيا كان هذا الفرعون فهو الآن في قاعة المومياءات الملكية في المتحف المصري بالقاهرة، ويستطيع الزوّار أن يروه».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>طريقة القصص في القرآن:</span>\nلما كانت القصة في القرآن تهدف إلى مقاصد دينية وإيمانية كانت طريقة القص في القرآن متميزة عن المألوف في هذا الفن، لكي يتلاءم أسلوب عرض القصة مع الوفاء بحق الغرض الذي سيقت لأجله، ومن أبرز سمات طريقة القرآن في القصص ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>أولا- القصة لا ترد في القرآن بتمامها دفعة واحدة</span>\n، بل يقتصر على الجزء الذي يناسب الغرض الذي تساق القصة لأجله، كما يكتفي بالجملة من الآية أو شطر البيت من الشعر للاستشهاد به. وهذا الجزء الذي يذكر إنما يذكر بالحدود الملائمة للغرض كذلك.\nفقصة موسى مع فرعون في سورة غافر وردت في جو كأنه جو معركة، لأن فيها بيان الصراع بين الحق والباطل، والمعركة بين الإيمان والكفر، فتذكر السورة من القصة ما يلائم ذلك: محاولة قتل موسى، والتفكير بقتل «أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم». ثم ظهور الرجل المؤمن بين قوم فرعون\n_________\n(١) انظر التفاصيل المثيرة في كتاب «إبراهيم أبو الأنبياء» لعباس محمود العقاد ﵀.\n(٢) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص ٢٦٩.","vol":"1","page":247},{"text":"يكتم إيمانه فينصر موسى ويدافع عنه، واحتيال فرعون للتهرب من دلائل الحق وبراهينه إلى أن تأتي نهايته بالهلاك والعذاب الأليم. وبحفظ الله تعالى لهذا المؤمن الحكيم. فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ .. فكان الختام ملائما لجو السورة، كما أنه في الوقت نفسه ختام فنّيّ رائع ذلك المشهد الذي يبرز فيه فرعون وقومه قد أحاط بهم سُوءُ الْعَذابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>ثانيا- استخراج التوجيهات والعظات، والإعلان بها في ثنايا القصة وختامها</span>\n، مما توحي به القصة من العبر والدروس.\nففي قصة لقمان مثلا: وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. يأتي البيان القرآني بتعقيب على هذه الموعظة بقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا\nالْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ...\nالآيات ...\nفهذا بعد وصية لقمان الأولى ليس من كلام لقمان، بل هو من كلام الله تعالى يوجهه سبحانه لعباده لمناسبة وعظ لقمان، يحقق غرضين كبيرين:\nالأول: التأكيد على وصية لقمان لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ببيان أنه أعظم الحقوق، وأنه لا يجوز التساهل إزاء قضية الإيمان وتوحيد الله تعالى لأي اعتبار، ولو كان هو حق الوالدين البالغ غاية التقديس.\nالثاني: تأكيد حق الوالدين، وبيان أنه أجلّ حقوق العباد على الإنسان، وأقدس واجبات الإنسان تجاه الإنسان، لكنه مع ذلك لا يقاوم حق الله تعالى. وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا ...\nومن ذلك ما نقرؤه في ثنايا حوار موسى ومؤمن آل فرعون، فموسى يقول: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ.\nوهذا يشير إلى فظاعة من اتصف بذلك، وفي ثنايا كلام مؤمن آل فرعون: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>ثالثا- التكرار:</span>\nوالتكرار خاصة من خصائص أسلوب القرآن بصورة عامة، وهو في طريقة عرض القرآن للقصة جزء من تلك الطريقة. ولهذا نجمع بحث هذه السمة لنلخص بحثها في هذه المناسبة في فقرتين: تكرار القصة في القرآن، تكرار العبارات في القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>١ - تكرار القصة في القرآن:</span>\nإن إطلاق كلمة تكرار هنا فيها كثير من التسامح والتساهل، فإن تعرض القرآن لما حدث مع نبي من الأنبياء مع قومه في أكثر من موضع ليس هو تكرارا بالمعنى الحقيقي، إنما هو استشهاد بالقصة لأغراض متعددة، لذلك لا نجد القصة تعاد كما هي، وإنما يذكر الجزء المناسب للغرض والمقصد الذي اقتضى الاستشهاد بالقصة باستعراض سريع. أما جسم القصة فلا يكرر إلا نادرا، ولاستنباط دروس وعبر جديدة منه مما يجعله على الحقيقة غير مكرر.\nوهكذا وردت قصة آدم في ست مواضع من القرآن تثير العبر حول خطر اتباع الهوى ومخالفة أمر الله، وضعف الإنسان أو توبته وقبول توبته وهكذا.\nكذلك وردت قصة إبراهيم في نحو عشرين موضعا، تثير في كل موضع عبرة ودرسا، في التوحيد، أو الإنابة، أو تأسيس البيت العتيق، أو الأذان في الحج .. إلى آخر ما هنالك ..\nوهكذا تكررت قصة موسى، مع فرعون، ومع قومه، ومع نبيّ الله شعيب في مدين: ... وفي كل موضع عبرة وعظة وحكمة ودروس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>٢ - تكرار العبارات في القرآن:</span>\nهذا القسم من التكرار يبرز بعض خصائص أسلوب القرآن، وأسرار بلاغته المعجزة، فتارة يكرر الجملة أو العبارة بنصها دون تغيير فيها، لما في ذلك من التأكيد، أو التهويل، أو التصوير، وكل ذلك له أثر عظيم في تعميق المعنى في النفس وصدعها عما تصر عليه. ويظهر ذلك بوضوح بالمثال الذي يتبادر للذهن أول شيء لدى ذكر التكرار، وهو سورة الرحمن التي تكرر فيها","vol":"1","page":249},{"text":"كثيرا قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. فإن هذه السورة تعدد للمنكرين نعم الله عليهم ودلالة كل نعمة على وجوب الانقياد لله تعالى شكرا له، وخضوعا لعظمته، لكنهم كفروا هذه النعم فوضعوها في غير موضعها، وكفروا بالمنعم وأشركوا به غيره فعبدوا الأوثان والشركاء، فجاءت سورة الرحمن تحاجّهم وتحاقّهم بإيقافهم على كل واحدة منها بالحجة الملزمة، وهكذا بالتعداد المفصل لتلك النعم والدلائل حتى تزحزح المعاند عن عناده، وترسّخ في أعماق النفس الشعور بوجوب شكره تعالى، فعقّب ذكر كل واحدة من النعم والدلائل بهذه الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.\nوتارة يكون التكرار مع اختلاف في نظم الجملة، أو إيجاز أو إطناب أو نحو ذلك. وذلك يبرز سرا من أسرار إعجاز القرآن، وهو التعبير عن المعنى الواحد بأكثر من أسلوب دون أن ينال تكرار المعنى من سموّ الأسلوب وإعجازه، بينما لا يخلو كلام البشر في مثل هذا الحال من تفاوت بين الأسلوبين واختلاف مستوى الأداءين. وذلك من جملة تصريف البيان في القرآن الذي ذكره القرآن في مناسبات متعددة، كقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ .. (١) وقوله: وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (٢).\nوحقيقة التصريف: «إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأول لطول العهد به» (٣).\nوبهذا التصريف المعجز حقق القرآن هدفا عظيما هو خطاب الناس كافة، من تكفيه الإشارة والموجز من القول، ومن لا يسد خلل فهمه إلا التفصيل وهكذا تنوع أسلوب القرآن.\nوقد لفت هذا التصريف المعجز أنظار البلغاء وراحوا يكشفون ما في كل\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية ١٠٠.\n(٢) سورة طه، الآية ١١٣.\n(٣) كما قال الزركشي في البرهان ج ٣ ص ١٠.","vol":"1","page":250},{"text":"موقع من سرّ بلاغي، وإعجاز بياني، حتى في الكلمة الواحدة تختلف بها العبارة من موقع إلى موقع، ونشأ عن هذا الغرض الأخير فنّ جليل دقيق هو «متشابه القرآن اللفظي»، صنّف فيه العلماء عدة كتب، أذكر منها كتاب «درة التنزيل وغرة التأويل» للراغب الأصفهاني.\nومن أمثلة ذلك هذا التحليل نسوقه من الكتاب:\nقال تعالى في سورة الأنعام (١): وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.\nوقال في سورة الإسراء (٢): وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ.\nفالسؤال هنا: لم قدم في الأول: ضمير المخاطب نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وفي الثاني ضمير الغائب: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ ....\nوالجواب عن هذا من أكثر من وجه نذكر منها ما يختص بالمعنى:\nإن الآية الأولى تحرّم قتل الأولاد الذي يدفع إليه الفقر النازل فعلا بالآباء كما قال مِنْ إِمْلاقٍ. فناسب لذلك تقديم ذكر الآباء لأنهم هم الذين يعانون الفقر فعلا، وهو يدفع بعضهم للتخلص من أعز شيء عليه، فكان الملائم للمقام هنا تقديم ذكر الآباء.\nأما الآية الثانية: فتحرم قتل الأولاد الذي يدفع إليه خوف الفقر في المستقبل خَشْيَةَ إِمْلاقٍ لتضاعف مسئوليات النفقة بسبب الأولاد. فناسب لذلك تقديم ذكر الأبناء نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ لضمان مستقبلهم من الله وإزاحة هذا التخوف والوسواس الذي تحرك في القلب بسببهم» (٣).\n_________\n(١) الآية ١٥٢.\n(٢) الآية ٣٢.\n(٣) درة التنزيل وغرة التأويل ص ٣٣٩. وقد طبع هذا الكتاب منسوبا للخطيب الاسكافي، وذلك خطأ، إنما هو للراغب، كما وجدناه في مخطوطاته.","vol":"1","page":251},{"text":"ولذلك أمثلة كثيرة أتى في دراستها العلماء بروائع الإعجاز القرآني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>أسلوب القصة الفني في القرآن:</span>\nوأسلوب القصة في القرآن جزء من أسلوبه المعجز بخصائصه العامة.\nلكنا هنا نقف على جديد في الأسلوب هو تجاوب أسلوب القص الفني في القرآن مع أحدث فنون القصة، فأنت واجد في قصص القرآن مقومات القصة الفنية من تمهيد وعرض أحداث وعقدة وحل للعقدة، ثم خاتمة ونهاية للقصة.\nبل تجد في قصص القرآن ما لا يخطر على بالك، ذلك هو خصوصية المسرحية وما يسمى بالأسلوب التمثيلي، حتى إن القصة في القرآن ليمكن أن تعرض مسرحيا دون أي تعديل فيها. وذلك ما لا يتأتى في غيره من القصص إلا أن تكون قد كتبت وأعدت إعدادا خاصا لهذا الغرض.\nومن يتأمل ما ورد في سورة غافر من قصة موسى مع فرعون وجد مصداق ذلك في تلك الآيات (١):\nفقد ذكر في هذه السورة من قصة موسى مع فرعون ما يلائم غرض السورة العام وهو معالجة قضية الحق والباطل، وبدأت أولا بهذا التمهيد:\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ... فتهيأت الأذهان بهذا التمهيد للقصة التي جاءت بمثابة المثال التطبيقي لهذه القاعدة الكلية التي مهدت بها السورة.\nثم جاءت العقدة مبكرة- وقد تأتي في مواضع أخرى متأخرة عن مثل هذا الموقع- والعقدة: وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ... وهنا يأتي دور مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه من قبل، لكنه الآن يرى الواجب يدعوه لقولة الحق، فتصرف بما يوجبه عليه الموقف بحكمة وتبصر. ودار الحوار وسط تشوق العقل لمعرفة النتيجة وكيف حل العقدة التي لم تتأثر بهذا المنطق السديد الحكيم، فكان الحل أخيرا بهذا الأخذ الإلهي:\n_________\n(١) الآيات ٢٣ - ٤٧ من سورة غافر وعلى القارئ استحضارها.","vol":"1","page":252},{"text":"فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ .... وكان بعد حل العقدة انتهاء القصة بمشهد ختامي رائع، هو مشهد أولئك الطغاة الجبارين يذوقون أليم العذاب: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ... إلى آخر السورة وما فيها من اختصامهم في النار ...\nونلمح في القصة خصوصيتين من خصائص فن القصص المسرحي:\nالأولى: الاعتناء بفن التصوير، ويظهر هنا واضحا في رسم الشخصيات، فشخصية موسى هي شخصية ذلك النبي الواثق بقضيته فهو يواجه تهديد فرعون باللجوء إلى الله تعالى، وشخصية الرجل المؤمن تبدو من خلال الحوار شخصية الرجل الحكيم الذي يتبع المنطق المعقول، مع إثارة عواطف قومه بالنداء المتكرر «يا قوم .. يا قوم ..»\nوشخصية فرعون تبدو بجبروتها وخبثها وإصرارها على الباطل، يقابل دعوة الحق بسفك الدماء، ويواجه المنطق المفحم بالحيلة والدهاء: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ...\nالخصوصية الثانية: حذف الثغرات بين الوقائع مما لا حاجة إليه لفهم القصة، بطريقة فنية عجيبة اخترق بها قصص القرآن أستار القرون ليأتي متلائما مع ما يسمونه «العرض التمثيلي» الذي نما في هذا العصر إلى أبدع أسلوب وصل إليه الأدب. فتجدنا مع قصص القرآن ننتقل من مشهد إلى مشهد، كما لو كنا أمام القضية تعرض علينا صورا. فمن مشهد إرسال موسى ودعوته فرعون، وتهديد فرعون بالقتل، إلى مشهد مجلس خاص بين فرعون وحاشيته يبرز فيه مؤمن آل فرعون حيث يدور الحوار الذي يشغل القسم الأكبر من القصة، إلى مشهد آل فرعون، وقد حاق بهم سوء العذاب في ختام القصة.\nومن تأمل سائر قصص القرآن تبين له ما عرضناه هنا، وتذوق إعجاز أسلوب القرآن في القصة، وزاد إحساسه بذلك إذا لاحظ البون الهائل بين القصة في الأدب العربي وآداب العالم في عصر نزول القرآن وما تطور إليه فنها في العصر الحديث.","vol":"1","page":253},{"text":"وأخيرا صدق الله العظيم: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>الفصل الرابع والعشرون علم غريب القرآن وأثره في التفسير وكشف الإعجاز</span>\nالغريب لغة: هو البعيد عن أقاربه. أو المنفرد.\nواصطلاحا: ما وقع في القرآن من الألفاظ البعيدة عن الفهم.\nسمي بذلك لبعده عن ظاهر الفهم، أو لأنه كالمنفرد عن الألفاظ الأخرى القريبة للفهم.\nوسبب الغرابة قد يكون لقلة استعمال الكلمة، أو لاستعمالها في كناية أو استعارة أو مجاز، أو لقلة علم القارئ والسامع باللغة، وهو كثير جدا، وازداد كثرة باختلاط العرب بالعجم، وبعد العهد عن عصر الصحابة ﵃.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>أثر علم الغريب في التفسير:</span>\nومعرفة هذا الفن أمر ضروري للمفسر. وإلا فلا يحل له الإقدام على تفسير كتاب الله تعالى (١).\nلكنا لم نقتصر في هذا الفصل على تفسير المعنى بالغريب، وفهم المفردات، بل وجدنا له فائدة أخرى جليلة، هي أثر هذا العلم في إبراز ثروة القرآن البلاغية، وأسرار إعجازه.\nومصدر هذا العلم الأساسيّ هو لغة العرب، لذلك قرروا: «أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة العربية وموضوعاتها، تفسير شيء من كلام الله،- لأن الله تعالى أنزله، قرآنا عربيا- ولا يكفي في حقه تعلّم اليسير منها، فقد يكون اللفظ\n_________\n(١) البرهان: ١/ ٢٩٢، والإتقان: ٢/ ٥.","vol":"1","page":255},{"text":"مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين، والمراد المعنى الآخر ..» (١).\nومن هنا توقف بعض الصحابة في تفسير بعض الكلمات، مثل توقف عمر بن الخطاب في معنى «الأبّ» من قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا.\nقال الإمام مالك بن أنس: «لا أوتى برجل يفسّر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا».\nوقال مجاهد بن جبر الإمام التابعيّ المفسّر: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>ومن خير ما يستعان به في تفسير الغريب أشعار العرب وكلامهم:</span>\nقال ابن عباس: «ما كنت أدري ما قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩] حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري وهي تقول: «تعال أفاتحك» يعني أقاضيك».\nوقال أيضا: «ما كنت أدري ما «فاطر السّماوات والأرض» حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يعني ابتدأتها» (٣).\nولأشعار العرب أهمية خاصة في هذا الفن، قال أبو بكر بن الأنباري (٤):\n«قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر».\nولحبر المفسرين ابن عباس اعتناء كثير بالشعر في تفسير القرآن، نقلت عنه ثروة كبيرة في ذلك في مصادر التفسير، وأجمع ما روي عنه في ذلك مسائل نافع بن الأزرق زعيم الأزارقة من الخوارج، أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب\n_________\n(١) البرهان: ١/ ٢٩٢.\n(٢) البرهان: ١/ ٢٩٢.\n(٣) المرجع السابق ٢٩٣، والإتقان: ٢/ ٤ و٥.\n(٤) كما نقل عنه في الإتقان: ٢/ ٥٥.","vol":"1","page":256},{"text":"الوقف والابتداء، والطبراني في المعجم الكبير، وساقها السيوطي بتمامها في كتاب الإتقان (١).\nومن أمثلة استشهاده بالشعر:\nتفسيره قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: ٣٧] قال: العزون: الحلق الرّقاق، واستشهد ببيت عبيد بن الأبرص:\nفجاءوا يهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا\nوفسّر قوله تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨]: «الشّرعة: الدين، والمنهاج: الطريق». واستشهد بقول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:\nلقد نطق المأمون بالصدق والهدى ... وبيّن للإسلام دينا ومنهاجا (٢)\nونبه أئمة العلم على أمر ذي خطر، هو أنه: ينبغي العناية بتدبّر الألفاظ كي لا يقع الخطأ، كما وقع لجماعة من الكبار.\nروى الخطّابي عن أبي العالية أنه سئل عن معنى قوله: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: ٥]، فقال: هو الذي ينصرف عن صلاته ولا يدري عن شفع أو وتر. قال الحسن: مه يا أبا العالية. ليس هكذا، بل الذين سهوا عن ميقاتها حتى تفوتهم، ألا ترى قوله: «عن صلاتهم»!.\nفلما لم يتدبّر أبو العالية حرف «في» و«عن» تنبّه له الحسن، إذ لو كان المراد ما فهم أبو العالية لقال: «في صلاتهم»، فلما قال: «عن صلاتهم» دل على أن المراد به الذّهاب عن الوقت (٣).\nوكذلك قال ابن قتيبة (٤) في قوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ [الزخرف: ٣٦]: إنه من عشوت أعشو عشوا، إذا نظرت. وهو قول\n_________\n(١). ٢/ ٥٥ - ٨٨. قال في آخرها: «حذفت منها يسيرا نحو بضعة عشر سؤالا».\nقلت: وقد قام بإخراجها كاملة بعض أصدقائنا ووثقها بأصول تحقيق المخطوطات. أثابه الله.\n(٢) الإتقان: ٢/ ٥٦ - ٥٧.\n(٣) البرهان: ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(٤) لتفسير غريب القرآن: ٣٩٧ - ٣٩٨. وانظر معاني القرآن للفراء وللأخفش.","vol":"1","page":257},{"text":"أبي عبيدة معمر بن المثنّى والأخفش. ونقل قول الفرّاء: «يعرض عنه» ثم نقده، فقال: «ولا أرى القول إلا قول أبي عبيدة، ولم أر أحدا يجيز، «عشوت عن الشيء»: أعرضت عنه، إنما يقال: «تعاشيت عن كذا»، أي تغافلت عنه كأني لم أره، ومثله تعاميت، والعرب تقول: «عشوت إلى النار» إذا استدللت إليها ببصر ضعيف» ... إلخ.\nقال الزركشي: «وغلّطوه في ذلك، وإنما معناه يعرض، وإنما غلط لأنه لم يفرق بين عشوت إلى الشيء وعشوت عنه».\nلذلك يجب على دارس التفسير ألا يكتفي بظاهر اللغة، حتى ينظر إلى التركيب، ومقصد السياق، حتى لا يقع في الخطأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>المؤلفات في غريب القرآن:</span>\nولأهمية هذا العلم كثرت المؤلفات فيه، حتى جاوزت المائة (١)، ومعظمها يحمل في عنوانه عبارة «غريب القرآن».\nوكانت في بادئ الأمر تكتفي بشرح الكلمات الغامضة، ثم أدخلوا عليها شيئا من الإعراب، ونحوه، في كتب حملت اسم: معاني القرآن، ثم توسعوا وشرحوا كل مفردات القرآن تقريبا، لعموم الحاجة واتساعها، وأكثرها مرتب على ترتيب ورودها في السور، وبعضها مرتب على نظام المعاجم، مثل كتاب:\nالمفردات للراغب الأصفهاني.\nومن أهم هذه الكتب المطبوعة:\n١ - مسائل نافع ابن الأزرق لابن عباس وإجاباته عنها.\n٢ - معاني القرآن، للفراء، يحيى بن زياد (ت ٢٠٧).\n٣ - غريب القرآن، لابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدّينوري (ت ٢٧٦).\n٤ - كتاب الغريبين: غريب القرآن وغريب الحديث، للهروي: حمد بن محمد أبو عبيد (ت ٤٠١). وهو من أنفعها.\n_________\n(١) انظر إحصاءها مفصلا في التعليق على البرهان للزركشي تحقيق الدكتور يوسف المرعشلي وزميليه. ط. دار المعرفة- بيروت (ص ٣٨٨ - ٣٩٣). وقد فاته أشياء.","vol":"1","page":258},{"text":"٥ - المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني: الحسين بن محمد (ت ٥٠٢)، وهو من أحسن ما ألفوا في هذا الباب، وهو يتصيد المعاني من السياق.\nومن مراجع هذا العلم الأساسية كتب اللغة، اسما، وفعلا، وحرفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>المعرّب في القرآن:</span>\nيتصل هذا بغريب القرآن، لأنه لا بد من معرفته لتفسير القرآن الكريم فهو نوع من غريب القرآن.\nوهو الألفاظ التي وقعت في القرآن من غير لغة العرب.\nوهذا موضوع خطير كثر فيه الكلام منذ القديم، وتعرض له العلماء كثيرا في كتب علوم القرآن (١)، وكتب التفسير (٢)، وكتب اللغة (٣)، وغيرها (٤).\nوألّفت فيه كتب وبحوث مفردة (٥).\nوقد جمعت هذه الألفاظ فبلغت (١١٥) نحو خمس عشرة ومائة كلمة، أحصاها السيوطي وتكلم عليها بإيجاز في كتابه: الإتقان في علوم القرآن (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>نذكر منها هذه الأمثلة:</span>\nأرائك: السّرر بالحبشية.\n_________\n(١) انظر فنون الأفنان لابن الجوزي: ٣٤١ تحقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر والبرهان:\n١/ ٢٨٧ والإتقان: ٢/ ١٠٥.\n(٢) انظر مقدمة الطبري لتفسيره: ١/ ٦ ومقدمة ابن عطية لتفسيره المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز: ٥٧، وتفسير القرطبي: ١/ ٦٨.\n(٣) الصاحبي في فقه اللغة لأحمد بن فارس: ٢٨ - ٣٠ ط. السلفية. وفقه اللغة للثعالبي:\n١٩٧ ط. البابي الحلبي. والمزهر في علوم اللغة العربية للسيوطي: ١/ ٢٦٨.\n(٤) مثل الرسالة للإمام الشافعي: ٤١ - ٤٢.\n(٥) منها المعرّب للجواليقي وهو عام في القرآن وغيره، والمهذب فيما وقع في القرآن من المعرّب للسيوطي. وبحث نقاء القرآن الكريم من العجمية للدكتور حسن ضياء الدين عتر. بحث جامعي محكّم.\n(٦). ٢/ ١٠٨ - ١١٩. لكن في عده لجملة منها في المعرب نظر، مثل طه، يس، ن وغيرها مثل:\nابلعي، تتبيرا، الرحمن، شطر، القيوم، منفطر.","vol":"1","page":259},{"text":"استبرق: الديباج الغليظ بلغة العجم.\nالجبت: الشيطان، بلغة الحبشة، أو الساحر.\nجهنم: قيل: فارسية وعبرانية، وقيل: أعجمية.\nسجّيل: بالفارسية، أوّلها حجارة وآخرها طين.\nسندس: رقيق الديباج بالفارسية.\nفردوس: بستان، الكرم، بالرومية.\nقسورة: الأسد، بالحبشية.\nوقد اختلف في هذه القضية اختلافا كثيرا، فأنكر جمهور العلماء أن يكون في القرآن شيء غير عربي، لأن الله تعالى أنزله بلغة العرب، وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢]. وقال: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥].\nواستدلوا بأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه ﷺ، وتحدى به العرب العرباء، وأفحم الفصحاء والبلغاء بآياته، فلو اشتمل على غير لغة العرب لاحتجوا عليه، واعترضوا (١).\nواستدل من قال بوقوع المعرّب في القرآن بوجود ألفاظ فيه هي في لغات غير العرب، كالشواهد التي ذكرناها.\nقالوا: إن القرآن حوى علوم الأولين والآخرين، ونبأ كلّ شيء، فلا بدّ أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن، ليتمّ إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها، وأخفّها، وأكثرها استعمالا للعرب» (٢).\nوأيضا فإن النبي ﷺ مرسل إلى كل أمة، فلا بدّ وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو.\nوقد ذهب المحققون إلى التوفيق بين الرأيين، وسبق لذلك الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام، وذلك أن هذه الألفاظ أصولها أعجمية، لكنها وقعت للعرب،\n_________\n(١) فنون الأفنان: ٣٤٢ والبرهان: ١/ ٢٨٧، والإتقان: ٢/ ١٠٥ وغيرها مما ذكرنا.\n(٢) الإتقان: ٢/ ١٠٦ - ١٠٧.","vol":"1","page":260},{"text":"فعرّبتها بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فخاطبهم بها، لأنها صارت من لسانهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>أثر علم الغريب والمفردات في كشف الإعجاز:</span>\nيحتاج المفسر إلى علم غريب القرآن كركن من عمله في التفسير، وكذلك يحتاج إلى التأمل في سائر مفردات القرآن أي ألفاظه وإن لم تكن غريبة بحسب الظاهر، لما عسى أن يكون قد ارتبط بها من مجاز أو ترجيح معنى على معنى أو غير ذلك، مما سبقت الإشارة إليه.\nوإذا نظر المفسر البارع في فنون البلاغة المتذوق لجمال الكلام وأساليبه إلى غريب القرآن وسائر كلماته وألفاظه، بمنظار البلاغة وجمال الكلام، وجد فيها جمالا وفصاحة، يصل بمداومة النظر فيهما إلى كشف إعجاز القرآن في كلماته ومفرداته، كما هو معجز في جمله وآياته.\nوقد وقع لبعض الناس من قدامى ومحدثين خطأ في هذه المسألة، فزعموا أن الألفاظ متساوية كلّها في الفصاحة، لأن العرب قد استعملتها جميعا.\nوقد خالف جمهور علماء البلاغة والنقد الأدبي هذه النظرة، ووسموها بالسّقم والسطحية، حتى قال العلامة اللغوي الأديب ضياء الدين بن الأثير (٢):\n«وقد رأيت جماعة من الجهّال إذا قيل لأحدهم: هذه اللفظة حسنة، وهذه قبيحة أنكر ذلك، وقال: كلّ الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنا.\nومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة: «الغصن» ولفظة «العسلوج»، وبين لفظة «المدامة» ولفظة «الإسفنط»، وبين لفظة «السيف» ولفظة «الخنشليل»، وبين لفظة «الأسد» ولفظة «الفدوكس»، فلا ينبغي أن يخاطب\n_________\n(١) البرهان: ١/ ٢٩٠ والإتقان: ٢/ ١٠٨ وانظر فنون الأفنان: ٣٤٣ - ٣٤٤. أورده مختصرا.\nوفيه قوله: «فهذا القول يصدّق الفريقين جميعا».\n(٢) في كتابه المثل السائر في أدب الكاتب الشاعر ط. مصطفى الحلبي، تطرق لهذه المسألة في مواضع متعددة، وانظر تفصيلا لذلك في كتاب المعجزة الخالدة لأخي الشقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر ص ٢٠١ - ٢٠٣.","vol":"1","page":261},{"text":"بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه، كما قيل: «اتركوا الجاهل بجهله، ولو ألقى الجعفر في رحله» (١).\nوقد شهد أئمة العربية الأجلاء، أن ألفاظ القرآن هي أفصح كلام العرب، وأعلاها جمالا، وأنسا، وبعدا عن وحشيّ الكلام، وحسبنا في هذا قول الإمام أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصبهاني، وقد مخر عباب ألفاظ القرآن في كتابه «المفردات في غريب القرآن» فقال في مقدمته (٢):\n«فألفاظ القرآن هي لبّ كلام العرب وزبدته» وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم، وحكمهم، وإليها مفزع حذّاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرّعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتّبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة».\nوقد عني العلماء النّقاد المتذوقون جمال الكلام بدراسة أثر الكلمة في جمال الأسلوب، وأثرها في إعجاز القرآن، في قديم الزمان وحديثه، وأثبتوا إعجاز الكلمة القرآنية في موقعها (٣).\nنذكر مهمات من ذلك على سبيل الإيجاز الشديد، فمن ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>١ - حسن اختيار ألفاظه ودقة أدائها:</span>\nواللغة العربية واسعة الثروة اللفظية، حتى لا يحيط بها إلا نبيّ، فاستحضار أحسن لفظ وأنسبه يحتاج إلى اطلاع على جميع ثروتها، ثم استحضار جميع ما يلائم الموقع من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها،\n_________\n(١) الجعر: القذر. رحله: بيته.\n(٢) ص ٦. قوله: «واسطته» أي كواسطة العقد، أنفس شيء فيه. بالإضافة: أي بالنسبة والقياس إليها.\n(٣) نذكر من هذه الدراسات: المثل السائر لابن الأثير، وإعجاز القرآن للرافعي، والمعجزة الخالدة للدكتور حسن ضياء الدين عتر، أتى فيه بفصول قيمة، فانظره، وجماليات المفردة القرآنية، وهو أوفى ما كتب، قد جمع بين نظريات القدامى والمحدثين، ألّفه بإشرافنا الدكتور أحمد ياسوف، فجاء كتابا فريدا في بابه.","vol":"1","page":262},{"text":"واستحضار ذلك متعذر على البشر في أكثر الأحوال، وذلك عتيد حاصل في علم الله، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث.\nومن أمثلة ذلك:\nقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ أحسن هنا من التعبير ب «تقرأ»، لثقله بالهمزة، ولا رَيْبَ فِيهِ أحسن من لا شك فيه، لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب، ومنها وَلا تَهِنُوا أحسن من: ولا تضعفوا، لخفّته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>٢ - تآلف الألفاظ مع المعاني:</span>\nوهو من أوجه إعجاز القرآن العامة، عني به الباقلاني والجاحظ (٢) وغيرهما. وهو كما قال الباقلاني: «علم شريف المحل، عظيم المكان، ..،\nوهو أدقّ من السّحر، وأهول من البحر، وأنت تحسب أنّ وضع الصّبح في موضع الفجر، يحسن في كل كلام، إلا أن يكون شعرا أو سجعا، وليس كذلك، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع وتزلّ عن مكان لا تزلّ فيه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه، وتضرب بجرانها ...».\nوهذا الوجه مستوفى في كل القرآن، وفي كل آية منه، لا تحتاج إلى اختيار وانتقاء.\nهذه سورة الفاتحة مثلا: افتتحت بأفضل وأكمل الثناء الحسن الجميل على الله وأبلغه: الْحَمْدُ لِلَّهِ. ولم تقل الشكر، ولا المدح، لأن الشكر يختص بجميل الفعال، والمدح يختص بجميل الخصال أي الصفات، فعبرت ب «الحمد» فشملت معنى كل من المدح والشكر. ثم جاءت كلمة «الحمد» معرفة بأل، وهي هنا للاستغراق، فأفادت شمول كل حمد وكل شكر وكل مدح.\nثم أسندت الحمد لله تعالى بهذا الاسم «الله»، وهو الاسم الدال على\n_________\n(١) الإتقان من أواخر النوع الرابع والستون: ٤/ ٢٢. وانظره للاستزادة، وانظر المعجزة الخالدة:\n٢١٠ - ٢١١.\n(٢) إعجاز القرآن للباقلاني: ٢٨٠ والبيان والتبيين للجاحظ: ١/ ٤٠. وانظر كتابنا القرآن الكريم والدراسات الأدبية: ١٧٨ - ١٧٩.","vol":"1","page":263},{"text":"الذات المشتمل على جميع الأسماء والصفات، فأشارت بذلك إلى كمالاته التي لا تعدّ ولا تحصى، وهكذا إلى آخر السورة (١).\nوهذه سورة البقرة افتتحت بالإشارة إلى إعجاز القرآن وغاية عظمته:\nالم* ذلِكَ الْكِتابُ، فرمز لإعجاز القرآن بهذه الحروف المقطعة، ثم أشار إلى غاية كماله وإعجازه باسم الإشارة: «ذلك»، مع أن الإشارة في الأصل تكون للماديات المحسوسة، لتفيد غاية وضوح أمر القرآن وتميّزه عن غيره كمال تميّز، وجاءت بلام البعد، لتفيد بعده أن تصل إليه طاقة البشر، وتأتي بمثله.\nوزادت عظمة القرآن فعبّرت ب «الكتاب» معرفا بأل، فأفادت العبارة الحصر، أي أنه لغاية كماله وعظمته صار كأنه الكتاب الوحيد الذي يستحق أن يسمّى كتابا ... وهكذا إلى آخر السورة، وإلى آخر القرآن. حتى صارت كل كلمة في القرآن فريدة، في مكانها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>٣ - التناغم الموسيقى:</span>\nوفي ذلك يقول الرافعي (٣): «لو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها رأيت حركاتها الصرفية، واللغوية تجري في الوضع والتركيب على غاية التآلف الصوتي، فيهيّئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقى، حتى إنّ الحركة ربما كانت ثقيلة لسبب ما، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الحروف والحركات قد مهّدت لها طريقا في اللسان، فجاءت أعذب شيء، وكانت متمكّنة في موضعها غاية التمكن.\nمن ذلك لفظة: «النّذر» جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها، لتواليها على\n_________\n(١) انظر كتابنا (تفسير سورة الفاتحة): ٩٨ وما بعد و(في تفسير القرآن الكريم وأسلوبه المعجز):\n٢٣ - وما بعد.\n(٢) انظر كتابنا القرآن الكريم والدراسات الأدبية: ٢٧١ وما بعد، ومصادر التفسير البلاغي مثل الكشاف للزمخشري وإرشاد العقل السليم لأبي السعود العمادي وروح المعاني للآلوسي وغيرها.\n(٣) بتصرف واختصار من كتابه إعجاز القرآن: ٢٥٧ - ٢٥٨.","vol":"1","page":264},{"text":"النون والذال معا، لكنها جاءت في آية: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ [القمر: ٣٦] في غاية الفصاحة، وجمال الموقع في حسّ السمع، وذلك بما سبقها من القلقلة في دال «لقد» وطاء «بطشتنا»، والفتحات المتوالية في «فتماروا»، التي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة خفيفا عليه. وتأتي اللفظة متمكنة في موضعها مستقرّة في قرارها إلى أقصى غاية، مع أدائها المعنى المراد غاية الأداء».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>٤ - إفادة التصوير:</span>\nوذلك أن الكلمة القرآنية تقدم للقارئ صورة فنية، وتستقل برسم مشهد، أو نقل حركة، أو تشخيص فكرة، بل إنها تقدّم لنا ما يسميه العصريون «التجسيم»، تجسيم المعنويات المجردة، وإبرازها أجساما أو محسوسات، لتزيد المعنى تمكنا من النفس وتأثيرا فيها (١).\nومن ذلك مثلا قوله تعالى في اليهود: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣] فلننظر «تلك الصورة الساخرة الهازلة: صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا، ويحشر فيها حشرا، حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت به هذه الصورة المجسّمة لتؤدّيه، وهو حبّ اليهود الشديد لعبادة العجل» الذي صنع لهم من الذهب.\nواقرأ كذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ [الحج:\n١١]. تأمل كلمة «حرف» ومعناه الطرف من الشيء، «إنّ الخيال ليكاد يجسّم هذا الحرف الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب المحسوس\nفي وقفتهم، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>٥ - الإعجاز العلمي:</span>\nفقد جاءت عبارات القرآن الكريم عن القضايا الكونية بطريقة عجيبة\n_________\n(١) انظر كتاب من بلاغة القرآن للدكتور أحمد بدوي: ٦٥، وراجع أمثلته بتوسع. وانظر كتابنا علوم القرآن الكريم: ٢٢٨ - ٢٣٠ ففيه أمثلة مفيدة.","vol":"1","page":265},{"text":"تجعلها مفهومة عند العربي القديم، والعامي، لكنها تفيض بمعان يكشفها التأمل تتناسب مع تقدم العلم، وظهور مزيد من الحقائق التي كانت مجهولة، مما حفلت به دراسات إعجاز القرآن العلمي.\nوللمفردة القرآنية دور كبير في هذا الباب العظيم، يطول استقصاؤه جدا، نكتفي ببعض الأمثلة منه:\nفمن ذلك: قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً.\nفقوله: لَواقِحَ فهمه المفسّر القديم مجازا عن تلقيح الرياح الأزهار أو جمع السّحب اجتماع الذكر بالأنثى. لكنّ العلم الحديث قرر أنّ السحاب يحمل شحنة كهربائية، بعضه سالب الشحنة وبعضه موجب، وأن الرياح تلقح السحب السالبة بالموجبة فينزل المطر. وهذا التفسير في غاية الدقة، وهو أليق بتناسب الجملة مع قوله بعدها: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً لا سيما مع هذا العطف بحرف الفاء، التي تفيد الترابط.\nوهكذا آيات القرآن المتعلقة بالكون، كلها شاهد أنه تنزيل من يعلم «السّرّ في السموات والأرض»، ﵎.\nوغير ذلك كثير من دور غريب القرآن، وكلماته، يزيد المتأملين فيه إيمانا، وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا.\nويرحم الله ابن عطية (١) إذ قال: «وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد».\n_________\n(١) المحرر الوجيز: ٦٠ - ٦١.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>الفصل الخامس والعشرون فضائل القرآن وآداب حملته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>فضائل القرآن في القرآن</span>\nفضائل القرآن ووجوه عظمته كثيرة، تعز على الاستقصاء والإحاطة، وقد عرض لها القرآن نفسه في آيات كثيرة جدا، نشير إلى أصول مهمة من مقاصدها فيما يأتي:\n١ - إن القرآن آية الله الكبرى، والمعجزة الإلهية الخالدة، الدالة على حقّيّة نبوة رسول الله ﷺ، قد تحدّى الله به الإنس والجن، فقال عزّ من قائل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. بل تحداهم بمثل سورة منه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.\n٢ - أنه كتاب هداية العالم كله إلى الطريق الأقوم، والمرشد لسعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وقال ﷿: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.\n٣ - إن القرآن علاج آفات الأفراد والمجتمعات قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقال أيضا: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ.\n٤ - القرآن حجة الله على العباد، لإظهار الحق وإزهاق الباطل، وبه يجاهد الباطل ويقاوم، وذلك لغاية ما اشتمل عليه من الحجج الدامغة والبراهين القاطعة، قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا.","vol":"1","page":267},{"text":"٥ - القرآن حاكم على الكتب السابقة ومهيمن عليها. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.\nفالقرآن مهيمن على ما سبقه يقرّ من أحكامها ما كان صالحا للبقاء، وينسخ ما كان خاصا بتلك الأمة لا يصلح للبقاء، ويبين الحق فيما دخل على الكتب السابقة من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، فهو مهيمن عليها. وهو المرجع في مضامينها.\nوفي الحق أن بحث فضائل القرآن في القرآن يشغل مؤلفا كبيرا، نبهنا هنا على عناوين مهمة جدا، يحتاج شرح كل منها إلى بحث، تذكرة للطالب، وإثارة لرغبة المؤمن الراغب، ليقبل على كتاب ربه بكليته، ويجعله نبراس حياته.\nفدونك كتاب الله تعالى، أقبل عليه، متأملا آياته، من هذه الزاوية، متعمقا في معانيه وخصائصها، تجد العجب العجاب، الذي تسجد له أولو الألباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>فضائل القرآن في الحديث الشريف</span>\nإن الأحاديث الدالة على فضل القرآن وعظمته كثيرة جدا، جمعت فيها مؤلفات بهذا الاسم «فضائل القرآن» منها، لابن الضّريس، ولابن أبي شيبة، والنسائي، وأبي عبيد\nالقاسم بن سلام، وابن كثير، والسيوطي وسماه «خمائل الزّهر في فضائل السور» وغيرهم. ومن الأحاديث ما يدل على فضائل القرآن كله عامة، ومنها ما يدل على فضل سور أو آيات.\nونذكر من أمهات مقاصد الأحاديث الواردة في فضل القرآن عامة ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>١ - أنه خير الحديث والكلام قاطبة:</span>\nعن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ: «إن خير","vol":"1","page":268},{"text":"الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ» أخرجه مسلم (١).\nوهو مأخوذ من القرآن الكريم. قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>٢ - القرآن يشفع لصاحبه:</span>\nعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» أخرجه أحمد ومسلم وابن حبان وابن الضّريس (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إن القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، فمن جعله بين يديه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» أخرجه الطبراني وابن الضّريس وصححه ابن حبان من حديث جابر مرفوعا (٣).\nأي من عمل به قاده إلى الجنة، ومن لم يعمل به ساقه إلى النار، وصار في حقه ماحلا مصدقا أو خصما مجادلا ضدّه، لأن القرآن هو مقياس العمل الصالح وغير الصالح، ومقياس الفلاح والخسار.\nوعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ: «والقرآن حجة لك أو عليك» أخرجه مسلم (٤).\n_________\n(١). ٣/ ١١.\n(٢) المسند: ٥/ ٢٤٩ ومسلم في صلاة المسافرين (فضل قراءة القرآن): ٢/ ١٩٧، وابن حبان بنحوه: ١/ ٣٢٢ وابن الضّريس في فضائل القرآن: ٥٩.\n(٣) فضائل القرآن لابن الضّريس: ٥٨ و٥٧ و٦٣ - ٦٤ من ثلاثة طرق وابن حبان: ١/ ٣٣١ - ٣٣٢ والطبراني في المعجم الكبير رقم ١٠٤٥٠ وانظر مجمع الزوائد: ١/ ١٧١ ففيه فوائد.\nو٧/ ١٦٤ والترغيب: ٢/ ٣٤٩ وخرجه في الإتقان: ٤/ ١٠٤ عن أنس مرفوعا من فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلّام. وحديث ابن مسعود له حكم المرفوع وقد أيده حديثا جابر وأنس فثبت أنه قاله رسول الله ﷺ.\n(٤) في فضل الوضوء: ١/ ١٤٠ في ضمن حديث طويل.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>٣ - القرآن يرفع صاحبه مع السفرة البررة:</span>\nعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران» متفق عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>٤ - القرآن يؤنس صاحبه في الحشر:</span>\nعن بريدة الأسلميّ ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فسمعته يقول:\n«إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشقّ عنه قبره، فيقول له: هل تعرفني؟\nفيقول ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن، أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم وراء كل تجارة. قال:\nفيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلّتين لا يقوم لهما أهل الدنيا. فيقولان: بم كسينا هذه؟ فيقال لهما:\nبأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنّة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقول، هذّا كان، أو ترتيلا» أخرجه أحمد وابن ماجة وابن الضّريس والحاكم وصححه على شرط مسلم. وقال الهيثمي في رجال أحمد: «رجال الصحيح» (٢).\nوله شواهد بطوله عن أبي أمامة الباهلي (٣) وأبي هريرة (٤) ومجاهد مرسلا (٥) وعن شمر بن عطية (٦) وفيه عند قوله: «حين ينشق قبره»: «فيقول:\n_________\n(١) البخاري في التفسير (سورة عبس): ٦/ ١٦٦ ومسلم في صلاة المسافرين (فضل الماهر بالقرآن): ٢/ ١٩٥ واللفظ لمسلم.\n(٢) المسند: ٥/ ٣٤٨، وابن الضّريس: ٦٠ والمستدرك: ١/ ٥٥٦ مختصرا ووافقه الذهبي وكذا ابن ماجة: ٢/ ١٢٤٢. وقال في الزوائد: «إسناده صحيح» وانظر مجمع الزوائد: ٧/ ١٥٩ ومصباح الزجاجة: ٢/ ٢٥٨.\n(٣) ابن الضريس: ٥٦ ومجمع الزوائد: ٧/ ١٥٩ خرجه من الطبراني في الأوسط.\n(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد: ٧/ ١٦٠، وفيه يحيى الحمّاني: ضعيف.\n(٥) ابن الضريس: ٥٧.\n(٦) المرجع السابق: ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":270},{"text":"أبشر بكرامة الله، أبشر برضوان الله. فيقول: مثلك يبشّر بالخير، فمن أنت؟\nفيقول: أنا القرآن ..».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>خطورة الغفلة عن القرآن:</span>\nعن عبد الله بن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ: «إنّ الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» أخرجه الترمذي وصححه (١).\nوعن عائشة ﵂ قال النبي ﷺ: «بئس ما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسّى» متفق عليه (٢).\nأي أنه نسّاه عقوبة له على ذنوب، لأن نسيان القرآن من أعظم المصائب، فلا يكون إلا من ذنب عظيم.\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها» أخرجه أبو داود والترمذي (٣).\nوعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن البيت إذا قرئ فيه القرآن حضرته الملائكة، وتنكّبت عنه الشياطين. واتّسع على أهله، وكثر خيره وقلّ شرّه. وإنّ البيت إذا لم يقرأ فيه القرآن حضرته الشياطين، وتنكبت عنه الملائكة، وضاق على أهله، وقلّ خيره وكثر شرّه» أخرجه الإمام محمد بن نصر المروزي.\nوفي معنى الحديث أحاديث كثيرة (٤).\n_________\n(١) البخاري: ٦/ ١٩٤ و١٩٣ ومسلم: ٢/ ١٩١.\n(٢) في فضائل القرآن (باب ١٨): ٥/ ١٧٧ وقال: «هذا حديث حسن صحيح».\n(٣) أبو داود في الصلاة (كنس المسجد): ١/ ١٢٦ والترمذي في ثواب القرآن: ٥/ ١٧٨ - ١٧٩ وقال: «حديث غريب». قلت: لكن يشهد له أحاديث مرفوعة وموقوفة تقويه، كما نبه الحافظ ابن حجر في الفتح: ٩/ ٧٠ فكن على حذر.\n(٤) انظر نحو العشرة منها في كتاب تلاوة القرآن المجيد: ٤٠ - ٤١ و٥٣ - ٥٤.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>آداب حملة القرآن وتلاوته</span>\nليذكر قارئ القرآن فضائل القرآن وجلالة شأنه، وأنه حجة له أو عليه، فليعتبر بذلك كلّه، وليستحضر أيضا تكريم الله إياه أن جعله يقرأ هذا القرآن ويناجي به ربّه، فإذا وفّق لذلك انكفّت نفسه عن الرذائل، وأقبلت على العمل الصالح الكامل، ونبعت آداب التلاوة وصدرت من النفس متأثرة بهذه المشاعر، وزادت بالتالي توفيق القارئ فقطف ثمار قراءته، وتنوّر بأنوار تلاوته.\nومراعات لحسن تقسيم الدراسة نقسمها ستة أقسام:\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-311> آداب معلم القرآن وحامله</span>.\n٢ - آداب متعلم القرآن.\n٣ - آداب التأهب لقراءة القرآن ٤ - آداب تلاوة القرآن.\n٥ - آداب الاستماع للقرآن.\n٦ - آداب ختم القرآن.\n\nآداب معلم القرآن وحامله:\nوهي آداب كل معلم علما شرعيا، أو عالم بعلم من هذه العلوم الشريفة، لأن علوم الشرع مشتملة على العلم بالقرآن كليا أو جزئيا، وهي مستمدة منه وخادمة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>١ - أول هذه الآداب (الإخلاص)</span>\nواجب أساسي وهو روح كل عمل- لا سيما هذه العلوم، التي هي أفضل ما عبد الله به بعد أركان الإسلام- وذلك هو الإخلاص، قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وقال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنّيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه، وهذا الحديث من أصول الإسلام، بل هو نصف الإسلام.","vol":"1","page":272},{"text":"ويساعد على ذلك سؤال الله تعالى الإخلاص، ودعاء التوجه في افتتاح الصلاة بحضور قلب وضراعة، والتعوذ من دخول الدنيا في قصده بأي صورة، أو شكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>٢ - أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل</span>\n، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى الله عنه، إجلالا للقرآن، وأن يكون مترفعا على الجبابرة والمستكبرين من أهل الدنيا، اعتزازا بما آتاه الله تعالى من كنز القرآن أو علم الشرع، فإنه أنفس شيء عند العقلاء، لا تقوم به الدنيا، قال تعالى ممتنّا على رسول الله ﷺ: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ* لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.\nفجعل سبحانه إيتاء القرآن موجبا للترفع على الدنيا وأهلها، وللتواضع للمؤمنين المتقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>٣ - ليحذر عالم القرآن أو أي علم شرعي أن يتخذ القرآن أو العلم أداة لكسب المال</span>\n، يقصد به الدنيا. لما سبق من وجوب الإخلاص، والبعد عن الرياء، ولما ورد في الكتاب والسنة من التهديد والوعيد على كتمان العلم. ومنه تعليم القرآن فإنه واجب على الكفاية، كما أن تعلمه واجب على كل مسلم.\nوأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن- لمن خصلت نيته عن قصد الدنيا وأكل المال بالقرآن أو العلم فهذا الأخذ للأجرة بهذا الشرط قد اختلف العلماء فيه، وكثير من السلف كانوا على المنع ومنهم الحنفية والمالكية.\nثم اتفق المتأخرون على جواز أخذ الأجرة على ما ذكرنا، لما رأوا ضرورة انتظام تعليم القرآن، ونشر العلم توجب ذلك (١).\nويشهد لذلك حديث عبد الله بن عباس في اللديغ، لما رقاه بعض الصحابة وجعلوا له جعلا، أي عطية، وقال النبي ﷺ: «إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» أخرجه البخاري (٢).\n_________\n(١) انظر التفصيل في التبيان: ٤٨، ٥٨، ٦٠، والبرهان: ١: ٤٥٧ - ٤٥٨ وغيرهما.\n(٢) في الطب (الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب): ٧/ ١٣١.","vol":"1","page":273},{"text":"وإن بذل التعليم بلا مقابل طلبا للثواب مرتبة عليا، هي عمل الأنبياء والمرسلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>٤ - أن يبذل المعلم النصيحة لطلبته:</span>\nفإن «الدين النصيحة» كما ثبت الحديث الشريف وصح (١)، ومن النصيحة لله ولكتابه ولرسوله إكرام قارئ القرآن، وطالب العلم وإرشاده إلى مصلحته، وأن يحرضه على الطلب، ويذكر له فضيلة ذلك، ليكون سببا في نشاطه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>٥ - اتخاذ حال المهابة والوقار:</span>\nليكن معلم القرآن أو أي علم وقورا، أي ساكنا، لا يكثر من الحركات بغير حاجة. ولذلك ينبغي أن يصون يديه عن العبث، وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة، ويقبل على كل طلابه، ويقعد على طهارة مستقبل القبلة، ويستعين بالإشارة بيده لتفهيم المعنى من غير إكثار أو زيادة، وتكون ثيابه وسائر هندامه نظيفة، وشعر لحيته ورأسه مرجّلا مرتّبا.\nوينبغي ألّا يذلّ العلم، فلا يذهب إلى مكان من يتعلم منه ليعلمه فيه، بل يصون العلم عن ذلك. كما صانه السلف، وحكاياتهم في ذلك كثيرة مشهورة، وقد تهاون بعض أهل العلم في زمننا بهذا، وقصدوا أهل الدنيا لطباعة كتبهم على نفقتهم، بزعم توزيعها، وجرّ ذلك إلى إشكالات، وسوء سمعة، يجب أن يصان العلم والعالم عنها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>آداب متعلم القرآن:</span>\nوتشترك مع المعلم في أمور متعددة، وينفرد الطالب بآداب نذكر منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>١ - التواضع مع المعلم والتأدب مع الرفقة:</span>\nلينظر المتعلم إلى معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته، فإنه أقرب لانتفاعه به، وعلى الأهل والأصدقاء تقرير ذلك، ودفع سوى ذلك مما قد يجرؤ عليه بعض الطلبة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الإيمان: ١/ ٥٣١ والبخاري معلقا في الإيمان: ١/ ١٧.\n(٢) اقتبسنا هذه الآداب بتصرف واختصار عن التّبيان ض: ٣٩ - ٥٠، ٥٧ - ٦٠.","vol":"1","page":274},{"text":"ومن جوامع ذلك قول سيدنا علي بن أبي طالب ﵁: «من حقّ العالم عليك أن تسلّم على الناس عامة وتخصّه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرنّ عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تقولن: فلان قال ...\nخلافا لقوله، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا تسارر في مجلسه ..» (١). وهذه مأخوذة من آداب الصحابة في مجلس النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>٢ - مذاكرة الحفظ والعلم:</span>\nيجب على طالب القرآن مذاكرة حفظه، بنظام مستمر، امتثالا لأمره ﷺ «تعاهدوا القرآن ...» وتحاشيا لنسيانه الذي هو من الكبائر كما تقدم (٢). ودرج الحفاظ على قراءة خمسة أجزاء يوميا، وقالوا: «من قرأ الخمس لم ينس»، كذلك يجب على طالب العلم مذاكرة علمه، ولا يكتفي بنجاحه في الامتحان.\nفذلك غلط عظيم يقع فيه أكثر الطلبة، فلا تمر عليهم فترة إلا وقد عادوا جاهلين كأنهم لم يتعلموا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>آداب التأهب لتلاوة القرآن:</span>\nإن قراءة القرآن من أجلّ أمر يشتغل به الإنسان، وهي لمن قصد بها التقرّب إلى الله تعالى والتفكر بآيات الله من أعظم الطاعات، لذلك شرع لها التأهب والاستعداد بما يعدّ النفس لحسن الانتفاع بالقراءة أو التأهل لها، وبعضها شرط وهو أولها، ونبينها فيما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>١ - الطهارة:</span>\nالطهارة من الجنابة ومن الحيض والنفاس شرط لجواز قراءة القرآن، سواء كانت عن ظهر قلب أو من المصحف بمسه أو من غير مسه، باتفاق الأئمة الأربعة.\nوعليه فالجنب والحائض والنفساء، يحرم عليهم قراءة القرآن، ويجوز لهم إجراء القرآن على قلوبهم، كما يجوز لهم النظر في المصحف من غير مسّ\n_________\n(١) التبيان: ٥١.\n(٢) الصفحة السابقة وانظر هذه الآداب في التبيان ص: ٥٠ - ٥٤.","vol":"1","page":275},{"text":"ولا تلفظ، بل بإمراره على القلب. وأجمع المسلمون على جواز سائر الأذكار سوى القرآن لهم، كالتوحيد والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ وغير ذلك.\nوأما مسّ المصحف فالطهارة الكاملة واجبة له باتفاق الجمهور والأئمة الأربعة ولو لم يقصد القراءة، وأجاز الحنفية مسّه بحائل غير متصل به، وأجاز المالكية قراء القرآن ومسّ المصحف للحائض والنفساء للتعليم أو التعلم أو الحفظ تيسيرا عليهم.\nويستحب لمن قرأ من غير مسّ المصحف أن يكون على طهارة كاملة، فإن قرأ محدثا حدثا أصغر من غير لمس المصحف جاز بإجماع المسلمين بلا كراهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>٢ - استحسان المكان والزمان:</span>\nأما المكان: فتسنّ القراءة في مكان نظيف، وأفضله المسجد، لا سيما إذا نوى الاعتكاف فيه مدة مكثه، وتصح القراءة في أي مكان كان، لكن تكره في الأماكن المستخبثة، مثل الحمام وغيرها.\nوأما الزمان: فكلّ الأوقات تباح القراءة فيها، ولا تكره في شيء منها.\nوثمة أوقات لها أولوية، أفضلها ما كان في الصلاة، ثم الليل، ثم نصفه الأخير، وهي ما بين المغرب والعشاء محبوبة، كذا بعد الصبح (١)، لكن لا تترك القراءة في نشاطك لأجل وقت أولى، فربما لا تنشط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>٣ - السواك:</span>\nيسنّ الاستياك لقراءة القرآن، تعظيما له، وتطهيرا، وقد ثبت الحديث عنه ﷺ قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (٢).\nفحسّن السواك لأجل هذه القربة الجليلة.\n_________\n(١) المرجع السابق: ١٢٨ والمجموع: ٢: ١٨٢ - ١٨٣.\n(٢) أخرجه النسائي: ١/ ١٠، وابن خزيمة رقم ١٣٥ وابن حبان: ٣/ ٣٤٨ ورواه البخاري معلقا بصيغة الجزم: ٣/ ٣١.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>الاستعاذة والبسملة:</span>\nأما الاستعاذة: فهي التحصّن والاحتماء بالله تعالى، لحماية العمل وهو هنا القراءة أن تشوبها شائبة نقص، أو ما يبعدها عن القبول عند الله، ولحماية الإنسان نفسه من كل مكروه. احتاج القارئ إليها، لأن قراءة القرآن من أعظم الطاعات، ووسائل التقرب إلى الله تعالى، والترقي في منازل القرب (١).\nوأما البسملة: فهي شعار يعني الاستمداد من الله تعالى للإعانة على فعل الأمر الذي ذكرت عليه، وأن ذاكرها يتقرب به إلى الله، أي بك يا الله أقرأ، وإليك بالقراءة أتقرب، لذلك جعلها الله عنوانا لكتابه، وافتتاحا لقراءة القرآن، وابتداء لكل عمل مهم (٢).\nأما النية: فليست شرطا للقراءة، أو للإثابة عليها، لأن قراءة القرآن شرعت عبادة بنفسها، فمجرد القراءة عبادة يثاب القارئ عليها الحرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>آداب تلاوة القرآن:</span>\nتقوم آداب تلاوة القرآن على أساسين هما أصل لغيرهما، وهما: التدبر والترتيل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>١ - التدبر والخشوع:</span>\nهذا يسنّ متأكدا على القارئ، فإن التّدبّر وهو التفهم وكذا الخشوع هما المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم، وبذلك تنشرح الصدور وتستنير القلوب، والآيات والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر.\nقال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص: ٢٩].\nوالتدبر والخشوع دواء القلب من أمراضه والنفس من عللها، قال السيد الجليل إبراهيم الخوّاص ﵁: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن\n_________\n(١) انظر تفسير الاستعاذة وأحكامها ومواضعها في كتابنا «في تفسير القرآن الكريم واسلوبه المعجز» ٧ - ٩. وانظر دراستها مفصّلة جدا في كتابنا تفسير سورة الفاتحة: ١١ - ٤٠.\n(٢) انظر تفسير البسملة في تفسير القرآن وأسلوبه المعجز: ١١ - ١٥ وتفسير الفاتحة ٤٣ - ٧٥.","vol":"1","page":277},{"text":"بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السّحر، ومجالسة الصالحين» (١).\nوقد قسم بعض العلماء الناس في تلاوة التدبر على ثلاثة مقامات:\nالأول: من يشهد أوصاف المتكلّم سبحانه في كلامه، ولهذا قال جعفر الصادق ﵁: «إن الله تجلى لخلقه بكلامه، ولكن لا يبصرون».\nالثاني: من يشهد بقلبه كأنّ الله تعالى يخاطبه ويناجيه بألطافه، ويتحبب إليه بإنعامه، فمقام هذا الحياء من الله وتعظيم الله تعالى.\nالثالث: من يرى أنه يناجي ربّه سبحانه، فهذا مقامه السؤال والتمسكن لله تعالى» وحاله الطلب، وهو وصف عامة المتقين (٢).\nوكل مقام من هذه سبيل لفهم عال من كتاب الله تعالى، يتذوقه القارئ، فالحظ هذا، واستفد منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>ويستحب: للتدبر والتخشع:</span>\nترديد الآية أي تكرارها وإعادتها مع التأمل وزيادة التفهم لها، وقد ثبت حديث أبي ذرّ ﵁ قال: «قام النبيّ ﷺ بآية يردّدها حتى أصبح». والآية: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أخرجه النسائي وابن ماجة (٣).\nوعن تميم الداري ﵁ أنه كرر هذه الآية حتى أصبح: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (٤).\nوعن عبّاد بن حمزة قال: دخلت على أسماء ﵂ وهي تقرأ: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو. فطال\n_________\n(١) التبيان: ٧٩.\n(٢) باختصار عن البرهان: ١: ٤٥٢ - ٤٥٣. وارجع إليه للتوسع فإن مهم.\n(٣) النسائي في الافتتاح (ترديد الآية): ٢: ١٧٧ وابن ماجة في إقامة الصلاة (القرآن في صلاة الليل): ١: ٤٢٩. والآية من سورة المائدة رقم ٧٨.\n(٤) التبيان: ٨٠، والآية من سورة الجاثية تمامها: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ.","vol":"1","page":278},{"text":"عليّ ذلك، فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي، ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو» (١).\nوالآثار في ذلك عن السلف كثيرة، تكفي الإشارة إليها للذكرى والعبرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>قراءة النظر وقراءة الحفظ:</span>\nالقراءة من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب، لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة، قال النووي: لم أر فيه خلافا.\nلكن اختار الإمام عز الدين بن عبد السلام، أن القراءة عن ظهر قلب أفضل، لأن المقصود التدبر، والنظر في المصحف يخل بهذا المقصود.\nولما أن التدبر هو المقصود، فينظر القارئ الحال الذي يلائمه فيأخذ به، وقد يكون تغيير إلى من قراءة نظر إلى قراءة حفظ أوفق له، ولو بعض جمل إن كان غير حافظ، فيفعل ذلك.\nوهذا هو اختيار النووي: إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبّر والتفكر وجمع القلب أكثر فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن كانا متساويين فمن المصحف أفضل: قال: «وهو مراد السلف» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>٢ - ترتيل التلاوة:</span>\nوهذا مطلب جليل: أمر الله تعالى به، قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا.\nوالترتيل: التنضيد وحسن تناسق الشيء وانتظامه، تقول العرب: ثغر رتل ورتل إذا كان حسن التنضيد (٣).\nوقد أمر الله تعالى به وَرَتِّلِ وأكده بقوله: تَرْتِيلًا وهو مفعول مطلق مؤكّد، فدل على الوجوب، قال الفخر الرازي: «قوله تعالى: تَرْتِيلًا تأكيد\n_________\n(١) المرجع السابق: والآية من سورة الطور: ٢٧.\n(٢) الأذكار: ١٨٢ وانظر التبيان: ٩٠، والمجموع: ٢: ١٨٠، والبرهان: ١: ٤٦١ - ٤٦٣، وفيه توسع والإتقان: ١: ٣٠٤ - ٣٠٥.\n(٣) لسان العرب مادة (رتل): ١٣: ٢٨١، وتفسير القرطبي: ١٩: ٣٦ ومدارك التنزيل للنسفي:\n٤: ٣٠٣، وهذا هو مراد من فسر الآية: بين وفصل أي بين الحروف وفصلها عن بعضها.","vol":"1","page":279},{"text":"في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد منه للقارئ» (١).\nواختار غير الرازي أن الأمر للندب، ويؤيده أن الخطاب وقع للنبي ﷺ لكن يجب الترتيل بمعنى أدائه بمخارجه لقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وغير ذلك من الآيات. وقواعد التجويد هي كلام العرب، فللترتيل حدّ أدنى واجب، وحدّ كمال مستحب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>وحده الأدنى: تبيين الحروف</span>\n، وألا يقع فيها تداخل، ولا إخلال بمخارج الحروف أو بواجب التلاوة من إظهار وإدغام ومدّ وغير ذلك، وهذا واجب.\nوتمرين المسلم لسانه على ذلك واجب، وله فيه أجران، كما ثبت الحديث الصحيح، وأقل ما في التقصير في ذلك أن يسقط من حسناته بعضها، وينبغي للناس أن يرغبوا في تكثير حسناتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>وكمال الترتيل: أن يعطي الأداء حقه التام</span>\n، فيمد المدود بكمالها، ويتأنى في القراءة، ويسكت بين النفس والنّفَس، ويراعي الوقوف وهكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>وأكمل الترتيل: أن يتوقف على الحروف والمدود</span>\nما لم يخرج إلى التمطيط، ويقرأ القرآن على منازله: فإن كان يقرءا تهديدا لفظ به لفظ المتهدّد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ على التعظيم، وهكذا (٢).\nقال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب: (٣) «واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع ويسمى الهذّ. قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزءين في قدر ذلك الزمن بلا ترتيل، قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرا في القلب، ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>رفع الصوت بالقراءة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>أما القراءة في الصلاة:</span>\nفقد أجمع المسلمون على مشروعية الجهر بالقراءة\n_________\n(١) مفاتيح الغيب: ٣٠: ١٧٣.\n(٢) بتصرف عن البرهان: ١: ٤٤٩، ٤٥٠، وفي كلامه تداخل بين المراتب.\n(٣): ٢: ١٧٩ وانظر الإتقان: ١: ٢٩٩، وقارن بالتبيان: ٨٢ - ٨٤.","vol":"1","page":280},{"text":"في صلاة الصبح والجمعة والعيدين والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، وهو مستحب عندهم فيها للمنفرد، وكذا للإمام عند الجمهور ومنهم الشافعية، وقال الحنفية جهر الإمام بالقراءة فيها واجب، وأما المقتدي: فلا يجهر بالإجماع، بل يسرّ.\nويسرّ الإمام والمنفرد في بقية الصلوات الخمس ونوافل النهار والليل، وقيل: ويجهر في نافلة الليل.\nومعنى الإسرار في القراءات والتكبيرات والأذكار وغير ذلك هو أن يقوله بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السّمع، فإن لم يسمع نفسه لم تصح قراءته ولا غيرها من الأذكار، بلا خلاف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>وأما القراءة في غير الصلاة:</span>\nفالجهر فيها مستحب، والأحاديث في ذلك كثيرة جدا منها:\nعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنّى بالقرآن، يجهر به» متفق عليه (٢).\nقال الإمام النووي: (٣) «وفي إثبات الجهر أحاديث كثيرة. وأما الآثار عن الصحابة والتابعين فأكثر من أن تحصر، وأشهر من ان تذكر».\nلكن خالف بعض السلف وفضّلوا الإخفاء على الجهر، ويدل لهم حديث عقبة، به عامر، ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن، كالمسرّ بالصدقة» أخرجه الثلاثة وحسّنه الترمذي (٤).\n_________\n(١) التبيان: ١١١ - ١١٢.\n(٢) البخاري في التوحيد (الماهر بالقرآن): ٩: ١٥٧، ومسلم (استحباب تحسين الصوت بالقرآن): ٢: ١٩٢.\n(٣) التبيان: ٩٦.\n(٤) أبو داود في الصلاة (رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل): ٢: ٣٨، والترمذي في ثواب القرآن: ٥: ١٨٠، وقال: «حسن غريب» والنسائي: ٥: ٨٠.","vol":"1","page":281},{"text":"فدل على تفضيل الإخفات بالقراءة، لأنه شبهها بصدقة السّرّ، والسّرّ بها أفضل من الإعلان.\nلكن يجاب عن هذا بأنه لا إشكال، ولا خلاف في الحقيقة، لأن المراد تفضيل قراءة السرّ لمن خاف على نفسه العجب أو الرياء، أو نحو ذلك، وتفضيل قراءة الجهر لمن أمن\nذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>تحسين الصوت بالقرآن:</span>\nوهذه سنة، أجمع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على سنية تحسين الصوت بالقرآن (١)، وأدلة ذلك من الأحاديث السابقة ظاهرة، وغيرها كثير، منها: عن البراء بن عازب ﵄ قال رسول الله ﷺ: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» أخرجه الأربعة إلا الترمذي وصححه البخاري (٢).\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة (٣).\nوالمعنى تحسين الصوت عند القراءة، فإن الكلام الحسن يزيد حسنا وزينة بالصوت الحسن، وبالتالي يزداد نفعه للقلوب لدى القارئ والسامع (٤): كما هو معلوم مشاهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>تلحين قراءة القرآن:</span>\nذهب جمهور من الصحابة ومن بعدهم إلى استحباب تلحين القرآن، وهو\n_________\n(١) التبيان: ٩٨، والإتقان: ١: ٣٠٢، انظر المجموع: ١٧٩، ١٨١.\n(٢) أبو داود (استحباب الترتيل): ٢: ٧٤، والنسائي: (تزيين القرآن بالصوت): ٢: ١٧٩ - ١٨٠ وابن ماجة (حسن الصوت بالقرآن): ١: ٤٢٦ وعلقه البخاري بصيغة الجزم في التوحيد: ٩:\n١٥٧، وهو حكم بصحته.\n(٣) المسند: ١: ١٧٢، ١٧٥، ١٧٩، وأبو داود في الموضع السابق وابن ماجة: ١/ ٤٢٤، والبخاري في التوحيد: (باب قول الله وأسروا قولكم ...) ٩: ١٥٣.\n(٤) وليس معناها أن القرآن بحاجة إلى تزيين كما رأى بعض العلماء. انظر حاشية السندي على سنن النسائي: ٢: ١٧٩.","vol":"1","page":282},{"text":"مذهب الحنفية والشافعية، وذهب جماعة من السلف إلى منعه، وهو مذهب المالكية والحنبلية (١).\nواستدل الجمهور بما سبق من الأحاديث في رفع الصوت وفي تحسينه، وهي صريحة في المراد، مثل قوله: «ما أذن الله لنبي يتغنّى بالقرآن»، و«زينوا القرآن بأصواتكم» و«ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن». وغير ذلك.\nواستدل المانعون بأدلة من القرآن والسنة والعقل والقياس.\nأما القرآن فقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ والتلحين باطل، لأنه يؤدي إلى تغيير الكلام.\nواستدلوا من السنة بأحاديث فيها ضعف، ومنها ضعفه شديد جدا.\nواستدلوا من القياس بأن التلحين يخرج الكلام عن أصله، ويزيد فيه المد ولو غير ممدود، ويجعل الحرف الواحد حروفا والمد مدودا، والألف ألفات، أو يقصر ما هو ممدود، وغير ذلك مما يحتاجه التطريب، وكل ذلك لا يجوز (٢).\nوأجابوا عن أدلة الجمهور بأن المراد بتغني النبي ﷺ تحسين صوته ورفعه، لا التلحين، وأن معنى «يتغنى بالقرآن»: يستغن. وقالوا: حديث زينوا القرآن بأصواتهم، هذا على القلب، والمراد زينوا أصواتكم بالقرآن، لأن القرآن منبع الخبر والفضائل، فكيف نزينه.\nوغير ذلك من أجوبة وتأويلات كثيرة، اخترنا أمثلها، لا نطيل بإيرادها (٣).\nونرى أنه لا خلاف في الحقيقة فقد أراد المجوزون التلحين الذي لا يخرج\n_________\n(١) كذلك عزا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ١: ١٠ - ١١ وتفسير آيات الأحكام بإشراف فضيلة الأستاذ الشيخ محمد علي السائس: ٤: ١٩٢ - ١٩٣. وكأنه اختصر بحث القرطبي قارنه بتفسير آيات الأحكام: ٤: ١٩٢ - ١٩٦.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٦.\n(٣) انظرها مفصلة في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي مع جمع أدلة الكل: ١/ ١٢ - ١٦.","vol":"1","page":283},{"text":"عن قواعد أداء القرآن وتجويده، وأراد المانعون، ما يخرج عن ذلك، وهو ولا شك ممنوع بل حرام يفسق به القارئ ويأثم المستمع، لأنه عدل عن نهجه القويم (١).\nيؤيد ذلك كلام المانعين نفسه وأدلتهم، لمن تأملها، ولذلك ورد القولان عن بعض الأئمة، كالإمام الشافعي، وقال أصحابه: ليس هذا اختلاف رأي، بل المراد واحد، على نحو ما ذكرنا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>قراءة الجماعة مجتمعين أو بالدور:</span>\nقال الإمام النووي: (٣) «اعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبة بالدلائل الظاهرة، وأفعال السلف والخلف المتظاهرة».\nوقد صح عن النبي ﷺ من رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنه قال: «ما من قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم\nالرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده». قال الترمذي:\nحديث حسن صحيح (٤).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» رواه مسلم (٥).\nولمن يجمع الناس على قراءة القرآن أو دراسته أو مجلس ذكر أو علم له فضيلة، جاء فيها نصوص كثيرة، منها قوله ﷺ: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» أخرجه مسلم (٦).\n_________\n(١) الإتقان: ١/ ٣٠٣. وانظر المجموع: ٢/ ١٨١.\n(٢) الإتقان الموضع السابق.\n(٣) التبيان: ٩٠. وانظر المجموع: ٢/ ١٨٠.\n(٤) في الدعوات: (القوم يجلسون فيذكرون ..): ٥/ ٤٥٩ - ٤٦٠ والمسند: ٢/ ٤٤٧، ٣/ ٣٣.\n(٥) في الذكر والدعاء (فضل الاجتماع على القرآن): ٨: ٧١.\n(٦) في الإمارة (فضل إعانة الغازي ..) ٦: ٤١.","vol":"1","page":284},{"text":"وقال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى.\nقال النووي: «ولا شك في عظم أجر الساعي في ذلك» (١).\nوأما القراءة بالدور: وعبروا عنها بقولهم «الإدارة بالقرآن» - وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرا، أو أكثر أو أقل، ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الذي قبله، فهذا جائز حسن أيضا ولا إشكال فيه. وثوابه عظيم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>حكم القراءة للغير:</span>\nذهب أكثر العلماء إلى مشروعية قراءة الإنسان القرآن لغيره من حي أو ميت، وأنه يصل ثوابها إليه، وهو مذهب الأئمة الثلاثة.\nوذهب الشافعي وبعض العلماء إلى خلاف ذلك، لقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>استدل الجمهور بظواهر أدلة كثيرة، منها من القرآن:</span>\nقال الله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ.\nوقال أيضا: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.\nواستدلوا بصحة الصدقة والحج عن الغير، وكذا هذا.\nوأجابوا عن الآية بأن وصول الثواب للغير هو من سعيه، وهو إيمانه، أو أن المعنى أن لا يجب للإنسان إلا ما سعى.\nويرجح ذلك أنه لا خلاف في مشروعية دعاء المؤمن لأخيه المؤمن، والتصدق عنه، وهذا دعاء بوصول الثواب، وقبوله بفضل الله تعالى (٤).\n_________\n(١) التبيان: ٩٢، ومن أنكر هذا الاجتماع وأمثاله فهو مخالف للسنة، ولما عليه السلف والخلف، وهو قول متروك، كما قال النووي.\n(٢) التبيان: ٩٣، والإتقان: ١/ ٣٠٣.\n(٣) الإتقان: ١/ ٣١٤.\n(٤) كما قال الآلوسي في روح المعاني: ٨: ٢٦٥، وفيه توسع، وانظر المدخل: ٤٦٧.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>آداب استماع القرآن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>١ - الاستماع والإنصات:</span>\nوما يطلب من الأدب في حضرة القرآن الكريم كما صرحت الآية:\nفَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا فيستحب له التدبر، والتخشع، والبكاء الذي أثنى الله تعالى على أهله، والكف عما يشغل الذهن ليكون محل تنزل الرحمة المرجوة من فضل الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>٢ - استحباب طلب القراءة الطيبة:</span>\nولعظمة فضل الاستماع لقراءة القرآن، وقد جعلها الله تعالى سببا لرحمته لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قال الحنفية: إن استماع القرآن أفضل من قراءة الإنسان القرآن بنفسه، لأن الاستماع واجب، وقراءة القرآن خارج الصلاة ليست واجبا.\nواتفقوا على أنه يستحب أن يطلب المسلم القراءة ممن يحسن قراءة القرآن مع حسن الصوت. وقد كان جماعات من السلف رضوان الله عليهم يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرءوا وهم يستمعون، وهذا متفق على استحبابه وهو من عادة الأخيار المتعبدين، وعباد الله الصالحين».\nوهو سنة ثابتة عن أفضل النبيين ﷺ. فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ: «اقرأ عليّ» قلت:\nيا رسول الله اقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: «نعم». (وفي لفظ آخر عندهما:\n«إني أحبّ أن أسمعه من غيري ..»). فقرأت سورة النّساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا قال:\nحسبك الآن. فالتفتّ إليه، فإذا عيناه تذرفان» ﷺ.\nوقد وقع استماع النبي ﷺ القرآن من أصحابه كثيرا، فاحرص عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>آداب ختم القرآن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>١ - يسنّ ختم القرآن كل أسبوع</span>\n، كما كان عليه أهل النشاط من الصحابة والتابعين، ولا يزيد على شهر. قال ﷺ لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في","vol":"1","page":286},{"text":"شهر» قال: إني أجد قوة، حتى قال: «فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» متفق عليه.\nويكره أن يختم في أقلّ من ثلاث، لقوله ﷺ: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>٢ - التكبير:</span>\nولفظه اللَّهِ أَكْبَرُ ونقل عن جماعة «لا إله إلا الله والله أكبر» وزاد بعضهم «ولله الحمد».\nومحلّه من آخر سورة الضحى إلى آخر الناس أو أولهما.\nولا يوصل التكبير بآخر السورة، بل يفصل بينهما بسكتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>٣ - يستحسن الصيام:</span>\nيوم الختم، ثبت فعل ذلك عن جماعة من التابعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>٤ - الشروع في ختمة أخرى:</span>\n«استحبه السلف والخلف» كما نصّ النووي، وفيه حديث ابن عباس عن أبيّ بن كعب بذلك، أخرجه الدارمي بسند حسن كما ذكر السيوطي في الاتقان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>٥ - حضور مجلس الختم:</span>\nوهو مستحب استحبابا متأكّدا، كان يحرص عليه الصحابة والتابعون. قال مجاهد بن جبر: «كانوا يجتمعون عند ختم القرآن، يقولون: تنزل الرحمة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>٦ - الدعاء عقب الختم:</span>\nيستحب الدعاء عقيب ختم القرآن استحبابا متأكدا، لحديث «من قرأ القرآن فليسأل الله به ...» أخرجه ابن حبان وحسّنه السيوطي (١). مع أحاديث كثيرة تبلغ العشرة (٢)، ما بين مرفوع صريحا ومرفوع حكما.\n_________\n(١) الجامع الصغير وشرحه فيض القدير: ٦: ٢٠٤.\n(٢) انظرها في التبيان: ١٣١ - ١٣٣، وتلاوة القرآن المجيد: ١١٨ - ١٢٠.\nوأوصي القارئ الكريم لزاما أن يرجع بتوسع إلى كتب تلاوة القرآن المجيد، فإن فيه روحا خاصا، كما هو حال كتاب فضيلة شيخنا أمتع الله المسلمين به.","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>الفصل الختامي حقوق القرآن على بني الإنسان</span>\nهكذا توصلنا بهذه الدراسة المحقّقة إلى علم اليقين بهذا القرآن وعظمته، فقد تيقنّا ألوهية مصدره وأنه تنزيل من حكيم حميد، على قلب النبي الأمين ﷺ، وقد حفظ في صدور الأمة من أيامها الأولى ودوّن في السطور، ورتّب على وفق نسخته في الملأ الأعلى في اللوح المحفوظ، بتعليم النبي ﷺ.\nواتضح لنا أيضا منهج تفسيره، وأنه قائم على أصول متينة هي أصول فهم كلام العرب لا يتخطاها، يؤيد هذا المنهج دراسات من أسباب النزول والمكي والمدني والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ ...\nثم وقفنا بالتالي خاشعين أمام إعجازه، وآمنا بجلال هذا الإعجاز، وشموله الأسلوب والمضمون، المبنى والمعنى، وأنه يتلاءم مع تجدد الأدب وتقدم العلم، في كل زمان ومكان، وزاد تلك النتائج ثبوتا ويقينا دلائل إعجاز القرآن في التصوير الفني، والكون، والقصة، ليتناول إعجاز القرآن الحاضر، وما قبله من الماضي، وما بعده من\nالمستقبل، كما قال ﷿:\nوَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.\nإن هذه الحقائق لتقرر حق القرآن الواجب على بني الإنسان عامة وعلى المسلم خاصة، أن يقوموا به حق القيام بدأب واستمرار:","vol":"1","page":288},{"text":"إن أول حق القرآن على العالم وعلى المسلم أن يؤمن بأنه كلام الله حقا، أنزله على قلب رسوله الصادق الأمين، معجزة بينة وبرهانا قاطعا، يثبت أن محمدا ﷺ هو رسول الله إلى العالم كله على مدى الزمان، وأنه خاتم النبيين، لقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. وقوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.\nوقوله: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ.\nوإنّ من حق القرآن أن نعظمه غاية التعظيم، إعظاما لقائله ﷿، وإعظاما لما أتى به من بيانات الحق وفنون الإعجاز، وعرفانا لفضله على العالم، فلولا القرآن لما خرجت العرب من جاهليتها إلى نور العلم وإلى السيادة، ولما خرجت الإنسانية من دياجير الظلام إلى نور الحضارة والعرفان.\nوإن من حق القرآن على كل إنسان عامة وعلى المسلم خاصة أن يتلوه حقّ تلاوته، ومن حق تلاوته قراءته حسب أصولها وإقامة حروفه، والخشوع لدى قراءته أو استماعه، وأن يستظهروه في حافظتهم، وسويداء قلوبهم.\nوإن من حق القرآن على كل إنسان وعلى كل مسلم أن يتدارسوا القرآن حق درسه، ويتفهموه على أصول فهمه، ويدفعوا تأويل المحرّفين، ويرفضوا زيغ المغرضين في فهم معانيه، أو حقيّته ودعوته وتشريعه.\nوإن من حق القرآن على كل مسلم وعلى كل إنسان أن يعنوا العناية كلّها بذوق الجمال في بلاغته وإعجاز بيانه، ويعتبروا بأمثاله وقصصه ومواعظه، ويغوصوا بفكرهم على درره، فإنه لا تفنى عجائبه.\nوإن من حق القرآن على كل مسلم وعلى كل إنسان أن يتفهم علوم القرآن، ويقف مع أحكامه، فيصوغ منها حياته، ويترجمها سلوكا يعيشه، وخلقا وإنسانية يسمو بهما على كل مثل العالم.\nوإن من حق القرآن على كل مسلم أن يبلغ دعوة الإيمان بالقرآن إلى","vol":"1","page":289},{"text":"العالم امتثالا للواجب، وعملا بالفريضة: فريضة الدعوة إلى الله التي جاء بها كتاب الله، والتي حمّلها القرآن للمسلمين عامة وللعرب خاصة، وجعل بها عزّهم وشرفهم، واحترامهم في العالم:\nقال ﷿: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ.\nوقال ﷺ- فيما رواه البخاري وغيره-:\n«بلغوا عني ولو آية».\nوفي هذا حث للمسلم أن يبذل ما يستطيع، ولو بخدمة آية من كتاب الله، فبالاستمرار يعظم الخير وتنتشر الهداية.\nاللهم وفقنا لتلاوة كتابك حق تلاوته، وفهمه حق فهمه، والعمل به حق العمل، وخدمة الدعوة إليه، كما تحب وترضى.\nوصلى الله وسلّم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، رحمة باقية خالدة، وهداية كاملة شاملة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.\n\nكتبه نور الدين محمد عتر خادم القرآن وعلومه والحديث وعلومه في كليات الشريعة والآداب بجامعتي دمشق وحلب","vol":"1","page":290}]}