{"ً":{"ٌ":29911,"ٍ":"أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/elammwk/","files":["elammwk_1p.pdf|المقدمة","elammwk_1.pdf","elammwk_2.pdf","elammwk_3.pdf","elammwk_4.pdf","elammwk_5.pdf","elammwk_6.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أعلام الموقعين عن رب العالمين\n[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٨)]\nالمؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)\nجـ ١ و٢: تحقيق (محمد أجمل الإصلاحي)، تخريج (عمر بن سَعْدِي)، راجعه (سليمان بن عبد الله العمير - جديع بن جديع الجديع)\nجـ ٣ و٤: تحقيق (محمد عزير شمس)، تخريج (جعفر حسن السيد)، راجعه (سليمان بن عبد الله العمير - عبد الرحمن بن صالح السديس)\nجـ ٥: تحقيق (محمد أجمل الإصلاحي)، تخريج (محمد نديم خليل أحمد)، راجعه (سليمان بن عبد الله العمير - عبد الرحمن بن صالح السديس)\nالناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)\nالطبعة: الثانية، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)\nعدد الأجزاء: ٦ (الأخير فهارس)\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":14,"ٕ":11,"ٖ":1770153664,"ٗ":148},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2","3","4","5"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف","level":2,"page":4},{"title":"تحرير عنوان الكتاب","level":2,"page":9},{"title":"زمن التأليف","level":2,"page":21},{"title":"بناء الكتاب وموضوعاته","level":2,"page":25},{"title":"منهج المؤلف فيه","level":2,"page":42},{"title":"أهمية الكتاب وقيمته العلمية","level":2,"page":52},{"title":"موارد الكتاب","level":2,"page":57},{"title":"أثره في الكتب اللاحقة","level":2,"page":83},{"title":"مؤلفات ودراسات عن الكتاب","level":2,"page":93},{"title":"النسخ المعتمدة في هذه النشرة","level":2,"page":98},{"title":"الطبعات السابقة","level":2,"page":124},{"title":"منهجنا في هذه النشرة","level":2,"page":144},{"title":"نماذج من النسخ الخطية","level":2,"page":147},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":148},{"title":"علماء الأمة على ضربين","level":1,"page":158},{"title":"أحدهما: حفاظ الحديث","level":2,"page":158},{"title":"الثاني: فقهاء الإسلام","level":2,"page":159},{"title":"طاعة الأمراء تابعة لطاعة العلماء","level":2,"page":159},{"title":"ما يشترط فيمن يوقع عن الله ورسوله","level":2,"page":162},{"title":"من يوقع عن الله","level":1,"page":162},{"title":"أول من وقع عن الله هو رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":162},{"title":"ثم قام بالفتوى بعده أصحاب الرسول؟","level":2,"page":163},{"title":"المكثرون من الفتيا من الصحابة","level":3,"page":164},{"title":"المتوسطون في الفتيا منهم","level":3,"page":165},{"title":"المقلون في الفتيا منهم","level":3,"page":166},{"title":"الصحابة سادة أهل الفتوى","level":2,"page":170},{"title":"عمر بن الخطاب","level":3,"page":185},{"title":"عثمان بن عفان","level":3,"page":186},{"title":"علي بن أبي طالب","level":3,"page":187},{"title":"عمن انتشر الدين والفقه من الصحابة","level":2,"page":187},{"title":"من صارت إليه الفتوى من التابعين","level":2,"page":189},{"title":"فقهاء المدينة المنورة","level":2,"page":192},{"title":"فقهاء مكة المكرمة","level":2,"page":194},{"title":"فقهاء البصرة","level":2,"page":194},{"title":"فقهاء الكوفة","level":2,"page":196},{"title":"فقهاء الشام","level":2,"page":198},{"title":"فقهاء مصر","level":2,"page":200},{"title":"فقهاء القيروان","level":2,"page":201},{"title":"فقهاء الأندلس","level":2,"page":201},{"title":"فقهاء اليمن","level":2,"page":202},{"title":"فقهاء بغداد","level":2,"page":202},{"title":"الإمام أحمد بن حنبل","level":2,"page":202},{"title":"أصول فتاوى الإمام أحمد","level":2,"page":203},{"title":"أولها: النصوص","level":3,"page":203},{"title":"الثاني: فتاوى الصحابة","level":3,"page":207},{"title":"الثالث: الاختيار من فتاوى الصحابة إذا اختلفوا","level":3,"page":208},{"title":"الرابع: الحديث المرسل","level":3,"page":208},{"title":"الأئمة الأربعة يقدمون الحديث الضعيف على القياس","level":4,"page":209},{"title":"الخامس: القياس للضرورة","level":3,"page":211},{"title":"كراهية العلماء التسرع في الفتوى","level":2,"page":215},{"title":"المراد بالناسخ والمنسوخ","level":2,"page":218},{"title":"خطر تولي القضاء","level":2,"page":220},{"title":"الوعيد على الإفتاء","level":2,"page":224},{"title":"المحرمات على أربع مراتب","level":2,"page":225},{"title":"النهي عن أن يقال: هذا حكم الله","level":2,"page":226},{"title":"لفظ الكراهة يطلق على المحرم","level":2,"page":227},{"title":"ما ينبغي أن يقوله المفتي فيما اجتهد فيه","level":2,"page":236},{"title":"فصول في كلام الأئمة في أدوات الفتيا وشروطها","level":1,"page":238},{"title":"هل تجوز الفتوى بالتقليد؟","level":2,"page":240},{"title":"شروط الإفتاء عند الشافعي","level":2,"page":242},{"title":"فصل في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص","level":1,"page":243},{"title":"لم يختلف الصحابة في مسائل الصفات","level":2,"page":246},{"title":"الأمر بالرد إلى الله ورسوله يتضمن الدلالة على كفاية النصوص لأحكام الحوادث","level":2,"page":247},{"title":"الرد إلى الله ورسوله من موجبات الإيمان","level":2,"page":248},{"title":"معنى التقدم بين يدي الله ورسوله","level":2,"page":250},{"title":"ينزع العلم بموت العلماء","level":2,"page":251},{"title":"الوعيد على القول بالرأي","level":2,"page":253},{"title":"ذم أبي بكر القول بالرأي","level":2,"page":255},{"title":"ذم عمر القول بالرأي","level":2,"page":256},{"title":"ذم ابن مسعود القول بالرأي","level":2,"page":262},{"title":"ذم عثمان القول بالرأي","level":2,"page":265},{"title":"ذم علي القول بالرأي","level":2,"page":266},{"title":"ذم ابن عباس القول بالرأي","level":2,"page":266},{"title":"سهل بن حنيف يذم القول بالرأي","level":2,"page":267},{"title":"ابن عمر يذم القول بالرأي","level":2,"page":268},{"title":"زيد بن ثابت يذم القول بالرأي","level":2,"page":269},{"title":"معاذ بن جبل يذم القول بالرأي","level":2,"page":270},{"title":"أبو موسى الأشعري يذم القول بالرأي","level":2,"page":271},{"title":"معاوية بن أبي سفيان يذم القول بالرأي","level":2,"page":271},{"title":"تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي","level":2,"page":273},{"title":"طريقة أبي بكر وعمر في الحكم على ما يرد عليهما","level":2,"page":274},{"title":"طريقة ابن مسعود","level":2,"page":275},{"title":"بعض أقيسة الصحابة","level":2,"page":277},{"title":"حال ابن مسعود في القضاء","level":2,"page":278},{"title":"حال ابن عباس في القضاء","level":2,"page":278},{"title":"حال أبي بن كعب","level":2,"page":279},{"title":"جملة من أخذ من الصحابة بالرأي","level":2,"page":279},{"title":"معنى الرأي","level":2,"page":284},{"title":"الرأي على ثلاثة أنواع: باطل، وصحيح، ومشتبه","level":2,"page":285},{"title":"الرأي الباطل وأنواعه","level":2,"page":287},{"title":"اقوال التابعين في ذم الرأي","level":2,"page":300},{"title":"المتعصبون عكسوا القضية، فقبلوا من السنة ما وافق أقوالهم","level":2,"page":308},{"title":"أبو حنيفة يقدم الحديث الضعيف على الرأي","level":2,"page":310},{"title":"فصل في الرأي المحمود وأنواعه","level":1,"page":318},{"title":"النوع الأول: رأي الصحابة","level":2,"page":318},{"title":"ليس مثل الصحابة أحد في جودة الرأي","level":3,"page":320},{"title":"النوع الثاني: الرأي المفسر للنصوص","level":2,"page":323},{"title":"النوع الثالث: الرأي الذي أجمعت عليه الأمة، والسر في هذا","level":2,"page":326},{"title":"النوع الرابع: ما يكون بعد طلب علم الواقعة من الكتاب والسنة وآراء الصحابة","level":2,"page":329},{"title":"كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء","level":1,"page":330},{"title":"شرح كتاب عمر في القضاء","level":2,"page":332},{"title":"ما يحكم به الحاكم نوعان: فرض محكم، وأحكام سنها رسول الله","level":2,"page":332},{"title":"صحة الفهم نعمة من أعظم نعم الله","level":2,"page":333},{"title":"تمكن المفتي والحاكم يكون بنوعين من الفهم","level":2,"page":334},{"title":"واجب الحاكم المساواة بين الناس","level":2,"page":338},{"title":"معنى البينة","level":2,"page":339},{"title":"نصاب الشهادة","level":2,"page":341},{"title":"حكمة الله تعالى في الأمر بالعدد في شهود الزنا","level":2,"page":350},{"title":"تشرع اليمين من جهة أقوى المتداعيين","level":2,"page":358},{"title":"لا يتوقف الحكم على شهادة ذكرين أصلا","level":2,"page":361},{"title":"لم يرد الشارع خبر العدل قط","level":2,"page":362},{"title":"جانب التحمل غير جانب الثبوت","level":2,"page":364},{"title":"صفات الحاكم، وما يشترط فيه","level":2,"page":365},{"title":"الصلح بين المسلمين وحكمه","level":2,"page":369},{"title":"الحقوق ضربان: حق الله، وحق العباد","level":2,"page":373},{"title":"الصلح إما مردود، وإما جائز نافذ","level":2,"page":375},{"title":"يؤجل القاضي الحكم بحسب الحاجة","level":2,"page":376},{"title":"قد يتغير الحكم بتغير الاجتهاد","level":2,"page":377},{"title":"بيان من ترد شهادته","level":2,"page":378},{"title":"شهادة القريب لقريبه أو عليه","level":2,"page":378},{"title":"شاهد الزور","level":2,"page":394},{"title":"الكذب من الكبائر","level":2,"page":394},{"title":"الحكمة في رد شهادة الكذاب","level":2,"page":404},{"title":"رد شهادة المجلود في حد القذف","level":2,"page":405},{"title":"رد الشهادة بالتهمة","level":2,"page":418},{"title":"رد شهادة مستور الحال","level":2,"page":419},{"title":"القول في القياس","level":1,"page":422},{"title":"إشارات القرآن إلى القياس","level":2,"page":422},{"title":"أنواع الأقيسة المستعملة في الاستدلال","level":2,"page":427},{"title":"قياس العلة، وأمثلة منه","level":2,"page":427},{"title":"أصل كل شر: البدع واتباع الهوى","level":2,"page":431},{"title":"قياس الدلالة، وأمثلة منه","level":2,"page":435},{"title":"قياس الشبه، وأمثلة منه","level":2,"page":451},{"title":"ضرب الأمثال في القرآن والحكمة فيه","level":2,"page":454},{"title":"أمثلة من قياس العكس","level":2,"page":468},{"title":"أمثلة من القياس التمثيلي","level":2,"page":486},{"title":"أثر كلمة التوحيد","level":2,"page":490},{"title":"بعض أسرار تشبيه المؤمن بالشجرة","level":2,"page":492},{"title":"تشبيه الكافر بالشجرة الخبيثة","level":2,"page":495},{"title":"سؤال القبر والتثبيت فيه","level":2,"page":499},{"title":"عود إلى أمثلة القياس التمثيلي","level":2,"page":504},{"title":"الرياء والمن والأذى تبطل الأعمال","level":2,"page":514},{"title":"من أمثلة القياس التمثيلي أيضا","level":2,"page":515},{"title":"السر والحكمة في ضرب الأمثال وتعبير الرؤيا","level":2,"page":522},{"title":"أصول التعبير الصحيحة مأخوذة من القرآن","level":2,"page":527},{"title":"التسوية بين المتماثلين في الأحكام الشرعية","level":2,"page":530},{"title":"الجزاء من جنس العمل ومثاله","level":2,"page":532},{"title":"جاء القرآن بتعليل الأحكام","level":2,"page":534},{"title":"وجاءت السنة بتعليل الأحكام كثيرا","level":2,"page":536},{"title":"حديث معاذ حين بعثه الرسول إلى اليمن","level":2,"page":545},{"title":"كان الصحابة يجتهدون ويقيسون","level":2,"page":548},{"title":"ما أجمع عليه الفقهاء من مسائل القياس","level":2,"page":552},{"title":"جواب نفاة القياس، ورده","level":2,"page":554},{"title":"قياس الصحابة حد الشرب على حد القذف","level":2,"page":566},{"title":"قياس الصحابة في الجد مع الإخوة","level":2,"page":568},{"title":"بين ابن عباس والخوارج","level":2,"page":572},{"title":"إنكار بعض الصحابة على بعض مخالفة القياس","level":2,"page":574},{"title":"اختلافهم في المرأة المخيرة","level":2,"page":576},{"title":"فتح الصحابة باب الاجتهاد والقياس","level":2,"page":578},{"title":"العمل بالقياس مركوز في فطر الناس","level":2,"page":580},{"title":"العبرة بإرادة المتكلم، لا بلفظه","level":2,"page":580},{"title":"بم يعرف مراد المتكلم؟","level":2,"page":583},{"title":"أمثلة من الأغلاط التي وقع فيها كل من أهل الألفاظ وأهل المعاني","level":2,"page":583},{"title":"كل من القياسيين والظاهرية مفرط","level":2,"page":587},{"title":"معارضة نفاة القياس لما سلف من الحجج","level":1,"page":597},{"title":"أمثلة من الأمثال التي ضربها الله ورسوله","level":2,"page":602},{"title":"فائدة ضرب الأمثال","level":2,"page":624},{"title":"الفرق بين الأمثال التي ضربها الله ورسوله وبين القياس","level":2,"page":625},{"title":"أمثلة من مخالفة أصحاب القياس للأحاديث","level":2,"page":637},{"title":"لم يأمر النبي بالقياس، بل نهى عنه","level":2,"page":649},{"title":"فصل: الصحابة نهوا عن القياس","level":1,"page":653},{"title":"والتابعون يصرحون بذم القياس","level":2,"page":659},{"title":"القياس يعارض بعضه بعضا","level":2,"page":669},{"title":"الاختلاف مهلكة ومناف لما بعث به الرسول - ﷺ -","level":2,"page":672},{"title":"ليس أحد القياسين المختلفين أولى من الآخر","level":2,"page":675},{"title":"لم يكن القياس حجة في زمن الرسول - ﷺ -","level":2,"page":677},{"title":"الأسماء التي لها حدود في كلام الله ورسوله ثلاثة أنواع","level":2,"page":683},{"title":"تناقض أهل القياس واضطرابهم فيه تأصيلا وتفصيلا","level":2,"page":686},{"title":"أمثلة من تناقض القياسيين","level":2,"page":689},{"title":"أمثلة مما جمع فيه القياسيون بين المتفرقات","level":2,"page":722},{"title":"من تناقض القياسيين مراعاة بعض الشروط دون بعضها الآخر","level":2,"page":758},{"title":"هل يعتبر شرط الواقف مطلقا؟","level":2,"page":759},{"title":"يجب أن تعرض شروط الواقفين على كتاب الله","level":2,"page":762},{"title":"خطأ القول بأن شرط الواقف كنص الشارع","level":2,"page":763},{"title":"هل في اللطمة والضربة قصاص","level":2,"page":768},{"title":"حكومة النبيين الكريمين داود وسليمان وآراء أهل الشريعة في موضوع هذه الحكومة","level":2,"page":783},{"title":"هل يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه؟","level":2,"page":786},{"title":"ضمان إتلاف المال","level":2,"page":788},{"title":"كيف يجازي الجاني على العرض؟","level":2,"page":790},{"title":"قوة أدلة الفريقين تحتاج إلى نظر دقيق","level":2,"page":792},{"title":"القول الوسط بين الفريقين","level":1,"page":794},{"title":"إحاطة النصوص بأفعال المكلفين","level":2,"page":795},{"title":"اختلفوا هل تحيط النصوص بأحكام الحوادث؟","level":2,"page":797},{"title":"كل فرقة سدت على نفسها بابا من أبواب الحق فاضطرت إلى توسيع باب آخر","level":2,"page":805},{"title":"الاستصحاب: معناه وأقسامه","level":2,"page":808},{"title":"(١) استصحاب البراءة الأصلية","level":3,"page":808},{"title":"(٢) استصحاب الوصف المثبت للحكم","level":3,"page":809},{"title":"(٣) حكم الإجماع في محل النزاع","level":3,"page":812},{"title":"الدليل على أن هذا النوع من الاستصحاب حجة","level":2,"page":816},{"title":"الأصل في الشروط الصحة أو الفساد؟ والفرق بين العبادات والمعاملات","level":2,"page":817},{"title":"أجوبة المانعين","level":2,"page":823},{"title":"رد الجمهور على أجوبة المانعين","level":2,"page":824},{"title":"أخطاء القياسيين","level":2,"page":827},{"title":"فصل في بيان شمول النصوص وإغنائها عن القياس","level":1,"page":829},{"title":"تطبيق ذلك على عدة مسائل","level":2,"page":839},{"title":"(١) المسألة المشتركة في الفرائض","level":3,"page":839},{"title":"(٢) العمريتان","level":3,"page":843},{"title":"(٣) مسألة ميراث الأخوات مع البنات","level":3,"page":853},{"title":"المراد بأولى رجل ذكر في حديث العصبات","level":4,"page":861},{"title":"(٤) ميراث البنات، وبيان أن النص كما يدل على حكم ميراث الجميع يدل على الثنتين","level":3,"page":862},{"title":"(٥) ميراث بنت الابن السدس مع البنت","level":3,"page":865},{"title":"(٦) ميراث الجد مع الإخوة، وبيان أن النص يدل لما ذهب إليه أبو بكر الصديق من أن الجد يحجب الإخوة","level":3,"page":867},{"title":"فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس","level":1,"page":883},{"title":"لفظ القياس مجمل","level":2,"page":884},{"title":"شبهة من قال: إن المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس","level":2,"page":885},{"title":"مقدمة في بيان أن العمل الذي يراد به المال يتنوع إلى ثلاثة أنواع","level":2,"page":886},{"title":"الأصل في جميع العقود العدل","level":2,"page":889},{"title":"الحوالة موافقة للقياس","level":2,"page":892},{"title":"القرض على وفق القياس أيضا","level":2,"page":895},{"title":"إزالة النجاسة على وفق القياس","level":2,"page":896},{"title":"طهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس","level":2,"page":902},{"title":"الوضوء من أكل لحوم الإبل على وفق القياس","level":2,"page":903},{"title":"الفطر بالحجامة على وفق القياس أيضا","level":2,"page":906},{"title":"التيمم جار على وفق القياس أيضا","level":2,"page":908},{"title":"الحكمة في كون التيمم على عضوين","level":2,"page":909},{"title":"السلم جار على وفق القياس","level":2,"page":910},{"title":"الكتابة تجري على وفق القياس","level":2,"page":913},{"title":"بيان أن الإجارة على وفق القياس","level":2,"page":914},{"title":"ليس للعقود ألفاظ محدودة","level":2,"page":916},{"title":"جوز الشارع المعاوضة على المعدوم","level":2,"page":918},{"title":"القياس الفاسد أصل كل شر","level":2,"page":921},{"title":"منع ادعاء أن بيع المعدوم لا يجوز","level":2,"page":922},{"title":"منع ادعاء أن موجب العقد التسليم عقيبه","level":2,"page":924},{"title":"بيع المقاثي والمباطخ والباذنجان","level":2,"page":927},{"title":"ضمان الحدائق والبساتين","level":2,"page":928},{"title":"إجارة الظئر على وفق القياس الصحيح","level":2,"page":931},{"title":"حمل العاقلة الدية عن الجاني على وفق القياس","level":2,"page":933},{"title":"بيان أن حديث المصراة على وفق القياس","level":2,"page":936},{"title":"الخراج بالضمان (الغرم بالغنم)","level":2,"page":938},{"title":"الحكمة في رد التمر بدل اللبن","level":2,"page":939},{"title":"أمر الذي صلى فذا خلف الصف بالإعادة","level":2,"page":940},{"title":"الرهن مركوب ومحلوب، وعلى من يركب ويحلب النفقة","level":2,"page":942},{"title":"الحكم في رجل وقع على جارية امرأته موافق للقياس","level":2,"page":944},{"title":"من أتلف مال غيره فعليه ضمانه","level":2,"page":945},{"title":"المتلفات تضمن بالجنس","level":2,"page":946},{"title":"من مثل بعبده عتق عليه","level":2,"page":948},{"title":"الإكراه على الفاحشة من المثلة","level":2,"page":949},{"title":"ما من نص صحيح إلا وهو موافق للقياس","level":2,"page":950},{"title":"التعزير","level":2,"page":952},{"title":"المضي في الحج الفاسد لا يخالف القياس","level":2,"page":955},{"title":"العذر بالنسيان","level":2,"page":956},{"title":"هل هناك فرق بين الناسي والمخطئ؟","level":2,"page":958},{"title":"الحكم في امرأة المفقود على وفق القياس","level":2,"page":961},{"title":"تصرف الإنسان في ملك غيره مردود أو موقوف","level":2,"page":962},{"title":"من القضايا المشكلة قضية الزبية","level":2,"page":968},{"title":"الحكم في بصير يقود أعمى فيخران معا موافق للقياس","level":2,"page":974},{"title":"حكم علي بن أبي طالب في جماعة وقعوا على امرأة موافق للقياس","level":2,"page":976},{"title":"ليس في الشريعة ما يخالف القياس","level":2,"page":989},{"title":"شبهات لنفاة القياس، وأمثلة لها","level":1,"page":989},{"title":"قولهم: ليس يمكن القياس مع ثبوت التفرقة بين المتماثلات","level":2,"page":995},{"title":"الجواب عن هذه الشبهة","level":1,"page":995},{"title":"الجواب المجمل","level":2,"page":996},{"title":"أجوبة مختلفة للأصوليين","level":2,"page":996},{"title":"الجواب المفصل","level":2,"page":1000},{"title":"لماذا وجب الغسل من المني دون البول؟","level":2,"page":1000},{"title":"لماذا فرقوا في الحكم بين بول الصبي وبول الصبية؟","level":2,"page":1001},{"title":"الفرق بين الصلاة الرباعية وغيرها","level":2,"page":1002},{"title":"لماذا وجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة؟","level":2,"page":1003},{"title":"تحريم النظر إلى الحرة وإباحته إلى الأمة","level":2,"page":1003},{"title":"الفرق بين السارق والمنتهب في قطع اليد","level":2,"page":1004},{"title":"الفرق بين اليد في الدية وفي السرقة","level":2,"page":1006},{"title":"حكمة جعل نصاب السرقة ربع دينار","level":2,"page":1007},{"title":"حكمة إيجاب حد القذف بالزنا دون القذف بالكفر","level":2,"page":1008},{"title":"حكمة الاكتفاء بشاهدين في القتل دون الزنا","level":2,"page":1009},{"title":"الحكمة في جلد قاذف الحر لا قاذف العبد","level":2,"page":1010},{"title":"الحكمة في التفرقة بين عدة الموت وعدة الطلاق","level":2,"page":1010},{"title":"في شرع العدة حكم عديدة","level":2,"page":1010},{"title":"أجناس العدد","level":2,"page":1011},{"title":"حكمة عدة الطلاق","level":2,"page":1014},{"title":"عدة المختلعة","level":2,"page":1016},{"title":"عدة المطلقة ثلاثا، وحكمتها","level":2,"page":1019},{"title":"عدة المخيرة، وحكمتها","level":2,"page":1021},{"title":"عدة الآيسة والصغيرة، وحكمتها","level":2,"page":1022},{"title":"حكمة تحريم المرأة بعد الطلاق الثلاث","level":2,"page":1023},{"title":"الحكمة في غسل أعضاء الوضوء","level":2,"page":1026},{"title":"هل يختص قبول التوبة بالمحارب؟","level":2,"page":1030},{"title":"قبول رواية العبد دون شهادته","level":2,"page":1032},{"title":"صدقة السائمة وإسقاطها عن العوامل","level":2,"page":1033},{"title":"الحكمة في التفرقة بين الحرة والأمة في إحصان الرجل","level":2,"page":1038},{"title":"الحكمة في نقض الوضوء بمس القبل دون غيره من الأعضاء","level":2,"page":1039},{"title":"الحكمة في إيجاب الحد بشرب قطرة من الخمر دون البول","level":2,"page":1040},{"title":"الحكمة في قصر الزوجات على أربع دون السريات","level":2,"page":1041},{"title":"الحكمة في إباحة التعدد للرجل دون المرأة","level":2,"page":1043},{"title":"الحكمة في جواز استمتاع السيد بأمته، دون العبد بسيدته","level":2,"page":1045},{"title":"الحكمة في التفرقة بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة","level":2,"page":1046},{"title":"الحكمة في التفرقة بين الريح والجشاء في إيجاب الوضوء","level":2,"page":1047},{"title":"الحكمة في التفرقة بين الخيل والإبل في الزكاة","level":2,"page":1048},{"title":"حكمة التفرقة بين بعض المقادير في نصب الزكاة وبعضها الآخر","level":2,"page":1050},{"title":"الحكمة في إيجاب قطع يد السارق دون لسان القاذف، مثلا","level":2,"page":1055},{"title":"فصل في الحدود ومقاديرها وكمال ترتبها على أسبابها","level":1,"page":1055},{"title":"من حكمة الله تعالى شرع الحدود","level":2,"page":1058},{"title":"تفاوت العقوبات بتفاوت الجنايات","level":2,"page":1058},{"title":"جناية القتل وموجبها","level":2,"page":1059},{"title":"جناية السرقة وموجبها","level":2,"page":1060},{"title":"الجلد موجب الجناية على الأعراض وعلى العقول وعلى الأبضاع","level":2,"page":1060},{"title":"تغريم المال","level":2,"page":1062},{"title":"التغريم نوعان: مضبوط، وغير مضبوط","level":2,"page":1063},{"title":"التعزير، ومواضعه","level":2,"page":1064},{"title":"من حكمة الله اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة","level":2,"page":1065},{"title":"حكمة الله في أن العقوبات لم يطرد جعلها من جنس الذنوب","level":2,"page":1066},{"title":"ردع المفسدين مستحسن في العقول","level":2,"page":1069},{"title":"التسوية في العقوبات مع اختلاف الجرائم لا يليق بالحكمة","level":2,"page":1069},{"title":"مقابلة الإتلاف بمثله في كل الأحوال ظلم","level":2,"page":1072},{"title":"حكمة تخيير المجني عليه في بعض الأحوال دون بعض","level":2,"page":1073},{"title":"ليس من الحكمة إتلاف كل عضو وقعت به معصية","level":2,"page":1076},{"title":"الحكمة في إيجاب حد السرقة","level":2,"page":1076},{"title":"الحكمة في إيجاب حد الزنا، وفي تنويعه","level":2,"page":1077},{"title":"إتلاف النفس عقوبة أفظع أنواع الجرائم","level":2,"page":1078},{"title":"ترتيب الحد تبعا لترتيب الجرائم","level":2,"page":1079},{"title":"سوى الله بين الحر والعبد في أحكام وفرق بينهما في أحكام أخرى","level":2,"page":1080},{"title":"حكمة شرع اللعان في حق الزوجة دون غيرها","level":2,"page":1082},{"title":"الحكمة في تخصيص المسافر بالرخص","level":2,"page":1083},{"title":"الفرق بين نذر الطاعة والحلف بها","level":2,"page":1084},{"title":"الحكمة في التفرقة بين الضبع وغيره من ذي الناب","level":2,"page":1089},{"title":"سر تخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده","level":2,"page":1093},{"title":"سر تخصيص أبي بردة بإجزاء تضحيته بعناق","level":2,"page":1093},{"title":"سر التفرقة بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار","level":2,"page":1094},{"title":"السر في تقديم العصبة البعداء عن ذوي الأرحام وإن قربوا","level":2,"page":1095},{"title":"الفرق بين الشفعة وأخذ مال الغير","level":2,"page":1096},{"title":"ورود الشرع بالشفعة دليل على الحكمة","level":2,"page":1096},{"title":"الضرر الذي قصد الشارع رفعه بالشفعة","level":2,"page":1097},{"title":"رأى القائلين بشفعة الجوار","level":2,"page":1103},{"title":"رد المبطلين لشفعة الجوار","level":2,"page":1113},{"title":"الحكمة في التفرقة بين بعض الأيام وبعضها الآخر في الصوم","level":2,"page":1121},{"title":"الحكمة في الفرق بين بنت الأخ وبنت العم ونحوها في النكاح","level":2,"page":1122},{"title":"الحكمة في التفرقة بين المستحاضة والحائض في الوطء","level":2,"page":1123},{"title":"الحكمة في التفرقة بين اتحاد الجنس واختلافه في الربا","level":2,"page":1124},{"title":"الربا ضربان: جلي، وخفي. والجلي هو ربا النسيئة","level":2,"page":1124},{"title":"ربا الفضل","level":2,"page":1126},{"title":"الأجناس التي يحرم فيها ربا الفضل وآراء العلماء في ذلك","level":2,"page":1127},{"title":"حكمة تحريم ربا النساء في المطعوم","level":2,"page":1130},{"title":"حكمة إباحة العرايا ونحوها","level":2,"page":1133},{"title":"السر في أنه ليس للصفات في البيوع مقابل","level":2,"page":1138},{"title":"الخلاف في بيع اللحم بالحيوان","level":2,"page":1140},{"title":"الحكمة في وجوب إحداد المرأة على زوجها أكثر مما تحد على أبيها","level":2,"page":1143},{"title":"الحكمة في مساواة المرأة للرجل في بعض الأحكام دون بعضها الآخر","level":2,"page":1147},{"title":"الحكمة في التفرقة بين زمان وزمان ومكان ومكان في الفضل","level":2,"page":1150},{"title":"الحكمة في اتفاق حكم المختلفات إذا اتحدت في موجبه","level":2,"page":1152},{"title":"الحكمة في أن الفأرة كالهرة في الطهارة","level":2,"page":1153},{"title":"الحكمة في جعل ذبيحة غير الكتابي مثل الميتة","level":2,"page":1153},{"title":"الحكمة في الجمع بين الماء والتراب في حكم التطهير","level":2,"page":1156},{"title":"ذم الغضب","level":2,"page":1156},{"title":"الصبر على الحق","level":2,"page":1158},{"title":"لله على كل إنسان عبودية بحسب مرتبته","level":2,"page":1158},{"title":"إخلاص النية لله تعالى","level":2,"page":1161},{"title":"ما يجب على من عزم على فعل أمر من الأمور","level":2,"page":1163},{"title":"المتزين بما ليس فيه، وعقوبته","level":2,"page":1165},{"title":"أعمال العباد أربعة أنواع، المقبول منها نوع واحد","level":2,"page":1166},{"title":"جزاء المخلص","level":2,"page":1168},{"title":"ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك","level":1,"page":1171},{"title":"إثم القول على الله بغير علم","level":2,"page":1171},{"title":"يجب على من لا يعلم أن يقول: لا أدري","level":2,"page":1173},{"title":"طريقة السلف الصالح في الفتوى","level":2,"page":1176},{"title":"فوائد تكرير الاستفهام من السائل","level":2,"page":1179},{"title":"ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب","level":1,"page":1180},{"title":"أنواع ما يحرم القول به","level":2,"page":1180},{"title":"الفرق بين الاتباع والتقليد","level":2,"page":1184},{"title":"مضار زلة العالم","level":2,"page":1188},{"title":"كلام علي بن أبي طالب لكميل بن زياد","level":2,"page":1193},{"title":"نهي الصحابة عن الاستنان بالرجال","level":2,"page":1194},{"title":"الاحتجاج على من أجاز التقليد بحجج عقلية","level":2,"page":1196},{"title":"الاتباع والتقليد","level":2,"page":1199},{"title":"نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم","level":1,"page":1205},{"title":"فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وصاحب حجة","level":2,"page":1207},{"title":"طرف من تخبط المقلدين وأخذهم ببعض السنة وتركهم الأخذ ببعض آخر","level":2,"page":1230},{"title":"مخالفة المقلدين لأمر الله ورسوله وأئمتهم","level":2,"page":1254},{"title":"ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا","level":2,"page":1256},{"title":"ذم الله الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا","level":2,"page":1256},{"title":"ذم الله من أعرض عن التحاكم إليه","level":2,"page":1257},{"title":"الحق في واحد من الأقوال","level":2,"page":1257},{"title":"دعوة رسول الله - ﷺ - عامة","level":2,"page":1258},{"title":"الأقوال لا تنحصر، وقائلوها غير معصومين","level":2,"page":1259},{"title":"أخبر الرسول - ﷺ - بأن العلم يقل","level":2,"page":1259},{"title":"ما علة إيثار قول بالأخذ به على قول آخر؟","level":1,"page":1261},{"title":"لم يكن عمر يقلد أبا بكر","level":2,"page":1264},{"title":"لم يكن ابن مسعود يقلد عمر","level":2,"page":1268},{"title":"لم يكن الصحابة يقلد بعضهم بعضا","level":2,"page":1271},{"title":"معنى أمر رسول الله - ﷺ - باتباع معاذ","level":2,"page":1272},{"title":"طاعة أولي الأمر، ومن هم؟","level":2,"page":1273},{"title":"الثناء على التابعين ومعنى كونهم تابعين","level":2,"page":1275},{"title":"من هم أتباع الأئمة؟","level":1,"page":1276},{"title":"الكلام على حديث «أصحابي كالنجوم»","level":2,"page":1277},{"title":"الصحابة هم الذين أمرنا بالاستنان بهم","level":2,"page":1281},{"title":"أخبر الرسول أنه سيحدث اختلاف كثير","level":2,"page":1283},{"title":"أمر عمر شريحا بتقديم الكتاب ثم السنة","level":2,"page":1284},{"title":"طريق المتأخرين في أخذ الأحكام","level":2,"page":1285},{"title":"أئمة الإسلام يقدمون الكتاب والسنة","level":2,"page":1287},{"title":"هل قلد الصحابة عمر؟","level":1,"page":1290},{"title":"ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله لعالمه","level":2,"page":1291},{"title":"توى الصحابة في حياة الرسول تبليغ عنه","level":2,"page":1292},{"title":"المراد من إيجاب الله قبول إنذار من نفر للتفقه في الدين","level":2,"page":1294},{"title":"ليس قبول شهادة الشاهد تقليدا له","level":2,"page":1297},{"title":"ليس من التقليد قبول قول القائف ونحوه","level":2,"page":1297},{"title":"هل كلف الناس كلهم الاجتهاد؟","level":2,"page":1300},{"title":"أمور تظن من التقليد وليست منه","level":2,"page":1303},{"title":"الرد على من زعم أن الأئمة قالوا بجواز التقليد","level":2,"page":1304},{"title":"الفرق بين حال الأئمة وحال المقلدين","level":2,"page":1307},{"title":"ما ركزه الله من تقليد المتعلمين للأستاذين لا يستلزم جواز التقليد","level":2,"page":1311},{"title":"تفاوت الاستعداد لا يستلزم التقليد في كل حكم","level":2,"page":1313},{"title":"بين المقلد والمؤتم بإمام في الصلاة فرق عظيم","level":2,"page":1314},{"title":"الصحابة كانوا يبلغون الناس حكم الله ورسوله","level":2,"page":1316},{"title":"ليس التقليد من لوازم الشرع","level":2,"page":1318},{"title":"قبول الرواية غير التقليد","level":2,"page":1319},{"title":"الجواب على من ادعى أن التقليد أسلم من طلب الحجة","level":2,"page":1320},{"title":"أمثلة مما خفي على كبار الصحابة","level":2,"page":1322},{"title":"مجئ روايتين عن أحد الأئمة مثل مجيء قولين لإمامين مختلفين","level":2,"page":1329},{"title":"فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص","level":1,"page":1338},{"title":"الدلائل على أنه لا اجتهاد مع النص","level":2,"page":1338},{"title":"من أقوال العلماء المأثورة في هذا المعنى","level":2,"page":1340},{"title":"يصار إلى الاجتهاد وإلى القياس عند الضرورة","level":2,"page":1346},{"title":"أمثلة لمن أبطل السنن بظاهر من القرآن (٧٣ مثالا)","level":2,"page":1362},{"title":"١) رد الجهمية نصوص الصفات","level":3,"page":1363},{"title":"٢) ردهم العلو والاستواء","level":3,"page":1363},{"title":"٣) رد القدرية نصوص القدر والمشيئة","level":3,"page":1364},{"title":"٤) رد الجبرية كون العبد قادرا مختارا فاعلا بمشيئته","level":3,"page":1364},{"title":"٥) رد الخوارج المعتزلة نصوص الشفاعة","level":3,"page":1364},{"title":"٦) رد الجهمية نصوص الرؤية يوم القيامة","level":3,"page":1364},{"title":"٧) ردهم نصوص ثبوت الأفعال الاختيارية للرب","level":3,"page":1365},{"title":"٨) رد النصوص الدالة على أن الرب يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة","level":3,"page":1366},{"title":"٩) رد النصوص الدالة على ثبوت الأسباب شرعا وقدرا","level":3,"page":1366},{"title":"مذاهب الناس في الأسباب","level":4,"page":1369},{"title":"١٠) رد الجهمية النصوص الدالة على كلام الرب","level":3,"page":1370},{"title":"١١) ردهم صفات الرب","level":3,"page":1370},{"title":"١٢) ردهم علو الله على خلقه، الذي تدل عليه ثمانية عشر نوعا من الأدلة","level":3,"page":1372},{"title":"١٣) رد الرافضة نصوص مدح الصحابة والثناء عليهم","level":3,"page":1378},{"title":"١٤) رد الأحاديث الدالة على وجوب الطمأنينة في الصلاة","level":3,"page":1380},{"title":"١٥) رد النص الصريح الدال على تعيين التكبير للدخول في الصلاة","level":3,"page":1381},{"title":"١٦) رد النصوص الصريحة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة","level":3,"page":1382},{"title":"١٧) رد النصوص الدالة على أن الخروج من الصلاة بالتسليم","level":3,"page":1382},{"title":"١٨) رد اشتراط النية للوضوء والغسل","level":3,"page":1383},{"title":"زيادة السنة على القرآن، وحكمها","level":4,"page":1383},{"title":"السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه","level":4,"page":1385},{"title":"أنواع دلالة السنة الزائدة على ما في القرآن","level":4,"page":1390},{"title":"أقوال الحنفية في هذا الباب","level":4,"page":1390},{"title":"الرد على الحنفية من وجوه (٥٢ وجها)","level":4,"page":1394},{"title":"بيان الرسول - ﷺ - على أقسام","level":4,"page":1397},{"title":"المراد بالنسخ الذي تتضمنه السنة الزائدة على ما في القرآن","level":4,"page":1401},{"title":"تخصيص القرآن بالسنة جائز","level":4,"page":1404},{"title":"عود إلى أمثلة إبطال بعض النصوص بظاهر من نص آخر","level":2,"page":1423},{"title":"١٩) رد العدل بين الأولاد في العطية","level":3,"page":1423},{"title":"٢٠) رد حكم المصراة","level":3,"page":1424},{"title":"٢١) رد السنة المحكمة في العرايا","level":3,"page":1425},{"title":"٢٢) رد حديث القسامة","level":3,"page":1426},{"title":"٢٣) بيع الرطب بالتمر","level":3,"page":1428},{"title":"٢٤) القرعة بين المملوكين الذين أوصى السيد بعتقهم ولم يف ثلث ماله بعتق جميعهم","level":3,"page":1429},{"title":"٢٥) الرجوع في الهبة إلا للوالد","level":3,"page":1430},{"title":"٢٦) القضاء بالقافة","level":3,"page":1434},{"title":"٢٧) جعل الأمة فراشا","level":3,"page":1434},{"title":"أمثلة مما ادعوا فيها أنها مقتضى الأصول وأن الأحاديث خلاف الأصول","level":4,"page":1434},{"title":"٢٨) حكم من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس","level":3,"page":1443},{"title":"فرق بين الابتداء والدوام","level":4,"page":1445},{"title":"٢٩) دفع اللقطة إلى من يصفها","level":3,"page":1449},{"title":"٣٠) صلاة من تكلم في صلاته ناسيا","level":3,"page":1450},{"title":"٣١) اشتراط البائع منفعة المبيع مدة","level":3,"page":1450},{"title":"٣٢) تخيير الولد بين أبويه","level":3,"page":1451},{"title":"٣٣) رجم الزانيين الكتابيين","level":3,"page":1451},{"title":"٣٤) الوفاء بالشروط في النكاح وفي البيع","level":3,"page":1452},{"title":"٣٥) المزارعة","level":3,"page":1453},{"title":"٣٦) صيد المدينة","level":3,"page":1454},{"title":"٣٧) نصاب الزكاة في المعشرات","level":3,"page":1455},{"title":"٣٨) أقل المهر","level":3,"page":1458},{"title":"٣٩) من أسلم وتحته أختان","level":3,"page":1458},{"title":"٤٠) عدم التفريق بين من يسلم وبين امرأته","level":3,"page":1461},{"title":"٤١) ذكاة الجنين ذكاة أمه","level":3,"page":1465},{"title":"٤٢) إشعار الهدي","level":3,"page":1466},{"title":"٤٣) لا دية لمن اطلع على قوم بغير إذنهم فأتلفوا عينه","level":3,"page":1467},{"title":"٤٤) وضع الجوائح","level":3,"page":1470},{"title":"٤٥) صلاة من صلى خلف الصف وحده","level":3,"page":1473},{"title":"٤٦) الأذان للفجر قبل دخول وقتها","level":3,"page":1476},{"title":"٤٧) الصلاة على القبر","level":3,"page":1485},{"title":"٤٨) الجلوس على فراش الحرير","level":3,"page":1487},{"title":"٤٩) خرص الثمار في الزكاة والعرايا","level":3,"page":1489},{"title":"٥٠) صفة صلاة الكسوف","level":3,"page":1492},{"title":"٥١) الجهر في صلاة الكسوف","level":3,"page":1494},{"title":"٥٢) الاكتفاء بالنضح في بول الغلام","level":3,"page":1497},{"title":"٥٣) جواز إفراد ركعة الوتر","level":3,"page":1500},{"title":"٥٤) عدم التنفل بعد الإقامة للصلاة المكتوبة","level":3,"page":1504},{"title":"٥٥) صلاة النساء جماعة","level":3,"page":1507},{"title":"٥٦) التسليم من الصلاة عن اليمين واليسار","level":3,"page":1509},{"title":"الكلام على عمل أهل المدينة","level":4,"page":1515},{"title":"أنواع السنن وأمثلة لكل نوع منها","level":3,"page":1522},{"title":"نقل قول الرسول، وطريق البخاري في ترتيب الأحاديث القولية في صحيحه","level":4,"page":1523},{"title":"نقل فعل الرسول","level":5,"page":1524},{"title":"نقل تقرير الرسول","level":5,"page":1524},{"title":"نقل الترك وأنواعه","level":5,"page":1532},{"title":"نقل الأعيان وتعيين الأماكن","level":5,"page":1534},{"title":"نقل العمل المستمر","level":5,"page":1534},{"title":"العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال هو معترك الخلاف","level":5,"page":1535},{"title":"عود إلى الأمثلة التي ترك فيها بعض السنن بظاهر بعضها الآخر","level":2,"page":1542},{"title":"٥٧) الجهر بآمين في الصلاة","level":3,"page":1542},{"title":"٥٨) بيان الصلاة الوسطى","level":3,"page":1547},{"title":"٥٩) ما يقول الإمام في الرفع من الركوع","level":3,"page":1548},{"title":"٦٠) إشارة المتشهد بأصبعه","level":3,"page":1549},{"title":"٦١) ما يصنع بشعر المرأة الميتة","level":3,"page":1551},{"title":"٦٢) وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة","level":3,"page":1551},{"title":"٦٣) التعجيل بصلاة الفجر","level":3,"page":1556},{"title":"٦٤) وقت المغرب","level":3,"page":1557},{"title":"٦٥) وقت العصر","level":3,"page":1558},{"title":"٦٦) تخليل الخمر","level":3,"page":1559},{"title":"٦٧) تسبيح من نابه شيء في صلاته","level":3,"page":1562},{"title":"٦٨) سجدات المفصل وسجدتا سورة الحج","level":3,"page":1564},{"title":"٦٩) سجود الشكر","level":3,"page":1569},{"title":"٧٠) انتفاع المرتهن بالمرهون","level":3,"page":1572},{"title":"العرف يجري مجرى النطق في أكثر من مئة موضع","level":4,"page":1574},{"title":"الشرط العرفي كالشرط اللفظي","level":4,"page":1577},{"title":"٧١) ضمان دين الميت الذي لم يترك وفاء","level":3,"page":1586},{"title":"٧٢) جمع التقديم والتأخير بين الصلاتين","level":3,"page":1588},{"title":"٧٣) صلاة الوتر لا يفصل بين ركعاته بسلام","level":3,"page":1593},{"title":"فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد","level":1,"page":1596},{"title":"الشريعة مبنية على مصالح العباد","level":2,"page":1596},{"title":"إنكار المنكر وشروطه","level":3,"page":1597},{"title":"إنكار المنكر أربع درجات","level":3,"page":1598},{"title":"النهي عن قطع الأيدي في الغزو وحكمته","level":3,"page":1599},{"title":"سقوط الحد عن التائب","level":3,"page":1604},{"title":"اعتبار القرائن وشواهد الأحوال","level":3,"page":1606},{"title":"من أسباب سقوط الحد عام المجاعة","level":2,"page":1608},{"title":"صدقة الفطر لا تتعين في أنواع","level":2,"page":1611},{"title":"لا يجب في المصراة رد صاع من تمر عند من ليس طعامهم التمر","level":2,"page":1613},{"title":"طواف الحائض بالبيت الحرام","level":2,"page":1614},{"title":"حكم الطهارة للطواف","level":2,"page":1634},{"title":"حكم جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد","level":2,"page":1636},{"title":"مبحث فتوى الصحابي على خلاف ما رواه","level":2,"page":1651},{"title":"وجه تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمنة","level":2,"page":1658},{"title":"موجبات الأيمان والأقارير والنذور","level":2,"page":1674},{"title":"حكم الطلاق في حال الغضب","level":2,"page":1678},{"title":"اليمين بالطلاق، وتعليق الطلاق على الشرط، والفرق بين الحالين","level":1,"page":1681},{"title":"محل الطلاق هو الزوجة","level":2,"page":1694},{"title":"لابد من اعتبار النية والمقاصد في الألفاظ","level":2,"page":1695},{"title":"تعليق الطلاق بشرط مضمر","level":2,"page":1697},{"title":"الحلف بالطلاق والحرام على ضربين، وبيان مذاهب العلماء في ذلك","level":2,"page":1698},{"title":"جملة أقوال المالكية في المسألة","level":2,"page":1706},{"title":"تحرير مذهب الشافعي في المسألة","level":2,"page":1706},{"title":"تحرير مذهب أحمد في المسألة","level":2,"page":1707},{"title":"مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":1708},{"title":"منشأ أيمان البيعة","level":2,"page":1708},{"title":"كيف كانت بيعة النبي للناس","level":1,"page":1709},{"title":"أيمان البيعة التي أحدثها الحجاج بن يوسف الثقفي","level":2,"page":1710},{"title":"رأي الشافعي وأصحابه","level":2,"page":1711},{"title":"مذهب أصحاب الإمام أحمد","level":2,"page":1711},{"title":"مذهب المالكية","level":2,"page":1713},{"title":"الحلف بأيمان المسلمين","level":2,"page":1713},{"title":"قول المالكية في العرف وما ينبني عليه","level":2,"page":1714},{"title":"أقوال العلماء في تأجيل بعض المهر وحكم المؤجل منه، وبيان متى تصح المطالبة به","level":2,"page":1719},{"title":"المأثور من فتاوى الصحابة في هذه المسألة","level":2,"page":1722},{"title":"رسالة من الليث بن سعد إلى الإمام مالك بن أنس في مسائل من العلم من بينها تأجيل المهر","level":2,"page":1723},{"title":"عود إلى مبحث تأجيل بعض المهر","level":2,"page":1732},{"title":"مهر السر ومهر العلن","level":2,"page":1732},{"title":"العبرة بالمقاصد، لا بالألفاظ","level":2,"page":1742},{"title":"شروط الواقفين","level":2,"page":1745},{"title":"شروط الواقفين على أربعة أنواع وحكم كل نوع منها","level":2,"page":1746},{"title":"من فروع اعتبار الشارع قصد المكلف، دون الصورة","level":2,"page":1747},{"title":"اعتراض بأن أحكام الشريعة تجري على الظواهر، وأمثلة لذلك","level":2,"page":1749},{"title":"القول الفصل في هذه المسألة","level":2,"page":1758},{"title":"وضعت الألفاظ لبيان ما في النفس","level":2,"page":1759},{"title":"الأشياء التي لا يؤاخذ الله بها المكلف","level":2,"page":1760},{"title":"الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المكلفين على ثلاثة أقسام","level":2,"page":1762},{"title":"متى يحمل الكلام على ظاهره؟","level":2,"page":1763},{"title":"من يحمل الكلام على غير ظاهره؟","level":2,"page":1764},{"title":"النية روح العمل ولبه","level":2,"page":1767},{"title":"الدلالة على تحريم الحيل","level":2,"page":1768},{"title":"مثل من وقف مع الظواهر ولم يراع مقاصد المكلفين","level":2,"page":1772},{"title":"ذكر أسماء ما أنزل الله بها من سلطان","level":2,"page":1777},{"title":"صيغ العقود إخبار عما في النفس من المعنى الذي أراده الشارع","level":2,"page":1778},{"title":"تقسيم جامع يبين حقيقة صيغ العقود","level":1,"page":1780},{"title":"الكلام على المكره","level":2,"page":1783},{"title":"حقيقة الهازل وحكم عقوده","level":2,"page":1784},{"title":"أقوال الفقهاء في الهازل، والحكمة في نفاذ حكم العقود عليه","level":2,"page":1785},{"title":"ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة","level":2,"page":1789},{"title":"أحكام الدنيا تجري على الأسباب","level":2,"page":1791},{"title":"قاعدة في بيان متى يعمل بالظاهر","level":2,"page":1795},{"title":"الشرط المتقدم والمقارن","level":2,"page":1798},{"title":"فصل في سد الذرائع","level":1,"page":1801},{"title":"للوسائل حكم المقاصد","level":2,"page":1801},{"title":"أنواع الوسائل وحكم كل نوع منها","level":2,"page":1802},{"title":"الأدلة على المنع من فعل ما يؤدي إلى الحرام ولو كان في نفسه جائزا","level":2,"page":1803},{"title":"تجويز الحيل يناقض سد الذرائع","level":2,"page":1842},{"title":"دليل تحريم الحيل","level":2,"page":1845},{"title":"الأعمال تابعة لمقاصد عاملها","level":2,"page":1849},{"title":"مما يدل على تحريم الحيل أيضا","level":2,"page":1860},{"title":"دليل آخر على تحريم الحيل","level":2,"page":1863},{"title":"من الأدلة على تحريم الحيل أيضا","level":2,"page":1864},{"title":"الذين ذكروا الحيل لم يذكروا أن كلها جائز","level":2,"page":1867},{"title":"لا يجوز أن ينسب القول بجواز الحيل إلى إمام من أئمة الشريعة","level":2,"page":1873},{"title":"من الأدلة على تحريم الحيل أيضا","level":2,"page":1876},{"title":"أكثر الحيل يناقض أصول الأئمة أعظم مناقضة","level":2,"page":1886},{"title":"حجج الذين جوزوا الحيل","level":2,"page":1888},{"title":"ادعاء أن في مذاهب الأئمة فروعا ينبني عليها تجويز الحيل، وذكر أمثلة من ذلك","level":2,"page":1902},{"title":"جواب الذين أبطلوا الحيل على هذه الشبهات إجمالا","level":2,"page":1911},{"title":"الجواب التفصيلي","level":2,"page":1917},{"title":"الكلام على قصة أيوب","level":2,"page":1917},{"title":"لم تشرع كفارة اليمين إلا في الشريعة الإسلامية","level":2,"page":1918},{"title":"الكلام على قصة يوسف وجعله الصواع في رحل أخيه","level":2,"page":1922},{"title":"استنباط من قصة يوسف، وتعقيب عليه","level":2,"page":1928},{"title":"كيد الله تعالى على ضربين","level":2,"page":1931},{"title":"إعراب جملة في قصة يوسف","level":2,"page":1932},{"title":"ما تدل عليه قصة يوسف","level":2,"page":1934},{"title":"النوع الثاني من كيد الله لعبده أن يلهمه أمرا يوصله إلى مقصوده الحسن","level":2,"page":1935},{"title":"الجواب عن حديث أبي هريرة في تمر خيبر","level":2,"page":1936},{"title":"بحث في دلالة المطلق، والفرق بينه وبين العام","level":2,"page":1936},{"title":"حكمة مشروعية البيع تمنع من صورة الحيلة","level":2,"page":1942},{"title":"دلالة حديث أبي هريرة على تحريم الحيل","level":2,"page":1949},{"title":"الرد على ادعاء مجوزي الحيل أن الحيل معاريض فعلية وقد جازت المعاريض القولية","level":2,"page":1950},{"title":"المعاريض على ضربين","level":2,"page":1956},{"title":"الأول منها","level":2,"page":1956},{"title":"متى تباح المعاريض؟","level":2,"page":1959},{"title":"النوع الثاني من المعاريض","level":2,"page":1959},{"title":"الجواب على ادعاء مجوزي الحيل أن العقود الشرعية حيل يتوصل بها إلى ما لا يباح إلا بها","level":2,"page":1960},{"title":"اشتقاق الحيلة، وبيان معناها","level":2,"page":1961},{"title":"انقسام الحيلة إلى الأحكام الخمسة، وذكر أمثلة لكل منها","level":2,"page":1962},{"title":"الحيل التي تعد من الكبائر","level":2,"page":1965},{"title":"من الحيل المحرمة التي يكفر من أفتى بها","level":2,"page":1965},{"title":"مناظرة بين الشافعي ومن قال إن الزنا يوجب حرمة المصاهرة","level":2,"page":1966},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط حد السرقة","level":2,"page":1968},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط اليمين عن الغاصب","level":2,"page":1969},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط القصاص","level":2,"page":1969},{"title":"إبطال حيلة لإخراج الزوجة من الميراث","level":2,"page":1969},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط الزكاة","level":2,"page":1970},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط كفارة انتهاك حرمة رمضان","level":2,"page":1970},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط وجوب قضاء الحج","level":2,"page":1971},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط حق صاحب الحق","level":2,"page":1971},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط زكاة عروض التجارة","level":2,"page":1972},{"title":"إبطال حيلة أخرى لإسقاط الزكاة","level":2,"page":1973},{"title":"إبطال حيلة لإبطال الشهادة","level":2,"page":1974},{"title":"إبطال حيلة لضمان البساتين","level":2,"page":1974},{"title":"الحيلة السريجية لعدم وقوع الطلاق أصلا","level":2,"page":1976},{"title":"مسائل عديدة من الدور الحكمي","level":2,"page":1978},{"title":"الرد على المسألة السريجية","level":2,"page":1987},{"title":"بحث في الشروط وأنواعها، وحكم كل نوع","level":2,"page":1990},{"title":"جواب من قال بالمسألة السريجية","level":2,"page":1995},{"title":"الجواب على شبه أصحاب الحيلة السريجية","level":2,"page":2000},{"title":"إذا علق عتقه عبده على ملكه","level":2,"page":2015},{"title":"لم تبن الشرائع على الصور النادرة","level":2,"page":2016},{"title":"بطلان الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه","level":2,"page":2017},{"title":"المتأخرون هم الذين أحدثوا الحيل ونسبوها إلى الأئمة","level":2,"page":2019},{"title":"لابد من أمرين عظيمين: أحدهما النصيحة لله ولرسوله وكتابه ودينه","level":2,"page":2021},{"title":"والثاني: معرفة فضل الأئمة","level":2,"page":2021},{"title":"خطأ قول من قال: لا إنكار في المسائل الخلافية","level":2,"page":2029},{"title":"إبطال حيلة لتصحيح وقف الإنسان على نفسه","level":2,"page":2032},{"title":"إبطال حيلة لتأجير الوقف مدة طويلة","level":2,"page":2034},{"title":"إبطال حيلة لإبرار من حلف أن لا يفعل ما لا يفعله بنفسه عادة","level":2,"page":2037},{"title":"إبطال حيلة لمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه","level":2,"page":2038},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط حق الحضانة","level":2,"page":2039},{"title":"إبطال حيلة لجعل تصرفات المريض نافذة","level":2,"page":2040},{"title":"إبطال حيلة لتأخير رأس مال السلم","level":2,"page":2041},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط حق الشفعة","level":2,"page":2042},{"title":"إبطال حيلة لتفويت حق القسمة","level":2,"page":2046},{"title":"إبطال حيلة لتصحيح المزارعة مع القول بفسادها","level":2,"page":2047},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط حق الأب في الرجوع في هبته لابنه، ونحو ذلك","level":2,"page":2048},{"title":"إبطال حيلة لتجويز الوصية إلى الوارث","level":2,"page":2049},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط أرش الجنايات","level":2,"page":2050},{"title":"إبطال حيل لإسقاط حد السرقة","level":2,"page":2051},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط حد الزنا","level":2,"page":2053},{"title":"إبطال حيلة لإبرار من حلف لا يأكل شيئا فغيره عن حاله الأول","level":2,"page":2053},{"title":"إبطال حيلة لتجويز زواج الأمة مع القدرة على زواج الحرة","level":2,"page":2055},{"title":"إسقاط حيلة لإبراء الغاصب من الضمان","level":2,"page":2056},{"title":"إبطال حيل في الأيمان","level":2,"page":2056},{"title":"إبطال حيل في الظهار والإيلاء ونحوهما","level":2,"page":2057},{"title":"إبطال حيلة لحسبان الدين من الزكاة","level":2,"page":2057},{"title":"إبطال حيلة لتجويز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها","level":2,"page":2062},{"title":"إبطال حيلة لتجويز بيع شيء حلف أن لا يبيعه","level":2,"page":2064},{"title":"إبطال حيلة في الأيمان","level":2,"page":2065},{"title":"إبطال حيلة لتجويز بيع أم الولد","level":2,"page":2066},{"title":"إبطال حيلة للتمكن من رجعة البائن بدون علمها","level":2,"page":2067},{"title":"إبطال حيلة لإباحة وطء المكاتبة بعد عقد الكتابة","level":2,"page":2069},{"title":"بيان حيلة تسمى «حيلة العقارب» وإبطالها","level":2,"page":2070},{"title":"إبطال حيل متعددة لتجويز العينة","level":2,"page":2079},{"title":"إبطال حيلة لإسقاط الاستبراء","level":2,"page":2081},{"title":"قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها","level":1,"page":2088},{"title":"القسم الأول من الحيل: طرق يتوصل بها إلى ما هو حرام","level":2,"page":2088},{"title":"من حيل شياطين الإنس","level":3,"page":2092},{"title":"أرباب الحيل نوعان: نوع لا يدعي أن ما تحيل به حلال، ونوع يدعي حله","level":3,"page":2095},{"title":"الحيل المحرمة على ثلاثة أنواع","level":3,"page":2097},{"title":"القسم الثاني من الحيل: يقصد به أخذ حق أو دفع باطل، وهو على ثلاثة أقسام","level":2,"page":2098},{"title":"الأول: أن يكون المقصود حقا، ولكن الطريق محرم في نفسه","level":3,"page":2098},{"title":"الثاني: أن تكون الطريق مشروعة وما يفضي إليه مشروع","level":3,"page":2099},{"title":"الثالث: أن تكون الطريق مباحة ولكنها لم توضع موصلة لنفس المقصود، بل وضعت لتوصل إلى غيره فيتخذها موصلة لغرضه","level":3,"page":2101},{"title":"أمثلة كثيرة لهذا القسم (١١٥ مثالا)","level":2,"page":2101},{"title":"إذا استأجر دارا مدة فخاف أن يغدر به المكري فيتوصل إلى فسخ الإجارة","level":3,"page":2101},{"title":"إذا خاف رب الدار غيبة المستأجر فلا يسلم أهله الدار","level":3,"page":2102},{"title":"إذا أذن رب الدابة للمستأجر أن يعلفها وخاف المستأجر أن لا يحتسب له ذلك من الأجرة","level":3,"page":2103},{"title":"إذا خاف رب الدار أو الدابة من أن يؤخر المستأجر تسليمها","level":3,"page":2107},{"title":"استئجاره الشمع ليشعله","level":3,"page":2108},{"title":"اشتراط الزوجه دارها أو بلدها أو نحو ذلك من الشروط، وخوفها أن لا يفي الزوج، أو أن لا يكون هناك حاكم يصحح هذا الشرط","level":3,"page":2109},{"title":"تزوج المرأة بشرط أن لا يتزوج عليها وكيف تحتال للتوثق من ذلك؟","level":3,"page":2111},{"title":"إجارة الأرض المشغولة بالزرع","level":3,"page":2114},{"title":"إجارة الأرض على أن يدفع المستأجر خراجها والأجرة","level":3,"page":2114},{"title":"استئجار الدابة بعلفها","level":3,"page":2114},{"title":"الإجارة مع عدم معرفة المدة","level":3,"page":2115},{"title":"شراء الوكيل ما وكل فيه لنفسه من غير إثم يدخل عليه ولا غدر بالموكل","level":3,"page":2116},{"title":"حيلة في التخلص من طلاق امرأته","level":3,"page":2119},{"title":"الإحرام وقد ضاق الوقت عن الحج","level":3,"page":2121},{"title":"من جاوز الإحرام غير محرم","level":3,"page":2121},{"title":"حيلة للبر في يمين","level":3,"page":2122},{"title":"ادعاء المرأة النفقة عن مدة ماضية","level":3,"page":2122},{"title":"شراء معيب ثم تعيبه عند المشتري","level":3,"page":2126},{"title":"إبراء الغريم في مرض الموت","level":3,"page":2126},{"title":"حيلة لنفاذ عتق عبده مع خوفه جحد الورثة","level":3,"page":2127},{"title":"تزويج عبده جاريته بعد أن حلف لا يزوجه","level":3,"page":2128},{"title":"الشركة بالعروض والفلوس والنقود المغشوشة","level":3,"page":2130},{"title":"الصلح عن الدين ببعضه، وله ثمان صور، ومذاهب العلماء في حكم هذه الصور","level":3,"page":2131},{"title":"اختلاف الوكيل والموكل في ثمن ما وكله في شرائه","level":3,"page":2136},{"title":"حيلة في سقوط الضمان عن المودع","level":3,"page":2137},{"title":"الحيلة في تضمين الراهن تلف المرهون","level":3,"page":2138},{"title":"الحيلة في سقوط ضمان المستعير عند القائل به","level":3,"page":2138},{"title":"الحيلة في لزوم تأجيل القرض والعارية","level":3,"page":2139},{"title":"حيلة في نفاذ بيع المرهون عند حلول الأجل","level":3,"page":2140},{"title":"الإقرار بالدين المؤجل","level":3,"page":2141},{"title":"حيلة في تأجيل الدين على المعسر المقر به","level":3,"page":2145},{"title":"حيلة في تقديم بينة الخارج على بينة ذي اليد","level":3,"page":2145},{"title":"حيلة في التخلص من لدغ العقارب","level":3,"page":2146},{"title":"حيلة في عدم سقوط نفقة القريب بمضي الزمان","level":3,"page":2148},{"title":"حيلة في جواز بيع الماء","level":3,"page":2149},{"title":"حيلة في عدم تسويغ بيع المشتري إلا لمن باعه","level":3,"page":2149},{"title":"حيلة في تجويز شهادة الوكيل لموكله","level":3,"page":2150},{"title":"حيلة في تجويز المسح على الخفين","level":3,"page":2151},{"title":"حيلة في عدم حنث من استحلف على شيء","level":3,"page":2151},{"title":"حيلة في سقوط القصاص عمن قتل زوجته التي لاعنها أو قتل ولدها","level":3,"page":2151},{"title":"حيلة في التخلص من المطالبة بدين كان أداه ولم يشهد عليه أو أبرأه الدائن منه ولا بينة له","level":3,"page":2152},{"title":"حيلة في المضاربة","level":3,"page":2152},{"title":"حيلة في تجويز نظر الواقف على وقفه عند من لا يجوز ذلك","level":3,"page":2153},{"title":"حيلة في تجويز وقف الإنسان على نفسه","level":3,"page":2154},{"title":"حيلة لبيع الشيء مع استثناء منفعته وحده","level":3,"page":2161},{"title":"حيلة لإسقاط نفقة المطلقة المبتوتة","level":3,"page":2162},{"title":"حيلة في الشراء","level":3,"page":2162},{"title":"حيلة في الوكالة والوديعة","level":3,"page":2163},{"title":"أراد الذمي الإسلام وعنده خمر","level":3,"page":2163},{"title":"حيل في الشفعة","level":3,"page":2164},{"title":"رد شبهة وادة على تجويز هذه الحيل","level":3,"page":2167},{"title":"حيلة في جواز تعليق الوكالة بالشرط","level":3,"page":2167},{"title":"حيلة في إبطال الشهادة على الزنا","level":3,"page":2168},{"title":"حيلة في الخلاص من الحنث","level":3,"page":2169},{"title":"حيلة في بر زوج وزوجته وقد حلف كل منهما","level":3,"page":2169},{"title":"أخوان زفت لكل واحد منهما زوجة الآخر","level":3,"page":2170},{"title":"حيلة في تخلص المرأة من الزوج الذي لا ترضى به","level":3,"page":2171},{"title":"ضمان ما لا يجب","level":3,"page":2172},{"title":"حيلة في الخلاص مما سبق به اللسان","level":3,"page":2173},{"title":"هل تعلق التوبة بالشرط؟","level":2,"page":2174},{"title":"للشروط عند الشارع شأن ليس عند كثير من الفقهاء","level":2,"page":2183},{"title":"بيع المعيب وخوف الرد بالعيب، والبيع بشرط البراءة من العيوب ومذهب العلماء في ذلك","level":2,"page":2185},{"title":"بحث في النكول ورد اليمين","level":2,"page":2190},{"title":"متى يكون تحليف المدعي؟","level":2,"page":2192},{"title":"العالم صاحب الحق هو الحجة","level":2,"page":2195},{"title":"نفقة المبتوتة وسكناها","level":2,"page":2198},{"title":"الضمان، واختلاف العلماء فيه، وأثره","level":2,"page":2199},{"title":"هل يجوز تعليق الضمان بالشرط؟","level":2,"page":2201},{"title":"هل يجوز إبهام الإجارة؟","level":2,"page":2202},{"title":"بيع المقاثي وكل ما يخرج شيئا فشيئا وبيان مذاهب العلماء فيه، والحيلة في تجويزه","level":2,"page":2204},{"title":"قسمة الدين المشترك","level":2,"page":2206},{"title":"بيع المغيبات في الأرض","level":2,"page":2208},{"title":"المبايعة يوميا والقبض عند رأس كل شهر","level":2,"page":2210},{"title":"توكيل الدائن في استيفاء الدين من غلة الوقف","level":2,"page":2212},{"title":"تعليق الإبراء بالشرط","level":2,"page":2213},{"title":"استدراك الأمين لما غلط فيه","level":2,"page":2213},{"title":"تصرف المدين الذي استغرقت الديون ماله","level":2,"page":2214},{"title":"خوف الدائن من جحد المدين","level":2,"page":2217},{"title":"خوف زوج الأمة من رق الولد","level":2,"page":2217},{"title":"حيلة في الخلاص من بيع جاريته إذا أراده من لا يملك رده على بيعها","level":2,"page":2219},{"title":"حيلة في تعليق الطلاق قبل الزواج","level":2,"page":2221},{"title":"حيلة في بيع المدبر","level":2,"page":2222},{"title":"براءة أحد الضامنين بتسليم الآخر","level":2,"page":2223},{"title":"زواج أحد دائني المرأة إياها بنصيبه من الدين","level":2,"page":2223},{"title":"حيلة في عدم الحنث في يمين","level":2,"page":2224},{"title":"حيلة في ضمان شريكين","level":2,"page":2224},{"title":"تحيل المظلوم على مسبة الناس لمن ظلمه","level":2,"page":2225},{"title":"من لطائف حيل الإمام أبي حنيفة","level":2,"page":2226},{"title":"تعليق الفسخ والبراءة بالشروط","level":2,"page":2227},{"title":"صلح الشفيع من الشفعة","level":2,"page":2229},{"title":"مشاركة العامل للمالك وأنواعها","level":2,"page":2230},{"title":"حيلة في إسقاط المحلل في السباق","level":2,"page":2233},{"title":"اشتراط الخيار لأكثر من ثلاثة أيام","level":2,"page":2235},{"title":"حيل في الرهن","level":2,"page":2236},{"title":"بيع الثمر وقد بدا صلاح بعضه دون بعض","level":2,"page":2236},{"title":"حيلة في بيع الوكيل لموكله","level":2,"page":2238},{"title":"مقابلة المكر بمكر آخر","level":2,"page":2238},{"title":"حيلة في شراء العبد نفسه من سيده","level":2,"page":2239},{"title":"الحيل على ثلاثة أنواع، وحكم كل نوع","level":2,"page":2240},{"title":"في الضمان والكفالة","level":2,"page":2242},{"title":"تعليق البيع وغيره بالشرط","level":2,"page":2243},{"title":"إيداع الشهادة","level":2,"page":2246},{"title":"إقرار المضطهد","level":2,"page":2247},{"title":"الفرق بين المضطهد والمكره","level":2,"page":2248},{"title":"حبس العين على ثمنها أو أجرتها","level":2,"page":2249},{"title":"إقرار المريض بدين لوارثه","level":2,"page":2255},{"title":"الإحالة بالدين وخوف هلاكه","level":2,"page":2256},{"title":"حيلة في لزوم تأجيل الدين الحال","level":2,"page":2258},{"title":"وصية المريض الذي لا وراث له بجميع ماله في أبواب البر","level":2,"page":2258},{"title":"اقتضاء الدين وتواري المدين","level":2,"page":2260},{"title":"إثبات الدين على الغائب","level":2,"page":2261},{"title":"انتفاع المرتهن بالمرهون","level":2,"page":2262},{"title":"استيثاق الدائن أو الراهن بماله","level":2,"page":2262},{"title":"حيلة في إبرار زوج وزوجة حلف كل منهما على ما يخالف ما حلف عليه الآخر","level":2,"page":2264},{"title":"حيلة في المخالعة على نفقة الزوجة وكسوتها قبل وجوبهما","level":2,"page":2265},{"title":"التحليل بعد الطلاق الثلاث من غير توسيط المحلل الملعون","level":2,"page":2266},{"title":"حيلة لإبرار رجل حلف بالطلاق","level":2,"page":2267},{"title":"مخارج من الوقوع في التحليل الملعون","level":1,"page":2269},{"title":"الأول: أن يكون الزوج زائل العقل","level":2,"page":2269},{"title":"الكلام على طلاق المكره والسكران","level":3,"page":2270},{"title":"المخرج الثاني: أن يكون في حال غضب، والكلام على طلاق الغضبان","level":2,"page":2273},{"title":"المخرج الثالث: أن يكون الزوج مكرها، والكلام على طلاق المكره","level":2,"page":2275},{"title":"المخرج الرابع: أن يستثني في طلاقه، وحكم الاستثناء في الطلاق","level":2,"page":2281},{"title":"شبه الذين لا يجوزون أن يستثنى في الطلاق","level":3,"page":2294},{"title":"جواب المانعين على هذه الشبه","level":3,"page":2298},{"title":"التحقيق في موضوع الاستثناء في الطلاق","level":3,"page":2315},{"title":"الكلام على نية الاستثناء واشتراطها وزمنها","level":3,"page":2316},{"title":"هل يشترط في الاستثناء النطق به؟","level":3,"page":2319},{"title":"هل يشترط أن يسمع المستثني نفسه؟","level":3,"page":2321},{"title":"المخرج الخامس: أن يفعل المحلوف عليه ذاهلا","level":2,"page":2321},{"title":"مثال الذهول، والفرق بينه وبين النسيان","level":3,"page":2322},{"title":"النسيان ضربان","level":3,"page":2323},{"title":"المكره على نوعين","level":3,"page":2324},{"title":"المتأول","level":3,"page":2324},{"title":"المغلوب على عقله","level":3,"page":2325},{"title":"من ظن أن امرأته طلقت ففعل المحلوف عليه","level":3,"page":2325},{"title":"فعل المحلوف عليه مكرها","level":3,"page":2330},{"title":"حكم من فعل المحلوف عليه متأولا","level":3,"page":2331},{"title":"تعذر فعل المحلوف عليه وعجز الحالف عنه","level":3,"page":2338},{"title":"المخرج السادس: أن يأخذ بقول من يقول إن التزام الطلاق لا يلزم، وبيان مذاهب العلماء في التزام الطلاق","level":2,"page":2341},{"title":"المخرج السابع: أن يأخذ بقول من ذهب إلى أن الطلاق المعلق على فعل الزوجة لا يقع","level":2,"page":2344},{"title":"المخرج الثامن: أن يأخذ بقول من يقول إن الحلف بالطلاق لا يلزم، مع بيان من قال بذلك","level":2,"page":2345},{"title":"المخرج التاسع: أخذه بقول من يقول: الطلاق المعلق بالشرط لا يقع","level":2,"page":2351},{"title":"المخرج العاشر: زوال سبب اليمين","level":2,"page":2356},{"title":"اعتبار بساط اليمين، وأمثلة منه","level":3,"page":2359},{"title":"التعليل يجري مجرى الشرط","level":3,"page":2364},{"title":"المخرج الحادي عشر: الخلع","level":2,"page":2364},{"title":"المخرج الثاني عشر: أخذه بقول من يقول: الحلف بالطلاق من الأيمان التي تدخلها الكفارة، وبيان مذاهب العلماء في ذلك","level":2,"page":2368},{"title":"بيان أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم أفتوا بذلك","level":3,"page":2371},{"title":"فصل في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية","level":1,"page":2374},{"title":"ترتيب الأخذ بفتاوى الصحابة والتابعين","level":2,"page":2375},{"title":"رأي الشافعي في أقوال الصحابة والأخذ بها، ونصوص من كلامه في ذلك","level":2,"page":2377},{"title":"الأدلة على وجوب اتباع الصحابة ودفع ما يرد عليها من الشبه","level":2,"page":2383},{"title":"عود إلى ذكر هذه الأدلة","level":2,"page":2392},{"title":"من وجوه فضل الصحابة","level":2,"page":2422},{"title":"أقوال الصحابة في تفسير القرآن","level":2,"page":2430},{"title":"منزلة قول التابعي وتفسيره","level":2,"page":2434},{"title":"حكم قول الصحابي إذا خالف القياس","level":2,"page":2435},{"title":"فصل في ذكر فوائد جليلة تتعلق بالفتوى","level":1,"page":2437},{"title":"أسئلة السائلين على أربعة أنواع","level":2,"page":2437},{"title":"موقف المفتي أمام كل نوع منها","level":2,"page":2437},{"title":"للمفتي العدول عن السؤال إلى ما هو أنفع منه للمستفتي","level":2,"page":2439},{"title":"جواب المفتي بأكثر من السؤال","level":2,"page":2440},{"title":"من فقه المفتي إذا منع من محظور أن يدل على مباح","level":2,"page":2440},{"title":"ينبغي للمفتي أن ينبه السائل إلى الاحتراز عن الموهم","level":2,"page":2442},{"title":"ينبغي للمفتي أن يذكر الحكم بدليله","level":2,"page":2445},{"title":"من أدب المفتي أن يمهد للحكم المستغرب","level":2,"page":2448},{"title":"يجوز للمفتي أن يحلف على ثبوت الحكم، وأمثلة من حلف الصحابة والأئمة","level":2,"page":2451},{"title":"من أدب المفتي أن يفتي بلفظ النصوص مهما أمكنه","level":2,"page":2464},{"title":"من أدب المفتي أن يتوجه إلى الله ليلهمه الصواب","level":2,"page":2467},{"title":"لا ينبغي للمفتي ولا للحاكم أن يفتي إلا بما يعلم وجه الحق فيه","level":2,"page":2468},{"title":"واجب كل من الراوي والشاهد والمفتي والحاكم","level":2,"page":2471},{"title":"من أدب المفتي أن لا ينسب الحكم إلى الله تعالى إلا أن يكون ذلك ثابتا بنص","level":2,"page":2472},{"title":"حال المفتي مع المستفتي على ثلاثة أوجه، وواجبه في كل حال منها","level":2,"page":2473},{"title":"ينبغي للمفتي أن يفتي بما يعتقد أنه الصواب، وإن كان خلاف مذهبه","level":2,"page":2475},{"title":"لا يجوز للمفتي إلقاء المستفتي في حيرة","level":2,"page":2475},{"title":"الإفتاء في شروط الواقفين","level":2,"page":2479},{"title":"لا يجوز للمفتي أن يطلق القول في الجواب إذا كان في المسألة تفصيل","level":2,"page":2491},{"title":"كما أن عليه أن لا يفصل إلا حيث يجب التفصيل","level":2,"page":2501},{"title":"هل يجوز للمقلد أن يفتي؟","level":2,"page":2502},{"title":"هل يجوز أن يقلد الفتوى المتفقه القاصر عن معرفة الكتاب والسنة؟","level":2,"page":2505},{"title":"هل للعامي إذا عرف حكم حادثة بدليله أن يفتي فيها؟","level":2,"page":2508},{"title":"خصال يجب تحققها فيمن ينصب نفسه للفتيا","level":2,"page":2508},{"title":"النية ومنزلتها","level":2,"page":2509},{"title":"الحلم والعلم والوقار والسكينة","level":2,"page":2510},{"title":"حقيقة السكينة","level":2,"page":2512},{"title":"السكينة الخاصة","level":2,"page":2513},{"title":"السكينة عند القيام بوظائف العبودية","level":2,"page":2515},{"title":"أسباب السكينة","level":2,"page":2515},{"title":"الاضطلاع بالعلم","level":2,"page":2516},{"title":"الكفاية","level":2,"page":2517},{"title":"معرفة الناس","level":2,"page":2517},{"title":"كلمات عن الإمام أحمد فيما يتصف به المفتي","level":2,"page":2518},{"title":"دلالة العالم للمستفتي على غيره","level":2,"page":2522},{"title":"كذلكة المفتي","level":2,"page":2525},{"title":"للمفتي أن يفتي من لا تجوز شهادته له","level":2,"page":2528},{"title":"لا تجوز الفتيا بالتشهي ولا بالتخير","level":2,"page":2529},{"title":"أقسام المفتين أربعة","level":2,"page":2530},{"title":"أولهم: المجتهد في أحكام النوازل","level":2,"page":2530},{"title":"ثانيهم: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به من غير تقليد لإمامه لا في الحكم ولا في الدليل","level":2,"page":2531},{"title":"ثالثهم: مجتهد في مذهب من انتسب إليه لا يتعدى أقواله وفتاويه","level":2,"page":2532},{"title":"رابعهم: المقر بالتقليد المحض من جميع الوجوه","level":2,"page":2533},{"title":"منزلة كل واحد من هؤلاء المفتين","level":2,"page":2534},{"title":"هل للمجتهد في مذهب إمام أن يفتي بقول الإمام؟","level":2,"page":2534},{"title":"هل للحي أن يقلد الميت من غير نظر إلى الدليل","level":2,"page":2535},{"title":"هل للمجتهد في نوع من العلم أو باب منه أن يفتي فيه؟","level":2,"page":2536},{"title":"من تصدر للفتوى من غير أهلها فقد أثم","level":2,"page":2537},{"title":"حكم العامي الذي لا يجد من يفتيه","level":2,"page":2543},{"title":"من تجوز له الفتيا، ومن لا تجوز له","level":2,"page":2544},{"title":"هل يجوز للقاضي أن يفتي؟","level":2,"page":2545},{"title":"فتيا الحاكم، وحكمها","level":2,"page":2546},{"title":"هل يجيب المفتي عما لم يقع؟","level":2,"page":2547},{"title":"لا يجوز للمفتي تتبع الحيل","level":2,"page":2547},{"title":"حكم رجوع المفتي عن فتواه، وأثره","level":2,"page":2548},{"title":"هل يضمن المفتي المال أو النفس إذا كان إتلافهما بفتواه؟","level":2,"page":2553},{"title":"أحوال ليس للمفتي أن يفتي معها","level":2,"page":2556},{"title":"على المفتي أن يرجع إلى العرف في مسائل","level":2,"page":2557},{"title":"لا يجوز للمفتي أن يعين على التحيل ولا على المكر والخداع","level":2,"page":2559},{"title":"حكم أخذ المفتي أجرة أو هدية","level":2,"page":2565},{"title":"ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى","level":2,"page":2566},{"title":"كل الأئمة يذهبون إلى الحديث، ومتى صح فهو مذهبهم","level":2,"page":2567},{"title":"هل تجوز الفتيا لمن عنده الصحيحان أو أحدهما؟","level":2,"page":2569},{"title":"المفتي المنتسب إلى تقليد إمام معين هل له أن يفتي بقول غيره؟","level":2,"page":2572},{"title":"إذا ترجح عند المفتي مذهب غير مذهب إمامه، فهل يفتي به؟","level":2,"page":2574},{"title":"إذا تساوى عند المفتي قولان، فماذا يصنع؟","level":2,"page":2575},{"title":"هل يفتي المفتي بالقول الذي رجع إمامه عنه؟","level":2,"page":2576},{"title":"لا يجوز للمفتي أن يفتي بما يخالف النص","level":2,"page":2577},{"title":"لا يجوز للمفتي إخراج النصوص عن ظواهرها لكي توافق مذهبه","level":2,"page":2587},{"title":"الأديان السابقة إنما فسدت بالتأويل","level":2,"page":2595},{"title":"دواعي التأويل","level":2,"page":2596},{"title":"بعض المفاسد التي نتجت عن التأويل","level":2,"page":2597},{"title":"مثال المتأولين","level":2,"page":2599},{"title":"لا يعمل المستفتي بفتوى المفتي إلا أن تطمئن نفسه إليها","level":2,"page":2602},{"title":"الترجمان عند المفتي","level":2,"page":2603},{"title":"ما يصنع المفتي إذا كان السؤال يتضمن عدة صور","level":2,"page":2604},{"title":"ينبغي للمفتي أن يكون حذرا","level":2,"page":2605},{"title":"وينبغي له أن يشاور من يثق به","level":2,"page":2606},{"title":"وينبغي له أن يكثر من الدعاء لنفسه بالتوفيق","level":2,"page":2607},{"title":"لا يسع المفتي أن يجعل غرض السائل سائق حكمه","level":2,"page":2610},{"title":"ذكر الفتوى مع دليلها أولى، والرد على من عاب ذلك","level":2,"page":2612},{"title":"هل يقلد المفتي الميت إذا علم عدالته؟","level":2,"page":2613},{"title":"إذا تكررت الواقعة للمستفتي فهل يستفتي فيها من جديد؟","level":2,"page":2614},{"title":"هل يتعين استفتاء أعلم المفتين؟","level":2,"page":2614},{"title":"هل يجب على العامي أن يتمذهب بمذهب واحد من الأربعة أو غيرهم؟","level":2,"page":2615},{"title":"ما يصنع المستفتي إذا اختلف مفتيان","level":2,"page":2618},{"title":"هل يجب العمل بفتوى المفتي؟","level":2,"page":2618},{"title":"العمل بخط المفتي ومن أشبهه","level":2,"page":2619},{"title":"ما العمل إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء؟","level":2,"page":2620},{"title":"فصول من فتاوى رسول الله - ﷺ -","level":1,"page":2622},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل العقيدة","level":2,"page":2622},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل الطهارة","level":2,"page":2643},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل الصلاة وأركانها","level":2,"page":2656},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل تتعلق بالموت والموتى","level":2,"page":2668},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من الصدقة والزكاة","level":2,"page":2670},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من الصوم والاعتكاف","level":2,"page":2681},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من الحج","level":2,"page":2693},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في فضل بعض سور القرآن","level":2,"page":2706},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في فضائل بعض الأعمال","level":2,"page":2708},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من الكسب والأموال","level":2,"page":2725},{"title":"من إرشاداته - ﷺ - لبعض أعمال الخير","level":2,"page":2726},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من البيوع وأنواعها","level":2,"page":2745},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في فضل بعض الأعمال","level":2,"page":2752},{"title":"فتواه - ﷺ - في شفعة الجوار","level":2,"page":2755},{"title":"فتواه في جرم من غير حدود الأرضين","level":2,"page":2755},{"title":"فتواه في شاة ذبحت بغير إذن صاحبها","level":2,"page":2756},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في الرهن والدين","level":2,"page":2756},{"title":"فتواه في تصدق المرأة ذات الزوج","level":2,"page":2757},{"title":"فتواه في أموال اليتامى","level":2,"page":2758},{"title":"فتواه في اللقطة","level":2,"page":2758},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في الهدية وما في حكمها","level":2,"page":2762},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل المواريث","level":2,"page":2764},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من العتق","level":2,"page":2769},{"title":"من فتاويه في مسائل من الزواج","level":2,"page":2773},{"title":"من فتاويه في مسائل من الرضاع","level":2,"page":2789},{"title":"من فتاويه في الطلاق","level":2,"page":2792},{"title":"من فتاويه في الخلع","level":2,"page":2799},{"title":"من فتاويه في مسائل من اللعان والظهار","level":2,"page":2800},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في العدد","level":2,"page":2805},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في ثبوت النسب","level":2,"page":2807},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في الإحداد على الميت","level":2,"page":2808},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من نفقة المعتدة وكسوتها","level":2,"page":2810},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل الحضانة ومستحقها","level":2,"page":2815},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في باب الدماء والجنايات","level":2,"page":2817},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في الديات","level":2,"page":2821},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل القسامة","level":2,"page":2829},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في حد الزنا","level":2,"page":2831},{"title":"أثر اللوث في التشريع","level":2,"page":2838},{"title":"العمل بالسياسة","level":2,"page":2839},{"title":"بين الرسول جميع أحكام الحياة والموت","level":2,"page":2846},{"title":"كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية","level":2,"page":2849},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل الأطعمة","level":2,"page":2853},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في العقيقة","level":2,"page":2864},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من الأشربة","level":2,"page":2865},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من الأيمان والنذور","level":2,"page":2868},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من الجهاد وفضله","level":2,"page":2874},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في مسائل من الطب","level":2,"page":2879},{"title":"من فتاويه - ﷺ - في الطيرة والفأل وفي الاستصلاح","level":2,"page":2885},{"title":"ذكر فصول من فتاويه - ﷺ - في أبواب متفرقة","level":2,"page":2888},{"title":"في التوبة","level":3,"page":2888},{"title":"في حق الطريق","level":3,"page":2889},{"title":"في الكذب","level":3,"page":2889},{"title":"في الشرك","level":3,"page":2890},{"title":"في طاعة الأمراء","level":3,"page":2891},{"title":"في سد الذرائع","level":3,"page":2892},{"title":"الجوار","level":3,"page":2892},{"title":"الغيبة","level":3,"page":2893},{"title":"الكبائر","level":3,"page":2893},{"title":"فصل في تعداد الكبائر","level":3,"page":2894},{"title":"فصل آخر منه","level":3,"page":2896},{"title":"فصل مستطرد من فتاويه - ﷺ -","level":2,"page":2905}],"ٛ":{"المقدمة,3":1,"المقدمة,4":2,"المقدمة,5":3,"المقدمة,7":4,"المقدمة,8":5,"المقدمة,9":6,"المقدمة,10":7,"المقدمة,11":8,"المقدمة,13":9,"المقدمة,14":10,"المقدمة,15":11,"المقدمة,16":12,"المقدمة,17":13,"المقدمة,18":14,"المقدمة,19":15,"المقدمة,20":16,"المقدمة,21":17,"المقدمة,22":18,"المقدمة,23":19,"المقدمة,24":20,"المقدمة,25":21,"المقدمة,26":22,"المقدمة,27":23,"المقدمة,28":24,"المقدمة,29":25,"المقدمة,30":26,"المقدمة,31":27,"المقدمة,32":28,"المقدمة,33":29,"المقدمة,34":30,"المقدمة,35":31,"المقدمة,36":32,"المقدمة,37":33,"المقدمة,38":34,"المقدمة,39":35,"المقدمة,40":36,"المقدمة,41":37,"المقدمة,42":38,"المقدمة,43":39,"المقدمة,44":40,"المقدمة,45":41,"المقدمة,46":42,"المقدمة,47":43,"المقدمة,48":44,"المقدمة,49":45,"المقدمة,50":46,"المقدمة,51":47,"المقدمة,52":48,"المقدمة,53":49,"المقدمة,54":50,"المقدمة,55":51,"المقدمة,56":52,"المقدمة,57":53,"المقدمة,58":54,"المقدمة,59":55,"المقدمة,60":56,"المقدمة,61":57,"المقدمة,62":58,"المقدمة,63":59,"المقدمة,64":60,"المقدمة,65":61,"المقدمة,66":62,"المقدمة,67":63,"المقدمة,68":64,"المقدمة,69":65,"المقدمة,70":66,"المقدمة,71":67,"المقدمة,72":68,"المقدمة,73":69,"المقدمة,74":70,"المقدمة,75":71,"المقدمة,76":72,"المقدمة,77":73,"المقدمة,78":74,"المقدمة,79":75,"المقدمة,80":76,"المقدمة,81":77,"المقدمة,82":78,"المقدمة,83":79,"المقدمة,84":80,"المقدمة,85":81,"المقدمة,86":82,"المقدمة,87":83,"المقدمة,88":84,"المقدمة,89":85,"المقدمة,90":86,"المقدمة,91":87,"المقدمة,92":88,"المقدمة,93":89,"المقدمة,94":90,"المقدمة,95":91,"المقدمة,96":92,"المقدمة,97":93,"المقدمة,98":94,"المقدمة,99":95,"المقدمة,100":96,"المقدمة,101":97,"المقدمة,102":98,"المقدمة,103":99,"المقدمة,104":100,"المقدمة,105":101,"المقدمة,106":102,"المقدمة,107":103,"المقدمة,108":104,"المقدمة,109":105,"المقدمة,110":106,"المقدمة,111":107,"المقدمة,112":108,"المقدمة,113":109,"المقدمة,114":110,"المقدمة,115":111,"المقدمة,116":112,"المقدمة,117":113,"المقدمة,118":114,"المقدمة,119":115,"المقدمة,120":116,"المقدمة,121":117,"المقدمة,122":118,"المقدمة,123":119,"المقدمة,124":120,"المقدمة,125":121,"المقدمة,126":122,"المقدمة,127":123,"المقدمة,128":124,"المقدمة,129":125,"المقدمة,130":126,"المقدمة,131":127,"المقدمة,132":128,"المقدمة,133":129,"المقدمة,134":130,"المقدمة,135":131,"المقدمة,136":132,"المقدمة,137":133,"المقدمة,138":134,"المقدمة,139":135,"المقدمة,140":136,"المقدمة,141":137,"المقدمة,142":138,"المقدمة,143":139,"المقدمة,144":140,"المقدمة,145":141,"المقدمة,146":142,"المقدمة,147":143,"المقدمة,148":144,"المقدمة,149":145,"المقدمة,150":146,"المقدمة,151":147,"1,3":148,"1,4":149,"1,5":150,"1,6":151,"1,7":152,"1,8":153,"1,9":154,"1,10":155,"1,11":156,"1,12":157,"1,13":158,"1,14":159,"1,15":160,"1,16":161,"1,17":162,"1,18":163,"1,19":164,"1,20":165,"1,21":166,"1,22":167,"1,23":168,"1,24":169,"1,25":170,"1,26":171,"1,27":172,"1,28":173,"1,29":174,"1,30":175,"1,31":176,"1,32":177,"1,33":178,"1,34":179,"1,35":180,"1,36":181,"1,37":182,"1,38":183,"1,39":184,"1,40":185,"1,41":186,"1,42":187,"1,43":188,"1,44":189,"1,45":190,"1,46":191,"1,47":192,"1,48":193,"1,49":194,"1,50":195,"1,51":196,"1,52":197,"1,53":198,"1,54":199,"1,55":200,"1,56":201,"1,57":202,"1,58":203,"1,59":204,"1,60":205,"1,61":206,"1,62":207,"1,63":208,"1,64":209,"1,65":210,"1,66":211,"1,67":212,"1,68":213,"1,69":214,"1,70":215,"1,71":216,"1,72":217,"1,73":218,"1,74":219,"1,75":220,"1,76":221,"1,77":222,"1,78":223,"1,79":224,"1,80":225,"1,81":226,"1,82":227,"1,83":228,"1,84":229,"1,85":230,"1,86":231,"1,87":232,"1,88":233,"1,89":234,"1,90":235,"1,91":236,"1,92":237,"1,93":238,"1,94":239,"1,95":240,"1,96":241,"1,97":242,"1,98":243,"1,99":244,"1,100":245,"1,101":246,"1,102":247,"1,103":248,"1,104":249,"1,105":250,"1,106":251,"1,107":252,"1,108":253,"1,109":254,"1,110":255,"1,111":256,"1,112":257,"1,113":258,"1,114":259,"1,115":260,"1,116":261,"1,117":262,"1,118":263,"1,119":264,"1,120":265,"1,121":266,"1,122":267,"1,123":268,"1,124":269,"1,125":270,"1,126":271,"1,127":272,"1,128":273,"1,129":274,"1,130":275,"1,131":276,"1,132":277,"1,133":278,"1,134":279,"1,135":280,"1,136":281,"1,137":282,"1,138":283,"1,139":284,"1,140":285,"1,141":286,"1,142":287,"1,143":288,"1,144":289,"1,145":290,"1,146":291,"1,147":292,"1,148":293,"1,149":294,"1,150":295,"1,151":296,"1,152":297,"1,153":298,"1,154":299,"1,155":300,"1,156":301,"1,157":302,"1,158":303,"1,159":304,"1,160":305,"1,161":306,"1,162":307,"1,163":308,"1,164":309,"1,165":310,"1,166":311,"1,167":312,"1,168":313,"1,169":314,"1,170":315,"1,171":316,"1,172":317,"1,173":318,"1,174":319,"1,175":320,"1,176":321,"1,177":322,"1,178":323,"1,179":324,"1,180":325,"1,181":326,"1,182":327,"1,183":328,"1,184":329,"1,185":330,"1,186":331,"1,187":332,"1,188":333,"1,189":334,"1,190":335,"1,191":336,"1,192":337,"1,193":338,"1,194":339,"1,195":340,"1,196":341,"1,197":342,"1,198":343,"1,199":344,"1,200":345,"1,201":346,"1,202":347,"1,203":348,"1,204":349,"1,205":350,"1,206":351,"1,207":352,"1,208":353,"1,209":354,"1,210":355,"1,211":356,"1,212":357,"1,213":358,"1,214":359,"1,215":360,"1,216":361,"1,217":362,"1,218":363,"1,219":364,"1,220":365,"1,221":366,"1,222":367,"1,223":368,"1,224":369,"1,225":370,"1,226":371,"1,227":372,"1,228":373,"1,229":374,"1,230":375,"1,231":376,"1,232":377,"1,233":378,"1,234":379,"1,235":380,"1,236":381,"1,237":382,"1,238":383,"1,239":384,"1,240":385,"1,241":386,"1,242":387,"1,243":388,"1,244":389,"1,245":390,"1,246":391,"1,247":392,"1,248":393,"1,249":394,"1,250":395,"1,251":396,"1,252":397,"1,253":398,"1,254":399,"1,255":400,"1,256":401,"1,257":402,"1,258":403,"1,259":404,"1,260":405,"1,261":406,"1,262":407,"1,263":408,"1,264":409,"1,265":410,"1,266":411,"1,267":412,"1,268":413,"1,269":414,"1,270":415,"1,271":416,"1,272":417,"1,273":418,"1,274":419,"1,275":420,"1,276":421,"1,277":422,"1,278":423,"1,279":424,"1,280":425,"1,281":426,"1,282":427,"1,283":428,"1,284":429,"1,285":430,"1,286":431,"1,287":432,"1,288":433,"1,289":434,"1,290":435,"1,291":436,"1,292":437,"1,293":438,"1,294":439,"1,295":440,"1,296":441,"1,297":442,"1,298":443,"1,299":444,"1,300":445,"1,301":446,"1,302":447,"1,303":448,"1,304":449,"1,305":450,"1,306":451,"1,307":452,"1,308":453,"1,309":454,"1,310":455,"1,311":456,"1,312":457,"1,313":458,"1,314":459,"1,315":460,"1,316":461,"1,317":462,"1,318":463,"1,319":464,"1,320":465,"1,321":466,"1,322":467,"1,323":468,"1,324":469,"1,325":470,"1,326":471,"1,327":472,"1,328":473,"1,329":474,"1,330":475,"1,331":476,"1,332":477,"1,333":478,"1,334":479,"1,335":480,"1,336":481,"1,337":482,"1,338":483,"1,339":484,"1,340":485,"1,342":486,"1,343":487,"1,344":488,"1,345":489,"1,346":490,"1,347":491,"1,348":492,"1,349":493,"1,350":494,"1,351":495,"1,352":496,"1,353":497,"1,354":498,"1,355":499,"1,356":500,"1,357":501,"1,358":502,"1,359":503,"1,360":504,"1,361":505,"1,362":506,"1,363":507,"1,364":508,"1,365":509,"1,366":510,"1,367":511,"1,368":512,"1,369":513,"1,370":514,"1,371":515,"1,372":516,"1,373":517,"1,374":518,"1,375":519,"1,376":520,"1,377":521,"1,378":522,"1,379":523,"1,380":524,"1,381":525,"1,382":526,"1,383":527,"1,384":528,"1,385":529,"1,386":530,"1,387":531,"1,388":532,"1,389":533,"1,390":534,"1,391":535,"1,392":536,"1,393":537,"1,394":538,"1,395":539,"1,396":540,"1,397":541,"1,398":542,"1,399":543,"1,400":544,"1,401":545,"1,402":546,"1,403":547,"1,404":548,"1,405":549,"1,406":550,"1,407":551,"1,408":552,"1,409":553,"1,410":554,"1,411":555,"1,412":556,"1,413":557,"1,414":558,"1,415":559,"1,416":560,"1,417":561,"1,418":562,"1,419":563,"1,420":564,"1,421":565,"1,422":566,"1,423":567,"1,424":568,"1,425":569,"1,426":570,"1,427":571,"1,428":572,"1,429":573,"1,430":574,"1,431":575,"1,432":576,"1,433":577,"1,434":578,"1,435":579,"1,436":580,"1,437":581,"1,438":582,"1,439":583,"1,440":584,"1,441":585,"1,442":586,"1,443":587,"1,444":588,"1,445":589,"1,446":590,"1,447":591,"1,448":592,"1,449":593,"1,450":594,"1,451":595,"1,452":596,"1,453":597,"1,454":598,"1,455":599,"1,456":600,"1,457":601,"1,458":602,"1,459":603,"1,460":604,"1,461":605,"1,462":606,"1,463":607,"1,464":608,"1,465":609,"1,466":610,"1,467":611,"1,468":612,"1,469":613,"1,470":614,"1,471":615,"1,472":616,"1,473":617,"1,474":618,"1,475":619,"1,476":620,"1,477":621,"1,478":622,"1,479":623,"1,480":624,"1,481":625,"1,482":626,"1,483":627,"1,484":628,"1,485":629,"1,486":630,"1,487":631,"1,488":632,"1,489":633,"1,490":634,"1,491":635,"1,492":636,"1,493":637,"1,494":638,"1,495":639,"1,496":640,"1,497":641,"1,498":642,"1,499":643,"1,500":644,"1,501":645,"1,502":646,"1,503":647,"1,504":648,"1,505":649,"1,506":650,"1,507":651,"1,508":652,"2,3":653,"2,4":654,"2,5":655,"2,6":656,"2,7":657,"2,8":658,"2,9":659,"2,10":660,"2,11":661,"2,12":662,"2,13":663,"2,14":664,"2,15":665,"2,16":666,"2,17":667,"2,18":668,"2,19":669,"2,20":670,"2,21":671,"2,22":672,"2,23":673,"2,24":674,"2,25":675,"2,26":676,"2,27":677,"2,28":678,"2,29":679,"2,30":680,"2,31":681,"2,32":682,"2,33":683,"2,34":684,"2,35":685,"2,36":686,"2,37":687,"2,38":688,"2,39":689,"2,40":690,"2,41":691,"2,42":692,"2,43":693,"2,44":694,"2,45":695,"2,46":696,"2,47":697,"2,48":698,"2,49":699,"2,50":700,"2,51":701,"2,52":702,"2,53":703,"2,54":704,"2,55":705,"2,56":706,"2,57":707,"2,58":708,"2,59":709,"2,60":710,"2,61":711,"2,62":712,"2,63":713,"2,64":714,"2,65":715,"2,66":716,"2,67":717,"2,68":718,"2,69":719,"2,70":720,"2,71":721,"2,72":722,"2,73":723,"2,74":724,"2,75":725,"2,76":726,"2,77":727,"2,78":728,"2,79":729,"2,80":730,"2,81":731,"2,82":732,"2,83":733,"2,84":734,"2,85":735,"2,86":736,"2,87":737,"2,88":738,"2,89":739,"2,90":740,"2,91":741,"2,92":742,"2,93":743,"2,94":744,"2,95":745,"2,96":746,"2,97":747,"2,98":748,"2,99":749,"2,100":750,"2,101":751,"2,102":752,"2,103":753,"2,104":754,"2,105":755,"2,106":756,"2,107":757,"2,108":758,"2,109":759,"2,110":760,"2,111":761,"2,112":762,"2,113":763,"2,114":764,"2,115":765,"2,116":766,"2,117":767,"2,118":768,"2,119":769,"2,120":770,"2,121":771,"2,122":772,"2,123":773,"2,124":774,"2,125":775,"2,126":776,"2,127":777,"2,128":778,"2,129":779,"2,130":780,"2,131":781,"2,132":782,"2,133":783,"2,134":784,"2,135":785,"2,136":786,"2,137":787,"2,138":788,"2,139":789,"2,140":790,"2,141":791,"2,142":792,"2,143":793,"2,144":794,"2,145":795,"2,146":796,"2,147":797,"2,148":798,"2,149":799,"2,150":800,"2,151":801,"2,152":802,"2,153":803,"2,154":804,"2,155":805,"2,156":806,"2,157":807,"2,158":808,"2,159":809,"2,160":810,"2,161":811,"2,162":812,"2,163":813,"2,164":814,"2,165":815,"2,166":816,"2,167":817,"2,168":818,"2,169":819,"2,170":820,"2,171":821,"2,172":822,"2,173":823,"2,174":824,"2,175":825,"2,176":826,"2,177":827,"2,178":828,"2,179":829,"2,180":830,"2,181":831,"2,182":832,"2,183":833,"2,184":834,"2,185":835,"2,186":836,"2,187":837,"2,188":838,"2,189":839,"2,190":840,"2,191":841,"2,192":842,"2,193":843,"2,194":844,"2,195":845,"2,196":846,"2,197":847,"2,198":848,"2,199":849,"2,200":850,"2,201":851,"2,202":852,"2,203":853,"2,204":854,"2,205":855,"2,206":856,"2,207":857,"2,208":858,"2,209":859,"2,210":860,"2,211":861,"2,212":862,"2,213":863,"2,214":864,"2,215":865,"2,216":866,"2,217":867,"2,218":868,"2,219":869,"2,220":870,"2,221":871,"2,222":872,"2,223":873,"2,224":874,"2,225":875,"2,226":876,"2,227":877,"2,228":878,"2,229":879,"2,230":880,"2,231":881,"2,232":882,"2,233":883,"2,234":884,"2,235":885,"2,236":886,"2,237":887,"2,238":888,"2,239":889,"2,240":890,"2,241":891,"2,242":892,"2,243":893,"2,244":894,"2,245":895,"2,246":896,"2,247":897,"2,248":898,"2,249":899,"2,250":900,"2,251":901,"2,252":902,"2,253":903,"2,254":904,"2,255":905,"2,256":906,"2,257":907,"2,258":908,"2,259":909,"2,260":910,"2,261":911,"2,262":912,"2,263":913,"2,264":914,"2,265":915,"2,266":916,"2,267":917,"2,268":918,"2,269":919,"2,270":920,"2,271":921,"2,272":922,"2,273":923,"2,274":924,"2,275":925,"2,276":926,"2,277":927,"2,278":928,"2,279":929,"2,280":930,"2,281":931,"2,282":932,"2,283":933,"2,284":934,"2,285":935,"2,286":936,"2,287":937,"2,288":938,"2,289":939,"2,290":940,"2,291":941,"2,292":942,"2,293":943,"2,294":944,"2,295":945,"2,296":946,"2,297":947,"2,298":948,"2,299":949,"2,300":950,"2,301":951,"2,302":952,"2,303":953,"2,304":954,"2,305":955,"2,306":956,"2,307":957,"2,308":958,"2,309":959,"2,310":960,"2,311":961,"2,312":962,"2,313":963,"2,314":964,"2,315":965,"2,316":966,"2,317":967,"2,318":968,"2,319":969,"2,320":970,"2,321":971,"2,322":972,"2,323":973,"2,324":974,"2,325":975,"2,326":976,"2,327":977,"2,328":978,"2,329":979,"2,330":980,"2,331":981,"2,332":982,"2,333":983,"2,334":984,"2,335":985,"2,336":986,"2,337":987,"2,338":988,"2,339":989,"2,340":990,"2,341":991,"2,342":992,"2,343":993,"2,344":994,"2,345":995,"2,346":996,"2,347":997,"2,348":998,"2,349":999,"2,350":1000,"2,351":1001,"2,352":1002,"2,353":1003,"2,354":1004,"2,355":1005,"2,356":1006,"2,357":1007,"2,358":1008,"2,359":1009,"2,360":1010,"2,361":1011,"2,362":1012,"2,363":1013,"2,364":1014,"2,365":1015,"2,366":1016,"2,367":1017,"2,368":1018,"2,369":1019,"2,370":1020,"2,371":1021,"2,372":1022,"2,373":1023,"2,374":1024,"2,375":1025,"2,376":1026,"2,377":1027,"2,378":1028,"2,379":1029,"2,380":1030,"2,381":1031,"2,382":1032,"2,383":1033,"2,384":1034,"2,385":1035,"2,386":1036,"2,387":1037,"2,388":1038,"2,389":1039,"2,390":1040,"2,391":1041,"2,392":1042,"2,393":1043,"2,394":1044,"2,395":1045,"2,396":1046,"2,397":1047,"2,398":1048,"2,399":1049,"2,400":1050,"2,401":1051,"2,402":1052,"2,403":1053,"2,404":1054,"2,405":1055,"2,406":1056,"2,407":1057,"2,408":1058,"2,409":1059,"2,410":1060,"2,411":1061,"2,412":1062,"2,413":1063,"2,414":1064,"2,415":1065,"2,416":1066,"2,417":1067,"2,418":1068,"2,419":1069,"2,420":1070,"2,421":1071,"2,422":1072,"2,423":1073,"2,424":1074,"2,425":1075,"2,426":1076,"2,427":1077,"2,428":1078,"2,429":1079,"2,430":1080,"2,431":1081,"2,432":1082,"2,433":1083,"2,434":1084,"2,435":1085,"2,436":1086,"2,437":1087,"2,438":1088,"2,439":1089,"2,440":1090,"2,441":1091,"2,442":1092,"2,443":1093,"2,444":1094,"2,445":1095,"2,446":1096,"2,447":1097,"2,448":1098,"2,449":1099,"2,450":1100,"2,451":1101,"2,452":1102,"2,453":1103,"2,454":1104,"2,455":1105,"2,456":1106,"2,457":1107,"2,458":1108,"2,459":1109,"2,460":1110,"2,461":1111,"2,462":1112,"2,463":1113,"2,464":1114,"2,465":1115,"2,466":1116,"2,467":1117,"2,468":1118,"2,469":1119,"2,470":1120,"2,471":1121,"2,472":1122,"2,473":1123,"2,474":1124,"2,475":1125,"2,476":1126,"2,477":1127,"2,478":1128,"2,479":1129,"2,480":1130,"2,481":1131,"2,482":1132,"2,483":1133,"2,484":1134,"2,485":1135,"2,486":1136,"2,487":1137,"2,488":1138,"2,489":1139,"2,490":1140,"2,491":1141,"2,492":1142,"2,493":1143,"2,494":1144,"2,495":1145,"2,496":1146,"2,497":1147,"2,498":1148,"2,499":1149,"2,500":1150,"2,501":1151,"2,502":1152,"2,503":1153,"2,504":1154,"2,505":1155,"2,506":1156,"2,507":1157,"2,508":1158,"2,509":1159,"2,510":1160,"2,511":1161,"2,512":1162,"2,513":1163,"2,514":1164,"2,515":1165,"2,516":1166,"2,517":1167,"2,518":1168,"2,519":1169,"2,520":1170,"3,3":1171,"3,4":1172,"3,5":1173,"3,6":1174,"3,7":1175,"3,8":1176,"3,9":1177,"3,10":1178,"3,11":1179,"3,12":1180,"3,13":1181,"3,14":1182,"3,15":1183,"3,16":1184,"3,17":1185,"3,18":1186,"3,19":1187,"3,20":1188,"3,21":1189,"3,22":1190,"3,23":1191,"3,24":1192,"3,26":1193,"3,27":1194,"3,28":1195,"3,29":1196,"3,30":1197,"3,31":1198,"3,32":1199,"3,33":1200,"3,34":1201,"3,35":1202,"3,36":1203,"3,37":1204,"3,38":1205,"3,39":1206,"3,40":1207,"3,41":1208,"3,42":1209,"3,43":1210,"3,44":1211,"3,45":1212,"3,46":1213,"3,47":1214,"3,48":1215,"3,49":1216,"3,50":1217,"3,51":1218,"3,52":1219,"3,53":1220,"3,54":1221,"3,55":1222,"3,56":1223,"3,57":1224,"3,58":1225,"3,59":1226,"3,60":1227,"3,61":1228,"3,62":1229,"3,63":1230,"3,64":1231,"3,65":1232,"3,66":1233,"3,67":1234,"3,68":1235,"3,69":1236,"3,70":1237,"3,71":1238,"3,72":1239,"3,73":1240,"3,74":1241,"3,75":1242,"3,76":1243,"3,77":1244,"3,78":1245,"3,79":1246,"3,80":1247,"3,81":1248,"3,82":1249,"3,83":1250,"3,84":1251,"3,85":1252,"3,86":1253,"3,87":1254,"3,88":1255,"3,89":1256,"3,90":1257,"3,91":1258,"3,92":1259,"3,93":1260,"3,94":1261,"3,95":1262,"3,96":1263,"3,97":1264,"3,98":1265,"3,99":1266,"3,100":1267,"3,101":1268,"3,102":1269,"3,103":1270,"3,104":1271,"3,105":1272,"3,106":1273,"3,107":1274,"3,108":1275,"3,109":1276,"3,110":1277,"3,111":1278,"3,112":1279,"3,113":1280,"3,114":1281,"3,115":1282,"3,116":1283,"3,117":1284,"3,118":1285,"3,119":1286,"3,120":1287,"3,121":1288,"3,122":1289,"3,123":1290,"3,124":1291,"3,125":1292,"3,126":1293,"3,127":1294,"3,128":1295,"3,129":1296,"3,130":1297,"3,131":1298,"3,132":1299,"3,133":1300,"3,134":1301,"3,135":1302,"3,136":1303,"3,137":1304,"3,138":1305,"3,139":1306,"3,140":1307,"3,141":1308,"3,142":1309,"3,143":1310,"3,144":1311,"3,145":1312,"3,146":1313,"3,147":1314,"3,148":1315,"3,149":1316,"3,150":1317,"3,151":1318,"3,152":1319,"3,153":1320,"3,154":1321,"3,155":1322,"3,156":1323,"3,157":1324,"3,158":1325,"3,159":1326,"3,160":1327,"3,161":1328,"3,162":1329,"3,163":1330,"3,164":1331,"3,165":1332,"3,166":1333,"3,167":1334,"3,168":1335,"3,169":1336,"3,170":1337,"3,171":1338,"3,172":1339,"3,173":1340,"3,174":1341,"3,175":1342,"3,176":1343,"3,177":1344,"3,178":1345,"3,179":1346,"3,180":1347,"3,181":1348,"3,182":1349,"3,183":1350,"3,184":1351,"3,185":1352,"3,186":1353,"3,187":1354,"3,188":1355,"3,189":1356,"3,190":1357,"3,191":1358,"3,192":1359,"3,193":1360,"3,194":1361,"3,195":1362,"3,196":1363,"3,197":1364,"3,198":1365,"3,199":1366,"3,200":1367,"3,201":1368,"3,202":1369,"3,203":1370,"3,204":1371,"3,205":1372,"3,206":1373,"3,207":1374,"3,208":1375,"3,209":1376,"3,210":1377,"3,211":1378,"3,212":1379,"3,213":1380,"3,214":1381,"3,215":1382,"3,216":1383,"3,217":1384,"3,218":1385,"3,219":1386,"3,220":1387,"3,221":1388,"3,222":1389,"3,223":1390,"3,224":1391,"3,225":1392,"3,226":1393,"3,227":1394,"3,228":1395,"3,229":1396,"3,230":1397,"3,231":1398,"3,232":1399,"3,233":1400,"3,234":1401,"3,235":1402,"3,236":1403,"3,237":1404,"3,238":1405,"3,239":1406,"3,240":1407,"3,241":1408,"3,242":1409,"3,243":1410,"3,244":1411,"3,245":1412,"3,246":1413,"3,247":1414,"3,248":1415,"3,249":1416,"3,250":1417,"3,251":1418,"3,252":1419,"3,253":1420,"3,254":1421,"3,255":1422,"3,256":1423,"3,257":1424,"3,258":1425,"3,259":1426,"3,260":1427,"3,261":1428,"3,262":1429,"3,263":1430,"3,264":1431,"3,265":1432,"3,266":1433,"3,267":1434,"3,268":1435,"3,269":1436,"3,270":1437,"3,271":1438,"3,272":1439,"3,273":1440,"3,274":1441,"3,275":1442,"3,276":1443,"3,277":1444,"3,278":1445,"3,279":1446,"3,280":1447,"3,281":1448,"3,282":1449,"3,283":1450,"3,284":1451,"3,285":1452,"3,286":1453,"3,287":1454,"3,288":1455,"3,289":1456,"3,290":1457,"3,291":1458,"3,292":1459,"3,293":1460,"3,294":1461,"3,295":1462,"3,296":1463,"3,297":1464,"3,298":1465,"3,299":1466,"3,300":1467,"3,301":1468,"3,302":1469,"3,303":1470,"3,304":1471,"3,305":1472,"3,306":1473,"3,307":1474,"3,308":1475,"3,309":1476,"3,310":1477,"3,311":1478,"3,312":1479,"3,313":1480,"3,314":1481,"3,315":1482,"3,316":1483,"3,317":1484,"3,318":1485,"3,319":1486,"3,320":1487,"3,321":1488,"3,322":1489,"3,323":1490,"3,324":1491,"3,325":1492,"3,326":1493,"3,327":1494,"3,328":1495,"3,329":1496,"3,330":1497,"3,331":1498,"3,332":1499,"3,333":1500,"3,334":1501,"3,335":1502,"3,336":1503,"3,337":1504,"3,338":1505,"3,339":1506,"3,340":1507,"3,341":1508,"3,342":1509,"3,343":1510,"3,344":1511,"3,345":1512,"3,346":1513,"3,347":1514,"3,348":1515,"3,349":1516,"3,350":1517,"3,351":1518,"3,352":1519,"3,353":1520,"3,354":1521,"3,355":1522,"3,356":1523,"3,357":1524,"3,358":1525,"3,359":1526,"3,360":1527,"3,361":1528,"3,362":1529,"3,363":1530,"3,364":1531,"3,365":1532,"3,366":1533,"3,367":1534,"3,368":1535,"3,369":1536,"3,370":1537,"3,371":1538,"3,372":1539,"3,373":1540,"3,374":1541,"3,375":1542,"3,376":1543,"3,377":1544,"3,378":1545,"3,379":1546,"3,380":1547,"3,381":1548,"3,382":1549,"3,383":1550,"3,384":1551,"3,385":1552,"3,386":1553,"3,387":1554,"3,388":1555,"3,389":1556,"3,390":1557,"3,391":1558,"3,392":1559,"3,393":1560,"3,394":1561,"3,395":1562,"3,396":1563,"3,397":1564,"3,398":1565,"3,399":1566,"3,400":1567,"3,401":1568,"3,402":1569,"3,403":1570,"3,404":1571,"3,405":1572,"3,406":1573,"3,407":1574,"3,408":1575,"3,409":1576,"3,410":1577,"3,411":1578,"3,412":1579,"3,413":1580,"3,414":1581,"3,415":1582,"3,416":1583,"3,417":1584,"3,418":1585,"3,419":1586,"3,420":1587,"3,421":1588,"3,422":1589,"3,423":1590,"3,424":1591,"3,425":1592,"3,426":1593,"3,427":1594,"3,428":1595,"3,429":1596,"3,430":1597,"3,431":1598,"3,432":1599,"3,433":1600,"3,434":1601,"3,435":1602,"3,436":1603,"3,437":1604,"3,438":1605,"3,439":1606,"3,440":1607,"3,441":1608,"3,442":1609,"3,443":1610,"3,444":1611,"3,445":1612,"3,446":1613,"3,447":1614,"3,448":1615,"3,449":1616,"3,450":1617,"3,451":1618,"3,452":1619,"3,453":1620,"3,454":1621,"3,455":1622,"3,456":1623,"3,457":1624,"3,458":1625,"3,459":1626,"3,460":1627,"3,461":1628,"3,462":1629,"3,463":1630,"3,464":1631,"3,465":1632,"3,466":1633,"3,467":1634,"3,468":1635,"3,469":1636,"3,470":1637,"3,471":1638,"3,472":1639,"3,473":1640,"3,474":1641,"3,475":1642,"3,476":1643,"3,477":1644,"3,478":1645,"3,479":1646,"3,480":1647,"3,481":1648,"3,482":1649,"3,483":1650,"3,484":1651,"3,485":1652,"3,486":1653,"3,487":1654,"3,488":1655,"3,489":1656,"3,490":1657,"3,491":1658,"3,492":1659,"3,493":1660,"3,494":1661,"3,495":1662,"3,496":1663,"3,497":1664,"3,498":1665,"3,499":1666,"3,500":1667,"3,501":1668,"3,502":1669,"3,503":1670,"3,504":1671,"3,505":1672,"3,506":1673,"3,507":1674,"3,508":1675,"3,509":1676,"3,510":1677,"3,511":1678,"3,512":1679,"3,513":1680,"3,514":1681,"3,515":1682,"3,516":1683,"3,517":1684,"3,518":1685,"3,519":1686,"3,520":1687,"3,521":1688,"3,522":1689,"3,523":1690,"3,524":1691,"3,525":1692,"3,526":1693,"3,527":1694,"3,528":1695,"3,529":1696,"3,530":1697,"3,531":1698,"3,532":1699,"3,533":1700,"3,534":1701,"3,535":1702,"3,536":1703,"3,537":1704,"3,538":1705,"3,539":1706,"3,540":1707,"3,541":1708,"3,542":1709,"3,543":1710,"3,544":1711,"3,545":1712,"3,546":1713,"3,547":1714,"3,548":1715,"3,549":1716,"3,550":1717,"3,551":1718,"3,552":1719,"3,553":1720,"3,554":1721,"3,555":1722,"3,556":1723,"3,557":1724,"3,558":1725,"3,559":1726,"3,560":1727,"3,561":1728,"3,562":1729,"3,563":1730,"3,564":1731,"3,565":1732,"3,566":1733,"3,567":1734,"3,568":1735,"3,569":1736,"3,570":1737,"3,571":1738,"3,572":1739,"3,573":1740,"3,574":1741,"3,575":1742,"3,576":1743,"3,577":1744,"3,578":1745,"3,579":1746,"3,580":1747,"3,581":1748,"3,582":1749,"3,583":1750,"3,584":1751,"3,585":1752,"3,586":1753,"3,587":1754,"3,588":1755,"3,589":1756,"3,590":1757,"3,591":1758,"3,592":1759,"3,593":1760,"3,594":1761,"3,595":1762,"3,596":1763,"3,597":1764,"3,598":1765,"3,599":1766,"3,600":1767,"3,601":1768,"3,602":1769,"3,603":1770,"3,604":1771,"3,605":1772,"3,606":1773,"3,607":1774,"3,608":1775,"3,609":1776,"3,610":1777,"3,611":1778,"3,612":1779,"3,613":1780,"3,614":1781,"3,615":1782,"3,616":1783,"3,617":1784,"3,618":1785,"3,619":1786,"3,620":1787,"3,621":1788,"3,622":1789,"3,623":1790,"3,624":1791,"3,625":1792,"3,626":1793,"3,627":1794,"3,628":1795,"3,629":1796,"3,630":1797,"3,631":1798,"3,632":1799,"3,633":1800,"4,3":1801,"4,4":1802,"4,5":1803,"4,6":1804,"4,7":1805,"4,8":1806,"4,9":1807,"4,10":1808,"4,11":1809,"4,12":1810,"4,13":1811,"4,14":1812,"4,15":1813,"4,16":1814,"4,17":1815,"4,18":1816,"4,19":1817,"4,20":1818,"4,21":1819,"4,22":1820,"4,23":1821,"4,24":1822,"4,25":1823,"4,26":1824,"4,27":1825,"4,28":1826,"4,29":1827,"4,30":1828,"4,31":1829,"4,32":1830,"4,33":1831,"4,34":1832,"4,35":1833,"4,36":1834,"4,37":1835,"4,38":1836,"4,39":1837,"4,40":1838,"4,41":1839,"4,42":1840,"4,43":1841,"4,44":1842,"4,45":1843,"4,46":1844,"4,47":1845,"4,48":1846,"4,49":1847,"4,50":1848,"4,51":1849,"4,52":1850,"4,53":1851,"4,54":1852,"4,55":1853,"4,56":1854,"4,57":1855,"4,58":1856,"4,59":1857,"4,60":1858,"4,61":1859,"4,62":1860,"4,63":1861,"4,64":1862,"4,65":1863,"4,66":1864,"4,67":1865,"4,68":1866,"4,69":1867,"4,70":1868,"4,71":1869,"4,72":1870,"4,73":1871,"4,74":1872,"4,75":1873,"4,76":1874,"4,77":1875,"4,78":1876,"4,79":1877,"4,80":1878,"4,81":1879,"4,82":1880,"4,83":1881,"4,84":1882,"4,85":1883,"4,86":1884,"4,87":1885,"4,88":1886,"4,89":1887,"4,90":1888,"4,91":1889,"4,92":1890,"4,93":1891,"4,94":1892,"4,95":1893,"4,96":1894,"4,97":1895,"4,98":1896,"4,99":1897,"4,100":1898,"4,101":1899,"4,102":1900,"4,103":1901,"4,104":1902,"4,105":1903,"4,106":1904,"4,107":1905,"4,108":1906,"4,109":1907,"4,110":1908,"4,111":1909,"4,112":1910,"4,113":1911,"4,114":1912,"4,115":1913,"4,116":1914,"4,117":1915,"4,118":1916,"4,119":1917,"4,120":1918,"4,121":1919,"4,122":1920,"4,123":1921,"4,124":1922,"4,125":1923,"4,126":1924,"4,127":1925,"4,128":1926,"4,129":1927,"4,130":1928,"4,131":1929,"4,132":1930,"4,133":1931,"4,134":1932,"4,135":1933,"4,136":1934,"4,137":1935,"4,138":1936,"4,139":1937,"4,140":1938,"4,141":1939,"4,142":1940,"4,143":1941,"4,144":1942,"4,145":1943,"4,146":1944,"4,147":1945,"4,148":1946,"4,149":1947,"4,150":1948,"4,151":1949,"4,152":1950,"4,153":1951,"4,154":1952,"4,155":1953,"4,156":1954,"4,157":1955,"4,158":1956,"4,159":1957,"4,160":1958,"4,161":1959,"4,162":1960,"4,163":1961,"4,164":1962,"4,165":1963,"4,166":1964,"4,167":1965,"4,168":1966,"4,169":1967,"4,170":1968,"4,171":1969,"4,172":1970,"4,173":1971,"4,174":1972,"4,175":1973,"4,176":1974,"4,177":1975,"4,178":1976,"4,179":1977,"4,180":1978,"4,181":1979,"4,182":1980,"4,183":1981,"4,184":1982,"4,185":1983,"4,186":1984,"4,187":1985,"4,188":1986,"4,189":1987,"4,190":1988,"4,191":1989,"4,192":1990,"4,193":1991,"4,194":1992,"4,195":1993,"4,196":1994,"4,197":1995,"4,198":1996,"4,199":1997,"4,200":1998,"4,201":1999,"4,202":2000,"4,203":2001,"4,204":2002,"4,205":2003,"4,206":2004,"4,207":2005,"4,208":2006,"4,209":2007,"4,210":2008,"4,211":2009,"4,212":2010,"4,213":2011,"4,214":2012,"4,215":2013,"4,216":2014,"4,217":2015,"4,218":2016,"4,219":2017,"4,220":2018,"4,221":2019,"4,222":2020,"4,223":2021,"4,224":2022,"4,225":2023,"4,226":2024,"4,227":2025,"4,228":2026,"4,229":2027,"4,230":2028,"4,231":2029,"4,232":2030,"4,233":2031,"4,234":2032,"4,235":2033,"4,236":2034,"4,237":2035,"4,238":2036,"4,239":2037,"4,240":2038,"4,241":2039,"4,242":2040,"4,243":2041,"4,244":2042,"4,245":2043,"4,246":2044,"4,247":2045,"4,248":2046,"4,249":2047,"4,250":2048,"4,251":2049,"4,252":2050,"4,253":2051,"4,254":2052,"4,255":2053,"4,256":2054,"4,257":2055,"4,258":2056,"4,259":2057,"4,260":2058,"4,261":2059,"4,262":2060,"4,263":2061,"4,264":2062,"4,265":2063,"4,266":2064,"4,267":2065,"4,268":2066,"4,269":2067,"4,270":2068,"4,271":2069,"4,272":2070,"4,273":2071,"4,274":2072,"4,275":2073,"4,276":2074,"4,277":2075,"4,278":2076,"4,279":2077,"4,280":2078,"4,281":2079,"4,282":2080,"4,283":2081,"4,284":2082,"4,285":2083,"4,286":2084,"4,287":2085,"4,288":2086,"4,289":2087,"4,290":2088,"4,291":2089,"4,292":2090,"4,293":2091,"4,294":2092,"4,295":2093,"4,296":2094,"4,297":2095,"4,298":2096,"4,299":2097,"4,300":2098,"4,301":2099,"4,302":2100,"4,303":2101,"4,304":2102,"4,305":2103,"4,306":2104,"4,307":2105,"4,308":2106,"4,309":2107,"4,310":2108,"4,311":2109,"4,312":2110,"4,313":2111,"4,314":2112,"4,315":2113,"4,316":2114,"4,317":2115,"4,318":2116,"4,319":2117,"4,320":2118,"4,321":2119,"4,322":2120,"4,323":2121,"4,324":2122,"4,325":2123,"4,326":2124,"4,327":2125,"4,328":2126,"4,329":2127,"4,330":2128,"4,331":2129,"4,332":2130,"4,333":2131,"4,334":2132,"4,335":2133,"4,336":2134,"4,337":2135,"4,338":2136,"4,339":2137,"4,340":2138,"4,341":2139,"4,342":2140,"4,343":2141,"4,344":2142,"4,345":2143,"4,346":2144,"4,347":2145,"4,348":2146,"4,349":2147,"4,350":2148,"4,351":2149,"4,352":2150,"4,353":2151,"4,354":2152,"4,355":2153,"4,356":2154,"4,357":2155,"4,358":2156,"4,359":2157,"4,360":2158,"4,361":2159,"4,362":2160,"4,363":2161,"4,364":2162,"4,365":2163,"4,366":2164,"4,367":2165,"4,368":2166,"4,369":2167,"4,370":2168,"4,371":2169,"4,372":2170,"4,373":2171,"4,374":2172,"4,375":2173,"4,376":2174,"4,377":2175,"4,378":2176,"4,379":2177,"4,380":2178,"4,381":2179,"4,382":2180,"4,383":2181,"4,384":2182,"4,385":2183,"4,386":2184,"4,387":2185,"4,388":2186,"4,389":2187,"4,390":2188,"4,391":2189,"4,392":2190,"4,393":2191,"4,394":2192,"4,395":2193,"4,396":2194,"4,397":2195,"4,398":2196,"4,399":2197,"4,400":2198,"4,401":2199,"4,402":2200,"4,403":2201,"4,404":2202,"4,405":2203,"4,406":2204,"4,407":2205,"4,408":2206,"4,409":2207,"4,410":2208,"4,411":2209,"4,412":2210,"4,413":2211,"4,414":2212,"4,415":2213,"4,416":2214,"4,417":2215,"4,418":2216,"4,419":2217,"4,420":2218,"4,421":2219,"4,422":2220,"4,423":2221,"4,424":2222,"4,425":2223,"4,426":2224,"4,427":2225,"4,428":2226,"4,429":2227,"4,430":2228,"4,431":2229,"4,432":2230,"4,433":2231,"4,434":2232,"4,435":2233,"4,436":2234,"4,437":2235,"4,438":2236,"4,439":2237,"4,440":2238,"4,441":2239,"4,442":2240,"4,443":2241,"4,444":2242,"4,445":2243,"4,446":2244,"4,447":2245,"4,448":2246,"4,449":2247,"4,450":2248,"4,451":2249,"4,452":2250,"4,453":2251,"4,454":2252,"4,455":2253,"4,456":2254,"4,457":2255,"4,458":2256,"4,459":2257,"4,460":2258,"4,461":2259,"4,462":2260,"4,463":2261,"4,464":2262,"4,465":2263,"4,466":2264,"4,467":2265,"4,468":2266,"4,469":2267,"4,470":2268,"4,471":2269,"4,472":2270,"4,473":2271,"4,474":2272,"4,475":2273,"4,476":2274,"4,477":2275,"4,478":2276,"4,479":2277,"4,480":2278,"4,481":2279,"4,482":2280,"4,483":2281,"4,484":2282,"4,485":2283,"4,486":2284,"4,487":2285,"4,488":2286,"4,489":2287,"4,490":2288,"4,491":2289,"4,492":2290,"4,493":2291,"4,494":2292,"4,495":2293,"4,496":2294,"4,497":2295,"4,498":2296,"4,499":2297,"4,500":2298,"4,501":2299,"4,502":2300,"4,503":2301,"4,504":2302,"4,505":2303,"4,506":2304,"4,507":2305,"4,508":2306,"4,509":2307,"4,510":2308,"4,511":2309,"4,512":2310,"4,513":2311,"4,514":2312,"4,515":2313,"4,516":2314,"4,517":2315,"4,518":2316,"4,519":2317,"4,520":2318,"4,521":2319,"4,522":2320,"4,523":2321,"4,524":2322,"4,525":2323,"4,526":2324,"4,527":2325,"4,528":2326,"4,529":2327,"4,530":2328,"4,531":2329,"4,532":2330,"4,533":2331,"4,534":2332,"4,535":2333,"4,536":2334,"4,537":2335,"4,538":2336,"4,539":2337,"4,540":2338,"4,541":2339,"4,542":2340,"4,543":2341,"4,544":2342,"4,545":2343,"4,546":2344,"4,547":2345,"4,548":2346,"4,549":2347,"4,550":2348,"4,551":2349,"4,552":2350,"4,553":2351,"4,554":2352,"4,555":2353,"4,556":2354,"4,557":2355,"4,558":2356,"4,559":2357,"4,560":2358,"4,561":2359,"4,562":2360,"4,563":2361,"4,564":2362,"4,565":2363,"4,566":2364,"4,567":2365,"4,568":2366,"4,569":2367,"4,570":2368,"4,571":2369,"4,572":2370,"4,573":2371,"4,574":2372,"4,575":2373,"4,576":2374,"4,577":2375,"4,578":2376,"4,579":2377,"4,580":2378,"4,581":2379,"4,582":2380,"4,583":2381,"4,584":2382,"4,585":2383,"4,586":2384,"4,587":2385,"4,588":2386,"4,589":2387,"4,590":2388,"4,591":2389,"4,592":2390,"4,593":2391,"4,594":2392,"4,595":2393,"4,596":2394,"4,597":2395,"4,598":2396,"4,599":2397,"4,600":2398,"4,601":2399,"4,602":2400,"4,603":2401,"4,604":2402,"4,605":2403,"4,606":2404,"4,607":2405,"4,608":2406,"4,609":2407,"4,610":2408,"4,611":2409,"4,612":2410,"4,613":2411,"4,614":2412,"4,615":2413,"4,616":2414,"4,617":2415,"4,618":2416,"4,619":2417,"4,620":2418,"4,621":2419,"4,622":2420,"4,623":2421,"4,624":2422,"4,625":2423,"4,626":2424,"4,627":2425,"4,628":2426,"4,629":2427,"4,630":2428,"4,631":2429,"4,632":2430,"4,633":2431,"4,634":2432,"4,635":2433,"4,636":2434,"4,637":2435,"4,638":2436,"5,3":2437,"5,4":2438,"5,5":2439,"5,6":2440,"5,7":2441,"5,8":2442,"5,9":2443,"5,10":2444,"5,11":2445,"5,12":2446,"5,13":2447,"5,14":2448,"5,15":2449,"5,16":2450,"5,17":2451,"5,18":2452,"5,19":2453,"5,20":2454,"5,21":2455,"5,22":2456,"5,23":2457,"5,24":2458,"5,25":2459,"5,26":2460,"5,27":2461,"5,28":2462,"5,29":2463,"5,30":2464,"5,31":2465,"5,32":2466,"5,33":2467,"5,34":2468,"5,35":2469,"5,36":2470,"5,37":2471,"5,38":2472,"5,39":2473,"5,40":2474,"5,41":2475,"5,42":2476,"5,43":2477,"5,44":2478,"5,45":2479,"5,46":2480,"5,47":2481,"5,48":2482,"5,49":2483,"5,50":2484,"5,51":2485,"5,52":2486,"5,53":2487,"5,54":2488,"5,55":2489,"5,56":2490,"5,57":2491,"5,58":2492,"5,59":2493,"5,60":2494,"5,61":2495,"5,62":2496,"5,63":2497,"5,64":2498,"5,65":2499,"5,66":2500,"5,67":2501,"5,68":2502,"5,69":2503,"5,70":2504,"5,71":2505,"5,72":2506,"5,73":2507,"5,74":2508,"5,75":2509,"5,76":2510,"5,77":2511,"5,78":2512,"5,79":2513,"5,80":2514,"5,81":2515,"5,82":2516,"5,83":2517,"5,84":2518,"5,85":2519,"5,86":2520,"5,87":2521,"5,88":2522,"5,89":2523,"5,90":2524,"5,91":2525,"5,92":2526,"5,93":2527,"5,94":2528,"5,95":2529,"5,96":2530,"5,97":2531,"5,98":2532,"5,99":2533,"5,100":2534,"5,101":2535,"5,102":2536,"5,103":2537,"5,104":2538,"5,105":2539,"5,106":2540,"5,107":2541,"5,108":2542,"5,109":2543,"5,110":2544,"5,111":2545,"5,112":2546,"5,113":2547,"5,114":2548,"5,115":2549,"5,116":2550,"5,117":2551,"5,118":2552,"5,119":2553,"5,120":2554,"5,121":2555,"5,122":2556,"5,123":2557,"5,124":2558,"5,125":2559,"5,126":2560,"5,127":2561,"5,128":2562,"5,129":2563,"5,130":2564,"5,131":2565,"5,132":2566,"5,133":2567,"5,134":2568,"5,135":2569,"5,136":2570,"5,137":2571,"5,138":2572,"5,139":2573,"5,140":2574,"5,141":2575,"5,142":2576,"5,143":2577,"5,144":2578,"5,145":2579,"5,146":2580,"5,147":2581,"5,148":2582,"5,149":2583,"5,150":2584,"5,151":2585,"5,152":2586,"5,153":2587,"5,154":2588,"5,155":2589,"5,156":2590,"5,157":2591,"5,158":2592,"5,159":2593,"5,160":2594,"5,161":2595,"5,162":2596,"5,163":2597,"5,164":2598,"5,165":2599,"5,166":2600,"5,167":2601,"5,168":2602,"5,169":2603,"5,170":2604,"5,171":2605,"5,172":2606,"5,173":2607,"5,174":2608,"5,175":2609,"5,176":2610,"5,177":2611,"5,178":2612,"5,179":2613,"5,180":2614,"5,181":2615,"5,182":2616,"5,183":2617,"5,184":2618,"5,185":2619,"5,186":2620,"5,187":2621,"5,188":2622,"5,189":2623,"5,190":2624,"5,191":2625,"5,192":2626,"5,193":2627,"5,194":2628,"5,195":2629,"5,196":2630,"5,197":2631,"5,198":2632,"5,199":2633,"5,200":2634,"5,201":2635,"5,202":2636,"5,203":2637,"5,204":2638,"5,205":2639,"5,206":2640,"5,207":2641,"5,208":2642,"5,209":2643,"5,210":2644,"5,211":2645,"5,212":2646,"5,213":2647,"5,214":2648,"5,215":2649,"5,216":2650,"5,217":2651,"5,218":2652,"5,219":2653,"5,220":2654,"5,221":2655,"5,222":2656,"5,223":2657,"5,224":2658,"5,225":2659,"5,226":2660,"5,227":2661,"5,228":2662,"5,229":2663,"5,230":2664,"5,231":2665,"5,232":2666,"5,233":2667,"5,234":2668,"5,235":2669,"5,236":2670,"5,237":2671,"5,238":2672,"5,239":2673,"5,240":2674,"5,241":2675,"5,242":2676,"5,243":2677,"5,244":2678,"5,245":2679,"5,246":2680,"5,247":2681,"5,248":2682,"5,249":2683,"5,250":2684,"5,251":2685,"5,252":2686,"5,253":2687,"5,254":2688,"5,255":2689,"5,256":2690,"5,257":2691,"5,258":2692,"5,259":2693,"5,260":2694,"5,261":2695,"5,262":2696,"5,263":2697,"5,264":2698,"5,265":2699,"5,266":2700,"5,267":2701,"5,268":2702,"5,269":2703,"5,270":2704,"5,271":2705,"5,272":2706,"5,273":2707,"5,274":2708,"5,275":2709,"5,276":2710,"5,277":2711,"5,278":2712,"5,279":2713,"5,280":2714,"5,281":2715,"5,282":2716,"5,283":2717,"5,284":2718,"5,285":2719,"5,286":2720,"5,287":2721,"5,288":2722,"5,289":2723,"5,290":2724,"5,291":2725,"5,292":2726,"5,293":2727,"5,294":2728,"5,295":2729,"5,296":2730,"5,297":2731,"5,298":2732,"5,299":2733,"5,300":2734,"5,301":2735,"5,302":2736,"5,303":2737,"5,304":2738,"5,305":2739,"5,306":2740,"5,307":2741,"5,308":2742,"5,309":2743,"5,310":2744,"5,311":2745,"5,312":2746,"5,313":2747,"5,314":2748,"5,315":2749,"5,316":2750,"5,317":2751,"5,318":2752,"5,319":2753,"5,320":2754,"5,321":2755,"5,322":2756,"5,323":2757,"5,324":2758,"5,325":2759,"5,326":2760,"5,327":2761,"5,328":2762,"5,329":2763,"5,330":2764,"5,331":2765,"5,332":2766,"5,333":2767,"5,334":2768,"5,335":2769,"5,336":2770,"5,337":2771,"5,338":2772,"5,339":2773,"5,340":2774,"5,341":2775,"5,342":2776,"5,343":2777,"5,344":2778,"5,345":2779,"5,346":2780,"5,347":2781,"5,348":2782,"5,349":2783,"5,350":2784,"5,351":2785,"5,352":2786,"5,353":2787,"5,354":2788,"5,355":2789,"5,356":2790,"5,357":2791,"5,358":2792,"5,359":2793,"5,360":2794,"5,361":2795,"5,362":2796,"5,363":2797,"5,364":2798,"5,365":2799,"5,366":2800,"5,367":2801,"5,368":2802,"5,369":2803,"5,370":2804,"5,371":2805,"5,372":2806,"5,373":2807,"5,374":2808,"5,375":2809,"5,376":2810,"5,377":2811,"5,378":2812,"5,379":2813,"5,380":2814,"5,381":2815,"5,382":2816,"5,383":2817,"5,384":2818,"5,385":2819,"5,386":2820,"5,387":2821,"5,388":2822,"5,389":2823,"5,390":2824,"5,391":2825,"5,392":2826,"5,393":2827,"5,394":2828,"5,395":2829,"5,396":2830,"5,397":2831,"5,398":2832,"5,399":2833,"5,400":2834,"5,401":2835,"5,402":2836,"5,403":2837,"5,404":2838,"5,405":2839,"5,406":2840,"5,407":2841,"5,408":2842,"5,409":2843,"5,410":2844,"5,411":2845,"5,412":2846,"5,413":2847,"5,414":2848,"5,415":2849,"5,416":2850,"5,417":2851,"5,418":2852,"5,419":2853,"5,420":2854,"5,421":2855,"5,422":2856,"5,423":2857,"5,424":2858,"5,425":2859,"5,426":2860,"5,427":2861,"5,428":2862,"5,429":2863,"5,430":2864,"5,431":2865,"5,432":2866,"5,433":2867,"5,434":2868,"5,435":2869,"5,436":2870,"5,437":2871,"5,438":2872,"5,439":2873,"5,440":2874,"5,441":2875,"5,442":2876,"5,443":2877,"5,444":2878,"5,445":2879,"5,446":2880,"5,447":2881,"5,448":2882,"5,449":2883,"5,450":2884,"5,451":2885,"5,452":2886,"5,453":2887,"5,454":2888,"5,455":2889,"5,456":2890,"5,457":2891,"5,458":2892,"5,459":2893,"5,460":2894,"5,461":2895,"5,462":2896,"5,463":2897,"5,464":2898,"5,465":2899,"5,466":2900,"5,467":2901,"5,468":2902,"5,469":2903,"5,470":2904,"5,471":2905,"5,472":2906,"5,473":2907,"5,474":2908,"5,475":2909,"5,476":2910,"5,477":2911,"5,478":2912,"5,479":2913,"5,480":2914,"5,481":2915,"5,482":2916,"5,483":2917,"5,484":2918,"5,485":2919},"ٜ":{"المقدمة":[3,151],"1":[3,508],"2":[3,520],"3":[3,633],"4":[3,638],"5":[3,485]},"ٝ":["المقدمة,3","المقدمة,4","المقدمة,5","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,10","المقدمة,11","المقدمة,13","المقدمة,14","المقدمة,15","المقدمة,16","المقدمة,17","المقدمة,18","المقدمة,19","المقدمة,20","المقدمة,21","المقدمة,22","المقدمة,23","المقدمة,24","المقدمة,25","المقدمة,26","المقدمة,27","المقدمة,28","المقدمة,29","المقدمة,30","المقدمة,31","المقدمة,32","المقدمة,33","المقدمة,34","المقدمة,35","المقدمة,36","المقدمة,37","المقدمة,38","المقدمة,39","المقدمة,40","المقدمة,41","المقدمة,42","المقدمة,43","المقدمة,44","المقدمة,45","المقدمة,46","المقدمة,47","المقدمة,48","المقدمة,49","المقدمة,50","المقدمة,51","المقدمة,52","المقدمة,53","المقدمة,54","المقدمة,55","المقدمة,56","المقدمة,57","المقدمة,58","المقدمة,59","المقدمة,60","المقدمة,61","المقدمة,62","المقدمة,63","المقدمة,64","المقدمة,65","المقدمة,66","المقدمة,67","المقدمة,68","المقدمة,69","المقدمة,70","المقدمة,71","المقدمة,72","المقدمة,73","المقدمة,74","المقدمة,75","المقدمة,76","المقدمة,77","المقدمة,78","المقدمة,79","المقدمة,80","المقدمة,81","المقدمة,82","المقدمة,83","المقدمة,84","المقدمة,85","المقدمة,86","المقدمة,87","المقدمة,88","المقدمة,89","المقدمة,90","المقدمة,91","المقدمة,92","المقدمة,93","المقدمة,94","المقدمة,95","المقدمة,96","المقدمة,97","المقدمة,98","المقدمة,99","المقدمة,100","المقدمة,101","المقدمة,102","المقدمة,103","المقدمة,104","المقدمة,105","المقدمة,106","المقدمة,107","المقدمة,108","المقدمة,109","المقدمة,110","المقدمة,111","المقدمة,112","المقدمة,113","المقدمة,114","المقدمة,115","المقدمة,116","المقدمة,117","المقدمة,118","المقدمة,119","المقدمة,120","المقدمة,121","المقدمة,122","المقدمة,123","المقدمة,124","المقدمة,125","المقدمة,126","المقدمة,127","المقدمة,128","المقدمة,129","المقدمة,130","المقدمة,131","المقدمة,132","المقدمة,133","المقدمة,134","المقدمة,135","المقدمة,136","المقدمة,137","المقدمة,138","المقدمة,139","المقدمة,140","المقدمة,141","المقدمة,142","المقدمة,143","المقدمة,144","المقدمة,145","المقدمة,146","المقدمة,147","المقدمة,148","المقدمة,149","المقدمة,150","المقدمة,151","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"9":[3],"21":[4],"25":[5],"42":[6],"52":[7],"57":[8],"83":[9],"93":[10],"98":[11],"124":[12],"144":[13],"147":[14],"148":[15],"158":[16,17],"159":[18,19],"162":[20,21,22],"163":[23],"164":[24],"165":[25],"166":[26],"170":[27],"185":[28],"186":[29],"187":[30,31],"189":[32],"192":[33],"194":[34,35],"196":[36],"198":[37],"200":[38],"201":[39,40],"202":[41,42,43],"203":[44,45],"207":[46],"208":[47,48],"209":[49],"211":[50],"215":[51],"218":[52],"220":[53],"224":[54],"225":[55],"226":[56],"227":[57],"236":[58],"238":[59],"240":[60],"242":[61],"243":[62],"246":[63],"247":[64],"248":[65],"250":[66],"251":[67],"253":[68],"255":[69],"256":[70],"262":[71],"265":[72],"266":[73,74],"267":[75],"268":[76],"269":[77],"270":[78],"271":[79,80],"273":[81],"274":[82],"275":[83],"277":[84],"278":[85,86],"279":[87,88],"284":[89],"285":[90],"287":[91],"300":[92],"308":[93],"310":[94],"318":[95,96],"320":[97],"323":[98],"326":[99],"329":[100],"330":[101],"332":[102,103],"333":[104],"334":[105],"338":[106],"339":[107],"341":[108],"350":[109],"358":[110],"361":[111],"362":[112],"364":[113],"365":[114],"369":[115],"373":[116],"375":[117],"376":[118],"377":[119],"378":[120,121],"394":[122,123],"404":[124],"405":[125],"418":[126],"419":[127],"422":[128,129],"427":[130,131],"431":[132],"435":[133],"451":[134],"454":[135],"468":[136],"486":[137],"490":[138],"492":[139],"495":[140],"499":[141],"504":[142],"514":[143],"515":[144],"522":[145],"527":[146],"530":[147],"532":[148],"534":[149],"536":[150],"545":[151],"548":[152],"552":[153],"554":[154],"566":[155],"568":[156],"572":[157],"574":[158],"576":[159],"578":[160],"580":[161,162],"583":[163,164],"587":[165],"597":[166],"602":[167],"624":[168],"625":[169],"637":[170],"649":[171],"653":[172],"659":[173],"669":[174],"672":[175],"675":[176],"677":[177],"683":[178],"686":[179],"689":[180],"722":[181],"758":[182],"759":[183],"762":[184],"763":[185],"768":[186],"783":[187],"786":[188],"788":[189],"790":[190],"792":[191],"794":[192],"795":[193],"797":[194],"805":[195],"808":[196,197],"809":[198],"812":[199],"816":[200],"817":[201],"823":[202],"824":[203],"827":[204],"829":[205],"839":[206,207],"843":[208],"853":[209],"861":[210],"862":[211],"865":[212],"867":[213],"883":[214],"884":[215],"885":[216],"886":[217],"889":[218],"892":[219],"895":[220],"896":[221],"902":[222],"903":[223],"906":[224],"908":[225],"909":[226],"910":[227],"913":[228],"914":[229],"916":[230],"918":[231],"921":[232],"922":[233],"924":[234],"927":[235],"928":[236],"931":[237],"933":[238],"936":[239],"938":[240],"939":[241],"940":[242],"942":[243],"944":[244],"945":[245],"946":[246],"948":[247],"949":[248],"950":[249],"952":[250],"955":[251],"956":[252],"958":[253],"961":[254],"962":[255],"968":[256],"974":[257],"976":[258],"989":[259,260],"995":[261,262],"996":[263,264],"1000":[265,266],"1001":[267],"1002":[268],"1003":[269,270],"1004":[271],"1006":[272],"1007":[273],"1008":[274],"1009":[275],"1010":[276,277,278],"1011":[279],"1014":[280],"1016":[281],"1019":[282],"1021":[283],"1022":[284],"1023":[285],"1026":[286],"1030":[287],"1032":[288],"1033":[289],"1038":[290],"1039":[291],"1040":[292],"1041":[293],"1043":[294],"1045":[295],"1046":[296],"1047":[297],"1048":[298],"1050":[299],"1055":[300,301],"1058":[302,303],"1059":[304],"1060":[305,306],"1062":[307],"1063":[308],"1064":[309],"1065":[310],"1066":[311],"1069":[312,313],"1072":[314],"1073":[315],"1076":[316,317],"1077":[318],"1078":[319],"1079":[320],"1080":[321],"1082":[322],"1083":[323],"1084":[324],"1089":[325],"1093":[326,327],"1094":[328],"1095":[329],"1096":[330,331],"1097":[332],"1103":[333],"1113":[334],"1121":[335],"1122":[336],"1123":[337],"1124":[338,339],"1126":[340],"1127":[341],"1130":[342],"1133":[343],"1138":[344],"1140":[345],"1143":[346],"1147":[347],"1150":[348],"1152":[349],"1153":[350,351],"1156":[352,353],"1158":[354,355],"1161":[356],"1163":[357],"1165":[358],"1166":[359],"1168":[360],"1171":[361,362],"1173":[363],"1176":[364],"1179":[365],"1180":[366,367],"1184":[368],"1188":[369],"1193":[370],"1194":[371],"1196":[372],"1199":[373],"1205":[374],"1207":[375],"1230":[376],"1254":[377],"1256":[378,379],"1257":[380,381],"1258":[382],"1259":[383,384],"1261":[385],"1264":[386],"1268":[387],"1271":[388],"1272":[389],"1273":[390],"1275":[391],"1276":[392],"1277":[393],"1281":[394],"1283":[395],"1284":[396],"1285":[397],"1287":[398],"1290":[399],"1291":[400],"1292":[401],"1294":[402],"1297":[403,404],"1300":[405],"1303":[406],"1304":[407],"1307":[408],"1311":[409],"1313":[410],"1314":[411],"1316":[412],"1318":[413],"1319":[414],"1320":[415],"1322":[416],"1329":[417],"1338":[418,419],"1340":[420],"1346":[421],"1362":[422],"1363":[423,424],"1364":[425,426,427,428],"1365":[429],"1366":[430,431],"1369":[432],"1370":[433,434],"1372":[435],"1378":[436],"1380":[437],"1381":[438],"1382":[439,440],"1383":[441,442],"1385":[443],"1390":[444,445],"1394":[446],"1397":[447],"1401":[448],"1404":[449],"1423":[450,451],"1424":[452],"1425":[453],"1426":[454],"1428":[455],"1429":[456],"1430":[457],"1434":[458,459,460],"1443":[461],"1445":[462],"1449":[463],"1450":[464,465],"1451":[466,467],"1452":[468],"1453":[469],"1454":[470],"1455":[471],"1458":[472,473],"1461":[474],"1465":[475],"1466":[476],"1467":[477],"1470":[478],"1473":[479],"1476":[480],"1485":[481],"1487":[482],"1489":[483],"1492":[484],"1494":[485],"1497":[486],"1500":[487],"1504":[488],"1507":[489],"1509":[490],"1515":[491],"1522":[492],"1523":[493],"1524":[494,495],"1532":[496],"1534":[497,498],"1535":[499],"1542":[500,501],"1547":[502],"1548":[503],"1549":[504],"1551":[505,506],"1556":[507],"1557":[508],"1558":[509],"1559":[510],"1562":[511],"1564":[512],"1569":[513],"1572":[514],"1574":[515],"1577":[516],"1586":[517],"1588":[518],"1593":[519],"1596":[520,521],"1597":[522],"1598":[523],"1599":[524],"1604":[525],"1606":[526],"1608":[527],"1611":[528],"1613":[529],"1614":[530],"1634":[531],"1636":[532],"1651":[533],"1658":[534],"1674":[535],"1678":[536],"1681":[537],"1694":[538],"1695":[539],"1697":[540],"1698":[541],"1706":[542,543],"1707":[544],"1708":[545,546],"1709":[547],"1710":[548],"1711":[549,550],"1713":[551,552],"1714":[553],"1719":[554],"1722":[555],"1723":[556],"1732":[557,558],"1742":[559],"1745":[560],"1746":[561],"1747":[562],"1749":[563],"1758":[564],"1759":[565],"1760":[566],"1762":[567],"1763":[568],"1764":[569],"1767":[570],"1768":[571],"1772":[572],"1777":[573],"1778":[574],"1780":[575],"1783":[576],"1784":[577],"1785":[578],"1789":[579],"1791":[580],"1795":[581],"1798":[582],"1801":[583,584],"1802":[585],"1803":[586],"1842":[587],"1845":[588],"1849":[589],"1860":[590],"1863":[591],"1864":[592],"1867":[593],"1873":[594],"1876":[595],"1886":[596],"1888":[597],"1902":[598],"1911":[599],"1917":[600,601],"1918":[602],"1922":[603],"1928":[604],"1931":[605],"1932":[606],"1934":[607],"1935":[608],"1936":[609,610],"1942":[611],"1949":[612],"1950":[613],"1956":[614,615],"1959":[616,617],"1960":[618],"1961":[619],"1962":[620],"1965":[621,622],"1966":[623],"1968":[624],"1969":[625,626,627],"1970":[628,629],"1971":[630,631],"1972":[632],"1973":[633],"1974":[634,635],"1976":[636],"1978":[637],"1987":[638],"1990":[639],"1995":[640],"2000":[641],"2015":[642],"2016":[643],"2017":[644],"2019":[645],"2021":[646,647],"2029":[648],"2032":[649],"2034":[650],"2037":[651],"2038":[652],"2039":[653],"2040":[654],"2041":[655],"2042":[656],"2046":[657],"2047":[658],"2048":[659],"2049":[660],"2050":[661],"2051":[662],"2053":[663,664],"2055":[665],"2056":[666,667],"2057":[668,669],"2062":[670],"2064":[671],"2065":[672],"2066":[673],"2067":[674],"2069":[675],"2070":[676],"2079":[677],"2081":[678],"2088":[679,680],"2092":[681],"2095":[682],"2097":[683],"2098":[684,685],"2099":[686],"2101":[687,688,689],"2102":[690],"2103":[691],"2107":[692],"2108":[693],"2109":[694],"2111":[695],"2114":[696,697,698],"2115":[699],"2116":[700],"2119":[701],"2121":[702,703],"2122":[704,705],"2126":[706,707],"2127":[708],"2128":[709],"2130":[710],"2131":[711],"2136":[712],"2137":[713],"2138":[714,715],"2139":[716],"2140":[717],"2141":[718],"2145":[719,720],"2146":[721],"2148":[722],"2149":[723,724],"2150":[725],"2151":[726,727,728],"2152":[729,730],"2153":[731],"2154":[732],"2161":[733],"2162":[734,735],"2163":[736,737],"2164":[738],"2167":[739,740],"2168":[741],"2169":[742,743],"2170":[744],"2171":[745],"2172":[746],"2173":[747],"2174":[748],"2183":[749],"2185":[750],"2190":[751],"2192":[752],"2195":[753],"2198":[754],"2199":[755],"2201":[756],"2202":[757],"2204":[758],"2206":[759],"2208":[760],"2210":[761],"2212":[762],"2213":[763,764],"2214":[765],"2217":[766,767],"2219":[768],"2221":[769],"2222":[770],"2223":[771,772],"2224":[773,774],"2225":[775],"2226":[776],"2227":[777],"2229":[778],"2230":[779],"2233":[780],"2235":[781],"2236":[782,783],"2238":[784,785],"2239":[786],"2240":[787],"2242":[788],"2243":[789],"2246":[790],"2247":[791],"2248":[792],"2249":[793],"2255":[794],"2256":[795],"2258":[796,797],"2260":[798],"2261":[799],"2262":[800,801],"2264":[802],"2265":[803],"2266":[804],"2267":[805],"2269":[806,807],"2270":[808],"2273":[809],"2275":[810],"2281":[811],"2294":[812],"2298":[813],"2315":[814],"2316":[815],"2319":[816],"2321":[817,818],"2322":[819],"2323":[820],"2324":[821,822],"2325":[823,824],"2330":[825],"2331":[826],"2338":[827],"2341":[828],"2344":[829],"2345":[830],"2351":[831],"2356":[832],"2359":[833],"2364":[834,835],"2368":[836],"2371":[837],"2374":[838],"2375":[839],"2377":[840],"2383":[841],"2392":[842],"2422":[843],"2430":[844],"2434":[845],"2435":[846],"2437":[847,848,849],"2439":[850],"2440":[851,852],"2442":[853],"2445":[854],"2448":[855],"2451":[856],"2464":[857],"2467":[858],"2468":[859],"2471":[860],"2472":[861],"2473":[862],"2475":[863,864],"2479":[865],"2491":[866],"2501":[867],"2502":[868],"2505":[869],"2508":[870,871],"2509":[872],"2510":[873],"2512":[874],"2513":[875],"2515":[876,877],"2516":[878],"2517":[879,880],"2518":[881],"2522":[882],"2525":[883],"2528":[884],"2529":[885],"2530":[886,887],"2531":[888],"2532":[889],"2533":[890],"2534":[891,892],"2535":[893],"2536":[894],"2537":[895],"2543":[896],"2544":[897],"2545":[898],"2546":[899],"2547":[900,901],"2548":[902],"2553":[903],"2556":[904],"2557":[905],"2559":[906],"2565":[907],"2566":[908],"2567":[909],"2569":[910],"2572":[911],"2574":[912],"2575":[913],"2576":[914],"2577":[915],"2587":[916],"2595":[917],"2596":[918],"2597":[919],"2599":[920],"2602":[921],"2603":[922],"2604":[923],"2605":[924],"2606":[925],"2607":[926],"2610":[927],"2612":[928],"2613":[929],"2614":[930,931],"2615":[932],"2618":[933,934],"2619":[935],"2620":[936],"2622":[937,938],"2643":[939],"2656":[940],"2668":[941],"2670":[942],"2681":[943],"2693":[944],"2706":[945],"2708":[946],"2725":[947],"2726":[948],"2745":[949],"2752":[950],"2755":[951,952],"2756":[953,954],"2757":[955],"2758":[956,957],"2762":[958],"2764":[959],"2769":[960],"2773":[961],"2789":[962],"2792":[963],"2799":[964],"2800":[965],"2805":[966],"2807":[967],"2808":[968],"2810":[969],"2815":[970],"2817":[971],"2821":[972],"2829":[973],"2831":[974],"2838":[975],"2839":[976],"2846":[977],"2849":[978],"2853":[979],"2864":[980],"2865":[981],"2868":[982],"2874":[983],"2879":[984],"2885":[985],"2888":[986,987],"2889":[988,989],"2890":[990],"2891":[991],"2892":[992,993],"2893":[994,995],"2894":[996],"2896":[997],"2905":[998]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87,88,89,90,91,92,93,94,95,96,97,98,99,100,101,102,103,104,105,106,107,108,109,110,111,112,113,114,115,116,117,118,119,120,121,122,123,124,125,126,127,128,129,130,131,132,133,134,135,136,137,138,139,140,141,142,143,144,145,146,147]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة التحقيق</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعه واقتفى أثره إلى يوم الدين.\nأما بعد، فإن هذا الكتاب العظيم الذي نقدمه اليوم في نشرة علمية جديدة ضمن مشروع «آثار الإمام ابن القيم الجوزية» من الكتب الأصول للإمام ابن القيم، وهو في مرتبة «زاد المعاد»، و«الصواعق المرسلة»، و«مدارج السالكين»، و«طريق الهجرتين»، و«إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان»، ونحوها. فهذه كلها منظومة علمية واحدة، غايتهاالدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنةفي العقائد والأعمال، وإصلاح ما أصاب حياة المسلمين العلمية والعملية من زيغ أو فساد على أيدي الفلاسفة والمتكلمين ومقلدي الفقهاء والمتصوفة المنحرفين. وذلك عنوان مهمة التجديد والإصلاح التي قام بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وآزره فيها وسار على خطاه تلاميذه، ومن أبرزهم تلميذُه الإمام ابن القيم.\nوكتابنا هذا بما احتواه من مباحث الرأي والقياس والتقليد وحكمة التشريع وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان وسدّ الذرائع وأدب المفتي والمستفتي وما إلى ذلك=يُعَدُّ من كتب أصول الفقه، ولكنه يختلف عنها في ترتيبه ومنهجه وأسلوبه، بل في مادته الغزيرة من الاحتجاجات والردود في أبواب من الكتاب لا تلقاها مجموعة في كتاب آخر، ومسائل فقهية كثيرة جدًّا جاءت للتمثيل والتدليل، وخصّ بعضها بإطالة البحث والتفصيل. ثم الكتاب معرض آراء شيخ الإسلام وترجيحاته، وقد سماه المؤلف فيه في أكثر من مائة موضع، وبنى كثيرًا من المباحث على قواعده، وساق في أثنائه فصولًا طويلة من كلامه. فأصبح","vol":"المقدمة","page":3},{"text":"الكتاب بذلك كلِّه فريدًا في بابه، ومنهلا عذبًا لورّاده. ولم يبالغ السيد رشيد رضا إذ قال في وصفه: «لم يؤلِّف مثلَه أحد من المسلمين في حكمة التشريع ومسائل الاجتهاد والتقليد والفتوى وما يتعلق بذلك، كبيان الرأي الصحيح والفاسد، والقياس الصحيح والفاسد، ومسائل الحيل، وغير ذلك من الفوائد التي لا يستغني عن معرفتها عالم من علماء الإسلام» (^١).\nوقد طبع الكتاب أول طبعة في دهلي (الهند) سنة ١٣١٣ - ١٣١٤ عن ثلاث نسخ خطية في مجلدين، ثم طبع في القاهرة سنة ١٣٢٥ في ثلاثة مجلدات على نفقة فخر التجار مقبل بن عبد الرحمن الذكير - ﵀ -. وصدرت بعدهاعدّة طبعات أشهرها طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد - ﵀ - سنة ١٣٧٤. ثم حقق الكتاب الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان، وصدرت نشرته سنة ١٤٢٣ في سبعة مجلدات عن دار ابن الجوزي بالدمام، وقد بذل جهدًا كبيرًا في إعداد هذه النشرة التي جمع فيهامقدمات الطبعات السابقة وقراءاتها وتعليقاتها، مع تصحيح أخطاء كثيرة من أخطائها. ولكن المحقق لم يوفَّق آنذاك للحصول على نسخ قديمة صحيحة، فاعتمد على نسخ متأخرة لا تصلح للاعتماد، ومن ثم لم يتمكن من إخراج نص الكتاب سليمًا من آفات التصحيف والتحريف. ويبدو للقارئ أحيانًا أن عناية المحقق بالتعليق والتخريج طغت على عنايته بتصحيح النص، فبقي المتن في مواطن كثيرة على خطئه مع وروده صحيحًا في نسخه الخطية أومصادرتخريجه. وبصرف النظر عما ذكرنا كانت خدمته للكتاب جيدة مشكورة، فجزاه الله خيرًا لقاء ما بذل واجتهد.\n_________\n(^١) مجلة «المنار» المجلد ١٢ (١٩٠٩) ص ٧٨٦.","vol":"المقدمة","page":4},{"text":"أما هذه النشرة التي بين أيديكم، فأخرجناها عن سبع نسخ قديمة مكتوبة في القرن الثامن أو التاسع، وعُنينا حسب منهجنا بتحرير النص عناية بالغة، واستفدنا في خدمة الكتاب من جهود من سبقنا، ونرجو أن تكون هذه النشرة أصح وأقرب إلى ما وضعه المؤلف - ﵀ -. ونأمل من العلماء والباحثين إذا وقعوا على زلل في قراءة النص أو التعليق عليه أن لا يُسْبِلوا عليه ذيل العفو، بل حقُّ الكتاب عليهم التنبيه والتصحيح، وحقُّهم علينا الشكر والتقدير. والحمد لله الذي وفّق وأعان على إنجاز هذه النشرة، وهو المسؤول أن يتقبلها بقبول حسن، وأن ينفع بها. وقد قدّمنا بين يدي النص دراسة للكتاب تشتمل على الفصول الآتية:\n- توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف\n- تحرير عنوان الكتاب\n- زمن التأليف\n- بناء الكتاب وموضوعاته\n- منهج المؤلف فيه\n- أهمية الكتاب وقيمته العلمية\n- موارد الكتاب\n- أثره في الكتب اللاحقة\n- مؤلفات ودراسات عن الكتاب\n- النسخ المعتمدة في هذه النشرة\n- الطبعات السابقة\n- منهجنا في هذه النشرة","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف</span>\nكتابنا هذا من أشهر مؤلفات ابن القيم، ولم نر من دفع نسبته إليه أو شكّك فيها. وكيف يتطرق إليها الريب، وهي محفوفة بأدلة قاطعات وشواهد مؤكدات من داخل الكتاب وخارجه جميعًا؟ وإليك جملة منها:\n١ - النسخ الخطية التي وصلت إلينا من الكتاب لم تختلف في اسم المؤلف، سواء ورد الاسم في صفحة عنوانها، أو في فاتحتها، أو خاتمتها.\n٢ - الذين ذكروه في ثبت مؤلفات ابن القيم، بعضهم معدود من أصحابه وتلامذته، مثل صلاح الدين الصفدي الذي ذكره في كتابيه: «الوافي بالوفيات» (٢/ ٢٧١) و«أعيان العصر وأعوان النصر» (٤/ ٣٦٩)، ومثل شهاب الدين ابن رجب، وابنه زين الدين ابن رجب، ذكره أولهما في معجم شيوخه كما في «المنتقى» منه (ص ١٠١) والآخر في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥). ومن أصحاب كتب التراجم الذين عدّوا الكتاب من مؤلفات ابن القيم غير تلامذته: الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٣/ ٤٠٢)، والسيوطي في «بغية الوعاة» (١/ ٦٣) ومجير الدين العليمي في «المنهج الأحمد» (٥/ ٩٤) والداوودي في «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٦) وابن العماد في «شذرات الذهب» (٨/ ٢٨٩).\n٣ - أفاد من الكتاب علماء كثيرون من الحنابلة وغيرهم، وكلهم عزاه إلى ابن القيم، وسيأتي ذكر بعضهم في المبحث القادم ومبحث الصادرين عنه.\n٤ - وقد أحال عليه ابن القيم نفسه في ثلاثة كتب من مؤلفاته، وهي «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» (١/ ٣٢)، و«التبيان في أيمان القرآن»","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"(ص ٣٤٥)، و«الفوائد» (ص ١٠). أما «إغاثة اللهفان»، فذكر فيه قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٧ - ١٩]، ثم قال: «وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمَّناه من الحكم فى كتاب (المعالم) وغيره». والمقصود بكتاب المعالم كتابنا هذا كما سيأتي في المبحث القادم، والكلام على المثلين المذكورين وارد فيه (١/ ٣١٦ - ٣٢١).\nوأما كتاب «التبيان»، فجاء فيه قوله: «وقد بينا في كتابنا (المعالم) بطلان التحليل وغيره من الحيل الربوية بأسماء الرب وصفاته». وانظر هذا المبحث في كتابنا ه ذا (٣/ ٤٩١ - ٥٠٧، ٦٠٠ وما بعدها).\nوأما كتاب «الفوائد»، فافتتحه ابن القيم بقاعدة جليلة تكلم فيها على تفسير سورة ق والقرآن المجيد، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [١١] قال: «أي مثل هذا الإخراج من الأرض الفواكه والثمار والأقوات والحبوب خروجكم من الأرض بعدما غُيِّبتم فيها. وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا (المعالم)، وبينّا بعض ما فيها من الأسرار والعبر». وستجد كلامه على القياس المذكور في كتابنا هذا في (١/ ٣٠٥) وما بعدها.\n٥ - كما أحال ابن القيم على هذا الكتاب في كتبه الأخرى، أشار فيه أيضًا إلى كتابين من مؤلفاته، وهما: كتاب «الفروسية»، و«بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال»، وذلك في قوله (٤/ ٤٣٥، ٤٣٦): «إذا أخرجَ المتسابقان في النضال معا جاز في أصح القولين،","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"والمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز. وعلى القول بجوازه فأصح القولين أنه لا يحتاج إلى محلل، كما هو مقتضى المنقول عن الصديق وأبي عبيدة بن الجراح، واختيار شيخنا وغيره. والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة أنه لا يجوز إلا بمحلل، على تفاصيل لهم في المحلل وحكمه. وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في «الفروسية الشرعية»، وذكرنا فيه وفي كتاب «بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال» بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجها، وبينّا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، وعدم الدلالة منه على تقدير صحته».\nقلت: كتاب «الفروسية» معروف ومطبوع، والبحث المشار إليه استغرق منه نحو مائتي صفحة (٨٨ - ٢٨٤). أما الكتاب الآخر فذكره الصفدي بهذا الاسم في كتابيه: «الوافي بالوفيات» (٢/ ١٩٦) و«أعيان العصر» (٤/ ٣٧٠). وسماه ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥) «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل»، وأبوه من قبل في معجم شيوخه، كما في «المنتقى» (ص ١٠١).\nوقد أحال ابن القيم في موضع (٥/ ٤١٧) على كتاب لم يسمه، فقال: «وأبعد الناس من الأخذ بذلك الشافعي رحمه الله تعالى مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع. وقد ذكرنا منها كثيرا في غير هذا الكتاب». ويظهر أن المقصود به كتابه «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» (١/ ٤٨ - ٦٣).\n٦ - سمّى المؤلف فيه شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أكثر من مائة مرة، ونقل من أقواله وأخباره وأحواله، وأشار إلى بعض مصنفاته، بل ساق","vol":"المقدمة","page":9},{"text":"بعض قواعده وأجوبته بنصها، وسيأتي تفصيلها في مبحث موارد الكتاب.\n٧ - تضمن الكتاب مباحث كثيرة وآراء واجتهادات للمؤلف ذكرها في كتبه الأخرى أيضا وبلفظ قريب مما جاء هنا بعض الأحيان؛ وقد نبهنا عليها في تعليقاتنا، فنكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها:\n- التعليل في كتاب الله العزيز: ذكر المؤلف في (١/ ٣٩٠ - ٣٩٢) الأدوات والطرق التي استعملت في القرآن الكريم لبيان الأسباب والعلل مع أمثلتها. وترى هذا البحث في «الداء والدواء» (ص ٣١ - ٣٤) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ٩١٣ - ٩١٥) و«مدارج السالكين» (٣/ ٤٦١) و«شفاء العليل» (ص ١٨٨ - ١٩٨).\n- كلام المؤلف في حكومة داود وسليمان ﵉ في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، وأقوال العلماء في المسألة وترجيح الحكم السليماني في ضمان النفش والمثل، تراه بلفظ مقارب في كتابنا هذا (٢/ ١٣٣ - ١٣٦) و«تهذيب السنن» (٣/ ١٣٦ - ١٣٨). وانظر أيضا: «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥٥).\n- ذهب في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] إلى أن الله سبحانه رتب فيها المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها، فالقول على الله بغير علم أشد المحرمات (١/ ٨٠ - ٨١) ونجد هذا التفسير نفسه في «مدارج السالكين» (١/ ٣٧٨).\n- كثير من أمثال القرآن الكريم التي فسرها في كتابنا هذا، تكلم عليها في مؤلفاته الأخرى أيضا بنحو ما جاء هنا، كالمثلين المائي والناري في قول","vol":"المقدمة","page":10},{"text":"الله تعالى في سورة الرعد [١٧]: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ فسرهما في هذا الكتاب (١/ ٣١١ - ٣١٣) و«طريق الهجرتين» (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) و«مفتاح دار السعادة» (١/ ١٦٤ - ١٦٦) و«الوابل الصيب» (ص ١٣٣ - ١٣٤) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٣١).\nوكذلك تكلم في (١/ ٢٩٤ - ٢٩٧) على الآيات الأخيرة (٧٨ - ٨٣) من سورة يس، فقال: «فتضمنت هذه الآيات عشرة أدلة»، ثم فصّلها. وفسّر هذه الآيات في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧) أيضا، وذكر سبعة أدلة من هذه دون تصريح بعددها.\nوقول الله سبحانه في سورة النور [٣٩ - ٤٠]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ فيه مثلان لأعمال الكفار، وقد شرحهما المؤلف في كتابِنا (١/ ٣١٦ - ٣٢١) و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٧ - ٣٩)، ولا فرق بين الموضعين إلا في الإجمال والتفصيل، أما التفسير فهو هو.\nونكتفي بهذا القدر، والحق أن إفاضة القول في باب النسبة تحصيل حاصل، فإن الكتاب بمقاصده ومباحثه ومنهجه وأسلوبه ينادي باسم مؤلفه، ولا يخطئ في ذلك من له شيء من الأنسة بكتبه.\n* * * *","vol":"المقدمة","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تحرير عنوان الكتاب</span>\nلم ينص المؤلف على عنوان كتابه في مقدمته، ولكنه أحال عليه في ثلاثة كتب من مؤلفاته باسم «المعالم» يعني: «معالم الموقعين عن ربِّ العالمين»، كما سبق في المبحث السابق. أما كتب التراجم ومخطوطات الكتاب فورد فيها هذا العنوان وعنوان آخر اشتهر به الكتاب، ولا فرق بينهما إلا في الكلمة الأولى، ولا شك أن كليهما من تسمية المؤلف. ولكن قبل أن نتكلم على العنوان المشهور، نبدأ بالجزء الثاني منه الذي لا خلاف فيه، فمن الموقِّعون عن رب العالمين؟\nللإجابة عن هذا السؤال نرجع إلى كتاب المؤلف: «التبيان في أيمان القرآن» الذي يقول فيه، وهو يذكر أنواع الأقلام (ص ٣٠٦، ٣٠٧): «والقلم الثالث: قلم التوقيع عن الله ورسوله، وهو قلم الفقهاء والمفتين. وهذا القلم أيضًا حاكم غير محكوم عليه، فإليه التحاكم في الدماء والأموال والفروج والحقوق. وأصحابُه مخبِرون عن الله بحكمه الذي حكم به بين عباده». والقلم السابع عنده: «قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق، وتنفَّذ به القضايا، وتراق به الدماء، وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية، فتُرَدُّ إلى اليد المحقّة، وتثبت به الأنساب، وتنقطع به الخصومات». فهذا قلم القضاة. ثم يذكر النسبة بين القلمين، فيقول: «وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص: فهذا له النفوذ واللزوم، وذاك له العموم والشمول».\nوفي مقدمة كتابنا هذا قسم المؤلف علماء الأمة إلى ضربين: أحدهما حفاظ الحديث وجهابذته، والثاني: فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام. ثم قال في علو منزلتهم وما يشترط وصفهم به (١/ ١٧):","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"«ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلمَ بما يبلغ والصدقَ فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالمًا بما يبلِّغ، صادقًا فيه. ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السرِّ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله. وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحلِّ الذي لا يُنكَر فضله، ولا يُجهَل قدرُه، وهو من أعلى المراتب السنيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن ربِّ الأرض والسماوات؟ ... وَلْيعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وَلْيوقن أنه مسؤول غدًا وموقوف بين يدي الله».\nوقال في آخر الكتاب في الفائدة الثامنة عشرة من الفوائد المتعلقة بالفتوى (٥/ ٥٩): «فخطرُ المفتي عظيم، فإنه موقِّع عن الله ورسوله، زاعم أن الله أمر بكذا، وحرّم كذا، وأوجب كذا».\nنصوص المؤلف هذه صريحة في أن المقصود بالموقِّعين عن ربِّ العالمين في عنوان الكتاب: الفقهاء والمفتون. وإذا دخل فيهم القضاة، فإنما يدخلون للنسبة المذكورة بين قلمهم وقلم المفتين.\nفإذا ألقينا نظرة خاطفة على المطالب العظيمة التي دار عليها الكتاب، مثل تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وبالرأي المخالف للنص، وأقسام الرأي والاستصحاب والقياس، وبيان أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وشمول النصوص للأحكام، وشرح كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري، وتفصيل القول في التقليد، وتغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة وغيرها، وسدّ الذرائع، والكلام على الحيل وغيرذلك، ثم ختم الكتاب بفوائد بلغ عددها تسعين فائدة تتعلق بالفتوى والمفتي، ثم أورد","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"فصولا مرتبة من فتاوى النبي - ﷺ - = ظهر لنا أن تلك المطالب العظيمة بمنزلة صُوى ومعالم ومنارات نصبها المؤلف - ﵀ - للموقعين عن ربِّ العالمين، ليهتدوا بها إذا عميت عليهم المسالك، ويستنيروا بها إذا أظلمت عليهم السبل. ومن هنا سمّى كتابه «معالم الموقعين عن رب العالمين»، فكان الاسم مطابقًا لمسمّاه.\nوبهذا العنوان ذكرالكتاب صلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤) في كتابيه «الوافي بالوفيات» (٢/ ٢٧١) و«أعيان العصر» (٤/ ٣٦٩)، وعنه ابن تغري بردي (ت ٨٧٤) في «المنهل الصافي» (٩/ ٢٤٢). وكذا سماه «معالم الموقعين» أبوذر أحمد بن برهان الدين سبط ابن العجمي (ت ٨٨٤) في «تنبيه المعلم» (ص ١٠٧)، وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩) لما نقل منه في «شذرات الذهب» (١/ ٢٥٩) نصًّا في ترجمة أم المؤمنين عائشة - ﵂ -. وبهذا الاسم سمِّي الكتاب في نسخ من النسخ الخطية القديمة والمتأخرة، كما سيأتي.\nولكن يظهر أن المؤلف - ﵀ - آثر فيما بعد تركيب «أعلام الموقِّعين» لكونه أخفَّ على اللسان من تركيب «معالم الموقِّعين»، ثم لأنه لا فرق بينهما في المعنى، إذ لفظ الأعلام مرادف للفظ المعالم، فكلاهما يؤدي الغرض المقصود بعينه. وهذا الإمام الخطابي سمَّى شرحه لسنن أبي داود «معالم السنن»، ولما توخَّى المعنى نفسه في شرحه لصحيح البخاري سماه «أعلام الحديث». ثم انظر إلى قول المؤلف في «الصواعق المرسلة» (٤/ ١٥٧٢) عن الكواكب: «وجُعلت زينةَ السماء، ومعالمَ يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر ...». وقوله عنها في الصفحة التالية:» ... وجُعِل بعضُها","vol":"المقدمة","page":15},{"text":"ظاهرًا لا يحتجب أصلا، بمنزلة الأعلام المنصوبة التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر، فهم ينظرون إليها متى أرادوا، ويهتدون بها حيث شاؤوا».\nوما ذكرنا من طلب الخفّة والسلاسة في العنوان يظهر جليًّا في تغيير المؤلف عنوان كتاب آخر له أيضا، سمّاه أولا «بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلّل السباق والنضال». وهذا العنوان مثل عنوان كتابنا «معالم الموقعين عن رب العالمين» ذكره الصفدي في كتابيه. ولا يخفى ما فيه من ثقل لتوالي الإضافات في السجعة الثانية مع العطف في الإضافة الأخيرة، فاستطال التركيب، فاختار المؤلف فيما بعد عنوانًا آخر فكّ فيه الإضافات، وانتقى كلمات أخرى أخفّ وألطف، وهو «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل». وهذا العنوان الجديد مثل عنوان كتابنا «أعلام الموقعين عن رب العالمين» ذكرهما شهاب الدين ابن رجب (ت ٧٧٤) في معجم شيوخه (المنتقى:١٠١) وابنه زين الدين ابن رجب (ت ٧٩٥) في «الذيل على طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥)، والأب والابن كلاهما من تلامذة المؤلف.\nومما يدل على أن العنوان الأول وهو «معالم الموقعين عن رب العالمين» الذي ذكره الصفدي أقدم من هذا الذي ذكره ابن رجب: حجمه الذي نص عليه الصفدي، وهو «سفر كبير»، مثل حجم طريق الهجرتين، لا كحجم زاد المعاد الذي في «أربعة أسفار». أما عند ابن رجب فزاد المعاد في «أربعة مجلدات» كما قال الصفدي، وطريق الهجرتين في «مجلد ضخم» كما قال الصفدي أيضا؛ ولكن أعلام الموقعين في «ثلاثة مجلدات»","vol":"المقدمة","page":16},{"text":"خلافًا للصفدي، وهذا هو حجم الكتاب في جميع نسخه التي وصلت إلينا. فدلّ ذلك على أن المؤلف قد أضاف إلى كتابه الذي كان في سفر كبير ــ عند ما قيَّد الصفدي اسمه وحجمه نقلا عن المؤلف، وقد يكون وقف على مسودة الكتاب عنده ــ زيادات كثيرة تبلغ نحو الثلثين، فجاءت النسخة النهائية منه في ثلاثة أسفار. ولكن لا يعني ذلك أنه لما أنجز الكتاب في صورته الأخيرة سمّاه «أعلام الموقعين عن رب العالمين»، بل الظاهر أنه أخرجه بعنوان «معالم الموقعين عن رب العالمين»، وانتسخت منه النسخ، ثم بدا له أن يستبدل بالمعالم لفظ الأعلام، فسمِّي الكتاب في نسخ أخرى بالعنوان الجديد. وهذا العنوان هو المذكور في المصادر الآتية:\n- «الدرر الكامنة» (٣/ ٤٠٢) لابن حجر (ت ٨٥٢).\n- «بغية الوعاة» (١/ ٥٨) للسيوطي (ت ٩١١).\n- «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٦) للداوودي (ت ٩٤٥).\n- «كشف الظنون» (١/ ٨١) لحاجي خليفة (ت ١٠٦٧).\n- «شذرات الذهب» (٨/ ٢٨٩) لابن العماد (ت ١٠٨٩).\n- «البدر الطالع» (٢/ ١٤٤) للشوكاني (ت ١٢٥٠).\nالجدير بالذكر أن السيوطي اعتمد في ترجمة ابن القيم وأسماء مؤلفاته على الصفدي، لكنه لم يتابعه في عنوان كتابنا. هذا إن كان ما ورد في النسخ المطبوعة من بغية الوعاة سالمًا من تغيير الناشرين.\nأما ابن العماد، فقد نقل جريدة مؤلفات ابن القيم عن ذيل ابن رجب، فسماه «أعلام الموقعين»، ثم نقل في ترجمة عمرو بن شعيب (٢/ ٨٤) من","vol":"المقدمة","page":17},{"text":"كتابنا كلامًا لابن القيم عن صحيفته عن أبيه عن جده، فسماه كذلك. ولكن لما نقل منه في ترجمة أم المؤمنين عائشة (١/ ٢٥٩) سماه «معالم الموقعين» كما سبق. ولا غرابة في هذا، فلعله استفاد في الموضعين من نسختين مختلفتين من الكتاب، سمي في إحداهما بالمعالم وفي الأخرى بالأعلام، غير أن من الأصول التي اعتمدنا عليها في إخراج نشرتنا هذه نسخةً وقف عليها ابن العماد، وطالعها «مطالعة تفهّم»، كما ذكر في آخر المجلد الأول منها. وكان العنوان المكتوب في أول هذه النسخة وخاتمتها: «معالم الموقعين»، ولكن غيّر بعضهم كلمة المعالم إلى الأعلام! فالظاهر أن مصدر ابن العماد فيما نقل وسمّى نسختنا هذه.\nوذكّرنا هذا التغيير بما فعله محققُ «شذرات الذهب» في هذا الموضع، إذ تصرَّف في متن الكتاب، فأثبت «إعلام الموقعين» مكان «معالم الموقعين» خلافًا لما جاء في نسخته المنقولة من خط ابن العماد وفي الطبعة السابقة، وقال في تعليقه: «في الأصل والمطبوع: «معالم الموقعين» وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه»!\nولعلك تنكرهذا التسرُّعَ في تغيير المتن، وهذا الجزمَ في التخطئة والتصحيح، وتُنحي باللائمة على المحقق؛ ولكنه عندنا غير ملوم، فإنه صرّح في مقدمته (١/ ٩٥) بأن والده ــ غفر الله له ــ علّمه أن «التحقيق يعني محاكمة النص ... وذلك لتقويم ما قد يقع فيه من الخطأ، واستدراك السّقط، لأن العلماء المتقدمين الذين خلَّفوا لنا هذا التراث العظيم هم مثلنا من بني البشر، وبنو البشر عرضة للخطأ والنسيان، مهما كان موقع أحدهم من أهل عصره». فلم يذكر المحقق ــ كما ترى ــ أن والده علّمه «احترام النص»،","vol":"المقدمة","page":18},{"text":"وأنت خبير بأن احترام النص هوالذي يحمل المحققَ ــ إذا خالجه شكٌّ في شيء منه ــ على التثبت والتأني والمبالغة في التفتيش والتقصّي. على أننا إن فرضنا أن تحقيق النص يعني محاكمته كما زعم، فإن المحاكمة أيضا تحتاج إلى آلات أخرى كثيرة غير كرسي الحكم!\nوهذا التصرف من محقق الكتاب جعلنا نشك في الموضع الآخر الذي نقل فيه ابن العماد من الكتاب باسم «أعلام الموقعين»، ولاسيما لأن الموضعين متقاربان، وكلاهما منقول من المجلد الأول، الذي أكمل مطالعته مطالعةَ تفهُّم سنة ١٠٧٦، قبل الفراغ من تأليف «شذرات الذهب» سنة ١٠٨٠؛ وإن لم يكن ذلك يهمّنا من جهة التسمية نفسها، إذ كان ابن القيم هوالذي سمَّى كتابه بالاسمين، وكلاهما يؤدي المعنى نفسه كما سبق.\nأما الذين أفادوا من هذا الكتاب مثل برهان الدين ابن مفلح (ت ٨٨٤)، وعلاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥)، وشهاب الدين الشويكي (ت ٩٣٩)، وشرف الدين الحجاوي (ت ٩٦٨)، والبهوتي (ت ١٠٥١) وشمس الدين السفاريني (ت ١١٨٨) وغيرهم ــ وسيأتي تفصيل نقولهم ــ فجُلُّهم أحالوا عليه بعنوان «أعلام الموقعين».\nتبيَّن من هذا العرض أن العنوان الأخير وهو «أعلام الموقعين عن ربِّ العالمين» صار أشهر من العنوان الأول، وزاد في شيوعه وانتشاره أنه طبع الكتاب بهذا الاسم. ولكن حدث إشكال في ضبط كلمة الأعلام. يقول الشيخ بكر أبو زيد - ﵀ - في كتابه «ابن قيم الجوزية» (ص ٢١١): «وهذا (يعني «إعلام الموقعين» بكسر الهمزة) هو الضبط المشتهر على ألسنة علماء قطرنا، أعني في الديار النجدية. ولم أر من ضبطه بالحرف من قدماء النقلة","vol":"المقدمة","page":19},{"text":"ومتأخريهم». ثم قال عن «أعلام الموقعين» بفتح الهمزة (ص ٢١٢): «وهذا الضبط منتشر عند بعض علماء الأقطار من غير نجد». ونقل من حاشية للشيخ عبد الفتاح أبوغدة على كتاب «قواعد في علوم الحديث» للشيخ ظفر أحمد التهانوي (ص ٩٧) أنه سمع هكذا بكسر الهمزة من غير واحد من شيوخه، ومنهم الشيخ راغب الطباخ (١٢٩٣ - ١٣٧٠) والشيخ زاهد الكوثري (١٢٩٦ - ١٣٧١).\nولا شك أن الناطقين بالكسر لم يكن لديهم مستند في ذلك، وإنما جرى على ألسنتهم دون نظر وتحقيق. ولعل من أسباب الوهم شيوع لفظ «الإعلام» في أسماء كتب كثيرة مشهورة، مثل «إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء» لابن الجوزي، و«إعلام الساجد بأحكام المساجد» للزركشي، و«إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب» للسيوطي، و«إعلام الناسك بأحكام المناسك» لنور الدين الشافعي، و«إعلام النبيه بما زاد على المنهاج من الحاوي والبهجة والتنبيه» لابن قاضي عجلون، و«إعلام الأعلام بمن ولي قضاء الشام» لابن اللبودي، و«إعلام الورى بمن ولي نائبًا من الأتراك بدمشق الكبرى» لابن طولون وغيرها.\nويضاف إلى هذا الشيوع للفظ الإعلام في عنوان الكتاب قربُ معناه وكثرةُ دورانه على ألسنة الناس في عموم كلامهم. ونخشى أن يكون سجع العنوان (الموقعين + العالمين) أيضًا ساعد على الوهم، إذ خيَّل إلى الناس أنه عنوان تامّ، فخفي عليهم ما فيه من نقص وقصور لعدم ذكر ما يتعلق به لفظ الإعلام. فلو فسّرت العنوان كاملًا على وجه الكسر، فقلت: «إخبار المفتين» = لظهر ما كان خافيًا من النقص والضعف، بل تبيَّن عجزُ واضع","vol":"المقدمة","page":20},{"text":"العنوان أيضًا إذ أعياه تكملة عنوانه بسجعة ملائمة تُتِمّ معناه! ولذلك قلّما تجد عنوانًا ورد فيه لفظ الإعلام إلا ومتعلقه مذكور فيه، كما رأيت في العناوين التي ذكرناها آنفا. أما عنوان كتاب ابن طولون: «إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين»، فإنما حُذف فيه متعلّقُ لفظ الإعلام لدلالة متعلّق «السائلين» المذكور عليه، فالسؤال والجواب كلاهما عن «كتب سيد المرسلين».\nوقد ذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في حاشيته المذكورة أنه كتب إلى الشيخ مصطفى الزرقاء يستطلع رأيه في ترجيح الفتح أو الكسر في عنوان كتابنا، فأجاب: «لا يوجد ــ فيما أعلم ــ دليل يصلح للقطع بأن مؤلفه رحمه الله تعالى وضعه هكذا أو هكذا، لأني أتذكر أنني تتبعت الدلائل كثيرًا، فلم أصل إلى نتيجة قطعية. ولكلٍّ دليل». ثم ذكر دليل الفتح، فقال: «فذكرُه كبارَ أهل الفتيا والقضاء من الصحابة والتابعين على نطاق واسع يوحي بالفتح جمعًا لعَلَم. أما دليل الكسر فهو كون الكتاب «يتضمن كثيرًا من الفقه والتوجيه والتأصيل الشرعي من رأيه وفهمه واجتهاده، كأنما هو خطاب للمتصدّين للفتوى والقضاء، الموقّعين عن الله، فهو إعلام لهم». فالقضية عنده قضية ترجيح واستحسان، لا قضية خطأ وصواب. قال الشيخ عبد الفتاح: «وهي كلمة فصل». كذا قال! وإنما هي ــ كما ترى ــ كلمة تردّد، إذ لم يصل الشيخ مصطفى الزرقاء إلى نتيجة قطعية، كما اعترف بصراحة في أول الجواب.\nأما ما ذكره من توجيه الفتح، فإنه «ليس بالقائم، وسبيله الرفض» كما يقول الشيخ بكر أبو زيد في كتابه «ابن القيم» (ص ٢١٣)، لأن ذكر أعلام الفتيا والقضاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ليس إلا جزأ من مقدمة","vol":"المقدمة","page":21},{"text":"المؤلف، واستغرق نحو عشرين صفحة فحسب من الكتاب الزائدة صفحاته على ١٦٠٠ صفحة (من طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد - ﵀ -). وأما توجيه الكسر فقد تقدم ما فيه.\nوبعد، فإن اسم الكتاب في نسخة المكتبة الأزهرية التي وقفنا على المجلد الثاني منها كتب هكذا: «أَعلام الموقعين ...»، فوضعت علامة الهمزة فوق الألف مع ضبطها بالفتح. وهذه النسخة أصل جليل متقن مكتوب سنة ٧٩٠، ولكن عنوان الكتاب فيها ليس بخط ناسخها. وبين أيدينا نسخة أخرى من الكتاب محفوظة في مكتبة مديرية الأوقاف العامة ببغداد، وهي نسخة قديمة أيضًا وصل إلينا منها المجلد الأول، ولعل صفحة العنوان منها ضاعت، غير أن أحد مالكيها سنة ٩٩٥ كتب اسم الكتاب «اَعلام الموقعين ...»، وضبط أوله بالفتح.\nأما طبعات الكتاب، فإن طبعته الأولى التي صدرت في الهند سنة ١٣١٣ - ١٣١٤ لم يضبط فيها أول كلمة «اعلام» بالفتح أو الكسر، على طريقتهم في تجريد الألف من علامة الهمزة في الخط الفارسي وخط النسخ كليهما، كما ترى في الكتب العربية المطبوعة قديمًا طباعة حجرية أو بتنضيد الحروف في الهند وتركيا وإيران، بل في بعض مطبوعات مصر أيضا، وكان ذلك امتدادًا لطريقة ناسخي المخطوطات العربية عمومًا. ولما طبع الكتاب أول مرة في مصر سنة ١٣٢٥ كتب عنوانه أيضًا «اعلام الموقعين» دون ضبط أوله كالطبعة الهندية. نعم، وضعوا في خاتمة الكتاب علامةً على الألف تشبه نقطتين، ولكنها ليست بهما ولا علامة الهمزة. وتابعتها في عدم الضبط الطبعة المنيرية غير المؤرخة. أما طبعة الشيخ محمد محيي الدين","vol":"المقدمة","page":22},{"text":"عبد الحميد الصادرة سنة ١٣٧٤ (١٩٥٥ م)، فإنها أيضًا أثبتت في صفحة العنوان «اعلام الموقعين» دون ضبط غير أنها التزمت في خاتمة كلِّ مجلد وبداية فهرسه ونهايته بوضع علامة الهمزة فوق الألف: «أعلام الموقعين». وكأنها بصنيعها هذا قد مهدت لصدور ثلاث طبعات: طبعة الشيخ عبد الرحمن الوكيل سنة ١٣٨٩ (١٩٦٩ م)، وطبعة الشيخ طه عبد الرؤوف سعد سنة ١٩٧٣ م، وطبعة الشيخ عصام الحرستاني سنة ١٤١٩ باسم «أعلام الموقعين» دون تردد. ولكن الشيخ مشهور بن حسن لما أصدر الكتاب بتحقيقه سنة ١٤٢٣ كانت نشرته أول نشرة، في تاريخ الكتاب مخطوطِه ومطبوعِه، أُثبِت فيها العنوانُ بكسر الهمز «إعلام الموقعين»!\nهذا، وقد ذكر الأمير صديق حسن خان في حاشية كتابه «سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند» (ص ٨٤) وهو مطبوع في الهند سنة ١٢٩٣ أن في كشف الظنون: «الموفَّقين» يعني: في موضع «الموقِّعين»، والإحالة هنا على نسخة خطية من الكشف، فإن هذا التصحيف لم يقع في نشرة فلوجل من الكتاب (١/ ٣٦٠ - ٣٦١)، التي صدر المجلد الأول منها سنة ١٨٣٧ م (١٢٥٣ هـ) قبل طباعة كتاب الأمير. والجدير بالذكر أن الطبعة التركية من الكشف أيضا بريئة من هذا الخطأ. ولكن الغريب حقًّا أن الشيخ أنور شاه الكشميري (١٢٩٢ - ١٣٥٢) نقل في كتابه «فيض الباري على صحيح البخاري» (٢/ ٢٦٧) من كتابنا هذا، وقال: «ومرّ عليه ابن القيم في أعلام الموقَّعين، والصواب: أعلام الموفَّقين ...». قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بعد ما نقل كلامه في حاشيته المذكورة: «وأثبته بفتح الهمزة، وبلفظ الموفقين بالفاء ثم القاف من التوفيق. وهو شيء غريب يعدّ من سبق القلم وتغيير الاسم","vol":"المقدمة","page":23},{"text":"العلَم، وهو ليس بجائز إلا عن نصٍّ من صاحبه». قلنا: وبصرف النظر عن تصحيحه الجازم من غير حجة، هل ذهب على الشيخ أنور شاه أن بعده في العنوان «عن رب العالمين»، فكيف يكون تأويل «الموفقين عن رب العالمين» عنده؟ نعم، لوقال: إن الصواب «... الموفقين عند رب العالمين»، كما ذكر البغدادي في «هدية العارفين» (٢/ ١٥٨)، لكان له وجه من التأويل، مع بُعده عن الصواب أكثر من الأول لتصحيف الكلمتين.\nولم ينته شقاء هذا العنوان بعدُ، إذ قرأ المستشرق الألماني غوستاف فلوجل ــ وهوالذي أخرج الطبعة الأولى من «كشف الظنون» مع ترجمته اللاتينية ــ لفظ «الموقعين» بفتح القاف، وفسره بمعنى المنكوبين الذين ابتلاهم الله بالمصائب!\nوهكذا أصيب ثلاثة أخماس هذا العنوان بتصحيف أو تحريف أو سوء تأويل! ولو علم المؤلف - ﵀ - أن كلمة «الأعلام» المشتركة ستجلب إلى عنوانه الجديد كلّ هذا التخليط لصرَف النظرَ عنه بالكلية، وأبقى على العنوان الأول الصريح الدلالة على ما ضمّن كتابه العظيم من صُوى وأعلام يهتدي بها الفقهاء والمفتون والقضاة. ألا، وهو: «معالم الموقعين عن ربِّ العالمين»، وبه سمِّي الكتاب في ثلاث نسخ من النسخ التي بين أيدينا.\nوقد اخترنا عنوان «أعلام الموقعين» لأنه الذي أقرَّه المؤلف أخيرًا لخفته على اللسان، وهو مرادف للفظ «المعالم» الذي ذكره المؤلف في بعض كتبه، ولا فرقَ بينهما في المعنى. أما «إعلام الموقعين» بكسر أوله فبعيد كما سبق تفصيله.\n* * * *","vol":"المقدمة","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>زمن التأليف</span>\nأحال المؤلف على كتابه هذا في ثلاثة مؤلفات له، كما سبق، ومنها: «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان»، الذي قال فيه (١/ ٣٢): «وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وما تضمَّناه من الحكم في كتاب المعالم وغيره». يعني المثلين المائي والناري المذكورين في أول سور البقرة. وقد وصلت إلينا نسخة من «إغاثة اللهفان» مكتوبة في حياة المؤلف سنة ٧٣٨، وهذا دليل قاطع على أن كتاب الإغاثة وكتاب المعالم كليهما أُلّف قبل هذا التاريخ.\nوإذا فرضنا أن إحالته على كتاب المعالم في كتاب «الإغاثة» وكتاب «الفوائد» وكتاب «التبيان في أيمان القرآن» لم يلحقها المؤلف فيما بعد، فسيكون موضعه في ترتيب مؤلفاته قبل الكتب الثلاثة.\nولم نجد في كتابنا هذا ذكرًا لمؤلفات أخرى لابن القيم ما عدا كتابين أحال عليهما في موضع واحد (٤/ ٤٣٦): أحدهما كتاب «الفروسية»، والآخر كتاب «بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال». وذلك في مسألة جواز المسابقة بلا محلّل وإن أخرج المتسابقان. لم يصل إلينا الكتاب الأخير، غير أنه هو المقصود ــ فيما يبدو ــ في قول ابن كثيرفي «البداية والنهاية» (١٨/ ٤٧٩): «ووقع كلام وبحث في مسألة اشتراط المحلِّل في المسابقة، وكان سببه أن الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صنف فيه مصنفًا من قبل ذلك، ونصر فيه ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية في ذلك». ثم ذكر ابن كثير أن القاضي الشافعي ــ وهوتقي الدين السبكي كما ذكر ابن حجر في «الدرر الكامنة» ــ طلب ابن القيم، وحصل","vol":"المقدمة","page":25},{"text":"بينهما كلام في ذلك، إلى أن أظهر ابن القيم موافقته للجمهور. وهذه الحادثة وقعت سنة ٧٤٦.\nأما كتاب «الفروسية» فهو مطبوع. وقد تناول فيه ابن القيم مسألة المسابقة بالتفصيل، وبعد ما استوفى وجوه القول فيها قال: «فتأمل أيها المنصف هذه المذاهب وهذه المآخذ، لتعلم ضعف بضاعة من قمَّش شيئا من العلم من غير طائل، وارتوى من غير مورد، وأنكر غير القول الذي قلَّده بلا علم، وأنكر على من ذهب إليه، وأفتى به، وانتصر له. فكأن مذهبه وقول من قلّده عيارًا (كذا، والصواب: عيار، بالرفع) على الأمة، بل عيارًا (كذا وقع هنا أيضا) على الكتاب والسنة».\nوالظاهر أن هذا النص يشير إلى الحادثة المذكورة التي وقعت للمؤلف مع تقي الدين السبكي، ومن ثم استظهر محقق كتاب «الفروسية» في مقدمته (ص ١٣ - ١٤) أن ابن القيم ألَّفه سنة ٧٤٦ أو بعدها بقليل، وقد يفهم منه أيضا أن كتاب «أعلام الموقعين» الذي ذكر فيه كتاب «الفروسية» ألَّفه بعد سنة ٧٤٦.\nقلنا: الظاهر من عبارة ابن كثير أن ابن القيم «صنَّف فيه مصنَّفًا من قبل ذلك» أي قبل سنة ٧٤٦ بمدة، وليس بعدها. وقد ثبت من قبل بما لا ريب فيه أن «أعلام الموقعين» أُلِّف قبل سنة ٧٣٨، فيكون تأليفه للفروسية بعد الأعلام، والإحالة عليه في الفروسية لا غبار عليها.\nولكن متى شرع في تأليف الكتاب، ومتى فرغ منه؟ لا سبيل لنا إلى الإجابة عن هذا السؤال، ولكن ما المانع من تحسُّس خبره؟ ولعل بارقة تلوح لنا!","vol":"المقدمة","page":26},{"text":"أحال المؤلف في كتابيه: «تهذيب السنن» (٣/ ١٣٧)، و«مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥٥) على كتاب له في الاجتهاد والتقليد، وفي مسألة واحدة، وهي حكم داود وسليمان ﵉ في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، فقال في الكتاب الأول: «اختلف العلماء في مثل هذه القضية على أربعة أقوال: أحدها القول بالحكم السليماني في أصل الضمان وكيفيته، وهو أصح الأقوال وأشده مطابقة لأصول الشرع والقياس، كما قد بينّا ذلك في كتاب مفرد في الاجتهاد». وقال في كتاب المفتاح: «وقد ذكرت الحكمين الداوودي والسليماني ووجههما، ومن صار من الأئمة إلى هذا ومن صار إلى هذا، وترجيح الحكم السليماني من عدة وجوه، وموافقته للقياس وقواعد الشرع في كتاب الاجتهاد والتقليد». ولننظر الآن في الأمور الآتية:\n- كتاب «أعلام الموقعين» بمباحثه الفقهية والأصولية يدور حول الاجتهاد والتقليد، ومبحث التقليد خاصة قد استغرق أكثر من مئة وخمسين صفحة (٣/ ١٢ - ١٧٠).\n- ما أشير إليه في نصَّي الإحالة وارد في الجملة في «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٤).\n- كانت مباحث كثيرة من «أعلام الموقعين» ــ ولا سيما بحث التقليد ــ جديرة بأن يحال فيها على كتاب الاجتهاد والتقليد، إن كان سبق تأليفه. ولكن لا نجد في كتابنا إشارة إلى هذا الكتاب.\n- لم يشر ابن القيم إلى كتاب «الاجتهاد والتقليد» في كتاب آخر غير «تهذيب السنن» و«المفتاح».","vol":"المقدمة","page":27},{"text":"- لم يذكر الصفدي، ولا ابنا رجب هذا الكتاب.\n- ألَّف «تهذيب السنن» سنة ٧٣٢.\nالنظر في الأمور المذكورة يقودنا إلى احتمالين: إما أن يكون المقصود بكتاب «الاجتهاد والتقليد» كتابنا هذا نفسه، وبهذا سماه في البداية، ثم توسع فيه، فيكون الشروع في تأليفه قبل سنة ٧٣٢، وهي سنة تأليف «تهذيب السنن»؛ وإما أنه قد سوّد من قبل كتابًا بهذا الاسم، ولكن لما ألّف «أعلام الموقعين» أفرغ فيه مسودته كاملة، فلم يبق كتابًا مفردًا مستقلًّا يذكر اسمه. وهذا أشبه، ويؤيد ذلك ما ذكره الصفدي في حجم الكتاب، كما سبق في مبحث عنوان الكتاب. والله أعلم.\n* * * *","vol":"المقدمة","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>بناء الكتاب وموضوعاته</span>\nوصف المؤلف كتابه «طريق الهجرتين» في مقدمته بأنه جاء «غريبًا في معناه، عجيبًا في مغزاه». ولوقال: «عجيبًا في مبناه» لكان مصداقَ قوله كتابان من كتبه بصفة خاصة: «مفتاح دار السعادة»، و«أعلام الموقعين عن رب العالمين».\nولا شك أن بناء «المفتاح» أغرب من بناء «الأعلام»، لأن المؤلف - ﵀ - استطرد في الأول إلى مباحث كبيرة كانت خليقةً بإفرادها، وأمعن في الاستطراد إمعانًا، حتى اضطرّ أخيرًا إلى إنهاء الكتاب دون إكماله حسب خطته المرسومة. أما كتاب «الأعلام» فليست غرابته في الاستطراد إلى مباحث بعيدة عن موضوع الكتاب، بل في إدراج أبواب كبيرة جدًّا، هي من مقاصد الكتاب وصميم الموضوع، تحت فصل لا يدل عنوانه عليها، على سبيل الاستطراد المتسلسل، الذي كلُّ استطراد فيه يفضي إلى استطراد آخر. ومثله كمثل قرية صغيرة، في مدخلها لوحة لا تحمل إلا اسم القرية، فإذا دخلتها أدّاك أحد أزقّتها الضيقة إلى مدينة فخمة واسعة، وبينما تجوِّل في هذه المدينة فإذا بطريق من طرقها نازل إلى نفق طويل مضيء يهجم بك على مدينة جديدة تحت المدينة الأولى أكبرمنها وأفخم!\nقبل أن نخوض بك في فصول الكتاب، وترتيب المباحث فيه، ومنعرجات هذا الترتيب، نضع بين يديك البناء العام والموضوعات الكبرى التي اشتمل عليها الكتاب:\n- مقدمة الكتاب.","vol":"المقدمة","page":29},{"text":"- أقسام الرأي المحمود والرأي المذموم، وحجج أهل الرأي وناقديهم.\n- شرح كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء.\n- القياس: أنواعه، واحتجاجات القائلين به والمنكريه والمتوسطين بينهم.\n- تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب.\n- تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد.\n- سدّ الذرائع، وإبطال الحيل.\n- جواز الفتوى بالآثار السلفية وفتاوى الصحابة وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم.\n- خاتمة الكتاب الأولى: فوائد تتعلق بالفتوى والمفتي.\n- خاتمة الكتاب الثانية: فتاوى النبي - ﷺ -.\nالجدير بالذكر هنا أن شرح كتاب أمير المؤمنين جزء من الموضوع السابق وهو باب الرأي، والقياس جزء من شرح كتاب عمر. فكلاهما جاء استطرادًا كما سترى، ولكنهما من أهم أبواب الكتاب، ومقصودان عند المؤلف بالقصد الأول، وقد استغرقا نحو الثلث من هذا الكتاب. وبحث سدّ الذرائع والحيل كذلك جرّت إليه مسألةُ القصود في العقود في فصل تغيّر الفتوى، ولكنه باب مهم أيضا، وأفرده المؤلف بالكلام عليه. وللكتاب","vol":"المقدمة","page":30},{"text":"خاتمتان كما ترى، استهل الأولى بقوله: «ولنختم الكتاب»، والأخرى بقوله: «ونختم الكتاب». ولعل الثانية أضافها فيما بعد.\nوالآن نلقي نظرة خاطفة على الكتاب تكشف بالاختصار عما تنطوي عليه الأبواب المذكورة من مطالب عظيمة وبحوث كثيرة نفيسة في الفقه وأصول الفقه وأسرار الشريعة، وغيرها، وتكشف أيضا عن الترتيب الداخلي لمباحث الكتاب، فتقف على بعض مناهج ابن القيم في التأليف وسياسته فيه.\n* [مقدمة الكتاب] (١/ ٣ - ٩٢):\nقسم فيها المؤلف علماء الأمة إلى قسمين: الأول حفاظ الحديث وجهابذته النقاد، والثاني فقهاء الإسلام؛ وبيّن أهمية منصب المفتي لكونه موقِّعا عن الله عزوجل، وسرد أسماء المفتين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولما ذكر فقهاء بغداد ومنهم الإمام أحمد ذكر الأصول الخمسة التي بنيت عليها فتاواه. ثم تكلم على كراهية السلف للتسرع في الفتوى، وتحريم القول على الله بغير علم في الفتيا والقضاء.\n* فصول في كلام الأئمة في أدوات الفتيا، وشروطها، ومن ينبغي له أن يفتي، وأين يسع قول المفتي: لا أدري. (١/ ٩٣ - ٩٨).\nكذا وقع لفظ «فصول» في جميع النسخ الخطية، مع أنه فصل واحد. وسيأتي في آخر الكتاب باب طويل في آداب الفتيا وشروطها وما إلى ذلك.\n* فصل في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص، والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول. (١/ ٩٨ - ١٨٥).\nنقل فيه ما روي عن الصحابة من إنكار الرأي، ثم عقد فصلا لجواب","vol":"المقدمة","page":31},{"text":"أهل الرأي، ونقل فيه ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي، ثم ذكر أنه لا تعارض بين الآثار المذكورة، ويتبيّن ذلك بالفرق بين الرأي الباطل والرأي الحق. ثم فسر لفظ الرأي، وقسمه إلى ثلاثة أقسام: باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه. ثم قسم الرأي الباطل إلى خمسة أنواع، وذكر قول ابن عبد البر إن الآثار المروية في ذم الرأي لا تخرج عن هذه الأنواع المذمومة، وهنا نقل آثار التابعين ومن بعدهم في ذم الرأي.\nثم تكلم على الرأي المحمود، وقسمه إلى أربعة أنواع. ولما عقد فصلا للنوع الرابع منه وهو أن يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها فيه ففي السنة، فإن لم يجد فيها ففي أقضية الصحابة، وإلا فاجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من المصادر المذكورة. واستدل على ذلك بقول عمر لشريح: «ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم يستبِنْ في كتاب الله فمن السنَّة، فإن لم تجده في السنَّة فاجتهِدْ رأيَك». ثم نقل خطاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وأخذ في شرحه.\n* شرح كتاب عمر إلى أبي موسى في القضاء (١/ ١٨٥ - ٢/ ٥٢٠).\nوقد شرحه المؤلف فقرة فقرة. ومن المباحث المهمة التي جاءت ضمن الشرح:\n- معنى البينة ونصاب الشهادة (١/ ١٩٤ - ٢٢٣). وبيّن أن الأمر بالتعدد في جانب التحمل وحفظ الحقوق لا يلزم منه الأمر بالتعدد في جانب الحكم والثبوت، وأن الطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع، ثم استطرد إلى أن السنة تولية الأنفع للمسلمين على من هو أفضل منه. وقال في آخر البحث: «ولا تستطل هذا الفصل، فإنه من أنفع فصول الكتاب».","vol":"المقدمة","page":32},{"text":"- مسألة شهادة القريب للقريب (١/ ٢٣٣ - ٢٤٨).\n- مسألة شهادة القاذف إذا تاب (١/ ٢٦٠ - ٢٧٣).\nولما وصل في الشرح إلى قول عمر: «ثم الفهمَ الفهمَ فيما أُدِليَ إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنَّة، ثم قايِسِ الأمورَ عند ذلك، واعرِفِ الأمثال، ثم اعمِدْ فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله وأشبَهِها بالحق» (١/ ٢٧٧) جعله مدخلًا لمبحث القياس الذي هو أحد الموضوعات الكبرى للكتاب، وقال: «هذا أحد ما اعتمد عليه القيّاسون في الشريعة».\n* القياس (١/ ٢٧٧ - ٢/ ٥٠٦):\nافتتحه بتفصيل أدلة أصحاب القياس (١/ ٢٧٧ - ٤٥٣). فذكر أولا ضروب الاستدلال، والأقيسة المستعملة فيه، وهي ثلاثة: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبَه، مع إيراد أمثلة من القرآن لكل من الأنواع المذكورة وتفسيرها في فصول مستقلة. ثم عقد فصلًا جديدًا افتتحه بقوله: «ومن هذا ما وقع في القرآن من الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون»:\n- أمثال القرآن (١/ ٣٠٩ - ٣٧٧)\nوهو مبحث طويل ونفيس، ولكن لم يكن السياق مقتضيًا لكلِّ هذا. وكان حسبه أن يذكر مثلين أو ثلاثة، بعدما أورد من قبل أمثلة كثيرة لأنواع القياس الثلاثة. ويذكرون في ترجمة المؤلف كتابًا له بهذا العنوان، فلعله توسع في هذا المبحث فيما بعد. ولم يصل إلينا كتابه المذكور غير أن بعض علماء نجد استلّ مبحث الأمثال من هنا، وسماه «درر البيان في أمثال القرآن»، وهو مطبوع.","vol":"المقدمة","page":33},{"text":"ثم ذكر أدلة أخرى لأصحاب القياس من السنة وعمل الصحابة واختلافهم في مسائل كثيرة. وهنا جاء ببحث مهم ولطيف:\n- منشأ غلط أرباب الألفاظ وأرباب المعاني في فهم مراد المتكلم (١/ ٤٣٩ - ٤٥٣).\nوبعد ما فرغ من أدلة القيَّاسين قال: «قد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منها! فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلَّة الدالّة على ذمِّ القياس، وأنه ليس من الدين، وحصولِ الاستغناء عنه والاكتفاء بالوحيين. وها نحن نسوقها مفصّلةً مبيّنةً بحمد الله».\nوبدأ تفصيل أدلة نفاة القياس (١/ ٤٥٣ - ٢/ ١٤٤) بذكر استدلالهم ببعض الآيات، واعتراضاتهم الأخرى على القياس، وذكر قولهم: إن ضرب الأمثال لله منهي عنه، فكذلك ضرب الأمثال لدينه، وإن تمثيل غير المنصوص على حكمه بالمنصوص عليه لشبهٍ ما هو ضربُ الأمثال لدينه. ثم قال: «وهذا بخلاف ما ضربه رسول الله - ﷺ - من الأمثال في كثير من الأحكام ... ومن أحسن هذه الأمثال وأبلغها وأعظمها تقريبا للأفهام: ما رواه ...»:\n- أمثال الحديث (١/ ٤٥٨ - ٤٨٠).\nألم تر كيف تلطف المؤلف لإيجاد مكان لهذا الموضوع ضمن أدلة النفاة، مع أنه من أدلة المثبتين؟ وكأنه شعر بأنه لوجمع أمثال القرآن والحديث كليهما في مكان واحد هنا أو هناك لاستثقل القارئ إقحام الموضوعين على هذا الوجه، ففرّق بينهما. ومما يلاحظ أن المؤلف اقتصر على سرد أمثال الحديث هنا، مع أنه قد فسّر بعضها في مؤلفاته الأخرى،","vol":"المقدمة","page":34},{"text":"خلافًا لأمثال القرآن التي أفاض في تفسيرها من قبل.\nواستمرّ على تفصيل أدلة نفاة القياس، وسرد أقوال الصحابة والتابعين في ذمه، وبيان تناقض أهل القياس واضطرابهم في أقيستهم بالجمع بين المتفرقات والتفريق بين المتماثلات. وفي خلال ذلك ناقش مسائل كثيرة آخرها:\n- القصاص في اللطمة والضربة (٢/ ١١٨ - ١٤٢)\nوقد أطال فيها، إلى أن قال: «وهذا غيض من فيض، وقطرة من بحر من تناقض القيّاسين والآرائيين ... فانظر إلى هذين البحرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما ...».\nثم ذكر قول المتوسطين بين الفريقين (٢/ ١٤٤ - ٥٠٦). وهذا القسم لب هذا الباب وخلاصة فكر المؤلف وشيخه في القياس ومعظمه مأخوذ منه، ويشتمل على أهم فصول الكتاب. ذكر في أوله أن الناس في القياس ثلاث فرق: فرقة قالت إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وقال غلاتها: ولا بعُشر معشارها. وأخرى حرّمت القياس البتة، وأنكرت الحكمة والتعليل في الخلق والأمر، وفرقة ثالثة نفت الحكمة والتعليل والأسباب لكنها أقرّت بالقياس. ثم قال: إن كل فرقة من الفرق الثلاث سدُّوا على أنفسهم طريقًا من طرق الحق، فاضطرّوا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحمله. والردُّ علىهم اقتضى الكلام على:\n- الاستصحاب (٢/ ١٥٨ - ١٧٨).\nثم ذكر خطأ أصحاب الرأي والقياس من خمسة أوجه، وأنه للرد عليها","vol":"المقدمة","page":35},{"text":"سيعقد ثلاثة فصول هي من أهمّ فصول الكتاب، وبها يتبين للعالم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع: الأول في بيان شمول النصوص للأحكام والاكتفاء بها عن الرأي والقياس. والثاني في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس وبطلانها مع وجود النص. والثالث في بيان أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح. ولكن الغريب أنه عقد فصلين فقط: الفصل الأول، والفصل الثالث ــ وجعله الثاني ــ هكذا:\n- الفصل الأول في شمول النصوص للأحكام وإغنائها عن القياس (٢/ ١٧٩ - ٢٣٣).\n- الفصل الثاني في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس (٢/ ٢٣٣ - ٥٠٦).\nفأغفل ــ كما ترى ــ الفصل الذي موضوعه سقوط الرأي والاجتهاد والقياس مع وجود النص. وهو خلل ظاهر لا أدري كيف ذهب عليه! ولكن سيأتي هذا البحث مطولا بعد باب التقليد، فهل نقله من هنا فيما بعد، ونسي إصلاح السياق هنا؟\nوناقش في الفصل الأول ستّ مسائل «اختلف فيها السلف ومن بعدهم، وقد بينتها النصوص» وكلُّها في الفرائض كالمشرَّكة والعمريتين وغيرهما.\nأما الفصل الثاني، فناقش فيه مسائل كثيرة مما أشكل على الفقهاء وظنوها بعيدة من القياس، منها: الوضوء من لحم الإبل، والفطر بالحجامة، والحوالة، والسلم، والإجارة، وحمل العاقلة الدية عن الجاني، وحديث","vol":"المقدمة","page":36},{"text":"المصرّاة، وحكم الخلفاء الراشدين في امرأة المفقود، وحكم عليٍّ في الذين وقعوا على امرأة واحدة في الطهر، ثم تنازعوا في الولد، وغيرها (٢/ ٢٣٣ - ٣٣٩).\nثم سرد طائفة كبيرة من المسائل التي زعم نفاة الحِكَم والتعليل والقياس أن الشريعة فرّقت فيها بين المتماثلين أو جمعت بين المختلفين (٢/ ٣٣٩ - ٥٠٦)، وهي نحو خمسين مسألة. وأجاب عنها أولا جوابًا مجملا نقل فيه أجوبة الأصوليين كابن الخطيب الرازي، وأبي الحسن الآمدي، والقاضي أبي يعلى، والقاضي عبد الوهاب المالكي. ثم أفرد كلَّ مسألة منها بجواب مفصل.\nهذا المبحث وهو في أسرار الشريعة من أنفس مباحث الكتاب. ومن المسائل التي أفاض القول فيها:\n- تفريق الشارع في العدة بين الموت والطلاق وعدة الحرة وعدة الأمة (٢/ ٣٦٠ - ٣٧٦).\nوختم هذا البحث بقوله: «وهذه الدقائق ونحوها مما يختصُّ الله سبحانه بفهمه من شاءَ؛ فمن وصل إليها فليحمد الله، ومن لم يصل إليها فليسلِّم لأحكم الحاكمين وأعلم العالمين، وليعلم أن شريعته فوقَ عقول العقلاء، ووَفْقَ فِطَرِ الألبَّاء».\n- فصل في الحدود ومقاديرها وكمال ترتيبها على أسبابها، واقتضاء كلِّ جناية لما رُتِّب عليها دون غيرها (٢/ ٤٠٥ - ٤٣٢). وعقد هذا الفصل تمهيدًا لبيان حكمة الشارع في قطع يد السارق التي باشر بها الجناية، خلافا للزاني والقاذف.","vol":"المقدمة","page":37},{"text":"- أصل الشفعة واختصاص بعض المبيع بها دون بعض (٢/ ٤٤٦ - ٤٧٢).\n- مسألة الربا (٢/ ٤٧٤ - ٤٩٣).\n- التسوية بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والحدود، وجعلها على النصف منه في الدية والشهادة والميراث والعقيقة (٢/ ٤٩٧ - ٥٠٠).\n* تكملة شرح كتاب عمر إلى أبي موسى في القضاء (٢/ ٥٠٦ - ٥٢٠).\nبعد ما أكمل المؤلف شرح كتاب عمر في القضاء، عقد فصلا بعنوان:\n- ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك (٣/ ٣ - ١١).\nويتلوه باب التقليد بعنوان:\n* ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب (٣/ ١٢ - ١٧٠).\nالتقليد كالقياس والرأي أحد موضوعات الكتاب الكبرى، وقد عقد المؤلف فيه مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان، وبعد ذكر جملة من أدلة المقلدين أفاض في الرد عليه بواحد وثمانين وجهًا. وختم البحث بقوله (٣/ ١٧٠): «وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما، ومالهم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظرفي كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدا ...». بعد بحث التقليد هذا عقد فصلًا طويلًا عنوانه:","vol":"المقدمة","page":38},{"text":"* فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر الإجماع على ذلك (٣/ ١٧١ - ٤٢٨).\nبعد ما قرّر أن اجتهاد الرأي والقياس لا يصار إليهما إلا عند الضرورة وأنه لا اجتهاد مع النص، ولا قول لأحد مع سنة رسول الله - ﷺ -، أورد ٧٣ مثالًا، والأمثلة الثلاثة عشر الأولى منها في النصوص التي ردَّها الجهمية والقدرية والجبرية والخوارج والرافضة. ثم ذكر المسائل الفقهية التي ردّت فيها النصوص الصريحة من السنن. ومن المباحث المهمة في هذا الفصل:\n- زيادة السنة على القرآن وحكمها (٣/ ٢١٨).\n- حجية عمل أهل المدينة (٣/ ٣٤٨).\n* فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد (٣/ ٤٢٩ - ٦٣٣).\nاستهلّ هذا الفصل ببيان أهميته، وقال: «هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجبَ من الحرج والمشقة وتكليفِ ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رُتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عَدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها وحكمة كلها». ثم ذكر أنه سيفصِّل هذا الإجمال بأمثلة صحيحة. ومنها:\n- المثال السابع في حكم جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد (٣/ ٤٦٩).\nوهي مسألة مشهورة كانت موضع نزاع، ونصر شيخ الإسلام ابن تيمية","vol":"المقدمة","page":39},{"text":"القول بوقوعها طلقة واحدة خلافًا للمذاهب الأربعة. وذكر المؤلف أنها مما تغيرت الفتوى بها في عهد عمر لأن الصحابة رأوا مفسدة تتابع الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، ولم يكن باب التحليل الذي لُعِن فاعله مفتوحًا بوجه ما.\n- المثال الثامن منها: موجبات الأيمان والأقارير والنذور (٣/ ٥٠٧).\nتحت هذا المثال تكلم على مسألة اليمين بالطلاق والعتاق، ومسألة الحلف بالحرام، ومنشأ أيمان البيعة.\n- المثال التاسع: في تأجيل بعض المهر وحكم المؤجل (٣/ ٥٥٢) وانجرّ الكلام عليه إلى تقرير أن العبرة في الشريعة بالمقاصد والنيات، وفي خلال الاستدلال عليه تكلم على مسألة السر والعلن في المهر وغيره لاضطراب أقوال المتأخرين فيها، وتكلم على شروط الواقفين. ثم نقل احتجاج القائلين بأن الأحكام تجرى على الظاهر، والعقود لا تفسد بنية العاقدين، إلى أن قال: «فانظر ملتقى البحرين ومعترك الفريقين ...». ثم حكم بين الفريقين، وقسم الألفاظ إلى أقسام، وبيَّن متى يحمل الكلام على ظاهره ومتى يحمل على غير ظاهره. وذكر أمثلة عديدة لاعتبار المقاصد. وهكذا شيّد قاعدة:\n- القصود معتبرة في العقود (٣/ ٥٧٤).\nوالردُّ على قول الخصم: لا تفسد العقود بأن يقال: هذه ذريعة، وهذه نية سوء= اقتضى الكلام على مسألة سد الذرائع، لأن من سدَّ الذرائع اعتبر المقاصد وبالعكس.","vol":"المقدمة","page":40},{"text":"* فصل في سد الذرائع (٤/ ٣ - ٤٣).\nافتتحه بقوله: إن الوسائل في التحريم والتحليل تابعة للغايات. وحرَّر هذه القاعدة بتقسيم الذرائع المؤدية إلى المفاسد إلى أربعة أقسام: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى مفسدة. وأخرى موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة. وثالثة موضوعة للمباح، ولكنها تفضي إلى المفسدة غالبا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها. ورابعة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها. فالشريعة جاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريمًا بحسب درجاته في المفسدة، وبإباحة القسم الرابع أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة. أما القسمان الثاني والثالث، فهما ممنوعان، وأورد في الاستدلال على المنع ٩٩ وجهًا، واقتصر على هذا العدد لموافقته عدد أسماء الله الحسنى. ولما كان تجويز الحيل مناقضًا لسدِّ الذرائع، فإن الشارع يسدّ الطريق إلى المفاسد، والمحتال يفتح الطريق إليه بحيلة، وقد انتشرت الحيل في المجتمع الإسلامي في زمن المؤلف، وتفاقم الأمر= لم يكتف المؤلف بالفصل السابق الذي كلُّ الوجوه المذكورة تدل على تحريم الحيل، بل عقد فصلًا جديدًا للكلام على بطلانها وتحريمها:\n* الحيل (٤/ ٤٤ - ٥٧٥).\nوهو فصل طويل جدًّا، يبلغ حجمه مع فصل سدِّ الذرائع ربع الكتاب. ولا غرو، فإن المؤلف ختم كلامه في الفصل السابق بأن سدّ الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين، وفسره بأن التكليف أمر ونهي، والمأموربه إما مقصود أو وسيلة إلى المقصود. والمنهي عنه إما مفسدة وإما وسيلة إلى المفسدة.","vol":"المقدمة","page":41},{"text":"وبعدما أفاض القول في ذكر أقوال السلف في إبطال الحيل، والرد على احتجاجات أرباب الحيل، وذكر أمثلة كثيرة من الحيل المحرمة؛ ثم ذكر قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها، وقسّمها قسمين: القسم الأول: الحيل التي يُقصد بها إبطالُ حقّ وإثبات باطل، وقسَّمها ثلاثة أقسام. والقسم الثاني: أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل. وقسَّمه أيضًا إلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون الطريق محرَّمًا في نفسه، وإن كان المقصود به حقًّا، والثاني أن يكون الطريق مشروعًا وما يفضي إليه مشروع، ونبه على أن كلامه وكلام السلف في ذم الحيل لا يتناول هذا القسم. والقسم الثالث: أن يحتال على التوصل إلى الحق أو على دفع الظلم بطريق مباحة لم توضع أصلا موصلة إلى ذلك، أو وضعت له لكن تكون خفية لا يفطن لها. ومثلها مثل المعاريض في الكلام. ثم أورد ١١٦ مثالًا من هذه الطرق، وآخرها في المخارج من الوقوع في التحليل الملعون فاعلُه والمطلِّقُ المحلَّلُ له. وذكر أنها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما، أو أفتى به الصحابة أو بعضهم أو مخرّج على أقوالهم، أو هو قول الجمهور أو بعض الأئمة الأربعة أو بعض أتباعهم أو غيرهم من العلماء. وهي اثنا عشر مخرجًا. ومن المسائل التي أطال الكلام عليها: الاستثناء في الطلاق.\n* فصل في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية، وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم ... (٤/ ٥٧٦ - ٦٣٨).\nمهَّد المؤلف لهذا الفصل بكلمة هي في الحقيقة نفثة مصدور، وكأنه يحكي محنة شيخه ومحنته هو مع فقهاء عصره، إذ قال: «فلا يدري (يعني المفتي أو الحاكم) ما عذره غدًا عند الله إذا سوّى بين أقوال أولئك وفتاويهم","vol":"المقدمة","page":42},{"text":"وأقوال هؤلاء وفتاويهم، فكيف إذا رجحها عليها، فكيف إذا عيّن الأخذ بها حكمًا وإفتاء، ومنع الأخذ بقول الصحابة، واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها، وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام؟ تالله لقد أخذ بالمثل المشهور: رمتني بدائها وانسلت». بعد هذا التمهيد شرح ترتيب الأخذ بفتاوى الصحابة والتابعين. ثم شرع في الاستدلال على وجوب اتباع الصحابة والرد على شبهات من يعارض ذلك، وذكر ٤٦ وجهًا.\n* خاتمة الكتاب في فوائد تتعلق بالفتوى (٥/ ٣ - ١٨٧).\nاستهلَّها بقوله: «ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى»، وأورد ٧٠ فائدة حسب تعداده، وهي في الحقيقة تسع وستون، في آداب المفتي والمستفتي وما إليها. ومنها الفائدة السابعة عشرة في شروط الواقفين كيف يفتي فيها، وهي فائدة طويلة لأهمية الموضوع، وقد تطرق إليه غير مرة في هذا الكتاب. ومنها الفائدة الثالثة والعشرون في الخصال الخمس التي ذكرها الإمام أحمد للمفتي، وقد حُبِّب إلى المؤلف الكلام عليها ولا سيما على خصلة السكينة، فأفاض وأجاد. ومنها الفائدة التاسعة والعشرون في أقسام المفتين، والفائدة الثالثة والخامسون في أنه يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص وإن وافق مذهبه، وضرب أمثلة على ذلك، فذكر نحو أربعين مسألة.\n* الخاتمة الثانية بفصول من فتاوى الرسول - ﷺ - (٥/ ١٨٨ - ٤٨٥).\nبعد الخاتمة الأولى عقد فصلًا جديدًا افتتحه بقوله: «ونختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها عظيم أمرها، من فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين، تكون روحًا لهذا الكتاب، ورقمًا على حُلّة هذا التأليف».","vol":"المقدمة","page":43},{"text":"الظاهر أن المؤلف أضاف هذه الخاتمة فيما بعد، وفاته أن يصلح سياق الخاتمة الأولى، أو أن الأولى رآها جزأ من الحلة، وأما هذه فهي رقمٌ عليها كما قال.\nهذه الفصول تشتمل على مجموعة من الأحاديث التي ذكر فيها أن النبي - ﷺ - سئل عن أمر فأجاب. وقد أوردها المؤلف محذوفة الأسانيد، ولم يذكر في كثير منها اسم الصحابي الراوي عن النبي - ﷺ -، وجملة منها لم يخرّجها. وكان ينبغي للمؤلف في هذه الحالة أن يلتزم صحة هذه الأحاديث ليعتمد عليها أهل الإفتاء دون الرجوع إلى أسانيدها.\nوقد بدأها - ﵀ - بمسائل العقيدة، ورتبها نوعًا من الترتيب، ووضع لبعض الفصول عناوين أيضا. معظم الأحاديث مسرود سردًا، ولكن بعضها فسر غريبه، وتكلم على مضمونه مع ذكر الأقوال في المسألة والترجيح. ومن الأحاديث التي أطال فيها: أحاديث الزنا التي استطرد بعد إيرادها إلى بيان تأثير اللوث في الدماء والحدود والأموال، ثم تكلم على بطلان تقسيم الناس طرق الحكم إلى شريعة وسياسة (٥/ ٣٩٧ - ٤١٥)، وأتبعها نبذة من كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية مع أمثلة من اعتبار قرائن الأحوال في فصل مستقل (٥/ ٤١٥ - ٤١٩). ثم قال: «فلنرجع إلى فتاوى رسول الله - ﷺ - وذكر طرف من فتاويه في الأطعمة».\nوفي ختام هذه الفتاوى: «ذكرُ فصول من فتاويه - ﷺ - في أبواب متفرقة». وآخرها مسألة عن الكبائر، جمع فيها طائفة من الكبائر من عدة أحاديث، ثم عقد فصلين لتعداد الكبائر. وأتبعهما بفصل عنوانه: «فصل مستطرد من فتاويه - ﷺ -، فارجع إليها» كذا! وآخرها عن العطاس، وهو أن رجلًا عطس،","vol":"المقدمة","page":44},{"text":"فقال: ما أقول يا رسول الله؟ ... الحديث. نقله مع تخريجه: «ذكره أحمد».\nوهكذا ختم الكتاب دون كلمة تدل على انتهائه، كأن باب فتاوى النبي - ﷺ - كان مفتوحًا لإضافات أخرى. وقد يقال: إن حديث العطاس ختم بقول العاطس: «يهديكم الله ويصلح بالكم». فأحب المؤلف أن يختم كتابه الذي نصب فيه معالم طريق الإفتاء، بهذا الدعاء للمفتين الموقّعين عن رب العالمين.\n* * *","vol":"المقدمة","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>منهج المؤلف فيه</span>\nذكر الشيخ بكر أبو زيد في كتابه «ابن قيم الجوزية» (ص ٨٥ - ١٢٨) معالم منهج المؤلف في البحث والتأليف، وبعد التتبع والاستقراء تحدَّث عن تلك الخصائص والسمات البارزة التي تميزت بها مؤلفاته في اثني عشر جانبًا، وهي: الاعتماد على الأدلة من الكتاب والسنة، وتقديم أقوال الصحابة - ﵃ - على مَن سواهم، والسعة والشمول، وحرّية الترجيح والاختيار، والاستطراد التناسبي، والاهتمام بمحاسن الشريعة وحكمة التشريع، والعناية بعلل الأحكام ووجوه الاستدلال، والحيوية والمشاعر الفياضة بأحاسيس مجتمعه، والجاذبية في أسلوبه وبيانه، وحسن الترتيب والسياق، وظاهرة التواضع والضراعة والابتهال، والتكرار.\nوإذا نظرنا في «أعلام الموقعين» وقرأنا فيه نجد هذه الخصائص بارزةً أمامنا في كل فصلٍ من فصوله، فهو عندما يبحث أيَّ مسألة يعتمد على الكتاب والسنة ويحشد نصوصهما، ثم يأتي بأقوال الصحابة، لأنهم «الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول، والفرق بينهم وبين مَن بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل» (١/ ١٧٣). ثم يستدلُّ بالقياس الصحيح والمعقول. وقد ذكر هذا الترتيب في موضع من كتابه فقال: «النوع الرابع من الرأي المحمود: أن يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة فبما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحدٌ من الصحابة - ﵃ -، فإن لم يجده اجتهدَ رأيه ونظر في أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وأقضية أصحابه. فهذا هو الرأي","vol":"المقدمة","page":46},{"text":"الذي سوَّغه الصحابة واستعملوه، وأقرَّ بعضهم بعضًا عليه» (١/ ١٨٤).\nوقد أرشد المفتي إلى أن يذكر الدليل في فتياه فقال: «ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عَطَنه وقلة بضاعته في العلم» (٥/ ١١). وردَّ على من عاب الاستدلال في الفتوى فقال: «عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذِكر قول الله ورسوله إلّا طراز الفتوى» (٥/ ١٧٨).\nوقد أكثر من ذكر الأدلة ووجوه الاستدلال بها في بعض المسائل الأصولية والفقهية فأطال في بيان حجية القياس والرد على نفاة القياس بوجوه كثيرة، واستدلَّ على تحريم التقليد بواحد وثمانين دليلًا، واستدلَّ على قاعدة سدّ الذرائع بتسعة وتسعين دليلًا، واستدل على حجية قول الصحابي بثلاثة وأربعين دليلًا.\nوهكذا توسَّع في ذكر الأدلة والوجوه في بعض المسائل الفقهية «فكان إذا فتح بابًا من أبوابها يستوعب الكلام فيه، ويطيل ذيوله، ويوسِّع فيه المقال، ويكثر فيه من الشواهد والأمثال، ويتكلم في مآخذه ويقول، ويصول في مداركه ويجول، ولا يترك شاردة ولا واردةً إلا ذكرها. وذلك بذكر مذاهب الأئمة، وبسط الأدلة، ومأخذ الخلاف، ومناقشة الآراء، ومأخذ الأقوال وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة، مما يدلُّ على سعة علمه ومعرفته بالخلاف، وإحاطته","vol":"المقدمة","page":47},{"text":"بمآخذ المذاهب ومداركها، وقواعدها وأصولها جمعًا وفرقًا» (^١).\nومن المسائل الفقهية التي أفاض فيها: طواف الحائض بالبيت، واليمين بالطلاق والشك فيه، والاستثناء في الطلاق، وحكم الطلاق الثلاث، ومسألة التحليل، والحيل وأنواعها. ونلاحظ أنه عند مناقشته لهذه المسائل وغيرها من القضايا التي تحتمل عدة وجوه، لا يرتجل فيها القول ولا يطلق فيها الحكم، ولا يقف عند ظواهرها، بل يغوص في مداركها بنظره الثاقب، فيستخرج جميع الوجوه والاحتمالات، ثم يعطي لكل احتمال حكمه الشرعي. وقد حذَّر المفتي من إطلاق الجواب دون تفصيل، فقال: «ليس للمفتي أن يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلّا إذا علم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل استفصله». ثم ذكر شواهد على ذلك من السنة النبوية (٥/ ٥٧).\nومما نلاحظه في الكتاب أن المؤلف التزم بالعدل والإنصاف مع خصومه، ولم يكن يتحيّز إلى طائفة أو مذهب معين، وإنما يدور مع الدليل حيثما دار، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها ما قاله في مبحث القياس بعد أن ذكر أدلة الفريقين المثبتين والنافين: «الآن حمي الوطيس، وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله، وآن لحزب الله أن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وأن لا يتحيزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا الله ورسوله بكل قولٍ حق قاله من قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنًا من كان، ويردُّون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا من كان. فهذه طريقة أهل العصبية وحمية الجاهلية، ولعمر الله إن صاحب هذه الطريقة لمضمون له الذم\n_________\n(^١) «القواعد الفقهية» لعبد المجيد الجزائري (ص ٩٥).","vol":"المقدمة","page":48},{"text":"إن أخطأ، وغير ممدوح إن أصاب. وهذا حال لا يرضى بها من نصح نفسه وهُدِي لرشده، والله الموفق» (٢/ ٣٤٥).\nوإذا ذكر مسألة مختلفًا فيها وقف موقف الحكم بين الخصوم، يذكر مآخذ الأقوال وحجج أصحابها وما لهم وما عليهم من المنقول والمعقول، ثم يُتبعها بالمناقشة العلمية الدقيقة، إلى أن يخلص إلى القول الراجح الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة وعمل الصحابة والقياس الصحيح. وقد أرشد المفتي إلى الاختيار والترجيح بين الأقوال وعدم التعصب لرأي إمام، فقال: «لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ولا يعتد به، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولًا قاله إمام أو وجهًا ذهب إليه جماعة، فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال» (٥/ ٩٥).\nومن عادة المؤلف أن يميل إلى أوسط المذاهب ويختار أعدل الأقوال، ويؤيد ذلك بنصوص الكتاب والسنة وآثار السلف، ومن أمثلة ذلك موقفه من القياس وردُّه على من قال: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث ولا بعُشر معشارها، فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، وردُّه على الظاهرية المنكرين للقياس والقائلين بأنه باطل محرَّم في الدين، وترجيحه لما عليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون من شمول النصوص للأحكام مع إثبات الحكمة والتعليل (٢/ ١٤٧ وما بعدها). وقد اتبع في ذلك شيخه شيخ الإسلام. ومن أمثلة ذلك كلامه في حكم العمل بالسياسة (٥/ ٤٠٥) ومسألة شفعة الجوار حيث رجح فيها أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها إلى العدل (٢/ ٤٦٨).\nوكان يمهّد للمسألة بذكر قاعدة أو أكثر ينبغي مراعاتها عند الكلام","vol":"المقدمة","page":49},{"text":"عليها، ففي مبحث العبرة بالمقاصد والنيات مهَّد له ببيان أن الله تعالى رتَّب الأحكام على الإرادات والمقاصد بواسطة الألفاظ الدالة عليها، ولم يرتِّب تلك الأحكام على مجرّد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ لم يقصد المتكلم معانيها، بل تجاوز للأمة عن ذلك كله، وتجاوز لها عما تكلَّمت به مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة، لأن هذه الأمور لا تدخل تحت الاختيار، فلو رتَّب عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة (٣/ ٥٩٢ وما بعدها).\nوعند مناقشة نفاة القياس ذكر قاعدتين، أولاهما: أن النصوص الشرعية محيطة بجميع أفعال المكلفين (٢/ ١٤٥)، والثانية: أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس، وأطال في ذلك (٢/ ٢٣٣). وهناك أمثلة أخرى كثيرة مبثوثة في الكتاب مهَّد فيها بذكر قواعد للمسائل توطئةً لها، وأرشد المفتي أيضًا إلى ذلك فقال: «إذا كان الحكم مستغربًا جدًّا مما لم تألفه النفوس، وإنما ألِفَتْ خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطّئ قبله ما يكون مؤذنًا به كالدليل عليه والمقدمة بين يديه» (٥/ ١٤).\nوقد أولى المؤلف اهتمامًا كبيرًا بمقاصد الشريعة وإبراز محاسنها واشتمالها على الحكمة والعدل والمصلحة، وأنها ألصق بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، مما يدلُّ على كمالها وبقائها. ومما قاله بهذا الصدد: «الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليس من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل» (٣/ ٤٢٩).","vol":"المقدمة","page":50},{"text":"ولما كان المقصود عند المؤلف الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، والتحرر من قيود التقليد الأعمى، نراه إذا بحث مسألة يدعم رأيه بالإكثار من الاستشهاد بأقوال الصحابة والتابعين، والإفاضة في النقل عن الأئمة المجتهدين، ليبرز منهجهم في المسألة. والكتاب مليء بالنقل عنهم في مسائل كثيرة، منها أقوالهم في ذمّ الرأي والقياس، وكراهيتهم التسرُّع في الفتيا، وتحريمهم الإفتاء في دين الله بغير علم، وكلامهم في أدوات الفتيا وشروطها ومن ينبغي له أن يفتي، وغير ذلك من الموضوعات التي استشهد فيها بآثار السلف وأورد فيها أقوال الأئمة، ودعا إلى احترامهم وتقديرهم ومعرفة حقوقهم ومراتبهم وعدم تنقُّصهم والوقيعة فيهم. ومما قاله بهذا الصدد: «ولابدّ من أمرين أحدهما أعظم من الآخر، وهو النصيحة لله ورسوله وكتابه ودينه، وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى والبينات، التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه، وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوعِ تأويل. والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كلّ ما قالوه. وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم ما جاء به الرسول، فقالوا بمبلغ علمهم، والحق في خلافها= لا يوجب اطّراح أقوالهم جملةً وتنقُّصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما، فلا يؤثم ولا يعصم» (٤/ ٢٢٣، ٢٢٤).\nوبرَّأ الأئمة عامةً ــ والشافعيَّ خاصةً ــ مما نُسِب إليهم من القول بالحيل، فقال: «والمتأخرون أحدثوا حيلًا لم يصحّ القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمة","vol":"المقدمة","page":51},{"text":"موقف بين يدي الله. ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها، وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرُّفاتهم، تلقَّوها عن المشرقيين، وأدخلوها في مذهبه» (٤/ ٢٢١). كما برَّأ الأئمة من الدعوة إلى تقليدهم، فقال: «وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحدٌ من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبةً وأجلُّ قدرًا وأعلم بالله ورسوله من أن يُلزِموا الناس بذلك» (٥/ ١٨٢).\nوردَّ على المقلِّدة الذين جعلوا أقوال أئمتهم عيارًا على الكتاب والسنة، وعلى الذين يتلاعبون بأحكام الشريعة من أصحاب الحيل، فيُحلّون الحرام ويحرِّمون الحلال. وقد قال في موضع: «وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلد المتعصب المقرّ على نفسه بما شهد عليه به جميع أهل العلم أنه ليس من جملتهم، فذاك وما اختار لنفسه» (٤/ ٣١١). والأمثلة على ذلك كثيرة.\nأما أسلوبه في الكتاب فهو أسلوب علمي هادئ لا زخرفة فيه ولا تعقيد، تميَّز بوضوح العبارة وعذوبة الألفاظ، وقد شهد له بذلك الشوكاني حيث قال في «البدر الطالع» (١/ ١٤٤): «وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وله من حسن التصرف في الكلام مع العذوبة الزائدة وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالب المصنفين، بحيث تعشق الأفهام كلامه وتميل إليه الأذهان وتحبّه القلوب».\nوفي أثناء الكتاب روائع من أسلوبه البياني المؤثّر الذي يصوِّر به واقع مجتمعه، يقول في موضع: «وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربّها من مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحلّلون مما هو رمدٌ بل","vol":"المقدمة","page":52},{"text":"عمًى في عين الدين، وشجًى في حلوق المؤمنين: من قبائح تُشمت أعداءَ الدين به، وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدُّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيَّرت منه اسمه، وضمَّخ التيس المستعار فيها المطلَّقة بنجاسة التحليل، وقد زعم أنه قد طيبها للحليل ...» (٤/ ٤٩١ - ٤٩٢).\nويقول عن فتنة التقليد الأعمى: «تالله إنها فتنة عمَّت فأعمت، ورَمَت القلوب فأصمت، ربا عليها الصغير، وهرِم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورًا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا. ولما عمت بها البلية، وعظمت بسببها الرزية، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدُّون العلم إلا إياها، فطالبُ الحق من مظانّه لديهم مفتون، ومُؤثِره على ما سِواه عندهم مغبون. نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبَغَوا له الغوائل، ورَمَوه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانهم: إنا نخاف أن يبدّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد» (١/ ١٢).\nوكثيرًا ما يستخدم أسلوب الحوار في المناقشة، ويعقد مجلس مناظرة بين فريقين كل منهما يدلي بحجته ويناظر خصمه، ومن أمثلة ذلك «فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلِّد وبين صاحب حجة منقادٍ للحق حيث كان» ثم أطال في ذكرها (٣/ ٤٠)، وفي الكتاب أمثلة أخرى لهذا الأسلوب.\nوقد يستشهد بالشعر المناسب للموضوع الذي يتحدث فيه، لزيادة التأثير في القراء وترسيخ المعنى في قلوبهم. وقد يكرِّر بعض المسائل في عدة مواضع لتأكيد الفكرة وتقريرها، ولا تخلو من زيادة فائدة وإضافات","vol":"المقدمة","page":53},{"text":"مهمة. ومن أمثلة ذلك مسألة تحريم القول على الله بغير علم، بحثها في (١/ ٨٠ وما بعدها) ثم أعاد ذكرها في (٣/ ٣) بزيادات وإضافات. ثم كرَّرها مرة أخرى (٥/ ٣٤، ٣٥)، وذلك لبيان خطورة القول على الله بلا علم. ومنها: تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المذموم المتضمن لمخالفة النصوص، والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول، وساق الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة (١/ ٩٨)، ثم كرَّرها (٣/ ١٧١) وأتى بأدلة لم يأتِ بها في الموضع السابق. ومنها مسألة التقليد، بحثها في مواضع متفرقة (١/ ٩٥، ٣/ ١٢ - ١٧٠، ٥/ ٦٨).\nومن أبرز خصائص أسلوبه: الاستطراد، فكان إذا بحث مسألة استرسل في الكلام حتى يخرج عن موضوعه الأصلي إلى موضوع آخر قد يكون أنفع للناس من المسألة المبحوث عنها، وقد يكون هذا الاستطراد طويلًا حتى يكون مبحثًا قائمًا برأسه. وقد سبق في بناء الكتاب وترتيب مباحثه ذكر نماذج من مثل هذا الاستطراد، فلا نعيدها هنا.\nولا يقتصر المؤلف على الفقه الظاهر المجرد، بل يمزجه بالجانب الروحي، ويذكر أعمال القلوب وأحوالها كمحبة الله وخشيته، ورجاء رحمته ودعائه، والإنابة والاستغفار، والافتقار إليه والانكسار له، وإخلاص الدين له، ويقول: «لو طهُرت منّا القلوب، وصَفَت الأذهان، وزكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجرَّدت الهمم للتلقّي عن الله ورسوله= لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحِكَمه ما تضمحل عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق» (١/ ٣٥١). ويُرشِد المفتي إذا استشكلت عليه المسألة إلى اللجوء إلى الله بالافتقار إليه، وحسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجه","vol":"المقدمة","page":54},{"text":"في الاستمداد منه. فيقول: «ينبغي للمفتي الموفَّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحالي لا العلم المجرَّد إلى مُلهِم الصواب، ومعلِّم الخير، وهادي القلوب أن يلهمه الصواب، ويفتح له طريق السَّداد، ويدلّه على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق» (٥/ ٣٢).\nوفي مواضع من الكتاب ذكَّر الناس بمقامهم بين يدي ربّ العالمين، ليكون أردع للنفوس المريضة، وأزجر للقلوب الضعيفة، وأدعى إلى قبول الحق. فقال: «ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلّده، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصحّ دليلًا» (٥/ ٤١). وقال في موضع آخر: «فكيف يحلُّ لمن يؤمن بأنه موقوف بين يدي الله ومسؤول أن يكفِّر أو يُجهِّل من يفتي بهذه المسألة ويسعى في قتله وحبسه ...» (٣/ ٥٢٨). وقال: «فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع الحيل والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلِّصه من الله ما أظهره مكرًا وخديعةً من الأقوال والأفعال، وأن لله يومًا تكعُّ فيه الرجال، وتنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر ...» (٤/ ٥٠). ومثل هذا كثير في الكتاب يذكُر المسألة ويستعمل في أثنائها أسلوب الترهيب والتخويف، فيكون أدعى إلى قبول الحق.\nهذه ملامح من منهجه وأسلوبه في هذا الكتاب، أشرنا إليها باختصار، وتفصيل القول فيها يحتاج إلى دراسة مستقلة.\n* * * *","vol":"المقدمة","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>أهمية الكتاب وقيمته العلمية</span>\n«أعلام الموقعين» من أهم الكتب التي ألِّفت في أصول الفقه وقواعده، وحكمة التشريع ومقاصده، والإفتاء وضوابطه، والقياس وأنواعه، والتقليد ومفاسده، والحيل ومضارّها، حتى قال السيد رشيد رضا: «لم يؤلِّف مثله أحد من المسلمين في حكمة التشريع ومسائل الاجتهاد والتقليد والفتوى وما يتعلق بذلك، كبيان الرأي الصحيح والفاسد، والقياس الصحيح والفاسد، ومسائل الحيل، وغير ذلك من الفوائد التي لا يستغني عن معرفتها عالم من علماء الإسلام» (^١).\nوقد سبق استعراض المباحث الأساسية للكتاب وبيان ترتيبها وكيفية الانتقال من مبحث إلى آخر، وعرفنا بذلك أنه وإن لم يكن خاصًّا بأصول الفقه إلَّا أن معظم مباحثه تتعلق بالأصول، ولذا يُصنَّف الكتاب عادةً في المكتبة الإسلامية ضمن كتب الأصول، ولكنَّه ليس مرتّبًا مثل ترتيبها، ولا بحث المؤلف المسائل الأصولية على طريقة الأصوليين في كتبهم، بل تناولها بطريقة جديدة تتميز بكثرة الأمثلة الفقهية على هذه المسائل، وذِكر الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فيها، والإسهاب في المناقشة، وترجيح ما هو الحق والصواب بأدلة كثيرة مقنعة، وكل ذلك بأسلوب سهل مبسط وبيان مشرق جذّاب دون تعقيد أو غموض. ويمكن أن يرجع القارئ إلى كلامه في القياس، والاستصحاب، وعمل أهل المدينة، والتقليد، وسدّ الذرائع، والاحتجاج بقول الصحابي، وشمول النصوص للأحكام، وأنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وحجية السنة ومنزلتها من الكتاب،\n_________\n(^١) مجلة «المنار» المجلد ١٢ (١٩٠٩) ص ٧٨٦.","vol":"المقدمة","page":56},{"text":"والزيادة على النص، وأقسام الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونياتهم، وتعليل الأحكام بالحكم والمصالح، ... وغيرها، ثم يقارن بينه وبين ما في عامة كتب الأصول، ليدرك الفرق بينهما. وليس هنا مجال لتفصيل القول في ذلك، فإنه يحتاج إلى ذكر الأمثلة والشواهد والنصوص من هذا الكتاب وغيره من كتب الأصول.\nثم إنه أوسع كتاب يتحدث عن الفتوى والمفتين، ففيه ذِكر مكانة الفتوى وطبقات المفتين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والكلام على أدوات الفتوى وشروطها، وبيان تحريم الفتوى بما يخالف النص وبالرأي المجرد، وأصول فتاوى الإمام أحمد، والكلام على درجات المفتين، وتفصيل القول في قاعدة تغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والمكان والأحوال والنيات بذكر أمثلة كثيرة توضّح هذه القاعدة وتقطع الطريق على من يتلاعب بالشريعة ويغيِّر أحكامها مستندًا إلى هذه القاعدة. وفي آخر الكتاب ذكر المؤلف توجيهات ونصائح عديدة للمفتي، ومسائل وأحكامًا كثيرة تتعلق بالفتوى، وختمه بفتاوى النبي - ﷺ - في مسائل الإيمان والعبادات، وشؤون الأسرة، والأطعمة والأشربة، والطب والرؤيا، والفال والطيرة، والأموال والبيوع والعتق، والحدود والجنايات والديات، وبيان الذنوب والتوبة منها، وفضائل الأعمال، وفضائل القرآن، ومناقب الصحابة، وفي التفسير والعلم، وفتاوى أخرى متفرقة.\nوبهذه المباحث والفصول أصبح الكتاب فريدًا في بابه، متميزًا بين الكتب التي ألِّفت في آداب الفتيا، والتي تقتصر عادةً على بيان بعض الأحكام المتعلقة بها باختصار. وكان الكتاب عمدة لكل من جاء بعده","vol":"المقدمة","page":57},{"text":"وكتب في هذا الموضوع، وخاصة في العصر الحديث الذي كثرت فيه المؤلفات والدراسات في هذا الباب.\nوهناك أمر آخر يتميز به الكتاب، وهو أن المؤلف بحث فيه كثيرًا من المسائل الفقهية الشائكة من أبواب مختلفة، وخاصة في المعاملات، تدل على نظر ثاقب وفكر صائب اجتهد فيها واعتمد على روح الشريعة الإسلامية وعلى حكمتها العادلة، فقال في بعض المسائل أقوالًا لم يقل بها إلّا هو وشيخه، وتوسّع في مسائل أخرى توسُّعًا يدلُّ على مرونة الشريعة وعلى مناسبتها للتطور والمدنية، فوصل بالنتيجة إلى تحليلات ونظريات شبيهة بالنظريات القانونية العصرية. ولا مجال هنا لإيضاح نظرياته وآرائه الفقهية، ونواحي التجديد فيها، والنهج العلمي الذي اتبعه، فهذا يحتاج إلى دراسة مستقلة. ومن أهم هذه المسائل (^١): اعتماد القصد في التصرفات، وحرية التعاقد، ومنع الحيل في الأحكام، وإحياء أعمال الفضولي المحسن، والمحافظة على حقوق الغرماء، والتوسع في أصول البينات، وغيرها من المبادئ التي اعتبر المقاصد فيها أساسًا للحكم في تصرفات الناس ومعاملاتهم.\nومن أهم مباحث الكتاب مبحث التقليد، وهو مبحث قائم برأسه، ولعله كان كتابًا مفردًا كما أشار إليه في بعض مؤلفاته، ثم أدرجه في هذا الكتاب. وقد سبق إلى الكلام في هذا الموضوع ابن عبد البر في «جامع بيان العلم\n_________\n(^١) عرض الأستاذ صبحي المحمصاني آراء ابن القيم في هذه المسائل في بحث له نشر في مجلة المجمع العلمي العربي مج ٢٣ (١٩٤٨) ٣٦٣ - ٣٨١ بعنوان: «ابن قيم الجوزية ونواحي التجديد في اجتهاده».","vol":"المقدمة","page":58},{"text":"وفضله» وابن حزم في «الإحكام» وغيره، إلَّا أن ابن القيم توسَّع فيه وبحث فيه بحثًا مستفيضًا، وأطال في ذكر حجج المقلدين والمانعين من التقليد تحت عنوان «فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة»، وبيَّن بطلان التقليد من وجوه كثيرة تزيد على ثمانين وجهًا. وقال في آخره: «وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا مآخذهما وحجج أصحابهما وما لهم وما عليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول الله وقوته ومعونته وفَتْحه، فلله الحمد والمنّة» (٣/ ١٦٩، ١٧٠).\nويظهر أهمية هذا المبحث بكونه عمدة لكل من كتب فيه ممن جاء بعده، مثل: صالح الفلاني في «إيقاظ همم أولي الأبصار»، والشوكاني في «القول المفيد»، والنواب صديق حسن خان في «الدين الخالص» وغيره، والسيد رشيد رضا في «محاورات المصلح والمقلد»، و«تفسير المنار»، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في «أضواء البيان»، وغيرهم ممن ألَّف في هذا الموضوع في الهند والبلاد العربية. ومن جهة ثانية كان هناك اهتمام بالردّ عليه من بعض العلماء، مثل الشيخ حبيب أحمد الكيرانوي في كتابه «الدين القيم» الذي دافع فيه عن وجوب التقليد، وناقش ابن القيم فيما دعا إليه من وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك التعصب المذهبي والجمود الفقهي!!\nوهناك جانب آخر من جوانب أهمية الكتاب، وهو أنه احتوى على مجموعة من القواعد الفقهية والضوابط الفرعية، قام المؤلف بتحريرها وتخريجها من أبواب مختلفة، وأسهم في تأصيل كثير منها. وقد قام أحد","vol":"المقدمة","page":59},{"text":"الباحثين ــ وهو الأستاذ عبد المجيد جمعة الجزائري ــ بجمعها ودراستها في كتاب مستقلّ بعنوان «القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب اعلام الموقعين»، وهو مطبوع معروف.\nوأخيرًا فإن المؤلف اعتمد في الكتاب على مصادر قديمة ومراجع نادرة لم تصل إلينا، واقتبس منها نصوصًا كثيرة تفيد الباحثين عن تلك الكتب ومؤلفيها، وقد عقَّب عليها أحيانًا بما يزيد الموضوع جلاءً وبيانًا، ويوضّح رأي المؤلف فيه. وسيأتي ذكر هذه المصادر عندما نتحدث عن موارد الكتاب.\n* * * *","vol":"المقدمة","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>موارد الكتاب</span>\nالبحث عن موارد المؤلف في كتابه جزء مهم من عمل المحقق، لا لأن الثقة بالمؤلف غير قائمة، بل لأن الوصول إلى موارده يعين على تصحيح النصوص المنقولة منها، لا سيما في غياب الأصول الموثقة من الكتاب؛ وقد يتيسر بذلك تصحيح بعض الأوهام التي تقع في النقل، وقد يتبين أن الوهم ليس من المؤلف، وإنما هو تابع فيه لمصدره. ولهذا البحث فوائد أخرى في تاريخ العلوم وتراجم العلماء وغير ذلك.\nليس من السهل أن نهتدي إلى جميع الكتب التي استفاد منها ابن القيم أو نقل منها في هذا الكتاب أو غيره، لأنه لا يسمّيها دائما. وقد يذكر عنوان الكتاب دون اسم المؤلف ويكون عنوانا مشتركا. وقد يسمي المؤلف، ولكن كتبه لم تصل إلينا، فلا سبيل إلى معرفة كتابه الذي نقل منه. وقد لا يذكر عنوان الكتاب، فيقول: «في بعض التواريخ القديمة» (١/ ١٩٣). وإذا ذكر عنوان الكتاب لم يلزم أن تكون استفادته منه مباشرة من غير واسطة. ثم إذا لم يكن الكتاب المذكور بين يديك لكونه مفقودًا أو غير مطبوع فقد يصعب القطع بحجم الاستفادة والنقل، لأن الإشارة كثيرًا ما تأتي في وسط النص المنقول، فلاتدري أين مبدؤه وأين منتهاه؟ هذه الطرائق في النقل والإحالة ليست غريبة، بل هي مألوفة في مصنفات كثير من علمائنا، ولكنها تجعل الوقوف على مصادرهم وتحديدها مهمة شاقّة ومحفوفة بالشك والتخمين. فالكتاب الذي يعدّ من موارد ابن القيم قد لا يكون منها، وإنما نقل منه بواسطة؛ ومن المؤكد كذلك جهلُنا بكثير من موارده، لأنه لم يشر إليها، ولم نتمكن من معرفتها.","vol":"المقدمة","page":61},{"text":"وليس القصد هنا سرد عامة أسماء الكتب أو المؤلفين الواردة في الكتاب، وخاصةً كتب السنة المعروفة، فإن موضعها في الفهارس اللفظية. وإنما نحاول هنا أن ندل على أهم الموارد التي تبيَّن أن المؤلف اعتمد عليها في الأبواب المختلفة من كتابه، سواء صرّح بها أم لم يصرّح.\n* تشتمل مقدمة الكتاب على عدة فصول.\n- ومنها فصل سرد فيه أسماء الصحابة الذين حفظت عنهم الفتوى، فذكر المكثرين فالمتوسطين فالمقلين (١/ ١٨ - ٢٥). وقد نقلها من كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم.\n- وعقّب هذا الفصل بأربعة فصول في مراتب الصحابة في العلم، وكونهم سادات المفتين والعلماء (١/ ٢٥ - ٤٩). ويظهر لنا أن الآثار الواردة فيها منقولة من كتاب «مراتب العلماء» للطبري. لم يشر المؤلف إلى هذا الكتاب ولكنه نقل في (١/ ٤٣) قول ابن جرير في منزلة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الفقه. وقد استظهرنا من وصف ياقوت للكتاب المذكور أنه هو مصدر ابن القيم في هذه الفصول.\n- ثم عقد فصولًا لذكر المفتين من التابعين ومن بعدهم في أمصار الإسلام (١/ ٤٧ - ٥٧). وهي منقولة بالاختصار (إلى فصل المفتين باليمن) من «الإحكام» لابن حزم، غير أن ابن حزم بدأ بمكة فقدّم المؤلف عليها المدينة.\n- في فصل كراهية الصحابة والتابعين للتسرع في الفتوى (١/ ٧٠ - ٨٠) نقل أحاديث وآثارًا في تشديد أمر القضاء من «السنن الكبرى» للبيهقي. ومن مصادره «جامع بيان العلم» لابن عبد البر، وقد سماه «جامع فضل العلم»","vol":"المقدمة","page":62},{"text":"(١/ ٧٤). وهو من مصادر الفصل التالي (١/ ٨٠ - ٩٢) أيضًا. وقد نبَّه فيه على أن لفظ الكراهة في كلام المتقدمين كثيرًا ما يعني التحريم، وسرد أقوال الإمام أحمد، فنقل قولا له عن «مختصر الخرقي»، والأخرى من «مسائل أحمد» برواية عبد الله وغيره منبهًا علىها ودون تنبيه. ومصدر أقوال أبي حنيفة وصاحبيه: «الجامع الصغير» للشيباني، وقد سماه (١/ ٨٧)، ولعل بعض النقول من «الهداية» للمرغيناني، ولم يشر إليه المؤلف، ولكن ما نقله ورد في «الهداية» بالنص.\n* في فصل كلام الأئمة في أدوات الفتيا وشروطها (١/ ٩٣ - ٩٨) اعتمد على كتاب «العدّة» للقاضي أبي يعلى، وقد ذكر القاضي (١/ ٩٥)؛ و«الفقيه والمتفقه» للخطيب، وسماه في (١/ ٩٧).\n* فصل تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص (١/ ٩٨ - ١٥٥) من أهم مصادره فيه: «جامع بيان العلم»، وقد ذكر أبا عمر (١/ ١٠٩، ١٣٤، ١٣٦، ١٤٤، ١٤٧، ١٥٠). وقد وهم في النقل منه في موضع وهمًا عجيبًا، إذ جاء في «الجامع» برقم (٢٠٠٧): «حدثنا أحمد بن عبد الله، نا الحسن بن إسماعيل، نا عبد الملك بن أبجر، نا محمد بن إسماعيل، نا سنيد، نا يحيى بن زكريا، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق عن عبد الله قال: ...»، فأراد ابن القيم أن يختصر السند حسب طريقته، وهي أنه يبدأ الإسناد بذكرعلَمٍ مرموق وغالبًا ما يكون من المصنفين، فتوهم أن محمد بن إسماعيل الراوي عن سنيد هو الإمام البخاري، فقال (١/ ١١٧): «قال البخاري: حدثنا سنيد، ثنا يحيى بن زكريا ...» إلخ! وإنما هو محمد بن إسماعيل الصائغ، كما في مواضع أخرى","vol":"المقدمة","page":63},{"text":"من «الجامع». وقد تكرر هذا الوهم في الكتاب (١/ ١٢٤، ١٥٨، ١٨٢). ومن مصادر الفصل أيضا: كتاب «القضاء» لأبي عبيد (١/ ١٢٩)، و«الإحكام» لابن حزم. وبعض النصوص منقولة من «الصادع في الرد على من قال بالرأي والقياس والتقليد والاستحسان والتعليل» لابن حزم.\n- جمع المصنف في فصل (١/ ١٥٥ - ١٧٢) آثار التابعين ومن بعدهم في ذم الرأي. وهي كلها إلى (١/ ١٦٩) منقولة من كتاب «الصادع»، ولم يشر إليه المصنف ولكن ذكر أبامحمد في (١/ ١٦٨). ومن مصادر الفصل: «جامع بيان العلم»، وقد ذكر أبا عمر (١/ ١٦٨، ١٧٠، ١٧١). ثم ذكر أربعة أنواع من الرأي المحمود (١/ ١٧٣ - ١٨٧)، ونقل في (١/ ١٧٣) كلام الشافعي من «رسالته البغدادية» يعني الرسالة القديمة، والظاهر أن مصدر المصنف «مناقب الشافعي» للبيهقي، كما صرّح بذلك في آخر الكتاب. ونقل أيضا من «جامع بيان العلم» لابن عبد البر، و«الفقيه والمتفقه» للخطيب.\n* شرح كتاب عمر إلى أبي موسى في القضاء (١/ ١٨٧ - ٢٨٢): نقل الكتاب عن أبي عبيد، والظاهر أن المصدر كتاب «القضاء» له. ونقل قصة من قصص بني إسرائيل (١/ ١٩٣)، وذكر أنه رآها في «بعض التواريخ القديمة»، وقد رأيت نحوها في «فتوح مصر والمغرب» لابن عبد الحكم (ص ٢٥٦). ونقل كلام شيخه شيخ الإسلام (١/ ٢٠٤)، ونحوه في «اختيارات» البعلي (ص ٣٦٣). ونقل كلامه دون ذكره (١/ ٢٢٠، ٢٢١) وبعضه بنصه في الاختيارات (ص ٣٣٢).\nفي شرح قول عمر: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا ... ظنينا","vol":"المقدمة","page":64},{"text":"في ولاء أوقرابة» تكلم المصنف على مسألة شهادة القريب للقريب (١/ ٢٣٣ - ٢٤٨)، ومعظم الأقوال والآثار فيها منقول من «المحلَّى»، وذكر ابنَ حزم في (١/ ٢٤١). ونقل عن «صاحب المغني»، يعني ابن قدامة (١/ ٢٤٨). وأحال لبعض روايات الإمام أحمد (١/ ٢٤٩) على كتاب «التمام» لابن أبي يعلى. ومن مصادر هذا الفصل: «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» لابن شاس، وقد نقل منه المصنف دون إشارة إليه. ومنه قوله: «وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجوزونها. وهو الذي في التهذيب من رواية ابن القاسم عن مالك إلا أن يكون في عياله ... شرفا وجاها». كذا نقل، والمقصود بالتهذيب: «تهذيب اختصار المدونة» لأبي سعيد البراذعي. وفي كتاب الجواهر: «وأما شهادة الأخ لأخيه فأجازها في الكتاب من رواية ابن القاسم إلا أن يكون في عياله ...»، والمراد بالكتاب: «المدونة». فلعل المصنف استبدل بالكتاب «التهذيب» لأن تهذيب البراذعي هو الذي كان بين يديه.\n- في شرح قول عمر: «إلا مجربا عليه شهادة زور» (١/ ٢٤٩ - ٢٦٠) نقل الآثار من «السنن الكبرى» للبيهقي. وكتب البيهقي عمومًا من أهم مصادر الكتاب في نقل الأحاديث والآثار. وحكى في آخر الفصل ثلاثة أخبار عن مجلس محارب بن دثار في القضاء، يبدو من لفظها أن مصدرها «تاريخ دمشق»، ولكن قد تكون مأخوذة من كتاب «القضاء» لأبي عبيد.\n- في شرح قول عمر: «أومجلودا في حدٍّ» وما بعده (١/ ٢٦٠ - ٢٧٦) ناقش المصنف مسألة شهادة القاذف بعد توبته. وقد نقل فيها من كتاب «القضاء» لأبي عبيد (١/ ٢٦٨)، وقد حكى عن أبي عبيد في (١/ ٢٧٣،","vol":"المقدمة","page":65},{"text":"٢٧٤) أيضًا. ويظهر أن بعض الأقوال والآثار مما لم نعرف مصدره منقول من كتاب «القضاء» هذا. ومن مصادر الفصل: «المحلى» لابن حزم.\n* بحث القياس (١/ ٢٧٧ - ٢/ ٥٢٠): قد فتح قول عمر: «... ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال» للمصنف بابًا واسعًا للكلام على القياس. فتكلم أولا على الاستدلال وضروب الأقيسة المستعملة فيه، وذكر أمثلتها من القرآن الكريم (١/ ٢٧٨ - ٣٠٩). وكلامه على قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ الآية [٦٩] جلّه منقول من «اقتضاء الصراط المستقيم» لشيخ الإسلام (١/ ١١١ - ١٢١) دون إشارة. ونقل فيه عن الجوهري والزجاج (١/ ٣٠٣). أما «الصحاح» للجوهري فهو من مصادر المصنف، وسينقل منه في (١/ ٤٤٩، ٥/ ٢٠٤) أيضًا. وأما النقل عن الزجاج فلعله بواسطة «زاد المسير» لابن الجوزي.\n- ثم استطرد إلى تفسير أمثال القرآن (١/ ٣٠٩ - ٣٧٨) فمن مصادره: «تفسير ابن جرير» (١/ ٣٢٧). ومنها: «الكشف والبيان» للثعلبي ولم يشر إليه. ومنه نقل آثارا عديدة في التفسير، وأقوال ابن قتيبة (١/ ٣٣٥) وأبي عبيدة والزجاج (١/ ٣٣٨). ومنها: «الكشاف» للزمخشري (١/ ٣٤١)، نقل منه تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وانتقده. ثم استفاد منه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] ولم يشر إليه (١/ ٣٦٠). ثم نقل في تفسير قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١] قولًا، وذكر أن","vol":"المقدمة","page":66},{"text":"صاحب «الكشاف» وغيره استشكل هذا القول، ثم أورد ثلاثة أجوبة عن إشكالهم (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، والثاني منها بنصه لأبي حيان في «البحرالمحيط»، والظاهر أن الثلاثة مأخوذة منه. ومنه نقل قول سيبويه (١/ ٣٦٦) أيضا، ولكن لم يشر إليه. وقد نقل المصنف في (١/ ٣٧٠) قولًا للحسن البصري بلفظ لم نجده إلا في «الكشاف» ومنه في «البحر المحيط».\nومن موارد هذا الفصل: «زاد المسير» لابن الجوزي (١/ ٣٦٣، ٣٦٩، ٣٧٢، ٣٧٣، ٣٧٧، ٤١١) وإن لم يشر إليه، وهو من الكتب التي يعتمد عليها المصنف في نقل أقوال المفسرين. ومنه نقل قول ابن الأنباري ويحيى بن سلام (١/ ٣٧٢، ٣٧٧).\nبعد تفسير أمثال القرآن استمر تقرير القياس إلى (١/ ٤٥٣). ومن مصادر المصنف في هذه الفصول: «الفقيه والمتفقه» للخطيب، وقد نقل قول الخطيب دون ذكر كتابه (١/ ٤٠٢ - ٤٠٤). وكذلك نقل نصًّا طويلا (١/ ٤٠٩ - ٤١٠) عن أبي عمر، وهو في كتابه «جامع بيان العلم». ونقل منهما آثارًا أخرى أيضًا، وكذلك من «زاد المسير» لابن الجوزي، و«الإحكام» لابن حزم. وقال بعد نقل بعض الآثار (١/ ٤٢٦، ٤٢٧): «ولا يلتفت إلى من يقدح في كل سندٍ من هذه الأسانيد وأثرٍ من هذه الآثار ....» إلخ. وهو يشير إلى صنيع ابن حزم في كتاب «المحلَّى» (٨/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n- فصول في الرد على أصحاب القياس (١/ ٤٥٣ - ٢/ ١٤٤): ثم أخذ المصنف في تفصيل أدلة نفاة القياس والنصوص الدالة على ذمه، والرد على احتجاجات القيّاسين. واستطرد إلى سرد طائفة من الأمثال الواردة في الحديث (١/ ٤٥٨ - ٤٨٥)، ومصدره فيها: «أمثال الحديث» للرامهرمزي،","vol":"المقدمة","page":67},{"text":"وقد سمى مؤلفه في موضعين (١/ ٤٦٤، ٤٧٦). وقد وقع في نقل ابن القيم في موضع تحريف تبعًا لنسخة الكتاب التي اعتمد عليها، فجاء في إسناد حديث: «حدثني أبو هريرة» (١/ ٤٧٤). وكذا في جميع النسخ ونسخة الإسكوريال من كتاب الأمثال المقروءة على الحافظ ابن حجر كما ذكر محققه، والصواب: حدثني أبو عبد ربه.\n- بعد هذا الاستطراد عاد إلى الرد على أصحاب القياس مستدلًّا بالآيات والأحاديث وآثار الصحابة والتابعين، ثم احتج بأن القياس لو كان حجة لما تعارضت الأقيسة، وأن القياس يفضي إلى الفرقة والخلاف، وحجج أخرى (١/ ٤٩٣ - ٢/ ٣٥). من أهم مصادر هذه الفصول: «الإحكام» لابن حزم، و«الفقيه والمتفقه» للخطيب. ومن الآثار التي نقلها منه قول الشعبي: «لأن أتعنى بعنية أحبّ إليَّ من أن أقول في مسألة برأيي»، ثم قال: «قلت: رواه أبو محمد بن قتيبة بالعين المهملة، و«عنية» بوزن «غنية»، ثم فسره ...». يظهر من عبارته أنه رجع إلى غريب الحديث لابن قتيبة ونقل منه ضبط الكلمة وتفسيرها، وقد يكون ذلك صحيحًا، ولكن التفسير المذكور وارد في كتاب الخطيب نفسه بعد أثر الشعبي.\n- ثم عقد فصلا طويلا نقل فيه استدلال نفاة القياس على فساده وبطلانه بتناقض أهله فيه واضطرابهم تأصيلا وتفصيلا (٢/ ٣٦ - ١٠٨). أما تناقضهم في التأصيل، فاعتمد في بيانه على كتاب «العدة» للقاضي أبي يعلى. ثم قال: «وأما تناقضهم في التفصيل فنذكر منه طرفًا يسيرًا يدل على ما وراءه ...». وهو يشبه قول ابن حزم في كتاب «الإحكام»: «فصل في ذكر طرف يسير من تناقض أصحاب القياس في القياس» (٨/ ٤٨ - ٧٦). ولعل","vol":"المقدمة","page":68},{"text":"من مصادر هذا الفصل الطويل بعد كتاب الإحكام: كتابًا آخرَ لابن حزم أيضا، وهو «الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس». والكتاب في الرد على الحنفية، وينقصه من أوله خمسة فصول وقسم من الفصل السادس، ويظهر أن جملة من الردود المذكورة هنا مأخوذة منه. ولا ننسى أن ابن القيم يأخذ ردود ابن حزم ويصوغها بأسلوبه صياغة جديدة. وذكر المصنف في (٢/ ٥٤) إجماع الصحابة على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنث، وقال: «وممن حكاه أبو محمد بن حزم». وذلك في «المحلى» (٩/ ٤٧٨ - دار الفكر). ثم ذكر أنه حكاه ابن بَزيزة في كتابه المسمى بـ «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام» في باب ترجمتُه: الباب الثالث ...»، ونقل منه ثلاثة نصوص. ثم نقل (٢/ ٥٦) قول عكرمة في يمين الطلاق من «تفسير سنيد بن داود»، وتوحي عبارته أنه رجع إليه.\n- ثم عقد المصنف خمسة فصول (٢/ ١٠٢ - ١٤٤)، وذكر فيها مسائل تناقض فيها أتباع مذهبين أو أكثر من المذاهب الأربعة، خلافًا للفصل السابق الذي لم يشر فيه إلى مذاهب المردود عليهم. ومنها مسألة شروط الواقفين (٢/ ١٠٨ - ١١٨) والظاهر أن المصنف صادر فيها عن قواعد شيخه في شروط الوقف، وقد ذكرها ابن رشيِّق في فهرسه (ص ٣٠٧ - الجامع في سيرة شيخ الإسلام). ومنها: مسألة القصاص في اللطمة والضربة (٢/ ١١٨ - ١٤٢)، ونقل فيها نحو أربع صفحات (٢/ ١١٩ - ١٢٣) من كتاب «المترجم» لإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وسمى الكتاب ومؤلفه. واعتمد كذلك (٢/ ١٢٥ - ١٣٣) على كلام شيخه في «قاعدة في شمول","vol":"المقدمة","page":69},{"text":"النصوص للأحكام» المطبوعة ضمن جامع المسائل (٢/ ٢٦٠ - ٢٦٧) دون إشارة إليه. وقد أورد المصنف في خلال ذلك أقوالًا للإمام أحمد (٢/ ١٢٨) من «مسائل» إسحاق بن منصوروغيره، لا أدري أنقلها بواسطة أم دون واسطة. ونقل في (٢/ ١٣٠) من كتاب «الإرشاد» لابن أبي موسى.\n- قول المتوسطين بين القيّاسين ونفاة القياس (٢/ ١٤٤ - ١٧٨): كلام المصنف في الفصول (٢/ ١٤٧ - ١٦٥) مأخوذ من قاعدة شيخه (٢/ ٢٧٤ - ٢٩٥) المذكورة آنفا مع بعض الزيادات، ونقل في خلالها آثارًا في (٢/ ١٧١، ١٧٢) من «المحلى».\n- عقد فصلًا في شمول النصوص وإغنائها عن القياس، ومما ناقش فيه بعد مقدمة في دلالة النصوص: ستّ مسائل في الفرائض (٢/ ١٨٩ - ٢٣٢)، وهي المسائل التي تكلم عليها شيخ الإسلام في قاعدته المذكورة (٢/ ٢٩٦ - ٣٤٨) أيضا، ولكنا نرى أن عمدة المصنف فيها على رسالة الشيخ «شمول النصوص في الفرائض» التي ذكرها ابن رشيق (ص ٣٠٩ - الجامع)، وهي غير «قاعدة شمول النصوص للأحكام» المطبوعة، وقد ذكر ابن رشيق هذه أيضًا قبل أسطر. ومما يؤيد ذلك أن ابن القيم استدل في مسألة ميراث الجد مع الإخوة (٢/ ٢١٧ - ٢٣١) بعشرين وجهًا. وأما شيخ الإسلام فقال في القاعدة المطبوعة (٢/ ٣٠٦): «والصواب بلا ريب قول الصديق لأدلة متعددة ذكرناها في غير هذا الموضع، منها ...»، ثم ذكر أربعة أدلة. والظاهر أن الإشارة إلى رسالته التي ذكرها ابن رشيق، ومنها استقى ابن القيم الوجوه العشرين أو معظمها.\n- ثم عقد فصلًا آخر في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف","vol":"المقدمة","page":70},{"text":"القياس (٢/ ٢٣٣ - ٣٣٩)، وصرّح بأنه سأل شيخه عما يقع من ذلك في كلام كثير من الفقهاء. ثم قال: «وأنا أذكر ما حصّلته من جوابه بخطّه ولفظه، وما فتح الله سبحانه لي بيمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه». وقد ورد سؤال المصنف وجوابه في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٠٤ - ٥٨٣) ولكن لم يذكر فيه اسم السائل.\n- وبعد ما فرغ من نقل جواب شيخه في (٢/ ٣٢٤) ذكر مسائل أخرى من قضايا الصحابة أشكلت على الفقهاء وقرروا أنها بعيدة من القياس نحو قضاء علي في مسألة الزبية، وقضاء عمر بعقل البصير على الأعمى إذ وقعا في بئر، فخرّ البصير الذي كان يقوده، ووقع الأعمى فوقه، فقتله. ومن مصادره في المسألتين: «المغني» لابن قدامة، وقد ذكره (٢/ ٣٢٥ - ٣٣٤). ومنها: قضاء علي في جماعة وقعوا على امرأة في طهر واحد، ثم تنازعوا في الولد؛ وقد انجرّ الكلام عليها إلى مسائل أخرى أيضا. ومن مصادر هذه المسألة: «معالم السنن للخطابي» (٢/ ٣٢٩) و«المغني» لابن قدامة (٢/ ٣٣٤). وقد ذكر فيها اختيار شيخ الإسلام ثلاث مرات (٢/ ٣٣٤، ٣٣٧، ٣٣٨).\n- ثم عقد فصلًا (٢/ ٣٣٩ - ٥٠٦) للرد على اعتراض مشهور لنفاة الحِكم والتعليل والقياس، وهو أن الشريعة في مسائل كثيرة قد جمعت بين المختلفين أو فرقت بين المتماثلين وسرد طائفة منها. ثم أجاب عنها أولا جوابا مجملا، ونقل أجوبة الأصوليين: ابن الخطيب، وأبي الحسن الآمدي، وأبي بكر الجصاص، والقاضي أبي يعلى، والقاضي عبد الوهاب المالكي (٢/ ٣٤٦ - ٣٥٠). لم أقف على كتاب القاضي عبد الوهاب الذي","vol":"المقدمة","page":71},{"text":"نقل المصنف منه. وأما الباقون فأجوبتهم مأخوذة من كتبهم على الترتيب: «المحصول»، و«الإحكام في أصول الإحكام»، و«الفصول في الأصول»، و«العدّة».\nثم أفرد كل مسألة من المسائل المذكورة بجواب مفصل. ومن مصادر هذه الفصول: «التحقيق في مسائل الخلاف» لابن الجوزي، نقل منه بعض الأحاديث والآثار وأقوال المحدثين فيها (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٦) دون إشارة. ونقل كلامًا لابن عبد البر (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧) هو في «الاستذكار» له. وقال في موضع (٢/ ٣٦٨): «قال أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ: هو إجماع من الصحابة». ولفظ النحاس (ص ٢٢٩): «ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه»، فإما أنه نقل بالمعنى أو بواسطة. ونقل في (٢/ ٤٣٨) من «شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي» لابن بزيزة. وقد سبق أن نقله بأطول منه في (٢/ ٥٥)، وذكر عنوان الكتاب «مصالح الأحكام في شرح كتاب الأحكام». ونقل في (٢/ ٤٤٩) حديثا من كتاب «الخراج» ليحيى بن آدم، وذكر أن إسناده على شرط مسلم، مع أن الحديث في «صحيح مسلم». وذكر في مبحث الشفعة اختيار شيخ الإسلام، ونصره.\n- وعقد فصولًا في الإجابة عن قول القائل: وحرّم بيع مُدّ حنطة بمُدٍّ وحفنة، وجوّز بيعه بقفيز شعير (٢/ ٤٧٤ - ٤٩٣)، وقال: «فهذا من محاسن شريعته التي لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة. ونحن نشير إلى حكمة ذلك إشارة بحسب عقولنا الضعيفة وعبارتنا القاصرة، وشرعُ الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا، فنقول: ...». وهذا الجواب مأخوذ من تفسير شيخ الإسلام لآية الربا، وهو منشور في «جامع الرسائل» (٨/ ٢٧١ - ٣٣٠)","vol":"المقدمة","page":72},{"text":"و«تفسير آيات أشكلت» (٢/ ٥٧٤ - ٧٠٣)، وقد نقل المصنف فقرات منه بنصها، دون إشارة إلى الشيخ. وقد نقل في (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢) كلاما لأبي عمر، وهو في «الاستذكار» له.\n- الرجوع إلى شرح باقي كتاب عمر (٢/ ٥٠٦ - ٥٢٠). ذكر في تفسير الغضب والغلق في (٢/ ٥٠٧) أن أبا بكر غلام الخلال ترجم عليه في كتابيه: «الشافي»، و«زاد المسافر»؛ ثم نقل ترجمة الزاد. وقال في (٢/ ٥٠٩):» ... فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجها ذكرها شيخنا في بعض تصانيفه». وقد وردت في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٨٥ - ١٥٨) قاعدة في هذا الموضوع، وتكلم الشيخ عليها من اثنين وعشرين وجها فحسب، والظاهر أن الرسالة ناقصة من آخرها. والجدير بالذكر أن ابن القيم أيضًا استدل عليها باثنين وعشرين وجهًا في كتاب الفوائد (١٧١ - ١٨٥). ونقل في (٢/ ٥١١) من كتاب «التمهيد» لابن عبد البر، وقد سمّى الكتاب والمصنف كليهما.\n* ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم (٣/ ٣ - ١١): نقل فيه أحاديث وآثارًا من كتاب «المدخل» للبيهقي، ولم يصرِّح باسم المؤلف إلّا في موضع واحد (٣/ ٤).\n* ذكر تفصيل القول في التقليد (٣/ ١٢ - ٤٢٩): نقل فيه نصوصًا من «جامع بيان العلم» لابن عبد البر (٣/ ١٦ - ٢٠، ٢٤ - ٣٧) ومن «المدخل» للبيهقي (٣/ ٢٠ - ٢٣)، ونصًّا عن أبي زرعة النصري (٣/ ٢٥ - ٢٦) وهو في «تاريخه»، ولعله نقله من «الإحكام» لابن حزم، فإنه رواه من طريقه.\n- وفي فصلٍ ذكرَ نهي الأئمة عن تقليدهم، وقد نقل فيه عن البيهقي (من","vol":"المقدمة","page":73},{"text":"«المدخل») والمزني (من أول «مختصره») وأبي داود (من «مسائله»)، ونقل نصًّا عن جعفر الفريابي (٣/ ٣٩) وهو في «الإحكام» لابن حزم من طريقه.\n- فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وصاحب حجة: عندما بدأ بالرد على المقلدين استفاد من كتاب «الصادع» لابن حزم دون أن يذكره، كما يظهر ذلك بمقابلة الصفحات (٣/ ٥١ - ٦٢) مع «الصادع» (ص ٥٣٧ - ٥٤٩). وجميع الأمثلة التي ذكرها للأخذ بجزء من الحديث ومخالفة الجزء الآخر منه تقليدًا للإمام مأخوذة من كتاب «الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس» لابن حزم، دون أن يشير إلى ذلك. قارن (٣/ ٦٣ - ٨٦) بالإعراب (ص ٣٥٤ - ٥٧٢).\nواستفاد من كتاب «الإحكام» لابن حزم كثيرًا عندما ردَّ على حجج المقلدين، فمن الوجه الخامس والثلاثين إلى الوجه الحادي والستين مأخوذ من «الإحكام» (٦/ ٦١ - ١٠١) بشيء من التهذيب والتغيير والتقديم والتأخير. ونقل في أثنائها من مصادر أخرى أيضًا، فأقوال الإمام أحمد في الإجماع بروايات مختلفة (٣/ ١٢٠ - ١٢١) لعلها منقولة من «العدة» لأبي يعلى. وقول الإمام الشافعي منقول من كتاب «اختلافه مع مالك» (٣/ ١٢١) كما صرَّح بذلك، وقول أبي حاتم الرازي (٣/ ١٢١) لعله مأخوذ من «الفقيه والمتفقه» للخطيب. ونقل من «الرسالة القديمة» للشافعي (٣/ ١٤١، ١٤٢)، وهي الرسالة البغدادية التي نقل منها في أول الكتاب. ونقل في موضع عن أبي عمر (٣/ ١٤٧) ولعله ابن عبد البر، إلّا أنني لم أجد النصَّ في كتبه المعروفة. وذكر أمثلة من خفاء بعض الأحكام على الخلفاء الراشدين (٣/ ١٥٥ - ١٦٠) ولعله استفاد فيها من «الإحكام» (٦/ ٨٩)","vol":"المقدمة","page":74},{"text":"و«رفع الملام عن الأئمة الأعلام» ضمن «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٣٤ - ٢٣٨).\n* فصل في تحريم الإفتاء والحكم بما يخالف النصوص: نقل في هذا الفصل نصوصًا عن الشافعي، وهي في «الأم» و«الرسالة»، ونصوصًا أخرى عنه (٣/ ١٨١ - ١٨٨) هي في «مناقب الشافعي» للبيهقي، كما نقل من «اختلاف الشافعي مع مالك» (٣/ ١٧٨)، وخطبة كتاب «إبطال الاستحسان» للشافعي (٣/ ١٨٧ - ١٨٩)، ونصًّا طويلًا من كتاب «طاعة الرسول» لأحمد بن حنبل (٣/ ١٨٩ - ١٩٥). وذكر بعض الأقوال والآثار عن العلماء في هذا الموضوع (٣/ ١٧٥ - ١٧٧)، وهي في «المدخل» للبيهقي و«الفقيه والمتفقه» للخطيب، وقد صرَّح باسم «المدخل» في موضع منه (٣/ ١٧٩).\nبعد التمهيد لهذا الفصل ذكر المؤلف ٧٣ مثالًا لردّ النصوص المحكمة من القرآن والسنة بالمتشابه من القرآن، وهو مسلك يخالف منهج أئمة الحديث والفقه كما ذكر المؤلف. ولما جاء إلى المثال الثامن عشر استطرد إلى بيان أن السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه وأنها لا تعارض القرآن بوجهٍ (٣/ ٢١٦ - ٢١٩)، ومن هنا تطرَّق إلى مسألة الزيادة على النصّ واحتجاج الحنفية لها والجواب عنها باثنين وخمسين وجهًا (٣/ ٢١٩ - ٢٥٣). لم أجد مصدرًا محدّدًا لهذه الأمثلة والوجوه فيما رجعت إليه من المصادر، ولعل المؤلف جمعها بعد طول التتبع والاستقراء، ونقل الأحاديث في كل باب من كتب السنة المعروفة، وفي موضع منه (٣/ ٢٦٤) نقل عن «الغيلانيات»، وقد التبس الأمر هنا على المؤلف، فقد وجد النصَّ عند الدارقطني عن يحيى بن غيلان، فظنَّه مؤلف «الغيلانيات»، وليس هو، بل","vol":"المقدمة","page":75},{"text":"صاحبها أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي (ت ٣٥٤)، رواها عنه أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان (ت ٤٠٤) فنُسِبت إليه. وهو غير يحيى بن غيلان شيخ الدارقطني.\nومن المؤلفين الذين نقل عنهم في هذا الفصل: البيهقي (٣/ ٢٩٢، ٣١١ - ٣١٦، ٣٧٧، ٣٧٨، ٣٩٦)، وجميع هذه النصوص من كتاب «الخلافيات» له كما يظهر ذلك بمراجعته، وبواسطته نقل قول الحاكم في حديث (٣/ ٣٩٣، ٣٩٤)، فلا يوجد في «المستدرك» وغيره من كتبه الموجودة. ونقل عن الترمذي في كتاب «العلل» كما صرَّح به (٣/ ٢٩٦)، وهو «العلل الكبير» له. كما نقل عن الثوري في «الجامع» (٣/ ٣٣٦)، والطحاوي (٣/ ٣٣٤، ٣٣٥) وهو في «معاني الآثار» له، وابن عدي (٣/ ٣٣٣) ونصُّه في «الكامل»، وابن عبد البر (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٨) وهو في «الاستذكار». وفي مبحث عمل أهل المدينة نقل نصًّا طويلًا عن القاضي عبد الوهاب المالكي (٣/ ٣٦٨ - ٣٧٠) وعقَّب عليه. ولم أجده في كتبه المطبوعة.\n* فصل في تغير الفتوى واختلافها ... (٣/ ٤٢٩ - ٦٣٣): نقل فيه عن شيخه قوله المشهور في إنكار المنكر (٣/ ٤٣٢)، كما نقل عن أبي القاسم الخرقي من «مختصره» (٣/ ٤٣٣)، وعن أبي محمد المقدسي (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٥، ٤٣٦) وهو ابن قدامة من كتابه «المغني»، ونقل عن السَّعدي آثارًا بإسناده (٣/ ٤٤١ - ٤٤٣)، وهو الجوزجاني، وكتابه «المترجم» شرح مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي كما ذكره المؤلف (٣/ ٤٤٣). ونقل عن صاحب «الجواهر» (٣/ ٤٤٦) وهو «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس.","vol":"المقدمة","page":76},{"text":"ولما جاء إلى المثال السادس (مسألة طواف الحائض بالبيت) نقل عن شيخه شيخ الإسلام (٣/ ٤٦٣، ٤٦٤ و٤٦٧، ٤٦٨)، كما نقل عن أبي بكر غلام الخلّال من كتابه «الشافي».\nوفي المثال السابع (مسألة الطلاق الثلاث) اعتمد على كلام شيخه كثيرًا كما صرَّح به في مواضع (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤، ٤٧٩)، ونقل أيضًا عن «شرح تفريع ابن الجلّاب» للتلمساني (٣/ ٤٧٩). ثم تطرَّق إلى مسألة التحليل، وكان اعتماده فيها أيضًا على كلام شيخه في «بيان الدليل» عندما أورد الأحاديث الواردة في تحريم التحليل، كما رجع في تعليل بعض الأحاديث إلى «العلل» للترمذي و«المترجم» للجوزجاني وكلام الضياء المقدسي (٣/ ٤٩٩)، وهو في «السنن والأحكام» له.\nوفي المثال الثامن (مسألة الحلف بالطلاق والعتاق) أيضًا كان اعتماده على كلام شيخه في كتبه وفتاواه، كما نقل بعض النصوص من المصادر الأخرى مثل: «شرح أحكام عبد الحق» لابن بزيزة (٣/ ٥١١، ٥٢٢) و«سنن الأثرم» (٣/ ٥١٦) و«المترجم» للجوزجاني (٣/ ٥١٨) إلى جانب كتب الحديث المعروفة. ومن المصادر التي نقل عنها: «تفسير سنيد بن داود» (٣/ ٥٢٥) و«فتاوى القفال» (٣/ ٥٢٦) و«شرح التنبيه» لابن يونس (٣/ ٥٢٨) و«مصنَّف وكيع» (٣/ ٥٢٩). وعندما ذكر مذاهب العلماء فيمن قال: «أنتِ عليَّ حرام» (٣/ ٥٣٢ - ٥٣٨) اعتمد على «المحلَّى» لابن حزم اعتمادًا كبيرًا وتصرَّف في ترتيب المذاهب، كما يظهر ذلك بالمقارنة وعند تحرير مذاهب العلماء في أيمان البيعة نقل عن صاحب «التتمة» (٣/ ٥٤٤) وهو شافعي، وعن ابن بطة (٣/ ٥٤٤) والنصُّ في «المغني»، وعن القاضي","vol":"المقدمة","page":77},{"text":"أبي بكر ابن العربي (٣/ ٥٤٦). كما نقل قول المالكية من كتاب «الفروق» للقرافي دون أن يشير إليه (٣/ ٥٤٦ - ٥٤٨)، ونقل عن ابن بَزيزة في «شرح الأحكام» (٣/ ٥٤٩ - ٥٥٠).\nوفي المثال التاسع (مسألة تأجيل بعض المهر وحكم المؤجّل) اعتمد في نقل مذهب مالك على «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس (٣/ ٥٥٣ - ٥٥٤) دون أن يشير إليه. ونقل رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس من «المعرفة والتاريخ» للفسوي (٣/ ٥٥٦ - ٥٦٤) كما صرَّح بذلك. واعتمد على كلام شيخه في «بيان الدليل» في هذا المبحث كثيرًا (انظر: ٣/ ٥٦٥ - ٥٧٠، ٥٧١ - ٥٧٣، ٥٨٠ - ٥٨٢). ثم تطرَّق إلى بيان أن العبرة في الشريعة بالمقاصد والنيات دون الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، ونقل نصًّا طويلًا من كلام الإمام الشافعي (٣/ ٥٨٣ - ٥٩٠) وهو من «إبطال الاستحسان» له. ثم ناقشه بتفصيل (٣/ ٦٢١ - ٦٣٣). وقد اعتمد المؤلف في هذا الموضوع على كلام شيخه في «بيان الدليل» (٣/ ٦٠١ وما بعدها)، ونقل فصلًا كاملًا منه (٣/ ٦١٨ - ٦٢١) دون أن يشير إليه.\n* وعقد فصلًا لبيان سدّ الذرائع واستدلَّ له بتسعة وتسعين وجهًا (٤/ ٣ - ٤٣)، ثم ذكر أن تجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع، وأطال في بيان تحريم الحيل والعمل بها والإفتاء بها، وكان مصدره في ذلك كتاب «بيان الدليل» لشيخه. وذكر في فصل بعد ذلك (٤/ ٩٠ - ١١٣) حجج أرباب الحيل، نقلها من كتاب الخصّاف في الحيل و«المحلَّى» لابن حزم، ومن طريقه نقل الآثار عن عبد الرزاق. ثم ردَّ على هذه الحجج على لسان المبطلين للحيل (٤/ ١١٣ - ٢٨٩) وفصَّل الكلام على الحيلة السريجية","vol":"المقدمة","page":78},{"text":"التي حدثت في الإسلام بعد المئة الثالثة (٤/ ١٧٨ - ٢١٩)، وذكر أمثلة كثيرة من الحيل المحرَّمة الباطلة في الشرع. والمؤلف صادر عن «بيان الدليل» لشيخه في أكثر ما قال، بل نقل بعض الفصول بتمامها منه على طريقة استفادته من شيخه.\n* ثم عقد فصلًا ذكر فيه قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها (٤/ ٢٩٠ - ٤٧٥)، وذكر ١١٥ مثالًا للحيل التي يُقصد بها التوصُّل إلى الحق أو دفع الظلم بطريق مباح، ولما وصل إلى المثال الخامس عشر بعد المئة ذكر اثني عشر مخرجًا من الوقوع في التحليل الذي لعنه رسول الله - ﷺ - (٤/ ٥٧٥)، وبها ختم الفصل. وقد نقل في هذا الفصل من مصادر كثيرة من كتب الفقه والأصول والحديث والتفسير وغيرها، وفيما يلي مسردٌ لمؤلفيها حسب ورودهم:\n- ابن أبي موسى في «الإرشاد» (٤/ ٣٣٦، ٥٣٧، ٥٦٦).\n- محمد بن الحسن في كتاب «الحيل» (٤/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وهو جزء من كتاب «الأصل» له.\n- الخِرقي في «مختصره» (٤/ ٣٧٦، ٤٨٩، ٥٦٣).\n- أبو عمر [= ابن عبد البر] (٤/ ٣٨٥). والنصّ في «الاستذكار» له.\n- صاحب «الجواهر» (٤/ ٣٨٧ - ٣٩٠، ٥٢٠، ٥٤٠، ٥٦٢)، نقل في هذه المواضع من كتاب «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس.\n- البيهقي (٤/ ٣٩٨). نقل أثرين من كتاب «المدخل» له.\n- ابن القاسم في الكتاب (٤/ ٤٠٢). يقصد «المدونة».","vol":"المقدمة","page":79},{"text":"- ابن المنذر (٤/ ٤١٩).\n- أبو يعلى في «إبطال الحيل» (٤/ ٤٠٦، ٤٢٢، ٤٢٦، ٤٢٩ - ٤٣١)، ونقل نصوصًا أخرى عنه في موضوع الحيل لعلها كلها من هذا الكتاب.\n- عبد الحق (٤/ ٤١٨). النص في «الجمع بين الصحيحين» له.\n- ابن الجلّاب (٤/ ٤١٩). النصّ في كتابه «التفريع» له.\n- أبو محمد المقدسي صاحب «المغني» (٤/ ٤٢١، ٤٦٩، ٤٧٠، ٤٩٠، ٥٢١، ٥٢٢، ٥٦٠، ٥٦٣) هو ابن قدامة.\n- صاحب «المحرر» (٤/ ٤٢٢، ٤٥٥، ٥٣٢، ٥٣٣) هو المجد ابن تيمية.\n-[الموفّق في] «مناقب أبي حنيفة» (٤/ ٤٢٨). نقل عنه نصَّين.\n- السرخسي (٤/ ٤٣٩) في «المبسوط» له.\n- ابن حمدان في «الرعاية» (٤/ ٤٤٧، ٥١٧).\n- ابن عقيل في «الفصول» (٤/ ٤٥٣).\n- الخصَّاف (٤/ ٤٥٩). والنصّ في كتاب «الحيل» له.\n- عبد الله بن أحمد في «مسائله» (٤/ ٤٦٩).\n- الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٤/ ٤٧٠).\n- أبو بكر عبد العزيز في كتاب «الشافي» و«زاد المسافر» (٤/ ٤٧٣، ٤٧٥ - ٤٧٦، ٥٣٩).","vol":"المقدمة","page":80},{"text":"- الجويني في «النهاية» (٤/ ٤٧٤) أي «نهاية المطلب».\n- الشافعي (٤/ ٤٧٨، ٤٧٩) في كتاب «الأم» له.\n- أبو عبيد (٤/ ٤٧٩، ٤٨٠، ٤٨١) في «غريب الحديث» له.\n- الجوزجاني في «المترجم» (٤/ ٤٩٦، ٥١٩).\n- ابن شاهين (٤/ ٤٩٦). لم أعرف كتابه الذي نقل منه.\n- صاحب «الذخيرة» أو «الذخائر» (٤/ ٥٠١، ٥١٩، ٥٢٣، ٥٤٤، ٥٦٤)، هو برهان الدين البخاري صاحب «الذخيرة البرهانية».\n- الشالنجي في «مسائله» (٤/ ٥١٨).\n-[ابن الأثير في «النهاية»] (٤/ ٥٢٤، ٥٢٥)، شرح مادة «لهي» بالاعتماد عليه دون أن يذكره.\n- ابن حزم في «المحلّى» (٤/ ٥٢٦، ٥٤٨، ٥٤٩، ٥٥٠، ٥٥٤).\n- القفّال في «فتاويه» (٤/ ٥٤٤).\n- ابن رشد في «المقدمات» (٤/ ٥٤٦).\n- ابن عبد البر في كتاب «الانتقاء» (٤/ ٥٤٧).\n- أبو القاسم التميمي= ابن بزيزة في «شرح أحكام عبد الحق» (٤/ ٥٤٨).\n- سُنيد بن داود في «تفسيره» (٤/ ٥٥١، ٥٧٤).\n- أبو إسحاق الشيرازي (٤/ ٥٥٣) في «طبقات الفقهاء» له.","vol":"المقدمة","page":81},{"text":"- صاحب «المستوعب» (٤/ ٥٥٦).\n- ابن عبد البر في «الكافي في مذهب مالك» (٤/ ٥٦١).\n- ابن حزم في «مراتب الإجماع» (٤/ ٥٧٠).\n* فصل في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية (٤/ ٥٧٦ - ٦٣٨):\nاعتمد المؤلف فيه اعتمادًا كبيرًا على كتاب شيخه «تنبيه الرجل العاقل»، وزاد عليه من كلامه ومن مصادر أخرى، وقد أخذ الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة من «التنبيه» بشيء من البسط والتفصيل، ونقل بعض الآثار من البيهقي في «المدخل» (٤/ ٥٨٠ - ٥٨٢)، وابن بطَّة (٤/ ٦٠٤، ٦٠٥) ولعلها من «الإبانة» له مما لم يطبع، وأبي نعيم في «الحلية» (٤/ ٦٠٨). ومما يلاحظ أن الآثار المذكورة في اتباع السنة (٤/ ٦٢٧ - ٦٣٠) بنصّها مأخوذة من «تنبيه الرجل العاقل»، ولا يوجد بعضها بهذا اللفظ في غيره.\n* فوائد تتعلق بالفتوى (٥/ ٣ - ١٨٦).\n- اعتمد المؤلف في معظم هذه الفوائد على كتابين: «أدب المفتي والمستفتي» لأبي عمرو ابن الصلاح، و«صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» لأبي عبد الله ابن حمدان الحنبلي. وقد ذكرهما جميعا في الفائدة الأربعين (٥/ ١١٦): «وأما قول أبي عمرو بن الصلاح وأبي عبد الله بن حمدان من أصحابنا ...». وذكر ابن الصلاح في عدة مواضع (٥/ ٤٣، ٦٨ - ٧٠، ١٤٠).\n- الفائدة الثامنة في أنه يجوز للمفتي أن يحلف على ثبوت الحكم عنده (٥/ ١٧ - ٣٠) وعمدة المؤلف فيها: كتاب «المسائل التي حلف عليها","vol":"المقدمة","page":82},{"text":"أحمد بن حنبل» لابن أبي يعلى. وقد أشار إليه في موضع منها بقوله: «قال القاضي: فإن قيل كيف استجاز الإمام أحمد أن يحلف في مسائل مختلف فيها؟» (٥/ ٢٨). وقد نقل المؤلف في أول الفائدة مسائل عن الإمام أحمد ثم قال: «ذكر هذه المسائل القاضي أبو علي الشريف» يعني ابن أبي موسى صاحب كتاب «الإرشاد»، وذلك موهم أن المؤلف هو الذي نقل عنه، غير أن المسائل المذكورة مع هذه الإحالة منقولة من كتاب ابن أبي يعلى.\n- في الفائدة السادسة عشرة والخامسة والعشرين (٥/ ٤١، ٨٨) نقل عن ابن حزم حكاية طريفة لبعض المفتين، وهي في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام». وفي الفائدة السادسة عشرة أيضا (٥/ ٤٤) نقل عن أبي إسحاق الشيرازي حكاية لأبي بكر بن داود الظاهري، وهي في «طبقات الفقهاء» له، ورواها ابن الصلاح بسنده إلى أبي إسحاق، فقد يكون النقل من كتابه «أدب المفتي».\nاستهل المؤلف الفائدة الثالثة والعشرين (٥/ ٧٤) بقوله: «ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد ...»، والمقصود كتابه: «الرد على من أفتى في الخلع»، وكذا سماه أبو يعلى في فصل صفة المفتي من كتاب «العدة» (٥/ ١٥٩٩) ونقل منه هذا النص. وأخشى أن يكون هو مصدر المؤلف. بعدما فرغ من تفسير كلام الإمام أحمد السابق في صفة المفتي، أتبعه في الفائدة التالية كلمات أخرى حفظت عنه في أمر الفتيا، ونقلها من رواية أبنائه وأصحابه.\n- في الفائدة الخامسة والعشرين (٥/ ٨٨) نقل «عن بعض العلماء»، ولعل المقصود ابن حمدان الحنبلي في كتابه «صفة الفتوى».","vol":"المقدمة","page":83},{"text":"- في الفائدة الثالثة والثلاثين (٥/ ١٠٢) نقل عن ابن الجوزي أن على ولي الأمر أن يمنع من الفتوى من ليس بأهل لها. الظاهر أن مصدر المؤلف كتاب «تعظيم الفتيا» لابن الجوزي، فإن الأثر المرفوع الذي نقله عنه إثر ذلك ورد في هذا الكتاب؛ ولكن نسختيه اللتين طبع عنهما الكتاب ناقصتان.\n- في الفائدة الخامسة والخمسين ذكر المؤلف أنه إذا سئل المفتي عن تفسير شيء من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ - فليس له أن يخرجه عن ظاهره ويؤوله بما يوافق هواه. قال: وهذا الذي صرّح به أئمة الإسلام قديما وحديثا. ثم نقل أقوال الإمام الشافعي، وإمام الحرمين، وأبي حامد الغزالي، وابن رشد الحفيد، وغيرهم ممن لم يسمِّهم. أما الإمام الشافعي، فنقل نصًّا من خطبة «رسالته»، وبعض أقواله من «مناقب الشافعي» للبيهقي (٥/ ١٥٨). وبعضها (٥/ ١٥٤، ١٥٨) لم أقف على مصدره. ونقل نصًّا طويلا (٥/ ١٥٤ - ١٥٦) من «الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية» للجويني. أما الغزالي فنقل نصوصا (٥/ ١٥٦ - ١٥٧) من كتاب «التفرقة» له، وبعض كلامه لم أجده في الكتاب المذكور. ونقل نصًّا طويلا (٥/ ١٦٤ - ١٦٨) من كتاب «الكشف عن مناهج الأدلة» لابن رشد. وقد سمّى الكتب المذكورة كلها.\n- أما شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، فنقل في عدة مواضع ما شهد من أحواله في الفتيا، وما سمع منه من فوائد (٥/ ٣٤، ٣٩، ٤٢، ٦٦، ٩٢، ١٠٤، ١٣١).\n* فتاوى النبي - ﷺ - (٥/ ١٨٧ - ٤٨٤).\nمعظم الأحاديث التي وردت في هذا القسم ذكر المؤلف مصادرها من","vol":"المقدمة","page":84},{"text":"كتب المسانيد والجوامع والسنن وغيرها، ولكن ذلك لا يدل بالضرورة على أنه نقل الأحاديث منها، بل كثيرًا ما يكون النقل من كتب المختارات، وقد يصرح بذكرها. فذكر في (٥/ ٣٣١ - ٣٣٢) أن النبي - ﷺ - سئل عن الكلالة، فقال: «ما خلا الولد والوالد»، ثم قال: «ذكره أبو عبد الله المقدسي في أحكامه». يعني كتاب «السنن والأحكام عن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام» للحافظ ضياء الدين المقدسي. ولفظه (٥٣١٥): «وعن البراء قال سألت ــ أو سئل ــ النبي - ﷺ - عن الكلالة، فقال: «ما خلا الولد والوالد». رواه أحمد بن عمرو بن عاصم بن النبيل بإسناد ثقات». والحديث الذي يليه في الميراث منقول أيضا من الكتاب المذكور (٥٣١٧) وقال ابن القيم عقب إيراده: «ذكره أحمد»، مع أن لفظه لفظ ابن ماجه. وقد صرّح الضياء بذلك عند ما أحال على أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي.\n- وقد أورد المؤلف في موضع (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٧) أحاديث في الجنة ونعيمها، ومصدرها «صفة الجنة» للضياء المقدسي. وذكر الضياءَ عند أول حديث منها فقط لأنه نقل حكمه على الحديث، فقال: «قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: رجال إسناده عندي على شرط الصحيح».\n- في (٥/ ٤٠٥) ذكر المصنف مناظرة جرت بين أبي الوفاء ابن عقيل وبعض الفقهاء، ثم علّق عليها. وقد نقلها في «الطرق الحكمية» (١/ ٢٨) من كتاب «الفنون» لابن عقيل.\n- نقل في (٥/ ٤٤٩) قول النبي - ﷺ -: «استعينوا بالنَّسَل، فإنه يقطع عنكم الأرض»، ثم قال: «ذكر أبو مسعود الدمشقي هذا الحديث في مسلم،","vol":"المقدمة","page":85},{"text":"وليس فيه. وإنما هو زيادة في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم في صفة حج النبي - ﷺ -». ولا شك أن الإحالة على كتاب «الأجوبة عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم» لأبي مسعود، وهو مطبوع، غير أن فيه نقصًا، فلم يرد فيه هذا الحديث.\n- هذا القسم كغيره من أقسام الكتاب، لا يخلو من أقوال شيخ الإسلام وترجيحاته. انظر مثلا الصفحات الآتية: (٥/ ١٩٣، ٢٠١، ٢٤٨، ٣١١، ٣٣٩، ٣٥٧).\n* * * *","vol":"المقدمة","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>أثره في الكتب اللاحقة</span>\nبما أن هذا الكتاب حوى أبحاثًا عديدة من الأصول، ومسائل كثيرة من الفروع، وشروحًا مفيدة للأحاديث والآثار، ونقولًا مهمة من المصادر القديمة= كان له أثر بارز فيما أُلِّف بعده من كتب في الفقه والأصول وشرح الحديث وتفسير القرآن، ورسائل مفردة في التقليد والاجتهاد وآداب الفتيا والقياس وحجية قول الصحابي وسدّ الذرائع والحيل والطلاق والأيمان وفتاوى النبي - ﷺ -. وسنعرض هنا باختصار اعتماد المؤلفين عليه واستفادتهم منه عبر القرون، مما يدلُّ على شيوعه وتداوله بين الأوساط العلمية في العالم الإسلامي قبل طباعته لأول مرة في الهند سنة ١٣١٣ - ١٣١٤. ولا نتناول بيان الكتب والمؤلفات التي اعتمد فيها أصحابها على النسخة المطبوعة، فإنه تحصيل حاصل.\nأَقْدَمُ من وجدناه نقل من الكتاب: الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢) في «فتح الباري» (١٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، فقد اقتبس نصًّا طويلًا من مبحث الحيل بقوله: «قال ابن القيم في الأعلام: أحدث بعض المتأخرين حيلًا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة ...، وأطال في ذلك جدًّا، وهذا ملخصه». وعقَّب عليه. وهذا النص في الكتاب (٤/ ٢٢١). وفي «الفتح» (١٢/ ١٢٨) نقل عن ابن القيم تنبيهًا على وهم في رواية بشير بن المهاجر، سرى من قصة الغامدية إلى قصة ماعز. وهذا أيضًا منقول من هنا (٥/ ٤٠١).\nواستفاد الحافظ أيضًا منه في ترجمة يحيى بن أبي إسحاق الهُنائي من «تهذيب التهذيب» (١١/ ١٧٨)، وقال: «هكذا رأيت في الأعلام لابن قيم الجوزية» مشيرًا إلى ما ذكره ابن القيم نقلًا عن سعيد بن منصور في «سننه»","vol":"المقدمة","page":87},{"text":"والبخاري في «تاريخه» وما وقع في اسمه من الاختلاف.\nوذكر أبو ذر أحمد بن سبط ابن العجمي (ت ٨٨٤) في «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم» (ص ١٠٧) حديثًا وقال: «عزاه ابن القيم في مَعَالم الموقعين إلى مسند أحمد».\nونقل ابن مفلح (ت ٨٨٤) في «المبدع» من الكتاب في مواضع، ففي (٧/ ٦٢) قال: «قوّى في أعلام الموقعين أن الرجل أشد شهوة من المرأة ...». وفي (٧/ ٦٧): «وفي أعلام الموقعين: وظاهره أنه إذا لم يجد طَولًا لحرة مسلمة ووجد طولًا لحرة كتابية أن له نكاح الأمة ...». ونقل في (٧/ ٧٩) ما يتعلق بمسألة التحليل. والنصَّان الأولان نقلهما أيضًا ابن قندس (ت ٨٦١) في «حاشيته على الفروع» (تحقيق محمد بن عبد العزيز السديس) ص ١٦٨، ٤١١. فلعل ابن مفلح صادر عنها.\nوجاء علاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥) فاقتبس منه كثيرًا في أبواب عديدة من كتابه «الإنصاف»، وهذه مواضعها: ٥/ ٤٢٠، ٦/ ٤، ٣٤٥، ٨/ ١٦٣، ١٧٠، ٤٢٥، ٩/ ٥، ١١١، ١٢٧، ١٠/ ٣٩٢، ١١/ ١٦٦، ١٦٧، ١٨٧، ١٨٩، ١٩٤، ٢٢١، ٣١٨ (من طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت).\nكما نقل عنه في مواضع من كتابه «تصحيح الفروع»: ٢/ ١٢٨، ١٢٩، ٧/ ١٣٥، ١٠/ ٣٩٣، ١١/ ١٢٩، ٢١٩، ٣٤٦ (طبعة مؤسسة الرسالة ١٤٢٤).\nواستفاد منه أيضًا في كتابه الأصولي «التحبير شرح التحرير»، ففي (٧/ ٣٥٣٩) أن الشيخ تقي الدين وابن القيم ذكرا أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس ولا ما لا يُعقل معناه، وبيَّنَا ذلك بما لا مزيد عليه. وفي","vol":"المقدمة","page":88},{"text":"(٨/ ٣٩٨٥) مسألة في الاجتهاد والتقليد. وفي (٨/ ٤٠٠٥) إذا حدث مسألة لا قولَ فيها ساغ الاجتهاد فيها، ونقل عن ابن القيم أنه يُسَنّ أو يجب عند الحاجة، وفي (٨/ ٤٠٤١ - ٤٠٤٣) نقل عنه ما يتعلق بفتوى الفاسق.\nواعتمد يوسف بن عبد الهادي (ت ٩٠٩) على «أعلام الموقعين» في عدد من كتبه، ففي «سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث» (ط. دار النوادر ١٤٢٨) ص ٤٢٧، ٤٤٧، ٤٤٨، ٤٥٠، ٤٥٥، ٤٦١، ٤٨١، ٤٩٧ نصوص كثيرة مأخوذة منه، بل (الفصل الحادي عشر في ذكر المحلل وأحكامه) كله منقول منه. ونقل في كتابه «إرشاد الحائر إلى علم الكبائر» (ط. دار البشائر الإسلامية ١٤٢٥) فصلًا مطولًا عن الكبائر (ص ٤٠ - ٥٣)، وهو في «الأعلام» (٥/ ٤٦٠ - ٤٧٠). كما نقل في «محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» (ط. الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة) ١/ ٣٨٠ - ٣٨٤ مبحث عدم قطع يد السارق في المجاعة، ولم يذكر «الأعلام» ولا ابن القيم، بل اكتفى بقوله في أثنائه (١/ ٣٨٣): «قال بعض أصحابنا».\nواستفاد الشُّويكي (ت ٩٣٩) من الكتاب في «التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح» في مبحث نكاح المحلل (٢/ ٩٧٤) وفي مبحث الخلع (٣/ ١٢٤) من طبعة المكتبة المكية ١٤١٨.\nونقل الحجَّاوي (ت ٩٦٨) في «الإقناع» (ط. دار المعرفة) ٢/ ١٢٤ شيئًا من مبحث الحيل، وقال: «وقد ذكر ابن القيم في «أعلام الموقعين» من ذلك صورًا كثيرة جدًّا يطول ذكرها» كما نقل عنه في ٣/ ١٩٢ عدم جواز التحليل المشروط، و٤/ ٢١ مسألة الاستثناء في الطلاق، و٤/ ٤٥ مسألة","vol":"المقدمة","page":89},{"text":"أخرى في الطلاق.\nواستفاد منه ابن النجّار الفتوحي (ت ٩٧٢) في «معونة أولي النهى» (ط. بن دهيش) في مواضع، منها ٦/ ١٠٢ (ألفاظ العقود)، ٩/ ١٢٣ (التحليل المشروط)، ١١/ ١٨١ (استفتاء المفتي الفاسق) و١١/ ١٩٥ (أجرة الفتيا). كما نقل عنه في «شرح الكوكب المنير» (ط. جامعة أم القرى) ٤/ ٢٢٥ مبحث عدم مخالفة الشريعة للقياس، ٤/ ٥٢٦ - ٥٢٧ تفصيل القول فيما إذا حدثت مسألة لا قولَ فيها، و٤/ ٥٤٥ فتوى الفاسق.\nومن أشهر المؤلفين الحنابلة الذين نقلوا عن الكتاب في القرن الحادي عشر: منصور البهوتي (ت ١٠٥١)، فقد أكثر النقل عنه في «كشاف القناع» (ط. دار الفكر) ٣/ ٢٧٣، ٤٠٥، ٥٤٧،٤/ ٢٠٨، ٥/ ٩٦، ٢٧١، ٢٩٠، ٣١٣، ٦/ ٣٠٠، ٣٠٨، وفي «شرح منتهى الإرادات= دقائق أولي النهى» (ط. عالم الكتب) ٢/ ٢٤٢، ٦٦٨، ٣/ ٤٨٤، وفي «إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى» (ط. بن دهيش).\nواعتمد عليه كثيرًا ابن العماد (ت ١٠٨٩) في كتابه «معطية الأمان من حنث الأيمان) (ط. المكتبة العصرية جدة ١٤١٦)، ونقل نصوصًا طويلة منه كما نصَّ عليه في مواضع، انظر: ص ٩٥، ١٧٩ - ١٨٢ (معنى «لا طلاق في إغلاق»)، ١٩٢ - ٢٠٧ (مبحث الطلاق الثلاث)، ٢٢٦ - ٢٢٩ (الحلف بالحرام)، ٢٣٧ - ٢٤٥ (اليمين بالطلاق والعتاق). كما اقتبس منه في كتابه الآخر «شذرات الذهب» (ط. الخانجي) ١/ ٦٢ - ٦٣ (من حُفظت عنهم الفتوى من الصحابة)، و١/ ١٥٥ (الاحتجاج بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده).","vol":"المقدمة","page":90},{"text":"وفي القرن الثاني عشر اقتبس منه كثيرًا أحمد المنقور (ت ١١٢٥) في مجموعه المسمى «الفواكه العديدة في المسائل المفيدة» (ط. المكتب الإسلامي)، فليراجع ١/ ٥٧، ٢٠٨، ٢٥١، ٢٧٧، ٣٥٥ - ٣٥٧، ٣٧٠، ٣٧٢، ٤٦١، ٢/ ٧١، ٩٨، ١٠٤، ١٨١ - ١٨٣، ٢٢٣، ٣٦١ - ٣٦٣. واعتمد عليه كثيرًا الشيخ محمد حياة السندي (ت ١١٦٣) في رسالته «الإيقاف على سبب الاختلاف».\nونقل الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢) في «إجابة السائل شرح بغية الآمل» (ط. مؤسسة الرسالة ١٩٨٦) ص ١٥٣ رأي ابن القيم في الاحتجاج بقول الصحابي إذا انفرد، وناقشه في ذلك. واعتمد في كتابه «الاقتباس لمعرفة الحق من أنواع القياس» على «الأعلام» بشكل كبير.\nأما السفَّاريني (ت ١١٨٨) فهو معروف بالنقل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في مؤلفاته، وهذه بعض المواضع التي نقل فيها من «أعلام الموقعين»، انظر: «غذاء الألباب» (ط. مؤسسة قرطبة) ١/ ٣٥٨، ٣٦٥، ٢/ ٣٥٦؛ «لوامع الأنوار البهية» (ط. المكتب الإسلامي) ٢/ ٣٨١ - ٣٨٣ مبحث الاحتجاج بفتاوى الصحابة، ٢/ ٣٩٠؛ «كشف اللثام شرح عمدة الأحكام» (ط. دار النوادر) ٣/ ٤٧٦ - ٤٧٧، ٥/ ٣٥٢، ٣٩٠، ٤٣٩، ٤٥٤، ٧/ ٣٠؛ «القول العلي لشرح أثر الإمام علي» (ط. الكويت) ص ٢٩٩ - ٣٠٠، ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٦ - ٣٠٩.\nوذكر مرتضي الزبيدي (ت ١٢٠٥) في «إتحاف السادة المتقين» (٥/ ٢١٤) أن الكراهة إذا أُطلقتْ تنصرف إلى التحريم، كما حققه ابن القيم في «أعلام الموقعين» واستدلّ بأقوال الأئمة من المذاهب الأربعة.","vol":"المقدمة","page":91},{"text":"واستخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦) مبحث الاحتجاج بقول الصحابي من هذا الكتاب، ولخصه في رسالته المعنونة «مبحث الاجتهاد والخلاف» ضمن مؤلفاته (الجزء الثالث)، كما نقل عنه في رسائله الشخصية ضمن مؤلفاته (٦/ ٢٣٦، ٢٥٥، ٢٥٨، ٣٠٤).\nونقل صالح الفلّاني (ت ١٢١٨) في «إيقاظ همم أولي الأبصار» (ط. دار المعرفة) نصوصًا كثيرة وطويلة من الكتاب، ففي ص ١٠ (مبحث ذم الرأي)، وص ٣٣ (مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ)، وص ٩٩ (وضع الكتب بالرأي)، وص ١٠٧ - ١٠٨ (معنى قول الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي)، وص ١١٣ - ١١٥ (دعوة الأئمة إلى اتباع السنة)، وص ١١٩ - ١٢٠ (الرد على من زعم أن ذم التقليد في القرآن خاص بالكفار)، وص ١٢١ - ١٦٢ (فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلد معاند وصاحب حجة)، وص ١٦٢ - ١٦٥ (فصل في جواز الفتوى بالآثار السلفية)، وص ١٦٥ - ١٧٠ (فوائد تتعلق بالفتوى).\nونقل مصطفى الرحيباني (ت ١٢٤٣) في «مطالب أولي النهى» (ط. المكتب الإسلامي) نصوصًا عديدة في مواضع، وهي في ١/ ٤٩، ٦٦٥، ٣/ ١٧٩، ٥٨٢، ٤/ ١٧٢، ١٧٣، ٥/ ١٢٧، ٣٧٥، ٤٠٧، ٤٤٤، ٦/ ٣٩٤.\nواعتمد الشوكاني (ت ١٢٥٠) عليه في رسالته «القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد» (ط. الكويت ١٣٩٦)، ونقل عنه في ص ٤٢، ٥٦، ٥٧، ٦١، ٧٣. كما نقل عنه في فتاواه «الفتح الرباني» (ط. اليمن) ٤/ ٢٠٣٢ - ٢٠٣٤ (عدم إقامة الحدود على التائب)، ٧/ ٣٤٥٢ - ٣٤٥٣ (مسألة اليمين بالطلاق والعتاق)، ٩/ ٤٦٢٥ - ٤٦٢٦ (بحث في القرائن، وتعقيب","vol":"المقدمة","page":92},{"text":"الشوكاني عليه)، ١٠/ ٥٢٥٣ - ٥٢٥٤ (الإجماع الذي تقوم به الحجة). ونقل أيضًا عنه في موضعين من «نيل الأوطار» (ط. دار الحديث ١٤١٣) ٦/ ١٦٦ (باب نكاح المحلل)، و٦/ ٣١٤ (باب من حرّم زوجته أو أمته).\nواقتبس منه الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٨٥) في رسالته «الإيمان والرد على أهل البدع» ضمن «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (ط. القاهرة ١٣٤٩). كما نقل عنه ابنه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (ت ١٢٩٣) في كتابيه: «الإتحاف في الرد على الصحاف» (ط. دار العاصمة) ص ٢٥ (الحكم على حديث «أصحابي كالنجوم»)، و«مصباح الظلام في الرد على من كذَّب الشيخ الإمام» (ط. وزارة الشؤون الإسلامية ١٤٢٤) ص ١٣٨.\nوكان عند الأمير صديق حسن خان القنوجي (ت ١٣٠٧) في مكتبته العامرة نسخة خطية من الكتاب في مجلدين، كما ذكر ذلك في كتابه «سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند» (طبعة بوفال ١٢٩٣) ص ٨٤، وقد استفاد منه كثيرًا في مؤلفاته، بل جرَّد منه بعض الأبواب والفصول وضمَّنها في كتبه أو أفردها بتأليف، فكتابه «بلوغ السُّول من أقضية الرسول» (المطبوع سنة ١٢٩٢) يحتوي على فتاوى النبي - ﷺ - التي جمعها ابن القيم في آخر «الأعلام»، وكتابه «ذخر المُحتي من آداب المفتي» (المطبوع سنة ١٢٩٤) مأخوذ منه أيضًا. وضمَّن كتابه «الدين الخالص» (المطبوع لأول مرة سنة ١٣٠١ - ١٣٠٢) مبحث الاجتهاد والتقليد بتمامه نقلًا عن «الأعلام». يراجع «الدين الخالص» (ط. المدني بمصر ١٣٧٩) ٤/ ٢٧٤ - ٤١٠. وفيما يلي بعض مؤلفاته الأخرى التي استفاد فيها من «الأعلام»:","vol":"المقدمة","page":93},{"text":"- «فتح البيان بمقاصد القرآن» (ط. المكتبة العصرية بيروت) ١/ ٢٥٠ (عدد الأحاديث المنسوخة)، ١/ ٣٣٨ (من الكتب المؤلفة في الرد على التقليد)، ٣/ ٤٣١ (شروط المفتي)، ١١/ ١٠ (الرد على الجهمية في مسألة الاستواء بثمانية عشر وجهًا)، ١٢/ ٣٤٤ (مسألة التقليد).\n- «نيل المرام من تفسير آيات الأحكام» (ط. دار الكتب العلمية ٢٠٠٣): ص ٩٠ (مسألة الطلاق الثلاث)، ص ١٨٧ - ١٨٨ (معنى طاعة الرسول والأمراء)، ص ١٨٩ - ١٩٠ (الرد إلى الله والرسول عند الاختلاف)، ص ١٩١ (الرد على التقليد)، ص ٣٦٢ (لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحلَّ كذا أو حرَّمه).\n- «الروضة الندية شرح الدرر البهية» (ط. دار المعرفة)، نقل عنه في مسائل كثيرة، وهذه إشارة إلى مواضعها دون ذكر الموضوعات: ١/ ٤٢، ٤٣، ٤٥، ٧٤، ٧٨ - ٧٩، ٩٩، ١٠١، ١٥٦، ١٧١، ٢١٩، ٢٣٠، ٢٤٨، ٢٧٤، ٢/ ١٨، ٣٥، ٣٨، ٤٣، ٥٣ - ٥٤، ٨٣، ١٤٦، ٢٤٣.\n- «حسن الأسوة فيما ثبت عن النبي - ﷺ - في النسوة» (ط. مؤسسة الرسالة) ص ٣٧ (مسألة الطلاق الثلاث)، ص ٤١ (لعن المحلل).\n- «ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي» (ط. المكتبة السلفية ١٤٠٢)، قال في (ص ٩): «وفي أعلام الموقعين عن رب العالمين فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به، ولعلك لا تظفر بها في غير ذلك الكتاب ولا بقريب منه». ونقل في (ص ٣١) كلام ابن القيم من «أعلام الموقعين» في كتاب عمر إلى أبي موسى","vol":"المقدمة","page":94},{"text":"الأشعري، وقال: «ثم شرح هذا الكتاب، وأطال إطالةً تُستطاب، وأتى بالعجب العجاب في ضمن الفصول إلى آخر الكتاب».\n- «الحطّة في ذكر الصحاح الستة» (ط. دار الكتب العلمية) ص ١٢٦، ١٢٧، ٢٥٨ - ٢٥٩.\n- «أبجد العلوم» (ط. دار الكتب العلمية)، قال في (٢/ ٢٥٩): «وقد أطال الحافظ ابن القيم في كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين في إبطال الحيل التي أحدثها الفقهاء وأجاد».\n- «إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة» (ط. بيروت ١٤١١) ص ٨١ (شروط المفتي)، ص ٩٣ (إنكار المنكر).\n- وآخر من اطلعنا عليه نقل من الكتاب قبل طباعته: خير الدين نعمان بن محمود الآلوسي (ت ١٣١٧)، ففي كتابه «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» الذي ألَّفه سنة ١٢٩٧ نقول في مواضع هذا بيانها (ط. مطبعة المدني): ص ٢٦٨ (مبحث الطلاق الثلاث)، ص ٦٠٢ (الوضوء بالخلّ)، ص ٦١٨ - ٦٢٧ (نصّ طويل في استبراء المختلعة، قال الآلوسي في آخره: وإنما سقته بطوله لأنه قلما يوجد في كتاب)، ص ٦٣٠ - ٦٤٣ (مسائل الربا).\nوبهذا نصل إلى ختام هذا المبحث الذي استعرضنا فيه أثر هذا الكتاب في الكتب التي تلته، ومدى اعتماد المؤلفين الحنابلة وغيرهم عليه في مباحث مختلفة من الفقه والأصول والحديث والرجال. ويُعتبر هذا الكتاب أكثر كتب ابن القيم رواجًا وقبولًا وتأثيرًا عند المؤلفين بعد «زاد المعاد»، وصدق الشيخ بكر أبو زيد حيث قال: «ولو لم يكن من مؤلفاته إلَّا كتابه «زاد","vol":"المقدمة","page":95},{"text":"المعاد في هدي خير العباد» ذلك الكتاب النافع المعطار، وكتابه الجامع لأمهات الأحكام وحقائق الفقه وأصول التشريع وحكمته وأسراره المسمى «إعلام الموقعين» وغيرهما مما يُعجب ويُطرِب، لو لم يكن منها إلّا هذان الكتابان لكفى» (^١).\n* * * *\n_________\n(^١) «ابن قيم الجوزية ــ حياته، آثاره، موارده» (ص ٧١ - ٧٢).","vol":"المقدمة","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>مؤلفات ودراسات عن الكتاب</span>\nقام بعض المؤلفين بإفراد بعض الفصول والأبواب منه في كتب مستقلة واتجه آخرون إلى اختصار الكتاب وتهذيبه وانتقاء بعض مباحثه، ونشر بعضهم دراسات وبحوثًا عنه، وترجمه بعضهم إلى لغات أخرى، وقام أحدهم بالردّ عليه. ونستعرض فيما يلي هذه الكتب والدراسات التي تدلُّ على أهمية الكتاب ومدى انتشاره وتأثيره في الأوساط العلمية.\n* أُفرِد منه القسم المتعلق بفتاوى رسول الله - ﷺ - بالعناوين الآتية:\nأ- «بلوغ السُّول من أقضية الرسول»، أفردها النواب صديق حسن خان القنوجي، وطبعت طبعة حجرية بالهند سنة ١٢٩٢ مع كتاب «نيل المرام من تفسير آيات الأحكام» في مجموعة (^١)، ثم طبعت سنة ١٣٢١.\nب- «فتاوى رسول الله - ﷺ -»، تحقيق وتعليق: مصطفى عاشور، ط. مكتبة الاعتصام بالقاهرة ١٩٨٠ م. والطبعة الثانية من دار بوسلامة بتونس ١٩٨٣ م.\nج- «فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين - ﷺ -»، حقق نصوصه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: عبد القادر الأرناؤوط، وساعد في ذلك طالب عوّاد، ط. دار المعراج الدولية بالرياض ١٤١٥.\nد- «فتاوى رسول الله - ﷺ -»، تحقيق: محمد نزار تميم وهيثم نزار تميم.\n_________\n(^١) قال الشيخ عبد الحي الكتاني في «التراتيب الإدارية» (١/ ٢٥٣): «لو لم تنشر الأمة الهندية أثرًا غير هذه المجموعة المقدسة لكان كافيًا. وأرى أن التأبُّط بها على كل مسلم متعين».","vol":"المقدمة","page":97},{"text":"هـ- رتَّب هذه الفتاوى على الأبواب الفقهية: قاسم الشماعي الرفاعي، وطبعها على حدة.\nو- «شفاء الصدور في فتاوى الرسول»، حققه وخرج أحاديثه: بشير محمد عيون.\nز- «فتاوى رسول الله - ﷺ -»، تحقيق: خالد خادم السروجي، ط. مكتبة ابن القيم.\nح- «فتاوى رسول الله - ﷺ -»، تحقيق: خليل مأمون شيحا.\nط- «فتاوى رسول الله - ﷺ -»، تحقيق: سليمان البواب، ط. دار الحكمة.\nي- «فتاوى النبي - ﷺ - في الصلاة»، تحقيق: علي أحمد الطهطاوي، ط. دار الكتب.\nك- حُقّقت هذه الفتاوى في ثلاث رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ونوقشت في السنوات ١٤١١، ١٤١٢، ١٤١٨. حقَّقها: ناصر بن إبراهيم العبودي، ولطيفة عبد الله الجلعود، وحصة صالح العماري.\n* نُشِر منه القسم الخاص بالتقليد:\nأ- ضمن كتاب «الدين الخالص» للنواب صديق حسن خان في الهند سنة ١٣٠٢. وهي في (٤/ ٢٧٤ - ٤١٠) من طبعة المدني سنة ١٣٧٩.\nب- «تفصيل القول في التقليد» ضمن «مجموعة الرسائل الكمالية» (الجزء الرابع)، ط. مكتبة المعارف بالطائف د. ت.","vol":"المقدمة","page":98},{"text":"ج- «رسالة التقليد»، تحقيق وتعليق: محمد عفيفي، ط. المكتب الإسلامي بيروت ١٤٠٣ ثم ١٤٠٥.\n* نُشر منه القسم الخاص بالقياس:\nأ- بعنوان «القياس في الشرع الإسلامي»، بعناية: محب الدين الخطيب، ط. المطبعة السلفية بالقاهرة ١٣٤٦ ثم ١٣٧٥. ونشرته أيضًا دار الآفاق الجديدة بيروت ١٣٩٨.\nب- ضمن «رسالتان في القياس»، ط. دار الفكر عمان.\n* نُشِر منه القسم الخاص بالاحتجاج بآثار الصحابة بعنوان: «البينات السلفية على أن أقوال الصحابة حجة شرعية في أعلام الإمام ابن قيم الجوزية» بعناية: أحمد سلام، ط. دار ابن حزم بيروت ١٤١٧.\n* نُشِر منه القسم الخاص بأمثال القرآن:\nأ- بعنوان «درر البيان في تفسير أمثال القرآن» أفرده بعض علماء نجد لم يذكر اسمه، وطبع في المطبعة السلفية بالقاهرة دون تاريخ. (ابن قيم الجوزية: ٢٢١).\nب- في مجلة «الهدي النبوي» القاهرة، المجلد ٢٠ (١٣٧٥) العدد ١١ - ١٢، والمجلد ٢١ (١٣٧٦) الأعداد ٨، ١٠، ١١ - ١٢.\nج- تحقيق: ناصر بن سعد الرشيد، ط. دار مكة للطباعة والنشر بمكة المكرمة ١٤٠٠، ط ٢. مطابع الصفا بمكة المكرمة ١٤٠٢.\nد- تحقيق: سعيد محمد نمر الخطيب، ط. دار المعرفة بيروت ١٤٠٢ ثم ١٤٠٣.","vol":"المقدمة","page":99},{"text":"* اختصر منه النواب صديق حسن خان القنوجي آداب المفتي بعنوان «ذخر المُحتي من آداب المفتي»، وطبعت في بوفال بالهند سنة ١٢٩٤.\n* قام مساعد بن عبد الله السلمان بجمع وترتيب ما تضمنه الكتاب من أسرار الشريعة، وسماه «أسرار الشريعة من اعلام الموقعين»، ط. دار المسير ١٤١٨.\n* استخرج منه عبد المجيد جمعة الجزائري «القواعد الفقهية»، ط. دار ابن القيم بالدمام ودار ابن عفان بالجيزة ١٤٢١ هـ. وهي رسالة ماجستير.\n* استخرج منه مجدي بن حمدي بن أحمد بن محمد أصول فتاوى الإمام أحمد، وسماه «أصول فقهاء الحديث»، طبع سنة ١٤٢٢.\n* ومما نُشِر في تهذيبه واختصاره وانتقائه:\nأ- «مختارات من اعلام الموقعين» للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ط. مؤسسة آسام بالرياض ١٤١٢.\nب- «فوائد من شرح اعلام الموقعين»، دروس علمية شرحها الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، طبعت ضمن «الفوائد العلمية من الدروس البازية» (ج ٨).\nج- «تهذيب اعلام الموقعين»، انتقاء وتهذيب: عابد بن عبد الله الثبيتي، ط. دار ابن الجوزي.\nد- «بغية الموفقين من اعلام الموقعين»، انتقاها: شمس الدين بن محمد أشرف، ط. مكتبة الصحابة، الشارقة ١٤١٩.\nهـ- «اعلام الموقعين عن رب العالمين»، قام بإعادة ترتيبه وتبويبه","vol":"المقدمة","page":100},{"text":"وتقسيمه على الموضوعات: صالح أحمد الشامي، ط. دار القلم دمشق ١٤٣٢، ٤ مجلدات.\n* من الدراسات التي نُشرت عن الكتاب:\nأ- «منهج الإفتاء عند الإمام ابن قيم الجوزية ــ دراسة موازنة»، إعداد: أسامة عمر سليمان الأشقر، ط. دار النفائس عمّان ١٤٢٣.\nب- «منهج ابن القيم في الفتيا ــ تأصيلات وتطبيقات»، إعداد: إبراهيم بن يحيى الزهراني، رسالة ماجستير بجامعة أم القرى مكة المكرمة.\n* ردَّ الشيخ حبيب أحمد الكيرانوي في كتابه «الدين القيم» على مبحث الاجتهاد والتقليد من «أعلام الموقعين»، وقد طبع لأول مرة ضمن كتابه «فوائد في علوم الفقه» في كراتشي سنة ١٣٨٥. ثم طبع مع «إعلاء السنن» (٢٠/ ٨ - ٩٩) في كراتشي سنة ١٤١٤.\n* ترجم الكتاب إلى اللغة الأردية: الشيخ محمد الجوناكرهي بعنوان «دين محمدي»، وطبع لأول مرة بدهلي في السنوات ١٣٥٥ - ١٣٥٦ في سبعة أجزاء. ثم طبع مرارًا في مجلدين.\n* ترجم المبحث الخاص بالتقليد إلى الإنجليزية: عبد الرحمن مصطفى، وطبع في نيويورك سنة ٢٠١٣ م.\n* ترجمه إلى الفرنسية: محمود فتحي سنة ١٩١٣ م، كما في «رحلة الكتاب العربي إلى ديار الغرب» (٢/ ١٢٦).\n* * * *","vol":"المقدمة","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>النسخ المعتمدة في هذه النشرة</span>\nاعتمدنا في إخراج هذه النشرة على سبع نسخ قديمة من القرنين الثامن والتاسع، لم يسبق الرجوع إليها في طبعة أخرى من قبل. وقد راجعنا أحيانا نسختين متأخرتين أيضًا للاستئناس. وإليكم وصفها فيما يأتي:\n١ - نسخة المكتبة المحمودية (ح):\nلم يصل إلينا من هذه النسخة القديمة الجيدة إلا المجلد الأول، وهو محفوظ في المكتبة المحمودية ضمن مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، برقم ١٤٥٢. عدد أوراقه ٣٥٢، وفي كل صفحة ١٩ سطرا، وهو مكتوب بخط النسخ. وقد وقع اضطراب في ترتيب الأوراق في موضع واحد، وذلك أن الورقتين (٤، ٥) موضعهما الصحيح بعد الورقة (٢٧٨) حسب الترقيم الموجود.\nبداية النسخة بعد صفحة العنوان هكذا: «بسم الله الرحمن الرحيم. ربِّ يسِّر وأعن. الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارًا ...». وانتهت بقول المؤلف بعد ما تمّ شرح كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء: «فهذا بعض ما يتعلق بكتاب أمير المؤمنين ﵁ من الحكم والفوائد، والحمد لله رب العالمين». هذه النهاية توافق ٢/ ١٦٥ من طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀، فالظاهر أن النسخة الكاملة كانت في ثلاثة مجلدات.\nلم يذكر الناسخ اسمه، ولكن قيّد تاريخ النسخ بقوله: «آخر المجلد الأول من كتاب «معالم الموقعين عن رب العالمين». يتلوه إن شاء الله في","vol":"المقدمة","page":102},{"text":"الثاني ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك. وكان تكملته (في الأصل: «تكمتله» سبق قلم) بكرة نهار السبت تاسع عشر شهر جمادى الأولى من سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، والحمد لله أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلواته على محمد وآله. وحسبنا الله وكفى». وهنا تنبيهان:\n- الأول: أن لفظ «معالم» في هذه الخاتمة غيّره بعضهم ــ ولعله أحد أمناء المكتبة المحمودية في القرن الماضي ــ إلى «اعلام»، وقد فعل ذلك في صفحة العنوان أيضا. وذلك أمر غير مقبول بلا شك، غير أنه يشكر في كلا الموضعين على أنه إذ حاول تغيير لفظ «معالم»، لم يحرص على إخفاء معالم اللفظ، فهي لا تزال تلوح «كباقي الوشم في ظاهر اليد»!\n- الثاني: أن «وسبعمائة» أيضا ليس بخط الناسخ، وإنما كشط ذلك البعض ما كان مكتوبًا بعد «سبعين»، ثم كتب في موضعها «وسبعمائة» ذاهبًا بها خارج السطر. ومن المؤسف أن عمل الكشط هنا ذهب بالأصل تمامًا. وأول ما خطر ببالنا أن الأصل قد يكون «ثمانمائة»، فغيِّر إلى «سبعمائة» للمغالاة في ثمن النسخة، ولكن مراجعة التقويم لم تصدِّق ذلك، فإن التاسع عشر من جمادى الأولى سنة ثمانمائة وافق يوم الاثنين، وفي سنة تسعمائة وافق يوم الأربعاء، والناسخ قد نصّ على يوم السبت. أما سنة سبعمائة فقد وافق أول جمادى الأولى فيها حسب التقويم يوم الاثنين، وذكر ذلك المقريزي أيضا في كتاب السلوك (٤/ ٣٤٥)، فيكون التاسع عشر موافقا ليوم الأحد، ولا يبعد أن يوافق في بلد الناسخ قبله بيوم حسب رؤية أهل البلد؛ وذلك يدل على صحة «سبعمائة» في النسخة. ولكن إذا كان ذلك هو","vol":"المقدمة","page":103},{"text":"الثابت بخط الناسخ، فما الذي دعا المغيّر إلى تغييره، وماذا استفاد منه؟ يبدو من كتابة حرف النون من «سبعين» أن ناسخ الأصل مائل إلى الزخرفة، فلعله رسم «سبعمائة» على وجهٍ خيّل إلى صاحبنا أن غيره سيجد مشقة بالغة في قراءته، فرأى من النصح لرواد المكتبة المحمودية أن يبرزه بجلاء تام، فكشط أولا ما رسمه الناسخ، ثم أعاد كتابته بخطه.\nأما صفحة العنوان فكتب فيها أولا اسم الكتاب: «كتاب معالم الموقعين»، وغيّر صاحبنا لفظ «معالم» إلى «اعلام»، كما سبق. ويليه اسم المؤلف هكذا: «للشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن القيم الحنبلي قدّس الله روحه الطاهرة، وأسكنه جنته الزاهرة، إنه ذو المنن الوافرة».\nوتحته بعد أسطر: «فرغ كاتبه من كتابته عام ٧٧٣ هـ». وهذه الجملة بخط صاحبنا.\nوالصفحة تحمل ثلاثة قيود تملك، وقيد مطالعة، وقيد وفاة بعض الشيوخ. ولم يظهر شيء منها بتمامه، فقد ذهب ببعض أجزائها الكشط أو لصق الورقة المحيطة بأطراف الصفحة. وفي وسطها: تقييد «سنة ١٠٤٣»، والتقييد نفسه نجده في الجانب الأيسر من الصفحة أيضا، وهو يحيل أن تكون سنة كتابة النسخة ١٠٧٤ إن زعم زاعم. أضف إلى ذلك خط النسخة وأن التاسع عشر من جمادى الأولى سنة ١٠٧٤ يوافق يوم الأربعاء، لا يوم السبت.\nوالقيد الوحيد الذي نجا من الطمس والإخفاء قيد مطالعة ورد في آخر النسخة بعد الخاتمة في سبعة أسطر في شكل هرم مقلوب، وكاتبه الشيخ","vol":"المقدمة","page":104},{"text":"ابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩) صاحب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب». ونصّه: «بلغ مطالعةً مطالعةَ تفهُّم، نسأل الله النفع والقبول. قاله عبد الحي بن أحمد ابن العماد الحنبلي». ثم أرّخ مطالعته في سطرين خفيت كلمة أو كلمتان من آخرهما من أجل ورقة ألصقت فوق ورقة الأصل، ونصُّ ما كتب: «تمت مطالعته نهار الاثنين تاسع عشر من جمادى (الأولى) من شهور سنة ستٍّ وسبعين وألف (والحمد لله)». قراءة آخر النص ظنية وقد يكون في الأصل أكثر من كلمتين. وفي قراءة التاريخ والشهر وجه آخر، وهو: «تاسع عشري جمادى الآخرة»، فالرسم محتمل، ولم يظهر في آخر السطر الأول بعد «جمادى» إلا الألف واللام، فيحتمل الأولى والآخرة. والمرجِّح لقراءتنا أن التاسع عشر من جمادى الأولى سنة ١٠٧٦ هو الذي يوافق يوم الاثنين. أما التاسع والعشرون من جمادى الآخرة، فهو موافق ليوم السبت.\nوقد سبق أن ابن العماد أنجز تأليف كتابه شذرات الذهب سنة ١٠٨٠، ونقل فيه من هذا المجلد في موضعين، سمَّى الكتاب في أحدهما «معالم الموقعين». وتحمل حواشي النسخة بخطه عناوين بعض مباحث الكتاب وتنبيهات متفرقة.\nالنسخة واضحة، وأخطاؤها قليلة، وقد عنيت عمومًا بضبط الألفاظ والدلالة على إهمال الحروف بوضع علاماته. وقد قوبلت على الأصل المنتسخ منه، فاستدرك في طرّتها بعض ما وقع في النسخ من السقط والغلط. ويظهر أن بعضهم عارضها بنسخة أخرى، ثم قيّد فروقًا على طرة هذه مع علامة صح، ووضع في الأصل علامة اللحق، كأنه ساقط منه، بل","vol":"المقدمة","page":105},{"text":"تجرّأ في مواضع على إصلاح المتن بزعمه. ومن أمثلة ذلك:\n- في ق (٤٨/ب): «وصحة الفهم نور يقذفه الله سبحانه في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد ... والغي والرشاد. ويُمِدُّه حسنُ القصد، وتحرِّي الحق، وتقوى الربِّ في السرِّ والعلانية. ويقطع مادَّتَه اتباعُ الهوى، وإيثارُ الدنيا ...».\nرأى هذا الشخص في نسخة أخرى: «ويعينه على حسن القصد»، فوضع علامة اللحق بعد لفظ «الرشاد»، وكتب في الحاشية: «ويعينه على» مع علامة صحـ! وكذلك رأى فيها: «ويقطع ما فيه»، فضرب على الدال في نسختنا، وأصلح ما بعده ليقرأ «ما فيه».\n- في ق (٥٢/أ): «فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد»، فحكّ الكاف واللام من «كالرجل»، والألف واللام من «الواحد»، ليقرأ: «كرجل واحد».\n- في ق (٢٢٤/ب): «في إعطاء الأخت مع البنت وبنت البنت»، فغيّر كلمة البنت الثانية إلى «الابن»، فصارت «بنت الابن».\n- في ق (٢٣٧/أ) جاءت كلمة «المعاوضين»، فأصلحها: «المتعاوضين».\nولكن هذه التغييرات حصلت ــ والحمد لله ــ بطريقة تجعل الكشف عنها سهلا، فلا ينخدع بها القارئ المتمهل.\n٢ - نسخة تكيّة الخالدية ببغداد (ع):\nهكذا مرسوم في ختم التكية، ويقال لها «التكية الخالدية» بالوصف","vol":"المقدمة","page":106},{"text":"أيضًا. ومعنى الإضافة أنها تكية الخالديين، أي مريدي الشيخ خالد النقشبندي (ت ١٢٤٢). وقد احتضنت إحدى حجرات التكية مكتبة قيمة تشتمل على موقوفات إبراهيم فصيح الحيدري صاحب «عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد» (١٢٣٥ - ١٢٩٩) وغيرها. (انظر دراسة الدكتور عماد عبد السلام رؤوف عن التكية المذكورة في صفحته على الفيس بوك). ولما نقلت بقاياها إلى مكتبة مديرية الأوقاف العامة ببغداد كانت منها هذه النسخة، وهي محفوظة فيها برقم ٢٨٠٥. ونشكر الدكتور ماهر الفحل على تصوير هذه النسخة والنسخ العراقية الأخرى.\nبداية النسخة: «بسم الله الرحمن الرحيم، وبه ثقتي. الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا». وهي مخرومة الآخر، وتنتهي بقول المؤلف في المثال السادس والخمسين من ردّ السنن: «عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسلِّم». لا سبيل إلى معرفة مقدار هذا النقص، ولكن الغالب أنه لا يكون كبيرا. ونهاية النسخة هذه توافق (٢/ ٣٥٨) من طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، فهي تشتمل على نحو النصف من الكتاب، وكأنها المجلد الأول منه، فإن معظم نسخ الكتاب إما في ثلاث مجلدات أو في مجلدين. ولكن هذه النسخة غريبة التقسيم، فإنها تضمّ ثلاث مجلدات:\n- المجلد الأول (ق ١ - ٩٧).\n- المجلد الثاني (ق ٩٨ - ٢١٥/أ).\n- المجلد الثالث (ق ٢١٥/ب -٣١٦).\nومقتضى هذا التقسيم أن يتمّ الكتاب في ستة مجلدات. وقد افتتح","vol":"المقدمة","page":107},{"text":"الناسخ كل مجلد من هذه بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم، وبه ثقتي». وقال في خاتمة المجلد الثاني: «آخر المجلد الثاني من كتاب أعلام الموقعين من (كذا) رب العالمين. ويتلوه في الثالث قوله: وأما قوله: وسوّى بين الرجل والمرأة في العبادات». ولكن لا توجد مثل هذه الخاتمة في المجلد الأول، فقد انتهى بقول المؤلف: «وقال عمر لأبي موسى: الفهم الفهم»، ثم بدأت الورقة التالية بعد البسملة و«به ثقتي» بقول المؤلف: «فصل قالوا: وما يبين فساد القياس وبطلانه ...».\nلا يعرف اسم كاتب النسخة ولا تاريخ كتابتها، ولعل نقص آخرها ذهب بهما، ولكن خطها يدل على أنها من القرن الثامن أو التاسع. وقد ضاعت منها الورقة الأولى التي تحمل عنوان الكتاب واسم مؤلفه. أما الورقة التي حلّت محلّها فهي تتضمن ستة قيود من قيود التملك، وأهمها ما نصُّه:\n«الحمد لله. هذا الكتاب المسمى باَعلام المُوَقِّعين عن رب العالمين. دخل في ملك الفقير الحقير احمد بن عبد الله بن فدوش (أو فيروش) بن علي الشهير بابن ... عفى (كذا) الله عنهم بمنّه وكرمه. وكان ذلك في حدود سنة ٩٩٥. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (كذا مكررًا)». وهنا تنبيهات:\n- ضبط لفظ «اَعلام» في عنوان الكتاب بفتح أوله.\n- شطب بعضهم الهمزة من «احمد»، وزاد ميما في أول الاسم ليقرأ «محمد».\nشطب الشين من اسم جدّ الكاتب، وكتب زايًا قبلها ليقرأ «فيروز».","vol":"المقدمة","page":108},{"text":"وفوق هذه العبارة: «اَعلام الموقعين لابن القيم»، وفي هذا النص أيضا ضبط «اَعلام» بفتح أوله. وبحذائه بعد بياض قيدُ تملّك: «ملك براهيم بن جديد»، والقيد نفسه وارد في ق ٢٦٩/أ. وبراهيم بن جديد أحد علماء الزبير، توفي سنة ١٢٣٢ (^١).\nوتحت العبارة قيد ثالث ونصُّه: «مما منّ الله به تعالى على عبده فقير رحمة ... الكريم الجليل أحمد بن عبد الله العقيل ...». قد تكون كلمة بعد «رحمة» خفيت تحت الورقة التي ألصقت عند ترميم النسخة، فيكون الأصل مثلا: «رحمة ربه»، وقد لا تكون. ثم يحتمل أن تقرأ «آل عقيل». ولعل المذكور هوالشيخ أحمد بن عبد الله بن عقيل المتوفى سنة ١٢٣٤. وهو من آل عقيل من قبيلة عنزة، وكان رحل إلى الزبير، وقرأ هناك على فقهاء الحنابلة. ولفظه في هذا التملك يشبه لفظه في آخر إجازته لتلميذه الشيخ عبد الرزاق بن سلوم: «كتبه فقير رحمة ربه الجليل العلي أحمد بن عبد الله آل عقيل الحنبلي ...». انظر ترجمته في «علماء نجد خلال ثمانية قرون» لابن بسام (١/ ٤٨٥ - ٤٨٧).\nويليه قيدٌ رابع طمس منه اسم المشتري وتاريخ الشراء. وبجانبه قيد خامس: «ملكه الأقل فهد بن أحمد السواط»، وقد ورد أيضًا بهذا اللفظ في آخر النسخة.\nوعن يسار العبارة المذكورة قيد سادس وهو الأخير: «انتقل إلى الفقير إبراهيم فصيح الحيدري»، وهوصاحب «عنوان المجد» كما سبق. ثم في\n_________\n(^١) ترجمته في «علماء نجد» للبسام (١/ ٤٢٣).","vol":"المقدمة","page":109},{"text":"أسفل الصفحة ختمٌ نقشُه: «وقف المرحوم إبراهيم فصيح الحيدري على تكية الخالدية»، وهذا الختم وارد في صفحات عديدة من النسخة، انظر مثلا الأوراق (٦٦، ٩٥، ١٢٤، ١٣٤، ١٨٤، ١٩٧).\nذكر في فهرس الأوقاف (٢/ ١٠١) أن النسخة في ٣٢٠ ورقة. وقد سقطت ورقة واحدة منها وهي ق ٢٦٣، فأكملت بخط حديث في ورقتين، وسقطت الورقتان ٢٧١ - ٢٧٢ أيضًا، فاستدركت مادتهما في ورقتين ملحقتين. وصورة النسخة التي بين أيدينا مضطربة الترتيب وتنقصها الورقة ٩٥، ولعلها سقطت في التصوير. أما عدد الأسطر في كل صفحة، فهي في الغالب ٢٣ سطرًا، لكنها في بعض الصفحات بلغت ٢٤، أو ٢٧ سطرًا. وفي صفحة ١٥ سطرًا فقط. انظر الأوراق (٢١٤، ٢١٥، ٢١٦). ولعل كاتب النسخة لم يكن من النساخ المحترفين، يدل على ذلك الاضطراب في طول الأسطر والمسافة فيما بينها.\nوقد عني الناسخ بضبط بعض الألفاظ، ومن أهمها قول المؤلف في أول الكتاب: «إذا أبدى لهم الدليل ناجِذَيْه طاروا إليه زَرافاتٍ ووُحْدانا» (٤/ب). وقد تصحفت «ناجذيه» في جميع النسخ المطبوعة إلى «بأُخْذته». وعني كذلك بالإصلاح في نسخته مع التنبيه على ما في أصله المنقول منه. ومن أمثلة ذلك:\n- أثبت في المتن في ق ٨٥/أ: «لا إلى القياس والآراء»، ونبّه في الحاشية على أن «في الأصل: القياسين».\n- في ق ٨٩/أ: «قال نفاة القياس». وذكر في الحاشية أن «في الأصل: قالوا».","vol":"المقدمة","page":110},{"text":"- في الورقة نفسها: «قتل الخطأ شبه العمد»، وقال في الحاشية: «في الأصل: قتيل».\n- في ق ١٠٣/ب: «فله أن يطلق في المجلس وبعده». وقال في الحاشية: «في الأصل: قبل المجلس».\n- في ق ١٢٠/ب: «والشارع والواقف لم يمنعاه منه». وقال في الحاشية: «في الأصل: ولم يمنعه».\n- في ق ١٢٩/ب: «وهو ثلاثة أقسام ... فأما القسم الأول». وقال في الحاشية: في الأصل: النوع». يعني موضع القسم.\nوقد انفردت هذه النسخة بالصواب في مواضع وقع التحريف فيها في النسخ الأخرى كلها، ومنها أجود النسخ. ومن ذلك قول المؤلف: «فيا للقياس الفاسد الباطل، المناقض للدين والعقل، الموجِب لهذه الأقوال التي يكفي في ردِّها تصوُّرُها، كيف استجاز المستجيز تقديمها على السنن والآثار!». في النسخ الأخرى جميعا: «المتناقض للدين»، و«تقديمك» وهذا الأخير تحريف عجيب!\nلم أجد في النسخة علامات المقابلة على الأصل المنقول منه، ولكن في طررها تصحيحات كثيرة متنوعة بخطوط مختلفة، ومنها تصحيحات قياسية فوقها حرف الظاء، يعني: الظاهر أن الصواب كذا، وأكثرها أخطاء واضحة من سبق القلم ونحوه، مثل «مع العدل» في مكان «محض العدل»، و«اصحاب الحال» بدلا من «استصحاب الحال». وفي النسخة حواش تدل على مقابلتها على بعض النسخ، وقد استدركت الأسقاط مع علامة صحـ في آخرها، ومع ذلك قد بقيت في النسخة أخطاء كثيرة. ولاحظنا أن متن النسخ","vol":"المقدمة","page":111},{"text":"المطبوعة أقرب إلى هذه النسخة منه إلى غيرها.\n٣ - نسخة جامعة برنستون (س):\nهذه النسخة من مجموعة جاريت (قسم يهودا) ومحفوظة في مكتبة جامعة برنستون برقم ٤٥٦١، كما في فهرس ماخ (ص ٨٤). وقد صوّرتها لنا مشكورةً مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض. وهي نسخة نفيسة من المجلد الأول للكتاب، وكتبت بخط نسخي جميل في القرن الثامن أو التاسع، وهي قليلة الأخطاء، ولكنها ناقصة، فلم يبق منها إلا سبعة عشر كراسًا، بل ضاعت ورقتان من الكراس السابع عشر أيضا، وانتهت بقول المؤلف وهو يذكر النوع الثاني من أنواع الاستصحاب: «... فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسمِّ على غيره. لما كان الأصل». وذلك يوافق ١/ ٣٣٩ من طبعة الشيخ محمد محيي الدين، فالنسخة تشتمل على أقل من ربع الكتاب.\nذكر ماخ في فهرسه أن النسخة في ١٦٨ ورقة، غير أن ترقيم المكتبة شمل ورقة قبل الأصل وأخرى بعده، فبلغ ١٧٠ ورقة. وقد سقطت ورقة بعد الورقة التاسعة قديما قبل وصول النسخة إلى أيدي الأجانب، ونبّه على ذلك بعض قراء النسخة في أعلى الورقة العاشرة بقوله: «هنا خرم في النسخة، فليتفطن له ويراجع». أما عدد الأسطر في كل ورقة، فهو في الأوراق الأولى سبعة عشر سطرًا، ثم بدأ يتفاوت، ففي كثير من الأوراق ١٩ سطرا، وفي بعضها ١٨ أو ١٧ أو ٢٠ إلى أن صارت في (ق ١٦٨/أ) ٢٧ وفي (ق ١٦٨/ب) ٢٩ سطرًا!\nورد عنوان الكتاب واسم مؤلفه في صفحة العنوان على هذا الوجه: «الجزؤ (كذا) الأول من «معالم الموقعين عن رب العالمين» تأليف الشيخ","vol":"المقدمة","page":112},{"text":"الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام مفتي الأنام أوحد المفسرين رُحْلة الراغبين أوحد العلماء العاملين شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر بن أيوب بن جرير بن سعد الشهير بابن قيم الجوزية الحنبلي رحمه الله تعالى بمنّه وكرمه»، وبعده: «آمين» ثلاث مرات. وهنا تنبيهان:\nأولا: ذكر في نسب المؤلف: «جرير». والمعروف: حريز، بالحاء المهملة في أوله وبالزاي في آخره.\nثانيا: يدل هذا النص على أن سعدًا جدّ أيوب، والذي أجمعت عليه كتب التراجم أنه والد أيوب، فلعل ما وقع هنا من سبق القلم.\nوعن يسار هذه العبارة قيدان للمطالعة، وقيد في الورقة التي سبقت صفحة العنوان أيضا، ولكن لم يذكر أحد من المطالعين اسمه.\nوقد ذكر في بداية النسخة اسم المؤلف مشفوعًا بالألقاب السابقة نفسها مع حذف نسبه هكذا: «بسم الله الرحمن الرحيم، ربِّ يسِّر. قال الشيخ الإمام ... محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية الحنبلي قدّس الله روحه: الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا ...».\nقوبلت النسخة على أصلها، يعرف ذلك من الدوائر المنقوطة والاستدراكات وعبارة «بلغ مقابلة» التي كثيرًا ما نراها بخط الناسخ في نهاية الكراسات. وقد قابلها بعض المطالعين أيضًا على نسخة أخرى، ومعظم ما استدركه عبارات سقطت لانتقال النظر. انظر مثلا: (ق ١١٧، ١١٨، ١٢٠، ١٥٣، ١٥٩)، وعدم اكتشاف شيء منها في مقابلة الناسخ يدل على أنها كانت ساقطة من أصله أيضًا. وقد اهتم الناسخ بالضبط ووضعِ علامة الإهمال فوق حرف السين خاصة.","vol":"المقدمة","page":113},{"text":"٤ - نسخة أحمد الثالث (ت):\nهذه النسخة محفوظة في مكتبة أحمد الثالث ضمن متحف طوب قابي سراي برقم ١١٢٠. وهي في ٣٥٨ ورقة، وفي كل صفحة ٢١ سطرًا. ليس فيها صفحة العنوان بخط الناسخ، ولا خاتمة تتضمن اسمه وتاريخ النسخ، غير أنها نسخة قديمة من القرن الثامن أو التاسع، وخطها نسخي جميل مع العناية بالضبط وعلامات الإهمال. والبلاغات والاستدراكات بخط الناسخ تدل على مقابلتها على أصلها.\nوقد بدأت النسخة بعد «بسم الله الرحمن الرحيم، وهو حسبي» بقول المؤلف: الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا ...». وانتهت بقوله في آخر أمثلة ردّ السنن الصحيحة: «وإنما يؤتى من يؤتى من قبل فهمه وتحكيمه آراء الرجال وقواعد المذهب على السنة، فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف. والله المستعان». وذلك يوافق (٣/ ١٤) من طبعة الشيخ محمد محيي الدين، ويليه فصل تغير الفتوى واختلافها بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد. فهذه النسخة تشتمل على النصف الأول من الكتاب، والنصف الآخر قد ضمّه المجلد الثاني المفقود.\nلا تحمل النسخة إلا قيدًا واحدًا في ورقة إضافية في آخر النسخة، وهو قيد تملُّك نصُّه: «الحمد لله الخفيِّ لطفُه. ملكه من فضل الله تعالى فقيرُ عفو الله تعالى محمد بن (أبي) بكر بن علي بن صالح ... بن سلامة الحنبلي، عامله الله تعالى بلطفه الخفي، ودبّره بحسن تدبيره، (وختَم) له بخير وعافية بجاه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم في القاهرة في سنة اثنين وثمانين وثمان مائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام». وهنا تنبيهات:","vol":"المقدمة","page":114},{"text":"- ما بين القوسين لم يتضح كاملًا في الصورة.\n- بعد «صالح» كلمة لم تظهر في الصورة.\nقول الكاتب: «بجاه سيدنا» لا يجوز شرعًا.\nقوله: «وسلّم» سبق قلم.\nويبدو أن محمد بن سلامة هذا كان حسن الخط، لهجًا بالمشْق. وهوالذي زاد بعد قول المؤلف: «والله المستعان» في آخر هذا المجلد: «والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم، وحسبنا الله ونعم الوكيل».\nولما رأى أن صفحة العنوان من النسخة قد ضاعت أضاف ورقة، ومشق عليها بعنوان الكتاب واسم مؤلفه بحيث ملأ الصفحة، وهذا ما أمكن قراءته فإن الصورة غير واضحة في مواضع: «الحمد لله الكافي الشافي. الجزء الأول من أعلام الموقعين عن ربّ العالمين، تأليف الشيخ الإمام العلامة الحافظ ... ابن القيم الجوزية (كذا) رحمه الله تعالى. والحمد الله وحده، وصلاته على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. كتبه محمد بن سلامة الحنبلي ...».\nهذه النسخة جميلة الخط كما قلنا، ولكنها في الصحة مقاربة لنسخة تكية الخالدية (ع).\n٥ - النسخة الثانية من المكتبة المحمودية (ف):\nهذه النسخة محفوظة في المكتبة ضمن مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة برقم ١٤٦٧. وهي بخط نسخي واضح في ٢٥٨ ورقة،","vol":"المقدمة","page":115},{"text":"كتبها ناسخان: أحدهما ــ ولا نعرف اسمه ــ كتب ٨٥ ورقة، والأسطر فيها تتراوح بين ٢٢ و٢٧ سطرا في كل صفحة. أما في سائر النسخة فالغالب فيها ٢٣ سطرا في كل صفحة. وناسخ هذا القسم محمد بن قرشي، وقد ذكر اسمه في آخر الكتاب في أبيات له من الرجز المزدوج، وضمّنها اسم من أمره بكتابة النسخة وتاريخ النسخ أيضا. ونصُّها:\n«لكاتبه\nالحمد للإله ذي الآلاء ... في حالة السرّاء والضرّاء\nوالشكر للمولى كما قد أنعما ... من فضله مصلّيًا مسلِّما\nعلى النبي الهاشمي الهادي ... وآله وصحبه الأنجاد\nوبعد ذا قد تمَّ هذا السفر ... في رجب الأصبّ نِعْمَ الشهر\nفي عشره الأخيرة البواقي ... من فضل مولانا الكريم الباقي\nفي عام أربعٍ أُتِمَّ خطّا ... من قبلها عشرٌ فخذه ضبطا\nومائتين قبلها ألفٌ عددْ ... من هجرة المبعوث بالقول الرَّشَد\nكتبتُه فخطُّه جليُّ ... بأمر من حاز (عُلًا عليُّ)\nنجل الإمام العالم النحرير ... ذي الفهم والإدراك والتقرير\nمجدّد الدين ومحيي السنّه ... ومن به كانت علينا المنّه\nشيخ الشيوخ مُنية الطلاب ... محمد بن عابد الوهاب\nأسكنه الله فسيح عدْن ... فإنه ذو نعمة ومنّ\nفكم هدى الله به من أمهْ ... فسَعْدَ من فاز به وائتمَّه\nعلى يد الفقير والمحتاج ... محمد بن قرشي الراجي\nغفران مولاه لما قد سلفا ... من ذنبه الماضي وما قد خلفا","vol":"المقدمة","page":116},{"text":"هذا وصلّى الله ما برقٌ بدا ... على النبي الهاشمي أحمدا\nوآله وصحبه الكرام ... والحمد لله على التمام»\n\nما بين القوسين مطموس عمدًا، ولم يظهر منه إلا التنوين، ولعل الكلمة الأولى كما قدّرت. أما الكلمة الثانية التي دلّت عليها قافية البيت فلا ريب فيها. والأبيات تدل على أن هذه النسخة تمت كتابتها في العشر الأخير من شهر رجب سنة ١٢١٤، ونسخها محمد بن قرشي بأمر الشيخ علي بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏. والشيخ علي كان أشهر أبناء الشيخ، وبه كان يكنى. وكان عالمًا جليلًا ورعًا. وقد نُقل بعد استيلاء إبراهيم باشا على الدرعية سنة ١٢٣٣ فيمن نقل من آل سعود وآل الشيخ إلى مصر، وتوفي هناك سنة ١٢٤٥. وكان الشيخ علي قد حجّ سنة ١٢١٣، وكتبت هذه النسخة له في سنة ١٢١٤ (^١).\nأما الناسخ محمد بن قرشي، فلم أقف على ترجمته، ولكن أبياته تدل على حبِّه للشيخ محمد بن عبد الوهاب وتقديره لجهوده في إصلاح الأمة وإحياء السنة وتجديد معالم الدين.\nالنسخة خالية من ورقة العنوان بخط الناسخ، وبدايته بعد البسملة ودعاء «ربِّ يسِّر وأعِن يا كريم» بقول المؤلف: «الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا». ونهايته بقول المؤلف بعد الفراغ من شرح كتاب عمر: «فهذا بعض ما يتعلق بكتاب أمير المؤمنين - ﵁ - من الحكم والفوائد، والحمد لله رب العالمين».\n_________\n(^١) انظر ترجمته في كتاب «علماء نجد خلال ثمانية قرون» (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٦).","vol":"المقدمة","page":117},{"text":"وتليها خاتمة الناسخ، ونصُّها: «وليعلم أن هذا آخر المجلد الأول من كتاب معالم الموقعين، يتلوه إن شاء الله في الثاني ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك. وحسبنا الله وكفى، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين».\nهذه النسخة أقرب إلى نسخة المحمودية الأولى (ح)، ويشبه أن تكون منقولة منها، ولكنهما تفترقان أحيانا. والبلاغات والتصحيحات تدل على أنها قوبلت على الأصل. والنسخة تحمل في حواشيها ــ وبخاصة في قسم الناسخ الأول ــ تعليقات في ضبط بعض الكلمات وتفسيرها، وعناوين بعض المباحث، وما إلى ذلك.\n٦ - نسخة ابن اللحام (د):\nتوجد هذه النسخة في مكتبة الشيخ محمد بن إسحاق آل الشيخ لدى ورثته، وصورة منها في دارة الملك عبد العزيز بالرياض برقم ٢٧٥١، ونشكر أخانا الأستاذ أيمن الحنيحن على تصويرها لنا، فجزاه الله خيرًا. ناسخها العالم الحنبلي المشهور أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن عباس البعلي المعروف بابن اللحام، وقد كتب في آخر النسخة بخطه: «آخر الجزء الثاني من كتاب معالم الموقعين عن رب العالمين، يتلوه في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى: (فصل: قال أرباب الحيل). أنهاه كتابةً مالكُه العبد الفقير إلى الله تعالى الذليل الحقير أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن عباس البعلي مولدًا ومنشأً الحنبلي مذهبًا، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولجميع المسلمين. وذلك في الحادي عشر من شهر ربيع الآخر من سنة تسع وسبعين، أحسن الله خاتمتها بخير وعافية. وصلى الله على","vol":"المقدمة","page":118},{"text":"سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم».\nومما يلاحظ هنا أنه يسمي الكتاب «معالم الموقعين». والمقصود بسنة «تسع وسبعين»: تسع وسبعين وسبع مئة، فإنه وُلد بعد ٧٥٠ وتوفي سنة ٨٠٣. وفي قاعدة فهرسة المخطوطات بدارة الملك عبد العزيز أخطأ المفهرس فقرأ تاريخ النسخ «تسع وسبع مئة» فأبعد النجعة، وبنى عليه فقال في وصف النسخة: «منسوخة في حياة المؤلف»، مع أن بداية النسخة بخط الناسخ: «قال شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية تغمده الله تعالى برحمته». وعلى صفحة العنوان بخط الناسخ عند ذكر المؤلف: «قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه برحمته وكرمه». ومثل هذا الدعاء لا يدعى به إلا بعد وفاة الشخص.\nوالواقع أن الكتاب لم يكن له وجود في سنة ٧٠٩ ولا كان ابن اللحام موجودًا آنذاك، فالكتاب كما ذكرنا سابقًا ألَّفه ابن القيم بين سنتي ٧٣٢ و٧٣٨، ووُلد ابن اللحام بعد ٧٥٠. فالصواب في تاريخ النسخ سنة ٧٧٩، وكثيرًا ما يُحذف عدد المئة من السنوات لظهوره.\nوعلى صفحة العنوان بعد ذكر المؤلف بألقابه والدعاء له قيدُ تملُّكٍ، وعبارته: «ثم ملكه الحقير محمد بن محمد الصيرفي». وتملُّك آخر وهو: «ثم ملكه عبد الله مزبد بن المسبل بن عبد الله أحمد». ولم يذكر التاريخ. وعلى يمينه قيد تملك آخر مع الختم، وأُلصِقت به ورقة صغيرة فلم يظهر منه إلّا كلمات قليلة.\nوفي أعلى الصفحة إلى اليسار مكتوب بالحمرة: «في ملك عبده الضعيف إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد». وهو ابن حفيد","vol":"المقدمة","page":119},{"text":"الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد توفي سنة ١٣١٩ كما في «الأعلام» (١/ ٢٩٥). وكانت قبل ذلك عند والده، فقد كتب في أعلى الورقة ٣/أ: «ملك الشيخ الوالد عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى»، وانتقلت إلى ابنه الشيخ إسحاق بالوراثة كما كتبه بخطه في أعلى الورقة ١/ب: «في ملك العبد الضعيف إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن من القسمة الشرعية»، وكذلك في الورقة ٧٥/ب: «في ملك الفقير إلى الله إسحاق بن عبد الرحمن من نصيبه من القسمة الشرعية». ثم كانت في ملك ابنه محمد بن إسحاق، ومنه آلت إلى ورثته.\nوالنسخة مصححة ومقابلة على الأصل كما يظهر من الاستدراكات والتصحيحات بهوامشها، وذكر في آخرها: «بلغ مقابلة صحيحة حسب الإمكان على نسخة نقلت من خط الـ[مؤلف]، وقرئ عليَّ بعضُها ... في تاريخ سلخ شهر ....» ذهبت بعض الكلمات بذهاب قطعة من أطراف الورقة، فلم نتمكن من معرفة التاريخ والعالم المقروء عليه. وعلى هوامش النسخة ذكر عناوين بعض المسائل والفوائد بالحمرة، وهو من أحد القراء.\nعدد أوراق هذه النسخة كما رقّمها المفهرس ٢٩٤ ورقة، وبعد المراجعة والتدقيق فيها ظهر أن الصواب ٣١٣ ورقة. وفي كل صفحة ٢١ سطرًا. والنسخة تامة، وقد وقع اضطراب في ترتيب الأوراق بعد الورقة ١٥٧ (من الترقيم القديم) فأصلحنا ترتيبها.\nوعلى هوامش النسخة تصحيحات واستدراكات بخط الناسخ، وإشارات إلى المقابلة على الأصل بعد كل عشر ورقات بقوله: «بلغ مقابلة» انظر الورقة ٩/ب، ١٩/ب، ٢٩/ب، ٣٨/ب، ٤٨/ب. وفي ٥١ /ب:","vol":"المقدمة","page":120},{"text":"«بلغ مقابلة صحيحة إن شاء الله». وهكذا إلى آخر النسخة. كما أن هناك تصحيحات بقلم متأخر غير الناسخ، انظر مثلًا الورقة ٣/ب، ٢٧/ب، ٢٩/ب، ٤١/أ وغيرها. وكتب هذا المتأخر في الورقة ٩ ب: «بلغ مطالعةً وفهمًا حسب الطاقة ولله الحمد». وفي الورقة ٢٦/ب، ٤٢/ب، ٥٠/أ، ٥٨/ب وغيرها: «ثم بلغ كذلك».\nوالنسخة في مجملها جيدة، قليلة الأخطاء والسقط، بخط عالم مشهور، مقابلة على أصل منقول من خط المؤلف، وتحتوي على الثلث الثاني من الكتاب. ولا نعرف شيئًا عن الجزئين الأول والثالث من هذه النسخة.\n٧ - نسخة الأزهر (ز) و(خز):\nهذه النسخة في المكتبة الأزهرية برقم [٥٦٣ فقه عام، ٨٧١٩]، وتحتوي على النصف الثاني من الكتاب. تبدأ بقوله: «فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد»، وتنتهي بنهاية الكتاب (^١)، إلَّا أن الأوراق (٢٥٢ - ٢٦٤) من آخرها المرموز لها بـ (خز) كتبت بخط حديث لم يُذكَر اسم كاتبه، بل اقتصر على قوله: «وهذا آخر الكتاب على التمام والكمال بقدرة العزيز الوهاب، والحمد لله المولى الديان المنعم بالفضل والامتنان، ورحم الله كاتبيه وقارئيه والناظر فيه بالمطالعة والخير ومصنِّفه رحمةً واسعةً إلى يوم المعاد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، آمين يا رب العالمين».\n_________\n(^١) كانت النسخة المصورة لدينا ناقصة من الأخير أكثر من ستين ورقة، ونشكر الأخ الفاضل صالحًا الأزهري على تصوير هذا الجزء الناقص.","vol":"المقدمة","page":121},{"text":"وذُكر في فهرس المكتبة (٣/ ٧) أنها كتبت سنة ٩٥٠، وهو خطأ، فالنسخة أقدم منها كما يظهر من الخط والورق. وقد منَّ الله علينا بالعثور على الأوراق العشرة الأخيرة من أصل النسخة ضمن المخطوطات الأصلية في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، مجهولة العنوان والمؤلف، محفوظة برقم [٤١٤٣] (^١)، وهي تكملة النسخة الأزهرية (بعد الورقة ٢٥١)، وتبيِّن تاريخ النسخ واسم الناسخ، فقد جاء في آخرها: «نجزت هذه المجلدة والتي قبلها على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى رحمته، المعترف بالزلل والتقصير، الراجي عفو اللطيف الخبير، المسكين الضعيف محمد بن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي بن حاتم بن عمر بن يوسف بن أحمد بن محمد الحراني أصلًا البعلي مولدًا ثم الطرابلسي منشأً ومسكنًا الأنصاري الحنبلي، عفا الله تعالى عن ذنوبه وعن سائر المسلمين، ورحم الله والديه وأموات المسلمين. ووافق الفراغ من نسخ ذلك لنفسه في يوم الجمعة الغرَّاء قبل الصلاة في السادس والعشرين من شهر صفر المبارك من عام تسعين وسبع مئة، أحسن الله تعالى خاتمته، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. حسبنا الله ونعم الوكيل».\nلم نجد ترجمة الناسخ في المصادر التي رجعنا إليها، ويبدو أنه عالم اعتنى بكتابة هذه النسخة وضبطها وإبراز الفصول والفقرات الجديدة فيها، وهي صحيحة متقنة نادرة الخطأ والسقط، مقابلة على الأصل المنقول منه، كما ذكر ذلك الناسخ في آخرها بقوله: «عُورض بالأصل المنقول منه، فصح\n_________\n(^١) اكتشفها أخونا المحقق علي بن محمد العمران.","vol":"المقدمة","page":122},{"text":"حسب الطاقة وبالله المستعان». وآثار المقابلة ظاهرة من الاستدراكات والتصحيحات الموجودة في هوامش النسخة، وكتابة «بلغ مقابلة» بعد نهاية كل عشرة أوراق من النسخة. وقد كتبها الناسخ في مجلدين كما ذكر، ولم يبق منهما إلّا الثاني، ولا نعرف مصير المجلد الأول.\nوكتب على صفحة العنوان: «كتاب أَعلام الموقعين» هكذا بكتابة الهمزة المفتوحة على الألف، وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى، وبيَّنا أنه مغيَّر عن «معالم الموقعين»، وقد أثبت الناسخ بعد كل عشرة أوراق عنوان الكتاب في الركن الأيسر من الورقة بقوله: «الثاني من معالم الموقعين» و«الثالث من معالم الموقعين» وهكذا إلى آخر النسخة، مما يدلُّ على أنه كان العنوانَ المثبت بخطّ الناسخ والعنوانَ الموجود في الأصل المنسوخ منه.\nوعلى صفحة العنوان قيد تملك بقوله: «من ودائع الدهر عند أفقر الورى وأحوجهم إلى رحمة ربه الغني الماجد، محمد الغزي الحنفي والد (؟) الحسيني العمري، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين». وكتب فوقه «٢٥٦»، ولعل المقصود به سنة ١٢٥٦ التي تملك فيها هذه النسخة. ولم نتمكن من معرفة الغزي هذا.\n٨ - نسخة الجمعية الآسيوية (ك) و(خك):\nهذه النسخة في ثلاثة مجلدات، وكانت عند الأستاذ هدايت حسين، ومنه آلت إلى مكتبة الجمعية الآسيوية بكولكاتا (الهند) برقم [٥٨٧، ٥٨٨]. وفي آخر المجلد الثاني منها: «وافق الفراغ من نسخه في مستهلّ جمادى الآخرة من شهور سنة أربع وسبعين وسبع مائة، على يد العبد الفقير","vol":"المقدمة","page":123},{"text":"إلى الله تعالى محمد بن محمد الواسطي ثم المقدسي الشافعي، عفا الله عنه وعن والديه وعن جميع المسلمين، آمين». ولم نجد ترجمة الناسخ في مظانها.\nوالمجلد الأول منها ١٢٩ ورقة، والثاني ٢١٨ ورقة، والثالث ٢٤٧ ورقة كما في فهرس المكتبة (١/ ٢٩٠). ولم نتمكن إلا من تصوير المجلد الثالث منها، وقد صوَّرها لنا الأستاذ محمد ذكي المدني، فله منا جزيل الشكر. وهذا المجلد يبدأ بقوله: «فصل. ومن هذا الباب الحيلة السريجية التي حدثت في الإسلام بعد المئة الثالثة ...»، وينتهي بنهاية الكتاب.\nوالنسخة بخط نسخي جميل، خطّ الناسخ المذكور إلى الورقة ١٠٦، ثم بخط ناسخ آخر قديم إلى الورقة ٢٣٧، ثم بخط حديث من الورقة ٢٣٨ إلى ٢٤٧. وهذه الأوراق الأخيرة رمزنا لها بـ (خك).\nومع أن هذه النسخة قديمة وبخط جميل، إلّا أنها كثيرة الخطأ والتحريف، وقد أشرنا إلى بعضها في الهوامش، وذكرنا من الفروق ما له وجه، وتغافلنا عن سائرها.\n٩ - نسخة مكتبة الأوقاف ببغداد (ب):\nهي في مكتبة الأوقاف العامة برقم [٦٨٥٤، ٦٨٥٥] في جزئين ٢٤٠+ ٢٦٣ ورقة، كتبها عباس العذاري الحلّي سنة ١٣٠٤. وقد استنسخها الشيخ نعمان بن محمود الآلوسي، كما ذكر ذلك بخطه في صفحة العنوان من الجزء الأول حيث قال: «استكتبه العبد الفقير نعمان خير الدين الشهير بابن الآلوسي المفتي البغدادي غفر لهما، سنة ١٣٠٤». وفي صفحة العنوان من","vol":"المقدمة","page":124},{"text":"الجزء الثاني بخطه: «من فضله سبحانه، استكتبه العبد الفقير نعمان بن المرحوم المبرور السيد محمود أفندي ابن السيد عبد الله أفندي ابن السيد محمود الشهير بالآلوسي المفتي ببغداد. وقد وقفتُه والتولية مشروطة لذريتي ما تناسلوا، وأن لا يخرج من المدرسة المرجانية ببغداد، وكذا بقية كتبي سنة ١٣٠٤». وعلى الجزئين ختم «وقف المكتبة النعمانية في المدرسة المرجانية ببغداد ١٣١٧».\nينتهي الجزء الأول من هذه النسخة بقوله: «وإذا ظفر العالم بذلك قرَّت به عينه واطمأنَّت به نفسه». وقال الناسخ في آخره: «هذا الجزء الأول من اعلام الموقعين، ويتلوه الجزء الثاني، وأوله: «فصل: وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال»».\nهذه النسخة كثيرة السقط والتحريف، وقد راجعناها أحيانًا في الثلث الأخير من الكتاب عندما لم يكن لدينا إلا نسخة واحدة (نسخة ز)، وكنا في انتظار نسخة الجمعية الآسيوية (ك) من الهند حتى وصلتنا فكان الاعتماد عليها في المقابلة والتصحيح. وقد قرأها صاحب النسخة الشيخ نعمان بن محمود الآلوسي، وله تعليقات وتصحيحات متفرقة على هوامشها أو ذكر عناوين بعض الموضوعات، انظر الورقة ٣/ب، ٩/ب، ١٨/أ، ٢٠/أ، ٢١/ب، ٢٢/أ، ٢٦/أ، ٢٩/ب، ٧١/ب، وهكذا إلى آخر الكتاب.\nوقال في ٢٧ ب: «اعلم أن للمؤلف كتابًا سماه الطرائق الحكمية بسط فيه هذا المبحث، فعليك به فإنه يفيدك زيادة الاطلاع». ويبدو أن الآلوسي قرأها بعناية واهتمام، واستخرج منها الفوائد المنثورة وعنون لها، وهو الذي عمل فهرس الموضوعات بخطه في أول كل جزء مع ذكر الصفحة.","vol":"المقدمة","page":125},{"text":"* بقية النسخ الخطية:\nهناك نسخ خطية أخرى من الكتاب لم نعتمد عليها في هذه النشرة لأنها متأخرة أو ناقصة، وبعضها كثيرة الخطأ والتحريف، ويُغني عنها الأصول القديمة. وبعضها لم نطلع عليها، وإنما وجدنا ذِكرها في فهارس المخطوطات. وفيما يلي بيانها باختصار:\n١ - دار الكتب المصرية [أصول فقه ١٩] (ج ١، ناقصة الأول والآخر). انظر فهرس الخديوية (٢/ ٢٣٧) والفهرس الثاني للدار (١/ ٣٧٨).\n٢ - مكتبة الأزهر [٥٦٤ فقه عام، ٢٣١١٢] (ج ٢ في ٢٤٣ ورقة، بخط علي التميمي سنة ١٢٣٨). انظر فهرس المكتبة (٣/ ٧).\n٣ - المكتبة الأحمدية بتونس [٣٣١٣، ٣٣١٤] كما في الفهرس القديم للمكتبة (ص ١٠٩).\n٤ - المكتبة القادرية ببغداد [٥٢٠، ٥٢١] (في مجلدين، ١٦٦+ ١٧٢ ورقة، كتبت سنة ١٣٠٥). انظر فهرسها (٢/ ٣٤٦، ٣٤٧).\n٥ - مكتبة المسجد النبوي بالمدينة المنورة [وقف عبد العزيز الحصين برقم ١٨، ١٩ برمز ٢١٦.١] (١٠٨+ ٢٢٠ ورقة، كتبت بخط حديث، وهي ناقصة الآخر).\n٦ - نسخة المعهد العلمي بحائل (٧٦٥ ورقة، ناقصة الآخر ومضطربة الأوراق وحديثة الخط).\n٧ - مكتبة الشيخ محب الله الراشدي بالسند (ج ١، ٢ بخط الشيخ سليمان بن سحمان سنة ١٣٠٥، ج ٣ بخط عبد العزيز بن صعب التويجري سنة ١٣٠٦).","vol":"المقدمة","page":126},{"text":"٨ - مكتبة ملَّت الوطنية بإستانبول [٨٢١] (في جزئين).\n٩ - المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة [١٤٥٣] (ج ١، ضمن مجموع، الورقة ١٠٦ - ٢٢٢ بخط حديث= تساوي طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد من أولها إلى ١/ ١٣٨).\n١٠ - المكتبة المحمودية [١٤٥٤] (٢٢٠ ورقة بخط حديث= تساوي طبعة محمد محيي الدين ٢/ ٣٧٢ إلى آخر الكتاب).\n١١ - المكتبة المحمودية [١٣٩٧، ١٣٩٨] (٢١٣+ ٢٣٨ ورقة، بخط حديث= ط. محيي الدين ٢/ ١٦٥ إلى آخر الكتاب).\n١٢ - المكتبة السعودية بالرياض (ج ٢ فقط).\n١٣ - مكتبة الشيخ عبد الله إبراهيم السليم بالقصيم (كما في مجلة البحث العلمي ٢/ ٣٣٨).\n١٤ - مكتبة الشيخ ابن باز بمكة المكرمة. اطلعتُ فيها على ثلاث قطع متفرقة من الكتاب، لعلها كتبت في القرن الثالث عشر.\nوهناك قطع أخرى مستلَّة من الكتاب في مكتبة تشستر بيتي ٤٨٤٢/ ٣ (الورقة ٤٢/ب- ٩٠)، وبرلين ٤٨١٩ (٢٠ ورقة) و٤٨٢٠ (الورقة ٨٨ - ٩٨)، وندوة العلماء بلكنو الهند برقم ٢٦٤ (الورقة ١٥/ب- ١٩/ب بخط الأمير صديق حسن خان القنوجي).\n* * * *","vol":"المقدمة","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الطبعات السابقة</span>\nأول ما طبع كتاب «أعلام الموقعين» في الهند سنة ١٣١٣ - ١٣١٤، والظاهر أنه لم يطبع هناك مرة أخرى. وبعد عشر سنوات من هذه الطبعة الأولى نشره فرج الله زكي الكردي في مصر عام ١٣٢٥. فلما صدرت نشرة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد سنة ١٣٧٤ أصبحت عمدة الطبعات اللاحقة، إلى أن أخرج الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان اعتمادًا على عدة نسخ خطية نشرةً جديدةً حافلةً بالتعليقات والتخريجات مع الفهارس المفصلة. وهاكم نبذة عن أهم الطبعات التي وقفنا عليها.\n١) الطبعة الهندية:\nهذه الطبعة الأولى للكتاب كانت حجرية في مجلّدين: المجلد الأول في ٣٠٢ صفحة، وفي أوله فهرس المطالب في نحو ٨ صفحات. وطبع في مطبعة «أشرف المطابع» في دهلي سنة ١٣١٣ (١٨٩٥ م) كما في أعلى صفحة العنوان ووسطها في خلال اسم الكتاب. وكان مدير المطبعة يومئذ: المنشي محمد نصير الدين المحمدي. هكذا ذكر اسمه في أسفل الصفحة، والمقصود بالمحمدي أنه ينتسب إلى محمد - ﷺ -، ولا يقلِّد إمامًا من الأئمة الأربعة، وذلك شعارجماعة أهل الحديث في شبه القارة الهندية. وذكر في هذه الصفحة أيضا أن الكتاب طبع بأمر السيد أبي الليث عبد القدوس بن السيد الشريف المهاجر أبي محمد عبد الله الغزنوي. لفظ «السيد» ــ وهو السائد في الهند ــ مثل لفظ «الشريف»، وكلاهما يعني أن الرجل من آل البيت. والشيخ عبد الله الغزنوي (ت ١٢٩٨) من علماء الهند المشهورين، والشيخ عبد القدوس من أبنائه الاثني عشر، كان من تلاميذ المحدث الشيخ","vol":"المقدمة","page":128},{"text":"نذير حسين الدهلوي (ت ١٣٢٠). ولم نجد ترجمته وتاريخ وفاته في المصادر التي رجعنا إليها.\nأما المجلد الثاني فكان في ٣٢٦ صفحة بالإضافة إلى ٢٠ صفحة في أوله لفهرس المطالب، وطبع سنة ١٣١٤ (١٨٩٦ م) في المطبع الأنصاري في دهلي بإشراف المنشي محمد كفاية الله، وتحت إدارة مالك المطبعة الشيخ محمد عبد المجيد. وكاتب هذا المجلد كما جاء في آخره: أبو عبد الله إمام الدين كيلاني، وقد يكون هوالذي كتب المجلد الأول أيضًا. وإمام الدين هذا من تلاميذ الشيخ عبد الجبار بن عبد الله الغزنوي (ت ١٣٣١)، كان خطّاطًا بارعًا في النسخ والنستعليق، كتب هو وشقيقه محمد الدين بخطهما كثيرًا من المصاحف وكتب التفسير والحديث لأصحاب المطابع لتُطبع طباعة حجرية. ولد سنة ١٢٧٣، ولم نعرف تاريخ وفاته (^١).\nونمّق خاتمة الكتاب القاضي أبو إسماعيل يوسف حسين بن القاضي محمد حسن بن محمد كل (بالكاف الفارسية) بن العارف بالله هداية الله ابن بنت قاضي القضاة عبد الصمد الحنفاء. هكذا كتب اسمه، ووصف نفسه وأجداده بالحنفاء تمييزًا لهم من الأحناف المقلدين. وفي آخر الخاتمة قال في نسبه: «الهزاروي الخانفوري المحمدي الحنيف». نسبة الهزاروي إلى قبيلة هزاره، والخانفوري إلى موطنه خانفور. أما المحمدي الحنيف فهو كما عرفنا في مقابل «الحنفي مذهبًا»! والقاضي يوسف حسين من تلاميذ\n_________\n(^١) انظر عنه وعن أسرته مقالًا لحفيده الأستاذ عبد الرحمن الكيلاني في مجلة «مطلع الفجر» الصادرة بلاهور، عدد ديسمبر ١٩٩٧ م.","vol":"المقدمة","page":129},{"text":"المحدث الشيخ نذير حسين الدهلوي والمحدث الشيخ حسين بن محسن الأنصاري (ت ١٣٢٧)، صاحب مؤلفات. كان له عناية خاصة بتراث شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. توفي سنة ١٣٥٢ (^١).\nوقد نصّ في هذه الخاتمة على أمرين مهمّين، أولهما أن الكتاب طبع عن ثلاث نسخ خطية صحيحة واضحة، ويبدو أن إحداها نسخة الأمير صديق حسن خان، فإنهم نقلوا في موضع حاشية للأمير، وكانت نسخته في مجلدين كما ذكر في «سلسلة العسجد» (ص ٨٤). والأمر الثاني أنه قام بتصحيح الكتاب الشيخ أبو عبد الرحمن محمد، والشيخ السيد أبو الليث عبد القدوس بن عبد الله الغزنوي. وقد سبق ذكر الشيخ عبد القدوس، أما الشيخ أبو عبد الرحمن محمد فهو من تلاميذ الشيخ نذير حسين الدهلوي، كان يقوم بتصحيح الكتب التي كانت تُطبع في المطبع الأنصاري بدهلي، وقد شارك في إعداد ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأردية مع الأستاذ نذير أحمد الدهلوي، وقام بتصحيح «سنن النسائي» والتعليق عليه إلى ثلثي الكتاب تقريبًا حتى توفي سنة ١٣١٥، فأكمله غيره وطبع في المطبع الأنصاري سنة ١٣١٦ (^٢).\nوقد حرصنا على تقييد الأسماء المذكورة في خاتمة الطبع من باب\n_________\n(^١) انظر ترجمته في كتاب «تذكرة علماء خانبور» لمحمد عبد الله الخانبوري ص ١٩٣ - ٢٤٠.\n(^٢) انظر عنه مقالًا للأستاذ عبد القدير في مجلة «برهان» الصادرة بدهلي عدد نوفمبر ١٩٥٠ م، ومقدمة الشيخ محمد عطاء الله الفوجياني على «التعليقات السلفية على سنن النسائي» ص ٢٨ طبعة لاهور.","vol":"المقدمة","page":130},{"text":"التنويه والشكر للأعلام الذين اهتمّوا بنشرالتراث الإسلامي في شبه القارة الهندية في ذلك العهد المبكر، ولا سيما بعد دخول الطباعة الحجرية، فأخرجوا عددا كبيرًا من المخطوطات العربية والفارسية لأول مرة. وشارك في هذا العمل علماء مصححون، وخطاطون، وأصحاب المطابع ومديروها. وكثير منهم لا نعرف عنهم شيئا، إذ لم يؤلَّف إلى الآن فيما نعلم ديوان جامع لأسمائهم وتراجمهم وأعمالهم.\nوقد وقفنا على نسخة من هذه الطبعة في مكتبة أحمد خيري باشا (١٣٢٤ - ١٣٨٧) التي تحتفظ بقسم منها مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. ولقد وددنا لو كانت بين أيدينا عند تحقيق الكتاب لندرسها جيدًا، ونستفيد منها في تعليقاتنا، ولنعرف مدى اعتماد الطبعات التالية عليها، ولكن لم نحصل عليها إلا بعد الانتهاء من التحقيق.\nوالمنهج المتبع في تصحيح هذه النشرة كما تبيَّن من تصفُّحها أنهم اختاروا من النسخ الثلاث أصحّها في الجملة، وأثبتوا ما ورد فيها في المتن ولو كان مصحَّفا في مواضع. ثم أثبتوا فروق النسختين الأخريين في الحواشي. وليتهم ميَّزوا بين فروقهما، ووصفوا النسخ المعتمدة ولو بإيجاز. ولو فعلوا ذلك لوافقوا طريقة المستشرقين في نشر النصوص مع تفوقهم عليهم بالآتي:\n- أثبتوا المتن مع إشكاله إذا اتفقت النسخ عليه، وأشاروا إلى صوابه في الحاشية.\n- فسروا بعض الكلمات الغريبة مع الإحالة على القاموس أو الصحاح.\n- علّقوا تعليقات مفيدة في بعض المواضع.","vol":"المقدمة","page":131},{"text":"- أبرزوا الفصول وبدايات المباحث والفقرات المهمة.\nوهكذا لم يقتصروا على طبع الكتاب عن أي نسخة خطية يجدونها، بل خدموا الكتاب خدمة لائقة بزمنهم وظروفهم، والباعث عليها حبّهم لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم، وإخلاصهم في نشر مؤلفاتهما. وسترى أن الطبعات التالية التي صدرت في مصر ــ وآخرها طبعة عبد الرحمن الوكيل الصادرة سنة ١٣٨٩ بعد الطبعة الهندية بخمس وسبعين سنة ــ مع جمال ظاهرها والعناية بصحتها، ظلّت قاصرة عن مجاراة الطبعة الأولى في المنهج المتبع في تصحيحها.\nهذا، وذكر الشيخ بكر أبو زيد - ﵀ - في كتابه عن ابن القيم (ص ٢٠٩) أن أول طبعة من كتابنا هذا تقع في ثلاث مجلدات، وأنها صدرت سنة ١٢٩٨ بالمطبعة النظامية بالهند. ويبدو أنه التبس على الشيخ بكتاب «زاد المعاد»، فهو الذي طبع في المطبع النظامي في العام المذكور، ولكن «الزاد» أيضا لم يطبع في ثلاث مجلدات، بل في مجلدين كما ذكر الشيخ في رسمه (ص ٢٦٠).\n٢) طبعة الحاج مقبل الذكير:\nهذه هي الطبعة الثانية من الكتاب، وقد صدرت عام ١٣٢٥ (١٩٠٧ م) بعد الطبعة الهندية الأولى بأكثر من عشر سنوات. وقد أنفق على طباعتها وجعَلها وقفًا على طلبة العلم المحسن الشهير الحاج مقبل بن عبد الرحمن الذكير الملقَّب بفخر التجّار (ت ١٣٤١) - ﵀ - (^١)، وقام بطبعها فرج الله\n_________\n(^١) انظر عن أسرته وبعض أعماله الخيرية: «علماء نجد خلال ثمانية قرون» (٦/ ٤٢٥، ٤٢٨)، وكلمة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع إثر وفاته في مجلة المنار (٢٤/ ٥٥٩).","vol":"المقدمة","page":132},{"text":"زكي الكردي الأزهري (ت ١٣٥٩) بمطبعته في القاهرة في ثلاثة مجلدات. وقد ذكر صاحب «معجم المطبوعات العربية» (١/ ٢٢٣) وغيره أنه طبع معه كتاب «حادي الأرواح» لابن القيم أيضًا، ولعله كان في حاشية المجلد الأول أو الأول والثاني، فإن المجلد الثالث الذي وقفنا عليه لا يشتمل على كتاب آخر.\nوجاء في خاتمة الطبع، وهي في عبارتها أشبه بالإعلانات التجارية: «يقول الفقير إليه فرج الله زكي الكردي: لما كان كتاب أعلام الموقعين من أعظم الكتب المؤلفة في مباحث الدين ... وكانت النسخة المطبوعة في الهند مع ندرتها ورداءة ورقها كثيرة التحريف فكادت أن لا ينتفع بها. ولهذا بذلنا الجهد في جمع النسخ العتيقة الخطية الصحيحة، وأجرينا الطبع عليها بمطبعتنا الفاخرة ذات الأدوات الباهرة، على هذا الورق الجميل والشكل الجليل، بعد صرف الجهد في التنقيح والتصحيح بمعاونة جملة من أفاضل العلماء الأعلام ...».\nلا شك أن الطبعة الهندية كانت طبعة حجرية على ورق عادي، وكان قد مضى على صدورها عشر سنوات، على صعوبة وصولها إلى البلاد العربية وانتشارها فيها؛ فكلام الناشر بهذا الصدد مقبول، ولا شك أيضًا فيما ذكر من فخامة طبعته الجديدة وجمال ورقها وشكلها، وجائز أيضًا أن تكون هذه أصح من الطبعة الهندية؛ ولكن هل جمع الناشر فعلا لطبعته نسخًا عتيقة صحيحة؟ فلماذا لم يذكر من أين جلبها؟ وكم كان عددها؟ ثم أين أثرتلك النسخ في هذه الطبعة؟ أفلم يكن بينها خلاف مهمّ في متن الكتاب جدير بأن ينبّه عليه؟ ثم هل شارك فعلا في التصحيح والتنقيح جملة من أفاضل","vol":"المقدمة","page":133},{"text":"العلماء الأعلام؟ فما له لم يسمِّهم أو واحدًا منهم؟ ألم يكن ذكرهم رافعًا لشأن طبعته؟ أما القائمون على الطبعة الهندية، فقد نصّوا ــ كما رأيت من قبل ــ على عدد النسخ التي اعتمدوا عليها، وأسماء العلماء الذين نهضوا بتصحيحها، وسلكوا في عملهم منهجًا معروفًا.\nوأما زعمه بكون الطبعة الهندية كثيرة التحريف، فدعوى ــ بعد ما عرفنا المنهج المتبع في تصحيحها ــ حتى تكون الطبعتان بين أيدينا، ونقارن بينهما. وقد نظرنا في مواضع من المجلد الثالث، فظهر لنا أن مصحح هذه الطبعة استفاد من الفروق المدونة في حواشي الطبعة الهندية، والله أعلم.\n٣) نشرة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد:\nهذه أجمل طبعات الكتاب وعمدة الطبعات اللاحقة. وقد صدرت عام ١٣٧٤ (١٩٥٥ م) في أربعة مجلدات، وتولّت نشرها المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، وكتب في صفحة العنوان قبل اسم الشيخ: «حققه، وفصله، وضبط غرائبه، وعلق حواشيه». ومن ميزاتها: توزيع النص إلى فقرات، ووضع عناوين الموضوعات الكبرى في أعلى صفحات الكتاب فوق خط فاصل بينها وبين المتن، ثم وضع عناوين جانبية للمباحث في حواشي الكتاب عن يمينه أو يساره. وقد زاد في مواضع كلمات أو حروفًا، فحصرها بين المعقوفات. هذا مع جمال الحرف، والضبط، والتعليق في مواضع أكثرها في المجلد الأول.\nوهي خالية من المقدمة خلافًا لمعظم الكتب التي أخرجها الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀، ولم يشر في الخاتمة أيضا إلى النسخ التي اعتمد عليها في تصحيح النص. وقد ذكر فروق النسخ في","vol":"المقدمة","page":134},{"text":"مواضع لا تعدو خمسة عشر موضعًا في الكتاب كلِّه البالغ عدد صفحاته نحو ١٦٠٠ صفحة. وهو يشير أحيانا إلى نسخة، وأحيانا إلى نسختين، وقد يقول: «الأصول» أو «أصول هذا الكتاب» (١/ ٥٣، ٣٧٥. ٢/ ٢٣٢، ٢٩٩. ٣/ ٢٧١)، ويُفهم من ذلك أنه رجع إلى أكثر من نسختين خطيتين. ومما يستغرب قوله في حاشية (١/ ٢١٢): «في نسخةٍ (عثمان) تطبيع»، فإن لفظ التطبيع مأخوذ من الطباعة، فلا يصح استعماله إلا في الخطأ المطبعي؛ فهل سها الشيخ أو أراد بالنسخة نسخة مطبوعة من الكتاب؟\nوقد أشار الشيخ في بعض المواضع إلى طبعات الكتاب، فذكر «المصريتين» (٤/ ٣٤٠) و«أولى المصريتين» (٤/ ١١٤) و«جميع المطبوعات» (٤/ ٥٠)، وذلك ينبئ بأن الطبعات السابقة كلها كانت بين يديه.\n٤) طبعة الشيخ عبد الرحمن الوكيل:\nهذه الطبعة أيضا في أربعة أجزاء، وطبعتها دار الكتب الحديثة بالقاهرة سنة ١٣٨٩ (١٩٦٩ م). وقد صدرت بتزكية الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف، ومقدمة الأستاذ السيد سابق، ثم مقدمة الناشر. ومما يدل على ورع السيد سابق وأمانته أنه لم يتطرق البتة في مقدمته إلى الثناء على هذه الطبعة، وإنما أدار كلامه على سيرة ابن القيم والمجتمع الذي عاش فيه، وعلمه وآرائه، وأصول استنباط الأحكام عنده.\nلم يرجع الناشر في هذه الطبعة إلى نسخة خطية من الكتاب، وإنما اعتمد على النسخ المطبوعة ولا سيما نشرة الشيخ محمد محيي الدين. وقد فصَّل في مقدمته ميزات طبعته، وأثبتها في أول الكتاب أيضا للتنويه بشأن","vol":"المقدمة","page":135},{"text":"طبعته، وأهمها بحسب قوله: «تصويب ما وقعت فيه جميع الطبعات السابقة من أخطاء قاتلة في الآيات القرآنية ...». ومن الميزات الأخرى التي ذكرها: ترقيم الآيات مع ذكر اسم السورة، وتخريج عشرات من الأحاديث المهمة، وضبط الأعلام والألفاظ، وشرح ما غمض من الكلمات والمصطلحات، ووضع عناوين فرعية كثيرة في صلب الكتاب، وإصلاح بعض أغلاط المحققين السابقين، وتكملة ما سقط من الطبعات السابقة من كلام المؤلف بكلام شيخه، ومراجعة أكثر نقول ابن القيم على مصادره، وأهمها فتاوى شيخه. هذا كلامه، وطبعته كغيرها من الطبعات السابقة فيها أخطاء كثيرة، ثم إثباته العناوين الفرعية الكثيرة في داخل المتن قد أضرَّ بنظام النص، وقطع السياق، وأزعج قارئ الكتاب.\nوقد وضعت وريقة مطبوعة منفصلة في أول الكتاب للرد على ثلاثة تعليقات للشيخ عبد الرحمن الوكيل، وهي إبطاله النسخ في القرآن (ص ٤٨)، ونقده في (ص ٨٤) لكلمة «آثار» فيما أنشده الإمام أحمد: (دين النبي محمد آثار)، وزعمه أن سعد بن معاذ أخذ حكمه في بني قريظة من اليهود (ص ٢٢٣). ووريقة أخرى مثلها في المجلد الرابع، نُبِّه فيها على أن تعليقات الشيخ الواردة في الصفحات (٣٤٤، ٣٦٠، ٣٨٤، ٥٠٣) كلها مخالفة للصواب. لفت نظرنا إلى هذه الوريقة أخونا الفاضل الشيخ جديع بن محمد الجديع، فجزاه الله خيرًا.\n٥) نشرة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان:\nصدرت هذه الطبعة من دار ابن الجوزي بالدمّام سنة ١٤٢٣ في سبعة مجلدات أولها مقدمة التحقيق، وآخرها الفهارس. وقد اعتمد المحقق فيها","vol":"المقدمة","page":136},{"text":"على أربع نسخ خطية حصل عليها، وهي نسخ متأخرة حديثة الخط لا تُعرف أصولها، فنسخة (ك) كتبت سنة ١٣٠٥ و١٣٠٦، ونسختا (ن) و(ق) ليس عليهما تاريخ النسخ ولا اسم الناسخ، وهما ناقصتان من الآخر، وحديثتا الخط، كُتبتا أيضًا في القرن الرابع عشر. ونسخة (ت) تحتوي على قطعة صغيرة (٤٨ ورقة) من آخر الكتاب، وقد كتب على صفحة عنوانها: «من كتاب اعلام الموقعين في أدب المفتي لابن القيم رحمه الله تعالى» وتحته: «حرَّره من فضل الله تعالى القوي أحمد بن يوسف العدوي، لطف الله به، وجعله من حزبه بمنّه ويمنه سنة ١٠٠٣، أحسن الله ختامها». وواضح منه أنها ليست نسخة من الكتاب، بل فصل مستلٌّ منه أفرده الناسخ، وله نظائر في المخطوطات.\nوالاعتماد على مثل هذه النسخ مع وجود الأصول القديمة مخلٌّ بالعمل، والإشارة إلى فروقها في الهوامش لا فائدة منها، ولا يوثق بنسبة شيء منها إلى المؤلف عند اختلاف النسخ إلا بالرجوع إلى المخطوطات القديمة القريبة من عهد المؤلف، والتي وصلت إلينا كما سبق وصفها. وقد حصل المحقق على «نسخ عتيقة نفيسة» بعد طبع الكتاب، وصحح منها الأخطاء الواقعة في طبعته على حواشيها، كما ذكر ذلك في تعليقه على «الصادع» لابن حزم (ص ٥١٢). والطبعة الثانية من نشرته صدرت بعد الأولى بعشر سنوات، وكان بإمكانه أن يستدركها في آخر هذه الطبعة، ولكنه لم يفعل.\nولسنا هنا بصدد النقد التفصيلي لهذه الطبعة وبيان الأخطاء والتحريفات الموجودة فيها، فكل مَن يُخرِج الكتاب بالاعتماد على النسخ المتأخرة","vol":"المقدمة","page":137},{"text":"والطبعات المتداولة يقع في الأخطاء والأوهام لا محالة. ومن مستلزمات التحقيق العلمي جمع الأصول والنسخ القديمة المتقنة وإثبات الفروق بينها، وعدم الاكتراث بالنسخ المتأخرة الحديثة الخط، وتوخِّي الحذر من استخدام النسخ المطبوعة. وكان من منهج الشيخ مشهور حَشْد كل ما جاء في النسخ الخطية والمطبوعة متنًا وتعليقًا، وكلّما وجدَ زيادة في النسخ المطبوعة أثبتها في المتن واتَّهم النسخ الخطية بأن الزيادة المذكورة ساقطة منها.\nوالأخطاء التي وقعت في طبعته، منها ما اتفقت فيه النسخ الخطية والمطبوعة، ومنها ما تابع فيه الطبعات السابقة، ومنها أخطاء انفرد بها. ومما يستغرب أن أخطاء وقعت في أسماء الصحابة والتابعين ورجال الإسناد ومتن الأحاديث، وفاته تصحيحها مع صحة كثير منها في المصادر التي راجعها للتخريج والتوثيق. وفيما يلي نماذج من هذه الأخطاء:\n- ١/ ١٩: من المقلين في الفتيا من الصحابة: «أبو اليُسر». كذا ضبط بضم السين، والصواب: أبو اليَسَر بفتح الياء والسين.\n- ١/ ١٩: ومنهم: «عبد الله بن جعفر [البرمكي]». كذا أثبت، وعلّق بأن ما بين المعقوفين ساقط من (ق، ن، ك) يعني نسخه الخطية. والحق أن هذه الزيادة التي تابع فيها الطبعات السابقة مقحمة فيها، وقد أقحمها مَن توهم أن المذكور هنا عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد بن بَرمَك البرمكي الذي روى عنه مسلم وأبو داود، وذهب عليه أن المذكورين في هذا الفصل جميعًا من الصحابة، والمقصود عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.","vol":"المقدمة","page":138},{"text":"- ١/ ٤٢: «وجمع محمد بن نوح فتاويه» يعني فتاوى الزهري. وكذا وقع في بعض المخطوطات، وجميع الطبعات. ولفظ نوح محرف عن مفرج، والمصنف صادر عن «الإحكام» لابن حزم، وفيه (٥/ ٩٦): محمد بن أحمد بن مفرج. وهو القاضي محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرِّج محدث الأندلس.\n- ١/ ٤٧: «ثم غلب عليهم تقليد مالك والشافعي إلا قليلًا لهم اختيارات كمحمد بن علي بن يوسف وأبي جعفر الطحاوي». وقال في تعليقه: «ولعله يريد محمد بن علي بن وهب الشهير بابن دقيق العيد، له ترجمة في ...». قلنا: المحقق على علم بأن المصنف ينقل عن ابن حزم، وكذا جاء في «الإحكام» (٥/ ١٠٢)، فكيف يذكر ابن حزم (المتوفى سنة ٤٥٦) ابنَ دقيق العيد المولود سنة ٦٢٥!\n- ذكر ابن القيم قول الإمام أحمد في رواية أبي طالب: «لا أعلم شيئًا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأهل المدينة على تسرِّي العبد». كذا في النسخ الخطية ما عدا (ع)، وفي النسخ المطبوعة، وهو الصواب. وقد ذكر الزركشي هذه الرواية في «شرح مختصر الخرقي» (٥/ ١٣٢). وأثبت الشيخ مشهور (١/ ٥٤): «... وأهل المدينة على قبول شهادة العبد»، كما جاء غلطًا في بعض النسخ.\n- ١/ ٩٩: «عن عبد بن حميد، ثنا أبو أسامة، عن نافع، عن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة». وكذا وقع في الطبعات السابقة أيضًا، والصواب: نافع بن عمر الجمحي.","vol":"المقدمة","page":139},{"text":"- ١/ ١٠٦: «وقال ابن وهب: ثنا شقيق، عن مجالد به». واتفق على ذلك النسخ الخطية والمطبوعة، وشقيق تصحيف سفيان، وهو ابن عيينة كما في «الإحكام» لابن حزم (٨/ ٢٩).\n- ١/ ١١١: «سنيد بن داود: ثنا يحيى بن زكريا مولى ابن أبي زائدة، عن إسماعيل». وكذا في النسخ الخطية والمطبوعة جميعًا، وفيه تحريف، والصواب: «يحيى بن زكريا ــ هو ابن أبي زائدة ــ عن إسماعيل»، كما في مصدر النقل وهو «الإحكام» لابن حزم (٦/ ٥٢)، وكتب الرجال.\n- ومن التصحيفات الطريفة التي وقعت في النسخ المطبوعة أن المؤلف لما ذكر النوع الثاني من أنواع الرأي الباطل قال: «... فإن من جهلها وقاس برأيه فيما سئل عنه بغير علم ... فقد وقع في الرأي المذموم، فضلّ وأضلّ. النوع الثالث: الرأي المتضمن ...». وقد جاء «فضل وأضل» في بعض النسخ بالصاد المهملة متصلًا بما بعده، فقرئ هكذا: «... الرأي المذموم. فصل: وأصل النوع الثالث»، كما في نشرة الشيخ عبد الرحمن الوكيل (١/ ٧١). أما في نشرة الشيخ محمد محيي الدين (١/ ٦٨) ومَن تابعه، فحذف «وأصل» إذ لا معنى له في هذا السياق. وأما الشيخ مشهور (١/ ١٢٦) فأثبت من النسخ: «... الرأي المذموم الباطل [فضلّ وأضلّ]»، وقد أصاب، ولكن أبقى قبل النوع الثالث كلمة «فصل» أيضًا، مع أنها ليست إلا تصحيف: «فضلَّ»! وهكذا نشأ فصل جديد في هذا الطبعات.\n- ١/ ١٢٧: «وكم هُدم بها من معقل الإيمان، وعُمر بها من دين الشيطان». وكذا في الطبعات الأخرى أيضًا. ولفظ «دين» فيها تصحيف «دَير». وفي النص خطأ آخر أيضًا، والصواب: «للإيمان»، و«للشيطان».","vol":"المقدمة","page":140},{"text":"- ١/ ١٤٧: «وقال الحافظ أبو محمد: ثنا عبد الرحمن ... خالد بن سعيد، أخبرني محمد بن عمر بن كنانة ...». وكذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، والصواب: خالد بن سعد. ثم كنانة أيضًا تصحيف لبابة. والنقل من «الإحكام» (٦/ ٥٥).\n- ١/ ٣٧٤: «عن وبرة الصلتي قال: بعثني خالد بن الوليد». وكذا في النسخ الخطية والمطبوعة كلها، و«الصلتي» تصحيف «الكلبي».\n- نقل المؤلف قول البخاري في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]: «لا يمسه: لا يجد طعمه ... ولا يحمله بحقه إلا الموقن». كذا في النسخ الخطية والطبعات السابقة، ولكن الشيخ مشهور خالفها وأثبت (١/ ٣٩٨) «المؤمن» مكان «الموقن»، وقال في تعليقه: «والتصويب من صحيح البخاري». وهذا التصرف في المتن مستغرَب من مثله، فإن لفظ «الموقن» الذي نقله المؤلف صحيح، وهو الوارد في رواية المستملي. انظر «فتح الباري» (١٣/ ٥٠٩).\n- ١/ ٤٦٦: «ثنا حفص بن غياث عن أبيه عن مجاهد». وقال في تعليقه: «في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: جعفر بن غياث عن أبيه!! وهو خطأ صوابه ما أثبتناه». قلنا: صحح خطأ، وغاب عنه خطأ آخر، وهو أن «أبيه» تحريف «ليث»! ثم أصاب الشيخ عبد الرحمن الوكيل، إذ أثبت (١/ ٢٨١) «حفص»، ولكن أسقط «بن غياث»!\n- ١/ ٤٦٧: «قال الطحاوي: ثنا ابن علية: حدثني عمرو بن عمران: ثنا يحيى بن سليمان الطائفي ...». على هذا السند ثلاث ملاحظات:","vol":"المقدمة","page":141},{"text":"أولًا: كذا وقع «ابن علية» في الطبعات الأخرى أيضًا، وهو تصحيف «ابن غليب»، كما في النسخ الخطية و«الإحكام» لابن حزم وهو مصدر النقل.\nثانيًا: «عمرو بن عمران» كذا وقع في النسخ الخطية والمطبوعة، والصواب: عمران بن عمران، كما في «الإحكام».\nثالثًا: «يحيى بن سليمان» كذا في بعض النسخ الخطية وفي «الإحكام»، والصواب: يحيى بن سُليم، كما في «الصادع» لابن حزم (ص ٦٣٤)، وكذا أثبت الشيخ مشهور من مصادر التخريج. ولكن أغرب في قوله بعد الإحالة على «الإحكام» (٨/ ٣٢): «ووقع في إسناده تحريف كثير يصحَّح من هاهنا»، مع أن الأمر بالعكس!\n- ٢/ ٦٩: «الحميدي: ثنا سفيان: ثنا عبد الله بن إسماعيل بن زياد ابن أخي عمرو بن دينار». وكذا في الطبعات الأخرى والنسخ الخطية أيضًا، و«زياد» تحريف «دينار»، ويدل عليه قوله: «ابن أخي عمرو بن دينار».\n- ٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨: أثبت بين معقوفين نصًّا يشتمل على بيت منسوب إلى الشافعي، وثلاثة أبيات لشمس الدين الكردي، وذكر في التعليق أنه ساقط من (ك)، والحق أنه لم يسقط منها، بل هو مقحم في المتن، ولعله ورد في حاشية بعض النسخ، فدخل في المتن. ولم يرد في شيء من النسخ التي بين أيدينا.\n- ٣/ ٤٤٣: «سمعتُ الشعبي إذا سئل عن مسألة شديدة قال: رُبَّ ذاتِ وبَر لا تنقاد ولا تنساق ...». صوابه: «... زَبَّاءُ ذاتُ وَبَرٍ ...» كما في النسخ الخطية، وانظر شرحها في هذه الطبعة. والكلمة محرفة في بعض المصادر.","vol":"المقدمة","page":142},{"text":"- ٣/ ٤٥٥: «قيل: كيف ذلك يا ابن عبَّاس؟». وذكر في الهامش: «في المطبوع: يا أبا العباس. وفي (ق): يا ابا عباس». وما في المطبوع والنسخ الخطية صواب، وكذا في مصادر التخريج. وابن عباس يكنى بأبي العباس.\n- ٤/ ١٩٨: «رواه محمد بن أيوب عن أبي الوليد وابن عمر ...» و«أما رواية أبي الوليد وابن عمر ...». والصواب: «... وأبي عمر» بدل ابن عمر كما في النسخ ومصادر التخريج.\n- ٤/ ٣٤١: «أُتي بُسر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرقَ مجنَّةً». صوابه: «سرقَ بُختِيَّةً» كما في النسخ ومصدر التخريج.\n- ٤/ ٣٤٧: «أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها». والصواب: «عَكْورةً على نفسها» كما في النسخ ومصدر التخريج. وانظر شرحها في هذه الطبعة.\n- ٤/ ٣٥٠: «حدثنا هارون بن إسماعيل الخرَّاز». صواب: «الخزَّاز» كما في النسخ.\n- ٤/ ٣٦٩: «حدثناه الفضل بن زياد الضّبي». وذكر في الهامش: «في بعض النسخ: الطبري. وفي (و) نحوه باختصار. وفي (ق): الطسي». والصواب كما في النسخ القديمة: «الطستي».\n- ٤/ ٤٣٧: «عن الأوزاعي قال: حدثني حسن بن الحسن». صوابه: «... جَسْر بن الحسن» كما في النسخ الخطية ومصادر الترجمة.\n- ٥/ ١٢٦: ذكر المصنف أسماء الفقهاء الذين اختلف أصحابهم في","vol":"المقدمة","page":143},{"text":"استقلالهم بالاجتهاد أو تقيُّدهم بمذاهب أئمتهم على قولين، فقال: «والحنابلة في أبي حامد والقاضي». كذا أثبت «أبي حامد» كما في الطبعات السابقة، وذكر في الحاشية أن في (ت، ق): «ابن حامد». ولا شك أن هذا هو الصحيح، والذي في المتن تصحيف.\n- ٥/ ١٦٥: ذكر المؤلف أن المفتي إذا سئل عن حكم الله في مسألة من غير أن يقصد السائل مذهب فقيه معيّن، فعليه أن يفتي بما هو الراجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة. ثم قال: «فإن لم يتمكن منه وخاف أن يؤذَى تركَ الإفتاءَ في تلك المسألة، ولم يكن له أن يفتي بما لا يعلم أنه صواب». ولعل كلمة «يؤذى» جاءت في نسخة بالدال المهملة، فقرأها بعض الناشرين «يؤدّي»، وزاد بعدها «إلى» ليتعدى الفعل إلى ترك الإفتاء، ثم حذف الواو قبل «لم يكن» ليكون جوابًا للشرط. وقد جاء النص سليمًا في النسخة (ق)، ولكن المحقق أثبته في المتن مصحفًا كما في الطبعات السابقة: «... خاف أن يؤدي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة لم يكن ...»، وأثبت الصواب في الحاشية!\n- ٥/ ١٦٥: وفي السياق نفسه ذكر أن الناس لا يُسألون يوم القيامة عن إمام ولا شيخ، بل يسألون في قبورهم ويوم القيامة عن النبي - ﷺ -، فقال: «ويوم القيامة يناديهم ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾». كذا ورد النص في جميع نسخنا والطبعات السابقة، وقد ضمّن المؤلف كلامه جزءًا من الآية. ولكن الشيخ عبد الرحمن الوكيل حذف «ويوم القيامة يناديهم»، وأثبت نص الآية: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. ولعل هذا واحد من «الأخطاء القاتلة» التي أشار في مقدمته إلى وقوعها في","vol":"المقدمة","page":144},{"text":"الآيات في الطبعات السابقة جميعًا! وتابعه الشيخ مشهور، وأورد الصواب في حاشيته!\n- ٥/ ١٦٥: بعد تضمين الآية السابقة قال المؤلف: «ولا يُسأل أحد قط عن إمام .. بل يُسأل ... فلينظر بماذا يجيب؟ ولْيُعِدّ للجواب صوابًا، وكأنْ قدْ. وسمعتُ شيخنا ...». كذا في نسخنا والنسخ التي اعتمد عليها الشيخ مشهور (ق، ك، ت)، ولكنه أثبت هذا الصواب في الحاشية. أما المتن فتابعَ فيه الطبعات السابقة التي جاء فيها بعد الحذف والتغيير: «... صوابًا. وقد سمعت شيخنا». وذلك أن بعض الناشرين قرأ: «وكان قد وسمعت»، فرأى في الجملة خللًا ظاهرًا، فأصلحه بحذف «وكان» البتة، وتقديم الواو على «قد»!\nهذه بعض النماذج من الأخطاء والتحريفات في النصّ، وقد أشرنا في تعليقاتنا إلى كثير غيرها، ولا نريد أن نطيل الكلام بذكرها هنا.\nوالشيخ مشهور معروف عند القراء بالتخريج المطول للأحاديث والآثار، وكتابة المقدمات الطويلة وخاصةً في تحقيقاته الأخيرة، وصنع الفهارس الفنية المتنوعة التي قد لا يُرجَع إلى بعضها إلا نادرًا. وفهارس «اعلام الموقعين» في مجلد ضخم (٧٤٤ صفحة)، وقد وضع فهرسًا للأحاديث والآثار على حروف المعجم، ثم على المسانيد، وبذلك زادت ٢٠٠ صفحة. أما المقدمة الواقعة في مجلد (٣١٢ صفحة) ففيها نقول مطوَّلة من بعض الكتب والدراسات، ومعلومات مكررة كان ينبغي أن لا تُذكر إلا مرة واحدةً.\nوقد أكثر الشيخ من وضع العناوين للموضوعات والمسائل أخذًا من","vol":"المقدمة","page":145},{"text":"الطبعات السابقة، بل رأيناه إذا رأى عنوانًا فرعيًّا في طبعة الوكيل مختلفًا عما في طبعة محيي الدين عبد الحميد أورد العنوانين، كما في ١/ ١٦: «ما يشترط فيمن يوقّع عن الله ورسوله، أو صفات المبلغين عن الرسول - ﷺ -». العنوان الأول في طبعة محمد محيي الدين، والآخر في طبعة الوكيل. وكذا في ١/ ١٧ ومواضع أخرى كثيرة. وقد تبع طبعة الوكيل في الإكثار من العناوين الفرعية وإثباتها في داخل المتن بين المعقوفات، وذلك مبدِّد لنظام النصّ ومُزعج لقارئ الكتاب.\nهذه الملاحظات لا تنقص من الجهد العلمي الذي بذله الشيخ مشهور في تحقيق الكتاب والتعليق عليه وتخريج أحاديثه، فهو مشكور على كل حال. أجزل الله له المثوبة، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء.\nونذكر فيما يأتي طبعات أخرى للكتاب:\n- طبعة محمد أدهم. ذكر هذه الطبعة صاحب «ذخائر التراث العربي» (١/ ٢٢٠)، وأنها صدرت بالقاهرة سنة ١٩٢٩ م (١٣٤٨). ولا ذكر لها في «المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع».\n- طبعة المنيرية. لم تؤرَّخ هذه الطبعة، فلا ندري متى صدرت، غير أنها كانت في أر بعة أجزاء، وكتب على صفحة العنوان: «عنيت بطبعه ونشره وتصحيحه والتعليق عليه إدارة الطباعة المنيرية».\n- طبعة مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة. ذكر صاحب «ذخائر التراث العربي» (١/ ٢٢٠) أنها صدرت سنة ١٩٧٠ م (١٣٩٠) بتحقيق عبد الكريم إبراهيم العزباوي، وأشرف عليها محمد أبو الفضل إبراهيم؛ ولم يشر إلى أجزائها. هذه الطبعة أيضا لم تذكر في «المعجم","vol":"المقدمة","page":146},{"text":"الشامل للتراث العربي المطبوع».\n- طبعة الشيخ طه عبد الرؤوف سعد. صدرت عن دارالجيل في بيروت في أربعة أجزاء سنة ١٩٧٣ م (١٣٩٣).\n- طبعة عصام الدين الصبابطي، صدرت عن دار الحديث بالقاهرة سنة ١٤١٤ (١٩٩٣ م) في أربعة أجزاء. ذكرها صاحب «المعجم الشامل» (٤/ ٥٩٢).\n- طبعة عصام الحرستاني. صدرت عن دار الجيل في بيروت سنة ١٤١٩ (١٩٩٨ م) في أربعة أجزاء، واعتمد فيها على نسختين خطيتين: نسخة من المكتبة المحمودية، وأخرى من مكتبة الأستاذ زهير شاويش. وقام بتخريج أحاديث الكتاب حسان عبد المنان وأحمد الكويتي. لم نقف على هذه الطبعة، وما ذكرناه مستفاد من مقدمة الشيخ مشهور (ص ٢٨٨).\n- طبعة رائد صبري، صدرت عن دار طيبة بالرياض سنة ١٤٢٧ (٢٠٠٦ م). ذكرت في «المعجم الشامل» (٤/ ٥٩٢). وقد اتهمها الشيخ مشهور سلمان في بعض تعليقاته على كتاب «الصادع» لابن حزم (ص ٥١٢) بأنها مسروقة من نشرته.\n* * * *","vol":"المقدمة","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>منهجنا في هذه النشرة</span>\nاعتمدنا في تحقيق الكتاب على الأصول القديمة التي سبق وصفها، والتي صححت كثيرًا من الأخطاء والتحريفات والسقط في النسخ المطبوعة، ثم قمنا بمراجعة مصادر المؤلف التي صرَّح بذكرها، والمصادر التي ظهر لنا بالبحث والتتبع أنه اعتمد عليها ونقل منها، فقمنا بتوثيق النقول منها ومقابلة النصوص عليها. ثم راجعنا كتب المؤلف الأخرى في الموضوعات المشتركة بينها وبين هذا الكتاب، واستفدنا منها وأشرنا إليها في التعليقات.\nوقد شرحنا منهجنا في التحقيق مرارًا في مقدمات الكتب التي نشرناها، فلا نعيده هنا، ونكتفي بالإشارة إلى بعض الأمور التي راعيناها في تحقيق هذا الكتاب:\n١ - النسخ الأصول من المخطوطات التي بين أيدينا أربع: نسخة الأزهرية (ز)، ونسخة ابن اللحام (د)، ونسخة المحمودية (ح)، ونسخة برنستون (س) مع نقصها، والتزمنا ذكر فروقها عمومًا. أما النسخ الثلاث الأخرى القديمة (ع، ت، ك) فحرصنا على تدوين فروقها التي وافقت فيها الطبعات السابقة، ليتبين عذرها. أما أخطاؤها وتصحيفاتها التي لا فائدة من ذكرها فلم نشر إليها إلا قليلًا. أما نسختا (ف، ب) فهما متأخرتان كثيرتا التحريف والسقط، فلم نراجعهما إلا قليلًا. وكذا الكراسة الأخيرة من نسخة الأزهرية (ز) ليست بخط ناسخ الأصل، بل بخط متأخر، فلم نثبت فروقها من الكلمات الساقطة ونحوها، وأشرنا إليها عند الحاجة برمز (خز). وقد ساعدنا في المقابلة بين النسخ الإخوة الفضلاء: سراج منير، وفوزي فطاني، وعبد الحميد مثقال علي، فجزاهم الله خيرًا.","vol":"المقدمة","page":148},{"text":"٢ - المقصود بـ «المطبوع» في تعليقاتنا: نشرة الشيخ مشهور الصادرة عن دار ابن الجوزي، وإذا قلنا: «النسخ المطبوعة» يضاف إلى النشرة المذكورة طبعتان أخريان: طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، وطبعة الشيخ عبد الرحمن الوكيل. وقد نبهنا على بعض تصرُّفات هذه الطبعات في النص، خاصة ما يتعلق بالسقط أو التحريف أو الزيادة على الأصول الخطية.\n٣ - أخرجنا الكتاب كما تركه المؤلف دون إضافة عناوين للأبواب والفصول. وفي فهرس الموضوعات في آخر الكتاب ما يغني عنها.\n٤ - وضعنا كل زيادة يقتضيها السياق وليست في الأصول بين حاصرتين، مع التنبيه عليها.\n٥ - أثبتنا الآيات في المتن على رواية حفص عن عاصم، وأشرنا في الحاشية إلى القراءة الواردة في النسخ، وهي قراءة أبي عمرو السائدة في زمن المؤلف.\n٦ - أما تخريج الأحاديث والآثار فقد كانت العناية فيه بلفظ الشاهد أو اللفظ القريب منه، دون الاستقصاء في جمع الطرق والشواهد. وقد قام بتخريجها من غير «الصحيحين» كل من المشايخ: عمر بن سعدي، وجعفر السيد، ومحمد نديم.\n٧ - العناية بضبط المشكل وشرح الغريب من الكلمات، والتعليق عليها بما يبيِّن أصولها ومعانيها.\n٨ - التعليق على الكتاب بما يفيد ترجمة الأعلام المغمورين، أو","vol":"المقدمة","page":149},{"text":"التعريف ببعض الكتب والأماكن، أو بيان مصادر المؤلف، أو التنبيه على ما في النصّ من خطأ أو وهم، أو توجيه عبارة أو أسلوب عند المؤلف، أو ربط الكلام بعضه ببعض في السياق، ونحوها.\nوقد تولّى الأخ خالد محمد جاب الله صف الكتاب وإخراجه، وصنع فهارس الآيات والأحاديث، فجزاه الله خيرًا.\nوفي الختام نحمد الله ﷾ على توفيقه لإخراج هذا الكتاب على هذا النحو الذي نرجو أن يكون مفيدًا للقراء والباحثين، والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.\n* * *","vol":"المقدمة","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>نماذج من النسخ الخطية</span>","vol":"المقدمة","page":151},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nربِّ يسِّرْ وأعِنْ (^١)\nالحمد لله الذي خلق خَلْقَه أطوارًا، وصرَّفهم في أطوار التخليق كيف شاء عزّةً واقتدارًا، وأرسل الرسل إلى المكلّفين إعذارًا منه وإنذارًا، فأتمَّ بهم على من اتبع سبيلهم نعمته (^٢) السابغة، وأقام بهم على من خالف منهاجهم (^٣) حجته البالغة، فنصب الدليل، وأنار السبيل، وأزاح العلل، وقطع المعاذير، وأقام الحجّة، وأوضح المحجّة، وقال: ﴿هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وهؤلاء رسلي ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فعمَّهم بالدعوة على ألسنة رسله حجةً منه وعدلًا، وخصَّ بالهداية من شاء منهم نعمةً منه (^٤) وفضلًا.\nفقبِل نعمةَ الهداية من سبقت له سابقة السعادة وتلقَّاها باليمين، وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وردَّها من غلبت عليه الشقاوة ولم يرفع بها رأسًا بين العالمين. فهذا فضله وعطاؤه،\n_________\n(^١) ت: \"وهو حسبي\". ع: \"وبه ثقتي\".\n(^٢) ح، ف: \"نعمه\".\n(^٣) ع: \"مناهجهم\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) \"منه\" ساقط من ع.","vol":"1","page":3},{"text":"وما عطاؤه بمحظور، ولا فضله بممنون. وهذا عدله وقضاؤه، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون.\nفسبحان من أفاض على عباده النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأودع الكتاب الذي كتبَه، أنَّ رحمته تغلب غضبَه (^١). وتبارك من له في كلِّ شيء على ربوبيته ووحدانيته وعلمه وحكمته أعدل شاهد، ولو لم يكن إلا أن فاضَلَ بين عباده في مراتب الكمال حتى عُدَّ (^٢) الآلاف المؤلَّفة منهم بالرجل الواحد (^٣). ذلك ليعلم عباده أنه أنزل التوفيق منازله، ووضع الفضل مواضعه، وأنه يختص برحمته من يشاء وهو العليم الحكيم، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩].\nأحمده، والتوفيق للحمد من نِعَمِه. وأشكره، والشكر كفيل بالمزيد من فضله وقِسَمه. وأستغفره وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوال نعمته وحلول نِقَمه.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها (^٤) جميع المخلوقات. وعليها أُسِّست الملة،\n_________\n(^١) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٣١٩٤) ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي تغلب غضبي\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"عدل\".\n(^٣) نظر المؤلف إلى قول البحتري في \"ديوانه\" (١/ ٦٢٥):\nولم أرَ أمثالَ الرجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى عُدَّ ألفٌ بواحدٍ\n(^٤) ح: \"عليها الله\".","vol":"1","page":4},{"text":"ونُصِبت القبلة. ولأجلها جُرِّدت سيوف الجهاد، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد. وهي (^١) فطرة الله التي فطرَ الناس عليها، ومفتاح عبوديته التي دعا الأممَ على ألسُن رسله إليها. وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه \"لا إله إلا الله\" دخل الجنّة (^٢).\nوأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخِيرته من خلقه، وحجته على عباده، وأمينه على وحيه. أرسله رحمةً للعالمين، وقدوةً للعاملين (^٣)، ومحجّةً للسالكين، وحجّةً على المعاندين، وحسرةً على الكافرين. أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنعم به على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شكورًا. فأمدَّه بملائكته المقربين، وأيّده بنصره وبالمؤمنين، وأنزل عليه كتابه المبين، الفارق بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، والشك واليقين. فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمره (^٤). وأقسم بحياته\n_________\n(^١) ف: \"فهي\".\n(^٢) كما في الحديث الذي أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤، ٢٢١٢٧) وأبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ بن جبل، قال: قال النبي - ﷺ -: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة\". وفي رواية: \"دخل الجنة\". وإسناده حسن، وصححه الحاكم (١/ ٣٥١، ٥٠١) وغيره.\n(^٣) ف: \"للعالمين\" ــ وكذا في النسخ المطبوعة ــ وضبطه بكسر اللام. والصواب ما أثبت من غيرها. وانظر: \"طريق الهجرتين\" (١/ ٦) و\"حادي الأرواح\" (١/ ٥) و\"تحفة المودود\" (ص ٤).\n(^٤) إشارة إلى ما أخرجه أحمد (٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧) مِن حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري\". ومداره على عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. ومنهم من قوَّى أمره، ومنهم من ضعّفه، وقد تغيَّر بأَخرة. وخلاصة القول فيه أنه حسن الحديث إذا لم يتفرد بما يُنكر. وعلقه البخاري (٦/ ٩٨ - الفتح) بصيغة التمريض. وقال الذهبي في \"السير\" (١٥/ ٥٠٩): إسناده صالح. وينظر: \"السنن\" لسعيد بن منصور (٢٣٧٠)، و\"المصنَّف\" لابن أبي شيبة (١٩٧٨٣، ٣٣٦٨١، ٣٣٦٨٢)، و\"المسند\" للبزّار (٨٦٠٦).","vol":"1","page":5},{"text":"في كتابه المبين (^١)، وقرَن اسمه باسمه، فإذا ذُكِر [٢/ب] ذُكِر معه (^٢)، كما في الخطب (^٣) والتشهد والتأذين.\nوافترض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه، وسدَّ الطرق كلَّها إليه وإلى جنته، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه. فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقان المبين الذي باتباعه تميَّز أهلُ الهدى من أهل الضلال.\nولم يزل (^٤) - ﷺ - مشمِّرًا في ذات الله لا يردُّه عنه رادّ، صادعًا بأمره لا يصدُّه عنه صادّ، إلى أن بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حقَّ الجهاد. فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألَّفت به القلوب بعد شتاتها، وامتلأت به الدنيا (^٥) نورًا وابتهاجًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.\nفلما أكمل الله تعالى به الدين، وأتمَّ به النعمة على عباده المؤمنين،\n_________\n(^١) في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].\n(^٢) انظر الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب في \"الدر المنثور\" (١٥/ ٤٩٧ - ٥٠٠).\n(^٣) ع: \"الخطبة\".\n(^٤) ت: \"فلم يزل\".\n(^٥) ت: \"الأرض\".","vol":"1","page":6},{"text":"استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى، والمحلِّ الأسنى؛ وقد ترك أمته على المحجّة البيضاء، والطريق (^١) الواضحة الغرّاء. فصلَّى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه وآله كما وحَّد الله، وعرَّف به، ودعا إليه؛ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد، فإنَّ أولى ما تنافس فيه (^٢) المتنافسون، وأَجْرَى (^٣) في حَلْبة سباقه المتسابقون: ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا، وعلى طريق هذه السعادة دليلًا. وذلك العلم النافع والعمل الصالح اللذان (^٤) لا سعادة للعبد إلا بهما، ولا نجاة له إلا بالتعلُّق بسببهما. فمن رُزِقهما فقد فاز وغَنِم، ومن حُرِمهما فالخيرَ كلَّه حُرِم. وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البرُّ من الفاجر، والتقيُّ من الغوي، والظالمُ من المظلوم. [٣/أ] ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها علم أحكام\n_________\n(^١) ت، ف: \"الطريقة\".\n(^٢) ع: \"يتنافس به\"، وكذا في الطبعات القديمة. وفي المطبوع: \"يتنافس فيه\".\n(^٣) فعل ماضٍ من الإجراء، معطوف على \"تنافس\" يعني: أولى ما أجرى المتسابقون خيولهم في حلبة سباقه. ومنه المثل: \"كُلُّ مُجْرٍ في الخلاء يُسَرُّ\". وقال علي بن الجهم من قصيدة في \"ديوانه\" (ص ١٣٨):\nوما كلُّ من قاد الجياد يسوقها ... ولا كُلُّ من أجرى يقال له مُجْري\n\nولما صحَّفه بعضهم إلى \"أحرى\" ظنًّا منه بأنه بمعنى \"أولى\" ومعطوف عليه، زاد بعض الناشرين بعده: \"ما يتسابق\" لإصلاح العبارة كما في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في جميع النسخ: \"اللذين\".","vol":"1","page":7},{"text":"العبيد (^١). ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين، وتلقِّي هذين العلمين، إلا من مشكاةِ من قامت الأدلّة القاطعة على عصمته، وصرَّحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته. وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.\nولما كان التلقِّي عنه - ﷺ - على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغير واسطة؛ وكان التلقِّي بلا واسطة حظَّ أصحابه الذين حازوا قصَباتِ السِّباق، واستولوا على الأمد، فلا مطمعَ لأحد من الأمة بعدهم في اللَّحاق. ولكن المبرِّز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم؛ والمتخلِّف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال. فأيُّ خصلةِ خيرٍ لم يسبقوا إليها؟ وأيُّ خُطَّةِ رشدٍ لم يستولوا عليها؟\nتالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبًا صافيًا زُلالًا، وأطَّدوا قواعد الإسلام، فلم يدَعوا لأحد بعدهم مقالًا. فتحوا القلوب (^٢) بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان. وألقوا إلى التابعين ما تلقَّوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم فيه عن نبيِّهم ﵌ عن جبريل عن ربِّ العالمين سندًا صحيحًا عاليًا. وقالوا: هذا عهدُ نبينا إلينا، وقد عهدناه (^٣) إليكم. وهذه وصية ربنا وفرضه علينا، وهي وصيته وفرضه عليكم. فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم. ثم سلك [٣/ب] تابعو التابعين هذا المسلك\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"علم أحكام أفعال العبيد\".\n(^٢) ع: \"القلوب بعده\". وفي النسخ المطبوعة: \"القلوب بعدلهم\".\n(^٣) ع: \"عهدنا\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":8},{"text":"الرشيد، ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. وكانوا بالنسبة إلى من قبلهم كما قال أصدق القائلين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤].\nثم جاء الأئمة من القرن الرابع المفضَّل في إحدى الروايتين، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد (^١) وابن مسعود (^٢) وأبي هريرة (^٣) وعائشة (^٤) وعمران بن حصين (^٥)، فسلكوا على آثارهم اقتصاصًا، واقتبسوا هذا الأمر من مشكاتهم اقتباسًا. وكان دين الله سبحانه أجلَّ في صدورهم، وأعظمَ في نفوسهم، من أن يقدِّموا عليه رأيًا أو معقولًا أو تقليدًا أو قياسًا. فطار لهم الثناء الحسن في العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسانَ صدقٍ في الآخرين.\nثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم، ودرَج على منهاجهم الموفَّقون من أشياعهم، زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلُّون مع الصواب حيث استقلَّت مضاربه (^٦). إذا أبدى (^٧) لهم الدليل ناجذيه (^٨) طاروا إليه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٩٧) ومسلم (٢٥٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٥٣٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٥٣٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٦٥١) ومسلم (٢٥٣٥).\n(^٦) يستقلُّون: يرتحلون. والمضارب: جمع مَضْرَب بفتح الميم وكسرها، وهو الفسطاط العظيم.\n(^٧) ت، ف: \"بدا\"، وهو خطأ.\n(^٨) في النسخ المطبوعة: \"بأُخْذته\"، وفسَّرها الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد بأن الأُخذة: \"رقية تشبه السحر، والمراد قوة الدليل التي تأخذ بالألباب\"! والحق أنها تصحيفُ ما أثبت من النسخ الخطية. والتعبير مأخوذ من الشعر المذكور في التعليق الآتي. وقد استعاره المؤلف في قوله في قصيدته النونية أيضًا:\nقومٌ إذا ما ناجذُ النصِّ بدا ... طاروا له بالجمع والوُحدانِ","vol":"1","page":9},{"text":"زَرافاتٍ ووُحدانًا (^١)، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه (^٢) ولا يسألونه على ما (^٣) قال برهانًا (^٤). ونصوصه أجلُّ في صدورهم وأعظمُ في نفوسهم من أن يقدِّموا عليها قولَ أحد من الناس، أو يعارضوها برأي أو قياس.\nثم خلَف من بعدهم خلوف ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، وتقطَّعوا أمرهم بينهم زُبُرًا، وكلٌّ إلى ربهم راجعون. جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون، ورؤوس أموالهم التي بها يتَّجرون. وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى [٤/أ] أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسانُ الحق يتلو عليهم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣].\nقال الشافعي قدَّس الله روحه: أجمع المسلمون على أنّ من استبانت له\n_________\n(^١) من قول قُريط بن أُنَيف في أول \"الحماسة\" (١/ ٥٨):\nقومٌ إذا الشَّرُّ أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافاتٍ ووُحْدانا\n(^٢) \"إليه\" ساقط من ع.\n(^٣) ت، ف: \"عمّا\".\n(^٤) من البيت التالي لقول الشاعر المذكور:\nلا يسألون أخاهم حين يندبُهم ... في النائبات على ما قال برهانا","vol":"1","page":10},{"text":"سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس (^١). وقال أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلِّد ليس معدودًا من أهل العلم، وأنَّ العلم معرفة الحق بدليله (^٢). وهذا كما قال أبو عمر - ﵀ -، فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد.\nفقد تضمَّن هذان الإجماعان إخراجَ المتعصِّب بالهوى والمقلِّد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطَهما باستكمال من فوقهما الفروضَ من وراثة الأنبياء، فإنَّ \"العلماء هم ورثة الأنبياء، فإنّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ\" (^٣). وكيف يكون من\n_________\n(^١) بهذا اللفظ ذكر المصنف قول الشافعي في \"مدارج السالكين\" (٢/ ٣٣٥) و\"الرسالة التبوكية\" (ص ٤٠) و\"الصواعق\" (٤/ ١٦٠٦ - مختصره) و\"الروح\" (٢/ ٧٣٥). وسيأتي مرة أخرى في هذا الكتاب. وكذا نقله ابن أبي العز الحنفي في \"الاتباع\" (ص ٢٤) ومحمد حياة السندي في \"تحفة الأنام\" (ص ٢٨) وغيرهما، ولعلهم صادرون عن كتابنا هذا. وقال الشافعي في \"الأم\" (٧/ ٢٧٥): \"ولا يجوز لعالم أن يدع قول النبي - ﷺ - لقول أحدٍ سواه\". ونحوه في (١/ ١٧٧). وانظر: \"الرسالة\" (ص ٣٣٠).\n(^٢) سيذكره مرة أخرى في هذا الكتاب. وانظر نحوه في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ٩٩٣).\n(^٣) كذا في حديثٍ رواه أحمد (٢١٧١٥)، وأبو داود (٣٦٤١، ٣٦٤٢)، والترمذي (٢٦٨٢) ــ وقال: \"ليس هو عندي بمتّصل\" ــ، وابن ماجه (٢٢٣) من حديث أبي الدرداء - ﵁ -. وصححه ابن حبان (٨٣٠). وفي سنده ضعفٌ وجهالةٌ واختلافٌ، وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٦/ ٢١٦ - ٢١٧)، و\"جامع بيان العلم وفضله\" لابن عبد البر (١٦٩ - ١٧٩)، و\"بيان الوهم والإيهام\" لابن القطان (٤/ ٢٨ - ٢٩)، و\"مختصر السنن\" للمنذري (٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، و\"تحفة الأشراف\" للمزي (٨/ ٢٣٠)، و\"الإتحاف بتخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي (٣/ ٧ - ١٠).","vol":"1","page":11},{"text":"ورثة الرسول - ﷺ - من يجهد ويكدح في ردِّ ما جاء به إلى قول مقلَّده ومتبوعه، ويضيِّع ساعاتِ عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه!\nتالله إنها فتنة عمَّت فأعمَتْ، ورمَت القلوب فأصمَتْ (^١). ربا عليها الصغير، وهرِم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورًا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا.\nولما عمَّت بها البليّة، وعظمت بسببها (^٢) الرزيّة، بحيث لا يعرف أكثرُ الناس سواها، ولا يعدُّون العلم إلا إياها؛ فطالبُ الحقِّ من مظانه لديهم مفتون، ومؤثِرُه على ما سواه عندهم مغبون= نصبوا لمن خالفهم في طريقهم (^٣) الحبائل، وبغَوا له الغوائل، ورمَوه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا [٤/ب] لإخوانهم: إنَّا نخاف أن يبدِّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد.\nفحقيقٌ بمن لنفسه عنده قدر وقيمة، أن لا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رُفِع له علَمُ السنة النبوية شمَّر إليه ولم يحبس نفسه عليهم. فما هي إلا ساعة حتى يبعثَر ما في القبور، ويحصَّل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله، وينظر كلُّ عبد ما قدَّمت يداه. ويقع التمييز بين المحقِّين والمبطلين، ويعلم المعرِضون عن كتاب ربِّهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين.\n_________\n(^١) أي أصابت مقتلها.\n(^٢) ع: \"بها\".\n(^٣) س، ت: \"طريقتهم\".","vol":"1","page":12},{"text":"فصل\nولما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعارَ حزبه المفلحين، وأتباعه من العالمين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وكان التبليغ عنه نوعين: تبليغَ ألفاظ ما جاء به، وتبليغَ معانيه= كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أحدهما: حفاظ الحديث </span>وجهابذته ونُقّاده، الذين هم أئمة الأنام وزواملُ الإسلام، الذين حفظوا على الأمّة معاقدَ الدين ومعاقلَه، وحمَوا من التغيير والتكدير مواردَه ومناهلَه، حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهلَ صافيةً من الأدناس لم تشُبها الآراء تغييرًا، ووردوا منها ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦].\nوهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل في خطبته المشهورة في كتابه في \"الرد على الزنادقة والجهمية\" (^١): \"الحمد لله الذي جعل في كلِّ زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى. يُحيون بكتاب [٥/أ] الله تعالى الموتى، ويبصِّرون بنور الله أهلَ العمى. فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيَوه، وكم من ضالٍّ تائه قد هدَوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم!\n_________\n(^١) طبعة دغش (ص ١٧٠ - ١٧٤). وقد أورد المصنف هذا النص في \"الصواعق\" (٣/ ٩٢٧) و\"اجتماع الجيوش\" (٢/ ٢٠٢) و\"رسالته إلى أحد إخوانه\" (ص ٢٧). وانظر: \"طريق الهجرتين\" (٢/ ٧٧٢).","vol":"1","page":13},{"text":"ينفُون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عِنان الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلَّمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبِّهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتن المضلِّين\".\n\nفصل\n\nالقسم<span data-type=\"title\" id=toc-18> الثاني: فقهاء الإسلام</span>، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعُنُوا بضبط قواعد الحلال والحرام. فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء. وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنصّ الكتاب.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\nقال عبد الله بن عباس (^١) في إحدى الروايتين عنه، وجابر بن عبد الله (^٢)،\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (٧/ ١٨٠)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥٥٣٤)، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٧٨)، والبيهقي في \"المدخل\" (٢٦٦).\n(^٢) رواه ابن جرير (٧/ ١٧٩)، وابن المنذر في \"التفسير\" (١٩٣٠)، والحاكم (١/ ١٢٢ - ١٢٣) ــ وصحّحه ــ، وعنه البيهقي في \"المدخل\" (٢٦٨).","vol":"1","page":14},{"text":"والحسن البصري (^١)، وأبو العالية (^٢)، وعطاء بن أبي رباح (^٣)، والضحاك (^٤)، ومجاهد بن جبر (^٥) في إحدى الروايتين عنه: \"أولو الأمر هم العلماء\". وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.\nوقال أبو [٥/ب] هريرة (^٦)، وابن عباس (^٧) في الرواية الأخرى، وزيد بن أسلم (^٨)، والسدي (^٩) ومقاتل: \"هم الأمراء\". وهو الرواية الثانية عن أحمد (^١٠).\n_________\n(^١) رواه آدم بن أبي إياس في \"التفسير\" (ص ٢٨٥)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" (٦٥٤ - التفسير)، وابن جرير (٧/ ١٨١)، وابن المنذر (١٩٣١)، وابن أبي حاتم (٥٥٣٦).\n(^٢) رواه ابن جرير (٧/ ١٨١).\n(^٣) رواه سعيد بن منصور (٦٥٥ - التفسير)، والدارمي (٢٢٥)، وابن جرير (٧/ ١٨١)، وابن المنذر (١٩٣١، ١٩٣٢).\n(^٤) رواه ابن المنذر (١٩٣٣) من طريق جويبر ــ وهو واهٍ ــ عنه بمعناه. ووازن بتفسير ابن أبي حاتم (٥٥٣٩).\n(^٥) رواه سعيد بن منصور (٦٥٣، ٦٥٦ - التفسير)، وأبو خيثمة في كتاب \"العلم\" (٦٢)، وابن جرير (٧/ ١٧٩، ١٨٠، ١٨١)، وابن المنذر (١٩٢٨، ١٩٣٤)، وابن أبي حاتم (٥٥٣٥).\n(^٦) رواه ابن جرير (٧/ ١٧٦)، وابن المنذر (١٩٢٥، ١٩٢٦)، وابن أبي حاتم (٥٥٣٠، ٥٥٣٢).\n(^٧) انظر: \"جامع البيان\" لابن جرير (٧/ ١٧٦، ١٧٧).\n(^٨) رواه ابن جرير ٧/ ١٧٧.\n(^٩) انظر: \"زاد المسير\" (٢/ ١١٦) وعنه صدر المؤلف.\n(^١٠) وانظر: الوجه الحادي والأربعين من وجوه الرد على المقلِّد. وفي \"مجموع الفتاوى\" (١٨/ ١٥٨): \"وقالوا في قوله تعالى ... أقوالًا تجمع العلماء والأمراء. ولهذا نصَّ الإمام أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه الآية، إذ كلٌّ منهما تجب طاعته فيما يقوم به من طاعة الله\".","vol":"1","page":15},{"text":"والتحقيق: أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم؛ فكما أن طاعة العلماء تبعٌ لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبعٌ لطاعة العلماء. ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلُّهم لهم تبعًا، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس. قيل: من هم؟ قال: الملوك والعلماء (^١).\nوقال عبد الله بن المبارك (^٢):\nرأيتُ الذنوبَ تُميت القلوبَ ... وقد يورِثُ الذلَّ إدمانُها\nوتركُ الذنوبِ حياةُ القلوب ... وخيرٌ لنفسك عصيانُها\nوهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ ... وأحبارُ سَوءٍ ورهبانُها\n_________\n(^١) وجدتُ بعضَه مرويّا من كلام سفيان الثوري، رواه الدينوري في \"المجالسة\" (٤٦٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٥). ونقله شيخ الإسلام في غير موضع. انظر: \"جامع المسائل\" (٢/ ٧٢) و\"مجموع الفتاوى\" (١٠/ ٣٥٤)، (١٤/ ٤٩٤)، (١٨/ ١٥٨).\n(^٢) أنشدها المصنف في \"الداء والدواء\" (ص ١٤٧) و\"المدارج\" (٣/ ٢٤٧) أيضًا. وهي لابن المبارك في \"معجم ابن المقرئ\" (ص ٣٦٤) و\"الحلية\" (٨/ ٢٧٩) وغيرهما. وفي \"المجالسة\" (٢/ ٣٠) أن إبراهيم بن أدهم كان يتمثل بها.","vol":"1","page":16},{"text":"فصل\nولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلمَ بما يبلغ والصدقَ فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية (^١) والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالمًا بما يبلِّغ، صادقًا فيه. ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السرِّ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله. وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحلِّ الذي لا يُنكَر فضله، ولا يُجهَل قدرُه، وهو من أعلى المراتب السنيَّات، فكيف بمنصب التوقيع (^٢) عن ربِّ الأرض والسماوات؟\nفحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن [٦/أ] يُعِدَّ له عُدَّته، وأن يتأهَّب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه. ولا يكن في صدره حرجٌ من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه. كيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه ربُّ الأرباب، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧]. وكفى بما تولّاه الله بنفسه تعالى شرفًا وجلالةً، إذ يقول في كتابه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. وَلْيعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وَلْيوقن أنه مسؤول غدًا وموقوف بين يدي الله.\nفصل\nوأول من قام بهذا المنصب الشريف: سيد المرسلين، وإمام المتقين،\n_________\n(^١) س، ت: \"والرواية\".\n(^٢) ع: \"فكيف بالتوقيع\".","vol":"1","page":17},{"text":"وخاتم النبيين، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده. فكان (^١) يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. فكانت فتاويه - ﷺ - جوامعَ الأحكام، ومشتملةً على فصل الخطاب. وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانيةُ الكتاب. وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلًا، وقد أمر الله عباده بالردِّ إليها حيث يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\nفصل\nثم قام بالفتوى بعده يَزَكُ (^٢) الإسلام وعِصابة الإيمان، وعسكر القرآن،\n_________\n(^١) ع: \"وكان\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"بَرْك\". وقد فسَّرها الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، فقال: \"بفتح الباء وسكون الراء، أصله صدر الإنسان، وجماعة الإبل. ويجوز أن يكون مأخذ هذا اللفظ من كل واحد من هذين المعنيين، فإن البلغاء يطلقون على المقدّم من القوم لفظ الصدر، فهم يقولون: فلان صدر الأفاضل. وقد يشتقون منه فيقولون: تصدّر فلان قومه، كما يشبهون الرجل الجلد القوي بالجمل\". وتابعه من جاء بعده. والصواب ما أثبتنا من النسخ الخطية. وقد ضبط في (ح) بفتح الياء والزاي. وهي كلمة فارسية، معناها: طلائع الجيش، وتطلق على الحرس والعَسَس أيضًا. انظر: \"برهان قاطع\" للتبريزي (٤/ ٢٤٣٢). وقد شرحتها في نونية ابن القيم في التعليق على قوله:\nورأيتُ أعلامَ المدينة حولها ... يَزَكُ الهدى وعساكرُ القرآنِ\nوقال فيها أيضًا (٢/ ٥٨٩):\nيزَكٌ على الإسلام بل حِصنٌ له ... يأوي إليه عساكرُ الفرقانِ\nوقال أيضًا (٢/ ٦٧١):\nلكن أقام له الإله بفضله ... يَزَكًا من الأنصار والأعوانِ\n\nوستأتي في هذا الكتاب مرة أخرى. وانظر أيضًا: \"الوابل الصيب\" (ص ٥٤) و\"بدائع الفوائد\" (٢/ ٧٦٩، ٧٧٠).","vol":"1","page":18},{"text":"وجند الرحمن. أولئك أصحابه - ﷺ -، \"أبَرُّ الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا\" (^١)، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، وأعمُّها نصيحةً، وأقربها إلى الله وسيلة. وكانوا [٦/ب] بين مكثر منها ومُقِلّ ومتوسط.\nوالذين حُفظت عنهم الفتوى من الصحابة (^٢) مائة ونيف وثلاثون نفسًا (^٣)، ما بين رجل وامرأة. وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن\n_________\n(^١) روي وصف الصحابة بذلك عن ابن مسعود وابن عمر. أخرجه عن ابن مسعود: ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٨١٠)، والخطيب في \"تلخيص المتشابه\" (١/ ٤٦٠)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٧٥٨) من طريقين عن قتادة، عنه. وعن ابن عمر: أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٠٥) من طريق عمر بن نبهان عن الحسن عنه. ورُوي أيضًا من كلام الحسن البصري، رواه الآجُرِّي في \"الشريعة\" (١١٦١، ١٩٨٤)، ومن طريقه ابن عبد البرّ في \"الجامع\" (١٨٠٧).\n(^٢) ع: \"أصحابه\". وفي النسخ المطبوعة: \"من أصحاب رسول الله - ﷺ -\".\n(^٣) كذا في \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٥/ ٩٢) و(٦/ ١٨). ولفظه في الموضع الأول: \"لم تُرو الفتيا ... إلا عن مائة ونيف وثلاثين منهم فقط من رجل وامرأة بعد التَّقصّي الشديد\". ولكن الأسماء التي أوردها بعد ذلك قد بلغت ١٤٧ اسمًا، منهم ٢٢ امرأة. والغريب أنه قال في الكتاب نفسه من قبل (٤/ ١٧٦): \"ولقد تقصّينا ... فلم نجدهم إلا مائة وثلاثة وخمسين بين رجل وامرأة فقط، مع شدة طلبنا في ذلك وتهمُّمنا\". أما في رسالته \"أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم\" (ص ٣١٩ - ٣٢٣) فقال بعد تعداد أسمائهم: \"فهم مائة واثنان وأربعون رجلًا وعشرون امرأة، فالجميع مائة واثنان وستون\". والواقع أن الأسماء المذكورة في الرسالة المطبوعة ١٤٦ اسمًا، منهم ١٦ امرأة. وهذا يدل على أن فيها سقطًا. ولم يفطن محققو الكتابين لذاك الاختلاف أو هذا السقط.","vol":"1","page":19},{"text":"الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر.\nوقال أبو محمد بن حزم (^١): \"ويمكن أن يجمع من فتوى كلِّ واحد منهم سِفر ضخم\". قال: \"وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون (^٢) فتيا عبد الله بن عباس - ﵄ - في عشرين كتابًا (^٣). وأبو بكر (^٤) المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث\".\nقال أبو محمد: \"والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلَمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل. فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يُجمَع من فتيا كلِّ امرئ (^٥) منهم جزء صغير جدًّا\".\n_________\n(^١) في \"الإحكام\" (٥/ ٩٢ - ٩٤)، والكلام متصل بما قبله.\n(^٢) ولد أبو بكر المذكور في مكة سنة ٢٦٨ وتوفي بمصر سنة ٣٤٢. وقد وُلِّي مكة في شبيبته، وعُمِّر دهرًا. روى الموطأ عن علي بن عبد العزيز عن القعنبي، وحدَّث أيضًا عن النسائي، وكان ثقةً مأمونًا. انظر: \"تاريخ الإسلام\" للذهبي (٧/ ٧٨٦).\n(^٣) نقل ذلك الذهبي في \"السير\" (٣/ ٢٣٨، ٣٥٨) عن كتاب \"الإحكام\" لابن حزم.\n(^٤) ع: \"أبو بكر محمد\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) ع: \"كل واحد\". وكذا في النسخ المطبوعة و\"الإحكام\".","vol":"1","page":20},{"text":"\"ويضاف إليهم: طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان\".\n\"والباقون منهم مقِلُّون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصِّي والبحث. وهم: أبو الدرداء، وأبو اليَسَر (^١)، وأبو سلَمة المخزومي، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعيد بن زيد، والحسن والحسين ابنا علي، والنعمان بن بشير، وأبو مسعود، وأبيّ بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ذرّ، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، [٧/أ] وحفصة، وأم حبيبة، وأسامة بن زيد، وجعفر بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وقَرَظة بن كعب (^٢)، ونافع أخو أبي بكرة لأمه، والمقداد بن الأسود، وأبو السنابل، والجارود العبدي، وليلى بنت قانف (^٣)، وأبو محذورة، وأبو شُرَيح الكعبي، وأبو بَرزة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر (^٤)، وأم شريك، والحَولاء بنت تُوَيت، وأُسيد بن الحُضَير، والضحاك بن قيس، وحبيب بن مسلمة (^٥)، وعبد الله بن أنيس، وحذيفة بن اليمان، وثُمامة بن أُثال، وعمار بن ياسر،\n_________\n(^١) ضبط في المطبوع بضم الياء، والصواب أنه بفتح الياء والسين. انظر: \"توضيح المشتبه\" (١/ ٥٢٧).\n(^٢) بعده في \"الإحكام\" (٥/ ٩٣): \"أبو عبد الله البصري\". وجعله المصنف آخر الأسماء.\n(^٣) في ت، ف والنسخ المطبوعة: \"قائف\" بالهمز، وكذا في \"الإحكام\"، وهو تصحيف.\n(^٤) في ت زيادة: \"الصديق\".\n(^٥) ع: \"سلمة\"، تحريف.","vol":"1","page":21},{"text":"وعمرو بن العاص، وأبو الغادية السُّلَمي (^١)، وأم الدرداء الكبرى، والضحاك بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة بن معبد الأسدي، وعبد الله بن جعفر (^٢)،\nوعوف بن مالك، وعدي بن حاتم، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن سلام، وعمرو بن عَبسَة، وعتَّاب بن أَسيد، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن سَرْجِس، وعبد الله بن رواحة، وعقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبو قتادة، وعبد الله بن معمر العدَوي (^٣)، وعمير بن سعد، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد الله بن عوف الزهري، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأبو منيب، وقيس بن سعد، وعبد الرحمن (^٤) بن\n_________\n(^١) كذا في النسخ وكذا في رسالة ابن حزم. وفي \"الإحكام\": \"الجهني السلمي\". ولم أر من نسبه سُلميًّا، وإنما قيل له الجهني أو المزني. انظر: \"السير\" للذهبي (٢/ ٥٤٤) و\"الإصابة\" (١٢/ ٥٠٧). أما ما جاء في بعض كتب التاريخ أنه عاملي أو فزاري فلا يعاج عليه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: \"البرمكي\" .. وجاء في التعليق عليها في نشرة دار ابن الجوزي: \"ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و(ن) و(ك) \". قلت: لم يسقط، بل أقحمه في بعض الطبعات القديمة من توهّم أن المذكور هنا عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد بن بَرمَك البرمكي الذي روى عنه مسلم وأبو داود. وذهب عليه أن المذكورين هنا جميعًا من الصحابة، والمقصود عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.\n(^٣) كذا في جميع النسخ و\"الإحكام\" ورسالة \"أصحاب الفتيا\" (٣٢٢). والظاهر أن الصواب: \"معمر بن عبد الله العدوي\" كما جاء في حاشية إحدى النسخ المعتمدة في المطبوع. وهو معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة العدوي القرشي. أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين. انظر ترجمته في \"الإصابة\" (١٠/ ٢٨٥).\n(^٤) ع: \"عبد الله\".","vol":"1","page":22},{"text":"سهل، وسمرة بن جندب، وسهل بن سعد الساعدي، ومعاوية بن مقرِّن، وسويد بن مقرِّن، ومعاوية بن الحكم، وسهلة بنت سهيل، وأبو حذيفة بن عتبة، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن أرقم، وجرير بن عبد الله البجلي، وجابر بن سمرة، وجويرية أم المؤمنين، وحسان بن ثابت، وخُبيب بن عدي (^١)، وقدامة بن مظعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، [٧/ب] ومالك بن الحويرث، وأبو أمامة الباهلي، ومحمد بن مسلمة (^٢)، وخبَّاب بن الأرتّ، وخالد بن الوليد، وضَمْرة بن العِيص (^٣)، وطارق بن شهاب، وظُهَير بن رافع، ورافع بن خَديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، وفاطمة بنت قيس، وهشام بن حكيم بن حزام، وأبوه حكيم بن حزام، وشُرَحبيل بن السِّمط، وأم سليم (^٤)، ودحية بن خليفة الكلبي، وثابت بن قيس بن الشمّاس، وثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، وسُرَّق (^٥)،\n_________\n(^١) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة وفي كتاب \"الإحكام\": \"حبيب بن عدي\" إلا (ت) التي فيها: \"حبيب بن عيسى\". ولا يعرف في الصحابة من يسمَّى هذا ولا ذاك. والصواب ما أثبت من رسالة \"أصحاب الفتيا\" (ص ٣٢٢). وقد ذكر فيها \"حبيب بن عدي\" أيضًا، ولعل ناسخها الشيخ أبا عبد الله السورتي زاد الاسم الأخير من كتاب \"الإحكام\".\n(^٢) ت: \"سلمة\"، تحريف.\n(^٣) س، ح، ع: \"الفيض\"، تصحيف ..\n(^٤) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: \"أم سلمة\"، والصواب ما أثبت من كتاب \"الإحكام\" (٥/ ٩٤). أما أم سلمة فقد مضى ذكرها في المتوسطين من أصحاب الفتيا.\n(^٥) أنكر أبو أحمد العسكري على المحدثين ضبطه بتشديد الراء. وقد ضبطه هو بتخفيفها مثل عمر وزفر. انظر: \"أسد الغابة\" (٢/ ١٨٢ - ط دار الفكر) و\"الإصابة\" (٤/ ٢٤١) و\"تبصير المنتبه\" (٢/ ٧٧٨).","vol":"1","page":23},{"text":"والمغيرة بن شعبة، وبُريدة بن الحُصَيب الأسلمي، ورويفع بن ثابت، وأبو حُميد (^١)، وأبو أُسيد، وفَضالة بن عُبيد، وأبو محمد ــ روينا عنه وجوب الوتر (^٢). قلت (^٣): هو مسعود بن أوس، أنصاريّ نجَّاري بدريّ ــ وزينب بنت أم سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلال المؤذن (^٤)، وغَرَفة (^٥) بن الحارث، وسيَّار بن روح أو روح بن سيَّار، وأبو سعيد بن المعلَّى، والعباس بن عبد المطلب، وبُسْر بن أبي أرطاة (^٦)، وصهيب بن سِنان، وأم أيمن، وأم يوسف، والغامدية، وماعز، وأبو عبد الله البصري (^٧) \".\n_________\n(^١) في \"الإحكام\": \"أبو حميدة\"، خطأ.\n(^٢) \"الموطأ\" لمالك (٤٠٠)، و\"السنن\" لأبي داود (٤٢٥، ١٤٢٠)، و\"المجتبى\" للنسائي (٤٦٠)، و\"الصحيح\" لابن حبان (٤٨)، وسمّاه مسعودَ بن زيد بن سُبيع.\n(^٣) والقائل: ابن حزم.\n(^٤) بعده في \"الإحكام\": \"مكرز\".\n(^٥) س، ت، ع: \"عرفة\"، وكذا في المطبوع و\"الإحكام\". وفي س بالغين المعجمة مع علامة \"صح\". ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٣/ ٣١٨، ٣٢٨) في الحرفين. وذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٠٩) في المعجمة. قال المستغفري: والصواب ما قال البخاري. انظر حاشية الشيخ المعلمي على \"الإكمال\" (٦/ ١٧٩) و\"الإصابة\" (٨/ ٤٧٣).\n(^٦) ويقال: \"بسر بن أرطاة\" أيضًا كما في ع و\"الإحكام\" والمصادر الأخرى ..\n(^٧) كذا في ع و\"الإحكام\" ورسالة \"أصحاب الفتيا\". وفي ف: \"النصري\"، وفي ح، س: \"النضري\". ولا أدري مَن هو.","vol":"1","page":24},{"text":"فهؤلاء من نُقلت عنه (^١) الفتوى من أصحاب رسول الله - ﷺ -. وما أدري بأيِّ طريق عَدَّ معهم أبو محمد الغامديةَ وماعزًا، ولعله تخيَّل أنَّ إقدامهما (^٢) على جواز الإقرار بالزنا من غير استئذان لرسول الله - ﷺ - في ذلك، هو فتوى لأنفسهما بجواز الإقرار، وقد أُقِرَّا عليها. فإن كان تخيَّل هذا فما أبعده من خيال! أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام.\nفصل\nوكما أنَّ الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها، فهم سادات المفتين والعلماء.\nقال الليث عن مجاهد: العلماء أصحاب [٨/أ] محمد - ﷺ - (^٣).\nوقال سعيد عن قتادة (^٤) في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] قال: أصحاب محمد - ﷺ - (^٥).\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ، أفرد الضمير على لفظ \"مَن\". وفي المطبوع: \"عنهم\".\n(^٢) س، ت: \"إقرارهما\". وكذا كان في ح، ثم صحح في الحاشية. ومقتضى السياق: \"إقدامهما على الإقرار بالزنا\"، فكأن كلمة \"جواز\" مقحمة.\n(^٣) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٤٢٤).\n(^٤) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٩/ ٢١٤)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٤٢٢).\n(^٥) وضعت في ح هنا علامة اللحق، وجاء في الحاشية: \"وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ فأولو العلم أصحاب محمد - ﷺ -\". وقد وردت هذه العبارة في متن ف.\nوالتفسير المذكور أخرجه ابن جرير في \"جامع البيان\" (٢١/ ٢٠٤) عن ابن زيد. وستأتي الآية مع قول آخر في تفسيرها (ص ٣٥).","vol":"1","page":25},{"text":"وقال يزيد بن عَمِيرة (^١): لما حضر معاذَ بن جبل الموتُ قيل: يا أبا عبد الرحمن أوصِنا. قال: أجلِسوني، إنَّ العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث (^٢) مرات. التمسوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء (^٣)، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلَام.\nوقال مالك بن يَخامِر (^٤): لما حضرت معاذًا الوفاة (^٥) بكيتُ، فقال: ما يبكيك؟ قلتُ: والله ما أبكي على دنيا كنت (^٦) أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلَّمهما منك. فقال: إنّ العلم والإيمان\n_________\n(^١) في جميع النسخ: \"عمير\"، وهو خطأ. والأثر أخرجه أحمد (٢٢١٠٤) والترمذي ــ وحسَّنه ــ (٣٨٠٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨١٩٦). وصححه الحاكم (١/ ٩٨).\n(^٢) \"ذلك\" ساقط من ع، و\"ثلاث\" ساقط من ت.\n(^٣) ع: \"بن أبي الدرداء\". وكذا في طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه، وهو خطأ.\n(^٤) تبع المؤلف شيخَه، انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٥٣١)، كما تبعه ابن رشيّق في \"أسماء مؤلفات شيخ الإسلام\" (ص ٢٨٣) وابن عبد الهادي في \"العقود الدرية\" (ص ٣٩)، إذ نقلوا أثر معاذ من طريق مالك بن يخامر عنه. وسينقله المؤلف مرة أخرى في هذا الكتاب. ولم أجده من روايته في المصادر التي رجعت إليها. وقد رواه عن معاذ جماعة أشهرهم يزيد بن عميرة، وقد تقدّم تخريج أثره آنفًا. وانظر: \"تاريخ ابن عساكر\" (٢١/ ٤٢٣ - ٤٢٤، ٤٦/ ٤١٠، ٤٧/ ١٢٠ - ١٢١، ٦٥/ ٣٣٩ - ٤٤٠).\n(^٥) لفظ \"الوفاة\" ساقط من ع.\n(^٦) \"كنت\" ساقط من ع.","vol":"1","page":26},{"text":"مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعة. فذكر هؤلاء الأربعة، ثم قال: فإن عجز عنه هؤلاء، فسائرُ أهل الأرض عنه أعجَز، فعليك بمعلِّم إبراهيم. قال: فما نزلت بي مسألة عجزتُ عنها إلا قلتُ: يا معلِّمَ إبراهيم.\nوقال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي إسحاق، قال: قال عبد الله: علماء الأرض ثلاثة: فرجل (^١) بالشام، وآخر بالكوفة، وآخر بالمدينة. فأما هذان فيسألان الذي بالمدينة، والذي بالمدينة لا يسألهما عن شيء (^٢).\nوقال الشعبي: ثلاثة يستفتي بعضهم من بعض، وثلاثة يستفتي بعضهم من بعض (^٣). فكان عمر وعبد الله وزيد بن ثابت يستفتي بعضهم من بعض (^٤)، وكان علي وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري يستفتي بعضهم من بعض. قال الشيباني: فقلت للشعبي: وكان أبو موسى بذاك؟ فقال: ما كان أعلمه! قلت: فأين معاذ؟ قال: هلك [٨/ب] قبل ذلك (^٥).\n_________\n(^١) ع: \"رجل\".\n(^٢) رواه الروياني ومن طريقه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٤٧/ ١٢٢). ورواه مُطيّن الحضرمي كما في \"الرياض النضرة\" (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠) مُوعَبًا مفصَّلًا. ويقصد ابن مسعود أبا الدرداء، ونفسه، وعلي بن أبي طالب، كما في \"الرياض النضرة\".\n(^٣) \"وثلاثة ... بعض\" ساقط من ع لانتقال النظر أو لظنّه إياه مكررًا.\n(^٤) \"من بعض\" ساقط من ع.\n(^٥) رواه ابن عساكر (٣٢/ ٦٤). ورواه أيضًا أبو خيثمة في كتاب العلم (٩٤) ــ وعنه أبو القاسم البغوي في \"معجم الصحابة\" (١١٩٥) ــ، والحاكم (٣/ ٤٢٨)، والبيهقي في \"المدخل\" (١٤٩).","vol":"1","page":27},{"text":"وقال أبو البَخْتري: قيل لعلي بن أبي طالب: حدِّثنا عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، قال: عن أيِّهم؟ قالوا (^١): عن عبد الله بن مسعود. قال: قرأ القرآن، وعلِم السنَّة، ثم انتهى، وكفاه بذلك. قالوا: فحدِّثنا عن حذيفة. قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالوا: فأبو ذر. قال: كُنَيْفٌ (^٢) مُلئ علمًا عجز فيه (^٣). قالوا: فعمار. قال: مؤمن نَسِيٌّ، إذا ذكَّرته ذكَر. خلط الله الإيمان بلحمه ودمه، ليس للنار فيه نصيب. قالوا: فأبو موسى. قال: صُبِغ في العلم صَبْغةً. قالوا: فسلمان. قال: علِمَ العلمَ (^٤) الأول والآخر، بحر لا يُنزَح، منَّا أهلَ البيت. قالوا: فحدِّثنا عن نفسك يا أمير المؤمنين. قال: إياها أردتم! كنت إذا سألتُ أُعطِيتُ، وإذا سكتُّ ابتُدِئتُ (^٥).\n_________\n(^١) ع: \"قال\". وكذا فيما يأتي.\n(^٢) تصغير تعظيم للكِنْف، وهو الوعاء الذي يجعل فيه الراعي آلته. انظر \"النهاية\" (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٣) في \"طبقات ابن سعد\" (٢/ ٢٩٩ - الخانجي): \"وعى علمًا ثم عجز فيه\". وفيها (٤/ ٢١٨) عن زاذان: \"وعى علمًا عجز فيه. وكان شحيحًا حريصًا: شحيحًا على دينه، حريصًا على العلم ... فلم يدروا ما يريد بقوله: (وعى علمًا عجز فيه). أعجز عن كشف ما عنده من العلم، أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي - ﷺ -\". وانظر أيضًا (٢/ ٣٠٥) منه. وفي \"الاستيعاب\" (١/ ٢٥٥): \"وعى علمًا عجز عنه الناس، ثم أوكى عليه، ولم يُخرج شيئًا منه\". ونحوه فيه (٤/ ١٦٥٥) و\"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٥٤١). وسيأتي بنحوه في كتابنا هذا. وهذا يدل على أن لفظ \"عجز\" هنا ليس مصحفًا عن \"عجن\" كما في المطبوع، وفي \"هداية الحيارى\" طبعة مشروع آثار ابن القيم (ص ٢٨١).\n(^٤) \"العلم\" ساقط من ت.\n(^٥) أخرجه البيهقي في \"المدخل\" (١٠٣) بنحوه، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٣٢٩٠٤، ٣٢٩١٤، ٣٢٩١٥، ٣٢٩٩٦) مختصرًا مفرَّقًا، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩) مطوّلا و(٤/ ٧٩، ٢٥٣) مفرقًا .. ويعقوب بن سفيان الفسوي في \"المعرفة والتأريخ\" (٢/ ٥٤٠) والحاكم (٣/ ٣١٨) مختصرًا، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٦٨، ١٢٩، ١٨٧، ٤/ ٣٨٢).","vol":"1","page":28},{"text":"وقال مسلم عن مسروق: شاممتُ (^١) أصحاب محمد - ﷺ -، فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: إلى علي، وعبد الله، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبي بن كعب. ثم شاممتُ الستة، فوجدتُ علمهم انتهى إلى علي وعبد الله (^٢).\nوقال مسروق أيضًا: جالستُ أصحاب محمد - ﷺ -، فكانوا كالإخاذ (^٣): الإخاذ يُروي (^٤) الراكب، والإخاذ يُروي الراكبين، والإخاذ يُروي العشرة. والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم (^٥)، وإنَّ عبد الله من تلك الإخاذ (^٦).\n_________\n(^١) يعني: جالستُهم، وتعرَّفتُ ما عندهم من العلم.\n(^٢) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣٠٣)، وأبو زرعة الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٦٤٧، وابن أبي خيثمة في التاريخ (٣٥٦٦ - السِّفر الثالث)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٥١٣).\n(^٣) الإخاذ: مجتمع الماء، الغدير الذي يأخذ ماء السماء، ويحبسه على الشاربة. انظر: \"النهاية\" (١/ ٢٨).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"الإخاذة تروي\" هنا وفيما بعد، ولعله من تصرف بعض الناشرين لظنِّه \"الإخاذ\" جمعًا. والأولى أن يكون جنسًا للإخاذة لا جمعًا، كما في \"القاموس\" وشرحه. وانظر: \"هداية الحيارى\" (ص ٢٨٢).\n(^٥) أي لسقاهم وأرواهم جميعًا.\n(^٦) في بعض المصادر: \"من ذلك الإخاذ\". وقول مسروق رواه أبو خيثمة في \"كتاب العلم\" (٥٩)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٩٦)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٥٤٢).","vol":"1","page":29},{"text":"وقال الشعبي: إذا اختلف الناس في شيء فخذوا بما قال عمر (^١).\nوقال ابن مسعود: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم (^٢).\nوقال أيضًا: لو أنَّ عِلمَ عمر وُضِع في كفّة الميزان، ووُضِع (^٣) علُم أهل الأرض في كفّة، لرجَح علمُ عمر (^٤).\nوقال حذيفة: كأنَّ علم الناس مع علم عمر دُسَّ في جُحْر (^٥).\nوقال الشعبي: قضاة [٩/أ] هذه الأمة أربعة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى (^٦).\n_________\n(^١) رواه أحمد في \"فضائل الصحابة\" (٣٤٢)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٩٠) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٤٤/ ٣١٩ - بمعناه)، والبلاذري في \"أنساب الأشراف\" (١٠/ ٢٩٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٢٠).\n(^٢) رواه أبو خيثمة في كتاب العلم (٦١)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٩٠)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣)، والبلاذري في \"أنساب الأشراف\" (١٠/ ٢٩٦، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٤٤/ ٢٨٣، ٢٨٤.\n(^٣) \"وضع\" ساقط من ت.\n(^٤) رواه أبو خيثمة في كتاب العلم (٦٠)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٩٠)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣).\n(^٥) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٩٠)، والبلاذري في \"أنساب الأشراف\" (١٠/ ٢٩٦، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٤٤/ ٢٨٥).\n(^٦) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣٠٣)، وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (٤٤٣٨)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٣٢/ ٦٥)، وسنده صحيح، أما ما في \"الإشراف\" لابن أبي الدنيا (٣٥) و\"أخبار القضاة\" للقاضي وكيع البغدادي (١/ ١٠٤)، ففيه خطأ وقع من مُجالد الذي خالف الثقة داود بن أبي هند.","vol":"1","page":30},{"text":"وقال سعيد بن المسيِّب (^١): كان عمر يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن (^٢).\nوشهد رسول الله - ﷺ - لعبد الله بن مسعود بأنه \"غُلَيِّم معلَّم\" (^٣).\nوبدأ به في قوله: \"خذوا القرآن من أربعة: من ابن أمِّ عبد، ومن أبي بن كعب، ومن سالم مولى أبي حذيفة، ومن معاذ بن جبل\" (^٤).\nولما ورد أهل الكوفة على عمر أجازهم، وفضَّل أهلَ الشام عليهم في الجائزة، فقالوا: يا أمير المؤمنين تُفضِّل أهلَ الشام علينا؟ فقال: يا أهل الكوفة، أجزعتم أن فضَّلتُ أهلَ الشام عليكم لبعد شُقَّتهم، وقد آثرتُكم بابن أمِّ عبد؟ (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٩٣)، وعبد الله بن أحمد في زياداته على فضائل الصحابة (١١٠٠)، وأبو القاسم البغوي في \"معجم الصحابة\" (٢٥٤٧)، والبيهقي في \"المدخل\" (٧٨).\n(^٢) يعني علي بن أبي طالب. ومنه قولهم: \"قضيةٌ ولا أبا حسنٍ لها\". انظر: \"كتاب سيبويه\" (٢/ ٢٩٧) و\"المقتضب\" (٤/ ٣٦٣).\n(^٣) رواه أحمد (٣٥٩٨، ٣٥٩٩، ٤٤١٢)، وصححه ابن حبان (٣٣٩٨، ٦٩٧٥)، وقال الذهبي في \"تاريخ الإسلام\" (١/ ٦٩٦): \"إسناده حسن قوي\". وقال في \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٤٦٥): \"صحيح الإسناد\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٧٥٨) ومسلم (٢٤٦٤) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (٣١٣٣٥، ٣٢٩٠١)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ١٣٢).\nوله شاهد عند ابن أبي شيبة (٣٢٩٠٣)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦، ٨/ ١٣٠ - ١٣٢)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤، ٥٤٢).","vol":"1","page":31},{"text":"وقال عُقْبة بن عمرو: ما أرى أحدًا أعلمَ بما أُنزل على محمد - ﷺ - من عبد الله بن مسعود (^١)، فقال (^٢) أبو موسى: إن تقل ذاك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل (^٣).\nوقال عبد الله: ما أُنزلت سورة إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أنّي أعلم أنَّ رجلًا أعلمَ بكتاب الله منِّي تبلُغه الإبلُ لأتيتُه (^٤).\nوقال زيد بن وهب: كنت جالسًا عند عمر، فأقبل عبد الله، فدنا منه، فأكبَّ عليه، وكلَّمه بشيء، ثم انصرف. فقال عمر: كُنَيْفٌ مُلئ علمًا! (^٥).\nوقال الأعمش عن إبراهيم: إنه كان لا يعدِل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا (^٦). فإذا اختلفا كان قولُ عبد الله أعجبَ إليه، لأنه كان ألطف (^٧).\n_________\n(^١) \"بن مسعود\" من ح، ف.\n(^٢) من هنا وقع خرم في س.\n(^٣) رواه الطبراني (٨٤٩٥)، والحاكم (٣/ ٣١٦)، لكن وقع في سند الحاكم سقطٌ.\nورواه مسلم (٢٤٦١) بمعناه.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣) عن مسروق. وسينقله المؤلف مرة أخرى.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (٣٢٩٠٢)، وأحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٥٥٠)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٩٧، ٣/ ١٤٤)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، والبيهقي في \"المدخل\" (١٠٠).\n(^٦) أي لا يساوي بقولهما قول أحد.\n(^٧) رواه أحمد في \"العلل ومعرفة الرجال\" (١٦٥٩)، وهو في كتاب \"فضائل الصحابة\" (٣٥٠).","vol":"1","page":32},{"text":"وقال أبو موسى: لَمجلسٌ كنتُ أجالسه (^١) عبدَ الله أوثقُ في نفسي من عملِ سَنة (^٢).\nوقال عبد الله بن بريدة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] قال: هو عبد الله بن مسعود (^٣).\nوقيل لمسروق: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والله لقد رأيتُ الأخيار (^٤) [٩/ب] من أصحاب رسول الله - ﷺ - يسألونها عن الفرائض (^٥).\nوقال أبو موسى: ما أشكل علينا ــ أصحابَ محمَّد - ﷺ - ــ حديثٌ قطُّ، فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا (^٦).\nوقال ابن سيرين: كانوا يرون أنَّ أعلمهم بالمناسك عثمان بن عفان، ثم\n_________\n(^١) ع: \"أجالس\".\n(^٢) رواه يعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٥٤٥)، وأحمد في \"العلل ومعرفة الرجال\" (١١٢٩، ١١٣٠).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٣٢٩٠٥).\n(^٤) كذا في ح. وفي ت: \"الأحبار\". وفي ع، ف بإهمال الحرفين. وفي \"هداية الحيارى\" (ص ٢٨٤): \"الأكابر\". وكذا في \"العلل ومعرفة الرجال\" و\"مسند الدارمي\". وسيأتي مرة أخرى بلفظ \"مشيخة أصحاب رسول الله - ﷺ -\" ونحوه في \"المعجم الكبير\" و\"المستدرك\". وفي \"طبقات ابن سعد\": \"مشيخة أصحاب رسول الله - ﷺ - الأكابر\". ولا أستبعد أن تكون كلمة \"الأخيار\" أو \"الأحبار\" مع صحتها محرَّفة عن \"الأكابر\".\n(^٥) رواه سعيد بن منصور (٢٨٧)، وابن أبي شيبة (٣١٦٨٤)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣٢٣، ١٠/ ٦٦)، والدارمي (٢٩٠١)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٨٩). وأحمد في \"العلل ومعرفة الرجال\" (٢٨٤٢).\n(^٦) رواه الترمذي (٣٨٨٣)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\".","vol":"1","page":33},{"text":"ابن عمر بعده (^١).\nوقال شهر بن حَوشَب: كان أصحاب محمد - ﷺ - إذا تحدَّثوا وفيهم معاذ نظروا إليه هيبةً له (^٢).\nوقال علي: أبو ذرٍّ وعَى (^٣) علمًا، ثم أوكَى (^٤) عليه، فلم يُخرِج منه شيئًا حتى قُبِض (^٥).\nوقال مسروق: قدمتُ المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم (^٦).\nوقال الجُريري عن أبي تَميمة: قدِمنا الشام، فإذا الناس مجتمعون يُطِيفون برجل. قال: قلتُ: من هذا؟ قالوا: هذا أفقه مَن بقي من صحابة\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (١٥٩٢٠)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ٥٧)، والبيهقي في \"المدخل\" (١٢١).\n(^٢) رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٣١)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٥٨/ ٤٢٥).\n(^٣) من المستغرب أنه في ع وحدها ضُبط بفتح الواو والعين، وفي غيرها ضبط بضم الواو وكسر العين.\n(^٤) من أوكى السقاءَ: شدَّ فمه بالحبل.\n(^٥) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣٠٥، ٤/ ٢١٨)، وابن أبي خيثمة في \"التاريخ\" (٣٢٨ ــ السِّفر الثاني) بمعناه مطوَّلا. ويُنظر: \"الاستيعاب\" لابن عبد البر (١/ ٢٥٥)، و\"تاريخ مدينة دمشق\" لابن عساكر (٦٦/ ١٨٨ - ١٨٩)، و\"تاريخ الإسلام\" للذهبي (٢/ ٢١٨).\n(^٦) رواه سعيد بن منصور (١٨)، والدارمي (٢٩٣٣)، ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣١١، ٥/ ٣١٠)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٨٤، ٤٨٥)، وأبو زرعة الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٦٥٣ - ٦٥٤).","vol":"1","page":34},{"text":"محمد (^١) - ﷺ -، هذا عمرو البِكَالي (^٢).\nوقال سعيد: قال ابن عباس ــ وهو قائم على قبر زيد بن ثابت ــ: هكذا يذهب العلم! (^٣).\nوكان ميمون بن مِهران إذا ذُكِر ابنُ عباس وابنُ عمر عنده يقول: ابن عمر أورعهما، وابن عباس أعلمهما (^٤).\nوقال أيضًا: ما رأيتُ أفقهَ من ابن عمر، ولا أعلمَ من ابن عباس (^٥).\n_________\n(^١) ع: \"من أصحاب رسول الله\".\n(^٢) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٩/ ٤٢٤، ٤٢٥)، والبخاري في \"التاريخ الأوسط\" (٧٨١).\n(^٣) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣١٢، ٥/ ٣١٥)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣٨١)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٨٦)، وأبو القاسم البغوي في \"معجم الصحابة\" (١١٩٨)، وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (٢٩٠٤، ٢٩٠٥)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (١٩/ ٢٣٣ - ٣٣٦).\n(^٤) رواه ابن معين، كما في الجزء الثاني من فوائده من رواية أبي بكر المروزي عنه (١٤١). ويُنظر: \"تاريخ مدينة السلام\" للخطيب البغدادي (٩/ ٢٣١).\n(^٥) كذا، والذي في المجالسة للدينوري (٢٥٨٤) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٣١/ ١١٥ - بسند واهٍ عن ميمون بن ميمون: ما رأيتُ رجلا أورع من ابن عمر، ولا أفقه من ابن عباس. وهذا ــ على وهاء سنده ووهنه ــ أشبه بالصواب، وهو المروي عن طاوس بن كيسان، رواه الإمام أحمد في الزهد (١٠٧٤)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٩١، ٤٩٦، والبيهقي في \"المدخل\" (١٢٧)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٣١/ ١١٥. وهو عند ابن سعد في \"الطبقات\" (٢٦٦٠) بلفظ: ما رأيتُ رجلا أعلم من ابن عباس.","vol":"1","page":35},{"text":"وكان ابن سيرين يقول: اللهم أبقِني ما أبقيتَ ابن عمر، أقتدي به (^١).\nوقال ابن عباس: ضمَّني رسولُ الله - ﷺ - وقال: \"اللهمّ عَلِّمه الحكمة\" (^٢).\nوقال أيضًا: دعاني رسولُ الله - ﷺ -، فمسح على ناصيتي، وقال: \"اللهمّ علِّمه الحكمةَ وتأويلَ الكتاب\" (^٣).\nولما مات ابن عباس قال محمد ابن الحنفية: مات رَبَّانيُّ هذه الأمة (^٤).\nوقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدًا أعلمَ بالسنّة، ولا أجلدَ رأيًا، [١٠/أ] ولا أثقبَ نظرًا حين ينظر، مِن ابن عباس (^٥).\nوإن كان عمر بن الخطاب لَيقول له: قد طرأتْ علينا عُضَلُ أقضيةٍ (^٦)،\n_________\n(^١) روى ابن سعد في \"الطبقات\" (٤/ ١٣٥) بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال: قال رجلٌ: اللهم أَبْقِ عبد الله بن عمر ما أبقيتني، أقتدي به؛ فإني لا أعلم أحدًا على الأمر الأول غيرَه. ورواه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٣١/ ١٦٥) مختصرا، ويحسن التأمل في \"التاريخ\" (٣١/ ١٦٥، ١٦٦).\n(^٢) رواه البخاري (٣٧٥٦).\n(^٣) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣١٥) بلفظه. ورواه أيضًا أحمد (٢٤٢٢) وابن ماجه (١٦٦) لكن ليس عندهما قوله: \"فمسح على ناصيتي\".\n(^٤) رواه أحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٨٤٢، ١٨٥٥)، وابنُه عبد الله في زياداته عليه (١٨٩٧)، وعباس الدوري في \"تاريخه\" الذي رواه عن ابن معين (٣٧٧)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣١٧، ٦/ ٣٤٧)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٥١٧، ٥٤٠).\n(^٥) رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على \"فضائل الصحابة\" (١٩٠٦).\n(^٦) أي شدادها وصعابها. يقولون للرجل الداهية: هو عُضلة من العُضَل. انظر: \"تهذيب الآثار ــ مسند ابن عباس\" (١/ ١٧٩).","vol":"1","page":36},{"text":"أنتَ لها ولأمثالها (^١).\nوقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسًا قطُّ أكرمَ من مجلس ابن عباس: أكثر فقهًا وأعظم [جفنةً] (^٢)! إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده (^٣)، وأصحاب الشعر عنده. يُصْدِرُهم كلَّهم في وادٍ واسع (^٤).\nوقال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول الله - ﷺ - (^٥).\nوقال ابن مسعود: لو أنَّ ابن عباس أدرك أسناننا ما عَشَره (^٦) منّا\n_________\n(^١) رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على \"فضائل الصحابة\" (١٩١٣)، وأبو عروبة الحراني في الطبقات (كما في المنتقى منه ص ٧١).\n(^٢) زدت ما بين الحاصرتين من مصادر التخريج، ولعله سقط سهوًا، إذ ورد النص على الصواب في \"هداية الحيارى\" (ص ٢٨٦).\n(^٣) \"عنده\" لم يرد في ع.\n(^٤) رواه الحسين المروزي في زياداته على الزهد لابن المبارك (١١٧٥)، ــ وعنه الفاكهي في أخبار مكة (١٦٢٨) ــ، والبرجلاني في الكرم والجود (٦٠)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٥١٢، ٥٢٠)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على \"فضائل الصحابة\" (١٩٢٩)، والبلاذري في \"أنساب الأشراف\" (٤/ ٣١).\n(^٥) رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على \"فضائل الصحابة\" (١٩٠٤، ١٩٢١)، وابن خزيمة (٢١٧٣)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٢٧٧).\n(^٦) يعني ما بلغ عُشْرَه، كما فسَّر المؤلف في \"هداية الحيارى\" (ص ٢٨٧). ويروى: \"عاشَره\"، وهو أكثر، وقد فسَّره الحربي في \"غريب الحديث\" (١/ ١٥٦) فقال: \"لو كان في السنّ مثلنا ما بلغ أحدٌ منَّا عُشْرَه في العلم\". وقد نصَّ على ورود الرواية باللفظين الذهبي في \"تاريخ الإسلام\" (٢/ ٦٥٨). وقال ابن جرير في \"تهذيب الآثار- مسند ابن عباس\" (١/ ١٨٣) بعدما فسَّر \"عاشَره\": \"يقال منه: \"عشَر فلانٌ فلانًا\" إذا بلغ عُشْرَه، يعشُرُه عَشْرًا\". وعلَّق عليه الأستاذ محمود شاكر بقوله: \"هذه عبارة جيّدة عن معنى اللفظ، أوضح مما في كتب اللغة\". وفي \"أساس البلاغة\": \"فلان لا يُعشِر فلانًا ظرفًا\"، أي لا يبلغ معشارَه، وضبط بضم الياء وكسر الشين المخففة ضبط قلم، وأخشى أن يكون خطأ. وقد فات كلُّ هذا صاحبَ \"التاج\".\nوفي ع: \"ما عَسَره\" بالسين المهملة وكذا في النسخ المطبوعة جميعًا. وقد فسَّره الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد بمعنى: \"ما خالفه\"، فتابعه كلُّ مَن جاء بعده، وإنما هو تصحيف كما ترى.","vol":"1","page":37},{"text":"رجل (^١).\nوقال مغيرة: قيل لابن عباس: أنَّى أصبتَ هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول (^٢).\nوقال مجاهد: كان ابن عباس يسمَّى \"البحر\" من كثرة علمه (^٣).\n_________\n(^١) رواه أبو خيثمة في \"كتاب العلم\" (٤٨)، وأحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٨٦٣)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣١٥)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٤)، والبيهقي في \"المدخل\" (١٢٥).\n(^٢) رواه أحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٨٧٧) ومن طريقه البيهقي في \"المدخل\" (٤٢٧)، وابنه عبد الله في زياداته على \"فضائل الصحابة\" (١٩٠٣). والمغيرة هو ابن مقسم الضبي لم يلق ابن عباس.\n(^٣) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣١٦، ٦/ ٣٣٢)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٩٦)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على \"فضائل الصحابة\" (١٩٢٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣١٦)، والخطيب في \"التاريخ\" (١/ ٥٢٣)، وفي \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":38},{"text":"وقال طاوس (^١): أدركت نحوًا من خمسين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، إذا ذكر ابنُ عباس شيئًا فخالفوه، لم يزل بهم حتى يقرِّرَهم (^٢).\nوقيل لطاوس: أدركتَ أصحاب محمد - ﷺ -، ثم انقطعتَ إلى ابن عباس! فقال: أدركتُ سبعين من أصحاب محمد (^٣) - ﷺ - إذا تدارؤوا (^٤) في شيء انتهَوا إلى قول ابن عباس (^٥).\nوقال ابن أبي نَجيح: كان أصحاب ابن عباس يقولون: ابن عباس أعلم من عمر ومن علي ومن عبد الله. ويعدُّون ناسًا، فيثِب عليهم الناس، فيقولون: لا تعجَلوا علينا، إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلا وعنده من العلم (^٦) ما ليس عند صاحبه، وكان ابنُ عباس قد جمعه كلَّه (^٧).\n_________\n(^١) رواه بمعناه ابن معين، كما في الجزء الثاني من فوائده (١٩٥)، وكذا في \"تاريخ\" عباس الدوري (٣٧٩) عنه. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (١٣٣٤١)، وإسحاق بن راهويه في \"المسند\" (كما في المطالب العالية ١٦/ ٤٨٣)، وأحمد في \"العلل\" لابنه عبد الله (١٥٥٤)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣٢٠).\n(^٢) أي يبيِّنه لهم حتى يعترفوا بإصابة رأيه.\n(^٣) ع: \"رسول الله\".\n(^٤) أي إذا تدافعوا واختلفوا.\n(^٥) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣١٦)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٤)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على \"فضائل الصحابة\" (١٨٩٢). والبلاذري في \"أنساب الأشراف\" (٤/ ٣٠).\n(^٦) انتهى الخرم الواقع في س.\n(^٧) أخرجه ابن جرير في \"تهذيب الآثار ــ مسند ابن عباس\" (١/ ١٨٠). وانظر: \"طبقات الفقهاء\" للشيرازي (ص ٤٩).","vol":"1","page":39},{"text":"وقال الأعمش: كان ابن عباس إذا رأيتَه قلتَ: أجملُ الناس، فإذا تكلَّم قلت: أفصحُ الناس، فإذا حدَّث قلت: أعلمُ [١٠/ب] الناس (^١).\nوقال مجاهد: كان ابن عباس إذا فسَّر الشيءَ رأيتُ عليه النور (^٢).\nفصل\nقال الشعبي: من سرَّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذْ بقول عمر (^٣).\nوقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر، فخذوا به (^٤).\n\nوقال ابن المسيِّب: ما أعلم أحدًا بعد رسول الله - ﷺ - أعلمَ من<span data-type=\"title\" id=toc-28> عمر بن الخطاب </span>(^٥).\nوقال أيضًا: كان عبد الله يقول: لو سلك الناس واديًا وشِعْبًا، وسلك\n_________\n(^١) رواه أحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٨٧٢). ...\nورواه البلاذري في \"أنساب الأشراف\" (٤/ ٣٠) من طريق شريك، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق.\n(^٢) رواه البلاذري في \"أنساب الأشراف\" (٤/ ٣١)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على \"فضائل الصحابة\" (١٩٣٥).\n(^٣) رواه يعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٥٧)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٠٩)، وفي \"المدخل\" (٧٢).\n(^٤) رواه أحمد في \"فضائل الصحابة\" (٣٤٩)، وعنه ابنه عبد الله في \"العلل ومعرفة الرجال\" (٢١٨٠).\n(^٥) \"طبقات الفقهاء\" للشيرازي (ص ٣٩).","vol":"1","page":40},{"text":"عمرُ واديًا وشِعْبًا، لسلكتُ وادي عمر وشِعبه (^١).\nوقال بعض التابعين (^٢): دُفِعتُ إلى عمر، فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان، قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه (^٣).\nقال (^٤) محمد بن جرير (^٥): ولم يكن أحدٌ له أصحاب معروفون حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود. وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله.\nوقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنُت، ولو قنَت عمر لقنَت عبد الله (^٦).\nفصل\n\nوكان من المفتين<span data-type=\"title\" id=toc-29> عثمان بن عفان</span>. قال ابن جرير (^٧): غير أنه لم يكن له\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٧٠٥٧) عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود.\n(^٢) من أهل المدينة كما في مصادر التخريج.\n(^٣) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٩٠)، وابن زنجويه في \"كتاب الأموال\" (٨٥)، والبلاذري في \"أنساب الأشراف\" (١٠/ ٢٩٦).\n(^٤) ع: \"وقال\".\n(^٥) في كتابه \"مراتب العلماء\"، أظن. والسياق دليل على أن ما سبق أيضًا من كلام ابن جرير. ويظهر لي أن المؤلف بعد سرد أسماء أصحاب الفتيا من الصحابة نقلًا من كتاب \"الإحكام\" اعتمد على كتاب ابن جرير، وسيستمر النقل منه إلى أن يرجع مرة أخرى إلى \"الإحكام\" لذكر أسماء المفتين من التابعين. وانظر وصف كتاب ابن جرير في ترجمته في \"معجم الأدباء\" (٦/ ٢٤٥٩).\n(^٦) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٧٠٥٧، ٣٧١٣١).\n(^٧) في \"مراتب العلماء\" إن صدق ظنّي.","vol":"1","page":41},{"text":"أصحاب يعرفون، والمبلِّغون عن عمر فتياه ومذاهبَه وأحكامَه في الدين بعده كانوا (^١) أكثر من المبلِّغين عن عثمان والمؤدِّين عنه.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-30> علي بن أبي طالب</span>، فانتشرت أحكامه وفتاواه (^٢)، ولكن قاتل الله الشيعة، فإنهم أفسدوا كثيرًا من علمه بالكذب عليه. ولهذا أصحابُ الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتاواه (^٣) إلا ما كان من طريق أهل بيته وأصحاب عبد الله بن مسعود كعَبيدة [١١/أ] السَّلماني وشُريح وأبي وائل ونحوهم. وكان - ﵁ - يشكو عدمَ حَمَلة العلم الذي أُودعه، كما قال: إنَّ هاهنا علمًا لو أصبتُ له (^٤) حَمَلة (^٥)!\nفصل\nوالدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود،\n_________\n(^١) \"كانوا\" ساقط من ع.\n(^٢) س، ع: \"فتاويه\".\n(^٣) ت، ع: \"فتاويه\".\n(^٤) \"له\" ساقط من ت.\n(^٥) رواه المعافى بن زكريا النهرواني في \"الجليس الصالح\" (٣/ ٣٣١ - ٣٣٢، ٤/ ١٣٥ - ١٣٧)، وأبو هلال العسكري في \"ديوان المعاني\" (١/ ١٤٦ - ١٤٧)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٧٩ - ٨٠)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١٧٧)، والذهبي في \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٤ - ١٥)، وأشار إلى لينِ بعض أسانيده، وعدم الاعتماد على بعض رواته. والحقّ أن طرق الأثر كلها واهية، وأوهى طرقه هو المرويّ في \"تاريخ\" الخطيب (٧/ ٤٠٨). وقد قال ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ٨٩٤): \"وهو حديثٌ مشهورٌ عند أهل العلم، يستغني عن الإسناد؛ لشهرته عندهم\".","vol":"1","page":42},{"text":"وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عباس (^١)، وأصحاب عبد الله بن عمر؛ فعلمُ الناسِ عامّتُه عن أصحاب هؤلاء الأربعة. فأما أهل المدينة، فعلمُهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر. وأما أهلُ مكة، فعلمُهم عن أصحاب عبد الله بن عباس. وأما أهل العراق، فعلمُهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود.\nقال ابن جرير: وقد قيل: إنَّ ابن عمر وجماعةً ممن عاش بعده بالمدينة من أصحاب رسول الله - ﷺ - إنما كانوا يفتون بمذاهب زيد بن ثابت وما كانوا أخذوا عنه، مما لم يكونوا حفظوا فيه عن رسول الله - ﷺ - قولًا.\nوقال ابن وهب: حدثني موسى بن عُلَيّ اللخمي عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية (^٢)، فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فَلْيأتِ زيدَ بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فَلْيأتِ معاذ بن جبل، ومن أراد المال فَلْيأتِني (^٣).\nوأما عائشة فكانت مقدَّمةً في العلم بالفرائض والأحكام والحلال والحرام. وكان من الآخذين عنها الذين لا يكادون يتجاوزون قولها،\n_________\n(^١) \"وأصحاب عبد الله بن عباس\" ساقط من ع.\n(^٢) ع: \"في الجابية\".\n(^٣) رواه أبو عبيد في \"كتاب الأموال\" (٥٤٨)، وسعيد بن منصور (٢٣١٩)، وابن أبي شيبة في (٣١٦٨٦، ٣٣٥٦٧)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣١٠)، وابن زنجويه في \"كتاب الأموال\" (٧٩٦)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٦٣)، والطبراني في المعجم الأوسط (٣٧٨٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٢٧٢) وصحّحه. وذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٧/ ١٢٦) مختصرًا، وقطع بصحّته.","vol":"1","page":43},{"text":"المتفقهين بها: القاسم بن محمد بن أبي بكر ابنُ أخيها، وعروة بن الزبير ابنُ أختها أسماء.\nقال مسروق: لقد رأيت مَشْيَخةَ أصحاب رسول الله - ﷺ - يسألونها عن الفرائض (^١).\n[١١/ب] وقال عروة بن الزبير: ما جالستُ أحدًا قطُّ كان أعلم بقضاء، ولا بحديث بالجاهلية (^٢)، ولا أروى للشعر، ولا أعلم بفريضة ولا طبٍّ= من عائشة (^٣).\nفصل\nثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء، كسعيد بن المسيِّب راوية عمر وحامل علمه. قال جعفر بن ربيعة: قلت لعِرَاك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أمَّا أفقههم فقهًا، وأعلمهم بقضايا رسول الله - ﷺ - وقضايا أبي بكر وقضايا عمر وقضايا عثمان، وأعلمهم بما مضى عليه الناس= سعيد (^٤) بن المسيِّب. وأما أغزرهم حديثًا فعروة بن الزبير. ولا تشاء أن\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) كذا في النسخ كلها. وفي المطبوع: \"بحديث الجاهلية\" دون إشارة إلى ما في النسخ. وفي \"الشريعة\" للآجري: \"بحديث جاهلية\". وفي \"الحلية\": \"بحديث العرب\".\n(^٣) رواه الآجري في \"كتاب الشريعة\" (١٨٩٩). ويُنظر: \"المعرفة والتاريخ\" ليعقوب بن سفيان (١/ ٤٨٩)، و\"الحلية\" لأبي نعيم (٢/ ٤٩).\n(^٤) كذا دون الفاء في جميع النسخ. ومن الشواهد على حذف الفاء في جواب أمَّا: قول النبي - ﷺ - في رواية البخاري (١٥٥٥): \"أمّا موسى، كأني أنظر إليه ... \"، وقول عائشة - ﵂ - في البخاري (١٦٣٨): \"وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافًا واحدًا\". انظر: \"شواهد التوضيح\" لابن مالك (ص ١٩٨ - طبعة دار البشائر).","vol":"1","page":44},{"text":"تفجِّر من عبيد الله (^١) بحرًا إلا فجَّرتَه. قال عِرَاك: وأفقههم عندي ابن شهاب، لأنه جمعَ علمهم إلى علمه (^٢).\nوقال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: سعيد بن المسيِّب وكان أفقه الناس، وعروة بن الزبير وكان بحرًا لا تكدِّره الدِّلاء. وكنتَ لا تشاء أن تجد عند عبيد الله طريقةً من علم لا تجدها عند غيره إلا وجدتَ (^٣).\nوقال الأعمش: فقهاء المدينة أربعة (^٤): سعيد بن المسيِّب، وعروة (^٥)، وقَبيصة، وعبد الملك (^٦).\n_________\n(^١) يعني: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وفي ت: \"عبد الله\"، تصحيف.\n(^٢) رواه يعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٧١، ٦٢٢ - ٦٢٣). ومن طريقه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٥٥/ ٣٦١)، وابن عدي في الكامل ١/ ١٣٩.\n(^٣) رواه يعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٥٥٢)، ومن طريقه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٤٠/ ٢٥١). وروى بعضَه: يعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٧١، ٤٧٥، ٥٥١، وأبو زرعة الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٤١٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٦٦).\n(^٤) \"أربعة\" ساقط من ع.\n(^٥) بعده في ح: \"بن الزبير\"، مع ضبّة على كلّ من الكلمتين. وفي ت: \"عروة بن قبيصة\"، وهو خطأ.\n(^٦) رواه يعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٣٥٤)، وابن أبي خيثمة في \"التاريخ\" (١٩٣٩، ١٩٤٠، ٢٨١٤ - السِّفر الثالث)، وأبو زرعة الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥)، وعباس الدوري في تاريخه عن ابن معين (١٢٢٤)، وعبد الله بن أحمد في \"العلل ومعرفة الرجال\" (٢٨٣٦، ٢٨٣٧، ٣٨٢٠)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٩٦، ٧/ ١٢٥)، والخطيب في \"التاريخ\" (١٢/ ٥٠٣)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٣٧/ ١٢٠ - ١٢١، ٤٠/ ٢٤٩، ٢٦٠ - ٢٦١) من رواية الأعمش عن أبي الزناد. ورواه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٧٤ - ١٧٥) بلفظ آخر.","vol":"1","page":45},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة: عبد الله بن عباس، [وعبد الله بن عمر] (^١)، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص؛ صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي. فكان فقيه أهل مكة (^٢) عطاء بن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاوس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم، وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه أهل الشام مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني؛ إلا المدينة فإنَّ الله خصَّها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة سعيد [١٢/أ] بن المسيِّب غير مدافع (^٣).\nوقال مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب قال: مررتُ بعبد الله بن عمر، فسلَّمتُ عليه، ومضيتُ. قال: فالتفتَ إلى أصحابه فقال: لو رأى رسول الله - ﷺ - هذا لَسرَّه. فرفع يديه جدًّا، وأشار بيده (^٤) إلى السماء (^٥).\nوكان سعيد بن المسيِّب صهر أبي هريرة، زوَّجَه أبو هريرة ابنتَه، وكان\n_________\n(^١) من س، ح، ف. وقد زِيد في ح بخط صغير. وهنا موضعه في \"أخبار مكة\". وفي ت ورد بعد عبد الله بن الزبير، كما في \"تاريخ ابن أبي خيثمة\" وابن عساكر (٤٠/ ٤٢٦). ولم يرد في ع وأصل ابن عساكر (٦٠/ ٢١٤).\n(^٢) ت: \"وكان ... المدينة\"، خطأ.\n(^٣) رواه الفاكهي في \"أخبار مكة\" (١٦٣٢)، وابن أبي خيثمة في \"التاريخ\" (١٩٤٣ ــ السِّفر الثالث)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٤٠/ ٤٢٦، ٦٠/ ٢١٤).\n(^٤) \"جدًّا وأشار بيده\" ساقط من ع.\n(^٥) يُنظر: \"إكمال تهذيب الكمال\" (٥/ ٣٥٣).","vol":"1","page":46},{"text":"إذا رآه قال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة (^١).\nولهذا أكثر عنه من الرواية (^٢).\nفصل (^٣)\nوكان المفتون بالمدينة من التابعين: ابن المسيِّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر (^٤) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وهؤلاء هم الفقهاء السبعة (^٥)، وقد نظمهم القائل (^٦) فقال:\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٤٣٣٦)، والترمذي (٢٥٤٩)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. أما ابن حبان، فصحّحه (٥٢١٢)، والصواب أنه منكر، مُعلٌّ، كما بيّنه أحمد كما في \"مسائل الإمام أحمد\" رواية أبي داود (١٨٧٤)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٥١١)، والدارقطني في \"العلل\" (٧/ ٢٧٥ - ٢٧٦). ويحسُن تأمّل ما في \"التاريخ\" لابن عساكر (٣٤/ ٥١ - ٥٧، ٤٤٤ - ٤٤٥، ٤٣/ ١٧٢، ٥٤/ ٦٥ - ٦٦).\n(^٢) ت: \"عنه الرواية\".\n(^٣) من هذا الفصل إلى فصل المفتين باليمن رجع النقل مع الاختصار من \"الإحكام في أصول الأحكام\" لابن حزم (٥/ ٩٥ - ١٠٢). وكان ابن حزم بدأ بالمفتين بمكة، فقدَّم المؤلف عليهم المفتين بالمدينة.\n(^٤) \"أبو بكر\" كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: \"أبا بكر\". والسياق في \"الإحكام\": \"خارجة بن زيد بن ثابت. وأخذ عن أبيه أبو بكر بن عبد الرحمن ... \".\n(^٥) \"السبعة\" ساقط من ف.\n(^٦) لم أقف عليه. والبيتان في \"منهاج السنة\" (٤/ ١٠٩) وكأنهما مقحمان على الأصل في بعض النسخ، وعجز الأول فيه مختل الوزن. وأورد القرشي في \"الجواهر المضيّة\" (٢/ ١٤٧) في ترجمة محمد بن يوسف بن الخضر الحلبي الشهير بقاضي العسكر (ت ٦١٤) بيتين من نظمه:\nألا كلُّ من لا يقتدي بأئمة ... فقسمتُه ضيزى عن الحق خارجه\nفخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه","vol":"1","page":47},{"text":"إذا قيل: مَن في العلم سبعةُ أبحر ... روايتُهم ليست عن العلم خارجَه\nفقُلْ: هم عبيد الله عروةُ قاسمٌ ... سعيدٌ أبو بكر سليمانُ خارجَه\nوكان من أهل الفتوى: أبان بن عثمان، وسالم، ونافع، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعلي بن الحسين.\nوبعد هؤلاء: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابناه محمد وعبد الله، وعبد الله بن عمرو (^١) بن عثمان، وابنه محمد، وعبد الله والحسن (^٢) ابنا محمد ابن الحنفية، وجعفر بن محمد بن علي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن المنكدر، ومحمد بن شهاب الزهري ــ وجمع محمد ابن مفرِّج (^٣) فتاويه في ثلاثة\n_________\n(^١) ع: \"عمر\"، خطأ.\n(^٢) ع: \"الحسين\"، تصحيف.\n(^٣) س، ت، ع: \"نوح\"، وكذا في جميع طبعات الكتاب، وهو تصحيف. وفي \"الإحكام\" (٥/ ٩٦): \"محمد بن أحمد بن مفرج\". وهو القاضي محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرِّج، من أهل قرطبة. يكنى أبا عبد الله. محدِّث الأندلس. ولد سنة ٣١٥ وتوفي سنة ٣٨٠. ذكر ذلك تلميذه ابن الفرضي في \"تاريخه\" (٢/ ١٢٢ - ١٢٤). وقال الحميدي في \"جذوة المقتبس\" (ص ٦١): \"وصنّف كتبًا في فقه الحديث وفي فقه التابعين، منها: فقه الحسن البصري في سبع مجلدات، وفقه الزهري في أجزاء كثيرة\". ومنه نقله الذهبي في \"السير\" (١٦/ ٣٩٢) وغيره من كتبه. وانظر: \"توضيح المشتبه\" (٧/ ١٧٨).","vol":"1","page":48},{"text":"أسفار ضخمة على أبواب الفقه ــ وخلقٌ سوى هؤلاء.\nفصل\nوكان المفتون بمكة: عطاء بن أبي رباح، وطاوس بن [١٢/ب] كيسان، ومجاهد بن جَبْر، وعبيد بن عمير، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن أبي مُلَيكة، وعبد الرحمن بن سابط، وعكرمة.\nثم بعدهم: أبو الزُّبير المكي، وعبد الله بن خالد بن أَسيد، وعبد الله بن طاوس.\nثم بعدهم: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وسفيان بن عيينة، وكان أكثر فتواه (^١) في المناسك، وكان يتوقف في الطلاق (^٢).\nوبعدهم: مسلم بن خالد الزَّنجي، وسعيد بن سالم القدّاح.\nوبعدهما: الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ثم عبد الله بن الزبير الحميدي، وإبراهيم بن محمد الشافعي ابنُ عمِّ محمد، وموسى بن أبي الجارود، وغيرهم.\nفصل\nوكان من المفتين بالبصرة: عمرو بن سَلِمة الجَرْمي، وأبو مريم الحنفي، وكعب بن سُور، والحسن البصري، وأدرك خمس مائة من\n_________\n(^١) ع: \"فتواهم\"، خطأ.\n(^٢) قال الإمام أحمد في رواية الميموني عنه: \"كان سفيان بن عيينة إذا سُئل عن المناسك سهل عليه الجواب فيها، وإذا سُئل عن الطلاق اشتدَّ عليه\". انظر: \"تهذيب الكمال\" (١١/ ١٩٠).","vol":"1","page":49},{"text":"الصحابة، وقد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة ــ قاله أبو محمد بن حزم (^١) ــ وأبو الشعثاء جابر بن زيد، ومحمد بن سيرين، وأبو قِلابة عبد الله بن زيد الجَرْمي، ومسلم بن يسَار، وأبو العالية، وحُميد بن عبد الرحمن، ومطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وزُرارة بن أبي أوفى، وأبو بُردة بن أبي موسى.\nثم بعدهم: أيوب السَّخْتياني، وسليمان التَّيمي، وعبد الله بن عَون، ويونس بن عبيد، والقاسم بن ربيعة (^٢)، وخالد بن أبي عِمران (^٣)، وأشعث بن عبد الملك الحُمْراني، وقتادة، وحفص بن سليمان، وإياس بن معاوية القاضي.\nوبعدهم: سوَّار القاضي، وأبو بكر العَتَكي، وعثمان بن سليمان البَتِّي (^٤)، وطلحة بن إياس القاضي، وعبيد الله بن الحسن العنبري،\n_________\n(^١) في \"الإحكام\" (٥/ ٩٧). والذي جمع فتاوى الحسن البصري هو القاضي محمد بن أحمد بن مفرِّج القرطبي. وقد سمَّاه ابن حزم في الفصل السابق، فلا أدري لماذا أبهم اسمه هنا.\n(^٢) ت: \"أبي ربيعة\"، خطأ.\n(^٣) ليس من أهل البصرة. هو تونسي، وكان قاضي أفريقية. نبَّه على ذلك الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على \"الإحكام\" (٥/ ٩٨). انظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٣٧٨) وغيره.\n(^٤) ت: \"سلمان\". وفي ع: \"التيمي\"، وكلاهما تصحيف. وقد غيَّره الشيخ أحمد شاكر في متن \"الإحكام\" (٥/ ٩٨) إلى \"عثمان بن مسلم البتّي\"، وقال في تعليقه: \"في الأصل: \"سليمان\"، وهو خطأ\". قلت: ليس خطأ، بل هو الأشهر عند المتقدمين. فكذا سمّاه ابن قتيبة في \"المعارف\" (ص ٥٩٦) وابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ١٥٨) والدولابي في \"الكنى\" (٢/ ٧٧٧). وفي \"توضيح المشتبه\" (١/ ٣٤٠): \"وبه جزم أبو داود السجستاني\". ونقل في \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٤٩٣) عن ابن سعد أنه ابن مسلم بن جرموز. قال مغلطاي في \"إكمال التهذيب\" (٩/ ١٨٥): وفيه نظر، \"لأن الذي في غير ما نسخة من \"الطبقات\" هو ابن سليمان بن جرموز\". قلت: وكذا في مطبوعة \"الطبقات\" (٩/ ٢٥٦). وذكر مغلطاي أيضًا أنه كذا سمّاه يعقوب بن سفيان الفسوي والطبري والحاكم.","vol":"1","page":50},{"text":"وأشعث بن جابر بن زيد (^١).\nثم بعد هؤلاء: عبد الوهاب بن عبد المجيد (^٢) الثقفي، [١٣/أ] وسعيد بن أبي عَروبة، وحمَّاد بن سلمة، وحمَّاد بن زيد، وعبد الله بن داود الخُرَيبي، وإسماعيل بن عُلَيَّة، وبِشْر بن المفضّل، ومعاذ بن معاذ العنبري، ومَعْمَر بن راشد، والضحاك بن مَخْلَد، ومحمد بن عبد الله الأنصاري.\nفصل\nوكان من المفتين بالكوفة: علقمة بن قيس النَّخَعي، والأسود بن يزيد النخعي وهو عمُّ علقمة، وعمرو بن شُرَحبيل الهَمْداني، ومسروق بن الأجدع الهَمْداني، وعبَيِدة السَّلماني، وشُريح بن الحارث القاضي، وسليمان بن ربيعة الباهلي، وزيد بن صُوحان، وسُوَيد بن غَفَلة، والحارث بن قيس الجُعْفي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وعبد الله بن عتبة بن مسعود القاضي، وخَيثمة بن عبد الرحمن، وسَلَمة بن صهيب،\n_________\n(^١) \"بن زيد\" كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة وأصل كتاب \"الإحكام\" ورسالة \"أصحاب الفتيا\"، ولعله سهو من أجل التباسه بأبي الشعثاء جابر بن زيد. وقد حذف الشيخ أحمد شاكر \"بن زيد\" في نشرته لكتاب \"الإحكام\".\n(^٢) ت، ع: \"عبد الحميد\"، خطأ.","vol":"1","page":51},{"text":"ومالك بن عامر، وعبد الله بن سَخْبرة، وزِرّ بن حُبيش، وخِلاس بن عمرو، وعمرو بن ميمون الأَوْدي، وهمَّام بن الحارث، والحارث بن سُويد، ويزيد بن معاوية النخعي، والرَّبيع بن خُثَيم، وعُتبة بن فَرقد، وصِلَة بن زُفَر، وشَريك بن حنبل، وأبو وائل شَقيق بن سَلَمة، وعبيد بن نَضْلة. وهؤلاء أصحاب علي وابن مسعود.\nوأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين (^١)، ويستفتيهم الناس، وأكابر الصحابة حاضرون يجوِّزون لهم ذلك. وأكثرهم أخذ (^٢) عن عمر وعائشة وعلي. ولقي عمرو (^٣) بن ميمون الأَوْدي معاذَ بن جبل، وصحبه، وأخذ عنه. وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق بابن مسعود (^٤)، فيصحبه، ويطلب العلم عنده (^٥)، ففعل ذلك.\nويضاف إلى هؤلاء: أبو عبيدة وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأخذ عن مائة وعشرين من [١٣/ب] الصحابة؛ ومَيْسَرة، وزاذان، والضحاك.\nثم بعدهم: إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وأبو بكر بن أبي موسى،\n_________\n(^١) \"في الدين\" ساقط من ع.\n(^٢) ع: \"أخذوا\".\n(^٣) ح، ف: \"عمر\"، خطأ. وقد سبق آنفًا على الصواب.\n(^٤) ع: \"ابن مسعود\".\n(^٥) رواه أبو زرعة الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٦٤٨)، ومن طريقه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٢١/ ٤٢٣، ٤٦/ ٤١٠).","vol":"1","page":52},{"text":"ومحارب بن دِثار، والحَكَم بن عُتَيبة، وجَبَلة بن سُحَيم وصحِبَ ابن عمر.\nثم بعدهم: حماد بن أبي سليمان، ومنصور (^١) بن المعتمر، وسليمان الأعمش، ومِسْعر بن كِدَام.\nثم بعدهم: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شُبْرُمة، وسعيد بن أشوَع، وشَريك القاضي، والقاسم بن معن، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، والحسن بن صالح بن حَيّ.\nثم بعدهم: حفص بن غياث، ووكيع بن الجراح. وأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف القاضي، وزُفَر بن الهذيل، وحماد بن أبي حنيفة (^٢)، والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي، ومحمد بن الحسن قاضي الرَّقَّة، وعافية (^٣) القاضي، وأسد بن عمرو، ونوح بن درَّاج القاضي. وأصحاب سفيان الثوري كالأشجعي والمعافى بن عمران، وصاحِبَي (^٤) الحسن بن حَيّ: حُميد الرُّؤاسي (^٥)، ويحيى بن آدم.\nفصل\nوكان من المفتين بالشام أبو إدريس الخَولاني، وشُرَحبيل بن السِّمط، وعبد الله بن أبي زكريا الخُزاعي، وقَبيصة بن ذؤيب الخزاعي،\n_________\n(^١) ع: \"سليمان\".\n(^٢) زاد بعده في المطبوع بين حاصرتين: \"والجراح\" من بعض النسخ. ولم يرد في \"الإحكام\"، والظاهر أنه من خطأ النساخ.\n(^٣) ت: \"عاقبة\"، تصحيف.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة و\"الإحكام\". ومقتضى السياق: \"وصاحبا\" بالرفع.\n(^٥) ع: \"حيّ الرولي\"، فسقط \"حميد\" وتصحّف \"الرؤاسي\".","vol":"1","page":53},{"text":"وجُنادة (^١) بن أبي أمية، وسليمان بن حبيب المحاربي، والحارث بن عَمِيرة الزَّبِيدي (^٢)، وخالد بن مَعدان، وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، وجُبَير بن نُفَير.\nثم كان بعدهم: عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن [١٤/أ] حَيْوَة، وكان عبد الملك بن مروان يُعَدُّ في المفتين قبل أن يلي ما ولي، وحُدَير بن كُرَيب.\nثم كان بعدهم: يحيى بن حمزة القاضي، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وإسماعيل بن أبي المهاجر، وسليمان بن موسى الأموي، وسعيد بن عبد العزيز، ثم مَخْلَد بن الحسين، والوليد بن مسلم، و[أبو] العباس بن مَزْيَد (^٣) صاحب (^٤) الأوزاعي، وشعيب بن إسحاق صاحب أبي\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: \"حبان\"، وهو تصحيف ما أثبت من \"الإحكام\"، ورسالة \"أصحاب الفتيا\". واسم أبيه: كبير، وهو دوسي مخضرم، وقد أدرك زمن النبي - ﷺ -. من كبار التابعين، مات بالشام سنة ٦٧. وهو غير الصحابي جنادة بن أبي أمية الأزدي. انظر: \"الإصابة\" (٢/ ٢٩٥).\n(^٢) كذا ضُبط \"عَمِيرة\" في ح، وهو الصواب. وضبط في المطبوع بضم العين وفتح الميم. ونصَّ في \"الإصابة\" (٣/ ١٧) على ضبط \"الزبيدي\" بفتح الزاي. وفي \"توضيح المشتبه\" (٤/ ٢٧٢) أنه أخو يزيد بن عميرة الزبيدي، وذكرهما من الزُّبَيديين بضم الزاي.\n(^٣) ح، ت، ف: \"مرثد\". وضبط في س بضم الميم مع إهمال الراء. وفي ع: \"يزيد\"، وكذا في \"الإحكام\" (٥/ ١٠١) ورسالة \"أصحاب الفتيا\" (ص ٣٣٢). وكل أولئك تصحيف، والصواب ما أثبت. فهو أبو العباس الوليد بن مزيد العذري، مات سنة ٢٠٣. ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ٤١٩). وانظر: \"توضيح المشتبه\" (١/ ٦٧٧).\n(^٤) كذا بالإفراد في النسخ الخطية والمطبوعة و\"الإحكام\". وفي الرسالة كتب بعد \"الوليد بن مسلم\" أيضًا: \"صاحب الأوزاعي\"، فالوليدان صاحباه. فكان الأولى هنا أن يقال: \"صاحبا الأوزاعي\". قال النسائي: \"الوليد بن مزيد أحبُّ إلينا في الأوزاعي من الوليد بن مسلم، لا يخطئ ولا يدلس\". انظر: \"توضيح المشتبه\" (٨/ ١١٩).","vol":"1","page":54},{"text":"حنيفة، وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك.\nفصل\nفي المفتين من أهل مصر: يزيد بن أبي حبيب، وبُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ.\nوبعدهما عمرو بن الحارث ــ وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره (^١) ــ والليث بن سعد، وعبيد الله بن أبي جعفر.\nوبعدهم: أصحاب مالك، كعبد الله بن وهب، وعثمان بن كنانة، وأشهب، وابن القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأقل.\nثم أصحاب الشافعي، كالمُزَني، والبُوَيطي، وابن عبد الحكم.\nثم غلب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي، إلا قومًا قليلًا لهم اختيارات، كمحمد بن علي بن يوسف (^٢)، وأبي جعفر الطحاوي.\n_________\n(^١) رواه أحمد بن علي الأبّار في تاريخه ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٤٥/ ٤٦٣) ــ، وأبو محمد ابن النحاس في الجزء التاسع من أماليه (٢٩).\n(^٢) كذا في النسخ و\"الإحكام\" (٥/ ١٠٢). وقال ابن حزم فيه (٦/ ١٤٣): \"خالف محمد بن علي بن يوسف المزنيَّ في كثير\". وهذا يدلُّ على أنه من أصحاب المزني. وفي رسالة \"أصحاب الفتيا\" (ص ٣٣٣): \"محمد بن علي بن يوسف النسائي\". وذكره مع محمد بن عُقيل الفِريابي من المائلين إلى قول الشافعي. قلت: محمد بن عقيل معروف، ولكن محمد بن علي بن يوسف لم أجد له ترجمة. أما ما ذهب إليه محقق المطبوع (١/ ٤٧) من احتمال أن يكون المراد محمد بن علي بن وهب الشهير بـ \"ابن دقيق العيد\" فما أبعده! ألم ير أن ابن حزم الذي نقل ابن القيم من كتابه توفي سنة ٤٥٦، فكيف يذكر ابن دقيق العيد الذي ولد سنة ٦٢٥ بعد وفاة ابن حزم بأكثر من قرن ونصف قرن!","vol":"1","page":55},{"text":"وكان بالقيروان سَحْنون بن سعيد، وله يسير (^١) من الاختيار؛ وسعيد بن محمد الحداد.\nوكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيار يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حبيب، وبقيّ بن مَخْلَد، وقاسم بن محمد صاحب الوثائق، يُحفظ لهم فتاوٍ يسيرة، وكذلك مسلمة (^٢) بن عبد العزيز القاضي، ومنذر بن سعيد.\nقال أبو محمد (^٣): وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحقَّ الاعتدادَ به [١٤/ب] في الاختلاف: مسعود بن سليمان (^٤)،\n_________\n(^١) ع: \"كثير\". وكذا في \"الإحكام\" (٥/ ١٠٢).\n(^٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، ولا أدري كيف وقع هذا، والصواب: \"أسلم\" كما في \"الإحكام\" (٥/ ١٠٢). وهو الإمام الفقيه الحافظ قاضي القضاة بالأندلس أسلم بن عبد العزيز بن هاشم القرطبي المتوفى سنة ٣١٩. انظر ترجمته في \"تاريخ ابن الفرضي\" (١/ ١٤١) و\"جذوة المقتبس\" (ص ٢٤٥) و\"السير\" للذهبي (١٤/ ٥٤٩).\n(^٣) يعني ابن حزم في \"الإحكام\" (٥/ ١٠٢) والكلام متصل بما سبق.\n(^٤) ابن مُفْلِت أبو الخِيار، من شيوخ ابن حزم. توفي سنة ٤٢٦. انظر ترجمته في \"الصلة\" لابن بشكوال (٢/ ٢٥٧).","vol":"1","page":56},{"text":"ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر.\nفصل\nوكان باليمن مطرِّف بن مازن قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن همّام، وهشام بن يوسف، ومحمد بن ثور، وسِمَاك بن الفضل (^١).\nفصل\nوكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير. ولمّا بناها المنصور أقدَمَ إليها من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرًا كثيرًا، فكان (^٢) من أعيان المفتين بها أبو عبيد القاسم بن سلام، وكان جبلًا نُفِخ فيه الروحُ علمًا وجلالةً ونبلًا وأدبًا. وكان منهم أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي، وكان قد جالس الشافعي وأخذ عنه. وكان أحمد يعظِّمه ويقول: هو في مِسْلاخ الثوري (^٣).\nوكان بها إمام أهل السنّة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علمًا وحديثًا وسنّةً، حتى إن أئمة الحديث والسنّة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة. وكان - ﵁ - شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحبُّ تجريد الحديث، ويكره أن يُكتَب كلامُه، ويشتدُّ عليه جدًّا (^٤)، فعلِم الله\n_________\n(^١) هنا انتهى النقل من كتاب \"الإحكام\" لابن حزم.\n(^٢) ت: \"وكان\".\n(^٣) رواه الخطيب في \"التاريخ\" (٦/ ٥٧٦). و\"المسلاخ\": الجِلد. يعني أنه نظير الثوري في علمه وفضله وسمته.\n(^٤) انظر: \"مناقب الإمام أحمد\" (١/ ٢٦١ - ٢٦٥).","vol":"1","page":57},{"text":"حسن نيته وقصده، فكُتِب من كلامه وفتاواه (^١) أكثر من ثلاثين سِفْرًا، ومنَّ الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفُتْنا منها إلا القليل. وجمع الخلَّال نصوصه في \"الجامع الكبير\"، فبلغ نحو عشرين سِفْرًا أو أكثر (^٢). ورُويت فتاويه ومسائله وحُدِّث بها قرنًا بعدَ قرنٍ فصارت إمامًا وقدوةً لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إنَّ المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلِّدين لغيره لَيُعظِّمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقَّها [١٥/أ] وقربَها من النصوص وفتاوى الصحابة. ومن تأمَّل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقةَ كلٍّ منهما للأخرى، ورأى الجميعَ كأنها تخرج من مشكاة واحدة، حتَّى إنَّ الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان.\nوكان تحرِّيه لفتاوى الصحابة كتحرِّي أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم، حتَّى إنَّه لَيُقدِّم فتاواهم على الحديث المرسل. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في \"مسائله\" (^٣): قلتُ لأبي عبد الله: حديثٌ عن رسول الله - ﷺ - مرسلٌ برجالٍ ثَبَتٍ أحبُّ إليك أو حديثٌ عن الصحابة والتابعين متصلٌ برجال ثَبَت؟ قال أبو عبد الله - ﵀ -: عن الصحابة أعجَبُ إليَّ.\nوكانت فتاويه مبنية على خمسة أصول:\nأحدها: النصوص. فإذا وجد النص أفتى (^٤) بموجبه، ولم يلتفت إلى ما\n_________\n(^١) ع: \"وفتواه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ٢٩٧) أيضًا: \"يكون عشرين مجلدًا\". وقد ذكر ابن الجوزي في \"مناقب الإمام أحمد\" (٢/ ٦٨٢) أنه \"نحو من مائتي جزء\"، ولا تعارض بين القولين.\n(^٣) (٢/ ١٦٥).\n(^٤) ت: \"أفتى به\". و\"به\" مقحمة.","vol":"1","page":58},{"text":"خالفه ولا من خالفه (^١) كائنًا مَن كان. ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس (^٢)، ولا إلى خلافه في التيمُّم للجنب لحديث عمار بن ياسر (^٣)، ولا خلافه في استدامة المحرِم الطيبَ الذي تطيَّبَ به قبل إحرامه (^٤) لصحة حديث عائشة (^٥) في ذلك، ولا خلافه في منع المفرِد والقارن من الفسخ إلى التمتُّع، لصحة أحاديث الفسخ (^٦).\nوكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأُبي بن كعب في ترك الغسل من الإكسال (^٧) لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول الله - ﷺ - فاغتسلا (^٨).\nولم يلتفت إلى قول ابن عباس (^٩) وإحدى الروايتين عن [١٥/ب]\n_________\n(^١) \"ولا من خالفه\" ساقط من ت.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠). وانظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٤٦٦ - ٤٨٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٣٨) ومسلم (٣٦٨).\n(^٤) رواه مالك (١١٨٠، ١١٨١)، وابن أبي شيبة (١٣٦٧٤، ١٣٦٧٥)، وأحمد (٢٦٧٥٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٧١) ومسلم (١١٩٠). وانظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٧٨).\n(^٦) وانظر ما يأتي في فتاوى النبي - ﷺ - في هذا الكتاب و\"زاد المعاد\" (٢/ ١٧٧ - ٢٢٣)، و\"تهذيب السنن\" (١/ ٢٩٣ - ٣٠٩) وفيه تفصيل الأحاديث المروية في الفسخ وتخريجها.\n(^٧) انظر ما أخرجه البخاري (١٧٩، ٢٩٢، ٢٩٣) ومسلم (٣٤٧).\n(^٨) أخرجه مسلم (٣٥٠).\n(^٩) أخرجه البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥).","vol":"1","page":59},{"text":"علي (^١) أنّ عِدَّة المتوفَّى عنها الحامل أقصى الأجلين، لصحة حديث سُبيَعة الأسلمية (^٢).\nولم يلتفت إلى قول معاذ (^٣)\nومعاوية (^٤) في توريث المسلم من الكافر، لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما (^٥).\nولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصَّرْف، لصحة الحديث بخلافه (^٦)، ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحُمُر كذلك (^٧).\nوهذا كثير جدًّا.\nولم يكن يُقدِّم على الحديث الصحيح عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا، ولا قولَ صاحب، ولا عدمَ علمِه بالمخالف، الذي يسمِّيه كثير من الناس إجماعًا\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١١٧١٤)، وسعيد بن منصور (١٥١٦، ١٥١٧، ١٥١٩)، وابن أبي شيبة (١٧٣٨١، ١٧٣٨٥، ١٧٣٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٩٩١، ٥٣١٩) ومسلم (١٤٨٤). وانظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٢٨ - ٥٣٢).\n(^٣) رواه الطيالسي (٥٦٩)، وابن أبي شيبة (٣٢١٠١)، وأحمد (٢٢٠٠٥). وصححه الحاكم (٤/ ٣٤٥).\nووازِن بـ\"السنن\" لأبي داود (٢٩١٢، ٢٩١٣)، و\"العلل\" للدارقطني (٦/ ٨٧ - ٨٨)، و\"الأباطيل\" للجورقاني (٥٤٩ - ٥٥١).\n(^٤) رواه سعيد بن منصور (١٤٥، ١٤٦، ١٤٧)، وابن أبي شيبة (٣٢٠٩٢، ٣٢١٠٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٥٨٨، ٦٧٦٤) ومسلم (١٦١٤) من حديث أسامة بن زيد.\n(^٦) انظر حديث أبي سعيد في \"صحيح مسلم\" (١٥٩٤) وسؤال أبي نضرة ابن عمر وابن عباس عن الصرف ثم سؤاله أبا سعيد.\n(^٧) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥٥٢٩).","vol":"1","page":60},{"text":"ويقدِّمونه على الحديث الصحيح. وقد كذَّب أحمد (^١) من ادَّعى هذا الإجماع، ولم يُسوِّغ (^٢) تقديمه على الحديث الثابت. وكذلك الشافعي أيضًا نصَّ في \"رسالته الجديدة\" على أنَّ ما لا يُعلَم فيه خلافٌ لا يقال له \"إجماع\"، ولفظه: \"ما لا يُعلَم فيه خلافٌ فليس إجماعًا\" (^٣).\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل (^٤): سمعت أبي يقول: \"ما يدَّعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب. من ادَّعى الإجماع فهو كاذب. لعل الناس اختلفوا، ما يَدريه، ولم ينتهِ إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا. هذه دعوى بِشْر المَرِيسي والأصمّ (^٥). ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني\n_________\n(^١) ت: \"الإمام أحمد\".\n(^٢) ع: \"يسغ\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) نقل هذا اللفظ ابن حزم في \"الإحكام\" (٤/ ١٨٨). قال: \"وهذا الشافعي يقول في رسالته المصرية ... \". وهي الرسالة الجديدة التي أحال عليها ابن القيم، وقد وصلت إلينا، ولكن لا يوجد هذا النصّ في المطبوعة بتحقيق الشيخ أحمد شاكر. وقد نقله المؤلف في \"كتاب الصلاة\" له (ص ١٧٤) عن \"الرسالة\" دون وصفها بالجديدة. وفي \"مختصر الصواعق\" (٤/ ١٦٣٦): \"قال الشافعي في رواية الربيع عنه ... \". وفيه \"نزاع\" مكان \"خلاف\".\n(^٤) في \"مسائله\" (ص ٤٣٨ - ٤٣٩). والنصّ هنا أقوَم. وقد نقله المؤلف في \"كتاب الصلاة\" (ص ١٧١) و\"الصواعق\" أيضًا. انظر \"مختصره\" (٤/ ١٦٣٥)، ولكن مصدره فيهما \"العُدَّة\" لأبي يعلى (٤/ ١٠٦٠) أو \"المسودة\" (ص ٣١٥).\n(^٥) هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ، صاحب تفسير. من طبقة أبي الهذيل العلّاف، وله معه مناظرات. توفي سنة ٢٠٠ أو ٢٠١. انظر: \"الفهرست\" (١/ ٥٩٤) و\"طبقات المعتزلة\" لابن المرتضى (ص ٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":61},{"text":"ذلك\"، هذا لفظه (^١).\nونصوص رسول الله - ﷺ - أجلُّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يُقدِّموا عليها توهُّمَ إجماعٍ (^٢) مضمونُه عدمُ العلم بالمخالف. ولو ساغ هذا لتعطلَّت النصوص، وساغ لكلِّ من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يُقدِّم جهلَه بالمخالف على النصوص. فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده (^٣).\nفصل\nالأصل الثاني من أصل فتاوى الإمام [١٦/أ] أحمد: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعرَف له مخالفٌ منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها. ولم يقل: إنَّ ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يدفعه، أو نحو هذا، كما قال في رواية أبي طالب (^٤): لا أعلم شيئًا يدفع قولَ ابن عباس (^٥) وابن عمر (^٦) وأحد عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأهل\n_________\n(^١) وانظر كلام الإمام أحمد في الردِّ على مدعي الإجماع برواية أصحابه الآخرين كالمرُّوذي وأبي طالب وغيرهما في \"كتاب الصلاة\" (١٧١ - ١٧٢) و\"مختصر الصواعق\" (٤/ ١٦٣٥ - ١٦٣٦).\n(^٢) في المطبوع: \"ما تُوُهِّم إجماعًا\".\n(^٣) وانظر المصدرين المذكورين آنفًا.\n(^٤) ذكرها الزركشي في \"شرح الخرقي\" (٥/ ١٣٢) وابن مفلح في \"المبدع\" (٧/ ١٧٩) بلفظ مختلف. وانظر: \"المغني\" (٩/ ٤٧٤).\n(^٥) يُنظر: \"السنن الكبير\" (٧/ ١٥٢)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٢٧٢).\n(^٦) رواه البيهقي في \"السنن الكبير\" (٧/ ١٥٢)، ويُنظر: \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ٢٧١ - ٢٧٢)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٣/ ٢٩٦).","vol":"1","page":62},{"text":"المدينة على تسرِّي العبد (^١). وهكذا قال أنس بن مالك: لا أعلم أحدًا ردَّ شهادةَ العبد (^٢)، حكاه عنه الإمام أحمد (^٣). وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدِّم عليه عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا.\nفصل\nالأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنّة، ولم يخرُج عن أقوالهم. فإن لم يتبيَّن له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزِم بقول.\nقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في \"مسائله\" (^٤): قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قريةٍ فيُسأل عن الشيء فيه اختلاف. قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه. قيل له: أفتخاف عليه؟ قال: لا.\nفصل\nالأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجَّحه على القياس (^٥). وليس المراد\n_________\n(^١) ع: \"قبول شهادة العبد\"، وكذا في المطبوع. وهو غلط.\n(^٢) نقله ابن المنذر في \"الإشراف\" (٤/ ٢٧٣). وعنه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٧/ ٣٩٣).\n(^٣) وانظر: \"الصواعق المرسلة\" (٢/ ٥٨٣).\n(^٤) (٢/ ١٦٧).\n(^٥) ذكر هذا الأصل أيضًا في \"الفروسية المحمدية\" (ص ٢٠٢ - ٢٠٣).","vol":"1","page":63},{"text":"بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر، ولا ما في رُواته متَّهَم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به. بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسمٌ من أقسام الحسن. [١٦/ب] ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، والضعيفُ (^١) عنده مراتب (^٢). فإذا لم يجد في الباب (^٣) أثرًا يدفعه ولا قولَ صاحب، ولا إجماعَ على خلافه كان العملُ به عنده أولى من القياس. وليس أحد من الأئمة إلّا وهو موافقُه على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما منهم أحدٌ إلّا وقد قدَّم الحديثَ الضعيفَ على القياس.\nفقدَّم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة (^٤) على محض القياس، وأجمع أهل الحديث على ضعفه. وقدَّم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر (^٥) على\n_________\n(^١) ع: \"وللضعيف\".\n(^٢) وانظر: \"الفروسية المحمدية\" (ص ٢٠٣) و\"منهاج السنة\" (٤/ ٣٤١ - ٣٤٢)، و\"مجموع الفتاوى\" (١٨/ ٢٣ - ٢٥).\n(^٣) س، ت، ع: \"الكتاب\"، وكذا كان في ح، ثم صُحِّح في الحاشية.\n(^٤) رواه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٠١، ١٠٢)، والدارقطني في \"السنن\" (١/ ١٦٤)، وللحديث طرق كثيرة جدا، لا يصح منها شيءٌ. ويُنظر: \"الكامل\" لابن عدي (٤/ ٩٩ - ١٠٥)، و\"السنن\" للدارقطني (١/ ٢٩٥ - ٣١٥)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (١/ ٢٢٥ - ٢٢٨)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (١/ ٢٩٦ - ٣٠٧)، و\"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ٤٧ - ٥٤)، و\"البدر المنير\" لابن النحوي (٢/ ٤٠٢ - ٤٠٦).\n(^٥) رواه أبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وضعّفه.\n\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٣٥٤): \"وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه\". ويُنظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٤، ٩٩)، و\"العلل\" للدارقطني (٥/ ٣٤٣ - ٣٤٧)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (١/ ١٤ - ١٨)، والأباطيل للجورقاني \"١/ ٤٩٨ - ٥٠٢)، وتعليقة ابن أبي حاتم على العلل (ص ٢٩ - ٣٦).","vol":"1","page":64},{"text":"القياس، وأكثرُ أهل الحديث يضعِّفه. وقدَّم حديثَ \"أكثر الحيض عشرة أيام\" (^١) ــ وهو ضعيف باتفاقهم ــ على محض القياس؛ فإنَّ الدَّم الذي تراه في اليوم الحادي عشر (^٢) مساوٍ في الحدِّ والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر. وقدَّم حديث \"لا مهر أقل من عشرة دراهم\" (^٣) ــ وأجمعوا على ضعفه، بل بطلانه ــ على محض القياس، فإنَّ بذلَ الصداق معاوضة في مقابلة بذلِ البضع، فما تراضيا عليه جاز قليلًا كان أو كثيرًا (^٤).\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"الكبير\" (٧٥٨٦)، وفي \"الأوسط\" (٥٩٩)، وفي \"مسند الشاميين\" (١٥١٥، ٣٤٢٩)، وابن حبان في \"معرفة المجروحين\" (٢/ ١٨٢)، وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٢٥٥)، والدارقطني (٨٤٧)، وضعّفه.\nويُنظر: \"السنن\" للدارقطني (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (١/ ٤٠٨ - ٤١٣)، و\"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ١٩١ - ١٩٢)، و\"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" للألباني (١٤١٤).\n(^٢) س، ت، ع: \"الثالث عشر\". وكذا كتب في ح، ولكن صحح في الهامش مع علامة \"صح\".\n(^٣) رواه أبو يعلى (٢٠٩٤)، والعقيلي (٦/ ١٠٠)، وابن حبان في \"معرفة المجروحين\" (٣/ ٣١)، والطبراني في \"الأوسط\" (٣)، وابن عدي في \"الكامل\" (٨/ ١٦٢) وحكم ببطلانه، والدارقطني في \"السنن\" (٣٦٠١، ٣٦٠٢)، وقال: \"مبشّر بن عبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يُتابَع عليها\". ومن طريقه رواه البيهقي (٧/ ١٣٣)، وقال: \"حديث ضعيف بمرّة\". ورواه أيضًا من طريق ابن خزيمة الذي تبرّأ من عهدة مبشّر. ورواه البيهقي أيضًا (٧/ ٢٤٠)، ونقل إعلال الحافظ أبي علي النيسابوري إياه بمبشّر.\n(^٤) سيأتي الكلام على بعض هذه الأحاديث ومناقشة الحنفية.","vol":"1","page":65},{"text":"وقدَّم الشافعيُّ خبر تحريم صيد وَجٍّ (^١)، مع ضعفه على القياس. وقدَّم خبرَ جواز الصلاة بمكة في وقت النهي (^٢)، مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد. وقدَّم في أحد قوليه حديثَ \"من قاء أو رعَف فليتوضَّأ، وَلْيَبْنِ على صلاته\" (^٣) على القياس، مع ضعف الخبر وإرساله.\nوأما مالك فإنه يقدِّم الحديثَ المرسل والمنقطع والبلاغات وقولَ الصحابي على القياس.\nفإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نصٌّ، ولا قول [١٧/أ] الصحابة أو واحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف= عدَلَ إلى الأصل الخامس، وهو القياس، فاستعمله للضرورة.\nوقد قال في \"كتاب الخلال\": سألتُ الشافعيَّ عن القياس، فقال: إنما (^٤)\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٠٣٢). ويُنظر: \"العلل\" للدارقطني (٢/ ١٥٠ - ١٥١)، و\"زاد المعاد\" (٣/ ٤٤٤).\n(^٢) رواه أحمد (٢١٤٦٢)، وابن خزيمة (٢٧٤٨) ــ وشكّك في اتصاله ــ، والطبراني في \"الأوسط\" (٨٤٧)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٢٢٤، ٩/ ١٨٧)، والدارقطني (١٥٧١، ٢٦٣٦)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٢/ ٤٦١، ٤٦٢)، من حديث أبي ذر مرفوعا، وسنده ضعيف منقطع. ويُنظَر: \"تنقيح التحقيق\" (٢/ ٣٧١ - ٣٧٤)، و\"البدر المنير\" (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٨).\n(^٣) رواه ابن ماجه (١٢٢١) بسند منكر مُعلّ، ولا يصح الحديث من جميع طرقه. ويُنظر: \"السنن\" (٥٦٣ - ٥٧٣)، و\"العلل\" (١٤/ ٣٦١)، كلاهما للدارقطني، و\"الإمام\" لابن دقيق العيد (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٦، ٣٥٤ - ٣٥٨).\n(^٤) \"إنما\" ساقط من ت.","vol":"1","page":66},{"text":"يُصار إليه عند الضرورة (^١)، أو ما هذا معناه.\n[وقال في رواية أبي الحارث: ما نصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يغنيك؟ وقال في رواية عبد الملك الميموني: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس (^٢)] (^٣).\nفهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مدارها. وقد يتوقَّف في الفتوى لتعارُض الأدلّة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحدٍ من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه (^٤): إياك أن تتكلَّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام.\nوكان يسوِّغ استفتاءَ فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدلُّ عليهم؛ ويمنع من استفتاء من يُعرض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه؛ ولا يسوِّغ العمل بفتواه.\nقال ابن هانئ (^٥): سألتُ أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث:\n_________\n(^١) سيذكره المؤلف مرة ثانية، وثالثة عن \"المدخل\" (ص ٢٠٤) للبيهقي الذي نقله من رواية الميموني. وانظر: \"العدة\" (٤/ ١٣٣٦) و\"رسالة الشافعي\" (ص ٥٩٩).\n(^٢) انظر الروايتين في \"المسودة\" (ص ٣٦٧).\n(^٣) ما بين الحاصرتين ورد في حاشية ح مع علامة اللحق في المتن و\"صح\" في آخر الزيادة ولكنه ليس بخط الناسخ. ولم يرد في س، ت، ع. نعم في ف جاءت الزيادة في المتن، ووُضعت بعد \"عند الضرورة\".\n(^٤) وهو الميموني. انظر: \"المسودة\" (٥٤٣) و\"مجموع الفتاوى\" (١٠/ ٣٢١) و(٢١/ ٢٩١). وسينقله المؤلف مرة أخرى في هذا الكتاب.\n(^٥) في \"مسائله\" (٢/ ١٦٥ - ١٦٦). وسيذكره المؤلف مرة أخرى.","vol":"1","page":67},{"text":"\"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار\" (^١). قال أبو عبد الله - ﵀ -: يفتي بما لم يسمع.\nقال (^٢): وسألتُه عمَّن \"أَفْتى بفتيا يَعْيا فيها، فإثمُها على من أفتاها\" (^٣)، على أي وجه يُفتي حتى يعيا (^٤) فيها؟ قال: يفتي بالبَخْت (^٥)، لا يدري أيشٍ أصلُها (^٦).\n_________\n(^١) رواه الدارمي (١٥٩) من حديث عبيد الله بن أبي جعفر معضلًا، وعبيد الله هذا من أتباع التابعين.\n(^٢) في \"مسائله\" (٢/ ١٦٥) أيضًا.\n(^٣) هذا أثر ابن عباس. أخرجه الدارمي (١٦٢) والبيهقي في \"المدخل\" (١٨٦) وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٦٢٦، ١٦٢٧، ١٨٩٢، ١٨٩٨). ويشبهه حديث أبي هريرة في \"سنن ابن ماجه\" (٥٣): \"من أُفتِيَ بفتيا غير ثبَت فإنما إثمه على من أفتاه\".\nوقد ضُبِط لفظ \"أفتى\" في ح بالبناء للمجهول، كما في حديث أبي هريرة، ولكن السياق هنا يقتضي البناء للمعلوم. ولفظ \"يَعْيا\" كذا رسم بالألف في النسخ ما عدا ع، وضبط في س بضم أوله. وفي المصادر المذكورة: \"يعمى فيها\" أو \"يعمى عنها\". وفي \"سنن الدارمي\" ضبط بضم أوله وفتح الميم المشددة، وفي \"المدخل\" بضم أوله. وفي \"مسائل ابن هانئ\" \"يعمل\"، وكأنه تحريف \"يعمى\"، ولكن لما أعاد الكلمة في السؤال رسمت \"يعيا\" بإهمال أوله. والكلمتان بمعنًى. وفي \"اللسان\" (٢٠/ ١١١ - ١١٢): \"والرجل يتكلَّف عملًا، فيعيا به وعنه إذا لم يهتدِ لوجه عمله\".\n(^٤) ح: \"يفتي\" وكذا في ت بإهمال أحرفه. وفي ع: \"يعنى\"، وكلاهما تصحيف.\n(^٥) يعني: بما يتفق له دون علم وتبصُّر. وفي ع والنسخ المطبوعة: \"بالبحث\"، تصحيف.\n(^٦) قارن النصَّ بما في المطبوع. والظاهر أن الناشرين تصرفوا فيه لإصلاحه.","vol":"1","page":68},{"text":"وقال أبو داود في \"مسائله\" (^١): ما أحصي ما سمعتُ أحمدَ سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم، فيقول: لا أدري.\nقال (^٢): وسمعتُه يقول: ما رأيتُ مثلَ ابن عيينة في الفتوى أحسنَ فُتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أدري.\nوقال عبد الله بن أحمد في \"مسائله\" (^٣): سمعتُ أبي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجلٌ من أهل الغرب مالكَ بن أنس عن مسألة فقال: لا أدري. [١٧/ب] فقال: يا أبا عبد الله تقول: لا أدري؟ قال: نعم، فأَبلِغْ مَن وراءك أنِّي لا أدري.\nوقال عبد الله (^٤): كنت أسمع أبي كثيرًا يُسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري؛ ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف. وكثيرًا ما كان يقول: سَلْ غيري. فإن قيل له: من نسأل؟ قال: سَلُوا العلماء، ولا يكاد يسمِّي رجلًا بعينه.\nقال (^٥): وسمعت أبي يقول: كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَن يُحسِن هذا؟\n_________\n(^١) (ص ٣٦٧).\n(^٢) في \"مسائله\" (ص ٣٦٨). وسينقله المؤلف بأتمَّ من هذا.\n(^٣) لم أجده في مسائله المطبوعة. وقد رواه عنه الخطيب في \"الفقيه والمتفقة\" (٢/ ٣٧٠)، والآجري في \"أخلاق العلماء\" (ص ١١٦) من رواية صالح.\nويُنظر: \"تقدمة المعرفة\" لابن أبي حاتم (ص ١٨)، و\"الحلية\" لأبي نعيم (٦/ ٣٢٣).\n(^٤) في \"مسائله\" (ص ٤٣٨).\n(^٥) لم أجده في \"مسائله\" المطبوعة. وقد رواه أخوه صالح في \"مسائله\" (١/ ٢٣٩).","vol":"1","page":69},{"text":"فصل\nوكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرُّعَ في الفتوى، ويودُّ أحدُهم (^١) أن يكفيه إياها غيرُه. فإذا رأى أنها قد تعيَّنت عليه بذَلَ اجتهادَه في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين، ثم أفتى.\nوقال عبد الله بن المبارك (^٢): ثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركتُ عشرين ومائةً من أصحاب رسول الله - ﷺ - ــ أراه قال: في المسجد ــ فما كان منهم محدِّث إلّا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديثَ، ولا مفتٍ إلّا ودَّ أنّ أخاه كفاه الفتيا.\nوقال الإمام أحمد: ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركتُ عشرين ومائةً من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - ما منهم رجلٌ يُسأل عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه، ولا يحدِّث حديثًا إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه (^٣).\nوقال مالك (^٤): عن يحيى بن سعيد أنّ بُكَير بن الأشجِّ أخبره عن\n_________\n(^١) \"أحدهم\" من س، ف، وهو ملحق بهامش ح، ع، ولم يظهر في الصورة إلا \"أحد\". وهو ساقط من ت. وفي المطبوع: \"كل واحد منهم\".\n(^٢) في \"الزهد\" (٥٨). ورواه أبو خيثمة في \"العلم\" (٢١)، والدارمي (١٣٧)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٢٣٠)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٨١٧)، وأبو زرعة الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٦٧٠ - ٦٧١)، والبيهقي في \"المدخل\" (٨٠٠، ٨٠١).\n(^٣) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٢٠١، ٢٢٠٢) من طريقين عن الإمام أحمد.\n(^٤) في \"الموطأ\" (٢١١٠) ــ وعنه الشافعي في \"الأم\" (٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨) ــ، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ٥٧).","vol":"1","page":70},{"text":"معاوية بن أبي عيّاش أنه كان جالسًا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البُكَير فقال: إنَّ رجلًا من أهل البادية طلَّق امرأته [١٨/أ] ثلاثًا، فماذا تَرَيانِ؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فإنِّي تركتُهما عند عائشة زوج النبي - ﷺ -، ثم ائتِنا، فأخبِرنا. فذهبتُ، فسألتُهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أَفْتِه يا أبا هريرة، فقد جاءتك مُعْضِلة. فقال أبو هريرة: الواحدةُ تُبِينها، والثلاثُ تُحرِّمها حتى تنكح زوجًا غيره.\nوقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: إنَّ كلَّ من أفتى الناسَ في كلِّ ما يسألونه عنه لَمجنون (^١).\nقال مالك: وبلغني عن ابن مسعود مثلُ ذلك. رواه ابن وضَّاح عن يوسف بن عدي، عن عَبِيدة بن حُمَيد (^٢)، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله (^٣). ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن عبد الله (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٢٠٤)، والبيهقي في \"المدخل\" (٧٩٩)، وهو منقطع بين يحيى بن سعيد الأنصاري وابنِ عباس.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"عبد بن حميد\"، وهو خطأ. وضبط \"عبيدة\" في س بضم العين، وهو أيضًا خطأ. انظر: توضيح المشتبه\" (٦/ ١٣٠).\n(^٣) رواه محمد بن وضاح، ومن طريقه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٢٠٦).\nورواه أبو خيثمة في العلم (١٠) ــ وعنه أبو القاسم البغوي في الجعديات (٣٢٠) ــ، والدارمي في \"المسند\" (١٧٦)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٩٢٣، ٨٩٢٤)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٥٩٠)، والبيهقي في \"المدخل\" (٧٩٨).\n(^٤) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٩٢٤)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٢٠٨، ٢٢١٣)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٥١٥).","vol":"1","page":71},{"text":"وقال سَحنون بن سعيد: أجسَرُ الناس على الفتيا أقلُّهم علمًا، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، يظنُّ أنَّ الحقَّ كلَّه فيه (^١).\nقلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلّة العلم ومن غزارته وسعته. فإذا قلَّ علمُه أفتى عن كلِّ ما يُسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه. ولهذا كان ابنُ عباس من أوسع الصحابة فُتيا، وقد تقدَّم (^٢) أنَّ فتاواه جُمِعت عشرين سِفْرًا (^٣). وكان سعيد بن المسيِّب أيضًا واسع الفتيا، وكانوا يسمُّونه \"الجريء\" كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: كنتُ أرى الرجلَ في ذلك الزمان وإنّه لَيدخلُ يَسأل عن الشيء، فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس، حتَّى يُدفَع إلى مجلس سعيد بن المسيِّب، كراهيةً للفتيا (^٤)، قال: وكانوا يدعون سعيد بن المسيِّب \"الجريء\" (^٥).\nوقال سَحنون: إنِّي لأحفظ [١٨/ب] مسائل، منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أَعجَل بالجواب حتَّى أتخيَّر (^٦)؟\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٢١١).\n(^٢) في أول الكتاب (١/ ٢٠).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"في عشرين سفرًا\" ولعل زيادة \"في\" من تصرُّف الناشرين.\n(^٤) ت: \"كراهية الفتيا\".\n(^٥) رواه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١٩٧١ - السفر الثالث)، ومن طريقه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٢٠٥)،.\n(^٦) في حاشية ح: \"لعله: أتبحر\". قلت: بل الصواب ما جاء في النسخة. وفي النسخ المطبوعة: \"قبل الخبر\"، وهو تحريف.","vol":"1","page":72},{"text":"فلِمَ أُلامُ على حبس الجواب؟ (^١).\nوقال ابن وهب: ثنا أشهل (^٢) بن حاتم، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناسَ أحدُ ثلاثة: من يَعلم ما نُسِخ من القرآن، أو أميرٌ لا يجد بُدًّا، أو أحمق متكلِّف. قال: فربما قال ابن سيرين: فلستُ بواحد من هذين، ولا أحبُّ أن أكون الثالث (^٣)!\nقلت: مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفعُ الحكمِ بجملته تارةً وهو اصطلاح المتأخرين، ورفعُ دلالةِ العامِّ والمطلق والظاهر وغيرِها تارةً، إما بتخصيص أو تقييد أو حملِ مطلقٍ على مقيَّد وتفسيره وتبيينه به (^٤)، حتَّى إنهم لَيسمُّون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا، لتضمُّنِ ذلك رفعَ دلالة الظاهر وبيانَ المراد. فالنسخُ عندهم وفي لسانهم هو بيانُ المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه. ومن تأمَّل كلامَهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالاتٌ أوجبها حملُ كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر.\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٢١١).\n(^٢) في حاشية ح: \"سهل\" مع علامة \"صح\"، وقد أخطأ المحشِّي.\n(^٣) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٢١٤) من طريق ابن وهب به. ورواه عبد الرزاق (٢٠٤٠٥)، والدارمي (١٧٧)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٢١٧)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٣١)، والبيهقي في \"المدخل\" (٧١)، من طرق عن ابن سيرين عن حذيفة، ولم يسمع منه. لكن رواه الدارمي (١٧٨) من طريق ابن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه.\n(^٤) \"به\" ساقط من ع والنسخ المطبوعة.","vol":"1","page":73},{"text":"وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناسَ أحدُ ثلاثة: رجلٌ يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، وأميرٌ لا يجد بدًّا، وأحمق متكلِّف. قال ابن سيرين: فأنا لستُ أحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق متكلِّفًا (^١)!\nوقال أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب \"جامع فضل العلم\" (^٢): ثنا خلَف بن القاسم، ثنا يحيى بن الربيع، نا محمد بن حمَّاد المِصِّيصي، ثنا إبراهيم بن واقد، نا المطلب بن زياد قال: حدثني جعفر بن الحسين (^٣) إمامنا قال: رأيتُ أبا حنيفة في النوم، فقلتُ: ما فعل الله بك يا أبا حنيفة؟ قال: غُفِر لي. [١٩/أ] فقلتُ (^٤) له: بالعلم؟ فقال: ما أضَرَّ الفتيا على أهلها! فقلتُ: فبم؟ قال: بقول الناس فيَّ ما لم يعلم الله منِّي (^٥).\nقال أبو عمر (^٦): وقال سَحنون يومًا: إنّا لله، ما أشقى المفتي والحاكم! ثم قال: ها أنا ذا يُتعلَّم منِّي ما تُضرَب به الرقابُ، وتُوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق. أما كنتُ عن هذا غنيًّا؟\nقال أبو عمر (^٧): وقال أبو عثمان الحدّاد: القاضي أيسَرُ مأثَمًا وأقربُ\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٢١٧)، وفي سنده سُنيد، وفيه لينٌ.\n(^٢) برقم (٢٢١٩).\n(^٣) في \"جامع بيان العلم\": \"حسن\".\n(^٤) ت: \"قلت\".\n(^٥) في النسخ المطبوعة: \"أنه منِّي\".\n(^٦) في \"جامع بيان العلم\" (٢٢٢٠).\n(^٧) في الكتاب المذكور (٢٢٢١).","vol":"1","page":74},{"text":"إلى السلامة من الفقيه ــ يريد المفتي ــ لأنَّ الفقيهَ مِن شأنه إصدارُ ما يرد عليه من ساعته بما حضره من القول، والقاضي شأنُه الأناة والتثبُّتُ. ومَن تأنَّى وتثبَّت تهيَّأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديئة (^١). انتهى.\nوقال غيره: المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي، لأنه لا يُلْزِم بفتواه، وإنما يُخبِر بها من استفتاه، فإن شاء قبِل قوله، وإن شاء تركه. وأما القاضي فإنه يُلْزِم بقوله، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم، ويتميَّز القاضي بالإلزام به (^٢) والقضاء، فهو من هذا الوجه خطرُه أشدُّ (^٣).\nولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيرُه في المفتي، كما رواه أبو داود الطيالسي (^٤) من حديث عائشة أنها ذُكِر عندها القضاةُ، فقالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"يؤتى بالقاضي العدل يومَ القيامة، فيَلْقى من شدّة الحساب ما يتمنَّى أنه لم يقضِ بين اثنين في تمرةٍ قطُّ\".\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة و\"جامع بيان العلم\": \"البديهة\"، وهما بمعنى.\n(^٢) \"به\" ساقط من ع.\n(^٣) نقله المناوي في \"فيض القدير\" (٤/ ٥٣٨) مختصرًا.\n(^٤) برقم (١٦٥٠). ورواه أحمد (٢٤٤٦٤)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" ٤/ ٢٨٢، والمرُّوذي في \"أخبار الشيوخ\" (١٣٥)، وابن أبي الدنيا في \"الإشراف\" (٩١)، ووكيع بن خلف في \"أخبار القضاة\" (١/ ٢٠ - ٢١)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ١٠٧، ٤/ ٣٥٣)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٦١٩)، وابن حبان (٥١١١)، والبيهقي (١٠/ ٩٦)، ومن طريقه الذهبي في السير (١٨/ ١٧٠)، وقال: غريبٌ جدّا اهـ. ويُتأمّل ما ذكره في ترجمة عمران بن حطان من \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٢٣٥).\nوسنده ضعيف؛ عمرو بن العلاء اليشكري وصالح بن سرج مجهولا الحال.","vol":"1","page":75},{"text":"وروى الشعبي عن مسروق عن عبد الله يرفعه: \"ما من حاكمٍ يحكُم بين الناس إلا وُكِلَ به ملَكٌ آخِذٌ (^١) بقفاه حتى يقف به على شَفير جهنم. فيرفع رأسه إلى الله، فإن أمَره أن يقذفه قذَفه في مهوَى أربعين خريفا\" (^٢).\nوفي \"السنن\" (^٣) من حديث [٢١/ب] ابن بريدة (^٤) عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة: رجلٌ عرَف الحقَّ، فقضَى به، فهو في الجنة. ورجلٌ قضَى بين الناس بالجهل، فهو في النار. ورجل عرَفَ الحقَّ، فجَارَ، فهو في النار\".\nوقال عمر بن الخطاب (^٥) - ﵁ -: ويلٌ لِدَيَّانِ مَن في الأرض مِن دَيَّانِ مَن في السماء يوم يلقونه، إلَّا مَن أمرَ بالعدل، وقضَى بالحق، ولم يَقْضِ على هوًى، ولا على قرابة، ولا على رَغَبٍ ولا رَهَبٍ (^٦)؛ وجعَل كتابَ الله مرآةً بين عينيه (^٧).\n_________\n(^١) ت: \"وكل الله به ملكًا آخذًا\".\n(^٢) رواه أحمد (٤٠٩٧)، وابن ماجه (٢٣١١)، وسنده ضعيف؛ لضعف مجالد بن سعيد، وقد اختلف عليه الثقات في رفعه ووقفه، ورجّح الدارقطني في \"العلل\" (٥/ ٢٤٩) أنه موقوف.\n(^٣) رواه أبو داود (٣٥٧٣)، وابن ماجه (٢٣١٥)، والترمذي (١٣٢٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦١٠٢)، وصححه الحاكم (٤/ ٩٠) والعراقي في \"المغني\" (٢/ ٩٣٩)، ولا يخلو طريقٌ من طرقه من علّة، لكن مجموع أسانيده يُشير إلى أن له أصلا.\n(^٤) ت: \"أبي بريدة\"، خطأ.\n(^٥) لم يرد \"بن الخطاب\" في ت.\n(^٦) ت: \"على رهب\".\n(^٧) رواه ابن أبي شيبة (٢٣٤١٦)، وأحمد في \"الزهد\" (٦٦٣)، وسمويه في \"الفوائد\" (كما في \"العلو\" للذهبي ص ٦١٢) ــ ومن طريقه أبو نعيم في \"فضيلة العادلين\" (٤٤)، والذهبي في \"العلو\" ص ٦١٢، وخلف بن وكيع في \"أخبار القضاة\" (١/ ٣٠ - ٣١)، وابن خزيمة في \"السياسة\" ــ كما في \"إتحاف المهرة\" ١٢/ ٣٠٩ ــ، وأبو العباس الأصم في جزء من حديثه (٤٤)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١١٧)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٣٥/ ٣١٨ - ٣١٩، ٥٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤، ٥٦/ ١٣١)، وسند الأثر صحيح.","vol":"1","page":76},{"text":"وفي \"سنن أبي داود\" (^١) من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"مَن طلَب قضاءَ المسلمين حتى يناله، ثم غلَب عدلُه جورَه، فله الجنة. ومَن غلب جورُه عدلَه فله النار\".\nوفي \"سنن البيهقي\" من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الله مع القاضي ما لم يجُرْ، فإذا جار برئ الله منه، ولزمه الشيطان\" (^٢).\nوفيه من حديث حسين المعلِّم، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنَّ الله مع القاضي ما لم يَجُرْ، فإذا جار وكَله إلى نفسه\" (^٣).\n_________\n(^١) برقم (٣٥٧٥)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ٨٨)، وسنده ضعيف، فيه موسى بن نجدة، وهو مجهول.\n(^٢) كذا، وقد دخل على المصنِّف - ﵀ - حديثٌ في حديث، حين نقله من \"السنن الكبير\" للبيهقي (١٠/ ٨٨)، فأدخل سند حديثٍ عن ابن عباس في متن حديثٍ عن ابن أبي أوفى - ﵁ -، وسيأتي تخريج حديث ابن أبي أوفى عَقِب هذا.\n(^٣) رواه ابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٣٠٦) ــ ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٨٨) ــ عن ابن صاعد: حدثنا أحمد بن سنان القطان، حدثنا محمد بن بلال، عن عمران القطان عن حسين المعلم به. كذا جوّده ابن سنان في رواية ابن صاعد عنه، أما ابن ماجه؛ فرواه (٢٣١٢) عن ابن سنانٍ، عن ابن بلال به، لكنه جعله من رواية حسين بن عمران، فهذا اختلاف على ابن سنان، وقد تفصّى منه خلف بن وكيع في \"أخبار القضاة\" (١/ ٣٥) بإهماله نسب الحسين هذا. على أن حسينًا المعلم لا تُعرَف له رواية عن الشيباني، ولا تُعرَف لعمران القطان رواية عن حسين المعلم. وقد تابع ابنَ سنانٍ على نسبته حسينَ بن عمران: ابنُ نمير وعلي بن نصر الجهضمي، ومن طريقهما رواه الطبراني ــ ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٦/ ٤٥٨) ــ. ويُنظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٢/ ٣٨٧)، و\"الجامع\" للترمذي (١٣٣٠)، و\"المسند الصحيح\" لابن حبّان (٧٢١)، و\"المستدرك\" للحاكم (٤/ ٩٣).","vol":"1","page":77},{"text":"وفي \"السنن الأربعة\" (^١) من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"مَنْ قعَد قاضيًا بين المسلمين فقد ذُبِح بغير سكِّين\".\nوفي \"سنن البيهقي\" (^٢) من حديث أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي\n_________\n(^١) أبو داود (٣٥٧١، ٣٥٧٢)، وابن ماجه (٢٣٠٨)، والترمذي (١٣٢٥) وقال: حديث حسن غريب، والنسائي في \"الكبرى\" (٦١٠٣ - ٦١٠٦)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٩١)، وقال العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٣٥٤): \"إسناد صالح\". وحسّنه البغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٩٢)، وابن النحوي في \"البدر المنير\" (٩/ ٥٤٦)، وصحّحه العراقي في \"المغني عن حمل الأسفار\" (٢/ ٩٣٩). ويُنظر: \"العلل\" لابن المديني (ص ٧٣ - ٧٤)، و\"العلل\" للدارقطني (١٠/ ٣٩٧ - ٤٠١).\n(^٢) (١٠/ ٩٧)، ورواه الطيالسي (٢٦٤٦)، وأحمد (٨٦٢٧، ١٠٧٥٩)، وأبو يعلى (٦٢١٧)، وابن خزيمة في \"السياسة\" [من صحيحه] كما في \"إتحاف المهرة\" (١٥/ ٥٢)، والحاكم (٤/ ٩١) وصحّحه، من طريق عباد بن أبي علي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعا. وضعّفه ابن القطان في \"بيان الوهم\" (٤/ ٣٦٠) بقوله: \"وعباد بن أبي علي ... عدالته لم تثبت\". وذكر (٥/ ٧٤٥) أنه لا تُعرَف حالُه. وقال الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٣٧٠): \"حديثٌ منكرٌ\". ورواه ابن حبان (٤٨٥٨)، وأبو أحمد الحاكم في \"الأسامي والكنى\" (٤/ ١١) من طريق معمر، عن هشام بن حسان، عن أبي حازم مولى أبي رهم، عن أبي هريرة مرفوعا. وهو غريبٌ جدًّا من حديث هشام بن حسان، وفي رواية معمر عن البصريين نظر.","vol":"1","page":78},{"text":"- ﷺ - قال: \"ويلٌ للأمراء، وويلٌ للعُرَفاء، وويلٌ للأُمَناء. لَيَتمنَّيَنَّ أقوامٌ يومَ القيامة أنَّ نواصيَهم كانت معلَّقةً بالثُريَّا يتجَلْجَلُون بين السماء والأرض، وأنهم لم يَلُوا عملًا\".\n[٢٠/أ] وأمَّا المفتي، ففي \"سنن أبي داود\" (^١) من حديث مسلم بن يَسَار قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَن قال عليَّ ما لم أقُلْ فَلْيتبوَّأْ بيتًا في جهنَّم. ومن أفتَى بغير علمٍ كان إثمُه على من أفتاه. ومن أشار على أخيه بأمرٍ يعلمُ الرُّشْدَ في غيرِه فقد خانه\".\nفكلُّ خطرٍ على المفتي فهو على القاضي، وعليه من زيادة الخطر ما يختَصُّ به. ولكنَّ خطرَ المفتي أعظم (^٢) من جهة أخرى فإنَّ فتواه شريعة عامة تتعلَّق بالمستفتي وغيره. وأما الحاكم، فحكمُه جزئيٌّ خاصٌّ لا يتعدَّى إلى غير المحكوم عليه وله. فالمفتي يُفتي حكمًا عامًّا كُلِّيًّا أن من فعل كذا ترتَّب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا؛ والحاكم (^٣) يقضي قضاءً معيَّنًا على شخص معيّن، فقضاؤه خاصٌّ ملزم، وفتوى العالم عامَّة غير ملزمَة. فكلاهما\n_________\n(^١) برقم (٣٦٥٧). ورواه أحمد (٨٢٦٦) وابن ماجه (٥٣)، وفي سند الحديث اختلافٌ واضطرابٌ، يُنظر: \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ٣٧٠)، وعلّة الحديث: عمرو بن أبي نعيمة، وهو مجهول الحال، وقال الدارقطني: مجهولٌ، يُترَك اهـ. وقد أسقطه بعضُ الرواة من السند، وشيخُه مسلم بن يسار الطنبذي مستور الحال، لم يوثّقه من يُعتدّ به.\n(^٢) \"أعظم\" ساقط من ت.\n(^٣) ع: \"القاضي\".","vol":"1","page":79},{"text":"أجره عظيم، وخطره كبير.\nفصل\nوقد حرَّم الله سبحانه القولَ عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرَّمات؛ بل جعله في المرتبة (^١) العليا منها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فرتَّب المحرَّماتِ أربعَ مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشدُّ تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشدُّ تحريمًا من ذلك كلِّه، وهو القولُ عليه بلا علم (^٢). وهذا يعُمُّ القولَ عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه.\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ [٢٠/ب] هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. فتقدَّم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذبِ عليه في أحكامه، وقولِهم لما لم يحرِّمه: هذا حرام، ولما لم\n_________\n(^١) ت: \"الرتبة\".\n(^٢) وهكذا فسَّر الآية في \"مدارج السالكين\" (١/ ٣٧٨) أيضًا. وسيأتي نحوه في آخر هذا الكتاب. وذكر شيخ الإسلام في \"الجواب الصحيح\" (٢/ ٢١٦) أن تقديم اللفظ في الآية للانتقال من الأدنى إلى الأعلى، وفيه (٤/ ٢١٣) أن القول على الله بغير علم أعظم المحرَّمات.","vol":"1","page":80},{"text":"يُحِلَّه: هذا حلال. وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، إلّا لِما عَلم أنَّ الله سبحانه أحلَّه وحرَّمه (^١).\nوقال بعض السلف (^٢): لِيتَّقِ أحدُكم أن يقول: أحلَّ الله كذا، وحرَّم الله كذا (^٣)، فيقولَ الله له: كذبتَ، لَمْ أُحِلَّ كذا، ولمْ أحرِّم كذا.\nفلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورودَ الوحي المُبِين بتحليله وتحريمه: أحلَّه الله، وحرَّمه الله؛ لمجرَّد التقليد أو بالتأويل.\nوقد نهى النبيُّ - ﷺ - في الحديث الصحيح أميرَه بُرَيدة أن يُنْزِلَ عدوَّه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال: \"فإنك لا تدري أتصيبُ حُكمَ الله فيهم أم لا، ولكن أَنزِلْهم على حكمك وحكم أصحابك\" (^٤). فتأمَّلْ كيف فرَّق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمَّى حكمُ المجتهدين \"حكم الله\".\nومن هذا: لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- حكمًا حكَم به، فقال: هذا ما أرى اللهُ أميرَ المؤمنين عمرَ، فقال: لا\n_________\n(^١) ع: \"أو حرَّمه\".\n(^٢) وكذا في \"مدارج السالكين\" (١/ ٣٧٩) و\"أحكام أهل الذمة\" (١/ ١١٤). وسيأتي قريبًا منسوبًا إلى الربيع بن خُثَيم، وهناك تخريجه.\n(^٣) ما عدا ح: \"وحرَّم كذا\".\n(^٤) جزء من حديث بُرَيدة بن الحُصَيب، أخرجه مسلم (١٧٣١) كما سيأتي مرة أخرى عنه بهذا اللفظ، وليس في رواية مسلم: \"وحكم أصحابك\". والحديث بهذا اللفظ أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١٣٥)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن أبي هلال إلا خالد بن يزيد، تفرَّد به ابن لهيعة. وقد نقله المؤلف في \"أحكام أهل الذمة\" كما في \"الصحيح\".","vol":"1","page":81},{"text":"تقل هكذا، ولكن قل: هذا ما رأى أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب (^١).\nوقال ابن وهب: سمعتُ مالكًا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا مَن مضى مِن سلفنا، ولا أدركتُ أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام. ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره (^٢) كذا، ونرى هذا حسنًا، ويُتَّقَى (^٣) هذا، ولا نرى هذا (^٤).\nورواه عنه عتيق بن يعقوب، [٢١/أ] وزاد: ولا يقولون حلال ولا حرام. أما سمعتَ (^٥) قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] الحلالُ: ما أحلَّه الله ورسوله، والحرامُ: ما حرَّمه الله ورسوله (^٦).\nقلت: وقد غلِط كثيرٌ من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة؛ فنفى المتأخرون التحريمَ عمَّا أطلق عليه الأئمةُ الكراهةَ، ثم سهُل عليهم لفظُ\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٨)، والبيهقي (١٠/ ١١٦)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٢٦٦) من طريقين عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي الضحى، عن مسروق به. وصحّحه ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٣٥٨).\n(^٢) ح: \"يُكره\".\n(^٣) هكذا في س، ت مضبوطًا بضم أوله. وحرف المضارعة مهمل في ح. وفي ت: \"ننفي\". وفي ع، ف، والمطبوع: \"نتّقي\". وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومن تابعه: \"فينبغي\".\n(^٤) ذكره ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢٠٩١).\n(^٥) ت: \"سمعتم\".\n(^٦) ذكره ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢٠٩١) معلّقًا.","vol":"1","page":82},{"text":"الكراهة، وخفَّت مؤنته عليهم، فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى. وهذا كثيرٌ جدًّا في تصرُّفاتهم؛ فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة.\nوقد قال الإمام أحمد (^١) في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول: هو حرام. ومذهبه: تحريمه (^٢)، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان (^٣).\nوقال أبو القاسم الخِرَقي (^٤) فيما نقله عن أبي عبد الله: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة. ومذهبه أنه لا يجوز.\nوقال في رواية أبي داود (^٥): ويُستحَبُّ أن لا يدخل الحمامَ إلا بمئزر.\n_________\n(^١) في رواية ابن منصور (٤/ ١٥٥١): \"لا أقول: إنه حرام، ولكن ينهى عنه\". وانظر: \"العدَّة\" لأبي يعلى (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) انظر: \"مسائل أبي داود\" (ص ٢٣٣)، و\"المغني\" (٩/ ٥٤١)، و\"زاد المعاد\" (٥/ ١١٥)، وقال شيخ الإسلام: \"وأما أن يجعل عن أحمد أنه لا يحرِّم بل يكره، فهذا غلط عليه ومرجعه إلى الغفلة عن دلالة الألفاظ ومراتب الكلام\". انظر: \"اختيارات ابن اللحام\" (ص ٢١٢).\n(^٣) رواه مالك (١٩٧٤)، والشافعي في \"الأم\" (٦/ ٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢٧٢٨، ١٢٧٣٢)، وابن أبي شيبة (١٦٥١٢، ١٦٥١٩)، والدارقطني (٣٧٢٥)، والبيهقي (٧/ ١٦٣)، وهو صحيح.\n(^٤) في \"مختصره\" مع \"المغني\" (١/ ١٠١).\n(^٥) لم أجدها في مسائله، وأخشى أن تكون وهمًا من المصنف. فقد جاء فيها (ص ٢٠): \"قلت لأحمد: صرتُ في موضع يومَ الجمعة، وليس معي إزار، وأنا عند نهر. أحبُّ إليك أن أغتسل أو أدَع؟ قال: إن لم يكن يراه أحد. قلتُ: لا يراه. قال: أرجو. ثم قال أحمد: يستحب أن لا يدخل الماء إلا بمئزر\". وانظر: \"الروايتين والوجهين\" (٣/ ١٣٨). فالسياق كما ترى في دخول ماء النهر للاغتسال. أما دخول الحمام بلا مئزر فذكر شيخ الإسلام في الجواب عن سؤال أنه محرَّم باتفاق الأئمة، وذكر بعض الأحاديث الواردة في النهي عنه، ثم استطرد إلى حكم ستر العورة في الخلوة، فقال: \"وقد كره غير واحد من العلماء كأحمد وغيره النزولَ في الماء بغير مئزر\". انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٣٣٦ - ٣٣٩). ولا شك أن هذه الكراهية ليست كراهية تحريم.","vol":"1","page":83},{"text":"وهذا استحباب وجوب.\nوقال في رواية إسحاق بن منصور (^١): إذا كان أكثرُ مال الرجل حرامًا فلا يُعجبني أن يؤكل ماله. وهذا على سبيل التحريم.\nوقال في رواية ابنه عبد الله (^٢): لا يعجبني أكلُ ما ذُبِح للزُّهَرة ولا الكواكب ولا الكنيسة، وكلُّ شيء ذُبِحَ لغير الله. قال الله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣].\nفتأمَّلْ كيف قال: \"لا يعجبني\" فيما [٢١/ب] نصَّ الله سبحانه على تحريمه، واحتجَّ هو أيضًا بتحريم الله له في كتابه.\nوقال في رواية الأثرم (^٣): أكره لحوم الجلالة وألبانها. وقد صرَّح بالتحريم في رواية حنبل وغيره.\n_________\n(^١) في \"مسائله\" (٦/ ٢٦٢١).\n(^٢) في \"مسائله\" (ص ٢٦٦). وانظر: \"أحكام أهل الذمة\" (١/ ٥١٦) و\"اقتضاء الصراط المستقيم\" (٢/ ٥٦).\n(^٣) وكذا في رواية إسحاق بن منصور. انظر: \"مسائله\" (٥/ ٢٢٥١).","vol":"1","page":84},{"text":"وقال في رواية ابنه عبد الله (^١): أكره أكلَ لحم الحيَّة والعقرب، لأنَّ الحية لها ناب، والعقرب لها حُمَة. ولا يختلف مذهبه في تحريمه (^٢).\nوقال في رواية حَرْب (^٣): إذا صاد الكلبُ من غير أن يُرسَل فلا يعجبني؛ لأن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أرسلتَ كلبك، وسمَّيتَ\" (^٤). فقد أطلق لفظة \"لا يعجبني\" على ما هو حرام عنده.\nوقال في رواية جعفر بن محمد النسائي (^٥): لا يعجبني المُكْحُلَة والمِرْوَد، يعني من الفضَّة. وقد صرَّح بالتحريم في عدَّة مواضع (^٦)، وهو مذهبه بلا خلاف.\nوقال جعفر بن محمد أيضًا: سمعتُ أبا عبد الله سئل عن رجل قال لامرأته: كلُّ امرأة أتزوَّجها أو جاريةٍ أشتريها للوطء، وأنتِ حيَّة، فالجارية حرَّة، والمرأة طالق. قال: إن تزوَّج لم آمُره أن يفارقها (^٧)، والعتقُ أخشى أن يلزمه؛ لأنه مخالف للطلاق. قيل له: يهب له رجلٌ جاريةً، قال: هذا طريق الحيلة (^٨)، وكرِهَه؛ مع أنَّ مذهبه تحريمُ الحِيَل وأنَّها لا تخلِّص من الأيمان.\n_________\n(^١) انظر: \"مسائله\" (ص ٢٧٢).\n(^٢) \"المغني\" (١٣/ ٣١٧).\n(^٣) نقلها في \"الروايتين والوجهين\" (٣/ ١٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٧٥، ٥٤٧٦) ومسلم (١٩٢٩) من حديث عدي بن حاتم.\n(^٥) نقلها الخلال في \"الوقوف والترجل\" (ص ١١٣).\n(^٦) انظر رواية الفضل بن زياد في المصدر السابق (ص ١١٤).\n(^٧) ت: \"تزوج امرأة لم يفارقها\".\n(^٨) ع: \"الحيل\".","vol":"1","page":85},{"text":"ونصَّ على كراهة البطَّة (^١) من جلود الحُمْر، وقال: لا تكون (^٢) ذكية. ولا يختلف مذهبه في التحريم.\nوسئل عن شعر الخنزير، فقال: لا يعجبني (^٣). وهذا على التحريم (^٤)، وقال: يُكرَه القِدُّ (^٥) من جلود الحَمير، ذكيًّا وغير ذكي (^٦)؛ لأنه لا يكون ذكيًّا، وأكرهه لمن يعمل وللمستعمل (^٧).\nوسُئل عن رجل حَلَف: لا ينتفع بكذا، فباعه واشترى به غيره، فكَرِه ذلك. وهذا عنده لا يجوز.\nوسئل عن ألبان الأُتُن فكَرِهه (^٨). وهو [٢٢/أ] حرام عنده.\nوسئل عن الخمر يُتَّخَذ خلًّا، فقال: لا يعجبني (^٩). وهذا على التحريم عنده.\n_________\n(^١) فسَّرها الشيخ محمد محيي الدين في نشرته (١/ ٤١) بأنها \"رأس الخف بلا ساق\". والمعروف بهذا المعنى \"البطيط\" ومنه قول الإمام أحمد في رواية صالح (٢/ ٢٠٨): \"ويكره لُبس البَطِيطات الحمر\".\n(^٢) ع: \"تكون\" بإسقاط لا النافية، وهو خطأ.\n(^٣) انظر \"مسائل عبد الله\" (ص ١٣) وابن منصور (٩/ ٤٦٧٢).\n(^٤) ع: \"على سبيل التحريم\"، وفي ح أيضًا كتب بعضهم في الحاشية: \"سبيل صح\".\n(^٥) هو السَّيْر يخصف به النعل ويكون غير مدبوغ. \"المصباح المنير\" (ص ٤٩٢).\n(^٦) ت: \"أو غير ذكي\".\n(^٧) انظر: \"مسائل عبد الله\" (ص ١٣).\n(^٨) انظر: \"مسائل عبد الله\" (ص ٤٣٤) وابن هانئ (٢/ ١٤٢) وابن منصور (٨/ ٣٩٧٨).\n(^٩) في \"مسائل عبد الله\" (ص ٤٣٣): \"لا يعجبني، أكرهه\".","vol":"1","page":86},{"text":"وسئل عن بيع الماء، فكرهه (^١).\nوهذا في أجوبته أكثر من أن يستقصى، وكذلك غيره من الأئمة.\nوقد نصَّ محمد بن الحسن على أنَّ كلَّ مكروه فهو حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعًا لم يُطلق عليه لفظ \"الحرام\" (^٢).\nوروى محمد أيضًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب (^٣). وقد قال في \"الجامع الصغير\" (^٤): يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء. ومراده التحريم.\nوكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يُكرَه النوم على فرش الحرير والتوسُّد على وسائده، ومرادهما التحريم (^٥).\nوقال أبو حنيفة وصاحباه: يُكرَه أن يُلْبَس الذكورُ من الصِّبيان الذهبَ والحريرَ. وقد صرَّح الأصحاب أنه حرام، وقالوا: إنَّ التحريم لما ثبت في حقِّ الذكور وحرُم اللُّبسُ حَرُم الإلباس (^٦)، كالخمر لما حَرُم شربها حَرُم\n_________\n(^١) في \"مسائل صالح\" (٢/ ١٥٠) قال: \"لا أدري ما بيع الماء\". وفي \"مسائل ابن منصور\" (٦/ ٢٦٧٢): \"لا يباع فضل الماء والذي يحمل في القِرب فلا بأس به\".\n(^٢) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٤/ ٣٦٣).\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: \"الجامع الكبير\"، وصوَّبه في طبعة دار ابن الجوزي. وانظر المسألة المذكورة في \"الجامع الصغير\" (ص ٤٧٥).\n(^٥) انظر: \"الجامع الصغير\" (ص ٤٧٦ - ٤٧٧) و\"تحفة الفقهاء\" (٣/ ٣٤٢) و\"الهداية\" (٤/ ٣٦٦).\n(^٦) س، ت: \"وتحريم اللبس تحريم الإلباس\". وفي ع: \"وتحريم اللبس يحرم الإلباس\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":87},{"text":"سقيُها (^١).\nوكذلك قالوا: يُكرَه منديلُ الحرير الذي يتمخَّط فيه ويتمسَّح من الوضوء. ومرادهم التحريم.\nوقالوا: يُكرَه بيعُ العَذِرة، ومرادهم التحريم (^٢).\nوقالوا: يُكرَه الاحتكارُ في أقوات الآدميين والبهائم إذا أضرَّ بهم وضيَّق عليهم (^٣)، ومرادهم التحريم.\nوقالوا: يكره بيع السلاح في أيام الفتنة (^٤)، ومرادهم التحريم.\nوقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة (^٥)، ومراده التحريم عندهم.\nقالوا: ويُكرَه اللعب بالشِّطْرَنج (^٦)، وهو حرام عندهم.\nقالوا: ويُكرَه أن يجعل الرجلُ في عنق عبده أو غيره طوقَ الحديد الذي يمنعه من التحرُّك، وهو الغُلُّ (^٧). وهو حرام. وهذا [٢٢/ب] كثير في كلامهم جدًّا.\nوأما أصحاب مالك، فالمكروه عندهم مرتبة بين الحرام والمباح، ولا يطلقون عليه اسم الجواز. ويقولون: إنَّ أكلَ كلِّ ذي ناب من السباع مكروه\n_________\n(^١) \"الهداية\" (٤/ ٣٦٧) ولعل النقل منه.\n(^٢) \"الجامع الصغير\" (ص ٤٨٠)، \"الهداية\" (٤/ ٣٧٥).\n(^٣) \"الجامع الصغير\" (ص ٤٨١)، \"الهداية\" (٤/ ٣٧٧).\n(^٤) \"الجامع الصغير\" (ص ٣١٩)، \"الهداية\" (٢/ ٤١٤)، (٤/ ٣٧٨).\n(^٥) \"الجامع الصغير\" (ص ٤٨١)، \"الهداية\" (١/ ٤٨١).\n(^٦) \"الجامع الصغير\" (ص ٤٨٢)، \"الهداية\" (٤/ ٣٨٠).\n(^٧) \"الهداية\" (٤/ ٣٨١).","vol":"1","page":88},{"text":"غير مباح.\nوقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا، وهو حرام. فمنها: أن مالكًا نصَّ على كراهة الشِّطْرَنج (^١). وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم (^٢).\nوكذلك قال الشافعي في اللَّعِب بالشِّطْرنج: إنه لَهْوٌ شبهُ الباطل، أكرهه ولا يتبيَّن لي تحريمه (^٣). فقد نصَّ على كراهته، وتوقَّف في تحريمه. فلا يجوز أن يُنسَب إليه وإلى مذهبه أنَّ اللعب بها جائز، وأنه مباح؛ فإنه لم يقل هذا ولا ما يدلُّ عليه. والحقُّ أن يقال: إنه كرِهَها، وتوقَّف في تحريمها. فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته؟ (^٤).\nومن هذا أيضًا: أنه نصَّ على كراهة تزوُّج الرجلِ بنتَه المخلوقةَ من ماء الزنا (^٥)، ولم يقل قطُّ: إنه مباح ولا جائز. والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحلَّه الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظَ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله (^٦).\nوقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرَّمه من المحرَّمات من عند قوله:\n_________\n(^١) \"الموطأ\" (٢/ ٩٥٨).\n(^٢) انظر: \"الاستذكار\" (٨/ ٤٦٠) و\"التمهيد\" (١٣/ ١٨١) و\"المنتقى\" (٧/ ٢٧٨).\n(^٣) لفظ الشافعي في \"الأم\" (٦/ ٢٢٤): \"ولا نحب اللعب بالشطرنج، وهو أخفّ من النرد\". وانظر: \"السنن الكبير\" للبيهقي (١٠/ ٣٥٧).\n(^٤) وانظر: \"الفروسية\" للمصنف (ص ٢٤٣).\n(^٥) انظر: \"المجموع شرح المهذب\" (١٦/ ٢٢٢).\n(^٦) وانظر: \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":89},{"text":"﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخر الآيات. ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٣٨].\n[٢٣/أ] وفي \"الصحيح\" (^١): \"إنَّ الله ﷿ كرِه لكم قيلَ وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال\".\nفالسلف كانوا يستعملون \"الكراهة\" في معناها الذي استُعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرَّم، وتركُه أرجح من فعله. ثم حمَل مَن حمَل منهم كلامَ الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلِط (^٢) في ذلك.\nوأقبَحُ غلطًا منه مَن حمل لفظ الكراهة أو لفظ \"لا ينبغي\" في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث. وقد اطَّرَد في كلام الله ورسوله استعمال \"لا ينبغي\" في المحظور شرعًا أو قدرًا، وفي المستحيل الممتنع (^٣)، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]. وقوله على لسان نبيه: \"كذَّبني ابنُ آدم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٧٧) ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة.\n(^٢) ح: \"فغلطوا\".\n(^٣) وقال نحوه في \"الداء والدواء\" (ص ٣٠٩) و\"بدائع الفوائد\" (٤/ ١٣٠٧).","vol":"1","page":90},{"text":"وما ينبغي له، وشتَمني ابنُ آدم وما ينبغي له\" (^١)، وقوله - ﷺ -: \"إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام\" (^٢)، وقوله - ﷺ - في لباس الحرير: \"لا ينبغي هذا للمتقين\" (^٣)، وأمثال ذلك.\nوالمقصود: أن الله سبحانه حرَّم القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، والمفتي يُخبر عن الله ﷿ وعن دينه، فإن لم يكن خبرُه مطابقًا لما شرعه كان قائلًا عليه بلا علم. ولكن إذا اجتهد واستفرغ وسعه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد، وعُفي له عمّا أخطأ به، وأُثيبَ على اجتهاده. ولكن لا يجوز أن يقول لما أدَّاه (^٤) إليه اجتهادُه ولم يظفر فيه بنصٍّ عن الله ورسوله: إنّ الله حرَّم كذا، وأوجب كذا، وأباح كذا، وإنَّ هذا هو حكم الله.\nقال ابن وضَّاح: ثنا يوسف بن عدي، ثنا عَبِيدة [٢٣/ب] بن حُمَيد، عن عطاء بن السائب قال: قال الرَّبيع بن خُثَيم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إنَّ الله حرَّم هذا أو نهى عنه، فيقول الله: كذبتَ! لَم أحرِّمه ولم أَنْهَ عنه؛ أو يقول: إنَّ الله أحلَّ هذا، أو أمر به، فيقول الله: كذبتَ! لم أُحِلَّه ولم آمُرْ به (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٩٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٧٥) ومسلم (٢٠٧٥) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -.\n(^٤) ت: \"أدَّى\".\n(^٥) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٩٠) ــ وعنه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٥٣) ــ، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٥٢٩). وله طريق آخر رواه المستغفري في \"فضائل القرآن\" (٣٣٠)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٢٨٩).","vol":"1","page":91},{"text":"قال أبو عمر (^١): وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل به، فيُسأل عنه، فيجتهد فيه رأيه: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].\n* * *\n_________\n(^١) في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ١٠٧٥). ورواه بنحوه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٢٣)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٢١، ٥٧)، وعنه الحميدي في \"جذوة المقتبس\" (ص ٢٦٦ - ٢٦٧).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>فصول\nفي كلام الأئمة في أدوات الفتيا، وشروطها</span>، ومن ينبغي له أن يفتي، وأين يسع قول المفتي (^١): \"لا أدري\"؟\nقال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح (^٢) عنه: ينبغي للرجل إذا حمَل نفسَه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا بالسُّنن. وإنما جاء خلافُ من خالف لقلَّةِ معرفتهم بما جاء عن النبي - ﷺ -، وقلَّةِ معرفتهم بصحيحها من سقيمها.\nوقال في رواية ابنه عبد الله (^٣): إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قولُ رسول الله - ﷺ - واختلافُ الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخيَّر، فيقضي (^٤) به ويعمل به، حتَّى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به، فيكون يعمل على أمر صحيح.\nوقال في رواية أبي الحارث (^٥): لا يجوز الإفتاء (^٦) إلا لرجل عالم\n_________\n(^١) في حاشية ح صححت العبارة بخط غير الناسخ هكذا: \"وأن يسعَ المفتيَ قولُ ... \".\n(^٢) لا توجد في مسائله المطبوعة. وقد أخرجها الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٣٢) من طريق أبي بكر الخلال عن محمد بن علي عن صالح. ونقلها مختصرةً القاضي في \"العدَّة\" (٥/ ١٥٩٥). ومنها في \"المسودة\" (ص ٥١٥). وسيوردها المصنف مرتين أخريين.\n(^٣) انظر: \"مسائله\" (ص ٤٣٨)، ونقلها القاضي في \"العدّة\" (٥/ ١٦١) من كتاب \"أخبار أحمد\" لأبي حفص. ومن \"العدة\" في \"المسودة\" (ص ٥١٧).\n(^٤) في المصادر المذكورة: \"فيفتي به\".\n(^٥) نقلها في \"العُدَّة\" (٤/ ١١٣٦) و(٥/ ١٥٩٥). وعنها في \"المسودة\" (ص ٣٣١، ٥١٥).\n(^٦) في المصدرين المذكورين: \"الاختيار\".","vol":"1","page":93},{"text":"بالكتاب والسنَّة.\nوقال في رواية حنبل (^١): ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدَّم، وإلا فلا يفتي.\nوقال محمد بن عبيد الله بن المنادي: سمعتُ رجلًا يسأل أحمد: إذا حفظ الرجلُ مائة ألف حديث يكون فقيهًا؟ قال: لا. قال: فمائتي ألف؟ قال: لا. قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، [٢٤/أ] وحرَّك يدَه (^٢). قال أبو الحسين (^٣): وسألتُ جدِّي محمد بن عبيدالله، قلتُ: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أجاب (^٤) عن ستمائة ألف.\nقال أبو حفص (^٥): قال لي أبو إسحاق (^٦): لما جلستُ في جامع\n_________\n(^١) \"العدَّة\" (٥/ ١٥٩٥)، \"المسودة\" (ص ٥١٥).\n(^٢) رواه أبو حفص العكبري في \"تعاليقه\" كما في \"العدة\" للقاضي أبي يعلى (٥/ ١٥٩٦ - ١٥٩٧)، وفي سنده رجلٌ مبهمٌ. وروى الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٤٥)، وابن أبي يعلى في \"طبقات الحنابلة\" (١/ ١٣١) نحوَه من طريق الحسن بن إسماعيل ابن الربعي، لكنه زاد (خمس مئة حديث)، وفي سنده أبو بكر المفيد، وهو واهٍ. ووازِن بما في \"الجامع\" للخطيب (١/ ٧٧).\n(^٣) في المطبوع: \"أبو الحسن\"، وخطَّأ محققه جميع أصوله التي فيها \"أبو الحسين\". وما خطَّأه هو الصواب. وهو أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي المتوفى سنة ٣٣٦. ترجمته في \"طبقات الحنابلة\" (٣/ ٥ - ١١).\n(^٤) هكذا في جميع النسخ و\"العدَّة\" (٥/ ١٥٩٧). وفي النسخ المطبوعة: \"أخذ\".\n(^٥) هو العكبري. والنقل مستمرٌّ من \"العدّة\".\n(^٦) ابن شاقْلا.","vol":"1","page":94},{"text":"المنصور للفتيا ذكرتُ هذه المسألة، فقال لي رجل: فأنتَ هو ذا تحفظ (^١) هذا القدر حتى تفتي الناس؟ فقلتُ له: عافاك الله، إنْ كنتُ أنا (^٢) لا أحفظ هذا المقدار فإنِّي هو ذا أفتي الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه.\nقال القاضي أبو يعلى (^٣): \"وظاهر هذا الكلام من أحمد أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره، وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى\". ثم ذكر حكاية أبي إسحاق لمَّا جلس في جامع المنصور، قال: \"وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلِّد أحمد فيما يفتي به، لأنه قد نصَّ في بعض \"تعاليقه\" على كتاب \"العلل\" على الدلالة على منع الفتوى بغير علم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].\nقلتُ: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد:\nأحدها: أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام. ولا خلاف بين الناس أنَّ التقليد ليس بعلم، وأنَّ المقلِّد لا يطلَق عليه اسمُ عالم. وهذا قول أكثر (^٤) الأصحاب وقول جمهور الشافعية.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"لا تحفظ\". وفي \"العدَّة\" و\"طبقات الحنابلة\" (٣/ ٢٩٣) كما أثبتنا من جميع النسخ.\n(^٢) \"أنا\" ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٣) في \"العدَّة\" (٥/ ١٥٩٧ - ١٥٩٨).\n(^٤) \"أكثر\" ساقط من ت.","vol":"1","page":95},{"text":"والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلَّق بنفسه، فيجوز له أن يقلِّد غيرَه من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلِّد العالمَ فيما يفتي به غيرَه. وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا. قال القاضي (^١): ذكر ابن بطَّة في مكاتباته إلى البرمكي (^٢): لا يجوز له أن يفتي بما يسمع من يفتي (^٣)، وإنما يجوز أن يقلِّد لنفسه. فأما أن يتقلَّد لغيره ويُفتي به، فلا.\nوالقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد. وهو أصحُّ الأقوال، وعليه العمل. قال القاضي (^٤): ذكر أبو حفص في \"تعاليقه\" قال: سمعتُ أبا علي الحسن بن عبد الله النجَّاد يقول: سمعتُ أبا الحسن بن بشران (^٥) يقول: ما أعيب على رجلٍ يحفظ لأحمد (^٦) خمسَ مسائل، استند إلى بعض سواري المسجد يفتي الناسَ (^٧) بها.\n_________\n(^١) في \"العدّة\" (٥/ ١٥٩٨).\n(^٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي (٣٦١ - ٤٤٥). ترجمته في \"طبقات الحنابلة\" (٣/ ٣٥٢).\n(^٣) كذا في جميع النسخ وأصل \"العدَّة\"، وقد أثبت محققها: \"ممن يفتي\". وفي \"شرح الكوكب المنير\" (٤/ ٥٦٢): \"من مفتٍ\".\n(^٤) في \"العدَّة\" (٥/ ١٥٩٨). وانظر: \"طبقات الحنابلة\" (٣/ ١١٨) و\"المسودة\" (ص ٥١٧) و\"شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٦٢).\n(^٥) كذا في ح، ف. وفي س، ت بإهمال السين، وفي ع بإهمال أوله أيضًا. والصواب: بشَّار كما في المطبوع. ولا أدري كيف اتفقت النسخ على هذا الخطأ. وهو علي بن محمد بن بشّار أبو الحسن الزاهد. حدَّث عن أبي بكر المرُّوذي وصالح وعبد الله ابني الإمام أحمد. توفي سنة ٣١٣. ترجمته في \"طبقات الحنابلة\" (٣/ ١٠٨).\n(^٦) ع: \"عن أحمد\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي \"العدَّة\" وغيرها كما أثبت.\n(^٧) \"الناس\" ساقط من ع، ف.","vol":"1","page":96},{"text":"وقال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب \"الفقيه والمتفقه\" له (^١): لا يحِلُّ لأحدٍ أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به (^٢). ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله - ﷺ -، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثلَ ما عرف من القرآن. ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر وما يحتاج إليه للعلم (^٣) والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف. ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار. وتكون له قريحة بعد هذا. فإذا كان هذا (^٤) هكذا فله أن يتكلَّم ويفتي في الحلال والحرام. وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي.\nوقال صالح بن أحمد: قلتُ لأبي: ما تقول في الرجل يُسأل عن الشيء، فيجيب بما في الحديث، وليس بعالم في الفقه؟ فقال: ينبغي للرجل إذا حمَل نفسَه على الفتيا أن يكون عالمًا بالسُّنن، عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد (^٥) الصحيحة (^٦). وذكر الكلام المتقدِّم.\n_________\n(^١) (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢). وفي سنده أحمد بن مروان المالكي، اتهمه الدارقطني.\n(^٢) بعده في \"الفقيه والمتفقه\": \"وفيما أنزل\".\n(^٣) ح، ف: \"العلم\". وفي مصدر النقل ما أثبت من غيرهما. وفي النسخ المطبوعة: \"للسنَّة\"، ولعله تصرف من بعض الناشرين.\n(^٤) \"فإذا كان هذا\" ساقط من ع لانتقال النظر.\n(^٥) ح، ف: \"بوجوه الأسانيد\". ولعله سهو. فالمثبت من غيرهما موافق لمصدر النقل وهو \"الفقيه والمتفقه\"، وكذا ذكره المؤلف قبل قليل، وكذا سيأتي في آخر الكتاب.\n(^٦) سبق تخريجه.","vol":"1","page":97},{"text":"وقال علي بن شَقيق: قيل لابن المبارك: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالمًا بالأثر، بصيرًا بالرأي (^١).\nوقيل ليحيى بن أكثم: متى تحبُّ (^٢) للرجل أن يفتي؟ فقال: إذا كان بصيرًا بالرأي، بصيرًا بالأثر (^٣).\nقلت: يريدان (^٤) بالرأي القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علَّق الشارع بها الأحكام، وجعَلهَا مؤثِّرةً فيها طردًا وعكسًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>فصل\nفي تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمِّن لمخالفة النصوص</span>، والرأيِ الذي لم تشهد له النصوصُ بالقبول\nقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. فقسَّم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى؛ فكلُّ ما لم يأتِ به الرسولُ فهو من الهوى (^٥).\n_________\n(^١) \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٣٢). ورواه البيهقي في \"المدخل\" (١٨٧)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٥٣٢) وسنده صحيح.\n(^٢) ع، ف: \"يجب\"، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.\n(^٣) رواه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٣٣).\n(^٤) س، ع، ف: \"يريد\".\n(^٥) سيأتي نحوه مرة أخرى. وانظر: \"الصواعق\" (٤/ ١٥٢٦) و\"روضة المحبين\" (ص ٥٤٨).","vol":"1","page":98},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. فقسَّم سبحانه طريقَ الحكم بين الناس إلى الحقِّ وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله (^١)، وإلى الهوى وهو ما خالفه.\nوقال تعالى لنبيِّه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩]. فقسَّم الأمر بين الشريعة التي جعله هو (^٢) سبحانه عليها، وأوحى إليه العملَ بها، وأمَر الأمَّة [٢٥/ب] بها؛ وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون. فأمر بالأول، ونهى عن الثاني.\nوقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. فأمَر باتباع المُنْزَل منه خاصَّة، وأعلَمَ أنَّ من اتبع غيرَه فقد اتبع من دونه أولياء (^٣).\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأنَّ\n_________\n(^١) س، ع: \"رسله\".\n(^٢) ت، ع: \"جعله الله\".\n(^٣) انظر نحوه في \"الرسالة التبوكية\" (ص ٥١)، وسيستدل بالآية أكثر من مرة في هذا الكتاب.","vol":"1","page":99},{"text":"طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرضِ ما يأمر (^١) به على الكتاب. بل إذا أمَر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أُوتي الكتابَ ومثلَه معه. ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا، بل حذَف الفعلَ، وجعَل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذانًا بأنهم إنما يطاعون تبعًا لطاعة الرسول (^٢). فمَن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته. ومَن أمر منهم بخلاف ما جاء به الرسول، فلا سمعَ له ولا طاعة، كما صحَّ عنه - ﷺ - أنه قال: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\" (^٣)، وقال: \"إنما الطاعة في المعروف\" (^٤)، وقال في ولاة الأمور: \"من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة\" (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"أمر\".\n(^٢) انظر مثل هذا الكلام في \"الرسالة التبوكية\" (ص ٤٣ - ٤٤).\n(^٣) رواه البزار (١٩٨٨) من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. ورواه الطبراني (١٨/ ١٧٠) بسند ضعيف عن الحسن، عن عمران بن حصين مرفوعا، والمحفوظ عن الحسن روايتُه الحديثَ مرسلا، كما رواه من طريقه ابن أبي شيبة (٣٤٤٠٦)، والخلال في \"السنة\" (٥٨). وله طريق أخرى عن عمران مرفوعا عند الحسن بن أحمد المخلدي في \"الفوائد المنتخبة\" (١٢٥)، وأبي سعيد النقاش في \"ثلاثة مجالس من أماليه\" (١١)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٨٧٣). ورواه البغوي في \"شرح السنة\" (٢٤٥٥) من حديث النواس بن سمعان مرفوعا، وسنده ضعيف. وللحديث طرقٌ وشواهدُ كثيرة تدلّ على صحة معناه ليس هذا مجال سردها.\n(^٤) جزء من حديث علي بن أبي طالب، أخرجه البخاري (٤٣٤٠) ومسلم (١٨٤٠) ..\n(^٥) رواه بمعناه أحمد (١١٦٣٩)، وابن ماجه (٢٨٦٣)، وابن خزيمة في \"السياسة\" [من صحيحه] (كما في \"إتحاف المهرة\" ٥/ ٣٧٣)، وابن حبان (٤١٨٥)، والحاكم (كما في \"إتحاف المهرة\")، وصحّحه أيضا البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ١٧٦)، والسند حسن إن شاء الله، وله شواهد في الصحيحين وغيرهما.","vol":"1","page":100},{"text":"وقد أخبر - ﷺ - عن الذين أرادوا دخولَ النار لمَّا أمرَهم أميرُهم بدخولها أنهم لو دخلوا لما خرجوا منها (^١)، مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعةً لأميرهم، وظنًّا أن ذلك واجب عليهم. ولكن لما قصَّروا في الاجتهاد، وبادروا [٢٦/أ] إلى طاعته (^٢) في معصية الله (^٣)، وحمَّلوا عمومَ الأمر بالطاعة ما (^٤) لم يُرِده الآمر - ﷺ - وما قد عُلِم من دينه إرادةُ (^٥) خلافه، فقصَّروا في الاجتهاد، وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبُّت وتبيُّن هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا. فما الظنُّ بمن أطاع غيرَه في صريح (^٦) مخالفة ما بعث الله به رسولَه؟ ثم أمر تعالى بردِّ ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك خيرٌ لهم في العاجل، وأحسنُ تأويلًا في العاقبة.\nوقد تضمَّن هذا أمورًا. منها: أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان. وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكملُ الأمة إيمانًا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل\n_________\n(^١) جزء من حديث علي السابق.\n(^٢) يعني: \"طاعة الأمير\".\n(^٣) ع: \"طاعة من في ... \". وفي النسخ المطبوعة: \"طاعةِ مَن أمر بمعصية الله\"، وكأنه تصرف من بعض الناشرين.\n(^٤) ع: \"مما\"، وفي النسخ المطبوعة: \"بما\".\n(^٥) لفظ \"إرادة\" ساقط من ع.\n(^٦) \"صريح\" ساقط من ت.","vol":"1","page":101},{"text":"كلُّهم على إثبات (^١) ما نطق به الكتاب والسنة كلمةً واحدةً، من أولهم إلى آخرهم. لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرِّفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدُوا لشيء منها إبطالًا (^٢)، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم: يجب صرفُها عن حقائقها وحملُها على مجازها. بل تلقَّوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلِّها أمرًا واحدًا، وأجرَوها على سَنَن واحد. ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عِضين، وأقرُّوا بعضها (^٣) وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقرُّوا به وأثبتوه.\n[٢٦/ب] والمقصود: أن أهل الإيمان لا يُخرجهم تنازعُهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان، إذا ردُّوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، كما شرَطه الله عليهم بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. ولا ريب أنَّ الحكم المعلَّق على شرط ينتفي عند انتفائه (^٤).\nومنها: أن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط تعُمُّ كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين: دِقَّه وجِلَّه، جليَّه وخفيَّه. ولو لم يكن\n_________\n(^١) \"إثبات\" ساقط من ت.\n(^٢) في حاشية ح كتب بعضهم: \"إشكالًا\"، كأنه اقتراح منه.\n(^٣) ع، ف: \"ببعضها\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وكان في ح كما أثبت، فزاد بعضهم باء الجر في أوله.\n(^٤) وانظر: \"الرسالة التبوكية\" (ص ٤٧).","vol":"1","page":102},{"text":"في كتاب الله وسنة رسوله (^١) بيانُ حكمِ ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيًا لم يأمر بالرِّد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرَّدِّ عند النزاع (^٢) إلى من لا يوجد عنده فصلُ النزاع.\nومنها: أنَّ الناس أجمعوا أنَّ (^٣) الردَّ إلى الله سبحانه هو الردُّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول - ﷺ - هو الردُّ إليه نفسِه في حياته، وإلى سنَّته بعد وفاته (^٤).\nومنها: أنه جعل هذا الردَّ من موجِبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الردُّ انتفى الإيمان ضرورةَ انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه؛ ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، فكلٌّ (^٥) منهما ينتفي بانتفاء الآخر. ثم أخبرهم أنَّ هذا الردَّ (^٦) خير لهم، وأنَّ عاقبته أحسن عاقبة.\nثم أخبر سبحانه أنَّ مَن تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسولُ فقد حكَّم الطاغوتَ وتحاكم إليه. والطاغوت: كلُّ ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوتُ كلِّ قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله. فهذه طواغيت العالم [٢٧/أ] إذا تأمَّلتَها وتأمَّلتَ أحوالَ الناس معها رأيت أكثرهم ممَّن أعرض عن عبادة الله إلى\n_________\n(^١) ما عدا س، ت: \"كتاب الله ورسوله\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ع: \"التنازع\".\n(^٣) س، ع: \"على أن\".\n(^٤) انظر: \"الرسالة التبوكية\" (ص ٤٧). و\"تفسير الطبري\" (٨/ ٥٠٤ - ٥٠٥ شاكر).\n(^٥) ع: \"وكلٌّ\".\n(^٦) \"الرد\" ساقط من ع.","vol":"1","page":103},{"text":"عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى رسوله (^١) إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته. وهؤلاء لم يسلكوا طريقَ الناجين الفائزين من هذه الأمة ــ وهم الصحابة ومن تبعهم ــ ولا قصدوا قصدَهم، بل خالفوهم (^٢) في الطريق والقصد معًا.\nثم أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم: تعالَوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك، ولم يستجيبوا للداعي، ورضُوا بحكم غيره.\nثم توعَّدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم، بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيمِ غيره والتحاكُمِ إليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق، أي بفعل ما يُرضي الفريقين ويوفِّق بينهما، كما يفعله من يَرُوم التوفيقَ بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه، ويزعُم أنه بذلك محسِن قاصِد للإصلاح (^٣) والتوفيق. والإيمانُ إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كلِّ ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي. فمَحْضُ الإيمانِ في هذا الحرب، لا في التوفيق؛ وبالله التوفيق.\nثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكِّموا رسولَه في كلِّ ما شجَر بينهم من الدقيق والجليل. ولم يكتفِ في إيمانهم بهذا\n_________\n(^١) س: \"وإلى الرسول\". وفي ع: \"ورسوله\".\n(^٢) ت: \"خالفوا\".\n(^٣) ع: \"الإصلاح\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":104},{"text":"التحكيم بمجرَّده حتى ينتفي [٢٧/ب] عن صدورهم الحرجُ والضيقُ عن قضائه وحكمه، ولم يكتفِ منهم أيضًا بذلك حتى يسلِّموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن يختَرْ (^٢) بعد ذلك فقد ضلَّ ضلالًا مبينًا (^٣).\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]. أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تُفتوا حتى يُفتي، ولا تقطعوا أمرًا حتى يكون هو الذي يحكُم فيه ويمضيه (^٤). روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (^٥). وروى العوفي عنه قال: نُهُوا أن يتكلَّموا بين يدي كلامه (^٦).\nوالقول الجامع في معنى الآية: لا تعجلوا بقول أو فعل (^٧) قبل أن يقول\n_________\n(^١) انظر نحوه في \"الصواعق\" (٣/ ٨٢٨) و\"زاد المعاد\" (١/ ٣٩).\n(^٢) س، ت: \"تخيّر\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) انظر نحوه في \"الرسالة التبوكية\" (ص ٤٠) و\"الزاد\" (١/ ٤٠) و\"المدارج\" (٢/ ١٨٥).\n(^٤) وانظر: \"إغاثة اللهفان\" (١/ ١١) و\"الصواعق\" (٣/ ٩٩٧) و\"المدارج\" (٢/ ٣٦٧).\n(^٥) رواه محمد بن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٧١٥)، وابن جرير في \"جامع البيان\" (٢١/ ٣٣٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ٣٩٨)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٢٦٦).\n(^٦) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (٢١/ ٣٣٦).\n(^٧) ع: \"ولا فعل\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":105},{"text":"رسول الله - ﷺ - أو يفعل.\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. فإذا كان رفعُ أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم، فكيف تقديمُ آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به، ورفعُها عليه؟ أوَ ليس هذا أولى أن يكون مُحبِطًا لأعمالهم (^١)؟\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]. فإذا جعَل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا (^٢) إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه أن لا [٢٨/أ] يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه. وإذنُه يُعرَف بدلالة ما جاء به على أنّه أذِن فيه (^٣).\nوفي \"صحيح البخاري\" (^٤) من حديث أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: حجَّ علينا عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعته يقول: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"إن الله لا ينزِع العلمَ بعد إذ أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينزِعه معَ قبضِ (^٥) العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جُهَّالٌ يُستفتَون، فيُفْتُون برأيهم،\n_________\n(^١) وانظر: \"الوابل الصيب\" (ص ٢٠ - ٢١) و\"الصواعق\" (٣/ ٩٩٧).\n(^٢) بعده في ت: \"حتى يستأذنوه\"، وهو مقحم.\n(^٣) وانظر: \"المدارج\" (٢/ ٣٦٨).\n(^٤) برقم (١٠٠، ٧٣٠٧). وأخرجه مسلم (٢٦٧٣).\n(^٥) ت: \"بقبض\".","vol":"1","page":106},{"text":"فيَضِلُّون ويُضِلُّون\".\nوقال وكيع: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا ينزِع الله العلمَ من صدور الرجال، ولكن ينزع العلمَ بموت العلماء، فإذا لم يُبْقِ عالِمًا اتخذ الناسُ رؤساءَ جُهَّالًا، فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا\" (^١).\nوفي \"الصحيحين\" (^٢) من حديث عروة بن الزبير قال: قالت لي (^٣) عائشة: يا ابن أختي بلغني أنَّ عبد الله بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحج، فَالْقَه، فاسأله، فإنه قد حمَل عن النبي - ﷺ - علمًا كثيرًا. قال: فلقيتُه، فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول الله - ﷺ -. قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي - ﷺ - قال: \"إنَّ الله لا ينزِع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبِض العلماءَ، فيرفع العلمَ معهم، ويبقى في الناس رؤوس جهال يُفتونهم بغير علم، فيَضِلُّون ويُضِلُّون\". قال عروة: فلما حدَّثتُ عائشةَ بذلك أعظمَتْ ذلك وأنكرَته، قالت: أحدَّثك أنه سمع رسولَ الله - ﷺ -[٢٨/ب] يقول هذا؟ قال عروة: نعم. حتَّى إذا كان عامٌ قابلٌ قالت لي (^٤): إن ابن عمرو قد قدِمَ، فَالْقَه، ثم فاتِحْه حتى تسأله عن\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٣٩) من طريق أبي ثور الكلبي، عن وكيع به. وقد أغرب أبو ثور الفقيه بإدراج لفظتَيْ \"فقالوا بالرأي\" في هذا الحديث، وإنما هما مشهورتان في طريق آخر منكر، أصلُه مرسَلٌ، رواه ابن ماجه (٥٦) وغيره، فالظاهر أنه دخل عليه حديثٌ في حديث.\n(^٢) البخاري (٧٣٠٧) ومسلم (٢٦٧٣) واللفظ له.\n(^٣) \"لي\" ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٤) \"لي\" ساقط من ت.","vol":"1","page":107},{"text":"الحديث الذي ذكره لك في العلم. قال: فلقيتُه، فسألتُه، فذكره لي نحوَ ما حدَّثني به في المرَّة الأولى. قال عروة: فلما أخبرتُها بذلك قالت: ما أحسبه إلا قد صدَق، أراه لم يزِد فيه شيئًا ولم ينقص.\nوقال البخاري (^١) في بعض طرقه: \"فيفتون برأيهم، فيَضِلُّون ويُضِلُّون\". وقال: فقالت عائشة: والله لقد حفِظ عبد الله.\nوقال نُعَيم بن حماد: ثنا ابن المبارك، ثنا عيسى بن يونس، عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبي (^٢)، ثنا عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقةً، أعظمُها فتنةً قومٌ يقيسون الدين برأيهم، يحرِّمون به ما أحلَّ الله ويُحِلُّون ما حرَّم الله\" (^٣).\n_________\n(^١) عقب الحديث (٧٣٠٧).\n(^٢) في ع يشبه \"الزنجي\"، ولكن بإهمال أحرفه.\n(^٣) كذا رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٩٩٦، ١٩٩٧)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٢٥)، من رواية نعيم، عن ابن المبارك، عن عيسى.\nوقد رواه أبو زرعة الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٦٢٢)، والبزار (٢٧٥٥)، والخلال في \"العلل\" (٧٩ - المنتخب منه)، والطبراني في \"الكبير\" (١٨/ ٥٠)، وفي \"مسند الشاميين\" (١٠٧٢)، وابن عدي في \"الكامل\" (٨/ ٢٥٣)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٢٧٢، ٨١٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٥٤٧، ٤٢٩) وصحّحه، وأبو سعيد النقاش في \"فوائد العراقيين\" (٣٠)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٦٧٣)، والبيهقي في \"المدخل\" (٢٠٧)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٥٠)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٢٥٣)، من طرق عن نعيم، عن عيسى به.\nقال ابن عبد البر: \"هذا عند أهل العلم بالحديث حديثٌ غير صحيح، حملوا فيه على نعيم بن حماد، وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: حديث عوف بن مالك هذا لا أصل له\". وقال البيهقي: \"تفرّد به نعيم بن حماد، وسرقه منه جماعة من الضعفاء، وهو منكر\". ويُنظَر: \"التاريخ\" لأبي زرعة الدمشقي (١/ ٦٢٢)، و\"تاريخ مدينة السلام\" للخطيب (١٥/ ٤٢٠ - ٤٢٥).","vol":"1","page":108},{"text":"قال أبو عمر بن عبد البر (^١): \"هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالخرص والظن. ألا ترى إلى قوله في الحديث: \"يُحِلُّون الحرام ويُحرِّمون الحلال\"، ومعلوم أنَّ الحلال: ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليلُه، والحرام: ما في كتاب الله وسنة رسوله تحريمُه. فمَن جهِل ذلك، وقال فيما سئل عنه بغير علم، وقاس برأيه ما خرج به (^٢) عن السنة= فهذا هو الذي قاس الأمورَ برأيه، فضلَّ وأضلَّ. ومَن ردَّ الفروع إلى أصولها فلم يقُل برأيه\".\nوقالت طائفة من أهل العلم (^٣): من أدَّاه اجتهاده إلى رأي رآه، ولم يقُم عليه حجة فيه بعدُ (^٤) فليس مذمومًا، بل هو معذور، خالفًا كان أو سالفًا. ومن قامت عليه الحجة، فعاند، وتمادى [٢٩/أ] على الفتيا برأي إنسان بعينه= فهو الذي يلحقه الوعيد.\nوقد رُوِّينا في \"مسند عبد بن حميد\": ثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان الثوري،\n_________\n(^١) في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ١٠٣٩) بعد إيراد الحديث السابق.\n(^٢) \"به\" من ع. وفي غيرها: \"منه\"، ولعله تصحيف \"فيه\". والذي في \"جامع بيان العلم\": \"وقاس برأيه حرَّم ما أحلَّ الله بجهله، وأحلَّ ما حرَّم الله من حيث لم يعلم\". فهل هكذا كان في نسخة الكتاب التي نقل منها المصنف أو تصرَّف في كلام ابن عبد البر؟\n(^٣) وهو قول ابن حزم، نقله بنصِّه بتصرف يسير في آخره. انظر: \"الصادع\" (ص ٥٨٣).\n(^٤) \"بعد\" لم يرد في ح، وقد أضافه بعضهم فوق السطر.","vol":"1","page":109},{"text":"عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قال في القرآن برأيه فليتبوَّأْ مقعدَه من النار\" (^١).\nفصل\nفيما روي عن صدِّيق الأمة وأعلَمِها من إنكار الرأي\nرُوِّينا عن عبد بن حميد: ثنا أبو أسامة (^٢)، عن نافع بن عمر (^٣) الجُمَحي، عن ابن أبي مُليكة قال: قال أبو بكر - ﵁ -: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني إن قلتُ في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم (^٤).\nوذكر الحسن بن علي الحُلْواني، ثنا عارم، ثنا حماد (^٥) بن زيد، عن\n_________\n(^١) \"الصادع\" (٢٩٦). ورواه أبو داود (رواية ابن العبد، كما في \"تحفة الأشراف\" للمزي (٤/ ٤٢٣)، و\"المغني\" للعراقي (١/ ٢٩)، والترمذي (٢٩٥١) ــ وقال: \"حديث حسن\"، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٠٣٠، ٨٠٣١)، وفي سنده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف. ومما قد يدلّ على عدم ضبطه إيّاه أن ابن أبي شيبة رواه (٣٠٧٢٥) عن وكيع عنه به موقوفا. ويُنظر: \"جامع البيان\" لابن جرير (١/ ٧٢). وأغرب ابن القطان، فصحّحه في \"بيان الوهم\" (٥/ ٢٥٣، ٨٣١).\n(^٢) ع: \"أبو أمامة\"، تصحيف.\n(^٣) في جميع النسخ المطبوعة: \"نافع عن عمر\"، وهو غلط.\n(^٤) \"الصادع\" (٢٩٧). ورواه مالك (٢٠٧٩ ــ رواية أبي مصعب)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" (٣٩ - فضائل القرآن)، وأبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (٦٨٧)، وابن أبي شيبة (٣٠٧٢٧، ٣٠٧٣١)، وابن شبّة في \"أخبار المدينة\" (١/ ٣٣٦)، والبزّار (١٨/ ٢٣٦)، وأبو عوانة (١٩٧٨)، وابن جرير في \"جامع البيان\" (١/ ٧٢).\n(^٥) ع: \"عارم بن حماد\"، وهو خطأ.","vol":"1","page":110},{"text":"سعيد بن أبي صدَقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحدٌ أهيَبَ لما (^١) لا يعلم من أبي بكر - ﵁ -. ولم يكن أحدٌ بعد أبي بكر أهيَبَ لما لا يعلم من عمر - ﵁ -. وأن أبا بكر نزلت به قضيةٌ فلم يجد في كتاب الله منها أصلًا ولا في السنَّة أثرًا، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي، وأستغفر الله (^٢).\nفصل\nفي المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب - ﵁ -\nقال ابن وهب: ثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب أنَّ عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: يا أيها الناس إنَّ الرأي إنما كان من رسول الله - ﷺ - مصيبًا، إنَّ الله كان يُرِيه، وإنما هو منَّا الظنُّ والتكلُّف (^٣).\nقلتُ: مراد عمر - ﵁ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فلم يكن له رأيٌ غير ما أراه الله إياه. وأمَّا رأيُ غيرِه (^٤) فظنٌّ وتكلُّف.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة هنا وفيما يأتي: \"بما\"، والصواب ما أثبت.\n(^٢) \"جامع بيان العلم\" (٢/ ٨٣٠)، وعنه في \"الصادع\" (٢٩٩). وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ١٦٢ - ١٦٣)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٣٠/ ٣٢٦ - ٣٢٧، ٣٢٧)، وسنده إلى ابن سيرين صحيح.\n(^٣) ع: \"وإنما هو الظن\"، أسقط كلمتين. وقول عمر رواه أبو داود (٣٥٨٦)، وسنده ظاهر الانقطاع؛ فإن الزهري وُلد بعد استشهاد عمر - ﵁ - بدهر طويل. وانظر: \"جامع بيان العلم\" (٢/ ١٠٤٠) و\"الصادع\" (٣٠١).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"وأما ما رأى غيرُه\".","vol":"1","page":111},{"text":"[٢٩/ب] قال سفيان الثوري: ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كتب كاتبٌ (^١) لعمر بن الخطاب: \"هذا ما رأى الله ورأى عمرُ\" فقال: بئسَ ما قلتَ! قل: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر (^٢).\nوقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: السُّنَّةُ ما سنَّه الله ورسوله - ﷺ -. لا تجعلوا خطأَ الرأي سنّةً للأمة (^٣).\nقال ابن وهب: وأخبرني ابن لهيعة، عن ابن الهاد (^٤) عن محمد بن إبراهيم التَّيمي أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: أصبح أهلُ الرأي أعداءَ السُّنن، أعيَتْهم أن يَعُوها، وتفلَّتت منهم أن يَرْوُوها، فاشتقُّوها (^٥) بالرأي (^٦).\n_________\n(^١) ت، ع: \"كنت كاتبًا\"، تصحيف.\n(^٢) تقدَّم تخريجه، وانظر: \"الصادع\" لابن حزم (٣٠٥).\n(^٣) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٠١٤) وعنه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٠٦) و\"الإحكام\" (٢/ ٥١)، ورجال سنده ثقات ولكنه منقطع بين عبيد الله بن أبي جعفر وعمر.\n(^٤) في النسخ الخطية والمطبوعة. \"أبي الزناد\"، وهو تحريف، صوابه من مصادر التخريج. والمؤلف صادر من \"الإحكام\" لابن حزم (٦/ ٤٣).\n(^٥) في مطبوع \"الإحكام\" لابن حزم (٦/ ٣٦) و\"أخبار المدينة\": \"فاستقوها\". وفي \"جامع بيان العلم\" و\"الصادع\" والنسخ المطبوعة: \"فاستبقوها\".\n(^٦) من هذا الطريق رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٠١)، وابن حزم في \"الصادع\" (٣٠٤) و\"الإحكام\" (٦/ ٤٣). ورواه عمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٣/ ٨٠١) من طريق ابن وهب، عن حيوة، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم به بنحوه. ورواه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٠٥) ــ وعنه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٢ - ٤٣) ــ من طريق نافع بن يزيد، عن ابن الهاد به.","vol":"1","page":112},{"text":"قال ابن وهب: وأخبرني عبد الله بن عيَّاش، عن محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: اتّقُوا الرأيَ في دينكم (^١).\nوذكر ابن عجلان عن صدقة بن أبي عبد الله أن عمر بن الخطاب كان يقول: أصحابُ الرأي أعداءُ السُّنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلَّتت منهم أن يعُوها، واستَحْيَوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم؛ فعارضَوا السُّننَ برأيهم، فإياكم وإياهم (^٢).\nوذكر ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم والرأي، فإنَّ أصحابَ الرأي أعداءُ السنن، أعيتهم الأحاديث أن يَعُوها، وتفلَّتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع بيان العلم\" (٢٠٠٢)، ومن طريق ابن وهب أخرجه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٢). ورواه البيهقي في \"المدخل\" (ص ١٨٩) عَقِب الأثر (٢١٠) من طريق ابن وهب به، لكن وقع في المطبوع \"عبد الله بن سليمان\" بدل \"عبد الله بن عياش\"، وهو خطأ، وابن وهب لم يسمع من ابن سليمان، بل روى عمّن روى عنه. والخبر ضعيفٌ معضلٌ.\n(^٢) رواه ابن وهب ــ ومن طريقه ابن أبي زمنين في \"أصول السنة\" (٨)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٠٣) ــ، وفي سنده جهالة وإعضال. وله طريق آخر رواه أبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٢٦٠)، وعنه قوام السنة الأصبهاني في \"الحجة\" (١/ ٢٢١)، وسنده ظاهر الضعف والإعضال.\n(^٣) رواه عمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٣/ ٨٠١)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٠٥)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٢ - ٤٣) من طرق عن ابن الهاد به، وهو منقطع، محمد بن إبراهيم التيمي لم يُدرك عمر - ﵁ -.","vol":"1","page":113},{"text":"وقال الشعبي: عن عمرو بن حُرَيث قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: إياكم وأصحابَ الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا (^١).\nوأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة (^٢).\n[٣٠/أ] وقال محمد بن عبد السلام الخُشَني: ثنا محمد بن بشار، ثنا يونس بن عبيد [الله] العُمَيري (^٣) ثنا مبارك بن فَضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيها الناس، اتَّهِمُوا الرأيَ في الدين، فلقد رأيتُني وإني لَأرُدُّ أمرَ رسول الله - ﷺ - برأيي، فأجتهد ولا آلو، وذلك يومَ أبي جندل، والكتابُ يُكتَب، وقال: \"اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم\"، فقال (^٤): نكتُب: \"باسمك اللهم\"، فرضي رسولُ الله - ﷺ -، وأبيتُ،\n_________\n(^١) رواه الدارقطني في \"السنن\" (٤٢٨٠) ــ ومن طريقه البيهقي في \"المدخل\" (٢١٣) ــ، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٢٠١)، وابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٠٤) ــ وعنه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٢) ــ والخطيب في \"الفقيه\" (١/ ٤٥٢)، وفي سند الأثر عبد الرحمن بن شريك النخعي، ووالدُه، ومجالدُ بن سعيد؛ كلّهم ضعفاء، ليسوا بأقوياء. وقد أشار البيهقي في \"المدخل\" (٢١٤) إلى إعلاله، وأن المحفوظ ما رواه عَقِبَه (٢١٥) من كلام الشعبي بمعناه.\n(^٢) كذا قال - ﵀ -: \"في غاية الصحة\"! وقال ذلك ابن حزم أيضًا في \"الصادع\" (ص ٥٩٢) ولكن في الأثر السابق عن مسروق فقط.\n(^٣) في النسخ: \"عبيد العمري\". وكذا في مطبوعة \"الإحكام\" لابن حزم. وفي \"الصادع\": \"عبيد اليعمري\". والصواب ما أثبت.\n(^٤) يعني سهيل بن عمرو.","vol":"1","page":114},{"text":"فقال: \"يا عمر تراني قد رضيتُ، وتأبى؟ \" (^١).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٢):\nحدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَعْمَر بن أبي حبيبة مولى بنت صفوان، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٦) و\"الصادع\" (٣٠٠). ورواه أبو يعلى [كما في \"مسند الفاروق\" لابن كثير وحسَّنه وجوّده (٢/ ٣٥١)، و\"المقصد العلي\" للهيثمي (٦٤)، و\"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (١/ ١٥٥ - ١٥٦)]ــ ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" وقوّاه (٢١٩) ــ، والبزار في \"المسند\" (١٤٨)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، والطحاوي في \"بيان المشكل\" (١٣/ ٣٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٢)، والبيهقي في \"المدخل\" (٢١٧)، وصححه ابن حزم في \"المحلّى\" (١/ ٦١).\n(^٢) في \"المصنف\" (٩٥٢) وعنه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (٢١٠٩٧). وأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢١٠٩٦)، والبزار في \"المسند\" (٣٧٣٠) مختصرًا، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥٨)، وفي \"بيان المشكل\" (٥/ ١١٧). وابن حزم في \"الصادع\" (٣٠٧) ويبدو أن النقل منه.\n\nورواه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٥٨)، وفي \"بيان المشكل\" (٥/ ١٧٤) من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حيية، عن عبيد بن رفاعة (ولم يذكر أباه رفاعة في السند). أما الليث بن سعد؛ فاختُلِف عليه في سياق سنده؛ فليُوازَن ما في المطالب العالية لابن حجر ١/ ٦٩، و\"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (١/ ٣٧٣، ح: ٦٥٨/ ٢) بما عند الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٥٩)، و\"بيان المشكل\" (٥/ ١٧٤)، و\"المعجم الكبير\" للطبراني (٤٥٣٦).\nويُنظر: \"الإمام\" لابن دقيق العيد (٣/ ٢٢ - ٢٥)، و\"إتحاف المهرة\" (٤/ ٥١٧، ١١/ ٣٨١، ٥٦٣، ١٧/ ٩٨)، و\"المطالب العالية\" (١/ ٦٩ - ٧٠) كلاهما لابن حجر.","vol":"1","page":115},{"text":"عمر بن الخطاب - ﵁ -، إذ دخل عليه رجل فقال: يا أميرَ المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة. فقال عمر: عليَّ به. فجاء زيد، فلما رآه عمر فقال عمر: أيْ عدوَّ نفِسه قد بلغتَ أن تفتي الناس برأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما فعلتُ، ولكن سمعتُ من أعمامي حديثًا، فحدَّثتُ به: من أبي أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة بن رافع. فقال عمر: عليَّ برفاعة بن رافع، فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدُكم المرأةَ فأكسَلَ، لم يغتسل (^١)؟ قال: قد كنَّا نفعل ذلك على عهد رسول الله - ﷺ -، لم يأتنا فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه من (^٢) رسول الله - ﷺ - شيء (^٣). فقال عمر: ورسول الله - ﷺ - يعلم ذلك؟ قال: ما أدري. فأمر عمرُ بجمع (^٤) المهاجرين والأنصار، [٣٠/ب] فجُمِعوا، فشاورَهم فأشار الناسُ أن لا غسلَ؛ إلا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل. فقال عمر: هذا وأنتم أصحابُ بدر قد اختلفتم، فمَن بعدكم أشدُّ اختلافًا. فقال علي: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحدٌ أعلمَ بهذا من شأن رسول الله - ﷺ - من أزواجه. فأرسَلَ إلى حفصة فقالت: لا علم لي بهذا، فأرسَلَ إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسلُ. فقال: لا أسمع برجلٍ فعَلَ ذلك إلا أوجعتُه ضربًا.\n_________\n(^١) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: \"أن يغتسل\"، والظاهر أن \"أن\" تحريف \"لم\" لوصل أسفل الهمزة بالنون. والصواب ما أثبت من \"المصنَّف\" و\"الصادع\" ومنه النقل.\n(^٢) ع: \"عن\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ساقط من ت. وفي \"المصنَّف\" و\"الصادع\": \"نهي\"، فلا يبعد أن يكون ما في النسخ محرَّفًا عنه.\n(^٤) ما عدا س، ت: \"بجميع\".","vol":"1","page":116},{"text":"قول عبد الله بن مسعود:\nقال البخاري (^١): حدثنا سُنيد، ثنا يحيى بن زكريا، عن مجالد (^٢)، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شرٌّ من الذي قبله. أمَا، إنِّي لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عام أخصَبُ من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلَفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور (^٣) برأيهم.\nوقال ابن وهب: ثنا سفيان (^٤) عن مجالد به، وقال: ولكن ذهابُ خياركم وعلمائكم، ثم يحدُث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فينهدم الإسلام، ويُثْلَم (^٥).\n_________\n(^١) كذا عزاه إلى البخاري. وقد رأى في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٠٧) وهو المصدر هنا: \" ... نا محمد بن إسماعيل، نا سُنَيد\" فظنّ أنّه البخاري، وإنما المقصود: محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ المكي. وسيأتي لهذا الوهم نظائر.\nوقد رواه الدارمي (١٩٤)، وابن وضاح في \"البدع\" (٧٨، ٢٣٢) ــ ومن طريقه ابن أبي زمنين في \"أصول السنة\" (١٠) ــ، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٥٥١)، وأبو عمرو الداني في \"السنن الواردة في الفتن\" (٢١٠، ٢١١)، والبيهقي في \"المدخل\" (٢٠٥)، وابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٠٥ - ٢٠١٠)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٢٩)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٥٦)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٢٨٠)؛ من طرق عن مجالد به، ومجالد هذا ليس بالقوي.\n(^٢) في النسخ الخطية: \"مجاهد\"، تصحيف.\n(^٣) ع: \"الأمر\".\n(^٤) يعني: ابن عيينة كما في \"الإحكام\". وفي جميع النسخ الخطية والمطبوعة: \"شقيق\"، تصحيف.\n(^٥) رواه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٠٨)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٢٩) من طريق ابن وهب به.","vol":"1","page":117},{"text":"وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: علماؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤوسًا جهالًا يقيسون الأمور برأيهم (^١).\nوقال سُنيد (^٢) بن داود: ثنا محمد بن فضيل (^٣)، عن سالم بن أبي حفصة، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خُثَيم أنه قال: قال عبد الله (^٤): ما علَّمك الله في كتابه من علمٍ فاحمَدِ الله، وما استأثر به عليك من علمٍ فَكِلْه إلى عالمه. ولا تتكلَّف، فإنَّ الله ﷿ يقول لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ [٣١/أ] عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠١٠) من طريق ابن أبي شيبة به.\n(^٢) ح: \"أسيد\"، تحريف.\n(^٣) في النسخ الخطية والمطبوعة: \"فضل\"، والصواب ما أثبت. وهو محمد بن فضيل بن غزوان.\n(^٤) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. والذي في \"جامع بيان العلم\" ــ وهو مصدر النقل ــ والمصادر الأخرى: \"أنه قال: يا عبدَ الله\"، يعني المخاطب. أما عبد الله بن مسعود فلم أقف على رواية هذا الأثر عنه. وأخشى أن يكون ما جاء هنا تحريفًا لما في المصادر.\n(^٥) رواه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠١١) من طريق سُنَيْد به، وقد تُوبِع سُنَيْد عليه، فقد رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٣٠٤) عن ابن فضيل، عن سالم به.\nوسالم فيه لينٌ، مع غلوّه في التشيع، لكن بعض جُمَله قد صحّت عند ابن المبارك في \"الزهد\" (٣٢)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٥٩٩٢، ٣٦٧٠١)، وأحمد في \"الزهد\" (٢٠١٨)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٣٠٥)، وهناد في \"الزهد\" (٩١٥)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٥٦٤)، وأبي نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١٠٨)، وأبي إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٥٥٧، ٥٥٨).","vol":"1","page":118},{"text":"يروى هذا عن الربيع بن خُثَيم وعن عبد الله (^١).\nوقال سعيد بن منصور: ثنا خلَف بن خليفة، ثنا أبو يزيد (^٢) عن الشعبي قال: قال ابن مسعود: إياكم وأرأيت، أرأيت؛ فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيتَ، أرأيت. ولا تقيسوا شيئًا، فتزِلَّ قدمٌ بعد ثبوتها. وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم (^٣).\nوصح عنه في المفوضة (^٤) أنه قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء (^٥).\n_________\n(^١) انظر ما علَّقت آنفًا.\n(^٢) في النسخ: \"أبو زيد\"، والصواب ما أثبت من المصادر.\n(^٣) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٥٥٠)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٢٨٦) من طريق سعيد بن منصور به، وأبو يزيد كنية جابر الجعفي، وهو واهٍ متروك. وقد رواه الطبراني (٩٠٨١) من طريق يحيى الحماني، عن قيس (وهو ابن الربيع)، عن جابر (وهو الجعفي)، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود مختصرا، وهذا أوهى من الذي قبله. وقد يكون من تلوّن الجعفي واضطرابه، ووازِن بـ\"الحلية\" لأبي نعيم (٤/ ٣١٩)، و\"الفقيه والمتفقه\" للخطيب (١/ ٤٥٨).\n(^٤) بكسر الواو وفتحها، وهي التي زوجت بلا مهر، وسيأتي رأي ابن مسعود في المفوضة مرّات أخرى.\n(^٥) رواه أحمد (٤٠٩٩، ٤٢٧٦، ١٨٤٦٠)، وأبو داود (٢١١٦)؛ من حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود، وله طريق أخرى عند النسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٤٩٤)، و\"المجتبى\" (٣٣٥٨)، والأثر صحيح، صحّحه جماعة من الحفاظ، منهم: ابن الأخرم، وتلميذه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٨١)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٧/ ٢٤٦). ويُنظر للفائدة: \"العلل\" للدارقطني (١٤/ ٤٧ - ٥٢).","vol":"1","page":119},{"text":"قول عثمان بن عفان - ﵁ -:\nقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير (^١)، عن عبد الله بن الزبير قال: أنا والله مع عثمان بن عفان بالجُحْفة إذ قال عثمان، وذُكِر (^٢) له التمتُّع بالعمرة إلى الحج: أتِمُّوا الحجَّ، وأخلصوه في أشهر الحج، فلو أخَّرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زَورتَين كان أفضل، فإنَّ الله قد أوسعَ في الخير. فقال له علي: عمدتَ إلى سنة رسول الله - ﷺ - ورخصةٍ رخَّص الله للعباد بها (^٣) في كتابه، تضيِّقُ عليهم فيها، وتنهى عنها، وكانت لذي الحاجة والنائي الدار (^٤)؟ ثم أهلَّ عليٌّ بعمرة وحجٍّ معًا. فأقبل عثمان بن عفان - ﵁ - على الناس فقال: أنهيتُ عنها؟ إنِّي لم أنهَ عنها. إنما كان رأيًا أشرتُ به، فمن شاء أخذه ومن شاء تركه (^٥).\nفهذا عثمان يُخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذُ به، بل من شاء أخذ به ومن شاء تركه، بخلاف سنَّة رسولِ الله - ﷺ - فإنه لا يسع أحدًا تركُها\n_________\n(^١) \"بن عبد الله بن الزبير\" ساقط من ع والنسخ المطبوعة. وفي مصادر التخريج كما أثبت من غيرها.\n(^٢) ت: \"وقد ذكر\".\n(^٣) ع: \"فيها\".\n(^٤) في النسخ المطبوعة و\"الجامع\" و\"الإحكام\": \"ولنائي الدار\"، وفي \"الصادع\" كما أثبت من النسخ.\n(^٥) رواه الحافظ يعقوب بن شيبة كما في \"جامع بيان العلم\" لابن عبد البر (١٤٢٧)، وعنه في \"الإحكام\" لابن حزم (٦/ ٤٩ - ٥٠) و\"الصادع\" (٣٠٩). والظاهر أن يحيى بن عباد لم يسمع من جدّه. وهذا الاختلاف بينهما ثابت بسياق آخر عند البخاري (١٥٦٣، ١٥٦٩) ومسلم (١٢٢٣).","vol":"1","page":120},{"text":"لقول أحدٍ كائنًا من كان.\nقول علي بن أبي طالب - ﵁ -:\n[٣١/ب] قال أبو داود (^١): حدثنا أبو كُريب محمد بن العلاء، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن عبد خير، عن علي - ﵁ - أنه قال: لو كان الدينُ بالرأي لكان أسفلُ الخفِّ أولى بالمسح من أعلاه.\nقول عبد الله بن عباس - ﵄ -:\nقال ابن وهب: أخبرني بِشْر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لُبابة، عن ابن عباس أنه قال: مَن أحدَثَ رأيًا ليس في كتاب الله، ولم تَمْضِ به سنةٌ من رسول الله - ﷺ -، لم يدرِ على ما هو منه إذا لقيَ اللهَ ﷿ (^٢).\nوقال عفان (^٣) بن مسلم الصفَّار: ثنا عبد الرحمن بن زياد، ثنا الحسن بن عمرو الفُقَيمي، عن أبي فزارة قال: قال ابن عباس: إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -. فمن قال بعد ذلك برأيه، فلا أدري أفي حسناته يجِدُ\n_________\n(^١) برقم (١٦٢، ١٦٤)، وصحّحه عبد الغني المقدسي [كما في \"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (١/ ٣٣٨)] وابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٨٢)، على أنه اقتصر في \"بلوغ المرام\" (٦٠) على تحسينه. ويُنظر للفائدة: \"السنن الكبرى\" للنسائي (١١٨، ١١٩)، و\"العلل\" للدارقطني (٤/ ٤٤ - ٥٤). وهو في \"الإحكام\" (٦/ ٤٣) و\"الصادع\" (٣١٠) ولعل النقل منه.\n(^٢) رواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٦) و\"الصادع\" (٣١٣). ورواه الدارمي (١٦٠) ــ ومن طريقه أبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٢٧٢) ـ، وابن وضاح في \"البدع\" (٩٤)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٥٨) من طرق عن الأوزاعي به.\n(^٣) ع، ف: \"عثمان\"، تصحيف.","vol":"1","page":121},{"text":"ذلك أم في سيئاته (^١).\nوقال عبد بن حميد (^٢): حدثنا حسين بن علي الجُعفي، عن زائدة، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (^٣).\nقول سهل بن حنيف - ﵁ -:\nقال البخاري (^٤): حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: قال سهل بن حُنيَف: أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم. لقد رأيتُني يومَ أبي جندل، ولو أستطيع أن أرُدَّ أمرَ رسول الله - ﷺ - لرددتُه.\n_________\n(^١) رواه أبو بكر الذكواني في اثني عشر مجلسًا من أماليه (١١٦)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٤٠٢ و، ٢٠١٣)، من حديث عفان، لكن سُمِّيَ شيخُه عند ابن عبد البر (عبد الرحمن)، وسُمِّيَ عند الذكواني (عبد الواحد)، وهو الأشبه بالصواب؛ إذ عبد الواحد هو المعروف بالرواية عن الفقيمي، وبرواية عفان عنه، دون عبد الرحمن بن زياد الرصاصي (وليس هو الإفريقي كما ظنّه بعضُ الفضلاء).\nوأبو فزارة لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) ح: \"عبد الله بن حميد\".\n(^٣) رواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٦) و\"الصادع\" (٣١٢). ورواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١/ ٧٢)، وليث (وهو ابن أبي سليم) ضعيف. ورواه ابن جرير (١/ ٧٢) من طريق عبد الأعلى عن سعيد به، وعبد الأعلى هو ابن عامر الثعلبي، وهو ضعيف، وقد اختُلف عليه في رفعه ووقفه.\n(^٤) في \"الصحيح\" (٧٣٠٨). ورواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٥) و\"الصادع\" (٣١١) بسنده عن الفربري عن البخاري.","vol":"1","page":122},{"text":"قول عبد الله بن عمر - ﵁ -:\nقال ابنُ وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار قال: أخبرني طاوس عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا لم يجد في الأمر يُسأَلُ عنه شيئًا قال: إن شئتم أخبرتُكم بالظنِّ (^١).\nوقال البخاري (^٢): [٣٢/أ] قال لي صدقة، عن الفضل (^٣) بن موسى، عن موسى بن عقبة، عن الضحاك، عن جابر بن زيد قال: لقيني ابنُ عمر فقال: يا جابر، إنك من فقهاء البصرة وتُستفتَى فلا تُفْتِيَنَّ إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية.\nوقال مالك عن نافع عنه: العلم ثلاث: كتاب الله الناطق، وسنة ماضية،\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٤٩)، قال: \"وهذا سندٌ في غاية الصحة\"، ونحوه في \"الصادع\" (٦٠٠). وعلّقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (١٤٤٣) عن ابن وهب به.\n(^٢) في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٠٤)، ومن طريقه ابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٣٠)، و\"الصادع\" (٣٦٣) ووقع فيها: (ابن عقبة) غيرَ مُسمًّى. وقد رواه الدارمي (١٦٦) ــ ومن طريقه أبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٢٧٤، ٣٢٢) ــ عن عصمة بن الفضل، عن زيد بن الحباب ح ورواه أبو العباس السراج ــ ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٨٦) ــ، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٤٤)، من رواية محمود بن غيلان، عن الفضل بن موسى وزيد بن حباب؛ قالا: نا يزيد بن عقبة، عن الضحاك: فذكره. ورواه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٥٧، ٢/ ٣٤٤) من طريق آخر عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن عقبة، عن الضحاك الضبي به. وهذا هو الأشبه بالصواب؛ إذ يزيد هو المعروف بالرواية عن الضحاك الضبي، وبرواية الفضل بن موسى عنه. وليُنظر: \"الثقات\" لابن حبان (٧/ ٦٢٦ - ٦٢٧).\n(^٣) ما عدا ع: \"ابن الفضل\"، وهو خطأ.","vol":"1","page":123},{"text":"ولا أدري (^١).\nقول زيد بن ثابت - ﵁ -:\nقال البخاري (^٢): ثنا سُنَيد بن داود، ثنا يحيى بن زكريا ــ هو (^٣) ابن أبي زائدة ــ عن إسماعيل بن [أبي] (^٤) خالد عن الشعبي، قال: أتى زيدَ بنَ ثابت قومٌ، فسألوه عن أشياء، فأخبرهم بها، فكتبوها. ثم قالوا: لو أخبرناه. قال: فأَتَوه، فأخبَروه، فقال: أغَدْرًا؟ (^٥) لعل كلَّ شيء حدَّثتُكم خطأ! إنما اجتهدتُ\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٣٠) و\"الصادع\" (٣٦٤) ــ وعنه الحميدي في \"جذوة المقتبس\" (ص ٢٤٧)، ورواه من طريقه أيضًا أبو جعفر الضبي في \"بغية الملتمس\" (ص ٣٥٥) ــ، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٦٦). ورواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (١٠٠١)، لكن وقع عنده: (عمر بن الحصين)، والمحفوظ عن إبراهيم بن المنذر الحزامي روايته إياه عن عمر بن عصام، وهو رجل فاضل مستور الحال، وثّقه أبو الحسن طاهر بن عبد العزيز الرعيني، لكن روايتُه هذه عن مالك بهذا السند مما يُستغرب جدّا، ولم يُتابعه من يُوثق به، وليُنظَر: \"جامع بيان العلم\" لابن عبد البر (١٣٨٧).\n(^٢) كذا عزاه إلى البخاري، وهو وهمٌ سبق مثله قريبًا. في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٦٩) ــ ومثله في \"الإحكام\" (٦/ ٥٢) و\"الصادع\" (٣١٧) ــ: \" ... محمد بن إسماعيل، نا سُنيد\"، فظنَّ أن محمدًا هو البخاري. وإنما هو محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ المكي. وسُنيدٌ فيه لينٌ، والأشبه أن الشعبي لم يسمع من زيد بن ثابت.\n(^٣) في النسخ الخطية والمطبوعة: \"مولى\"، تحريف. والتصحيح من \"الإحكام\" ــ مصدر النقل ــ وكتب الرجال.\n(^٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ الخطية، والتصحيح من المصدر المذكور وغيره.\n(^٥) ع: \"أعذرًا\". وكذا في النسخ المطبوعة. وفي \"جامع بيان العلم\": \"عذرًا\"، وكلاهما تصحيف.","vol":"1","page":124},{"text":"لكم رأيي.\nقول معاذ بن جبل - ﵁ -:\nقال حمّاد بن سلمة: ثنا أيوب السَّختياني، عن أبي قِلابة، عن يزيد بن أبي عمرة (^١)، عن معاذ بن جبل قال: تكون فِتَنٌ، فيكثُر فيها المال. ويُفتَح القرآنُ حتَّى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن. فيقرؤه الرجلُ فلا يُتَّبع. فيقول: والله لأقرأنَّه علانيةً، فيقرؤه علانيةً فلا يُتَّبع. فيتَّخذ مسجدًا، ويبتدع كلامًا ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله - ﷺ -. فإيَّاكم وإيَّاه، فإنه بدعة وضلالة (^٢). قاله معاذ ثلاث مرات (^٣).\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية، والصواب: يزيد بن عَمِيرة، كما في مصادر التخريج. وقد تحرَّف عميرة من قبل إلى \"عمير\".\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة و\"الصادع\" ومنه النقل. وفي \"الإحكام\" لابن حزم وغيره من المصادر: \"بدعةُ ضلالة\".\n(^٣) رواه ابن وضاح في \"البدع\" (٦٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ١١٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٤٦٦) وصحّحه، وابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٣١) و\"الصادع\" (٣١٩)؛ من طرق عن حماد بن سلمة به. وتابعه محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عند أبي إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٧٥١). وخالفهما حماد بن زيد، فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن معاذ، ولم يذكر (يزيد بن عميرة)، كذا أخرجه الطبراني في \"السنة\" ــ ومن طريقه قوام السنة الأصبهاني في \"الحجة\" (١/ ٣٣٠) ــ، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (١١٧)، وأبو عمرو الداني في \"السنن الواردة في الفتن\" (٢٧، ٢٥٢)؛ من طرق عن حماد بن زيد به. وتابعه على إرساله: عبيدالله بن عمرو الرقي عند الداني (٢٨٤). لكن للأثر طريق آخر صحيح إلى يزيد بن عميرة عند أبي داود في \"السنن\" (٤٦١١)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٤٦٠)، وطريق آخر منقطع عند الدارمي (٢٠٥).","vol":"1","page":125},{"text":"قول أبي موسى الأشعري - ﵁ -:\nقال البغوي: ثنا الحجّاج بن المِنهال، ثنا حماد بن سلمة، عن حُمَيد، عن أبي رَجاء العُطاردي قال: قال أبو موسى الأشعري: من كان عنده علمٌ فَلْيعلِّمه الناسَ. وإن (^١) لم يعلَم فلا يقولَنَّ ما ليس له به عِلْم، فيكونَ من المتكلِّفين، ويمرُقَ من الدين (^٢).\nقول [٣٢/ب] معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -:\nقال البخاري (^٣): نا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري قال: كان محمد بن جُبير بن مُطعِم يحدِّث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش، فقام معاوية، فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه قد بلغني أنَّ رجالًا فيكم يتحدَّثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَر عن رسول الله - ﷺ -، فأولئك (^٤) جُهَّالكم.\n_________\n(^١) ت: \"فإن\".\n(^٢) رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٠٨). ورواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٤/ ١٠٢) والدارمي (١٨٠) وابن المنذر في \"الأوسط\" (١٠/ ٤٦٣) من طرق عن حميد، عن أبي رجاء، عن أبي المهلب، عن أبي موسى به. وأغرب الكديمي (فيما رواه أبو نعيم الأصبهاني عن أحمد بن يوسف بن خلاد في جزء من حديثه عنه [٢١]) فرواه عن عبيد الله بن معاذ (وهو العنبري)، عن أبيه، عن حميد الطويل به. وفي كون أبي رجاءٍ هو العطاردي نظر، وليُنظر: \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (٢١/ ٤٧٩، ٤٨٥).\n(^٣) في \"الصحيح\" (٣٥٠٠). ورواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٣١) و\"الصادع\" (٣١٨)، ومنه النقل.\n(^٤) في المطبوع: \"فأولئكم\".","vol":"1","page":126},{"text":"فهؤلاء من الصحابة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وسهل بن حُنَيف، ومعاذ بن جبل، ومعاوية خال المؤمنين، وأبو موسى الأشعري - ﵃ - = يُخْرِجون الرأيَ عن العلم، ويذمُّونه، ويحذِّرون منه، وينهون عن الفتيا به. ومَن اضطُّر منهم إليه أخبَرَ أنه ظنٌّ، وأنه ليس على ثقة منه، وأنه يجوز أن يكون منه ومن الشيطان، وأنَّ الله ورسوله بريء منه، وأنَّ غايته أن يسوغ الأخذُ به عند الضرورة من غير لزوم لاتِّباعه ولا العمل به. فهل تجد عن أحد منهم قطٌّ (^١) أنه جعَلَ رأيَ رجلٍ بعينه دينًا تُتْرَك له السُّننُ الثابتةُ عن رسول الله - ﷺ -، ويُبدَّع ويُضلَّل مَن خالفه إلى اتباع السُّنن؟\nفهؤلاء يَزَكُ (^٢) الإسلام، وعِصابة الإيمان، وأئمة الهدى، ومصابيح الدُّجى، وأنصَحُ الأئمة للأمة، وأعلَمُهم بالأحكام وأدلَّتها، وأفقَهُهم في دين الله، وأعمَقُهم علمًا، وأقلُّهم تكلفًا. وعليهم دارت الفتيا، وعنهم انتشر العلم، وأصحابهم هم فقهاء الأمة. ومنهم من كان مقيمًا بالكوفة كعلي وابن [٣٣/أ] مسعود، وبالمدينة كعمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت، وبالبصرة كأبي موسى الأشعري، وبالشام كمعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان، وبمكة\n_________\n(^١) استعمل \"قط\" لغير الزمان الماضي، وهو لحن قديم. انظر: \"درة الغواص\" للحريري مع شرح الخفاجي ــ طبعة أبو ظبي (ص ١١٠). وانظر ما علَّقت على \"طريق الهجرتين\" (١/ ٤٣١).\n(^٢) كذا في جميع النسخ، وهو الصواب، وقد تقدَّم تفسيره في أول الكتاب. وفي النسخ المطبوعة: \"برك\". وهو تصحيف.","vol":"1","page":127},{"text":"كعبد الله بن عباس، وبمصر كعبد الله بن عمرو بن العاص؛ وعن هذه الأمصار انتشر العلم في الآفاق. وأكثرُ مَن رُوِي عنه التحذيرُ من الرأي مَن كان بالكوفة إرهاصًا بين يدي ما علِم الله سبحانه أنه يحدُث فيها بعدهم.\nفصل\nقال أهل الرأي: وهؤلاء الصحابة ومَن بعدهم من التابعين والأئمة، وإن ذمُّوا الرأي، وحذَّروا منه، ونَهَوا عن الفتيا والقضاء به، وأخرجوه من جملة العلم؛ فقد رُوي عن كثير منهم الفتيا والقضاءُ به، والدلالةُ عليه، والاستدلالُ به، كقول عبد الله بن مسعود في المفوِّضة: أقول فيها برأيي، وقولِ عمر بن الخطاب لكاتبه: قل هذا ما رأى عمر بن الخطاب، وقولِ عثمان بن عفان في الأمر بإفراد العمرة عن الحج: إنما هو رأيٌ رأيتُه (^١)، وقولِ علي في أمهات الأولاد: اتفق رأيي ورأيُ عمر على أن لا يُبَعْنَ (^٢).\nوفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شُرَيح: إذا وجدتَ شيئًا في كتاب الله فاقضِ به، ولا تلتفت إلى غيره. وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله فاقضِ بما\n_________\n(^١) سبق تخريج هذه الآثار قريبًا.\n(^٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٢٢٤)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" (٢٠٤٨)، وعمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٢/ ٧٢٩)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٤٤٢) ــ ومن طريقه البيهقي في \"المدخل\" (٨٦)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ١٢٤) ــ، وابن أبي خيثمة في \"التاريخ\" (٤١٧٦ - السفر الثالث) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٦١٦) ــ، والبيهقي \"السنن الكبير\" (١٠/ ٣٤٨)، وفي \"معرفة السنن\" (٧/ ٥٦٣)، وجوّده ابن النحوي في \"البدر المنير\" (٩/ ٧٦١)، وقال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٤٠٣): \"وهذا الإسناد معدودٌ في أصح الأسانيد\". ونحوُه في كتابه \"الدراية\" (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":128},{"text":"سنَّ رسولُ الله - ﷺ -. فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسُنَّ فيه (^١) رسولُ الله - ﷺ - فاقض بما أجمعَ عليه الناس. وإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولا سنّة رسول الله - ﷺ -، ولم يتكلَّم فيه أحدٌ قبلك؛ فإن شئتَ أن تجتهد رأيَك فتقدَّمْ، وإن شئتَ أن تتأخَّر فتأخَّرْ، وما أرى التأخُّرَ إلا خيرًا لك.\nذكره سفيان [٣٣/ب] الثوري عن الشيباني، عن الشعبي، عن شُرَيح أنَّ عمر كتب إليه (^٢).\nوقال أبو عبيد في \"كتاب القضاء\" (^٣): ثنا كَثِير بن هشام عن جعفر بن\n_________\n(^١) \"فيه\" ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٢) رواه النسائي في \"المجتبى\" (٥٣٩٩)، وفي \"الكبرى\" (٥٩١١)؛ من طريق أبي عامر (وهو العقدي)، عن الثوري به. واختاره الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٣٣، ١٣٤). ويَحْسُنُ الموازنة بما في \"جامع بيان العلم\" (١٥٩٥) مع التأمل في تعقيب ابن عبد البر على رواية داود الظاهري. ورواه سعيد بن منصور ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١١٠) ــ، والحميدي ــ ومن طريقه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩٢) ــ: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي: (فذكره). وسفيان هذا هو ابن عيينة. ورواه ابن أبي خيثمة في \"التاريخ\" (٤٢١٧ - السفر الثالث) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (١٥٩٦) ــ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الشيباني به. ورواه الدارمي (١٦٩) من طريق علي بن مسهر، عن أبي إسحاق (وهو الشيباني)، عن الشعبي، عن شريح به. ورواه البيهقي (١٠/ ١١٥) من طريق معاوية بن حفص، عن علي بن مسهر وابن فضيل وأسباط ... عن الشيباني، عن الشعبي، عن شريح (كذا جوّدوه كما صنع العقدي). وجزم ابن حجر بصحة سنده في \"موافقة الخبر الخبر\" (١/ ١٢٠).\n(^٣) سمّاه الحافظ ابن حجر في \"المعجم المفهرس\": \"كتاب القضاء وآداب الحكَّام\". وذُكر في الفهرست ــ طبعة مؤسسة الفرقان ــ (١/ ٢١٦) والكتب الناقلة عنه باسم \"أدب القاضي\".","vol":"1","page":129},{"text":"بُرْقان عن ميمون بن مِهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكمٌ نظَرَ في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضَى به. وإن لم يجد في كتاب الله نظَر في سنّة رسول الله - ﷺ -، فإن وجد فيها ما يقضي به قضَى به. فإذا (^١) أعياه ذلك سأل الناسَ: هل علمتم أن رسول الله - ﷺ - قضَى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القومُ، فيقولون: قضَى فيه بكذا وكذا. فإن لم يجد سنّةً سنَّها النبيُّ - ﷺ - جمَع رؤساءَ الناس، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به. وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنَّة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاءٌ قضى به، وإلا جمَع علماءَ الناس، واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به (^٢).\nوقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمَير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: أكثرَوا عليه ذاتَ يوم فقال: إنه قد أتى علينا زمانٌ ولسنا نقضي، ولسنا هناك؛ ثم إنَّ الله بلَّغنا ما ترون. فمَن عُرِض عليه قضاءٌ بعد اليوم فليقضِ بما في كتاب الله. فإن جاءه أمرٌ ليس في كتاب الله ولا قضَى به نبيُّه - ﷺ -، فليقضِ بما قضَى به الصالحون. فإن جاءه أمرٌ ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيُّه - ﷺ -، ولا قضى به الصالحون؛ فليجتهِدْ رأيَه، ولا يقل: إني أرى، وإني أخاف؛ فإنَّ [٣٤/أ] الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك مشتبهات، فدَعْ ما يَريبك إلى ما لا يريبك (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"فإن\".\n(^٢) رواه الدارمي (١٦٣)، والإسماعيلي في \"المعجم\" (١/ ٤١٧ - ٤١٨)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١١٤)؛ من طرق عن جعفر به. وميمون بن مهران لم يُدرك أبا بكر - ﵁ -.\n(^٣) رواه النسائي في \"المجتبى\" (٥٣٩٧)، وقال: \"هذا الحديث جيد جيد\". وفي سند الأثر اختلافٌ على الأعمش في تعيين شيخ عمارة بن عمير، لكنه اختلافٌ لا يضرّ؛ فليُنظر: \"المسند\" للدارمي (١٧١، ١٧٢)، و\"المجتبى\" للنسائي (٥٣٩٨)، و\"العلل\" للدارقطني (٥/ ٢١٠ - ٢١١)، و\"تحفة الأشراف\" للمزي (٧/ ١٨)، و\"موافقة الخُبر الخَبر\" لابن حجر (١/ ١١٩).","vol":"1","page":130},{"text":"وقال محمد بن جرير الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم، أنا هُشَيم، أنا سيَّار، عن الشعبي قال: لما بعث عمرُ شريحًا على قضاء الكوفة قال له: انظر ما يتبيَّن (^١) لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحدًا. وما لم يتبيَّن لك في كتاب الله فاتَّبِع فيه سنّةَ رسول الله - ﷺ -. وما لم يتبيَّن لك فيه السنّة فاجتهِدْ فيه رأيَك (^٢).\nوفي كتاب عمر إلى أبي موسى: اعرِفِ الأشباهَ والأمثالَ، وقِسْ الأمورَ (^٣).\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولا يستبعد أن يكون الأصل: \"تبيَّن\" كما في \"جامع بيان العلم\". وسيأتي الأثر بلفظ آخر.\n(^٢) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٥٩٨) من طريق ابن جرير. ورواه سعيد بن منصور ومن طريقه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٢٩)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١١٠)، ووكيع القاضي في \"أخبار القضاة\" (٢/ ١٨٩)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩١). ويُنظر: \"تاريخ مدينة دمشق\" لابن عساكر (٢٣/ ١٩ - ٢١).\n(^٣) \"جامع بيان العلم\" (٢/ ٨٧١). ورواه عمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٢/ ٧٧٥ - ٧٧٦)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٧/ ١٤٦).\nوله طرق أخرى عند البلاذري في \"أنساب الأشراف\" (١٠/ ٣٨٩)، والدارقطني في \"السنن\" (٤٤٧١)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٧/ ١٤٦ - ١٤٧)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١١٥، ١٥٠)، وفي \"السنن الصغير\" (٣٢٥٩)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٧/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩٢)، ومجموع طرقه ــ مع شهرته وانتشاره ــ يدلّ على أن له أصلًا، خاصة مع اعتضاده بوجادة سعيد بن أبي بردة، وليُنظر: \"مسند الفاروق\" لابن كثير (٢/ ٤٣٧)، و\"إرواء الغليل\" للألباني (٨/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"1","page":131},{"text":"وقايس عليَّ بن أبي طالب زيدُ (^١) بن ثابت في المُكاتَب (^٢). وقايسَه في الجدِّ والإخوة، فشبَّهه عليٌّ بسيلٍ انشعبت منه شعبة، ثم انشعبت من الشعبة شعبتان. وقاسه (^٣) زيدٌ على شجرةٍ انشعب منها غصنٌ، وانشعب من الغصن غصنان (^٤). وقولهما في الجَدِّ: إنه لا يحجب الإخوة (^٥).\nوقاس ابن عباس الأضراسَ بالأصابع، وقال: اعتَبِروها (^٦) بها (^٧).\nوسئل عليٌّ عن مسيره إلى صِفِّين: هل كان بعهدٍ عهِده إليه رسولُ الله - ﷺ - أم رأيٌ رآه؟ قال: بل رأيٌ رأيتُه (^٨).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"وزيد\" بواو العطف، والصواب ما أثبت من النسخ، وكذا في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ٨٧٢) وهو مصدر النقل.\n(^٢) يُنظر: \"التمهيد\" (٢٢/ ١٧٦)، و\"جامع بيان العلم\" (٢/ ٩٦٩).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"وقايسه\"، والصواب ما اتفقت عليه نسخنا و\"جامع بيان العلم\".\n(^٤) سيأتي تخريجه.\n(^٥) يُنظر: \"السنن الكبير\" للبيهقي (٦/ ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨).\n(^٦) سيأتي بهذا اللفظ مرة أخرى. وفي النسخ المطبوعة: \"اعتبرها\".\n(^٧) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٣٢٠٣)، وعنه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٧/ ٣٠٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٧٤٩٥)، ومصعب الزبيري في حديثه (٢١٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٧٥١٥)، وسنده جيد قوي.\n(^٨) رواه أبو داود في \"السنن\" (٤٦٦٦) بسند صحيح، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه \"الأحاديث المختارة\" (٧٠٤).","vol":"1","page":132},{"text":"وقال عبد الله بن مسعود ــ وقد سئل عن المفوِّضة ــ: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء (^١).\nوقال ابن أبي خَيْثَمة: ثنا أبي، ثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: من عرض له منكم قضاءٌ فَلْيقضِ بما في كتاب الله. فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيُّه - ﷺ -. فإن جاءه أمرٌ ليس في كتاب الله ولم يقضِ فيه (^٢) نبيُّه - ﷺ - فليقضِ بما قضى به الصالحون. فإن جاءه أمر ليس في كتاب [٣٤/ب] الله، ولم يقضِ به نبيُّه، ولم يقض به الصالحون؛ فليجتهد رأيَه. فإن لم يُحسِنْ فليقُمْ ولا يَسْتَحْيِ (^٣).\nوذكر سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعتُ ابنَ عباس إذا سئل عن شيء، فإن كان في كتاب الله قال به. وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله - ﷺ - قال به. فإن لم يكن في كتاب الله، ولا عن\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٢) ت، ف: \"به\".\n(^٣) \"جامع بيان العلم\" (١٥٩٩). ورواه الدارمي (١٧٣) من طريق جرير عن الأعمش، لكنه لم يَسُقْ لفظَه. ورواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٢٨) من طريق ابن أبي شيبة، عن ابن أبي زائدة، عن الأعمش به. وقد قصّر به المسعودي، فرواه عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٥٢٩٥)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩٤)؛ من طرق عن المسعودي به.","vol":"1","page":133},{"text":"رسول الله - ﷺ -، وكان عن أبي بكر وعمر= قال به. فإن لم يكن في كتاب الله، ولا عن رسول الله - ﷺ -، ولا عن أبي بكر وعمر= اجتهَد رأيه (^١).\nوقال ابن أبي خَيثمة: حدَّثني أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبجَر، عن الشعبي، عن مسروق قال: سألتُ أُبَيَّ بن كعب عن شيء، فقال: أكان هذا؟ قلت: لا. قال: فأجِمَّنا (^٢) حتى يكون، فإذا كان اجتهَدنا لك رأيَنا (^٣).\nقال أبو عمر بن عبد البر (^٤): ورُوِّينا عن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن\n_________\n(^١) \"جامع بيان العلم\" (١٦٠٠). ورواه ابن وهب في \"المسند\" (١١٢) ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١١٥) ــ، وابن أبي عمر العدني في \"المسند\" [كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" (٥/ ٣٨٨)]، والدارمي (١٦٨)، وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة ــ ومن طريقهما ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٢٨، ٢٨ - ٢٩) ــ، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٢٧) ــ وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\" ــ، والبيهقي في \"المدخل\" (٧٣)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩٧، ٤٩٨). ونقل الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٦٤) عن البيهقي قولَه: \"إسناده صحيح\".\n(^٢) من الإجمام. أي أرِحنا حتى يقع.\n(^٣) رواه أبو خيثمة في كتاب \"العلم\" (٧٦) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (١٦٠٤)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ١٤)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٧/ ٣٤٤) ــ، وابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ٤٦٤)، والدارمي (١٥٢)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٣١٥)، والسند صحيح.\n(^٤) في \"جامع بيان العلم\". وقد رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣١٧١٤) عن عبدة، عن الأعمش، عنه، وهو ظاهر الانقطاع. ورواه الدارمي (٢٩١٧)، من طريق الحكم، عن عكرمة، ورواه ابن أبي شيبة (٣١٧١٠)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٦/ ٢٢٨) من طريق آخر عن عكرمة بمعناه.","vol":"1","page":134},{"text":"ثابت: أفي كتاب الله ثلثُ ما بقي (^١)؟ فقال: أنا أقول برأيي، وتقول برأيك.\nوعن ابن عمر أنه سئل عن شيء فعَلَه: أرأيتَ رسولَ الله - ﷺ - فعَل هذا، أو شيءٌ رأيتَه؟ قال: بل شيءٌ رأيتُه (^٢).\nوعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه قال: هذه من كيسي. ذكره ابنُ وهب، عن سليمان بن بلال، عن كَثير بن زيد، عن وليد بن رَباح، عن أبي هريرة (^٣).\nوكان أبو الدرداء يقول: إيّاكم وفراسةَ العلماء. احذروا أن يشهدوا عليكم شهادةً تكُبُّكم على وجوهكم في النار. فوالله، إنَّه لَلحقُّ يقذفه الله [٣٥/أ] في قلوبهم (^٤).\n_________\n(^١) يعني: للأمّ في مسألتي العمريتين كما سيأتي.\n(^٢) علّقه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" (١٦٠٦).\n(^٣) علّقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (١٦٠٧) عن ابن وهب به، وسنده يحتمل التحسين، خاصة أنه موقوف، وورد ما يشهد لأصل معناه.\n(^٤) علّقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (١٦٠٩). وقد رواه العسكري في \"الأمثال\" من طريق ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، عن أبي الدرداء بنحوه (كما في \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي ص ٥٩)، ولا يصح البتة، بل هو منكر جدّا بهذا الإسناد. والأشبه بالصواب ما رواه اللالكائي في \"كرامات الأولياء\" (١٠١) من طريق غيلان الفزاري، عن أبي قتيلة أنه كان يقول: اتقوا فراسة العلماء؛ فإنه حقٌّ يجعله الله تعالى على أبصارهم، وفي قلوبهم. وذكر أبو الدرداء ــ يومًا ــ الفتنة ... (فذكر قصّةً). والظاهر أن الأمر التبس على بعض الرواة، فلم يُميِّز بين الخبرين، بل لفّق، ودخل عليه خبر في آخر، والله أعلم. وغيلان هو ابن معشر المقرائي، وأبو قتيلة هو مرثد بن وداعة.","vol":"1","page":135},{"text":"قلتُ: وأصل هذا في الترمذي (^١) مرفوعًا: \"اتقوا فراسةَ المؤمن، فإنه ينظر بنور الله\"، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].\nوقال أبو عمر (^٢): ثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبَغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخُشَني، ثنا إبراهيم بن أبي الفيّاض البَرْقي الشيخ الصالح، ثنا سليمان بن بَزِيع الإسكندراني، ثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن\n_________\n(^١) في \"الجامع\" (٣١٢٧) من حديث مصعب بن سلام، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعا، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ اهـ. وعطية شيعي ضعيف مدلّس، لكن الآفة من مصعب بن سلام، وهو ضعيف واهٍ، يقلب الحديث، وقد خلّط في هذا الحديث، ولا عبرة بمن تابعه من الضعفاء على روايته من هذا الوجه؛ فإن المحفوظ ما رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٥/ ٣٧٦) من طريق ابن وهب، عن سفيان، عن عمرو بن قيس الملائي قال: كان يُقال: اتقوا فراسة المؤمن ... قال العقيلي: وهذا أولى اهـ. وجزم الخطيب أيضًا أنه الصواب، وليُنظر ما دبّجه يراعُه في \"التاريخ\" (٤/ ٣١٣). وبالغ ابن الجوزي؛ فساقَه في \"الموضوعات\"، والصحيح أنه منكر ــ على كثرة طرقه ــ، لكنه لا يبلغ حدّ الوضع.\n(^٢) في \"جامع بيان العلم\" (١٦١١، ١٦١٢) وعنه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٢٧). وأخرجه الدارقطني في \"غرائب مالك\"، والخطيب في \"الرواة عن مالك\"، وفي \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٧٦، ٢/ ٣٩١)؛ من طرق عن ابن أبي الفياض به، وضعّفوه كلّهم. ويحسن النظر في \"جامع بيان العلم\" (١٦١٢)، و\"لسان الميزان\" لابن حجر (٤/ ١٣٣)، و\"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" للألباني (٤٨٥٤). ولا ريب في نكارته وغرابته الشديدة من طريق مالك. أما الرواية التي صحّحها السيوطي في \"الجامع الكبير\" مما خرّجه الطبراني في \"الأوسط\" (١٦١٨) من طريق الوليد بن صالح، عن محمد ابن الحنفية، عن أبيه علي - ﵁ -؛ فلا تصح البتة، بل هي منكرةٌ، تفرّد بها الوليد هذا، وهو مجهول.","vol":"1","page":136},{"text":"سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عليٍّ، قال: قلتُ: يا رسول الله، الأمرُ ينزِل بنا لم ينزِل فيه القرآنُ، ولم تمضِ فيه منك سنَّة. قال: \"اجمعوا له العالِمين ــ أو قال: \"العابدين\" ــ من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضُوا فيه برأي واحد\". وهذا غريب جدًّا من حديث مالك. وإبراهيمُ البَرْقي وسليمان ليسا ممن يُحتجُّ بهما.\nوقال عمر لعلي وزيد: لولا رأيُكما لاجتمعَ رأيي ورأيُ أبي بكر، كيف يكون ابني ولا أكون أباه؟ يعني الجدَّ (^١).\nوعن عمر أنه لقي رجلًا فقال: ما صنعتَ؟ قال: قضى عليٌّ وزيدٌ بكذا. قال: لو كنتُ أنا لَقضيتُ بكذا. قال: فما منَعك، والأمرُ إليك؟ قال: لو كنتُ أرُدُّك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه - ﷺ - لفعلتُ، ولكنِّي أردُّك إلى رأيي، والرأيُ مشترك. فلم ينقُضْ ما قال علي وزيد (^٢).\nوذكر الإمام أحمد (^٣) عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إنَّ الله اطلع في\n_________\n(^١) \"جامع بيان العلم\" (١٦١٣). ورواه البيهقي في \"السنن الكبير\" (٦/ ٢٤٦) من طريق الشعبي، وقال: \"هذا مرسلٌ، الشعبي لم يُدرك أيام عمر، غير أنه مرسلٌ جيدٌ\".\n(^٢) \"جامع بيان العلم\" (١٦١٤). ورواه عمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٢/ ٦٩٣) عن هارون بن معروف، عن ضمرة بن ربيعة، عن حفص بن عمر، وهذا معضل، والظاهر أن حفص بن عمر هو السكوني الشامي، مجهول الحال، ترجمته في \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٢/ ٣٦٦)، و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٣/ ١٧٨)، و\"تاريخ مدينة دمشق\" لابن عساكر (١٤/ ٤٣١ - ٤٣٢).\n(^٣) في \"المسند\" (٣٦٠٠) عن أبي بكر (وهو ابن عياش)، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود، وصححه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٧٩)، وقال ابن حجر في \"الأمالي المطلقة\" (ص ٦٥): \"هذا حديثٌ حسنٌ\". ورواه الطيالسي (٢٤٣)، وابن وهب في \"المسند\" (١٢٥)، وابن الأعرابي في \"المعجم\" (٨٦٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٥٨٣)، من حديث المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ورواه الطبراني في \"الأوسط\" (٣٦٠٢) من طريق عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أبي وائل به. ويُنظر: \"المسند\" للبزار (١٨١٦)، و\"العلل\" للدارقطني (٥/ ٦٦)، و\"الأمالي المطلقة\" لابن حجر (ص ٦٥ - ٦٦)، ويُراجَع \"شرح العلل\" لابن رجب (٢/ ٧٨٨)؛ فقد تناول مسألة اضطراب عاصم فيما يرويه عن زرّ وأبي وائل.","vol":"1","page":137},{"text":"قلوب العباد، فرأى قلبَ محمد - ﷺ - خيرَ قلوب [٣٥/ب] العباد، فاختاره لرسالته. ثم اطلع في قلوب العباد بعده، فرأى قلوبَ أصحابه (^١) خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبته. فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح (^٢).\nوقال ابن وهب عن ابن لهيعة: إنَّ عمر بن عبد العزيز استعمل عروةَ بن محمد السَّعْدي على اليمن، وكان من صالحي (^٣) عُمَّال عمر، وإنه كتب إلى عمر يسأله عن شيء من أمر القضاء، فكتب إليه عمر: لَعَمْري ما أنا بالنشيط على الفتيا ما وجدتُ منها بدًّا، وما جعلتُك إلا لتكفيني، وقد حمَّلتُك ذلك، فاقضِ فيه برأيك (^٤).\n_________\n(^١) ت: \"الصحابة\".\n(^٢) سيأتي الأثر مرة أخرى برواية أبي داود الطيالسي.\n(^٣) ح: \"صالح\".\n(^٤) علّقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (١٦١٧) عن ابن وهب، ووصله ابن عساكر في \"التاريخ\" (٤٠/ ٢٩١) من طريق ابن وهب به، لكن ساقه مختصرًا ليس فيه محلّ الشاهد. وروى أبو عمر محمد بن يوسف الكندي في كتاب \"القضاة\" (ص ٢٤٢) من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن توبة بن نمر، قصةً شبيهةً بهذه، وقعت لقاضي مصر عياض بن عبيد الله مع عمر بن عبد العزيز.","vol":"1","page":138},{"text":"وقال محمد بن سعد (^١): أخبرني رَوح (^٢) بن عُبادة، ثنا حمَّاد بن سلَمة، عن الجُرَيري أنَّ أبا سَلَمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيتَ ما تُفتي به الناسَ، أشيء سمعتَه أم برأيك؟ فقال الحسن: لا والله ما كلُّ ما نفتي به سمعناه، ولكن رأيُنا لهم خيرٌ من رأيهم لأنفسهم.\nوقال محمد بن الحسن: من كان عالمًا بالكتاب والسنّة، وبقول أصحاب رسول الله - ﷺ -، وبما استحسنَ فقهاءُ المسلمين= وَسِعَه أن يجتهد رأيَه فيما ابتُلِيَ (^٣) به، ويَقضِيَ به، ويُمضِيَه في صلاته وصيامه وحجِّه وجميع ما أُمِر به ونُهِي عنه. فإذا اجتهَدَ، ونظَر، وقاسَ على ما أشبَه، ولم يألُ= وَسِعَه العملُ بذلك، وإن أخطأ الذي ينبغي أن يقول به (^٤).\nفصل\nولا تعارُضَ بحمد الله بين هذه الآثار عن السادة الأخيار، بل كلُّها حقٌّ، وكلٌّ منها له وجهٌ. وهذا إنَّما يتبيَّن بالفرق بين الرأي الباطل الذي ليس من\n_________\n(^١) في \"الطبقات\" (٩/ ١٦٦). وخُولِف حماد بن سلمة في سنده ولفظه، فليُنظر: \"المسند\" (المعروف بالسنن) للدارمي (١٦٥)، و\"الإحكام\" لابن حزم (٦/ ٥٤)، و\"ذم الكلام\" لأبي إسماعيل الهروي (٣٢٨)، ويحسن التأمل في \"التاريخ\" لابن عساكر (٢٩/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(^٢) ت: \"عن روح\".\n(^٣) في المطبوع: \"يُبتلى\"، وفي \"الجامع\" كما أثبت من النسخ.\n(^٤) علّقه عنه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٦٢٢).","vol":"1","page":139},{"text":"الدين، [٣٦/أ] والرأيِ الحقِّ الذي لا مندوحةَ عنه لأحد من المجتهدين، فنقول وبالله المستعان:\nالرأي في الأصل: مصدرُ رأى الشيءَ يراه رأيًا. ثم غلب استعماله على المرئيِّ نفسِه، من باب استعمال المصدر في المفعول، كالهوَى في الأصل مصدرُ هوِيَه يهواه هوًى، ثم استُعمِل في الشيء الذي يُهْوَى؛ فيقال: هذا هَوَى فلانٍ.\nوالعربُ تفرِّق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالِّها (^١) فتقول: رأى كذا في النوم رُؤْيا، ورآه في اليقظة رؤيةً، ورأى كذا ــ لما يُعلَم بالقلب ولا يُرَى بالعين ــ رأيًا. ولكنهم خصُّوه بما يراه القلبُ بعد فكرٍ وتأمُّلٍ وطلبٍ لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات. فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرًا غائبًا عنه مما يُحَسُّ به: إنه رأيه (^٢). ولا يقال أيضًا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الأمارات: إنه رأيٌ، وإن احتاج إلى فكرٍ وتأمُّلٍ كدقائق الحساب ونحوها.\nوإذا عُرِف هذا فالرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه. والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعمِلُوا به، وأفتوا به، وسوَّغوا القولَ به. وذمُّوا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمِّه وذمِّ أهله.\nوالقسم الثالث سوَّغوا العملَ والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه\n_________\n(^١) في المطبوع: \"محلِّها\". وفي الطبعات السابقة كما أثبت من النسخ.\n(^٢) في المطبوع: \"رأي\". وفي الطبعات السابقة كما أثبت من النسخ.","vol":"1","page":140},{"text":"حيث لا يوجد منه بدٌّ، ولم يُلزموا أحدًا العملَ [٣٦/ب] به، ولم يحرِّموا مخالفته، ولا جعلوا مخالِفَه مخالِفًا للدين؛ بل غايتُه أنهم خَيَّروا بين قبوله وردِّه. فهو بمنزلة ما أبيح للمضطرِّ من الطعام والشراب الذي يحرُم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد: سألتُ الشافعيَّ عن القياس، فقال لي: عند الضرورة (^١).\nوكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة: لم يُفْرطوا فيه ويفرِّعوه ويولِّدوه ويوسِّعوه، كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها؛ كما يوجد كثيرٌ من الناس يضبط قواعد للإفتاء (^٢)، لصعوبة النقل عليه وتعسُّر حفظه. فلم يتعدَّوا في استعماله قدرَ الضرورة، ولم يبغُوا العدولَ (^٣) إليه مع تمكُّنهم من النصوص والآثار؛ كما قال تعالى في المضطرِّ إلى الطعام المحرَّم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] فالباغي: الذي يبتغي الميتةَ مع قدرته على التوصُّل إلى الذَّكيِّ (^٤)! والعادي: الذي يتعدَّى قدرَ الحاجة بأكلها.\n_________\n(^١) نقله المصنف من قبل من \"كتاب الخلال\". وسينقله مرة أخرى من \"المدخل\" للبيهقي (٢٤٨). وقد رواه في \"معرفة السنن\" (١/ ١٨٧) أيضًا، وسنده صحيح.\n(^٢) س، ت، ع: \"الإفتاء\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في جميع النسخ: \"بالعدول\" ولكن المثبت من النسخ المطبوعة هو الموافق لما يأتي من تفسير الآية عند المؤلف.\n(^٤) كذا في جميع النسخ، وسيأتي مثله. وفي النسخ المطبوعة: \"المذكَّى\"، وهما بمعنًى.","vol":"1","page":141},{"text":"فالرأي الباطل أنواع:\nأحدها: الرأي المخالف للنص. وهذا مما يُعلَم بالاضطرار من دين الإسلام فسادُه وبطلانُه، ولا تحِلُّ الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَن وقع بنوع تأويل وتقليد.\nالنوع (^١) الثاني: هو الكلام في الدين بالخَرْص والظن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها. فإنَّ مَن جهِلها وقاس برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرَّدِ قدرٍ جامعٍ بين الشيئين ألحَق أحدَهما بالآخر، أو لمجرَّدِ قدرٍ فارقٍ يراه بينهما يفرِّق بينهما في الحكم، من غير نظرٍ إلى النصوص والآثار= فقد وقع في الرأي المذموم الباطل، فضلَّ، وأضلَّ (^٢).\nالنوع الثالث: الرأي المتضمِّن لتعطيل (^٣) أسماء الربِّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشُبَهَهم الداحضة في ردِّ النصوص الصحيحة الصريحة؛ فردُّوا\n_________\n(^١) \"النوع\" ساقط من ت.\n(^٢) في ع: \"فصل وأصل\" بالصاد المهملة فيهما. ويظهر أن هذا التصحيف قد وقع في النسخة المعتمدة في بعض الطبعات القديمة. فلما قرؤوه متصلًا بما بعده: \"فصل وأصل النوع الثالث\" حذفوا \"وأصل\" إلا في نشرة الوكيل، إذ لا معنى له هنا، وهكذا سقط: \"فضلَّ وأضلَّ\" من المتن، ووجد فيه فصل جديد! أما طبعة دار ابن الجوزي فاستدركت الساقط بين حاصرتين، ثم أثبتت لفظ \"فصل\" أيضًا!\n(^٣) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: \"تعطيل\". ولعله تصرف من بعض النساخ أو الناشرين.","vol":"1","page":142},{"text":"لأجلها ألفاظَ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رُواتها وتخطئتهم، ومعانيَ النصوص التي لم يجدوا إلى ردِّ ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوعَ الأولَ بالتكذيب، والنوعَ الثانيَ بالتحريف والتأويل.\nفأنكروا لذلك رؤيةَ المؤمنين ربَّهم في الآخرة، وأنكروا كلامَه وتكليمَه لعباده، وأنكروا مباينتَه للعالم، واستواءَه على عرشه، وعلوَّه على المخلوقات، وعمومَ قدرته على كلِّ شيء. بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجنِّ والإنس عن تعلُّق قدرته ومشيئته وتكوينه بها (^١)، ونفَوا لأجلها حقائقَ ما أخبَر به عن نفسه وأخبر به رسولُه من صفات كماله ونعوت جلاله. وحرَّفوا لأجلها النصوصَ عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرَّد الذي حقيقتُه أنه زُبالةُ الأذهان، ونُحاتة (^٢) الأفكار، وعُصارة (^٣) الآراء ووساوس الصدور. فملؤوا به الأوراق سوادًا،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"لها\"، تصحيف.\n(^٢) كذا في جميع النسخ. وقد جمع المؤلف بينها وبين الزبالة في قوله في النونية:\nطوبى لهم لم يعبؤوا بنُحاتة الْـ ... أفكار أو بزُبالة الأذهانِ\nوقال فيها أيضًا:\nجاؤوكم بالوحي لكن جئتمُ ... بنحاتة الأفكار والأذهان\nوانظر: \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٢٠٦) و\"اجتماع الجيوش\" (٢/ ٥٨). وفي النسخ المطبوعة: \"نخالة\"، وكذا وقع في \"اجتماع الجيوش\" (٢/ ٥٤) و\"الصواعق\" (٢/ ٤٣٣)، وأخشى أن يكون تصحيفًا مع صحة معناه.\n(^٣) ع: \"عقارة\"، وفي غيرها: \"عفارة\"، وكذا في النسخ المطبوعة، ولا معنى لها بالفاء ولا بالقاف. والكلمات التي استعملها المؤلف في هذا السياق: النُّفاية، والكناسة، مع الزبالة، والنحاتة. ولعل الصواب ما أثبت. وكذا في بعض النسخ المعتمدة في المطبوع.","vol":"1","page":143},{"text":"والقلوبَ شكوكًا، والعالمَ فسادًا.\nوكلُّ من له مُسكةٌ من عقل يعلم أنَّ فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل. وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكُه، [٣٧/ب] ولا في أمَّةٍ إلا وفسد أمرُها أتمَّ فساد. فلا إله إلا الله، كم نُفِي بهذه الآراء من حقٍّ، وأُثبِتَ بها من باطل، وأُمِيت بها من هُدًى، وأُحْيِيَ بها من ضلالة! وكم هُدِم بها من معقِلٍ للإيمان (^١)، وعُمِر بها من دَيْرٍ (^٢) للشيطان (^٣)! وأكثرُ أصحاب الجحيم هم أهلُ هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شرٌّ من الحُمُر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].\nالنوع الرابع: الرأي الذي أُحدثت به البدعُ، وغُيِّرت به السُّنن، وعَمَّ به البلاء، وتربَّى عليه الصغير، وهَرِم فيه الكبير.\nفهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمِّه وإخراجه من الدين.\nالنوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر (^٤) عن \"جمهور أهل العلم أنَّ الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه (^٥)\n_________\n(^١) س، ع: \"الإيمان\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في ع ما يشبه \"دين\"، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.\n(^٣) ع: \"الشيطان\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ١٠٥٤).\n(^٥) ح: \"الصحابة\".","vol":"1","page":144},{"text":"والتابعين - ﵃ -، أنه القولُ في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغالُ بحفظ المعضِلات والأغلوطات، وردُّ الفروع (^١) بعضها على بعض قياسًا، دون ردِّها على أصولها والنظرِ في عللها واعتبارها؛ فاستُعمِل فيها الرأيُ قبل أن تنزل، وفُرِّعت وشُقَّتْ (^٢) قبل أن تقع، وتُكُلِّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن. قالوا: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيلُ السنن، والبعثُ على جهلها، وتركُ الوقوف على ما يلزم الوقوفُ عليه منها ومن كتاب الله ﷿ ومعانيه. واحتجُّوا على ما ذهبوا إليه بأشياء\".\nثم ذكر (^٣) من طريق أسد بن موسى، ثنا شريك، [٣٨/أ] عن ليث، عن طاوس، عن ابن عمر قال: لا تسألوا عمَّا لم يكُن؛ فإنِّي سمعتُ عمرَ يلعن مَن يسأل عمَّا لم يكن.\nثم ذكر (^٤) من طريق أبي داود، ثنا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا\n_________\n(^١) في \"الجامع\": \"الفروع والنوازل\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"شقِّقت\"، وكذا من \"الجامع\".\n(^٣) برقم (٢٠٣٦) من طريق أسد به، ورواه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٢١) من طريق مسروق بن المرزبان، عن شريك، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر. وخالفه جرير بن عبد الحميد، فرواه عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، أخرجه عنه أبو خيثمة في كتاب \"العلم\" (١٤٤) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٦٧)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ١٣) ــ. وهذا أشبه، على أن ليثًا ــ وهو ابن أبي سُليم ــ ضعيف شديد التخليط. ورواه الدارمي (١٢٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن يزيد المنقري، عن أبيه، عن ابن عمر. وهذا سند فيه جهالة.\n(^٤) برقم (٢٠٣٧). ورواه الإمام أحمد (٢٣٦٨٨)، وأبو داود في \"السنن\" (٣٦٥٦)، وعبد الله بن سعد مجهول. ويُنظر: \"المسند\" لأحمد (٢٣٦٨٧)، و\"العلل\" للدارقطني (٧/ ٦٧).","vol":"1","page":145},{"text":"عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن الصُّنابِحي، عن معاوية أن النبيَّ - ﷺ -: نهَى عن الأُغلُوطات.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي بإسناده مثله (^١).\nوقال (^٢): فسَّره الأوزاعي: يعني: صعابَ المسائل (^٣).\nوقال الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن عُبادة بن نسي، عن الصُّنابحي (^٤) عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: أتعلمون (^٥) أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن عُضَل المسائل؟ (^٦).\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٣٨) من طريق ابن أبي شيبة به. ووقع في \"المسند\" لابن أبي شيبة (٩٧٣): عن الصنابحي، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، ثم قال: يقولون: هو معاوية هذا الرجل اهـ. ويَحْسُنُ تأمّل ما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (١/ ٢٣٦).\n(^٢) يعني ابن عبد البر.\n(^٣) رواه الإمام أحمد (٢٣٦٨٧)، وفيه: \"شداد المسائل وصعابها\". وانظر: \"غريب الحديث\" للخطابي (١/ ٣٥٤).\n(^٤) في النسخ: \"عبادة بن قيس الصنابحي\"، وهو تحريف وخلط. والتصحيح من \"جامع بيان العلم\" (٢٠٣٩).\n(^٥) في \"الجامع\": \"أما تعلمون\".\n(^٦) كذا رواه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٣٩)، ووقع عنده ذكر الصنابحي بين عبادة بن نسي ومعاوية. ورواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٣٦٨)، وفي \"مسند الشاميين\" (٢٢٣٣)، ولم يقع عنده ذكر الصنابحي، مع أن الطبراني وابن عبد البر روياه من حديث علي بن عبد العزيز البغوي، عن سليمان الواسطي، عن الوليد. ولم يَرِدْ عند الدارقطني أيضًا حين ساق هذا الوجه في \"العلل\" (٧/ ٦٧). والحاصل أن ذكر الصنابحي من هذا الوجه مُدرجٌ، لا وجه له، إلا أن يكون من تخليط سليمان الواسطي وتلوُّنه؛ فهو مُتّهمٌ قد نزكوه. ويُضْعِفُ هذا الاحتمالَ أن مداره على الحافظ الشهير علي بن عبد العزيز البغوي.","vol":"1","page":146},{"text":"وقال أبو عمر (^١): واحتجُّوا أيضًا بحديث سهلٍ وغيره أن رسول الله - ﷺ - كره المسائل وعابها، وبأنه - ﷺ - قال: \"إن الله يَكرَه لكم قِيلَ وقال، وكثرةَ السؤال\" (^٢).\nوقال ابن أبي خَيثمة: ثنا أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا مالك عن الزهري، عن سهل بن سعد قال: لعن رسولُ الله - ﷺ - المسائلَ، وعابَها (^٣).\nقال أبو عمر: هكذا ذكره أحمد بن زهير بهذا الإسناد، وهو خلاف لفظ \"الموطأ\".\nقال أبو عمر (^٤): وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول الله\n_________\n(^١) في \"الجامع\" (٢/ ١٠٥٧) والكلام متصل.\n(^٢) تقدَّم تخريجه.\n(^٣) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٤٢) من طريق ابن أبي خيثمة به. والمحفوظ ما في \"الموطأ\" (٢٠٩٢)، و\"العلم\" لأبي خيثمة (٧٧)، و\"صحيح البخاري\" (٥٢٥٩، ٥٣٠٨)، و\"صحيح مسلم\" (١٤٩٢) بلفظ: (كره)، وليس (لعن). ويُنظر أيضًا: \"الفقيه والمتفقه\" للخطيب (٢/ ١١)، و\"ذم الكلام\" لأبي إسماعيل الهروي (٥٢٣).\n(^٤) في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٤٧).","vol":"1","page":147},{"text":"- ﷺ -: \"أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال\"، فقال: أما كثرةُ السؤال، فلا أدري أهو ما أنتم فيه ممَّا أنهاكم عنه من كثرة المسائل؛ فقد كرِه رسول الله - ﷺ - المسائلَ وعابَها. وقال الله ﷿ [٣٨/ب]: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فلا أدري أهو هذا، أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء.\nوقال الأوزاعي: عن عَبْدة بن أبي لُبابة: وددتُ أنَّ حظِّي من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني. يتكاثرون بالمسائل، كما يتكاثر أهلُ الدراهم بالدراهم (^١).\nقال (^٢): واحتجُّوا أيضًا بما رواه ابنُ شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"أعظمُ المسلمين في المسلمين جُرْمًا مَن سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم على المسلمين، فحُرِّم عليهم\n_________\n(^١) كذا رواه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٤٥) من طريقٍ غريبةٍ جدًّا عن ضمرة، عن الأوزاعي، عن عبدة. والمحفوظ عن ضمرة (وهو ابن ربيعة) أنه يرويه عن رجاء بن أبي سلمة، عن عبدة، رواه ابن أبي خيثمة في \"التاريخ\" (٤٣٠٨ - السفر الثالث)، وأبو زرعة الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٣٥٥) ــ ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١١٤)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٣٧/ ٣٨٧) ــ من طريقين عن ضمرة به. وتابع ضمرة عليه: زيد بن الحباب، رواه الدارمي (٢٠٧) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٣٧/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١١٤)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٣٠٠) من طرق عن زيد بن الحباب به.\nوالأثر صحيح.\n(^٢) يعني ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٤٨).","vol":"1","page":148},{"text":"من أجل مسألته\" (^١).\nوروى ابن وهب أيضًا (^٢) قال: حدَّثني ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ذروني ما تركتُكم، فإنما أهلكَ من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم، واختلافُهم على أنبيائهم. فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بشيءٍ فخذوا منه ما استطعتم\" (^٣).\nوقال سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر: أُحرِّج بالله على كلِّ امرئ سأل عن شيء لم يكن، فإنَّ الله قد بيَّن ما هو كائن (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٩) ومسلم (٢٣٥٨).\n(^٢) هذا لفظ ابن عبد البر، لقوله في الحديث السابق: \"رواه عن ابن شهاب: معمر، وابن عيينة، ويونس بن يزيد، وغيرهم. وهذا لفظ حديث يونس بن يزيد من رواية ابن وهب عنه\".\n(^٣) رواه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٤٩) من طريق ابن وهب به، وابن لهيعة وإن كان فيه لينٌ، لكن قد تابعه أبو الزناد عند البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، وللحديث طرق أخرى كثيرة في الصحيحين وغيرهما ليس هذا مجال سردها.\n(^٤) \"جامع بيان العلم\" (٢٠٥١، ٢٠٥٢). ورواه الدارمي (١٢٦)، وعمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٢/ ٧٧١)، والبيهقي في \"المدخل\" (٢٩٣)، من طرق عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، به. وتابعه عبد الله بن طاوس عند أبي خيثمة في كتاب \"العلم\" (١٢٥)، وسُنيدِ بن داود ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٥٦) ــ، والبيهقي في \"المدخل\" (٢٩٢). وطاوس لم يُدرك عمر - ﵁ -. وله شاهدٌ رواه الخطيب في \"الجامع\" (٢/ ١٢) من طريق عمرو بن مرة، عن عمر، وهو ظاهر الانقطاع.","vol":"1","page":149},{"text":"قال أبو عمر (^١): وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما رأيتُ قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -. ما سألوه إلا عن ثلاثَ عشرةَ مسألةً حتى قُبِض - ﷺ -، كلُّهن في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ما كانوا يسألونه إلا عمَّا ينفعهم.\nقال أبو عمر: ليس في الحديث من الثلاثَ عشرةَ مسألةً إلا ثلاثٌ.\nقلت: [٣٩/أ] ومراد ابن عباس بقول (^٢): \"ما سألوه إلا عن ثلاثَ عشرة مسألةً\": المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلا فالمسائلُ التي سألوه عنها وبيَّن لهم أحكامَها بالسنَّة لا تكاد تُحصَى، ولكن إنما كانوا يسألون (^٣) عما ينفعهم من الواقعات، ولم يكونوا يسألونه عن المقدَّرات والأغلوطات وعُضَل المسائل، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها، بل كانت هممُهم مقصورةً على تنفيذ ما أمرهم به. فإذا وقع بهم أمرٌ سألوا (^٤) عنه، فأجابهم.\n_________\n(^١) في \"الجامع\" (٢٠٥٣). ورواه الدارمي (١٢٧)، والبزار في \"المسند\" (٥٠٦٥)، وأبو يعلى في \"المسند الكبير\" (كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (١/ ٢٣٦)، و\"المطالب العالية\" لابن حجر ١٤/ ٦٠٨)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٢٨٨)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٢٩٦)، وعطاء بن السائب كان قد اختلط.\n(^٢) ف: \"بقوله\"، وكذا في المطبوع.\n(^٣) ع، ف: \"يسألونه\".\n(^٤) ت: \"سألوه\".","vol":"1","page":150},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢].\nوقد اختُلِف في هذه الأشياء المسؤول عنها: هل هي أحكام قدرية أو أحكام شرعية (^١)؟ على قولين:\nفقيل: إنها أحكام شرعية عفا الله عنها، أي سكت عن تحريمها، فيكون سؤالُهم عنها سببَ تحريمها، ولو لم يسألوا لكانت عفوًا. ومنه قوله - ﷺ -، وقد سئل عن الحجِّ أفي كلِّ عام؟ فقال: \"لو قلتُ نعم لَوجبَتْ، ذروني ما تركتُكم، فإنما أهلك الذين قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافُهم على أنبيائهم\" (^٢).\nويدل على هذا التأويل حديث أبي ثعلبة (^٣) المذكور: \"إنَّ من أعظمِ (^٤) المسلمين في المسلمين جُرْمًا\" الحديث.\nومنه الحديث الآخر: \"إنَّ الله فرضَ فرائضَ فلا تضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، وحرَّم أشياءَ فلا تنتهكوها. وسكتَ عن أشياء رحمةً من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها\" (^٥).\n_________\n(^١) ت: \"أحكام شرعية أو ... قدرية\".\n(^٢) متفق عليه. وقد تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٣) كذا وقع في النسخ الخطية والمطبوعة. وحديث أبي ثعلبة سيأتي عَقِبَه، أما هذا فهو من حديث سعد بن أبي وقاص، وقد تقدَّم قريبًا.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"إن أعظم\".\n(^٥) رواه مسدد في \"المسند\"، وابن أبي شيبة في \"المسند\" [كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (١/ ٤٢٣)، و\"المطالب العالية\" لابن حجر (١٢/ ٤١٦)]، وسُنيد ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠١٢)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٢٤ - ٢٥) ــ، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٢٢١)، وفي \"مسند الشاميين\" (٣٤٩٢)، وابن المقرئ في \"المعجم\" (٤٧١)، والدارقطني في \"السنن\" (٤٣٩٦)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٣١٤)، وابن منده في \"مجلس من أماليه\" (٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١١٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ١٧)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٢٤)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٢)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ١٦)، وابن عساكر في \"معجمه\" (٢/ ٩٦٥)، وقال: \"هذا حديث غريب، ومكحول لم يسمع من أبي ثعلبة\". وأغرب البوصيري فقال: \"هذا إسنادٌ صحيح\"! والصواب قول شيخِه ابن حجر في \"المطالب\": \"رجاله ثقات، إلا أنه منقطع\". ويُنظر: \"العلل\" للدارقطني (٦/ ٣٣٤)، و\"جامع العلوم والحكم\" لابن رجب (٢/ ١٥٠ - ١٥٢).","vol":"1","page":151},{"text":"وفُسِّرت بسؤالهم عن [٣٩/ب] أشياء من الأحكام القدرية، كقول عبد الله بن حُذَافة: مَنْ أبي يا رسول الله؟ (^١).\nوقول الآخر (^٢): أين أبي (^٣) يا رسول الله؟ قال: \"في النار\" (^٤).\nوالتحقيق: أن الآية تعُمُّ النهيَ عن النوعين. وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إمّا في أحكام الخلق والقدر، فإنه يسوءهم أن يبدو لهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٣) ومسلم (٢٣٥٩) من حديث أنس.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"آخر\".\n(^٣) كذا في ع، وهو الصواب في هذا الحديث. وفي غيرها: \"أنا\"، وهو حديث آخر عن جابر قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قُتِلتُ؟ قال: \"في الجنة\". أخرجه البخاري (٤٠٤٦) ومسلم (١٨٩٩).\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث أنس (٢٠٣).","vol":"1","page":152},{"text":"ما يكرهونه مما سألوا عنه، وإما في أحكام التكليف، فإنه يسوءهم أن يبدو لهم ما يشقُّ عليهم تكليفُه مما سألوا عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: أن القرآن إذا نزل بها ابتداءً بغير سؤال، فسألتم عن تفصيلها وعلمِها أبدى لكم وبيَّن لكم. والمراد بحين النزول زمنه المتصل به، لا الوقت المقارن (^١) للنزول. وكأنَّ في هذا إذنًا (^٢) لهم في السؤال عن تفصيل المنزَّل ومعرفته بعد إنزاله، ففيه رفعٌ لتوهم المنع من السؤال عن تلك (^٣) الأشياء مطلقًا.\nوالقول الثاني: أنه من باب التهديد والتحذير، أي إن سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيانُ ما سألتم عنه ولا بُدَّ، وبدا لكم ما يسوءكم، لأنه وقتُ وحي، فاحذروا أن يوحي الله إلى رسوله في بيان ما سألتم عنه ما يسوءكم. والمعنى لا تتعرَّضوا للسؤال عما يسوءكم بيانُه، وإن تعرَّضتم له في زمن الوحي أُبديَ لكم.\nوقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي عن بيانها خبرًا وأمرًا، بل طَوَى بيانهَا عنكم رحمةً ومغفرةً وحلمًا، والله غفور حليم. فعلى القول الأول، عفا الله عن التكليف بها توسعةً عليكم. وعلى القول الثاني، عفا الله عن بيانها لئلا يسوءكم بيانها.\n_________\n(^١) في هامش ح بخط بعض القراء: \"المقدر\" وفوقه \"صح\". وفي هامش ف أشير إلى أن في نسخة: \"المقدر\".\n(^٢) ت، ع: \"إذن\".\n(^٣) \"تلك\" ساقط من ع والنسخ المطبوعة.","vol":"1","page":153},{"text":"وقوله: [٤٠/أ] ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أراد نوع تلك المسائل، لا أعيانها. أي قد تعرَّض قومٌ من قبلكم لأمثال هذه المسائل، فلما بُيِّنت لهم كفروا بها، فاحذروا مشابهتَهم والتعرُّضَ لما تعرَّضوا له.\nولم ينقطع حكمُ هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله.\nومن هاهنا قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"يا صاحب الميزاب (^١)، لا\n_________\n(^١) ت: \"المقرات\"، كذا بالتاء المفتوحة، والصواب: المِقْراة وهي أولى بالإثبات في المتن، وإن لم أرها في رواية، بل الوارد: \"يا صاحبَ الحوض\"، فإن المقراة بمعنى الحوض. وقد جاءت في حديث آخر أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٣٤) عن ابن عمر قال: خرج رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، فسار ليلًا، فمرُّوا على رجلٍ جالسٍ عند مِقراةٍ له، فقال عمر: يا صاحبَ المقراة، أوَلَغَتِ السباعُ الليلةَ في مِقراتك، فقال له النبي - ﷺ -: \"يا صاحبَ المقراة لا تُخبِرْه، هذا تكلُّف. لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شرابٌ وطهورٌ\".\nوكأنَّ \"الميزاب\" في النسخ تصحيف \"المقرات\" الوارد في ت. ولكنَّ المشكل ما ورد في \"إغاثة اللهفان\" للمصنف (١/ ٢٨٠). قال: \"مرّ عمر بن الخطاب - ﵁ - يومًا، فسقط عليه شيء من ميزاب، ومعه صاحب له. فقال: \"يا صاحبَ الميزاب، ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر: يا صاحبَ الميزاب، لا تُخبرنا، ومضى. ذكره أحمد\".\nوقد ورد نحوه في \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٥٧، ٥٢١، ٦٠٧)، (٢٢/ ١٨٤)، وفي الموضع الأخير: \"وقد ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه مرَّ هو وصاحب له بمكان، فسقط على صاحبه ماء من ميزابٍ ... \".\nوقال ابن مفلح في \"الفروع\" (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤): \" ... لحديث عمر - ﵁ - في الميزاب\".\n\nفهل هذا أثر آخر ثبت عن عمر كما قال شيخ الإسلام؟ وذكره أحمد كما قال المصنف؟ فإن الأثر الذي أخرجه الإمام مالك وغيره فيه ورودُ عمر بن الخطاب وصاحبه عمرو بن العاص حوضًا، وسؤالُ عمرٍو صاحبَ الحوض: هل ترد حوضك السباع؟ ثم هو منقطع كما ترى في تخريجه الآتي. أما \"أثر الميزاب\" ففيه أن ماءً منه قَطَر على صاحب عمر، فنادى صاحبَ الميزاب. فهما أثران مختلفان في المعنى، ولكن لم أقف على \"أثر الميزاب\" هذا. وأخشى أن يكون استدلال الإمام أحمد في مسألة الميزاب بأثر الحوض قد أدَّى بعد خلط وتصحيف إلى هذه الصورة الجديدة له، والله أعلم.","vol":"1","page":154},{"text":"تُخْبِرْنا\" لما سأله رفيقُه عن مائه: أطاهرٌ أم لا (^١)؟\nوكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربَّه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستَره، فلعله يسوءه إن أبدي له. فالسؤالُ عن جميع ذلك تعرُّضٌ لما يكرهه الله، فإنه سبحانه يكره إبداءَها، ولذلك سكتَ عنها. والله أعلم.\nفصل\nقالوا (^٢): ومن تدبَّر الآثارَ المرويَّة في ذمِّ الرأي وجدها لا تخرج عن\n_________\n(^١) رواه مالك في \"الموطأ\" (٦٢)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٥٠)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (١/ ٤٢٢)، والدارقطني في \"السنن\" (٦٢)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١/ ٢٥٠)، وفي \"معرفة السنن\" (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، وفي \"الخلافيات\" (٩٢٧)، وسنده ضعيف؛ لانقطاعه.\n(^٢) في ت كُتب في حوض لام \"فصل\": \"قال أبو عمر\"، يعني أن \"ومن تدبر الآثار ... \" قول ابن عبد البر. فقد استطرد المصنف إلى شرح قول ابن عباس عن الصحابة: \"ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض - ﷺ -\" ثم تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية، ثم رجع إلى كتاب ابن عبد البر (٢/ ١٠٦٢) فنقل هذه الجملة بتصرف.","vol":"1","page":155},{"text":"هذه الأنواع المذمومة. ونحن نذكر آثار التابعين ومَن بعدهم بذلك ليتبيَّن مرادُهم:\nقال الخُشَني: ثنا محمد بن بشَّار، ثنا يحيى بن سعيد القطَّان، عن مجالد، عن الشعبي قال: لعن الله أرأيت (^١)!\nقال يحيى بن سعيد: وثنا صالح بن مسلم قال: سألتُ الشعبيَّ عن مسألة من النكاح، فقال: إن أخبرتُك برأيي فَبُلْ عليه! (^٢).\nقالوا (^٣): فهذا قول الشعبي في رأيه، وهو من كبار التابعين، وقد لقي مائة وعشرين من الصحابة، وأخذ عن جمهورهم.\nوقال الطحاوي: ثنا سليمان بن شعيب، ثنا عبد الرحمن بن خالد، ثنا مالك بن مِغْوَل، عن الشعبي قال: ما جاءكم به هؤلاء عن أصحاب [٤٠/ب] رسول الله - ﷺ - فخذوه، وما كان من رأيهم فاطرَحُوه في الحُشِّ (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٢٢) و\"الإحكام\" (٦/ ٤٩). ورواه أيضًا أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٢٠). ومجالد فيه لينٌ.\n(^٢) رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٢٣) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٢). ورواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣١٩)، من طريقين عن صالح بن مسلم (وهو البكري) به، وقد تابعه محمد بن جحادة عند ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٣٦٨)، والأثر صحيح بلا ريب.\n(^٣) وهو قول ابن حزم بنصِّه في \"الصادع\" (٦٠٥).\n(^٤) رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٢٤) ــ ما نقله المحقق من نسخة غوطا ــ و\"الإحكام\" (٦/ ٥٤ - ٥٥) من طريق الطحاوي به، ووقع عنده (خالد بن عبد الرحمن)، وكذا رواه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٢٥/ ٣٧٠) من طريق خالد بن عبد الرحمن به. ورواه الدارمي (٢٠٦)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في \"العلل ومعرفة الرجال\" (٤٥٤)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٦٠٧، ٦٠٨)، والخطيب في \"الجامع\" (١٥٧٥)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٢٥/ ٣٧٠ - ٣٧١)؛ من طرق عن مالك بن مغول به. وله شاهد عند عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٠٤٧٦)، والبيهقي في \"المدخل\" (٨١٤)، وابن عبد البر في \"الجامع\" (١٤٣٨)، وشاهد آخر عند ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٣٧٠)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٥٩٢). والأثر صحيح مستفيض.","vol":"1","page":156},{"text":"وقال البخاري (^١): حدثنا سُنَيد بن داود، ثنا حمَّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يكتبونه وأنا أرجع عنه غدًا!\nقال إسحاق بن راهويه: قال سفيان بن عيينة: اجتهادُ الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن يقول هو برأيه (^٢).\nوقال ابن أبي خَيثَمة (^٣): ثنا الحَوطي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. ومرةً ثالثةً توهَّم المصنف أن محمد بن إسماعيل الراوي عن سنيد في الأثر المذكور هو البخاري، فأثبت \"البخاري\" مكان \"محمد بن إسماعيل\". وهو محمدُ بن إسماعيل بن سالم الصائغ المكي، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٠٧٠)، وعنه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٢٥) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٢). وسُنيدٌ فيه لينٌ، لكنه تُوبِع؛ فقد رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٩/ ١٨٠ عن عفان وعارم، عن حماد بن زيد به.\n(^٢) رواه ابن حزم في \"الصادع\" ــ بعد الأثر السابق كما في نسخة غوطا منه، وقد أثبته المحقق في الحاشية ــ و\"الإحكام\" (٦/ ٣٦).\n(^٣) في \"التاريخ\" (٤٦٩٧ - السفر الثالث)، ومن طريقه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٤٥٦)، وعنه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٢٦) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٣).\nورواه محمد بن نصر المروزي في \"السنة\" (٩٤)، وفي \"تعظيم قدر الصلاة\" (٧٤٦)، والآجري في \"الشريعة\" (١٠٧)، وابن بطة في \"الإبانة\" (١٠٠)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٣٩٣، ٨٢١)، وفي سنده خلاف على عبد الوهاب بن نجدة الحوطي في تعيين شيخه ... وليس هذا مجال شرح ذلك، على أن للأثر طريقًا أخرى عند الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٥٠٨) تشدّ من عضده وتُقوِّي دعامته.","vol":"1","page":157},{"text":"سَوادة بن زياد وعمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس أنه: لا رأيَ لأحدٍ مع سنَّةٍ سنَّها رسولُ الله - ﷺ -.\nقال أبو نَضْرة: سمعتُ أبا سلَمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصري: بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تُفْتِ برأيك إلا أن يكون سُنَّةً عن رسول الله - ﷺ - (^١).\nوقال البخاري (^٢): حدثني محمد بن محبوب، ثنا عبد الواحد، ثنا الزبرقان بن عبد الله الأسدي (^٣) أن أبا وائل شقيق بن سلَمة قال: إياك ومجالسةَ من يقول: أرأيتَ، أرأيتَ!\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٢٨) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٤). ورواه أيضًا الدارمي (١٦٥) والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٣٢٨)، ويحسن تدبُّرُ ما في \"التاريخ\" لابن عساكر (٢٩/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، مع الموازنة بـ\"الطبقات\" لابن سعد (٩/ ١٦٦).\n(^٢) في \"التاريخ الأوسط\" ٣/ ٤٣ ومن طريقه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٢٩) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٥)، وابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (١٢/ ١٩٠).\nورواه أيضًا ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٢٢٠)، والدارمي (٢٠٠) ــ ومن طريقه أبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٣٦٨) ــ، وابن أبي خيثمة في \"التاريخ\" (٤٤٠٦، ٤٤٥٩، ٤٤٦٧ - السفر الثالث) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٩٤) ــ، وابن بطة في \"الإبانة\" (٤١٥، ٤١٦، ٦٠٤)، والبيهقي في \"المدخل\" (٢٢٩)؛ من طرق عن الزبرقان الأسدي به، وسند الأثر صحيح.\n(^٣) ما عدا س، ف: \"الأسيدي\"، تصحيف.","vol":"1","page":158},{"text":"وقال أبان بن عيسى بن دينار، عن أبيه، عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب قال: دَعُوا السنَّة تمضي، لا تعرِضُوا لها بالرأي (^١).\nوقال يونس، عن أبي الأسود (^٢) وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، سمعتُ عروة بن الزبير يقول: ما زال أمرُ بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولَّدون أبناءُ سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي، فأضلُّوهم.\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٣٠) و\"الإحكام\" ٦/ ٥٥، وعنه الحميدي في جذوة المقتبس ص ٢٤٣.\n(^٢) كذا أُعْضِل السندُ وبُتِر، وقد رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٣١) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٥) من طريق يونس بن عبد الأعلى: ثنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود به. ورواه الدارمي (١٢٢) عن محمد بن عيينة، عن علي ــ هو ابن مسهر ــ، عن هشام ــ هو ابن عروة ــ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة به. ورواه أبو موسى المديني في \"اللطائف\" (٥١، ٩٠٥) ــ واستغربه ــ من طريق منجاب بن الحارث، عن علي بن مسهر به. والمشهور عن هشام بن عروة روايتُه إياه عن أبيه رأسا، رواه الحميدي في \"النوادر\" (كما في \"فتح الباري\" لابن حجر ١٣/ ٢٨٥) ــ ومن طريقه البيهقي في \"المدخل\" (٢٢٢)، وفي \"معرفة السنن\" (٣٣٥)، والخطيب في \"تاريخ مدينة السلام\" (١٥/ ٥٤٣) ــ عن ابن عيينة، ومن طريق ابن عيينة رواه أيضًا ابن عبد البر في \"الجامع\" ٢٠٣١) ح. ورواه ابن وهب في \"الجامع\" (كما في \"فتح الباري\" ١٣/ ٣٠١) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠١٥) ــ عن يحيى بن أيوب ح. ورواه أبو عوانة الإسفراييني في \"المسند الصحيح\" (١٠٢٥) من طريق وكيع ح. ورواه الخطيب في \"تاريخ مدينة السلام\" (١٥/ ٥٤٣) من طريق إسماعيل بن عياش ح. ورواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٦٤) ــ ومن طريقه أبو موسى المديني في \"اللطائف\" (٥٢) ــ من طريق سفيان (وهو الثوري)، ومعمر ــ فرّقهما ــ ح؛ سِتَّتُهم عن هشام بن عروة، عن أبيه به. وتأمّل ما في \"تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (ص ٢٥٤ - ٢٥٥).","vol":"1","page":159},{"text":"وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أنه قال ــ وهو يذكر ما وقع فيه الناسُ من هذا الرأيِ [٤١/أ] وتركِهم السُّنَن، فقال: إنَّ اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتبعوا (^١) الرأيَ وأخذوا فيه (^٢).\nوقال ابن وهب: حدَّثني ابنُ لهيعة أن رجلًا سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء، فقال: لم أسمع في هذا شيئًا. فقال له الرجل: فأخبِرْني ــ أصلحك الله ــ برأيك. فقال: لا. ثم أعاد عليه، فقال: إنِّي أرضَى برأيك. فقال سالم: إني لَعلِّي إن أخبرتُك برأيي، ثم تذهَبُ، فأرى بعد ذلك رأيًا غيرَه، فلا أجدك (^٣).\nوقال البخاري (^٤): حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيسي، ثنا مالك بن\n_________\n(^١) ت: \"ابتغوا\". وفي غيرها والنسخ المطبوعة كما أثبت. وكذا في نسخة غوطا من \"الصادع\"، وهو مصدر النقل، ويظهر أن نسخته التي اعتمد عليها المؤلف كانت موافقة لنسخة غوطا. وفي \"جامع بيان العلم\": \"استبقوا\". وسيأتي مرة أخرى.\n(^٢) رواه ابن وهب كما في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٢٨) ــ ومنه نقله ابن حزم في \"الصادع\" (٣٣٢) ــ عن بكر بن مضر، عن رجل من قريش أنه سمع ابن شهاب يقول: (فذكره). والرجل القرشي مُبْهَمٌ لم يُسَمَّ، ولا يُعلَم من هو؟\n(^٣) رواه ابن حزم من طريق ابن وهب في \"الصادع\" (٣٣٣) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٥ - ٥٦)، وسندُه ظاهر الضعف والانقطاع.\nلكن قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٤٤٢): وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن سالم بن عبد الله بن عمر ... (فذكره بمعناه). وهذا إن كان ابن لهيعة ضبطه جيّدًا عن خالد؛ فهو جيّدٌ قوي. ويحسن تأمّل ما في \"طبقات علماء إفريقية وتونس\" لأبي العرب القيرواني (ص ٢٤٦).\n(^٤) في \"التاريخ الكبير\" ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧، والحاكم في \"معرفة علوم الحديث\" (ص ٥٢)، وابن حزم في \"الصادع\" (٣٣٤) ــ وهو مصدر النقل ــ و\"الإحكام\" (٦/ ١٢٥)، والخطيب في \"الكفاية\" (٥١٢)، وسنده صحيح.","vol":"1","page":160},{"text":"أنس قال: كان ربيعة يقول لابن شهاب: إنَّ حالي ليس يُشبِه حالك. أنا أقول برأيي، من شاء أخَذَه وعمِل به، ومن شاء تَرَكه.\nوقال الفِرْيابي: ثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقي قال: سمعتُ عبد الرحمن بن مهدي يقول: سمعتُ حماد بن زيد يقول: قيل لأيوب السَّخْتِياني: ما لك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار: ما لكَ لا تجتَرُّ؟ قال: أكرَهُ مضغَ الباطل (^١).\nوقال الفِرْيابي: ثنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبَرَني أبي قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يقول: عليك بآثارِ مَن سَلَفَ وإن رفضك الناس. وإياك وآراءَ الرِّجال، وإن زخرفُوا لك القولَ (^٢).\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٨٥)، وعنه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٣٦) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٣)، ورواه أيضًا أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٨) ومن طريقه الذهبي في \"السير\" (٦/ ١٧) من طريق جعفر الفريابي به. ورواه الدينوري في المجالسة (٢٩٥٠)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٥٩)؛ من طريقين آخرين عن أحمد بن إبراهيم به. ورواه أبو زرعة الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٤٧٢، ٥٠٧ - ٥٠٨) ــ ومن طريقه ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ١٥٩)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٥٢/ ١٦٩) ــ من طريق موسى بن عبد الرحمن بن مهدي، عن أبيه به. والأثر صحيح.\n(^٢) رواه الآجري في \"الشريعة\" (١٢٧) ومن طريقه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٧٧)، وعنه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٣٥) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٢ - ٥٣) وسنده صحيح. ورواه البيهقي في \"المدخل\" (٢٣٣)، والخطيب في \"شرف أصحاب الحديث\" (٦)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (١٢٠، ٣٢٤)، وقوام السنة الأصبهاني في \"الترغيب والترهيب\" (٩٧٠)؛ من طريقين آخرين عن العباس بن الوليد به.","vol":"1","page":161},{"text":"وقال أبو زرعة (^١): ثنا أبو مُسْهِر قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا يجيب حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. هذا الرأي، والرأي يخطئ ويصيب.\nوقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد كلاهما عن أبي حنيفة أنه قال: علمنُا هذا رأي، وهو أحسَنُ ما قدَرنا عليه. ومن جاءنا بأحسَن منه قبِلناه منه (^٢).\nوقال الطحاوي: ثنا محمد بن [٤١/ب] عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أشهب بن عبد العزيز قال: كنتُ عند مالك، فسئل عن \"البتَّة\" (^٣)، فأخذتُ ألواحي لأكتب ما قال، فقال لي مالك: لا تفعل، فعسى في العشيِّ أقول: إنها\n_________\n(^١) هو الدمشقي في \"التاريخ\" (١/ ٣٢٦)، وعنه يعقوب بن سفيان الفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٣٩٩) عن أبي مسهر به. وسنده صحيح. ومن طريق أبي زرعة رواه أيضًا ابن حزم في \"الصادع\" (٣٤٠) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٧)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (٦٠/ ٢١٧ - ٢١٨). ورواه يعقوب بن سفيان الفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٤٠٠)، وأحمد بن عبد الله بن نصر بن بجير في الفوائد (٥) ــ وعنه أبو طاهر المخلص في الجزء الخامس من الفوائد الغرائب المنتقاة (٣) ــ ومن طريقه ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ١٧٢) ــ عن علي بن عثمان النفيلي، عن أبي مسهر به.\n(^٢) أخرجه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٤٢) وهو مصدر المؤلف. ونقله الذهبي في \"مناقب أبي حنيفة وصاحبيه\" (ص ٣٤) عن الحسن بن زياد، ونحوه عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. وانظر: \"الإحكام\" (٦/ ٥٨، ١٨٥) و\"كتاب الروح\" للمصنف (ص ٧٤١) و\"مجموع الفتاوى\" (٢٠/ ٢١١).\n(^٣) يعني طلاق البتة.","vol":"1","page":162},{"text":"واحدة (^١).\nوقال معن بن عيسى القزَّاز: سمعتُ مالكًا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسنةَ فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه (^٢).\nفرضي الله عن أئمة الإسلام، وجزاهم عن نصيحتهم للأمة خيرًا. ولقد امتثل وصيّتَهم وسلك سبيلَهم أهلُ العلم والدين من أتباعهم.\nوأما المتعصِّبون، فإنهم عكسوا القضية، ونظروا في السنَّة فما وافق أقوالَهم منها قبلوه، وما خالفها تحيَّلوا في ردِّه أو ردِّ دلالته. وإذا جاء نظيرُ ذلك أو أضعفُ منه سندًا ودلالةً وكان يوافق قولَهم قبلوه، ولم يستجيزوا ردَّه، واعترضوا به على منازعيهم، وأشاحوا (^٣)، وقرَّروا الاحتجاجَ بذلك السند ودلالته. فإذا جاء ذلك السندُ بعينه أو أقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك أو أقوى منه في خلاف قولهم؛ دفعوه ولم يقبلوه. وسنذكر من هذا إن شاء الله طرفًا عند ذكر غائلة التقليد وفساده، والفرقِ بينه وبين الاتباع.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٤٤) وسنده صحيح. وانظر نحوه في \"ترتيب المدارك\" (١/ ١٩٠) و\"الموافقات\" (٥/ ٣٣٢).\n(^٢) رواه أحمد بن مروان الدينوري في \"مناقب مالك\" [نقل سندَه ابنُ عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٤٣٦)]، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٤٣٥) ــ وعنه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٤٥) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٦) ــ؛ من طريقين عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن معن بن عيسى به.\n(^٣) أشاح: أعرض وجدَّ في الإعراض. وشيَّحَ: نظر إلى الخصم وضايقه. انظر \"تاج العروس\" (شيح).","vol":"1","page":163},{"text":"وقال بقيُّ بن مَخْلَد: ثنا سَحنون والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك أنه كان يُكثِر أن يقول: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (^١).\nوقال القعنَبي: دخلتُ على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلَّمتُ عليه، ثم جلستُ. فرأيته يبكي، فقلتُ له: يا أبا عبد الله، ما الذي (^٢) يُبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنَب، [٤٢/أ] ومالي لا أبكي؟ ومن أحقُّ بالبكاء منِّي؟ والله لوددتُ أنِّي ضُرِبتُ لكلِّ (^٣) مسألة أفتيتُ فيها بالرأي سوطًا. وقد كانت لي السعة فيما قد سُبِقت إليه، وليتني لم أُفْتِ بالرأي (^٤).\nوقال ابن أبي داود: ثنا أحمد بن سِنان قال: سمعتُ الشافعيَّ يقول: مَثَلُ الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثلُ المجنون الذي عولج حتى برئ، فأعقَلُ ما يكون قد هاج به (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٤٧) و\"الإحكام\" (٦/ ٢١، ٥٧) ــ وعنه الحميدي في \"جذوة المقتبس\" (ص ٣٨٢) ــ من طريق بقي بن مخلد به. وله شاهد رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٢٣).\n(^٢) \"الذي\" ساقط من ت.\n(^٣) ع: \"في كلِّ\". وفي النسخ المطبوعة: \"بكلِّ\".\n(^٤) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٨١)، وابن حزم ــ وهذا لفظه ــ في \"الصادع\" (٣٤٨) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٧) وعنه الحميدي في \"جذوة المقتبس\" (ص ٥١١) ــ من طريقين عن محمد بن عمر بن لبابة، عن مالك بن علي القطني، عن القعنبي، وابن لبابة عالمٌ فقيهٌ، لكنه ضعيف، وشيخُه مالك بن علي ضعيف، كذّبه ابن وضاح.\n(^٥) رواه الآجري ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٣٤)، وعنه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٤٩) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٣) ــ عن ابن أبي داود به، وسنده صحيح.","vol":"1","page":164},{"text":"وقال ابن أبي داود: ثنا عبد الله (^١) بن أحمد بن حنبل قال: سمعتُ أبي يقول: لا تكاد ترى أحدا نظَر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَلٌ.\nوقال عبد الله بن أحمد أيضًا: سمعتُ أبي يقول: الحديث الضعيف أحبُّ إليَّ من الرأي (^٢).\nوقال عبد الله: سألتُ أبي عن الرجل يكون ببلدٍ لا يجد فيه إلا صاحبَ حديثٍ لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحابَ رأي، فتنزل به النازلة. فقال أبي: يسأل أصحابَ الحديث، ولا يسأل صاحبَ (^٣) الرأي. ضعيفُ الحديث أقوى من الرأي (^٤).\nوأصحاب أبي حنيفة - ﵀ - مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه؛ كما\n_________\n(^١) كذا رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٥٠). وإنما رواه الآجري ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢٠٣٥) وعنه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٥٣) ــ عن ابن أبي داود، قال: سمعتُ أبي يقول: سمعت أحمد ... (فذكره). ويُؤيد ذلك أن أبا داود السجستاني رواه في \"المسائل\" (١٧٧٧) عن الإمام أحمد. وسند الخبر صحيح غاية، وأغرب ابن حجر فذكر في \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" (١/ ٤٣٧) أنه رواه من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد بالإسناد الصحيح؛ فالله تعالى أعلم.\n(^٢) رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٥٢) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٨)، وفي \"المحلى\" (١/ ٨٦ - ٨٧) من طريق عبد الله بن أحمد به.\n(^٣) ع، ف: \"أصحاب الرأي\".\n(^٤) رواه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٥٦) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٨) و\"المحلى\" (١/ ٨٧) من طريق عبد الله بن أحمد به. وهو في \"مسائل عبد الله\" (١٥٨٥) بمعناه، ومن طريقه رواه الخطيب في \"تاريخ مدينة السلام\" (١٥/ ٥٧٩)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٣٣٣).","vol":"1","page":165},{"text":"قدَّم حديثَ القهقهة (^١)، مع ضعفه على القياس والرأي. وقدَّم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر (^٢) في السفر، مع ضعفه على الرأي والقياس. ومنَعَ (^٣) قَطْعَ السارق بسرقةِ أقلَّ من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف (^٤). وجعل أكثرَ الحيض عشرة أيام، والحديثُ فيه ضعيف (^٥). وشرَطَ في إقامة الجمعة المصرَ، والحديثُ (^٦)\nفيه ضعيف كذلك (^٧). وترك القياسَ [٤٢/ب] المحضَ في مسائل الآبار لآثارٍ فيها غيرِ مرفوعة (^٨). فتقديُم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) كتب بعضهم في طرَّة ح مع علامة صح: \"وقدَّم حديثَ\". ونحوه في طرَّة ت أيضًا.\n(^٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٦٩٠٠) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وآفتُه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف مدلّس. ويُنظر: \"الجامع\" للترمذي عقب الحديث (١٤٤٦)، و\"السنن\" للدارقطني (٣٤٢١ - ٣٤٣٣، ٣٤٥٢)، و\"مسند أبي حنيفة\" لابن خسرو (٦١٤، ٦١٥، ٩١٥)، و\"جامع المسانيد\" للخوارزمي (٢/ ٢٢٠)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٤/ ٥٥٥ - ٥٥٦)، و\"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(^٥) تقدَّم تخريجه.\n(^٦) رواه أبو يوسف في \"الآثار\" (ص ٦٠) عن أبي حنيفة بلاغا، وهذا معضلٌ ساقطٌ.\n\nويُنظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (٥١٧٥، ٥١٧٦، ٥١٧٧، ٥١٨١، ٥٧١٩)، و\"الإتحاف بتخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي (٤/ ٢٣)، و\"نصب الراية\" له (٢/ ١٥٩)، و\"الدراية\" لابن حجر (١/ ٢١٤)، و\"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" للألباني (٩١٧).\n(^٧) لم يرد \"كذلك\" في ح، ف. و\"ضعيف\" ساقط من س، ع والنسخ المطبوعة.\n(^٨) في الباب آثار كثيرة، رواها عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٦٩ - ٢٧٦)، وأبو عبيد في \"الطهور\" (١٧٦ - ١٨٥)، والطحاوي \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٧ - ١٨)، وغيرُهم. ويحسُن تأمل كلام أبي عبيد في كتابه \"الطهور\" (ص ١٤٥ - ١٤٩).","vol":"1","page":166},{"text":"القياس والرأي (^١) قولُه وقولُ الإمام أحمد. وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخِّرين، بل ما يسمِّيه المتأخرون حسنًا قد يسمِّيه المتقدمون ضعيفًا، كما تقدَّم بيانه (^٢).\nوالمقصود: أن السلف جميعهم على ذمِّ الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنة، وأنه لا يحِلُّ العملُ به لا فُتيا (^٣) ولا قضاءً، وأنَّ الرأي الذي لا يُعلَم مخالفتُه للكتاب والسنَّة ولا موافقتُه، فغايتُه أن يسوغ العملُ به عند الحاجة إليه، من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه.\nقال أبو عمر بن عبد البرِّ (^٤): ثنا عبد الرحمن بن يحيى، ثنا أحمد بن سعيد بن حزم، ثنا عبد الله (^٥) بن يحيى بن يحيى (^٦) عن أبيه أنه كان يأتي ابنَ وهب فيقول له: من أين؟ فيقول له: من عند ابن القاسم. فيقول له ابنُ وهب: اتَّقِ الله؛ فإنَّ أكثر هذه المسائل رأي (^٧).\n_________\n(^١) زاد بعضهم في طرَّة ح، ت: \"فهذا\"، وفي ف: \"فهو\".\n(^٢) في (ص ٦٥).\n(^٣) ت: \"لإفتاءٍ\".\n(^٤) في \"جامع بيان العلم\" (٢١٧٥)، وعنه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٥٨) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٤) عن عبد الرحمن بن يحيى به، وسنده صحيح.\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وكذا في بعض نسخ \"الصادع\" ــ مصدر المؤلف ــ وملخص إبطال القياس (ص ٦٨) وأصل \"جامع بيان العلم\". والصواب: عبيد الله كما في \"الإحكام\" ومطبوعتي \"الصادع\" و\"الجامع\".\n(^٦) ف: \"عبد الله بن يحيى\" فقط. وكذا في أكثر النسخ المطبوعة.\n(^٧) لم ينقل ابن حزم ــ والمؤلف صادر عن كتابه ــ أول هذا الأثر، وهو قول يحيى بن يحيى الليثي: \"كنتُ آتي ابنَ القاسم، فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند ابن وهب، فيقول: اللهَ اللهَ، اتَّقِ الله، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل. قال: ثم آتي ابنَ وهب ... \" إلخ. انظر: \"جامع بيان العلم\" و\"ترتيب المدارك\" (٣/ ٣٨٦).","vol":"1","page":167},{"text":"وقال الحافظ أبو محمد (^١): ثنا عبد الرحمن بن سلَمة، ثنا أحمد بن خليل، ثنا خالد بن سعد (^٢)، أخبرني محمد بن عمر بن لُبابة (^٣)، ثنا أبان بن عيسى بن دينار قال: كان أبي قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي، وأحبَّ الفتيا بما روي من الحديث، فأعجلته المنيةُ عن ذلك.\nوقال أبو عمر (^٤): وروى الحسن بن واصل عن الحسن (^٥) أنه قال: إنما هلك مَن كان قبلكم حين تشعَّبت بهم السُّبُل، وحادوا عن الطريق، وتركوا الآثار، وقالوا في الدين برأيهم، فضلُّوا وأضلُّوا.\nقال أبو عمر (^٦): وذكر نُعَيم بن حماد، عن أبي معاوية، عن الأعمش،\n_________\n(^١) في \"الصادع\" (٣٥٩) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٥)، وعنه الحميدي في \"جذوة المقتبس\" (ص ٤٣٣) عن عبد الرحمن بن سلمة به.\n(^٢) في النسخ الخطية والمطبوعة: \"سعيد\"، والتصحيح من مصادر التخريج. وخالد بن سعد حافظ ناقد من أئمة الحديث. انظر ترجمته في \"جذوة المقتبس\" (ص ٢٩٧) و\"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ١٨).\n(^٣) في النسخ الخطية والمطبوعة: \"كنانة\"، تصحيف. انظر ترجمة ابن لبابة في \"جذوة المقتبس\" (ص ١١٦) و\"ترتيب المدارك\" (٤/ ٢٣٨).\n(^٤) تعليقًا في \"جامع بيان العلم\" طبعة الزمرلي (٢/ ٢٦٩). وفي طبعة الزهيري (٢/ ١٠٥٠): \"عن الشعبي\". والحسن هذا هو ابن دينار، وهو واهٍ تالفٌ، وهو معروف بالرواية عن الحسن البصري. وعزاه إلى الحسن أيضًا الشاطبي في \"الاعتصام\" (١/ ١٧٨).\n(^٥) \"عن الحسن\" ساقط من ع والنسخ المطبوعة.\n(^٦) تعليقًا في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٢٧) عن نعيم بن حماد به، ونعيمٌ ضعيفٌ، على فضله وإمامته في السنة.","vol":"1","page":168},{"text":"عن مسلم [٤٣/أ]، عن مسروق: من يرغَبْ برأيه عن أمر الله يَضِلَّ.\nوذكر ابن وهب قال: أخبرني بكر بن مُضَر (^١) عن رجل من قريش أنه سمع ابنَ شهاب يقول، وهو يذكر ما وقع فيه الناسُ من هذا الرأي وتركِهم السُّنَنَ، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقُّوا (^٢) الرأي وأخذوا فيه (^٣).\nوذكر ابن جرير في كتاب \"تهذيب الآثار\" له عن مالك قال: قُبِضَ رسول الله - ﷺ -، وقد تمَّ هذا الأمر واستكمل. فإنما ينبغي أن تُتَّبع آثارُ رسول الله - ﷺ -، ولا يُتَّبع الرأيُ؛ فإنه من اتَّبع الرأيَ جاء رجلٌ آخرُ أقوى منه في الرأي فاتَّبعه، فأنت كلَّما جاء رجلٌ غلبك اتبعتَه (^٤).\nوقال نُعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك، عن عبد الله بن وهب أنَّ رجلًا جاء إلى القاسم بن محمد، فسأله عن شيء، فأجابه. فلما ولَّى الرَّجلُ دعاه، فقال له: لا تقل: إنَّ القاسم زعَم أنَّ هذا هو الحقُّ، ولكن إذا اضطُرِرتَ إليه\n_________\n(^١) ما عدا س، ت: \"نصر\"، تصحيف.\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي\"جامع بيان العلم\" (٢٠٢٨): \"استبقوا\". وقد سبق بلفظ \"اتبعوا\".\n(^٣) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٤) \"جامع بيان العلم\" لابن عبد البر (٢٠٧٢). ورواه يعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٧٨٩ - ٧٩٠) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"الجامع\" (٢١١٧)، والخطيب في \"تاريخ مدينة السلام\" (١٥/ ٥٤٥) ــ عن الحسن بن الصباح البزار، عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن مالك به، والحنيني هذا رجل صالح، ولم يكن بذاك القوي، وله عن مالك غرائب وأوابد.","vol":"1","page":169},{"text":"عملتَ به (^١).\nوقال أبو عمر (^٢): قال ابن وهب: قال لي مالك بن أنس، وهو يُنكِر كثرةَ الجواب للمسائل: يا عبد الله، ما علمتَه فقُلْ به، ودُلَّ عليه. وما لم تعلم فاسكُتْ. وإياك أن تتقلَّد للناس قِلادةَ سَوءٍ.\nقال (^٣) أبو عمر (^٤): وذكر محمد بن حارث بن أسد الخُشَني (^٥)، أنا أبو عبد الله محمد بن عباس النحاس قال: سمعتُ أبا عثمان سعيد بن محمد الحدَّاد يقول: سمعتُ سَحنونَ بن سعيد يقول: ما أدري ما هذا الرأي، سُفِكتْ به الدماء، واستُحِلَّتْ به الفروج، واستُحِقَّتْ به الحقوق، غير أنَّا رأينا رجلًا صالحًا، فقلَّدناه.\nوقال سلَمة بن شَبِيب: سمعتُ أحمدَ يقول [٤٣/ب]: رأيُ الشافعي ورأيُ مالك ورأيُ أبي حنيفة كلُّه عندي رأيٌ، وهو عندي سواء؛ وإنما\n_________\n(^١) رواه الحسن بن علي الحلواني عن نُعيم بن حماد به، كما في \"جامع بيان العلم\" لابن عبد البر (٢٠٧٦)، وفي سنده ضعفٌ وانقطاع.\n(^٢) في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٨٠). وقد رواه ابن عبد البر بالسند الذي يروي به كتاب \"الجامع\" لابن وهب، وليُنظر: \"جذوة المقتبس\" للحميدي (ص ٤٠٣). ورواه محمد بن مخلد العطار في \"ما رواه الأكابر عن مالك\" (٣٩) ــ ومن طريقه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٥٩) ــ، والبيهقي في \"المدخل\" (٨٢٢)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٨٧٥)؛ من طرق عن ابن وهب به، وسنده صحيح.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"وقال\".\n(^٤) في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٨٢). وعنه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٥٤) وسنده جيِّد.\n(^٥) في كتابه \"فضائل سحنون\" كما في \"الجامع\".","vol":"1","page":170},{"text":"الحجَّة في الآثار (^١).\nوقال أبو عمر بن عبد البر (^٢):\nأنشدني عبد الرحمن بن يحيى، أنشدنا أبو علي الحسن بن الخَضِر الأسيوطي بمكة، أنشدنا محمد بن جعفر، أنشدنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه:\nدينُ النبيِّ محمدٍ آثارُ ... نِعْمَ المطيَّةُ للفتى الأخبارُ\nلا تُخْدعَنَّ عن الحديثِ وأهلِه ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارُ\nولربَّما جهِل الفتى طُرُقَ الهدى ... والشمسُ طالعةٌ لها أنوارُ\nولبعض أهل العلم (^٣):\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢١٠٧) ــ وعنه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٥٤) و\"الإحكام\" (٦/ ٥٣ - ٥٤) من طريق العباس بن الفضل، عن سلمة بن شبيب به، وسنده جيد.\n(^٢) في \"جامع بيان العلم\" (١٤٥٩)، ومن طريقه ابن حزم في \"الصادع\" (٣٥٧).\n\nوروى البيتين الأولين ابنُ جميع الصيداوي في \"معجم شيوخه\" (ص ٢٠٣) ــ ومن طريقه ابن الطيوري في \"الطيوريات\" (٩٧٦)، وابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٥/ ٢٠ - ٢١) ــ عن أحمد بن عطاء الروذباري، عن محمد بن الزبرقان. ومن طريق ابن الطيوري رواه القاضي عياض في \"الإلماع\" (ص ٣٨).\nوذكر الأبياتَ اللالكائيُّ في \"شرح أصول الاعتقاد\" (١/ ١٦٨) لفتًى من أصحاب الحديث، أنشدها في مجلس أبي زرعة الرازي. ورواها الخطيب في \"شرف أصحاب الحديث\" (١٥٦) من قول عبدة بن زياد الأصبهاني. ورواها أبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٣٥٥) بسند غريب جدًّا من إنشاء عبد الرحمن بن مهدي!\n(^٣) ذكر الصفدي في \"الوافي\" (٢/ ١٦٦) و\"أعيان العصر\" (٤/ ٢٩٤) وغيرهما أن\n\n= ... الذهبي أنشده لنفسه:\nالعلم قال الله قال رسوله ... إن صحَّ والإجماع فاجهَدْ فيه\nوحَذار من نصب الخلاف جهالة ... بين الرسول وبين رأي فقيه\nوأنشد المصنف في كتاب \"الفوائد\" (ص ١٥٣) ثلاثة أبيات، قال: \"ولقد أحسن القائل:\nالعلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه\nما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه\nكلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرًا من التمثيل والتشبيه\nولا يخفى قرب هذه الأبيات من الأبيات الواردة هنا. فهل الأبيات من قصيدة للذهبي أنشد الصفديَّ منها بيتين فقط، ووقع الخلاف في روايتها؟ الذي أميل إليه أن المصنف أعجب بالبيتين، فضمَّنهما مع التصرف أبياتًا له، ظلَّ يغيِّر فيها كلما بدا له. ويقوِّي ذلك قوله من أبيات في قصيدته النونية (٣٥٩٤ - ٣٥٩٨):\nالعلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم ذوو العرفان\nما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فلان\nكلا ولا جحد الصفات لربنا ... في قالب التنزيه والسبحان\nكلا ولا نفيَ العلوِّ لفاطرِ الْـ ... أكوانِ فوق جميع ذي الأكوانِ\nكلا ولا عزلَ النصوص وأنها ... ليست تفيد حقائقَ الإيمان","vol":"1","page":171},{"text":"العلم: قال اللهُ قال رسولُه ... قال الصحابةُ، ليس خُلْفٌ فيهِ\nما العلمُ نصبَك لِلخِلاف سفاهةً ... بينَ النصوص وبينَ رأيِ سفيهِ\nكلَّا ولا نصبَ الخلافِ جهالةً ... بينَ الرسول وبينَ رأيِ فقيهِ\nكلَّا ولا ردَّ النصوصِ تعمُّدًا ... حذَرًا من التجسيم والتشبيهِ\nحاشا النصوصَ من الذي رُمِيَتْ به ... مِن فرقة التعطيل والتمويه","vol":"1","page":172},{"text":"فصل\nفي الرأي المحمود، وهو أنواع\nالنوع الأول: رأيُ أفقهِ الأمة، وأبرِّ الأمة قلوبًا، وأعمقِهم علمًا، وأقلِّهم تكلُّفًا، وأصحِّهم قُصودًا، وأكملِهم فطرةً، وأتمِّهم إدراكًا، وأصفاهم أذهانًا، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول. فنسبةُ آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسولُ - ﷺ - كنسبتهم إلى صحبته؛ والفرقُ بينهم وبين مَن بعدهم في [٤٤/أ] ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل؛ فنسبةُ رأي مَن بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم.\nقال الشافعي - ﵀ - في \"رسالته البغدادية\" (^١) التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني، وهذا لفظه: \"وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسوله - ﷺ - في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبَقَ لهم على لسان رسول الله - ﷺ - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم. فرحِمَهم الله، وهنَّأهم بما آتاهم (^٢) من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين. أدَّوا إلينا سننَ رسول الله - ﷺ -، وشاهَدوه والوحيُ ينزل عليه، فعلِموا ما أراد رسول\n_________\n(^١) يعني الرسالة القديمة. وقد نقل منها هذا النصَّ البيهقي في \"مناقب الشافعي\" (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣) وهو مصدر المصنف، صرَّح بذلك في آخر الكتاب ونقل جملًا منه. وأورد البيهقي أيضًا في \"المدخل\" (ص ٤١) من أوله إلى قوله: \"والشهداء والصالحين\".\n(^٢) س، ت: \"أثابهم\"، وفي غيرها ما يشبهه. وفي ح قبله: \"على\"، فضرب عليه بعضهم وكتب في الحاشية: \"ما\" كما في \"المدخل\": \"ما آتاهم\". والمثبت من \"المناقب\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":173},{"text":"الله - ﷺ - عامًّا وخاصًّا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سُنَنه (^١) ما عرَفنا وجهِلنا. وهم فوقنا في كلِّ علم واجتهاد وورع وعقل وأمرٍ استُدْرِك به علمٌ واستُنْبِطَ به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا (^٢). ومن أدركنا ممن نرضى أو حُكيَ لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله - ﷺ - فيه سنَّةً إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قولِ بعضهم إن تفرَّقوا. وهكذا نقول، ولم نخرُج من أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيرُه أخذنا بقوله\".\nولما كان رأيُ الصحابة عند الشافعي بهذه المثابة قال في الجديد في كتاب الفرائض في ميراث الجدِّ والإخوة: \"وهذا مذهبٌ تلقيناه عن زيد بن ثابت، وعنه أخذنا أكثر الفرائض\" (^٣). قال: \"والقياسُ عندي قتلُ الراهب لولا ما جاء عن أبي بكر - ﵁ - \" (^٤).\n[٤٤/ب] فترَكَ صريحَ القياس لقول الصدِّيق.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"سنته\"، وكذا في \"المناقب\".\n(^٢) في \"المناقب\": \"من آرائنا عندنا لأنفسنا\".\n(^٣) انظر نحوه في كتاب \"الأم\" (٤/ ٨٥).\n(^٤) انظر: \"الأم\" (٤/ ٢٥٣) و\"مختصر المزني\" (٨/ ٣٧٩). وقول أبي بكر رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١٦٢٧) ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (٩/ ٨٩)، وفي \"معرفة السنن\" (٧/ ٢٨) ــ ح ورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٣٧٥) عن ابن جريج ح ورواه أيضًا (٩٣٧٦) عن معمر؛ ثلاثتُهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهذا منقطع، أو معضل. ورواه عبد الرزاق ٥/ ٢٠٠، والبيهقي في \"السنن الكبير\" ٩/ ٩٠ من حديث معمر، عن أبي عمران الجوني، وهو منقطع أيضا، على غرابةٍ في سنده لا تخفى.\nورواه سعيد بن منصور في \"السنن\" (٢٣٨٣) ــ ومن طريقه الخطيب في \"تلخيص المتشابه\" (١/ ٣٠ - ٣١) ــ من رواية سعيد بن أبي هلال، عن عبد الله بن عَبِيدة، عن أبي بكر، وهو منقطع، كما أشار إليه الخطيب في \"التلخيص\" (١/ ٣٠).\nورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في \"العلل ومعرفة الرجال\" (٤٧٥٧) ــ اختصره ولم يَسُقْهُ تامًّا ــ، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٩/ ٨٥) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٢/ ٧٦) ــ؛ من طريقين عن ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وهذا أيضًا منقطع. وقد روى عبد الله ابن الإمام أحمد في \"العلل\" (٤٧٥٨) ــ ومن طريقه البيهقي (٩/ ٨٥) ــ وابن عساكر (٢/ ٧٦ - ٧٧) قول الإمام أحمد: هذا حديث منكر.\n\nورواه أبو القاسم البغوي في جمعه حديث أبي نصر التمار ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٦٥/ ٢٤٧) ــ من حديث كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبي بكر، وهذا سند ساقط تالف، آفتُه كوثر. ويحسن تأمّل ما في \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٢٧ - ٢٩)؛ فقد أجاد في إيجاز القول في رتبة ذا الأثر روايةً ودرايةً.","vol":"1","page":174},{"text":"وقال في رواية الربيع عنه: \"والبدعة ما خالف كتابًا أو سنّةً أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -\" (^١). فجعَلَ ما خالف قولَ الصحابي بدعةً.\nوسيأتي إن شاء الله تعالى إشباعُ الكلام في هذه المسألة، وذكرُ نصوص الشافعي عند ذكر تحريم الفتوى بخلاف ما أفتى به الصحابة، ووجوبِ اتباعهم في فتاواهم (^٢)، وأن لا يخرج من جملة أقوالهم، وأنَّ الأئمة متفقون على ذلك.\nوالمقصود: أنَّ أحدًا ممَّن بعدهم لا يساويهم في رأيهم (^٣). وقد كان\n_________\n(^١) رواه البيهقي في \"مناقب الشافعي\" (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩) و\"المدخل\" (٢٥٣) بنحوه، ومن طريقه ابن عساكر في \"بيان كذب المفتري\" ص ٩٧، وسنده صحيح.\nوتُنظر: وصية الإمام الشافعي في كتاب \"الأم\" (٥/ ٢٦٢).\n(^٢) ع: \"فتاويهم\"، وكذا في المطبوع.\n(^٣) زاد بعده بعضهم في حاشية ح، ت: \"وكيف يساويهم\" دون أي علامة. وكذا في متن ف والنسخ المطبوعة.","vol":"1","page":175},{"text":"أحدُهم يرى الرأيَ، فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر في أسارى بدر أن تُضرَب أعناقُهم، فنزل القرآن بموافقته (^١). ورأى أن تُحجَب نساءُ النبيِّ - ﷺ -، فنزل القرآن بموافقته. ورأى أن يُتَّخَذ من مقام إبراهيم مُصلًّى، فنزل القرآن (^٢) بموافقته. وقال لنساء النبيِّ - ﷺ - لما اجتمعن في الغيرة عليه: عسى ربُّه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ، فنزل القرآن بموافقته (^٣). ولمَّا تُوفِّي عبد الله بن أُبَيٍّ قام رسولُ الله - ﷺ - ليصلِّي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوبه، فقال: يا رسول الله إنه منافق. فصلَّى عليه رسولُ الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿ (^٤): ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (^٥).\nوقد قال سعد بن معاذ لمَّا حكَّمه النبيُّ - ﷺ - في بني قريظة: إني أرى أن تُقتَل مقاتلتُهم، [٤٥/أ] وتُسْبَى ذريتُهم (^٦)، وتُغنَم أموالُهم. فقال النبي - ﷺ -: \"لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر حديث ابن عمر عن عمر في \"صحيح مسلم\" (٢٣٩٩).\n(^٢) لفظ \"القرآن\" ساقط من ت، ع.\n(^٣) ذكرت هذه الأمور الثلاثة في حديث أنس عن عمر في \"صحيح البخاري\" (٤٠٢).\n(^٤) ع: \"فأنزل الله عليه\". وكذا في المطبوع.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢٦٩) ومسلم (٢٤٠٠) من حديث ابن عمر.\n(^٦) ف: \"ذراريهم\". وفي المطبوع: \"ذرياتهم\".\n(^٧) رواه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٨١٦٦)، من طريق محمد بن صالح التمار، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه مرفوعا، وهو غريبٌ جدّا بهذا السند، والمحفوظ عن سعد بن إبراهيم روايتُه هذا الحديث عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد دون قوله: \"من فوق سبع سماوات\"، كما في \"الصحيحين\". ويُنظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٤/ ٢٩١)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (٩٧١)، و\"العلل\" للدارقطني (٤/ ٣٣٢)، و\"أطراف الغرائب والأفراد\" لابن طاهر (٥٠٠).","vol":"1","page":176},{"text":"ولما اختلفوا إلى ابن مسعود شهرًا في المفوِّضة قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه. أرى أنَّ لها مهرَ نسائها، لا وَكْس ولا شَطَط، ولها الميراث، وعليها العِدَّة. فقام ناسٌ من أشجَع فقالوا: نشهد أن رسول الله - ﷺ - قضى في امرأةٍ منَّا يقال لها: بَرْوَع بنت واشِق بمثل ما قضيتَ به. فما فرح ابنُ مسعود بشيء بعد الإسلام فَرَحَه بذلك (^١).\nوحقيقٌ بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً، وعلمًا ومعرفةً، وفهمًا عن الله ورسوله ونصيحةً للأمة. وقلوبُهم على قلب نبيِّهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم يتلقَّون (^٢) العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًّا طريًّا لم يَشُبْه (^٣) إشكال، ولم يَشِنْه (^٤) اختلاف (^٥)، ولم تُدَنِّسه معارضة. فقياسُ رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس.\n_________\n(^١) رواه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٤٩٤)، و\"المجتبى\" (٣٣٥٨)، وفي سنده اختلاف على الشعبي، سرده النسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٤٩٢ - ٥٤٩٨)، لكن الحديث صحيح، صححه غير واحد من الحفاظ، كما تقدّم.\n(^٢) ع: \"ينقلون\"، تصحيف. وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ت: \"يشنه\".\n(^٤) لم تعجم الكلمة في ع. وفي ف والنسخ المطبوعة: \"يشبه\" كالسابق.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: \"خلاف\".","vol":"1","page":177},{"text":"فصل\nالنوع الثاني من الرأي المحمود: الرأي الذي يفسِّر النصوص، ويبيِّن وجهَ الدلالة منها، ويقرِّرها، ويوضِّح محاسنها، ويسهِّل طريق الاستنباط منها؛ كما قال عَبْدان: سمعتُ عبد الله بن المبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه: الأثر، وخُذْ من الرأي ما يفسِّر لك الحديث (^١).\nوهذا هو الفهم الذي يختصُّ الله سبحانه [٤٥/ب] به من يشاء (^٢) من عباده.\nومثال هذا: رأيُ الصحابة - ﵃ - في العَوْل في الفرائض عند تزاحم الفروض (^٣)، ورأيُهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين: أنَّ للأم ثلُثَ ما بقي بعد فرض الزوجين (^٤)، ورأيُهم في توريث المبتوتة في مرض الموت (^٥)،\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٨/ ١٦٥)، والبيهقي في \"المدخل\" (٢٤٠)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٤٥٧، ٢٠٢٣) ــ ومن طريقه عياض في \"الإلماع\" ... (ص ٣٦ - ٣٧) ــ، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ٣٤٦)، وأبو إسماعيل الهروي في \"ذم الكلام\" (٣٤٣)، من طريقين عن عبدان به، وسند الخبر صحيح.\n(^٢) \"من يشاء\" ساقط من ح.\n(^٣) يُنظر: \"السنن\" لسعيد بن منصور (٣٣ - ٣٧)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٥/ ٢٥٣).\n(^٤) يُنظر: \"السنن\" لسعيد بن منصور (٦ - ١٧)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٣١٦٩٧ - ٣١٧١٤)، و\"المسند\" للدارمي (٢٩٠٧ - ٢٩٢٠)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(^٥) يُنظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٢١٩١ - ١٢٢٠١)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٧/ ٣٦٢).","vol":"1","page":178},{"text":"ورأيُهم في مسألة جَرِّ الوَلاء (^١)، ورأيُهم في المُحْرِم يقع على أهله بفساد حجِّه ووجوبِ المُضِيِّ فيه والقضاءِ والهديِ من قابل (^٢)، ورأيُهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطَرَتا وقضَتا وأطعَمَتا لكلِّ يوم مسكينًا (^٣)، ورأيُهم في الحائض تَطْهُر قبل طلوع الفجر: تصلِّي المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل الغروب صلَّت الظهر والعصر (^٤)؛\nورأيُهم في الكلالة (^٥)، وغير ذلك.\nقال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، أنا عاصم الأحول، عن الشعبي قال: سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنِّي ومن الشيطان. أراه ما خلا الوالد والولد (^٦).\n_________\n(^١) يُنظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٦٢٧٦ - ١٦٢٨٤، ١٦٢٨٨)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٣٢١٨٨ - ٣٢١٩٧)، و\"المسند\" للدارمي (٣٢٠٨، ٣٢١٤، ٣٢١٦، ٣٢١٧) و\"السنن الكبير\" للبيهقي (١٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^٢) يُنظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (١٣٢٤٤ - ١٣٢٤٦، ١٣٢٤٨، ١٥١٦٥، ١٥١٧٣)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٥/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٣) يُنظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (٧٥٦١)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٤/ ٢٣٠).\n(^٤) يُنظر: \"المسند\" للدارمي (٩٢٢ - ٩٢٠)، و\"السنن الكبير\" (١/ ٣٨٧)، و\"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٤١٧ - ٤١٨) كلاهما للبيهقي ..\n(^٥) يُنظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٩١٨٧ - ١٩١٩١)، و\"السنن\" لسعيد بن منصور (٥٨٨ - ٥٩١)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٣٢٢٥٤ - ٣٢٢٥٧، ٣٢٢٦٠ - ٣٢٢٦٢)، و\"المسند\" للدارمي (٣٠١٥ - ٣٠١٧)، و\"المستدرك\" للحاكم (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤، ٤/ ٣٣٦)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٦/ ٢٢٣).\n(^٦) رواه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩٠) من طريق الإمام أحمد عن يزيد به.\nورواه الدارمي في \"المسند\" (٣٠١٥) عن يزيد بن هارون به. ورواه أيضًا البيهقي في \"السنن الكبير\" (٦/ ٢٢٣) من طريق أخرى عن يزيد به. ورجاله ثقات مشاهير، لكن الشعبي لم يُدرك أبا بكر - ﵁ -. ويُنظر: \"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٣/ ١٩١).","vol":"1","page":179},{"text":"فإن قيل: فكيف (^١) يجتمع هذا مع ما صحَّ عنه من قوله: \"أيُّ سماءٍ تُظِلُّني؟ وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إن قلتُ في كتاب الله برأيي\" (^٢)؟ وكيف يُجامع هذا الحديثَ المشهورَ الذي تقدَّم (^٣): \"من قال في القرآن برأيه فليتبوَّأْ مقعدَه من النار\"؟\nفالجواب: أن الرأي نوعان:\nأحدهما: رأي مجرَّد لا دليل عليه، بل هو خَرْص وتخمين، فهذا الذي أعاذ الله الصِّدِّيقَ والصحابةَ منه.\nوالثاني: رأي مستند إلى استدلال واستنباط من النصِّ وحده أو من نصٍّ آخر معه. فهذا من ألطفِ فهمِ النصوص وأدِّقه.\nومنه رأيه في الكلالة [٤٦/أ] أنها ما عدا الوالد والولد، فإن الله سبحانه ذكر الكلالة في موضعين من القرآن. ففي أحد الموضعين (^٤) ورَّث معها الأخَ والأختَ من الأم، ولا ريب أن هذه الكلالة ما عدا الوالد والولد. والموضع الثاني (^٥) ورَّث معها ولدَ الأبوين والأبَ النصف والثلثين.\n_________\n(^١) في ع والنسخ المطبوعة: \"وكيف\".\n(^٢) تقدَّم تخريجه.\n(^٣) \"الذي تقدم\" ساقط من ح، ف. و\"المشهور\" ساقط من ع والنسخ المطبوعة.\n(^٤) وهو قوله تعالى في سورة النساء (١٢): ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.\n(^٥) في سورة النساء أيضًا (١٧٦): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.","vol":"1","page":180},{"text":"فاختلف الناس في هذه الكلالة، والصحيح فيها قول الصدِّيق الذي لا قول سواه، وهو الموافق للغة العرب، كما قال (^١):\nورِثتم قناةَ المجد لا عن كلالةٍ ... عن ابنَي مَنافٍ: عبدِ شمسٍ وهاشمٍ\nأي إنما ورثتموها عن الآباء والأجداد، لا عن حواشي النسب. وعلى هذا فلا يرث ولد الأب والأبوين لا مع أب ولا مع جدّ، كما لم يرثوا مع الابن ولا ابنه (^٢)، وإنما ورثوا مع البنات؛ لأنهم عَصَبة، فلهم ما فضَلَ عن الفروض.\nفصل\nالنوع الثالث من الرأي المحمود: الرأي الذي تواطأت عليه الأمة، وتلقَّاه خلفهم عن سلفهم. فإنَّ ما تواطؤوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا، كما تواطؤوا عليه من الرواية والرؤيا. وقد قال النبي - ﷺ - لأصحابه، وقد تعدَّدت منهم رؤيا ليلة القدر في العشر (^٣) الأواخر من رمضان: \"أرى رؤياكم قد تواطأت في السَّبع الأواخر\" (^٤)، فاعتبر - ﷺ - تواطؤَ رؤيا المؤمنين.\n_________\n(^١) الفرزدق من قصيدة في \"ديوانه\" (٢/ ٣٠٩). ورواية الصدر فيه:\nورثتم قناة الملك غيرَ كلالةٍ\n(^٢) ت: \"مع ابنه\".\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والطبعات القديمة، وأثبت في المطبوع: \"السبع\" وهو مقتضى لفظ الحديث الآتي، وانظر الحاشية التالية.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥) من حديث ابن عمر. وبلفظ: \"في العشر الأواخر\" في حديث البخاري (١١٥٨) تعليقًا.","vol":"1","page":181},{"text":"فالأمةُ معصومةٌ فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها ورأيها. ولهذا كان من سَداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله، ولا ينفرد به واحد. وقد مدح الله سبحانه [٤٦/ب] المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم.\nوكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -، ليس عنده فيها نصٌّ عن الله ولا عن رسوله، جَمَع لها أصحابَ رسول الله - ﷺ -، ثم جعلها شورى بينهم (^١).\nقال البخاري (^٢): ثنا سُنَيد ثنا يزيد عن العوَّام بن حَوشَب، عن المسيِّب بن رافع قال: كان إذا جاء الشيءُ (^٣) من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سُمِّى \"صوافيَ الأمراء\" (^٤)، فرُفِعَ إليهم، فجُمِع له (^٥) أهلُ العلم.\n_________\n(^١) رواه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١١٤)، وسنده منقطع؛ إذ ميمون بن مهران لم يُدرك عمر - ﵁ -.\n(^٢) ومرَّة رابعة توهَّم المصنف أن الراوي عن سُنَيْد هو البخاري، فعزاه إليه. وإنما هو محمدُ بن إسماعيل بن سالم الصائغ المكي. ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢٠٧١)، وسُنيدٌ فيه لينٌ.\n(^٣) ت: \"شيء\". وفي النسخ المطبوعة: \"جاءه الشيء\"، والصواب ما أثبت من النسخ و\"جامع بيان العلم\". وفي \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (١٠/ ٣٤): \"جاءهم\".\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"الأمر\"، وكذا في شرح ابن بطال، وهو خطأ. وقد أخرج البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٩٦) عن شريح قال: كتب إليَّ عمر - ﵁ - بخمس من صوافي الأمراء: أن الأسنان سواء، والأصابع سواء ... إلخ. وقال المحشي ــ ولعله الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي - ﵀ - ــ في تفسير الكلمة: \" ... المراد هنا: القضايا التي لا نصَّ فيها، وإنما يجتهد فيها الأئمة والقضاة\". ويوضِّحها أثر المسيب بن رافع هذا أيَّما توضيح، ولكن لم أر من فسَّرها من أصحاب الغريب والمؤلفين في مصطلحات الفقه.\n(^٥) في المطبوع: \"لهم\"، خطأ.","vol":"1","page":182},{"text":"فما (^١) اجتمع عليه رأيُهم فهو الحقُّ.\nوقال محمد بن سليمان الباغَنْدي: ثنا عبد الرحمن بن يونس، ثنا عمر بن أيوب، أنا عيسى بن المسيِّب، عن عامر، عن شُريح القاضي قال: قال لي عمر بن الخطاب أن اقضِ بما استبان لك من قضاء رسول الله - ﷺ -. فإن لم تعلم كلَّ أقضية رسول الله - ﷺ - فاقضِ بما استبان لك من أئمة المهتدين. فإن لم تعلم كلَّ ما قضَتْ به أئمةُ المهتدين فاجتهِدْ رأيَك، واستشِرْ أهل العلم والصلاح (^٢).\nوقال الحميدي: ثنا سفيان، ثنا الشيباني، عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: إذا حضرك أمرٌ لا بدَّ منه فانظُرْ ما في كتاب الله، فاقضِ به. فإن لم يكن فبما قضى به رسولُ الله - ﷺ -. فإن لم يكن فبما قضى به الصالحون وأئمة العدل (^٣). فإن لم يكن فأنت بالخِيار، فإن شئتَ أن تجتهد رأيَك فاجتهِدْ رأيَك، وإن شئت أن تؤامرني (^٤)، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرًا لك، والسلام (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ الخطية والمطبوعة: \"فإذا\" أو \"وإذا\". والصواب ما أثبت من \"جامع بيان العلم\". وكذا في \"شرح ابن بطال\"، و\"إيقاظ همم أولي الأبصار\" (ص ١٨) وصاحبه ينقل من كتابنا.\n(^٢) رواه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩٠) من طريق ابن الباغندي به، وابن الباغندي مُتكلّمٌ فيه، لكن للأثر شواهد تقدّم تخريجُها.\n(^٣) ت: \"أئمة العدل والصالحون\".\n(^٤) كذا في النسخ و\"الإحكام\" (٦/ ٢٩) والجواب محذوف. وهو مذكور في \"الفقيه والمتفقه\": \"فآمِرْني\". وفي \"أخبار القضاة\" (٢/ ١٨٩) و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ١٠٤): \"وإن شئتَ تؤامِرْني\".\n(^٥) رواه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩٢)، وابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٢٣/ ١٩ - ٢٠) من طريق الحميدي به، وسنده إلى الشعبي صحيح. ويُنظر: \"المجتبى\" للنسائي (٥٤١٤).","vol":"1","page":183},{"text":"فصل\nالنوع الرابع من الرأي المحمود: أن يكون بعد طلبِ علمِ الواقعة من القرآن، فإن لم [٤٧/أ] يجدها في القرآن ففي السنَّة، فإن لم يجدها في السنَّة فبما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد (^١)، فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة - ﵃ -. فإن لم يجده اجتهدَ رأيَه، ونظَر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنَّة رسوله وأقضية أصحابه. فهذا هو الرأي الذي سوَّغه الصحابةُ، واستعملوه، وأقرَّ بعضُهم بعضًا عليه.\nقال عليّ بن الجَعْد: أنا شعبة، عن سيَّار، عن الشعبي، قال: أخذ عمر فرسًا من رجلٍ على سَوْم، فحمَل عليه، فعطِبَ. فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا. فقال الرجل: فإنّي (^٢) أرضى بشُرَيح العراقي. فقال شريح: أخذتَه صحيحًا سليمًا، فأنت له ضامن حتى تَرُدَّه صحيحًا سليمًا. قال: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضيًا، وقال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم يستبِنْ (^٣) في كتاب الله فمن السنَّة، فإن لم تجده في السنَّة فاجتهِدْ رأيَك (^٤).\n_________\n(^١) ت: \"واحد منهم\".\n(^٢) ت، ع: \"إنِّي\".\n(^٣) بعده في ت: \"لك\".\n(^٤) رواه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩١) من طريق علي بن الجعد به. ورواه البيهقي في \"السنن الكبير\" (٥/ ٢٧٤)، وفي \"معرفة السنن\" (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٢٣/ ١٨) ــ من طريق آدم (وهو ابن أبي إياس) عن شعبة به. وروى الشطر الأخير من القصة سعيد بن منصور ــ ومن طريقه ابن حزم في \"الإحكام\" (٦/ ٢٩)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١١٠) ــ، وابن جرير ــ ومن طريقه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٥٩٨) ــ، ووكيع القاضي في \"أخبار القضاة\" (٢/ ١٨٩)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩١).\nورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧١٥٨)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٢٥٣)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٣٣٢) من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي بمعناه. وسنده غير متصل، إذ الشعبي لم يُدرك عمر - ﵁ -. ويُنظر: \"تاريخ مدينة دمشق\" لابن عساكر (٢٣/ ١٩ - ٢١).","vol":"1","page":184},{"text":"وقال أبو عبيد (^١): ثنا كَثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقان. وقال أبو نعيم: عن جعفر بن بُرْقان، عن مَعْمَر البصري، عن أبي العوَّام. وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيتُ سعيد بن أبي بُرْدة، فسألتُه عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة، فأخرج إليه كُتُبًا، فرأيتُ في كتاب منها. رجعنا إلى حديث أبي العوَّام (^٢)، قال: كتب عمر إلى أبي موسى:\n\"أما بعد، فإنَّ القضاء فريضة [٤٧/ب] محكمة، وسنَّة متَّبعة، فافهم إذا أُدْليَ إليك؛ فإنه لا ينفع تكلُّمٌ بحقٍّ لا نفاذَ له. آسِ بين الناس (^٣) في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمعَ شريفٌ في حَيفِك، ولا ييأسَ ضعيفٌ من عدلك. البيِّنة على من ادَّعى (^٤)، واليمينُ على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا. ومن ادَّعى حقًّا غائبًا أو بيِّنةً،\n_________\n(^١) في \"كتاب القضاء وآداب الحكام\" له فيما يبدو. وعزاه إلى أبي عبيد: ابن حزم في المحلَّى (٨/ ٤٥٥، ٤٧٣) وابن تيمية في \"منهاج السنة\" (٦/ ٧١).\n(^٢) في النسخ: \"ابن العوام\"، تصحيف.\n(^٣) ع: \"واس الناس\". وفي المطبوع: \"وآس الناس\".\n(^٤) ع: \"على المدعي\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":185},{"text":"فاضرِبْ له أمَدًا ينتهي إليه. فإن جاء (^١) ببيِّنة أعطيتَه بحقِّه، وإن أعجزه ذلك استحللتَ عليه القضية، فإنَّ ذلك هو أبلغ في العذر، وأجلى للعَمى. ولا يمنعنَّك قضاءٌ قضيتَ به (^٢) اليومَ، فراجعتَ فيه رأيَك، فهُدِيتَ فيه لرشدِك= أن تُراجِعَ فيه الحقَّ، فإنّ الحقَّ قديم ولا يبطله (^٣) شيء؛ ومراجعةُ الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل. والمسلمون عدولٌ بعضُهم على بعض، إلا مجرَّبًا عليه شهادةُ زور، أو مجلودًا في حدٍّ، أو ظَنِينًا في ولاء أو قرابة؛ فإنَّ الله تعالى تولَّى من العباد السرائر، وستَر عليهم الحدودَ إلا بالبينات والأيمان. ثم الفهمَ الفهمَ فيما أُدِليَ إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنَّة، ثم قايِسِ الأمورَ عند ذلك، واعرِفِ الأمثال، ثم اعمِدْ فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله وأشبَهِها بالحق. وإيَّاك والغضبَ، والقلقَ، والضجرَ، والتأذِّيَ بالناس، والتنكُّرَ عند الخصومة ــ أو الخصوم، شكَّ أبو عبيد ــ فإنَّ القضاءَ في مواطن الحقِّ مما يُوجِبُ الله به الأجر، ويُحسِنُ به الذكر.\nفمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه [٤٨/أ] وبين الناس. ومن تزيَّن بما ليس في نفسه شانَه اللهُ، فإنَّ الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنُّك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته. والسلام عليك ورحمة الله\".\nقال أبو عبيد: فقلتُ لكَثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا (^٤).\n_________\n(^١) \"جاء\" ساقط من ع. وفي المطبوع: \" [أحضر] بينة\". وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومن تابعه: \"بيَّنَه\". وفي س: \"ببيِّنته\".\n(^٢) ع: \"فيه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ف: \"لا يبطله\" دون واو العطف، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢١٢١٧) مختصرًا، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٠)، وفي \"معرفة السنن\" (٧/ ٣٦٦ - ٣٦٧) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٣٢/ ٧١) ــ من حديث جعفر بن برقان، عن معمر، عن أبي العوام به. ورواه وكيع القاضي في \"أخبار القضاة\" (١/ ٧٠ - ٧٣، ٢٨٣ - ٢٨٤)، والدارقطني في \"السنن\" (٤٤٧٢)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١١٩)، وفي \"السنن الصغير\" (٣٢٥٩) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٣٢/ ٧٢) ــ، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩٢)، وابن الشجري في \"الأمالي الخميسية\" (٢/ ٣٢٦) من طرق عن ابن عيينة، عن إدريس الأودي به. وطرق هذا الخبر لا تخلو من ضعف، أو انقطاع، أو إعضال، لكن مجموعها ــ مع شهرة الأثر وانتشاره ــ يدلّ على أن له أصلا، خاصة مع اعتضاده بوجادة سعيد بن أبي بردة. وليُنظر \"مسند الفاروق\" لابن كثير (٢/ ٤٣٧)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٤/ ٣٥٨)، و\"إرواء الغليل\" للألباني (٨/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"1","page":186},{"text":"وهذا كتاب جليل تلقَّاه العلماء بالقبول، وبنَوا عليه أصول الحكم والشهادة. والحاكمُ والمفتي أحوجُ شيء إليه، وإلى تأمُّلِه، والتفقُّهِ فيه.\nوقوله: \"القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة\" يريد به أنَّ ما يحكم به الحاكم نوعان: أحدهما: فرض محكم غير منسوخ، كالأحكام الكلِّية التي أحكمها الله في كتابه. والثاني: أحكام سنَّها رسول الله - ﷺ -.\nوهذان النوعان هما المذكوران في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -: \"العلم ثلاثة، فما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، وسنَّة قائمة، وفريضة عادلة\". رواه ابن وهب عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن (^١) بن رافع عنه (^٢).\n_________\n(^١) ع: \"عبد الله\"، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو خطأ.\n(^٢) رواه أبو داود في \"السنن\" (٢٨٨٥) من طريق ابن وهب هذا. وعبد الرحمن بن زياد هو الإفريقي. ورواه ابن ماجه في \"السنن\" (٥٤) من حديث الإفريقي به. وسنده ضعيف؛ لضعف الإفريقي وشيخِه عبدِالرحمن بن رافع التنوخي.","vol":"1","page":187},{"text":"ورواه بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ - ﷺ - دخل المسجدَ، فرأى جمعًا من الناس على رجل، فقال: \"ما هذا؟ \". قالوا: يا رسول الله، رجلٌ علَّامة. قال: \"وما العلَّامة؟ \". قالوا: أعلَمُ الناس بأنساب العرب، وأعلَمُ الناس بعربية، وأعلَمُ الناس بشعر، وأعلَمُ الناس بما اختلف فيه العرب. فقال رسول الله - ﷺ -: \"هذا علمٌ لا ينفع، وجهلٌ لا يضُرُّ\". وقال رسول الله - ﷺ -: \"العلم ثلاثة، وما خلا فهو [٤٨/ب] فضل: علمُ آية محكمة، أو سنَّة قائمة، أو فريضة عادلة\" (^١).\nوقوله: \"فافهم إذا أُدْليَ إليك\". صحّةُ الفهم وحسنُ القصد من أعظم نِعَم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعْطِيَ عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضلَ\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم [كما في \"الغرائب الملتقطة\" لابن حجر (٢٧٢٤)]، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٣٨٥)، وأبو بكر ابن مردويه ــ ومن طريقه أبو سعد السمعاني في \"الأنساب\" (١/ ٩) ــ من حديث هشام بن خالد، عن بقية به، لكن قُرن أبو هريرة بابن عباس عند أبي نعيم. وقال ابن عبد البر في \"الجامع\" (١/ ٧٥٢): \"في إسناد هذا الحديث رجلان لا يُحتج بهما، وهما سليمان وبقية\". وآفة الحديث بقية، وكان يدلّس عن الهلكى والمجروحين. أما سليمان (وهو ابن محمد الخزاعي) فهو وإن كان متكلَّمًا فيه، فقد تابعه محمد بن أحمد بن داود البغدادي المؤدّب (وهو صدوقٌ لا بأس به) عند أبي نعيم وابن مردويه والسمعاني، وذهل ابن حجر عن هذه المتابَعة في \"لسان الميزان\" (٤/ ١٧٣).\n\nولشطر الحديث الأول شاهدٌ لا ينفعه، رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٤٧٥)، وأبو بكر ابن مردويه ــ ومن طريقه السمعاني في \"الأنساب\" (١/ ٩ - ١٠) ــ من حديث زيد بن أسلم مرسلا، وهو ــ على الأرجح ــ معضلٌ؛ لأن زيد بن أسلم من صغار التابعين، وأكثر رواياته عن التابعين، ولو كان سمعه من صحابيٍّ، أو تابعيٍّ ثقةٍ كبيرٍ = لصاح بذلك إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":188},{"text":"ولا أجلَّ منهما. بل هما ساقا الإسلام، فقيامه (^١) عليهما. وبهما بايَنَ العبدُ طريقَ المغضوب عليهم الذين فسد قصدُهم، وطريقَ الضالين الذين فسدت فهومُهم، ويصير من المنعَم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهلُ الصراط المستقيم الذين أُمِرنا أن نسأل الله أن يهدينا (^٢) صراطَهم في كلِّ صلاة.\nوصحّةُ الفهم نورٌ يقذفه الله في قلب العبد، يميِّز به بين الصحيح والفاسد، والحقِّ والباطل، والهدى والضلال، والغيّ والرشاد. ويُمِدُّه (^٣) حسنُ القصد، وتحرِّي الحق، وتقوى الربِّ في السرِّ والعلانية. ويقطع مادَّتَه (^٤) اتباعُ الهوى، وإيثارُ الدنيا، وطلبُ محمَدة الخلق، وتركُ التقوى (^٥).\nولا يتمكَّن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحقِّ إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهمُ الواقع، والفقهُ فيه، واستنباطُ علمِ حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع. وهو فهمُ حكمِ الله الذي حكَم به في كتابه أو على لسان\n_________\n(^١) ع: \"وقيامه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) \"أن يهدينا\" استدركه بعضهم في طرَّة ح.\n(^٣) في حاشية ح كتب بعضهم: \"ويعينه على\"، وكذا في ف مكان \"يمده\". وفي ت تحرَّف \"يمده\" إلى \"هذه\"، فضرب عليه وكتب في الحاشية: \"وتعينه على\". وهذا من تصرُّف القراء.\n(^٤) يعني: مادة صحة الفهم. وقد غيَّره بعضهم في ح إلى \"ما فيه\".\n(^٥) وانظر: \"مدارج السالكين\" (١/ ٦٥).","vol":"1","page":189},{"text":"رسوله في هذا الواقع. ثم يطبِّق أحدهما على الآخر. فمَن (^١) بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدَم أجرين أو أجرًا.\nفالعالِمُ مَن يتوصَّل بمعرفة الواقع والتفقُّه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، [٤٩/أ] كما توصَّل شاهدُ يوسف بشَقِّ القميص من دُبُرٍ إلى معرفة براءته وصدقه (^٢). وكما توصَّل سليمان - ﷺ - بقوله: \"ائتوني بالسِّكِّين حتّى أشُقَّ الولدَ بينكما\" إلى معرفة عين الأم (^٣). وكما توصَّل علي بن أبي طالب بقوله للمرأة التي حملَتْ كتابَ حاطب لما أنكرته: \"لَتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لَنُجَرِّدَنَّكِ\" إلى استخراج الكتاب منها (^٤).\nوكما توصَّل الزبير بن العوَّام بتعذيب أحد ابني أبي الحُقَيق بأمر رسول الله - ﷺ -، حتَّى دلَّهم على كنز حُيَيٍّ، لما ظهر له كذبُه في دعوى ذهابه بالإنفاق بقوله: \"المال كثير والعهد أقرب من ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) في طرة ت أن في نسخة: \"فمتى\".\n(^٢) وانظر: \"الطرق الحكمية\" (١/ ١٠) و\"زاد المعاد\" (٣/ ١٣٥) و\"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٠٣٧) و\"إغاثة اللهفان\" (٢/ ٧٥٨) و\"الروح\" (١/ ٤٢) و\"عدة الصابرين\" (ص ٥٢١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٢٧) ومسلم (١٧٢٠) من حديث أبي هريرة. وانظر: \"الطرق الحكمية\" (١/ ٨) و\"زاد المعاد\" (٣/ ١٣٢) و\"الروح\" (١/ ٤٢). و\"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٠٣٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٩٨٣) ومسلم (٢٤٩٤). وانظر: \"الطرق الحكمية\" (١/ ١٨) و\"الزاد\" (٣/ ٣٥١) و\"البدائع\" (٣/ ١٠٣٧) و\"عدة الصابرين\" (ص ٥٢٠).\n(^٥) رواه البلاذري في \"فتوح البلدان\" (ص ٣٢ - ٣٤)، وأبو القاسم البغوي، وأحمد بن سلمان النجاد ــ ومن طريقهما ابن حجر في \"تغليق التعليق\" (٣/ ٤١٢) ــ، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٦/ ٣٦٥ - ٣٦٧)، وابن حبان في \"المسند الصحيح\" (٢١٤٥)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٩/ ١٣٧)، وفي \"دلائل النبوة\" (٤/ ٢٢٩ - ٢٣١) من حديث حماد بن سلمة، عن عبيدالله بن عمر (فيما يحسب)، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا. وأصل الحديث في \"السنن\" لأبي داود (٣٠٠٦). وهو ــ على ما فيه من تردّد حماد وعدم جزمه ــ غريبٌ جدّا بهذا السياق، والحديث محفوظ من حديث عبيدالله وغيره عن نافع من طرق كثيرة بغير هذا السياق.\n\nوانظر: \"الطرق الحكمية\" (١/ ١٤) و\"الزاد\" (٣/ ١٢٩، ٢٨٩)، (٥/ ٥٢) و\"البدائع\" (٣/ ١٠٣٧) و\"عدة الصابرين\" (ص ٥٢١).","vol":"1","page":190},{"text":"وكما توصَّل النعمان بن بشير بضرب المتَّهَمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظَهَر وإلا ضرَبَ من اتَّهَمهم كما ضرَبهم. وأخبر أن هذا حكم رسول الله - ﷺ - (^١).\nومن تأمَّلَ الشريعةَ وقضايا الصحابة وجدها طافحةً بهذا. ومن سلك غيرَ هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسب ذلك (^٢) إلى الشريعة التي بعث الله بها رسولَه.\nوقوله: \"فيما أُدْليَ إليك\" (^٣) أي فيما تُوُصِّل به إليك من الكلام الذي\n_________\n(^١) رواه أبو داود في \"السنن\" (٤٣٨٢)، والنسائي في \"المجتبى\" (٤٨٧٤)، وفي \"السنن الكبرى\" (٧٣٢٠) من حديث بقية، عن صفوان بن عمرو، عن أزهر الحرازي، عن النعمان. لكنه لم يضربهم، بل حبسهم ثم أطلقهم، واقترح ضربَهم بشرطٍ. وقال النسائي في \"السنن الكبرى\": \"هذا حديثٌ منكرٌ لا يُحتجّ بمثله، وإنما أخرجته ليُعرَف\". وانظر: \"الزاد\" (٥/ ٥٢) و\"البدائع\" (٣/ ١٠٣٧).\n(^٢) ع: \"ونسبه\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) هذا اللفظ في آخر الوصية. أما في أولها فقال: \"إذا أدلي إليك\".","vol":"1","page":191},{"text":"تحكُم فيه (^١) بين الخصوم. ومنه قولهم: أدلى فلان بحجته، وأدلى بنسبه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] أي تُضيفوا ذلك إلى الحكام، وتتوصَّلوا بحكمهم إلى أكلها.\nفإن قيل: لو أريد هذا المعنى لقيل: \"وتدلوا بالحكام إليها\". وأمَّا الإدلاء بها إلى الحكَّام فهو التوصُّل بالبِرْطِيل (^٢) بها إليهم، فتَرْشُوا الحاكَم [٤٩/ب] لتتوصَّلوا برشوته إلى الأكل بالباطل.\nقيل: الآية تتناول النوعين، فكلٌّ منهما إدلاء إلى الحكام بسببها، فالنهي عنهما معًا.\nوقوله: \"فإنه لا ينفع تكلُّمٌ بحقٍّ لا نفاذ له\". ولاية الحق: نفوذه، فإذا لم ينفذ كان ذلك عزلًا له عن ولايته. فهو بمنزلة الوالي العَدْل الذي في توليته مصالحُ العباد في معاشهم ومعادهم، فإذا عُزِل عن ولايته لم ينفع. ومراد عمر بذلك التحريضُ على تنفيذ الحقِّ إذا فهمه الحاكم، ولا ينفع تكلُّمُه به إن لم يكن له قوة تنفِّذه (^٣). فهو تحريضٌ منه على العلمِ (^٤) بالحقِّ، والقوةِ على تنفيذه. وقد مدح الله سبحانه أولي القوةِ (^٥) في أمره والبصائرِ في دينه، فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"به\".\n(^٢) البرطيل: الرشوة.\n(^٣) ع: \"تنفيذه\". وفي المطبوع: \"على تنفيذه\".\n(^٤) ف: \"العمل\"، وكذا كتب بعضهم في طرَّة ح مع علامة صح، وهو خطأ.\n(^٥) س، ت: \"القوى\"، وكذا حاول بعضهم أن يغيِّر ما في ح.","vol":"1","page":192},{"text":"فالأيدي: القوى على تنفيذ أمر الله، والأبصار: البصائر في دينه (^١).\nوقوله: \"آس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتَّى لا يطمعَ شريفٌ في حَيفك، ولا ييأس ضعيفٌ من عدلك\". إذا (^٢) عدل الحاكمُ في هذا بين الخصمين فهو عنوانُ عدله في الحكومة. فمتى خصَّ أحدَ الخصمين بالدخول عليه، أو القيام له، أو صدرِ المجلس، أو الإقبال عليه والبشاشة له، أو النظر (^٣) إليه= كان عنوانَ حَيفه وظُلمه.\nوقد رأيتُ في بعض التواريخ القديمة أنَّ أحدَ قضاة العدل في بني إسرائيل أوصاهم إذا دفنوه أن ينبِشوا قبره بعد مدّة، فينظروا هل تغيَّر منه شيء أم لا؟ وقال: إنِّي لم أجُرْ قطُّ في حكم، ولم أُحَابِ (^٤) فيه، غير أنه دخل عليَّ خصمان كان [٥٠/أ] أحدهما صديقًا لي، فجعلتُ أصغي إليه بأذني أكثر من إصغائي إلى الآخر. ففعلوا ما أوصاهم به، فرأوا أذنه قد أكلها الترابُ، ولم يتغيَّر جسده (^٥).\n_________\n(^١) وانظر: \"الداء والدواء\" (ص ٢٢٠) و\"الفروسية\" (ص ١٢٠) و\"الوابل الصيب\" (ص ١٣٥ - ١٣٦) و\"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٨٥٨).\n(^٢) في ت قبل \"إذا\" وضعت إشارة إلى اليمين، وكتب في الحاشية اليسرى: \"هذا أول عدل بين الخصمين\". وفي ح غيَّر بعضهم \"إذا\" إلى \"أول\" ووضع علامة اللحق، وكتب في الحاشية: \"فهذا\".\n(^٣) ع: \"والنظر\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في طرَّة ت أن في نسخة: \"أحيف\"، يعني: \"ولم أحِفْ\".\n(^٥) أخرج نحوه ابن عبد الحكم في \"فتوح مصر والمغرب\" (ص ٢٥٦) والمعافى بن زكريا في \"الجليس الصالح الكافي\" (٤/ ٩٢).","vol":"1","page":193},{"text":"وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مفسدتان: إحداهما (^١): طمعُه في أن تكون الحكومة له، فيقوى قلبه وجَنانه، والثانية: أنَّ الآخر ييأس من عدله، ويضعف قلبه، وتنكسر حجته.\nوقوله: \"البينة على المدعي (^٢) واليمين على من أنكر\". البيِّنة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسمٌ لكلِّ ما يبيِّن الحقَّ، فهي أعمُّ من البيِّنة في اصطلاح الفقهاء، حيث خَصُّوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين. ولا حَجْرَ في الاصطلاح ما لم يتضمَّن حملَ كلام الله ورسوله عليه، فيقع بذلك الغلطُ في فهم النصوص وحملها على غير مراد المتكلِّم منها.\nوقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص. ونذكر من ذلك مثالًا واحدًا، وهو ما نحن فيه: لفظ (^٣) \"البينة\"، فإنها في كتاب الله اسمٌ لكلِّ ما يبيِّن الحقَّ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام: ٥٧] وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧]، وقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ [فاطر: ٤٠]، وقال: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]، [٥٠/ب] وهذا كثير في القرآن،\n_________\n(^١) ح: \"أحدهما\".\n(^٢) اللفظ الوارد فيما سبق: \"على من ادَّعى\".\n(^٣) في ت: \"من لفظ\"، والظاهر أن \"من\" زيدت فيما بعد.","vol":"1","page":194},{"text":"لم يختصَّ لفظُ \"البيِّنة\" بالشاهدين، بل ولا استُعمِل في الكتاب فيهما (^١) البتة.\nإذا عُرِف هذا، فقولُ النبي - ﷺ - للمدَّعي: \"ألك بينة؟ \" وقول عمر: \"البينة على المدَّعي\" ــ وإن كان هذا قد روي مرفوعًا (^٢) ــ المراد به: ألكَ (^٣) ما يبيِّن الحقَّ من شهود أو دلالة. فإنَّ الشارع في جميع المواضع يقصد ظهورَ الحقِّ بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلّة عليه وشواهد له. ولا يرُدُّ حقًّا قد ظهر بدليله أبدًا، فيضيِّعَ حقوقَ الله وعبادِه ويعطِّلَها. ولا يقف ظهورَ الحقِّ على أمر معيَّن لا فائدة في تخصيصه به، مع مساواة غيره في ظهور الحق، أو رجحانه عليه ترجيحًا لا يمكن جحدُه ودفعُه؛ كترجيح شاهد الحال على مجرَّد اليد في صورة مَن على رأسه عمامة وبيده عمامة، وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو إثرَه، ولا عادة له بكشف رأسه. فبيِّنة الحال ودلالته هنا تفيد من ظهور صدقِ المدَّعي أضعافَ ما يفيده مجرَّدُ اليد عند كلِّ أحد (^٤). فالشارع لا يُهمِل مثل هذه البينة والدلالة، ويُضيع حقًّا يعلم كلُّ\n_________\n(^١) في النسخ: \"فيها\"، والتصحيح من النسخ المطبوعة.\n(^٢) رواه الترمذي في \"الجامع\" (١٣٤١) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وضعّفه بمحمد بن عبيدالله العرزمي. والعرزمي هذا واهٍ متروك. ورواه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ٢٥٢) من حديث ابن عباس، لكن جملة \"البيّنة على المدّعي\" مُدرجة في الحديث، دخل على بعض رُواته حديث في حديث. ويُنظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٤٥٥).\n(^٣) ع: \"كلّ\" موضع \"ألك\". وكذا في المطبوع!\n(^٤) وانظر هذا المثال في \"الطرق الحكمية\" (١/ ١٣) و\"إغاثة اللهفان\" (٢/ ٧٥٧) و\"زاد المعاد\" (٣/ ١٣٣).","vol":"1","page":195},{"text":"أحد ظهوره وحجته. بل لمَّا ظنَّ هذا مَن ظنَّه ضيَّعوا طريقَ الحكم، فضاع كثير من الحقوق، لتوقُّفِ ثبوتها عندهم على طريق معيَّن، وصار الظالم الفاجر ممكَّنًا مِن ظلمه وفجوره، فيفعل ما يريد، ويقول: لا يقوم عليَّ بذلك شاهدان اثنان، فضاعت حقوق كثيرة لله ولعباده.\nوحينئذ (^١) [٥١/أ] أخرج الله أمر الحكم العامِّ عن أيديهم، ودخل (^٢) فيه من أمر الإمارة والسياسة ما يُحفَظ به الحقُّ تارةً ويضيع به أخرى، ويحصل به العدوان تارةً والعدل أخرى. ولو عُرِف ما جاء به الرسول على وجهه لكان فيه تمامُ المصلحة المُغْنية عن التفريط والعدوان.\n\nوقد ذكر الله سبحانه<span data-type=\"title\" id=toc-108> نصابَ الشهادة </span>في القرآن في خمسة مواضع. فذكر نصاب شهادة الزنا أربعة في سورة النساء وسورة النور. وأما في غير الزنا فذكر شهادة الرجلين والرجل والمرأتين في الأموال، فقال في آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فهذا في التحمُّل والوثيقة التي يحفظ بها صاحبُ المال حقَّه، لا في طريق الحكُم وما يحكم به الحاكم؛ فإنَّ هذا شيء، وهذا شيء. وأمَر في الرجعة بشاهدين عدلين، وأمَر في الشهادة على الوصية في السفر باستشهاد عَدْلين من المسلمين أو آخران (^٣) من غيرهم، وغيرُ المؤمنين هم الكفار. والآية صريحة في قبول شهادة الكافرين على الوصية في السفر عند\n_________\n(^١) في المطبوع: \"فحينئذ\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"أدخل\".\n(^٣) كذا في النسخ، يعني: أو آخران من غيرهم يشهدان. وفي النسخ المطبوعة: \"آخرين\" على الجادة.","vol":"1","page":196},{"text":"عدم الشاهدين المسلمين. وقد حكَم بها النبيُّ - ﷺ - والصحابةُ بعده، ولم يجئ بعدها ما ينسَخها، فإنَّ المائدة من آخر القرآن نزولًا، وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية معارض البتَّة.\nولا يصح أن يكون المراد بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير قبيلتكم، فإن الله سبحانه خاطب بها المؤمنين كافّةً بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ [٥١/ب] اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، ولم يخاطِب بذلك قبيلةً معينةً حتى يكون قوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أيتها القبيلة. والنبي - ﷺ - لم يفهم هذا من الآية، بل إنما فهم منها ما هي صريحة فيه؛ وكذلك أصحابه من بعده. وهو سبحانه ذكَر ما يُحفَظ به الحقوق من الشهود، ولم يذكر أنَّ الحكام لا يحكُمون (^١) إلا بذلك. فليس في القرآن نفيُ الحكم بشاهد ويمين، ولا بالنكول، ولا باليمين المردودة، ولا بأيمان القَسامة، ولا بأيمان اللِّعان، وغير ذلك؛ مما يبيِّن الحقَّ، ويُظهِره، ويدلُّ عليه (^٢).\nوقد اتفق (^٣) المسلمون على أنه يُقبَل في الأموال رجل وامرأتان. وكذلك توابعُها من البيع، والأجل فيه، والخِيار فيه، والرَّهن، والوصية للمعيَّن، وهبته، والوقف عليه، وضمان المال، وإتلافه، ودعوى رِقِّ مجهول\n_________\n(^١) ت: \"أن الحاكم لا يحكم\".\n(^٢) وانظر في مسألة قبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر: \"الطرق الحكمية\" (١/ ٤٨٥ - ٥١٤).\n(^٣) في المطبوع: \"وقد أجمع\".","vol":"1","page":197},{"text":"النسب، وتسمية المهر، وتسمية عوض الخلع= رجلان (^١)، ورجل وامرأتان.\nوتنازعوا في العتق، والوكالة في المال، والإيصاء إليه فيه، ودعوى قتل الكافر لاستحقاق سَلَبِه، ودعوى الأسير الإسلامَ السابقَ لمنعِ رقِّه، وجناية الخطأ والعمد التي لا قود فيها، والنكاح، والرجعة: هل يُقبَل فيها رجلٌ وامرأتان، أم لا بد من رجلين؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد (^٢). فالأول قول أبي حنيفة، والثاني قول مالك والشافعي.\nوالذين قالوا: لا يُقبَل إلا رجلان قالوا: إنما ذكر الله الرجل والمرأتين في الأموال، دون [٥٢/أ] الرجعة، والوصية، وما معهما. فقال لهم الآخرون: ولم يذكر سبحانه وصفَ الإيمان في الرَّقبَة إلا في كفارة القتل، ولم يذكر فيها إطعامَ ستّين مسكينًا، وقلتم: نحمل (^٣) المطلقَ على المقيَّد إما بيانًا وإما قياسًا. قالوا: وأيضًا، فإنه سبحانه إنما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وفي الآية الأخرى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] بخلاف آية الدين فإنه قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وفي الموضعين الآخَرين لمَّا لم يقل: رجلان، لم يقل: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان.\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ الخطية. وفي المطبوع: \"ويقبل في ذلك كله رجل وامرأتان\"، وفي الطبعات السابقة: \"يقبل في ذلك رجل وامرأتان\". وفي العبارتين زيادة وسقط.\n(^٢) انظر: \"الفروع\" (١١/ ٣٧٢).\n(^٣) اللفظ مهمل في النسخ، فيحتمل قراءة: \"يُحمَل\".","vol":"1","page":198},{"text":"فإن قيل: اللفظ مذكَّر، فلا يتناول الإناث.\nقيل: قد استقرَّ في عُرف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذكَّرين إذا أُطلقت ولم تقترن بالمؤنَّث فإنها تتناول الرجال والنساء، لأنه يُغلَّب المذكرُ عند الاجتماع كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وأمثال ذلك. وعلى هذا، فقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] يتناول الصنفين، لكن قد استقرَّت الشريعة على أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد (^١). بل هذا أولى، فإنَّ حضورَ النساء عند الرجعة أيسرُ من حضورهن (^٢) عند كتابة الوثائق بالديون، وكذلك حضورهن عند الوصية وقت الموت. فإذا جوَّز الشارع استشهاد النساء في وثائق الدَّين (^٣) التي يكتبها الرجال، مع [٥٢/ب] أنها إنما تُكتَب غالبًا في مجامع الرجال، فلَأَنْ يُشرَع (^٤) ذلك فيما يشهده (^٥) النساء كثيرًا كالوصية والرجعة أولى.\nيوضِّحه أنه قد شُرِع في الوصية استشهادُ آخرَين من غير المسلمين عند الحاجة، فلأَنْ يجوز استشهادُ رجل وامرأتين بطريق الأولى والأحرى؛\n_________\n(^١) س، ف: \"كرجل واحد\". وكذا غيَّر بعضهم في ح.\n(^٢) في النسخ كلها: \"حضورهم\" هنا وفي الجملة التالية، وهو سبق قلم.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"الديون\".\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"يسوغ\".\n(^٥) في ع: أهمل حرف المضارع، وفي غيرها ما أثبت. وفي النسخ المطبوعة: \"تشهده\".","vol":"1","page":199},{"text":"بخلاف الديون فإنه لم يأمر فيها باستشهاد آخرين من غيرنا، إذ كانت مداينة المسلمين تكون بينهم، وشهودُهم حاضرون. والوصية في السفر قد لا يشهدها إلا أهلُ الذمة، وكذلك الميِّت قد لا يشهده إلا النساء.\nوأيضًا فإنما أمَر في الرجعة باستشهاد ذوي عدل، لأن المستشهِد هو المشهود عليه بالرجعة ــ وهو الزوج ــ لئلا يكتمها، فأمر بأن يشهد (^١) أكمل النصاب. ولا يلزم إذا لم يشهد هذا الأكملُ أن لا يُقبلَ عليه شهادةُ النصاب الأنقص، فإنَّ طرقَ الحكم أعمُّ من طرق حفظ الحقوق. وقد أمر النبيُّ - ﷺ - الملتقِطَ أن يُشهِد عليه ذوي عدل، ولا يكتُمَ، ولا يُغَيِّبَ (^٢). ولو شهد عليه باللقطة رجلٌ وامرأتان قُبِل بالاتفاق، بل يُحكَم عليه بمجرَّد وصفِ صاحبها لها.\nوقال تعالى في شهادة المال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وقال في الوصية والرجعة: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، لأنَّ المستشهِد هناك صاحبُ الحقّ، فهو يأتي بمن يرضاه لحفظ حقِّه، فإن لم يكن عدلًا كان هو المضيِّع لحقِّه. وهنا (^٣) المستشهِدُ يستشهد بحقٍّ ثابتٍ عنده، فلا يكفي رضاه به (^٤)، بل لا بد أن يكون عدلًا في نفسه. وأيضًا [٥٣/أ] فإنَّ الله سبحانه قال هناك: ﴿مِمَّنْ\n_________\n(^١) ضبط في س بضم الياء وكسر الهاء. وفي ع: \"يستسشهد\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٨٣٤٣)، وأبو داود في \"السنن\" (١٧٠٩)، وابن ماجه في \"السنن\" (٢٥٠٥)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٧٧٦)، وصححه ابن حبان في \"المسند الصحيح\" (٩٢٧).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"وهذا\".\n(^٤) \"به\" لم يرد في ح، ف.","vol":"1","page":200},{"text":"تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ لأنّ صاحبَ الحقِّ هو الذي يحفظ حقَّه، فيحفظه بمن يرضاه.\nوإذا قال من عليه الحقُّ: أنا أرضى (^١) بشهادة هذا عليَّ، ففي قبوله نزاع. والآية تدل على أنه يُقبَل، بخلاف الرجعة والطلاق فإنَّ فيهما حقًّا لله. وكذلك الوصية، فيها حقٌّ لغائب.\nومما يوضِّح ذلك: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال في المرأة: \"أليست شهادتها بنصف شهادة الرجل؟ \" (^٢) فأطلَق، ولم يقيِّد. ويوضِّحه أيضًا أن النبيَّ - ﷺ - قال للمدَّعي لما قال: هذا غصبني أرضي، فقال: \"شاهداك أو يمينه\" (^٣). وقد عرَف أنه لو أتى برجل وامرأتين حَكَم له. فعُلِمَ أنَّ هذا يقوم مقام الشاهدين، وأن قوله: \"شاهداك أو يمينه\" إشارة إلى الحجَّة الشرعية التي شعارها الشاهدان. فإما أن يقال لفظ \"شاهدان\" معناه دليلان يشهدان، وإما أن يقال رجلان أو ما يقوم مقامهما والمرأتان دليل بمنزلة الشاهد.\nيوضِّحه أيضًا أنه لو لم يأتِ المدعي بحجَّة حلَف المدَّعَى عليه، فيمينه كشاهد آخر؛ فصار معه دليلان يشهدان: أحدهما البراءة، والثاني اليمين. وإن نكل عن اليمين فمَن قضى عليه بالنُّكول قال: النكول إقرار أو بَذْل (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"راض\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد، ومسلم (٧٩، ٨٠) عن ابن عمر وأبي هريرة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥١٥) ومسلم (١٣٨) من حديث الأشعث بن قيس.\n(^٤) في المطبوع: \"بدل\"، تصحيف.","vol":"1","page":201},{"text":"وهذا جيِّد إذا كان المدَّعَى عليه هو الذي يعرف الحقَّ دون المدَّعِي. قال عثمان لابن عمر: تحلِفُ أنك بعتَه وما به عيبٌ تعلمه؟ فلما لم يحلِفْ قضَى عليه (^١). وأما الأكثرون فيقولون: إذا نكَلَ فَرُدَّ (^٢) اليمينُ على المدّعي، فيكون نكولُ الناكل دليلًا، ويمينُ المدعي دليلًا ثانيًا؛ فصار [٥٣/ب] الحكم بدليلين: شاهد ويمين.\nوالشارعُ إنما جعل الحكمَ في الخصومة بشاهدين، لأنَّ المدعي لا يُحكَم له بمجرَّد قوله، والخصمُ منكِر، وقد يحلِف أيضًا. فكأنَّ أحدَ الشاهدين يقاوم الخصمَ المنكِر، فإنَّ إنكاره ويمينه كشاهد، ويبقى الشاهد الآخر خبرَ عدلٍ لا معارِضَ له؛ فهو حجة شرعية لا معارِضَ لها. وفي الرواية إنما يُقبَل خبرُ الواحد إذا لم يعارضه أقوى منه. فاطَّرد القياسُ والاعتبارُ في الحكم والرواية.\nيوضِّحه أيضًا أن المقصود بالشهادة أن يُعلَم بها ثبوتُ المشهود به، وأنه حقٌّ وصدقٌ، فإنها خبر عنه. وهذا لا يختلف بكون المشهود به مالًا أو طلاقًا أو عتقًا أو وصيةً، بل من صدَقَ في هذا صدَقَ في هذا. وإذا كان الرجل مع المرأتين كالرجلين يصدُقان في الأموال، فكذلك صدقُهما في هذا.\n_________\n(^١) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢٢٧١)، وعبد الرزاق (١٤٧٢٢)، وابن أبي شيبة (٢١٢٠١، ٢١٥٠٤، ٢٢٢٢٦) من حديث يحيى بن سعيد (وهو الأنصاري)، عن سالم بن عبد الله بن عمر به. ورواه عبد الرزاق (١٤٧٢١) عن معمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سالم به.\n(^٢) في ح غيَّره بعضهم إلى \"تُرَدّ\" كما في ف والنسخ المطبوعة.","vol":"1","page":202},{"text":"وقد ذكر الله سبحانه حكمة تعدُّد الأنثيين (^١) في الشهادة، وهي أن المرأة قد تنسى الشهادة، وتضِلُّ عنها، فتذكِّرها الأخرى. ومعلوم أنَّ تذكيرها لها بالرجعة والطلاق والوصية مثلُ تذكيرها لها بالدَّين، وأولى.\nوهو سبحانه أمرَ بإشهاد امرأتين لتوكيد الحفظ، لأنّ عقلَ المرأتين وحفظَهما يقوم مقامَ عقلِ رجلٍ وحفظِه. ولهذا جُعِلت على النصف من الرجل في الميراث والدية والعقيقة والعتق. فعتقُ امرأتين يقوم مقامَ عتقِ رجل، كما صحّ عن النبي - ﷺ -: \"من أعتَقَ امرأً مسلمًا أعتق الله بكلِّ [٥٤/أ] عضوٍ منه عضوًا منه من النار. ومن أعتق امرأتين مسلمتين أعتق الله بكلِّ عضوٍ منهما عضوًا منه من النار\" (^٢).\nولا ريب أن هذه الحكمة في التعدُد هي عند التحمُّل، فأما إذا عقلت المرأة وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها، فإنَّ المقصود حاصلٌ بخبرها، كما يحصل بأخبار الديانات. ولهذا تُقبل شهادتُها وحدها في مواضع، ويُحكَم بشهادة امرأتين ويمينِ الطالب في أصحِّ القولين. وهو قول مالك (^٣)، وأحد الوجهين في مذهب أحمد (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ: \"الاثنين\".\n(^٢) رواه أبو داود (٣٩٦٧)، وابن ماجه (٢٥٢٢)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٤٨٦٣) من حديث كعب بن مرة، وفي سنده اختلافٌ كثيرٌ، وليُنظر: \"السنن الكبرى\" للنسائي (٤٨٥٩ - ٤٨٦٩)، و\"العلل\" للدارقطني (١٤/ ٣٣ - ٣٤).\n(^٣) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (٢/ ٩٠٧).\n(^٤) انظر: \"شرح الزركشي\" (٧/ ٣١٣) و\"الطرق الحكمية\" (١/ ٤٢٦) و\"مجموع الفتاوى\" (٣١/ ٢٩٤).","vol":"1","page":203},{"text":"قال شيخنا قدَّس الله روحه: ولو قيل: يُحكَم بشهادة امرأة ويمين الطالب لكان متوجِّهًا. قال: لأن المرأتين إنما أقيمتا (^١) مقام الرجل في التحمُّل لئلا تنسى إحداهما، بخلاف الأداء فإنه ليس في الكتاب ولا في السنَّة أنه لا يُحكَم إلا بشهادة امرأتين. ولا يلزم من الأمر باستشهاد المرأتين وقتَ التحمُّل أن لا يُحكَم بأقلَّ منهما، فإنه سبحانه أمر باستشهاد رجلين في الديون، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان. ومع هذا فيُحكَم بشاهد واحد ويمين الطالب، ويُحكَم بالنُّكول والردِّ وغير ذلك.\nفالطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله صاحبَ الحق إلى أن يحفظ حقَّه بها. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه سأله عُقْبة بن الحارث فقال: إني تزوجتُ امرأةً، فجاءت أمةٌ سوداءُ، فقالت: إنها أرضعتنا. فأمرَه بفراق امرأته، فقال: إنها كاذبة، فقال: \"دَعْها عنك\" (^٢).\nففي هذا قبولُ شهادة المرأة الواحدة، وإن كانت أمةً، وشهادتُها على فعل نفسها. وهو أصلٌ في شهادة القاسم والخارص والوزان والكيال على فعل نفسه.\nفصل\nوهذا أصل عظيم [٥٤/ب] يجب (^٣) أن يُعرَف، غلِط فيه كثيرٌ من الناس؛ فإنَّ الله سبحانه أمرَ بما يحفظ به الحقُّ، فلا يحتاجَ معه إلى يمين صاحبه\n_________\n(^١) س، ح، ت: \"أقيما\"، وكذا في \"اختيارات البعلي\" (ص ٣٦٣) وقد ورد فيها أول كلام الشيخ.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٨، ٢٦٥٩).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"فيجب\".","vol":"1","page":204},{"text":"ــ وهو الكتاب والشهود ــ لئلا يجحد الحق (^١)، ويحتاج صاحبه إلى تذكير من لم يذكر إما جحودًا وإما نسيانًا. ولا يلزم من ذلك أنه إذا كان هناك ما يدل على الحقِّ لم يُقبل إلا هذه الطريق التي أمرَه أن يحفظ حقَّه بها.\nفصل\nوإنما أمر الله سبحانه بالعدد في شهود الزنا، لأنه مأمورٌ فيه بالسَّتر، ولهذا غلظ فيه النصاب، فإنه ليس هناك حقّ يضيع، وإنما هو حدّ وعقوبة، والعقوبات تُدرأ بالشبهات؛ بخلاف حقوق الله وحقوق عباده التي تضيع إذا لم يُقبَل فيها قولُ الصادقين. ومعلوم أن شهادة العدل رجلًا كان أو امرأةً أقوى من استصحاب الحال، فإنَّ استصحاب الحال من أضعف البيِّنات. ولهذا يُرفع (^٢) بالنكول تارةً، وباليمين المردودة، وبالشاهدين، والشاهد واليمين، ودلالة الحال. وهو نظير رفع استصحاب الحال في الأدلة الشرعية بالعموم والمفهوم والقياس، فيُرفع بأضعف الأدلة، فهكذا في الأحكام يُرفَع بأدنى النصاب. ولهذا قُدِّم خبرُ الواحد في أخبار الديانة على الاستصحاب مع أنه يلزم جميع المكلَّفين، فكيف لا يقدَّم عليه فيما هو دونه؟\nولهذا كان الصحيح الذي دلَّت عليه السنّة التي لا معارض لها أن اللقطة إذا وصفها واصفٌ صفةً تدلّ على صدقه دُفِعت إليه بمجرَّد الوصف. فقام وصفُه لها مقام [٥٥/أ] الشاهد (^٣)، بل وصفُه لها بيّنةٌ تبيِّن صدقه وصحة دعواه؛ فإنَّ البيِّنة اسمٌ لما يبيِّن الحق.\n_________\n(^١) بعده في النسخ المطبوعة: \"أو ينسى\"، وهذا لم يرد في النسخ المعتمدة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"يدفع\"، تصحيف.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"الشاهدين\".","vol":"1","page":205},{"text":"وقد اتفق العلماء على أنَّ مواضع الحاجات يُقبَل فيها من الشهادات ما لا يقبل في غيرها من حيث الجملة، وإن تنازعوا في بعض التفاصيل. وقد أمر الله سبحانه بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين عند الحاجة في الوصية في السفر منبِّهًا بذلك على نظيره، وما هو أولى منه، كقبول شهادة النساء منفرداتٍ في الأعراس والحمامات والمواضع التي تنفرد النساء بالحضور فيها. ولا ريب أنَّ قبول شهادتهن هنا أولى من قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر.\nولذلك (^١) عمِلَ الصحابةُ وفقهاءُ المدينة بشهادة الصبيان على تجارُحِ بعضِهم بعضًا (^٢)، فإنَّ الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تُقبَل شهادتهم وشهادة النساء منفرداتٍ لضاعت الحقوق وتعطَّلت وأُهملت، مع غلبةِ الظن أو القطعِ بصدقهم، ولا سيما إذا جاؤوا مجتمعين قبل تفرُّقهم ورجوعهم إلى بيوتهم، وتواطؤوا على خبر واحد، وفُرِّقوا وقتَ الأداء واتفقت كلمتُهم؛ فإنّ الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين، وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده. فلا يُظَنُّ بالشريعة الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد في المعاش والمعاد أنها\n_________\n(^١) ما عدا ح، س: \"وكذلك\".\n(^٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢٦٨٩) عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، ويتقوى بما رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٥٤٩٤، ١٥٤٩٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢١٤٣٣) من طريقين عن ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير، وصحّحه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٨٦). على شرط الشيخين. قلت: نعم، الأثر صحيح بلا ريب، لكنه ليس على شرطهما. ويُنظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٥٤٩٦ - ١٥٥٠٧)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢١٤٣٠ - ٢١٤٤٧).","vol":"1","page":206},{"text":"تُهمل مثل هذا الحقَّ وتُضيعه مع ظهور أدلته وقوتها، وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك.\nوقد روى أبو داود في \"سننه\" (^١) في قضية اليهوديين اللذين زنيا، فلما شهد أربعةٌ من اليهود عليهما أمر النبيُّ - ﷺ - برجمهما.\nوقد تقدَّم حكمُ [٥٥/ب] النبيِّ - ﷺ - بشهادة الأَمَة الواحدة على فعل نفسها؛ وهو يتضمَّن شهادة العبد. وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة على شهادته، فقال (^٢): ما علمتُ أحدًا ردَّ شهادةَ العبد (^٣).\nوهذا هو الصواب، فإنه إذا قُبِلت شهادته على رسول الله - ﷺ - في حكمٍ يلزم جميعَ الأُمّة، فلَأَنْ تُقبَل شهادتُه على واحد من الأمّة في حكم جزئي أولى وأحرى. وإذا قُبِلت شهادته على حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى، فلَأَنْ تُقبَل شهادتُه على واحد من الناس أولى وأحرى.\n_________\n(^١) برقم (٤٤٥٢)، وابن ماجه (٢٣٢٨) ــ لكنه اختصره ــ من حديث مجالد، عن الشعبي، عن جابر - ﵁ -. قال الدارقطني بعد تخريجه إياه في \"السنن\" (٤٣٥): \"تفرّد به مجالد عن الشعبي، وليس بالقوي\". والظاهرأن مجالدًا لزم الجادّة، فزلق. وقد خالفه مغيرة بن مقسم وعبد الله بن شبرمة فروياه عن الشعبي مرسلا، أخرجه أبو داود (٤٤٥٣، ٤٤٥٤). ويُنظر: \"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٥/ ٨٦ - ٨٧).\n(^٢) هذا قول أنس، وقد تقدَّم تخريجه. وانظر \"المغني\" (١٤/ ١٨٥) و\"النبوات\" لابن تيمية (١/ ٤٧٩). وذكر المصنف حكاية الإمام أحمد إياه مع أقوال المانعين وتكلم عليها في \"الطرق الحكمية\" (١/ ٤٤٢ - ٤٥٣). وانظر: \"الصواعق\" (٢/ ٥٨٣) و\"بدائع الفوائد\" (١/ ٩).\n(^٣) ح، ف: \"وقال\".","vol":"1","page":207},{"text":"كيف وهو داخل في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؟ فإنه منَّا، وهو عَدْل، وقد عدَّله النبيُّ - ﷺ - بقوله: \"يحمل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه\" (^١)،\nوعدَّلته الأمَّةُ في الرواية عن رسول الله - ﷺ - والفتوى. وهو من رجالنا، فيدخل في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وهو مسلم، فيدخل في قول عمر بن الخطاب (^٢): \"والمسلمون عدولٌ بعضهم على بعض\". وهو صادق، فيجب العملُ بخبره، وأن لا يُرَدَّ، فإنَّ الشريعة لا ترُدُّ خبرَ الصادق، بل تعمل به. وليس بفاسق، فلا يجب التثبّتُ في خبره وشهادته.\nوهذا كلُّه من تمام رحمةِ الله وعنايته بعباده، وإكمالِ دينهم لهم، وإتمامِ نعمته عليهم بشريعته؛ لئلا تضيع حقوق الله وحقوق عباده، مع ظهور الحقِّ\n_________\n(^١) رُوي هذا الحديث من طرق كثيرة جدّا، واهية، أو مضطربة. والمحفوظ ما رواه محمد بن وضاح في \"البدع\" (١)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٦/ ١٣٢)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١٧)، والآجري في \"الشريعة\" (١/ ٢٦٨، ٢٦٩)، وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢١١، ٢٤٩)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٣٣)، وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (١/ ٢١١) من حديث مُعان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرسلا أو معضلا، ومُعان فيه بعضُ لِينٍ، وشيخُه إبراهيم مجهول الحال، ثم هو قد أعضل الحديث، ولم يُسنده عن ثقة معروف.\n\nويُنظر: \"المسند\" للبزار (٩٤٢٣)، و\"الضعفاء\" للعقيلي (٦/ ١٣٢)، و\"معرفة الصحابة\" لأبي نعيم (١/ ٢١١)، و\"ذخيرة الحفاظ\" لابن طاهر (٥/ ٢٧٧٧ - ٢٧٧٩)، و\"بيان الوهم والإيهام\" لابن القطان (٣/ ٤٠)، و\"جامع المسانيد\" لابن كثير (١/ ٦٨)، و\"التقييد والإيضاح\" للعراقي (ص ٣٨ - ٣٩).\n(^٢) من كتابه إلى أبي موسى الأشعري، وهو الذي يشرحه المؤلف. وسيأتي الكلام على هذا الجزء أيضًا.","vol":"1","page":208},{"text":"بشهادة الصادق. لكن إذا أمكن حفظُ الحقوق بأعلى الطريقين فهو أولى، كما أمر بالكتاب والشهود، لأنه أبلغ في حفظ الحق (^١).\nفإن قيل: أمرُ الأموال أسهل، فإنه يُحكَم فيها بالنكول، وباليمين المردودة، وبالشاهد واليمين، بخلاف الرجعة والطلاق.\nقيل: هذا [٥٦/أ] فيه نزاع، والحجة إنما تكون بنص أو إجماع. فأما الشاهد واليمين فالحديث الذي في صحيح مسلم (^٢) عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قضى بالشاهد واليمين، ليس فيه أنه في الأموال، وإنما هو قول عمرو بن دينار (^٣). ولو كان مرفوعًا عن ابن عباس، فليس فيه اختصاصُ الحكم بذلك في الأموال وحدها، فإنه لم يخبر عن شرعٍ عامٍّ شرَعَه رسولُ الله - ﷺ - في الأموال. وكذلك سائر ما روي من حُكمه بذلك، إنما هو في قضايا معينة قضى فيها بشاهد ويمين، وهذا كما لا يدل على اختصاص حُكمه بتلك القضايا، لا يقتضي اختصاصَه بالأموال؛ كما أنه إذا حكم بذلك في الديون لم يدل على أن الأعيان ليست كذلك. بل هذا يحتاج إلى تنقيح المناط، فيُنظر ما حُكِم لأجله، إن وُجِد في غير محلِّ حُكمِه عُدِّي إليه.\nوفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي - ﷺ -: أن المرأة إذا أقامت شاهدًا واحدًا على الطلاق، فإن حلَف الزوجُ أنه لم يطلِّق\n_________\n(^١) ع: \"الحقوق\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) برقم (١٧١٢).\n(^٣) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (١/ ١٤٩) ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٦٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ١٠٣) ــ، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢٩٦٨)، وجوّد سنده النسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٩٦٧).","vol":"1","page":209},{"text":"لم يُقْضَ عليه. وإن لم يحلِف حَلَفت المرأة، ويُقضَى عليه (^١). وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبةً بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا يُعرَف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتجَّ بها (^٢). وإنما طعن فيها من لم يتحمَّل أعباء الفقه والفتوى كأبي حاتم البُستي وابن حزم وغيرهما (^٣).\nوفي هذه الحكومة أنه يُقضَى في الطلاق بشاهدٍ وما يقوم مقامَ شاهدٍ آخر من النكول ويمين المرأة، بخلاف ما إذا أقامت شاهدًا [٥٦/ب] واحدًا، وحلف الزوج أنه لم يطلِّق، فيمينُ الزوج عارضت شهادة الشاهد، وترجَّح جانبُه بكون الأصل معه. وأمَّا إذا نكل الزوجُ فإنه يُجعَل نكولُه مع يمين المرأة كشاهد آخر. ولكن هنا لم يُقضَ بالشاهد ويمين المرأة ابتداءً، لأن الرجل أعلم بنفسه هل طلَّق أم لا، وهو أحفَظُ لما وقع منه. فإذا نكَلَ، وقام الشاهد الواحد، وحلفت المرأة= كان ذلك دليلًا ظاهرًا جدًّا على صدق\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٢٠٣٨) من حديث عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوعا. قال أبو حاتم: \"هذا حديث منكر\". رواه عنه ابنه عبد الرحمن في \"العلل\" (١٢٩٩). ورواية الشاميين عن زهير غير مستقيمة (وهذه منها)، وابن جريج لم يسمع من عمرو، كما نقله الترمذي في \"العلل الكبير\" (ص ١٠٨) عن البخاري. ولعلّ الأشبه بالصواب ما رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٢٧٠) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب (فذكره مقطوعا) ضمن خبر مطوَّل.\n(^٢) وانظر: \"الطرق الحكمية\" (١/ ٤٢٠) و\"زاد المعاد\" (٥/ ٢٥٩).\n(^٣) انظر: \"المجروحين\" (٢/ ٧٢ - ٧٣) و\"الإحكام في أصول الأحكام\" (٥/ ٥٧) و\"المحلَّى\" (٤/ ٣٨) و(١٠/ ١٤٧، ٢٣١) و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤٨ - ٥٥).","vol":"1","page":210},{"text":"المرأة. [فلم يُقضَ عليه بالنكول وحده، ولا يمين المرأة. وإنما قُضي بالشاهد المقوَّى بالنكول ويمين المرأة] (^١).\nفإن قيل: ففي الأموال إذا أقام شاهدًا (^٢) وحلَف المدَّعي حُكِمَ له، ولا تُعرَض اليمين على المدَّعَى عليه. وفي حديث عمرو بن شعيب: إذا شهد الشاهد الواحد وحلف الزوج أنه لم يطلِّق لم يُحكَم عليه.\nقيل: هذا من تمام حكمة هذه الشريعة وجلالتها، لأنَّ الزوج لمَّا كان أعلَم بنفسه هل طلَّق أم لا، وكان أحفَظ لِما وقع منه، وأعقَل له، وأعلَم بنيته، وقد يكون تكلَّم بلفظ مجمل أو بلفظ يظنُّه الشاهدُ طلاقًا وليس بطلاق، والشاهدُ يشهد بما سمع، والزوجُ أعلَم بقصده ومراده= جعل الشارعُ يمينَ الزوج معارِضةً لشهادة الشاهد الواحد، ويقوى (^٣) جانبُه بالأصل (^٤) واستصحابِ النكاح. فكان الظنُّ المستفاد من ذلك أقوى من الظنِّ المستفاد من مجرَّد الشاهد الواحد. فإذا نكَلَ قوي الأمر في صِدق الشاهد، فقاوَم ما في جانب الزوج، فقوَّاه الشارعُ بيمين المرأة. فإذا حلفَتْ مع شاهدِها ونكولِ الزوج قوي جانبُها جدًّا. فلا شيء أحسن ولا أبين ولا أعدل من هذه الحكومة.\n_________\n(^١) ما بين الحاصرتين ورد في متن ف. وكذا في حاشية ح بخط بعضهم مع علامة \"صح\"، وقد يكون مصدر المحشي نسخة ف نفسها أو أخرى شبيهة بها.\n(^٢) ف: \"قام شاهد\".\n(^٣) حرف المضارع مهمل في أكثر النسخ، ويحتمل قراءة \"وتقوَّى\".\n(^٤) ع: \"الأصل\"، وكذا في نسخ أُخَر فيما يبدو، فقرئ: \"ويقوِّي جانبه الأصل\" كما في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":211},{"text":"وأمّا المال المشهود به، فإنَّ [٥٧/أ] المدّعي إذا قال: أقرضتُه أو بعتُه أو أعرتُه، أو قال: غصَبني، أو نحو ذلك= فهذا أمرٌ لا يختصُّ بمعرفته المطلوب، ولا يتعلَّق بنيته وقصده، وليس مع المدَّعَى عليه من شواهد صدقه ما مع الزوج من بقاء عصمة النكاح، وإنما معه مجرَّدُ براءة الذمة، وقد عُهِد كثرة اشتغالها (^١) بالمعاملات، فقوي الشاهد الواحد والنكول أو يمين الطالب على رفعها، فحُكِمَ له. فهذا كلُّه مما يبيِّن حكمة الشارع (^٢)، وأنه يقضي بالبينة التي تبيِّن الحقَّ وهي الدليل الذي يدل عليه، والشاهد الذي يشهد به، بحسب الإمكان.\nبل الحقُّ أنَّ الشاهد الواحد إذا ظهر صدقُه حُكِمَ بشهادته وحده (^٣). وقد أجاز النبيُّ - ﷺ - شهادةَ الشاهد الواحد لأبي قتادة بقتل المشرك، ودفَع إليه سَلَبَه بشهادته وحده؛ ولم يحلِّف أبا قتادة، فجعله بينة تامة (^٤). وأجاز شهادةَ خزيمة بن ثابت وحده بمبايعته للأعرابي، وجعل شهادته بشهادتين (^٥) لما استندت إلى تصديقه - ﷺ - بالرسالة المتضمِّنة تصديقَه في كلِّ ما يُخبر به. فإذا شهد المسلمون بأنه صادق في خبره عن الله، فبطريق الأولى يشهدون أنه صادق في خبره عن رجلٍ من أمته. ولهذا كان من تراجم\n_________\n(^١) ح، ف: \"استعمالها\"، تصحيف.\n(^٢) لفظ \"الشارع\" ساقط من ع.\n(^٣) انظر: \"الطرق الحكمية\" (١/ ١٩٥، ٣٣٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣١٤٢) ومسلم (١٧٥١). وانظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٦٩).\n(^٥) رواه الإمام أحمد (٢١٨٨٣)، وأبو داود (٣٦٠٧)، والنسائي (٤٦٤٧) من حديث عمارة بن خزيمة، عن عمّه به، وسنده صحيح. وقد صححه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٨).","vol":"1","page":212},{"text":"بعض الأئمة على حديثه: الحكمُ بشهادة الشاهد الواحد إذا عُرِف صدقُه (^١).\nفصل\nوالذي جاءت به الشريعة أن اليمين تُشرَع في جَنْبَة (^٢) أقوى المتداعيين، فأيُّ الخصمين ترجَّح جانبُه جُعلت اليمين من جهته. وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة وفقهاء الحديث كالإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم. وأما أهل العراق فلا يحلِّفون إلا المدَّعَى عليه وحده، فلا يجعلون [٥٧/ب] اليمين إلا من جانبه فقط، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (^٣).\nوالجمهور يقولون: قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قضى بالشاهد واليمين (^٤)، وثبت عنه أنه عرض الأيمانَ في القَسامة على المدَّعِين أولًا، فلما أبَوا جعلها من جانب المدَّعَى عليهم (^٥). وقد جعل الله سبحانه أيمانَ اللِّعان من جانب الزوج أولًا، فإذا نكَلت المرأة عن معارضة أيمانه بأيمانها وجب عليها العذاب\n_________\n(^١) لعله يقصد ترجمة أبي داود، ونصُّها: \"باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يقضي به\". وقد أوردها في \"الطرق الحكمية\" (١/ ١٩٧) قبل سَوق حديث خزيمة، وأشار إليها مرة أخرى في (١/ ٣٤١).\n(^٢) كذا في ح، س، ت، ف، وقد ضبطت في الأولى بفتح الجيم وسكون النون. والجنبة: الجانب. ومثله في \"الطرق الحكمية\" (١/ ٣٠٤، ٣٧٢) و(٢/ ٥٠٧) و\"زاد المعاد\" (٥/ ٣٢٩) و\"تهذيب السنن\" (٣/ ١٢٠). وفي ع: \"من جهة\"، وفوقها: \"ظ\". وفي النسخ المطبوعة مثل ما في ع.\n(^٣) انظر المصادر المذكورة و\"مجموع الفتاوى\" (٢٠/ ٣٨٨)، (٣٤/ ٨١، ١٤٧).\n(^٤) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٥) أخرجه البخاري (٣١٧٣) ومسلم (١٦٦٩) من حديث سهل بن أبي حَثْمة ورافع بن خَديج.","vol":"1","page":213},{"text":"بالحدِّ، وهو العذاب المذكور في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. فإنَّ المدَّعي لما ترجَّح جانبُه (^١) بالشاهد الواحد شُرِعت اليمين من جهته. وكذلك أولياءُ الدم ترجَّح جانبهم باللَّوْث، فشُرعت اليمينُ من جهتهم، وأُكِّدت بالعدد تعظيمًا لخطر النفس. وكذلك الزوج في اللِّعان جانبُه أرجَحُ من جانب المرأة قطعًا، فإنَّ إقدامَه على إتلاف فراشه، ورميَها بالفاحشة على رؤوس الأشهاد= وتعريضَ نفسه لعقوبة الدنيا (^٢) والآخرة، وفضيحةَ أهله ونفسه على رؤوس الأشهاد= ممّا تأباه طباع العقلاء، وتنفِر منه نفوسهم، لولا أنَّ الزوجة اضطرَّته بما رآه وتيقَّنه منها إلى ذلك. فجانبُه أقوى وأرجح (^٣) من جانب المرأة قطعًا، فشُرعت اليمين من جانبه.\nولهذا كان الصواب القتل في القَسامة واللِّعان، وهو قول أهل المدينة. وأمَّا (^٤) فقهاء العراق فلا يقتلون لا بهذا ولا بهذا. وأحمد يقتل بالقَسامة دون اللِّعان. والشافعي يقتل باللِّعان دون القَسامة (^٥). وليس في شيء من هذا ما يعارض الحديث الصحيح، وهو قوله - ﷺ -: \"لو يعطَى الناسُ بدعواهم لَادَّعى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالهم، ولكن اليمين على [٥٨/أ] المدَّعَى عليه\" (^٦)، فإنَّ هذا إذا لم يكن مع المدّعي إلا مجرّد الدعوى، فإنه لا يُقضَى له بمجرّد\n_________\n(^١) \"جانبه\" ساقط من ع، وكذا كلمة \"نفسه\" الآتية.\n(^٢) \"الدنيا\" ساقط من ع.\n(^٣) \"وأرجح\" ساقط من ع، وكذا من النسخ المطبوعة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"فأما\".\n(^٥) وانظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ١١).\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٥٥٢) ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عباس.","vol":"1","page":214},{"text":"الدعوى. فأما إذا ترجَّح جانبه بشاهد أو لَوث أو غيره لم يُقضَ له بمجرَّد دعواه، بل بالشاهد المجتمع من ترجُّح جانبه ومن اليمين.\nوقد حكم سليمان بن داود ﵇ لإحدى المرأتين بالولد، لترجُّح جانبها بالشفقة على الولد وإيثارها لحياته، ورضى الأخرى بقتله. ولم يلتفت إلى إقرارها للأخرى به، وقولها: \" هو ابنها \" (^١). ولهذا كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث (^٢) \" التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعَلُ ليستبين به الحق\". ثم ترجَم عليه ترجمةً أخرى أحسنَ من هذه وأفقهَ، فقال (^٣): \" الحكمُ بخلاف ما يعترف به المحكوم له (^٤)، إذا تبيَّن للحاكم أنَّ الحقَّ غيرُ ما اعترف به \". فهكذا يكون فهمُ الأئمة من النصوص، واستنباطُ الأحكام التي تشهد العقول والفطر بها منها. ولَعَمْرُ الله، إنَّ هذا هو العلم النافع، لا خَرْصُ الآراء وتخمينُ الظنون.\nفإن قيل: ففي القَسامة يُقبَل مجرَّدُ أيمان المدَّعين، ولا تُجعل أيمانُ المدَّعَى عليهم بعد أيمانهم دافعةً للقتل. وفي اللِّعان ليس كذلك، بل إذا حلف الزوجُ مُكِّنت المرأةُ أن تدفع عن نفسها بأيمانها، ولم تُقتل (^٥) بمجرَّد\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) وهي ترجمة النسائي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٤٠٩) ونحوه في \"المجتبى\" (٨/ ٢٣٦) وقد صرَّح بذلك المؤلف في آخر الكتاب، و\"الطرق الحكمية\" (١/ ٩) و\"بدائع الفوائد\" (٤/ ١٤٨٥) و\"عدة الصابرين\" (ص ٥٢١).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٤١٠).\n(^٤) أثبت في المطبوع: \"المحكوم عليه\"، وكذا في مطبوع \"الطرق الحكمية\" و\"عدَّة الصابرين\". وهو خطأ وخلاف المقصود.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: \"ولا تقتل\".","vol":"1","page":215},{"text":"أيمان الزوج، فما الفرق؟\nقيل: هذا من كمال الشريعة وتمام عدلها ومحاسنها. فإنَّ المحلوف عليه في القَسامة حقٌّ لآدمي، وهو استحقاق الدم، وقد جُعلت الأيمان المكرَّرة بيِّنةً تامّةً مع اللَّوث، فإذا قامت البيِّنة لم يُلتفت إلى أيمان المدَّعَى عليهم (^١). وفي اللِّعان المحلوف عليه حقٌّ لله، وهو حدُّ الزنا، ولم يشهد به أربعة شهود، وإنما جُعِل الزوج أن يحلف أيمانًا مكرَّرة مؤكَّدةً (^٢) باللعنة أنها جَنَت على فراشه وأفسدته، فليس له شاهد إلا نفسه، وهي شهادة ضعيفة، فمُكِّنت المرأة أن تُعارضها بأيمان مكرَّرة مثلها. فإذا نكلَتْ (^٣) ولم تُعارضها صارت أيمانُ الزوج مع نكولها بينةً قويةً لا معارض لها. ولهذا كانت الأيمان أربعة لتقوم مقام الشهود الأربعة، وأُكِّدت بالخامسة، وهي الدعاء على نفسه باللعنة إن كان كاذبًا. ففي القسامة جُعِل اللَّوث ــ وهو الأمارة الظاهرة الدالَّة على أنَّ المدَّعَى عليهم قتلوه (^٤) ــ شاهدًا، وجُعِلت الخمسون (^٥) يمينًا شاهدًا آخر. وفي اللعان جُعِلت أيمانُ الزوج كشاهد، ونكولُها كشاهد آخر.\nوالمقصود: أنَّ الشارع لم يقف الحكم في حقِّ من الحقوق (^٦) البتَّةَ على شهادة ذكرين، لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في\n_________\n(^١) ع: \"عليه\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ع: \"ومؤكدة\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) كتب بعضهم في طرَّة ح: \"فعلت\" مع علامة صح.\n(^٤) رجَّح في المطبوع: \"قبلوه\"!\n(^٥) في النسخ الخطية والمطبوعة جميعًا: \"الخمسين\".\n(^٦) في النسخ المطبوعة: \"في حفظ الحقوق\".","vol":"1","page":216},{"text":"الحدود. بل قد حدَّ الخلفاء الراشدون والصحابة - ﵃ - في الزنا بالحَبَل (^١)، وفي الخمر بالرائحة (^٢) والقيء (^٣). وكذلك إذا ظهر المسروقُ عند السارق كان أولى بالحدِّ من ظهور الحبل والرائحة في الخمر. وكلُّ ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحَبَل والرائحة، بل أولى، فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة وفي الرائحة لا يعرض مثلُها في ظهور العين المسروقة. والخلفاء الراشدون والصحابة - ﵃ - لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي (^٤) تجويزُ غلطِ الشاهد ووهمِه وكذبِه أظهرُ منها بكثير، فلو عُطِّل الحدُّ بها لكان تعطيله بالشبهة التي تُمكن (^٥) في شهادة الشاهدين أولى. فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح العباد، وهو من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته، ومطابقتِه لمصالح العباد [٥٩/أ] وحكمةِ الربِّ وشرعِه، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال مَن بعدهم كالتفاوت الذي بين القائلين.\nوالمقصود: أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يرُدَّ خبرَ العدل قطُّ، لا في رواية ولا في شهادة، بل قبِل خبر العدل الواحد في كلِّ موضع أخبر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٢٩) عن عمر، وابن أبي شيبة (٢٩٤١٥ - ٢٩٤١٧) عن علي.\n(^٢) روى النسائي (٥٧٠٨) أثرًا في هذا عن عمر - ﵁ -، وسنده صحيح. وانظر أثر ابن مسعود في \"صحيح البخاري\" (٥٠٠١) ومسلم (٨٠١).\n(^٣) انظر قصة جلد الوليد بن عقبة بأمر عثمان بن عفان في حديث مسلم (١٧٠٧).\n(^٤) ح، س، ت: \"التي هي\". والمثبت من ع، وكذا في الطبعات القديمة (ولعل \"إلى\" مكان \"التي\" خطأ مطبعي في نشرة الوكيل). وأثبت في المطبوع: \"التي هي إلى\"، فاختلَّ السياق!\n(^٥) في المطبوع: \"تكمن\".","vol":"1","page":217},{"text":"به، كما قبِل شهادته لأبي قتادة بالقتيل (^١)، وقبِل شهادةَ خزيمة وحده (^٢)، وقبِل شهادةَ الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان (^٣)، وقبِل شهادة الأمة السوداء وحدها على الرضاعة (^٤)، وقبِل خبرَ تميمٍ وحده، وهو خبرٌ عن أمر حِسِّيٍّ شاهده ورآه، فقبِله ورواه عنه (^٥). ولا فرق بينه وبين الشهادة، فإنّ كلًّا منهما خبرٌ (^٦) عن أمر مستند إلى الحسِّ والمشاهدة، فتميمٌ شهِد بما رآه وعاينه، وأخبر به النبيَّ - ﷺ -، فصدَّقه وقبِل خبره. فأيُّ فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعاينه يتعلَّق بمشهود له وعليه، وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلَّق بالعموم؟ وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد، وهو شهادةٌ منه بدخول الوقت، وخبرٌ عنه يتعلق بالمخبر وغيره. وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد، وهي خبرٌ عن حكم شرعي يعُمُّ المستفتي وغيره.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) روى أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، وابن ماجه (١٦٥٢)، والنسائي (٢١١٢، ٢١١٣) من حديث سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفي سنده اختلاف على سماك، أشار إليه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرُهم، وسماك مضطربٌ في حديث عكرمة خاصّة، والمحفوظ في هذا الحديث الإرسال. وليُنظر: \"السنن\" لأبي داود (٢٣٤١)، و\"الجامع\" للترمذي (٣/ ٦٥)، والمجتبى للنسائي (٢١١٤، ٢١١٥).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) يعني خبر تميم الداري عن الدجال. أخرجه مسلم (٢٩٤٢) من حديث فاطمة بنت قيس.\n(^٦) لفظ \"خبر\" ساقط من ع.","vol":"1","page":218},{"text":"وسرُّ المسألة: أنه لا يلزم من الأمر بالتعدُّد في جانب التحمُّل وحفظ الحقوق الأمرُ بالتعدُّد في جانب الحكم والثبوت. فالخبر الصادق لا تأتي الشريعةُ بردِّه أبدًا. وقد ذمَّ اللهُ في كتابه من كذَّب بالحق، وردُّ الخبر الصادق تكذيبٌ بالحق. وكذلك الدلالة الظاهرة لا تُرَدُّ إلا بما هو مثلها أو أقوى منها. والله سبحانه لم يأمر بردِّ خبرِ الفاسق، بل بالتثبُّت والتبيُّن، فإن ظهرت الأدلّة على صدقه [٥٩/ب] قُبِل خبرُه، وإن ظهرت الأدلة على كذبه رُدَّ خبرُه، وإن لم يتبيَّن واحد من الأمرين وُقِفَ خبره. وقد قبِل النبيُّ - ﷺ - خبر الدليل المشرك الذي استأجره ليدلَّه على طريق المدينة في هجرته، لما ظهر له صدقه وأمانته. فعلى المسلم أن يتبع هديَ النبيِّ - ﷺ - في قبول الحق ممن جاء به، من وليّ وعدو، وحبيب وبغيض، وبر وفاجر؛ ويردَّ الباطل على من قاله كائنًا من كان.\nقال عبد الله بن صالح (^١):\nثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن ابن\n_________\n(^١) كذا رواه يحيى بن إبراهيم بن مزين القرطبي عن عبد الله بن صالح [كما في \"جامع بيان العلم\" لابن عبد البر (١٨٧١)]، وابن مزين وابن صالح صدوقان، لكن فيهما لينٌ، والظاهر أن أحدهما قد قصّر، فرواه من حديث الليث، عن ابن عجلان، عن ابن شهاب، عن معاذ - ﵁ -، ورواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (١/ ٢٣٢) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن عجلان، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن معاذ به. والمحفوظ المستفيض ما رواه أبو داود (٤٦١١) من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن يزيد بن عميرة، عن معاذ به.\n\nوقد رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٣٢٢) ــ ومن طريقه البيهقي في \"المدخل\" (٨٣٤) ــ عن أبي صالح (وهو عبد الله بن صالح) وابنِ بُكير، عن الليث، عن عقيل به. وللحديث طرق كثيرة إلى ابن شهاب، عن أبي إدريس به.","vol":"1","page":219},{"text":"شهاب أن معاذ بن جبل كان يقول في مجلسه كلَّ يوم، قلَّما يخطئه أن يقول ذلك: الله حَكَمٌ قِسْط. هلك المرتابون. إنَّ وراءكم فِتنًا يكثر فيها المال، ويُفتَح فيها القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر. فيوشِك أحدهم أن يقول: قرأتُ القرآن، فما أظنُّ أن يتّبعوني حتَّى أبتدعَ لهم غيرَه. فإياكم وما ابتدع، فإنّ كلَّ بدعة ضلالة. وإياكم وزَيغةَ الحكيم، فإنّ الشيطان قد يتكلَّم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة. وإنّ المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقَّوا الحقَّ عمَّن جاء به، فإنَّ على الحق نورًا. قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟ قال: هي الكلمة تروعكم، وتنكرونها وتقولون: ما هذا؟ فاحذروا زيغته، ولا تصدَّنَّكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق. وإنَّ العلم والإيمان مكانَهما إلى يوم القيامة.\nوالمقصود: أن الحاكم يحكم بالحجة التي ترجِّح الحقَّ إذا لم يعارضها مثلها. والمطلوبُ منه ومن كلِّ من يحكم بين اثنين أن يعلم ما يقع، ثم يحكم فيه بما يجب. فالأول مداره على [٦٠/أ] الصدق، والثاني مداره على العدل. وتمَّت كلمات ربِّك صدقًا وعدلًا، والله عليم حكيم. فالبينات والشهادات تظهر لعباده معلومة، وبأمره وشرعه يحكم بين عباده.\nوالحكمُ إمَّا إبداء، وإما إنشاء. فالإبداء: إخبار وإثبات، وهو شهادة. والإنشاء: أمر ونهي وتحليل وتحريم (^١). \"والحاكم فيه ثلاث صفات: فمن جهة الإثبات هو شاهد، ومن جهة الأمر والنهي هو مفتٍ، ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان. وأقلُّ ما يشترط فيه: صفاتُ الشاهد\" (^٢) باتفاق\n_________\n(^١) انظر: \"اختيارات البعلي\" (ص ٣٣٤).\n(^٢) نص كلام شيخ الإسلام في المصدر المذكور (ص ٣٣٢).","vol":"1","page":220},{"text":"العلماء؛ لأنه يجب عليه الحكم بالعدل، وذلك يستلزم أن يكون عدلًا في نفسه. فأبو حنيفة لا يعتبر إلا العدالة. والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يعتبرون معها الاجتهاد (^١). وأحمد يوجب تولية الأصلح فالأصلح من الموجودين (^٢)، وكلُّ زمان بحسبه. فيقدَّم الأديَن العدلُ على الأعلم الفاجر، وقضاةُ السنة على قضاة الجهمية، وإن كان الجهمي أفقه.\nولما سأله المتوكِّل عن القضاة أرسل إليه دَرْجًا مع وزيره (^٣)، يذكر فيه تولية أناس وعزْلَ أناس، وأمسَكَ عن أناس وقال: لا أعرفهم. وروجع في بعض من سمَّى لقلَّة علمه، فقال: لو لم يولُّوه (^٤) لولَّوا فلانًا، وفي توليته مضرة على المسلمين.\nوكذلك أمَر أن يولَّى على الأموال الديِّنُ السنِّي، دون الداعي إلى التعطيل، لأنه يضرُّ الناس في دينهم.\nوسئل عن رجلين: أحدهما أنكى في العدو مع شربه الخمر، والآخر أديَن، فقال: يُغزى مع الأنكى في العدو، لأنه أنفع للمسلمين (^٥).\nوبهذا مضت سنةُ رسول الله - ﷺ - فإنه كان يولِّي الأنفعَ للمسلمين على\n_________\n(^١) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٣/ ١٠١) و\"روضة الطالبين\" (١١/ ٩٥) و\"الهداية\" لأبي الخطاب (ص ٥٦٥).\n(^٢) في \"اختيارات\" البعلي (ص ٣٣٢): \"ويجب تولية الأمثل فالأمثل. وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره\".\n(^٣) نقل ابن الجوزي في \"مناقب الإمام\" (ص ٢٥١ - ٢٥٢) درجًا في هذا المعنى.\n(^٤) ح، س: \"تولّوه\".\n(^٥) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٨/ ٢٥٥).","vol":"1","page":221},{"text":"من هو أفضل منه، كما ولَّى خالد بن الوليد مِن حينِ أسلم على [٦٠/ب] حروبه لنكايته في العدو، وقدَّمه على بعض السابقين من المهاجرين والأنصار مثل عبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر. وهؤلاء ممن أنفق مِن قبل الفتح وقاتل، وهم أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. وخالد كان ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فإنه أسلم بعد صلح الحديبية هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحَجَبي، ثم إنه فعل مع بني جَذيمة ما تبرَّأ النبيُّ - ﷺ - منه حين رفع يديه إلى السماء، وقال: \"اللهم إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد\" (^١). ومع هذا فلم يعزله.\nوكان أبو ذرٍّ من أسبق السابقين، وقال له: \"يا أبا ذرّ، إني أراك ضعيفًا، وإني أُحِبُّ لك ما أُحِبّ لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتيم\" (^٢).\nوأمَّر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، لأنه كان يقصد أخواله بني عُذْرة، فعَلِم أنهم يطيعونه ما لا يطيعون غيره للقرابة. وأيضًا فلِحُسن سياسة عمرو وخبرته وذكائه ودهائه، فإنه كان من أدهى العرب؛ ودهاةُ العرب أربعة هو أحدهم (^٣). ثم أردفه بأبي عبيدة، وقال: \"تَطاوعا، ولا تختلفا\" (^٤). فلما تنازعا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٣٩) من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٢٦) من حديث أبي ذر.\n(^٣) رواه ابن أبي خيثمة في \"التاريخ\" (٢٢٧٣ - السفر الثاني) من طريق مجالد عن الشعبي. والثلاثة الآخرون: معاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وزياد.\n(^٤) كذا في \"منهاج السنة\" (٥/ ٤٩١). ورواه أحمد (١٦٩٨) من حديث الشعبي مرسلًا، وفيه: \"تطاوعا\" فقط. واللفظ المذكور هنا وفي \"المنهاج\" جاء في حديث آخر أخرجه البخاري (٣٠٣٨) ومسلم (١٧٣٣) من حديث أبي موسى أن النبي - ﷺ - بعثه ومعاذًا إلى اليمن، فقال: \"يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا\".","vol":"1","page":222},{"text":"فيمن يصلِّي سلَّم أبو عبيدة لعمرو (^١)، فكان يصلِّي بالطائفتين وفيهم أبو بكر.\nوأمَّر أسامةَ بن زيد مكان أبيه، لأنه ــ مع كونه خليقًا للإمارة ــ أحرصَ على طلب ثأر أبيه من غيره. وقدَّم أباه زيدًا في الولاية على جعفر ابن عمِّه مع أنه مولى، ولكنه من أسبق الناس إسلامًا قبل جعفر. ولم يلتفت إلى طعن الناس في إمارة أسامة وزيد وقال: \"إن تطعنوا في إمارة أسامة فقد طعنتم في إمارة أبيه [٦١/أ] من قبله، وَايمُ الله إن كان خليقًا (^٢) للإمارة، ومِن أحبِّ الناس إليَّ\" (^٣). وأمَّر خالدَ بن سعيد بن العاص وإخوتَه، لأنهم من كبراء قريش وساداتهم (^٤)، ومن السابقين الأولين، ولم يتولَّ أحدٌ بعدَه.\nوالمقصود: أنَّ هَدْيه - ﷺ - تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيرُه أفضل منه، والحكمُ بما يُظهِر الحق ويوضِّحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه؛ فسيرته: توليةُ الأنفع، والحكمُ بالأظهر.\nولا تستطِلْ هذا الفصلَ، فإنه من أنفع فصول الكتاب.\n_________\n(^١) رواه الواقدي في \"المغازي\" (ص ٧٦٩ - ٧٧١) ــ وعنه ابن سعد في \"الطبقات\" (٥/ ٥٣) ــ بإسنادين مرسلين وثالثٍ معضلٍ، والواقديُّ نفسُه متروكٌ، على سعة روايته.\n(^٢) في المطبوع: \"إنه خليقًا\"!\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٢٥٠) ومسلم (٢٤٢٦) من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٤) يُنظر: \"المستدرك\" للحاكم (٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، و\"معرفة الصحابة\" لأبي نعيم (٢/ ٩٣٩، ٩٤٠)، و\"تاريخ مدينة دمشق\" لابن عساكر (٢٩/ ٥٦، ٤٦/ ٢٥).","vol":"1","page":223},{"text":"فصل\nوقوله (^١): \"والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا\". هذا مرويٌّ عن النبي - ﷺ -، رواه الترمذي (^٢) وغيره من حديث عمرو بن عَوف المُزَني أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا. والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا\" قال الترمذي: هذا حديث صحيح.\nوقد ندب الله ﷾ إلى الصلح بين المتنازعين في الدماء فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. وندب الزوجين إلى الصلح عند التنازع في حقوقهما، فقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]. وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].\nوأصلح النبيُّ - ﷺ - بين بني عمرو بن عوف لما (^٣) وقع بينهم (^٤).\n_________\n(^١) يعني: قول عمر في كتابه إلى أبي موسى.\n(^٢) برقم (١٣٥٢)، وابن ماجه (٢٣٥٣)، وسندُه واهٍ جدّا، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف متروكٌ متّهم. وقد ذكر ابنُ عبد الهادي في \"المحرّر\" (٨٩٥) تصحيح الترمذي، وقال: \"ولم يُتابَع على تصحيحه\". ورواه أحمد (٨٧٨٤)، وأبو داود (٣٥٩٤) ــ وصححه ابن حبان في \"المسند الصحيح\" (٤٦٦٠) ــ من طريق كثير بن زيد ــ وفيه لينٌ ــ عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعا.\n(^٣) في المطبوع: \"فيما\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٨٤)، ومسلم (٤٢١) من حديث سهل بن سعد الساعدي.","vol":"1","page":224},{"text":"ولمَّا تنازع كعب بن مالك وابن أبي حَدْرَد في دَين على [ابن] (^١) أبي حدرد أصلحَ النبيُّ صلى [٦١/ب] الله عليه وسلم بأن استوضَعَ من دَين كعبٍ الشطرَ، وأمرَ غريمَه بقضاء الشطر (^٢).\nوقال لرجلين اختصما عنده: \"اذهَبا، فاقتَسِما، ثم توخَّيَا الحقَّ، ثم اسْتَهِما، ثم ليُحْلِلْ كلٌّ منكما صاحبَه\" (^٣).\nوقال: \"من كانت عنده مَظْلمةٌ لأخيه من عِرْض أو شيءٍ فَلْيتحلَّلْه منه اليومَ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه\" (^٤).\nوجوَّز في دم العَمْد أن يأخذ أولياءُ القتيل ما صُولحوا عليه (^٥).\nولما استُشهد عبد الله بن حَرَام (^٦) الأنصاري والدُ جابر، وكان عليه\n_________\n(^١) ساقط من النسخ.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٥٧) ومسلم (١٥٥٨) من حديث كعب.\n(^٣) رواه أحمد (٢٦٧١٧)، وأبو داود (٣٥٨٤، ٣٥٨٥) من حديث أم سلمة - ﵂ -، وصححه الحاكم (٤/ ٩٥) على شرط مسلم!، وفي سنده أسامة بن زيد الليثي، وهو صدوق فيه لينٌ. ويُنظر: \"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٥/ ٧٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٤٤٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٥) رواه أحمد (٦٧١٧)، والترمذي (١٣٨٧) ــ وقال: حسن غريب ــ، وابن ماجه (٢٦٢٦) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا. وأصل الحديث عند أبي داود (٤٥٠٦)، ويُنظر: \"تحفة الأشراف\" للمزي (٦/ ٣١٤)، و\"البدر المنير\" لابن النحوي (٨/ ٤٢٩ - ٤٣٠).\n(^٦) هو عبد الله بن عمرو بن حرام، فنسبه إلى جدّه.","vol":"1","page":225},{"text":"دين، سأل (^١) النبيُّ - ﷺ - غرماءه أن يقبلوا ثمرَ حائطه، ويُحلِّلوا أباه (^٢).\nوقال عطاء عن ابن عباس: إنه كان لا يرى بأسًا بالمخارجة (^٣)، يعني الصلح في الميراث. وسُمِّيت \"المخارجة\" لأن الوارث يعطَى ما يصالح عليه ويُخرِج نفسه من الميراث.\nوصولحت امرأة عبد الرحمن بن عوف من نصيبها من رُبْع الثمن على ثمانين ألفًا (^٤).\nوقد روى مِسْعَر عن أزهر عن محارب قال: قال عمر: رُدُّوا الخصومَ\n_________\n(^١) في النسخ: \"فسأل\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٢٧) من حديث جابر.\n(^٣) رواه سعيد بن منصور في \"السنن\" ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (٦/ ٦٥) ــ عن هشيم، عن داود بن أبي هند، عن عطاء، عن ابن عباس، وسنده ضعيف منقطع، وعطاء هو الخراساني، وداود معروف بالرواية عنه، فليُنظر: \"تعظيم قدر الصلاة\" لابن نصر (٣٧٣)، و\"الضعفاء\" للعقيلي (٣/ ٤٦٤)، و\"مسند الشاميين\" للطبراني (٢٤٥١)، و\"شرح أصول الاعتقاد\" للالكائي (١٥٤٢، ١٦٣٩)، و\"حلية الأولياء\" (٥/ ٢٠٧).\nوقد ذكر المزي في \"تهذيب الكمال\" (٨/ ٤٦٣، ٢٠/ ١٠٨) رواية داود عن عطاء الخراساني دون ابن أبي رباح. فإن كان قَصَدَ داودُ ابنَ أبي رباح، فالظاهر أنه منقطع، ويحسن التأمل في \"المصنف\" لعبد الرزاق (٨/ ٢٨٨).\n(^٤) رواه سعيد بن منصور في \"السنن\" (١٩٥٩) ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (٦/ ٦٥) ــ عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه ... وعمرُ صدوقٌ فيه لينٌ، والظن به أن يضبط خبر امرأة جدّه. ووازن بـ \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٥٢٥٦)، و\"الطبقات\" لابن سعد (٣/ ١٢٧).","vol":"1","page":226},{"text":"حتى يصطلحوا، فإنَّ فصلَ القضاء يُحدِث بين القوم الضغائن (^١).\nوقال عمر أيضًا: رُدُّوا الخصومَ، لعلهم أن يصطلحوا؛ فإنَّه أبرأ للصدور (^٢)، وأَقلُّ للحِنَاتِ (^٣)! \" (^٤).\nوقال عمر أيضًا: \"رُدُّوا الخصومَ إذا كانت بينهم قرابة، فإنَّ فصلَ القضاء يُورِث بينهم الشَّنَآن\" (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٢٣٣٤٩)، والبيهقي (٦/ ٦٦) من طريقين عن مسعر، عن أزهر العطار، عن محارب به. ورواه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٦/ ٥٥٢)، لكن أُسقِط أزهر من السند. ووقع مثله في \"الاستذكار\" (٧/ ٩٩) لابن عبد البر. وأزهر العطار مجهول الحال، ترجمته في \"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ٤٦٠)، و\"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٢/ ٣١٣ - ٣١٤)، و\"الثقات\" لابن حبان (٦/ ٦٩).\n\nورواه عبد الرزاق (١٥٣٠٤) عن الثوري، عن رجل، عن محارب به. والأشبه أن هذا الرجل المبهم هو أزهر، فإن الثوريَّ أشهرُ مَن روى عنه.\n(^٢) في النسخ: \"للصدق\"، وهو تحريف لِمَا أثبت من \"أخبار المدينة\" لابن شبة. وفي مطبوعة \"السنن الكبير\" أيضًا: \"الصدق\"، ولكن صاحب \"كنز العمال\" (٥/ ٨٠٥) نقل من \"السنن\": \"أبرأ للصدر\". وفي النسخ المطبوعة من كتابنا: \"آثر للصدق\". والظاهر أنه من إصلاح بعض النساخ أو الناشرين.\n(^٣) في النسخ الخطية والمطبوعة: \"للخيانة\"، وهو تصحيف لما أثبت من \"السنن\". وفي \"أخبار المدينة\": \"الحباب\"، وهو تصحيف أيضًا. والحِنات جمع حِنَة، وهي لغة في الإحْنة: الحقد والضغينة.\n(^٤) رواه عمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٢/ ٧٦٩)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٦/ ٦٦) من طريقين عن معرف بن واصل، عن محارب، عن عمر.\n(^٥) رواه عمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٢/ ٧٦٩) عن محمد بن عبد الله الزبيري، عن معرف بن واصل، عن محارب، عن عمر. ورواه أبو القاسم البغوي في \"نسخة عمر بن زرارة\" (٣١) ــ مختصرًا ــ، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (٦/ ٦٦) من طريقين عن الحسن بن صالح، عن علي بن بذيمة الجزري، عن عمر - ﵁ -، وقال: \"هذه الروايات عن عمر - ﵁ - منقطعة، والله أعلم\". وهو كما قال، لكن طريق محارب منقطعة، وطريق علي بن بذيمة معضلة؛ فإن عليًّا من أتباع التابعين. ويُنظر: \"المحلى\" (٨/ ١٦٤) لابن حزم.","vol":"1","page":227},{"text":"فصل\nوالحقوق نوعان: حقٌّ لله، وحقٌّ لآدمي. فحقُّ الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها، وإنما الصلح بين العبد وبين ربِّه في إقامتها، لا في إهمالها. [٦٢/أ] ولهذا لا تقبل الشفاعة في الحدود، وإذا (^١) بلغت السلطان فلعَن اللهُ الشافعَ والمشفَّعَ.\nوأما حقوق الآدميين (^٢) فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها. والصلح العادل هو الذي أمر الله به ورسوله - ﷺ - كما قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]، والصلح الجائر هو الظلم بعينه. وكثير من الناس لا يعتمد العدلَ في الصلح، بل يُصلح صلحًا ظالمًا جائرًا (^٣)، فيصالح بين الغريمين على دون الطفيف من حقِّ أحدهما.\nوالنبيُّ - ﷺ - لمّا صالح بين كعب وغريمه صالَح أعدلَ الصلح (^٤)، فأمره\n_________\n(^١) في ح: \"إذا\" دون الواو قبلها.\n(^٢) في طرة ح: \"الآدمي\" وفوقه: \"نسخة ص\". وفي ف: \"الآدمي\"، وفي طرتها: \"خ الآدميين\".\n(^٣) لم يرد \"جائرًا\" في ح، فاستدركه بعضهم في طرتها.\n(^٤) ع: \"والنبي - ﷺ - صالح بين كعب وغريمه أعدل الصلح\". وفي النسخ المطبوعة: \"والنبي - ﷺ - صالح ... غريمه وصالح ... \" بإسقاطْ \"لمَّا\" وزيادة الواو قبل جوابها.","vol":"1","page":228},{"text":"أن يأخذ الشطر ويضع (^١) الشطر (^٢)، وكذلك لما عزم على طلاق سَودة رضيَتْ بأن تهَبَ له ليلتها (^٣)، وتبقى على حقِّها من النفقة والكسوة. فهذا أعدل الصلح، فإن الله سبحانه أباح للرجل أن يطلِّق زوجته ويستبدل بها غيرها، فإذا رضيت بتركِ بعضِ حقِّها وأخذِ بعضه وأن يمسكها كان هذا من الصلح العادل. وكذلك أرشد الخصمين اللذين دَرَسَتْ (^٤) بينهما المواريثُ (^٥) بأن يتوخَّيا الحقَّ بحسب الإمكان، ثم يحلِّل كلٌّ منهما صاحبَه (^٦).\nوقد أمر الله سبحانه (^٧) بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين أولًا، فإن بغت إحداهما على الأخرى فحينئذ أَمرَ بقتال الباغية لا بالصلح، فإنها ظالمة؛ ففي الإصلاح مع ظلمها هضمٌ لِحقِّ الطائفة المظلومة.\n_________\n(^١) ع: \"ويدع\"، وكأنه تحريف سماعي. وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) سبق تخريجه آنفًا.\n(^٣) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (١٠/ ٥٤) من حديث القاسم بن أبي بزة مرسلا، أو معضلا. وروى أبو داود (٢١٣٥) من حديث عائشة، والترمذي (٣٠٤٠) من حديث ابن عباس، ما يشهد لبعض معناه، والحديث باجتماع طريقيْه جيّد قويّ. وصحح الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٦٠، ١٨٦) حديثَ عائشة.\n(^٤) وفي رواية لأبي داود (٣٥٨٥): \"يختصمان في مواريث وأشياء قد درست\". وفي أخرى (٣٥٨٤): \"في مواريث لهما لم يكن لهما بيّنة إلا دعواهما\". فهذا يفسِّر معنى دروسها أي خفائها لقِدَمها وفقدان البينة. وضبط \"درست\" في ت بالبناء للمجهول، وهو جائز. وفي النسخ المطبوعة: \"كانت\".\n(^٥) ع: \"كان بينهما الإرث\".\n(^٦) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٧) في سورة الحجرات (٩).","vol":"1","page":229},{"text":"وكثيرٌ من الظَّلَمة المصلحين يُصلح بين القادر الظالم والخصم الضعيف المظلوم بما يرضى به القادرُ صاحبُ الجاه، ويكون له فيه الحظُّ، ويكون الإغماض والحيف فيه على الضعيف؛ ويظنُّ أنه قد أصلَحَ! ولا يتمكن المظلوم من أخذ حقه، وهذا ظلم. بل يمكَّن المظلومُ من استيفاء حقِّه، ثم يُطلَب إليه برضاه [٦٢/ب] أن يترك بعضَ حقه بغير (^١) محاباةٍ لصاحب الجاه، ولا تشبيهٍ (^٢) بالإكراه للآخر بالمحاباة ونحوها.\nفصل\nوالصلح الذي يُحِلُّ الحرامَ ويُحرِّم الحلالَ كالصلح الذي يتضمَّن تحريمَ بُضْعٍ حلال، أو حِلَّ بُضْعٍ حرام، أو إرقاقَ حُرٍّ، أو نقلَ نسب أو ولاء عن محلّ إلى محلّ، أو أكلَ ربا، أو إسقاطَ واجب، أو تعطيلَ حدٍّ، أو ظلمَ ثالث، وما أشبه ذلك= فكلُّ هذا صلح جائر مردود. فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد المصلحُ فيه أمرين: رضا (^٣) الله سبحانه، ورضا الخصمين؛ فهذا أعدلُ الصلح وأحقُّه. وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالمًا بالوقائع (^٤)، عارفًا بالواجب، قاصدًا للعدل. فدرجةُ هذا أفضل من درجة الصائم القائم، كما قال النبي - ﷺ -: \"ألا أنبئكم بأفضلَ من درجة الصِّيام والقيام (^٥)؟ \"، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: \"إصلاحُ ذات البين، فإنَّ فساد ذات\n_________\n(^١) كذا في س والنسخ المطبوعة. وفي غيرها: \"لغير\".\n(^٢) كذا في النسخ الخطية. وفي النسخ المطبوعة: \"يشتبه\". ولعل في الكلمة تصحيفًا.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"يعتمد فيه رضا\"، فسقطت منها كلمتان.\n(^٤) في ف غُيِّر إلى \"الواقع\".\n(^٥) ع: \"الصائم القائم\". وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":230},{"text":"البين الحالقة. أمَا إنّي لا أقول: تحلِق الشَّعر، ولكن تحلِق الدين\" (^١).\nوقد جاء في أثر: أصلِحُوا بين الناس، فإنَّ الله يُصلح بين المؤمنين يومَ القيامة (^٢).\nوقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].\nفصل\nوقوله (^٣): \"ومَن ادَّعى حقًّا غائبًا أو بينةً، فاضرِبْ له أمدًا ينتهي إليه\". هذا من تمام العدل، فإنَّ الخصم (^٤) قد تكون حجّته أو بيّنته غائبة، فلو عُجِّل عليه بالحُكم بطَل حقُّه، فإذا سأل أمدًا يُحضِر فيه حجتَه أُجيبَ إليه، ولا يتقيّد ذلك بثلاثة أيام، بل بحسب الحاجة. فإن ظهر عناده ومدافعته للحاكم\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٧٥٠٨)، وأبو داود (٤٩١٩)، والترمذي (٢٥٠٩) ــ وصححه ــ من حديث أبي الدرداء مرفوعا، وصححه أيضًا ابن حبان في \"المسند الصحيح\" (٤١٦٩).\n(^٢) رواه ابن أبي الدنيا في \"حسن الظن بالله\" (١١٨)، وأبو يعلى في \"مسنده\" [كما في \"المطالب العالية\" (٥/ ٤٦ - ٤٧) لابن حجر و\"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤)]، وابن أبي داود في \"البعث\" (٣٢)، وأبو بكر الكلاباذي في \"بحر الفوائد\" (١٠٨٩)، والحاكم (٤/ ٥٧٦) ــ وصحّحه! ــ من حديث أنس مرفوعا. وفيه سعيد بن أنس، قال العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٤٣٣): \"مجهول في النقل\". وقال الدارقطني في تعليقاته على المجروحين (ص ٢٠١): \"مجهول لا يُعرف\". والراوي عنه عباد بن شيبة، قال ابن حبان في \"معرفة المجروحين\" (٢/ ١٧١): \"منكر الحديث جدا على قلّة روايته ... \". ويُنظر: \"البداية والنهاية\" لابن كثير (٢٠/ ٣٩ - ٤٠).\n(^٣) يعني: قول عمر في كتابه إلى أبي موسى.\n(^٤) ع: \"المدعي\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":231},{"text":"لم يَضرِب له أمدًا، بل يفصِل الحكومة، فإنَّ ضربَ هذا الأمد إنما كان [٦٣/أ] لتمام العدل، فإذا كان فيه إبطالٌ للعدل لم يُجَب إليه الخصمُ.\nوقوله: \"ولا يمنعنَّك قضاءٌ قضيتَ به اليوم، فراجعتَ فيه رأيك، وهُدِيتَ فيه لِرُشدك= أن تُراجع فيه الحقَّ، فإنّ الحقَّ قديم، ولا يبطله شيء، ومراجعةُ الحق خيرٌ من التمادي في الباطل\". يريد: أنّك إذا اجتهدت في حكومة، ثم وقعت لك مرة أخرى، فلا يمنعك الاجتهاد الأول من إعادته؛ فإنَّ الاجتهاد قد يتغيَّر. ولا يكون الاجتهاد الأول مانعًا من العمل بالثاني، إذا ظهر أنه الحقُّ، فإنَّ الحق أولى بالإيثار، لأنه قديم سابق على الباطل. فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني، والثاني هو الحقُّ، فهو أسبق من الاجتهاد الأول؛ لأنه قديم سابق على ما سواه. ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلافه (^١)، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول.\nقال عبد الرزاق (^٢):\nثنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن\n_________\n(^١) في المطبوع: \"خلاف\".\n(^٢) (١٩٠٠٥)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٢٢٣، ٢٢٣ - ٢٢٤).\nوقد قلب بعض الرواة اسمَ الحكم بن مسعود ونسبَه، وخلطه النخشبي بالأنصاري الزرقي، فوازِن تخريج \"الفوائد الحنائيات\" (٢/ ١٣٠٢)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ١٢٧، ٨/ ٢٨٣) بـ \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢)، و\"المعرفة والتاريخ\" ليعقوب بن سفيان (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).\n\nوقد قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٣٢): \"ولم يتبيّن سماع وهب من الحكم\". والحكم هذا مجهولٌ، أما الذهبي فقال في \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٥٨٠): \"هذا إسنادٌ صالحٌ\".","vol":"1","page":232},{"text":"منبه، عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: قضى عمر بن الخطاب - ﵁ - في امرأة توفِّيت، وتركت زوجها، وأمَّها، وإخوتها لأبيها وأمها، وإخوتها لأمها. فأشرك عمر بين الإخوة للأم والأب والإخوة للأم في الثلث. فقال له رجل: إنك لم تُشرِك بينهم عامَ كذا وكذا. فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم. فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأولَ بالثاني. فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين.\nقوله: \"والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجرَّبًا عليه شهادةُ زور، أو مجلودًا في حدٍّ، أو [٦٣/ب] ظنينًا في ولاء أو قرابة\". لمَّا جعل الله سبحانه هذه الأمة أمةً وسَطًا ليكونوا شهداء على الناس، والوسط: العدل الخيار= كانوا عدولًا بعضهم على بعض، إلا من قام به مانع الشهادة. وهو أن يكون قد جُرِّب عليه شهادةُ الزور، فلا يوثق بعد ذلك بشهادته؛ أو مَن جُلِد في حدِّ قذفٍ (^١) لأن الله سبحانه نهى عن قبول شهادته؛ أو متَّهم (^٢) بأن يجُرَّ إلى نفسه نفعًا من المشهود له، كشهادة السيِّد لعتيقه بمال، أو شهادة العتيق لسيِّده إذا كان في عياله أو منقطعًا إليه يناله نفعه.\nوكذلك شهادة القريب لقريبه لا تُقبَل مع التهمة، وتُقبل بدونها. هذا هو الصحيح. وقد اختلف الفقهاء في ذلك: فمنهم مَن جوَّز شهادة القريب لقريبه مطلقًا كالأجنبي، ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال، كما يقوله\n_________\n(^١) لفظ \"قذف\" ساقط من ع، وكذا من النسخ المطبوعة.\n(^٢) ع: \"متهمًا\".","vol":"1","page":233},{"text":"أبو محمد بن حزم وغيره من أهل الظاهر (^١). وهؤلاء يحتجُّون بالعمومات التي لا تفرِّق بين أجنبي وقريب، وهؤلاء أسعد بالعمومات. ومنعت طائفةٌ شهادةَ الأصول للفروع والفروع للأصول خاصّة، وجوَّزت شهادةَ سائر الأقارب بعضهم لبعض. وهذا مذهب الشافعي وأحمد (^٢)، وليس مع هؤلاء نصٌّ صريح صحيح بالمنع.\nواحتجَّ الشافعي بأنه لو قُبلت شهادة الأب لابنه لكانت شهادةً منه لنفسه لأنه منه (^٣). وقد قال النبي - ﷺ -: \"إنما فاطمةُ بَضْعَةٌ منِّي، يَريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها\" (^٤).\nقالوا: وكذلك بنو البنات، فقد قال النبيُّ - ﷺ - في الحسن: \"إن ابني هذا سيِّد\" (^٥).\nقال الشافعي (^٦): فإذا شهد له، فإنما يشهد لشيء منه. قال: وبنوهم منه، فكأنه شهِد لبعضه.\nقالوا: والشهادة تُرَدُّ [٦٤/أ] بالتهمة، والوالد متَّهم في ولده، فهو ظنين في قرابته.\n_________\n(^١) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٥٠٥) و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٢٤٧).\n(^٢) انظر: \"الأم\" (٧/ ٤٩) و\"المجموع شرح المهذب\" (٢٠/ ٢٣٤)، و\"الروايتين والوجهين\" (٣/ ٩٥)، و\"الهداية\" لأبي الخطاب (ص ٥٩٧).\n(^٣) انظر: كتاب \"الأم\" (٧/ ٤٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٢٣٠) ومسلم (٢٤٤٩) من حديث المِسْوَر بن مخرمة.\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة.\n(^٦) في كتاب \"الأم\" (٧/ ٤٩). وانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٠/ ٢٠١).","vol":"1","page":234},{"text":"قالوا: وقد قال النبي - ﷺ - في الأولاد: \"إنكم لَتُبَخِّلُون وتُجَبِّنُون، وإنكم لَمِنْ رَيحان الله\" (^١). وفي أثر آخر: \"الولد مَبْخَلة مَجْبَنة\" (^٢).\nقالوا: وقد قال النبي - ﷺ -: \"أنت ومالك لأبيك\" (^٣). فإذا كان مال الابن لأبيه، فإذا شهد له الأبُ بمال كان قد شهد به لنفسه.\nقالوا: وقد قال أبو عبيد: ثنا مروان بن (^٤) معاوية عن يزيد الجَزَري ــ\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٧٣١٤)، والترمذي (١٩١٠) من حديث عمر بن عبد العزيز، عن خولة بنت حكيم مرفوعا، وقال الترمذي: \"ولا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا من خولة\". وفيه أيضا ابن أبي سويد (وهو محمد الثقفي)، مجهول.\n(^٢) رواه أحمد (١٧٥٦٢)، وابن ماجه (٣٦٦٦) من طريق سعيد بن أبي راشد، عن يعلى مرفوعا، وسعيد مجهول. ومع هذا صححه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ١٦٤) على شرط مسلم، وروى له (٣/ ٢٩٦) شاهدًا من حديث الأسود بن خلف مرفوعا، ولا يصح، وروى (٤/ ٢٣٩) نحوه من حديث الأشعث بن قيس مرفوعا، وصححه على شرط الشيخين! وله طريق أخرى عند الإمام أحمد (٢١٨٤٠)، وأبي القاسم البغوي في \"معجم الصحابة\" (٢٢٩)، وطريق ثالثة عند الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦٤٧)، ولأصل الحديث طرق أخرى ليس هذا مقام سردها، ومجموعها يدلّ على أن للحديث أصلا.\n(^٣) رواه أحمد (٦٦٧٨، ٦٩٠٢)، وأبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وله شاهد من حديث جابر مرفوعا، رواه ابن ماجه (٢٢٩١)، لكن الأشبه أن المحفوظ أن أصله مرسلُ ابنِ المنكدر، كما في \"العلل\" لابن أبي حاتم (١٣٩٩). وللحديث شواهد كثيرة، وقد صححه ابن حبان في \"المسند الصحيح\" (٤٠١٥) من حديث عائشة، والصواب أن سندَ ابنِ حبان ضعيف، لكن أصل الحديث قوي.\n(^٤) في النسخ الخطية: \"جرير عن\" وهو تحريف ما أثبت من \"المحلَّى\" (٨/ ٥٠٧) وهو مصدر النقل.","vol":"1","page":235},{"text":"قال: أحسبه يزيد بن سنان ــ عن الزهري (^١)، عن عروة، عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ظنين في وَلاء أو قرابة، ولا مجلود\" (^٢).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"قال الزهري\"، والصواب ما أثبت من النسخ. وكذا في \"المحلَّى\".\n(^٢) رواه أبو عبيد في \"غريب الحديث\" (١/ ٣٦٣)، قال: حدثناه مروان الفزاري، عن شيخ من أهل الجزيرة يُقال له: يزيد بن أبي زياد ــ قال أبو عبيد: وهو: يزيد بن سنان ــ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ترفعه. ومن طريق أبي عبيد رواه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ٢٠٢)، والخطيب في \"المتفق والمفترق\" (٣/ ٢١٠١ - ٢١٠٢)، وأبو محمد البغوي في \"معالم التنزيل\" (١/ ٣٩٤ - ٣٩٥). وقد جزم الخطيب أيضًا أن يزيد هذا هو أبو فروة يزيد بن سنان الجزري الرهاوي. وسبقه إلى ذلك أيضًا ابن معين، فيما حكاه عنه عثمان بن سعيد الدارمي في \"تاريخه\" (٨٩٤)، وقد ردّه ابن عدي في \"الكامل\" (٩/ ١٥٣)، وابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٦٥/ ١٩٥).\nوقد روى الحديثَ الترمذي (٢٢٩٨) عن قتيبة، عن مروان الفزاري، عن يزيد بن زياد، عن الزهري به، وضعّفه هو، والدارقطني في \"السنن\" (٤٦٠٢)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٥، ٢٠٢)، وغيرُهم.\nوالحديث منكر، كما قال أبو زرعة، رواه عنه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٤/ ٢٨٨).\n\nوقطع الترمذي وابن عدي والدارقطني والبيهقي وابن عساكروغيرُهم أن يزيد هذا هو الدمشقي، بل وقع التصريح بكونه الدمشقيَّ عند ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١٤٢٨)، وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٥٩ - ٢٦٠) ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٥) ــ من طرق عن معاوية الفزاري نفسِه. ويُنظر: \"تعليقات الدارقطني على المجروحين\" (ص ٢٨٣)، و\"تاريخ مدينة دمشق\" لابن عساكر (٦٥/ ١٩٢ - ١٩٦)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٥/ ٨٢). وللحديث طرق كثيرة، لا يصح منها شيء.","vol":"1","page":236},{"text":"قالوا: ولأنَّ بينهما من البعضية والجزئية ما يمنع قبول الشهادة، كما منع من إعطائه من الزكاة، ومن قتل الوالد به (^١)، وحدَّه بقذفه. قالوا: ولهذا لا يثبت له في ذمته دَين عند جماعة من أهل العلم، ولا يطالَب به، ولا يُحبَس من أجله.\nقالوا: وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ولم يذكر بيوت الأبناء لأنها داخلة في بيوتهم أنفسهم، فاكتفى بذكرها منها (^٢)، وإلا فبيوتهم أقرب من بيوت من ذُكِر في الآية.\nقالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي ولدًا. فالولد جزء، فلا تُقبَل شهادة الرجل لجزئه (^٣).\nقالوا: وقد قال النبي - ﷺ -: \"إنَّ أطيبَ ما أكل الرجلُ مِن كَسْبه، وإنَّ ولده مِن كَسْبه\" (^٤). فكيف يشهد الرجل لكسبه؟\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"قتله بالولد\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"دونها\" مكان \"منها\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"في جزئه\".\n(^١) رواه أحمد (٢٤٠٣٢، ٢٤٩٥٧، ٢٥٤٠٠، ٢٥٦١١، ٢٥٨٤٦)، وأبو داود (٣٥٢٨)، والنسائي (٤٤٤٩، ٤٤٥٠) من حديث عائشة - ﵂ -.\nوقد صححه ابن حبان في \"المسند الصحيح\" (٤٤٦٨، ٤٤٦٩، ٤٤٧٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٦)، ووقعت للحاكم فيه (٢/ ٤٦، ٢٨٤) أغلاطٌ ليس هذا مقام كشفها. ووازِن بـ \"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، و\"السنن\" لأبي داود (٣٥٢٩)، و\"السنن\" لابن ماجه (٢١٣٧)، و\"المجتبى\" للنسائي (٤٤٥١، ٤٤٥٢)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (١٣٩٦)، و\"المنتخب من العلل للخلال\" لابن قدامة (٢٠٨، ٢٠٩)، و\"العلل\" للدارقطني (١٤/ ٢٥٠ - ٢٥٥)، وقد أبدع في تقصّي اختلاف طرقه ما شاء.","vol":"1","page":237},{"text":"قالوا: والإنسان متَّهم في ولده، مفتون به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] فكيف تُقبَل شهادةُ المرء لمن قد جُعِل مفتونًا [٦٤/ب] به، والفتنة محلُّ التهمة (^١)؟\nقال الآخرون: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. وقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. ولا ريب في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ كدخول الأجانب، وتناولُها للجميع تناولٌ (^٢) واحدٌ. هذا مما لا يمكن دفعه. ولم يستثن الله سبحانه ولا رسوله من ذلك أبًا ولا ولدًا ولا أخًا ولا قرابةً، ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء، فتلزمَ الحجة بإجماعهم.\n_________\n(^١) بعد هذا في ع: \"فصل\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"بتناول\".","vol":"1","page":238},{"text":"وقد ذكر عبد الرزاق (^١) عن أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه.\nوعن عمرو بن سُلَيم الزُّرَقي عن سعيد بن المسيِّب مثل هذا (^٢).\nوقال ابن وهب: ثنا يونس عن الزهري قال: لم يكن يتَّهِم سلفُ المسلمين الصالح شهادةَ (^٣) الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لامرأته. ثم دخل الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمور حملت الولاةَ على اتهامهم، فتُرِكت شهادةُ من يُتَّهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان (^٤).\nوقال أبو عبيد: حدثني الحسن بن عازب، عن جدِّه شَبيب بن غَرقَدة قال: كنت جالسًا عند شُريح، فأتاه [٦٥/أ] علي بن كاهل وامرأة وخصم، فشهد لها عليُّ بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها، فأجاز شريح\n_________\n(^١) في \"المصنف\" (١٥٤٧١)، وابن أبي سبرة متروكٌ متّهمٌ بالكذب والوضع.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٥٤٧٢)، لكنه لا يثبت عن عمرو بن سليم؛ لأن في الطريق إليه ابن أبي سبرة، وهو واهٍ تالفٌ.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"في شهادة\"، ولم ترد زيادة \"في\" في نسخنا ولا في \"المحلَّى\" وهو مصدر النقل.\n(^٤) ذكره ابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٤١٥ - ٤١٦) عن ابن وهب به. وسنده كالأسطوانة، وعسى أن يكون ابن حزم نقله من طريق الثقات الأثبات، على ما عُهِد عنه. ثمّ رأيتُه في \"المدوّنة\" (٤/ ٢٠) من رواية سحنون، عن ابن وهب به. ورواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (٧/ ٥٨٦) من طريق ابن المبارك عن يونس (وهو ابن يزيد الأيلي) به.","vol":"1","page":239},{"text":"شهادتهما. فقال الخصم: هذا أبوها، وهذا زوجها. فقال له شريح: أتعلم شيئًا تجرَح به شهادتهما؟ كلُّ مسلم شهادته جائزة (^١).\nوقال عبد الرزاق (^٢): ثنا سفيان بن عيينة، عن شَبيب بن غَرقَدة قال: سمعتُ شريحًا أجاز لامرأةٍ شهادةَ أبيها وزوجها، فقال له الرجل: إنه أبوها وزوجها. فقال (^٣) شريح: فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها؟.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٤): ثنا شَبابة، عن ابن أبي ذئب، عن سليمان قال: شهدتُ لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فقضى بشهادتي.\nوقال عبد الرزاق (^٥): ثنا معمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله (^٦) الأنصاري قال: أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عدلًا.\n_________\n(^١) ذكره ابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٤١٦) عن أبي عبيد به. وابن عازب هذا مجهولٌ، مختلفٌ في اسمه، وجزم ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٦١) أن اسمه (الحسين) بالتصغير، وقد تُوبِع ابنُ عازب هذا، تابعه ابن عيينة، كما سيأتي عَقِب هذا.\n(^٢) في \"المصنف\" (١٥٤٧٣) رواه عن ابن عيينة به. ورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٣٣١٨) عن وكيع، عن سفيان [وهو الثوري]، عن شبيب به مختصرا. وروى (٢٣٣٢٠) عن أبي نعيم، عن أبي جناب [وهو الكلبي]، عن عون، عن شريح أنه أجاز شهادة أبٍ وزوجٍ. والأثر صحيحٌ.\n(^٣) ت، ف: \"وقال\".\n(^٤) في \"المصنف\" (٢٣٣٢١)، ووقع في بعض نشرات \"المصنف\": شهدتُ لأبي. وسندُه إلى سليمان صحيحٌ.\n(^٥) في \"المصنف\" (١٥٤٧٥) عن معمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري به.\nويُنظر أيضا \"المصنف\" لعبد الرزاق (٨٧٣٨، ١٤٧٢١، ١٤٧٤٧، ١٧٧٠٦، ١٨٠٣٣).\n(^٦) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب عبد الله بن عبد الرحمن. وقد انقلب اسمه في \"المحلَّى\" (٩/ ٤١٦) وهو مصدر النقل.","vol":"1","page":240},{"text":"قالوا (^١): فهؤلاء عمر بن الخطاب، وجميع السلف (^٢)، وشريح، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم= يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه.\nقال ابن حزم (^٣): \"وبهذا يقول إياس بن معاوية، وعثمان البَتِّي، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمُزَني، وأبو سليمان، وجميع أصحابنا\" يعني داود بن علي وأصحابه.\nوقد ذكر الزهري أن الذين ردُّوا شهادة الابن لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه هم المتأخرون، وأن السلف الصالح لم يكونوا يردُّونها (^٤).\nقالوا: وأما حُجَجكم على المنع، فمدارها على شيئين: أحدهما: البعضيَّة التي بين الأب وابنه، وأنها توجب أن تكون شهادةُ أحدهما للآخر شهادةً لنفسه.\nوهذه حجة ضعيفة، فإن هذه البعضية لا توجب أن يكون [٦٥/ب] كبعضه في الأحكام، لا في أحكام الدنيا، ولا في أحكام الثواب والعقاب. فلا يلزم من وجوب شيء على أحدهما أو تحريمه وجوبُه على الآخر وتحريمُه من جهة كونه بعضه، ولا من وجوبِ الحدِّ على أحدهما وجوبُه على الآخر.\n_________\n(^١) وهو قول ابن حزم في \"المحلَّى\" (٨/ ٥٠٧).\n(^٢) في \"المحلَّى\": \"وجميع الصحابة\".\n(^٣) في \"المحلى\" (٨/ ٥٠٧) بعد الأسماء المذكورة.\n(^٤) تقدَّم قول الزهري آنفًا.","vol":"1","page":241},{"text":"وقد قال النبي - ﷺ -: \"لا يجني والد على ولده\" (^١). فلا يُجنَى عليه، ولا يعاقَب بذنبه، ولا يثاب بحسناته. ولا تجب عليه الزكاة ولا الحجُّ بغنى الآخَر.\nثم قد أجمع الناس على صحة بيعه منه وإجارته وهِبته (^٢) ومضاربته ومشاركته، فلو امتنعت شهادته له لكونه جزأَه (^٣) فيكون شاهدًا لنفسه لامتنعت هذه العقود، إذ يكون عاقدًا لها مع نفسه.\nفإن قلتم: هو متهم بشهادته له، بخلاف هذه العقود، فإنه لا يتَّهم فيها معه.\nقيل: هذا عَود منكم إلى المأخذ الثاني، وهو مأخذ التهمة. فيقال: التهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًّا. ولا ريب أن تهمة الإنسان في صديقه وعشيره ومن يُصْفِيه مودتَه ومحبَّته (^٤) أعظمُ من تهمته\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٦٠٦٤)، والترمذي (٢١٥٩، ٣٠٨٧) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٢٦٦٩، ٣٠٥٥)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٤٠٨٥، ١١١٤٩) من حديث سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه مرفوعا، وسليمان مجهول. لكن للحديث شواهد، منها حديث أبي رمثة عند أبي داود (٤٤٩٥)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٧٠٠٧)، وصححه ابن حبان (٤٥٣٢)، والحاكم (٢/ ٤٢٥). وحديثُ الخشخاشِ العنبري عند أحمد (١٩٠٣١)، وابن ماجه (٢٦٧١).\n(^٢) \"وهبته\" ساقط من ع، وكذا من النسخ المطبوعة.\n(^٣) في المطبوع: \"جزءًا منه\".\n(^٤) ت: \"تضفيه مودتُه ومحبتُه\". ع: \"نصعبه\". وفي النسخ المطبوعة: \"يعنيه\" وكل ذلك تصحيف.","vol":"1","page":242},{"text":"في أبيه وابنه. والواقع شاهد بذلك، وكثير من الناس يحابي صديقه وعشيره وذا وُدِّه أعظمَ مما يحابي أباه وابنه.\nفإن قلتم: الاعتبار بالمظنة، وهي التي تنضبط؛ بخلاف الحكمة، فإنها لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن التعليل بها.\nقيل: هذا صحيح في الأوصاف التي شهد (^١) لها الشرع بالاعتبار، وعلَّق بها الأحكام، دون مظانّها. فأين علَّق الشارعُ عدمَ قبول الشهادة بوصف الأبوة أو البنوة أو الأخوة؟ والمانعون (^٢) إنما نظروا إلى التهمة، فهي الوصف المؤثِّر في الحكم، فيجب تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا. ولا تأثير [٦٦/أ] لخصوص القرابة ولا عمومها، بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة، وتوجد التهمة حيث لا قرابة. والشارع إنما علَّق قبول الشهادة بالعدالة وكونِ الشاهد مرضيًّا، وعلَّق عدم قبولها بالفسق، ولم يعلِّق القبولَ والردَّ بأجنبية ولا قرابة.\nقالوا: وأما قولكم: \"إنه غير متهم معه في تلك العقود\" فليس كذلك، بل هو متهم معه في المحاباة، ومع هذا (^٣) فلا يوجب ذلك إبطالها. ولهذا لو باعه في مرض موته ولم يُحابِه لم يبطل البيع، ولو حاباه بطَل في قدر المحاباة. فعُلِّق البطلانُ بالتهمة، لا بمظنتها.\nقالوا: وأما قوله - ﷺ -: \"أنت ومالك لأبيك\" فلا يمنع شهادة الابن لأبيه،\n_________\n(^١) ح، ف: \"يشهد\".\n(^٢) س، ع: \"التابعون\"، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.\n(^٣) ع: \"ذلك\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":243},{"text":"فإن الأب ليس هو وماله لابنه. ولا يدل الحديث على منع (^١) قبول شهادة أحدهما للآخر. والذي دلَّ عليه الحديث، أكثرُ منازعينا لا يقولون به؛ بل عندهم أن مال الابن له حقيقةً وحكمًا، وأن الأب لا يتملَّك عليه منه شيئًا (^٢). والذي لم يدل عليه الحديث حمَّلتموه إياه، والذي دل عليه لم تقولوا به (^٣)!\nونحن نتلقَّى أحاديث رسول الله - ﷺ - كلَّها بالقبول والتسليم، ونستعملها على وجهها (^٤)، ولو دلَّ قوله: \"أنت ومالك لأبيك\" على أنه (^٥) لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده لكنَّا أول ذاهب إلى ذلك، ولما سبقتمونا إليه؛ فأين موضع الدلالة؟ واللام في الحديث ليست للملك قطعًا، وأكثركم يقول: ولا للإباحة، إذ لا يباح مالُ الابن لأبيه. ولهذا فرَّق بعضُ السلف فقال: تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا تقبل شهادة الأب لابنه. وهو إحدى الروايتين عن [٦٦/ب] الحسن والشعبي (^٦)، ونصَّ عليه أحمد في\n_________\n(^١) لفظ \"منع\" ساقط من ع. وفي بعض النسخ المطبوعة في مكانها: \"عدم\" بين حاصرتين. وفي ت: \"فإن الحديث لا يمنع\".\n(^٢) ما عدا س: \"شيء\".\n(^٣) قارنِ بردِّ ابن حزم على استدلالهم في \"المحلَّى\" (٨/ ٥٠٨).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"في وجوهها\".\n(^٥) في النسخ المطبوعة: \"على أن\".\n(^٦) النقل عنهما مختلفٌ، كما أشار المصنِّف رحمه الله تعالى، والذي وقفتُ عليه: ما رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٣٣١٧) من طريق أشعث، عن الحسن قال: لا تجوز شهادة الرجل لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه ... وروى أيضًا (٢٣٣١٦) من طريق أشعث عن عامر [وهو الشعبي] أنه كان لا يُجيز شهادة الرجل لأبيه ... وكان يُجيز شهادة الرجل لابنه. وقد نقل القولين عنهما ابن حزم في \"المحلَّى\" (٩/ ٤١٥).","vol":"1","page":244},{"text":"رواية عنه (^١).\nومن يقول هي للإباحة أسعد بالحديث، وإلا تعطلت دلالته وفائدته (^٢). ولا يلزم من إباحة أخذه ما شاء من ماله أن لا تُقبل شهادته له بحال، مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة، كما لو شهد له بنكاح أو حدٍّ أو ما لا تلحقه به تهمة.\nقالوا: وأما كونه لا يُعطَى من زكاته، ولا يقاد به، ولا يُحدُّ به، ولا يثبت له في ذمته دَين، ولا يُحبَس به= فالاستدلال إنما يكون بما ثبت بنصٍّ أو إجماع، وليس معكم شيء من ذلك؛ فهذه مسائل نزاع، لا مسائل إجماع. ولو سُلِّم ثبوتُ الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه عدمُ قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة.\nولا تلازُمَ بين قَبول الشهادة وجَرَيان القصاص وثبوت الدين له في ذمته، لا عقلًا ولا شرعًا؛ فإن تلك الأحكام اقتضتها الأبوة التي تمنع من مساواته للأجنبي (^٣) في حدِّه به، وإقادته منه، وحبسه بدَينه؛ فإن منصب أبوته يأبى ذلك، وقبحُه مركوزٌ في فِطَر الناس. وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح. وأما الشهادة فهي خبرٌ يعتمد الصدق والعدالة، فإذا كان المخبِر به صادقًا، مبرِّزًا في العدالة، غيرَ متَّهمٍ في الإخبار به (^٤) = فليس قبولُ قولِه قبيحًا عند المسلمين، ولا تأتي\n_________\n(^١) انظر: \"الروايتين والوجهين\" (٣/ ٩٥).\n(^٢) ت، ع: \"فائدته ودلالته\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) يظهر أنه كان في ح: \"مساواة الأجنبي\"، فأصلحه بعضهم.\n(^٤) لم يرد \"به\" في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":245},{"text":"الشريعة بردِّ خبر المخبِر به واتهامه.\nقالوا: والشريعة مبناها على تصديق الصادق وقبولِ خبره، وتكذيبِ الكاذب، والتوقُّفِ في خبر الفاسق المتَّهَم. فهي لا ترُدُّ حقًّا، ولا تقبل باطلًا.\nقالوا: وأما حديث عائشة، فلو ثبت لم يكن فيه دليل، فإنه إنما يدل على عدم قبول [٦٧/أ] شهادة المتَّهَم في قرابته أو ذي وَلائه (^١)، ونحن لا نقبل شهادته إذا ظهرت تهمته. ثم منازعونا لا يقولون بالحديث، فإنهم لا يرُدُّون شهادة كلِّ قرابة، والحديث ليس فيه تخصيصٌ لقرابة الإيلاد بالمنع، وإنما فيه تعليق المنع بتهمة القرابة. فألغيتم وصفَ التهمة، وخصصتم وصفَ القرابة بفردٍ منها؛ فكنا نحن أسعدَ بالحديث منكم، وبالله التوفيق.\nوقد قال محمد بن الحكم (^٢): إن أصحاب مالك يُجيزون شهادة الأب والابن (^٣) والزوج والزوجة على أنه وكَّل فلانًا، ولا يُجيزون شهادتهم أن فلانًا وكَّلَه؛ لأن الذي يوكَّل لا يُتَّهمان عليه في شيء (^٤).\nوأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجوِّزونها (^٥). وهو الذي في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"ولاية\"، وهو خطأ.\n(^٢) أضاف بعض قرّاءِ ت قبل \"الحكم\" في الحاشية: \"عبد\" مع علامة صح. يعني: \"عبد الحكم\"، وهو خطأ.\n(^٣) بعده في النسخ المطبوعة: \"والأخ\". ولم ترد هذه الزيادة في النسخ الخطية ولا في مصدر النقل.\n(^٤) انظر: \"عقد الجواهر الثمينة\" (٣/ ١٤٢ - ١٤٣)، وفيه: \"لا يتهمون ... \".\n(^٥) ع: \"يجيزونها\". وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":246},{"text":"\"التهذيب\" (^١) من رواية ابن القاسم عن مالك، إلا أن يكون في عياله. وقال بعض المالكية: لا تجوز إلا على شرط: ثم اختلف هؤلاء، فقال بعضهم: هو أن يكون مبرِّزًا في العدالة. وقال بعضهم: إذا لم تنله صلته. وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير (^٢)، فإن كان مبرِّزًا جاز في الكثير. وقال بعضهم: تقبل مطلقًا إلا فيما تتضح (^٣) فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكتسب (^٤) به الشاهد شرفًا وجاهًا (^٥).\nوالصحيح أنه تقبل شهادة الابن لأبيه والأب لابنه فيما لا تهمة فيه. ونصَّ عليه أحمد، فعنه في المسألة ثلاث روايات: المنع، والقبول فيما لا تهمة فيه، والتفريق بين شهادة الابن لأبيه فتُقبل، وشهادة الأب لابنه فلا تقبل (^٦). واختار ابن المنذر القَبول كالأجنبي (^٧).\nوأما شهادة أحدهما على الآخر [٦٧/ب] فنصَّ الإمام أحمد على قبولها. وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. وقد حكى بعض (^٨)\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب المدونة\" (٣/ ٥٨٥)، و\"المدونة\" (٤/ ٨، ٢١).\n(^٢) ت: \"ولا تجوز في الكثير\".\n(^٣) ع: \"تصح\"، وكذا في الطبعات القديمة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"يكسب\". وفي مصدر النقل كما أثبت من النسخ المعتمدة.\n(^٥) \"عقد الجواهر الثمينة\" (٣/ ١٤٢).\n(^٦) انظر: \"الروايتين والوجهين\" (٣/ ٩٥) و\"المغني\" (١٤/ ١٨١).\n(^٧) كذا في \"المغني\". وانظر: \"الإقناع\" لابن المنذر (٢/ ٥٢٧).\n(^٨) وهو القاضي، حكاها في \"المجرَّد\"، كما في \"المغني\". وقد نقل الأولى في \"الروايتين والوجهين\" (٣/ ٩٧) عن بكر بن محمد، والأخرى عن مهنّا.","vol":"1","page":247},{"text":"أصحاب أحمد عنه روايةً ثانيةً أنها لا تقبل. قال صاحب \"المغني\" (^١): ولم أجد في \"الجامع\" ــ يعني للخلّال (^٢) ــ خلافًا عن أحمد أنها تقبل.\nوقال بعض الشافعية: لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حدِّ قذف. قال: لأنه لا يُقتَل بقتله، ولا يُحَدُّ بقذفه. وهذا قياس ضعيف جدًّا، فإنّ القتل والحدّ (^٣) في صورة المنع لكون المستحِقّ هو الولد (^٤)، وهنا المستحِقُّ أجنبي.\nومما يدل على أنَّ احتمال التهمة بين الولد ووالده لا يمنع قبول الشهادة: أنَّ شهادة الوارث لمورثه جائزة بالمال وغيره، ومعلوم أن تطرُّقَ التهمة إليه مثلُ تطرُّقها إلى الولد والوالد (^٥). وكذلك شهادة الابنين على أبيهما بطلاق ضَرَّة أمِّهما جائزة، مع أنها شهادة للأم، ويتوفر حظُّها من الميراث، ويخلو لها وجه الزوج؛ ولم تُرَدَّ هذه الشهادة باحتمال (^٦) التهمة. فشهادةُ الولد لوالده وعكسه حيث (^٧) لا تهمة هناك أولى بالقبول. وهذا هو القول الذي ندين الله به، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) (١٤/ ١٨٢).\n(^٢) في ع: \"الخلال\"، ومن هنا زيدت قبله ــ فيما يظهر ــ كلمة \"جامع\" في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"الحد والقتل\".\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"الابن\".\n(^٥) في النسخ المطبوعة: \"الولد والوالد\".\n(^٦) ع: \"احتمال\"، فيقرأ: \"ولم يَرُدَّ ... \".\n(^٧) ع: \"فحيث\". ت، ف: \"بحيث\" وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":248},{"text":"فصل\nوقوله: \"إلا مجرَّبًا عليه شهادةُ زُور\" يدل على أن المرَّة الواحدة من شهادة الزور تستقِلُّ بردِّ الشهادة.\nوقد قَرَن الله سبحانه في كتابه بين الإشراك وقول الزور، فقال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١].\nوفي \"الصحيحين\" (^١) [٦٨/أ] أيضًا عن النبي - ﷺ -: \"ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟ \". قلنا: بلى يا رسول الله. قال: \"الشركُ بالله، ثم عقوقُ الوالدين\". وكان متكئًا، فجلس، ثم قال: \"ألا وقولُ الزور، ألا وقولُ الزور\". فما زال يكرِّرها حتى قلنا: ليته سكت! وفي \"الصحيحين\" (^٢) عن أنس عن النبي - ﷺ -: \"أكبر الكبائر: الإشراكُ بالله، وقتلُ النفس، وعقوقُ الوالدين، وقولُ الزور\" أو قال: \"وشهادة الزور\".\nولا خلاف بين المسلمين أن شهادة الزور من الكبائر. واختلف الفقهاء في الكذب في غير الشهادة: هل هو من الصغائر أو من الكبائر؟ على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد، حكاهما أبو الحسين في \"تمامه\" (^٣). واحتجَّ من جعله من الكبائر بأن الله سبحانه جعله في كتابه من صفات شرِّ البريَّة، وهم الكفار والمنافقون، فلم يصف به إلا كافرًا أو منافقًا، وجعله علَمَ أهل النار وشعارَهم، وجعل الصدقَ علَمَ أهل الجنة وشعارَهم.\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧) من حديث أبي بكرة.\n(^٢) البخاري (٦٨٧١) ومسلم (٨٨).\n(^٣) (٢/ ٢٥٨).","vol":"1","page":249},{"text":"وفي الصحيح من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عليكم بالصدق، فإنه يهدي إلى البر، وإن البرَّ يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجلَ لَيصدُق حتى يُكتَب عند الله صِدِّيقًا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإنّ الرجل لَيكذِبُ حتى يُكتَب عند الله كذَّابًا\" (^١).\nوفي \"الصحيحين\" (^٢) مرفوعًا: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا اؤتُمِن خان\".\nوقال مَعْمر، عن أيوب، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة - ﵂ - قالت: ما كان خُلُقٌ أبغضَ إلى رسول الله - ﷺ - من الكذب. ولقد كان الرجلُ يكذب عنده الكَذْبةَ، فما تزال في نفسه حتّى يعلمَ أنه قد أحدَثَ منها توبةً (^٣).\nوقال مروان الطاطَرِي: ثنا محمد بن مسلم، ثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: ما كان شيءٌ [٦٨/ب] أبغضَ إلى رسول الله - ﷺ - من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٩٤) ومسلم (٢٦٠٧).\n(^٢) البخاري (٣٣) ومسلم (٥٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) رواه عبد الرزاق (٢٠١٩٥)، وعنه الإمام أحمد (٢٥١٨٣)، ولم يجزم عبد الرزاق (في هذه الرواية عنه) بكونه عن ابن أبي مليكة، أو عن غيره، بل تردّد. وفي الحديث خلافٌ عريضٌ على أيوب السختياني، ليس هذا مقام تقصِّيه، والأشبه بالصواب أن الحديث مُعَلٌّ، فليُنظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (٢١٩٨، ٢٣٣٦)، و\"العلل\" للدارقطني (١٤/ ٣٥٨). أما ابن حبان، فصحّحه في \"المسند الصحيح\" (٢٨٦٢).\nتنبيه: وقع الحديث في بعض مطبوعات \"الجامع\" للترمذي (١٩٧٣)، وخلتْ منه أكثر النسخ الخطية، على أن الحافظ عبد الحق الإشبيلي نقل في \"الأحكام الشرعية الكبرى\" (٣/ ١٩٢ - ١٩٣) عن الترمذي سندَه ومتنَه، فالله أعلم من أيِّ نسخةٍ نقلَ.","vol":"1","page":250},{"text":"الكذب. وما جرَّب على أحد كذبًا، فرجع إليه ما كان، حتَّى يعرفَ منه توبة (^١). حديث حسن. رواه الحاكم في \"المستدرك\" من طريق ابن وهب، عن محمد بن مسلم، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عائشة (^٢).\nوروى عبد الرزاق (^٣) عن مَعْمر، عن موسى بن أبي شيبة: أن النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) رواه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٩٦)، وقد أعلّ أبو حاتم هذه الرواية واستنكرها، كما في \"العلل\" لابنه عبد الرحمن (٢١٩٨).\n(^٢) رواه ابن وهب في \"الجامع\"\" (٥٣٣) ــ ومن طريقه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢٣٣٦)، والحسن بن رشيق العسكري في \"جزئه\" (٦٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٩٨) وصحّحه!، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٦/ ٢٥٦)، وفي \"الاستذكار\" (٨/ ٥٧٦) ــ، وقد أعلّ أبو حاتم هذه الرواية، كما في \"العلل\" لابنه عبد الرحمن (٢٣٣٦).\n(^٣) في \"المصنف\" (٢٠١٩٧)، وعنه إسحاق بن راهويه في \"المسند\" (١٢٤٦). ومن طريقه أيضًا رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٥/ ٤٤٦)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٩٦)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٧/ ٤٢٨). ورواه مسدد في \"المسند\" [كما في \"المطالب العالية\" لابن حجر (١٠/ ٢٤٧)، و\"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (٥/ ٤٢٨)]، وابن أبي الدنيا في \"مكارم الأخلاق\" (١٤٨)، وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢٥٥) ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٩٦) ــ من طريقين عن ابن المبارك، عن معمر، عن موسى بن شيبة مرفوعا. ورواه ابن أبي الدنيا في \"الصمت\" (٤٨٧) من طريق عبد الرحمن بن مسعود الموصلي، عن معمر به.\nوصحّح البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٩٦) أنه موسى بن شيبة، لا ابن أبي شيبة. وموسى هذا يمانيٌّ جَنَديٌّ مجهولٌ مُقِلٌّ جدّا، ومع ذلك فليس يصحّ له حديثٌ البتّة؛ فجديرٌ أن يُترَك حديثُه، وحديثُه هذا معضلٌ، ولا ريب أنّه من منكراته.\n\nوقد قال الإمام أحمد: روى عنه معمر أحاديث مناكير. نقله عنه ابنُه عبد الله في \"العلل ومعرفة الرجال\" (٤٤٨٨) ــ وعنه العقيلي في \"الضعفاء\" (٥/ ٤٤٦)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ١٤٦) ــ، لكن وقع في ترجمته من كتاب ابن أبي حاتمٍ خلطٌ بين موسى هذا، وموسى بن شيبة الأنصاري المديني، ونقل كلام الإمام أحمد هذا في الأنصاري، وتبعه على هذا غيرُ واحد، منهم المزي في تهذيب الكمال (٢٩/ ٨٠).\nوقد تصحف (معمر) في مطبوعة \"العلل\" لعبد الله (٣/ ١١٦ - ١١٧) إلى (معتمر). وكذا وقع في مطبوعة \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٧/ ٢٨٦)، مع أن معتمر بن سليمان إنما روى الحديثَ عن ابن المبارك، عن معمر، عنه!","vol":"1","page":251},{"text":"أبطل شهادةَ رجلٍ في كَذْبةٍ كذبها. وهو مرسل. وقد احتجَّ به أحمد في إحدى الروايتين عنه (^١).\nوقال قيس بن أبي حازم: سمعتُ أبا بكر الصديق - ﵁ - يقول: إياكم والكذبَ، فإنَّ الكذب مُجانِب الإيمان (^٢). يروى موقوفًا ومرفوعًا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"الروايتين والوجهين\" (٣/ ٨٣)، و\"التمام\" (٢/ ٢٥٨، ٢٨٠).\n(^٢) رواه سفيان بن عيينة في \"الجامع\"، وابن المبارك في \"الزهد\" (٧٣٦)، وابن وهب في \"الجامع\" (٥٤٤)، ووكيع في \"الزهد\" (٣٩٩) ــ وعنه هناد بن السري في \"الزهد\" (١٣٦٨) ــ، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٦١١٥)، وأحمد في \"المسند\" عَقِب الحديث (١٦)، وفي كتاب \"الإيمان\" ــ ومن طريقه الخلال في \"السنة\" (١٤٧٠) ــ، وابن أبي عمر العدني في \"الإيمان\" (٥٤ - ٥٧)، من طرق عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق - ﵁ - موقوفا، وهو الصحيح المحفوظ الذي رجّحه جماعة من الحفاظ، منهم الدارقطني في \"العلل\" (١/ ١٥٨)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٩٦)، وفي \"الجامع لشعب الإيمان\" (٦/ ٤٥٢)، وابن حجر في \"الغرائب الملتقطة\" (١٠٤٥).\n(^٣) رواه ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ١٠٣) ــ ومن طريقه البيهقي في \"الجامع لشعب الإيمان\" (٤٤٦٦) ــ، وأبو بكر ابن لال الهمذاني في \"مكارم الأخلاق\" ــ ومن طريقه الديلمي في \"مسند الفردوس\" [كما في الغرائب الملتقطة لابن حجر (١٠٤٥)]ــ، والبيهقي في \"الجامع لشعب الإيمان\" (٤٤٦٧)، وضعّفه هو وغيرُه ممّن تقدّمت الإشارة إليهم في التعليقة السابقة.","vol":"1","page":252},{"text":"وروى شعبة، عن سلَمة بن كُهَيل، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: \"المسلم يُطبَع على كلِّ طبيعةٍ غيرَ الخيانة والكذب\" (^١). ويروى مرفوعًا أيضًا (^٢).\n_________\n(^١) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" (٨٢٨)، والإمام أحمد في \"الإيمان\" ــ ومن طريقه الخلال في \"السنة\" (١٥٢٤)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٩٠٩) ــ، وابن أبي الدنيا في \"الصمت\" (٤٩٠)، والبيهقي في \"السنن الكبير\"\" (١٠/ ١٩٧). وتابع شعبةَ: سفيان الثوري، رواه الإمام أحمد في كتاب \"الإيمان\" ــ ومن طريقه الخلال في \"السنة\" (١٥٢٥، ١٥٢٨)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٩٠٦) ــ، وابن أبي شيبة في كتاب \"الإيمان\" (٨١)، وفي \"المصنف\" (٢٦١١٧، ٣٠٩٧٥)، وابن أبي الدنيا في \"الصمت\" (٤٩٠)، والدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٣٣٠)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٩٠٧).\n(^٢) رواه أحمد الدورقي في \"مسند سعد\" (٦٥)، وابن أبي الدنيا في \"الصمت\"\" (٤٧٢)، وفي \"مكارم الأخلاق\" (١٤٤)، والبزار في \"المسند\" (١١٣٩)، وأبو يعلى في \"مسندَيْه\" \"الكبير\" و\"الصغير\" (٧١١)، وفي \"المعجم\" (١٦٧)، وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ١٠٣) من حديث علي بن هاشم بن البريد، عن الأعمش، عن أبي إسحاق (سقط من سند الدورقي)، عن مصعب بن سعد، عن أبيه مرفوعا.\nقال البيهقي في \"الجامع لشعب الإيمان\" (٦/ ٤٥٤): \"ورفعُه ضعيفٌ. وصحّح وقفه أيضًا في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٩٧)، وسبقه جماعة، منهم الدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٣٣٠)، وفي \"الغرائب والأفراد\" (٥١٤ - أطرافه لابن طاهر). وأشار إلى إعلاله بالوقف أيضًا أبو زرعة [كما في \"العلل\" لابن أبي حاتم (٢٥٠٦)]، وكذا البزار بعد تخريجه إياه. وجاء الحديث من طرق أخرى لا يصح منها شيءٌ البتّة.","vol":"1","page":253},{"text":"وفي \"المسند\" (^١) والترمذي (^٢) من حديث خُرَيم بن فاتك الأسدي: أنَّ رسول الله - ﷺ - صلَّى صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا، فقال (^٣): \"عدَلَتْ شهادةُ الزور الشرك بالله\" (^٤) ثلاثَ مرار (^٥)، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١].\n_________\n(^١) برقم (١٨٨٩٨). ورواه أبو داود (٣٥٩٩)، وابن ماجه (٢٣٧٢)، وفي سنده زياد العصفري، وشيخُه حبيب بن النعمان، مجهولان. وقد ضعّفه ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" (٤/ ٥٤٨، ٥/ ٧٨٧)، وقال: \"وحبيب لا يُعرَف بغير هذا، ولا تُعرَف حالُه، وزياد العصفري مجهول\".\n(^٢) وقع هذا الحديث في بعض النسخ المطبوعة من \"الجامع\" للترمذي (٢٣٠٠)، لكن خلتْ منه النسخ الخطية الصحيحة، ولم يَعْزُهُ إليه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٣/ ٤٤٧)، ولا في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ١٢١)، ولا ابن كثير في \"جامع المسانيد والسنن\"\" (٢/ ٦٣٦ - ٦٣٧). وعفا الله عن الشيخ عبد الصمد الذي أقحم الحديثَ إقحامًا في \"تحفة الأشراف\"! أما المنذري، فعزاه إلى الترمذي في كتابه \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ١٥٥ - ١٥٦) الذي أملاه مِن حفظه.\nويُنظر: \"الجامع\" للترمذي (٢٢٩٩)، مع التأمل في \"التاريخ\" لعباس الدوري (٣٠٤٩)، و\"الضعفاء\" للعقيلي (٥/ ٦٣)، و\"البدر المنير\" لابن النحوي (٩/ ٥٧٦ - ٥٧٨)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٤/ ٣٤٩).\n(^٣) ع: \"قال\".\n(^٤) يعني أنها موازِنة للشرك.\n(^٥) ت: \"مرات\".","vol":"1","page":254},{"text":"وفي \"المسند\" (^١) من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال [٦٩/أ]: \"بين يدي الساعة: تسليمُ الخاصَّة، وفُشُوُّ التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطعُ الأرحام، وشهادةُ الزور، وكتمانُ شهادة الحق\".\nوقال الحسن بن زياد اللؤلؤي: ثنا أبو حنيفة قال: كنَّا عند محارب بن دِثار، فتقدَّم إليه رجلان، فادَّعى أحدهما على الآخر مالًا، فجحده المدَّعَى عليه. فسأله البينة، فجاء رجل، فشهد عليه. فقال المشهود عليه: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما شهِد عليَّ بحقٍّ، وما علمتُه إلا رجلًا صالحًا، غيرَ هذه الزلَّة، فإنه فعَل هذا لحقدٍ كان في قلبه عليَّ. وكان محاربٌ متكئًا، فاستوى جالسًا، ثم قال: يا ذا الرجلُ، سمعتُ ابنَ عمر يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لَيأتينَّ على الناس يومٌ تشيب فيه الولدان، وتضع الحواملُ ما في بطونها، وتضرب الطيرُ بأذنابها، وتضع ما في بطونها، من شدَّة ذلك اليوم، ولا ذنب عليها. وإنَّ شاهِدَ الزور لا تَقَارُّ قدماه (^٢) على الأرض حتى يُقذَف\n_________\n(^١) برقم (٣٨٧٠، ٣٩٨٢). ورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠٤٩) ــ ومن طريقه الخطيب في \"الجامع\" (٢٥٤) ــ، والطحاوي في \"بيان المشكل\" (١٥٩٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٩٨) ــ وصحّحه ــ، من حديث بشير بن سلمان، عن سيّار، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود مرفوعا، ورجّح الإمام أحمد وابن معين وأبو داود والدارقطني وغيرُهم أن سيّارًا هو أبو حمزة، فليُنظر: \"المسند\" لأحمد (٤٢٢٠، ٣٦٩٦)، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ــ رواية ابنه عبد الله عنه (٥٨٨، ١٣٧٣)، و\"سؤالات ابن الجنيد لابن معين\" (٧٧٦)، و\"السنن\" لأبي داود (١٦٤٥)، و\"العلل\" للدارقطني (٥/ ١١٥)، و\"بيان الوهم والإيهام\" لابن القطان (٤/ ٥٤٩ - ٥٥٠، ٥/ ٧٨٧). وسيّار أبو حمزة مستور الحال، لم يوثقه من يُعتدّ بتوثيقه.\n(^٢) أي لا تستقرَّان.","vol":"1","page":255},{"text":"به في النار\" (^١). فإن كنتَ شهدتَ بحقِّ فاتَّقِ الله، وأقِمْ على شهادتك. وإن كنتَ شهدتَ بباطل فاتقِ الله، وغطِّ رأسَك واخرُجْ من ذلك الباب (^٢)، فغطَّى\n_________\n(^١) العبارة \"وإن شاهد الزور ... النار\" لم ترد في هذه الرواية في مطبوعة \"تاريخ دمشق\" (٥٧/ ٦٤) وهو مصدر النقل فيما يبدو.\n(^٢) رواه المعافى بن زكريا الجَرِيري في \"الجليس الصالح الكافي\" (٣/ ١٦٤)، والخطيب البغدادي ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٥٧/ ٦٤) ــ، والحسين بن محمد بن خسرو البلخي في \"مسند أبي حنيفة\" (٩٥٦) من طريق ابن أبي العنبس، عن الحسن بن زياد به. وهذه الرواية ــ على وهنها ووهائها ــ فيها عبارات مُدرجة، وقد روى أصلَها وكيع القاضي في \"أخبار القضاة\" (٣/ ٣٤) عن أبي خازم القاضي، عن شعيب بن أيوب الصريفيني، عن الحسن بن زياد به. وقد تصحّفت كنية أبي خازم، وتحرّف ابن زياد (وهو الحسن) إلى ابن دثار.\nورواه الحسين بن علي الصيمري في \"أخبار أبي حنيفة وأصحابه\" (ص ٧٧) عن محمد بن عمران المرزباني، عن مكرم بن أحمد القاضي، عن أبي خازم القاضي به.\n\nورواه أيضًا محمد بن عبد الباقي قاضي المارستان في \"مسند أبي حنيفة\" [كما في \"جامع المسانيد\" للخوارزمي (٢/ ٢٧٩)] من طريق أبي خازم القاضي به، لكن تحرّفت فيه كنيتُه ومُزِّق اسمُه وجُعِل راويًا عن نفسه. ورواه الخطيب في \"تاريخ مدينة السلام\" (١٢/ ٣٣٨) من حديث أبي خازم به، لكنه اقتصر على الحديث المرفوع، دون القصة. وهذا سندٌ غريبٌ جدّا من هذا الوجه. وقد رواه الخطيب في \"تاريخ مدينة السلام\" (٣/ ٧٠٥) من طريق أبي خازم القاضي ــ نفسِه ــ عن شعيب الصريفيني، عن شعيب بن حرب، عن محمد بن الفرات، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر (بالحديث المرفوع وحسبُ). وهذا هو الوجه المشهور. وقد رواه ابن ماجه (٢٣٧٣) عن سويد بن سعيد، عن محمد بن الفرات به.\nقال أبو حاتم: \"هذا حديثٌ منكرٌ\". نقله ابنه عبد الرحمن في \"العلل\" (١٤٢٦). والحديث منكر جدًّا، ومحمد بن الفرات تالفٌ هالكٌ، والحسن بن زياد واهٍ متروك.\nوعفا الله عن الحاكم الذي صحّح إسناد محمد بن الفرات في \"المستدرك على الصحيحين\" (٤/ ٩٨)! مع أنه ذكره في \"المدخل إلى معرفة الصحيح\" (١/ ٢١٩) مع جمهرة من المجروحين والتالفين الذين ظهر له جرحُهم اجتهادًا ومعرفةً بجرحهم، لا تقليدًا لأحد من الأئمة، واستظهر أن رواية أحاديث هؤلاء لا تحلّ إلا بعد بيان حالهم، كما ذكر ذلك قبل سردِه أسامِيَهم (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":256},{"text":"الرجلُ رأسه، وخرج من ذلك الباب!\nوقال عبد الملك بن عُمير: كنتُ في مجلس محارب بن دثار، وهو في قضائه، حتَّى تقدَّم إليه رجلان، فادَّعى أحدهما على الآخر حقًّا، فأنكره، فقال: ألك بينة؟ فقال: نعم، ادعُ فلانًا. فقال المدَّعَى عليه: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! والله إن شهد عليَّ لَيشهدنَّ (^١) بزور، ولئن سألني (^٢) عنه لأزكينَّه؛ [٦٩/ب] فلما جاء الشاهد قال محارب بن دِثار: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنَّ الطيرَ لَتضرِبُ بمناقيرها، وتقذف ما في حواصلها، وتحرِّك أذنابها، من هول يوم القيامة. وإنَّ شاهدَ الزور لا تَقارُّ قدماه على الأرض حتى يُقذَف به في النار\". ثم قال للرجل: بم تشهد؟ قال: كنت أُشهِدْتُ على شهادةٍ، وقد نسيتُها، أرجع، فأتذكرها. فانصرَف، ولم يشهد عليه بشيء (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ: \"ليشهد\"، وزاد بعضهم في ت نونًا أي \"لَيشهدنَّ\"، وهو الصواب.\n(^٢) كذا في النسخ و\"الجليس الصالح\" و\"معجم المقرئ\". وفي النسخ المطبوعة ومصادر أخرى: \"سألتني\".\n\n(^٣) رواه وكيع القاضي في \"أخبار القضاة\" (٣/ ٣٤)، وابن المقرئ في \"المعجم\" (١٣٠٤)، وابن شاهين في \"الأفراد\" ــ ومن طريقه ابن الشجري في \"الأمالي\" (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، وابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٥٧/ ٦٤ - ٦٥) ــ، والمعافى بن زكريا الجَرِيري في \"الجليس الصالح الكافي\" (٣/ ١٦٣ - ١٦٤) من حديث هارون بن الجهم، عن عبد الملك بن عمير به.\n\nوقد روى المرفوع منه أبو جعفر العقيلي في كتاب \"الضعفاء\" (٦/ ٢٩٤)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٧٦١٦). وقال العقيلي: \"ليس له من حديث عبد الملك بن عمير أصلٌ، وإنما هذا حديثُ محمد بن الفرات الكوفي، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر\". وكان العقيلي استفتح ترجمة هارون بقوله: \"يُخالف في حديثه، وليس بمشهورٍ بالنقل\". وقال ابن شاهين ــ بعد أن رواه ــ: \"تفرّد بهذا الحديث هارون عن عبد الملك، وهو حديثٌ غريبٌ\". وجزم الذهبي أيضًا في ترجمة هارون هذا من \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٢٨٢) أن الحديث منكر. ووافقه ابن حجر في \"لسان الميزان\" (٨/ ٣٠٣). ويُنظر: \"أطراف الغرائب والأفراد\" لابن طاهر (٣٢٠٢).","vol":"1","page":257},{"text":"ورواه أبو يعلى الموصلي (^١) في \"مسنده\"، فقال: ثنا محمد بن بكار، ثنا زافر، عن أبي علي قال: كنتُ عند محارب بن دِثار، فاختصم إليه رجلان، فشهد على أحدهما شاهد، فقال الرجل: لقد شهِد عليَّ بزور، ولئن سألتَ عنه لَيُزَكَّيَنَّ (^٢)، وكان محارب متَّكئًا، فجلس، ثم قال: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تزولُ قدما شاهدِ الزور من مكانهما حتى يُوجِبَ الله له النار\".\nوللحديث طرقٌ إلى محارب (^٣).\n_________\n(^١) رواه من طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٥٧/ ٦٥). وزافر (وهو ابن سليمان الإيادي)، صدوق كثير الوهم والغلط، لكنّ آفة الحديث من شيخِه أبي علي هذا، والأشبه أنه أبو علي محمد بن الفرات التالف الواهي، وبه يُعرَف هذا الحديث، لكنْ سرقه منه بعض التلفى والهلكى. وكأنّي بزافر رام الستر على ابن الفرات فكنّاه، تعميةً لحاله، وتوعيرًا لطريق التهدِّي إليه = فضرّ، سواءً بقصدٍ أو من غيرِ قصدِ!\n(^٢) في النسخ: \"سئلت ... \"، والصواب ما أثبت، وكذا في \"تاريخ دمشق\" (٥٧/ ٦٥). وانظر: \"المقصد العلي\" (٥/ ٤٢٧). وفي المطبوع: \"ولئن سئلت عنه لأزكِّيَنَّه\".\n(^٣) رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٧/ ٢٦٤) ــ ومن طريقه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١٢٧٠) ــ من حديث موسى بن زكريا التستري، عن محمد بن خليد، عن خلف بن خليفة، عن مسعر، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر مرفوعا. قال الدارقطني في كتاب \"الغرائب والأفراد\" (٣٢٠٣ - أطرافه): \"تفرّد به محمد بن خليد عن خلف بن خليفة، عن مسعر، عنه\". وسندُه واهٍ جدًّا، موسى بن زكريا هذا قد روى الحاكم عن الدارقطني في \"سؤالاته\" إياه (٢٢٧) أنه متروك، ومحمد بن خليد (وهو الحنفي) يروي أباطيل عن الثقات، وخلف بن خليفة وإن كان فيه لينٌ، إلا أنه بريءٌ من عهدة الحديث، والجناية مُطوّقة برقبة مَن دُونه. والحاصل أنه لم يَرْوِ الحديثَ عن محارب إلا ابن الفرات، وهو متروك، وسائر الطرق مركّبة، إمّا عن تعمّد، أو بتوهّم. والله أعلم.","vol":"1","page":258},{"text":"فصل\nوأقوى الأسباب في ردِّ الشهادة والفتيا والرواية: الكذب، لأنه فساد في نفس آلة الشهادة والفتيا والرواية. فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال، وشهادة الأصمِّ الذي لا يسمع على إقرار المُقِرِّ. فإن اللسان الكذوب بمنزلة العضو الذي قد تعطَّل نفعُه، بل هو شرٌّ منه، فشرُّ ما في المرء لسان كذوب. ولهذا يجعل الله سبحانه شعارَ الكاذب عليه يوم القيامة، وشعارَ الكاذب على رسوله= سوادَ وجوههم.\nوالكذب له تأثير عجيب (^١) في سواد الوجه، ويكسوه بُرْقُعًا من المقت يراه كلُّ [٧٠/أ] صادق؛ فسيما الكذَّاب (^٢) في وجهه (^٣) ينادي عليه لمن له عينان. والصادق يرزقه الله مهابةً وحلاوةً (^٤)، فمن رآه هابه وأحبَّه. والكاذب\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"عظيم\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"الكاذب\".\n(^٣) \"والكذب له تأثير ... وجهه\" ساقط من ع.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"وجلالة\". وقوله: \"هابه وأحبَّه\" مرتَّب على المهابة والحلاوة.","vol":"1","page":259},{"text":"يرزقه الله مهانةً (^١) ومقتًا، فمن رآه مقَته واحتقره. وبالله التوفيق.\nفصل\nوقول أمير المؤمنين في كتابه: \"أو مجلودًا في حدٍّ\" المراد به القاذف إذا حُدَّ للقذف لم تُقبَل شهادته بعد ذلك، وهذا متفق عليه بين الأمة قبل التوبة، والقرآن نصٌّ فيه (^٢).\nوأما إذا تاب، ففي قبول شهادته قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: لا تقبل، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق (^٣).\nوالثاني: تقبل، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك (^٤).\nوقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: شهادة القاذف (^٥) لا تجوز وإن تاب (^٦).\n_________\n(^١) لم يرد لفظ الجلالة في ت، ع. وفي النسخ المطبوعة: \"يرزقه إهانة\".\n(^٢) يعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].\n(^٣) انظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٤/ ٢٨٦) و\"المبسوط\" للسرخسي (١٦/ ١٢٥) و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٣٥٩).\n(^٤) انظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٤/ ٢٨٦) و\"الأم\" (٦/ ٢٢٥) و\"مسائل صالح\" (١/ ٤٣٨) و\"الموطأ\" (٢٦٦٩) و\"المدونة\" (٤/ ٢٣).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: \"الفاسق\". وكذا في ع، والصواب ما أثبت من غيرها و\"المحلَّى\" وهو مصدر النقل.\n(^٦) بهذا اللفظ علَّقه ابن حزم في \"المحلَّى\" (٩/ ٤٣١). ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في \"الناسخ والمنسوخ\" (٢٦٩)، وأبو بكر الجصاص في\"أحكام القرآن\" (٥/ ١١٨)، وسنده ضعيف منقطع، والخراساني لم يسمع من ابن عباس. ورواه أيضًا أبو داود في\"الناسخ والمنسوخ\"، وابن المنذر في \"التفسير\"، كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (١٠/ ٦٣٠). ووازِن بـ \"المكتفي\" لأبي عمرو الداني (١٠٦).","vol":"1","page":260},{"text":"وقال القاضي إسماعيل: ثنا أبو الوليد، ثنا قيس، عن سالم، عن قيس بن عاصم (^١) قال: كان أبو بكرة إذا أتاه رجلٌ يُشهِده قال: أشهِدْ غيري، فإنَّ المسلمين قد فسَّقوني (^٢).\nوهذا ثابت عن مجاهد، وعكرمة، والحسن (^٣)، ومسروق، والشعبي ــ\n_________\n(^١) كذا وقع هنا \"قيس بن عاصم\" تبعًا لكتاب \"المحلَّى\" (٩/ ٤٣١). وفي \"السنن الكبير\"للبيهقي، و\"تاريخ مدينة دمشق\"لابن عساكر: سعيد بن عاصم. وفي \"الدر المنثور\" للسيوطي: عيسى بن عاصم. وأغرب ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٣٨٠) فعزاه إلى أبي داود الطيالسي من طريق سفيان بن عاصم. كذا وقع الاختلاف في تسميته، والأشبه بالصواب أن ابن عاصم هذا مجهول، على أن السند إليه لا يصح.\n(^٢) كذا علّقه ابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٤٣١) عن إسماعيل به. ورواه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٢) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٦٢/ ٢١٦) ــ من حديث قيس (وهو ابن الربيع)، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن عاصم به. ورواه عبد بن حميد ــ كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (١٠/ ٦٣٣) ــ من طريق عيسى بن عاصم به. وقيس ضعيف، وجزم ابن حزم في المحلى (٩/ ٤٣٣) بعدم صحة الخبر.\n(^٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٥٧٢، ١٥٥٥٤، ١٥٥٥٥)، وفي \"التفسير\" (٢٠٠٧)، وأبو عبيد القاسم في \"الناسخ والمنسوخ\" (٢٧٢، ٢٧٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢١٠٤٠، ٢١٠٤١)، وابن جرير في \"جامع البيان\" (١٧/ ١٧١، ١٧٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٤١٦٩)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٦).","vol":"1","page":261},{"text":"في إحدى الروايتين عنهم (^١) ــ وهو قول شريح (^٢).\nواحتجَّ أرباب هذا القول بأن الله سبحانه أبَّد المنعَ من قبول شهادتهم بقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى التائبين من الفاسقين، وبقي المنعُ من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده.\nقالوا: وقد روى أبو جعفر الرازي، عن آدم بن فائد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي - ﷺ -: \"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام [٧٠/ب] ولا محدودة، ولا ذي غِمْر (^٣) على أخيه\" (^٤).\n_________\n(^١) كذا قال، ولعله سهو في النقل من \"المحلَّى\" (٩/ ٤٣١)، فإن ابن حزم لم يذكر الحسن البصري ممن حكي عنه قولان. والذي ينبغي ذكره معهم هو سعيد بن المسيب. بل صرَّح ابن حزم فيما بعد (٩/ ٤٣٣) بأن \"كلَّ من روي عنه أن لا تقبل شهادته وإن تاب، فقد روي عنه قبولها إلا الحسن والنخعي فقط\".\n(^٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٥٧٢، ١٥٥٥٣)، وفي \"التفسير\" (٢٠٠٧)، وأبو عبيد القاسم في \"الناسخ والمنسوخ\" (٢٧١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢١٠٣٧، ٢١٠٣٨)، وابن جرير في \"جامع البيان\" (١٧/ ١٦٨ - ١٧٠)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٦).\n(^٣) الغِمر: الحقد.\n(^٤) رواه ابن الأعرابي في \"المعجم\" (٢١٨٩)، والدارقطني في \"السنن\" (٤٦٠١)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٥)، وضعّفه فيه وفي \"معرفة السنن والآثار\" (١٤/ ٢٦٥). وآدم بن فائد مجهول لا يُحتجّ بمثله، وأبو جعفر الرازي ليس بالقوي. ويُنظر \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ٨٣)، و\"البدر المنير\" لابن النحوي (٩/ ٦٢٦ - ٦٢٧)، و\"لسان الميزان\" لابن حجر (٢/ ١٦).","vol":"1","page":262},{"text":"وله طرق إلى عمرو (^١). ورواه ابن ماجه (^٢) من طريق حجاج بن أرطاة، عن عمرو. ورواه البيهقي (^٣) من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو.\nقالوا: وروى يزيد بن أبي زياد الدمشقي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ترفعه: \"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلودٍ في حدٍّ، ولا ذي غِمْرٍ لأخيه، ولا مجرَّبٍ عليه شهادةُ زور، ولا ظنينٍ في وَلاء وقرابة (^٤) \" (^٥).\nوروي عن سعيد بن المسيِّب عن النبي - ﷺ - مرسلًا (^٦).\nقالوا: ولأنَّ المنعَ من قبول شهادته جُعِل من تمام عقوبته، ولهذا لا يترتَّب المنع إلا بعد الحدِّ، فلو قُذِف ولم يُحَدَّ لم تُرَدَّ شهادتُه. ومعلوم أن الحدَّ إنما زاده طُهْرةً، وخفَّف عنه إثمَ القذف أو رَفَعه، فهو بعد الحدِّ خير منه\n_________\n(^١) يُنظر \"المسند\" للإمام أحمد (٦٦٩٨، ٦٨٩٩، ٦٩٤٠)، و\"السنن\" لأبي داود (٣٦٠٠، ٣٦٠١).\n(^٢) (٢٣٦٦)، وحجاج بن أرطاة كثير الغلط والتدليس.\n(^٣) في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٥)، وضعّفه، وكذلك رواه الدارقطني (٤٦٠٤). والمثنى بن الصباح ضعيف الحديث.\n(^٤) كذا في النسخ. وفي النسخ المطبوعة: \"أو قرابة\".\n(^٥) رواه الترمذي (٢٢٩٨)، وهو واهٍ منكرٌ جدّا، باطلٌ بهذا الإسناد.\n(^٦) لم أره من طريقه مرسلا، لكن رواه الدارقطني في \"السنن\" (٤٦٠٣) ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٥) ــ من حديث عبد الأعلى بن محمد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر مرفوعًا. وقال الدارقطني: \"يحيى بن سعيد هو الفارسي متروك، وعبد الأعلى ضعيف\". وقال البيهقي: \"لايصح في هذا عن النبي ﷺ شيءٌ يُعتمد عليه\".","vol":"1","page":263},{"text":"قبله، ومع هذا فإنما تُردّ شهادته بعد الحد. فردُّها من تمام عقوبته وحدِّه، وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة. ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع توبتُه إقامةَ الحدِّ عليه، فكذلك شهادته.\nقال سعيد بن جبير: تُقبَل توبتُه فيما بينه وبين الله من العذاب العظيم، ولا تُقبَل شهادتُه (^١).\nوقال شريح: لا تجوز شهادته أبدًا، وتوبته فيما بينه وبين ربِّه (^٢).\nوسرُّ المسألة: أنّ ردَّ شهادته جُعِل عقوبةً لهذا الذنب، فلا يسقط بالتوبة كالحدِّ.\nقال الآخرون، واللفظ للشافعي (^٣): \"والثُّنْيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره، في جميع ما يذهب إليه أهلُ الفقه، إلا أن يفرِّق بين ذلك خبر\". \"وأنبأنا ابن عيينة قال: سمعتُ [٧١/أ] الزهريَّ يقول: زعم أهل العراق أن شهادة المحدود لا تجوز، وأشهدُ لَأخبَرني فلانٌ أن عمر قال لأبي بكرة: تُبْ أقبَلْ شهادتك. قال سفيان: نسيتُ اسم الذي حدَّث الزهريَّ، فلما قمنا سألتُ مَن حضر، فقال لي عمرو بن قيس (^٤): هو سعيد بن المسيِّب. فقلت\n_________\n(^١) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (٢٧٤)، وسعيد بن منصور، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٦). وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١٠/ ٦٣٢) أيضًا إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٣) في كتاب \"الأم\" (٧/ ٤٧ - ط دار المعرفة)، وفيه: \"الاستثناء\" مكان \"الثنيا\". ولفظ \"الثنيا\" ورد في \"معرفة السنن والآثار\" (١٤/ ٢٦٤).\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وكذا في كتاب \"الأم\" (٤/ ١٢١) وصوابه: \"عمر بن قيس\" كما في مواضع أخرى من \"الأم\" (٧/ ٢٧، ٤٨، ٩٤) في السياق نفسه.","vol":"1","page":264},{"text":"لسفيان: فهل شككتَ فيما قال لك؟ قال: لا، هو سعيدٌ غيرَ شكٍّ. قال الشافعي: وكثيرًا ما سمعته يحدِّث، فيسمِّى سعيدًا. وكثيرًا ما سمعتُه يقول: عن سعيد إن شاء الله\" (^١). \"وأخبرني به مَن أثق به من أهل المدينة، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب أن عمر لما جلد الثلاثةَ استتابهم، فرجع اثنان، فقبل شهادتهما. وأبى أبو بكرة أن يرجع، فردَّ شهادته\" (^٢).\nورواه سليمان بن كَثير، عن الزهري، عن ابن المسيب أن عمر قال لأبي بكرة وشِبْل ونافع: من تاب منكم قبلتُ شهادته (^٣).\nوقال عبد الرزاق (^٤): ثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسرة، عن\n_________\n(^١) كتاب \"الأم\" (٤/ ١٢١).\n(^٢) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٧/ ٢٧ - ط دار المعرفة)، وعمر بن قيس هو سندل الواهي. ويُنظر: \"المسند\" للشافعي (١٧٠٣، ١٧٠٤ - ترتيب سنجر)، و\"السنن\" للشافعي (٤٢٦ - رواية المزني عنه) ــ وتعليق الطحاوي عليه فيه وفي \"بيان المشكل\" (١٢/ ٣٦٠) ــ، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (١٠/ ١٥٢).\n(^٣) رواه الحافظ محمد بن يحيى الذهلي عن أبي الوليد ــ كما في \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٣٨٤) ــ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي عن محمد بن كثير ــ كما في \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤٣١) ــ، كلاهما عن سليمان بن كثير به.\n(^٤) كذا، وإنما رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٥٦٤) بهذا السياق عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيّب، ثم روى نحوه في \"المصنف\" (١٣٥٦٥، ١٥٥٥٠)، وفي \"التفسير\" (٢٠١٠) بالسند الذي ساقه المصنّف رحمه الله تعالى. وأُراه تبع البيهقي الذي علّقه في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٢) عن عبد الرزاق بذاك اللفظ، وأُراه دخل له سند في آخر. ويُنظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (٢٧٦) لأبي عبيد، و\"المدوّنة\" لسحنون (٤/ ٢٣)، و\"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٥٣)، و\"بيان المشكل\" (١٢/ ٣٦٢) كلاهما للطحاوي، و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤٣١، ١١/ ٢٥٩)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (١٠/ ١٥٢).","vol":"1","page":265},{"text":"ابن المسيبِّ أن عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: توبوا تُقْبَلْ شهادتُكم، فتاب منهم اثنان، وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكان عمر لا يقبل شهادته.\nقالوا: والاستثناء عائد على جميع ما تقدَّمه سوى الحدِّ، فإنَّ المسلمين مُجْمِعون على أنه لا يسقط عن القاذف بالتوبة. وقد قال أئمة اللغة (^١): إن الاستثناء يرجع إلى ما تقدَّم كلِّه. قال أبو عبيد في \"كتاب القضاء\" (^٢): وجماعة أهل الحجاز ومكة على قبول شهادته. وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول أن لا تُقبَل أبدًا. وكلا الفريقين إنما تأوَّلوا القرآن فيما نرى. والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى [٧١/ب] انقطع من عند قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، ثم استأنف، فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]، فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصّةً دون الشهادة. وأما الآخرون، فتأوَّلوا أنّ الكلام تبع بعضُه بعضًا على نسق واحد، فقال:\n﴿وَلَا\n_________\n(^١) ليت المصنف ذكر بعضهم. فقد ذكر أبو حيان أنه لم ير من تكلم منهم على هذه المسألة ــ وهي الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة ــ غير ابن مالك والمهاباذي. وقد أيَّد السيوطي قول أبي حيان، ثم ذكر في المسألة خمسة مذاهب، أولها مذهب ابن مالك، وهو عود الاستثناء إلى الجمل كلها. واختار أبو حيان أنه خاص بالجملة الأخيرة. انظر: \"ارتشاف الضرب\" (٣/ ١٥٢١) و\"البحر المحيط\" (٨/ ١٥) و\"همع الهوامع\" (٢/ ٢٦٣).\n(^٢) \"كتاب القضاء\" لأبي عبيد مفقود، ولكن انظر هذا المعنى بنحو هذا اللفظ بل بلفظ أقوى منه في \"الناسخ والمنسوخ\" له (ص ١٥٣ - ١٥٤).","vol":"1","page":266},{"text":"تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فانتظم الاستثناء كلَّ ما كان قبله.\nقال أبو عبيد: وهذا عندي هو القول المعمول به، لأنَّ من قال به أكثرُ (^١)، وهو أصحُّ في النظر، ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل، وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب.\nقالوا: وأما ما ذكرتم عن ابن عباس، فقد قال الشافعي (^٢): بلغني عن ابن عباس أنه كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب.\nوقال علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾: فمن تاب وأصلح، فشهادتُه في كتاب الله تُقْبَل (^٣).\nوقال شَريك عن أبي حَصِين عن الشعبي: يقبل الله توبته، ولا تقبلون (^٤) شهادته؟ (^٥).\n_________\n(^١) في \"الناسخ والمنسوخ\": \" ... أكثر وأعلى، منهم عمر بن الخطاب - ﵁ - فمن وراءه\".\n(^٢) في كتاب \"الأم\" (٧/ ٤٨).\n(^٣) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (٢٧٥)، وابن جرير في \"جامع البيان\" (١٧/ ١٧٢)، والبيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٣).\n(^٤) في النسخ بإهمال حرف المضارع، وفي النسخ المطبوعة: \"يقبلون\"، والتصحيح من مصادر التخريج.\n(^٥) رواه سعيد بن منصور ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٣) ــ، وفي سنده شريك النخعي وليس بالقوي، لكن يقوّيه طريقٌ آخر صحيح عند عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٥٧٦، ١٥٥٥٢)، وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (٢٨١)، وابن جرير في \"جامع البيان\" (١٧/ ١٥٤).","vol":"1","page":267},{"text":"وقال مطرِّف عنه: إذا فرَغ من ضربه، فأكذَبَ نفسَه، ورجع عن قوله= قُبِلت شهادته (^١).\nقالوا: وأما تلك الآثار التي رويتموها، ففيها ضعف. فإنَّ آدم بن فائد غير معروف، ورواته عن عمر قسمان: ثقات، وضعفاء، فالثقات لم يذكر أحد منهم: \"أو مجلودًا في حدٍّ\"، وإنما ذكره الضعفاء كالمثنَّى بن الصبَّاح وآدم والحجَّاج. وحديث عائشة فيه يزيد، وهو ضعيف. [٧٢/أ] ولو صحَّت الأحاديث لَحُمِلت على غير التائب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له (^٢). وقد قَبِل شهادته بعد التوبة عمر وابن عباس (^٣)، ولا يعلم لهما في الصحابة مخالف.\nقالوا: وأعظم موانع الشهادة: الكفر، والسحر، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، والزنا. ولو تاب من هذه الأشياء قُبِلت شهادته اتفاقًا، فالتائب من القذف أولى بالقبول. قالوا: وأين جناية قتله من قذفه؟\nقالوا: والحدُّ يدرأ عنه عقوبة الآخرة، وهو طُهْرة له، فإن الحدود طُهْرة لأهلها؛ فكيف تُقبل شهادته إذا لم يتطهَّر بالحدِّ، وتُرَدُّ أطهرَ ما يكون؟ فإنه بالحدِّ والتوبة قد يطهر طهرًا كاملًا.\nقالوا: وردُّ الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلة التي ذكرها الله عقيب هذا الحكم، وهي الفسق، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، وهو سبب الرد؛\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ١٥٣) ــ، وله طريق آخرعند ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٧/ ١٦٤).\n(^٢) كما في الحديث، وسيأتي تخريجه.\n(^٣) سبق تخريج قولهما قريبًا.","vol":"1","page":268},{"text":"فيجب ارتفاع ما ترتَّب عليه، وهو المنع.\nقالوا: والقاذف فاسق بقذفه، حُدَّ أو لم يُحدَّ، فكيف تقبل شهادته في حال فسقه، وتُرَدّ شهادته بعد زوال فسقه؟\nقالوا: ولا عهد لنا في الشريعة بذنب واحد أصلًا يتاب منه، ويبقى أثره المترتِّب عليه من ردِّ الشهادة. وهل هذا إلا خلاف المعهود منها، وخلاف قوله - ﷺ -: \"التائب من الذنب كمن لا ذنب له\" (^١). وعند هذا، فيقال: توبته من القذف تنزِّله منزلةَ من لم يقذف، فيجب قبول شهادته.\nقالوا (^٢): قال المانعون: القذف متضمِّن للجناية على حقِّ الله وحقِّ الآدمي، وهو من أوفى الجرائم، فناسَبَ تغلُّظَ (^٣) الزجر. وردُّ الشهادة [٧٢/ب] من أقوى أسباب الزجر، لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس، إذ هو عزلٌ لولاية لسانه الذي استطال به على عِرض أخيه، وإبطالٌ لها (^٤). ثم هو عقوبة في محلِّ الجناية، فإن الجناية حصلت بلسانه، فكان\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠) من حديث ابن مسعود مرفوعًا، ويُنظر: \"العلل\" للدارقطني (٥/ ٢٩٧).\n(^٢) كذا في النسخ. وفي ت: \"قالوا: و\". وفي النسخ المطبوعة: \"أو كما قالوا\"، وجعل جزءًا من الفقرة السابقة. فإن لم يكن لفظ \"قالوا\" من سهو النساخ، وقد ثبت في أصل المؤلف، فلعله من سبق القلم أو كان يريد أن يذكر دليلًا آخر لهم، ثم عدل عن ذلك ونسي أن يضرب على الكلمة. أما ما في النسخ المطبوعة فلعله من إصلاح بعض القراء أو الناشرين.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"تغليظ\".\n(^٤) ت: \"وإبطالها\".","vol":"1","page":269},{"text":"أولى بالعقوبة فيه. وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قَطَع يدَ السارق، فإنه حدٌّ مشروع في محلِّ الجناية.\nولا ينتقض هذا بأنه لم يجعل عقوبة الزاني بقطع العضو الذي جنى به لوجوه:\nأحدها: أنه عضو خفي مستور لا تراه العيون، فلا يحصل الاعتبار المقصود من الحدِّ بقطعه.\nالثاني: أنَّ ذلك يفضي إلى إبطال آلات التناسل وانقطاع النوع الإنساني.\nالثالث: أنَّ لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو المخصوص، فالذي نال البدن (^١) من اللذة المحرَّمة مثل ما نال الفرج. ولهذا كان حدُّ الخمر على جميع البدن.\nالرابع: أنَّ قطع هذا العضو مُفْضٍ إلى الهلاك، وغيرُ المحصَن لا تستوجب جريمته الهلاك، والمحصَن إنما تناسب جريمته أشنعَ القِتْلات، ولا يناسبها قطعُ بعض أعضائه= فافترقا.\nقالوا: وأما قبول شهادته قبل الحدِّ وردَّها بعده، فلما تقدَّم أنّ ردَّ الشهادة جُعِل من تمام الحدِّ وتكملته. فهو كالصفة والتتمة للحدِّ، فلا يتقدَّم عليه. ولأن إقامة الحدّ عليه تنقص حالَه عند الناس، وتقلّ حرمته، وهو قبل إقامة الحد قائم الحرمة غير منتهَكها.\nقالوا: وأما التائب من الزنا والكفر والقتل، فإنما قبلنا شهادته لأنَّ ردَّها\n_________\n(^١) ح، ف: \"القذف\". وفي ت: \"القذف البدن\" مع الضرب على \"القذف\". وفي ع: \"اللسان\"، وكتب في الهامش: \"كذا في المنقول عنه: فالذي نال القذف من اللذة\".","vol":"1","page":270},{"text":"[٧٣/أ] كان نتيجة الفسق، وقد زال؛ بخلاف مسألتنا، فإنّا قد بينّا أن ردَّها من تتمة الحدِّ، فافترقا.\nقال القابلون (^١): تغلُّظ (^٢) الزجر لا ضابط له، وقد حصلت مصلحةُ الزجر بالحد. وكذلك سائر الجرائم جعل الشارعُ مصلحة الزجر عليها بالحدِّ، وإلا فلا تطلَّق نساؤه، ولا يؤخذ مالُه، ولا يُعزَل عن مناصبه، ولا تسقط روايته، لأنه أغلظ (^٣) في الزجر، وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة - ﵁ -. وتغلُّظُ (^٤) الزجر من الأوصاف المنتشرة التي لا تنضبط، وقد حصل إيلامُ القلب والبدن والنكايةُ في النفس بالضرب الذي أخذ من ظهره.\nوأيضًا فإنّ ردَّ الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين، وإنما يتأثَّر بذلك وينزجر أعيانُ الناس، وقلَّ أن يوجد القذف من أحدهم. وإنما يوجد غالبًا من الرَّعاع والسَّقَط ومن لا يبالي بردِّ شهادته وقبولها.\nوأيضًا فكم من قاذف انقضى عمره، وما أدَّى شهادة عند حاكم.\n_________\n(^١) س، ت، ف: \"القائلون\"، تصحيف. وكذا في المطبوع، وأثبت بعده: \"بقبولها\"، ونبَّه في الهامش على أنه ساقط من الطبعات السابقة. فهل هذه الزيادة ثابتة في النسخ الخطية المعتمدة فيه؟\n(^٢) ع: \"تغليظ\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وقد سبق لفظ \"التغلظ\" من قبل أيضًا، وسيأتي.\n(^٣) في المطبوع بعده: \"عليه\"، وقال في الهامش: \"إنه ساقط من المطبوع\". ولم ترد هذه الزيادة في شيء من النسخ التي بين أيدينا.\n(^٤) ع: \"تغليظ\".","vol":"1","page":271},{"text":"ومصلحةُ الزجر إنما تكون بمنع النفوس ما (^١) هي محتاجة إليه، وهو كثير الوقوع منها، ثم هذه المناسبة التي ذكرتموها يعارضها ما هو أقوى منها. فإنَّ ردَّ الشهادة أبدًا يلزم (^٢) منه مفسدةُ فواتِ الحقوق على الغير، وتعطيلُ الشهادة في محلِّ الحاجة إليها. ولا يلزم مثل ذلك في القبول، فإنه لا مفسدة فيه في حقِّ الغير من عَدْلٍ تائبٍ قد أصلح ما بينه وبين الله. ولا ريب أنَّ اعتبارَ مصلحةٍ لا يلزم (^٣) منها مفسدةٌ أولى من اعتبار مصلحةٍ يلزم منها عدَّةُ مفاسد في [٧٣/ب] حقِّ الشاهد وحقِّ (^٤) المشهود له وعليه. والشارع له تطلُّعٌ إلى حفظِ الحقوق على مستحقِّها (^٥) بكلِّ طريق، وعدمِ إضاعتها؛ فكيف يبطل حقًّا قد (^٦) شهد به عدلٌ رِضًى (^٧) مقبولُ الشهادة على رسول الله - ﷺ - وعلى دينه روايةً وفتوَى؟\nوأما قولكم: \"إن العقوبة تكون في محلِّ الجناية\" فهذا غير لازم، لما تقدَّم من عقوبة الشارب والزاني. وقد جعل الله سبحانه عقوبةَ هذه الجريمة\n_________\n(^١) في المطبوع: \"في منع النفوس مما\". وقد جاء \"مما\" في ع، لكن النسخ الأخرى اتفقت على \"بمنع النفوس\". و\"المنع\" يتعدَّى بنفسه وبحرف مِن.\n(^٢) كذا في ح، س. وأهمل حرف المضارع في النسخ الأخرى. وفي النسخ المطبوعة: \"تلزم\"، وكلاهما جائز.\n(^٣) ع: \"يلزم\" دون لا النافية، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من سائر النسخ.\n(^٤) لم يرد: \"وحقّ\" في ح، ف.\n(^٥) ع: \"مستحقيها\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٦) ح، ف: \"وقد\".\n(^٧) كذا ضبط في ع، وهو الراجح. وضبط في المطبوع بفتح الراء وكسر الضاد.","vol":"1","page":272},{"text":"على جميع البدن دون اللسان، وإنما جعل عقوبةَ اللسان بسبب الفسق الذي هو محلُّ التهمة، فإذا زال الفسق بالتوبة فلا وجه للعقوبة بعدها.\nوأما قولكم: \"إن ردَّ الشهادة من تمام الحدِّ\" فليس كذلك، فإن الحدَّ تمَّ باستيفاء عدده، وسببُه نفس القذف. وأما ردُّ الشهادة فحكمٌ آخرُ أوجبه الفسق بالقذف، لا الحدّ. فالقذف أوجب حكمين: ثبوت الفسق، وحصول الحد، وهما حكمان متغايران.\nفصل\nوقوله (^١): \"أو ظنينًا في ولاء أو قرابة\". الظنين: المتهم، والشهادة تُرَدُّ بالتهمة. ودلَّ هذا على أنها لا تُرَدُّ بالقرابة، كما لا تُرَدُّ بالولاء، وإنما تُرَدُّ بتهمتهما (^٢). وهذا هو الصواب، كما تقدَّم.\nوقال أبو عبيد: ثنا حجَّاج، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عمر بن الخطاب أنه قال: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه، إذا كانوا عدولًا. لم يقل الله [٧٤/أ] حين قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]: \"إلّا والدًا أو ولدًا أو أخًا\" (^٣)، هذا لفظه (^٤).\nوليس في ذلك عن عمر روايتان، بل إنما منَع من شهادة المتهم في\n_________\n(^١) \"وقوله\" ساقط من ع.\n(^٢) ت: \"بتهمتها\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"وولدًا وأخًا\". وما أثبت من النسخ موافق لما في \"المصنَّف\".\n(^٤) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٥٤٧١)، وابن أبي سبرة تالف هالك.","vol":"1","page":273},{"text":"قرابته وولائه.\nوقال أبو عبيد: حدثني يحيى بن بُكير، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب أنه تجوز شهادة الولد لوالده (^١).\nوقال إسحاق بن راهويه: لم تزل قضاة الإسلام على هذا.\nوإنما قُبِل قولُ الشاهد لظنِّ صدقه، فإذا كان متهمًا عارضت التهمةُ الظنَّ. فبقيت البراءة الأصلية ليس لها معارِض مقاوِم.\nفصل\nوقوله: \"فإنَّ الله ﵎ تولَّى من العباد السرائرَ، وستر عليهم الحدودَ إلا بالبينات\" يريد بذلك أن من ظهرت لنا منه علانيةُ خيرٍ قَبِلنا شهادتَه، ووكلنا سريرته إلى الله سبحانه؛ فإن الله سبحانه لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر، بل على الظواهر، والسرائر تبعٌ لها. وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر، والظواهر تبع لها.\nوقد احتجَّ بعض أهل العراق بقول عمر هذا على قبول شهادة كلِّ مسلم لم تظهر منه ريبةٌ، وإن كان مجهول الحال؛ فإنه قال: \"والمسلمون عدول بعضهم على بعض\"، ثم قال: \"فإن الله تعالى تولَّى من عباده السرائر، وستَر عليهم الحدود\". ولا يدل كلامه على هذا المذهب.\n_________\n(^١) رواه أبو عبيد في كتاب \"القضاء\"، وسندُه هذا مندرجٌ ضمن نسخة روى منها في كتابه \"الأموال\" وغيره. ويشهد للخبر ما رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٥٤٧٥) عن معمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري قال: أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عدلا. وقد تقدم.","vol":"1","page":274},{"text":"بل قد روى أبو عبيد، ثنا الحجَّاج، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن (^١) قال: قال عمر بن الخطاب: لا يُؤْسَرُ (^٢) أحدٌ في الإسلام بشهداء السوء (^٣)، فإنَّا لا نقبل (^٤) إلا العُدول.\nوثنا إسحاق بن علي (^٥) عن مالك بن أنس [٧٤/ب] عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب: والله لا يُؤسَرُ (^٦) رجلٌ في الإسلام بغير العدول (^٧).\n_________\n(^١) كذا وقع هنا، ولعل المؤلف صادر عن كتاب \"القضاء\" لأبي عبيد. وقد روى أبو عبيد هذا اللفظ في \"غريب الحديث\" (٤/ ٢٠٥) بالسند التالي. وقد رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٣٤٩٦) ــ ومن طريقه ابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٣٩٤) ــ عن وكيع، عن المسعودي، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمر، وكأني بالمسعودي اضطرب في سنده، فبَيْنَا هو سندٌ هُذلي مسعودي كوفي، آل إلى سندٍ تيمي بكري مدني، والخبر ضعيف منقطع على الوجهين كليْهما.\n(^٢) أي لا يحبس. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٤/ ٢٠٥).\n(^٣) ح: \"بشهد السوء\" هكذا مع ضبط همزة \"السوء\" بالكسر، فلعل الناسخ نسي كتابة بقية الكلمة الأولى وبخاصة لأنها جاءت في آخر السطر.\n(^٤) ع: \"فإنه لا يقبل\". وكذا في المطبوع.\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، و\"علي\" محرَّفٌ عن \"عيسى\". وهو على الصواب في \"غريب الحديث\".\n(^٦) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: \"لا يؤسرَنَّ\"، وهو خطأ، فإن جواب القسم إذا كان منفيًّا لا يؤكد بالنون. والمثبت من \"الموطأ\" و\"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٨٠). وقد ضبط في طبعة الشيخ محمد محيي الدين \"يُوسِرَنَّ\" بالواو وبكسر السين إذ توهم أنه من أيسَرَ، أي صار ذا يسار وغنًى. وقد تبعه في المطبوع، لكنه وضع علامة الهمزة على الواو: \"يُؤسِرَنَّ\" فأصبحت الكلمة لا معنى لها.\n(^٧) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢٦٦٦)، وسنده ظاهر الانقطاع.","vol":"1","page":275},{"text":"وثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس أنَّ عمر بن الخطاب قال في خطبته: من أظهر لنا خيرًا ظننَّا به خيرًا، وأحببناه عليه. ومن أظهر لنا شرًّا ظننَّا به شرًّا، وأبغضناه عليه (^١).\nوقوله: \"وستر عليهم الحدود\" يعني المحارم، وهي حدود الله التي نهى عن قربانها. والحدُّ يراد به الذنب تارة، والعقوبة أخرى (^٢).\nوقوله: \"إلا بالبينات والأيمان\" يريد بالبينات: الأدلة والشواهد، فإنه صحَّ (^٣) عنه الحدُّ في الزنا بالحَبَل (^٤)، فهو (^٥) بيَّنة صادقة، بل هو أصدق من الشهود. وكذلك رائحة الخمر بيّنة على شُربها عند الصحابة (^٦) وفقهاء أهل المدينة وأكثر فقهاء الحديث (^٧).\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٨٦) عن إسماعيل به. ورواه البيهقي (٩/ ٤٢) من طريق مهدي بن ميمون، عن الجريري به. ورواه عبد الرزاق (٦٠٣٦) عن معمر عن سعيد الجريري عن عمر معضلا! وأصل الحديث عند أبي داود (٤٥٣٧)، والنسائي في \"المجتبى\" (٤٧٧٧)، وفي \"السنن الكبرى\" (٦٩٥٣) دون محلّ الشاهد، ويشهد لمعناه ما في \"الجامع الصحيح\" للبخاري (٢٦٤١) من طريق عبد الله بن عتبة، عن عمر - ﵁ -.\n(^٢) كان في ح: \"تارة\"، فضرب عليه بعضهم وكتب في الهامش \"أخرى صح\"، ولعل التصحيح من نسخة أخرى.\n(^٣) ع: \"قد صحَّ\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) ع: \"وهو\".\n(^٦) يُنظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢٩٢٢٢ - ٢٩٢٢٥)، و\"السنن\" للدارقطني (٣٣٩٠، ٣٣٩١)، و\"السنن الكبير\"للبيهقي (٨/ ٣١٥).\n(^٧) انظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٧/ ٣٣٩) و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٢٢٨) و\"المغني\" (١٢/ ٥٠١).","vol":"1","page":276},{"text":"فصل\nوقوله: \"والأيمان\" يريد بها أيمانَ الزوج في اللِّعان، وأيمانَ أولياء القتيل في القَسامة، وهي قائمة مقام البينة.\nفصل\nوقوله: \"ثم الفهمَ الفهمَ فيما (^١) أُدليَ إليك مما ورد عليك، مما ليس في قرآن ولا سنة. ثم قايِسِ الأمورَ عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمِدْ فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله وأشبَهِها بالحقِّ\".\nهذا أحد ما (^٢) اعتمد عليه القيَّاسُون (^٣) في الشريعة، وقالوا: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى، ولم ينكره أحد من الصحابة، بل كانوا متفقين على القول بالقياس، وهو أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه.\nوقد أرشد الله تعالى عباده إليه [٧٥/أ] في غير موضع من كتابه. فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلًا والثانية فرعًا عليها. وقاس حياة الأموات بعد الموت على حياة الأرض بعد موتها بالنبات. وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أعداؤه على خلق السموات والأرض، وجعله من قياس الأَولى، كما جعل قياس النشأة الثانية على الأُولى من قياس الأَولى. وقاس (^٤) الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم.\n_________\n(^١) في المطبوع: \"مما\"، خطأ.\n(^٢) في المطبوع: \"أحد الآثار ما\". وكلمة \"الآثار\" مقحمة في الجملة كما ترى.\n(^٣) ف: \"القائسون\".\n(^٤) ما عدا ع: \"وقياس\".","vol":"1","page":277},{"text":"وضرَب الأمثال، وصرَّفها في الأنواع المختلفة. وكلُّها أقيسة عقلية ينبِّه بها عبادَه على أنَّ حُكمَ الشيء حكمُ مثله، فإن الأمثال كلَّها قياسات يُعلم منها حكمُ الممثَّل من الممثَّل به. وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلًا تتضمَّن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. فالقياس وضرب الأمثال من خاصِّيَّة (^١) العقل، وقد ركز الله في فِطَر الناس وعقولهم التسويةَ بين المتماثلَين وإنكارَ التفريق بينهما، والفرقَ بين المختلفَين وإنكارَ الجمع بينهما.\nقالوا: ومدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلَين والفرق بين المختلَفين. فإنه إما استدلالٌ بمعيَّن على معيَّن، أو بمعيَّن على عامٍّ، أو بعامٍّ على معيَّن، أو بعامٍّ على عامٍّ. فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال.\nفالاستدلال بالمعيَّن على المعيَّن هو الاستدلال [٧٥/ب] بالملزوم على لازمه، فكلُّ ملزوم دليل على لازمه. فإن كان التلازم من الجانبين كان كلٌّ منهما دليلًا على الآخر ومدلولًا له.\nوهذا النوع ثلاثة أقسام: أحدها: الاستدلال بالمؤثِّر على الأثر. والثاني: الاستدلال بالأثر على المؤثر. والثالث: الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر. فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق، والثاني كالاستدلال بالحريق على النار، والثالث كالاستدلال بالحريق على الدخان؛ ومدارُ ذلك كلِّه على التلازم. فالتسوية بين المتماثلين هو استدلالٌ (^٢) بثبوت أحد\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"خاصة\".\n(^٢) ع: \"الاستدلال\" وكذا في المطبوع.","vol":"1","page":278},{"text":"الأثرين على الآخر، وقياس الفرق هو استدلالٌ (^١) بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر، أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه. فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدَّت طرق الاستدلال، وغُلِّقت أبوابه.\nقالوا: وأما الاستدلال بالمعيَّن على العامِّ، فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين؛ إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعيَّن دليلًا على الأمر العامِّ المشترك بين الأفراد. ومن هذا أدلَّة القرآن بتعذيب المعيَّنين الذين عذَّبهم على تكذيب رسله وعصيان أمره على أن هذا الحكم عامٌّ شامل لكلِّ من سلك سبيلهم واتصف بصفتهم. وهو سبحانه قد نبَّه عباده على نفس هذا الاستدلال، وتعدية هذا الخصوص إلى العموم، كما قال تعالى عقيبَ إخباره عن عقوبات الأمم المكذِّبة لرسلهم وما حلَّ بهم: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣]. فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا (^٢) فلو لم يكن حكمُ الشيء حكمَ مثلِه لما لزمت [٧٦/أ] التعدية، ولا تمَّت الحجة.\nومثل هذا قوله تعالى عقيبَ إخباره عن عقوبة قوم عاد حين رأوا العارض في السماء، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، فقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا\n_________\n(^١) في المطبوع: \"الاستدلال\".\n(^٢) \"وإلا\" ساقط من ع.","vol":"1","page":279},{"text":"أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٦]. فتأمَّلْ قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ كيف تجد المعنى أنَّ حكمَكم حكمُهم، وأنّا إذا كنّا قد أهلكناهم بمعصيةِ رسلنا، ولم يدفع عنهم ما مُكِّنوا فيه من أسباب العيش؛ فأنتم كذلك، تسويةً بين المتماثلين، وإنَّ هذا محضُ عدل الله بين عباده.\nومن ذلك: قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، فأخبر أنَّ حكمَ الشيء حكمُ مثله. وكذلك كلُّ موضعٍ أمَر الله سبحانه فيه بالسَّير في الأرض، سواء كان السيرَ الحِسِّيَّ على الأقدام والدوابِّ، أو السَّير المعنوي بالتفكُّر والاعتبار، أو كان اللفظ يعمُّهما وهو الصواب= فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحِلَّ بالمخاطبين ما حلَّ بأولئك. ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حلَّ بالمكذِّبين، ولولا أنَّ حكمَ النظير حكمُ نظيره حتى يعبر العقل (^١) منه إليه لما حصل الاعتبار.\n[٧٦/ب] وقد نفى الله سبحانه عن حُكمه وحِكمته التسويةَ بين المختلفَين في الحكم، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، فأخبر أنَّ هذا حكم باطل في الفِطَر والعقول، لا تليق نسبته إليه سبحانه. وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"تعبر العقول\".","vol":"1","page":280},{"text":"فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. أفلا تراه كيف ذكَّر العقول ونبَّه الفِطَر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم؟\nوكلُّ هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، وجعله قرينه ووزيره، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] فهذا الكتاب، ثم قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧]. والميزان يراد به العدل، والآلة التي يُعرَف بها العدل وما يضادُّه. والقياس الصحيح هو الميزان، فالأَولى تسميته بالاسم الذي سمَّاه الله به، فإنه يدل على العدل. وهو اسمُ مدحٍ واجب على كلِّ أحد (^١) في كلِّ حال بحسب الإمكان، بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم.\nولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ذمه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه موردُ تقسيم إلى صحيح وفاسد.\nوالصحيح هو الميزان الذي أنزله مع [٧٧/أ] كتابه. والفاسد ما يضادُّه كقياس الذين قاسوا البيعَ على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وقياس الذين قاسوا الميتة على الذكيِّ (^٢) في جواز أكلها بجامع ما يشتركان من إزهاق الروح: هذا بسبب من الآدميين وهذا بفعل الله.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"واحد\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"المذكَّى\". وهما بمعنًى، وقد مرَّ من قبل.","vol":"1","page":281},{"text":"ولهذا تجد في كلام السلف ذمَّ القياس وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به. وهذا حقٌّ، وهذا حقٌّ، كما سنبيِّنه إن شاء الله تعالى.\nوالأقيسة المستعملة في الاستدلال ثلاثة: قياس علّة، وقياس دلالة، وقياس شَبَه؛ وقد وردت كلُّها في القرآن.\nفأما قياس العلّة، فقد جاء في كتاب الله ﷿ في مواضع. منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فأخبر تعالى أنَّ عيسى نظير آدم في التكوين، بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلَّق به وجودُ سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعًا لمشيئته وتكوينه؛ فكيف يَستنكر وجودَ عيسى من غير أبٍ مَن يُقِرُّ بوجود آدم من غير أب ولا أم، ووجودِ حواء من غير أم؟ فآدم وعيسى نظيران يجمعهما المعنى الذي يصح تعليقُ الإيجاد والخلق به.\nومنها: قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] أي: قد كان من قبلكم أمم أمثالكم، فانظروا إلى عواقبهم السيئة، واعلموا أنَّ سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات الله ورسله، وهم الأصل، وأنتم الفرع، والعلة الجامعة التكذيب، والحكم [٧٧/ب] الهلاك.\nومنها: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]، فذكر سبحانه","vol":"1","page":282},{"text":"إهلاكَ مَن قبلنا من القرون، وبيَّن أن ذلك كان لمعنًى (^١)، وهو ذنوبهم. فهم الأصل، ونحن الفرع. والذنوب العلَّة الجامعة، والحكم الهلاك. فهذا محض قياس العلة، وقد أكَّده سبحانه بضرب من الأَولى، وهو أنَّ من قبلنا كانوا أقوى منَّا، فلم تدفع عنهم قوتهم وشدتهم ما حلَّ بهم.\nومنه: قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩].\nوقد اختُلِف في محلِّ هذه الكاف وما تتعلَّق به، فقيل (^٢): هو رفعٌ خبرُ مبتدأ محذوف، أي أنتم كالذين من قبلكم. وقيل: نصبٌ بفعل محذوف، تقديره فعلتم كفعل الذين من قبلكم. والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل، وقيل: إنَّ التشبيه في العذاب. ثم قيل: العامل محذوف، أي لعَنَهم وعذَّبهم كما لعَن الذين من قبل. وقيل (^٣): بل العامل ما تقدَّم، أي وعَد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولعَنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم (^٤).\n_________\n(^١) ع: \"لمعنى القياس\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) من هنا إلى آخر كلامه على الآية ــ ما عدا الاستدلال بها على القياس ــ معظمه منقول بنصه أو بتصرف يسير من كتاب شيخه \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ١١١ - ١٢١)، وعبارة الشيخ أوجز وأحكم.\n(^٣) قال شيخ الإسلام: \"وهو أجود\".\n(^٤) في الاقتضاء (١/ ١١٢): \" ... ولعَنهم كلعن الذين من قبلكم، ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم، ومحلُّها نصب. ويجوز أن يكون رفعًا، أي عذاب كعذاب الذين من قبلكم\".","vol":"1","page":283},{"text":"والمقصود أنه سبحانه ألحقهم بهم في الوعيد، وسوَّى بينهم فيه [ص ٧٨/أ] كما تساووا في الأعمال، وكونُهم كانوا أشدَّ منهم قوةً وأكثرَ أموالًا وأولادًا فرقٌ غيرُ مؤثِّر؛ فعلَّق الحكم بالوصف الجامع المؤثِّر، وألغى الوصف الفارق. ثم نبَّه على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء، فقال: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]. فهذه هي (^١) العلة المؤثرة والوصف الجامع، وقوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ هو الحكم، والذين من قبل هم الأصل، والمخاطبون الفرع.\nقال عبد الرزاق في \"تفسيره\" (^٢): أنا معمر عن الحسن في قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ قال: بدينهم.\nويروى عن أبي هريرة (^٣).\nوقال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا (^٤).\n_________\n(^١) في ح: \"الأعمال\"، وضرب عليه بعضهم وكتب في الهامش: \"هي\".\n(^٢) برقم (١١٠٨)، ورواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١١/ ٥٥٢)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (١٠٥٠٤).\n(^٣) رواه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (١٠٥٠٦)، وأبو الشيخ، كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٧/ ٤٣٢).\n(^٤) كذا عزاه إليه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" (٣/ ٤٦٧) وابن تيمية في \"الاقتضاء\" (١/ ١١٦). وإنما رواه محمد بن مروان السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهذا من أوهى الأسانيد، بل سلسلة الكذب، وهو في الكتاب المنحول المترجَم بـ \"تنوير المقباس\" (ص ١٦١).","vol":"1","page":284},{"text":"وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا (^١).\nوحقيقة الأمر (^٢) أن الخلاق هو النصيب والحظ، كأنه الذي خُلِق للإنسان وقُدِّر له، كما يقال: قِسْمُه الذي قُسِم له، ونصيبه الذي نُصِب له أي أُثبِت، وقِطُّه الذي قُطَّ له، أي قُطِع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقول النبي - ﷺ -: \"إنما يلبس الحريرَ في الدنيا مَن لا خلاق له في الآخرة\" (^٣).\nوالآية تتناول ما ذكره السلف كلَّه، فإنه سبحانه قال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]. فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا والآخرة، وكذلك الأموال والأولاد. وتلك القوة والأموال والأولاد هي الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا. ونفسُ الأعمال التي عملوها بهذه القوة من الخَلاق الذي استمتعوا به، ولو أرادوا بذلك الله والدار الآخرة لكان لهم خلاقٌ في الآخرة. فتمتُّعُهم بها أخذُ حظوظهم العاجلة، وهذا حال من لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان عمله من جنس العبادات أو غيرها.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (١٠٥٠٥) من قول إسماعيل السدي، وهو قول مقاتل بن سليمان في كتابه\"التفسير\" (٢/ ١٨٠).\n(^٢) في \"الاقتضاء\" (١/ ١١٧): \"قال أهل اللغة\". والنقل متصل بما سبق.\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٨٦) ومسلم (٢٠٦٨) من حديث ابن عمر.","vol":"1","page":285},{"text":"ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] فدلَّ هذا على أنَّ حكمَهم حكمُهم، وأنه ينالهم ما نالهم؛ لأنَّ حكمَ النظير حكمُ نظيره.\nثم قال: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، فقيل: \"الذي\" صفة لمصدر محذوف، أي كالخوض الذي خاضوا. وقيل: لموصوف محذوف (^١)، أي كالفَوج (^٢) الذي خاضوا، وهو فاعل الخوض. وقيل: \"الذي\" مصدرية كـ\"ما\"، أي كخوضهم. وقيل: هي موضع \"الذين\" (^٣).\nوالمقصود: أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخَلاق وبين الخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلُّم به وهو الخوض، أو يقع في العمل بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق. فالأول البدع، والثاني اتباع الهوى (^٤). وهذان هما أصلُ كلِّ شرٍّ وفتنة وبلاء، وبهما كُذِّبت الرسل، وعُصي الرَّبُّ، ودُخِلت النار، وحَلَّت العقوبات. فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات.\n_________\n(^١) في \"الاقتضاء\" (١/ ١١٨): \"وفي (الذي) وجهان: أحسنهما أنها صفة المصدر ... والثاني أنه صفة الفاعل\". وهذا أصح، فإن الموصوف محذوف في الوجه الأول أيضًا.\n(^٢) كذا في النسخ الخطية، وأقدم نسخ \"الاقتضاء\". وفي النسخ المطبوعة: \"كخوض القوم\"، ولعله من تصرف بعض الناشرين.\n(^٣) القولان الأخيران إضافة من المؤلف.\n(^٤) في \"الاقتضاء\" (١/ ١١٨): \"والأول: هو البدع ونحوها. والثاني: فسق الأعمال ونحوها\". وبهذا اللفظ نقله المصنف في \"إغاثة اللهفان\" (٢/ ٩٠٢).","vol":"1","page":286},{"text":"ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحبَ هوًى فتَنَه هواه، وصاحبَ دنيا أعجبته (^١) دنياه.\nوكانوا يقولون: احذروا فتنةَ العالم الفاجر، والعابد الجاهل؛ فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكلِّ مفتون (^٢).\nفهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحقَّ ويعملون بخلافه، وهذا يشبه الضالِّين الذين يعملون بغير علم.\nوفي صفة الإمام أحمد: ﵀ (^٣)، عن الدنيا ما كان أصبره! وبالماضين ما كان أشبهه! أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها (^٤).\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي \"الاقتضاء\" و\"الإغاثة\": \"أعمَتْه\".\n(^٢) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" (ص ١٨ - رواية نعيم بن حماد عنه) عن سفيان الثوري قال: يُقال: فذكره. وقد تابع نعيمًا محمدُ بن الحسن البلخي عند الآجري في \"أخلاق العلماء\" (ص ٨٧)، وفي كتابَيْه \"فرض طلب العلم\" (٣٠)، و\"مسألة الطائفين\" (٤)، وتابعه أيضًا محمدُ بن مقاتل عند البيهقي في \"المدخل\" (٥٤٤)، لكن جعله من كلام الثوري. ويُوازَن بما في \"جامع بيان العلم\" لابن عبد البر (١١٦١). ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في \"العلل ومعرفة الرجال\" (٤٥٠١) عن أبيه، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان به. ورواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٦/ ٣٧٦) ضمن رسالة الثوري إلى عباد بن عباد.\n(^٣) \"﵀\" جزء من قول أبي عمير الرملي، لا من قول المصنف كما في النسخ المطبوعة. والسياق في \"الاقتضاء\": \"ووصف بعضهم أحمد بن حنبل، فقال: ﵀ ... \". وقد غيَّر المصنف السياق للاختصار. والسياق في \"الفوائد المنتخبة\": \" ... سمعت أبا عمير ... وذُكر عنده أحمد بن حنبل - ﵀ -، فقال: \"﵀، ... أشبهه. وبالصالحين ما كان ألحقه! عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها\".\n(^٤) رواه أبو إسحاق المزكي في \"الفوائد المنتخبة\" (١٦٩) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٥/ ٢٩١، ٥١/ ٢١٩) وابن الجوزي في \"مناقب الإمام أحمد\" (ص ١٧٥) ــ من قول أبي عمير ابن النحاس الرملي.","vol":"1","page":287},{"text":"وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فبالصبر تُترَك الشهوات، وباليقين تُدفَع الشبهات، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] (^١).\nوفي بعض المراسيل: إن الله يحب البصر الناقد (^٢) عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات (^٣).\n_________\n(^١) \"الاقتضاء\" (١/ ١٢٠). وانظر: \"إغاثة اللهفان\" (٢/ ٩٠٣)، و\"زاد المعاد\" (٣/ ١٠).\n(^٢) أهمل القاف والدال في ح. وفي س: \"البصير النافد\". والمثبت من ع، ف، وكذا في \"الاقتضاء\"، و\"درء التعارض\" (٥/ ١٣١، ٢٦٤). وفي \"الإغاثة\" (٢/ ٩٠٤) و\"درء التعارض\" (٢/ ١٠٥)، (٩/ ٢٢)، و\"مجموع الفتاوى\" (٧/ ٥٤٠) وغيره: \"النافذ\". وقال الزبيدي في \"إتحاف السادة\" (١٠/ ١٠٥): \"بالقاف، أو هو بالفاء والذال\".\n(^٣) قال الإمام ابن تيمية في \"درء التعارض\" (٥/ ١٣١): \"رواه البيهقي مرسلا\". وإنما وجدتُه موصولا، رواه أبو بكر النجاد في \"جزء من حديثه\" (١٨) ــ ومن طريقه أبو مطيع في \"جزءين من أماليه\" (٤٩) ــ، وابن جميع في \"معجم شيوخه\" (ص ٨٨) ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٥٢/ ١٣٨) ــ، ومحمد بن الحسين السلمي الصوفي في \"الأربعين في التصوف\" (٧)، وأبو نعيم في \"الطب\" (٦٦)، وفي\"حلية الأولياء\" (٦/ ١٩٩)، وفي \"الأربعين على مذهب المتحققين من الصوفية\" (٢٥)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١٠٨٠، ١٠٨١)، والبيهقي في \"الزهد\" (٩٥٤)، وقوام السنة الأصبهاني في \"الترغيب والترهيب\" (٤١١)، من حديث عمران بن حصين مرفوعا، وسنده واهٍ جدّا، آفته عمر بن حفص العبدي، على أن هلال بن العلاء (الراوي عنه) صاحب عجائب وأوابد.","vol":"1","page":288},{"text":"فقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ إشارة إلى اتباع الشهوات، وهو داء العصاة. وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ إشارة إلى الشبهات، وهو داء المتبدعة وأهل الأهواء والخصومات. وكثيرًا ما يجتمعان، فقلَّ من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله.\nوالمقصود: أنَّ الله أخبر أنَّ في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم، ويخوض كخوضهم؛ وأنهم لهم من الذمِّ والوعيد كما للذين من قبلهم. ثم حضَّهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠].\nفتأمَّلْ صحةَ هذا القياس وإفادتَه لمن عُلِّق عليه [٧٩/ب] من الحكم، وأنَّ الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي عُلِّق به العقاب. وأكَّده ــ كما تقدَّم - بضرب من الأَولى، وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد؛ فإذا لم يتعذَّر على الله عقابُ الأقوى منهم بذنبه، فكيف يتعذَّر عليه عقابُ مَن هو دونه؟\nومنه: قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. فهذا قياس جليّ، يقول سبحانه: إن شئتُ","vol":"1","page":289},{"text":"أذهبتُكم واستخلفتُ غيركم، كما أذهبتُ مَن قبلكم واستخلفتُكم. فذكر أركان القياس الأربعة: علّة الحكم، وهي عموم مشيئته وكمالها. والحكم، وهو إذهابه بهم وإتيانه بغيرهم. والأصل، وهو مَن كان من قبل. والفرع، وهم المخاطبون.\nومنه: قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩]. فأخبر أن مَن قبلَ المكذِّبين أصلٌ يعتبر به، والفرعُ نفوسهم، فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة.\nومنه: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]. فأخبر سبحانه أنه أرسل محمدًا - ﷺ - إلينا، كما أرسل موسى إلى فرعون؛ وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذًا وبيلًا، فهكذا مَن عصى منكم محمدًا - ﷺ -.\nوهذا في القرآن كثير جدًّا، فقد فُتِح لك بابُه.\nفصل\nوأما قياس الدلالة، فهو الجمع بين الأصل والفرع، بدليل العلَّةِ وملزومِها. [٨٠/أ] فمنه (^١): قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. فدلَّ سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحقَّقوه\n_________\n(^١) ع: \"ومنه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":290},{"text":"وشاهدوه على الإحياء الذي استبعدوه. وذلك قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء بنظيره. والعلَّةُ الموجبةُ هي عموم قدرته سبحانه، وكمال حكمته. وإحياءُ الأرض دليلُ العلة.\nومنه: قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]. فدلَّ بالنظير على النظير، وقرَّبَ أحدَهما من الآخر جدًّا بلفظ الإخراج. أي يخرجون من الأرض أحياءً، كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.\nومنه: قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠].\nفبيَّن سبحانه كيفيةَ الخلق واختلافَ أحوال الماء في الرحم إلى أن صار منه الزوجان الذكر والأنثى، وذلك أمارةُ وجود صانع قادر على ما يشاء. ونبَّه سبحانه عبادَه بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار، وسَوْقِها في مراتب الكمال من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها، حتى صارت بشرًا سويًّا في أحسن خِلقة (^١) وتقويم= على أنه لا يحسُن به أن يترك هذا البشر سُدًى مهملًا معطَّلًا، لا يأمره ولا ينهاه، ولا يقيمه في عبوديته. وقد ساقه في [٨٠/ب] مراتب الكمال من حين كان نطفةً إلى أن صار بشرًا سويًّا، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طَبقًا بعد طبق، وحالًا بعد حال، إلى أن يصير جارَه في داره يتمتَّع بأنواع النعيم، وينظر إلى وجهه، ويسمع كلامه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"خلق\".","vol":"1","page":291},{"text":"ومنه: قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (^١) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧ - ٥٨].\nفأخبر سبحانه أنهما إحياءان، وأن أحدهما معتبَر بالآخر، مقيس عليه. ثم ذكر قياسًا آخرَ: أنَّ من الأرض ما يكون أرضًا طيبةً، فإذا أنزل عليها الماء أخرجت نباتها بإذن ربِّها. ومنها ما تكون أرضًا خبيثةً لا تُخرِج نباتها إلا نكِدًا، أي قليلًا غيرَ منتفَع به، فهذه إذا أنزل عليها الماء لم تُخرِج ما أخرجَت الأرض الطيبة. فشبَّه سبحانه الوحيَ الذي أنزله من السماء على القلوب بالماء الذي أنزله على الأرض، بحصول الحياة بهذا وهذا. وشبَّه القلوبَ بالأرض، إذ هي محلُّ الأعمال، كما أنَّ الأرض محلُّ النبات، وأنّ القلب الذي لا ينتفع بالوحي ولا يزكو عليه ولا يؤمن به كالأرض التي لا تنتفع بالمطر ولا تُخرج نباتها به إلا قليلًا لا ينفع، وأن القلب الذي آمن بالوحي وزكا عليه وعمِل بما فيه كالأرض التي أخرجت نباتها بالمطر، فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقَلَه وتدبَّره [٨١/أ] بان أثرُه عليه، فشُبِّه بالبلد الطيب الذي يمرَع ويُخصِب ويحسُن أثر المطر عليه، فيُنبت من كلِّ زوج كريم، والمُعرِض عن الوحي عكسه. والله الموفق.\n_________\n(^١) في س، ح، ت: \"نشرًا\" دون ضبط. والمقصود قراءة أبي عمرو، وهي بضم النون والشين. انظر: \"الإقناع\" لابن الباذش (٢/ ٦٤٧).","vol":"1","page":292},{"text":"ومنه: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥].\nيقول سبحانه: إن كنتم في ريب من البعث، فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون، ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت. والبعثُ الذي وُعِدتم به نظيرُ النشأة الأولى، فهما نظيران في الإمكان والوقوع، فإعادتُكم بعد الموت خلقًا جديدًا كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها. فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها؟\nوقد أعاد الله (^١) سبحانه ذِكرَ (^٢) هذا المعنى وأبداه في كتابه بأوجز العبارات، وأدلِّها، وأفصحِها، وأقطعِها للعذر، وألزمِها للحجَّة؛ كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٦٢]، فدلَّهم بالنشأة الأولى على الثانية، وأنهم لو تذكَّروا لعلموا أنه (^٣) لا فرق بينهما في تعلُّق القدرة بكلِّ واحدة منهما.\n_________\n(^١) لم يرد لفظ الجلالة في ع والنسخ المطبوعة.\n(^٢) \"ذكر\" ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٣) في ع والنسخ المطبوعة: \"أن\".","vol":"1","page":293},{"text":"وقد جمع سبحانه بين ذكر النشأتين (^١) في قوله: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ [٨١/ب] الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٥ - ٤٧]، وفي قوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (^٢) [القيامة: ٣٧ - ٤٠]، وفي قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٣].\nفتضمنت هذه الآيات (^٣) عشرة أدلة:\nأحدها: قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧]، فذكَّره مبدأَ خلقه، لِيدلَّه به على النشأة الثانية.\n_________\n(^١) في ع والنسخ المطبوعة: \"بين النشأتين\"، ولعل بعض النساخ ظنَّ كلمة \"ذكر\" مقحمة، فحذفها. ولكن انظر إلى قوله في \"إغاثة اللهفان\" (٢/ ٩٠٢): \"وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله ... \". وفي \"مفتاح دار السعادة\" (١/ ١٤٧): \"وقد جمع الله سبحانه بين ذكر هذين النورين، وهما الكتاب والإيمان، في غير موضع من كتابه\".\n(^٢) راجع كلام المصنف على هذه الآية في \"الصواعق المرسلة\" (٢/ ٤٨٠ - ٤٨١).\n(^٣) يعني الآيات الأخيرة من سورة يس. وقد تكلم المصنف عليها بنحو ما جاء هنا في \"الصواعق\" (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧).","vol":"1","page":294},{"text":"ثم أخبر أنَّ هذا الجاحد لو ذكر خلقه لما ضرب المثل، بل لمَّا نسي خلقَه ضرَبَ المثل. فتحت قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألطف جواب وأبين دليل. وهذا كما تقول لمن جحدك أن تكون قد أعطيته شيئًا: فلان جحدني الإحسان إليه، ونسي الثيابَ التي عليه، والمالَ الذي معه، والدارَ التي هو فيها؛ حيث لا يمكنه جحدُ أن يكون ذلك منك.\nثم أجيب عن سؤاله بما يتضمَّن أبلغَ الدليل على ثبوت ما جحده، فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فهذا جواب واستدلال قاطع.\nثم أكَّد هذا المعنى بالإخبار (^١) بعموم علمه لجميع الخلق (^٢)، فإنَّ تعذُّرَ الإعادة عليه إنما يكون لقصور في علمه (^٣) أو قصورٍ في قدرته. ولا قصورَ في علمِ مَن هو بكلِّ خلقٍ عليم، ولا قدرةِ (^٤) مَن خلَق السماوات والأرض، وإذا أراد شيئًا [٨٢/أ] قال له: كن، فيكون. وبيده ملكوتُ كلِّ شيء، فكيف تعجز قدرته وعلمه عن إحيائكم بعد مماتكم ولم تعجز عن النشأة الأولى ولا عن خلق السموات والأرض؟\nثم أرشد عباده إلى دليل واضح جليٍّ متضمِّن للجواب عن شبه المنكرين بألطف الوجوه وأبينها وأقربها إلى العقل، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾، فإن (^٥) هذا دليل على تمام\n_________\n(^١) \"بالإخبار\" ساقط من ع.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"بجميع خلقه\".\n(^٣) ما عدا س، ت: \"لقصور علمه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"ولا قدرة فوق قدرة\" بزيادة \"قدرة فوق\".\n(^٥) في النسخ المطبوعة: \"فإذن\"، وهو خطأ.","vol":"1","page":295},{"text":"قدرته وإخراج الأموات من قبورهم، كما أخرج النار من الشجرة الخضراء. وفي ذلك جواب عن شبهة من قال من منكري المعاد: الموت بارد يابس، والحياة طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حلَّ الموتُ بالجسم لم يمكن أن تحُلَّ به (^١) الحياة بعد ذلك لتضادِّ ما بينهما. وهذه شبهة تليق بعقل (^٢) المكذِّبين الذين لا سمع لهم ولا عقل، فإن الحياة لا تجامع الموت في المحلِّ الواحد ليلزم ما قالوا، بل إذا أوجد الله فيه الحياةَ وطبعَها ارتفع الموتُ وطبعُه. وهذا الشجر الأخضر طبعُه البرودة والرطوبة (^٣) تخرج منه النار الحارَّة اليابسة.\nثم ذكر ما هو أوضح للعقول من كلِّ دليل، وهو خلقُ السموات والأرض مع عظمهما وسعتهما وأنه لا نسبة للخلق الضعيف إليهما. ومن لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس، كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم؟\nثم قرَّر هذا المعنى بذكر وصفين من أوصافه مستلزِمين لما أخبر به، فقال: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. فكونُه خلاقًا عليمًا يقتضي أنه يخلق ما يشاء، ولا يُعجِزه ما أراده من الخلق.\nثم قرَّر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها لا يَقصُر عنه ولا عن شيء أبدًا، [٨٢/ب] فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فلا\n_________\n(^١) س، ت، ع: \"فيه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"بعقول\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"الرطوبة والبرودة\".","vol":"1","page":296},{"text":"يمكنه الاستعصاء عليه، ولا يتعذَّر عليه، بل يأتي طائعًا منقادًا لمشيئته وإرادته.\nثم زاده تأكيدًا وإيضاحًا بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فنزَّه نفسه عما يظنّ به أعداؤه المنكرون للمعاد معظِّمًا لها بأنَّ ملك كلِّ شيء بيده، يتصرَّف فيه تصرُّفَ المالك الحقِّ في مملوكه الذي لا يمكنه الامتناع عن أيِّ تصرُّفٍ شاءه فيه.\nثم ختم السورة بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. كما أنهم ابتدؤوا منه هو، فكذلك مرجعهم إليه. فمنه المبدأ، وإليه المعاد، وهو الأول والآخر. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].\nومنه: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧]، فتأمل تضمُّنَ (^١) هذه الكلمات ــ على اختصارها وإيجازها وبلاغتها ــ للأصل والفرع والعلَّة والحكم.\nومنه: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩] (^٢). فردَّ عليهم سبحانه ردًّا يتضمَّن الدليل القاطع على قدرته على إعادتهم خلقًا جديدًا، فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا\n_________\n(^١) بعض قرَّاء ت ضرب على \"تضمن\" هنا، ووضع علامة بعد \"بلاغتها\"، وكتب في الطرة: \"وتضمُّنها\". أراد إصلاح المتن بزعمه.\n(^٢) قارن بكلام المؤلف على هذه الآية وما بعدها في \"الصواعق\" (٢/ ٤٧٨ - ٤٨٠).","vol":"1","page":297},{"text":"يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]. فلما استبعدوا أن يعيدهم الله خلقًا جديدًا بعد أن صاروا عظامًا ورفاتًا قيل لهم: كونوا حجارةً أو حديدًا أو خلقًا مما يكبُر في صدوركم، سواء كان الموت أو السماء والأرض (^١)، أو أيَّ خلقٍ استعظموه وكبُر في صدورهم (^٢).\nومضمون الدليل أنكم مربوبون مخلوقون، مقهورون على ما شاء (^٣) خالقكم، وأنتم لا تقدِرون [٨٣/أ] على تغيير أحوالكم من خلقة إلى خلقة لا تقبل الاضمحلال كالحجارة والحديد. ومع ذلك فلو كنتم على هذه الخِلقة من القوة والشدة لنفذت أحكامي فيكم وقدرتي ومشيئتي، ولم تسبقوني ولم تفوتوني؛ كما يقول القائل لمن هو في قبضته: اصعد إلى السماء فإني لاحقك، أي لو صعدتَ إلى السماء لحقتُك. وعلى هذا، فمعنى الآية: لو كنتم حجارةً أو حديدًا أو أعظمَ خلقًا من ذلك لما أعجزتموني ولما فُتُّموني.\nوقيل: المعنى كونوا حجارةً أو حديدًا عند أنفسكم، أي صوِّروا أنفسكم وقدِّروها كذلك خلقًا لا يضمحِلُّ ولا ينحَلُّ، فإنا سنميتكم، ثم نحييكم ونعيدكم خلقًا جديدًا. وبين المعنيين فرق لطيف، فإن المعنى الأول يقتضي أنكم لو قدرتم على نقل خلقتكم من حالة إلى حالة هي أشدُّ منها وأقوى لنفذت مشيئتنا وقدرتنا فيكم ولم تُعجزونا، فكيف وأنتم عاجزون عن ذلك؟ والمعنى الثاني يقتضي أنكم صوِّروا أنفسكم وأنزلوها هذه المنزلة، ثم انظروا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"أو الأرض\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"استعظمتموه وكبر في صدوركم\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"يشاء\".","vol":"1","page":298},{"text":"أتفوتونا وتُعجزونا (^١)، أم قدرتنا ومشيئتنا محيطة بكم، ولو كنتم كذلك؟\nوهذا من أبلغ البراهين القاطعة التي لا تعرض فيها شبهة البتّة، بل لا تجد العقول السليمة غيرَ الإذعان (^٢) والانقياد لها. فلما علم القوم صحة هذا البرهان وأنه ضروري انتقلوا إلى المطالبة بمن يعيدهم، فقالوا: من يعيدنا؟ وهذا سواء كان سؤالًا منهم عن تعيين المعيد أو إنكارًا منهم له، فهو من أقبح التعنُّت وأبينه (^٣). ولهذا كان جوابه: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.\nولما علم القوم أن هذا جواب قاطع انتقلوا [٨٣/ب] إلى باب آخر من التعنُّت، وهو السؤال عن وقت هذه الإعادة، فأنغضوا إليه رؤوسهم وقالوا: متى هو؟ فقال تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (^٤). فليتأمَّل اللبيب (^٥) لطفَ موقع (^٦) هذا الدليل، واستلزامه لمدلوله استلزامًا لا محيد عنه، وما تضمَّنه من السؤالات والجواب عنها أبلغَ جواب وأصحَّه وأوضحَه. فللّه ما يفوت المُعْرِضين عن تدبُّر القرآن، المتعوِّضين عنه بزُبالة الأذهان ونُحاتة (^٧) الأفكار!\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا (ت) التي فيها: \"أتفوتوننا\"، والفعل الثاني فيها أيضًا كما في غيرها.\n(^٢) ع: \"بدًّا عن الإذعان\". وفي النسخ المطبوعة: \"عن الإذعان ... لها بدًّا\".\n(^٣) من ع، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي ح، ف: \"وأنتنه\". ولم تعجم الحروف في س، ت.\n(^٤) لم يرد \"قل\" في ت، ح، إلا أن بعض القراء استدركه في طرة ح.\n(^٥) بعده في ح: \"هذه\"، وهي مقحمة هنا.\n(^٦) ع: \"موضع\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٧) في النسخ المطبوعة: \"نخالة\"، وأراه تصحيفًا. انظر ما علقت من قبل.","vol":"1","page":299},{"text":"ومنه: قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].\nجعل الله سبحانه إحياءَ الأرض بالنبات (^١) بعد موتها نظيرَ إحياءِ الأموات، وإخراجَ النبات منها نظيرَ إخراجِهم من القبور، ودلَّ بالنظير على نظيره، وجعل ذلك آيةً ودليلًا على خمسة مطالب:\nأحدها: على (^٢) وجود الصانع، وأنه الحق المبين. وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله.\nالثاني: أنه يحيي الموتى.\nالثالث: عموم قدرته على كلِّ شيء.\nالرابع: إثبات (^٣) الساعة وأنها لا ريب فيها.\nالخامس: أنه يُخرج الموتى من القبور، كما أخرج النبات [٨٤/أ] من الأرض.\n_________\n(^١) \"بالنبات\" ساقط من ع.\n(^٢) لم يرد حرف \"على\" في ع، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع والنسخ المطبوعة: \"إتيان\". وفي ف بعد \"وأنها\" زيادة: \"آتية\".","vol":"1","page":300},{"text":"وقد كرَّر سبحانه ذكر هذا الدليل في كتابه مرارًا، لصحة مقدّماته، ووضوح دلالته، وقُرب تناوله، وبُعده من كلِّ معارضة وشبهة؛ وجَعَله تبصرةً وذكرى، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٧ - ٨]. فالمنيب إلى ربه يتذكَّر بذلك، فإذا تذكَّر تبصَّر به. فالتذكُّر قبل التبصُّر، وإن قُدِّم عليه في اللفظ (^١) كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (^٢) [الأعراف: ٢٠١]. والتذكُّر: تفعُّل من الذكر، وهو حضور صورة المذكور (^٣) في القلب. فإذا استحضَره القلب وشاهَدَه على وجهه أوجَبَ له البصيرة، فأبصر (^٤) ما جُعِل دليلًا عليه، فكان في حقِّه تبصرة وذكرى. والهدى مداره على هذين الأصلين: التذكُّر، والتبصُّر (^٥).\nوقد دعا سبحانه الإنسان إلى أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه (^٦)، ويستدلَّ بذلك على معاده وصدقِ ما أخبرت به الرسل. فقال في الأول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ\n_________\n(^١) كذا قال هنا. وفي \"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٦٠٦) فسَّر الآية على نحو آخر.\n(^٢) ما عدا نسخة (ف) المتأخرة: \"طَيْفٌ من الشيطان\"، وهي قراءة أبي عمرو، وبها قرأ ابن كثير والكسائي أيضًا. انظر: \"الإقناع\" لابن الباذش (٢/ ٦٥٢).\n(^٣) انظر: \"مدارج السالكين\" (١/ ٤٤٠). وفي ع: \"من المذكور\"، زاد \"من\"، وكذا في المطبوع.\n(^٤) ع: \"له الصبر فالصبر\"، تصحيف.\n(^٥) وانظر: \"المدارج\" (٣/ ٨٨) و\"شفاء العليل\" (ص ١٩٤).\n(^٦) \"ورزقه\" ساقط من ع.","vol":"1","page":301},{"text":"لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٥ - ٩].\nفالدافق على بابه، ليس فاعلًا بمعنى مفعول كما يظنُّه بعضهم، بل هو بمنزلة ماء جار وواقف وساكن (^١). ولا خلاف أن المراد بالصُّلْب صلب الرجل. واختُلف في \"الترائب\" فقيل: المراد بها ترائبه أيضًا، وهي عظام الصدر [٨٤/ب] ما بين التَّرْقُوَة إلى الثَّنْدُوَة. وقيل: المراد ترائب المرأة. والأول أظهر (^٢)، لأنه سبحانه قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ولم يقل: يخرج من الصلب والترائب، فلا بدَّ أن يكون ماء الرجل خارجًا من بين هذين المختلفين (^٣)، كما قال في اللبن يخرج: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦]. وأيضًا فإنه سبحانه أخبر أنه خلقه من نطفة في غير موضع، والنطفة هي ماء الرجل. كذلك قال أهل اللغة، قال الجوهري (^٤): \"النطفة: الماء الصافي قلَّ أو كثُر. والنطفة: ماء الرجل، والجمع نُطَف\". وأيضًا فإن الذي يوصف بالدفق والفضخ (^٥) إنما هو ماء الرجل، ولا يقال: فضخت المرأة الماءَ ولا دفقته.\nوالذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك: أنهم رأوا أهل اللغة قالوا:\n_________\n(^١) وانظر: \"التبيان في أيمان القرآن\" (ص ١٦١) و\"بدائع الفوائد\" (٣/ ٩٤١).\n(^٢) في \"تحفة المودود\" (ص ٣٩٣) رجَّح القول الآخر، وقد نُقل بعض كلامه في طرّة ف. وفي \"التبيان\" (ص ١٦٢) ذكر القولين دون ترجيح.\n(^٣) في المطبوع: \"المحلَّين\". والصواب ما أثبت من النسخ، وكذا في الطبعات القديمة.\n(^٤) في \"الصحاح\" (٤/ ١٤٣٤).\n(^٥) ت: \"النضح\" وكذلك \"نضحت\" فيما بعد، وكذا في النسخ المطبوعة. والفضخ: الدفق. في حديث أبي داود (٢٠٦): \"وإذا فضختَ الماء فاغتسِلْ\".","vol":"1","page":302},{"text":"الترائب: موضع القلادة من الصدر. قال الزجاج (^١): أهلُ اللغة مُجْمِعون على ذلك، وأنشدوا لامرئ القيس (^٢):\nمهَفْهَفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفاضةٍ ... ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَل\nوهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة، بل يطلق على الرجل والمرأة. قال الجوهري (^٣): الترائب: عظام الصدر ما بين التَّرْقُوَة إلى الثَّنْدُوَة.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] الصحيح أن الضمير يرجع على الإنسان، أي إن الله على ردِّه إليه لقادر يوم القيامة، وهو اليوم الذي تبلى فيه السرائر. ومن قال: \"إنَّ الضمير يرجع على (^٤) الماء، أي إن الله على رجعه في الإحليل أو في الصَّدر أو حبسه عن الخروج [٨٥/أ] لقادر\" فقد أبعد، وإن كان الله سبحانه قادرًا على ذلك؛ ولكن السِّياق يأباه، وطريقة القرآن وهي الاستدلال بالمبدأ والنشأة الأولى على المعاد والرجوع إليه. وأيضًا فإنه قيَّده بالظرف، وهو ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] (^٥). والمقصود أنه سبحانه دعا الإنسان أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه، فإن ذلك يدلُّه دلالة ظاهرة على معاده\n_________\n(^١) في \"معاني القرآن\" (٥/ ٣١٢).\n(^٢) من معلقته. انظر: \"ديوانه\" (ص ١٥) و\"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري (ص ٥٨).\n(^٣) في \"الصحاح\" (١/ ٩١).\n(^٤) ع: \"إلى\"، وكذا في المطبوع.\n(^٥) في \"التبيان\" (ص ١٦٤ - ١٦٧) استدل المصنف على صحة ما ذهب إليه بعشرة وجوه.","vol":"1","page":303},{"text":"ورجوعه إلى ربه.\nوقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٤ - ٣١]. فجعل سبحانه نظره في إخراج طعامه من الأرض دليلًا على إخراجه هو منها بعد موته، استدلالًا بالنظير على النظير.\nومن ذلك: قوله سبحانه ردًّا على الذين قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٨ - ٩٩] أي مثلَ هؤلاء المكذِّبين. والمراد به النشأة الثانية، وهي الخلق الجديد، وهي المثل المذكور في غير موضع، وهم هم بأعيانهم. فلا تنافي في شيء من ذلك، بل هو الحقُّ الذي دلَّ عليه العقل والسمع. ومن لم يفهم ذلك حقَّ فهمه تخبَّط عليه أمرُ المعاد، وبقي منه في أمر مريج.\nوالمقصود: أنه دلَّهم سبحانه بخلق السموات والأرض على الإعادة والبعث. وأكَّد هذا القياس بضرب من الأَولى، وهو أنَّ خلقَ السموات [٨٥/ب] والأرض أكبرُ من خلق الناس، فالقادرُ على خلق ما هو أكبر وأعظم منكم أقدَرُ على خلقكم، وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته. فليس مع المكذبين بالقيامة إلا مجرَّد تكذيب الله ورسله، وتعجيز قدرته، ونسبة عمله إلى القصور، والقدح في حكمته. ولهذا يخبر الله سبحانه عمَّن أنكر ذلك بأنه كافر بربه، جاحد له، لم يُقِرَّ بربِّ العالمين فاطرِ السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ","vol":"1","page":304},{"text":"أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥]. وقال المؤمن للكافر الذي قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]: فقال له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧]. فمنكِرُ المعاد كافرٌ بربِّ العالمين، وإن زعم أنه مُقِرٌّ به.\nومنه: قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]. يقول تعالى: انظروا كيف بدأتُ الخلق، فاعتبروا الإعادة بالابتداء.\nومنه: قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩].\nوقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠].\nوقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا (^١) مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩ - ١١].\nوقال [٨٦/أ] تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (^٢)\n_________\n(^١) في جميع النسخ: \"وأنزلنا\"، وهو سهو.\n(^٢) ح، ت: \"للكتاب\"، وهي قراءة أبي عمرو، وبها قرأ الحرميان وابن عامر من السبعة. انظر: \"الإقناع\" لابن الباذش (٢/ ٧٠٤).","vol":"1","page":305},{"text":"كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. والسِّجِلُّ: الورق المكتوب فيه، والكتاب: نفس المكتوب، واللام بمنزلة على. أي نطوي السماءَ كطيِّ الدَّرْج على ما فيه من السطور المكتوبة. ثم استدل بالنظير على النظير (^١)، فقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾.\nفصل\nوأما قياس الشَّبَه، فلم يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين. فمنه: قوله تعالى إخبارًا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وُجِد المتاع (^٢) في رَحْل أخيهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] فلم يجمعوا بين الأصل والفرع بعلّة ولا دليلها، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع، سوى مجرَّد الشَّبهِ الجامعِ بينه وبين يوسف، فقالوا: هذا مقيس على أخيه، بينهما شبه من وجوه عديدة، وذاك قد سرَق فكذلك هذا. وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ، والقياس بالصورة (^٣) المجرَّدة عن العلّة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد. والتساوي في قرابة الأخوة ليس بعلّة للتساوي في السرقة لو كانت حقًّا، ولا دليلًا (^٤) على التساوي فيها، فيكون الجمع لنوع شَبَهٍ خالٍ عن العلّة ودليلها.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"على النظير بالنظير\".\n(^٢) كذا \"المتاع\" في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: \"الصواع\". وفي ع: \"وجدوا\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: \"بالضرورة\"، تحريف.\n(^٤) ف: \"دليل\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":306},{"text":"ومنه: قوله تعالى إخبارًا عن الكفار أنهم قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧] فاعتبروا مجرَّد صورة الآدمية وشبه المجانسة فيها، واستدلوا بذلك على أن حكم أحد الشَّبَهين حكم الآخر؛ فكما لا نكون نحن رسلًا فكذلك أنتم. فإذا تساوينا في هذا الشبه، فأنتم مثلُنا، لا مزية لكم علينا. وهذا [٨٦/ب] من أبطل القياس؛ فإنَّ الواقع من التخصيص والتفضيل وجعلِ (^١) بعض هذا النوع شريفًا وبعضِه دنيًّا، وبعضِه مرءوسًا وبعضِه رئيسًا، وبعضِه مَلِكًا وبعضِه سُوقةً= يُبطِل هذا القياس، كما أشار سبحانه إلى ذلك في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وأجابت الرسل عن هذا السؤال بقولهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وأجاب الله سبحانه عنه بقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].\nوكذلك قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤]. فاعتبروا المساواة في البشرية وما هو من خصائصها من الأكل والشرب، وهذا مجرَّدُ قياسِ شَبَهٍ وجمعٍ صُوري.\n_________\n(^١) في المطبوع حذف الواو قبل \"جعل\"، ليكون خبر إنَّ؛ فاختلّ السياق، فإن الخبر \"يبطل\" الآتي.","vol":"1","page":307},{"text":"ونظير هذا قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]. ومن هذا: قياس المشركين الربا على البيع بمجرَّد الشبه الصوري. ومنه: قياسهم الميتة على الذكيِّ (^١) في إباحة الأكل بمجرد الشبه. وبالجملة، فلم يجئ هذا القياس في القرآن إلا مردودًا مذمومًا.\nومن ذلك (^٢): قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ [٨٧/أ] بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥]. فبيَّن سبحانه أن هذه الأصنام أشباح وصور خالية عن صفات الإلهية، وأن المعنى المعتبر معدوم فيها، وأنها لو دُعيت لم تُجِب؛ فهي صور خالية عن أوصاف ومعان تقتضي عبادتها. وزاد هذا تقريرًا بقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. أي (^٣) جميع ما لهذه الأصنام من الأعضاء التي نحتتها أيديكم، إنما هي صور عاطلة عن حقائقها وصفاتها؛ لأن المعنى المراد المختصَّ بالرِّجل هو مشيُها، وهو معدوم في هذه الرِّجل. والمعنى المختص باليد هو بطشها، وهو معدوم في هذه اليد. والمراد بالعين إبصارُها، وهو معدوم في هذه العين؛ ومن الأذن سمعُها وهو معدوم فيها. والصور في ذلك كلِّه ثابتة موجودة، وكلُّها فارغة\n_________\n(^١) ت: \"المذكَّى\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وهما بمعنًى، وقد ورد لفظ \"الذكي\" من قبل.\n(^٢) ت: \"ومنه\".\n(^٣) ع: \"أي أن\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":308},{"text":"خالية عن الأوصاف والمعاني، فاستوى وجودها وعدمها. وهذا كلُّه مُدْحِض لقياس الشَّبَه الخالي عن العِلَّة المؤثرة والوصف المقتضي للحكم. والله أعلم.\nفصل\nومن هذا: ما وقع في القرآن من الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون، فإنها تشبيهُ شيء بشيء في حكمه، وتقريبُ المعقول من المحسوس، أو أحدِ المحسوسَين من الآخر، واعتبارُ أحدهما بالآخر، كقوله تعالى في حقِّ المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ [٨٧/ب] لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ (^١) إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٧ - ٢٠]. فضرب (^٢) للمنافقين بحسب حالهم مثلين: مثلًا ناريًّا، ومثلا مائيًّا (^٣)، لما في النار والماء من الإضاءة والإشراق والحياة؛ فإن النار مادة النور، والماء مادة الحياة. وقد جعل الله سبحانه الوحيَ الذي أنزله من السماء متضمِّنًا لحياة القلوب واستنارتها، ولهذا سمَّاه روحًا ونورًا، وجعل قابليه أحياءً في النور، ومن لم يرفع به رأسًا أمواتًا في الظلمات.\n_________\n(^١) هكذا في س. وزاد ناسخ ح: \"يجعلون\" سهوًا فيما يبدو. وفي ت، ع إلى \"حذر الموت\".\n(^٢) ف: \"فضرب الله\". وكتب بعضهم في ح أيضًا لفظ الجلالة فوق السطر.\n(^٣) انظر في المثلين: \"الوابل الصيب\" (ص ١٢٥ - ١٣٢) و\"اجتماع الجيوش الإسلامية\" (ص ٣٩ - ٧٥). وفي \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٣٢) أحال لأسرارهما على كتابنا هذا.","vol":"1","page":309},{"text":"وأخبر عن حال المنافقين بالنسبة إلى حظِّهم من الوحي، وأنهم بمنزلة من استوقد نارًا لتضيء له وينتفع بها. وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاؤوا به، وانتفعوا به، وآمنوا به، وخالطوا (^١) المسلمين؛ ولكن لما لم تكن تصحبهم (^٢) مادةٌ من قلوبهم من نور الإسلام طفئ عنهم، وذهب الله بنورهم. ولم يقل: \"بنارهم\"، فإن النار فيها الإضاءة والإحراق، فذهب الله بما فيها من الإضاءة، وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق، وتركهم في ظلمات لا يبصرون. فهذا حال من أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر، ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه؛ فهو لا يرجع إليه. ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.\nثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي، فشبَّههم بأصحاب صيِّبٍ ــ وهو المطر الذي يَصُوب، أي ينزل من السماء ــ فيه ظلمات ورعد وبرق، فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدَّت عليهم زواجرُ القرآن ووعيده وتهديده، وأوامره ونواهيه [٨٨/أ] وخطابه الذي يشبه الصواعق. فحالُهم كحال من أصابه مطرٌ فيه ظلمة ورعد وبرق، فلِضعفِه وخوَرِه جعل إصبعيه في أذنيه، وغمَّض عينيه خشيةً من صاعقةٍ تصيبه.\nوقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرًا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة، إذا سمعوا شيئًا من آياتِ الصفات وأحاديثِ الصفات المنافيةِ لبدعتهم رأيتَهم عنها معرضين، ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠ - ٥١]. ويقول مخنثهم: سُدُّوا عنَّا هذا الباب، واقرؤوا شيئًا غير هذا. وترى\n_________\n(^١) ع: \"خالفوا\"، تصحيف. وقد سقط منها: \"وآمنوا به\".\n(^٢) ع: \"لصحتهم\"، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: \"لصحبتهم\".","vol":"1","page":310},{"text":"قلوبهم مولِّيَةً، وهم يجمحون، لثقل معرفة الربِّ تعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم. وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جُرِّد لهم التوحيدُ، وتُليت عليهم نصوصُه (^١) المبطِلةُ شركَهم (^٢)، اشمأزَّتْ قلوبهم، وثقُل (^٣) عليهم، ولو وجدوا السبيل إلى سدِّ آذانهم لفعلوا. وكذلك تجد أعداء أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا سمعوا نصوص الثناء على الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله - ﷺ - ثقل ذلك عليهم جدًّا، وأنكرته قلوبهم. وهذا كلُّه شبَه ظاهر، ومثلٌ محقَّق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه الله لهم بالماء، فإنهم لمّا تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم.\nفصل\nوقد ذكر الله المثلين المائي والناري في سورة الرعد (^٤)، ولكن في حقِّ المؤمنين؛ فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ (^٥) عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ [٨٨/ب] مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ\n_________\n(^١) يعني: \"نصوص التوحيد\". وفي النسخ المطبوعة: \"النصوص\".\n(^٢) ت: \"لشركهم\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"ثقلت\"، ولعله تصرف من بعض الناشرين.\n(^٤) انظر في المثلين: \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٣١) و\"طريق الهجرتين\" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) و\"مفتاح دار السعادة\" (١/ ١٦٤ - ١٦٦، ٣٥٢) و\"الوابل الصيب\" (ص ١٣٣ - ١٣٤، ١٤٣).\n(^٥) س، ح: \"توقدون\". وهي قراءة أبي عمرو، وبها قرأ الحرميان وابن عامر. انظر: \"الإقناع\" لابن الباذش (٢/ ٦٧٥).","vol":"1","page":311},{"text":"فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].\nشبَّه (^١) الوحيَ الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبَّه القلوب (^٢) بالأودية. فقلبٌ كبيرٌ يسع علمًا عظيمًا كواد كبير يسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٌ إنما يسع بحسَبه كالوادي الصغير، فسالت أوديةٌ بقدرها، واحتملت قلوبٌ من الهدى والعلم بقدرها.\nوكما أنّ السَّيل إذا خالط الأرضَ ومرَّ عليها احتمل غثاءً وزَبَدًا، فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوبَ أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويُذهبها، كما يثير الدواءُ وقتَ شُربه من البدن أخلاطه (^٣)، فيتكرَّب (^٤) بها شاربُه. وهي من تمام نفع الدواء، فإنه أثارها ليذهب بها، فإنه لا يجامعها ولا\n_________\n(^١) في المطبوع: \"فشبَّه\".\n(^٢) \"والأسماع ... القلوب\" ساقط من ت. وكذا كان ساقطًا من ح ولكن استدرك عند المقابلة.\n(^٣) وهي أخلاط أربعة في النظام الطبي القديم: الدم والبلغم والصفراء والسوداء.\n(^٤) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: \"فيتكدَّر\"، والظاهر أنه من إصلاح بعض الناشرين. والكرب والإكراب والتكرب من الألفاظ الكثيرة الدوران في كتب الطب في هذا السياق. ومنه قول ابن النفيس في كتابه \"الشامل في الصناعة الطبية\" (٢/ ٢٩٩) في وصف الأسطوخوذُس: \"يُكثِر تكرُّبَ المحرورين والصفراويين وذلك لأجل زيادته في سوء مزاجهم\". ويقول ابن البيطار في \"الجامع\" (١/ ٢٥) عن الدواء نفسه: \"يُكْرِبُ أصحابَ المرّة الصفراء ويقيِّئهم ويعطِّشهم\". وفي \"الحاوي في الطب\" (٢/ ٣٠٧): \"فإن الدواء إذا لقي طبيعةً يابسةً قويةً أكرَبَ، وأمغَصَ، وقلَّ فعلُه ... \".","vol":"1","page":312},{"text":"يُساكنها (^١). وهكذا يضرب الله الحقَّ والباطل.\nثم ذكر المثل الناري فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ (^٢) عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ وهو الخَبَث الذي يخرج عند سَبْك الذهب والفضة والنحاس والحديد، فتُخرجه النار، وتميِّزه، وتفصله عن الجوهر الذي يُنتفَع به، فيُرمى ويُطرَح ويذهب جُفاءً. فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلبُ المؤمن ويطرحها ويجفوها، كما يطرح السيلُ والنارُ ذلك الزَّبد والغثاء والخبث، ويستقرُّ في قرار الوادي الماءُ الصافي الذي يستقي منه الناس، ويزرعون، ويسقون أنعامهم. [٨٩/أ] كذلك يستقِرُّ في قرار القلب وجِذْره الإيمانُ الخالص الصافي الذي ينفع صاحبَه وينتفع به غيرُه. ومن لم يفقه هذين المثلين، ولم يتدبَّرهما ويعرِفْ ما يراد منهما، فليس من أهلهما. والله الموفق.\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].\nشبَّه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزيَّن في عين الناظر، فتروقه بزينتها وتُعجِبه، فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتّى إذا ظنَّ أنه مالكٌ لها قادرٌ\n_________\n(^١) ت: \"يشاركها\"، وكذا في الطبعات القديمة.\n(^٢) وهنا أيضًا في س، ح: \"توقدون\" على قراءة أبي عمرو، كما سبق.","vol":"1","page":313},{"text":"عليها سُلِبَها بغتةً أحوجَ ما كان إليها، وحيل بينه وبينها. فشبَّهها بالأرض التي ينزل الغيثُ عليها فتُعْشِب، ويحسُن نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغترُّ به، ويظنُّ أنه قادر عليها، مالك لها. فيأتيها أمرُ الله، فتدرك نباتَها الآفةُ بغتةً، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنُّه، وتصبح يداه صفرًا منها. فهكذا حال الدنيا والواثقِ بها سواء. وهذا من أبلغ التشبيه والقياس. ولما كانت الدنيا عرضةً لهذه الآفات، والجنةُ سليمةً منها، قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] (^١). فسمَّاها هنا \"دار السلام\" لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعمَّ بالدعوة إليها، وخصَّ بالهداية من يشاء. فذاك عدلُه، وهذا فضلُه (^٢).\nفصل\n[٨٩/ب] ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤]. فإنه سبحانه ذكر الكفار، ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمعَ وما كانوا يبصرون. ثم ذكر المؤمنين، ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربِّهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن. جعل (^٣) أحد الفريقين كالأعمى والأصمِّ من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق، أصمَّ عن سماعه؛ فشبَّهه بمن بصرُه أعمى عن رؤية الأشياء، وسمعُه أصمُّ عن سماع الأصوات. والفريق الآخر\n_________\n(^١) \"ويهدي ... \" إلخ من ت وحدها. وستأتي الإشارة إليه في كلام المصنف.\n(^٢) وانظر: \"عدة الصابرين\" (ص ٣٣٤ - ٣٣٥).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"وجعل\". ولم ترد الواو في شيء من النسخ المعتمدة.","vol":"1","page":314},{"text":"بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن. فتضمَّنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾.\nومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءَ أضعفُ منهم؛ فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا، وهو أوهن البيوت وأضعفها.\nوتحت هذا المثل أنَّ هؤلاء المشركين أضعفُ ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء، فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ [٩٠/أ] نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥]. وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١].\nفهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليًّا يتعزَّز به، ويتكثَّر (^١) به، ويستنصر به= لم يحصل له به إلا ضدُّ مقصوده. وفي\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"يتكبَّر\".","vol":"1","page":315},{"text":"القرآن أكثر من ذلك. وهذا من أحسن الأمثال وأدلِّها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده.\nفإن قيل: فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فكيف نفى عنهم علمَ ذلك بقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\nفالجواب أنه سبحانه لم ينفِ عنهم علمَهم بوهن بيت العنكبوت، وإنما نفى عنهم علمَهم بأنَّ اتخاذَهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتًا، فلو علموا ذلك لما فعلوه، ولكن ظنُّوا أنّ اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزًّا، وقوّةً، فكان الأمر بخلاف ما ظنّوه.\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠].\nذكر [٩٠/ب] سبحانه للكافرين مثلين (^١): مثلًا بالسراب، ومثلًا بالظلمات المتراكمة. وذلك لأنَّ المُعرِضين عن الهدى والحق نوعان: أحدهما: من يظن أنه على شيء، فتبيَّن (^٢) له عند انكشاف الحقائق خلافُ ما\n_________\n(^١) وانظر في تفسير المثلين أيضًا: \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" (ص ٢٧ - ٣٩).\n(^٢) ع: \"فيبين\"، تصحيف. وفي س: \"فيتبيَّن\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":316},{"text":"كان يظنه. وهذه حال أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدًى وعلم، فإذا انكشفت الحقائق تبيَّن لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتَّبت عليها كانت كسرابٍ (^١) يُرَى في عين الناظر ماءً، ولا حقيقة له. وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره، يحسبها العامل نافعةً له، وليست كذلك. وهذه هي الأعمال التي قال الله ﷿ فيها: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].\nوتأمَّلْ جَعْلَه (^٢) سبحانه السَّرابَ بالقيعة، وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات والعالم. فمحلُّ السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له. وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى.\nوتأمَّل ما تحت قوله: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾. والظمآن: الذي قد اشتدَّ عطشُه، فرأى السرابَ، فظنَّه ماءً، فتبِعه، فلم يجده شيئًا، بل خانه أحوجَ ما كان إليه. فكذلك هؤلاء، لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسل (^٣) ولغير الله جُعِلَتْ كالسراب، فرُفِعَتْ لهم أظمأَ ما كانوا، وأحوجَ ما كانوا إليها، فلم يجدوا شيئًا؛ ووجدوا الله سبحانه ثَمَّ، فجازاهم بأعمالهم، ووفَّاهم حسابهم.\nوفي \"الصحيح\" (^٤) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: \"بقيعة\".\n(^٢) ع: \"جعله الله\" ولعل الناسخ ظنَّه فعلًا ماضيًا. وفي طرّتها: \"ظ تشبيه\" يعني أن \"جعله\" محرَّف عن \"تشبيه\". وكذا أثبت في المطبوع: \"تشبيه الله\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"الرسول\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣).","vol":"1","page":317},{"text":"حديث التجلِّي يوم القيامة: \"ثم يؤتى بجهنَّم [٩١/أ] تُعرَض كأنها السَّراب. فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنَّا نعبد عزيرَ بن الله. فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد؛ فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا. فيقال: اشربوا. فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنَّا نعبد المسيح بن الله. فيقال لهم: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد؛ فما تريدون: فيقولون: نريد أن تسقينا. فيقال لهم: اشربوا، فيتساقطون\" وذكر الحديث.\nوهذه حال كلِّ صاحبِ باطل، فإنه يخونه باطلُه أحوجَ ما كان إليه، فإن الباطل لا حقيقة له، وهو كاسمه باطل. فإذا كان الاعتقاد غير مطابق ولا حقٍّ كان متعلقه باطلًا، وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة ــ كالعمل لغير الله، أو على غير أمره ــ بطل العملُ ببطلان غايته. وتضرَّر عاملُه ببطلانه، وبحصول ضدِّ ما كان يؤمِّله. فلم يذهب عليه عمله واعتقاده، لا له ولا عليه، بل صار معذَّبًا بفوات نفعه، وبحصول ضدِّ النفع. فلهذا قال تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩]. فهذا مثل الضالِّ الذي يحسب أنه على هدى.\nفصل\nوالنوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة. وهم الذين عرفوا الحق والهدى، وآثروا عليه ظلمات الباطلِ والضلال، فتراكمت عليهم ظلمةُ الطبع، وظلمةُ النفوس، وظلمةُ الجهل ــ حيث لم يعملوا بعلمهم، فصاروا جاهلين ــ وظلمةُ اتباع الغي والهوى. فحالهم كحال من كان في بحر لُجِّيٍّ لا ساحل له، وقد غشيه موجٌ، ومن فوق ذلك الموج موجٌ، ومن فوقه سحاب","vol":"1","page":318},{"text":"[٩١/ب] مظلم. فهو في ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب. وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يُخرجه الله منها إلى نور الإيمان.\nوهذان المثلان بالسَّرابِ الذي ظنَّه مادَّةَ الحياة وهو (^١) الماء، والظلماتِ المضادَّة للنور= نظيرُ المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين والمؤمنين، وهما المثل المائي والمثل الناري، وجعل حظَّ المؤمنين منهما الحياةَ والإشراق، وحظَّ المنافقين منهما الظلمةَ المضادَّةَ للنور، والموتَ المضادَّ للحياة؛ فكذلك الكفارُ في هذين المثلين، حظُّهم من الماء السرابُ الذي يغُرُّ الناظرَ ولا حقيقة له، وحظُّهم الظلمات المتراكمة.\nوهذا يجوز أن يكون المراد به حال كلِّ طائفة من طوائف الكفار، وأنهم عدِموا مادةَ الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي؛ فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد. ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف، فكانوا يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا. وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبُّوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعَمُوا عنه بعد أن أبصروه، وجحدوه بعد أن عرفوه. فهذا حال المغضوب عليهم، والأول حال الضالِّين. وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٥ - ٣٨]. فتضمَّنت الآيات\n_________\n(^١) في المطبوع: \"هما\"، وهو خطأ.","vol":"1","page":319},{"text":"أوصاف الفِرَق الثلاثة (^١): المنعَم [٩٢/أ] عليهم وهم أهل النور، والضالين وهم أصحاب السَّراب، والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة. والله أعلم.\nفالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع، والمثل الثاني لأصحاب العلوم والنظر والأبحاث التي لا تنفع. فأولئك أصحاب العمل الباطل، وهؤلاء أصحاب العلم الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة، وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق. ولهذا مثَّل حالَ الفريق الثاني في تلاطُم أمواج الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم، بتلاطم أمواج البحر فيه، وأنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم. وهكذا أمواج الشكوك والشُّبَه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سُحُبُ الغيِّ والهوى والباطل. فليتدبَّر اللبيب أحوال الفريقين، وليطابق بينهما وبين المثلين، يعرِفْ عظمةَ القرآن وجلالتَه، وأنه تنزيل من حكيم حميد.\nوأخبر سبحانه أنَّ الموجِبَ لذلك أنه لم يجعل لهم نورًا، بل تركهم على الظلمة التي خُلِقوا فيها، فلم يُخرجهم منها إلى النور؛ فإنه سبحانه وليُّ الذين آمنوا يُخْرِجهم من الظلمات إلى النور. وفي \"المسند\" (^٢) من حديث عبد الله بن عمرو (^٣) أن النبي - ﷺ - قال: \"إنَّ الله خلَق خَلْقَه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ\".\n_________\n(^١) كذا في النسخ موضع \"الثلاث\"، وهو جائز في الوصف.\n(^٢) (٦٦٤٤، ٦٨٥٤ م)، والترمذي (٢٦٤٢)، وقال: هذا حديث حسن.\nوصححه ابن حبان (٣٨٦٦)، والحاكم (١/ ٣٠ - ٣١).\n(^٣) في النسخ الخطية جميعًا: \"عبد الله بن عمر\"، وهو خطأ.","vol":"1","page":320},{"text":"فلذلك أقول: جفَّ القلمُ على علم الله، فالله سبحانه خلق الخلق في ظلمة، فمن أراد هدايته جعل له نورًا وجوديًّا يُحيي به قلبه وروحه، كما يحيي بدنه [٩٢/ب] بالروح التي ينفخها فيه. فهما حياتان: حياة البدن بالروح، وحياة الروح والقلب بالنور. ولهذا سمَّى سبحانه الوحي \"روحًا\" لتوقُّف الحياة الحقيقية عليه، كما قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢]، وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فجعل وحيه روحًا ونورًا، فمن لم يُحْيِه بهذا الروح فهو ميِّت، ومن لم يجعل له نورًا منه فهو في الظلمات، ما له من نور.\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، فشبَّه أكثرَ الناس بالأنعام، والجامعُ بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له. وجعل الأكثرين أضلَّ سبيلًا من الأنعام، لأن البهيمة يهديها سائقها، فتهتدي وتتبع الطريق، فلا تحيد عنها يمينًا ولا شمالًا. والأكثرون يدعوهم الرسل، ويهدونهم السبيلَ، فلا يستجيبون، ولا يهتدون، ولا يفرِّقون بين ما يضرُّهم وبين ما ينفعهم. والأنعام تفرِّق بين ما يضرُّها من النبات والطريق فتجتنبه، وما ينفعها فتؤثره. والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبًا تعقل بها، ولا ألسنةً تنطق بها؛ وأعطى ذلك لهؤلاء، ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار، فهم أضلُّ من البهائم. فإن من لا","vol":"1","page":321},{"text":"يهتدي إلى الرشد [٩٣/أ] وإلى الطريق مع الدليل إليه أضلُّ وأسوأ حالًا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه.\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، وهذا دليل قياسي (^١) احتجَّ الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجةً يعرفون صحتها من نفوسهم، لا يحتاجون فيها إلى غيرهم. ومن أبلغ الحِجاج أن يأخذ (^٢) الإنسانَ من نفسه، ويحتجَّ عليه بما هو في نفسه، مقرَّرٌ عندها، معلومٌ لها؛ فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاءُ في المال والأهل؟ أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم، فأنتم وهم في ذلك سواء، تخافون أن يقاسموكم أموالكم ويشاطروكم إياها، ويستأثرون ببعضها عليكم، كما يخاف الشريك شريكه؟ وقال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا (^٣).\nوالمعنى: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبدُه شريكَه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرَّف\n_________\n(^١) ع: \"قياس\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في المطبوع وحده: \"يؤخذ\".\n(^٣) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٨/ ٤٩٠)، وفي سنده ضعفٌ وانقطاع.","vol":"1","page":322},{"text":"فيه، كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار؟ فإذا لم ترضَوا ذلك لأنفسكم، فلِمَ عدلتم بي مِن خلقي مَن هو مملوك لي؟ فإن كان هذا الحكم باطلًا (^١) في فِطَركم وعقولكم، مع أنه جائز عليكم، ممكن في حقِّكم؛ إذ ليس عبيدكم ملكًا لكم حقيقةً، وإنما هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، وأنتم وهم عباد (^٢) لي= فكيف تستجيزون [٩٣/ب] مثل هذا الحكم في حقِّي، مع أنَّ مَن جعلتموهم لي شركاءَ عبيدي وملكي وخلقي؟ فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول (^٣).\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥ - ٧٦].\nهذان مثلان متضمِّنان قياسين من قياس العكس، وهو نفيُ الحكم لنفي علّتِه وموجِبه. فإن القياس نوعان: قياس طرد يقتضي إثباتَ الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه، وقياس عكس يقتضي نفيَ الحكم عن الفرع لنفي علَّةِ الحكم فيه.\n_________\n(^١) ح، ف: \"فإنَّ هذا الحكم باطل\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"عبيد\".\n(^٣) وانظر: \"الداء والدواء\" (ص ٣٢٠) و\"مدارج السالكين\" (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":323},{"text":"فالمثل الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان. فالله سبحانه هو المالك لكلِّ شيء، يُنفِق كيف يشاء على عبيده سرًّا وجهرًا وليلًا ونهارًا، يمينه ملأى لا يغيضها نفقةٌ، سحَّاءُ الليلَ والنهارَ (^١). والأوثان مملوكة عاجزة، لا تقدر على شيء. فكيف تجعلونها شركاء لي، وتعبدونها من دوني، مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين؟ هذا قول مجاهد (^٢) وغيره.\nوقال ابن عباس: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، ومثَّل المؤمنَ في الخير الذي عنده بمن رزَقه منه رزقًا (^٣) حسنًا، فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرًّا وجهرًا. والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء، لأنه لا خير عنده. فهل يستوي الرجلان [٩٤/أ] عند أحد من العقلاء؟ (^٤).\nوالقول الأول أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٤].\nثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ﴾ (^٥) [النحل: ٧٥] ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحِّد كمن رزقه منه رزقًا\n_________\n(^١) كما في حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري (٤٦٨٤) ومسلم (٩٩٣).\n(^٢) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٤/ ٣١١) من طريقين عن مجاهد.\n(^٣) ع: \"عنده ثم رزقًا\"، سقط وتصحيف.\n(^٤) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٤/ ٣٠٨) بنحوه مختصرًا.\n(^٥) كذا ورد هذا الجزء من الآية المذكورة في النسخ. وفي النسخ المطبوعة وردت تكملته: \"على شيء\" أيضًا.","vol":"1","page":324},{"text":"حسنًا، والكافر المشرك (^١) كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. فهذا مما نبَّه عليه المثلُ وأرشد إليه. فذكره ابن عباس منبِّهًا (^٢) على إرادته لا أن الآية اختصَّت به، فتأمَّلْه؛ فإنك تجده كثيرًا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظنّ الظانُّ أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قولَه.\nفصل\nوأما المثل الثاني، فهو مثل ضربه الله لنفسه ولما يُعبد من دونه أيضًا. فالصنم الذي يُعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق، بل هو أبكم القلب واللسان، قد عدِمَ النطقَ القلبي واللساني، ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة؛ ومع هذا فأينما أرسلتَه لا يأتيك بخير، ولا يقضي لك حاجة. والله تعالى حيٌّ قادر متكلم، يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم. وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد، فإنَّ أمرَه بالعدل ــ وهو الحق ــ يتضمَّن أنه سبحانه عالم به، معلِّم له، راضٍ به، آمرٌ لعباده به، محِبٌّ لأهله، لا يأمر بسواه. بل تنزَّه [٩٤/ب] عن ضدِّه الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل. بل أمرُه وشرعُه عدلٌ كلُّه، وأهلُ العدل هم أولياؤه وأحباؤه، وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور (^٣).\nوأمرُه بالعدل يتناول الأمرَ الشرعي الديني والأمرَ القدري الكوني، وكلاهما عدل لا جور فيه بوجهٍ ما، كما في الحديث الصحيح: \"اللهم إني\n_________\n(^١) ت: \"والمشرك الكافر\".\n(^٢) زاد في المطبوع بعده: \"به\".\n(^٣) كما في حديث عبد الله بن عمرو في \"صحيح مسلم\" (١٨٢٧).","vol":"1","page":325},{"text":"عبدُك، ابنُ عبدك، ابنُ أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك\" (^١). فقضاؤه هو أمره الكوني، فإنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له: \"كن\"، فيكون؛ فلا يأمر إلا بحق وعدل. وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل، وإن كان في المقضيِّ المقدَّر ما هو جور وظلم، فالقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدر.\nثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم. وهذا نظير قول رسوله شعيب (^٢): ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]. فقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ نظير قوله: \"ناصيتي بيدك\"، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ نظير قوله: \"عدلٌ فيَّ قضاؤك\" (^٣). فالأول ملكه، والثاني حمده؛ وهو سبحانه له الملك وله الحمد.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٣٧١٢، ٤٣١٨) من حديث ابن مسعود مرفوعا. وصححه ابن حبان (١٧٥٧)، وقال الحاكم (١/ ٥٠٩ - ٥١٠): \"صحيح على شرط مسلم، إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه؛ فإنه مُختلَفٌ في سماعه من أبيه\". ووازن بما في \"العلل\" للدارقطني (٥/ ٢٠٠).\n(^٢) كذا في جميع النسخ الخطية هنا وفيما بعد، غير أن بعض القراء طمسه هنا في ح وكتب فوقه: \"هود\" وفي الموضع الآتي ضرب عليه، وكتب في الطرة. وفي ف شطبه هنا، وطمسه فيما بعد. وكذا وقع في \"روضة المحبين\" (ص ٩٥) و\"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ١٠٥٨)، فهو وهم من المصنف - ﵀ -. وجاء على الصواب في \"زاد المعاد\" (٤/ ١٩٠) و\"شفاء العليل\" (ص ٨٧، ٢٠١، ٢٧٥) و\"الداء والدواء\" (ص ٤٨٠) وغيره.\n(^٣) وانظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ١٩٠) و\"شفاء العليل\" (ص ٢٧٥) و\"الفوائد\" (ص ٣٣).","vol":"1","page":326},{"text":"وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق، ولا يأمر إلا بالعدل، ولا يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة (^١) وحكمة وعدل. فهو على الحق في أقواله وأفعاله، فلا يقضي على العبد ما (^٢) يكون ظالمًا له به، ولا يأخذه بغير ذنب (^٣)، ولا ينقصه من حسناته شيئًا، ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها [٩٥/أ] ولم يتسبَّب إليها شيئًا، ولا يؤاخذ أحدًا بذنب غيره، ولا يفعل قطُّ (^٤) ما لا يُحمَد عليه، ويُثنَى به عليه، ويكون له فيه العواقب الحميدة والغايات المطلوبة؛ فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كلَّه.\nقال محمد بن جرير الطبري (^٥): وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، يقول: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسنَ من خلقه بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدًا منهم شيئًا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام له (^٦)، والإيمان به\".\nثم حكى (^٧) عن مجاهد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عنه: ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) \"ورحمة\" ساقط من ع، وكذا من الطبعات القديمة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"بما\".\n(^٣) ع: \"ذنبه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) \"قطُّ\" هنا في غير موضعه، فهو ظرف خاص بالزمان الماضي، وقد سبق مثله.\n(^٥) في تفسيره (١٥/ ٣٦٤ - شاكر).\n(^٦) \"له\" لم يرد في تفسير الطبري المطبوع.\n(^٧) ورواه أيضًا (١٢/ ٤٥٠) من طريق عيسى (وهو ابن ميمون)، عن ابن أبي نجيح به. ورواه آدم بن أبي إياس في \"التفسير\" (ص ٣٨٩) عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح به.","vol":"1","page":327},{"text":"رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: الحق. وكذلك رواه ابن جريج عنه (^١).\nوقالت فرقة: هي مثل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، وهذا اختلاف عبارة، فإنَّ كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.\nوقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إنّ ربِّي يحثُّكم على صراط مستقيم، ويحضُّكم عليه. وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية الذي (^٢) أريد بها فليس كما زعموا، ولا دليل على هذا المقدَّر (^٣)، وقد فرَّق سبحانه بين كونه آمرًا بالعدل وبين كونه على صراط مستقيم. وإن أرادوا أنّ حثَّه على الصراط المستقيم من جملة كونه على صراط مستقيم، فقد أصابوا.\nوقالت فرقة أخرى: معنى كونه على صراط مستقيم: أنّ مردَّ العباد والأمور كلِّها إلى الله، لا يفوته شيء منها. وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس كذلك، وإن أرادوا أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجَبه، فهو حقٌّ.\nوقالت فرقة أخرى: معناه: [٩٥/ب] كلُّ شيء تحت قدرته وقهره وفي ملكه وقبضته. وهذا وإن كان حقًّا، فليس هو معنى الآية. وقد فرَّق شعيب (^٤) بين قوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ وبين قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ\n_________\n(^١) رواه سُنيد بن داود في \"التفسير\" ــ ومن طريقه ابن جرير (١٢/ ٤٥٠) ــ عن حجاج (وهو المصيصي)، عن ابن جريج به.\n(^٢) ع: \"التي\"، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو خطأ.\n(^٣) ت: \"التقدير\".\n(^٤) كذا وقع في النسخ، والصواب: \"هود\". وراجع ما علَّقته قريبًا.","vol":"1","page":328},{"text":"مُسْتَقِيمٍ﴾، فهما معنيان مستقلَّان (^١).\nفالقول قول مجاهد، وهو قول أئمة التفسير، ولا تحتمل العربيةُ غيرَه إلا على استكراه. قال (^٢) جرير يمدح عمر بن عبد العزيز (^٣):\nأميرُ المؤمنين على صراطٍ ... إذا اعوجَّ المواردُ مستقيم\nوقد قال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]. وإذا كان سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم، فهو سبحانه أحقُّ بأن يكون على الصراط المستقيم (^٤) في قوله وفعله. وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره، فصراطه الذي هو سبحانه عليه هو (^٥) ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله (^٦). وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) راجع أقوال المفسرين في \"النكت والعيون\" للماوردي (٢/ ٤٧٢) و\"التفسير البسيط\" للواحدي (١١/ ٤٤٩ - ٤٥٠) و\"زاد المسير\" (٢/ ٣٨٠)، ففيها قولان لم يشر إليهما المصنف. وبعض الأقوال المذكورة هنا أصلها قول واحد.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"وقال\".\n(^٣) كذا قال في \"شفاء العليل\" (ص ٢٠١) أيضًا، والصواب أن الممدوح هشام بن عبد الملك. وقد أنشده المؤلف في \"بدائع الفوائد\" (٢/ ٤١٧) دون عزو ودون ذكر الممدوح. وهو من قصيدة في \"ديوان جرير\" (١/ ٢١٨). والبيت من شواهد \"مجاز القرآن\" (١/ ٢٤) و\"تفسير الطبري\" (١/ ١٧٠ - شاكر).\n(^٤) ع: \"صراط مستقيم\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) ع: \"هو عليه سبحانه\".\n(^٦) وانظر في تفسير الآية أيضًا: \"الداء والدواء\" (ص ٢٨٤، ٤٨٠ - ٤٨١)، و\"شفاء العليل\" (ص ٨٧، ٢٠١) و\"الفوائد\" (ص ٣٣) و\"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ١٠٥٨ - ١٠٥٩). وقد أحال المصنف في \"بدائع الفوائد\" (١/ ٢٠٩) لبيان أسرار كونه سبحانه على صراط مستقيم، على كتابه \"التحفة المكية\".","vol":"1","page":329},{"text":"فصل\nوفي الآية (^١) قول ثان مثل الآية الأولى سواء: أنه مثلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر. وقد تقدَّم ما في هذا القول. والله الموفِّق (^٢).\nفصل\nومنها: قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبُّره: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١].\nشبَّههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحُمُر رأت الأسدَ أو الرُّماةَ، ففرَّت منه. وهذا من بديع القياس التمثيلي، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسولَه كالحُمُر، فهي (^٣) لا [٩٦/أ] تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشدَّ النفور. وهذا غاية الذمِّ لهؤلاء، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحُمُر عمّا يُهلكها ويَعقِرها.\n_________\n(^١) يعني قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٧٦]. وانظر في تفسيرها أيضًا: \"مدارج السالكين\" (١/ ٤٣ - ٤٤)، (٣/ ٤٢٥)، و\"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ١٠٦٠)، و\"الصواعق المرسلة\" (٣/ ١٠٣٥).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"وبالله التوفيق\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"وهي\".","vol":"1","page":330},{"text":"وتحت \"المستنفِرة\" معنى أبلغ من \"النافرة\"، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضُها بعضًا، وحضَّه على النفور. فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرَّد، فكأنها تواصت بالنفور، وتواطأت عليه. ومن قرأها بفتح الفاء (^١)، فالمعنى أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته.\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥].\nفقاس من حمَّله سبحانه كتابَه ليؤمن به، ويتدبَّره، ويعملَ به ويدعو إليه؛ ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءتُه بغير تدبُّر ولا تفهُّمٍ ولا اتباعٍ له وتحكيمٍ (^٢) له وعملٍ بموجبه= كحمارٍ، على ظهره زاملةُ أسفار لا يدري ما فيها، وحظُّه منها حملُها على ظهره ليس إلا. فحظُّه من كتاب الله كحظِّ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره (^٣).\nفهذا المثل وإن كان قد ضُرِب لليهود، فهو متناوِلٌ من حيث المعنى لمن حُمِّل القرآنَ، فترك العملَ به، ولم يؤدِّ حقَّه، ولم يَرْعَه حقَّ رعايته.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر: \"الإقناع\" لابن الباذش (٢/ ٧٩٧).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"ولا تحكيم\".\n(^٣) وانظر: \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" (ص ٤٩).","vol":"1","page":331},{"text":"فصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ [٩٦/ب] بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].\nفشبَّه سبحانه من آتاه كتابه، وعلَّمه العلمَ الذي منعه غيره، فترك العملَ به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق= بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسِّها (^١) نفسًا، وهمَّتُه لا تتعدَّى بطنه، وأشدِّها شرَهًا وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخَطْمُه في الأرض يتشمَّم ويستَرْوِح حرصًا وشَرَهًا. ولا يزال يشَمُّ دُبُرَه دون سائر أجزائه، وإذا رميتَ إليه بحجر رجع إليه ليعَضَّه من فرط نهمته. وهو من أمهَنِ الحيوانات، وأحمَلِها للهوان، وأرضاها بالدنايا. والجِيَفُ القذِرةُ المُرْوِحةُ (^٢) أحبُّ إليه من اللحم الطري، والعذرةُ أحبُّ إليه من الحلوى. وإذا ظفر بميتة تكفي مائةَ كلب لم يدع كلبًا (^٣) يتناول معه (^٤) منها شيئًا إلّا عن غلبةٍ وقهرٍ (^٥)، لحرصه وبخله وشرهه. ومن عجيب\n_________\n(^١) ت، ع: \"أخبثها\"، تصحيف.\n(^٢) أي المنتنة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة \"واحدًا\".\n(^٤) لم يرد \"معه\" في س، وزيد في ح فوق السطر بخط دقيق.\n(^٥) في ع تصحف \"عن\" إلى \"عرّ\"، وكلمة \"غلبة\" فيها مهملة، وبعدها \"قهره\" فأثبت في النسخ المطبوعة: \"هَرَّ عليه وقهره\". والصواب ما أثبتنا من النسخ الأخرى.","vol":"1","page":332},{"text":"أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثَّة وثياب دنيّة وحال زريّة نبَحَه وحمَل عليه، كأنه يتصوَّر مشاركته له ومنازعته في قوته. وإذا رأى ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورياسة وضع له خَطْمَه بالأرض، وخضَع له، ولم يرفع إليه رأسه.\nوفي تشبيه مَن آثر الدنيا وعاجِلَها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه بالكلب في حال لهفه سرٌّ [٩٧/أ] بديعٌ، وهو أنَّ هذا الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته واتباعه هواه، إنما كان لشدة لهفه على الدنيا، لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة، فهو شديدُ اللهف عليها. ولهفُه نظيرُ لهفِ الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى (^١).\nقال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له. إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه (^٢) يلهث. فهو مثل الذي يترك الهدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع (^٣).\nقلت: مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك\n_________\n(^١) ت: \"في المعنى واللفظ\".\n(^٢) ت، ف: \"أو تتركه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) رواه سُنيد بن داود في \"التفسير\" ــ ومن طريقه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٠/ ٥٨٦) ــ عن حجاج (وهو المصيصي)، عن ابن جريج به. ورواه أيضًا ابن المنذر وأبو الشيخ، كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٦٧٩).","vol":"1","page":333},{"text":"اللهث. وهكذا هذا (^١) الذي انسلخ من آيات الله، لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وتركِ اللهف عليها. فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عنها (^٢)، وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء. فالكلب من أقلِّ الحيوانات صبرًا عن الماء، وإذا عطِش أكَلَ الثَّرى من العطش، وإن كان فيه صبر على (^٣) الجوع. وعلى كلِّ حال فهو من أشدِّ الحيوانات لهثًا، يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا وواقفًا. وذلك لشدة حرصه، فحرارةُ الحرص في كبده تُوجِب له دوامَ اللهث. فهكذا مشبَّهُه، شدةُ حرارة الشهوة (^٤) في قلبه توجب له دوام اللهف (^٥)، فإن حملتَ عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهف (^٦)، وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف.\nقال مجاهد: وذلك مثل (^٧) الذي أوتي الكتاب ولا يعمل (^٨) به (^٩).\n_________\n(^١) \"هذا\" ساقط من ع، وكذا من النسخ المطبوعة.\n(^٢) ع: \"عليها\".\n(^٣) من س، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي غيرها: \"عن\".\n(^٤) ح، ف \"شدة الشهوة\". وفي النسخ المطبوعة: \"شدة الحرص وحرارة الشهوة\".\n(^٥) ح، ف: \"اللهث\".\n(^٦) ح، ف: \"يلهث\" هنا وفي الجملة الآتية.\n(^٧) ع: \"مثال\".\n(^٨) ع: \"لم يعمل\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٩) رواه آدم بن أبي إياس في \"التفسير\" (ص ٣٤٧)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ١٦٢٠) من رواية ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. ورواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٠/ ٥٨٦) من طريق عيسى (وهو ابن ميمون)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق ابن جريج، عن مجاهد. ورواه أيضًا عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٦٧٨).","vol":"1","page":334},{"text":"وقال ابن عباس: إن تحمِل عليه الحكمةَ لم يحمِلها، وإن تركته لم يهتد إلى خير، [٩٧/ب] كالكلب إن كان رابضًا لهَثَ، وإن طُرِد لهَث (^١).\nوقال الحسن: هو المنافق لا يثبُت على الحق، دُعِيَ أو لم يُدْعَ، وُعِظ أو لم يُوعَظ، كالكلب يلهَث طُرِد أو تُرِك (^٢).\nوقال عطاء: ينبح إن حملتَ عليه أو لم تحمل عليه (^٣).\nوقال أبو محمد ابن قتيبة (^٤): كلُّ شيء يلهَث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الصحة وحال المرض والعطش (^٥). فضربه الله مثلًا لمن كذَّب بآياته، وقال: إن وعظتَه (^٦) فهو ضالٌّ وإن تركتَه فهو ضالٌّ، كالكلب إن طردتَه لهَثَ، وإن تركتَه على حاله لهَثَ.\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٠/ ٥٨٧) وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ١٦٢٠) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. ورواه أيضًا ابن المنذر، كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٦٧٨).\n(^٢) لم أجده مسندًا عن الحسن بهذا التمام، بل رأيت أبا إسحاق الثعلبي علّقه في \"الكشف والبيان\" (٤/ ٣٠٩)، لكن روى ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٠/ ٥٨٩) من طريق قتادة عن الحسن قال: هو المنافق.\n(^٣) لم أره مسندًا عن عطاء، بل رأيت أبا إسحاق الثعلبي علّقه في \"الكشف والبيان\" (٤/ ٣٠٩).\n(^٤) في \"تأويل مشكل القرآن\" (ص ٣٦٩ - ٣٧٠)، ولكن المصنف ينقل من \"الكشف والبيان\" للثعلبي (٤/ ٣٠٩).\n(^٥) في \"تأويل المشكل\": \"وحال الرِّيِّ وحال العطش\". وكذا فيما نقله المصنف عن ابن قتيبة في \"الفوائد\" (ص ١٤٩). ولعل كلمة \"الري\" كانت مطموسة في نسخة \"الكشف والبيان\"، فأثبت ناشره بين معقوفتين: \"الجوع\".\n(^٦) تحرَّف \"إن وعظته\" في ع إلى \"ابن عطية\"!","vol":"1","page":335},{"text":"ونظيره قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣].\nوتأمَّلْ ما في هذا المثل من الحِكَم والمعنى. فمنها: قوله: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾، فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته، فإنها نعمة، والله هو الذي أنعم بها عليه، فأضافها إلى نفسه. ثم قال: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي خرج منها كما تنسلخ الحيَّةُ من جِلدها، وفارقها فراقَ الجلدِ يُسلَخ عن اللحم. ولم يقل: \"فسلخناه منها\"، لأنه هو الذي تسبَّب إلى انسلاخه منها باتباع هواه.\nومنها: قوله سبحانه: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾، أي لحقه وأدركه، كما قال تعالى في قوم فرعون: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]. وكان محفوظًا محروسًا بآيات الله، محميَّ الجانب بها من الشيطان، لا ينال منه شيئًا إلا على غِرَّة وخَطْفة. فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطانُ ظفَرَ الأسد بفريسته، فكان من الغاوين العاملين بخلاف [٩٨/أ] علمهم، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه، كعلماء السوء.\nومنها: أنه سبحانه قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، فأخبر سبحانه أن الرِّفعة عنده ليست بمجرَّد العلم، فإن هذا كان من العلماء؛ وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله. فإنَّ هذا كان من أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به. فنعوذ بالله من علم لا ينفع. وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم، وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحدٌ به رأسًا؛ فإنَّ الخافض الرافع ــ سبحانه ــ خفَضَه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضَّلناه، وشرَّفناه، ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه.","vol":"1","page":336},{"text":"قال ابن عباس: ولو شئنا لرفعناه بعلمه بها (^١).\nوقالت طائفة: الضمير في قوله: ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ عائد على الكفر، والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفرَ بما معه من آياتنا. قال مجاهد (^٢) وعطاء (^٣): لرفعنا عنه الكفر بالإيمان (^٤)، وعصمناه. وهذا المعنى حقٌّ، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد. وقد تقدَّم (^٥) أن السلف كثيرًا ما ينبِّهون على لازم معنى الآية، فيظنّ الظانُّ أن ذلك هو المراد منها.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾.\nقال سعيد بن جبير: رَكَن إلى الأرض (^٦).\n_________\n(^١) رواه سُنيد بن داود في \"التفسير\" ــ ومن طريقه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٠/ ٥٨٢) عن حجاج (وهو المصيصي)، عن ابن جريج عن ابن عباس، وهو منقطع.\n(^٢) رواه آدم بن أبي إياس في \"التفسير\" (ص ٣٤٧)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ١٦١٩) من رواية ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. ورواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٠/ ٥٨٣) من طريق عيسى (وهو ابن ميمون)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق ابن جريج، عن مجاهد.\n(^٣) لم أره مسندا عن عطاء، بل رأيت أبا إسحاق الثعلبي علّقه عنه في \"الكشف والبيان\" (٤/ ٣٠٨).\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي \"الكشف والبيان\" المطبوع (٤/ ٣٠٨) ــ ومنه ينقل المؤلف ــ: \"بالآيات\". وكذا في \"تفسير البغوي\" (٣/ ٣٠٤).\n(^٥) في (١/ ٣٢٥).\n(^٦) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٠/ ٥٨٤)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ١٦١٩).","vol":"1","page":337},{"text":"وقال مجاهد: سكن (^١).\nوقال مقاتل (^٢): رضي بالدنيا.\nوقال أبو عبيدة (^٣): لزمها، وأبطأ. والمُخْلِد من الرجال: هو الذي يبطئ مشيبُه (^٤)، ومن الدواب: التي (^٥) تبقى ثناياه إلى أن تخرج رَباعيته (^٦).\nوقال الزجاج: خلد وأخلد [واحد] (^٧). وأصله من الخلود وهو الدوام\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٠/ ٥٨٤).\n(^٢) في \"تفسيره\" (٢/ ٧٥).\n(^٣) في \"مجاز القرآن\" (١/ ٢٣٣)، والنقل من \"تفسير الثعلبي\".\n(^٤) ف: \"مشيه\". وفي س، ت، ع: \"مشيته\"، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف ما أثبتنا من ح. وفي \"المجاز\" و\"تفسير الثعلبي\": \"شيبه\". وفي \"فتح الباري\" (٨/ ٣٠١) عن أبي عبيدة: \"يقال: فلان مخلد، أي بطيء الشباب\". ولا أدري أوَهم الحافظ أم أراد أن شبابه بطيء الزوال.\n(^٥) كذا في س، ح، ت. وكذا في \"تفسير الثعلبي\" الذي نقل منه المؤلف، وهذا يدل على أن في أصل المؤلف كما ورد في النسخ المذكورة. وفي (ع، ف) و\"تفسير الطبري\" (١٣/ ٢٧١ - شاكر): \"الذي\"، وهو الصواب.\n(^٦) في تفسيري الطبري والثعلبي: \"رباعيتاه\".\n(^٧) ما بين المعقوفين من \"تفسير الثعلبي\" و\"تفسير البغوي\" (٣/ ٣٠٤). ويظهر لي ــ والله أعلم ــ أن قول الزجاج ينتهي هنا، وما بعده من كلام الثعلبي. وقد اختصر الثعلبي قول الزجاج. ونصُّه في \"معاني القرآن وإعرابه\" (٢/ ٣٩١): \"يقال: أخلد فلان إلى كذا وكذا، وخلد إلى كذا وكذا. وأخلد أكثر في اللغة. والمعنى أنه سكن إلى لذَّات الأرض\". وقال في كتابه \"فعلت وأفعلت\"، باب الخاء من فعلت وأفعلت والمعنى واحد (ص ٧٢): \"وخلد الرجل إلى الأرض وأخلد: إذا مال إليها ولزمها. ورجل مُخلِد: إذا أبطأ عنه الشيب\".","vol":"1","page":338},{"text":"والبقاء (^١)، يقال: أخلد فلان [٩٨/ب] بالمكان، إذا أقام به. قال مالك بن نويرة (^٢):\nبأبناء حيٍّ من قبائل مالكٍ ... وعمرو بن يربوعٍ أقاموا فأخلَدوا\nقلت: ومنه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أي قد خلقوا للبقاء، لذلك لا يتغيَّرون ولا يكبَرون، وهم على سنٍّ واحد أبدًا. وقيل: هم المقرَّطون في آذانهم، والمسوَّرون في أيديهم. وأصحاب هذا القول فسَّروا اللفظة ببعض لوازمها (^٣)، وذلك أمارة التخليد (^٤) على ذلك السنِّ، فلا تنافي بين القولين.\n_________\n(^١) في تفسيري الثعلبي والبغوي: \"المقام\".\n(^٢) من قصيدته في \"الأصمعيات\" (ص ١٩٣) قالها في يوم مخطَّط. وهو من شواهد الطبري والثعلبي والواحدي في \"البسيط\" (٩/ ٤٦٧).\n(^٣) يعني أن معنى التقريط والتسوير ليس من معاني مادة (خلد)، ولكن ذلك من لوازم كونهم مخلَّدين على ذلك السنِّ وعلاماته، ومن ثم فسَّره بعضهم بذلك. وفيه نظر، فإن معنى التقريط عندهم مأخوذ من كلمة الخَلَدة بمعنى القرط. قال أبو عمرو: \"خلَّد جاريتَه إذا حلَّاها بالخَلَد، وهي القِرَطة\". انظر: \"تهذيب اللغة\" (٧/ ٢٧٩). وفي \"تفسير الطبري\" (٢٣/ ٥٦٥ - هجر): وقيل: إن معنى قوله (مخلَّدون): مسوَّرون بلغة حمير، وينشد لبعض شعرائهم:\nومخلَّداتٍ باللُّجَين كأنما ... أعجازُهنَّ أقاوِزُ الكُثبانِ\nوانظر: \"معاني الفراء\" (٣/ ٢١٨) و\"الجمهرة لابن دريد\" (١/ ٥٨٠) و\"الزاهر\" لابن الأنباري (٢/ ٨٣).\n(^٤) ع: \"إشارة إلى التخليد\".","vol":"1","page":339},{"text":"وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ قال الكلبي (^١): اتبعَ مَسافلَ (^٢) الأمور، وترَكَ معاليها.\nوقال أبو رَوق (^٣): اختار الدنيا على الآخرة.\nوقال عطاء (^٤): أراد الدنيا، وأطاع شيطانه.\nوقال ابن زيد (^٥): كان هواه مع القوم. يعني الذين حاربوا موسى وقومه.\nوقال يمان (^٦): اتبَعَ امرأته، لأنها هي التي حملته على ما فعل.\nفإن قيل: الاستدراك بلكن يقتضي أن يُثبِت بعدها ما نفَى قبلها، أو ينفي ما أثبَتَ، كما تقول: لو شئتُ لأعطيتُه، لكنِّي لم أعطه. ولو شئتُ لما فعلتُ كذا، لكنّي فعلته. فالاستدراك يقتضي: ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنا لم نشأ، أو فلم نرفَع (^٧)، ولكنه أخلد (^٨)؛ فكيف استدرك بقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾؟\n_________\n(^١) لم أره مسندًا عن الكلبي، لكنّ الثعلبي علّقه عنه في \"الكشف والبيان\" (٤/ ٣٠٨).\n(^٢) س: \"سافل\". وفي ف: \"أسافل\". وانظر: \"بحر العلوم\" للسمرقندي (١/ ٥٦٧).\n(^٣) لم أره مسندًا عن أبي روق، وعلّقه عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" (٤/ ٣٠٨).\n(^٤) علّقه عنه الثعلبي أيضًا في \"الكشف والبيان\" (٤/ ٣٠٩).\n(^٥) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٠/ ٥٨٥) من طريق ابن وهب عن ابن زيد.\n(^٦) علّقه عنه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" (٤/ ٣٠٩). ويمان هو ابن رئاب، قال أبو بكر النقاش: \"كان بخراسان، وله كتاب في التفسير ومعاني القرآن\". كما في \"المؤتلف والمختلف\" للدارقطني (٢/ ١٠٥٢).\n(^٧) كذا في جميع النسخ. وكتب بعضهم في طرة ت: \"نفسه\"، يعني: \"فلم يرفع نفسَه\". وفي النسخ المطبوعة: \"أو لم نرفع\".\n(^٨) \"ولكنه أخلد\" ساقط من النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":340},{"text":"مسبَّب، ومُوجِب مقتضٍ لا مقتضًى. فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده (^١).\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].\nوهذا من أحسن القياس التمثيلي، فإنه شبَّه تمزيقَ عِرْض الأخ بتمزيق لحمه. ولما كان المغتابُ يمزِّق عرضَ أخيه في غَيبته كان بمنزلة من يقطِّع لحمَه في حال غيبة روحه عنه بالموت. ولما كان المغتاب عاجزًا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبًا عن ذمِّه [٩٩/ب] كان بمنزلة الميِّت الذي يقطَّع لحمُه، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر، فعلَّق عليها المغتابُ ضدَّ مقتضاها من الذم والعيب والطعن= كان ذلك نظير تقطيعه (^٢) لحمَ أخيه، والأخوةُ تقتضي حفظه وصيانته والذبَّ عنه. ولما كان المغتاب متفكِّهًا بعرض أخيه، متمتِّعًا (^٣) بغيبته وذمه، متحلِّيًا بذلك= شُبِّه بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه. ولما كان المغتاب محبًّا لذلك معجَبًا به شُبِّه بمن يحبُّ أكلَ لحم أخيه ميتًا، ومحبتُه لذلك قدر زائد على\n_________\n(^١) وانظر في تفسير المثل أيضًا: \"روضة المحبين\" (ص ٢٨٨ - ٢٨٩)، و\"الفوائد\" (ص ١٤٧ - ١٤٩).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"تقطيع\".\n(^٣) \"بعرض أخيه متمتعًا\" ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: \"متمتعًا بعرض أخيه، متفكهًا بغيبته وذمه\".","vol":"1","page":342},{"text":"مجرَّد أكله، كما أنَّ أكله قدر زائد على تمزيقه.\nفتأمَّلْ هذا التشبيه والتمثيل، وحسنَ موقعه، ومطابقةَ المعقول فيه المحسوسَ (^١)، وتأمَّلْ إخبارَه عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتًا، ووصفَهم بذلك في آخر الآية، والإنكارَ عليهم في أولها أن يحبَّ أحدُهم ذلك. فكما أن هذا مكروه في طباعهم، فكيف يحبُّون ما هو مثله ونظيره؟ فاحتجَّ عليهم بما كرهوه على ما أحبُّوه، وشبَّه لهم ما يحبُّونه بما هو أكره شيء إليهم، وهم أشدُّ شيء نفرةً عنه. فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا أشدَّ شيءٍ نفرةً عما هو نظيره ومشبهه. وبالله التوفيق.\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].\nفشبَّه تعالى أعمالَ الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرَّت عليه [١٠٠/أ] ريح شديدة في يوم عاصف، فشبَّه سبحانه أعمالَهم في حُبوطها وذهابها باطلًا كالهباء المنثور، لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكونِها لغير الله ﷿ وعلى غير أمره= برمادٍ طيَّرته الريح العاصف، فلا يقدر صاحبُه على شيء منه وقتَ شدَّةِ حاجته إليه. فلذلك قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾: لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة، فإنَّ الله لا\n_________\n(^١) س، ت، ف: \"للمحسوس\"، وقد غيَّر بعضهم متن ح ليقرأ \"للمحسوس\".","vol":"1","page":343},{"text":"يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لشرعه.\nوالأعمال أربعة، فواحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول: الخالص الصواب. فالخالص أن يكون لله لا لغيره، والصواب أن يكون مما شرعه (^١) على لسان رسوله. والثلاثة المردودة ما خالف ذلك (^٢).\nوفي تشبيهها بالرماد سرّ بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا. فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طُعْمةً للنار، وبها تسعَّر النارُ على أصحابها. وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقةِ لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا ورَوْحًا. فأثَّرت النارُ في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار.\nفصل\nومنها قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا [١٠٠/ب] ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].\nفشبَّه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، لأنَّ الكلمة الطيبة تُثمِر العملَ الصالح، والشجرة الطيبة تُثمِر الثمرَ النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"شرعه الله\"، زيد لفظ الجلالة.\n(^٢) سيأتي هذا التقسيم للأعمال وبعض التفصيل فيها.","vol":"1","page":344},{"text":"فإنها تُثمر جميعَ الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح يُرضي الله (^١) ثمرة هذه الكلمة.\nوفي \"تفسير علي بن أبي طلحة\" عن ابن عباس قال: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلا الله، ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهو المؤمن، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء (^٢).\nوقال الربيع بن أنس: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هذا مثل الإيمان، فالإيمان: الشجرة الطيبة. وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه. وفرعه في السماء: خشية الله (^٣).\nوالتشبيه على هذا القول أصح، وأظهر، وأحسن. فإنه سبحانه شبَّه شجرةَ التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة، الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوًّا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كلَّ حين. وإذا تأملتَ هذا التشبيه رأيته مطابقًا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء، ولا تزال هذه الشجرة تُثمر الأعمالَ الصالحة كلَّ وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه\n_________\n(^١) س، ع، ف: \"مرضي لله\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٣٥)، وابن المنذر وابن أبي حاتم ــ كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٨/ ٥٠٩ - ٥١٠) ــ، والطبراني في \"الدعاء\" (١٥٩٨)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢٠٦).\n(^٣) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٣٥).","vol":"1","page":345},{"text":"فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقِّها (^١)، ومراعاتها حقَّ رعايتها.\n[١٠١/أ] فمن رسخت هذه الكلمةُ في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبُه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسنَ صبغةً منها، فعرف حقيقة الإلهية التي يُثبتها قلبُه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدِّقها جوارحه؛ ونفى تلك الحقيقةَ ولوازمَها عن كلِّ ما سوى الله، وواطأ قلبُه لسانَه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعةً سالكةً سبُلَ ربِّه ذُلُلًا، غيرَ ناكبةٍ عنها ولا باغيةً سواها بدلًا، كما لا يبغي (^٢) القلبُ سوى معبوده الحقِّ بدلًا. فلا ريب (^٣) أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كلَّ وقت. فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الربِّ تعالى، وهذه الكلمة الطيبة تثمر كَلِمًا كثيرًا طيّبًا يقارنه عمل صالح، فيرفع العملُ الصالحُ الكلمَ الطيِّب، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيِّب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملًا صالحًا كلَّ وقت.\nوالمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفًا بمعناها وحقيقتها نفيًا وإثباتًا، متَّصفًا بموجَبها، قائمًا قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته= فهذه الكلمة (^٤) من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"بحقوقها\".\n(^٢) ع: \"يبتغي\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ت: \"ولا ريب\".\n(^٤) بعدها في النسخ المطبوعة: \"الطيبة هي التي رفعت هذا العمل\"، وهي زيادة مقحمة.","vol":"1","page":346},{"text":"متصلة بالسماء، وهي مُخرِجةٌ لثمرتها كلَّ وقت.\nومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة (^١). ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح (^٢).\nومنهم [١٠١/ب] من قال: هي المؤمن نفسه كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني بالشجرة الطيبة: المؤمنَ، ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء: يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلَّم، فيبلغ قولُه وعملُه (^٣) السماءَ، وهو في الأرض (^٤).\nوقال عطية العوفي (^٥): ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيِّب وعمل صالح يصعَد إلى الله (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (١٣/ ٦٣٧ - ٦٤٠) عن أنس وابن مسعود ومسروق ومجاهد وعكرمة، وقتادة وغيرهم.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣١) ومسلم (٢٨١١).\n(^٣) ع: \"عمله وقوله\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٣٦) عن محمد بن سعد به، ومحمد هذا هو العوفي، يروي بهذا السند نسخةً كبيرة في التفسير، وفيها مناكير وأوابد.\n(^٥) في النسخ المطبوعة بعده: \"في قوله\".\n(^٦) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٣٦).","vol":"1","page":347},{"text":"وقال الربيع بن أنس: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ قال: ذلك المؤمن، ضُرِبَ مثلُه في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له. ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾، قال: أصلُ عمله ثابت في الأرض. ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾، قال: ذكرُه في السماء (^١).\nولا اختلاف بين القولين. فالمقصود (^٢) بالمثل: المؤمن، والنخلة مشبَّهة به، وهو مشبَّه بها. وإذا كانت النخلة شجرة طيبة، فالمؤمن المشبَّه بها أولى أن يكون كذلك. ومن قال من السلف: إنها شجرة في الجنة، فالنخلة من أشرف أشجار الجنة.\nوفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به، ويقتضيه علمُ الذي تكلَّم به وحكمتُه.\nفمن ذلك: أن الشجرة لا بدّ لها من عروق وساق وفروع (^٣) وورق وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والإسلام، ليطابق المشبَّهُ المشبَّهَ به. فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة، والصفات [١٠٢/أ] الممدوحة، والأخلاق الزكية، والسَّمْت الصالح، والهَدْي والدَّلِّ المرضيّ (^٤). فيستدلُّ على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور. فإذا كان العلم صحيحًا مطابقًا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به، والاعتقادُ مطابقًا لما أخبر به\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٣٦).\n(^٢) في المطبوع: \"فإن المقصود\".\n(^٣) \"وساق وفروع\" ساقط من ع.\n(^٤) س: \"الرضي\". وفي ت: \"والذل والرضى\"، تحريف.","vol":"1","page":348},{"text":"عن نفسه وأخبرت به عنه رسلُه، والإخلاصُ قائمٌ في القلب، والأعمالُ موافِقةٌ للأمر، والهديُ والدَّلُّ والسَّمْتُ مُشابِهٌ لهذه الأصول مناسبٌ لها= عُلِمَ أنَّ شجرةَ الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإذا كان الأمر بالعكس عُلِمَ أنَّ القائمَ بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتُثَّت من فوق الأرض، ما لها من قرار!\nومنها: أن الشجرة لا تبقى حيَّةً إلا بمادّةٍ تسقيها وتنميها، فإذا قُطِع عنها السقيُ أوشك أن تَيْبَس. فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كلَّ وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعَوْدِ بالتذكُّر على التفكُّر، والتفكُّر على التذكُّر= وإلا (^١) أوشك أن تيبس.\nوفي \"مسند الإمام أحمد\" (^٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - (^٣) قال:\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، ولا يستقيم المعنى إلا بحذف \"وإلا\"، فالسياق: \"إن لم يتعاهدها أوشك ... \"، وزيادة \"وإلا\" على هذا الوجه من التراكيب الدارجة في زمن المؤلف. راجع ما علّقت على \"طريق الهجرتين\" (١/ ٤٤).\n(^٢) ت: \"المسند للإمام أحمد\".\n(^٣) كذا، وإنما رواه الطبراني (١٤٦٦٨)، والحاكم (١/ ٤) من حديث عبد الرحمن بن ميسرة، عن أبي هانئ الخولاني، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - مرفوعا. وقال الحاكم: ورواته مصريّون ثقات. والحديث غريب جدّا بهذا السند، وابنُ ميسرةَ مُقرئٌ فقيهٌ فاضلٌ، مستورُ الحال، وشيخُه أبو هانئ صدوقٌ صالحُ الحديث.\nأما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد (٨٧١٠)، وعبد بن حميد في \"المسند\" (١٤٢٢ - المنتخب منه)، والبزار (٩٥٦٩)، ومحمد بن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٧٩٩)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١١٩ - ١٢٠)، وغيرُهم، من طرق عن صدقة بن موسى الدقيقي، عن محمد بن واسع، عن سمير بن نهار، عنه مرفوعًا: \"جَدِّدُوا إيمانَكم\". قيل: يا رسول الله! وكيف نجدِّدُ إيمانَنا؟ قال: \"أكثِرُوا من قول لا إله إلا الله\". وصححه الحاكم (٤/ ٢٥٦)، مع أن صدقة ضعيف، وسمير (ويُقال: شُتير) مجهول.","vol":"1","page":349},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الإيمان يَخْلَق في القلب كما يخلَق الثوبُ، فجدِّدوا إيمانكم\".\nوبالجملة، فالغَرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك. ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقُب الأوقات، وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظَّفها (^١) عليهم وجعَلَها مادةً لسقي غِراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم.\nومنها: [١٠٢/ب] أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بدَّ أن يخالطه دَغَلٌ ونبتٌ غريب ليس من جنسه. فإن تعاهده ربُّه ونقَّاه وقلَعَه كمل الغرس والزرع، واستوى، وتمَّ نباته، وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى. وإن تركه أوشك أن يغلب على الغِراس (^٢) والزرع، ويكون الحكم له، أو يُضعِفَ الأصلَ ويجعل الثمرةَ ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته. ومن لم يكن له فقهُ نفس في هذا ومعرفةٌ به، فاته ربح كثير (^٣) وهو لا يشعر. فالمؤمن دائمًا سعيُه في شيئين: سقيِ هذه الشجرة، وتنقيةِ ما حولها. فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتمّ. والله المستعان، وعليه التكلان.\n_________\n(^١) رسمها في س، ح، ت بالضاد، ومن هنا تصحفت في ع، ف إلى \"وضعها\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"الغرس\".\n(^٣) لم تعجم الكلمة في ح. وفي النسخ المطبوعة: \"كبير\".","vol":"1","page":350},{"text":"فهذا بعض ما تضمَّنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم. ولعلها قطرة من بحر، بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخبَّطَة (^١)، وعلومنا القاصرة، وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار؛ وإلا فلو طهرت منَّا القلوب، وصَفَت الأذهان، وزَكَت النفوس، وخلَصت الأعمال، وتجرَّدت الهمم للتلقي عن الله ورسوله= لَشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحِكَمه ما تضمحلُّ عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق. وبهذا يُعرف (^٢) قدرُ علوم الصحابة ومعارفهم، وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم مَن بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل. والله أعلم حيث يجعل مواقعَ فضله، ومَن يختصّ برحمته.\nفصل\nثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة [١٠٣/أ] فشبَّهها بالشجرة الخبيثة التي اجْتُثَّت من فوق الأرض (^٣). فلا عرق ثابت، ولا فرع عال، ولا ثمرة\n_________\n(^١) ت: \"المخيطة\"، تصحيف. وفي طبعات الشيخ محمد محيي الدين ومن تابعه: \"المخطئة\". وهو خطأ. في \"اللسان\" (٧/ ٢٨٢): \"خَبَطه الشيطان وتخبَّطه: مسَّه بأذًى وأفسده\". ولم تنص كتب اللغة على \"خبّطَ\" بهذا المعنى، وقد استعمله المصنف في قوله في النونيَّة (٢/ ٢٣٧):\nفعليك بالتفصيل والتمييز فَالْـ ... إطلاقُ والإجمالُ دون بيانِ\nقد أفسدا هذا الوجودَ وخبَّطا الْـ ... الأذهانَ والآراءَ كلَّ زمانِ\n\nوذكر هذا المعنى في \"الصواعق المرسلة\" (٣/ ٩٢٧)، فقال: \"فأصل ضلالِ بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة، ولاسيَّما إذا صادفت أذهانًا مخبَّطَةً\". فوصف الأذهان بالمخبطة كما وصف هنا القلوب.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"تعرف\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة هنا زيادة: \"ما لها من قرار\".","vol":"1","page":351},{"text":"زاكية؛ فلا ظل ولا جنى. ولا ساق قائم، ولا عرق في (^١) الأرض ثابت، فلا أسفلها مُغْدِق ولا أعلاها مُونِق، ولا جنى لها، ولا تعلو بل تُعلَى.\nوإذا تأمَّل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكتبهم وجده كذلك، فالخسرانُ كلُّ الخسران: الوقوف معه والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه.\nقال الضحاك: ضرب الله مثل الكافر (^٢) بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. يقول: ليس لها أصل ولا فرع، وليس لها ثمرة ولا فيها منفعة. كذلك الكافر ليس يعمل خيرًا ولا يقوله، ولا يجعل الله فيه بركة ولا منفعة (^٣).\nوقال ابن عباس: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ وهي الشرك ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ يعني الكافر ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]. يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر، ولا برهان. ولا يقبل الله مع الشرك عملًا، فلا يُقبَل عملُ المشرك، ولا يَصعَد إلى الله. فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء، يقول: ليس له عمل صالح في السماء ولا في الأرض (^٤).\n_________\n(^١) \"في\" ساقط من ح.\n(^٢) ع: \"مثلا للكافر\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) رواه سُنيد بن داود في \"التفسير\"، ومن طريقه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٥٧).\n(^٤) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٥٦، ٦٥٥) ــ فرّقه ــ، وابن المنذر وابن أبي حاتم ــ كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٨/ ٥٠٩ - ٥١٠) ــ، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢٠٦).","vol":"1","page":352},{"text":"وقال الربيع بن أنس: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر، ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع، ولا يستقرُّ قوله ولا عمله على الأرض، ولا يصعد إلى السماء (^١).\nوقال سعيد (^٢) عن قتادة في هذه الآية: إنَّ رجلًا لقي رجلًا من أهل العلم فقال له: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ قال: ما أعلم لها في الأرض مستَقرًّا ولا في السماء مَصْعَدًا، إلا أن تلزم عنقَ صاحبها حتى يوافي بها القيامة (^٣).\n[١٠٣/ب] وقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي استُؤْصِلت من فوق الأرض.\nثم أخبر سبحانه عن فضله وعدله في الفريقين أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث، فأخبر أنه يثبِّت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوجَ ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة، وأنه يُضِلُّ الظالمين ــ وهم المشركون ــ عن القول الثابت. فأضلَّ هؤلاء بعدله لظلمهم، وثبَّت المؤمنين بفضله لإيمانهم.\nوتحت قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] كنز عظيم، مَن وُفِّق لمظِنَّته، وأحسن استخراجه،\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٥٧).\n(^٢) رواه سعيد بن أبي عروبة في \"التفسير\"، ومن طريقه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٥٥ - ٦٥٦).\n(^٣) كذا في س، ح، ع. وكذا في \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٥٨٧). وقال الأستاذ محمود شاكر في تعليقه: \"في المطبوعة زاد، فقال: يوم القيامة\". قلت: وكذا في ت، ف، وفي طبعة هجر من التفسير.","vol":"1","page":353},{"text":"واقتناه (^١)، وأنفق منه= فقد غَنِم. ومن حُرِمَه فقد حُرِم. وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفةَ عين، فإن لم يثبِّته وإلا (^٢) زالت سماءُ إيمانه وأرضُه عن مكانهما. وقد قال تعالى لأكرمِ خلقه عليه عبدِه ورسولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. وقال تعالى (^٣): ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. وفي \"الصحيحين\" (^٤) من حديث التجلِّي قال: \"وهو يسألهم ويثبِّتهم\". وقال تعالى لرسوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠].\nفالخلق كلّهم قسمان: موفَّق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت. ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القولِ الثابتِ وفعلِ ما أُمِرَ به العبد، فبهما يثبِّت الله عبدَه، فكلُّ من كان أثبت قولًا وأحسن فعلًا كان أعظم تثبيتًا. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ [١٠٤/أ] بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]. فأثبَتُ الناس قلبًا أثبَتُهم قولًا. والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب؛ فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له. وأثبَتُ القولِ كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبِّت الله بها\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"واقتناءه\"، والرسم محتمل.\n(^٢) \"وإلا\" واقعة هنا في غير موقعها، فإن المعنى: فإن لم يثبِّته زالت. وقد سبق مثله قريبًا، فانظر ما علَّقت عليه.\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: \"لأكرم خلقه\".\n(^٤) لم يرد فيهما هذا اللفظ. وقد أخرجه الإمام أحمد (٨٨١٧) والترمذي (٢٥٥٧) ــ وصحّحه ــ من حديث أبي هريرة، وفيهما: \"وهو يأمرهم ويثبِّتهم\". واللفظ المذكور هنا ورد في \"مجموع الفتاوى\" (٢/ ٣٤٢) و(١٧، ٣٠٩).","vol":"1","page":354},{"text":"عبدَه في الدنيا والآخرة. ولهذا ترى الصادقَ من أثبت الناس وأشجعهم قلبًا، والكاذبَ من أمهَن الناس وأجبَنهم، وأكثرهم تلوُّنًا وأقلِّهم ثباتًا.\nوأهلُ الفراسة يعرفون صدقَ الصادق من ثبات قلبه وقتَ الاختبار (^١) وشجاعته ومهابته، ويعرفون كذب الكاذب بضدِّ ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة. وسئل بعضهم عن كلامٍ سمعه من متكلِّم به، فقال: والله ما فهمتُ منه شيئًا، إلا أنِّي رأيتُ لكلامه صولةً ليست بصولة مبطِل (^٢).\nفما مُنِح العبد منحةً أفضلَ من منحة القول الثابت. ويجد أهلُ القول الثابت ثمرتَه أحوجَ ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم، كما في \"صحيح مسلم\" (^٣) من حديث البراء بن عازب عن النبي - ﷺ - أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر.\nوقد جاء هذا مبيَّنًا في أحاديث صحاح. فمنها: ما في \"المسند\" (^٤) من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد قال: كنَّا مع النبي - ﷺ - في جنازة، فقال: \"يا أيها الناس إن هذه الأمة تُبتلَى في قبورها، فإذا الإنسان دُفِن وتفرَّق عنه أصحابه جاءه ملَكٌ بيده مِطراقٌ، فأقعده، فقال: ما تقول في\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ إلا ع إذ سقط منها: \"من ثبات ... ومهابته\". وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين: \"الإخبار\" وهو أشبه.\n(^٢) حكى القشيري في رسالته (٢/ ٥٧٢) أن أبا العباس ابن سريج الفقيه حضر مجلس الجنيد، وسمع كلامه، فسئل عنه، فقال.\n(^٣) برقم (٢٨٧١)، وأخرجه البخاري (٤٦٦٩).\n(^٤) برقم (١١٠٠٠). وصححه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ١٩٤)، والسيوطي في \"الدر المنثور\" (٨/ ٥٢٧). وقال ابن كثير في \"التفسير\" (٤/ ٤٩٨): \"إسنادٌ لا بأس به\".","vol":"1","page":355},{"text":"هذا [١٠٤/ب] الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول له: صدقتَ. فيُفتَح له بابٌ إلى النار، فيقال له: هذا منزلك لو كفرتَ بربِّك. فأمَّا إذ آمنتَ فإنَّ الله أبدلك به هذا. ثم يُفتَح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض له، فيقال له: اسكن. ثم يُفسَح له في قبره. وأما الكافر والمنافق، فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريتَ ولا تدرَّيتَ (^١) ولا اهتديتَ! ثم يُفتَح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنتَ بربِّك. فأما إذ كفرتَ فإنَّ الله أبدلك به هذا. ثم يُفتَح له باب إلى النار، ثم يَقمَعُه الملَك بالمِطراق (^٢)\nقَمْعةً يسمعه خلقُ الله كلُّهم إلا الثقلين\". قال بعض أصحابه: يا رسول الله، ما منَّا من أحد يقوم على رأسه ملَكٌ بيده مِطراق إلا هِيلَ (^٣) عند ذلك. فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\n_________\n(^١) كذا في س، ح، ت، ف. وهو ساقط من ع والنسخ المطبوعة. واللفظ المشهور: \"ولا تليتَ\". ولفظ \"تدرَّيت\" هو الوارد في مخطوطة \"تفسير الطبري\"، فأثبته الأستاذ محمود شاكر (١٦/ ٥٩٣)، وفسَّره بأنه \"تفعَّل من دَرَى، أي طلبت الدراية\" وكذا في \"الهداية إلى بلوغ النهاية\" (٥/ ٣٨١٣) لمكي بن أبي طالب، ولعله صادر عن الطبري. وقد ورد اللفظ في مخطوطة \"السنة\" لابن أبي عاصم أيضًا، ولكن المحقق خالف الأصل ووضع في المتن مكانه: \"ولا تليت\"، وذكر في تعليقه (١/ ٥٩٨ - الجوابرة) أن \"التصويب من كشف الأستار ومسند أحمد\"!\n(^٢) نبَّه الأستاذ محمود شاكر على أن كتب اللغة لم تذكر \"المطراق\" ..\n(^٣) أي فزع وخاف.","vol":"1","page":356},{"text":"وفي \"المسند\" نحوه من حديث البراء بن عازب. وروى المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء قال: قال رسول الله - ﷺ -، وذكر قبضَ روح المؤمن، فقال: \"يأتيه آتٍ\" ــ يعني في قبره ــ \"فيقول: من ربُّك؟ وما دينك؟ ومن نبيُّك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ -\". قال: \"فينتهره، فيقول: ما ربُّك؟ وما دينك؟ وهي آخِرُ فتنةٍ تُعرَض على المؤمن. فذلك حيث [١٠٥/أ] يقول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيِّي محمد. فيقال له: صدقتَ\" (^١) وهذا حديث صحيح.\nوقال حماد بن سلَمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: \"إذا قيل له في القبر: من ربُّك؟ وما دينك؟ فيقول ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيِّي محمد، جاءنا بالبيِّنات من عند الله، فآمنتُ به، وصدّقتُ. فيقال له: صدقتَ. على هذا عشتَ، وعليه مِتَّ، وعليهُ تبعَث\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٨٥٣٤، ١٨٦١٤، ١٨٦١٥)، وأبو داود (٤٧٥٣). وأصل الحديث في \"السنن\" لابن ماجه (١٥٤٨، ١٥٤٩)، و\"المجتبى\" للنسائي (٢٠٠١). وقال ابن منده في كتاب \"الإيمان\" (٢/ ٩٦٢): \"هذا إسناد متصل مشهور ... وهو ثابتٌ على رسم الجماعة\". وصحّحه الحاكم (١/ ٣٩، ٤٠، ١٢٠، ٢/ ٢٣٩)، والبيهقي في \"إثبات عذاب القبر\" (٢٠)، وحسّنه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ١٩٧). أما ابن حبان فأعلّه في \"المسند الصحيح\" (٦/ ١٥٦) عقب الحديث (٥٠٤٧).\n(^٢) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٦١)، وفي \"تهذيب الآثار\" (٢/ ٥٠٥ - مسند عمر)، والبيهقي في \"إثبات عذاب القبر\" (٥).","vol":"1","page":357},{"text":"وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله - ﷺ -، وذَكَر قبضَ روح المؤمن، قال: \"فترجع روحُه في جسده، ويُبعث إليه ملكان شديدا الانتهار، فيُجلِسانه، وينتهرانه، ويقولان: من ربُّك؟ فيقول: الله. وما دينك: فيقول: الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل أو النبيُّ الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله\". قال: \"فيقولان له: وما يُدريك؟ \". قال: \"فيقول: قرأتُ كتابَ الله، فآمنتُ به، وصدَّقتُ. فذلك قول الله ﵎: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. رواه ابن حبان في \"صحيحه\"، والإمام أحمد (^١).\nوفي \"صحيحه\" (^٢)\nأيضًا من حديث أبي هريرة يرفعه قال: \"إنَّ الميِّتَ لَيسمعُ خفقَ نعالهم حين يولُّون عنه مدبرين. فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاة [١٠٥/ب] عند رأسه، والزكاة عن يمينه، وكان الصيام عن يساره (^٣)، وكان\n_________\n(^١) حديث البراء عند الإمام أحمد يختلف سياق الأعمش فيه عن سياق يونس بن خبّاب، ولم يتقيّد المصنِّف ــ رحمه الله تعالى ــ بسياقِ واحدٍ منهما؛ فليُوازَن بينهما في \"المسند\" (١٨٥٣٤، ١٨٦١٤).\n(^٢) برقم (٥٠٥٨). ورواه هناد بن السري في \"الزهد\" (٣٣٨)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢٦٣٠)، والحاكم في \"المستدرك\"\" (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠، ٣٨٠ - ٣٨١) ــ وصحّحه ــ، والبيهقي في \"الاعتقاد\" (ص ٢٢٠)، وفي \"إثبات عذاب القبر\" (٦٧).\n\nورواه أيضًا عبد الرزاق (٦٧٠٣)، وابن أبي شيبة (١٢١٨٨)، والإمام أحمد في \"الإيمان\" ــ ومن طريقه الخلال في \"السنة\" (١١٧٦) ــ، وابن جرير في \"جامع البيان\" (١٣/ ٦٦٢)، وفي \"تهذيب الآثار\" (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧ - مسند عمر)، لكنهم ساقُوه موقوفا.\n(^٣) في \"صحيح ابن حبان\": \"وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله\". ولكن المصنف صادر عن تفسير الطبري (١٣/ ٦٦٢ - ٦٦٣) فيما يظهر، فلفظ الحديث هنا موافق لرواية الطبري.","vol":"1","page":358},{"text":"فعلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه. فيؤتى من عند رأسه، فتقول الصلاة: ما قِبَلي مدخَل. فيؤتى عن يمينه، فتقول الزكاة: ما قِبَلي مدخَل. فيؤتى عن يساره، فيقول الصيام: ما قِبَلي مدخَل. فيؤتى من عند رجليه، فيقول فعلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قِبَلي مدخل. فيقال له: اجلِسْ، فيجلس، قد مُثِّلتْ له الشمسُ قد دنت للغروب. فيقال له: أخبِرنا عمَّا نسألك عنه، فيقول: دعوني حتى أصلِّي. فيقال: إنك ستفعل، فأخبِرْنا عمَّا نسألك، فيقول: وعمَّ تسألوني؟ فيقال له: أرأيتَ هذا الرجلَ الذي كان فيكم، ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد - ﷺ -؟ فيقال: نعم. فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالبينات من عند الله، فصدَّقناه. فيقال له: على ذلك حَيِيتَ، وعلى ذلك مِتَّ، وعلى ذلك تُبعَث إن شاء الله. ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا، وينوَّر له فيه. ثم يُفتَح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعدَّ الله لك فيها، فيزداد غبطةً وسرورًا. ثم تُجعَل نَسَمتُه في النَّسَم الطيب، وهي طير خضر تعلَّق بشجر الجنة، ويعاد الجسدُ إلى ما بُدِئ (^١) منه من التراب. وذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي [١٠٦/أ] الْآخِرَةِ﴾.\nولا تستطِل هذا الفصلَ المعترضَ، فالمفتي (^٢) والشاهد والحاكم بل\n_________\n(^١) س، ع، ف: \"بدا\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي \"تفسير الطبري\" كما أثبت من ح، ت.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"في المفتي\"، وهو غلط مفسد للسياق.","vol":"1","page":359},{"text":"وكلُّ مسلم أشدُّ ضرورةً إليه من الطعام والشراب والنفَس. وبالله التوفيق.\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١].\nفتأمَّلْ هذا المثلَ ومطابقتَه لحال من أشرك بالله، وتعلَّق بغيره. ويجوز لك في هذا التشبيه أمران (^١):\nأحدهما: أن تجعله تشبيهًا مركَّبًا، ويكون قد شبَّه من أشرك بالله وعبَد معه غيرَه برجل قد تسبَّب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فصوَّر حالَه بصورة حالِ مَن خرَّ من السماء، فاختطفته الطير في الهواء (^٢)، فتفرَّق مُزَعًا (^٣) في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى (^٤) هَوَتْ به في بعض المطارح (^٥) البعيدة. وعلى هذا لا يُنظر (^٦) إلى كلِّ فرد من أفراد المشبَّه ومقابِله من المشبَّه به.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (٣/ ١٥٥).\n(^٢) رسمه في النسخ الخطية والمطبوعة: \"الهوى\".\n(^٣) المُزْعة والمِزْعة من اللحم: قطعة يسيرة منه. وفي ع: \"فتمزق مزعًا\" وكذا في المطبوع. وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومَن تبعه: \"فتمزق مزقًا\". وفي \"الكشاف\" ــ والمصنف صادر عنه ــ كما أثبتنا من النسخ ما عدا ع.\n(^٤) كذا في ع و\"الكشاف\". وفي النسخ الأخرى: \"حين\"، تصحيف.\n(^٥) في \"الكشاف\": \"المطاوح\" بالواو.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: \"لا تُنظر\".","vol":"1","page":360},{"text":"والثاني: أن يكون من التشبيه المفرَّق، فيقابَل كلُّ واحد من أجزاء الممثَّل بالممثَّل به. وعلى هذا فيكون قد شبَّه الإيمان والتوحيد في علوِّه وسعتِه وشرفِه بالسماء التي هي مصعَده ومهبِطه، فمنها يهبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها. وشبَّه تاركَ الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين حيثُ (^١) التضييقُ (^٢) الشديدُ والآلامُ المتراكمةُ، والطيرَ التي (^٣) تتخطَّف (^٤) أعضاءه، وتُمزِّقه كلَّ ممزَّق [١٠٦/ب] بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه عليه وتؤزُّه أزًّا، وتزعجه، وتقلقه إلى مظانِّ هلاكه. فكلُّ شيطان له مُزْعةٌ من دينه وقلبه، كما أنَّ لكلِّ طير مُزْعةً من لحمه وأعضائه. والريحُ التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه (^٥) الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء.\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا\n_________\n(^١) ع: \"من حيث\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في المطبوع: \"الضيق\".\n(^٣) في النسخ كلِّها: \"الذي\"، ولكن الفعلين بعده مؤنثان، وتأنيث الطير أكثر من تذكيره. وكذا \"التي\" في المطبوع. وقد ضُبط \"الطيرُ\" بالرفع في المطبوع تبعًا للشيخ محمد محيي الدين، والصواب أنه منصوب لعطفه على \"تاركَ\"، يعني: وشبَّه الطيرَ بالشياطين، وإن قلب المصنف التشبيه، إذ حقُّه أن يقول: وشبَّه الشياطينَ بالطير.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"تخطف\".\n(^٥) في \"الكشاف\" أن الريح هي الشيطان، والطير المختطفة هي الأهواء التي تتوزع أفكاره.","vol":"1","page":361},{"text":"لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤].\nحقيقٌ على كلِّ عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبَّره حقَّ تدبُّره، فإنه يقطع موادَّ الشرك من قلبه. وذلك أن المعبود أقلُّ درجاته أن يقدر على إيجادِ ما ينفع عابده وإعدامِ ما يضرُّه، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذبابٍ (^١) ولو اجتمعوا كلُّهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طِيب ونحوه، فيستنقذوه منه. فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان (^٢)، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم (^٣) إياه. فلا أعجزَ من هذه الآلهة، ولا أضعفَ منها، فكيف يستحسِن عاقلٌ عبادتها من دون الله؟\nوهذا المثل من أبلغِ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد [١٠٧/أ] تلاعَب بهم أعظمَ من تلاعُب الصبيان بالكُرة، حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرةُ على جميع المقدورات، والإحاطةُ بجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يُصمَد إلى الربِّ في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات= فأعطوها (^٤) صورًا وتماثيلَ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"الذباب\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"الحيوانات\".\n(^٣) ع: \"يسلبهم\".\n(^٤) يعني: الإلهية.","vol":"1","page":362},{"text":"يمتنع عليها القدرةُ على أقلِّ مخلوقات الإله الحقِّ وأذلِّها، وأصغرِها وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه.\nوأدلُّ من ذلك على عجزهم وانتفاء إلهيتهم أنَّ هذا الخلق الأقلَّ الأذلَّ العاجزَ الضعيفَ لو اختطف منهم شيئًا واستلبه، فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه= لعجزوا عن ذلك، ولم يقدروا عليه (^١).\nثم سوَّى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. قيل: الطالب: العابد. والمطلوب: المعبود؛ فهو عاجز متعلِّق بعاجز! وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب، وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز. وعلى هذا فقيل: الطالب: الإله الباطل. والمطلوب: الذباب، يطلب منه ما استنقذه (^٢) منه. وقيل: الطالب: الذباب. والمطلوب: الإله، فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه (^٣). والصحيح: أن اللفظ يتناول الجميعَ، فضعُفَ العابدُ والمعبودُ، والمستلِب [والمستلَب] (^٤). فمَن جعل هذا إلهًا مع القوي العزيز، فما قدَره حقَّ قَدْره، ولا عرَفَه حقَّ معرفته، ولا عظَّمه حقَّ تعظيمه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٧١).\n(^٢) كذا في جميع النسخ الخطية. وفي النسخ المطبوعة: \"استلبه\"، وهو مقتضى السياق.\n(^٣) انظر: \"زاد المسير\" (٣/ ٢٥٠).\n(^٤) ما بين المعقوفين من النسخ المطبوعة.\n(^٥) وانظر في الكلام على هذا المثل: \"الداء والدواء\" (ص ٣٢١) و\"الصواعق المرسلة\": (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧) و(٤/ ١٣٦٣) و\"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٨٨٠).","vol":"1","page":363},{"text":"فصل\nومنها: [١٠٧/ب] قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. فتضمَّن هذا المثل ناعقًا أي مصوِّتًا بالغنم وغيرها، ومنعوقًا به وهو الدوابّ. فقيل: الناعق: العابد، وهو الداعي للصنم. والصنم هو المنعوق به المدعو. وإنَّ حال الكافر في دعائه كحال من ينعِق بما لا يسمعه. هذا قول طائفة، منهم عبد الرحمن بن زيد (^١) وغيره.\nواستشكل صاحب \"الكشاف\" وجماعة معه هذا القول، وقالوا: قوله: ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ لا يساعِد عليه، لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء (^٢). وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة (^٣):\nأحدها: أن \"إلا\" زائدة، والمعنى: بما لا يسمع دعاء ونداء. قالوا: وقد ذكر ذلك الأصمعيُّ (^٤) في قول الشاعر (^٥):\n_________\n(^١) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (٣/ ٤٩) من طريق ابن وهب عنه بمعناه.\n(^٢) \"الكشاف\" (١/ ٢١٤).\n(^٣) يظهر أن الثلاثة مأخوذة من \"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ١٠٥، ١٠٨) والثاني بنصِّه جواب أبي حيان.\n(^٤) ذكره الأصمعي معترضًا على ذي الرمة لا محتجًّا بقوله على زيادة (إلا)، كما يوهم كلام أبي حيان في \"البحر\" (٢/ ١٠٨)، وابن هشام في \"المغني\" (١/ ١٠١ - ١٠٢). وقد روى المرزباني في \"الموشح\" (ص ٢٣٧ - ٢٣٨) عن الأصمعي تخطئة أبي عمرو بن العلاء ذا الرمة، وعن المازني تخطئة الأصمعي إياه.\n(^٥) هو ذو الرمة، وعجز البيت:\nعلى الخَسْفِ أو نرمي بها بلدًا قَفْرَا\nانظر: \"ديوانه\" (٣/ ١٤١٩). حراجيج: جمع حُرجُوج، وهي الناقة الطويلة القوية الضامرة. والخَسْف: أن تبيت على غير علف. وذكر الفراء في \"معاني القرآن\" (٣/ ٢٨١) أنّ \"تنفك\" هنا فعل تامّ. ونقل النحاس في \"إعراب القرآن\" (٥/ ١٦٩) قول المازني: \"أخطأ الأصمعي، و(ما تنفك) كلام تامّ\". وعلى هذا فسَّره ابن الشجري في \"أماليه\" (٢/ ٣٧٣) بقوله: \"فالمعنى: ما تنفصل عن جهد ومشقة إلا في حال إناختها على الخسف، ورمي البلد القفر بها. أي تنتقل من شدة إلى شدة\". وانظر الأقوال الأخرى في \"الخزانة\" (٩/ ٢٤٧ - ٢٥٧).","vol":"1","page":364},{"text":"حراجيجُ ما تنفكُّ إلا مناخةً\nأي ما تنفكُّ مناخة (^١). وهذا جواب فاسد فاسد (^٢)، فإن \"إلا\" لا تزاد في الكلام.\nالجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء لا في خصوصيات المدعو.\nالجواب الثالث: أن المعنى أن مثَل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثَل الناعق بغنمه، فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه هو في دعاء ونداء. وكذا (^٣) المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء.\nوقيل: المعنى: ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقَه ما (^٤) يقول الراعي أكثر من الصوت. فالراعي هو داعي الكفار، [١٠٨/أ] والكفار هم البهائم المنعوق بها.\n_________\n(^١) بعده في ح في آخر السطر: \"وهي\"!\n(^٢) كذا في ح، ولا يبعد أن يكون المصنف كرَّره للتوكيد، فحذفه بعض النساخ.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"وكذلك\".\n(^٤) كذا في النسخ و\"زاد المسير\" (١/ ١٣٢). وفي النسخ المطبوعة: \"مما\".","vol":"1","page":365},{"text":"قال سيبويه (^١): المعنى: ومثَلُك يا محمد ومثَلُ الذين كفروا كمثَل الناعق والمنعوق به. وعلى قوله، فيكون المعنى: ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها. ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركَّب، وأن تجعله من التشبيه المفرَّق. فإن جعلته من المركَّب كان تشبيهًا للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ينعِق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئًا غيرَ الصوت المجرَّد الذي هو الدعاء والنداء. وإن جعلته من التشبيه المفرَّق فالذين كفروا بمنزلة البهائم، وداعيهم (^٢) إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعيق، وإدراكُهم مجرَّدَ الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرَّدَ صوت الناعق (^٣). والله أعلم.\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].\nشبَّه سبحانه نفقةَ المنفِق في سبيله ــ سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سُبل الخير من كلِّ بِرٍّ ــ بمن بذَر بَذْرًا، فأنبتت كلُّ حبة منه سبعَ سنابل، اشتملت كلُّ سنبلة على مائة حبة. والله يضاعف فوق ذلك لمن يشاء (^٤)،\n_________\n(^١) في \"الكتاب\" (١/ ٢١٢)، ولكن النقل من \"البحر\" (٢/ ١٠٦).\n(^٢) في النسخ: \"ودعايهم\"، ولعله تحريف ما أثبت، وفي النسخ المطبوعة: \"ودعاء داعيهم\" وزيادة \"دعاء\" يختل بها السياق.\n(^٣) وانظر: \"مفتاح دار السعادة\" (١/ ٢١٨).\n(^٤) ت: \"لمن يشاء فوق ذلك\". وفي ع: \"يضاعف ذلك\" بإسقاط \"لمن يشاء فوق\".","vol":"1","page":366},{"text":"بحسب حال المنفِق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه، ونفعِ نفقته وقدرها ووقوعها موقعها. فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان، والإخلاص، والتثبيت عند النفقة. وهو إخراج المال [١٠٨/ب] بقلب ثابت قد انشرح صدرُه بإخراجه، وسمحت به نفسُه، وخرج من قلبه قبلَ خروجه من يده. فهو ثابت القلب (^١) عند إخراجه، غيرُ جَزِع ولا هَلِع، ولا مُتْبِعَه نفسَه، ترجُف يده وفؤاده (^٢). ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه لمواقعه (^٣)، وبحسب طيب المنفق وزكاته (^٤).\nوتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبَّه الإنفاق بالبذر، فالمنفقُ مالَه الطيِّبَ لله لا لغيره باذرٌ مالَه في أرض زكية. فمُغَلُّه (^٥) بحسب بَذْرِه، وطيبِ أرضه، وتعاهُدِ البذر بالسقي، ونفيِ الدَّغَل (^٦)\nوالنباتِ الغريب عنه. فإذا اجتمعت هذه الأمور، ولم تُحرق الزرعَ نارٌ، ولا لحقته جائحةٌ= جاء أمثالَ الجبال. وكان مثله ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وهي المكان المرتفع\n_________\n(^١) في المطبوع: \"ثبات القلب\"، وهو خطأ.\n(^٢) وانظر: \"مدارج السالكين\" (١/ ٢٥٥) و\"مجموع الفتاوى\" (١٤/ ٩٤ - ٩٥).\n(^٣) ع: \"لمواقع\". وفي المطبوع: \"بمواقعه\".\n(^٤) وانظر في تفسير المثل أيضًا: \"طريق الهجرتين\" (٢/ ٧٩٢ - ٧٩٤).\n(^٥) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين: \"فمغلة\". وفي المطبوع: \"فمَغِلَّه\" بكسر الغين وفتح اللام. والصواب ما أثبت. والمُغَلُّ اسم المفعول من أغلَّت الضَّيعة، فهو بمعنى الغلَّة. وقد كثر استعماله في كتب شيخ الإسلام والمصنف وفقهاء الشافعية والحنابلة في القرن السابع وبعده.\n(^٦) يعني به: النباتات الطفيلية التي تنبت حول الزرع وتزاحمه. قال في نونيّته (٣/ ٨٤٧):\n\nكالزرع ينبت حوله دَغَلٌ فيَمْـ ... نَعُه النَّما فتراه ذا نقصان","vol":"1","page":367},{"text":"الذي تكون الجنة فيه نُصْبَ الشمس والرياح، فتتربَّى الأشجار هناك أتمَّ تربيةٍ؛ فنزَل عليها من السماء مطرٌ عظيمُ القطر متتابعٌ، فروَّاها ونمَّاها، فآتت أكلها ضعفي ما تؤتيه (^١) غيرُها بسبب ذلك الوابل. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ مطر صغير القَطر، يكفيها لكرم منبتها، تزكو على الطَّلِّ، وتنمي (^٢) عليه؛ مع أنَّ في ذكر نوعي الوابل والطلِّ إشارةً إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل. فمن الناس من يكون إنفاقه وابلًا، ومنهم من يكون إنفاقه طلًّا، والله لا يُضيع مثقال ذرة (^٣).\nفإن عرض لهذا العامل ما يُغرق أعماله ويُبطل حسناته كان بمنزلة رجلٍ ﴿لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ [١٠٩/أ] وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. فإذا كان يوم استيفاء الأعمال وإحراز الأجور وجد هذا العاملُ عملَه قد أصابه ما أصاب صاحبَ هذه الجنة، فحسرتُه حينئذ أشدُّ من حسرة هذا على جنته.\nفهذا (^٤) مثلٌ ضربه الله سبحانه في الحسرة بسلب (^٥) النعمة عند شدة الحاجة إليها، مع عظم قدرها ومنفعتها. والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبرُ\n_________\n(^١) ت: \"تؤتي\"، ولم يعجم حرف المضارع في ح، ع. والمثبت من س، ف. وفي النسخ المطبوعة: \"يؤتيه\".\n(^٢) في المطبوع: \"تنمو\" خلافًا للنسخ.\n(^٣) وقد توسَّع المصنف في تفسير المثل في \"طريق الهجرتين\" (٢/ ٨٠٣ - ٨٠٦).\n(^٤) س: \"وهذا\".\n(^٥) ع: \"لسلب\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":368},{"text":"والضعفُ فهو أحوجُ ما كان إلى نعمته. ومع هذا، فله ذرية ضعفاء لا يقدرون على نفعه والقيام بمصالحه، بل هم في عياله؛ فحاجته إلى نعمته حينئذ أشدُّ ما كانت لِضعفه وضعفِ ذريته. فكيف يكون حالُ هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر، وسلطانُ ثمره أجلُّ الفواكه وأنفعُها، وهو ثمر النخيل والأعناب، فمُغَلُّه يقوم بكفايته وكفاية ذريته، فأصبح يومًا وقد وجده محترقًا كلَّه كالصريم، فأيُّ حسرة أعظمُ من حسرته؟\nقال ابن عباس: هذا مثل الذي يُختَم له بالفساد في آخر عمره (^١).\nوقال مجاهد: هذا مثل المفرِّط في طاعة الله حتى يموت (^٢).\nوقال السُّدِّي: هذا مثل المرائي في نفقته، الذي يُنفق لغير الله، ينقطع عنه نفعُها أحوجَ ما يكون إليه (^٣).\nوسأل عمر بن الخطاب الصحابة يومًا عن هذه الآية، فقالوا: الله أعلم. فغضب عمر، وقال: قولوا نعلم، أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. [١٠٩/ب] قال: قل يا ابن أخي، ولا تَحْقِرْ نفسَك. قال: ضَرَب مثلًا لعمل. قال: لأيِّ عمل؟ قال: لرجل غنيٍّ يعمل بالحسنات،\n_________\n(^١) \"زاد المسير\" (١/ ٢٤٠). ونص قوله رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (٤/ ٦٨٤ - ٦٨٥) من طريق ابن جريج عنه، وهو منقطع.\n(^٢) \"زاد المسير\" (١/ ٢٤٠)، ورواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (٤/ ٦٨٢)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢٧٧١). ورواه أيضًا عبد بن حميد، كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٥١).\n(^٣) \"زاد المسير\" (١/ ٢٤٠). وروى قوله ابن جرير في \"جامع البيان\" (٤/ ٦٨١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢٧٧٥).","vol":"1","page":369},{"text":"ثم بعَث الله له الشيطان، فعمِل بالمعاصي حتى أغرق أعمالَه كلَّها (^١).\nقال الحسن: هذا مثلٌ قلَّ ــ والله ــ من يعقله من الناس. شيخ كبير ضعُفَ جسمُه، وكثُر صبيانه، أفقَرُ ما كان إلى جنته. وإنَّ أحدَكم والله أفقَرُ ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا (^٢).\nفصل\nفإن عرض لهذه الأعمال من الصدقة (^٣) ما يُبطلها من المنِّ والأذى والرياء ــ فالرياءُ يمنع انعقادها سببًا للثواب، والمنُّ والأذى يُبطل الثوابَ الذي كانت سببًا له ــ فمثلُ صاحبِها وبطلانِ عمله ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو الحجر الأملس ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] لا شيء عليه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٣٨) من حديث عبيد بن عمير. وقوله: \"لرجل غني يعمل بالحسنات ... \" إلخ من كلام عمر، فهو الذي فسَّر المثل، لا ابن عباس كما ذكر المصنف، والظاهر أنه نقل الأثر من \"الكشاف\" (١/ ٣١٤). والغريب أن الزيلعي وابن حجر كليهما خرَّجاه من البخاري، ولكن لم ينبِّها على هذا الخلل في سياق الزمخشري. وقد نقله المصنف على وجهه في \"طريق الهجرتين\" (٢/ ٨٠٧) من \"صحيح البخاري\".\n(^٢) نقله المصنف في \"طريق الهجرتين\" (٢/ ٨٠٦ - ٨٠٧) أيضًا. والظاهر أن مصدره \"الكشاف\" (١/ ٣١٤)، ومنه نقله أبو حيان في \"البحر\" (٢/ ٦٧١). ولم أجده بهذه السياقة في غيرهما.\n(^٣) ع: \"الصدقات\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":370},{"text":"وتأمَّلْ أجزاءَ هذا المثل البليغ، وانطباقَها على أجزاء الممثَّل به، تعرِفْ عظمة القرآن وجلالته. فإنَّ الحجرَ في مقابلة قلب هذا المرائي والمانِّ والمؤذي، فقلبُه في قسوته عن الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر، والعملُ الذي عَمِله لغير الله بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر. فقسوةُ ما تحته وصلابتُه تمنعه من النبات والثبات عند نزول الوابل، فليس له مادة متصلة بالذي (^١) يَقبل الماء ويُنبت الكلأ. وكذلك قلبُ المرائي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر، فإذا نزل عليه وابلُ الوحي انكشف عنه ذلك التراب اليسير [١١٠/أ] الذي كان عليه، فبرز ما تحته حجرًا صلدًا لا نبات فيه. وهذا مثلٌ ضربه الله سبحانه لعمل المرائي ونفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثوابِ شيءٍ منه أحوجَ ما كان إليه. وبالله التوفيق (^٢).\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦ - ١١٧].\nهذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته، فشبَّه سبحانه ما يُنفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء\n_________\n(^١) كذا في ح، ت والطبعات القديمة. وقد أصلحه بعضهم في ح ليقرأ: \"بالري\" كما في س، ع، ف والمطبوع.\n(^٢) وانظر في تفسير المثل أيضًا: \"طريق الهجرتين\" (٢/ ٨٠٠ - ٨٠٢).","vol":"1","page":371},{"text":"وحسن الذكر لا يبتغون به وجهَ الله، وما ينفقونه ليصُدُّوا به عن سبيل الله واتباع رسله= بالزرع الذي زرَعه صاحبه يرجو نفعَه وخيرَه، فأصابته ريح شديدة البرد جدًّا، يُحرِق بردُها ما يمرُّ عليه من الزروع (^١) والثمار، فأهلكَتْ ذلك الزرعَ وأيبسَتْه.\nواختلف في \"الصِّرِّ\"، فقيل: البرد الشديد (^٢). وقيل: النار، قاله ابن عباس (^٣). قال ابن الأنباري (^٤): وإنما وُصِفت النار بأنها صِرٌّ لتصويتها (^٥) عند الالتهاب. وقيل: الصِّرُّ: الصوت الذي يصحَب الريحَ من شدة هبوبها. والأقوال الثلاثة متلازمة، فهو برد شديد مُحرِق بيُبْسِه للحرث كما تُحرقه النار، وفيه صوت [١١٠/ب] شديد.\nوفي قوله: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ تنبيه على أنَّ سببَ إصابتها لحرثهم هو ظلمُهم. فهو الذي سلَّط عليهم الريحَ المذكورة حتى أهلكت زرعهم وأيبسته، فظلمُهم هو الريح التي أهلكت أعمالهم ونفقاتهم، وأتلفتها.\n_________\n(^١) ع: \"الزرع\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) رواه ابن جرير في \"جامع البيان\" (٥/ ٧٠٥) عن ابن عباس. وهو قول الأكثرين.\n(^٣) رواه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٤٠٢٦).\n(^٤) انظر: \"زاد المسير\" (١/ ٤٤٥).\n(^٥) في النسخ الخطية والمطبوعة: \"لتصريتها\". وكذا في \"البسيط\" للواحدي (٥/ ٥٢٧)، والظاهر أنه تصحيف وصوابه ما أثبت من \"زاد المسير\" (١/ ٣١٧)، وفي كليهما نقل قول ابن الأنباري، وكلاهما من مصادر المصنف، ولكنه صادر هنا عن \"زاد المسير\".","vol":"1","page":372},{"text":"فصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].\nهذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحِّد. فالمشرك بمنزلة عبدٍ يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحُّون (^١)، والرجل الشَّكِس: الضيِّق الخُلُق (^٢). فالمشرك لما كان يعبد آلهةً شتَّى شُبِّه بعبدٍ يملكه جماعة متنافسون (^٣) في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين. والموحِّد لما كان يعبد الله وحده فمثلُه كمثل عبدٍ لرجل واحد، قد سلِمَ له، وعلِم مقاصدَه، وعرفَ الطريقَ إلى رضاه، فهو في راحةٍ من تشاحُن (^٤) الخلطاء فيه. بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتولِّيه لمصالحه. فهل يستوي هذان العبدان؟\nوهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحقُّ من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقُّ صاحبُ الشركاء\n_________\n(^١) ع، ف: \"متشاحنون\"، وكذا في المطبوع. والصواب ما أثبت من غيرهما، وكذا في الطبعات القديمة. في \"زاد المسير\" (٤/ ١٧) ــ وهو مصدر المصنف ــ عن ابن قتيبة، قال في تفسير \"متشاكسون\": \"أي مختلفون، يتنازعون ويتشاحُّون فيه\". انظر: \"غريب القرآن\" له (ص ٣٨٣).\n(^٢) نقله في \"زاد المسير\" عن اليزيدي. وانظر \"غريب القرآن\" له (ص ٣٢٦).\n(^٣) ع: \"متشاكسون\".\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، ولعله مصحف عن \"تشاكس\" كما في \"زاد المسير\"، فالمصنف صادر عنه، ورسم الكلمة يحتمله. ويجوز: \"تشاحّ\".","vol":"1","page":373},{"text":"المتشاكسين (^١). الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون!\nفصل\nومنها: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٠ - ١٢]. فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال: مثلٍ للكفار، ومثلَين للمؤمنين.\nفتضمَّن مثلُ الكفار أن الكافر يعاقَب على كفره وعداوته لله ورسوله وأوليائه، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لُحْمةِ نسب، أو وُصْلةِ صهر، أو سبب من أسباب الاتصال؛ فإنّ الأسباب كلَّها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلًا بالله وحده على يد رسوله (^٢). فلو نفعت وُصْلةُ القرابة أو المصاهرة (^٣) أو النكاح مع عدم الإيمان لنفعت الوصلة التي كانت بين نوح ولوط وامرأتيهما. فلما لم يُغنيا عنهما من الله شيئًا، وقيل (^٤) ادخلا\n_________\n(^١) وانظر: \"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٨٨٠، ١٠٥٢) و\"مدارج السالكين\" (١/ ٢٥٤).\n(^٢) س، ت: \"يد رسله\". ع: \"أيدي رسله\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"والمصاهرة\".\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"قيل\" دون واو العطف، فاختلّ السياق، فإن جواب لمّا: \"قطعت\".","vol":"1","page":374},{"text":"النار مع الداخلين= قطعت الآيةُ حينئذ طمعَ مَن ركب معصية الله، وخالف أمره، ورجا أن ينفعه صلاحُ غيره من قريب أو أجنبي، ولو كان بينهما في الدنيا أشدُّ الاتصال. فلا اتصالَ فوق اتصال البنوة والأبوة والزوجية، ولم يُغْنِ نوح عن ابنه، ولا إبراهيم [١١١/ب] عن أبيه، ولا نوح ولوط (^١) عن امرأتيهما من الله شيئًا.\nقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣].\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩].\nوقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وقال: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣].\nوهذا كلُّه تكذيبٌ لأطماع المشركين الباطلة أنَّ مَن تعلَّقوا به من دون الله من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة ينفعهم يوم القيامة، أو يُجيرهم من عذاب الله، أو (^٢) يشفع لهم عند الله. وهذا أصلُ ضلال بني آدم وشركهم، وهو الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الذي بعث الله جميعَ رسله وأنزل جميعَ كتبه بإبطاله ومحاربة أهله ومعاداتهم.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"ولا لوط\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"أو هو\" بزيادة \"هو\".","vol":"1","page":375},{"text":"فصل\nوأما المثلان اللذان للمؤمنين، فأحدهما امرأة فرعون. ووجه المثل أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضرُّه شيئًا إذا فارقه في كفره وعمله، فمعصيةُ العاصي (^١) لا تضرُّ المطيعَ (^٢) شيئًا في الآخرة، وإن تضرَّر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحِلُّ بأهل الأرض إذا أضاعوا أمرَ الله، فتأتي عامّةً. فلم يضُرَّ امرأةَ فرعون اتصالُها به، وهو من أكفر الكافرين. ولم ينفع امرأةَ (^٣) نوحٍ ولوطٍ اتصالُهما بهما وهما رسولا ربِّ العالمين. المثل الثاني للمؤمنين: مريم التي لا زوج لها، لا مؤمن ولا كافر.\nفذكر ثلاثة أصناف النساء (^٤): [١١٢/أ] المرأة الكافرة التي لها وُصْلة بالرجل الصالح، والمرأة الصالحة التي لها وُصْلة بالرجل الكافر، والمرأةُ العَزَب (^٥) التي لا وصلة بينها وبين أحد. فالأولى لا ينفعها (^٦) وصلتها وسببها، والثانية لا يضرُّها وصلتها وسببها، والثالثة لا يضرُّها عدمُ الوصلة شيئًا.\n_________\n(^١) ت، ف: \"فمعصية الغير\"، وكانت الكلمة ساقطة من ح، فاستدرك بعضهم في طرتها: \"الغير\". وما أثبته من ع أقعد في السياق.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"المؤمن المطيع\"، فزيد فيها لفظ \"المؤمن\".\n(^٣) كذا بالإفراد في النسخ الخطية والمطبوعة جميعًا، وستأتي هكذا مرة أخرى.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"من النساء\"، ولعل زيادة \"من\" من تصرُّف بعض النساخ أو الناشرين.\n(^٥) في المطبوع: \"العزبة\"، وتعليق المحقق يدل على ورودها في النسخ الخطية، وأنا أشك في ذلك.\n(^٦) كذا \"ينفعها\" في النسخ، ثم \"يضرُّها\" أيضًا بتذكير الفعل، وهو صحيح. وقد أهمل الفعلان في ع. وفي النسخ المطبوعة بالتأنيث.","vol":"1","page":376},{"text":"ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة. فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي - ﷺ -، والتحذير من تظاهُرهنَّ عليه، وأنهن إن لم يُطِعن الله ورسوله ويُرِدن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالُهن برسول الله - ﷺ -، كما لم ينفع امرأةَ نوحٍ ولوطٍ اتصالُهما بهما. ولهذا إنما ضرب في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة.\nقال يحيى بن سلام (^١): ضرب الله المثل الأول يحذِّر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرِّضُهما على التمسُّك بالطاعة.\nوفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضًا اعتبار آخر، وهو أنها لم يضُرَّها عند الله شيئًا قذفُ أعداء الله اليهود لها، ونسبتُهم إياها وابنها إلى ما برَّأهما الله عنه، مع كونها الصدِّيقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين؛ فلا يضرُّ الرجلَ الصالحَ قدح الفجّار والفسّاق فيه.\nوفي هذا تسليةٌ لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك، وتوطينُ نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبلها؛ كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط [١١٢/ب] تحذيرٌ لها ولحفصة مما اعتمدتاه في حقِّ النبي - ﷺ -. فتضمَّنت هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف، والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد، والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكُذِب عليه. وأسرارُ التنزيل فوق هذا وأجلُّ منه، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون.\n_________\n(^١) انظر مختصر تفسيره لابن أبي زمنين (٥/ ١٠ - ١١)، والمصنف صادر عن \"زاد المسير\" (٤/ ٣١٢).","vol":"1","page":377},{"text":"قالوا: فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس، والجمع والفرق، واعتبار العلل والمعاني، وارتباطها بأحكامها تأثيرًا واستدلالًا.\nقالوا: وقد (^١) ضرب الله سبحانه الأمثال، وصرَّفها قَدَرًا وشرعًا، ويقظةً ومنامًا؛ ودلَّ عباده على الاعتبار بذلك، وعبورِهم من الشيء إلى نظيره، واستدلالهم بالنظير على النظير.\nبل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة، ونوع من أنواع الوحي؛ فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس. ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقُمُص تدل على الدين، فما كان فيها من طول أو قِصَر أو نظافة أو دنَس فهو في الدين، كما أوَّل النبيُّ - ﷺ - القميصَ بالدين والعلم (^٢). والقدر المشترك بينهما أنّ كلًّا منهما يستُر صاحبه ويجمِّله بين الناس، فالقميص يستُر بدنه، والعلم والدين يستُر روحَه وقلبَه ويجمِّله بين الناس.\nومن هذا: تأويل اللبن بالفطرة (^٣)، لما في كلٍّ منهما من التغذية الموجبة\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"قد\" بإسقاط الواو.\n(^٢) يقصد حديث أبي سعيد الخدري، الذي أخرجه البخاري (٢٣) ومسلم (٢٣٩٠) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بينا أنا نائم، رأيت الناس يُعرَضون عليَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يبلغ الثُّدِيَّ، ومنها ما دون ذلك. عُرِض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميصٌ يجُرُّه\". قالوا: فما أوَّلتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: \"الدين\". وقد ذكر المصنف أن النبي - ﷺ - أوَّل القميص بالعلم أيضًا ولكن لم يذكر في الحديث إلا الدين.\n(^٣) كما في حديث الإسراء، أخرجه البخاري (٣٤٣٧) ومسلم (١٦٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":378},{"text":"للحياة وكمال النشأة، وأنَّ الطفلَ إذا خُلِّيَ وفطرتَه لم يَعدِل عن اللبن، فهو مفطور على إيثاره على ما سواه. وكذلك فطرة الإسلام [١١٣/أ] التي فَطَر الله عليها الناس (^١).\nومن هذا: تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض كما أن البقر كذلك، مع عدم شرِّها، وكثرةِ خيرها، وحاجةِ الأرض وأهلها إليها. ولهذا لما رأى النبيُّ - ﷺ - بقرًا تُنْحَر (^٢) كان ذلك نحرًا في أصحابه.\nومن ذلك: تأويل الزرع والحرث بالعمل، لأن العامل زارع للخير والشر، ولا بد أن يخرج له ما بذَره كما يخرج للباذر زرعُ ما بذَره. فالدنيا مزرعة، والأعمال البِذار (^٣)، ويومُ القيامة يومُ طلوع الزرع (^٤) وحصاده.\nومن ذلك: تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين، والجامعُ بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك. ولهذا شبَّه الله تعالى المنافقين بالخُشُب المسنَّدة، لأنهم أجسام\n_________\n(^١) وانظر: \"أحكام أهل الذمة\" (٢/ ١٥٦٥).\n(^٢) رواه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٧٦٠٠) من حديث جابر، وله شاهد عند البخاري (٣٦٢٢، ٧٠٣٥) ومسلم (٢٢٧٢) من حديث أبي موسى الأشعري، وشاهدٌ ثانٍ من حديث ابن عباس، رواه أحمد (٢٤٤٥)، وصححه الحاكم (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، واختاره الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١١/ ١٤٢)، وأصله عند الترمذي (٤/ ١٣٠)، وابن ماجه (٢٨٠٨).\n(^٣) جمع البَذر. وهكذا في ح، ف. وفي س، ع: \"البلدان\"، تحريف. وفي ت: \"البذر\"، وكذا في الطبعات القديمة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: \"للباذر\".","vol":"1","page":379},{"text":"خالية عن الإيمان والخير. وفي كونها مسندةً نكتة أخرى، وهي أن الخشب إذا انتُفِع به جُعِل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظانِّ الانتفاع، وما دام متروكًا فارغًا غيرَ منتفَع به جُعِل مسنَدًا بعضُه إلى بعض، فشبَّه المنافقين بالخُشُب في الحالة التي لا يُنتفَع فيها بها.\nومن ذلك: تأويل النار بالفتنة، لإفساد كلٍّ منهما ما يمرُّ عليه ويتصل به. فهذه تُحرِق الأثاث والمتاع والأبدان، وهذه تُحرِق القلوب والأديان والإيمان.\nومن ذلك: تأويل النجوم بالعلماء والأشراف، لحصول هداية أهل الأرض بكلٍّ منهما، ولارتفاع الأشراف بين الناس كارتفاع النجوم.\nومن ذلك: تأويل الغيث بالرحمة [١١٣/ب] والعلم والقرآن والحكمة وصلاح حال الناس.\nومن ذلك: خروج الدم في التأويل يدلُّ على خروج المال، والقدرُ المشتركُ أنَّ قِوام البدن بكلِّ واحد منهما.\nومن ذلك: الحدَث في التأويل يدل على الحدث في الدين. فالحدث الأصغر ذنب صغير، والأكبر ذنب كبير.\nومن ذلك: أن اليهودية والنصرانية في التأويل بدعة في الدين. فاليهودية تدل على فساد القصد واتباع غير الحق، والنصرانية تدل على فساد العلم والجهل والضلال.\nومن ذلك: الحديد في التأويل وأنواع السلاح يدل على القوة والنصر، بحسب جوهر ذلك السلاح ومرتبته.","vol":"1","page":380},{"text":"ومن ذلك: الرائحة الطيبة تدل على الثناء الحسن وطيب القول والعمل، والرائحة الخبيثة بالعكس. والميزان يدل على العدل. والجراد يدل على الجنود والعساكر والغَوغاء الذين (^١) يموج بعضهم في بعض. والنحل يدل على من يأكل طيِّبًا ويعمل صالحًا. والديك رجلٌ عالي الهمة بعيد الصيت (^٢). والحيَّة عدوّ أو صاحب بدعة يُهلك بسمِّه. والحشرات أوغاد الناس. والخُلْد (^٣) رجل أعمى يتكفَّف الناس بالسؤال. والذئب رجل غَشوم ظَلوم غادر فاجر. والثعلب رجل غادر محتال مكّار مُراوِغ عن الحق. والكلب عدو ضعيف كثير الصَّخَب والشَّرِّ في كلامه وسِبابه، أو رجل مبتدع متبع هواه مؤثِر له على دينه. والسنور العبد والخادم الذي يطوف على أهل الدار. والفأرة امرأة سوء فاسقة [١١٤/أ] فاجرة. والأسد رجل قاهر مسلَّط. والكبش الرجل المنيع المتبوع.\nومن كلِّيَّات التعبير: أنَّ كلَّ ما كان وعاءً للماء فهو دالٌّ على الأثاث. وكلّ ما كان وعاء للمال كالصندوق والكِيس والجِراب فدالٌّ (^٤) على القلب. وكلّ مدخول بعضه في بعض وممتزج ومختلط فدالٌّ على الاشتراك والتعاون أو النكاح، وكلّ سُقوط وخُرور من علو إلى سفل مذموم (^٥)، وكلّ صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يجاوز العادة وكان ممن يليق به. وكلّ ما\n_________\n(^١) في المطبوع: \"الذي\"، ولعله خطأ مطبعي.\n(^٢) ع: \"الصوت\".\n(^٣) حيوان من القوارض يسمَّى الفأرة العمياء.\n(^٤) ع: \"فهو دال\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) س، ت: \"فمذموم\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":381},{"text":"أحرقته النار فجائحة، وليس يرجى صلاحه ولا حياته. وكذلك ما انكسر من الأوعية التي لا ينشعب مثلها. وكلّ ما خُطِف وسُرِق من حيث لا يُرَى خاطفه ولا سارقه فإنه ضائع لا يرجى. وما عُرِف خاطفه أو سارقه أو مكانه أو لم يغِبْ عن عين صاحبه فإنه يُرجَى عَودُه. وكلّ زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان والذكر واللحية واليد والرجل فزيادةُ خير، وكلّ زيادة متجاوزة للحدِّ في ذلك فمذمومةٌ وشرٌّ وفضيحة. وكلّ ما رُئي من اللباس في غير موضعه المختصِّ به فمكروه، كالعمامة في الرِّجل، والخفِّ في الرأس، والعِقْد في الساق. وكلّ من استُقْضِيَ أو استُخْلِفَ أو أُمِّر أو استُوزِر أو خَطَب ممن لا يليق به ذلك ناله بلاء من الدنيا وشرٌّ وفضيحة وشهرة قبيحة. وكل ما كان مكروهًا من الملابس فخَلَقُه أهون على لابسه من جديده.\nوالجوز مال مكنوز، فإن تفقَّع كان قبيحًا وشرًّا. ومن صار له ريش أو جناح صار له مال، فإن طار سافر. وخروجُ [١١٤/ب] المريض من داره ساكتًا يدل على موته، ومتكلِّمًا يدل على حياته. والخروج من الأبواب الضيِّقة يدل على النجاة والسلامة من شرٍّ وضِيق هو فيه، وعلى توبة، ولا سيَّما إن خرج (^١) إلى فضاء وسعة فهو خير محض. والسفرُ والنقلةُ من مكان إلى مكان انتقالٌ من حال إلى حال بحسب حال المكانين. ومن عاد في المنام إلى حالٍ كان فيها في اليقظة عاد إليه ما فارقه من خير أو شر. وموتُ الرجل ربما دلَّ على توبته ورجوعه إلى الله، لأن الموت رجوع إلى الله. قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]. والمرهونُ مأسور بدَين أو بحقٍّ عليه لله أو لعبيده. ووداعُ المريض أهله أو توديعهم له دالٌّ على موته.\n_________\n(^١) س: \"إذا خرج\". وفي ع: \"كان الخروج\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":382},{"text":"وبالجملة، فما تقدَّم من أمثال القرآن كلُّها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها. وكذلك مَن فهم القرآن فإنه يعبِّر به الرؤيا أحسنَ تعبير.\nوأصول التعبير الصحيحة إنما أُخِذت من مشكاة القرآن. فالسفينة تعبَّر بالنجاة لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وتعبَّر بالتجارة، والخشب بالمنافقين، والحجارة بقساوة القلوب (^١)، والبَيض بالنساء، واللباس أيضًا بهن، وشرب الماء بالفتنة، وأكلُ لحم الرجل بغيبته، والمفاتيح بالكسب والخزائن والأموال (^٢). والفتح يعبَّر مرة بالدعاء ومرة بالنصر. وكالمَلِك يُرَى في محلَّةٍ لا عادة له بدخولها يعبَّر بإذلال أهلها وفسادها. والحبلُ يعبَّر بالعهد والحقِّ والعصمة (^٣). والنعاس قد يعبَّر بالأمن. والبقل والبصل والثوم والعدس [١١٥/أ] يعبَّر لمن أخذه بأنه قد استبدل شيئًا أدنى بما هو خير منه من مال أو رزق أو علم أو زوجة أو دار. والمرض يعبَّر بالنفاق والشك وشهوة الزِّنا (^٤)، والطفل الرضيع يعبَّر بالعدو لقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، والنِّعاج بالنساء (^٥)، والرماد بالعمل الباطل لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"القلب\".\n(^٢) ت: \"والأموال والخزائن\".\n(^٣) س، ت، ع: \"العضد\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"الرياء\"، تصحيف.\n(^٥) ت: \"والنكاح بالبناء\"، وفي س، ع: \"والنكاح بالنساء\". والصواب ما أثبت من ح، ف.","vol":"1","page":383},{"text":"أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] (^١). والنور يعبَّر بالهدى، والظلمة بالضلال.\nومن هاهنا قال عمر بن الخطاب لحابس بن سعد الطائي، وقد ولّاه القضاء، فقال له (^٢): رأيتُ الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم بينهما نصفين. فقال (^٣): مع أيهما كنتَ؟ قال: مع القمر على الشمس. قال: كنتَ مع الآية الممحوَّة. اذهَبْ، فلست تعمَل لي عملًا، ولا تُقتَل إلا في لَبْسٍ من الأمر. فقُتِل يوم صِفِّين (^٤).\n_________\n(^١) في المطبوع زيادة: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾.\n(^٢) في النسخ المطبوعة زيادة: \"يا أمير المؤمنين إني\".\n(^٣) زيد هنا أيضًا في النسخ المطبوعة: \"عمر\".\n(^٤) رواه ابن أبي الدنيا في \"الإشراف\" (٢٥٥)، وأبو يعلى [كما في \"مسند الفاروق\" لابن كثير (٢/ ٤٤١)]ــ ومن طريقهما ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٦٨/ ١٠٣ - ١٠٤، ١٠٤) ــ من رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن عمر، وسندُه ضعيفٌ منقطع، وفي متنه بعضُ غرابة ونكارة، وانظر: \"تاريخ مدينة دمشق\" لابن عساكر (٦٨/ ١٠٥). ورواه ابن أبي شيبة (٣١١٤٥، ٣٩٠١٩)، ويحيى بن سليمان الجعفي في \"كتاب صِفِّين\" ــ ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٦٨/ ١٠٤ - ١٠٥) ــ عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب: حدثني غير واحد: فذكره! وحماد وابن فضيل سمعا من عطاء بعد اختلاطه.\nوقد رُوي وجهٌ غريبٌ جدًّا، علّقه ابن عساكر (٦٨/ ١٠٥) من طريق مصبح بن (الهلقام) العجلي، عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، عن عمر، وهو ــ على انقطاعه ــ منكرٌ لا يصح. وأشار ابن عساكر (٦٨/ ١٠٥) إلى أنه رُوي أيضًا من وجه آخر عن الحسن البصري.\nورواه أبو العرب القيرواني في \"المحن\" (ص ١١٦) من رواية شيخٍ من طيّءٍ، وسنده ضعيف منقطع أو معضل.","vol":"1","page":384},{"text":"وقيل لعابر: رأيتُ الشمس والقمر دخلا في جوفي. فقال: تموت. واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة: ٧ - ١٠].\nوقال رجل لابن سيرين: رأيتُ معي أربعة أرغفة حين طلعت (^١) الشمس. فقال: تموت إلى أربعة أيام. ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ (^٢) [الفرقان: ٤٥ - ٤٦]. وأخذ هذا التأويل أنه حمل رزقَ (^٣) أربعةِ أيام.\nوقال له آخر: رأيت كيسي مملوءًا أرَضةً، فقال: أنت ميت. ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١٤].\nوالنخلة تدل على الرجل المسلم وعلى الكلمة الطيبة، [١١٥/ب] والحنظلةُ تدل على ضد ذلك. والصنم يدل على العبد السَّوء الذي لا ينفع. والبستان يدل على العمل، واحتراقُه يدل على حبوطه لما تقدَّم في أمثال القرآن. ومن رأى أنه ينقض غزلًا أو ثوبًا ليعيده مرة ثانية، فإنه ينقُض عهدًا وينكُثه. والمشي سويًّا في طريق مستقيم يدل على استقامته على الصراط المستقيم، والأخذُ في بُنَيَّات الطريق يدل على عدوله عنه إلى ما خالفه. وإذا عرضت (^٤) له\n_________\n(^١) ع: \"خبز طلعة\". وفي طرة ت كتب بعضهم \"عليّ\"، يعني: \"طلعت عليّ\".\n(^٢) في ع أكملت الآية، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"رزقه\".\n(^٤) ع: \"عرض\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":385},{"text":"طريقان ذات يمين وذات شمال، فسلك أحدهما (^١)، فإنه من أهلها. وظهور عورة الإنسان له: ذنبٌ يرتكبه ويُفتضَح به. وهروبه وفراره من شيء نجاة وظفر. وغرقه في الماء فتنة في دينه ودنياه. وتعلُّقُه بحبل بين السماء والأرض تمسُّكُه بكتاب الله وعهده واعتصامه بحبله، فإن انقطع به فارقَ العصمةَ؛ إلا أن يكون وليَّ أمرٍ (^٢) فإنه قد يُقتَل أو يموت.\nفالرؤيا أمثال مضروبة يضربها الملَكُ الذي قد وكَّله الله بالرؤيا، ليستدلَّ الرائي بما ضرب له من المثل على نظيره، ويعبُر منه إلى شبهه. ولهذا سمِّي تأويلها تعبيرًا، وهو تفعيل من العبور؛ كما أن الاتعاظ يسمَّى اعتبارًا وعبرةً، لعبور المتعظ من النظير إلى نظيره. ولولا أنَّ حُكمَ الشيء حكمُ مثلِه وحُكمَ النظير حكمُ نظيره لبطل هذا التعبير والاعتبار، ولما وُجِد إليه سبيل. وقد أخبر الله سبحانه أنه ضرَب الأمثال لعباده في غير موضع من كتابه، وأمر باستماع أمثاله، ودعا عباده إلى [١١٦/أ] تعقُّلها، والتفكير فيها، والاعتبار بها. وهذا هو المقصود بها.\nوأما أحكامه الأمرية الشرعية، فكلُّها هكذا، تجدها مشتملةً على التسوية بين المتماثلين، وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين، وعدم تسوية أحدهما بالآخر. وشريعته سبحانه منزَّهة أن تنهى عن شيء لمفسدةٍ فيه، ثم (^٣) تُبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد منها. فمن جوَّز ذلك على الشريعة فما عرفها حقَّ معرفتها، ولا قدَرها\n_________\n(^١) مقتضى السياق: \"إحداهما\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"ولي أمرًا\".\n(^٣) \"ثم\" ساقط من المطبوع.","vol":"1","page":386},{"text":"حقَّ قدرها. وكيف يظن بالشريعة أنها تُبيح شيئًا لحاجةِ المكلَّف إليه ومصلحته، ثم تحرِّم ما هو أحوج إليه، والمصلحة في إباحته أظهر؟ هذا (^١) من أمحَل المُحال (^٢).\nولذلك كان من المستحيل أن يشرع الله ورسوله من الحِيَل ما يُسقِط به ما أوجبه، أو يُبيح به ما حرَّمه، ولعَن (^٣) فاعله، وآذَنه بحربه وحرب رسوله، وشدَّد فيه الوعيد، لما تضمَّنه من المفسدة في الدنيا والدين؛ ثم بعد ذلك يسوِّغ التحيُّلَ عليه (^٤) بأدنى حيلة. ولو أن المريض اعتمد هذا فيما يحميه منه الطبيب ويمنعه منه لكان معينًا على نفسه، ساعيًا في ضرره، وعُدَّ سفيهًا مفرطًا.\nوقد فطر الله سبحانه عباده على أن حكمَ النظير حكمُ نظيره، وحكمَ الشيء حكمُ مثله، وعلى إنكار التفريق بين المتماثلين، وعلى إنكار الجمع بين المختلفين. والعقل والميزان الذي أنزله الله سبحانه شرعًا وقدرًا يأبى ذلك.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"وهذا\".\n(^٢) الميم في \"المحال\" زائدة، ولكن هكذا صاغ منه الناس اسم التفضيل \"أمحل\" على اللفظ، فقالوا: \"أمحل من الترهات\"، و\"أمحل من حديث خرافة\". انظر: \"الدرة الفاخرة\" (٢/ ٣٨٩) لحمزة بن حسن الأصبهاني.\n(^٣) في النسخ كلها: \"أمر\"، وفي ت وحدها ضرب عليه في المتن وكتب في الطرة: \"لعن\". وجائز أن يكون ما في النسخ تحريفًا أو يكون من سبق القلم.\n(^٤) هكذا في س. وفي غيرها: \"إليه\". وفي النسخ المطبوعة: \"التوصل\"، ولعله تصرف من بعض الناشرين.","vol":"1","page":387},{"text":"ولذلك كان الجزاء مماثلًا للعمل من جنسه في الخير والشر (^١). فـ\"مَن ستَر مسلمًا ستَره الله، ومن يسَّر على مُعْسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفَّس عن مؤمن كربةً من كُرَب الدنيا نفَّس الله عنه كربةً مِن كُرَبِ يوم القيامة\" (^٢). و\"من أقال نادمًا أقاله الله عثرتَه يوم القيامة\" (^٣)، و\"من تتبَّع عورةَ أخيه تتبَّع الله عورتَه\" (^٤)، و\"من ضارَّ مسلمًا ضارَّ الله به، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه\" (^٥)، و\"من\n_________\n(^١) وانظر: \"الوابل الصيب\" (ص ٨٠ - ٨٢) و\"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٨٢٦) و\"مدارج السالكين\" (٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة. وانظر حديث ابن عمر في البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠).\n(^٣) رواه البزار (٨٩٦٧)، والطحاوي في \"بيان المشكل\" (٥٢٩١) من حديث أبي هريرة مرفوعا، وصححه ابن حبان (٦٥٣). وانظر: \"الضعفاء\" للعقيلي (١/ ٣١٥)، و\"العلل\" للدارقطني (٨/ ٢٠٥). ورواه أبو داود في \"المراسيل\" (١٧٣) من حديث ابن جريج عن هارون بن أبي عائشة مرسلا بمعناه، وقال: رُوي متصلا، ولا يصح. وفي الباب أسانيد أخرى، يطول المقام بسردها.\n(^٤) رواه الترمذي (٢٠٣٢) من حديث ابن عمر مرفوعا، وحسنه، وصححه ابن حبان (١٨٧٤)، ورواه أحمد (١٩٧٧٦، ١٩٨٠١)، وأبو داود (٤٨٨٠) من حديث أبي برزة الأسلمي، وأحمد (٢٢٤٠٢) من حديث ثوبان، ورواه أبو يعلى في \"المسند\" (١٦٧٥)، والروياني في \"المسند\" (٣٠٥) من حديث البراء، وفي الباب طرق أخرى، والحديث قوي. وانظر: \"الإتحاف بتخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٦) ..\n(^٥) رواه أحمد (١٥٧٥٥)، وأبو داود (٣٦٣٥)، والترمذي (١٩٤٠) ــ وحسنه ــ، وابن ماجه (٢٣٤٢)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق\" (٥٨٣) ــ ولفظة \"مسلمًا\" منه ــ من حديث لؤلؤة، عن أبي صرمة مرفوعا، ولؤلؤة مجهولة، وله شاهد من حديث أبي سعيد مرفوعا، صححه الحاكم (٢/ ٥٧ - ٥٨) على شرط مسلم! والمحفوظ إرساله بلفظ: \"لاضرر ولا ضرار\"، كما تراه في \"الموطأ\" للإمام مالك (٢٧٥٨).","vol":"1","page":388},{"text":"خذَل مسلمًا في موضع يَجِب (^١) نصرتُه فيه خَذَله الله في موضع يُحبُّ نصرتَه فيه\" (^٢)، ومن سَمَح سُمِح له (^٣) (^٤)، و\"الراحمون يرحمهم الرحمن\" (^٥).\nو\"إنما يرحم الله من عباده الرحماء\" (^٦)، ومنَ أَنفَق أُنفِق عليه (^٧). ومن أوعَى أُوعيَ عليه (^٨). ومن عفا عن حقِّه عفا الله له عن حقِّه.\n_________\n(^١) في المطبوع: \"يحب\"، تصحيف.\n(^٢) رواه أحمد (١٦٣٦٨)، وأبو داود (٤٨٨٤) من حديث جابر وأبي طلحة مرفوعا، وفي سنده يحيى بن سليم بن زيد وشيخُه إسماعيلُ بن بشير مجهولان.\n(^٣) كذا في جميع النسخ. وفي الطبعات القديمة: \" ... سمح الله له\". وأثبت في المطبوع: \"من سمع سمع الله به\" وذهب إلى أن ما في الطبعات المذكورة تصحيف. وفي \"الوابل الصيب\" (ص ٨٠) في مثل هذا السياق: \"ومن سامح سامحه\". ونحوه في \"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٨٢٦).\n(^٤) روى عبد الله ابن الإمام أحمد (٢٢٣٣) عن أبيه وجادةً، والحارث بن محمد بن أبي أسامة في \"المسند\" (١٠٨١ - \"بغية الباحث\")، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٥١١٢)، وفي \"الصغير\" (١١٦٩) من حديث ابن عباس مرفوعا: \"اسمحْ؛ يُسْمَحْ لك\". وانظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (٢٣٧، ٥٦٩، ٦٨٥، ٦٨٦، ٦٨٧، ٦٩٠)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٦٤٦، ٦٤٧)، و\"المقاصد الحسنة\" للسخاوي (١١٠).\n(^٥) روى الإمام أحمد (٦٤٩٤)، وأبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\". وصححه الحاكم (٤/ ١٥٩) وجماعة من الحفّاظ.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٢٨٤) ومسلم (٩٢٣) من حديث أسامة بن زيد.\n(^٧) في الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري (٤٦٨٤) ومسلم (٩٩٣) عن أبي هريرة: \"أَنْفِق أُنْفِق عليك\".\n(^٨) في حديث أسماء: \"لا تُوعي، فيوعيَ الله عليكِ\". أخرجه البخاري (١٤٣٤) ومسلم (١٠٢٩).","vol":"1","page":389},{"text":"ومن تجاوز تجاوز الله عنه. ومن استقصى استقصى الله عليه (^١).\nفهذا شرع الله وقدره ووحيه وثوابه وعقابه= كلُّه قائم بهذا الأصل، وهو إلحاق النظير بالنظير، واعتبار المثل بالمثل.\nولهذا يذكر الشارع العلل والأوصاف المؤثِّرة والمعاني المعتبَرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية، ليدلَّ بذلك على تعلُّقِ الحكم بها أين وُجِدت، واقتضائها لأحكامها، وعدمِ تخلُّفِها عنها إلا لمانعٍ يُعارض اقتضاءها، ويُوجب تخلُّفَ آثارها عنها، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ (^٢) [غافر: ١٢]، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا [١١٧/أ] لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ [محمد: ٢٦]، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣].\nوقد جاء التعليل في الكتاب العزيز (^٣) بالباء تارة، وباللام تارة، وبأن تارة، وبمجموعهما (^٤) تارة، وبـ\"كي\" تارة، و\"من أجل\" تارة، وترتيبِ الجزاء\n_________\n(^١) \"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٨٢٦).\n(^٢) زاد في ع: ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾. وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) وانظر: \"الداء والدواء\" (ص ٣١ - ٣٤) و\"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٩١٣ - ٩١٥) و\"مدارج السالكين\" (٣/ ٤٦١) و\"شفاء العليل\" (ص ١٨٨ - ١٩٨).\n(^٤) ع: \"وبمجموعها\". وكذا في المطبوع، وهو تصحيف.","vol":"1","page":390},{"text":"على الشرط تارة، وبالفاء المُؤْذِنة بالسببية تارة، وترتيبِ الحكم على الوصف المقتضي له تارة، وبـ\"لما\" تارة، وبإنَّ المشدَّدة تارة، وبـ\"لعل\" تارة، وبالمفعول له تارة.\nفالأول كما تقدَّم. و\"اللام\" كقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧]، و\"أن\" كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾ (^١) [الأنعام: ١٥٦]. ثم قيل: التقدير لئلا تقولوا، وقيل: كراهة أن تقولوا، و\"أن واللام\" كقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وغالب ما يكون هذا النوع في النفي، فتأمَّلْه. و\"كي\" كقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧]. والشرط والجزاء كقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠].\nوالفاء كقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء: ١٣٩]، ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦].\nوترتيب الحكم على الوصف كقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ [المائدة: ١٦]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ (^٢) لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾\n_________\n(^١) زاد في ع: \"من قبلنا\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في جميع النسخ: \"والله لا يهدي ... \".","vol":"1","page":391},{"text":"[يوسف: ٥٢].\nو\"لمّا\" كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].\nوإنَّ المشدَّدة كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا [١١٧/ب] قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧]، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤].\nو\"لعل\" كقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nوالمفعول له كقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (^١) [الليل: ١٩ - ٢٠]، أي لم يفعل ذلك جزاءَ نعمةِ أحدٍ من الناس، وإنما فعله ابتغاءَ وجه ربِّه الأعلى.\nو\"من أجل\" كقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (^٢) [المائدة: ٣٢].\nوقد ذكر النبي - ﷺ - علل الأحكام والأوصاف المؤثِّرة فيها، ليدل على ارتباطها بها، وتعدِّيها بتعدِّي أوصافها وعللها، كقوله في نبيذ التمر: \"تمرة طيبة (^٣) وماء طهور\" (^٤).\n_________\n(^١) في ع زيادة: \"ولسوف يرضى\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في \"الداء والدواء\" (ص ٣٣) زاد على المذكور هنا أداة \"لو\" الشرطية، وأداة \"لولا\" الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها.\n(^٣) ح، ف: \"تمر طيب\".\n(^٤) رواه أحمد (٣٨١٠، ٤٢٩٦، ٤٣٠١، ٤٣٨١)، وأبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤) من حديث ابن مسعود مرفوعا. وقال الترمذي: \"وأبو زيد رجل مجهولٌ عند أهل الحديث، لا تُعرف له رواية غير هذا الحديث\". ويُنظر كتاب \"الإمام\" لابن دقيق العيد (١/ ١٧١ - ١٨٥).","vol":"1","page":392},{"text":"وقوله: \"إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر\" (^١).\nوقوله: \"إنما نهيتُكم من أجل الدَّافَّة\" (^٢).\nوقوله في الهرة: \"ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" (^٣).\nونهيه عن تغطيةِ رأس المُحْرِم الذي وَقَصَتْه ناقتُه وتقريبِه الطِّيبَ، وقوله: \"فإنه يُبعَث يوم القيامة مُلبِّيًا\" (^٤).\nوقوله: \"إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم\" (^٥)، ذكره تعليلًا لنهيه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٤١) ومسلم (٢١٥٦) من حديث سهل بن سعد الأنصاري.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٧٠) من حديث ابن عمر. والمراد بالدافة قوم من الأعراب يردون المصر. يريد أنه نهى عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الأعراب الذين قدموا المدينة، لِتفرَّق اللحوم عليهم. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ١٢٤).\n(^٣) رواه أحمد (٢٢٥٢٨، ٢٢٥٨٠، ٢٢٦٣٦)، وأبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي (٦٨، ٣٤٠)، وابن ماجه (٣٦٧) من حديث أبي قتادة مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة (١٠٤)، وابن حبان (٤٤٨٣)، والحاكم (١/ ١٥٩ - ١٦٠). ويُنظر كتاب \"الإمام\" لابن دقيق العيد (١/ ٢٣٢ - ٢٣٧)، و\"التلخيص الحبير\" (١/ ٦٧ - ٦٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٦٥) ومسلم (١٦٦) من حديث ابن عباس.\n(^٥) رواه ابن حبان (٢٠١٤)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٩٣١) ــ ومن طريقه الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٢/ ١١٨) ــ، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٢٦٢) من حديث ابن عباس مرفوعا، وسنده ضعيف. وانظر: \"بيان الوهم والإيهام\" لابن القطان (٤/ ٤٣٠ - ٤٣٥)، و\"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" للألباني (٦٥٢٨).","vol":"1","page":393},{"text":"عن نكاح المرأة على عمَّتها وخالتها.\nوقوله تعالى (^١): ﴿وَيَسْأَلُونَكَ (^٢) عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله في الخمر والميسر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (^٣) [المائدة: ٩١].\nوقوله - ﷺ - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: \"أينقُص الرُّطَبُ إذا جفَّ؟ \". قالوا نعم. فنهى عنه (^٤).\nوقوله: \"لا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يُحزنه\" (^٥).\nوقوله: \"إذا وقع الذباب في إناء أحدِكم [١١٨/أ] فامقُلوه، فإنَّ في أحد\n_________\n(^١) كذا وردت الآيتان في أثناء الأحاديث.\n(^٢) ما عدا ع: \"يسألونك\" دون الواو.\n(^٣) في النسخ المطبوعة أكملت الآية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.\n(^٤) رواه أحمد (١٥١٥، ١٥٤٤، ١٥٥٢)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٥، ٤٥٤٦)، وابن ماجه (٢٢٦٤) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\". وصححه ابن حبان (١٩٠٧، ٥٦١٦)، والحاكم (٢/ ٣٨ - ٣٩)، واختاره الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٣/ ١٥٥ - ١٥٨).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٨٢٥) من حديث ابن مسعود. وهو بغير هذا اللفظ في البخاري (٦٢٨٨) ومسلم (٢١٨٤).","vol":"1","page":394},{"text":"جناحيه داءً، وفي الآخر دواء، وإنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء\" (^١).\nوقوله: \"إنَّ الله ورسوله ينهاكم (^٢) عن لحوم الحُمُر، فإنها رجس\" (^٣).\nوقوله وقد سئل عن مسِّ الذكر: هل ينقض الوضوء؟ فقال: \"هل هو إلا بَضْعةٌ منك\" (^٤).\nوقوله في ابنة حمزة: \"إنها لا تحِلُّ لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة\" (^٥).\nوقوله في الصدقة: \"إنها لا تحِلُّ لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس\" (^٦).\nوقد قرَّب النبيُّ - ﷺ - الأحكامَ إلى أمته بذكر نظائرها وأسبابها، وضرب لها الأمثال. فقال له عمر: صنعتُ اليوم يا رسول الله أمرًا عظيمًا: قبَّلتُ وأنا\n_________\n(^١) رواه أحمد (٧١٤١)، وعنه أبو داود (٣٨٤٤) من حديث أبي هريرة مرفوعا. وصححه ابن خزيمة (١٠٥)، وابن حبان (١٣٩٩، ٤١٠٤). وانظر: \"المسند\" لأحمد (١١٦٤٣)، و\"السنن\" لابن ماجه (٣٥٠٤).\n(^٢) ع: \"ينهيانكم\"، وهو لفظ البخاري ومسلم. والوارد هنا لفظ النسائي (٦٩، ٤٣٤٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤١٩٨) ومسلم (١٩٤٠) من حديث أنس.\n(^٤) رواه أحمد (١٦٢٨٦، ١٦٢٩٥)، وأبو داود (١٨٢، ١٨٣)، والترمذي (٨٥)، وابن ماجه (٤٨٣)، والنسائي (١٦٥) من حديث طلق بن علي مرفوعا. وصححه ابن حبان (٩٩٥، ٩٩٦، ٩٩٧)، واختاره الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٨/ ١٥٣). وانظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (١١١)، وكتاب \"الإمام\" لابن دقيق العيد (٢/ ٢٦٩ - ٢٧٧)، و\"التعليقة على العلل لابن أبي حاتم\" لابن عبد الهادي (ص ٨٣ - ٨٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٢٥١) ومسلم (١٤٤٦) من حديث علي بن أبي طالب.\n(^٦) أخرجه مسلم (١٠٧٢) من حديث عبد المطلب بن ربيعة.","vol":"1","page":395},{"text":"صائم. فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وأنت صائم؟ \" فقلتُ: لا بأس بذلك. فقال رسول الله - ﷺ -: \"ففِيمَ (^١)؟ \" (^٢).\nولولا أنَّ حكمَ المثل حكمُ مثله وأن المعاني والعلل مؤثِّرة في الأحكام نفيًا وإثباتًا لم يكن لِذكر هذا التشبيه معنى. فذَكَره لِيدلَّ به على أن حكم النظير حكم مثله، وأن نسبة القُبلة التي هي وسيلة إلى الوطء كنسبة وَضْع الماء في الفم الذي هو وسيلة إلى شربه؛ فكما أن هذا الأمر لا يضُرُّ فكذلك الآخر.\nوقد قال النبي (^٣) - ﷺ - للرجل الذي سأله فقال: إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرَّحل، والحجُّ مكتوب عليه، أفأحجُّ عنه؟\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"فصم\"، تحريف.\n(^٢) رواه أحمد (١٣٨، ٣٧٢)، وأبو داود (٢٣٨٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣٠٣٦) من حديث عمر مرفوعا. وضعفه الإمام أحمد، فقال: \"هذا ريحٌ، ليس من هذا شيءٌ\". نقله عنه ابن قدامة في المغني (٣/ ١٢٧). وقال النسائي: \"هذا حديث منكر ... ولا ندري ممّن هذا؟! \". وأغرب ابن الجوزي فضعفه في كتابه \"التحقيق\" (٢/ ٨٨)، وقال: \"ليث ضعيف الحديث\". كذا قال! وليث هو ابن سعد الإمامُ الحافظ الحجة، وليس ابنَ أبي سليم. وقد كشف غلطه الإمامُ ابنُ تيمية وتلميذه ابن عبد الهادي في \"تنقيح التحقيق\" (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n\nأما ابن خزيمة فصححه (١٩٩٩). وصححه أيضًا الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٨٩)، وابن حبان (٥٧٩٨)، والحاكم (١/ ٤٣١)، واختاره الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١/ ١٩٥، ١٩٦). وانظر: \"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، و\"مسند الفاروق\" لابن كثير (١/ ٤١٧ - ٤١٩).\n(^٣) لفظ \"النبي\" لم يرد في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":396},{"text":"فقال (^١): \"أنت أكبر ولده؟ \". قال: نعم. قال: \"أرأيتَ لو كان على أبيك دَينٌ، فقضيتَه عنه، أكان يجزئ عنه؟ \" قال: نعم. قال: \"فحُجَّ عنه\" (^٢). فقرَّب الحكم من الحكم، وجعل دَينَ الله سبحانه في وجوب القضاء أو في قَبوله بمنزلة دَين الآدمي، وألحق [١١٨/ب] النظير بالنظير. وأكَّد هذا المعنى بضَرْب من الأَولى، وهو قوله: \"اقضُوا الله، فالله أحقُّ بالقضاء\" (^٣).\nومنه: الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: \"وفي بُضْعِ أحدِكم صدقة\"، قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: \"أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان يكون عليه وزر؟ \" قالوا: نعم. قال: \"فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر\" (^٤). وهذا من قياس العكس الجليِّ البيِّن، وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لثبوت ضدِّ علَّته فيه.\nومنه: الحديث الصحيح: أن أعرابيًّا أتى رسولَ الله - ﷺ -، فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإني أنكرتُه. فقال له رسول الله - ﷺ -: \"هل لك من إبل؟ \" قال: نعم. قال: \"فما ألوانها؟ \" قال: حُمْر، قال: \"هل فيها من أورَق؟ \". قال: إنَّ فيها لَوُرْقًا. قال: \"فأنَّى تُرى ذلك جاءها؟ \" قال: يا رسولَ الله عِرْقٌ نَزَعه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"قال\".\n(^٢) رواه أحمد (١٦١٢٥)، والنسائي (٢٦٣٨) من حديث يوسف بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير. ويوسف هذا مستور الحال. واختار الضياءُ المقدسي هذا الحديث في \"الأحاديث المختارة\" (٩/ ٣٥١، ٣٥٢). وانظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (ص ١٣٥)، و\"العلل\" للدارقطني (١٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، و\"تحفة الأشراف\" للمزي (٤/ ٣٣٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٥٢) من حديث ابن عباس.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٠٠٦) من حديث أبي ذر.","vol":"1","page":397},{"text":"قال: \"ولعل هذا عِرقٌ نزَعه\"، ولم يرخِّص له في الانتفاء منه (^١). ومن تراجم البخاري على هذا الحديث: \"باب مَن شبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبيَّن قد بيَّن الله حكمَهما، لِيُفهِمَ السائلَ\".\nثم ذكر بعده (^٢) حديث ابن عباس: أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ -، فقالت: إنّ أمِّي نذرت أن تحُجَّ، فماتت قبل أن تحُجَّ، أفأحجُّ عنها؟ قال: \"نعم، حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمكِ دَينٌ أكنتِ قاضيتَه؟ \". قالت: نعم. فقال: \"اقضُوا الله، فإنَّ الله أحقُّ بالوفاء\".\nوهذا الذي ترجمه البخاري هو فصلُ النزاع في القياس، لا كما يقوله [١١٩/أ] المُفْرِطون فيه ولا المفرِّطون. فإنَّ الناس فيه طرفان ووسط، فأحدُ الطرفين مَن ينفي العلل والمعاني والأوصاف المؤثِّرة، ويجوِّز ورودَ الشريعة بالفرق بين المتساويين والجمع بين المختلفين، ولا يثبت أن الله سبحانه شرَع الأحكام لعلل ومصالح، وربَطَها بأوصاف مؤثِّرةٍ فيها مقتضيةٍ لها طردًا وعكسًا؛ وأنه قد يوجب (^٣) الشيءَ ويحرِّم نظيرَه من كلِّ وجه، ويحرِّم الشيءَ ويُبيح نظيرَه من كلِّ وجه، وينهى عن الشيء لا لمفسدة فيه، ويأمر به لا لمصلحة بل لمحض المشيئة المجرَّدة عن الحكمة والمصلحة.\nوبإزاء هؤلاء قومٌ أفرطوا فيه، وتوسَّعوا جدًّا، وجمعوا بين الشيئين اللذين فرَّق الله بينهما بأدنى جامع من شَبَهٍ أو طردٍ أو وصفٍ يتخيَّلونه علَّةً يمكن أن يكون علَّته وأن لا يكون، فيجعلونه هو السبب الذي علَّق الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣١٤) ومسلم (١٥٠٠) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) برقم (٧٣١٥).\n(^٣) يعني: ويجوِّز الطرف المذكور أن الله سبحانه قد يوجب ...","vol":"1","page":398},{"text":"ورسوله عليه الحكمَ بالخَرْص والظن. وهذا هو الذي أجمع السلف على ذمِّه كما سيأتي إن شاء الله.\nوالمقصود: أنّ النبيَّ - ﷺ - يذكر في الأحكام العِلَل والأوصاف المؤثِّرة فيها طردًا وعكسًا كقوله للمستحاضة التي سألته: هل تدع الصلاة زمنَ استحاضتها؟ فقال: \"لا، إنما ذلك عِرْق، وليس بالحيضة\" (^١). فأمرها أن تصلِّيَ مع هذا (^٢) الدم، وعلَّل بأنه دمُ عِرْق، وليس بدم حيض. وهذا قياس يتضمَّن الجمع والفرق.\nفإن قيل: فشرطُ صحةِ القياس ذكرُ الأصلِ المقيس عليه، ولم يذكر في الحديث.\nقيل: هذا من حسن الاختصار، والاستغناء بالوصف الذي يستلزم ذكرَ [١١٩/ب] الأصل المقيس عليه؛ فإن المتكلِّم قد يعلِّل بعلَّة يغني ذكرُها عن ذكر الأصل، ويكون تركُه لذكر الأصل أبلغَ من ذكره، فيعرف السامع الأصلَ حين يسمع ذكر العلة، فلا يشكل عليه. ورسول الله - ﷺ - حين علَّل عدمَ وجوبِ (^٣) الصلاة مع هذا الدم بأنه عِرْقٌ صار الأصل الذي يُردّ إليه هذا الكلام معلومًا، فإن كلَّ سامعٍ سمِع هذا يفهم منه أنّ دمَ العِرْق لا يوجب ترك الصلاة. ولو قال: \"هو عِرْق، فلا يوجب تركَ الصلاة كسائر دم العروق\" لكان عِيًّا، وعُدَّ من الكلام الركيك، ولم يكن لائقًا بفصاحته. وإنما يليق هذا بعَجْرفة المتأخرين وتكلُّفهم وتطويلهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٨) ومسلم (٣٣٣) من حديث عائشة أم المؤمنين.\n(^٢) لم يرد \"هذا\" في ح، ف.\n(^٣) كذا في النسخ، وهو سهوٌ. ومقتضى السياق: \"عدم سقوط الصلاة\".","vol":"1","page":399},{"text":"ونظير هذا: قوله - ﷺ - لمن سأله عن مسِّ ذكره: \"هل هو إلا بَضْعة منك؟ \" (^١). فاستغنى بهذا عن تكلُّف قوله: كسائر البَضَعات.\nومن ذلك: قوله - ﷺ - للمرأة التي سألته: هل على المرأة من غُسْل إذا هي احتلمت؟ فقال: \"نعم\". فقالت أمُّ سُلَيم: أوَتحتلم المرأة يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنما النساء شقائق الرجال\" (^٢). فبيَّن أن النساء والرجال شقيقان ونظيران، لا يتفاوتان ولا يتباينان في ذلك. وهذا يدل على أن من المعلوم الثابت في فِطَرهم أنَّ حكمَ الشقيقين والنظيرين حكم واحد، سواء كان ذلك تعليلًا منه - ﷺ - للقدر أو للشرع أو لهما؛ فهو دليل على تساوي الشقيقين، وتشابُهِ القرينين، وإعطاءِ أحدهما حكمَ الآخر.\n_________\n(^١) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٢) رواه أحمد (٢٧١١٨) من حديث أم سليم، وسنده ضعيف منقطع، وله شاهد من حديث عائشة رواه أحمد (٢٦١٩٥)، وأبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، وأصله عند ابن ماجه (٦١٢). وفي سنده عبد الله العمري، وهو ضعيف، وقد أغرب جدّا بروايته إياه بذاك السند الرفيع عن أخيه عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة! ولذلك استنكره الإمام أحمد، كما في \"فتح الباري\" لابن رجب (١/ ٣٤٢).\nورواه الدارمي (٧٩١)، والبزار (٦٤١٨)، وأبو عوانة (٨٣٢) من حديث أنس مرفوعًا. وصححه عبد الحق الإشبيلي في \"الأحكام الوسطى\" (١/ ١٩٢)، وتبعه ابن القطان الفاسي في \"بيان الوهم والإيهام\" (٢/ ٢٩٩، ٥/ ٢٧٠ - ٢٧١). والصواب أنه من مناكير محمد بن كثير الصنعاني وأوابده التي رواها عن الأوزاعي. وليتَ عبد الحق مشى في \"الأحكام الوسطى\" على ما كان سطره في \"الأحكام الشرعية الكبرى\" (١/ ٤٩٨).","vol":"1","page":400},{"text":"فصل\n[١٢٠/أ] وقد أقرَّ النبيُّ - ﷺ - معاذًا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصًّا عن الله ورسوله، فقال شعبة: حدثني أبو عون، عن الحارث بن عمرو، عن أناس من أصحاب معاذ، عن معاذ أنَّ رسول الله - ﷺ - لما بعثه إلى اليمن قال: \"كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ \". قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: \"فإن لم يكن في كتاب الله؟ \" قال: فسنَّةُ (^١) رسول الله - ﷺ -. قال: \"فإن لم يكن في سنَّة رسول الله - ﷺ -؟ \" قال: أجتهد رأيي، لا آلو. قال: فضرب رسول الله - ﷺ - صدري، ثم قال: \"الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لِما يُرضي رسولَ الله - ﷺ -\" (^٢).\n_________\n(^١) كذا في ح وغيرها، وهو موافق لما في بعض نسخ \"مسند الإمام أحمد\" كما نبَّه محققوه. وفي س: \"فبسنَّة\"، وكذا في طبعات الكتاب، وهو المشهور.\n(^٢) رواه أحمد (٢٢٠٠٧، ٢٢١٠٠)، وأبو داود (٣٥٩٣)، والترمذي (١٣٢٨) من طرق عن شعبة، عن الحارث بن عمرو، عن أُناس من أهل حمص، عن معاذ به. ورواه أحمد (٢٢٠٦١)، وأبو داود (٣٥٩٢)، والترمذي (١٣٢٧) من طريقين آخرين عن شعبة به، لكنه أرسله، ولم يذكر معاذًا. وقال الترمذي: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتّصل\".\nوالحارث هذا مجهول لا يُعرَف إلا بهذا الحديث، وقد تفرّد به عن هؤلاء الشيوخ المُبهَمين الذين لا يُعرَفون، وقد قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٧٧): \"لايصح، ولا يُعرف إلا بهذا، مرسل\". ونحوه في \"تاريخه الأوسط\" (٣/ ١٣٩). ووافقه العقيلي في كتابه \"الضعفاء\" (١/ ٥٦٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٦٥).\n\nوانظر: \"العلل\" للدارقطني (٦/ ٨٨ - ٨٩)، و\"الإحكام\" (٦/ ٣٥، ٧/ ١١١)، و\"المحلى\" (١/ ٦٢) كلاهما لابن حزم، و\"الأباطيل\" للجورقاني (١/ ٢٤٤)، و\"الأحكام الوسطى\" لعبد الحق الإشبيلي (٣/ ٣٤٢)، و\"العلل المتناهية\" لابن الجوزي (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، و\"بيان الوهم والإيهام\" لابن القطان الفاسي (٣/ ٦٧ - ٦٨، ٥٤٩)، و\"ميزان الاعتدال\" للذهبي (١/ ٤٣٩)، و\"البدر المنير\" لابن النحوي (٩/ ٥٣٤ - ٥٤١)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، و\"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" للألباني (٨٨١).","vol":"1","page":401},{"text":"فهذا حديث وإن كان عن غير مسمَّين، فهم أصحاب معاذ، فلا يضرُّه ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث، وأنَّ الذي حدَّث به الحارثَ بن عمرو جماعةٌ (^١) من أصحاب معاذ، لا واحدٌ منهم. وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحدٍ منهم ولو (^٢) سُمِّي. كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحلِّ الذي لا يخفى؟ ولا يُعرَف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك. كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟ وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيتَ شعبةَ في إسناد حديثٍ فاشدُدْ يديك به (^٣).\nقال أبو بكر الخطيب (^٤): \"وقد قيل: إن عُبادة بن نُسَيٍّ رواه عن عبد الرحمن بن غَنْم عن معاذ (^٥). وهذا إسناد متصل، ورجاله [١٢٠/ب]\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"عن جماعة\"، وهو غلط أفسد السياق.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"لو\" بإسقاط الواو قبلها.\n(^٣) سينقل المصنف هذا القول مرة أخرى، ويزيد عليه أن \"من جعل شعبةَ بينه وبين الله فقد استوثق لدينه\". والظاهر أن الأمر على الأغلب، فإن عاصم بن علي روى عن شعبة قوله: \"لو لم أحدِّثكم إلا عن ثقة لم أحدِّثكم عن ثلاثين\". انظر: \"الكفاية\" للخطيب (ص ٩٠).\n(^٤) في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٧٢ - ٤٧٣).\n(^٥) رواه ابن ماجه (٥٥) من طريق محمد بن سعيد بن حسان، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ مرفوعا بلفظ آخر مختصر. ومحمد بن سعيد هذا كذاب تالف، قد صُلب بسبب زندقته!","vol":"1","page":402},{"text":"معروفون بالثقة؛ على أنَّ أهل العلم قد تقبَّلوه (^١) واحتجُّوا به. فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول رسول الله - ﷺ -: \"لا وصية لوارث\" (^٢)، وقوله في البحر: \"هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته\" (^٣)،\nوقوله: \"إذا اختلف المتبايعان في الثمن، والسلعةُ قائمةٌ، تحالفا وترادَّا البيعَ\" (^٤)، وقوله:\n_________\n(^١) ما عدا ح: \"نقلوه\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي مصدر النقل ما أثبت.\n(^٢) رواه أحمد (١٧٦٦٦، ١٧٦٦٩، ١٨٠٨٣، ١٨٠٨٦، ١٨٠٨٧)، والترمذي (٢١٢١) ــ وصحّحه ــ، وابن ماجه (٢٧١٢)، والنسائي (٣٦٤١، ٣٦٤٢) من حديث شهر بن حوشب، عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة مرفوعا. ورواه أحمد (٢٢٢٩٤)، وأبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠) ــ وحسّنه ــ، وابن ماجه (٢٧١٣) من طريق إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة مرفوعا. وانظر: \"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٤/ ٢٥٠ - ٢٥٢)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٣/ ١٩٧ - ٢٠٠).\n(^٣) رواه أحمد (٧٢٣٣، ٨٧٣٥، ٨٩١٢، ٩٠٩٩)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩) ــ وصحّحه ــ، وابن ماجه (٣٨٦)، والنسائي (٥٨) من حديث أبي هريرة مرفوعا.\nوصحّحه أيضًا البخاري، كما في \"العلل الكبير\" للترمذي (٣٣)، وابن خزيمة (١١١)، وابن حبان (٤٣٢٧، ٥٨١٥)، والحاكم (١/ ١٤١)، وغيرُهم من الحفّاظ. ورواه أحمد (١٥٠١٢)، وابن ماجه (٣٨٨) من حديث جابر مرفوعا، وصحّحه ابن خزيمة (١١٢)، وابن حبان (٤٣٢٨)، وصحّحه الحاكم (١/ ١٤٣) من طريق أخرى عن جابر.\n\nوللحديث شواهد كثيرة يضيق هذا المجال عن سردها، وقد جمعها الحافظ ابن عبد الهادي في جزء كبير، أشار إليه في \"تنقيح التحقيق\" (١/ ١٢). وانظر: \"المستدرك\" للحاكم (١/ ١٤٢ - ١٤٣)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (١/ ٨ - ١٣).\n(^٤) بهذا اللفظ علّقه الطحاوي في \"بيان المشكل\" (٦/ ١٦١)، وفي \"شرح معاني الآثار\"\" (٤/ ١٥٥). ومِن أقرب الألفاظ إليه: ما رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠٣٦٥)، وفي \"الأوسط\" (٣٧٢٠) من حديث ابن مسعود مرفوعا بمعناه، وليس عنده: تحالفا. وفي ألفاظ الحديث وسنده اختلافٌ يُنظر فيما سرده عبد الله ابن الإمام أحمد لأبيه (٤٤٤٢ - ٤٤٤٧)، وفي \"المسند\" للدارمي (٢٥٩١)، \"السنن\" لأبي داود (٣٥١١، ٣٥١٢)، و\"السنن\" لابن ماجه (٢١٨٦)، و\"العلل\" للدارقطني (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٥).","vol":"1","page":403},{"text":"\"الدية على العاقلة\" (^١). وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، لكن لما تلقَّتها الكافَّة عن الكافَّة غَنُوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها. فكذلك حديث معاذ لما احتجُّوا به جميعًا غَنُوا عن طلب الإسناد له\" انتهى كلامه.\nوقد جوَّز النبيُّ - ﷺ - للحاكم أن يجتهد رأيه، وجعَل له على خطئه في اجتهاد الرأي أجرًا واحدًا إذا كان قصدُه معرفةَ الحق واتباعَه (^٢).\nفصل\nوقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره.\nقال أسد بن موسى: ثنا شعبة، عن زُبَيد اليامي، عن طلحة بن مصرِّف، عن مُرَّة الطيِّب، عن علي بن أبي طالب: كلُّ قوم على بيِّنةٍ من أمرهم، ومصلَحةٍ (^٣)\n_________\n(^١) رواه مسلم في \"الصحيح\" (١٦٨٢) من حديث المغيرة بن شعبة من قضاء النبي - ﷺ - لا من قوله. ومعناه في الصحيحين من حديث أبي هريرة. وهذا القول مشهورٌ من قول عمر موقوفا، رواه الترمذي (١٤٧٤، ٢٢٤٣) ــ وصحّحه ــ، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٦٣٢٩). ورواه أبو داود (٢٩٢٧)، وابن ماجه (٢٦٤٢)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٦٣٣٠) عنه بلفظ: \"الدية للعاقلة\".\n(^٢) كما في حديث عمرو بن العاص، أخرجه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦).\n(^٣) كذا في النسخ، ومصدر النقل ــ وهو \"الفقيه والمتفقه\" ــ و\"الفصول في الأصول\" لأبي بكر الجصاص (٤/ ٥٠). وفي \"البيان والتبيّن\" (٢/ ٣٥) و\"غريب الحديث\" للخطابي (٣/ ١٩٨) و\"الفائق\" للزمخشري (٣/ ١٤٢): \"على زينة من أمرهم ومَفْلَحة\". وفسَّره الخطابي بأنهم \"راضون بعملهم، مغتبطون بذلك عند أنفسهم، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] \".","vol":"1","page":404},{"text":"من أنفسهم، يُزْرُون (^١) على مَن سواهم. ويُعرَف الحقُّ بالمقايسة عند ذوي الألباب (^٢).\nوقد رواه الخطيب وغيره مرفوعًا (^٣)، ورفعه غير صحيح.\nوقد اجتهد الصحابة في زمن النبي - ﷺ - في كثير من الأحكام، ولم يعنِّفهم؛ كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلُّوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضُهم، وصلَّاها في الطريق، وقال [١٢١/أ]: لم يُرِد منَّا التأخير، وإنما أراد سرعةَ النهوض؛ فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون، وأخَّروها إلى بني قريظة، فصلَّوها ليلًا؛ نظروا إلى اللفظ. وهؤلاء (^٤) سلف أهل الظاهر.\n_________\n(^١) يعني: يعيبون على غيرهم. زرَى عليه فعلَه يزري زرايةً: عابه. وأزرى به: تهاونَ به. وأزرى عليه لغة قليلة.\n(^٢) لو ثبت أن أسد بن موسى روى هذا الخبر عن شعبة؛ لكان السند جيّدا، لكن الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى وجده مرويًّا من طريقه مرفوعا، واستنكره، واستظهر أنه في الأصل موقوفٌ، وتجوّز في إيراده على ذاك الوجه الغريب.\n(^٣) رواه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٧٦) من طريق أبي الفتح الأزدي، عن علي بن إبراهيم البلدي، عن أحمد بن محمد الكندي، عن أسد به مرفوعا. وهو منكر جدّا بهذا الإسناد، بل رفعُه باطلٌ بلا ريب، والظاهر أن آفته من البلدي، على أن في السند مغامز أخرى.\n(^٤) في المطبوع: \"وأولئك\".","vol":"1","page":405},{"text":"وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس.\nولما كان عليٌّ باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، فقال كلٌّ منهم: هو ابني. فأقرع عليٌّ بينهم، فجعل الولدَ للقارع، وجعل عليه للرجلين ثلثي الدية. فبلغ ذلك (^١) النبيَّ - ﷺ -، فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي - ﵁ - (^٢).\nواجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة، وحكم فيهم باجتهاده، فصوَّبه النبي - ﷺ -، وقال: \"لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات\" (^٣).\nواجتهد الصحابيان اللذان خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فصلَّيَا. ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يُعِد الآخر. فصوَّبهما، وقال للذي لم يُعِدْ: \"أصبتَ السنّة، وأجزأتك صلاتك\". وقال للآخر: \"لك الأجر مرّتين\" (^٤).\n_________\n(^١) \"ذلك\" ساقط من ع، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) رواه أحمد (١٩٣٢٩، ١٩٣٤٢، ١٩٣٤٤)، وأبو داود (٢٢٦٩، ٢٢٧٠)، وابن ماجه (٢٣٤٨)، والنسائي (٣٤٨٨ - ٣٤٩١) من حديث زيد بن أرقم به، وفي سنده اضطراب واختلاف، ورجّح النسائي رواية مرسلة رواها هو (٣٤٩٢)، وأبو داود (٢٢٧١). وسبقه إلى هذا الترجيح أبو حاتم، كما في \"العلل\" لابنه عبد الرحمن (١٢٠٤، ٢٣١٧). وانظر: \"العلل\" للدارقطني (٣/ ١١٧ - ١١٩). وسيأتي الكلام على الحديث بشيء من التفصيل. وقد أفاض القول أيضًا في طرق الحديث ووجه إلزام القارع بثلثي الدية في: \"الطرق الحكمية\" (٢/ ٥٩٢، ٥٩٨، ٦١٤ - ٦١٩). وانظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٣٨٥ - ٣٨٦) و\"تهذيب السنن\" (١/ ٥٦١ - ٥٦٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٨٠٤) ومسلم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري. واللفظ الوارد هنا وقع في \"مسند الحارث\". انظر: \"بغية الباحث\" (٦٩٣).\n(^٤) رواه أبو داود (٣٣٨)، والنسائي (٤٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا، وقال أبو داود: \"وذِكْرُ أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ، هو مرسل\". وأشار إلى ذلك النسائي حين أعقب الموصول بروايته إياه (٤٣٤) من مرسل عطاء بن يسار. وكذا صنع الدارقطني في \"السنن\" (٧٢٧، ٧٢٨)، والبيهقي (١/ ٢٣١). أما الحاكم، فصحّحه في \"المستدرك\" (١/ ١٧٨ - ١٧٩) على شرط الشيخين! مع حكايته الخلافَ في وصله وإرساله.","vol":"1","page":406},{"text":"ولما قاسَ مجزِّز المُدْلِجي وقافَ وحكَم بقياسه وقيافته على أن أقدام زيد وأسامة ابنِه بعضُها من بعض سُرَّ بذلك رسولُ الله - ﷺ - حتى برَقت أساريرُ وجهه من صحة هذا القياس وموافقته للحق (^١). وكان زيد أبيض وابنه أسامة أسود، فألحق هذا القائفُ الفرعَ بنظيره وأصله، وألغى وصف السواد والبياض الذي لا تأثير له في الحكم.\nوقد تقدَّم (^٢) قول الصديق في الكلالة: \" أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشيطان [١٢١/ب]، أراهُ ما خلا الوالدَ والولدَ\". فلما استخلف عمر قال: إني لأستحيي اللهَ (^٣) أن أرُدَّ شيئًا قاله أبو بكر (^٤).\nوقال الشعبي عن شريح قال: قال لي عمر: اقضِ بما استبان لك من كتاب الله. فإن لم تعلم كلَّ كتابِ الله فاقضِ بما استبان لك من قضاء رسول الله - ﷺ -. فإن لم تعلم كلَّ أقضية رسول الله - ﷺ - فاقضِ بما استبان لك من أئمة المهتدين. فإن لم تعلم كلَّ ما قضت به أئمةُ المهتدين فاجتهِدْ رأيَك،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٣١) ومسلم (١٤٥٩) من حديث عائشة.\n(^٢) في (ص ١٧٩) من هذا المجلد.\n(^٣) ع، ف: \"من الله\". وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) رواه عبد الرزاق (١٩١٩١) ــ ومن طريقه ابن المنذر في \"التفسير\" (١٤٤٣) ــ، وسعيد بن منصور في \"السنن\" (٥٩١ - التفسير)، والدارمي (٣٠١٥)، وابن جرير في \"جامع البيان\" (٦/ ٤٧٥) من رواية الشعبي، عنه به.","vol":"1","page":407},{"text":"واستشِرْ أهلَ العلم والصلاح (^١).\nوقد اجتهد ابن مسعود في المفوِّضة، وقال: أقول فيها برأيي (^٢). ووفَّقه الله للصواب.\nوقال سفيان، عن عبد الرحمن الإصبهاني، عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين، فقال: للزوج النصف، وللأم ثلثُ ما بقي، وللأب بقية المال. فقال: تجده في كتاب الله أو تقوله برأيك؟ قال: أقوله برأيي، ولا أفضِّل أمًّا على أب (^٣).\nوقايَسَ عليَّ بن أبي طالب زيدُ (^٤) بن ثابت في المكاتَب (^٥)، وقايَسَه في الجدِّ والإخوة (^٦).\nوقاس ابن عباس الأضراسَ بالأصابع، وقال: عقلُها سواء، اعتبِروها بها (^٧).\nقال المُزَني: الفقهاء من عصر رسول الله - ﷺ - إلى يومنا وهَلُمَّ جَرًّا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم. قال:\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١٩٠٢٠)، وابن أبي شيبة (٣١٧١٠)، والبيهقي (٦/ ٢٢٨)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (١/ ٤٩٦).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"كرَّم الله وجهه، وزيد\".\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) سبق تخريجه.\n(^٧) سبق تخريجه.","vol":"1","page":408},{"text":"وأجمعوا أنّ (^١) نظيرَ الحقِّ حقٌّ، ونظيرَ الباطل باطلٌ. فلا يجوز لأحد إنكار القياس، لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها.\nقال أبو عمر (^٢) بعد حكاية ذلك عنه: \"ومن القياس المجمَع عليه: صيدُ ما عدا الكلب (^٣) من الجوارح قياسًا على الكلاب، بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤].\nوقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، [١٢٢/أ] فدخل في ذلك المحصَنون قياسًا.\nوكذلك قوله في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فدخل في ذلك العبد قياسًا عند الجمهور، إلا من شذَّ ممن لا يكاد يُعَدُّ قولُه خلافًا.\nوقال في جزاء الصيد المقتول في الإحرام: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]، فدخل فيه قتلُ الخطأ قياسًا عند الجمهور إلا من شذَّ.\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فدخل في ذلك الكتابيات قياسًا.\n_________\n(^١) ع: \"بأن\"، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من س، ح، ت، وكذا في مصدر النقل. وفي ف: \"على أن\".\n(^٢) في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ٨٧٢ - ٨٧٤).\n(^٣) في \"الجامع\": \"الكلاب\"، وفي النسخ المطبوعة: \"المكلب\".","vol":"1","page":409},{"text":"وقال في الشهادة في المداينات: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فدخل في معنى ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] قياسًا المواريثُ والودائعُ والغصوبُ وسائرُ الأموال.\nوأجمعوا على توريث البنتين الثلثين قياسًا على الأختين. وقال عمن أعسَرَ بما بقي عليه من الربا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فدخل في ذلك كلُّ مُعسِر بدين حلال، وثبت ذلك قياسًا.\nومن هذا الباب: توريث الذكر ضعفي ميراث الأنثى منفردًا، وإنما ورد النصُّ في اجتماعهما بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].\nومن هذا الباب أيضًا: قياس التظاهر بالبنت على التظاهر بالأم، وقياس الرقبة في الظِّهار على الرقبة في القتل بشرط الإيمان، وقياس تحريم الأختين وسائر القرابات من الإماء على الحرائر في الجمع [١٢٢/ب] في التسرِّي\".\nقال: \"وهذا لو تقصَّيتُه لطال به الكتاب\".\nقلت: بعض هذه المسائل فيها نزاع، وبعضها لا يُعرَف فيها نزاع بين السلف.\nوقد رام بعض نفاة القياس إدخال هذه المسائل المجمَع عليها في العمومات اللفظية، فأدخل قذفَ الرجال في قذف المحصنات، وجعل","vol":"1","page":410},{"text":"المحصنات صفة للفروج لا للنساء. وأدخل صيد الجوارح كلِّها في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾، وقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ وإن كان من لفظ الكلب فمعناه: مُضْرِين (^١) لها على الصيد. قاله مجاهد والحسن، وهو رواية عن ابن عباس. وقال أبو سليمان الدمشقي: \"مكلِّبين\" معناه: معلِّمين. وإنما قيل لهم \"مكلِّبين\"، لأن الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب (^٢).\nوهؤلاء وإن أمكنهم ذلك في بعض المسائل، كما جزموا بتحريم أجزاء الخنزير لدخوله في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وأعادوا الضمير إلى المضاف إليه دون المضاف، فلا يمكنهم ذلك في كثير من المواضع؛ وهم يُضطرُّون (^٣) فيها ــ ولا بدَّ ــ إلى القياس، أو القول بما لم يقل به غيرهم ممن تقدَّمهم.\nفلا يُعلَم أحدٌ من أئمة الفتوى يقول في قول النبي - ﷺ -، وقد سئل عن فأرة وقعت في سمن: \"أَلقُوها وما حولها وكُلوه\" (^٤): إن ذلك مختصّ بالسَّمْن دون سائر الأدهان والمائعات. هذا مما يقطع بأن الصحابة والتابعين\n_________\n(^١) كذا ضُبِط في ع، من الإضراء. ويجوز \"مُضَرِّين\" من التضرية. ضرِيَ الكلبُ بالصيد ضراوةً: تطعَّم بلحمه ودمه، واعتاد ذلك فلا يكاد يصبر عنه. وأضراه صاحبُه: عوَّده. وأضراه به وضرَّاه: أغراه. وفي النسخ المطبوعة: \"مُغْرِين\". وفي \"زاد المسير\": \"مصرين\" بالصاد المهملة، تصحيف.\n(^٢) \"زاد المسير\" (٢/ ٢٩٢).\n(^٣) س: \"يضطربون\"، تصحيف. وفي ع: \"مضطرون\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وقد سقط من ع \"فيها\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٥٣٨) من حديث ميمونة.","vol":"1","page":411},{"text":"وأئمة الفتيا لا يفرِّقون فيه بين السَّمْن والزَّيت والشَّيْرَج (^١) والدِّبْس، كما لا يفرِّقون (^٢) بين الفأرة والهرَّة في ذلك.\nوكذلك نهيُ النبي - ﷺ - عن بيع [١٢٣/أ] الرُّطَب بالتمر (^٣)، لا يفرِّق عالمٌ يفهم عن الله ورسوله بين ذلك وبين بيع العنب بالزبيب.\nومن هذا أن الله سبحانه قال في المطلقة ثلاثًا: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] (^٤). أي إن طلَّقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن يتراجعا، والمراد به تجديد العقد. وليس ذلك مختصًّا بالصورة التي يطلِّق فيها الثاني فقط، بل متى تفارقا بموت أو خُلْع أو فَسخ أو طلاق حلَّت للأول قياسًا على الطلاق.\nومن ذلك: قول النبي - ﷺ -: \"لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة، ولا تشربوا في صِحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة \" (^٥)، وقوله: \"الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرجِرُ في بطنه نارَ جهنم\" (^٦)،\n_________\n(^١) الشَّيْرَج: دهن السمسم، فارسي معرب. وقد عُرِّب بالقاف أيضًا (اللسان ــ ردق)، وأصله في الفهلوية بالكاف الفارسية وبكسر أوله. وهي في الفارسية: شِيره، بالهاء المجلوبة للاحتفاظ بفتحة آخره بعد سقوط الكاف. وهو فيها بمعنى العصارة. انظر: \"برهان قاطع\" (٣/ ١٣٢٥).\n(^٢) ع: \"يفرق\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢١٧١) ومسلم (١٥٣٨) من حديث ابن عمر.\n(^٤) في النسخ المطبوعة زيادة ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٤٢٦) ومسلم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة بن اليمان.\n(^٦) أخرجه البخاري (٥٦٣٤) ومسلم (٢٠٦٥) من حديث أم سلمة. ويقال: جَرجَر فلان الماءَ، إذا جَرَعه جرعًا متواترًا له صوت.","vol":"1","page":412},{"text":"وهذا التحريم لا يختصُّ بالأكل والشرب، بل يعُمُّ سائرَ وجوه الانتفاع، فلا يحِلّ له أن يغتسل بها، ولا يتوضأ بها، ولا يدَّهِن فيها، ولا يكتحل منها. وهذا أمر لا يشك فيه عالم.\nومن ذلك: أن النبي - ﷺ - نهى المُحْرِمَ عن القميص (^١) والسراويل والعمامة والخفّين (^٢)، ولا يختصُّ ذلك بهذه الأشياء فقط، بل يتعدَّى النهيُ إلى الجِبَاب (^٣) والدُّلُوق (^٤) والمبطَّنات (^٥) والفَرَاجي (^٦) والأقبية (^٧)\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"ومن ذلك نهي النبي - ﷺ - المحرم عن لبس القميص\".\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٤) ومسلم (١١٧٧) من حديث ابن عمر.\n(^٣) جمع الجُبَّة.\n(^٤) جمع الدَّلَق، وهو من ملابس القضاة والعلماء والصوفية. ذكر القلقشندي في صبح الأعشى (٤/ ٤٢) أن من القضاة والعلماء من \"يلبس فوق ثيابه دلقًا متسع الأكمام طويلها مفتوحًا فوق كتفيه بغير تفريج، سابلًا على قدميه\". ثم ذكر (٤/ ٤٣) أن مشايخ الصوفية: \"مضاهون لطائفة العلماء في لبس الدلق إلا أنه يكون غير سابل ولا طويل الكم\".\n(^٥) هي الثياب المحشوة بالفراء أو غيرها.\n(^٦) جمع الفَرَجيّة، وهي ثوب واسع طويل الأكمام كان يعمل عادة من الجَوخ ــ وهو ضرب من نسيج الصوف ــ ويكون مفرَّجًا من قدّام من أعلاه إلى أسفله، وقد يكون مفرَّجًا من خلف. انظر: \"صبح الأعشى\" (٤/ ٤٢، ٤٣) و\"تكملة دوزي\" (٨/ ٣٤) و\"المعجم العربي لأسماء الملابس\" (ص ٣٥١ - ٣٥٢).\n(^٧) جمع القَباء. قال الحميدي في \"تفسير غريب الصحيحين\": \"هو الثوب المفرَّج المضموم وسطه\". وكان يلبس فوق الثياب. وانظر: \"المعجم العربي لأسماء الملابس\" (ص ٣٧٨ - ٣٨٠) وليس فارسيًّا معرَّبًا كما قال بعضهم. انظر: \"المعرب\" للجواليقي طبعة دار القلم (ص ٥٠٣) تعليق المحقق.","vol":"1","page":413},{"text":"والعَرَقْشِينات (^١)\nوإلى القُبْع (^٢) والطاقية والكوفية والكُلُوتة (^٣) والطَّيلَسان (^٤) والقَلَنْسُوةَ، وإلى الجَوربين والجُرموقين (^٥) والزَّرْبُول ذي الساق (^٦)، وإلى التُّبَّان (^٧) ونحوه.\nومن هذا: قوله - ﷺ -: \"إذا ذهب أحدكم إلى الغائط [١٢٣/ب] فليذهب معه بثلاثة أحجار\" (^٨).\n_________\n(^١) جمع \"العرقشين\"، وهي كلمة فارسية مركبة من كلمتين \"عَرَقْ چِين\" وهو الذي يمتصُّ العرق، وكان يسمى في بعض البلدان \"عَرَقيّة\" و\"مِعرقة\" و\"عرَّاقة\". وكان يطلق عادة على طاقية تلبس تحت القلنسوة والعمامة لامتصاص العرق. ولكن يظهر أن كلَّ ما استعمل لامتصاص العرق يسمَّى \"العرقشين\" .. انظر: \"مسالك الأبصار\" (٣/ ٤٤٩) و\"المعجم العربي لأسماء الملابس (ص ٣٢٤).\n(^٢) هو ما يلبس تحت الخوذة لحماية الرأس، ويطلق أيضًا على طاقية صغيرة تلبس تحت العمامة. انظر: المرجع الأخير (ص ٣٧٦).\n(^٣) غطاء للرأس مثل الطاقية والكوفية. انظر: المرجع الأخير (ص ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(^٤) كساء يلقى على الكتف كالوشاح ويحيط بالبدن، كالذي يسمَّى الآن بالشال. انظر: المرجع الأخير (ص ٣٠٦ - ٣٠٧) و\"المعرب\" للجواليقي (ص ٤٤٦).\n(^٥) الجُرموق: شيء يشبه الخفَّ، فيه اتساع، يُلبَس فوق الخف في البلاد الباردة. قاله النووي في \"المجموع\" (١/ ٥٠٤). وهو عند الفقهاء خفّ فوق الخف مطلقًا. والكلمة فارسية معربَّة.\n(^٦) الزَّربول والزَّربون ضرب من الأحذية. انظر: \"شفاء الغليل\" (ص ١٧٠) و\"تكملة دوزي\" (٥/ ٢٩٩).\n(^٧) التُبَّان: السروال القصير الذي يستر العورة المغلَّظة فقط، يلبسه الملاحون. فارسي معرب، أصله تُنْبان. انظر: \"الصحاح\" (تبن) و\"برهان قاطع\" (١/ ٥١٤).\n(^٨) رواه أحمد (٢٤٧٧١، ٢٥٠١٢)، وأبو داود (٤٠)، والنسائي (٤٤) من حديث مسلم بن قرط، عن عروة، عن عائشة مرفوعا، ومسلم هذا مجهول، لا يُقبل منه تفرّده بهذا السند! وقد سلك الجادّة؛ فأخطأ بذكره عائشة - ﵂ -، وقد خالفه هشام بن عروة، فرواه عن أبيه مرسلا. وانظر: \"العلل\" للدارقطني (١٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦). لكن معنى الحديث ثابت؛ إذ له شواهد تدلّ على صحة معناه.","vol":"1","page":414},{"text":"فلو ذهب معه بخرقة تُنظِّف (^١) أكثرَ من الأحجار أو قطن أو صوف أو آجُرّ (^٢) ونحو ذلك جاز، وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة، فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز، وأولى (^٣).\nومن ذلك: أن النبي - ﷺ - نهى أن يبيع الرجلُ على بيع أخيه أو يخطُب على خِطْبته (^٤). ومعلوم أن المفسدة التي نهى عنها في البيع والخِطبة موجودة في الإجارة، فلا يحِلُّ له أن يؤجر على إجارته. وإن قُدِّر دخول الإجارة في لفظ البيع العام، وهو بيع المنافع، فحقيقتها غير حقيقة البيع، وأحكامها غير أحكامه.\nومن ذلك: قوله سبحانه في آية التيمم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. فألحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها بالغائط، والآية لم تنصَّ من أنواع الحدث الأصغر إلا عليه أو على اللمس على قول من فسَّره بما دون الجماع، وألحقت الاحتلام\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"وتنظف\" بزيادة الواو قبل الفعل.\n(^٢) ع: \"خزّ\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في المطبوع: \"بل أولى\" ووضع \"بل\" بين حاصرتين.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢١٤٠) ومسلم (١٤١٣) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":415},{"text":"بملامسة النساء، وألحقت واجدَ ثمنِ الماء بواجده، وألحقت من خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بالعادم، فجوَّزت له التيمم وهو واجد للماء؛ وألحقت مَن خشي المرض من شدَّة برد الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل. وإدخالُ هذه الأحكام وأمثالها في العمومات المعنوية التي لا يستريب مَن له فهمٌ عن الله ورسوله في قصدِ عمومها، [١٢٤/أ] وتعليقِ الحكم به وكونه متعلَّقًا لمصلحة (^١) العبد= أولى من إدخالها في عمومات لفظية، بعيدة التناول لها، ليست بحَرِيَّة الفهم منها (^٢). ثم (^٣) لا ننكر (^٤) تناولَ العمومَين لها، فمن الناس من يتنبه لهذا، ومنهم من يتنبه لهذا، ومنهم من يتفطَّن لتناول العمومين لها.\nومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقاست الأمة الرهنَ في الحضر على الرهن في السفر، والرهنَ مع وجود الكاتب على الرهن مع عدمه. فإن استُدِلَّ على ذلك بأن النبي - ﷺ - رهَنَ درعَه في الحضر (^٥)، فلا عموم في ذلك، فإنما رهَنها على شعير استقرضه من يهودي. فلا بد من القياس إما على الآية، وإما على السنة.\n_________\n(^١) س: \"بمصلحة\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"مما\"، تحريف.\n(^٣) \"ثم\" ساقطة من ع، وكذا من النسخ المطبوعة، ولعل سقوطها أدَّى إلى تغيير \"منها\" إلى \"مما\".\n(^٤) هذا في ح، ف. وفي ت: \"يُنكر\"، وكذا في النسخ المطبوعة. ولم يعجم الفعل في س، ع.\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٠٦٨) ومسلم (١٦٠٣) من حديث عائشة.","vol":"1","page":416},{"text":"ومن ذلك: أن سمُرة بن جُندُب لما باع خمر أهل الذمة، وأخذه في العُشور التي (^١) عليهم، فبلغ عمر= قال (^٢): قاتل الله سمرة! أمَا علِم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لعن الله اليهود! حُرِّمت عليهم الشحوم، فجمَلوها (^٣)، وباعوها، وأكلوا أثمانها\" (^٤). وهذا محض القياس من عمر - ﵁ -، فإن تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين، وكما يحرُم ثمن الشحوم المحرَّمة فكذلك يحرُم ثمن الخمر الحرام.\nومن ذلك: أن الصحابة - ﵃ - جعلوا العبد على النصف من الحُرِّ في النكاح والطلاق والعِدّة قياسًا على ما نصَّ الله عليه من قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].\nقال عبد الرزاق (^٥):\nأنا سفيان بن عيينة [١٢٤/ب] عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عمر بن الخطاب قال: ينكح العبد اثنتين.\n_________\n(^١) في جميع النسخ: \"الذي\"، والعشور: جمع العُشْر.\n(^٢) ع، ف: \"فقال\"، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من س، ح، ت وهو جواب لمّا.\n(^٣) يعني: أذابوها وجمعوها.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٢٣٦) ومسلم (١٥٨١) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٥) في \"المصنف\" (١٢٨٧٢، ١٣١٣٤) ورواه الشافعي في \"الأم\" (٦/ ١١٤، ٥٥٢ - ٥٥٣)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" (١٢٧٧، ٢١٨٦)؛ ثلاثتُهم عن ابن عيينة به.\nوانظر:\"العلل\" للدارقطني (٢/ ١٩٥).","vol":"1","page":417},{"text":"وقال عبد الرزاق (^١): أنا سفيان الثوري وابن جريج قالا: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه أن علي بن أبي طالب قال: ينكح العبد اثنتين.\nوذكر الإمام أحمد (^٢) عن محمد بن سيرين قال: سأل عمر بن الخطاب الناس: كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: ثنتين، وطلاقه ثنتين (^٣). وهذا كان بمحضر من الصحابة، فلم ينكره أحد.\nوقال محمد بن عبد السلام الخُشَني: ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن عطاء قال: أجمع أصحاب رسول الله - ﷺ - أن العبد لا يجمع بين النساء فوق اثنتين (^٤).\nوروى حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس أن عمر قال: لو استطعت أن أجعل عدَّة الأمة حيضةً ونصفًا لفعلتُ. فقال رجل: يا\n_________\n(^١) برقم (١٣١٣٣)، ورواه ابن أبي شيبة (١٦٢٨٦). وهو منقطع، إذ أبو جعفر الباقر لم يُدرك عليًّا - ﵁ -.\n(^٢) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين. انظر: \"شرح الزركشي على الخرقي\" (٥/ ١٣٠) و\"المغني\" (٩/ ٤٧٣). ورواه عبد الرزاق (١٣١٣٥) بنحوه مختصرًا، ورواه ابن أبي شيبة (١٦٢٩٣)، وسعيد بن منصور (٧٨٦)، لكنْ أُبْهِمَ اسمُ الصحابي المُجيب. وسند الأثر منقطع، فابن سيرين لم يُدرك عمر - ﵁ -.\n(^٣) كذا في النسخ. وفي \"شرح الزركشي\": \"ثنتان\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) رواه ابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٤٤٤) من طريق الخشني به. ورواه ابن أبي شيبة (١٦٢٩٥) ــ ومن طريقه البيهقي (٧/ ١٥٨) ــ عن المحاربي، عن ليث، عن الحَكَم به. ولا يبعد على ليث المختلط أن يكون اضطربَ في اسم شيخه الذي نقل عنه هذا الإجماع!","vol":"1","page":418},{"text":"أمير المؤمنين فاجعلها شهرًا ونصفًا، فسكت (^١).\nوقال عبد الله بن عتبة عن عمر: عدة الأمة إذا لم تحض شهرين (^٢) كعدَّتها إذا حاضت حيضتين (^٣).\nوروى ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان ابن يسار، عن عبد الله بن عتبة، عن عمر: ينكح العبد امرأتين، ويطلِّق طلقتين. وتعتدُّ الأمة حَيضتين، وإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرًا ونصفًا (^٤).\nوقال علي: عدة الأمة حيضتان، فإن لم تكن تحيض فشهر ونصف (^٥).\nوالمقصود: أن الصحابة - ﵃ - نصَّفوا ذلك قياسًا على تنصيف الله سبحانه الحدَّ على الأمة.\nومن ذلك: [١٢٥/أ] أن الصحابة قدَّموا الصدِّيق في الخلافة، وقالوا:\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور في \"السنن\" (١٢٧١) ــ ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٢٦) ــ عن حماد بن زيد به. وعمرو بن أوس سمع الخبر من رجل ثقفي لا يُعرف؛ فقد رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٦/ ٥٥٣)، وعبد الرزاق (١٢٨٧٤)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" (١٢٧٢)، وابن أبي شيبة (١٩١٠٣) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس قال: أخبرني رجلٌ من ثقيف ... (فذكره).\n(^٢) كذا في جميع النسخ و\"السنن الكبرى\". وفي النسخ المطبوعة: \"شهران\".\n(^٣) رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٢٥).\n(^٤) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٦/ ٥٥٢ - ٥٥٣)، وعبد الرزاق (١٢٨٧٢)، وسعيد بن منصور (١٢٧٧، ٢١٨٦).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (١٩٠٩٦) من طريق الحسن (وهو البصري)، عنه به، ولم يسمع الحسن من علي - ﵁ -.","vol":"1","page":419},{"text":"رضيه رسول الله - ﷺ - لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟ (^١). فقاسوا الإمامة الكبرى على إمامة الصلاة.\nوكذلك اتفاقهم على كتابة المصحف وجمع القرآن فيه (^٢). وكذلك اتفاقهم على جمع الناس على مصحف واحد وترتيب واحد وحرف واحد (^٣). وكذلك منعُ عمر (^٤) وعلي (^٥) من بيع أمهات الأولاد برأيهما (^٦). وكذلك تسوية الصدِّيق بين الناس في العطاء برأيه (^٧)، وتفضيل عمر\n_________\n(^١) رواه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ١٦٧)، والبلاذري في \"أنساب الأشراف\" (١/ ٥٥٨، ١٠/ ٦٦)، وأبو بكر الخلال في \"السنة\" (٣٣٣)، والآجري في \"الشريعة\" (١١٩٣، ١٣٠٣، ١٨٢٤، ١٨٢٨)، وابن بطة في \"الإبانة\" (٩/ ٧٥٥)، وأبو نعيم الأصبهاني في \"فضائل الخلفاء\" (ص ١٥١)، وقوام السنة الأصبهاني في \"الحجة\" (٢/ ٣٧١)، وابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٣٠/ ٢٦٥) من طريقين عن أبي بكر الهذلي (وهو متروك)، عن الحسن، عن علي - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٨٦) من حديث زيد بن ثابت.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٩٨٧) من حديث أنس بن مالك.\n(^٤) رواه الإمام مالك (٢٨٧١)، وعبد الرزاق (١٣٢١٠، ١٣٢٢٥، ١٣٢٢٨، ١٣٢٢٩)، وسعيد بن منصور (٢٠٤٩، ٢٠٥٣، ٢٠٥٤)، وابن أبي شيبة (٢٢٠١٠، ٢٢٠١١، ٢٢٠١٣، ٢٢٠١٥، ٢٢٠١٦).\n(^٥) يُوازَنُ ما في \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢٢٠١٤) بـ \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٣٢١٢، ١٣٢١٣، ١٣٢٢٤)، و\"السنن\" لسعيد بن منصور (٢٠٤٦ - ٢٠٤٨)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢٢٠١٠، ٢٢٠١٥).\n(^٦) وانظر: \"الطرق الحكمية\" (١/ ٤٤ - ٤٦).\n(^٧) رواه أبو عبيد في \"الأموال\" (٦٤٧، ٦٤٨، ٦٤٩)، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ١٩٥، ٢٧٦)، والبيهقي (٦/ ٣٤٨).","vol":"1","page":420},{"text":"برأيه (^١). وكذلك إلحاق عمر حدَّ الخمر بحدِّ القذف برأيه (^٢)، وأقرَّه الصحابة. وكذلك توريث عثمان بن عفان المبتوتةَ في مرض الموت برأيه (^٣) ووافقه الصحابة. وكذلك قال (^٤) ابن عباس في نهي النبي - ﷺ - عن بيع الطعام قبل قبضه.\nقال: أحسب كلَّ شيء بمنزلة الطعام (^٥).\nوكذلك عمر وزيد لما ورَّثَا الأمَّ ثُلُثَ ما بقي في مسألة زوج وأبوين، وامرأة وأبوين (^٦) = قاسا وجود الزوج على ما إذا لم يكن زوج، فإنه حينئذ\n_________\n(^١) يعني: تفضيله البدريين في العطاء. انظر ما علَّقه البخاري (٤٠٢٢) عن قيس بن أبي حازم.\n(^٢) رواه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٢٦٩، ٥٢٧٠) من حديث ابن عباس - ﵄ -، وصححه الحاكم (٤/ ٣٧٦). ويُوازَن سندُه بما في \"الموطأ\" للإمام مالك (٣١١٧).\n(^٣) رواه الإمام مالك (٢١١٣، ٢١١٤، ٢١١٥، ٢١١٦)، والإمام الشافعي في \"الأم\" (٦/ ٦٤٣)، وعبد الرزاق (١٢١٩١ - ١٢١٩٧)، وسعيد بن منصور (١٩٥٨، ١٩٥٩، ١٩٧٠)، وابن أبي شيبة (١٩٣٣٩)، وعمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٣/ ٩٦٥، ٩٦٦).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"قول\".\n(^٥) أخرجه البخاري (٢١٣٥) ومسلم (١٥٢٥).\n(^٦) أثر عمر - ﵁ - رواه سفيان الثوري في كتاب \"الفرائض\" (١٣)، وعبد الرزاق (١٩٠١٥)، وسعيد بن منصور (٦، ٧، ٨)، وابن أبي شيبة (٣١٧٠٠، ٣١٧٠١، ٣١٧٠٣، ٣١٧٠٤، ٣١٧٠٨)، والدارمي (٢٩٠٧، ٢٩١٤)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على \"فضائل الصحابة\" لأبيه (٣٥٢)، وصححه الحاكم (٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦). وأثر زيد بن ثابت - ﵁ - رواه عبد الرزاق (١٩٠١٧، ١٩٠٢٠، ١٩٠٢١)، وسعيد بن منصور (٥، ١١، ١٢)، وابن أبي شيبة (٣١٦٩٨، ٣١٧١٠، ٣١٧١٣، ٣١٧١٤)، والدارمي (٢٩١٢، ٢٩١٥، ٢٩١٧).","vol":"1","page":421},{"text":"يكون للأب ضعف (^١) ما للأم، فقدَّرا أن (^٢) الباقي بعد الزوج والزوجة كلُّ المال. وهذا من أحسن القياس، فإن قاعدة الفرائض أن الذكر والأنثى إذا اجتمعا وكانا في درجة واحدة فإما أن يأخذ الذكرُ ضِعفَ ما تأخذ (^٣) الأنثى كالأولاد وبني الأب، وإما أن تُساويه كولد الأم. وأما أن الأنثى تأخذ ضِعفَ ما يأخذ الذكر، مع مساواتها له (^٤) في درجته (^٥)، فلا عهد به في الشريعة. فهذا من أحسن الفهم عن الله [١٢٥/ب] ورسوله.\nوكذلك أخذُ الصحابة في الفرائض بالعَول وإدخال النقص على جميع ذوي الفروض، قياسًا على إدخال النقص على الغُرَماء إذا ضاق مالُ المفلس عن توفيتهم. وقد قال النبي - ﷺ - للغرماء: \"خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك\" (^٦). وهذا محضُ العدل، على أنَّ تخصيصَ بعض المستحقِّين بالحرمان وتوفيةَ بعضهم بأخذ نصيبه فليس (^٧) من العدل.\nوقال عبد الرزاق (^٨): أنا معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة أن عمر بن الخطاب شاور الناس في حدِّ الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها\n_________\n(^١) في المطبوع: \"ضعفي\".\n(^٢) زاد بعدها في المطبوعة بين حاصرتين: \"يكون\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"تأخذه\".\n(^٤) لم يرد \"له\" في ح، ف. وفي ع: \"مساواته لها\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) في المطبوع: \"الدرجة\".\n(^٦) أخرجه مسلم (١٥٥٦) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(^٧) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: \"ليس\" على الجادة.\n(^٨) برقم (١٣٥٤٢).","vol":"1","page":422},{"text":"واجترؤوا عليها. فقال له علي: إن السكران إذا سكِر هذَى، وإذا هذى افترى، فاجعله حدَّ الفِرْية. فجعله عمر حدَّ الفرية ثمانين.\nورواه مالك (^١) عن ثور بن زيد الدِّيلي (^٢) أن عمر شاور الناس.\nورواه وكيع (^٣): ثنا ابن أبي خالد عن الشعبي قال: استشارهم عمر، فذكره.\nولم ينفرد عليٌّ بهذا القياس، بل وافقه عليه الصحابة. قال الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن وَبْرة الكلبي (^٤) قال: بعثني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته، وعنده علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف (^٥) متكئون في المسجد. فقلت له: إن خالد بن الوليد يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن الناس انبسطوا (^٦) في الخمر، وتحاقروا العقوبة، فما ترى؟ فقال عمر: هم هؤلاء عندك. قال: فقال عليٌّ: أراه إذا سكِر هذَى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. فاجتمعوا على ذلك، فقال عمر: بلِّغ صاحبك ما قالوا. فضرب [١٢٦/أ] خالد ثمانين،\n_________\n(^١) برقم (٣١١٧).\n(^٢) في جميع النسخ: \"الايلي\"، وهو تحريف.\n(^٣) من طريقه رواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٧/ ١٥٨).\n(^٤) في النسخ الخطية والمطبوعة: \"الصلتي\"، تصحيف.\n(^٥) في الأثر الوارد في مصادر التخريج هم خمسة وأولهم عثمان، ولكن المصنف صادر عن \"الإحكام\" لابن حزم (٧/ ١٦١).\n(^٦) في \"الإحكام\": \"انتهكوا\"، ولا يبعد أن يكون \"انبسطوا\" في النسخ مصحَّفًا منه. وفي مصادر التخريج: \"انهمكوا\".","vol":"1","page":423},{"text":"وضرب عمر ثمانين. قال: وكان عمر إذا أُتِي بالرجل القوي المنتهك (^١) في الشراب ضربه ثمانين، وإذا أُتي بالرجل الذي كان منه الزلة الضعيفِ ضربه أربعين. وجعل ذلك عثمان أربعين وثمانين (^٢).\nوهذه مراسيل ومسندات من وجوه متعددة يقوِّي بعضُها بعضًا، وشهرتها تغني عن إسنادها.\nوقال عبد الرزاق (^٣): ثنا سفيان الثوري، عن عيسى بن أبي عيسى الخبَّاط (^٤)، عن الشعبي قال: كره عمر الكلام في الجَدّ حتى صار جَدًّا. فقال: إنه كان من أبي بكر (^٥) أن الجدَّ أولى من الأخ، وذكر الحديث. وفيه: فسأل عنها زيدَ بن ثابت، فضرَبَ له مثلًا شجرةً (^٦) خرجت ولها أغصان.\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" و\"الإحكام\": \"المنهمك\".\n(^٢) رواه الدارقطني (٣٣٢١) ــ ومن طريقه البيهقي (٨/ ٣٢٠) ــ، وصححه الحاكم (٤/ ٣٧٥).\n(^٣) برقم (١٩٠٥٨). ورواه أيضًا ابن وهب في \"المسند\" (١٧٨)، والبيهقي (٦/ ٢٤٧، ٢٤٨). وعيسى بن أبي عيسى متروك، لكن الخبر محفوظٌ مختصرًا، رواه الحاكم (٤/ ٣٣٩)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٧/ ١٧٠)، والبيهقي (٦/ ٢٤٧).\n(^٤) هكذا في ح. وفي غيرها والنسخ المطبوعة: \"الخياط\". ويقال له: \"الحنَّاط\" أيضًا. قال يحيى بن معين في \"تاريخه ــ رواية الدوري\" (٣/ ٥٥٤): \"كان خيَّاطًا\"، ثم ترك ذاك وصار حنَّاطًا، ثم ترك ذاك وصار يبيع الخبط\". والحناط: الذي يبيع القمح. والخبَط ما يُخبط من الشجر من الأوراق، فكان يبيعه علفًا للدواب. وانظر: \"الأنساب\" للسمعاني (٥/ ٣٥).\n(^٥) كذا في النسخ كلها وكتاب \"الإحكام\"، وهو مصدر النقل. وفي النسخ المطبوعة: \"من رأي أبي بكر\". وفي \"المصنّف\": \"من رأيي ورأي أبي بكر\".\n(^٦) في النسخ المطبوعة: \"بشجرة\". وفي \"الإحكام\" كما أثبت من النسخ.","vol":"1","page":424},{"text":"قال: فذكر شيئًا لا أحفظه، فجعل له الثلث. قال الثوري: وبلغني أنه قال: يا أمير المؤمنين، شجرةٌ نبتت، فانشعب منها غصن، فانشعب من الغصن غصنان، فما جعل الغصنَ الأول أولى من الغصن الثاني، وقد خرج الغصنان من الغصن الأول؟ قال: ثم سأل عليًّا، فضرب له مثلًا واديًا سال فيه سيل، فجعله أخًا فيما بينه وبين ستة، فأعطاه السدس. وبلغني أنّ عليًّا حين سأله عمر جعله سيلًا. قال: فانشعب منه شعبة، ثم انشعبت شعبتان، فقال: أرأيت لو أن هذه الشعبة الوسطى تَيْبَس أما كان يرجع (^١)\nإلى الشعبتين جميعا؟ قال الشعبي: فكان زيد يجعله أخًا حتى يبلغ ثلاثةً هو ثالثهم، فإن زادوا على ذلك أعطاه الثلث. وكان علي يجعله أخًا ما بينه وبين ستة وهو سادسهم، ويعطيه السدس. [١٢٦/ب] فإن زادوا على ستة أعطاه السدس، وصار ما بقي بينهم.\nوقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه أن عمر بن الخطاب لما استشار في ميراث الجدِّ والإخوة قال زيد: وكان رأيي يومئذ أن الإخوة أحقُّ بميراث أخيهم من الجدِّ، وعمر بن الخطاب يرى يومئذ أن الجدَّ أولى بميراث ابن ابنه من إخوته. فتحاورتُ أنا وعمر محاورة شديدة، فضربتُ له في ذلك مثلًا، فقلت: لو أنّ شجرةً تشعَّب من أصلها غصنٌ، ثم تشعَّب في ذلك الغصن خُوطان (^٢)، ذلك الغصن يجمع الخُوطَين دون الأصل ويغذوهما. ألا ترى يا أمير المؤمنين أنَّ أحدَ\n_________\n(^١) يعني الماء. وفي النسخ المطبوعة: \"كانت ترجع\" ..\n(^٢) الخُوط: الغصن الناعم.","vol":"1","page":425},{"text":"الخُوطين أقرب إلى أخيه منه إلى الأصل؟ قال زيد: فأنا أعيد له (^١)، وأضرب له هذه الأمثال، وهو يأبى إلا أن الجدَّ أولى من الإخوة، ويقول: والله لو أني قضيتُه اليوم لبعضهم لقضيتُ به للجدِّ كلِّه، ولكن لعلِّي لا أخيِّب منهم أحدًا، ولعلهم أن يكونوا كلُّهم ذوي حقٍّ (^٢).\nوضرب علي وابن عباس لعمر يومئذ مثلًا معناه: لو أنَّ سيلًا سال، فخَلَج منه خليج، ثم خلَج من ذلك الخليج شعبتان (^٣).\nورأيُ الصدِّيق أولى من هذا الرأي وأصحُّ في القياس، لعدَّة أوجه (^٤) ليس هذا موضع ذكرها والجوابِ عن هذه الأمثلة، إذ المقصود (^٥) أن الصحابة - ﵃ - كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر. ولا يُلتفت إلى مَن يقدح في كلِّ سند [١٢٧/أ] من هذه\n_________\n(^١) س: \"أعدله\". وفي غيرها من النسخ الخطية والمطبوعة: \"أعذله\" بالذال المعجمة، ولعل الصواب ما أثبت من \"المحلَّى\"، وفي مطبوعة \"الإحكام\": \"أعبر له\".\n(^٢) رواه ابن حزم في \"الإحكام\" (٧/ ١٧٠) و\"المحلى\" (٨/ ٣٢٠) من طريق إسماعيل به. ورواه أيضًا الحاكم (٤/ ٣٣٩)، والبيهقي (٦/ ٢٤٧). وانظر: \"المسند\" لابن وهب (١٧٦)، و\"السنن\" للدارقطني (٤١٤٠).\n(^٣) رواه ابن وهب في \"المسند\" (١٦٨)، والبيهقي (٦/ ٢٤٧).\n(^٤) س، ت، ع: \"لعشرة أوجه\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وسيفرد المصنف مسألة ميراث الجد مع الإخوة بفصل طويل يذكر فيه عشرين وجهًا على صحة قول أبي بكر - ﵁ -.\n(^٥) في المطبوع: \"والجواب عن هذه الأمثلة: أن المقصود\" وجعله بداية فقرة جديدة. وقد تابع طبعة الشيخ محمد محيي الدين. وهو خطأ مخلّ بالسياق ومفسِد للمعنى. وقد ورد النص في طبعة الشيخ عبد الرحمن الوكيل على الصواب.","vol":"1","page":426},{"text":"الأسانيد وأثر من هذا الآثار (^١)، فهذه في تعددها واختلاف وجوهها وطُرقها جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا شكَّ (^٢) فيه، وإن لم يثبُت كلُّ فردٍ فردٍ (^٣) من الأخبار به.\nوقال عبد الرزاق (^٤): ثنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو، قال: أخبرني حُيَيّ (^٥) بن يعلى بن أمية أنه سمع أباه يقول ــ وذكر قصة الذي قتلته امرأة أبيه وخليلها ــ: إنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - كتب إليَّ أن اقتُلْهما، فلو اشترك فيه أهلُ صنعاء كلُّهم لقتلتُهم. قال ابن جريج: فأخبرني عبد الكريم وأبو بكر قالا جميعًا: إن عمر كان يشكُّ فيها حتى قال له عليٌّ: يا أمير المؤمنين أرأيتَ لو أن نفرًا اشتركوا في سرقةِ جَزُور، فأخذ هذا عضوًا وهذا عضوًا، أكنتَ قاطِعَهم؟ قال: نعم. قال: وذلك حين استخرج (^٦) له الرأي.\n_________\n(^١) يشير المصنف إلى ابن حزم. انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n(^٢) في المطبوع: \"يشك\" متابعة لطبعة الشيخ محمد محيي الدين. وفي طبعة الشيخ الوكيل كما أثبت من النسخ.\n(^٣) كلمة \"فرد\" وردت في المطبوع مرة واحدة.\n(^٤) في \"المصنف\" (١٨٠٧٧). ويُنظر \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٨٠٧٣ - ١٨٠٧٦، ١٨٠٧٩)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢٨٢٦٦ - ٢٨٢٦٨)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٨/ ٤٠ - ٤١). وقال الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٢٢٧): وهذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد.\n(^٥) غيَّره بعضهم في ت إلى \"يحيى\". وفي \"المصنَّف\": \"حي\" بالتكبير، وكذا ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٧٤). أما بالتصغير كما في النسخ و\"الإحكام\" (٧/ ١٧٦) فهو المشهور، وكذا ذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٧٤).\n(^٦) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي مطبوعة \"الإحكام\" وقع سقط بعد كلمة \"حين\". وفي \"المصنف\": \"استمدح\". ويظهر أن كليهما تصحيف \"استهرج\". وبهذا اللفظ أخرجه الخطابي في \"غريب الحديث\" (٢/ ٨٣ - ٨٤) بسنده عن عبد الرزاق. وقال في تفسيره: \"أصله في الكلام: السعة والكثرة ... والمعنى: أن رأيه قد قوي في ذلك واتسع لوضوح الدلالة وقرب التمثيل\". ولخَّص الهروي في \"الغريبين\" (٦/ ١٩٢٦) كلام الخطابي وقال: \"أي قوي واتَّسع\". وقال الزمخشري في \"الفائق\" (٤/ ١٠١): \"أي اتسع وانفرج، من قولهم للفرس الواسع الجري: مِهْرَج وهرَّاج\". ويؤكد ذلك أن الحافظ ابن حجر أيضًا أخرجه بسنده عن عبد الرزاق بهذا اللفظ في \"موافقة الخُبر الخبر\" (٢/ ٤٢٠) وقال: \"يعني: وضح\".","vol":"1","page":427},{"text":"وقال عبد الله بن وهب (^١)، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباس قال: أرسلني عليٌّ إلى الحَروريَّة لأكلِّمهم، فلما قالوا: \"لا حكم إلا لله\"، قلتُ: أجل، صدقتم، لا حكم إلا لله. وإنَّ الله قد حكَّم في رجل وامرأته، وحكَّم في قتل الصيد؛ فالحكمُ في رجل وامرأته والصيد أفضل أم الحكمُ في الأُمّة يَرجع بها، ويحقِن دماءَها، ويلُمُّ شَعَثَها؟\nوقال عبد الله بن المبارك (^٢): ثنا عكرمة بن عمار، ثنا سِمَاك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: قال عليٌّ: لا تقاتلوهم حتى يخرجوا، فإنهم\n_________\n(^١) في كتاب \"الموطأ\" (٦٥ - عقب المحاربة)، ومن طريقه ابن حزم في \"الإحكام\" (٧/ ١٧٥)، ومنه ينقل المؤلف. ورجاله ثقات سوى الرجل المُبْهَم.\n(^٢) لم أجده من روايته في كتبه المطبوعة ولا المصادر الأخرى بين أيدينا. فقد رواه عبد الرزاق (١٨٦٧٨) عن عكرمة بن عمار به، والفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٥٢٢ - ٥٢٤) من طريق موسى بن مسعود، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٥٢٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن عكرمة بن عمار به، وأحمد (٣١٨٧) مختصرًا. والطبراني (١٠٥٩٨) من طريق عبد الرزاق وموسى بن مسعود كلاهما عن عكرمة بن عمار به. ووقع عند عبد الرزاق والطبراني أن عدد الحرورية كان أربعة وعشرين ألفًا ورجع منهم عشرون ألفًا.","vol":"1","page":428},{"text":"سيخرجون. قال: قلت: يا أمير المؤمنين أَبرِدْ بالصلاة، فإني أريد أن أدخل عليهم، فأسمع من كلامهم وأكلِّمهم. فقال علي: أخشى عليك منهم. قال: وكنتُ رجلًا حسَن [١٢٧/ب] الخُلق لا أوذي أحدًا. قال: فلبِستُ أحسنَ ما يكون من اليمنية (^١) وترجَّلتُ (^٢)، ثم دخلتُ عليهم وهم قائلون. فقالوا لي: ما هذا اللباس؟ فتلوتُ عليهم القرآن: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، ولقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يلبس أحسنَ ما يكون من اليمنية. فقالوا: لا بأس، فما جاء بك؟ فقلت: أتيتُكم من عند صاحبي، وهو ابن عمِّ رسول الله - ﷺ - وخَتَنُه، وأصحابُ رسول الله - ﷺ - أعلم بالوحي منكم، وعليهم نزل القرآن، أبلِّغكم عنهم وأبلِّغهم عنكم، فما الذي نقَمتم؟ فقال بعضهم: إن قريشًا قوم خَصِمون، قال الله ﷿: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^٣) [الزخرف: ٥٨]. فقال بعضهم: كلِّموه.\nفانتحى لي رجلان منهم أو ثلاثة، فقالوا: إن شئتَ تكلَّمْ (^٤) وإن شئتَ تكلَّمنا. فقلت: بل تكلَّموا. فقالوا: ثلاثٌ نقَمناهن عليه: جعل الحُكمَ إلى الرجال، وقال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]. فقلتُ: قد جعل الله الحكمَ من أمره إلى الرجال في رُبع درهمٍ في الأرنب (^٥)، وفي المرأة وزوجها: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ\n_________\n(^١) يعني من حُلَل اليمن.\n(^٢) ترجَّلَ الشعرَ: رجَّله، أي سرَّحه وسوَّاه.\n(^٣) في س، ح، ت: \"بل أنتم\"، وكذا كان في ف، ثم غُيِّر.\n(^٤) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: \"تكلمتَ\"، وهو أشبه.\n(^٥) يعني قوله سبحانه في صيد المحرم: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].","vol":"1","page":429},{"text":"وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قالوا: وأخرى: محا نفسَه أن يكون أمير المؤمنين، فإن لم يكن أميرَ المؤمنين فأميرُ الكافرين هو؟ فقلت لهم: أرأيتم إن قرأتُ من كتاب الله عليكم وجئتكم به من سنَّة رسول الله - ﷺ - أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: قد سمعتم أو أُراه قد بلَغكم أنه لما كان يومُ الحديبية جاء سهيل بن عمرو إلى رسول [١٢٨/أ] الله - ﷺ - فقال النبي - ﷺ - لعليٍّ: \"اكتُبْ: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسول الله - ﷺ -\". فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال النبي - ﷺ - لعليٍّ: \"امحُ يا عليُّ\". أفخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم. قال: وأما قولكم: قتَلَ ولم يَسْبِ ولم يغنَم، أفتسبُون أمَّكم وتستحِلُّون منها ما تستحِلُّون من غيرها؟ فإن قلتم نعم فقد كفرتم بكتاب الله وخرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين. وكلَّما جئتُهم بشيء من ذلك أقول: أفخرجتُ منها؟ فيقولون: نعم. قال: فرجع منهم ألفان، وبقي ستة آلاف.\nوله طرق عن ابن عباس (^١)، وقياسه المذكور من أحسن القياس وأوضحه.\nوقد أنكر ابن عباس على زيد بن ثابت مخالفته للقياس في مسألة الجدِّ والإخوة، فقال: ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا (^٢).\nوهذا محض القياس.\n_________\n(^١) انظر: \"أنساب الأشراف\" للبلاذري (٢/ ٣٦٠ - ٣٦١).\n(^٢) رواه محمد بن محمد ابن الباغندي في \"ما رواه الأكابر عن الأصاغر\" (١٤) بمعناه.","vol":"1","page":430},{"text":"ولما خصَّ الصدِّيقُ أمَّ الأم بالميراث دون أمِّ الأب قال له بعض الأنصار: لقد ورَّثتَ امرأةً من ميِّت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأةً لو كانت هي الميتة ورِث جميعَ ما تركت. فشرَّك بينهما (^١).\nقال عبد الرزاق (^٢): أنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: جاءت جدَّتان إلى أبي بكر، فأعطى الميراث أمَّ الأم دون أمِّ الأب، فقال له رجل من الأنصار من بني حارثة يقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله، قد أعطيتَ الميراث التي لو ماتت لم يرثها. فجعل الميراثَ بينهما.\nولما شهد أبو بكرة وأصحابه [١٢٨/ب] على المغيرة بن شعبة بالحد ولم يكملوا النصاب حدَّهم عمر قياسًا لهم (^٣) على القاذف، ولم يكونوا قَذَفة بل شهودًا (^٤).\nوقال عثمان لعمر: إن نتَّبِع رأيَك فرأيُك أسدُّ، وإن نتَّبِع رأيَ مَن قبلك فلنعم ذو الرأي كان (^٥).\nوقال علي: اجتمع رأيي ورأيُ عمر في بيع أمهات الأولاد أن لا يُبَعن،\n_________\n(^١) رواه الإمام مالك (١٨٧٢)، وسعيد بن منصور (٨١، ٨٢)، وابن أبي شيبة (٣١٩٤٢).\n(^٢) في \"المصنف\" (١٩٠٨٤).\n(^٣) \"لهم\" ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٤) رواه عبد الرزاق (١٣٥٦٤، ١٣٥٦٥، ١٣٥٦٦).\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٩٠٥١، ١٩٠٥٢)، والدارمي (٦٥٥، ٢٩٥٩)، وعمر بن شبة في \"أخبار المدينة\" (٣/ ٩٢٤)، والحاكم (٤/ ٣٤٠) وصححه، والبيهقي (٦/ ٢٤٦).","vol":"1","page":431},{"text":"ثم رأيتُ بيعهن. فقال له قاضيه عَبِيدة السلماني: يا أمير المؤمنين رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدك في الفرقة (^١).\nولما أرسل عمر إلى المرأة فأسقطت جنينها استشار الصحابة، فقال له عبد الرحمن بن عوف وعثمان: إنما أنت مؤدِّب ولا شيء عليك. وقال له عليٌّ: أما المأثم فأرجو أن يكون محطوطًا عنك، وأرى عليك الدية (^٢).\nفقاسه عثمان وعبد الرحمن على مؤدِّب امرأته وغلامه وولده، وقاسه عليٌّ على قاتل الخطأ، فاتبع عمر قياس علي.\nولما احتُضِر الصدِّيق أوصى بالخلافة إلى عمر (^٣)، وقاس ولايته لمن بعده إذ هو صاحب الحَلِّ والعقد على ولاية المسلمين له إذ كانوا هم أهل الحل والعقد. وهذا من أحسن القياس.\nوقال عليٌّ: سألني أمير المؤمنين عمر عن الخيار، فقلت: إن اختارت زوجها فهي واحدة، وهو أحقُّ بها، وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة. فقال: ليس كذلك، إن اختارت نفسها فهي واحدة، وهو أحقُّ بها، وإن اختارت زوجها فلا شيء. فاتبعتُه على ذلك. فلما خلَص الأمرُ إليَّ وعلمتُ أني أُسأل عن الفروج عدتُ إلى ما كنت أرى. فقال له زاذان: [١٢٩/أ] لَأمرٌ جامعتَ عليه أميرَ المؤمنين وتركتَ رأيك له أحبُّ إلينا من أمر انفردتَ به. فضحك وقال: أما إنه قد أرسل إلى زيد بن ثابت، وخالفني وإياه، وقال: إن اختارت زوجها فهي\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٨٠١٠)، والبيهقي (٦/ ١٢٣)، والخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ ١٢٢)، وسنده منقطع.\n(^٣) انظر: \"تاريخ مدينة دمشق\" لابن عساكر (٤٤/ ٢٤٨ - ٢٥٧).","vol":"1","page":432},{"text":"واحدة، وزوجها أحقُّ بها، وإن اختارت نفسها فهي ثلاث (^١).\nوهذا رأي منهم كلِّهم - ﵃ -، ورأي عمر أقوى وأصح.\nوقال عمر لعلي (^٢): إنِّي قد رأيتُ في الجدِّ رأيًا فاتبعوني، فقال علي: إن نَتَّبعْ رأيَك فرأيك رشيد، وإن نتَّبع رأيَ مَن قبلك فنعم ذو الرأي كان (^٣).\nوهل مع زيد بن ثابت في مسائل الجَدِّ والإخوة، والمعادَّة (^٤)، والأكدرية (^٥) نصٌّ من قرآن أو سنة أو إجماع إلا مجرد الرأي؟\nومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ حرام. فقال شيخا الإسلام وبصرُ الدين (^٦) وسمعُه أبو بكر وعمر: هو يمين (^٧)، وتبعهما\n_________\n(^١) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٨/ ٤٢٥)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ٣٠٩)، والبيهقي (٧/ ٣٤٥).\n(^٢) كذا وقع هنا، ولم أقف على المصدر الذي نقل منه المصنف هذا الخبر وما قبله. والصواب أن عمر قاله لعثمان بن عفان كما سيأتي عن \"مسند الدارمي\".\n(^٣) يُوازَن ما في \"السنن الكبير\" للبيهقي (٦/ ٢٤٩)، بـ \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٩٠٥١، ١٩٠٥٢)، و\"المسند\" للدارمي (٦٥٥، ٢٩٥٩)، و\"أخبار المدينة\" لعمر بن شبة (٣/ ٩٢٤)، و\"المستدرك\" للحاكم (٤/ ٣٤٠)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٦/ ٢٤٦).\n(^٤) صورتها: أخ لأب وأم، وأخ لأب، وجدّ. وانظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٣١٩١١)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٦/ ٢٥١).\n(^٥) صورتها: زوج، وأخت، وأم، وجدّ. وانظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٩٠٧٤)، و\"السنن\" لسعيد بن منصور (٥)، و\"المسند\" للدارمي (٢٩٧٣)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٣١٨٩٠)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٦/ ٢٥٠).\n(^٦) في النسخ المطبوعة: \"بَصَرا الدين\" بالتثنية.\n(^٧) رواه ابن أبي شيبة (١٨٥٠٧) من طريق جُويبر، عن الضحاك، عنهما، وسنده تالف معضل. ورواه عبد الرزاق (١١٣٦٠، ١١٣٦١)، وابن أبي شيبة (١٨٤٩٦، ١٨٤٩٧) عن عمر وحده، بأسانيد منقطعة.","vol":"1","page":433},{"text":"حَبْر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس.\nوقال (^١) عليٌّ (^٢) وزيد (^٣): هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود: طلقة واحدة (^٤).\nوهذا من الاجتهاد والرأي.\nفالصحابة (^٥) - ﵃ - مثَّلوا الوقائعَ بنظائرها، وشبَّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبيَّنوا لهم سبيله.\nوهل يستريب عاقل في أن النبي - ﷺ - لما قال: \"لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان\" (^٦)، إنما كان ذلك لأنَّ الغضب يشوِّش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويُعْمِي عليه طريقَ العلم والقصد؟ فمن قَصَر [١٢٩/ب] النهيَ على الغضب وحده، دون الهمِّ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده: \"سيف الله علي\"!\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١١٣٨٠)، وابن أبي شيبة (١٨٤٨٦، ١٨٤٨٧). ورواه عبد الرزاق (١١٣٧٩) أيضًا بمعناه. ويُوَازَنُ بـ \"المصنف\" لعبد الرزاق (١١٣٨٣)، و\"المصنف\" ابن أبي شيبة (١٨٥٠٩).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١١٣٧٢)، وابن أبي شيبة (١٨٤٩٤، ١٨٤٩٥).\n(^٤) وازن بـ \"المصنف\" لعبد الرزاق (١١٣٦٦)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (١٨٤٨٨، ١٨٤٩٠).\n(^٥) ت، ع: \"والصحابة\".\n(^٦) أخرجه البخاري (٧١٥٨) ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة.","vol":"1","page":434},{"text":"المزعج، والخوف المقلق، والجوع والظمأ الشديد، وشغلِ القلب المانع من الفهم= فقد قلَّ فقهه وفهمه.\nوالتعويلُ في الحكم على قصد المتكلم، والألفاظُ لم تُقصَد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، والتوصُّلِ بها إلى معرفة مراد المتكلم. ومرادُه يظهر من عموم لفظه تارةً، ومن عموم المعنى الذي قصده تارةً. وقد يكون فهمُه من المعنى أقوى، وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان؛ كما إذا قال الدليل لغيره: لا تسلك هذا الطريقَ، فإنَّ فيها مَن يقطع الطريق، أو هي مَعْطَشة مَخُوفة= علِمَ هو وكلُّ سامع أنَّ قصدَه أعمُّ من لفظه، وأنه أراد نهيه عن كلِّ طريق هذا شأنها. فلو خالفه وسلك طريقًا أخرى عطِبَ بها حَسُن لومه، ونُسِب إلى مخالفته ومعصيته. ولو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن: لا تأكل الضأن فإنه يزيد في مادة المرض، لَفهِمَ كلُّ عاقل منه أنّ لحم البقر والإبل (^١) كذلك، ولو أكل منهما لَعُدَّ مخالفًا، والتحاكم في ذلك إلى فِطَر الناس وعقولهم. ولو منَّ عليه غيرُه بإحسانه، فقال: والله لا أكلتُ له لقمة، ولا شربتُ له ماء؛ يريد خلاصه من منَّته عليه، ثم قبل منه الدراهم والذهب والثياب (^٢) والشَّاء (^٣) ونحوها لَعدَّه العقلاءُ واقعًا في أعظمِ (^٤) ما حلَف عليه، ومرتكبًا لذِروة سنامه. ولو لامه عاقل على كلامه لمن لا يليق به\n_________\n(^١) ف: \"الإبل والبقر\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ع: \"والنثار\".\n(^٣) من س، ت، وهامش ح. وفي ع: \"الشِّياه\"، وهو جمع الشاة كالشَّاء. وفي النسخ المطبوعة: \"الشاة\".\n(^٤) ع: \"في أعظم حلفٍ\". وفي النسخ المطبوعة: \"فيما هو أعظم مما\"، ولعله تصرُّف من بعضهم، وهو غير ملائم لقوله: \"ومرتكبًا لذروة سنامه\".","vol":"1","page":435},{"text":"محادثتُه من امرأة أو صبي، فقال: والله لا كلَّمتُه، ثم رآه خاليًا به يؤاكله ويشاربه ويعاشره ولا يكلِّمه= لَعَدُّوه مرتكبًا لأشدِّ ما حلَف (^١) [١٣٠/أ] عليه وأعظَمِه.\nوهذا مما فطر الله عليه عبادَه. ولهذا فهمت الأمة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] جميعَ وجوه الانتفاع من اللبس والركوب والمسكن وغيرها. وفهمت من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ (^٢) لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إرادةَ النهي عن جميع أنواع الأذى بالقول والفعل، وإن لم ترد نصوص أخرى بالنهي عن عموم الأذى. فلو بصَق رجلٌ في وجه والديه، وضرَبهما بالنعل، وقال: إني لم أقل لهما أُفٍّ= لعدَّه الناسُ في غاية السخافة والحماقة والجهل، من مجرَّدِ تفريقه بين التأفيف المنهيِّ عنه وبين هذا الفعل قبل أن يبلغه نهيُ غيره. ومنعُ هذا مكابرةٌ للعقل والفهم والفطرة.\nفمتى (^٣) عُرِف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباعُ مراده. والألفاظ لم تُقصَد لذواتها، وإنما هي أدلَّة يُستدلُّ بها على مراد المتكلم؛ فإذا ظهر مراده ووضَح بأيِّ طريق كان عُمِل بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو كناية (^٤)، أو إيماء، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطَّردة لا يُخِلُّ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"مما حلف\"، وهو أيضًا خطأ، فإنه لو أراد هذا لقال بعده: \"وأعظم منه\".\n(^٢) في النسخ كلها: \"ولا تقل\".\n(^٣) ع: \"فمن\"، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من النسخ الأخرى.\n(^٤) ف: \"كتابة\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي ح، ع لم ينقط التاء. ولعل الصواب ما أثبت من س، ت.","vol":"1","page":436},{"text":"بها، أو من مقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته، وأنه يمتنع منه إرادةُ ما هو معلوم الفساد وتركُ إرادة ما هو متيقَّن مصلحته، وأنه يُستدَلُّ على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله ومُشْبِهه (^١)، وعلى كراهة الشيء بكراهة مثله ونظيره ومُشْبِهه= فيقطع العارفُ به وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا ويكره هذا، ويُحِبّ هذا ويُبغض هذا.\nوأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله [١٣٠/ب] كيف يفهم مرادَه من تصرُّفه ومذاهبه؟ ويُخبر عنه بأنه يفتي بكذا ويقوله، وأنه لا يقول بكذا ولا يذهب إليه، لما لا يوجد في كلامه صريحًا. وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة. وهذا أمر يعُمُّ أهلَ الحق والباطل، لا يمكن دفعُه. فاللفظ الخاص قد يُنقل (^٢) إلى معنى العموم بالإرادة، والعامُّ قد يُنقَل إلى معنى (^٣) الخصوص بالإرادة. فإذا دُعي إلى غداء، فقال: والله لا أتغدَّى؛ أو قيل له: \"نم\" فقال: والله لا أنام؛ أو: \" اشرب هذا الماء\"، فقال: والله لا أشرب= فهذه كلُّها ألفاظ عامَّة نُقِلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلِّم التي يقطع السامعُ عند سماعها بأنه لم يُرد النفي العام إلى آخر العمر.\nوالألفاظ ليست تعبُّديّة، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي - ﷺ - يقولون: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]. وقد أنكر الله سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله:\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"وشبهه\".\n(^٢) ت، ع: \"ينتقل\" هنا وفيما بعد، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) \"معنى\" ساقط من النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":437},{"text":"﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، فذمَّ من لم يفقه كلامه. والفقه أخصُّ من الفهم، وهو فهمُ مراد المتكلِّم من كلامه. وهذا قدر زائد على مجرَّدِ فهمِ وضعِ اللفظ في اللغة. وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تفاوتُ (^١) مراتبهم في الفقه والعلم.\nوقد كان الصحابة يستدلُّون على إذن الرَّبِّ تعالى وإباحته، بإقراره وعدم إنكاره عليهم في زمن الوحي. وهذا استدلال على المراد بغير لفظ، بل بما عُرِف من موجَب أسمائه وصفاته، وأنه لا يُقِرُّ على باطل حتى يبيِّنه.\nوكذلك استدلال الصدِّيقة الكبرى أم المؤمنين خديجة [١٣١/أ] بما عرفته من حكمة الربِّ تعالى وكمال أسمائه وصفاته ورحمته أنه لا يُخزي محمَّدًا - ﷺ -؛ فإنه يصل الرحم، ويحمِل الكَلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق (^٢)؛ وأنَّ من كان بهذه المثابة فإنَّ العزيز الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإله العالمين لا يخزيه ويسلِّط (^٣) عليه الشيطان. وهذا استدلال منها قبل ثبوت النبوة والرسالة، بل استدلال على صحتها وثبوتها في حقِّ مَن هذا شأنه. فهذا معرفة منها بمراد الربِّ تعالى وما يفعله من أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته وإحسانه ومجازاته للمحسن (^٤) بإحسانه، وأنه لا يُضِيع أجر المحسنين.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"تتفاوت\".\n(^٢) انظر: حديث عائشة في \"صحيح البخاري\" (٣) ومسلم (١٦٠).\n(^٣) ف: \"ولا يسلِّط\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"المحسن\".","vol":"1","page":438},{"text":"وقد كانت الصحابة أفهمَ الأمةِ لمراد نبيها وأتبعَ له، وإنما كانوا يُدَنْدِنون حول معرفة مراده ومقصوده. ولم يكن أحد منهم يظهر له مرادُ رسول الله - ﷺ -، ثم يعدل عنه إلى غيره البتّة.\nوالعلم بمراد المتكلم يُعرَف تارةً من عموم لفظه، وتارةً من عموم علَّته. والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر. وقد يعرض لكلٍّ من الفريقين ما يُخِلُّ بمعرفة مراد المتكلم، فيعرض لأرباب الألفاظ التقصيرُ بها عن عمومها وهضمُها تارةً، وتحميلُها فوق ما أريد بها تارةً. ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ. فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين. ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك ليعتبر به غيره، فنقول:\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ [١٣١/ب] رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (^١) [المائدة: ٩٠]. فلفظ \"الخمر\" عامٌّ في كلِّ مسكر، فإخراجُ بعض الأشربة المسكِرة عن شمول اسم الخمر لها تقصيرٌ به وهضمٌ لعمومه، بل الحقُّ ما قاله صاحب الشرع: \"كلُّ مسكِر خمرٌ\" (^٢)، وإخراجُ بعض أنواع المَيْسِر عن شمول اسمه لها تقصيرٌ أيضًا به، وهضمٌ لمعناه. فما الذي جعل النَّرْدَ الخالي عن العوض من الميسر وأخرج (^٣) الشطرنج عنه؟ مع أنه من أظهر أنواع الميسر، كما قال غير واحد من السلف: إنه\n_________\n(^١) في ع، ف أكملت الآية، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) من حديث ابن عمر.\n(^٣) ما عدا س: \"إخراج\"، ثم أصلح بطمس الألف أو الضرب عليها في ح، ع، ف.","vol":"1","page":439},{"text":"ميسر (^١). وقال عليٌّ: هو ميسر العجم (^٢).\nوأما تحميل اللفظ فوق ما يحتمله، فكما حُمِّل لفظُ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله في آية البقرة [٢٨٢]: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ مسألةَ العِينة التي هي ربًا بحيلة، وجعلُها من التجارة. ولَعمرُ الله إنَّ الربا الصريح تجارة للمُرْبي (^٣)، وأي تجارة! وكما حُمِّل قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] مسألةَ (^٤) التحليل، وجُعِل التَّيسُ المستعار الملعون على لسان رسول الله - ﷺ - (^٥) داخلًا\n_________\n(^١) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢٦٦٧٤)، و\"الأدب المفرد\" للبخاري (١٠١٩)، و\"الأمر بالمعروف\" لأبي بكر الخلال (١٥٩)، و\"تحريم النرد والشطرنج\" للآجري (٢٦، ٢٨، ٢٩)، و\"الجامع لشعب الإيمان\" للبيهقي (٦٠٩٨)، و\"السنن الكبير\" له (١٠/ ٢١٢، ٢١٧).\n(^٢) رواه البيهقي في \"السنن الكبير\" (١٠/ ٢١٢)، و\"السنن الصغير\" (٤/ ١٧٤)، وقال: \"هذا مرسل، ولكن له شواهد\". قصد بالإرسال: الانقطاع بين أبي جعفر محمد الباقر ﵀ وجدِّ جدِّه عليٍّ - ﵁ -.\n(^٣) من أربى الرجلُ: دخل في الربا. وفي النسخ المطبوعة: \"للمرابي\"، ولعله تصرُّف من بعض الناشرين.\n(^٤) في النسخ المطبوعة زيدت قبلها \"على\".\n(^٥) رواه أحمد (٤٢٨٣، ٤٢٨٤، ٤٣٠٨، ٤٤٠٣)، والترمذي (١١٢٠) ــ وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" ــ، والنسائي (٣٤١٦). وله شواهد كثيرة عن جماعة من الصحابة؛ منها: حديث علي عند أحمد (٦٣٥، ٦٦٠، ٦٧١، ٧٢١، ٨٤٤، ٩٨٠، ١١٢٠، ١٢٨٩، ١٣٦٤)، وأبي داود في \"السنن\" (٢٠٧٦، ٢٠٧٧)، والترمذي (١١١٩)، وابن ماجه (١٩٣٥)، وحديث ابن عباس عند ابن ماجه (١٩٣٤)، وحديث عقبة بن عامر عند ابن ماجه (١٩٣٦)، وصححه الحاكم (٢/ ١٩٩).\nوانظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٢٧٣، ٢٧٤)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (١٢٣٢، ١٢٣٧)، و\"العلل\" للدارقطني (٣/ ١٥٤ - ١٥٦)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٤/ ٣٦٣)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٣/ ٣٤٩ - ٣٥١).","vol":"1","page":440},{"text":"في اسم الزوج. وهذا في التجاوز يقابل الأول في التقصير.\nولهذا كان معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصل العلم وقاعدته وآخيَّته (^١) التي يَرجع (^٢) إليها، فلا يُخرج شيئًا من معاني ألفاظه عنها، ولا يُدخل فيها ما ليس منها، بل يعطيها حقَّها، ويفهم المراد منها.\nومن هذا: لفظ الأيمان والحَلِف. أخرجت طائفة منه الأيمان الالتزامية التي يلتزم صاحبها بها إيجابَ شيء أو تحريمَه، وأدخلت طائفة فيها التعليقَ المحضَ الذي لا يقتضي حضًّا ولا منعًا. والأول نقص [١٣٢/أ] من المعنى، والثاني تحميل له فوق معناه.\nومن ذلك: لفظ الربا. أدخلت فيه طائفة ما لا دليل على تناول اسم الربا له كبيع الشَّيْرَج (^٣) بالسِّمسِم، والدِّبْس بالعنب، والزيت بالزيتون، وكلِّ ما استُخرج من ربويِّ وعُمِل منه بأصله؛ وإن خرج عن اسمه ومقصوده وحقيقته. وهذا لا دليل عليه يوجب المصيرَ إليه، لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا ميزان صحيح. وأدخلت فيه من مسائل مُدِّ عَجْوة (^٤) ما هو\n_________\n(^١) الآخيَّة: عروة يثبّت طرفاها في أرض أو حائط، وتشدُّ فيها الدابة.\n(^٢) يعني العالِم، وهو مفهوم من السياق.\n(^٣) سبق تفسيره.\n(^٤) ضابطها أن يبيع ربويًّا بجنسه ومعهما أو مع أحدهما صنف آخر من غير جنسه. وسيأتي الكلام عليها.","vol":"1","page":441},{"text":"أبعدُ شيء عن الربا.\nوأخرجت طائفة أخرى منه ما هو من الربا الصريح حقيقةً وقصدًا وشرعًا كالحيل الربوية التي هي أعظم مفسدة من الربا الصريح، ومفسدةُ الربا البَحْت الذي لا يتوصَّل إليه بالسلاليم أقلُّ بكثير. وأخرجت منه طائفة بيعَ الرُّطَب بالتمر، وإن كان كونه من الربا أخفى من كون الحيل الربوية منه، فإن التماثل موجود فيه في الحال دون المآل، وحقيقة الربا في الحيل الربوية أكمل وأتم منها في العقد الربوي الذي لا حيلة فيه.\nومن ذلك: لفظ البينة. قصَّرت بها طائفة، فأخرجت منه الشاهد واليمين وشهادةَ العَبيد العدول الصادقين المقبولي القول على الله ورسوله، وشهادةَ النساء منفردات في المواضع التي لا يحضرهن فيه الرجال كالأعراس والحمامات، وشهادةَ الزوج في اللَّعان إذا نكَلَت المرأة، وأيمانَ المدَّعين للدم (^١) إذا ظهر اللَّوث ونحو ذلك مما يبيِّن الحقَّ أعظم من بيان الشاهدين، وشهادةَ القاذف، وشهادةَ الأعمى على ما [١٣٢/ب] يتيقنه، وشهادةَ أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم، وشهادةَ الحال في تداعي الزوجين متاعَ البيت وتداعي النجار والخياط آلتهما ونحو ذلك.\nوأدخلت فيه طائفة ما ليس منه كشهادة مجهول الحال الذي لا يُعرَف بعدالة ولا فسق، وشهادةِ وجوه الآجُرِّ ومَعاقِد القُمُط (^٢) ونحو ذلك.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"الدم\".\n(^٢) جمع قِماط وهو ما يُشَدُّ به من ليف أو خوص أو غيره. وضبطه الجوهري بكسر القاف وسكون الميم. انظر: \"الصحاح\" و\"النهاية في غريب الحديث\" (قمط).","vol":"1","page":442},{"text":"والصواب: أنّ كلَّ ما بيَّن الحقَّ فهو بينة (^١). ولم يعطِّل الله ولا رسوله حقًّا بعدما تبيَّن بطريق من الطرق أصلًا، بل حكمُ الله ورسوله الذي لا حكم له سواه أنه متى ظهر الحق ووضَح بأيِّ طريق كان وجب تنفيذه ونصره، وحَرُم تعطيله وإبطاله. وهذا باب يطول استقصاؤه، ويكفي المستبصرَ التنبيهُ عليه. وإذا فُهِم هذا في جانب اللفظ فُهِم نظيرُه في جانب المعنى سواء.\nوأصحاب الرأي والقياس حمَّلوا معاني النصوص فوق ما حمَّلها الشارع، وأصحاب الألفاظ والظواهر قصَّروا بمعانيها عن مراده. فأولئك قالوا: إذا وقعت قطرة من دم في البحر فالقياس أنه ينجس، ونجَّسوا بها الماء الكثير مع أنه لم يتغير منه شيء البتة بتلك القطرة. وهؤلاء قالوا: إذا بال جَرَّةً من بول وصبَّها في الماء لم تُنجِّسه، وإذا بال في الماء نفسِه ولو أدنى شيء نجَّسه.\nونجَّس أصحابُ الرأي والمقاييس القناطيرَ المقنطرةَ، ولو كانت ألف ألف قنطار، من سَمْن أو زيت أو شَيْرج، بمثل رأسِ الإبرة من البول والدم، والشعرةِ الواحدة من الكلب والخنزير عند من ينجِّس شعرَهما. وأصحاب الظواهر والألفاظ [١٣٣/أ] عندهم لو وقع الكلب والخنزير بكماله أو أي ميتة كانت في أيِّ ذائب كان من زيت أو شَيرج أو خلّ أو دِبس أو وَدَك غير السَّمْن ألقيت الميتة فقط، وكان ذلك المائع حلالًا طاهرًا كلّه، فإن وقع ما عدا الفأرة في السَّمْن من كلب أو خنزير أو أي نجاسة كانت فهو طاهر حلال ما لم يتغير.\n_________\n(^١) انظر ما سبق من تفسير \"البينة\" في شرح قول عمر: \"البينة على المدعي\".","vol":"1","page":443},{"text":"ومن ذلك: أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تنتقِبُ المرأة، ولا تلبس القُفَّازين\" (^١) يعني في الإحرام، فسوَّى بين يديها ووجهها في النهي عما صُنِع على قدر العضو، ولم يمنعها من تغطية وجهها، ولا أمَرها بكشفه البتة. ونساؤه - ﷺ - أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كنّ يَسْدُلن على وجوههن إذا حاذاهن الرُّكبان، فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن (^٢). وروى وكيع، عن شعبة، عن يزيد الرِّشْك (^٣)، عن معاذة العدَوية قالت: سألت (^٤) عائشة: ما تلبس المحرمة؟ فقالت: لا تنتقب، ولا تتلثَّم، وتسدُل الثوب على وجهها (^٥).\nفجاوزت طائفة ذلك، ومنعتها من تغطية وجهها جملةً. قالوا: وإذا سدَلت على وجهها فلا تدع الثوب يَمسُّ وجهها، فإن مسَّه افتدت. ولا دليل على هذا البتة. وقياسُ قول هؤلاء أنها إذا غطَّت يدها افتدت، فإن النبي - ﷺ - سوَّى بينهما في النهي، وجعلهما كبدن المحرم، فنهى عن لبس القميص والنقاب والقُفَّازين. هذا للبدن، وهذا للوجه، وهذا لليدين. ولا يحرُم سترُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٣٨) من حديث ابن عمر.\n(^٢) رواه أحمد (٢٤٠٢١)، وأبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجه (٢٩٣٥) من حديث عائشة - ﵂ -، وسنده ضعيف، وله شاهد من حديث فاطمة بنت المنذر عن جدّتها أسماء - ﵂ -، رواه الإمام مالك (١١٧٦)، وإسحاق بن راهويه في \"المسند\" (٢٢٥٥)، وصححه ابن خزيمة (٢٦٩٠)، والحاكم (١/ ٤٥٤). وانظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٩١). ويشهد له أيضًا الحديث التالي.\n(^٣) ما عدا ع: \"عن الرشك\" أو \"بن الرشك\".\n(^٤) ساقط من ع. وفيما عدا س: \"سئلت\" بالبناء للمجهول.\n(^٥) علّقه ابن حزم في \"المحلى\" (٧/ ٩١) عن وكيع به. وتابعه معاذ بن معاذ العنبري، ومن طريقه رواه البيهقي (٥/ ٤٧).","vol":"1","page":444},{"text":"البدن، فكيف يحرم سترُ الوجه في حقِّ المرأة، مع أمر الله لها أن تُدني عليها من جلبابها لئلا تُعرَف ويُفتتَن بصورتها؟ ولولا أن النبي - ﷺ - قال في المحرم: \"ولا يخمَّر رأسُه\" (^١) لجاز تغطيته بغير العمامة. وقد روى الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة: عثمان، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت، وجابر= أنهم كانوا يخمِّرون وجوههم وهم مُحرمون (^٢). فإذا كان هذا في حقِّ الرجل وقد أُمِر بكشف رأسه، فالمرأة بطريق الأولى والأحرى.\nوقصَّرت طائفة أخرى، فلم تمنع المحرمة من البرقع ولا اللثام. قالوا: إلا أن يدخلا في اسم النقاب، فتُمنع منه. وعذر هؤلاء أن المرجع إلى ما نهى عنه النبي - ﷺ -، ودخل في لفظ المنهيِّ عنه فقط.\nوالصواب: النهيُ عما دخل في عموم لفظه، وعموم معناه وعلته؛ فإن البرقع واللثام وإن لم يسمَّيا نقابًا فلا فرق بينهما وبينه. بل إذا نُهيت عن النقاب، فالبرقع واللثام أولى؛ ولذلك منعتها أم المؤمنين من اللثام (^٣).\nومن ذلك: لفظ الفدية. أدخل فيها طائفة خُلْعَ الحيلة على فعل المحلوف عليه مما هو ضدّ الفدية، إذ المراد بقاء النكاح بالخلاص من الحِنْث، وهي إنما شرعت لزوال النكاح عند الحاجة إلى زواله. وأخرجت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٥) ومسلم (١٢٠٦) من حديث ابن عباس.\n(^٢) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١١٧١)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٨/ ٦٧٤)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (١٤٤٥٠، ١٤٤٥١، ١٤٤٥٤، ١٤٤٥٥، ١٤٤٥٨، ١٤٤٥٩)، و\"المحلى\" ابن حزم (٧/ ٩١)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٥/ ٥٤)، و\"معرفة السنن والآثار\" له (٤/ ١٧).\n(^٣) وانظر: \"بدائع الفوائد\" (٣/ ١٠٧٢ - ١٠٧٥)، و\"تهذيب السنن\" (١/ ٣٥٢ - ٣٥٤).","vol":"1","page":445},{"text":"منه طائفة ما فيه حقيقة الفدية ومعناها، واشترطت له لفظًا معيّنًا، وزعمت أنه لا يكون فديةً وخلعًا إلا به. وأولئك تجاوزوا به، وهؤلاء قصَّروا به.\nوالصواب: أن كلَّ ما دخله المال فهو فدية بأيِّ لفظ كان. والألفاظ لم تُرَد لذواتها ولا تُعُبِّدنا بها، وإنما هي وسائل إلى المعاني. فلا فرق قطُّ بين [١٣٤/أ] أن تقول: اخلَعْني بألف، أو فادِني (^١) بألف، لا حقيقةً ولا شرعًا، ولا لغةً ولا عرفًا. وكلام ابن عباس والإمام أحمد عامٌّ في ذلك، لم يقيِّده أحدهما بلفظ، ولا استثنى لفظًا دون لفظ. بل قال ابن عباس: عامة طلاق أهل اليمن الفداء (^٢).\nوقال الإمام أحمد: الخُلْع فرقة، وليس بطلاق (^٣). وقال: الخلع ما كان من جهة النساء (^٤). وقال: ما أجازه المال فليس بطلاق (^٥). وقال: إذا خالَعها بعد تطليقتين فإن شاء راجعها، فتكون معه على واحدة.\n_________\n(^١) في جميع النسخ: \"فارقني\". والصواب ما أثبت من النسخ المطبوعة، وهو مقتضى السياق.\n(^٢) كذا، وإنما ذكره إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص لابن عباس - ﵄ -، كذلك رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٧٦٥). وذكره الإمام ابن تيمية على الصواب، كما يُرَى في \"مجموع فتاويه\" (٣٢/ ٢٩٠، ٢٩٧).\n(^٣) انظر: \"مسائل عبد الله\" (ص ٣٣٩)، و\"مسائل الكوسج\" (٤/ ١٩٠٢، ١٩٧٤)، (٩/ ٤٦٠٦)، و\"الروايتين والوجهين\" (٢/ ١٣٦).\n(^٤) انظر: \"مسائل عبد الله\" (ص ٣٣٩).\n(^٥) في \"اختيارات البعلي\" (ص ٥٦٦): \"قال عبد الله: رأيت أبي يذهب إلى قول ابن عباس، وابن عباس صحَّ عنه أنه كل ما أجازه المال فليس بطلاق\". وقد أخرجه عبد الرزاق (١١٧٦٨، ١١٧٦٩).","vol":"1","page":446},{"text":"وقال في رواية أبي طالب: الخُلْع مثل حديث سَهْلة (^١). إذا كرهت المرأة الرجل، وقالت: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيع لك أمرًا، ولا أغتسل لك من جنابة (^٢) = فقد حلَّ له أن يأخذ منها ما أعطاها، لأن النبي - ﷺ - قال: \"ترُدِّين عليه حديقته؟ \" (^٣).\nقلتُ: وقد قال في الحديث: \"اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقةً\"، وجعل أحمد ذلك فداء.\nوقال ابن هانئ (^٤): سئل أبو عبد الله عن الخلع: أفسخُ نكاحٍ هو [أم خلعُ طلاقٍ] (^٥) أم تذهب إلى حديث ابن عباس، كان يقول: فرقة وليس بطلاق (^٦)؟ فقال أبو عبد الله: كان ابن عباس يتأول هذه الآية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ\n_________\n(^١) هذا الجزء من الرواية نقله ابن قدامة أيضًا في \"المغني\" (١٠/ ٢٧١) و\"الكافي\" (٣/ ٩٦)، وكذا وقع اسم المختلعة \"سهلة\" في الرواية في كتابنا وكتابَي ابن قدامة ومَن نقل منه. وكذا في رواية الكوسج (٩/ ٤٧٧١) سئل الإمام أحمد: كيف الخلع؟ فقال: \"إذا أخذ المال فهي فرقة. قال النبي - ﷺ - لسهلة: \"أتردين حديقته؟ \". وذكر ابن الجوزي في \"كشف المشكل\" (٢/ ٤٢٨) ثلاثة أقوال في اسم هذه المختلعة، ثالثها أنها \"سهلة بنت حبيب\". قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٣٩٩): \"ما أظنّه إلا مقلوبًا، والصواب: حبيبة بنت سهل\".\n(^٢) انظر: \"المحلَّى\" (٩/ ٥٢٢ - ٥٢٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٢٧٣) من حديث ابن عباس.\n(^٤) في \"مسائله\" (١/ ٢٣٢).\n(^٥) الزيادة من \"المسائل\". وفي المطبوع: \"أفسخ [نكاح] أم [خلع] طلاق هو\". وفي الطبعات السابقة: أفسخ أم طلاق هو\".\n(^٦) رواه الدارقطني (٣٨٦٩).","vol":"1","page":447},{"text":"فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وكان ابن عباس يقول: هو فداء (^١). قال ابن عباس: ذكر الله الطلاق في أول الآية، والفداء في وسطها، وذكر الطلاق بعد. فالفداء ليس هو بطلاق، وإنما هو فداء (^٢).\nفجعل ابن عباس وأحمد الفداء فداءً لمعناه، لا للفظه. وهذا هو الصواب، [١٣٤/ب] فإن الحقائق لا تتغير بتغيُّر (^٣) الألفاظ، وهذا باب يطول تتبُّعه.\nوالمقصود: أن الواجب فيما علَّق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني أن لا يُتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقصَّر بها، ويُعطى اللفظُ حقَّه والمعنى حقَّه. وقد مدح الله سبحانه أهلَ الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم. ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، فيعتبرَ (^٤) ما يصحُّ منها بصحة مثله ومُشبِهه ونظيره، ويلغى ما لا يصح. هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط.\n_________\n(^١) انظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (١١٧٦٥).\n(^٢) روى (معناه) عبد الرزاق (١١٧٦٧، ١١٧٧١)، وسعدان بن نصر في \"جزئه\" (٥٧) ــ ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبير\" (٧/ ٣١٦)، وفي \"السنن الصغير\" (٣/ ١٠٦) ــ، وابن المنذر في \"التفسير\" ــ كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٦٨١) ــ.\n(^٣) س: \"بتغيير\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) ح: \"فنعتبر\"، وكذا \"نلغي\" فيما بعد.","vol":"1","page":448},{"text":"قال الجوهري (^١): \"الاستنباط كالاستخراج\". ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرَّدِ فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط؛ إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنما تنال به العِلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلِّم. والله سبحانه ذمَّ مَن سمع ظاهرًا مجرَّدًا، فأذاعه وأفشاه؛ وحَمِد مَن استنبط (^٢) من أولي العلم حقيقته ومعناه.\nيوضِّحه أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفى على غير مستنبطه. ومنه: استنباط الماء من أرض البئر والعين. ومن هذا: قول علي بن أبي طالب وقد سئل: هل خصَّكم رسولُ الله - ﷺ - بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فلَق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه (^٣). ومعلوم أنَّ هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه، فإنَّ هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب. وإنما هذا فهمُ لوازم المعنى ونظائره ومرادِ المتكلِّم بكلامه، ومعرفةُ حدود [١٣٥/أ] كلامه، بحيث لا يدخل فيها غيرُ المراد، ولا يخرج منها شيءٌ من المراد.\nوأنت إذا تأمَّلتَ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، وجدتَ الآية من أظهر الأدلة على نبوة النبي - ﷺ -، وأنَّ هذا القرآن جاء من عند الله، وأنَّ الذي جاء به روح\n_________\n(^١) في \"الصحاح\" (نبط) ولفظه: \"الاستنباط: الاستخراج\". وقال في مادة (خرج): \"الاستخراج كالاستنباط\".\n(^٢) ح: \"استنباط\"، ولعله سهو، فأصلح في ف هكذا: \"مِن استنباط أولي العلم\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠٤٧).","vol":"1","page":449},{"text":"مطهَّرة (^١)، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل؛ ووجدتَ الآيةَ أخت قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، ووجدتَها دالّةً بأحسن الدلالة على أنه لا يمسُّ المصحفَ إلا طاهر (^٢). ووجدتَها دالّةً أيضًا بألطف الدلالة على أنه لا يجد حلاوته وطعمه إلا مَن آمن به وعمل به، كما فهمه البخاري (^٣)\nمن الآية، فقال في \"صحيحه\" في باب قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣]: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾: لا يجد طعمَه ونفعَه إلا مَن آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقِّه إلا المؤمن (^٤)، لقوله\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"مطهر\" خلافًا للنسخ الخطية.\n(^٢) ذكر المصنف في \"التبيان\" (ص ٣٣١ - ٣٣٦) عشرة وجوه احتج بها على أن المراد في الآية هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة. وساق جملة منها في \"المدارج\" (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١) وعزاها إلى شيخ الإسلام. وقد ذكرها شيخ الإسلام في \"شرح العمدة\" (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤). أما الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسّه إلا طاهر، فنقل عنه في \"التبيان\" (ص ٣٣٨) أن \"هذا من باب التنبيه والإشارة. وإذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسُّها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسَّها إلا طاهر. والحديث مشتقٌّ من هذه الآية ... \". وانظر نحو هذا الاستدلال في \"شرح العمدة\" (١/ ٣٨٤).\n(^٣) نقل المصنف كلام الإمام البخاري في \"التبيان\" (ص ٣٤٠) أيضًا، ولكن ليس ذلك من فهم البخاري كما قال. وإنما هو قول بعض المتقدمين من باب الإشارة لا تفسير الآية. وقد عزاه الثعلبي في \"الكشف والبيان\" (٩/ ٢١٩) والبغوي (٨/ ٢٣) وابن كثير (٤/ ٢٩٩) وغيرهم إلى الفرَّاء، والحق أن الفرّاء حكاه في \"معاني القرآن\" (٣/ ١٣٠) بلفظ \"يقال\"، بعد ما نقل تفسير الآية عن ابن عباس ..\n(^٤) أثبت في المطبوع: \"الموقن\" خلافًا للنسخ الخطية والمطبوعة، وذكر في التعليق أن التصحيح من \"صحيح البخاري\". وذهب عليه أن لفظ \"المؤمن\" الوارد في النسخ هو الثابت في رواية المستملي. انظر: \"صحيح البخاري\" (٩/ ١٥٥ - الطبعة السلطانية) و\"فتح الباري\" (١٣/ ٥٠٩).","vol":"1","page":450},{"text":"تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. وتجد تحته أيضًا أنَّه لا ينال معانيه ويفهمه كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة، وأنَّ القلوب النجسة ممنوعة من فهمه، مصروفة عنه (^١). فتأمَّلْ هذا النسب القريب وعقدَ هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين المعنى الظاهر من الآية، واستنباطَ هذه المعاني كلِّها من الآية بأحسن وجه وأبينه. فهذا من الفهم الذي أشار إليه علي - ﵁ -.\nوتأمَّلْ قولَه تعالى لنبيِّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] كيف تفهم (^٢) منه أنه إذا كان وجودُ بدنه وذاته فيهم دفَعَ عنهم العذاب وهم أعداؤه، فكيف وجودُ سرِّه، والإيمانُ به، ومحبّتُه، ووجودُ ما جاء به= إذا كان في قوم أو كان في شخص؟ أفليس دفعُه العذابَ عنهم بطريق الأولى والأحرى؟\nوتأمَّلْ قولَه تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، كيف تجد تحته بألطف دلالة وأدقِّها وأحسنها أنه من اجتنب الشرك جميعَه كُفِّرت عنه كبائره، وأن نسبة الكبائر إلى الشرك كنسبة الصغائر إلى الكبائر. فإذا وقعت الصغائر مكفَّرةً باجتناب الكبائر، فالكبائر تقع مكفَّرةً باجتناب الشرك. وتجد الحديث الصحيح كأنه مشتقٌّ من\n_________\n(^١) في \"مجموع الفتاوى\" (١٣/ ٢٤٢) أن هذا يروى عن طائفة من السلف. وانظر أيضًا: \"مجموع الفتاوى\" (٥/ ٥٥١) و\"جامع المسائل\" (٤/ ٦٥) و\"التبيان\" (ص ٣٤٠).\n(^٢) لم ينقط حرف المضارع إلا في ف. وفي النسخ المطبوعة: \"يفهم\".","vol":"1","page":451},{"text":"هذا المعنى، وهو قوله - ﷺ - فيما يروي عن ربِّه ﵎: \"ابنَ آدم، (^١) لو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا ثم لقيتَني لا تُشرك بي شيئًا لقيتُك بقُرابها مغفرة\" (^٢). وقوله: \"إنَّ الله حرَّم على النار مَن قال لا إله إلا الله مخلصًا (^٣) من قلبه\" (^٤). بل محوُ التوحيد ــ الذي هو توحيد (^٥) ــ للكبائر (^٦) أعظم من محو اجتناب الكبائر للصغائر (^٧).\nوتأمَّلْ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]، كيف نبَّههم بالسفر الحِسِّي على السفر إليه؟ وجمع لهم بين السفرين، كما جمع لهم بين الزادين في قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، فجمع لهم بين زاد سفرهم وزاد معادهم؟ وكما جمع بين اللباسين في قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: \"إنك\".\n(^٢) رواه الترمذي (٣٥٤٠) من حديث أنس - ﵁ - مرفوعا، وقال: \"حسن غريب\". وفي سنده لينٌ، لكن يشهد لصحة هذا الجزء منه حديث أبي ذر - ﵁ - عند الإمام أحمد (٢١٣١٥)، ومسلمٍ (٢٦٨٧).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"خالصًا\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٢٥) ومسلم (٣٣) من حديث عِتبان بن مالك. ولفظه: \" ... لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله\".\n(^٥) يعني: الذي هو توحيد حقيقي لا شائبة فيه. وفي ف: \"هو محو\". وفي ح وضع بعضهم إشارة بعد \"هو\"، ثم كتب في الهامش \"محو\" مع علامة صح، وهو غلط.\n(^٦) س، ع: \"الكبائر\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٧) ع: \"الصغائر\".","vol":"1","page":452},{"text":"أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، فذكر زينةَ ظواهرهم وزينةَ بواطنهم، ونبَّههم بالحِسِّي على المعنوي. وفهمُ هذا [١٣٦/أ] قدرٌ (^١) زائدٌ على فهمِ مجرَّد اللفظ ووضعه في أصل اللسان، والله المستعان (^٢).\nفصل\nقد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منها! فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلَّة الدالّة على ذمِّ القياس، وأنه ليس من الدين، وحصولِ الاستغناء عنه والاكتفاء بالوحيين. وها نحن نسوقها مفصّلةً مبيّنةً بحمد الله.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وأجمع المسلمون على أن الردَّ إلى الله سبحانه هو الردُّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ هو الردُّ إليه في حضوره وحياته، وإلى سنَّته في غيبته وبعد مماته. والقياس ليس بهذا ولا هذا.\nولا يقال: الردُّ إلى القياس هو من الردِّ إلى الله ورسوله، لدلالة كتاب الله وسنة رسوله عليه (^٣) كما تقدَّم تقريره؛ لأن الله سبحانه إنما ردَّنا إلى كتابه\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"القدر\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده: \"وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله\".\n(^٣) \"عليه\" ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: \"﵇\"، فزيدت كلمة \"السلام\" خطأً.","vol":"1","page":453},{"text":"وسنة رسوله، ولم يردَّنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط. بل قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولم يقل: بما رأيتَ أنت. وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].\nوقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [١٣٦/ب] تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^١) [النحل: ٨٩] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقال: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فلو كان القياس هدًى لم ينحصر الهدى في الوحي.\nوقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمُه وحدَه، وهو تحكيمه في حال حياته وتحكيم سنَّته فقط بعد وفاته.\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، أي لا تقولوا حتى يقول. قال (^٢) نفاة القياس: والإخبار عنه بأنه حرَّم ما\n_________\n(^١) في جميع النسخ: \"وأنزلنا إليك\".\n(^٢) س، ح، ت، ف: \"قالوا\"، وذكر في طرة ع أن في أصلها \"قالوا\".","vol":"1","page":454},{"text":"سكت عنه أو أوجبه قياسًا على ما تكلَّم بتحريمه أو إيجابه تقدُّمٌ بين يديه، فإنه إذا قال: \"حرَّمتُ عليكم الربا في البُرِّ\"، فقلنا: ونحن نقيس على قولك البَلُّوط (^١)، فهذا محض التقدم.\nقالوا: وقد حرَّم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم، وإذا (^٢) فعلنا ذلك فقد واقعنا هذا (^٣) المحرَّم يقينًا، فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمَه في القَديد من اللحوم. وهذا قفوٌ منَّا ما ليس لنا به علم، وتعدٍّ لما حَدَّ لنا، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، والواجب أن نقف عند حدوده، ولا نتجاوزها ولا نقصِّر بها.\nولا يقال: فإبطالُ القياس وتحريمُه والنهيُ عنه تقدُّمٌ بين يدي الله ورسوله، وتحريمُ ما لم ينصَّ على تحريمه، وقفوٌ منكم ما ليس لكم به علم. قالوا: لأنا نقول: الله سبحانه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وأنزل علينا [١٣٧/أ] كتابه، وأرسل إلينا رسوله يعلِّمنا الكتاب والحكمة. فما علَّمَناه وبيَّنه لنا فهو من الدين، وما لم يعلِّمناه ولا بيَّن لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورةً. وكلُّ ما ليس من الدين فهو باطل، فليس بعد الحق إلا الضلال.\nوقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فالذي أكمله الله سبحانه وبيَّنه هو ديننا، لا دين لنا سواه، فأين فيما أكمله لنا: \"قِيسُوا ما\n_________\n(^١) في طرة ح نقل بعضهم تفسير البلوط من \"القاموس المحيط\" بأنه \"شجر كانوا يغتذون بثمره قديمًا\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"فإذا\".\n(^٣) \"هذا\" ساقط من ت، ف.","vol":"1","page":455},{"text":"سكتُّ عنه على ما تكلَّمتُ بإيجابه أو تحريمه أو إباحته، سواء كان الجامع بينهما علّةً أو دليلَ علّةٍ أو وصفًا شَبَهيًّا (^١)، فاستعمِلوا ذلك كلَّه، وانسُبوه إليَّ وإلى رسولي وإلى ديني، واحكموا به عليَّ\"!\nقالوا: وقد أخبر سبحانه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وأخبر رسوله: \"أنَّ الظنَّ أكذَبُ الحديث\" (^٢)، ونهى عنه. ومن أعظم الظنِّ ظنُّ القيَّاسين (^٣)، فإنهم ليسوا على يقين أن الله سبحانه حرَّم بيعَ السِّمسِم بالشَّيرج، والحلوى بالعنب، والنَّشا بالبُرّ. وإنما هي ظنون مجرَّدة لا تغني من الحق شيئًا.\nقالوا: وإن لم يكن قياس الضُّراط على \"السلام عليكم\" من الظن الذي نُهينا عن اتباعه وتحكيمه، وأُخبرنا أنه لا يغني من الحق شيئًا= فليس في الدنيا ظن باطل، فأين الضراط من \"السلام عليكم\"! وإن لم يكن قياسُ الماء الذي لاقى الأعضاء الطاهرة الطيبة عند الله، في إزالة الحدث، على الماء الذي لاقى أخبثَ العَذِرات والميتات والنجاسات= ظنًّا، فلا ندري ما الظنُّ الذي حرَّم الله سبحانه القولَ به، وذمَّه في كتابه، وسلَخه من الحق. وإن لم يكن قياسُ أعداء الله ورسوله من عُبَّاد الصُّلبان [١٣٧/ب] واليهود الذين هم أشدُّ الناس عداوةً للمؤمنين، على أوليائه وخيارِ خلقه وساداتِ الأمة وعلمائها وصلحائها، في تكافؤ دمائهم وجَرَيانِ القصاص بينهم (^٤) = فليس\n_________\n(^١) في المطبوع: \"شبيهًا\"، ولعله خطأ مطبعي.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٦٤) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"القياسيين\".\n(^٤) يعني: ظنًّا، وكأنه ساقط سهوًا.","vol":"1","page":456},{"text":"في الدنيا ظنٌّ يُذَمُّ اتباعُه.\nقالوا: ومن العجب أنكم قِسْتم أعداءَ الله على أوليائه في جريان القصاص بينهم، فقتلتم ألفَ وليٍّ لله قتلوا نصرانيًّا واحدًا يجاهرهم بسبِّ الله ورسوله وكتابه علانية، ولم تقيسوا مَن ضرَبَ رأس رجل بدبُّوس (^١)، فنثَر دماغه بين يديه، على مَن طعنه بمِسَلَّة (^٢)، فقتَلَه!\nقالوا: وسنبيِّن لكم من تناقض أقيستكم واختلافها وشدة اضطرابها ما يبيِّن أنها من عند غير الله.\nقالوا: والله تعالى لم يكِلْ بيانَ شريعته إلى آرائنا وأقيستنا واستنباطنا، وإنما وكَلَها إلى رسوله المبيِّن عنه. فما بيَّنه عنه وجب اتباعه، وما لم يبيِّنه فليس من الدين. ونحن نناشدكم الله: هل اعتمادكم في هذه الأقيسة الشَّبَهية والأوصاف الحدسية التخمينية على بيان الرسول، أم على آراء الرجال وظنونهم وحدسهم؟ قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فأين بيَّن الرسول (^٣) - ﷺ - أنِّي إذا حرَّمتُ شيئًا أو أوجبتُه أو أبحتُه، فاستخرِجوا وصفًا مَّا شبهيًّا جامعًا بين ذلك وبين جميع ما سكتُّ عنه، فألحِقوه به، وقِيسوا عليه؟\nقالوا: والله تعالى قد نهى عن ضرب الأمثال له، فكما لا تُضرَب له الأمثال لا تُضرَب لدينه. وتمثيلُ ما لم ينُصَّ على حكمه بما نصَّ عليه لشبهٍ\n_________\n(^١) الدبُّوس: عمود على شكل هراوة مدملكة الرأس (المعجم الوسيط).\n(^٢) هي المخيط الكبير.\n(^٣) ع: \"النبي\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":457},{"text":"مَّا ضربُ الأمثال لدينه. وهذا بخلاف ما [١٣٨/أ] ضربه رسول الله - ﷺ - من الأمثال في كثير من الأحكام التي سئل عنها، كما أمرهم بقضاء الصلاة التي ناموا عنها فقالوا: ألا نصلِّيها لوقتها من الغد؟ فقال: \"أينهاكم عن الربا، ويقبله منكم؟ \" (^١).\nوكما قال لعمر، وقد سأله عن القُبلة للصائم: \"أرأيت لو تمضمضتَ بماء ثم مججتَه\" (^٢).\nوكما قال لمن سألته عن الحج عن أبيها: \"أرأيت لو كان على أبيكِ دَينٌ\" (^٣). وكما قال لمن سأله: هل يثاب على وطء زوجته: \"أرأيتم لو وضعها في الحرام\" (^٤).\nومن أحسن هذه الأمثال وأبلغها وأعظمها تقريبًا إلى الأفهام: ما رواه الإمام أحمد والترمذي (^٥) من حديث الحارث الأشعري أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله سبحانه أمرَ يحيى بن زكريا بخمس كلمات، ليعمل بها، ويأمر بني\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٩٩٦٤)، وصححه ابن خزيمة (٩٩٤)، وابن حبان (٣٨٠٤، ٦٣٧٩).\nوانظر: \"الإمام\" لابن دقيق العيد (٣/ ٥٩٣ - ٥٩٤).\n(^٢) تقدّم الحديث دون لفظتَيْ \"ثمّ مَجَجْتَه\"، وقد أدرجهما كثير من الفقهاء والأصوليّين في الحديث، ولا أصل لهما فيه.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٥٣) ومسلم (١٣٣٥) من حديث الفضل بن عباس. واللفظ لمالك في \"الموطأ\" (١/ ٤٦٤ - رواية أبي مصعب).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٠٠٦) من حديث أبي ذر.\n(^٥) رواه أحمد (١٧١٧٠، ١٧٨٠٠)، والترمذي (٢٨٦٣، ٢٨٦٤)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\". وصححه أيضًا ابن خزيمة (٩٣٠، ١٨٩٥)، وابن حبان (١١٤٥)، والحاكم (١/ ١١٨، ٢٣٦، ٤٢١ - ٤٢٢).","vol":"1","page":458},{"text":"إسرائيل أن يعملوا بها. وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها؛ فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم. فقال يحيى: أخشى إن سبقتَني أن يُخسَف بي أو أعذَّب. فجمع الناسَ في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشُّرَف، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعملَ بهنَّ وآمرُكم أن تعملوا بهن: أولهن (^١): أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا. وإنَّ مثَلَ من أشرك بالله كمثَل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو وَرِق، فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمَلْ وأدِّ إلي. فكان يعمل ويؤدِّي إلى غير سيِّده، فأيُّكم يرضى أن يكون عبدُه كذلك؟ وإنَّ الله أمركم بالصلاة، فإذا صلَّيتم فلا تلتفتوا، فإنَّ الله ينصِب وجهَه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت. وآمركم (^٢) بالصيام، فإنَّ مثَلَ ذلك كمثل رجل في عصابةٍ معه [١٣٨/ب] صُرّةُ مِسك (^٣)، وكلُّهم يعجبه ريحُها، وإنَّ ريح الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك. وآمركم بالصدقة، فإنَّ مثَل ذلك كمثل رجلٍ أسَره العدوُّ، فأوثقوا شدَّه (^٤)\nإلى عنقه، وقدَّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بكلِّ قليل وكثير، ففدَى نفسَه منهم. وآمركم أن تذكروا الله، فإنَّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوُّ في أثره سراعًا حتَّى إذا أتى على حصن حصين، فأحرزَ نفسه منهم. كذلك العبدُ لا يُحرِز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله\". قال النبي - ﷺ -: \"وأنا آمركم بخمسٍ، اللهُ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"أولاهن\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة هنا وفيما بعد: \"وأمركم\"، وهي قراءة محتملة. وأثبت كما جاء في \"جامع الترمذي\".\n(^٣) س: \"صرّةٌ فيها مسك\"، وكذا في النسخ المطبوعة و\"جامع الترمذي\".\n(^٤) ع: \"يده\"، وكذا في \"جامع الترمذي\". وفي النسخ المطبوعة: \"يديه\" ..","vol":"1","page":459},{"text":"أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة. فإنه مَن فارق الجماعة قِيدَ شِبْرٍ فقد خلع رِبقةَ الإسلام عن عنقه إلا أن يراجع. ومن ادَّعى دعوى الجاهلية فإنه مِن جُثا (^١) جهنم\"، قالوا: يا رسول الله، وإن صلَّى وصام (^٢)؟ قال: \"وإن صلَّى وصام. فادعُوا بدعوى الله الذي سمَّاكم المسلمين المؤمنين عبادَ الله\". حديث صحيح.\nوفي \"الصحيحين\" (^٣) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه خمسَ مرّات، هل يبقى من درَنِه شيء؟ \" قالوا: لا. قال: \"فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا\".\nومثَّلَ - ﷺ - المؤمنَ القارئَ للقرآن بالأُتْرُجَّة في طيب الطعم والريح، وضدَّه بالحنظلة. والمؤمنَ الذي لا يقرأ بالتمرة في طيب الطعم وعدم الريح، والفاجرَ القارئَ بالرَّيحانة (^٤).\nومثَّل المؤمنَ بالخامة من الزرع لا تزال الرياح تُميلها ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء. ومثَّل [١٣٩/أ] المنافقَ بشجرة الأَرْز ــ وهي الصنوبرة ــ لا تهتزُّ\n_________\n(^١) جمع الجُثْوة، وهي الشيء المجموع. قال أبو عبيد في \"غريب الحديث\" (٣/ ٥٣) فكأن معنى الحديث أنه من جماعات جهنم. وانظر: \"النهاية\" (١/ ٢٣٩). وفي المطبوع: \"جُثَّاء\"!\n(^٢) ع: \"وإن صام\" هنا وفيما بعد. وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) البخاري (٥٢٨) ومسلم (٦٦٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠٢٠) ومسلم (٧٩٧) من حديث أبي موسى الأشعري. وزاد في آخره في النسخ المطبوعة: \"ريحها طيب وطعمها مر\" كما جاء في الحديث.","vol":"1","page":460},{"text":"ولا تميل حتى تُقلَع (^١) مرة واحدة (^٢).\nومثَّل المؤمنَ بالنخلة في كثرة خيرها ومنافعها، وحاجة الناس إليها، وانتيابهم لها لمنافعهم بها (^٣).\nوشبَّه أمته بالمطر في نفع أوله وآخره (^٤) وحياة الوجود به.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"تقطع\"، ولعله تصحيف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٤٣) ومسلم (٢٨١٠) من حديث كعب بن مالك.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦١) ومسلم (٢٨١١) من حديث ابن عمر. وانظر: \"زاد المعاد\" (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٦) و\"مفتاح دار السعادة\" (٢/ ٦٥٥).\n(^٤) رواه أحمد (١٢٣٢٧، ١٢٤٦١)، والترمذي (٢٨٦٩) من حديث حماد بن يحيى الأبح، عن ثابت، عن أنس - ﵁ - مرفوعا، وقال: \"حديث حسن غريب ... \". والظاهر أن حماد بن يحيى الأبح لزم الجادّة، فزلق. وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد حين ساق عقب حديثه هذا في \"المسند\" (١٢٤٦٢) روايةَ سَمِيِّه حمادِ بن سلمةَ عن ثابتٍ وحُميدٍ ويونسَ، عن الحسن مرسلا. ثم رأيتُه صرّح بذلك فيما نقله عنه ابنُه عبد الله في \"العلل ومعرفة الرجال\" (٥٤٠٠ - ٥٤٠٢)، وعنه الخلال في \"العلل\" (كما في \"المنتخب منه\" (١٢) لابن قدامة)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ١٦٦)، وابن الجوزي \"تلقيح فهوم أهل الأثر\" (ص ٤٢٧). وهذا هو المحفوظ عن الحسن البصري، وقد خلّط دهماءُ الرواةِ ما شاؤوا في تعيين من أسند عنه الحسن هذا الحديث.\nوللحديث طرقٌ أخرى، منها ما رواه أحمد (١٨٨٨١) من حديث الحسن، عن عمار بن ياسر - ﵄ -، وهو غلط من راوِيه زيادٍ أبي عمر الفرّاء. وقد صححه ابن حبان (٣٩٥٩) من طريق أخرى منكرة عن عمار - ﵁ -. ويُنظر: \"شرح العلل\" لابن رجب (٢/ ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"1","page":461},{"text":"ومثَّل أمته والأمتين الكتابيتين قبلها فيما خصَّ الله به أمتَه وأكرمَها به، بأُجَراء عملوا بأجر مسمًّى لرجل يومًا على أن يوفِّيهم أجورهم، فلم يكملوا بقية يومهم وتركوا العمل من أثناء النهار، فعملت أمته بقية النهار، فاستكملوا أجر الفريقين (^١). وضرب له ولأمته جبريل وميكائيل مثلَ ملِكٍ اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل مائدةً، ثم بعث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه؛ فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه. فالله هو الملِك، والرسول محمد (^٢)، والدار الإسلام، والبيت الجنة. فمن أجابه دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل دار المَلك وأكل منها. ومن لم يُجِبه لم يدخل داره، ولم يأكل منها (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٥٨، ٢٢٧١).\n(^٢) ع: \"ومحمد الداعي\"، وكذا في المطبوع. وفي الطبعات السابقة: \"والرسول محمد الداعي\".\n(^٣) رواه الترمذي (٢٨٦٠)، وقال: \"هذا حديث مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يُدرك جابر بن عبد الله\". وظاهرُ رواية البخاري الوقف، وليست صريحة في الرفع، ولذلك عزّزها البخاري بسياق رواية سعيد بن أبي هلال المرفوعة، ساقها عن شيخهما قتيبة (مساق المتابعات)، واقتصر على سند الحديث دون متنه؛ لأنه ليس على شرطه، ولظهور انقطاعه وعدم اتصاله. ولا يضرُّ الحديث وقفُ ابنِ ميناءَ إيّاه؛ فإن له حكم الرفع بلا ريب، ولذلك لم يتحرّج البخاري من تخريجه في كتابه الصحيح. وبين سياقَي السعيدَيْن اختلافٌ يظهر من الموازنة بينهما، ومِنَ النظر في فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\nوللحديث شواهد، منها حديث ابن مسعود - ﵁ - مرفوعا، رواه الترمذي في الجامع (٢٨٦١)، وحسّنه، وحديث ربيعة الجرشي مرسلا، عند الدارمي في المسند (١١)، ومحمد بن نصر المروزي في السنة (١٠٩).","vol":"1","page":462},{"text":"وفي \"المسند\" والترمذي (^١) من حديث النوَّاس بن سَمْعان قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنَّ الله ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، على كنَفَي الصراط سُوران لهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب ستور مُرخاة، وعلى باب الصراط داع. يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تَعرَّجُوا (^٢)، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه! فإنك إن تفتحه تَلِجْه. فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتَّحة محارم الله. فلا يقع [١٣٩/ب] أحد في حدٍّ من حدود الله حتى يُكشَف السِّتْر. والداعي على رأس الصراط كتاب الله. والداعي من فوقُ (^٣) واعظُ الله في قلب كلِّ مسلم\".\nفليتأمَّل العارف قدرَ هذا المثل، وليتدبَّره حقَّ تدبُّره، ويزِنْ نفسَه به (^٤)، وينظر أين هو منه؟ وبالله التوفيق.\nوقال: \"مثَلي ومثلُ الأنبياء قبلي كمثَل رجلٍ بنَى دارًا، فأكملها، وأحسنها إلا موضع لَبِنة. فجعل الناسُ يدخلونها، ويتعجبُّون منها، ويقولون: لولا\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧٦٣٤، ١٧٦٣٦)، والترمذي (٢٨٥٩) ــ وقال: \"هذا حديث حسن غريب\" ــ، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١١٦٩) من حديث النواس بن سمعان - ﵁ - مرفوعا.\nوصححه الحاكم (١/ ٧٣).\n(^٢) كذا في النسخ دون ضبطه. وفي ع، ف غُيِّر إلى \"تعوجوا\"، وكذا في المطبوع وبعض مصادر التخريج. وفي أخرى: \"لا تتعرجوا\" و\"لا تتعوجوا\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"من فوق الصراط\".\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"به نفسه\".","vol":"1","page":463},{"text":"موضعُ تلك اللبنة. فكنتُ أنا موضعَ تلك اللَّبِنة\". رواه مسلم (^١).\nوفي \"الصحيحين\" من حديث أبي هريرة (^٢) وأبي سعيد (^٣) عنه - ﷺ -: \"إنما مثَلي ومثَلُ أمتي كمثَل رجلٍ استوقد نارًا، فجعل الدوابُّ والفَراشُ يقَعن فيها. فأنا آخُذ بحُجَزكم من النار، وأنتم تَقَحَّمون (^٤) فيها\".\nومثَّل مَن وقع في الشبهات بالراعي يرعى حول الحِمَى، وإنه يوشك أن يرتع (^٥) فيه (^٦).\nوقال الحافظ أبو محمد بن خلّاد الرامهرمزي (^٧): ثنا أبو شعيب (^٨) الحَرَّاني، ثنا يحيى بن عبد الله البابَلُتِّيُّ (^٩)، ثنا صفوان بن عمرو قال: حدّثني سُلَيم بن عامر قال: قال النبي (^١٠) - ﷺ -: \"نُصِرتُ بالرعب (^١١)، وأوتيتُ\n_________\n(^١) من حديث أبي هريرة (٢٢٨٦) وجابر (٢٢٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤).\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وإنما أخرجاه من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم من حديث جابر (٢٢٨٥) أيضًا.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"تقتحمون\".\n(^٥) في النسخ المطبوعة: \"الحمى يوشك أن يقع\".\n(^٦) انظر حديث النعمان بن بشير، أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩).\n(^٧) في \"أمثال الحديث\" (ص ٢١ - ٢٢). وسنده ضعيف لإرساله، ولضعف البابلتي، وتفرُّده بالحديث دون الثقات من أصحاب صفوان بن عمرو.\n(^٨) في جميع النسخ: \"أبو سعيد\"، تصحيف.\n(^٩) كذا ضبط في س بفتح الباء الثانية، وكذا قيَّدها المزي في \"تهذيب الكمال\" بخطه كما ذكر محققه (٣١/ ٤٠٩). وضبطها السمعاني في \"الأنساب\" (٢/ ١٤) بسكونها.\n(^١٠) ح، ف: \"رسول الله\".\n(^١١) في النسخ المطبوعة زيادة: \"مسيرة شهر\".","vol":"1","page":464},{"text":"جوامعَ الكلم، وأوتيتُ الحكمةَ، وضُرب لي من الأمثال مثلُ القرآن. وإني بينا أنا نائم إذ أتاني ملكان، فقام أحدهما عند رأسي، وقام الآخر عند رجلي. فقال الذي (^١) عند رأسي: اضرب مثلًا [فقال الذي عند رجلي: بل اضرِبْ مثلًا] (^٢) وأنا أفسِّره. فقال الذي عند رأسي وأهوَى إليَّ: لِتَنَمْ عينُك، وَلْتسمَعْ أذنُك، وَلْيَعِ قلبُك. قال: فكنتُ كذلك: أمَّا الأذن فتسمع، وأما القلب فيعي، وأما العين فتنام. قال: فضرب [١٤٠/أ] مثلًا، فقال: بِركةٌ فيها شجرة ثابتة (^٣)، وفي الشجرة غصن خارج، فجاء ضاربٌ فضرَبَ الشجرة، فوقع الغصن ووقع معه ورق كثير، كلُّ ذلك في البِركة لم يَعْدُها، ثم ضرب الثانيةَ، فوقع ورق كثير، كلُّ ذلك في البِركة لم يعدُها. ثم ضرب الثالثة، فوقع ورق كثير، لا أدري ما وقع فيها أكثرُ أو ما خرج منها.\nقال: ففسَّر الذي عند رجلي (^٤)، فقال: أما البِركة فهي الجنة، وأما الشجرة فهي الأمّة، وأما الغصن فهو النبي - ﷺ -. وأما الضارب فملَك الموت، ضرَب الضربة الأولى في القرن الأول، فوقع النبي - ﷺ - وأهل طبقته. وضرب الثانية في القرن الثاني، فوقع كلُّ ذلك في الجنة. ثم ضرب الثالثةَ في القرن الثالث، فلا أدري ما وقع فيها أكثرُ أم ما خرج منها\".\nوفي \"المسند\" (^٥) من حديث جابر: كان النبي - ﷺ - إذا خطب احمرَّت\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"للذي\".\n(^٢) ما بين الحاصرتين ساقط لانتقال النظر من النسخ الخطية والمطبوعة.\n(^٣) أهمل أول الكلمة في ح، ت. والمثبت من غيرهما، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي مطبوعة \"الأمثال\": \"نابتة\".\n(^٤) أثبت في المطبوع هنا ومن قبل: \"رجلاي\"!\n(^٥) برقم (١٤٦٣٠، ١٤٩٨٤). وأخرجه مسلم (٨٦٧).","vol":"1","page":465},{"text":"عيناه، وعلا صوته، واشتَّد غضبه، حتَّى كأنه نذيرُ جيش يقول: \"صبَّحكم ومسَّاكم\". ثم يقول: \"بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين\". ويقرُن بين إصبعَيه السبابة والوسطى.\nوفي حديث المستورد: \"بُعِثتُ في نفَسِ الساعة، سبقتُها كما سبقَتْ هذه هذه\". وأشار بإصبعيه (^١).\nوفي \"المسند\" عنه (^٢): \"إن مثَلي ومثَلَ ما بعثني الله به (^٣) كمثَلِ رجلٍ أتى قومَه فقال: يا قومِ إني رأيتُ الجيش بعيني، وأنا النذير العريان، فالنجاءَ. فأطاعه طائفة منهم، فأدلجوا على مَهَلِهم فنجَوا. وكذَّبته طائفة، فأصبحوا [١٤٠/ب] مكانَهم فصبَّحهم الجيشُ، فأهلكهم، واجتاحهم. كذلك (^٤) مثلُ من أطاعني واتبع ما جئتُ به، ومثلُ من عصاني وكذَّب بما جئتُ به من الحق\".\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٢١٣) من حديث المستورد بن شداد - ﵁ - مرفوعا، وقال: \"هذا حديث غريب من حديث المستورد بن شداد، لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\nوفي سنده مجالد بن سعيد، ويحيى الأرحبي، وكلاهما فيه لينٌ.\nوأصل الحديث عند البخاري (٥٣٠١، ٦٥٠٣ - ٦٥٠٥) ومسلم (٨٦٧/ ٤٣، ٢٩٥١). وانظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤٨).\n(^٢) كذا، وهذه الأحاديث التي عزاها المصنِّف ــ رحمه الله تعالى ــ إلى \"المسند\"، أُراه نقلها من كتاب \"أمثال الحديث\" للرامهرمزي (٦، ٨، ٩، ١٠). والحديث الآتي رواه الرامهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ٢٩) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، وليس من حديث المستورد. وقد رواه أيضا البخاري (٧٢٨٣)، ومسلم (٢٢٨٣) من حديث أبي موسى.\n(^٣) \"به\" ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"وكذلك\" إلا طبعة الشيخ عبد الرحمن الوكيل.","vol":"1","page":466},{"text":"وفي \"الصحيحين\" (^١) عنه: \"مثلي ومثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضًا، فكان منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت (^٢) منها أجادِبُ (^٣) أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، وزرعوا، وسقَوا. وأصاب طائفة أخرى منها الماء، وهي (^٤) قِيعانٌ لا تُمسِك ماء، ولا تُنبِت كلأ. فذلك مثلُ من فقُه في دين الله، ونفعه (^٥) بما بعثني الله به، فعلِم وعلَّم؛ ومثلُ من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلتُ به\" (^٦).\nوفي \"الصحيحين\" (^٧) عنه - ﷺ - أنه خطب الناس، فقال: \"والله ما الفقرَ أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم ما يُخرج الله لكم من زهرة الدنيا\". فقال رجل: يا رسول الله، أوَ يأتي الخير بالشرِّ؟ فصمَت رسولُ الله - ﷺ -، ثم قال: \"كيف قلت؟ \". فقال: يا رسول الله، أوَ يأتي الخير بالشرِّ؟ فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) من حديث أبي موسى أيضًا. البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢). والنقل من \"أمثال الرامهرمزي\" (ص ٣٦ - ٣٧).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"وكان\".\n(^٣) الأجادب: صِلاب الأرض التي تمسك الماء فلا تشربه سريعًا. (النهاية - جدب).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"منها إنما هي\". وفي \"الأمثال\" كما أثبت من النسخ.\n(^٥) ح: \"وتفقه\". وفي المطبوع: \"ونفعه الله\" بزيادة لفظ الجلالة.\n(^٦) وانظر شرح المثل في \"طريق الهجرتين\" (١/ ٢١٠ - ٢١١) و\"مفتاح دار السعادة (١/ ١٦٢ - ١٦٤) و\"الرسالة التبوكية\" (ص ٦١ - ٦٤).\n(^٧) البخاري (١٤٦٥) ومسلم (١٠٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري. والنقل من \"أمثال الرامهرمزي\" (ص ٦١ - ٦٢). وقوله: \"والله ما الفقر أخشى عليكم\" من حديث عمرو بن عوف الأنصاري في البخاري (٣١٥٨) ومسلم (٢٩٦١).","vol":"1","page":467},{"text":"\"إنَّ الخير لا يأتي إلا بالخير، وإنَّ مما يُنبت الربيعُ ما يقتل حَبَطًا (^١) أو يُلِمُّ (^٢)، إلا آكلةَ الخَضِر أكلَتْ حتى إذا امتدَّت خاصرتاها استقبلت الشمسَ، فثلَطت (^٣) وبالت، ثم اجترَّت، فعادت (^٤)، فأكلت. فمن أخذ مالًا بحقِّه يبارَك له فيه، ومن أخذ مالًا بغير حقِّه فمثلُه كمثل الذي يأكل ولا يشبع\".\nوقالت ميمونة: قال رسول الله - ﷺ - لعمرو بن العاص: \"الدنيا خَضِرة [١٤١/أ] حُلوة، فمن اتقى الله فيها وأصلح، وإلا فهو كالذي يأكل ولا يشبع. وبين الناس في ذلك كبعد الكوكبين، أحدهما يطلع في المشرق، والآخر يغيب في المغرب\" (^٥).\nومثَّل نفسَه - ﷺ - في الدنيا براكب مرَّ بأرضٍ فَلاةٍ، فرأى شجرةً، فاستظلَّ تحتها، ثم راح وتركها (^٦).\n_________\n(^١) الحبط: انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء أو من المرض.\n(^٢) يعني: أو يكاد يقتل.\n(^٣) الثلط: الرجيع الرقيق.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"وعادت\".\n(^٥) رواه أبو يعلى (٧٠٩٩)، والرامهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ٧٣ - ٧٤) من حديث ميمونة - ﵂ - مرفوعًا. وفيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف. وانظر شرح الحديث في \"عدة الصابرين\" (ص ٤٥٤ - ٤٥٥).\n(^٦) رواه أحمد (٣٧٠٩، ٤٢٠٨)، والترمذي (٢٣٧٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٤١٠٩) من حديث ابن مسعود مرفوعًا. ورواه أحمد (٢٧٤٤) من حديث ابن عباس مرفوعًا، وصححه ابن حبان (٧٣٤٠)، والحاكم (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠). وانظر شرح المثل في \"عدة الصابرين\" (ص ٤٤٩).","vol":"1","page":468},{"text":"وفي \"المسند\" والترمذي (^١) عنه: \"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدُكم إصبعَه في اليَمِّ، فلينظر بم يرجع؟ \".\nومرَّ مع أصحابه (^٢) بسَخْلة منبوذة فقال: \"أترون هذه هانت على أهلها، فوالذي نفسي بيده، لَلدُّنيا (^٣) أهونُ على الله من هذه على أهلها\" (^٤).\nوقال: \"إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قومٍ سلكوا مفازةً غبراءَ، لا يدرُون ما قطعوا منها أكثرُ أو ما بقي منها. فحسَرت (^٥) ظهورُهم، ونفِد زادهم، وسقطوا بين ظهرَي المفازة، فأيقنوا بالهلكة. فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجلٌ في حُلّةٍ يقطرُ رأسه، فقالوا: إن هذا لحديثُ عهدٍ بريف، فانتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء، ما شأنكم؟ فقالوا: ما ترى كيف حسَرت ظهورنا، ونفِدت أزوادنا بين ظهرَي هذه المفازة، لا ندري ما قطعنا منها أكثرُ أم ما بقي؟ فقال: ما تجعلون لي إن أوردتُكم ماءً رَواءً (^٦) ورياضًا خُضْرًا؟ قالوا: حكمَك. قال: تعطوني عهودكم ومواثيقكم أن لا تعصُوني، ففعلوا،\n_________\n(^١) \"المسند\" (١٨٠٠٨، ١٨٠٠٩، ١٨٠١٢، ١٨٠١٤) و\"جامع الترمذي\" (٢٣٢٣). وأخرجه مسلم (٢٨٥٨). وانظر: \"أمثال الرمهرمزي\" (ص ٨٣).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"الصحابة\".\n(^٣) في النسخ: \"الدنيا\"، تصحيف.\n(^٤) رواه أحمد (١٨٠١٣، ١٨٠٢٠، ١٨٠٢١)، والترمذي (٢٣٢١) ــ وقال: \"حديث حسن\" ــ، وابن ماجه (٤١١١) من حديث المستورد بن شداد مرفوعا، وفي سنده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف. وله شواهد، منها حديث جابر عند مسلم (٢٩٥٧).\n(^٥) حسَرت الدابة: تعبت وأعيت.\n(^٦) الماء الرَّواء بفتح الراء: الماء الكثير الذي يُروي وارده.","vol":"1","page":469},{"text":"فمال بهم، فأوردهم ماء رَواءً ورياضًا خُضْرًا. فمكث يسيرًا، ثم قال: هلُمُّوا إلى رياض أعشبَ من رياضكم هذه، وماءٍ أروى من مائكم هذا. فقال جُلُّ القوم: ما قدَرنا على هذا حتى كدنا أن لا نقدر عليه. [١٤١/ب] وقالت طائفة منهم: ألستم قد جعلتم لهذا الرجل عهودكم ومواثيقكم أن لا تعصُوه؟ قد (^١) صدَقكم في أول حديثه، فآخِرُ حديثه مثلُ أوله. فراح، وراحوا معه، فأوردهم رياضًا خضرًا، وماء رَواءً. وأتى الآخرين العدوُّ من ليلتهم، فأصبحوا ما بين قتيل وأسير\" (^٢).\nوقال: \"مثَلُ المؤمن مثَلُ (^٣) النحلة أكلَتْ طيِّبًا، ووضعَتْ طيِّبًا، وإنَّ مثَل المؤمن مثلُ القطعة الجيدة من الذهب، أُدخلَتْ النارَ، فنُفِخَ عليها، فخرجت جيِّدةً\" (^٤).\n_________\n(^١) ف: \"فقد\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) قال الإمام ابن المبارك في كتاب \"الزهد\" (٥٠٧): بلغنا عن الحسن: (فذكره مرسلا). ورواه الرامهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ٨٤ - ٨٥) من طريق ابن المبارك، قال: حدثنا غير واحد عن الحسن ... (فذكره مرسلا). ورواه ابن أبي الدنيا في \"ذم الدنيا\" (١٧٨) من حديث هشام بن حسان، عن الحسن مرسلا. وله شواهد، منها ما رواه أحمد (٢٤٠٢) من حديث ابن عباس مرفوعا، وفي سنده علي بن زيد ابن جدعان ضعيف.\n(^٣) ع: \"كمثل\" هنا وفيما بعد، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) رواه أحمد (٦٨٧٢)، والحسين المروزي في زياداته على \"الزهد\" لابن المبارك (١٦١٠)، والرامهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ٩٩ - ١٠٠)، وأبو الشيخ في \"الأمثال\" (٣٤٣)، والحاكم (١/ ٧٥ - ٧٦) وصحّحه، والبيهقي في \"البعث\" (١٥٥)، من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - مرفوعًا. وفي سنده أبو سبرة الهذلي مجهول. وأما سند الرامهرمزي، ففيه آفاتٌ أخرى واضحة، فلن أُطِيلَ بسردها.","vol":"1","page":470},{"text":"وروى ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر يرفعه: \"مثلُ المؤمن مثلُ النخلة ــ أو النحلة ــ إن شاورتَه نفَعَك، وإن ماشَيتَه نفَعك، وإن شاركتَه نفَعك\" (^١).\nوقال: \"مثلُ المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخِيَّته (^٢)، يجُول ما يجول ثم يرجع إلى آخِيَّته. وكذلك المؤمن يقترف ما يقترف (^٣)، ثم يرجع إلى الإيمان\" (^٤).\nوقال: \"مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم كمثل الجسد، إذا اشتكى شيءٌ منه تداعَى سائره بالسهَر والحُمَّى (^٥) \" (^٦).\nوقال: \"مثلُ المنافق كمثل الشاة العائرة (^٧) بين الغنمَين، تكُرُّ إلى هذه\n_________\n(^١) رواه أبو يعلى في \"المسند الكبير\" كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (٦/ ١٥١)، و\"المطالب العالية\" لابن حجر (٣/ ١١٨)، والرامهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ١٠٤)، وأبو الشيخ في \"الأمثال\" (٣٥٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٣٥٤١)، وليث هو ابن أبي سليم، ضعيف مخلّط، وقد أدخل مرّة بينه وبين مجاهدٍ محمدَ بن طارق.\n(^٢) سبق تفسير \"الآخية\".\n(^٣) ت: \"يفترق ما يفترق\". وفي ع: \"يفرق ما يفرق\"، وكلاهما تصحيف.\n(^٤) رواه أحمد (١١٥٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وصححه ابن حبان (٣٨٣٧)، مع أن في سنده أبا سليمان الليثي، وهو مجهول، والراوي عنه عبد الله بن الوليد مستور الحال، لم يوثقه من يُعتدّ بتوثيقه. بل قال الدارقطني: لا يُعتبر به.\n(^٥) ت: \"بالحمى والسهر\".\n(^٦) أخرجه البخاري (٦٠١١) ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير، والنقل من \"أمثال الحديث\" (ص ١٢٧).\n(^٧) يعني المشرّدة بين القطيعين من الغنم.","vol":"1","page":471},{"text":"مرةً، وإلى هذه مرةً\" (^١).\nوقال: \"مثلُ القرآن كمثل الإبل المعقَّلة (^٢)، إن تعاهَدَ (^٣) صاحبها عقْلَها أمسَكَها، وإن أغفلها ذهبت. وإذا قام صاحبُ القرآن به ذكَره، وإذا لم يقُم به نسِيَه\" (^٤).\nوقال موسى بن عبيدة، عن ماعز بن سُويَد العَرْجي، عن علي بن أبي طالب أن النبي - ﷺ - قال (^٥): \"مثلُ (^٦) الذي لا يُتِمُّ صلاته مثلُ المرأة (^٧)، حملَتْ حتَّى إذا دنا نفاسها أسقطَتْ، فلا حامل ولا ذات رضاع. ومثلُ المصلِّي كمثل التاجر لا يخلُص له الربحُ حتى يخلُص له رأسُ ماله (^٨). وكذلك [١٤٢/أ] المصلِّي لا تُقبَل (^٩) له نافلة حتى يؤدِّي الفريضة\" (^١٠).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٨٤) من حديث ابن عمر. والنقل من \"أمثال الحديث\" (ص ١٣٠).\n(^٢) المعقَّلة: المربوطة بالعقال، وهو الحبل.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"تعهد\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠٣١) ومسلم (٧٨٩) من حديث ابن عمر. والنقل من \"أمثال الحديث\" (ص ١٣٥).\n(^٥) \"قال\" من هامش ت، ومصادر التخريج.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: \"مثل المؤمن\"، ولم ترد هذه الزيادة في النسخ الخطية ولا في مصادر التخريج.\n(^٧) في النسخ المطبوعة: \"المرأة التي\" بزيادة \"التي\"، وهي كالزيادة السابقة، خلت منها النسخ الخطية ومصادر التخريج.\n(^٨) في النسخ المطبوعة: \"رأس المال\"، وفي المصادر كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٩) ع: \"لا يقبل الله\"، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت من النسخ الأخرى موافق لما في المصادر.\n(^١٠) رواه الرامهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ١٣٩ - ١٤٠)، وأبو القاسم ابن بشران في \"الأمالي\" (١٥٤٢)، والبيهقي (٢/ ٣٨٧)، وموسى بن عبيدة الربذي ضعيف. وصالح بن سويد العرجي مجهول لم يرو عنه إلا موسى الربذي، ولم يثبت إدراكه عليًّا - ﵁ -؛ فسند الحديث واهٍ، وهو غريبٌ جدًّا، منكرٌ سندًا ومتنًا. وورد عن موسى الربذي على لون آخر؛ فقد رواه ابن أبي شيبة في \"المسند\" [كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (ح: ١٣٢١/ ١)]، والبيهقي (٢/ ٣٨٧) من طريقين عنه، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي به مرفوعا.\nوهذا من تخليط موسى واضطرابه، فإن إبراهيم روى عن أبيه، عن علي حديث النهي عن القراءة في الركوع والسجود. وتأمّل ما في \"المسند\" لأبي يعلى الموصلي (٣١٥)، و\"الترغيب والترهيب\" لقوام السنة الأصبهاني (١٩١٣).","vol":"1","page":472},{"text":"وقال حماد بن سلَمة، عن علي بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة يرفعه: \"مثلُ الذي يسمع الحكمةَ ولا يحمِل إلا شرَّها كمثل رجلٍ أتى راعيًا فقال: أجْزِرْني (^١) شاةً من غنمك. فقال: انطلِقْ، فخُذْ بأذن شاةٍ منها. فذهب، فأخذ بأذن كلب الغنم! \" (^٢).\nوقال عبد الله بن المبارك (^٣): ثنا عبد الرحمن بن يزيد (^٤) بن جابر،\n_________\n(^١) الكلمة مهملة في ح، ع، ف. وفي س، ت: \"أحرزني\"، وفي النسخ المطبوعة: \"آجرني\" وكلاهما تصحيف ما أثبت من \"المسند\" و\"سنن ابن ماجه\" و\"أمثال الحديث\" (ص ١٤٤) وغيرها. وأجزِرني شاةً، أي أعطِني شاةً تصلح للذبح. انظر: \"النهاية\" (جزر).\n(^٢) رواه أحمد (٨٦٣٩، ٩٢٦٠، ١٠٦٠٦)، وابن ماجه (٤١٧٢)، وعلي بن زيد (وهو ابن جدعان) ضعيف، وأوس مجهولٌ، لم يَرْوِ عنه غير ابن جدعان.\n(^٣) في \"الزهد\" (٥٩٦) ــ والنقل من \"أمثال الحديث\" للرامهرمزي (ص ١٥٣ - ١٥٤). ورواه ابن ماجه (٤٠٣٥) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جابر به مختصرًا، مقتصرًا على طرفه الأول. ثم روى (٤١٩٩) طرفه الآخر من طريق الوليد أيضًا. وصححه ابن حبان (٤٥٠١، ٤٥٠٢، ٤٦٢٩، ٤٩١٨).\n(^٤) ما عدا ت: \"زيد\"، تصحيف.","vol":"1","page":473},{"text":"حدثني أبو هريرة (^١) قال: سمعتُ معاوية يقول على هذا المنبر: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثلُ عملِ أحدكم كمثل الوعاء، إذا طاب أعلاه طاب أسفلُه، وإذا خبُث أعلاه خبُث أسفلُه\".\nوفي \"المسند\" (^٢) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -: \"إنَّ رجلًا كان فيمن كان قبلكم استضاف قومًا، فأضافوه، ولهم كلبة تنبح. قال: فقالت الكلبة: والله لا أنبَحُ ضيفَ أهلي الليلةَ. قال: فعوَى جِراؤها في بطنها. فبلغ ذلك نبيًّا لهم أو قَيْلًا لهم، فقال: مثَلُ هذه مثَلُ أمّةٍ تكون بعدكم، يقهر سفهاؤها حلماءَها (^٣)، ويغلب سفهاؤها علماءَها\".\nوفي \"صحيح البخاري\" (^٤) من حديث النعمان بن بشير عن النبي - ﷺ -: \"مثلُ القائمِ في حدود الله والواقعِ فيها كمثل قومٍ استهَموا (^٥) على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلَها. فكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خَرْقًا ولم نُؤذِ مَن فوقنا! فإن هم تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن (^٦) أخذوا على\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ، ونسخة الإسكوريال من \"أمثال الحديث\" المقروءة على الحافظ ابن حجر، كما في المطبوع (ص ١٥٣). فالظاهر أن هذا التصحيف كان في النسخة التي اعتمد عليها ابن القيم أيضًا. والصواب: \"أبو عبد ربِّه\".\n(^٢) برقم (٦٥٨٨)، والنقل من \"أمثال الرامهرمزي\" (ص ١٥٤ - ١٥٥). وفي سنده عطاء بن السائب، وكان قد اختلط.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"حكماءها\"، تصحيف.\n(^٤) برقم (٢٤٩٣).\n(^٥) أي اقترعوا فيما بينهم ليأخذ كلٌّ منهم نصيبه من السفينة.\n(^٦) ت: \"وإن هم\".","vol":"1","page":474},{"text":"أيديهم نجَوا ونجَوا [١٤٢/ب] جميعًا\".\nوفي \"المعجم الكبير\" (^١) عنه من حديث سهل بن سعد قال: \"إياكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنَّ مثلَ ذلك كمثلِ قومٍ نزلوا بطنَ واد، فجاء هذا بعود وهذا بعود، حتى حملوا ما أنضَجوا به خبزَهم. وإنَّ محقَّراتِ الذنوب متى يؤخَذْ بها صاحبُها تُهلِكْه\".\nوفي \"المسند\" (^٢) من حديث أبي بن كعب يرفعه: \"إنَّ مطعمَ ابن آدم قد ضُرِب مثلًا للدنيا، فانظر ما يخرج من ابن آدم، وإن قزَّحه (^٣) وملَّحه، قد\n_________\n(^١) برقم (٥٨٧٢)، وفي \"الأوسط\" (٧٣٢٣)، وفي \"الصغير\" (٩٠٤)، وأحمد (٢٢٨٠٨)، والرمهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ١٦٣). ورواه عبد الرزاق (٢٠٢٧٨)، وابن أبي شيبة (٣٥٦٧٠) عن ابن مسعود موقوفا عليه.\n(^٢) برقم (٢١٢٣٩) من زيادات عبد الله بن أحمد. ورواه الحسين المروزي في زياداته على \"الزهد\" لابن المبارك (٤٩٤)، وابن أبي الدنيا في \"الجوع\" (١٦٥)، وابن أبي عاصم في \"ذكر الدنيا ... \" (٢٠٥)، وابن حبان (٤٥٩١)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٢٤٥، ١٢٤٦) من طريقين عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عُتي، عن أبيّ مرفوعًا.\nورواه ابن أبي الدنيا في \"التواضع والخمول\" (٢١٦)، وفي \"الجوع\" (١٦٦)، وابن صاعد في زياداته على \"الزهد\" لابن المبارك (٤٩٣) من هذا الوجه موقوفا، وقفه هُشيم وابن عُليّة عن يونس. ورواه أبو أحمد الزبيري عن سفيان، عن يونس، عن الحسن به موقوفا، رواه عنه ابن أبي شيبة (٣٥٩٧٧). ورواه الإمام ابن المبارك في \"الزهد\" (٥٤٦)، والطيالسي (٥٥٠) من حديث الحسن عن أبيّ موقوفا (لم يذكر عُتيًّا). ووقع مثله في كتاب \"الزهد\" المنسوب إلى أبي حاتم الرازي (٣٣).\n(^٣) من القِزْح، وهو التابل الذي يُطرح في القِدر كالكمون والكزبرة ونحو ذلك. انظر: \"النهاية\" (قزح).","vol":"1","page":475},{"text":"عَلِم إلى ما يصير\".\nوقال أبو محمد بن خلّاد (^١):\nثنا عبد الله بن أحمد بن معدان، ثنا يوسف بن مسلم المِصِّيصي، ثنا حجّاج الأعور، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن، عن أبي بن كعب، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنّي ضَربتُ للدنيا مثلًا، ولابن آدم عند الموت. مثَلُه مثَلُ رجلٍ له ثلاثة أخِلَّاء، فلما حضره الموت قال لأحدهم: إنك كنتَ لي خليلًا، وكنتَ أبر الثلاثة (^٢) عندي، وقد نزل بي من أمر الله ما ترى، فماذا عندك؟ \" قال: \"يقول: وماذا عندي؟ وهذا أمرُ الله قد غلبني، ولا أستطيع أن أنفِّس كُربتَك، ولا أفرِّج غمَّك، ولا أؤخِّر سعيَك (^٣). ولكن ها أنا ذا بين يديك، فخذني (^٤) زادًا تذهب به معك، فإنه ينفعك\".\nقال: \"ثم دعا الثاني، فقال: إنك كنتَ لي خليلًا، وكنت آثَرَ (^٥) الثلاثة\n_________\n(^١) أي الرامهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ١٧٠ - ١٧٢)، وأبو بكر الهذلي متروك.\n\nوفي الباب: حديثٌ رواه أبو الشيخ في \"الأمثال\" (٣٠٨)، والحاكم (١/ ٧٤ - ٧٥، ٣٧٢) من حديث حماد بن سلمة، عن سماك، عن النعمان بن بشير - ﵁ -، وصححه على شرط مسلم! وقد رواه أبو داود في \"الزهد\" (٣٨٢) من الوجهِ نفسِه موقوفا على النعمان. ورواه ابن أبي شيبة (٣٥٨٦٨) عن أبي الأحوص، عن سماك، عن النعمان به موقوفًا. وله شاهد من حديث أنس - ﵁ -، رواه الحاكم (١/ ٧٤)، وصححه على شرط الشيخين، وآخر من حديث أبي هريرة - ﵁ -، رواه أبو الشيخ في \"الأمثال\" (٣٠٩)، والبيهقي في \"الجامع لشعب الإيمان\" (٩٩٩٣).\n(^٢) في \"الأمثال\": \"وكنت لي مكرمًا مؤثِرًا\".\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"ساعتك\" هنا وفيما يأتي. وفي \"الأمثال\" كما أثبت من النسخ.\n(^٤) في \"الأمثال\" \"فخذ منّي\". وكذا فيما يأتي.\n(^٥) في (ع) والنسخ المطبوعة: \"أبرّ\". وهو تصحيف صوابه ما أثبت من س، ح، ف و\"الأمثال\". والكلمة مهملة في ت.","vol":"1","page":476},{"text":"عندي، وقد نزل بي من أمر الله ما ترى، فماذا عندك؟ \" قال: \"يقول: وماذا عندي؟ وهذا أمر الله قد غلبني، ولا أستطيع أن أنفِّس كربتك، ولا أفرِّج غمَّك، ولا أؤخِّر سعيَك، ولكن سأقوم عليك في مرضك. فإذا مِتَّ [١٤٣/أ] أنقيتُ (^١) غسلَك، وجدَّدتُ (^٢) كِسوتك، وسترتُ جسدك وعورتك\".\nقال: \"ثم دعا الثالث، فقال: قد نزل بي من أمر الله ما ترى، وكنت أهونَ الثلاثة عليَّ، وكنتُ لك مضيعًا، وفيك زاهدًا، فما (^٣) عندك؟ قال: عندي أنّي قرينك (^٤) وحليفك في الدنيا والآخرة، أدخل معك قبرك حين تدخله، وأخرج منه حين تخرج منه، ولا أفارقك أبدًا\".\nفقال النبي - ﷺ -: \"هذا ماله وأهله وعمله. أما الأول الذي قال: خذني زادًا، فماله. والثاني أهله، والثالث عمله\". وقد رواه أيضًا (^٥) بسياق آخر من\n_________\n(^١) مهملة في ح. وفي غيرها كما أثبت، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي \"الأمثال\": \"أتقنت\".\n(^٢) في \"الأمثال\": \"وجوّدت\".\n(^٣) ت: \"فماذا\"، وكذا في \"الأمثال\".\n(^٤) في \"الأمثال\": \"قريبك\".\n(^٥) في \"أمثال الحديث\" (ص ١٧٢ - ١٧٦). ورواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٧)، وأبو الشيخ في \"الأمثال\" (٣٠٧) من حديث عائشة - ﵂ - مرفوعا بسند ظاهر الافتعال والتركيب. وآفته: عبد الله بن عبد العزيز، قال أبو حاتم: \"هذا حديث منكر من حديث الزهري، لا يُشبه أن يكون حقًّ [كذا]، وعبد الله بن عبد العزيز ضعيف الحديث، عامّة حديثه خطأ ... \". نقله عنه ابنه عبد الرحمن في \"العلل\" (١٨٤٨). ونقل في \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٠٣) عنه قوله: \"منكر الحديث ... لا يُشتغَل بحديثه، ليس في وزن [أن] يُشتغَل بخطئه ... لا أعلم له حديثًا مستقيمًا ... \". وقال العقيلي (٣/ ٢٧٤): \"حديثه غير محفوظ، ولا يُعرَف إلّا به، وليس له أصلٌ من حديث الزهري\".","vol":"1","page":477},{"text":"حديث أُبَيّ (^١) أيضًا، ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - قال يومًا لأصحابه: \"أتدرون ما مثَلُ أحدِكم ومثلُ أهله وماله (^٢) وعمله؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: \"إنما مثلُ أحدكم ومثلُ [ماله و] أهله وولده وعمله (^٣) كمثل رجلٍ له ثلاثة إخوة، فلما حضرته الوفاة دعا بعضَ إخوته، فقال: إنه قد نزل بي من الأمر ما ترى، فمالي عندك؟ وما لديك؟ فقال: لك عندي أن أمرِّضَك ولا أزايلك، وأن أقوم بشأنك. فإذا مِتَّ غسَّلتُك، وكفَّنتُك، وحملتُك مع الحاملين، أحملك طورًا وأميط عنك طورًا. فإذا رجعتُ أثنيتُ عليك بخيرٍ عند من يسألني عنك. هذا أخوه الذي هو أهله، فما ترونه؟ \". قالوا: لا نسمع طائلًا يا رسول الله.\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وهو وهم، فالحديث عن عائشة، كما تقدم.\n(^٢) ت، ع: \"ماله وأهله\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ف: \"ومثل أهله وماله وعمله\"، وكذا في النسخ المطبوعة. وما بين الحاصرتين من مصدر النقل، وقد أشير إليه في حاشية ت.","vol":"1","page":478},{"text":"\"ثم يقول للأخ الآخر: أترى ما قد نزل بي؟ فمالي لديك؟ ومالي عندك؟ فيقول: ليس عندي غَناءٌ إلا وأنت في الأحياء. فإذا مِتَّ ذهب بك مذهبٌ، وذهب بي مذهبٌ. هذا [١٤٣/ب] أخوه الذي هو مالُه، كيف ترونه؟ \" قالوا: لا نسمع طائلًا يا رسول الله.\n\"ثم يقول لأخيه الآخر: أترى ما قد نزل بي، وما ردَّ عليَّ أهلي ومالي؟ فمالي عندك؟ وما لي لديك؟ فيقول: أنا صاحبُك في لحدك، وأنيسُك في وحشتك. وأقعُد يوم الوزن في ميزانك، فأُثقِّل ميزانَك. هذا أخوه الذي هو عملُه، كيف ترونه؟ \". قالوا: خيرُ أخٍ وخيرُ صاحبٍ يا رسول الله، قال: \"فإنَّ الأمر هكذا\".\nوقال (^١) - ﷺ -: \"مثلُ الجليس الصالح مثلُ حاملِ المِسك (^٢)، إما أن يُحذِيَك (^٣)، وإما أن يبيعك، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً. ومثلُ جليس السَّوء كمثل صاحب الكِير (^٤)، إن لم يُصبك من شرره أصابك من ريحه\" (^٥).\nوفي \"الصحيح\" (^٦) عنه أنه قال: \"مثلُ المنفِق والبخيل مثلُ رجلين عليهما جُبَّتان ــ أو جُنَّتان ــ من حديد من لدن ثُدِيِّهما إلى تراقيهما. فإذا أراد\n_________\n(^١) في ع: \"وقال رسول الله\" دون الصلاة والسلام عليه. وكذا في النسخ المطبوعة معهما.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"صاحب المسك\".\n(^٣) أي يعطيك.\n(^٤) الكِير: مِنفاخ الحدَّاد.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٥٣٤) ومسلم (٢٦٢٨) من حديث أبي موسى الأشعري. وقد أخرجه الرمهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ١٧٧) بعد الحديث السابق، ولكن المصنف لم ينقله بلفظه ولا لفظ \"الصحيحين\".\n(^٦) ساقه المصنِّف من رواية الرامهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص ١٨١ - ١٨٢)، والحديث أخرجه البخاري (١٤٤٣، ٢٩١٧، ٥٢٩٩) ومسلم (١٠٢١) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":479},{"text":"المنفِق أن يُنفق سبَغَتْ عليه حتى تُجِنَّ (^١) بَنانَه وتعفو أثرَه (^٢). وإذا أراد البخيل أن يُنفِق قلَصتْ ولزمتْ كلُّ حلقة موضعَها، فهو يوسِّعها ولا تتسع\".\nوقال: \"مثلُ الذين يغزون من أمتي ويتعجَّلون أجورَهم كمثل أمِّ موسى تُرضِع ولدَها وتأخذ أجرَها\" (^٣).\nفصل\nقالوا: فهذه وأمثالها من الأمثال التي ضربها رسول الله - ﷺ - لتقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مَثَّل به؛ فإنه يكون (^٤) أقرَب إلى تعقُّله وفهمه، وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره؛ فإنَّ النفس تأنَس بالنظائر والأشباه الأُنْسَ التامَّ، [١٤٤/أ] وتنفِر من الغُربة والوحدة وعدم النظير. ففي الأمثال من تأنيس\n_________\n(^١) أي تُخفي، كما في ت، وروايةِ البخاري (١٤٤٣). وفي النسخ المطبوعة: \"يجر\"، تصحيف.\n(^٢) أي تستر أثره إذا مشى، لسُبوغها. وانظر شرح المثل في \"فتح الباري\" (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^٣) رواه سعيد بن منصور (٢٣٦١)، وعنه أبو داود في \"المراسيل\" (٣٣٢)، ــ ومن طريقهما البيهقي (٩/ ٢٧) ــ، وابن أبي شيبة (١٩٨٨١)، وابن قتيبة في \"عيون الأخبار\" (١/ ٢١٨)، وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\"! (٢/ ٥٢٥) من حديث معدان بن حدير، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه مرسلا. والحديث ــ مع إرساله ــ فيه معدان هذا، مستور الحال، لم يُوثَّق. والأشبه بالصواب أن أصل الحديث موقوفٌ مرويٌّ عن معاوية - ﵁ -، التبس على معدان فرفعه، فانظر: \"السنن\" لسعيد بن منصور (٢٣٦٢).\n(^٤) ت: \"قد يكون\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":480},{"text":"النفس وسرعةِ قبولها وانقيادِها لما ضُرب لها مثلُه من الحقِّ أمرٌ لا يجحده أحدٌ ولا ينكره. وكلَّما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا. فالأمثال شواهد للمعنى (^١) المراد، ومزكِّية (^٢) له. فهو (^٣) ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وهي خاصَّةُ العقل ولبُّه وثمرتُه.\nولكن أين في الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه، فهِمنا أن الصُّداق لا يكون أقلَّ من ثلاثة دراهم أو عشرة (^٤) قياسًا وتمثيلًا على أقلِّ ما يُقطَع فيه السارق؟ هذا بالألغاز والأحاجيِّ أشبَهُ منه بالأمثال المضروبة للفهم! كما قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في \"جامعه الصحيح\" (^٥) \"باب من شبَّه أصلًا معلومًا بأصلٍ مبيَّن قد بيَّن الله حكمَهما لِيفهم السامع\" (^٦).\nفنحن لا ننكر هذه الأمثال التي ضربها الله ورسوله، ولا نجهل ما أريد بها؛ وإنما ننكر أن يستفاد وجوبُ الدم (^٧) على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعًا (^٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ\n_________\n(^١) ع: \"المعنى\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ع، ف: \"مركبة\". ت: \"تزكية\".\n(^٣) يعني: المعنى. وفيما عدا س: \"وهي\". وفي النسخ المطبوعة: \"فهي\".\n(^٤) \"أو عشرة\" لم ترد في ح، ف.\n(^٥) في كتاب الاعتصام قبل الحديث (٧٣١٤).\n(^٦) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي \"الصحيح\": \"ليفهم السائل\".\n(^٧) ح، ع، ف: \"تحريم وجوب الدم\".\n(^٨) ع: \"أربع\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":481},{"text":"مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأن الآية تدل على ذلك.\nوأنَّ قوله - ﷺ - في صدقة الفطر: \"صاع من تمر (^١) أو صاع من شعير، أو صاع من أقِط، أو صاع من بُرٍّ (^٢)، أو صاع من زبيب\" (^٣) يُفهَم منه أنه لو أعطى صاعًا من إهْلِيلَجٍ (^٤) جاز، وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار.\nوأنَّ [١٤٤/ب] قوله - ﷺ -: \"الولد للفراش\" (^٥)، يستفاد منه ومن دلالته: أنه لو قال له الوليُّ بحضرة الحاكم: زوَّجتُك ابنتي ــ وهو بأقصى الشرق، وهي بأقصى الغرب ــ فقال: قبلتُ هذا التزويج وهي طالقٌ ثلاثًا؛ فأتت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر= أنه ابنه، وقد صارت فراشًا بمجرَّد قوله: قبلت هذا التزويج. ومع هذا لو كانت له سُرِّيَّةٌ يطؤها ليلًا ونهارًا لم تكن فراشًا له، ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدَّعيه ويستلحقه. فإن لم يستلحقه فليس\n_________\n(^١) ع: \"من بُرّ\". وسقط منها \"أو صاع من برّ\" فيما يأتي.\n(^٢) ح، ف: \"تمر\"، وقد تكرر سهوًا.\n(^٣) هو حديث مُلفَّق من أحاديث؛ فليُنظر: \"الصحيح\" للبخاري (١٥٠٣)، و\"الصحيح\" لمسلم (٩٨٤)، و\"السنن\" للدارقطني (٢٠٨٦، ٢٠٩٠ - ٢٠٩٣، ٢١٠٠، ٢١١٧)، و\"المستدرك\" للحاكم (١/ ٤١١ - ٤١٢).\n(^٤) ثمر طبي معروف، أصله من الهند. والكلمة معرَّبة، وهي في الفارسية الحديثة: هليله، وتكون في الفهلوية: \"هَلِيلك\" بالكاف الفارسية، ومنها عُرِّبت. انظر: \"المعرب\" للجواليقي ــ تعليق المحقق (ص ١٣٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٠٥٣) ومسلم (١٤٥٧) من حديث عائشة.","vol":"1","page":482},{"text":"بولده (^١).\nوأن (^٢) يُفهَمَ من قوله - ﷺ -: \"إن في قتل الخطأ شبهِ العَمْد ما كان بالسوط والعصا مائةً من الإبل\" (^٣) أنه لو ضربه بحجَر المَنْجَنيق أو بكُوذِينِ (^٤)\n_________\n(^١) سيذكر المؤلف هذه المسألة مرتين أخريين في هذا الكتاب. وقد ذكرها أيضًا في \"زاد المعاد\" (٥/ ٣٧١ - ٣٧٢) و\"الطرق الحكمية\" (١/ ٢٢ - ٢٣).\n(^٢) معطوف على ما سبق. وفي النسخ المطبوعة: \"وأين\".\n(^٣) رواه أبو داود (٤٥٤٧، ٤٥٤٨، ٤٥٨٨، ٤٥٨٩)، وابن ماجه عقب الحديث (٢٦٢٧)، والنسائي (٤٧٩٣) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄- مرفوعا. وصححه ابن حبان (٤٠٨٠). وفي سنده اختلاف؛ فليُنظر: \"المسند\" للإمام أحمد (٤٥٨٣، ٦٥٣٣، ١٥٣٨٨ - ١٥٣٩٠)، و\"السنن\" لأبي داود (٤٥٤٩)، و\"السنن\" لابن ماجه (٢٦٢٧، ٢٦٢٨)، و\"المجتبى\" للنسائي (٤٧٩١ - ٤٨٠٠)، و\"السنن الكبرى\" له (٦٩٦٧ - ٦٩٧٥)، و\"سؤالات ابنِ الجنيد لابن معين\" (١٨٣)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (١٣٨٩)، و\"العلل\" للدارقطني (١٢/ ٤٣٨)، و\"تحفة الأشراف\" للمزي (٦/ ٢٢، ٣٦٥، ٣٧٥).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"بكُور\"، وهو تحريف. وكُور الحداد هو الذي فيه الجمر، وهو مبني من الطين، فليس من آلات الضرب. وفي (ت، ع): \"بكودين\" بالدال المهملة، وهي لغة فيها، وبها جاءت في المعاجم الفارسية. قال الجواليقي في \"تكملة إصلاح ما تغلط فيه العامة\" (ص ٩٣): \"ويقولون لمُدُقِّ القصّار: \"الكُوذين\"، والكلامُ: الكُذَيْنق\". وهذا يدل على أن الصواب في قراءة قوله في \"المعرَّب\" (ص ٢٩٤ - شاكر): \" ... وهو الذي تدعوه العامة كُوذِينًا\" بالتنوين، لا \"كُوذينَا\" كما قرأ المحقق، وظنَّها غير \"كُوذين\"، فأثبتهما في الفهرس (ص ٣٩٦) على أنهما كلمتان. وقد تكررت الكلمة في كتب الفقه الحنبلي وفُسِّرت في بعضها. انظر مثلًا: \"الهداية\" (ص ٥٠٤) و\"الفروع\" (٩/ ٣٥١) و\"المبدع\" (٧/ ١٩٣). وقال شمس الدين البعلي (ت ٧٠٩ هـ) في \"المطلع على ألفاظ المقنع\" (١/ ٤٣٤): \"وأما الكُوذين فلفظ مولَّد أيضًا. وهو عند أهل زماننا عبارة عن الخشبة الثقيلة التي يدقّ بها الدقّاق الثياب\" .. قلت: الصواب أنه دخيل من الفارسية، وفيه عدة لغات: كُدِين، وكُدِينة، وكُدَنْك، وكُدَنكه (الكاف الثانية في الأخيرتين فارسية). انظر: \"المعرَّب\" (ص ٥٥٧ - دار القلم) و\"برهان قاطع\" (٣/ ١٦٠٦، ١٦٠٧). وقول المصنف: \"الحداد\" قد يكون سهوًا، فإن الكوذين آلة القصار كما سبق. وقد ذكر دوزي في \"التكملة\" (٩/ ٤٩، ٥١) من معانيه: المعصرة والمكبس أيضًا.","vol":"1","page":483},{"text":"الحدّاد أو بمَرازبِ (^١) الحديد العظام، حتَّى خلط دماغَه بلحمه وعظمه= أنَّ هذا خطأٌ شبهُ عَمْد لا يوجب قوَدًا.\nوأن (^٢) يُفهَمَ من قوله - ﷺ -: \"ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن يكن له مَخرج فخلُّوا سبيله، فإنَّ الإمام أن يخطئ في العفو خيرٌ له من أن يخطئ في العقوبة\" (^٣) أنَّ مَن عقد على أمِّه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حدَّ عليه، وأن هذا مفهوم من قوله: \"ادرؤوا الحدود بالشبهات\" (^٤)، فهذا في\n_________\n(^١) جمع المِرزبَة، وهي المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد. انظر: \"تاج العروس\" (٢/ ٤٩٥).\n(^٢) هنا أيضًا في النسخ المطبوعة: \"وأين\".\n(^٣) رواه الترمذي (١٤٢٤) من حديث عائشة - ﵂ - مرفوعا وموقوفا، وضعّف المرفوع، ورجّح عليه الموقوف، على أن مداره (مرفوعا وموقوفا) على يزيد بن زياد الدمشقي، وهو واهٍ متروك، وقد رواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة! ولا ريب في بطلانه بهذا السند! أما الحاكم، فقد صححه (٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وكأنّ مردّ ذلك إلى أن ابن زياد نُسِبَ عنده أشجعيًّا، وهذا غلطٌ من أحد الرواة، والأشجعيُّ كوفيٌّ لا يروي عن الزهريِّ البتّة. ويُنظر: \"السنن الكبير\" للبيهقي (٨/ ٢٣٨)، و\"البدر المنير\" لابن النحوي (٨/ ٦١٢ - ٦١٣)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٤/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٤) رواه الحافظ ابن عدي في جزء خرّجه من \"حديث أهل مصر والجزيرة\" من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا، وهو ضعيف منكر جدّا. ووازِن بـ \"موافقةِ الخُبْرِ الخَبَرَ\" لابن حجر (١/ ٤٤٤، ٤٤٧). ورواه عبد الله بن محمد الحارثي في \"مسند أبي حنيفة\" (١٢٧) من طريق أخرى غريبة جدًّا من حديث أبي حنيفة، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعا، وهي رواية منكرة لا تصح .. ورواه أبو سعد عبد الكريم السمعاني في \"الذيل على تاريخ مدينة السلام\" ــ كما في \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي (٤٦) ــ، وابن عساكر في \"تاريخ مدينة دمشق\" (٦٨/ ١٨٩ - ١٩١)، وأبو محمد الرشاطي في \"اقتباس الأنوار\" ــ ومن طريقه ابن الأبار في \"معجم أصحاب أبي علي الصدفي\" (ص ٢١٩ - ٢٢٢) ــ من رواية محمد بن علي الشامي، عن أبي عمران الجوني، عن عمر بن عبد العزيز مرسلا. وفي متنه نكارة، وفي سنده ضعف وجهالة.","vol":"1","page":484},{"text":"معنى الشبهة التي تُدرأ بها الحدود، وهي الشبهة في المحلّ (^١)، أو في الفاعل، أو في الاعتقاد، ولو عُرض هذا على فَهمِ مَن فُرِض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه. وأنَّ من يطأ خالته وعمَّته (^٢) بملك اليمين فلا حدَّ عليه مع علمِه [١٤٥/أ] بأنها خالته وعمته، وتحريمِ الله لذلك، ويُفهَم هذا من \"ادرؤوا الحدود بالشبهات\"! وأضعاف أضعاف هذا (^٣) مما لا يكاد ينحصر.\nفهذا التمثيل والتشبيه (^٤) هو الذي ننكره، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالةٌ على فهمه بوجهٍ ما.\n_________\n(^١) ح، ف: \"محلّ\".\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"أو عمَّته\" هنا وفيما يأتي. وقد غيَّر بعضهم في ع في هذا الموضع واو العطف إلى \"أو\".\n(^٣) ت: \"أضعافه\". ع: \"وأضعاف هذا\" بإسقاط \"أضعاف\" الأولى.\n(^٤) ت: \"التنبيه والتمثيل\".","vol":"1","page":485},{"text":"قالوا: ومن أين يفهم من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦]، ومن قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾، تحريمُ بيعِ الكَشْك (^١) باللبن، وبيعِ الخَلِّ بالعنب، ونحو ذلك؟\nقالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، ولم يقل \"إلى قياساتكم وآرائكم\" ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمةً بين الأمة أبدًا.\nوقالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فإنما منعهم من الخِيَرة عند حكمه وحكم رسوله، لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم. وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصةً، وقال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].\nوقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ\n_________\n(^١) في \"المغرب\" (١/ ٤٠٩): \"مدقوق الحنطة والشعير\". وفي \"المطلع\" (١/ ٤٧٣): \"هذا المعروف الذي يعمل من القمح واللبن\". وفي \"المصباح المنير\" (٢/ ٥٣٤): \"ما يعمل من الحنطة وربما عمل من الشعير\". قال الزبيدي في \"التاج\" (٢٧/ ٣١٤): \"قولهم: إنه يعمل من الحنطة، أي: واللبنِ، وينشَّف، ويرفَع. يطبخونه مع اللحم\". وانظر: \"المجموع شرح المهذب\" (١١/ ١٧٨). وقد يطلق على ماء الشعير أيضًا كما في \"المحكم\" (٦/ ٣٩٨) وغيره. وفي \"شمس العلوم\" (٩/ ٥٨٤٠): \"ماء الشعير يطبخ بخلٍّ أو لبن\". وانظر: \"تكملة دوزي\" (٩/ ٩٨ - ٩٩). والكلمة فارسيَّة. انظر: \"برهانِ قاطع\" (٣/ ١٦٥١).","vol":"1","page":486},{"text":"اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. قالوا: فدلَّ هذا النصُّ على أنَّ ما لم يأذن به الله من الدين فهو شرعُ غيرِه الباطل.\nقالوا: وقد أخبر النبي - ﷺ - عن ربِّه ﵎ أنَّ كلَّ ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفوٌ عفا عنه لعباده (^١)،\nمباحٌ (^٢) إباحةَ العفو. فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسًا على ما أوجبه أو حرَّمه بجامع بينهما، فإنَّ ذلك يستلزم رفعَ هذا القسم بالكلِّية وإلغاءه؛ إذ المسكوتُ عنه لا بدَّ أن يكون بينه وبين المحرَّم شبه [١٤٥/ب] ووصف جامع (^٣)، أو بينه وبين الواجب، فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسمٌ قد عُفِي عنه، ولم يكن ما سكَت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكَت عنه قد حرَّمه قياسًا على ما حرَّمه. وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريمُ ما سكَت عنه تبديلًا لحكمه، وقد ذمَّ تعالى مَن بدَّل غيرَ القول الذي أُمِر به، فمن بدَّل غيرَ الحكم الذي\n_________\n(^١) رواه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧) من حديث سلمان - ﵁ - مرفوعا، واستغربه الترمذي ورجّح وقفه، ونقل ذلك عن الإمام البخاري رحمهما الله.\n\nأما الحاكم، فصححه (٤/ ١١٥). وله شاهد من حديث أبي الدرداء - ﵁ - مرفوعا، رواه البزار في \"المسند\" (٤٠٨٧)، وقال: \"إسنادُه صالحٌ\". وصححه الحاكم (٢/ ٣٧٥)، وسنده ضعيف منقطع. ويُنظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٥١٣)، و\"سؤالات البرذعيِّ أبا زرعةَ الرازيَّ\" (٣٠٢)، و\"العلل ومعرفة الرجال\" لعبد الله ابن الإمام أحمد (٣٩٤٨)، و\"الضعفاء\" للعقيلي (٣/ ٣١ - ٣٣)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (١٥٠٣)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (١٠/ ١٢)، و\"جامع العلوم والحكم\" لابن رجب (٢/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"يباح\".\n(^٣) في جميع النسخ الخطية: \"شبهًا ووصفًا جامعًا\"، وهو خطأ.","vol":"1","page":487},{"text":"شُرِع له فهو أولى بالذم. وقد قال النبي - ﷺ -: \"إنَّ من أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يحرَّم، فحُرِّم على الناس من أجل مسألته\" (^١). فإذا كان هذا فيمن تسبَّب إلى تحريم الشارع صريحًا بمسألته عن حُكمِ ما سكتَ عنه، فكيف بمن حرَّم المسكوتَ عنه بقياسه ورأيه (^٢)؟\nيوضِّحه: أن المسكوت عنه لما كان عفوًا عفا الله لعباده عنه، وكان البحث عنه سببًا لتحريم الله إياه لما فيه من مقتضى التحريم، لا لمجرَّدِ السؤال عن حكمه، وكان الله قد عفا عن ذلك وسامَح به عبادَه كما يعفو عما فيه مفسدةٌ من أعمالهم وأقوالهم= فمن المعلوم أنَّ سكوته عن ذكرِ لفظٍ عامٍّ يحرِّمه يدل على أنه عفوٌ عنده (^٣)، فمن حرَّمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على المحرَّم بالنصِّ كان أدخلَ في الذمِّ ممن سأل (^٤) عن حكمه لحاجته إليه، فحُرِّم من أجل مسألته. بل كان الواجب عليه أن لا يبحث عنه، ولا يسأل عن حكمه، اكتفاءً بسكوت الله عن عفوه عنه؛ فهكذا الواجبُ (^٥) أن لا يحرَّم المسكوتُ عنه بغير النصِّ [١٤٦/أ] الذي حرَّم (^٦) أصلَه الذي يُلحَق به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٩) ومسلم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص. وفيهما: \"أعظم المسلمين\" دون \"من\".\n(^٢) ع: \"وبرأيه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: \"عنه\".\n(^٤) في النسخ المطبوعة: \"سأله\".\n(^٥) في النسخ المطبوعة بعده زيادة \"عليه\".\n(^٦) ع: \"حرَّم الله\" بزيادة لفظ الجلالة، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":488},{"text":"قالوا (^١): وقد دلَّ على هذا كتابُ الله حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢]، وقد قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"ذروني ما تركتُكم، فإنما هلك الذين مِن قبلكم بكثرة سؤالهم (^٢)، واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بشيء فَأْتُوا منه ما استطعتم\" (^٣). فأمَرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم. ولا فرق في هذا بين حياته وبعد مماته، فنحن مأمورون أن نتركه - ﷺ - وما نصَّ عليه، فلا نقول له: لِمَ حرَّمتَ كذا؟ لِنُلحِق به ما سكتَ عنه. بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكمِ شيءٍ لم يحكُم فيه، فتأمَّلْه فإنه واضح.\nويدل عليه قوله في نفس (^٤) الحديث: \"وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتَنِبوه، وإذا أمرتُكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\". فجعل الأمور ثلاثة، لا رابع لها: مأمورٌ به، فالفرضُ عليهم فعلُه بحسب الاستطاعة. ومنهيٌّ عنه، ففرْضٌ (^٥) عليهم اجتنابُه بالكلِّيَة. ومسكوتٌ عنه، فلا تتعرَّضوا (^٦) للسؤال والتفتيش عنه.\n_________\n(^١) قارن بكتاب \"الإحكام\" (٨/ ١٤ - ١٦).\n(^٢) ع: \"مسائلهم\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) لفظ \"نفس\" ساقط من ت.\n(^٥) كذا مضبوطًا في س. وهو ساقط من ح، ف. وفي ع: \"فالفرض\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: \"يتعرض\".","vol":"1","page":489},{"text":"وهذا حكم لا يختصُّ بحياته فقط، ولا يخُصُّ الصحابةَ دون من بعدهم، بل فرَضَ علينا نحن امتثالَ أمره بحسب الاستطاعة، واجتنابَ نهيه، وتركَ البحث والتفتيش عما سكت عنه. وليس ذلك الترك جهلًا وتجهيلًا لحكمه، بل إثباتٌ لحكم العفو [١٤٦/ب] وهو الإباحة العامة ورفعُ الحرج عن فاعله. فقد استوعب الحديث أقسامَ الدين كلَّها، فإنها إما واجب، وإما حرام، وإما مباح. والمكروه والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غيرُ خارجين عن المباح.\nوقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، فوكل بيانه إليه سبحانه، لا إلى القيَّاسين (^١) والآرائيين (^٢).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فقسم الحكم إلى قسمين: قسم أذن فيه وهو الحق، وقسم افتُرِي عليه وهو ما لم يأذن فيه. فأين أذِن (^٣) لنا أن نقيس البَلُّوطَ على التَّمر في جرَيان الربا فيه، وأن نقيس القَزْديرَ (^٤) على الذهب والفضة، والخَردلَ على البُرِّ؟ فإن كان الله ورسوله وصَّانا بهذا فسمعًا وطاعةً لله ورسوله، وإلا فإنَّا قائلون لمنازعينا: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤]، فما لم تأتنا به\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"القياسيين\"، والصواب ما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٢) ع: \"القياس والآراء\"، وذكر ناسخها في طرتها أن في الأصل: \"القياسين\".\n(^٣) ف: \"أذن الله\"، وزاد بعضهم لفظ الجلالة في طرّة ح أيضًا.\n(^٤) ع: \"القديد\"، تصحيف. والقزدير هو القصدير. وهو معرَّب من اليونَانية. انظر: \"تكملة دوزي\" (٨/ ٢٩٠). و\"القول الأصيل\" للدكتور ف. عبد الرحيم (ص ١٨٢).","vol":"1","page":490},{"text":"وصية من عند الله على لسان رسوله فهو عين الباطل. وقد أمرنا الله بردِّ ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله، فلم يُبِحْ لنا قطُّ أن نردَّ ذلك إلى رأي ولا قياس ولا تقليد إمام، ولا منام ولا كشوف ولا إلهام ولا حديث قلب، ولا استحسان ولا معقول، ولا شريعة الديوان ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المسلمين أضرُّ منها. فكلُّ هذه طواغيت، مَن يتحاكَمْ (^١) إليها أو دعا مُنازِعَه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت.\nوقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [١٤٧/أ] إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]. قالوا (^٢): ومن تأمَّلَ هذه الآية حقَّ التأمُّل تبيَّن له أنها نصٌّ على إبطال القياس وتحريمه، لأن القياس كلَّه ضربُ الأمثال للدين، وتمثيلُ ما لا نصَّ فيه بما فيه نصٌّ؛ ومن مثَّل ما لم ينصَّ الله سبحانه على تحريمه أو إيجابه بما حرَّمه أو أوجبه فقد ضرب لله الأمثال. ولو علِم سبحانه أن الذي سكت عنه مثلُ الذي نصَّ عليه لأعلَمَنا به، ولما أغفله سبحانه، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وليبيِّن لنا ما نتَّقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ولَمَا وَكَله إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضُها بعضًا، فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره، فيجيء منازِعُه فيقيس ضدَّ قياسه من كلِّ وجه، ويبدي من الوصف الجامع مثلَ ما أبداه منازعُه (^٣) أو أظهر منه، ومحال\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: \"تحاكم\".\n(^٢) قارِن بكتاب \"الإحكام\" (٨/ ٢٠).\n(^٣) ع: \"منازعوه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"1","page":491},{"text":"أن يكون القياسان معًا من عند الله، وليس أحدهما أولى من الآخر، فليسا من عنده، وهذا وحده كافٍ في إبطال القياس.\nوقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. فكلُّ ما بيَّنه رسولُ الله - ﷺ - فعن ربِّه سبحانه بيَّنه بإذنه وأمره (^١). وقد علمنا يقينًا وقوعَ كلِّ اسمٍ في اللغة على مسمَّاه فيها، وأنَّ اسم البُرِّ لا يتناول الخَردل، واسم التمر لا يتناول البَلُّوط، واسم الذهب والفضة لا يتناول القَزْدير (^٢)؛ وأنَّ تقديرَ نصاب السرقة لا يدخل فيه تقديرُ المَهْر، [١٤٧/ب] وأنَّ تحريمَ أكل الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيِّب عند الله حيًّا وميِّتًا إذا مات صار نجسًا خبيثًا؛ وأنَّ هذا عن البيان الذي ولَّاه الله رسوله وبعَثَه به أبعدُ شيءٍ، وأشدُّه منافاةً له، فليس هو مما بُعِث به الرسولُ قطعًا، فليس إذن من الدين.\nوقد قال النبيُّ - ﷺ -: \"ما بعَث الله من نبيٍّ إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلَمه لهم، وينهاهم عن شرِّ ما يعلَمه لهم\" (^٣)، ولو كان الرأي والقياس خيرًا لهم لدلَّهم عليه، وأرشدهم إليه، ولقال لهم: إذا أوجبتُ عليكم شيئًا أو حرَّمتُه فقيسوا عليه ما كان بينه وبينه وصف جامع أو ما أشبهه، أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه، ولما حذَّرهم من ذلك أشدَّ الحذر كما ستقف عليه إن شاء الله.\nوقد أحكم اللسان كلَّ اسمٍ على مسمَّاه، لا على غيره. وإنما بعث الله\n_________\n(^١) ع: \"بأمره وإذنه\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ما عدا س، ت: \"القديد\"، تحريف.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٨٤٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.","vol":"1","page":492},{"text":"سبحانه محمدًا - ﷺ - بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها، فإذا نصَّ سبحانه في كتابه أو نصَّ رسولُه على اسم من الأسماء وعلَّق عليه حكمًا من الأحكام وجب أن لا يوقَع ذلك الحكمُ إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم، ولا يتعدَّى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء مما يقتضيه الاسم. فالزيادة على ذلك زيادة في الدين، والنقص منه نقص من الدين. فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من الدين (^١). ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص (^٢) ما ليس منه، ويقول: هذا قياس. ومرةً ينقص منه بعضَ ما يقتضيه، ويُخرجه عن حكمه، ويقول: هذا تخصيص. ومرة يترك النصَّ جملةً، ويقول: [١٤٨/أ] ليس العمل عليه، أو يقول: هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول (^٣).\nقالوا: ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبعَ الناس للأحاديث، وكان كلَّما توغَّل فيه الرجل كان أشدَّ اتباعًا للأحاديث والآثار.\nقالوا: ونحن نرى أن كلما اشتدَّ توغُّلُ الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس. فللّه كم من سنّةٍ صحيحة صريحة قد عُطِّلت به! وكم من أثرٍ درَسَ حكمُه بسببه! فالسننُ والآثارُ عند الآرائيين القيَّاسين (^٤) خاويةٌ على عروشها، معطلةٌ\n_________\n(^١) ت: \"في الدين\"، وكذا في النسخ المطبوعة. والجملة \"والنقص ... الدين\" ساقطة من ع.\n(^٢) ح، ف: \"بالنص\".\n(^٣) قارن هذه الفقرة في الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية، بكتاب \"الإحكام\" (٨/ ٢٠ - ٢١).\n(^٤) ع: \"القياسة\"، فإن صح فهو كالخيّالة. وفي ت: \"والقياسين\". وفي النسخ المطبوعة: \"والقياسيين\".","vol":"1","page":493},{"text":"أحكامها، معزولةٌ عن سلطانها وولايتها. لها الاسم، ولغيرها الحكم! لها السِّكّة والخطبة، ولغيرها الأمر والنهي! وإلا فلماذا تُرك حديثُ العَرايا (^١)، وحديثُ قسم الابتداء وأن للزوجة حقَّ العقد سبع ليال إن كانت بكرًا، أو ثلاثًا إن كانت ثيبًّا، ثم يقسم بالسويّة (^٢)؛ وحديثُ تغريب الزاني غير المحصَن (^٣)، وحديث الاشتراط في الحج وجواز التحلل بالشرط (^٤)، وحديث المسح على الجوربين (^٥)، وحديث عمران بن حصين (^٦) وأبي هريرة (^٧) في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة، وحديث دفع اللُّقَطة إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعِفاصها (^٨)،\nوحديث المصرَّاة (^٩)، وحديث القرعة بين العَبيد إذا أُعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث (^١٠)، وحديث\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢١٣) ومسلم (١٤٦١) من حديث أنس.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠٨٩) ومسلم (١٢٠٧) من حديث عائشة.\n(^٥) رواه أحمد (١٨٢٠٦)، وأبو داود (١٥٩)، والترمذي (٩٩) ــ وصحّحه ــ، وابن ماجه (٥٥٩)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٢٩) من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - مرفوعا. وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٩٨)، وابن حبان (٥٨٣٥). وأعلّه أكثر النقاد السابقين، فليُنظر: \"السنن الكبير\" للبيهقي (١/ ٢٨٤)، و\"معرفة السنن والآثار\" له (١/ ٣٤٩)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (١/ ٣٤٢ - ٣٤٦).\n(^٦) أخرجه مسلم (٥٧٤).\n(^٧) أخرجه البخاري (٤٨٢) ومسلم (٥٧٣).\n(^٨) أخرجه البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢) من حديث زيد بن خالد الجهني ..\n(^٩) أخرجه البخاري (٢١٤٨) ومسلم (١٥٢٤) من حديث أبي هريرة.\n(^١٠) أخرجه مسلم (١٦٦٨) عن عمران بن حصين - ﵁ -.","vol":"1","page":494},{"text":"خيار المجلس (^١)، وحديث إتمام الصَّوم لمن أكل ناسيًا (^٢)، وحديث إتمام الصبح (^٣) لمن طلعت عليه الشمس وقد صلَّى منها ركعة، وحديث الصوم عن الميِّت (^٤)، وحديث الحج عن المريض المأيوس من برئه (^٥)، وحديث الحكم بالقافة (^٦)، وحديث من وَجد متاعَه عند رجلٍ قد أفلس (^٧)، وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر (^٨)، وحديث بيع المدبَّر (^٩)، [١٤٨/ب] وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين (^١٠)، وحديث الولد للفراش إذا كان من أمة (^١١) وهو سبب الحديث، وحديث تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا (^١٢)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٠٧) ومسلم (١٥٣١) عن ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٣٣) ومسلم (١١٥٥) عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) يعني: صلاة الفجر. وفي النسخ المطبوعة: \"صلاة الصبح\". وهو من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري (٥٧٩) ومسلم (٦٠٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٥٢) ومسلم (١١٤٧) عن عائشة - ﵂ -.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٥١٣) ومسلم (١٣٣٤) عن ابن عباس - ﵄ -.\n(^٦) أخرجه البخاري (٣٥٥٥) ومسلم (١٤٥٩) عن عائشة - ﵂ -.\n(^٧) أخرجه البخاري (٢٤٠٢) ومسلم (١٥٥٩) عن أبي هريرة - ﵁ -\n(^٨) سبق تخريجه.\n(^٩) أخرجه البخاري (٢١٤١) ومسلم (٩٩٧) عن جابر.\n(^١٠) سبق تخريجه.\n(^١١) سبق تخريجه.\n(^١٢) رواه أحمد (٧٣٥٢، ٩٧٧١)، وأبو داود (٢٢٧٧)، والترمذي (١٣٥٧) ــ وصحّحه ــ، وابن ماجه (٢٣٥١)، والنسائي (٣٤٩٦)، في \"السنن الكبرى\" (٥٦٦٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\nمرفوعا .. وصحّحه أيضًا ابن حبان [كما في \"موارد الظمآن\" للهيثمي (١٢٠٠)، و\"إتحاف الخيرة المهرة\" للبوصيري (٥/ ٤١١)، و\"إتحاف المهرة\" لابن حجر (١٦/ ٢٧٣)]، والحاكم (٤/ ٩٧)، وابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٠٧ - ٢٠٩).","vol":"1","page":495},{"text":"وحديث قطع السارق في ربع دينار (^١)، وحديث رجم الكتابيين في الزِّنى (^٢)، وحديث مَن تزوَّج امرأة أبيه أُمِر بضرب عنقه وأخذِ ماله (^٣)، وحديث \"لا يقتل مؤمن بكافر\" (^٤)، وحديث \"لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له\" (^٥)، وحديث \"لا نكاح إلا بولي\" (^٦)، وحديث المطلَّقة ثلاثًا لا سكنى لها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٨٩) ومسلم (١٦٨٤) عن عائشة - ﵂ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٢٩) ومسلم (١٦٩٩) عن ابن عمر.\n(^٣) رواه أحمد (١٨٥٥٧)، وأبو داود (٤٤٥٧)، والترمذي (١٣٦٢) ــ وحسّنه ــ، وابن ماجه (٢٦٠٧)، والنسائي (٣٣٣٢)، في \"السنن الكبرى\" (٥٤٦٥) من حديث البراء بن عازب - ﵁ - مرفوعا. وصحّحه ابن حبان (٢٤٥٠)، والحاكم (٢/ ١٩١). ويُنظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٣٧٢)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (١٢٠٧، ١٢٧٧)، و\"العلل\" للدارقطني (٦/ ٢٠ - ٢٢، ١٢/ ١٢٧)، و\"تحفة الأشراف\" للمزي (١١/ ١٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١١١) من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -.\n(^٥) رواه أحمد (٤٢٨٣، ٤٢٨٤، ٤٣٠٨، ٤٤٠٣)، والترمذي (١١٢٠) ــ وصحَّحه ــ، والنسائي (٣٤١٦) من حديث ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا. وللحديث شواهد كثيرة، ويُنظر: \"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\n(^٦) رواه أحمد (١٩٥١٨، ١٩٧١٠، ١٩٧٤٦)، وأبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - مرفوعًا. وصحّحه جماعة من الحفاظ؛ منهم: علي ابن المديني، والبخاري، والترمذي، والبزّار (٨/ ١١٥)، وابن حبّان (٣٩٨٣، ٣٩٨٤، ٤٠٧٤)، والحاكم (٢/ ١٧٠، ١٧٢). وللحديث شواهد كثيرة، ويُنظر: \"إرواء الغليل\" للألباني (٦/ ٢٣٥ - ٢٤٣).","vol":"1","page":496},{"text":"ولا نفقة (^١)، وحديث \"أعتقَ صفيةَ وجعل عِتقَها صَداقَها\" (^٢)\nوحديث \"أصْدِقْها ولو خاتمًا من حديد\" (^٣)، وحديث إباحة لحوم الخيل (^٤)، وحديث \"كلُّ مسكِر حرام\" (^٥)، وحديث \"ليس فيما دون خمسة أوسُقٍ صدقة\" (^٦)، وحديث المزارعة والمساقاة (^٧)، وحديث \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\" (^٨)، وحديث الرهن مركوب ومحلوب (^٩)،\nوحديث النهي عن تخليل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) من حديث فاطمة بنت قيس.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٨٦) ومسلم (١٣٦٥) عن أنس - ﵁ - ..\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٢٩) ومسلم (١٤٢٥) عن سهل بن سعد - ﵁ -.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٢١٩) ومسلم (١٩٤١) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٥٧٥) ومسلم (٢٠٠٣) عن ابن عمر - ﵄ -.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٤٠٥) ومسلم (٩٧٩) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(^٧) أخرجه البخاري (٢٢٨٥) ومسلم (١٥٥١) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٨) رواه أحمد (١١٢٦٠، ١١٣٤٣، ١١٤١٤، ١١٤٩٥)، وأبو داود (٢٨٢٧)، والترمذي (١٤٧٦) ــ وحسّنه ــ، وابن ماجه (٣١٩٩) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -\nمرفوعا. وصحّحه ابن حبان (٤١٠٢). وله شواهد، منها حديث جابر - ﵁ -\nمرفوعا، رواه أبو داود (٢٨٢٨)، وصحّحه الحاكم (٤/ ١١٤). ويُنظر: \"سؤالات أبي عبيد الآجريِّ أبا داود\" (٧)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(^٩) رواه البزار في \"المسند\" (٩٢٢٣)، والقطيعي في \"جزء الألف دينار\" (٢٨٣)، وابن المقرئ في \"المعجم\" (١٤١)، والدارقطني (٢٩٣٠)، والحاكم (٢/ ٥٨) ــ وصححه على شرط الشيخين! ــ والبيهقي (٦/ ٣٨) من حديث أبي هريرة مرفوعا.\n\nوالمحفوظ أنه موقوف، ويُنظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٥٠٦٦)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (١١١٣)، و\"الكامل\" لابن عدي (١/ ٤٤١ - ٤٤٢، ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩، ٨/ ٢٨٩، ٩/ ١٦٠ - ١٦١)، و\"العلل\" للدارقطني (١٠/ ١١٢ - ١١٤).","vol":"1","page":497},{"text":"الخمر (^١)، وحديث قسمة الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة (^٢)، وحديث \"لا تحرِّم المَصَّة والمصتان\" (^٣)، وأحاديث حرَم المدينة (^٤)، وحديث إشعار الهدي (^٥)، وحديث \"إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل\" (^٦)، وحديث منع الرجل من تفضيل بعض ولده على بعض وأنه جَور لا تجوز الشهادة عليه (^٧)، وحديث \"أنت ومالُك لأبيك\" (^٨)، وحديث القسامة (^٩)، وحديث الوضوء من لحوم الإبل (^١٠)، وأحاديث المسح على العمامة (^١١).\nوحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلَّى خلف الصف وحده (^١٢)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٨٣) عن أنس - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢٢٨) ومسلم (١٧٦٢) عن ابن عمر - ﵄ -.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٥٠) عن عائشة - ﵂ -.\n(^٤) منها حديث أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه البخاري (١٨٦٩) ومسلم (١٣٧٢). ومنها حديث جابر - ﵁ -، أخرجه مسلم (١٣٦٢)، وحديث أبي سعيد - ﵁ -، أخرجه مسلم أيضًا (١٣٧٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٦٩٦) ومسلم (١٣٢١) عن عائشة.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٨٤١) ومسلم (١١٧٨) عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (١١٧٩) عن جابر.\n(^٧) أخرجه البخاري (٢٥٨٦) ومسلم (١٦٢٣) عن النعمان بن بشير.\n(^٨) سبق تخريجه.\n(^٩) سبق تخريجه.\n(^١٠) أخرجه مسلم (٣٦٠) عن جابر بن سمرة - ﵁ -.\n(^١١) منها حديث عمرو بن أمية الضَمْري أخرجه البخاري (٢٠٥)، وحديث المغيرة أخرجه مسلم (٢٧٤) وحديث بلال - ﵁ - أخرجه مسلم أيضًا (٢٧٥).\n(^١٢) رواه أحمد (١٨٠٠٠، ١٨٠٠٢ - ١٨٠٠٥، ١٨٠٠٧)، وأبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣٠، ٢٣١) ــ وحسّنه ــ، وابن ماجه (١٠٠٤) من حديث وابصة بن معبد - ﵁ - مرفوعا. وصحّحه ابن حبان (١٠٤٨، ١٠٤٩، ١٠٥٠، ١٠٥١). وله شاهد من حديث علي بن شيبان - ﵁ - مرفوعا، رواه أحمد (١٦٢٩٧)، وابن ماجه (١٠٠٣)، وصححه ابن خزيمة (١٥٦٩)، وابن حبان (١٠٥٢، ١٠٥٣). ويُنظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٩٥)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (٢٧١، ٢٨١)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٢/ ٤٩٧ - ٤٩٩)، و\"فتح الباري\" لابن رجب (٧/ ١٢٧ - ١٣١).","vol":"1","page":498},{"text":"وحديث مَن دخل والإمام يخطُب يصلِّي تحيةَ المسجد (^١)، وحديث الصلاة على الغائب (^٢)، وحديث الجهر بآمين في الصلاة (^٣)،\n[١٤٩/أ] وحديث جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده ولا يرجع غيره (^٤)، وحديث الكلب الأسود يقطع الصلاة (^٥)، وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علِم بالعيد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٣٠) ومسلم (٨٧٥) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٤٥) ومسلم (٩٥١) عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه أحمد (١٨٨٤٢)، وأبو داود (٩٣٢، ٩٣٣)، والترمذي (٢٤٨، ٢٤٩) ــ وحسّنه ــ، وابن ماجه (٨٥٥)، والنسائي (٨٧٩) من حديث وائل بن حجر - ﵁ - مرفوعا.\n\nويُنظر: \"التمييز\" لمسلم (٣٦ - ٣٨ - مختصره)، و\"العلل الكبير\" للترمذي (٩٨)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (١/ ٤٢٧ - ٤٢٩).\n(^٤) رواه أحمد (٢١١٩، ٢١٢٠، ٤٨١٠، ٥٤٩٣)، وأبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (١٢٩٩، ٢١٣٢) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٢٣٧٧)، والنسائي (٣٦٩٠، ٣٧٠٣) من حديث ابن عباس وابن عمر - ﵄ - مرفوعا. وصحّحه ابن حبان (٢٧٠٣)، والحاكم (٢/ ٤٦ - ٤٧)، واختاره الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١١/ ٤١ - ٤٥). ويُنظر: \"المجتبى\" للنسائي (٣٦٨٩، ٣٦٩٢، ٣٧٠٤، ٣٧٠٥)، و\"السنن الكبرى\" له (٦٤٨٣ - ٦٥٠٠)، و\"العلل\" للدارقطني (١٢/ ٤٤١).\n(^٥) أخرجه مسلم عن أبي ذر (٥١٠) وأبي هريرة (٥١١).","vol":"1","page":499},{"text":"بعد الزوال (^١)، وحديث نَضْحِ بول الغلام الذي لم يأكل الطعام (^٢)، وحديث الصلاة على القبر (^٣)، وحديث \"مَن زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيءٌ، وله نفقته\" (^٤)، وحديث بيع جابر بعيرَه واشتراط ظهره (^٥)،\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٠٥٧٩، ٢٠٥٨٤)، وأبو داود (١١٥٧)، وابن ماجه (١٦٥٣)، والنسائي (١٥٥٧) من حديث أبي عمير بن أنس، عن عمومةٍ له من الصحابة - ﵃ - مرفوعا. وصححه الخطابي في \"معالم السنن\" (١/ ٢٥٢)، وابن حزم في \"المحلى\" (٥/ ٩٢)، والبيهقي (٣/ ٣١٦)، ثم حسنه فيه (٤/ ٢٤٩)، وسبقه إلى تحسينه الدارقطني في \"السنن\" (٢٢٠٣). وقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٣٣٨): (الحديث) ثابتٌ، والقول به يجب.\n\nويُوازَنُ \"المسند الصحيح\" لابن حبان (١٤٣٤) بـ \"العلل الكبير\" للترمذي (١٩٣)، و\"المسند\" للبزار (٧١٦٤)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (٦٨٣)، و\"العلل\" للدارقطني (١٢/ ١٣٤). ويُنظر: \"بيان الوهم والإيهام\" لابن القطان (٢/ ٥٩٧، ٥/ ٤٤ - ٤٥)، و\"المُحرَّر\" لابن عبد الهادي (٤٦٥)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٢/ ١٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٣) ومسلم (٢٨٧) عن أم قيس بنت محصن. وانظر حديث عائشة - ﵂ - أيضًا في البخاري (٢٢٢) ومسلم (٢٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٥٨) ومسلم (٩٥٦) عن أبي هريرة. وأخرجاه عن ابن عباس أيضًا: البخاري (٨٥٧) ومسلم (٩٥٤).\n(^٤) رواه أحمد (١٥٨٢١، ١٧٢٦٩)، وأبو داود (٣٤٠٣)، والترمذي (١٣٦٦)، وابن ماجه (٢٤٦٦)، من حديث رافع بن خديج - ﵁ - مرفوعا. وحسنه البخاري والترمذي. ويُنظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٣٧٧)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (١٤٢٧)، و\"الكامل\" لابن عدي (٥/ ٢٩)، و\"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٩٦)، و\"السنن الكبير\" للبيهقي (٦/ ١٣٦)، و\"معرفة السنن والآثار\" له (٤/ ٤٧٦ - ٤٧٧)، و\"المُحرَّر\" لابن عبد الهادي (٩٢٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٠٩٧) ومسلم (٧١٥) عن جابر - ﵁ -.","vol":"1","page":500},{"text":"وحديث النهي عن جلود السباع (^١)، وحديث \"لا يمنَعْ أحدُكم جارَه أن يغرز خشبةً في جداره\" (^٢)، وحديث \"إنَّ أحقَّ الشروط أن تُوفُوا به ما استحللتم به الفروج\" (^٣)، وحديث \"من باع عبدًا وله مال فماله للبائع\" (^٤)، وحديث إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء (^٥)، وحديث الوتر على الراحلة (^٦)، وحديث\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٠٧٠٦، ٢٠٧١٢)، وأبو داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧٠)، والنسائي (٤٢٥٣) من حديث أسامة بن عمير - ﵁ - مرفوعا. ورجّح الترمذي (١٧٧١) كونَه من مرسل أبي المليح بن أسامة. أما الحاكم، فصححه (١/ ١٤٤)، واختاره الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٤/ ١٨٣ - ١٨٥). ويُنظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٥٣٤ - ٥٣٦)، و\"المسند للبزار\" (٢٣٣٠ - ٢٣٣٣). وللحديث شواهد، منها ما رواه أبو داود (٤١٣١)، والنسائي (٤٢٥٥) من حديث المقدام بن معدي كرب - ﵁ - مرفوعا به.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٦٣) ومسلم (١٦٠٩) عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨) عن عقبة بن عامر - ﵁ -.\n(^٤) رواه أحمد (٤٥٥٢) ــ وعنه أبو داود (٣٤٣٣) ــ، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٤٩٧٢) من حديث ابن عمر مرفوعا. وأصل الحديث في \"الصحيح\" للبخاري (٢٣٧٩)، و\"الصحيح\" لمسلم (١٥٤٣) (٨٠) بمعناه. ويُنظر: \"الجامع\" للترمذي (١٢٤٤)، و\"السنن الكبرى\" للنسائي (٢٢٧٩، ٤٩٦١ - ٤٩٧٥، ١١٦٩٣ - ١١٧٠٢)، و\"العلل\" للدارقطني (١٣/ ١٢٠ - ١٢٣).\n(^٥) رواه أحمد (١٨٠٤٠، ١٨٠٤١)، وأبو داود (٢٢٤٣)، والترمذي (١١٢٩، ١١٣٠) ــ وحسّنه ــ، وابن ماجه (١٩٥١) من حديث فيروز الديلمي - ﵁ - مرفوعا. وصحّحه ابن حبان (١٠٩٩)، والبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" له (٥/ ٣١٧).\nويُنظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩، ٢٤٩، ٤/ ٣٣٣)، و\"الضعفاء\" للعقيلي (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢)، و\"بيان الوهم والإيهام\" لابن القطان (٣/ ٤٩٤ - ٤٩٥)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٤/ ٣٥٧ - ٣٥٨).\n(^٦) أخرجه البخاري (٩٩٩) ومسلم (٧٠٠) عن ابن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":501},{"text":"\"كلُّ ذي ناب من السباع حرام\" (^١)، وحديث من السُّنَّة وضعُ اليمنى على اليسرى في الصلاة (^٢)، وحديث \"لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجلُ فيها صلبَه من ركوعه وسجوده\" (^٣)، وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه (^٤)، وأحاديث الاستفتاح (^٥)، وحديث \"كان للنبي - ﷺ - سكتتان في الصلاة\" (^٦)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٣٣) عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٠) عن سهل بن سعد، ومسلم (٤٠١) من حديث وائل بن حجر.\n(^٣) رواه أحمد (١٧٠٧٣)، وأبو داود (٨٥٥)، والترمذي (٢٦٥) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٨٧٠)، والنسائي (١٠٢٧، ١١١١) من حديث أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - مرفوعا. وصححه أيضًا ابن خزيمة (٥٩١، ٥٩٢، ٦٦٦)، وابن حبان (٢٧١٩، ٣٦٦١)، والدارقطني في \"السنن\" (١٣١٥)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٨/ ١١٦)، والبيهقي (٢/ ٨٨)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٥٨٣ - ٥٨٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٩٧ - ٩٨). ويُنظر للفائدة: \"العلل\" للدارقطني (٦/ ١٧٥ - ١٧٧). ورواه أيضًا أحمد (١٦٢٩٧)، وابن ماجه (٨٧١) من حديث علي بن شيبان - ﵁ - مرفوعا. وصححه ابن خزيمة (٥٩٣، ٦٦٧، ٨٧٢)، وابن حبان (٢٦٦٩)، والبوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣٢٤).\n(^٤) منها حديث ابن عمر، أخرجه البخاري (٧٣٥) ومسلم (٣٩٠)، وحديث مالك بن الحويرث أخرجه البخاري (٧٣٧) ومسلم (٣٩١). وانظر: جزء \"رفع اليدين في الصلاة\" للبخاري. وكتاب \"رفع اليدين في الصلاة\" للمصنف.\n(^٥) منها حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨)، وحديث علي أخرجه مسلم (٧٧١).\n(^٦) رواه أحمد (٢٠٠٨١، ٢٠١٦٦، ٢٠٢٢٨، ٢٠٢٤٣، ٢٠٢٤٥)، وأبو داود (٧٧٧ - ٧٨٠)، والترمذي (٢٥١) ــ وحسنه ــ، وابن ماجه (٨٤٤، ٨٤٥) من حديث سمرة بن جندب - ﵁ - مرفوعا. وصحّحه ابن حبان (٦٢٣٨)! وحسنه ابن حجر في \"نتائج الأفكار\" (٢/ ٢٤) .. ويُنظر: \"بيان الوهم والإيهام\" لابن القطان (٤/ ١٥٣)، و\"إرواء الغليل\" للألباني (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٨)، و\"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" له (٥٤٧).","vol":"1","page":502},{"text":"وحديث \"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم\" (^١).\nوحديث حمل الصبيَّة في الصلاة (^٢)، وأحاديث القرعة (^٣)، وأحاديث العقيقة (^٤)، وحديث \"لو أنَّ رجلًا اطَّلع عليك بغير إذنك\" (^٥)، وحديث \"أيَدَع\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٠٠٦، ١٠٧٢)، وأبو داود (٦١، ٦١٨)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥) من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - مرفوعا. وقال الترمذي: \"هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن ... \". وقال عقب الحديث (٢٣٨): \"وحديث علي ... أجود إسنادًا وأصح ... \". وحسنه البغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ١٧)، واختاره الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٢/ ٣٤١ - ٣٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥١٦) ومسلم (٥٤٣) عن أبي قتادة الأنصاري.\n(^٣) منها حديث القرعة بين العبيد. وقد سبق تخريجه آنفًا.\n(^٤) رواه أحمد (٢٠٠٨٣، ٢٠١٣٣، ٢٠١٣٩، ٢٠١٨٨، ٢٠١٩٣، ٢٠١٩٤، ٢٠٢٥٦)، وأبو داود (٢٨٣٧، ٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٣١٦٥)، والنسائي (٤٢٢٠) من حديث سمرة بن جندب﵁ - مرفوعا. ...\n\nوله شواهد، منها: حديث سلمان بن عامر - ﵁ - مرفوعا، رواه أحمد (١٦٢٢٦، ١٦٢٢٩، ١٦٢٣٠، ١٦٢٣٢، ١٦٢٣٦، ١٦٢٣٤، ١٦٢٣٨ - ١٦٢٤١، ١٧٨٧١، ١٧٨٧٣، ١٧٨٧٥، ١٧٨٧٧ - ١٧٨٧٩، ١٧٨٨١، ١٧٨٨٢، ١٧٨٨٥، ١٧٨٨٦)، وأبو داود (٢٨٣٩)، والترمذي (١٥١٥) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٣١٦٤)، والنسائي في \"المجتبى\" (٤٢١٤)، وفي \"السنن الكبرى\" (٤٥٢٥، ٤٥٢٦). وصححه أيضًا ابن خزيمة (٢٠٦٧). ويُتأمَّلُ في سياقِ البخاريِّ الحديثَ في \"الصحيح\" (٥٤٧١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٩٠٢) ومسلم (٢١٥٨/ ٤٤) عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":503},{"text":"يدَه في فيك تقضَمُها كما يقضَم الفحلُ\" (^١)، وحديث \"إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل\" (^٢)، وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة (^٣)، وحديث النهي عن الذبح بالسِّنِّ والظُّفْر (^٤)، وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء (^٥)، وحديث النهي عن عَسْب الفحل (^٦)، وحديث المحرِم إذا مات لم يخمَّر رأسُه ولم يقرَبْ طِيبًا (^٧)، إلى أضعاف [١٤٩/ب] ذلك من الأحاديث التي كان تركُها من تَرِكة (^٨) القول بالقياس والرأي.\nفلو كان القياس حقًّا لكان أهلُه أتبعَ الأمةِ للأحاديث ولا حُفِظ لهم تركُ حديث واحد إلا لنصٍّ ناسخ له. فحيث رأينا كلَّ مَن كان أشدَّ توغُّلًا في القياس والرأي كان أشدَّ مخالفةً للأحاديث الصحيحة الصريحة علِمنا أنَّ القياس ليس من الدين، وأنَّ شيئًا تُترك له السننُ لَأبينُ شيءٍ منافاةً للدين. فلو كان القياس من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٦٥) ومسلم (١٦٧٤) عن يعلى بن أمية.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٧) ومسلم (١٠٩٢) عن ابن عمر - ﵄ -.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٨٥) ومسلم (١١٤٤) عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٤٨٨) ومسلم (١٩٦٨) عن رافع بن خديج - ﵁ -.\n(^٥) من أحاديث صلاة الكسوف التي أخرجها الشيخان: حديث ابن مسعود أخرجه البخاري (١٠٤١) ومسلم (٩١١). ومن أحاديث صلاة الاستسقاء: حديث عبد الله بن زيد المازني، أخرجه البخاري (١٠٠٥) ومسلم (٨٩٤).\n(^٦) أي بيع ماء الذكر من الإبل وغيرها. وحديث النهي عنه أخرجه البخاري (٢٢٨٤) عن ابن عمر، ومسلم (١٥٦٥) عن جابر - ﵃ -.\n(^٧) أخرجه البخاري (١٢٦٧) ومسلم (١٢٠٦) عن ابن عباس - ﵄ -.\n(^٨) س: \"بركة\"، وكأنه مغيَّر، وإن جاز تهكُّمًا. وفي ع: \"ترك\"، خطأ. وفي النسخ المطبوعة: \"من أجل\"، ولعله تغيير من بعض النسَّاخ أو الناشرين.","vol":"1","page":504},{"text":"عند الله لطابق السنةَ أعظمَ مطابقة، ولم يخالف أصحابه حديثًا واحدًا منها، ولكانوا أسعدَ بها من أهل الحديث، فَلْيُرُوا أهلَ الحديث والأثر حديثًا واحدًا صحيحًا قد خالفوه، كما أريناهم آنفًا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس!\nقالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم أن لا نقول على الله إلا الحقَّ، فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضُها بعضًا، بحيث لا يدري الناظر فيها أيُّها الصواب= حقًّا لكانت متفقةً يصدِّق بعضُها بعضًا كالسنَّة التي يصدِّق بعضُها بعضًا.\nوقال تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [يونس: ٨٢]. [فأخبر أنه سبحانه إنما يحقُّ الحقَّ بكلماته] (^١) لا بآرائنا ولا مقاييسنا (^٢). وقال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠]. فقسم الأمور إلى قسمين (^٣) لا ثالث لهما: اتباع لما دعا إليه الرسول، واتباع الهوى.\nفصل (^٤)\nوالرسول - ﷺ - لم يدعُ أمته إلى القياس قطُّ، بل قد صحَّ عنه أنه أنكر على عمر وأسامة محضَ القياس في شأن الحُلَّتين اللتين أرسل بهما إليهما،\n_________\n(^١) ما بين الحاصرتين جاء في طرر النسخ ما عدا س، ع مع علامة \"صح\"، وجائز أن يكون قد سقط لانتقال النظر، وإن كانت العبارة مستقيمة دونها.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"ولامقايسينا\" بتكرار \"لا\".\n(^٣) ع: \"الأمور قسمين\"، وكذا في المطبوع.\n(^٤) قارن هذا الفصل بكتاب \"الإحكام\" لابن حزم (٨/ ٢٢ - ٢٦).","vol":"1","page":505},{"text":"فلبِسها أسامة قياسًا لِلُّبس على التملُّك والانتفاع والبيع [١٥٠/أ] وكسوتها لغيره، وردَّها عمر قياسًا لتملُّكها على لُبسها. فأسامة أباح، وعمر حرَّم قياسًا. فأبطل رسولُ الله - ﷺ - كلَّ واحد من القياسين، وقال لعمر: \"إنما بعثتُ بها إليك لتستمتع بها\"، وقال لأسامة: \"إنِّي لم أبعث بها (^١) إليك لتلبسَها، ولكن بعثتُ بها إليك لِتشقِّقَها خُمُرًا بين نسائك (^٢) \" (^٣). والنبي - ﷺ - إنما تقدَّم إليهم في الحرير بالنصِّ على تحريم لُبسه فقط، فقاسا قياسًا أخطآ فيه، فأحدهما قاس اللُّبسَ على الملك، وعمر قاس التملُّكَ على اللُّبس. والنبيُّ - ﷺ - بيَّن أن ما حرَّمه من اللبس لا يتعدَّى إلى غيره، وما أباحه من التملُّك لا يتعدَّى إلى اللبس. وهذا عين إبطال القياس (^٤).\nوصحَّ عنه (^٥) ما رواه أبو ثعلبة الخُشَني قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله فرض فرائض فلا تضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غيرَ نسيانٍ فلا تبحثوا عنها\". وهذا الخطاب كما يعُمُّ أولُه للصحابة ولمن بعدهم فهكذا آخرُه، فلا يجوز أن نبحث عما سكت عنه لنحرِّمه أو نوجبه (^٦).\n_________\n(^١) ع: \"أبعثها\"، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: \"لنسائك\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٨٦) ومسلم (٢٠٦٨) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٤) انظر: \"الإحكام\" لابن حزم (٨/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٥) تقدّم أنه لم يصح، وهو حديث منقطع مُعَلٌّ. وأخرجه ابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٢٤ - ٢٥) ولم يصحّحه.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: \"ليحرمه أو يوجبه\"، وحرف المضارع مهمل في النسخ إلا س ففيها: \"لتحريمه أو توجبه\"، وهو تصحيف.","vol":"1","page":506},{"text":"وقال عبد الله بن المبارك (^١): ثنا عيسى بن يونس، عن حَريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال قال رسول الله - ﷺ -: \"تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنةً على أمتي قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فيُحِلُّون الحرام، ويحرِّمون الحلال\".\nقال قاسم بن أصبغ (^٢): ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عبد الله، فذكره.\nوهؤلاء كلُّهم أئمة ثقات حُفَّاظ إلا حَريز (^٣) بن عثمان فإنه كان منحرفًا عن علي، ومع هذا فاحتجَّ به البخاري في [١٥٠/ب] \"صحيحه\"، وقد روي عنه أنه تبرَّأ مما نُسب إليه من الانحراف عن علي (^٤). ونُعَيم بن حماد إمام جليل، وكان سيفًا على الجهمية، روى عنه البخاري في \"صحيحه\" (^٥).\nوقد صحَّ عنه صحةً تقرب من التواتر أنه قال: \"ذروني ما تركتُكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتُوا منه ما استطعتم\" (^٦)، فتضمَّن هذا الحديث\n_________\n(^١) الصواب أن الذي رواه عن عيسى بن يونس هو نعيم بن حماد، ولم يَرْوِه عنه ابن المبارك قط، وقد تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٩٩٧)، وابن حزم في \"الإحكام\" (٨/ ٢٥) من طريق قاسم بن أصبغ به.\n(^٣) تصحف في النسخ إلى \"جرير\".\n(^٤) انظر: \"الإحكام\" (٨/ ٢٥).\n(^٥) مقرونًا بغيره، كما قال الذهبي في \"السير\" (١٠/ ٥٩٦).\n(^٦) تقدَّم تخريجه.","vol":"1","page":507},{"text":"أنَّ ما أمَر به أمرَ إيجابٍ فهو واجب، وما نهى عنه فهو حرام، وما سكت عنه فعَفوٌ مباح (^١)؛ فبطل ما سوى ذلك، والقياس خارج عن هذه الوجوه الثلاثة فيكون باطلًا. والمقيسُ مسكوتٌ عنه بلا ريب، فيكون عفوًا بلا ريب، فإلحاقُه بالمحرَّم تحريمٌ لما عفا الله عنه. وفي قوله: \"ذروني ما تركتكم\" بيان جلي أن ما لا نصَّ فيه فليس بحرام ولا واجب. ودل الحديث على أن أوامره على الوجوب حتى يجيء ما يرفع ذلك، أو يبيِّن أن مراده الندب، وأن ما لا نستطيعه فساقط (^٢) عنَّا.\nوقد روى ابن المغلِّس، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، ثنا أبو قِلابة الرَّقَاشي، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا سيف بن هارون البُرْجُمي، عن سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان النَّهدي، عن سلمان - ﵁ - قال: سئل النبي - ﷺ - عن أشياء، فقال: \"الحلال ما أحلَّ الله، والحرام ما حرَّم الله، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه\". وهذا إسناد جيد مرفوع (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) ع: \"فهو مباح\". وفي النسخ المطبوعة: \"فهو عفو مباح\".\n(^٢) ت: \"ساقط\".\n(^٣) تقدّم تخريجُه، وأن البخاري والترمذي رجّحا وقفَه. وحكم بنكارته الإمام أحمد، وأعلّه أيضًا أبو حاتم الرازي وغيرُه.\nهذا، وبعد قوله: \"مرفوع\" زيادة في النسخ المطبوعة: \"والله المستعان، وعليه التكلان\".","vol":"1","page":508},{"text":"فصل (^١)\nوأما الصحابة، فقد قال أبو هريرة لابن عباس: إذا جاءك الحديث عن رسول الله - ﷺ - فلا تضرب له الأمثال (^٢).\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) من حديث سمُرة بن جُنْدَب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [١٥١/أ] «أحبُّ الكلام إلى الله ﷿ أربع»، فذكر الحديث، وفي آخره: «لا تسمِّيَنَّ غلامك يسارًا ولا رَباحًا ولا نَجيحًا ولا أفلح، فإنك تقول: أثَمَّ هو؟ فيقال: لا. إنما هن أربع، فلا تزيدُنَّ عليَّ».\nقالوا: فلم يستجِزْ (^٤) سمُرة أن ينهى عما عدا الأربع قياسًا عليها، وجعل ذلك زيادةً، فلم يزد على الأربع بالقياس التسميةَ بسعد وفَرَج وخَيرة (^٥) وبركة ونحوها. ومقتضى قول القيَّاسين (^٦) أن الأسماء التي سكت عنها النصُّ أولى بالنهي، فيكون إلحاقها بقياس الأولى أو مثله.\nفإن قيل: فلعل قوله: «إنما هن أربع فلا تزيدن عليَّ»، مرفوع من نفس كلام النبي - ﷺ -، أو لعل سمرة أراد بها: إنما حفظتُ هذه الأربع، فلا تزيدُنَّ عليَّ في الرواية.\n_________\n(^١) قارن هذا الفصل بكتاب «الإحكام» لابن حزم (٨/ ٢٦ - ٣٢).\n(^٢) رواه الترمذي (٧٩)، وابن ماجه (٢٢، ٤٨٥).\n(^٣) برقم (٢١٣٧).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «فلم يجز».\n(^٥) في المطبوع: «خير». والصواب ما أثبت من النسخ و«الإحكام» (٨/ ٢٧) والمصنف صادر عنه.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، وقد تكرر مثله من قبل.","vol":"2","page":3},{"text":"قيل: أما السؤال الأول فصريح في إبطال القياس، فإن المعنى واحد، ومع هذا فخصَّ النهيَ بالأربع. وأما السؤال الثاني فقوله: «إنما هي (^١) أربع» يقتضي تخصيص الرواية والحكم بها، ونفي الزيادة عليها روايةً وحكمًا. فلا تنافي بين الأمرين.\nوقال شعبة: سمعتُ سليمان بن عبد الرحمن قال: سمعتُ عُبيد (^٢) بن فيروز قال: قلتُ للبراء بن عازب: حدِّثني ما كرِه أو نهَى عنه رسول الله (^٣) - ﷺ -، فقال: أربعٌ لا تجزئ في الأضاحي، فذكر الحديث. قال: فإني أكره أن تكون ناقصةَ القَرْن أو الأذن، قال: «فما كرهتَ منه فدعه، ولا تحرِّمه على أحد» (^٤). ولم يأذن له في القياس على الأربع، ولم يقِسْ عليها هو ولا أحد من الصحابة.\nوقال عمرو بن دينار، عن أبي الشَّعْثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقزُّزًا (^٥)، فبعث الله نبيَّه - ﷺ -، [١٥١/ب] وأنزل عليه كتابه، وأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه. فما أحلَّ فهو\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «هن» كما في الرواية.\n(^٢) في النسخ: «عبدة»، تحريف. وفي «الإحكام» كما أثبت.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «النبي».\n(^٤) رواه أحمد (١٨٥١٠)، وأبو داود (٢٨٠٢)، وابن ماجه (٣١٤٤)، والنسائي (٤٣٧٠) من حديث البراء بن عازب - ﵁ -. وروى الترمذي (١٤٩٧) المرفوع منه دون الموقوف، وصححه. وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (٢٩١٢)، وابن حبان (١٤٩٥، ١٤٩٦، ٢٦٥٣)، والحاكم (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨). ويُنظر: «العلل الكبير» للترمذي (٤٤٦)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٦٠٧).\n(^٥) كذا في النسخ، وفي النسخ المطبوعة: «تقذُّرًا» كما في «السنن» و«الإحكام». وهما بمعنًى.","vol":"2","page":4},{"text":"حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو (^١).\nوقال عمر بن الخطاب: قد وضحت الأمور، وسُنَّت (^٢) السنَّة، ولم يُترَك لأحد منكم متكلَّم إلا أن يضِلَّ عبدٌ (^٣).\nوقال ابن مسعود: من أتى الأمرَ على وجهه فقد بُيِّن له، وإلا فوالله ما لنا طاقةٌ بكلِّ ما تُحْدِثون (^٤).\nولو كان القياس من الدين لكان له ولغيره طاقة بقياس كلِّ ما يرِد عليهم على نظيره بوصفٍ جامعٍ شَبَهِيٍّ، وإذا كان القيَّاسون (^٥) لا يعجزون عن ذلك فكيف الصحابة؟ ولو كان القياس من الدين لكان الجميع مبيَّنًا، ولَما قسَم ابن مسعود وغيره ما يرد عليهم إلى ما بيَّنه الله وإلى ما لم يبيِّنه؛ فإن الله على قولكم قد بيَّن الجميع بالنص والقياس.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٨٠٠)، ومن طريقه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٩/ ٥٢٢). وصححه الحاكم (٢/ ٣١٧، ٤/ ١١٥).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وتبينت». وفي النسخ و«الإحكام» ــ ومنه النقل ــ ما أثبت.\n(^٣) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٢٨ - ٢٩)، وسنده منقطع، سلمة بن كهيل لم يُدرك عمر - ﵁ -.\n(^٤) رواه الدارمي في «المسند» (١٠٣، ١٠٤)، وأبو القاسم البغوي في «حديث علي بن الجعد» (٤٦٠)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٨٩٨٢، ٩٦٣٦)، وابن بطة في «الإبانة» (١٨٨)، وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٧٤٤، ٧٤٥). ولآخره طريق آخر عند الدارمي (١٠٢)، وأبي إسماعيل الهروي (٧٤٣).\nهذا واللفظ الوارد في مصادر التخريج و«الإحكام لابن حزم» (٨/ ٢٩): «... الأمر من قبل وجهه فقد بُيِّن له، ومن خالف فوالله ما نطيق خلافكم».\n(^٥) في النسخ المطبوعة هنا وفيما يأتي: «القياسيون» كالعادة.","vol":"2","page":5},{"text":"فإن قيل: فهذا ينقلب عليكم، فإنكم تقولون: إن الله سبحانه قد بيَّن الجميع.\nقلنا: ما بيَّنه الله سبحانه نطقًا فقد بيَّن حكمَه، وما لم يبيِّنه نطقًا بل سكت عنه فقد بيَّن لنا أنه عفو. وأما القيَّاسون فيقولون: ما سكت عنه فقد بيَّن أن حكمه حكم ما تكلَّم به، وفرقٌ عظيمٌ بين الأمرين. ونحن أسعد بالبيان النطقي والسكوتي منكم لتعميمِنا البيانَين وعدمِ تناقُضِنا فيهما، وبالله التوفيق.\nوقد تقدَّم قولُ ابن مسعود (^١): ليس عامٌ إلا والذي بعده شرٌّ منه، لا أقول: عامٌ أمطَرُ من عام، ولا عام أخصَبُ من عام، ولا أميرٌ خيرٌ من أمير؛ ولكن ذهابُ خياركم وعلمائكم، ثم يحدُث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فينهدم الإسلام وينثلم.\nوتقدَّم قول ابن عمر (^٢): العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، و«لا أدري».\nوقوله (^٣) لأبي الشعثاء: لا تفتين إلا بكتاب ناطق، أو سنة [١٥٢/أ] ماضية.\nوقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشيباني قال: سمعتُ عبد الله بن أبي أوفى يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن نبيذ الجَرِّ (^٤) الأخضر، قلت:\n_________\n(^١) في (١/ ١١٧).\n(^٢) ع: «قول عمر»، والصواب ما أثبت من غيرها. وقد سبق في (١/ ١٢٣).\n(^٣) يعني قول ابن عمر. وقد سبق أيضًا في (١/ ١٢٣).\n(^٤) جمع الجَرَّة.","vol":"2","page":6},{"text":"فالأبيض؟ قال: لا أدري (^١). ولم يقُل: وأيُّ فرق بين الأخضر والأبيض، كما يبادر إليه القيَّاسون.\nوقال الزهري: كان محمد بن جُبير بن مُطعِم يحدِّث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش، فقام، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أنّ رجالًا منكم يتحدَّثون أحاديثَ ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَر عن رسول الله - ﷺ -، فأولئك جهالكم (^٢). ومعلومٌ أن القياس خارج عن كليهما.\nوتقدَّم قول معاذ (^٣): تكون فِتَنٌ يكثر فيها المال، ويُفتَح القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة، والصغير والكبير (^٤)، والمؤمن والمنافق. ويقرؤه الرجل فلا يُتَّبع، فيقول: والله لأقرأنَّه علانيةً، فيقرؤه علانية فلا يُتَّبع، فيتخذ مسجدًا ويبتَدِع كلامًا ليس من كتاب الله ولا من سنة رسوله (^٥)؛ فإياكم وإياه، فإنها بدعة وضلالة.\nوقال عبد العزيز بن المطلب: عن ابن مسعود: إنكم إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرًا مما حُرِّم عليكم، وحرَّمتم كثيرًا مما أُحِلَّ\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٩١٠٣، ١٩١٤٤). وتابع الثوريَّ: شعبة، رواه من طريقه أحمد (١٩١٠٣، ١٩١٤٢، ١٩٣٩٧)، والنسائي (٦٥٢١)، والأعمشُ عند أحمد (١٩١٠٦). وتأمل في «صحيح البخاري» (٥٥٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٥٠٠) والنقل من «الإحكام» (٨/ ٣١)، وقد سبق في (١/ ١٢٦).\n(^٣) في (١/ ١٢٥).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «والكبير والصغير».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «رسول الله».","vol":"2","page":7},{"text":"لكم (^١).\nوقال الأوزاعي: عن عبدة بن أبي لبابة (^٢)، عن ابن عباس: من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمضِ به سنةُ رسول الله - ﷺ - لم يدرِ على ما هو منه إذا لقي الله ﷿ (^٣).\nوقال أبو خيثمة (^٤):حدثنا جرير عن [ليث عن] (^٥) مجاهد أن عمر نهى عن المكايلة، يعني المقايسة (^٦).\nوقال الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث عن ليث (^٧) عن مجاهد [١٥٢/ب] قال: قال عمر: إيايَ (^٨) والمكايلة، يعني المقايسة (^٩).\n_________\n(^١) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٧).\n(^٢) ح، ف: «عبدة بن لبابة».\n(^٣) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه «(١/ ٤٥٨).\n(^٤) في النسخ: «أبو حنيفة»، تصحيف.\n(^٥) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ.\n(^٦) رواه أبو خيثمة في كتاب «العلم» (٦٥) ــ ومن طريقه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٢٨) و«الصادع» (٣٦٢)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٥) ــ عن جرير، عن ليث، عن مجاهد به. ورواه الدارمي (٢٠٣)، والبيهقي في «المدخل» (٢١١) من طريق أخرى عن ليث به، وأشار إلى انقطاع سنده بين مجاهد وعمر - ﵁ -. على أنه لم يصح سندُه إلى مجاهد، إذ ليث (وهو ابن أبي سليم) ضعيف مخلِّط.\n(^٧) في النسخ الخطية والمطبوعة: «أبيه»، وهو تحريف.\n(^٨) س: «إياكم». وفي غيرها من النسخ الخطية والمطبوعة: «إياك». والظاهر أنه تصحيف ما أثبت من مصدر النقل.\n(^٩) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٥) من طريق الأثرم به.","vol":"2","page":8},{"text":"وقال الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش عن حبيب، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: قال عبد الله: يا أيها الناس إنكم ستُحدِثون ويُحدَث لكم، فإذا رأيتم محدَثًا فعليكم بالأمر الأول (^١).\nفصل (^٢)\nوكذلك أئمة التابعين وتابعوهم يصرِّحون بذمِّ القياس وإبطاله، والنهي عنه.\nقال الطحاوي: ثنا ابن غليب (^٣)، حدثني عمرو (^٤) بن أبي عمران، ثنا يحيى بن سليمان (^٥) الطائفي، حدثني داود بن أبي هند قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: القياس شؤم. وأول من قاس إبليس، فهلَك. وإنما عُبدت الشمس والقمر بالمقاييس (^٦).\n_________\n(^١) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٧) من طريق الأثرم به. ورواه الطبراني في «السنة» ــ ومن طريقه أبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٥٤٩) ــ عن محمد بن عثمان (وهو ابن أبي شيبة)، عن عمّه أبي بكر به. ...\nورواه الدارمي (١٧٤) عن هارون بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن ابن مسعود به. قال حفص: «كنتُ أسند عن حبيب، عن أبي عبد الرحمن، ثم دخلني منه شكٌّ».\n(^٢) قارن هذا الفصل بكتاب «الإحكام» لابن حزم (٨/ ٣٢ - ٣٦).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ابن علية»، تحريف.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، والصواب: «عمران»، كما في «الإحكام».\n(^٥) س، ح، ت، ف: «سلمان». والمثبت من ع و«الإحكام»، وهو مصدر النقل. والصواب: «سليم» كما في «الصادع». وانظر: مصادر التخريج.\n(^٦) رواه الطحاوي عن ابن غليب (وهو الحسن الأزدي مولاهم المصري)، عن عمران بن أبي عمران (وهو ابن هارون الرملي) به، ومن طريق الطحاوي رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٢) و«الصادع» (٣٦٩). وقد أغرب عمران بزيادة: «القياسُ شؤمٌ». وفي عمرانَ لينٌ، ويأتي أحيانًا بأوابد وعجائب، وترجمته في «لسان الميزان» لابن حجر (٦/ ١٧٧، ١٨٣).\n\nوأصل الخبر معروفٌ، وقد رواه ابن أبي شيبة (٣٥٨٠٦)، والحميدي في كتاب «الردّ» ــ ومن طريقه البيهقي في «المدخل» (٢٢٣) ــ، عن يحيى بن سليم الطائفي، عن داود بن أبي هند به، دون قوله: «القياسُ شؤمٌ»، وهي زيادة منكرة.\nويُنظر: «المسند» لأبي محمد الدارمي (١٩٥)، و«جامع البيان» لابن جرير (١٠/ ٨٧)، و«الأوائل» لأبي عروبة الحراني (٩)، و«جامع بيان العلم» لابن عبد البر (١٦٧٥)، و«الفقيه والمتفقه» للخطيب (١/ ٤٦٦). وقد أغرب ابن كثير في «التفسير» (٣/ ٣٩٣)، فصحّح سند ابن جرير، مع أن فيه ضعفًا وقلبًا في سنده.","vol":"2","page":9},{"text":"وقال ابن وهب: أخبرني مسلمة (^١) بن علي أنَّ شريحًا الكندي ــ هو القاضي ــ قال: إنَّ السنَّة سبقت قياسَكم (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسي، ثنا وهب بن إسماعيل، عن داود الأَوْدي قال: قال لي الشعبي: احفظ عني ثلاثًا لها شأنٌ: إذا سُئلتَ عن مسألة، فأجبتَ فيها، فلا تُتْبِعْ مسألتَك: «أرأيتَ»، فإن الله قال\n_________\n(^١) ت، ع: «مسلم»، تحريف.\n(^٢) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٢) و«الصادع» (٣٧٠) من طريق ابن وهب، عن مسلمة بن علي به. وسندُه معضلٌ واهٍ، ومسلمة (وهو الخشني) متروك، وبينه وبين شريح مفاوز. وله طريقٌ أخرى عند الدارمي (٢٠٤)، لكنها واهية، آفتها أبو بكر الهذلي. ويُوازَنُ ما في «فتح الباري» لابن حجر (١٢/ ٢٢٦) بـ «الأوسط» لابن المنذر (١٣/ ٢٦٩)، و«شرح الصحيح» لابن بطال (٨/ ٥٢٥)، و«التوضيح» لابن النحوي (٣١/ ٣٨٨).","vol":"2","page":10},{"text":"في كتابه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، حتى فرغ من الآية الأولى. والثانية: إذا سُئلتَ عن مسألة فلا تقِسْ شيئًا بشيء، فربما حرَّمتَ حلالًا، أو حلَّلتَ حرامًا. وإذا سُئلتَ عما لا تعلم، فقل: لا أعلم، وأنا شريكك (^١).\nوقال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن أبي عيسى، عن الشعبي أنه سمعه يقول: إياكم والمقايسة، فوالذي نفسي بيده إن أخذتم بالمقايسة لَتُحِلُّنَّ الحرامَ ولَتُحَرِّمُنَّ الحلالَ. ولكن ما بلغكم عن أصحاب رسول الله - ﷺ - فاحفظوه (^٢).\nوقال الطحاوي: ثنا يونس (^٣) بن يزيد القراطيسي، ثنا سعيد بن منصور\n_________\n(^١) ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢٠٩٦) ــ وعنه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٢) ــ عن أبي ذر الهروي، عن (حمد) بن عبد الله الأصبهاني الرازي، عن ابن أبي حاتم به. ولابن عبد البر إجازةٌ من أبي ذرّ الهروي، كتب بها إليه. وقد رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٣١٩) من طريق محمد بن إسماعيل به. وداود الأودي (وهو ابن يزيد) ضعيف. وله طريق غريبةٌ عند أبي نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٣١٩)، وأخرى مثلُها عند الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦١).\n(^٢) رواه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢٠١٦) ــ وعنه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٢ - ٣٣) و«الصادع» (٣٧٣) من طريق ابن وهب به. ورواه الدارمي (١١٠)، والبيهقي في «المدخل» (٢٢٥)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٠) من طرق أخرى عن عيسى به، وعيسى (وهو ابن ميسرة الحنّاط) متروك. وورد طرفه الأول بسند نظيف عند الدارمي (١٩٨)، ومن طريقه رواه أبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٣٦٦).\n(^٣) كذا في النسخ الخطيةكلها، والصواب: يوسف، كما في «الإحكام» وغيره.","vol":"2","page":11},{"text":"[١٥٣/أ] ثنا جرير بن عبد الحميد، عن المغيرة بن مِقْسَم، عن الشعبي قال: السنَّة لم تُوضَع بالقياس (^١).\nوقال الخُشَني: ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا صالح بن مسلم قال: قال لي عامر الشعبي يومًا، وهو آخذ بيدي: إنما هلكتم حين تركتم الآثار، وأخذتم بالمقاييس (^٢).\nوقال عباس بن الفرَج الرِّياشي (^٣) عن الأصمعي أنه قيل له: إن الخليل بن أحمد يُبطِل القياس، فقال: أخذ هذا عن إياس بن معاوية (^٤).\nوقال علي بن عبد العزيز البغوي: ثنا أبو الوليد القرشي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن بكار القرشي، ثنا سليمان بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى الرَّبَعي، عن ابن شُبْرُمَة أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال لأبي حنيفة: اتقِ الله ولا تقِسْ، فإنا نقف غدًا نحن ومن خالفنا بين يدي الله،\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٣)، و«الصادع» (٣٧٤)، وفي «المحلى» (١/ ٦٨) من طريق الطحاوي به. ورواه في «الإحكام» (٨/ ٣٣)، وكذا البيهقي في «المدخل» (٢٢٧) من طريقين آخرين عن سعيد بن منصور به.\n(^٢) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٣)، و«الصادع» (٣٧٦) من طريق الخشني به. ورواه ابن بطة في «الإبانة» (٦٠٢، ٦٠٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٣٢٠)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢٠١٧)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٢) من طرق عن صالح بن مسلم به.\n(^٣) رسمها في النسخ يشبه «الرباني»، وهو تصحيف.\n(^٤) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٤).","vol":"2","page":12},{"text":"فنقول: قال رسول الله - ﷺ -، قال الله؛ وتقول أنت وأصحابك: رأَينا، وقِسْنا (^١)؛ فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء (^٢).\nوبهذا الإسناد إلى ابن شُبْرُمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد ابن الحنفية (^٣)، فسلَّمتُ عليه، وكنتُ له صديقًا، ثم أقبلتُ على جعفر وقلت (^٤): أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق، وله فقه وعقل. فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدينَ برأيه. ثم أقبل عليَّ، فقال: أهو النعمان؟ فقال له أبو حنيفة: نعم، أصلحك الله. فقال له جعفر: اتق الله، ولا تقِسْ الدين برأيك؛ فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ثم قال لأبي حنيفة: أخبِرْني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان. فقال: لا أدري. قال جعفر: هي «لا إله إلا الله»، فلو قال «لا إله» ثم أمسك كان مشركًا. فهذه كلمة أولها شرك،\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «الإحكام» ــ وهو مصدر النقل ــ و«الصادع» و«شرف أصحاب الحديث» و«الفقيه والمتفقه»: «سمعنا ورأينا».\n(^٢) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٤) و«الصادع» (٣٨٠)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (١٦٤)، وفي «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٤) من طريق علي بن عبد العزيز البغوي به.\nويُنظر: «العظمة» لأبي الشيخ (٥/ ١٦٢٦)، و«ذم الكلام» لأبي إسماعيل الهروي (٣٦٢).\n(^٣) كذا وقع «ابن الحنفية» في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وهو وهم فإن المقصود هنا جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين كما جاء نسبه في الخبر السابق، لا جعفر بن محمد ابن الحنفية ابن علي بن أبي طالب.\n(^٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».","vol":"2","page":13},{"text":"وآخرها [١٥٣/ب] إيمان. ثم قال له: ويحك، أيُّهما أعظم عند الله: قتلُ النفس التي حرَّم الله، أو الزنا؟ قال: بل قتل النفس. فقال له جعفر: إن الله قد رضي (^١) في قتل النفس بشاهدين (^٢) ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيُّهما أعظم عند الله: الصوم، أو الصلاة؟ قال: لا (^٣)، بل الصلاة. قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم (^٤)\nولا تقضي الصلاة؟ اتقِ الله يا عبد الله، ولا تقِسْ، فإنا نقف غدًا نحن وأنت بين يدي الله، فنقول: قال الله ﷿، وقال رسول الله - ﷺ -؛ وتقول أنت وأصحابك: قِسْنا (^٥)، ورأينا؛ فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء (^٦).\nوقال ابن وهب: سمعتُ مالك بن أنس يقول: الزَمْ ما قاله رسول الله - ﷺ - في حَجَّة الوداع: «أمران تركتُهما فيكم لن تضِلُّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله، وسنّة نبيِّه» (^٧).\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «قدرلك»، وهو تحريف ما أثبت من «الفقيه والمتفقه». وقد سقط «إن الله» من ح. وفي النسخ المطبوعة: «قد قبل».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «شاهدين»، ولعله مغيَّر من أجل التحريف السابق وتصحيحه.\n(^٣) حذفت «لا» في النسخ المطبوعة.\n(^٤) س، ع: «الصيام»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «الفقيه والمتفقه» ما أثبت من غيرهما ..\n(^٥) هنا أيضًا في «الفقيه والمتفقه» ــ وهو مصدر النقل ــ وغيره: «سمعنا».\n(^٦) رواه الزبير بن بكار في «الأخبار الموفقيات» (٢٥)، ووكيع بن خلف في «أخبار القضاة» (٣/ ٧٧ - ٧٨)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ١٩٦)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٤ - ٤٦٦).\n(^٧) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٥) من طريق ابن وهب به. والحديث ذكره الإمام مالك في «الموطأ» (٣٣٣٨) بلاغًا. وقد رواه محمد بن نصر المروزي في «السنة» (٦٨)، والعقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٢١٦) ــ ومن طريقه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٨١ - ٨٢) ــ، والآجري في «الشريعة» (١٧٠٥)، والحاكم (١/ ٩٣)، وعنه البيهقي في «الاعتقاد» (ص ٢٢٨)، وفي «السنن الكبير» (١٠/ ١١٤)، وفي «دلائل النبوة» (٥/ ٤٤٩) من حديث ابن عباس ¶ مرفوعا. وأغرب ابن حزم، فصحّحه في «الإحكام» (٦/ ٨١)! وللحديث طرق أخرى كلُّها واهية.","vol":"2","page":14},{"text":"قال ابن وهب: وقال مالك: كان رسول الله - ﷺ - إمام المسلمين، وسيد العالمين، يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء (^١).\nفإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي، وإلا لم يجب، فمن الجرأة العظيمة إجابةُ من أجاب برأيه أو قياس، أو تقليدِ من يحسن به الظن، أو عُرفٍ وعادة (^٢)، أو سياسة، أو ذوق أو كشف أو منام، أو استحسان وخَرْص (^٣). والله المستعان (^٤).\nوقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو (^٥): ثنا يزيد بن عبد ربه قال:\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٥٧، ٨/ ٣٥) من طريق ابن وهب به. وذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٥٧٨) عن ابن وهب، ولا يبعُد أن يكون نقله من كتاب المجالس لابن وهب، فليُنظَر: «جامع بيان العلم» (١٥٧٤).\n(^٢) ت، ف: «أو عادة». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: «أو خرص». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «وعليه التكلان».\n(^٥) في «التاريخ» (١/ ٥٠٧)، ومن طريقه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٥ - ٣٦)، و«الصادع» (٣٨٢)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٥٠٩).\nويُنظر: «المعرفة والتاريخ» ليعقوب بن سفيان (١/ ٦٧٣)، و«فضائل أبي حنيفة وأخباره» لابن أبي العوام (٣٨٩)، و«المدخل» للبيهقي (٢٤٣).","vol":"2","page":15},{"text":"سمعتُ وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوُحَاظي: يا أبا زكريا، احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم.\nوقال عبد الرزاق (^١): قال لي حماد بن أبي حنيفة: قال أبي: من لم يدَعْ القياسَ في مجلس القضاء لم يفقه.\n[١٥٤/أ] فهذا أبو حنيفة - ﵀ - (^٢) يقول: إنه لا يفقه من لم يترك القياس في موضع الحاجة إليه، وهو مجلس القضاء. قالوا (^٣): فتبًّا لكلِّ شيء لا يفقه المرء إلا بتركه.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن شُبْرُمة: ما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس (^٤).\nوقال داود بن الزِّبْرِقان عن مجالد بن سعيد قال: ثنا الشعبي يومًا قال:\n_________\n(^١) في «المصنف» (١٤٩٣٩)، ومن طريقه رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٦)، و«الصادع» (٣٨٣). ورواه ابن أبي العوام في «فضائل أبي حنيفة وأخباره» (٣٦٩) من طريق عبد الرزاق، لكنه أسقط حمّاد بن أبي حنيفة من السند، وجعله من رواية عبد الرزاق عن أبي حنيفة. وزاد زيادةً لم تَرِدْ في «المصنَّف» لعبد الرزاق، على أن سياق عبد الرزاق للحكاية في «مصنَّفه» ليس صريحًا في كون الكلام لأبي حنيفة، وقد يكون من كلام ابنه حمّاد، توجيهًا لفتوى أبيه التي جاءت على خلاف القياس. والله أعلم.\n(^٢) لم يرد الترحم في ع وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) القائل هو ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٦) وما قبله من كلامه أيضًا.\n(^٤) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٦) من طريق عبد الرزاق به. وقد سبق من قول ابن سيرين.","vol":"2","page":16},{"text":"يوشك أن يصير الجهل علمًا والعلم جهلًا. قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟ قال: كنَّا نتَّبع الآثار وما جاء عن الصحابة، فأخذ الناسُ في غير ذلك، وهو القياس (^١).\nوقال وكيع: حدثنا عيسى الخياط عن الشعبي قال: لَأن أتعنَّى بعَنِيَّةٍ (^٢) أحبُّ إليُّ من أن أقول في مسألة برأيي (^٣).\nقلت: رواه أبو محمد بن قتيبة (^٤) بالعين المهملة، وعنيَّة بوزن غَنيَّة، ثم فسَّره بأن العنيَّة: أخلاط تُنقَع في أبوال الإبل حينًا (^٥) حتى تُطلَى بها الإبل من الجرَب.\nوقال الأثرم: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئًا بشيء. قيل: لم؟ قال: أخشى أن (^٦) تزِلَّ\n_________\n(^١) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٠ - ٤٦١) من طريق داود بن الزبرقان به. وداودُ هذا واهٍ.\n(^٢) أي أتطلَّى بها.\n(^٣) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٩) من طريق وكيع به. ورواه الدارمي (١٠٩) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عيسى به، بنحوه.\n(^٤) في «غريب الحديث» (٢/ ٦٥١) وقد نقل الخطيب تفسير ابن قتيبة. ولعل المصنف نبَّه على الضبط لأن الكلمة في قول الشعبي وردت في «سنن الدارمي» بالغين المعجمة: «أتغنَّى بأغنية». وانظر: «الغريب المصنَّف» (٢/ ١٤٠).\n(^٥) أي وتُترك حينًا، كما في «الفقيه والمتفقه» و«غريب الحديث». وقد يكون «وتترك» ساقطًا في النقل.\n(^٦) بعدها سقطت ورقة من ع.","vol":"2","page":17},{"text":"رجلي (^١).\nوسئل عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل له: فقِسْ لنا برأيك. فقال: أخاف أن تزِلَّ قدمي (^٢).\nوكان يقول: إياكم والقياس والرأي، فإنَّ الرأي قد يزِلُّ (^٣).\nوكان الشعبي يقول: لا تُجالِسْ أصحابَ القياس، فتُحِلَّ حرامًا أو تُحرِّمَ حلالًا (^٤).\nوقال الخلال: حدثنا أبو بكر المَرُّوذي (^٥) قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ينكر على أصحاب القياس، ويتكلم فيه (^٦) بكلام شديد (^٧).\n_________\n(^١) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٨) من طريق الأثرم به. ورواه الدارمي (١٩٧)، وابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (٤٠٤١، ٤٠٤٢ - السِّفْر الثالث)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٦٧٦، ١٦٧٧، ٢٠١٨)، وابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٢).\n(^٢) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٩) من طريق عبد الله بن بشر، عن مسروق.\n(^٣) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٨) من طريق عبد الله بن بشر، عن مسروق.\n(^٤) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٤١٤)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦١).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «المروزي»، والصواب ما أثبت من النسخ الخطية و«الفقيه والمتفقه».\n(^٦) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «الفقيه والمتفقه»: «فيهم»، وهو أشبه.\n(^٧) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٣) من طريق أبي بكر الخلال، عن أبي بكر المرُّوذي.","vol":"2","page":18},{"text":"وقال الأثرم: ثنا محمد بن كُنَاسة، ثنا صالح بن مسلم، عن الشعبي قال: لقد بغَّض إليَّ هؤلاء القومُ هذا المسجدَ، حتى لَهُو أبغضُ إليَّ من كُناسة داري. قلتُ: مَن هم يا أبا عمرو؟ قال: هؤلاء الآرائيون (^١)، أرأيت أرأيت (^٢).\nوقال حماد بن زيد عن مطر الوراق [١٥٤/ب] قال: ترك أصحابُ الرأي الآثارَ والله! (^٣).\nوقال محمد بن خاقان: شيَّعنا (^٤) ابنَ المبارك في آخر خَرجةٍ خرج، فقلنا له: أوصِنا، فقال: لا تتخذوا الرأيَ إمامًا (^٥).\nفصل\nقالوا: ولو كان القياس حجةً لما تعارضت الأقيسة، وناقض بعضُها بعضًا. فترى كلَّ واحد من المتنازعين من أرباب القياس يزعم أن قوله هو\n_________\n(^١) في «الفقيه والمتفقه»: «الرَّأيْتِيُّون».\n(^٢) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٢) من طريق الأثرم به. ورواه ابن حبان في «الثقات» (٦/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، وابن بطة في «الإبانة» (٦٠٢، ٦٠٣)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢٠٨٩)، والبيهقي في «المدخل» (٢١٥، ٢٢٨)، وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٣٨٢)، وابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» (٢٥/ ٣٦٢) من طرق عن صالح بن مسلم به.\n(^٣) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٣) من طريق حماد بن زيد به.\n(^٤) في النسخ الخطية: «سمعت»، وهو تحريف ما أثبت من «الفقيه والمتفقه»، ومنه ينقل المصنف.\n(^٥) رواه الخطيب في «تاريخ مدينة السلام» (٣/ ١٤٧)، وفي «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٣ - ٣٦٤) من طريق محمد بن خاقان.","vol":"2","page":19},{"text":"القياس، فيبدي منازعه قياسًا آخر، ويزعم أنه هو القياس. وحججُ الله وبيِّناته لا تتعارض، ولا تتهافت.\nقالوا: فلو جاز القول بالقياس في الدين لأفضى إلى وقوع الاختلاف الذي حذَّر منه الله (^١) ورسوله. بل عامة الاختلاف بين الأمة إنما نشأ من جهة القياس، فإنه إذا ظهر لكلِّ واحد من المجتهدين قياسٌ مقتضاه نقيضُ حكم الآخر اختلفا، ولا بدَّ. وهذا يدل على أنه من عند غير الله من ثلاثة أوجه:\nأحدها: صريحُ قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nالثاني: أنَّ الاختلاف سببه اشتباه الحق وخفاؤه، وهذا لعدم العلم الذي يميِّز بين الحق والباطل.\nالثالث: أن الله سبحانه ذمَّ الاختلاف في كتابه، ونهى عن التفرق والتنازع، فقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].\nوقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «حذَّر الله منه».","vol":"2","page":20},{"text":"وقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]. [١٥٥/أ] والزُّبُر: الكتُب، أي كلُّ فرقة صنفوا كتبًا أخذوا بها، وعملوا بها، ودعَوا إليها، دون كتب الآخرين كما هو الواقع سواء.\nوقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. قال ابن عباس: تبيضُّ وجوهُ أهل السنة والائتلاف، وتسودُّ وجوهُ أهل الفرقة والاختلاف (^١).\nوقال النبي - ﷺ -: «لا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم» (^٢).\nوقال: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا» (^٣).\nوكان التنازع والاختلاف أشدَّ شيءٍ على رسول الله - ﷺ -، وكان إذا رأى من الصحابة اختلافًا يسيرًا في فهم النصوص يظهر في وجهه، حتَّى كأنما فُقِئَ فيه حَبُّ الرُّمّان، ويقول: «أبهذا أُمِرتم؟» (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٣٩٥٠، ٣٩٥١)، والآجرِّي في «الشريعة» (٢٠٧٤) ــ ومن طريقه أبو عمرو الداني في «الرسالة الواعية» (٢٠٢) ــ، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٧٤)، وحمزة السهمي في «تاريخ جرجان» (ص ١٣٢ - ١٣٣)، وأبو نصر السجزي في «الإبانة» [كما في «الدر المنثور» للسيوطي (٣/ ٧٢١)]، والخطيب في «تاريخ مدينة السلام» (٨/ ٣٧٥)، والمبارك بن عبد الجبار في «الطيوريات» (١٢٩ - انتخاب السِّلفي). وهو موضوع سندًا، باطلٌ متنًا، والبليّة فيه مِنْ مجاشع بن عمرو، وهو تالفٌ ساقط، أو مِنْ شيخِه ميسرة بن عبدربِّه، وهو أكذب من مجاشع وأوقح! والجنايةُ مُعصَّبةٌ برقبة أحدهما، والظاهر أن علي بن قدامة بريءٌ من عُهدته.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٣٢) من حديث أبي مسعود.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٦٠) ومسلم (٢٦٦٧) من حديث جُندَب بن عبد الله البجلي.\n(^٤) رواه الترمذي (٢١٣٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\nمرفوعًا، وقال: «حديث غريب ...». وفي سنده صالح بن بشير المعروف بالمُرِّي، وهو واهٍ. وللحديث شواهد، منها حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - مرفوعًا الآتي قريبًا.","vol":"2","page":21},{"text":"ولم يكن أحدٌ بعده أشدَّ عليه الاختلافُ من عمر - ﵁ -. وأمّا الصدِّيق فصان الله خلافته عن الاختلاف المستقرِّ في حكم واحد من أحكام الدين. وأما خلافة عمر فتنازَع الصحابةُ تنازُعًا يسيرًا في قليل من المسائل جدًّا، وأقرَّ بعضُهم بعضًا على اجتهاده من غير ذمٍّ ولا طعن. فلما كانت خلافة عثمان اختلفوا في مسائل يسيرة، صحبَ الاختلافَ فيها بعضُ الكلام واللَّوم، كما لام عليٌّ عثمانَ في أمر المتعة (^١) وغيرها. ولامه عمار بن ياسر وعائشة في بعض مسائل قسمة الأموال والولايات. فلما أفضت الخلافة إلى عليٍّ صار الاختلاف بالسيف.\nوالمقصود أن الاختلاف منافٍ لما بعث الله به رسوله. قال عمر - ﵁ -: لا تختلفوا، فإنكم إن اختلفتم كان مَن بعدَكم أشدَّ اختلافًا (^٢). ولما سمع أُبيَّ بن كعب وابنَ مسعود (^٣) يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين صعد المنبر وقال: رجلان من أصحاب النبي - ﷺ -[١٥٥/ب] اختلفا، فعن أيِّ فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أسمع اثنين اختلفا بعد مقامي هذا إلا صنعتُ وصنعتُ (^٤).\n_________\n(^١) يعني: حجَّ التمتع. انظر ما سبق في (١/ ١٢٠).\n(^٢) سبق نحوه في (١/ ١١٦).\n(^٣) ت: «ابن مسعود وأُبي بن كعب».\n(^٤) رواه (دُونَ طرفه الأخير) ابن أبي شيبة (٣٢٠٧)، والدارقطني في «العلل» (٢/ ١٠٤)، والبيهقي (٢/ ٢٣٨) من رواية أبي سعيد الخدري - ﵁ -. ورواه عبد الرزاق (١٣٨٤) عن معمر، عن قتادة، عن الحسن منقطعًا. ويُنظر: «العلل» للدارقطني (٢/ ١٠٣)، و«جامع بيان العلم» لابن عبد البر (١٧١٣).","vol":"2","page":22},{"text":"وقال علي في خلافته لقُضاته: اقضُوا كما كنتم تقضُون، فإني أكره الخلاف، وأرجو أن أموت كما مات أصحابي (^١).\nوقد أخبر النبيُّ - ﷺ - أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان باختلافهم على أنبيائهم (^٢).\nوقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن الأَسْقَع: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، ونحن نتنازع في شيء من الدين، فغضب غضبًا شديدًا لم يغضَب مثلَه. قال: ثم انتهَرَنا، قال: «يا أُمةَ محمد لا تهيجوا على أنفسكم وهَجَ النار». ثم قال: «بهذا أمرتم؟ أو ليس عن هذا نُهيتم؟ إنما هلك مَن كان قبلكم بهذا» (^٣).\nوقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا: جلسنا (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٠٧).\n(^٢) كما في حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧).\n(^٣) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٧٦٥٩)، والآجرِّي في «الشريعة» (١١١)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٧٤، ٧/ ٢٠٧)، وابن بطة في «الإبانة» (٥٣٢)، وابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» (٣٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨، ٣٦٩ - ٣٧٠). وآفتُه عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي، التالفُ الساقطُ، المولَعُ بإلزاق الأباطيل والموضوعات بجماعة من الصحابة، يزعمُ أنهم اجتمعُوا له وحدّثوه بهاتيك الأُخلوقات! على أن السند إليه لا يصح، فقد رواه عنه بعض الهالكين مثل: أبين بن سفيان، وكثير بن مروان. وللحديث شواهد واهية عند الحارث بن محمد بن أبي أسامة في «المسند» (٧٤٦ - «بغية الباحث») ــ، وأبي يعلى في «المسند» (٣١٢١)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٧٠٥٢) وغيرِهم. ويُغني عن هذا الحديثِ: حديثُ عبد الله بن عمرو ¶ الآتي تخريجُه عَقِبَ هذا.\n(^٤) في «ذم الكلام» ــ وهو مصدر النقل فيما يبدو ــ: «ما جلسنا». وكذا في «طبقات ابن سعد».","vol":"2","page":23},{"text":"مجلسًا في عهد رسول الله - ﷺ - كنَّا به (^١) أشدَّ اغتباطًا (^٢). جئنا (^٣) فإذا رجالٌ عند حجرة عائشة يتراجعون في القدَر، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله - ﷺ - خلف الحجرة يسمع كلامهم. فخرج علينا رسولُ الله - ﷺ - مغضبًا يُعرَف في وجهه الغضب، حتى وقف عليهم، فقال (^٤): «يا قوم بهذا ضلَّت الأمم قبلكم: باختلافهم على أنبيائهم، وضربِهم الكتابَ بعضَه ببعض. وإنَّ القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدِّق بعضُه بعضًا. ما عرفتم منه (^٥) فاعملوا به، وما تشابَه فآمنوا به». ثم التفتَ، فرآني أنا وأخي جالسين، فغبطنا أنفسَنا أن لا يكون رآنا معهم (^٦).\nقال البخاري (^٧): رأيتُ أحمد بن حنبل وعليَّ بن عبد الله والحُميدي\n_________\n(^١) «كنَّا به» تحرَّف في النسخ الخطية والمطبوعة إلى «كأنَّه».\n(^٢) السياق في «الطبقات»: «اغتباطًا من مجلسٍ جلسناه يومًا».\n(^٣) ساقط من النسخ المطبوعة. ويبدو أنه لإهماله فيها أشكل على الناشرين فحذفوها.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «وقال».\n(^٥) هذا آخر ما في الورقة الساقطة من ع.\n(^٦) كذا رواه ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٧٩)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٨١٢)، وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٤٨) من مسند ابْنَي العاص، ولذلك أخرجه ابن سعد وابن أبي عاصم وغيرهما في ترجمة هشام بن العاص، أخي عمرٍو، ¶. ولو ثبت ذلك لكان السند ظاهرَ الانقطاع، فإن شعيب بن محمد لم يُدرك ابنَي العاص بلا ثُنْيَا. لكن المحفوظ أن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو. كذا ورد من طرق كثيرة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. وقد خرّجه جماعة، منهم: أحمد (٦٦٦٨، ٦٨٤٥، ٦٨٤٦)، وابن ماجه (٨٥)، حسَّن سندَه البيهقيُّ في «القضاء والقدر» (٤٤١).\n(^٧) في «التاريخ الكبير» (٦/ ٣٤٢ - ٣٤٣). والنقل من «ذمّ الكلام» (٤٩).","vol":"2","page":24},{"text":"وإسحاق بن إبراهيم يحتجُّون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه.\n[١٥٦/أ] وقال أحمد بن صالح: أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله (^١).\nقالوا: وأيضًا فإذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين فإما أن يقال: كلُّ مجتهد مصيب، فيلزم أن يكون الشيءُ وضدُّه صوابًا؛ وإما أن يقال: المصيب واحد، وهو القول الصواب. ولكن ليس أحد القياسين بأولى من الآخر، ولا سيَّما قياس الشَّبَه، فإنَّ الفرع قد يكون فيه وصفان شَبَهيَّان (^٢) للشيء وضده، فليس جعلُ أحدهما صوابًا دون الآخر بأولى من العكس.\nقالوا: وأيضًا فالنبي - ﷺ - قال: «أوتيتُ جوامعَ الكلِم، واختُصِرتْ لي الحكمةُ اختصارًا» (^٣).\n_________\n(^١) رواه أبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٥٠) من طريق زكريا بن يحيى (وهو الحلواني)، عن أحمد بن صالح به.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «شبيهان»، والصواب ما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٣) رواه (بنحوه) عبد الرزاق (١٠١٦٣) ــ ومن طريقه البيهقي في «الجامع لشعب الإيمان» (٤٨٣٧)، وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٥٩١) ــ، وأبو داود في «المراسيل» (٤٥٥) من مرسل أبي قلابة الجرمي. ورواه ابن الضريس في «فضائل القرآن» (٨٩) ــ ومن طريقه الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (٢/ ١٦١) من مرسل الحسن البصري. ورواه الدارقطني في «السنن» (٤٢٧٥) من حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعا بسند ضعيف منكر. وأغرب العراقي فجوّد سنده في «المغني» (٢٣٩٠). ورواه البيهقي في «الجامع لشعب الإيمان» (١٣٦٧) ــ ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» (٤/ ٨) ــ من حديث عمر - ﵁ - مرفوعًا، بسند واهٍ جدًّا فيه علل، لكن الظاهر أن آفته من محمد بن يونس الكديمي المُتَّهَم.\n\nوله طريق أخرى من حديثه أيضًا عند أبي يعلى في «المسند الكبير» [كما في «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (٢٣٩، ٣٧٧)، و«المطالب العالية» لابن حجر (٣٨٤٨)] والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٢٤٤). وقد أشار البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ١٩٢)، وفي «الضعفاء الصغير» (١٠٩) إلى عدم صحة هذا السند خاصة، ووافقه العقيلي، وأشار إلى أنه رُوي من طريق أخرى فيها لِينٌ. ويُنظر «سلسلة الأحاديث الضعيفة» للألباني (٢٨٦٤).","vol":"2","page":25},{"text":"وجوامع الكلم هي: الألفاظ الكلِّيَّة العامَّة المتناولة لأفرادها. فإذا انضاف ذلك إلى بيانه الذي هو أعلى رُتَب البيان لم يُعدَل عن الكلمة الجامعة التي في غاية البيان لِما دلَّت عليه إلى لفظ أطولَ منها وأقلَّ بيانًا، مع أن الكلمة الجامعة تزيل الوهم، وترفع الشكَّ، وتبيِّن المراد. فكأنْ يقول: «لا تبيعوا كلَّ مَكيل ولا موزون بمثله إلا سواء بسواء». فهذا أخصَر وأبيَن وأدلّ وأجمَع من أن يذكر ستة أنواع، ويدل بها على ما لا ينحصر من الأنواع. فكمالُ علمه - ﷺ -، وكمالُ شفقته ونصحه، وكمالُ فصاحته وبيانه= يأبى ذلك.\nقالوا: وأيضًا فحكمُ القياس إما أن يكون موافقًا للبراءة الأصلية، وإما أن يكون مخالفًا لها. فإن كان موافقًا لم يُفِد القياس شيئًا، لأنَّ مقتضاه متحقِّق بها. وإن كان مخالفًا لها امتنع القول به، لأنها (^١) متيقَّنة، فلا تُرفَع بأمر لا تُتيقَّن صحته، إذ اليقين يمتنع رفعه بغير يقين.\nقالوا: وأيضًا فإنَّ غالب القياسات التي رأينا القيّاسين (^٢) يستعملونها رجمٌ بالظنون، وليس ذلك من العلم في شيء. ولا مصلحة للأمة في إقحامهم (^٣)\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «لأنه»، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، وقد تكرر ذلك من قبل.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «اقتحامهم».","vol":"2","page":26},{"text":"ورطاتِ [١٥٦/ب] الرَّجْم بالظنون حتى يخبطوا فيها خبطَ عشواء (^١)، ويحكموا بها على الله ورسوله.\nقالوا: وأيضًا فقول القيَّاس (^٢): هذا حلال، وهذا حرام= هو خبر عن الله سبحانه أنه أحلَّ كذا وحرَّمه، وأنه أخبر عنه بأنه حلال أو حرام؛ فإنَّ حكمَ الله خبرُه. فكيف يجوز لأحد أن يشهد على الله أنه أخبر بما لم يُخبِر به هو ولا رسوله قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠].\nقالوا: وأيضًا فالقياس لا بدّ فيه من علة مستنبطة من حكم الأصل، والحكمُ في الأصل يحتمل أن يكون معلَّلًا، وأن يكون غير معلَّل. وإذا كان معلَّلًا احتمل أن يكون لنا طريقٌ إلى العلم بعلَّته، واحتمل أن لا يكون لنا طريق. وإذا كان لنا طريقٌ احتمل أن تكون العلة هي هذه المعيَّنة، وأن تكون جزءَ علة، وأن تكون العلة غيرها. وإذا ظهرت العلة احتمل أن لا تكون في الفرع، وإذا كانت فيه احتمل أن يتخلَّف الحكمُ عنها لمعارض آخر. وما هذا شأنه كيف يكون من حجج الله وبيِّناته وأدلّة الأحكام التي هدى الله بها عباده؟\nقالوا: وأيضًا فلو كان القياس حجةً لأفضى ذلك إلى تكافؤ الأدلة الشرعية. وهو محال، فإنه قد يتردد الفرع (^٣) بين أصلين أحدهما التحريم والآخر الإباحة. فإذا ظهر في نظر المجتهد شبهُ الفرعِ بكلِّ واحد منهما لزم\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «في ظلماء».\n(^٢) ع: «فيقول القيّاس». وقرأها الشيخ عبد الرحمن الوكيل: «فنقول: القياس». وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومَن تابعه: «القياسي». والصواب ما أثبتنا.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فرع».","vol":"2","page":27},{"text":"الحكمُ بالحِلِّ والحرمة في شيء واحد، وهو محال.\nقالوا: وأيضًا فليس قياس الفرع على الأصل في تعدية حكمه إليه أولى من قياسه عليه في عدم ثبوته بغير النص. وحينئذ (^١) فنقول (^٢): حكمُ الفرع حكمٌ من أحكام الشرع، فلا يجوز ثبوته بغير النص كحكم الأصل، فما الذي جعل قياسكم أولى من هذا؟ ومعلوم أنَّ هذا أقرب إلى [١٥٧/أ] النصوص وأشدُّ موافقةً لها من قياسكم، وهذا ظاهر.\nقالوا: وأيضًا فحكمُ الله بإيجاب الشيء يتضمَّن محبته له، وإرادته لوجوده، وعِلمَه بأنه أوجبه، وكلامَه الطلبيَّ والخبريَّ، وجعلَ فعلِه سببًا لمحبته لعبده ورضاه عنه وإثابته عليه، وتركِه سببًا لضد ذلك. ولا سبيل لنا إلى العلم بهذا إلا من خبر الله عن نفسه أو خبر رسوله عنه، فكيف يُعلَم ذلك بقياس أو رأي؟ هذا ظاهر الامتناع.\nقالوا: ولو كان القياس من حجج الله وأدلة أحكامه لكان حجةً في زمن النبي - ﷺ - كسائر الحجج، فلما لم يكن حجةً في زمنه - ﷺ - لم يكن حجة بعده.\nوتقرير هذه الحجة بوجهين: أحدهما أن الصحابة لم يكن أحد منهم يقيس على ما سمع منه - ﷺ - ما لم يسمع، ولو كان هو معقول النصوص لكان تعديةُ الحكم به وشمول المعنى كتعدية الحكم باللفظ وشموله لجميع أفراده. وذلك لا يختص بزمان دون زمان، فلما قلتم: لا يكون القياس في زمن النص، عُلِمَ أنه ليس بحجة.\n_________\n(^١) ع: «فحينئذ»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في المطبوع: «نقول».","vol":"2","page":28},{"text":"الوجه الثاني: أن تعلُّقَ النصوص بالصحابة كتعلُّقها بمن بعدهم، ووجوب اتباعها على الجميع واحد.\nقالوا: ولأنَّا لسنا على ثقةٍ من عدم (^١) تعليق الشارع الحكمَ بالوصف الذي يبديه القيَّاسون (^٢) وأنه إنما علَّق الحكمَ بالاسم بحيث يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه؛ بل تعليقُ الحكم بالاسم تعليقٌ بما لنا طريقٌ إلى العلم به طردًا وعكسًا، بخلاف تعليقه بالوصف الشَّبَهي فإنه خَرْص وحَزْر، وما كان هكذا لم ترد به الشريعة.\nقالوا: ولأن الأصل عدمُ العمل بالظنون إلا فيما تيقَّنَّا أن الشرع أوجبَ علينا العملَ به [١٥٧/ب] للأدلة الدالة على تحريم اتباع الظن. فمعنا منعٌ يقينيٌّ من اتباع الظن، فلا نتركه إلا بيقين يوجب اتباعه.\nقالوا: ولأن تشابه الفرع والأصل يقتضي ألا يثبت الفرع إلا بما يثبت به الأصل، فإن كان القياس حقًّا لزم توقّفُ الفرع في ثبوته على النص كالأصل. فالقول بالقياس من أبين الأدلة على بطلان القياس.\nقالوا: ولأن الحكم لا يخلو إمَّا أن يتعلَّق بالاسم وحده، أو بالوصف المشترك وحده، أو بهما. فإن تعلَّق بالاسم وحده أو بهما بطل القياس. وإن تعلَّق بالوصف المشترك بينهما لزم أمران محذوران:\nأحدهما: إلغاء الاسم الذي اعتبره الشارع، فإن الوصف إذا كان أعمَّ منه وكان هو المستقِلَّ بالحكم كان الأخصُّ ــ وهو الاسم ــ عديمَ التأثير.\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. ولعل كلمة «عدم» مقحمة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «القياسيون»، كما سبق.","vol":"2","page":29},{"text":"الثاني: أنه إذا كان الاسم عديم التأثير لم يكن جعلُ ما دلَّ عليه أصلًا لما سكت عنه أولى من العكس، إذ التأثير للوصف وحده. بل يلزم أن لا يكون هناك فرع وأصل، بل تكون الصورتان فردين من أفراد العموم المعنوي، كما يكون أفراد العام لفظًا كذلك، ليس بعضُها أصلًا لبعض.\nقالوا: ولا ريب أن البيان بالألفاظ العامة أعلى من البيان بالقياس، فكيف يعدل الشارع ــ مع كمال حكمته ــ عن البيان الجَليِّ إلى البيان الأخفى (^١)؟ قالوا: ونسأل القيّاسين (^٢) عن محلِّ القياس: أيجب في الشيئين إذا تشابها من كلِّ وجه، أم إذا اشتبها من بعض الوجوه وإن اختلفا في بعضها؟ فإن قال بالأول ترك قوله وادعى مُحالًا، إذ ما من شيئين إلا بينهما (^٣) جامع وفارق، وإن قال بالثاني قيل له: فهلَّا حكمتَ [١٥٨/أ] للفرع بضدِّ حُكمِ الأصل من أجل الوجه الذي خالفه فيه؟ فإن كانت تلك جهةَ وفاق تدل على الائتلاف، فهذه جهة افتراق تدل على الاختلاف؛ فليس إلحاقُ صور النزاع بموجَب الوفاق أولى من إلحاقه بموجَب الافتراق.\nقالوا: ولا ينفعه الاعتذار بأنه متى وقع الاتفاق في المعنى الذي ثبت الحكمُ من أجله عديتُ الحكمَ، وإلا فلا.\nقيل له: إذا كان في الأصل عدة أوصاف، فتعيينُك أن هذا الوصف الذي من أجله شُرع الحكم قولٌ بلا علم. وقد عارضك فيه منازعوك، فادَّعوا أن الحكم شُرِع لغير ما ذكرتَ.\n_________\n(^١) ت: «الخفي».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «القياسي».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وبينهما».","vol":"2","page":30},{"text":"مثاله: أن الشارع لمّا نصَّ على ربا الفضل في الأعيان المذكورة في الحديث، فقال قائل: إن المعنى الذي حرم التفاضل لأجله هو الكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات= قال له منازعه: لا، بل هو (^١) كونها مطعومة. فقال آخر: لا، بل هو كونها مُقتاتةً مدَّخرةً (^٢). فقال آخر: لا، بل كونها تجري فيها الزكاة. فقال آخر: لا بل كونها جنسًا واحدًا. وكلُّ فريق يزعم أن الصواب ما ادّعاه دون منازعه، ويقدح فيما ادَّعاه الآخر. ولا يتهيأ له قدحٌ في قول منازعه، إلا ويتهيأ لمنازعه مثلُه أو أكثرُ منه أو دونه. فلو ظنَّ آخرون فقالوا: العلة كونه مما تُنبته الأرض، واحتجَّ بأن الله سبحانه امتنَّ على عباده بما تُنبته لهم الأرض، وقال (^٣): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ وقال: إن من تمام النعمة فيه أن لا يباع بعضه ببعض متفاضلًا= لكان قوله واحتجاجه من جنس قول الآخرين [١٥٨/ب] واحتجاجهم. وما هذا سبيله، كيف (^٤) يكون من الدين بسبيل؟\nقالوا: وأيضًا فإذا كان النصُّ في الأصل قد دلَّ على شيئين: ثبوت الحكم فيه نطقًا، وتعديته إلى ما في معناه بالعلة؛ فإذا نُسِخ الحكم في الأصل هل يبقى الحكم في الفرع أو يزول؟ فإن قلتم: «يبقى» فهو محال، وإن قلتم: «يزول» تناقضتم؛ إذ من أصلكم أنَّ نسخَ بعضِ ما تناوله (^٥) النص\n_________\n(^١) «هو» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ومدخرة» بزيادة الواو.\n(^٣) ت: «فقال».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «فكيف».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «يتناوله» هنا وفيما بعد.","vol":"2","page":31},{"text":"لا يوجب نسخَ جميعِ ما تناوله، كالعامِّ إذا خُصَّ بعضُ أفراده لم يوجب ذلك تخصيصَ غيره. فإذا كان حكمُ الأصل قد دلَّ على شيئين، فارتفع أحدهما، فما الموجِب لارتفاع الثاني؟ وإن قلتم: «يثبت بالقياس ويرتفع بالقياس» قيل: إنما أثبتُّموه لوجود العلة الجامعة عندكم، والعلة لم تَزُل بالنسخ، وهي سبب ثبوته، وما دام السبب قائمًا فالمسبَّب كذلك. ولو زالت العلة بالنسخ لأمكن تصحيح قولكم.\nفإن قلتم: نسخُ حكمِ الأصل يقتضي نسخَ كونِ العلة علةً.\nقيل: هذه دعوى لا دليل عليها، فإن النصَّ اقتضى ثبوتَ حكم الأصل، وكونُ وصفِ كذا علةً مقتضٍ للتعدية (^١) على قولكم، فهما حكمان متغايران؛ فزوال أحدهما لا يستلزم زوال الآخر.\nقالوا: ولو كان القياس من الدين لقال النبيُّ - ﷺ - لأمته: إذا أمرتُكم بأمر أو نهيتُكم عن شيء فقيسوا عليه ما كان مثلَه أو شِبْهَه؛ ولكان هذا أكثرَ شيء في كلامه، وطرقُ الأدلة عليه متنوعةً، لشدة الحاجة إليه، ولا سيما عند غلاة القيّاسين (^٢) الذين يقولون: إن النصوص لا تفي بعُشْر معشار الحوادث.\nوعلى قول هذا الغالي الجافي [١٥٩/أ] عن النصوص، فالحاجةُ إلى القياس أعظمُ من الحاجة إلى النصوص، فهلّا جاءت الوصية باتباعه ومراعاته! والوصيةُ بحفظ (^٣) حدود ما أنزل الله على رسوله وأن لا\n_________\n(^١) س: «تقتضي للتعدية» وفي ع: «مقتضي التعدية». وأثبت في المطبوع: «تقتضي التعدية».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، كالعادة.\n(^٣) س: «تحفظ».","vol":"2","page":32},{"text":"تُتعدَّى (^١). ومعلوم أن الله سبحانه حدَّ لعباده حدودَ الحلال (^٢) والحرام بكلامه، وذمَّ من لم يعلم حدودَ ما أنزل الله على رسوله. والذي أنزله هو كلامه، فحدودُ ما أنزله (^٣) الله هو الوقوفُ عند حدِّ الاسم الذي علَّق عليه الحِلَّ والحُرمةَ، فإنه هو المنزَّل على رسوله، وحدُّه: ما (^٤) وُضِع له لغةً أو شرعًا، بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه، ولا يخرج منه شيء من موضوعه.\nومن المعلوم أن حدَّ البُرِّ لا يتناول الخردل، وحدُّ التمر لا يدخل فيه البَلُّوط، وحدُّ الذهب لا يتناول القطن. ولا يختلف الناس أن حدَّ الشيء ما يمنع دخولَ غيره فيه، ويمنع خروجَ بعضه منه.\nوقد تقدَّم تقريرُ هذا، وأعدناه لشدة الحاجة إليه؛ فإنَّ أعلمَ الخلق بالدين أعلَمُهم بحدود الأسماء التي علَّق بها الحِلَّ والحُرمة.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-178>الأسماء التي لها حدود في كلام الله ورسوله ثلاثة أنواع:</span>\nنوعٌ له حدٌّ في اللغة، كالشمس والقمر، والبرّ والبحر، والليل والنهار. فمن حمل هذه الأسماء على غير مسمَّاها، أو خصَّها ببعضه، أو أخرج منها بعضه= فقد تعدَّى حدودها.\nونوعٌ له حدٌّ في الشرع، كالصلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان\n_________\n(^١) كذا وقعت العبارة في النسخ الخطية والمطبوعة. والواو في «الوصية» للحال. يعني: والحال أن الوصية لم تجئ باتباع القياس ومراعاته، بل جاءت بحفظ حدود ما أنزل الله.\n(^٢) ع: «حدودًا للحلال».\n(^٣) ت، ع: «أنزل». والمقصود: فحفظ حدود ما أنزله الله.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «بما».","vol":"2","page":33},{"text":"والإسلام والتقوى ونظائرها. فحكمُها في تناولها لمسمَّياتها الشرعية كحكم النوع الأول في تناوله لمسماه اللغوي.\nونوع له حدٌّ في العُرف، لم يحُدَّه الله ورسوله بحدٍّ غير المتعارف، ولا حدَّ له في اللغة، كالسفر، والمرض المبيح للترخُّص، والسَّفَه والجنون الموجِب للحَجْر، والشقاق الموجب لبعث الحكمين، والنشوز المسوِّغ لهجر الزوجة [١٥٩/ب] وضربها، والتراضي المسوِّغ لحِلِّ التجارة، والضِّرار المحرَّم بين المسلمين، وأمثال ذلك. وهذا النوع في تناوله لمسمَّاه العرفي كالنوعين الآخرين في تناولهما لمسمَّاهما.\nومعرفة حدود هذه الأسماء ومراعاتها مغنٍ عن القياس غيرُ مُحْوِج إليه. وإنما يحتاج إلى القياس من قصَّر في معرفة (^١) هذه الحدود، ولم يُحِطْ بها علمًا، ولم يُعطها حقَّها من الدلالة.\nمثاله: تقصير طائفة من الفقهاء في معرفة حدِّ الخمر حيث خصُّوه بنوع خاصٍّ من المسكرات، فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كلِّ مسكر سلكوا طريق القياس، وقاسوا ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه. فنازعهم الآخرون في هذا القياس، وقالوا: لا يجري في الأسباب، وطال النزاع بينهم، وكثر السؤال والجواب. وكلُّ هذا من تقصيرهم في معرفة حدِّ الخمر، فإن صاحب الشرع قد حدَّه بحدٍّ يتناول كلَّ فرد من أفراد المسكر فقال: «كلُّ مسكِر خمر» (^٢)، فأغنانا هذا الحدُّ عن باب طويل عريض كثير التعب من القياس، وأثبتنا التحريم بنصِّه لا بالرأي والقياس.\n_________\n(^١) «في معرفة» ساقط من ع.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":34},{"text":"ومن ذلك أيضًا: تقصير طائفة في لفظ «الميسر»، حيث خصُّوه بنوع من أنواعه، ثم جاؤوا إلى الشِّطْرَنج مثلًا، فراموا تحريمه قياسًا عليه. فنازعهم آخرون في هذا القياس وصحته، وطال النزاع. ولو أعطوا لفظ الميسر حقَّه وعرفوا حدَّه لَعلِموا أن دخول الشطرنج فيه أولى من دخول غيره، كما صرَّح به من صرَّح من الصحابة والتابعين، وقالوا: الشطرنج من الميسر (^١).\nومن ذلك: تقصير طائفة في لفظ «السارق»، حيث أخرجوا منه نبَّاشَ القبور، ثم راموا قياسه [١٦٠/أ] في القطع على السارق، فقال لهم منازعوهم: الحدود والأسماء لا تثبت قياسًا، فأطالوا وأعرضوا في الردِّ عليهم. ولو أعطوا لفظ السارق حقَّه (^٢) لرأوا أنه لا فرق في حدِّه ومسمَّاه بين سارق الأثمان وسارق الأكفان، وأن إثبات الأحكام في هذه الصور بالنصوص لا بمجرد القياس.\nونحن نقول قولًا ندين الله به، ونحمد الله على توفيقنا له، ونسأله الثبات عليه: إن الشريعة لم تُحْوِجنا إلى قياس قطُّ، وإنَّ فيها غُنيةً وكفايةً عن كلِّ رأي وقياس وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها.\nوقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].\nوقال علي: «إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه» (^٣).\n_________\n(^١) انظر ما سلف من أقوالهم.\n(^٢) ع: «حدَّه»، وكذا في الطبعات القديمة.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":35},{"text":"وقال النبي - ﷺ - لعبد الله بن عباس: «اللهم فقِّهه في الدين، وعلِّمه التأويل» (^١).\nوقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله - ﷺ - (^٢).\nوقال عمر لأبي موسى: «الفهم الفهم» (^٣).\nفصل\nقالوا: ومما يبيِّن فساد القياس وبطلانه تناقضُ أهله فيه، واضطرابُهم تأصيلًا وتفصيلًا.\nأما التأصيل، فمنهم من يحتجُّ بجميع أنواع القياس، وهي: قياس العلة، والدلالة، والشَّبَه، والطرد. وهم غلاتهم، كفقهاء ما وراء النهر وغيرهم، فيحتجُّون في طرائقهم على منازعهم في مسألة المنع من إزالة النجاسة بالمائعات بأنه مائع لا تبنى عليه القناطر، ولا تجري فيه السفن؛ فلا تجوز إزالة النجاسة به، كالزيت والشَّيْرَج (^٤)، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي إلى التلاعب بالدين أقرب منها إلى تعظيمه.\nوطائفة تحتجُّ (^٥) بالأقيسة الثلاثة دونه، وتقول: قياس العلة أن يكون\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٣٩٧، ٢٨٧٩، ٣٠٣٢، ٣١٠٢) من حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعا، وصححه ابن حبان (٣٣٩٢)، والحاكم (٣/ ٥٣٤). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١٠/ ١٦٩، ٢٢٢ - ٢٢٣، ١٣/ ١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٩٠٤) ومسلم (٢٣٨٢).\n(^٣) من كتاب عمر في القضاء، وقد سبق بطوله.\n(^٤) انظر: «العدّة» للقاضي (٥/ ١٤٣٨).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «يحتجون».","vol":"2","page":36},{"text":"الجامع هو العلة التي لأجلها شُرِع الحكمُ في الأصل. وقياس الدلالة: أن يُجمَع بينهما بدليل [١٦٠/ب] العلة. وقياس الشَّبه: أن يتجاذب الحادثةَ أصلان: حاظر ومبيح، ولكلِّ واحد من الأصلين أوصاف، فتلحق الحادثة بأكثر الأصلين شبهًا بها؛ مثل أن يكون بالإباحة أشبهَ بأربعة أوصاف، وبالحظر بثلاثة؛ فيلحق بالإباحة.\nوقد قال الإمام أحمد في هذا النوع (^١) في رواية أحمد بن الحسين: «القياس: أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كلِّ أحواله. فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال، فأردتَ أن تقيس عليه، فهذا خطأ. قد (^٢) خالفه في بعض أحواله، ووافقه في بعضها. فإذا كان مثله في كلِّ أحواله، فما أقبلتَ (^٣) به وأدبرتَ به، فليس في نفسي منه شيء» (^٤).\nوبهذا قال أكثر الحنفية والمالكية والحنابلة. وقالت طائفة: لا قياس إلا قياس العلة فقط. وقالت فرقة بذلك، لكن (^٥) إذا كانت العلة منصوصة.\nثم اختلف القيّاسون (^٦) في محل القياس، فقال جمهورهم: يجري في الأسماء والأحكام. وقالت فرقة: بل لا تثبت الأسماء قياسًا، وإنما محل\n_________\n(^١) يعني: في قياس الشبه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وقد».\n(^٣) في «العدَّة» ــ وهو مصدر النقل ــ: «أحواله، فأقبلت». وكذا في «التمهيد».\n(^٤) «العدَّة» (٤/ ١٣٢٦). وانظر: «التمهيد» لأبي الخطاب (٤/ ٥). وذكر القاضي نحوه في «العدة» (٥/ ١٤٣٦) من رواية الأثرم.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «ولكن».\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «القياسيون»، كالعادة.","vol":"2","page":37},{"text":"القياس الأحكام. ثم اختلفوا، فأجراه جمهورهم في العبادات واللغات والحدود والأسباب وغيرها. ومنعه طائفة في ذلك. واستثنت طائفة الحدود والكفارات فقط. واستثنت طائفة أخرى معها الأسباب.\nوكلُّ هؤلاء قسموه إلى ثلاثة أقسام: قياس أولى، وقياس مثل، وقياس أدنى. ثم اضطربوا في تقديمه على العموم أو بالعكس على قولين. واضطربوا في تقديمه على خبر الآحاد الصحيح، فجمهورهم قدَّم الخبر، وقال أبو بكر بن الفرج (^١) القاضي وأبو بكر الأبهري (^٢) المالكيان: هو مقدَّم على خبر الواحد. ولا يمكنهم ولا أحدًا (^٣) من الفقهاء طردُ هذا القول [١٦١/أ] البتة، بل لا بدّ من تناقضهم.\nواضطربوا في تقديمه على الخبر المرسل، وعلى قول الصحابي. فمنهم من قدَّم القياس، ومنهم من قدَّم المرسل وقول الصحابي، وأكثرهم ــ بل كلُّهم ــ يقدِّمون هذا تارةً، وهذا تارةً. فهذا تناقضهم في التأصيل.\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وهو خطأ، صوابه أبو الفرج كما في «الإحكام» لابن حزم (٧/ ٥٤). وهو أبو الفرج عمرو بن محمد الليثي البغدادي صاحب كتاب «اللمع في أصول الفقه»، المتوفى سنة ٣٣٠. انظر ترجمته في «الديباج المذهب» لابن فرحون (٢/ ٩٩).\n(^٢) هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح، أخذ عن أبي الفرج القاضي وغيره. انتهت إليه رئاسة المالكية في وقته. توفي ببغداد سنة ٣٩٥. انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٣٣٢) و«الديباج المذهب» (٢/ ١٦٢).\n(^٣) في النسخ الخطية والمطبوعة: «أحد» بالرفع، وهو خطأ. ويستغرب عدم تنبُّه الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد عليه.","vol":"2","page":38},{"text":"وأما تناقضهم في التفصيل، فنذكر منه طرفًا يسيرًا (^١) يدل على ما وراءه من قياسِهم في المسألة قياسًا، وتركِهم فيها مثلَه أو ما هو أقوى منه، أو تركِهم نظيرَ ذلك القياس أو أقوى منه في مسألة أخرى، لا فرق بينهما البتة.\nفمن ذلك: أنهم أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقاسوا في أحد القولين عليه سائر الأنبذة، وفي القول الآخر لم يقيسوا عليه. فإن كان هذا القياس حقًّا فقد تركوه، وإن كان باطلًا فقد استعملوه، ولم يقيسوا عليه الخلَّ ولا فرق بينهما. وكيف كان نبيذ التمر «تمرةٌ طيبةٌ وماءٌ طهورٌ» (^٢)، ولم يكن الخلُّ «عنبةٌ طيبةٌ وماءٌ طهورٌ»، والمرَقُ «لحمٌ طيِّبٌ وماءٌ طهور» (^٣)؟، ونقيع المشمش والزبيب كذلك!\nفإن ادعوا الإجماع على عدم الوضوء بذلك، فليس فيه إجماع، فقد قال الحسن بن صالح بن حَيّ وحميد بن عبد الرحمن: يجوز الوضوء بالخَلِّ (^٤). وإن كان الإجماع كما ذكرتم، فهلَّا قِستم المنعَ من الوضوء\n_________\n(^١) قارن هذا الفصل بكتاب «الإحكام»: «فصل في ذكر طرفٍ يسيرٍ من تناقض أصحاب القياس في القياس ...» (٨/ ٤٨ - ٧٦).\n(^٢) يشير إلى حديث ابن مسعود الذي أخرجه الترمذي وغيره، وقد سبق تخريجه.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «لحمًا طيبًا وماءً طهورًا» ومن قبل أيضًا أثبت فيها لفظ «طهورًا» ولعل ذلك تغيير من الناشرين الذين ذهب عليهم أن الإعراب هنا على الحكاية.\n(^٤) لم أقف على قولهما. وفي «المحلَّى» (١/ ١٩٥ - دار الفكر) عن حُميد صاحب الحسن بن [صالح] بن حي أن «نبيذ التمر خاصة يجوز الوضوء به والغسل المفترض في الحضر والسفر، وجد الماء أو لم يوجد. ولا يجوز ذلك بغير نبيذ التمر». وهذا مخالف لما نقله المصنف عنهما.","vol":"2","page":39},{"text":"بالنبيذ على ما أجمعوا عليه من المنع من الوضوء (^١) بالخل؟\nفإن قلتم: اقتصرنا على موضع النص ولم نقِس عليه، قيل لكم: فهلَّا سلكتم ذلك في جميع نصوصه، واقتصرتم على محالِّها الخاصة، ولم تقيسوا عليها!\nفإن قلتم: لأن هذا خلاف القياس، قيل لكم: فقد صرَّحتم أنَّ ما ثبت على خلاف القياس يجوز القياس عليه. ثم هذا يُبطِل أصل القياس، فإنه إذا جاز ورود الشريعة (^٢) بخلاف القياس [١٦١/ب] عُلِمَ أن القياس ليس من الحق، وأنه عين الباطل، فإن الشريعة لا ترد بخلاف الحق أصلًا.\nثم من قاعدتكم أن خبر الواحد إذا خالف الأصول لم يُقبَل. وفي أيِّ الأصول وجدتم ما يجوز التطهُّر (^٣) به خارج المصر والقرية، ولا يجوز التطهُّر به داخلهما؟\nفإن قالوا: اقتصرنا في ذلك على موضع النص، قيل: فهلَّا اقتصرتم به على خارج مكة فقط حيث جاء الحديث! وكيف ساغ لكم قياسُ الغسل من الجنابة في ذلك على الوضوء دون قياس داخل المصر على خارجه، وقياسُ العنبة الطيبة والماء الطهور، واللحم الطيب والماء الطهور، والدِّبس الطيب والماء الطهور= على الثمرة الطيبة والماء الطهور؟ فقِستم قياسًا، وتركتم مثله، وما هو أولى منه؛ فهلَّا اقتصرتم على مورد الحديث، ولا عدَّيتموه إلى أشباهه ونظائره!\n_________\n(^١) ما عدا ع: «بالوضوء».\n(^٢) ع: «الشرع».\n(^٣) س، ع: «التطهير»، هنا وفيما بعد. وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":40},{"text":"ومن ذلك: أنكم قِستم على خبر مروي: «يا بني المطَّلب، إنَّ الله كرِه لكم غُسالةَ أيدي الناس» (^١)،\nفقِستم على ذلك الماء الذي يتوضأ به، وأبحتم لبني المطَّلب غُسالة أيدي الناس التي نصَّ عليها الخبر.\nوقِستم الماء المستعمل في رفع الحدث ــ وهو طاهر لاقى أعضاء طاهرة ــ على الماء الذي لاقى العَذِرة والدم والمَيْتات. وهذا من أفسد القياس. وتركتم قياسًا أصحَّ منه، وهو قياسه على الماء المستعمل في محل التطهير (^٢) من عضو إلى عضو ومن محل إلى محل، فأي فرق بين انتقاله من عضو المتطهر (^٣) الواحد إلى عضوه الآخر (^٤) وبين انتقاله إلى عضو أخيه المسلم؟ وقد قال النبي - ﷺ -: «مثَلُ المسلمين في توادِّهم وتراحُمهم كمثل الجسد الواحد» (^٥). ولا ريب عند كلِّ عاقل أن قياس جسد المسلم\n_________\n(^١) رواه (بنحوه) البلاذري في «أنساب الأشراف» (٤/ ٢٤ - ٢٥، ٢٩٥ - ٢٩٦)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٦٧٧، ٦٧٨) من حديث عبد المطلب بن ربيعة مرفوعًا، وفيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. ورواه ابن قانع في «معجم الصحابة» (٢/ ١٠٩)، لكن أحد الرواة قصّر به؛ فجعله من مسند عبد الله بن ربيعة، وفي ترجمته خرّجه ابن قانع. وله طريق أخرى واهية عند ابن أبي حاتم في «التفسير» (٩٠٩٣)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١١٥٤٣)، وأغرب ابن كثير في «التفسير» (٤/ ٦٤) فحسّنها، وتبعه الزيلعي في «نصب الراية» (٣/ ٤٢٥)، مع أن في السند حنشًا (واسمُه حسين بن قيس) متروك.\n\nوأصل الحديث في «صحيح مسلم» (١٠٧٢)، ليس فيه لفظ: «غسالة أيدي الناس».\n(^٢) ت: «التطهر».\n(^٣) ما عدا ع: «التطهير».\n(^٤) «الآخر» ساقط من ع.\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٠١١) ومسلم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير.","vol":"2","page":41},{"text":"على [١٦٢/أ] جسد أخيه أصحُّ من قياسه على العَذِرة والجِيَف والمَيْتات والدم.\nومن ذلك: أنكم قستم الماء الذي توضَّأ به الرجل على العبدِ الذي أعتقه في كفارته، والمالِ الذي أخرجه في زكاته. وهذا من أفسد القياس. وقد تركتم قياسًا أصحَّ في العقول والفِطَر منه، وهو قياسُ هذا الماء الذي قد أدَّى به عبادةً على الثوب الذي قد صلَّى فيه، وعلى الحصى التي رمَى بها (^١) الجمار مرةً عند من يجوز منكم الرميُ بها ثانية، وعلى الحجر الذي استجمر به مرةً إذا غسله أو لم يكن به نجاسة.\nومن ذلك: أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة، فلم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، على الماء الذي غيَّرت النجاسة لونه وطعمه وريحه (^٢). وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحسِّ. وتركتم قياسًا أصح منه، وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة. فقياس الوارد على المورود، مع استوائهما في الحدِّ والحقيقة والأوصاف، أصحُّ من قياس مائة رطل ماءً وقع فيها (^٣) شعرةُ كلب على مائة رطل خالطها مثلُها بولًا وعَذِرةً، حتى غيَّرها.\nومن ذلك (^٤): فرَّقتم بين ماء جارٍ بقدر طرف الخنصر تقع فيه النجاسة فلم تغيِّره، وبين الماء العظيم المُستبحِر إذا وقع فيه مثلُ رأس الإبرة من\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «الذي رمى به».\n(^٢) ع: «أو طعمه أو ريحه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فيه».\n(^٤) زادوا بعد ذلك في النسخ المطبوعة: «أنكم».","vol":"2","page":42},{"text":"البول، فنجَّستم الثاني دون الأول. وتركتم محضَ القياس، ولم (^١) تقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبير في غربيِّه نجاسةٌ على الجانب الشمالي والجنوبي، وكلُّ ذلك مماسٌّ لما قد تنجَّس عندكم مماسّة مستوية.\nوقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة، فأوجبوا الاستنشاق. ولم يقيسوه عليه في الوضوء [١٦٢/ب] الذي أمر رسول الله - ﷺ - فيه بالاستنشاق نصًّا (^٢)، ففرَّقوا بينهما، وأسقطوا الوجوب في محلَّ الأمر به، وأوجبوه في غيره. والأمرُ بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل البدن في الجنابة سواء.\nومن ذلك: أنكم قستم النسيان على العمد في الكلام في الصلاة، وفي فعل المحلوف عليه ناسيًا، وفيما يوجب الفدية من محظورات الإحرام كالطيب واللباس والحلق والصيد، وفي حمل النجاسة في الصلاة. ثم فرَّقتم بين النسيان والعمد في السلام قبل تمام الصلاة، وفي الأكل والشرب في الصوم، وفي ترك التسمية على الذبيحة، وفي غير ذلك من الأحكام.\nوقستم الجاهل على الناسي في عدّة مسائل، وفرَّقتم بينهما في مسائل أخر. ففرَّقتم بينهما فيمن نسي أنه صائم فأكل أو شرب، لم يبطل صومه؛ ولو\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فلم».\n(^٢) رواه أحمد (١٦٣٨٠، ١٦٣٨٣)، وأبو داود (١٤٢، ٢٣٦٦)، والترمذي (٧٨٨) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٤٠٧)، والنسائي (٨٧) من حديث لقيط بن صَبِرة - ﵁ - مرفوعًا. وصححه أيضًا ابن خزيمة (١٥٠، ١٦٨)، وابن حبان (١٦٠٠، ٤٣٣٧، ٦١٠٠)، والحاكم (١/ ١٤٧ - ١٤٨، ٤/ ١١٠)، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٥٩٢، ٥٩٣)، وابن حجر في «الإمتاع» (ص ٥٠)، وغيرُهم.","vol":"2","page":43},{"text":"جهِل فظنَّ وجودَ الليل فأكل أو شرب فسد صومه؛ مع أن الشريعة تعذِر الجاهل، كما تعذِر الناسي أو أعظم. كما عذَر النبيُّ - ﷺ - المسيءَ في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة، فلم يأمره بإعادة ما مضى (^١). وعذر المستحاضةَ (^٢) بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة، ولم يأمرها بإعادة ما مضى (^٣). وعذَر عديَّ بن حاتم بأكله في رمضان حين تبيَّن له الخيطان اللذان (^٤) جعلهما تحت وسادته، ولم يأمره بالإعادة (^٥). وعذَر أبا ذرٍّ بجهله بوجوب الصلاة إذا عدم الماء، فأمره بالتيمم، ولم يأمره بالإعادة (^٦).\nوعذَر الذين تمعَّكوا في التراب كتمعُّك الدابة، لما سمعوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الحامل المستحاضة» بزيادة «الحامل».\n(^٣) رواه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٢) من حديث حمنة بنت جحش - ﵂ - وفيه قولها: «فقد منعتني الصيام والصلاة ...». وأصل الحديث عند أحمد (٢٧١٤٤، ٢٧٤٧٤، ٢٧٤٧٥)، وابن ماجه (٦٢٧) أيضًا، لكن ليس عندهما محلّ الشاهد منه. وصححه الإمام أحمد والترمذي، وحسّنه البخاري. ويُنظر: «العلل الكبير» للترمذي (٧٤)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٢٣)، و«العلل» للدارقطني (١٥/ ٣٦٣)، و«السنن الكبير» للبيهقي (١/ ٣٣٨ - ٣٤٠)، و«تحفة الأشراف» للمزي (١١/ ٢٩٣)، و«تهذيب الكمال» له (٣٥/ ١٥٨ - ١٥٩)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٤٠٣ - ٤٠٦)، و«تعليقته على العلل لابن أبي حاتم» (ص ١٢٠ - ١٢٤)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٣/ ٥٧ - ٦٦).\n(^٤) ما عدا ع: «اللذين».\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩١٦) ومسلم (١٠٩٠).\n(^٦) رواه أحمد (٢١٣٧١، ٢١٥٦٨)، وأبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤) ــ وصححه ــ، من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذرّ - ﵁ - مرفوعًا .. ورواه أحمد (٢١٣٠٤، ٢١٣٧١)، وأبو داود (٣٣٣) من طريق ابن سيرين، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذرّ به. والعامريُّ هذا هو عمرُو بن بُجْدان نفسُه، وقد وثقه العجلي وابن حبان، وصحح حديثَه هذا أيضًا ابن خزيمة (٢٢٩٢) ــ لكنه اختصره، ولم يَسُقْ محلّ الشاهد منه ــ، وابن حبان (١٠٣٧، ١٠٣٨، ٤٣٣٩)، والحاكم (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، والجورقاني في «الأباطيل» (١/ ٥٠٨).\nوالحديث عند النسائي (٣٢٢) مختصرًا، لكن غلط شيخُ شيخِه (مخلدُ بن يزيدَ) حينَ عيَّن اسم العامريِّ من طريق أبي قلابة! وراج غَلَطُه على ابن حبان (١٠٣٨)، وعلى الجورقاني في «الأباطيل» (١/ ٥٠٨ - ٥٠٩). ويُنظر للفائدة: «العلل» لابن أبي حاتم (١)، و«العلل» للدارقطني (٦/ ٢٥٢ - ٢٥٤، ٨/ ٩٣)، و«السنن الكبير» للبيهقي (١/ ٢١٢)، و«الفصل للوصل المدرج في النقل» للخطيب (٢/ ٩٣٢ - ٩٥١)، و«بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨، ٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٢/ ٦٥٠ - ٦٥٧).","vol":"2","page":44},{"text":"فرضَ التيمم، ولم يأمرهم بالإعادة (^١). وعذَر معاويةَ بن الحكم بكلامه في الصلاة [١٦٣/أ] عامدًا لجهله بالتحريم (^٢). وعذَر أهلَ قباء بصلاتهم إلى بيت المقدس بعد نسخ استقباله لجهلهم بالناسخ، ولم يأمرهم بالإعادة (^٣). وعذَر الصحابةُ والأئمةُ بعدهم مَن ارتكب محرَّمًا جاهلًا بتحريمه، فلم يحُدُّوه.\nوفرَّقتم بين قليلِ النجاسة في الماء، وقليلِها في الثوب والبدن، وطهارةُ الجميع شرط لصحة الصلاة.\nوترك الجميعُ صريحَ القياس في مسألة الكلب، فطائفةٌ لم تقِسْ عليه\n_________\n(^١) انظر حديث عمار في البخاري (٣٣٨) ومسلم (٣٦٨).\n(^٢) أخرجه عنه مسلم (٥٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٠٣) ومسلم (٥٢٦) من حديث ابن عمر.","vol":"2","page":45},{"text":"غيره، وطائفة قاست عليه الخنزير وحده دون الذئب (^١) الذي هو مثله أو شرٌّ منه. وقياسُ الخنزير على الذئب أصحُّ من قياسه على الكلب. وطائفة قاست عليه البغل والحمار، وقياسُهما على الخيل ــ التي هي قرينتهما في الذكرِ وامتنانِ الله سبحانه على عباده بما يركبونها (^٢)، واتخاذِها زينةً، وملامسة الناس لها ــ أصحُّ من قياس البغل على الكلب، فقد علم كلُّ أحد أن الشبه بين البغل والفرس أظهر وأقوى من الشبه بينه وبين الكلب. وقياسُ البغل والحمار على السنَّور لشدَّة ملامستهما والحاجة إليهما وشُربهما من آنية البيت أصحُّ من قياسهما على الكلب.\nوقستم الخنافس والزنابير (^٣) والعقارب والصِّرْدان (^٤) على الذباب في أنها لا تنجَس بالموت لعدم (^٥) النفس السائلة لها، وقلة الرطوبات والفضلات التي توجب التنجيس فيها. ونجَّس من نجَّس منكم العظام بالموت مع تعرِّيها من الرطوبات والفضلات جملة، ومعلوم أن النفس السائلة التي في تلك الحيوانات المقيسة أعظم من النفس السائلة التي في العظام.\n_________\n(^١) ع: «دون غيره كالذئب». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) تحرف في ع إلى «بها بركوبها»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) «الزنابير» من ع وحدها. وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) جمع الصُّرَد. وهو طائر أعظم من العصفور ضخم الرأس والمنقار، يصيد صغار الحشرات وربما صاد العصافير (المعجم الوسيط). وانظر: «معجم الحيوان» للفريق أمين المعلوف (ص ٢٢٧).\n(^٥) س، ع: «بعدم»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":46},{"text":"وفرَّقتم بين ما شرِب منه الصقر والبازي والحِدَأة والعقاب والأحناش وسباع الطير، وما شرب منه [١٦٣/ب] سباع البهائم، من غير فرق بينهما. قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الفرق في هذا بين سباع الطيور وسباع ذوات الأربع، فقال: أما في القياس فهما سواء، ولكني أستحسن في هذا (^١).\nوتركتم صريح القياس في التسوية بين نبيذ التمر والزبيب والعسل والحنطة ونبيذ العنب، وفرَّقتم بين المتماثلين، لا فرق (^٢) بينهما البتة، مع أن النصوص الصحيحة الصريحة قد سوَّت بين الجميع.\nوفرَّقتم بين مَن معه إناءان طاهر ونجس، فقلتم: يُريقهما ويتيمَّم، ولا يتحرَّى فيهما، ولو كان معه ثوبان كذلك تحرَّى (^٣) فيهما، والوضوءُ بالماء النجس كالصلاة في الثوب النجس. ثم قلتم: فلو كان (^٤) الآنية ثلاثة تحرَّى، ففرَّقتم بين الاثنين والثلاثة، وهو فرق بين متماثلين. وهذا على أصحاب الرأي، وأما أصحاب الشافعي ففرَّقوا بين الإناء الذي كلُّه بول وبين الإناء الذي نصفُه فأكثر بول، فجوَّزوا الاجتهاد بين الثاني والإناء الطاهر، دون الأول، وتركوا محض القياس في التسوية بينهما.\nوقِستم القيء على البول، وقلتم: كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف، ولم تقيسوا الجَشوة الخبيثة على الفسوة، ولم تقولوا: كلاهما ريح\n_________\n(^١) انظر: «المبسوط» للسرخسي (١/ ٥٠ - ٥١) و«المحيط البرهاني» (١/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ولا فرق»، بالواو.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «يتحرى».\n(^٤) كذا في النسخ الخطية، وفي النسخ المطبوعة: «كانت».","vol":"2","page":47},{"text":"خارجة من الجوف.\nوقستم الوضوء وغسل الجنابة على الاستنجاء وغسل النجاسة في صحته بلا نية. ولم تقيسوهما على التيمُّم، وهما أشبه به من الاستنجاء. ثم تناقضتم، فقلتم: لو انغمس جُنبٌ في البئر لأخذِ الدلو ولم ينو الغسل لم يرتفع حدثه، كما قاله أبو يوسف، ونقَض أصله في أن مسَّ الماء لبدن الجنب يرفع حدثه وإن لم ينوِ. وقال محمد: بل يرتفع حدثه، ولا يفسد الماء، فنقضَ أصله في فساد الماء الذي يرفع الحدث (^١).\nوقستم التيمُّم إلى المرفقين [١٦٤/أ] على غسل اليدين إليهما، ولم تقيسوا المسح على الخفين إلى الكعبين على غسل الرجلين إليهما، ولا فرق بينهما البتة. وأهل الحديث أسعد بالقياس منكم، كما هم أسعد بالنص.\nوقستم إزالة النجاسة عن الثياب (^٢) بالمائعات على إزالتها بالماء، ولم تقيسوا إزالتها من القذر بها على الماء، فما الفرق؟ ثم قلتم: تُزال من المخرجين بكلِّ مزيل جامد، ولا تُزال من سائر البدن إلا بالماء. وقلتم: تُزال من المخرجين بالروث اليابس، ولا تُزال بالرجيع اليابس، مع تساويهما في النجاسة.\nوقستم قليل القيء على كثيره في النجاسة، ولم تقيسوه عليه في كونه حدثًا. وقستم نوم المتورِّك على المضطجع في نقض الوضوء، ولم تقيسوا عليه نوم الساجد.\n_________\n(^١) انظر: «المبسوط» للسرخسي (١/ ٥٣).\n(^٢) ما عدا ع: «من الثياب».","vol":"2","page":48},{"text":"وتركتم محض القياس المؤيَّد بالسنّة المستفيضة في مسح العمامة ــ إذ هي (^١) ملبوس معتاد ساتر لمحلِّ الفرض، يشقُّ نزعُه على كثير من الناس إما لحَنَكٍ أو لكُلّاب أو لبرد ــ على المسح على الخفين، والسنّة قد سوَّت بينهما في المسح، كما هما سواء في القياس، ويسقط فرضهما في التيمم.\nوقستم مسحَ الوجه واليدين في التيمُّم على الوضوء في وجوب الاستيعاب، ولم تقيسوا مسح الرأس في الوضوء على الوجه في وجوب الاستيعاب، والفعل والباء والأمر في الموضعين سواء.\nوقستم وجودَ الماء في الصلاة على وجوده خارجَها في بطلان صلاة المتيمِّم به، ولم تقيسوا القهقهة في الصلاة على القهقهة خارجها (^٢). وفرَّقتم بين تقديم الزكاة قبل وجوبها فأجَزْتموه، وبين تقديم الكفَّارة قبل وجوبها فمنعتموه.\nوقستم وجهَ المرأة في الإحرام على رأس الرجل وتركتم [١٦٤/ب] قياس وجهها على يديها أو على بدن الرجل، وهو محض القياس وموجَب السنَّة، فإن النبي - ﷺ - سوَّى بين يديها ووجهها وبين بدن الرجل ووجهها (^٣) حيث قال: «لا تلبس القُفَّازين ولا النقاب» (^٤)، وكذلك قال: «لا يلبس\n_________\n(^١) ت: «وهي»، وكذا في الطبعات القديمة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «في خارجها».\n(^٣) ع: «يدي الرجل ووجهه»، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من النسخ الأخرى.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.","vol":"2","page":49},{"text":"المُحرِم القميصَ ولا السراويل، ولا تنتقب المرأة» (^١). فتركتم محض القياس وموجَب السنَّة.\nوقستم المزارعة والمساقاة على الإجارة الباطلة فأبطلتموها (^٢)، وتركتم محض القياس وموجَب السنة، وهو قياسها على المضاربة والمشاركة، فإنها بها أشبه (^٣) منها بالإجارة؛ فإنَّ صاحب الأرض والشجر يدفع أرضه وشجره لمن يعمل عليهما، وما رزق الله من نَماءٍ (^٤) فهو بينه وبين العامل. وهذا كالمضاربة سواء، فلو لم تأت السنة الصحيحة بجوازها لكان القياس يقتضي جوازها عند القيّاسين (^٥).\nواشترط أكثر من جوَّزها (^٦) كونَ البذر من صاحب الأرض (^٧)، وقاسها على المضاربة في كون المال من واحد والعمل من واحد. وتركوا محض القياس وموجَب السنة، فإن الأرض كالمال في المضاربة، والبذر يجري مجرى الماء والعمل فإنه يموت في الأرض؛ ولهذا لا يجوز أن يرجع إلى ربِّه مثل بذره، ويقتسما الباقي. ولو كان كرأس المال في المضاربة لجاز، بل\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) كذا بإفراد الضمير في جميع النسخ هنا وفيما يأتي، كأنه جعل المزارعة والمساقاة معاملة واحدة. وكذا المضاربة والمشاركة. وقد ثُنِّي الضمير في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فإنهما أشبه بهما» بتقديم «أشبه».\n(^٤) ت: «ثمار»، تصحيف.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، كما سبق.\n(^٦) ت: «يجوزها».\n(^٧) س، ت، ع: «رب الأرض» وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":50},{"text":"اشتُرِط أن يرجع إليه مثلُ بذره كما يرجع إلى ربِّ المال مثلُ ماله. فتركوا القياس كما تركوا موجَب السنة الصحيحة الصريحة وعمل الصحابة كلِّهم.\nوقستم إجارة الحيوان للانتفاع بلَبَنه على إجارة الخبز للأكل. وهذا من أفسد القياس، وتركتم محض القياس وموجَب القرآن، [١٦٥/أ] فإن الله سبحانه قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. فقياسُ الشاة والبقرة والناقة للانتفاع بلبنها على الظئر أصح وأقرب إلى العقل من قياس ذلك على إجارة الخبز للأكل، فإن الأعيان المستخلفة شيئًا بعد شيء تجري مجرى المنافع، كما جرت مجراها في المنيحة والعارية والضمان بالإتلاف. فتركتم محض القياس، وقستم على ما لا خفاء بالفرق بينه وبينه. وهو أن الخبز والطعام تذهب جملُته بالأكل ولا يخلُفه غيره، بخلاف اللبن ونفع (^١) البئر، وهذا من أجلى القياس.\nوقستم الصَّداق على ما يقطع فيه يد السارق، وتركتم محض القياس وموجَب السنة، فإنه عقدُ معاوضة، فيجوز بما يتراضى عليه المتعاوضان ولو خاتمٍ (^٢) من حديد.\nوقستم الرجلَ يسرق العينَ ثم يملكها بعد ثبوت القطع، على ما إذا ملكها قبل ذلك. وتركتم محضَ القياس وموجَب السنة، فإن النبيَّ - ﷺ - لم\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «نقع» بالقاف، تصحيف.\n(^٢) يعني: «ولو بخاتم». وانظر: «شرح التسهيل» (٣/ ١٩١). وفي النسخ المطبوعة: «خاتمًا» بالنصب وهو أشهر. وأثبت ما في النسخ الخطية استئناسًا بما جاء في نسخ «كتاب الروح» (٢/ ٣٩٦): «... إذا فعله من يحصل المقصودُ بفعله، ولو واحدٌ» بردِّ «واحد» على «مَن».","vol":"2","page":51},{"text":"يُسقِط القطع عن سارق الرداء بعدما وهبه إياه صفوانُ (^١). وفرَّقتم بين ذلك وبين الرجل يزني بالأمة ثم يملكها، فلم تروا ذلك مُسقِطًا للحدِّ، مع أنه لا فرق بينهما.\nوقستم قياسًا أبعد من هذا، فقلتم: إذا قُطِع بسرقتها مرة، ثم عاد، فسرَقها= لم يُقطَع بها ثانيًا. وتركتم محض القياس على ما إذا زنى بامرأة، فحُدَّ بها، ثم زنى بها ثانيًا (^٢) = فإن الحدَّ لا يسقط عنه. ولو قذَفه، فحُدَّ، ثم قذفه (^٣) ثانيًا= لم يسقط عنه الحد.\nوقستم نذرَ صوم يوم العيد في الانعقاد ووجوب الوفاء، على نذر صوم اليوم القابل له شرعًا. وتركتم محض القياس وموجَب السنة، ولم تقيسوه على [١٦٥/ب] صوم يوم الحيض. وكلاهما غيرُ محلٍّ للصوم شرعًا، فهو بمنزلة الليل.\nوقستم وجعلتم المحتقِن بالخمر كشاربها في الفِطْر بالقياس، ولم تجعلوه كشاربها في الحدِّ.\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٥٣٠٥، ١٥٣٠٦، ١٥٣١٠)، وأبو داود (٤٣٩٤)، وابن ماجه (٢٥٩٥)، والنسائي (٤٨٧٨، ٤٨٧٩ ٤٨٨١، ٤٨٨٣، ٤٨٨٤) من طرق عن صفوان بن أمية - ﵁ -. وصححه الحاكم (٤/ ٣٨٠)، وابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/ ٥٦٣)، وابن النحوي في «البدر المنير» (٨/ ٦٥٢). وقوّاه أيضًا البيهقي (٨/ ٢٦٥). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١١/ ٦٠ - ٦١). ويُنظر: «المسند» لأحمد (١٥٣٠٣)، و«المجتبى» للنسائي (٤٨٨٠، ٤٨٨٢)، و«بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٣/ ٥٦٨ - ٥٧١، ٥/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ثانية».\n(^٣) «فحُدَّ ثم قذفه» ساقط من ع لانتقال النظر.","vol":"2","page":52},{"text":"وقاسُوا (^١) الكافرَ الذميَّ والمعاهِدَ على المسلم في قتله به، ولم يقيسوه على الحربي في إسقاط القود. ومن المعلوم قطعًا أنّ الشَّبه الذي بين المعاهد والحربي أعظم من الشَّبه الذي بين الكافر والمسلم. والله سبحانه قد سوَّى بين الكفار كلِّهم في إدخالهم جهنم (^٢)، وفي قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين، وفي عدم التوارث بينهم وبين المسلمين، وفي منع قبول شهادتهم على المسلمين، وغير ذلك؛ وقطَع المساواة بين المسلمين والكفار. فتركتم محض القياس ــ وهو التسويةُ بين ما سوَّى الله بينه ــ وسوَّيتم بين ما فرَّق الله بينه.\nومن العجب أنكم قستم المؤمن على الكافر في جرَيان القصاص بينهما في النفس والطَّرَف، ولم تقيسوا العبد المؤمن على الحُرِّ في جرَيان القصاص بينهما في الأطراف، فجعلتم حرمةَ عدو الله الكافر في أطرافه أعظمَ من حرمة وليِّه المؤمن. وكأنَّ نقصَ العبودية (^٣) الموجِبَ للأجرين عند الله أنقصُ عندكم من نقص الكفر!\nوقلتم: يُقتَل الرجل بالمرأة. ثم ناقضتم، فقلتم: لا يؤخذ طرفه بطرفها.\nوقلتم: يقتل العبد بالعبد وإن كانت قيمة أحدهما مائة درهم، وقيمة الآخر مائة ألف درهم (^٤). ثم ناقضتم، فقلتم: لا يؤخذ طرفه (^٥) بطرفه، إلا أن\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وقستم»، وكذا «ولم تقيسوه» فيما بعد، خلافًا للنسخ الخطية.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «نار جهنم».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «نقص المؤمن العبودية» بإقحام كلمة «المؤمن» في غير محلِّها. وقد ضبط «نقص» في ح بالضم، يعني: «وكان نقصُ».\n(^٤) «درهم» من ت، ع.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «طرفها»، وهو خطأ.","vol":"2","page":53},{"text":"تتساوى قيمتهما. فتركتم محض القياس، فإنَّ الله سبحانه ألغى التفاوت بين النفوس والأطراف في الفضل لمصلحة المكلَّفين، ولعدم ضبط التساوي. فألغيتم ما اعتبره الله سبحانه من الحكمة والمصلحة، واعتبرتم ما ألغاه [١٦٦/أ] من التفاوت.\nوقستم قوله: «إن كلَّمتُ فلانًا أو بايعتُه، فامرأتي طالق وعبدي حرّ» على ما إذا قال: «إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالق». ثم عدَّيتم ذلك إلى قوله: «الطلاق يلزمني لا أكلِّم فلانًا»، ثم كلَّمه. ولم تقيسوه على قوله: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صومُ سنة، أو حجٌّ إلى بيت الله، أو فمالي صدقة»، وقلتم: هذا يمين، لا تعليق مقصود. فتركتم محض القياس، فإن قوله: «الطلاق يلزمني لا أكلِّم فلانًا» يمين، لا تعليق.\nوقد أجمع الصحابة على أن قصد اليمين في العتق يمنع من وقوعه، وحكى غيرُ واحد إجماع الصحابة أيضًا على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنَث. وممن حكاه: أبو محمد بن حزم (^١). وحكاه أبو القاسم (^٢) عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التَّيمي (^٣) المعروف بابن بَزِيزة (^٤) في\n_________\n(^١) في «المحلَّى» (٩/ ٤٧٨ - دار الفكر).\n(^٢) كذا وقع هنا وفي «الصواعق المرسلة» (٢/ ٦١٥). وإنما ذكروا أنه يكنى أبا محمد وأبا فارس، والأول أشهر. انظر: «كفاية المحتاج» (١/ ٢٨٦).\n(^٣) في النسخ المطبوعة ومعظم مراجع ترجمة المذكور: «التميمي». والصواب ما أثبت من النسخ الخطية. فإنه قرشي، فكيف يكون تميميًّا!\n(^٤) ضبط في س بضم الباء، وهو خطأ. وهو عالم تونسي (٦٠٦ - ٦٦٢) من أعيان المذهب المالكي. من مؤلفاته: شرح «الإرشاد» للجويني و«روضة المستبين في شرح كتاب التلقين» للقاضي عبد الوهاب ــ وهو مطبوع، وتفسير جمع فيه بين كتابي الزمخشري وابن عطية. انظر ترجمته في «كفاية المحتاج» و«نيل الابتهاج» (ص ٢٦٨) و«شجرة النور الزكية» (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣).","vol":"2","page":54},{"text":"كتابه المسمَّى بـ «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام» (^١) في بابٍ ترجمتُه: «الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه»: «وقد قدَّمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي (^٢) وغير ذلك: هل تلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُرَيح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضَى بالطلاق على من حلَف به، فحنَث. ولا يعرف لعليٍّ في ذلك مخالف من الصحابة» (^٣). قال (^٤):\n«وصحَّ عن عطاء فيمن قال لامرأته: «أنتِ طالق إن لم أتزوَّج عليك»، قال: إن لم يتزوَّج عليها حتى يموت أو تموت فإنهما يتوارثان (^٥). وهو قول الحَكَم بن عُتَيبة (^٦)». ثم حكى (^٧) عن عطاء فيمن حلف بطلاق امرأته ليضربنَّ زيدًا، فمات أحدهما أو ماتا معًا، فلا حنث عليه،\n_________\n(^١) وهو شرح كتاب «الأحكام الصغرى» لعبد الحق الإشبيلي، وقد وصل بعض أجزاء الكتاب.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «والشرط» وهو غلط.\n(^٣) هذا النص من كتاب ابن بزيزة نقله المؤلف في «الصواعق» (٢/ ٦١٦) وسيورده مرة أخرى في هذا الكتاب أيضًا.\n(^٤) يعني: ابن بزيزة ..\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١١٣١٠) عن ابن جريج عنه.\n(^٦) «عتيبة» تصحف في ح، ت، ف إلى «عيينة». وقول الحكم رواه عبد الرزاق (١١٣٠٩) ــ وعنه ابن حزم في «المحلَّى» (٩/ ٤٧٧ - دار الفكر) ــ من طريق غيلان بن جامع عنه.\n(^٧) يعني: ابن بزيزة.","vol":"2","page":55},{"text":"ويتوارثان. وهذا صريح [١٦٦/ب] في أن يمين الطلاق لا تلزم (^١)، ولا تطلَّق الزوجة بالحنث فيها. ولو حنَث قبل موته لم يتوارثا، فحيث أثبت التوارث دلَّ على أنها زوجة عنده. وكذلك عكرمة مولى ابن عباس أيضًا عنده يمينُ الطلاق لا تلزم، كما ذكره عنه سُنَيد بن داود في «تفسيره» (^٢) في سورة النور عند قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١].\nومن العجب أنكم قلتم: إذا قال: «إن شفى الله مريضي فعليَّ صومُ شهر، أو صدقة، أو حجة» لزمه، لأنه قاصد للنذر. فإذا قال: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صوم، أو صدقة» لم يلزمه لأنه نذر لجاج وغضب، فهو يمين فيه كفارة اليمين. فجعلتم قصدَه لعدم الوقوع مانعًا من ثلاثة أشياء: إيجاب ما التزم، ووجوبه عليه، ووقوعه.\nوقلتم: لو قال: «إن فعلتُ كذا فعليَّ الطلاق» وفَعَله لزمه، ولم يمنع قصدُ الحلف من وقوعه، وهو أبغضُ الحلال إلى الله (^٣)،\nومَنَع من وجوب\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «لا يلزم».\n(^٢) من طريق عبّاد بن عبّاد المُهَلَّبي عن عاصم الأحول عنه، كما سيأتي في هذا الكتاب، وكما ذكره المؤلف في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٧٩١) و«الصواعق» (٢/ ٦٠٩).\n(^٣) يشير إلى حديثٍ رواه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨) من حديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا. والمحفوظ أنه من مراسيل محارب بن دثار.\n\nويُنظر: «السنن» لأبي داود (٢١٧٧)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٢٩٧)، و«الكامل» لابن عدي (٣/ ٨٦، ٨٧)، و«العلل» للدارقطني (١٣/ ٢٢٥)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٧/ ٥٢٧)، و«بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨، ٣/ ١٧٠ - ١٧١)!، و«المُحرَّر» لابن عبد الهادي (١٠٥٣)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٨/ ٦٥ - ٦٨).","vol":"2","page":56},{"text":"القربات التي هي أحبُّ شيء إلى الله. فخالفتم صريح القياس والمنقول عن الصحابة والتابعين بأصحِّ إسناد يكون. ثم ناقضتم القياس من وجه آخر فقلتم: إذا قال «الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاء الله»، ثم لم يفعله= لم يحنَث، لأنه أخرجه مخرج اليمين، وقد قال النبي - ﷺ -: «مَن حلَف، فقال: إن شاء الله= فإن شاء فعل، وإن شاء ترك» (^١).\nفجعلتموه يمينًا، ثم قلتم: يلزمه وقوع الطلاق، لأنه تعليق، فليس بيمين. ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «الطلاق يلزمني لا أجامعها سنة»، فهو مُؤلٍ، فيدخل في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. والأليَّة [١٦٧/أ] والإيلاء والائتلاء هو الحلف بعينه، كما في الحديث: «تألَّى على الله أن لا يفعل خيرًا» (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي\n_________\n(^١) رواه أحمد (٤٥١٠، ٥٣٦٢، ٦٠٨٧، ٦١٠٣)، وأبو داود (٣٢٦٢)، وابن ماجه (٢١٠٥)، والنسائي (٣٨٣٠) من حديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا. وصحّحه ابن حبان (٤٠٣٦).\nأمّا البخاري، فأشار إلى تصويب وقفه، نقله عنه الترمذي في «العلل الكبير» (٤٥٥). ويَحْسُنُ تدبُّر ما في «الجامع للترمذي» (١٥٣١)، و«العلل» للدارقطني (١٣/ ١٠٤ - ١٠٥)، و«السنن الكبير» للبيهقي (١٠/ ٤٦)، و«فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٦٠٥ - ٦٠٦). وللحديث شاهدٌ من حديث أبي هريرة - ﵁ -\nمرفوعا، رواه الترمذي (١٥٣٢)، وابن ماجه (٢١٠٤)، والنسائي (٣٨٥٥)، وصحّحه ابن حبان (٤٠٣٥)!\n\nوالراجح أنه مُعَلٌّ، أعلّه ابن معين، والبخاري، وأقرّه الترمذي في «الجامع»، وفي «العلل الكبير» (٤٥٦). ويُوازَنُ ما في «المسند» للإمام أحمد (٨٠٨٨) بما في «التاريخ» لابن أبي خيثمة (١٢٢٣ - السِّفْر الثالث).\n(^٢) يشير إلى حديث عائشة الذي أخرجه البخاري (٢٧٠٥) ومسلم (١٥٥٦) ولفظه: «أين المتألِّي على الله، لا يفعل المعروف».","vol":"2","page":57},{"text":"الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]. وقال الشاعر (^١):\nقليلُ الألايا حافظٌ ليمينه ... وإن بدَرَتْ منه الأليَّةُ برَّت\n\nثم قلتم: وليس بيمين، فيدخل في قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. فيالله العجب! ما الذي أحلَّه عامًا وحرَّمه عامًا، وجعله يمينًا وليس بيمين؟\nثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم (^٢): إن قال: «إن فعلتُ كذا فأنا كافر»، وفعَلَه= لم يكفر، لأنه لم يقصد الكفر، وإنما منَعَ (^٣) نفسه من الفعل بمنعها من الكفر. وهذا حق، لكن نقضتموه في الطلاق والعتاق، مع أنه لا فرق بينهما البتة في هذا المعنى الذي منع من وقوع الكفر.\nثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «إن فعلتُ كذا فعليَّ أن أطلِّق امرأتي»، فحنَث= لم يلزمه أن يطلِّقها. ولو قال: «إن فعلتُه فالطلاق يلزمني»، فحنَث= وقع عليه الطلاق. ولا تفرِّق اللغة ولا الشريعة بين المصدر وأن والفعل.\nفإن قلتم: الفرق بينهما أنه التزم في الأول التطليقَ، وهو فعلُه (^٤)؛ وفي الثاني وقوعَ الطلاق، وهو أثر فعله.\n_________\n(^١) هو كُثيِّر عزَّة. انظر: «ديوانه» (ص ٣٢٥ - نشرة إحسان عباس).\n(^٢) ت، ع: «وقلتم».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «قصد منْعَ» بزيادة «قصد».\n(^٤) «وهو فعله» من ع، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":58},{"text":"قيل: هذا الفرق الذي تخيلتموه، ولا يُجدي (^١) شيئًا؛ فإن الطلاق هو التطليق بعينه، وإنما أثره كونها طالقًا، وهذا غير الطلاق. فهاهنا ثلاثة أمور مرتبة: التزام التطليق، وهذا غير الطلاق بلا شك. والثاني: إيقاع التطليق، وهو الطلاق بعينه الذي قال الله فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال النبي - ﷺ -: «الطلاق لمن أخذ بالساق» (^٢). الثالث (^٣): صيرورة المرأة طالقًا وبينونتها. فالقائل: «إن فعلتُ كذا فعليَّ الطلاق» [١٦٧/ب] لم يُرد هذا الثالث قطعًا، فإنه ليس إليه ولا هو (^٤) من فعله، وإنما هو إلى الشارع؛ والمكلَّفُ إنما يلزم ما يدخل تحت مقدرته، وهو إنشاءُ الطلاق. فلا فرق أصلًا بين هذا اللفظ وبين قوله: «فعليَّ أن أطلِّق»، فالتفريق بينهما تفريق بين متساويين، وهو عدولٌ عن محض القياس، من غير نصٍّ ولا إجماع ولا قول صاحب.\nيوضِّحه أن قوله: «فالطلاق لازم لي» إنما هو فعله الذي يلزم (^٥)\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية: «ولا يجدي»، فخبر المبتدأ هو الاسم الموصول. وفي النسخ المطبوعة حذفوا الواو، لتكون الجملة الفعلية هي الخبر.\n(^٢) رواه ابن ماجه (٢٠٨١) من حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا. وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه، فكان يُسنده حينًا، ويُرسله أخرى. فليُنظر: «السنن» للدارقطني (٣٩٩٢)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٧/ ٣٦٠).\nأما ما ذُكِرَ لابن لهيعة من متابعات؛ فليس يصحُّ منها شيءٌ. ويُنظر: «البدر المنير» لابن النحوي (٨/ ١٣٨ - ١٣٩)، و«التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ٤٤١).\n(^٣) ت: «والثالث».\n(^٤) «هو» ساقط من ع والنسخ المطبوعة.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «يلزمه».","vol":"2","page":59},{"text":"بالتزامه. وأما كونها طالقًا، فهذا وصفها، فليس هو لازمًا له (^١)، وإنما هو لازم لها.\nفلينظر اللبيب المنصف، الذي العلمُ أحبُّ إليه من التقليد، إلى مقتضى القياس المحض واتباع الصحابة والتابعين في هذه المسألة، ثم ليختر لنفسه ما شاء، والله الموفِّق.\nثم ناقضتم أيضًا من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «إن حلفتُ بطلاقك أو وقع منِّي يمينٌ بطلاقك»، أو لم يقل: «بطلاقك»، بل قال: «متى حلفتُ أو أوقعتُ يمينًا فأنتِ طالق»، ثم قال: «إن كلَّمتُ فلانا فأنتِ طالق» ــ حنَثَ، وقد وقع عليه الطلاق؛ لأنه قد حلف وأوقع اليمين. فأدخلتم الحلفَ بالطلاق في اسم اليمين والحلف في كلام المكلَّف، ولم تُدخلوه في اسم اليمين والحلف في كلام الله ورسوله، وزعمتم أنكم اتبعتم في ذلك القياس والإجماع. وقد أريناكم مخالفتَكم لصريح القياس مخالفةً لا يمكنكم الانفكاك عنها بوجه، ومخالفتَكم للمنقول عن الصحابة والتابعين كأصحاب ابن عباس، فظهر عند المنصفين أنَّا أولى بالقياس والاتباع منكم في هذه المسألة. وبالله التوفيق.\nوقلتم: لو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، فصدَّق الشهودَ [١٦٨/أ] سقط عنه الحدُّ، وإن كذَّبهم أقيم عليه الحد. وهذا من أفسد قياس في الدنيا، فإنَّ تصديقهم إنما زادهم قوةً، وزاد الإمامَ علمًا ويقينًا (^٢) أعظمَ من العلم\n_________\n(^١) «له» ساقط من ح، ف.\n(^٢) ع: «يقينًا وعلمًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":60},{"text":"الحاصل بالشهادة وتكذيبه. وتفريقكم بأن البينة لا تَعمل (^١) إلا مع الإنكار، فإذا أقرَّ فلا عملَ للبينة، والإقرارُ مرةً لا يكفي، فيسقط الحد= تفريقٌ باطل، فإن العمل هاهنا بالبينة لا بالإقرار، وهو إنما صدر منه تصديقُ البينة التي وجب الحكمُ بها بعد الشهادة، فسواء أقرَّ أو (^٢) لم يُقِرَّ، فالعمل إنما هو بالبينة.\nوقلتم: لو وجد الرجل امرأةً على فراشه، فظنَّها (^٣) امرأتَه، فوطئها= حُدَّ حدَّ الزنا، ولا يكون هذا شبهة مسقطة للحد. ولو عقَد على ابنته أو أمه ووطئها كان ذلك شبهة مسقطة للحد. ولو حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد وولدت مرة بعد مرة لم تُحَدَّ. ولو تقيَّأ (^٤) الخمر كلَّ يوم لم يُحَدَّ. فتركتم محضَ القياس والثابتَ عن الصحابة ثبوتًا لا شكَّ فيه من الحدِّ بالحَبَل ورائحة الخمر (^٥).\nوقلتم: لو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، فطعَن في عدالتهم= حُبِس إلى (^٦) أن تزكَّى الشهود؛ ولو شهد عليه اثنان بمالٍ، فطعَن في عدالتهما (^٧) = لم يُحبَس\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «لا يعمل بها»، زادوا «بها» للتصحيف في «يعمل».\n(^٢) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه: «أم»، ولعله أصلح ما في أصله لأن «أم» هي المعادلة لهمزة التسوية في العربية، ولكن استعمال «أو» مكان «أم» من التسامح الشائع في كتب العلماء.\n(^٣) ع: «فظن أنها»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «تقايأ».\n(^٥) تقدَّم تخريج الآثار في ذلك.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «إلا».\n(^٧) ما عدا ع: «عدالتهم».","vol":"2","page":61},{"text":"قبل التزكية، فتركتم محض القياس.\nوقستم دعوى المرأتين الولدَ وإلحاقَه بهما وجعلَهما أمَّين له، على دعوى الرجلين. وهذا من أفسد القياس، فإنَّ خروج الولد من أمَّين معلوم الاستحالة، وتخليقَه من ماء الرجلين ممكن، بل واقع، كما شهد به القائف عند عمر، وصدَّقه (^١).\nوقلتم: لو قال لأجنبيٍّ: «طلِّقْ امرأتي» فله أن يطلِّق في المجلس (^٢) وبعده. ولو قال لامرأته: «طلِّقي نفسَك» فلها أن تطلِّق [١٦٨/ب] نفسَها ما دامت في المجلس. ثم فرَّقتم بينهما بأن «طلِّقي نفسَك» تمليك لا توكيل، لاستحالة أن يكون وكيلًا في التصرُّف لنفسه فيقيَّدُ بالمجلس. وأما بالنسبة إلى الأجنبي، فتوكيلٌ، فلا يتقيَّد. وهذا الفرق دعوى مجرَّدة. لم تذكروا (^٣) حجةً على أن قوله: «طلِّقي نفسك» تمليك. وقولُكم: «الوكيل لا يتصرَّف لنفسه» جوابه: أنه (^٤) يتصرَّف لنفسه ولموكِّله، ولهذا كان الشريك وكيلًا بعد قبض المال والتصرُّف، وإن كان متصرِّفًا لنفسه، فإنّ تصرُّفَه لا يختصُّ به.\nثم ناقضتم هذا الفرق، فقلتم: لو قال: «أُبرِئ نفسك من الدَّين الذي عليك» فإنه لا يتقيَّد بالمجلس، ويكون توكيلًا؛ مع أنه تصرَّف مع نفسه.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عمر. وهو منقطع فإن سليمان لم يدرك عمر. ورواه الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب. انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٢) ما عدا ع: «قبل المجلس»، وفي حاشية ع أن في أصلها أيضًا: «قبل المجلس».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ولم تذكروا»، ولم ترد الواو في النسخ الخطية.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «له أن». وكذا في ع ولكن وضع فيها فوق «له» علامة «ظ».","vol":"2","page":62},{"text":"ففرَّقتم بين «طلِّقي نفسَك» و«أُبرِئ نفسَك مما عليك من الدين»، وهو تفريق بين متماثلين؛ وتركتم محضَ القياس.\nوقالوا: من أقام شهودَ زور على أن زيدًا طلَّق امرأته، فحكم الحاكمُ بذلك، فهي حلال لمن تزوَّجها من الشهود. وكذلك لو أقام شهودَ زور على (^١) أن فلانة تزوجته بوليٍّ ورضًى، فقضى القاضي بذلك، فهي له حلال. وكذلك لو شهدوا (^٢) عليه بأنه أعتق جاريته هذه، فقضى القاضي بذلك، فهي حلال لمن تزوَّجها ممن يدري باطن الأمر؛ فتركوا محض القياس وقواعد الشريعة. ثم ناقضوا، فقالوا: لو شهدوا له زورًا بأنه وهب له مملوكته هذه أو باعها منه لم يحِلَّ له وطؤها بذلك. ثم ناقضوا (^٣) أعظمَ مناقضة، فقالوا (^٤): لو شهدا بأنه تزوَّجها بعد انقضاء عدَّتها من المطلِّق وكانا كاذبين، فإنها لا تحِلُّ، وحبسُها على زوجها أعظم من حبسها على عدته. فأحلُّوها في أعظم العصمتين، وحرَّموها في أدناهما، وحرمة النكاح أعظم من حرمة العدّة.\n[١٦٩/أ] وقلتم: لا يُحَدُّ الذميُّ إذا زنى بالمسلمة، ولو كانت قرشية علوية أو عباسية؛ ولا بسبِّ الله ورسوله وكتابه ودينه جهرةً في أسواقنا ومجامعنا، ولا بتخريب مساجد المسلمين ولو أنها المساجد الثلاثة (^٥)؛ ولا ينتقضُ عهده بذلك، وهو معصوم المال والدم. حتى إذا منع دينارًا واحدًا\n_________\n(^١) «على» من ع. وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ت: «شهد» هنا وفيما بعد.\n(^٣) ت: «ناقضوا بذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) «لو شهدوا له زورًا ... فقالوا» ساقط من ح، ف لانتقال النظر.\n(^٥) ح، ف: «ولو أنها الثلاثة».","vol":"2","page":63},{"text":"مما عليه من الجزية، وقال: «لا أعطيكموه» انتقض بذلك عهدُه، وحلَّ ماله ودمه. ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو سرَق لمسلم عشرة دراهم لقُطِعت يده، ولو قذَفه حُدَّ بقذفه. فيا للقياس الفاسد الباطل، المناقض (^١) للدين والعقل، الموجِب لهذه الأقوال التي يكفي في ردِّها تصوُّرُها، كيف استجاز المستجيز تقديمها (^٢) على السنن والآثار! فالله المستعان.\nوأجزتم شهادة الفاسقَين والمحدَودين في القذف والأعميَيْن في النكاح، ثم ناقضتم، فقلتم: لو شهد فيه عبدان صالحان عالمان يفتيان في الحلال والحرام لم يصحَّ النكاح، ولم ينعقد بشهادتهما. فمنعتم انعقاده بشهادة من عدَّله الله ورسوله - ﷺ -، وعقدتموه بشهادة من فسَّقه الله ورسوله ومنَع من قبول شهادته.\nوقلتم: لو شهد شاهد على زيد أنه غصب عمرًا مالًا أو شجَّه أو قذَفه، وشهد آخر بأنه أقرَّ بذلك= لم يتمَّ النِّصاب ولم يُقضَ (^٣) عليه بشيء. ولو شهد شاهد بأنه طلَّق امرأته أو أعتَق عبده أو باعه، وشهد آخر بإقراره بذلك= تمَّت الشهادة، وقُضي عليه.\nوقلتم: لو قال له: «بعتك هذا العبد بألف (^٤)»، فإذا هو جارية أو بالعكس، فالبيع باطل. ولو (^٥) قال: «بعتك هذه النعجة بعشرة»، فإذا هي\n_________\n(^١) ما عدا س، ع: «المتناقض».\n(^٢) ما عدا ع: «تقديمك»، وهو تحريف غريب.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ولم يتمَّ النصاب لم يقض».\n(^٤) «بألف» ساقط من ع.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «فلو».","vol":"2","page":64},{"text":"كبش أو بالعكس، فالبيع صحيح. ثم فرَّقتم بأن قلتم: المقصود من الجارية والعبد مختلف، والمقصود من النعجة والكبش [١٦٩/ب] متقارب وهو اللحم. وهذا غير صحيح، فإنَّ الدَّرَّ والنسلَ المقصود من الأنثى لا يوجد في الذكر، وعَسْب الفحل وضِرابه المقصود منه لا يوجد في الأنثى. ثم ناقضتم أبين مناقضة بأن قلتم: لو قال: «بعتك هذا القمحَ»، فإذا هو شعير؛ أو «هذه الأَلْيَةَ»، فإذا هي شحم= لم يصحَّ البيع، مع تقارُب القصد.\nوقلتم: لو باعه ثوبًا من ثوبين لم يصحَّ البيع، لعدم التعيين. فلو كانت (^١) ثلاثة أثواب، فقال: «بعتُك واحدًا منها» صحَّ البيع. فيالله العجب! كيف أبطلتموه مع قلة الجهالة والغَرر، وصحَّحتموه مع زيادتهما؟ أفترى زيادة الثوب الثالث خفَّفَت الغَرر ورفعت الجهالة؟ وتفريقكم بأن العقد على واحد من اثنين يتضمن الجهالة والتغرير، لأنه قد يكون أحدهما مرتفعًا والآخر رديئًا، فيفضي إلى التنازع والاختلاف. فإذا كانت ثلاثةً، فالثلاثة تتضمَّن الجيد والرديء والوسط، وكأنه (^٢) قال: «بعتُك أوسطَها»، وذلك أقلُّ غررًا من بيعه واحدًا من اثنين رديء وجيد، وإذا أمكن حملُ كلام المتعاقدين على الصحة فهو أولى من إلغائه. وهذا الفرق ما زاد المسألة إلا غَررًا وجهالة، فإن النزاع كان يكون في ثوبين فقط، وأما الآن فصار في ثلاثة. وإذا قال: «إنما وقع العقد على الوسط» قال الآخر: «بل على الأدنى، أو على الأعلى».\nوقلتم: لو اشترى جاريةً ثم أراد وطأها قبل الاستبراء لم يجُز، ولو تيقّنَّا\n_________\n(^١) ع: «كان». وفي غيرها: «كانوا»!\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فكأنه».","vol":"2","page":65},{"text":"فراغ رحمها بأن كانت بكرًا، أو كانت بائعتها امرأة معه في الدار بحيث تيقَّن أنها غير مشغولة الرحم، أو باعها وقد ابتدأت في الحيضة ونحو ذلك. ثم قلتم: لو وطئها السيِّدُ البارحةَ ثم [١٧٠/أ] زوَّجها منه الغدَ جاز له وطؤها، ورحمها مشتمل على ماء الواطئ (^١). فتركتم محض القياس والمصلحة وحكمة الشارع لفرقٍ متخيَّل لا يجدي شيئًا، وهو أن النكاح لما صحَّ كان ذلك حكمًا بفراغ الرحم، فإذا حُكِم بفراغ رحمها جاز له وطؤها. فيقال: يالله العجب! كيف يُحكَم بفراغ رحمها، وهو حديث عهد بوطئها؟ وهل هذا إلا حكم باطل مخالف للحسِّ والعقل والشرع؟ نعم لو أنكم قلتم: «لا يحلُّ له تزويجها (^٢) حتى يستبرئها ويحكم بفراغ رحمها» لكان هذا فرقًا صحيحًا وكلامًا متوجهًا. ويقال حينئذ: لا معنى لاستبراء الزوج، فله أن يطأها عقيبَ العقد، فهذا محضُ القياس، وبالله التوفيق.\nوقلتم: من طاف أربعة أشواط من السبع، فلم يكمله حتى رجع إلى أهله، إنه يَجبُره بدم، وصحَّ حجُّه، إقامةً للأكثر مقامَ الكُلِّ. فخرجتم عن محض القياس، لأن الأركان لا مدخل للدم في تركها. وما أمر به الشارع لا يكون المكلَّف ممتثِلًا له (^٣) حتى يأتي بجميعه، ولا يقوم أكثرُه مقامَ كلِّه، كما لا يقوم الأكثر مقامَ الكُلِّ في الصلاة والصيام والزكاة والوضوء وغسل الجنابة، فهذا هو القياس الصحيح. والمأمور ما لم يفعل ما أُمِرَ به فالخطابُ متوجِّه إليه بعدُ، وهو في عهدته. والنبيُّ - ﷺ - لم يسامح المتوضئَ بتركِ لُمعةٍ\n_________\n(^١) س، ع: «الوطء»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) س: «تزوجها»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «به».","vol":"2","page":66},{"text":"في محلِّ الفرض لم يصبها الماء، ولا أقام الأكثر مقام الكل. والذي جاءت به الشريعة هو الميزان العادل، وهذا (^١) الميزان العائل. وبالله التوفيق.\nوقِسْتم الادِّهانَ بالخَلِّ والزيت في الإحرام على الادِّهان بالمسك والعنبر في وجوب الفدية، ويا بعد ما بينهما! [١٧٠/ب] ولم تقيسوا نبيذ التمر على نبيذ العنب مع قرب الأخوة التي بينهما.\nوقلتم: لو أفطر في نهار رمضان، فلزمته الكفارة، ثم سافر= لم تسقط عنه، لأن سفره قد يتخذ وسيلةً وحيلةً إلى إسقاط ما أوجب الشرع، فلا تسقط. وهذا بخلاف ما إذا مرض أو حاضت المرأة، فإن الكفارة تسقط، لأن الحيض والمرض ليس من فعله. ثم ناقضتم أعظم مناقضة، فقلتم: لو احتال لإسقاط الزكاة عند آخر الحول، فملَّكَ مالَه لزوجته لحظةً، فلما انقضى الحول استردَّه منها.\nواعتذارُكم بالفرق بأن هذا تحيُّلٌ على منع الوجوب، وذاك تحيُّلٌ على إسقاط الواجب بعد ثبوته، والفرق بينهما ظاهر= اعتذارٌ لا يُجدي شيئًا، فإنه كما لا يجوز التحيُّل لإسقاط ما أوجبه الله ورسوله، لا يجوز التحيُّل لإسقاط أحكامه بعد انعقاد أسبابها، ولا تسقط بذلك. وإذا انعقد سبب الوجود لم يكن للمكلَّف إلى إسقاطه بعد ذلك سبيل. وسببُ الوجوب هنا قائم، وهو الغنى بملك النصاب، وهو لم يخرج عن الغنى بهذا التحيُّل، ولا يعدُّه الله ولا رسوله ولا أحد من خلقه ولا نفسُه فقيرًا مسكينًا بهذا التحيُّل يستحقُّ أخذَ الزكاة ولا تجب عليه الزكاة.\n_________\n(^١) ع: «لا هذا»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":67},{"text":"هذا من أقبح الخداع والمكر، فكيف يروج على من يعلم خفايا الأمور وخبايا الصدور؟ وأين القياس والميزان والعدل (^١) الذي بعث الله به رسوله (^٢) إلى (^٣) التحيُّل على المحرمات وإسقاط الواجبات؟\nوكيف تُخرِج الحيلةُ المَفسدةَ التي في العقود المحرَّمة عن كونها مفسدة؟ أم كيف تقلبها مصلحةً محضةً؟ [١٧١/أ] ومن المعلوم أن المفسدة تزيد بالحيلة ولا تزول، وتتضاعف ولا تضعُف. فكيف تزول المفسدة العظيمة التي اقتضت لعنةَ الله ورسوله للمحلِّل والمحلَّل له بأن يشرُطا (^٤) ذلك قبل العقد، ثم يعقدا بنية ذلك الشرط، ولا يشرطاه (^٥) في صلب العقد؟ فإذا أخليا صلبَ العقد من التلفظ بشرطه حسبُ، والله ورسوله والناس وهما يعلمون أن العقد إنما عُقِد على ذلك. فيالله العجب! أكانت هذه اللعنة على مجرَّدِ ذكر الشرط في صلب العقد، فإذا تقدَّم على العقد انقلبت اللعنة رحمةً وثوابًا! وهل الاعتبار في العقود إلا بحقائقها ومقاصدها؟ وهل الألفاظ إلا مقصودة لغيرها قصدَ الوسائل؟ فكيف يُضاع المقصود، ويُعدَل عنه في عقدٍ مساوٍ لغيره من كلِّ وجه، لأجل تقديم لفظ أو تأخيره أو إبداله بغيره، والحقيقة واحدة؟ هذا مما تُنَزَّه عنه الشريعةُ الكاملة المشتملة على مصالح العباد في دينهم ودنياهم.\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «العقل»، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٢) س، ت: «رسله»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «من».\n(^٤) ت: «شرط». وفي غيرها: «شرطا». وفي النسخ المطبوعة: «يشترطا». وما أثبته أقرب.\n(^٥) ت، ف: «يشترطاه».","vol":"2","page":68},{"text":"فأصحاب الحيل تركوا محضَ القياس، فإنَّ ما احتالوا عليه من العقود المحرَّمة مساوٍ من كلِّ وجه لها في القصد والحقيقة والمفسدة، والفارقُ أمر صوري أو لفظي لا تأثير له البتة. فأيُّ فرق بين أن يبيعه تسعة دراهم بعشرة ولا شيء معهما (^١) وبين أن يضمَّ إلى أحد العوضين خرقةً تساوي فَلْسًا أو عودَ حطب أو أذنَ شاة ونحو ذلك؟ فسبحان الله! ما أعجب حال هذه الضميمة الحقيرة التي لا تُقصَد، كيف جاءت إلى المفسدة التي أذِنَ الله ورسوله بحربِ [١٧١/ب] من توسَّل إليها بعقد الربا، فأزالتها ومَحَتْها بالكلِّية، بل قلبتها مصلحةً، وجعلت حربَ الله ورسوله سِلْمًا ورضًى! وكيف جاء محلِّلُ الربا المستعار الذي هو أخو محلِّل النكاح إلى تلك المفاسد العظيمة، فكشَطَها كشطَ الجلد عن اللحم، بل قلبها مصالحَ بإدخال سلعة بين المترابيين (^٢) تعاقدا عليها صورةً، ثم أعيدت إلى مالكها!\nولله ما أفقه ابنَ عباس في الدين وأعلمَه بالقياس والميزان، حيث سئل عما هو أقرب من ذلك بكثير، فقال: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة (^٣)! فيالله العجب، كيف اهتدت هذه الحريرةُ لقلب مفسدةِ الربا مصلحةً، ولعنةِ آكله رحمةً، وتحريمِه إذنًا وإباحةً!\nثم أين القياس والميزان في إباحة العِينة التي لا غرضَ للمرابيين في السلعة قط، وإنما غرضهما ما يعلمه الله ورسوله وهما والحاضرون، من أخْذ مائةٍ حالَّةٍ، وبذْل مائةٍ وعشرين مؤجَّلة، ليس لهما غرض وراء ذلك البتة.\n_________\n(^١) ع: «معها»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) س، ع: «المرابيين»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) سيأتي تخريجه.","vol":"2","page":69},{"text":"فكيف يقول الشارع الحكيم: إذا أردتم حِلَّ هذا فتحيَّلوا عليه بإحضار سلعة يشتريها آكلُ الربا بثمن مؤجَّل في ذمته، ثم يبيعها للمرابي بنقد حاضر، فينصرفان على مائة بمائة وعشرين، والسلعةُ حرفٌ جاء لمعنًى في غيره؟ وهل هذا إلا عدولٌ عن محض القياس، وتفريقٌ بين متماثلين في الحقيقة والقصد والمفسدة من كلِّ وجه؟ بل مفسدة الحيل الربوية أعظم من مفسدة الربا الخالي عن الحيلة، فلو لم تأت الشريعة بتحريم هذه الحيل لكان محضُ القياس والميزان [١٧٢/أ] العادل يوجب تحريمها. ولهذا عاقب الله سبحانه من احتال على استباحة ما حرَّمه بما لم يعاقِب به من ارتكب ذلك المحرَّمَ عاصيًا، فهذا من جنس الذنوب التي يتاب منها، وذاك من جنس البدع التي يظنُّ صاحبها أنه من المحسنين.\nوالمقصود: ذكرُ تناقض أصحاب القياس والرأي فيه، وأنهم يفرِّقون بين المتماثلين، ويجمعون بين المختلفين؛ كما فرَّقتم بين ما لو وكَّل رجلين معًا في الطلاق، فقلتم: لأحدهما أن ينفرد بإيقاعه، ولو وكَّلهما معًا في الخُلع لم يكن لأحدهما أن ينفرد به. وفرَّقتم (^١) بما لا يُجدي شيئًا، وهو أن الخُلْع كالبيع، وليس لأحد الوكيلين الانفراد به، لأنه أشرك بينهما في الرأي، ولم يرض بانفراد أحدهما. وأما الطلاق فليس المقصود منه المال، وإنما هو تنفيذ قوله، وامتثال أمره؛ فهو كما لو أمرهما بتبليغ الرسالة. وهذا فرق لا تأثير له البتة، بل هو باطل، فإنَّ احتياجَ الطلاق (^٢) ومفارقة الزوجة إلى الرأي والخبرة والمشاورة مثلُ احتياج الخُلع أو أعظم. ولهذا أمر الله سبحانه ببعث\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بين الأمرين».\n(^٢) ع: «احتياجه في الطلاق».","vol":"2","page":70},{"text":"الحكمين معًا، وليس لأحدهما أن ينفرد بالطلاق، مع أنهما وكيلان عند القيَّاسين (^١)؛ والله تعالى جعلهما حكمين، ولم يجعل لأحدهما الانفراد، فما بال وكيلي الزوج لأحدهما الانفراد؟ وهل هذا إلا خروج عن محض القياس وموجَب النص؟\nوقلتم: لو قال لامرأته «طلِّقي نفسَك»، ثم نهاها في المجلس، ثم طلَّقَتْ نفسها= وقع الطلاق. ولو قال ذلك لأجنبي، ثم نهاه في المجلس، ثم طلَّق= لم يقع الطلاق. فخرجتم عن [١٧٢/ب] موجَب القياس، وفرَّقتم بأن قوله لها تمليك، وقوله للأجنبي توكيل. وقد تقدَّم بطلانُ هذا الفرق قريبًا.\nوقلتم: لو وصَّى إلى عبدِ غيره فالوصية باطلة، وإن أجاز سيِّدُه. ولو وكَّل عبدَ غيرِه فالوكالة جائزة، وإن ردَّها السيد، ولكن تُكرَه بدون إذنه.\nوقلتم: إذا أوصى بأن يُعتِق عنه عبدًا بعينه، فأعتقه الوارث عن نفسه= وقع عن الميِّت. ولو أعتقه الوصيُّ عن نفسه لم يجُز عن نفسه ولا عن الميِّت. وفرَّقتم بأنّ تصرُّفَ الوارث بحقِّ الملك، فنفذ تصرّفُه وإن خالف الموصي. وتصرُّفُ الوصي بحقِّ الوكالة، فلا يصح فيما خالف الموصي. وهذا فرق لا يصح، فإن تعيين الموصي للعتق في هذا العبد قطَع ملكَ الوارث له، فهو كما لو أوصى إلى أجنبي بعتقه سواء، وإنما ينتقل إلى الوارث من التركة ما زاد على الدَّين والوصية اللازمة.\nوقلتم: لو قال: «ثلُثُ مالي لفلان وفلان» وأحدهما ميِّت، فالثلث كلُّه للحيِّ. ولو قال: «بين فلان وفلان»، وأحدهما ميت، فللحيِّ نصفُه. وهذا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «القياسيين» كالعادة.","vol":"2","page":71},{"text":"تفريق بين متماثلين لفظًا ومعنًى وقصدًا، واقتضاء الواو للتشريك كاقتضاء «بين»، ولهذا استويا في الإقرار وفي استحقاق كلِّ واحد منهما النصفَ لو كانا حيَّين.\nوقلتم: لو أوصى له بثلث ماله، وليس له من المال شيء، ثم اكتسب مالًا= فالوصية لازمة في ثلثه. ولو أوصى له بثلث غنمه، ولا غنم له، ثم اكتسب غنمًا= فالوصية (^١) باطلة. فتركتم محض القياس، وفرَّقتم بفرقٍ (^٢) لا تأثير له، ولا يتحصَّل منه عند التحقيق شيء (^٣).\nفصل\nوجمعتم بين ما فرَّق الله بينه من الأعضاء الطاهرة والأعضاء النجسة، [١٧٣/أ] فنجَّستم الماءَ الذي يلاقي هذه وهذه عند رفع الحدث. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من الوضوء والتيمم، فقلتم: يصح أحدهما بلا نية دون الآخر. وجمعتم بين ما فرَّق الله بينهما من الشعور والأعضاء، فنجَّستم كليهما بالموت. وفرَّقتم بين ما جمع (^٤) بينهما من سباع البهائم، فنجَّستم منها الكلب والخنزير دون سائرها.\nوجمعتم بين ما فرَّق بينه، وهو الناسي والعامد، والمخطئ والذاكر، والعالم والجاهل، فإنه سبحانه فرَّق بينهم في الإثم، فجمعتم بينهم في\n_________\n(^١) العبارة «لازمة ... فالوصية» ساقطة من ح، ف.\n(^٢) س: «تفريقًا». وفي ت: «تفريق».\n(^٣) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «والله المستعان وعليه التكلان».\n(^٤) س، ع: «جمع الله»، وكذا في النسخ المطبوعة بزيادة لفظ الجلالة هنا وفيما يأتي.","vol":"2","page":72},{"text":"الحكم في كثير من المواضع، كمن صلَّى بالنجاسة ناسيًا أو عامدًا، وكمن فعل المحلوفَ عليه ناسيًا أو عامدًا، وكمن تطيَّب في إحرامه أو قلَم ظفرَه أو حلَق شعرَه ناسيًا أو عامدًا= فسوَّيتم بينهما. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من الجاهل والناسي، فأوجبتم القضاء على من أكل في رمضان جاهلًا ببقاء النهار دون الناسي، وفي غير ذلك من المسائل.\nوفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من عقود الإجارات، كاستئجار الرجل لطحن الحَبِّ بنصف كُرٍّ (^١) من دقيق، واستئجاره لطحنه بنصف كُرٍّ منه، فصحَّحتم الأول دون الثاني، مع استوائهما من جميع الوجوه. وفرَّقتم بأن العمل في الأول في العوض الذي استأجره به ليس مستحَقًّا عليه، وفي الثاني العمل مستَحقٌّ عليه، فيكون مستَحقًّا له وعليه. وهذا فرق صوري لا تأثير له، ولا تتعلَّق بوجوده مفسدة قط، لا جهالة ولا ربا ولا غَرر ولا تنازع، ولا هي مما يمنع صحة العقد بوجه. وأيُّ غَرر أو مفسدة أو مضرَّة للمتعاقدين في أن يدفع إليه غزلَه ينسجُه ثوبًا برُبعه، وزيتونَه [١٧٣/ب] يعصره زيتًا برُبعه، وحبَّه يطحنه بربعه، وأمثال ذلك مما هو مصلحة محضة للمتعاقدين، لا تتم مصلحتُهما في كثير من المواضع إلا به؟ فإنه ليس كلُّ أحدٍ (^٢) يملك عوضًا يستأجر به من يعمل له ذلك، والأجير محتاج إلى جزء من ذلك، والمستأجر محتاج إلى العمل، وقد تراضيا بذلك. ولم يأت من\n_________\n(^١) مكيال لأهل العراق يساوي ستين قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف صاع، فهو إذن ٧٢٠ صاعًا. انظر: «متن اللغة» (٥/ ٤٦) و«المكاييل والأوزان والنقود العربية» للدكتور محمود الجليلي (ص ٩٧ - ٩٩).\n(^٢) ع: «كل واحد»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":73},{"text":"الله ورسوله نصٌّ يمنعه، ولا قياس صحيح، ولا قول صاحب، ولا مصلحة معتبرة ولا مرسلة.\nوفرَّقتم (^١) بين ما جمع الله بينه، وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فقلتم: لو اشترى عنبًا ليعصره خمرًا، أو سلاحًا ليقتل به مسلمًا، ونحو ذلك= إنَّ البيع صحيح. وهو كما لو اشتراه ليقتل به عدوَّ الله ويجاهد به في سبيله، أو اشترى عنبًا ليأكله. كلاهما سواء في الصحة. وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فقلتم: لو استأجر دارًا ليتخذها كنيسةً يُعبَد فيها الصليب والنار جاز (^٢)، كما لو استأجرها ليسكنها. ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم: لو استأجرها ليتخذها مسجدًا لم تصحَّ الإجارة.\nوفرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فقلتم: لو استأجر أجيرًا بطعامه وكسوته لم يجز. والله سبحانه لم يفرِّق بين ذلك وبين استئجاره بطعام مسمًّى وثياب معينة (^٣). وقد كان الصحابة يؤجِّر أحدُهم نفسَه في السفر والغزو بطعام بطنه وركوبه (^٤) وهم أفقه الأمة (^٥).\nوفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من عقدين متساويين من كلِّ وجه، وقد صرَّح المتعاقدان فيهما بالتراضي، وعلم الله سبحانه تراضيهما والحاضرون،\n_________\n(^١) في النسخ: «ففرقتم»، والسياق يقتضي ما أثبت.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «جاز له».\n(^٣) لعله يشير إلى قصة موسى إذ تزوَّج على أن يأجر ثماني حجج.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «مركوبه».\n(^٥) روى مسلم (١٨٠٧/ ١٣٢) من حديث سلمة بن الأكوع أنه كان تبيعًا لطلحة بن عبيد الله في غزوة الحديبية يسوس فرسه، ويخدم طلحة، ويأكل من طعامه ...","vol":"2","page":74},{"text":"[١٧٤/أ] فقلتم: هذا عقد باطل لا يفيد الملك ولا الحِلَّ حتى يصرِّحا بلفظ «بعت واشتريت». ولا يكفيهما أن يقول كلُّ واحد منهما: «أنا راضٍ بهذا كلَّ الرِّضى»، ولا «قد رضيتُ بهذا عوضًا عن هذا»، مع كون هذا اللفظ أدلَّ على الرِّضى الذي جعله الله سبحانه شرطًا للحِلِّ من لفظه: «بعت واشتريت»، فإنه لفظ صريح فيه، و«بعت واشتريت» إنما يدل عليه باللزوم.\nوكذلك عقدُ النكاح، وليس ذلك من العبادات التي تعبَّدَنا الشارعُ فيها بألفاظ لا يقوم غيرُها مقامَها كالأذان وقراءة الفاتحة في الصلاة وألفاظ التشهد وتكبيرة الإحرام وغيرها، بل هذه العقود تقع من البَرِّ والفاجر والمسلم والكافر، ولم يتعبَّدنا الشارعُ فيها بألفاظ معينة، فلا فرق أصلًا بين لفظ الإنكاح والتزويج وبين كلِّ لفظ يدل على معناهما.\nوأفسَدُ من ذلك اشتراطُ العربية مع وقوع النكاح من العرب والعجم والترك والبربر ومن لا يعرف كلمة عربية، والعجب أنكم اشترطتم تلفُّظَه بلفظٍ لا يدري ما معناه البتة، وإنما هو عنده بمنزلة صوتٍ في الهواء فارغٍ لا معنى تحته، فعقدتم العقدَ به، وأبطلتموه بتلفظه باللفظ الذي يعرفه، ويفهم معناه، ويميِّز بين معناه وغيره. وهذا من أبطل القياس، ولا يقتضي القياس إلا ضدَّ هذا، فجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه.\nوبإزاء هذا القياس قياسُ من يجوِّز قراءة القرآن بالفارسية، ويجوِّز انعقاد الصلاة [١٧٤/ب] بكلِّ لفظ يدل على التعظيم كسبحان الله، وجلَّ الله، والله العظيم، ونحوه ــ عربيًّا كان أو فارسيًّا ــ ويجوِّز إبدال لفظ التشهد بما يقوم مقامه. وكلُّ هذا من جنايات الآراء والأقيسة. والصواب: اتباع ألفاظ العبادات والوقوف معها. وأما العقود والمعاملات فإنما تُتَّبع مقاصدها","vol":"2","page":75},{"text":"والمراد بها (^١) بأيِّ لفظٍ كان، إذ لم يشرع الله ورسوله لنا التعبُّدَ بألفاظ معينة لا نتعدَّاها.\nوجمعتم بين ما فرَّق الله بينه من إيجاب النفقة والسكنى للمبتوتة وجعلتموها كالزوجة. وفرَّقتم بين ما جمع الله ورسوله بينه من ملازمة الرجعية المعتدَّة والمتوفَّى عنها زوجُها منزلَهما (^٢) حيث يقول تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] وحيث أمر النبيُّ - ﷺ - المتوفَّى عنها أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله (^٣).\nوجمعتم بين ما فرَّقت السنَّةُ (^٤) بينهما من بول الطفل والطفلة الرضيعين، فقلتم: يُغسَلان. وفرَّقتم بين ما جمعت السنَّةُ بينه من وجوب غسلِ قليل البول وكثيره.\nوفرَّقتم بين ما جمع الله ورسوله بينهما من ترتيب أعضاء الوضوء\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «منها».\n(^٢) س، ت، ع: «منزلها».\n(^٣) رواه أحمد (٢٧٠٨٧، ٢٧٠٨٨، ٢٧٣٦٣)، وأبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤)، وابن ماجه (٢٠٣١)، والنسائي (٣٥٢٨، ٣٥٣٠، ٣٥٣٢) من حديث الفريعة بنت مالك - رضي الله عنهت - مرفوعا. وصححه الترمذي، وابن حبان (١٤٦١، ١٤٦٢)، والحاكم (٢/ ٢٠٨)، ونقل قول الحافظ محمد بن يحيى الذهلي: «هذا حديث صحيح محفوظ». وصححه أيضًا ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، وابن النحوي في «البدر المنير» (٨/ ٢٤٣، ٢٤٧، ٢٥٠). ويُنظر للفائدة: «العلل» للدارقطني (١٥/ ٤١٢ - ٤١٣).\n(^٤) ع: «فرَّق الله»، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من النسخ الأخرى.","vol":"2","page":76},{"text":"وترتيب أركان الصلاة، فأوجبتم الثاني دون الأول. ولا فرق بينهما، لا في المعنى ولا في النقل. والنبيُّ - ﷺ - هو المبين عن الله أمرَه ونهيَه، لم يتوضأ (^١) قطُّ إلا مرتَّبًا، ولا مرةً واحدةً في عمره (^٢)، كما لم يصلِّ إلا مرتَّبًا. ومعلوم أن العبادة المنكوسة ليست كالمستقيمة، ويكفي هذا الوضوءَ اسمُه وهو أنه وضوء منكَّس (^٣)، فكيف يكون عبادة؟\nوجمعتم [١٧٥/أ] بين ما فرَّق الله بينه من إزالة النجاسة ورفع الحدث، فسوَّيتم بينهما في صحة كلٍّ منهما بغير نية. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينهما من الوضوء والتيمم، فاشترطتم النية لأحدهما دون الآخر. وتفريقكم بأن الماء يطهِّر بطبعه، فاستغنى عن النية؛ بخلاف التراب فإنه لا يصير مطهِّرًا إلا بالنية= فرقٌ صحيح بالنسبة إلى إزالة النجاسة فإنه مزيل لها بطبعه. وأما رفعُ الحدث فإنه ليس رافعًا له بطبعه، إذ الحدث ليس جسمًا محسوسًا يرفعه الماء بطبعه بخلاف النجاسة، وإنما يرفعه بالنية، فإذا لم تقارنه النية بقي على حاله، فهذا هو القياس المحض.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ولم يتوضأ» مع واو العطف.\n(^٢) يُوازَنُ ما ذكره المصنِّف هنا بما رواه أحمد (١٧١٨٨)، وعنه أبو داود (١٢١) من حديث المقدام بن معدي كرب - ﵁ -. ويُنظر: «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٢/ ١٩٥، ٤/ ١٠٩ - ١١٠، ٥/ ٦٦٣)، و«الإمام» لابن دقيق العيد (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥، ٥٧١ - ٥٧٣)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٢١٨ - ٢٢٣)، و«البدر المنير» لابن النحوي (١/ ٢٠٧ - ٢١٠)، و«صحيح سنن أبي داود» للألباني (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(^٣) ع: «منكوس».","vol":"2","page":77},{"text":"وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فسوَّيتم بين بدنِ أطيبِ المخلوقات وهو وليُّ الله المؤمن، وبين بدنِ أخبثِ المخلوقات وهو عدوه الكافر، فنجَّستم كليهما بالموت. ثم فرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فقلتم: لو غُسِل المسلمُ ثم وقع في ماء لم ينجِّسه، ولو غُسِل الكافر ثم وقع في ماء نجَّسه. ثم ناقضتم في الفرق بأن المسلم إنما غُسِل ليصلَّى عليه، فطهُر بالغسل، لاستحالة الصلاة عليه وهو نجِس، بخلاف الكافر. وهذا الفرق ينقض ما أصَّلتموه من أن النجاسة بالموت نجاسة عينية، فلا تزول بالغسل لأن سببها قائم وهو الموت، وزوالُ الحكم مع بقاء سببه ممتنع. فأيُّ القياسَين هو المعتدُّ به في هذه المسألة؟\nوفرَّقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما، فقلتم: لو طلعت عليه الشمس، وقد صلَّى من الصبح ركعةً، بطلت صلاته. ولو غربت عليه الشمسُ، وقد صلَّى من العصر ركعةً، صحَّت صلاته. والسنة الصحيحة الصريحة قد سوَّت بينهما، وتفريقكم بأنه في الصبح خرج من وقت كامل إلى غير وقت (^١)، ففسدت صلاته؛ وفي العصر خرج من وقت كامل إلى وقت كامل وهو وقت صلاة، فافترقا. ولو لم يكن في هذا القياس إلا مخالفته لصريح السنَّة (^٢) لكفى في بطلانه، فكيف وهو قياس فاسد في نفسه؟ فإن الوقت الذي خرج إليه في الموضعين ليس وقت الصلاة الأولى، فهو ناقص بالنسبة إليها. ولا ينفع كماله بالنسبة إلى الصلاة التي هو فيها.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «كامل»، وهي غير صحيحة.\n(^٢) يقصد حديث أبي هريرة، الذي أخرجه البخاري (٥٥٦) ومسلم (٦٠٨).","vol":"2","page":78},{"text":"فإن قيل: لكنه خرج إلى وقت نهي في الصبح وهو وقت طلوع الشمس، ولم يخرج إلى وقت نهي في المغرب.\nقيل: وهذا فرق فاسد، لأنه ليس بوقت نهيٍ عن هذه الصلاة التي هو فيها، بل هو وقتُ أمرٍ بإتمامها بنصِّ صاحبِ الشرع حيث يقول (^١): «فَلْيُتِمَّ صلاتَه»، وإن كان وقتَ نهي بالنسبة إلى التطوع. فظهر أن الميزان الصحيح مع السنة الصحيحة، وبالله التوفيق (^٢).\nوجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فقلتم: المختلعة البائنة التي قد ملكت نفسها يلحقها الطلاق، فسوَّيتم بينها وبين الرجعية في ذلك. وقد فرَّق الله بينهما بأن جعل هذه مفتديةً لنفسها مالكةً لها كالأجنبية، وتلك زوجُها أحقُّ بها. ثم فرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فأوقعتم عليها مرسلَ الطلاق دون معلَّقه، وصريحَه دون كنايته. ومن المعلوم أن من ملَّكه الله أحدَ الطلاقين ملَّكه الآخر، ومن لم يملِّكه هذا لم يملِّكه هذا.\nوجمعتم بين ما فرَّق [١٧٦/أ] الله بينه، فمنعتم من أكل الضَّبِّ وقد أُكِل على مائدة رسول الله - ﷺ - وهو ينظر، وقيل له: أحرام هو؟ فقال: لا؛ فقستموه على الأحناش والفئران. وفرَّقتم بين ما جمعت السنَّة بينه من لحوم الخيل التي أكلها الصحابة على عهد رسول الله - ﷺ - مع لحوم الإبل وأذِنَ الله تعالى فيها، فجمع الله ورسوله بينهما في الحِلِّ، وفرَّق الله ورسوله بين الضَّبِّ والحَنَش (^٣) في التحريم.\n_________\n(^١) في الحديث السابق.\n(^٢) ع: «والله أعلم».\n(^٣) ت: «الحنش والضب».","vol":"2","page":79},{"text":"وجمعتم بين ما فرقت السنَّة بينه من لحوم الإبل وغيرها حيث قال: «توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم» (^١)، فقلتم: لا نتوضأ من هذا (^٢) ولا من هذا. وفرَّقتم بين ما جمعت (^٣) بينه، فقلتم في القيء: إن كان ملء الفم فهو حدث، وإن كان دون ذلك فليس بحدث. ولا يُعرَف في الشريعة شيء يكون كثيره حدثًا دون قليله. وأما النوم فليس بحدث، وإنما هو مظنته، فاعتُبِر ما يكون مظنة، وهو الكثير.\nوفرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فقلتم: لو فتَح على الإمام في قراءته لم تبطل صلاته، ولكن تُكرَه لأنَّ فتحَه قراءة منه، والقراءة خلف الإمام مكروهة. ثم قلتم: فلو فتَح على قارئٍ غيرِ إمامه بطلت صلاته، لأن فتحه عليه مخاطبة له، فأبطلت الصلاة. ففرَّقتم بين متماثلين، لأن الفتح إن كان مخاطبةً في حقِّ غير الإمام، فهو مخاطبة في حقِّه (^٤). وإن لم يكن مخاطبةً في حقِّ الإمام، فليس مخاطبةً (^٥) في حقِّ غيره. ثم ناقضتم من [١٧٦/ب] وجه آخر أعظم مناقضة، فقلتم: لما نوى الفتحَ على غير الإمام خرج عن كونه قارئًا إلى كونه مخاطِبًا بالنية. ولو نوى الربا الصريح، والتحليل\n_________\n(^١) سيأتي فيه حديث جابر بن سمرة الذي أخرجه مسلم (٣٦٠)، وهذا لفظ حديث ابن عمر في «سنن ابن ماجه» (٤٩٧). ونحوه لفظ حديث البراء بن عازب في «جامع الترمذي» (٨١).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «لا من هذا».\n(^٣) يعني السنَّة. وفي ع: «جمعت الشريعة»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) يعني: «في حق الإمام»، كما في النسخ المطبوعة. ولكن في جميع النسخ الخطية ما أثبت.\n(^٥) ع: «بمخاطبة»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":80},{"text":"الصريح، وإسقاط الزكاة بالتمليك الذي اتخذه حيلةً= لم يكن مرابيًا، ولا محلِّلًا، ولا مُسقطًا للزكاة (^١)، بهذه النية.\nفيالله العجب! كيف أثَّرت نية الفتح والإحسان على القارئ، وأخرجته عن كونه قارئًا إلى كونه مخاطِبًا؛ ولم تؤثر نية الربا والتحليل مع إساءته بهما وقصدِه نفسَ ما حرَّمه (^٢) الله، فتجعله مرابيًا محلِّلا؟ وهل هذا إلا خروج عن محض القياس، وجمعٌ بين ما فرَّق الشارع بينهما، وتفريقٌ بين ما جمع بينهما؟\nوقلتم: لو اقتدى المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت لا يصح اقتداؤه، ولو اقتدى المقيم بالمسافر بعد خروج الوقت صحَّ اقتداؤه. وهذا تفريق بين متماثلين، ولو ذهب ذاهب إلى عكسه لكان من جنس قولكم سواء، ولأمكنه تعليله بنحو ما علَّلتم به. ووجَّهتم الفرق بأن من شرط صحة اقتداء المسافر بالمقيم أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه، وبخروج الوقت استقرَّ الفرض عليه استقرارًا لا يتغير بتغيُّر حاله، فبقي فرضه ركعتين. فلو جوَّزنا له اقتداءه بالمقيم بعد خروج الوقت جوَّزنا اقتداء مَن فرضُه الركعتان (^٣) بمن فرضُه أربع، وهذا لا يصح، كمصلِّي الفجر إذا اقتدى بمصلِّي الظهر. وليس كذلك المقيم إذا اقتدى بالمسافر بعد خروج الوقت، إذ ليس من شرط صحة (^٤) [١٧٧/أ] اقتداء المقيم بالمسافر أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه، بدليل أنه لو\n_________\n(^١) ع: «ولا مسقطًا للزكاة ولا محلِّلًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ع: «حرم».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ركعتان».\n(^٤) لفظ «صحة» ساقط من ع.","vol":"2","page":81},{"text":"اقتدى به في الوقت لم ينتقل فرضه إلى فرض إمامه؛ بخلاف المسافر، فإنه لو اقتدى بالمقيم في الوقت انتقل فرضه إلى فرض إمامه.\nثم ناقضتم، فقلتم (^١): إذا كان الإمام مسافرًا، وخلفه مسافرون ومقيمون، فاستخلف الإمام مقيمًا= فإن فرض الإمام لا ينتقل إلى فرض إمامه وهو فرض المقيمين، مع أن الفرق في الأصل مدخول. وذلك أن الصلاتين سواء في الاسم والحكم والوضع (^٢) والوجوب، وإن اختلفتا (^٣) في كون الإمام يصلِّي (^٤)، فإذا صلى الإمام أربعًا وجب على المأموم أن يصلِّي بصلاته كما لو كان في الوقت. وخروج الوقت لا أثر له في ذلك، فإن الذي فرضه الله عليه في الوقت هو بعينه فرضه بعد الوقت، ولا سيما إذا كان نائمًا أو ناسيًا، فإن وقت اليقظة والذكر هو الوقت الذي شرع الله له الصلاة فيه (^٥)، وعذر السفر قائم، وارتباط صلاته بصلاة الإمام حاصل. فما الذي فرَّق بين الصورتين مع اتحاد السبب الجامع، وقيام الحكمة المجوِّزة للقصر والمرجِّحة لمصلحة الاقتداء عند الانفراد؟\nوفرَّقتم بين ما جمعت الشريعة بينهما ــ وهو الحيض، والنفاس ــ فجعلتم أقلَّ الحيض محدودًا إما بثلاثة أيام أو بيوم وليلة أو بيوم، ولم تحُدُّوا أقلَّ النفاس، وكلاهما دم خارج من الفرج يمنع أشياء ويوجب أشياء.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وقلتم».\n(^٢) ما عدا ت: «الموضع».\n(^٣) ما عدا ع: «اختلفا».\n(^٤) ت: «مصلي»، وفي النسخ المطبوعة: «مصليا».\n(^٥) ت: «له فيه الصلاة».","vol":"2","page":82},{"text":"وليسا اسمين شرعيين لم يُعرفا إلا بالشريعة، بل هما اسمان لغويان، ردَّ الشارعُ أمته فيهما إلى ما يتعارفه النساء حيضًا [١٧٧/ب] ونفاسًا، قليلًا كان أو كثيرًا. وقد ذكرتم هذا بعينه في النفاس، فما الذي فرَّق بينه وبين الحيض؟ ولم يأتِ عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديدُ أقلِّ الحيض بحدٍّ أبدًا، ولا في القياس ما يقتضيه.\nوالعجب أنكم قلتم: المرجع فيه إلى الوجود (^١) حيث لم يحُدَّه الشارع، ثم ناقضتم فقلتم: حدُّ أقلِّه يوم وليلة. وأما أصحاب الثلاث فإنما اعتمدوا على حديثٍ (^٢) توهَّموه صحيحًا، وهو غير صحيح باتفاق أهل الحديث، فهم أعذر من وجه.\nقال المفرِّقون: بل فرَّقنا بينهما بالقياس الصحيح، فإنَّ للنفاس علَمًا ظاهرًا يدل على خروجه من الرحم وهو تقدُّم الولد عليه، فاستوى قليله وكثيره، لوجود عَلَمِه الدالِّ عليه. وليس مع الحيض علَمٌ يدل على خروجه من الرحم، فإذا امتدَّ زمنه صار امتداده علَمًا ودليلًا على أنه حيض معتاد، وإذا لم يمتدَّ لم يكن معنا ما يدل عليه أنه حيض، فصار كدم الرعاف.\n_________\n(^١) ح، ف: «الوجوب»، تصحيف.\n(^٢) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٧٥٨٦)، وفي «الأوسط» (٥٩٩)، وفي «مسند الشاميين» (١٥١٥، ٣٤٢٠)، والدارقطني في «السنن» (٨٤٥، ٨٤٦) من حديث أبي أمامة - ﵁ - مرفوعًا. ورواه الدارقطني (٨٤٧) من حديث واثلة بن الأسقع - ﵁ - مرفوعًا. وضعّف الدارقطني الحديثيْن كليْهما.\nوللحديث طرق كثيرة لا يصح منها شيء، بل كلّها واهية. ويُنظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤)، و«الإمام» لابن دقيق العيد (٣/ ٢٠٢ - ٢١٠، ٢١٣ - ٢١٤)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٤٠٨ - ٤١٣).","vol":"2","page":83},{"text":"ثم ناقضوا في هذا الفرق نفسه أبين مناقضة، فقال أصحاب الثلاث: لو امتدَّ يومين ونصفَ يوم دائمًا لم يكن حيضًا حتى يمتدَّ ثلاثة أيام. وقال أصحاب اليوم: لو امتدَّ من غدوة إلى العصر دائمًا (^١) لم يكن حيضًا حتى يمتدَّ إلى غروب الشمس. فخرجوا بالقياس عن محض القياس!\nوقلتم: إذا صلَّى جالسًا، ثم تشهَّد في حال القيام سهوًا، فلا سجود عليه. وإن قرأ في حال التشهد فعليه السجود. وهذا فرقٌ بين متساويين من كلِّ وجه.\nوقلتم: إذا افتتح الصلاة في المسجد، فظنَّ أنه قد سبقه الحدث، فانصرف [١٧٨/أ] ليتوضأ، ثم علم أنه لم يسبقه الحدث وهو في المسجد= جاز له المضيُّ على صلاته. وكذلك لو ظن أنه قد أتمَّ صلاته، ثم علم أنه لم يُتِمَّ. ثم قلتم: لو ظنَّ أن على ثوبه نجاسة، أو أنه لم يكن متوضئًا، فانصرف ليتوضأ أو يغسل ثوبه، ثم علم أنه كان متوضِّئًا أو طاهرَ الثوب= لم يجُز له البناء على صلاته. ففرَّقتم بين ما لا فرق بينهما، وتركتم محض القياس. وفرَّقتم بأنه لما ظنَّ سبقَ الحدث فقد انصرف من صلاته انصرافَ استيفاء (^٢)، لا انصرافَ رفض، فإنه لو تحقَّق ما ظنَّه جاز له المضي، فلم يصِرْ قاصدًا للخروج من الصلاة، فلم يمتنع البناء. وكذلك لو ظنَّ أنه قد أتمَّ صلاته، فلم ينصرف انصراف رفض. وإذا لم يقصد الرفض لم تصر الصلاة مرفوضة، كما لو سلَّم ساهيًا. وليس كذلك إذا ظنَّ أنه لم يتوضأ أو (^٣) على\n_________\n(^١) س، ت، ف: «دائمًا أبدًا»، وزاد بعضهم كلمة «أبدًا» في حاشية ح.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «انصراف استئناف».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «أو أن».","vol":"2","page":84},{"text":"ثوبه نجاسة، لأنه انصرف منها انصرافَ رفض، ونوى الرفض مقارِنًا لانصرافه، فبطلت كما لو سلَّم عامدًا.\nوهذا الفرق غير مُجدٍ شيئًا، بل هو فرقٌ بين ما جمعت الشريعة بينهما، فإنه في الموضعين انصرف انصرافًا مأذونًا فيه أو مأمورًا به، وهو معذور في الموضعين. بل هذا الفرق حقيق باقتضائه ضد ما ذكرتم، فإنه إذا ظن أنه لم يتوضأ فانصرافه مأمور به وهو عاصٍ لله بتركه، بخلاف ما إذا ظن أنه قد أتمَّ صلاته فإن انصرافه مباح مأذون له فيه. فكيف تصح الصلاة مع هذا الانصراف، وتبطل بالانصراف المأمور [١٧٨/ب] به؟\nثم إنه أيضًا في انصرافه ظنًّا (^١) أنه قد أتم صلاته، ينصرف انصرافَ تركٍ حقيقةً، لأنه يظن أنه قد فرغ منها، فتركُها تركُ مَن قد أكملها. ومن ظنَّ أنه محدِث فإنما تركُها تركُ قاصدٍ لتكميلها (^٢)، فهي أولى بالصحة.\nوقلتم: لو قال: «لله عليَّ أن أصلِّي ركعتين»، فقال آخر: «وأنا لله عليَّ أن أصلي ركعتين» (^٣) = لم يجُز لأحدهما أن يأتمَّ بصاحبه، لأنهما فرضان بسببين، وهو نذرُ كلِّ واحد منهما، ولا يؤدَّى فرضٌ خلف فرضِ آخر. ثم ناقضتم، فقلتم: لو قال الآخر: «وأنا لله عليَّ أن أصلي الركعتين اللتين أوجبتَ على نفسك» جاز لأحدهما أن يأتمَّ بالآخر، لأنه أوجب على نفسه عينَ (^٤) ما\n_________\n(^١) س: «ظنَّ». وفي طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه: «[حين] ظنَّ».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «لتكملتها».\n(^٣) ع: «وقلتم: لو قال اثنان: لله عليَّ أن أصلي ركعتين»، وفوق «اثنان» علامة «ظ».\n(^٤) لفظ «عين» ساقط من ت.","vol":"2","page":85},{"text":"أوجبه الآخر على نفسه، فصارتا كالظهر الواحدة. وهذا ليس يُجدي شيئًا، فإنَّ سبب الوجوب مختلف كما في الصورة الأولى سواء، وهو نذرُ كلِّ واحد منهما على نفسه، وليس الواجب على أحدهما هو عين الواجب على الآخر، بل هو مثله؛ ولهذا لا يتأدَّى أحدُ الواجبين بأداء الآخر. ولا فرق بين المسألتين في ذلك البتة، فإنَّ كلَّ واحد (^١) يجب عليه ركعتان نظير ما وجب على الآخر بنذره. فالسبب متماثل (^٢)، والواجب متماثل، والتعدُّد في الجانبين سواء. فالتفريق بينهما تفريق بيِّن (^٣)، وخروج عن محض القياس.\nوفرَّقتم بين ما جمع النصُّ والميزان بينهما، فقلتم: إذا ظفِر برِكازٍ (^٤) فعليه فيه الخُمْس، ثم يجوز له صرفُه إلى أولاده وإلى نفسه إذا احتاج إليه. وإذا وجب عليه عشرُ [١٧٩/أ] الخارج من الأرض لم يكن له صرفُه إلى ولده ولا إلى نفسه. وكلاهما واجب عليه إخراجُه لحقِّ الله وشكرًا لنعمته (^٥) بما أنعم عليه من المال، ولكن لما كان الرِّكازُ مالًا مجموعًا لم يكن نماؤه وكماله بفعله، فالمؤنةُ فيه أيسرُ= كان الواجب فيه أكثر. ولما كان الزرعُ فيه من المؤنة والكلفة والعمل أكثرُ مما في الركاز= كان الواجب فيه نصفه، وهو العشر. فإن اشتدَّت المؤنة بالسقي بالكلفة حُطَّ الواجبُ إلى نصفه وهو\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «منهما».\n(^٢) كذا في النسخ الخطية هنا وفيما بعد. وفي النسخ المطبوعة: «مماثل».\n(^٣) كذا في النسخ، وضبط في س بتنوين النون وفي ت بكسر الياء المشدَّدة. وقرأ بعضهم «بَيْن»، فزاد في حاشية ع: «متماثلين» وفوقها علامة «ظ». ومن هنا ورد في النسخ المطبوعة: «بين متماثلين».\n(^٤) الرِّكاز: المال المدفون في الجاهلية، ويقال: هو المعدن. (المصباح المنير).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «وشكر النعمة».","vol":"2","page":86},{"text":"نصف العشر. فإن اشتدَّت المؤنة في المال غيره (^١) بالتجارة والبيع والشِّراء كلَّ وقت، وحفظِه وكراءِ مخزنه ونقلِه= خُفِّف إلى شطره، وهو رُبع العشر. فهذا من كمال حكمة الشارع في اعتبار كثرة الواجب وقلته. فكيف يجوز له أن يعطي الواجب الأكثر الذي هو أقلُّ مؤنةً وتعبًا وكلفةً لأولاده ويمسكه لنفسه، وقد أضعفه عليه الشارعُ أكثرَ من كلِّ واجب في الزكاة، ومخرجُ الجميع وإيجابه واحد نصًّا واعتبارًا؟ فالتفريق بينهما تفريق بين ما جمعت الشريعة بينهما حيث قال النبي - ﷺ -: «في الرِّكاز الخُمْس، وفي الرِّقة ربعُ العُشْر» (^٢).\nوقلتم: لو أودع من لا يعرفه مالًا، فغاب (^٣) عنه سنين، ثم عرفه= فلا زكاة عليه، لأنه لا يقدر على ارتجاعه منه؛ فهو كما لو دفنه بمفازة (^٤)، ونسيه (^٥). ثم ناقضتم فقلتم: لو أودعه من يعرفه، فنسيه سنين، ثم عرفه= فعليه زكاة تلك السنين الماضية كلِّها. [١٧٩/ب] والمال خارج عن قبضته وتصرُّفه، وهو غير قادر على ارتجاعه في الصورتين، ولا فرق بينهما. وقد\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة.\n(^٢) قوله: «في الركاز الخمس» أخرجه البخاري (١٤٩٩) ومسلم (١٧١٠) من حديث أبي هريرة. والجزء الثاني من الحديث أخرجه البخاري (١٤٥٤) ضمن حديث طويل عن أنس عن أبي بكر. والرِّقَة: الفضة المضروبة نقودًا.\n(^٣) ت: «ثم غاب».\n(^٤) ع: «بمغارة» هنا وفيما بعد. وفوقه هنا: «أو بمفازة»، كأن الناسخ شك في أصله. وفي النسخ المطبوعة: «بمغارة»، ولعله تصحيف.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «فنسيه».","vol":"2","page":87},{"text":"صرَّحتم في مسألة المفازة أنه لو دفنه بموضعٍ (^١) منها، ثم نسيه، فلا زكاة عليه إذا عرفه بعد ذلك. ولا فرق في هذا بين المفازة وبين المودع بوجه. ثم ناقضتم من وجه آخر، وقلتم: لو دفنه في داره، وخفي عليه موضعُه سنين، ثم عرفه= وجب (^٢) عليه الزكاة لما مضى.\nوقلتم: لو وجبت (^٣) عليه أربع شياه، فأخرج ثنتين سمينتين تُساوي الأربع= جاز. فطردُ قياسكم هذا: أنه لو وجب عليه عشرة أَقْفِزةِ بُرٍّ، فأخرج خمسةً من بُرٍّ مرتفع تُساوي قيمة العشرة التي هي عليه= جاز. وطردُه: لو وجب عليه خمسةُ أبعرةٍ، فأخرج بعيرًا يساوي قيمة الخمسة= أنه يجوز. ولو وجب عليه صاعٌ في الفطرة، فأخرج ربعَ صاع يساوي الصاع الذي لو أخرجه لتأدَّى به الواجب= أنه يجوز. فإن طردتم هذا القياس، فلا يخفى ما فيه من تغيير المقادير الشرعية والعدول عنها، ولزمكم طردُه في أن من وجب عليه عتقُ رقبة، فأعتق عُشْرَ رقبةٍ تساوي قيمةَ رقبةٍ غيرها= جاز؛ ومَن نذر الصدقة بمائة شاةٍ، فتصدَّق بعشرين تساوي قيمة المائة= جاز.\nثم ناقضتم، فقلتم: لو وجب عليه أضحيتان، فذبح واحدًا سمينًا يُساوي وسطين= لم يجز. ثم فرَّقتم بأن قلتم: المقصود في الأضحية: الذبح وإراقة الدم، وإراقة دم واحد لا تقوم مقامَ إراقة دمَين. والمقصود [١٨٠/أ] في الزكاة: سدُّ خَلَّةِ الفقير وهو يحصل بالأجود الأقل، كما يحصل بالأكثر إذا كان دونه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «في موضع».\n(^٢) ع: «وجبت»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وجب».","vol":"2","page":88},{"text":"وهذا فرقٌ إن صحَّ لكم في الأضحية لم يصحَّ لكم فيما ذكرناه من الصور، فكيف ولا يصحُّ (^١)؟ فإن المقصود في الزكاة أمور عديدة. منها: سدُّ خَلَّة الفقير. ومنها: إقامة عبودية الله بفعل نفسِ ما أمَر به. ومنها: شكرُ نعمته عليه في المال. ومنها: إحراز المال وحفظه بإخراج هذا المقدار منه. ومنها: المواساة بهذا المقدار، لما علِم الله فيه من مصلحة ربِّ المال ومصلحة الآخذ. ومنها: التعبُّد بالوقوف عند حدود الله وأن لا ينقص منها ولا يغيَّر. وهذه المقاصد إن لم تكن أعظم من مقصود إراقة الدم في الأضحية، فليست بدونه، فكيف يجوز إلغاؤها واعتبارُ مجرَّدِ إراقة الدم؟\nثم إن هذا الفرق ينعكس عليكم من وجه آخر، وهو أن مقصود الشارع من إراقة دم الهدي والأضحية: التقرُّب إلى الله سبحانه بأجلِّ ما يقدر عليه من ذلك النوع وأعلاه وأغلاه ثمنًا وأنفَسه عند أهله. فإنه لن يناله سبحانه لحومها ولا دماؤها، وإنما يناله تقوى العبد منه، ومحبته له، وإيثاره بالتقرب إليه بأحبِّ شيء إلى العبد وآثَرِه عنده وأنفَسِه لديه، كما يتقرب المحبُّ إلى محبوبه بأنفَسِ ما يقدر عليه وأفضلِه عنده. ولهذا فطر الله العباد على أن من تقرَّب إلى محبوبه بأفضلِ هديةٍ يقدر عليها وأجلِّها وأعلاها كان أحظى لديه وأحبَّ إليه ممن تقرَّب إليه بألفِ واحدٍ رديءٍ [١٨٠/ب] من ذلك النوع.\nوقد نبَّه سبحانه على هذا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\n_________\n(^١) بعده زيادة في النسخ المطبوعة: «في الأضحية».","vol":"2","page":89},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨].\nوسئل النبيُّ - ﷺ - عن أفضل الرقاب، فقال: «أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عند أهلها» (^١). ونذر عمر أن ينحر نجيبةً فأُعطِي بها نجيبَين (^٢)، فسأل النبيَّ - ﷺ - أن يأخذهما بها وينحرهما (^٣)، فقال: «لا، بل انحَرْها إياها» (^٤). فاعتُبِر في الأضحية عينُ المنذور، دون ما يقوم مقامه وإن كان أكثر منه، فلَأن يُعتبرَ في الزكاة نفسُ الواجب، دون ما يقوم مقامه ولو كان أكثر منه (^٥) = أولى وأحرى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥١٨) من حديث أبي ذر.\n(^٢) ع: «بُخْتِيَّة ... بختيين». وفي س: «نجيبة ... نجيبتين»، وكذا في النسخ المطبوعة. وباللفظين جاءت الرواية.\n(^٣) سياق الحديث في «سنن أبي داود»: «أهدى عمر بن الخطاب بُخْتيًّا، فأعطيَ بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني أهديت بختيًّا، فأُعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بُدْنًا؟ قال: لا، انحرها إياها». وكذا في «المسند» وغيره. ولم أقف على سياق المؤلف.\n(^٤) رواه أحمد (٦٣٢٥)، وأبو داود (١٧٥٦) من حديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا. وفي سنده جهم بن الجارود مجهول، أغرب بروايته هذا الحديث عن سالم بن عبد الله بن عمر دون جِلَّةِ أصحابِ سالمٍ كالزهري، على أنه لا يُعْرَفُ له سماع من سالم، كما قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٣٠). أما ابن خزيمة فصححه (٢٩١١)، وكذلك الضياء المقدسي (١/ ٣١٥). ويُنظر: «بيان الوهم والإيهام» (٣/ ٥٨)، و«البدر المنير» (٩/ ٣١٨ - ٣١٩).\n(^٥) ت: «منه كان ...».","vol":"2","page":90},{"text":"وطردُ قياسكم: أنه لو وجب عليه أربع شياه جياد، فأخرج عشرةً من أردأ الشياه وأهزلها وقيمتُهن قيمة الأربع؛ أو وجب عليه أربعُ حِقاقٍ (^١) جيادٍ، فأخرج عشرين ابنَ لبونٍ (^٢) من أردأ الإبل وأهزلها= أنه يجوز. فإن منعتم ذلك نقضتم القياس، وإن طردتموه تيمَّمتم الخبيث منه تنفقون، وسلَّطتم ربَّ المال على إخراج رديئه ومعايبه عن جيده، والمرجعُ في التقويم إلى اجتهاده. وفي هذا من مخالفة الكتاب والميزان ما فيه.\nوفرَّقتم بين ما جمع الشارع بينه، وجمعتم بين [١٨١/أ] ما فرَّق بينه. أما الأول فقلتم: يصح صومُ رمضان بنيَّة من النهار قبل الزوال، ولا يصح صوم الظهار وكفارة الوطء في رمضان وكفارة القتل إلا بنيَّةٍ من الليل. وفرَّقتم بينهما بأن صوم رمضان لمَّا كان معيَّنًا بالشرع أجزأ بنيّةٍ من النهار، بخلاف صوم الكفارة. وبنيتم على ذلك أنه لو قال: «لله عليَّ صومُ يوم»، فصامه بنيةٍ قبل الزوال= لم يجزئه. ولو قال: «لله عليَّ أن أصوم غدًا»، فصامه بنيّة قبل الزوال= جاز. وهذا تفريقٌ بين ما جمع الشارع بينه من صوم الفرض، وأخبر أنه لا صيام لمن لم يبيِّته من الليل (^٣).\n_________\n(^١) جمع الحِقِّ والحِقَّة من الإبل، وهو ما طعن في السنة الرابعة.\n(^٢) ابن لبون: ولد الناقة إذا دخل في السنة الثالثة.\n(^٣) رواه أحمد (٢٦٤٥٧)، وأبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، وابن ماجه (١٧٠٠)، والنسائي (٢٣٣١ - ٢٣٣٤) من حديث حفصة - ﵂ - مرفوعًا. ورواه النسائي (٢٣٣٥ - ٢٣٤١) عنها موقوفًا، ورواه (٢٣٤٢، ٢٣٤٣) عن ابن عمر - ﵄ - موقوفًا. وقد صححه ابن خزيمة (١٩٣٣) وغيرُ واحدٍ من الحفاظ. لكن رجّح البخاري والترمذي وأكثر الأئمّة النقّاد وقفَ الحديثِ على حفصةَ. ويُنظر: «التاريخ الأوسط» للبخاري (٢/ ٧٨٦ - ٧٩٤)، و«العلل الكبير» للترمذي (٢٠٢)، و«السنن الكبرى» للنسائي (عقب الحديث ٢٦٦١)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٦٥٤)، و«العلل» للدارقطني (١٣/ ١٣٤، ١٥/ ١٩٣ - ١٩٤)، و«تنقيح التحقيق» (٣/ ١٧٧ - ١٨٤)، و«إرواء الغليل» (٩١٤).","vol":"2","page":91},{"text":"وهذا في صوم الفرض. وأما النفل فصحَّ عنه أنه كان ينشئه بنية من النهار، فسوَّيتم بينهما في إجزائهما بنية من النهار، وقد فرَّق الشارع بينهما. وفرَّقتم بين بعض الصوم المفروض وبعض في اعتبار النية من الليل، وقد سوَّى الشارع بينهما.\nوالفرق بالتعيين وعدمه عديم التأثير، فإنه وإن تعيَّن لم يصِرْ عبادةً إلا بالنية. ولهذا لو أمسك عن الأكل والشرب من غير نية لم يكن صائمًا. فإذا لم تقارن النية جميع أجزاء اليوم فقد خرج بعضه عن أن يكون عبادة، فلم يؤدِّ ما أُمِر به، وتعيينه لا يزيد وجوبه إلا تأكيدًا واقتضاءً. فلو قيل: إن المعيَّن أولى بوجوب النية من الليل من غير المعيَّن لكان أصحَّ في القياس.\nوالقياس الصحيح هو الذي جاءت به السنة من الفرق بين الفرض والنفل. فلا يصح الفرض إلا بنية من الليل، والنفل يصح بنية من النهار، لأنه يسامَح (^١) فيه ما لا يسامَح في [١٨١/ب] الفرض، كما يجوز أن يصلي النفل قاعدًا وراكبًا على دابته إلى القبلة وغيرها، وفي ذلك تكثير النفل وتيسير الدخول فيه. والرجل لما كان مخيَّرًا بين الدخول فيه وعدمه، ويخيَّر بين الخروج منه وإتمامه= خُيِّر بين التبييت والنية من النهار. فهذا محض القياس وموجب السنة. ولله الحمد.\nوفرَّقتم بين ما جمع الله بينهما من جماع الصائم والمعتكف، فقلتم: لو\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «يتسامح» هنا وفيما بعد.","vol":"2","page":92},{"text":"جامع في الصوم ناسيًا لم يفسد صومه، ولو جامع المعتكف ناسيًا فسد اعتكافه (^١). وفرَّقتم بينهما بأن الجماع من محظورات الاعتكاف، ولهذا لا يباح ليلًا ولا نهارًا، وليس من محظورات الصوم لأنه يباح ليلًا.\nوهذا فرق فاسد جدًّا، لأن الليل ليس محلًّا للصوم، فلم يحرَّم فيه الجماع، وهو محلٌّ للاعتكاف فحرِّم فيه الجماع. فنهار الصائم كليل المعتكف في ذلك، ولا فرق بينهما، والجماع محظور في الوقتين؛ ووِزانُ ليل الصائم اليومُ الذي يخرج فيه المعتكف من اعتكافه. فهذا هو القياس المحض، والجمعُ بين ما جمع الله بينه، والتفريق بين ما فرَّق الله بينه. وبالله التوفيق.\nوقلتم: لو دخل عرفةَ في طلب بعير له أو حاجة، ولم ينوِ الوقوفَ= أجزأه عن الوقوف. ولو دار حول البيت في طلب شيء سقط منه، ولم ينو الطواف= لم يجزئه. وهذا خروج عن محض القياس.\nوفرَّقتم بفرقٍ فاسدٍ (^٢)، فقلتم: المقصود الحصول (^٣) بعرفة في هذا الوقت [١٨٢/أ] وقد حصل؛ بخلاف الطواف، فإن المقصود العبادة ولا تحصل إلا بالنية. فيقال: والمقصود بعرفة العبادة أيضًا، فكلاهما ركن مأمور به، ولم ينوِ المكلَّف امتثالَ الأمر لا في هذا ولا في هذا، فما الذي صحَّح هذا وأبطل هذا؟\n_________\n(^١) ما عدا ع: «صومه»، وهو خطأ.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «تفريقًا فاسدًا».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «الحضور».","vol":"2","page":93},{"text":"ولما تنبَّه بعض القيَّاسين (^١) لفساد هذا الفرق عدل إلى فرق آخر، فقال: الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام، فنية الحج تشتمل (^٢) عليه، فلا يفتقر إلى تجديد نية، كأجزاء الصلاة من الركوع والسجود تنسحب عليها نية الصلاة. وأما الطواف فيقع خارج العبادة (^٣)، فلا تشتمل عليه نية الإحرام، فافتقر إلى النية.\nونحن نقول لأصحاب هذا الفرق: رُدُّونا إلى الأول، فإنه أقلُّ فسادًا وتناقضًا من هذا. فإن الطواف والوقوف كلاهما جزء من أجزاء العبادة، فكيف تضمَّنت نيّةُ العبادة (^٤) لهذا الركن دون هذا؟ وأيضًا فإن طواف المعتمر يقع في الإحرام. وأيضًا فطواف الزيارة يقع في بقية الإحرام، فإنه إنما حلَّ من إحرامه قبله تحلُّلًا أولَ ناقصًا، والتحلُّل الكامل موقوف على الطواف.\nوفرَّقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما، فقلتم: إذا أحرم الصبيُّ، ثم بلَغ، فجدَّد إحرامه قبل أن يقف بعرفة= أجزأه عن حجة الإسلام. وإذا أحرم العبد، ثم عتَق، فجدَّد إحرامه= لم يجزئه عن حجة الإسلام. والسنة قد سوَّت بينهما، وكذا القياس، فإنَّ إحرامهما قبل العتق والبلوغ (^٥) صحيح،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «القياسيين» كالعادة.\n(^٢) ع: «مشتملة»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: «الإحرام».\n(^٤) ع: «تضمنت جزءًا من أجزاء العبادة». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) ع: «البلوغ والعتق». وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":94},{"text":"وهو سبب للثواب. وقد صارا (^١) من أهل وجوب الحج قبل الوقوف بعرفة، فأجزأهما عن حجة الإسلام، كما لو لم يوجد منهما إحرام [١٨٢/ب] قبل ذلك. فإنَّ غاية ما وُجد منهما من الإحرام أن يكون وجوده كعدمه، فوجودُ الإحرام السابق على العتق لم يضرَّه شيئًا بحيث يكون عدمه أنفع له من وجوده. وتفريقُكم بأن إحرام الصبيِّ إحرامُ تخلُّق وعادة، وبالبلوغ انعدم ذلك، فصح منه الإحرام عن حجة الإسلام؛ وأما العبد فإحرامه إحرام عبادة، لأنه مكلَّف، فصح إحرامه موجِبًا فلا يتأتَّى له الخروج منه حتى يأتي بموجَبه= فرقٌ فاسد، فإن الصبي يثاب (^٢) على إحرامه بالنص، وإحرامه إحرام عبادة ــ وإن كانت لا تسقط الفرض ــ كإحرام العبد سواء.\nوفرَّقتم بين ما جمع القياس الصحيح بينه، فقلتم: لو قال: «أحِجُّوا فلانًا حجّةً»، فله أن يأخذ النفقة ويأكل بها ويشرب، ولا يحُجَّ. ولو قال: «أحِجُّوه عنِّي»، لم يكن له أن يأخذ النفقة إلا بشرط الحج. وفرَّقتم بأن في المسألة الأولى أخرج كلامه مخرجَ الإيصاء بالنفقة له، وكأنه أشار عليه بالحج، ولا حقَّ للمُوصي في الحج الذي يأتي به. فصحَّحنا الوصية بالمال، ولم نُلزِم (^٣) الموصَى له بما لا حقَّ للموصي فيه. وأما في المسألة الثانية فإنما قصد أن يعود نفعه إليه بثواب النفقة في الحج، فإن لم يحصل له غرضه لم تنفذ الوصية. وهذا الفرقُ نفسه هو المبطِل للفرق بين المسألتين، فإنه بتعيين (^٤)\n_________\n(^١) ما عدا ع: «صار»، وفي ع: «صارا» مع علامة الضرب على الألف.\n(^٢) ع: «مثاب»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) يحتمل قراءة «يُلزَم».\n(^٤) س، ت: «بتعين»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":95},{"text":"الحج قطع ما توهَّمتموه (^١) من دفع المال إليه يفعل به ما يريد، وإنما قصد إعانته على طاعة الله ليكون شريكًا له في الثواب، ذاك بالبدن وهذا بالمال. [١٨٣/أ] ولهذا عيَّن الحجَّ مصرفًا للوصية، فلا يجوز إلغاء ذلك، وتمكينه من المال يصرفه في ملاذِّه وشهواته. وهذا (^٢) من أفسد القياس. وهو (^٣) لو قال: «أعطُوا فلانًا ألفًا يبني (^٤) بها مسجدًا أو سِقايةً أو قنطرةً» لم يجُز أن يأخذ الألف ولا يفعل ما أُوصي به، كذلك الحج سواء.\nوفرَّقتم بين ما جمع محضُ القياس بينهما، فقلتم: إذا اشترى عبدًا ثم قال له: «أنت حرٌّ أمسِ» عتَق عليه. ولو تزوَّجها ثم قال لها: «أنتِ طالقٌ أمسِ» لم تطلق. وفرَّقتم بأن العبد لما كان حرًّا أمسِ اقتضى تحريمَ شرائه واسترقاقه اليوم، وأما الطلاق فكونُها مطلَّقةً أمسِ لا يقتضي تحريم نكاحها اليوم. وهذا فرق صوري لا تأثير له البتة، فإن الحكم إن جاز تقدُّمه (^٥) على سببه وقع العتق والطلاق في الصورتين، وإن امتنع تقدُّمه (^٦) على سببه لم يقع واحد منهما؛ فما بال أحدهما وقع دون الآخر؟\nفإن قيل: نحن لم نفرِّق بينهما في الإنشاء، وإنما فرَّقنا بينهما في الإقرار والإخبار. فإذا أقرَّ بأن العبد حُرّ بالأمس فقد بطل أن يكون عبدًا اليوم، فعتَق\n_________\n(^١) س: «توهمتوه»! وفي ع: «توهموه»، وكذا في المطبوع.\n(^٢) الواو قبل «هذا» من ح، ف.\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «كما».\n(^٤) ع: «ليبني»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) ت: «تقديمه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٦) زيد بعده في النسخ المطبوعة: «في الموضعين».","vol":"2","page":96},{"text":"باعترافه. وإذا أقرَّ بأنها طالق أمسِ لم يلزم بطلان النكاح اليوم، لجواز أن يكون المطلِّق الأول قد طلَّقها أمسِ قبل الدخول، فتزوَّج هو بها اليوم.\nقلنا: إذا كانت المسألة على هذا الوجه، فلا بدَّ أن يقول: «أنت طالق أمسِ من غيري»، أو ينوي ذاك، فينفعَه حيث يُديَّن (^١). فأما إذا أطلق فلا فرق بين العتق والطلاق.\nفإن قيل: يمكن أن يطلِّقها بالأمس، ثم يتزوجها اليوم.\nقيل: هذا يمكن في الطلاق الذي لم يُسْتَوفَ إذا كان مقصوده الإخبار، فأما إذا قال: «أنتِ طالق أمسِ ثلاثًا» ولم يقل: «من زوجٍ كان قبلي»، ولا نواه= فلا فرق أصلًا بين ذلك [١٨٣/ب] وبين قوله للعبد: «أنت حُرٌّ أمس». فهذا التفصيل هو محض القياس، وبالله التوفيق.\nوجمعتم بين ما فرَّقت السنة بينهما، فقلتم: يجب على البائن الإحداد، كما يجب على المتوفَّى عنها، والإحداد لم يكن (^٢) لأجل العِدَّة، وإنما كان لأجل موت الزوج. والنبيُّ - ﷺ - نفى وأثبت، وخصَّ الإحداد بالمتوفَّى عنها (^٣). وقد فارقت المبتوتةَ في وصف العدَّة، وقدرها، وسببها. فإنَّ سببها الموت، وإن لم يكن الزوج دخل بها. وسبب عدَّة البائن الفراق وإن كان\n_________\n(^١) من ديَّنَ الحالفَ، أي نوَّاه فيما حلف. وديَّن الرجلَ في القضاء وفيما بينه وبين الله: صدَّقه. انظر: «التاج» (٣٥/ ٦٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «من ذلك».\n(^٣) ع: «عنها زوجها»، وكذا في النسخ المطبوعة. وانظر في إحداد المتوفى عنها زوجها حديث أم حبيبة، أخرجه البخاري (١٢٨٠) ومسلم (١٤٨٦).","vol":"2","page":97},{"text":"الزوج حيًّا. ثم فرَّقتم بين ما جمعت السنة بينهما، فقلتم: إن كانت الزوجة ذميَّة أو غير بالغة فلا إحداد عليها. والسنة تقتضي التسوية، كما يقتضيه القياس.\nوفرَّقتم بين ما جمع القياسُ المحضُ بينهما، فقلتم: لو ذبح المُحرِم صيدًا فهو ميتة لا يحِلُّ أكلُه، ولو ذبح الحلالُ صيدًا حَرَميًّا فليس بميتة، وأكلُه حلال. وفرَّقتم بأن المانع في ذبح المُحرِم فيه، فهو كذبح المجوسي والوثني، فالذابح غير أهل. وفي المسألة الثانية: الذابح أهل، والمذبوح محلٌّ للذبح إذا كان (^١)، وإنما منع منه حرمة المكان. ألا ترى أنه لو خرج من الحرم حلَّ ذبحه؟ وهذا مِن أفسَدِ فرقٍ. وهو باقتضاء عكسِ الحكم أولى، فإن المانع في الصيد الحرمي في نفس المذبوح، فهو كذبح ما لا يؤكل؛ والمانع في ذبح المُحرِم في الفاعل، فهو كذبح الغاصب.\nوقلتم: لو أرسل كلبه على صيد في الحِلِّ، فطرده حتى أدخله الحرم، فأصابه= لم يضمنه. ولو أرسل سهمه على صيد في الحِلِّ، فأطارته [١٨٤/أ] الريح حتى قتل صيدًا في الحرم= ضَمِنه؛ وكلاهما تولَّد القتل فيه عن فعله. وفرَّقتم بأن الرمي حصل بمباشرته وقوته التي أمدَّت السهمَ فهو محضُ فعله، بخلاف مسألة الكلب فإن الصيد فيه يضاف إلى فعل الكلب. وهذا الفرق لا يصح، فإنَّ إرسال السهم والكلب كلاهما من فعله، والذي (^٢) تولَّد منهما تولَّد عن فعله، وجريانُ السهم وعَدْوُ الكلب (^٣) كلاهما هو السبب\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «حلالًا».\n(^٢) ع: «فالذي»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) «كلاهما ... الكلب» ساقط من ت لانتقال النظر.","vol":"2","page":98},{"text":"فيه. وكونُ الكلب له اختيار والسهمُ لا اختيار له= فرقٌ لا تأثير له، إذ كان اختيار الكلب بسبب إرسال صاحبه (^١).\nوقلتم: لو رهن أرضًا مزروعة أو شجرًا مثمرًا (^٢) دخل الزرع والثمرة (^٣) في الرهن، ولو باعهما (^٤) لم يدخل الزرع والثمرة في البيع. وفرَّقتم بينهما بأن الرهن متصل بغيره، واتصال الرهن بغيره يمنع صحته الإشاعة (^٥)، فلو لم يدخل فيه الزرع والثمرة لبطل؛ بخلاف البيع (^٦)، فإن اتصاله بغيره لا يبطله، إذ الإشاعة لا تنافيه. وهذا قياس في غاية الضعف، لأن الاتصال هنا اتصالُ مجاورة، لا إشاعة، فهو كرهن زيتٍ في ظروفه، وقماشٍ في أعداله (^٧)، ونحوه.\nوقلتم: لو أُكرِه على هبة جاريته لرجلٍ، فوهبها له [و] ملَّكَها (^٨)، فأعتقها الموهوب له= نفذ عتقه. ولو باعها لم يصح بيعه. وهذا خروج عن محض\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».\n(^٢) ت: «مثمرة».\n(^٣) ع: «الثمر»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) ح، ف: «باعها».\n(^٥) في المطبوع: «صحته للإشاعة». وفي الطبعات السابقة: «صحة الإشاعة» وكذا في ف، ولكنه خطأ في القراءة.\n(^٦) س، ت: «المبيع»، وهو تصحيف. وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٧) جمع العِدْل، وهو نصف الحِمل يكون على أحد جنبي البعير.\n(^٨) كذا في النسخ دون ضبط، فزدت الواو لإقامة السياق. وفي النسخ المطبوعة: «مالكها».","vol":"2","page":99},{"text":"القياس. وتفريقكم بأن هذا عتقٌ صدر عن إكراه، والإكراه لا يمنع صحة العتق؛ وذاك بيعٌ صدر عن إكراه، والإكراه يمنع صحة البيع= لا يصح، لأنه إنما أُكرِه على التمليك، ولم يكن للمُكرَه غرض في [١٨٤/ب] الإعتاق، والتمليك لم يصح، والعتق لم يُكرَه عليه، فلا ينفذ كالبيع سواء.\nهذا مع أنكم تركتم القياس في مسألة الإكراه على البيع والعتق، فصحَّحتم العتق دون البيع. وفرَّقتم بأن العتق لا يدخله خيار، فصحَّ مع الإكراه كالطلاق؛ والبيع يدخله الخيار، فلم يصحَّ مع الإكراه. وهذا فرقٌ لا تأثير له. وهو فاسد في نفسه، فإن الإقرار والشهادة والإسلام لا يدخلها خيار، ولا تصح مع الإكراه. وإنما امتنعت عقود المكرَه (^١) من النفوذ، لعدم الرضى الذي هو مصحِّح العقد، وهذا (^٢) أمر تستوي فيه عقوده كلُّها: معاوضتها (^٣) وتبرعاتها، وعتقه وطلاقه وخلعه وإقراره. وهذا هو محض القياس والميزان، فإن المكرَه محمول على ما أُكرِه عليه غيرُ مختار له، فأقواله بمنزلة (^٤) أقوال النائم والناسي، فاعتبار بعضها وإلغاء بعضها خروج عن محض القياس. وبالله التوفيق.\nوقلتم: لو وقع في الغدير العظيم ــ الذي إذا حُرِّك أحدُ طرفيه تحرَّك الآخرُ (^٥) ــ قطرةُ دم أو خمر أو بول آدمي نجَّسه كلَّه. وإذا وقع في آبار\n_________\n(^١) ح: «الكره».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وهو».\n(^٣) في المطبوع: «معاوضاتها».\n(^٤) «بمنزلة» ساقط من ع، ومن هنا جاء ــ فيما يبدو ــ في النسخ المطبوعة: «كأقوال».\n(^٥) في المطبوع: «إذا حُرِّك ...» وفي الطبعات السابقة: «إذا تحرَّك ... لم يتحرك الطرف الآخر». والصواب ما أثبت من النسخ.","vol":"2","page":100},{"text":"الفلوات والأمصار البعرُ والرَّوث والأخباثُ لا تنجِّسها ما لم يأخذ وجه ربع الماء أو ثلثه، وقيل: أن لا يخلو دلوٌ عن شيء منه. ومعلوم أن ذلك الماء أقرب إلى الطيب والطهارة حسًّا وشرعًا من هذا.\nومن العجب أنكم نجَّستم الأدهان والألبان والخَلَّ والمائعات بأسرها بالقطرة من البول والدم، وعفوتم عما دون ربع الثوب من النجاسة المخففة، وعما دون قدر الكف من المغلَّظة. وقستم العفو عن رُبع الثوب على وجوب [١٨٥/أ] مسح ربُع الرأس ووجوب حَلْق رُبعه في الإحرام، وأين مسحُ الرأس من غسل النجاسة؟ ولم تقيسوا الماء والمائع على الثوب، مع عدم ظهور أثر النجاسة فيهما البتة، وظهور عينها ورائحتها في الثوب، ولا سيما عند محمَّد (^١) حيث يعفو عن قدر ذراع في ذراع، وعند أبي يوسف عن قدر شبر في شبر. وبكلِّ حال، فالعفوُ عما هو دون ذلك بكثير، مما لا نسبة له إليه، في الماء والمائع الذي لا يظهر أثرُ النجاسة فيه بوجه، بل يُحيلها ويُذهِب عينهَا وأثرَها= أولى وأحرى.\nوجمعتم بين ما فرَّق الشرعُ والحسُّ بينهما، فقستم المنيَّ الذي هو أصل الآدميين على البول والعَذِرة. وفرَّقتم بين ما جمع الشرع والحسّ بينهما، ففرَّقتم بين بعض الأشربة المسكرة وغيرها مع استوائهما (^٢) في الإسكار، فجعلتم بعضها نجسًا كالبول، وبعضَها طاهرًا طيِّبًا كاللبن والماء.\nوقلتم: لو وقع في البئر نجاسة تنجَّس ماؤها وطينها. فإن نُزِح منها دلو\n_________\n(^١) يعني الشيباني صاحب أبي حنيفة، وذكر بعده القاضي أبا يوسف.\n(^٢) س، ت: «استوائها»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":101},{"text":"فتَرَشْرش (^١) على حيطانها تنجَّست حيطانها، وكلما نُزِح منها شيء نبع مكانَه شيءٌ، فصادف ماءً نجسًا وطينًا نجسًا. فإذا وجب نزحُ أربعين دلوًا مثلًا، فنُزِح تسعة وثلاثون= كان المنزوح والباقي كلُّه نجسًا، والحيطانُ التي أصابها الماء، والطينُ الذي في قرار البئر؛ حتَّى إذا نُزح الدلو الأربعون قَشْقَش (^٢) النجاسةَ كلَّها، فطهَّر الطينَ والماءَ وحيطانَ البئر، وطهَّر نفسَه، فما رُئي أكرَمُ من هذا الدلو ولا أعقَل ولا أخْيَر! (^٣).\nفصل\nوقالت الحنابلة والشافعية (^٤): [١٨٥/ب] لو تزوَّجها على أن يحجَّ بها لم تصحَّ التسمية، ووجب مهرُ المثل. وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوَّجها على شيء لا يُدرى ما هو. ثم قالت الشافعية: لو تزوَّج الكتابية على أن يعلِّمها القرآنَ جاز. وقاسوه على جواز إسماعها إياه، فقاسوا أبعد قياس، وتركوا محض القياس، فإنهم صرَّحوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز، ونزلت الإجارة على العُرف؟ فكيف صحَّ أن يكون موردًا لعقد\n_________\n(^١) يعني: فتطاير الماء. وفي س، ع: «فرشرش»، وكذا في المطبوع.\n(^٢) كذا جاءت هذه الكلمة في النسخ، وستأتي مرتين أخريين في سياق المسألة نفسها في هذا الكتاب، وكذلك في «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٥٩). ويظهر من السياق أنها بمعنى أزَال، أما معناها في كتب اللغة، فيقال: تقشقش من مرضه: تهيأ للبرء أو برأ. وقشقش الهناءُ الجَرَبَ: هيأه للبرء.\n(^٣) في «بدائع الفوائد»: «قال الجاحظ: ما يكون أكرم أو أعقل من هذا الدلو!». وانظر نسبة هذا القول إلى الجاحظ في «الحاوي الكبير» للماوردي (١/ ٣٣٨) و«الانتصار» لأبي الخطاب (١/ ٥٣٤) و«عارضة الأحوذي» (١/ ٨٦).\n(^٤) ع: «وقالوا»!","vol":"2","page":102},{"text":"الإجارة (^١)، ولم يصح (^٢) أن يكون صداقًا؟\nثم ناقضتم أبينَ مناقضة، فقلتم: لو تزوجها على أن يرُدَّ عبدَها الآبقَ من مكان كذا وكذا صحَّ، مع أنه قد يقدر على ردِّه، وقد يعجز عنه. فالغَرر الذي في هذا الأمر أعظم من الغَرر الذي في حملها إلى الحج بكثير. وقلتم: لو تزوجها على أن يعلِّمها القرآنَ أو بعضَه صحَّ، وقد تقبل التعليم، وقد لا تقبله. وقد يطاوعها لسانها، وقد يأبى عليها.\nوقلتم: لو تزوَّجها على مهر المثل صحَّت التسمية مع إخلافه (^٣)، لامتناعِ من يساويها من كلِّ وجه أو لعزَّته (^٤). وإن اتفق من يساويها في النسب فنادرٌ جدًّا من يساويها في الصفات والأحوال التي يقلُّ المهر ويكثُر بسببها (^٥). فالجهالة التي في حجِّه بها دون هذا بكثير.\nوقلتم: لو تزوجها على عبد مطلق صحَّ، ولها الوسط. ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه.\nوقلتم: لو تزوجها على أن يشتري لها عبدَ زيدٍ صحَّت التسمية، مع أنه غرر ظاهر، إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له، وهو رِضَى زيد ببيعه. ففيه من الخطر ما في ردِّ عبدها [١٨٦/أ] الآبق، وكلاهما أعظم خطرًا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «مورد العقد الإجارة». وقد ضبط «موردًا» في النسخ ــ ما عدا س ــ بتنوين الفتحة.\n(^٢) ع: «ولا يصح»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: «اختلافه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) ع: «القرابة»، وفي النسخ المطبوعة: «لقربه»، وكلاهما تصحيف.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «المهر بسببها ويكثر».","vol":"2","page":103},{"text":"من الحجِّ بها.\nوقلتم: لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدةً صحَّ، وليس جهالة حُملانها إلى الحج بأعظم من جهالة أوقات الرعي ومكانه؛ على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه، ولا تُعرف منصوصةً عنه، بل نصوصه على خلافها. قال في رواية مُهنّا (^١) فيمن تزوج على عبد من عبيده: جاز. وإن كانوا عشرةَ عبيد يعطي من أوسطهم. فإن تشاحَّا أقرَعَ بينهما. قلتُ: وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم.\nوقلتم: لو خالعها على كفالة ولدها عشرَ سنين صحَّ، وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة. فيا لله العجب! أين جهالة هذا من جهالة حُملانها إلى الحج؟\nفصل\nوقالت الشافعية: له أن يجبر ابنته البالغَ (^٢) المعنِّسةَ (^٣) العالمةَ بدين الله، التي تفتي في الحلال والحرام، على نكاحها بمن هي أكره الناس فيه (^٤)،\n_________\n(^١) نقلها القاضي في «الروايتين والوجهين» (٢/ ١٢٨ - المسائل الفقهية) وابن قدامة في «المغني» (١٠/ ١١٤).\n(^٢) ع: «البالغة»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «المفتية»، تصحيف.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية، وفي الفقرة التالية، وفي «زاد المعاد» (١/ ٢٣٤). وفي النسخ المطبوعة هنا: «له»، وقد يكون تغييرًا من بعض الناشرين، فإنه لا يقال: كره فلان في الشيء. ولعل المصنف أجراه مجرى «زهد فلان في الشيء» لاتحاد المعنى، وسيأتي مرة أخرى.","vol":"2","page":104},{"text":"وأشدُّ شيءٍ (^١) عنه نفرةً بغير رضاها، حتَّى لو عيَّنت كفؤًا شابًّا جميلًا دَيِّنًا تحبُّه، وعيَّن كفؤًا شيخًا مشوَّهًا دميمًا= كان العِبرة بتعيينه دونها. فتركوا محض القياس، والمصلحة، ومقصود النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة.\nوقالوا: لو أراد أن يبيع لها حَبْلًا أو عُودَ أَراكٍ (^٢) من مالها لم يصح إلا برضاها. وله أن يُرِقَّها مدةَ العمر عند من هي أكره شيءٍ فيه بغير رضاها.\nقالوا: وكما خرجتم عن محض القياس، خرجتم عن صريح السنة، فإن رسول الله - ﷺ - خيَّر جاريةً بكرًا زوَّجها أبوها وهي كارهة (^٣)، وخيَّر أخرى ثيِّبًا (^٤).\n[١٨٦/ب] ومن العجب أنكم قلتم: لو تصرَّف في حبل من مالها على غير وجه الحظِّ لها كان مردودًا، حتى إذا تصرف في بُضْعها على خلاف حظِّها كان لازمًا. ثم قلتم: هو أخبَرُ بحظِّها منها. وهذا يردُّه الحِسُّ، فإنها أعلم بميلها ونفرتها وحظِّها ممن تحب أن تعاشره وتكره عشرته.\n_________\n(^١) ع: «أشد الناس»، وكذا في النسخ المطبوعة. وسيأتي: «هي أكره شيء فيه».\n(^٢) ت: «عودًا زال»، تصحيف طريف.\n(^٣) رواه أحمد (٢٤٦٩)، وأبو داود (٢٠٩٦)، وابن ماجه (١٨٧٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥٣٦٦، ٥٣٦٨) من حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا. ورجّح أبو داود (٢٠٩٧) وغيرُ واحد من النقّاد أنه من مراسيل عكرمة. ويُنظر: «المراسيل» لأبي داود (٢٢٣، ٢٢٤ ط. الصميعي)، و«السنن» لابن ماجه (١٨٧٤)، و«المجتبى» للنسائي (٣٢٦٩)، و«السنن الكبرى» له (٥٣٦٩)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٢٥٥)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(^٤) يشير إلى حديث خنساء بنت خِذام الأنصارية، أخرجه البخاري (٥١٣٨).","vol":"2","page":105},{"text":"وتعلَّقتم بما رواه مسلم (^١) من حديث ابن عباس يرفعه: «الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليها، والبكر تُستأذَن في نفسها، وإذنُها صُماتُها»، وهو حجة عليكم. وتركتم ما في «الصحيحين» (^٢) من حديث أبي هريرة يرفعه: «لا تُنكَح الأيِّمُ حتّى تُستأمَر، ولا البكرُ حتَّى تُستأذن». وفيهما (^٣) أيضًا من حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، تُستأمَر النساءُ في أبضاعهن؟ قال: «نعم». قلت: فإن البكر تُستأذَن، فتستحيي. قال: «إذنها صُماتها». فنهى أن تُنكَح بدون استئذانها، وأمر بذلك، وأخبَر أنه هو شرعه وحكمه. فاتفق على ذلك أمرُه، ونهيُه، وخبرُه. وهو محض القياس والميزان.\nفصل\nوقالت الشافعية والحنابلة (^٤) والحنفية: لا يصحُّ بيعُ المقاثئ والمباطخ والباذنجان إلا لقطةً لقطةً (^٥)، ولم يجعلوا المعدوم تبعًا للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك، وجعلوا المعدومَ منزَّلًا منزلةَ الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك. وهذا مثلُه من كلِّ وجه، لأنه يستخلف كما تستخلف المنافع، وما يقدَّر من عروض الخطر له فهو مشترك بينه وبين المنافع. وقد جوَّزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها، ومعلوم [١٨٧/أ] أن بقية\n_________\n(^١) برقم (١٤٢١).\n(^٢) البخاري (٥١٣٦) ومسلم (١٤١٩).\n(^٣) البخاري (٥١٣٧) ومسلم (١٤٢٠).\n(^٤) س، ت، ع: «الحنابلة والشافعية»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «لقطة» مرة واحدة.","vol":"2","page":106},{"text":"الأجزاء معدومة، فجاز بيعها تبعًا للموجود. فإن فرَّقوا بأن هذه أجزاء متصلة، وتلك أعيان منفصلة، فهو فرق فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا لا تأثير له البتة.\nالثاني: أن [من] (^١) الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثمارًا (^٢) متعددةً كالتوت والتين، فهو كالبطيخ والباذنجان من كلِّ وجه. فالتفريق خروج عن القياس والمصلحة وإلزامٌ بما لا يُقدَر عليه إلا بأعظم كلفة ومشقة. وفيه مفسدة عظيمة يردُّها القياس، فإن اللقطة لا ضابط لها، فإنه يكون في المَقثأة الكبارُ والصغار وبين ذلك، فالمشتري يريد استقصاءها، والبائع يمنعه من أخذِ الصغار، فيقع بينهما [من] (^٣) التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة. فأين هذه المفسدة العظيمة ــ التي هي منشأ النزاع التي مَن تأمَّلَ مقاصدَ الشريعة علِمَ قصدَ الشارع لإبطالها وإعدامها ــ إلى المفسدة اليسيرة التي في جَعلِ ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد، لما فيه من المصلحة؟ وقد اعتبرها الشارع، ولم يأتِ عنه حرف واحد أنه نهَى عن بيع المعدوم (^٤). وإنما نهى عن بيع الغَرر (^٥)، والغرر شيء، وهذا شيء. ولا يسمَّى هذا البيع غررًا، لا لغةً ولا عرفًا ولا شرعًا.\n_________\n(^١) ما بين الحاصرتين زيادة من النسخ المطبوعة.\n(^٢) في جميع النسخ الخطية: «أثمامًا»، ولعله سبق قلم، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٣) ما بين الحاصرتين زيادة من النسخ المطبوعة.\n(^٤) سيأتي الكلام على بيع المعدوم، وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ٧١٦).\n(^٥) انظر في بيع الغرر: «زاد المعاد» (٥/ ٧٢٥).","vol":"2","page":107},{"text":"فصل\nوقالت الشافعية والحنفية والمالكية (^١): إذا شرطت الزوجة أن لا يُخرجها الزوجُ من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوَّج عليها ولا يتسرَّى فهو شرط باطل. فتركوا محضَ القياس، بل قياسَ الأولى، فإنهم قالوا: لو شرطت في المهر تأجيلًا، أو غيرَ نقد [١٨٧/ب] البلد، أو زيادةً على مهر المثل= لزم الوفاءُ بالشرط. وأين (^٢) المقصود الذي لها في الشرط الأول إلى المقصود الذي في هذا الشرط؟ وأين فواته إلى فواته؟\nوكذلك من قال منهم: لو شرط أن تكون جميلة شابة سوية، فبانت عجوزًا شمطاء قبيحة المنظر= أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه؛ حتى إذا فات درهم واحد من الصداق، فلها الفسخ بفواته قبل الدخول. فإن استوفى المعقود عليه، ودخل بها، وقضى وطره منها، ثم فات الصداق جميعه، ولم تظفر منه بحبة واحدة= فلا فسخ لها. وقستم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يؤويها (^٣) ولا ينفق عليها ولا يطأها ولا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك، مما هو من أفسد القياس الذي فرَّقت الشريعة بين ما هو أحقُّ بالوفاء منه وبين ما لا يجوز الوفاء به. فجمعتم (^٤) بين ما فرَّق الشرع والقياس (^٥) بينهما، وألحقتم\n_________\n(^١) ع: «الحنفية والمالكية والشافعية». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ع: «فأين». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ح، ف: «يورثها». والكلمة غير محررة في ت، د. والمثبت من س، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) ع: «وجمعتم»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) ع: «القياس والشرع».","vol":"2","page":108},{"text":"أحدهما بالآخر. وقد جعل النبيُّ - ﷺ - الوفاء بشروط النكاح التي (^١) يستحلّ بها الزوجُ فرج امرأته أولى من الوفاء بسائر الشروط على الإطلاق (^٢)، فجعلتموها أنتم دون سائر الشروط وأحقَّها بعدم الوفاء!\nوجعلتم الوفاء بشرط الواقف المخالف لمقصود الشارع كترك النكاح، وكشرط الصلاة في المكان الذي شرط فيه الصلاة، وإن كان وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين. وقد ألغى الشارعُ هذا الشرط في النذر الذي هو قربة محضة [١٨٨/أ] وطاعة، فلا تتعيَّن عنده بقعة عيَّنها الناذر للصلاة إلا المساجد الثلاثة، وقد شرط الناذرُ في نذره تعيينه، فألغاه الشارع لفضيلة غيره عليه أو مساواته له= فكيف يكون شرطُ الواقف الذي غيرُه أفضلُ منه وأحبُّ إلى الله ورسوله لازمًا يجب الوفاء به؟ وتعيين الصلاة في مكان معيَّن لم يرغب الشارع فيه ليس بقربة، وما ليس بقربة لا يجب الوفاء به في النذر، ولا يصح اشتراطه في الوقف.\nفإن قلتم: الواقف لم يُخرج ماله إلا على وجه معيَّن، فلزم اتباع ما عيَّنه في الوقف (^٣) من ذلك الوجه، والناذرُ قصَد القربة، والقُرَبُ متساوية في المساجد غير الثلاثة، فتعيينُ (^٤) بعضِها لغو.\nقيل: فهذا (^٥) الفرق بعينه يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة فيه من شروط\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «الذي»، وهو سهو.\n(^٢) كما في حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه البخاري (٢٧٢١، ٥١٥١) ومسلم (١٤١٨).\n(^٣) «في الوقف» من ع.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «فتعين».\n(^٥) ع: «هذا»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":109},{"text":"الواقفين، واعتبار ما فيه قربة. فإن الواقف إنما مقصوده بالوقف التقرُّبُ إلى الله، فتقرُّبه بوقفه كتقرُّبه بنذره، فإن العاقل لا يبذل ماله إلا لما فيه مصلحة عاجلة أو آجلة. والمرء في حياته قد يبذل ماله في أغراضه مباحة كانت أو غيرها، وقد يبذله فيما يقرِّبه إلى الله. وأما بعد مماته فإنما يبذله فيما يظن أنه يقرِّبه (^١) إلى الله. ولو قيل له: «إن هذا المصرف لا يقرِّب إلى الله» أو «إن غيرَه أفضلُ وأحبُّ إلى الله منه وأعظم أجرًا» لبادر إليه. ولا ريب أن العاقل إذا قيل له: «إذا بذلتَ مالك في مقابلة هذا الشرط (^٢) حصل لك أجر واحد، وإن تركتَه حصل لك أجران»، فإنه يختار ما فيه الأجر الزائد. فكيف إذا قيل له: «إن [١٨٨/ب] هذا لا أجر فيه البتة»؟ فكيف إذا قيل: «إنه مخالفٌ لمقصود الشارع، مضادٌّ له، يكرهه الله ورسوله»؟\nوهذا كشرط العزوبيَّة (^٣) مثلًا وتركِ النكاح، فإنه شرطٌ لترك واجبٍ أو سنّةٍ أفضل من صلاة النافلة وصومها أو سنة دون الصلاة والصوم، فكيف يلزم الوفاءُ بشرط تركِ الواجبات والسنن اتباعًا لشرط الواقف، وتركُ شرط الله ورسوله الذي قضاؤه أحقُّ وشرطه أوثق؟\nيوضِّحه أنه لو شرَط في وقفه أن يكون على الأغنياء دون الفقراء كان\n_________\n(^١) ع: «تقرب». وفي النسخ المطبوعة: «يقرب».\n(^٢) ع: «هذه الشروط»، وكذا في المطبوع. والصواب ما أثبت من النسخ الأخرى، وكذا في الطبعات السابقة.\n(^٣) كذا وردت الكلمة في جميع النسخ، وستأتي مرة أخرى في هذا الكتاب. ولم تنص عليها كتب اللغة، وورودها عند ابن القيم يدل على أنها ليست من مولَّدات عهدنا هذا.","vol":"2","page":110},{"text":"شرطًا باطلًا عند جمهور الفقهاء. قال أبو المعالي الجويني (^١): ومعظم أصحابنا قطعوا بالبطلان (^٢). هذا مع أن وصف الغنى وصف مباح، ونعمة من الله، وصاحبه إذا كان شاكرًا فهو أفضل من الفقير مع صبره، عند طائفة كثيرة من الفقهاء والصوفية (^٣). فكيف يُلغَى هذا الشرط، ويصحُّ شرطُ الترهُّب في الإسلام الذي أبطله النبيُّ - ﷺ - بقوله: «لا رهبانية في الإسلام» (^٤).\n_________\n(^١) بعده في ع: «وهو إمام الحرمين - ﵀ -»، وكذا في النسخ المطبوعة. والظاهر أنها كانت حاشية في بعض النسخ، فدخلت في المتن.\n(^٢) الذي في «نهاية المطلب» (٨/ ٣٦٨): «فلو وقف على الأغنياء شيئًا فقد اضطرب أصحابنا فيه. فمنهم من أبطل الوقف، ومنهم من صححه».\n(^٣) انظر في هذه المسألة: «عدة الصابرين» (ص ٣٣٨ - ٥٢٢) و«مدارج السالكين» (٢/ ٤١٣ - ٤١٤) و«طريق الهجرتين» (٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧).\n(^٤) قال ابن حجر في «فتح الباري» (٩/ ١١١): «لم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند الطبراني: «إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة»». كذا قال، وإنما رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٥٥١٩) من حديث سعيد بن العاص - ﵁ - مرفوعًا، وسنده ضعيف واهٍ. أما حديث سعد - ﵁ -؛ فلفظه عند الدارمي (٢٢١٥): «إني لم أُومَرْ بالرهبانية». وورد معناه فيما رواه عبد الرزاق (١٢٥٩١) ــ وعنه أحمد (٢٥٨٩٣) ــ من مُرْسَلِ عروة بن الزبير، وقد سقط ذكرُه في نسخة «معجم الصحابة» لأبي القاسم البغوي (٢٥٠٦)، ويُستدرَك من أصلَيْه («المصنَّف» و«المسند»)، ومِنْ فرعِه «ذم الكلام» لأبي إسماعيل الهروي (٤٤٩). ولا يُلتفَتُ إلى السند المزبور في «المصنف» لعبد الرزاق (١٠٣٧٥)؛ فإنه تخليطٌ بَيِّنٌ، راج بعضُه على ابن حبان (٤٦٥٨) .. وورد معناه أيضًا فيما رواه الروياني في «المسند» (١٢٧٩)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٧٧١٥) من حديث أبي أمامة، وسندُه واهٍ جدًّا، آفتُه عفير بن معدان.\nورواه ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٣٦٧)، وأبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (٢٥٠٧)، ومحمد بن علي الترمذي الصوفي في «نوادر الأصول» (١٦٠٩) من مرسل أبي قلابة الجرمي. ورواه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٣/ ٥٠٠)، وأبو نعيم الأصبهاني في «ذكر أخبار أصبهان» (٢/ ٢١٥) من حديث أبي هريرة مرفوعا، وآفته محمد بن حميد الرازي.","vol":"2","page":111},{"text":"يوضِّحه أنَّ مَن شرَط التعزُّبَ فإنما قصد أن تركَه (^١) أفضلُ وأحبُّ إلى الله، فقصد أن يتعبَّد الموقوفُ عليه بتركه. وهذا هو الذي تبرَّأ النبيُّ - ﷺ - منه بعينه فقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» (^٢). وكان قصدُ أولئك الصحابة هو قصد هؤلاء الواقفين بعينه سواء، فإنهم قصدوا تربية (^٣) أنفسهم على العبادةِ وتركِ النكاح الذي يشغلهم، تقرُّبًا إلى الله بتركه، فقال النبي صلى الله [١٨٩/أ] عليه وسلم فيهم ما قال، وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه. وهذا في غاية الظهور، فكيف يحِلُّ الإلزام بترك شيءٍ قد أخبر به النبيُّ - ﷺ - أنَّ من رغب عنه فليس منه؟ هذا مما لا تحتمله الشريعة بوجه.\nفالصواب الذي لا تسوِّغ الشريعةُ غيرَه: عرضُ شروط الواقفين على كتاب الله وعلى شرطه، فما وافق كتابَه وشرطَه فهو صحيح، وما خالفه كان شرطًا باطلًا مردودًا، ولو كان مائة شرط (^٤). وليس ذلك بأعظم من ردِّ حكمِ\n_________\n(^١) كذا في النسخ، يعني: ترك النكاح.\n(^٢) رواه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٣) ت، ع: «ترفية»، وكذا في ح دون إعجام. وفي س: «ترفيه» بالهاء. وكذا في النسخ المطبوعة بالتاء أو الهاء. ووضع ناسخ ف علامة «ظ» على الكلمة في النسخة، وكتب في طرَّتها «تربية» مع علامة «ظ» أيضًا. وما اقترحه أقرب، وإن كان المؤلف يستعمل في هذا السياق كلمة «التوطين». انظر مثلًا: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١١٥٢، ١١٥٣، ١١٥٥) و«الفوائد» (ص ١٩٩) و«إغاثة اللهفان» (١/ ١١٣).\n(^٤) كما في البخاري (٢١٥٥) ومسلم (١٥٠٤/ ٨) وغيرهما.","vol":"2","page":112},{"text":"الحاكم إذا خالف حكمَ الله ورسوله، ومن ردِّ فتوى المفتي. وقد نصَّ الله سبحانه على ردِّ وصية الجانف في وصيته والآثم فيها، مع أن الوصية تصحُّ في غير قربة، وهي أوسع من الوقف. وقد صرَّح صاحبُ الشرع بردِّ كلِّ عمل ليس عليه أمره، فهذا الشرط مردود بنصِّ رسول الله - ﷺ -، فلا يحِلُّ لأحد أن يقبله ويعتبره ويصحِّحه.\nثم كيف يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما أخرج الواقفُ مالَه لمن قام بها وإن لم تكن قربةً، ولا للواقفين فيها غرض صحيح، وإنما غرضُهم ما يقرِّبهم إلى الله= ولا يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما بذلت المرأة بُضْعَها للزوج بشرط وفائه لها بها، ولها فيها أصحُّ غرض ومقصود، وهي أحقُّ من كلِّ شرط يجب الوفاءُ به بنصِّ رسول الله - ﷺ -؟ وهل هذا إلا خروج عن محض القياس والسنة؟\nثم من العجب العجاب: قولُ من يقول: إن شروط الواقف كنصوص الشارع. ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول، ونعتذر إليه سبحانه (^١) مما [١٨٩/ب] جاء به قائله، ولا نعدل بنصوص الشارع غيرَها أبدًا. وإنَّ أحسنَ الظنِّ بقائل هذا القول حملُ كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة، وتخصيصِ عامِّها بخاصِّها، وحَمْلِ مطلقها على مقيدها، واعتبارِ مفهومها كما يُعتبر منطوقُها. وأمّا أن تكون كنصوصه في وجوب الاتباع وتأثيم مَن أخلَّ بشيء فيها (^٢)، فلا يُظَنُّ ذلك بمن له نسبةٌ ما إلى العلم. فإذا كان حكمُ\n_________\n(^١) «إليه سبحانه» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٢) ع: «منها»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":113},{"text":"الحاكم ليس كنصِّ الشارع، بل يُرَدُّ ما خالف حكمَ الله ورسوله (^١)، فشرطُ الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالردِّ والإبطال. فقد ظهر تناقضُهم في شروط الواقفين وشروط الزوجات، وخروجُهم فيها عن موجَب القياس الصحيح والسنة. وبالله التوفيق.\nيوضِّح ذلك أن النبيَّ - ﷺ - كان إذا قسَم يعطي الآهلَ حظَّين، والعزبَ حظًّا (^٢). وقال: «ثلاثةٌ حقٌّ على الله عَوْنُهم»، ذكر منهم الناكحَ يريد العفاف (^٣). ومصحِّحو هذا الشرط عكسوا مقصوده، فقالوا: نعطيه ما دام عَزَبًا، فإذا تزوَّج لم يستحقَّ شيئًا. ولا يحِلُّ لنا أن نعينه، لأنه ترك القيامَ بشرط الواقف وإن كان قد فعل ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله. فالوفاءُ بشرط الواقف المتضمِّن لترك الواجب أو السنة المقدَّمة على فضل الصوم والصلاة (^٤) لا يحِلُّ مخالفته، ومتى (^٥) خالفه كان آثمًا عاصيًا (^٦)؛ حتَّى إذا خالف الأحبَّ إلى الله ورسوله والأرضى (^٧) له كان\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «من ذلك».\n(^٢) رواه أحمد (٢٣٩٨٦، ٢٤٠٠٤)، وأبو داود (٢٩٥٣) من حديث عوف بن مالك - ﵁ -. وصححه ابن حبان (٦١٣١)، والحاكم (٢/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٣) رواه الترمذي (١٦٥٥) ــ وحسّنه ــ، وابن ماجه (٢٥١٨)، والنسائي في «المجتبى» (٣١٢٠، ٣٢١٨)، وفي «السنن الكبرى» (٤٣١٣، ٤٩٩٥، ٥٣٠٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\nمرفوعًا. وصححه ابن حبان (٧٨٦)، والحاكم (٢/ ١٦٠، ٢١٧).\nويُنظر: «العلل» للدارقطني (١٠/ ٣٥٠ - ٣٥١).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «أو الصلاة».\n(^٥) ع: «ومن»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٦) ع: «عاصيًا آثمًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٧) في النسخ المطبوعة: «وخالف الأرضى»، بزيادة «خالف»!","vol":"2","page":114},{"text":"بارًّا مُثابًا قائمًا بالواجب عليه!\nيوضِّح بطلانَ هذا الشرط وأمثاله من الشروط المخالفة لشرع الله ورسوله [١٩٠/أ] أنكم قلتم: كلُّ شرط يخالف مقصود العقد فهو باطل، حتى أبطلتم بذلك شرط دار الزوجة أو بلدها، وأبطلتم اشتراطَ انتفاعِ البائع (^١) بالمبيع مدة معلومة، وأبطلتم اشتراط الخيار فوق ثلاث (^٢)، وأبطلتم اشتراط نفع البائع في المبيع، ونحو ذلك من الشروط التي صحَّحها النص، والآثار عن الصحابة، والقياس. كما صحَّح عمر بن الخطاب (^٣)، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان (^٤) اشتراطَ المرأة دارها أو بلدها، أو أن لا يتزوَّج عليها، ودلَّت السنّة على أن الوفاء به أحقُّ من الوفاء بكلِّ شرط. وكما صحَّحت السنة اشتراطَ انتفاع البائع بالمبيع مدة معلومة، فأبطلتم ذلك، وقلتم: يخالف مقتضى العقد، وصحَّحتم الشروط المخالفة (^٥) لعقد الوقف، إذ هو\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «اشتراط البائع الانتفاع»، ولعله تصرف من بعض الناشرين.\n(^٢) ع: «بعد ثلاثة»، وكذا في المطبوع. وفي الطبعات السابقة: «فوق ثلاثة».\n(^٣) علَّقه البخاري عن عمر في كتاب الشروط، باب الشروط في المهر؛ وكتاب النكاح، باب الشروط في النكاح. ورواه موصولًا عبد الرزاق (١٠٦٠٨، ١٠٦١٠، ١٠٦١١)، وسعيد بن منصور (٦٦٢، ٦٦٣)، وابن أبي شيبة (١٦٧٠٦، ١٦٧٠٧)، والبيهقي (٧/ ٢٤٩). وفي الموضع الأول عند عبد الرزاق سقط أو تعليق في سنده.\n(^٤) أثر عمرو بن العاص ومعاوية - ﵄ - رواه عبد الرزاق (١٠٦١٢)، وسعيد بن منصور (٦٦٤)، وابن أبي شيبة (١٦٧٠٩). وأثر سعد بن أبي وقاص رواه ابن أبي الدنيا في «المحتضرين» (٢٥٦) ومن طريقه ابن عبد البرّ في «التمهيد» (١٨/ ١٦٨ - ١٦٩). وانظر: «إغاثة اللهفان» (٢/ ٦٩٤).\n(^٥) في النسخ المطبوعة هنا زيادة: «بمقتضى عقد الوقف».","vol":"2","page":115},{"text":"عقدُ قربة مقتضاه التقرُّب إلى الله، ولا ريب أن شرط ما يخالف القربة يناقضه مناقضة صريحة.\nفإذا شرط عليه الصلاةَ في مكان لا يصلِّي فيه إلا هو وحده، أو واحد بعد واحد أو اثنان، فعدولُه عن الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجتمع فيه جماعة المسلمين مع قِدَمِه وكثرة جماعته، فيتعدَّاه إلى مكانٍ أقلَّ جماعةً، وأنقصَ فضيلةً، وأقلَّ أجرًا، اتباعًا لشرط الواقف المخالف لمقتضى عقد الوقف= خروجٌ عن محض القياس. وبالله التوفيق.\nيوضِّحه أن المسلمين مجمعون على أن العبادة في المساجد من الذكر والصلاة وقراءة القرآن أفضل منها عند القبور. فإذا منعتم فعلَها في بيوت الله، وأوجبتم على الموقوف عليه فعلَها بين [١٩٠/ب] المقابر إن أراد أن يتناول الوقف، وإلّا تناوَلَه (^١) حرامًا= كنتم قد ألزمتموه بترك الأحبِّ إلى الله الأنفَعِ للعبد، والعدولِ إلى الأبغَض (^٢) المفضول أو المنهيِّ عنه، مع مخالفته لقصدِ الشارع تفصيلًا، وقصدِ الواقف إجمالًا، فإنه إنما يقصد الأرضى لله والأحبَّ إليه، ولمَّا كان في ظنه أن هذا أرضى لله اشترطه. فنحن نظرنا إلى مقصوده ومقصود الشارع، وأنتم نظرتم إلى مجرَّد لفظه، سواء وافق رضى الله (^٣) ورسوله ومقصودَه في نفسه أم (^٤) لا.\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية. وفي طرّة ع: «يكون» مع علامة «ظ» فوقها. وذلك لقراءة الكاتب «تناوُلُه» مصدرًا. ومن هنا أيضًا جاء في النسخ المطبوعة: «كان تناولُه».\n(^٢) ت: «الأنقص»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي ع: «بعض». والصواب ما أثبت من غيرهما، وهو المقابل لقوله: «الأحب إلى الله».\n(^٣) ت: «سواء كان موافقًا لرضى الله».\n(^٤) ع: «أو»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":116},{"text":"ثم لا يمكنكم طرد ذلك أبدًا، فإنه لو شرَط أن يصلِّي وحده، حتى لا يخالط الناس، بل يتوفَّر على الخلوة والذكر؛ أو شرَط أن لا يشتغل بالعلم والفقه ليتوفَّر على قراءة القرآن وصلاة الليل وصيام النهار، أو شرط على الفقهاء أن لا يجاهدوا في سبيل الله، ولا يصوموا تطوعًا، ولا يصلُّوا النوافل، وأمثال ذلك= فهل يمكنكم تصحيح هذه الشروط؟ فإن أبطلتموها ففعلُ (^١) النكاح أفضل من بعضها، أو مساوٍ له في أصل القربة. وفعلُ الصلاة في المسجد الأعظم العتيق الأكثر جماعة أفضل. وذكرُ الله وقراءة القرآن في المسجد أفضل منه بين القبور. فكيف تُلزمون بهذه الشروط المفضولة، وتُبطلون تلك (^٢)؟ فما هو الفارق بين ما يصح من الشروط وما لا يصح؟\nثم لو شرط المبيتَ في المكان الموقوف ولم يشرط (^٣) التعزُّبَ، فأبحتم له التزوجَ، فطالبته الزوجةُ بحقِّها من المبيت، وطالبتموه بشرط الواقف منه، فكيف تقسمونه بينهما؟ أم ماذا تقدِّمون: ما أوجبه الله ورسوله من المبيت والقَسْم للزوجة [١٩١/أ] مع ما فيه من مصلحة الزوجين، وصيانة المرأة وحفظها، وحصولِ الإيواء المطلوب من النكاح؛ أم ما شرطه الواقف، وتجعلون شرطَه أحقَّ، والوفاءَ به ألزم؟ أم تمنعونه من النكاح، والشارعُ والواقفُ لم يمنعاه منه؟ فالحقُّ أن مبيته عند أهله إن كان أحبَّ إلى الله ورسوله جاز له، بل استُحِبَّ تركُ شرط الواقف لأجله، ولم يمنعه فعلُ ما (^٤)\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فعقد».\n(^٢) ع: «ذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: «يشترط»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) ع: «وأما منعه ما»، وفي طرتها: «في الأصل: ولم يمنعه». والظاهر أن ناسخها حاول إقامة النص دون جدوى.","vol":"2","page":117},{"text":"يحبُّه الله ورسوله من تناول الوقف. وهو تركُ ما يحبه الله ورسوله (^١)، بل تركُ ما أوجبه سببًا لاستحقاق الوقف (^٢)؛ فلا نصَّ، ولا قياس، ولا مصلحة للواقف ولا للموقوف عليه، ولا مرضاة لله (^٣) ورسوله.\nوالمقصود: بيانُ بعض ما في الرأي والقياس من التناقض والاختلاف الذي يبيِّن أنه من (^٤) عند غير الله، لأن ما كان من عنده فإنه يصدِّق بعضُه بعضًا، ولا يخالف بعضُه بعضًا. وبالله التوفيق.\nفصل\nوقالت الشافعية والمالكية والحنفية (^٥) ومتأخرو أصحاب أحمد: إنه لا قصاص في اللطمة والضربة، وإنما فيه التعزير، وحكى بعض المتأخرين في ذلك الإجماع. وخرجوا عن محض القياس، وموجَب النصوص، وإجماع الصحابة؛ فإنَّ ضمان النفوس والأموال مبناه على العدل، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا\n_________\n(^١) «من تناول الوقف ...» إلى هنا ساقط من ت، ع. و«وهو تركُ ... رسوله» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٢) كذا وقعت العبارة في س، ح، ف. وفيها خلل، ويمكن إقامتها بأن نقول: «أما أن يكون تركُ ما يحبُّه الله ورسوله، بل تركُ ...».\n(^٣) ت: «يرضاه الله».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الذي هو من».\n(^٥) ع: «وقالت الحنفية والمالكية والشافعية»، كأن ناسخها أو غيره من قبل رتَّبهم. وفي النسخ المطبوعة: «الحنفية والشافعية والمالكية».","vol":"2","page":118},{"text":"عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. فأمَر بالمماثلة في العقوبة والقصاص، فيجب اعتبارها بحسب الإمكان، والأمثل هو المأمور به. فهذا الملطوم المضروب قد اعتُدِي عليه، فالواجب أن يفعل بالمعتدي كما [١٩١/ب] فَعَل (^١). فإن لم يمكن كان الواجب ما هو الأقرب والأمثل، وسقط ما عجز عنه العبد من المساواة من كلِّ وجه. ولا ريب أنَّ لطمةً بلطمةٍ وضربةً بضربةٍ في محلِّها (^٢) بالآلة التي لطمه بها أو بمثلها أقرَبُ إلى المماثلة المأمور بها حسًّا وشرعًا، من تعزيره (^٣) بغير جنس اعتدائه وقدره وصفته. وهذا هو هدْيُ رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين، ومحضُ القياس. وهو منصوص الإمام أحمد (^٤)، ومن خالفه في ذلك من أصحابه فقد خرج عن نصِّ مذهبه وأصوله، كما خرج عن محض القياس والميزان.\nقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني في كتاب «المترجَم» (^٥) له: بابٌ في القصاص من اللطمة والضربة: حدثني إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد بن حنبل عن القصاص من اللطمة والضربة، فقال: «عليه القود من\n_________\n(^١) يعني: كما فعل المعتدي. وفي النسخ المطبوعة بعده زيادة: «به».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «محلّهما».\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بها».\n(^٤) في «تهذيب السنن» للمصنف (٣/ ١٢٩) أن الإمام أحمد نصَّ عليه في رواية الشالنجي وغيره. وانظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٦٠).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «كتابه المترجم»، ولا يستقيم ذلك مع قوله: «له». وقد أحال المصنف على الكتاب المذكور في «تهذيب السنن» أيضًا.","vol":"2","page":119},{"text":"اللطمة والضربة». وبه قال أبو داود وأبو خيثمة وابن أبي شيبة. قال (^١) إبراهيم الجوزجاني: «وبه أقول، لما حدثنا شَبَابة بن سوَّار، ثنا شعبة، عن يحيى بن الحصين قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: لطَم أبو بكر رجلًا يومًا لطمةً، فقال له: اقتَصَّ، فعفا الرجل (^٢).\nثنا شبابة، أنا شعبة، عن مخارق قال: سمعت طارقًا يقول: لطم ابنُ أخٍ لخالد بن الوليد رجلًا من مراد، فأقاده خالد منه (^٣).\nحدثني ابن نمير (^٤)، ثنا أبو بكر بن عياش قال: سمعت الأعمش عن كميل بن زياد قال: لطمني عثمان، ثم أقادني، فعفوتُ (^٥).\nحدثني ابن الأصفهاني، ثنا عبد السلام بن حرب، عن ناجية، عن عمِّه يزيد بن عربي قال: رأيتُ عليًّا أقاد من لطمة (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وقال»، والواو مقحمة.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٢٨٥٩١) ــ ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (١٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦) ــ عن شبابة به. وسنده صحيح. ورواه حميد بن زنجويه في «الأموال» (٩٠٣)، والطحاوي في «بيان المشكل» (٩/ ١٥٠، ١٥٠ - ١٥١) من طرق أخرى عن شعبة به.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٢٨٥٨٥، ٢٨٥٨٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (١٣/ ٣٠٧)، والبيهقي (٨/ ٦٥). ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٨٠٣٠).\n(^٤) ما عدا س، ع: «ابن بهز». وفي النسخ المطبوعة: «أبو بهز». ولعله محمد بن عبد الله بن نمير، وهو ممن يروي عن أبي بكر بن عياش. انظر: «تهذيب الكمال» (٣٣/ ١٣٢).\n(^٥) روى ابن المنذر في «الأوسط» (١٣/ ٣٠٦) من طريق يحيى بن عبد الحميد (وهو الحماني)، عن أبي بكر، عن الأعمش، عن (كميل) بن زياد أن عثمان أقاد من لطمة.\n(^٦) رواه ابن جرير في «التاريخ» (٥/ ١٥٦ - ١٥٧) من طريق عبد السلام بن حرب به ضمن خبر طويل، لكن وقع فيه: يزيد بن عدي. وقد خُولف فيه عبد السلام؛ فقد رواه ابن أبي شيبة (٢٨٥٨٤) ــ ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (١٣/ ٣٠٦) ــ عن عبد الله بن عبد الملك المسعودي، عن ناجية أبي الحسن، عن أبيه به. ورواه ابن جرير في «التاريخ» (٥/ ١٥٧) من طريق عثمان بن عبد الرحمن الأصبهاني، عن المسعودي (كذا أطلق!)، عن ناجية به.\nورواه الخطيب في «تلخيص المتشابه» (١/ ٢٥٩) من طريق أخرى عن يزيد بن عربي به.","vol":"2","page":120},{"text":"ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عبد الله [١٩٢/أ] بن إسماعيل بن دينار (^١)، ابن أخي عمرو بن دينار (^٢)\nأن ابن الزبير أقاد من لطمة.\n_________\n(^١) في النسخ الخطية والمطبوعة: «زياد»، تحريف.\n(^٢) كذا، والظاهر أن نظر الناسخ انتقل، فأسقط (عمرو بن دينار). وقد رواه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٧٤٤) ــ ومن طريقه البيهقي (٨/ ٦٥) ــ عن أبي بكر الحميدي، عن سفيان، عن ابن أخي عمرو، عن عمرو ... ولم تتّضح كلمة (لطمة)، فأُثْبِتَ في المطبوع من «المعرفة والتاريخ» بدلها: «المسلم»! وتابع الحميديَّ على إثبات ابن أخي عمرو: عليُّ ابنُ المديني ومن طريقه رواه الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (٤/ ٢٢٥٦)، وعبد الجبار بن العلاء العطار، ومن طريقه رواه ابن المنذر في «الأوسط» (١٣/ ٣٠٧).\nأما ابن أبي شيبة، فرواه (٢٨٥٨٩) هو ومسدد في «المسند» [كما في «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (٣٤٠١)، و«المطالب العالية» لابن حجر (١٨٨٥)]، ويحيى بن الربيع ــ ومن طريقه البيهقي (٨/ ٦٥) ــ، وعلي بن حرب في «الجزء الثاني من حديثه عن ابن عيينة»، وعلي بن محمد المدائني، كما في «أنساب الأشراف» للبلاذري (٦/ ٣٥١) = خمستُهم عن سفيان، عن عمرو.\n\nوقد استشكل البيهقي هذا الوجه، وكأنه يرى أنه قد سُلِكَ فيه طريق الجادّة بإسقاط (ابن أخي عمرو)! لكن قد رواه ابن المنذر في «الأوسط» (١٣/ ٣٠٧) من طريق ابن أبي شيبة، ونقل قوله: «وهذا مما لم يسمعه ابن عيينة من عمرو».","vol":"2","page":121},{"text":"ثنا يزيد بن هارون، أنا الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس قال: خطبنا عمر، فقال: إني لم أبعث عُمَّالي عليكم (^١) ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم. ولكن إنما بعثتُهم ليبلِّغوكم دينكم وسنة نبيكم، ويقسِموا فيكم فيئكم. فمن فُعِل به غير ذلك فليرفعه إليَّ، فوالذي نفسُ عمر بيده، لَأُقِصَّنَّه منه. فقام إليه عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين إن كان رجلٌ من المسلمين على رعية، فأدَّب بعضَ رعيته، لَتُقِصَّنَّه (^٢) منه؟ فقال عمر: أنَّى (^٣) لا أُقِصُّه منه، وقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يُقِصُّ من نفسه؟ (^٤).\nثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن حرملة قال: تلاحى رجلان فقال أحدهما: ألم أخنقك حتى سلَحتَ؟ فقال: بلى، ولكن لم يكن لي عليك شهود، فاشهدوا على ما قال. ثم رفعه إلى عمر بن عبد العزيز، فأرسل في ذلك إلى سعيد بن المسيِّب، فقال: يخنُقه كما خنَقه حتى يُحدِث، أو يفتدي منه. فافتدى منه بأربعين بعيرًا. فقال ابن كثير: أحسبه ذكره عن عثمان (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «إليكم».\n(^٢) كذا في النسخ. وقد يكون الصواب: «أتُقِصَّنَّه؟».\n(^٣) رسمها في س، ع: «أنا»، وهو خطأ. وفي المطبوع: «ألا أقصه».\n(^٤) رواه أحمد (٢٨٦)، وأبو داود (٤٥٣٧) من طريقين آخرين عن الجُرَيْرِيِّ به. وروى النسائي (٤٧٧٧) الجملة الأخيرة منه فقط. قال ابن المديني: «إسنادٌ بصريٌّ حسنٌ». وقال: «لا نعلم في إسناده شيئا يُطْعَنُ فيه، وأبو فراس رجل معروف من أسلم، روى عنه أبو نضرة وأبو عمران الجوني». نقله ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٤٣١ - ٤٣٢). وقد صححه الحاكم (٤/ ٤٣٩)، وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١/ ٢١٨ - ٢١٩).\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٨٢٤٥) عن معمر ومحمد بن يحيى (وهو المأربي)، عن ابن حرملة به (بنحوه مختصرًا). ويُوازَن بما في «المصنف» لابن أبي شيبة (٢٨٢٢٩)، و«المحلى» لابن حزم (١٠/ ٤٥٩) من اختلافٍ في تقدير الدية. وما عند ابن أبي شيبة أصح؛ لأنه رواه عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاري (قاضي المدينة)، وسندُه صحيحٌ غاية.","vol":"2","page":122},{"text":"ثنا الحسين بن محمد، ثنا ابن أبي ذئب، عن المطَّلب بن السائب أن رجلين من بني ليث اقتتلا، فضرب أحدهما الآخر، فكسَر أنفَه، فانكسر عظمُ كفِّ الضارب. فأقاد أبو بكر من أنف المضروب، ولم يُقِد من يد الضارب. فقال سعيد بن المسيب: كان لهذا أيضًا القود من كفِّه، قضى عثمان أنَّ كلَّ مقتتلين اقتتلا ضَمِنا ما بينهما. فأقيد منه، فدخل المسجد وهو يقول: يا عباد الله كسر ابنُ المسيِّب يدي (^١).\nقال الجُوزجاني: فهذا رسول الله - ﷺ -[١٩٢/ب] وجِلّة أصحابه، فإلى من يُركَن بعدهم؟ أو كيف يجوز خلافهم؟\nقلت: وفي «السنن» (^٢) لأبي داود والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله - ﷺ - يقسِم قَسْمًا أقبل رجلٌ، فأكبَّ عليه، فطعنه رسولُ الله - ﷺ - بعُرجون كان معه، فجُرِح بوجهه (^٣)، فقال له رسول الله - ﷺ -: «تعالَ فاستقِد»، فقال: بل عفوتُ يا رسول الله.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٢٨٢٠٩) عن شبابة، عن ابن أبي ذئب به (مختصرًا).\n(^٢) رواه أحمد (١١٢٢٩)، وأبو داود (٤٥٣٦)، والنسائي (٤٧٧٣، ٤٧٧٤)، وفي سنده: عَبِيدة بن مُسافع، وهو مجهول الحال، وقد قال ابن المديني: ولا أدري: سمع من أبي سعيد أم لا؟ أما ابن حبان، فقد صحّحه (٧٢٨٠).\n(^٣) كتب ناسخ ع: «أوجهه»، ثم ضرب هو أو بعضهم على الهمزة، وكتب في الحاشية: «به» مع علامة «ظ». وفي النسخ المطبوعة: «وجهه».","vol":"2","page":123},{"text":"وفي «سنن النسائي» (^١) وأبي داود وابن ماجه عن عائشة أن النبيَّ - ﷺ - بعث أبا جهم بن حذيفة مصدِّقًا، فلاحَّه (^٢) رجلٌ في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجَّه. فأتوا النبيَّ - ﷺ -، فقالوا: القوَدَ يا رسول الله. فقال النبيُّ - ﷺ -: «لكم كذا وكذا»، فلم يرضوا. [فقال النبي - ﷺ -: «لكم كذا وكذا»، فرَضُوا] (^٣). فقال النبيُّ - ﷺ -: «إنِّي خاطبٌ العشيةَ على الناس، ومُخبِرهم برضاكم». فقالوا: نعم. فخطب رسول الله - ﷺ -، فقال: «إنَّ هؤلاء الليثيين (^٤) أتَوني يريدون القصاص، فعرضتُ عليهم كذا وكذا، فرضُوا. أرضيتم؟». فقالوا: لا. فهمَّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يكفُّوا عنهم، فكفُّوا (^٥). ثم دعاهم، فزادهم، فقال: «أرضيتم؟». فقالوا: نعم. فقال: «إني خاطبٌ على الناس، ومُخبِرهم برضاكم» فقالوا: نعم. فخطب النبي - ﷺ -، فقال: «أرضيتم؟». قالوا: نعم.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٥٩٥٨)، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي (٤٧٧٨)، وابن ماجه (٢٦٣٨)، ونقل قول محمد بن يحيى الذهلي: «تفرّد بهذا معمر، لا أعلم رواه غيرُه». يعني: تفرّد بوصله وإسناده عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وقد خالفه يونس بن يزيد الأيلي، فرواه عن الزهري قال: بلغنا ... (فذكره). رواه البيهقي (٨/ ٤٩) من طريق ابن وهب، عن يونس به. وصحح ابن حبان الحديث (٦١٩٤)، ونحا نحوَه البيهقي في «معرفة السنن والاثار» (٦/ ١٧٠). ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٨٠٣٣، ١٨٠٣٤).\n(^٢) كذا بالحاء المهملة في النسخ و«سنن النسائي». وفي غيره: «فلاجَّه» من اللجاج. وفي النسخ المطبوعة: «فلاحاه»، ولعله إصلاح من بعض الناشرين.\n(^٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ لانتقال النظر، وقد أشير إليه في طرَّة ف.\n(^٤) «الليثيين» ساقط من ع والنسخ المطبوعة.\n(^٥) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «عنهم».","vol":"2","page":124},{"text":"وهذا صريح في القوَد في الشجَّة. ولهذا صولحوا من القود مرة بعد مرة حتى رضُوا. ولو كان الواجب الأَرْش (^١) فقط لقال لهم النبي - ﷺ - حين طلبوا القود: إنه لا حقَّ لكم فيه، وإنما [١٩٣/أ] حقُّكم في الأرش.\nفهذه سنة رسول الله - ﷺ -، وهذا إجماع الصحابة، وهذا ظاهر القرآن، وهذا محض القياس. فعارض المانعون هذا كلَّه بشيء واحد، وقالوا (^٢): اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة، والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة. ونظرُ الصحابة أكمل، وأصحُّ، وأتبَع للقياس، كما هو أتبع للكتاب والسنة، فإن المماثلة من كلِّ وجه متعذِّرة، فلم يبق إلا أحد أمرين: قصاص قريب إلى المماثلة، أو تعزير بعيد منها. والأول أولى، لأن التعزير لا يُعتبَر فيه جنسُ الجناية ولا قدرُها، بل قد يعزَّر بالسوط والعصا، وقد يكون لطمه، أو ضربه بيده. فأين حرارة السوط ويبسه إلى لين اليد، وقد يزيد وينقص.\nوفي العقوبة بجنس ما فعله تحرٍّ للمماثلة بحسب الإمكان، وهذا أقرب إلى العدل الذي أمر الله به، وأنزل به الكتاب والميزان. فإنه قصاص بمثل ذلك العضو في مثل المحلِّ الذي ضرَب فيه بقدره. وقد يساويه، أو يزيد قليلًا، أو ينقص قليلًا. وذلك عفوٌ لا يدخل تحت التكليف، كما لا يدخل تحت التكليف المساواةُ في الكيل والوزن من كلِّ وجه، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فأمر بالعدل\n_________\n(^١) الأرش: الدية.\n(^٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في «قاعدة في شمول النصوص للأحكام» ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٢٦٠ وما بعدها)، فالمصنف صادر عنه.","vol":"2","page":125},{"text":"المقدور، وعفا عن غير المقدور منه (^١).\nوأما التعزير فإنه لا يسمَّى قصاصًا، فإن لفظ القصاص يدل على المماثلة. ومنه: قصَّ الأثرَ، إذا اتبعه. وقصَّ الحديثَ، إذا أتى به على وجهه. والمقاصَّة: سقوط أحد الدَّينين بمثله جنسًا وصفةً. [١٩٣/ب] وإنما هو تقويم للجناية، فهو قيمةٌ لغير المِثليِّ، والعدولُ إليه كالعدول إلى قيمة المتلف. وهو ضرب له بغير تلك الآلة في غير ذلك المحلِّ، وهو إما زائد وإما ناقص، ولا يكون مماثلًا ولا قريبًا من المثل. فالأول أقرب إلى القياس، والثاني تقويم للجناية بغير جنسها كبدل المتلف.\nوالنزاع أيضًا فيه واقع إذا لم يوجد مثلُه من كلِّ وجه، كالحيوان والعقار والآنية والثياب وكثير من المعدودات والمذروعات. فأكثر القيَّاسين (^٢) من أتباع الأئمة الأربعة قالوا: الواجب في بدل ذلك عند الإتلاف: القيمة. قالوا: لأن المثل في الجنس يتعذَّر. ثم طرد أصحاب الرأي قياسَهم، فقالوا: وهذا هو الواجب في الصيد في الحرم والإحرام، إنما تجب قيمته لا مثلُه، كما لو كان مملوكًا. ثم طردوا هذا القياس في القرض، فقالوا: لا يجوز قرض ذلك، لأن موجب القرض ردُّ المثل، وهذا لا مثل له.\nومنهم من خرج عن موجب هذا القياس في الصيد، لدلالة القرآن والسنة وآثار الصحابة فضمَّنَ بمثله (^٣) من النَّعم، وهو مِثلٌ مقيَّد بحسب\n_________\n(^١) وانظر في مسألة القصاص في اللطمة ونحوها: «تهذيب السنن» للمصنف (٣/ ١٢٨) وما بعدها، و«زاد المعاد» (٤/ ٧٧).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «القياسيين» كالعادة.\n(^٣) كذا في ع. وفي س: «يضمن مثله». وفي غيرهما: «يضمن بمثله» بإهمال حرف المضارع. ومن هنا زاد الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد قبله: «على أنه» بين حاصرتين لإقامة السياق، ثم حذف بعض من جاء بعده الحاصرتين! وفي «جامع المسائل» (٢/ ٢٦٢): «على أن الصيد يضمن».","vol":"2","page":126},{"text":"الإمكان، وإن لم يكن مِثْلًا من كلِّ وجه. وهذا قول الجمهور منهم: مالك والشافعي وأحمد.\nوهم يجوِّزون قرضَ الحيوان أيضًا كما دلَّت عليه السنة الصحيحة، فإنه قد ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه استسلف بَكْرًا، وقضى جملًا رَباعِيًّا، وقال: «إنَّ خياركم أحسنُكم قضاءً» (^١). ثم اختلفوا بعد ذلك في موجَب قرض الحيوان، هل ردُّ القيمة (^٢)، أو المثل؟ على قولين، وهما في مذهب [١٩٤/أ] أحمد وغيره. والذي دلَّت عليه سنة رسول الله - ﷺ - الصحيحة الصريحة أنه يجب ردُّ المثل، وهذا هو المنصوص عن أحمد.\nثم اختلفوا في الغصب والإتلاف على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد: أحدها: يُضمَن الجميع بالمثل بحسب الإمكان. والثاني: يُضمَن الجميع بالقيمة. والثالث: أن الحيوان يُضمَن بالمثل، وما عداه كالجواهر ونحوها بالقيمة. واختلفوا في الجدار يُهدَم، هل يُضمَن بقيمته، أو يعاد مثله؟ على قولين، وهما للشافعي (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٠٠) من حديث أبي رافع. والبكر: الفتي من الإبل. والرَّباعي منها: الذي دخل في السنة السابعة.\n(^٢) يعني: هل موجبه ردُّ القيمة ... فالسياق واضح، ولكن زيد في النسخ المطبوعة بعد «هل»: «يجب».\n(^٣) انظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٦١).","vol":"2","page":127},{"text":"والصحيح ما دلَّت عليه النصوص ــ وهو مقتضى القياس الصحيح، وما عداه فمناقض للنص والقياس ــ: أن (^١) الجميع يُضمَن بالمثل تقريبًا. وقد نصَّ الله سبحانه على ضمان الصيد بمثله من النعم. ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النعامة والبعير، وبين شاة وشاة أعظم منها بين طير وشاة. وقد ردَّ النبيُّ - ﷺ - بدل البعير الذي اقترضه مثلَه دون قيمته، وردَّ عوضَ القَصْعة التي كسرتها بعضُ أزواجه قصعتَها (^٢) نظيرَها، وقال: «إناء بإناء، وطعام بطعام» (^٣)؛ فسوَّى بينهما في الضمان. وهذا عين العدل، ومحض القياس، وتأويل القرآن.\nوقد نصَّ الإمام أحمد على هذا في «مسائل إسحاق بن منصور» (^٤). قال إسحاق: قلت لأحمد: قال سفيان: من كسر شيئًا صحيحًا فقيمته صحيحًا. قال أحمد: إن كان يوجد مثلُه، فمثلُه. وإن كان لا يوجد مثلُه، فعليه قيمته.\nونصَّ عليه أحمد في رواية إسماعيل بن [١٩٤/ب] سعيد، فقال: سألتُ أحمد عن الرجل يكسر قصعةً لرجل (^٥)، أو عصاه، أو يشقُّ ثوبًا لرجل. قال:\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «لأن»، ولعله تصرف من بعض الناشرين.\n(^٢) في المطبوع: «بقصعة»، ولم يذكر مصدر ما أثبت. والصواب ما أثبتناه من النسخ الخطية، وكذا في الطبعات السابقة.\n(^٣) رواه أحمد (٢٥١٥٥، ٢٦٣٦٦)، وأبو داود (٣٥٦٨)، والنسائي (٣٩٥٧) من حديث عائشة - ﵂ -. وفي سنده جسرة بنت دجاجة، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٦٧): «وعند جسرة عجائب».\n(^٤) (٦/ ٢٨٧٢).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «الرجل».","vol":"2","page":128},{"text":"عليه المثل في العصا والقصعة والثوب. فقلت: أرأيتَ إن كان الشَّقُّ قليلًا؟ فقال: صاحبُ الثوب مخيَّر في ذلك، قليلًا كان أو كثيرًا.\nوقال في رواية إسحاق بن منصور (^١): من كسر شيئًا صحيحًا فإن كان يوجد مثله فمثله، وإن كان لا يوجد (^٢) مثله فعليه قيمته. فإذا كسَر الذهبَ فإنه يُصلِحه إن كان خلخالًا. وإن كان دينارًا أعطى دينارًا آخر مكانه. قال إسحاق: كما قال.\nوقال في رواية موسى بن سعيد (^٣): وعليه المثل في العصا والقصعة والقصبة إذا كسَر، وفي الثوب. ولا أقول في العبد والبهائم والحيوان. وصاحبُ الثوب (^٤) مخيَّر إن شاء شقَّ الثوب، وإن شاء مثلَه (^٥).\nواحتجَّ في رواية ابنه عبد الله (^٦) بحديث أنس. فقال حميد عن أنس: إن رسول الله - ﷺ - كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بقصعةٍ فيها طعام، فضرَبت بيدها، فكسرت القصعة. فأخذ النبيُّ - ﷺ - الكِسرتين، فضمَّ إحداهما إلى الأخرى، وجعل يجمع فيها الطعام، ويقول: «غارت\n_________\n(^١) في الموضع السابق من «مسائله».\n(^٢) ع: «وإن لم يوجد».\n(^٣) انظر: «الروايتين والوجهين» (١/ ٤٠٩) و«الإنصاف» (٦/ ١٩٣).\n(^٤) ع: «الشق»، وفيما عداها: «الشيء». والصواب ما أثبت من المصدرين المذكورين والنسخ المطبوعة.\n(^٥) كذا في النسخ الخطية و«الإنصاف». وفي النسخ المطبوعة: «أخذ مثله»، بزيادة «أخذ»!\n(^٦) لم ترد الرواية في «مسائله» المطبوعة.","vol":"2","page":129},{"text":"أمُّكم، كلوا». فأكلوا، وحبَس الرسولَ حتى جاءت قصعتها التي (^١) في بيتها، فدفع القصعة إلى الرسول، وحبس المكسورةَ في بيته. والحديث في «صحيح البخاري» (^٢). وعند الترمذي (^٣) فيه: فقال النبي - ﷺ -: «طعام بطعام، وإناء [١٩٥/أ] بإناء». وقال: حديث صحيح. وعند أبي داود (^٤) والنسائي فيه: قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ما كفّارة ما صنعتُ؟ قال: «إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام».\nوهذا هو مذهبه الصحيح عنه عند ابن أبي موسى. قال في «إرشاده» (^٥): «ومن استهلك لآدمي ما لا يكال ولا يوزن، فعليه مثلُه إن وجد. وقيل: عليه قيمته». وهو اختيار المحققين من أصحابه. وقضى عثمان وابن مسعود على من استهلك لرجل فُصْلانًا بفُصلانٍ مثلها (^٦). وبالمِثل قضى شُريح (^٧)\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «قصعة التي هو»، تصرَّفوا بحذف وزيادة. والصواب ما أثبت من النسخ، وكذا الرواية في «سنن ابي داود» ولا إشكال فيها.\n(^٢) برقم (٥٢٢٥) من حديث أنس قصة عائشة بطولها.\n(^٣) برقم (١٣٥٩) من حديث أنس قصة عائشة مختصرًا.\n(^٤) أبو داود (٣٥٦٨) والنسائي (٣٩٥٧)، ورواه أيضًا أحمد (٢٥١٥٥، ٢٦٣٦٦) من حديث عائشة. وفي إسناده جسرة بنت دجاجة، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٦٧): وعند جسرة عجائب.\n(^٥) (ص ٢٥٥).\n(^٦) نقل ذلك عنهما ابن حزم في «المحلَّى» (٦/ ٤٧٨ - دار الفكر». وعن عثمان نقله النووي في «المجموع شرح المهذب» (١٤/ ٢٣٤).\n(^٧) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٤٩٥٣، ١٤٩٦٥، ١٤٩٧٨)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (٣٧٤٣٦)، و«المحلى» (٨/ ١٤١).","vol":"2","page":130},{"text":"والعَنبري (^١). وقال به قتادة (^٢) وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (^٣)؛ وهو الحق.\nوليس مع من أوجب القيمة نصّ ولا إجماع ولا قياس. وليس معهم أكثر ولا أكبر من قوله - ﷺ - (^٤): «من أعتق شِرْكًا له في عبد، فكان له من المال ما يبلغ ثمنَ العبد، قُوِّم عليه قيمةَ عدل لا وَكْس ولا شطَط، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد» (^٥). قالوا: فأوجب النبيُّ - ﷺ - في إتلاف نصيب الشريك القيمةَ لا المثل، فقِسنا على هذا كلَّ حيوان، ثم عدَّيناه إلى كلِّ غيرِ مثليٍّ. قالوا: ولأن القيمة أضبط وأحصر بخلاف المثل.\nقال الآخرون: أما الحديث الصحيح فعلى الرأس والعين، وسمعًا له وطاعة؛ ولكن فيما دلَّ عليه، وإلَّا فما (^٦) لم يدل عليه ولا أريد به فلا ينبغي أن يحمل عليه. وهذا التضمين الذي يُضمَّنه ليس من باب تضمين المتلَفات، بل هو من باب تملُّك مال الغير بقيمته، فإن نصيب الشريك يملكه المُعتِق ثم يعتِق عليه؛ فلا بد من تقدير دخوله في ملكه، ليعتِق عليه. ولا خلاف بين\n_________\n(^١) هو القاضي عبيد الله بن الحسن العنبري، من أتباع التابعين. توفي بالبصرة سنة ١٦٨. ترجمته في «أخبار القضاة» لوكيع (٢/ ٨٨). وانظر قوله بالمثل في «المجموع» للنووي (١٤/ ٢٣٤) و«المعاني البديعة» للريمي (٢/ ٣٧).\n(^٢) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٤٩٥٤)، و«المحلى» (٨/ ١٤١).\n(^٣) صاحب «المسند». كان من أوعية العلم. يجتهد ولا يقلِّد. قاله الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٦/ ١٠٤).\n(^٤) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة المطبوعة ضمن «جامع المسائل».\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٥٢٢) ومسلم (١٥٠١) من حديث ابن عمر.\n(^٦) في المطبوع: «فيما»، وهو خطأ.","vol":"2","page":131},{"text":"القائلين بالسِّراية في ذلك، وأن (^١) الولاء له، وإن تنازعوا: هل يسري عقيب عتقه، أو لا يعتِق حتى يؤدِّي القيمة، أو يكون موقوفًا فإذا أدَّى تبيَّنَّا (^٢) أنه عتَق من حين العتق؟ وهي في مذهب الشافعي. والمشهور في مذهبه ومذهب أحمد القول الأول. وفي مذهب مالك القول الثاني (^٣). وعلى هذا الخلاف ينبني ما لو أعتق الشريكُ نصيبَه بعد عتق الأول. فعلى القول الأول لا يعتِق، وعلى الثاني (^٤) يعتِق عليه ويكون الولاء بينهما. وينبني على ذلك أيضًا إذا قال أحد الشريكين: «إذا أعتقتَ نصيبَك فنصيبي حُرٌّ». فعلى القول الأول لا يصح هذا التعليق، ويعتِق نصيبُه من مال المعتِق. وعلى القول الثاني يصح التعليق ويعتِق على المعلِّق.\nوالمقصود: أن التضمين هاهنا كتضمين الشفيع الثمن إذا أخذ بالشفعة، فإنه ليس من باب ضمان الإتلاف، ولكن من باب التقويم للدخول في الملك. لكن الشفيع أدخل الشارعُ الشِّقصَ (^٥) في ملكه بالثمن باختياره، والشريك المعتِق أدخل الشِّقصَ في ملكه بالقيمة بغير اختياره. فكلاهما تمليك: هذا بالثمن، وهذا بالقيمة؛ فهذا شيء، وضمان المتلف شيء.\nقالوا: وأيضًا فلو سُلِّم أنه ضمان إتلاف لم يدلَّ على أن العبد الكامل إذا أتلف يضمن بالقيمة. والفرق بينهما أن الشريكين إذا كان بينهما ما لا ينقسم\n_________\n(^١) في المطبوع: «ولأن».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «تبين».\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٥٤).\n(^٤) س: «القول الثاني»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) الشِّقص: القطعة من الشيء، النصيب منه.","vol":"2","page":132},{"text":"كالعبد والحيوان والجوهرة [١٩٦/أ] ونحو ذلك، فحقُّ كلٍّ (^١) منهما في نصف القيمة. فإذا اتفقا على المهايأة (^٢) جاز، وإن تنازعا وتشاحَّا بيعت العينُ، وقُسِم بينهما ثمنُها على قدر ملكيهما كما يقسم المِثليُّ. فحقُّهما في المثلي في عينه، وفي المتقوِّم عند التشاجر والتنازع في قيمته. فلولا أنَّ حقَّه في القيمة وإِلّا (^٣) لما أجيب إلى البيع إذا طلبه. وإذا ثبت ذلك، فإذا أتلف له (^٤) نصف عبد فلو ضمَّنَّاه بمثله لفات حقُّه من نصف القيمة الواجب له شرعًا عند طلب البيع، والشريك إنما حقُّه في نصف القيمة، وهما لو تقاسماه تقاسماه بالقيمة، فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالقيمة. وعكسُه المِثليُّ، لو تقاسماه تقاسماه بالمثل. فإذا أتلف أحدهما نصيبَ شريكه ضمِنَه بالمثل. فهذا هو القياس والميزان الصحيحُ طردًا وعكسًا، الموافقُ للنصوص وآثار الصحابة. ومن خالفه فلا بد له من أحد أمرين: إما مخالفة السنة الصحيحة وآثار الصحابة إن طرد قياسه، وإما التناقض البيِّن إن لم يطرده.\nفصل (^٥)\nوعلى هذا الأصل تنبني الحكومة المذكورة في كتاب الله ﷿،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «كل واحد».\n(^٢) المهايأة: مقاسمة المنافع زمانًا أو مكانًا. انظر: طلِبة الطلَبة (ص ١٢٧).\n(^٣) حذفت «وإلا» في النسخ المطبوعة لوقوعها في غير موقعها، ولكنه أسلوب شائع في كتب المصنف وشيخه وغيرهما في ذلك العهد. وقد سبق مثله. وانظر ما علقت في «الداء والدواء» (ص ٢٠٩).\n(^٤) «له» ساقط من ت.\n(^٥) قارن بكلام شيخ الإسلام في قاعدته المذكورة المطبوعة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧).","vol":"2","page":133},{"text":"التي حكم فيها النبيَّان الكريمان داود وسليمان صلى الله عليهما وسلم، إذ حكما في الحرث الذي نفَشت فيه غنم القوم. والحَرْث هو البستان، وقد روي أنه كان بستان عنب، وهو المسمَّى بالكَرْم. والنفش: رعيُ الغنم ليلًا. فحكَم داود بقيمة المتلَف، فاعتبر الغنمَ، فوجدها [١٩٦/ب] بقدر القيمة، فدفعها إلى أصحاب الحرث؛ إما لأنه لم يكن لهم دراهم، وتعذَّر بيعها أو رضُوا (^١) بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلًا عن القيمة. وأما سليمان فقضى بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمَنوا ذلك بالمِثل بأن يعمُروا البستان حتى يعود كما كان. ولم يضيِّع عليهم مُغَلَّه من حينِ الإتلاف (^٢) إلى حين العَود، بل أعطى أصحابَ البستان ماشيةَ أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان، فيستوفوا من نماء غنمهم نظيرَ ما فاتهم من نماء حرثهم. وقد اعتبر النَّماءين، فوجدهما سواء. وهذا هو العلم الذي خصَّه الله به، وأثنى عليه بإدراكه.\nوقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية على أربعة أقوال:\nأحدها: موافقة الحكم السليماني في ضَمان النَّفْش، وفي المثل. وهو الحق، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ووجه للشافعية والمالكية، والمشهور عندهم خلافه.\nوالقول الثاني: موافقته في ضمان النفش، دون التضمين بالمثل. وهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد.\n_________\n(^١) س: «ورضوا». وفي النسخ المطبوعة: «أو تعذَّر بيعها ورضوا».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «من الإتلاف»، فسقط منها لفظ «حين».","vol":"2","page":134},{"text":"والثالث: موافقته في التضمين بالمثل دون النفش، كما إذا رعاها صاحبها باختياره، دون ما إذا تفلَّتت (^١) ولم يشعر بها. وهو قول داود ومن وافقه.\nوالقول الرابع: أن النفش لا يوجب الضمان بحال، وما وجب من ضمان الرَّعي (^٢) بغير النفش فإنما (^٣) يضمن بالقيمة لا بالمثل. وهذا (^٤) مذهب أبي حنيفة (^٥).\nوما حكم به نبيُّ الله سليمان هو الأقرب (^٦) إلى العدل والقياس. وقد حكم رسولُ الله - ﷺ - أنَّ على أهل الحوائط حفظَها بالنهار، وأنَّ ما أفسدت المواشي بالليل ضمانٌ على أهلها (^٧). فصحَّ بحكمه [١٩٧/أ] ضمانُ النفش،\n_________\n(^١) ت، ع: «انفلتت».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الراعي».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فإنه».\n(^٤) ح، ف: «وهذا هو».\n(^٥) هنا انتهى النقل من كلام شيخ الإسلام. وقد ذكر الأقوال الأربعة في «تهذيب السنن» (٣/ ١٣٧) أيضًا، وقال عن القول الأول: «وهو أصح الأقوال وأشدُّها مطابقة لأصول الشرع والقياس، كما قد بينَّا ذلك في كتاب مفرد في الاجتهاد». ثم قال: «وذكرُ هذه الأقوال وأدلَّتها وترجيح الراجح منها له موضع غير هذا أَليق به من هذا». وقال في «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥٥): «وقد ذكرت الحكمين الداودي والسليماني ووجهيهما، ومن صار من الأئمة إلى هذا ومن صار إلى هذا، وترجيح الحكم السليماني من عدة وجوه، وموافقته للقياس وقواعد الشرع في «كتاب الاجتهاد والتقليد».\n(^٦) ت: «أقرب».\n(^٧) رواه أحمد (١٨٦٠٦)، وأبو داود (٣٥٧٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥٧٥٢، ٥٧٥٣) من حديث البراء - ﵁ -. وفي سند الحديث اختلاف شديد، ويُنظر: «المسند» لأحمد (٢٣٦٩١، ٢٣٦٩٤، ٢٣٦٩٧)، و«السنن» لأبي داود (٣٥٦٩)، و«السنن» لابن ماجه (٢٣٣٢)، و«السنن الكبرى» للنسائي (٥٧٥٤، ٥٧٥٥)، و«السنن» للدارقطني (٣٣١٣ - ٣٣١٩)، و«التمهيد» لابن عبد البر (١١/ ٨١ - ٨٢)، و«المحلى» لابن حزم (٨/ ١٤٦، ١١/ ٤، ٥)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٨/ ٣٤١ - ٣٤٢). وصحح الحديثَ ابنُ حبان (٧١٧٠)، والحاكم (٢/ ٤٨)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٦/ ٤٨٦).","vol":"2","page":135},{"text":"وصحَّ بالنصوص السابقة والقياس الصحيح وجوبُ الضمان بالمثل، وصحَّ بنصِّ الكتاب الثناءُ على سليمان بتفهيم هذا الحكم= فصحَّ أنه الصواب. وبالله التوفيق.\nومن ذلك: المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفوس والأموال والأعراض، فهذه ثلاث مسائل:\nالأولى: هل يُفعَل بالجاني كما فعَل بالمجنيِّ عليه؟ (^١) فإن كان الفعل محرَّمًا لحقِّ الله كاللواط وتجريعه الخمر لم يُفعَل به كما فَعل اتفاقًا. وإن كان غير ذلك كتحريقه بالنار، وإلقائه في الماء، ورَضِّ رأسه بالحجر، ومنعِه الطعامَ (^٢) والشرابَ حتى يموت= فمالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه يفعلون به كما فَعل، ولا فرق بين الجرح المُزْهِق وغيره. وأبو حنيفة وأحمد في رواية (^٣) يقولان: لا يُقتَل إلا بالسيف في العنق خاصة.\n_________\n(^١) ما عدا ع: «هل يفعل بالمجني عليه كما فعل بالجاني». ولعله كذا وقع في الأصل مقلوبًا سهوًا، فأصلح في ع. وفي النسخ المطبوعة: «كما يفعل ...»، والصواب ما أثبت من ع.\n(^٢) ت: «من الطعام»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة زيادة: «عنه».","vol":"2","page":136},{"text":"وأحمد في رواية ثالثة يقول: إن كان الجرح مُزْهِقا فُعِل به كما فعَل، وإلا قُتل بالسيف. وفي رواية رابعة يقول: إن كان مزهقًا، أو موجبًا للقوَد بنفسه لو انفرد فُعِل به كما فعَل، وإن كان غير ذلك قُتِل بالسيف (^١).\nوالكتاب والميزان مع القول الأول. وبه جاءت السنة، فإن النبيَّ - ﷺ - رضَّ رأسَ اليهودي بين حجرين كما فَعل بالجارية (^٢). وليس هذا قتلًا لنقضه العهد؛ لأن ناقِضَ العهد إنما يُقتَل بالسيف في العنق. وفي أثر مرفوع: «من حرَّق حرَّقناه، ومن غرَّق غرَّقناه» (^٣).\nوحديث: «لا قود إلا بالسيف» (^٤)،\nقال الإمام أحمد: ليس إسناده\n_________\n(^١) وانظر: «تهذيب السنن» (٣/ ١٣٨ - ١٤٠) و«زاد المعاد» (٤/ ٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤١٣) ومسلم (١٦٧٢) من حديث أنس.\n(^٣) رواه البيهقي (٨/ ٤٣)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٦/ ٤٠٩) من حديث البراء - ﵁ -. قال البيهقي في «معرفة السنن»: «وفي هذا الإسناد بعضُ مَنْ يُجْهَلُ». وضعّفه ابن الجوزي في «التحقيق» (٢/ ٣١٧)، وأقرّه الذهبي في «التنقيح» (٢/ ٢٣٥). وقال ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/ ٤٩٤): «وفي هذا الإسناد مَنْ تُجْهَلُ حالُه؛ كبِشْرٍ، وغيرِه». وبشر هذا رجّح بعض المحققين أن اسمه: (باشر)، ويُنظر: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، و«المؤتلف والمختلف» لعبد الغني بن سعيد الأزدي (٢/ ٧٥٠)، و«الإكمال» لابن ماكولا (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، و«توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين الدمشقي (٣/ ٢١).\n(^٤) رواه ابن ماجه (٢٦٦٧) من حديث النعمان بن بشير - ﵁ - مرفوعا. وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي، وهو واهٍ جدًّا، وشيخُه أبو عازب مجهول.\n\nورواه ابن ماجه (٢٦٦٨) من حديث الحسن، عن أبي بكرة - ﵁ - مرفوعًا، وهو منكر، والمحفوظ أنه من مراسيل الحسن. ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (٢٨٢٩٥)، و«المسند» للبزار (٣٦٦٣)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٣٨٨)، و«الكامل» لابن عدي (٣/ ٢٥٢، ٥/ ٣٤٠، ٧/ ٨٢)، و«السنن» للدارقطني (٣١٠٩ - ٣١١٣، ٣١٧٤ - ٣١٨١)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٨/ ٦٢ - ٦٣)، و«معرفة السنن والآثار» له (٦/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"2","page":137},{"text":"بجيد (^١). والثابت عن الصحابة [١٩٧/ب] أنه يُفعَل به كما فعَل. فقد اتفق على ذلك الكتاب، والسنَّة، والقياس، وآثار الصحابة. واسم القصاص يقتضيه، لأنه يستلزم المماثلة.\nالمسألة الثانية: إتلاف المال. فإن كان مما له حرمة كالحيوان والعبيد، فليس له أن يُتلِف ماله كما أتلفَ ماله. وإن لم تكن له حرمة كالثوب يشقُّه، والإناءِ يكسره، فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظيرَ ما أتلفه، بل له القيمة، أو المثل (^٢) كما تقدَّم. والقياس يقتضي أنَّ له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه ما (^٣) فعله الجاني به، فيشقَّ ثوبه كما شقَّ ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه إذا كانا متساويين، وهذا من العدل (^٤). وليس مع من منعه نصٌّ ولا قياس ولا إجماع، فإن هذا ليس بحرام لحقِّ الله، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف. وإذا مكَّنه (^٥) الشارع أن يُتلِف طرفَه بطرفه فتمكينُه من إتلافِ ماله في مقابلةِ ماله (^٦) هو أولى وأحرى، وأن حكمة\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٥٠٩).\n(^٢) في المطبوع: «القيمة في المثل»!\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «كما».\n(^٤) ت: «مع العدل»، فكتب بعضهم في الحاشية: «محض» مع علامة «ظ»، يعني أن «مع» تحريف «محض» فيما يظهر له.\n(^٥) ما عدا س، ت: «أمكنه». وقبله في ت: «فإذا».\n(^٦) بعده في س، ح، ف: «لف» باللام، فهل هو بعض كلمة «التالف»؟ وفي ع: «كيف».","vol":"2","page":138},{"text":"القصاص من التشفِّي ودركِ الغيظ لا تحصل إلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه ويعطيه قيمتها، ولا يشقُّ ذلك عليه لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجنيُّ عليه بغبنه وغيظه، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودركِ ثأره وبردِ قلبه وإذاقةِ الجاني من الأذى ما ذاق هو؟ فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها (^١) يأبى ذلك.\nوقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ [١٩٨/أ] عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] يقتضي جواز ذلك.\nوقد صرَّح الفقهاء بجواز إحراقِ زروع الكفار وقطعِ أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة. وقد أقرَّ الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه سبحانه يحبُّ خزيَ الجاني الظالم ويشرعه. وإذا جاز تحريقُ متاع الغالِّ لكونه تعدَّى على المسلمين في خيانتهم في شيء (^٢) من الغنيمة، فلَأن يحرَّق مالُه إذا حرَّق مالَ المسلم المعصوم أولى وأحرى. وإذا شُرعت العقوبة المالية في حقِّ الله الذي مسامحتُه به أكثر من استيفائه، فلَأن تُشرَع في حقِّ العبد الشحيح أولى وأحرى.\nولأن الله سبحانه شرع القصاص زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من\n_________\n(^١) بعده في النسخ المطبوعة زيادة «معًا».\n(^٢) في النسخ الخطية: «من شيء»، والمثبت من المطبوعة. وانظر في تحريق متاع الغالِّ ما أخرجه أبو داود (٢٧١٤، ٢٧١٥).","vol":"2","page":139},{"text":"الممكن أن يوجب الدية استدراكًا لظلامة المجنيِّ عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجنيِّ عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف؛ وإلا فمن كان في نفسه من الآخر من قتلِه أو قطعِ طرفِه، قتَلَه أو قطَع طرفَه، وأعطى ديتَه؛ والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك. وهذا بعينه موجود في العدوان على المال.\nفإن قيل: فهذا ينجبر (^١) بأن يعطيَ (^٢) نظير ما أتلفه عليه.\nقيل: إذا رضي المجنيُّ عليه بذلك، فهو كما لو رضي بدية طرفه. فهذا هو محض القياس، وبه قال الأحمدان أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية (^٣). قال في رواية موسى بن سعيد (^٤): وصاحب الشقِّ (^٥) مخيَّر (^٦)، إن شاء شقَّ الثوبَ، وإن شاء مثلَه (^٧).\nالمسألة الثالثة: الجناية [١٩٨/ب] على العِرض. فإن كان حرامًا في نفسه كالكذب عليه وقذفِه وسبِّ والديه، فليس له أن يفعل به كما فعل (^٨) اتفاقًا.\n_________\n(^١) ما عدا س، ع: «يتخير»، وهو تصحيف. وقال ناسخ ف أيضًا في حاشيتها: «لعله ينجبر».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «يعطيه».\n(^٣) انظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٦٠) و«الإنصاف» (٦/ ١٩٤).\n(^٤) سبق تخريجها.\n(^٥) ما عدا ع: «الشيء»، تحريف.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «يخير».\n(^٧) هنا أيضًا في النسخ المطبوعة: «أخذ مثلَه»، بزيادة «أخذ».\n(^٨) زيد بعده: «به» في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":140},{"text":"وإن سبَّه في نفسه، أو سخِر منه (^١)، أو هزِئ به، أو بال عليه، أو بصَق عليه، أو دعا عليه= فله أن يفعل به نظيرَ ما فعَل به متحرِّيًا للعدل. وكذلك إذا كسَعه أو صفَعه، فله أن يستوفي منه نظيرَ ما فعَله (^٢) به سواء. وهذا أقرب إلى الكتاب والميزان وآثار الصحابة من التعزير المخالف للجناية جنسًا ونوعًا وقدرًا وصفةً.\nوقد دلَّت السنة الصحيحة الصريحة على ذلك، فلا عبرة بخلاف من خالفها. ففي «صحيح البخاري» (^٣) أن نساء النبي - ﷺ - أرسلن زينب بنت جحش إلى رسول الله - ﷺ - تكلِّمه في شأن عائشة، فأتته، فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشُدْنك العدل في بنت أبي قحافة (^٤). فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة، وهي قاعدة، فسبَّتها، حتى إنَّ رسول الله - ﷺ - لَينظر إلى عائشة، هل تتكلَّم. فتكلَّمت عائشة ترُدُّ على زينبَ حتى أسكتتها. قالت: فنظر النبيُّ - ﷺ - إلى عائشة، وقال: «إنها بنت أبي بكر».\nوفي «الصحيحين» (^٥) هذه القصة قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي - ﷺ - زينبَ بنت جحش زوجَ النبيِّ - ﷺ -، وهي التي كانت تُساميني في المنزلة عند\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «به».\n(^٢) ع: «فعل»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) برقم (٢٥٨١). وأخرجه مسلم (٢٤٤٢).\n(^٤) نسبتها إلى جدِّها. وكذا في النسخ الخطية و«صحيح مسلم» (٢٤٤٢) و«مسند أحمد» (٢٤٥٧٥) وغيرهما. وفي النسخ المطبوعة: «بنت ابن أبي قحافة» كما في بعض روايات حديث البخاري.\n(^٥) بل في «صحيح مسلم».","vol":"2","page":141},{"text":"رسول الله - ﷺ -. فذكرت الحديث، وقالت: ثم وقعت فيَّ، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقُب رسولَ الله - ﷺ -، وأرقُب طرفَه: هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرَح [١٩٩/أ] زينبُ حتى عرفتُ أن رسول الله - ﷺ - لا يكره أن أنتصر. فلما وقعتُ بها (^١) لم أنشَبْها حتى أثخنتُ عليها (^٢). قالت: فقال رسول الله - ﷺ -، وتبسَّم: «إنها ابنة أبي بكر». وفي لفظ فيهما (^٣): «لم أنشَبْها أن أثخنتُها غلبةً».\nوقد حكى الله سبحانه عن يوسف الصدِّيق أنه قال لإخوته: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ (^٤)، لما قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (^٥) [يوسف: ٧٧]، ولم يُبْدِ لهم ذلك للمصلحة التي اقتضت كتمان الحال.\nومن تأمَّل الأحاديث رأى ذلك فيها كثيرًا جدًّا. وبالله التوفيق.\nفصل\nقالوا: وهذا غيض من فيض، وقطرة من بحر، من تناقض القيَّاسين (^٦) الآرائيين، وقولهم بالقياس وتركهِم لما هو نظيره من كلِّ وجه أو أولى منه، وخروجِهم في القياس عن موجَب القياس، كما أوجب لهم مخالفةَ السنن\n_________\n(^١) يعني: نلتُ منها.\n(^٢) أي لم أتركها حتى بالغت في إفحامها. ويروى: «أنحيتُ».\n(^٣) بل في «صحيح مسلم» وحده.\n(^٤) زادوا في النسخ المطبوعة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.\n(^٥) زادوا في النسخ المطبوعة: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ وغيَّروا عبارة المصنف.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «القياسيين» كالعادة.","vol":"2","page":142},{"text":"والآثار، كما تقدَّم الإشارة إلى بعض ذلك. فَلْيُوجِدْنا القيَّاسون (^١) حديثًا واحدًا صحيحًا صريحًا غيرَ منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو تقليد رجل، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا! فإن كان مخالفة القياس ذنبًا (^٢) فقد أريناهم مخالفته صريحًا. ثم نحن أسعَدُ (^٣) بمخالفته منهم، لأنا إنما خالفناه للنصوص. وإن كان حقًّا فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال؟\nفانظر إلى هذين البحرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما، والحزبين اللذين قد ارتفع في مَعْرَكِ (^٤) الحرب عَجاجُهما. فجرَّ كلٌّ منهما جيشًا من الحجج لا تقوم له الجبال، وتتضاءل له شجاعة الأبطال، وأدلَى كلٌّ (^٥) منهما من الكتاب والسنة والآثار بما خضعت له الرقاب، وذلَّت له الصعاب، وانقاد [١٩٩/ب] له علمُ كلِّ عالم، ونفَّذه حكمُ كلِّ حاكم (^٦). وكان نهاية قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم عنهما ما قالاه، ويحيط علمًا بما أصَّلاه وفصَّلاه. فليعرف الناظر في هذا المقام قدرَه، ولا يتعدَّى طورَه، وليعلم أن وراء سُوَيقِيَته (^٧) بحارًا طاميةً، وفوق مرتبته في العلم مراتبَ فوق\n_________\n(^١) انظر التعليق السابق. وفي ف: «القائسون».\n(^٢) هذا في س، ع. ونقطة الباء واضحة في ح أيضًا. وفي غيرهما والنسخ المطبوعة: «دينًا».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «أسعد الناس».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «معترك».\n(^٥) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه: «وأتى كلُّ واحد»، ولعله تصرُّف من بعض الناشرين.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «ونفّذ حكمه كل حاكم».\n(^٧) السُّوَيقِيَة: تصغير الساقية.","vol":"2","page":143},{"text":"السُّهى (^١) عاليةً. فإن وثق من نفسه بأنه من فرسان هذا الميدان، وجملة هؤلاء الأقران، فَلْيجلس مجلسَ الحكم بين الفريقين، ويحكُمْ بما يُرضي الله ورسوله بين هذين الحزبين؛ فإن الدين كلَّه لله، وإنِ الحكم إلا لله. ولا ينفع في هذا المقام: «قاعدةُ المذهب كيتَ وكيتَ»، و«قطع به جمهورٌ من الأصحاب»، و«تحصَّل لنا في المسألة كذا وكذا وجهًا»، و«صحَّح هذا القولَ خمسة عشر، وصحح الآخرَ سبعة». وإن علا نسبُ علمِه قال: «نصَّ عليه»، فانقطع النزاع، ولُزَّ (^٢)\nذلك النصُّ في قَرَن الإجماع. والله المستعان، وعليه التكلان.\nفصل\nقال المتوسِّطون بين الفريقين: قد ثبت أن الله سبحانه أنزل (^٣) الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان. وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه. ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح والقياس الصحيح. بل كلُّها\n_________\n(^١) كوكب صغير خفيّ في وسط بنات نعش.\n(^٢) ع: «ولو»، تصحيف. وفي المطبوع: «ولزم»، ولعله من أخطاء الطبع. والمراد أنَّ نصَّ الإمام جُعِل مع الإجماع في قرَن واحد، كأنهما نِدَّان. يقال للبعيرين إذا قُرِنا في قرَن واحد: قد لُزَّا. ومنه قول جرير:\nوابنُ اللبون إذا ما لُزَّ في قرَنٍ ... لم يستطع صولةَ البُزْل القناعيسِ\n\nانظر: «ديوانه» (١/ ١٢٥).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «قد أنزل».","vol":"2","page":144},{"text":"متصادقة متعاضدة متناصرة يصدِّق بعضُها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض؛ فلا يناقض القياسُ الصحيحُ النصَّ الصحيحَ أبدًا.\nونصوص الشارع نوعان: أخبار، وأوامر. فكما [٢٠٠/أ] أن أخباره لا تخالف العقل (^١) الصحيح، بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملةً أو جملةً وتفصيلًا. ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه (^٢) من حيث الجملة. فهكذا أوامره سبحانه نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقلُّ بالشهادة به ولكن لا يخالفه. وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال، وهو ورودُها بما يردُّه العقل الصريح (^٣)، فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح.\nوهذه الجملة إنما تتفصَّل (^٤) بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين:\nإحداهما: أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلَّفين أمرًا ونهيًا وإذنًا وعفوًا، كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علمًا وكتابةً وقدرًا. فعلمُه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «القول»، وهو تصحيف أو سهو كان في الأصول.\n(^٢) في النسخ الخطية: «أدركته»، يعني: العقول، ولكن مقتضى السياق ما أثبت من المطبوع.\n(^٣) يعني: الخالص. وكذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «الصحيح».\n(^٤) ضبط في س، ح بتشديد الصاد المفتوحة. وفي النسخ المطبوعة: «تنفصل»، تصحيف. وتفصَّل مطاوع فصَّل، لم تنصّ عليه المعاجم، ولكن المصنف استعمله في كتاب «الفوائد» (ص ١٦١) أيضًا. قال: «... بل عرفه معرفة مجملة، وإن تفصَّلت له في بعض الأشياء». وانظر: «بيان تلبيس الجهمية» لشيخ الإسلام (٥/ ١٢٥).","vol":"2","page":145},{"text":"وغيرها، وأمرُه ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أعمالهم (^١) التكليفية. فلا يخرج فعلٌ من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري. فقد بيَّن الله سبحانه على لسان رسوله، بكلامه وكلام رسوله، جميعَ ما أمرَ (^٢) به، وجميعَ ما نهى عنه، وجميعَ ما أحلَّه، وجميع ما حرَّمه، وجميع ما عفا عنه. وبهذا يكون دينه كاملًا كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٣) [المائدة: ٣]. ولكن قد يقصُر فهمُ أكثر الناس عن فهم ما دلَّت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة وتنويعها (^٤). وتفاوتُ الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساويةً [٢٠٠/ب] لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خصَّ سبحانه سليمانَ بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكم.\nوقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه: «الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك» (^٥). وقال علي: «إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه» (^٦). وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله - ﷺ - (^٧). ودعا النبيُّ - ﷺ - لعبد الله بن عباس أن\n_________\n(^١) ع: «أفعالهم»، وكذا في النسخ المطبوعة. وقد وقع تقديم وتأخير في أجزاء هذه الجملة والجملة السابقة في س، ح، ف، ففيها: «... أفعال عباده وعفوه وأمره ونهيه وإباحته الواقعة تحت التكليف وغيرها قد أحاط ...».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أمره».\n(^٣) في النسخ المطبوعة زيادة: «وأتممت عليكم نعمتي».\n(^٤) ع: «وموقعها»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) سبق تخريجه.\n(^٧) سبق تخريجه.","vol":"2","page":146},{"text":"يفقِّهه في الدين ويعلِّمه التأويل (^١). والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهم المعنى المراد، والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى، التي هي آخيَّته (^٢) وأصله. وليس كلُّ من فقه في الدين عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختصُّ به الراسخون في العلم. وليس المراد به (^٣) تأويل التحريف وتبديل المعنى، فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه.\nفصل (^٤)\nوالناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق:\nفرقة قالت: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعض هؤلاء حتى قال: ولا بعُشْرِ معشارها (^٥). قالوا: فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص. ولَعَمرُ الله إنَّ هذا مقدار النصوص في فهمه وعلمه ومعرفته، لا مقدارها في نفس الأمر. واحتجَّ هذا القائل بأن النصوص متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع (^٦). وهذا احتجاج فاسد جدًّا من وجوه:\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) تقدم تفسيرها. ويريد أن المعنى يدور حول تلك الحقيقة.\n(^٣) «به» ساقط من ح، ف.\n(^٤) قارن هذا الفصل بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة (ص ٢٧٤ - ٢٧٦) ضمن «جامع المسائل»، المجموعة الثانية. فإنما هو مأخوذ منه مع بعض الزيادات. وكذلك الفصول التالية.\n(^٥) انظر: «البرهان» للجويني (٢/ ١٥، ٣٧).\n(^٦) انظر: «أصول السرخسي» (٢/ ١٣٩) و«الفروق» للقرافي (١/ ٨).","vol":"2","page":147},{"text":"أحدها: أن ما لا تتناهى أفراده لا يمتنع أن يجعل أنواعًا، فيُحكَم لكلِّ نوع منها بحكم واحد، فتدخل الأفراد التي [٢٠١/أ] لا تتناهى تحت ذلك النوع.\nالثاني: أن أنواع الأفعال، بل والأعراض، كلُّها متناهية.\nالثالث: أنه لو قُدِّر عدمُ تناهيها، فأفعالُ (^١) العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية. وهذا كما تجعل الأقارب نوعين: نوعًا مباحًا، وهو بنات العمِّ والعمَّة وبنات الخال والخالة، وما سوى ذلك حرام. وكذلك يجعل ما ينقض الوضوء محصورًا، وما سوى ذلك لا ينقضه. وكذلك ما يُفسد الصوم، وما يوجب الغسل، وما يوجب العدَّة، وما يُمنَع منه المُحرِم، وأمثال ذلك. وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم، ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحِلّ ويحرُم عندهم، مع قصور بيانهم= فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدَرُ على ذلك، فإنه - ﷺ - يأتي بالكلمة الجامعة، وهي قاعدة عامة وقضية كلّية تجمع أنواعًا وأفرادًا، وتدل دلالتين: دلالةَ طرد، ودلالةَ عكس.\nوهذا كما سئل - ﷺ - عن أنواع من الأشربة كالبِتْع والمِزْر (^٢)، وكان قد أوتي جوامع الكلم، فقال: «كلُّ مسكِر حرام» (^٣). و«كلُّ عمل ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (^٤). و«كلُّ قرضٍ جَرَّ نفعًا فهو ربا» (^٥). و«كلُّ شرطٍ ليس في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فإن أفعال».\n(^٢) البِتْع: ما اشتدَّ من نبيذ العسل. والمِزْر: ما اشتدَّ من نبيذ الذرة والشعير. وقد فسَّرهما أبو موسى الأشعري في حديث «الصحيحين»، وسيأتي.\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) رواه أبو الجهم العلاء بن موسى الباهلي في «جزئه» (٩٢ - تخريج أبي القاسم البغوي)، والحارث بن محمد بن أبي أسامة في «المسند» (٤٣٧ - بغية الباحث) للهيثمي، من حديث علي - ﵁ - مرفوعًا. وآفتُه سوار بن مصعب، وهو واهٍ متروكٌ. ويُنظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ١٠٨).","vol":"2","page":148},{"text":"كتاب الله فهو باطل» (^١). و«كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالُه وعِرضُه» (^٢). و«كلُّ أحدٍ أحقُّ بماله من ولده ووالده والناس أجمعين» (^٣). و«كلُّ محدَثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة» (^٤).\nو«كلُّ معروف صدقة» (^٥).\nوسمَّى النبيُّ - ﷺ - هذه الآية «جامعةً فاذّة» (^٦): ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ\n_________\n(^١) كما في حديث عائشة في «صحيح البخاري» (٤٥٦) و«صحيح مسلم» (١٥٠٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه سعيد بن منصور (٢٢٩٣) عن هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى الحضرمي، عن حبان بن أبي جبلة، عن الحسن مرسلا. وخالفه أبو عبيد القاسم بن سلام والحسن بن عرفة، فروياه عن هشيم، عن عبد الرحمن، عن حبان بن أبي جبلة مرسلًا. رواه الدارقطني (٤٥٦٨)، والبيهقي (٧/ ٤٨١، ١٠/ ٣١٩). والحديث منكر، لا يصح، وقد نقل الخلال عن مهنّا عن الإمام أحمد قال: «أحاديث عبد الرحمن بن يحيى منكرة». ذكره ابن دقيق العيد في كتاب «الإمام» (٤/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٤) رواه أحمد (١٧١٤٤، ١٧١٤٥)، وأبو داود (٤٦٠٧) من حديث العرباض بن سارية - ﵁ - مرفوعًا .. وصححه الترمذي (٢٦٧٦)، وأبو العباس الدغولي ــ كما في «ذم الكلام» لأبي إسماعيل الهروي (٣/ ١٢٥) ــ، وابن حبان (٣١٤٤)، والحاكم (١/ ٩٦ = ٩٨)، وأبو نعيم في «المستخرج على صحيح مسلم» (١/ ٣٦)، وغيرُهم، وحسنه أبو إسماعيل الهروي (٣/ ١٢٢)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ٢٠٥). ورواه النسائي (١٥٧٨) من حديث جابر - ﵁ -\nمرفوعًا. ويُنظر: «المسند الصحيح» مسلم (٨٦٧)، و«السنن» لابن ماجه (٤٢، ٤٥، ٤٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٠٢١) من حديث جابر، ومسلم (١٠٠٥) من حديث حذيفة.\n(^٦) أخرجه البخاري (٢٣٧١) ومسلم (٩٨٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وفيه أنه - ﷺ - سئل عن الخمر، فقال: «ما أنزل عليَّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذَّة: ...». والفاذَّة: المنفردة.","vol":"2","page":149},{"text":"ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] [٢٠١/ب]. ومن هذا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فدخل في الخمر كلُّ مسكِر، جامدًا كان أو مائعًا، من العنب أو من غيره. ودخل في الميسِر كلُّ أكلِ مالٍ بالباطل، وكلُّ عملٍ محرَّم يُوقِع في العداوة والبغضاء، ويصُدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة.\nودخل في قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] كلُّ يمين منعقدة. ودخل في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥] كلُّ طيِّب من المطاعم والمشارب والملابس والفروج. ودخل في قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ما لا تحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها، حتَّى اللطمة والضربة والكَسْعة، كما فهم الصحابة.\nودخل في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] تحريمُ كلِّ فاحشة ظاهرة وباطنة، وكلِّ ظلم وعدوان في مال أو نفس أو عِرض، وكلِّ شرك بالله وإن دقَّ في قول أو عمل أو إرادة بأن يجعل الله عِدْلًا لغيره (^١) في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد، وكلِّ قولٍ على\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «لله عدلًا بغيره».","vol":"2","page":150},{"text":"الله لم يأت به نصٌّ عنه ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل أو إيجاب أو إسقاط أو خبر عنه باسم أو صفة نفيًا أو إثباتًا، أو خبرٍ (^١) عن فعله، فالقولُ عليه بلا علم حرامٌ في أفعاله [٢٠٢/أ] وصفاته ودينه (^٢).\nودخل في قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وجوبُه في كلِّ جُرحٍ يمكن القصاص منه. وليس هذا تخصيصًا، بل هو مفهوم من قوله: ﴿قِصَاصٌ﴾ وهو المماثلة. ودخل في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وجوبُ نفقة الطفل وكسوته ونفقة مرضعته على كلِّ وارث قريب أو بعيد. ودخل في قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] جميعُ الحقوق التي للمرأة وعليها، وأن مردَّ ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم ويجعلونه معروفًا لا منكرًا، والقرآن والسنة كفيلان بهذا (^٣) أتمَّ كفالة.\nفصل (^٤)\nالفرقة الثانية: قابلت هذه الفرقة، وقالت: القياس كلُّه باطل، محرَّم في الدين، ليس منه. وأنكروا القياس الجليَّ الظاهر حتى فرَّقوا بين المتماثلين، وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئًا لحكمةٍ أصلًا. ونفَوا تعليل خلقه وأمره، وجوَّزوا، بل جزَموا بأنه يفرِّق بين المتماثلين، ويقرُن (^٥) بين المختلفين في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «خبرًا».\n(^٢) ما عدا ع: «وأفعاله ودينه»، بتكرار «أفعاله».\n(^٣) ت: «بذلك».\n(^٤) انظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٧٦ - ٢٨٢).\n(^٥) ع: «تفريق بين المتماثلين وتقرين»، تحريف.","vol":"2","page":151},{"text":"القضاء والشرع. وجعلوا كلَّ مقدور فهو (^١) عدل، والظلمُ عندهم هو الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين.\nوهذا وإن كان قاله طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنَّة في إثبات القدر، وخالفوا القدرية النُّفاة (^٢)، فقد أصابوا في إثبات القدر وتعلُّقِ (^٣) المشيئة الإلهية بأفعال العباد الاختيارية كما تتعلَّق بذواتهم وصفاتهم، وأصابوا في بيان (^٤) تناقض القدرية النفاة؛ ولكن ردُّوا من الحقِّ المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلَّطوا عليهم به خصومَهم، وصاروا [٢٠٢/ب] ممن ردَّ بدعة ببدعة، وقابلَ الفاسد بالفاسد، ومكنوا خصومهم بما نفَوه من الحقِّ من الردِّ عليهم، وبيان تناقضهم، ومخالفتهم للشرع (^٥) والعقل.\nفصل (^٦)\nالفرقة الثالثة: قوم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب، وأقرُّوا بالقياس كأبي الحسن الأشعري وأتباعه، ومن قال بقوله من الفقهاء أتباع الأئمة. وقالوا: إن عِلَلَ الشرع إنما هي مجرَّد أمارات وعلامات محضة، كما قالوه في ترك الأسباب. وقالوا: إن الدعاء علامة محضة على حصول المطلوب، لا أنه سبب فيه. والأعمال الصالحة والقبيحة علامات محضة ليست سببًا\n_________\n(^١) ت: «هو».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «والنفاة».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وتعليق»، ولعل من غيَّر ظنَّ أن «تعلّق» معطوف على «إثبات».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «إثبات».\n(^٥) ع: «الشرع»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٦) انظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨).","vol":"2","page":152},{"text":"في حصول الخير والشر. وكذلك جميع ما وجدوه من الخلق والأمر مقترنًا بعضه ببعض، قالوا: أحدهما دليل على الآخر، مقارن له اقترانًا عاديًّا، وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة، ولا له فيه تأثير بوجه من الوجوه.\nوليس عند أكثر الناس غير أقوال هؤلاء الفرق الثلاث (^١)، وطالبُ الحق إذا رأى ما في هذه الأقوال من الفساد والتناقض والاضطراب، ومناقضة بعضها لبعض، ومعارضة بعضها ببعضٍ (^٢) = بقي في الحيرة، فتارةً يتحيَّز إلى فرقة منها، له ما لها وعليه ما عليها، وتارةً يتردَّد بين هذه الفِرَق تميميًّا (^٣) مرّةً وقيسيًّا أخرى! وتارةً يُلقي الحربَ بينهما، ويقِف في النظّارة. وسبب ذلك خفاء الطريقة المثلى والمذهب الوسط الذي هو في المذاهب [٢٠٣/أ] كالإسلام في الأديان، وعليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون: مِن إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره، وإثباتِ لام التعليل وباء السببيَّة في القضاء والشرع، كما دلَّت عليه النصوص، مع صريح العقل والفطرة؛ فاتفق (^٤) عليه الكتاب والميزان.\nومن تأمَّلَ كلامَ سلف الأمة وأئمة السنَّة (^٥) رآه ينكر قولَ الطائفتين\n_________\n(^١) ت: «الثلاثة»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «لبعض».\n(^٣) ما عدا ع: «يمنيًّا»، ولعله تصحيف. قال المبرِّد في «الكامل» (٣/ ١٠٩١): «ومن كلام العرب: أتميميًّا مرةً وقيسيًّا أخرى». فنصَّ على أن المثل هكذا جاء في كلام العرب، وإلا يجوز ما ورد في النسخ لما كان بين القيسية واليمانية من الصراع في عهد بني أمية.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «واتفق».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «وأئمة أهل السنة».","vol":"2","page":153},{"text":"المنحرفتين عن الوسط. فينكر قولَ المعتزلة المكذِّبين بالقدر، وقولَ الجهمية المنكِرين للحِكَم والأسباب والرحمة. فلا يرضَون لأنفسهم بقول القدرية المجوسية، ولا بقول القدرية الجبرية نُفاةِ الحكمة والرحمة والتعليل. وعامّةُ البدع الحادثة (^١) في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية.\nوالجهمية رؤوس الجبرية. وأئمتهم أنكروا حكمة الله ورحمته، وإن أقرُّوا بلفظ مجرَّد فارغ عن حقيقة الحكمة والرحمة. والقدرية النُّفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته. فأولئك أثبتوا نوعًا من المُلك بلا حمد، وهؤلاء أثبتوا نوعًا من الحمد بلا مُلك. فأنكر أولئك عمومَ حمده، وأنكر هؤلاء عمومَ ملكه. وأثبت له الرسلُ وأتباعُهم عمومَ الملك وعمومَ الحمد، كما أثبته لنفسه. فله كمال الملك، وكمال الحمد. فلا يخرج عين ولا فعل عن قدرته ومشيئته وملكه، وله في كلِّ ذلك حكمة وغاية مطلوبة يستحِقُّ عليها الحمد. وهو في عموم قدرته ومشيئته [٢٠٣/ب] وملكه على صراط مستقيم، وهو حمدُه الذي يتصرَّف في ملكه به ولأجله.\nوالمقصود: أنهم كما انقسموا إلى ثلاثِ فِرَق في هذا الأصل، انقسموا في فرعه ــ وهو القياس ــ إلى ثلاثِ فِرَق: فرقة أنكرته بالكلية، وفرقة قالت به وأنكرت الحِكَم والتعليل والمناسبات (^٢). والفرقتان أخْلَت (^٣) النصوصَ\n_________\n(^١) ع: «المحدثة»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «جامع المسائل» (٢/ ٢٧٨) كما أثبت من النسخ.\n(^٢) ع: «والأسباب»، وكذا في المطبوع.\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة بالإفراد بدلًا من «أخْلَتا». وانظر ما يأتي في (٢/ ٥١٦).","vol":"2","page":154},{"text":"عن تناولها لجميع أحكام المكلَّفين وأنها (^١) أحالت على القياس. ثم قالت غلاتهم: أحالت عليه أكثرَ الأحكام، وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيرًا من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها (^٢) إلا به.\nوالصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بيَّن الأحكام كلَّها، والنصوص كافية وافية بها. والقياس الصحيح حقٌّ مطابقٌ للنصوص، فهما دليلان: الكتاب والميزان. وقد تخفى دلالة النص، أو لا تبلغ العالِمَ فيعدل إلى القياس. ثم قد يظهر موافقًا للنصِّ فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له، فيكون فاسدًا. وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته، ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته (^٣).\nفصل (^٤)\nوكلُّ فرقة من هؤلاء (^٥) الفرق الثلاث سدُّوا على نفوسهم (^٦) طريقًا من طرُق الحق، فاضطُرُّوا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله. فنفاة القياس لما سدُّوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحِكَم والمصالح ــ وهو [٢٠٤/أ] من الميزان والقسط الذي أنزله الله ــ احتاجوا إلى\n_________\n(^١) يعني: وزعمتا أن النصوص ...\n(^٢) ت: «بيانها».\n(^٣) «ولكن عند المجتهد ...» إلى هنا ساقط من ع.\n(^٤) انظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٨١ وما بعدها).\n(^٥) ع: «هذه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٦) ع: «أنفسهم»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":155},{"text":"توسعة الظاهر والاستصحاب، فحمَّلوهما فوق الحاجة ووسَّعوهما أكثر مما يسَعانه. فحيث فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموه (^١) منه نفَوه، وحمَّلوه الاستصحابَ (^٢). وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد. وأحسنوا في ردِّ الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقضَ أهلها في نفس القياس وتركِهم له، وأخذِهم بقياسٍ وتركِهم ما هو أولى منه. ولكن أخطؤوا من أربعة أوجه (^٣):\nأحدها: ردُّ القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علّته التي يجري النصُّ عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ. ولا يتوقَّف عاقل في أنَّ قول النبي - ﷺ - لمَن (^٤) لعن عبدَ الله حمارًا على كثرة شربه للخمر: «لا تلعنه، فإنه يحبُ الله ورسوله» (^٥) بمنزلة قوله: لا تلعنوا كلَّ من يحبُّ الله ورسوله، وفي أنَّ قوله: «إن الله ورسوله ينهاكم (^٦) عن لحوم الحُمُر، فإنها رجس» (^٧)\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «لم يفهموا».\n(^٢) في «جامع المسائل» (٢/ ٢٨١): «... وأثبتوا الأمر على موجب الاستصحاب». وفي ف: «وحملوا الاستصحاب»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في «جامع المسائل»: «ثلاثة أوجه». وهي الثلاث الأولى هنا.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «لما»، وهو خطأ.\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر - ﵁ -.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «ينهيانكم» بالتثنية، وهو لفظ البخاري ومسلم. وفي النسخ الخطية كما أثبت بالإفراد. وهو لفظ النسائي (٦٩، ٤٣٤٠) و«مصنف ابن أبي شيبة» (٢٤٣٣١). يعني: إن الله ينهاكم ورسوله. كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾.\n(^٧) أخرجه البخاري (٤١٩٨) ومسلم (١٩٤٠) من حديث أنس - ﵁ -.","vol":"2","page":156},{"text":"بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كلِّ رجس، وفي أنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نهىٌ عن كلِّ رجس، وفي أنَّ قوله في الهِرِّ: «ليست بنجَس، إنها من الطوّافين عليكم والطوّافات» (^١) بمنزلة قوله: كلُّ ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس. ولا يستريب أحد في أنَّ من قال لغيره: «لا تأكل هذا (^٢) الطعام، فإنه مسموم» نهْي له (^٣) عن كلِّ طعام [٢٠٤/ب] كذلك، وإذا قال: «لا تشرب هذا الشراب، فإنه مسكِر» نهي له عن كلِّ مسكِر، و«لا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة» وأمثال ذلك.\nالخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص. فكم من حكمٍ دلَّ عليه النصُّ ولم يفهموا دلالته عليه! وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرَّد ظاهر اللفظ، دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعُرفه عند المخاطبين. فلم يفهموا من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^٤) ضربًا ولا سبًّا ولا إهانةً غير لفظة «أفٍّ»، فقصَّروا في فهم الكتاب، كما قصَّروا في اعتبار الميزان.\nالخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقُّه، وجزمهُم بموجَبه، لعدم علمهم بالناقل، وليس عدمُ العلم علمًا بالعدم.\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «من هذا».\n(^٣) كذا في النسخ هنا وفي الجملة التالية، ومقتضى السياق: «نهاه» أو «نهَى» فقط دون زيادة «له».\n(^٤) في النسخ الخطية: «ولا تقل ...».","vol":"2","page":157},{"text":"وقد تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه ومراتبها. فالاستصحاب: استفعال من الصحبة، وهي استدامة إثبات ما كان ثابتًا أو نفيِ ما كان منتفيًا (^١). وهو ثلاثة أقسام: استصحابُ البراءة الأصلية، واستصحابُ الوصفِ المثبِت الحكمَ (^٢) الشرعي حتى يثبُتَ خلافُه، واستصحابُ حكم الإجماع في محلِّ النزاع.\nفأما النوع الأول فقد تنازع الناس فيه. فقالت طائفة من الفقهاء والأصوليين: إنه يصلح للدفع لا للإبقاء، كما قاله بعض الحنفية. ومعنى ذلك أنه يصلح لأن يُدفَع به من ادَّعى تغييرَ الحال، لا لإبقاءِ (^٣) الأمر على ما كان، فإنَّ بقاءه على ما كان إنما هو مستند إلى موجب الحكم، لا إلى عدم المغيِّر له. فإذا [٢٠٥/أ] لم نجد دليلًا نافيًا ولا مثبِتًا أمسكنا، لا نُثبِت الحكم ولا ننفيه، بل ندفع بالاستصحاب دعوى من يُثبته (^٤). فيكون حال المتمسِّك بالاستصحاب كحال المعترِض مع المستدِلّ، فهو يمنعه الدلالةَ حتى يُثبتها، لا أنه يقيم دليلًا على نفي ما ادَّعاه. وهذا غير حال المعارِض، فالمعارض لون والمعترض لون. فالمعترض يمنع دلالة الدليل، والمعارض يسلِّم دلالته ويقيم دليلًا على نقيضه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «منفيًّا».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «للحكم».\n(^٣) هكذا في جميع النسخ. وزيدت في المطبوع بين حاصرتين. وفي الطبعات التي سبقته: «تغيير الحال لإبقاء ...» بإسقاط لا النافية، وكذا في «جامع المسائل» (٢/ ٢٨٢)، والظاهر أن القراءة الصحيحة في هذه الصورة: «تغييرَ الحال، لا بَقاءَ ...».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «أثبته».","vol":"2","page":158},{"text":"وذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يصلح لإبقاء الأمر على ما كان عليه. قالوا: لأنه إذا غلب على الظن انتفاءُ الناقل غلب على الظن بقاءُ الأمر على ما كان عليه.\n\nثم النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبِت للحكم حتى يثبت خلافه، وهو حجة، كاستصحاب حكم الطهارة وحكم الحدَث، واستصحاب بقاء النكاح وبقاء المِلك وشَغْل الذمة بما تشتغل (^١) به حتى يثبت خلاف ذلك. وقد دلَّ الشارعُ على تعليق الحكم به في قوله في الصيد: «وإن وجدتَه غريقًا فلا تأكله، فإنك لا تدري: الماءُ قتَله أو سهمُك» (^٢)، وقوله: «وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل، فإنك إنما سمَّيتَ على كلبك، ولم تسمِّ على غيره» (^٣). لما كان (^٤) الأصل في الذبائح التحريم، وشكَّ هل وُجِد الشرط المبيح أم لا= بقَّى (^٥) الصيدَ على أصله في التحريم. ولما كان الماء طاهرًا في الأصل بقَّاه (^٦) على طهارته ولم يُزِلْها بالشكّ. ولما كان الأصل بقاء المتطهِّر [٢٠٥/ب] على طهارته لم يأمره بالوضوء مع الشكِّ في الحدث، بل\n_________\n(^١) س: «تشغل»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٨٤) ومسلم (١٩٢٩) من حديث عدي بن حاتم.\n(^٣) انظر الحديث السابق في «صحيح البخاري» (١٧٥) و«صحيح مسلم» (١٩٢٩/ ٣، ٥).\n(^٤) هذا آخر ما في نسخة برنستون (س) الناقصة الآخر.\n(^٥) يعني: الشارع. ورسم الكلمة فيما عدا ع: «بقا» بالألف الممدودة، والقراءة الصحيحة للجملة كما أثبت. وفي النسخ المطبوعة: «بقي الصيدُ»، وانظر التعليق التالي.\n(^٦) في جميع النسخ كما أثبت. وفي النسخ المطبوعة: «فالأصل بقاؤه»، ولعله تغيير من بعض الناشرين لما قرأ «بقاه»: بقاؤه.","vol":"2","page":159},{"text":"قال: «لا ينصرِفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجد ريحًا» (^١). ولما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمته أمرَ الشاكَّ أن يبني على اليقين، ويطرح الشكَّ (^٢).\nولا يعارض هذا رفعُه للنكاح المتيقَّن بقول الأمة السوداء: إنها أرضعت الزوجين (^٣). فإن أصل الأبضاع على التحريم، وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية. وقد عارض هذا الظاهرَ ظاهرٌ مثلُه أو أقوى منه، وهو الشهادة. فإذا تعارضا تساقطا، وبقي أصلُ التحريم لا معارض له. فهذا الذي حكم به النبيُّ - ﷺ - هو (^٤) عين الصواب ومحض القياس. وبالله التوفيق.\nولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع، وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذُب المسألةِ أصلين متعارضين. مثاله: أن مالكًا منع الرجلَ إذا شكَّ هل أحدث أم لا من الصلاة حتى يتوضأ؛ لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة، فإن أصلَ (^٥) بقاءِ الصلاة في ذمته. فإن قلتم: لا نُخرجه من الطهارة [بالشك] (^٦)، قال مالك: ولا نُدخِله في الصلاة بالشك، فيكون قد خرج منها بالشكِّ. فإن قلتم: يقين الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك، قال منازعكم (^٧):\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١) من حديث عبد الله بن زيد.\n(^٢) انظر حديث أبي سعيد الخدري في «صحيح مسلم» (٥٧١).\n(^٣) يشير إلى قصة عقبة بن الحارث. وقد سبق تخريجها.\n(^٤) ت: «وهو»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) ع: «الأصل»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٦) ما بين الحاصرتين من النسخ المطبوعة.\n(^٧) ت: «منازعوهم». ح، ف: «منازعهم». والمثبت من ع، وأشار إليه ناسخ ح في طرتها.","vol":"2","page":160},{"text":"ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك. قالوا: والحديث الذي تحتجُّون به من أكبر حججنا، فإنه منع المصلِّيَ بعد دخوله في الصلاة بالطهارة المتيقَّنة أن يخرج منها بالشك، فأين هذا من تجويز الدخول فيها بالشك؟ (^١).\nومن ذلك: لو شكَّ هل طلق واحدةً أو ثلاثًا، فإنّ مالكًا [٢٠٦/أ] يُلزِمه بالثلاث، لأنه تيقَّن طلاقًا، وشكَّ هل هو مما تُزيل أثرَه الرجعةُ أم لا؟ وقول الجمهور في هذه المسألة أصح، فإن النكاح متيقَّن، فلا يزول بالشك. ولم يعارض يقينَ النكاح إلا شكٌّ محضٌ، فلا يزول به. وليس هذا نظير الدخول في الصلاة بالطهارة التي شكَّ في انتقاضها، فإن الأصل هناك شغلُ الذمة، وقد وقع الشكُّ في فراغها. ولا يقال هنا: الأصلُ (^٢) التحريمُ بالطلاق وقد شككنا في الحِلِّ، فإن التحريم قد زال بنكاح متيقَّن، وقد حصل الشكُّ فيما يرفعه. فهو نظير ما لو دخل في الصلاة بوضوء متيقَّن، ثم شكَّ في زواله. فإن قيل: هو متيقِّن للتحريم بالطلاق شاكٌّ في الحِلِّ بالرجعة، فكان جانبُ التحريم أقوى. قيل: ليست الرجعية بمحرَّمة، وله أن يخلو بها، ولها أن تتزيَّن له وتتعرَّض له، وله أن يطأها. والوطء رجعة عند الجمهور، وإنما خالف في ذلك الشافعيُّ وحده (^٣). وهي زوجه (^٤) في جميع الأحكام إلا في القَسْم خاصّة. ولو سُلِّم أنها محرَّمة، فقولكم: «إنه متيقِّن للتحريم» إن أردتم\n_________\n(^١) وانظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٣١٨ - ٣٢٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «إن الأصل».\n(^٣) «وحده» ساقط من ع.\n(^٤) ت، ع: «زوجة». وفي النسخ المطبوعة: «زوجته».","vol":"2","page":161},{"text":"به التحريم المطلق، فهو (^١) غير متيقَّن، وإن أردتم به مطلق التحريم لم يستلزم أن يكون بثلاث، فإن مطلق التحريم أعمُّ من أن يكون بواحدة أو يكون بثلاث، ولا يلزم من ثبوت الأعمِّ ثبوتُ الأخصِّ. وهذا في غاية الظهور.\nفصل (^٢)\n\nالقسم الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع. وقد اختلف فيه الفقهاء والأصوليون هل هو حجة؟ على قولين:\nأحدهما: أنه [٢٠٦/ب] حجة، وهو قول المزَني، والصَّيرفي (^٣)، وابن شاقْلا، وابن حامد (^٤)، وأبي عبد الله الرازي (^٥).\nوالثاني: ليس بحجة، وهو قول أبي حامد (^٦)، وأبي الطيب الطبري، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب، والحُلْواني (^٧)، وابن\n_________\n(^١) ع: «فإنه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) انظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٥)، فالمصنف صادر عن كلام شيخه.\n(^٣) غير محرر في ح، فحذفه ناسخ ف. وهو أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي من أئمة الشافعية توفي سنة ٣٣٠. ترجمته في «طبقات الشافعية» (٣/ ١٨٦).\n(^٤) أبو عبد الله الحسن بن حامد البغدادي المتوفى سنة ٤٠٣. كان إمام الحنابلة في زمانه. ترجمته في «طبقات الحنابلة» (٣/ ٣٠٩).\n(^٥) هو الفخر الرازي صاحب التفسير.\n(^٦) الغزالي.\n(^٧) أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن علي الحلواني الحنبلي، صاحب كتاب «الهداية» في أصول الفقه. توفي سنة ٥٤٦. ترجمته في «ذيل طبقات الحنابلة» (٢/ ٣٩).","vol":"2","page":162},{"text":"الزاغوني. وحجة هؤلاء أن الإجماع إنما كان على الصفة التي كانت قبل محلِّ النزاع، كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة. فأما بعد الرؤية فلا إجماع، فليس هناك ما يُستصحَب، إذ يمتنع دعوى الإجماع في محلِّ النزاع. والاستصحاب إنما يكون لأمر ثابت فيستصحب ثبوته، أو لأمرٍ منتفٍ فيستصحب نفيه.\nقال الأولون: غاية ما ذكرتم أنه لا إجماع في محلِّ النزاع. وهذا حق، ونحن لم ندَّعِ الإجماع في محلِّ النزاع، بل استصحبنا حال المجمَع عليه حتى يثبت ما يزيله.\nقال الآخرون: الحكم إذا كان إنما ثبت بالإجماع، وقد زال الإجماع، زال الحكم لزوال دليله. فلو ثبت الحكم بعد ذلك لثبَتَ بغير دليل.\nقال المثبتون: الحكم كان ثابتًا، وعلمنا بالإجماع ثبوته، فالإجماع ليس هو علة ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتَّى يلزمَ من زوال العلة زوالُ معلولها، ومن زوال السبب زوالُ حكمه. وإنما الإجماع دليل عليه، وهو في نفس الأمر مستند إلى نصٍّ أو معنى نصٍّ؛ فنحن نعلم أن الحكم المجمَع عليه ثابت في نفس الأمر. والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من انتفاء الإجماع انتفاء الحكم، بل يجوز أن يكون باقيًا [٢٠٧/أ] ويجوز أن يكون منتفيًا. لكن الأصل بقاؤه، فإن البقاء لا يفتقر إلى سبب حادث، ولكن يفتقر إلى بقاء سبب ثبوته. وأما الحكم المخالف فيفتقر إلى ما يزيل الأول (^١)، وإلى ما يُحدث الثاني، وإلى ما يُبقيه (^٢)، فكان ما يفتقر إليه الحادث أكثر مما يفتقر\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «الحكم الأول».\n(^٢) في المطبوع: «يبينه»، وفي الطبعات السابقة: «ينفيه». والصواب ما أثبت من النسخ. وكذا في «جامع المسائل».","vol":"2","page":163},{"text":"إليه الباقي، فيكون البقاء أولى من التغيير (^١). وهذا مثل استصحاب حال براءة الذمة، فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يُظنّ (^٢) أنه شاغل، ومع هذا فالأصل البراءة.\nوالتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة. ولكن (^٣) لا يجوز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل، ولا يجوز الاستدلال به (^٤) لمن لم يعرف الأدلّة الناقلة، كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن لم يعرف (^٥) الأدلة الناقلة.\nوبالجملة، فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل. فإن قطَع المستدلُّ بانتفاء الناقل قطَع بانتفاء الحكم، كما يقطع ببقاء شريعة محمد - ﷺ - وأنها (^٦) غير منسوخة. وإن ظنَّ انتفاءَ الناقل، أو ظنَّ انتفاءَ دلالته= ظنَّ انتفاء النقل. وإن كان الناقل معنًى مؤثِّرًا (^٧)، وتبيَّن له عدمُ\n_________\n(^١) ع: «التغير»، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت موافق لما في «جامع المسائل».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «يظن به». ولا وجود لزيادة «به» في «جامع المسائل» أيضًا.\n(^٣) في ت: «من»، وفي غيرها والنسخ المطبوعة: «ومن»، ولكن في الجملة التالية في ح، ف، ت: «ولا يجوز»، فلم يتم الكلام، فحذف واو العطف في ع، وأثبت في النسخ المطبوعة: «فلا يجوز». والنص منقول من كلام شيخ الإسلام بحروفه تقريبًا، وفيه: «ولكن لا يجوز ... ولا يجوز»، فالظاهر أن «ومن» في النسخ تحريف.\n(^٤) «إلا بعد معرفة ... به» ساقط من ع لانتقال النظر.\n(^٥) في ع والنسخ المطبوعة: «لمن يعرف» بإسقاط «لم».\n(^٦) ع: «فإنها».\n(^٧) ع: «مؤيدا»، تصحيف.","vol":"2","page":164},{"text":"اقتضائه= تبيَّن له بقاءُ (^١) النقل، مثل رؤية الماء في الصلاة لا تنقض الوضوء، وإلا فمع تجويزه لكونه ناقضًا للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء.\nوهكذا كلُّ من وقع النزاعُ في انتقاض وضوئه ووجوب الغسل عليه، فإن الأصل بقاء طهارته؛ كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين، وبالخارج النادر منهما، وبمسِّ [٢٠٧/ب] النساء لشهوة وغيرها، وبأكل ما مسَّته النار، وغسلِ الميت، وغير ذلك= لا يمكنه اعتقاد استصحاب الحال فيه حتى يتبيَّن (^٢) له بطلانُ ما يوجب الانتقال، وإلا بقي شاكًّا. وإن لم يتبيَّن له صحة الناقل ــ كما لو أخبره فاسق بخبر ــ فإنه مأمور بالتبيُّن والتثبُّت، لم يؤمر بتصديقه (^٣) ولا تكذيبه (^٤)، فإن كليهما ممكن منه. وهو مع خبره لا يستدلُّ باستصحاب الحال، كما كان يستدلُّ به بدون خبره. ولهذا جُعِل لَوْثًا وشبهةً. وإذا شهد مجهولُ الحال فإنه هناك شاكٌّ في حال الشاهد، ويلزم منه الشكُّ في حال المشهود به. فإذا تبيَّن كونُه عدلًا تمَّ الدليل. وعند شهادة المجهولين تضعُف البراءةُ أعظمَ مما تضعُف عند شهادة الفاسق، فإنه في الشاهد قد يكون دليلًا ولكن لا تُعرَف دلالتُه، وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بدليل، لكن يمكن وجودُ المدلول (^٥) في هذه الصورة، فإنَّ صدقَه ممكن.\n_________\n(^١) في النسخ الخطية والمطبوعة: «انتفاء»، والصواب ما أثبت من «جامع المسائل».\n(^٢) في النسخ الخطية والمطبوعة: «يتيقَّن»، وهو تصحيف ما أثبت من «جامع المسائل»، ويؤيده قوله بعده: «له».\n(^٣) في «جامع المسائل»: «لم يؤثر تصديقَه».\n(^٤) ع: «بتكذيبه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) ع: «المدلول عليه». ولم ترد زيادة «عليه» في غيرها ولا في «جامع المسائل».","vol":"2","page":165},{"text":"فصل\nومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع حجَّة: أنَّ تبدُّلَ حال المحلِّ المجمَع على حكمه أولًا كتبدُّلِ زمانه ومكانه وشخصه، وتبدُّلُ هذه الأمور وتغيُّرها لا يمنع استصحابَ ما ثبت له قبل التبدُّل (^١). فكذلك تبدُّلُ وصفه وحاله لا يمنع الاستصحابَ حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلًا للحكم مثبتًا لضدِّه؛ كما جعل الدِّباغَ ناقلًا لحكم نجاسة الجلد، وتخليلَ الخمرة (^٢) ناقلًا لحكم تحريمها (^٣)، وحدوثَ الاحتلام ناقلًا لحكم البراءة الأصلية. وحينئذ فلا يبقى التمسُّك بالاستصحاب [٢٠٨/أ] صحيحًا.\nوأما مجرَّدُ النزاع فإنه لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع. والنزاعُ في رؤيةِ الماء في الصلاة، وحدوثِ العيب عند المشتري، واستيلادِ الأمة= لا يوجب رفعَ ما كان ثابتًا قبل ذلك من الأحكام. فلا يُقبَل قولُ المعترض: إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث، فإن النزاع لا يرفع ما ثبت من الحكم، فلا يمكن المعترضَ رفعُه إلا أن يقيم دليلًا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلًا على نقل الحكم. وحينئذ فيكون معارضًا في الدليل، لا قادحًا في الاستصحاب. فتأمَّلْه، فإنه التحقيق في هذه المسألة.\n_________\n(^١) في المطبوع أثبت: «التبديل» هنا وفيما سبق.\n(^٢) ع: «تخلل الخمر».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «للحكم بتحريمها».","vol":"2","page":166},{"text":"فصل\nالخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلَّها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه. فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم، بلا برهان من الله، بناءً على هذا الأصل.\nوجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح، فإن الحكم ببطلانها حكمٌ بالتحريم والتأثيم، ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرَّمه الله (^١)، ولا تأثيم إلا ما أثَّم الله ورسوله به فاعلَه؛ كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه، ولا حرام إلا ما حرَّمه (^٢)، ولا دين إلا ما شرَعه. فالأصل (^٣) في العبادات: البطلان [٢٠٨/ب] حتّى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات: الصحة حتّى يقوم دليل على البطلان والتحريم.\nوالفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يُعبَد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقُّه على عباده، وحقُّه الذي أحقَّه هو، ورضي به، وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفوٌ حتى يحرِّمها. ولهذا نعَى الله سبحانه على المشركين مخالفةَ هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرِّمه، والتقرُّب إليه بما لم يشرعه. وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة زيادة: «ورسوله».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أوجبه الله ... حرّمه الله».\n(^٣) ع: «والأصل».","vol":"2","page":167},{"text":"لكان (^١) عفوًا لا يجوز الحكمُ بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحلَّه الله، والحرام ما حرَّمه، وما سكت عنه فهو عفو. فكلُّ شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها، فإنه سكت عنها رحمةً منه، من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرَّحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرَّمه؟\nوقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلِّها، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وهذا كثير في القرآن.\nوفي «صحيح مسلم» (^٢) من حديث الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو [٢٠٩/أ] قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أربعٌ مَن كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا. ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدَعَها: إذا حدَّث كذَب، وإذا عاهد غدَر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجَر».\n_________\n(^١) ع: «لكان ذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) برقم (٥٨). وأخرجه البخاري أيضًا برقم (٣٤، ٢٤٥٩، ٣١٧٨).","vol":"2","page":168},{"text":"وفيه (^١) من حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «من علامات المنافق ثلاث، وإن صلَّى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان».\nوفي «الصحيحين» (^٢) من حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ -: «يُرفَع لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان».\nوفيهما (^٣) من حديث عقبة بن عامر عن النبي - ﷺ -: «إنَّ أحقَّ الشروط أن تُوفُوا بها ما استحللتم به الفروجَ».\nوفي «سنن أبي داود» (^٤) عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله - ﷺ -، فلما رأيتُه أُلقِيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، والله إني لا أرجع إليهم أبدًا. فقال رسول الله - ﷺ -: «إني لا أَخِيسُ بالعهد (^٥)، ولا أحبِس البُرُدَ (^٦). ولكن ارجعْ إليهم، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع». قال: فذهبتُ، ثم أتيتُ النبيَّ - ﷺ -، فأسلمتُ (^٧).\n_________\n(^١) برقم (٥٩).\n(^٢) البخاري (٣١٨٨) ومسلم (١٧٣٥).\n(^٣) البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨).\n(^٤) برقم (٢٧٥٨).\n(^٥) أي لا أنقضه.\n(^٦) البُرُد: جمع بريد، وهو الرسول. قال الخطّابي في «معالم السنن» (٢/ ٣١٧): «يشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جوابًا، والجواب لا يصل إلى المرسل إلا على لسان الرسول بعد انصرافه، فصار كأنه عقد له العهد مدة مجيئه ورجوعه».\n(^٧) رواه أحمد (٢٣٨٥٧)، وأبو داود (٢٧٥٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨٦٢١) من حديث أبي رافع - ﵁ -. وصححه ابن حبان (٣٦٧٢).","vol":"2","page":169},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (^١) عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلّا أني خرجتُ أنا وأبي حُسَيلٌ، فأخَذَنا كفارُ قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منَّا عهدَ [٢٠٩/ب] الله وميثاقَه لَننصرفَنَّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه. فأتينا رسولَ الله - ﷺ -، فأخبرناه الخبرَ، فقال: «انصرفا نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم».\nوفي «سنن أبي داود» (^٢)\nعن عبد الله بن عامر قال: دعتني أمِّي يومًا، ورسولُ الله - ﷺ - قاعدٌ في بيتها، فقالت: تعالَ أُعطِك. فقال لها رسول الله - ﷺ -: «ما أردتِ أن تعطيه؟». فقالت: أُعطيه تمرًا. فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أمَا، إنكِ لو لم تعطيه شيئًا كُتِبَتْ عليكِ كَذْبةٌ».\nوفي «صحيح البخاري» (^٣) من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «قال الله ﷿: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أَعطَى بي، ثم غدَر. ورجل باع حُرًّا، فأكل ثمنه (^٤). ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره».\n_________\n(^١) برقم (١٧٨٧).\n(^٢) برقم (٤٩٩١). ورواه أحمد (١٥٧٠٢).\n\nوفي سنده مولى عبد الله بن عامر، وقد سمّاه يحيى بن أيوب المصري زيادًا، كما في «المعرفة والتاريخ» ليعقوب بن سفيان (١/ ٢٥١)، و«معجم الصحابة» لأبي القاسم البغوي (٢١٧٦). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٩/ ٤٨٣)، مع أن زيادًا هذا مجهول. ولعل الضياء قوّاه، للأحاديث التي تشهد لصحّة معناه. وينظر: «السلسلة الصحيحة» (٧٤٨)، و«المقاصد الحسنة» (ص ٥٣٤، ٨٦٣).\n(^٣) برقم (٢٢٢٧).\n(^٤) «فأكل ثمنه» ساقط من ح، ت.","vol":"2","page":170},{"text":"وأمر النبيُّ - ﷺ - عمر بن الخطاب أن يوفي بالنذر الذي نذره في الجاهلية من اعتكافه ليلةً عند المسجد الحرام (^١). وهذا كان عُقِد (^٢) قبل الشرع.\nوقال ابن وهب: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: «وَأْيُ (^٣) المؤمنِ واجب» (^٤).\nقال ابن وهب: وأخبرني إسماعيل (^٥)\nبن عياش، عن أبي إسحاق أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «ولا تَعِدْ أخاك عِدةً وتُخلِفَه، فإن ذلك يُورِث بينك وبينه عداوة».\nقال ابن وهب: وأخبرني الليث بن سعد، عن عُقَيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «من قال لصبيٍّ: تعال، هاهْ لك (^٦)؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٤٣) ومسلم (١٦٥٦) من حديث ابن عمر.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «عقدٌ كان».\n(^٣) الوأي: الوعد.\n(^٤) رواه أبو داود في «المراسيل» (٥٢٣) من طريق ابن وهب به. وزيد بن أسلم من صغار التابعين.\n(^٥) كذا نقله تبعًا لابن حزم في «المحلى» (٨/ ٢٩)، وإنما رواه ابن وهب في «الجامع» (٢٠٨) عن مسلمةَ وغيرِه، عن رجل، عن أبي إسحاق (فذكره مرسلا). ومسلمة هذا هو ابن علي الخشني، وهو واهٍ متروك، ومتابِعُ مسلمةَ وشيخُهما مبهَمان، لم يُسَمَّيَا.\n\nوإنما روى ابن وهب (٢٠٧) عن إسماعيل بن عياش أثرًا آخر عن أبي الدرداء، ساقه معضلًا. ورفعُ الحديثِ من طريق أبي إسحاق غريبٌ؛ فقد رواه عبد الرزاق (٢٠٥٩٣) عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ... (فذكره من كلام داود ﵇). ويُنظر: «الجامع» للترمذي (١٩٩٥)، و«الصمت» لابن أبي الدنيا (٥١٨)، و«الجامع لشعب الإيمان» للبيهقي (١٠٥٢٩).\n(^٦) كذا في النسخ و«المحلَّى» ومنه نقل المصنف هذا الأثر وغيرَه هنا. وفي النسخ المطبوعة: «هذا لك». وفي «المسند»: «هاكَ».","vol":"2","page":171},{"text":"ثم لم يُعطه [٢١٠/أ] شيئًا= فهي كَذْبة» (^١).\nوفي «السنن» من حديث كثير بن عبد الله بن زيد (^٢) بن عمرو بن عوف عن أبيه، عن جدِّه، يرفعه: «المسلمون (^٣) عند شروطهم».\nوله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن البَيْلَماني، عن أبيه، عن ابن عمر يرفعه: «الناس على شروطهم ما وافق الحقَّ» (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن وهب في «الجامع» (٥١٤) عن الليث به. ورواه أحمد (٩٨٣٦) عن حجاج (وهو المصيصي)، عن الليث به. ورواه ابن أبي الدنيا في «الصمت» (٥١٩)، وفي «مكارم الأخلاق» (١٤٩) من طريق أبي النضر، عن الليث به. وخالفهم ابن المبارك، فرواه في «الزهد» (٣٧٥) عن الليث به موقوفًا. وهو منقطع على كلّ حال، والزهري لم يسمع من أبي هريرة.\n(^٢) كذا لفّق بين اسم رجليْن، تبعًا لابن حزم في المحلى (٨/ ١٦٢، ١٦٣، ٤١٤). والحق أنه قد روى هذا الحديث رجلان: الأول: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزني ــ وهو واهٍ جدًّا ــ، رواه عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا. ومن طريقه أخرجه الترمذي (١٣٥٢) وصحّحه! وأصل الحديث عند ابن ماجه (٢٣٥٣). والثاني: سَمِيُّه كثير بن زيد، رواه عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا. ومن طريقه أسنده أحمد (٨٧٨٤)، وأبو داود (٣٥٩٤).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «المؤمنون».\n(^٤) رواه البزار في «المسند» (٥٤٠٨)، والعقيلي في «الضعفاء» (٦/ ٢٣١)، وفي سنده محمد ابن البيلماني واهٍ، والراوي عنه محمد بن الحارث الحارثي ضعيف، على أن عبد الرحمن ابن البيلماني (والد محمد) ليّن الحديث، ولم يثبت سماعُه من ابن عمر. ورُوِيَ من حديث عائشة وأنس، رواه الدارقطني (٢٨٩٣، ٢٨٩٤)، والحاكم (٢/ ٤٩ - ٥٠)، والبيهقي وضعّفه. والحق أنه مختلقٌ مصنوع، آفتُه عبد العزيز بن عبد الرحمن الجزري البالسي. ورواه الدارقطني (٢٨٩١) بسندٍ كالشمس من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ركّبه عبد الله بن الحسين المصيصي، وعفا الله عن الحاكم الذي أخرج حديثه هذا (٢/ ٥٠) ووثّق هذا التالف، وصحّح حديثه هذا على شرط الشيخين!\nويُنظر: «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٣/ ١٣٠ - ١٣١، ٥٢٦ - ٥٢٧)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٤٠ - ٤٢)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٦/ ٥٥٢ - ٥٥٤، ٦٨٥ - ٦٨٩).","vol":"2","page":172},{"text":"وليست العمدة على هذين الحديثين، بل على ما تقدم.\nفصل\nوأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج: تارةً بنسخها، وتارةً بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارةً بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارةً بمعارضتها بنصوص أخر، كقول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثق» (^١)، وكقوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» (^٢)، وبقوله (^٣) تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ونظائر هذه الآية.\nقالوا: فصحَّ بهذه النصوص إبطالُ كلِّ عهد وعقد ووعد وشرط ليس في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٦٨) ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) رواه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) السياق: «بمعارضتها بنصوص أخر كقول النبي - ﷺ - ... وبقوله تعالى». وفي ع والنسخ المطبوعة: «وكقوله».","vol":"2","page":173},{"text":"كتاب الله الأمرُ به أو النصُّ على إباحته. قالوا: وكلُّ شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن (^١) فيه، فإنه لا يخلو من أحد وجوه أربعة: إما أن يكون صاحبُه قد التزم فيه إباحة ما حرَّم الله ورسوله، أو تحريم ما أباحه، أو إسقاط ما أوجبه، أو إيجاب ما أسقطه؛ ولا خامس لهذه الأقسام البتة. فإن ملَّكتم المشترط والمعاقد والمعاهد [٢١٠/ب] جميعَ ذلك انسلختم من الدين، وإن ملَّكتموه البعض دون البعض تناقضتم، وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؟ ولن تجدوا إليه سبيلًا.\nفصل\nقال الجمهور: أما دعواكم النسخ فإنها دعوى باطلة، تتضمَّن أن هذه النصوص ليست من دين الله، ولا يحِلُّ العمل بها، وتجب مخالفتها. وليس معكم برهان قاطع بذلك، فلا تُسمَع دعواه، وأين التحاكم (^٢) إلى الاستصحاب والتشبُّث (^٣) به ما أمكنكم؟\nوأما تخصيصها، فلا وجه له. وهو يتضمن إبطال ما دلَّت عليه من العموم، وذلك غير جائز إلا ببرهان من الله ورسوله.\nوأما ضعفُ بعضها من جهة السند، فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة.\n_________\n(^١) ح، ف: «الإيذان».\n(^٢) ع: «التجاؤكم».\n(^٣) ع: «التسبب»، وفي المطبوع: «التثبت»، وكلاهما تصحيف.","vol":"2","page":174},{"text":"وأما معارضتها بما ذكرتم، فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض. وهذا إنما يُعرَف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله». ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل عُلِمت من السنة. فعُلِم أن المراد بكتاب الله حكمه، كقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول النبي - ﷺ -: «كتابُ الله: القصاص» (^١) في كسر السِّنِّ. فكتابه سبحانه يطلق على كلامه، وعلى حكمه الذي حكَم به على لسان رسوله. ومعلوم أن كلَّ شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له، فيكون باطلًا. فإذا كان الله ورسوله قد حكم بأن الوَلاء [٢١١/أ] للمُعتِق، فشُرِط خلافُ ذلك كان (^٢) شرطًا مخالفًا لحكم الله. ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا؟ (^٣) وتعدِّي حدود الله هو تحريم ما أحلَّه الله، أو إباحة ما حرَّمه، أو إسقاط ما أوجبه؛ لا إباحة ما سكت عنه وعفا عنه. بل تحريمه هو نفس تعدِّي حدوده.\nوأما ما ذكرتم من تضمُّن الشرط لأحد تلك الأمور الأربعة، ففاتكم قسم خامس، وهو الحقُّ، وهو ما أباح الله سبحانه للمكلَّف تنويعَ أحكامه بالأسباب التي ملَّكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يُحِلُّه له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يحرِّمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يُسقطه بعد وجوبه. وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كلُّ ذلك من أحكامه سبحانه. فهو الذي أحلَّ وحرَّم، وأوجب وأسقط؛ وإنما إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٠٣) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «يكون»، كأن بعضهم قرأ: «فشرطُ خلافِ ذلك»، فغيَّر الفعل.\n(^٣) زِيد في المطبوع بعده بين حاصرتين: «وتعدِّيًا لحدوده».","vol":"2","page":175},{"text":"العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا. فكما أن شِرى (^١) الأمة ونكاح المرأة يُحِلُّ له ما كان حرامًا عليه قبله، وطلاقها وبيعها بالعكس يحرِّمها عليه ويُسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها= كذلك التزامه بالعقد والعهد والنذر والشرط. فإذا ملَك تغيير الحكم بالعقد ملَكه بالشرط الذي هو تابع له. وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فأباح التجارة التي تراضى بها المتبايعان. فإذا تراضيا على شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك، ولا يجوز إلغاؤه، وإلزامهما بما لم يلتزماه، ولا ألزمهما الله ورسوله (^٢) به. فلا يجوز (^٣) إلزامهما بما لم يُلزمهما الله ورسوله به ولا هما التزماه. ولا إبطالُ ما شرطاه مما لم يحرِّم الله (^٤) عليهما شرطه. ومحرِّم الحلال كمحلِّل الحرام.\nفهؤلاء ألغوا من شروط المتعاقدين ما لم يُلْغِه الله ورسوله، وقابلهم آخرون من القيَّاسين (^٥)، فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه الله (^٦) ورسوله. وكلا القولين خطأ، بل الصواب: إلغاءُ كلِّ شرط خالف حكم الله، واعتبارُ كلِّ شرط لم يحرِّمه (^٧) ولم يمنع منه. وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «شراء».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ولا رسوله».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ولا يجوز».\n(^٤) في النسخ المطبوعة زيادة: «ورسوله».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «القياسيين» كالعادة.\n(^٦) بعده في ع: «عليهما شرطه ورسوله».\n(^٧) في النسخ المطبوعة: «لم يحرمه الله».","vol":"2","page":176},{"text":"فصل\nوأما أصحاب الرأي والقياس، فإنهم لما (^١) لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافيةً بالأحكام ولا شاملةً لها، وغلاتُهم على أنها لم تَفِ بعُشْر معشارها= وسَّعوا (^٢) طرق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشَّبَه، وعلَّقوا الأحكام بأوصاف لا يُعلم أن الشارع علَّقها بها، واستنبطوا عِللًا لا يُعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها. ثم اضطرَّهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس، ثم اضطربوا، فتارة يقدِّمون القياس، وتارةً يقدِّمون النص، وتارةً يفرِّقون بين النص المشهور وغير المشهور. واضطرَّهم ذلك أيضًا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شُرِعت على خلاف القياس، فكان خطؤهم من خمسة أوجه:\nأحدها: ظنُّهم قصورَ النصوص عن بيان جميع الحوادث.\nالثاني: معارضة كثير من [٢١٢/أ] النصوص بالرأي والقياس.\nالثالث: اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان والقياس. والميزان هو العدل، فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام.\nالرابع: اعتبارهم عللًا وأوصافًا لم يُعلم اعتبار الشارع لها، وإلغاؤهم\n_________\n(^١) «لما» ساقطة من ع.\n(^٢) بإزائها في حاشية ع ثلاث نقاط علامة الإشكال، لأجل سقوط «لما» منها. وفي النسخ المطبوعة: «فوسعوا»، ولعل بعضهم زاد الفاء لإزالة الإشكال المذكور، لكن هذه الطبعات جمعت بين «لما» والفاء!","vol":"2","page":177},{"text":"عللًا وأوصافًا اعتبرها الشارع، كما تقدَّم بيانه.\nالخامس: تناقضهم في نفس القياس، كما تقدَّم أيضًا.\nونحن نعقد هاهنا (^١) ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس.\nالفصل الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس وبطلانها مع وجود النص.\nالثالث (^٢): في بيان أن أحكام الشرع كلَّها على وفق القياس الصحيح، وليس فيما جاء به الرسول - ﷺ - حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح.\nوهذه الفصول الثلاثة من أهمِّ فصول الكتاب، وبها يتبيَّن للعالم المنصف مقدارُ الشريعة وجلالتها، وهيمنتها، وسعتها، وفضلها وشرفها على جميع الشرائع؛ وأن رسول الله - ﷺ - كما هو عامُّ الرسالة إلى كلِّ مكلَّف، فرسالته عامة في كلِّ شيء من الدين: أصوله وفروعه، ودقيقه وجليله. فكما لا يخرج أحد عن رسالته، فكذلك لا يخرج حكمٌ تحتاج إليه الأمة عنها وعن بيانه له. ونحن نعلم أنا لا نوفِّي هذه الفصول حقَّها ولا نقارب، وأنها أجلُّ من علومنا وفوق إدراكنا، ولكن ننبِّه أدنى تنبيه، ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح [٢١٢/ب] أبوابها ويُنْهِج طرقَها. والله المستعان، وعليه التكلان.\n_________\n(^١) ت: «نعقد لها».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الفصل الثالث».","vol":"2","page":178},{"text":"الفصل الأول\nفي شمول النصوص وإغنائها عن القياس\nوهذا يتوقف على بيان مقدمة، وهي أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية، وإضافية. فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته، وهذه الدلالة لا تختلف. والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجَودة قريحته (^١)، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ (^٢) ومراتبها. وهذه الدلالة تختلف اختلافًا متباينًا بحسب تباين السامعين في ذلك.\nوقد كان أبو هريرة وعبد الله بن عمرو (^٣) أحفظ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له. وكان الصدِّيق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما، بل عبد الله بن عباس أيضًا أفقه منهما ومن عبد الله بن عمرو (^٤). وقد أنكر النبيُّ - ﷺ - على عمر فهمَه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله: «إنك ستأتيه وتتطوَّف به» (^٥)، فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على\n_________\n(^١) أضاف بعضهم في ح باء الجر: «بقريحته» إذ قرأ: «جُوده». ولهذا الخطأ في قراءة الكلمة أثبت في ع: «جوده وقريحته». والصواب ما أثبت، وهو المقترح في حاشية ف. وفي النسخ المطبوعة: «وجودة فكره وقريحته»، والظاهر أن من أضاف كلمة فكره كانت نسخته موافقة لنسخة ع.\n(^٢) ع: «ومعرفة الألفاظ».\n(^٣) ت: «عمر». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) هنا في ت أيضًا كما أثبت من غيرها. ولكن في النسخ المطبوعة: «عمر».\n(^٥) انظر حديث صلح الحديبية. أخرجه البخاري (٢٧٣١) ولفظه: «فإنك آتيه ومطوِّف به». وفي ع: «تطوف»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":179},{"text":"تعيين العام الذي يأتونه فيه. وأنكر على عدي بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفسَ العِقالين (^١). وأنكر على من فهم من قوله: «لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقالُ ذرَّة (^٢) من كِبْر» شمولَ لفظه لحسن الثوب وحسن النعل، وأخبرهم أنه «بطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناس» (^٣).\nوأنكر على من فهم من قوله: «من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ اللهُ لقاءه، ومن كرِه لقاءَ الله كره اللهُ لقاءه» (^٤) أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر [٢١٣/أ] إذا احتُضِر وبُشِّر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاءَ الله، واللهُ يكره لقاءه؛ وأن المؤمن إذا احتُضِر وبُشِّر بكرامة الله أحبَّ لقاء الله، وأحبَّ الله لقاءه.\nوأنكر على أم سلمة (^٥) إذ فهمت من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] معارضته لقوله - ﷺ -: «من نوقش الحساب عُذِّب» (^٦) وبيَّن لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة (^٧).\nوأنكر على من فهم قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ع: «كان في قلبه مثقال حبة»، وفي النسخ المطبوعة «كان ... حبة خردلة».\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٥٠٧) من حديث عبادة بن الصامت. ومسلم (٢٦٨٤) من حديث عائشة. وانظر: «درء التعارض» (٢/ ١٣٢).\n(^٥) كذا في النسخ، والصواب: «عائشة» كما في «الصحيحين».\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٩٣٩) ومسلم (٢٨٧٦) من حديث عائشة.\n(^٧) وانظر: «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٥٣)، و«درء تعارض العقل» (٧/ ٤٨).","vol":"2","page":180},{"text":"أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلَم أحد من عمل السوء؛ وبيَّن أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهمِّ والحزن والمرض والنَّصَب (^١)، وغير ذلك من مصائبها. وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة.\nوأنكر على من فهم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبيَّن أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢) [لقمان: ١٣]، مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقَّه من التأمل يبيِّن ذلك، فإن الله سبحانه لم يقل: ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. ولبسُ الشيء بالشيء: تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطِّي الإيمانَ ويحيط به ويلبسه إلا الكفر. ومن هذا: قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] [٢١٣/ب] فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدًا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به. ومع أن سياق قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦٨) من طريق أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبي بكر الصدِّيق - ﵁ - مرفوعا، وابن أبي زهير هذا مستور الحال، ولم يسمع من الصدِّيق. ومع ذلك ساق ابن حبان حديثَه هذا في «المسند الصحيح» (٥٧٠، ٤٤١٣)، وصححه أيضًا الحاكم (٣/ ٧٤ - ٧٥). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١/ ١٥٩ - ١٦١)، لكنه أشار إلى انقطاع سنده.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢) ومسلم (١٢٤) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.","vol":"2","page":181},{"text":"بِالْأَمْنِ﴾ (^١) [الأنعام: ٨١]، ثم حكم الله أعدلَ حكمٍ وأصدقَه أن من آمن ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحقُّ بالأمن والهدى، فدلَّ على أن الظلم: الشرك (^٢).\nوسأله عمر بن الخطاب عن الكلالة، وراجعه فيها مرارًا، فقال: «تكفيك آية الصيف» (^٣). واعترف عمر بأنه خفي عليه فهمُها، وفهِمَها الصدِّيق (^٤).\nوقد نهى النبيُّ - ﷺ - عن لحوم الحمر الأهلية، ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تُخمَّس (^٥). وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حَمولةَ القوم وظهرَهم (^٦). وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوَّالَ القرية (^٧). وفهم علي بن أبي طالب وكبار الصحابة ما قصده النبي - ﷺ - بالنهي، وصرَّح بعلَّته من كونها رجسًا (^٨).\nوفهمت المرأة من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] جواز المغالاة في الصَّداق، فذكرته لعمر، فاعترف به (^٩).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة أكملت الآية.\n(^٢) وانظر: «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٥٧).\n(^٣) يعني التي في آخر سورة النساء، وقد نزلت في الصيف.\n(^٤) أخرجه مسلم (٥٦٧، ١٦١٧) عن معدان بن أبي طلحة.\n(^٥) أخرجه البخاري (٣١٥٥) ومسلم (١٩٣٧) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٢٢٧) ومسلم (١٩٣٩) عن ابن عباس - ﵄ -.\n(^٧) انظر حديث ابن أبي أوفى في «صحيح البخاري» (٤٢٢٠).\n(^٨) في حديث أنس بن مالك. أخرجه البخاري (٥٥٢٨). وانظر: «زاد المعاد» (٣/ ٣٠٣).\n(^٩) رواه عبد الرزاق (١٠٤٢٠) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي، لكن في السند إليه قيس بن الربيع، وهو ضعيف، على أن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عمر - ﵁ -. ورواه سعيد بن منصور (٥٩٨) ــ ومن طريقه الطحاوي في «بيان المشكل» (١٣/ ٥٧) ــ من رواية مجالد، عن الشعبي. ومجالد ضعيف، والشعبي لم يُدرك عمر - ﵁ -. ويُنظر: «التاريخ» لابن أبي خيثمة (٤٠٦٤، ٤٠٦٥ - السِّفْر الثالث)، و«العلل» للدارقطني (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\nويَحْسُنُ تدبُّر ما في «السنن» لسعيد بن منصور (٥٩٩)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٧/ ٢٣٣).\nوانظر: «الصواعق المرسلة» (٢/ ٥٢١) و«زاد المعاد» (٥/ ٤٧٦).","vol":"2","page":182},{"text":"وفهم ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن المرأة قد تلد لستَّة أشهر. ولم يفهمه عثمان، فهمَّ برَجْم امرأةٍ ولَدت لها، حتى ذكَّره به ابن عباس فأقرَّ به. (^١).\nولم يفهم عمر من قوله: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني [٢١٤/أ] دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها» قتالَ\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٣٤٤٦) ــ ومن طريقه ابن جرير في «جامع البيان» (٤/ ٢٠٢)، وعمر بن شبة في «أخبار المدينة» (٣/ ٩٧٧) من رواية أبي عبيد (وهوسعد بن عبيد). وسنده صحيح، وقد صحّحه الحافظ عبد العزيز بن محمد النخشبي في تخريج «الفوائد الحنائيات» (٢/ ١٢٩٦)، وابن النحوي في «البدر المنير» (٨/ ١٣٢)، وابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/ ٤٤٠). ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٣٤٤٧)، و«السنن» لسعيد بن منصور (٢٠٧٥)، و«أخبار المدينة» عمر بن شبة (٣/ ٩٧٨ - ٩٨٠)، و«التفسير» لابن أبي حاتم (٢٢٦٥، ١٨٥٦٦).","vol":"2","page":183},{"text":"مانعي الزكاة حتى بيَّنه (^١) له الصديق، فأقرَّ به (^٢).\nوفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (^٣) [المائدة: ٩٣] رفعَ الجناح عن الخمر، حتى بيَّن له عمر أنه لا يتناول الخمر (^٤). ولو تأمَّل سياقَ الآية لَفهِم المراد منها، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعِموه مُتَّقين له فيه. وذلك إنما يكون باجتناب ما حرَّمه من المطاعم، فالآية لا تتناول المحرَّم بوجه ما.\nوقد فهم مَن فهِم (^٥) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] انغماس الرجل في العدو، حتى بيَّن له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضات الله، وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو تركُ الجهاد (^٦) والإقبالُ على الدنيا وعمارتها (^٧).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بيَّن».\n(^٢) انظر حديث أبي هريرة - ﵁ -، رواه البخاري (١٣٩٩، ١٤٠٠) ومسلم (٢٠).\n(^٣) في النسخ المطبوعة زيادة: «إذا ما اتقوا وآمنوا».\n(^٤) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥٢٧٠) من حديث ابن عباس - ﵁ -. وله شاهد من رواية عبد الله بن عامر بن ربيعة، رواه عبد الرزاق (١٧٠٧٦) ــ ومن طريقه البيهقي (٨/ ٣١٥) ــ، وعمر بن شبة في «أخبار المدينة» (٣/ ٨٤٢ - ٨٤٤). وطرفُه الأولُ عند البخاري في «الصحيح» (٤٠١١)، لكنه اختصره، ولم يَسُقْ محلّ الشاهد، ويَحْسُنُ تدبُّرُ صنيعِه في «التاريخ الأوسط» (١/ ٣٨٨).\n(^٥) «مَن فهِم» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٦) في المطبوع أخّر «ترك الجهاد» على «وعمارتها». وانظر: «زاد المعاد» (٣/ ٧٩).\n(^٧) رواه أبو داود (٢٥١٢)، والترمذي (٢٩٧٢) ــ وصحّحه ــ، والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩٦١، ١٠٩٦٢) من طريق أسلم أبي عمران، عن أبي أيوب - ﵁ -.\nوصححه أيضًا ابن حبان (٤٢٧٨)، والحاكم (٢/ ٨٤ - ٨٥، ٢٧٥).","vol":"2","page":184},{"text":"وقال الصدِّيق - ﵁ -: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية، تضعونها (^١) على غير مواضعها (^٢): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيِّروه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقابٍ (^٣) من عنده» (^٤). فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلافَ ما أريد بها (^٥).\nوأشكل على ابن عباس أمرُ الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نُهِيت عنه من اليهود: هل عُذِّبوا أو نجَوا، حتى بيَّن له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذَّبين (^٦). وهذا هو الحق، لأنه سبحانه قال عن [٢١٤/ب] الساكتين:\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وتضعونها».\n(^٢) ح، ف: «موضعها».\n(^٣) ت، ع: «بعذاب».\n(^٤) رواه أحمد (١، ١٦، ٢٩، ٣٠، ٥٣)، وأبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨، ٣٠٥٧) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٤٠٠٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١٠٩٢). وصححه أيضًا ابن حبان (٤٥١١، ٤٥١٢)، وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١/ ١٤٣ - ١٤٩). ويُنظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٧٨٨)، و«العلل» للدارقطني (١/ ٢٥٠ - ٢٥٢)، و«الفصل للوصل المدرج في النقل» للخطيب (١/ ١٣٩ - ١٤٥).\n(^٥) وانظر: «الداء والدواء» (ص ١٢١).\n(^٦) رواه عبد الرزاق في «التفسير» (٩٥٣) ــ ومن طريقه ابن جرير (١٠/ ٥١٥) ــ وفي سنده رجلٌ مُبْهَمٌ لم يُسَمَّ، وله طريق أخرى عند ابن جرير في «جامع البيان» (١٠/ ٥١٤).","vol":"2","page":185},{"text":"﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤]، فأخبر أنهم أنكروا فعلَهم، وغضبوا عليهم. وإن لم يواجهوهم بالنهي، فقد واجههم به مَن أدَّى الواجب عنهم؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين، فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم. وأيضًا فإنه (^١) سبحانه إنما عذَّب الذين نَسُوا ما ذُكِّروا به، وعتَوا عما نُهوا عنه. وهذا لا يتناول الساكتين قطعًا. فلما بيَّن عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذَّبين كساه بُردةً، وفرح به.\nوقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ السورة؟ قالوا: أمر الله نبيَّه إذا فَتَح عليه أن يستغفره. فقال لابن عباس: ما تقول أنت؟ قال: هو أجَلُ رسول الله - ﷺ -، أعلَمَه إياه. فقال: ما أعلم منها غيرَ ما تعلم (^٢). وهذا من أدقِّ الفهم وألطَفه، ولا يدركه كلُّ أحد. فإنه سبحانه لم يعلِّق الاستغفار بعمله (^٣)، بل علَّقه بما يُحدثه هو سبحانه من نعمة، مِن فتحِه على رسوله ودخولِ الناس في دينه. وهذا ليس بسبب للاستغفار (^٤)، فعُلِم أن سبب الاستغفار غيره، وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقُه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه (^٥)، ليلقى ربه طاهرًا مطهَّرًا من كلِّ ذنب، فيقدَم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًّا عنه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فإن الله».\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢٩٤).\n(^٣) في المطبوع: «بعلمه»، وهو خطأ.\n(^٤) ت، ع: «الاستغفار».\n(^٥) يعني: بين يدي الأجل.","vol":"2","page":186},{"text":"ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (^١) وهو - ﷺ - كان يسبح بحمده دائمًا. [٢١٥/أ] فعُلِم أن المأمور به من التسبيح (^٢) بعد الفتح ودخول الناس في الدين (^٣) أمرٌ أكبر (^٤) من ذلك المتقدِّم، وذلك مقدمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقِّيه إلى ذلك المقام بقيةٌ، فأمره بتوفيتها.\nويدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال. فشرَعها في خاتمة الحج، وقيام الليل. وكان النبي - ﷺ - إذا سلَّم (^٥) استغفر ثلاثًا (^٦) وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين» (^٧). فعُلِمَ أن التوبة مشروعة عقيب\n_________\n(^١) في ت زيادة: «واستغفره»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ذلك التسبيح».\n(^٣) ت: «والدخول في الدين». وفي النسخ المطبوعة: «هذا الدين»، فزادوا هنا: «هذا»، كما زادوا من قبل: «ذلك».\n(^٤) ح، ف: «أكثر».\n(^٥) زيد بعده في النسخ المطبوعة: «من الصلاة».\n(^٦) أخرجه مسلم (٥٩١) من حديث ثوبان.\n(^٧) رواه الترمذي (٥٥) من حديث عمر - ﵁ - مرفوعًا، وأَعَلَّ الحديث بالاضطراب. لكن الراجح أن أصل الحديث صحيح، صحّحه مسلمٌ (٢٣٤) وغيرُه، لكن زيادة: «اللهم اجعلني ...» منكرة، لا تصح. وأما تطريق أبي علي الغساني في «تقييد المهمل» (٣/ ٧٨٩) احتمال الوهم فيه إلى الترمذي؛ فأمر عجيب، والصواب ما حرّره ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٢٤١، ٢٣٨). وروى الزيادة أيضًا الطبراني في «المعجم الأوسط» (٤٨٩٥)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٢) من حديث ثوبان - ﵁ - مرفوعًا، ولا يصح. ويُنظر: «السنن الصغير» للبيهقي (١/ ٥١)، ونتائج الأفكار لابن حجر (١/ ٢٣٨ - ٢٤٤).","vol":"2","page":187},{"text":"الأعمال الصالحة. فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجًا. فكأن التبليغ عبادة قد أكملها وأدَّاها، فشَرع له الاستغفار عقيبَها (^١).\nوالمقصود: تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمَين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرَّد اللفظ، دون سياقه ودون إيمائه وتنبيهه (^٢) وإشارته واعتباره.\nوأخَصُّ من هذا وألطَف ضمُّه إلى نصٍّ آخر متعَلِّق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده. وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبَّه (^٣) له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلُّقِه به.\nوهذا كما فهم ابن عباس من قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ [٢١٥/ب] يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن المرأة قد تلد لستة أشهر (^٤).\nوكما فهم الصدِّيق من آية الفرائض في أول السورة وآخرها أن الكلالة\n_________\n(^١) وانظر: «مدارج السالكين» (١/ ١٩٢ - ١٩٣) و(٣/ ٤٠٢ - ٤٠٤).\n(^٢) ع: «وإشارته وتنبيهه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: «ينتبه»، وكذا في المطبوع.\n(^٤) سبق تخريجه قريبًا.","vol":"2","page":188},{"text":"من لا ولد له ولا والد، وأسقط الإخوة بالجد (^١).\nوقد أرشد النبيُّ - ﷺ - عمر إلى هذا الفهم حيث سأله عن الكلالة، وراجعه السؤال فيها مرارًا، فقال: «يكفيك آية الصيف» (^٢). وإنما أشكل على عمر قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]، فدلَّه النبيُّ - ﷺ - على ما يبيِّن له المراد منها، وهي الآية الأولى التي نزلت في الصيف، فإنه ورَّث فيها ولد الأم في الكلالة السدس، ولا ريب أن الكلالة فيها من لا ولد له ولا والد، وإن علا.\nونحن نذكر عدة مسائل مما اختلف فيها السلف ومن بعدهم، وقد بيَّنتها النصوص؛ ومسائل قد احتُجَّ فيها بالقياس، وقد بيَّنها النصُّ وأغنى فيها عن القياس.\nالمسألة الأولى: المشرَّكة (^٣). وقد دلَّ القرآن على اختصاص ولد الأم فيها بالثلث، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ\n_________\n(^١) يُنظر: «السنن الكبير» للبيهقي (٦/ ٢٣١).\n(^٢) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «المشتركة في الفرائض»، وكأن بعض الناشرين تصرَّف في النص. وهي التي اجتمع فيها زوج وأم ــ أو جدَّة ــ واثنان فصاعدًا من ولد الأم وعصبةٌ من ولد الأبوين. وتسمَّى أيضًا «الحمارية» لقول بعضهم لعمر بن الخطاب: هَبْ أن أبانا كان حمارًا، أليست أمُّنا واحدةً؟ انظر: «المغني» لابن قدامة (٩/ ٢٤). وقارن بكلام شيخ الإسلام في «قاعدة شمول النصوص» ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٢٩٦ - ٣٠٥).","vol":"2","page":189},{"text":"شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وهؤلاء ولد الأم. فلو أدخلنا معهم ولد الأبوين لم يكونوا شركاء في الثلث، بل يزاحمهم فيه غيرهم. فإن قيل: بل ولد الأبوين منهم، إلغاء لقرابة الأب. قيل: هذا وهم، لأن الله سبحانه قال في أول الآية: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (^١) فذكَر حكمَ واحدهم وجماعتهم [٢١٦/أ] حكمًا يختصُّ به الجماعة منهم كما يختصُّ به واحدهم. وقال في ولد الأبوين: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].\nفذكَر حكمَ ولد الأب والأبوين واحدِهم وجماعتِهم، وهو حكمٌ يختصُّ به جماعتهم كما يختصُّ به واحدهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم، فكذا حكم ولد الأم. وهذا يدل على أن أحد الصنفين غير الآخر، فلا يشارك أحد الصنفين الآخر. وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين والأب (^٢) بالإجماع، والأول هو ولد الأم بالإجماع، كما فسَّرته قراءة بعض الصحابة: «من أم» (^٣). وهي تفسير وزيادة إيضاح، وإلا فذلك معلوم من السياق.\nولهذا ذكر سبحانه ولد الأم في آية الزوجين، وهم أصحاب فرض مقدَّر\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «وإن كانوا ...».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أو الأب».\n(^٣) رواه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٢٩٧)، وسعيد بن منصور (٥٩٢ التفسير)، والدارمي (٣٠١٨)، وابن جرير في «جامع البيان» (٦/ ٤٨٣)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٤٩٣٦)، والبيهقي في «السنن الكبير» (٦/ ٣٧٩).","vol":"2","page":190},{"text":"لا يخرجون عنه، ولا حظَّ لأحد منهم في التعصيب. ولم يذكر فيها أحدًا من العصبة، بخلاف من ذُكِر في آية العمودين الآية التي قبلها، فإن لجنسهم حظًّا في التعصيب. ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ولم يقل ذلك في آية العمودين، فإن الإنسان كثيرًا ما يقصد ضرار الزوج وولد الأم، لأنهم ليسوا من عصبته؛ بخلاف أولاده وآبائه فإنه لا يضارُّهم في العادة. فإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجُز تنقيصهم منه. وأما ولد الأبوين فهم جنس آخر، وهم عصبته، وقد قال النبي - ﷺ -: «ألحِقُوا [٢١٦/ب] الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأولى رجُلٍ ذكَرٍ» (^١). وفي هذه المسألة لم تُبْقِ الفرائض شيئًا، فلا شيء للعصبة بالنص.\nوأما قول القائس: «هَبْ أن أبانا كان حمارًا»، فقول باطل حسًّا وشرعًا، فإن الأب لو كان حمارًا لكانت الأم أتانًا. وإذا قيل: يقدَّر وجوُده كعدمه، قيل: هذا باطل، فإن الموجود لا يكون كالمعدوم. وأما بطلانه شرعًا، فإن الله سبحانه حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم.\nفإن قيل: الأب إن لم ينفعهم لم يضرَّهم.\nقيل: بلى (^٢)! قد يضرُّهم كما ينفعهم، فإنَّ ولدَ الأم لو كان واحدًا وولدَ الأبوين مائةً، وفضَل نصفُ سُدُسٍ انفرد ولدُ الأم بالسدس، واشترك ولد الأبوين في نصف السدس. فهلَّا قبلتم قولهم هاهنا: هَبْ أن أبانا كان حمارًا! وهلَّا قدَّرتم الأب معدومًا، فخرجتم عن القياس كما خرجتم عن النص! وإذا جاز أن ينقصهم الأب جاز أن يحرمهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٣٢) ومسلم (١٦١٥) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «بل».","vol":"2","page":191},{"text":"وأيضًا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرَّق أحكامُها. هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها، فالأخ من الأبوين لا نجعله كأخ من أب، وأخ من أم؛ فنعطيه السدس فرضًا بقرابة الأم، والباقي تعصيبًا بقرابة الأب.\nفإن قيل: فقد فرَّقتم أحكامَ القرابتين (^١)، فقلتم في ابني عَمٍ أحدُهما أخٌ لأم: يعطى الأخ للأم بقرابة الأم السدس، ويقاسم ابن العم بقرابة العمومة.\nقيل: نعم، هذا قول الجمهور، وهو الصواب؛ وإن كان شُريحٌ ومن قال بقوله أعطى الجميع لابن العمِّ الذي هو أخٌ لأم [٢١٧/أ]، كما لو كان ابنَ عمٍّ لأبوين. والفرق بينهما على قول الجمهور أن كليهما في بنوة العم سواء، وأما الأخوة للأم فمستقلَّة، ليست مقترنة بأبوة، حتى يجعل كابن العم للأبوين. فهنا قرابة الأم منفردة عن قرابة العمومة، بخلاف قرابة الأم في مسألتنا فإنها متحدة بقرابة الأب.\nومما يبيِّن أن عدم التشريك هو الصحيح: أنه لو كان فيها أخوات لأب لَفُرِض لهن الثلثان، وعالت الفريضة. فلو كان معهن أخوهن سقطن به، ويسمَّى الأخَ المشؤومَ. فلما كنَّ بوجوده يصِرن عصَبةً صار تارةً ينفعهن، وتارةً يضرُّهن، ولم يُجعل وجودُه كعدمه في حال الضِّرار. فكذلك قرابة الأب لما صار الإخوة بها عصَبةً صار ينفعهم تارة ويضرُّهم أخرى. وهذا شأن العُصوبة (^٢)، فإنَّ العصبة تارةً تحوز المال، وتارةً تحوز أكثره، وتارةً (^٣)\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بين القرابتين».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «العصبة».\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «تحوز».","vol":"2","page":192},{"text":"أقلَّه، وتارة تخيب. فمن أعطى العصَبةَ مع استغراق الفروض المال خرج عن قياس الأصول وعن موجَب النص.\nفإن قيل: فهذا استحسان.\nقيل: لكنه استحسان يخالف الكتاب والميزان، فإنه ظلمٌ للإخوة من الأم، حيث يؤخذ حقُّهم، فيُعطاه (^١) غيرُهم. وإن كانوا يعقِلون عن الميِّت وينفقون عليه لم يلزم من ذلك أن يشاركوا من لا يعقِل ولا يُنفق في ميراثه. فعاقلة المرأة من أعمامها وبني عمِّها وإخوتها يعقلون عنها، وميراثها لزوجها وولدها، كما قضى بذلك رسول الله - ﷺ - (^٢). فلا يمتنع أن يعقِل ولد الأبوين، ويكون الميراث لولد الأم.\n\nالمسألة الثانية: [٢١٧/ب] العُمَريتان (^٣). والقرآن يدل على قول جمهور الصحابة فيها كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت: إنَّ للأم ثلثَ ما يبقى بعد فرض الزوجين (^٤). وهاهنا طريقان:\nأحدهما: بيان عدم دلالته على إعطائها الثلث كاملًا مع الزوجين، وهذا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ويعطاه».\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٤٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) هما زوج وأبوان، وزوجة وأبوان. ونسبت المسألتان إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - لقضائه فيهما بما يأتي. وقارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣٠٧ - ٣١٧).\n(^٤) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٩٠١٤ - ١٩٠١٧، ١٩٠٢٠، ١٩٠٢١)، و«السنن» لسعيد بن منصور (٥ - ١٥)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (٣١٦٩٧ - ٣١٧٠٤، ٣١٧٠٨).","vol":"2","page":193},{"text":"أظهر الطريقين.\nوالثاني: دلالته على إعطائها ثلث الباقي، وهو أدقُّ وأخفى من الأول.\nأما الأول، فالله (^١) سبحانه إنما أعطاها الثلث كاملًا إذا انفرد الأبوان بالميراث، فإن قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ شرطان في استحقاق الثلث: عدمُ الولد، وتفرُّدُهما بميراثه. فإن قيل: ليس في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ ما يدل على أنهما تفرَّدا بميراثه. قيل: لو لم يكن تفرُّدُهما شرطًا لم يكن في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ فائدة، وكان تطويلًا يغني عنه قوله: «فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث». فلما قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ عُلِم أن استحقاق الأم الثلث موقوف على الأمرين. وهو سبحانه ذكر أحوال الأم كلَّها نصًّا وإيماءً، فذكر أن لها السدس مع الإخوة، وأن لها الثلث كاملًا مع عدم الولد وتفرُّدِ الأبوين بالميراث. بقي لها حال (^٢) ثالثة، وهي مع عدمِ الولد وعدمِ تفرُّد الأبوين بالميراث. وذلك لا يكون إلا مع الزوج والزوجة، فإما أن تعطى في هذه الحال الثلث كاملًا، وهو خلاف مفهوم القرآن؛ وإما أن تعطى السدس، فالله سبحانه لم يجعله فرضها إلا في موضعين مع الولد ومع الإخوة. وإذا امتنع هذا وهذا كان الباقي بعد فرض الزوجين هو المال الذي يستحقُّه الأبوان، [٢١٨/أ] ولا يشاركهما فيه مشارك. فهو بمنزلة المال كلِّه إذا لم يكن زوج ولا زوجة. فإذا تقاسماه أثلاثًا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فإن الله».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «حالة».","vol":"2","page":194},{"text":"فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا ورثته الأم ومَن دون الأب كالجدِّ والعمِّ والأخ وابنه؟\nقيل: إذا كانت تأخذ الثلث مع الأب، فأخذُها له مع من دونه من العصبات أولى. وهذا من باب التنبيه.\nفإن قيل: فمن أين أعطيتموها الثلث كاملًا إذا كان معها ومع هذا (^١) العصبة الذي هو دون الأب زوج أو زوجة، والله سبحانه إنما جعل لها الثلث كاملًا إذا انفرد الأبوان بميراثه على ما قرَّرتموه. فإذا كان جدّ وأمّ، أو عمّ وأمّ، أو أخ وأمّ، أو ابن عمٍّ أو ابن أخ مع أحد الزوجين= فمن أين أُعطِيت الثلث كاملًا، ولم ينفرد الأبوان بالميراث؟\nقيل: بالتنبيه ودلالة الأَولى، فإنها إذا أخذت الثلث كاملًا مع الأب، فلَأن تأخذه مع ابن العمِّ أولى. وأما إذا كان أحد الزوجين مع هذا العصبة فإنه ليس له إلا ما بقي بعد الفروض. ولو استوعبت الفروض المالَ سقط، كأم وزوج وأخ لأم، بخلاف الأب.\nفإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا كان مع العصبة ذو فرض غير البنات والزوجة؟\nقيل: لا يكون ذلك إلا ولد الأم (^٢) أو الأخوات للأبوين أو للأب، واحدة أو أكثر والله تعالى قد أعطاها السدس مع الإخوة، فدلَّ على أنها تأخذ الثلث [٢١٨/ب] مع الواحد إذ ليس بإخوة.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة هنا وفيما يأتي: «هذه».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «مع ولد الأم»، زادوا كلمة «مع».","vol":"2","page":195},{"text":"بقي (^١) الأختان والأخوان، فهذا مما تنازع فيه الصحابة، فجمهورهم أدخلوا الاثنين في لفظ الإخوة، وأبى ذلك ابن عباس (^٢). ونظره أقرب إلى ظاهر اللفظ. ونظر الصحابة أقرب إلى المعنى وأولى به، فإن الإخوة إنما حجبوها إلى السدس لزيادة ميراثهم على ميراث الواحد، ولهذا لو كانت واحدةً أو أخًا واحدًا لكان لها الثلث معه. فإذا كان الإخوة ولد أمٍّ كان فرضهم الثلث، اثنين كانا أو مائة؛ فالاثنان والجماعة (^٣) سواء. وكذلك لو كنَّ أخواتٍ لأب أو لأب وأمٍّ، ففرضُ الثنتين وما زاد واحد. فحجبُها عن الثلث إلى السدس باثنين كحجبها بثلاثة سواء، لا فرق بينهما البتة. وهذا الفهم في غاية اللطف، وهو من أدقِّ فهم القرآن. ثم طردُ ذلك في الذكور من ولد الأب والأبوين لمعنًى يقتضيه، وهو توفير السدس الذي حجبت عنه لهم لزيادتهم على الواحد نظرًا لهم (^٤) ورعايةً لجانبهم.\nوأيضًا فإن قاعدة الفرائض أنَّ كلَّ حكمٍ اختصَّ به الجماعة عن الواحد اشترك فيه الاثنان وما فوقهما كولد الأم والبنات وبنات الابن والأخوات للأبوين أو للأب. والحجب هاهنا قد اختصَّ به الجماعة، فيستوي فيه الاثنان وما زاد عليهما. وهذا هو القياس الصحيح والميزان الموافق لدلالة\n_________\n(^١) أثبت في ع: «أما» مع علامة «ظ» فوقها، وكتب في الحاشية: «في الأصل: بقي».\n(^٢) رواه ابن جرير في «جامع البيان» (٦/ ٤٦٥)، وابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ٣٩٢)، والحاكم (٤/ ٣٣٥)، وابن حزم في «المحلى» (٩/ ٢٥٨)، والبيهقي (٦/ ٢٢٧)، ولا يصح، وآفتُه شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف. ويُنظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٢/ ٢٢٨)، و«تحفة الطالب» له (ص ٣٥٢ - ٣٥٣).\n(^٣) في النسخ المطبوعات زيادة: «في ذلك».\n(^٤) ع: «إليهم».","vol":"2","page":196},{"text":"الكتاب وفهم أكابر الصحابة.\nوأيضًا فإن الأمة مُجمعة على أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] [٢١٩/أ] يدخل في حكمه الثنتان، وإن اختلفوا في كيفية دخولهما في الحكم كما سيأتي. فهكذا دخول الأخوين في الإخوة.\nوأيضًا فإن لفظ الإخوة كلفظ الذكور والإناث والبنات والبنين، وهذا كلُّه قد يُطلق ويراد به الجنس الذي جاوز الواحد، وإن لم يزد على اثنين. فكلُّ حكم عُلِّق بالجمع من ذلك دخل فيه الاثنان كالإقرار والوصية والوقف وغير ذلك. فلفظ الجمع قد يراد به الجنس المتكثِّر أعمَّ من تكثيره بواحد أو اثنين، كما أن لفظ المثنى قد يراد به المتعدِّد أعمَّ من أن يكون تعدُّده بواحد أو أكثر، نحو: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، ودلالتهما حينئذ على الجنس المتكثِّر.\nوأيضًا فاستعمالُ الاثنين في الجمع بقرينة، واستعمالُ الجمع في الاثنين بقرينة= جائز، بل واقع.\nوأيضًا فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]. وهذا يتناول الأخ الواحد والأخت الواحدة، كما يتناول ما (^١) فوقهما.\nولفظ الإخوة وسائر ألفاظ الجمع قد يُعنى به الجنس، من غير قصد\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «من».","vol":"2","page":197},{"text":"التعدُّد (^١)، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وقد يعنى به العدد من غير قصد لعدد معيَّن، بل لجنس التعدُّد. وقد يعنى به الاثنان وما زاد. والثالث يتناول الثلاثة فما زاد عند إطلاقه، وإذا قُيِّد اختصَّ بما قُيِّد به.\nومما يدل على أن قوله [٢١٩/ب] تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أن المراد به الاثنان فصاعدًا: أنه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. فقوله: ﴿كَانُوا﴾ ضمير جمع. ثم قال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ فذكَّرهم بصيغة الجمع المضمر وهو قوله: ﴿فَهُمْ﴾، والمظهر وهو قوله: ﴿شُرَكَاءُ﴾. ولم يذكر قبل ذلك إلا قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾. فذكر حكمَ الواحد، وحكمَ اجتماعه مع غيره، وهو يتناول الاثنين قطعًا، فإن قوله: ﴿أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي أكثر من أخ أو أخت. ولم يُرد أكثر من مجموع الأخ والأخت (^٢)، بل أكثر من الواحد. فدلَّ على أن صيغة الجمع في الفرائض تتناول العدد الزائد على الواحد مطلقًا، ثلاثة كان أو أكثر منه. وهذا نظير قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].\nومما يوضِّح ذلك أن لفظ الجمع قد يختصُّ بالاثنين مع البيان وعدم اللَّبْس، كالجمع المضاف إلى اثنين مما يكون المضاف فيه جزءً من\n_________\n(^١) ما عدا ع: «تعدد».\n(^٢) ع: «الأخت والأخ».","vol":"2","page":198},{"text":"المضاف إليه أو كجزئه، نحو «قلوبهما»، و«أيديهما». فكذلك يتناول الاثنين فما فوقهما مع البيان بطريق الأولى. وله ثلاثة أحوال:\nأحدها: اختصاصه بالاثنين.\nالثانية: صلاحيته لهما.\nالثالثة: اختصاصه بما زاد عليهما. وهذه الحال له عند إطلاقه، وأما عند تقييده فبحسب ما قُيِّد به. وهو حقيقة في الموضعين، فإن اللفظ تختلف دلالته بالإطلاق [٢٢٠/أ] والتقييد، وهو حقيقة في الاستعمالين.\nفظهر أن فهم جمهور الصحابة أحسن من فهم ابن عباس في حجب الأم بالاثنين، كما فهمهم في العمريتين أتمُّ من فهمه. وقواعد الفرائض تشهد لقولهم، فإنه إذا اجتمع ذكر وأنثى في طبقة واحدة كالابن والبنت، والجدِّ والجدَّة، والأب والأمِّ، والأخ والأخت= فإما أن يأخذ الذكر ضِعْفَ (^١) الأنثى أو يساويها. فأما أن تأخذ الأنثى ضعف الذكر فهذا خلاف قاعدة الفرائض التي أوجبها شرع الله وحكمته. وقد عهدنا الله سبحانه أعطى الأبَ ضعف ما أعطى الأم إذا انفرد الأبوان بميراث الولد، وساوى بينهما مع (^٢) وجود الولد، ولم يفضِّلها عليه في موضع واحد= فكان جعلُ الباقي بينهما بعد نصيب أحد الزوجين أثلاثًا هو الذي يقتضيه الكتاب والميزان؛ فإن ما يأخذه الزوج أو الزوجة من المال كأنه مأخوذ بدَين أو وصية إذ لا قرابة بينهما، وما يأخذه الأبوان يأخذانه بالقرابة، فصارا هما المستقلَّين بميراث\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ضعف ما تأخذه».\n(^٢) ع: «في»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":199},{"text":"الولد بعد فرض الزوجين، وهما في طبقة واحدة، فقُسم الباقي بينهما أثلاثًا.\nفإن قيل: فهاهنا سؤالان. أحدهما: أنكم هلَّا أعطيتموها ثلث جميع المال في مسألة زوجة وأبوين، فإن الزوجة إذا أخذت الربع وأخذت هي الثلث كان الباقي للأب، وهو أكثر من الذي أخذته. فوفيتم حينئذ بالقاعدة، وأعطيتموها الثلث كاملًا؟ والثاني: أنكم هلَّا جعلتم لها ثلث الباقي إذا كان بدل الأب في المسألتين جدٌّ؟\nقيل: قد ذهب إلى كلِّ واحد من هذين المذهبين ذاهبون من السلف الطيِّب. فذهب إلى الأول محمد بن سيرين ومن وافقه، وإلى الثاني عبد الله بن مسعود (^١). ولكن أبى ذلك جمهور الصحابة والأئمة بعدهم، وقولهم أصحُّ في الميزان، وأقربُ إلى دلالة الكتاب؛ فإنَّا لو أعطيناها الثلث كاملًا بعد فرض الزوجة كنَّا قد خرجنا عن قياس الفرائض وقاعدتها (^٢)، وعن دلالة الكتاب. فإن الأب حينئذ يأخذ ربعًا وسدسًا، والأم لا تساويه، ولا تأخذ شطره، وهي في طبقته. وهذا لم يشرعه الله قط، ودلالة الكتاب لا تقتضيه.\nوأما في مسألة الجدِّ فإن الجدَّ أبعد منها، وهو يحجب بالأب، فليس في طبقتها، فلا يحجبها عن شيء من حقِّها. فلا يمكن أن تُعطَى ثلث الباقي ويفضَّل الجدُّ عليها بمثل ما تأخذ، فإنها أقرب منه، وليس في درجتها؛ ولا يمكن أن تُعطى السدسَ، فكان فرضها الثلث كاملًا.\n_________\n(^١) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٩٠٧٢)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٦/ ٢٥٠).\n(^٢) ع: «قاعدة الفرائض وقياسها». وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":200},{"text":"وهذا مما فهمه الصحابة - ﵃ - من النصوص بالاعتبار الذي هو في معنى الأصل، أو بالاعتبار الأولى، أو بالاعتبار الذي فيه إلحاق الفرع بأشبه الأصلين به، أو تنبيه اللفظ وإشارته (^١) وفحواه، أو بدلالة التركيب، وهي ضمُّ نصٍّ إلى نصٍّ آخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدقُّ وأصحُّ كما تقدَّم.\nفالقياس المحض والميزان الصحيح: أن الأم مع الأب كالبنت مع الابن، والأخت مع الأخ؛ لأنهما ذكر وأنثى من جنس واحد. وقد أعطى الله سبحانه الزوج ضعف [٢٢١/أ] ما أعطى الزوجة تفضيلًا لجانب الذكورية، وإنما عدل عن هذا في ولد الأم، لأنهم يُدْلون بالرَّحِم المجرَّد ويُدْلون بغيرهم وهو الأم، وليس لهم تعصيب بحال، بخلاف الزوجين والأبوين والأولاد، فإنهم يُدْلون بأنفسهم، وسائر العصبة يُدْلون بذكر كولد البنين وكالإخوة للأبوين أو للأب، فإعطاء الذكر مثلَ حظِّ الأنثيين معتبر فيمن يُدلي بنفسه أو بعصبة. وأما من يدلي بالأمومة كولد الأم فإنه لا يفضَّل ذكرُهم على أنثاهم. وكان الذكر كالأنثى في الأخذ، وليس الذكر كالأنثى في باب الزوجية ولا في باب الأبوة ولا البنوة ولا الأخوة. فهذا هو الاعتبار الصحيح، والكتاب يدل عليه كما تقدَّم بيانه.\nوقد تناظر ابن عباس وزيد بن ثابت في العُمَريتين (^٢)، فقال له ابن\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أو إشارته».\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٩٠٢٠) ــ ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ٣٩٦) ــ، وابن أبي شيبة (٣١٧١٠)، والبيهقي (٦/ ٢٢٨).","vol":"2","page":201},{"text":"عباس: أين في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث كلَّه مع الزوجين، أو كما قال. بل كتاب الله يمنع إعطاءها الثلث مع أحد الزوجين، فإنه لو أعطاها الثلث مع الزوج لقال: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث، فكانت تستحقُّه مطلقًا. فلما خصَّ الثلث ببعض الأحوال عُلِم أنها لا تستحقه مطلقًا. ولو أعطيته مطلقًا لكان قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ زيادةً في اللفظ ونقصًا في المعنى، وكان ذكره عديم الفائدة. ولا يمكن أن تعطى السدس، لأنه إنما جُعِل لها مع الولد أو الإخوة. فدلَّ القرآن على أنها لا تعطى السدس مع أحد الزوجين ولا تعطى الثلث، وكان قسمة ما بقي بعد فرض الزوجين بين الأبوين مثل قسمة أصل المال [٢٢١/ب] بينهما. وليس بينهما فرق أصلًا، لا في القياس ولا في المعنى.\nفإن قيل: فهل هذه دلالة خطابية لفظية أو قياسية محضة؟\nقيل: هي ذات وجهين. فهي لفظية من جهة دلالة الخطاب، وضمِّ بعضه إلى بعض، واعتبار بعضه ببعض. وقياسية من جهة اعتبار المعنى، والجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين. وأكثر دلالات النصوص كذلك كما في قوله: «من أعتق شِرْكًا له في عبد» (^١)، وقوله: «أيُّما رجلٍ وجد متاعَه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحقُّ به» (^٢)، وقوله: «من باع شِرْكًا له في أرض أو رَبْعة أو حائط» (^٣) حيث يتناول الحوانيت، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٩١) ومسلم (١٥٠١) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٠٢) ومسلم (١٥٥٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٦٠٨).","vol":"2","page":202},{"text":"الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] فخصَّ الإناث في اللفظ (^١)، إذ كن سبب النزول، فنصَّ عليهن بخصوصهن. وهذا أصحُّ مِن فهم مَن قال من أهل الظاهر: المراد بالمحصنات: الفروج المحصَنات؛ فإن هذا لا يفهمه السامع من هذا اللفظ، ولا من قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، ولا من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، ولا من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]. بل هذا من عرف الشارع، حيث يعبِّر باللفظ الخاص عن المعنى العام. وهذا غير باب القياس.\nوهذا تارةً يكون لكون اللفظ الخاص صار في العرف عامًّا [٢٢٢/أ] كقوله: «لا يملكون نقيرًا»، و﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] ونحوه، وتارةً لكونه قد عُلِم بالضرورة من خطاب الشارع تعميمُ المعنى لكلِّ ما كان مماثلًا للمذكور، وأن التعيين في اللفظ لا يراد به التخصيص بل التمثيل، أو لحاجة المخاطب إلى تعيينه بالذكر، أو لغير ذلك من الحكم.\nفصل\nالمسألة الثالثة: ميراث الأخوات مع البنات وأنهن عَصبة (^٢). فإن القرآن يدل عليه، كما أوجبته السنة الصحيحة؛ فإن الله سبحانه قال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «باللفظ».\n(^٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣١٨ - ٣٣٢)","vol":"2","page":203},{"text":"اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. وهذا دليل على أن الأخت ترث النصف مع عدم الولد، وأنه هو يرث المال كلَّه مع عدم ولدها. وذلك يقتضي أن الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك، إذ لو كان كذلك لكان قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ زيادةً في اللفظ، ونقصًا في المعنى، وإيهامًا لغير المراد؛ فدلَّ على أنها مع الولد لا ترث النصف، والولد إما ذكر وإما أنثى، فأما الذكر فإنه يُسقِطها كما يُسقِط الأخ بطريق الأولى.\nودلَّ قوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ على أن الولد يُسقِطه كما يُسقطها. وأما الأنثى فقد دلَّ القرآن على أنها إنما تأخذ النصف، ولا تمنع (^١) الأخ عن النصف الباقي إذا كان (^٢) بنت وأخ. بل دلَّ القرآن مع السنة والإجماع أن الأخ يفوز بالنصف الباقي، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ [٢٢٢/ب] ... وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]. وقال النبي - ﷺ -: «ألحِقُوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجلٍ ذكرٍ» (^٣). وليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت مع إناث الولد بغير جهة الفرض، وإنما صريحُه ينفي أن يكون فرضها النصف مع الولد. فبقي هاهنا ثلاثة أقسام: إما أن يُفرَض لها أقلُّ من النصف، وإما أن تُحرَم بالكلية، وإما أن تكون عصَبة. والأول محال، إذ ليس للأخت فرض مقدَّر غير النصف، فلو فرضنا لها أقلَّ منه لكان ذلك\n_________\n(^١) ح، ف: «فلا تمنع».\n(^٢) ت: «كانت»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":204},{"text":"وضعَ شرع جديد. فبقي إما الحرمان، وإما التعصيب. والحرمان لا سبيل إليه، فإنها وأخاها في درجة واحدة، وهي لا تزاحم البنت؛ فإذا لم يسقط أخوها بالبنت لم تسقط هي بها أيضًا. فإنها لو سقطت بالبنت ولم يسقط أخوها بها لكان أقوى منها وأقرب إلى الميت، وليس كذلك.\nوأيضًا فلو أسقطتها البنت إذا انفردت عن أخيها لأسقطتها مع أخيها، فإن أخاها لا يزيدها قوة، ولا يُحصِّل لها نفعًا في موضع واحد. بل لا يكون إلا مضرًّا لها ضررَ نقصان أو ضررَ حرمان، كما إذا خلَّفت زوجًا وأمًّا وأخوين لأم وأختًا لأب وأم، فإنها يُفرَض لها النصف عائلًا، وإن كان معها أخوها سقطا معًا، ولا تنتفع به في الفرائض في موضع واحد. فلو أسقطتها البنت إذا انفردت لأسقطتها بطريق الأولى مع من يُضْعِفها ولا يقوِّيها.\nوأيضًا فإن البنت إذا لم تُسقط ابن الأخ وابن العمِّ (^١) وابن عمِّ الأب والجدِّ وإن بعد، فأَن لا تُسقِط الأخت مع قربها بطريق الأولى.\nوأيضًا فإن قاعدة الفرائض [٢٢٣/أ] إسقاط البعيد بالقريب، وتقديم الأقرب على الأبعد. وهذا عكس ذلك، فإنه يتضمن تقديم الأبعد جدًّا الذي بينه وبين الميت وسائط كثيرة، على الأقرب الذي ليس بينه وبين الميت إلا واسطة الأب وحده. فكيف يرث ابنُ عمِّ جدِّ الميت مثلًا مع البنت، وبينه وبين الميت وسَاطات (^٢) كثيرة، وتُحرَم الأخت القريبة التي ركضت معه في صلب أبيه ورحم أمه؟ هذا من المحال الممتنع شرعًا.\n_________\n(^١) «وابن العم» ساقط من ح، ف.\n(^٢) كذا في النسخ كلها. وفي النسخ المطبوعة: «وسائط».","vol":"2","page":205},{"text":"فهذا من جهة الميزان (^١).\nوأما من جهة فهم النصِّ، فإن الله سبحانه قال في الأخ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ ولم يمنع ذلك ميراثَه منها إذا كان الولد أنثى. فهكذا قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ لا ينفي أن ترث غير النصف مع إناث الولد، أو ترث الباقي إذا كان نصفًا؛ لأن هذا غير الذي أعطاها إياه فرضًا مع عدم الولد. فتأمَّلْه، فإنه ظاهر جدًّا.\nوأيضًا فالأقسام ثلاثة: إما أن يقال: يفرض لها النصف مع البنت. أو يقال: تسقط معها بالكلية. أو يقال: تأخذ ما فضَل بعد فرض البنت أو البنات. والأول ممتنع للنص (^٢) والقياس، فإن الله سبحانه إنما فرض لها النصف مع عدم الولد، فلا يجوز إلغاءُ هذا الشرط، وفرضُ النصف لها مع وجوده. والله سبحانه إنما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالةً، لا ولد له ولا والد. فإذا كان له ولد لم يكن الميت كلالةً، فلا يُفرَض لها معه. وأما القياس فإنها لو فُرض لها النصف مع وجود البنت لنقصت البنت [٢٢٣/ب] عن النصف إذا عالت الفريضة كزوجة أو زوج وبنت وأخت وإخوة. والإخوة لا يزاحمون الأولاد، لا بفرض ولا تعصيب، فإن الأولاد أولى منهم، فبطل فرض النصف، وبطل سقوطها بما ذكرناه. فتعيَّن القسم الثالث، وهو أن تكون عصَبة لها ما بقي، وهي أولى به من سائر العصبات الذين هم أبعد منها. وبهذا جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي قضى بها رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(^١) ت: «الميراث»، تصحيف.\n(^٢) ع: «بالنص»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":206},{"text":"فوافق قضاؤه لكتاب (^١) ربه وللميزان الذي أنزله مع كتابه. وبذلك قضى الصحابة بعده كابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهما.\nفإن قيل: لكن خرجتم عن قوله - ﷺ -: «ألحِقُوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأَولى رجلٍ ذكرٍ». فإذا أعطينا البنت فرضَها وجب أن يعطى الباقي لابن الأخ أو العم أو ابنه دون الأخت، فإنه رجل ذكَر. فأنتم عدلتم عن هذا النص وأعطيتموه الأنثى، فكنَّا أسعد بالنص منكم. وعملنا به وبقضاء رسول الله - ﷺ - (^٢) حيث أعطى البنت النصف، وبنت الابن (^٣) السدس، والباقي للأخت إذا لم يكن هناك أولى رجل ذكر، فكانت الأخت عصَبة. وهذا توسُّط بين قولكم وبين قول من أسقط الأخت بالكلية. وهذا مذهب إسحاق بن راهويه، وهو اختيار أبي محمد بن حزم (^٤).\nوسقوطُها بالكلية مذهب ابن عباس، كما قال عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلَمة: قيل لابن عباس: رجل ترَك ابنته، وأختَه [٢٢٤/أ] لأبيه وأمِّه؛ فقال: لابنته النصف (^٥)، وليس لأخته شيء مما ترك، وهو\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «كتاب» دون اللام، على الجادَّة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٤٢) من حديث ابن مسعود.\n(^٣) ع: «وبنت البنت». وكذا كان في ح. مع «كذا» فوق كلمة «البنت». ثم ضرب عليها وكتب في الحاشية: «لعله الابن».\n(^٤) انظر: «المحلَّى» (٨/ ٢٦٨).\n(^٥) في النسخ الخطية والمطبوعة جميعًا بعد النصف: «ولأمه السدس». ولا أدري كيف أقحمت هذه الزيادة؟ ولا شك أن الذي أقحمها قرأ المسألة هكذا: «بنته، وأختَه لأبيه، وأمَّه»، فعطف كلمة الأم على الأخت. ولكن لم ترد عبارة «ولأمه السدس» في مصادر التخريج، ثم هو مخالف للسياق.","vol":"2","page":207},{"text":"لعصَبته. فقال له السائل: إن عمر قضى بغير ذلك: جعل للبنت النصف، وللأخت النصف. فقال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله؟ قال معمر: فذكرتُ ذلك لابن طاوس، فقال لي: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال الله ﷿: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ فقلتم أنتم: لها النصف، وإن كان له ولد (^١).\nوقال ابن أبي مُلَيكة عن ابن عباس: أمر ليس في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله - ﷺ -، وستجدونه في الناس كلِّهم: ميراث الأخت مع البنت (^٢).\nفالجواب: أن نصوص رسول الله - ﷺ - كلَّها حقٌّ يصدِّق بعضها بعضًا، ويجب الأخذ بجميعها، ولا يُترك له نصٌّ إلا بنصٍّ آخر ناسخ له، لا يُترَك بقياس ولا رأي ولا عمل أهل بلد ولا إجماع. ومحال أن تُجمِع الأمة على خلاف نصٍّ له إلا أن يكون له نصٌّ آخر ينسخه. فقوله - ﷺ -: «فما أبقت الفرائض فلأَولى رجلٍ ذكرٍ» عامٌّ قد خُصَّ منه قوله - ﷺ -: «تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنَت عليه» (^٣).\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٩٠٢٣) ــ ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦) ــ، والحاكم (٤/ ٣٣٩) ــ وصحّحه ــ، والبيهقي (٦/ ٢٣٣).\n(^٢) رواه ابن عيينة في «التفسير» ــ ومن طريقه القاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي [كما في «المحلى» لابن حزم (٩/ ٢٥٧)]، والحاكم (٤/ ٣٣٧) ــ وصحّحه ــ، والضياء المقدسي (١١/ ١٢٠) ــ عن مصعب بن عبد الله بن الزبرقان، عن ابن أبي مليكة به، ومصعب مجهول، وإنْ ذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٤٧٩).\n(^٣) رواه أحمد (١٦٠٠٤، ١٦٠١١)، وأبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥) وحسّنه، وابن ماجه (٢٧٤٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦٣٢٦، ٦٣٢٧، ٦٣٨٧) من حديث واثلة بن الأسقع - ﵁ - مرفوعا، وفي سنده عمر بن رؤبة فيه لِينٌ، وذكر ابن عدي في «الكامل» (٦/ ١٠٣) أنهم أنكروا عليه حديثه عن عبد الواحد النصري (وحديثُه هذا عنه)، وضعّفه البيهقي (٦/ ٢٤٠، ٢٥٩)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٥/ ٧٤ - ٧٥)، واستظهر أن الشافعي أيضًا ضعّفه.\nوقال ابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ٥٦٥): «لا يثبت عند أهل المعرفة بالأخبار».\nأما الحاكم، فصحّحه (٤/ ٣٤٠ - ٣٤١).","vol":"2","page":208},{"text":"وأجمع الناس على أنها عصبة عتيقها، واختلفوا في كونها عصبة لقيطها وولدها المنفيِّ باللعان، وسنة رسول الله - ﷺ - تفصل بين المتنازعين. فإذا خُصَّت منه هذه الصور [٢٢٤/ب] بالنصِّ، وبعضُها مجمَع عليه، خُصَّت منه هذه الصورة بما ذكرناه من الدلالة.\nفإن قيل: قوله: «فلأولى رجل ذكر» إنما هو في الأقارب الوارثين بالنسب وهذا لا تخصيص فيه.\nقيل: فأنتم تقدِّمون المعتِق على الأخت مع البنت، وليس من الأقارب، فخالفتم النصَّين معًا. وهو - ﷺ - قال: «لأولى رجل ذكر»، فأكَّده بالذكورة ليبيِّن أن العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى، وأنه لم يُرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى، كما في قوله: «من وجد متاعه عند رجل قد أفلس» (^١) ونحوه مما يُذكَر فيه لفظ «الرجل»، والحكم يعُمُّ النوعين. وهو نظير قوله في حديث الصدقات: «فابنُ لبون ذكَر» (^٢) ليبيِّن أن المراد الذكر دون الأنثى. ولم يتعرَّض في الحديث للعاصب بغيره، فدلَّ قضاؤه الثابت عنه في إعطاء الأخت مع البنت وبنت الابن (^٣) ما بقي أن الأخت عصبة\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٤٨) من حديث أنس عن أبي بكر - ﵄ -.\n(^٣) ت، ع: «بنت البنت». وكذا كان في ح، ثم حُكَّ وكتب «الابن».","vol":"2","page":209},{"text":"بغيرها. فلا تنافي بينه وبين قوله: «فلأولى رجل ذكر»، بل هذا (^١) إذا لم يكن ثَمَّ عصبة بغيره، بل كان العصبة عصبةً بأنفسهم، فيكون أولاهم وأقربُهم إلى الميِّت أحقَّهم بالمال. وأما إذا اجتمع العصبتان، فقد دلَّ حديث ابن مسعود الصحيح أن تعصيب الأخت أولى من تعصيب من هو أبعد منها، فإنه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمِّه مع القطع بأنَّ (^٢) العرب بنو عمٍّ، بعضُهم لبعض، فقريب وبعيد؛ ولا سيما إن كان ما حكاه ابن [٢٢٥/أ] مسعود من قضاء رسول الله - ﷺ - قضاءً عامًّا كُلِّيًّا، فالأمر حينئذ يكون أظهر وأظهر.\nفصل\nومما يبيِّن صحة قول الجمهور: أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ إنما يدل منطوقه على أنها ترث النصف مع عدم الولد. والمفهومُ إنما يقتضي أن الحكم في المسكوت ليس مماثلًا للحكم في المنطوق. فإذا كان فيه تفصيلٌ حصل بذلك مقصود المخالفة، فلا يجب أن يكون كلُّ صورة من صور المسكوت مخالفةً لكلِّ صور المنطوق. ومن توهَّم ذلك فقد توهَّم باطلًا، فإن المفهوم إنما يدل بطريق التعليل أو بطريق التخصيص، والحكمُ إذا ثبت لعلة فانتفت في بعض الصور أو جميعها جاز أن يخلُفَها علة أخرى.\nوأما قصد التخصيص فإنه يحصل بالتفصيل. وحينئذ فإذا نفَينا إرثها مع ذكور الولد، أو نفَينا إرثها النصف فرضًا (^٣) مع إناثهم= وفَّينا بدليل الخطاب.\n_________\n(^١) «هذا» ساقط من ح، ف.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «القطع، فإن».\n(^٣) «فرضًا» ساقط من ع.","vol":"2","page":210},{"text":"فصل\nومما يبيِّن أن المراد بقوله: «فلأولى رجل ذكر» العصبة بنفسه لا بغيره: أنه لو كان بعد الفرائض إخوة وأخوات، أو بنون وبنات، أو بنات ابن وبنو ابن= لم ينفرد الذكر بالباقي دون الإناث بالنص والإجماع، فتعصيب الأخت بالبنت كتعصيبها بأخيها. فإذا لم يكن قوله: «فلأولى رجل ذكر» موجبًا لاختصاص أخيها دونها لم يكن موجِبًا لاختصاص ابن عم الجدِّ بالباقي دونها. يوضِّحه أنه لو كان معها أخوها لم تسقط، وكان الباقي بعد فرض البنات بينها وبين أخيها.\nهذا، وأخوها أقرب إلى الميت من الأعمام وبنيهم، فإذا لم يسقطها الأخ فَلَأن لا يُسقطها [٢٢٥/ب] ابن عمِّ الجدِّ بطريق الأولى والأحرى. وإذا لم يُسقطها ورثت دونه، لكونها أقرب منه، بخلاف الأخ فإنها تشاركه، لاستوائهما في القرب من الميت. فهذا محض القياس والميزان الموافق لدلالة الكتاب ولقضاء النبي - ﷺ -. وعلى هذه الطريق فلا تخصيص في الحديث، بل هو على عمومه. وهذه الطريق أفقه وألطف.\nيوضِّح ذلك: أن قاعدة الفرائض أن جنس أهل الفروض فيها مقدَّمون على جنس العصبة، سواء كان ذا فرض محض، أو كان له مع فرضه تعصيب في حال إما بنفسه وإما بغيره، والأخوات من جنس أهل الفرائض، فيجب تقديمهن على من هو أبعد منهن ممن لا يرث إلا بالتعصيب المحض كالأعمام وبنيهم وبني الإخوة. والاستدلال بهذا الحديث على حرمانهن مع البنات كالاستدلال على حرمانهن مع إخوتهن وحرمان بنات الابن، بل البنات أنفسهن مع إخوتهن. وهذا باطل بالنص والإجماع، فكذا الآخر.","vol":"2","page":211},{"text":"ومما يوضِّحه: أنا رأينا قاعدة الفرائض أن البعيد من العصبات يعصِّب من هو أقرب منه إذا لم يكن له فرض، كما إذا كان بنات وبنات ابن وأسفل منهن ابن ابن ابن، فإنه يعصِّبهن، فيحصل لهن الميراث بعد أن كن محرومات. وأما أن البعيد من العصبات يمنع الأقرب من الميراث بعد أن كان وارثًا، فهذا ممتنع شرعًا وعقلًا، وهو عكس قاعدة الشريعة. والله الموفِّق.\nوفي الحديث مسلك آخر، وهو أن قوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها» المراد به مَن كان مِن أهلها في الجملة، وإن لم يكن في هذا الحال من أهلها، كما في اللفظ [٢٢٦/أ] الآخر: «اقسموا المال بين أهل الفرائض» (^١). وهذا أعمُّ من كونه من أهل الفرائض بالقوة أو بالفعل. فإذا كانوا كلُّهم من أهل الفرائض بالفعل كان الباقي للعصَبة. وإن كان فيهم من هو من أهل الفرائض بالقوة وإن حُجِب عن الفرض بغيره دخل في اللفظ الأول، ولم يكن (^٢) لأولى رجل ذكر معه شيء، وإنما يكون له إذا كان أهل الفرائض مطلقًا معدومين. والله أعلم.\nفصل\nالمسألة الرابعة: ميراث البنات (^٣). وقد دلَّ صريحُ النص على أن للواحدة النصف، ولأكثر من اثنتين الثلثين. بقي الثنتان (^٤)، فأشكل دلالة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦١٥) من حديث عبد الله بن عباس - ﵄ -.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وإن لم يكن».\n(^٣) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣٣٣ - ٣٤٠).\n(^٤) ع، ف: «البنتان»، والكلمة مهملة في ح، ت.","vol":"2","page":212},{"text":"القرآن على حكمهما على كثير من الناس، فقالوا: إنما أثبتناه بالسنة الصحيحة. وقالت طائفة: بالإجماع. وقالت طائفة: بالقياس على الأختين.\nقالوا: والله سبحانه نصَّ على الأختين دون الأخوات، ونصَّ على البنات دون البنتين، فأخذنا حكم كلِّ واحدة من الصورتين المسكوت عنها من الأخرى.\nوقالت طائفة: بل أُخِذ من نصِّ القرآن. ثم تنوَّعت طرقهم في الأخذ، فقالت طائفة: أخذناه من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. فإذا أخذ الذكر الثلثين والأنثى الثلث عُلِم قطعًا أن حظَّ الأنثيين الثلثان. وقالت طائفة: إذا كان للواحدة مع الذكر الثلث، لا الربع، فأن يكون لها الثلث مع الأنثى أولى وأحرى. وهذا من تنبيه النصِّ بالأدنى على الأعلى.\nوقالت طائفة: أخذناه من قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، فقيَّد النصف بكونها واحدة، فدلَّ بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا في حال وحدتها. فإذا [٢٢٦/ب] كان معها مثلها فإما أن تنقصها عن النصف وهو محالٌ، أو يشتركان فيه، وذلك يُبطل الفائدة في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ ويجعل ذلك لغوًا مُوهِمًا خلاف المراد (^١)، وهو محال. فتعيَّن القسم الثالث، وهو انتقال الفرض (^٢) من النصف إلى ما فوقه وهو الثلثان.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «به».\n(^٢) ح، ف: «الفروض».","vol":"2","page":213},{"text":"فإن قيل: فأي فائدة في التقييد بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ والحكم لا يختص بما فوقهما؟\nقيل: حسنُ ترتيب الكلام وتأليفه ومطابقة مضمره لظاهره أوجَبَ ذلك، فإنه سبحانه قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فالضمير في: «كن» مجموع يطابق الأولاد، أي فإن كان الأولاد نساءً، فذكر لفظ «الأولاد» وهو جمع، وضمير: «كن» وهو ضمير جمع، و«نساء» وهو اسم جمع= فلم يكن بدٌّ من «فوق اثنتين».\nوفيه نكتة أخرى، وهو (^١) أنه سبحانه قد ذكر ميراث الواحدة نصًّا وميراث الاثنين تنبيهًا كما تقدَّم، فكان في ذكر العدد الزائد على الاثنتين دلالة على أن الفرض لا يزيد بزيادتهن على الاثنتين، كما زاد بزيادة الواحدة على الأخرى.\nوأيضًا فإن ميراث الاثنتين قد عُلِم من النص، فلو قال: «فإن كانتا اثنتين» كان تكريرًا، ولم يُعلَم منه حكمُ ما زاد عليهما، فكان ذكرُ الجمع في غاية البيان والإيجاز، وتطابق أول الكلام وآخره، وحسن تأليفه وتناسبه.\nوهذا بخلاف سياق آخر السورة، فإنه قال: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ فلم يتقدَّم اسمُ جمع ولا ضميرُ جمع يقتضي أن يقول:\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والطبعات القديمة. كأنه ظن أنه قال: «وفيه سرٌّ آخر». وأثبت في المطبوع: «وهي».","vol":"2","page":214},{"text":"فإن كنَّ (^١) فوق اثنتين.\nوقد ذكر ميراث الواحدة وأنه النصف، فلم يكن بدٌّ من ذكر ميراث الأختين [٢٢٧/أ] وأنه الثلثان، لئلا يُتوهَّم أن الأخرى إذا انضمَّت إليها أخذت نصفًا آخر. ودلَّ تشريكُه بين البنات وإن كثُرن في الثلثين، على تشريكه بين الأخوات وإن كثرن في ذلك، بطريق الأولى؛ فإن البنات أقرب من الأخوات، ويُسقِطن فرضهن. فجاء بيانه سبحانه في كلٍّ من الآيتين من أحسن البيان، فإنه لما بيَّن ميراث الاثنتين بما تقرَّر بين ميراث ما زاد عليهما، وفي آية الإخوة والأخوات لمَّا بيَّن ميراث الأخت والأختين لم يحتج أن يبيِّن ميراث ما زاد عليهما، إذ قد عُلِم بيان الزائد على الاثنتين في مَن هن أولى بالميراث من الأخوات؛ ثم بيَّن حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم. فاستوعب بيانُه جميع الأقسام.\nفصل\n\nالمسألة الخامسة: ميراث بنت الابن السدس مع البنت، وسقوطها إذا استكمل البنات الثلثين (^٢). ودلالة القرآن على هذا أخفى من سائر ما تقدَّم. وبيانها أنه تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. وقد عُلِم أن الخطاب يتناول ولد البنين، دون ولد البنات، وأن قوله: ﴿أَوْلَادِكُمْ﴾ يتناول مَن ينتسب إلى\n_________\n(^١) ت: «كن نساء»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٨).","vol":"2","page":215},{"text":"الميِّت، وهم ولده وولد بنيه؛ وأنه يتناولهم على الترتيب، فيدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد الصلب. فإذا لم يكن إلا بنت فلها النصف، وبقي من نصيب البنات السدس. فإذا كان ابن ابن أخذ الباقي كلَّه بالتعصيب للنص. فإن كان معه أخواته شاركنه في الاستحقاق؛ لأنهن معه عصبة. وهذا أحد ما يدل على أن قوله: «فلأولى رجل ذكر» لا يمنع أن تأخذ الأنثى إذا كانت [٢٢٧/ب] عصبةً (^١) بغيرها. ولهذا أخذت الأخت مع البنت الباقي بالتعصيب؛ لأنها عصبة بها. وإن لم يكن مع البنت إلا بنات ابن، فقد كنَّ بصدد أخذ الثلثين لولا البنت، فإذا أخذت النصف، فالسدسُ الباقي لا مانع لهن من أخذه، فيفُزْن به. ألا ترى أنه إذا استكمل البنات الثلثين لم يكن لهن شيء، ولو لم يكن بنات أخذن جميع الثلثين. فإذا قُدِّمت البنت عليهن بالنصف أخذن بقية الثلثين اللذين كن يفزن بهما جميعًا لولا البنت. وهكذا (^٢) حكَم النبيُّ - ﷺ - سواء.\nفإن قيل: فمن أين أعطيتم بنات الابن إذا استكمل البنات الثلثين وكان معهن أخوهن، والنبيُّ - ﷺ - جعل الباقي لأولى رجل ذكر؟ قيل: قد تقدَّم بيان ذلك مستوفًى، وأن هذا حكم كلِّ عصبة معه وارث من جنسه في درجته، كالأولاد والإخوة، بخلاف الأعمام وبني الإخوة.\nفإن قيل: فكيف عصَّب ابنُ ابن الابن مَن فوقه، وليس في درجته؟\nقيل: إذا كان يعصِّب من هو في درجته مع أنه أنزَلُ ممن فوقه ولا يُسقِطه، فتعصيبه لمن هو فوقه وأقربُ منه إلى الميِّت بطريق الأولى. فإذا\n_________\n(^١) أثبت في المطبوع هنا وفيما يتلو: «عصبية» خلافًا للنسخ الخطية والمطبوعة!\n(^٢) ع: «وهذا»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":216},{"text":"كان الأنزل لا يقوى هو على إسقاطه، فكيف يقوى على إسقاط الأعلى؟ على أن عبد الله بن مسعود لا يعصِّب به مَن في درجته ولا مَن فوقه، بل يخصُّه بالباقي (^١). ووجه قوله أنها لا ترث مفردةً، فلا ترث مع أخيها، كالمحجوبة برِقٍّ أو كفر، بخلاف ما إذا كانت وارثة كبنت وبنت ابن معها أخوها، فإنه يعصِّبها اتفاقًا، لأنها وارثة.\nوقول الجمهور أصح، فإنها وارثة في الجملة، وهي ممن يستفيد التعصيب بأخيها. وهنا إنما سقط ميراثها [٢٢٨/أ] بالفرض لاستكمال مَن فوقها الثلثين. ولا يلزم من سقوط الميراث بالفرض سقوطُه بالتعصيب مع قيام موجبِه، وهو وجود الأخ. وإذا كان وجود الأخ يجعلها عصبةً، فيمنعها الميراث بالكلِّيَّة، ولولاه ورثت بالفرض، وهو الأخ المشؤوم= فالعدل يقتضي أن يجعلها عصبةً، فيورثها إذا لم ترِث بالفرض، وهو الأخ النافع. فهذا محض القياس والميزان، وقد فهمت دلالة الكتاب عليه.\nوالنزاع في الأخت للأب مع الأخت أو الأخوات للأبوين، كبنت الابن مع البنت والبنات سواء. وبالله التوفيق.\nفصل\nالمسألة السادسة: ميراث الجد مع الإخوة (^٢). والقرآن يدل على قول الصدِّيق ومن معه من الصحابة كأبي موسى وابن عباس وابن الزبير وأربعة\n_________\n(^١) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٩٠١٢)، و«السنن» لسعيد بن منصور (١٩)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (٣١٧٢٨)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٦/ ٢٣٠).\n(^٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٧).","vol":"2","page":217},{"text":"عشر منهم. ووجه دلالة القرآن على هذا القول قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ١٧٦]، فلم يجعل للإخوة ميراثًا إلا في الكلالة.\nوقد اختلف الناس في الكلالة، والكتاب يدل على قول الصديق: إنها ما عدا الوالد والولد. فإنه سبحانه قال في ميراث ولد الأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] فسوَّى بين ميراث الإخوة في الكلالة، وإن فرَّق بينهم في جهة الإرث ومقداره. فإذا كان [٢٢٨/ب] وجودُ الجدِّ مع الإخوة للأم لا يُدخلهم في الكلالة، بل يمنعهم من صدق اسم الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة، فكيف أدخل ولد الأب في الكلالة، ولم يمنعهم وجودُه صدقَ اسمها؟ وهل هذا إلا تفريق محض بين ما جمع الله بينه؟\nيوضِّحه الوجه الثاني: وهو أن ولد الولد يمنع الإخوة من الميراث، ويُخرج المسألة عن كونها كلالة، لدخوله في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] ونسبةُ أبي الأب (^١) إلى الميت كنسبة ولد ولده إليه. فكما أن الولد وإن نزل يُخرج المسألة عن الكلالة، فكذلك أبو الأب (^٢) وإن علا، ولا فرق بينهما البتة.\n_________\n(^١) ما عدا ع: «أب الأب»، وهو شائع أيضًا في كتب الفقه.\n(^٢) ت: «أب الأب».","vol":"2","page":218},{"text":"يوضِّحه الوجه الثالث (^١): أن نسبة الإخوة إلى الجد كنسبة الأعمام إلى أبي الجد، فإن الأخ ابن الأب، والعم ابن الجد. فإذا خلَّف عمَّه وأبا جده فهو كما لو خلَّف أخاه وجدَّه سواء. وقد أجمع المسلمون على تقديم أبي الجد على العم، فكذلك يجب تقديم الجد على الأخ، وهذا من أبيَن القياس. وإن لم يكن هذا قياسًا جليًّا، فليس في الدنيا قياس جلي!\nيوضِّحه الوجه الرابع: وهو أن نسبة ابن الأخ إلى الأخ كنسبة أبي الجد إلى الجد. فإذا قال الأخ: أنا أرث مع الجدِّ، لأني ابن أبي الميت، والجد أبو أبيه، فكلانا في القرب إليه سواء= صاح ابنُ الأخ مع أبي الجد، وقال: أنا ابنُ ابنِ أبي الميت، فكيف حرمتموني مع أبي أبي أبيه، ودرجتنا واحدة؟ وكيف سمعتم قول أبي مع الجد، ولم تسمعوا قولي مع أبي الجد؟\nفإن قيل: أبو الجدِّ جدٌّ وإن علا، وليس ابنُ الأخ [٢٢٩/أ] أخًا.\nقيل: فهذا حجة عليكم؛ لأنه إذا كان أبو الأب أبًا، وأبو الجدِّ جدًّا، فما للإخوة ميراث مع الأب بحال.\nفإن قلتم: نحن نجعل أبا الجدِّ جدًّا، ولا نجعل أبا الأب أبًا.\nقيل: هكذا فعلتم، وفرَّقتم بين المتماثلين، وتناقضتم أبين تناقض، وجعلتموه أبًا في موضع، وأخرجتموه عن الأبوة في موضع.\nيوضِّحه الوجه الخامس: وهو أن نسبة الجدِّ إلى الأب في العمود الأعلى كنسبة ابن الابن إلى الابن في العمود الأسفل. فهذا أبو أبيه، وهذا ابن ابنه. فهذا يُدلي إلى الميت بأبي الميت، وهذا يدلي إليه بابنه. فكما كان\n_________\n(^١) زيد بعده في النسخ المطبوعة: «وهو».","vol":"2","page":219},{"text":"ابن الابن ابنًا، فكذلك يجب أن يكون أبو الأب أبًا. فهذا هو الاعتبار الصحيح من كلِّ وجه. وهذا معنى قول ابن عباس: ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبا الأب أبًا؟\nيوضِّحه الوجه السادس (^١):أن الله سبحانه سمَّى الجدَّ أبًا في قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقوله: ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٦]، وقول يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]. وفي حديث المعراج: «هذا أبوك آدم، وهذا أبوك إبراهيم» (^٢)، وقال النبي - ﷺ - لليهود: «من أبوكم؟» قالوا: فلان. قال: «كذبتم، بل أبوكم فلان». قالوا: صدقتَ (^٣).\nوسُمِّي ابنُ الابن ابنًا، كما في قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، و﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقول النبي - ﷺ -: «ارمُوا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا» (^٤). والأبوة والبنوة من الأمور المتلازمة المتضايفة، يمتنع ثبوت أحدهما بدون [٢٢٩/ب] الآخر، فيمتنع ثبوت البنوة لابن الابن إلا مع ثبوت الأبوة لأبي الأب.\nيوضِّحه الوجه السابع: وهو أن الجدَّ لو مات ورِثَه بنو بنيه، دون إخوته\n_________\n(^١) هنا أيضًا في النسخ المطبوعة زيادة: «وهو».\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣١٦٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -.","vol":"2","page":220},{"text":"باتفاق الناس، فهكذا الأب إذا مات يرثه أبو أبيه، دون إخوته. وهذا معنى قول عمر لزيد: كيف يرثني أولادُ عبد الله دون إخوتي، ولا أرثهم دون إخوتهم؟ فهذا هو القياس الجلي، والميزان الصحيح، الذي لا مغمز فيه ولا تطفيف.\nيوضِّحه الوجه الثامن (^١): أن قاعدة الفرائض وأصولها أنه إذا كان قرابة المُدْلي من الواسطة من جنس قرابة الواسطة كان أقوى مما إذا اختلف جنس القرابتين. مثال ذلك أن الميت يُدلي إليه ابنُه بقرابة البنوة، وأبوه يُدلي إليه بقرابة الأبوة، فإذا أدلى إليه واحد ببنوة البنوة وإن بعدت كان أقوى ممن يُدلي إليه بقرابة بنوة الأبوة وإن قربت. فكذلك قرابة أبوة الأبوة وإن علت أقوى من قرابة بنوة الأب وإن قربت. وقد ظهر اعتبار هذا في تقديم جدِّ الجدِّ وإن علا على ابن الأخ وإن قرب، وعلى العم؛ لأن القرابة التي يدلي بها الجدُّ من جنس واحد وهي الأبوة، والقرابة التي يدلي بها الأخ وبنوه من جنسين وهي بنوة الأبوة. ولهذا قُدِّمت قرابة ابن الأخ على قرابة ابن الجد، لأنها قرابة بنوة أب، وتلك قرابة بنوة أبي أب. فبين ابن الأخ فيها وبين الميت جنس واحد وهي الأخوة، فبواسطتها وصل إليه؛ بخلاف العمِّ، فإنَّ بينه وبينه [٢٣٠/أ] جنسين (^٢): أحدهما الأبوة، والثاني بنوتها. وعلى هذه القاعدة بناء باب العصبات.\nيوضِّحه الوجه التاسع: وهو أن كلَّ بني أبٍ أدنى وإن بعدوا عن الميت يقدَّمون في التعصيب على بني الأب الأعلى وإن كانوا أقرب إلى الميت.\n_________\n(^١) هنا أيضًا في النسخ المطبوعة زيادة: «وهو».\n(^٢) ما عدا ع: «جنسان».","vol":"2","page":221},{"text":"فابنُ ابنِ ابنِ الأخ يقدَّم على العم القريب، وابنُ ابنِ ابنِ العم وإن نزل يقدَّم على عمِّ الأب. وهذا مما يبيِّن أن الجنس الواحد يقوم أقصاه مقام أدناه، ويقدَّم الأقصى على من يقدَّم عليه الأدنى. فيقدَّم ابنُ ابنِ الابن على من يقدَّم عليه الابن، وابنُ ابن الأخ على من يقدَّم عليه الأخ، وابنُ ابن العم على من يقدَّم عليه العم؛ فما بال أبي الأب وحده خرج من هذه القاعدة، ولم يقدَّم على من يقدَّم عليه الأب؟\nوبهذا يظهر بطلان تمثيل الأخ والجدّ بالشجرة التي خرج منها غصنان، والنهر الذي خرج منه ساقيتان. فإن القرابة التي من جنس واحد أقوى من القرابة المركَّبة من جنسين. وهذه القرابة البسيطة مقدَّمة على تلك المركَّبة، بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار الصحيح. ثم قياسُ القرابة على القرابة، والأحكامِ الشرعية على مثلها= أولى من قياس قرابة الآدميين على الأشجار والأنهار، مما ليس في الأصل حكم شرعي (^١). ثم نقول: بل النهر الأعلى أولى بالجدول من الجدول الذي (^٢) اشتُقَّ منه، وأصلُ الشجرة أولى بغصنها من الغصن الآخر، فإنَّ هذا صنوه ونظيره الذي لا يحتاج إليه، وذاك [٢٣٠/ب] أصله وحامله الذي يحتاج إليه، واحتياج الشيء إلى أصله أقوى من احتياجه إلى نظيره، فأصله أولى به من نظيره.\nيوضِّحه الوجه العاشر (^٣): أن هذا القياس لو كان صحيحًا لوجب طرده، ولما انتقض. فإنَّ طرده تقديم الإخوة على الجد، فلما اتفق\n_________\n(^١) كذا بالرفع في النسخ. والعائد على الموصول محذوف، يعني: مما ليس فيه ...\n(^٢) في المطبوع: «التي».\n(^٣) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «وهو».","vol":"2","page":222},{"text":"المسلمون على بطلان طرده عُلِم أنه فاسد في نفسه.\nيوضِّحه الوجه الحادي عشر (^١): أن الجدَّ يقوم مقام الأب في التعصيب في كلِّ صورة من صوره، ويقدَّم على كلِّ عصبة يقدَّم عليه الأب، فما الذي أوجب استثناء الإخوة خاصة من هذه القاعدة؟\nيوضِّحه الوجه الثاني عشر: أنه إن كان الموجب لاستثنائهم (^٢) قربهم وجب تقديمهم عليه. وإن كان مساواتهم له في القرب وجب اعتبارها في بنيهم وآبائه لاشتراكهم في السبب الذي اشترك فيه هو والإخوة. وهذا ممَّا لا جواب (^٣) عنه.\nيوضِّحه الوجه الثالث عشر: وهو أنه قد اتفق الناس على أن الأخ لا يساوي الجد، فإن لهم قولين. أحدهما: تقديم الجدِّ (^٤) عليه. والثاني: توريثه معه. والمورِّثون لا يجعلونه كأخ مطلقًا، بل منهم من يقاسم به الإخوة إلى الثلث، ومنهم من يقاسمهم به إلى السدس. فإن نقصته المقاسمة عن ذلك أعطوه إياه فرضًا، وأدخلوا النقص عليهم، أو حرموهم، كزوج وأمٍّ وجدٍّ وأخ. فلو كان الأخ مساويًا للجَدِّ أو أولى (^٥) منه، كما ادَّعى المورثون أنه القياس، لَساواه في هذا السدس، وقُدِّم عليه. فعُلِم أن الجدَّ أقوى، [٢٣١/أ] وحينئذ فقد اجتمع عصبتان، وأحدهما أقوى من الآخر، فيقدَّم عليه.\n_________\n(^١) هنا أيضًا زيد في النسخ المطبوعة: «وهو»، وكذا بعد «الوجه الثاني عشر».\n(^٢) في النسخ الخطية: «لاستثنائه»، وهو سهو.\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «لهم».\n(^٤) سقط «الجد» من ع. ومن هنا جاء ــ فيما يظهر ــ في النسخ المطبوعة: «تقديمه».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «وأولى».","vol":"2","page":223},{"text":"يوضِّحه الوجه الرابع عشر (^١): أن المورِّثين للإخوة لم يقولوا في التوريث قولًا يدل عليه نصٌّ ولا إجماع ولا قياس، مع تناقضهم.\nوأما المقدِّمون له على الإخوة، فهم أسعدُ (^٢) بالنص والإجماع والقياس وعدم التناقض. فإن من المورِّثين من يزاحم به إلى الثلث، ومنهم من يزاحم به إلى السدس، وليس في الشريعة من يكون عصبةً يقاسم عصبة نظيره إلى حَدٍّ، ثم يُفرَض له بعد ذلك الحدِّ. فلم يجعلوه معهم عصبةً مطلقًا، ولا ذا فرض مطلقًا، ولا قدَّموه عليهم مطلقًا، ولا ساوَوه بهم مطلقًا. ثم فرضوا له سدسًا أو ثلثًا بغير نصٍّ ولا إجماع ولا قياس، ثم حسبوا عليه الإخوة من الأب، ولم يعطوهم شيئًا إذا كان هناك إخوة لأبوين. ثم جعلوا الأخوات معه عصبة إلا في صورة واحدة فرضوا فيها للأخت. ثم لم يهنَؤوها (^٣) بما فرضوا لها، بل عادوا عليها بالإبطال، فأخذوه وأخذوا ما أصابه، فقسموه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. ثم أعالوا هذه المسألة خاصَّةً من مسائل الجد والإخوة، ولم يعيلوا غيرها، ثم ردُّوها بعد العَول إلى التعصيب.\nوسَلِم المقدِّمون له على الإخوة من هذا كلِّه، مع فوزهم بدلالة الكتاب والسنة والقياس ودخولهم في حزب الصدِّيق.\nيوضِّحه الوجه الخامس عشر: أن الصدِّيق لم يختلف عليه أحد من الصحابة في عهده [٢٣١/ب] أنه مقدَّم على الإخوة. قال البخاري في\n_________\n(^١) هنا وبعد «الخامس عشر» زيد في النسخ المطبوعة: «وهو».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أسعد الناس»، فزيدت كلمة «الناس».\n(^٣) يعني: لم يدَعُوها تفرح بذلك.","vol":"2","page":224},{"text":"«صحيحه» في باب ميراث الجد مع الإخوة: وقال أبو بكر (^١) وابن عباس (^٢) وابن الزبير: الجدُّ أبٌ. وقرأ ابن عباس: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] (^٣). ولم يذكر أن أحدًا خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي - ﷺ - متوافرون. وقال ابن عباس: يرثني ابنُ ابني دون إخوتي، ولا أرث أنا ابنَ ابني؟ (^٤). ويُذكَر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد (^٥) أقاويل مختلفة (^٦)، انتهى.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة (^٧) يحدِّث أن ابن الزبير كتب إلى أهل العراق إن الذي قال له النبي - ﷺ -: «لو كنتُ متخذًا خليلًا حتى ألقى الله سوى الله لاتخذتُ أبا بكر خليلًا» كان\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٦٥٨، ٦٧٣٨). ويُنظر: «السنن» لسعيد بن منصور في السنن (٤٠ - ٤٨).\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٩٠٥٣ - ١٩٠٥٦)، وسعيد بن منصور (٤٦، ٤٩ - ٥٢)، وأحمد (٣٣٨٥). ويُنظر: «الجامع الصحيح» للبخاري (٦٧٣٨).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١٩٠٥٣)، وسعيد بن منصور (٤٩).\n(^٤) يُنظر: «السنن» لسعيد بن منصور (٤٩).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «زيد بن ثابت».\n(^٦) يُنظر: «تغليق التعليق» لابن حجر (٥/ ٢١٨ - ٢٢٢).\n(^٧) في المطبوع من «المصنف» لعبد الرزاق (١٩٠٤٩) عن ابن جريج قال: سمعتُ من أبي يُحَدِّثُ أن ابن الزبير ... وأراه خطأ من الناسخ؛ فليُنظَر: «المسند» لأحمد (١٦١١٢)، و«المعجم الكبير» للطبراني (١٤٨٥٦)، و«المحلى» لابن حزم (٩/ ٢٨٧). ورواه البخاري (٣٦٥٨) من طريق أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة بنحوه.","vol":"2","page":225},{"text":"يجعل الجدَّ أبًا.\nوقال الدارمي في «صحيحه» (^١):\nثنا سالم (^٢) بن إبراهيم، ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جعله الذي قال (^٣) رسول الله - ﷺ -: «لو كنتُ متخذًا خليلًا لاتخذته خليلًا، ولكن أخوة الإسلام أفضل»، يعني: أبا بكر= جعله أبًا.\nثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة قال: لقيتُ مروان بن الحكم بالمدينة، فقال: يا ابن أبي موسى ألم أُخْبَر أن الجدَّ لا ينزل فيكم منزلة الأب، وأنت لا تنكر؟ قال: قلتُ: لو كنتَ أنت لم تنكر. قال مروان: فأنا أشهد على عثمان بن عفان أنه شهد على أبي بكر أنه جعل الجدَّ أبًا إذا لم يكن دونه أب (^٤).\nثنا يزيد بن هارون، أنا أشعث، عن الحسن (^٥) قال: إن الجدَّ قد مضت\n_________\n(^١) برقم (٢٩٥٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن وُهيب به.\n\nورواه البخاري (٦٧٣٨) من طريق عبد الوارث (وهو ابن سعيد)، عن أيوب (وهو السختياني) به.\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والطبعات القديمة، والصواب: «مسلم» كما أثبت في المطبوع، وهو الأزدي البصري.\n(^٣) في النسخ المطبوعة زيادة: «له»، ولعل الذي زاد بحَث عن العائد على الاسم الموصول قبل قول النبي - ﷺ -.\n(^٤) رواه الدارمي (٣٠٨٨ - فتح المنان للغمري).\n(^٥) ع: «أشعث عن عروة عن الحسن»، وكذا في النسخ المطبوعة، بل أثبت «عروة» في المطبوع بين حاصرتين، وقال في التعليق إنَّه ساقط من (ق) و(ك)! وإنما هو مقحم في السند، وكأن نظر الناسخ انتقل إلى السند الآتي بعد هذا.","vol":"2","page":226},{"text":"فيه سنّة، وإن أبا بكر جعل الجدَّ أبًا، ولكن الناس [٢٣٢/أ] تحيَّروا (^١).\nوقال حماد بن سلمة: أنا هشام بن عروة، عن عروة، عن مروان قال: قال لي عثمان بن عفان: إن عمر قال لي: إني قد رأيت في الجدِّ رأيًا، فإن رأيتم أن تتبعوه، فاتبعوه. فقال عثمان: إن نتبع رأيك فإنه (^٢) رُشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعِمَ ذو الرأي كان! قال: وكان أبو بكر يجعله أبًا (^٣).\nوالموِّرثون للإخوة بعدهم: عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن مسعود.\nفأما عمر فإن أقواله اضطربت فيه (^٤). وكان قد كتب كتابًا في ميراثه، فلما طُعِن دعا به، فمحاه (^٥).\nوقال الخُشَني: عن محمد بن بشار (^٦)، عن محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب قال: قال عمر حين طُعِن: إني لم أقضِ في الجدِّ شيئًا (^٧).\n_________\n(^١) رواه الدارمي (٢٩٥٥).\n(^٢) في المطبوع: «فرأيك».\n(^٣) رواه الدارمي (٦٥٥) من طريق حمادِ بن سلمة به. ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٩٠٥٢)، و«المسند» للدارمي (٢٩٥٩)، و«أخبار المدينة» لعمر بن شبّة (٣/ ٩٢٤)، و«المستدرك» للحاكم (٤/ ٣٤٠).\n(^٤) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٩٠٤٣ - ١٩٠٤٥)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (٣١٩١٥)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٦/ ٢٤٥).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (٣١٩٢٠)، والدارمي (٢٩٤١) من طريقين عن سعيد بن المسيب، عنه.\n(^٦) ع: «يسار»، تصحيف.\n(^٧) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٢٨). وينظر: «مصنف عبد الرزاق» (١٩٠٤٦) و«الطبقات» لابن سعد (٣/ ٣٢٧).","vol":"2","page":227},{"text":"وقال وكيع: عن أبي بِشر، عن سعيد بن جبير قال: مات ابن لابن عمر بن الخطاب، فدعا زيد بن ثابت فقال: شَعِّبْ ما كنتَ تُشعِّب! إني لأعلم أني أولى به منهم (^١).\nوأما عليٌّ، فقال عبد الرزاق (^٢): عن معمر، ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، عن رجل من مراد قال: سمعت عليًّا يقول: من سرَّه أن يتقحَّم جراثيمَ جهنم فليقضِ بين الجدِّ والإخوة.\nوأما عثمان وابن مسعود، فقال البغوي: ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ليث بن أبي سليم، عن طاوس أن عثمان وعبد الله بن مسعود قالا: الجدُّ بمنزلة الأب (^٣).\nفهذه أقوال المورِّثين ــ كما ترى ــ قد اختلفت في أصل توريثهم معه،\n_________\n(^١) أشار الإمام أحمد إلى رواية وكيع هذه فيما نقله عنه ابنُه عبد الله في «العلل ومعرفة الرجال» (١٨٦٨)، وذكر اختلاف غندر ووكيع في ضبط كلمة (شعب) ... ورواه سعيد بن منصور (٥٣) عن هُشيم، عن أبي بشر به.\n(^٢) في «المصنف» (١٩٠٤٨)، وسعيد بن منصور (٥٦، ٥٧)، وابن أبي شيبة (٣١٩١٧، ٣١٩٢١)، والدارمي (٢٩٤٤)، والبيهقي (٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦) من طريقين عن سعيد بن جبير به، وشيخُه المراديُّ مُبْهَمٌ، لم يُسَمَّ.\n(^٣) رواه ابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ٤٣٥) عن علي بن عبد العزيز (وهو البغوي)، عن حجاج بن منهال به. ورواه يزيد بن هارون [في كتاب «الفرائض»] عن حماد بن سلمة به، كما في «التوضيح» لابن النحوي (٣٠/ ٤٨١). وسنده ضعيف منقطع، وليث بن أبي سليم ضعيف مخلّط.","vol":"2","page":228},{"text":"واضطربت في كيفية التوريث، وخالفت دلالة الكتاب والسنة والقياس الصحيح، بخلاف قول الصدِّيق ومن معه.\nيوضِّحه الوجه السادس عشر (^١): أن [٢٣٢/ب] الناس اليوم قائلان: قائل بقول أبي بكر، وقائل بقول زيد؛ ولكن قول الصدِّيق هو الصواب. وقول زيد بخلافه، فإنه يتضمن تعصيب الجدِّ للأخوات، وهو تعصيبُ الرجل جنسًا آخر ليسوا من جنسه، وهذا لا أصل له في الشريعة. إنما يُعرف في الشريعة تعصيب الرجال للنساء إذا كانوا من جنس واحد، كالبنين والبنات، والإخوة والأخوات. ولا ينتقض هذا بالأخوات مع البنات، فإن الرجال لم يعصِّبوهن، وإنما عصَّبهن البنات، ولما كان تعصيب البنين أقوى كان الميراث لهم دون الأخوات؛ بخلاف قول من عصَّب الأخوات بالجد، فإنه عصَّبهن بجنس آخر أقوى تعصيبًا منهن، وهذا لا عهد به في الشريعة البتة.\nيوضِّحه الوجه السابع عشر: أن الجدَّ والإخوة لو اجتمعوا في التعصيب لكانوا إما من جنس واحد أو من جنسين، وكلاهما باطل.\nأما الأول فظاهر البطلان لوجهين. أحدهما: اختلاف جهة التعصيب. والثاني: أنهم لو كانوا من جنس واحد لاستووا في الميراث والحرمان كالإخوة والأعمام وبنيهم إذا انفردوا. هذا (^٢) هو التعصيب المعقول في الشريعة.\n_________\n(^١) زيد في النسخ المطبوعة: «وهو» هنا وفي الوجوه الآتية إلى الوجه التاسع عشر، وقد سبق مثله.\n(^٢) ع: «وهذا»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":229},{"text":"وأما الثاني فبطلانه أظهر، إذ قاعدة الفرائض أن العصبة لا يرثون في المسألة إلا إذا كانوا من جنس واحد، وليس لنا عصبة من جنسين يرثان مجتمعين قط. بل هذا محال، فإن العصبة حكمُه أن يأخذ ما بقي بعد الفروض، فإذا كان [٢٣٣/أ] هذا حكم هذا الجنس وجب أن يأخذ دون الآخر، وكذلك الجنس الآخر، فيفضي أخذهما (^١) إلى حرمانهما، واشتراكهما ممتنع لاختلاف الجنس. وهذا ظاهر جدًّا.\nيوضِّحه الوجه الثامن عشر: أن الجدَّ أبٌ في باب الشهادة وفي باب سقوط القصاص، وأبٌ في باب المنع من دفع الزكاة إليه، وأبٌ في باب وجوب إعفافه (^٢) على ولد ولده، وأبٌ في باب سقوط القطع في السرقة، وأبٌ عند الشافعي في باب الإجبار في النكاح، وفي باب الرجوع في الهبة، وفي باب العتق بالملك، وفي باب الإجبار على النفقة، وفي باب إسلام ابن ابنه تبعًا لإسلامه، وأبٌ عند الجميع في باب الميراث عند عدم الأب فرضًا وتعصيبًا في غير محلِّ النزاع. فما الذي أخرجه عن أبوته في باب الجدِّ والإخوة؟ فإن اعتبرنا تلك الأبواب فالأمرُ في أبوته في محلِّ النزاع ظاهر، وإن اعتبرنا بابَ الميراث فالأمر أظهر وأظهر.\nيوضِّحه الوجه التاسع عشر: أن الذين ورَّثوا الإخوة معه إنما ورَّثوهم لمساواة تعصيبه لتعصيبهم، ثم نقضوا الأصل، فقدَّموا تعصيبهم على تعصيبه في باب الولاء، وأسقطوه بالإخوة لقوة تعصيبهم عندهم. ثم نقضوا ذلك أيضًا، فقدَّموا الجدَّ عليهم في باب ولاية النكاح، وأسقطوا تعصيبهم\n_________\n(^١) ما عدا ح: «أحدهما»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «إعتاقه». وكلمة «وجوب» ساقطة من ت.","vol":"2","page":230},{"text":"بتعصيبه. وهذا غاية التناقض، والخروج عن القياس لا لنصٍّ (^١) ولا إجماع.\nيوضِّحه الوجه العشرون: [٢٣٣/ب] وهو قول النبي - ﷺ -: «ألحِقُوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأَولى رجل ذكر» (^٢). فإذا خلَّفت المرأة زوجَها وأمَّها وجدَّها وأخاها (^٣)، فإن كان الأخ أولى رجل ذكر فهو أحقُّ بالباقي. وإن كانا سواء في الأولوية وجب اشتراكهما فيه. وإن كان الجدُّ أولى ــ وهو الحقُّ الذي لا ريب فيه ــ فهو أولى به. وإذا كان الجدُّ أولى رجل ذكر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص. وهذا الوجه وحده كافٍ، وبالله التوفيق.\nوليس القصد هذه المسألة بعينها، بل بيان دلالة النص والاكتفاء به عما عداه، وأن القياس شاهد وتابع، لا أنه مستقل في إثبات حكم من الأحكام لم تدل عليه النصوص.\nومن ذلك: الاكتفاء بقوله: «كلُّ مسكِر خمر» عن إثبات التحريم بالقياس في الاسم أو في الحكم، كما فعله من لم يحسن الاستدلال بالنص.\nومن ذلك: الاكتفاء بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] عن إثبات قطع النبَّاش بالقياس اسمًا أو حكمًا، إذ السارق يعُمُّ في لغة العرب وعرف الشارع سارقَ ثياب الأحياء والأموات.\nومن ذلك: الاكتفاء بقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] في تناوله لكلِّ يمين منعقدة يحلف بها المسلمون، من غير تخصيص إلا\n_________\n(^١) ع: «نص». وفي النسخ المطبوعة: «بنص».\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وأخاها وجدها».","vol":"2","page":231},{"text":"بنصٍّ أو إجماع. وقد بيَّن ذلك سبحانه في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]. فهذا صريح في أن كلَّ يمين منعقدة، فهذا كفارتها. وقد [٢٣٤/أ] أدخلت الصحابة في هذا النص الحلف بالتزام الواجبات والحلف بأحبِّ القربات المالية إلى الله وهو العتق، كما ثبت ذلك عن ستة منهم (^١) ولا مخالف لهم من بقيتهم. وأدخلت فيه الحلف بالبغيض إلى الله وهو الطلاق كما ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب ولا مخالف له منهم. فالواجب تحكيمُ هذا النص العام، والعملُ بعمومه حتى يثبت إجماع الأمة إجماعًا متيقَّنًا على خلافه، فالأمة لا تُجمع على خطأ البتة.\nومن ذلك: الاكتفاء بقوله - ﷺ - «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (^٢) في إبطال كلِّ عقد نهى الله ورسوله عنه، وحرَّمه، وأنه لغو لا يعتدُّ به، نكاحًا كان أو طلاقًا أو غيرَهما، إلا أن تُجمع الأمة إجماعًا معلومًا على أن بعض ما نهى الله ورسوله عنه وحرَّمه من العقود صحيح لازم معتَدٌّ به غير مردود، فهي لا تُجمع على خطأ. وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) يُنظر: «الموطأ» للإمام مالك (١٧٥٢)، و«المصنف» لعبد الرزاق (١٥٩٨٧ - ١٥٩٨٩)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (١٢٤٧٩)، و«السنن» لأبي داود (٣٢٧٢)، و«حديث علي بن الجعد ــ تخريج أبي القاسم البغوي» (٢٣١٤، ٢٣١٥)، و«الأوسط» لابن المنذر (١٢/ ١٠٩ - ١١١، ١٢٨ - ١٣٠)، و«المسند الصحيح» لابن حبان (٤٠٧٨)، و«السنن» للدارقطني (٤٣٣١، ٤٣٣٢)، و«المستدرك» للحاكم (٤/ ٣٠٠)، و«السنن الكبير» للبيهقي (١٠/ ٣٣، ٦٥ - ٦٧).\n(^٢) تقدَّم تخريجه.","vol":"2","page":232},{"text":"ومن ذلك: الاكتفاء بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] مع قوله - ﷺ -: «وما سكَت عنه فهو مما عفا عنه» (^١). فكلُّ ما لم يبيِّن الله ولا رسوله - ﷺ - تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها، فإن الله سبحانه قد فصَّل لنا ما حرَّم علينا، فما كان من هذه الأشياء حرامًا فلا بدّ أن يكون تحريمه مفصَّلًا. وكما أنه لا يجوز إباحة ما حرَّمه (^٢)، فكذلك لا يجوز تحريمُ ما عفا عنه ولم يحرِّمه. وبالله التوفيق.\nالفصل [٢٣٤/ب] الثاني\nفي بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس، وأن ما يُظَنُّ مخالفته للقياس فأحدُ الأمرين لازم فيه، ولا بد: إما أن يكون القياس فاسدًا، أو يكون ذلك الحكمُ لم يثبت بالنص كونُه من الشرع.\nوسألتُ شيخنا ــ قدَّس الله روحه ــ عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: «هذا خلاف القياس» لما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم، وربما كان مجمعًا عليه، كقولهم: طهارة الماء إذا وقعت فيه نجاسة خلاف (^٣) القياس، وتطهير النجاسة على خلاف القياس، والوضوء من لحوم الإبل، والفطر بالحجامة، والسَّلَم، والإجارة، والحوالة، والكتابة،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «حرَّمه الله» بزيادة لفظ الجلالة.\n(^٣) ع: «بخلاف»، وفي النسخ المطبوعة: «على خلاف»، والظاهر أن «على» زيادة من بعض الناشرين، فإنها لم ترد في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٥٠٤).","vol":"2","page":233},{"text":"والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والقرض، وصحة صوم الآكل ناسيًا (^١)، والمضيُّ في الحج الفاسد= كلُّ ذلك على خلاف القياس. فهل ذلك صواب أم لا؟ فقال: «ليس في الشريعة ما يخالف القياس». وأنا أذكر ما حصَّلته من جوابه بخطِّه ولفظه (^٢)، وما فتح الله سبحانه لي بيُمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه:\n«أصلُ هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح والفاسد. والصحيح هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمعُ بين المتماثلين، والفرقُ بين المختلفين. فالأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس. وهو من العدل الذي بعث الله به نبيَّه - ﷺ -. فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلّة التي علِّق بها الحكم في الأصل موجودةً في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمَها. ومثل هذا القياس لا [٢٣٥/أ] تأتي الشريعة بخلافه قطُّ (^٣)! وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو: أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثِّر في الشرع. فمثل هذا القياس أيضًا لا تأتي الشريعة بخلافه. وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكمٍ يفارق به نظائرَه، فلا بد أن يختصَّ ذلك النوع بوصفٍ يُوجِب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره. لكن الوصف الذي اختصَّ به ذلك النوع قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر. وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كلُّ أحد.\n_________\n(^١) ع: «الناسي»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) انظر سؤال المصنف وجواب الشيخ في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٠٥ - ٥٨٣).\n(^٣) سبق التنبيه على استعمال «قطُّ» في غير محلِّه، فإنه خاصٌّ بالزمان الماضي.","vol":"2","page":234},{"text":"فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. وحيث علمنا أن النص [جاء] (^١) بخلاف قياسٍ علمنا قطعًا أنه قياس فاسد، بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يُظَنُّ أنها مثلُها بوصفٍ أوجبَ تخصيصَ الشارع لها بذلك الحكم. فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، ولكن [فيها ما] (^٢) يخالف القياس الفاسد، وإن كان بعض الناس لا يعلم فساده. ونحن نبيِّن ذلك فيما (^٣) ذُكِر في السؤال.\nفالذين قالوا: «المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس» ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة؛ لأنها عملٌ بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوَّض. فلما رأوا العمل والربح في هذه العقود غيرَ معلومين قالوا: هي على خلاف القياس. وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات، [٢٣٥/ب] لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوَّض. والمشاركات جنسٌ غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها (^٤) شَوبُ المعاوضة. وكذلك المقاسمة جنسٌ غير جنس المعاوضة المحضة، وإن كان فيها شوبُ المعاوضة، حتى ظنَّ بعض الفقهاء أنها بيعٌ يشترط فيها شروط البيع الخاص.\n_________\n(^١) زيد ما بين الحاصرتين فوق السطر في ح. وهو في المتن في ف، وكذا في «مجموع الفتاوى»، ولم يرد في ت، ع. وفي النسخ المطبوعة: «ورد».\n(^٢) من «مجموع الفتاوى».\n(^٣) في «مجموع الفتاوى»: «نبيِّن أمثلة ذلك مما». وفي حاشية ح كتب بعضهم كلمة «أمثلة» ووضع علامةً قبل «ذلك» للدلالة على موضعها وأدخلها ناسخ ف في المتن.\n(^٤) في «مجموع الفتاوى»: «وإن قيل إن فيها».","vol":"2","page":235},{"text":"وإيضاح هذا: أن العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع:\nأحدها: أن يكون العمل مقصودًا معلومًا مقدورًا على تسليمه. فهذه الإجارة اللازمة.\nالثاني: أن يكون العمل مقصودًا، لكنه مجهول أو غرر. فهذه الجِعالة، وهي عقد جائز ليس بلازم. فإذا قال: «من ردَّ عبدي الآبق فله مائة» فقد يَقدِر على ردِّه، وقد لا يقدِر. وقد يرُدُّه من مكان قريب وبعيد (^١). فلهذا لم تكن لازمة، لكن هي جائزة. فإن عمِل العملَ استحقَّ الجُعْل، وإلا فلا. ويجوز أن يكون الجُعْل فيها إذا حصل بالعمل جزءً شائعًا ومجهولًا جهالةً لا تمنع التسليم، كقول أمير الغزو: «من دلَّ على حصنٍ فله ثلثُ ما فيه»، أو يقول للسَّرِيَّة التي يسير بها: «لكم خُمْسُ ما تغنمون أو رُبعه».\nوتنازعوا في السَّلَب: هل هو مستحَقٌّ بالشرع كقول الشافعي، أو بالشرط كقول أبي حنيفة ومالك؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد. فمن جعله مستحقًّا بالشرط جعله من هذا الباب. ومن ذلك إذا جعل للطبيب جُعْلًا على الشفاء جاز، كما أخذ أصحابُ النبي - ﷺ - القطيعَ من الشاء الذي جعله لهم سيّدُ الحيِّ، فرقاه بعضهم حتى برئ. والجُعْل كان [٢٣٦/أ] على الشفاء، لا على القراءة. ولو استأجر طبيبًا إجارةً لازمةً على الشفاء لم يصح، لأن الشفاء غير مقدور له؛ فقد يشفيه الله، وقد لا يشفيه. فهذا ونحوه مما تجوز فيه الجِعالة، دون الإجارة اللازمة.\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي «مجموع الفتاوى»: «وقد يردُّه من مكان بعيد». وفي المطبوع: «بعيد أو قريب». وفي الطبعات السابقة: «قريب أو بعيد».","vol":"2","page":236},{"text":"فصل\nوأما النوع الثالث فهو: ما لا يُقصَد فيه العمل، بل المقصود فيه المال، وهو المضاربة، فإن ربَّ المال ليس له قصدٌ في نفس عمل العامل (^١) كما للجاعل (^٢) والمستأجرِ له (^٣) قصدٌ في عمل العامل. ولهذا لو عمِل ما عمِل ولم يربح شيئًا لم يكن له شيء. وإن سُمِّي هذا جِعالةً بجزء مما يحصل من العمل كان نزاعًا لفظيًّا، بل هذه مشاركة: هذا بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه. وما قسم الله من ربحٍ كان بينهما على الإشاعة. ولهذا لا يجوز أن يختص أحدهما بربح مقدَّر، لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة.\nوهذا هو الذي نهى عنه النبيُّ - ﷺ - من المزارعة، فإنهم كانوا يشترطون لربِّ الأرض زرعَ بقعةٍ بعينها، وهو ما نبت على الماذِيَانات (^٤) وأقبال الجداول (^٥) ونحو ذلك، فنهى النبي - ﷺ - عنه. ولهذا قال الليث بن سعد (^٦)\n_________\n(^١) في المطبوع: «نفس العمل».\n(^٢) ع: «كالجاعل».\n(^٣) يعني للمستأجر. ولم يرد «له» في «مجموع الفتاوى».\n(^٤) فسَّرها صاحب الغريبين (٦/ ١٧٣٨) بالأنهار الكبار، مفردها ماذِيان، وقال: «إنها ليست بعربية، لكنها سوادية. والسواقي دون الماذيانات». وقال المطرزي في «المغرب» (١/ ٤٣٨): الماذيان «أصغر من النهر وأعظم من الجدول، فارسي معرب». قلت: لم أجده في المعاجم الفارسية، ولعل كونها سوادية أصح.\n(^٥) يعني: أوائلها وما استقبل منها.\n(^٦) رواه البخاري في «الجامع الصحيح» (٢٣٤٦) عن الليث بمعناه.","vol":"2","page":237},{"text":"وغيره: إن الذي نهى عنه النبي - ﷺ - أمرٌ إذا (^١) نظَر فيه ذو البصر (^٢) بالحلال والحرام علِمَ أنه لا يجوز. فتبيَّن أن النهي عن ذلك موجَب القياس، فإن هذا لو شُرط في المضاربة لم يجُز، فإن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خُصَّ أحدُهما بربح دون الآخر لم يكن ذلك عدلًا؛ بخلاف ما إذا كان [٢٣٦/ب] لكلٍّ منهما جزء شائع، فإنهما يشتركان في المغنم وفي (^٣) المغرم. فإن حصل ربحٌ اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في المغرم، وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا. ولهذا كانت الوضيعة على المال، لأن ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال.\nولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة ربحُ المثل (^٤)، فيعطى العامل ما جرت العادة أن يعطاه مثلُه، إما نصفه أو ثلثه. فأما أن يعطى شيئًا مقدَّرًا مضمونًا في ذمة المالك كما يعطى في الإجارة والجعالة، فهذا غلط ممن قاله. وسببُ غلطه ظنُّه أن هذه إجارة، فأعطاه في فاسدها عوضَ المثل، كما يعطيه في الصحيح المسمَّى. ومما يبيِّن غلط هذا القول أن العامل قد يعمل عشر سنين أو أكثر، فلو أُعطي أجرة المثل أعطي أضعافَ رأس المال، وهو في الصحيحة لا يستحق إلا جزءً من الربح إن كان هناك ربح. فكيف يستحِقُّ في الفاسدة أضعافَ ما يستحقه في الصحيحة؟\n_________\n(^١) ع: «لو». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ت: «البصيرة»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: «والمغرم»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في حاشية ح زيادة: «لا أجرة المثل» وأدخلها ناسخ ف في المتن. وكذا في «مجموع الفتاوى».","vol":"2","page":238},{"text":"وكذلك الذين أبطلوا المزارعة والمساقاة ظنُّوا أنهما إجارة بعوض مجهول فأبطلوهما. وبعضهم صحَّح منهما ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم إمكان إجارتها بخلاف الأرض فإنه يمكن إجارتها، وجوَّزوا من المزارعة ما يكون تبعًا للمساقاة إما مطلقًا وإما إذا كان البياض الثلث. وهذا كلُّه بناء على أن مقتضى الدليل بطلان المزارعة، وإنما جُوِّزت للحاجة.\nومن أعطى النظرَ حقَّه علِم أن المزارعة أبعد عن الظلم والغَرر (^١) من الإجارة بأجرة مسمَّاة [٢٣٧/أ] مضمونة في الذمة، فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالزرع النابت في الأرض، فإذا لزمته الأجرة، ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل، كان في هذا حصولُ أحد المعاوضين (^٢) على مقصوده دون الآخر. فأحدهما غانم ولا بد، والآخر متردِّد بين الغُنم والغُرم (^٣). وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان، فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر، فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة.\nوالأصل في العقود كلِّها إنما هو: العدل الذي بُعثت به الرسل وأُنزلت به الكتب. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. والشارع نهى عن الربا لما\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى»: «والقمار».\n(^٢) ف: «المتعاوضين»، وكذا أصلح في ح. وكذا في «مجموع الفتاوى».\n(^٣) ع: «المغنم والمغرم»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":239},{"text":"فيه من الظلم، وعن الميسِر لما فيه من الظلم، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكلُ المال بالباطل. وما نهى عنه النبيُّ - ﷺ - من المعاملات ــ كبيع الغَرر (^١)، وبيع الثمر قبل بدوِّ صلاحه (^٢)، وبيع السنين (^٣)، وبيع حَبَل الحَبَلة (^٤)، وبيع المزابنة والمحاقلة (^٥)، وبيع الحصاة (^٦)، وبيع الملاقيح والمضامين (^٧)،\nونحو ذلك ــ هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٨٦) ومسلم (١٥٣٤) من حديث ابن عمر.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٣٦) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢١٤٣) ومسلم (١٥١٤) من حديث ابن عمر.\n(^٥) أخرجه البخاري (٢١٨٦) ومسلم (١٥٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٦) أخرجه مسلم (١٥١٣) من حديث أبي هريرة.\n(^٧) رواه مالك (٢٤١١) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلا. ورواه عبد الرزاق (١٤١٣٧) عن معمر، عن الزهري به. وزلّ صالح بن أبي الأخضر، فرواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعا! رواه إسحاق بن راهويه في «المسند» ــ وعنه محمد بن نصر المروزي في «السنة» (٢١٠)، ومن طريقه أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٣٤)، وابن أبي عاصم في كتاب «البيوع»، والبزار في «المسند» (٧٧٨٥) من طريق صالح به، وأعلّه به. وهذا منكر جدّا. ورواه البزار (٤٨٢٨)، والطبراني (١١٥٨١) من حديث ابن عباس مرفوعا، وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، ولم يكن بالقوي، ثم إن رواية داودَ بن الحصين عن عكرمة منكرة. ويُنظر: «السنة» لمحمد بن نصر المروزي (٢٠٦)، و«الكامل» لابن عدي (٦/ ٤٣٤)، و«العلل» للدارقطني (٩/ ١٨٣)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٥) .. وما في «المصنف» لعبد الرزاق (١٤١٣٨) غريبٌ جدّا، لا يُدْرَى وَجْهُه، ويُوَازَنُ بـ «السنة» لمحمد بن نصر المروزي (٢١٤ - ٢١٦).","vol":"2","page":240},{"text":"فالإجارة بالأجرة المجهولة، مثل أن يكريه الدارَ بما يكسبه المكتري في حانوته (^١) من المال هو من الميسر.\nوأما المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر، بل هي من أقوَم العدل. وهو مما يبيِّن لك أن المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من ربِّ الأرض. ولهذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه [٢٣٧/ب] وسلم يزارعون على هذا الوجه. وكذلك عامَل النبيُّ - ﷺ - أهلَ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع (^٢) على أن يعملوها من أموالهم. والذين اشترطوا أن يكون البذر من ربِّ الأرض قاسوا ذلك على المضاربة، فقالوا: المضاربة فيها المال من واحد والعمل من آخر، فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البذر فيها من مالك الأرض، وهذا القياس ــ مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة - فهو من أفسد القياس، فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة.\nوأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه، بل يذهب كما يذهب نفع الأرض، فإلحاقُه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي. فالعامل إذا أخرج البذر ذهب عملُه وبذرُه، وربُّ الأرض يذهب نفعُ أرضه، وبدنُ هذا كأرض هذا. فمن جعل البذر كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه، كما قال مثل ذلك في المضاربة، فكيف ولو اشترط ربُّ البذر عود نظيره لم يجوِّزوا ذلك؟\n_________\n(^١) كذا في النسخ و«مجموع الفتاوى». وفي المطبوع: «من حانوته».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٢٨) ومسلم (١٥٥١) من حديث ابن عمر.","vol":"2","page":241},{"text":"فصل\nوأما الحوالة، فالذين قالوا: إنها على خلاف القياس، قالوا: هي بيع دَين بدين، والقياس يأباه. وهذا غلط من وجهين:\nأحدهما: أن بيع الدَّين بالدَّين ليس فيه نصٌّ عام ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ (^١)، والكالئ: هو المؤخَّر الذي لم يُقبَض (^٢)، كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخَّر، فهذا [٢٣٨/أ] لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٢٢٥٦٦)، وأحمد بن منيع، والبزار [كما في «كشف الأستار» للهيثمي (١٢٨٠)، و«إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (٢٨٥٥)]، وابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ١١٩) ــ وقال: «وفي إسناده مقال» ــ، والطحاوي في «بيان المشكل» (٢/ ٢٦٥)، وفي «شرح المعاني» (٤/ ٢١)، والعقيلي في «الضعفاء» (٥/ ٤٤٤)، من حديث ابن عمر مرفوعا، وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. ورواه الطبراني (٤٣٧٥) من طريق محمد بن يعلى (زنبور)، عن موسى بن عبيدة، لكن جُعِل الحديثُ من مسند رافع بن خديج! وزنبور واهٍ؛ فروايته هذه منكرة جدّا. وتابع الربذيَّ: إبراهيمُ بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وعنه رواه عبد الرزاق (١٤٤٤٠)، والأسلمي هذا واهٍ متروكٌ.\nويُوازَن «السنن» للدارقطني (٣٠٦٠، ٣٠٦١)، و«المستدرك» للحاكم (٢/ ٥٧) بـ «العلل» للدارقطني (١٣/ ١٩٣)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٥/ ٢٩٠ - ٢٠١)، و«معرفة السنن والآثار» له (٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤). ويُنظَر: «الكامل» لابن عدي (٨/ ٤٧)، و«نصب الراية» للزيلعي (٤/ ٣٩ - ٤٠)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٦/ ٥٦٧ - ٥٦٩)، و«التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ٦٢).\n(^٢) زاد بعضهم في ح تحت السطر: «بالمؤخر الذي لم يقبض» مع علامة «صح» بعده. وأدخله ناسخ ف في المتن. وكذا في «مجموع الفتاوى».","vol":"2","page":242},{"text":"وأما بيع الدَّين بالدَّين، فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرنا، وهو الممتنع. وينقسم إلى بيع ساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط (^١)، وهذا فيه نزاع».\nقلت: الساقط بالساقط في صورة المقاصَّة، والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع، ووجب عوضه، وهو بيع الدين ممن هو في ذمته. وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كُرِّ حنطة بعشرة دراهم في ذمته، فقد وجب له عليه دين، وسقط عنه له (^٢) دين غيره. وقد حُكي الإجماع على امتناع هذا، ولا إجماع فيه. قاله شيخنا، واختار جوازه. وهو الصواب، إذ لا محذور فيه. وليس بيعَ كالئ بكالئ، فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى. فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة، فإنه لم يتعجَّل أحدهما ما يأخذه، فينتفع بتعجُّله (^٣)، وينتفع صاحب المؤخَّر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة.\nوأما ما عداه من الصور الثلاث، فلكلٍّ منهما غرض صحيح ومنفعة مطلوبة. وذلك ظاهر في مسألة التقاصِّ، فإن ذمتهما تبرأ من أسرها، وبراءة الذمة مطلوب (^٤) لهما وللشارع. فأما في الصورتين الأخريَين (^٥) فأحدهما\n_________\n(^١) «وواجب بساقط» ساقط من «مجموع الفتاوى».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «له عنه».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «بتعجيله».\n(^٤) ت: «مطلوبة».\n(^٥) في المطبوع: «الأخرتين».","vol":"2","page":243},{"text":"تعجَّل براءةَ ذمته، والآخر انتفع (^١) بما يربحه. وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح ــ وذلك في بيع العين بالدين ــ جاز أن يُفرغها [٢٣٨/ب] من دين ويشغلها بغيره. وكأنه شغَلها به ابتداءً إما بقرض أو بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل. وليس هناك بيع كالئ بكالئ، وإن كان بيع دين بدين فلم ينه الشارع عن ذلك، لا بلفظه ولا بمعنى لفظه. بل قواعد الشرع تقتضي جوازه، فإن الحوالة اقتضت نقلَ الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز. وبالله التوفيق.\nرجعنا إلى كلام شيخ الإسلام، قال: الوجه الثاني ــ يعني مما يبيِّن أن الحوالة على وفق القياس ــ: أن الحوالة من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع؛ فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي في ذمة المحيل. ولهذا ذكر النبي - ﷺ - الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: «مطلُ الغني ظلمٌ، وإذا أُتبِع أحدُكم على مليءٍ فَلْيَتْبَعْ» (^٢). فأمر المدين بالوفاء، ونهاه عن المطل، وبيَّن أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليءٍ. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] أمَر المستحِقَّ أن يطالب بالمعروف، وأمر المؤدِّي\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ينتفع»، وكأن بعضهم صحَّف في الفعل السابق، فقرأ «يعجِّل»، فغيَّر هذا أيضًا إلى المضارع.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٨٧) ومسلم (١٥٦٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"2","page":244},{"text":"أن يؤدِّي بإحسان. ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص، وإن كان فيه شوبُ [٢٣٩/أ] المعاوضة.\nوقد ظنَّ بعضُ الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين، بسبب أن الغريم إذا قبض الوفاء صار في ذمته للمدين (^١) مثله، ثم يقاصُّ ما عليه بما له. وهذا تكلُّف أنكره جمهور الفقهاء، وقالوا: بل نفسُ المال الذي قبضه يحصل به الوفاء، ولا حاجة أن يقدِّر في ذمة المستوفي دينًا. وأولئك قصدوا أن يكون وفاء دين بدين (^٢)، وهذا لا حاجة إليه فإن الدين من جنس المطلق الكلي، والمعيَّن من جنس المعيَّن. فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلّي، فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة، وأيُّ معين استوفاه حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق.\nفصل\nوأما القرض فمن قال: «إنه على خلاف القياس»، فشبهته أنه بيع ربوي بجنسه مع تأخُّر القبض. وهذا غلط، فإن القرض من جنس التبرُّع بالمنافع كالعارية. ولهذا سمَّاه النبيُّ - ﷺ - منيحةً، فقال: «أو منيحةَ ذهبٍ أو منيحةَ وَرِقٍ» (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ذمة المدين».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «بدين مطلق». ولم ترد كلمة «مطلق» في «مجموع الفتاوى» أيضًا.\n(^٣) رواه أحمد (١٨٤٠٣) من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا. وله شاهد من حديث البراء بن عازب مرفوعا، رواه أحمد (١٨٦١٦، ١٨٦٦٥، ١٨٧٠٤)، وصححه الترمذي (١٩٥٧)، وابن حبان (٢٥٧). ويُنظر: «المسند» للبزار (٣٢٢٥).","vol":"2","page":245},{"text":"وهذا من باب الإرفاق، لا من باب المعاوضات؛ فإن باب المعاوضات يعطي كلٌّ منهما أصل المال على وجه لا يعود إليه، وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر مما يعطي فيه أصل المال لينتفع بما يستخلف منه ثم يعيده إليه بعينه إن أمكن، وإلا فنظيره ومثله. فتارةً ينتفع بالمنافع كما في عارية العقار، وتارة يمنحه ماشيةً ليشرب لبنها ثم يعيدها، أو شجرًا (^١) ليأكل ثمرها ثم يعيدها، وتسمَّى «العَريَّة». فإنهم يقولون: أعراه الشجرَ، وأعاره المتاعَ، ومنحه الشاةَ، وأفقره الظهرَ [٢٣٩/ب]، وأقرضه الدراهم.\nواللبن والثمر لما كان يستخلف شيئًا بعد شيء كان بمنزلة المنافع، ولهذا كان في الوقف يجري مجرى المنافع. وليس هذا من باب البيع في شيء، بل هو من باب الإرفاق والتبرُّع والصدقة، وإن كان المقرض قد ينتفع أيضًا بالقرض كما في مسألة السُّفْتَجة، ولهذا كرهها من كرهها (^٢). والصحيح أنها لا تُكره، لأن المنفعة لا تخُصُّ المقرض، بل ينتفعان بها (^٣) جميعًا.\nفصل\nوأما إزالة النجاسة، فمن قال: إنها على خلاف القياس، فقوله من أبطل الأقوال وأفسدها. وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسةً تنجَّس بها، ثم الثاني (^٤)\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «شجرة»، وكذا في «مجموع الفتاوى».\n(^٢) الجملة «ولهذا كرهها من كرهها» زيدت في حاشية ح، وهي في متن ف، وكذا في «مجموع الفتاوى».\n(^٣) ح، ف، ت: «بهما».\n(^٤) ع: «لاقي الثاني»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":246},{"text":"والثالث كذلك، وهلم جرًّا، والنَّجِس لا يزيل نجاسةً. وهذا غلط، فإنه يقال: لمَ (^١) قلتم: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسةً نجُسَ؟ فإن قلتم: الحكم في بعض الصور كذلك، قيل: هذا ممنوع عند من يقول: الماءُ (^٢) لا ينجُس إلا بالتغير.\nفإن قيل: فيقاس ما لم يتغيَّر على ما تغيَّر.\nقيل: هذا من أبطل القياس حسًّا وشرعًا. وليس جعلُ الإزالة مخالفةً للقياس بأولى من جعل تنجيس الماء مخالفًا للقياس. بل يقال: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسةً لا ينجُس، كما أنه إذا لاقاها حالَ الإزالة لا ينجُس. فهذا القياس أصح من ذلك القياس، لأن النجاسة تزول بالماء حسًّا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع (^٣). وأما تنجيس الماء بالملاقاة فموردُ نزاع، فكيف يُجعل موردُ النزاع حجةً على مواقع الإجماع؟ والقياس يقتضي ردَّ موارد النزاع إلى مواقع الإجماع.\nوأيضًا فالذي تقتضيه العقول أن الماء إذا لم تغيِّره النجاسة لا ينجُس، فإنه باقٍ على أصل خلقته. وهو طيِّب، فيدخل في قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة، فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فلم».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «إن الماء».\n(^٣) «بالنص والإجماع» زيد فوق السطر في ح، وهو في متن ف. وفي «مجموع الفتاوى»: «لأن النجاسة تزول بالماء بالنص والإجماع».","vol":"2","page":247},{"text":"وقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل، أو القياس يقتضي أنه لا ينجُس إذا لم يتغيَّر؟ على قولين، والأول قول أهل العراق، والثاني قول أهل الحجاز. وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا، ومنهم من يختار هذا.\nوقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص (^١) والمعقول، فإن الله سبحانه أباح الطيبات وحرَّم الخبائث، والطيِّب والخبيث يثبت للمحلِّ (^٢) باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكم تابع لها، فإذا زالت وخلَفتها الصفةُ الأخرى زال الحكم وخلَفه ضدُّه. فهذا هو محض القياس والمعقول. فهذا الماء والطعام كان طيِّبًا لقيام الصفة الموجبة لطيبه، فإذا زالت تلك الصفة وخلَفها (^٣) صفة الخبث عاد خبيثًا، فإذا زالت صفة الخبث عاد إلى ما كان عليه. وهذا كالعصير الطيب إذا تخمَّر صار خبيثًا، فإذا عاد خلًّا (^٤) عاد طيِّبًا. والماء الكثير إذا تغيَّر بالنجاسة صار خبيثًا، فإذا زال التغير عاد طيِّبًا. والرجل المسلم إذا ارتدَّ صار خبيثًا، فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيِّبًا.\nوالدليل على أنه طيِّب [٢٤٠/ب]: الحسُّ والشرع. أما الحِسُّ فلأن الخبث لم يظهر له فيه أثرٌ بوجهٍ ما، لا في لون ولا طعم ولا رائحة، ومحالٌ صدقُ المشتقِّ بدون المشتق منه. وأما الشرع فمن وجوه:\n_________\n(^١) ت: «النصوص والأصول».\n(^٢) في حاشية ح أن في نسخة: «للشيء».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وخلفتها».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «عاد إلى ما كان عليه» في موضع «عاد خَلًّا»، وأُراه إصلاحًا من بعض الناشرين.","vol":"2","page":248},{"text":"أحدها أنه كان طيِّبًا قبل ملاقاته لما يتأثر به، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه. وهذا يتضمَّن أنواع الاستصحاب الثلاثة المتقدمة: استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربًا وطبخًا وعجنًا (^١)، وملابسة استصحاب الحكم الثابت وهو الطهارة، واستصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع.\nالثاني: أنه لو شرب هذا الماء الذي قطرت فيه قطرةٌ من خمر مثل رأس الذبابة لم يُحَدَّ اتفاقًا. ولو شربه صبيٌّ وقد قطرت فيه قطرةٌ من لبن لم تنشر (^٢) الحرمة، فلا وجه للحكم بنجاسته، لا من كتاب ولا من سنة ولا قياس.\nوالذين قالوا: إن الأصل نجاسة الماء بالملاقاة، تناقضوا أظهر تناقض. ولم يمكنهم طردُ هذا الأصل، فمنهم من استثنى مقدار القلَّتين على خلافهم فيها، ومنهم من استثنى ما لا يمكن نزحُه. ومنهم من استثنى ما إذا حُرِّك أحدُ طرفيه لم يتحرَّك الآخر (^٣)، ومنهم من استثنى الجاري خاصَّةً. وفرَّقوا بين ملاقاة الماء في الإزالة إذا ورد على النجاسة، وملاقاتها له إذا وردت عليه بفروق. منها: أنه وارد على النجاسة فهو فاعل، وإذا وردت عليه فهو مورود منفعل وهو أضعف. ومنها: أنه إذا كان واردًا فهو جارٍ والجاري له قوة. ومنها [٢٤١/ب] أنه إذا كان واردًا فهو في محلّ التطهير، وما دام في محلِّ التطهير فله عمل وقوة.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أو طبخًا أو عجنًا».\n(^٢) ف: «لم تنتشر».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «الطرف الآخر».","vol":"2","page":249},{"text":"والصواب أن مقتضى القياس (^١) أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وأنه إذا تغيَّر في محلِّ التطهير فهو نجس أيضًا، وهو في حال تغيُّره لم يُزِلها، وإنما خفَّفها. ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير متغيِّر. وهذا هو القياس في المائعات كلِّها: أنَّ يسير النجاسة إذا استحالت في الماء، فلم يظهر لها فيها (^٢) لون ولا طعم ولا رائحة، فهي من الطيبات لا من الخبائث.\nوقد صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الماء لا ينجُس» (^٣).\nوصحَّ عنه أنه قال: «إن الماء لا يجنُب» (^٤).\nوهما نصَّان صريحان في أن الماء لا ينجُس بالملاقاة، ولا يسلُبه طهوريتَه استعمالُه في إزالة الحدث. ومن نجَّسه بالملاقاة أو سلبَ طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجُس ويجنُب. والنبيُّ - ﷺ - ثبت عنه في «صحيح\n_________\n(^١) «أن مقتضى القياس» زيد في ح فوق السطر، وهو في متن ف، و«مجموع الفتاوى».\n(^٢) يعني: في المائعات. وفي النسخ المطبوعة: «ولم يظهر لها فيه».\n(^٣) رواه أحمد (١١١١٩)، أبو داود (٦٦، ٦٧)، والترمذي (٦٦) ــ وحسنه ــ، والنسائي (٣٢٦، ٣٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا. ويُنظر: «العلل» للدارقطني (١١/ ٢٨٥ - ٢٨٩)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٢٨ - ٣٢)، و«البدر المنير» لابن النحوي (١/ ٣٨١ - ٣٨٨). وله شاهد سيأتي عَقِبَ هذا.\n(^٤) رواه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٣٧٠) من حديث ابن عباس مرفوعًا. وصححه أيضًا ابن حبان (٢٢٦٦، ٣٩٤٧). وأعلّه الإمام أحمد بالإرسال. ويُنظر: «المجتبى» للنسائي (٣٢٥)، و«المختصر» لابن خزيمة (٩١)، و«العلل» للدارقطني (١٥/ ٢٦٠)، و«المستدرك» للحاكم (١/ ١٥٩)، و«الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (١٢/ ١١ - ١٦)، و«فتح الباري» لابن رجب (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣).","vol":"2","page":250},{"text":"البخاري» (^١) أنه سئل عن فأرة وقعت في سَمْنٍ، فقال: «ألقُوها وما حولها، وكلوه»، ولم يفصل بين أن يكون جامدًا أو مائعًا قليلًا أو كثيرًا. فالماء بطريق الأولى يكون هذا حكمه.\nوحديث التفريق بين الجامد والمائع حديث معلول (^٢). وهو غلط من معمر من عدّة وجوه بيَّنها البخاري في «صحيحه» والترمذي في «جامعه» وغيرهما. ويكفي أن الزهري الذي روى عنه معمر حديث التفصيل قد روى عنه الناس كلُّهم خلافَ ما رواه (^٣) عنه معمر، وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تُلقَى وما حولها، ويؤكل الباقي في [٢٤١/ب] الجامد والمائع والقليل والكثير، واستدلَّ بالحديث. فهذه فتياه، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه. فقد اتفق على ذلك النص والقياس، ولا يصلح للناس سواه. وما عداه من الأقوال فمتناقض لا يمكن صاحبَه طردُه كما تقدَّم. فظهر أن مخالفة القياس فيما خالف النصَّ لا فيما جاء به النصُّ.\n_________\n(^١) برقم (٥٥٣٨) من حديث ميمونة زوج النبي - ﷺ -.\n(^٢) رواه أحمد (٧١٧٧)، وأبو داود (٣٨٤٢) من حديث أبي هريرة مرفوعا. وهو حديثٌ غيرُ محفوظٍ، قد أعلّه الإمام البخاري، وأبو حاتم، والترمذي، وغيرُهم.\nأما ابن حبان فصححه (٤٣٧٤، ٤٣٧٥، ٤٣٧٦). ويُنظر: «المسند» للحميدي (٣١٤)، و«الجامع الصحيح» للبخاري (٥٥٣٨ - ٥٥٤٠)، و«الجامع» للترمذي عَقِبَ الحديث (١٧٩٨)، و«المجتبى» للنسائي (٤٢٦٠)، و«السنن الكبرى» له (٤٥٧٢)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٥٠٧)، و«العلل» للدارقطني (٧/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، و«الإمام» لابن دقيق العيد (٣/ ٤٦٧ - ٤٦٨)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٨٢ - ٨٣).\n(^٣) ت، ع: «روى عنه»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":251},{"text":"فصل\n\nوعلى هذا الأصل ف<span data-type=\"title\" id=toc-222>طهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس</span>، فإنها نجست (^١) لوصف الخبث، فإذا زال الموجِب زال الموجَب. وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها، بل وأصل الثواب والعقاب. وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت. وقد نبَش النبيُّ - ﷺ - قبور المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب (^٢). وقد أخبر الله سبحانه عن اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم. وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا عُلِفت بالنجاسة، ثم حبست وعُلِفت بالطاهرات، حلَّ لبنها ولحمها. وكذلك الزروع والثمار إذا سُقيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلَّت لاستحالة وصف الخبث وتبدُّله بالطيب. وعكسُ هذا أن الطيِّب إذا استحال خبيثًا صار نجسًا، كالماء والطعام إذا استحال بولًا وعَذِرة. فكيف أثَّرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثًا، ولم تؤثِّر في انقلاب الخبيث طيبًا؟ [٢٤٢/أ] والله تعالى يُخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب. ولا عبرة بالأصل، بل بوصف الشيء في نفسه. ومن الممتنع بقاءُ حكم الخبث، وقد زال اسمه ووصفه. والحكمُ تابع للاسم والوصف، دائرٌ معه وجودًا وعدمًا. فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا تتناول الزروع والثمار والرماد والملح والتراب والخَلَّ، لا لفظًا ولا معنًى، ولا نصًّا ولا قياسًا.\nوالمفرِّقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا: الخمر نجست\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «نجسة».\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢٨) ومسلم (٥٢٤) من حديث أنس.","vol":"2","page":252},{"text":"بالاستحالة فطهرت بالاستحالة. فيقال لهم: وهكذا البول والدم (^١) والعَذِرة إنما نجست بالاستحالة، فتطهُر بالاستحالة. فظهر أن القياس مع النصوص، وأن مخالفة القياس في الأقوال التي تخالف النصوص.\nفصل\nوأما قولهم: إن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس، لأنها لحم، واللحم لا يتوضأ منه؛ فجوابه أن الشارع فرَّق بين اللحمين، كما فرَّق بين المكانين، وكما فرَّق بين الراعيين: رعاة الإبل ورعاة الغنم (^٢)، فأمر بالصلاة في مرابض الغنم دون أعطان الإبل، وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم؛ كما فرَّق بين الربا والبيع، والذكيِّ (^٣) والميتة. فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرَّق الله بينه من أبطل القياس وأفسده، ونحن لا ننكر أن في الشريعة ما يخالف القياس الباطل!\nهذا مع أن الفرق بينهما ثابت في نفس الأمر، كما فرَّق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم، فقال: «الفخر والخيلاء في الفدَّادين أصحاب الإبل، والسكينة في أصحاب الغنم» (^٤).\nوقد جاء أنَّ على ذِروة كلِّ بعير شيطانًا (^٥). وجاء أنها جنٌّ خُلِقت من\n_________\n(^١) ع: «وهذا الدم والبول». وكذا في النسخ المطبوعة، غير أن فيها: «وهكذا».\n(^٢) كذا في ت، ع والنسخ المطبوعة. وهو ساقط من ف. وفي حاشية ح: «راعي الإبل وراعي الغنم».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «والمذكَّى»، ولعله تغيير، وقد سبق مثله غير مرَّة.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٣٠١) ومسلم (٥٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) رواه أحمد (١٦٠٣٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٢٦٥) من حديث حمزة الأسلمي مرفوعا، وقال: «أسامة بن زيد ليس بالقوي في الحديث». أسامة هو مولى الليثيِّين، وهو صدوقٌ ليِّنُ الحديث، وشيخُه في هذا الحديثِ: محمدُ بن حمزةَ الأسلميُّ، وهو مجهولُ الحال. وقد صحّح ابنُ خزيمةَ الحديثَ (٢٥٤٦)، وكذا ابن حبان (٢٢٦٣)، والحاكم (١/ ٤٤٤). ورواه أحمد (١٧٩٣٨، ١٧٩٣٩) من حديث أبي لاس الخزاعي مرفوعا، وصححه ابن خزيمة (٢٣٧٧، ٢٥٤٣)، والحاكم (١/ ٤٤٤)! ورواه الحاكم (١/ ٤٤٤) من حديث أبي هريرة مرفوعا، وقطع أنه على شرط مسلم! ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦٦٨٨) من حديث جعفر الصادق، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، لكنه من المناكير والأوابد التي يرويها محمد بن عبد العزيز الرملي عن القاسم بن غصن. والمحفوظ عن جعفر روايتُه إياه عن أبيه الباقر مرسلا، كذا رواه ابن أبي شيبة (٣٠٣٤٠) عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر به. ورواه مسدد [كما في «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (٢٤٠٧)، و«المطالب العالية» لابن حجر (١٩٧٩)]، وابن أبي شيبة (٣٠٣٤٢) من طريق عبد الرحمن بن أبي عمرة مرسلا.","vol":"2","page":253},{"text":"جنِّ (^١). ففيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه بالمغتذي. ولهذا حرِّم كلُّ ذي نابٍ من السباع ومخلبٍ من الطير (^٢)، لأنها دواب عادية، فالاغتذاء بها\n_________\n(^١) رواه الشافعي (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨) ــ ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٤٩) ــ من حديث الحسن، عن عبد الله بن مغفل مرفوعا، وسندُه واهٍ، آفتُه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو واهٍ متروكٌ. لكن تابعه محمد بن إسحاق بن يسار على معناه، فيما رواه أحمد (٢٠٥٥٧)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٠٩٢).\n\nوالمحفوظ ما رواه أحمد (١٦٧٨٨، ١٦٧٩٩، ٢٠٥٤١، ٢٠٥٧١)، وابن ماجه (٧٦٩) من طرق عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل مرفوعا: «... فإنها خُلِقتْ من الشياطين». وصححه ابن حبان (٢٢٦٢، ٤٢٣٢). وأصل الحديث عند النسائي (٧٣٥، ٤٢٨٠، ٤٢٨٨) دون محلّ الشاهد. ويُنظر: «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ٢٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٣٤) من حديث ابن عباس - ﵄ -.","vol":"2","page":254},{"text":"يجعل في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضرُّه في دينه. فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشيطانية، والشيطان خُلِق من نار، والنارُ تطفأ بالماء، هكذا جاء الحديث، ونظيره الحديث الآخر: «إن الغضب من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (^١) = فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفئ تلك القوة الشيطانية، فتزول تلك المفسدة.\nولهذا أمرنا بالوضوء مما مسَّت النار، إما إيجابًا منسوخًا، وإما استحبابًا غيرَ منسوخ. وهذا الثاني أظهر لوجوه. منها: أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذُّر الجمع بين الحديثين. ومنها: أن رواة أحاديث الوضوء بعضُهم متأخر الإسلام كأبي هريرة. ومنها: أن المعنى الذي أمَر (^٢) بالوضوء لأجله منها هو اكتسابها من القوة النارية، وهي مادة الشيطان التي خُلِق منها، والنار تطفأ بالماء، وهذا المعنى موجود فيها. وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب. ومنها: أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه - ﷺ -[٢٤٣/أ] أكل مما مسَّت النار، ولم يتوضأ (^٣). وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء، لا على عدم استحبابه، فلا تنافي بين أمره وفعله. وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي، وتحقُّق التاريخ،\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧٩٨٥)، وأبو داود (٤٧٨٤) من حديث عطية السعدي مرفوعا، وفي سنده ضعفٌ وجهالة. وله شاهدٌ واهٍ جدًّا، رواه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٢٧٧٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ١٣٠) من حديث معاوية مرفوعا، وآفتُه ياسين بن معاذ الزيّات، قال أبو داود: «متروك الحديث ضعيف، وهو ببيع الزيت أعلم منه بالعلم»!\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أمرنا».\n(^٣) منها حديث ابن عباس، أخرجه البخاري (٢٠٧) ومسلم (٣٥٤).","vol":"2","page":255},{"text":"وكلاهما منتفٍ. وقد يكون الوضوء من مسِّ الذكر ومسِّ النساء من هذا الباب، لما في ذلك من تحريك الشهوة، فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس.\nولما كانت القوة الشيطانية في لحوم الإبل لازمة كان الأمر بالوضوء منها لا معارض له من فعل ولا قول، ولما كانت في ممسوس النار عارضة صحَّ فيها الأمر والترك. ويدل على هذا أنه فرَّق بينها وبين لحوم الغنم في الوضوء، وفرَّق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة. فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل، وأذِن في الصلاة في مرابض الغنم. وهذا يدل على أنه ليس ذلك لأجل الطهارة والنجاسة، كما أنه لما أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم عُلِم أنه ليس ذلك لكونها مما مسَّته النار. ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحشوش، بخلاف مباركها في السفر، فإن الصلاة فيها جائزة، لأن الشيطان هناك عارض. وطردُ هذا المنع من الصلاة في الحمام، لأنه بيت الشيطان.\nوفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان. والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل. فإذا عُقِل المعنى لم يكن بدٌّ من تعديته، ما لم يمنع منه مانع. والله أعلم.\nفصل\nوأما (^١) الفطر بالحجامة، فإنما اعتقد من قال: «إنه على خلاف القياس» ذلك بناءً على أن القياس: الفِطرُ بما دخل، لا بما خرج. وليس كما ظنوه، بل\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أما» بحذف الواو.","vol":"2","page":256},{"text":"الفطر بها محض القياس. وهذا إنما يتبيَّن [٢٤٣/ب] بذكر قاعدة، وهي: أن الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعدل، وأمر فيه بغاية الاعتدال؛ حتى نهى عن الوصال، وأمر بتعجيل الفطر، وتأخير السحور (^١)،\nوجعل أعدل الصيام وأفضله صيام داود (^٢). فكان من تمام الاعتدال في الصوم أن لا يُدخِل الإنسان ما به قوامه كالطعام والشراب، ولا يُخرِج ما به قوامه كالقيء والاستمناء. وفرَّق بين ما يمكن الاحتراز منه من ذلك وما لا يمكن، فلم يفطر بالاحتلام ولا بالقيء الذارع، كما لا يفطر بغبار الطحين وما يسبق من الماء إلى الجوف عند الوضوء والغسل. وجعل الحيض منافيًا للصوم دون الجنابة، لطول زمنه (^٣)، وكثرة خروج الدم، وعدم التمكُّن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة. وفرَّق بين دم الحجامة ودم الجرح، فجعل الحجامةَ من جنس القيء والاستمناء والحيض، وخروجَ الدم من الجرح والرعاف من جنس الاستحاضة والاحتلام وذرع\n_________\n(^١) رواه أبو يعلى في «المسند الكبير» [كما في «المطالب العالية» لابن حجر (١٠٢٤)] من حديث عائشة مرفوعا. وهو منكر جدًّا، تفرّد به طيب بن سليمان (الضعيف) عن (عَمْرةَ) دُونَ الحفاظ الأكابر من الآخذين عنها.\n\nوروى ابن أبي خيثمة في «التاريخ» (٣٥٠٤ - السِّفر الثاني)، والطبراني (٢٥/ ١٦٣) من حديث أم حكيم بنت وداع مرفوعا: «عَجِّلُوا الإفطار، وأخِّرُوا السحور». وفي سندِه ثلاثُ نسوةٍ مجهولاتٌ على نَسَقٍ. ورواه ابن عدي (٨/ ٢٧) من حديث أنس مرفوعا بنحوه، وفي سنده مبارك بن سُحيم، وهو متروك. وروى أحمد (٢١٣١٢، ٢١٥٠٧) من حديث أبي ذر مرفوعا: «لا تزال أمّتي بخير؛ ما عجّلوا الإفطار، وأخّروا السحور». وفي سنده ضعفٌ وجهالة.\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٣١) ومسلم (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «زمانه».","vol":"2","page":257},{"text":"القيء. فتناسبت الشريعة، وتشابهت تأصيلًا وتفصيلًا، وظهر أنها على وفق القياس الصحيح والميزان العادل، ولله الحمد.\nفصل (^١)\nومما يُظَنّ أنه على خلاف القياس باب التيمم. قالوا: إنه على خلاف القياس من وجهين:\nأحدهما: أن التراب ملوِّث لا يزيل درَنًا ولا وسخًا، ولا يطهِّر البدن كما لا يطهِّر الثوب.\nوالثاني: أنه شُرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروج عن القياس الصحيح (^٢).\nولعمرُ الله، إنه خروج عن القياس الباطل المضادِّ للدين، وهو على وفق القياس الصحيح، فإن الله سبحانه جعل من الماء كلَّ شيء حيّ، وخلقنا من التراب، فلنا مادتان: الماء، والتراب. فجعل منهما [٢٤٤/أ] نشأتنا وأقواتنا، وبهما تطهرنا وتعبدنا، فالتراب أصلُ ما خلق منه الناس، والماءُ حياة كلِّ شيء. وهما الأصل في الطبائع التي ركَّب الله عليها هذا العالم، وجعل قوامه بهما. وكان أصلُ ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماء في الأمر المعتاد، فلم يجُز العدول عنه إلا في حال العدم والعذر بمرض أو نحوه. وكان النقلُ عنه إلى شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره، وإن لوَّث ظاهرًا فإنه يطهِّر باطنًا، ثم يقوِّي طهارة الباطن، فيزيل دنسَ الظاهر أو يخفِّفه.\n_________\n(^١) لم يرد هذا الفصل والفصل التالي في «مجموع الفتاوى».\n(^٢) لفظ «الصحيح» من ع.","vol":"2","page":258},{"text":"وهذا أمرٌ يشهده من له بصر نافذ بحقائق الأعمال وارتباط الظاهر بالباطن، وتأثُّرِ كلٍّ منهما بالآخر وانفعالِه عنه.\nفصل\nوأما كونه في عضوين، ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإنَّ وضعَ التراب على الرؤوس مكروه في العادات، وإنما يُفعل عند المصائب والنوائب. والرِّجلان محلُّ ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم لله والذل له والانكسار لله ما هو من أحبِّ العبادات إليه وأنفعها للعبد. ولذلك يستحَبُّ للساجد أن يترِّبَ وجهه لله، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد، وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال: «ترِّب وجهَك» (^١). وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرِّجلين.\nوأيضًا فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر، وهو أن التيمم جُعِل في العضوين المغسولين، وسقط عن العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تُمسَحان في الخف (^٢)، فلما خُفِّف عن المغسولين بالمسح خُفِّف عن\n_________\n(^١) المشهور أن الحديث مرفوع، رواه أحمد (٢٦٥٧٢، ٢٦٧٤٤)، والترمذي (٣٨١، ٣٨٢) من حديث أم سلمة مرفوعا، وقال الترمذي: «إسنادُه ليس بذاك ...». وضعّفه أيضًا البيهقي (٢/ ٢٥٢)، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٢٤٦). أما ابن حبان فصححه (١٣٢٤). وصححه أيضًا الحاكم (١/ ٢٧١). وله شاهدٌ، رواه عبد الرزاق (١٥٢٨) عن معمر، عن خالد الحذّاء مرسلا، وهو (على التحقيق) معضلٌ. ويُنظر: «السنن الكبرى» للنسائي (٥٥٣)، و«الأحكام الوسطى» لعبد الحق الإشبيلي (٢/ ٧)، و«بيان الوهم والإيهام» لابن القطان الفاسي (٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦، ٥/ ٦٩٦).\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «والرأس في العمامة».","vol":"2","page":259},{"text":"الممسوحين بالعفو، إذ لو مُسِحا بالتراب لم يكن فيه [٢٤٤/ب] تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب. فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها، وهو الميزان الصحيح.\nوأما كون تيمم الجنب كتيمم المحدِث، فلما سقط مسح الرأس والرجلين بالتراب عن المحدِث سقط مسحُ البدن كلِّه بالتراب عنه بطريق الأولى، إذ في ذلك من المشقة والحرج والعسر ما يناقض رخصة التيمم، ويدخل أكرم المخلوقات على الله في شبه البهائم إذا تمرَّغ في التراب. فالذي جاءت به الشريعة لا مزيد في الحسن والحكمة والعدل عليه، ولله الحمد.\nفصل\nوأما السَّلَم، فمن ظن أنه على خلاف القياس توهَّم دخوله تحت قول النبي - ﷺ -: «لا تَبِع ما ليس عندك» (^١). وأنه (^٢) بيعُ معدوم، والقياس يمنع منه. والصواب أنه على وفق القياس، فإنه بيعُ مضمون في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالبًا، وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وقد تقدَّم أنها\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٥٣١١ - ١٥٣١٣، ١٥٣١٥، ١٥٥٧٣)، وأبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢، ١٢٣٣) ــ ونبّه على انقطاع سنده ــ، وابن ماجه (٢١٨٧)، والنسائي (٤٦١٣) من حديث حكيم بن حزام مرفوعا. ويُنظر: «التاريخ» لابن أبي خيثمة (٥١٣ - ٥٢١ - السِّفْر الثاني). وله شاهد يُقوِّيه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، رواه أحمد (٦٦٢٨، ٦٦٧١، ٦٩١٨)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤) ــ وصحّحه ــ، وابن ماجه (٢١٨٨)، والنسائي (٤٦١١، ٤٦٣١).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فإنه».","vol":"2","page":260},{"text":"على وفق القياس. وقياس السَّلم على بيع العين المعدومة التي لا يدري أيقدر على تحصيلها أم لا، والبائع والمشتري منها على غرر، من أفسد القياس صورة ومعنى. وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له، وبين السَّلَم إليه في مُغَلٍّ مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه، فالجمعُ بينهما كالجمع بين الميتة والذكي (^١)، والربا والبيع.\nوأما قول النبي - ﷺ - لحكيم بن حزام: «لا تبِع ما ليس عندك» فيحتمل معنيين (^٢). أحدهما: أن يبيع عينًا معيَّنةً وهي ليست عنده، بل ملك للغير، فيبيعها، ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري. والثاني: أن يريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة (^٣) [٢٤٥/أ] فليس عنده حسًّا ولا معنًى، فيكون قد باعه شيئًا لا يدري هل يحصل له أم لا؟ وهذا يتناول أمورًا:\nأحدها: بيعُ عين معينة ليست عنده.\nالثاني: السلَم الحالُّ في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه.\nالثالث: السلَم المؤجَّل إذا لم يكن على ثقة من توفيته عادةً. فأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو دين من الديون، وهو كالابتياع بثمن مؤجل. فأيُّ فرق بين كون أحد العوضين مؤجلًا في الذمة وبين الآخر؟ فهذا محض\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «والمذكى»، خلافًا للنسخ الخطية، وقد سبق قريبًا.\n(^٢) ع: «فيحمل على معنيين»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) زاد بعضهم في حاشية ح هنا: «وهذا أشبه». وهذه الجملة قد وردت في «مجموع الفتاوى».","vol":"2","page":261},{"text":"القياس والمصلحة. وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهذا يعُمُّ الثمن والمثمَّن، وهذا هو الذي فهمه ترجمان القرآن من القرآن عبد الله بن عباس، فقال: أشهد أن السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله، وقرأ هذه الآية (^١).\nفثبت أن إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة، وشُرِع على أكمل الوجوه وأعدلها، فشُرِط فيه قبض الثمن في الحال، إذ لو تأخَّر لحصل شغل الذمتين بغير فائدة، ولهذا سُمِّي سلمًا لتسليم الثمن. فإذا أخّر الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه، وكثرت المخاطرة، ودخلت المعاملة في حدِّ الغرر. ولذلك منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين؛ لأنه قد يتخلَّف، فيمتنع التسليم.\nوالذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم، لكن ضيَّقوا ما وسَّعه (^٢) الله، وشرطوا ما لم يشرُطه، وخرجوا عن موجَب القياس والمصلحة. أما القياس فإنه أحد العوضين، فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن. وأما المصلحة فإن في اشتراط ذلك تعطيلَ [٢٤٥/ب] مصالح الناس، إذ الحاجة التي لأجلها شرع الله ورسوله السلمَ\n_________\n(^١) رواه الشافعي في «الأم» (٤/ ١٨٢ - ١٨٣)، وعبد الرزاق (١٤٠٦٤)، وابن أبي شيبة (٢٢٧٥٨)، وابن جرير في «جامع البيان» (٥/ ٧١)، وابن المنذر في «التفسير» (٦٦، ٦٧)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٢٩٤٨)، والطبراني (١٢٩٠٣)، والحاكم (٢/ ٢٨٦) ــ وصححه ــ، والبيهقي (٦/ ١٨، ١٩)، وفي «السنن الصغير» (٢٠٠٠)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٤٠٢)، وسندُه جيِّدٌ.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وسَّع».","vol":"2","page":262},{"text":"الارتفاقُ من الجانبين: هذا يرتفق بتعجيل الثمن، وهذا يرتفق برخص المثمّن. وهذا قد يكون في منقطع الجنس، كما قد يكون في متصله. فالذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد.\nفصل\nوأما الكتابة، فمن قال: هي على خلاف القياس، قال: هي بيع السيِّد ماله بماله. وهذا غلط، وإنما باع العبد نفسه بمال في ذمته، والسيِّد لا حقَّ له في ذمة العبد، وإنما حقُّه في بدنه؛ فإن السيد حقُّه في ماليّة العبد لا في إنسانيّته، وإنما يطالب العبد بما في ذمته بعد عتقه، وحينئذ فلا ملك للسيد عليه. وإذا عُرِف هذا فالكتابة: بيعه نفسَه بمال في ذمته، ثم إذا اشترى نفسه كان كسبُه له ونفعه له، وهو حادث على ملكه الذي استحقَّه بعقد الكتابة. ومن تمام حكمة الشارع أنه أخَّر فيها العتق إلى حين الأداء، لأن السيد لم يرض بخروجه عن ملكه إلا بأن يسلَّم له العوض، فمتى لم يسلَّم له العوض وعجز العبد عنه كان له الرجوعُ في البيع. فلو وقع العتق لم يمكن رفعه بعد ذلك، فيحصل السيد على الحرمان. فراعى الشارع مصلحة السيد ومصلحة العبد، وشرع الكتابة على أكمل الوجوه وأشدِّها مطابقةً للقياس الصحيح.\nوهذا هو القياس في سائر المعاوضات، وبه جاءت السنة الصحيحة الصريحة الذي لا معارض لها: أن المشتري إذا عجز عن الثمن كان للبائع الرجوع في عين ماله، وسواء حكم الحاكمُ بفَلَسه أم لا. والنبيُّ - ﷺ - لم يشترط حكم الحاكم، ولا أشار إليه، ولا دلَّ عليه بوجه ما، فلا وجه لاشتراطه. وإنما المعنى الموجِب للرجوع [٢٤٦/أ] هو الفلَس الذي حال بين البائع وبين الثمن. وهذا المعنى موجود بدون حكم الحاكم، فيجب ترتيب","vol":"2","page":263},{"text":"أثره عليه. وهو محض العدل، وموجَب القياس، فإن المشتري لو اطلع على عيب في السلعة كان له الفسخ بدون حكم حاكم. ومعلوم أن الإعسار عيب في الذمة لو علِم به البائع لم يرضَ بكون ماله في ذمة مفلس. فهذا محض القياس الموافق للنص ومصالح العباد. وبالله التوفيق.\nوطردُ هذا القياس عجزُ الزوج عن الصداق، وعجزُه عن الوطء، وعجزُه عن النفقة والكسوة. وطردُه عجزُ المرأة عن العوض في الخلع أن للزوج الرجعة. وهذا هو الصواب بلا ريب، فإنه لم يخرج البُضْعُ عن ملكه إلا بشرط سلامة العوض. وطردُه الصلح عن القصاص إذا لم يحصل له ما يصالح عليه، فله العود إلى طلب القصاص. فهذا موجَب العدل ومقتضى قواعد الشريعة وأصولها. وبالله التوفيق.\nفصل\nوأما الإجارة، فالذين قالوا: هي على خلاف القياس، قالوا: هي بيع معدوم، لأن المنافع معدومة حين العقد. ثم لما رأوا الكتاب قد دلَّ على جواز إجارة الظئر للرضاع بقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] قالوا: إنها على خلاف القياس من وجهين. أحدهما: كونها إجارة. والثاني: أن الإجارة عقد على المنافع، وهذه عقد على الأعيان. ومن العجب أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه، وقالوا: هي (^١) خلاف القياس. والحكم إنما يكون على خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع يشابهه بنقيض ذلك الحكم، فيقال: هذا خلاف قياس ذلك [٢٤٦/ب] النص.\n_________\n(^١) ت: «هي على»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":264},{"text":"وليس في القرآن ولا في السنة ذكر فساد إجارة شبه هذه الإجارة. ومنشأ وهمهم ظنُّهم أن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض قائمة بغيرها، لا أعيان قائمة بنفسها. ثم افترق هؤلاء فرقتين:\nفقالت فرقة: إنما احتملناها على خلاف القياس لورود النص، فلا نتعدَّى محلَّه.\nوقالت فرقة: بل نخرجها على ما يوافق القياس، وهو كون المعقود عليه أمرًا غير اللبن، بل هو إلقامُ الصبيِّ الثديَ، ووضعُه في حجر المرضعة، ونحو ذلك من المنافع التي هي مقدمات الرضاع، واللبن يدخل تبعًا غيرَ مقصود بالعقد. ثم طردوا ذلك في مثل ماء البئر والعيون التي في الأرض المستأجرة، وقالوا: يدخل ضمنًا وتبعًا. فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر لسقي الزرع والبستان قالوا: إنما وردت الإجارة على مجرَّد إدلاء الدلو في البئر وإخراجه، وعلى مجرَّد إجراء العين في أرضه؛ مما هو قلبُ الحقائق، وجعلُ المقصود وسيلةً، والوسيلةِ مقصودةً؛ إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة، وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة، ولا معقودًا عليها. ولا قيمة لها أصلًا، وإنما هي كفتح الباب وكقَود الدابة (^١) لمن اكترى دارًا أو دابةً.\nونحن نتكلَّم على هذين الأصلين الباطلين: على أصل من جعل الإجارة على خلاف القياس، وعلى أصل من جعل إجارة الظئر ونحوها على خلاف القياس، فنقول [٢٤٧/أ] وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٣٢): «كصعود الدابة»، ولعله تحريف.","vol":"2","page":265},{"text":"أما الأصل الأول، فقولهم: «إن الإجارة بيعُ معدوم، وبيع المعدوم باطل» دليل مبني على مقدّمتين مجملتين غير مفصَّلتين، قد اختلط في كلٍّ منهما الخطأ بالصواب.\nفأما المقدمة الأولى (^١) وهي كون الإجارة بيعًا، إن أردتم به البيع الخاصَّ الذي يكون العقد فيه على الأعيان لا على المنافع فهو باطل، وإن أردتم به البيع العامَّ الذي هو معاوضة إما على عين وإما على منفعة، فالمقدمة الثانية باطلة. فإن بيع المعدوم ينقسم إلى بيع الأعيان وبيع المنافع، ومن سلَّم بطلان بيع المعدوم فإنما يسلِّمه في الأعيان.\nولما كان لفظ البيع يحتمل هذا وهذا تنازع الفقهاء في الإجارة: هل تنعقد بلفظ البيع؟ على وجهين. والتحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ من الألفاظ عرَف به المتعاقدان مقصودهما. وهذا حكم شامل لجميع العقود، فإن الشارع لم يحُدَّ لألفاظ العقود حدًّا، بل ذكرها مطلقة. فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية والتركية فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ العربية أولى وأحرى.\nولا فرق بين النكاح وغيره. وهذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد. قال شيخنا (^٢): بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول. وأما كونه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج فإنما هو قول ابن حامد والقاضي وأتباعه. وأما قدماء أصحاب\n_________\n(^١) انظر المقدمة الثانية في الفصل التالي.\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٣٤)، والكلام لا يزال منقولًا عنه، متصلًا ما سبقه بما يليه.","vol":"2","page":266},{"text":"أحمد فلم يشترط أحد منهم ذلك. وقد نصَّ أحمد على [٢٤٧/ب] أنه إذا قال: «أعتقتُ أمتي وجعلتُ عتقها صداقها» أنه ينعقد النكاح. قال ابن عقيل: وهذا يدل على أنه لا يختص النكاح بلفظ. وأما ابن حامد فطرَد أصلَه، وقال: لا ينعقد حتى يقول مع ذلك: «تزوجتها». وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجًا عن القياس، فجوَّز النكاح في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج. وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا، فإن من أصوله أن العقود تنعقد بما يدل على مقصودها من قول أو فعل، ولا يرى اختصاصها بالصيغ.\nومن أصوله: أن الكناية مع دلالة الحال كالصريح كما قاله في الطلاق والقذف وغيرهما. والذين اشترطوا لفظ الإنكاح والتزويج قالوا: ما عداهما كناية، فلا يثبت حكمها إلا بالنية، وهي أمر باطن لا اطلاع للشاهد عليه؛ إذ الشهادة إنما تقع على المسموع، لا على المقاصد والنيات. وهذا إنما يستقيم إذا كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعرف الشرع وفي عرف المتعاقدين، والمقدمتان غير معلومتين. أما الأولى فإن الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح، فقال: «ملَّكتُكها بما معك من القرآن» (^١). وأعتق صفية، وجعل عتقها صَداقها (^٢)، ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج. وأباح الله ورسوله النكاح وردَّ فيه الأمة إلى ما تتعارفه نكاحًا بأيِّ لفظ كان، ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيم شرعي، فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلًا، فما هو الضابط لذلك؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٣٠) ومسلم (١٤٢٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢٠٠) ومسلم (١٣٦٥) من حديث أنس بن مالك.","vol":"2","page":267},{"text":"وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحًا أو كنايةً أمر يختلف باختلاف عرف المتكلم والمخاطب [٢٤٨/أ] والزمان والمكان. فكم من لفظ صريحٌ عند قوم، وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان، وزمان دون زمان. فلا يلزم من كونه صريحًا في خطاب الشارع أن يكون صريحًا عند كلِّ متكلِّم، وهذا ظاهر.\nوالمقصود: أن قوله: «الإجارةُ (^١) نوعٌ من البيع» إن أراد به البيع الخاصَّ فباطل، وإن أراد به البيع العامَّ فصحيح. ولكن قوله: «إن هذا البيع لا يرد على معدوم» دعوى باطلة، فإن الشارع جوَّز المعاوضة العامَّة على المعدوم. فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد، فإن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها البتة، بخلاف الأعيان. وقد فرَّق بينها الحسُّ والشرعُ، فإن النبي - ﷺ - أمر أن يؤخَّر العقد على الأعيان التي لم تُخلق إلى أن تخلق، كما نهى عن بيع السنين، وحَبَل الحَبَلة، والثمر قبل أن يبدو صلاحه (^٢)، والحبِّ حتى يشتدَّ (^٣)، ونهى عن الملاقيح والمضامين (^٤)، ونحو ذلك. وهذا يمتنع مثله في المنافع، فإنه لا يمكن أن تباع إلا في حال عدمها.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «إن الإجارة» بزيادة «إن».\n(^٢) سبق تخريج كلِّ ذلك.\n(^٣) رواه أحمد (١٣٣١٤، ١٣٦١٣)، وأبو داود (٣٣٧١)، والترمذي (١٢٢٨) ــ وقال: «حسنٌ غريبٌ» ــ، وابن ماجه (٢٢١٧) من حديث أنس - ﵁ - مرفوعا. وصححه ابن حبان (١٨٨٩)، والحاكم (٢/ ١٩)، وابن النحوي في «البدر المنير» (٦/ ٥٣٠، ٥٨١). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٥/ ٣٠٥ - ٣٠٧). ويُنظر: «السنن الكبير» للبيهقي (٥/ ٣٠٣)، و«معرفة السنن والآثار» له (٤/ ٣٢٨).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"2","page":268},{"text":"فهاهنا أمران: أحدهما: يمكن إيراد العقد عليه في حال وجوده وحال عدمه، فنهى الشارع عن بيعه حتى يوجد، وجوَّز منه بيعَ ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد إذا دعت الحاجة إليه. وبدون الحاجة لم يجوِّزه. والثاني: ما لا يمكن إيراد العقد عليه إلا في حال عدمه كالمنافع، فهذا جوَّز العقد عليه ولم يمنع منه.\nفإن قلت: أنا أقيس أحد النوعين على الآخر، وأجعل العلة مجرَّدَ كونه معدومًا.\nقيل: هذا قياس فاسد؛ لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين، وقولك: «إنّ العلَّة مجرَّدُ كونه معدومًا» دعوى [٢٤٨/ب] بغير دليل، بل دعوى باطلة. فلم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدومًا يمكن تأخير بيعه إلى زمن وجوده؟ وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص، وأنت لم تبيِّن أن العلة في الأصل مجرَّد كونه معدومًا؛ فقياسك فاسد. وهذا كافٍ في بيان فساده بالمطالبة، ونحن نبيِّن بطلانه في نفسه، فنقول: ما ذكرناه علة مطردة، وما ذكرته علة منتقضة. فإنك إذا علَّلت بمجرَّد العدم ورد عليك النقض بالمنافع كلِّها وبكثير من الأعيان، وما علَّلنا به لا ينتقض.\nوأيضًا فالقياس المحض وقواعد الشريعة وأصولها ومناسبتها (^١) تشهد لهذه العلة، فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان في بيعه حالَ العدم مخاطرة وقمار. وبذلك علَّل النبي - ﷺ - المنعَ حيث قال: «أرأيتَ إن منع الله الثمرة، فبمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه بغير حقٍّ؟» (^٢). وأما ما ليس له إلا حال واحدة (^٣)\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ومناسباتها».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٩٨) ومسلم (١٥٥٥) من حديث أنس بن مالك.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «حال واحد».","vol":"2","page":269},{"text":"والغالب فيه السلامة، فليس العقد عليه مخاطرةً ولا قمارًا. وإن كان فيه مخاطرة يسيرة، فالحاجة داعية إليه. ومن أصول الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قُدِّم أرجحُهما. والغرر إنما نهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما، وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ضرر المخاطرة، فلا يزيل (^١) أدنى الضررين بأعلاهما.\nبل قاعدة الشريعة ضد ذلك، وهو دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما. ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحها لهم في العرايا للحاجة، لأن ضرر المنع من ذلك أشدُّ من ضرر المزابنة. ولمَّا حرَّم عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم [٢٤٩/أ] للضرورة. ولما حَرَّم عليهم النظر إلى الأجنبية أباح منه ما تدعو إليه الحاجة (^٢) للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب.\nفإن قلت: فهذا كلُّه على خلاف القياس.\nقيل: إن أردت أن الفرع اختصَّ بوصف أوجبَ (^٣) الفرق بينه وبين الأصل، فكلُّ حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على (^٤) خلاف القياس الفاسد. وإن أردت أن الأصل والفرع استويا في المقتضي والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعًا، ليس في الشريعة منه مسألة واحدة. والشيء إذا شابه غيرَه في وصفٍ وفارقه في وصفٍ كان اختلافهما في\n_________\n(^١) يعني: الشرع.\n(^٢) ت، ع: «الحاجة إليه».\n(^٣) ع: «يعجب».\n(^٤) لم يرد «على» في ح، ف.","vol":"2","page":270},{"text":"الحكم باعتبار الفارق مخالفًا لاستوائهما باعتبار الجامع. وهذا هو القياس الصحيح طردًا وعكسًا، وهو التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين.\nوأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يقتضي الحكم أو يمنعه فهذا هو القياس الفاسد الذي جاء الشرع دائمًا بإبطاله، كما أبطل قياس الربا على البيع، وقياس الميتة على المذكَّى، وقياس المسيح (^١) على الأصنام. وبيَّن الفارق بأنه عبدٌ أنعم عليه بعبوديته ورسالته، فكيف يعذِّبه بعبادة غيره له، مع نهيه عن ذلك وعدم رضاه به؛ بخلاف الأصنام؟ فمن قال: «إن الشريعة تأتي بخلاف القياس الذي هو من هذا الجنس» فقد أصاب، وهو من كمالها واشتمالها على العدل والمصلحة والحكمة. ومن سوَّى بين الشيئين لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوِّي بين كلِّ موجودين لاشتراكهما في مسمَّى الوجود. وهذا من أعظم الغلط، والقياس الفاسد (^٢) الذي ذمَّه السلف وقالوا: «أولُ من قاس [٢٤٩/ب] إبليس، وما عُبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس» (^٣). وهو القياس الذي اعترف أهل النار في النار ببطلانه حيث قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. وذمَّ الله أهله بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] أي يقيسونه على غيره ويسوُّون بينه وبين غيره في الإلهية والعبودية.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «عيسى ﵊».\n(^٢) «الفاسد» ساقط من ت.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":271},{"text":"وكلُّ بدعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل، فأصلها من القياس الفاسد. فما أنكرت الجهمية صفات الربِّ وأفعاله وعلوَّه على خلقه واستواءه على عرشه وكلامه وتكليمه لعباده ورؤيته في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد. وما أنكرت القدرية عموم قدرته ومشيئته، وجعلت في ملكه ما لا يشاء وأنه يشاء ما لا يكون، إلا بالقياس الفاسد. وما ضلَّت الرافضة وعادوا خيارَ الخلق وكفَّروا أصحابَ محمد - ﷺ - وسبُّوهم إلا بالقياس الفاسد. وما أنكرت الزنادقة والدهرية معاد الأجسام وانشقاق السماوات وطيَّ الدنيا، وقالت بقدم العالم، إلا بالقياس الفاسد. وما فسد ما فسد من أمر العالم وخرب (^١) منه إلا بالقياس الفاسد. وأولُ ذنبٍ عصي الله به: القياس الفاسد. وهو الذي جرَّ على آدم وذريته من صاحب هذا القياس ما جرَّ. فأصلُ شرِّ الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد. وهذه جملة (^٢) لا يدريها إلا من له اطلاع على الواجب والواقع، وله فقه في الشرع والقدر.\nفصل\nوأما المقدمة الثانية ــ وهي أن بيع المعدوم لا يجوز ــ فالكلام عليها من وجهين:\nأحدهما: منع صحة [٢٥٠/أ] هذه المقدمة، إذ ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في كلام أحد من أصحابه (^٣) أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ عامّ ولا بمعنى عامّ. وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي\n_________\n(^١) ع: «وخرب ما خرب». وكذا في النسخ المطبوعة إلا طبعة الشيخ الوكيل.\n(^٢) ت: «حكمة». وكذا في النسخ المطبوعة إلا طبعة الشيخ الوكيل.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ولا في سنة رسول الله - ﷺ - ولا في ... الصحابة».","vol":"2","page":272},{"text":"هي معدومة، كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة. فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود، بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغَرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودًا أو معدومًا، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد وإن كان موجودًا؛ إذ موجب البيع تسليم المبيع، فإذا كان البائع عاجزًا عن تسليمه فهو غرر ومخاطرة وقمار، فإنه لا يباع إلا بوَكْس. فإن أمكن المشتري تسليمُه (^١) كان قد قمَر البائعَ، وإن لم يمكنه ذلك قمَره البائعُ. وهكذا المعدوم الذي هو غرَر، نُهي عنه للغرر، لا للعدم؛ كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة أو هذه الشجرة، فالمبيع لا يُعرَف وجوده ولا قدره ولا صفته. وهذا من الميسر الذي حرَّمه الله ورسوله. ونظير هذا في الإجارة أن يُكريه دابة لا يقدر على تسليمها، سواء كانت موجودة أو معدومة. وكذلك في النكاح إذا زوَّجه أمةً لا يملكها، أو ابنةً لم تولد له. وكذلك سائر عقود المعاوضات، بخلاف الوصية فإنها تبرُّع محض، فلا غرر في تعلُّقها بالموجود والمعدوم، وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر. وطردُه الهبة، إذ لا محذور في ذلك فيها. وقد صحَّ عن النبي - ﷺ - هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كُبَّة الشَّعر حين أخذها من المغنم، وسأله أن يهبها له، فقال: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك» (^٢).\nالوجه الثاني: أن نقول: [٢٥٠/ب] بل الشرع صحَّح بيعَ المعدوم في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «تسلُّمه». ويصح ما جاء في النسخ الخطية على أن يكون المصدر في المعنى مجهولًا.\n(^٢) رواه أحمد (٦٧٢٩، ٧٠٣٧)، وأبو داود (٢٦٩٤)، والنسائي (٣٦٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا .. وحسّنه ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/ ٢١٤).","vol":"2","page":273},{"text":"بعض المواضع، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدوِّ صلاحه، والحبِّ بعد اشتداده. ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود، والمعدوم الذي لم يُخلَق بعد. والنبيُّ - ﷺ - نهى عن بيعه قبل بدوِّ صلاحه، وأباحه بعد بدوِّ الصلاح. ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصلاح بشرط القطع كالحِصْرِم جاز، فإنما نهى عن بيعه إذا كان قصده التبقية إلى الصلاح. ومن جوَّز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقًا، وجعل موجب العقد القطع، وحرَّم بيعه بشرط التبقية أو مطلقًا= لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة. ولم يكن فرَّق بين ما نهى عنه من ذلك وما أذن فيه، فإنه يقول: موجَب العقد: التسليم في الحال، فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحه أو لم يبدُ. والصواب قول الجمهور الذي دلَّت عليه سنة رسول الله - ﷺ - والقياس الصحيح.\nوقوله: «إن موجب العقد التسليم في الحال»، جوابه أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه. وكلاهما منتفٍ في هذه الدعوى، فلا الشارع أوجب أن يكون كلُّ بيع يستحقُّ به التسليم (^١) عقيب العقد، ولا العاقدان التزما ذلك. بل تارةً يعقدان العقد على هذا الوجه، وتارةً يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المثمَّن. وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير تسليم المبيع (^٢)، كما كان لجابر غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة. فكيف يمنعه الشارع ما فيه مصلحة له، ولا ضرر على الآخر فيها؟ إذ قد\n_________\n(^١) ع: «مستحق التسليم»، وكذا في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٤٤). وفي النسخ المطبوعة: «كل مبيع مستحق التسليم». ونحوه في نشرة الوكيل بزيادة «به» بعد «مبيع».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «التسليم للمبيع».","vol":"2","page":274},{"text":"رضي بها، كما رضي النبي - ﷺ - بتأخير تسليم [٢٥١/أ] البعير (^١). ولو لم ترد السنة بهذا لكان محضُ القياس يقتضي جوازه.\nويجوز لكلِّ بائع أن يستثني من منفعة المبيع ما له فيه غرض صحيح، كما إذا باع عقارًا واستثنى سكناه مدةً، أو دابَّة واستثنى ظهرها. ولا يختص ذلك بالبيع، بل لو وهبه واستثنى نفعه مدة، أو أعتق عبده واستثنى خدمته مدة، أو وقف عينًا واستثنى غلَّتها لنفسه مدةَ حياته، أو كاتَب أمةً واستثنى وطئها مدة الكتابة، ونحوه. وهذا كلُّه منصوص أحمد (^٢). وبعض أصحابه يقول: إذا استثنى منفعة المبيع فلا بد أن يسلِّم العين إلى المشتري، ثم يأخذها ليستوفي المنفعة، بناءً على هذا الأصل الذي قد تبيَّن فساده، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد. وعن هذا الأصل قالوا: إنه (^٣) لا تصح الإجارة إلا على مدة تلي العقد. وعلى هذا بنوا ما إذا باع العين المؤجَّرة، فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل في البيع، فلا يحصل التسليم. ومنهم من قال: هذا مستثنًى بالشرع، بخلاف المستثنى بالشرط. وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوَّجة، وإن كانت منفعة البُضْع للزوج ولم تدخل في البيع. واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه، كما إذا باع مخزنًا له فيه متاع كثير لا يُنقل في يوم ولا أيام، فلا يجب عليه جمعُ دوابِّ البلد ونقلُه في ساعة واحدة؛ بل قالوا: هذا (^٤) مستثنى\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٤٥): «أحمد وغيره».\n(^٣) «إنه» ساقط من ت.\n(^٤) هنا انتهت نسخة أحمد الثالث (ت).","vol":"2","page":275},{"text":"بالعرف. فيقال: وهذا من أقوى الحجج عليكم، فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف، كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع. فإنه يثبت بالشرط ما لا يثبت بالشرع، كما أن الواجب بالنذر أوسع من [٢٥١/ب] الواجب بالشرع.\nوأيضًا فقولكم: «إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه» أتعنون أن هذا موجب العقد المطلق أو مطلق العقد؟ فإن أردتم الأول فصحيح. وإن أردتم الثاني فممنوع، فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد، وموجَب العقد المقيّد ما قُيِّد به، كما أن موجَب العقد المقيَّد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشرط والرهن والضمين هو ما قُيِّد به، وإن كان موجَبه عند إطلاقه خلاف ذلك. فموجَب العقد المطلق شيء، وموجَب العقد المقيد شيء. والقبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين. والنبيُّ - ﷺ - جوَّز بيع الثمرة بعد بدوِّ الصلاح مستحقّة الإبقاء إلى كمال الصلاح، ولم يجعل موجَبَ العقد القبض في الحال، بل القبض المعتاد عند انتهاء صلاحها. ودخل فيما أذِن فيه بيعُ ما هو معدوم لم يُخلَق بعد، وقبضُ ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة. وهو قبضٌ يبيح التصرف في أصح القولين، وإن كان قبضًا لا يوجب انتقال الضمان، بل إذا تلف المبيع قبل قبضه المعتاد كان من ضمان البائع، كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث: أهل بلدته وأهل سنته. وهو مذهب الشافعي قطعًا، فإنه علَّق القول به على صحة الحديث، وقد صحَّ صحةً لا ريب فيها من غير الطريق التي توقَّف فيها الشافعي (^١). فلا يسوغ أن يقال: مذهبه عدم وضع الجوائح، وقد قال: إن صحَّ الحديث قلتُ به، ورواه من\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «الشافعي فيها».","vol":"2","page":276},{"text":"طريقٍ توقَّف في صحتها، ولم تبلغه الطريق الأخرى التي لا علة لها ولا مطعن فيها. وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كلَّ قبضٍ [٢٥٢/أ] جوَّز التصرف ينقل الضمان، وما لم يجوِّز التصرف لا ينقل الضمان. فقبضُ العين المؤجرة يجوِّز التصرف ولا ينقل الضمان، وقبضُ العين المُسْتامة والمستعارة والمغصوبة يوجب (^١) الضمان ولا يجوِّز التصرف.\nفصل\nومن هذا الباب:<span data-type=\"title\" id=toc-235> بيع المقاثئ والمباطخ والباذنجان</span>. فمن منع بيعه إلا لَقطةً لقطةً قال: لأنه معدوم (^٢)، فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها. ومن جوَّزه كأهل المدينة وبعض أصحاب أحمد، فقولهم أصحّ فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه، ولا تتميز اللقطة المبيعة عن غيرها، ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك. ولو كُلِّف الناس به لكان أشقَّ شيء عليهم وأعظمه ضررًا، والشريعة لا تأتي به. وقد تقدَّم أن ما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى الشارع عن بيعه. وإنما نهى الشارع عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها (^٣) لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بدوِّ صلاحها. ونظيرُ ما نهى عنه وأذِن فيه سواءً (^٤): بيعُ المقاثئ إذا بدا الصلاح فيها. ودخولُ الأجزاء والأعيان التي لم تُخلَق بعدُ كدخول\n_________\n(^١) «يوجب» ساقط من ع، وفي حاشيتها: «ينقل»، وفوقه علامة «ظ». بمعنى: أن الظاهر أن الساقط لفظ «ينقل»، ويدلّ عليه السياق.\n(^٢) ع: «بيع معدوم»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: «الصلاح» هنا وفيما يأتي. وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) أثبتوا في النسخ المطبوعة: «سوى»، ونبَّهوا على أن الكلام غير تام. ولعل الصواب ما أثبت من النسخ الخطية، وانظر ما يأتي في المثال الخامس والستين عن جواز بيع المقاثئ بعد بدوِّ صلاحها.","vol":"2","page":277},{"text":"أجزاء الثمار وما يتلاحق في الشجر منها، ولا فرق بينهما البتة.\nفصل\n\nوبنوا على هذا الأصل الذي لم يدلَّ عليه دليل شرعي، بل دلَّ على خلافه ــ وهو بيع المعدوم ــ بطلانَ<span data-type=\"title\" id=toc-236> ضمان الحدائق والبساتين</span>، وقالوا: هو بيعٌ للثمر (^١) قبل ظهوره أو قبل بدوِّ صلاحه. ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه، وليس كما ظنوه (^٢)، فلا النص يتناوله ولا معناه، ولم تُجمع الأمة على بطلانه. فلا نصَّ مع المانعين، ولا قياس، ولا إجماع. ونحن نبيِّن انتفاء هذه الأمور الثلاثة:\nأما الإجماع فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه ضمَّن حديقة أُسَيد [٢٥٢/ب] بن حُضَير ثلاث سنين، وتسلَّف الضمان، فقضى به دينًا كان على أُسَيد (^٣). وهذا بمشهد من الصحابة، ولم ينكره منهم رجل واحد. ومن جعل مثل هذا إجماعًا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك.\nوأقلُّ درجاته أن يكون قول صحابي، بل قول الخليفة الراشد، ولم ينكره (^٤) منكر، وهذا حجة عند جمهور العلماء.\n_________\n(^١) ت، ع: «بيع الثمر».\n(^٢) في طبعة الوكيل: «وليس مع المانعين كما ظنوه». وفي غيرها: «... مع المانعين [حجة على ما] ظنُّوه». والصواب ما أثبت من النسخ الخطية. وفي «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٤٨): «وليس كما قال».\n(^٣) رواه أبو العباس السرّاج في «التاريخ» ــ ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٨٧٦) ــ من رواية محمد بن المنكدر، ورجاله ثقات، لكنه منقطع. ويُنظر: «مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٤٥).\n(^٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «منهم».","vol":"2","page":278},{"text":"وقد جوَّز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض المؤجرة، إذ لا يمكن إفراد أحدهما عن الآخر (^١)، اختاره (^٢) ابن عقيل. وجوَّز بعضُهم ضمان الأشجار مطلقًا مع الأرض وبدونها. اختاره (^٣) شيخنا وأفرد فيه مصنَّفًا (^٤). ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال، وجوَّز مالك ذلك تبعًا للأرض في قدر الثلث.\nقال شيخنا (^٥): والصواب ما فعله عمر - ﵁ -، فإن الفرق بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة، والنبيُّ - ﷺ - نهى عن بيع الحَبِّ حتى يشتدَّ، ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة، مع أن المستأجر مقصوده الحَبُّ بعمله، فيخدُم الأرض ويحرُثها ويسقيها ويقوم عليها. وهو نظير مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه. والحب نظير الثمر، والشجر نظير الأرض، والعمل نظير العمل؛ فما الذي حرَّم هذا وأحلَّ هذا؟ وهذا بخلاف المشتري، فإنه يشتري ثمرًا، وعلى البائع مؤنةُ الخدمة والسقي والقيام على الشجر؛ فهو بمنزلة الذي يشتري الحبَّ، وعلى البائع مؤنة الزرع والقيام عليه. فقد ظهر انتفاء القياس والنص، كما ظهر انتفاء الإجماع. بل القياس\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «إحداهما عن الأخرى».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «واختاره».\n(^٣) هنا أيضًا في النسخ المطبوعة: «واختاره».\n(^٤) لعل المقصود «مسألة في ضمان البساتين والأرض» المنشورة ضمن «جامع المسائل» (٦/ ٤٠٧ - ٤٢٣) والظاهر أنها هي المذكورة بعنوان «قاعدة في ضمان البساتين» في «العقود الدرية» (ص ٤٨). وقد نشر طرف منها في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٢٢٠ - ٢٤٠).\n(^٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٤٨).","vol":"2","page":279},{"text":"الصحيح مع المجوِّزين، كما معهم الإجماع القديم.\nفإن قيل: فالثمر أعيان، وعقدُ الإجارة إنما يكون على المنافع. قيل: الأعيان هنا حصلت بعمله [٢٥٣/أ] في الأصل المستأجر، كما حصل الحبُّ بعمله في الأرض المستأجرة.\nفإن قيل: الفرق أن الحبَّ حصل من بذره، والثمر حصل من شجر المؤجِّر. قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع، بل قد ألغاه الشارع (^١) في المساقاة والمزارعة فسوَّى بينهما. والمساقي يستحق جزءً من الثمرة الناشئة من أصل المالك (^٢)، والمزارع يستحق جزءً من الزرع النابت في أرض المالك، وإن كان البذر منه، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة. فإذا لم يؤثِّر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركًا لم يؤثِّر في الإجارة بطريق الأولى، لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة. فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز (^٣) من المزارعة، فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها. فهذا محض القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة. وبالله التوفيق.\nوالذين منعوا ذلك وحرَّموه توصَّلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعًا وعقلًا، فإنهم يؤجِّرونه الأرض وليست مقصودًا (^٤) له البتة، ويساقونه على\n_________\n(^١) ت، ع: «الشرع».\n(^٢) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومَن تابعه: «الملك». والصواب ما أثبت من النسخ، وكذا في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٤٩).\n(^٣) ع: «أجود»، تصحيف.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية. وفي المطبوعة: «مقصودة».","vol":"2","page":280},{"text":"الشجر من ألف جزء على جزء مساقاة غير مقصودة وإجارة غير مقصودة. فجعلوا ما لم يُقصَد مقصودًا، وما قُصِد غيرَ مقصود، وحابَوا في المساقاة أعظم محاباة، وذلك حرام باطل في الوقف وبستان المولَّى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون. ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تسوِّغ لهم محاباةَ المستأجر في المساقاة. ولا يسوغ اشتراطُ أحد العقدين في الآخر، بل كلُّ عقد مستقلٌّ بحكمه. فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه؟ وأين القياس من [٢٥٣/ب] القياس، والفقه من الفقه؟ فبينهما في الصحة أبعدُ ممَّا (^١) بين المشرقين؟\nفصل\nفهذا الكلام على المقام الأول، وهو كون الإجارة على خلاف القياس، وقد تبيَّن بطلانه.\nوأما المقام الثاني ــ وهو أن الإجارة التي أذِن الله فيها في كتابه، وهي إجارة الظئر على خلاف القياس ــ فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد. وهو أن المستحَقَّ بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان، وهذا الأصل لم يدل عليه نصُّ (^٢) كتاب ولا سنة، ولا إجماع ولا قياس صحيح. بل الذي دلَّت عليه الأصول أن الأعيان التي تحدث شيئًا فشيئًا مع بقاء أصلها، حكمُها حكمُ المنافع، كالثمر في الشجر، واللبن في الحيوان، والماء في البئر. ولهذا سوَّى بين النوعين في الوقف، فإن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بُعدما».\n(^٢) «نص» ساقط من النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":281},{"text":"فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعةً كالسكنى، وأن تكون ثمرةً، وأن تكون لبنًا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها، وكذلك في باب التبرعات كالعارية لمن ينتفع بالمتاع ثم يردُّه، والعريُّة لمن يأكل ثمرة (^١) الشجرة ثم يردها، والمنيحة لمن يشرب لبن الشاة ثم يردُّها، والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يردُّ بدلها القائمَ مقامَ عينها= فكذلك في الإجارة تارةً يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانًا، وتارةً للعين التي تحدث شيئًا من بعد شيء مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونفع البئر؛ فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئًا بعد شيء مع بقاء الأصل كانت كالمنفعة. والمسوِّغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك، وهو حدوث المقصود بالعقد شيئًا فشيئًا، سواء كان الحادث عينًا أو منفعةً. وكونه (^٢) جسمًا أو معنًى قائمًا بالجسم لا أثر له في الجواز والمنع مع اشتراكهما (^٣) في المقتضي للجواز. بل هذا النوع [٢٥٤/أ] من الأعيان الحادثة شيئًا فشيئًا أحقُّ بالجواز، فإن الأجسام أكمل من صفاتها. وطردُ هذا القياس جواز إجارة الحيوان غير الآدمي لرضاعه، فإن الحاجة تدعو إليه كما تدعو إليه في الظئر من الآدميين بطعامها وكسوتها. ويجوز (^٤) استئجار الظئر من البهائم بعلَفها.\nوالماشية إذا عاوض على لبنها، فهو نوعان:\nأحدهما: أن يشتري اللبن مدةً، ويكون العلف والخدمة على البائع،\n_________\n(^١) ع: «ثمر»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ: «أو»، وهو خطأ.\n(^٣) ح، ف: «من اشتراكهما»، وهو خطأ.\n(^٤) «يجوز» ساقط من ت، ع.","vol":"2","page":282},{"text":"فهذا بيع محض.\nوالثاني: أن يسلِّمها، ويكون علفها وخدمتها عليه، ولبنها له مدة الإجارة. فهذا إجارة، وهو كضمان البستان سواء، وكالظئر فإن اللبن يستوفى شيئًا فشيئًا مع بقاء الأصل؛ فهو كاستئجار العين ليسقي بها أرضه. وقد نصَّ مالك على جواز إجارة الحيوان مدةً للبنه. ثم من أصحابه من جوَّز ذلك تبعًا لنصِّه، ومنهم من منعه، ومنهم من شرط فيه شروطًا ضيَّقوا بها موردَ النص ولم يدل عليها نصُّه. والصواب الجواز، وهو موجَب القياس المحض؛ فالمجوِّزون أسعد بالنص من المانعين. وبالله التوفيق.\nفصل\nومن هذا الباب: قول القائل: حملُ العاقلة الديةَ عن الجاني على خلاف القياس. ولهذا لا تحمل العمد ولا العبد ولا الصلح ولا الاعتراف ولا ما دون الثلث، ولا تحمل جناية الأموال. ولو كانت على وفق القياس لحملت ذلك كلَّه.\nوالجواب أن يقال: لا ريب أن من أتلف مضمونًا كان ضمانه عليه، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ولا تؤخذ نفسٌ بجريرة غيرها؛ وبهذا جاء شرع الله [٢٥٤/ب] سبحانه وجزاؤه. وحملُ العاقلة الدية غير مناقض لشيء من هذا كما سنبيِّنه. والناس متنازعون في العقل: هل تحمله العاقلة ابتداءً أو تحمُّلًا؟ على قولين، كما تنازعوا في صدقة الفطر التي يجب أداؤها عن الغير كالزوجة والولد، هل تجب ابتداءً أو تحمُّلًا؟ على قولين. وعلى ذلك ينبني ما لو أخرجها من تحمَّلت عنه عن نفسه بغير إذن المتحمل لها؛ فمن قال هي واجبة على الغير تحمُّلًا قال: يجزئ في هذه الصورة. ومن","vol":"2","page":283},{"text":"قال: هي واجبة عليه ابتداءً قال: لا تجزئ، بل هي كأداء الزكاة عن الغير. وكذلك القاتل إذا لم تكن له عاقلة، هل تجب الدية في ذمة القاتل أو لا؟ على قولين، بناءً على هذا الأصل.\nوالعقلُ فارق غيرَه من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم، وذلك أن دية المقتول مال كثير، والعاقلة إنما تحمل الخطأ، ولا تحمل العمد بالاتفاق، ولا شِبْهَه على الصحيح، والخطأ يُعذَر فيه الإنسان. فإيجابُ الدية في ماله فيه ضرر عظيم عليه من غير ذنبٍ تعمَّده، وإهدارُ دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرارٌ بأولاده وورثته، فلا بد من إيجاب بدله. فكان من محاسن الشريعة وقيامها بمصالح العباد أن أوجب بدله على من عليهم موالاة القاتل ونصرته، فأوجب عليهم إعانته على ذلك.\nوهذا كإيجاب النفقات على الأقارب وكسوتهم، وكذا مسكنهم وإعفافهم إذا طلبوا النكاح، وكإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو؛ فإن هذا أسيرٌ بالدية التي لم يتعمَّد سببَ وجوبها ولا وجبت باختيار مستحِقِّها كالقرض والبيع. وليست قليلة، [٢٥٥/أ] فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها. وهذا بخلاف العمد، فإن الجاني ظالم مستحقٌّ للعقوبة ليس أهلًا أن يحمَل عنه بدل القتيل (^١). وبخلاف شبه العمد، لأنه قاصد للجناية متعمِّد لها، فهو آثم معتدٍ. وبخلاف بدل المتلف من الأموال، فإنه قليل في الغالب لا يكاد المتلِف يعجز عن حمله. وشأن النفوس غير شأن الأموال، ولهذا لا تحمل العاقلة ما دون الثلث عند أحمد ومالك لقِلَّته واحتمال الجاني لحمله. وعند أبي حنيفة لا تحمل ما دون أقلِّ المقدَّر كأرش الموضِحة،\n_________\n(^١) ع: «القتل»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":284},{"text":"وتحمل ما فوقه. وعند الشافعي تحمل القليل والكثير طردًا للقياس. وظهر بهذا كونها لا تحمل العبد، فإنه سلعة من السلع ومال من الأموال. فلو حملت بدله لحملت بدل الحيوان والمتاع.\nوأما الصلح والاعتراف فعارض هذه الحكمةَ فيهما (^١) معنى آخر، وهو أن المدعي والمدعى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية، ويشتركان فيما تحمله العاقلة، ويتصالحان على تغريم العاقلة، فلا يسري إقراره ولا صلحه (^٢) في حقِّ العاقلة، ولا يُقبَل قوله فيما يجب عليها من الغرامة. وهذا هو القياس الصحيح، فإن الصلح والاعتراف يتضمن إقراره ودعواه على العاقلة بوجوب المال عليهم، فلا يُقبَل ذلك في حقِّهم، ويُقبَل بالنسبة إلى المعترف كنظائره. فتبيَّن أن إيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين كأبناء السبيل والفقراء والمساكين.\nوهذا من تمام الحكمة التي بها قيام مصلحة العالم. فإن الله سبحانه قسم خلقَه إلى غني [٢٥٥/ب] وفقير، ولا تتم مصالحهم إلا بسدِّ خَلَّةِ الفقير، فأوجب سبحانه في فضول أموال الأغنياء ما يسُدُّ (^٣) خلَّةَ الفقراء، وحرَّم الربا الذي يُضِرُّ بالمحتاج، فكان أمرُه بالصدقة ونهيُه عن الربا أخوين شقيقين. ولهذا جمع (^٤) بينهما في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾\n_________\n(^١) في النسخ: «فيها».\n(^٢) بعده في النسخ المطبوعة: «فلا يجوز إقراره». ولم يرد في شيء من النسخ التي بين يديَّ.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «يسدُّ به»، ولعل الزيادة من بعض الناشرين.\n(^٤) زيد في النسخ المطبوعة بعده لفظ الجلالة.","vol":"2","page":285},{"text":"[البقرة: ٢٧٦]، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. وذكر الله سبحانه أحكام الناس في الأموال في آخر سورة البقرة، وهي ثلاثة: عدل، وظلم، وفضل. فالعدل البيع، والظلم الربا، والفضل الصدقة. فمدَح المتصدِّقين وذكر ثوابهم، وذمَّ المرابين وذكر عقابهم، وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمًّى.\nوالمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض العباد على بعض، كحقِّ المملوك والزوجة والأقارب والضيف، ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره، فهذه (^١) لون، وذاك لون، والله الموفق.\nفصل\nومما قيل فيه إنه على خلاف القياس: حديث المصرَّاة (^٢). قالوا: وهو يخالف القياس من وجوه:\nمنها: أنه تضمَّن ردَّ البيع بلا عيب ولا خُلْف في صفة.\nومنها: أن الخراج بالضمان، فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه، وقد ضمنه إياه.\nومنها: أن اللبن من ذوات الأمثال، وقد ضمنه إياه بغير مثله.\nومنها: أنه إذا انتقل من التضمين بالمثل فإنما ينتقل إلى القيمة، والتمر لا قيمة ولا مثل.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فهذا».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٤٨) ومسلم (١٥٢٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"2","page":286},{"text":"ومنها: أن المال المضمون إنما يُضمَن بقدره في القلة والكثرة، وقد قُدر هاهنا الضمان [٢٥٦/أ] بصاع.\nقال أنصار الحديث: كلُّ ما ذكرتموه خطأ، والحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها. ولو خالفها لكان أصلًا بنفسه، كما أن غيره أصل بنفسه. وأصول الشرع لا يُضرب بعضُها ببعض، كما نهى رسول الله - ﷺ - عن أن يُضرَب كتابُ الله بعضه ببعض (^١)، بل يجب اتباعها كلِّها. ويقَرُّ كلٌّ منها على أصله وموضعه؛ فإنها كلَّها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه، وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح. فاسمعوا الآن هدم الأصول الفاسدة التي يعترض بها على النصوص الصحيحة:\nأما قولكم: «إنه تضمَّن الرد من غير عيب ولا فوات صفة»، فأين في أصول الشريعة المتلقَّاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الردِّ بهذين الأمرين؟ وتكفينا هذه المطالبة، ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلًا. ثم نقول: بل أصول الشرع (^٢) توجب الردَّ بغير ما ذكرتم، وهو الردُّ بالتدليس والغِشّ، فإنه هو والخُلف في الصفة من باب واحد. بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب، فإن البائع يُظهر صفة المبيع تارةً بقوله وتارةً بفعله. فإذا أظهر للمشتري أنه على صفةٍ، فبان بخلافها، كان قد غشَّه ودلَّس عليه، فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ. ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس وموجَب العدل، فإن المشتري إنما بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، ولو علم أنه على خلافها لم يبذل له\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الشريعة».","vol":"2","page":287},{"text":"فيها ما بذل. فإلزامه للمبيع مع التدليس والغِشِّ من أعظم الظلم الذي تُنزَّه عنه الشريعة (^١). وقد أثبت النبيُّ - ﷺ - الخيار للركبان [٢٥٦/ب] إذا تُلُقُّوا واشتُرِيَ منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر (^٢)، وليس هاهنا عيب ولا خُلف في صفة، ولكن فيه نوع تدليس وغِشّ.\nفصل\nوأما قولكم: «الخراج بالضمان» (^٣). فهذا الحديث وإن كان قد روي، فحديثُ المصرَّاة أصحُّ منه باتفاق أهل الحديث قاطبة، فكيف يعارَض به؟ مع أنه لا تعارض بينهما بحمد الله، فإن الخراج اسم للغَلَّة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك، وأما اللبن والولد (^٤) فلا يسمَّى خراجًا. وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع كونهما من الفوائد، وهو من أفسد القياس، فإن الكسب الحادث والغلَّة لم يكن موجودًا حال البيع، وإنما\n_________\n(^١) النسخ المطبوعة: «تتنزَّه الشريعة عنه».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٥٠) ومسلم (١٥١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه أحمد (٢٤٢٢٤، ٢٥٩٩٩)، وأبو داود (٣٥٠٨ - ٣٥١٠)، والترمذي (١٢٨٥، ١٢٨٦) ــ وصحّحه ــ، وابن ماجه (٢٢٤٢، ٢٢٤٣) والنسائي (٤٤٩٠) من حديث عائشة مرفوعا. وصحّحه أيضًا ابن حبان (٤١٠٧، ٧١٥٦)، والحاكم (٢/ ١٤ - ١٥)، وابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٢١١ - ٢١٢). وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٨/ ١٦٣). وذكر الطحاوي في «شرح المعاني» (٤/ ٢١) أن العلماء تلقَّوْا هذا الخبر بالقبول! ويُنظر: «ترتيب العلل الكبير للترمذي» (٣٣٧، ٣٣٨)، و«الضعفاء» للعقيلي (٦/ ٩٠ - ٩١)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٨/ ٣٤٧).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الولد واللبن».","vol":"2","page":288},{"text":"حدث بعد القبض. وأما اللبن هاهنا فإنه كان موجودًا حال العقد، فهو جزء من المعقود عليه. والشارع لم يجعل الصاع عوضًا عن اللبن الحادث، وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع، فضمانه هو محض العدل والقياس.\nوأما تضمينه بغير جنسه، ففي غاية العدل، فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة؛ فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرَّض للفساد، فإذا حُلِب صار عرضةً لحمضه وفساده. فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبن محلوب في الإناء كان ظلمًا تنزَّه الشريعة عنه.\nوأيضًا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم يُعرَف مقداره حتى يوجَب نظيره على المشتري، وقد يكون أقلَّ منه أو أكثر، فيفضي إلى الربا، لأن أقلَّ الأقسام أن تُجهَل [٢٥٧/أ] المساواة.\nوأيضًا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثُر النزاع والخصام بينهما، ففصَل الشارع ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ النزاعَ وقدَّره بحدٍّ لا يتعدَّيانه قطعًا للخصومة، وفصلًا للمنازعة. وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن، فإنه قوت أهل المدينة، كما كان اللبن قوتًا لهم. وهو مكيل كما أن اللبن مكيل، فكلاهما مطعوم مُقتات مكيل.\nوأيضًا فكلاهما يقتات به بلا صنعة ولا علاج، بخلاف الحنطة والشعير والأرز. فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن.\nفإن قيل: فأنتم توجبون صاع التمر في كلِّ مكان، سواء كان قوتًا لهم أو لم يكن.","vol":"2","page":289},{"text":"قيل: هذا من مسائل النزاع، وموارد الاجتهاد. فمن الناس من يوجب ذلك، ومنهم من يوجب في كلِّ بلد صاعًا من قوتهم. ونظير هذا تعيينه (^١) - ﷺ - الأصناف الخمسة في زكاة الفطر، وأنَّ كلَّ بلد (^٢) يُخرجون من قوتهم مقدار الصاع (^٣). وهذا أرجح وأقرب إلى قواعد الشرع، وإلا فكيف يكلَّف مَن قوتُهم السمك مثلًا أو الأرزّ أو الدُّخْن إلى التمر (^٤). وليس هذا بأول تخصيص قام الدليل عليه. وبالله التوفيق.\nفصل\nومن ذلك: ظنُّ بعض الناس أن أمره - ﷺ - لمن صلَّى فذًّا خلف الصف بالإعادة على خلاف القياس، فإن الإمام والمرأة فذَّان (^٥)، وصلاتهما صحيحة. وهذا من أفسد القياس وأبطله، فإن الإمام [٢٥٧/ب] يُسَنُّ في حقِّه التقدّم، وأن يكون وحده، والمأمومون يُسَنُّ في حقِّهم الاصطفاف، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس. والفرق بينهما أن الإمام إنما جُعِل ليؤتمَّ به وتُشاهَد أفعالُه وانتقالاتُه، فإذا كان قُدَّامهم حصل مقصود الإمامة، وإذا كان في الصفِّ لم يشاهده إلا من يليه. ولهذا جاءت السنة بالتقدُّم، ولو\n_________\n(^١) ع: «تبيينه».\n(^٢) في المطبوع: «أهل كل بلد»، فزاد كلمة «أهل».\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٠٦) ومسلم (٩٨٥) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة دار ابن الجوزي، فقد حذف فيها «أو» قبل «الدخن» وذكر في الحاشية أن في (ق): «والدخن». والظاهر أن في العبارة تصحيفًا، وقد يكون «إلى التمر» صوابه «إخراج التمر».\n(^٥) في النسخ الخطية: «فذَّين».","vol":"2","page":290},{"text":"كانوا ثلاثة، محافظةً على المقصود بالائتمام. وأما المرأة، فإن السنة وقوفها فذَّةً إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها، لأنها منهيَّة عن مصافَّة الرجال. فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذّةً، وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف. فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده، وهو قياس المشروع على غير المشروع.\nفإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحَّت صلاتها.\nقيل: هذا غير مسلَّم، بل إذا كان صفُّ نساءٍ فحكمُ المرأة بالنسبة إليه في كونها فذّةً كحكم الرجل بالنسبة إلى صفِّ الرجال. لكن موقف المرأة وحدها خلف صفِّ الرجال يدل على شيئين: أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه، وتعذَّر عليه الدخول في الصفِّ، ووقف (^١) فذًّا= صحَّت صلاته للحاجة. وهذا هو القياس المحض، فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها. الثاني ــ وهو طرد هذا القياس ــ إذا لم يمكنه أن يصلِّي مع الجماعة إلا قدَّامَ الإمام فإنه يصلي قدَّامَه وتصحُّ صلاته. وكلاهما [٢٥٨/أ] وجهٌ في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخنا - ﵀ - (^٢).\nوبالجملة فليست المصافَّة أوجب من غيرها. فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر، فهي أولى بالسقوط. ومن قواعد الشرع الكلية أنه «لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة».\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «معه».\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٥٩). و«اختيارات البعلي» (ص ٧١).","vol":"2","page":291},{"text":"فصل\nومن ذلك: قول بعضهم: إن الحديث الصحيح ــ وهو قوله: «الرهن مركوب ومحلوب، وعلى الذي يركب ويحلُب النفقة» (^١) ــ على خلاف القياس، فإنه جوَّز لغير المالك أن يركب الدابة وأن يحلُبها، وضمَّنه ذلك بالنفقة لا بالقيمة، فهو مخالف للقياس من وجهين.\nوالصواب ما دلَّ عليه الحديث، وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه؛ فإن الرهن إذا كان حيوانًا فهو محترم في نفسه لحقِّ الله سبحانه، وللمالك فيه حقُّ الملك، وللمرتهن حقُّ الوثيقة. وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضًا بيد المرتهن، فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلُبه ذهب نفعه باطلًا. وإن مكَّن صاحبَه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه، وإن كلَّف صاحبه كلَّ وقت أن يأتي ليأخذ لبنه شقَّ عليه غاية المشقة، ولا سيما مع بعد المسافة. وإن كُلِّف المرتهنُ بيعَ اللبن وحفظَ ثمنه للراهن شقَّ عليه. فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوِّض عنهما بالنفقة. ففي هذا جمعٌ بين المصلحتين، وتوفير الحقَّين، فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه أدَّى عنه واجبًا، وله [٢٥٨/ب] فيه حقٌّ، فله أن يرجع ببدله، ومنفعةُ الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلًا، فأخذُها خير من أن تذهب (^٢) على صاحبها باطلًا، ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن. وإن قيل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥١٢) من حديث أبي هريرة، بلفظ: «الرهن يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدَّرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا. وعلى الذي يركب ويشرب النفقة».\n(^٢) ع: «تهدر»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":292},{"text":"للمرتهن: «لا رجوع لك» كان فيه (^١) إضرار به، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان. فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار.\nفإن قيل: ففي هذا أن من أدَّى عن غيره واجبًا فإنه يرجع ببدله. وهذا خلاف القياس، فإنه إلزام له بما لم يلتزمه (^٢)، ومعاوضة لم يرضَ بها.\nقيل: وهذا أيضًا محض القياس (^٣) والعدل والمصلحة، وموجَب الكتاب، ومذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث أهل بلدته وأهل سنته. فلو أدَّى عنه دينه، أو أنفق على من تلزمه نفقته، أو افتداه من الأسر ولم ينو التبرُّع= فله الرجوع. وبعض أصحاب أحمد فرَّق بين قضاء الدين ونفقة القريب، فجوَّز الرجوع في الدين دون نفقة القريب، قال: لأنها لا تصير دينًا. قال شيخنا: والصواب التسوية بين الجميع (^٤)، والمحققون من أصحابه سوَّوا بينهما. ولو افتداه من الأسر كان له مطالبته بالفداء، وليس ذلك دينًا عليه.\nوالقرآن يدل على هذا القول، فإن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع، ولم يشترط عقدًا ولا إذنَ الأب. وكذلك قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [٢٥٩/أ] وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأوجب\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «في ذلك».\n(^٢) ت، ع: «لم يلزمه».\n(^٣) ع: «قيل هذا محض القياس».\n(^٤) لم يرد هذا التصويب في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٠).","vol":"2","page":293},{"text":"ذلك عليه، ولم يشترط عقدًا ولا إذنًا. ونفقة الحيوان واجبة على مالكه، والمستأجر والمرتهن له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربِّه كان أحقَّ بالرجوع من الإنفاق على ولده. فإن قال الراهن: أنا لم آذن لك في النفقة، قال: هي واجبة عليك، وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر. فإذا رضي المنفِق بأن يعتاض بمنفعة الرهن وكانت نظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه، وذلك خير محض. فلو لم يأت به النصُّ لكان القياس يقتضيه. وطردُ هذا القياس أن المودع والشريك والوكيل إذا أنفق على الحيوان واعتاض عن النفقة بالركوب والحلب جاز ذلك كالمرتهن.\nفصل\nومما قيل: إنه من أبعد الأحاديث عن القياس: حديث الحسن عن قَبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبِّق أن رسول الله - ﷺ - قضى في رجل وقع على جارية امرأته: «إن كان استكرهها فهي حُرَّة، وعليه لسيِّدتها مثلُها، وإن كانت طاوَعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلُها» (^١).\nوفي رواية أخرى: «وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها»\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٥٩١١، ٢٠٠٦٠، ٢٠٠٦٣ - ٢٠٠٦٧، ٢٠٠٦٩)، وأبو داود (٤٤٦٠)، والنسائي (٣٣٦٣، ٣٣٦٤) من حديث سلمة بن المحبق مرفوعا، وهو حديثٌ منكرٌ، لا يصحّ. ورواه ابن ماجه (٢٥٥٢) مختصرًا جدًّا.\nقال النسائي في «السنن الكبرى» (٧١٩٥): «ليس في هذا الباب شيءٌ صحيحٌ يُحتجُّ به». أما ابن عبد البر، فقد قطع بصحّته في «الاستذكار» (٧/ ٥٢٨ - ٥٢٩). ويُنظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (٤/ ٧٢)، و«السنن» لأبي داود (٤٤١٧)، و«ترتيب العلل الكبير للترمذي» (٤٢٥)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٣٤٦).","vol":"2","page":294},{"text":"رواه أهل السنن (^١). وضعَّفه بعضهم من قبل إسناده، وهو حديث حسن يحتجُّون بما هو دونه في القوة، ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لين في سنده.\nقال شيخ الإسلام (^٢): وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول صحيحة [٢٥٩/ب] كلٌّ منها قول طائفة من الفقهاء:\nأحدها: أن من غيَّر مال غيره بحيث فوَّت مقصودَه عليه، فله أن يضمنه بمثله. وهذا كما لو تصرَّف في المغصوب بما أزال اسمه، ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. أحدها: أنه باقٍ على ملك صاحبه، وعلى الغاصب ضمان النقص، ولا شيء له (^٣) في الزيادة كقول الشافعي. والثاني: يملكه الغاصب بذلك، ويضمنه لصاحبه كقول أبي حنيفة. والثالث: يخيَّر المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبدل. وهذا أعدل الأقوال وأقواها.\nفإن فوَّت صفاته المعنوية ــ مثل أن ينسيه صناعته، أو يضعف قوته، أو يفسد عقله أو دينه ــ فهذا أيضًا يخيَّر المالك فيه بين تضمين النقص وبين المطالبة بالبدل. ولو قطع ذنب بغلة القاضي، فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذِّر مقصودها على المالك في العادة، أو يخيَّر المالك (^٤).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٤٦١)، والنسائي في «المجتبى» (٣٣٦٤)، وفي «السنن الكبرى» (٧١٩٤)، ولا يصح.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٢)، والكلام متصل بما سبق.\n(^٣) ع: «عليه». وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت موافق لما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٢).\n(^٤) «في العادة أو يخير المالك» ساقط من ع.","vol":"2","page":295},{"text":"فصل\n\nالأصل الثاني: أن جميع<span data-type=\"title\" id=toc-246> المتلفات تضمن بالجنس </span>بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه ردَّ مثله، كما اقترض النبي - ﷺ - بَكْرًا، وردَّ خيرًا منه (^١). وكذلك المغرور يضمن ولده بمثلهم كما قضت به الصحابة (^٢). وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. وقصة داود وسليمان من هذا الباب، فإن الماشية كانت قد أتلفت حرثَ القوم، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، كأنه ضمَّنهم ذلك بالقيمة. ولم يكن لهم مال إلا الغنم، فأعطاهم الغنم (^٣) [٢٦٠/أ] بالقيمة. وأما سليمان فحَكَم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان، فضمَّنهم إياه بالمثل، وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضًا عن المنفعة التي فاتت من غلَّة الحرث إلى أن يعود.\nوبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن أتلف له شجر. فقال الزهري: يغرسه حتى يعود كما كان. وقال ربيعة وأبو الزناد (^٤): عليه القيمة. فغلَّظ الزهري القولَ فيهما. وقول الزهري وحكم سليمان هو موجَب الأدلة، فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٣١٥٥، ١٣١٥٦)، و«الاستذكار» لابن عبد البر (٧/ ١٧٦).\n(^٣) «الغنم» ساقط من ح، ف.\n(^٤) في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٤): «وقيل: ربيعة وأبو الزناد قالا».","vol":"2","page":296},{"text":"عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].\nوإن كان مثل الحيوان والآنية والثياب من كلِّ وجه متعذِّرًا (^١)، فقد دار الأمر بين شيئين: الضَّمانِ بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة والمقصود والانتفاع، وإن ساوت المضمون في المالية؛ والضَّمانِ بالمثل بحسب الإمكان المساوي للمتلف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع. ولا ريب أن هذا أقرب إلى النص والقياس والعدل. ونظير هذا ما ثبت بالسنَّة (^٢) واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة والضربة، وهو منصوص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد تقدَّم تقرير ذلك (^٣). وإذا كانت المماثلة من كلِّ وجه متعذرةً حتى في المكيل والموزون، فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى [٢٦٠/ب] بالصواب. ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلةً من الجنس إلى القيمة، فهذا هو القياس وموجَب النص. وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «متعذِّر».\n(^٢) روى أحمد (١١٢٢٩)، وأبو داود (٤٥٣٦)، والنسائي (٤٧٧٣، ٤٧٧٤) من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ أقاد من نفسه من طعنة بعرجون. وفي سنده: عَبِيدة بن مُسافع، وهو مجهول الحال، وقد قال ابن المديني: «ولا أدري: سمع من أبي سعيد أم لا؟». لكن ابن حبان صحّحه (٧٢٨٠). وله شاهد رواه عبد الرزاق (١٨٠٤٢) من مرسل سعيد بن المسيب. ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (٢٨٥٨٣)، و«المجتبى» للنسائي (٤٧٧٧).\n(^٣) انظر (٢/ ١١٩) وما بعدها.","vol":"2","page":297},{"text":"الأصل الثالث: أن<span data-type=\"title\" id=toc-247> من مثَّل بعبده عتَق عليه</span>. وهذا مذهب فقهاء الحديث، وقد جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبي - ﷺ - (^١) وأصحابه كعمر بن الخطاب (^٢) وغيره.\nفهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل. فإذا طاوعته الجارية فقد أفسدها على سيدتها، فإنها مع المطاوعة تنقص قيمتها إذ تصير زانية، ولا تمكن سيدتها من استخدامها حقَّ الخدمة، لغيرتها منها وطمعها في السيِّد، واستشراف السيِّد إليها. وتتشامخ على سيدتها، فلا تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك. والجاني إذا تصرَّف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل، فقضى الشارع لسيِّدتها بالمثل، وملَّكه الجاريةَ، إذ لا يجمع لها بين العوض والمعوض. وأيضًا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية على ملكها وتغرِّمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك. فإذا لم ترضَ وعلمت أن الأمة قد فسدت\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦٧١٠، ٧٠٩٦)، وأبو داود (٤٥١٩)، وابن ماجه (٢٦٨٠) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا. ويشهد له الحديث الآتي عَقِبَ هذا. ويُنظر أيضًا: «المسند الصحيح» لمسلم (١٦٥٧، ١٦٥٨).\n(^٢) رواه الطحاوي في «بيان المشكل» (١٣/ ٣٦١)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢٥٠/ب)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨٦٥٧)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ١١٨)، وابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (٥٦٣)، والحاكم (٢/ ٢١٥ - ٢١٦، ٤//٣٦٨) ــ وصحّح سنده! ــ، والبيهقي (٨/ ٣٦). وفي سندِ الخبرِ: عمرُ بن عيسى القرشي، وهو واهٍ، منكر الحديث. ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٧٩٢٨ - ١٧٩٣١)، و«المحلى» لابن حزم (٩/ ٢١٢)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٧١ - ٧٢)، و«لسان الميزان» لابن حجر (٦/ ١٢٨ - ١٣٠).","vol":"2","page":298},{"text":"عليها، ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك= كان من أحسن القضاء أن يغرَّم السيدُ مثلَها، ويملكها.\nفإن قيل: فاطردوا هذا القياس، وقولوا: إن الأجنبي إذا زنى بجارية قوم حتى أفسدها عليهم أنَّ لهم القيمة أو يطالبوه (^١) ببدلها.\nقيل: نعم، هذا موجَب القياس إن لم يكن بين الصورتين فرق مؤثِّر. [٢٦١/أ] وإن كان بينهما فرقٌ انقطع الإلحاق، فإن الإفساد الذي في وطء الزوج بجارية امرأته بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وطء الأجنبي. وبالجملة فجواب هذا السؤال جواب مركَّب، إذ لا نصَّ فيه ولا إجماع.\nفصل\nوأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة، فإن الإكراه على الوطء مثلة، فإن الوطء يجري مجرى الجناية. ولهذا لا يخلو عن عقر أو عقوبة، ولا يجري مجرى منفعة الخدمة. فهي لما صارت له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها كما في المطاوعة، وأعتقها عليه لكونه مثَّل بها.\nقال شيخنا (^٢): ولو استكره عبدَه على الفاحشة عتَقَ عليه، ولو استكره أمةَ الغير على الفاحشة عتقت (^٣)، وضمِنها بمثلها، إلا أن يفرَّق بين أمة امرأته وبين غيرها، فإن كان بينهما فرق شرعي وإلا فموجَب القياس التسوية.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ\n_________\n(^١) ت، ع: «أنَّ لهم أن يطالبوه».\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٦)، والكلام متصل بما سبق.\n(^٣) في النسخ المطبوعة هنا زيادة: «عليه».","vol":"2","page":299},{"text":"الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] فهذا نهيٌ عن إكراههن على كسب المال بالبغاء، كما قيل: إن عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين كان له إماء يُكرههن على البغاء. وليس هذا استكراهًا للأمة على أن يزني بها هو، فإن هذا بمنزلة التمثيل بها، وذاك إلزام لها بأن تذهب هي فتزني، مع أنه يمكن أن يقال: العتق بالمثلة لم يكن مشروعًا عند نزول الآية، ثم شُرِع بعد ذلك.\nقال شيخنا (^١): والكلام على هذا الحديث من أدقِّ [٢٦١/ب] الأمور، فإن كان ثابتًا فهذا الذي ظهر في توجيهه، وإن لم يكن ثابتًا فلا يحتاج إلى الكلام عليه.\nقال: وما عرفت حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة. قال: وقد تدبَّرتُ ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياسًا صحيحًا يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصحيح (^٢) لا يخالف المنقول الصحيح. بل متى رأيت قياسًا يخالف أثرًا فلا بدَّ من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء فضلًا عمَّن هو دونهم. فإنَّ إدراكَ الصفة المؤثِّرة في الأحكام على وجهها ومعرفةَ المعاني التي عُلِّقت بها الأحكام من أشرف العلوم. فمنه الجليُّ الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم. فلهذا صارت أقيسة كثير من العلماء تجيء مخالفةً للنصوص، لخفاء القياس الصحيح، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٧)، والكلام متصل بالسابق واللاحق.\n(^٢) في «مجموع الفتاوى»: «الصريح».","vol":"2","page":300},{"text":"الدقيقة التي تدل على الأحكام. انتهى.\nفإن قيل: فهَبْ أنكم خرَّجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحدِّ عنه، وقد وطئ فرجًا لا ملك له فيه، ولا شبهة ملك؟\nقيل: الحديث لم يتعرَّض للحدِّ بنفي ولا إثبات، وإنما دلَّ على الضمان وكيفيته.\nفإن قيل: فكيف تخرِّجون حديث النعمان بن بشير في ذلك: أنها إن كانت أحلَّتها له جُلِد مائةً (^١)، وإن لم تكن أحلَّتها له رُجِم بالحجارة (^٢)، على القياس.\nقيل: هو بحمد الله موافق للقياس، مطابق لأصول الشريعة [٢٦٢/أ] وقواعدها؛ فإن إحلالها له شبهة كافية في سقوط الحدِّ عنه، ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرَّمًا عليه، وكانت المائة تعزيرًا له وعقوبةً على ارتكاب فرج حرام عليه، وكان إحلالُ الزوجة له وطأها شبهةً دارئةً للحدِّ عنه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعدها: «جلدة».\n(^٢) رواه أحمد (١٨٣٩٧، ١٨٤٤٤ - ١٨٤٤٦)، وأبو داود (٤٤٥٨، ٤٤٥٩)، والترمذي (١٤٥١، ١٤٥٢)، وابن ماجه (٢٥٥١)، والنسائي (٣٣٦٠، ٣٣٦١، ٣٣٦٢)، وفي «السنن الكبرى» (٥٥٢٦ - ٥٥٣٠) من حديث النعمان بن بشير مرفوعا. وقال الترمذي: «في إسناده اضطرابٌ ...». ونقل المزي في «تحفة الأشراف» (٩/ ١٧) قول النسائي: «أحاديث النعمان هذه مضطربة». وضعّفه أيضًا الخطابي في «معالم السنن» (٣/ ٣٣٠)، وأبو محمد البغوي في «شرح السنة» (١٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧). ويُنظر: «ترتيب العلل الكبير للترمذي» (٤٢٤)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٨/ ٢٣٩).","vol":"2","page":301},{"text":"فإن قيل: فكيف تخرِّجون<span data-type=\"title\" id=toc-250> التعزير </span>بالمائة على القياس؟\nقيل: هذا من أسهل الأمور، فإن التعزير لا يتقدَّر بقدر معلوم، بل هو بحسب الجريمة في جنسه وصفتها وكبرها وصغرها. وعمر بن الخطاب قد تنوَّع تعزُيره في الخمر: فتارةً بحلق الرأس (^١)، وتارةً بالنفي (^٢)، وتارةً بزيادة أربعين سوطًا على الحدِّ الذي ضربه رسول الله - ﷺ - وأبو بكر (^٣)، وتارةً بتحريق حانوت الخمار (^٤). وكذلك تعزير الغالِّ، وقد جاءت السنة بتحريق متاعه (^٥).\n_________\n(^١) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٧٠٤٧)، و«أخبار المدينة» لعمر بن شبّة (٣/ ٢٤١)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩).\n(^٢) رواه النسائي (٥٦٧٦)، وفي «السنن الكبرى» (٥١٦٦) من طريق سعيد بن المسيب، وقال ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٣٨٦): «هذا إسنادٌ جيّدٌ غريبٌ». ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٧٠٤٣، ١٧٠٤٤).\n(^٣) سيأتي تخريجه في (٢/ ٤١١).\n(^٤) رواه ابن وهب في «الجامع» (٦٢ - ٦٤)، وعبد الرزاق (١٠٠٥١، ١٧٠٣٥، ١٧٠٣٦، ١٧٠٣٩)، وأبو عبيد في «الأموال» (٢٦٧، ٢٨٧)، وابن زنجويه في «الأموال» (٤١٠)، وعمر بن شبّة في «أخبار المدينة» (١/ ٢٥٠)، والدولابي في «الكنى» (٢/ ٥٨٤).\n(^٥) رواه أحمد (١٤٤)، وأبو داود (٢٧١٣)، والترمذي (١٤٦١) من حديث عمر مرفوعا. قال علي ابن المديني: «هذا حديث منكر، يُنكره أصحاب الحديث». وقال الترمذي: «هذا حديثٌ غريبٌ». ثم نقل عن البخاري إعلاله بصالح بن محمد بن زائدة (وهو منكر الحديث)، وبأن أكثر الأحاديث ليس فيها إحراق متاع الغالّ. وأعلّه أيضًا أبو داود (٢٧١٤)، والبيهقي (٩/ ١٠٢). وأغرب الحاكم فصححه (٢/ ١٢٧ - ١٢٨).\n\nويُنظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (٤/ ٢٩١)، و«ترتيب العلل الكبير للترمذي» (٤٣١)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٩/ ١٠٣)، و«معرفة السنن والآثار» له (٧/ ٤٤)، و«الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (١/ ٣١٠ - ٣١٢)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٣٠٠ - ٣٠١)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٦٠٣ - ٦٠٦)، و«فتح الباري» لابن حجر (٦/ ١٨٧).\nورواه أبو داود (٢٧١٥) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وصححه الحاكم (٢/ ١٣٠ - ١٣١)، مع أن في سنده زهير بن محمد التميمي، ورواية الشاميين عنه منكرة جدّا (وهذه منها)، وقد اضطرب في هذا الحديث، فكان يُسنده تارة، وأحيانًا يجعله من قول عمرو بن شعيب، وقد بيّن ذلك أبو داود.","vol":"2","page":302},{"text":"وتعزيرُ مانع الصدقة بأخذِها وأخذِ شطر ماله معها (^١)، وتعزيرُ كاتم الضالَّة الملتقطة بإضعاف الغُرم عليه (^٢). وكذلك عقوبةُ سارقِ ما لا قطعَ فيه يُضعَف عليه الغُرم (^٣). وكذلك قاتل الذمي عمدًا أضعفَ عليه عمر\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٠٠١٦، ٢٠٠٣٨، ٢٠٠٤١)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٢٤٤٤، ٢٤٤٩) من حديث معاوية بن حيدة القشيري مرفوعا. وصححه ابن خزيمة (٢٢٦٦)، والحاكم (١/ ٣٩٧ - ٣٩٨). ويُنظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (٣/ ٢٤١)، و«المُحرَّر» لابن عبد الهادي (٥٦٨)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٥/ ٤٨٠ - ٤٨٦).\n(^٢) رواه أبو داود (١٧١٨) من طريق معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة: أحسبه عن أبي هريرة (فذكره مرفوعا). وعمرو هذا ليّن الحديث، وقد رواه عبد الرزاق (١٧٣٠٠) عن ابن جريج، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس وعكرمة مرسلا، ولم يذكر (أبا هريرةَ). ورواه عبد الرزاق (١٨٦٠٠) من طريق ابن طاوس، عن أبيه مقطوعًا. فرفعُ الحديث ووصلُه منكرٌ لا يصحّ.\n(^٣) رواه أحمد (٦٦٨٣، ٦٩٣٦)، وأبو داود (١٧١٠ - ١٧١٣)، والنسائي (٤٩٥٨، ٤٩٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا. وأصله عند الترمذي (١٢٨٩) محسَّنًا. وخرّجه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (٤/ ٣٨١) محتجًّا به محتفلًا. ويُنظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (٧/ ٢٩٠)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٨/ ٦٥٣ - ٦٥٥).","vol":"2","page":303},{"text":"وعثمان (^١) ديته (^٢)، وذهب إليه أحمد وغيره.\nفإن قيل: فما تصنعون بقول النبي - ﷺ -: «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» (^٣)؟\nقيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرنا. فإنَّ الحدَّ في لسان الشارع أعمُّ منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدَّرة بالشرع خاصة. والحدُّ في لسان الشارع أعمُّ من ذلك، فإنه يراد [٢٦٢/ب] به هذه العقوبة تارةً، ويراد به نفس الجناية تارةً، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فالأول حدود الحرام، والثاني حدود الحلال. وقال النبي - ﷺ -: «إن الله حدَّ حدودًا، فلا تعتدُوها» (^٤). وفي حديث النوَّاس بن سَمعان الذي تقدَّم في أول الكتاب (^٥): «والسوران حدود الله». ويراد به تارةً جنس العقوبة وإن لم تكن مقدَّرةً. فقوله - ﷺ -: «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» يريد به الجناية التي هي حقٌّ لله.\nفإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذ كان المراد بالحدِّ الجناية؟\n_________\n(^١) «وعثمان» ساقط من ت، ع.\n(^٢) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٠٢٢٤، ١٨٤٩٢، ١٨٤٩٣، ١٨٤٩٥)، و«السنن» للدارقطني (٣٢٨٩، ٣٢٩٠، ٣٤٩٨)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٨/ ٣٢، ١٠٠).\nويَحْسُن تدبُّرُ ما في كتاب «الأم» للإمام الشافعي (٩/ ١٣٨ - ١٤١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٤٨) ومسلم (١٧٠٨) من حديث أبي بردة الأنصاري.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) انظر (١/ ٤٦٣).","vol":"2","page":304},{"text":"قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره، للتأديب ونحوه، فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط. فهذا أحسن ما خُرِّج عليه الحديث، وبالله التوفيق.\nفصل (^١)\nوأما المضيُّ في الحج الفاسد فليس مخالفًا للقياس، فإن الله سبحانه أمر بإتمام الحج والعمرة، فعلى من شرَع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان متطوعًا بالدخول باتفاق الأئمة، وإن تنازعوا فيما سواه من التطوعات: هل تلزم بالشروع أم لا؟ فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي فيه إلى حين يتحلَّل. ووجب عليه الإمساك عن الوطء، فإذا وطئ فيه لم يُسقِط وطؤه ما وجب عليه من إتمام النسك، فيكون ارتكابه ما حرَّمه الله عليه سببًا لإسقاط الواجب عليه. ونظير هذا: الصائم إذ أفطر عمدًا لم يُسقِط عنه فطرُه ما وجب عليه من إتمام الإمساك. ولا يقال له: قد بطل صومك، فإن شئت أن تأكل فكُلْ. بل يجب عليه المضيُّ [٢٦٣/أ] فيه وقضاؤه، لأن الصائم له حدٌّ محدود وهو غروب الشمس (^٢).\nفإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الصلاة إذا أفسدها، وقلتم: يمضي فيها، ثم يعيدها.\nقيل: من هاهنا ظنَّ من ظنَّ أن المضيَّ في الحج الفاسد على خلاف القياس. والفرق بينهما أن الحج له وقت محدود وهو يوم عرفة، كما\n_________\n(^١) من بداية هذا الفصل بدأ النقل مرة أخرى من جواب شيخ الإسلام. انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٨).\n(^٢) «لأن الصائم ... الشمس» ساقط من ت، ع.","vol":"2","page":305},{"text":"للصائم (^١) وقت محدود وهو الغروب. وللحج مكان مخصوص لا يمكن إحلال المحرَّم قبل وصوله إليه، كما لا يمكن فطر الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر، فلا يمكنه فعلُه ولا فعلُ الحج ثانيًا في وقته، بخلاف الصلاة فإنه يمكنه فعلها ثانيًا في وقتها. وسرُّ الفرق أن وقت الصيام والحج بقدر فعلِه، لا يسع غيره؛ ووقت الصلاة أوسع منها، فيسع غيرها، فيمكنه تداركُ فعلها إذا فسدت في أثناء الوقت. ولا يمكن تدارك الصيام والحج إذا فسدا إلا في وقت آخر نظير الوقت الذي أفسدهما فيه. والله أعلم.\nفصل\nوأما من أكل في صومه ناسيًا، فمن قال: «عدمُ فطره ومضيُّه في صومه على خلاف القياس» ظن أنه من باب ترك المأمور ناسيًا، والقياس (^٢) أنه يلزمه الإتيان بما تركه، كما لو أحدث ونسي حتى صلَّى. والذين قالوا: «بل هو على وفق القياس» حجتهم أقوى، لأن قاعدة الشريعة أن من فعل محظورًا ناسيًا فلا إثم عليه، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وثبت عن النبي - ﷺ - أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، وقال: قد فعلتُ (^٣). [٢٦٣/ب] وإذا ثبت أنه غير آثم فلم يفعل في صومه محرَّمًا فلم يبطل صومه. وهذا محض القياس، فإن العبادة إنما تبطل بفعل محظور أو ترك مأمور.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «للصيام».\n(^٢) ع: «المأمور باتساق القياس»، تحريف طريف.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس - ﵄ -.","vol":"2","page":306},{"text":"وطردُ هذا القياس: أن من تكلم في صلاته ناسيًا لم تبطل صلاته. وطردُه أيضًا أن من جامع في إحرامه أو صيامه ناسيًا لم يبطل صيامه ولا إحرامه. وكذلك من تطيَّب، أو لبِس، أو غطَّى رأسه، أو حلَق رأسه، أو قلَّم ظفره= ناسيًا، فلا فدية عليه؛ بخلاف قتل الصيد، فإنه من باب ضمان المتلفات فهو كدية القتيل. وأما اللباس والطيب فمن باب الترفه. وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب الإتلاف، فإنه لا قيمة له في الشرع ولا في العرف.\nوطردُ هذا القياس: أن من فعل المحلوف عليه ناسيًا لم يحنث، سواء حلف بالله، أو بالطلاق، أو بالعتاق، أو غير ذلك؛ لأن القاعدة أن من فعل المنهيَّ عنه ناسيًا لم يُعَدَّ عاصيًا. والحنث في الأيمان كالمعصية في الإيمان. فلا يُعَدُّ حانثًا مَن فعل المحلوف عليه ناسيًا.\nوطردُ هذا أيضًا: أن من باشر النجاسة في الصلاة ناسيًا لم تبطل صلاته، بخلاف من ترك شيئًا من فروض الصلاة ناسيًا، أو ترك الغسل من الجنابة، أو الوضوءَ، أو الزكاة، أو شيئًا من فروض الحج= ناسيًا فإنه يلزمه الإتيان به، لأنه لم يؤدِّ ما أُمِر به، فهو في عهدة الأمر. وسرُّ الفرق أن من فعل المحظور ناسيًا يجعل وجوده كعدمه، ونسيان [٢٦٤/أ] ترك المأمور لا يكون عذرًا في سقوطه، كما كان فعلُ المحظور ناسيًا عذرًا في سقوط الإثم عن فاعله.\nفإن قيل: فهذا الفرق حجة عليكم، لأن ترك المفطرات في الصوم من باب المأمورات، ولهذا تشترط فيه النية. ولو كان فعلُ المفطرات من باب المحظور لم يحتج إلى نية كترك (^١) سائر المحظورات.\nقيل: لا ريب أن النية في الصوم شرط، ولولاها لما كان عبادة، ولا أُثِيبَ\n_________\n(^١) ع، د: «كفعل»، وكذا في النسخ المطبوعة. وهو خطأ.","vol":"2","page":307},{"text":"عليه؛ لأن الثواب لا يكون إلا بالنية، فكانت النية شرطًا في كون هذا الترك عبادة. ولا يختص ذلك بالصوم، بل كلُّ تركٍ لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية، ومع ذلك فلو فعله ناسيًا لم يأثم به. فإذا نوى تركَها لله، ثم فعَلَها ناسيًا لم يقدح نسيانه في أجره، بل يثاب على قصدِ تركها لله، ولا يأثم بفعلها ناسيًا. وكذلك الصوم.\nوأيضًا فإن فعل الناسي غير مضاف إليه، كما قال النبي - ﷺ -: «من أكل أو شرب ناسيًا فَلْيُتِمَّ صومَه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (^١). فأضاف فعله ناسيًا إلى الله، لكونه لم يُرِده ولم يتعمَّده. وما يكون مضافًا إلى الله لم يدخل تحت قدرة العبد، ولم (^٢) يكلَّف به؛ فإنه إنما يكلَّف بفعله، لا بما يفعل فيه. ففعلُ الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير.\nوكذلك لو احتلم الصائم [٢٦٤/ب] في منامه، أو ذَرَعه القيءُ في اليقظة، لم يفطر. ولو استدعى ذلك أفطر به. فلو كان ما يوجد بغير قصده، كما يوجد بقصده، لأفطر بهذا وهذا.\nفإن قيل: فأنتم تفطِّرون المخطئ، كمن أكل يظنُّه ليلًا فبانَ نهارًا.\nقيل: هذا فيه نزاع معروف بين السلف والخلف، والذين فرَّقوا بينهما قالوا: فعلُ المخطئ يمكن الاحتراز منه، بخلاف الناسي. ونُقِل عن بعض السلف أنه يفطر في مسألة الغروب، دون مسألة الطلوع كما لو استمر الشك.\nقال شيخنا (^٣): وحجة من قال: لا يفطر في الجميع أقوى، ودلالة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٣) ومسلم (١١٥٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فلم».\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٢)، ولفظه فيه: «والذين قالوا لا يفطر في الجميع قالوا: حجتنا أقوى، ودلالة الكتاب والسنة على قولنا أظهر».","vol":"2","page":308},{"text":"الكتاب والسنة على قولهم أظهر؛ فإن الله سبحانه سوَّى بين الخطإ والنسيان في عدم المؤاخذة، ولأن فعل محظورات الحج يستوي فيه المخطئ والناسي، ولأن كلَّ واحد منهما غير قاصد للمخالفة. وقد ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد رسول الله - ﷺ -، ثم طلعت الشمس. ولم يثبت في الحديث أنهم أُمِروا بالقضاء، ولكن هشام بن عروة سئل عن ذلك، فقال: أَوَ بدٌّ من القضاء (^١)؟ وأبوه عروة أعلم منه، وكان يقول: لا قضاء عليهم (^٢).\nوثبت في «الصحيحين» (^٣) أن بعض الصحابة أكلوا حتى ظهر لهم الحبل (^٤) الأسود من الأبيض، ولم يأمر أحدًا منهم بقضاء وكانوا مخطئين.\nوثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر، ثم تبيَّن النهار، فقال: لا نقضي، فإنَّا (^٥) لم نتجانف لإثم (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٩٥٩). وقوله: «أَوَ بدٌّ من القضاء» كذا في ح مع تنوين همزة «القضاء»، فأخشى أن يكون بعضهم زاد لام التعريف في «القضاء». وفي ت، ع: «وبُدّ من قضاء». في رواية أبي ذر: «لابدَّ من القضاء»، وفي غيرها: «بُدٌّ من قضاء» وتقديره: هل بدٌّ من قضاء. انظر: «فتح الباري» (٤/ ٢٠٠) و«عمدة القاري» (١١/ ٦٨).\n(^٢) يُوازَنُ بما في «المصنف» لعبد الرزاق (٧٣٩٠ - ٧٣٨٩).\n(^٣) البخاري (١٩١٧) ومسلم (١٠٩١) من حديث سهل بن سعد.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الخيط».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «لأنا».\n(^٦) رواه عبد الرزاق (٧٣٩٥)، وابن أبي شيبة (٩١٤٥، ٩١٤٣)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٧٦٥). ويُنظر: «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٧٦٨)! و«السنن الكبير» للبيهقي (٤/ ٢١٧).","vol":"2","page":309},{"text":"وروي [٢٦٥/أ] عنه أنه قال: نقضي (^١). وإسناد الأول أثبت. وصحَّ عنه أنه قال: الخطب يسير (^٢). فتأوَّلَ ذلك من تأوَّله على أنه أراد خفة أمر القضاء. واللفظ لا يدل على ذلك.\nقال شيخنا (^٣): وبالجملة فهذا القول أقوى أثرًا ونظرًا، وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس.\nقلت له: فالنبي - ﷺ - مرَّ على رجل يحتجم، فقال: «أفطَر الحاجمُ والمحجوم» (^٤). ولم يكونا عالمين بأن الحجامة تفطِّر، ولم يبلغهما قبل ذلك قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم». ولعل الحكم إنما شُرِع ذلك اليومَ.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (٧٣٩٣، ٧٣٩٤)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٧٦٦ - ٧٦٧). ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (٩١٣٨ - ٩١٤٠).\n(^٢) رواه مالك (١٠٧١) ــ وعنه الشافعي في «الأم» (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩) ــ، وعبد الرزاق (٧٣٩٢)، وابن أبي شيبة (٩١٤٩)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٧٦٧ - ٧٦٨، ٧٦٨).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٣)، والكلام متصل بما سبق.\n(^٤) رواه أحمد (١٧١١٢)، وأبو داود (٢٣٦٨، ٢٣٦٩)، وابن ماجه (١٦٨١)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٣١٢٦، ٣١٢٧، ٣١٢٩ - ٣١٤٣) من حديث شدّاد بن أوس مرفوعا. وصححه غير واحد؛ منهم: علي ابن المديني، وإسحاق الحنظلي، وأحمد ابن حنبل، والبخاري، وعثمان الدارمي، وابن حبان، والحاكم. ويُنظر: «الجامع» للترمذي (٧٧٤)، و«ترتيب العلل الكبير للترمذي» (٢٠٨ - ٢١٢)، و«السنن الكبرى» للنسائي (٣١٢٠ - ٣١٨٣، ٣١٩٥ - ٣١٩٩)، و«المختصر» لابن خزيمة (١٩٦٢ - ١٩٦٥، ١٩٨٣، ١٩٨٤)، و«المسند الصحيح» لابن حبان (٦٩٠٨ - ٦٩١١)، و«المستدرك» للحاكم (١/ ٤٢٧ - ٤٣٠)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٨)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٣/ ٢٥٣ - ٢٧١).","vol":"2","page":310},{"text":"فأجابني بما مضمونه أن الحديث اقتضى أن ذلك الفعل مفطر، وهذا كما لو رأى إنسانًا يأكل أو يشرب فقال: أفطرَ الآكل والشارب. فهذا فيه بيان السبب المقتضي للفطر، ولا تعرض فيه للمانع. وقد عُلِم أن النسيان مانع من الفطر بدليل خارج، فكذلك الخطأ والجهل. والله أعلم (^١).\nفصل (^٢)\nومما يُظَنّ (^٣) أنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود. فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أجَّلَ امرأته أربع سنين، وأمرها أن تتزوج. فقدِم المفقود بعد ذلك، فخيَّره عمُر بين امرأته وبين مهرها (^٤).\nفذهب الإمام أحمد إلى ذلك. وقال: ما أدري مَن ذهب إلى غير ذلك، إلى أيِّ شيء يذهب؟ (^٥) وقال أبو داود في «مسائله» (^٦): سمعت أحمد ــ وقيل له: في نفسك شيء من المفقود؟ ــ فقال: ما في نفسي [٢٦٥/ب] منه\n_________\n(^١) وانظر: «تهذيب السنن» (٢/ ٢٦ - ٣١).\n(^٢) انظر هذا الفصل في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦ - ٥٨٢) باختلاف يسير.\n(^٣) ت، ع: «ظن». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) رواه عبد الرزاق (١٢٣٢٢)، وسعيد بن منصور (١٧٥٥).\n\nويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٢٣١٧ - ١٢٣٢٤)، و«السنن» لسعيد بن منصور (١٧٥٢ - ١٧٥٤)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (١٦٩٨٥، ١٦٩٨٧ - ١٦٩٨٩)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٢٤٠).\n(^٥) انظر نحوه في «المغني» (١١/ ٢٤٨).\n(^٦) انظر: نشرة طارق بن عوض الله (ص ٢٤٤).","vol":"2","page":311},{"text":"شيء. هذا خمسةٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ - أمروها أن تتربَّص. قال أحمد: هذا من ضيق علم الرجل أن لا يتكلَّم في امرأة المفقود (^١).\nوقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس. والقياس أنها زوجة القادم بكلِّ حال، إلا أن نقول: الفرقة تنفذ ظاهرًا وباطنًا، فتكون زوجة الثاني بكلِّ حال. وغلا بعض المخالفين لعمر في ذلك، فقالوا: لو حكَم حاكم بقول عمر في ذلك لنُقِضَ حكمُه، لبعده عن القياس.\nوطائفة ثالثة: أخذت ببعض قول عمر، وتركوا بعضه، فقالوا: إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته، ولا تُرَدُّ إلى الأول. وإن لم يدخل بها رُدَّت إلى الأول.\nقال شيخنا (^٢): من خالف عمر (^٣) لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر، ولم يكن له من الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر. وهذا إنما يتبيَّن بأصل، وهو وقفُ العقود إذا تصرَّف الرجلُ في حقِّ الغير بغير إذنه، هل يقع تصرفه مردودًا أو موقوفًا على إجازته؟ على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد: إحداهما أنها تقف على الإجازة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. والثانية أنها لا تقف، وهو أشهر قولي الشافعي، وهذا في النكاح والبيع والإجارة.\n_________\n(^١) لم ترد أقوال أحمد في «مجموع الفتاوى» في هذا الفصل.\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦).\n(^٣) ع: «قول عمر»، بزيادة «قول» ولم ترد في غيرها ولا «مجموع الفتاوى».","vol":"2","page":312},{"text":"وظاهر مذهب أحمد التفصيل. وهو أن المتصرف إذا كان معذورًا لعدم تمكُّنه من الاستئذان وكان به حاجة إلى [٢٦٦/أ] التصرُّف وقف العقدُ على الإجازة بلا نزاع عنده. وإن أمكنه الاستئذان أو لم تكن به حاجة إلى التصرُّفُ ففيه النزاع. فالأول مثل من عنده أموال لا يعرف أصحابها كالغصوب والعواري ونحوها، فإذا تعذَّر عليه معرفةُ أرباب الأموال ويئس منها، فإن مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يتصدَّق بها عنهم. فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيَّرين بين الإمضاء وبين التضمين.\nوهذا مما جاءت به السنة في اللقطة، فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرَّف فيها، ثم إن جاء صاحبها كان مخيَّرًا بين إمضاء تصرُّفه وبين المطالبة بها. فهو تصرُّف موقوف لما تعذَّر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرُّف. وكذلك الموصي بما زاد على الثلث، وصيتُه موقوفة على الإجازة عند الأكثرين، وإنما يخيَّرون بعد الموت.","vol":"2","page":313},{"text":"فالمفقود المنقطع خبره، إن قيل: إن امرأته تبقى إلى أن يُعلمَ خبرُه= بقيَتْ لا أيِّمًا ولا ذات زوج إلى أن تبقى من القواعد أو تموت. والشريعة لا تأتي بمثل هذا. فلما أُجِّلت أربع سنين ولم يُكشفَ خبرُه حُكِم بموته ظاهرًا.\nفإن قيل: يسوغ للإمام أن يفرِّق بينهما للحاجة، فإنما ذلك بعد اعتقاد موته، وإلا فلو علمت حياته لم يكن مفقودًا. وهذا كما ساغ التصرُّفُ في الأموال التي تعذَّر معرفةُ أصحابها، فإذا قدِم الرجل تبيَّنَّا أنه كان حيًّا، كما إذا ظهر صاحب المال، والإمام قد تصرَّف في زوجته [٢٦٦/ب] بالتفريق، فيبقى هذا التفريق موقوفًا على إجازته. فإن شاء أجاز ما فعله الإمام، وإن شاء ردَّه. وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه. ولو أذن للإمام أن يفرِّق بينهما ففرَّق وقعت الفرقة بلا ريب، وحينئذ فيكون نكاح الثاني صحيحًا. وإن لم يُجِزْ ما فعله الإمام كان التفريق باطلًا، فكانت باقية على نكاحه فتكون زوجته؛ فكان القادم مخيَّرًا بين إجازة ما فعله الإمام وردِّه. وإذا أجاز فقد أخرج البُضْع عن ملكه.\nوخروجُ البضع من ملك الزوج متقوِّم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في أنَصِّ الروايتين. والشافعي يقول: هو مضمون بمهر المثل. والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلَّق امرأته، ثم رجعا عن الشهادة. فقيل: لا شيء عليهما، بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج ليس بمتقوِّم. وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين اختارها متأخرو أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه. وقيل: عليهما مهر المثل. وهو قول الشافعي، وهو وجه في مذهب أحمد. وقيل: عليهما المسمَّى، وهو مذهب مالك. وهو أشهر في نصِّ أحمد (^١)، وقد نصَّ على ذلك فيما إذا أفسد نكاح امرأته برضاع أنه يرجع بالمسمَّى. والكتاب والسنة يدلان على هذا القول، فإن الله تعالى قال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ [٢٦٧/أ] حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١١]. وهذا هو المسمَّى دون مهر المثل. وكذلك (^٢) أمر النبيُّ - ﷺ - زوج المختلعة أن يأخذ ما أعطاها دون مهر المثل (^٣). وهو سبحانه إنما يأمر في\n_________\n(^١) ع: «مذهب أحمد». وفي «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٩): «نصوص أحمد».\n(^٢) ت: «ولذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) رواه أحمد (٢٧٤٤٤)، وأبو داود (٢٢٢٧)، والنسائي (٣٤٦٢) من حديث حبيبة بنت سهل مرفوعا. وصححه ابن حبان (١٣٩٣).","vol":"2","page":314},{"text":"المعاوضات المطلقة بالعدل. فحكمُ أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل.\nوالقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة. ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة، ولم يُعلَم أن أحدًا منهم أنكر ذلك، مثل قضية ابن مسعود في تصدُّقه عن سيد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذمة لما تعذَّرت عليه معرفته (^١)، وكتصدُّق الغالِّ بالمال المغلول من الغنيمة لما تعذَّر قَسْمُه بين الجيش، وإقرار معاوية (^٢) على ذلك وتصويبه له (^٣)، وغير ذلك من القضايا؛ مع أن القول بوقف العقود مطلقًا هو الأظهر في الحجة، وهو قول الجمهور. وليس في ذلك ضرر أصلًا، بل هو صلاح بلا فساد (^٤)؛ فإن الرجل قد يرى أن يشتري لغيره، أو يبيع له، أو يستأجر له،\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٨٦٣١)، وسعيد بن منصور ــ كما في «تغليق التعليق» لابن حجر (٤/ ٤٦٩) ــ والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٣٩)، وفي «بيان المشكل» (١٢/ ١٢٧)، والطبراني (٩٧٢١) من طرق عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة.\nوعامر فيه لينٌ، لكن الظن به ألا يخطئ في رواية مثل هذه القصّة، وليس عامرٌ ابنًا لشقيق، خلافًا لما ظنّه الإمام الشافعي في «الأم» (٨/ ٤٥٢)، وفات البيهقيَّ تعقّبُه في «السنن الكبير» (٦/ ١٨٧)، وفي «معرفة السنن والآثار» له (٥/ ٣٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده: «له»، ولا وجود له في النسخ ولا في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٨٠).\n(^٣) رواه أبو إسحاق الفزاري في «السِّيَر» (٤٢٢) ــ ومن طريقه ابن عساكر (٢٩/ ١٣٨ - ١٣٩) ــ، وسعيد بن منصور (٢٧٣٢) من رواية حوشب بن سيف به، وقد وثّقه العجلي.\n(^٤) ع: «إصلاح بلا إفساد»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «مجموع الفتاوى» كما أثبتنا من النسخ الأخرى.","vol":"2","page":315},{"text":"أو يؤجر (^١) له؛ ثم يشاوره، فإن رضي وإلا لم يحصل له ما يضرُّه. وكذلك في تزويج وليّته ونحو ذلك، وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه.\nفمسألة المفقود هي مما يوقف فيها تفريق الإمام على إذن الزوج [٢٦٧/ب] إذا جاء، كما يقف تصرُّفُ الملتقط على إذن المالك إذا جاء.\nوالقولُ بردِّ المهر إليه لخروج (^٢) بُضْع امرأته عن ملكه، ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به: هل هو ما أعطاها هو، أو ما أعطاها الثاني؟ وفيه روايتان عن أحمد: إحداهما يرجع بما مهرها الثاني، لأنها هي التي أخذته. والصواب أنه إنما يرجع بما مهرها هو، فإنه الذي يستحقه. وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حقَّ له فيه.\nوإذا ضمن الثاني للأول المهرَ، فهل يرجع به عليها؟ فيه روايتان (^٣):\nإحداهما: يرجع، لأنها هي التي أخذته، والثاني قد أعطاها المهر الذي عليه، فلا يضمن مهرين. بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فراق الأول (^٤) ونكاح الثاني، فعليها أن تردَّ المهر؛ لأن الفرقة جاءت من جهتها.\nوالثانية: لا يرجع، لأن المرأة تستحقُّ المهر بما استحلَّ من فرجها. والأول يستحق المهر بخروج البُضْع عن ملكه، فكان على الثاني.\n_________\n(^١) «أو يؤجر له» ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: «يؤجر له أو يستأجر له».\n(^٢) ع: «المهر إلى الخروج». وفي النسخ المطبوعة: «إلى الزوج بخروج». والصواب ما أثبت، وكذا في «مجموع الفتاوى».\n(^٣) في النسخ المطبوعة زيادة: «عن أحمد» خلافًا للنسخ و«مجموع الفتاوى».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الزوج الأول»، خلافًا للنسخ الخطية و«مجموع الفتاوى».","vol":"2","page":316},{"text":"وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود. وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس، حتى قال بعض الأئمة: لو حكَم به حاكمٌ نُقِضَ حكمُه. وهو مع هذا أصحُّ الأقوال وأجراها (^١) في القياس، وكلُّ قول قيل سواه فهو خطأ. فمن قال: إنها تعاد إلى الأول بكلِّ حال، أو تكون مع الثاني بكلِّ حال= فكلا القولين خطأ، إذ كيف تعاد إلى الأول، وهو لا يختارها ولا يريدها، [٢٦٨/أ] وقد فُرِّق بينه وبينها تفريقًا سائغًا في الشرع، وأجاز هو ذلك التفريق؟ فإنه وإن تبيَّن للإمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده، فالحقُّ في ذلك للزوج. فإذا أجاز ما فعله الإمام زال المحذور.\nوأما كونها زوجةَ الثاني بكلِّ حال مع ظهورِ زوجها وتبيُّنِ أن الأمر بخلاف ما فعل الإمام، فهو خطأ أيضًا، فإنه مسلمٌ لم يفارق امرأته، وإنما فُرِّق بينهما بسببٍ ظهر أنه لم يكن كذلك، وهو يطلب امرأته، فكيف يُحال بينه وبينها؟ وهو لو طلب ماله أو بدله رُدَّ إليه فكيف لا تُردُّ إليه امرأته، وأهلُه أعزُّ عليه من ماله؟\nوإن قيل: حقُّ الثاني تعلَّق بها. قيل: حقُّه سابق على حقِّ الثاني، وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحقَّ الثاني أن تكون زوجة له. وما الموجب لمراعاة حقِّ الثاني دون الأول؟\nفالصواب ما قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -. ولهذا تعجَّب أحمد ممن خالفه. وإذا (^٢) ظهر صحةُ ما قاله الصحابة وصوابُه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثلُ أبي حنيفة ومالك والشافعي،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أحراها» بالحاء المهملة، وهو تصحيف.\n(^٢) ع: «فإذا» بإهمال الفاء. وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":317},{"text":"فلَأن يكون الصوابُ معهم فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى.\nقال شيخنا (^١): وقد تأمّلتُ من هذا الباب ما شاء الله، فرأيتُ الصحابة أفقهَ الأمة وأعلمَها. اعتبِرْ هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط. فالمنقول فيها عن الصحابة [٢٦٨/ب] هو أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة والقياس الجلي، وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس. وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل، لم أجد أجودَ الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة. وإلى ساعتي هذه ما علمتُ قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجَلِّ العلوم. وإنما يعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام. والله أعلم. انتهى (^٢).\nفصل\nومما أشكل على كثير من الفقهاء من قضايا الصحابة وجعلوه من أبعد الأشياء عن القياس: مسألة التزاحم، وسقوط المتزاحمين في البئر، وتسمَّى «مسألة الزُّبْيَة».\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٨٢)، والكلام موصول بالسابق واللاحق.\n(^٢) يعني: كلام شيخ الإسلام. انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٨٣) وقد بدأ النقل منه في (ص ٢٣٣) من نشرتنا هذه.","vol":"2","page":318},{"text":"وأصلها أن قومًا من أهل اليمن حفروا زبيةً للأسد، فاجتمع الناس على رأسها، فهوَى فيها واحد، فجذب ثانيًا، فجذب الثاني ثالثًا، فجذب الثالثُ رابعًا، فقتلهم الأسد. فرُفِع ذلك إلى علي بن أبي طالب (^١) وهو على اليمن، فقضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها، وللثالث بنصفها، وللرابع بكمالها، وقال: أجعل الدية على مَن حضَر رأس [٢٦٩/أ] البئر. فرُفِع ذلك إلى النبي - ﷺ - فقال: «هو كما قال». رواه سعيد بن منصور في «سننه»، ثنا أبو عوانة وأبو الأحوص، عن سِماك بن حرب، عن حَنَش الصنعاني (^٢) عن علي (^٣). فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمد إلى هذا توقيفًا على خلاف القياس (^٤).\nوالصواب أنه مقتضى القياس والعدل. وهذا يتبيَّن بأصل، وهو أن الجناية إذا حصلت من فعل مضمونٍ ومهدَرٍ سقط ما يقابل المهدر، واعتُبِر ما يقابل المضمون؛ كما لو قتل عبدًا مشتركًا بينه وبين غيره، أو أتلف مالًا مشتركًا، أو حيوانًا= سقط ما يقابل حقَّه، ووجب عليه ما يقابل حقَّ شريكه. وكذلك لو اشترك اثنان في إتلافِ مال أحدهما أو قتلِ عبده أو حيوانه سقط\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في الجنة».\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وكذا في «المغني» لابن قدامة (١٢/ ٨٧ - ٨٨) ومنه ينقل المصنف.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٢٨٤٥١، ٢٩٧٠٦) عن أبي الأحوص، عن سماك، عن حَنَشِ بن المعتمر الكناني به. ورواه أحمد (٥٧٣، ٥٧٤، ١٠٦٣، ١٣١٠) من طريقيْن آخريْن عن سماك، عن حنش ... وقد تكلّموا في حنشٍ، وفي حديثه هذا. ويُنظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٤) انظر: «الهداية» لأبي الخطاب (ص ٥١٥).","vol":"2","page":319},{"text":"عن المشارك ما يقابل فعله، ووجب على الآخر من الضمان بقسطه. وكذلك لو اشترك هو وأجنبيٌّ في قتل نفسه كان على الأجنبي نصف الضمان. وكذلك لو رمى ثلاثةً بالمنجنيق فأصاب الحجرُ أحدهم فقتَله، فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط، ويجب ثلثا ديته على عاقلة الآخرين. هذا مذهب الشافعي، واختيار صاحب «المغني»، والقاضي أبي يعلى في «المجرَّد» (^١).\nوهو الذي قضى به عليٌّ في مسألة القارصة والواقصة. قال الشعبي: وذلك أنَّ ثلاثَ جوارٍ اجتمعن، فركبت إحداهن على عنق الأخرى، فقرَصت الثالثةُ المركوبةَ، فقمَصَت (^٢)، فسقطت الراكبة [٢٦٩/ب] فوقَصت (^٣) عنقها، فماتت. فرُفِع ذلك إلى عليٍّ، فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهن، وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة، لأنها أعانت على قتل نفسها (^٤).\nوإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركَّب من أربعة أشياء: سقوطه، وسقوط الثاني، والثالث، والرابع. وسقوطُ الثلاثة فوقه مِن فعله. وجنايتهُ على نفسه تُسقِط (^٥) ما يقابله وهو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٨٣) والمصنف صادر عنه. ومنه نقل قول الشعبي الآتي.\n(^٢) أي نفرت.\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده: «أي كسرت».\n(^٤) رواه الشافعي في «الأم» (٨/ ٤٤٦)، وأبو عبيد في «غريب الحديث» (٣/ ٧٧) ــ ومن طريقه الزجاجي في «الأخبار = الأمالي الوسطى» (ص ٢٠٨)، والبيهقي (٨/ ١١٢) ــ من حديث مجالد، عن الشعبي به، ومجالد (وهو ابن سعيد) فيه لِينٌ.\nويُوازَنُ السند المُثْبَتُ في «الأم» بما في «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (٦/ ٢٥٠).\n(^٥) كذا في النسخ بإهمال حرف المضارع. وفي النسخ المطبوعة: «فسقط».","vol":"2","page":320},{"text":"ثلاثة أرباع الدية. وبقي الربع الآخر لم يتولَّد من فعله وإنما تولَّد من التزاحم فلم يُهدَر. وأما الثاني فلأن هلاكه كان من ثلاثة أشياء: جذبِ مَن قبله له، وجذبه هو لثالث، ورابع. فسقط ما يقابل جذبَه، وهو ثلثا الدية، واعتُبِر ما لا صنع له فيه، وهو الثلث الباقي. وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: جذبِ مَن قبله له، وجذبِه هو للرابع، فسقط فعلُه دون السبب الآخر، فكان لورثته النصف. وأما الرابع فليس منه فعل البتة، وإنما هو مجذوب محض، فكان لورثته كمال الدية. وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم.\nفإن قيل: على هذا سؤالان: أحدهما أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئًا مع أنه مباشر، وأوجبتم على عاقلة من حضر البئر ولم يباشر، وهذا خلاف القياس. الثاني: أنَّ هذا هَبْ أنه يتأتى (^١) لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعض، فكيف يتأتَّى لكم [٢٧٠/أ] في مسألة الزُّبية، وإنما ماتوا بقتل الأسد، فهو كما لو تجاذبوا، فغرقوا في البئر؟\nقيل: هذان سؤالان قويَّان. وجواب الأول أن الجاذب لم يباشر الإهلاك، وإنما تسبَّب إليه. والحاضرون تسبَّبوا بالتزاحم، وكان تسبُّبهم أقوى من تسبُّب الجاذب؛ لأنه ألجئ إلى الجذب. فهو كما لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر، فنفَضه عنه لئلا يقتله، فمات، فالقاتل هو الملقي.\nوأما السؤال الثاني، فجوابه أن المباشر للتلف كالأسد والماء والنار، لما لم يمكن الإحالة عليه أُلغي فعله، وصار الحكم للسبب. ففي مسألة\n_________\n(^١) ت: «هب أن هذا يتأنّى». وأخشى أن يكون إصلاحًا للنص.","vol":"2","page":321},{"text":"الزبية ليس للرابع فعلٌ البتة، وإنما هو مفعول به محض، فله كمال الدية. والثالث فاعل ومفعول به، فأُلغي ما يقابل فعلَه واعتُبر فعلُ الغير به، فكان قسطه نصف الدية. والثاني كذلك إلا أنه جاذب لواحد، والمجذوبُ جاذبٌ لآخر؛ فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلثُ السبب، وهو جذبُ الأول له، فله ثلث الدية. وأما الأول فثلاثة أرباع السبب من فعله، وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرةً وتسبُّبًا، وربعُه من وقوعه بتزاحم الحاضرين، فكان حظُّه ربع الدية.\nوهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل فعله، ويكون لورثته. وهذا هو خلاف القياس، لأن الدية شُرِعت مواساةً وجبرًا، فإذا كان الرجل هو القاتلَ لنفسه أو مشاركًا في قتله لم يكن فعلُه بنفسه مضمونًا، كما [٢٧٠/ب] لو قطَع طرفَ نفسه أو أتلفَ مال نفسه. فقضاءُ عليٍّ أقرب إلى القياس من هذا بكثير.\nوهو أولى أيضًا من أن يُحمَل فعلُ المقتول على عواقل الآخرين، كما قاله أبو الخطاب في مسألة المنجنيق: أنه يلغى فعلُ المقتول في نفسه، وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين. وهذا أبعد عن القياس مما قبله، إذ كيف تتحمل العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه، ولو تحملتها العاقلة لكانت عاقلته أولى بتحمُّلها. وكلا القولين يخالف القياس، فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين - ﵁ -.\nوهو أحسن أيضًا (^١) من تحميل دية الرابع لعاقلة الثالث، وتحميل دية الثالث لعاقلة الثاني، وتحميل دية الثاني لعاقلة الأول، وإهدار دية الأول\n_________\n(^١) ع: «أيضًا أحسن»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":322},{"text":"بالكلية. فإن هذا القول وإن كان له حظٌّ من القياس، فإن الأول لم يَجْنِ عليه أحد، وهو الجاني على الثاني فديته على عاقلته، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، والرابعُ لم يَجْنِ على أحد فلا شيء عليه. فهذا قد تُوُهِّمَ (^١) أنه في ظاهر القياس أصحُّ من قضاء أمير المؤمنين، ولهذا ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم؛ إلا أن ما قضى به عليٌّ أفقه، فإن الحاضرين ألجؤوا الواقفين بمزاحمتهم لهم، فعواقلهم أولى بحمل الدية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى العدل من أن يجمع عليهم بين هلاك أوليائهم وحمل دياتهم، فتتضاعف عليهم المصيبة، ويُكسَروا [٢٧١/أ] من حيث ينبغي جبرُهم. ومحاسن الشريعة تأبى ذلك، وقد جعل الله سبحانه لكلِّ مصاب حظًّا من الجبر، وهذا أصلُ شرعِ حملِ العاقلة الدية جبرًا للمصاب وإعانةً له.\nوأيضًا فالثاني والثالث كما هما مجنيٌّ عليهما، فهما جانيان على أنفسهما وعلى من جذَباه، فحصل هلاكهم بفعل بعضهم ببعض، فألغى ما قابل فعلَ كلِّ واحد بنفسه، واعتبر جناية الغير عليه.\nوهو أيضًا أحسن من تحميل دية الرابع لعواقل الثلاثة، ودية الثالث لعاقلة الثاني والأول، ودية الثاني لعاقلة الأول خاصة؛ وإن كان له أيضًا حظٌّ من قياس تنزيلًا لسبب السبب منزلة السبب. وقد اشترك في هلاك (^٢) الرابع الثلاثة الذين قبله، وفي هلاك الثالث الاثنان، وانفرد بهلاك الثاني الأول. ولكن قول عليٍّ أدقُّ وأفقَهُ.\n_________\n(^١) لم يعجم حرف المضارعة في ح. وفي المطبوع: «يوهم».\n(^٢) ما عدا ع: «هذا».","vol":"2","page":323},{"text":"فصل\nومما يُظَن أنه يخالف القياس: ما رواه عليُّ بن رباح اللَّخْمي أن رجلًا كان يقود أعمى، فوقعا في بئر، فخرَّ البصير، ووقع الأعمى فوقه، فقتله. فقضى عمر بن الخطاب - ﵁ - بعقل البصير على الأعمى. فكان الأعمى يدور في الموسم، ويُنشد:\nيا أيها الناس لقيتُ منكَرا\nهل يعقِل الأعمى الصحيحَ المُبْصِرا\nخرَّا معًا كلاهما تكسَّرا (^١)\n\nوقد اختلف الناس في هذه المسألة، فذهب إلى قضاء عمر هذا عبد الله بن الزبير، وشريح، وإبراهيم النخعي، والشافعي، وإسحاق، وأحمد.\nوقال بعض الفقهاء: القياس [٢٧١/ب] أنه ليس على الأعمى (^٢) ضمان البصير، لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه، وكان سبب وقوعه عليه.\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (٣١٥٤) ــ ومن طريقه البيهقي (٨/ ١١٢) ــ، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٣١٠ - ٣١١). ورواه ابن أبي شيبة (٢٨٤٥٧) لكن الخبر عنده مختصَرٌ معتصَرٌ جدًّا، بيد أن وكيعًا تداركه بالشرح والإيضاح! خلافًا لأبي صالح وابن الحُباب ساقا الحكاية مُجوَّدةً على نَسَقٍ. وقد حسّن ابنُ كثيرٍ سندَ القصّة في «مسند الفاروق» (٢/ ٢٧٤)، مع أنّ السندَ منقطعٌ. وللقصّة طريق أخرى رواها ابن وهب عن الليث بن سعد، لكنها معضلةٌ ظاهرةُ الإعضالِ. ويُنظر: «المحلى» لابن حزم (١٠/ ٥٠٦)، و«التلخيص الحبير» لابن حجر (٤/ ٦٩).\n(^٢) في «المغني» (١٢/ ٨٥) ــ وهو مصدر النقل ــ: «ولو قال قائل: ليس على الأعمى».","vol":"2","page":324},{"text":"ولذلك (^١) لو فعله قصدًا (^٢) لم يضمنه بغير خلاف، وكان عليه ضمان الأعمى. ولو لم يكن سببًا لم يلزمه ضمانٌ بقصده. قال أبو محمد المقدسي في «المغني» (^٣): لو قيل هذا لكان له وجه، إلا أن يكون مجمعًا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع.\nوالقياسُ حكمُ عمر، لوجوه (^٤):\nأحدها: أن قوده له مأذون فيه من جهة الأعمى، وما تولَّد من مأذون فيه لم يضمن كنظائره.\nالثاني: أنه (^٥) قد يكون قوده له مستحبًّا أو واجبًا. ومَن فعَلَ ما وجب عليه أو نُدِب إليه لم يلزمه ضمانُ ما تولَّد منه.\nالثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان: إذن الشارع، وإذن الأعمى. فهو محسِن بامتثال أمر الشارع، محسِن إلى الأعمى بقوده له، وما على المحسنين من سبيل. وأما الأعمى فإنه سقط على البصير، فقتله، فوجب عليه ضمانه؛ كما لو سقط إنسان من سطح على آخر، فقتله. فهذا هو القياس.\nوقولهم: «هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه»، فهذا لا يوجب\n_________\n(^١) ع: «وكذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «المغني» كما أثبت.\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده: «منه». ولم يرد في «المغني» ولا النسخ الخطية.\n(^٣) انظر: (١٢/ ٨٤ - ٨٥) والكلام متصل. وبدايته من قوله: «علي بن رباح اللخمي أن رجلًا ...».\n(^٤) الوجهان الأولان مأخوذان من «المغني».\n(^٥) «أنه» ساقط من النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":325},{"text":"الضمان (^١)؛ لأن قوده مأذون فيه من جهته ومن جهة الشارع. وقولهم: «ولذلك (^٢) لو فعله قصدًا لم يضمنه»، فصحيحٌ لأنه مسيء وغير مأذون له في ذلك، لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع.\nفالقياس المحض قول عمر. وبالله التوفيق.\nفصل\nومما (^٣) أشكل على جمهور الفقهاء [٢٧٢/أ] وظنوه في غاية البعد عن القياس: الحكم الذي حكم به عليُّ بن أبي طالب في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهر واحد، ثم تنازعوا الولد، فأقرَعَ بينهم فيه (^٤).\nونحن نذكر هذه الحكومة، ونبيِّن مطابقتها للقياس. فذكر أبو داود والنسائي (^٥)\nمن حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم قال: كنت\n_________\n(^١) يعني: على البصير.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وكذلك»، والصواب ما أثبت كما سبق.\n(^٣) ح، ف: «وما».\n(^٤) وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ٣٨٤ - ٣٨٧) و«تهذيب السنن» (١/ ٥٦١ - ٥٦٤) و«الطرق الحكمية» (٢/ ٦١٤ - ٦٢٠).\n(^٥) رواه أحمد (١٩٣٤٢، ١٩٣٤٤)، وأبو داود (٢٢٦٩)، والنسائي (٣٤٨٩، ٣٤٩٠)، وفي «السنن الكبرى» (٥٦٥٣، ٥٩٩٥) من طرق عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبد الله بن (أبي) الخليل، عن زيد بن أرقم - ﵁ -. وعبد الله هذا مجهول الحال، والأجلح هو ابن عبد الله الكندي، وهو صدوقٌ، فيه لِينٌ، وقد اختُلف عليه في سنده، فرواه على هذا الوجه، ورُوي أيضًا عنه، عن الشعبي، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم، كذا رواه أحمد (١٩٣٢٩). وقد خالفه الثقة الثبت المُتقِن سلمة (وهو ابنُ كُهَيْلٍ)، فرواه عن الشعبي، عن (أبي) الخليل ــ أو ابن (أبي) خليل ــ فذكره موقوفا، ولم يرفعه، ولا أسنده عن زيد بن أرقم، ولا ذكر (اليمن)، ولا قوله: «طِيبَا بالولد». كذا رواه أبو داود (٢٢٧١)، والنسائي (٣٤٩٢)، وفي «السنن الكبرى» (٥٦٥٦) من طريق شعبة (وهو ابن الحجّاج)، عن سلمة به. وقال النسائي: «وسلمة بن كُهيل أثبتُهم، وحديثُه أولى بالصواب، والله أعلم». وكذا رجّح هذا أبو حاتم الرازي [كما في «العلل» لابنه عبد الرحمن (١٢٠٤)]، والبيهقي (١٠/ ٢٦٧). ونقل ابن عبد الهادي في المحرر (١٠٨١) قول الإمام أحمد: «هو حديث منكر». أما الحاكم، فصحّحه (٢/ ٢٠٧).\nويُنظر: «الضعفاء» للعقيلي (١/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٢٣١٧)، و«العلل» للدارقطني (٣/ ١١٧ - ١١٩)، و«السنن الكبير» للبيهقي (١٠/ ٢٦٧ - ٢٦٨).","vol":"2","page":326},{"text":"جالسًا عند النبي - ﷺ -، فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، قد وقعوا على امرأة في طهر واحد. فقال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلَبا (^١). ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلَبا ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فقالا: لا. فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مُقرع بينكم، فمن قرَع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدية. فأقرع بينهم، فجعله لمن قرَع. فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت أضراسه أو نواجذه.\nوفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندي الأجلح، ولا يحتج بحديثه.\nلكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلُّهم ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم، قال: أُتي عليٌّ بثلاثة ــ وهو باليمن ــ وقعوا على امرأة في طهر واحد،\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية هنا وفيما بعد. وكذا في بعض نسخ «سنن أبي داود» كما في «عون المعبود» (٦/ ٢٥٧). واللفظ المشهور: «فغلَيا» من الغليان. وفي النسخ المطبوعة: «فقالا: لا»، والظاهر أنه تصرف من بعض النساخ أو الناشرين.","vol":"2","page":327},{"text":"فقال لاثنين: أتقِرَّان لهذا؟ قالا: لا، حتى سألهم جميعًا. فجعل كلَّما سأل اثنين قالا: لا. فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت له القرعة، وجعل (^١) عليه ثلثي (^٢) الدية. فذُكِر ذلك للنبيِّ - ﷺ -، فضحك حتى بدت [٢٧٢/ب] نواجذه (^٣).\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم فيكون مرسلًا. قال النسائي: وهذا أصوب. قلت: وهذا ليس بعلة، ولا يوجب إرسالًا في الحديث، فإن عبد خير سمع من علي، وهو صاحب القصة. فهَبْ أن زيد بن أرقم لا ذكر له في المتن، فمن أين يجيء الإرسال؟\nوبعد، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث. فذهب إلى القول به\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «لصاحبيه».\n(^٢) في النسخ الخطية: «ثلثا»، ويصح نائب فاعل، ولكن السياق يقتضي ما أثبت من «السنن».\n(^٣) رواه أبو داود (٢٢٧٠) وابن ماجه (٢٣٤٨)، والنسائي (٣٤٨٨)، وفي «السنن الكبرى» (٥٦٥٢، ٥٩٩٣)، وهذا الوجه ممّا أغرب به عبد الرزاق عن الثوري! وقد قال البيهقي (١٠/ ٢٦٧): «هذا الحديث ممّا يُعَدُّ في أفراد عبد الرزاق عن سفيان الثوري». وعفا الله عن ابن حزم القائل في «المحلى» (١٠/ ١٥٠): «وهذا خبرٌ مستقيم السند»! وتبعه عبد الحق الإشبيلي، فقال في «الأحكام الوسطى» (٣/ ٢٢٠): «إسناده صحيح». وصحّحه أيضًا ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٤٣٣). وقد أغرب عبد الرزاق عن الثوري أيضًا بوجهٍ آخرَ، ساقه عنه أحمد (١٩٣٢٩). وقد قال النسائي في «السنن الكبرى» عَقِبَ الحديث (٥٦٥٤): «هذه الأحاديث كلّها مضطربة الأسانيد». وذكر نحوَه العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٣٠٣).","vol":"2","page":328},{"text":"إسحاق بن راهويه، وقال: هو السنة في دعوى الولد (^١). وكان الشافعي يقول به في القديم (^٢). وأما الإمام أحمد فسئل عنه فرجَّح عليه حديث القافة، وقال: حديث القافة أحبُّ إلي (^٣).\nوهاهنا أمران. أحدهما: دخول القرعة في النسب. والثاني: تغريم من خرجت له القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه. وكلٌّ منهما بعيد عن القياس، فلذلك قالوا: هذا من أبعد شيء عن القياس.\nفيقال: القرعة قد تستعمل عند فقدان مرجِّحٍ سواها من بينة أو إقرار أو قافة. وليس ببعيد تعيينُ المستحق بالقرعة في هذه الحال، إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى. ولها دخول في دعوى الأملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينة ولا أمارة، فدخولها في النسب الذي يثبت بمجرَّد الشبه الخفي المستند إلى قول القائف أولى وأحرى.\nوأما أمر الدية فمشكل جدًّا، فإن هذا ليس بقتل يوجب الدية، وإنما هو تفويت [٢٧٣/أ] نسبه بخروج القرعة له. فيمكن أن يقال: وطءُ كلِّ واحدٍ صالحٌ لجعل الولد له، فقد فوَّته كلُّ واحد منهم على صاحبه بوطئه، ولكن لم يتحقق من كان له الولد منهم. فلما أخرجته القرعة لأحدهم صار مفوِّتًا لنسبه عن (^٤) صاحبيه، فأُجري ذلك مجرى إتلاف الولد، ونُزِّل الثلاثة منزلة أب واحد، فحصة المتلِف منه ثلث الدية، إذ قد عاد الولد له، فيغرم لكلٍّ من\n_________\n(^١) انظر: «مسائل الكوسج» (٤/ ١٦٧٧). والنقل من «معالم السنن» (٣/ ٢٧٧).\n(^٢) «معالم السنن» (٣/ ٢٧٧).\n(^٣) «مسائل الكوسج» (٤/ ١٦٦٧). وانظر: «معالم السنن» (٣/ ٢٧٧).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «على».","vol":"2","page":329},{"text":"صاحبيه ما يخصُّه، وهو ثلث الدية.\nووجه آخر أحسن من هذا: أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوقِ الولد به وجب عليه ضمانُ قيمته. وقيمة الولد شرعًا هي ديته، فلزمه لهما ثلثا قيمته وهي ثلثا الدية. وصار هذا كمن أتلف عبدًا بينه وبين شريكين له، فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه. فإتلافُ الولد الحرِّ عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم.\nونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحرية الأمة لما فات رقُّهم على السيد بحريتهم، وكانوا بصدد أن يكونوا أرِقَّاء له. وهذا من ألطف ما يكون من القياس وأدقِّه، ولا يهتدي إليه إلا أفهام الراسخين في العلم. وقد ظن طائفة أن هذا أيضًا على خلاف القياس، وليس كما ظنوه (^١)، بل هو محض الفقه، فإن الولد تابع للأم في الحرية والرق، ولهذا ولدُ الحرِّ من أمة الغير رقيق، وولدُ العبد من الحُرَّة حُرّ.\nقال الإمام أحمد (^٢): إذا تزوج الحُرُّ بالأمة رقَّ نصفُه، وإذا تزوج [٢٧٣/ب] العبدُ بالحرة عتَق نصفُه. فولد الأمة المزوَّجة بهذا المغرور كانوا بصدد أن يكونوا أرِقَّاء لسيدها، ولكن لما دخل الزوج على حرية المرأة دخل على أن يكون أولاده أحرارًا، والولد يتبع اعتقاد الواطئ، فانعقد ولده أحرارًا. وقد فوَّتهم على السيد، وليس مراعاة أحدهما بأولى من مراعاة الآخر، ولا تفويتُ حقِّ أحدهما بأولى من حق صاحبه. فحفِظ الصحابةُ الحقَّين، وراعوا الجانبين، فحكموا بحرية الأولاد وإن كانت أمهم رقيقة؛\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ظنوا».\n(^٢) في رواية ابن هانئ. انظر «مسائله» (ص ٢٤٩).","vol":"2","page":330},{"text":"لأن الزوج إنما دخل على حرية أولاده، ولو توهم رقَّهم لم يدخل على ذلك. ولم يضيِّعوا حقَّ السيد، بل حكموا على الواطئ بفداء أولاده، وأعطَوا العدل حقَّه؛ فأوجبوا فداءهم بمثلهم تقريبًا لا بالقيمة. ثم وفوا العدل بأن مكَّنوا المغرور من الرجوع بما غرِمه على من غرَّه؛ لأن غُرمه كان بسبب غروره. والقياس والعدل يقتضي أن من تسبَّب إلى إتلاف مال شخص أو تغريمه أنه يضمن ما غرِمه، كما يضمن ما أتلفه؛ إذ غايته أنه إتلافٌ بسبب، وإتلافُ المتسبِّب (^١) كإتلاف المباشر في أصل الضمان.\nفإن قيل: وبعد ذلك كلّه، فهذا خلاف القياس أيضًا. فإن الولد كما هو بعض الأم وجزء منها، فهو بعض الأب. وبعضيَّتُه للأب أعظم من بعضيَّته للأم. ولهذا إنما يذكر الله سبحانه في كتابه تخليقه من ماء الرجل كقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) [٢٧٤/أ] خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] ونظائرها من الآيات التي إن لم تختص بماء الرجل فهي فيه أظهر. وإذا كان جزءً من الواطئ وجزءً من الأم فكيف كان ملكًا لسيِّد الأم دون سيِّد الأب؟ ويخالف القياس من وجه آخر، وهو أن الماء بمنزلة البَذْر، ولو أن رجلًا أخذ بذرَ غيره، فزرَعه في أرضه، كان الزرع لصاحب البذر، وإن كان عليه أجرة الأرض.\nقيل: لا ريب أن الولد منعقد من ماء الأب كما هو منعقد من ماء الأم، ولكن إنما تكوَّن وصار مالًا متقوِّمًا في بطن الأم. فالأجزاء التي صار بها\n_________\n(^١) في المطبوع: «المسبِّب».","vol":"2","page":331},{"text":"كذلك من الأم أضعاف أضعاف الجزء الذي من الأب، مع مساواتها له في ذلك الجزء؛ فهو إنما تكوَّن في أحشائها من لحمها ودمها. ولما وضعه الأب لم يكن له قيمة أصلًا، بل كان كما سمَّاه الله ماءً مهينًا لا قيمة له. ولهذا لو نزا فحلُ رجل على رَمَكةِ آخر كان الولد لمالك الأم باتفاق المسلمين. وهذا بخلاف البذر فإنه مال متقوِّم، له قيمة قبل وضعه في الأرض يعاوض عليه بالأثمان، وعَسْبُ الفحل لا يعاوض عليه، فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس.\nفإن قيل: فهلا طردتم ذلك في النسب، وجعلتموه للأم كما جعلتموه للأب!\nقيل: قد اتفق المسلمون على أن النسب للأب، كما اتفقوا على أنه يتبع الأم في الحرية والرق. وهذا هو الذي تقتضيه حكمة الله شرعًا وقدرًا، [٢٧٤/ب] فإن الأب هو المولود له، والأم وعاء وإن تكوَّن فيها. والله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه، ونسخته (^١)، والقائم مقامه، ووضع الأنساب بين عباده. فيقال: فلان بن فلان، ولا تتم مصالحهم وتعارفهم ومعاملاتهم إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]. فلولا ثبوت الأنساب من قبل الآباء لما حصل التعارف، ولفسد نظام العباد. فإن النساء محتجبات مستورات عن\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «شجنته». وما أثبت من النسخ الخطية موافق لما جاء في «الطرق الحكمية» (٢/ ٥٧٨): «فإن الله ﷾ أجرى العادة بكون الولد نسخة أبيه».","vol":"2","page":332},{"text":"العيون، فلا يمكن في الغالب أن تعرف عينُ الأم، ليُشهد (^١) على نسب الولد منها. فلو جعلت الأنساب للأمهات لضاعت وفسدت، وكان ذلك مناقضًا للحكمة والرحمة والمصلحة.\nولهذا إنما يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم، لا بأمهاتهم. قال البخاري في «صحيحه» (^٢): «باب يدعى الناس بآبائهم يوم القيامة». ثم ذكر حديث: «لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان» (^٣).\nفكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية والرق تبعًا للأم، والنسب تبعًا للأب. والقياس الفاسد إنما يجمع بين ما فرَّق الله بينه، أو يفرِّق بين ما جمع الله بينه.\nفإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الولاء، بل جعلتموه لموالي الأم، والولاءُ لُحمةٌ كلُحمة النسب!\nقيل: لما كان الولاء من آثار الرِّقِّ وموجباته كان تابعًا له في حكمه، فكان لموالي الأم. ولما كان فيه شائبة النسب، وهو لُحمةٌ كلُحمته، رجع إلى موالي الأب عند [٢٧٥/أ] انقطاعه عن موالي الأم، فرُوعِيَ فيه الأمران، ورُتِّب عليه الأثران.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فيشهد».\n(^٢) قبل الحديث برقم (٦١٧٧).\n(^٣) هذا اللفظ ملفق من حديث ابن عمر عند البخاري (٦١٧٧) ومسلم (١٧٣٥) وحديث أبي سعيد عند مسلم (١٧٣٨) وأحمد (٦٠٩٣) والترمذي (٢١٩١).","vol":"2","page":333},{"text":"فإن قيل: فهلا جعلتم الولد في الدين تابعًا لمن له النسب، بل ألحقتموه بأبيه تارةً وبأمه تارةً!\nقيل: الطفل لا يستقلُّ بنفسه، بل لا يكون إلا تابعًا لغيره. فجعله الشارع تابعًا لخير أبويه في الدين تغليبًا لخير الدِّينَين، فإنه إذا لم يكن له بدٌّ من التبعية لم يجُز أن يتبع مَن هو على دين الشيطان، وتنقطع تبعيته عمن هو على دين الرحمن؛ فهذا محال في حكمة الله تعالى وشرعه.\nفإن قيل: فاجعلوه تابعًا لسابيه في الإسلام وإن كان معه أبواه أو أحدهما، فإن تبعيته لأبويه قد انقطعت، وصار السابي (^١) أحقَّ به.\nقيل: نعم، وهكذا نقول سواء. وهو قول إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ونصَّ عليه أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢). وقد أجمع الناس على أنه يُحكَم بإسلامه تبعًا لسابيه إذا سُبي وحده. قالوا: لأن تبعيته قد انقطعت عن أبويه وصار تابعًا لسابيه.\nواختلفوا فيما إذا سُبي مع أحدهما على ثلاثة مذاهب (^٣):\nأحدها: يُحكَم بإسلامه. نصَّ عليه أحمد في إحدى الروايتين، وهي المشهورة من مذهبه. وهو قول الأوزاعي.\nوالثاني: لا يحكم بإسلامه، لأنه لم ينفرد عن أبويه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «هو».\n(^٢) انظر: «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٥٠٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ١١٢).","vol":"2","page":334},{"text":"والثالث: أنه إن سُبي مع الأب تبعه في دينه. وإن سُبي مع الأم وحدها فهو مسلم. وهو قول مالك.\nوقول الأوزاعي وفقهاء الثغر (^١) أصح وأسلم من [٢٧٥/ب] التناقض، فإن السابي قد صار أحقَّ به، وقد انقطعت تبعيته لأبويه، ولم يبق لهما عليه حكم. فلا فرق بين كونهما في دار الحرب، وبين كونهما أسيرين في أيدي المسلمين. بل انقطاعُ تبعيته لهما في حال أسرهما وقهرهما وإذلالهما واستحقاق قتلهما أولى من انقطاعها حال قوة شوكتهما وخوف معرَّتهما. فما الذي يسوِّغ له الكفر بالله والشرك به وأبواه أسيران في أيدي المسلمين، ومنعَه من ذلك وأبواه في دار الحرب؟ وهل هذا إلا تناقض محض؟\nوأيضًا، فيقال لهم: إذا سُبي الأبوان ثم قُتلا، فهل يستمرُّ الطفل على كفره عندكم، أو تحكمون بإسلامه؟ فمن قولكم: أنه يستمر على كفره كما لو ماتا. فيقال: وأيُّ كتاب أو سنة أو قياس صحيح أو معنى معتبر أو فرق مؤثِّر بين أن يُقتلا في حال الحرب أو بعد الأسر والسبي؟ وهل يكون (^٢) المعنى الذي حُكم بإسلامه لأجله إذا سُبي وحده زائلًا بسبائهما ثم قتلهما بعد ذلك؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلين؟\nوأيضًا فهل تعتبرون وجود الطفل والأبوين في ملك سابٍ واحدٍ، أو يكون معهما في جملة العسكر؟ فإن اعتبرتم الأول طولبتم بالدليل على ذلك. وإن اعتبرتم الثاني، فمن المعلوم انقطاعُ تبعيته لهما واستيلائهما عليه، واختصاصُه بسابيه، ووجودُهما بحيث لا يُمَكَّنان منه ومن تربيته وحضانته.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أهل الثغر» بزيادة كلمة «أهل».\n(^٢) «يكون» ساقط من ح، ف.","vol":"2","page":335},{"text":"واختصاصُهما به لا أثر له، وهو كوجودهما في دار الحرب سواء.\nوأيضًا فإن الطفل [٢٧٦/أ] لما لم يستقِلَّ بنفسه لم يكن (^١) بدٌّ من جعلِه تابعًا لغيره. وقد دار الأمر بين أن يُجعل تابعًا لمالكه وسابيه ومن هو أحقُّ الناس به، وبين أن يُجعل تابعًا لأبويه ولا حقَّ لهما فيه بوجه. ولا ريب أن الأول أولى.\nوأيضًا فإن ولاية الأبوين قد زالت بالكلية، وقد انقطع الميراث وولاية النكاح وسائر الولايات، فما بال ولاية الدين الباطل باقية وحدها؟ وقد نصَّ الإمام أحمد (^٢) على منع أهل الذمة أن يشتروا رقيقًا من سبي المسلمين. وكتب بذلك عمر بن الخطاب إلى الأمصار (^٣)، واشتهر ولم ينكره منكر فهو إجماع من الصحابة، وإن نازع فيه بعض الأئمة. وما ذاك إلا أن في تمليكه للكافر ونقله عن يد المسلم قطعًا (^٤) لما كان بصدده من مشاهدة معالم الإسلام وسماعه للقرآن (^٥). فربما دعاه ذلك إلى اختياره، فلو كان تابعًا لأبويه على دينهما لم يُمْنَعا من شِراه (^٦)، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «ولم يكن».\n(^٢) في رواية ابنه عبد الله. انظر: «مسائله» (ص ٢٤٩).\n(^٣) قال الإمام أحمد: «ويُروى عن إسماعيل بن عياش بإسنادٍ له: أن عمر كتب ينهى أن تُباع النصرانية من النصراني». انظر: «مسائل عبد الله» (ص ٢٤٩) و«أحكام أهل الملل» من «الجامع» للخلال (٦٩١).\n(^٤) في المطبوع: «قطع» بالرفع!\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «القرآن».\n(^٦) في المطبوع: «شراء»، ولعله من أخطاء الطبع.","vol":"2","page":336},{"text":"فإن قيل: فيلزمكم على هذا أنه لو مات الأبوان أن تحكموا بإسلام الطفل لانقطاع تبعيته للأبوين، ولا سيما وهو مسلم بأصل الفطرة، وقد زال معارض الإسلام، وهو تهويد الأبوين وتنصيرهما.\nقيل: قد نصَّ على ذلك الإمام أحمد في رواية جماعة من أصحابه (^١)، واحتج بقوله - ﷺ -: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه». فإذا لم يكن له [٢٧٦/ب] أبوان، فهو على أصل الفطرة، فيكون مسلمًا.\nفإن قيل: فهل تطردون هذا فيما لو انقطع نسبه عن الأب مثل كونه ولد زنًا أو منتفيًا (^٢) بلعان؟\nقيل: نعم، لوجود المقتضي لإسلامه بالفطرة، وعدم المانع وهو وجود الأبوين. ولكن الراجح في الدليل قول الجمهور، وأنه لا يُحكَم بإسلامه بذلك. وهو الرواية الثانية عنه، اختارها شيخ الإسلام (^٣).\nوعلى هذا، فالفرق بين هذه المسألة ومسألة المسبيِّ أن المسبي قد انقطعت تبعيته لمن هو على دينه، وصار تابعًا لسابيه المسلم؛ بخلاف من مات أبواه أو أحدهما، فإنه تابع لأقاربه أو وصي أبيه. فإن انقطعت تبعيته لأبويه، فلم تنقطع لمن يقوم مقامها من أقاربه وأوصيائه (^٤). والنبيُّ - ﷺ - أخبر\n_________\n(^١) انظر: «الروايتين والوجهين» (٢/ ٣٧٠) و«أحكام أهل الذمة» (٢/ ٩٣٥).\n(^٢) ت: «منفيًّا»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) انظر: «اختيارات البعلي» (ص ٦١٢).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «أو أوصيائه».","vol":"2","page":337},{"text":"عن تهويد الأبوين وتنصيرهما بناءً على الغالب، وهذا لا مفهوم له لوجهين: أحدهما أنه مفهوم لقب. الثاني (^١): أنه خرج مخرج الغالب.\nومما يدل على ذلك: العمل المستمرّ من عهد الصحابة وإلى اليوم بموت أهل الذمة وتركهم الأطفال. ولم يتعرَّض أحد من الأئمة ولا ولاة الأمور لأطفالهم، ولم يقولوا: هؤلاء مسلمون. ومثل هذا لا يُهمله الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين (^٢).\nفإن قيل: فهل تطردون هذا الأصل في جعله تبعًا للمالك، فتقولون: إذا اشترى المسلم طفلًا كافرًا يكون مسلمًا تبعًا له، أو تتناقضون فتفرِّقون بينه وبين السابي؟ وصورة المسألة فيما إذا زوَّج الذميُّ [٢٧٧/أ] عبدَه الكافر من أمته فجاءت بولد، أو تزوج الحرُّ منهم بأمة، فأولدها= ثم باع السيِّد هذا الولد لمسلم.\nقيل: نعم نطرده، ونحكم بإسلامه. قاله شيخنا قدَّس الله روحه. ولكن جادة المذهب أنه باقٍ على كفره كما لو سُبِيَ مع أبويه وأولى. والصحيح قول شيخنا، لأن تبعيته للأبوين قد زالت، وانقطعت الموالاة والميراث والحضانة بين الطفل والأبوين، وصار المالك أحقَّ به، وهو تابع له، فلا يُفرَد عنه بحكم، فكيف يُفرَد عنه في دينه؟ وهذا طردُ الحكم بإسلامه في مسألة السباء. وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «والثاني».\n(^٢) وانظر: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٠٥٣).","vol":"2","page":338},{"text":"فصل\nفهذه نبذة يسيرة تُطلعك على ما وراءها، من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس، ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم فيه مخالف، وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها وجودًا وعدمًا؛ كما أن المعقول الصحيح دائر مع أخبارها وجودًا وعدمًا، فلم يخبر الله ولا رسوله بما يناقض صريح العقل، ولم يشرع ما يناقض الميزان والعدل.\nولنفاة الحكم والتعليل والقياس هاهنا سؤال مشهور، وهو أن الشريعة قد فرَّقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين؛ فإن الشارع (^١):\nفرض الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله عمدًا وهو طاهر، دون البول والمذي وهو نجس.\nوأوجب غسلَ الثوب من بول الصبية، والنضحَ من بول الصبي، مع تساويهما.\nونقَص الشطرَ من صلاة المسافر الرُّباعية، وأبقى الثلاثية [٢٧٧/ب] والثنائية على حالهما.\nوأوجب الصوم (^٢) على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها.\n_________\n(^١) انظر جملة من المسائل الآتية في «الفصول» للجصاص (٤/ ٨٥) و«المحصول» للرازي (٥/ ١٠٧) و«الإحكام» للآمدي (٤/ ٨، ٥٩).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «قضاء الصوم»، والظاهر أن الزيادة من تصرف بعض النساخ أو الناشرين. وانظر: «الإحكام» للآمدي (٤/ ٨) وهو مصدر النقل.","vol":"2","page":339},{"text":"وحرَّم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا كانت حرةً، وجوَّزه إلى الأمة الشابة البارعة الجمال.\nوقطع سارق ثلاثة دراهم، دون مختلس ألف دينار أو منتهبها أو غاصبها؛ ثم جعل ديتها خمسمائة دينار، فقطعها في ربع دينار، وجعل ديتها هذا القدر الكبير.\nوأوجب حدَّ الفرية على من قذف غيره بالزنا، دون من قذفه بالكفر وهو شرٌّ منه.\nواكتفى في القتل بشاهدين دون الزنا، والقتلُ أكبر من الزنا.\nوجلَد قاذف الحُرّ الفاسق، دون العبد العفيف الصالح.\nوفرَّق في العدَّة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما.\nوجعل عدّة الحرة ثلاث حِيَض، واستبراء الأمة بحيضة، والمقصود العلم ببراءة الرحم.\nوحرَّم المطلَّقة ثلاثًا على الزوج المطلِّق، ثم أباحها له إذا تزوجت بغيره، وحالُها في الموضعين واحدة.\nوأوجب غسل غير الموضع الذي خرجت منه الريح، ولم يوجب غسله.\nولم يعتبر توبة القاتل وندمه قبل القدرة عليه، واعتبر توبة المحارب قبل القدرة عليه.\nوقبل شهادة العبد والمملوك عليه بأنه - ﷺ - قال كذا وكذا، ولم يقبل شهادته على آحاد الناس أنه قال كذا وكذا.","vol":"2","page":340},{"text":"وأوجب الصدقة في السوائم، وأسقطها عن العوامل.\nوجعل الحرة القبيحة الشوهاء تُحَصِّن [٢٧٨/أ] الرجلَ، والأمة البارعة الجمال لا تُحَصِّن.\nونقَض الوضوءَ بمسِّ الذكر، دون مسِّ سائر الأعضاء، ودون مسِّ العذِرة والدم.\nوأوجب الحدَّ في القطرة الواحدة من الخمر، ولم يوجبه بالأرطال الكثيرة من الدم والبول.\nوقصر عدد المنكوحات على أربع، وأطلق ملك اليمين من غير حَصْر.\nوأباح للرجل أن يتزوج أربعًا، ولم يبح للمرأة إلا رجلًا واحدًا، مع وجود الشهوة وقوة الداعي من الجانبين.\nوجوَّز للرجل أن يستمتع من أمته بالوطء وغيره، ولم يجوِّز للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره.\nوفرَّق بين الطلقة الثالثة والثانية في تحريمها على المطلِّق بالثالثة دون الثانية.\nوفرَّق بين لحم الإبل ولحم الغنم والبقر والجواميس وغيرها، فأوجب الوضوء من لحم الإبل وحده.\nوفرَّق بين الكلب الأسود والأبيض في قطع الصلاة بمرور الأسود وحده.\nوفرَّق بين الريح الخارجة من الدبر، فأوجب بها الوضوء؛ وبين الجشوة الخارجة من الحلق، فلم يوجب بها الوضوء.","vol":"2","page":341},{"text":"وأوجب الزكاة في خمس من الإبل، وأسقطها عن عدَّة آلاف من الخيل.\nوأوجب في الذهب والفضة والتجارة ربع العُشْر، وفي الزروع والثمار العُشْرَ أو نصفه، وفي المعدن الخُمْس.\nوأوجب في أول نصاب من الإبل من غير جنسها، وفي أول نصاب من البقر والغنم من [٢٧٨/ب] جنسه.\nوقطع يدَ السارق لكونها آلة المعصية، فأذهب العضو الذي تعدَّى به على الناس، ولم يقطع اللسان الذي يقذف به المحصنات الغافلات، ولا الفرج الذي يرتكب به المحارم (^١).\nوأوجب على الرقيق نصفَ حدِّ الحُرِّ، مع أن حاجته إلى الزجر عن المحارم كحاجة الحُرِّ.\nوجعل للقاذف إسقاط الحَدِّ باللعان في الزوجة دون الأجنبيه، وكلاهما قد ألحق به (^٢) العار.\nوجوَّز للمسافر المترفِّه في سفره رخصةَ القصر والفطر، دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة في سببه (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «المحرم».\n(^٢) في النسخ: «بها»، وكذا في المطبوع. والمثبت من الطبعات القديمة. وكذا في النسخ: «كلاهما».\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة.","vol":"2","page":342},{"text":"وأوجب على كلِّ من نذر لله طاعةً الوفاءَ بها، وجوَّز لمن حلف على فعلها أن يتركها ويكفِّر يمينه؛ وكلاهما قد التزم فعلَها لله.\nوحرَّم الذئب والقرد وما له ناب من السباع، وأباح الضبع (^١) ولها ناب تكسِر به.\nوجعل شهادة خزيمة بن ثابت وحده بشهادتين، وغيرُه من الصحابة أفضل منه، وشهادته بشهادةٍ (^٢).\nورخَّص لأبي بُردَة بن نِيَار في التضحية بالعَناق، وقال: «لن تجزئ عن أحد بعدك» (^٣).\nوفرَّق بين صلاة الليل والنهار في السرِّ والجهر، ثم شرع الجهرَ في بعض صلاة النهار كالجمعة والعيدين.\nوورَّث ابنَ ابنِ العَمِّ وإن بعدت درجته، دون الخالة التي هي شقيقة الأم.\nوحرَّم أخذ مال الغير إلا بطيب نفسه، وسلَّطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة. ثم شرع الشفعة فيما يمكن التخلص من ضرر [٢٧٩/أ] الشركة بقسمته، دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان، وهو أولى بالشفعة.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «على قول»، ولعلها كانت حاشية فدخلت في النص.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «بشهادة واحد».\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٥٥) ومسلم (١٩٦١) من حديث البراء بن عازب. والعناق: الأنثى من ولد المعز.","vol":"2","page":343},{"text":"وحرَّم صومَ أولِ يومٍ من شوال، وفرض صومَ آخرِ يومٍ من رمضان، مع تساوي اليومين.\nوحرَّم على الإنسان نكاح بنت أخته وأخيه (^١)، وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وأخت أمه.\nوحمل العاقلة ضمان جناية الخطأ على النفوس، دون الجناية على الأموال.\nوحرَّم وطء الحائض لأذى الدم، وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى.\nومنع بيعَ مُدِّ حنطةٍ بمُدٍّ وحُفنة، وجوَّز بيعَ مدِّ حنطة بصاع فأكثر من الشعير. فحرَّم ربا الفضل في الجنس الواحد، دون الجنسين.\nومنع المرأة من الإحداد على أبيها وابنها فوق ثلاثة أيام، وأوجب عليها أن تُحِدَّ على الزوج وهو أجنبي أربعة أشهر وعشرًا.\nوسوَّى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والمالية كالوضوء والغسل والصلاة والصوم والزكاة والحج وفي العقوبات كالحدود، ثم جعلها على النصف من الرجل في الدية والشهادة والميراث والعقيقة.\nوخصَّ بعض الأزمنة على بعض (^٢) وبعض الأمكنة على بعض بخصائص مع تساويها. فجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وجعل\n_________\n(^١) ت، ع: «أخيه وأخته»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وكأنه ضمَّن «خصَّ» معنى التفضيل.","vol":"2","page":344},{"text":"شهر رمضان سيد الشهور، ويوم الجمعة سيد الأيام، ويوم عرفة ويوم النحر وأيام منى أفضل الأيام، وجعل مكان البيت أفضل بقاع الأرض.\nقالوا: وإذا كانت الشريعة قد [٢٧٩/ب] جاءت بالتفريق بين المتماثلاث والجمع بين المختلفات، كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال وفي قتل الصيد، وجمعت بين العاقل والمجنون والطفل والبالغ في وجوب الزكاة، وجمعت بين الهرة والفأرة في طهارة كلٍّ منهما، وجمعت بين الميتة وذبيحة المجوسي في التحريم، وبين ما مات من الصيد أو ذبحه المحرم في ذلك، وبين الماء والتراب في التطهير= بطل القياس، فإن مبناه على هذين الحرفين، وهما أصل قياس الطرد وقياس العكس.\nوالجواب أن يقال: الآن حمي الوطيس، وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله. وآن لحزب الحق أن لا تأخذه (^١) في الله لومة لائم، وأن لا يتحيَّزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا الله ورسوله بكلِّ قولٍ حقٍّ قاله من قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنًا من كان، ويردُّون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا ما كان. فهذه طريقة أهل العصبية وحمية الجاهلية (^٢). ولَعمرُ الله إن صاحب هذه الطريقة لَمضمونٌ له الذمُّ، وغير ممدوح إن أصاب. وهذه (^٣) حالٌ لا يرضى بها مَن نصح نفسَه وهُديَ لرشده، والله الموفق.\n_________\n(^١) ت، ع: «تأخذهم». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أهل الجاهلية» بزيادة كلمة «أهل».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وهذا».","vol":"2","page":345},{"text":"وجواب هذا السؤال من طريقين: مجمل ومفصل:\nأما المجمل فهو أن ما ذكرتم من الصور وأضعافها وأضعاف أضعافها فهو من أبيَن الأدلة [٢٨٠/أ] على عظم هذه الشريعة وجلالتها، ومجيئها على وفق العقول السليمة والفِطَر المستقيمة، حيث فرَّقت بين أحكام هذه الصور المذكورة، لافتراقها في الصفات التي اقتضت افتراقَها في الأحكام. ولو ساوت بينها في الأحكام لتوجَّه السؤالُ، وصعُبَ الانفصال، وقال القائل: قد ساوت بين المختلفات، وقرنت (^١) الشيء إلى غير شِبهه في الحكم. وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة الأخرى إلا لمعنًى قام بها أوجَبَ اختصاصَها بذلك الحكم، ولا اشتركت صورتان في حكمٍ إلّا لاشتراكهما في المعنى المقتضى لذلك الحكم. ولا يضرُّ افتراقُهما في غيره كما لا ينفع اشتراكُ المختلفين في معنًى لا يوجب الحكم. فالاعتبار في الجمع والفرق إنما هو بالمعاني التي لأجلها شُرِعت تلك الأحكام وجودًا وعدمًا.\nوقد اختلفت أجوبة الأصوليين عن هذا السؤال بحسب أفهامهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة. فأجاب ابن الخطيب عنه بأن قال (^٢): «غالبُ أحكام الشرع (^٣) معلَّلة برعاية المصالح المعلومة، والخصمُ إنما بيَّن خلاف ذلك في صور قليلة جدًّا. وورود الصورة النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن، كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر نادرًا لا يقدح في\n_________\n(^١) ح، ف: «وقربت».\n(^٢) في كتاب «المحصول» (٥/ ١١٤).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «الشريعة».","vol":"2","page":346},{"text":"نزول المطر منه».\nوهذا الجواب لا يُسْمِن ولا يغني من جوع، وهو جواب أبي الحسين البصري بعينه (^١).\nوأجاب عنه [٢٨٠/ب] أبو الحسن الآمدي (^٢) بأن التفريق بين الصور المذكورة في الأحكام «إما لعدم صلاحية ما وقع جامعًا، أو لمعارضٍ له في الأصل أو الفرع. وأما الجمع بين المختلفات فإنما كان لاشتراكهما في معنى جامع صالح للتعليل، أو لاختصاص كلِّ صورة بعلَّة صالحة للتعليل، فإنه لا مانع عند اختلاف الصور ــ وإن اتحد نوعُ الحكم ــ أن يعلَّل بعلل مختلفة».\nوأجاب عنه أبو بكر الرازي الحنفي بأن قال (^٣): «لا معنى لهذا السؤال، فإنا لم نقل بوجوب القياس من حيث اشتبهت المسائل في صورها وأعيانها وأسمائها، ولا أوجبنا المخالفة بينها من حيث اختلفت في الصور والأعيان والأسماء. وإنما يجب القياس بالمعاني التي جُعِلت أماراتٍ للحكم، وبالأسباب (^٤) الموجبة له؛ فنعتبرها في مواضعها، ثم لا نبالي باختلافها ولا اتفاقها من وجوه أُخَر غيرها. مثال ذلك: أن النبي - ﷺ - لما حرَّم التفاضل في البرّ بالبرّ من جهة الكيل، وفي الذهب بالذهب من جهة الوزن، استدللنا به على أن الزيادة المحظورة معتبرة من جهة الكيل والوزن مع الجنس، فحيث\n_________\n(^١) انظر: «المعتمد» (٢/ ٢٣١، ٢٩٢).\n(^٢) في «الإحكام في أصول الأحكام» (٤/ ١٤).\n(^٣) في «الفصول في الأصول» (٤/ ٨٦).\n(^٤) لم ترد واو العطف قبل «بالأسباب» في مطبوعة «الفصول».","vol":"2","page":347},{"text":"وُجِدا أوجبنا تحريم التفاضل، وإن اختلف المبيعان (^١) من وجوه أُخَر، كالجِصِّ (^٢) وهو مكيل فحكمُه حكمُ البُرّ من حيث كونه مكيلًا، وإن خالفه من وجوه أخر؛ وكالرصاص وهو موزون، فحكمُه حكمُ (^٣) الذهب في تحريم التفاضل وإن خالفه في أوصاف [٢٨١/أ] أُخَر. فمتى عُقِل المعنى الذي به تعلَّق الحكمُ، وجُعِل علامةً له، وجب اعتباره حيث وُجِد؛ كما رجم ماعزًا لزناه، وحكَم بإلقاء الفأرة وما حولها لما ماتت في السمن، فعقَلنا عمومَ المعنى لكلِّ زانٍ، وعمومَ المعنى لكلِّ مائع جاور النجاسة؛ إلا أن المعنى تارةً يكون جليًّا ظاهرًا، وتارةً يكون خفيًّا غامضًا، فيستدل عليه بالدلائل التي نصبها الله عليه».\nوأجاب عنه القاضي أبو يعلى بأن قال (^٤): «العقل إنما يمنع أن يُجمَع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا في الصفات النفسية كالسواد والبياض، وأن يفرَّق بين المثلين (^٥) فيما تماثلا (^٦) فيه من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجري مجرى ذلك. وأما ما عدا ذلك، فإنه لا يمتنع أن يُجمَع بين المختلفين في الحكم الواحد. ألا ترى أن السواد\n_________\n(^١) في النسخ الخطية والطبعات القديمة: «اختلفت المبيعات»، والظاهر أنه تصحيف ما أثبت من «الفصول».\n(^٢) في النسخ الخطية والطبعات القديمة: «كالحمص»، وهو أيضًا تصحيف ما أثبت من «الفصول».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «كحكم».\n(^٤) في «العدَّة» (٤/ ١٢٨٨).\n(^٥) ح، ف: «المتماثلين». وما أثبت من ت، ع موافق لما في مصدر النقل.\n(^٦) في «العدَّة»: «تقابلا».","vol":"2","page":348},{"text":"والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجري مجراها من الألوان، وأن (^١) القعود في الموضع الواحد قد يكون حسنًا إذا كان فيه نفع لا ضرر فيه، وقد يكون قبيحًا إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفي عليه، وإن كان القعود (^٢) في ذلك الموضع متيقَّنًا (^٣). وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحسن بأن يكون في كلٍّ منهما نفع لا ضرر فيه، وإن كانا مختلفين؛ على أن ذلك يؤكِّد صحة القياس وذلك أن المثلين في العقليات إنما وجب تساوي حكمهما، لأن كلَّ واحد منهما قد ساوى الآخرَ فيما لأجله قد وجب [٢٨١/ب] له الحكم؛ إما لذاته كالسوادين، أو لعلَّةٍ أوجبت ذلك كالأسودين. وهكذا القول في المختلفين. وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياس، لأنا إنما نحكم للفرع بحكم الأصل إذا شاركه في علة الحكم، كما أن الله تعالى إنما نصَّ على حكم واحد في الشيئين إذا اشتركا فيما أوجب الحكم فيهما. فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه».\nوأجاب عنه القاضي عبد الوهاب المالكي بأن قال: «دعواكم بأن هذه الصور التي اختلفت أحكامها متماثلةٌ في نفسها دعوى! والأمثلة لا تشهد لها. ألا ترى أنه لا يمتنع أن يتفق الصوم والصلاة في امتناع أدائها من الحائض، ويفترقان في وجوب القضاء؛ والتماثل في العقليات لا يوجب التساوي في الأحكام الشرعيات. وأيضًا فهذا يوجب منع القياس في العقليات. وأيضًا فإن القياس جائز على العلة المنصوص عليها مع وجود\n_________\n(^١) ح، ت، ف: «فإن»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «العدّة» كما أثبت من ع.\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «المقصود».\n(^٣) ت: «منتفيًا». وفي «العدة»: «متفقًا».","vol":"2","page":349},{"text":"المعنى الذي ذكره».\nفهذه أجوبة النظار. ونحن بعون الله وتوفيقه نفرد كلَّ مسألة منها بجواب مفصل، وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به.\nأما المسألة الأولى وهي إيجاب الشارع الغسلَ من المني دون البول؛ فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة؛ فإن المني يخرج من جميع البدن، ولهذا سمَّاه الله سبحانه: ﴿سُلَالَةٍ﴾، لأنه يُسَلُّ (^١) من جميع البدن. وأما البول [٢٨٢/أ] فإنما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة، فتأثُّرُ البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول.\nوأيضًا فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن والقلب والروح. بل جميع الأرواح القائمة بالبدن، فإنها تقوى بالاغتسال. والغسل يُخْلِف عليه ما تحلَّل منه بخروج المني، وهذا أمر يُعلَم (^٢) بالحس. وأيضًا فإن الجنابة توجب ثقلًا وكسلًا، والغسلُ يُحدِث له نشاطًا وخفّةً. ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيتُ عنِّي جبلًا (^٣).\nوبالجملة فهذا أمر يدركه كلُّ ذي حسٍّ سليم وفطرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب، مع ما تُحدثه الجنابة من بُعدِ القلب والروح عن الأرواح\n_________\n(^١) ت: «يسيل»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف. وفي ع: «يخرج».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «يعرف».\n(^٣) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":350},{"text":"الطيبة، فإذا اغتسل زال ذلك البعد. ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إن العبد إذا نام عرجت روحه. فإن كان طاهرًا أُذِن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها (^١)، ولهذا أمر النبي - ﷺ - الجنب إذا نام أن يتوضأ (^٢).\nوقد صرَّح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويُخلف عليه ما تحلَّل منه، وأنه من أنفع شيء للبدن والروح، وتركُه مُضِرّ. ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه، وبالله التوفيق. على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظمُ حرج ومشقة [٢٨٢/ب] على الأمة، تمنعه حكمةُ الله ورحمتُه وإحسانُه إلى خلقه.\nفصل\nوأما غسلُ الثوب من بول الصبية، ونضحُه من بول الصبي، إذا لم يطعما؛ فهذا للفقهاء فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنهما يُغسلان جميعًا.\nوالثاني: يُنْضَحان.\nوالثالث: التفرقة. وهو الذي جاءت به السنة (^٣). وهذا من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها.\n_________\n(^١) رواه ابن المبارك في «الزهد» (١٢٤٥) من كلام أبي الدرداء. وفي سنده عثمان بن نعيم الرعيني مجهول، لم يَرْوِ عنه غير ابن لهيعة. وفيه أبو عثمان الأصبحي، مستور الحال، ولا يُعلم له سماع من أبي الدرداء.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٧) ومسلم (٣٠٦) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٣) سبق تخريجها.","vol":"2","page":351},{"text":"والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:\nأحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعُمُّ البلوى ببوله، فيشُقُّ غسلُه.\nالثاني (^١): أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرِّقًا هاهنا وهاهنا، فيشقُّ غسلُ ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.\nالثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر. وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفِّف من نتن البول، وتُذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة. وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق.\nفصل\nوأما نقصُه الشطرَ من صلاة المسافر الرُّباعية دون الثلاثية والثنائية، ففي غاية المناسبة؛ فإن الرباعية تحتمل الحذف لطولها، بخلاف الثنائية، فلو حذف شطرَها لأجحَفَ بها، ولزالت حكمة الوتر الذي شُرِع خاتمةَ العمل. وأما الثلاثية فلا يمكن شطرُها (^٢). وحذفُ ثلثيها مخِلٌّ بها، وحذفُ ثلثها يُخرجها عن حكمة شرعها وترًا، فإنها شُرعت ثلاثًا لتكون وتر النهار، كما قال النبي - ﷺ -: «المغرب وتر النهار، فأوتِروا صلاةَ الليل» (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «والثاني».\n(^٢) ت: «تشطرها». وفي غيرها والطبعات القديمة ما أثبت. يعني: تنصيفها. وفي المطبوع: «حذف شطرها» بزيادة كلمة «حذف».\n(^٣) رواه أحمد (٤٨٤٧، ٤٩٩٢، ٥٥٤٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١٣٨٦) من حديث ابن عمر مرفوعا. ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (٦٧٧٥ - ٦٧٧٨)، و«السنن الكبرى» للنسائي (١٣٨٧)، و«الكنى» للدولابي (١/ ٢٤٤)، و«العلل» للدارقطني (١٣/ ١٩٠)، و«حلية الأولياء» لأبي نعيم (٦/ ٣٤٨)، و«فتح الباري» لابن رجب (٩/ ١٦٨ - ١٦٩).","vol":"2","page":352},{"text":"[٢٨٣/أ] فصل\nوأما إيجاب الصوم على الحائض دون الصلاة، فمن تمام محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح المكلَّفين. فإن الحيض لما كان منافيًا للعبادة لم يُشرَع فيه فعلُها، وكان في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض؛ فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر، لتكرُّرها كلَّ يوم؛ بخلاف الصوم، فإنه لا يتكرر، وهو شهر واحد في العام، فلو سقط عنها فعلُه بالحيض لم يكن لها سبيل إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحته. فوجب (^١) عليها أن تصوم شهرًا في طهرها، لتحصل مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة الله بعبده وإحسانه إليه بشرعه. وبالله التوفيق.\nفصل\nوأما تحريم النظر إلى العجوز الحرَّة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال؛ فكذِبٌ على الشارع. فأين حرَّم الله هذا، وأباح هذا؟ والله سبحانه إنما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظرَ إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حُرِّم عليه بلا ريب.\nوإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام\n_________\n(^١) ع: «مصلحة الصوم ووجب».","vol":"2","page":353},{"text":"والابتذال. وأما إماءُ التسرِّي اللاتي جرت العادة بصَونهن وحجبهن، فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في [٢٨٣/ب] الأسواق والطرقات ومجامع الناس، وأذِنَ للرجال بالتمتُّع (^١) بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة. وأكَّد هذا الغلطَ أن بعض الفقهاء سمع قولهم: إن الحرة كلَّها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبطن والظهر والساق؛ فظنَّ أن ما يظهر غالبًا حكمُه حكمُ وجه الرجل. وهذا إنما هو في الصلاة، لا في النظر؛ فإن العورة عورتان: عورة في الصلاة، وعورة في النظر (^٢)، فالحرَّةُ لها أن تصلِّي مكشوفةَ الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس (^٣) كذلك. والله أعلم.\nفصل\nوأما قطعُ يد السارق في ثلاثة دراهم، وتركُ قطع المختلس والمنتهب والغاصب؛ فمن تمام حكمة الشارع أيضًا. فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقُب الدورَ، ويهتِك الحِرزَ، ويكسر القفل؛ ولا يمكن صاحبَ المتاع الاحترازُ بأكثر من ذلك. فلو لم يُشَرع قطعُه لسرَق الناس بعضُهم بعضًا، وعظم الضرر، واشتدَّت المحنة بالسُرَّاق؛ بخلاف المنتهب والمختلس، فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرةً بمرأًى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلِّصوا حقَّ المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم. وأما المختلِس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلةٍ من مالكه\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «في التمتع».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «في النظر وعورة في الصلاة».\n(^٣) ت: «الرجال».","vol":"2","page":354},{"text":"وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط تمكَّن به المختلسُ من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس. فليس كالسارق، بل هو بالخائن [٢٨٤/أ] أشبه.\nوأيضًا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حِرز مثلِه غالبًا، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخلِّيك عنه وغفلتك عن حفظه. وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالمنتهب.\nوأما الغاصب، فالأمر فيه ظاهر. وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كفُّ عدوان هؤلاء بالضرب والنَّكال، والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال، كما سيأتي.\nفإن قيل: فقد وردت السنة بقطع جاحد العاريَّة، وغايته أنه خائن. والمعيرُ سلَّطَه على قبض ماله. والاحتراز منه ممكن بأن لا يدفع إليه المال، فبطَلَ ما ذكرتم من الفرق.\nقيل: لعمرُ الله لقد صحَّ الحديث بأن امرأةً كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر بها النبيُّ - ﷺ -، فقُطِعت يدها (^١). فاختلف الفقهاء في سبب القطع: هل كان سرقتها؟ وعرَّفها الراوي بصفتها، لا أنَّ (^٢) المذكور سبب القطع كما يقوله الشافعي وأبو حنيفة ومالك، أو كان السبب المذكور هو سبب القطع كما يقوله أحمد ومَن وافقه؟ ونحن في هذا المقام لا ننتصر لمذهب معين البتة، فإن كان الصحيح قول الجمهور اندفع السؤال. وإن كان\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٨٨) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) في المطبوع: «لأن»، وهو خطأ.","vol":"2","page":355},{"text":"الصحيح هو القول الآخر، فموافقته للقياس والحكمة والمصلحة ظاهرٌ جدًّا، فإن العاريَّة من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها، ولا غنى لهم عنها. وهي واجبة عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجانًا. ولا يمكن المعيرَ كلَّ وقت أن [٢٨٤/ب] يُشْهِد على العارية، ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعًا وعادةً وعرفًا. ولا فرق في المعنى بين من توصَّل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة، وبين من توصَّل إليه بالعارية وجحدها. وهذا بخلاف جاحد الوديعة، فإن صاحب المتاع فرَّط حيث ائتمنه.\nفصل\nوأما قطعُ اليد في ربع دينار، وجعلُ ديتها خمسمائة دينار؛ فمن أعظم المصالح والحكمة، فإنه احتاط (^١) في الموضعين للأموال والأطراف. فقطَعَها في ربع دينار حفظًا للأموال، وجعَلَ ديتها خمسمائة دينار حفظًا لها وصيانةً. وقد أورد بعضُ الزنادقة هذا السؤال، وضمَّنه بيتين، فقال (^٢):\nيدٌ بخمس مِئٍ من عسجدٍ وُدِيت ... ما بالُها قُطِعت في ربع دينار (^٣)\nتناقضٌ ما لنا إلا السكوت له ... ونستجير بمولانا من العار (^٤)\n\nفأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت\n_________\n(^١) في المطبوع: «احتياط».\n(^٢) ينسب البيتان إلى أبي العلاء. انظر: «شرح اللزوميات» (٢/ ٢٠٣).\n(^٣) هذا البيت في «شرح اللزوميات» متأخر على تاليه. ومِئٌ: جمع مائة. وفي الشرح: «بخمس مئينٍ عسجد».\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي الشرح: «من النار»، وهو المشهور.","vol":"2","page":356},{"text":"هانت (^١). وضمَّنه الناظم (^٢) قوله:\nيدٌ بخمس مِئٍ من عسجد وُديت ... لكنها قُطعت في ربع دينار\nحمايةُ الدم أغلاها، وأرخصها ... صيانةُ المال فانظر حكمة الباري (^٣)\n\nفصل\nوأما تخصيص القطع بهذا القدر، فلأنه لا بد من مقدار يُجعَل ضابطًا لوجوب القطع؛ إذ لا يمكن أن يقال: يقطع بسرقة فَلْسٍ أو حبَّةِ حنطة أو تمرة، ولا تأتي شريعة (^٤) بهذا، وتُنزَّه حكمة الله ورحمته وإحسانه عن ذلك.\n_________\n(^١) نسبه ابن كثير في «تفسيره» (٣/ ١١٠) إلى القاضي عبد الوهاب المالكي. وذكر البيجوري في «حاشيته على شرح ابن القاسم» (٢/ ٤٤٩) أنه من كلام ابن الجوزي.\n(^٢) نسب في «الوافي بالوفيات» (٧/ ١١٠) إلى علم الدين السخاوي، وفي «النور السافر» (ص ٣٦٦) للشريف الرضي. والمشهور أنه للقاضي عبد الوهاب المالكي، والبيت يروى بألفاظ مختلفة. انظر: «فتح الباري» (١٢/ ٩٨) و«فيض القدير» للمناوي» (١/ ٢٣١).\n(^٣) بعد هذا البيت في النسخ المطبوعة زيادة لم ترد في المخطوطات، والظاهر أنها حاشية لبعض القراء دخلت في المتن وهي:\nوروي أن الشافعي ' أجاب بقوله:\nهناك مظلومة غالت بقيمتها\n\nوهاهنا ظلمت هانت على الباري\n\nوأجاب شمس الدين الكردي بقوله:\nقل للمعرِّيِّ عارٌ أيما عارِ\nلا تقدحَنَّ زناد الشعر عن حِكَمٍ\nفقيمة اليد نصف الألف من ذهب\n\nجهلُ الفتى وهو عن ثوب التُقى عارِ\nشعائرُ الشرع لم تُقدَح بأشعار\nفإن تعدَّت فلا تَسْوَى بدينار\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الشريعة».","vol":"2","page":357},{"text":"فلا بدَّ من ضابط، وكانت الثلاثةُ دراهمَ أول مراتب الجمع، [٢٨٥/أ] وهي مقدار ربع دينار. وقال إبراهيم النخعي أو غيره (^١) من التابعين (^٢): «كانوا لا يقطعون في الشيء التافه»؛ فإن عادة الناس التسامحُ في الشيء الحقير من أموالهم، إذ لا يلحقهم ضررٌ بفقده. وفي التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة، فإنها كفاية المقتصد في يومه له ولمن يمُونه غالبًا. وقوت اليوم للرجل وأهله له خطرٌ عند غالب الناس. وفي الأثر المعروف: «من أصبح آمنًا في سِرْبه، معافًى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها» (^٣).\nفصل\nوأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون الكفر، ففي غاية\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وغيره».\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٢٨٦٩٣)، وإسحاق بن راهويه (٧٣٨، ٧٣٩)، والبيهقي (٨/ ٢٥٥، ٢٥٦) من كلام عروة بن الزبير. ورواه ابن أبي شيبة (٢٨٦٩٧)، وأبو عوانة (٦٢٢١) من طريق أخرى عن عروة، عن عائشة. والمحفوظ أنه من كلام عروة.\n(^٣) رواه الترمذي (٢٣٤٦) ــ وقال: «حديثٌ حسنٌ غريبٌ» ــ، وابن ماجه (٤١٤١) من حديث سلمة بن عبيدالله بن محصن، عن أبيه مرفوعا. وسلمة هذا مجهول، وابنُ أبي شميلةَ الراوي عنه مستورُ الحالِ، بادِيَ الرأيِ، على أنّ العقيليَّ أغرب جدًّا، فاستظهر في «الضعفاء» (٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣) أنه محمدُ بن سعيدٍ التالفُ المصلوبُ في الزندقة! وللحديثِ شواهدُ واهيةٌ، أشهرُها ما صحّحه ابن حبان (٤٥٧٨) من حديث أبي الدرداء مرفوعا، وآفتُه عبد الله بن هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة، وهو تالف، صاحب بواطيل.","vol":"2","page":358},{"text":"المناسبة؛ فإن القاذف غيره بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه، فجُعِل حدُّ الفرية تكذيبًا له، وتبرئةً لعرض المقذوف، وتعظيمًا لشأن هذه الفاحشة التي يُجلَد من رمى بها مسلمًا. وأما من رمى غيره بالكفر، فإنَّ شاهدَ حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كافٍ في تكذيبه، ولا يلحقه من العار بكذبه (^١) عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة؛ ولا سيما إن كان المقذوف امرأة، فإنَّ العار والمعرَّة التي تلحقها بقذفِه بين أهلها، وتشعُّبِ ظنون الناس وكونِهم بين مصدِّق ومكذِّب= لا يلحق مثله بالرمي بالكفر.\nفصل\nوأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا، ففي غاية الحكمة والمصلحة؛ فإن الشارع احتاط للقصاص [٢٨٥/ب] والدماء، واحتاط لحدِّ الزنا. فلو لم يقبل في القتل إلا أربعةً لضاعت الدماء، وتواثب العادون، وتجرؤوا على القتل. وأما الزنا فإنه بالغَ في سَتْره كما قدَّر الله سترَه، فاجتمع على ستره شرعُ الله وقدرُه، فلم يقبل فيه إلا أربعة يصفون الفعل وصف مشاهدة ينتفي معها الاحتمال. وكذلك في الإقرار، لم يكتف بأقلَّ من أربع مرات حرصًا على ستر ما قدَّر الله سترَه، وكرِه إظهارَه، والتكلُّمَ به، وتواعَدَ (^٢) مَن يُحِبُّ إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) في المطبوع: «في كذبه».\n(^٢) كذا في النسخ الخطية، وسيأتي مرة أخرى (٤/ ٢٩٢). وقد استعمله المصنف بمعنى توعَّد في «طريق الهجرتين» (١/ ٦٣٠) و«الداء والدواء» (ص ٤٨٦) أيضًا. وفي النسخ المطبوعة: «وتوعَّد»، ولعله من تصرف الناشرين.","vol":"2","page":359},{"text":"فصل\nوأما حدُّ (^١) قاذف الحر دون العبد، فتفريقٌ لشرعه بين ما فرَّق الله بينهما بقدره. فما جعل الله سبحانه العبد كالحرِّ من كلِّ وجه لا قدرًا ولا شرعًا. وقد ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخبر فيها بالتفاوت بين الحر والعبد، وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدهم في أرزاقهم. فالله ﷾ فضَّل بعضَ خلقه على بعض، وفضَّلَ الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقدرة على التصرف، وجعل العبد مملوكًا والحُرَّ مالكًا، ولا يستوي المالك والمملوك.\nوأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب، فذلك موجب العدل والإحسان؛ فإنه يومَ الجزاء لا يبقى هناك عبد وحرّ، ولا مالك ومملوك.\nفصل\nوأما تفريقه في العدَّة بين الموت والطلاق، وعدَّة الحرة وعدَّة الأمة، [٢٨٦/أ] وبين الاستبراء والعدّة، مع أن المقصود: العلمُ ببراءة الرحم في ذلك كلِّه. فهذا إنما يتبيَّن وجهُه إذا عُرفت الحكمة التي لأجلها شُرعت العدَّة، وعُرِف أجناسُ العِدَد وأنواعُها.\nفأما المقام الأول، ففي شرع العِدَّة عدَّة حِكَم:\nمنها: العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب وتفسد. وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة.\n_________\n(^١) ت، ع: «جلد»، وكذا سبق في سرد المسائل.","vol":"2","page":360},{"text":"ومنها: تعظيم خطر هذا العقد، ورفع قدره، وإظهار شرفه.\nومنها: تطويل زمان الرجعة للمطلق، إذ لعله أن يندم ويفيء، فيصادف زمنًا يتمكَّن فيه من الرجعة.\nومنها: قضاء حقِّ الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل. ولذلك شُرِع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد.\nومنها: الاحتياط لحقِّ الزوج، ومصلحة الزوجة، وحقِّ الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه. ففي العدَّة أربعة حقوق. وقد أقام الشارع الموتَ مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه، فإن النكاح مدته العمر. ولهذا أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق، وفي تحريم الربيبة، عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت (^١) وأحمد في إحدى الروايتين عنه (^٢). فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها وحِكَمها.\nالمقام الثاني في أجناسها. وهي أربعة في كتاب الله، وخامس بسنة رسول الله - ﷺ -:\nالجنس الأول: أمُّ باب العدّة (^٣) ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (١٦٥٣٠).\n(^٢) انظر: «الروايتين والوجهين» (٢/ ٩٩).\n(^٣) كذا في ح، ف، ع والطبعات القديمة. يعني: أصل الباب. وقد سقطت كلمة «أم» من ت. وفي حاشية ع: «لعله أرباب أو أبواب». وأثبت في المطبوع: «أرباب العدة»، ولا معنى له.","vol":"2","page":361},{"text":"الثاني: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nالثالث: ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nالرابع: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤].\nالخامس: قول النبي - ﷺ -: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تُستبرأ بحَيضة» (^١).\nومقدَّمُ هذه الأجناس (^٢) الحاكمُ عليها كلِّها: وضعُ الحمل. فإذا وُجِد فالحكم له، ولا التفات إلى غيره. وقد كان بين السلف نزاع في المتوفَّى\n_________\n(^١) رواه أحمد (١١٢٢٨، ١١٥٩٦، ١١٨٢٣)، وأبو داود (٢١٥٧) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا. وفي سنده شريك النخغي، وهو ضعيف، وأغرب الحاكم، فصحح حديثَه هذا (٢/ ١٩٥) قاطعًا أنه على شرط مسلم! لكن للحديث شواهد كثيرة تدلّ على ثبوت معناه، منها: حديث أبي الدرداء مرفوعا، رواه مسلم (١٤٤١).\n\nوحديث رُويفع بن ثابت، وسيأتي تخريجُه قريبًا. وحديث العرباض بن سارية مرفوعا، رواه الترمذي (١٥٦٤)، واستغربه، أما الحاكم، فصححه (٢/ ١٣٥). وحديث أبي هريرة مرفوعا، رواه أحمد (٨٨١٤)، وله طريق أخرى عنه ذكرها البخاري في «التاريخ الكبير» (٥/ ٢٣٩). وحديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا، صححه ابن حبان (٢٠٦٧). وحديث ابن عباس مرفوعا، رواه الدارقطني (٣٦٤٠)، وله طريقان آخران صححهما الحاكم (٢/ ٥٦، ١٣٧)، أحدهما عند النسائي (٤٦٤٥).\n(^٢) بعده في ت زيادة «كلها»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":362},{"text":"عنها أنها تتربَّص أبعدَ الأجلين، ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل. وأما عدة الوفاة فتجب بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دلَّ عليه عمومُ القرآن، والسنةُ الصحيحة (^١)، واتفاق الناس. فإن الموت لما كان انتهاءَ العقد وانقضاءَه استقرَّت به الأحكام من التوارث، واستحقاق المهر. وليس المقصود بالعدة هاهنا مجرد استبراء الرحم كما ظنه بعض الفقهاء، لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحَيضة واحدة، ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات القروء في مدتها. فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبُّد محض لا يُعقَل معناه. وهذا باطل لوجوه:\nمنها: أنه [٢٨٧/أ] ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة، يعقله مَن عقَله، ويخفى على من خفي عليه.\nومنها: أن العِدَد ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حقِّ الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية.\nومنها: أن رعاية حقِّ الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها.\nفالصواب (^٢) أن يقال: هي حريم (^٣) لانقضاء النكاح لما كمل. ولهذا تجد فيها رعايةً لحق الزوج وحرمة له. ألا ترى أن النبي - ﷺ - كان من احترامه ورعايةِ حقوقه تحريمُ نسائه بعده. ولما كان (^٤) نساؤه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعًا، لم يحِلَّ لأحد أن يتزوج بهن بعده؛ بخلاف غيره، فإن هذا ليس\n_________\n(^١) سبق تخريجُ حديثِ الفريعةِ بنتِ مالكٍ الدالِّ على ذلك.\n(^٢) ت، ع: «والصواب».\n(^٣) يعني أنها تابعة له. وفي ت: «تحريم»، وفي حاشية ع أنه كان كذا في أصلها.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «كانت» خلافًا للخطية.","vol":"2","page":363},{"text":"معلومًا في حقِّه. فلو حُرِّمت المرأة على غيره لتضرَّرت ضررًا محقَّقًا بغير نفع معلوم، ولكن لو تأيَّمت على أولادها كانت محمودة على ذلك.\nوقد كانوا في الجاهلية يبالغون في احترام حقِّ الزوج وتعظيم حريم هذا العقد غايةَ المبالغة، من تربُّص سنةٍ في شرِّ ثيابها وحِفْشِ (^١) بيتها، فخفَّف الله ذلك عنهم (^٢) بشريعته التي جعلها رحمة وحكمة ومصلحة ونعمة. بل هي من أجلِّ نعمه عليهم على الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله.\nوكانت أربعة أشهر وعشرًا على وفق الحكمة والمصلحة، إذ لا بد من مدة مضروبة لها. وأولى المُدَد بذلك: المدّة التي يُعلَم فيها وجودُ حملِ (^٣) الولد وعدمه، فإنه يكون أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين [٢٨٧/ب] مضغة. فهذه أربعة أشهر. ثم يُنفَخ فيه الروح في الطور الرابع، فقُدِّر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمل.\nفصل\nوأما عدَّة الطلاق، فلا يمكن تعليلها بذلك، لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق؛ ولا ببراءة الرحم، لأنه يحصل بحيضة كالاستبراء، وإن كان براءة الرحم بعض مقاصدها.\nولا يقال: «هي تعبُّد»، لما تقدَّم. وإنما يتبيَّن حكمُها إذا عُرِف ما فيها من الحقوق ففيها حقُّ الله، وهو امتثال أمره وطلب مرضاته؛ وحقٌّ للزوج\n_________\n(^١) الحِفش: البيت الصغير من بيوت الأعراب.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «عنهم ذلك».\n(^٣) لفظ «حمل» ساقط من ت، ع. وفي المطبوع: «بوجود حمل».","vol":"2","page":364},{"text":"المطلق، وهو اتساع زمن الرجعة له؛ وحقٌّ للزوجة، وهو استحقاقها النفقة والسكنى ما دامت في العدة؛ وحقٌّ للولد، وهو الاحتياط في ثبوت نسبه وأن لا يختلط بغيره؛ وحقٌّ للزوج الثاني، وهو أن لا يسقي ماءه زرع غيره. ورتَّب الشارعُ على كلِّ واحد من هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام. فرتَّب على رعاية حقِّه هو لزومَ المنزل وأنها لا تَخْرُج ولا تُخْرَج، هذا موجَب القرآن ومنصوصُ إمام أهل الحديث وإمام أهل الرأي. ورتَّب على حقِّ المطلِّق تمكينَه من الرجعة ما دامت في العدة، وعلى حقِّها استحقاقَ النفقة والسكنى، وعلى حقِّ الولد ثبوتَ نسبه وإلحاقه بأبيه دون غيره، وعلى حقِّ الزوج الثاني دخوله على بصيرة ورحم بريء غير مشغول بولد لغيره. فكان في جعلها ثلاثةَ قروء رعايةٌ لهذه الحقوق، وتكميلٌ (^١) لها.\nوقد دلَّ القرآن على أن العدة حقٌّ للزوج [٢٨٨/أ] عليها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فهذا دليل على أن العدَّة للرجل على المرأة بعد المسيس. وقال تعالى: ﴿الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ﴾ (^٢) [البقرة: ٢٢٨]، فجعل الزوجَ أحقَّ بردِّها في العدة. فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربُّص لينظر في أمرها: هل يُمسكها بمعروف، أو يُسَرِّحها بإحسان؛ كما جعل الله سبحانه للمُؤْلي تربُّصَ أربعة أشهر لينظر في أمره: هل يفيء أو يطلِّق؛ وكما جعل مدة تسيير الكفار أربعة أشهر لينظروا في\n_________\n(^١) في النسخ الخطية كلها: «وتكميلًا».\n(^٢) زيد في النسخ المطبوعة: ﴿اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي﴾.","vol":"2","page":365},{"text":"أمرهم ويختاروا لأنفسهم (^١).\nفإن قيل: هذه العلة باطلة، فإن المختلعة، والمفسوخَ نكاحُها بسبب من الأسباب، والمطلَّقةَ ثلاثًا، والموطوءةَ بشبهة، والمزنيَّ بها= تعتدُّ بثلاثة أقراء، ولا رجعة هناك. فقد وُجِد الحكم بدون علته، وهذا يُبطِل كونها علَّةً.\n\nقيل: شرطُ النقض أن يكون الحكم في صورة ثابتًا بنص أو إجماع. وأما كونه قولًا لبعض العلماء، فلا يكفي في النقض به. وقد اختلف الناس في<span data-type=\"title\" id=toc-281> عدَّة المختلعة</span>، فذهب إسحاق وأحمد في أصحِّ الروايتين عنه دليلًا أنها تعتدُّ بحَيضة واحدة (^٢). وهو مذهب عثمان بن عفان (^٣)، وعبد الله بن عباس (^٤). وقد حُكي إجماعُ الصحابة، ولا يعلم لهما مخالف. وقد دلَّت عليه سنة رسول الله - ﷺ - الصحيحة دلالةً صريحةً. وعذرُ من خالفها أنها لم تبلغه، [٢٨٨/ب] أو لم تصح عنده، أو ظنَّ الإجماعَ على خلاف موجَبها.\nوهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر (^٥). أما رجحانه أثرًا، فإن النبي\n_________\n(^١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢].\n(^٢) انظر: «مسائل الكوسج» (٤/ ١٦٠١ - ١٦٠٣) و(٤/ ١٦٩٤ - ١٦٩٥)، و«الإشراف» لابن المنذر (٥/ ٣٦٠)، و«المغني» (١١/ ١٩٥).\n(^٣) رواه ابن ماجه (٢٠٥٨)، والنسائي (٣٤٩٨). ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١١٨٥٩)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (١٨٧٧٦، ١٨٧٧٨).\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (١٨٧٨٠).\n(^٥) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١١٠، ٢٩٠، ٣٢٨) و(٣٣/ ١٠) و«زاد المعاد» (٥/ ٦٠١).","vol":"2","page":366},{"text":"- ﷺ - لم يأمر المختلعة قطُّ أن تعتدَّ بثلاث حِيَض، بل قد روى أهل السنن عنه من حديث الربيِّع بنت معوِّذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته، فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ (^١). فأتى أخوها يشتكيه (^٢) إلى رسول الله. فأرسل رسولُ الله - ﷺ - إلى ثابت، فقال: «خُذ الذي لها عليك، وخَلِّ سبيلها». قال: نعم. فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تتربَّص حيضةً واحدةً، وتلحق بأهلها (^٣).\nوذكر أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي - ﷺ -، أو أُمِرَتْ أن تعتدَّ بحَيضة (^٤). قال الترمذي: «الصحيح أنها أُمِرت أن تعتدَّ بحَيضة».\nوهذه الأحاديث لها طرقٌ يصدِّق بعضُها بعضًا. وأُعِلَّ الحديثُ بعلَّتين. إحداهما: إرساله، والثانية (^٥): أن الصحيح فيه «أُمِرت» بحذف الفاعل. والعلَّتان غير مؤثِّرتين، فإنه قد روي من وجوه متصلة، ولا تعارُضَ بين «أُمِرَتْ» و«أمرها رسول الله - ﷺ -»، إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول الله - ﷺ - في حياته. وإذا كان الحديث قد روي بلفظ محتمل، ولفظ صريح يفسِّر المحتملَ ويبيِّنه، فكيف يُجعَل المحتملُ معارضًا للمفسِّر، بل مقدَّمًا [٢٨٩/أ] عليه؟\n_________\n(^١) في المطبوع زيادة بعده: «بن سلول».\n(^٢) ع: «يشتكي»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) رواه النسائي (٣٤٩٧). ويُنظر: «السنن» لأبي داود (٢٢٢٨).\n(^٤) رواه أبو داود (٢٢٢٩)، والترمذي عَقِبَ الحديث (١١٨٥)، وقال: «حسنٌ غريبٌ». وصححه الحاكم (٢/ ٢٠٦). ويُنظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٤١٥ - ٤١٦).\n(^٥) ح: «والثاني».","vol":"2","page":367},{"text":"ثم يكفي في ذلك فتاوى أصحاب رسول الله - ﷺ -. قال أبو جعفر النحاس في كتاب «الناسخ والمنسوخ» (^١): هو إجماع من الصحابة.\nوأما اقتضاء النظر له، فإن المختلعة لم تبق لزوجها عليها عدَّة، وقد ملكت نفسَها، وصارت أحقَّ ببُضْعها. فلها أن تتزوج بعد براءة رحمها، فصارت العدَّة في حقِّها بمجرد براءة الرحم. وقد رأينا الشريعة جاءت في هذا النوع بحيضة واحدة، كما جاءت بذلك في المسبيَّة، والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرُّع، والمهاجرة من دار الحرب. ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية. والمختلعة فرعٌ متردِّدٌ بين هذين الأصلين، فينبغي إلحاقها بأشبههما بها. فنظرنا، فإذا هي بذوات الحيضة أشبه.\nومما يبيِّن حكمة الشريعة في ذلك أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام:\nأحدها: المفارقة قبل الدخول، فلا عدَّة عليها ولا رجعة لزوجها فيها.\nالثاني: المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة، فجعل عدّتها ثلاثة قروء. ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم، كما هو مصرَّح به في القرآن في قوله تعالى: ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وكذا في سورة الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حقِّ من إذا [٢٨٩/ب] بلغت أجلَها خُيِّر\n_________\n(^١) (ص ٢٢٩) ولفظه: «ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه». وقد أحال المصنف في «الزاد» (٥/ ٥٩٤) أيضًا على كتاب أبي جعفر.","vol":"2","page":368},{"text":"زوجها بين إمساكها (^١) بمعروف أو مفارقتها بإحسان، وهي الرجعيَّة قطعًا. فلم يذكر الأقراء وبدلها في حقِّ بائنٍ البتة.\nالقسم الثالث: من بانت عن زوجها، وانقطع حقُّه عنها بسبي، أو هجرة، أو خلع؛ فجعل عدَّتها حيضةً للاستبراء. ولم يجعلها ثلاثًا، إذ لا رجعة للزوج. وهذا في غاية الظهور والمناسبة.\nوأما الزانية والموطوءة بشبهة، فموجَب الدليل أنها تستبرأ بحَيضةٍ فقط. ونصَّ عليه أحمد في الزانية (^٢). واختاره شيخنا في الموطوءة بشبهة (^٣)، وهو الراجح. وقياسهما على المطلَّقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده.\nفإن قيل: فهَبْ أن هذا قد سلِم لكم فيما ذكرتم من الصور، فإنه لا يسلَم معكم في المطلَّقة ثلاثًا؛ فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حقِّ زوجها من الرجعة، والقصدُ مجرَّدُ استبراء رحمها.\nقيل: نعم، هذا سؤال وارد. وجوابه من وجهين:\nأحدهما: أنه قد اختلف في عدتها: هل هي بثلاثة قروء أو بقرء واحد؟ فالجمهور ــ بل الذي لا يعرف الناس سواه ــ أنها ثلاثة قروء. وعلى هذا فيكون وجهه أن الطلقة الثالثة لما كانت من جنس الأوليين (^٤) أعطيت حكمهما، ليكون باب الطلاق كلُّه بابًا واحدًا، فلا يختلف حكمه. والشارع إذا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «إمساك».\n(^٢) فيما حكاه ابن أبي موسى. وعنه رواية أخرى: أن عدَّتها عدة المطلقة. انظر: «الهداية» (ص ٤٨٥) و«المغني» (٩/ ٥٦٤).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١١١، ٣٤٠).\n(^٤) ت: «الأولتين». وفي ح، ع بالإهمال. وفي ف بالتاء والياء معًا.","vol":"2","page":369},{"text":"علَّق الحكمَ بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلُّفُ تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعًا من ترتُّب الحكم، [٢٩٠/أ] بل هذه قاعدة الشريعة وتصرُّفها في مصادرها ومواردها.\nالوجه الثاني: أن الشارع حرَّمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، عقوبةً له؛ ولعن المحلِّل والمحلَّل له لمناقضتهما ما قصده الله سبحانه من عقوبته. وكان من تمام هذه العقوبة أن طوَّل مدةَ تحريمها عليه، فكان ذلك أبلغ فيما قصده الشارع من العقوبة. فإنه إذا علِم أنها لا تحِلُّ له حتى تعتدَّ بثلاثة قروء، ثم يتزوجها آخرُ نكاحَ رغبةٍ مقصودٍ (^١)، لا تحليلٍ موجِبٍ للعنة، ويفارقها، وتعتدُّ من فراقه ثلاثة قروء أُخَر= طال عليه الانتظار، وعِيلَ صبرُه، فأمسك عن الطلاق الثلاث. وهذا واقع على وفق الحكمة والمصلحة والزجر، فكان التربُّص بثلاثة قروء في الرجعية نظرًا للزوج ومراعاةً لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرِّمة لها، وهاهنا كان تربُّصُها عقوبةً له وزجرًا لما أوقع الطلاق المحرِّم لما أحلَّ الله له. وأُكِّدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربُّص ثان.\nوقيل: بل عدَّتها حيضة واحدة، وهي اختيار أبي الحسين بن اللبَّان (^٢).\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية، فإن صح كان «مقصودٍ» مجرورًا بالجوار. وفي النسخ المطبوعة أصلحت العبارة بإدخال الباء على «نكاح»: «بنكاحِ رغبةٍ مقصودٍ».\n(^٢) ذكره عنه ابن أبي يعلى. انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٥٩٧). وهو محمد بن عبد الله بن الحسن البصري (ت ٤٠٢). قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٥٠٧): «انتهى إليه عِلْمُ الفرائض وقسمة المواريث». وله في الفرائض مؤلفات منها «الإيجاز في علم الفرائض»، وقد حقِّق في الجامعة الإسلامية سنة ١٤٣٣.","vol":"2","page":370},{"text":"فإن كان مسبوقًا بالإجماع، فالصواب اتباع الإجماع، وأن لا يُلتفت إلى قوله. وإن لم يكن في المسألة إجماعٌ، فقوله قوي ظاهر. والله أعلم.\nفإن قيل: فقد جاءت السنة بأن المخيَّرة تعتدُّ ثلاثَ حِيض، كما رواه ابن ماجه من حديث عائشة قالت: أُمِرت بريرةُ أن تعتدَّ ثلاثَ حِيَض (^١).\nقيل: ما أصرحه من حديثٍ لو ثبت! ولكنه حديث منكر بإسناد مشهور. وكيف يكون عند أم المؤمنين هذا الحديث وهي تقول: الأقراء: الأطهار؟ فإن صحَّ الحديث وجب القول به، ولم تَسُغْ (^٢) مخالفته، ويكون حكمه حكم المطلقة ثلاثًا في اعتدادها بثلاثة قروء، ولا رجعة لزوجها عليها؛ فإن الشارع يخصِّص بعض الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن ببعض الأحكام، وإن لم يظهر لنا موجب التخصيص. فكيف وهو ظاهر في مسألة المخيَّرة، فإنها لو جُعلت عدَّتُها حيضةً واحدةً لبادرت إلى التزوج بعدها، وأيس منها زوجها؟ فإذا جُعِلت ثلاث حيض طال زمن انتظارها وحبسها عن\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٢٠٧٧)، وجوّد سنده ابن التركماني في «الجوهر النقي» (٧/ ٤٢٦)، وصححه البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٢/ ١٣٠). وأغرب ابن حجر في «فتح الباري» (٩/ ٤٠٥)، فقطع أنه على شرط الشيخين! بل قال: «هو في أعلى درجات الصحة»! مع قوله في «بلوغ المرام» (١١١٥): «ورواتُه ثقات، لكنه معلول». وأُراه تبع الحافظ النقّاد ابنَ عبد الهادي القائلَ في «المُحرَّر» (١٠٨٤): «رواته ثقات، وقد أُعِلَّ». وكأنه يُشِير إلى إعلال شيخه ابن تيمية إياه، وله في ذلك بيانٌ متينٌ؛ فليُنظر في «مجموع فتاويه» (٣٢/ ١١١ - ١١٢)، وقد أفاد منه المصنِّف هنا في إعلال هذا الخبر. ويُنظر أيضًا: «تهذيب السنن» للمصنف (١/ ٥٤٥).\n(^٢) كذا في ع، والمطبوع. وفي النسخ الخطية والطبعات الأخرى: «ولم تَسَعْ» بإهمال العين، وهو أيضًا صحيح.","vol":"2","page":371},{"text":"الأزواج. ولعلها تتذكر زوجها فيها، وترغب في رجعته، ويزول ما عندها من الوحشة. ولو قيل: «إن اعتداد المختلعة بثلاث حِيَض لهذا المعنى بعينه» لكان حسنًا على وفق حكمة الشارع. ولكن هذا مفقود في المسبيَّة والمهاجِرة والزانية والموطوءة بشبهة.\nفإن قيل: فَهبْ أن هذا كلَّه قد سلِم لكم، فكيف يسلَم لكم في الآيسة والصغيرة التي لا يوطأ مثلها؟\nقيل: هذا إنما يرِد على من جعَل علةَ العدَّة مجرد براءة الرحم فقط. ولهذا أجابوا عن هذا السؤال بأن العدة هاهنا شُرعت تعبدًا محضًا غيرَ معقول المعنى. وأما مَن جعل هذا بعض مقاصد العدَّة، وأن [٢٩١/أ] لها مقاصد أُخَر من تكميل شأن هذا العقد، واحترامه وإظهار خطره وشرفه= فجُعِل له (^١) حريمٌ بعد انقطاعه بموت أو فرقة. فلا فرق في ذلك بين الآيسة وغيرها، ولا بين الصغيرة والكبيرة؛ مع أن المعنى الذي طُوِّلت له العدَّةُ في الحائض في الرجعية والمطلقة ثلاثًا موجودٌ بعينه في حقِّ الآيسة والصغيرة. وكان مقتضى الحكمة التي تضمَّنت النظر في مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي، وعقوبته وزجره في الطلاق المحرَّم التسويةَ بين النساء في ذلك. هذا ظاهرٌ جدًّا، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) يعني: «للعقد». في النسخ المطبوعة: «لهم»، وكأنَّ من غيَّر «له» أراد إصلاح السياق بإعادة الضمير إلى «من جعل»، وكون الفاء في «فجعل» داخلة على جواب «أمَّا». والحق أنه زاد السياق اختلالًا. ويبدو لي ــ والله أعلم ــ أن «وأن» في قوله: «وأن لها مقاصد أخر» تصحيف «قال». فيكون السياق هكذا: «وأما من جعل هذا بعض مقاصد العدَّة قال: لها مقاصد أخر ...».","vol":"2","page":372},{"text":"فصل\nوأما تحريم المرأة على الزوج بعد الطلاق الثلاث وإباحتها له بعد نكاحها للثاني، فلا يعرف حكمته إلا من له معرفة بأسرار الشريعة وما اشتملت عليه من الحِكم والمصالح الكلِّيّة. فنقول وبالله التوفيق:\nلما كان إباحة فرج المرأة للرجل بعد تحريمه عليه ومنعه منه من أعظم نِعَم الله عليه وإحسانه إليه كان جديرًا بشكر هذه النعمة ومراعاتها، والقيام بحقوقها وعدم تعرُّضها (^١) للزوال. وتنوَّعت الشرائع في ذلك بحسب المصالح التي علِمَها الله في كلِّ زمان ولكلِّ أمة. فجاءت شريعة التوراة بإباحتها له بعد الطلاق ما لم تتزوج. فإذا تزوجت حَرُمت عليه، ولم يبق له سبيل إليها. وفي ذلك من الحكمة والمصلحة ما لا يخفى. فإن الزوج إذا علِم أنه إذا طلَّق المرأةَ وصار (^٢) أمرها [٢٩١/ب] بيدها، وأن لها أن تنكح غيره، وأنها إذا نكحت غيره حَرُمت عليه أبدًا= كان تمسُّكُه بها أشدَّ، وحذرُه من مفارقتها أعظم. وشريعة التوراة جاءت بحسب الأمة الموسوية، فيها من الشدة والإصر ما يناسب حالهم. ثم جاءت شريعة الإنجيل بالمنع من الطلاق بعد التزوج البتة، فإذا تزوج بامرأة فليس له أن يطلِّقها.\nثم جاءت الشريعة الكاملة الفاضلة المحمدية، التي هي أكملُ شريعة نزلت من السماء على الإطلاق وأجلُّها وأفضلها وأعلاها وأقوَمها بمصالح العباد في المعاش والمعاد، بأحسن من ذلك كلِّه وأكملِه وأوفقِه للعقل\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «تعريضها».\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والظاهر أن الواو قبل «صار» مقحمة.","vol":"2","page":373},{"text":"والمصلحة؛ فإن الله سبحانه أكمل لهذه الأمة دينها، وأتمَّ عليها نعمته، وأباح لها من الطيبات ما لم يُبِحه لأمة غيرها. فأباح للرجل أن ينكح من أطايب النساء أربعًا، وأن يتسرَّى من الإماء بما شاء، وليس التسرِّي في شريعة أخرى غيرها. ثم أكمل لعبده شرعَه، وأتمَّ عليه نعمته، بأن ملَّكه أن يفارق امرأته ويأخذ غيرها، إذ لعل الأولى لا تصلح له ولا توافقه، فلم يجعلها غُلًّا في عنقه، وقيدًا في رِجله، وإصرًا على ظهره. وشرع له فراقها على أكمل الوجوه لها وله، بأن يفارقها واحدةً، ثم تتربَّص ثلاثةَ قروء، والغالب أنها في ثلاثة أشهر. فإن تاقت نفسه إليها، وكان له فيها رغبة، وصرَف مقلبُ القلوب قلبَه إلى محبتها= وجد السبيلَ إلى ردِّها ممكنًا، والبابَ مفتوحًا، فراجع حبيبته (^١)، [٢٩٢/أ] واستقبل أمره، وعاد إلى يده ما أخرجته يدُ الغضب ونزغات الشيطان منها. ثم لا تؤمن غلَباتُ الطباع ونزَغاتُ الشيطان من المعاودة، فمُكِّن من ذلك أيضًا مرة ثانية. ولعلها أن تذوق من مرارة الطلاق وخراب البيت ما يمنعها من معاودة ما يُغضبه، ويذوق هو من ألم فراقها ما يمنعه من التسرُّع إلى الطلاق. فإذا جاءت الثالثة جاء ما لا مردَّ له من أمر الله، وقيل له: قد اندفعت حاجتك بالمرة الأولى والثانية، ولم يبق لك عليها بعد الثالثة سبيل. فإذا علم أن الثالثة فراقُ بينه وبينها وأنها القاضية أمسك عن إيقاعها.\nفإنه إذا علم أنها بعد الثالثة لا تحِلُّ له إلا بعد تربُّص ثلاثة قروء، وتزوُّجٍ بزوجٍ راغبٍ في نكاحها وإمساكها، وأن الأول لا سبيل له إليها حتى يدخل بها الثاني دخولًا كاملًا يذوق فيه كلُّ واحد منهما عُسَيلةَ صاحبه بحيث يمنعهما ذلك من تعجيل الفراق، ثم يفارقها بموت أو طلاق أو خلع،\n_________\n(^١) ح: «حبيبه».","vol":"2","page":374},{"text":"ثم تعتدُّ من ذلك عدّةً كاملةً= تبيَّن له حينئذ يأسُه بهذا الطلاق الذي هو من أبغض الحلال إلى الله، وعلِمَ كلُّ واحد منهما أنه لا سبيل له إلى العود بعد الثالثة، لا باختياره ولا باختيارها. وأكَّد هذا المقصود بأن لعن الزوج الثاني إذا لم ينكِح نكاحَ رغبةٍ يقصد فيه الإمساك، بل نكَح نكاحَ تحليل؛ ولعن الزوجَ الأول إذا ردَّها بهذا النكاح. بل ينكحها الثاني كما نكحها الأول، ويطلِّقها كما [٢٩٢/ب] طلَّقها الأول. وحينئذ فتباح للأول، كما تباح لغيره من الأزواج.\nوأنت إذا وازنت بين هذا وبين الشريعتين المنسوختين، ووازنت بينه وبين الشريعة المبدَّلة المبيحة ما لعنَ اللهُ ورسولُه فاعلَه= تبيَّن لك عظمة هذه الشريعة وجلالتها، وهيمنتها على سائر الشرائع، وأنها جاءت على أكمل الوجوه وأتمِّها وأحسنها وأنفعها للخلق، وأن الشريعتين المنسوختين خير من الشريعة المبدَّلة، فإن الله سبحانه شرعهما في وقت، ولم يشرع المبدَّلة أصلًا.\nوهذه الدقائق ونحوها مما يختصُّ الله سبحانه بفهمه من شاءَ (^١)؛ فمن وصل إليها فليحمد الله، ومن لم يصل إليها فليسلِّم لأحكم الحاكمين وأعلم العالمين، وليعلم أن شريعته فوقَ عقول العقلاء، ووَفْقَ (^٢) فِطَرِ الألبَّاء (^٣).\nوقل للعيون الرُّمْدِ لا تتقدَّمي ... إلى الشمس واستغشِي ظلامَ اللياليا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «يشاء».\n(^٢) في المطبوع: «وفوق» متابعةً لنشرة الشيخ عبد الرحمن الوكيل. والواو قبل «وفق» ساقطة من نشرة الشيخ محمد محيي الدين.\n(^٣) ع: «الأولياء»، تحريف.","vol":"2","page":375},{"text":"وسامِحْ ولا تنكِرْ عليها وخَلِّها ... وإن أنكرت حقًّا فقُلْ خَلِّ ذا ليا (^١)\n\nغيره (^٢):\nعاب التفقُّهَ قومٌ لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضَرَرِ\nما ضرَّ شمسَ الضحى والشمسُ طالعةٌ ... أن لا يرى ضوءَها مَن ليس ذا بَصَرِ (^٣)\n\nفصل\nوأما إيجابه لغسل المواضع التي لم تخرج منها الريح، وإسقاطه غسل الموضع الذي خرجت منه، فما أوفقه للحكمة، وما أشدَّه مطابقةً للفطرة! فإن حاصل السؤال: لم كان الوضوء في هذه الأعضاء الظاهرة دون باطن المقعدة، [٢٩٣/أ] مع أن باطن المقعدة أولى بالوضوء من الوجه واليدين والرجلين؟ وهذا سؤال معكوس، من قلب منكوس (^٤)؛ فإن من محاسن الشريعة أن كان الوضوء في الأعضاء الظاهرة المكشوفة، وكان أحقُّها به إمامَها ومقدَّمَها في الذكر والفعل، وهو الوجه الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب. وبعده اليدان، وهما آلة البطش والتناول والأخذ، فهما أحقُّ الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعد الوجه. ولما كان الرأسُ مجمعَ الحواسِّ وأعلى البدن وأشرفَه كان أحقَّ بالنظافة، لكن لو شَرَع غسلَه في الوضوء\n_________\n(^١) البيتان مع خلاف في اللفظ من قصيدة في «مدارج السالكين» (٣/ ٣٣) يبدو أنها للمؤلف نفسه. والبيت الأول في «زاد المعاد» (٣/ ٣٧) أيضًا.\n(^٢) «غيره» من ت وحدها.\n(^٣) البيتان لمنصور الفقيه في «شعره» (ص ١٠٣).\n(^٤) «من قلب منكوس» ساقط من ع.","vol":"2","page":376},{"text":"لعظمت المشقة، واشتدَّت البلية، فشرَع مسحَ جميعه، وأقامه مقامَ غسله تخفيفًا ورحمةً، كما أقام المسحَ على الخفين مقام غسل الرجلين.\nولعل قائلًا يقول: وما يجزئ (^١) مسح الرأس والرجلين من الغسل والنظافة؟ ولم يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء امتثالًا لأمر الله وطاعةً له وتعبُّدًا يؤثِّر في نظافته وطهارته ما لا يؤثِّر غسلُه بالماء والسِّدر بدون هذه النية، والتحاكمُ في هذا إلى الذوق السليم والطبع المستقيم؛ كما أنَّ مَعْكَ الوجهِ بالتراب امتثالًا للأمر وطاعةً وعبوديةً تُكْسِبه وضاءةً ونظافةً وبهجةً تبدو على صفحاته للناظرين. ولما كانت الرجلان تمسُّ الأرض غالبًا، وتباشر من الأدناس ما لا تباشره بقيةُ الأعضاء= كانت أحقَّ بالغسل. ولم يوفَّق للفهم عن الله ورسوله مَن اجتزأ بمسحهما [٢٩٣/ب] من غير حائل.\nفهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس. وأما من حيث المعنى فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله، وبها يُعصَى الله سبحانه ويطاع. فاليد تبطش، والرِّجل تمشي، والعين تنظر، والأذن تسمع، واللسان يتكلم. فكان في غسل هذه الأعضاء امتثالًا لأمر الله، وإقامةً لعبوديته ما يقتضي إزالةَ ما لحقها من دَرَن المعصية ووسخها.\nوقد أشار صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه إلى هذا المعنى بعينه حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» (^٢) عن عمرو بن عَبَسة قال: قلت: يا رسول الله حدِّثني عن الوضوء. قال: «ما\n_________\n(^١) ح، ف: «يجدي» بالدال.\n(^٢) برقم (٨٣٢).","vol":"2","page":377},{"text":"منكم من رجل يقرِّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر [إلا خرَّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسَل وجهه كما أمره الله] (^١) إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا خرَّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرَّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء. فإن هو قام، فصلَّى، فحمِد الله وأثنى عليه ومجَّده بالذي هو له أهل (^٢) وفرَّغ قلبه لله= إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمُّه».\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) أيضًا عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «إذا توضأ العبد المسلم ــ أو المؤمن ــ فغسَلَ وجهَه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظَر [٢٩٤/أ] إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخرِ قَطْرِ الماء. فإذا غسل يديه خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطشَتْها يداه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء؛ حتى يخرج نقيًّا من الذنوب».\nوفي «مسند الإمام أحمد» (^٤) عن عقبة بن عامر قال: سمعت النبيَّ - ﷺ - يقول: «رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَد. فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ وجهَه انحلَّت عقدة، وإذا مسحَ رأسه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلَّت عقدة. فيقول\n_________\n(^١) الظاهر أن ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ لانتقال النظر.\n(^٢) ت: «بالذي هو أهله». وفي النسخ المطبوعة: «بالذي هو أهله أو هو له أهل»!\n(^٣) برقم (٢٤٤).\n(^٤) برقمي (١٧٤٥٨، ١٧٧٩١)، وصححه ابن حبان (١٩٣).","vol":"2","page":378},{"text":"الربُّ ﷿ للذي (^١) وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا، يعالج نفسَه. ما سألني عبدي هذا فهو له».\nوفيه (^٢) أيضًا عن أبي أمامة يرفعه: «أيُّما رجلٍ قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفَّيه نزلت خطيئته من كفَّيه مع أول قطرة. فإذا مضمض (^٣) واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة. فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة. فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلِمَ من كلِّ ذنب هو له ومن كلِّ خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه. فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالمًا».\nوفيه أن مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء، وأن (^٤) حاجة [٢٩٤/ب] اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء. فمَن أنكَسُ قلبًا وأفسَدُ فطرةً وأبطَلُ قياسًا ممن يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء، وإن الشارع فرَّق بين المتماثلين؟ هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبُّد لله من انشراح القلب وقوته، واتساع الصدر، وفرح النفس، ونشاط الأعضاء؛ فتميزت عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلَها دون غيرها. وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، و«صحيح ابن حبان» (١٠٥٢، ٢٥٥٥). وفي «مسند أحمد»: «الذين»، وكذا في «موارد الظمآن» (١٦٨).\n(^٢) برقم (٢٢٢٦٧)، وفي سنده شهر بن حوشب، وفيه لِينٌ. ويُنظر: «السنن الكبرى» للنسائي (١٠٥٧٥).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «تمضمض».\n(^٤) ضبطت في ح بكسر الهمزة: «إن».","vol":"2","page":379},{"text":"فصل\nوأما اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، دون غيره؛ فيقال: أين في نصوص الشارع هذا التفريق؟ بل نصُّه على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى؛ فإنه إذا دفَعت توبتُه عنه حدَّ حِرابه (^١) مع شدة ضررها وتعدِّيه، فلأن تدفع التوبةُ ما دون حدِّ الحِراب بطريق الأولى والأحرى. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقال النبي - ﷺ -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (^٢). والله تعالى جعل الحدودَ عقوبةً لأرباب الجرائم، ورفَع العقوبةَ عن التائب شرعًا وقدرًا، فليس في شرع الله ولا قدره عقوبةُ تائب البتة.\nوفي «الصحيحين» (^٣) من حديث أنس قال: كنت مع النبي - ﷺ -، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، قال: ولم يسأله عنه. فحضرت [٢٩٥/أ] الصلاة، فصلَّى مع النبي - ﷺ -. فلما قضى النبي - ﷺ - الصلاة قام إليه الرجل، فأعاد قوله. قال: «أليس قد صلَّيتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فإن الله ﷿ قد غفر لك ذنبك». فهذا لما جاء تائبًا بنفسه من غير أن يُطلَب غفَر الله له، ولم يُقَمْ عليه الحدُّ الذي اعترف به. وهذا (^٤) أحد القولين\n_________\n(^١) في المطبوعة: «دُفعت توبته عند حد حرابه»، وهو خطأ.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) البخاري (٦٨٢٣) ومسلم (٢٧٦٤).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «وهو».","vol":"2","page":380},{"text":"في المسألة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب (^١).\nفإن قيل: فماعزٌ جاء تائبًا والغامديةُ جاءت تائبةً، وأقام عليهما الحد.\nقيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحدَّ أقيم عليهما، وبهذا احتجَّ أصحاب القول الآخر. وسألتُ شيخنا عن ذلك، فأجاب بما مضمونه أنَّ الحدَّ مطهِّر، والتوبة (^٢) مطهِّرة، وهما اختارا التطهير بالحدِّ على التطهير بمجرد التوبة، وأبَيا إلا أن يطهَّرا بالحدّ. فأجابهما النبي - ﷺ - إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحدِّ، فقال في حقِّ ماعز: «هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه» (^٣). ولو تعيَّن الحدُّ بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخيَّر بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: «اذهَبْ، فقد غفر الله لك» وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبَيَا إلا التطهير به. ولذلك ردَّهما النبيُّ - ﷺ - مرارًا، وهما يأبيان\n_________\n(^١) انظر: «الروايتين والوجهين» (٢/ ٣٠٤) و«مجموع الفتاوى» (١٦/ ٣١). وستأتي المسألة مرة أخرى في كتابنا هذا.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «بأن الحد مطهر وأن التوبة».\n(^٣) رواه أحمد (٢١٨٩٠، ٢١٨٩٢)، وأبو داود (٤٤١٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٧٢٣٤) من طرق عن يزيد بن نعيم الأسلمي، عن أبيه به. وصححه الحاكم (٤/ ٣٦٣)، وحسنه ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٠٧).\nويُنظر: «المسند» لأحمد (١٥٥٥٥، ٢١٨٩١)، و«التاريخ» لابن أبي خيثمة (٢٤٩١ - السِّفْر الثاني)، و«السنن» لأبي داود (٤٤٢٠)، و«الجامع» للترمذي (١٤٢٨)، و«السنن الكبرى» للنسائي (٧٢٣٥ - ٧٢٤٠)، و«معجم الصحابة» لابن قانع (٣/ ١٥٠، ٢٠٨)، و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم (٦٣٩٠، ٦٥٧٢، ٦٥٧٣)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٥٣٥ - ٥٣٦).","vol":"2","page":381},{"text":"إلا إقامته عليهما. وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة، وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في [٢٩٥/ب] إسقاطه البتة. وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط، والله أعلم.\nفصل\nوأما قوله: «وقبل شهادة العبد عليه - ﷺ - بأنه قال: كذا وكذا، ولم يقبل شهادته على واحد من الناس بأنه قال: كذا وكذا». فمضمون السؤال أن رواية العبد مقبولة دون شهادته.\nوالجواب: أنه لا يلزم الشارعَ قولُ فقيه معيَّن (^١) ولا مذهب معيَّن. وهذا المقام لا يُنتصَر (^٢) فيه إلا لله (^٣) ورسوله فقط. وهذا السؤال كذِبٌ على الشارع، فإنه لم يأت عنه حرف واحد أنه قال: لا تقبلوا شهادة العبد، بل رُدُّوها، ولو كان عالمًا مفتيًا (^٤) من أولياء الله، ومن أصدق الناس لهجة؟ بل الذي دلَّ عليه كتابُ الله، وسنةُ رسوله، وإجماعُ الصحابة، والميزانُ العادلُ= قبولُ شهادة العبد فيما تقبل فيه شهادةُ الحُرِّ، فإنه من رجال المؤمنين، فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] كما دخل في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وهو عدلٌ بالنص والإجماع، فيدخل في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾\n_________\n(^١) في المطبوع: «بعينه»!\n(^٢) ح، ف: «ينصر».\n(^٣) في المطبوع: «لا يَقضِ فيه إلا الله»!\n(^٤) في ع زيادة: «فقيهًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":382},{"text":"[الطلاق: ٢] كما دخل في قوله - ﷺ -: «يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه» (^١). ويدخل في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وفي قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وفي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٣٥]، كما دخل في جميع ما فيها من [٢٩٦/أ] الأوامر. ويدخل في قوله - ﷺ -: «فإن شهد ذوا عدلٍ فصُوموا وأفطروا» (^٢).\nوقال أنس بن مالك: ما علمتُ أحدًا رَدَّ شهادةَ العبد. رواه الإمام أحمد عنه (^٣). وهذا أصحُّ من غالب الإجماعات التي يدعيها المتأخرون.\nفالشهادة على الشارع بأنه أبطَلَ شهادةَ العبد وردَّها شهادةٌ بلا علم. ولم يأمر الله بردِّ شهادة صادقٍ أبدًا، وإنما أمرَ بالتثبُّت في شهادة الفاسق.\nفصل\nوأما إيجاب الشارع الصدقةَ في السائمة وإسقاطها عن العوامل، فقد اختُلِفَ في هذه المسألة للاختلاف في الحديث الوارد فيها. وفي الباب حديثان:\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في «المسند» (٩٦٠)، والدارقطني في «السنن» (٢١٩٣) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن بعض الصحابة مرفوعا. وهو عند أحمد (١٨٨٩٥)، والنسائي (٢١١٦) بمعناه. ويُنظر: «السنن» للدارقطني (٢١٩١، ٢١٩٢)، و«تحفة الأشراف» للمزي (١١/ ١٧٨)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٣/ ٢١٦)، و«بغية الباحث» للهيثمي (٣١٦).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"2","page":383},{"text":"أحدهما: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه يرفعه: «ليس في الإبل العوامل صدقة». رواه الدارقطني (^١) من حديث غالب بن عبيد الله عن عمرو.\nوالثاني: حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا: «ليس في البقر العوامل شيء». رواه أبو داود (^٢): حدثنا النُفَيلي، ثنا زُهَير، ثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة وعن الحارث عن علي، قال زهير: أحسبه عن النبي - ﷺ -: «ليس على العوامل شيء». قال أبو داود: وروى حديث النفيلي شعبة وسفيان (^٣) وغيرهما عن أبي إسحاق، عن عاصم (^٤)، عن علي، لم يرفعوه.\nورواه نُعَيم بن حماد: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي موقوفًا: ليس في الإبل العوامل، ولا في البقر\n_________\n(^١) برقم (١٩٣٨)، ورواه أيضًا ابن عدي في «الكامل» (٧/ ١١١ - ١١٢) ــ ومن طريقه البيهقي (٤/ ١١٦) ــ. ووقع عندهم: (غالب القطان)، فقال الدارقطني: «كذا قال: (غالب القطان)، وهو عندي: (غالب بن عبيدالله)، والله أعلم».وغالب بن عبيد الله هذا تالف هالك. ويُنظر: مقدمة «المسند الصحيح» لمسلم (١/ ١٨)، و«البدر المنير» (٥/ ٤٦٠ - ٤٦١)، و«إتحاف المهرة» (٩/ ٤٨٠)، و«التلخيص الحبير» (٢/ ٣٠٧).\n(^٢) في «السنن» (١٥٧٢)، وصححه ابن خزيمة (٢٢٧٠) وابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٢٨٥). ويُنظر: «الأموال» لابن زنجويه (١٤٧٣، ١٤٧٥)، و«العلل» للدارقطني (٤/ ٧٣ - ٧٥)، و«السنن» له (١٩٤١)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٤/ ١١٦)، و«معرفة السنن والآثار» له (٣/ ٢٦٠)، و«الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (٢/ ١٥٢ - ١٥٤)، و«التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ٣٠٧).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (٦٨٢٩) عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق به موقوفًا.\n(^٤) زِيد بعده في النسخ المطبوعة: «بن ضمرة».","vol":"2","page":384},{"text":"العوامل صدقة (^١).\nورواه الدارقطني (^٢) من [٢٩٦/ب] حديث صقر بن حبيب: سمعتُ أبا رجاء، عن ابن عباس، عن عليٍّ مرفوعًا (^٣).\nقال ابن حبان (^٤): ليس هو من كلام رسول الله - ﷺ -. وإنما يُعرَف بإسناد منقطع فقلبه (^٥) الصقر (^٦) على أبي رجاء (^٧)، وهو يأتي بالمقلوبات.\n_________\n(^١) رواه البيهقي (٤/ ١١٦)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٣/ ٢٦٠) من طريق نُعيم به.\nوتابع نُعيمًا على طرفه الثاني: أبو عبيد في «الأموال» (٩٦٩)، وابن أبي شيبة (١٠٠٤٦)، والحسين بن أبي زيد (منصور الدبّاغ) عند الدارقطني (١٩٤١).\n(^٢) في «السنن» (١٩٠٧)، وفي «المؤتلف والمختلف» (٣/ ١١٨٢ - ١١٨٣) ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (٩٥٤، ٩٦٤) وفي «العلل المتناهية» (٨٢٢) ــ، وفي سنده أحمد بن الحارث الغساني الغنوي البصري، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٢): «فيه بعض النظر». وقال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (٢/ ٤٧): «متروك». وشيخُه ابن حبيب، قال ابن حبان: «يُخالف الثقات في الروايات، ويأتي بالمقلوبات عن الأثبات». ويُنظر: «معرفة المجروحين» لابن حبان (١/ ٣٧٥)، و«تعليقات الدارقطني عليه» (ص ١٣٦)، و«بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٣/ ٤١ - ٤٢).\n(^٣) ع: «موقوفًا»، وكذا في الطبعات القديمة، وهو خطأ.\n(^٤) في «معرفة المجروحين» (١/ ٣٧٥)، ولكن المؤلف صادر هنا عن كتاب «التحقيق» لابن الجوزي (٢/ ٣٤).\n(^٥) ع: «نقله»، وكذا في الطبعات القديمة. وفي غيرها: «يقلبه»، وكذا في المطبوع. وهو تصحيف ما أثبتّه من مصدر النقل. وفي «المجروحين»: «فقلب هذا الشيخ على أبي رجاء».\n(^٦) كذا، وإنما سمّاه ابن حبان في «معرفة المجروحين» (١/ ٣٧٥) الصعق، فقال الدارقطني في «تعليقاته عليه» (ص ١٣٦): «هو الصقر بن حبيب».\n(^٧) ع: «عن أبي رجاء». وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":385},{"text":"وروي من حديث جابر (^١)، وابن عباس (^٢) مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أشبه.\nوبعدُ، فللعلماء في المسألة قولان: فقال مالك في «موطئه» (^٣): النواضح والبقر السواني وبقر الحرث، إني أرى أن يؤخذ من ذلك كلِّه الزكاة إذا وجبت فيه الصدقة. قال ابن عبد البر (^٤): «وهذا قول الليث بن سعد، ولا أعلم أحدًا قال به من فقهاء الأمصار غيرَهما. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه (^٥) والأوزاعي وأبو ثور وأحمد وأبو عبيد وإسحاق وداود: لا زكاة في البقر العوامل، ولا الإبل العوامل (^٦)، وإنما الزكاة في السائمة منها. وروي قولهم ذلك عن طائفة من الصحابة، منهم\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (١٩٤٤) ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (٩٦٠). ورفعُه منكر ظاهر النكارة، والمحفوظ بذاك السندِ نفسِه: موقوفٌ. وقال البيهقي (٤/ ١١٦): «وفي إسناده ضعفٌ، والصحيحُ: موقوفٌ». وسيأتي تخريجه بعد حديثين.\n(^٢) رواه الطبراني (١٠٩٧٤)، وابن عدي (٤/ ٥٣٤)، والدارقطني (١٩٣٩) ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (٩٥٩) ــ من رواية سوار بن مصعب، عن ليث، عن مجاهد وطاوس، عن ابن عباس مرفوعا! وآفتُه سوار بن مصعب، وهو متروك، والمحفوظ عن ليث روايتُه إيّاه عن طاوس مقطوعا، وعن طاوس عن معاذ موقوفا منقطعا. على أن ليثًا (وهو ابن أبي سُليم) ضعيفٌ صاحبُ تخليط، لكن البليّة في رفع هذا الحديث من سوار.\n(^٣) طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (١/ ٢٦٢).\n(^٤) في «الاستذكار» (٣/ ١٩٣).\n(^٥) لم يرد «وأصحابه» في مطبوعة «الاستذكار».\n(^٦) «ولا الإبل العوامل» لم يرد في مطبوعة «الاستذكار».","vol":"2","page":386},{"text":"علي (^١) وجابر (^٢) ومعاذ بن جبل (^٣). وكتب عمر بن عبد العزيز أنه ليس في البقر العوامل صدقة (^٤)» (^٥).\nوحجة هؤلاء مع الأثر النظر، فإنَّ ما كان من المال مُعَدًّا (^٦) لنفع صاحبه به، كثياب بِذلته، وعَبيد خدمته، وداره التي يسكنها، ودابته التي يركبها، وكتبه التي ينتفع بها وينفَع (^٧) = فليس فيها زكاة. ولهذا لم يكن في حُلِيِّ المرأة التي تلبسه وتعيره زكاة. فطردُ هذا أنه لا زكاة في بقر حرثه وإبله التي يعمل فيها [٢٩٧/أ] بالدولاب وغيره. فهذا محض القياس، كما أنه موجب النصوص. والفرق بينها وبين السائمة ظاهر، فإن هذه مصروفة عن جهة النماء إلى العمل، فهي كالثياب والعبيد والدار. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (٦٨٢٩)، وأبو عبيد في «الأموال» (٩٦٩)، وابن أبي شيبة (١٠٠٤٦)، وابن زنجويه في «الأموال» (١٤٧٣، ١٤٧٥)، والدارقطني في «السنن» (١٩٤١)، والبيهقي في «السنن الكبير «» (٤/ ١١٦) وفي «معرفة السنن والآثار» (٣/ ٢٦٠).\n(^٢) رواه عبد الرزاق (٦٨٢٨)، وأبو عبيد في «الأموال» (٩٧٥، ٩٧٦)، وابن أبي شيبة (١٠٠٥٥)، وابن زنجويه في «الأموال» (١٤٤٧، ١٤٤٨، ١٤٧٦)، والدارقطني (١٩٤٢)، والبيهقي (٤/ ١١٦، ١١٧) موقوفًا، وصححه ابن خزيمة (٢٢٧١)، والبيهقي (٤/ ١١٦، ١١٧) وفي «معرفة السنن والآثار» (٣/ ٢٦١).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (٦٨٣٠)، وابن أبي شيبة (١٠٠٤٧)، وابن زنجويه في «الأموال» (١٤٧٤).\n(^٤) رواه أبو عبيد في «الأموال» (٩٧٢، ٩٧٣)، وابن أبي شيبة (١٠٠٤٩)، وابن زنجويه في «الأموال» (١٤٥٠، ١٤٨٣).\n(^٥) هنا انتهى النقل من «الاستذكار».\n(^٦) في المطبوع: «معدٌّ»، وهو غلط.\n(^٧) «وينفع» ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: «وينفع غيره» بزيادة «غيره».","vol":"2","page":387},{"text":"فصل\nوأما قوله: «وجعل الحرَّةَ القبيحةَ الشوهاءَ تُحْصِن الرجلَ، والأَمةَ البارعةَ الجمال لا تُحْصنه»، فتعبير سيِّئ عن معنى صحيح؛ فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حدِّ الزنا على من كملت عليه نعمة الله بالحلال، فتخطَّاه إلى الحرام. ولهذا لم يوجب كمال الحدِّ على من لم يحصن، واعتبر للإحصان أكمل أحواله، وهو أن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها، دون الأمة التي لم يُبِح الله نكاحها إلا عند الضرورة، فالنعمة بها ليست كاملة؛ ودون التسرِّي الذي هو في الرتبة دون النكاح، فإن الأمة ــ ولو كانت ما عسى أن تكون ــ لا تبلغ رتبةَ الزوجة، لا شرعًا ولا عرفًا ولا عادةً، بل قد جعل الله لكلٍّ منهما رتبةً. والأمة لا تراد لما تراد له الزوجة، ولهذا كان له أن يملك من لا يجوز له نكاحها (^١)، ولا قَسْم عليه في ملك يمينه. فأمته تجري في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته وغلامه، بخلاف الحرائر. وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة على من يجب عليه الحدُّ أن يكون قد عقَد على حُرَّةٍ ودخل بها، إذ بذلك يقضي كمال وطره، ويعطي شهوته حقَّها، ويضعها مواضعها. هذا هو [٢٩٧/ب] الأصل ومنشأ الحكمة.\nولا يعتبر ذلك في كلِّ فردٍ فردٍ من أفراد المحصنين. ولا يضرُّ تخلُّفه في كثير من المواضع، إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقضها تخلُّفُ (^٢) الحكمة في أفراد الصور، كما هذا شأن الخلق. فهو موجَب حكمة الله في خلقه وأمره في قضائه وشرعه. وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «نكاحه»، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ الخطية: «بتخلف»، والمثبت من النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":388},{"text":"فصل\nوأما قوله: «ونقض الوضوء بمسِّ الذكر دون سائر الأعضاء، ودون مسِّ العذِرة والبول»، فلا ريب أنه قد صح عن النبي - ﷺ - الأمرُ بالوضوء من مسِّ الذكر (^١)، وروي عنه خلافه، وأنه سئل عنه، فقال للسائل: «هل هو إلا بضعة منك» (^٢).\nوقد قيل: إن هذا الخبر لم يصح. وقيل: بل هو منسوخ. وقيل: بل هو محكم دالٌّ على عدم الوجوب. وحديث الأمر دالٌّ على الاستحباب. فهذه ثلاثة مسالك للناس في ذلك.\nوسؤال السائل ينبني على صحة حديث الأمر بالوضوء وأنه للوجوب. ونحن نجيبه على هذا التقدير، فنقول: هذا من كمال الشريعة وتمام محاسنها. فإن مسَّ الذكر مُذَكِّر بالوطء، وهو في مظنة الانتشار غالبًا، والانتشار الصادر عن المسِّ في مظنة خروج المذي ولا يشعر به. فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائها وكثرة وجودها، كما أقيم النوم مقام\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٧٢٩٣)، وأبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢، ٨٣، ٨٤) وصححه، وابن ماجه (٤٧٩)، والنسائي (١٦٣، ١٦٤) من حديث بُسرة بنت صفوان مرفوعا.\nوصححه أيضًا جماعة من الحفاظ؛ منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وابن خزيمة (٣٣)، وابن حبان (٩٨٨ - ٩٩٣)، والحاكم (١/ ١٣٦، ١٣٨). ويُنظر: «مسائل أبي داود الإمامَ أحمد» (١٩٦٦)، و«مسائل الكوسج» عن أحمد وإسحاق (٥٣، ١٠٩)، و«العلل» للدارقطني (١٥/ ٣١٣ - ٣٥٦)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٢٦٨ - ٢٧٤)، و«التلخيص الحبير» لابن حجر (١/ ٢١٣ - ٢٢١).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":389},{"text":"الحدث، وكما أقيم لمسُ المرأة لشهوةٍ (^١) مقام الحدَث.\nوأيضًا فإن مسَّ الذكر يوجب [٢٩٨/أ] انتشار حرارة الشهوة وثورانها في البدن، والوضوء يطفئ تلك الحرارة، وهذا مشاهَد بالحسِّ. ولم يكن الوضوء من مسِّه لكونه نجسًا، ولا لكونه مجرى النجاسة حتى يورد السائل مسَّ العَذِرة والبول. ودعواه بمساواة مسِّ الذكر للأنف من أكذب الدعاوي وأبطل القياس. وبالله التوفيق.\nفصل\nوأما قوله: «أوجب الحدَّ في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة من البول»، فهذا أيضًا من كمال هذه الشريعة، ومطابقتها للعقول والفطر، وقيامها بالمصالح. فإن ما جعل الله سبحانه في طباع الخلق النفرةَ (^٢) عنه ومجانبتَه اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحدِّ، لأن الوازعَ الطَّبْعيَّ (^٣) كافٍ في المنع منه.\nوأما ما يشتدُّ تقاضي الطباع له فإنه غلَّظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له، وسدَّ الذريعة إليه من قرب وبعد، وجعل ما حوله حِمًى، ومنع من قربانه. ولهذا عاقب في الزنا بأشنع القتلات، وفي السرقة بإبانة اليد، وفي الخمر بتوسيع الجلد ضربًا بالسوط، ومنع (^٤) قليل الخمر وإن\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بشهوة».\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة بدلًا من «من النفرة».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «الطبيعي».\n(^٤) زاد بعده في المطبوع: «من».","vol":"2","page":390},{"text":"كان لا يُسكِر، إذ قليلُه داعٍ إلى كثيره. ولهذا كان من أباح من نبيذ التمر المسكِر القدرَ الذي لا يُسكِر خارجًا عن محض القياس والحكمة وموجب النصوص.\nوأيضًا فالمفسدةُ التي في شُربِ الخمر والضررُ المختصُّ والمتعدِّي أضعافُ الضرر والمفسدة التي في شرب [٢٩٨/ب] البول وأكل القاذورات، فإن ضررها مختصُّ بمتناوِلها.\nفصل\nوأما قوله: «وقصَر عددَ المنكوحات على أربع، وأباح ملك اليمين بغير حصر»، فهذا من تمام نعمته وكمال شريعته، وموافقتها للحكمة والرحمة والمصلحة. فإن النكاح يراد للوطء وقضاء الوطر، ثم من الناس من يغلب عليه سلطان هذه الشهوة فلا تندفع حاجته بواحدة، فأطلق له ثانية وثالثة ورابعة. وكان هذا العدد موافقًا لعدد طباعه وأركانه، وعدد فصول سنته، ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها. والثلاث أول مراتب الجمع، وقد علَّق الشارع بها عدَّة أحكام، ورخَّص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه (^١) ثلاثًا (^٢)، وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثًا (^٣)، وجعل حدَّ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بمكة».\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٩٣٣) ومسلم (١٣٥٣) من حديث العلاء بن الحضرمي.\n(^٣) رواه أحمد (١٨٠٩١، ١٨٠٩٣ - ١٨٠٩٥، ١٨٠٩٧)، والترمذي (٩٦) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٤٧٨)، والنسائي (١٢٦، ١٢٧) من حديث صفوان بن عسّال مرفوعًا.\nوصححه أيضًا ابن خزيمة (١٧، ١٩٣، ١٩٦)، وابن حبان (١٢٦٧، ١٢٦٨، ٣٩٢٦، ٥٥٩٣)، واختاره الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٨/ ٣١ - ٤٢).\nوله شواهد كثيرة جدًّا، منها حديث علي مرفوعا، رواه مسلم (٢٧٦)، وابن ماجه (٥٥٢)، والنسائي (١٢٨، ١٢٩). ومنها حديث أبي بكرة الثقفي مرفوعا، رواه ابن ماجه (٥٥٦)، وصححه ابن خزيمة (١٩٢).","vol":"2","page":391},{"text":"الضيافة المستحبة أو الواجبة (^١) ثلاثًا (^٢)، وأباح للمرأة أن تُحِدَّ على غير زوجها ثلاثًا (^٣). فرحم الضرَّةَ بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثًا، ثم يعود. فهذا محض الحكمة والرحمة (^٤) والمصلحة.\nوأما الإماء فلما كنَّ بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرها لم يكن لقصر المالك على أربعة منهن أو غيرها من العدد معنًى. فكما ليس في حكمة الله ورحمته أن يقصر السيد على أربعة عبيد أو أربع (^٥) دوابّ وثياب ونحوها، فليس في حكمته أن يقصره على أربع (^٦) إماء.\nوأيضًا فللزوجة حقٌّ على الزوج اقتضاه عقدُ النكاح، يجب على الزوج القيام [٢٩٩/أ] به؛ فإن شاركها غيرُها وجب عليه العدل بينهما. فقصَر الأزواج على عدد يكون العدل فيه أقرب مما زاد عليه، ومع هذا فلا يستطيعون العدل ولو حرصوا عليه. ولا حقَّ لإمائه عليه في ذلك، ولهذا لا يجب لهن قَسْمٌ. ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. والله أعلم.\n_________\n(^١) ع: «الموجبة». وفي ت: «المستحقة أو المستحبة».\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠١٩) ومسلم (٤٨) من حديث أبي شريح العدوي.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٨١) من حديث أم حبيبة زوج النبي - ﷺ -.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الرحمة والحكمة».\n(^٥) في النسخ الخطية: «أربعة»، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٦) ما عدا ع: «أربعة».","vol":"2","page":392},{"text":"فصل\nوأما قوله: «وإنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات، ولم يُبِح للمرأة أن تتزوج بأكثر من زوج واحد»، فذلك من كمال حكمة الرب تعالى وإحسانه ورحمته بخلقه ورعاية مصالحهم. ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك، وينزَّه شرعه أن يأتي بغير هذا. ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثرَ لفسَد العالم، وضاعت الأنساب، وقتل الأزواج بعضهم بعضًا، وعظمت البلية، واشتدت الفتنة، وقامت سوق الحرب على ساق. وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون؟ وكيف يستقيم حال الشركاء فيها؟ فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه.\nفإن قيل: فكيف رُوعي جانبُ الرجل، وأُطلِق له أن يُسِيمَ طرفه ويقضي وطره، وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته؛ وداعي المرأة داعيه، وشهوتها شهوته؟\nقيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبَّأةً وراء (^١) الخدور (^٢)، محجوبة في كِسْرِ (^٣) بيتها، [٢٩٩/ب] وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل، وحركتها الظاهرة والباطنة أقلَّ من حركته؛ وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثرَ مما أعطيته المرأة، وبُلِي بما لم تُبْلَ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «من وراء» بزيادة «من».\n(^٢) في المطبوع: «الخُدُر» بضم الخاء والدال!\n(^٣) كِسْر البيت: جانبه. وفي ع: «كِنّ»، وكذا في النسخ المطبوعة مع زيادة الواو قبل «محجوبة».","vol":"2","page":393},{"text":"به = أُطلِق له من عدد المنكوحات ما لم يُطلَق للمرأة. وهذا مما خصَّ الله به الرجال، وفضَّلهم به على النساء، كما فضَّلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك. وجعل الرجال قوَّامين على النساء ساعين في مصالحهن، يدأبون في أسباب معيشتهن، ويركبون الأخطار، يجوبون القفار، ويعرِّضون أنفسهم لكلِّ بلية ومحنة في مصالح الزوجات. والربُّ تعالى شكور حليم، فشكر لهم ذلك، وجبَرهم بأن مكَّنهم مما لم يمكِّن منه الزوجات. وأنت إذا قايستَ بين تعب الرجال وشقائهم وكدِّهم ونَصَبهم في مصالح النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدتَ حظَّ الرجال من تحمُّل ذلك التعب والنصب والدأب أكثرَ من حظِّ النساء من تحمُّل الغيرة. فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته، فله الحمد كما هو أهله.\nوأما قول القائل: «إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل»، فليس كما قال. والشهوة منبعها الحرارة، وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر؟ ولكن المرأة ــ لفراغها وبطالتها وعدم معاناتها لما يشغلها عن أمر شهوتها [٣٠٠/أ] وقضاء وطرها ــ يغمُرها سلطانُ الشهوة، ويستولي عليها، ولا يجد (^١) عندها ما يعارضه، بل يصادف قلبًا فارغًا ونفسًا خاليةً، فيتمكَّن منها كلَّ التمكُّن، فيظن الظانُّ أن شهوتها أضعاف شهوة الرجل، وليس كذلك. ومما يدل عليه (^٢) أن الرجل إذا جامع امرأةً (^٣) أمكنه أن يجامع غيرها في الحال. وكان\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «ولم يجد»، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٢) ح، ف: «على». وفي ع: «على ذلك». وفي النسخ المطبوعة: «على هذا».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «امرأته».","vol":"2","page":394},{"text":"النبي - ﷺ - يطوف على نسائه في الليلة الواحدة (^١). وطاف سليمان على تسعين امرأة في ليلة (^٢)، ومعلوم أن له عند كلِّ امرأة شهوةً وحرارةً باعثةً على الوطء. والمرأة إذا قضى الرجل وطره فترت شهوتها، وانكسرت نفسها، ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين. فتطابقت حكمة الشرع والقدر (^٣) والخلق والأمر. ولله الحمد.\nفصل\nوأما قوله: «أباح للرجل أن يستمتع من أَمته بملك اليمين بالوطء وغيره، ولم يبح للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره»، فهذا أيضًا من كمال هذه الشريعة وحكمتها. فإنَّ السيِّد قاهر لمملوكه، حاكم عليه، مالك له. والزوج قاهر لزوجته حاكم عليها، وهي تحت سلطانه وحكمه، تُشبه الأسير. ولهذا مُنِع العبدُ من نكاح سيدته، للتنافي بين كونه مملوكها وبعلها، وبين كونها سيدته وموطوءته. وهذا أمر مشهود بالفطرة والعقول قبحُه، وشريعة أحكم الحاكمين منزَّهة عن أن تأتي به.\nفصل\nوأما قوله: «فرَّق (^٤) بين الطلقات، فجعل بعضها محرِّمًا للزوجة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٨) ومسلم (٣٠٩) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٣٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n، وفيه: «على مائة امرأة أو تسع وتسعين». وفيه (٣٤٢٤): «على سبعين امرأة». وفيه (٧٤٦٩) أنه «كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفن ...».\n(^٣) ع: «القدر والشرع».\n(^٤) ع: «وفرَّق»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":395},{"text":"وبعضها غير [٣٠٠/ب] محرِّم»، فقد تقدَّم من بيان حكمة ذلك ومصلحته ما فيه كفاية.\nفصل\nوأما قوله: «وفرَّق (^١) بين لحم الإبل وغيره من اللحوم في الوضوء»، فقد تقدَّم في الفصل الذي قبل هذا جواب هذا السؤال، وأنه على وَفْق الحكمة ورعاية المصلحة.\nفصل\nوأما قوله: «وفرَّق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة»، فهذا سؤال أورده عبد الله بن الصامت على أبي ذر، وأورده أبو ذر على النبي - ﷺ -، وأجاب عنه بالفرق المبين (^٢)، فقال: «الكلب الأسود شيطان» (^٣). وهذا إن أريد به أن الشيطان يظهر في صورة الكلب الأسود كثيرًا كما هو الواقع فظاهر. وليس بمستنكر (^٤) أن يكون مرورُ عدوِّ الله بين يدي المصلي قاطعًا لصلاته، ويكون مروره قد جعل تلك الصلاةَ بغيضةً إلى الله مكروهةً له، فيؤمر المصلِّي بأن يستأنفها. وإن كان المراد به أن الكلب الأسود شيطان الكلاب، فإنَّ كلَّ جنس من أجناس الحيوانات فيها شياطين، وهي ما عتَا منها وتمرَّد، كما أن شياطين الإنس عُتاتهم ومتمرِّدوهم، والإبل شياطين\n_________\n(^١) ت: «فرَّق».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «البيّن».\n(^٣) أخرجه مسلم (٥١٠) من حديث أبي ذر - ﵁ -.\n(^٤) ت: «بمستكثر».","vol":"2","page":396},{"text":"الأنعام، وعلى ذروة كلِّ بعير شيطان (^١) = فيكون مرورُ هذا النوع من الكلاب ــ وهو من أخبثها وشرِّها ــ مبغِّضًا لتلك الصلاة إلى الله، فيجب على المصلي أن يستأنفها. وكيف يُستبعد أن يقطع مرورُ العدوِّ [٣٠١/أ] بين الإنسان وبين وليِّه حكمَ مناجاته له، كما قطعها كلمةٌ من كلام الآدميين أو قهقهة أو ريح، أو ألقى عليه الغيرُ نجاسةً، أو نوَّمه الشيطان فيها؟\nوفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي» (^٢).\nوبالجملة، فللشارع في أحكام العبادات أسرارٌ لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل، وإن أدركتها جملةً.\nفصل\nوأما قوله: «وفرَّق بين الريح الخارجة من الدبر وبين الجَشْوة، فأوجب الوضوء من هذه دون هذه»، فهذا أيضًا من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرَّق بين البلغم الخارج من الفم وبين العَذِرة في ذلك. ومن سوَّى بين الريح والجشاء فهو كمن سوَّى بين البلغم والعَذِرة. والجشاءُ من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في الدماغ، ثم تطلب لها منفذًا، فتخرج من الخياشيم، فيحدث العطاس. وكذلك الجشاء ريح تحتبس فوق المعدة فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة. ومن سوَّى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحِسّ.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦١) ومسلم (٥٤١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"2","page":397},{"text":"فصل\nوأما قوله: «أوجب الزكاة في خمس من الإبل، وأسقطها عن آلاف من الخيل»؛ فلعَمْرُ الله، إنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا، كما في «سنن أبي داود» (^١) من حديث عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال [٣٠١/ب] رسول الله - ﷺ -: «قد عفوتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة (^٢): من كلِّ أربعين درهمًا درهم. وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم».\nورواه سفيان عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي (^٣).\nوقال بقية: حدثني أبو معاذ الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة يرفعه: «عفوتُ لكم عن صدقة الجَبْهة، والكُسْعَة، والنُّخَّة» (^٤). قال بقية: الجبهة: الخيل. والكُسْعة: البغال والحمير. والنُّخَّة:\n_________\n(^١) برقم (١٥٧٤). ورواه أحمد (٧١١، ٩١٣)، والترمذي (٦٢٠)، والنسائي (٢٤٧٧، ٢٤٧٨). وصححه ابن خزيمة (٢٢٨٤)، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٧)، واختاره الضياء المقدسي (٢/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٢) هي الورِق، يعني: الفضة.\n(^٣) رواه أحمد (١٠٩٧)، وابن ماجه (١٧٩٠) من طريق سفيان الثوري به. ورواه ابن ماجه (١٨١٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق به. ورواه ابن وهب في «الجامع» (١٩١) عن السفيانَيْن معًا، ومن طريقه رواه البيهقي (٤/ ١١٨). ويُنظر: «العلل» للدارقطني (٣/ ١٥٧ - ١٦١).\n(^٤) رواه البيهقي (٤/ ١١٨) من طريق بقية به، وقال: «كذا رواه بقية بن الوليد عن أبي معاذ، وهو سليمان بن أرقم، متروك الحديث، لا يُحتجّ به، وقد اختُلِف عليه في إسناده؛ فقيل: هكذا. وقيل: عنه، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة». ثمّ خرّجه، وكذا ابن عدي في «الكامل» (٤/ ٢٣٥)، ومحمد بن إبراهيم الجرجاني في «الأمالي» (٣٠٧)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/ ١٨١٧) من طريق أبي عمرو الحراني، عن سليمان بن أرقم كذلك. ورواه أبو داود في «المراسيل» (١١٤، ١١٥) من طريقين عن كثير بن زياد، عن الحسن مرسلا. ورواه أبو عبيد في «غريب الحديث» (١/ ١٢٢ - ١٢٣) من طريق حماد بن زيد، عن كثير بن زياد معضلا. ويُنظر ما في «غريب الحديث» لأبي عبيد (١/ ١٢٤). وقد قال البيهقي (٤/ ١١٨): «أسانيد هذا الحديثِ ضعيفةٌ».","vol":"2","page":398},{"text":"المربَّيات (^١) في البيوت.\nوفي كتاب عمرو بن حزم: «لا صدقة في الجبهة والكُسْعة. والكسعة الحمير، والجبهة: الخيل» (^٢).\nوفي «الصحيحين» (^٣) من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة».\nوالفرق بين الخيل والإبل أن الخيل تراد لغير ما تراد له الإبل، فإن الإبل تراد للدَّرِّ والنسل والأكل وحمل الأثقال والمتاجر والانتقال عليها من بلد إلى بلد. وأما الخيل فإنما خُلقت للكَرِّ والفَرِّ والطلب والهرب، وإقامة\n_________\n(^١) ح، ف: «المزينات»، تصحيف.\n(^٢) كذا، ولعلّ نظر المصنف انتقل من لفظٍ إلى آخر أثناء النقل، فدخل عليه حديثٌ في حديثٍ. وقد كان البيهقي علّقه في «السنن الكبير» (٤/ ١١٨) بلفظ: «وإنه ليس في عبد مسلمٍ ولا في فرسِه شيءٌ»، ثمّ أسنده من حديث عمرو بن حزم، ثم أعقبه بالحديث الذي سبق قبل هذا. ويَحْسُنُ تدبُّرُ ما في «السنن الكبير» للبيهقي (٤/ ٨٩ - ٩٠)، و«نصب الراية» للزيلعي (٢/ ٣٥٧)، و«الدراية» لابن حجر (ص ٢٥٥).\n(^٣) البخاري (١٤٦٣) ومسلم (٩٨٢).","vol":"2","page":399},{"text":"الدين، وجهاد أعدائه. وللشارع قصد أكيد في اقتنائها وحفظها والقيام عليها، وترغيب النفوس في ذلك بكلِّ طريق. ولهذا (^١) عفا عن أخذ الصدقة منها، ليكون ذلك أرغب للنفوس فيما يحبه الله ورسوله من اقتنائها ورباطها. وقد قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].\nفرباط [٣٠٢/أ] الخيل من جنس آلات السلاح والحرب. فلو كان عند الرجل منها ما عسى (^٢) أن يكون، ولم يكن للتجارة= لم يكن عليه فيه زكاة؛ بخلاف ما أعد للنفقة، فإن الرجل إذا ملك منه نصابًا ففيه الزكاة. وقد أشار النبي - ﷺ - إلى هذا بعينه في قوله: «عفوتُ (^٣) لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة» (^٤). أفلا تراه كيف فرَّق بين ما أُعِدَّ للإنفاق، وما (^٥) أُعِدَّ لإعلاء كلمة الله ونصر دينه وجهاد أعدائه، فهو من جنس السيوف والرماح والسهام؟ وإسقاط الزكاة في هذا الجنس من محاسن الشريعة وكمالها.\nفصل\nوأما قوله: «أوجب في الذهب والفضة والتجارة ربعَ العُشر، وفي الزروع والثمار نصفَ العُشر أو العُشرَ، وفي المعدن الخُمْس»، فهذا أيضًا من كمال شريعته ومراعاتها للمصالح. فإن الشارع أوجب الزكاة مواساةً\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ولذلك».\n(^٢) ت، ع: «عساه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «قد عفوت».\n(^٤) تقدَّم في أول الفصل.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «وبين ما».","vol":"2","page":400},{"text":"للفقراء، وطُهْرةً للمال، وعبوديةً للرب، وتقرُّبًا إليه، بإخراج محبوب العبد له وإيثار مرضاته.\nثم فرضها على أكمل الوجوه، وأنفعها للمساكين، وأرفقها بأرباب الأموال. ولم يفرضها في كلِّ مال، بل فرضها في الأموال التي تحتمل المواساة، ويكثر فيها الرِّبح والدَّرّ والنسل. ولم يفرضها فيما يحتاج العبد إليه من ماله ولا غنى له عنه، كعبيده وإمائه ومركوبه وداره وثيابه وسلاحه، بل فرضها في أربعة أجناس من المال: المواشي، والزروع [٣٠٢/ب] والثمار، والذهب والفضة، وعروض التجارة؛ فإن هذه أكثر أموال الناس الدائرة بينهم، وعامةُ تصرُّفهم فيها، وهي التي تحتمل المواساة، دون ما أسقط الزكاة فيه.\nثم قسم كلَّ جنس من هذه الأجناس بحسب حاله وإعداده للنماء إلى ما فيه الزكاة، وإلى ما لا زكاة فيه. فقسم المواشي إلى قسمين: سائمة ترعى بغير كلفة ولا مشقَّة ولا خسارة، فالنعمة فيها كاملة، والمنَّة بها وافرة، والكلفة فيها يسيرة، والنماء فيها كثير؛ فخصَّ هذا النوع بالزكاة. وإلى معلوفة بالثمن أو عاملة في مصالح أربابها في دواليبهم وحروثهم وحمل أمتعتهم، فلم يجعل في ذلك زكاة، لكلفة المعلوفة وحاجة المالكين إلى العوامل، فهي كثيابهم وعبيدهم وإمائهم وأمتعتهم.\nثم قسم الزروع والثمار إلى قسمين: قسم يجري مجرى السائمة من بهيمة الأنعام في سقيه من ماء السماء بغير كلفة ولا مشقة، فأوجب فيه العشر. وقسم يسقى بكلفة ومشقة، ولكن كلفته دون كلفة المعلوفة (^١) بكثير،\n_________\n(^١) أثبت في المطبوع: «العلوفة»!","vol":"2","page":401},{"text":"إذ تلك تحتاج إلى العلف كلَّ يوم، فكان مرتبةً (^١) بين مرتبة السائمة والمعلوفة، فلم يوجب فيه زكاةَ ما شرب بنفسه، ولم يُسقط زكاته جملةً (^٢)، فأوجب فيه نصف العشر.\nثم قسم الذهب والفضة إلى قسمين: أحدهما ما هو مُعَدٌّ للثمنية (^٣) والتجارة به والتكسُّب، ففيه الزكاة كالنقدين والسبائك ونحوها. وإلى ما هو مُعَدٌّ للانتفاع دون الربح والتجارة [٣٠٣/أ] كحلية (^٤) المرأة وآلات السلاح التي يجوز استعمال مثلها، فلا زكاة فيه.\nثم قسم العروض إلى قسمين: قسم أُعِدَّ للتجارة، ففيه الزكاة؛ وقسم أُعِدَّ للقِنية والاستعمال، فهو مصروف عن جهة النماء، فلا زكاة فيه.\nثم لما كان حصول النماء والربح بالتجارة من أشقِّ الأشياء وأكثرِها معاناةً وعملًا خفَّفها بأن جعل فيها ربع العشر. ولما كان الربح والنماء بالزروع والثمار التي تُسقَى بالكلفة أقلَّ كلفةً، والعمل أيسَرُ، ولا يكون في كلِّ السنة= جعله ضِعْفَه، وهو نصف العشر. ولما كان التعب والعمل فيما يشرب بنفسه أقلَّ والمُؤنةُ أيسرَ جعله ضِعْفَ ذلك، وهو العشر، واكتفى فيه بزكاة عامَّة خاصَّة. فلو أقام عنده بعد ذلك عدة أحوال لغير التجارة لم يكن فيه زكاة، لأنه قد انقطع نماؤه وزيادته؛ بخلاف الماشية، وبخلاف ما لو أُعِدَّ\n_________\n(^١) في حاشية ع: «مرتبته» مع علامة «ظ» فوقها.\n(^٢) ع: «جملة واحدة»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في حاشية ع: «للتنمية» مع علامة «ظ» فوقها. وفي المطبوع: «لتنميته».\n(^٤) في المطبوع: «كحلي».","vol":"2","page":402},{"text":"للتجارة، فإنه (^١) غرضُه النَّماءُ (^٢).\nثم لما كان الرِّكاز مالًا مجموعًا محصَّلًا، وكلفةُ تحصيله أقلُّ من غيره، ولم يحتج إلى أكثر من استخراجه= كان الواجب فيه ضِعف ذلك، وهو الخُمْس.\nفانظر إلى تناسب هذه الشريعة الكاملة التي بهَر العقولَ حسنُها وكمالُها، وشهدت الفِطَر بحكمتها، وأنه لم يطرق العالمَ شريعةٌ أفضلُ منها. ولو اجتمعت عقولُ العقلاء وفِطَرُ الألباء واقترحت شيئًا يكون أحسنَ مقترَحٍ (^٣) لم يصل اقتراحها إلى ما جاءت به.\nولما لم يكن كلُّ مال يحتمل المواساة [٣٠٣/ب] قدَّر الشارعُ لما يحتمل المواساة نُصُبًا مقدَّرةً لا تجب الزكاة في أقلَّ منها. ثم لما كانت تلك النُّصُب تنقسم إلى ما لا يُجْحِف المواساةُ ببعضه أوجب الزكاة منها، وإلى ما يُجْحِف المواساةُ ببعضه، فجعل الواجبَ من غيره كما دون الخمس والعشرين من الإبل. ثم لما كانت المواساة لا تحتمل كلَّ يوم ولا كلَّ شهر، إذ فيه إجحافٌ بأرباب الأموال، جعلها كلَّ عام مرةً، كما جعل الصيام كذلك. ولما كانت الصلاة لا يشق فعلُها كلَّ يوم وظَّفها (^٤) كلَّ يوم وليلة، ولما كان الحجُّ يشقُّ تكرُّرُ وجوبه كلَّ عام جعَله وظيفةَ العمر.\n_________\n(^١) ع: «فإن».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «عرضة للنماء».\n(^٣) في المطبوع: «أحسنُ مقترحًا»!\n(^٤) ح: «وضعها»، والظاهر أنه مغيَّر. وكذا في ف.","vol":"2","page":403},{"text":"وإذا تأمل العقلُ (^١) مقدار ما أوجبه الشارع في الزكاة (^٢) مما لا يضرُّ المُخرِجَ فقدُه، وينفع الفقيرَ أخذُه= رآه (^٣) قد راعى فيه حالَ صاحب المال وجانبَه حقَّ الرعاية، ونفعَ الآخذِ به (^٤). وقصَد إلى كلِّ جنس من أجناس الأموال، فأوجب الزكاة في أعلاه وأشرفه. فأوجب زكاةَ العين في الذهب والورِق دون الحديد والرصاص والنحاس ونحوها، وأوجب زكاة السائمة في الإبل والبقر والغنم، دون الخيل والبغال والحمير، ودون ما يقِلُّ اقتناؤه كالصيود على اختلاف أنواعها، ودون الطير كلِّه. وأوجب زكاة الخارج من الأرض في أشرفه، وهو الحبوب والثمار، دون البقول والفواكه والمقاثئ والمباطخ والأنوار.\nوغيرُ خافٍ تميُّز ما أوجب فيه الزكاةَ عمَّا لم يوجبها فيه، في [٣٠٤/أ] جنسه، ووصفه، ونفعه، وشدة الحاجة إليه، وكثرة وجوده؛ وأنه جارٍ مجرى الأموال لما عداه من أجناس الأموال، بحيث لو فُقِد لأضرَّ فقدُه بالناس، وتعطَّل عليهم كثيرٌ من مصالحهم؛ بخلاف ما لم يوجب فيه الزكاةَ فإنه جارٍ مجرى الفضلات والتَّتِمَّات التي لو فُقدت لم يعظُم الضرر بفقدها.\nوكذلك راعى في المستحقين لها أمرَين مهمَّين. أحدهما: حاجة الآخذ. والثاني: نفعه. فجعل المستحقين لها نوعين: نوعًا يأخذ لحاجته، ونوعًا يأخذ لنفعه. وحرَّمها على من عداهما.\n_________\n(^١) ع: «العاقل»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) زيد بعده في النسخ المطبوعة: «وجده» ليكون جواب «إذا». وظهر لي أن جوابه فيما يأتي: «رآه».\n(^٣) في النسخ الخطية: «ورآه»، وأرى الواو مقحمة.\n(^٤) ح، ف: «للأخذ به». وأثبت في المطبوع: «آخذيه».","vol":"2","page":404},{"text":"فصل\nوأما قوله: «وقطَع يدَ السارق التي باشر بها الجناية، ولم يقطع فرج الزاني وقد باشر به الجناية، ولا لسان القاذف وقد باشر به القذف»، فجوابه أن هذا من أدلِّ الدلائل على أن هذه الشريعة منزَّلة من عند أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.\nونحن نذكر فصلًا نافعًا في الحدود ومقاديرها، وكمال ترتيبها على أسبابها، واقتضاء كلِّ جنايةٍ لما رُتِّب عليها دون غيرها، وأنه ليس وراء ذلك للعقول اقتراح. ونورد أسوِلةً لم يوردها هذا السائل، وننفصل عنها بحول الله وقوته أحسنَ انفصال. والله المستعان، وعليه التكلان.\nإن الله جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤه لما خلق العباد وخلق الموت والحياة، وجعل ما على الأرض زينةً لها، ليبلوَ عباده [٣٠٤/ب] ويختبرهم أيُّهم أحسَنُ عملًا= لم يكن في حكمته بدٌّ من تهيئة أسباب الابتلاء في أنفسهم وخارجًا عنها، فجعل في أنفسهم العقول (^١) والأسماع والأبصار، والإرادات والشهوات، والقوى والطبائع، والحب والبغض، والميل والنفور، والأخلاق المتضادة المقتضية لآثارها اقتضاءَ السبب لمسبِّبه، والتي في الخارج الأسبابُ التي تطلب النفوسُ حصولَها، فتَنافَسُ فيه؛ وتكره حصوله، فتدفعه عنها. ثم أكَّد أسبابَ هذا الابتلاء بأن وكَّل بها قُرَناءَ من الأرواح الشريرة الظالمة الخبيثة، وقُرَناءَ من الأرواح الخيرة العادلة الطيبة. وجعل دواعي القلب وميوله مترددةً بينهما، فهو إلى داعي الخير مرةً،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة زيادة: «الصحيحة».","vol":"2","page":405},{"text":"وإلى داعي الشرِّ مرةً، ليتم الابتلاء في دار الامتحان، وتظهر حكمة الثواب والعقاب في دار الجزاء. وكلاهما من الحقِّ الذي خلق الله السماوات والأرض به ومن أجله، وهما مقتضى ملكِ الربِّ وحمدِه، فلا بد أن يظهر ملكُه وحمدُه فيهما، كما ظهر في خلق السماوات والأرض وما بينهما. وأوجب ذلك في حكمته ورحمته وعدله، بحكم إيجابه على نفسه، أن أرسل رُسُلَه، وأنزل كتبَه، وشرَع شرائعه، ليتمَّ ما اقتضته حكمته في خلقه وأمره. وأقام سوقَ الجهاد لما حصل من المعاداة والمنافرة بين هذه الأخلاق والأعمال والإرادات، كما حصل بين من قامت به.\nفلم يكن بدٌّ من حصول مقتضى الطباع البشرية وما قارنها (^١) من [٣٠٥/أ] الأسباب، من التنافس، والتحاسد، والانقياد لدواعي الشهوة والغضب، وتعدِّي ما حُدَّ له، والتقصير عن كثير مما تُعُبِّدَ به. وسهَّل ذلك عليها اغترارُها بموارد المعصية مع الإعراض من مصادرها، وإيثارُها ما تتعجَّلُه من يسير اللذة في دنياها على ما تتأجَّله من عظيم اللذة في أخراها، ونزولُها على الحاضر (^٢) المشاهَد، وتجافيها عن الغائب الموعود. وذلك موجَب ما جُبِلت عليه من جهلها وظلمها. فاقتضت أسماءُ الربِّ الحسنى وصفاته العُلَى (^٣)، وحكمته البالغة، ونعمته السابغة، ورحمته الشاملة، وجوده الواسع= أن لا يضرب عن عباده الذكر صفحًا، وأن لا يتركهم سُدًى، ولا يخلِّيهم ودواعيَ نفوسهم وطبائعهم؛ بل ركَّب في فِطَرهم وعقولهم معرفةَ الخير والشر، والنافع والضارِّ،\n_________\n(^١) ح: «قاربها»، تصحيف.\n(^٢) ح، ف: «الخاطر»، تصحيف.\n(^٣) ت: «العليا»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":406},{"text":"والألم واللذة؛ ومعرفة أسبابها. ولم يكتف بمجرَّد ذلك حتَّى عرَّفهم به مفصَّلًا على ألسنة رسله، وقطع معاذيرهم بأن أقام على صدقهم من الأدلة والبراهين ما لا يبقى معه لهم عليه حجة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢].\nوصرَّف لهم طُرقَ الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، وضرب لهم الأمثال، وأزال عنهم كلَّ إشكال، ومكَّنهم من القيام بما أمرهم به وتركِ ما نهاهم عنه غايةَ التمكين، وأعانهم عليه بكلِّ سبب، وسلَّطهم على قهر طباعهم بما يجُرُّهم إلى إيثار العواقب على المبادي، ورفض اليسير [٣٠٥/ب] الفاني من اللذة إلى العظيم الباقي منها. وأرشدهم إلى التفكُّر والتدبر، وإيثار ما تقضي به عقولهم وأخلاقهم من هذين الأمرين.\nوأكمل لهم دينهم، وأتمَّ عليهم نعمته بما أوصله إليهم على ألسنة رسله من أسباب العقوبة والمثوبة، والبشارة والنذارة، والرغبة والرهبة؛ وتحقيق ذلك بالتعجيل لبعضه في دار المحنة ليكون عَلَمًا وأمارةً لتحقيق ما أخَّره عنهم في دار الجزاء والمثوبة، ويكون العاجلُ مذكِّرًا بالآجل، والقليلُ المنقطعُ بالكثير المتصل، والحاضرُ الفائتُ مُؤْذِنًا بالغائب الدائم.\nفتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وسبحانه وتعالى عما يظنُّه به من لم يقدُره حقَّ قدره ممن أنكر أسماءه وصفاته، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده؛ وظنَّ به ظنَّ السَّوء، فأرداه ظنُّه، فأصبح من الخاسرين.","vol":"2","page":407},{"text":"فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته: أن شرَع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم (^١) على بعض، في الرؤوس والأبدان والأعراض والأموال، كالقتل والجراح (^٢) والقذف والسرقة. فأحكم سبحانه وجوهَ الزجر الرادعةَ عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمِّنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع. فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام [٣٠٦/أ] النفس. وإنما شرَع لهم في ذلك ما هو موجَب أسمائه وصفاته، من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله، لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقتنع كلُّ إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقَّه.\nومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة، ودرجات متفاوتة في شدة الضرر وخفته، كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ذلك. ومن المعلوم أن النظرة المحرَّمة لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة، ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف، ولا الشتم الخفيف بالقذف بالزنا والقدح في الأنساب، ولا سرقة اللقمة والفَلْس بسرقة المال الخطير العظيم. فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات. وكان من المعلوم أن الناس لو وُكِلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كلِّ عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسًا\n_________\n(^١) أثبت في المطبوع: «من بعضهم» بزيادة «من»!\n(^٢) أثبت في المطبوع: «الجرح».","vol":"2","page":408},{"text":"ووصفًا وقدرًا لذهبت بهم الآراء كلَّ مذهب، وتشعبت بهم الطرقُ كلَّ مشعَب، ولعظم الاختلاف واشتدَّ الخطب. فكفاهم أحكم الحاكمين وأرحمُ الراحمين (^١) مؤنةَ ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولَّى بحكمته وعلمه ورحمته تقديرَه نوعًا وقدرًا، ورتَّب على كلِّ جنايةٍ ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النَّكال.\nثم بلغ من سعة رحمته وجُوده أن جعل تلك [٣٠٦/ب] العقوباتِ كفاراتٍ لأهلها، وطُهْرَةً تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدِموا عليه، ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة. فرحمهم بهذه العقوبات أنواعًا من الرحمة في الدنيا والآخرة، وجعل هذه العقوبات دائرةً على ستة أصول: قتل، وقطع، وجلد، ونفي، وتغريم مال، وتعزير.\nفأما القتل، فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس، وكانت (^٢) عقوبته من جنسه؛ وكالجناية على الدين بالطعن فيه والارتداد عنه، وهذه الجنايةُ أولى بالقتل وكفِّ عدوان الجاني عليه من كلِّ عقوبة، إذ بقاؤه بين أظهُر عباده مفسدة لهم، ولا خير يرجى في بقائه ولا مصلحة. فإذا حبَس شرَّه، وأمسك لسانه، وكفَّ أذاه، والتزم الذل والصغارَ وجريانَ أحكام الله ورسوله عليه وأداءَ الجزية= لم يكن في بقائه بين أظهُرِ المسلمين ضررٌ عليهم، والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين. وجعله أيضًا عقوبة الجناية على الفروج المحرَّمة، لما فيها من المفاسد العظيمة، واختلاط الأنساب، والفساد العامّ.\n_________\n(^١) ع: «أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فكانت».","vol":"2","page":409},{"text":"وأما القطع، فجعله عقوبةَ مثله عدلًا، وعقوبةَ السارق، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد. ولم تبلغ جنايتُه حدَّ العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلةً إلى أذى الناس، وأخذ أموالهم. ولما كان ضررُ المحارب أشدَّ من ضرر [٣٠٧/أ] السارق، وعدوانُه أعظمَ= ضَمَّ إلى قطع يده قطعَ رجله، ليكفَّ عدوانه، وشرَّ يده التي بطش بها، ورجلِه التي سعى بها، وشرَع أن يكون ذلك من خلافٍ، لئلا يفوِّت عليه منفعةَ الشِّقِّ بكماله. فكفَّ ضرره وعدوانه، ورحِمَه بأن أبقى له يدًا من شِقٍّ، ورجلًا من شِقٍّ.\nوأما الجَلد، فجعله عقوبة الجناية على الأعراض، وعلى العقول، وعلى الأبضاع. ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يُوجِب القتل ولا إبانة طرف؛ إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارضها في البِكْر شدةُ الداعي وعدمُ المعوَّض (^١)، فانتهض ذلك المعارض سببًا لإسقاط القتل. ولم يكن الجلد وحده كافيًا في الزجر، فغلَّظ بالنفي والتغريب، ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجُره عن المعاودة.\nوأما الجناية على العقول بالسكر، فكانت مفسدتها لا تتعدَّى السكران غالبًا. ولهذا لم يحرَّم السكرُ في أول الإسلام، كما حُرِّمت الفواحش والظلم والعدوان في كلِّ ملة وعلى لسان كلِّ نبي. وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدَّرة من الشارع، بل ضرَب فيها بالأيدي والنعال وأطراف الثياب والجريد، وضرَب فيها\n_________\n(^١) أثبت في المطبوع: «العوض».","vol":"2","page":410},{"text":"أربعين (^١). فلما استخفَّ الناسُ بأمرها وتتابعوا (^٢) في ارتكابها غلَّظها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي أُمِرنا باتباع سنته، وسنتُه من سنة [٣٠٧/ب] رسول الله - ﷺ -؛ فجعلها ثمانين بالسوط (^٣)، ونفَى فيها، وحلَق الرأس (^٤).\nوهذا كلُّه من فقه السنة، فإن النبي - ﷺ - أمر بقتل الشارب في المرة الرابعة (^٥)، ولم ينسخ\n_________\n(^١) روى البخاري (٦٧٧٣، ٦٧٧٦) ومسلم (١٧٠٦) من حديث أنس أن النبي - ﷺ - ضرب بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، وعند مسلم: جلد النبي - ﷺ - بجريدتين نحو أربعين، وفعله أبو بكر. ورواه البخاري (٣٨٧٢) ومسلم (١٧٠٧) أيضًا من حديث عثمان بن عفان في قصة جلد الوليد بن عقبة أنه ضربه أربعين، وقال في رواية مسلم: «جلد النبي - ﷺ - اربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إليّ (أي ضرب أربعين). وانظر: «فتح الباري» (٧/ ٥٧).\n(^٢) كذا بالباء الموحدة في النسخ الخطية والمطبوعة. وكذا ضبط ابن أبي جعفر في حديث مسلم (١٤٧٢). والجمهور ضبطوه بالياء المثناة من تحت. انظر: «مشارق الأنوار» (١/ ١١٩).\n(^٣) قد غلّظها عمر بن الخطاب - ﵁ - بعد استشارة كبار الصحابة، ففي «صحيح مسلم» (١٧٠٦) أن من أشار إليه أن تُجعل أخف الحدود وهو ضرب ثمانين: عبد الرحمن بن عوف، وكذلك في «الترمذي» (١٤٤٣). وأما في «الموطأ» (٢/ ٨٤٢) أنه علي بن أبي طالب وعلله بقوله: «إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. قال ابن عبد البر في «الاستذكار- ط التركي»: هذا حديث منقطع من رواية مالك، وقد روي متصلًا من حديث ابن عباس، ذكره الطحاوي في «أحكام القرآن». وانظر: «شرح مشكل الآثار» (١١/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) رواه أحمد (٧٧٦٢، ٧٩١١، ١٠٧٢٩)، وأبو داود (٤٤٨٤)، وابن ماجه (٢٥٧٢)، والنسائي (٥٦٦٢) وفي «السنن الكبرى» (٥٢٧٧) من حديث أبي هريرة مرفوعا، وصححه ابن حبان (٢٤٥٥)، والحاكم (٤/ ٣٧١). ورواه أحمد (١٦٨٤٧)، وأبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، وابن ماجه (٢٥٧٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥٢٧٨، ٥٢٧٩، ٥٢٨٠) من حديث معاوية مرفوعا، وصححه ابن حبان (١٤٤٦). ويُنظر: «المسند» لأحمد (٦١٩٧، ٧٠٠٣، ١٩٤٦٠، ٢٣١٣٠)، و«السنن» لأبي داود (٤٤٨٣، ٤٤٨٥)، و«السنن الكبرى» للنسائي (٥٢٨١ - ٥٢٨٤)، و«المجتبى» له (٥٦٦١)، و«المسند الصحيح» لابن حبان (١٤٤٥)، و«المستدرك» للحاكم (٤/ ٣٧١ - ٣٧٣).","vol":"2","page":411},{"text":"ذلك (^١)، ولم يجعله حدًّا لا بدَّ منه؛ فهو عقوبة ترجع إلى اجتهاد الإمام في المصلحة. فزيادة أربعين والنفي والحلق أسهل من القتل.\nفصل\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-307> تغريم المال </span>ــ وهو العقوبة المالية ــ فشرعها في مواضع. منها: تحريق متاع الغالِّ من الغنيمة (^٢). ومنها: حرمان سهمه. ومنها: إضعاف الغُرم على سارق الثمار المعلَّقة. ومنها: إضعافه على كاتم الضالَّة الملتقَطة. ومنها: أخذُ شطر مال مانع الزكاة. ومنها: عزمه على تحريق دُورِ من لا يصلي في الجماعة لو لا ما منَعه من إنفاذه ما عزَم عليه، من كون الذرية والنساء فيها (^٣)، فتتعدَّى\n_________\n(^١) في حاشية ح نقل بعض القراء كلام شيخ الإسلام على الحديث المذكور، وهو في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢١٩) ومنه قوله: «وهو ثابت عند أهل الحديث، لكن أكثر العلماء يقولون: هو منسوخ. وتنازعوا في ناسخه على عدة أقاويل. ومنهم من يقول: بل حكمه باقٍ. وقيل: بل الوجوب منسوخ والجواز باقٍ». ثم بيَّن المحشِّي قول ابن القيم، غير أن آخر حاشيته لم يتضح في الصورة.\n(^٢) سبق تخريجه وتخريج ما بعده.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٤) ومسلم (٦٥١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\nمن غير ذكر الذرية والنساء. وورد ذكرهم في حديثه الذي أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٨٧٩٦).","vol":"2","page":412},{"text":"العقوبة إلى غير الجاني، وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل. ومنها: عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلَب القتيل لمن قتله، حيث شفع فيه هذا المسيء، وأمر الأمير بإعطائه، فحرم المشفوع له عقوبةً للشافع الآمر (^١).\nوهذا الجنس من العقوبات نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط. فالمضبوط ما قابل المتلَفَ، إما لحقِّ الله كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحقِّ الآدمي كإتلاف ماله. وقد نبَّه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمِّن للعقوبة بقوله: ﴿﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ [٣٠٨/أ] أَمْرِهِ﴾. ومنه: مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان، كعقوبة القاتل لمُورِثه (^٢) بحرمان ميراثه، وعقوبة المدبَّر إذا قتَل سيِّدَه ببطلان تدبيره، وعقوبة الموصَى له ببطلان وصيته. ومن هذا الباب: عقوبة الزوجة الناشز (^٣) بسقوط نفقتها وكسوتها.\nوأما النوع الثاني غير المقدَّر، فهو الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح. ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمرٍ عامٍّ وقدرٍ لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود. ولهذا اختلف الفقهاء فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت؟ والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح، ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كلِّ زمان ومكان بحسب المصلحة، إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومَن بعدهم من الأئمة.\n_________\n(^١) يشير إلى قصة عوف بن مالك وخالد بن الوليد. أخرجها مسلم (١٧٥٣) من حديث عوف.\n(^٢) ما عدا ع: «لموروثه».\n(^٣) ع: «الناشزة»، وكذا في الطبعات القديمة.","vol":"2","page":413},{"text":"وأما التعزير، ففي كلِّ معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة. فإن المعاصي ثلاثة أنواع (^١): نوع فيه الحدُّ، ولا كفارة فيه. ونوع فيه الكفارة، ولا حدَّ فيه. ونوع لا حدَّ فيه ولا كفارة. فالأول كالسرقة والشرب والزنا والقذف. والثاني كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام. والثالث كوطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره، وقبلة الأجنبية والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك.\nفأما النوع الأول فالحدُّ فيه مُغْنٍ عن التعزير. وأما الثاني (^٢) فهل يجب مع الكفارة فيه تعزير أم لا؟ على قولين [٣٠٨/ب] وهما في مذهب أحمد (^٣). وأما الثالث، ففيه التعزير قولًا واحدًا. ولكن هل هو كالحد، فلا يجوز للإمام تركه، أو هو راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه، كما يرجع إلى اجتهاده في قدره؟ على قولين للعلماء، الثاني قول الشافعي، والأول قول الجمهور.\nوما كان من المعاصي محرَّمَ الجنس كالظلم والفواحش، فإن الشارع لم يشرع له كفارة. ولهذا لا كفارة في الزنا وشرب الخمر وقذف المحصنات والسرقة. وطردُ هذا أنه لا كفارة في قتل العمد ولا في اليمين الغموس كما يقوله أحمد وأبو حنيفة ومن وافقهما. وليس ذلك تخفيفًا عن مرتكبهما، بل لأن الكفارة لا تعمل في هذا الجنس من المعاصي، وإنما عملُها فيها (^٤) فيما\n_________\n(^١) انظر: «الطرق الحكمية» (١/ ٢٨١) و«زاد المعاد» (٥/ ١٨) و«الداء والدواء» (ص ١١٣).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «النوع الثاني»، وكذا «النوع الثالث» فيما يأتي.\n(^٣) كذا في «الزاد» (٥/ ١٩) أيضًا. وفي «الطرق الحكمية» (١/ ٢٨١): «وهما لأصحاب أحمد وغيرهم».\n(^٤) «فيها» ساقط من ع.","vol":"2","page":414},{"text":"كان مباحًا في الأصل وحُرِّم لعارض كالوطء في الصيام والإحرام. وطردُ هذا ــ وهو الصحيح ــ وجوبُ الكفارة في وطء الحائض. وهو موجَب القياس لو لم تأت الشريعة به (^١)، فكيف وقد جاءت به مرفوعة وموقوفة؟ (^٢)\nوعكسُ هذا: الوطء في الدبر، لا (^٣) كفارة فيه. ولا يصح قياسه على الوطء في الحيض، لأن هذا الجنس لم يُبَح قط، ولا تعمل فيه الكفارة. ولو وجبت فيه الكفارة لوجبت في الزنا واللواط بطريق الأولى. فهذه قاعدة الشارع في الكفارات، وهي في غاية المطابقة للحكمة والمصلحة.\nفصل\nوكان من تمام حكمته ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة، كما لم يعذِّبهم في الآخرة إلا بعد إقامة [٣٠٩/أ] الحجة عليهم. وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار، أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغ وأصدق من إقرار اللسان؛ فإن من قامت عليه شواهد الحال بالجناية،\n_________\n(^١) «به» من ع.\n(^٢) رواه أحمد (٣٤٧٣)، وأبو داود (٢٦٤، ٢١٦٨) والترمذي (١٣٦، ١٣٧)، وابن ماجه (٦٤٠، ٦٥٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٢٧٨، ٩٠٥٠ - ٩٠٥٣، ٩٠٥٥، ٩٠٥٦، ٩٠٥٨، ٩٠٥٩، ٩٠٦٠، ٩٠٦٤، ٩٠٦٥، ٩٠٦٨) من حديث ابن عباس مرفوعا، وفي سنده ومتنه اختلافٌ كثيرٌ منتشرٌ. ويُنظر: «السنن الكبرى» للنسائي (٩٠٥٤، ٩٠٥٧، ٩٠٦١، ٩٠٦٢، ٩٠٦٣، ٩٠٦٦، ٩٠٦٧، ٩٠٦٨)، و«السنن الكبير» للبيهقي (١/ ٣١٤ - ٣١٨)، و«شرح السنة» لأبي محمد البغوي (٢/ ١٢٨)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٣٩٥ - ٣٩٩)، و«تعليقته على العلل» لابن أبي حاتم (ص ١٠٨ - ١١٩).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ولا».","vol":"2","page":415},{"text":"كرائحة الخمر وقيئها، وحبَل من لا زوج لها ولا سيِّد، ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه= أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادةُ إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب. وهذا متفق عليه بين الصحابة، وإن نازع فيه بعض الفقهاء. وإما أن تكون الحجة من خارجٍ عنهم، وهي البينة. واشترط فيها العدالة وعدم التهمة، فلا أحسن في العقول والفِطَر من ذلك، ولو طُلِب منها الاقتراح لم تقترح أحسنَ من ذلك ولا أوفقَ منه للمصلحة.\nفإن قيل: كيف تدَّعون أن هذه العقوبات لاصقة بالعقول موافقة للمصالح، وأنتم تعلمون أنه لا شيء بعد الكفر بالله أفظع ولا أقبح من سفك الدماء، فكيف تردعون عن سفك الدم بسفكه؟ وهل مثال ذلك إلا إزالة نجاسة بنجاسة؟ ثم لو كان ذلك مستحسنًا لكان أولى أن يُحرَّقَ ثوبُ مَن حرَّق (^١) ثوبَ غيره، وأن يُذبَح حيوانُ مَن ذبَح حيوانَ غيره، وأن تُخرَّب دارُ مَن خرَّب دارَ غيره، وأن تُجوِّزوا لمن شُتِم أن يشتُم شاتمَه. وما الفرق في صريح العقل بين هذا وبين قتلِ مَن قتلَ غيره أو قطعِ من قطَعه؟ وإذا كان إراقة الدم الأول (^٢) مفسدةً وقطعُ الطَّرَف كذلك، فكيف زالت [٣٠٩/ب] تلك المفسدة بإراقة الدم الثاني وقطع الطرف الثاني؟ وهل هذا إلا مضاعفة للمفسدة وتكثير لها؟ ولو كانت المفسدة الأولى تزول بهذه المفسدة الثانية لكان فيه ما فيه، إذ كيف تُزال مفسدةٌ بمفسدة نظيرها من كلِّ وجه؟ فكيف والأُولى لا سبيل إلى إزالتها؟ وتقرير ذلك بما ذكرناه من عدم إزالة مفسدة تحريق الثياب وذبح المواشي وخراب الدور وقطع الأشجار بمثلها. ثم كيف\n_________\n(^١) ح، ف: «يخرَّق ... خرَّق» بالخاء المعجمة.\n(^٢) ح، ف: «الاقل»، تصحيف.","vol":"2","page":416},{"text":"حَسُن أن يعاقَب السارق بقطع يده التي اكتسب بها السرقة، ولم تحسُن عقوبة الزاني بقطع فرجه الذي اكتسب به الزنا، ولا القاذفِ بقطع لسانه الذي اكتسب به القذف، ولا المزوِّرِ على الإمام والمسلمين بقطع أنامله التي اكتسب بها التزوير، ولا الناظرِ إلى ما لا يحلُّ له بقلع عينه التي اكتسب بها الحرام؟ فعُلِمَ أن الأمر في هذه العقوبات جنسًا وقدرًا وسببًا ليس بقياس، وإنما هو محض المشيئة، ولله التصرُّف في خلقه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\nفالجواب ــ وبالله التوفيق والتأييد ــ من طريقين: مجمل، ومفصل.\nأما المجمل، فهو أنَّ مَن شرَع هذه العقوبات ورتَّبها على أسبابها جنسًا وقدرًا فهو عالم الغيب والشهادة، وأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، ومن أحاط بكلِّ شيء علمًا، وعلِمَ ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وأحاط علمُه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها خفيِّها (^١) وظاهرها، ما يمكن [٣١٠/أ] اطلاعُ البشر عليه وما لا يمكنهم. وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجةً عن وجوه الحِكَم (^٢) والغايات المحمودة، كما أن التخصيصات والتقديرات الواقعة في خلقه كذلك. فهذا في خلقه، وذاك في أمره. ومصدرهما جميعًا عن كمال علمه وحكمته ووضعِه كلَّ شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلا إياه؛ كما وضع قوةَ البصر والنور الباصر (^٣) في العين، وقوةَ السمع في الأذن، وقوةَ الشَّمِّ في الأنف،\n_________\n(^١) ع: «وخفيِّها».\n(^٢) ح، ف: «الحكمين». ع: «الحكمة».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «للباصر».","vol":"2","page":417},{"text":"وقوةَ النطق في اللسان والشفتين، وقوةَ البطش في اليد، وقوةَ المشي في الرجل. وخصَّ كلَّ حيوان وغيره بما يليق به ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره. فشَمِل إتقانُه وإحكامُه لكلِّ ما شَمِله خلقُه، كما قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان، وأحكمه غاية الإحكام، فلَأن يكون أمرُه على غاية من الإتقان والإحكام أولى وأحرى. ومن لم يعرف ذلك مفصَّلًا لم يسعه أن ينكره مجملًا، ولا يكون جهلُه بحكمة الله في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدورِه عن محض العلم والحكمة مسوِّغًا له إنكارَه في نفس الأمر.\nوسبحان الله! ما أعظم ظلم الإنسان وجهله! فإنه لو اعترض على أيِّ صاحب صناعة كانت مما تقصر عنها معرفته وإدراكه على ذلك، وسأله عما اختصَّت به صناعته من الأسباب والآلات والأفعال والمقادير، وكيف كان كلُّ شيء من ذلك على الوجه الذي هو عليه، لا أكبر ولا أصغر ولا [٣١٠/ب] على شكل غير ذلك= لَسَخِرَ منه، ولهزِئَ (^١) به، وعجِبَ من سُخْفِ عقله وقلةِ معرفته. هذا مع تهيُّئِه لمشاركتِه له في صناعته، ووصولِه فيها إلى ما وصل إليه، والزيادة عليه والاستدراك عليه فيها. هذا مع أن صاحبَ تلك الصناعة غيرُ مدفوع عن العجز والقصور وعدم الإحاطة والجهل، بل ذلك عنده عتيد حاضر؛ ثم لا يسعه إلا التسليم له، والاعتراف بحكمته، وإقراره بجهله، وعجزه عما وصل إليه من ذلك. فهلَّا وسِعَه ذلك مع أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، ومَن أتقن كلَّ شيء، فأحكمَه وأوقعَه على وَفْقِ الحكمة والمصلحة؟\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «يسخر منه ويهزأ»، تصحيف.","vol":"2","page":418},{"text":"وقد كان هذا الوجه وحده كافيًا في دفع كلِّ شبهة وجواب كلِّ سؤال. وهذا غير الطريق التي سلكها نفاة الحِكَم والتعليل، ولكن مع هذا فنتصدَّى للجواب المفصَّل، بحسب الاستعداد، وما يناسب علومنا الناقصة، وأفهامنا الجامدة، وعقولنا الضعيفة، وعباراتنا القاصرة. فنقول وبالله التوفيق:\nأما قوله: «كيف تردعون عن سفك الدم بسفكه، وإن ذلك كإزالة النجاسة بالنجاسة»، سؤالٌ في غاية الوهن والفساد، وأول ما يقال لسائله: هل ترى ردعَ المفسدين والجناة عن فسادهم وجناياتهم وكفَّ عدوانهم مستحسنًا في العقول موافقًا لمصالح العباد، أو لا تراه كذلك؟ فإن قال: «لا أراه كذلك» كفانا مؤنة جوابه بإقراره على نفسه بمخالفة جميع طوائف بني آدم، على اختلاف مللهم ونِحَلهم [٣١١/أ] ودياناتهم وآرائهم. ولولا عقوبة الجناة والمفسدين لأهلك الناسُ بعضُهم بعضًا، وفسد نظام العالم، وصارت حالُ الدواب والأنعام والوحوش أحسنَ من حال بني آدم.\nوإن قال (^١): «بل لا تتمُّ المصلحة إلا بذلك» قيل له: من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلمٍ يردعهم، ويجعل الجاني نكالًا وعظةً لمن يريد أن يفعل مثل فعله. وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة. ومن المعلوم ببدائه العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن، بل منافٍ للحكمة والمصلحة. فإنه إن ساوى بينها في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر، وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة والحكمة؛\n_________\n(^١) زاد بعده في المطبوع: «قائل»!","vol":"2","page":419},{"text":"إذ لا يليق أن يَقتُل بالنظرة والقبلة (^١) ويقطعَ بسرقة الحبة والدينار.\nوكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيح في الفِطَر والعقول، وكلاهما تأباه حكمةُ الربِّ تعالى وعدله وإحسانه إلى خلقه. فأوقع العقوبة تارةً بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح، كالجناية على النفس أو الدين، أو الجناية التي ضررها عامٌّ. فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصَّة، والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. فلو لا القصاص لفسد العالم، [٣١١/ب] وأهلك الناسُ بعضُهم بعضًا ابتداءً واستيفاءً؛ فكان في القصاص دفعٌ (^٢) لمفسدة التجرِّي (^٣) على الدماء بالجناية وبالاستيفاء. وقد قالت العرب في جاهليتها: «القتل أنفى للقتل» (^٤). وبسفك الدماء تُحقَن الدماء. فلم تُغسل النجاسة بالنجاسة، بل الجناية نجاسة، والقصاص طُهْرة. وإذا لم يكن بدٌّ من موت القاتل ومن استحقَّ القتل فموته بالسيف أنفع له في عاجلته وآجلته، والموت به أسرع الموتات وأوحاها (^٥) وأقلُّها ألمًا. فموته به\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «الفعل»، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ الخطية: «دفعًا»، وجعل في النسخ المطبوعة اسمًا لكأنَّ. ولا معنى هنا لكأنَّ، ويبدو لي أن «دفعًا» خطأ من النساخ إن لم يكن سهوًا من المؤلف. وقد سبق هذا الخطأ، وهو نصب اسم «كان» إذا كان خبرها المقدم شبه جملة. وهو من الأخطاء الشائعة الآن.\n(^٣) يعني: التجرُّؤ.\n(^٤) انظر مقال الرافعي في توثيق هذه الكلمة وتحليلها في «وحي القلم» (٢/ ٧٠ - ٨٧).\n(^٥) أي أسرعها.","vol":"2","page":420},{"text":"مصلحة له، ولأولياء القتيل، ولعموم الناس. وجرى ذلك مجرى إتلاف الحيوان بذبحه لمصلحة الآدمي، فإنه حسنٌ. وإن كان في ذبحه إضرار بالحيوان، فالمصالح المترتِّبة على ذبحه أضعاف أضعاف مفسدة إتلافه (^١).\nثم هذا السؤال الفاسد يظهر بطلانه وفساده (^٢) بالموت الذي حتَمه الله (^٣) على عباده، وساوى فيه بين جميعهم. ولولاه لما هنأ العيش، ولا وسِعَهم (^٤) الأرزاق، ولضاقت عليهم المساكن والمدن والأسواق والطرقات. وفي مفارقة البغيض من اللذة والراحة ما في مواصلة الحبيب، والموتُ مخلِّص للحي والميِّت (^٥)، مريحٌ لكلٍّ منهما من صاحبه، مخرج من دار الابتلاء والامتحان، بابٌ (^٦) للدخول في دار الحيَوان.\nجزى الله عنَّا الموتَ خيرًا فإنه ... أبرُّ بنا من كلِّ بَرٍّ وأعطَفُ (^٧)\nيعجِّل تخليصَ النفوس من الأذى ... ويُدني إلى الدار التي هي أشرَفُ (^٨)\n\n[٣١٢/أ] فكم لله سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من\n_________\n(^١) ما عدا ع: «إيلامه»، ولعله تصحيف.\n(^٢) ع: «فساده وبطلانه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) أي قدَّره وجعله حتمًا.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «وسعتهم».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «والموت»، وهو غلط مفسد للسياق.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «ومخرج ... وباب» بزيادة واو العطف خلافًا للنسخ والسياق.\n(^٧) أثبت في المطبوع: «ألطف»، وكذا في «مدارج السالكين» (٣/ ٢٥٧).\n(^٨) البيتان دون عزو في «المحاسن والأضداد» (ص ٢٥٥) و«التمثيل والمحاضرة» (ص ٤٠٦). وفي «الدر الفريد» (٣/ ١٩٩) أنهما يرويان لعلي بن أبي طالب.","vol":"2","page":421},{"text":"نعمة لا تحصى! فكيف إذا كان فيه طُهْرَة للمقتول، وحياةٌ للنوع الإنساني، وتشفٍّ للمظلوم، وعدلٌ بين القاتل والمقتول. فسبحان من تنزهت شريعته عن خلاف ما شرعها عليه من اقتراح العقول الفاسدة والآراء الضالَّة الجائرة!\nوأما قوله: «لو كان ذلك مستحسنًا في العقول لاستُحْسِنَ في تحريق ثوبه وتخريب داره وذبح حيوانه مقابلتُه (^١) بمثله».\nفالجواب عن هذا أن مفسدة تلك الجنايات تندفع بتغريمه نظيرَ ما أتلفه عليه، فإن المثل يسُدُّ مسَدَّ المثل من كلِّ وجه، فتصير المقابلة مفسدة محضة؛ كما ليس له أن يقتل ابنه أو غلامه مقابلةً لقتله هو ابنه أو غلامه، فإن هذا شرعُ الظالمين المعتدين الذي تُنزَّه عنه شريعةُ أحكم الحاكمين؛ على أن للمقابلة في إتلاف المال بمثل فعله مساغًا في الاجتهاد، وقد ذهب إليه بعضُ أهلِ العلم كما تقدَّم الإشارة إليه في عقوبة الكفار بإفساد أموالهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، أو كان يغيظهم. وهذا بخلاف قتلِ عبده إذا قتَل عبدَه أو عقرِ فرسِه إذا عقَر فرسَه، فإن ذلك ظلم لغير مستحِقٍّ. ولكن السنَّة اقتضت التضمين بالمثل، لا إتلاف النظير، كما غرَّم النبيُّ - ﷺ - إحدى زوجتيه التي كسرت إناء صاحبتها إناءً بدلَه، وقال: «إناء بإناء» (^٢). ولا ريب أن هذا أقلُّ فسادًا، وأصلح للجهتين (^٣)؛ [٣١٢/ب] لأن المتلَفَ مالُه إذا أخذ نظيره صار كمن لم يفُت عليه شيء، وانتفع بما أخذه عوضَ ماله؛ فإذا مكَّنَّاه من إتلافه\n_________\n(^١) في المطبوع: «بمقابلته»، وهو خطأ.\n(^٢) تقدَّم تخريجه.\n(^٣) ح، ف: «للمجتهدين»، تحريف.","vol":"2","page":422},{"text":"كان زيادةً في إضاعة المال. وما يراد من التشفِّي وإذاقة الجاني ألمَ الإتلاف فحاصلٌ بالغرم غالبًا، ولا التفاتَ إلى الصور النادرة التي لا يتضرَّر الجاني فيها بالغُرم. ولا شك أن هذا أليق بالعقل، وأبلغ في الصلاح، وأوفق للحكمة.\nوأيضًا فإنه لو شرع القصاص في الأموال ردعًا للجاني لبقي جانبُ المجني عليه غيرَ مُراعًى، بل يبقى متألّمًا موتورًا غيرَ مجبور، والشريعة إنما جاءت بجبر هذا وردع هذا.\nفإن قيل: فخيِّروا المجنيَّ عليه بين أن يغرِّم الجاني أو يُتلف عليه نظيرَ ما أتلفه هو، كما خيَّرتموه في الجناية على طرفه، وخيَّرتم أولياء القتيل بين إتلاف الجاني النظير وبين أخذ الدية.\nقيل: لا مصلحة في ذلك للجاني ولا للمجني عليه ولا لسائر الناس. وإنما هو زيادة فساد، لا مصلحة فيه، لمجرَّد (^١) التشفِّي، ويكفي تغريمه وتعزيره في التشفِّي. والفرق بين الأموال والدماء في ذلك ظاهر، فإن الجناية على النفوس والأعضاء تُدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجنيِّ عليه وأوليائه ما لا تُدخله جنايةُ المال، وتُدخل (^٢) عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الضيم والحميَّة والتحرُّق (^٣) لأخذ الثأر ما لا يجبُره المال أبدًا، حتى إن أولادهم وأعقابهم لَيعيَّرون بذلك. ولأولياء القتيل من القصد في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بمجرد»، تصحيف.\n(^٢) أهمل حرف المضارع فيما عدا ف. وفي النسخ المطبوعة: «ويدخل».\n(^٣) في المطبوع: «التحزُّق» بالزاي، تصحيف.","vol":"2","page":423},{"text":"[٣١٣/أ] القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه للمجنيِّ عليه وأوليائه ما ليس لمن حُرِّق ثوبُه أو عُقرت فرسُه. والمجنيُّ عليه موتور هو وأولياؤه، فإن لم يوتَر الجاني وأولياؤه ويجرَّعوا من الألم والغيظ ما تجرَّعه (^١) الأول لم يكن عدلًا.\nوقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ثأره وشفاء غيظه، كقول قائلهم (^٢) يهجو مَن أخذ الدية من الإبل:\nوإنَّ الذي أصبحتُمُ تحلُبونه ... دمٌ غيرَ أنَّ اللونَ ليس بأشقرا (^٣)\n\nوقال جرير يعيِّر مَن أخذ الدية، فاشترى بها نخلًا:\nألا أبلغ بني حُجْرِ بن وهبٍ ... بأنَّ التمرَ حلوٌ في الشتاء (^٤)\n\nوقال آخر (^٥):\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «يجرعه»، تصحيف.\n(^٢) هو خالد بن علقمة ابن الطَّيفان، حليف بني عبد الله بن دارم، من شعراء الدولة الأموية. انظر خبره مع سويد بن كراع العكلي في «الأغاني» (١٢/ ٣٤٥).\n(^٣) من أربعة أبيات في «الحيوان» (٣/ ١٠٥) و«الوحشيات» (ص ٨١). والصواب في قافيته: «بأحمرا»، أما القافية المذكورة هنا فقد جاءت في بيت آخر من هذه الأبيات:\nإذا سكبوا في القعب من ذي إنائهم ... رأوا لونه في القعب وردًا وأشقرا\n(^٤) مع بيت آخر في «أنساب الأشراف» (١٢/ ٢٢١) و«الأغاني» (٨/ ٢١) ومنهما في «ديوان جرير» (٢/ ١٠١٩). والبيت مع تفسيره في «المعاني الكبير» لابن قتيبة (٢/ ١٠١٩) وروايته: «... بني وهب رسولًا».\n(^٥) هو جرير أيضًا والبيت من ثلاثة أبيات في ديوانه (٢/ ٧٩٦) و«الوحشيات» (ص ١١٥). وهو دون عزو في «المعاني الكبير» (٢/ ١٠١٩).","vol":"2","page":424},{"text":"إذا صُبَّ ما في الوَطْبِ فاعلم بأنه ... دمُ الشيخ فاشرَبْ من دم الشيخ أو دعا (^١)\n\nوقال آخر (^٢):\nخليلان مختلفٌ شكلُنا ... أريد العلاءَ ويبغي السِّمَنْ\nأريد دماء بني مالك ... ورأيُ المعلَّى بياضُ اللَّبَنْ (^٣)\nوهذا وإن كانت الشريعة قد أبطلته، وجاءت بما هو خير منه وأصلح في المعاش والمعاد من تخيير الأولياء بين إدراك الثأر ونيل التشفِّي وبين أخذ الدية؛ فإن القصد به أن العرب لم تكن تعيِّر مَن أخذ بدلَ ماله، ولم تعُدَّه ضعفًا ولا عجزًا البتة، بخلاف من أخذ بدلَ دمِ وليِّه. فما سوَّى الله بين الأمرين في طبع، [٣١٣/ب] ولا عقل، ولا شرع. والإنسان قد يُحرق ثوبه عند الغيظ، ويذبح ماشيته، ويتلف ماله، فلا يلحقه في ذلك من المشقة والغيظ والإزراء (^٤) به ما يلحق من قتل نفسه أو جدع أنفه أو قلع عينه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «دع»، وهو خطأ. والمثبت أصله بالنون الخفيفة: «دَعَنْ». والوطب: سقاء اللبن.\n(^٢) هو الأسعر بن أبي حُمران الجعفي. و«المعلَّى» المذكور في شعره: فرسه. وانظر قصة الشعر في «أنساب الخيل» للكلبي (ص ٦١ - ٦٢). وهو فيه وفي «الوحشيات» (ص ٤٦) ثلاثة أبيات. والبيتان في «العقد» (٣/ ٣٩٤) وغيره. ونسبهما ابن دريد في «الاشتقاق» (ص ٤١٢) إلى الأفوه الأودي، وهو غلط. انظر تعليق الميمني على «الوحشيات».\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والرواية «دماء بني مازن»، و«راقَ المعلَّى». ولا يبعد أن يكون ما هنا تحريفًا في النسخ.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الازدراء»!","vol":"2","page":425},{"text":"فصل\nوأما معاقبةُ السارق بقطع يده وتركُ معاقبة الزاني بقطع فرجه، ففي غاية الحكمة والمصلحة. وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يُتلف على كلِّ جانٍ كلَّ عضو عصاه به، فيشرع قلعَ عينِ مَن نظر إلى المحرَّم، وقطعَ أذنِ مَن استمع إليه، ولسانِ من تكلَّم به، ويدِ من لطَم غيرَه عدوانًا. ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلبِ مراتبها، وأسماءُ الربِّ الحسنى وصفاته العُلى (^١) وأفعاله الحميدة تأبى ذلك. وليس مقصود الحدِّ مجرَّد الأمن من المعاودة، ليس إلا؛ ولو أريد هذا لكان قتَل صاحبَ الجريمة فقط. وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كفِّ عدوانه أقرب، وأن يَعتبِر به غيرُه، وأن يُحدِث له ما يذوقه من الألم توبةً نصوحًا، وأن يذكِّره ذلك بعقوبة الآخرة، إلى غير ذلك من الحِكَم والمصالح.\nثم إنَّ في حدِّ السرقة معنى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرًّا كما يقتضيه اسمُها. ولهذا يقولون: «فلان ينظر إلى فلان مسارقةً» إذا كان ينظر إليه نظرًا خفيًّا لا يريد أن يفطِن له. فالعازمُ (^٢) على السرقة مختفٍ مكاتِمٌ (^٣) [٣١٤/أ] خائفٌ أن يُشعَر بمكانه، فيؤخذ (^٤). ثم هو مستعدٌّ للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيءَ. واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «العليا».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «والعازم».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «كاتم».\n(^٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «به».","vol":"2","page":426},{"text":"إعانته على الطيران. ولهذا يقال: «وصلت جناحَ فلان» إذا رأيتَه يسير منفردًا، فانضممتَ إليه لتصحبه (^١). فعوقب السارق بقطع اليد قصًّا لجناحه، وتسهيلًا لأخذه إن عاود السرقة. فإذا فُعِل به هذا في أول مرة بقي مقصوصَ أحد الجناحين ضعيفَ العَدْو (^٢). ثم يقطع في الثانية رجلَه، فيزداد ضعفًا في عَدْوه، فلا يكاد يفوت الطالب. ثم تُقطع يدُه الأخرى في الثالثة، ورجلُه الأخرى في الرابعة، فيبقى لحمًا على وضَمٍ (^٣)، فيستريح ويُريح.\nوأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذُّذُ بقضاء شهوته يعُمُّ البدن، والغالب من فعله وقوعه برضا المزنيِّ بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب= فعُوقب بما يعُمُّ بدنه من الجَلْدِ مرةً والقتل بالحجارة مرةً. ولما كان الزنا من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطُل معه التعارفُ والتناصرُ على إحياء الدين، وفي هذا إهلاكُ (^٤) الحرث والنسل= فشاكَلَ في معانيه أو في أكثرها القتلَ الذي فيه هلاك ذلك، فزُجِر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله مَن يُهمُّ به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم المُوصِل إلى إقامة العبادات المُوصِلة إلى نعيم الآخرة.\n_________\n(^١) منه قول الحريري في المقامة الكوفية: «فوصلتُ جناحَه حتى سنَّيت نجاحه». قال الشريشي في شرح مقاماته (١/ ٢١٧): «أي مشيتُ معه ويدي في يده. وجناح الرجل: يده».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ضعيفًا في العدو».\n(^٣) الوَضَم ما وُقي به اللحم من الأرض من خشب أو حصيرٍ أو نحو ذلك. ويضرب المثل باللحم على الوضم للذليل الضعيف.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «هلاك».","vol":"2","page":427},{"text":"ثم إن للزاني حالتين. إحداهما: أن يكون محصنًا قد [٣١٤/ب] تزوَّج، فعلم ما يقع به العفافُ (^١) عن الفروج المحرَّمة، واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرُّض لحدِّ الزنا= فزال عذرُه من جميع الوجوه في تخطِّي ذلك إلى مواقعة الحرام.\nوالثانية: أن يكون بِكرًا، لم يعلم ما علِمه المحصنُ، ولا عمِل ما عَمِله؛ فحصل له من العذر بعضُ ما أوجب له التخفيف، فحُقِن دمُه، وزُجِرَ بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجَلْد ردعًا عن المعاودة للاستمتاع بالحرام، وبعثًا له على القَنَعِ بما رزقه الله من الحلال. وهذا في غاية الحكمة والمصلحة، جامع للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه. وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان؟\nثم إنَّ قطعَ فرج الزاني فيه من تعطيلِ النسل وقطعِه عكسَ مقصودِ الربِّ تعالى من تكثير الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم. وفيه من المفاسد أضعافُ ما يتوهَّم فيه من مصلحة الزجر. وفيه إخلاءُ جميع البدن من العقوبة، وقد حصلت جريمة الزنا بجميع أجزائه، فكان من العدل أن تعُمَّه العقوبة. ثم إنه غير متصوَّر في حقِّ المرأة، وكلاهما زانٍ؛ فلا بد أن يستويا في العقوبة. فكان شرعُ الله سبحانه أكملَ من اقتراح المقترحين (^٢).\nوتأمَّلْ كيف جاء إتلافُ النفوس في مقابلة أكبر الكبائر، وأعظمها ضررًا، وأشدِّها فسادًا للعالم؛ وهي الكفر الأصلي والطارئ، والقتل وزنا المحصن. وإذا تأمَّلَ العاقلُ فسادَ الوجود رآه من هذه الجهات [٣١٥/أ]\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «من العفاف»، وزيادة «من» هنا خطأ مفسد للمعنى.\n(^٢) وانظر: «الداء والدواء» (ص ٢٦٠).","vol":"2","page":428},{"text":"الثلاث. وهذه هي الثلاث التي أجاب النبيُّ - ﷺ - لعبد الله بن مسعود بها حيث قال له: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلَقَك». قال: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: «أن تقتل ولدَك خشيةَ أن يطعَمَ معك». قال: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: «أن تُزانيَ بحليلة جارك» (^١). فأنزل الله ﷿ تصديق ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨].\nثم لما كان سرقة الأموال تلي ذلك في الضرر، وهو دونه، جعل عقوبته قطعَ الطَّرَف. ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك، وهو الجلد. ثم لما كان شربُ المسكِر أقلَّ مفسدةً من ذلك جعل حدَّه دون حدِّ هذه الجنايات كلِّها. ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتةً غيرَ منضبطةٍ في الشدة والضعف والقلة والكثرة ــ وهي ما بين النظرة إلى الخلوة (^٢) والمعانقة ــ جُعِلت عقوباتُها راجعةً إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كلِّ زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم.\nفمن سوَّى بين الناس في ذلك وبين الأزمنة والأمكنة والأحوال لم يفقه حكمةَ الشرع، واختلفت عليه أقوالُ الصحابة وسيرةُ الخلفاء الراشدين وكثيرٌ من النصوص، ورأى عمر قد زاد في حدِّ الخمر على أربعين والنبيُّ - ﷺ - إنما جلَد أربعين، وعزَّر بأمور لم يعزِّر بها النبيُّ - ﷺ -، [٣١٥/ب] وأنفذ على الناس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧) ومسلم (٨٦).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «والخلوة».","vol":"2","page":429},{"text":"أشياءَ عفا عنها النبيُّ - ﷺ -= فيظنُّ ذلك تعارضًا وتناقضًا، وإنما أُتِيَ من قصور علمه وفهمه (^١). وبالله التوفيق.\nفصل\nوأما قوله: «وجعل حدَّ الرقيق على النصف من حدِّ الحُرِّ، وحاجتُهما إلى الزجر واحدة»، فلا ريب أن الشارع فرَّق بين الحُرِّ والعبد في أحكام، وسوَّى بينهما في أحكام. فسوَّى بينهما في الإيمان والإسلام ووجوب العبادات البدنية (^٢) كالطهارة والصلاة والصوم، لاستوائهما في سببها (^٣). وفرَّق بينهما في العبادات المالية كالحج والزكاة والتكفير بالمال، لافتراقهما في سببها.\nوأما الحدود، فلما كان وقوع المعصية من الحر أقبحَ من وقوعها من العبد من جهة كمال نعمة الله عليه بالحرية، وأن جعله مالكًا لا مملوكًا، ولم يجعله تحت قهر غيره وتصرُّفه فيه، ومن جهة تمكُّنه بأسباب القدرة من الاستغناء عن المعصية بما عوَّض الله عنها من المباحات، فقابل النعمة التامة بضدِّها، واستعمل القدرة في المعصية= فاستحقَّ من العقوبة أكثر مما يستحقُّه مَن هو أخفَضُ (^٤) منه رتبةً وأنقَصُ منزلةً. فإن الرجل كلما كانت نعمة الله عليه أتمَّ كانت عقوبته إذا ارتكب الجرائم أتمَّ. ولهذا قال تعالى في حقِّ مَن أتمَّ نعمته عليهن من النساء: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ\n_________\n(^١) ح، ف: «فهمه وعلمه».\n(^٢) ما عدا ع: «الثلاثة»، وكذا في المطبوع، والظاهر أنه تحريف.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «سببهما» هنا وفيما يأتي.\n(^٤) ع: «أحطُّ».","vol":"2","page":430},{"text":"مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [٣١٦/أ] وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣١].\nوهذا على وفق قضايا العقول ومستحسناتها. فإن العبد كلما كملت نعمة الله عليه انبغى (^١) له أن تكون طاعته له أكملَ، وشكره له أتمَّ، ومعصيته له أقبحَ، وشدة العقوبة تابعة (^٢) لقبح المعصية. ولهذا كان أشدُّ الناس عذابًا يومَ القيامة عالمًا لم ينفعه الله بعلمه (^٣)، فإن نعمة الله عليه بالعلم أعظم من نعمته على الجاهل، وصدورَ المعصية منه أقبحُ من صدورها من الجاهل. ولا يستوي عند الملوك والرؤساء مَن عصاهم من خواصِّهم وحَشَمِهم ومن هو قريبٌ منهم، ومن عصاهم من الأطراف والبعداء. فجعل حدَّ العبد أخفَّ من حدِّ الحُرِّ جمعًا بين حكمة الزجر وحكمة نقصه. ولهذا كان على النصف منه في النكاح والطلاق والعِدَّة إظهارًا لشرف الحرية وخطرها، وإعطاءً لكلِّ مرتبة حقَّها من الأمر، كما أعطاها حقَّها من القدر. ولا تنتقض هذه الحكمة\n_________\n(^١) ع: «ينبغي»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ الخطية: «تابع».\n(^٣) هذا لفظُ حديثٍ رواه ابن وهب في «المسند» (١١٤) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٠٧٩) وسقط من سنده يحيى بن سلام!، والطبراني في «المعجم الصغير» (٥٠٧)، والآجري في «أخلاق العلماء» (٦٠، ٦١)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ٤٧٤، ٦/ ٢٦٩)، والبيهقي في «الجامع لشعب الإيمان» (١٦٤٢)، من حديث أبي هريرة مرفوعا، وآفتُه: عثمانُ بن مقسم البري، وهو واهٍ جدًّا. وركّب له إسماعيل بن محمد بن يوسف الثقفي الجبريني (التالف الهالك) متابعة مزعومة، ومن طريقه رواها ابن المُقرئ في «المعجم» (٧٧).","vol":"2","page":431},{"text":"بإعطاء العبد في الآخرة أجرين، بل هذا محضُ الحكمة، فإنه كان عليه (^١) في الدنيا حقَّان: حقٌّ لله، وحقٌّ لسيده، فأعطي بإزاء قيامه بكلِّ حقٍّ أجرًا. فاتفقت حكمة الشرع والقدر والجزاء، والحمد لله رب العالمين.\nفصل\nوأما قوله: «وجعَل للقاذف إسقاطَ الحدِّ باللِّعان في الزوجة دون الأجنبية، وكلاهما (^٢) قد ألحق بها (^٣) العار»، فهذا من أعظم محاسن الشريعة. فإن قاذف الأجنبية مستغنٍ عن قذفها، لا حاجة له إليه البتة؛ فإن زناها لا يضرُّه [٣١٦/ب] شيئًا، ولا يُفسِد عليه فراشَه، ولا يعلِّق عليه أولادًا من غيره؛ فقذفُها (^٤) عدوان محض، وأذى لمحصنة غافلة مؤمنة، فترتَّب عليه الحدُّ زجرًا له وعقوبةً. وأما الزوجة فإنه يلحقه بزناها من العار والمسبَّة، وإفساد الفراش وإلحاق ولد غيره به، وانصراف قلبها عنه إلى غيره؛ فهو محتاج إلى قذفها، ونفي النسب الفاسد عنه، وتخلُّصه من المسبَّة والعار لكونه زوجَ بغيٍّ فاجرة، ولا يمكن إقامة البينة على زناها في الغالب، وهي لا تُقِرُّ به، وقولُ الزوج عليها غير مقبول= فلم يبقَ سوى تحالفهما بأغلظ الإيمان، وتأكيدها بدعائه على نفسه باللعنة ودعائها على نفسها بالغضب إن كانا كاذبين. ثم يفسخ النكاح بينهما، إذ لا يمكن أحدهما أن يصفو للآخر أبدًا.\n_________\n(^١) ع: «فإن العبد عليه». وفي النسخ المطبوعة: «فإن العبد كان عليه».\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة في موضع «وكلتاهما».\n(^٣) ع: «بهما»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) ع: «وقذفها»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":432},{"text":"فهذا أحسنُ حكم يُفصَل به بينهما في الدنيا، وليس بعده أعدل منه، ولا أحكم، ولا أصلح. ولو جُمِعت عقولُ العالمين لم يهتدوا إليه، فتبارك من أبان ربوبيته ووحدانيته وحكمته وعلمه في شرعه وخلقه.\nفصل\nوأما قوله: «وجوَّز للمسافر المترفِّه في سفره رخصةَ الفطر والقصر، دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة»، فلا ريب أن الفطر والقصر يختص بالمسافر، ولا يفطر المقيم إلا لمرض. وهذا من كمال حكمة الشارع، فإن السفر (^١) قطعة من العذاب (^٢)، وهو في نفسه مشقة وجهد. ولو كان المسافر من أرفَهِ الناس، فإنه في مشقة وجهد بحسبه. [٣١٧/أ] فكان من رحمة الله بعباده وبرِّه بهم أن خفَّف عنهم شطر الصلاة، واكتفى منهم بالشطر. وخفَّف عنهم أداء فرض الصوم في السفر، واكتفى منهم بأدائه في الحضر؛ كما شرَع مثل ذلك في حقِّ المريض والحائض. فلم يفوِّت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملةً، ولم يُلزِمهم بها في السفر كإلزامهم في الحضر.\nوأما الإقامة فلا مُوجِبَ لإسقاط بعض الواجب فيها ولا تأخيره، وما يعرض فيها من المشقة والشغل فأمرٌ لا ينضبط ولا ينحصر. فلو جاز لكلِّ مشغول وكلِّ مشقوق عليه الترخُّصُ ضاع الواجبُ واضمحلَّ بالكلية. وإن جُوِّز للبعض دون البعض لم ينضبط، فإنه لا وصفَ يضبِط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز، بخلاف السفر؛ على أن المشقة قد عُلِّق بها من\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «في نفسه».\n(^٢) كما جاء في حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري (١٨٠٤) ومسلم (١٩٢٧).","vol":"2","page":433},{"text":"التخفيف ما يناسبها. فإن كانت مشقة مرض وألم يضرُّ به جاز معها الفطر والصلاة قاعدًا أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد. وإن كانت مشقة تعب فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة. فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها بحمد الله ومنِّه.\nفصل\nوأما قوله: «وأوجب على من نذَر لله طاعةً الوفاءَ بها، وجوَّز لمن حلف عليها أن يتركها ويكفِّر يمينه، وكلاهما قد التزم فعلَها لله»، فهذا السؤال يورَد على وجهين:\nأحدهما: أن يحلف لَيفعلنَّها، نحو أن يقول: والله لأصومنَّ الاثنين والخميس، ولأتصدَّقَنَّ، [٣١٧/ب] كما يقول: لله عليَّ أن أفعل ذلك.\nوالثاني: أن يحلف بها، كما يقول: إن كلمتُ فلانًا فلله عليَّ صومُ سنةٍ وصدقةُ ألفٍ.\nفإن أورد على الوجه الأول، فجوابه أن الملتزم الطاعة لله لا يخرج التزامه لله عن أربعة أقسام:\nأحدها: التزامٌ بيمين مجرَّدة.\nالثاني: التزام بنذر مجرَّد.\nالثالث: التزام بيمين مؤكَّدة بنذر.\nالرابع: التزام بنذر مؤكَّد بيمين.","vol":"2","page":434},{"text":"فالأول نحو قوله: «والله لأتصدقن». والثاني نحو: «لله عليَّ أن أتصدَّق». والثالث نحو: «والله إن شفى الله مريضي فعليَّ صدقةُ كذا». والرابع نحو: «إن شفى الله مريضي فوالله لأتصدَّقنَّ». وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥]. فهذا نذرٌ مؤكَّد بيمين، وإن لم يقل فيه «فعليَّ»، إذ ليس ذلك من شرط النذر. بل إذا قال: إن سلَّمني الله تصدقتُ، أو لأتصدَّقَنَّ، فهو وعد وعده الله، فعليه أن يفي به، وإلا دخل في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧].\nفوعدُ العبد ربَّه نذرٌ يجب عليه أن يفي له به، فإنه جعله جزاءً وشكرًا له على نعمته عليه، فجرى مجرى عقود المعاوضات لا عقود التبرعات، وهو أولى باللزوم من أن يقول ابتداءً: «لله عليَّ كذا»، فإن هذا التزام منه لنفسه أن يفعل ذلك، والأول تعليقٌ بشرط، وقد وُجِد، فيجب فعلُ المشروط عنده لالتزامه له بوعده. [٣١٨/أ] فإن الالتزام تارةً يكون بصريح الإيجاب، وتارةً يكون بالوعد، وتارةً يكون بالشروع كشروعه في الجهاد والحج والعمرة. والالتزامُ بالوعد آكدُ من الالتزام بالشروع، وآكدُ من الالتزام بصريح الإيجاب؛ فإن الله سبحانه ذمَّ من خالف ما التزمه (^١) له بالوعد، وعاقبه بالنفاق في قلبه، ومدَح مَن وفى بما نذره له، وأمرَ بإتمام ما شرع فيه له (^٢) من الحج والعمرة. فجاء الالتزام بالوعد آكد الأقسام الثلاثة، وإخلافه يُعقِب النفاقَ في القلب.\n_________\n(^١) ف: «التزم».\n(^٢) ف: «له فيه». و«له» ساقط من ت.","vol":"2","page":435},{"text":"وأما إذا حلف يمينًا مجرَّدةً لَيفعلنَّ كذا، فهذا حضٌّ منه لنفسه، وحثٌّ على فعله باليمين، وليس إيجابًا عليها. فإن اليمين لا توجب شيئًا ولا تحرِّمه، ولكن الحالف عقَد اليمين بالله لَيفعلنَّه، فأباح الله سبحانه له حلَّ ما عقَده بالكفارة، ولهذا سمَّاها (^١) «تحِلَّة»، فإنها تَحُلُّ عقدَ اليمين، وليست رافعةً لإثم الحنث، كما يتوهَّمه بعض الفقهاء، فإن الحنث قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب. وإن كان مباحًا، فالشارع لا يبيح (^٢) سببَ الإثم، وإنما شرعها الله حلًّا لعقد اليمين، كما شرع (^٣) الاستثناء مانعًا من عقدها.\nفظهر الفرق بين ما التزم لله، وبين ما التزم بالله. فالأول ليس فيه إلا الوفاء، والثاني يخيَّر فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك.\nوسرُّ هذا أن ما التزم له آكد مما التزم به؛ فإن الأول متعلِّق بإلهيته، والثاني بربوبيته. فالأول من أحكام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، والثاني من أحكام ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسيم (^٤) الله من هاتين الكلمتين، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسيم العبد، كما في الحديث الصحيح الإلهي: «هذه بيني وبين عبدي نصفين» (^٥). وبهذا يخرج الجواب عن إيراد هذا السؤال على\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة زيد بعده لفظ الجلالة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «لم يبح».\n(^٣) زيد بعده لفظ الجلالة في النسخ المطبوعة.\n(^٤) القسيم: الحظ والنصيب. وفي ت، ع: «قسم»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"2","page":436},{"text":"الوجه الثاني، وهو (^١) أنَّ ما نذرَه لله من هذه الطاعات يجب الوفاء به، وما أخرجه مخرج اليمين يخيَّر بين الوفاء به وبين التكفير؛ لأن الأول متعلِّق بإلهيته، والثاني بربوبيته؛ فوجب الوفاء بالقسم الأول، ويخيَّر الحالف في القسم الثاني. وهذا من أسرار الشريعة، وكمالها وعظمتها.\nويزيد ذلك وضوحًا: أن الحالف بالتزام هذه الواجبات قصدُه أن لا تكون. ولكراهيته (^٢) للزومها له حلَف بها، فقصدُه أن لا يكون الشرط فيها ولا الجزاء، ولذلك يسمَّى نذرَ اللَّجاج والغضب. فلم يُلزمه الشارعُ به إذا كان غير مريد له ولا متقرِّب به إلى الله. فلم يعقدِه لله، وإنما عقَده به، فهو يمين محضة. فإلحاقُه بنذر القربة إلحاقٌ له بغير شِبْهِه، وقطعٌ له عن الإلحاق بنظيره. وعذرُ من ألحقه بنذر القربة شَبَهُه به في اللفظ والصورة، ولكن الملحقون له باليمين أفقه وأرعى لجانب المعاني. وقد اتفق الناس على أنه لو قال: «إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني»، فحنَث أنه لا يكفر بذلك (^٣)؛ لأنَّ قَصْدَ اليمين منَعَ من الكفر.\nوبهذا وغيره احتجَّ شيخُ الإسلام ابن تيمية على أن [٣١٩/أ] الحلف بالعتاق والطلاق (^٤) كنذر اللَّجاج والغضب، وكالحلف بقوله: «إن فعلتُ فأنا يهودي أو نصراني» (^٥)، وحكاه إجماعَ الصحابة في العتق، وحكاه غيرُه\n_________\n(^١) «هو» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ولكراهته».\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «إن قصد اليمين».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «بالطلاق والعتاق».\n(^٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٤١).","vol":"2","page":437},{"text":"إجماعًا لهم في الحلف بالطلاق أنه لا يلزم.\nقال: لأنه قد صحَّ عن علي بن أبي طالب ولا يُعرَف له في الصحابة مخالف، ذكره ابن بَزيزة في «شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي» (^١). فاجتهد خصومه (^٢) في الردِّ عليه بكلِّ ممكن، وكان حاصل ما ردُّوا به قوله أربعة أشياء:\nأحدها ــ وهو عمدة القوم ــ: أنه خلافُ مرسومِ السلطان.\nالثاني (^٣): أنه خلاف الأئمة الأربعة.\nالثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: «إن أبرأتني فأنت طالق»، ففعلت.\nالرابع: أن العمل قد استمرَّ على خلاف هذا القول، فلا يُلتفت إليه.\nفنقض حججهم، وأقام نحوًا من ثلاثين دليلًا على صحة هذا القول. وصنَّف في المسألة قريبًا من ألف ورقة (^٤)، ثم مضى لسبيله راجيًا من الله أجرًا أو أجرَين، وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون.\n_________\n(^١) وهو «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام»، وقد نقل المصنف كلام ابن بزيزة فيما تقدم.\n(^٢) يعني: خصوم شيخ الإسلام.\n(^٣) زيد في النسخ المطبوعة واو العطف قبل «الثاني» و«الثالث» و«الرابع».\n(^٤) وسيأتي قول المصنف: «وصنَّف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة. وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها ... زهاءَ أربعين دليلًا ...». وانظر مقدمة التحقيق لكتاب «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» (ص ٥٢).","vol":"2","page":438},{"text":"فصل\nوأما قوله (^١): «وحرَّم كلَّ ذي ناب من السباع، وأباح الضبع ولها ناب»، فلا ريب أنه حرَّم كلَّ ذي ناب من السباع، وإن كان بعضُ العلماء خفي عليه تحريمه، فقال بمبلغ علمه. وأما الضبع فرُوي عنه فيها حديثٌ صحَّحه كثيرٌ من أهل العلم بالحديث، فذهبوا إليه، وجعلوه مخصِّصًا لعموم أحاديث التحريم، [٣١٩/ب] كما خُصَّت العرايا لأحاديث المزابنة. وطائفة لم تصحِّحه، وحرَّموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب. قالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي - ﷺ - بالنهي عن أكلِ كلِّ ذي ناب من السباع، وصحَّت صحةً لا مطعن فيها من حديث علي (^٢)، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخُشَني (^٣).\nقالوا: وأما حديث الضبع، فتفرَّد به عبد الرحمن بن أبي عمارة، وأحاديثُ تحريم ذوات الأنياب كلُّها تخالفه.\nقالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابرٌ رفع الأكلَ إلى النبي - ﷺ -، وأن يكون إنما رفَع إليه كونَها صيدًا فقط، ولا يلزم من كونها صيدًا جوازُ أكلها، فظنَّ جابرٌ أن كونَها صيدًا يدل على أكلها، فأفتى به من\n_________\n(^١) ع، ت: «قولهم»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (٢١٨، ٢١٩)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على «المسند» لأبيه (١٢٥٤)، وأبو يعلى في «المسند» (٣٥٧)، والطحاوي في «بيان المشكل» (٩/ ٩٩)، وسنده ضعيف. ويُغني عنه الأحاديث الصحيحة التالية.\n(^٣) رواه مسلم (١٩٣٤، ١٩٣٣، ١٩٣٢) ولاءً عن هؤلاء الثلاثة، ورواه أيضًا البخاري (٥٥٣٠) عن أبي ثعلبة.","vol":"2","page":439},{"text":"قوله، ورفَع إلى النبي - ﷺ - ما سمعه من كونها صيدًا.\nونحن نذكر لفظ الحديث ليتبيَّن ما ذكرناه. فروى الترمذي في «جامعه» (^١) من حديث [عبد الله بن] (^٢) عبيد بن عمير الليثي، عن عبد الرحمن بن أبي عمار أنه قال: قلت لجابر بن عبد الله: آكلُ الضبعَ؟ قال: نعم. قلت: أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: أسمعتَ ذلك من رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم. قال الترمذي (^٣): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح.\nوهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونُها صيدًا. ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال: عن [عبد الله بن] عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، عن جابر، عن رسول الله - ﷺ - أنه سئل عن الضبع، فقال: «هي صيد، وفيها كبش» (^٤).\n_________\n(^١) برقمي (٨٥١، ١٧٩١) وصححه. ورواه أحمد (١٤٤٢٥، ١٤٤٤٩)، وابن ماجه (٣٢٣٦)، والنسائي (٢٨٣٦، ٤٣٢٣). ... وصححه أيضًا ابن خزيمة (٢٦٤٥)، وابن حبان (٤٤٥٩)، وجوّده البيهقي (٥/ ١٨٣)، وحسنه الجوزقاني في «الأباطيل» (٢/ ٢٦٦). ويُوازَنُ بما في «بيان المشكل» للطحاوي (٩/ ٩٥ - ٩٩)، و«العلل» للدارقطني (٢/ ٩٧)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (١/ ٤٨٥ - ٤٨٦).\n(^٢) ما بين الحاصرتين زيادة من مصادر التخريج، وهو ساقط من النسخ هنا وفيما يأتي أيضًا.\n(^٣) في «العلل الكبير» (٥٥١ - ترتيبه).\n(^٤) رواه أبو داود (٣٨٠١)، وابن ماجه (٣٠٨٥). وصححه ابن خزيمة (٢٦٤٦)، وابن حبان (٤٤٥٨)، والحاكم (١/ ٤٥٢).\nويُوازَنُ بما في «الكامل» لابن عدي (٢/ ٣٤٤).","vol":"2","page":440},{"text":"قالوا: [٣٢٠/أ] وكذلك حديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر يرفعه: «الضبع صيد، فإذا أصابه المُحرِم ففيه جزاء كبش مُسِنّ، ويؤكل» (^١). قال الحاكم: حديث صحيح.\nوقوله: «ويؤكل» يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم.\nقالوا: ولو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة، ادعى الطحاويُّ (^٢) وغيرُه تواترَها، فلا يقدَّم حديثُ جابر عليها.\nقالوا: والضبع من أخبَثِ الحيوان وأشرَهِه، وهو مغرًى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم، ويأكل الجيف، ويكسِر بنابه.\nقالوا: والله سبحانه قد حرَّم علينا الخبائث، وحرَّم رسولُ الله - ﷺ - ذوات الأنياب، والضبع لا يخرج عن هذا وهذا.\nوقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيدٌ يُفدَى في الإحرام، ولا يلزم من ذلك أكلُها.\n_________\n(^١) رواه ابن خزيمة (٢٦٤٨)، والطحاوي في «بيان المشكل» (٩/ ٩٧)، وفي «شرح المعاني» (٢/ ١٦٤)، وابن عدي (٣/ ٢٥٦، ٤/ ٥٧)، والدارقطني (٢٥٣٩)، والحاكم (١/ ٤٥٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٨٣، ٩/ ٣١٩) وفي «معرفة السنن والآثار» (٧/ ٢٥٥).\n(^٢) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٩٠).","vol":"2","page":441},{"text":"وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله ــ يعني الإمام أحمد ــ عن مُحْرِم قتل ثعلبًا، فقال: عليه الجزاء، هي صيد، ولكن لا يؤكل (^١).\nوقال جعفر بن محمد: سمعتُ أبا عبد الله سئل عن الثعلب، فقال: الثعلب سَبُع؛ فقد نصَّ على أنه سَبُع، وأنه يُفدَى في الإحرام.\nولما جعل النبيُّ - ﷺ - في الضبع كبشًا ظنَّ جابر أنه يؤكل، فأفتى به.\nوالذين صححوا الحديث جعلوه مخصِّصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرُم أكلُ كلِّ ذي ناب (^٢) من [٣٢٠/ب] السباع إلا الضبع. وهذا لا يقع مثلُه في الشريعة أن يخصص مِثلًا على مِثلٍ من كلِّ وجه من غير فرقان بينهما. وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك، أعني: شريعة التنزيل، لا شريعة التأويل.\nومن تأمل ألفاظه - ﷺ - الكريمة تبيَّن له اندفاع هذا السؤال، فإنه إنما حرَّم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب، وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية. ولا ريب أن السِّباع أخصُّ من ذوات الأنياب. والسبعُ إنما حرِّم لما فيه من القوة السبعية التي تُورث المغتذيَ بها شبهَها؛ فإن الغاذي شبيه بالمغتذى. ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية\n_________\n(^١) لم أقف على هذه الرواية ولا التي تليها، ولكن رواية عبد الله في معناها. انظر: «مسائله» (ص ٢٧٠). وانظر: «الروايتين والوجهين» (١/ ٣٠١) و(٣/ ٢٨) و«رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٢/ ١٦٨٦).\n(^٢) «من غير فرق ... ذي ناب» ساقط من ح، ف لانتقال النظر.","vol":"2","page":442},{"text":"بينهما في التحريم. ولا تُعَدُّ الضبعُ من السباع لغةً ولا عرفًا. والله أعلم.\nفصل\nوأما قوله: «وجعل شهادةَ خزيمة بن ثابت بشهادتين، دون غيره ممن هو أفضل منه»، فلا ريب أن هذا من خصائصه، ولو شهد عنده - ﷺ - أو عند غيره لكان بمنزلة شاهدين اثنين. وهذا التخصيص إنما كان لمخصِّص اقتضاه، وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله - ﷺ - أنه قد بايع الأعرابي. وكان [٣٢١/أ] فرض على كلِّ من سمع هذه القصة أن يشهد أن رسول الله - ﷺ - قد بايع الأعرابي، وذلك من لوازم الإيمان والشهادة بتصديقه - ﷺ -، وهذا مستقِرٌّ عند كلِّ مسلم، ولكن خزيمة تفطَّن لدخول هذه القضية المعيَّنة تحت عموم الشهادة بصدقه (^١) في كلِّ ما يخبر به؛ فلا فرق بين ما يُخبِر به عن الله وبين ما يُخبِر به عن غيره في صدقه في هذا وهذا، ولا يتمُّ الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا. فلما تفطَّن خزيمة دون من حضر لذلك استحقَّ أن تُجعل شهادتُه بشهادتين.\nفصل\nوأما تخصيصه أبا بُردة بن نِيار بإجزاء التضحية بالعَناق، دون من بَعده، فلموجِب أيضًا. وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولًا غيرَ عالمٍ بعدم الإجزاء، فلما أخبره النبيُّ - ﷺ - أن تلك ليست بأُضحية، وإنما هي شاةُ لحم، أراد إعادة الأضحية، فلم يكن عنده إلا عَناقٌ هي أحبُّ إليه من شاتَي لحم، فرخَّص له في التضحية بها لكونه معذورًا، وقد تقدَّم منه ذبحٌ تأوَّلَ فيه، وكان معذورًا\n_________\n(^١) ع: «لصدقه»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":443},{"text":"بتأويله. وذلك كلُّه قبل استقرار الحكم، فلما استقرَّ الحكم لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر. وبالله التوفيق.\nفصل\nوأما التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار، ففي غاية المناسبة والحكمة. فإنَّ الليل مظنّةُ هدوء الأصوات، وسكون الحركات، وفراغ القلوب، واجتماع الهمم المشتَّتة [٣٢١/ب] بالنهار. فالنهارُ محلُّ السَّبح الطويل بالقلب والبدن، والليلُ محلُّ مواطأةِ القلب للسان، ومواطأةِ اللسان للأذن.\nولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر على سائر الصلوات. وكان رسول الله - ﷺ - يقرأ فيها بالستِّين إلى المائة (^١)، وكان الصدِّيق يقرأ فيها بالبقرة (^٢)، وعمر بالنحل وهود وبني إسرائيل ويونس ونحوها من السور (^٣)؛ لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم، فإذا كان أولَ ما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤١) ومسلم (٤٦١) من حديث أبي برزة.\n(^٢) رواه مالك (٢٧٠)، وعنه الشافعي في «الأم» (٨/ ٥٦٦) ــ ومن طريقهما البيهقي (٢/ ٣٨٩) ــ، وعبد الرزاق (٢٧١١، ٢٧١٣)، وابن أبي شيبة (٣٥٦٥)، والطحاوي في شرح «معاني الآثار» (١/ ١٨٢). ويُنظر: «الإمام» لابن دقيق العيد (٤/ ٥٤ - ٥٨).\n(^٣) يُنظر: «الموطأ» لمالك (٢٧١)، و«المصنف» لعبد الرزاق (٢٧٠٩، ٢٧١٠، ٢٧١٥، ٢٧١٦، ٢٧١٨، ٢٧٢٤)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (٣٥٦٦ - ٣٥٦٩)، و«صحيح البخاري»، كتاب الصلاة، باب الجمع بين السورتين في الركعة، و«شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ١٨٠ - ١٨١)، و«فضائل القرآن» للمستغفري (٧١٨)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٢/ ٣٨٩).","vol":"2","page":444},{"text":"يقرع سمعَه كلامُ الله الذي فيه الخير كلُّه بحذافيره صادفه خاليًا من الشواغل، فتمكَّن فيه من غير مزاحم.\nوأما النهار فلما كان بضدِّ ذلك كانت قراءة صلاته سرِّيَّة، إلا إذا عارض ذلك (^١) معارضٌ أرجَحُ منه، كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والاستسقاء والكسوف، فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود، وأنفع للجمع، وفيه من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة. والله أعلم.\nفصل\nوأما قوله: «وورَّث ابنَ ابنِ العَمِّ وإن بعدت درجته، دون الخالة التي هي شقيقة للأم»، فنعم، وهذا من كمال الشريعة وجلالتها. فإن ابن العم من عصبته القائمين بنصرته وموالاته، والذَّبِّ عنه، وحَملِ العقل عنه؛ فبنو أبيه هم أولياؤه وعصبته والمحامون دونه. فأما (^٢) قرابة الأم فإنهم بمنزلة الأجانب، وإنما ينتسبون إلى آبائهم، [٣٢٢/أ] فهم بمنزلة أقارب البنات، كما قال القائل:\nبنونا بنو أبنائنا، وبناتُنا ... بنوهنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ (^٣)\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «في ذلك».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وأما».\n(^٣) قال العيني في «شرح الشواهد» (١/ ٥٠٢): «لم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله». ونسبه الكرماني في «شواهد شرح الكافية للخبيصي» إلى الفرزدق، نقله عنه البغدادي في «الخزانة» (١/ ٤٤٥)، ولم يرد في «ديوان الفرزدق». والبيت في «الحيوان» (١/ ٣٤٦) وغيره.","vol":"2","page":445},{"text":"فمن كمال حكمة الشارع أن جعل الميراث لأقارب الأب، وقدَّمهم على أقارب الأم. وإنما ورَّث معهم من أقارب الأم مَن ركض الميتُ معهم في بطن الأم، وهم إخوته أو من قربت قرابته جدًّا، وهن جدَّاته لقوة إيلادهن وقرب أولاد أمه (^١) منه. فإذا عدمت قرابة الأب انتقل الميراث إلى قرابة الأم، وكانوا أولى من الأجانب. فهذا الذي جاءت به الشريعة هو (^٢) أكمَلُ شيء، وأعدلُه، وأحسنهُ.\nفصل\nوأما قوله: «وحرَّم أخذَ مال الغير إلا بطيب نفسٍ منه، ثم سلَّطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة، ثم شرع الشفعةَ فيما يمكن التخلُّص من ضرر الشركة فيه بالقسمة، دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان»؛ فهذا السؤال قد أورده على وجهين:\nأحدهما على أصل الشفعة وأن الاستحقاق بها منافٍ لتحريم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه.\nوالثاني: أنه خصَّ بعضَ المبيع بالشفعة دون بعض، مع قيام السبب الموجب للشفعة، وهو ضرر الشركة.\nونحن بحمد الله وعونه نجيب عن الأمرين، فنقول: من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد: ورودُها بالشفعة. ولا يليق بها غير ذلك، فإن حكمة الشارع اقتضت رفعَ الضرر عن المكلَّفين ما أمكن،\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «أولادهن».\n(^٢) «هو» ساقط من النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":446},{"text":"[٣٢٢/ب] فإن لم يمكن رفعُه إلا بضرر أعظم منه بقَّاه على حاله، وإن أمكن رفعُه بالتزام ضررٍ دونه رفَعه به. ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثُر فيهم بغيُ بعضهم على بعض شرَع الله سبحانه رفعَ هذا الضرر بالقسمة تارةً وانفراد كلٍّ من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارةً وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضررٌ في ذلك. فإذا أراد بيعَ نصيبِه وأخذَ عوضِه كان شريكُه أحقَّ به من الأجنبي، وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيِّهما كان، فكان الشريكُ أحقَّ بدفع العوض من الأجنبي، فيزول عنه ضررُ الشركة؛ ولا يتضرَّر البائع، لأنه يصل إلى حقِّه من الثمن. وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفِطَر ومصالح العباد. ومن هنا يُعلَم أن التحيُّل لإسقاط الشفعة مناقضٌ لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضادٌّ له.\n\nثم اختلفت أفهام العلماء في<span data-type=\"title\" id=toc-332> الضرر الذي قصد الشارع رفعَه بالشفعة</span>. فقالت طائفة: هو الضرر اللاحق بالقسمة، لأنَّ كلَّ واحد من الشريكين إذا طالب شريكه بالقسمة كان عليه في ذلك من المؤنة والكلفة والغرامة والضيق في مرافق المنزل ما هو معلوم. فإنه قبل القسمة ربما ارتفق بالدار والأرض كلِّها، وبأي موضع شاء منها؛ فإذا وقعت الحدود ضاقت به الدار، وقُصِر على موضع منها، وفي ذلك من الضرر عليه ما لا خفاء به. فمكَّنه [٣٢٣/أ] الشارع بحكمته ورحمته من رفع هذه المضرَّة عن نفسه، بأن يكون أحقَّ بالمبيع من الأجنبي الذي يريد الدخول عليه. وحرَّم الشارع على الشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه، فإن باع ولم يُؤذِنه فهو أحقُّ به. وإن أذِن في البيع، وقال: لا غرض لي فيه، لم يكن له الطلب بعد البيع. هذا","vol":"2","page":447},{"text":"مقتضى حكم رسول الله - ﷺ - (^١)، ولا معارضَ له بوجه، وهو الصواب المقطوع به. وهذه طريقة من يرى أنه لا شفعة إلا فيما يقبل القسمة.\nوقالت طائفة أخرى: إنما شُرعت الشفعة لرفع الضرر اللاحق بالشركة. فإذا كانا شريكين في عين من الأعيان بإرث أو هبة أو وصية أو ابتياع أو نحو ذلك لم يكن رفعُ ضررِ أحدهما بأولى من رفع ضرر الآخر. فإذا باع نصيبه كان شريكُه أحقَّ به من الأجنبي، إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرُّر صاحبه، فإنه يصل إلى حقِّه من الثمن، ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع (^٢)، فيزول الضرر عنهما جميعًا. وهذا مذهب من يرى الشفعة في الحيوان والثياب والشجر والجواهر والدور الصغار التي لا يمكن قسمتها. وهذا قول أهل مكة وأهل الظاهر.\nونصَّ عليه الإمام أحمد في رواية حنبل، قال: قيل لأحمد: فالحيوان دابة تكون بين رجلين أو حمار أو ما كان من نحو ذلك. قال: هذا كلُّه أوكد، لأن خليط الشريك أحقُّ به بالثمن. وهذا لا يمكن قسمته، فإذا عرضه على [٣٢٣/ب] شريكه، وإلا باعه بعد ذلك (^٣).\nوقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يعرض على شريكه عقارًا بينه وبينه أو نخلًا، قال الشريك: لا أريد، فباعه، ثم طلب الشفعة بعد. قال: له الشفعة في ذلك (^٤).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه.\n(^٢) في المطبوع: «بالبيع».\n(^٣) انظر رواية حنبل في «الروايتين والوجهين» (١/ ٤٥٠).\n(^٤) انظر نحوه في «مسائل الكوسج» (٦/ ٢٩٦٤) و«المغني» (٧/ ٤٥٤).","vol":"2","page":448},{"text":"واحتجَّ لهذا القول بحديث جابر الصحيح: قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم (^١). وهذا يتناول المنقول والعقار. وفي كتاب «الخراج» (^٢) عن يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان له شِرْكٌ في نخل أو رَبْعةٍ فليس له أن يبيع حتى يُؤْذِنَ شريكَه. فإن رضي أخَذ، وإن كرِه ترَك». وهذا الإسناد على شرط مسلم (^٣).\nوفي الترمذي (^٤) من حديث عبد العزيز بن رُفَيع، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الشريك شفيع، والشفعة في كلِّ شيء».\nتفرَّد به أبو حمزة السُّكَّري عن عبد العزيز بهذا الإسناد. ورواه أبو الأحوص سَلَّام بن سُلَيم عن عبد العزيز، ولم يذكر ابن عباس. ولفظه: قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كلِّ شيء: الأرض، والدار، والجارية والخادم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢١٣) ومسلم (١٦٠٨).\n(^٢) برقم (٢٥٣).\n(^٣) وقد رواه مسلم (١٦٠٨) من طريقين عن أبي خيثمة (زهير بن معاوية)، عن أبي الزبير به. فعزوُ المصنِّف إيّاه إلى يحيى بن آدمَ إبعادٌ في الانتجاع.\n(^٤) برقم (١٣٧١). ورواه النسائي في «السنن الكبرى»، كما في «تحفة الأشراف» للمزي (٥/ ٤٤). ورجّح الترمذي إرسالَه، وكذا الدارقطنيُّ في «السنن» (٤٥٢٥)، والبيهقي (٦/ ١٠٩)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٨/ ٢٤٥)، وعبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطى» (٣/ ٢٩٢). ويُنظر: «الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (١١/ ١٠٩ - ١١٠).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (٢٣٢٠٢). وأسنده الترمذي عقب الحديث (١٣٧١)، لكنه لم يَسُقْ لفظَه.","vol":"2","page":449},{"text":"وكذلك رواه أبو بكر بن عياش (^١) وإسرائيل (^٢) بن يونس عن عبد العزيز مرسلًا.\nفهذا علة هذا الحديث؛ على أن أبا حمزة السكَّري ثقة احتجَّ به صاحبا الصحيح. وإن قبِلنا الزيادةَ من الثقة (^٣)، فرفعُ الحديث إذن صحيح، وإلا فغايته أن يكون مرسلًا قد عضدته الآثار المرفوعة والقياس [٣٢٤/أ] الجلي.\nوقد روى أبو جعفر الطحاوي (^٤)، عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي، عن عبد الله (^٥) بن إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال: قضى رسولُ الله - ﷺ - بالشفعة في كلِّ شيء. ورواة هذا الحديث ثقات، وهو غريب بهذا الإسناد.\nقالوا: ولأن الضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٢٢٥٠٤، ٢٩٦٧٨، ٢٩٧١٤). وأسنده الترمذي عقب الحديث (١٣٧١)، لكنه لم يَسُقْ لفظَه.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٤٤٢٥، ١٤٤٣٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» [كما في «تحفة الأشراف» للمزي (٥/ ٤٤)]، والبيهقي (٦/ ١٠٩).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «قلنا: الزيادة من الثقة مقبولة». صحَّفوا «قبلنا»، فزادوا «مقبولة» لإقامة السياق!\n(^٤) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٢٦)، لكن الظاهر أنه مقلوبٌ سندًا ومتنًا. والمحفوظ ما رواه الأساطين المُتقنون عن ابن إدريس، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كل شركة ...». كذا رواه مسلم (١٦٠٨) من طرق عن ابن إدريس به. ويُنظر: «سلسلة الأحاديث الضعيفة» للألباني (٣/ ٦٢ - ٦٥).\n(^٥) ع: «عبيد الله»، تصحيف.","vol":"2","page":450},{"text":"يقبل القسمة. فإذا كان الشارع مريدًا لرفع (^١) الضرر الأدنى، فالأعلى أولى بالرفع.\nقالوا: ولو كانت الأحاديث مختصّةً بالعقار والأرض (^٢) المنقسمة، فإثباتُ الشفعة فيها تنبيهٌ على ثبوتها فيما لا يقبل القسمة.\nقال (^٣) الآخرون: الأصل عدم انتزاع الإنسان مال غيره إلا برضاه، ولكن تركنا ذلك في الأرض والعقار لثبوت النص (^٤) فيه. وأما الآثار المتضمنة لثبوتها في المنقول فضعيفة معلولة. وقوله في الحديث الصحيح: «فإذا وقعت الحدودُ وصُرِّفت الطرقُ فلا شُفْعة» (^٥) يدل على اختصاصها بذلك. وقول جابر عن النبي - ﷺ -: «الشفعة في كلِّ شركٍ في أرض أو رَبْع أو حائط» (^٦) يقتضي انحصارها في ذلك.\nقالوا: وقد قال عثمان بن عفان: لا شفعة في بئر ولا فحل. والأُرَف تقطع كلَّ شفعة (^٧). والفحل: النخل. والأُرَف بوزن الغُرَف: المعالم\n_________\n(^١) ع: «لدفع»، وكذلك «بالدفع» فيما يأتي.\n(^٢) ع: «العرض».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وقال».\n(^٤) ت: «نصٍّ». ع: «هذا النص».\n(^٥) هو جزء من حديث جابر المتقدِّم في «صحيح البخاري» (٢٢١٣).\n(^٦) من الحديث السابق في «صحيح مسلم» (١٦٠٨).\n(^٧) رواه أبو عبيد في «غريب الحديث» (٤/ ٣٠٧) ــ ومن طريقه البيهقي (٦/ ١٠٥)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٤٩٤) ــ، وابن أبي شيبة (٢٢٥٠٦، ٢٣١٩١)، وصالح ابن الإمام أحمد في «المسائل» (١٦١٢)، وابن أبي حاتم في «العلل» (١٤٣٣). ويُوازَنُ بما في «الموطأ» للإمام مالك (٢٦٥٠)، و«المصنف» لعبد الرزاق (١٤٣٩٣، ١٤٤٢٦ - ١٤٤٢٨)، و«العلل» للدارقطني (٣/ ١٤ - ١٥)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ١٧٧، ١٧٨). ويُنظر: كتاب «الأم» للإمام الشافعي (٥/ ٦ - ٧).","vol":"2","page":451},{"text":"والحدود. قال (^١) أحمد: ما أصحَّه من حديث (^٢).\nقالوا: والفرق بين المنقول وغيره أن الضرر في غير المنقول يتأبَّد بتأبُّده؛ وفي المنقول لا يتأبَّد، فهو ضرر عارض، [٣٢٤/ب] فهو كالمكيل والموزون.\nقالوا: والضرر في العقار يكثر جدًّا، فإنه يحتاج الشريك إلى إحداث المرافق، وتغيير الأبنية، وتضييق الواسع، وتخريب العامر، وسوء الجوار، وغير ذلك مما يختصُّ بالعقار. فأين ضرر الشركة في العبد والجوهرة والسيف من هذا الضرر؟\nقال المثبتون للشفعة: إنما كان الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه، لما فيه من الظلم له والإضرار به. فأما ما لا يتضمَّن ظلمًا ولا إضرارًا، بل مصلحةً له بإعطائه الثمن، فلشريكه دفعُ ضرر الشركة عنه. فليس الأصل عدمه، بل هو مقتضى أصول الشريعة. فإن أصول الشريعة توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة، وإن لم يرض صاحب المال. وتركُ معاوضته هاهنا لشريكه مع كونه قاصدًا للبيع ظلمٌ منه وإضرارٌ بشريكه، فلا يمكِّنه الشارع منه. بل مَن تأمَّلَ مصادر الشريعة ومواردها تبيَّن له أن الشارع\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وقال».\n(^٢) نقله الخلَّال. انظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ١٧٨).","vol":"2","page":452},{"text":"لا يمكِّن هذا الشريكَ من نقل نصيبه إلى غير شريكه، وأن يُلحِق به من الضرر مثلَ ما كان عليه أو أزيد منه، مع أنه لا مصلحة له في ذلك.\nوأما الآثار، فقد جاءت بهذا وهذا. ولو قُدِّر عدمُ صحتها بالشفعة في المنقول، فهي لم تنفِ ذلك، بل نبَّهَتْ عليه كما ذكرنا.\nوأما تأبُّد الضرر وعدمه، ففرقٌ فاسدٌ؛ فإن من المنقول ما يكون تأبُّده كتأبُّد العقار، كالجوهرة والسيف والكتاب والبئر. وإن لم يتأبَّد ضررُه مدى الدهر، فقد يطول [٣٢٥/أ] ضرره كالعبد والجارية. ولو بقي ضرره مدةً فإن الشارع مريدٌ لدفع الضرر بكلِّ طريق، ولو قصرت مدته.\nوأما تفريقكم بكثرة الضرر في العقار وقلَّته في المنقول، فلَعمرُ الله إن الضرر في العقار يكثر من تلك الجهات، ولكن يمكن رفعه بالقسمة، وأما الضرر في المنقول فإنه لا يمكن رفعُه بقسمته. على أن هذا منتقض بالأرض الواسعة التي ليس فيها شيء مما ذكرتم.\nفصل\nوقالت طائفة ثالثة: بل الضرر الذي قصد الشارع رفعَه هو ضررُ سوء الجوار والشركة في العقار والأرض، فإن الجار قد يسيء الجوار غالبًا أو كثيرًا، فيُعلي الجدار، ويتتبَّع (^١) العثار، ويمنع الضوء، ويشرف على العورة، ويطلع على العثرة، ويؤذي جاره بأنواع الأذى، ولا يأمن (^٢) بوائقه؛ وهذا مما يشهد به الواقع.\n_________\n(^١) ع: «يتسع»، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «يتبع».\n(^٢) ع: «ولا يأمن جاره»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":453},{"text":"وأيضًا فالجار (^١) له من الحرمة والحقِّ والذمام ما جعله الله له في كتابه، ووصَّى به جبريلُ رسولَ الله - ﷺ - غاية الوصية (^٢)، وعلَّق النبيُّ - ﷺ - الإيمان بالله واليوم الآخر بإكرامه (^٣).\nوقال الإمام أحمد: الجيران ثلاثة: جار له حقّ، وهو الذمي الأجنبي، له حقُّ الجوار. وجار له حقَّان، وهو المسلم الأجنبي، له حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام. وجار له ثلاثة حقوق، وهو المسلم القريب، له حقُّ الإسلام وحقُّ الجوار (^٤) وحقُّ القرابة (^٥).\nومثل هذا (^٦) لم يَرِد في الشريك، فأدنى المراتب مساواتُه به فيما يندفع به الضرر، لا سيما والحكم بالشفعة ثبت في الشركة [٣٢٥/ب] لإفضائها إلى ضرر المجاورة، فإنهما إذا اقتسما تجاورا.\nقالوا: ولهذا (^٧) اختصَّت بالعقار دون المنقولات، إذ المنقولات لا تتأتَّى فيها المجاورة. فإذا ثبتت في الشركة في العقار لإفضائها إلى\n_________\n(^١) في المطبوع: «فإن الجار».\n(^٢) يشير إلى قول النبي - ﷺ -: «ما زال جبريل يوصيني بالجار» الحديث. أخرجه البخاري (٦٠١٥) ومسلم (٢٦٢٤) عن عائشة.\n(^٣) يعني قوله - ﷺ -: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» الحديث. أخرجه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) في ع قُدِّم «الجوار» على «الإسلام».\n(^٥) لم أقف عليه من كلام الإمام أحمد، ولكن روي نحوه من حديث جابر وابن عمر مرفوعًا. قال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (١/ ٦٧٥): «وكلاهما ضعيف».\n(^٦) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «ولو».\n(^٧) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «السبب».","vol":"2","page":454},{"text":"المجاورة، فحقيقةُ المجاورة أولى بالثبوت فيها.\nقالوا: وهذا معقول النصوص لو لم تَرِد بالثبوت فيها، فكيف وقد صرَّحت بالثبوت فيها أعظمَ من تصريحها بالثبوت للشريك؟ ففي «صحيح البخاري» (^١) من حديث عمرو بن الشريد قال: جاء المِسْوَر بن مَخْرمة، فوضع يده على منكبي، فانطلقتُ معه إلى سعد بن أبي وقاص، فقال أبو رافع: ألا تأمر هذا أن يشتري منِّي بيتيَّ اللذَين (^٢) في داره؛ فقال: لا أزيده على أربعمائةٍ منجَّمة. فقال: قد أُعطِيتُ خمسمائةٍ نقدًا، فمنعتُه. ولولا أني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «الجار أحقُّ بصَقَبِه» ما بعتُك.\nوروى عمرو (^٣) أيضًا عن أبيه الشريد بن سُويد الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، أرضٌ ليس لأحد فيها قِسْمٌ ولا شِرْكٌ إلا الجِوار. قال: «الجارُ أحقُّ بسَقَبه» (^٤). أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وإسناده صحيح.\n_________\n(^١) برقم (٦٩٧٧).\n(^٢) ع: «بيتي الذي»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بن الشريد».\n(^٤) رواه أحمد (١٩٤٦١، ١٩٤٦٢، ١٩٤٧٧)، والترمذي في «العلل الكبير» (٣٨٣ - ترتيبه) ــ ولم يُسَقْ لفظُه ــ، وابن ماجه (٢٤٩٦)، والنسائي (٤٧٠٣)، وفي «السنن الكبرى» (٦٢٥٨). وحسنه الترمذي إثر الحديث (١٣٦٨)، ونقل عن الإمام البخاري تصحيحه إيّاه. أما ابن المنذر، فنقل في «الأوسط» (١٠/ ٤٧٩) عن غير واحد من أهل المعرفة بالحديث إعلالهم إيّاه. وأغرب ابن الجوزي، فنقل عنه في «التحقيق» (٢/ ٢١٦) قولَه: «هو حديث منكر، لا أصل له»! وتعقّبه الذهبي في «تنقيح التحقيق» (٢/ ١٢٧) بقوله: «بل إسنادُه صالحٌ». ويُنظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٤٢٩)، و«تحفة الأشراف» للمزي (٤/ ١٥٢ - ١٥٣)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ١٧٤)، و«النكت الظراف» لابن حجر (٤/ ١٥٢ - ١٥٣).","vol":"2","page":455},{"text":"وقال البخاري: هو أصحّ من رواية عمرو عن أبي رافع (^١). يعني المتقدِّم. وقال أيضًا: كلا الحديثين عندي صحيح (^٢).\nوعن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «جار الدار أولى بالدار» (^٣). رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، انتهى.\nوقد صحَّ سماع الحسن من سمرة. وغاية هذا [٣٢٦/أ] أنه كتاب، ولم تزل الأمة تعمل بالكتُب قديمًا وحديثًا. وأجمع الصحابة على العمل بالكتُب، وكذلك الخلفاء بعدهم. وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتُب، فإن لم يُعمَل بما فيها تعطَّلت الشريعة. وقد كان رسول الله - ﷺ - يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي، فيَعمل مَن تصل إليه بها (^٤)، ولا يقول: هذا كتاب؛ وكذلك خلفاؤه بعده، والناسُ إلى اليوم. فردُّ السُّنَن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل. والحفظُ يخون، والكتابُ لا يخون.\n_________\n(^١) كذا، وكأن المصنّف - رحمه الله تعالى ــ فهم هذا ممّا رآه في «العلل الكبير» للترمذي (٣٨٣، ٣٨٤ - ترتيبه)، وليس ذلك ضربةَ لازبٍ، بل إن البخاري خرّج في «الجامع الصحيح» (٢٢٥٨، ٦٩٧٧، ٦٩٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١) حديثَ أبي رافعٍ دُونَ حديثِ الشريد. بل لا ريب أن حديث أبي رافع أصح من حديث الشريد. ويُنظر: «الجامع» للترمذي إثر الحديث (١٣٦٨)، و«العلل» للدارقطني (٧/ ١٤ - ١٥).\n(^٢) نقله عنه الترمذي في «الجامع» (١٣٦٨).\n(^٣) رواه أحمد (٢٠٠٨٨، ٢٠١٢٨، ٢٠١٤٧، ٢٠١٩٥، ٢٠١٩٩)، وأبو داود (٣٥١٧)، والترمذي (١٣٦٨) ــ وصححه ــ، والنسائي في «السنن الكبرى»، كما في «تحفة الأشراف» للمزي (٤/ ٦٩).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «بها من تصل إليه».","vol":"2","page":456},{"text":"وروى قتادة عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: «جارُ الدار أحقُّ بالدار». رواه ابن ماجه (^١) من طريق عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، وكلُّهم أئمة ثقات.\nوروى أهل «السنن الأربعة» من حديث ميزان الكوفة عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الجار أحقُّ بشفعة جاره، يُنتظَر بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا» (^٢). وهذا حديث صحيح بلا تردُّد.\nفإن قيل: قد قال الترمذي: تكلَّم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث.\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، ولعله سهو من المؤلف. وإنما رواه الترمذي في «العلل الكبير» (٣٨١ - ترتيبه)، والنسائي في «السنن الكبرى»، كما في «تحفة الأشراف» للمزي (١/ ٣١٨). وصححه ابن حبان (٣٩٧٠). ونقل الترمذي قول البخاري: «ليس بمحفوظ». ويُنظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٤٣٠)، و«الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (٧/ ١٢٢ - ١٢٤)، و«تحفة الأشراف» للمزي (٤/ ٧٤)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ١٧٣).\n(^٢) رواه أحمد (١٤٢٥٣) ــ وعنه أبو داود (٣٥١٨) ــ، والترمذي (١٣٦٩) ــ وقال: «حسن غريب» ــ، وابن ماجه (٢٤٩٤)، والنسائي في «السنن الكبرى»، كما في «تحفة الأشراف» للمزي (٢/ ٢٢٩). وقال الإمام أحمد: «هذا حديثٌ منكرٌ». نقله عنه ابنه عبد الله في «العلل ومعرفة الرجال» (٢٢٥٢). ويُنظر كتاب «الأم» للإمام الشافعي (٨/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، و«العلل الكبير» للترمذي (٣٨٥)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٦/ ١٠٦ - ١٠٨)، و«السنن الصغير» له (٢/ ٣١٦)، و«تاريخ مدينة السلام» للخطيب (١٢/ ١٣٤ - ١٣٦)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ١٧٥ - ١٧٦).","vol":"2","page":457},{"text":"وقال وكيع عنه: لو أن عبد الملك روى حديثًا آخر مثلَ حديث الشفعة لطرحتُ حديثه (^١).\nوكذلك قال يحيى القطان (^٢).\nوقال أحمد: هو حديث منكر (^٣).\nوقال يحيى بن معين: هو حديث لم يحدِّث به إلا عبدُ الملك، وأنكر (^٤) الناس عليه، ولكنه ثقة صدوق (^٥).\n[٣٢٦/ب] فالجواب: أن عبد الملك هذا حافظ ثقة صدوق، ولم يتعرض له أحد بجرح البتة، وأثنى عليه أئمة زمانه ومن بعدهم. وإنما أنكر عليه من أنكر هذا الحديث ظنًّا منهم أنه مخالف لرواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - ﷺ -: «الشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة»، ولا تُحتمل مخالفةُ العَرزمي لمثل الزهري. وقد صحَّ هذا عن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه، ومن رواية ابن جريج عن أبي الزبير عنه، ومن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه. فخالفهم العَرزمي، ولهذا شهد الأئمة بإنكار حديثه، ولم يقدِّموه على حديث هؤلاء.\n_________\n(^١) رواه العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٥١٨)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/ ٣٦٧)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٥٢٥)، والخطيب في «تاريخ مدينة السلام» (١٢/ ١٣٥) من طريق نُعيم (وهو ابن حماد)، عن وكيع به.\n(^٢) رواه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٥٢٥)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ١٠٧).\n(^٣) رواه عنه ابنه عبد الله في «العلل ومعرفة الرجال» (٢٢٥٢).\n(^٤) ع: «فأنكر»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) رواه الخطيب في «تاريخ مدينة السلام» (١٢/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"2","page":458},{"text":"قال مهنَّا بن يحيى الشامي: سألتُ أحمد (^١) عن حديث عبد الملك هذا، فقال: قد أنكره شعبة. فقلتُ: لأيِّ شيء أنكره؟ فقال: حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - ﷺ - خلافُ ما قال عبد الملك عن عطاء عن جابر (^٢).\nوسنبيِّن ــ إن شاء الله ــ أن حديث عبد الملك عن جابر لا يناقض حديث أبي سلمة عنه، بل مفهومه يوافق (^٣) منطوقه، وسائر أحاديث جابر يصدِّق بعضُها بعضًا.\nوروى جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن الحكم، عن علي وعبد الله قالا: قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة للجوار (^٤). وهذا وإن كان منقطعًا، فإن الثوري رواه عن منصور عن الحكم عمَّن سمع عليًّا وعبدَ الله (^٥). [٣٢٧/أ] فهو يصلح للاستشهاد، وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد.\n_________\n(^١) في ع زيادة «بن حنبل»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في ع بعده زيادة: «عن النبي».\n(^٣) ت: «موافق»، وكذا في المطبوع.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (٢٣١٦٤، ٢٩٦٥٢) عن جريرٍ به، وسندُه منقطع، والحَكَمُ (وهو ابن عتيبة) لم يُدرك عليًّا وابنَ مسعودٍ، ﵄.\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٤٣٨٣) ــ وعنه أحمد (٩٢٣) ــ (ح) وابن أبي شيبة (٢٣١٦٥) عن وكيع؛ كلاهما عن الثوري به. وقد تحرّف (الحَكَمُ) إلى (الحسن) في مطبوعة «المصنف» لعبد الرزاق، وهو على الصواب في «المسندِ» وغيرِه.","vol":"2","page":459},{"text":"وفي «سنن ابن ماجه» (^١) من حديث شريك القاضي، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: «من كان له أرض فأراد (^٢) بيعها فَلْيعرِضها على جاره». ورجال هذا الإسناد محتجَّ بهم في الصحيح.\nوفي «سنن النسائي» (^٣) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة للجوار. رواه عن الفضل بن موسى السِّيناني (^٤)، عن الحسين بن واقد، عن أبي الزبير. وهو على شرط مسلم.\nوقال شعيب بن أيوب الصريفيني: ثنا أبو أسامة (^٥) عن سعيد بن أبي عَروبة، حدثنا قتادة عن سليمان اليشكري، عن جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: «من كان له جار في حائط أو شريك، فلا يبِعْه (^٦) حتى يعرضَه\n_________\n(^١) برقم (٢٤٩٣) من طريق شريكٍ به، وشريك صدوق، لكنه ليّن الحديث، ولم يحتجّ به مسلم، بل روى له في المتابعات. ثم إن رواية سماك عن عكرمة مضطربة. لكن معنى هذا الحديث صحيح، له شواهد، منها حديثُ جابرٍ ــ ﵁ ــ في «المسند الصحيح» لمسلم (١٦٠٨)، ولذلك أورد الضياءُ المقدسي حديثَ شريكٍ هذا في «الأحاديث المختارة الجياد» (١٢/ ٦٤)، أما البوصيري، فتجوّز حين صحّح سنده في «مصباح الزجاجة» (٣/ ٩٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وأراد».\n(^٣) برقم (٤٧٠٥) من طريق الفضل بن موسى (وهو السيناني) بلفظ: «بالشفعة والجوار». ويُنظر التعليق على «المجتبى» للنسائي (٧/ ٣٢٣ - ط. دار التأصيل)، مع الموازنة بـ «المحلى» لابن حزم (٩/ ١٠١)، و«تحفة الأشراف» للمزي (٢/ ٢٩٣).\n(^٤) ت، ع: «الشيباني»، وفي ح، ف: «السيتاني»، وكلاهما تصحيف.\n(^٥) ع: «أبو أمامة»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.\n(^٦) ع: «فلا يبيعه».","vol":"2","page":460},{"text":"عليه» (^١).\nوهؤلاء ثقات كلُّهم. وعلُّة هذا الحديث ما ذكره الترمذي قال: سمعت محمدًا ــ يعني البخاري ــ يقول: سليمان اليشكري، يقال إنه مات (^٢) في حياة جابر بن عبد الله. قال: ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر. قال: ويقال (^٣): إنما يحدِّث قتادة عن صحيفة سليمان اليشكري، وكان له كتابٌ عن جابر بن عبد الله.\nقلت: وغاية هذا أن يكون كتابًا، والأخذُ عن الكتب حجة.\nوقال محمد بن عمران بن أبي ليلى، عن أبيه: حدثني ابن أبي ليلى ــ يعني محمد بن عبد الرحمن ــ عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «الجارُ أحقُّ بسَقَبه ما كان» (^٤).\n_________\n(^١) رواه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» (٢٥٨) عن شعيب بن أيوب، عن أبي أسامة (واسمُه: حماد بن أسامة)، عن سعيد به. ورواه أحمد (١٤٨٥٤)، والترمذي (١٣١٢) من طريقين آخرين عن سعيد به، وقال الترمذي: «إسناده ليس بمتصل». ويُنظر: «المغني عن حمل الأسفار» للعراقي (١/ ٥٢٤).\n(^٢) «مات» من ت.\n(^٣) «ويقال» ليس في «الجامع».\n(^٤) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٤٧٩٠) عن كثير بن عبيد التمّار (وهو واهٍ)، عن محمد بن عمران به دون قوله: «ما كان». والكلمتان واردتان في طريق أخرى أسندها الطبراني في «المعجم الأوسط» (٧٧٩٦)، وهي أنظفُ سندًا وأتمُّ لفظًا؛ فكانت أولى بالذكر، على أن مدار الطريقين على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولم يكن بالقوي، وتفرُّده بالحديث عن نافع عن ابن عمر منكر جدًّا، لكن متن الحديث معروفٌ من أوجه أخرى، وقد تقدّم تخريجه من حديث الشريد بن سُويد - ﵁ -.","vol":"2","page":461},{"text":"وقال ابن أبي شيبة (^١): ثنا وكيع، عن هشام بن المغيرة الثقفي قال: سمعتُ [٣٢٧/ب] الشعبيَّ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «الشفيع أولى من الجار، والجار أولى من الجنب». وإسناده إلى الشعبي صحيح.\nقالوا: ولأنَّ حقَّ الأصيل ــ وهو الجار ــ أسبقُ من حقِّ الدخيل. وكلُّ معنًى اقتضى ثبوتَ الشفعة للشريك، فمثلُه في حقِّ الجار؛ فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتًا فاحشًا، ويتأذَّى بعضهم ببعض، ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود، والضررُ بذلك دائم متأبِّد. ولا يندفع ذلك إلا برضى الجار: إن شاء أقرَّ الدخيلَ على جواره له (^٢)، وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مؤنة المجاورة ومفسدتها. وإذا كان الجار يخاف التأذِّيَ بمجاوِره (^٣) على وجه اللزوم، كان كالشريك يخاف التأذِّيَ بشريكه على وجه اللزوم.\nقالوا: ولا يرد علينا المستأجر مع المالك، فإن منفعة الإجارة لا تتأبد عادة. وأيضًا فالمِلكُ بالإجارة مِلكُ منفعة، ولا لزومَ بين مِلك الجار وبين منفعة دار جاره؛ بخلاف مسألتنا، فإن الضرر بسبب اتصال الملك بالملك كما أنه في الشركة حاصل بسبب اتصال الملك بالملك؛ فوجب بحكم عناية\n_________\n(^١) في «المصنف» (٢٣١٦٩) عن وكيعٍ به. وسندُ الأثرِ جيّدٌ، لولا أنه مرسلٌ. أمّا ابن حزم فقطع في «المحلّى» (٩/ ١٠٣) أن هشام بن المغيرة ضعيف! والصحيح أنه ثقةٌ صدوقٌ.\n(^٢) «له» من ع. وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «بالمجاورة». ولعل بعضهم قرأ «بمجاورةٍ» ثم أدخل عليها لام التعريف.","vol":"2","page":462},{"text":"الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالةُ الضررين جميعًا على وجه لا يضرُّ البائع، وقد أمكن هاهنا، فيبعد القول به. فهذا تقرير قول هؤلاء نصًّا وقياسًا.\nقال المبطلون لشفعة الجوار: لا تُضرَبُ سنة رسول الله - ﷺ - بعضها ببعض. فقد ثبت في «صحيح البخاري» (^١) من حديث الزهري [٣٢٨/أ] عن أبي سلمة عن جابر قال: إنما جعل رسول الله - ﷺ - الشفعةَ في كلِّ ما لم يُقسَم. فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة.\nوفي «صحيح مسلم» (^٢) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كلِّ شِرْكةٍ لم تُقسَم: ربعةٍ أو حائطٍ، ولا يحِلُّ له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء (^٣) ترك. فإن باع ولم يُؤذنه فهو أحقُّ.\nوقال (^٤) الشافعي (^٥): ثنا سعيد (^٦) بن سالم، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الشفعة فيما لم يُقْسَم. فإذا وقعت الحدود فلا شفعة».\n_________\n(^١) برقم (٢٢١٣).\n(^٢) برقم (١٦٠٨).\n(^٣) ح، ف: «أو شاء».\n(^٤) ع، ت: «قال» دون الواو، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) في «اختلاف الحديث» (١٥٠) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٩/ ١٥٨)، والبيهقي (٦/ ١٠٤ - ١٠٥)، والبغوي في «شرح السنة» (٨/ ٢٣٩ - ٢٤٠) ــ عن سعيد بن سالم (وفيه لِينٌ) به.\n(^٦) ح، ف: «شعبة»، تصحيف.","vol":"2","page":463},{"text":"وفي «الموطأ» من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (^١) قال: قضى رسولُ الله - ﷺ - بالشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا صُرِّفت الطرق ووقعت الحدود فلا شفعة (^٢).\nوفي «سنن أبي داود» (^٣) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قُسِمَت الأرض وحُدَّت فلا شفعةَ فيها».\nوقال سعيد بن منصور: ثنا إسماعيل بن زكريا، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عون بن عبد الله (^٤)، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب قال: إذا صُرِّفت الحدود وعَرف الناسُ حدودَهم فلا شفعة بينهم (^٥).\n_________\n(^١) كذا، وإنما رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٢٦٣٣) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة أن رسول الله - ﷺ - قضى بالشفعة فيما لم يُقسَمْ بين الشركاء، فإن وقعت الحدود بينهم؛ فلا شفعة فيه. ويُنظر: «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ٣٦ - ٤٥)، و«الاستذكار» له (٧/ ٦٦)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٦/ ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٢) هذه الفقرة «وفي الموطأ ... شفعة» وقعت في ع بعد الفقرة الآتية، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) برقم (٣٥١٥). ويُنظر: «العلل» للدارقطني (٩/ ٣٣٧ - ٣٤٢).\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، والصواب أنه عون بن عبيد الله، كما في التعليق الآتي.\n(^٥) رواه البيهقي (٦/ ١٠٥) من طريق سعيد بن منصور به. ورواه ابن أبي شيبة (٢٣١٩٢، ٢٣١٩٥) عن يزيد بن هارون، وعبد الله بن إدريس (فرَّقهما)، عن يحيى بن سعيد، عن عون بن عبيدالله بن أبي رافع، عن عبيد الله به. وقد نقل الدوري في «التاريخ» (٩٧٥) قول ابن معين: «عون الذي روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري هو عون بن عبيد الله بن أبي رافع». ويَحْسُن تدبُّرُ ما في «التاريخ» لعباس الدوري (١١٧٤)، و«التاريخ الكبير» للإمام البخاري (٧/ ١٤ - ١٥)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٦/ ٣٨٥)، و«الثقات» لابن حبان (٧/ ٢٧٩). أما عبد الرزاق، فقصّر به، وتخفّف من أعبائه، فرواه في «المصنف» (١٤٣٩٢) عن الثوري وابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن عمر، مُعضلا!","vol":"2","page":464},{"text":"وقال أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عثمان بن عفان: إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها (^١).\nوهذا قول ابن عباس.\nقالوا: [٣٢٨/ب] ولا ريب أن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق والإحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسُم الموجِب لنقص قيمة مِلكه عليه.\nقالوا: وقد فرَّق الله بين الشريك والجار شرعًا وقدرًا. ففي الشركة حقوق لا توجد في الجوار، فإن الملك في الشركة مختلط، وفي الجوار متميِّز، ولكلٍّ من الشريكين على صاحبه مطالبة شرعية ومنع شرعي. أما المطالبة ففي القسمة، وأما المنع فمن التصرُّف. فلما كانت الشركة محلًّا للطلب ومحلًّا للمنع كانت محلًّا للاستحقاق، بخلاف الجوار؛ فلم يجُز إلحاقُ الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف. والمعنى الذي وجبت به الشفعة رفعُ مؤنة المقاسمة، وهي مؤنة كبيرة (^٢). والشريك لما باع حصته من\n_________\n(^١) رواه مالك (٢٦٥٠)، وعنه عبد الرزاق (١٤٣٩٣، ١٤٤٢٦). ويُنظر: «غريب الحديث» لأبي عبيد (٤/ ٣٠٧)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (٢٢٥٠٦، ٢٣١٩١)، و«مسائل صالح ابن الإمام أحمد» (١٦١٢)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٤٣٣).\n(^٢) ت، ع: «كثيرة»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":465},{"text":"غير شريكه فهذا الدخيل قد عرَّضه لمؤنة عظيمة، فمكَّنه الشارعُ من التخلُّص منها بانتزاع الشِّقْص (^١) على وجهٍ لا يُضِرُّ بالبائع ولا المشتري (^٢). ولم يمكِّنه الشارع من الانتزاع قبل البيع، لأن شريكه مثلُه ومساوٍ له في الدرجة، فلا يستحق عليه شيئًا إلا ولصاحبه مثلُ ذلك الحقِّ عليه. فإذا باع صار المشتري دخيلًا، والشريك أصيل، فرجَح جانبُه، وثبَت له الاستحقاق.\nقالوا: وكما أن الشارع يقصد رفعَ الضرر عن الجار، فهو أيضًا يقصد رفعَ الضرر عن المشتري. ولا يزيل ضررَ الجار بإدخال الضرر على المشتري، فإنه محتاج إلى دارٍ يسكنها هو وعياله، [٣٢٩/أ] فإذا سلَّط الجارَ على إخراجه وانتزاع داره منه أضرَّ به إضرارًا بيِّنًا. وأيُّ دار اشتراها وله جار، فحاله معه هكذا. وتطلُّبُه دارًا لا جارَ لها كالمتعذِّر عليه أو المتعسِّر (^٣). فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق، لئلا يضرَّ الناسُ بعضُهم بعضًا. ويتعذَّر على من أراد شراءَ دارٍ لها جارٌ أن يتمَّ له مقصوده. وهذا بخلاف الشريك، فإن المشتري لا يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها، والشريكُ يمكنه ذلك بانضمامها إلى مِلكه، فليس على المشتري ضررٌ في انتزاعها منه وإعطائه ما اشتراها به.\nقالوا: وحينئذ فتعيَّن حملُ أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلَّت عليه أحاديث شفعة الشركة، فيكون لفظ الجار فيها مرادًا به الشريك. ووجهُ هذا الإطلاق: المعنى والاستعمال. أما المعنى فإن كلَّ جزء من مِلك الشريك\n_________\n(^١) الشقص: القطعة من الشيء، والنصيب.\n(^٢) ع: «بالمشتري»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: «كالمتعسِّر»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":466},{"text":"مجاورٌ لمِلك صاحبه، فهما جاران حقيقةً. وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران. ولذا سمِّيت الزوجة جارةً كما قال الأعشى (^١):\nأجارتَنا بِيني فإنكِ طالقه\nفتسميةُ الشريك جارًا أولى وأحرى.\nوقال حَمَلُ بن مالك: كنت بين جارتين لي (^٢).\nهذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة. وأما إن كان المراد بالحقِّ فيها حقَّ الجار على جاره، فلا حجة فيها على إثبات الشفعة.\n_________\n(^١) من أبيات في «ديوانه» (٢/ ١٣٤) وعجز البيت:\nكذاكِ أمورُ الناس غادٍ وطارقَه\nورواية الديوان: «أيا جارتي»، وقد ورد في كتاب «الأم» (٧/ ١١٧) وغيره كما هنا. وانظر: «الصواعق المرسلة» (٢/ ٦٧٥ - ٦٧٦).\n(^٢) رواه الإمام الشافعي في «الأم» (٧/ ٢٦٤) عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس ... عن حمل بن مالك به. ورواه أبو داود (٤٥٧٣) عن عبد الله بن محمد الزهري، عن سفيان به وفيه: «بين امرأتين». ورواه النسائي في «السنن الكبرى» (٦٩٩١) عن قتيبة، عن حماد (وهو ابن زيد)، عن عمرو به مرسلا. وأغرب عبد الرزاق، فرواه في «المصنف» (١٨٣٤٣) ــ ومن طريقه الدارقطني في «السنن» (٣٢٠٩)، والحاكم (٣/ ٥٧٥) ــ عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن حملٍ به. ورواه بنحوه: أحمد (٣٤٣٩، ١٦٧٢٩)، وأبو داود (٤٥٧٢)، وابن ماجه (٢٦٤١)، والنسائي (٤٧٣٩)، وفي «السنن الكبرى» (٦٩١٥) من طرق عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن حملٍ به. وصححه البخاري والبيهقي وغيرُهما. ويُنظر: «العلل الكبير» للترمذي (٣٩٨، ٣٩٩ - ترتيبه)، و«الإلزامات» للدارقطني (ص ١١١)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٨/ ٤٣). وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":467},{"text":"وأيضًا فإنه إنما أثبت له على البائع حقَّ العرض عليه إذا أراد [٣٢٩/ب] البيع، فأين حق الانتزاع (^١) من المشتري؟ ولا يلزم من ثبوت هذا الحقِّ ثبوتُ حقِّ الانتزاع.\nفهذا منتهى إقدام الطائفتين في هذه المسألة.\nوالصواب: القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه، وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث، أنه إن كان بين الجارين حقٌّ مشترَك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حقٌّ مشتركٌ البتةَ، بل كلُّ واحد متميِّزٌ (^٢) ملكُه وحقوقُ ملكه= فلا شفعة، وهذا الذي نصَّ عليه أحمد في رواية أبي طالب (^٣)، فإنه سأله عن الشفعة: لمن هي؟ فقال: إذا كان طريقُهما واحدًا. فإذا صُرِّفت الطرق وعُرفت الحدود فلا شفعة.\nوهذا قول عمر بن عبد العزيز (^٤)، وقول القاضيين سوَّار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبري.\nوقال أحمد في رواية ابن مُشَيش: أهل البصرة يقولون: إذا كان الطريق واحدًا كان بينهم الشفعة مثل دارنا هذه، على معنى حديث جابر الذي يحدِّثه عبد الملك، انتهى.\n_________\n(^١) ع: «ثبوت حق الانتزاع». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «بل كان كلُّ واحد منهما متميزًا».\n(^٣) نقلها ابن مفلح في «الفروع» (٧/ ٢٧٠). وانظر: «مسائل ابن هانئ» (ص ٢٩٩).\n(^٤) رواه عبد الرزاق (١٤٣٩٤، ١٤٣٩٥)، وابن أبي شيبة (٢٣١٩٤).","vol":"2","page":468},{"text":"فأهلُ الكوفة يُثبِتون شفعةَ الجوار مع تميز الطرق والحقوق. وأهلُ المدينة يُسقِطونها مع الاشتراك في الطريق والحقوق. وأهلُ البصرة يوافقون أهلَ المدينة إذا صُرِّفت الطرق ولم يكن هناك اشتراكٌ في حقٍّ من حقوق الأملاك، ويوافقون أهلَ الكوفة إذا اشترك الجاران في حقٍّ من حقوق الأملاك كالطريق وغيرها. وهذا [٣٣٠/أ] هو الصواب، وهو أعدَلُ الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nوحديث جابر الذي أنكره من أنكره على عبد الملك صريح فيه، فإنه قال: «الجار أحَقُّ بسَقَبه، يُنتظر به وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا»، فأثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق. ونفاها به مع اختلاف الطريق بقوله: «فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة». فمفهوم حديث عبد الملك هو بعينه منطوق حديث أبي سَلَمة، فأحدُهما يصدِّق الآخر ويوافقه، لا يعارضه ويناقضه، وجابرٌ روى اللفظين. فالذي دلَّ عليه حديثُ أبي سلمة عنه من إسقاط الشفعة عند تصريف الطرق وتمييز الحدود هو بعينه الذي دلَّ عليه حديثُ عبد الملك عن عطاء عنه بمفهومه. والذي دلَّ عليه حديثُ عبد الملك بمنطوقه هو الذي دلَّت عليه سائر أحاديث جابر بمفهومها. فتوافقت السنن وائتلفت بحمد الله (^٢)، وزال عنها ما يظَنُّ بها من التعارض. وحديثُ أبي رافع الذي رواه البخاري يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه حديثُ عبد الملك، فإنه دلَّ على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق،\n_________\n(^١) انظر: «اختيارات البعلي» (ص ١٦٧) و«تهذيب السنن» (٢/ ٥٤٠ - ٥٤١). وسيأتي الكلام مرة أخرى في فصل الحيل.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «بحمد الله وائتلفت».","vol":"2","page":469},{"text":"فإن البيتين كانا في نفس دار سعد، والطريق واحد بلا ريب.\nوالقياس الصحيح يقتضي هذا القول، فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها نظير الضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه [٣٣٠/ب] مصلحة الشريك (^١) من غير مضرَّة على البائع ولا على المشتري. فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه.\nفهذا المذهب أوسط المذاهب، وأجمعها للأدلة، وأقربها إلى العدل. وعليه يحمل الاختلاف عن عمر - ﵁ -. فحيث قال: «لا شفعة» (^٢) ففيما إذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، وحيث أثبتها ففيما إذا لم تصرَّف الطرق؛ فإنه قد روي عنه هذا وهذا (^٣). وكذلك ما روي عن علي، فإنه قال: «إذا حُدَّت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة» (^٤).\nومن تأمل أحاديث شفعة الجوار رآها صريحة في ذلك، وتبيَّن له بطلانُ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «للشريك».\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) رواه النسائي في «السنن الكبرى» [كما في «تحفة الأشراف» للمزي ٨/ ٢٩)] من طريق شريح بن الحارث، عنه. وقال ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٣٦): إسنادٌ صحيحٌ.\n(^٤) لم أره عن علي - ﵁ -، وإنما وجدتُ نحوَه من كلام عمر وعثمان - ﵄ -، وقد أشار إلى قولهما الترمذي في «الجامع» عَقِبَ الحديث (١٣٧٠)، ولم يذكر معهما عليًّا ويُنظر: «الموطأ» لمالك (٢٦٥٠)، و«المصنَّف» لعبد الرزاق (١٤٣٩٢، ١٤٣٩٣، ١٤٤٢٦)، و«المصنّف» لابن أبي شيبة (٢٣١٩١، ٢٣١٩٢، ٢٣١٩٥)، وما تقدّم (ص ٩٩١ - ٩٩٣).","vol":"2","page":470},{"text":"حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة، وبالله التوفيق.\nفإن قيل: بقي عليكم أن في حديث جابر وأبي هريرة: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة»، فأسقط الشفعة بمجرَّد وقوع الحدود، وعند أرباب هذا القول إذا حصل الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة، وإن وقعت الحدود؛ وهذا خلاف الحديث.\nفالجواب من وجهين:\nأحدهما: أن من الرواة من اختصر أحد اللفظين، ومنهم من جوَّد الحديث فذكَرهما، ولا يكون إسقاط من أسقط أحد اللفظين (^١) مبطلًا لحكم اللفظ الآخر.\nالثاني: أن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود، فإن الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلُّها واقعة، بل بعضها حاصل، وبعضها منتفٍ. فوقوع [٣٣١/أ] الحدود من كلِّ وجه يستلزم أو يتضمَّن تصريف الطرق. والله أعلم.\nفصل\nوأما قوله: «وحرَّم صومَ أول يومٍ من شوال، وفرَضَ صومَ آخر يوم من رمضان مع تساويهما»، فالمقدمة الأولى صحيحة، والثانية كاذبة. فليس اليومان متساويين، وإن اشتركا في طلوع الشمس وغروبها. فهذا يومٌ من شهر الصيام الذي فرضه الله على عباده، وهذا يومُ عيدِهم وسرورِهم الذي جعله الله تعالى شكرانَ صومهم وإتمامَه، فهم فيه أضيافه سبحانه. والجواد\n_________\n(^١) ت: «اللفظتين». ح، ف: «إحدى اللفظتين».","vol":"2","page":471},{"text":"الكريم يحبُّ من ضيفه أن يقبل قِراه، ويكره أن يمتنع من قبول ضيافته بصوم أو غيره، ويكره للضيف أن يصوم إلا بإذن صاحب المنزل. فمن أعظم محاسن الشريعة فرضُ صوم آخرِ يوم من رمضان، فإنه إتمامٌ لما أمرَ الله به وخاتمةُ العمل؛ وتحريمُ صومِ أولِ يومٍ من شوال، فإنه يومٌ يكون فيه المسلمون أضيافَ ربِّهم ﵎، وهم في شكرانِ نعمته عليهم. فأيُّ شيء أبلغ وأحسن من هذا الإيجاب والتحريم؟\nفصل\nوأما قوله: «وحرَّم عليه نكاحَ بنتِ أخيه وأخته، وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وأختِ أمه (^١)، وهما سواء»، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية كاذبة. فليستا سواءً في نفس الأمر، ولا في العُرف، ولا في العقول، ولا في الشريعة. وقد فرَّق الله سبحانه بين القريب والبعيد شرعًا وقدرًا وعقلًا وفطرةً. ولو تساوت القرابة لم يكن فرقٌ بين البنت وبنت [٣٣١/ب] الخالة وبنت العمة، وهذا من أفسد الأمور. والقرابة البعيدة بمنزلة الأجانب، فليس من الحكمة والمصلحة أن تُعطَى حكمَ القرابة القريبة. وهذا مما فطَر الله عليه العقلاء، وما خالف شرعَه في ذلك فهو إما مجوسيةٌ تتضمَّن التسوية بين البنت والأم وبنات الأعمام والخالات في نكاح الجميع، وإما حرجٌ عظيمٌ على العباد في تحريم نكاح بنات أعمامهم وعمَّاتهم وأخوالهم وخالاتهم؛ فإن الناس ــ ولا سيما العرب ــ أكثرهم بنو عمٍّ بعضُهم لبعض،\n_________\n(^١) يعني: «وبنت أخت أمه»، كما عنى من قبل «وبنت أخته». وأثبتوا في النسخ المطبوعة: «وبنت أخت أمه»، زادوا كلمة «بنت» هنا وتركوها في الجملة السابقة.","vol":"2","page":472},{"text":"إما بنوّةُ عمٍّ دانية وإما قاصية. فلو مُنعوا من ذلك لكان عليهم فيه حرج (^١) وضيق. فكان ما جاءت به الشريعة أحسنَ الأمور وألصقَها بالعقول السليمة والفِطَر المستقيمة. والحمد لله رب العالمين.\nفصل\nوأما قوله: «وحمَّل العاقلةَ جنايةَ الخطأ على النفوس دون الأموال»، فقد تقدَّم أن هذا من محاسن الشريعة، وذكرنا [من] (^٢) الفرق بين الأموال والنفوس ما أغنى عن إعادته.\nفصل\nوأما قوله: «وحرَّم وطءَ الحائض لأجل الأذى، وأباح وطءَ المستحاضة مع وجود الأذى، وهما متساويان»، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية فيها إجمال. فإن أريد أن أذى الاستحاضة مساوٍ لأذى الحيض كذبت المقدمة، وإن أريد أنه نوع آخر من الأذى لم يكن التفريق بينهما تفريقًا بين المتساويين، فبطل سؤاله على كلا التقديرين.\nومن حكمة [٣٣٢/أ] الشارع تفريقه بينهما، فإن أذى الحيض أعظم وأدوَم وأضَرّ من أذى الاستحاضة. ودمُ الاستحاضة عِرق، وهو في الفرج بمنزله الرعاف في الأنف، وخروجه مضر، وانقطاعه دليل على الصحة؛ ودمُ الحيض عكس ذلك، فلا يستوي (^٣) الدمان حقيقةً ولا عرفًا ولا حكمًا ولا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «عظيم».\n(^٢) ما بين الحاصرتين من النسخ المطبوعة.\n(^٣) ع: «ولا يستوي»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":473},{"text":"سببًا. فمن كمال الشريعة تفريقها بين الدمين في الحكم، كما افترقا في الحقيقة. وبالله التوفيق.\nفصل (^١)\nوأما قوله: «وحرَّم بيعَ مُدِّ حنطة بمُدٍّ وحُفنة، وجوَّز بيعه بقَفيز شعير»، فهذا من محاسن شريعته (^٢) التي لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة. ونحن نشير إلى حكمة ذلك إشارةً بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة، وشرعُ الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا، فنقول:\nالربا نوعان: جلي وخفي. فالجليُّ حُرِّم لما فيه من الضرر العظيم (^٣). والخفيُّ حُرِّم، لأنه ذريعة إلى الجلي. فتحريم الأول قصدًا، وتحريم الثاني وسيلةً.\nفأما الجليُّ فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخِّر دينه ويزيده في المال، وكلما أخَّره زاد في المال، حتى تصير المائة عنده آلافًا مؤلفةً. وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدِم محتاج. فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادةٍ يبذلها له تكلَّفَ بذلَها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتدُّ ضررُه، وتعظمُ مصيبتُه، ويعلوه الدَّينُ حتى يستغرق جميع موجوده. فيربو [٣٣٢/ب] المالُ على المحتاج من غير نفعٍ يحصل له، ويزيد مالُ المرابي من غير نفعٍ يحصل\n_________\n(^١) هذا الفصل وما يليه مأخوذ من تفسير شيخ الإسلام لآية الربا، وهو منشور ضمن «جامع المسائل» (٨/ ٢٧١ - ٣٣٠) و«تفسير آيات أشكلت» (٢/ ٥٧٤ - ٧٠٣).\n(^٢) ع: «الشريعة»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في «جامع المسائل» (٨/ ٢٨١): «من الضرر والظلم».","vol":"2","page":474},{"text":"منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر. فمن رحمة أرحمِ الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرَّم الربا، ولعن آكلَه ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وآذَنَ من لم يدَعْه بحربه وحرب رسوله. ولم يجئ مثلُ هذا الوعيد في كبيرة غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر.\nوسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شكَّ فيه فقال: هو أن يكون له دين، فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضِه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل (^١).\nوقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدِّق. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١]. ثم ذكر الجنة التي أعدت للذين (^٢) ينفقون في السرَّاء والضرَّاء، وهؤلاء ضد المُرابين. فنهى سبحانه عن الربا الذي هو ظلم للناس، وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليهم.\nوفي «الصحيحين» (^٣) من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد أن النبي - ﷺ - قال: «إنما الربا في النسيئة». ومثل هذا [٣٣٣/أ] يراد به حصرُ الكمال وأن\n_________\n(^١) «جامع المسائل» (٨/ ٢٨١، ٣٠٤).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «للمتقين الذين».\n(^٣) البخاري (٢١٧٨) ومسلم (١٥٩٦).","vol":"2","page":475},{"text":"الربا الكامل إنما هو في النسيئة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وكقول ابن مسعود: «إنما العالم الذي يخشى الله» (^١).\nفصل\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-340> ربا الفضل</span>، فتحريمه من باب سدّ الذرائع، كما صرِّح به في حديث أبي سعيد الخدري (^٢) عن النبي - ﷺ -: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكم الرَّماءَ» (^٣). والرَّماء هو الربا.\n_________\n(^١) لم أره عنه مسندًا، وعلّق ابن عبد البر عنه نحوَه في «جامع بيان العلم» (١٢٢١)، وورد هذا عن غير واحد، منهم: مجاهد بن جبر، أسنده عنه حمزة السهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٤٧٤). وجاء نحوه من كلام الحسن البصري عند الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٤١) بسندٍ واهٍ، والمحفوظ عنه بلفظٍ آخرَ مشهورٍ، ليس هذا موضعَ ذكرِه.\n\nويُنظر: «الفوائد» لتمّامٍ الرازي (٧٦٤)، و«حلية الأولياء» لأبي نعيم (٣/ ٦٧)، و«ما رواه الأكابر عن مالك» لمحمد بن مخلد (٤٦)، و«المسند الصحيح» لابن حبان (٤٨٧٩).\n(^٢) وقع في «جامع المسائل» (٨/ ٢٨٢): «في «المسند» مرفوعًا ... من حديث سعد».\n(^٣) الطرف الأول من الحديث ثابتٌ معناه من حديث أبي سعيد وغيره، في الصحيحين وغيرهما، لكن طرفه الثاني لا يصح مرفوعًا. وقد رواه سعيد بن منصور ــ ومن طريقه الخطيب في «الفصل للوصل المدرج في النقل» (١/ ٢٢٥ ط. دار ابن الجوزي) ــ (بمعناه) عن أبي معشر، عن نافع، عن أبي سعيد مرفوعًا! وقد غلط أبو معشر (نجيحٌ السندي)؛ فأدرج الموقوف في الحديث المرفوع. وتابعه ليث بن أبي سُليم (وهو ضعيفٌ مُخَلِّطٌ)، ومن طريقه رواه ابن جرير في «تهذيب الآثار» (١٠٧٤ - مسند عمر). وليُنظر ما دبّجتْه يراعةُ الخطيب في «الفصل للوصل المدرج في النقل» (١/ ٢٢٥ - ٢٣٩)؛ فإنه فائقٌ رائقٌ.","vol":"2","page":476},{"text":"فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة. وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يُفعَل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين ــ إما في الجودة، وإما في السِّكَّة (^١)، وإما في الثقل والخفَّة، وغير ذلك ــ تذرَّعُوا بالربح المعجَّل فيها إلى الربح المؤخَّر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدًّا. فمن حكمة الشارع أن سدَّ عليهم هذه الذريعة، ومنَعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئةً. فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول، وهي تسُدُّ عليهم باب المفسدة.\nفإذا تبيَّن هذا فنقول: الشارع نصَّ على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان، وهي: الذهب، والفضة، والبُرّ، والشعير، والتمر، والملح. فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها. فطائفة قصَرت [٣٣٣/ب] التحريمَ عليها، وأقدَمُ مَن يُروى عنه هذا قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر، واختيار ابن عقيل في آخر مصنَّفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القيَّاسين (^٢) في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس.\nوطائفة حرَّمته في كلِّ مكيل وموزون بجنسه. وهذا مذهب عمار (^٣)\n_________\n(^١) يعني: في صفة الصياغة وطريقتها.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، وقد سبق له نظائر. وفي «جامع المسائل» (٨/ ٢٨٥): «القياس».\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٢٠٨٠٠)، والطحاوي في «بيان المشكل» (٣/ ٣٣٨) من طريق رِيَاحِ بن الحارث عنه، وسندُه جيِّدٌ.","vol":"2","page":477},{"text":"وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة (^١).\nوطائفة خصَّته بالطعام وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا. وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد:\nوطائفة خصَّته بالطعام إذا كان مكيلًا أو موزونًا. وهو قول سعيد بن المسيِّب (^٢) ورواية عن أحمد وقول للشافعي.\nوطائفة خصَّته بالقوت وما يُصلحه، وهو قول مالك (^٣). وهو أرجح هذه الأقوال، كما ستراه.\nوأما الدراهم والدنانير، فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين. وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة. وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى. وهذا هو الصحيح، بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما. فلو كان النحاس والحديد ربويَّين لم يجُز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا، فإن ما يجري فيه الربا\n_________\n(^١) في «جامع المسائل» (٨/ ٢٨٥): «وبه أخذ أحمد بن حنبل في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وغيره».\n(^٢) رواه مالك (٢٣٤٠) ــ وعنه عبد الرزاق (١٤١٣٩) ــ عن أبي الزناد، عن ابن المسيب، وسندُه صحيحٌ غاية. ومن طريق مالكٍ رواه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٢٩٨). وغلط المبارك بن مجاهد، فرواه عن مالك، عن أبي الزناد، عن ابن المسيب مرسلا! رواه من طريقه الدارقطنيُّ في «السنن» (٢٨٣٤)، ووهّمَه في رفعِه.\n(^٣) قارن بسياق شيخ الإسلام في «جامع المسائل» (٨/ ٢٨٥).","vol":"2","page":478},{"text":"إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النَّساء، والعلَّة إذا انتقضت من غير فرق مؤثِّر دلَّ على بطلانها.\nوأيضًا فالتعليل بالوزن ليس [٣٣٤/أ] فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعرَف تقويمُ الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمنٌ نعتبر به المبيعاتِ، بل الجميعُ سِلَع. وحاجةُ الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تُعرَف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوَّم به الأشياء، ويستمرُّ على حالة واحدة. ولا يقوَّم هو بغيره، إذ يصير سلعةً ترتفع وتنخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتدُّ الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتُّخِذت (^١) الفلوسُ سلعةً تُعَدُّ للربح، فعمَّ الضرر وحصَل الظلم. ولو جُعِلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص بل تقوَّم به الأشياء ولا تقوَّم هي بغيرها لصلَح أمرُ الناس. فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير ــ مثل أن يعطي صحاحًا ويأخذ مكسَّرةً، أو خفافًا ويأخذ ثقالًا أكثر منها ــ لصارت متجرًا، وجَرَّ ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بدَّ. فالأثمانُ لا تُقصَد لأعيانها، بل يُقصَد التوسُّلُ بها إلى السِّلع. فإذا صارت في أنفسها سِلَعًا تُقْصَد لأعيانها فسَد أمرُ الناس. وهذا معنى معقول (^٢) يختصُّ بالنقود لا يتعدَّى إلى سائر الموزونات.\n_________\n(^١) في المطبوع: «اتخذوا».\n(^٢) في المطبوع: «وهذا قول»!","vol":"2","page":479},{"text":"فصل\nوأما الأصناف الأربعة المطعومة، [٣٣٤/ب] فحاجةُ الناس إليها أعظمُ من حاجتهم إلى غيرها؛ لأنها أقوات العالم، وما يُصلحها. فمن رعاية مصالح العباد أن مُنِعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل، سواء اتحد الجنس أو اختلف، ومُنِعوا من بيع بعضها ببعض حالًا متفاضلًا وإن اختلفت صفاتها، وجُوِّز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها.\nوسرُّ ذلك ــ والله أعلم ــ أنه لو جُوِّز بيعُ بعضها ببعض نَساءً لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح، وحينئذ تشِحُّ نفسُه ببيعها حالَّةً، لطمعه في الربح، فيعزُّ الطعام على المحتاج، ويشتدُّ ضررُه. وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير، ولا سيما أهل العمود والبوادي، وإنما يتناقلون الطعام بالطعام. فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النَّساء فيها، كما منَعهم من ربا النساء في الأثمان؛ إذ لو جُوِّز لهم النَّساء فيها لدخلها: «إما أن تَقضي وإما أن تُربي» (^١)، فيصير الصاع الواحد (^٢) قُفْزانًا كثيرةً، ففُطِموا عن النَّساء، ثم فُطِموا عن بيعها متفاضلًا يدًا بيدٍ، إذ تجرُّهم حلاوةُ الربح وظفرُ الكسب إلى التجارة فيها نَساءً، وهو عين المفسدة.\nوهذا بخلاف الجنسين المتباينين، فإن حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة، ففي إلزامهم المساواةَ في بيعها إضرارٌ بهم، ولا يفعلونه. وفي تجويز النَّساء بينها ذريعةٌ إلى: «إما أن تَقضي وإما أن تُربي»، فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصَرهم على بيعها يدًا بيد كيف شاؤوا،\n_________\n(^١) يُنظر: «الموطأ» لمالك، عقب الفقرة (٢٤٨٢).\n(^٢) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «لو أخذ».","vol":"2","page":480},{"text":"فحصلت لهم مصلحة المناقلة، [٣٣٥/أ] واندفعت عنهم مفسدة: «إما أن تقضي وإما أن تربي».\nوهذا بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نَساءً، فإن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو مُنعوا منه لأضرَّ بهم، ولامتنع السَّلَمُ الذي هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيره، والشريعة لا تأتي بهذا. وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نَساءً، وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا، فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو حاجتهم إليه (^١) وليس بذريعة إلى مفسدة راجحة، ومُنِعوا مما لا تدعو الحاجة إليه ويُتذَرَّع به غالبًا إلى مفسدة راجحة.\nيوضِّح ذلك: أنَّ مَن عنده صنفٌ من هذه الأصناف، وهو محتاج إلى الصنف الآخر، فإنه يحتاج إلى بيعه بالدراهم ليشتري الصنف الآخر، كما قال النبي - ﷺ -: «بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جَنيبًا» (^٢) أو يبيعه بذلك الصنف نفسَه بما يساوي. وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالًّا، بخلاف ما لو مُكِّن من النَّساء، فإنه حينئذ يبيعه بفضل، ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل؛ لأن صاحب ذلك الصنف يُربي عليه كما أربى هو على غيره، فينشأ من النَّساء تضرُّرٌ بكلِّ واحد منهما. والنَّساء هاهنا في صنفين، وفي النوع الأول في صنف واحد، وكلاهما منشأ الضرر والفساد.\n_________\n(^١) «إليه» ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: «إليه حاجتهم».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٠١) ومسلم (١٥٩٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. والجمع: كل لون من النخيل لا يعرف اسمه. وقيل: تمر مختلط من أنواع متفرقة. والجنيب: نوع جيد معروف من أنواع التمر. انظر: «النهاية» (١/ ٣٠٤).","vol":"2","page":481},{"text":"وإذا تأملتَ ما حُرِّم فيه النساء رأيته إما صنفًا واحدًا أو صنفين مقصودهما واحد أو [٣٣٥/ب] متقارب، كالدراهم والدنانير، والبُرِّ والشعير، والتمر والزبيب. فإذا تباعدت المقاصد لم يحرَّم النَّساء كالبُرِّ والثياب والحديد والزيت.\nيوضِّح ذلك: أنه لو مُكِّن من بيع مُدِّ حنطةٍ بمُدَّين كان ذلك تجارة حاضرة، فتطلب النفوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته؛ فمُنِعوا من ذلك حتى مُنِعوا من التفرُّق قبل القبض إتمامًا لهذه الحكمة، ورعايةً لهذه المصلحة؛ فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول، والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر، وكما يفعل أرباب الحيل: يطلقون العقدَ وقد تواطؤوا على أمر آخر، كما يطلقون عقدَ النكاح وقد اتفقوا على التحليل، ويطلقون بيعَ السِّلعة إلى أجل وقد اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن. فلو جُوِّز لهم التفرقُ قبل القبض لأطلقوا البيع حالًّا وأخَّروا الطلب لأجل الربح، فيقعوا في نفس المحذور.\nوسرُّ المسألة: أنهم مُنِعوا من التجارة في الأثمان بجنسها، لأن ذلك يُفسِد عليهم مقصود الأثمان؛ ومُنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها، لأن ذلك يُفسِد عليهم مقصودَ الأقوات. وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين، لأن التِّبر ليس فيه صنعة يُقصَد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضَل بينها، ولهذا قال: «تِبرُها وعينُها سواء» (^١).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٣٤٩)، والنسائي (٤٥٦٤) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا.\nوأصلُ الحديثِ عند مسلم (١٥٨٧) دُونَ محلِّ الشاهدِ.\nويُنظر: «المجتبى» للنسائي (٤٥٦٠ - ٤٥٦٣)، و«السنن الكبرى» له (٦١٠٧ - ٦١١٢)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، و«المتفق والمفترق» للخطيب (٣/ ١٩١٠ - ١٩١٥)، و«تحفة الأشراف» للمزي (٤/ ٢٤٩).","vol":"2","page":482},{"text":"فظهرت حكمة تحريم ربا النَّساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس [٣٣٦/أ] الواحد، وأنَّ تحريمَ هذا تحريمُ المقاصد وتحريمَ الآخر تحريمُ الوسائل وسَدِّ الذرائع، ولهذا لم يُبَح شيء من ربا النسيئة.\nفصل\nوأما ربا الفضل، فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا، فإنَّ ما حُرِّم سدًّا للذريعة أخفُّ مما حرِّم تحريمَ المقاصد. وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغةً (^١) محرَّمةً كالآنية حُرِّم بيعُه بجنسه وغير جنسه. وبيعُ هذا هو الذي أنكره عبادةُ على معاوية (^٢)، فإنه يتضمَّن مقابلة الصياغة المحرَّمة بالأثمان، وهذا لا يجوز كآلات الملاهي.\nوأما إن كانت الصياغة مباحة ــ كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها ــ فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها، فإنه سفه وإضاعة للصنعة.\nوالشارع أحكَمُ من أن يُلزِم الأمة بذلك، فالشريعة لا تأتي به، ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه. فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها البتةَ، بل يبيعها بجنس آخر. وفي هذا من الحرج والعسر\n_________\n(^١) كذا بتنوين النصب في ت مع عدم تحرير الكلمة، ونحوه في «جامع المسائل» (٨/ ٢٩١). وفي غير ت: «صناعته»، وفي النسخ المطبوعة: «صياغته».\n(^٢) انظر حديث عبادة في «صحيح مسلم» (١٥٨٧).","vol":"2","page":483},{"text":"والمشقة ما تنفيه (^١) الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائعُ لا يسمح ببيعه ببُرٍّ وشعير وثياب، وتكليفُ الاستصناع (^٢) لكلِّ من احتاج إليه إما متعذِّر أو متعسِّر، والحيل باطلة في الشرع. وقد جوَّز الشارعُ بيعَ الرطب بالتمر لشهوة الرطب (^٣)، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه؟ فلم [٣٣٦/ب] يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع. فلو لم يجُز بيعُه بالدراهم فسدت مصالح الناس.\nوالنصوص الواردة عن النبي - ﷺ - ليس فيها ما هو صريح في المنع، وغايتها أن تكون عامّة أو مطلقة، ولا يُنكَر تخصيصُ العامِّ وتقييدُ المطلق بالقياس الجلي. وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة، والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحلية، ولا سيَّما فإن لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارةً بلفظ الدراهم والدنانير كقوله: «الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار» (^٤)، وفي الزكاة قوله: «في الرِّقَة ربعُ العشر» (^٥) والرِّقة: هي الوَرِق، وهي الدراهم المضروبة، وتارةً بلفظ الذهب والفضة. فإن حُمِل المطلَق على المقيَّد كان نهيًا عن الربا في النقدين وإيجابًا للزكاة فيهما، ولا يقتضي ذلك نفيَ الحكم عن جملة ما عداهما. بل فيه تفصيل، فتجب الزكاة\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «تتقيه».\n(^٢) ف، ع: «الاستصياغ»، تصحيف.\n(^٣) يعني الترخيص في العرايا، وقد سبق تخريج حديث العرايا.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٥٨٨) من حديث أبي هريرة.\n(^٥) تقدَّم تخريجه.","vol":"2","page":484},{"text":"ويجري الربا في بعض صوره، لا في كلِّها. وفي هذا توفيةُ الأدلَّة حقَّها، وليس فيه مخالفة (^١) لدليل منها.\nيوضِّحه: أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسِّلَع، لا من جنس الأثمان. ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع، وإن كانت من غير جنسها؛ فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأُعِدَّت للتجارة، فلا محذور في بيعها بجنسها. ولا يدخلها: «إما أن تقضي وإما أن تُربي» إلا كما يدخل في سائر السِّلَع [٣٣٧/أ] إذا بيعت بالثمن المؤجَّل. ولا ريب أن هذا قد يقع فيها، لكن لو سُدَّ على الناس ذلك لَسُدَّ عليهم بابُ الدين، وتضرَّروا بذلك غاية الضرر.\nيوضِّحه: أن الناس على عهد نبيِّهم - ﷺ - كانوا يتخذون الحلية، وكان النساء يلبسنها، وكنَّ يتصدَّقن بها في الأعياد وغيرها (^٢). ومن المعلوم بالضرورة أنه كان يعطيها المحاويج (^٣)، ويعلم أنهم يبيعونها. ومعلومٌ قطعًا أنها لا تباع بوزنها فإنه سَفَه، ومعلومٌ أن مثل الحلقة والخاتم والفَتْخَة (^٤) لا تساوي دينارًا، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها، وهم كانوا أتقى لله،\n_________\n(^١) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «بشيء»!\n(^٢) انظر حديث ابن عباس في «صحيح البخاري» (٩٨) و«صحيح مسلم» (٨٨٤).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «للمحاويج».\n(^٤) جمعها الفَتَخَ. في «صحيح البخاري» (٩٧٩) عن عبد الرزاق قال: «الفَتَخ: الخواتيم العظام كانت في الجاهلية». وفي «غريب الحديث» للحربي (٣/ ١٠٤٧) عن الأصمعي أنها «خواتيمُ حَلَقٍ لا فصوص لها».","vol":"2","page":485},{"text":"وأفقه في دينه، وأعلمَ بمقاصد رسوله، من أن يرتكبوا الحيل أو يعلِّموها الناس.\nيوضِّحه: أنه لا يُعرَف عن أحد من الصحابة أنه نهَى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصَّرْف.\nيوضِّحه: أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدًّا للذريعة كما تقدَّم بيانه، وما حُرِّم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرَّم. وكذلك تحريمُ الذهب والحرير على الرجال، حُرِّم لسدِّ ذريعةِ التشبُّه بالنساء الملعونِ فاعلُه، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة. وكذلك ينبغي أن يباح بيعُ الحلية المصوغة صياغةً مباحةً بأكثر من وزنها، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، [٣٣٧/ب] وتحريمُ التفاضل إنما كان سدًّا للذريعة، فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع، ولا تتمُّ مصلحة الناس إلا به أو بالحيل، والحيل باطلة في الشرع. وغايةُ ما في ذلك جعلُ (^١) الزيادة في مقابلة الصياغة (^٢) المباحة المتقوِّمة بالأثمان في الغصوب وغيرها. وإذا كان أربابُ الحيل يجوِّزون بيعَ عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلسًا، ويقولون: الخمسة في مقابلة الخرقة؛ فكيف ينكرون بيعَ الحلية بوزنها وزيادةٍ تساوي الصياغة؟ وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمةً وعدلًا ورحمةً وجلالةً بإباحة هذا وتحريم ذاك، وهل هذا إلا عكس للمعقول والفطر والمصلحة؟\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «فعل»، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٢) ما عدا ع: «الصناعة» هنا وفيما يأتي بعد سطرين.","vol":"2","page":486},{"text":"والذي يُقضَى منه العجب مبالغتُهم في ربا الفضل أعظم مبالغة، حتى منعوا بيعَ رطل زيت برطل زيت، وحرَّموا بيعَ الكُسْب (^١) بالسِّمسم، وبيعَ النَّشا بالحنطة، وبيعَ الخلِّ بالزبيب، ونحو ذلك؛ وحرَّموا بيعَ مدِّ حنطة ودرهم بمُدٍّ ودرهم وجاؤوا إلى ربا النسيئة، ففتحوا للتحيُّل عليه كلَّ باب، فتارةً بالعِينة، وتارةً بالمحلِّل، وتارة بالشرط المتقدِّم المتواطأ عليه، ثم يطلقون العقد من غير اشتراط، وقد علِم الله والكرام الكاتبون والمتعاقدان ومَن حضر أنه عقدُ ربا، مقصودُه وروحُه بيعُ خمسة عشر مؤجَّلةً بعشرة نقدًا ليس إلا، ودخول السلعة كخروجها حرفٌ جاء لمعنى في غيره، فهلَّا فعلوا هاهنا كما فعلوا في مسألة «مُدُّ عَجْوة ودرهم بمُدٍّ ودرهم»!\n[٣٣٨/أ] وقالوا: قد يُجعَل وسيلةً إلى ربا الفضل بأن يكون المُدُّ في أحد الجانبين يساوي بعض المُدِّ في الجانب الآخر، فيقع التفاضل. فيا لله العجب! كيف حُرِّمت هذه الذريعةُ إلى ربا الفضل، وأبيحت تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتًا خالصًا؟ وأين مفسدةُ بيع الحلية\n_________\n(^١) غُيِّر في المطبوع إلى «الكشك» دون مسوِّغ. والذي في النسخ الخطية والمطبوعة صحيح. في «تهذيب اللغة» (١٠/ ٧٩) عن الليث أن «الكُسْب: الكُنجارَق» وأن «بعض السواديين يسمونه الكُسْبج». قال الأزهري: «الكُسْبَج معرَّب، وأصله بالفارسية كُشْب، فقلبت الشين سينًا». قلت: إن كان الأزهري سمعه بالشين في بلده، فيكون لغة فيه كالكُزْب بالزاي. وهو بالفارسية الحديثة: كُسْبه، وأصله بالفهلوية: كُسْبَك، بالكاف الفارسية، ومنه عُرّب بالجيم. والكنجارَق بالفارسية الحديثة كنجاره. وكلاهما بمعنى ثُفْل الدهن. انظر: «برهان قاطع» (٣/ ١٦٤٢، ١٧٠٢) و«المعرب» للجواليقي (ص ٥٤٣ - ٥٤٤).","vol":"2","page":487},{"text":"بجنسها ومقابلة الصياغة (^١) بحظِّها من الثمن إلى مفسدة الحيل الربوية التي هي أساسُ كلِّ مفسدة وأصلُ كلِّ بليَّة؟ وإذا حصحص الحق فليقل المتعصِّب الجاهل ما شاء! وبالله التوفيق.\nفإن قيل: الصفات لا تقابَل بالزيادة، ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء. ولمَّا أبطل الشارع ذلك عُلِمَ أنه منَع من مقابلة الصفات بالزيادة.\nقيل: الفرق بين الصنعة التي هي أثرُ فعلِ الآدمي وتُقابَل بالأثمان ويستحقُّ عليها الأجرة وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته. فالشارع بحكمته وعدله منَع من مقابلة هذه الصفة بزيادة، إذ ذلك يفضي إلى نقض ما شرعه من المنع من التفاضل؛ فإن التفاوت في هذه الأجناس ظاهر، والعاقل لا يبيع جنسًا بجنسه إلا لما بينهما من التفاوت، فإن كانا متساويين من كلِّ وجه لم يفعل ذلك، فلو جوَّز لهم مقابلة الصفات بالزيادة لم يحرِّم عليهم ربا الفضل. وهذا بخلاف الصياغة (^٢) التي جَوَّز لهم المعاوضة عليها معه.\nيوضِّحه: [٣٣٨/ب] أن المعاوضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردةً جازت عليها مضمومةً إلى غير أصلها وجوهرها، إذ لا فرق بينهما في ذلك.\nيوضِّحه: أن الشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة: بِعْ هذا المصوغ بوزنه، واخسَرْ صياغتك. ولا يقول له: لا تعمل هذه الصياغة واتركها. ولا\n_________\n(^١) ت، ف: «الصناعة».\n(^٢) ت، ف: «الصناعة» هنا وفيما بعد.","vol":"2","page":488},{"text":"يقول له: تحيَّلْ على بيع المصوغ بأكثر من وزنه بأنواع الحيل. ولم يقل قطُّ: لا تبعه إلا بغير جنسه، ولم يحرِّم على أحد أن يبيع شيئًا من الأشياء بجنسه.\nفإن قيل: فهَبْ أن هذا قد سَلِم لكم في المصوغ، فكيف يسلَم لكم في الدراهم والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك مفاضَلًا، وتكون الزيادة في مقابلة صناعة الضرب؟\nقيل: هذا سؤال قوي وارد. وجوابه أن السِّكَّة لا تتقوَّم فيها الصناعةُ للمصلحة العامة المقصودة منها، فإن السلطان يضربها لمصلحة الناس العامة. وإن كان الضارب يضربها بأجرة فإن القصد بها أن تكون معيارًا للناس لا يتَّجرون فيها، كما تقدَّم. والسكّة فيها غير مقابلة بالزيادة في العُرف (^١)، ولو قوبلت بالزيادة (^٢) فسدت المعاملة، وانتقضت المصلحة التي ضُربت لأجلها، واتخذها الناس سلعة، واحتاجت إلى التقويم بغيرها. ولهذا قام الدرهم مقام الدرهم من كلِّ وجه، وأخذ الرجل الدراهم ورَدَّ نظيرها (^٣)؛ وليس المصوغ كذلك. ألا ترى أن الرجل يأخذ مائةً خفافًا ويردُّ خمسين ثقالًا بوزنها، ولا يأبى ذلك الآخذ ولا القابض، ولا يرى أحدهما أنه [٣٣٩/أ] قد خسر شيئًا؟ وهذا بخلاف المصوغ. والنبيُّ - ﷺ - وخلفاؤه لم يضربوا درهمًا واحدًا، وأولُ من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان،\n_________\n(^١) أثبت في المطبوع: «الصرف».\n(^٢) زاد في المطبوع بعده: «في الصرف».\n(^٣) ع: «فيأخذ ... ويردُّ نظيرها» وكأن النص مغيَّر فيها. وفي الطبعات القديمة: «وإذا أخذ ... ردَّ نظيرها» بزيادة «إذا» وحذف الواو قبل «ردَّ». وفي المطبوع: «... الدرهم ردَّ نظيره»، فأفرد الدرهم مع زيادة «إذا»!","vol":"2","page":489},{"text":"وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار.\nفإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تجوِّزوا بيعَ فروع الأجناس بأصولها متفاضلا، فجوِّزوا بيعَ الحنطةِ بالخبز (^١) متفاضلا، والزيتِ بالزيتون، والسمسمِ بالشَّيْرَج.\nقيل: هذا سؤال وارد أيضًا. وجوابه أن التحريم إنما يثبت بنص أو إجماع، أو تكون الصورة المحرَّمة بالقياس مساويةً من كلِّ وجه للمنصوص على تحريمها، والثلاثة منتفية في فروع الأجناس مع أصولها. وقد تقدَّم أن غير الأصناف الأربعة لا يقوم مقامها، ولا يساويها في إلحاقها بها. وأما الأصناف الأربعة ففرعُها إن خرج عن كونه قوتًا لم يكن من الربويات، وإن كانت قوتًا كان جنسًا قائمًا بنفسه، وحُرِّم بيعُه بجنسه الذي هو مثلُه متفاضلًا كالدقيق بالدقيق، والخبز بالخبز. ولم يحرَّم بيعُه بجنس آخر وإن كان أصلهما (^٢) واحدًا؛ فلا يحرَّم السمسم بالشَّيرج، ولا الهريسة بالخبز؛ فإن هذه الصناعة لها قيمة، فلا تضيع على صاحبها. ولم يحرِّم بيعَها بأصولها كتاب (^٣) ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. ولا حرام إلا ما حرَّمه الله، كما أنه لا عبادة إلا ما شرعها الله، وتحريم الحلال كتحليل الحرام.\nفإن قيل: فهذا ينتقض عليكم ببيع اللحم بالحيوان، فإنكم إن منعتموه\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «بالحب»، وفي حاشية ح: «لعله بالخبز»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي حاشية ع: «دقيق» مع علامة «ظ» يعني: «دقيق الحنطة بالحب».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «جنسهما».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «في كتاب».","vol":"2","page":490},{"text":"نقضتم قولكم، [٣٣٩/ب] وإن جوَّزتموه خالفتم النص. وإذا كان النصُّ قد منعَ من بيع اللحم بالحيوان، فهو دليل على المنع من بيع الخبز بالبُرِّ، والزيت بالزيتون، وكلِّ ربوي بأصله.\nقيل: الكلام في هذا الحديث في مقامين: أحدهما في صحته، والثاني في معناه. أما الأول فهو حديث لا يصح موصولًا، وإنما هو صحيح مرسلًا. فمن لم يحتجَّ بالمرسل لم يَرِدْ عليه، ومن رأى قبول المرسل مطلقًا أو مراسيلَ سعيد بن المسيِّب فهو حجة عنده.\nقال أبو عمر (^١): «لا أعلم حديثَ النهي عن بيع اللحم بالحيوان متصلًا عن النبي - ﷺ - من وجه ثابت. وأحسَنُ أسانيده مرسَلُ سعيد بن المسيِّب، كما ذكره مالك في «موطئه» (^٢). وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث والعمل به والمراد منه. فكان مالك يقول: معنى الحديث تحريمُ التفاضل في الجنس الواحد حيوانِه بلحمه. وهو عنده من باب المزابَنة والغَرر والقمار، لأنه لا يدري هل في الحيوان مثلُ اللحم الذي أعطَى أو أقلُّ أو أكثرُ، وبيعُ اللحم باللحم لا يجوز متفاضلًا، فكان بيعُ الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيَّب في جلده بلحمٍ إذا كانا من جنس واحد».\n_________\n(^١) في «الاستذكار» (٦/ ٤٢٤).\n(^٢) رقم (٢٤١٤) ــ وعنه الإمام الشافعي في «الأم» (٤/ ١٦٦) ــ عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب مرسلا. ومن طريق مالك رواه أبو داود في «المراسيل» (١٧٨). ويُنظر: «المستدرك» للحاكم (٢/ ٣٥)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٣٦ - ٣٧)، و«التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"2","page":491},{"text":"قال (^١): «وإذا اختلف الجنسان، فلا خلاف عن مالك وأصحابه أنه جائز حينئذ بيعُ الحيوان باللحم (^٢)».\nوأما أهل الكوفة كأبي حنيفة وأصحابه، فلا يأخذون بهذا الحديث، ويجوِّزون بيعَ اللحم بالحيوان مطلقًا.\nوأما أحمد، فيمنع بيعَه بحيوان من جنسه، ولا يمنع بيعه بغير جنسه، وإن منعه بعض [٣٤٠/أ] أصحابه.\nوأما الشافعي فيمنع بيعه بجنسه وبغير جنسه. وروى الشافعي (^٣) عن ابن عباس أن جزورًا نُحِرَت على عهد أبي بكر الصديق، فقُسِمت على عشرة\n_________\n(^١) في «الاستذكار» (٦/ ٤٢٥).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «اللحم بالحيوان»، وما أثبت من النسخ موافق لما في «الاستذكار»، و«التمهيد» (٤/ ٣٢٥).\n(^٣) رواه في القديم عن رجلٍ، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس به. كذا في «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (٤/ ٣١٦)، أما في كتاب «الأمّ»، فقد رواه (٤/ ١٦٧ - ١٦٨) عن ابن أبي يحيى، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر الصديق أنه كره بيع الحيوان باللحم. ورواه عبد الرزاق (١٤١٦٥) عن الأسلمي، عن صالح به، باللفظ المفصَّل المطوَّل. والأسلميُّ هذا هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو واهٍ جدًّا، متروكٌ، منكرُ الحديث. وشيخُه صالح صدوقٌ كان قد اختلط، لكن علّة الخبر من الأسلمي.\nوغلط محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، فرفع هذا الأثر، وخلط لفظه بخبر آخر يرويه عبيد بن نضيلة مرسلا، والظاهر أنه دخل عليه حديثٌ في حديثٍ؛ فليُوازَنْ ما في «المطالب العالية» لابن حجر (١٣٩١) بـ «المصنف» لعبد الرزاق (١٤١٦٦)، و«المطالب العالية» (١٣٨٦).","vol":"2","page":492},{"text":"أجزاء. فقال رجل: أعطوني جزءًا منها بشاة، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. قال الشافعي: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة (^١).\nوالصواب في هذا الحديث ــ إن ثبت ــ أن المراد به إذا كان الحيوان مقصودًا للَّحم كشاةٍ يقصد لحمُها، فيباع (^٢) بلحم؛ فيكون قد باع لحمًا بلحمٍ أكثرَ منه من جنس واحد. واللحم قوت موزون، فيدخله ربا الفضل.\nوأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم، كما إذا كان غيرَ مأكول أو مأكولًا لا يُقصَد لحمُه كالفرس تباع بلحم إبل؛ فهذا لا يحرم بيعه به.\nبقي إذا كان الحيوان مأكولًا لا يُقصَد لحمُه، وهو من غير جنس اللحم، فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صُبْرَةِ تمرٍ بصُبْرة زبيب. وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك، إذ غايته التفاضل بين الجنسين، والتفاضل المتحقِّق جائز بينهما فكيف بالمظنون؟ وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك، لا لأجل التفاضل، ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار؛ وعلى هذا فيمتنع بيعُ اللحم بحيوان من غير جنسه. والله أعلم.\nفصل\nوأما قوله: «ومنَعَ المرأة من الإحداد على أبيها وابنها (^٣) فوق ثلاث، وأوجَبه على زوجها أربعة أشهر وعشرًا وهو أجنبي»، فيقال: هذا من تمام محاسن هذه الشريعة، وحكمتها، ورعايتها لمصالح العباد على أكمل\n_________\n(^١) نقله المصنف من «الاستذكار» (٦/ ٤٢٦).\n(^٢) يعني الحيوان. وكذا في ت، ف. ولم ينقط حرف المضارع في ح، ع. وفي النسخ المطبوعة: «فتباع»، أي الشاة.\n(^٣) ع: «أمها وأبيها»، وكذا في الطبعات القديمة. وفي المطبوع زاد على ذلك: «وابنها»!","vol":"2","page":493},{"text":"الوجوه. [٣٤٠/ب] فإنَّ الإحدادَ على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهلُ الجاهلية يبالغون فيها أعظمَ مبالغة، ويُضيفون إلى ذلك شقَّ الجيوب، ولطمَ الخدود، وحلقَ الشعور، والدعاءَ بالويل والثبور. وتمكُث المرأة سنةً في أضيق بيت وأوحشه لا تمَسُّ طيبًا ولا تدَّهن ولا تغتسل، إلى غير ذلك مما هو تسخُّطٌ (^١) على الربِّ تعالى وأقداره. فأبطل الله سبحانه برحمته ورأفته سنَّة الجاهلية، وأبدَلَنا بها الصبرَ والحمدَ والاسترجاعَ الذي هو أنفع للمُصاب في عاجلته وآجلته. ولما كانت مصيبةُ الموت لا بد أن تُحدِث للمصاب من الجزع والألم والحزن ما تتقاضاه الطباعُ سمَح لها الحكيمُ الخبيرُ في اليسير من ذلك، وهو ثلاثة أيام يجد بها نوعَ راحةٍ، ونقضي (^٢) بها وطرًا من الحزن؛ كما رخَّص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا. وما زاد على الثلاث فمفسدته راجحة، فمنَع منه؛ بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحة مغمورة بمصلحتها. فإن فطام النفوس عن مألوفاتها بالكلِّية من أشقِّ الأمور عليها، فأُعطيت بعضَ الشيء ليسهل عليها تركُ الباقي، فإن النفس إذا أخذت بعضَ مرادها قنِعت به، فإذا سئلت تركَ الباقي كانت إجابتُها إليه أقربَ من إجابتها لو حُرِمَتْه بالكلِّية.\nومَن تأمَّل أسرارَ الشريعة وتدبَّر حِكَمَها رأى ذلك ظاهرًا على صفحات أوامرها ونواهيها، باديًا لمن بصرُه ثاقب (^٣)؛ فإذا حرم عليهم شيئا عوَّضهم\n_________\n(^١) في المطبوع: «سخَط».\n(^٢) قراءة النسخ المطبوعة: «تجد ... وتقضي».\n(^٣) في ح بالباء والقاف، وفي ع: «باقية». وفي ف: «ثاقبة». وفي ت: «نافذ». وفي النسخ المطبوعة: «نظره نافذ».","vol":"2","page":494},{"text":"عنه بما هو [٣٤١/أ] خير لهم منه وأنفع، وأباح لهم منه ما تدعو حاجتُهم إليه ليسهُل عليهم تركُه؛ كما حرَّم عليهم بيع الرطب بالتمر، وأباح لهم منه العرايا. وحرَّم عليهم النظرَ إلى الأجنبية وأباح لهم منه نظرَ الخاطب والمُعامل والطبيب. وحرَّم عليهم أكلَ المال بالمغالبات الباطلة كالنَّرد والشِّطْرَنج وغيرهما، وأباح لهم أكلَه بالمغالبات النافعة كالمسابقة والنضال. وحرَّم عليهم لباسَ الحرير، وأباح لهم منه اليسير الذي تدعو الحاجة إليه. وحرَّم عليهم كسبَ المال بربا النسيئة، وأباح لهم كسبَه بالسَّلَم. وحرَّم عليهم في الصيام وطءَ نسائهم، وعوَّضهم عن ذلك بأن أباحه لهم ليلًا، فسهَّل عليهم تركَه بالنهار. وحرَّم عليهم الزنا، وعوَّضهم بأخذ ثانية وثالثة ورابعة، ومن الإماء ما شاؤوا، فسهّل عليهم تركَه غاية التسهيل. وحرَّم عليهم الاستقسامَ بالأزلام، وعوَّضهم عنه بالاستخارة ودعائها، ويا بُعدَ ما بينهما! وحرَّم عليهم نكاح أقاربهم، وأباح لهم منه بناتِ العَمِّ والعَمَّةِ والخالِ والخالة. وحرَّم عليهم وطءَ الحائض، وسمح لهم في مباشرتها وأن يصنعوا بها كلَّ شيء إلا الوطَء، فسهَّل عليهم تركَه غاية السهولة.\nوحرَّم عليهم الكذبَ، وأباح لهم المعاريض التي لا يحتاج مَن عَرَفها إلى الكذب معها البتة، وأشار إلى هذا بقوله: «إنَّ في المعاريض مندوحةً عن الكذب» (^١). وحرم عليهم الخيلاء بالقول والفعل، وأباحها لهم في الحرب\n_________\n(^١) رواه ابن الأعرابي في «المعجم» (٩٩٣)، وابن عدي في «الكامل» (١/ ١٠٨، ٣/ ٥٦٧)، وأبو الشيخ في «الأمثال» (٢٣٠) من حديث عمران بن حصين - ﵄ - مرفوعًا، وآفتُه داود بن الزبرقان، وهو متروك متّهم. ورواه ابن السنّي في «عمل اليوم» (٣٢٧) من طريق أخرى، هي من مناكير سعيد بن أوس و«الزهد» لهنّاد» (١٣٧٨)، فقد خالف الثقات الذين رووا الخبر من الوجه نفسه موقوفًا، كما يراه الناظر في «المصنّف» لابن أبي شيبة (٢٦٦٢٠)، و«الأدب المفرد» للبخاري (٨٥٧)، و«تهذيب الآثار» لابن جرير (٩٤٣، ٩٤٤ - مسند عمر)، و«مساوئ الأخلاق» للخرائطي (١٦٦)، و«المعجم الكبير» للطبراني (١٨/ ١٠٦ - ١٠٧). ويُنظر: «السنن الكبير» (١٠/ ١٩٩)، و«الجامع لشعب الإيمان» (٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، و«الآداب» (٢٨٩) ثلاثتُها للبيهقي.","vol":"2","page":495},{"text":"لما فيها من المصلحة الراجحة الموافقة لمقصود الجهاد. [٣٤١/ب] وحرَّم عليهم كلَّ ذي ناب من السباع ومِخلَبٍ من الطير، وعوَّضهم عن ذلك بسائر أنواع الوحوش والطير على اختلاف أجناسها وأنواعها. وبالجملة فما حرَّم عليهم خبيثًا ولا ضارًّا إلا أباح لهم طيّبًا بإزائه أنفعَ لهم منه. ولا أمرَهم بأمرٍ إلا وأعانهم عليه، فوَسِعَتهم رحمتُه، ووَسِعَهم تكليفُه.\nوالمقصود: أنه أباح للنساء ــ لضعف عقولهن وقلة صبرهن ــ الإحدادَ على موتاهن ثلاثة أيام. وأما الإحداد على الأزواج (^١)، فإنه تابع للعِدَّة وهو من مقتضياتها ومكمِّلاتها، فإن المرأة إنما تحتاج إلى التزيُّن والتجمُّل والتعطُّر، لتتحبَّب إلى زوجها، وتردَّ (^٢) نفسَه، ويحسن ما بينهما من العشرة. فإذا مات الزوج، واعتدَّت منه، وهي لم تصل إلى زوج آخر= فاقتضى تمامُ حقِّ الأول وتأكيدُ المنع من الثاني قبل بلوغ الكتابِ أجلَه أن تُمنَع مما تصنعه النساء لأزواجهن؛ مع ما في ذلك من سدِّ الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها بالزينة والخضاب والتطيُّب. فإذا بلغ الكتابُ أجلَه صارت محتاجةً إلى ما يرغِّب في نكاحها، فأبيح لها من ذلك ما يباح لذات الزوج. فلا شيءَ أبلغُ في الحسن من هذا المنع والإباحة، ولو اقترحت عقولُ\n_________\n(^١) ت، ع: «الزوج».\n(^٢) في المطبوع بعده زيادة: «لها».","vol":"2","page":496},{"text":"العالمين لم تقترح شيئًا أحسنَ منه (^١).\nفصل\nوأما قوله: «وسوَّى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والحدود، وجعلها على النصف منه في الدية والشهادة والميراث والعقيقة»، فهذا أيضًا من كمال شريعته (^٢) وحكمتها ولطفها. [٣٤٢/أ] فإنَّ مصلحةَ العبادات البدنية ومصلحةَ العقوبات، الرجالُ والنساءُ مشتركون فيها، وحاجة أحد الصنفين إليها كحاجة الصنف الآخر، فلا يليق التفريق بينهما. نعم، فرَّقت بينهما في أليق المواضع بالتفريق وهو الجمعة والجماعة، فخُصَّ وجوبُهما بالرجال دون النساء لأنهن لسن من أهل البروز ومخالطة الرجال؛ وكذلك فُرِّق (^٣) بينهما في عبادة الجهاد التي ليس الإناث من أهلها. وسوَّت بينهما في وجوب الحج لاحتياج النوعين إلى مصلحته، وفي وجوب الزكاة والصيام والطهارة.\nوأما الشهادة فإنما جُعِلت المرأة فيها على النصف من الرجل؛ لحكمة أشار إليها العزيز الحكيم في كتابه، وهي أن المرأة ضعيفة العقل قليلة الضبط لما تحفظه. وقد فضَّل الله الرجال على النساء في العقول والفهم والحفظ والتمييز، فلا تقوم المرأة في ذلك مقام الرجل. وفي منع قبول شهادتها بالكلية إضاعةٌ لكثير من الحقوق وتعطيلٌ لها، فكان من أحسن الأمور وألصقها بالعقول، أن ضُمَّ إليها في قبول الشهادة نظيرُها لِتُذَكِّرها إذا\n_________\n(^١) هنا انتهى المجلد الأول من نسخة مكتبة الأوقاف العامة ببغداد (ع).\n(^٢) في المطبوع: «الشريعة».\n(^٣) كذا في النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «فرقت».","vol":"2","page":497},{"text":"نسيَتْ، فتقوم شهادة المرأتين مقامَ شهادة الرجل، ويقع من العلم أو الظن الغالب بشهادتهما ما يقع بشهادة الرجل الواحد.\nوأما الدية، فلما كانت المرأةُ أنقصَ من الرجل، والرجلُ أنفعَ منها، ويسُدُّ ما لا تسُدُّه المرأة من المناصب الدينية والولايات، وحفظ الثغور والجهاد، وعمارة الأرض، وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العالم [٣٤٢/ب] إلا بها، والذَّبِّ عن الدنيا والدين= لم تكن قيمتُهما مع ذلك متساويةً، وهي الدية. فإنَّ ديةَ الحرِّ جاريةٌ مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال، فاقتضت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما.\nفإن قيل: لكنكم نقضتم هذا، فجعلتم ديتهما سواءً فيما دون الثلث.\nقيل: لا ريب أن السنة وردت بذلك، كما رواه النسائي (^١) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عَقْلُ المرأة مثلُ عَقْل الرَّجُل حتَّى تبلُغَ الثُّلُثَ من ديَتها» (^٢). وقال سعيد بن المسيِّب: إنَّ\n_________\n(^١) في «المجتبى» (٤٨٠٥)، وفي «السنن الكبرى» (٦٩٨٠)، وقال: «إسماعيل بن عيّاش ضعيف، كثير الخطأ». ورواية إسماعيل هذه ضعيفة؛ لأنّها عن ابن جريج، وإسماعيل غيرُ متقن لحديثه الذي يرويه عن غير الشاميّين. ويُنظر: «تنقيح التحقيق» للذهبي (٢/ ٢٤٤)، و«التنقيح» لابن عبد الهادي (٤/ ٥١٨ - ٥١٩)، و«إرواء الغليل» للألباني (٧/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٢) برقم (٤٨٠٥)، وأخرجه أيضًا الدارقطني (٤/ ٧٧)، وإسناده ضعيف؛ لأن رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين فيها كلام؛ وابن جريج منهم، وأيضًا عنعنةُ ابن جريج وهو مدلس والحديث ضعفه ابن النحوي والألباني. انظر: البدر المنير (٨/ ٤٤٣)، والإرواء (٢٢٥٤).","vol":"2","page":498},{"text":"ذلك (^١) السنة (^٢)؛ وإن خالف فيه أبو حنيفة والشافعي والليث والثوري وجماعة، وقالوا: هي النصف (^٣) في القليل والكثير؛ ولكن السنة أولى. والفرق بين ما دون الثلث وما زاد عليه أن ما دونه قليل، فجُبِرت مصيبةُ المرأة فيه بمساواتها للرجل.\nولهذا استوى الجنين الذكر والأنثى في الدية، لقلَّة ديته، وهي الغُرَّة، فنزل ما دون الثلث منزلة الجنين.\nوأما الميراث، فحكمة التفضيل فيه ظاهرة. فإن الذكر أحوج إلى المال من الأنثى، لأن الرجال قوَّامون على النساء، والذكر أنفع للميت في حياته من الأنثى. وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله بعد أن فرَض الفرائض وفاوَتَ بين مقاديرها: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. وإذا كان الذكر أنفع من الأنثى وأحوج كان أحقَّ بالتفضيل.\nفإن قيل: فهذا ينتقض بولد الأم.\n[٣٤٣/أ] قيل: بل طردُ هذا (^٤) التسويةُ بين ولد الأم ذكرهم وأنثاهم،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة زادوا بعده «من».\n(^٢) يشير إلى ما رواه مالك (٢/ ٨٦٠) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: «عشر من الإبل» فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل، فقلت: كم في ثلاث؟ فقال: «ثلاثون من الإبل» فقلت: كم في أربع؟ قال: «عشرون من الإبل» فقلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها، نقص عقلها؟ فقال سعيد: «أعراقي أنت؟» فقلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم، فقال سعيد: «هي السنة يا ابن أخي».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «على النصف»، زادوا «على».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «هذه» لتوهُّم أن «التسوية» بدل منه.","vol":"2","page":499},{"text":"فإنهم إنما يرثون بالرحم المجرَّد، فالقرابة التي يرثون بها قرابةُ أنثى فقط، وهم فيها سواء؛ فلا معنى لتفضيل ذكرهم على أنثاهم، بخلاف قرابة الأب.\nوأما العقيقة، فأمر التفضيل فيها تابع لشرف الذكر، وما ميَّزه الله به على الأنثى. ولما كانت النعمة به على الوالد أتمَّ، والسرور والفرحة به أكمل؛ كان الشكران عليه أكثر؛ فإنه كلما كثرت النعمة كان شكرها أكثر. والله أعلم.\nفصل\nوأما قولهم (^١): «وخصَّ بعضَ الأزمنة والأمكنة، وفضَّل بعضها على بعض، مع تساويها» إلى آخره، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية كاذبة.\nوما فضَّل بعضَها على بعض إلا لخصائص قامت بها، اقتضت التخصيص؛ وما خصَّ سبحانه شيئًا إلا بمخصص، ولكنه قد يكون ظاهرًا وقد يكون خفيًّا. واشتراكُ الأزمنة والأمكنة في مسمَّى الزمان والمكان كاشتراك الحيوان في مسمَّى الحيوانية، والإنسان في مسمَّى الإنسانية، بل وسائر الأجناس في المعنى الذي يعمُّها؛ وذلك لا يوجب استواءها في أنفسها. والمختلفات تشترك في أمور كثيرة. والمتفقات تتباين في أمور كثيرة، والله سبحانه أحكَمُ وأعلَمُ من أن يرجِّح مِثلًا على مِثلٍ من كلِّ وجه، بلا صفة تقتضي ترجيحه؛ هذا مستحيل في خلقه وأمره، كما أنه سبحانه لا يفرِّق بين المتماثلين من كلِّ وجه. فحكمته وعدله تأبى هذا وهذا.\nوقد نزَّه سبحانه نفسَه عمَّن يظنُّ [٣٤٣/ب] به ذلك، وأنكر عليه زعمَه الباطل، وجعله حكمًا منكرًا. ولو جاز عليه ما يقول هؤلاء لبطلت حججه\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «قوله».","vol":"2","page":500},{"text":"وأدلته، فإن مبناها على أنَّ حكمَ الشيء حكمُ مثله، وعلى أنه لا يسوِّي (^١) بين المختلفين، فلا يجعل الأبرار كالفجار، ولا المؤمنين كالكفار، ولا من أطاعه كمن عصاه، ولا العالم كالجاهل. وعلى هذا مبنى الجزاء، فهو حكمه الكوني والديني، وجزاؤه الذي هو ثوابه وعقابه. وبذلك حصل الاعتبار، ولأجله ضُربت الأمثال، وقُصَّت علينا أخبار الأنبياء وأممهم.\nويكفي في بطلان هذا المذهب المتروك الذي هو من أفسَدِ مذاهبِ العالم أنه يتضمن لمساواة (^٢) ذات جبريل لذات إبليس، وذات الأنبياء لذات أعدائهم، ومكان البيت العتيق لمكان (^٣) الحُشوش (^٤) وبيوت الشياطين، وأنه لا فرق بين هذه الذوات في الحقيقة. وإنما خُصَّت (^٥) هذه الذات عن هذه الذات بما خُصَّت به لمحض المشيئة المرجِّحة مِثلًا على مِثلٍ بلا مُوجِب. بل قالوا ذلك في جميع الأجسام، وأنها متماثلة. فجسمُ المسك عندهم مساوٍ لجسم البول والعَذِرة، وإنما امتاز عنه بصفة عرضية، وجسمُ الثلج عندهم مساوٍ لجسم النار في الحقيقة. وهذا مما خرجوا به عن صريح المعقول، وكابروا فيه الحِسَّ، وخالفهم فيه جمهورُ العقلاء من أهل الملل والنحل. وما سوَّى الله بين جسم السماء وجسم الأرض، ولا بين جسم النار وجسم الماء، ولا بين جسم الهواء وجسم الحجر. وليس مع المنازعين في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ألا يسوي».\n(^٢) كذا في جميع النسخ، وانظر ما يأتي في (٥/ ٣٦): «يطابق لمخبره».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «بمكان»، تصحيف.\n(^٤) جمع «الحُشِّ»، والمقصود به موضع قضاء الحاجة.\n(^٥) في النسخ الخطية بعده زيادة «به»، وهي سهو.","vol":"2","page":501},{"text":"ذلك [٣٤٤/أ] إلا الاشتراك في أمر عام، وهو قبولُ الانقسام، وقيامُ الأبعاد الثلاثة، والإشارةُ الحِسِّيَّة، ونحو ذلك، مما لا يوجب التشابه، فضلًا عن التماثل. وبالله التوفيق.\nفصل\nوأما قوله: «إن الشريعة جمعت بين المختلفات، كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال» فغيرُ منكَر في العقول والفِطَر والشرائع والعادات اشتراكُ المختلفات في حكم واحد، باعتبار اشتراكها في سبب ذلك الحكم؛ فإنه لا مانع من اشتراكها في أمرٍ يكون علةً لحكم من الأحكام، بل هذا هو الواقع. وعلى هذا، فالخطأ والعمد اشتركا في الإتلاف الذي هو علّة للضمان، وإن افترقا في علّة الإثم. وربطُ الضمان بالإتلاف من باب ربط الأحكام بأسبابها. وهو من (^١) مقتضى العدل الذي لا تتم المصلحة إلا به، كما أوجب على القاتل خطأً ديةَ القتيل. ولذلك لا يعتمد التكليف، فيضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال. وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها. فلو لم يضمنوا جنايات أيديهم لأتلفَ بعضُهم أموالَ بعض، وادَّعى الخطأ وعدم القصد.\nوهذا بخلاف أحكام الإثم والعقوبات، فإنها تابعة للمخالفة وكسب العبد ومعصيته؛ ففرَّقت الشريعة فيها بين العامد والمخطئ. وكذلك البر والحنث في الأيمان، فإنه نظير الطاعة والعصيان في الأمر والنهي؛ فيفترق الحال فيه بين العامد والمخطئ.\n_________\n(^١) لفظ «من» ساقط من النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":502},{"text":"وأما جمعُها [٣٤٤/ب] بين المكلَّف وغيره في الزكاة، فهذه مسألة نزاع واجتهاد. وليس عن صاحب الشرع نصٌّ بالتسوية ولا بعدمها، والذين سوَّوا بينهما رأوا ذلك من حقوق الأموال التي جعل (^١) الله سبحانه الأموال سببًا في ثبوتها. وهي حقٌّ للفقراء في نفس هذا المال، سواء كان مالكه مكلَّفًا أو غير مكلَّف؛ كما جعل في ماله حقَّ الإنفاق على بهائمه ورقيقه وأقاربه، فكذلك جعل في ماله حقًّا للفقراء والمساكين.\nفصل\nوأما جمعُها بين الهرَّة والفأرة في الطهارة، فهذا حقٌّ، وأيُّ تفاوت في ذلك؟ وكأن السائل رأى أن العداوة التي بينهما توجب اختلافهما في الحكم كالعداوة التي بين الشاة والذئب. وهذا جهل منه؛ فإن هذا أمرٌ لا تعلُّقَ له بطهارة ولا نجاسة ولا حِلٍّ ولا حرمة. والذي جاءت به الشريعة من ذلك في غاية الحكمة والمصلحة، فإنها لو جاءت بنجاستهما لكان فيه أعظمُ حرج ومشقة على الأمة لكثرة طوفانهما على الناس ليلًا ونهارًا، وعلى فُرُشهم وثيابهم وأطعمتهم، كما أشار إليه - ﷺ - بقوله في الهرة: «إنَّها ليستْ بِنَجَسٍ. إنَّها مِنَ الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات» (^٢).\nفصل\nوأما جمعُها بين الميتة وذبيحةِ غيرِ الكتابي في التحريم، وبين ميتة الصيد وذبيحة المُحْرِم له، فأيُّ تفاوت في ذلك؟ وكأن السائل رأى أن الدم لما احتَقَن في الميتة كان سببًا لتحريمها، وما ذبَحه المُحْرِم أو الكافر غيرُ\n_________\n(^١) ح: «جعلها».\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":503},{"text":"الكتابي لم يحتقِن دمه؛ فلا وجهَ لتحريمه. وهذا غلط وجهل، فإن علَّة التحريم [٣٤٥/أ] لو انحصرت في احتقان الدم لكان للسؤال وجه. فأما إذا تعددت عللُ التحريم لم يلزم من انتفاء بعضها انتفاءُ الحكم إذا خلَفَه علّةٌ أخرى. وهذا أمر مطرد في الأسباب والعلل العقلية، فما الذي ينكر منه في الشرع؟\nفإن قيل: أليس قد سوَّت الشريعة بينهما في كونهما ميتةً، وقد اختلفا في سبب الموت، فتضمَّنت جمعَها بين مختلفين، وتفريقَها بين متماثلين؟ فإن الذبح واحد صورةً وحسًّا وحقيقةً، فجعلت بعضَ صوره مُخْرِجًا للحيوان عن كونه ميتةً، وبعضَ صوره مُوجِبًا لكونه ميتةً، من غير فرق.\nقيل: الشريعة لم تسوِّ بينهما في اسم الميتة لغةً، وإنما سوَّت بينهما في الاسم الشرعي؛ فصار اسمُ الميتة في الشرع أعمَّ منه في اللغة. والشارع يتصرَّف في الأسماء اللغوية بالنقل تارةً، وبالتعميم تارةً، وبالتخصيص تارة. وهكذا يفعل أهلُ العرف. فهذا ليس بمنكر شرعًا ولا عرفًا.\nوأما الجمعُ بينهما في التحريم، فلأن الله سبحانه حرَّم علينا الخبائث، والخبثُ الموجِبُ للتحريم قد يظهر لنا وقد يخفى، فما كان ظاهرًا لم ينصِب عليه الشارع علامةً غير وصفه، وما كان خفيًّا نصَب عليه علامةً تدل على خبثه. فاحتقانُ الدم في الميتة سبب ظاهر، وأما ذبيحة المجوسي والمرتدِّ وتاركِ التسمية ومَن أهلَّ بذبيحته لغير الله، فنفسُ ذبيحة هؤلاء أكسبَت المذبوحَ خبثًا أوجَبَ تحريمَه. ولا يُنكِر أن يكون ذكرُ اسم الأوثان والكواكب والجنّ على الذبيحة يُكْسِبها خبثًا، وذكرُ اسمِ [٣٤٥/ب] الله وحده يُكْسِبها طِيبًا، إلا مَن قلَّ نصيبُه من حقائق العلم والإيمان وذوق الشريعة. وقد جعل الله سبحانه ما لم","vol":"2","page":504},{"text":"يُذكر اسمُ الله عليه من الذبائح فسقًا وهو الخبيث. ولا ريب أن ذكرَ اسمِ الله على الذبيحة يُطيِّبها، ويطرُد الشيطانَ عن الذابح والمذبوح. فإذا أخلَّ بذكر اسمه لابَسَ الشيطانُ الذابحَ والمذبوحَ، فأثَّر ذلك خبثًا في الحيوان. والشيطان يجري في مجاري الدم من الحيوان، والدمُ مركبه وحامله، وهو أخبث الخبائث، فإذا ذكر الذابحُ اسمَ الله خرج الشيطانُ مع الدم، فطابت الذبيحة. فإذا لم يذكُر اسمَ الله لم يخرج الخبث. وأما إذا ذكر اسمَ عدوِّه من الشياطين والأوثان فإن ذلك يكسب الذبيحة خبثًا آخر.\nيوضِّحه أن الذبيحة تجري مجرى العبادة، ولهذا يقرُن الله سبحانه بينهما، كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧]، فأخبر أنه إنما سخَّرها لمن يذكر اسمَه عليها، وأنه إنما يناله التقوى، وهو التقرُّب إليه بها وذكر اسمه عليها. فإذا لم يذكُر اسمَه عليها كان ممنوعًا من أكلها، وكانت مكروهةً لله، فأكسبتها كراهيتُه لها ــ حيث لم يذكر [٣٤٦/أ] عليها اسمَه أو ذكر عليها اسمَ غيره ــ وصفَ الخبث، فكانت بمنزلة الميتة. وإذا كان هذا في متروك التسمية وما ذُكِر عليه اسمُ غير الله، فما ذبحه عدوُّه المشركُ به الذي هو من أخبَث البريَّةِ أولى بالتحريم؛ فإن فعل الذابح وقصده وخبثه لا ينكر أن يؤثِّر في المذبوح، كما أن خبث الناكح ووصفه وقصده يؤثِّر في المرأة المنكوحة. وهذه أمور إنما يصدِّق بها مَن أشرق فيه نورُ الشريعة وضياؤها، وباشر قلبَه بشاشةُ حِكَمِها وما","vol":"2","page":505},{"text":"اشتملت عليه من المصالح في القلوب والأبدان، وتلقَّاها صافيةً من مشكاة النبوة، وأحكم العقدَ بينها وبين الأسماء والصفات التي لم يَطمِسْ نورَ حقائقها ظلمةُ التأويل والتحريف.\nفصل\nوأما جمعُها بين الماء والتراب في التطهير، فلله ما أحسنه من جَمعٍ، وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفِطَر المستقيمة! وقد عقد الله سبحانه الإخاءَ بين الماء والتراب قدرًا وشرعًا، فجمعهما الله ﷿، وخلَق منهما آدم وذريته، فكانا أبوين اثنين لأبوينا وأولادهما؛ وجعل منهما حياةَ كلِّ حيوان، وأخرج منهما أقواتَ الدَّوابِّ والناس والأنعام. وكانا أعمَّ الأشياء وجودًا، وأسهلَها تناولًا. وكان تعفيرُ الوجه في التراب لله من أحبِّ الأشياء إليه. ولما كان عقدُ هذه الأخوة بينهما قدرًا أحكمَ عَقْدٍ وأقواه كان عقدُ الأخوة بينهما شرعًا أحسنَ عَقْدٍ وأصحَّه. ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ [٣٤٦/ب] فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٦].\nفصل\nفهذا ما يتعلَّق بقول أمير المؤمنين ﵁: «واعرف الأشباه والنظائر»، وفي لفظ: «واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله وأشبَهِها بالحق».\nفلنرجع إلى شرح باقي كتابه.\nثم قال: «وإياك والغضب، والقلق (^١)، والضجر، والتأذِّيَ بالناس،\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والرواية الأخرى: «الغلق» بالغين. انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٢٠٦٧٦) و«الكامل» للمبرّد (١/ ٢٥) وفسَّره بضيق الصدر وقلة الصبر. وانظر: «النهاية» لابن الأثير (٣/ ٣٨٠).","vol":"2","page":506},{"text":"والتنكُّرَ عند الخصومة، أو الخصوم ــ شكَّ أبو عبيد ــ فإن القضاء في مواطن الحقِّ مما يُوجِب الله به الأجر، ويُحسِن به الذخر».\nهذا (^١) الكلام تضمَّنَ (^٢) أمرين:\nأحدهما: التحذير مما يحول بين الحاكم وبين كمال معرفته بالحق، وتجريد قصده له؛ فإنه لا يكون خير الأقسام الثلاثة إلا باجتماع هذين الأمرين فيه. والغضبُ والقلق والضجر مضادٌّ لهما، فإن الغضب غُول العقل يغتاله كما تغتاله الخمر.\nولهذا نهى النبيُّ - ﷺ - أن يقضيَ القاضي بين اثنينِ وهو غضبانُ (^٣).\nوالغضب نوع من الغلق والإغلاق الذي يُغلِق على صاحبه بابَ حسن التصور والقصد. وقد نصَّ أحمد على ذلك في رواية حنبل، وترجم عليه أبو بكر في كتابيه «الشافي» و«زاد المسافر»، وعقَد له بابًا، فقال في كتاب «الزاد»: باب النية في الطلاق وذكر الإغلاق. قال أبو عبد الله في رواية حنبل (^٤): عن عائشة سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «لا طَلاقَ ولا عَتاق في إِغْلاقٍ» (^٥) فهذا\n_________\n(^١) ت: «وهذا»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) ت، ع: «يتضمن»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) سينقلها المؤلف مرتين في هذا الكتاب. وانظر: «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» (ص ٦ - ٧) و«زاد المعاد» (٥/ ١٩٥).\n(^٥) رواه أحمد (٢٦٣٦٠)، وابن ماجه (٢٠٤٦) من حديث عائشة - ﵂ -، وعند أبي داود (٢١٩٣) بلفظ (في غلاق)، إسناده ضعيف؛ لأن محمد بن عبيد بن أبي صالح متكلم فيه، وللحديث شواهد يرتقي بها إلى الحسن. انظر: «صحيح أبي داود ــ الأم» (٦/ ٣٩٦).","vol":"2","page":507},{"text":"الغضب. وأوصى بعضُ العلماء لوليِّ أمر فقال [٣٤٧/أ]: إياك والغلَق والضجر، فإن صاحب الغلَق لا يقدم عليه حقٌّ (^١)، وصاحبُ الضجر لا يصبر على حقٍّ (^٢).\nوالأمر الثاني: التحريض على تنفيذ الحق، والصبر عليه، وجعل الرضا بتنفيذه في موضع الغضب، والصبر في موطن (^٣) القلق والضجر، والتحلِّي به واحتساب ثوابه في موضع التأذِّي. فإن هذا دواء ذلك الداء الذي هو من لوازم الطبيعة البشرية وضعفها، فما لم يصادفه هذا الدواءُ فلا سبيل إلى زواله. هذا مع ما في التنكُّر للخصوم من إضعاف نفوسهم، وكسر قلوبهم، وإخراس ألسنتهم عن التكلُّم بحججهم خشيةَ معرَّة التنكُّر. ولا سيما أن يتنكَّر لأحد الخصمين دون الآخر، فإن ذلك الداء العُضال.\nوقوله: «فإن القضاء في مواطن الحقِّ مما يُوجب الله به الأجر، ويُحسن به الذخر». هذا عبودية الحكام وولاة الأمر التي تراد منهم. ولله سبحانه على كلِّ أحد عبودية بحسب مرتبته، سوى العبودية العامَّة التي سوَّى بين عباده فيها. فعلى العالم من عبوديته نشرُ السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «صاحب حقّ»، زادوا كلمة «صاحب».\n(^٢) لم أقف عليه، وقريب منه ما روي عن محمد بن علي بن الحسين وغيره: «إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كلّ شرّ. لأنك إن كسِلتَ لم تطلب حقًّا، وإن ضجرتَ لم تصبر على حق». انظر: «حلية الأولياء» (٣/ ١٨٣) و«شأن الدعاء» للخطابي (ص ١٢٠).\n(^٣) ما عدا ح، ف: «موضع».","vol":"2","page":508},{"text":"ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره. وعلى الحاكم من عبودية إقامةِ الحقِّ وتنفيذِه، وإلزامِ مَن (^١) عليه به، والصبرِ على ذلك، والجهاد عليه= ما ليس على المفتي. وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير. وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما.\nوتكلَّم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي [٣٤٧/ب] عن المنكر، فقالت له امرأة: هذا واجب قد وُضِعَ عنَّا. فقال: هبي (^٢) أنه قد وُضِعَ عنكنَّ سلاحُ اليد واللسان، فلم يُوضَع عنكن سلاحُ القلب. فقالت: صدقتَ، جزاك الله خيرًا.\nوقد غرَّ إبليسُ أكثرَ الخلق بأن حسَّن لهم القيامَ بنوعٍ من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطَّلوا هذه العبوديات، فلم يحدِّثوا قلوبَهم بالقيام بها. وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقلِّ الناس دينًا، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به. فتاركُ حقوق الله التي تجب عليه أسوأُ حالًا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي؛ فإنَّ تركَ الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجهًا ذكرها شيخنا (^٣) في بعض تصانيفه (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وإلزامه من هو».\n(^٢) في النسخ: «هب»، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٣) زيد بعده الترحُّم على الشيخ في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٨٥ - ١٥٨): «قاعدة في أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه ...»، وتكلم عليها من اثنين وعشرين وجهًا، والظاهر أن الرسالة ناقصة من آخرها. والمصنف أيضًا استدلَّ عليها باثنين وعشرين وجهًا في كتابه «الفوائد» (ص ١٧١ - ١٨٥)، فليقارن.","vol":"2","page":509},{"text":"ومن له خبرةٌ بما بعث الله به رسولَه وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أنَّ أكثرَ من يشار إليهم بالدين هم أقلُّ الناس دينًا، والله المستعان.\nوأيُّ دين وأيُّ خير فيمن يرى محارمَ الله تُنتهَك، وحدودَه تُضاعُ، ودينَه يُترَك، وسنَّةَ رسوله (^١) يُرغَب عنها؛ وهو بارد القلب، ساكت اللسان، شيطان أخرس؟ كما أن المتكلِّم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سَلِمت لهم مآكلُهم ورياساتُهم فلا مبالاةَ بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزِّن المتلمِّظ (^٢). ولو نُوزِع في بعض ما فيه غضاضةٌ عليه في جاهه أو ماله بذَل وتبذَّل وجدَّ واجتهَد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه. وهؤلاء ــ مع سقوطهم من عين الله، ومقتِ [٣٤٨/أ] الله لهم ــ قد بُلُوا في الدنيا بأعظم بليَّةٍ تكون، وهم لا يشعرون. وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتمَّ كان غضبُه لله ورسوله أقوى، وانتصارُه للدين أكمل.\nوقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرًا: أنَّ اللهَ سبحانه أوحى إلى مَلَكٍ من الملائكة أن اخسفْ بقرية كذا وكذا. فقال: يا ربِّ كيف وفيهم فلانٌ العابدُ؟ فقال: به فابدأْ، فإنه لم يتمعَّرْ وجهُه فيَّ يومًا قطُّ (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «رسول الله - ﷺ -».\n(^٢) هو الذي يتتبع ما بقي من الطعام في فمه ويتذوقه.\n(^٣) رواه ابن الأعرابي في «المعجم» (٢٠١٦)، والطبراني في «الأوسط» (٧٦٦١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧١٨٩) من حديث جابر - ﵁ -. ولا يصحُّ لأنَّ عبيد بن إسحاق العطار، وعمارَ بن سيف متكلمٌ فيهما، والحديث ضعفه البيهقي، وقال: «المحفوظ من قول مالك بن دينار» وضعفه أيضًا العراقي والألباني. انظر: «المغني عن حمل الأسفار» (ص:٧٨٦)، و«السلسلة الضعيفة» (٤/ ٣٧٦)، والأثر ورد موقوفًا عند البيهقي في «الشعب» (٧١٨٨) من قول مالك بن دينار وهو المحفوظ كما تقدم.","vol":"2","page":510},{"text":"وذكر أبو عمر في كتاب «التمهيد» (^١) أنَّ الله سبحانه أوحى إلى نبيٍّ من أنبيائه أنْ قُلْ لفلانٍ الزاهد: أمَّا زُهدُك في الدنيا، فقد تعجَّلْتَ به الراحةَ. وأما انقطاعُك إليَّ، فقد اكتسبْتَ به العزَّ. ولكن ماذا عملْتَ فيما لي عليك؟ فقال: يا ربِّ، وأيُّ شيءٍ لك عليَّ؟ قال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عاديتَ فيَّ عدوًّا؟\nفصل\nقوله: «فمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس. ومن تزيَّنَ بما ليس فيه شانه اللهُ» هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير بأن يخرج من مشكاة المحدَّث الملهَم. وهاتان الكلمتان من كنوز العلم، ومَن أحسن الإنفاقَ منهما نفَع غيرَه، وانتفَع غايةَ الانتفاع.\nفأما الكلمة الأولى فهي منبعُ الخير وأصلُه، والثانية أصلُ الشرِّ وفصلُه. فإن العبد إذا خلصت نيتُه لله وكان قصدُه وهمُّه وعملُه لوجهه سبحانه كان الله معه، فإنه سبحانه مع الذين اتقَّوا والذين هم محسنون. ورأس التقوى والإحسان خلوصُ النية لله في إقامة الحق. والله سبحانه لا غالب له، فمَن كان معه [٣٤٨/ب] فمَن ذا الذي (^٢) يغلبه أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع\n_________\n(^١) (١٧/ ٤٣٤). ورواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١٠/ ٣١٦)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٣٣٠) كلاهما من طريق حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرفوعًا. في إسناده حميد الأعرج وهو ضعيف، والحديث ضعفه الألباني. انظر: السلسلة الضعيفة (٧/ ٣٥١).\n(^٢) ح، ف: «فمن الذي».","vol":"2","page":511},{"text":"العبد فممَّن (^١) يخاف؟ وإن لم يكن معه فمَن يرجو وبمَن يثق؟ ومن ينصره من بعده؟ فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولًا، وكان قيامُه بالله ولله، لم يقُم له شيءٌ. ولو كادته السماواتُ والأرضُ والجبالُ لكفاه الله مؤنتَها، وجعل له فرَجًا ومخرجًا.\nوإنما يؤتى العبد من تفريطه أو تقصيره (^٢) في هذه الأمور الثلاثة، أو في اثنين منها، أو في واحد. فمن كان قيامه في باطل لم يُنصَر، وإن نُصِرَ نصرًا عارضًا فلا عاقبة له، وهو مذموم مخذول. وإن قام في حقٍّ، لكن لم يقُم فيه لله، وإنما قام لطلب المحمَدة والشكور والجزاء من الخلق، أو التوصُّلُ إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولًا، والقيامُ في الحق وسيلة إليه= فهذا لم تُضْمَن له النصرة. فإن الله إنما ضمِن النصرةَ لمن جاهد في سبيله، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه؛ فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين. وإن نُصِر فبحسب ما معه من الحق، فإن الله لا ينصُر إلا الحقَّ.\nوإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر، والصبرُ منصورٌ أبدًا. فإن كان صاحبه مُحِقًّا كان منصورًا له العاقبة، وإن كان مُبطلًا لم تكن له عاقبة.\nوإذا قام العبد في الحقِّ لله، ولكن قام بنفسه وقوته، ولم يقُم بالله مستعينًا به، متوكلًا عليه، مفوِّضًا إليه، بريئًا من الحول والقوة إلا به= فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من [٣٤٩/أ] ذلك.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فمَن».\n(^٢) ت، ع: «وتقصيره»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"2","page":512},{"text":"ونكتة المسألة أن تجريد التوحيدين في أمر الله لا يقوم له شيء البتة، وصاحبه مؤيَّد منصور، ولو توالت عليه زُمَر الأعداء.\nقال الإمام أحمد (^١): ثنا [أبو] (^٢) داود، أنبأنا شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: «من أسخطَ الناسَ برضا الله ﷿ كفاه اللهُ الناسَ. ومن أرضى الناسَ بسخطِ الله وَكَلَه إلى النَّاس».\nوالعبد إذا عزَم على فعل أمرٍ، فعليه أن يعلم أولًا هل هو طاعة لله أم لا؟ فإن لم يكن طاعةً فلا يفعله إلا أن يكون مباحًا يستعين به على الطاعة، وحينئذ يصير طاعة. فإذا بان له أنه طاعة فلا يُقْدِم عليه حتى ينظر هل هو معان عليه أم لا؟ فإن لم يكن معانًا عليه فلا يُقدِم عليه، فيُذِلَّ نفسه. وإن كان معانًا عليه بقي عليه نظر آخر، وهو أن يأتيه من بابه. فإن أتاه من غير بابه أضاعه، أو فرَّط فيه، أو أفسد منه شيئًا. فهذه الأمور الثلاثة أصل سعادة العبد وفلاحه. وهي معنى قول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٥ - ٦].\nفأسعَدُ الخلق أهلُ العبادة والاستعانة والهداية إلى المطلوب، وأشقاهم من عدِم الأمورَ الثلاثة. ومنهم من يكون له نصيب من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصيبُه\n_________\n(^١) في «الزهد» (٩١٠). وأخرجه ابن الجعد (١٥٩٣) موقوفًا عن عائشة - ﵂ -، وورد مرفوعًا عن عائشة - ﵂ - عند الترمذي (٢٤١٤)، وصححه ابن حبان (٢٧٦) وأعلَّه أبو حاتم والعقيلي. انظر: العلل لابن أبي حاتم (٥/ ٩٠)، والضعفاء الكبير (٣/ ٣٤٣)، والسلسلة الصحيحة (٥/ ٣٩٢).\n(^٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ الخطية.","vol":"2","page":513},{"text":"من ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ معدوم أو ضعيف؛ فهذا مخذول مَهين محزون. ومنهم من يكون نصيبُه من ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قويًّا، ونصيبُه من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ضعيفًا أو مفقودًا؛ فهذا له نفوذ وتسلط وقوة، [٣٤٩/ب] ولكن لا عاقبة له، بل عاقبته أسوأ عاقبة. ومنهم من يكون له نصيبٌ من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولكن نصيبه من الهداية إلى المقصود ضعيف جدًّا، كحال كثير من العُبَّاد والزُّهَّاد الذين قلَّ علمُهم بحقائق ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق.\nوقول عمر: «فمن خلصت نيته في الحقِّ ولو على نفسه» إشارة إلى أنه لا يكفي قيامُه في الحق لله إذا كان على غيره، حتى يكون أولَ قائم به على نفسه، فحينئذ يُقبَل قيامُه به على غيره، وإلا فكيف يُقبَل الحقُّ ممن أهمل القيامَ به على نفسه؟\nوخطب عمر بن الخطاب يومًا وعليه ثوبان، فقال: أيها الناسُ ألا تسمعون؟ فقال سلمانُ: لا نسمَعُ. فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمتَ علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك ثوبانِ، فقال: لا تعجلْ. يا عبد الله، يا عبد الله. فلم يجبْه أحدٌ. فقال: يا عبد الله بن عمر. فقال: لبيك يا أميرَ المؤمنين. فقال: نشدتُك اللهَ، الثوبُ الذي ائتزرتُ به أهو ثوبُك؟ قال: اللهم نعم. فقال سلمانُ: أمَّا الآنَ، فقلْ نسمَعْ (^١).\n_________\n(^١) رواه الزبير بن بكار في «الأخبار الموفقيات» (١٠٩) ولا يصح؛ لأن بين المدائني، وعمر بن الخطاب - ﵁ - مفاوزَ تنقطع فيها أعناق الإبل، والمدائني هو أبو الحسن علي بن محمد، صاحب أخبار، وهو مُقِلٌ من رواية المسندات، قال أبو قلابة الرقاشي: حدثت أبا عاصم النبيل بحديث فقال: عمن هذا؟ قلت: ليس له إسناد ولكن حدثنيه أبو الحسن المدائني. قال لي: سبحان الله أبو الحسن إسناد! وانظر ترجمته: الكامل في ضعفاء الرجال (٦/ ٣٦٤)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٥٣)، لسان الميزان (٦/ ١٣).","vol":"2","page":514},{"text":"فصل\nوأما قوله: «ومن تزيَّن بما ليس فيه شانَه اللهُ». لما كان المتزيِّنُ بما ليس فيه ضدَّ المخلص ــ فإنه يُظهِر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه ــ عامَلَه اللهُ بنقيض قصده، فإنَّ المعاقبة بنقيض القصد ثابتةٌ شرعًا وقدرًا. ولما كان المخلص يعجَّل له من ثواب إخلاصه الحلاوةُ والمحبةُ والمهابةُ في قلوب الناس عُجِّل للمتزيِّن بما ليس فيه من عقوبته أن شانه اللهُ بين الناس؛ [٣٥٠/أ] لأنه شانَ باطنَه عند الله. وهذا موجَبُ أسماء الربِّ الحسنى وصفاته العُلى وحكمته في قضائه وشرعه.\nهذا، ولما كان مَن تزيَّن للناس بما ليس فيه من الخشوع والدين والنُّسك والعلم وغير ذلك قد نصَب نفسَه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها فلا بدَّ أن تُطلَب منه. فإذا لم توجد عنده افتُضِحَ، فيشينه ذلك من حيث ظنَّ أنه يزينه. وأيضًا فإنه أخفى عن الناس ما أظهر لله خلافَه، فأظهر اللهُ من عيوبه للناس ما أخفاه عنهم، جزاءً له من جنس عمله.\nوكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خُشوع النِّفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسدَ خاشعًا، والقلبُ غيرُ خاشع (^١).\n_________\n(^١) رواه ابن المبارك في «الزهد» (١٤٣)، وابن أبي شيبة (٣٦٨٦١) عن أبي الدرداء - ﵁ - موقوفًا، فيه رجل مبهم لم يُسَمَّ. وروي مرفوعًا عند البيهقي في «الشعب» (٩/ ٢٢٠) من حديث أبي بكر الصديق - ﵁ -، ولا يصح؛ لأنَّ فيه الحارث بن عبيد الأنماري ضعفه أحمد وابن معين. انظر: المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٤٣).","vol":"2","page":515},{"text":"وأساس النفاق وأصله هو التزيُّن للناس بما ليس في الباطن من الإيمان. فعُلِم أن هاتين الكلمتين من كلام أمير المؤمنين مشتقَّة (^١) من كلام النبوة، وهما من أنفع الكلام، وأشفاه للسَّقام.\nفصل\nوقوله: «فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا». والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول ما كان لله خالصًا وللسنَّة موافقًا، والمردود ما فُقِدَ منه الوصفان أو أحدهما. وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبَّه الله ورضيَه، وهو سبحانه إنما يُحِبُّ ما أمرَ به وما عُمِل لوجهه. وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبُّها، بل يمقتها ويمقت أهلها.\nقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. قال الفضيل [٣٥٠/ب] بن عياض: هو أخلصُ العملِ وأصوبُه. فسئل عن معنى ذلك، فقال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكنْ صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكنْ خالصًا لم يقبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا. فالخالصُ أن يكون لله، والصوابُ أن يكون على السُّنَّة. ثم قرأ قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (^٢).\nفإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل لله\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة في موضع: «مشتقَّتان»! وانظر ما سبق في (٢/ ١٥٤).\n(^٢) نقله المؤلف في «مدارج السالكين» (١/ ١٠٥) و(٢/ ٨٩) أيضًا. وقد رواه ابن أبي الدنيا في «الإخلاص والنية» (٢٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٩٥) دون الآية الأخيرة.","vol":"2","page":516},{"text":"وحده مقبول. فبقي قسم آخر، وهو أن يعمل العملَ لله ولغيره، فلا يكون لله محضًا ولا للناس محضًا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كلُّه أم يبطل ما كان لغير الله، ويصحّ ما كان لله؟\nقيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة:\nأحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في أثنائه. فهذا المعوَّل فيه على الباعث الأول، ما لم يفسَخه بإرادة جازمة لغير الله؟ فيكون حكمُه حكمَ قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أعني قطع ترك استصحاب حكمها.\nالثاني عكس هذا، وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله، ثم يعرض له قلبُ النية لله، فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته. ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرَمَ لغير الله، ثم قلَبَ نيته لله عند الوقوف والطواف.\nالثالث: أن يبتدئها مريدًا بها [٣٥١/أ] الله والناس، فيريد أداء فرضه، والجزاء والشكور من الناس. وهذا كمن يصلِّي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلَّى، ولكنه يصلِّي لله وللأجرة؛ وكمن يحجُّ ليسقط الفرض عنه، ويقال: فلان حجَّ؛ أو يعطي الزكاة لذلك؛ فهذا لا يُقبل منه العمل.\nوإن كانت النية شرطًا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة. فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرطٌ في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلَّق بالشرط عدمٌ عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصد","vol":"2","page":517},{"text":"طاعةً للمعبود، ولم يؤمر إلا بهذا. وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر.\nوقد دلَّت السنَّة الصريحة على ذلك، كما في قوله - ﷺ -: «يقول الله ﷿ يوم القيامة: أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك، فمن عَمِل عملًا أشرك فيه (^١) غيري فهو كلُّه للذي أشرَكَ به» (^٢). وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].\nفصل\n\nوقوله: «فما ظنُّك بثوابٍ عند الله في عاجلِ رزقه وخزائنِ رحمته». يريد به تعظيم<span data-type=\"title\" id=toc-360> جزاء المخلص</span>، وأنه رزقٌ عاجلٌ إما للقلب أو للبدن أو لهما، ورحمةٌ (^٣) مدَّخَرة في خزائنه. فإن الله سبحانه يجزي العبدَ على ما عمِل من خير في الدنيا ولا بدَّ، ثم في الآخرة يوفِّيه أجرَه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال الصالحة ليس جزاءَ توفيةٍ، وإن كان نوعَ أجرٍ (^٤)، كما قال تعالى عن إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ\n_________\n(^١) في المطبوع بعده زيادة «معي».\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) معروف على «رزق». وفي النسخ المطبوعة: «ورحمته».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «نوعًا آخر»، تحريف.","vol":"2","page":518},{"text":"لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢]؛ فأخبر سبحانه أنه آتى خليلَه أجرَه في الدنيا من النِّعم التي أنعَم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة، ولكن ليس ذلك أجرَ توفية.\nوقد دلَّ القرآن في غير موضع على أنَّ لكلِّ مَن عمل خيرًا أجرًا [يُعجَّل له] (^١) في الدنيا، ويُكمَل له أجرُه في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١]. وقال في هذه السورة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال فيها عن خليله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢]. فقد تكرَّر هذا المعنى في هذه السورة دون غيرها في أربعة مواضع لسرٍّ بديع، فإنها سورة النِّعم التي عدَّد الله سبحانه فيها أصولَ النعم وفروعَها. فعرَّف عبادَه أن لهم عنده في الآخرة من النعم أضعافَ هذه بما لا يُدرَك تفاوتُه، وأن هذه من بعض نعمه العاجلة عليهم، وأنهم إن أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعمًا أخرى؛ ثم في الآخرة يوفِّيهم أجورَ أعمالهم تمامَ التوفية. وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾\n_________\n(^١) ح، ف، ت: «أجران عمله». ويظهر لي أن «ن عمله» تحريف كلمة تشبه ما أثبت. وفي ع: «أجرًا من عمله». وفي النسخ المطبوعة: «أجرين عمله».","vol":"2","page":519},{"text":"[هود: ٣]. فلهذا قال أمير المؤمنين: «فما ظنُّك بثوابٍ عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام».\nفهذا بعض ما يتعلَّق بكتاب أمير المؤمنين - ﵁ - من الحِكَم والفوائد. والحمد لله رب العالمين (^١).\n\n* * *\n_________\n(^١) هنا انتهى المجلد الأول من نسخة المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة (ح)، ومن نسختها الثانية (ف) أيضًا.","vol":"2","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>ذكر (^١) تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك</span>\nقد تقدَّم (^٢) قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وأن ذلك يتناول القولَ على الله بغير علمٍ في أسمائه وصفاته وشرعه ودينه.\nوتقدَّم (^٣) حديث أبي هريرة المرفوع: «من أُفتِيَ بفُتيا غيرِ (^٤) ثَبَتٍ فإنما إثمُه على مَن أفتاه» (^٥).\nوروى الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سَمِعَ النبيُّ - ﷺ - قومًا يتمارَوْن في القرآنِ، فقال: «إنما هلكَ مَن كان قبلكم بهذا، ضَربوا كتابَ اللهِ بعضَه ببعضٍ، وإنما نَزلَ كتابُ اللهِ يُصدِّقُ بعضُه بعضًا، ولا يُكذِّبُ بعضُه بعضًا، فما عَلِمتُم منه فقولوا، وما جَهِلْتُم (^٦) فكِلُوه إلى عالِمِه» (^٧).\nفأمر مَن جهِلَ شيئًا من عِلْم (^٨) كتاب الله أن يَكِلَه إلى عالمه، ولا\n_________\n(^١) من هنا تبدأ نسخة د، والإحالة إلى أوراقها. وهو بداية الثلث الثاني من الكتاب.\n(^٢) بل سيأتي (٥/ ٣٥).\n(^٣) بلفظ آخر (١/ ٦٨).\n(^٤) في هامش ع: «بغير». والمثبت موافق لما في «المسند» وابن ماجه.\n(^٥) رواه أبو داود (٣٦٥٧) وابن ماجه (٥٣) وأحمد (٨٢٦٦). وفي إسناده عمرو بن أبي نَعِيمة، ولكنه توبع بمسلم بن يسار في رواية أبي داود نفسها (٣٦٥٧) وبها يحسن الحديث، والحديث صححه الحاكم (١/ ١٠٢).\n(^٦) بعدها زيادة «منه» في المطبوع، ولا توجد في النسخ ومصادر التخريج.\n(^٧) رواه أحمد (٦٧٤١) ومعمر بن راشد في «جامعه» (٢٠٣٦٧) والحديث صححه أحمد شاكر. انظر: «مسند أحمد» بتحقيقه (٦/ ٢٥١، ٢٨٥).\n(^٨) «علم» ساقطة من المطبوع.","vol":"3","page":3},{"text":"يتكلَّف القولَ بما لا يعلمه.\nوروى مالك بن مِغْوَل عن أبي حَصِين عن مجاهد عن عائشة أنه لما نزلَ عُذرُها قبَّل أبو بكرٍ رأسَها، قالتْ: فقلتُ: ألا عَذَرْتَني عند النبيِّ - ﷺ -، فقال: أيُّ سماءٍ تُظِلُّني وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ ما لا أعلمُ؟ (^١).\nوروى أيوب عن ابن أبي مُلَيكة: سُئل أبو بكرٍ الصديقُ - ﵁ - عن آيةٍ، فقال: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني؟ وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني؟ وأينَ (^٢) أذهب؟ وكيف أصنعُ؟ إذا أنا قلتُ في كتابِ اللهِ بغيرِ ما أراد اللهُ بها (^٣).\nوذكر البيهقي (^٤) من حديث مسلم البَطِين عن عَزْرة (^٥) التميمي قال: قال علي بن أبي طالب: وا بردَها على كَبِدي (^٦)! ثلاث مرات، قالوا: يا أمير\n_________\n(^١) رواه البزار (٢٥٧) والبيهقي في «المدخل» (٧٩٣). وقال الهيثمي (٩/ ٢٤٠): رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) ع، د: «أو أين»، «أو كيف».\n(^٣) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ١٦٨) ومن طريقه البيهقي في «المدخل» (٧٩٢)، ورواية ابن أبي مليكة عن أبي بكر مرسلة، ولكن لها طرق أخرى يتقوى بها فترتقي إلى الحسن. انظر: «فتح الباري» (١٣/ ٢٧١) و«سنن سعيد بن منصور» (التفسير) بتحقيق سعد الحميد (١/ ١٦٩ - ١٧٣).\n(^٤) في «المدخل» (٧٩٤) ورواه أيضًا الدارمي (١٨٤). وعزرة التميمي لم أجد من ذكره بجرح أو تعديل، قال مسلم في «المنفردات والوحدان» (ص ٢١٢): وعزرة التميمي عن علي لم يرو عنه إلا مسلم البطين. وللأثر طريق أخرى يتقوى بها. انظر: «إتحاف الخيرة» (١١/ ٥٧٢).\n(^٥) ع: «عروة»، وكذا في «المدخل»، وهو تحريف.\n(^٦) ع: «الكبد». وكذا عند الدارمي. وفي ت: «الكذب» تحريف.","vol":"3","page":4},{"text":"المؤمنين، وما ذاك؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم.\nوذكر أيضًا (^١) عن علي - ﵁ - قال: خمسٌ لو سافرَ فيهن رجلٌ إلى اليمن كنَّ فيه عِوضًا من سفره: لا يخشى عبدٌ إلا ربَّه، ولا يخاف [٢/أ] إلا ذنبَه، ولا يستحيي من لا يعلمُ أن يتعلَّمَ، ولا يستحيي من يعلمُ إذا سُئل عما لا يعلمُ أن يقولَ: اللهُ أعلمُ، والصبرُ من الدينِ بمنزلةِ الرأسِ من الجسدِ.\nوقال الزهري عن خالد بن أسلم ــ وهو أخو زيد بن أسلم ــ: خرجنا مع ابن عمر نمشي، فلحِقَنا أعرابيٌّ فقال: أنت عبد الله بن عمر؟ قال: نعم، قال: سألتُ عنك فدُلِلْتُ عليك، فأخبِرْني أتَرِثُ (^٢) العمّةُ؟ قال: لا أدري، قال: أنت لا تدري؟ قال: نعم؛ اذهبْ إلى العلماء بالمدينة فسَلْهم؛ فلما أدبر قبَّلَ يديه وقال: نِعِمَّا قال (^٣) أبو عبد الرحمن؛ سُئل عما لا يدري فقال: لا أدري (^٤).\nوقال ابن مسعود: من كان عنده علمٌ فليقُلْ به؛ ومن لم يكنْ عنده علمٌ فليقلْ: «اللهُ أعلمُ»، فإنَّ اللهَ قال لنبيِّه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (^٥).\n_________\n(^١) في «المدخل» (٧٩٥)، ورواه أيضًا ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ٥١١) من طريق إبراهيم بن عبد الله الكناني عن علي - ﵁ -.\n(^٢) همزة الاستفهام ساقطة من ت.\n(^٣) «نعما قال» ساقطة من ع.\n(^٤) رواه البيهقي في «المدخل» (٧٩٦) والسنن الكبرى (٤/ ٨٢)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٢٧٧).\n(^٥) جزء من كلام طويل لابن مسعود: رواه البخاري (٤٧٧٤) ومسلم (٢٧٩٨). وانظر: «المدخل» (٧٩٧).","vol":"3","page":5},{"text":"وصحَّ عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ: من أفتى الناسَ في كلِّ ما يسألونه عنه فهو مجنونٌ (^١).\nوقال ابنُ شُبرمةَ: سمعتُ الشعبيَّ إذا سُئل عن مسألةٍ شديدةٍ قال: زَبَّاءُ (^٢) ذاتُ وَبَرٍ لا تَنْقادُ ولا تَنْساقُ؛ ولو سُئل عنها الصحابةُ لعَضَّلَتْ بهم (^٣).\nوقال أبو حَصِين الأسدي: إنَّ أحدَهم ليفتي في المسألةِ، ولو وردتْ على عمرَ لجمع لها أهلَ بدرٍ (^٤).\nوقال ابنُ سيرين: لأنْ يموتَ الرجلُ جاهلًا خيرٌ له من أن يقولَ ما لا يعلمُ (^٥).\n_________\n(^١) رواهما البيهقي في «المدخل» (٧٩٨، ٧٩٩) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ١١٢٣ - ١١٢٤). ويراجع «إبطال الحيل» (١٢٧، ١٢٨).\n(^٢) تحرَّفت في المطبوع إلى: «رُبّ». والزَبَّاء: الناقة الكثيرة الوبر، ويقال للداهية المنكرة: زبَّاء ذات وبر. وعضّلت الناقة: أعيت من المشي والركوب، والمعنى: أنهم يضيقون بالجواب عنها ذرعًا لإشكالها. شبَّهها بالناقة الشرود التي لا تنقاد. انظر «تهذيب اللغة» (عضل) و(زبب).\n(^٣) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٠٢)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٥٩٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٣١٩). ويراجع «إبطال الحيل» (١٢٦).\n(^٤) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (١٢٢)، والبيهقي في «المدخل» (٨٠٣) ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٨/ ٤١١)، وعزاه ابن الصلاح والنووي أيضًا إلى الحسن والشعبي. انظر: «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص ٧٦)،و«آداب الفتوى والمفتي والمستفتي» للنووي (ص ١٥).\n(^٥) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٠٤) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٦٧).","vol":"3","page":6},{"text":"وقال القاسم: من إكرامِ الرجلِ نفسَه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه (^١). وقال: يا أهلَ العراق، والله لا نعلم كثيرًا مما تسألونا عنه، ولأن يعيشَ الرجل جاهلًا إلا أن يعلم ما فرضَ الله عليه خيرٌ له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم (^٢).\nوقال مالك: من فِقه العالم أن يقول: «لا أعلم»، فإنه عسى أن يتهيَّأَ له الخيرُ (^٣).\nوقال: سمعتُ ابنَ هُرمز يقول: ينبغي للعالمِ أن يُورِّث جلساءَه مِن بعدِه «لا أدري»، حتى يكون ذلك أصلًا في أيديهم يَفْزَعون إليه (^٤).\nوقال الشعبي: «لا أدري» نصفُ العلمِ (^٥).\nوقال ابن جُبير: ويلٌ لمن يقولُ لما لا يعلمُ: إني أعلمُ (^٦).\n_________\n(^١) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٠٥) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٦٨).\n(^٢) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٠٧). ورواه أبو خيثمة في «العلم» (٩٠) والدارمي (١١٢) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٨٤٠) دون قوله: «يا أهل العراق، والله لا نعلم كثيرًا مما تسألونا عنه». ونحوه في «إبطال الحيل» (١٢٥).\n(^٣) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٠٨) بلفظ: «من تقية العالم»، وبنحوه ذكره ابن وهب في كتاب «المجالس» كما في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٨٣٩).\n(^٤) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٠٩) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٦٥٥)\nوالخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٦٧).\n(^٥) رواه البيهقي في «المدخل» (٨١٠) والدارمي (١٨٦)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٦٨).\n(^٦) رواه البيهقي في «المدخل» (٨١١) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٨٣٦).","vol":"3","page":7},{"text":"[٢/ب] وقال الشافعي: سمعت مالكًا يقول: سمعتُ ابن عَجْلانَ يقول: إذا أغفلَ العالمُ «لا أدري» أُصِيبتْ (^١) مَقاتلُه (^٢). وذكره ابن عجلان عن ابن عباس (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجلٌ إلى مالكٍ، فسأله عن شيءٍ (^٤) أيامًا ما يجيبُه، فقال: يا أبا عبد الله إني أريدُ الخروجَ، فأطرقَ طويلًا ورفع رأسَه فقال: ما شاء اللهُ، يا هذا إني أتكلَّمُ فيما أحتسِبُ فيه الخيرَ، ولستُ أُحسِنُ مسألتَك هذه (^٥).\nوقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: العَجَلةُ في الفتوى نوعٌ من الجهلِ والخَرَف (^٦). قال: وكان يقال: التأنِّي من اللهِ، والعَجَلةُ من الشيطانِ (^٧).\n_________\n(^١) ت: «احسبت» تصحيف.\n(^٢) رواه البيهقي في «المدخل» (٨١٢) وابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٧٩) والآجري في «أخلاق العلماء» (ص ١١٦) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٦٦) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٨٤٠).\n(^٣) رواه البيهقي في «المدخل» (٨١٣).\n(^٤) بعدها في المطبوع زيادة «فمكث». ولا توجد في النسخ.\n(^٥) رواه البيهقي في «المدخل» (٨١٦) وابن أبي حاتم في «تقدمة الجرح والتعديل» (ص ١٨) وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٢٣) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٨٣٨ - ٨٣٩).\n(^٦) كذا في النسخ بالفاء، والخرف: فساد العقل.\n(^٧) رواه البيهقي في «المدخل» (٨١٧) وتمامه: ما عجل امرؤ فأصاب واتَّأد آخر فأخطأ، إلا كان الذي اتّأد أصوبُ رأيا. ولا عجِل امرؤ فأخطأ واتّأد آخر فأخطأ، إلا كان الذي اتّأد أيسر خطأ.","vol":"3","page":8},{"text":"وهذا الكلام قد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سِنان (^١) عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: «التأنِّي من الله، والعَجَلةُ من الشيطانِ» (^٢). وإسناده جيّد.\nوقال ابن المنكدر: العالمُ بين الله وبين خلْقِه، فلينظرْ كيف يدخلُ بينهم (^٣).\nوقال ابن وهب: قال لي مالكٌ وهو يُنكِرُ كثرةَ الجوابِ في المسائلِ: يا عبد الله (^٤) ما علمتَ فقلْ، وإيَّاك أن تقلِّدَ الناسَ قِلادةَ سوءٍ (^٥).\nوقال مالك: حدثني ربيعة قال: قال لي أبو خَلْدةَ (^٦) وكان نِعمَ القاضي:\n_________\n(^١) ع: «شيبان». وفي هامشها: لعله سنان.\n(^٢) رواه البيهقي في «المدخل» (٨١٩) والحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٨٦٨) وأبو يعلى (٤٢٥٦)، وفي إسناده سعد بن سنان ويقال سنان بن سعد متكلم فيه، وللحديث شاهد ضعيف يصلح أن يحسن به الحديث مخرج عند الترمذي (٢٠١٢)، ورواه الطبراني (٥٧٠٢) من حديث سهل بن سعد. والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٧٩٥).\n(^٣) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢١) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٥٤) ومن طريقه ابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (ص ١٢٤). وأخرجه الدارمي بنحوه (١٣٩).\n(^٤) «يا عبد الله» ساقطة من د.\n(^٥) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢٢) ومحمد بن مخلد الدوري العطّار في «ما رواه الأكابر عن مالك» (٣٩) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٥٩) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ١٠٧١).\n(^٦) كذا في جميع النسخ، والمذكور في المصادرالحديثية: ابن خَلْدة، وليس أبا خَلْدة، وفرق بين الاثنين، فالأول معروف بالقضاء، واسمه عمر بن عبد الرحمن بن خَلْدة الزرقي يكنى أبا حفص، والثاني أبو خَلْدة خالد بن دينار التميمي، ولم يذكر في ترجمته أنه كان قاضيًا. انظر: تهذيب الكمال (٢١/ ٣٢٨) ترجمة (٤٢٢٧) و(٨/ ٥٦) ترجمة (١٦٠٦).","vol":"3","page":9},{"text":"يا ربيعةُ، أراك تُفتي الناسَ، فإذا جاءك الرجلُ يسألُك فلا يكنْ همُّك أن تتخلَّصَ مما سألك عنه (^١).\nوكان ابن المسيِّب لا يكاد يفتي إلا قال: اللهم سلِّمني وسلِّم مني (^٢).\nوقال مالك: ما أجبتُ في الفتوى حتى سألتُ من هو أعلمُ مني: هل تراني موضعًا لذلك؟ سألتُ ربيعةَ، وسألت يحيى بن سعيدٍ، فأمراني (^٣) بذلك، فقيل له: يا أبا عبد الله فلو نَهَوك؟ قال: كنتُ (^٤) أَنتهِي (^٥).\nوقال ابن عباس لمولاه عكرمة: اذهبْ فأفْتِ (^٦) الناس وأنا لك عونٌ، فمن سألك عما يَعنيه فأفْتهِ، ومن سألك عما لا يَعْنيه فلا تُفْتِه، فإنك تطرح\n_________\n(^١) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢٣) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٥٥٦ - ٥٥٧) ومن طريقه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٥٨) وابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (٥٦). ورواه أيضًا ابن بطة في «إبطال الحيل» (١٢٣).\n(^٢) أورده البيهقي في «المدخل» بدون إسناد (٨٢٤)، ورواه البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٥١١) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٧٧).\n(^٣) ع: «فأمرني».\n(^٤) ت: «لست» تحريف.\n(^٥) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣١٦) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٢٥) وابن الجوزي من طريقه في «تعظيم الفتيا» (٥٠).\n(^٦) ت: «فافتى».","vol":"3","page":10},{"text":"عن نفسِك ثُلثَي مُؤنةِ الناسِ (^١).\nوكان أيوب إذا سأله السائل قال له: أَعِدْ، فإنْ أعادَ السؤالَ [٣/أ] كما سأله (^٢) عنه أولًا أجابه، وإلا لم يُجِبْه (^٣).\nوهذا من فهمه وفطنته - ﵀ -، وفي ذلك فوائد عديدة:\nمنها: أن المسألة تزداد وضوحًا وبيانًا بتفهُّم السؤال.\nومنها: أن السائل لعلّه أهملَ فيها أمرًا يتغيَّر به الحكم، فإذا أعادها ربَّما بيَّنه (^٤) له.\nومنها: أن المسؤول قد يكون ذاهلًا عند السؤال أولًا، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك.\nومنها: أنه ربَّما بان له تعنُّتُ السائل وأنه وضع المسألة؛ فإذا غيَّر السؤال وزاد فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقةَ لها، وأنها من الأُغلوطات أو غيرِ الواقعات التي لا يجب الجواب عنها؛ فإن الجواب بالظن إنما يجوز عند الضرورة، فإذا وقعت المسألة صارت حالَ ضرورةٍ، فيكون التوفيق إلى الصواب أقرب، والله أعلم.\n_________\n(^١) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢٦) وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٢٧)، وأورده ابن عبد البر في «التمهيد» بدون إسناد (٢/ ٣١).\n(^٢) ع: «سأل».\n(^٣) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢٧)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/ ٢٤٧)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٢٣٤).\n(^٤) ع: «تنبه».","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يَسُوْغ (^١) من غير إيجاب</span>\nفأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع:\nأحدها: الإعراض عما أنزل الله، وعدمُ الالتفات إليه اكتفاءً بتقليد الآباء.\nالثاني: تقليد من لا يعلم المقلِّد أنه أهلُ أن يؤخذَ بقوله.\nالثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهورِ الدليل على خلاف قول المقلَّد. والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلَّد قبل تمكُّنه (^٢) من العلم والحجة، وهذا قلَّد بعد ظهور الحجة له؛ فهو أولى بالذمّ ومعصيةِ الله ورسوله.\nوقد ذمَّ الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من (^٣) كتابه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا (^٤) عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ (^٥) فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ\n_________\n(^١) ت: «يجب إليه المصير مما يسوغ».\n(^٢) ت: «تمكينه».\n(^٣) ت: «في».\n(^٤) في النسخ: «وجدنا».\n(^٥) «من قبلك» ساقطة من النسخ.","vol":"3","page":12},{"text":"جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤]، [٣/ب] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ (^١) مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١] وهذا في القرآن كثير، يَذمُّ فيه من أعرضَ عما أنزله وقنعَ بتقليد الآباء.\nفإن قيل: إنما ذَمّ من قلّد الكفّار وآباءه الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ولم يَذمَّ من قلَّد العلماءَ المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر، وهم (^٢) أهل العلم، وذلك تقليدٌ لهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهذا أمرٌ لمن لا يعلم بتقليد من يعلم.\nفالجواب أنه سبحانه ذمَّ من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق (^٣) السلف والأئمة الأربعة على ذمّه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جُهدَه في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلَّد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ (^٤) إن شاء الله.\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والتقليد ليس بعلمٍ باتفاق أهل العلم كما سيأتي. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا\n_________\n(^١) في النسخ: «حسبنا». وهي في المائدة: ١٠٤ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. وقد جُعِلت هكذا في هامش د والنسخ المطبوعة، خلافًا للأصول.\n(^٢) «هم» ساقطة من ت.\n(^٣) بعدها زيادة «عليه» في ع.\n(^٤) لم يأتِ لهما ذكر فيما بعد.","vol":"3","page":13},{"text":"ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، فأمر باتباع المُنْزَل خاصّةً، والمقلِّد ليس له علم أن هذا هو المُنزل، وإن كان قد تبيَّنتْ له الدلالة في خلاف قول من قلَّده= فقد علم أن تقليده في خلافه اتباعٌ لغير المُنزل.\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فمنَعَنا سبحانه من الردّ إلى غيره وغير رسوله، وهذا يُبطِل التقليد.\nوقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا (^١) وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ [٤/أ] وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦]، ولا وليجةَ أعظمُ ممن جعل رجلًا بعينه عِيارًا (^٢) على كلام الله وكلام رسوله وكلام سائر الأمة، يقدِّمه على ذلك كلِّه، ويَعرِض كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة على قوله، فما وافقه منها قبِلَه لموافقته لقوله، وما خالفه منها تلطَّف في ردِّه وتطلَّب (^٣) له وجوهَ الحِيل، فإن لم تكن هذه الوليجة فلا ندري ما الوليجة.\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة».\n(^٢) في النسخ: «مختارًا» تحريف. والصواب «عيارًا» أو «معيارًا» كما في مواضع أخرى من الكتاب.\n(^٣) ع: «ويطلب».","vol":"3","page":14},{"text":"الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٧]، وهذا نصٌّ في بطلان (^١) التقليد.\nفإن قيل: إنما فيه ذمُّ من قلَّد من أضلَّه السبيلَ، أما من هداه السبيلَ فأين ذمَّ الله تقليدَه؟\nقيل: جواب هذا السؤال في نفس السؤال، فإنه لا يكون العبد مهتديًا حتى يتبع ما أنزل الله على رسوله؛ فهذا المقلّد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتدٍ وليس بمقلّد، وإن لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضالٌّ (^٢) بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدًى في تقليده؟ وهذا جواب كلّ سؤالٍ يُورِدونه (^٣) في هذا الباب، وأنهم إنما يقلِّدون أهل الهدى، فهم في تقليدهم على هدًى.\nفإن قيل: فأنتم تُقِرُّون أن الأئمة المقلَّدين في الدين على هدًى، فمقلِّدوهم على هدًى قطعًا؛ لأنهم سالكون خلفَهم.\nقيل: سلوكهم خلفهم مُبطِلٌ لتقليدهم لهم قطعًا؛ فإن طريقتهم كانت اتباعَ الحجة والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم إن شاء الله تعالى، فمن ترك الحجة وارتكب ما نَهَوا عنه ونهى الله ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقتهم، وهو من المخالفين لهم. وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة، وانقادَ للدليل، ولم يتخذ رجلًا بعينه سوى الرسول - ﷺ - يجعله عِيارًا\n_________\n(^١) ع: «إبطال».\n(^٢) ع: «ضال جاهل».\n(^٣) ع: «يورد».","vol":"3","page":15},{"text":"على الكتاب والسنة، يعرِضُهما على قوله.\nوبهذا يظهر بطلانُ [٤/ب] فَهْمِ من جعل التقليد اتباعًا (^١)، وإيهامُه وتلبيسُه، بل هو مخالف للاتباع. وقد فرَّق الله ورسوله وأهل العلم بينهما كما فرَّقت الحقائق بينهما، فإن الاتباع سلوك طريقِ المتَّبَع والإتيانُ بمثل ما أتى به.\nقال أبو عمر في «الجامع» (^٢): باب فساد التقليد ونفيه، والفرق بينه وبين الاتباع.\nقال أبو عمر: قد ذمّ الله ﵎ التقليدَ في غير موضع من كتابه، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. ورُوِي عن (^٣) حذيفة وغيره قال: لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم أحلُّوا لهم وحرَّموا عليهم فاتبعوهم (^٤).\nوقال عدي بن حاتم: أتيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - وفي عُنقي صليبٌ، فقال: «يا عديُّ ألقِ هذا الوثنَ من عنقِك». وانتهيتُ إليه (^٥) وهو يقرأ سورةَ براءة حتى\n_________\n(^١) «اتباعًا» ساقطة من ع.\n(^٢) (٢/ ٩٧٥).\n(^٣) «عن» ساقطة من ع.\n(^٤) أورده ابن عبد البر في «الجامع» بدون إسناد (٢/ ٩٧٥)، وبنحوه رواه الثوري في «تفسير القرآن» (ص ١٢٤) ومن طريقه عبد الرزاق في «تفسير القرآن» (١٠٧٣) والطبري (١١/ ٤١٩) والبيهقي (١٠/ ١١٦) كلهم عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري وذكره ... والإسناد منقطع؛ لأن حديث أبي البختري عن حذيفة مرسل، ولكن له شاهد من حديث عدي بن حاتم الآتي.\n(^٥) ت: «وانتهينا له».","vol":"3","page":16},{"text":"أتى على هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال (^١): فقلت: يا رسولَ الله! إنّا لم نتّخذهم أربابًا، قال: «بلى، أليس يُحِلُّون لكم ما حُرِّم عليكم فتُحِلُّونه، ويُحرِّمون عليكم ما أُحِلَّ لكم فتُحرِّمونه؟» فقلت: بلى، قال: «فتلك عبادتُهم» (^٢).\nقلت: الحديث في «المسند» (^٣) والترمذي مطولا.\nوقال أبو البَخْتري في قوله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: أمَا إنهم (^٤) لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم فجعلوا حلالَ الله حرامَه وحرامَه حلالَه فأطاعوهم (^٥)، فكانت تلك الربوبية (^٦).\n_________\n(^١) «قال» ساقطة من ت.\n(^٢) أورده ابن عبد البر في «الجامع» بدون إسناد (٢/ ٩٧٥) وهو مخرَّج عند الترمذي (٣٠٩٥) والطبراني (٢١٨) والبيهقي (١٠/ ١١٦) من طريق غُطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عنه به، وفي إسناده غُطيف بن أعين، قال فيه الترمذي: ليس بالمعروف. وللحديث شاهدان يتقوى بهما، والحديث حسنه ابن تيمية والألباني. انظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٧) و«السلسلة الصحيحة» (٣٢٩٣).\n(^٣) عزاه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٧) وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٣٥) إلى الإمام أحمد، ولم أجده في «مسنده». بينما ذكره ابن كثير في «جامع المسانيد والسنن» (٤/ ٤٢٩) عن الترمذي فقط.\n(^٤) «إنهم» ساقطة من ع.\n(^٥) ت: «فطاعوهم».\n(^٦) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٦). ورواه أيضًا الطبري في «تفسيره» (١١/ ٤١٩) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٧٩ - ١٨٠)، وإسناده حسن.","vol":"3","page":17},{"text":"وقال وكيع: ثنا سفيان والأعمش جميعًا عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البَخْتري قال: قيل لحذيفةَ في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أكانوا يعبدونهم؟ فقال: لا، ولكن كانوا يُحِلُّون لهم الحرامَ فيحِلُّونه، ويحرِّمون عليهم الحلالَ فيحرِّمونه (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا [٥/أ] ... قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، فمنعَهم الاقتداءُ بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤]. وفي هؤلاء ومثلهم قال الله ﷿: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]. وقال تعالى عاتبًا (^٢) لأهل الكفر وذامًّا (^٣) لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (^٤)﴾ [الأنبياء: ٥٢ - ٥٣]، وقال: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. ومثل هذا\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٨) والطبري (١١/ ٤١٩) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٨٠). وإسناده صحيح.\n(^٢) ت: «عائبًا». وكذا في «جامع بيان العلم».\n(^٣) ت: «وذما».\n(^٤) في النسخ: «كذلك يفعلون». وهو غلط قديم في «جامع بيان العلم»، وهو المصدر الذي ينقل عنه المؤلف.","vol":"3","page":18},{"text":"في القرآن كثير من ذَمِّ تقليد الآباء والرؤساء.\nوقد احتجّ العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفرُ أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين (^١) بغير حجة للمقلِّد، كما لو قلَّد رجلًا فكفر، وقلَّد آخر فأذنبَ، وقلَّد آخر في مسألة فأخطأ وجهَها= كان كلُّ واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليدٌ يُشبِه (^٢) بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه. وقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥].\nقال (^٣): فإذا بطلَ التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع.\nثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمالٍ ثلاثة»، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «أخافُ عليهم زَلَّة العالم، ومن حكم جائرٍ، ومن هوًى متَّبَع» (^٤).\n_________\n(^١) د: «المقلدين». والمثبت موافق لما في «الجامع».\n(^٢) ت: «تشبيه».\n(^٣) أي ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٧).\n(^٤) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (١٨٦٥) والبيهقي في «المدخل» (٨٣٠). ورواه أيضًا البزار (٣٣٨٤) والطبراني (١٤)، وفي إسناده كثير بن عبد الله المزني متكلم فيه، وبه ضعَّفه ابن عدي وابن مفلح والهيثمي. انظر: «الكامل» (٧/ ١٨٩)، و«الآداب الشرعية» (٢/ ٥٠)، و«مجمع الزوائد» (١/ ١٨٧).","vol":"3","page":19},{"text":"وبهذا الإسناد عن النبي - ﷺ - أنه قال: «تركتُ فيكم أمرين لن تَضِلُّوا ما تمسَّكْتم بهما: كتاب الله، [٥/ب] وسنة رسوله (^١) - ﷺ -» (^٢).\nقلت: والمصنِّفون في السنة (^٣) جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زَلَّة العالم، ليبيِّنوا بذلك فسادَ التقليد، وأن العالم قد يَزِلُّ ولا بدَّ؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كلِّ ما يقوله، و[أن] (^٤) يُنزَّل قولُه منزلةَ قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمَّه كلُّ عالمٍ على وجه الأرض، وحرَّموه وذمُّوا أهله، وهو أصل بلاء المقلِّدين وفتنتهم، فإنهم يقلِّدون العالم فيما زلَّ فيه وفيما لم يزلَّ، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بدَّ، فيُحِلُّون ما حرَّم الله ويُحرِّمون ما أحلَّ (^٥) ويشرعون ما لم يشرع، ولا بدَّ لهم من ذلك، إذ كانت العصمة منتفيةً عمن قلَّدوه، فالخطأ واقع منه (^٦) ولا بدَّ.\nوقد ذكر البيهقي (^٧) وغيره من حديث كثير هذا عن أبيه عن جده\n_________\n(^١) ت: «رسول الله».\n(^٢) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٩) وإسناده كالسابق، وفي الباب عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد - ﵃ -. انظر: «السلسلة الصحيحة» (١٧٦١).\n(^٣) «في السنة» ساقطة من ع.\n(^٤) زيادة ليستقيم السياق.\n(^٥) بعدها في ت زيادة كلمة الجلالة «الله».\n(^٦) ع: «منهم».\n(^٧) في «المدخل» (٨٣١) وفي «السنن الكبرى» (١٠/ ٢١١)، ورواه أيضًا ابن عدي في «الكامل» (٧/ ١٩٢). وفي إسناده كثير، وبه ضعفه العراقي والألباني. انظر «المغني عن حمل الأسفار» (ص ٦٤٠) و«السلسلة الضعيفة» (١٧٠٠).","vol":"3","page":20},{"text":"مرفوعًا: «اتقوا زَّلة العالم، وانتظروا فَيئتَه (^١)».\nوذكر (^٢) من حديث مسعود بن سعد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنّ أشدَّ ما أتخوَّفُ على أمتي ثلاث: زَلَّة عالمٍ (^٣)، وجدال منافقٍ بالقرآن، ودنيا (^٤) تَقطَع أعناقَكم».\nومن المعلوم أن المَخُوف في زلَّة العالم تقليدُه فيها؛ إذ لولا التقليد لم يُخَفْ من زلَّة العالم على غيره.\nفإذا عرف أنها زلَّة لم يجزْ له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين، فإنه اتباعٌ للخطأ (^٥) على عَمْد، ومن لم يعرف أنها زلَّة فهو أعذَرُ منه، وكلاهما مفرِّط فيما أُمِر به. وقال الشعبي: قال عمر: يُفْسِدُ الزمانَ ثلاثةٌ: أئمَّة مُضِلُّون، وجدالُ المنافق بالقرآن ــ والقرآنُ حقٌّ ــ وزلَّةُ العالمِ (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: «فيه». والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٢) أي البيهقي في «المدخل» (٨٣٢) وفي «الشعب» (٩٨٢٩)، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وبه ضعفه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٤٦). وفي الباب عن معاذ - ﵁ - مرفوعًا وموقوفًا وسلمان - ﵁ - مرفوعًا سيأتي قريبًا بعد حديثين.\n(^٣) ت: «العالم».\n(^٤) ت: «وذنبا» تصحيف.\n(^٥) ت: «الخطأ».\n(^٦) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٣٣)، وإسناده منقطع؛ لأن الشعبي لم يدرك عمر، ولكن له طريق آخرعن الشعبي عن زياد بن حدير عن عمر - ﵁ - عند الدارمي (٢٢٠) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٩)، وصححه ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٦٦٢).","vol":"3","page":21},{"text":"وقد تقدَّم (^١) أن معاذًا كان لا يجلس مجلسًا للذكر إلا قال حين يجلس: الله حَكَمٌ قِسْطٌ، هلكَ المرتابون ــ الحديث، وفيه: «وأُحذِّركم زيغةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول الضلالةَ على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمةَ الحق». قلتُ (^٢) لمعاذ: ما يُدرِيني [٦/أ]ــ رحِمَك الله ــ أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال لي: «اجتنِبْ من كلام الحكيم المشبَّهات (^٣) التي يقال: ما هذه؟ ولا يَثْنِيَنَّك (^٤) ذلك عنه، فإنه لعله يراجع، وتَلَقَّ الحقَّ إذا (^٥) سمعتَه، فإنّ على الحقّ نورًا» (^٦). وذكر البيهقي (^٧) من حديث حمّاد بن زيد عن المثنّى بن سعيد عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويلٌ للأتباع من عَثَراتِ العالم، قيل: وكيف ذاك يا أبا عبّاسٍ (^٨)؟ قال:\n_________\n(^١) (١/ ٢٢٠).\n(^٢) القائل يزيد بن عميرة.\n(^٣) كذا في ت، س. وفي ع: «المشتهرات». ويُروى باللفظين كما بيَّن ذلك أبو داود عندما أخرج الحديث في «سننه» (٤٦١١).\n(^٤) د: «يثنيك». والمثبت من بقية النسخ وأبي داود.\n(^٥) ع: «إذ».\n(^٦) رواه أبو داود (٤٦١١) وصححه الحاكم (٤/ ٤٦٠). وانظر: «سنن أبي داود» تحقيق شعيب الأرنؤوط (٧/ ٢١).\n(^٧) في «المدخل» (٨٣٥) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٨٤) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٢٧) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٩٩).\n(^٨) كذا في النسخ و«المدخل»، وهو صواب، فهي كنية عبد الله بن عباس، كما في «السير» (٣/ ٣٣١) و«الإصابة» (٦/ ٢٢٨) وغيرهما. وجعله المحقق في المطبوع: «ابن عباس»، ظنًّا منه أنه الصواب. وفاته أن ذكر المخاطب بالكنية من أساليب العرب قديمًا وحديثًا، يقصدون به إكرامه.","vol":"3","page":22},{"text":"يقول العالم من قِبَلِ رأيِه (^١)، ثم يسمع الحديث عن النبي - ﷺ - فيدَعُ ما كان عليه. وفي لفظ: «فيلقَى من هو أعلمُ برسول الله - ﷺ - منه، فيخبِره فيرجع، ويقضي الأتباعُ بما حَكَم».\nوقال تميم الداري: اتقوا زلَّة العالم، فسأله عمر: ما زلَّة العالم؟ قال: يَزِلُّ بالناس فيؤخذُ به، فعسى أن يتوبَ العالم والناسُ يأخذون به (^٢) (^٣).\nوقال شعبة: عن عمرو بن مُرَّة عن عبد الله بن سَلِمة (^٤) قال: قال معاذ بن جبل: يا معشر العرب! كيف تصنعون بثلاث: دنيا تَقْطَع أعناقَكم، وزلَّةُ عالم، وجدالُ منافقٍ بالقرآن؟ فسكتوا، فقال: أما العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينَكم، وإن افْتُتِن فلا تقطعوا منه (^٥) إياسَكم؛ فإن المؤمن (^٦) يُفتَتن ثم يتوب، وأما القرآن فله منارٌ كمنار الطريق فلا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه، وما شككتم فكِلُوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله الغِنَى في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليس بنافعتِه دنياه (^٧).\n_________\n(^١) ع: «برأيه».\n(^٢) د: «بقوله به»، وفي المطبوع: «بقوله». والمثبت من بقية النسخ موافق لما عند البيهقي.\n(^٣) أورده البيهقي في «المدخل» بدون إسناد (٨٣٧)، ورواه ابن المبارك في «الزهد» (١٤٤٩) ومن طريقه الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (٣٨٩) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١١/ ٨١).\n(^٤) ع: «مسلمة» تحريف.\n(^٥) «منه» ساقطة من ع.\n(^٦) ت: «المؤمنين».\n(^٧) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٨٢) وعنه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٨٠).، ورواه أيضًا وكيع في «الزهد» (٧١) وأبو داود في «الزهد» (١٨٣)، وروي مرفوعًا أيضًا، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الدارقطني في العلل (٩٩٢) الوقف.","vol":"3","page":23},{"text":"وذكر أبو عمر (^١) من حديث حسين الجعفي عن زائدة عن عطاء بن السائب عن أبي البَخْتري قال: قال سلمان: كيف أنتم عند ثلاثٍ: زلّة عالم، وجدالُ منافقٍ بالقرآن، ودنيا تَقْطعُ أعناقَكم؟ فأما زلَّةُ العالمِ فإنِ اهتدى فلا تُقلِّدوه دينَكم، وأما مجادلةُ المنافقِ بالقرآنِ، فإنَّ للقرآنِ منارًا كمنارِ الطريقِ (^٢)، فما عرفتم منه فخذوه، وما لم تعرِفوه (^٣) فكِلُوه إلى اللهِ، [٦/ب] وأما دنيا تَقْطَعُ أعناقَكم فانظروا إلى مَن هو دونَكم، ولا تنظروا إلى مَنْ هو فوقَكم.\nقال أبو عمر (^٤): وتُشبَّه زلَّةُ العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غَرِقتْ غرِقَ معها خلق كثير.\nقال (^٥): وإذا صحَّ وثبت أن العالم يَزِلُّ ويخطئ، لم يجُزْ لأحدٍ أن يفتي ويَدِينَ بقولٍ لا يعرف وجهه.\nوقال غير أبي عمر (^٦): كما أن القضاة ثلاثة: قاضيانفي النار وواحد (^٧) في الجنة، فالمفتون ثلاثة، ولا فرقَ بينهما إلا في كون القاضي يُلزِم بما أفتى به، والمفتي لا يُلزِم به.\nوقال ابن وهب: سمعت سفيان بن عُيينة يحدِّث عن عاصم بن بَهْدلة عن زِرّ بن حُبيش عن ابن مسعود أنه كان يقول: اغْدُ عالمًا أو متعلمًا، ولا تَغْدُ إمَّعةً فيما بين ذلك. قال ابن وهب: فسألتُ سفيان عن الإمَّعَة، فحدثني عن أبي الزناد (^٨) عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: كنّا ندعو الإمَّعةَ في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام فيأتي معه بغيره، وهو فيكم المُحْقِب (^٩) دِيْنَه الرجالَ (^١٠).\nوقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النَّصْري (^١١): ثنا أبو مُسهِر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد ابن\n_________\n(^١) في «الجامع» (٢/ ٩٨٣) وعنه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٨٠ - ١٨١).\n(^٢) بعدها في ت: «فلا يخفى على أحد». وليست في بقية النسخ ولا في «الجامع» و«الإحكام» في هذه الرواية.\n(^٣) ع: «تعرفوا منه».\n(^٤) في «الجامع» (٢/ ٩٨٢).\n(^٥) الكلام متصل بما قبله.\n(^٦) لم أجد النصّ في المصادر التي رجعت إليها.\n(^٧) ع: «قاض».\n(^٨) كذا في النسخ. وفي مصادر التخريج: «أبي الزعراء»، وهو الصواب، وهو المعروف بالرواية عن أبي الأحوص، فقد كان ابن أخيه. وأبو الزناد ليس معروفًا بالرواية عن أبي الأحوص. ولم نغيّر في النصّ لأن جميع النسخ اتفقت على ذلك، فاكتفينا بالتنبيه عليه.\n(^٩) أي المقلّد الذي يجعل دينَه تابعًا لدين غيره بلا روية ولا برهان، وهو من الإرداف على الحقيبة. انظر «تاج العروس» (حقب، أمع).\n(^١٠) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٨٣)، والبيهقي في «المدخل» (٣٧٨) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٦٨).\n(^١١) في النسخ: «عمر البصري» تصحيف. والنصُّ في «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» (ص ٥٤٣)، ورواه ابن حزم في «الإحكام» من طريقه (٦/ ٩٧ - ٩٨)، وعزاه ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٦٢٥) إلى الإسماعيلي.","vol":"3","page":24},{"text":"أخت نَمِر أنه سمع عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: إنّ حديثكم شرُّ الحديث، إن كلامكم شرُّ الكلام؛ فإنكم قد حدَّثتم الناسَ حتى قيل: قال فلان وقال فلان، ويُترك كتابُ (^١) الله. من كان منكم قائمًا فليقُم بكتاب الله، وإلا فلْيجلِسْ (^٢).\nفهذا قول عمر - ﵁ - لأفضلِ قرنٍ على وجه الأرض، فكيف لو أدرك ما أصبحنا فيه من ترْكِ كتاب الله وسنة رسوله وأقوالِ الصحابة لقول فلان وفلان؟ فالله المستعان.\nقال أبو عمر (^٣): وقال علي بن أبي طالب لكُمَيل بن زياد النخعي ــ وهو حديث مشهور عند أهل العلم، يَستغني (^٤) عن الإسناد لشهرته عندهم ــ: يا كُميلُ، إن هذه القلوب أوعيةٌ، فخيرُها أوعاها [٧/أ] للخير. والناس ثلاثة: فعالمٌ ربَّاني، ومتعلِّم على سبيل نجاة، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلون مع كل صائح، لم يَستضيئوا بنور العلم، ولم يَلجؤوا إلى ركنٍ وثيق. ثم قال: آه! إنّ ههنا علمًا ــ وأشار بيده إلى صدره ــ لو أصبتُ له حَمَلةً، بلى (^٥) قد\n_________\n(^١) ع: «كلام». وفي هامشها برمز ظ: «كتاب».\n(^٢) ت: «فيجلس».\n(^٣) في «الجامع» بدون إسناد (٢/ ٩٨٤). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٧٩) ومن طريقه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٨٢)، وأبو طاهر السلفي في «الطيوريات» (٥٣٥). وفي إسناده أبو حمزة الثمالي ثابت بن أبي صفية ضعيف رافضي، وعبد الرحمن بن جندب الفزاري مجهول.\n(^٤) ع: «مستغن».\n(^٥) ت، ع: «بل». والمثبت من د موافق لما في «الجامع».","vol":"3","page":26},{"text":"أصبتُ لَقِنًا غيرَ مأمون، يستعمل آلة الدين للدنيا، ويستظهر بحُجَج الله على كتابه وبنِعَمِه على معاصيه، أو (^١) حامل حقٍّ لا بصيرةَ له في إحيائه، ينقدحُ الشكُّ في قلبه بأول عارضٍ من شبهة، لا يدري أين الحقُّ، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدْرِ، مشغوفٌ (^٢) بما لا يدري حقيقته، فهو فتنةٌ لمن (^٣) فُتِنَ به، وإنّ من الخير كلِّه مَن عرَّفه الله دينَه، وكفى بالمرء جهلًا أن لا يعرف دينه.\nوذكر أبو عمر (^٤) عن أبي البَخْتري عن علي - ﵁ - قال: إيّاكم والاستنانَ بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب لعِلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعِلْم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بدَّ فاعلينَ فبالأموات لا بالأحياء.\nوقال ابن مسعود: لا يقلِّدنَّ أحدُكم دينَه رجلًا إن آمنَ آمنَ وإن كفر كفر، فإنه لا أسوةَ في الشر (^٥).\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي الجامع: «أف».\n(^٢) ت، ع: «مشعوف» بالعين، وهو أيضًا بمعنى «مشغوف».\n(^٣) ع: «كمن» تحريف.\n(^٤) في «الجامع» (٢/ ٩٨٧) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٨١) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عنه به. وعطاء قد اختلط، والراوي عنه خالد الواسطي سمع منه بعد اختلاطه، وتابعه حماد بن زيد عند ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (١٥٧٢).\n(^٥) أورده ابن عبد البر في «الجامع» بدون إسناد (٢/ ٩٨٧)، ورواه الطبراني (٨٧٦٤) ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٣٦)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٨٠): ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":27},{"text":"قال أبو عمر (^١): وثبتَ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يذهبُ العلماءُ، ثم يتَّخِذُ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، يُسأَلون فيُفْتونَ بغير علمٍ، فيَضِلُّون ويُضِلُّون» (^٢).\nقال أبو عمر (^٣): وهذا كله نفيٌ للتقليد وإبطالٌ له، لمن فهِمه وهُدِيَ لرُشدِه.\nثم ذكر (^٤) من طريق يونس بن عبد الأعلى ثنا سفيان بن عيينة قال: اضطجع ربيعة مُقْنِعًا رأسَه (^٥) وبكى، فقيل له: ما يُبكِيك؟ فقال: رياء ظاهر، وشهوةٌ خفيَّة، والناس عند علمائهم كالصبيان في [حُجور] أمَّاتهم (^٦): ما نهوهم عنه انتهَوا، وما أمروهم به ائتمروا.\nوقال عبد الله بن المعتز (^٧): لا فرقَ بين [٧/ب] بهيمةٍ تُقاد (^٨) وإنسانٍ يقلِّدُ (^٩).\n_________\n(^١) في «الجامع» (٢/ ٩٨٨).\n(^٢) رواه البخاري (١٠٠) ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه.\n(^٣) الكلام متصل بما قبله في «الجامع».\n(^٤) «الجامع» (٢/ ٩٨٩). وأخرجه أيضًا أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٢٥٩).\n(^٥) أي رافعًا له شاخصًا ببصره نحو شيء في ذُلٍّ وخشوع.\n(^٦) في د، ع: «امامهم». وفي «الجامع» و«الحلية»: «كالصبيان في حجور أمهاتهم». والمثبت من ت.\n(^٧) في جميع النسخ: «المعتمر»، والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٨) د، ع: «تنقاد». والمثبت من ت يوافق ما في «الجامع».\n(^٩) ذكره ابن عبد البر في «الجامع» بدون إسناد (٢/ ٩٨٩)، ورواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٨). وهذه المقولة هي مساجلة وقعت بين عبد الله بن المعتز وابن الأنباري. انظر: «جمع الجواهر في الملح والنوادر» لأبي إسحاق الحصري (ص ١٧).","vol":"3","page":28},{"text":"ثم ساق (^١) من «جامع (^٢) ابن وَهْب»: أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمرو، عن عمرو بن أبي نَعِيمة (^٣)، عن مسلم بن يسار، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قال عليَّ ما لم أقُلْ فليتبوَّأْ مقعدَه من النار، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رُشْدِه فقد خانَه، ومن أُفتي بفُتيا بغيرِ ثَبَتٍ فإنما إثمُها على من أفتاه».\nوقد تقدّم هذا الحديث (^٤) من رواية أبي داود (^٥)، وفيه دليل على تحريم الإفتاء بالتقليد، فإنه إفتاءٌ بغير ثَبَت؛ فإن الثَّبَت الحجةُ التي يثبت (^٦) بها الحكم باتفاق الناس، كما قال أبو عمر (^٧): وقد احتجَّ جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليدَ بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدَّم، فأحسنُ ما رأيتُ من ذلك قول المزني (^٨)، وأنا أورده.\n_________\n(^١) أي ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٩١)، وللحديث شواهد ومتابعات. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٣١٠٠) و«سنن أبي داود» تحقيق شعيب الأرنؤوط (٥/ ٤٩٩)، وقارن بينهما.\n(^٢) ع: «من طريق جامع». ت: «ابن جامع». والمثبت من د. و«الجامع» لابن وهب أحد المصنّفات المشهورة، نقل عنه ابن عبد البر كثيرًا.\n(^٣) د: «نعمة». ويُضبط بالوجهين كما في «تقريب التهذيب».\n(^٤) (١/ ٧٩).\n(^٥) ت، د: «ابن داود» خطأ.\n(^٦) ع: «ثبت».\n(^٧) في «الجامع» (٢/ ٩٩٢ - ٩٩٣).\n(^٨) ت، د: «المبرل». ع: «المنزل» وكله تحريف.","vol":"3","page":29},{"text":"قال (^١): يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجةٍ فيما حكمتَ به؟\nفإن قال: «نعم» بطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبتْ ذلك عنده لا التقليد.\nوإن قال: «حكمتُ به بغير حجة»، قيل له: فلِمَ أرقْتَ الدِّماء وأبحتَ الفروج وأتلفتَ الأموال، وقد حرَّم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله ﷿: ﴿إِنْ (^٢) ... عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨] أي من حجةٍ بهذا.\nفإن قال: «أنا أعلمُ أني قد أصبتُ وإن لم أعرف الحجة، لأنّي قلَّدتُ كبيرًا (^٣) من العلماء وهو لا يقول إلا بحجةٍ خفيتْ عليّ». قيل له: إذا جاز تقليدُ معلِّمك لأنه لا يقول إلا بحجةٍ خفيتْ عليك فتقليدُ معلِّم معلِّمِك أولى؛ لأنه لا يقول إلا بحجةٍ خفيتْ على معلِّمك، كما لم يقلْ معلِّمك إلا بحجة خفيتْ عليك.\nفإن قال: «نعم» تركَ تقليد معلِّمه إلى تقليد معلِّمِ معلِّمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله - ﷺ -، وإن أبى ذلك نقضَ قوله، وقيل له: كيف تجوِّز (^٤) تقليدَ من هو أصغرُ وأقلُّ علمًا، ولا تجوِّز تقليدَ من هو أكبر وأكثر علمًا؟ وهذا تناقضٌ.\n_________\n(^١) رواه الخطيب عنه في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٣٦ - ١٣٧). وذكره الزركشي في «البحر المحيط» (٦/ ٢٨١).\n(^٢) في النسخ: «هل».\n(^٣) ت: «كثيرًا» تصحيف.\n(^٤) د: «يجوز». وكذا في «الجامع».","vol":"3","page":30},{"text":"فإن قال: «لأنّ (^١) معلِّمي وإن كان أصغرَ فقد جمعَ عِلْمَ [٨/أ] من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصرُ بما أخذَ وأعلمُ بما تركَ»، قيل له: وكذلك من تعلَّم من معلِّمك، فقد جمع علْمَ معلِّمك وعلْمَ من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وتركُ تقليد معلّمك. وكذلك أنت أولى أن تقلِّد نفسك من معلِّمك؛ لأنك جمعتَ علْمَ معلِّمك وعلْمَ من هو فوقه إلى علمك. فإنّ قلد (^٢) قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليدُ التابع والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبدًا، وكفى بقولٍ يؤولُ إلى هذا تناقضًا وفسادًا (^٣).\nقال أبو عمر (^٤): قال أهل العلم والنظر: حدُّ العلم التبيينُ وإدراكُ المعلوم على ما هو به، فمن بانَ له الشيء فقد علِمَه، قالوا: والمقلِّد لا علمَ له، لم يختلفوا في ذلك (^٥). ومن ههنا ــ والله أعلم ــ قال البُحتري (^٦):\nعرفَ العالمون فضلَك بالعلـ ... م وقال الجهَّالُ بالتقليد\n_________\n(^١) ع: «إن».\n(^٢) كذا في النسخ، وفي «الجامع»: «فاد». ولعل الصواب: «قياس» كما سيأتي بعد سطرين.\n(^٣) إلى هنا انتهى نقل ابن عبد البر لكلام المزني.\n(^٤) في «الجامع» (٢/ ٩٩٣).\n(^٥) «في ذلك» ساقطة من د.\n(^٦) من قصيدة له في مدح محمد بن عبد الملك الزيات في «ديوانه» (١/ ٦٣٨) و«تاريخ بغداد» (٢/ ٣٤٢).","vol":"3","page":31},{"text":"وأرى الناسَ مُجمِعين (^١) على فضـ ... لك من بينِ سيِّدٍ ومَسُود\n\nوقال أبو عبد الله بن خُوازِ مَنْدادَ (^٢) البصري المالكي (^٣): التقليد معناه في الشرع الرجوعُ إلى قول لا حجةَ لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة. والاتباع: ما ثبت عليه حجة.\nوقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعتَ قولَه من غير أن يجب عليك قبولُه بدليل يوجب ذلك فأنت مقلِّده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكلُّ من أوجب الدليلُ عليك اتباعَ قوله فأنت متَّبِعُه، والاتباع في الدين مَسُوغٌ، والتقليد ممنوع.\nقال (^٤): وذكر محمد بن حارث في «أخبار سَحْنون بن سعيد» (^٥) عنه قال: [كان] (^٦) مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هُرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابنُ دينار وذووه لا يجيبهم، فتعرَّض له ابن دينار يومًا فقال له: يا أبا بكر لِمَ تَستحِلُّ [٨/ب] منّي ما لا يحلُّ لك (^٧)؟ قال له: يا ابنَ أخي، وما\n_________\n(^١) ت: «مجمعون».\n(^٢) يُنظر في ضبط هذا الاسم: «تاج العروس» (٨/ ٥٧) طبعة الكويت.\n(^٣) النقل مستمر عن «الجامع» لابن عبد البر (٢/ ٩٩٣).\n(^٤) أي ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٩٤).\n(^٥) ذكر هذا الكتاب القاضي عياض في «ترتيب المدارك» (٤/ ٤٦).\n(^٦) ليست في النسخ، وزيدت من «الجامع». وفي هامش ع إشارة إليها برمز ظ.\n(^٧) «يحل لك» ساقطة من ع.","vol":"3","page":32},{"text":"ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتُجِيبهما، وأسألك أنا وذَوِيَّ (^١) فلا تُجيبنا! فقال: أوَقعَ ذلك يا ابنَ أخي في قلبك (^٢)؟ قال: نعم، قال: إنّي قد كبِرتْ سِنّي ودَقَّ عظْمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثلُ الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا منّي حقًّا قَبِلاه، وإن سمعا خطأً تركاه، وأنت وذووك ما أجبتُكم به (^٣) قبلتموه.\nقال ابن حارث: هذا واللهِ الدينُ الكامل، والعقلُ الراجح، لا كمن يأتي بالهَذَيان، ويريد أن يَنزِلَ (^٤) من القلوب منزلةَ القرآن.\nقال أبو عمر (^٥): يقال لمن قال بالتقليد: لِمَ قلتَ به، وخالفتَ السلف في ذلك فإنهم لم يقلِّدوا؟ فإن قال: قلَّدتُ لأن (^٦) كتاب الله لا علْمَ لي بتأويله، وسنة رسوله - ﷺ - لم أُحصِها، والذي قلَّدتُه قد علم ذلك، فقلَّدتُ من هو أعلم منّي. قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل (^٧) الكتاب أو حكايةٍ عن سنة رسول الله - ﷺ - أو اجتمع (^٨) رأيهم على شيء فهو الحقُّ\n_________\n(^١) أصلها: «ذَوُويَ». جرى فيها ما جرى في «بَنِيَّ».\n(^٢) د: «في قلبك يا ابن أخي».\n(^٣) «به» ساقطة من ع.\n(^٤) بعدها في المطبوع: «قوله». وليست في النسخ و«الجامع». والضمير في «يَنزل» يرجع إلى «الهذيان».\n(^٥) في «الجامع» (٢/ ٩٩٤).\n(^٦) ت: «فإن».\n(^٧) د: «على تأويل شيء من».\n(^٨) ت: «أجمع». والمثبت موافق لما في «الجامع».","vol":"3","page":33},{"text":"لا شكَّ فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلَّدتَ فيه بعضَهم دون بعض، فما حجَّتُك في تقليد بعضهم دون بعض وكلُّهم عالم؟ ولعلَّ الذي رغِبتَ عن قوله أعلمُ من الذي ذهبتَ إلى مذهبه.\nفإن قال: قلّدتُه لأني أعلم أنه على صواب، قيل له: علمتَ ذلك بدليلٍ من كتاب الله أو سنة أو إجماع؟\nفإن قال: «نعم» أبطل التقليد، وطولب بما ادّعاه من الدليل.\nوإن قال: قلّدتُه لأنه أعلم مني، قيل له: فقلِّدْ كلَّ من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقًا كثيرًا، ولا تخُصَّ من قلَّدتَه إذ عِلَّتك فيه أنه أعلم منك.\nفإن قال: قلَّدتُه لأنه أعلمُ الناس، قيل له: فهو إذًا أعلمُ (^١) من الصحابة، وكفى بقول مثلِ هذا قبحًا.\nفإن قال: أنا أقلِّد بعضَ الصحابة، قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلِّد منهم، ولعل من تركتَ قوله منهم [٩/أ] أفضلُ ممن أخذتَ بقوله. على أن القول لا يصحُّ لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.\nوقد ذكر ابن مُزَين (^٢) عن عيسى بن دينار قال: عن [ابن] القاسم عن مالك قال: ليس كلَّما قال رجل قولًا ــ وإن كان له (^٣) فضلٌ ــ يُتَّبَع عليه؛ لقول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨].\n_________\n(^١) «منك فإن ... أعلم» ساقطة من ع بسبب انتقال النظر.\n(^٢) كما في «الجامع» (٢/ ٩٩٥). ومنه الزيادة بين المعكوفتين.\n(^٣) «له» ساقطة من ت.","vol":"3","page":34},{"text":"فإن قال (^١): قِصَري وقلَّة علمي يَحمِلني على التقليد، قيل له: أما من قلَّد فيما ينزِل به من أحكام (^٢) شريعته عالمًا يتفق له على علمه فيصدرُ في ذلك عما يُخبِره فمعذورٌ؛ لأنه قد أتى ما (^٣) عليه، وأدَّى ما لزِمه (^٤) فيما نزل به لجهله، ولا بُدَّ له من تقليدِ عالِمه فيما جهله؛ لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلِّد من يَثِقُ بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك.\nولكن من كانت هذه حالَه هل تجوز له الفتوى في شرائع دين الله، فيحمِلُ غيرَه على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك، ويُصيِّرها إلى غيرِ من (^٥) كانت في يديه بقولٍ لا يَعرِف صحته ولا قام له الدليل عليه، وهو مقِرٌّ أن قائله يخطئ ويصيب، وأنّ مخالفَه في ذلك ربّما كان المصيبَ فيما يخالفه فيه؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهِلَ الأصلَ والمعنى لحفظِه الفروعَ لزِمَه أن يجيزه للعامة، وكفى بهذا جهلًا وردًّا للقرآن. قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبيَّن ولم (^٦) يُستيقَن فليس بعلم، وإنما هو ظنّ، والظنّ لا يُغنِي من الحقّ شيئًا.\n_________\n(^١) الكلام مستمرٌّ نقلًا عن «الجامع» (٢/ ٩٩٥).\n(^٢) ت: «أحكامه».\n(^٣) ع: «بما».\n(^٤) ت: «ألزمه».\n(^٥) ع: «ما».\n(^٦) في هامش ع: «وإن لم».","vol":"3","page":35},{"text":"ثم ذكر (^١) حديث ابن عباس: «من أفتى بفُتيا وهو يَعمَى عنها كان إثمُها عليه» موقوفًا (^٢) ومرفوعًا (^٣).\nقال: وثبتَ (^٤) عن النبي - ﷺ -: «إيّاكم والظنَّ، فإنّ الظنّ أكذبُ الحديث» (^٥).\nقال (^٦): ولا خلافَ بين أئمة الأمصار في فساد التقليد، ثم ذكر من طريق ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو عثمان بن سَنَّة (^٧) أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن العلم بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء» (^٨).\n[٩/ب] ومن طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، قيل له (^٩): يا\n_________\n(^١) «الجامع» (٢/ ٩٩٥).\n(^٢) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٨٦٢، ٩٩٢)، ورواه أيضًا الدارمي (١٦٢) والبيهقي في «المدخل» (١٨٦)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٢٨).\n(^٣) مضى تخريجه قريبًا من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\n(^٤) في النسخ: «وهب» تحريف، والتصويب من «الجامع».\n(^٥) رواه البخاري (٥١٤٣) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٦) الكلام مستمر لابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٩٦).\n(^٧) في النسخ: «مسنة». والتصويب من «الجامع» و«الإصابة» (١٢/ ٥٠١). وأبو عثمان هذا تابعي.\n(^٨) أخرجه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٩٦) بهذا الطريق مرسلًا. وأصل الحديث أخرجه مسلم (١٤٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٩) «له» ساقطة من ع.","vol":"3","page":36},{"text":"رسول الله، وما الغرباء؟ قال: «الذين يُحيون سنتي ويُعلِّمونها عبادَ الله» (^١).\nوكان يقال: العلماء غُرباءُ لكثرة الجهّال (^٢).\nثم ذكر (^٣) عن مالك عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] قال: بالعلم.\nوقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، قال: يرفع الله الذين أُوتوا العلمَ من المؤمنين على الذين لم يُؤتَوا العلمَ درجاتٍ (^٤).\nوروى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] قال: بالعلم (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٩٧). وكثير متكلم فيه، والحديث صحيح بشواهده دون السؤال والجواب عن الغرباء، انظر: «السلسلة الصحيحة» (١٢٧٣).\n(^٢) من كلام ابن المعتز، كما في «زهر الآداب» (٢/ ٤٢٩) و«الوافي بالوفيات» (١٧/ ٢٤١).\n(^٣) أي ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٩٧)، ورواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ ١٣٣٥)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/ ٥٦١) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤) رواه الدارمي (٣٦٥) وصححه الحاكم (٢/ ٤٨١)، رواه البيهقي في «المدخل» من طريقه (٣٤١)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٨/ ٨٣) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (١/ ٢١٨) وابن أبي حاتم في «التفسير» (٢/ ٤٨٣) والبيهقي في «المدخل» (٣٤٤).","vol":"3","page":37},{"text":"وإذا كان المقلِّد ليس من العلماء باتفاق العلماء لم يدخل في شيء من هذه النصوص، وبالله التوفيق.\nفصل\n\nوقد<span data-type=\"title\" id=toc-374> نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم</span>، وذمُّوا من أخذ أقوالهم بغير حجة؛ فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجّة كمثل حاطب ليلٍ، يَحمل حُزمةَ حطبٍ وفيه أفعى تلدغُه، وهو لا يدري. ذكره البيهقي (^١).\nوقال إسماعيل بن يحيى المُزَني في أول «مختصره» (^٢): اختصرتُ هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقرِّبه على من أراده، مع إعلامِيْهِ (^٣) نهْيَه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه.\nوقال أبو داود (^٤): قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبعُ من مالك؟ قال: لا تقلِّدْ دينَك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي - ﷺ - وأصحابه فخُذْ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر.\nوقد فرَّق أحمد بين التقليد والاتّباع، فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتّباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه، ثم هو من بعدُ في\n_________\n(^١) رواه البيهقي في «المدخل» (٢٦٣) وفي «مناقب الشافعي» (٢/ ١٤٣)، وابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٧٤)، والحاكم في «المدخل إلى كتاب الإكليل» (ص ٢٨)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٥٧) وفي «نصيحة أهل الحديث» (ص ٣٢).\n(^٢) «مختصر المزني» مع «الأم» (٨/ ٩٣) ط. دار الفكر.\n(^٣) ع: «إعلانه».\n(^٤) في «مسائل الإمام أحمد» (ص ٣٦٩).","vol":"3","page":38},{"text":"التابعين مخيَّر (^١).\nوقال أيضًا: لا تقلِّدني [١٠/أ] ولا تقلِّدْ مالكًا ولا الثوريَّ ولا الأوزاعيَّ، وخذْ من حيث أخذوا (^٢).\nوقال: مِن قلّة فقهِ الرجل أن يقلِّد دينَه الرجالَ (^٣).\nوقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (^٤).\nوقد صرَّح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف مَن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟ فقال جعفر الفِريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، حدثني الهيثم بن جَمِيل، قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إنّ عندنا قومًا وضعوا كتبًا، يقول أحدهم: ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: وصحَّ عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية، كما صحّ عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يُستتابون (^٥)، والله أعلم (^٦).\n_________\n(^١) في المصدر السابق (ص ٣٦٨).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» لولي الله الدهلوي (ص ١٠٥) و«عقد الجيد» (ص ٢٨) و«إرشاد النقاد» للصنعاني (ص ١٤٣).\n(^٣) «إرشاد النقاد» (ص ١٤٣).\n(^٤) رواه البيهقي في «المدخل» (٢٦٢).\n(^٥) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٦) «والله أعلم» ليست في ت، ع.","vol":"3","page":39},{"text":"فصل في عقد مجلس مناظرة\nبين مقلّد وبين صاحبِ حجة منقادٍ للحقّ حيث كان\nقال المقلّد: نحن معاشر المقلّدين ممتثلون (^١) قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فأمر سبحانه من لا علمَ له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نصُّ قولنا، وقد أرشد النبي - ﷺ - من لا يعلم (^٢) إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشجَّة: «ألَّا سألوا إذْ (^٣) لم يعلموا؟ إنما شفاءُ العيِّ السؤالُ» (^٤).\nوقال أبو العَسِيف الذي زنى بامرأةِ مستأجِرِه: «وإنى سألت أهلَ العلمِ فأخبروني أنما (^٥) على ابني جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، وأن على امرأة هذا الرجمَ» (^٦). فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلمُ منه.\n_________\n(^١) ت: «ممتثلين».\n(^٢) «من لا يعلم» ساقطة من ع.\n(^٣) د: «إذا».\n(^٤) رواه أبو داود (٣٣٦) والدارقطني (٧٢٩) والبيهقي (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨) من طريق الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر - ﵁ -، وفي إسناده الزبير بن خريق متكلم فيه، ولكن له شاهد ضعيف يتقوى به من حديث ابن عباس - ﵄ - عند أبي داود (٣٣٧) وابن ماجه (٥٧٢). وانظر: «التلخيص الحبير» (١/ ٢٦٠)، و«صحيح أبي داود» - الأم (٢/ ١٥٨ - ١٦٥).\n(^٥) ع: «أن».\n(^٦) رواه البخاري (٢٧٢٤) ومسلم (١٦٩٧) من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني - ﵄ -.","vol":"3","page":40},{"text":"وهذا عالم الأرض عمر قد قلَّد أبا بكر، فروى شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي فيها، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنّي ومن الشيطان والله منه بريء، هو ما دون الولد والوالد، فقال عمر [١٠/ب] بن الخطاب: إني لأستحيي من الله أن أخالفَ أبا بكر (^١). وصحَّ عنه أنه قال له: رأيُنا لرأيِك تَبَعٌ (^٢) (^٣).\nوصحَّ عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر (^٤).\nوقال الشعبي عن مسروق: كان ستة من أصحاب النبي - ﷺ - يفتون الناس: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي بن\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٢٧) من هذا الطريق، ورواه عبد الرزاق (١٩١٩١) وسعيد بن منصور في «سننه» (التفسير) (٥٩١)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٥٥)، والدارمي (٣٠١٥) والشعبي لم يسمع من عمر، وقول عمر في الكلالة مخرَّج أيضًا عند الحاكم (٤/ ٣٧٣) وإسناده صحيح. انظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ١٩١).\n(^٢) «وصح عنه ... تبع» ساقطة من ع.\n(^٣) يشير إلى حديث طارق بن شهاب أنه قال: جاء وفد بُزاخة أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح، فخيّرهم أبو بكر بين الحرب المجلية، والسلم المخزية ...، وفيه قول عمر - ﵁ -: قد رأيت رأيا، وسنشير عليك ... إلخ القصة، وسيأتي سياق القصة بطولها. والحديث روى البخاري طرفًا منه (٧٢٢١)، وساقه ابن أبي شيبة بطوله (٣٣٤٠٠)، والبيهقي (٨/ ٣٣٥)، وابن زنجويه في «الأموال» (٢/ ٤٦١)، وصححه البرقاني في «مستخرجه» كما في «الجمع بين الصحيحين» (١/ ٩٦).\n(^٤) من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة (٧٤١٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١٨٢٧)، والطبراني (٨٨٣٤) من قول ابن مسعود - ﵁ -: إنَّ عمر كره الصلاةَ بعد العصر، وأنا أكرهُ ما كره عمرُ.","vol":"3","page":41},{"text":"كعب، وأبو موسى، وكان ثلاثة منهم يَدَعُون قولهم لقول ثلاثة: كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب (^١).\nوقال جندب (^٢): ما كنت أدَعُ قولَ ابنِ مسعود لقول أحدٍ من الناس (^٣).\nوقد قال النبي - ﷺ -: «إنَّ معاذًا قد سنَّ لكم سنَّةً، فكذلك فافعلوا» (^٤)، في شأن الصلاة حيث أخّر، فصلّى ما فاته مع الإمام بعد الفراغ، وكانوا يصلُّون ما فاتهم أولًا ثم يدخلون مع الإمام.\nقال المقلّد: وقد أمر الله بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر، وهم العلماء، أو العلماء والأمراء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعةٌ تختصُّ بهم.\nوقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وتقليدهم اتباعٌ لهم، ففاعله ممن - ﵁ -، ويكفي في ذلك الحديث المشهور: «أصحابي\n_________\n(^١) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٦٧)، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي متكلم فيه، وبنحوه رواه ابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٣٥١)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٤٤)، والبيهقي «المدخل» (١٤٦).\n(^٢) ع: «حبيب»، تحريف.\n(^٣) رواه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٦٧)، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي متكلم فيه.\n(^٤) رواه أبو داود (٥٠٦) ومن طريقه البيهقي (٣/ ٩٣)، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» - الأم (٢/ ٤٢٥).","vol":"3","page":42},{"text":"كالنجومِ، فبأيِّهم اقتديتم اهتديتم» (^١).\nوقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مُستنًّا فليستنَّ بمن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنةُ، أولئك أصحاب محمدٍ أبرُّ هذه الأمةِ (^٢) قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرِفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم (^٣).\nوقد صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «عليكم بسنّتي [١١/أ] وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي» (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (٧٠٢) من حديث ابن عباس - ﵄ -، وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٢٥) من حديث جابر - ﵁ -، وحكم بوضعه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٨٢)، وملا علي القاري في «الأسرار المرفوعة» (ص ٣٨٨)، والألباني في «السلسلة الضعيفة» (٦٢).\n(^٢) «الأمة» ساقطة من ع.\n(^٣) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٤٧)، والهروي في «ذم الكلام وأهله» (٧٤٦)، وإسناده منقطع؛ لأن قتادة لم يدرك ابن مسعود - ﵁ -، ولكنَّ الشطر الأول منه ثابت بنحوه عند أبي داود في «الزهد» (١٣٢)، والطبراني (٨٧٦٤) والبيهقي (١٠/ ١١٦)، وقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ١٨٠): رجاله رجال الصحيح.\n(^٤) رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) من حديث العرباض بن سارية - ﵁ -، وقال: حديث حسن صحيح، والبزار (٤٢٠١) والحاكم (١/ ٩٥) وقال: ليس فيه علة، وصححه أيضًا ابن حبان (٥) وأبو نعيم في «المستخرج» (١/ ٣٥) والضياء المقدسي في «اتباع السنن» (ص ١٩).","vol":"3","page":43},{"text":"وقال: «اقتدُوا باللذينِ من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدُوا بهدْي عمّار، وتمسَّكوا بعهد ابن أم عبد» (^١).\nوقد كتب عمر إلى شُريح: أنِ اقْضِ بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله - ﷺ -، فإن لم يكن في سنة رسول الله - ﷺ - فاقضِ بما قضى به الصالحون (^٢).\nوقد منع عمر من بيع أمهات الأولاد (^٣) وتبعه الصحابة، وأَلزم بالطلاق الثلاث (^٤) وتبعوه أيضًا، واحتلم مرةً فقال له عمرو بن العاص: خذْ ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلتُها صارت سنةً (^٥).\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٦٦٢) وابن ماجه (٩٧) وأحمد (٢٣٢٤٥) من حديث حذيفة، وإسناده منقطع بين عبد الملك بن عمير وربعي بن حراش، وللحديث شواهد يتقوى بها؛ ولأجل هذا حسنه الترمذي، وصححه الحاكم (٣/ ٧٥) وصححه أيضًا ابن حبان (٦٩٠٢). وانظر: «التلخيص الحبير» (٤/ ٣٥٠)، و«السلسلة الصحيحة» (١٢٣٣).\n(^٢) رواه النسائي (٥٣٩٩)، ورواه أيضًا في «السنن الكبرى» (٥٩١١)، وصححه ابن حزم في «الإحكام» (٧/ ١٤٨).\n(^٣) يشير إلى حديث جابر - ﵁ -: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا. رواه أبو داود (٣٩٥٤)، وصححه ابن حبان (٤٣٢٤) والحاكم (٢/ ١٨).\n(^٤) يشير إلى ما رواه مسلم (١٤٧٢) عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.\n(^٥) رواه مالك (٨٣) وعبد الرزاق (١٤٤٨).","vol":"3","page":44},{"text":"وقد قال (^١) أبي بن كعب وغيره من الصحابة: ما استبانَ لك فاعمَلْ به، وما اشتبهَ عليك فكِلْهُ إلى عالمِه (^٢).\nوقد كان الصحابة يفتون ورسول الله - ﷺ - حيٌّ بين أظهُرِهم، وهذا تقليد لهم قطعًا؛ إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي - ﷺ -، وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فأوجب عليهم قبولَ ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا تقليدٌ منهم للعلماء.\nوصحَّ عن ابن الزبير أنه سئل عن الجدّ والإخوة، فقال: أما الذي قال رسولُ الله - ﷺ -: «لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذته خليلًا»، فإنه أنزله أبًا (^٣). وهذا ظاهر في تقليده له.\nوقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له، وجاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارِص والقاسم والمقوِّم للمُتْلَفات وغيرها، والحاكمَيْنِ بالمثل في جزاء (^٤) الصيد، وذلك تقليدٌ محْض.\nوأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرِّف والمعدِّل\n_________\n(^١) «قد» ليست في د.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٣٠٦٥٥)، والبخاري في «التاريخ الأوسط» (١/ ٦٤)، والحاكم (٣/ ٣٠٣).\n(^٣) رواه البخاري (٣٦٥٨). وفيه: «يعني أبا بكر».\n(^٤) ت: «الجزاء».","vol":"3","page":45},{"text":"وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد، وذلك (^١) تقليد محض لهؤلاء.\nوأجمعوا على جواز شِرَى اللُّحمانِ والثياب [١١/ب] والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حِلّها وتحريمها اكتفاءً بتقليد أربابها، ولو كُلِّف الناس كلُّهم الاجتهادَ وأن يكونوا علماءَ لضاعت مصالح العباد، وتعطَّلت الصنائع والمتاجر، وكان الناس كلُّهم علماء مجتهدين، وهذا مما لا سبيلَ إليه شرعًا، والقدر قد مَنَع من وقوعه.\nوقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يُهدِين إليه زوجتَه، وجوازِ وطئها تقليدًا لهنّ في كونها هي زوجته.\nوأجمعوا على أن الأعمى يقلِّد في القبلة، وعلى تقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة وما يصحُّ به الاقتداء، وعلى تقليد الزوجة ــ مسلمةً كانت أو ذميةً ــ أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطْؤُها بالتقليد، ويُباح للوليّ تزويجُها بالتقليد لها في انقضاء عدّتها، وعلى جواز تقليد الناس للمؤذِّنين في دخول أوقات الصلوات، ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل.\nوقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحارث: أرضعتُك وأرضعتُ امرأتك، فأمره النبي - ﷺ - بفراقها وتقليدها (^٢) فيما أخبرتْه به من ذلك (^٣).\nوقد صرَّح الأئمة بجواز التقليد، فقال حفص بن غِياث: سمعت سفيان يقول: إذا رأيت الرجلَ يعمل العملَ الذي قد اختُلِفَ فيه وأنت ترى تحريمَه\n_________\n(^١) «ذلك» ساقطة من ت.\n(^٢) ت، د: «ويقلدها».\n(^٣) رواه البخاري (٨٨) من حديث عقبة بن الحارث - ﵁ -.","vol":"3","page":46},{"text":"فلا تَنْهَه (^١) (^٢).\nوقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليدُ من هو أعلمُ منه، ولا يجوز له تقليدُ من هو مثلَه (^٣).\nوقد صرَّح الشافعيُّ بالتقليد فقال: في الضِّلع بعيرٌ، قلتُه تقليدًا لعمر (^٤).\nوقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب: قلته تقليدًا لعثمان (^٥).\nوقال في مسألة الجدّ مع الإخوة: إنه يُقاسِمهم، ثم قال (^٦): وإنما قلتُ بقول زيد، وعنه قبلنا أكثر الفرائض (^٧).\nوقد قال في موضع آخر من كتابه الجديد: قلته تقليدًا لعطاء (^٨).\n_________\n(^١) ت، ع: «فلا تتهمه».\n(^٢) رواه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٦٨) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٣) ذكره الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» بدون إسناد (٢/ ١٣٦). وانظر: «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١٢٣١) و«مسلَّم الثبوت» (٢/ ٢٩٣) و«قواطع الأدلة» (٢/ ٣٤١).\n(^٤) «الأم» (٨/ ٦٥١) وفيه: «وأنا أقول بقول عمر، لأنه لم يخالفه واحد من أصحاب النبي - ﷺ - فيما علمته، فلم أر أن أذهب إلى رأيي وأخالفه فيه».\n(^٥) «الأم» (٨/ ٢٢٥).\n(^٦) «ثم قال» ليست في د.\n(^٧) «الأم» (٥/ ١٧٣).\n(^٨) انظر مثلًا «الأم» (٣/ ٦٥٩، ٨/ ٢١٩، ٣٤٤) وليس فيها لفظ التقليد.","vol":"3","page":47},{"text":"وهذا أبو حنيفة - ﵀ - قال في مسائل الآبار (^١): ليس معه [١٢/أ] فيها إلا تقليدُ من تقدَّمه من التابعين فيها (^٢).\nوهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة، ويصرّح في «موطَّئه» بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا (^٣).\nويقول في غير موضع: «ما رأيتُ أحدًا أَقتدِي به يفعله» (^٤). ولو جمعنا ذلك من كلامه لطال.\nوقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خيرٌ من رأيِنا لأنفسنا (^٥).\nونحن نقول ونصدِّق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا.\nوقد جعل الله سبحانه في فِطَرِ العباد تقليدَ المتعلّمين للأستاذين والمعلِّمين، ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا، وذلك عامٌّ في كلّ علم\n_________\n(^١) ع، د: «الآثار».\n(^٢) قال المرغيناني في «الهداية» (١/ ٢٤): وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت، وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها بإجماع السلف، ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس. وانظر تفصيل المسألة في «المبسوط» للسرخسي (١/ ٥٨) و«البحر الرائق» لابن نجيم (١/ ١١٧).\n(^٣) انظر: «موطأ مالك» رقم (١١، ٢٨، ٤٥، ٥٥، ١٠٧ وغيرها).\n(^٤) انظر: «المدونة» (١/ ٢٩٩، ٣٤٦، ٤٥١).\n(^٥) انظر: المدخل للبيهقي (٣٧) وعزاها إلى الرسالة القديمة. وانظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٧٣)، و«مجموع الفتاوى» (٤/ ١٥٨)، و«منهاج السنة النبوية» (٦/ ٨١).","vol":"3","page":48},{"text":"وصناعة، وقد فاوتَ الله سبحانه بين قوى الأذهان كما فاوتَ بين قوى الأبدان، فلا يحسُن في حكمته وعدله ورحمته أن يَفرِض على جميع خلقه معرفةَ الحق بدليله والجواب عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقِها وجليلِها؛ ولو كان كذلك لتساوتْ أقدامُ الخلائق في كونهم علماء، بل جعل سبحانه هذا عالمًا، وهذا متعلّمًا، وهذا متبعًا للعالم مؤتمًّا به، بمنزلة المأموم مع الإمام والتابع مع المتبوع. وأين حرَّم الله تعالى على الجاهل أن يكون متبعًا للعالم مؤتمًّا به مقلّدًا له، يسيرُ بسيرِه وينزل بنزوله؟\nوقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كلَّ وقت نازلةٌ بالخلق، فهل فرض على كلّ منهم فرضَ عينٍ أن يأخذ حكم نازلته من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها؟ وهل ذلك في إمكانٍ فضلًا عن كونه مشروعًا؟ وهؤلاء أصحاب رسول الله - ﷺ - فتحوا البلاد، وكان الحديثُ العهدِ بالإسلام يسألهم فيفتونه، ولا يقولون له: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل، ولا يُعرف ذلك عن أحدٍ منهم البتَّةَ. وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود فهو من لوازم الشرع والقدر. [١٢/ب] والمنكرون له مضطرُّون إليه ولا بدَّ، وذلك فيما تقدَّم بيانه من الأحكام وغيرها.\nونقول لمن احتجَّ على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتَها فأنت مقلِّدٌ لحَمَلَتِها ورواتها؛ إذ لم يقُمْ دليل قطعيٌّ على صدقهم، فليس بيدك إلا تقليد الراوي، وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامّي إلا تقليد العالم، فما الذي سوَّغَ لك تقليدَ الراوي والشاهد ومَنَعَنا من تقليد العالم؟ وهذا سمع بأذنه ما رواه، وهذا عقَلَ بقلبه ما سمعه، فأدَّى هذا مسموعَه، وأدَّى هذا معقولَه، وفُرِض على هذا تأديةُ ما سمعه، وعلى هذا","vol":"3","page":49},{"text":"تأديةُ ما عقَلَه، وعلى من لم يَبلغ منزلتَهما القبولُ منهما.\nثم يقال للمانعين من التقليد: أنتم منعتموه خشيةَ وقوع المقلّد في الخطأ بأن يكون من قلَّده مخطئًا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق، ولا ريبَ أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه. وهذا كمن أراد شراء سِلْعةٍ لا خِبرةَ له بها، فإنه إذا قلَّد عالمًا بتلك السلعة خبيرًا بها أمينًا ناصحًا كان صوابه وحصول غرضه أقربَ من اجتهاده لنفسه، وهذا متفقٌ عليه بين العقلاء.\nقال أصحاب الحجة: عجبًا لكم معاشرَ المقلّدين الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم (^١) ليسوا من أهله ولا معدودين (^٢) في زمرة أهله، كيف أبطلتم مذهبكم بنفس دليلكم؟ فما للمقلّد وما للاستدلال؟ وأين منصب المقلّد من منصب المستدِلّ؟ وهل ما (^٣) ذكرتم من الأدلة إلا ثيابٌ استعرتُموها من صاحب الحجة فتجمَّلتم بها بين الناس؟ وكنتم في ذلك متشبّعين بما لم تُعطَوه، ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تُؤتَوه؟ وذلك ثوبُ زورٍ لبِستموه، ومنصب لستم من أهله غَصَبتموه. [١٣/أ] فأخبِرونا: هل صرتم إلى التقليد لدليلٍ (^٤) قادكم إليه، وبرهانٍ دلَّكم عليه، فنزَلْتم به من الاستدلال أقربَ منزل، وكنتم به عن التقليد بمعزلٍ، أم\n_________\n(^١) ت: «أنهم».\n(^٢) ت: «معدود».\n(^٣) ع: «بل وما».\n(^٤) ت: «بدليل».","vol":"3","page":50},{"text":"سلكتم سبيلَه اتفاقًا وبَخْتًا (^١) عن غير دليل؟ وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين سبيل (^٢)، وأيُّهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم، والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم. ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة قلتم: لسنا من أهل هذه (^٣) السبيل، وإن خاطبناكم بحكم التقليد فلا معنى لما أقمتموه من الدليل.\nوالعجب أن كلَّ طائفة من الطوائف، وكلَّ أمة من الأمم تدَّعي أنها على حق، حاشا فرقة التقليد فإنهم (^٤) لا يدَّعون ذلك، ولو ادَّعَوه لكانوا مُبطِلين، فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليلٍ قادَهم إليه، وبرهانٍ دلَّهم عليه، وإنما سبيلهم محضُ التقليد، والمقلِّد لا يعرف الحقَّ من الباطل، ولا الحاليَ من العاطل.\nوأعجبُ من هذا أن أئمتهم نَهَوهم عن تقليدهم فعَصَوهم وخالفوهم، وقالوا: نحن على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بَنَوا عليه، فإنهم بَنَوا على الحجة، ونَهَوا عن التقليد، وأوصَوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله، وقالوا: نحن من أتباعهم، تلك أمانِيُّهم، وما أتباعهم إلا مَن سلك سبيلهم، واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم.\n_________\n(^١) ت: «وبحثا».\n(^٢) «سبيل» ساقطة من د.\n(^٣) ع: «هذا».\n(^٤) ت: «فإنه».","vol":"3","page":51},{"text":"وأعجب من هذا أنهم مصرِّحون (^١) في كتبهم ببطلان التقليد وتحريمه، وأنه لا يحلُّ القول به في دين الله، ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معيَّنٍ لم يصحَّ شرطُه ولا توليتُه، ومنهم من صحَّح التولية وأبطل الشرط، وكذلك المفتي يَحرُم عليه الإفتاء بما لا يعلم صحته باتفاق الناس، والمقلِّد لا علمَ له (^٢) بصحة القول وفساده؛ إذ طريق ذلك مسدودةٌ عليه، ثم كلٌّ منهم يعرِف من نفسه أنه مقلِّد لمتبوعه لا يفارق قوله، ويترك له كلَّ ما خالفه [١٣/ب] من كتاب أو سنة أو قول صاحب أو قول من هو أعلمُ من متبوعه أو نظيره، وهذا من أعجب العجب.\nوأيضًا فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلًا منهم يقلِّده في جميع أقواله فلم يُسقِط منها شيئًا، وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئا. ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابع (^٣) التابعين، فليكذِّبْنا المقلّدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمةَ في القرون الفضيلة (^٤) على لسان رسول الله - ﷺ -، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه - ﷺ -؛ فالمقلّدون لمتبوعيهم (^٥) في جميع ما قالوه يبيحون به الفروج والدماء والأموال ويُحرِّمونها (^٦)، ولا\n_________\n(^١) ت: «يصرحون».\n(^٢) «له» ساقطة من ت.\n(^٣) كذا في النسخ بالإفراد.\n(^٤) ع: «المفضلة».\n(^٥) ت: «لمتبوعهم».\n(^٦) ت: «ويحرمون».","vol":"3","page":52},{"text":"يدرون أذلك صواب أم خطأ= على خطر عظيم، ولهم بين يدي الله موقف شديد يعلم فيه من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء.\nوأيضًا فنقول لكل من قلَّد واحدًا من الناس دون غيره: ما الذي خصَّ صاحبك أن يكون أولى بالتقليد من غيره؟ فإن قال: لأنه أعلمُ أهلِ عصره، وربما فضَّله على مَن قبله مع جَزْمِه الباطل أنه لم يجئ بعده أعلمُ منه. قيل له: وما يُدرِيك ــ ولستَ من أهل العلم بشهادتك على نفسك ــ أنه أعلم الأمة في وقته؟ فإنّ هذا إنما يعرفه من عرف المذاهبَ وأدلَّتها وراجحَها من مرجوحها، فما للأعمى ونقدِ الدراهم؟ وهذا أيضًا باب آخر من القول (^١) على الله بلا علم.\nويقال له ثانيًا: فأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان (^٢) وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وعائشة وابن عباس وابن عمر - ﵃ - أعلمُ من صاحبك بلا شك، فهلّا قلّدتَهم وتركتَه (^٣)؟ بل سعيد بن المسيّب والشعبيّ وعطاء وطاوس وأمثالهم أعلمُ وأفضلُ بلا شك، فلِمَ تركتَ تقليدَ الأعلم [١٤/أ] الأفضل الأجمع لأدوات الخير والعلم والدين ورغِبتَ عن أقواله ومذاهبه إلى من هو دونه؟\nفإن قال: لأن صاحبي ومن قلَّدته أعلم به مني، فتقليدي له أوجبَ عليَّ مخالفةَ قوله لقول من قلّدته؛ لأن وفور علمه ودينه يمنعه (^٤) من مخالفة من\n_________\n(^١) ت: «من باب القول».\n(^٢) بعدها في ت: «بن عفان».\n(^٣) ع: «تركتهم».\n(^٤) د: «منعه».","vol":"3","page":53},{"text":"هو فوقه وأعلم منه إلا لدليل صار إليه هو أولى من قولِ كلّ واحد من هؤلاء.\nقيل له: ومن أين علمتَ أن الدليل الذي صار إليه صاحبك الذي زعمت أنت أنه صاحبك أولى من الدليل الذي صار إليه من هو أعلم منه وخير منه أو هو نظيره؟ وقولان معًا متناقضان لا يكونان صوابًا، بل أحدهما هو الصواب، ومعلوم أن ظَفَرَ الأعلمِ الأفضل بالصواب أقربُ من ظفرِ مَن هو دونه.\nفإن قلت: علمت ذلك بالدليل، فههنا إذًا فقد انتقلتَ عن منصب التقليد إلى منصب الاستدلال، وأبطلتَ التقليد.\nثم يقال لك ثالثًا (^١): هذا لا ينفعك شيئًا البتَّةَ فيما اختُلِف فيه، فإن من قلَّدته ومن قلَّده غيرك قد اختلفا، وصار من قلّده غيرك إلى موافقة أبي بكر وعمر أو علي وابن عباس أو عائشة وغيرهم دون من قلَّدتَه، فهلّا نصحتَ نفسك وهُدِيتَ لرشدك وقلتَ: هذان عالمان كبيران، ومع أحدهما مَن ذكر من الصحابة فهو أولى بتقليدي إياه.\nويقال رابعًا: إمامٌ بإمام، ويسلم (^٢) قول الصحابي، فيكون أولى بالتقليد.\nويقال خامسًا: إذا جاز أن يظفَر من قلّدتَه بعلمٍ خفيَ على عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وذويهم (^٣)، فأجوَزُ\n_________\n(^١) ع: «ثانيًا». وهكذا فيما بعد بنقص عدد.\n(^٢) ع: «ويسلموا».\n(^٣) د، ع: «دونهم».","vol":"3","page":54},{"text":"وأجوَزُ أن يظفر نظيره ومن بعده بعلمٍ خفي عليه هو؛ فإن الشَّبه (^١) بين من قلّدته وبين نظيره ومن بعده أقربُ بكثير من الشبه بين من قلَّدته (^٢) وبين الصحابة، والخفاء على من قلّدته أقرب من الخفاء على [١٤/ب] الصحابة.\nويقال سادسًا: إذا سوَّغتَ لنفسك مخالفة الأفضل الأعلم لقول المفضول فهلّا سوَّغتَ لها مخالفة المفضول لمن هو أعلم منه؟ وهل كان الذي ينبغي ويجب إلا عكس ما ارتكبتَ؟\nويقال سابعًا: هل أنت في تقليد إمامك وإباحة الفروج والدماء (^٣) والأموال ونقْلِها عمّن هي بيده إلى غيره موافقٌ لأمر الله أو رسوله أو إجماع أمته أو قول أحد من الصحابة؟ فإن قال: «نعم» قال ما يعلم الله ورسوله وجميع العلماء بطلانَه (^٤)، وإن قال: «لا» فقد كفانا (^٥) مؤنته، وشهد على نفسه بشهادة الله ورسوله وأهل العلم عليه (^٦).\nويقال ثامنًا: تقليدك لمتبوعك يُحرِّم (^٧) عليك تقليدَه؛ فإنه نهاك عن ذلك، وقال: لا يحلُّ لك أن تقول بقوله حتى تعلم من أين قاله، ونهاك عن تقليده وتقليد غيره من العلماء، فإن كنتَ مقلّدًا له في جميع مذهبه فهذا من\n_________\n(^١) ت، ع: «النسبة» هنا وفيما يلي. والمثبت من د.\n(^٢) ع: «بينه».\n(^٣) «والدماء» ساقطة من ع.\n(^٤) «فإن قال ... بطلانه» ساقطة من ع.\n(^٥) ع: «كفى». ت: «كفا».\n(^٦) «عليه» ساقطة من ع.\n(^٧) ع: «محرم».","vol":"3","page":55},{"text":"مذهبه، فهلّا اتبعتَه فيه؟\nويقال تاسعًا: هل أنت على بصيرة في أن من قلّدته أولى بالصواب من سائر من رغِبتَ عن قوله من الأولين والآخرين أم لستَ على بصيرة؟ فإن قال: «أنا على بصيرة» قال ما يُعلَم بطلانه، وإن قال: «لست على بصيرة» وهو الحق، قيل له: فما عذرك غدًا بين يدي الله حين لا ينفعك من قلّدته بحسنة واحدة، ولا يحمل عنك سيئة واحدة، إذا حكمتَ وأفتيتَ بين خلقه بما لستَ على بصيرةٍ منه هل هو صواب أم خطأ؟\nويقال عاشرًا: هل تدَّعي عصمة متبوعك أو تجوِّز عليه الخطأ؟ والأول لا سبيل إليه، بل تُقِرُّ ببطلانه؛ فتعيَّن الثاني، وإذا جوَّزت عليه الخطأ (^١)، فكيف تحلِّل (^٢) وتحرِّم وتُوجِب وتُرِيق الدماء وتُبِيح الفروج وتنقل الأموال وتَضْرِب الأَبْشَار (^٣) بقول مَن أنت مقِرٌّ بجواز كونه مخطئًا؟\nويقال حادي عشر: هل تقول [١٥/أ] إذا أفتيتَ وحكمتَ بقول من قلّدته: إن هذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله، وأنزل به كتابه وشرعه لعباده، ولا دينَ له سواه؟ أو تقول: إنّ دين الله الذي شرعَه لعباده خلافُه؟ أو تقول: لا أدري؟ ولا بدَّ لك من قولٍ من هذه الأقوال. ولا سبيل لك إلى الأول قطعًا؛ فإن دين الله الذي لا دينَ له سواه لا تَسُوغ مخالفته، وأقلُّ درجات مخالفه أن يكون من الآثمين، والثاني لا تدَّعيه (^٤)، فليس لك ملجأٌ\n_________\n(^١) «الخطأ» ليست في ت، د.\n(^٢) هذا الفعل والأفعال الآتية بصيغة الغائب أو مهملة النقط في ت، د. والمثبت من ع.\n(^٣) جمع بَشَر، وهي ظاهر الجلد. انظر «النهاية» (١/ ١٢٩).\n(^٤) ت: «لابد عنه» تصحيف.","vol":"3","page":56},{"text":"إلا الثالث. فيا لله العجب! كيف تُستباح الفروج والدماء والأموال والحقوق وتُحلَّل وتُحرَّم بأمرٍ أحسنُ أحواله وأفضلُها «لا أدري»؟\nفإن كنتَ لا تَدرِي فتلك مصيبةٌ ... وإن كنتَ تَدرِي فالمصيبةُ أعظم (^١)\n\nويقال ثاني عشر: على أي شيء كان الناس قبل أن يولَد فلان وفلان وفلان (^٢) الذين قلّدتموهم وجعلتم أقوالهم بمنزلة نصوص الشارع؟ وليتَكم اقتصرتم على ذلك، بل جعلتموها أولى بالاتباع من نصوص الشارع، أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على هُدًى أو على ضلالة؟ فلا بدَّ من أن تُقِرّوا بأنهم كانوا على هدى، فيقال لهم: فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنن والآثار، وتقديم قول الله ورسوله وآثار الصحابة على ما يخالفها، والتحاكم إليها دون قول فلان ورأي فلان؟ وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعدَ الحقّ إلا الضلال فأنى تؤفكون؟\nفإن قالت كلُّ فرقةٍ من المقلّدين، وكذلك يقولون: صاحبنا (^٣) هو الذي ثبتَ على ما مضى عليه السلف، واقتفى منهاجَهم، وسلك سبيلَهم، قيل لهم: فمَن سواه من الأئمة هل شارَك صاحِبَكم في ذلك أو انفرد صاحبُكم بالاتباع وحُرِمَه مَن عداه؟ فلا بدَّ من واحدٍ من الأمرين، فإن قالوا بالثاني فهم أضلُّ\n_________\n(^١) البيت لصفي الدين الحلّي في «ديوانه» (ص ٦٥) من قصيدة له في بحر الكامل، بتغيير طفيف للبيت الذي هنا من بحر الطويل، وضمّنه المؤلف في ميميته في «طريق الهجرتين» (١/ ١١٢)، وأنشده شيخ الإسلام كما هنا في «منهاج السنة» (٤/ ١٢٨، ٥/ ١٦٢، ٧/ ٢٥٣، ٤٥٩).\n(^٢) «وفلان» ساقطة من ت.\n(^٣) «صاحبنا» ساقطة من د.","vol":"3","page":57},{"text":"سبيلًا من الأنعام، وإن قالوا بالأول فيقال: فكيف [١٥/ب] وُفِّقتم لقبول قول صاحبكم كلِّه، وردِّ قولِ من هو مثله أو أعلمُ منه كله، فلا يُرَدُّ لهذا قول، ولا يُقبَل لهذا قول، حتى كأنّ الصواب وقفٌ (^١) على صاحبكم والخطأ وقفٌ على من خالفه، ولهذا أنتم موكَّلون بنصرته في كلّ ما قاله، وبالرد على من خالفه في كلّ ما قاله، وهذه حال الفرقة الأخرى معكم.\nويقال ثالث عشر: فمن قلّدتموه من الأئمة قد نهوكم عن تقليدهم، فأنتم أولُ مخالفٍ لهم.\nقال الشافعي: مثلُ الذي يطلب العلم بلا حجةٍ كمثل حاطبِ ليلٍ، يَحمل حُزْمةَ حطبٍ، وفيه أفعى تلدغُه (^٢)، وهو لا يدري.\nوقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول بقولنا، حتى يعلمَ من أين قلناه.\nوقال أحمد: لا تقلِّدْ دينَك أحدًا (^٣).\nويقال رابع عشر: هل أنتم موقنون بأنكم غدًا (^٤) موقوفون بين يدي الله، وتُسألون عما قضيتم به في دماء عباده وفروجهم وأَبْشارهم وأموالهم، وعما أفتيتم به في دينه محرّمين ومحلّلين ومُوجِبين؟ فمن قولهم: «نحن موقنون بذلك»، فيقال لهم: فإذا سألكم مِن أين قلتم ذلك؟ فماذا جوابكم؟ فإن قلتم:\n_________\n(^١) ع: «وقفا» هنا وفيما يأتي، على اعتبار أنها خبر «كان».\n(^٢) ع: «وهو يلدغه».\n(^٣) تقدم تخريج هذه الأقوال.\n(^٤) «غدا» ساقطة من ت.","vol":"3","page":58},{"text":"جوابنا أنّا حلّلنا وحرّمنا وقضينا بما في كتاب «الأصل» لمحمد بن الحسن مما رواه عن أبي حنيفة وأبي يوسف من رأيٍ واختيار، وبما في «المدونة» من رواية سَحْنون عن ابن القاسم من رأيٍ واختيار، وبما في «الأم» من رواية الربيع من رأيٍ واختيار، وبما في جوابات غير هؤلاء من رأيٍ واختيار، وليتَكُم اقتصرتم على ذلك أو صعدتم إليه أو سَمَتْ هِمَمُكم نحوه، بل نزلتم عن ذلك طبقاتٍ، فإذا سُئِلتم: هل فعلتم ذلك عن أمري أو أمر رسولي؟ فماذا يكون جوابكم إذًا؟ فإن أمكنكم حينئذٍ أن تقولوا: فعلْنا ما أمرتَنا به وأمرنا به رسولُك، فُزتم وتخلَّصتم، وإن لم يمكنكم ذلك فلا بدَّ أن تقولوا: لم تأمرنا بذلك ولا رسولك ولا أئمتنا، ولا بدَّ [١٦/أ] من أحد الجوابين، وكأنْ قَدْ (^١).\nويقال خامس عشر: إذا نزل عيسى ابن مريم إمامًا عدلًا وحكمًا مُقسِطا (^٢)، فبمذهبِ مَن يحكم؟ وبرأيِ مَن يقضي؟ ومعلوم أنه لا يحكم ويقضي (^٣) إلا بشريعة نبينا - ﷺ - التي شرعَها لعباده؛ فذلك الذي يقضي به أحقُّ، وأولى الناسِ به عيسى ابن مريم هو الذي أوجب عليكم أن تَقضُوا وتُفتوا به (^٤)، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يقضي ولا يفتي بشيء سواه البتَّةَ.\n_________\n(^١) لمح إلى بيت النابغة الذبياني في «ديوانه» (ص ٨٩):\nأزِفَ الترحُّلُ غيرَ أن رِكابنا ... لما تزلْ برِحالنا وكأنْ قَدِ\nوالمعنى: كأنه قد تحقَّق هذا الأمر، وقرُبَ وقت الوقوف بين يدي الله والسؤال عما قضيتم وأفتيتم به في دينه.\n(^٢) كما رواه مسلم (١٥٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وهو حديث متواتر.\n(^٣) ع: «لا يقضي ولا يحكم».\n(^٤) ت: «تفتوا وتقضوا به».","vol":"3","page":59},{"text":"فإن قلتم: نحن وأنتم في هذا السؤال سواء، قيل: أجلْ، ولكن نفترق في الجواب، فنقول: يا ربنا إنك لتعلم أنّا لم نجعلْ أحدًا من الناس عِيارًا على كلامك وكلام رسولك، ونَرُدَّ (^١) ما تنازعنا فيه إليه، ونتحاكَمْ إلى قوله، ونُقدِّمْ أقواله على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك، وكان الخلق عندنا أهْوَن أن نقدِّم كلامَهم وآراءَهم على وحيك، بل أفتينا بما وجدناه في كتابك، وبما وصل إلينا من سنة رسولك، وبما أفتى به أصحابُ نبيك، وإن عَدَلْنا عن ذلك فخطأٌ منا لا عَمْدٌ، ولم نتخذ من دونِك ولا رسولِك ولا المؤمنين وليجةً، ولم نفرِّق ديننا ونكون شِيَعًا، ولم نتقطَّعْ أمرَنا بيننا زُبرًا. وجعلنا أئمتنا قدوةً لنا، ووسائطَ بيننا وبين رسولك في نقلهم ما بلَّغوه إلينا عن رسولك (^٢)، فاتبعناهم في ذلك، وقلَّدناهم فيه، إذ أمرتَنا أنت وأمرنا رسولك بأن نسمع منهم، ونقبلَ (^٣) ما بلَّغوه عنك وعن رسولك، فسمْعًا لك ولرسولك وطاعةً. ولم نتخذْهم أربابًا نتحاكمُ إلى أقوالهم، ونُخاصِم بها، ونُوالي ونُعادي عليها، بل عرضنا أقوالَهم على كتابك وسنة رسولك، فما وافقهما قبِلناه، وما خالفهما أعرضْنا عنه وتركناه، وإن كانوا أعلمَ منّا بك وبرسولك، فمن وافق قولُه قولَ رسولك كان أعلمَ منهم في تلك المسألة. فهذا جوابنا، ونحن نُناشِدكم الله: هل أنتم كذلك حتى يُمكِنكم هذا الجواب بين يدي مَن لا يُبَدَّلُ القولُ لديه، ولا يَرُوجُ الباطل [١٦/ب] عليه؟\n_________\n(^١) مجزوم عطفًا على «نجعلْ»، وكذلك الفعلان «نتحاكمْ» و«نقدِّمْ»، فتنسحب «لم» على جميع الأفعال، فيكون فيها معنى النفي، وفي نسخة ع: «لا نتحاكم» و«لا نقدم». ولا داعي لزيادة «لا».\n(^٢) «في نقلهم ... رسولك» ساقطة من ت.\n(^٣) «ونقبل» ساقطة من ت.","vol":"3","page":60},{"text":"ويقال سادس عشر: كل طائفة منكم ــ معاشرَ طوائف المقلّدين ــ قد أنزلتْ جميعَ الصحابة من أولهم إلى آخرهم وجميعَ التابعين من أولهم إلى آخرهم وجميع علماء الأمة من أولهم إلى آخرهم إلا من قلَّدوه= في مكانِ مَن (^١) لا يُعتَدُّ بقوله، ولا يُنظر في فتاواه، ولا يُشتَغل بها، ولا يُعتَدُّ بها، ولا وجهَ للنظر فيها إلا للتمحُّل (^٢) وإعمالِ الفكر وُكْدَه في الردّ عليهم إذْ خالف قولُهم قولَ متبوعهم، وهذا هو المسوِّغ للردّ عندهم، فإذا خالف قولُ متبوعهم نصًّا عن الله ورسوله فالواجب التمحُّلُ والتكلُّف في إخراج ذلك النص عن دلالته، والتحيُّلُ لدفعه بكل طريق حتى يصح قولُ متبوعهم. فيا لله لدينه وكتابه وسنة رسوله ولبدعةٍ كادت تَثُلُّ (^٣) عرشَ الإيمان وتَهُدُّ (^٤) ركنَه، لولا أن الله ضمِنَ لهذا الدين أن لا يزال فيه من يتكلّم بأعلامه ويذبُّ عنه. فمَن أسوأُ ثناءً على الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين، وأشدُّ استخفافًا بحقوقهم، وأقلُّ رعايةً لواجبهم، وأعظم استهانةً بهم، ممن لا يلتفت إلى قول رجل واحد منهم ولا إلى فتواه، غير صاحبه الذي اتخذه وليجةً من دون الله ورسوله؟\nويقال سابع عشر: من عجيب (^٥) أمركم أيها المقلّدون أنكم اعترفتم وأقررتم على أنفسكم بالعجز عن معرفة الحق بدليله من كلام الله ورسوله، مع سهولته وقُرب مأخذه، واستيلائه على أقصى غايات البيان، واستحالةِ التناقض والاختلاف عليه؛ فهو نَقْل مصدَّق عن قائل معصوم، وقد نصبَ الله\n_________\n(^١) «من» ساقطة من ت، ع.\n(^٢) «للتمحل» ساقطة من ع.\n(^٣) أي تهدم.\n(^٤) في هامش ع: «تهدم» برمز ظ.\n(^٥) ت: «عجب».","vol":"3","page":61},{"text":"سبحانه الأدلة الظاهرة على الحق وبيَّن لعباده ما يتقون، فادَّعيتم العجز عن معرفة ما نصبَ عليه الأدلة وتولَّى بيانه، ثم زعمتم أنكم قد عرفتم بالدليل أن صاحبكم أولى بالتقليد من غيره، وأنه أعلم الأمة [١٧/أ] وأفضلها في زمانه وهَلُمَّ جرًّا، وغلاة كل طائفة منكم توجب اتباعَه وتحرِّم اتباع غيره كما هو في كتب أصولهم. فعجبًا كلّ العجب لمن خفي عليه الترجيح فيما نصب الله عليه الأدلة من الحق، ولم يهتدِ (^١) إليها، واهتدى إلى أن متبوعه أحقُّ وأولى بالصواب ممن عداه، ولم يَنْصِب الله على ذلك دليلًا واحدًا.\nويقال ثامن عشر: أعجبُ من هذا كله من شأنكم معاشرَ المقلّدين أنكم إذا وجدتم آية من كتاب الله توافق رأي صاحبكم أظهرتم أنكم تأخذون بها، والعمدة في نفس الأمر على ما قاله، لا على الآية، وإذا وجدتم آيةً نظيرَها تخالف قوله لم تأخذوا بها، وتطلَّبتم لها وجوه التأويل وإخراجها عن ظاهرها حيث لم توافق رأيه، وهكذا تفعلون في نصوص السنة سواء (^٢)، إذا وجدتم حديثًا صحيحًا يوافق قوله أخذتم به، وقلتم: لنا قوله (^٣) - ﷺ - كيتَ وكيتَ، وإذا وجدتم مائة حديث صحيح بل أكثر تخالف قوله لم تلتفتوا إلى حديث (^٤) منها، ولم يكن لكم منها حديث واحد فتقولون: لنا قوله - ﷺ - كذا وكذا، وإذا وجدتم مرسلًا قد وافق رأيه أخذتم به وجعلتموه حجة هناك، فإذا وجدتم مائة مرسلٍ تخالف رأيه اطَّرحتُموها كلّها من أولها إلى آخرها، وقلتم: لا نأخذ بالمرسل.\n_________\n(^١) ت: «يهتدي».\n(^٢) «سواء» ساقطة من ت.\n(^٣) د: «قول النبي».\n(^٤) في ت بعدها: «واحد».","vol":"3","page":62},{"text":"ويقال تاسع عشر: أعجبُ من هذا أنكم إذا (^١) أخذتم بالحديث (^٢) مرسلًا كان أو مسندًا لموافقته رأيَ صاحبكم، ثم وجدتم فيه حكمًا يخالف رأيه لم تأخذوا به في ذلك الحكم، وهو حديث واحد، وكأنّ الحديث حجة فيما وافق رأيَ من قلّدتموه، وليس بحجة فيما خالف رأيه.\nولنذكر من هذا طرفًا (^٣) فإنه من عجيب (^٤) أمرهم:\nفاحتج طائفة منهم على سلب طهورية الماء المستعمل في رفع الحدث بأن النبي - ﷺ -[١٧/ب] نهى أن يتوضأَ الرجلُ بفضلِ وضوء المرأةِ أو المرأةُ (^٥) بفضلِ وضوءِ الرجلِ (^٦). وقالوا: الماء المنفصل عن أعضائهما هو فضل وضوئهما. وخالفوا نفس الحديث؛ فجوَّزوا لكلٍّ منهما أن يتوضأ بفضل طَهور (^٧) الآخر، وهو المقصود بالحديث، فإنه نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلَتْ بالماء، وليس عندهم للخلوة أثر، ولا لكون\n_________\n(^١) «إذا» ساقطة من ت.\n(^٢) ع: «وجدتم الحديث».\n(^٣) جميع هذه الأمثلة مأخوذة من كتاب «الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس» لابن حزم (ص ٣٥٤ - ٥٧٢).\n(^٤) ت: «أعجب».\n(^٥) ت: «والمرأة».\n(^٦) رواه أبو داود (٨١) ورواه النسائي (٣٤٣) والترمذي (٦٤) وابن ماجه (٣٧٣) وأحمد (٢٠٦٥٧) من حديث الحكم بن عمرو الغفاري، وصححه ابن حبان (١٢٦٠) والحميدي الأندلسي. انظر: «التنقيح» (١/ ٤٣) و«صحيح أبي داود» - الأم (١/ ١٤١).\n(^٧) ع: «وضوء».","vol":"3","page":63},{"text":"الفضلة فضلةَ امرأةٍ أثر، فخالفوا نفس الحديث الذي احتجُّوا به، وحملوا الحديث على غير محمله؛ إذ فضل الوضوء بيقين هو الماء الذي فَضَلَ منه، ليس هو الماء المتوضَّأ به، فإن ذلك لا يقال له فضل الوضوء، فاحتجوا به فيما لم يُرَدْ (^١) به، وأبطلوا الاحتجاج به فيما أريد به.\nومن ذلك احتجاجهم على نجاسة الماء بالملاقاة وإن لم يتغيَّر بنهيه - ﷺ - أن يُبالَ في الماء الدائم (^٢)، ثم قالوا: لو بال في الماء الدائم لم ينجِّسه حتى ينقص عن قلَّتين.\nواحتجوا على نجاسته أيضًا بقوله - ﷺ -: «إذا استيقظَ أحدكم من نومه فلا يَغمِسْ يده في الإناء (^٣) حتى يغسلها ثلاثًا» (^٤). ثم قالوا: لو غمَسَها قبل غَسْلها لم ينجس الماء، ولا يجب عليه (^٥) غسلها، وإن شاء أن يغمسها قبل الغسل فعلَ.\nواحتجوا في هذه المسألة بأن النبي - ﷺ - أمر بحفْرِ الأرض التي بال فيها البائل وإخراجِ ترابها (^٦)، ثم قالوا: لا يجب حَفْرها، بل لو تركت حتى\n_________\n(^١) ع: «لا يراد».\n(^٢) رواه البخاري (٢٣٩) ومسلم (٢٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) د: «الماء».\n(^٤) رواه البخاري (١٦٢) ومسلم (٢٧٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) ع: «عليها».\n(^٦) رواه أبو يعلى (٣٦٢٦) والدارقطني (٤٧٧) من طريق أبي بكر بن عياش عن سمعان بن مالك عن أبي وائل عنه، وأعلّه الدارقطني بجهالة سمعان، وأعلَّه ابن عبد الهادي بأبي هشام الرفاعي، قال البخاري: رأيتهم مجمعين على تضعيفه. وقال أبو زرعة: هذا الحديث منكر. وفي الباب عن أنس روي موصولًا ومرسلًا ولا يصح. وانظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (١/ ٩٠ - ٩٢).","vol":"3","page":64},{"text":"يَبِسَتْ (^١) بالشمس والريح طهرتْ.\nواحتجوا على منع الوضوء بالماء المستعمل بقوله - ﷺ -: «يا بني عبد المطلب، إن الله كرِهَ لكم غُسالةَ أيدي الناس» (^٢)، يعني الزكاة. ثم قالوا: لا تحرم الزكاة على بني عبد المطلب.\nواحتجوا على أن السمك الطافي إذا وقع في الماء لا ينجِّسه، بخلاف غيره من ميتة البرّ فإنه ينجِّس الماء، بقوله - ﷺ - في البحر: «هو الطَّهور ماؤه الحِلُّ ميتتُه» (^٣). [١٨/أ] ثم خالفوا هذا الخبر نفسه، وقالوا: لا يحلُّ ما مات في البحر من السمك، ولا يحلُّ شيء مما فيه أصلًا غير السمك.\nواحتج أهل الرأي على نجاسة الكلب وولوغه بقول النبي - ﷺ -: «إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسِلْه سبع مرّات» (^٤). ثم قالوا: لا يجب غَسْله سبعًا، بل يغسل مرةً، ومنهم من قال ثلاثا.\nواحتجوا على تفريقهم في النجاسة المغلَّظة بين قدر الدرهم وغيره\n_________\n(^١) ع: «تنشف».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه أبو داود (٨٣) والنسائي (٥٩) والترمذي (٦٩) وابن ماجه (٣٨٦) وغيرهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -، والحديث صححه البخاري كما في «العلل الكبير» (ص ٤١)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة (١١١) وابن حبان (١٢٤٣) والحاكم (١/ ١٤٠).\n(^٤) رواه البخاري (١٧٢) ومسلم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":65},{"text":"بحديث لا يصح، من طريق [ابن] غُطَيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه: «تُعاد الصلاةُ من قَدْرِ الدرهم» (^١). ثم قالوا: لا تُعاد الصلاة من قدر الدرهم.\nواحتجوا بحديث علي بن أبي طالب في الزكاة في زيادة الإبل على عشرين ومائة أنها تُرَدُّ إلى أول (^٢) الفريضة فيكون في كل خمسٍ شاةٌ (^٣)، وخالفوه في اثني عشر موضعًا منه، ثم احتجوا بحديث عمرو بن حزم: «أن ما زاد على مائتي درهم فلا شيء فيه، حتى يبلغ أربعين فيكون فيها درهمٌ» (^٤)، وخالفوا الحديث نفسه في نصّ ما فيه في أكثر من خمسة عشر موضعًا.\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (١٤٩٤) والبيهقي (٢/ ٤٠٤). قال البخاري: باطل، وحكم بوضعه ابن حبان في «المجروحين» (١/ ٢٩٩)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٧٦)، والسيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (٢/ ٤)، وملا علي القاري في «الأسرار المرفوعة» (ص ١٦٠)، وآفته روح بن غطيف يروي الموضوعات عن الثقات. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (١٤٨).\n(^٢) ع: «أولى».\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (١٠٠٠٥) وأبو عبيد في «الأموال» (٩٤٥)، ومن طريقه ابن زنجويه (١٤٠٢) والبيهقي (٤/ ٩٢)، وأعلَّه الحازمي بالاختلاف على أبي إسحاق، واختلف في رفعه ووقفه ورجح الدارقطني الوقف. انظر: «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» (ص ١٤) و«علل» الدارقطني (٤/ ٧٣ - ٧٥).\n(^٤) رواه ابن زنجويه (١٦٨٣)، وصححه ابن حبان (٦٥٥٩)، وصححه الحاكم أيضًا (١/ ٣٩٥) واختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو داود في «المراسيل» (٢٥٧) الإرسال. وانظر: «نصب الراية» (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٢).","vol":"3","page":66},{"text":"واحتجوا على أن الخيار لا يكون أكثر من ثلاثة أيام بحديث المصرَّاة (^١)، وهذا من إحدى العجائب؛ فإنهم من أشدّ الناس إنكارًا له، ولا يقولون به، فإن كان حقًّا وجب اتباعُه، وإن لم يكن صحيحًا لم يَجُزِ (^٢) الاحتجاج به في تقدير الثلاث، مع أنه ليس في الحديث تعرُّضٌ لخيار الشرط؛ فالذي أريدَ بالحديث ودلَّ عليه خالفوه، والذي احتجوا عليه به لم يدلَّ عليه.\nواحتجوا لهذه المسألة أيضًا بخبر حَبّان بن مُنقِذ الذي كان يُغْبَن في البيع، فجعل له النبي - ﷺ - الخيار ثلاثة أيام (^٣). وخالفوا الخبر كلَّه، فلم يثبتوا الخيار بالغَبْن ولو كان يساوي عُشُرَ معشارِ ما بذله فيه، وسواء قال المشتري «لا خِلابة» أو لم يقل، وسواء غُبِن قليلًا أو كثيرًا، لا خيار له في ذلك كله.\nواحتجوا في إيجاب الكفّارة على من أفطر في نهار رمضان بأن في\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢١٤٨) ومسلم (١٥٢٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) ت: «لم يجب».\n(^٣) اختلفت القصة هل هي لمنقذ بن حبان أو ابنه حبان، فرواها ابن ماجه (٢٣٥٥) والدارقطني (٣٠١١) والبيهقي (٥/ ٢٧٣) لمنقذ، وإسناده حسن؛ وابن إسحاق صرح بالتحديث. وأمَّا قصة حبان فرواها المزني في «السنن المأثورة» (٢٦٦) وابن الجارود (٥٦٧) والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٤٨٥٨) والدارقطني (٣٠٠٨) والحاكم (٢/ ٢٢)، والبيهقي (٥/ ٢٧٣)، والحديث حسنه الألباني وصححه بشواهده شعيب الأرناؤوط، وأما رواية الاشتراط فهي منكرة لا أصل لها. انظر: «البدر المنير» (٦/ ٥٣٧ - ٥٤٠) و«التلخيص الحبير» (٣/ ٤٩ - ٥٠) و«السلسلة الصحيحة» (٢٨٧٥) و«سنن ابن ماجه» تحقيق الأرنؤوط (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣).","vol":"3","page":67},{"text":"بعض [١٨/ب] ألفاظ الحديث: أن رجلًا أفطر فأمره النبي - ﷺ - أن يكفِّر (^١). ثم خالفوا هذا اللفظ بعينه فقالوا: إن استفَّ دقيقًا أو بلَعَ عجينًا أو إهْلِيْلَجًا (^٢) أو طِيبًا أفطر، ولا كفارة عليه.\nواحتجوا على وجوب القضاء على من تعمَّد القيء بحديث أبي هريرة (^٣)، ثم خالفوا الحديث بعينه فقالوا: إن تقيَّأ أقلَّ من مِلْء فيه فلا قضاء عليه.\nواحتجوا على تحديد مسافة الفطر والقصر بقوله - ﷺ -: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرةَ ثلاثة أيام إلا مع زوجٍ أو ذي مَحْرمٍ» (^٤). وهذا مع أنه لا دليلَ فيه البتةَ على ما ادَّعَوه فقد خالفوه نفسه، فقالوا: يجوز للمملوكة والمكاتَبة وأم الولد السفرُ مع غير زوج ومَحْرم.\nواحتجوا على منع المُحرِم من تغطية وجهه بحديث ابن عباس في الذي وَقَصَتْه ناقته وهو مُحرِم، فقال النبي - ﷺ -: «لا تُخَمِّروا رأسَه ولا وجهَه، فإنه يُبعَث يوم القيامة ملبيًا» (^٥). وهذا من العجب، فإنهم يقولون: إذا مات\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٩٣٦) ومسلم (١١١١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.\n(^٢) ثمر على هيئة حبِّ الصنوبر الكبار، وشجره ينبت في الهند وكابل والصين.\n(^٣) رواه أبو داود (٢٣٨٠) والترمذي (٧٢٠) وحسنه، وابن ماجه (١٦٧٦) وأحمد (١٠٤٦٣)، وقال الدارقطني (٢٢٧٣): رواته كلهم ثقات، وصححه ابن حبان (٣٥١٨) والحاكم (١/ ٤٢٦) على شرط الشيخين، ووافقه الألباني، واحتجَّ به ابن تيمية. وانظر: «الإرواء» (٤/ ٥١) و«مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(^٤) رواه مسلم (١٣٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - بلفظ قريب منه.\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":68},{"text":"المحرم جاز تغطية رأسه ووجهه، وقد بطل إحرامُه.\nواحتجوا على إيجاب الجزاء على من قتل ضَبُعًا في الإحرام بحديث جابر أنه أفتى بأكلها وبالجزاء على قاتلها، وأسند ذلك إلى رسول الله - ﷺ - (^١). ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا: لا يحلُّ أكلها.\nواحتجوا فيمن وجبت عليه ابنةُ مخاضٍ فأعطى ثُلُثَي ابنة لَبونٍ تساوي بنتَ مخاض أو حمارًا يُساويها أنه يُجزِئه، بحديث أنس الصحيح وفيه: «من وجبتْ عليه ابنةُ مخاضٍ وليست عنده، وعنده ابنةُ لَبونٍ؛ فإنها تؤخذ منه، ويردُّ عليه الساعي شاتينِ أو عشرين درهمًا» (^٢). وهذا من العجب، فإنهم لا يقولون بما دلَّ عليه الحديث من تعيين ذلك، ويستدلّون به على ما لم يدلَّ عليه بوجهٍ ولا أُرِيدَ به.\nواحتجوا على إسقاط الحدود في دار الحرب إذا فعل المسلم [١٩/أ] أسبابها بحديث: «لا تُقطع الأيدي في الغزو» (^٣)، وفي لفظ: «في السفر» (^٤). ولم يقولوا بالحديث؛ فإنّ (^٥) عندهم لا أثرَ للسفر ولا للغزو في ذلك.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) جزء من حديث أنس - ﵁ - رواه البخاري (١٤٥٣).\n(^٣) رواه الترمذي (١٤٥٠) وأحمد (١٧٦٢٦)، وفي إسناده ابن لهيعة وهو متكلم فيه، وتوبع بسعيد بن يزيد عند أحمد أيضًا (١٧٦٢٧) من حديث بُسْر بن أرطاة، والحديث جوّده الذهبي. انظر: «فيض القدير» (٦/ ٤١٧).\n(^٤) رواه أبو داود (٤٤٠٨) والنسائي (٤٩٧٩) وقواه ابن حجر في «الإصابة» (١/ ٤٢٢).\n(^٥) ع: «فإنهم».","vol":"3","page":69},{"text":"واحتجوا في إيجاب الأضحية بحديث أن النبي - ﷺ - أمر بالأضحية، وأن يُطعم منها الجار والسائل (^١). فقالوا: لا يجب أن يُطعَم منها جار ولا سائل.\nواحتجوا في إباحة ما ذبحه غاصب أو سارق بالخبر الذي فيه أن رسول الله - ﷺ - دُعِي إلى طعام مع رَهْطٍ من أصحابه، فلما أخذ لقمةً قال: «إني أجد لحمَ شاةٍ أُخِذتْ (^٢) بغير حقّ» فقالت المرأة: يا رسول الله، إني أخذتُها من امرأة فلان بغير علم زوجها، فأمر رسول الله - ﷺ - أن تُطعم الأسارى (^٣). وقد خالفوا هذا الحديث، فقالوا (^٤): ذبيحة الغاصب حلال، ولا تحرم على المسلمين.\nواحتجوا بقوله - ﷺ -: «جَرح العَجْماء جُبَار» (^٥) في إسقاط الضمان بجناية المواشي، ثم خالفوه فيما دلَّ عليه وأُرِيد به، فقالوا: من ركبَ دابةً أو قادها أو ساقها فهو ضامن لما عَضَّتْ بفمها، ولا ضمانَ عليه فيما أتلفَتْ\n_________\n(^١) رواه قوام السنة في «الترغيب والترهيب» (٣٩٣)، من حديث معاذ - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نطعم من الضحايا الجار والسائل والمتعفف. وفي إسناده عبد الرحمن بن أنعم وابن لهيعة متكلم فيهما، والحديث عزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٥٤) إلى ابن أبي شيبة.\n(^٢) «أخذت» ساقطة من ت.\n(^٣) رواه أبو داود (٣٣٣٢) وأحمد (٢٢٥٠٩) والدارقطني (٤٧٦٣) والبيهقي (٥/ ٣٣٥)، وجوَّد إسناده العراقي، وصححه ابن حجر، ووافقه الألباني. انظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٥٦)، و«المغني عن حمل الأسفار» (ص ٥٨١)، و«الإرواء» (٣/ ١٩٦).\n(^٤) ت: «فقال».\n(^٥) رواه البخاري (١٤٩٩) ومسلم (١٧١٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":70},{"text":"برجلها.\nواحتجوا على تأخير القَوَد إلى حين البُرْء بالحديث المشهور أن رجلًا طعن آخر في ركبته بقَرْنٍ، فطلب القَوَد، فقال له (^١) رسول الله - ﷺ -: «حتى يبرأ»، فأبى، فأقاده قبل أن يَبْرأ ... الحديث (^٢). وخالفوه في القصاص من الطعنة، فقالوا: لا يُقْتصُّ منها.\nواحتجوا على إسقاط الحد عن الزاني بأمة ابنه أو أم ولده بقوله - ﷺ -: «أنتَ ومالُك لأبيك» (^٣)، وخالفوه فيما دلَّ عليه فقالوا: ليس للأب من مال ابنه شيء البتةَ، ولم يبيحوا له من مال ابنه عودَ أَراكٍ فما فوقه، وأوجبوا حَبْسَه في دَينه، وضمانَ ما أتلفَه عليه.\nواحتجوا على أن الإمام يكبِّر إذا قال المقيم: «قد قامت الصلاة» بحديث بلال أنه قال لرسول الله - ﷺ -: «لا تسبقني بآمين» (^٤)، وبقول أبي\n_________\n(^١) «له» ساقطة من د.\n(^٢) رواه أحمد (٧٠٣٤) من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ وفيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، ورواه الدارقطني (٣١١٤) من طريق ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن جريج عنعنه ولم يصح سماعه من عمرو بن شعيب، وخالفهما أيوب فرواه مرسلًا وحديثه مخرج عند عبد الرزاق (١٧٩٨٨) ومن طريقه الدارقطني (٣١٢٠). وللحديث شواهد يتقوى بها، وقد صححه الألباني. انظر: «الجوهر النقي» (٨/ ٦٨) و«الإرواء» (٧/ ٢٩٨).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه أبو داود (٩٣٧) وأحمد (٢٣٨٨٣) والطبراني (١١٢٤)، وصححه الحاكم (١/ ٣٤٠). واختلف العلماء في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم والدارقطني الإرسال. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ٢٠٦) و«فتح الباري» (٢/ ٢٦٣).","vol":"3","page":71},{"text":"هريرة لمروان (^١): [١٩/ب] «لا تسبقني بآمين» (^٢). ثم خالفوا الخبر جِهارًا فقالوا: لا يؤمّن الإمام ولا المأموم.\nواحتجوا على مسح ربع الرأس بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ - مسحَ بناصيته وعمامته (^٣). ثم خالفوه فيما دلَّ عليه فقالوا: لا يجوز المسح على العمامة، ولا أثر للمسح عليها البتةَ؛ فإن الفرض سقط بالناصية، والمسح على العمامة غير واجب ولا مستحبّ عندهم.\nواحتجوا لقولهم في استحباب مُساوَقة (^٤) الإمام بقوله - ﷺ -: «إنما جُعِل الإمام لِيؤتمَّ به» (^٥)، قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء. ثم خالفوا الحديث فيما دلَّ عليه، فإن فيه: «فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون» (^٦).\nواحتجوا على أن الفاتحة لا تتعيَّن في الصلاة بحديث المسيء في صلاته، حيث قال له: «اقرأْ ما تيسَّر معك من القرآن» (^٧). وخالفوه فيما دلّ عليه صريحًا في قوله: «ثم اركَعْ حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفَعْ حتى تعتدلَ\n_________\n(^١) «لمروان» ساقطة من د.\n(^٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (١/ ١٥٦)، ووصله عبد الرزاق (٢٦٣٩).\n(^٣) رواه مسلم (٢٤٧) من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.\n(^٤) في هامش ع إشارة إلى أنه كان في الأصل: «مسابقة».\n(^٥) رواه البخاري (٣٧٨) ومسلم (٤١١) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٦) قطعة من الحديث السابق.\n(^٧) رواه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.","vol":"3","page":72},{"text":"قائمًا، ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا» (^١)، وقوله: «ارجعْ فصَلِّ فإنك لم تصلِّ» (^٢)، فقالوا: من ترك الطمأنينة فقد صلّى، وليس الأمر بها فرضًا لازمًا، مع أن الأمر بها وبالقراءة سواء في الحديث.\nواحتجوا على إسقاط جلسة الاستراحة بحديث أبي حميد (^٣) حيث لم يذكرها فيه، وخالفوه في نفس ما دلَّ عليه من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه.\nواحتجوا على إسقاط فرض الصلاة على النبي - ﷺ - والسلام في الصلاة، بحديث ابن مسعود: «فإذا قلتَ ذلك فقد تمّتْ صلاتك» (^٤). ثم خالفوه في نفس ما دل عليه، فقالوا: صلاته تامة قال ذلك أو لم يقله.\nواحتجوا على جواز الكلام والإمام على المنبر يوم الجمعة بقوله - ﷺ -\n_________\n(^١) قطعة من الحديث السابق.\n(^٢) قطعة من الحديث السابق.\n(^٣) في وصف صلاة النبيﷺ - مخرَّج عند البخاري (٨٢٨)، ورواه أيضًا أبو داود (٩٦٣) والنسائي (١٢٦٢) والترمذي (٣٠٤) وابن ماجه (١٠٦١) وأحمد (٢٣٥٩٩)، وصححه الترمذي (٢٦٠) وابن خزيمة (٥٨٧) وابن حبان (١٨٦٥).\n(^٤) اختلف فيه هل هو من كلام النبي - ﷺ - أو من كلام ابن مسعود، فروى الحديث أبو داود (٩٧٠) وأحمد (٤٠٠٦) وأبو داود الطيالسي (٢٧٣) من قول النبي - ﷺ -، ورواه الدارقطني (١٣٣٤) وابن حبان وصححه (١٩٦٢) والبيهقي (٢/ ١٧٤) أنه من قول ابن مسعود وهو الصواب، ونقل النووي والعراقي الاتفاق على أنها مدرجة. انظر: «علل» الدارقطني (٥/ ١٢٨) و«الفصل للوصل المدرج في النقل» (١/ ١٠٢)، و«شرح التبصرة والتذكرة» للعراقي (١/ ٢٩٤) و«صحيح أبي داود» - الأم (٤/ ١٢١).","vol":"3","page":73},{"text":"للداخل: «أصلَّيتَ قبل أن تجلس (^١) [٢٠/أ] يا فلانُ؟» قال: لا، قال: «قُمْ فاركع ركعتين» (^٢). وخالفوه في نفس ما دلَّ عليه، فقالوا: من دخل والإمام يخطب جلسَ ولم يصلِّ.\nواحتجوا على كراهية رفع اليدين في الصلاة بقوله - ﷺ -: «ما بالُهم رافعي أيديهم كأنها أذنابُ خيلٍ شُمْسٍ» (^٣). ثم خالفوه في نفس ما دلَّ عليه؛ فإن فيه: «إنما يكفي أحدَكم أن يسلِّم على أخيه من عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» (^٤)، فقالوا: لا يحتاج إلى ذلك، ويكفيه غيره من كلِّ منافٍ للصلاة.\nواحتجوا في استخلاف الإمام إذا أحدث بالخبر الصحيح أن رسول الله - ﷺ - خرج وأبو بكر يصلّي بالناس، فتأخَّر أبو بكر، وتقدَّم النبي - ﷺ - فصلّى بالناس (^٥). ثم خالفوه في نفس ما دلَّ عليه، فقالوا: مَن فعلَ مثل ذلك بطلتْ صلاته، وأبطلوا صلاة من فعلَ مثل فعلِ النبي - ﷺ - وأبي بكر ومن حضر من الصحابة، فاحتجوا بالحديث فيما لم يدلَّ عليه، وأبطلوا العملَ به في نفس ما دلَّ عليه.\nواحتجوا لقولهم إن الإمام إذا صلَّى جالسًا لمرضٍ صلَّى المأمومون خلفه قيامًا، بالخبر الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه خرج فوجد أبا بكر يصلّي\n_________\n(^١) «قبل أن تجلس» ليست في ت، ع.\n(^٢) رواه البخاري (٩٣٠) ومسلم (٨٧٥) من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -.\n(^٣) رواه مسلم (٤٣٠) من حديث جابر بن سمرة - ﵁ -.\n(^٤) قطعة من الحديث السابق.\n(^٥) رواه البخاري (٦٨٤) ومسلم (٤٢١) من حديث سهل بن سعد - ﵁ -.","vol":"3","page":74},{"text":"بالناس قائمًا، فتقدّم النبي - ﷺ - وجلس فصلّى بالناس؛ وتأخر أبو بكر (^١). ثم خالفوا الحديث في نفس ما دلّ عليه، وقالوا: إن تأخَّر الإمام لغير حَدَثٍ وتقدَّم الآخر، بطلتْ صلاة الإمامين وصلاة جميع المأمومين.\nواحتجوا على بطلان صوم مَن أكل يظنُّه ليلًا فبان نهارًا، بقوله - ﷺ -: «إنّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» (^٢). ثم خالفوا الحديث في نفس ما دلّ عليه، فقالوا: لا يجوز الأذان للفجر بالليل، لا في رمضان ولا في غيره. ثم خالفوه من وجه آخر، فإنّ في نفس الحديث: «وكان ابن أمّ مكتوم رجلًا أعمى لا يؤذِّن حتى يقال له: [٢٠/ب] أصبحتَ أصبحتَ» (^٣)، وعندهم من أكل في ذلك الوقت بطل صومه.\nواحتجوا على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالغائط بقول النبي - ﷺ -: «لا تستقبلوا القبلةَ بغائطٍ ولا بولٍ ولا تستدبروها» (^٤). وخالفوا الحديث نفسه، وجوَّزوا استقبالها واستدبارها بالبول.\nواحتجوا على شرط الصوم في الاعتكاف بالحديث الصحيح عن عمر أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلةً في المسجد الحرام، فأمره النبي - ﷺ - أن يوفي بنذره (^٥). وهم لا يقولون بالحديث؛ فإن عندهم أن نذر الكافر لا ينعقد، ولا يلزم الوفاء به بعد الإسلام.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦٤) ومسلم (٤١٨) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) رواه البخاري (٦٢٢) ومسلم (١٠٩٢) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٣) رواه البخاري (٦١٧) ومسلم (١٠٩٢) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٤) رواه البخاري (١٤٤) ومسلم (٢٦٤) من حديث أبي أيوب - ﵁ -.\n(^٥) رواه البخاري (٢٠٣٢) ومسلم (١٦٥٦).","vol":"3","page":75},{"text":"واحتجوا على الردّ (^١) بحديث: «تَحُوزُ المرأةُ ثلاثَ مواريثَ: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنتْ عليه» (^٢). ولم يقولوا بالحديث في حيازتها مالَ لقيطِها، وقد قال به عمر بن الخطاب (^٣) وإسحاق بن راهويه (^٤)، وهو الصواب.\nواحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: «التمسوا له وارثًا أو ذَا رحمٍ» فلم يجدوا، فقال: «أعطوه الكُبْرَ (^٥) من خُزاعة» (^٦). ولم يقولوا\n_________\n(^١) الردّ: صورته أن الميت إن لم يخلِّف وارثًا إلّا ذوي فروض، ولا يستوعب المال، كالبنات والأخوات والجدات، فإن الفاضل عن ذوي الفروض يُردُّ عليهم على قدر فروضهم إلّا الزوج والزوجة. انظر «المغني» (٩/ ٤٨).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٢٢٨) عن الزهري أن عمر بن الخطاب أعطى ميراث المنبوذ للذي كفله، وإسناده منقطع، وصحَّ بوجه آخر عند عبد الرزاق (١٣٨٤٠) عن ابن شهاب قال: حدثني أبو جميلة، أنه وجد منبوذًا على عهد عمر بن الخطاب، فأتاه فاتهمه، فأُثني عليه خيرًا، فقال عمر: هو حر، وولاؤه لك، ونفقته من بيت المال. والأثر علقه البخاري في «صحيحه» بصيغة الجزم (٨/ ١٥٤) وصححه ابن حزم في «المحلى» (٧/ ١٣٣). وانظر «فتح الباري» (١٢/ ٣٩).\n(^٤) انظر: «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» (٨/ ٤٣٨٩) و«الإجماع» لابن المنذر (ص ٧٦) و«المغني» لابن قدامة (٦/ ٤٣٥).\n(^٥) ع: «الكثر» تصحيف. يقال: هو كُبْر قومه، أي أكبرهم في السنّ أو في الرياسة أو في النسب.\n(^٦) رواه أبو داود (٢٩٠٤) وأحمد (٢٢٩٤٤)، وفي إسناده جبريل بن الأحمر، وهو مختلف فيه، وحكم ابن كثيرعلى الحديث بالنكارة. انظر: «جامع المسانيد والسنن» (١/ ٤٧٣) و«ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٣٩٨).","vol":"3","page":76},{"text":"به في أن من لا وارثَ له يُعطى مالُه للكُبْر من قبيلته.\nواحتجوا في منع القاتل ميراثَ المقتول بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «لا يَرِث قاتل» (^١) و«لا يُقتَل مؤمن بكافر» (^٢). فقالوا بأول الحديث دون آخره (^٣).\nواحتجوا على جواز التيمم في الحضر مع وجود الماء للجنازة إذا خاف فوتها، بحديث أبي جَهْم بن الحارث في تيمُّم النبي - ﷺ - لردّ السلام (^٤). ثم خالفوه فيما دلّ عليه في موضعين: أحدهما أنه تيمَّم بوجهه وكفَّيه دون ذراعَيه، والثاني أنهم لم يكرهوا ردَّ السلام للمُحْدِث، ولم يستحبوا التيمّم لردّ السلام.\nواحتجوا في جواز الاقتصار في الاستنجاء على حجرين بحديث ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - ذهب لحاجته، وقال له: «ائتِني [٢١/أ] بأحجار»، فأتاه بحجرين ورَوثةٍ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «هذه رِكْسٌ» (^٥). ثم خالفوه فيما هو نصٌّ فيه، فأجازوا الاستجمار بالروث، واستدلّوا به على\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٥٦٤) والبيهقي (٦/ ٢٢٠)، والحديث إسناده حسن، وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة وابن عباس - ﵃ -. انظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ١٨٤) و«الإرواء» (٦/ ١١٧).\n(^٢) رواه أبو داود (٢٧٥١) والترمذي (١٤١٣) وحسّنه، وابن ماجه (٢٦٥٩) وأحمد (٦٦٦٢)، وصححه ابن خزيمة (٢٢٨٠).\n(^٣) هما حديثان كما ذكرنا.\n(^٤) رواه البخاري (٣٣٧)، ورواه مسلم معلقًا (٣٦٩).\n(^٥) رواه البخاري (١٥٦).","vol":"3","page":77},{"text":"ما لا يدل عليه من الاكتفاء بحجرين.\nواحتجوا على أن مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء بصلاة النبي - ﷺ - حاملًا أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع، إذا قام حملَها وإذا ركع أو سجد وضعَها (^١)، ثم قالوا: من صلَّى كذلك بطلتْ صلاته وصلاة من ائتمَّ به.\nقال بعض أهل العلم (^٢): ومن العجب إبطالهم هذه الصلاة وتصحيحهم الصلاة بقراءة ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] بالفارسية، ثم يركع قدر نفس، ثم يرفع قدر حدّ السيف، أو لا يرفع بل يخِرُّ كما هو ساجدًا، ولا يضع على الأرض يديه ولا رجليه، وإن أمكن أن لا يضع ركبتيه صحَّ ذلك، ولا جبهته، بل يكفيه وضع رأس أنفه كقدر نفس واحد، ثم يجلس مقدار التشهد، ثم يفعل فعلًا ينافي الصلاة من فُساء أو ضُراط أو ضحكٍ أو نحو ذلك.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) إشارة إلى قصة القفال المروزي (ت ٤١٧) مع السلطان محمود الغزنوي، لما صلَّى بين يديه على مذهب أبي حنيفة، فتحوّل السلطان إلى مذهب الشافعي. وقد ساق القفّال نفسُه هذه القصة في «فتاويه» كما في «طبقات الشافعية» للسبكي (٥/ ٣١٦)، ثم حكاها من بعده الجويني في «مغيث الخلق» (ص ٥٧ - ٥٩) وابن خلكان في «وفيات الأعيان» (٥/ ١٨٠، ١٨١) والذهبي في «السير» (١٧/ ٤٨٦، ٤٨٧). وشكّك فيها الكوثري وغيره، ونسوا أو تغافلوا أن صاحب القصة هو الذي حكاها أولًا في «فتاويه» ثم ذكرها الجويني وغيره، ولم يلفّقها الجويني، وإنما حكى ما كان معروفًا من أخبار القفال وسبب تحوُّل السلطان من المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي. وليس في كتب التاريخ ما ينفي ذلك، ولا في كتب الفقه الحنفي ما يخالف جواز تلك الصلاة في المذهب. وتصحيح الصلاة بقراءة ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ بالفارسية مروي عن الإمام أبي حنيفة في «بدائع الصنائع» (١/ ١١٢)، وكذا بقية المسائل.","vol":"3","page":78},{"text":"واحتجوا على تحريم (^١) وطء المَسْبيَّة والمملوكة قبل الاستبراء بقول النبي - ﷺ -: «لا تُوطأ حاملٌ حتى تضعَ، ولا حائلٌ حتى تُستبرأ بحيضة» (^٢). ثم خالفوا صريحَه فقالوا: إن أعتقها وزوَّجها وقد وطئها البارحةَ حلَّ للزوج أن يطأها الليلة.\nواحتجوا في ثبوت الحضانة للخالة بخبر بنت حمزة وأن رسول الله - ﷺ - قضى بها لخالتها (^٣). ثم خالفوه فقالوا: لو تزوجت الخالة بغير محرم للبنت كابن عمها سقطت حضانتها.\nواحتجوا على المنع من التفريق بين الأخوين بحديث علي في نهيه عن التفريق بينهما (^٤). ثم خالفوه فقالوا: لا يُردُّ المبيع إذا وقع كذلك، وفي الحديث الأمرُ بردِّه.\nواحتجوا على جريان القصاص بين المسلم والذمي بخبر رُوي أن النبي - ﷺ - أقادَ يهوديًّا من مسلمٍ لطَمَه (^٥). ثم خالفوه فقالوا: [٢١/ب] لا قَوَد في\n_________\n(^١) «تحريم» ساقطة من ت.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (٢٦٩٩) من حديث البراء - ﵁ -.\n(^٤) رواه الترمذي (١٢٨٤) وابن ماجه (٢٢٤٩) وأحمد (٨٠٠) من طريق حماد بن سلمة عن الحجاج عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عنه به، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة كثير الخطأ والتدليس، وميمون لم يدرك عليًّا، والحديث له شواهد ومتابعات. قال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٨١٤): «صححه ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم»، وهو في «المستدرك» (٢/ ٥٤). وانظر: «مسند أحمد» ط الرسالة (٢/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^٥) رواه الدارقطني (٣٢٦٠) والبيهقي (٨/ ٣١) من حديث ربيعة عن عبد الرحمن بن البيلماني عن النبي - ﷺ - مرسلًا. قال الدارقطني: ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله. وقال أبو عبيد: هذا حديث ليس بمسند، ولا يجعل مثله إمامًا يسفك به دماء المسلمين.","vol":"3","page":79},{"text":"اللطمة والضربة، لا بين مسلمين ولا بين مسلم وكافر.\nواحتجوا على أنه لا قصاص بين العبد وسيده بقوله - ﷺ -: «من لَطمَ عبدَه فهو حرٌّ» (^١). ثم خالفوه فقالوا: لا يعتق بذلك. واحتجوا أيضًا بالحديث الذي فيه: «من مثَّل بعبده عَتَقَ عليه» (^٢)، فقالوا: لم يوجب عليه القَود. ثم قالوا: لا يعتق عليه.\nواحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه [عن جده] (^٣): «في العين نصفُ الدية» (^٤). ثم خالفوه في عدة مواضع (^٥): منها قوله: «وفي العين القائمة السادَّة لموضعها ثلثُ الدية» (^٦)، ومنها قوله: «في السّن السوداء ثلثُ الدية» (^٧).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٦٥٧) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ما بين المعكوفتين ليس في النسخ. و«عن أبيه» ساقطة من ت، ع.\n(^٤) رواه أبو داود (٤٥٦٤)، وأحمد (٧٠٩٢)، والبيهقي (٨/ ٩١) من طريق محمد بن راشد عنه. والحديث صححه أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٦/ ٤٥٦).\n(^٥) بعدها في ت، ع زيادة: «منه».\n(^٦) رواه أبو داود (٤٥٦٧)، والنسائي (٤٨٤٠)، وفي «السنن الكبرى» (٧٠١٥)، والدارقطني (٣٢٤١)، والحديث حسنه الألباني في «الإرواء» (٧/ ٣٢٨) لكنه قيد ذلك بقوله: «إن كان العلاء حدث به قبل الاختلاط».\n(^٧) رواه النسائي (٤٨٤٠)، وفي «السنن الكبرى» (٧٠١٥)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (٧/ ٣٢٨).","vol":"3","page":80},{"text":"واحتجوا على جواز تفضيل بعض الأولاد على بعض بحديث النعمان بن بشير، وفيه: «أَشْهِدْ على هذا غيري» (^١). ثم خالفوه صريحًا فإن في الحديث نفسه: «إن هذا لا يَصلُح» (^٢)، وفي لفظ: «إني لا أَشهدُ على جَوْر» (^٣)، فقالوا: بل هذا يصلُح وليس بجور، ولكل أحدٍ أن يشهد عليه.\nواحتجوا على أن النجاسة تزول بغير الماء من المائعات بحديث: «إذا وطئ أحدُكم الأذى بنعلَيْه فإنّ الترابَ لهما طَهورٌ» (^٤). ثم خالفوه فقالوا: لو وطئ العَذِرةَ بخفَّيه لم يُطهِّرهما التراب.\nواحتجوا على جواز المسح على الجبيرة بحديث صاحب الشجَّة (^٥). ثم خالفوه صريحًا فقالوا: لا يجمع بين الماء والتراب، بل إما أن يقتصر على غسل الصحيح إن كان أكثر ولا يتيمم، وإما أن يقتصر على التيمم إن كان الجريح أكثر ولا يغسل الصحيح.\nواحتجوا على جواز تولية أمراء أو حكّام أو متولّين مرتَّبين واحدًا بعد واحدٍ بقول النبي - ﷺ -: «أميركم زيد، فإن قُتِل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فجعفر» (^٦). ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا: لا يصح تعليق الولاية بالشرط،\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٦٢٣/ ١٧) بهذا اللفظ.\n(^٢) رواه مسلم (١٦٢٤) بهذا اللفظ.\n(^٣) رواه مسلم (١٦٢٣/ ١٣) بهذا اللفظ.\n(^٤) رواه أبو داود (٣٨٥) والطبراني في «الأوسط» (٢٧٥٩)، وصححه ابن خزيمة (٢٩٢) وابن حبان (١٤٠٣) والحاكم (١/ ١٦٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وفي الباب عن أبي سعيد وعائشة. انظر: «نصب الراية» (١/ ٢٠٧).\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) رواه البخاري (٤٢٦١) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"3","page":81},{"text":"ونحن نشهد بالله أن هذه الولاية من [٢٢/أ] أصحِّ ولايةٍ على وجه الأرض، وأنها أصحُّ من كل ولاياتهم من أولها إلى آخرها.\nواحتجوا على تضمين المُتْلِف ما أتلفَه ويملك (^١) هو ما أتلفه بحديث القَصْعة التي كسَرَتْها إحدى أمهات المؤمنين، فردَّ النبي - ﷺ - على صاحبة القَصْعة نظيرها (^٢). ثم خالفوه جهارًا فقالوا: إنما يُضمن بالدراهم والدنانير، ولا يُضمن بالمثل.\nواحتجوا على ذلك أيضًا بخبر الشاة التي ذُبحت بغير إذن صاحبها، وأن النبي - ﷺ - لم يردَّها على صاحبها (^٣). ثم خالفوه صريحًا، فإن النبي - ﷺ - لم يُملِّكها الذابحَ، بل أمر بإطعامها الأُسارى.\nواحتجوا في سقوط القطع بسرقة الفواكه وما يُسرِع إليه الفساد بخبر: «لا قطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ» (^٤). ثم خالفوا الحديث نفسه (^٥) في عدة مواضع:\n_________\n(^١) ع: «وتملكه».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) الكثر: جُمّار النخل، وهو شحمه الذي وسط النخلة. والحديث رواه أبو داود (٤٣٨٨) والنسائي (٤٩٦٠) والترمذي (١٤٤٩) وابن ماجه (٢٥٩٣) وأحمد (١٥٨٠٤) وابن حبان وصححه (٤٤٦٦) من حديث رافع بن خديج، وصححه أيضًا ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٦٥٧) وابن حجر في «الدراية» (٢/ ١٠٩). وقد اختلف في وصله وإرساله. وانظر: «التلخيص الحبير» (٤/ ١٢١) و«الإرواء» (٨/ ٧٢).\n(^٥) لم أجده بهذه الزيادة أعني: «لا قطع في ثمر ولا كثر، فإذا آواه الجرين أو الجران قطع». انظر: «الدراية» لابن حجر (٢/ ١٠٩).","vol":"3","page":82},{"text":"أحدها أن فيه: «فإذا آواه إلى الجَرِين ففيه القطع» (^١)، وعندهم لا قطْعَ فيه آواه إلى الجرين أو لم يُؤوِه. الثاني: أنه قال: «إذا بلغ ثمنَ المِجَنّ» (^٢)، وفي «الصحيح» (^٣) أن ثمن المجنّ كان ثلاثة دراهم، وعندهم لا يقطع في هذا القدر. الثالث: أنهم قالوا: ليس الجرين حرزًا؛ فلو سرق منه تمرًا يابسًا ولم يكن هناك حافظ لم يقطع.\nواحتجوا في مسألة الآبق يأتي به الرجل أن له أربعين درهمًا، بخبرٍ فيه أن من جاء بآبقٍ من خارج الحرم فله عشرة دراهم أو دينار (^٤). وخالفوه جهرةً فأوجبوا أربعين.\nواحتجوا على (^٥) أن خيار الشفعة على الفور بحديث ابن البيلماني: «الشفعة كحلِّ العِقالِ، ولا شُفعةَ لصغيرٍ ولا لغائبٍ، ومن مثّل بعبده فهو حرٌّ» (^٦). فخالفوا جميع ذلك إلا قوله: «الشفعة كحلِّ العِقال».\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٧١٠) والنسائي (٤٩٥٧) وابن ماجه (٢٥٩٦) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، والحديث حسنه الترمذي (١٢٨٩). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٥/ ٣٩٤).\n(^٢) ضمن الحديث السابق.\n(^٣) رواه البخاري (٦٧٩٥) ومسلم (١٦٨٦) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (٢٢٣٧٠) من طريق ابن جريج عن عطاء عن عمرو بن دينار أو ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار مرسلًا، ورواه البيهقي (٦/ ٢٠٠) من طريق خصيف عن معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عمر، وفيه خصيف وهو متكلم فيه، ورجح البيهقي الإرسال على الاتصال.\n(^٥) «على» ليست في د.\n(^٦) رواه ابن ماجه (٢٥٠٠) والبزار (٥٤٠٥) والبيهقي (٦/ ١٠٨) دون الجزء الأخير، وضعفه البيهقي بمحمد بن عبد الرحمن البيلماني ومحمد بن الحارث، وحكم ابن أبي حاتم بنكارته، وقال ابن حجر: إسناده ضعيف جدًّا. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٤/ ٢٩٧) و«التلخيص الحبير» (٣/ ١٢٥). وذكر الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ١٧٧) أن ابن حزم روى هذا الحديث في «المحلى» من طريق البزار (٨/ ١٧) وزاد فيه «ومن مثل بعبده فهو حر، وهو مولى الله ورسوله، والناس على شروطهم ما وافق الحق»، ثم نقل الزيلعي عن ابن القطان ما يدلُّ أن هذه الزيادة ليست في حديث الشفعة، والظنُّ أن ابن حزم لفّق في حديث واحد، فقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٣/ ١٣٠): وهذه الزيادة ليست عند البزار في حديث الشفعة، ولكنه أورد حديث العبد بالإسناد المذكور حديثًا، وأورد أمر الشروط حديثًا، وأظن أن ابن حزم لما وجد ذلك كله بإسناد واحد لفّقه حديثًا، وأخذ تشنيعًا على الخصوم الآخذين لبعض ما روي بهذا الإسناد التاركين لبعضه. انتهى.","vol":"3","page":83},{"text":"واحتجوا على امتناع القَوَد بين الأب والابن والسيد والعبد بحديث: «لا يُقاد والد بولده ولا سيّدٌ بعبده» (^١). وخالفوا الحديث نفسه، فإن تمامه: «ومن مثّل بعبده فهو حرّ».\n[٢٢/ب] واحتجوا على أن الولد يُلحَق بصاحب الفراش دون الزاني بحديث ابن وليدة زمعة، وفيه: «الولد للفِراش» (^٢). ثم خالفوا الحديث نفسه صريحًا (^٣) فقالوا: الأمة لا تكون فراشًا وإنما كان هذا القضاء (^٤) في أمة،\n_________\n(^١) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٥٣٢٩) والطبراني في «الأوسط» (٨٦٥٧)، وفي إسناده عمر بن عيسى القرشي متكلم فيه. وللحديث شواهد ومتابعات يتقوى بها، دون قوله: «ولا سيد بعبده». انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (٤/ ٤٦٦) و«الإرواء» (٧/ ١٦٩، ٢٦٧).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) «صريحا» ليست في ت.\n(^٤) «القضاء» ليست في ت.","vol":"3","page":84},{"text":"ومن العجب أنهم قالوا: إذا عقد على أمه وابنته وأخته ووطئها لم يُحَدَّ للشبهة، وصارت فراشًا بهذا العقد الباطل المحرَّم، وأم ولده وسُرِّيته التي يطؤها ليلًا ونهارًا ليست فراشًا له.\nومن العجائب أنهم احتجوا على جواز صوم رمضان بنيةٍ يُنشِئها من النهار قبل الزوال بحديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان يدخل عليها فيقول: «هل من غَداءٍ؟» فتقول: لا، فيقول: «فإني صائم» (^١). ثم قالوا: لو فعل ذلك في صوم التطوُّع لم يصحَّ صومه، والحديث إنما هو في التطوع (^٢) نفسه.\nواحتجوا على المنع من بيع المدبَّر بأنه قد انعقد فيه سبب الحرية، وفي بيعه إبطالٌ لذلك، وأجابوا عن بيع النبي - ﷺ - المدبَّر (^٣) بأنه باع خدمته. ثم قالوا: لا يجوز بيع خدمة المدبّر أيضًا.\nواحتجوا على إيجاب الشفعة في الأراضي والأشجار التابعة لها بقوله: قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كل شِرْكٍ في رَبْعَةٍ أو حائطٍ (^٤). ثم خالفوا نصَّ الحديث نفسه، فإن فيه: «ولا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤذِن شريكه، فإن باع ولم يُؤذِنه فهو أحقُّ به»، فقالوا: يحلّ له أن يبيع قبل إذنه، ويحلّ له أن يتحيَّل لإسقاط الشفعة، وإن باع بعد إذن شريكه فهو أحقُّ أيضًا بالشفعة، ولا أثر للاستئذان ولا لعدمه.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١١٥٤) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) ع: «صوم التطوع».\n(^٣) رواه البخاري (٢١٤١) ومسلم (٩٩٧) من حديث جابر - ﵁ -\n.\n(^٤) تقدم تخريجه. والرَّبْع: المنزل ودار الإقامة، والربعة أخص من الربع. انظر «النهاية» (٢/ ١٨٩).","vol":"3","page":85},{"text":"واحتجوا على المنع من بيع الزيت بالزيتون إلا بعد العلم بأن ما في الزيتون من الزيت أقلُّ من الزيت المفرد، بالحديث الذي فيه النهي عن بيع اللحم بالحيوان (^١). ثم خالفوه نفسه، فقالوا: يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه وغير [٢٣/أ] نوعه.\nواحتجوا على أن عطية المريض المنجزة كالوصية لا تنفذ إلا في الثلث، بحديث عمران بن حُصين: «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند موته لا مال له سواهم، فجزَّأهم النبي - ﷺ - ثلاثة أجزاء وأقرعَ بينهم، فأعتقَ اثنين وأرقَّ أربعة» (^٢). ثم خالفوه في موضعين؛ فقالوا: لا يُقرَع بينهم البتةَ، ويعتق من كل واحدٍ سدسُه.\nوهذا كثيرٌ جدًّا، والمقصود أن التقليد حكمَ عليكم بذلك، وقادكم إليه قهرًا، ولو حكَّمتم الدليلَ على التقليد لم تقعوا في مثل هذا؛ فإن هذه الأحاديث إن كانت حقًّا وجب الانقياد لها والأخذُ بما فيها، وإن لم تكن صحيحة لم يؤخذ بشيء مما فيها، فأما أن تُصحَّح ويُؤخذ بها فيما وافق قولَ المتبوع، وتُضعَّف أو تُردّ إذا خالفتْ قوله أو تُؤوَّل= فهذا من أعظم الخطأ والتناقض.\nفإن قلتم: عارضَ ما خالفناه منها ما هو أقوى منه، ولم يعارض ما وافقناه منها ما يوجب العدولَ عنه واطِّراحَه.\nقيل: لا تخلو هذه الأحاديث وأمثالها أن تكون منسوخة أو محكمةً، فإن كانت منسوخة لم يُحتجَّ بمنسوخٍ البتةَ، وإن كانت محكمةً لم يجز\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه مسلم (١٦٦٨) من حديث عمران بن حصين - ﵄ -.","vol":"3","page":86},{"text":"مخالفةُ شيء منها البتةَ.\nفإن قيل: هي منسوخة فيما خالفناها فيه، ومحكمة فيما وافقناها فيه.\nقيل: هذا مع أنه ظاهر البطلان يتضمّن ما لا (^١) علمَ لمدَّعيه به، قائلٌ ما لا دليلَ عليه، فأقلُّ ما فيه أن معارضًا لو قَلَبَ عليه هذه الدعوى بمثلها سواءً، لكانت دعواه من جنس دعواه، ولم يكن بينهما فرقٌ، وكلاهما مدَّعٍ ما لا يمكنه إثباته؛ فالواجب اتباع سنن (^٢) رسول الله - ﷺ - وتحكيمها والتحاكم إليها حتى يقوم الدليل القاطع على نسخ المنسوخ منها، أو تُجمِع الأمة على العمل بخلاف شيء منها، وهذا الثاني محالٌ قطعًا، فإن الأمة ولله الحمد لم تُجمِع على ترك [٢٣/ب] العمل بسنة واحدة، إلا سنةً ظاهرة النسخ معلومٌ للأمة ناسخها، وحينئذٍ يتعيَّن العمل بالناسخ دون المنسوخ، وأما أن تُترك السننُ لقول أحدٍ من الناس فلا، كائنًا من كان، وبالله التوفيق.\nالوجه العشرون: أن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفةَ أمر الله وأمر رسوله وهَدْي أصحابه وأحوال أئمتهم، وسلكوا ضدَّ طريق أهل العلم:\nأما أمر الله فإنه أمر بردّ ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله، والمقلّدون قالوا: إنما نردُّه إلى من قلَّدناه.\nوأما أمر رسوله فإنه - ﷺ - أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين (^٣)، وأمر أن يُتمسَّك بها، ويُعَضّ عليها بالنواجذ (^٤)،\n_________\n(^١) د: «لما».\n(^٢) ت: «سنة».\n(^٣) بعدها في ت: «من بعده».\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":87},{"text":"وقال المقلّدون: بل عند الاختلاف نتمسّك بقول من قلّدناه، ونقدِّمه على كل ما عداه.\nوأما هَدْي الصحابة فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن فيهم شخص واحد يقلِّد رجلًا في جميع أقواله، ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يردُّ من أقواله شيئًا، ولا يقبل من أقوالهم شيئًا، وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث.\nوأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نَهَوا عن تقليدهم وحذَّروا منه، كما تقدَّم ذكرُ بعضِ ذلك عنهم (^١).\nوأما سلوكهم ضدَّ طريق أهل العلم فإن طريقهم طلبُ أقوال العلماء وضبطها والنظر فيها وعرضُها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله - ﷺ - وأقوال خلفائه الراشدين، فما وافق ذلك منها قبلوه، ودانوا الله به، وقضَوا به، وأفتَوا به، وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردُّوه، وما لم يتبيَّنْ لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغةَ الاتباع لا واجبةَ الاتباع، من غير أن يُلزِموا بها أحدًا، ولا يقولوا: إنها الحقُّ دون ما خالفها، هذه طريقة أهل العلم [٢٤/أ] سلفًا وخلفًا.\nوأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق، وقلبوا أوضاعَ الدين، فزيَّفوا (^٢) كتاب الله وسنة رسوله وأقوال خلفائه وجميع أصحابه، فعرضوها على أقوال من قلَّدوه، فما وافقها منها قالوا لنا وانقادوا له مُذعِنين، وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتجّ الخصم بكذا وكذا، ولم يقبلوه، ولم يدينوا به.\n_________\n(^١) (٣/ ٣٨).\n(^٢) ع: «فرفضوا».","vol":"3","page":88},{"text":"واحتالَ فضلاؤهم في ردِّها بكل ممكن، وتطلَّبوا لها وجوه الحِيَل التي تردُّها، حتى إذا كانت موافقةً لمذاهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها قائمةً فيها شنَّعوا على مُنازعِهم، وأنكروا عليه ردَّها بمثل تلك الوجوه بعينها، وقالوا: لا تُردُّ النصوص بمثل هذا. ومَن له همةٌ تسمو إلى الله ومرضاته ونَصْرِ الحق الذي بَعَثَ به رسولَه أين كان ومع من كان، لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخُلُق الذميم.\nالوجه الحادي والعشرون: أن الله سبحانه ذمّ ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، وهؤلاء هم أهل التقليد بأعيانهم، بخلاف أهل العلم؛ فإنهم وإن اختلفوا لم يفرِّقوا دينهم ولم يكونوا شِيَعًا، بل شيعة واحدة متفقة على طلب الحق، وإيثارِه عند ظهوره، وتقديمِه على كلّ ما سواه، فهم طائفة واحدة قد اتفقت مقاصدهم وطريقهم؛ فالطريق واحد، والقصد واحد، والمقلّدون بالعكس: مقاصدهم شتَّى، وطُرُقهم مختلفة، فليسوا مع الأئمة في القصد ولا في الطريق.\nالوجه الثاني والعشرون: أن الله سبحانه ذمَّ الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زُبرًا، كل حزبٍ بما لديهم فرحون. والزُّبر: الكتب المصنَّفة التي رَغِبوا بها عن كتاب الله وما بعث الله به رسوله، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا [٢٤/ب] أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣] فأمر تعالى الرسلَ بما أمر به أُممَهم: أن يأكلوا من الطيبات، وأن يعملوا صالحًا، وأن يعبدوه وحده، ويطيعوا أمره وحده، وأن لا يتفرَّقوا في الدين؛","vol":"3","page":89},{"text":"فمضت الرسل وأتباعهم على ذلك، ممتثلين (^١) لأمر الله، قابلين لرحمته، حتى نشأت خلوفٌ قطعَّوا أمرهم بينهم زُبُرًا كلُّ حزب بما لديهم فرحون. فمن تدبَّر هذه الآيات ونزَّلها على الواقع تبيَّن له حقيقة الحال، وعَلِم من أيّ الحزبين هو، والله المستعان.\nالوجه الثاني والعشرون (^٢): أن الله سبحانه قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فخصّ هؤلاء بالفلاح دون من عداهم، والداعون إلى الخير هم الداعون إلى كتاب الله وسنة رسوله، لا الداعون إلى رأي فلان وفلان.\nالوجه الثالث والعشرون: أن الله سبحانه ذمّ من إذا دُعِي إلى الله وإلى رسوله أعرض ورضي بالتحاكم إلى غيره، وهذا شأن أهل التقليد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، فكل من أعرض عن الداعي له إلى ما أنزل الله ورسولِه إلى غيره فله نصيبٌ من هذا الذمّ؛ فمستكثِرٌ ومستقِلٌ.\nالوجه الرابع والعشرون: أن يقال لفرقة التقليد: دين الله عندكم واحد أو هو في القول وضدِّه، فدينُه هو الأقوال المختلفة المتضادّة التي يُناقِض بعضُها بعضًا، ويُبطِل بعضها بعضًا، كلها دين الله؟ فإن قالوا: بلى، هذه الأقوال المتضادّة المتعارضة التي يناقض بعضها بعضا كلُّها دين الله خرجوا\n_________\n(^١) ع: «مسلّمين».\n(^٢) تكرر في النسخ: «الوجه الثاني والعشرون». فأبقيناه كما هو لئلا نغيّر ترقيم المؤلف، وفي المطبوعات: «الثالث والعشرون». واستمر الترقيم على هذا فيما بعد.","vol":"3","page":90},{"text":"عن نصوص أئمتهم؛ فإن جميعهم على أن الحق في واحد من الأقوال، كما أن القبلة في جهة من الجهات، وخرجوا عن نصوص القرآن والسنة والمعقول الصريح، [٢٥/أ] وجعلوا دين الله تابعًا لآراء الرجال.\nوإن قالوا: الصواب الذي لا صواب غيره أن دين الله واحد، وهو ما أنزل الله به كتابه وأرسل به رسوله وارتضاه لعباده، كما أن نبيه واحد وقبلته واحدة، فمن وافقه فهو المصيب وله أجران، ومن أخطأه فله أجر واحد على اجتهاده لا على خطئه.\nقيل لهم: فالواجب إذًا طلبُ الحقّ، وبذلُ الاجتهاد في الوصول إليه بحسب الإمكان؛ لأن الله سبحانه أوجب على الخلق تقواه بحسب الاستطاعة، وتقواه فِعلُ ما أمر به وترك ما نهى عنه؛ فلا بدَّ أن يعرف العبد ما أُمر به ليفعله وما نُهي عنه ليجتنبه وما أبيح له ليأتيه. ومعرفة هذا لا تكون إلا بنوع اجتهاد وطلبٍ وتحرٍّ للحق، فإذا لم يأت بذلك فهو في عهدة الأمر، ويلقى الله ولما يَقْضِ (^١) ما أمره.\nالوجه الخامس والعشرون: أن دعوة الرسول - ﷺ - عامة لمن كان في عصره ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة، والواجب على من بعد الصحابة هو الواجب عليهم بعينه، وإن تنَّوعت صفاته وكيفياته باختلاف الأحوال. ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة لم يكونوا يَعرِضون ما يسمعون منه - ﷺ - على أقوال علمائهم، بل لم يكن لعلمائهم قول غير قوله، فلم يكن أحد منهم يتوقَّف في (^٢) قبول ما سمعه منه على موافقة موافق أو رأيِ ذي رأي أصلًا،\n_________\n(^١) «يقض» ساقطة من ت.\n(^٢) ت: «على».","vol":"3","page":91},{"text":"وكان هذا هو الواجب الذي لا يتمُّ الإيمان إلا به، وهو بعينه الواجب علينا وعلى سائر المكلَّفين إلى يوم القيامة. ومعلوم أن هذا الواجب لم يُنسَخ بعد موته، ولا هو مختصٌّ بالصحابة؛ فمن خرج عن ذلك فقد خرج عن نفس ما أوجبه الله ورسوله.\nالوجه السادس والعشرون: أن أقوال العلماء وآراءهم لا تنضبط ولا تنحصر، ولم تُضمَن لها العصمة إلا إذا اتفقوا ولم يختلفوا؛ [٢٥/ب] فلا يكون اتفاقهم إلا حقًّا، ومن المحال أن يُحِيلنا الله ورسوله على ما لا ينضبط ولا ينحصر، ولم يَضْمَن لنا عصمته من الخطأ، ولم يُقِم لنا دليلًا على أن (^١) أحد القائلين أولى بأن نأخذ قولَه كلَّه من الآخر، بل يُترك قول هذا كلّه ويؤخذ قول هذا كله، هذا محال أن يشرعه الله أو يرضى به، إلا إذا كان أحد القائلينِ رسولًا والآخر كاذبًا على الله، فالفرض حينئذٍ ما يعتمده هؤلاء المقلدون مع متبوعهم ومخالفيهم (^٢).\nالوجه السابع والعشرون: أن النبي - ﷺ - قال: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ» (^٣)، وأخبر أن العلم يقلُّ، فلا بدَّ من وقوع ما أخبر به الصادق، ومعلوم أن كتب المقلِّدين قد طبَّقتْ شرقَ الأرض وغربَها، ولم تكن في وقتٍ قطُّ أكثر منها في هذا الوقت. ونحن نراها كلَّ عامٍ في ازدياد وكثرة، والمقلّدون يحفظون منها ما يمكن حفظه بحروفه، وشهرتها في الناس خلاف الغربة، بل هي المعروف الذي لا يعرفون غيره؛ فلو كانت هي العلم\n_________\n(^١) «أن» ليست في ت.\n(^٢) ع: «ومخالفهم».\n(^٣) رواه مسلم (١٤٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":92},{"text":"الذي بعث الله به رسوله لكان الدين كل وقت في ظهور وزيادة والعلم في شهرة وظهور، وهو خلاف ما أخبر به الصادق.\nالوجه الثامن والعشرون: أن الاختلاف كثير في كتب المقلدين وأقوالهم، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه، بل هو حق يصدِّق بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nالوجه التاسع والعشرون: أنه لا يجب على العبد أن يقلِّد زيدًا دون عمرو، بل يجوز له الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد الآخر عند المقلدين، فإن كان قول من قلَّده أولًا هو الحق لا سواه فقد جوَّزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه، وهذا محال. وإن كان الثاني هو الحق وحده فقد جوَّزتم [٢٦/أ] الإقامة على خلاف (^١) الحق. وإن قلتم: القولان المتضادان المتناقضان حقٌّ، فهو أشدُّ إحالةً، ولا بدَّ لكم من قسم من هذه (^٢) الأقسام الثلاثة.\nالوجه الثلاثون: أن يقال للمقلّد: بأي شيء عرفتَ أن الصواب مع من قلّدته دون من لا تقلّده؟ فإن قال: «عرفته بالدليل» فليس بمقلّد، وإن قال: «عرفته تقليدًا له؛ فإنه أفتى بهذا القول ودان به، وعلمُه ودينُه وحسنُ ثناء الأمة عليه يمنعه أن يقول غير الحق»، قيل له: فمعصومٌ هو عندك أم يجوز عليه الخطأ؟ فإن قال بعصمته أبطلَ، وإن جوَّز عليه الخطأ قيل له: فما\n_________\n(^١) ت: «غير».\n(^٢) د: «هؤلاء».","vol":"3","page":93},{"text":"يُؤمِنك أن يكون قد أخطأ فيما قلَّدتَه فيه وخالفه فيه غيره؟ فإن قال: وإن أخطأ فهو مأجور، قيل: أجل هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور لأنك لم تأتِ بموجب الأجر، بل قد فرَّطتَ في الاتباع الواجب، فأنتَ إذًا مأزور. فإن قال: كيف يأجره الله على ما أفتى به ويمدحه عليه ويذمُّ المستفتيَ على قبوله منه؟ وهل يُعقل هذا؟ قيل: المستفتي إن قصَّر وفرَّط في معرفة الحق مع قدرته عليه لحِقَه الذمُّ والوعيد، وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى الله ما استطاع فهو مأجور أيضًا، وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عِيارًا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزِنها بها (^١)، فما وافق قولَ متبوعه منها قبله وما خالفه ردَّه، فهذا إلى الذمّ والعقاب أقرب منه إلى الأجر والثواب. وإن قال ــ وهو الواقع ــ: اتبعتُه وقلّدته ولا أدري أعلى صواب هو أم لا، فالعهدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلَّص بهذا من الله عند السؤال لك عما حكمت به بين عباد الله وأفتيتهم به، فوالله إن للحكّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلَّص فيه إلا من عَرَف الحقّ وحكم به وعرفَه وأفتى به، وأما من عداهما فسيعلم عند [٢٦/ب] انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء.\nالوجه الحادي والثلاثون: أن نقول: أخذتم بقول فلان؛ لأنّ فلانًا قاله أو لأن رسول الله - ﷺ - قاله؟ فإن قلتم: «لأن فلانا قاله» جعلتم قول فلان حجة، وهذا عين الباطل، وإن قلتم: «لأن رسول الله - ﷺ - قاله» كان هذا أعظم وأقبح؛ فإنه مع تضمُّنه للكذب على رسول الله - ﷺ - وتقويلكم عليه (^٢) ما لم يقله، وهو أيضًا كذبٌ على المتبوع فإنه لم يقل: هذا قول رسول الله - ﷺ -؛ فقد دار\n_________\n(^١) كذا في النسخ، توهُّمًا أن العيار بمعنى الميزان مؤنث، وليس كذلك.\n(^٢) ع: «تقولكم إليه».","vol":"3","page":94},{"text":"قولكم بين أمرين (^١) لا ثالث لهما: إما جعْلُ قول غير المعصوم حجة، وإما تقويلُ المعصوم ما لم يقله، ولا بدَّ من واحدٍ من الأمرين.\nفإن قلتم: «بل منهما بدٌّ، وبقي قسم ثالث، وهو أنا قلنا كذا؛ لأن رسول الله - ﷺ - أمرنا أن نتبع من هو أعلم منا، ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم، ونردّ ما لم نعلمه إلى استنباط أولي العلم؛ فنحن في ذلك متبعون ما أمرنا به نبينا».\nقيل: وهل نُدندِن إلا حول اتباع أمره - ﷺ -، فحيَّهلا بالموافقة على هذا الأصل الذي لا يتمُّ الإيمان والإسلام إلا به، فنناشدكم بالذي أرسله إذا جاء أمره وجاء قول من قلَّدتموه هل تتركون قوله لأمره - ﷺ -، وتضربون به الحائط، وتحرّمون الأخذ به والحالة هذه حتى تتحقق المتابعة كما زعمتم، أم تأخذون بقوله وتفوّضون أمر الرسول إلى الله، وتقولون: هو أعلم برسول الله - ﷺ - منا، ولم يخالف هذا الحديث إلا وهو عنده منسوخ أو معارَضٌ بما هو أقوى منه أو غير صحيح عنده؟ فتجعلون قولَ المتبوع محكمًا وقول الرسول متشابهًا؛ فلو كنتم قائلين بقوله لكون الرسول أمركم بالأخذ بقوله لقدَّمتم قول الرسول أين كان.\nثم نقول في الوجه الثاني والثلاثين: [٢٧/أ] وأين أمركم الرسول بأخذ قولِ (^٢) واحدٍ (^٣) من الأمة بعينه، وترك قول نظيره ومن هو أعلم منه وأقرب إلى الرسول؟ وهل هذا إلا نسبة لرسول الله - ﷺ - إلى أنه أمر بما لم يأمر به قطُّ؟\n_________\n(^١) ت: «أمركم بين اثنين». ع: «أمركم بين أمرين».\n(^٢) «قول» ساقطة من ع.\n(^٣) «واحد» ساقطة من ت.","vol":"3","page":95},{"text":"يوضحه الوجه الثالث والثلاثون: أن ما ذكرتم بعينه حجة عليكم، فإن الله سبحانه أمر (^١) بسؤال أهل الذكر، والذكر هو القرآن والحديث الذي أمر الله نساء نبيه أن يذكرنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، فهذا هو الذكر الذي أمرنا الله باتباعه، وأمر من لا علم عنده أن يسأل أهله، وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الذي أنزله على رسوله ليخبروه به، فإذا أخبروه به لم يَسَعْه غير اتباعه. وهذا كان شأن أئمة أهل العلم، لم يكن لهم مقلَّد معيَّن يتبعونه في كل ما قال؛ فكان عبد الله بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول الله - ﷺ - أو فعله أو سنَّه (^٢)، لا يسألهم عن غير ذلك، وكذلك الصحابة كانوا يسألون أمهات المؤمنين خصوصًا عائشة عن فِعْلِ رسول الله - ﷺ - في بيته (^٣)، وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط، وكذلك أئمة الفقه، كما قال الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله، أنت أعلم بالحديث مني؛ فإذا صح الحديث فأعلِمْني حتى أذهب إليه شاميًّا كان أو كوفيًّا أو بصريًّا (^٤)،\nولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه ومذهبه فيأخذ به وحده ويخالف له ما سواه.\n_________\n(^١) ع: «أمرنا».\n(^٢) من ذلك قوله - ﵄ - لرجل من الأنصار: «هلمَّ فلنسأل أصحاب رسول الله - ﷺ - فإنهم اليوم كثير»، رواه الدارمي (٥٩٠) وابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٣٦٨) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٥٤٢)، والحاكم (١/ ١٠٦).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٧٠) ..","vol":"3","page":96},{"text":"الوجه الرابع والثلاثون: أن النبي - ﷺ - إنما أرشد المفتين (^١) لصاحب الشجَّة بالسؤال عن حكمه وسنته، فقال: «قتلوه، قتلَهم الله» (^٢)، فدعا عليهم [٢٧/ب] حين أفتوا بغير علم. وفي هذا تحريم الإفتاء بالتقليد؛ فإنه ليس علمًا باتفاق الناس، فإن ما دعا رسول الله - ﷺ - على فاعله (^٣) فهو حرام، وذلك أحد أدلة التحريم؛ فما احتجّ به المقلّدون هو من أكبر الحجج عليهم، والله الموفق. وكذلك سؤال أبي العَسِيف الذي زنى بامرأةِ مستأجرِه لأهل العلم؛ فإنهم لما أخبروه بسنة رسول الله - ﷺ - في البكر الزاني أقرَّه على ذلك ولم ينكره (^٤)؛ فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم.\nالوجه الخامس والثلاثون: قولهم: إن عمر قال في الكلالة: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر، وهذا تقليد منه له، فجوابه من خمسة أوجه:\nأحدها: أنهم اختصروا الحديث وحذفوا منه ما يبطُل استدلالهم به، ونحن نذكره بتمامه. قال شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي: إن أبا بكر قال في الكلالة: «أقضي فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله منه بريء، هو ما دون الولد والوالد»، فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر» (^٥). فاستحيا\n_________\n(^١) في المطبوع: «المستفتين» خلاف جميع النسخ.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ت: «دعا على فاعله رسول الله - ﷺ -».\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":97},{"text":"عمر من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه، وأنه ليس كلامه كله صوابًا مأمونًا عليه الخطأ، ويدلُّ على ذلك أن عمر بن الخطاب أقرَّ عند موته أنه لم يقضِ في الكلالة بشيء، وقد اعترف أنه لم يفهمها (^١).\nالوجه الثاني: أن خلاف عمر لأبي بكر أشهرُ من أن يُذكر، كما خالفه في سَبْي أهل الردة فسباهم أبو بكر وخالفه عمر، وبلغ خلافه إلى أن ردَّهن حرائر إلى أهلهن (^٢) إلا من ولدت لسيدها منهن، ونقض حكمه (^٣)، ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي، فأين هذا من فعل المقلِّدين بمتبوعهم؟ وخالفه في أرض العنوة، [٢٨/أ] فقسمها أبو بكر ووقفها عمر. وخالفه في المفاضلة في العطاء، فرأى أبو بكر التسوية ورأى عمر المفاضلة (^٤). ومن ذلك مخالفته له في الاستخلاف، وصرّح بذلك فقال: إن أستخلِفْ فقد استخلف أبو بكر، وإن لم أستخلِفْ فإن رسول الله - ﷺ - لم يستخلف. قال ابن عمر: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله - ﷺ -، فعلمتُ أنه لا يَعدِلُ برسول الله - ﷺ - أحدًا، وأنه غيرُ مستخلف (^٥). فهكذا يفعل أهل\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٩١٩٤) من طريق عمرو بن دينار عن طاوس وذكره ...، وطاوس لم يدرك عمر، وتوبع بابن المسيب عند إسحاق بن راهويه في «مسنده» كما في «المطالب العالية» (٨/ ١٧)، ومرسل سعيد بن المسيب عن عمر مقبول. انظر: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٤/ ٦١) و«تهذيب الكمال» (١١/ ٦٦).\n(^٢) د: «أهليهن».\n(^٣) انظر: «الأموال» لابن زنجويه (١/ ٣٤٩) و«السنن الكبرى» للبيهقي (٩/ ٧٣ - ٧٤).\n(^٤) رواه البخاري (٤٠٢٢).\n(^٥) رواه مسلم (١٨٢٣).","vol":"3","page":98},{"text":"العلم حين تتعارض عندهم سنة رسول الله - ﷺ - وقول غيره، لا يعدِلُون بالسنة شيئًا سواها، لا كما يصرِّح به المقلّدون صُراحًا، وخلافه له في الجد والإخوة معلوم أيضًا (^١).\nالثالث: أنه لو قُدِّر تقليدُ عمر لأبي بكر في كل ما قاله لم يكن في ذلك مُستراحٌ لمقلّدي من هو بعد الصحابة والتابعين ممن لا يداني الصحابة ولا يقاربهم، فإن كان كما زعمتم لكم أسوة بعمر فقلِّدوا أبا بكر واتركوا تقليد غيره، والله ورسوله وجميع عباده يحمدونكم على هذا التقليد ما لا يحمدونكم على تقليد غير أبي بكر.\nالرابع: أن المقلِّدين لأئمتهم لم يستحيوا مما استحيا منه عمر؛ لأنهم يخالفون أبا بكر وعمر معه ــ ولا يستحيون من ذلك ــ لقول من قلَّدوه من الأئمة، بل قد صرَّح بعض غلاتهم (^٢) في بعض كتبه الأصولية أنه لا يجوز (^٣) تقليد أبي بكر وعمر، ويجب تقليد الشافعي. فيا لله العجب! الذي (^٤) أوجبَ تقليد الشافعي حرّم (^٥) عليكم تقليد أبي بكر وعمر! ونحن نُشهِد الله علينا شهادة نُسأل عنها يوم نلقاه أنه إذا صحّ عن الخليفتين الراشدين اللذين أمرنا رسول الله - ﷺ - باتباعهما والاقتداء بهما (^٦) قولٌ، وأطبقَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) هو الجويني، ذكر ذلك في «مغيث الخلق» (ص ١٦ - ١٧، ٢٧).\n(^٣) ت: «لا يجب».\n(^٤) ع: «ما الذي».\n(^٥) ع: «وحرّم».\n(^٦) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":99},{"text":"أهل الأرض على خلافه= لم نلتفتْ إلى أحد منهم. ونحمد الله على أن عافانا مما ابتلى به من حرَّم تقليدهما وأوجب تقليد متبوعه من الأئمة.\nوبالجملة فلو [٢٨/ب] صحَّ تقليد عمر لأبي بكر لم يكن في ذلك راحةٌ لمقلِّدي من لم يأمر الله ولا رسوله بتقليده، ولا جعله عِيارًا على كتابه وسنة رسوله، ولا هو جعل نفسه كذلك.\nالخامس: أن غاية هذا أن يكون عمر قد قلَّد أبا بكر في مسألة، فهل في هذا دليل على جواز اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع، لا يُلتفَت إلى قول من سواه بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت قولَه؟ فهذا واللهِ هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرَّم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة.\nالوجه السادس والثلاثون: قولهم: إن عمر قال لأبي بكر: رأْيُنا لرأيك تَبَع؛ فالظاهر أن المحتج بهذا سمع الناس يقولون كلمة تكفي العاقلَ، فاقتصر من الحديث على هذه الكلمة، واكتفى بها، والحديث من أعظم الأشياء إبطالًا لقوله؛ ففي «صحيح البخاري» (^١) عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بُزاخَة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألون الصلح، فخيَّرهم بين الحرب المُجْلِية والسلم المُخْزِية (^٢)، فقالوا: هذه المُجْلِية قد عرفناها فما\n_________\n(^١) رقم (٧٢٢١) باختصار، وساقه بطوله أبو بكر البرقاني في «مستخرجه» كما في «الفتح» (١٣/ ٢١٠)، والحميدي في «الجمع بين الصحيحين» (١/ ٩٦).\n(^٢) المجلية من الجلاء، وهو الخروج من جميع المال، والمخزية من الخزي، وهو القرار على الذل والصَّغار.","vol":"3","page":100},{"text":"المُخْزِية؟ قال: ننزِع منكم الحَلْقة والكُراع (^١)، ونغنَم ما أصبنا منكم (^٢)، وتردُّون علينا ما أصبتم منّا، وتَدُون لنا قتلانا، وتكون قتلاكم في النار، وتتركون أقوامًا يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرًا يعذرونكم به. فعرضَ أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيتَ رأيًا، وسنُشير عليك، أما ما ذكرتَ من الحرب المجلية والسلم المخزية فنِعْم ما ذكرتَ، وأما ما (^٣) ذكرتَ من أن نغنم ما أصبنا منكم وتردُّون ما أصبتم منا فنِعْم ما ذكرتَ، وأما ما ذكرت تَدُون (^٤) قتلانا وتكون قتلاكم في النار، فإن قتلانا قاتلتْ فقُتِلت على أمرِ الله، أجورُها [٢٩/أ] على الله ليس لها دياتٌ. فتتابع القوم على ما قال عمر. فهذا هو الحديث الذي في بعض ألفاظه: «قد رأيتَ رأيًا، ورأيُنَا لرأيك تَبَع» (^٥) فأيُّ مستراحٍ في هذا لفرقة التقليد؟\nالوجه السابع والثلاثون: قولهم: «إن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر»، فخلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يُتكلَّف إيراده، وإنما (^٦) كان يوافقه كما يوافق العالم العالم، وحتى لو أخذ بقوله تقليدًا لعمر (^٧) فإنما ذلك في نحو أربع مسائل نعدُّها، أو كان من عُمَّاله وكان عمر أمير المؤمنين. وأما مخالفته\n_________\n(^١) الحلقة: السلاح. والكراع: جميع الخيل.\n(^٢) في النسخ: «لكم». والمثبت من «الفتح».\n(^٣) د: «وما».\n(^٤) ت: «تدو». د: «تدو من».\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) ع: «وإن».\n(^٧) «لعمر» ليست في ت، ع.","vol":"3","page":101},{"text":"له ففي نحو مائة مسألة: منها: أن ابن مسعود صح عنه أن أم الولد تُعتَق من نصيب ولدها (^١)، ومنها: أنه كان يُطبِّق في الصلاة (^٢) إلى أن مات، وعمر كان يضع يديه على ركبتيه (^٣)، ومنها: أن ابن مسعود كان يقول في الحرام: هي يمين (^٤)، وعمر يقول: طلقة واحدة (^٥)، ومنها: أن ابن مسعود كان يحرِّم نكاح الزانية على الزاني أبدًا (^٦)، وعمر كان (^٧) يتوِّبهما ويُنكِح أحدَهما الآخر (^٨)، ومنها: أن ابن مسعود كان يرى بيع الأمة طلاقها (^٩)، وعمر يقول: لا تَطلُق بذلك (^١٠)، إلى قضايا كثيرة.\nوالعجب أن المحتجّين بهذا لا يرون تقليد ابن مسعود ولا تقليد عمر،\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٣٢١٤) وابن أبي شيبة (٢٢٠١٢) من طريق الأعمش عن زيد بن وهب، وإسناده صحيح.\n(^٢) رواه مسلم (٥٣٤).\n(^٣) رواه النسائي (١٠٣٤) والترمذي (٢٥٨)، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١٤٩).\n(^٤) رواه عبد الرزاق (١١٣٦٦) وسعيد بن منصور (١٦٩٣) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه، ومجاهد لم يسمع ابن مسعود - ﵁ -، وله طريق أخرى عند ابن أبي شيبة (١٨٤٨٨).\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١١٣٩١)، وفي إسناده إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص لم يدرك عمر.\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة (١٧٠٦٥) من طريق سالم بن أبي الجعد عن أبيه عنه به.\n(^٧) د: «وكان عمر».\n(^٨) رواه الشافعي في «مسنده» (٣٨)، وسعيد بن منصور (٨٨٥).\n(^٩) رواه سعيد بن منصور (١٩٤٢).\n(^١٠) رواه سعيد بن منصور (١٩٥١).","vol":"3","page":102},{"text":"وتقليدُ مالك وأبي حنيفة والشافعي أحبُّ إليهم وآثرُ عندهم، ثم كيف يُنسَب إلى ابن مسعود تقليد الرجال وهو يقول: لقد علم أصحاب رسول الله - ﷺ - أني أعلَمُهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلتُ إليه. قال شقيق: فجلستُ في حلقة من أصحاب رسول الله - ﷺ - فما سمعتُ أحدًا يردُّ ذلك عليه (^١). وكان يقول: والذي لا إله إلا هو ما من كتاب الله سورةٌ إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أُنزِلتْ، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني تبلُغه الإبل لركبتُ إليه (^٢).\nوقال أبو موسى الأشعري: [٢٩/ب] كنَّا حينًا وما نرى ابن مسعود وأمّه إلا من أهل بيت النبي - ﷺ -، من كثرة دخولهم ولزومهم له (^٣).\nوقال أبو مسعود البدري وقد قام عبد الله بن مسعود: ما أعلمُ رسول الله - ﷺ - ترك بعده أعلمَ بما أنزل الله من هذا القائم، فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا غِبْنا، ويُؤذَن له إذا حُجِبْنا (^٤).\nوكتب عمر - ﵁ - إلى أهل الكوفة: إني بعثتُ إليكم عمّارًا أميرًا وعبد الله معلّمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد رسول الله - ﷺ - من أهل بدر، فخذوا عنهما، واقتدوا بهما؛ فإني آثرتُكم بعبد الله على نفسي (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٠٠٠) ومسلم (٢٤٦٢).\n(^٢) رواه البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣).\n(^٣) رواه البخاري (٣٧٦٣) ومسلم (٢٤٦٠).\n(^٤) رواه مسلم (٢٤٦١).\n(^٥) رواه أحمد بن حنبل في «الفضائل» (١٥٤٦)، والطبراني (٨٤٧٨)، وصححه الحاكم (٣/ ٣٨٨).","vol":"3","page":103},{"text":"وقد صح عن ابن عمر (^١) أنه استفتى ابن مسعود في «البتّة» وأخذ بقوله (^٢)، ولم يكن ذلك تقليدًا له، بل لما سمع قوله فيها تبيَّن له أنه الصواب. فهذا هو الذي كان يأخذ به الصحابة من أقوال بعضهم بعضًا (^٣)، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: اغْدُ عالمًا أو متعلمًا، ولا تكوننَّ إمَّعَةً (^٤)، فأخرجَ الإمّعة ــ وهو المقلّد ــ من زمرة العلماء والمتعلمين، وهو كما قال - ﵁ -؛ فإنه لا مع العلماء ولا مع المتعلمين للعلم والحجة، كما هو معروف ظاهر لمن تأمَّله.\nالوجه الثامن والثلاثون: قولهم: «إن عبد الله كان يدَع قوله لقول عمر، وأبو موسى كان (^٥) يدع قوله لقول علي، وكان زيد (^٦) يدع قوله لقول أبي بن كعب» (^٧)، فجوابه أنهم لم يكونوا يدَعون ما يعرفونه من السنة تقليدًا لهؤلاء الثلاثة كما تفعله فرقة التقليد، بل من تأمّل سيرة القوم رأى أنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة لم يكونوا يدعونها لقول أحدٍ كائنًا من كان، وكان ابن عمر يدع قول عمر إذا ظهرت له السنة (^٨)، وابن عباس ينكر على من يعارض ما\n_________\n(^١) في الإحكام (٤/ ٢١٤): (أن عمر استفتى ابن مسعود) وما ذكر أعلاه أن المستفتي هو ابن عمر، ليس بصواب، وسياق الكلام الذي قبله يدل عليه.\n(^٢) ذكره ابن حزم في «الإحكام» (٤/ ٢١٤) بدون إسناد.\n(^٣) «فهذا ... بعضًا» ساقطة من ت.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) «كان» ليست في ت، د.\n(^٦) «كان زيد» ساقطة من ت.\n(^٧) تقدم تخريجه.\n(^٨) من ذلك ما روي عن عمر أنه قال: «الخطبة موضع الركعتين، من فاتته الخطبة صلى أربعًا» رواه عبد الرزاق (٥٤٨٥) وابن أبي شيبة (٥٣٧٤)، وإسناده منقطع؛ لأن عمرو بن شعيب لم يدرك عمر، وخالفه ابنه فقال: «إذا أدرك الرجل ركعة يوم الجمعة صلى إليها أخرى ...» رواه عبد الرزاق (٥٤٧١) وإسناده صحيح، ودليل هذا القول ثابت في السنة عند النسائي (٥٥٣)، والترمذي (٥٢٤) وصححه، وابن ماجه (١١٢٢)، وصححه ابن خزيمة (١٨٤٨) وابن حبان (١٤٨٣) والحاكم (١/ ٢٩١).","vol":"3","page":104},{"text":"بلغه من السنة بقوله: قال أبو بكر وعمر، ويقول: [٣٠/أ] يُوشِك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون (^١): قال أبو بكر وعمر (^٢). فرحم الله ابن عباس ورضي عنه، فوالله لو شاهد خلفنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله؛ قالوا: قال فلان وفلان، لمن لا يداني الصحابة ولا قريبًا من قريب.\nوإنما كانوا يدَعون أقوالهم لأقوال هؤلاء؛ لأنهم يقولون القول ويقول هؤلاء؛ فيكون الدليل معهم فيرجعون إليهم ويدعون أقوالهم، كما يفعل أهل العلم الذين هو أحب إليهم مما سواه، وهذا عكس طريقة فرقة التقليد من كل وجه، وهذا هو الجواب عن قول مسروق: ما كنتُ أدعُ قول ابن مسعود لقول أحد من الناس (^٣).\nالوجه التاسع والثلاثون: قولهم: إن النبي - ﷺ - قال: «قد سنَّ لكم معاذٌ فاتبعوه» (^٤). فعجبًا لمحتجٍّ بهذا على تقليد الرجال في دين الله، وهل صار ما\n_________\n(^١) ت، د: «تقولوا».\n(^٢) رواه أحمد (٣١٢١) من طريق شريك عن الأعمش عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير عنه به، وفي إسناده شريك النخعي متكلم فيه، وله طريقان أخريان، الأولى: عند الطبراني في «المعجم الأوسط» (٢١)، والثانية: عند ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ١٢١٠)، وابن حزم في «حجة الوداع» (ص ٣٥٣).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":105},{"text":"سنَّه معاذ سنةً إلا بقوله - ﷺ -: «فاتبعوه»، كما صار الأذان سنةً بقوله - ﷺ - وإقراره وشرعه (^١)، لا بمجرد المنام.\nفإن قيل: فما معنى الحديث؟\nقيل: معناه أن معاذًا فعل فعلًا جعله الله لكم سنة، وإنما صار سنة لنا حين أمر به النبي - ﷺ -، لا لأن معاذًا فعلَه فقط، وقد صحَّ عن معاذ أنه قال: كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلَّة عالم، وجدال منافقٍ بالقرآن؟ فأما العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينكم، وإن افْتُتِن فلا تقطعوا منه إياسَكم فإن المؤمن يُفتَتَن ثم يتوب، وأما القرآن فإنّ له منارًا كمنار الطريق لا يخفى على أحدٍ، فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدًا، وما لم تعلموه فكِلُوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليستْ بنافعتِه دنياه (^٢). فصدعَ - ﵁ - بالحق، ونهى عن التقليد في كل شيء، وأمر باتباع ظاهر القرآن، وأن لا يُبالَى بمن خالف [٣٠/ب] فيه، وأمر بالتوقُّف فيما أشكل، وهذا كلُّه خلاف طريقة المقلّدين، وبالله التوفيق.\nالوجه الأربعون: قولكم: «إن الله سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء، وطاعتُهم تقليدهم فيما يفتون به»؛ فجوابه أن أولي الأمر قد قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق: أن\n_________\n(^١) حديث رؤيا الأذان رواه عبد الله بن زيد - ﵁ -، وقد أخرجه أبو داود (٤٩٩)، والترمذي وصححه (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦)، وأحمد (١٦٤٧٧)، وصححه البخاري كما نقل البيهقي في «سننه الكبرى» (١/ ٣٩١)، وصححه ابن خزيمة (٣٧٠، ٣٧١) وابن حبان (١٦٧٩). انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (٣/ ٥١).\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":106},{"text":"الآية تتناول الطائفتين، وطاعتهم من طاعة الرسول، لكن خفي على المقلّدين أنهم إنما يُطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله ورسوله؛ فكان العلماء مبلِّغين لأمر الرسول، والأمراء منفِّذين له، فحينئذٍ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة الله ورسوله، فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله - ﷺ - وإيثارُ التقليد عليها؟\nالوجه الحادي والأربعون: أن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم، وأعظمها إبطالًا للتقليد، وذلك من وجوه:\nأحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه.\nالثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعًا لله ورسوله حتى يكون عالمًا بأمر الله ورسوله، ومن أقرَّ على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر الله ورسوله (^١) وإنما هو مقلّد فيها لأهل العلم= لم يُمكِنْه تحقيقُ طاعة الله ورسوله البتةَ.\nالثالث: أن أولي الأمر قد نَهوا عن تقليدهم، كما صحَّ ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة، وذكرناه نصًّا عن الأئمة الأربعة وغيرهم (^٢)، وحينئذٍ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبةً بطل التقليد، وإن لم تكن واجبةً بطل الاستدلال.\nالرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ\n_________\n(^١) «ومن أقر ... ورسوله» ساقطة من ع.\n(^٢) تقدم تخريجها.","vol":"3","page":107},{"text":"وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ [٣٠ مكرر/أ] بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وهذا صريح في إبطال التقليد، والمنعِ من ردِّ المتنازَعِ فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد.\nفإن قيل: فما هي طاعتهم المختصَّة بهم؟ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم.\nقيل: وهذا هو الحق، وطاعتهم إنما هي تَبَعٌ لا استقلال، ولهذا قرنَها بطاعة الرسول ولم يُعِدِ العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل، لئلّا يُتوهَّم أنه إنما يطاع تبعًا كما يطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالًا، كان ما أمر به ونهى عنه في القرآن أو لم يكن.\nالوجه الثاني والأربعون: قولهم: «إن الله ــ ﷾ ــ أثنى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وتقليدهم هو اتباعهم بإحسان»، فما أصدقَ المقدمةَ الأولى، وما أكذبَ الثانية! بل الآية من أعظم الأدلة ردًّا على فرقة التقليد؛ فإن اتباعهم هو سلوك سبيلهم ومنهاجهم، وقد نهوا عن التقليد وكون الرجل إمَّعةً، وأخبروا أنه ليس من أهل البصيرة، ولم يكن فيهم ــ ولله الحمد ــ رجل واحد على مذهب هؤلاء المقلدين، وقد أعاذهم الله وعافاهم مما ابتلى به من يردّ النصوص لآراء الرجال وتقليدها؛ فهذا ضدُّ متابعتهم، وهو نفس مخالفتهم؛ فالتابعون لهم بإحسانٍ حقًّا هم أولو العلم والبصائر، الذين لا يقدِّمون على كتاب الله وسنة رسوله رأيًا ولا قياسًا ولا معقولًا ولا قولَ أحد من العالمين، ولا يجعلون مذهب رجلٍ عِيارًا على القرآن والسنن؛ فهؤلاء أتباعهم حقًّا، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته.","vol":"3","page":108},{"text":"يوضِّحه الوجه الثالث والأربعون: أن أتباعهم لو كانوا هم المقلدين الذين هم مُقرّون على أنفسهم وجميعُ أهل العلم أنهم ليسوا من أولي العلم (^١)، [٣٠ مكرر/ب] لكان سادات العلماء الدائرون مع الحجة ليسوا من أتباعهم، والجهّال أسعدُ بأتباعهم منهم، وهذا عين المحال، بل من خالف واحدًا منهم للحجة فهو المتبع له، دون من أخذ قوله بغير حجة، وهكذا القول في أتباع الأئمة - ﵃ -، معاذَ الله أن يكونوا هم المقلدين لهم الذين يُنزِلون آراءهم منزلة النصوص، بل يتركون لها النصوص؛ فهؤلاء ليسوا من أتباعهم، وإنما أتباعهم من كان على طريقتهم واقتفى منهاجَهم.\nولقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي (^٢) وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له. ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلّدونهم، فأتبعُ الناس لمالك ابنُ وهب وطبقته ممن يُحكِّم الحجة وينقاد للدليل أين كان، وكذلك أبو يوسف ومحمد أتبعُ لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفتهما له، وكذلك البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتبعُ له من المقلدين المحض\n_________\n(^١) ع: «أهل العلم».\n(^٢) هي المدرسة الحنبلية بدمشق، التي وقفها الشيخ عبد الوهاب بن أبي الفرج الحنبلي المتوفى سنة ٥٣٦. درَّس فيها شيخ الإسلام سنة ٦٩٥ عوضًا عن زين الدين بن المنجَّى بعد وفاته. انظر «البداية والنهاية» (١٧/ ٦٨٤، ٦٨٥) و«الدارس في تاريخ المدارس» (٢/ ٦٤، ٧٣، ٧٤).","vol":"3","page":109},{"text":"المنتسبين (^١) إليه، وعلى هذا فالوقف على أتباع الأئمة أهلِ الحجة والعلم أحقُّ به من المقلدين في نفس الأمر.\nالوجه الرابع والأربعون: قولهم: يكفي في صحة التقليد الحديثُ المشهور: «أصحابي كالنجوم، بأيِّهم اقتديتم اهتديتم» (^٢) جوابه من وجوه:\nأحدها: أن هذا الحديث قد روي من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء منها (^٣).\nقال ابن عبد البر (^٤): حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أن أبا عبد الله بن مفرِّج (^٥) حدّثهم ثنا محمد بن أيوب [٣١/أ] الصَّموت قال: قال لنا البزار: وأما ما يُروى عن النبي - ﷺ - «أصحابي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم» فهذا الكلام لا يصح عن النبي - ﷺ -.\nالثاني: أن يقال لهؤلاء المقلدين: فكيف استجزتم ترك تقليد النجوم التي يُهتدى بها وقلّدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة؟ فكان تقليد مالك\n_________\n(^١) ت: «المحض له من المنتسبين».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) انظر: «الإحكام» لابن حزم (٦/ ٨٣).\n(^٤) في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٢٤). وعنه ابن حزم في «الصادع» (ص ٥٥٩)، وفيهما بقية كلام البزار.\n(^٥) في المطبوع: «مفرح» تصحيف. وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرج القرطبي، محدث حافظ جليل صاحب مؤلفات. توفي سنة ٣٨٠. انظر «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٣٩٠).","vol":"3","page":110},{"text":"والشافعي وأبي حنيفة وأحمد آثرَ عندكم من تقليد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فما دلَّ عليه الحديث خالفتموه صريحًا، واستدللتم به على تقليد من لم يتعرض له بوجه.\nالثالث: أن هذا يوجب عليكم تقليدَ من ورَّث الجدَّ مع الإخوة (^١) منهم ومن أسقط الإخوةَ به معًا (^٢) (^٣)، وتقليدَ من قال: الحرام يمين (^٤)، ومن قال: هو طلاق (^٥)، وتقليدَ من حرَّم الجمع بين الأختين بملك اليمين (^٦) ومن أباحه (^٧)، وتقليدَ من جوّز للصائم أكل البَرَد (^٨) ومن منعَ منه، وتقليدَ من قال: تعتدُّ المتوفَّى عنها بأقصى الأجلين (^٩)، ومن قال: بوضع الحمل (^١٠)، وتقليدَ من قال: يحرم على المحرم استدامة الطِّيب (^١١)، وتقليدَ من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ت: «تبعًا». والكلمة ساقط من ع.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) كعلي - ﵁ -، وقوله مخرج عند سعيد بن منصور (١٧٢٧) وابن أبي شيبة (١٦٥٠٧).\n(^٧) كعثمان - ﵁ -، وقوله مخرج عند ابن أبي شيبة (١٦٥١٢).\n(^٨) كأبي طلحة، وفعله مخرج عند البزار (٧٤٢٧، ٧٤٢٨) وأبي يعلى (١٤٢٤) وعبد الله بن أحمد في زوائده على «المسند» (١٣٩٧١)، وقال البزار: «ولا نعلم هذا الفعل إلا عن أبي طلحة».\n(^٩) رواه البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥) عن ابن عباس - ﵄ -.\n(^١٠) رواه البخاري (٤٩١٠) عن ابن مسعود - ﵁ -.\n(^١١) كعمر - ﵁ -، وقوله رواه البخاري (٥٩١٤) عن ابن عمر - ﵄ -.","vol":"3","page":111},{"text":"أباحه (^١)، وتقليد من جوَّز بيع الدرهم بالدرهمين (^٢)، وتقليدَ من حرَّمه (^٣)، وتقليدَ من أوجب الغسل من الإكسال (^٤)،\nوتقليدَ من أسقطه (^٥)، وتقليد من ورَّث ذوي الأرحام (^٦) ومن أسقطهم (^٧)، وتقليدَ من رأى التحريم برضاع الكبير (^٨) ومن لم يره (^٩)، وتقليد من منعَ تيممَ الجنب (^١٠) ومن أوجبه (^١١)، وتقليد من رأى الطلاق الثلاث واحدةً (^١٢) ومن رآه ثلاثًا (^١٣)، وتقليد من\n_________\n(^١) كعائشة - ﵂ -، وحديثها رواه البخاري (١٥٣٩) ومسلم (١١٨٩).\n(^٢) وهو قول ابن عباس - ﵄ - رواه البخاري (٢١٧٨) ومسلم (١٥٩٦) من حديث أبي سعيد - ﵁ -، ولكن ابن عباس رجع عن قوله كما عند الحاكم وصححه (٢/ ٤٢).\n(^٣) كأبي سعيد الخدري - ﵁ -، وتقدم تخريجه.\n(^٤) منهم أبو هريرة - ﵁ -، وقوله مخرج عند عبد الرزاق (٩٤٠) وابن أبي شيبة (٩٣٧) ..\n(^٥) منهم عثمان - ﵁ -، وقوله مخرج عند البخاري (٢٩٢) ومسلم (٣٤٧).\n(^٦) منهم ابن مسعود - ﵁ -، وقوله مخرج عند عبد الرزاق (١٩١١٥)، وفي إسناده: محمد بن سالم الهمداني متكلم فيه، والشعبي لم يسمع من ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٧) منهم زيد بن ثابت - ﵁ -، وقوله مخرج عند سعيد بن منصور (٥) والبيهقي (٦/ ٢١٣).\n(^٨) منهم عائشة - ﵂ -، وقولها مخرج عند مسلم (١٤٥٤).\n(^٩) سائر أمهات المؤمنين، وقولهن عند مسلم (١٤٥٤).\n(^١٠) منهم عمر وابن مسعود - ﵄ -، وقوله مخرج عند البخاري (٣٣٨) ومسلم (٣٦٨).\n(^١١) منهم علي - ﵁ -، وقوله عند ابن أبي شيبة (١٦٧٥).\n(^١٢) منهم أبو بكر - ﵁ -، وقوله عند مسلم (١٤٧٢).\n(^١٣) منهم عمر - ﵁ -، وقوله عند مسلم (١٤٧٢).","vol":"3","page":112},{"text":"أوجب فسخَ الحج إلى العمرة (^١) ومن منع منه (^٢)، وتقليد من أباح لحوم الحُمر الأهلية (^٣) ومن منع منها (^٤)، وتقليد من رأى النقض بمسّ الذكر (^٥) ومن لم يره (^٦)، وتقليد من رأى بيعَ الأمة طلاقها (^٧) ومن لم يره (^٨)،\nوتقليد من وقف المُولِيَ عند الأجل (^٩) ومن لم يَقِفْه (^١٠)، وأضعاف أضعاف ذلك مما اختلف فيه أصحاب رسول الله - ﷺ -. فإن سوَّغتم هذا [٣١/ب] فلا تحتجُّوا لقولٍ على قول، ومذهبٍ على مذهب، بل اجعلوا الرجل مخيَّرًا في الأخذ بأي قول شاء من أقوالهم، ولا تنكروا على من خالف مذاهبكم واتبع قول أحدهم، وإن لم تسوِّغوه فأنتم أول مُبطلٍ لهذا الدليل ومخالف له، وقائل بضدّ مقتضاه، وهذا مما لا انفكاكَ لكم منه.\nالرابع: أن الاقتداء بهم هو اتباع القرآن والسنة، والقبول من كل من دعا إليهما منهم؛ فإن الاقتداء بهم يحرِّم عليكم التقليد، ويوجب الاستدلال وتحكيمَ الدليل، كما كان عليه القوم - ﵃ -، وحينئذٍ فالحديث من أقوى\n_________\n(^١) كابن عباس - ﵄ -، وقوله عند مسلم (١٢٤٤).\n(^٢) كعثمان - ﵁ -، وقوله عند مسلم (١٢٢٣).\n(^٣) كابن عباس - ﵁ -، وقوله عند البخاري (٥٥٢٩) ومسلم (١٩٣٩).\n(^٤) منهم علي - ﵁ - عند البخاري (٥١١٥) ومسلم (١٤٠٧).\n(^٥) منهم سعد بن أبي وقاص - ﵁ - عند مالك (٥٩).\n(^٦) منهم حذيفة بن اليمان - ﵄ - عند عبد الرزاق (٤٢٩).\n(^٧) وهو قول ابن مسعود - ﵁ -، وتقدم تخريجه.\n(^٨) وهو قول عمر - ﵁ -، وتقدم تخريجه ..\n(^٩) وهو المأثور عن جمع من الصحابة. انظر: السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٣٧٨).\n(^١٠) وهو قول ابن مسعود - ﵁ - عند عبد الرزاق (١١٦٤١).","vol":"3","page":113},{"text":"الحجج عليكم، وبالله التوفيق.\nالوجه الخامس والأربعون: قولكم: قال عبد الله بن مسعود: «من كان مستنًّا منكم (^١) فليستنَّ بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد» (^٢)، فهذا من أكبر الحجج عليكم من وجوه:\nفإنه نهى عن الاستنان بالأحياء، وأنتم تقلّدون الأحياء والأموات.\nالثاني: أنه عيَّن المستنَّ بهم بأنهم خير الخلق وأبرُّ الأمة وأعلمهم، وهم الصحابة - ﵃ -، وأنتم ــ معاشرَ المقلِّدين ــ لا ترون تقليدهم ولا الاستنانَ بهم، وإنما ترون تقليد فلان وفلان ممن هو (^٣) دونهم بكثير.\nالثالث: أن الاستنان بهم هو الاقتداء بهم، وهو بأن يأتي المقتدي بمثل ما أتوا به، ويفعل كما فعلوا، وهذا يُبطل قبول قول أحد بغير حجة كما كان الصحابة عليه.\nالرابع: أن ابن مسعود قد صح عنه النهيُ عن التقليد، وأن لا يكون الرجل إمَّعةً لا بصيرةَ له (^٤)؛ فعلم أن الاستنان عنده غير التقليد.\nالوجه السادس والأربعون: قولكم: قد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (^٥)، وقال:\n_________\n(^١) د: «منكم مستنًا».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ت: «هم».\n(^٤) تقدم تخريجهما.\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":114},{"text":"«اقتدُوا باللذين من بعدي» (^١)، فهذا من أكبر حُججنا عليكم [٣٢/أ] في بطلان ما أنتم عليه من التقليد؛ فإنه خلاف سنتهم، ومن المعلوم بالضرورة أن أحدًا منهم لم يكن يدع السنة إذا ظهرت لقول غيره كائنًا من كان، ولم يكن له معها قول البتةَ، وطريقةُ فرقةِ التقليد خلاف ذلك.\nيوضّحه الوجه السابع والأربعون: أنه - ﷺ - قرن سنتهم بسنته (^٢) في وجوب الاتباع، والأخذُ بسنتهم ليس تقليدًا لهم، بل اتباعًا لرسول الله - ﷺ -، كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليدًا لمن رآه في المنام، والأخذ بقضاء ما فات المسبوقَ من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليدًا لمعاذ، بل اتباعًا لمن أمرنا بالأخذ بذلك، فأين التقليد الذي أنتم عليه من هذا؟\nيوضحه الوجه الثامن والأربعون: أنكم أول مخالف لهذين الحديثين؛ فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم ولا الاقتداء بهم واجبًا، وليس قولهم عندكم حجة، وقد صرَّح بعض غُلاتكم (^٣) بأنه لا يجوز تقليدهم، ويجب تقليد الشافعي، فمن العجائب احتجاجكم بشيء أنتم أشدُّ الناس خلافًا له، وبالله التوفيق.\nيوضحه الوجه التاسع والأربعون: أن الحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمرَ عند كثرة الاختلاف بسنته وسنة خلفائه، وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ت: «سنته بسنتهم».\n(^٣) سبق ذكره (ص ٩٩).","vol":"3","page":115},{"text":"الثاني: أنه حذّر من محدثات الأمور، وأخبر أن كلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ومن المعلوم بالاضطرار أنّ ما أنتم عليه من التقليد الذي تُرِك له كتاب الله وسنة رسوله، ويُعرض القرآنُ والسنة عليه، ويُجعل معيارًا عليهما= من أعظم المحدثات والبدع التي برَّأ الله سبحانه منها القرونَ الثلاثة (^١) التي فضّلها وخيّرها على غيرها.\nوبالجملة فما سنَّه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدولُ عنها، فأين هذا من قول فرقة التقليد: ليست سنتهم [٣٢/ب] حجة، ولا يجوز تقليدهم فيها؟\nيوضّحه الوجه الخمسون: أنه - ﷺ - قال في نفس هذا الحديث: «فإنه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا» (^٢)، وهذا ذمٌّ للمختلفين، وتحذيرٌ من سلوك سبيلهم، وإنما كثر الاختلاف وتفاقم أمره بسبب التقليد، وأهلُه هم الذين فرَّقوا الدين وصيّروا أهله شِيَعًا، كل فرقة تنصر متبوعها وتدعو إليه، وتذمُّ من خالفها ولا يرون العمل بقولهم، حتى كأنهم ملة أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبُهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا.\nهذا، والنبي واحد والقرآن واحد والدين واحد والرب واحد؛ فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواءٍ بينهم كلهم: أن لا يطيعوا إلا الرسول، ولا يجعلوا (^٣) معه من تكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذَ بعضهم\n_________\n(^١) «الثلاثة» ليست في ت، ع.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ت: «يجعلون».","vol":"3","page":116},{"text":"بعضًا أربابًا من دون الله. فلو اتفقت كلمتهم على ذلك، وانقاد كلٌّ منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله، وتحاكموا كلُّهم إلى السنة وآثار الصحابة= لقلَّ الاختلاف وإن لم يُعدَم من الأرض؛ ولهذا تجد أقلَّ الناس اختلافًا أهل السنة والحديث؛ فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقًا وأقلّ اختلافًا منهم لما بَنَوا على هذا الأصل، وكلما كانت الفرقةُ عن الحديث أبعدَ كان اختلافهم في أنفسهم أشدَّ وأكثر، فإن من ردَّ الحق مرِجَ عليه أمرُه واختلطَ عليه، والتبس عليه وجه الصواب، فلم يدرِ أين يذهب، كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥].\nالوجه الحادي والخمسون: قولكم: إن عمر كتب إلى شُريح: «أن اقضِ بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة (^١) رسول الله، فإن لم يكن في سنة رسول الله فبما [٣٣/أ] قضى به الصالحون» (^٢)، فهذا من أظهر الحجج عليكم على بطلان التقليد؛ فإنه أمره أن يقدِّم الحكم بالكتاب على كل (^٣) ما سواه، فإن لم يجده في الكتاب ووجده في السنة لم يلتفت إلى غيرها، فإن لم يجده في السنة قضى بما قضى به الصحابة.\nونحن نناشد الله فرقة التقليد: هل هم كذلك أو قريبًا من ذلك؟ وهل إذا نزلت بهم نازلةٌ حدَّث أحد منهم نفسَه أن يأخذ حكمها من كتاب الله ثم ينفِّذه، فإن لم يجدها في كتاب الله أخذها من سنة رسول الله، فإن لم يجدها\n_________\n(^١) ع: «فبسنة».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) «كل» ساقطة من ع.","vol":"3","page":117},{"text":"في السنة أفتى فيها بما أفتى به الصحابة (^١)؟ والله يشهد (^٢) عليهم وملائكته، وهم شاهدون على أنفسهم بأنهم إنما يأخذون حكمها من قول من قلّدوه، وإن استبان لهم في الكتاب أو السنة أو أقوال (^٣) الصحابة خلافُ ذلك لم يلتفتوا إليه، ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلَّدوه؛ فكتاب عمر من أبطل الأشياء وأكسرِها لقولهم، وهذا كان سَيْر السلف المستقيم وهَدْيهم القويم.\nفلما انتهت النوبة إلى المتأخرين ساروا عكس هذا السير، وقالوا: إذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم فعليه أن ينظر أولًا: هل فيها اختلاف (^٤) أم لا؟ فإن لم يكن فيها اختلاف لم ينظر في كتاب ولا سنة، بل يفتي ويقضي فيها بالإجماع، وإن كان فيها اختلاف اجتهد في (^٥) أقرب الأقوال إلى الدليل فأفتى به وحكم به.\nوهذا خلاف ما دلَّ عليه حديث معاذ وكتاب عمر وأقوال الصحابة، والذي دلَّ عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة أولى فإنه مقدور مأمور (^٦)، فإن عِلْم المجتهد بما دلّ عليه القرآن والسنة أسهلُ عليه بكثير من عِلْمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم. وهذا إن لم يكن متعذرًا فهو أصعب شيء وأشقُّه إلا فيما هو من لوازم الإسلام، فكيف يُحيلنا الله\n_________\n(^١) د: «الصحابة به».\n(^٢) ع: «شهيد».\n(^٣) «أقوال» ليست في د.\n(^٤) ع: «خلاف».\n(^٥) ت: «إلى».\n(^٦) ع: «مأمون».","vol":"3","page":118},{"text":"ورسوله على ما لا وصول لنا إليه ويترك الحوالة على [٣٣/ب] كتابه وسنة رسوله اللذين هدانا بهما، ويسّرهما لنا، وجعل لنا (^١) إلى معرفتهما طريقًا سهلة التناول من قرب؟\nثم ما يُدرِيه فلعلَّ الناس اختلفوا وهو لا يعلم، وليس عدم العلم بالنزاع علمًا بعدمه، فكيف يقدِّم عدم العلم على أصل العلم كله؟ ثم كيف يسوغ له ترك الحق المعلوم إلى أمر لا علم له به، وغايته أن يكون موهومًا، وأحسن أحواله أن يكون مشكوكًا فيه شكًّا (^٢) متساويًا أو راجحًا؟ ثم كيف يستقيم هذا على رأي من يقول: انقراض عصر المجمعين شرط في صحة الإجماع؟ فما لم ينقرض عصرهم فلمن نشأ (^٣) في زمنهم أن يخالفهم، فصاحب هذا السلوك لا يُمكِنه أن يحتجّ بالإجماع حتى يعلم أن العصر انقرض ولم ينشأ فيه مخالف لأهله؟ وهل أحال الله الأمة في الاهتداء بكتابه وسنة رسوله على ما لا سبيلَ لهم إليه ولا اطلاعَ لأفرادهم عليه؟ وترك إحالتهم على ما هو بين أظهرهم حجةٌ عليهم (^٤) باقية إلى آخر الدهر متمكّنون من الاهتداء به ومعرفة الحق منه، هذا من أمحل المحال.\nوحين نشأت هذه الطريقة تولَّد عنها معارضةُ النصوص بالإجماع المجهول، وانفتح باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلّدين إذا احتُجَّ عليه بالقرآن والسنة قال: هذا خلاف الإجماع. وهذا هو الذي أنكره\n_________\n(^١) «لنا» ساقطة من ت.\n(^٢) «شكا» ليست في ت.\n(^٣) ت، ع: «شاء».\n(^٤) «عليهم» ليست في د.","vol":"3","page":119},{"text":"أئمة الإسلام، وعابوا من كل ناحية على من ارتكبه، وكذّبوا من ادعاه؛ فقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: من ادّعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغه (^١).\nوقال في رواية المرّوذي (^٢): كيف يجوز للرجل أن يقول: [٣٤/أ] أجمعوا؟! إذا سمعتهم يقولون: «أجمعوا» فاتَّهِمْهم، لو قال: إني لم أعلم مخالفًا كان (^٣).\nوقال في رواية أبي طالب: هذا كذب، ما عِلْمُه أن الناس مجمعون؟ ولكن يقول: ما أعلمُ فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس (^٤).\nوقال في رواية أبي الحارث: لا ينبغي لأحدٍ أن يدّعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا (^٥).\nولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة، والسنة على الإجماع، وجَعْلِ الإجماع في المرتبة الثالثة، قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله (ص ٤٣٩).\n(^٢) في المطبوع: «المروزي» خطأ.\n(^٣) «العدة في أصول الفقه» (٤/ ١٠٦٠).\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) المرجع السابق\n(^٦) رواه البيهقي في «أحكام القرآن» (١/ ٢٩)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٦٣)، وللمقولة قصة.","vol":"3","page":120},{"text":"وقال في كتاب «اختلافه مع مالك» (^١): والعلم طبقات، الأولى: الكتاب والسنة الثابتة (^٢)، ثم الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة (^٣)، الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يُعلم له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلاف الصحابة، الخامسة: القياس (^٤). فقدَّم النظر في الكتاب والسنة على الإجماع، ثم أخبر أنه إنما يصير إلى الإجماع فيما لم يعلم فيه كتابًا ولا سنة، وهذا هو الحق.\nوقال أبو حاتم الرازي (^٥): العلم عندنا ما كان عن الله تعالى من كتاب ناطق ناسخٍ غير منسوخ، وما صحّت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - مما لا معارضَ له، وما جاء عن الألبّاء (^٦) من الصحابة ما اتفقوا عليه، فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم، فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين، فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم، مثل أيوب السختياني وحماد بن زيد وحماد بن سلمة (^٧) وسفيان ومالك والأوزاعي والحسن بن\n_________\n(^١) ضمن كتاب «الأم» (٨/ ٧٦٤).\n(^٢) د: «الثانية» خطأ، لأن الثانية الإجماع.\n(^٣) كذا في النسخ. وفي «الأم»: «ليس فيه كتاب ولا سنة».\n(^٤) هنا انتهى كلام الشافعي.\n(^٥) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٣٢ - ٤٣٣) ثم قال: قصد أبو حاتم إلى تسمية هؤلاء؛ لأنهم كانوا المشهورين من أئمة أهل الأثر في أعصارهم، ولهم نظراء كثيرون من أهل كل عصر أولو نظر واجتهاد، فما أجمعوا عليه فهو الحجة، ويسقط الاجتهاد مع إجماعهم، فكذلك إذا اختلفوا على قولين لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث.\n(^٦) ع: «الأولياء».\n(^٧) في د بتقديم حماد بن سلمة على حماد بن زيد.","vol":"3","page":121},{"text":"صالح، ثم ما لم يوجد عن أمثالهم فعن مثل عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن آدم وابن عيينة ووكيع بن الجراح، ومن بعدهم محمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون والحميدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي [٣٤/ب] وأبي عبيد القاسم. انتهى.\nفهذا طريقُ أهل العلم وأئمة الدين، جَعْلُ أقوال هؤلاء بدلًا عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة بمنزلة التيمم، إنما يصار إليه عند عدم الماء؛ فعَدلَ هؤلاء المتأخرون المقلّدون إلى التيمم، والماءُ بين أظهرهم أسهلُ من التيمم بكثير.\nثم حدثت (^١) بعد هؤلاء فرقة هم أعداء العلم وأهله، فقالوا: إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم نازلة لم يجزْ أن ينظر فيها في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أقوال الصحابة، بل إلى ما قال مقلَّده ومتبوعه ومَن جعله عِيارًا على القرآن والسنة؛ فما وافق قولَه أفتى به وحكم به، وما خالفه لم يجز له أن يفتي به ولا يقضي به، وإن فعل ذلك تعرَّض لعَزْله عن منصب الفتوى والحكم، واستُفْتِي عليه: ما تقول السادة الفقهاء فيمن ينتسب إلى مذهب إمام معين يقلّده دون غيره، ثم يفتي أو يحكم بخلاف مذهبه، هل يجوز له ذلك أم لا؟ وهل يقدح ذلك فيه أم لا؟ فيُنْغِض المقلِّدون رؤوسهم، ويقولون: لا يجوز له ذلك، ويقدح فيه.\nولعل القول الذي عدل إليه هو قول أبي بكر وعمر وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم؛ فيجيب هذا الذي انتصب للتوقيع\n_________\n(^١) ع: «حدث».","vol":"3","page":122},{"text":"عن الله ورسوله بأنه (^١) لا يجوز له مخالفة قول متبوعه لأقوال (^٢) من هو أعلم بالله ورسوله (^٣) منه، وإن كان مع أقوالهم كتاب الله وسنة رسوله.\nوهذا من أعظم جنايات فرقة التقليد على الدين، ولو أنهم لزموا حدَّهم ومرتبتهم وأخبروا إخبارًا مجردًا عما وجدوه من السواد في البياض من أقوال لا علم لهم بصحيحها (^٤) من باطلها لكان لهم عذرٌ مّا عند الله، ولكن هذا مبلغهم من العلم، وهذه معاداتهم لأهله وللقائمين لله بحججه، وبالله التوفيق.\nالوجه [٣٥/أ] الثاني والخمسون: قولكم: «منع عمر من بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة، وألزم بالطلاق الثلاث وتبعوه أيضًا» (^٥)، جوابه من وجوه:\nأحدها: أنهم لم يتبعوه تقليدًا له، بل أدّاهم اجتهادهم في ذلك إلى ما أدّاه إليه اجتهاده، ولم يقل أحد منهم قط: إني رأيت ذلك تقليدًا لعمر.\nالثاني: أنهم لم يتبعوه كلهم، فهذا ابن مسعود يخالفه في أمهات الأولاد، وهذا ابن عباس يخالفه في الإلزام بالطلاق الثلاث (^٦)، وإذا اختلف الصحابة وغيرهم فالحاكم هو الحجة.\n_________\n(^١) ت: «أنه».\n(^٢) ت: «ولا قول» خطأ.\n(^٣) «بأنه ... ورسوله» ساقطة من ع.\n(^٤) ت، ع: «بصحتها».\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) كما رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» (٦/ ٣٣٥) وأبو داود (٢١٩٧).","vol":"3","page":123},{"text":"الثالث: أنه ليس في اتباع قول عمر بن الخطاب في هاتين المسألتين وتقليد الصحابة لو فُرِض له في ذلك ما يسوِّغ تقليدَ من هو دونه بكثير في كل ما يقوله وترْكَ قولِ من هو مثله ومن هو فوقه وأعلم منه، فهذا من أبطل الاستدلال، وهو تعلُّقٌ ببيت العنكبوت، فقلِّدوا عمر واتركوا تقليد فلان وفلان، فأما وأنتم تصرِّحون بأن (^١) عمر لا يقلَّد وأبو حنيفة والشافعي ومالك يقلَّدون فلا يمكنكم الاستدلال بما أنتم مخالفون له، فكيف يجوز للرجل أن يحتج بما لا يقول به؟\nالوجه الثالث والخمسون: قولكم: «إن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم: خذْ ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلتُ صارت سنة» (^٢)، فأين في هذا من الإذن من عمر في تقليده والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله؟ وغاية هذا أنه تركه لئلا يقتدي به من يراه يفعل ذلك، ويقول: لولا أن هذا سنة رسول الله - ﷺ - ما فعله عمر؛ فهذا هو الذي خشيه عمر - ﵁ -، والناس مقتدون بعلمائهم شاؤوا أو أبوا، فهذا هو الواقع وإن كان الواجب فيه تفصيل.\nالوجه الرابع والخمسون: قولكم: «قد قال أُبيّ: ما اشتبه عليك فكِلْه إلى عالمه» (^٣)، [٣٥/ب] فهذا حق، وهو الواجب على من سوى الرسول؛ فإن كل أحد بعد الرسول لا بدَّ أن يشتبه عليه بعض ما جاء به، وكل من اشتبه عليه شيء وجب (^٤) عليه أن يَكِلَه إلى مَن هو أعلم منه، فإن تبين له صار عالمًا به مثله،\n_________\n(^١) ع: «أن».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) «بعد الرسول ... وجب» ساقطة من ع.","vol":"3","page":124},{"text":"وإلا وكَلَه إليه، ولم يتكلّف ما لا علم له به، فهذا هو الواجب علينا في كتاب ربنا وسنة نبينا (^١) وأقوال أصحابه، وقد جعل الله سبحانه فوق كل ذي علم عليمًا؛ فمن خفي عليه بعض الحق فوكَلَه إلى من هو أعلم منه فقد أصاب، فأيُّ شيء في هذا من الإعراض عن القرآن والسنن وآثار الصحابة، واتخاذِ رجلٍ بعينه معيارًا على ذلك، وتركِ النصوص لقوله وعرْضِها عليه، وقبولِ كل ما أفتى به وردِّ كل ما خالفه؟ وهذا الأثر نفسه من أكبر الحجج على بطلان التقليد، فإن أوله: «ما استبان لك فاعمَلْ به، وما اشتبه عليك فكِلْه إلى عالمه». ونحن نناشدكم الله إذا استبانت (^٢) لكم السنة هل تتركون قولَ من قلَّدتموه لها وتعملوا بها وتفتوا أو تقضوا (^٣) بموجبها، أم تتركونها وتعدِلون عنها إلى قوله وتقولون: هو أعلم بها منا؟ فأبيٌّ - ﵁ - مع سائر الصحابة على هذه الوصية، وهي مبطِلة للتقليد قطعًا، وبالله التوفيق.\nثم نقول: هل وَكَلْتم ما اشتبه عليكم من المسائل إلى عالمها من أصحاب رسول الله - ﷺ - إذ هم أعلم الأمة وأفضلها؟ بل تركتم أقوالهم وعدلتم عنها، فإن كان من قلَّدتموه ممن يوكل ذلك إليه فالصحابة أحقُّ أن يوكل ذلك إليهم.\nالوجه الخامس والخمسون: قولكم: «كان الصحابة يفتون ورسول الله - ﷺ - حيٌّ بين أظهرهم، وهذا تقليد للمستفتين (^٤) لهم»، فجوابه أن فتواهم إنما\n_________\n(^١) ع: «نبيه».\n(^٢) د: «استبان».\n(^٣) كذا الأفعال الثلاثة بدون النون في د، ت.\n(^٤) ت: «للمفتين».","vol":"3","page":125},{"text":"كانت تبليغًا عن الله ورسوله، [٣٦/أ] وكانوا بمنزلة المخبرين فقط، لم تكن فتواهم تقليدًا لرأي فلان وفلان وإن خالفت النصوص؛ فهم لم يكونوا يقلِّدون في فتواهم، ولا يفتون بغير النصوص، ولم تكن المستفتون (^١) لهم تعتمد (^٢) إلا على (^٣) ما يبلِّغونهم إياه عن نبيهم، فيقولون: أمر بكذا، وفعل كذا (^٤)، ونهى عن كذا، هكذا كانت فتواهم؛ فهي حجة على المستفتين كما هي حجة عليهم، ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدمها، والله ورسوله وسائر أهل العلم يعلمون أنهم وأن مستفتيهم لم يعملوا إلا بما علموه عن نبيهم وشاهدوه وسمعوه منه، هؤلاء بواسطة وهؤلاء بغير واسطة، ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد (^٥) من الأمة يحلّل ما حلله ويحرّم ما حرمه ويستبيح ما أباحه.\nوقد أنكر النبي - ﷺ - على من أفتى بغير السنة منهم، كما أنكر على أبي السنابل وكذَّبه (^٦) (^٧)، وأنكر على من أفتى برجم الزاني البكر (^٨)، وأنكر على\n_________\n(^١) في النسخ: «المستفتين».\n(^٢) كذا بتأنيث الفعلين (تكن، تعتمد) في النسخ، على تأويل أن الفاعل جماعة المستفتين.\n(^٣) «على» ساقطة من ت.\n(^٤) «وفعل كذا» ليست في د.\n(^٥) ع: «أحد».\n(^٦) «وكذبه» ليست في د.\n(^٧) رواه البخاري (٥٣١٨) ومسلم (١٤٨٤)، وأما التصريح بتكذيبه والإنكار عليه فمخرج عند أحمد (٤٢٧٣).\n(^٨) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":126},{"text":"من أفتى باغتسال الجريح حتى مات (^١)، وأنكر على من أفتى بغير علم كمن يفتي بما لا يعلم صحته، وأخبر أن إثم المستفتي عليه (^٢)، فإفتاء الصحابة في حياته نوعان: أحدهما: كان يبلُغه ويُقِرُّهم عليه، فهو حجة بإقراره لا بمجرد إفتائهم، الثاني: ما (^٣) كانوا يفتون به مبلِّغين له عن نبيهم فهم فيه رواة، لا مقلِّدون ولا مقلَّدون.\nالوجه السادس والخمسون: قولكم: «وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم»، جوابه من وجوه:\nأحدها: أن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي - ﷺ - في الجهاد، فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي؟\nالثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة؛ فإنه سبحانه نوَّع عبوديتهم وقيامهم بأمره [٣٦/ب] إلى نوعين: أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء، أهل الجهاد وأهل العلم؛ فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار من سمعه من رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) «ما» هنا موصولة وليست نافية.","vol":"3","page":127},{"text":"وهنا (^١) للناس في الآية قولان:\nأحدهما أن المعنى: «فهلّا نفرَ من كل فرقة طائفةٌ تتفقه وتنذر القاعدة»، فيكون المعنى في طلب العلم، وهذا قول الشافعي (^٢) وجماعة من المفسّرين، واحتجوا به على قبول خبر الواحد؛ لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدد التواتر.\nوالثاني أن المعنى: «فلولا نفر من كل فرقة طائفةٌ تجاهد لتتفقه القاعدةُ، وتُنذِر النافرةَ للجهاد إذا رجعوا إليهم، ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي» وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح (^٣)؛ لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي - ﷺ -: «وإذا استُنفِرتم فانْفِروا» (^٤). وأيضًا فإن المؤمنين عام في المقيمين مع النبي - ﷺ - والغائبين عنه، والمقيمون مرادون ولا بدَّ فإنهم سادات المؤمنين، فكيف لا يتناولهم اللفظ؟ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصًّا بالغائبين عنه فقط، والمعنى: وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم، فلولا نفر إليه من كل فرقة منهم طائفة. وهذا خلاف ظاهر لفظ المؤمنين، وإخراجٌ للفظ النفير عن مفهومه في القرآن والسنة.\nوعلى كلا القولين فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد المذموم، بل هي حجة على فساده وبطلانه؛ فإن الإنذار إنما يقوم بالحجة،\n_________\n(^١) ع: «وهناك».\n(^٢) انظر: «الرسالة» (ص ٣٦٥ - ٣٦٩).\n(^٣) انظر ترجيح هذا عند المؤلف في «بدائع الفوائد» (٤/ ١٦٣٦، ١٦٣٧). وقد ضعَّفه الطبري في «تفسيره» (١٢/ ٨٤، ٨٥).\n(^٤) رواه البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس - ﵄ -.","vol":"3","page":128},{"text":"فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، كما أن النذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير، فإن سميتم ذلك تقليدًا فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا [٣٧/أ] ننكر التقليد بهذا المعنى، فسمُّوه ما شئتم، وإنما ننكر نصْبَ رجل معين يُجعل قوله عِيارًا على القرآن والسنن؛ فما وافق قولَه منها قُبِل وما خالفه لم يُقبَل، ويقبل قوله بغير حجة، ويُردّ قول نظيره أو أعلمَ منه والحجة معه، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يعلن بإنكاره وذمه وذم أهله.\nالوجه السابع والخمسون: قولكم: «إن ابن الزبير سئل عن الجد والإخوة فقال: أما الذي قال رسول الله - ﷺ -: لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتُه خليلًا ــ يريد أبا بكر - ﵁ - ــ فإنه أنزله أبًا» (^١)، فأيّ شيء في هذا مما يدل على التقليد بوجه من الوجوه؟ وقد تقدم من الأدلة الشافية التي لا مطمع في دفعها ما يدل على أن قول الصديق في الجد أصحُّ الأقوال على الإطلاق، وابن الزبير لم يخبر بذلك تقليدًا، بل أضاف المذهب إلى الصديق لينبِّه على جلالة قائله، وأنه ممن (^٢) لا يقاس غيره به، لا لِيُقبل قوله بغير حجة وتُترك الحجة من القرآن والسنة لقوله؛ فابن الزبير وغيره من الصحابة كانوا أتقى لله، وحجج الله وبيناته أحبّ إليهم من أن يتركوها لآراء الرجال أو لقول أحدٍ كائنًا من كان. وقول ابن الزبير: «إن الصديق أنزله أبًا» (^٣) متضمن للحكم والدليل معًا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ع: «مما».\n(^٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":129},{"text":"الوجه الثامن والخمسون: قولكم: «وقد أمر الله بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له»، فلو لم يكن في آفات التقليد غيرُ هذا الاستدلال لكفى به بطلانًا، وهل قبلنا قول الشاهد إلا بنص كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع الأمة على قبول قوله؛ فإن الله سبحانه نصبه حجة يحكم الحاكم بها كما يحكم بالإقرار، وكذلك قول المقرِّ أيضًا حجة شرعية، وقبوله تقليدٌ له كما سمَّيتم قبول شهادة الشاهد تقليدًا، فسمُّوه ما شئتم فإن الله سبحانه أمرنا بالحكم بذلك، وجعله [٣٧/ب] دليلًا على الأحكام؛ فالحاكم بالشهادة والإقرار منفِّذ لأمر الله ورسوله، ولو تركنا وتقليد الشاهد لم نُلزِم به حكمًا، وقد كان النبي - ﷺ - يقضي بالشاهد (^١) وبالإقرار (^٢)، وذلك حكم بنفس ما أنزل الله لا بالتقليد؛ فالاستدلالُ بذلك على التقليد المتضمن للإعراض عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وتقديمِ آراء الرجال عليها، وتقديمِ قول الرجل على من هو أعلم منه، واطِّراحِ قول من عداه جملةً= من باب قلب الحقائق وانتكاس العقول والأفهام. وبالجملة فنحن إذا قبلنا قول الشاهد لم نقبله لمجرد كونه شهد به، بل لأن الله سبحانه أمرنا بقبول قوله، فأنتم معاشرَ المقلّدين إذا قبلتم قول من قلَّدتموه قبلتموه لمجرد كونه قاله أو لأن الله أمركم بقبول قوله وطَرْح قول من سواه؟\nالوجه التاسع والخمسون: قولكم: «وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوِّم والحاكمَينِ بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض»، أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم أو\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) كقصة ماعز وهي مخرجة عند مسلم (١٦٩٢) من حديث جابر بن سمرة - ﵄ -.","vol":"3","page":130},{"text":"تقليد لهم فيما يخبرون به؟ فإن عنيتم الأول فهو باطل، وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه، وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المخبر والشاهد، لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها (^١)، بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه، فأين قبول الأخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى؟ والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسّي طريقُ العلم به إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة، وقد أمر الله سبحانه بقبول خبر المخبر به إذا كان ظاهر الصدق والعدالة. وطَرْدُ [٣٨/أ] هذا ونظيره: قبول خبر المخبر عن رسول الله - ﷺ - بأنه قال أو فعل، وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك، وهلمَّ جرًّا؛ فهذا حق لا ينازع فيه أحد.\nوأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه فليس فيه أكثر من العلم بأن ذلك ظنه واجتهاده؛ فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه، فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوِّغ لنا أن نفتي بذلك أو نحكم به وندين الله به، ونقول: هذا هو الحق وما خالفه باطل، ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم؟\nومن هذا الباب تقليد الأعمى في القبلة (^٢) ودخول الوقت لغيره، وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذِّن حتى يقلِّد غيره في طلوع الفجر، ويقال له: أصبحتَ أصبحتَ (^٣)، وكذلك تقليد الناس للمؤذّن في دخول الوقت،\n_________\n(^١) ع: «لصحتها».\n(^٢) «في القبلة» ساقطة من ت.\n(^٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":131},{"text":"وتقليد من في المطمورة (^١) لمن يُعلِمه بأوقات الصلاة والفطر والصوم وأمثال ذلك، ومن ذلك التقليدُ في قبول الترجمة والرسالة والتعريف والتعديل والجرح. كل هذا من باب الأخبار التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلًا صادقًا، وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهديَّة (^٢) وإدخال الزوجة على زوجها، وقبول خبر المرأة ذميةً كانت أو مسلمةً في انقطاع دم حيضها لوقته (^٣) وجواز وطئها وإنكاحها بذلك، وليس هذا تقليدًا في الفتيا والحكم، وإذا كان تقليدًا لها فإن الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلِّدها فيه (^٤)، ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله، فضلًا عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدِّم قوله على قول من عداه من الأمة.\nالوجه الستون: قولكم: «وأجمعوا على جواز شراء اللُّحمان والأطعمة والثياب وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلّها اكتفاءً بتقليد أربابها»، جوابه: أن هذا ليس تقليدًا [٣٨/ب] في حكم من أحكام الله ورسوله من غير دليل، بل هو اكتفاء بقبول قول الذابح والبائع، وهو اقتداء واتباع لأمر الله ورسوله، حتى لو كان الذابح والبائع يهوديًّا أو نصرانيًّا أو فاجرًا اكتفينا بقوله في ذلك، ولم نسأله عن أسباب الحلّ، كما قالت عائشة: يا رسول الله، إن ناسًا يأتوننا باللحمان لا ندري أذَكروا اسم الله عليها أم لا، فقال: «سمُّوا أنتم\n_________\n(^١) المقصود بها هنا السجن الذي يتخذه بعض الحكام تحت الأرض.\n(^٢) أي العروس التي تُهدَى إلى زوجها.\n(^٣) د: «لوقتها».\n(^٤) «فيه» ساقطة من ت.","vol":"3","page":132},{"text":"وكلوا» (^١)، فهل يسوغ لكم تقليدُ الكفّار والفسّاق في الدين كما تقلّدونهم في الذبائح والأطعمة؟\nفدَعُوا هذه الاحتجاجات الباردة وادخلوا معنا في الأدلة الفارقة بين الحق والباطل؛ لنعقد معكم عقد الصلح اللازم على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما وترك أقوال الرجال لهما، وأن ندورَ مع الحق حيث كان، ولا نتحيَّز إلى شخص معين غير الرسول: نقبل قوله كله، ونردُّ قول من خالفه كله، وإلا فاشهدوا بأنا أول منكرٍ لهذه الطريقة وراغبٍ عنها داعٍ إلى خلافها، والله المستعان.\nالوجه الحادي والستون: قولكم: «لو كُلِّف الناس كلهم الاجتهادَ وأن يكونوا علماء ضاعت مصالح العباد، وتعطَّلت الصنائع والمتاجر، وهذا مما لا سبيلَ إليه شرعًا وقدرًا»، فجوابه من وجوه:\nأحدها: أن من رحمة الله سبحانه بنا ورأفتِه أنه لم يكلِّفنا بالتقليد، فلو كلَّفنا به لضاعت أمورنا، وفسدت مصالحنا، لأنا لم نكن ندري من نقلِّد من المفتين والفقهاء، وهم عدد فوق المئتين، ولا يدري عددهم في الحقيقة إلا الله، فإن المسلمين قد ملأوا الأرض شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، وانتشر الإسلام بحمد الله وفضله وبلغ ما بلغ الليل، فلو كلّفنا بالتقليد لوقعنا في أعظم العَنَت والفساد، ولكلّفنا بتحليل الشيء وتحريمه وإيجاب الشيء وإسقاطه معًا إن كلّفنا بتقليد كل عالم، وإن كلّفنا بتقليد الأعلم فالأعلم\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٣١٧٤)، والدارمي (٢٠١٩)، واللفظ لهما، وهو أيضًا عند البخاري بنحوه (٧٣٩٨).","vol":"3","page":133},{"text":"فمعرفة [٣٩/أ] ما دل عليه القرآن والسنن من الأحكام أسهل بكثير كثير من معرفة الأعلم الذي اجتمعت فيه شروط التقليد، ومعرفة ذلك مشقة على العالم الراسخ فضلًا عن المقلد الذي هو كالأعمى. وإن كلّفنا بتقليد البعض ــ كأنْ (^١) جعل ذلك إلى تشهِّينا واختيارنا ــ صار دين الله تبعًا لإرادتنا واختيارنا وشهواتنا، وهو عين المحال؛ فلا بدّ أن يكون ذلك راجعًا إلى من (^٢) أمر الله باتباع قوله وتلقِّي الدين من بين شفتيه، وذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله وأمينه على وحيه وحجته على خلقه، ولم يجعل الله هذا المنصب لسواه بعده أبدًا.\nالثاني: أنّ بالنظر والاستدلال صلاحَ الأمور لا ضياعها، وبإهماله وتقليد من يخطئ ويصيب إضاعتها وفسادها، كما الواقع شاهد به.\nالثالث: أن كل واحد منا مأمور بأن يصدِّق الرسول فيما أخبر به (^٣)، ويطيعه فيما أمر، وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وخبره. ولم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمة إلا ما فيه حفظُ دينها ودنياها وصلاحها في معاشها ومعادها، وبإهمال ذلك تضيع مصالحها وتفسد أمورها، فما خراب العالم إلا بالجهل، ولا عمارته إلا بالعلم، وإذا ظهر العلم في بلد أو محلّةٍ قلّ الشر في أهلها، وإذا خفي العلم هناك ظهر الشر والفساد. ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعل الله له نورًا. قال الإمام أحمد (^٤): لولا العلم كان\n_________\n(^١) في المطبوع: «وكان»، وليس في النسخ الواو.\n(^٢) «من» ساقطة من ت.\n(^٣) «به» ليست في ع.\n(^٤) حكاه الغزالي في «الإحياء» (١/ ١١) وابن الجوزي في «التبصرة» (٢/ ١٩٣) عن الحسن.","vol":"3","page":134},{"text":"الناس كالبهائم، وقال (^١): الناس أحوجُ إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلم يحتاج إليه كل وقت.\nالرابع: أن الواجب على كل عبد أن يعرف ما يخصُّه من الأحكام، ولا يجب عليه أن يعرف ما لا تدعوه الحاجة إلى معرفته، وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق ولا تعطيل لمعايشهم؛ فقد [٣٩/ب] كان الصحابة - ﵃ - قائمين بمصالحهم ومعايشهم (^٢)، وعمارة حُروثهم، والقيام على مواشيهم، والضرب في الأرض لمتاجرهم، والصفق بالأسواق (^٣)، وهم أهدى العلماء الذين لا يُشَقُّ في العلم غبارُهم.\nالخامس: أن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول دون مقدّرات الأذهان ومسائل الخرص والألغاز، وذلك بحمد الله تعالى أيسرُ شيء على النفوس تحصيله وحفظه وفهمه، فإنه كتاب الله الذي يسّره للذكر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. قال البخاري\n_________\n(^١) انظر «مسائل حرب» (ص ٣٤٣) و«طبقات الحنابلة» (١/ ١٤٦) و«الآداب الشرعية» (٢/ ٤٤). وذكره المؤلف في «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٦٤، ٢٢٦، ٣٣٢).\n(^٢) يشير إلى قول عائشة - ﵂ -: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - عمال أنفسهم» رواه البخاري (٢٠٧١).\n(^٣) يشير إلى قول أبي هريرة - ﵁ -: «وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم» رواه البخاري (١١٨) ومسلم (٢٤٩٢).","vol":"3","page":135},{"text":"في «صحيحه» (^١): قال مطر الوراق: هل من طالب علمٍ فيُعَان عليه؟ ولم يقل: فتضيع عليه مصالحه وتتعطّل عليه معايشه. وسنة رسوله ــ وهي بحمد الله تعالى مضبوطة محفوظة ــ أصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمسمائة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو الأربعة آلاف، وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة (^٢) مقدّرات الأذهان وأغلوطات المسائل والفروع والأصول، التي ما أنزل الله بها من سلطان، التي كلُّ ما لها (^٣) في نمو وزيادة وتوليد، والدين كلُّ ما له (^٤) في غربة ونقصان، والله المستعان.\nالوجه الثاني والستون: قولكم: «قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يُهدِي إليه زوجته ليلة الدخول، وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت، وتقليد المؤذّنين، وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة، وتقليد الزوجة في انقطاع دمها ووطئها وتزويجها».\nفجوابه ما تقدم أن استدلالكم بهذا من باب المغاليط، وليس هذا من التقليد المذموم على لسان السلف والخلف في شيء، ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء لكونهم أخبروا بها، بل لأن الله ورسوله أمر بقبول قولهم وجعله دليلًا على ترتُّب الأحكام؛ فإخبارهم [٤٠/أ] بمنزلة الشهادة والإقرار، فأين\n_________\n(^١) معلقًا بصيغة الجزم (٩/ ١٥٩)، ووصله الفريابي في تفسيره كما في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٧٩)، والطبري (٢٢/ ١٣١)، وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٢٠)، وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ١٠٢٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٧٦).\n(^٢) د: «المشقة والصعوبة».\n(^٣) ع: «كمالها».\n(^٤) ع: «كماله».","vol":"3","page":136},{"text":"في ذلك ما يسوِّغ التقليدَ في أحكام الدين، والإعراضَ عن القرآن والسنن، ونصْبَ رجل بعينه ميزانًا على كتاب الله وسنة رسوله؟\nالوجه الثالث والستون: قولكم: «أمر النبي - ﷺ - عقبة بن الحارث أن يقلّد المرأة التي أخبرته بأنها أرضعته وزوجته» (^١)، فيا لله العجب! فأنتم لا تقلّدونها في ذلك، ولو كانت إحدى أمهات المؤمنين، ولا تأخذون بهذا الحديث، وتتركونه تقليدًا لمن قلّدتموه دينكم، وأيُّ شيء في هذا مما يدل على التقليد في دين الله؟ وهل هذا إلا بمنزلة قبول خبر (^٢) المخبر عن أمر حسي يخبر به، وبمنزلة قبول الشاهد؟ وهل كان مفارقة عقبة لها تقليدًا لتلك الأمة أو اتباعًا لرسول الله (^٣) حيث أمره بفراقها؟ فمن بركة التقليد أنكم لا تأمرونه بفراقها، وتقولون: هي زوجتك حلال وطؤها، وأما نحن فمن حقوق الدليل علينا أن نأمر من وقعت له هذه الواقعة بمثل ما أمر به رسول الله - ﷺ - لعقبة بن عامر (^٤) سواء، ولا نترك الحديث تقليدًا لأحد.\nالوجه الرابع والستون: قولكم: «قد صرّح الأئمة بجواز التقليد كما قال سفيان: إذا رأيت الرجل يعمل العمل وأنت ترى غيره فلا تتَّهمْه (^٥) (^٦). وقال\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) «خبر» ليست في ت، ع.\n(^٣) ع: «لسنة رسول الله».\n(^٤) كذا في النسخ. وهو عقبة بن الحارث بن عامر. نُسِب إلى جدّه. انظر: «الإصابة» (٧/ ٢٠٢). وفي المطبوع: «عامر».\n(^٥) في هامش د والمطبوع: «فلا تنهه».\n(^٦) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":137},{"text":"محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله (^١). وقال الشافعي في غير موضع: قلتُه تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء» (^٢).\nجوابه من وجوه:\nأحدها: أنكم إن ادّعيتم أن جميع العلماء صرّحوا بجواز التقليد فدعوى باطلة، فقد ذكرنا من كلام الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في ذم التقليد وأهله والنهي عنه ما فيه كفاية، وكانوا يسمُّون المقلد الإمَّعَة ومُحقِبَ دينِه، كما قال ابن مسعود: الإمَّعة الذي (^٣) يُحقِب دينَه الرجالَ، [٤٠/ب] وكانوا يسمُّونه الأعمى الذي لا بصيرة له (^٤)، ويسمُّون المقلدين أتباعَ كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (^٥)، وكما سمّاه الشافعي حاطبَ ليل، ونهى عن تقليده وتقليد غيره (^٦)؛ فجزاه الله عن الإسلام خيرًا، لقد نصح لله ورسوله والمسلمين، ودعا إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأمر (^٧) باتباعهما دون قوله، وأمرنا بأن نعرضَ أقواله عليهما فنقبلَ منها ما وافقهما\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) «الذي» ساقطة من ع.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) تقدم تخريجه.\n(^٧) ع: «وأمرنا».","vol":"3","page":138},{"text":"ونردَّ ما خالفهما؛ فنحن نناشد المقلدين الله: هل حفظوا في ذلك وصيتَه وأطاعوه، أم عصوه وخالفوه؟ وإن ادعيتم أن من العلماء من جوَّز التقليد فكان ما رأى (^١) أن هؤلاء الذين حكيتم عنهم أنهم جوّزوا التقليد لمن هو أعلم منهم هم من أعظم الناس رغبةً عن التقليد واتباعًا للحجة ومخالفةً لمن هو أعلم منهم، فأنتم مقرُّون أن أبا حنيفة أعلم من محمد بن الحسن ومن أبي يوسف، وخلافهما له معروف، وقد صحّ عن أبي يوسف أنه قال: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (^٢).\nالثاني: أنكم منكرون أن يكون من قلّدتموه من الأئمة مقلدًا لغيره أشدَّ الإنكار، وقمتم وقعدتم في قول الشافعي: قلته تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء، واضطربتم في حمل كلامه على موافقة الاجتهاد أشد الاضطراب، وادعيتم أنه لم يقلّد زيدًا في الفرائض، وإنما اجتهد فوافق اجتهادُه اجتهادَه، ووقع الخاطر على الخاطر، حتى وافق اجتهاده في مسائل المعادة (^٣) حتى في الأكدرية، وجاء الاجتهاد حذوَ القُذَّة بالقذَّة، فكيف نصبتموه مقلدًا ههنا؟ ولكن هذا التناقض جاء من بركة التقليد، ولو اتبعتم العلم من حيث هو واقتديتم بالدليل وجعلتم الحجة إمامًا لما تناقضتم هذا التناقض [٤١/أ] وأعطيتم كلَّ ذي حق حقَّه.\n_________\n(^١) كذا في د، ع. وفي ت: «فكان ماذا». وبعدها في د والمطبوع: «الثاني». وسيأتي الثاني بعد أسطر.\n(^٢) تقدم ذكره.\n(^٣) في هامش ع: «العادة».","vol":"3","page":139},{"text":"الثالث: أن هذا من أكبر الحجج عليكم؛ فإن الشافعي قد صرَّح بتقليد عمر وعثمان وعطاء مع كونه من أئمة المجتهدين، وأنتم ــ مع إقراركم بأنكم من المقلدين ــ لا ترون تقليد واحدٍ من هؤلاء، بل إذا قال الشافعي: وقال عمر وعثمان (^١) وابن مسعود ــ فضلًا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن ــ تركتم تقليد هؤلاء وقلّدتم الشافعي، وهذا عين التناقض؛ فخالفتموه من حيث زعمتم أنكم قلّدتموه، فإن قلدتم الشافعي فقلِّدوا من قلَّده الشافعي، فإن قلتم: بل قلّدناهم فيما قلّدهم فيه الشافعي، قيل: لم يكن ذلك تقليدًا منكم لهم، بل تقليدًا له، وإلا فلو جاء عنهم خلاف قوله لم تلتفتوا إلى أحدٍ منهم.\nالرابع: أن من ذكرتم من الأئمة لم يقلِّدوا تقليدكم، ولا سوَّغوه البتَّةَ، بل غاية ما نُقِل عنهم من التقليد في مسائل يسيرة لم يظفَروا فيها بنص عن الله ورسوله، ولم يجدوا فيها سوى قولِ من هو أعلم منهم فقلَّدوه، وهذا فعلُ أهل العلم، وهو (^٢) الواجب؛ فإن التقليد إنما يباح للمضطر. وأما من عدَل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكُّنه منه إلى التقليد فهو كمن عدلَ إلى الميتة مع قدرته على المذكَّى؛ فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل إلا عند الضرورة، فجعلتم أنتم حال الضرورة رأس أموالكم.\nالوجه الخامس والستون: قولكم: «قال الشافعي: رأي الصحابة لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا (^٣)، ونحن نقول ونصدِّق: رأي الشافعي والأئمة لنا خير من\n_________\n(^١) «وعطاء ... وعثمان» ساقطة من ع.\n(^٢) «هو» ساقطة من ت.\n(^٣) تقدم توثيقه.","vol":"3","page":140},{"text":"رأينا لأنفسنا»، جوابه من وجوه:\nأحدها: أنكم أولُ مخالفٍ لقوله، ولا ترون رأيهم لكم خيرًا من رأي الأئمة لأنفسهم، بل تقولون: رأي الأئمة لأنفسهم خير لنا من رأي الصحابة لنا، فإذا جاءت الفتيا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسادات الصحابة وجاءت الفتيا عن الشافعي وأبي حنيفة [٤١/ب] ومالك تركتم ما جاء عن الصحابة وأخذتم بما أفتى به الأئمة، فهلَّا كان رأي الصحابة لكم خيرًا من رأي الأئمة لكم لو نصحتم (^١) أنفسكم.\nالثاني: أن هذا لا يوجب صحة تقليدِ مَن سوى الصحابة؛ لما خصَّهم الله به من العلم والفهم والفضل والفقه عن الله ورسولهم، وشاهدوا الوحي، والتلقي عن الرسول بلا واسطة، ونزول الوحي (^٢) بلغتهم وهي غضَّة محضة لم تُشَبْ، ومراجعتهم رسول الله - ﷺ - فيما أشكل عليهم من القرآن والسنة حتى يُجلِّيه لهم؛ فمن له هذه المزية بعدهم؟ ومن شاركهم في هذه المنزلة حتى يقلَّد كما يقلَّدون فضلًا عن وجوب تقليده وسقوط تقليدهم أو تحريمه كما صرَّح به غُلاتهم؟ وتالله إن بين علم الصحابة وعلم من قلَّدتموه من الفضل كما بينهم وبينهم في ذلك.\nقال الشافعي في «الرسالة القديمة» (^٣) بعد أن ذكرهم وذكر من\n_________\n(^١) ع: «فنصحتم» دون «لو».\n(^٢) «والتلقي ... الوحي» ساقطة من ع.\n(^٣) سبق ذكر هذا النصّ في أول الكتاب، ونسبه إلى «رسالته البغدادية» التي رواها عنه الحسن الزعفراني.","vol":"3","page":141},{"text":"تعظيمهم وفضلهم: وهم فوقنا في كل علمٍ واجتهاد وورع وعقل وأمرٍ استُدرِك به عِلمٌ (^١)، وآراؤهم لنا أحمدُ وأولى بنا من رأينا.\nقال الشافعي: وقد أثنى الله على الصحابة في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم من الفضل على لسان نبيهم ما ليس لأحد بعدهم.\nوفي «الصحيحين» (^٢) من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ -: «خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبِقُ شهادةُ أحدهم يمينَه ويمينُه شهادتَه».\nوفي «الصحيحين» (^٣) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه».\nوقال ابن مسعود: «إن الله نظر في قلوب عباده فوجد قلبَ محمدٍ خيرَ قلوب العباد، ثم نظر في قلوب الناس بعده فرأى قلوب أصحابه خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبته، وجعلهم أنصار [٤٢/أ] دينه ووزراء نبيه، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح» (^٤).\nوقد أمرنا رسول الله - ﷺ - باتباع سنة خلفائه الراشدين، وبالاقتداء\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «عليهم» مخالف لجميع النسخ.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١).\n(^٤) رواه أحمد (٣٦٠٠) وأبو داود الطيالسي (٢٤٣) والبزار (١٨١٦)، وحسنه السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٩٥٩). وانظر: «السلسلة الضعيفة» (٥٣٣).","vol":"3","page":142},{"text":"بالخليفتين (^١). وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله - ﷺ - (^٢). وشهد رسول الله - ﷺ - لابن مسعود بالعلم (^٣)، ودعا لابن عباس بأن يفقِّهه الله في الدين ويعلِّمه التأويل (^٤)، وضمَّه إليه مرةً وقال: «اللهم علِّمه الحكمة» (^٥). وناولَ عمرَ في المنام القدحَ الذي شرب منه حتى رأى الرِّيَّ يخرج من تحت أظفاره وأوَّله بالعلم (^٦)، وأخبر أن القوم إن أطاعوا أبا بكر وعمر يرشُدوا (^٧)، وأخبر أنه لو كان بعده نبيٌّ لكان عمر (^٨)، وأخبر أن الله جعل الحقَّ على لسانه وقلبه (^٩)، وقال: «رضيتُ لكم ما رضي لكم ابنُ أم عبد» (^١٠) يعني عبد الله بن مسعود. وفضائلهم ومناقبهم وما خصَّهم الله به من العلم والفضل أكثر من أن يُذكر، فهل يستوي تقليد هؤلاء وتقليد من بعدهم ممن\n_________\n(^١) تقدم تخريجهما.\n(^٢) رواه البخاري (٤٦٦) ومسلم (٢٣٨٢).\n(^٣) رواه أحمد (٣٥٩٩) وابن أبي شيبة (٣٢٤٦١)، وصححه ابن حبان (٦٥٠٤).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) رواه البخاري (٣٧٥٦) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٦) رواه البخاري (٨٢) ومسلم (٢٣٩١) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٧) رواه مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٨) رواه الترمذي (٣٦٨٦) وحسنه، ورواه أحمد أيضًا (١٧٤٠٥)، وصححه الحاكم (٣/ ٨٥). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٣٢٧).\n(^٩) رواه الترمذي وصححه (٣٦٨٢)، وأحمد (٥١٤٥)، وصححه ابن حبان (٦٨٩٥) من حديث ابن عمر - ﵄ -. وفي الباب عن معاوية وأبي هريرة وأبي ذر - ﵃ -. انظر: «مسند أحمد» ط الرسالة (٩/ ١٤٤).\n(^١٠) رواه البزار (١٩٨٦)، والطبراني في «الأوسط» (٦٨٧٩)، وصححه الحاكم (٣/ ٣١٨). انظر: «السلسلة الصحيحة» (١٢٢٥).","vol":"3","page":143},{"text":"لا يدانيهم ولا يقاربهم؟\nالثالث: أنه لم يختلف المسلمون أنه ليس قول من قلّدتموه حجة، وأكثرُ العلماء بل الذي نصَّ عليه من قلدتموه أن أقوال الصحابة حجة (^١) يجب اتباعها، ويحرم الخروج منها، كما سيأتي حكاية ألفاظ الأئمة في ذلك، وأبلغُهم فيه الشافعي، ونبيِّن أنه لا يختلف مذهبه أن قول الصحابي (^٢) حجة، ونذكر نصوصه في الجديد على ذلك إن شاء الله (^٣)، وأن من حكى عنه قولين في ذلك فإنما حكى ذلك بلازمِ قوله لا بصريحه، وإن كان قول الصحابي حجة فقبول قوله حجةً (^٤) واجب متعين، وقبول قول من سواه أحسن أحواله أن يكون سائغًا، فقياس أحد القائلين على الآخر من أفسد القياس وأبطله.\nالوجه السادس والستون: قولكم: «وقد جعل الله سبحانه في فِطَر العباد تقليدَ المتعلمين للمعلّمين والأستاذين في جميع الصنائع والعلوم ... [٤٢/ب] إلى آخره»، فجوابه أن هذا حق ولا ينكره عاقل، ولكن كيف يستلزم ذلك صحة التقليد في دين الله، وقبولَ قول المتبوع بغير حجة تُوجِب قبولَ قوله، وتقديمَ قوله على قول من هو أعلم منه، وترْكَ الحجة لقوله، وترْكَ أقوال أهل العلم جميعًا من السلف والخلف لقوله؟ فهل جعل الله ذلك (^٥)\n_________\n(^١) «حجة» ساقطة من ت.\n(^٢) ع: «أقوال الصحابة».\n(^٣) انظر (٤/ ٥٧٩) وما بعدها.\n(^٤) «حجة» ليست في ت، ع.\n(^٥) «ذلك» ليست في ع.","vol":"3","page":144},{"text":"في فطرة أحد من العالمين؟\nثم يقال: بل الذي فطر الله عليه عباده طلبُ الحجة والدليل المثبت لقول المدعي، فركز سبحانه في فِطَر الناس أنهم لا يقبلون قول من لم يقم الدليل على صحة قوله، ولأجل ذلك أقام الله سبحانه البراهينَ القاطعة والحجج الساطعة والأدلة الظاهرة والآيات الباهرة على صدق رُسله إقامةً للحجة وقطعًا للمعذرة، هذا وهم أصدقُ خلقه وأعلمهم وأبرُّهم وأكملهم، فأتوا بالآيات والحجج والبراهين مع اعتراف أممهم لهم بأنهم (^١) أصدق الناس، فكيف يُقبل قول من عداهم بغير حجة توجب قبولَ قوله؟ والله تعالى إنما أوجب قبول قولهم بعد قيام الحجة وظهور الآيات المستلزمة لصحة دعواهم؛ لِما جعل الله في فِطَر عباده من الانقياد للحجة (^٢)، وقبول قول صاحبها، وهذا أمر مشترك بين جميع أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم وبَرِّهم وفاجرهم، الانقياد للحجة وتعظيم صاحبها، وإن خالفوه عنادًا وبغيًا ولفَواتِ أغراضهم بالانقياد؛ ولقد أحسن القائل (^٣):\nأبِنْ وجهَ قول الحقِّ في قلب سامعٍ ... ودَعْه فنورُ الحقّ يَسرِي ويُشرِقُ\nسيُؤنِسُه رِفْقًا وينسى نِفارَه ... كما نسيَ التوثيقَ من هو مُطلَقُ\n\nففطرة الله وشرعته من أكبر الحجج على فرقة (^٤) التقليد.\n_________\n(^١) ع: «أنهم».\n(^٢) ت، ع: «والحجة».\n(^٣) هو ابن حزم، كما في «معجم الأدباء» (٤/ ١٦٥٩).\n(^٤) ع: «فرق».","vol":"3","page":145},{"text":"الوجه السابع والستون: قولكم: «إنه سبحانه فاوتَ بين قوى الأذهان كما فاوتَ بين قوى الأبدان، فلا يليق بحكمته وعدله أن يفرض على كل أحد معرفةَ الحق بدليله في كل مسألة ... إلى آخره»، فنحن لا ننكر ذلك، ولا [٤٣/أ] ندّعي أن الله فرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين دِقِّه وجِلِّه، وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة ومن تقدَّمهم من الصحابة والتابعين، وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله - ﷺ -، مِن نصْبِ رجلٍ واحد وجعْلِ فتاويه بمنزلة نصوص الشارع، بل تقديمها عليها، وتقديم قوله على أقوال من بعد رسول الله - ﷺ - من جميع علماء أمته، والاكتفاء بتقليده عن تلقِّي الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة، وأن يضمَّ إلى ذلك أنه لا يقول إلا بما في كتاب الله وسنة رسوله. وهذا مع تضمُّنه للشهادة بما لا يعلم الشاهد، والقول على الله بلا علم، والإخبار عمن خالفه ــ وإن كان أعلمَ منه ــ أنه غير مصيب للكتاب والسنة ومتبوعي هو المصيب، أو يقول: كلاهما مصيب للكتاب والسنة، وقد تعارضت أقوالهما، فيجعل أدلة الكتاب والسنة متعارضة متناقضة، والله ورسوله يحكم بالشيء وضدِّه في وقت (^١) واحد، ودينه تبعٌ لآراء الرجال، وليس له في نفس الأمر حكم معيَّن، فهو إما أن يسلك هذا المسلك أو يخطِّئ من خالف متبوعه، ولا بدَّ له (^٢) من واحد من الأمرين، وهذا من بركة التقليد عليه.\nإذا عُرِف هذا فنحن إنما قلنا ونقول: إن الله تعالى أوجب على العباد أن\n_________\n(^١) «وقت» ساقطة من ع.\n(^٢) «له» ليست في ع.","vol":"3","page":146},{"text":"يتَّقُوه بحسب استطاعتهم، وأصل التقوى معرفة ما يتّقَى ثم العمل به؛ فالواجب على كل عبدٍ أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله، وما خفي عليه فهو فيه أسوةَ أمثالِه ممن عدا الرسول؛ فكلُّ أحدٍ سواه قد خفي عليه بعض ما جاء به، ولم يخرجه ذلك عن كونه من أهل العلم، ولم يكلِّفه الله ما لا يطيق من معرفة الحق واتباعه.\nقال أبو عمر (^١): وليس أحد بعد رسول الله - ﷺ -[٤٣/ب] إلا وقد خفي عليه بعض أمره، فإذا أوجب الله سبحانه على كل أحد ما استطاعه وبلغَتْه قواه من معرفة الحقّ وعذَرَه فيما خفي عليه منه، فأخطأه أو قلّد فيه غيره= كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته، بخلاف ما لو فوّض إلى العباد تقليد من شاؤوا من العلماء، وأن يختار كل منهم رجلًا ينصِبه معيارًا على وحيه، ويُعرِض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مشكاة الوحي؛ فإن هذا ينافي حكمته ورحمته وإحسانه، ويؤدي إلى ضياع دينه وهجر كتابه وسنة رسوله كما وقع فيه من وقع، وبالله التوفيق.\nالوجه الثامن والستون: قولكم: «إنكم في تقليدكم بمنزلة المأموم مع الإمام والمتبوع مع التابع، والركب خلف الدليل»، جوابه: إنّا والله حولها نُدندِن (^٢)، ولكن الشأن في الإمام والدليل والمتبوع الذي فرض الله على الخلائق أن تأتم به وتتبعه وتسير خلفه، وأقسم سبحانه بعزته أن العباد لو أتوه من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لم يفتح لهم حتى يدخلوا خلفه؛\n_________\n(^١) لم أجد هذا النص في مؤلفاته الموجودة.\n(^٢) د: «ندندن حولها».","vol":"3","page":147},{"text":"فهذا لعمر الله هو إمام الخلق (^١) ودليلهم وقائدهم حقًّا. ولم يجعل الله منصب الإمامة بعده إلا لمن دعا إليه ودلَّ عليه، وأمر الناس أن يقتدوا به، ويأتمّوا به، ويسيروا خلفه، وأن لا ينصبوا لنفوسهم متبوعًا ولا إمامًا ولا دليلًا غيره، بل يكون العلماء مع الناس بمنزلة أئمة الصلاة مع المصلّين، كل واحد يصلّي طاعةً لله وامتثالًا لأمره، وهم في الجماعة متعاونون متساعدون بمنزلة الوفد مع الدليل، كلهم يحج طاعةً لله وامتثالا لأمره، لا أن (^٢) المأموم يصلي لأجل كون الإمام يصلي، بل هو يصلي صلى إمامه أو لا. بخلاف المقلّد؛ فإنه إنما ذهب إلى قول متبوعه لأنه قاله، لا لأن الرسول قاله، ولو كان كذلك لدار [٤٤/أ] مع قول الرسول أين كان ولم يكن مقلدًا. فاحتجاجهم بإمام الصلاة ودليل الحاج من أظهر الحجج عليهم.\nيوضّحه الوجه التاسع والستون: أن المأموم قد علم أن هذه الصلاة التي فرضها الله سبحانه على عباده، وأنه وإمامه في وجوبها سواء، وأن هذا البيت هو الذي فرض الله حجه على من استطاع إليه سبيلًا (^٣)، وأنه هو والدليل في هذا الفرض سواء، فهو لم يحج تقليدًا للدليل، ولم يصلِّ تقليدًا للإمام.\nوقد استأجر النبي - ﷺ - دليلًا يدلُّه على طريق المدينة لما هاجر الهجرة التي فرضها الله عليه (^٤)، وصلّى خلف عبد الرحمن بن عوف مأمومًا (^٥)،\n_________\n(^١) ع: «إمامهم».\n(^٢) ع: «لأن» خطأ.\n(^٣) «سبيلا» ليست في ع.\n(^٤) رواه البخاري (٢٢٦٣) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٥) رواه مسلم (٢٧٤) من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.","vol":"3","page":148},{"text":"والعالم يصلّي خلف مثلِه ومن هو دونه، بل خلف من ليس بعالم، وليس من تقليده في شيء.\nيوضّحه الوجه السبعون: أن المأموم يأتي بمثل ما يأتي به الإمام سواء، والركْب يأتون بمثل ما يأتي به الدليل، ولو لم يفعلا (^١) ذلك لما كان هذا متبعًا، فالمتبع للأئمة هو الذي يأتي بمثل ما أتوا به سواء، من معرفة الدليل وتقديم الحجة وتحكيمها حيث كانت ومع من كانت؛ فهذا يكون متبعًا لهم، وأما مع إعراضه عن الأصل الذي قامت عليه إمامتهم ويسلك غير سبيلهم ثم يدعي أنه مؤتمٌّ بهم فتلك أمانيُّهم، ويقال لهم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١].\nالوجه الحادي والسبعون: قولكم: «إن أصحاب رسول الله - ﷺ - فتحوا البلاد، وكان الناس حديثي عهد بالإسلام، وكانوا يفتونهم، ولم يقولوا لأحد منهم: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل»، جوابه: أنهم لم يفتوهم بآرائهم، وإنما بلَّغوهم ما قاله نبيهم وفعله وأمر به؛ فكان ما أفتوهم به هو الحكم وهو الحجة، وقالوا لهم: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل وهو الحكم؛ فإن كلام رسول الله - ﷺ - هو الحكم وهو دليل الحكم، وكذلك القرآن، وكان الناس [٤٤/ب] إذ ذاك إنما يحرِصون على معرفة ما قاله نبيهم وفعله وأمر به، وإنما تبلِّغهم الصحابة ذلك.\nفأين هذا من زمانٍ إنما يحرِص أشباه الناس فيه على ما قاله الآخِر فالآخِر، وكلما تأخَّر الرجل أخذوا كلامه وهجروا أو كادوا يهجرون كلام\n_________\n(^١) ع: «لم يفعلوا».","vol":"3","page":149},{"text":"من فوقه (^١)، حتى تجد أتباع الأئمة أشدَّ الناس هجرًا لكلامهم، وأهل كل عصر إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى فالأدنى إليهم، وكلما بعُدَ العهد ازداد كلام المتقدم هجرًا ورغبة عنه، حتى إن كتبه (^٢) لا تكاد تجد عندهم منها شيئًا بحسب تقدُّم زمانه. ولكن أين قال أصحاب رسول الله - ﷺ - للتابعين: لينصِبْ كلٌّ منكم لنفسه رجلًا يختاره ويقلّده دينه ولا يلتفت إلى غيره، ولا يتلقَّى الأحكام من الكتاب والسنة، بل من تقليد الرجال، فإذا جاءكم عن الله ورسوله شيء وعن من نصبتموه إمامًا تقلّدونه فخذوا بقوله، ودعُوا ما بلغكم عن الله ورسوله؛ فوالله لو كُشِف الغطاء لكم وحقَّت الحقائق لرأيتم نفوسكم وطريقكم مع الصحابة كما قال الأول (^٣):\nنزلُوا بمكةَ في قبائل هاشمٍ ... ونزلتُ بالبيداءِ أبعدَ منزل\n\nوكما قال الثاني (^٤):\nسارتْ مشرِّقةً وسرتُ مغرِّبًا ... شتَّانَ بين مشرِّقٍ ومغرِّب\n\nوكما قال الثالث (^٥):\n_________\n(^١) ت، ع: «من هو فوقه».\n(^٢) ع: «كتبهم».\n(^٣) البيت لعمر بن أبي ربيعة في «ديوانه» (ص ٣٢٠)، وبلا نسبة في «أمالي القالي» (١/ ٢٠٢) و«طبقات الفقهاء» للشيرازي (ص ١٢٤).\n(^٤) البيت بلا نسبة في «الوافي بالوفيات» (٦/ ٦٤) و«تاج العروس» (شرق) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٣٧٣).\n(^٥) هو عمر بن أبي ربيعة، انظر «ديوانه» (ص ٥٠٣) و«الكامل» (٢/ ٧٨٠) و«الشعر والشعراء» (٢/ ٥٦٢) و«الأغاني» (١/ ١٢٢) وغيرها.","vol":"3","page":150},{"text":"أيّها المُنْكِحُ الثّريّا سُهيلًا ... عَمْرَك الله كيفَ يلتقيانِ\nهي شاميَّةٌ إذا ما استقلَّتْ ... وسهيلٌ إذا استقلَّ يمان\nالوجه الثاني والسبعون: قولكم: «إن التقليد من لوازم الشرع والقدر، والمنكرون له مضطرون إليه، ولا بدَّ كما تقدم بيانه من الأحكام»، جوابه: أن التقليد المنكر المذموم ليس من لوازم الشرع، وإن كان من لوازم القدر، بل بطلانه وفساده من لوازم الشرع، كما عُرِف بهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها، وإنما الذي من لوازم الشرع المتابعة، [٤٥/أ] وهذه المسائل التي ذكرتم أنها من لوازم الشرع ليست تقليدًا، وإنما هي متابعة وامتثال للأمر، فإن أبيتم إلا تسميتها تقليدًا فالتقليد بهذا الاعتبار حق، وهو من الشرع، ولا يلزم من ذلك أن يكون التقليد الذي وقع النزاع فيه من الشرع، ولا من لوازمه، وإنما بطلانه من لوازمه.\nيوضّحه الوجه الثالث والسبعون: أن ما كان من لوازم الشرع فبطلان ضدّه من لوازم الشرع؛ فلو كان التقليد الذي وقع فيه النزاع من لوازم الشرع لكان بطلان الاستدلال واتباع الحجة في موضع التقليد من لوازم الشرع؛ فإنّ ثبوت أحد النقيضين يقتضي انتفاء الآخر، وصحة أحد الضدَّين يوجب بطلان الآخر. ونُحرِّره دليلًا فنقول: لو كان التقليد من الدين لم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد والاستدلال؛ لأنه يتضمن بطلانه.\nفإن قيل: كلاهما من الدين، وأحدهما أكملُ من الآخر؛ فيجوز العدول عن المفضول إلى الفاضل.\nقيل: إذا كان قد (^١) انسدَّ باب الاجتهاد عندكم وقُطِعَتْ طريقُه وصار\n_________\n(^١) «قد» ليست في ت.","vol":"3","page":151},{"text":"الغرض هو التقليد، فالعدول عنه إلى ما قد سُدَّ بابه وقُطِعت طريقه يكون عندكم معصية وفاعله آثمًا، وفي هذا من قطْعِ طريق العلم وإبطال حجج الله وبيناته وخلوِّ الأرض من قائمٍ لله بحججه ما يبطل هذا القول ويدحضه. وقد ضَمِنَ النبي - ﷺ - أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرُّهم من خذَلَهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة (^١)، وهؤلاء هم أولو العلم والمعرفة بما بعث الله به رسوله؛ فإنهم على بصيرة وبينة، بخلاف الأعمى الذي قد شهد على نفسه بأنه ليس من أولي العلم والبصائر.\nوالمقصود أن الذي هو من لوازم الشرع فالمتابعة والاقتداء، وتقديم النصوص على آراء الرجال، وتحكيم الكتاب والسنة [٤٥/ب] في كلّ ما تنازع فيه العلماء. وأما الزهد في النصوص، والاستغناء عنها بآراء الرجال، وتقديمها عليها، والإنكار على من جعل كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة نُصْبَ عينيه وعرضَ أقوال العلماء عليها ولم يتخذ من دون الله ولا رسوله وليجة= فبطلانُه من لوازم الشرع، ولا يتم الدين إلا بإنكاره وإبطاله، فهذا لون والاتباع لون، والله الموفق.\nالوجه الرابع والسبعون: قولكم: «كل حجة أثرية احتججتم بها على بطلان التقليد فأنتم مقلّدون لحملتها ورواتها، وليس بيد العالم إلا تقليد الراوي، ولا بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، ولا بيد العامي إلا تقليد العالم ... إلى آخره».\nجوابه: ما تقدَّم مرارًا من أن هذا الذي سميتموه تقليدًا هو اتباع أمر الله ورسوله، ولو كان هذا تقليدًا لكان كل عالم على وجه الأرض بعد الصحابة\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":152},{"text":"مقلّدًا، بل كان الصحابة الذين أخذوا عن نظرائهم مقلدين. ومثل هذا الاستدلال لا يصدر إلا من مشاغبٍ أو ملبِّس يقصد لَبْس الحقّ بالباطل. والمقلّد لجهله أخذ نوعًا صحيحًا من أنواع التقليد، واستدلّ به على النوع الباطل منه لوجود القدر المشترك، وغَفَل عن القدر الفارق، وهذا هو القياس الباطل المتفق على ذمه، وهو أخو هذا التقليد الباطل، كلاهما في البطلان سواء. وإذا جعل الله سبحانه خبرَ الصادق حجة وشهادة العدل حجة لم يكن متبع الحجة مقلدًا، وإن قيل: إنه مقلّد للحجة فحيَّهلا بهذا التقليد وأهله، وهل نُدندِن إلا حوله؟ والله المستعان.\nالوجه الخامس والسبعون: قولكم: «أنتم منعتم من التقليد خشيةَ وقوع المقلّد في الخطأ بأن يكون من قلَّده مخطئًا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر [٤٦/أ] والاستدلال في طلب الحق، ولا ريب أن صوابه في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من اجتهاده هو لنفسه، كمن أراد شراء سلعةٍ لا خِبرةَ له بها فإنه إذا قلّد عالمًا بتلك السلعة خبيرًا بها أمينًا ناصحًا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه».\nجوابه من وجوه:\nأحدها: أنّا منعنا التقليد طاعةً لله ورسوله، والله ورسوله منع منه، وذمّ أهله في كتابه، وأمر بتحكيمه وتحكيم رسوله وردِّ ما تنازعت فيه الأمة إليه وإلى رسوله، وأخبر أن الحكم له وحده، ونهى أن يتخذ من دونه ودون رسوله وليجة، وأمر أن يعتصم بكتابه، ونهى أن يتخذ من دونه أولياء وأربابًا يُحِلُّ من اتخذهم ما أحلُّوه ويُحرِّم ما حرَّموه، وجعل (^١) من لا علم له بما\n_________\n(^١) «وجعل» ليست في ت.","vol":"3","page":153},{"text":"أنزله على رسوله بمنزلة الأنعام، وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كانت طاعتهم طاعةً لرسوله بأن يكونوا متبعين لأمره مخبرين به، وأقسم بنفسه سبحانه أنّا لا نؤمن حتى نُحكِّم الرسول خاصة فيما شجر بيننا لا نحكِّم غيرَه، ثم لا نجد في أنفسنا حرجًا مما حكم به، كما يجده المقلدون إذا جاء حكمه خلاف قول من قلَّدوه، وأن نسلِّم لحكمه تسليمًا (^١)، كما يسلِّم المقلدون لأقوال من قلَّدوه، بل تسليمًا أعظم من تسليمهم وأكمل، والله المستعان. وذمَّ من حاكمَ إلى غير الرسول، وهذا كما أنه ثابت في حياته فهو ثابت بعد مماته، فلو كان حيًّا بين أظهرنا وتحاكمنا إلى غيره لكنّا من أهل الذم والوعيد؛ فسنته وما جاء به من الهدى ودين الحق لم يمت، وإن فُقِد من بين الأمة شخصُه الكريم فلم يُفقَد من بينها سنته ودعوته وهَدْيه، والعلم والإيمان بحمد الله مكانَهما، من ابتغاهما وجدهما.\nوقد ضمن الله سبحانه حفْظَ الذكر الذي أنزله [٤٦/ب] على رسوله؛ فلا يزال محفوظًا بحفظ الله مَحميًّا بحمايته لتقوم حجة الله على العباد قرنًا بعد قرن؛ إذ كان نبيهم آخر الأنبياء ولا نبيَّ بعده؛ فكان حفظه لدينه وما أنزله على رسوله مُغنِيًا عن رسول آخر بعد خاتم الرسل. والذي أوجبه الله سبحانه وفرضه على الصحابة من تلقِّي العلم والهدى من القرآن والسنة دون غيرهما هو بعينه واجب على من بعدهم، وهو محكم لم يُنسخ، ولا يتطرَّق إليه النسخ حتى ينسخ الله العالَم ويطوي الدنيا.\nوقد ذمّ الله تعالى من إذا دُعي إلى ما أنزل الله وإلى رسوله صدَّ وأعرض، وحذّره أن تصيبه مصيبة بإعراضه عن ذلك في قلبه ودينه ودنياه،\n_________\n(^١) «تسليما» ليست في د.","vol":"3","page":154},{"text":"وحذّر مَن خالف عن أمره واتبع غيره أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم؛ فالفتنة في قلبه، والعذاب الأليم في بدنه (^١) وروحه، وهما متلازمان؛ فمن فُتِن في قلبه بإعراضه عما جاء به ومخالفته له إلى غيره أصيب بالعذاب الأليم ولا بدَّ، وأخبر سبحانه أنه إذا قضى أمرًا على لسان رسوله لم يكن لأحد من المؤمنين أن يختار من أمره غيرَ ما قضاه، فلا خِيرَة (^٢) لمؤمنٍ بعد قضائه البتَّةَ.\nونحن نسأل المقلّدين: هل يمكن أن يخفى قضاء الله ورسوله على من قلّدتموه دينَكم في كثير من المواضع أم لا؟ فإن قالوا: «لا يمكن أن يخفى عليه ذلك» أنزلوه فوق منزلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة كلِّهم؛ فليس أحد منهم إلا وقد خفي عليه بعض ما قضى الله ورسوله به (^٣):\nفهذا الصدّيق أعلمُ الأمة به خفي عليه ميراث الجدّة، حتى أعلمه به محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة (^٤).\n_________\n(^١) د: «قلبه».\n(^٢) ت: «خير».\n(^٣) يراجع للأمثلة الآتية وغيرها: «الإحكام» لابن حزم (٦/ ٨٩) و«رفع الملام عن الأئمة الأعلام» ضمن «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٣٤ - ٢٣٨) و«الصواعق المرسلة» (٢/ ٥٤٣ - ٥٥١).\n(^٤) رواه أبو داود (٢٨٩٤) والترمذي (٢١٠١) وابن ماجه (٢٧٢٤) من طريق عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، وإسناده ضعيف؛ لأنَّ عثمان بن إسحاق بن خرشة لا يعرف بالرواية، وقبيصة بن ذؤيب لم يسمع أبا بكر الصديق، وكذا اضطرب الرواة عن الزهري في إسناده، والحديث ضعفه ابن حزم والألباني. انظر: «المحلى» (٨/ ٢٩٢) و«الإرواء» (٦/ ١٢٤) و«ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٣٩٣).","vol":"3","page":155},{"text":"وخفي عليه أن الشهيد لا ديةَ له حتى أعلمه به عمر، فرجع إلى قوله (^١).\nوخفي على عمر تيمّم الجنب فقال: لو بقي شهرًا لم يصلِّ حتى يغتسل (^٢).\nوخفي عليه دية الأصابع، فقضى في الإبهام والتي [٤٧/أ] تليها بخمس وعشرين، حتى أُخبِر أن في كتابٍ إلى عمرو بن حزم أن رسول الله - ﷺ - قضى فيها بعشرٍ عشرٍ؛ فترك قوله ورجع إليه (^٣).\nوخفي عليه شأن الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى وأبو سعيد الخدري (^٤).\nوخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي ــ وهو أعرابي من أهل البادية ــ أن رسول الله - ﷺ - أمره أن يُورِث امرأة أشْيمَ الضِّبابي من دية زوجها (^٥).\nوخفي عليه حكم إملاص المرأة حتى سأل عنه، فوجده عند المغيرة بن شعبة (^٦).\nوخفي عليه أمر المجوس في الجزية، حتى أخبره عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في قصة وفد بزاخة.\n(^٢) رواه البخاري (٣٣٨) ومسلم (٣٦٨).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١٧٦٩٨) من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب.\n(^٤) رواه البخاري (٢٠٦٢) ومسلم (٢١٥٣).\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) رواه البخاري (٦٩٠٧) ومسلم (١٦٨٩). والإملاص: إسقاط الجنين.","vol":"3","page":156},{"text":"عوف أن رسول الله - ﷺ - أخذها من مجوس هَجَر (^١).\nوخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض، فكان يردُّهن حتى يطهرن ثم يطفن، حتى بلغه عن النبي - ﷺ - خلاف ذلك، فرجع عن قوله (^٢).\nوخفي عليه التسوية بين دية الأصابع، وكان يُفاضِل بينها حتى بلغتْه السنة في التسوية، فرجع إليها (^٣).\nوخفي عليه شأن متعة الحج، وكان ينهى عنها (^٤)، حتى وقف على أن النبي - ﷺ - أمر بها، فترك قوله وأمر بها (^٥).\nوخفي عليه جواز التسمِّي بأسماء الأنبياء فنهى عنه، حتى أخبره طلحة أن النبي - ﷺ - كنّاه أبا محمد، فأمسك ولم يتمادَ على النهي (^٦)، هذا وأبو موسى ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة، ولكن لم يمرَّ بباله - ﵁ - أمرٌ هو بين يديه حتى نهى عنه.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١٥٦، ٣١٥٧).\n(^٢) رواه أبو داود (٢٠٠٤) وأحمد (١٥٤٤٠) والنسائي في الكبرى (٤١٧١) من طريق يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس به، وإسناده صحيح. انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٦/ ٢٤٦).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) رواه مسلم (١٢١٧) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٥) رواه البخاري (١٥٥٩) ومسلم (١٢٢١) من حديث أبي موسى - ﵁ -. وليس فيه أنه ترك قوله وأمر بها، بل احتج لقوله وبقي عليه.\n(^٦) رواه أحمد (١٧٨٩٦) والطبراني (٥٤٤)، وفيهما أن محمد بن طلحة أخبره أن النبي - ﷺ - سماه محمدًا.","vol":"3","page":157},{"text":"وكما خفي عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، حتى قال: والله كأنّي ما سمعتُها قطُّ قبل وقتي هذا (^١).\nوكما خفي عليه حكم الزيادة في المهر على مهور أزواج النبي - ﷺ - وبناته، حتى ذكَّرتْه تلك المرأة بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، فقال: كل أحدٍ [٤٧/ب] أفقهُ من عمر حتى النساء (^٢).\nوكما خفي عليه أمر الجد والكلالة وبعض (^٣) أبواب الربا، فتمنى أن رسول الله - ﷺ - كان عهِد إليهم فيها عهدًا (^٤).\nوكما خفي عليه يوم الحديبية أن وعد الله لنبيه وأصحابه بدخول مكة مطلقٌ لا يتعيَّن لذلك العام، حتى بيَّنه له النبي - ﷺ - (^٥).\nوكما خفي عليه جواز استدامة الطيب للمحرم وتطيبه بعد النحر وقبل\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (١٦٢٧)، وبنحوه عند البخاري (٤٤٥٤) كلاهما من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) رواه سعيد بن منصور (٥٩٨) من طريق مجالد عن الشعبي عنه به، ومجالد متكلم فيه، والشعبي لم يسمع من عمر - ﵁ -. وانظر: «الإرواء» (٦/ ٣٤٨).\n(^٣) «بعض» ليست في د.\n(^٤) رواه البخاري (٥٥٨٨) ومسلم (٣٠٣٢) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٥) رواه البخاري (٢٧٣١).","vol":"3","page":158},{"text":"طواف الإفاضة (^١) وقد صحت السنة بذلك (^٢).\nوكما خفي عليه أمر القدوم على محلِّ الطاعون أو الفرار منه، حتى أُخبِر بأن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تدخلوها، وإذا وقع وأنتم بأرضٍ فلا تخرجوا منها فرارًا منه» (^٣).\nهذا، وهو أعلم الأمة بعد الصديق على الإطلاق. وهو (^٤) كما قال ابن مسعود: لو وُضِع علم عمر في كِفّة ميزانٍ، وجُعِل علم أهل الأرض في كِفَّة، لرجَحَ علم عمر. قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعةِ أعشارِ العلم (^٥).\nوخفي على عثمان بن عفان أقلُّ مدة الحمل، حتى ذكَّره ابن عباس بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فرجع إلى ذلك (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٩١٤) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) رواه البخاري (١٥٣٩) ومسلم (١١٨٩) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) رواه البخاري (٥٧٢٨) ومسلم (٢٢١٨) من حديث أسامة بن زيد - ﵄ -.\n(^٤) «هو» ليست في ع.\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) رواه مالك بلاغًا (١١)، ووصله سعيد بن منصور (٢٠٧٥) من طريق الأعمش عن مسلم بن صبيح عن قائد ابن عباس، ولم يسم، لكنه توبع بأبي عبيد مولى عبد الرحمن عند ابن شبة في «تاريخ المدينة» (٣/ ٩٧٧) وابن منده في «التوحيد» (١٠١) من طريق ابن شهاب عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن، وإسناده صحيح. ومثل هذه القصة حصلت مع عمر، ونقل ابن عبد البر تصحيح القصتين عن عكرمة انظر: «الاستذكار» (٧/ ٤٩٢).","vol":"3","page":159},{"text":"وخفي على أبي موسى الأشعري ميراث بنت الابن مع البنت السدس، حتى ذُكِر له أن رسول الله - ﷺ - ورَّثها ذلك (^١).\nوخفي على ابن عباس تحريم لحوم الحُمُر الأهلية، حتى ذُكِر له أن رسول الله - ﷺ - حرَّمها يوم خيبر (^٢).\nوخفي على ابن مسعود حكم المفوّضة، وتردَّدوا إليه فيها شهرًا فأفتاهم برأيه، ثم بلغه النصُّ بمثل ما أفتى به (^٣).\nوهذا باب لو تتبعناه لجاء سِفْرًا كبيرًا، فنسأل حينئذٍ فرقةَ التقليد: هل يجوز أن يخفى على من قلَّدتموه بعضُ شأن رسول الله - ﷺ - كما خفي ذلك على سادات الأمة أو لا؟ فإن قالوا: «لا يخفى عليه» وقد [٤٨/أ] خفي على الصحابة مع قرب عهدهم= بلغوا في الغلوّ مبلغَ مدَّعي العصمة في الأئمة، وإن قالوا: «بل يجوز أن يخفى عليهم» وهو الواقع، وهم مراتبُ في الخفاء في القلة والكثرة= قلنا (^٤): فنحن نناشدكم الله الذي هو عند لسان كل (^٥) قائل وقلبه، إذا قضى الله ورسوله أمرًا خفي على من قلّدتموه: هل تبقى لكم الخيرةُ بين قبول قوله وردِّه، أم تنقطع خِيرتُكم وتوجبون العمل بما قضاه الله ورسوله عينًا لا يجوز سواه؟ فأعِدُّوا لهذا السؤال جوابًا، وللجواب صوابًا؛ فإن السؤال واقع، والجواب لازم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٧٣٦).\n(^٢) رواه البخاري (٤٢٢٧، ٥٥٢٩) ومسلم (١٩٣٩).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) «قلنا» ليست في د.\n(^٥) د: «كل لسان».","vol":"3","page":160},{"text":"والمقصود أن هذا هو الذي مَنَعَنا من التقليد، فأين معكم حجة واحدة تقطع العذر تسوِّغ لكم ما ارتضيتموه لأنفسكم من التقليد؟\nالوجه الثاني: أن قولكم: «صواب المقلّد في تقليده لمن هو أعلم منه أقربُ من صوابه في اجتهاده» دعوى باطلة؛ فإنه إذا قلّد من قد خالفه غيره ممن هو نظيره أو أعلم منه لم يدْرِ: على صوابٍ هو من تقليده أم على خطأ، بل هو ــ كما قال الشافعي ــ حاطبُ ليلٍ (^١)، إما أن يقع بيده عودٌ أو أفعى تلدغه. وأما إذا بذل اجتهاده في معرفة الحق فإنه بين أمرين: إما أن يظفَر به فله أجران، وإما أن يخطئه فله أجر، فهو مصيب للأجر ولا بدّ، بخلاف المقلّد المتعصب فإنه إن أصاب لم يؤجر، وإن أخطأ لم يسلَمْ من الإثم، فأين صواب الأعمى من صواب البصير الباذل جهده؟\nالوجه الثالث: أنه إنما يكون أقربَ إلى الصواب إذا عرف أن الصواب مع من قلَّده دون غيره، وحينئذٍ فلا (^٢) يكون مقلدًا له، بل متبعًا للحجة. وأما إذا لم يعرف ذلك البتَّةَ فمن أين لكم أنه أقرب إلى الصواب من باذلٍ جهدَه ومستفرغٍ وُسعَه في طلب الحق؟\nالوجه الرابع: أن الأقرب إلى الصواب عند تنازع العلماء من امتثل أمر الله فردَّ ما تنازعوا فيه إلى القرآن [٤٨/ب] والسنة، وأما من ردَّ ما تنازعوا فيه إلى قول متبوعه دون غيره فكيف يكون أقربَ إلى الصواب؟\nالوجه الخامس: أن المثال الذي مثَّلتم به من أكبر الحجج عليكم؛ فإن من أراد شراء سِلْعة أو سلوكَ طريق حين اختلف عليه اثنان أو أكثر، وكل\n_________\n(^١) سبق توثيقه.\n(^٢) ع: «لا».","vol":"3","page":161},{"text":"منهم يأمره بخلاف ما يأمره به الآخر، فإنه لا يُقدِم على تقليد واحد منهم، بل يبقى مترددًا طالبًا للصواب من أقوالهم؛ فلو أقدمَ على قبول قول أحدهم، مع مساواة الآخر له (^١) في المعرفة والنصيحة والديانة، أو كونه فوقه في ذلك= عُدَّ مخاطرًا مذمومًا، ولم يُمدَح إن أصاب. وقد جعل الله في فِطَر العقلاء في مثل هذا أن يتوقف أحدهم، ويطلب ترجيح قول المختلفين عليه من خارجٍ، حتى يستبين له الصواب، ولم يجعل في فطرهم الهَجْمَ على قبول قول واحد واطِّراحَ قول من عداه.\nالوجه السادس والسبعون: أن نقول لطائفة المقلدين: هل تسوِّغون تقليد كل عالم من السلف والخلف أو تقليد بعضهم دون بعض؟ فإن سوَّغتم تقليد الجميع كان تسويغكم لتقليد من انتميتم إلى مذهبه كتسويغكم لتقليد غيره سواء، فكيف صارت أقوال هذا العالم مذهبًا لكم تفتون وتقضون بها وقد سوّغتم من تقليد هذا ما سوّغتم من تقليد الآخر؟ فكيف صار هذا صاحب مذهبكم دون هذا؟ وكيف استجزتم أن تردُّوا أقوال هذا وتقبلوا أقوال هذا وكلاهما عالم يسوغ اتباعه؟ فإن كانت أقواله من الدين فكيف ساغ لكم دفع الدين؟ وإن لم تكن أقواله من الدين فكيف سوَّغتم تقليده؟ وهذا لا جواب لكم عنه.\nيوضّحه الوجه السابع والسبعون: أن من قلّدتموه إذا روي عنه قولان أو روايتان سوَّغتم العمل بهما، وقلتم: مجتهد له قولان؛ فيسُوغ لنا الأخذ بهذا [٤٩/أ] وهذا، وكان القولان جميعًا مذهبًا لكم، فهلّا جعلتم قول نظيره من المجتهدين بمنزلة قوله الآخر وجعلتم القولين جميعًا مذهبًا لكم، وربما كان\n_________\n(^١) «له» ليست في ت، ع.","vol":"3","page":162},{"text":"قولُ نظيره ومن هو أعلمُ منه أرجحَ من قوله الآخر وأقربَ إلى الكتاب والسنة؟\nيوضّحه الوجه الثامن والسبعون: أنكم معاشرَ المقلدين إذا قال بعض أصحابكم ممن قلّدتموه قولًا خلافَ قول المتبوع أو خرَّجه على قوله جعلتموه وجهًا، وقضيتم وأفتيتم به، وألزمتم بمقتضاه، فإذا قال الإمام الذي هو نظير متبوعكم أو فوقه قولًا يخالفه لم تلتفتوا إليه ولم تعدُّوه شيئا، ومعلوم أن واحدًا من الأئمة الذين هم نظير متبوعكم أجلُّ من جميع أصحابه من أولهم إلى آخرهم، فقدِّروا أسوأ التقادير أن يكون قوله بمنزلة وجهٍ في مذهبكم.\nفيا لله العجب! صار من أفتى أو حكم بقول واحد من مشايخ المذهب أحقَّ بالقبول ممن أفتى بقول الخلفاء الراشدين وابن مسعود وابن عباس (^١) وأبي بن كعب وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل، وهذا من بركة التقليد عليكم.\nوتمام ذلك بالوجه التاسع والسبعين: أنكم إن رمتم التخلُّص من هذه الخطّة، وقلتم (^٢): بل يسوغ تقليد بعضهم دون بعض، وقالت كل فرقة منكم: يسوغ أو يجب تقليد من قلّدناه دون غيره من الأئمة الذين هم مثله أو أعلم منه= كان أقلّ ما في ذلك معارضة (^٣) قولكم بقول الفرقة الأخرى في ضرب هذه الأقوال بعضها ببعض.\nثم يقال: ما الذي جعل متبوعكم أولى بالتقليد من متبوع الفرقة الأخرى؟ بأي كتاب أم بأية سنة؟ وهل تقطَّعت الأمة أمرَها (^٤) بينها زُبرًا\n_________\n(^١) «وابن عباس» في ع مؤخر إلى ما بعد معاذ بن جبل.\n(^٢) «وقلتم» ليست في ت.\n(^٣) «معارضة» ساقطة من ع.\n(^٤) «أمرها» ليست في ت، وفي ع: «من أمرها».","vol":"3","page":163},{"text":"وصار كل حزب بما لديهم فرحون إلا بهذا السبب؟ فكل طائفة تدعو إلى متبوعها وتَنْأَى عن غيره وتنهى عنه، وذلك يُفضي (^١) إلى التفريق بين الأمة، وجَعْلِ دين الله تابعًا للتشهّي والأغراض وعُرضةً للاضطراب والاختلاف، وهذا كله يدلّ على أن [٤٩/ب] التقليد ليس من عند الله للاختلاف الكثير الذي فيه. ويكفي في فساد هذا المذهب تناقضُ أصحابه ومعارضة أقوالهم بعضِها ببعض، ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليدَ صاحبهم وتحريمُهم تقليدَ الواحد من أكابر الصحابة كما صرّحوا به في كتبهم.\nالوجه الثمانون: أن المقلّدين حكموا على الله قدرًا وشرعًا بالحكم الباطل جِهارًا المخالفِ لما أخبر به رسوله، فأخلَوا الأرض من القائمين لله بحججه (^٢)، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة؛ فقالت طائفة: ليس لأحدٍ أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي. وهذا قول كثير من الحنفية (^٣). وقال بكر بن العلاء القُشيري المالكي: ليس لأحدٍ أن يختار بعد المائتين من الهجرة (^٤). وقال آخرون: «ليس لأحدٍ أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجرّاح وعبد الله بن المبارك (^٥). وقالت طائفة: ليس لأحدٍ أن يختار بعد الشافعي (^٦).\n_________\n(^١) د: «مفضي».\n(^٢) ت: «بحجة».\n(^٣) كما نقله ابن حزم في «الإحكام» (٤/ ١٤٦).\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) انظر المرجع السابق.\n(^٦) انظر: «الإبهاج في شرح المنهاج» للسبكي وابنه (٣/ ٢٠٦)، منسوبًا إلى إمام الحرمين.","vol":"3","page":164},{"text":"واختلف المقلّدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ويكون له وجه يفتي ويحكم به، ومن ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب: طائفة أصحاب وجوه كابن سُريج والقفّال وأبي حامد، وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه كأبي المعالي، وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات كأبي حامد وغيره.\nواختلفوا متى انسدَّ باب الاجتهاد على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، وعند هؤلاء أن الأرض قد خلتْ من قائمٍ لله بحججه (^١)، ولم يبقَ فيها من يتكلّم بالعلم، ولم يحلَّ لأحدٍ بعدُ أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منها، ولا يقضي ويفتي بما فيها حتى يعرضه على قول مقلَّده ومتبوعه، فإن [٥٠/أ] وافقه حكم به وأفتى به، وإلا ردَّه ولم يقبله.\nوهذه أقوال ــ كما ترى ــ قد بلغتْ من الفساد والبطلان والتناقض، والقولِ على الله بلا علم، وإبطالِ حججه، والزهدِ في كتابه وسنة رسوله، وتلقِّي الأحكام منهما= مبلغَها، ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ويصدِّق قول رسوله: إنه لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحججه (^٢) (^٣)، ولن تزال طائفة من أمته على محض الحق الذي بعثه به (^٤)، وأنه لا يزال يبعث على رأس كلِّ مائة سنةٍ لهذه الأمة من يجدِّد لها دينها (^٥).\n_________\n(^١) ت: «بحجة».\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) «والزهد ... بحججه» ساقطة من ع.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) رواه أبو داود (٤٢٩١)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٦٥٢٧)، والحاكم (٤/ ٥٢٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وصححه السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٢٣٨) وعزا تصحيحه إلى الحاكم، وصححه أيضًا الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥٩٩).","vol":"3","page":165},{"text":"ويكفي في فساد هذه الأقوال أن يقال لأربابها: فإذا لم يكن لأحدٍ أن يختار بعد من ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حرّمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب الله وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلّدتموه، وأوجبتم على الأمة تقليده، وحرّمتم تقليد من سواه، ورجحتموه على تقليد من سواه؟ فما الذي سوَّغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليلَ عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وحرَّم اختيارَ ما عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؟\nويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند غيرك، فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك، دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو من هو مثله من فقهاء الأمصار أو ممن جاء بعده؟ وموجَبُ هذا القول أن أشهب وابن الماجشون ومطرِّف بن عبد الله وأصبغ بن الفرج وسَحنون بن سعيد (^١) وأحمد بن المعذَّل ومن في طبقتهم من الفقهاء كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مائتين، فلما استهلَّ هلال (^٢) المحرّم من سنة إحدى ومائتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم\n_________\n(^١) ت: «سعد» خطأ.\n(^٢) «هلال» ليست في ت.","vol":"3","page":166},{"text":"في الوقت بلا مهلةٍ ما كان مطلقًا [٥٠/ب] لهم من الاختيار!\nويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزُكم الاختيارَ والاجتهاد والقول في دين الله بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم، ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفَّاظ الإسلام وأعلمِ الأمة بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم، كأحمد (^١) بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ونظرائهم، على سعة علمهم بالسنن، ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم، وتحريهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين، ودقة نظرهم، ولطف استخراجهم للدلائل. ومن قال منهم بالقياس فقياسه من أقرب القياس إلى الصواب، وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم وما منحهم الله من محبة المؤمنين لهم وتعظيم المسلمين علمائهم وعامتهم لهم.\nفإن احتجّ كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح من: تقدُّم زمانٍ، أو زهدٍ، أو ورعٍ، أو لقاءِ شيوخ وأئمة لم يلْقَهم مَن بعده، أو كثرةِ أتباعٍ لم يكونوا لغيره= أمكن الفريقَ الآخر أن يُبدوا لمتبوعهم من الترجيح بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه، وأمكن غيرَ هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعًا: نفوذ قولكم هذا إن لم تأنفوا من التناقض يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين وأعلم وأورع وأزهد وأكثر اتباعًا وأجلُّ، فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟ وهذا\n_________\n(^١) ت: «كالإمام أحمد».","vol":"3","page":167},{"text":"أبو هريرة قال البخاري: حمل العلم عنه ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع (^١). وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحابه عبد الله بن عباس، وأين في أتباع [٥١/أ] الأئمة مثلُ عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وجابر بن زيد؟ وأين في أتباعهم مثل السعيدَين (^٢) والشعبي ومسروق وعلقمة والأسود وشُريح؟ وأين في أتباعهم مثلُ نافع وسالم والقاسم وعروة وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن؟ فما الذي جعل الأئمة بأتباعهم أسعدَ من هؤلاء بأتباعهم؟ ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم، فعِظَمُهم وجلالتهم وكِبَرُهم منع المتأخرين من الاقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم وحالهم: هؤلاء كبار علينا لسنا من زَبونهم، كما صرَّحوا وشهِدوا على أنفسهم بأنّ أقدارهم تتقاصر عن تلقّي العلم من القرآن والسنة، وقالوا: لسنا أهلًا لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعَجْزِنا نحن وقصورنا، فاكتفينا بمن هو أعلم بهما منّا.\nفيقال لهم: فلِمَ تُنكرون على من اقتدى بهما وحكَّمهما وتحاكم إليهما، وعرضَ أقوال العلماء عليهما فما وافقهما قَبِلَه وما خالفهما ردَّه؟ فهَبْ أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود فلِمَ تنكرون على من وصل إليه وذاق حلاوته؟ وكيف تحجَّرتم الواسعَ من فضل الله الذي ليس على قياس عقول العالمين ولا اقتراحاتهم، وهم وإن كانوا في عصركم ونشأوا معكم وبينكم وبينهم نسبٌ قريب فالله يمنُّ على من يشاء من عباده.\n_________\n(^١) انظر: «الاستيعاب» (٤/ ١٧٧١) و«جامع الأصول» (١٢/ ٥٩١) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (٢/ ٥٦١) والإصابة (١٣/ ٤١).\n(^٢) أي سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير.","vol":"3","page":168},{"text":"وقد أنكر الله سبحانه على من ردَّ النبوة بأن الله صرَفَها عن عظماء القرى ورؤسائها وأعطاها لمن ليس كذلك، بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقد قال النبي - ﷺ -: «مَثلُ أمتي كالمطر، لا يُدرَى أولُه خير أم آخره» (^١). وقد أخبر الله سبحانه عن السابقين بأنهم ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤]، وأخبر سبحانه [٥١/ب] أنه ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ثم (^٢) أخبر أن ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].\nوقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من (^٣) مآخذهما وحجج أصحابهما وما لهم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتابٍ من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به (^٤) في غير هذا\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٨٦٩) وأحمد (١٢٣٢٧) من طريق حماد بن يحيى عن ثابت عن أنس، والحديث حسنه الترمذي، وفي الباب عن ابن عمر وابن عمرو وعمار - ﵃ -، وصححه الحافظ ابن حجر والألباني. انظر: «التمهيد» (٢٠/ ٢٥٣) و«فتح الباري» (٧/ ٦) و«السلسلة الصحيحة» (٢٢٨٦).\n(^٢) ت: «و».\n(^٣) «من» ساقطة من ع.\n(^٤) ع: «بهما».","vol":"3","page":169},{"text":"الكتاب أبدًا، وذلك بحول الله وقوته ومعونته وفتحه؛ فله الحمد والمنّة، وما كان فيه من صوابٍ فمن الله، هو المانُّ به (^١)، وما كان فيه من خطأ فمنّي ومن الشيطان، وليس الله ورسوله ودينه في شيء منه، وبالله التوفيق.\n* * * *\n_________\n(^١) «وهو المان به» ساقطة من ع.","vol":"3","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>فصل\nفي تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف (^١) النصوص وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص </span>وذكر إجماع العلماء على ذلك\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].\nوقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].\nوقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]\n_________\n(^١) ع: «خالف».","vol":"3","page":171},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].\nوقال تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ [٥٢/أ] وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. فأكّد هذا التأكيد وكرّر هذا التكرير في موضع واحد، لعظم مفسدة الحكم بغير ما أنزله، وعموم مضرَّته، وبليَّة الأمة به.\nوقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\nوأنكر تعالى على من حاجَّ في دينه بما ليس له به علم، فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦].\nونهى أن يقول أحد: هذا حلال وهذا حرام، لما لم يحرِّمه الله ورسوله نصًّا، وأخبر أن فاعل ذلك مفترٍ عليه الكذب، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.","vol":"3","page":172},{"text":"وأما السنة ففي «الصحيحين» (^١) من حديث ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته بشَريك بن سحماء عند النبي - ﷺ -، فذكر حديث اللعان، وقولَ النبي - ﷺ -: «أبصِروها؛ فإن جاءت به أكحلَ العينين سابغَ الأليتين خَدلَّجَ الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية»، فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي - ﷺ -: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن». يريد ــ والله ورسوله أعلم ــ بكتاب الله قولَه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، ويريد بالشأن ــ والله أعلم ــ أنه كان يحدُّها لمشابهة ولدها للرجل الذي رُمِيتْ به، ولكن كتاب الله [٥٢/ب] فصلَ الحكومة، وأسقط كلَّ قول وراءه، ولم يبقَ للاجتهاد بعده موقع.\nوقال الشافعي (^٢): أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى شيخ من زُهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر، فسأله عن وِلادٍ من وِلادِ الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان؛ فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله - ﷺ - قضى بالفراش.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٦٧١، ٤٧٤٧) من حديث ابن عباس، ورواه مسلم (١٤٩٦) من حديث أنس - ﵃ -.\n(^٢) في «الأم» (٢/ ١٩٢)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٠٢) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٥٠٥)، ورواه أيضًا عبد الرزاق (٩١٥٢) والحميدي (٢٤)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٣٠٦).","vol":"3","page":173},{"text":"قال الشافعي (^١): وأخبرني من لا أتَّهم (^٢) عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مَخْلد بن خُفاف قال: ابتعتُ غلامًا، فاستغللتُه، ثم ظهرتُ منه على عيب، فخاصمتُ فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي بردّه، وقضى عليَّ برد غلَّته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروحُ إليه العشيةَ فأُخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله - ﷺ - قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فعجِلتُ إلى عمر فأخبرته ما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله - ﷺ -، فقال عمر: فما أيسرَ عليَّ من قضاءٍ قضيته، اللهم إنك تعلم أني لم أرِدْ فيه إلا الحق؛ فبلغتْني فيه سنةٌ عن رسول الله - ﷺ -، فأردُّ قضاءَ عمر وأُنفذ سنةَ رسول الله - ﷺ -. فراح إليه عروة؛ فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليَّ له.\nقال الشافعي (^٣): وأخبرني من لا أتَّهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضيةٍ برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن النبي - ﷺ - بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي - ﷺ - بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال [٥٣/أ] سعد: واعجبا،\n_________\n(^١) في «الرسالة» (ص ٤٤٨، ٤٤٩)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٣٢١) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٥٠٦)، وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى تكلم فيه أكثر الحفاظ. انظر: «تهذيب الكمال» (٢/ ١٨٤)، والقصة ثابتة من غير هذا الطريق، وقد تقدم تخريج حديث «الخراج بالضمان».\n(^٢) يريد إبراهيم بن أبي يحيى. انظر: «موضح أوهام الجمع والتفريق» للخطيب (١/ ٣٧١).\n(^٣) في «الرسالة» (ص ٤٥٠). وشيخ الشافعي المبهم هو إبراهيم بن أبي يحيى.","vol":"3","page":174},{"text":"أُنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأردُّ قضاء رسول الله - ﷺ -! بل (^١) أردُّ قضاء سعد بن أم سعد وأُنفذ قضاء رسول الله - ﷺ -، فدعا سعد بكتاب القضية فشَقَّه، وقضى للمقضيِّ عليه.\nفلْيوحِشْنا المقلّدون ثم أوحشَ الله منهم.\nوقال أبو النضر هاشم بن القاسم: حدثنا محمد بن أبي راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلًا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب، فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تَنْفِر قبل أن تطهر؟ فقال عمر: لا، فقال له الثقفي: إن رسول الله - ﷺ - أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيتَ به، فقام إليه عمر يضربه بالدِّرة ويقول له: لِمَ تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله - ﷺ - (^٢). ورواه أبو داود بنحوه (^٣).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا صالح بن عبد الله ثنا سفيان بن عامر عن عتّاب بن منصور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا رأيَ لأحدٍ مع سنةٍ سنَّها رسول الله - ﷺ - (^٤).\n_________\n(^١) د: «بلى».\n(^٢) رواه البيهقي في «المدخل» (٢٥) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٥٠٧)، وفي إسناده هشام بن يحيى المخزومي لم يوثقه إلا ابن حبان.\n(^٣) رقم (٢٠٠٤) والترمذي (٩٤٦)، والحديث حسنه المنذري في «مختصر السنن» (٢/ ٤٣٠)، وابن الملقن في «تحفة المحتاج» (٢/ ١٨٧)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» - الأم (٦/ ٢٤٧).\n(^٤) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٥٠٨)، ورواه أيضًا من طريق أخرى ابن عبد البر في «الجامع» (١/ ٧٨١)، ومن طريقه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٥٣).","vol":"3","page":175},{"text":"وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانتْ له سنة عن رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعَها لقول أحدٍ (^١).\nوتواتر عنه أنه قال: إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائطَ (^٢). وصحّ عنه أنه قال: إذا رويتُ عن رسول الله - ﷺ - حديثًا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب (^٣). وصحّ عنه أنه قال: لا قول لأحدٍ مع سنة رسول الله - ﷺ - (^٤).\nوقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعد بن إياس عن ابن مسعود أن رجلًا سأله عن رجل تزوّج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلّق (^٥) امرأته ليتزوج أمها، فقال: لا بأس. فتزوّجها الرجل، وكان عبد الله على بيت المال؛ فكان يبيع [٥٣/ب] نُفَاية (^٦) بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد - ﷺ -، فقالوا: لا تحلُّ لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصلح الفضة إلا وزنًا بوزن، فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم\n_________\n(^١) انظر: «الروح» للمؤلف (٢/ ٧٣٥) والتعليق عليه.\n(^٢) انظر: «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٣٥) و«تذكرة الحفاظ» (١/ ٣٦٢) و«تاريخ الإسلام» (٥/ ١٤٦).\n(^٣) رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٥٠)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٣ - ٤٧٤) وفي «المدخل» (٢٥٠)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٣٨٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٠٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٨٧ - ٣٨٨).\n(^٤) رواه البيهقي في «المدخل» بنحوه (٢٤).\n(^٥) سقط بعدها قدر ورقتين في ع.\n(^٦) أي ما أُبعد منه لرداءته.","vol":"3","page":176},{"text":"يجده، ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيتُ به صاحبكم لا يحل، وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن الذي كنتُ أبايعكم لا يحلّ، لا تحلّ الفضة إلا وزنًا بوزن (^١).\nوفي «صحيح مسلم» (^٢) من حديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة تذاكروا المتوفَّى عنها الحامل تضع عند وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتدّ آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: تحلّ حين تضع، فقال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: قد وضعتْ سُبيعة بعد وفاة زوجها بيسيرٍ، فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تتزوّج.\nوقد تقدَّم من ذكر رجوع عمر - ﵁ - وأبي موسى وابن عباس عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية.\nوقال شدّاد بن حكيم عن زفر بن الهذيل: إنما نأخذ بالرأي ما لم يجئ الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر (^٣).\nوقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قولَ لأحدٍ مع رسول الله - ﷺ - إذا صحّ الخبر عنه (^٤). وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى له أصحاب ينتحلون مذهبه، ولم يكن مقلّدًا، بل إمامًا\n_________\n(^١) رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٤١)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٨٢)، وإسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات.\n(^٢) رقم (١٤٨٥).\n(^٣) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٥١٠).\n(^٤) رواه البيهقي في «المدخل» (٢٩).","vol":"3","page":177},{"text":"مستقلًّا كما ذكر البيهقي في «مدخله» عن يحيى بن محمد العنبري، قال: طبقات أصحاب الحديث خمسة: المالكية، والشافعية، والحنبلية، والراهوية (^١)، والخزيمية أصحاب ابن خزيمة (^٢).\nوقال الشافعي: إذا حدّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - ﷺ - فهو [٥٤/أ] ثابت، ولا يُترك لرسول الله - ﷺ - حديثٌ أبدًا، إلا حديث وُجِد عن رسول الله - ﷺ - آخر يخالفه (^٣).\nوقال في كتاب «اختلافه مع مالك» (^٤): ما كان الكتاب والسنة موجودَين فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا بإتيانهما.\nوقال الشافعي (^٥): «قال لي قائل: دُلَّني على أن عمر عمل شيئا ثم صار إلى غيره بخبرٍ نبوي، قلت له: حدثنا سفيان عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله - ﷺ - كتب إليه أن يورث امرأة الضبابي من ديته فرجع إليه عمر. وأخبرنا ابن عيينة عن عمرو وابن طاوس أن عمر قال: أذكِّر الله امرأً سمع من النبي - ﷺ - في الجنين شيئا، فقام حَمَل بن مالك بن النابغة فقال: كنتُ بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمِسْطح، فألقتْ جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله - ﷺ - بغُرَّة، فقال عمر: لو لم نسمع فيه\n_________\n(^١) ت: «الزهرية». د: «الزاهرية». وكلاهما تحريف. والراهوية نسبة إلى ابن راهويه.\n(^٢) لم أجده في المطبوع، ولعله في القسم المفقود.\n(^٣) رواه البيهقي في «المدخل» (٢٤).\n(^٤) ضمن «الأم» (٨/ ٧٦٣، ٧٦٤).\n(^٥) في «الرسالة» (ص ٤٢٥ - ٤٢٧).","vol":"3","page":178},{"text":"هذا لقضينا فيه بغير هذا، أو قال: إن كِدنا لنقضي (^١) فيه برأينا. فترك اجتهاده - ﵁ - للنص.\nوهذا هو الواجب على كل مسلم؛ إذ اجتهاد الرأي إنما يُباح للمضطر كما تُباح له الميتة والدم عند الضرورة، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].\nوكذلك القياس إنما يُصار إليه عند الضرورة.\nقال الإمام أحمد - ﵁ -: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورة، ذكره البيهقي في «مدخله» (^٢).\nوكان زيد بن ثابت لا يرى للحائض أن تَنْفِر حتى تطوف طواف الوداع، وتناظر في ذلك هو وعبد الله بن عباس، فقال له ابن عباس: إمّا لا فَسَلْ فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله - ﷺ -، فرجع زيد يضحك ويقول: [٥٤/ب] ما أراك إلا قد صدقتَ، ذكره البخاري في «صحيحه» (^٣) بنحوه.\nوقال ابن عمر: كنا نُخابِر ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافع أن رسول الله - ﷺ - نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك (^٤).\nوقال عمرو بن دينار: عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة، فقالت عائشة: طيَّبتُ رسول الله\n_________\n(^١) ت: «نقضي».\n(^٢) برقم (٢٤٨)، وفي «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٨).\n(^٣) رقم (١٧٥٨)، ورواه مسلم (١٣٢٨).\n(^٤) رواه مسلم (١٥٤٧).","vol":"3","page":179},{"text":"- ﷺ - بيدي لإحرامه قبل أن يحرم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت، وسنةُ رسول الله - ﷺ - أحقُّ (^١).\nقال الشافعي: فترك سالم قول جدّه لروايتها.\nقلت: لا كما تصنع فرقة التقليد.\nوقال الأصم: أخبرنا الربيع بن سليمان [قال: قال الشافعي]: لنعطينَّك جملةً تُغنيك إن شاء الله، لا تَدَعْ لرسول الله - ﷺ - حديثًا أبدًا، إلا أن يأتي عن رسول الله - ﷺ - خلافُه فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفتْ (^٢).\nقال الأصم: وسمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلافَ سنة رسول الله - ﷺ - فقولوا بسنة رسول الله - ﷺ - ودَعُوا ما قلت (^٣).\nوقال أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة من (^٤) رسول الله - ﷺ - خلافَ قولي فخذوا بالسنة ودَعُوا قولي، فإني أقول بها (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه بهذا السياق الشافعي «مسنده» (١/ ٢٩٩)، ورجاله كلهم ثقات، وقد سبق تخريج قول عمر، وحديث عائشة - ﵄ -.\n(^٢) رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٢). ومنه الزيادة بين المعكوفتين.\n(^٣) رواه البيهقي في «المدخل» (٢٤٩) وفي «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٢)، ومن طريقه أبو شامة في «مختصر المؤمل» (ص ٤٧)، ورواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٣٨٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٨٦).\n(^٤) ت: «من سنة».\n(^٥) رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٢ - ٤٧٣) وفي «الاحتجاج بالشافعي» (ص ٤٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٨٩).","vol":"3","page":180},{"text":"وقال أحمد بن علي بن عيسى بن ماهان الرازي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة تكلَّمتُ فيها صحّ الخبر فيها عن النبي - ﷺ - عند أهل النقل (^١) بخلاف ما قلت فأنا راجعٌ عنها في حياتي وبعد موتي (^٢).\nوقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما قلتُ وكان النبي - ﷺ - قد قال بخلاف قولي مما يصحّ فحديثُ النبي - ﷺ -[٥٥/أ] أولى، ولا تقلِّدوني (^٣).\nوقال الحاكم: سمعت الأصم يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: وروى حديثًا، فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: متى رويتُ عن رسول الله - ﷺ - حديثًا صحيحًا فلم آخذ به فأُشهِدكم أن عقلي قد ذهب، وأشار بيده على رؤوسهم (^٤).\nوقال الحميدي: سأل رجلٌ الشافعيَّ عن مسألة، فأفتاه وقال: قال رسول الله - ﷺ - كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: أرأيتَ في وسطي زُنّارًا؟ أتُراني خرجتُ من الكنيسة؟ أقول قال النبي - ﷺ - وتقول لي: أتقول بهذا؟ أروي عن النبي - ﷺ - ولا أقول به! (^٥).\n_________\n(^١) ت: «العلم».\n(^٢) رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٣).\n(^٣) رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٥١)، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٠٦)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٨٦).\n(^٤) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٥) رواه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٠٦)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٤)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٨٨).","vol":"3","page":181},{"text":"وقال الحاكم: أنبأني أبو عمرو بن (^١) السمّاك مشافهةً أن أبا سعيد الجصاص حدّثهم قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول، وسأله رجل عن مسألة فقال: رُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد الله أتقول بهذا؟ فارتعدَ الشافعي واصفرّ وحالَ لونُه، وقال: ويحَكَ، أيُّ أرضٍ تُقِلُّني وأي سماءٍ تُظِلُّني إذا رويتُ عن رسول الله - ﷺ - شيئًا فلم أقلْ به؟ نعم على الرأس والعينين، نعم على الرأس والعينين (^٢).\nقال: وسمعت الشافعي يقول: ما من أحدٍ إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله - ﷺ - وتعزُب عنه، فمهما قلتُ من قولٍ أو أصَّلتُ من أصلٍ فيه عن رسول الله - ﷺ - خلافُ ما قلت فالقول ما قال رسول الله - ﷺ -، وهو قولي، وجعل يردِّد هذا الكلام (^٣).\nوقال الربيع: قال الشافعي (^٤): لم أسمع أحدًا نسبتْه عامةٌ أو نسبَ نفسَه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله - ﷺ - والتسليم لحكمه، فإن الله لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قولُ رجل قال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تبعٌ لهما، وأنّ [٥٤/ب] فرضَ الله علينا\n_________\n(^١) د: «أبو عمرون»!\n(^٢) رواه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٠٦)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٤ - ٤٧٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٨٩).\n(^٣) رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٥).\n(^٤) في أول كتابه «جماع العلم» ضمن «الأم» (٩/ ٥). ونقله البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦).","vol":"3","page":182},{"text":"وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله - ﷺ - واحدٌ لا يختلف فيه الفرض، وواجبٌ قبول الخبر عن رسول الله - ﷺ -= إلا فرقةً (^١) سأصِفُ قولها إن شاء الله.\nقال الشافعي (^٢): ثم تفرَّق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله - ﷺ - تفرقًا متباينًا، وتفرَّق عنهم (^٣) ممن نسبته العامة إلى الفقه تفرقًا أتى بعضهم فيه أكثر من التقليد أو التحقيق (^٤) من النظر والغفلة والاستعجال بالرياسة.\nوقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح عندكم الحديث عن النبي - ﷺ - فقولوا لي حتى أذهبَ إليه (^٥).\nوقال الإمام أحمد: كان أحسنُ أمرِ الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله (^٦).\nوقال الربيع: قال الشافعي: لا نترك الحديث عن رسول الله - ﷺ - بأن\n_________\n(^١) سياق الكلام: «لم أسمع أحدًا ... يخالف ... إلّا فرقة ...».\n(^٢) الكلام متصل بما قبله.\n(^٣) في «جماع العلم»: «غيرهم».\n(^٤) كذا في النسختين. وفي «جماع العلم»: «التخفيف».\n(^٥) رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٠٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٨٥).\n(^٦) رواه البيهقي في «المدخل» (٢٥١)، وفي «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٣٨٤).","vol":"3","page":183},{"text":"يدخله (^١) القياس، ولا موضعَ للقياس لموقعِ السنة (^٢).\nقال الربيع (^٣): وقد رُوي عن النبي - ﷺ - ــ بأبي هو وأمي ــ أنه قضى في بَرْوَع بنت واشق ونكحت بغير مهر، فمات زوجها، فقضى لها بمهر نسائها؛ وقضى لها بالميراث (^٤)، فإن كان ثبت (^٥) عن النبي - ﷺ - فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحدٍ دون النبي - ﷺ -، ولا في قياسٍ، ولا شيءَ إلا طاعة الله بالتسليم له. وإن كان لا يثبت (^٦) عن النبي - ﷺ - لم يكن لأحد أن يُثبِت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه من وجه يثبت مثله، هو مرةً عن معقِل بن يسار، ومرةً عن معقِل بن سنان، ومرةً عن بعض أشجع لا يُسمَّى.\nوقال الربيع (^٧): سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة، فقال: يرفع المصلّي يديه إذا افتتح الصلاة حذوَ منكبيه، وإذا أراد أن [٥٦/أ] يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السجود. قلت له:\n_________\n(^١) في ت، د: «لا يدخله». والتصويب من مصدر التخريج.\n(^٢) رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٨).\n(^٣) انظر: «الأم» (٥/ ٧٤). ونقله البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٧٨، ٤٧٩).\n(^٤) رواه النسائي (٣٣٥٤)، والترمذي (١١٤٥) وصححه من طريق منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود. ورواه أبو داود (٢١١٤)، وابن ماجه (١٨٩١)، وصححه ابن حبان (٤٠٩٨)، والحاكم (٢/ ١٨٠)، والبيهقي (٧/ ٢٤٤) من طريق الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -. وانظر: «تنقيح التحقيق» (٤/ ٣٨٣) و«نصب الراية» (٣/ ٢٠١).\n(^٥) ت: «كانت تثبت».\n(^٦) ت: «كانت لا تثبت».\n(^٧) كما في «الأم» (٨/ ٧١٠، ٧١١).","vol":"3","page":184},{"text":"فما الحجة في ذلك؟ فقال: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي - ﷺ - مثل قولنا (^١).\nقال الربيع (^٢): فقلت: فإنا نقول: يرفع في الابتداء ثم لا يعود، قال الشافعي: أنا مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك (^٣).\nقال الشافعي (^٤): وهو ــ يعني مالكًا ــ يروي عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك. ثم خالفتم رسول الله - ﷺ - وابن عمر، فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة. وقد رويتم عنهما أنهما رفعاها في الابتداء وعند الرفع من الركوع. أفيجوز لعالمٍ أن يترك فعل النبي - ﷺ - وابن عمر لرأي نفسه أو فعْلَ النبي - ﷺ - لرأي ابن عمر، ثم القياس على قول ابن عمر، ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمر ما روى عن النبي - ﷺ -؟ فكيف لم ينْهَه بعضُ هذا عن بعض؟ أرأيتَ إذا جاز له أن يروي عن النبي - ﷺ - أن يرفع يديه في مرتين أو ثلاثًا وعن ابن عمر فيه اثنتين أنأخذ بواحدة ونترك (^٥) واحدة؟ أيجوز لغيره تركُ الذي أخذ به وأخذُ الذي ترك؟ أو يجوز لغيره ترك ما روي عن النبي - ﷺ -؟\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٣٥) ومسلم (٣٩٠).\n(^٢) الكلام متصل بما قبله.\n(^٣) رواه مالك في «الموطأ» (١/ ٧٧)، ومن طريقه أبو داود (٧٤٢).\n(^٤) الكلام متصل بما قبله.\n(^٥) في «الأم»: «ويأخذ» و«يترك» بصيغة الغائب.","vol":"3","page":185},{"text":"فقلت له (^١): فإن صاحبنا قال: فما معنى الرفع؟ قال: معناه تعظيم لله واتباع لسنة النبي - ﷺ -، ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي خالفتم فيه النبي - ﷺ - عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي - ﷺ - وابن عمر معًا، ويروي ذلك عن النبي - ﷺ - ثلاثة عشر رجلًا أو أربعة عشر رجلًا، ورُوي عن [٥٦/ب] أصحاب النبي - ﷺ - من غير وجه (^٢)، ومن تركه فقد ترك السنة (^٣).\nقلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه تارك للسنة، ونصَّ أحمد على ذلك أيضًا في إحدى الروايتين عنه.\nوقال الربيع (^٤): سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة؛ فقال: جائز، وأحبُّه، ولا أكرهه؛ لثبوت السنةِ فيه عن النبي - ﷺ -، والأخبارِ عن غير واحد من الصحابة. فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر الأخبار فيه والآثار.\nثم قال (^٥): أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال: قال عمر\n_________\n(^١) الكلام متصل بما قبله.\n(^٢) بلغ بهم المؤلف في «زاد المعاد» (١/ ٢١١) إلى ثلاثين نفسًا، وفي «رفع اليدين في الصلاة» (٧ - ٣٨) إلى ثمانية وثلاثين صحابيًّا، والكتاني في «نظم المتناثر» (ص ٨٥) إلى ثلاثة وعشرين صحابيًّا. وصنف البخاري جزءًا مفردًا في رفع اليدين.\n(^٣) انتهى النقل من كتاب «الأم».\n(^٤) في «الأم» (٨/ ٥٨٨). ونقله البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٨٤).\n(^٥) المصدر نفسه (٨/ ٥٩٠).","vol":"3","page":186},{"text":"- ﵁ -: من رمى الجمرة فقد حلّ له ما حرم عليه إلا النساء والطيب (^١). قال سالم: وقالت عائشة: طيَّبتُ رسول الله - ﷺ - بيدي. وسنة رسول الله - ﷺ - أحقُّ أن تُتبع (^٢).\nقال الشافعي (^٣): وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم، فأما ما تذهبون إليه من ترْكِ السنة وغيرها (^٤) وترْكِ ذلك الغير لرأي أنفسكم (^٥) فالعلم إذًا إليكم، تأتون منه ما شئتم وتدَعون ما شئتم.\nوقال في الكتاب القديم (^٦) رواية الزعفراني في مسألة بيع المدبّر في جواب من قال له: إن بعض أصحابك قد قال خلاف هذا، قال الشافعي: فقلت له: من تبع سنة رسول الله - ﷺ - وافقتُه، ومن غلطَ فتركَها خالفتُه، صاحبي الذي لا أفارِق اللازمُ الثابت مع رسول الله - ﷺ - وإن بعُد، والذي أفارق من لم يقل بحديث رسول الله - ﷺ - وإن قرُب.\nوقال في خطبة كتابه «إبطال الاستحسان» (^٧): الحمد لله على جميع نعمه بما هو أهله وكما ينبغي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، [٥٧/أ] وأن محمدًا عبده ورسوله، بعثه بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٤١٠)، والشافعي في «الأم» (٣/ ٣٧٦).\n(^٢) أخرجه الشافعي في «الأم» (٣/ ٣٧٦، ٣٧٧).\n(^٣) الكلام متصل بما قبله.\n(^٤) في «الأم»: «لغيرها».\n(^٥) ع: «أنفسهم».\n(^٦) ذكره البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٨٥).\n(^٧) ضمن «الأم» (٩/ ٥٧).","vol":"3","page":187},{"text":"خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فهدى بكتابه ثم على لسان نبيه - ﷺ -، ثم (^١) أنعم عليه، وأقام الحجة على خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩] وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وفرض عليهم اتباع ما أنزل إليهم وسنَّ رسول الله - ﷺ - لهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فأعلَمَ أن معصيته في ترك أمره وأمر رسوله، ولم يجعل لهم إلا اتباعه. وكذلك قال لرسول الله - ﷺ -: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] مع ما علّم الله نبيه، ثم (^٢) فرض اتباع كتابه فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. وأعلمَهم أنه أكمل لهم دينهم فقال ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nإلى أن قال (^٣): ثم منَّ عليهم بما آتاهم من العلم فأمرهم بالاقتصار عليه، وأن لا يقولوا (^٤) غيره إلا ما علّمهم، فقال لنبيه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ\n_________\n(^١) في «الأم»: «بما».\n(^٢) في «الأم»: «بما».\n(^٣) المصدر نفسه (٨/ ٥٨).\n(^٤) في «الأم»: «وأن لا يتولوا».","vol":"3","page":188},{"text":"رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال لنبيه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقال لنبيه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، ثم أنزل على نبيه أن غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، يعني ــ والله أعلم ــ ما تقدّم من ذنبه قبل الوحي وما تأخّر أن يعصِمه فلا يذنب، فعلم ما يفعل به من رضاه عنه، وأنه [٥٧/ب] أول شافعٍ ومشفَّعٍ يوم القيامة، وسيّد الخلائق، وقال لنبيه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وجاءه - ﷺ - رجل في امرأة رجل رماها بالزنا، فقال له يرجع، فأوحى الله إليه آية اللعان فلاعنَ بينهما (^١). وقال: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وقال لنبيه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣]، فحجب عن نبيه علمَ الساعة، وكان مَن عدا (^٢) ملائكة الله المقرّبين وأنبياءه المصطفين من عباد الله أقصرَ علمًا من ملائكته وأنبيائه، والله ﷿ فرض على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر شيئًا.\nوقد صنَّف الإمام أحمد - ﵁ - كتابًا في «طاعة الرسول» (^٣)، ردّ فيه\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٢٣) ومسلم (١٤٩٢) من حديث سهل بن سعد - ﵄ -.\n(^٢) في «الأم»: «من جاور».\n(^٣) ذكره ابن النديم في «الفهرست» (ص ٢٨١). وفي «طبقات الحنابلة» (٢/ ٦٥): قال صالح بن أحمد: هذا كتاب عمله أبي في مجلسه، ردًّا على من احتجَّ بظاهر القرآن وترك ما فسَّره رسول الله - ﷺ - ودلَّ على معناه. ونقل عنه أبو يعلى كثيرًا في «العدة» (١/ ١٤٣، ١٤٤، ١٤٥، ١٤٩، ٢٢٧، ٢/ ٣٤٩، ٣٥٩، ٥١٩، ٣/ ٧٢١)، وابن تيمية في «المسوّدة» (ص ١١، ١٥، ٢١، ٩٠، ١٢٢، ١٥٨).","vol":"3","page":189},{"text":"على من احتجّ بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله - ﷺ - وتَرْك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته (^١): إن الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدالّ على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصّه وعامّه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب. فكان رسول الله - ﷺ - هو المعبِّر عن كتاب الله الدالّ على معانيه، شاهدَه في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلمَ الناس برسول الله - ﷺ -، وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبِّرين عن ذلك بعد رسول الله - ﷺ -. قال جابر: ورسول الله - ﷺ - بين أظهُرنا، عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمِلَ به من شيء [٥٨/أ] عمِلنا به (^٢).\nثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول، فقال: قال جلّ ثناؤه في آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [١٣١ - ١٣٢]، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [٣٢].\nوقال في النساء: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ\n_________\n(^١) نقله ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» مختصرًا (٢/ ٦٥)، وذكره الموصلي في «مختصر الصواعق» (ص ٦١٤).\n(^٢) جزء من حديث جابر الطويل في الحج رواه مسلم (١٢١٨).","vol":"3","page":190},{"text":"بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [٦٥]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [٦٩]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [٧٩، ٨٠]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [٥٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [١٣ - ١٤]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [١٠٥].\nوقال في المائدة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [٩٢].\nوقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ (^١) وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ [٥٨/ب] رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ\n_________\n(^١) في النسخ: «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول».","vol":"3","page":191},{"text":"اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].\nوقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥١ - ٥٢]، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢].\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].","vol":"3","page":192},{"text":"وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]، فكان الحسن يقول: لا تذبحوا قبل ذبحه (^١)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ [٥٩/أ] فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥].\nوقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧]، وقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ١ - ٥]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]، وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ\n_________\n(^١) رواه الطبري (٢١/ ٣٣٦).","vol":"3","page":193},{"text":"وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩]، وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ ــ قال ابن عباس: هو جبريل (^١)، وقاله مجاهد (^٢)\nــ ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧].\nثم ذكر حديث يعلى بن أمية: طفتُ مع عمر، فلما بلغنا الركن الغربي الذي يلي الأسود جررتُ بيده ليستلم، فقال: ما شأنك؟ فقلت: ألا تستلم؟ فقال: ألم تطف مع النبي - ﷺ -؟ فقلت: بلى، قال: أفرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين؟ قلت (^٣): لا، قال: أليس لك فيه أسوة حسنة؟ قلت: بلى، قال: فانفذ عنك (^٤).\n[٥٩/ب] قال: وجعل معاوية يستلم الأركان كلَّها، فقال له ابن عباس: لِمَ تستلمُ هذين الركنين ولم يكن رسول الله - ﷺ - يستلمهما؟ فقال معاوية:\n_________\n(^١) رواه الطبري (١٢/ ٣٥٧) وابن أبي حاتم (١٠٧٦٠) وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٨/ ٢٩) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢) رواه الطبري (١٢/ ٣٥٨)، وابن أبي حاتم (١٠٧٦٢) ..\n(^٣) في النسخ: «قال». والتصويب من «المسند».\n(^٤) رواه أحمد (٢٥٣) وأبو يعلى (١٨٢) والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٢٩٧) من طريق ابن جريج حدثني سليمان بن عتيق عن عبد الله بن بابَيْه عن يعلى بن أمية به، ورواه أحمد (٣١٣) وعبد الرزاق (٨٩٤٥)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٢٩٨)، وزادوا «بعض بني يعلى» بين عبد الله بن بابيه ويعلى. وجوّد إسناده ابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ٣١٦) وقال: وجهالة ابن يعلى بن أمية لا تضر لأنهم كلهم ثقات. وقال ابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٥٠٤): وفي صحَّته نظرٌ. وانظر: «نصب الراية» (٣/ ٤٧).","vol":"3","page":194},{"text":"ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فقال معاوية: صدقتَ (^١).\nثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن وردَّها بذلك.\nوهذا فِعْل الذين يستمسكون بالمتشابه في ردّ المحكم، فإن لم يجدوا لفظا متشابهًا غير المحكم يردّونه استخرجوا من المحكم وصفًا متشابهًا وردُّوه به، فلهم طريقان في ردّ السنن؛ أحدهما: ردُّها بالمتشابه من القرآن أو من السنن، الثاني: جعلُهم المحكم متشابهًا ليعطِّلوا دلالته.\nوأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ــ كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق ــ فعكس هذه الطريق، وهي أنهم يردُّون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسِّر لهم المتشابه ويبيِّنه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدّق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره.\nولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدّة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب:\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٦٠٨) معلقًا دون قوله: «فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فقال معاوية: صدقت»، فهو عند أحمد (١٨٧٧) والطحاوي في «معاني الآثار» (٢/ ١٨٤)، وفي إسناده خصيف ضعيف.","vol":"3","page":195},{"text":"المثال الأول: ردُّ الجهمية النصوصَ المحكمة غاية الإحكام المبيَّنة بأقصى غاية البيان أن الله موصوف بصفات الكمال، من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك [٦٠/أ] والرحمة والحكمة، وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى سماء الدنيا ونحو ذلك. والعلمُ بمجيء الرسول بذلك وإخبارِه به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب فليس يقصُر عنه، فالعلم الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن الله بذلك، وفرض على الأمة تصديقَه فيه، فرضًا لا يتمُّ أصل الإيمان إلا به. فردَّ الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ومن قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، ومن قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، ثم استخرجوا من هذه النصوص المحكمة (^١) المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه.\nالمثال الثاني: ردُّهم المحكمَ المعلوم بالضرورة أن الرسل جاؤوا به من إثبات علوِّ الله على خلقه واستوائه على عرشه، بمتشابه قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] ونحو ذلك، ثم تحيَّلوا وتمحَّلوا حتى ردُّوا نصوص العلو والفوقية بمتشابهه.\n_________\n(^١) ت: «المجملة».","vol":"3","page":196},{"text":"المثال الثالث: ردُّ القدرية النصوصَ الصريحة المحكمة في قدرة الله على خلقه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، بالمتشابه من قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، و﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧]، ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة وجوهًا أُخَر أخرجوها به من قسم المحكم وأدخلوها في المتشابه.\nالمثال الرابع: ردُّ الجبرية النصوصَ المحكمة في إثبات كون العبد قادرًا مختارًا فاعلًا بمشيئته، بمتشابه قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام: ٣٩] وأمثال ذلك، ثم [٦٠/ب] استخرجوا لتلك النصوص من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يُرِدْها ما صيَّروها به متشابهة.\nالمثال الخامس: ردُّ الخوارج والمعتزلة النصوصَ الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة للعصاة وخروجهم من النار، بالمتشابه من قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] ونحو ذلك، وفعلوا فيها كفعل من ذكرنا سواء.\nالمثال السادس: ردُّ الجهمية النصوصَ المحكمة التي قد بلغت في صراحتها وصحتها إلى أعلى الدرجات في رؤية المؤمنين ربهم ﵎ في عَرَصات القيامة وفي الجنة، بالمتشابه من قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾","vol":"3","page":197},{"text":"[الأنعام: ١٠٣]، وقوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] ونحوها، ثم أحالوا المحكم متشابهًا وردُّوا الجميع.\nالمثال السابع: ردّ النصوص الصريحة الصحيحة التي تفوت العدَّ على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به، كقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقوله: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ [النمل: ٨]، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله: «ينزل ربنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا» (^١)، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: «إن ربي قد غضب [٦١/أ] اليوم غضبًا لم يغضب الله قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» (^٢)، وقوله: «إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي» الحديث (^٣)، وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص التي تزيد على الألف،\n_________\n(^١) رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":198},{"text":"فردُّوا هذا كله مع إحكامه بمتشابه قوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦].\nالمثال الثامن: ردُّ النصوص المحكمة الصريحة التي هي في غاية الصحة والكثرة على أن الرب سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة وُجودُها خيرٌ من عدمها، ودخول لام التعليل في شرعه وقدره أكثر من أن يُعدّ، فردُّوها بالمتشابه من قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ثم جعلوها كلَّها متشابهة.\nالمثال التاسع: رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على ثبوت الأسباب شرعًا وقدرًا، كقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [المؤمنون: ١٩]، وقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وقوله في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وفي القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ","vol":"3","page":199},{"text":"الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، إلى أضعاف ذلك من النصوص المثبتة للسببية.\nفردُّوا ذلك كلَّه بالمتشابه من قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧]، ﴿وَمَا رَمَيْتَ [٦١/ب] إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وقول النبي - ﷺ -: «ما أنا حَملتُكم، ولكن الله حَمَلكم» (^١) ونحو ذلك، وقوله: «إني لا أعطي أحدًا ولا أمنعه» (^٢)، وقوله للذي سأله عن العزل عن أَمته (^٣): «اعزِلْ عنها فسيأتيها ما قُدِّر لها» (^٤)، وقوله: «لا عدوى ولا طِيَرة» (^٥)، وقوله: «فمن أعدى الأولَ؟» (^٦)، وقوله: «أرأيتَ إن منعَ الله الثمرةَ» (^٧)، ولم يقل: منعها البرَدُ والآفة التي تصيب الثمار، ونحو ذلك من المتشابه الذي إنما يدلّ على أن مالك السبب وخالقه يتصرَّف فيه: بأن يسلُبه سببيتَه إن شاء، ويُبقيها عليه إن شاء، كما سلبَ النارَ قوةَ الإحراق عن الخليل، ويالله العجب! أترى من أثبت الأسباب وقال إن الله خالقها أثبت خالقًا غير الله؟\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١٣٣) ومسلم (١٦٤٩) من حديث أبي موسى - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (٣١١٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) ت: «لأمته».\n(^٤) رواه مسلم (١٤٣٩) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٥) رواه البخاري (٥٧١٧) ومسلم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة.\n(^٦) قطعة من الحديث السابق.\n(^٧) سبق تخريجه.","vol":"3","page":200},{"text":"وأما قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فغاب عنهم فقه الآية وفهمها، والآية من أكبر معجزات النبي - ﷺ -، والخطاب بها خاص لأهل بدر.\nوكذلك القبضة التي رمى بها النبي - ﷺ - فأوصلها الله سبحانه إلى جميع وجوه المشركين (^١)، وذلك خارج عن قدرته - ﷺ -، وهو الرمي الذي نفاه عنه، وأثبت له الرمي الذي هو في محلّ قدرته وهو الخَذْف، وكذلك القتل الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم، وإنما باشرته أيدي الملائكة، فكان أحدهم يشتدُّ في أثر الفارس وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك، ولو كان المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص لم يكن فرقٌ بين ذلك وبين كل قتلٍ وكل فعلٍ من شربٍ أو زنا أو سرقة أو ظلم، فإن الله خالق الجميع، وكلام الله يُنزَّه عن هذا.\nوكذلك قوله: «ما أنا حملتُكم ولكن الله حملَكم»، لم يُرد أن الله (^٢) حملهم بالقدر، وإنما كان النبي - ﷺ - متصرّفًا بأمر الله منفِّذًا له (^٣)، [٦٢/أ] فالله سبحانه أمره بحملهم فنفّذ أوامره، فكأن الله هو الذي حملهم. وهذا معنى قوله: «والله إني لا أُعطي أحدًا شيئًا ولا أمنعُه»، ولهذا قال: «وإنما أنا قاسم»،\n_________\n(^١) رواه الطبري (١١/ ٨٦) من قول ابن عباس - ﵄ -، وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث متكلم فيه، وللقصة مراسيل تقويها. انظر: «السيرة النبوية» (٢/ ٤٣١ - ٤٣٥).\n(^٢) د: «أنه».\n(^٣) «له» ليست في د.","vol":"3","page":201},{"text":"فالله سبحانه هو المعطي على لسانه، وهو يَقسِم ما يقسمه (^١) بأمره.\nوكذلك قوله في العزل: «فسيأتيها ما قُدِّر لها»، ليس فيه إسقاط الأسباب؛ فإن الله سبحانه إذا قدَّر خلق الولد سبق من الماء ما يخلق منه الولد ولو كان أقلَّ شيء، فليس من كل الماء يكون الولد، ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير له في الولد البتةَ وليس سببًا له، وأن الزوج أو السيد إن وطئ أو لم يطأ فكلا الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حدٍّ سواء كما يقوله منكرو الأسباب؟\nوكذلك قوله: «لا عدوى ولا طِيَرة» لو كان المراد به نفي السبب كما زعمتم لم يدلَّ على نفي كل سبب، وإنما غايته أن هذين الأمرين ليسا من أسباب الشر، كيف والحديث لا يدلُّ على ذلك؟ وإنما ينفي ما كان المشركون يثبتونه من سببية مستمرة على طريقة واحدة لا يمكن إبطالها ولا صرفُها عن محلّها ولا معارضتُها بما هو أقوى منها، لا كما يقوله من قصر علمُه: إنهم كانوا يرون ذلك فاعلًا مستقلًّا بنفسه.\nفالناس في الأسباب لهم ثلاثة طرق:\nإبطالها بالكلية.\nوإثباتها على وجهٍ لا يتغير، ولا يقبل سلب سببيتها ولا معارضتها بمثلها أو أقوى منها، كما يقوله الطبائعية والمنجِّمون والدهرية.\nوالثالث ما جاءت به الرسل ودلَّ عليه الحس والعقل والفطرة: إثباتها أسبابًا، وجوازُ ــ بل وقوعُ ــ سلْبِ سببيتها عنها إذا شاء الله، ودفْعها بأمور\n_________\n(^١) ت: «قسمه».","vol":"3","page":202},{"text":"أخرى نظيرها أو أقوى منها، مع بقاء مقتضى السببية فيها، كما تُصرَف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصلة، وتُصرَف كثير من أسباب الخير بعد انعقادها بضدِّ ذلك، فللّه [٦٢/ب] كم من خير انعقد سببه ثم صُرِف عن العبد بأسبابٍ أحدثَها منعت حصولَه وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد؟ وكم من شر انعقد سببه ثم صُرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصولَه؟ ومن لا فقه له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه، والله المستعان وعليه التكلان.\nالمثال العاشر: ردّ الجهمية النصوصَ المحكمة الصريحة التي تفوت العدَّ على أن الله سبحانه تكلّم ويتكلّم، وكلّم ويكلّم، وقال ويقول، وأخبر ونبَّأ، وأمر ويأمر، ونهى وينهى، ورضي ويرضى، ويعظ (^١) ويبشِّر وينذر ويحذّر، ويوصِّل لعباده القولَ ويبيّن لهم ما يتقون، ونادى وينادي، وناجى ويناجي، ووعد وأوعد، ويسأل عباده يوم القيامة ويخاطبهم ويكلِّم كلًّا منهم ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب، ويراجعه عبده مراجعة، وهذه كلها أنواع للكلام (^٢) والتكليم، وثبوتها بدون ثبوت صفة التكلم له ممتنع. فردَّها الجهمية ــ مع إحكامها وصراحتها وتعيُّنها للمراد منها بحيث لا تحتمل غيره ــ بالمتشابه من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\nالمثال الحادي عشر: ردُّوا محكم قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله: ﴿نَزَّلَهُ\n_________\n(^١) في المطبوع: «ويعطي» خلاف النسخ.\n(^٢) ع: «الكلام».","vol":"3","page":203},{"text":"رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وغيرها من النصوص المحكمة، بالمتشابه من قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠]، والآيتان حجة عليهم؛ فإن صفات الله ﷻ داخلة في مسمّى اسمه؛ فليس «الله» اسمًا لذاتٍ لا سمعَ لها ولا بصرَ ولا حياة ولا كلام ولا علم، وليس هذا رب العالمين، وكلامه تعالى وعلمه وحياته (^١) وقدرته ومشيئته ورحمته داخلة في مسمى [٦٣/أ] اسمه؛ فهو سبحانه بصفاته وكلامه الخالق، وما سواه مخلوق.\nوأما إضافة القرآن إلى الرسول فإضافة تبليغٍ محض لا إنشاء. والرسالة تستلزم تبليغ كلام المرسِل، ولو لم يكن للمرسِل كلام يبلّغه الرسول لم يكن رسولًا؛ ولهذا قال غير واحد من السلف: من أنكر أن يكون الله متكلمًا فقد أنكر رسالة رسله، فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام من أرسلهم.\nفالجهمية وإخوانهم ردّوا تلك النصوص المحكمة بالمتشابه، ثم صيَّروا الكل متشابهًا، ثم ردّوا الجميع، فلم يثبتوا لله فعلًا يقوم به يكون به فاعلًا، كما لم يثبتوا له كلامًا يقوم به يكون به متكلمًا؛ فلا كلام له عندهم ولا فَعَال (^٢)، بل كلامه وفعله عندهم مخلوق منفصل عنه، وذلك لا يكون صفة له؛ لأنه سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما لم يقم به.\n_________\n(^١) ع: «وكتابه» تحريف.\n(^٢) ع: «فعل».","vol":"3","page":204},{"text":"المثال الثاني عشر ــ وقد تقدم ذكره مجملًا فنذكره ههنا مفصلًا ــ: ردُّ الجهمية النصوص المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده من (^١) ثمانية عشر (^٢) نوعًا:\nأحدها: التصريح بالفوقية مقرونةً بأداة «مِن» المعينة لفوقية الذات، نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].\nالثاني: ذكرها مجردةً عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].\nالثالث: التصريح بالعروج إليه، نحو: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقول النبي - ﷺ -: «فيعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم» (^٣).\nالرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].\nالخامس: التصريح برفعه بعضَ المخلوقات إليه، كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].\nالسادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا (^٤) وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ\n_________\n(^١) «من» ليست في ت.\n(^٢) ع: «عشرين».\n(^٣) رواه البخاري (٥٥٥) ومسلم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) ع: «قدرة».","vol":"3","page":205},{"text":"الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (^١)﴾ [الشورى: ٥١].\nالسابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله: [٦٣/ب] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. وهذا يدلُّ على شيئين: على أن القرآن ظهر منه لا من غيره، وأنه الذي تكلّم به لا غيره، الثاني: على علوه على خلقه، وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.\nالثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (^٢) وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرق بين من له عمومًا ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا، وقول النبي - ﷺ - في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: «إنه عنده على العرش» (^٣).\nالتاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون «في» بمعنى «على»، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره.\nالعاشر: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش الذي\n_________\n(^١) في جميع النسخ: «علي كبير».\n(^٢) في النسخ: «ومن في الأرض».\n(^٣) رواه البخاري (٧٤٠٤) ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":206},{"text":"هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثم» الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتةَ.\nالحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه، كقوله - ﷺ -: «إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صِفْرًا» (^١).\nالثاني عشر: التصريح بنزوله كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا (^٢)، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من عُلْوٍ إلى سُفْلٍ.\nالثالث عشر: الإشارة إليه حسًّا إلى العلو كما أشار إليه مَن هو أعلمُ به وبما يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية [٦٤/أ] والمعتزلة والفلاسفة في أعظم مجمعٍ على وجه الأرض، يرفع أصبعه إلى السماء ويقول: «اللهم اشهَدْ» (^٣)، ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه.\nالرابع عشر: التصريح بلفظ «الأين» الذي هو عند الجهمية بمنزلة «متى» في الاستحالة، ولا فرق بين اللفظين عندهم (^٤) البتةَ، فالقائل «أين الله» و«متى كان الله» عندهم سواء، كقول أعلمِ الخلق به، وأنصحهم لأمته،\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٤٨٨) والترمذي وحسنه (٣٥٥٦) وابن ماجه (٣٨٦٥) من حديث سلمان، وصححه ابن حبان (٨٧٦) والحاكم (١/ ٤٩٧). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٥/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) جزء من حديث جابر الطويل رواه مسلم (١٢١٨).\n(^٤) د، ت: «عندهما».","vol":"3","page":207},{"text":"وأعظمِهم بيانًا عن المعنى الصحيح بلفظٍ لا يوهم باطلًا بوجهٍ «أين الله» (^١) في غير موضع.\nالخامس عشر: شهادته التي هي أصدق شهادةٍ عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال «إن ربه في السماء» بالإيمان، وشهد عليه أفراخُ جهمٍ بالكفر، وصرَّح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان (^٢)، فقال في كتابه (^٣) في باب عتق الرقبة المؤمنة، وذكر حديث الأمة السوداء التي سوَّدتْ وجوهَ الجهمية وبيَّضتْ وجوه المحمدية، فلما وصفت الإيمان قال: «أعتِقْها فإنها مؤمنة» (^٤)، وهي إنما وصفَتْ كون ربها في السماء، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فقرنَتْ بينهما في الذكر؛ فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان.\nالسادس عشر: إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطَّلع إلى إله موسى فيكذِّبَه فيما أخبر به من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٦]، فكذّب فرعون موسى في إخباره إياه (^٥) بأن ربه فوق السماء، وعند الجهمية لا فرقَ بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب. وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزَّه\n_________\n(^١) كما رواه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ -.\n(^٢) في النسخ: «إيمانا».\n(^٣) «الأم» (٦/ ٧٠٦ - ٧٠٧).\n(^٤) قطعة من حديث معاوية بن الحكم.\n(^٥) «إياه» ساقطة من ع.","vol":"3","page":208},{"text":"الربّ عما لا يليق به وكذّب موسى في إخباره [٦٤/ب] بذلك؛ إذ من (^١) قال عندهم: إن ربه فوق السماوات فهو كاذب، فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء، ولذلك سماهم أئمة السنة «فرعونية». قالوا: وهم (^٢) شر من الجهمية؛ فإن الجهمية تقول: إن الله في كل مكان بذاته، وهؤلاء عطَّلوه بالكلية، وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض، فأيُّ طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجهٍ كان قوله (^٣) خيرًا من قولهم.\nالسابع عشر: إخباره - ﷺ - أنه تردَّد بين موسى وبين الله، ويقول له موسى: ارجعْ إلى ربك فسَلْه (^٤)، فيرجع إليه، ثم ينزل إلى موسى فيأمره بالرجوع إليه سبحانه، فيصعد إليه سبحانه، ثم ينزل من عنده إلى موسى عدة مرارٍ (^٥).\nالثامن عشر: إخباره تعالى عن نفسه وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عِيانًا جهرةً كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر (^٦)، والذي تفهمه الأمم على اختلافِ لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة\n_________\n(^١) د: «ومن».\n(^٢) ت: «وقالوا هم».\n(^٣) كذا في جميع النسخ، وفي المطبوع: «قولهم».\n(^٤) بعدها في المطبوع: «التخفيف»، وليست في النسخ ولا عند البخاري. وفي ع: «لأمتك».\n(^٥) رواه البخاري (٣٢٠٧) ومسلم (١٦٤) من حديث أنس عن مالك بن صعصعة - ﵄ -.\n(^٦) رواه البخاري (٨٠٦) ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":209},{"text":"والمواجهة، التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة، غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية، ولا (^١) في القرب فلا تمكن الرؤية، لا تَعقل الأمم (^٢) غير هذا، فإما أن يروه (^٣) سبحانه من تحتهم ــ تعالى الله ــ أو من خلفهم أو أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولا بدَّ من قسمٍ من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقًّا، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم، كما في حديث جابر الذي في «المسند» (^٤) وغيره: «بينا أهلُ الجنة في نعيمهم إذ سطعَ لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الجبّار قد أشرف (^٥) عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم (^٦). ثم قرأ قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمته [٦٥/أ] وبركته عليهم في ديارهم» (^٧).\nولا يتمُّ إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلَهم وصرَّحوا بذلك، وركِبوا النفْيينِ معًا، وصدّق أهل السنة بالأمرين معًا وأقرُّوا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علوَّ الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبًا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.\n_________\n(^١) في جميع النسخ: «من لا». والمثبت من ط.\n(^٢) د: الأمة».\n(^٣) د: «أن يرونه». ت: «أن يرويه».\n(^٤) لم أجده في «مسند» الإمام أحمد، ولا في «إتحاف المهرة».\n(^٥) ت: «أشرق».\n(^٦) بعدها في ع: «طبتم».\n(^٧) رواه ابن ماجه (١٨٤) من حديث جابر - ﵁ -. والإسناد ضعيف لضعف عاصم العباداني والفضل بن عيسى الرقاشي، والحديث ضعفه الذهبي في «العلو» (ص ٢٣)، والبوصيري في «مصباح الزجاجة» (٦٧).","vol":"3","page":210},{"text":"فهذه أنواع (^١) من الأدلة السمعية المحكمة إذا بُسِطَتْ أفرادها كانت ألفَ دليل على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه؛ فترك الجهميةُ ذلك كله وردُّوه بالمتشابه من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وردَّه زعيمهم المستأخر (^٢) بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وبقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\nثم ردُّوا تلك الأنواع كلها متشابهة، فسلَّطوا المتشابه على المحكم وردُّوه به، ثم ردُّوا المحكم متشابهًا؛ فتارةً يحتجون به على الباطل، وتارة يدفعون به الحق. ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهرُ ولا أبينُ مرادًا من مضمون هذه النصوص؛ فإذا كانت متشابهةً فالشريعة كلها متشابهة، وليس فيها شيء محكم البتةَ، ولازمُ هذا القول لزومًا لا محيدَ عنه أنّ ترْكَ الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم، فإنها أوهمتْهم وأفهمتْهم غير المراد، وأوقعتْهم في اعتقاد الباطل، ولم يُبيَّنْ لهم ما هو الحق في نفسه، بل أُحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولهم وأفكارهم ومقاييسهم، فنسأل مثبِّتَ القلوب ﵎ أن يثبِّت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، وأن لا يُزِيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ إنه قريب مجيب.\nالمثال الثالث عشر: ردُّ الرافضة النصوصَ الصحيحة الصريحة المحكمة المعلومة عند خاصِّ الأمة (^٣) وعامتها بالضرورة في مدح\n_________\n(^١) ت: «أنواع من الأنواع».\n(^٢) ت: «المتأخر». يريد الرازي.\n(^٣) ع: «خاصة الأمة».","vol":"3","page":211},{"text":"الصحابة والثناء عليهم، ورِضا الله (^١) [٦٥/ب] عنهم، ومغفرته لهم، وتجاوزه (^٢) عن سيئاتهم، ووجوب محبة الأمة واتباعهم، واستغفارهم لهم، واقتدائهم بهم= بالمتشابه من قوله: «لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرِب بعضكم رقابَ بعض» (^٣) ونحوه.\nكما ردُّوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردُّوا النصوص الصحيحة (^٤) المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب، التي تقع مكفَّرةً بالتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة (^٥)، وبشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة (^٦)، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة أسباب تمحو أثر الذنوب، فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلا بدَّ من دخول النار، ثم يخرجون منها. فتركوا (^٧) ذلك كلَّه بالمتشابه من نصوص الوعيد، وردُّوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا\n_________\n(^١) د: «ورضاه».\n(^٢) ع: «ومجاوزته».\n(^٣) رواه البخاري (٤٤٠٣) ومسلم (٦٦) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٤) ت: «الصريحة الصريحة».\n(^٥) ع: «يوم القيامة».\n(^٦) ع: «بالشفاعة».\n(^٧) ع: «فردوا».","vol":"3","page":212},{"text":"قصدوا بها (^١) طاعة الله فاجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا (^٢) فيه على الأجر المفرد (^٣)، وكان حظُّ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم، وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب. فاشتركوا هم والرافضة في ردّ (^٤) المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها؛ فكفّروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويَدَعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى (^٥) على الهدى، وبالله التوفيق.\n[٦٦/أ] المثال الرابع عشر: ردُّ المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من وجوب الطمأنينة وتوقُّف إجزاء الصلاة وصحتها عليها، كقوله: «لا تُجزِئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صُلْبه في (^٦) ركوعه وسجوده» (^٧)، وقوله لمن\n_________\n(^١) ع: «به».\n(^٢) ت: «فجعلوا».\n(^٣) ت: «المقرر».\n(^٤) ع: «وردوا».\n(^٥) ت: «وتقديم الهوى».\n(^٦) د، ت: «من».\n(^٧) رواه أبو داود (٨٥٥) والنسائي (١٠٢٧) والترمذي وصححه (٢٦٥) وابن ماجه (٨٧٠) وأحمد (١٧١٠٣)، وصححه ابن خزيمة (٥٩١) والدارقطني (١٣١٥) وابن حبان (١٨٩٣) والبيهقي (٢/ ٨٨) من حديث أبي مسعود البدري - ﵁ -. وفي الباب عن علي بن شيبان، وأنس، وأبي هريرة، ورفاعة الزرقي. انظر: «تحفة الأحوذي» (٢/ ١٠٩).","vol":"3","page":213},{"text":"تركها: «صلِّ فإنك لم تُصلِّ» (^١)، وقوله: «ثم اركَعْ حتى تطمئنَّ راكعًا» (^٢)، فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة، ونفى مسماها الشرعي بدونها، وأمر بالإتيان بها، فردّ هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nالمثال الخامس عشر: ردُّ المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله: «إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر» (^٣)، وقوله: «تحريمها التكبير» (^٤)، وقوله: «لا يقبل الله صلاةَ أحدكم حتى يضع الوضوءَ مواضعَه، ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر» (^٥)، وهي نصوص في غاية الصحة فرُدَّتْ بالمتشابه من قوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥].\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٥٧) ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) قطعة من الحديث السابق.\n(^٣) قطعة من الحديث السابق.\n(^٤) رواه أبو داود (٦١) والترمذي (٣) وابن ماجه (٢٧٥) وأحمد (١٠٠٦) من حديث علي، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل متكلم فيه، وللحديث شواهد أخرى يتقوى بها، وقد صححه الحاكم (١/ ١٣٢)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٧١٨)، وحسّنه البغوي في «شرح السنة» (٥٥٨). انظر: «نصب الراية» (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨) و«التلخيص الحبير» (١/ ٣٨٩ - ٣٩١) وأصل «صفة الصلاة» (١/ ١٨٤ - ١٨٦).\n(^٥) رواه أبو داود (٨٥٧) وابن ماجه مختصرًا (٤٦٠) والبزار وحسّنه (١٧٨)، وابن الجارود (١٩٤) وصححه الحاكم (١/ ٢٤١) من حديث رفاعة - ﵁ -. انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٤/ ٧).","vol":"3","page":214},{"text":"المثال السادس عشر: ردُّ النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة (^١) في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فرضًا (^٢)، بالمتشابه من قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وليس ذلك في الصلاة، وإنما هو بدلٌ عن قيام الليل، وبقوله للأعرابي (^٣): «ثم اقرأْ ما تيسَّر معك من القرآن» (^٤)، وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة، وأن يكون الأعرابي لا يحسنها، وأن يكون لم يُسِئْ في قراءتها، فأمره أن يقرأ معها ما تيسَّر من القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها؛ فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه؛ فلا يترك له المحكم الصريح.\nالمثال السابع عشر: ردُّ المحكم الصريح من توقُّف الخروج من الصلاة على التسليم، كما في قوله: «تحليلُها التسليم» (^٥)، وقوله: «إنما يكفي أحدَكم أن يسلِّم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» (^٦). [٦٦/ب] فأخبر أنه لا يكفي غير ذلك، فردَّ بالمتشابه من قول ابن مسعود: «فإذا قلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتك» (^٧)، وبالمتشابه من عدم أمره للأعرابي بالسلام (^٨).\n_________\n(^١) «الصحيحة» ليست في ع.\n(^٢) رواه البخاري (٧٥٦) ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -.\n(^٣) «للأعرابي» ليست في د.\n(^٤) ضمن حديث أبي هريرة المتفق عليه الذي سبق تخريجه قريبًا.\n(^٥) جزء من حديث علي الذي سبق تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٦) رواه مسلم (٤٣١) من حديث جابر بن سمرة - ﵄ -.\n(^٧) سبق تخريجه.\n(^٨) ت: «للسلام».","vol":"3","page":215},{"text":"المثال الثامن عشر: ردُّ المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل كما في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقوله: «وإنما لامرئٍ ما نَوى» (^١)، وهذا لم ينوِ رفع الحدث فلا يكون له بالنص؛ فرُدَّ هذا بالمتشابه من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولم يأمر بالنية، قالوا: فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادةً على نصّ القرآن فيكون نسخًا، والسنة لا تنسخ القرآن؛ فهذه ثلاث مقدمات:\nإحداها (^٢): أن القرآن لم يوجب النية.\nالثانية (^٣): أن إيجاب السنة لها نسخٌ للقرآن.\nالثالثة: أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز.\nوبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صرَّحت السنة بإيجابه، كقراءة الفاتحة والطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة والتسليم للخروج منها.\nولا يُتصوَّر صدق المقدمات الثلاث (^٤) في موضع واحد أصلًا، بل إما أن تكون كاذبةً أو بعضها؛ فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبَّه على أنه لم يكتفِ من طاعات عباده إلا بما أخلصوا له فيه الدين، فمن لم ينوِ التقرُّبَ إليه جملة لم يكن ما أتى به طاعةً البتةَ؛ فلا يكون معتدًّا به، مع أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٠٧٠) ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر - ﵁ -.\n(^٢) د، ت: «احدها».\n(^٣) د، ت: «الثاني».\n(^٤) «الثلاث» ليست في د.","vol":"3","page":216},{"text":"الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إنما يفهم المخاطب منه غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة، كما يفهم من قوله: إذا واجهتَ (^١) الأمير فترجَّلْ، وإذا دخل الشتاء فاشترِ (^٢) الفروَ ونحو ذلك؛ فإن لم يكن القرآن قد دلَّ على النية ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخًا للقرآن وإن كان زائدًا عليه.\nولو كان كلُّ ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخًا له لبطلت أكثر (^٣) سنن رسول الله - ﷺ -[٦٧/أ] ودُفِعَ في صدورها وأعجازها، وقال القائل: هذه زيادة على ما في كتاب الله فلا تُقبل ولا يُعمل بها، وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول الله - ﷺ - أنه سيقع وحذَّر منه، كما في «السنن» من حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومثله معه، ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه (^٤)، ألا يوشك رجلٌ شَبْعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، ما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا لا يحلُّ لكم الحمار الأهلي، ولا كلّ ذي نابٍ من السباع، ولا لُقطة مال معاهدٍ» (^٥). وفي لفظ: «يوشك أن يقعد الرجل منكم (^٦) على\n_________\n(^١) ت: «وجهت».\n(^٢) د: «فاشتروا».\n(^٣) «أكثر» ليست في ع.\n(^٤) تكررت هذه الجملة في ع ثلاث مرات.\n(^٥) رواه أبو داود (٤٦٠٤) وأحمد (١٧١٧٤) والدارقطني (٤٧٦٨) من طريق حريز بن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام. ورواه ابن حبان وصححه (١٢) من طريق مروان بن رؤبة عن أبي عوف عن المقدام. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٨٧٠).\n(^٦) ع: «بينكم».","vol":"3","page":217},{"text":"أريكته، فيحدَّث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرّمناه، وإنَّ ما حرَّم رسول الله - ﷺ - كما حرّم الله» (^١). قال الترمذي: حديث حسن، وقال البيهقي: إسناده صحيح.\nوقال صالح بن موسى عن عبد العزيز بن رُفَيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني قد خلَّفتُ فيكم شيئين لن تضِلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يرِدا عليَّ الحوضَ» (^٢). فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما ويردّ أحدهما بالآخر، بل سكوته عما نطق به، ولا يُمكن أحدًا يطرد ذلك ولا الذين أصَّلوا هذا الأصل، بل قد نقضوه في أكثر من ثلاثمائة موضع، منها ما هو مُجمع عليه ومنها ما هو مختلف فيه.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-443>السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:</span>\nأحدها: أن تكون موافقةً له من كل وجه؛ فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها.\nالثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له.\n_________\n(^١) رواه الترمذي وحسنه (٢٦٦٤) وابن ماجه (١٢) وأحمد (١٧١٩٤) والبيهقي (٧/ ٧٦). قال ابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٢٥٦): «حديث صحيح من غير شك ولا مرية».\n(^٢) رواه البزار (٨٩٩٣) والدارقطني (٤٦٠٦) والحاكم (١/ ٩٣) والبيهقي (١٠/ ١١٤). وصالح بن موسى الطلحي متكلم فيه، وبه أعله الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ١٦٣).","vol":"3","page":218},{"text":"الثالث: أن تكون موجبةً لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرِّمةً لما سكت عن تحريمه.\nولا تخرج عن هذه [٦٧/ب] الأقسام، فلا تُعارِض القرآنَ بوجهٍ ما، فما كان منها زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي - ﷺ -، تجب طاعته فيه، ولا تحلُّ معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به (^١) في طاعة رسوله، ولو كان رسول الله - ﷺ - لا يُطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآنَ لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختصُّ به، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].\nوكيف يُمكن أحدًا من أهل العلم أن (^٢) لا يقبل حديثًا زائدًا على كتاب الله؛ فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها (^٣)، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب (^٤)، ولا حديث خيار الشرط (^٥)، ولا أحاديث الشفعة (^٦)، ولا حديث الرهن في الحضر (^٧) مع أنه\n_________\n(^١) «به» ليست في ت، ع.\n(^٢) «أن» ليست في ت.\n(^٣) رواه البخاري (٥١٠٩) ومسلم (١٤٠٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) رواه البخاري (٢٦٤٥) ومسلم (١٤٤٧) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٥) رواه البخاري (٢١٠٧) ومسلم (١٥٣١) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٦) تقدم تخريجها.\n(^٧) كحديث عائشة - ﵂ - وهو مخرج عند البخاري (٢٠٦٨) ومسلم (١٦٠٣).","vol":"3","page":219},{"text":"زائد على ما في القرآن، ولا حديث ميراث الجدة (^١)، ولا حديث تخيير الأمة إذا عتقتْ تحت زوجها (^٢)، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة (^٣)، ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان (^٤)، ولا أحاديث (^٥) إحداد المتوفَّى عنها زوجُها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة (^٦)، فهلّا قلتم: إنها نسخ للقرآن وهو لا ينسخ بالسنة؟ وكيف أوجبتم الوتر مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلف فيه (^٧)؟\nوكيف زدتم على كتاب الله فجوَّزتم الوضوء بنبيذ التمر بخبر ضعيف (^٨)؟ وكيف زدتم على كتاب الله فشرطتم في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصح البتةَ (^٩)، وهو زيادة محضة على القرآن؟\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه البخاري (٤٥٦) ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) رواه مسلم (٣٣٥) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) رواه البخاري (١٩٣٦) ومسلم (١١١١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) ت: «حديث».\n(^٦) رواه البخاري (١٢٨٠) ومسلم (١٤٨٦) من حديث أم حبيبة - ﵂ -.\n(^٧) رواه أحمد (٦٦٩٣)، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وتوبع بالمثنى عند أحمد (٦٩١٩) وأبي داود الطيالسي (٢٣٧٧)، وتوبع أيضًا بقتادة عند الحارث بن أبي أسامة (٢٢٦) .. وفي الباب أحاديث أخرى عن عقبة بن عامر، وابن عباس، وأبي بصرة الغفاري - ﵃ -، وذكر السيوطي وتبعه الكتاني أن هذا الحديث متواتر. انظر: «نصب الراية» (٢/ ١٠٨ - ١١٣) و«قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة» (ص ١٠٧)، و«نظم المتناثر» (ص ١٠٤).\n(^٨) تقدم تخريجه.\n(^٩) سيأتي تخريجه.","vol":"3","page":220},{"text":"وقد أخذ الناس بحديث: «لا يرِثُ المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ» (^١) وهو زائد على القرآن، وأخذوا كلهم بحديث توريثه - ﷺ - بنتَ الابن السدسَ مع البنت (^٢) وهو زائد على ما في كتاب الله، [٦٨/أ] وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء المَسْبِيّة بحيضة (^٣)، وهو زائد على ما في كتاب الله، وأخذوا بحديث: «من قتل قتيلًا فله سَلَبُه» (^٤) وهو زائد على ما في القرآن من قسمة الغنائم، وأخذوا كلهم بقضائه - ﷺ - الزائد على ما في القرآن من (^٥) أن أعيان بني الأبوين (^٦) يتوارثون دون بني العلَّات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه (^٧)، ولو تتبعنا هذا لطال جدًّا.\nفسُنن رسول الله - ﷺ - أجلُّ في صدورنا وأعظم وأفرضُ علينا أن لا نقبلها إذْ كانت زائدةً على ما في القرآن، بل على الرأس والعينين، ثم على الرأس والعينين. وكذلك فرضٌ على الأمة الأخذُ بحديث القضاء بالشاهد واليمين (^٨) وإن كان زائدًا على ما في القرآن، وقد أخذ به أصحاب رسول الله - ﷺ - وجمهور التابعين والأئمة، والعجب ممن يردُّه لأنه زائد على ما في\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٧٦٤) ومسلم (١٦١٤) من حديث أسامة بن زيد - ﵄ -.\n(^٢) رواه البخاري (٦٧٣٦) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه البخاري (٣١٤٢) ومسلم (١٧٥١) من حديث أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٥) «من» ليست في ت، ع.\n(^٦) ع: «الأم». ت: «آدم».\n(^٧) رواه الترمذي (٢٠٩٤) وابن ماجه (٢٧٣٩) وأحمد (٥٩٥)، وفي إسناده الحارث الأعور متكلم فيه.\n(^٨) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":221},{"text":"كتاب الله، ثم يقضي بالنكول ومعاقد القِمْطِ (^١) ووُجوه الآجُرِّ في الحائط (^٢)، وليست في كتاب الله ولا سنة رسوله. وأخذتم أنتم وجمهور الأمة بحديث: «لا يُقاد الوالدُ بالولد» (^٣) مع ضعفه، وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس (^٤) وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم مع سائر الناس بقطع رِجْل السارق في المرة الثانية (^٥) مع زيادته على ما في القرآن، وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال (^٦) وهو زائد على ما في القرآن، وأخذت الأمة بأحاديث (^٧) الحضانة (^٨)\nوليست في القرآن، وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفَّى عنها في منزلها (^٩) وهو زائد على القرآن،\n_________\n(^١) حبل من ليفٍ أو خُوصٍ تُشدُّ به الأخصاص.\n(^٢) انظر «المبسوط» للسرخسي (١٧/ ٩٠) و«الفتاوى الهندية» (٤/ ٩٩) و«حاشية ابن عابدين» (٨/ ٥٥).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) من ذلك ما رواه عبد الرزاق (١٨٧٦٣) عن عمرو بن دينار أن نجدة بن عامر كتب إلى ابن عباس: السارق يسرق فتقطع يده، ثم يعود فتقطع يده الأخرى، قال الله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قال: «بلى، ولكن يده ورجله من خلاف»، قال: قال عمرو: سمعته من عطاء منذ أربعين سنة.\n(^٦) تقدم تخريجه.\n(^٧) ت: «بحديث».\n(^٨) رواه البخاري (٢٦٩٩) من حديث البراء بن عازب - ﵄ - ..\n(^٩) رواه أبو داود (٢٣٠٠) والترمذي وصححه (١٢٠٤) وابن ماجه (٢٠٣١) وابن حبان (٤٢٩٢) والحاكم (٢/ ٢٠٨)، ونقل تصحيحه عن الذهلي.","vol":"3","page":222},{"text":"وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسنّ (^١) والإنبات (^٢) وهي زائدة على ما في القرآن؛ إذ ليس فيه إلا الاحتلام، وأخذتم مع الناس بحديث: [٦٨/ب] «الخراج بالضمان» (^٣) مع ضعفه، وهو زائد على القرآن، وبحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ (^٤) وهو زائد على ما في القرآن، وأضعاف أضعاف ما ذكرنا، بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها؛ فلو ساغَ لنا ردُّ كل سنة كانت زائدة على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله - ﷺ - كلها إلا سنة دلّ عليها القرآن، وهذا هو الذي أخبر به النبي - ﷺ - أنه (^٥) سيقع (^٦)، ولا بدَّ من وقوع خبره.\nفإن قيل: السنن الزائدة على ما دلّ عليه القرآن تارة تكون بيانًا له، وتارة تكون منشئةً (^٧) لحكمٍ لم يتعرض له، وتارة تكون مغيّرةً لحكمه، وليس نزاعنا في القسمين الأولين فإنهما حجة باتفاق، ولكن النزاع في القسم الثالث وهو الذي ترجمته بمسألة الزيادة على النص.\nوقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرخي وجماعة كثيرة من أصحاب أبي\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٦٦٤) ومسلم (١٨٦٨) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) رواه أبو داود (٤٤٠٤) والنسائي (٤٩٨١) والترمذي وصححه (١٥٨٤) وأحمد (١٨٧٧٦) وأبو عوانة (٦٤٨١)، وصححه ابن حبان (٤٧٨٠) والحاكم (٢/ ١٢٣) من حديث عطية القرظي - ﵁ -.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) ت: «أخبر النبي بأنه».\n(^٦) كما في حديث المقدام بن معدي كرب الذي تقدم ذكره.\n(^٧) ع: «مثبتة».","vol":"3","page":223},{"text":"حنيفة إلى أنها نسخ (^١)، ومن ههنا جعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخًا كما لو زاد عشرين سوطًا على الثمانين في حد القذف.\nوذهب أبو بكر الرازي (^٢) إلى أن الزيادة إن وردت بعد استقرار حكم النص منفردةً عنه كانت ناسخة، وإن وردت متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن نسخًا، وإن وردت ولا يُعلَم تاريخها فإن وردت من جهة يثبت النص بمثلها فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما معًا أثبتناهما، وإن شهدت بالنص منفردًا عنها أثبتناه دونها، وإن لم يكن في الأصول دلالةٌ على أحدهما فالواجب أن يُحكم بورودهما معًا، ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا لم يُعلم تاريخهما ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر فإنهما يستعملان معًا، وإن كان ورود النص من جهةٍ توجب العلم كالكتاب والخبر المستفيض، وورودُ الزيادة من جهة أخبار الآحاد، لم يجز [٦٩/أ] إلحاقها بالنص ولا العمل بها.\nوذهب بعض أصحابنا إلى أن الزيادة إن غيَّرت حكم المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا، بحيث إنه لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها لم يكن معتدًّا به، بل يجب استئنافه= كان نسخًا، نحو ضمّ ركعة إلى ركعتي الفجر، وإن لم تُغيِّر حكم المزيد عليه بحيث لو فعل على حد ما كان يفعل قبلها كان معتدًّا به ولا يجب استئنافه لم يكن نسخًا. ولم يجعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخًا (^٣)، وإيجاب عشرين جلدة مع الثمانين نسخًا، وكذلك إيجاب شرط\n_________\n(^١) انظر: «أصول السرخسي» (٢/ ٨٢ - ٨٣).\n(^٢) هو الجصاص، انظر كتابه «الفصول في الأصول» (٢/ ٣١٥).\n(^٣) «نسخًا» ليست في ت، ع.","vol":"3","page":224},{"text":"منفصل عن العبادة لا يكون نسخًا كإيجاب الوضوء بعد فرض الصلاة، ولم يختلفوا أن إيجاب زيادة عبادة على عبادة كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة لا يكون نسخًا، ولم يختلفوا أيضًا أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخًا.\nفالكلام معكم في الزيادة المغيِّرة في ثلاث مواضع: في المعنى، والاسم، والحكم:\nأما المعنى فإنها تفيد معنى النسخ؛ لأنه الإزالة، والزيادة تزيل حكم الاعتداد بالمزيد عليه وتوجب استئنافه بدونها، وتُخرجه عن كونه جميع الواجب، وتجعله بعضه، وتوجب التأثيم على المقتصر عليه بعد أن لم يكن إثمًا، وهذا معنى النسخ، وعليه ترتب (^١) الاسم، فإنه تابع للمعنى؛ فإن الكلام في زيادة شرعية مغيِّرة للحكم الشرعي بدليل شرعي متراخي (^٢) عن المزيد عليه، فإن اختلَّ وصفٌ من هذه الأوصاف لم يكن نسخًا، فإن لم تغيِّر حكمًا شرعيًّا بل رفعت حكم البراءة الأصلية لم تكن نسخًا كإيجاب عبادة بعد أخرى، وإن كانت الزيادة مقارنةً (^٣) للمزيد عليه لم تكن نسخًا وإن غيَّرته، بل تكون تقييدًا أو تخصيصًا.\nوأما الحكم فإن كان النص المزيد عليه ثابتًا بالكتاب أو السنة المتواترة لم يُقبل خبر الواحد بالزيادة عليه، وإن كان ثابتًا بخبر الواحد قُبلت الزيادة، فإن اتفقت الأمة على قبول خبر الواحد [٦٩/ب] في القسم الأول علمنا أنه\n_________\n(^١) «وتوجب التأثيم ... ترتب» ساقطة من ع.\n(^٢) كذا في النسخ بإثبات الياء.\n(^٣) ع: «مفارقة».","vol":"3","page":225},{"text":"ورد مقارنًا للمزيد عليه فيكون تخصيصًا لا نسخًا. قالوا: وإنما لم نقبل خبر الواحد بالزيادة على النص؛ لأن الزيادة لو كانت موجودة معه لنقلها إلينا من نقل النصّ؛ إذ (^١) غير جائزٍ أن يكون المراد إثباتَ النص معقودًا بالزيادة فيقتصر النبي - ﷺ - على إبلاغ النص منفردًا عنها؛ فواجبٌ إذًا أن يذكرها معه، ولو ذكرها لنقلها إلينا من نقل النص.\nفإن كان النص مذكورًا في القرآن والزيادة واردة من جهة السنة فغير جائزٍ أن يقتصر النبي - ﷺ - على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون أن يُعقبها بذكر الزيادة؛ لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فإن كان الحد هو الجلد والتغريب فغير جائز أن يتلو النبي - ﷺ - الآية على الناس عاريةً من ذِكر النفي عقبَها؛ لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها وأن الجلد هو كمال الحد؛ فلو كان معه تغريبٌ لكان بعضَ الحدّ لا كماله، فإذا أخلى التلاوة من ذكر النفي عقبَها (^٢) فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمام الحدّ وكماله؛ فغير جائزٍ إلحاقُ الزيادة معه إلا على وجه النسخ، ولهذا كان قوله: «واغْدُ يا أُنيس على امرأةِ هذا، فإن اعترفتْ فارجُمْها» (^٣) ناسخًا لحديث عبادة بن الصامت:\n_________\n(^١) ت، ع: «أو».\n(^٢) «عقبها» ليست في ت.\n(^٣) رواه البخاري (٢٣١٤) ومسلم (١٦٩٧) من حديث زيد بن خالد وأبي هريرة - ﵄ -.","vol":"3","page":226},{"text":"«الثيب بالثيب جلْدُ مائةٍ والرجمُ» (^١)، وكذلك لما رجم ماعزًا ولم يجلِدْه (^٢)، كذلك يجب أن يكون قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ناسخًا لحكم التغريب في قوله: «البكر بالبكر جلدُ مائةٍ وتغريب عام» (^٣).\nوالمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي - ﷺ - عقيب التلاوة، ولنقلها إلينا [٧٠/أ] من نقل المزيد عليه؛ إذ غير جائزٍ عليهم أن يعلموا أن الحد مجموع الأمرين وينقلوا بعضه دون بعض، وقد سمعوا الرسول - ﷺ - يذكر الأمرين، فامتنع حينئذٍ العملُ بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل. فإذا وردت من جهة الآحاد فإن كانت قبل النص فقد نسخها النص المطلق عاريًا من ذكرها، وإن كانت (^٤) بعده فهذا يوجب نسخ الآية بخبر الواحد وهو ممتنع، فإن كان المزيد عليه ثابتًا بخبر الواحد جاز إلحاق الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخًا وكانت بيانًا.\nفالجواب (^٥) من وجوه:\nأحدها: أنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصَّلتموه، فإنكم قبلتم\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٦٩٠).\n(^٢) رواه مسلم (١٦٩٥) من حديث بريدة - ﵁ -.\n(^٣) تقدم تخريجه في حديث عبادة - ﵁ -.\n(^٤) د: «كان».\n(^٥) جواب «فإن قيل» قبل خمس صفحات، شرح فيها قول الحنفية في مسألة الزيادة على النص. ومن هنا بدأ المؤلف نقضه.","vol":"3","page":227},{"text":"خبر الوضوء بنبيذ التمر (^١) وهو زائد على ما في كتاب الله مغيِّر لحكمه؛ فإن الله سبحانه جعل حكم عادم الماء التيمم، والخبر يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ؛ فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعةٌ (^٢) لحكم شرعي غير مقارنةٍ له ولا مقاومة له بوجه.\nوقبلتم خبر الأمر بالوتر (^٣) مع رفعه لحكم شرعي، وهو اعتقاد كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب، ورفع التأثيم بالاقتصار عليها، وإجزاء الإتيان (^٤) في التعبد بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن، والذي نقلها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه أو أوثق منه أو نظيره، والذي فرض علينا طاعة رسوله وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه، والذي قال لنا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، هو الذي شرع هذه الزيادة على لسانه.\nوالله سبحانه ولَّاه منصبَ التشريع عنه ابتداء، كما ولّاه منصبَ البيان لما أراه بكلامه، بل كلامه كله بيان عن الله، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان [٧٠/ب] بوجه من الوجوه، بل كان السلف الصالح (^٥) الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن، ولم يقل أحد منهم قطُّ في\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ع: «رفعه».\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) ت، ع: «الإتيان بها».\n(^٥) «الصالح» ليست في ت، ع.","vol":"3","page":228},{"text":"حديثٍ واحد أبدًا: إن هذا زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به، ورسول الله - ﷺ - أجلُّ في صدورهم، وسنتُه أعظم عندهم من ذلك وأكبر.\nولا فرقَ أصلًا بين مجيء السنة بعدد الطواف وعدد ركعات الصلاة ومجيئها بفرض الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية؛ فإن الجميع بيان لمراد الله أنه أوجب هذه العبادات على عباده على هذا الوجه، فهذا الوجه هو المراد، فجاءت السنة بيانًا للمراد في جميع وجوهها، حتى في التشريع المبتدأ، فإنها بيان لمراد الله من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله، فلا فرقَ بين بيان هذا المراد وبين بيان المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها، بل هذا بيان المراد من شيء وذاك بيان المراد من أعمَّ منه؛ فالتغريب بيان محضٌ للمراد من قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، وقد صرَّح النبي - ﷺ - بأن التغريب بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن، فكيف يجوز ردُّه بأنه مخالف للقرآن معارض له؟ ويقال: لو قبلناه لأبطلنا به حكم القرآن؟ وهل هذا إلا قلبٌ للحقائق؟ فإن حكم القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضًا لا يسَعُنا مخالفته؛ فلو خالفناه لخالفنا القرآن ولخرجنا عن حكمه ولا بدَّ، ولكان في ذلك مخالفة للقرآن (^١) والحديث معًا.\nيوضّحه الوجه (^٢) الثاني: أن الله سبحانه نصب رسوله منصب المبلِّغ المبيِّن عنه، فكلُّ ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرقَ بين ما يبلِّغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه [٧١/أ] في وجوب الاتباع، ومخالفةُ هذا كمخالفة هذا.\n_________\n(^١) ت، ع: «القرآن».\n(^٢) «الوجه» ليست في ع.","vol":"3","page":229},{"text":"يوضّحه الوجه الثالث: أن الله سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسول الله - ﷺ - بمقادير ذلك وصفاته وشروطه؛ فوجب على الأمة قبولُه، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب عليها قبول الأصل المُفصَّل، وهكذا أمر الله (^١) سبحانه بطاعته وطاعة رسوله؛ فإذا أمر الرسول بأمرٍ كان تفصيلًا وبيانًا للطاعة المأمور بها، وكان فرضُ قبولِه كفرض قبول الأصل المُفصَّل، ولا فرق بينهما.\nيوضّحه الوجه الرابع: أن البيان من النبي - ﷺ - أقسام:\nأحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًّا.\nالثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك، كما بيَّن أن الظلم المذكور في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] هو الشرك (^٢)، وأن الحساب اليسير هو العرض (^٣)، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل (^٤)، وأن الذي رآه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل (^٥)، وكما فسَّر قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أنه طلوع الشمس من مغربها (^٦)، وكما فسر قوله: ﴿مَثَلًا (^٧) كَلِمَةً طَيِّبَةً\n_________\n(^١) لفظ الجلالة ليس في ت، ع.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (١٠٣) ومسلم (٢٨٧٦) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) رواه مسلم (١٧٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٦) رواه البخاري (٤٦٣٥) ومسلم (١٥٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٧) في النسخ: «ومثل» سهوًا.","vol":"3","page":230},{"text":"كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] بأنها (^١) النخلة (^٢)، وكما فسَّر قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] أن ذلك في القبر حين يُسأل مَن ربك وما دينك (^٣)، وكما فسَّر الرعد بأنه مَلَك من الملائكة موكَّل بالسحاب (^٤)،\nوكما فسَّر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابًا، وذلك استحلال ما أحلُّوه لهم من الحرام وتحريم ما حرَّموه عليهم من الحلال (^٥)، وكما فسَّر القوة التي أمر الله أن نُعِدَّها لأعدائه بالرمي (^٦)، وكما فسَّر قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بأنه ما يُجزى به (^٧) العبد في الدنيا من النَّصَب والهمّ والخوف واللأواء (^٨)،\n_________\n(^١) ت: «أنها».\n(^٢) رواه الترمذي (٣١١٩)، وصححه ابن حبان (٤٧٥) والحاكم (٢/ ٣٥٢) والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (٢٢٠٧) من حديث أنس - ﵁ -، وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح الوقف على الرفع الترمذي (٣١١٩) والضياء المقدسي (٢٢٠٧).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه الترمذي وحسنه (٣١١٧) وأحمد (٢٤٨٣) من حديث ابن عباس - ﵄ -، والحديث في إسناده بكير بن شهاب ذكره ابن حبان في «الثقات» (٦/ ١٠٦). وتفسير الرعد بالملك الموكل بالسحاب ثابت. انظر: «مسند أحمد» ط الرسالة (٤/ ٢٨٥) ..\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) رواه مسلم (١٩١٧) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -.\n(^٧) «به» ليست في ع.\n(^٨) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":231},{"text":"وكما فسَّر الزيادة بأنها النظر إلى [٧١/ب] وجه الله (^١)، وكما فسَّر الدعاء في (^٢) قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] بأنه العبادة (^٣)، وكما فسَّر أدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر، وأدبار السجود بالركعتين بعد المغرب (^٤)، ونظائر ذلك.\nالثالث: بيانه بالفعل، كما بيَّن أوقات الصلاة للسائل بفعله (^٥).\nالرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قَذْف الزوجة (^٦) فجاء القرآن باللعان ونظائره.\nالخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا، كما سئل عن رجل أحرم في جُبَّةٍ بعدما تضمَّخَ بالخَلوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبَّة ويغسل أثر الخَلوق (^٧).\nالسادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداءً من غير سؤال، كما حرَّم عليهم\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٨١) من حديث صهيب - ﵁ -.\n(^٢) «الدعاء في» ليست في ع.\n(^٣) رواه أبو داود (١٤٧٩) والترمذي وصححه (٢٩٦٩) وابن ماجه (٣٨٢٨) وأحمد (١٨٣٥٢)، وصححه ابن حبان (٨٩٠) والحاكم (١/ ٤٩٠) من حديث النعمان بن بشير - ﵄ -.\n(^٤) رواه الترمذي (٣٢٧٥)، وفي إسناده رشدين بن كريب متكلم فيه، والحديث ضعفه الترمذي بقوله: «حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه».\n(^٥) رواه مسلم (٦١٣) من حديث بريدة - ﵁ -.\n(^٦) تقدم تخريجه.\n(^٧) رواه البخاري (١٥٣٦) ومسلم (١١٨٠) من حديث يعلى بن أمية - ﵁ -.","vol":"3","page":232},{"text":"لحوم الحمر والمتعة (^١) وصيد المدينة (^٢) ونكاح المرأة على عمتها وخالتها (^٣) وأمثال ذلك.\nالسابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نَهْيهم عن التأسِّي به.\nالثامن: بيانه جوازَ الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده أو (^٤) يعلمهم يفعلونه.\nالتاسع: بيانه إباحة الشيء عفوًا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقًا.\nالعاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيُحِيل الرب ﷾ على رسوله في بيانها، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالحِلُّ موقوف على شروط النكاح وانتفاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحلّ، فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كلِّه لم يكن الشيء منه زائدًا على النص فيكون نسخًا له، وإن كان رفعًا لظاهر إطلاقه.\nفهكذا كل حكمٍ منه - ﷺ - زائد على القرآن، هذا سبيله سواء بسواء، وقد قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه مسلم (١٣٦٢) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) ع: «و».","vol":"3","page":233},{"text":"ثم جاءت السنة بأن القاتل والكافر (^١) والرقيق (^٢) لا يرِث، [٧٢/أ] ولم يكن نسخًا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعًا، أعني في موجبات الميراث؛ فإن القرآن أوجبه بالولادة وحدها، فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدين وعدم الرقّ والقتل، فهلَّا قلتم: إن هذا زيادة على النص فيكون نسخًا والقرآن لا ينسخ بالسنة؟ كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث؛ لأنه زائد على القرآن.\nالوجه الخامس: أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخًا لا تُوجِب بل لا تُجوِّز مخالفتَها، فإن تسمية ذلك نسخًا اصطلاح منكم، والأسماء المتواضَع عليها التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص، فأين سمى الله أو رسوله ذلك نسخًا؟ وأين قال رسول الله - ﷺ - إذا جاءكم حديثي زائدًا على ما في كتاب الله فردُّوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخًا لكتاب الله؟ وأين قال الله: إذا قال رسولي قولًا زائدًا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به ورُدُّوه؟ وكيف يَسُوغ ردُّ سنن رسول الله - ﷺ - بقواعد قعَّدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان؟\nالوجه السادس: أن يقال: ما تَعْنُون بالنسخ الذي تضمَّنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية، أم تعنون به تغيُّرَ وصفه بزيادة شيء عليه من شرط أو قيد أو حال أو مانع أو ما هو أعمُّ من ذلك؟ فإن عنيتم الأول فلا ريبَ أن الزيادة لم تتضمن ذلك فلا تكون ناسخة، وإن عنيتم الثاني فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان\n_________\n(^١) تقدم تخريجهما.\n(^٢) رواه البخاري (٢٣٧٩) ومسلم (١٥٤٣) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"3","page":234},{"text":"حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا معارضته، بل غايتها مع المزيد عليه (^١) كالشروط والموانع والقيود والمخصصات، وشيء من ذلك لا يكون نسخًا يوجب إبطال الأول ورفعه رأسًا، وإن كان نسخًا بالمعنى العام الذي يسمِّيه السلف نسخًا، وهو رفع الظاهر بتخصيص أو تقييد (^٢) أو شرط [٧٢/ب] أو مانع؛ فهذا كثير من السلف يسميه نسخًا، حتى سمَّى الاستثناء نسخًا. فإن أردتم هذا المعنى فلا مُشاحَّةَ في الاسم (^٣)، ولكن ذلك لا يُسوِّغ ردَّ السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى، بل هو متفق عليه بين الناس، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخَ الخاص الذي هو رفع أصل (^٤) الحكم وجملته، بحيث يبقى بمنزلة ما لم يُشرَع البتةَ. وإن أردتم بالنسخ ما هو أعمُّ من القسمين ــ وهو رفع الحكم بجملته تارةً وتقييد مطلقه وتخصيص عامه وزيادة شرط (^٥) أو مانع تارة ــ كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين مقبولًا ومردودًا كما تبين؛ فليس الشأن في الألفاظ فسَمُّوا الزيادة ما شئتم (^٦)، فإبطالُ السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه.\nيوضِّحه الوجه السابع: أن الزيادة لو كانت ناسخةً لما جاز اقترانها\n_________\n(^١) «عليه» ليست في ع.\n(^٢) ت: «بتقييد أو تخصيص».\n(^٣) «في الاسم» ليست في ع.\n(^٤) «أصل» ساقطة من ع.\n(^٥) ع: «شرطة».\n(^٦) «ما شئتم» ساقطة من ع.","vol":"3","page":235},{"text":"بالمزيد؛ لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ، وقد جوّزتم اقترانها به (^١)، وقلتم: تكون بيانًا أو تخصيصًا، فهلّا كان حكمها مع التأخر كذلك، والبيان لا يجب اقترانه بالمبين، بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل؟ وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق فهو منتقضٌ بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم وجوب الإشعار بأنه سينسخه، ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأتِ ما يرفعه أو يرفع ظاهره؛ فحينئذٍ يعتقد موجبه لذلك، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به؛ إذ لا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها.\nيوضّحه الوجه الثامن: أن المكلَّف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيَّدًا بعدم ورود ما يرفع ظاهره، كما يعتقد المنسوخ مؤبَّدًا اعتقادًا مقيَّدًا بعدم ورود ما يُبطله، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه.\n[٧٣/أ] الوجه التاسع: أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخًا وإن تضمَّن رفع الإجزاء بدونه، كما صرَّح بذلك بعض أصحابكم وهو الحق؛ فكذلك إيجاب كل زيادة، بل أولى أن لا تكون نسخًا؛ فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن نفسه وعن غيره، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة.\nالوجه العاشر: أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخًا، وذلك أن الأحكام لم تُشرع جملةً واحدة، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئًا بعد شيء، وكل منها زائد على ما قبله، وكان ما قبله جميعَ الواجب، والإثم محطوط عمّن اقتصر عليه، وبالزيادة تغيَّر هذان\n_________\n(^١) «به» ليست في ت.","vol":"3","page":236},{"text":"الحكمان؛ فلم يبقَ الأولُ جميعَ الواجب، ولم يحطّ الإثم عمّن اقتصر عليه، ومع ذلك فليس الزائد ناسخًا للمزيد عليه؛ إذ حكمه من الوجوب وغيره باقٍ (^١)؛ فهكذا الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون ناسخًا له، حيث لم ترفع حكمه، بل هو باقٍ على حكمه وقد ضُمَّ إليه غيره.\nيوضِّحه الوجه الحادي عشر: أن الزيادة إن (^٢) رفعتْ حكمًا خطابيًّا كانت نسخًا، وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه وجزاؤه (^٣) لا ترفع حكم الخطاب، وإن رفع حكم الاستصحاب (^٤).\nيوضِّحه الوجه الثاني عشر: أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه مُجزِئًا وحده وكون الإثم محطوطًا عن المقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة الأصلية؛ فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول، ولا أريد به؛ فإن معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها، وحطُّ الذم عن فاعلها معناه أنه قد خرج من عهدة الأمر فلا يلحقه ذم، والزيادة وإن [٧٣/ب] رفعت هذه الأحكام لم ترفع حكمًا دلَّ عليه لفظ المزيد.\n\nيوضِّحه الوجه الثالث عشر: أن<span data-type=\"title\" id=toc-449> تخصيص القرآن بالسنة جائز</span>، كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بقوله - ﷺ -: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» (^٥)، وعموم قوله\n_________\n(^١) ت: «وغير مناف» تحريف.\n(^٢) د، ت: «وإن».\n(^٣) «وجزاؤه» ليست في ع.\n(^٤) ت: «الاستحباب».\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":237},{"text":"تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله - ﷺ -: «لا يرِث المسلم الكافر» (^١)، وعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بقوله - ﷺ -: «لا قطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ» (^٢)، ونظائر ذلك كثير؛ فإذا جاز التخصيص ــ وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ، وهو نقصان من معناه ــ فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفعَ شيء من مدلوله ولا نقصانه بطريق الأولى والأحرى.\nالوجه الرابع عشر: أن الزيادة لا توجب رفعَ المزيد لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا (^٣) ولا عقلًا، ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره أو ماله أو جاهه أو علمه أو ولده: إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس.\nبل نقول في الوجه الخامس عشر: إن الزيادة قررت حكم المزيد وزادته بيانًا وتأكيدًا؛ فهي كزيادة العلم والهدى والإيمان، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وقال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، وقال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]. فكذلك زيادة الواجب على الواجب إنما يزيد قوةً وتأكيدًا وثبوتًا، فإن كانت متصلة به اتصالَ الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له وأثبت وآكد، ولا ريب أن هذا أقرب إلى المعقول والمنقول والفطرة من جَعْلِ الزيادة مبطلة للمزيد عليه ناسخة له.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) «ولا عرفا» ليست في ع.","vol":"3","page":238},{"text":"الوجه السادس عشر: أن الزيادة لم تتضمن النهي عن المزيد ولا المنع منه، وذلك حقيقة [٧٤/أ] النسخ، وإذا انتفت حقيقة النسخ استحال ثبوته.\nالوجه السابع عشر: أنه لا بدّ في النسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ، وامتناع اجتماعهما، والزيادة غير منافية للمزيد عليه ولا اجتماعهما ممتنع.\nالوجه الثامن عشر: أن الزيادة لو كانت نسخًا لكانت إما نسخًا بانفرادها عن المزيد أو بانضمامها إليه، والقسمان محال؛ فلا يكون نسخًا. أما الأول فظاهر؛ فلأنها (^١) لا حكم لها بمفردها البتةَ؛ فإنها تابعة للمزيد عليه في حكمه. وأما الثاني فكذلك أيضًا؛ لأنها إذا كانت ناسخة بانضمامها إلى المزيد كان الشيء ناسخًا لنفسه ومُبطلًا لحقيقته، وهذا غير معقول. وأجاب بعضهم عن هذا بأن النسخ يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته، وهذا الجواب لا يُجدي عليهم شيئًا، والإلزام قائم بعينه؛ فإنه يوجب أن يكون المزيد عليه قد نسخَ حكم نفسه وجعل نفسه إذا انفرد (^٢) عن الزيادة غير مُجزِئ بعد أن كان مجزئًا.\nالوجه التاسع عشر (^٣): أن النقصان من العبادة لا يكون نسخًا لما بقي منها، فكذلك الزيادة عليها لا تكون نسخًا لها، بل أولى؛ لما تقدم.\nالوجه العشرون: أن نسخ الزيادة للمزيد عليه إما أن يكون نسخًا لوجوبه، أو لإجزائه، أو لعدم وجوب غيره، أو لأمر رابع، وهذا كزيادة\n_________\n(^١) ت: «فإنها».\n(^٢) ت: «انفردت».\n(^٣) د: «الثامن عشر»، وهكذا يستمر نقص العدد فيما بعد، بسبب التكرار هنا.","vol":"3","page":239},{"text":"التغريب مثلًا على المائة جلدة، لا يجوز أن تكون ناسخةً لوجوبها فإن الوجوب بحاله، ولا لإجزائها لأنها مجزئة عن نفسها، ولا لعدم وجوب الزائد لأنه رفعٌ لحكم عقلي وهو البراءة الأصلية؛ فلو كان رفعها نسخًا كان كلما أوجب الله شيئًا بعد الشهادتين قد نسخ به ما قبله، والأمر الرابع غير متصوَّر ولا معقول فلا يُحكم عليه.\nفإن قيل: بل ههنا أمر رابع معقول، وهو الاقتصار على الأول؛ [٧٤/ب] فإنه نسخ بالزيادة، وهذا غير الأقسام الثلاثة.\nفالجواب: أنه لا معنى للاقتصار غير عدم وجوب غيره، وكونه جميع الواجب، وهذا هو القسم الثالث بعينه غيَّرتم التعبير عنه وكسَوتموه عبارة أخرى.\nالوجه الحادي والعشرون: أن الناسخ والمنسوخ لا بدَّ أن يتواردا على محل واحد يقتضي المنسوخ ثبوته والناسخ رفعه، أو بالعكس، وهذا غير متحقق في الزيادة على النص.\nالوجه الثاني والعشرون: أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه دليل قائم بنفسه مستقلٌّ بإفادة حكمه، وقد أمكن العمل بالدليلين؛ فلا يجوز إلغاء أحدهما وإبطاله وإلقاء الحرب بينه وبين صاحبه وشقيقه؛ فإن كل ما جاء من (^١) عند الله فهو حق يجب اتباعه والعمل به، ولا يجوز إلغاؤه وإبطاله إلا حيث أبطله الله ورسوله بنص آخر ناسخٍ له لا يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ، وهذا بحمد الله منتفٍ في مسألتنا؛ فإن العمل بالدليلين يمكن، ولا\n_________\n(^١) ت: «عن».","vol":"3","page":240},{"text":"تعارضَ بينهما ولا تناقضَ بوجه؛ فلا يسوغ (^١) لنا إلغاء ما اعتبره الله ورسوله، كما لا يسوغ لنا اعتبار ما ألغاه، وبالله التوفيق.\nالوجه الثالث والعشرون: أنه إن كان القضاء بالشاهد واليمين ناسخًا للقرآن، وإثبات التغريب ناسخًا للقرآن، فالوضوء بالنبيذ أيضًا (^٢) ناسخ للقرآن، ولا فرقَ بينهما البتةَ، بل القضاء بالنكول ومعاقد القِمْط يكون ناسخًا للقرآن، وحينئذٍ فنسخُ كتاب الله بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مطعنَ فيها أولى من نسخه بالرأي والقياس والحديث الذي لا يثبت، وإن لم يكن نسخًا للقرآن لم يكن هذا نسخًا له، وأما أن يكون هذا نسخًا وذاك ليس بنسخ فتحكُّمٌ باطل وتفريق بين متماثلين.\nالوجه الرابع والعشرون: [٧٥/أ] أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها زيادة على نصّ القرآن إن كانت تستلزم نسخَه فقطعُ رِجل السارق في المرة الثانية نسخ؛ لأنه زيادة على القرآن، وإن لم يكن هذا نسخًا فليس ذلك نسخًا.\nالوجه الخامس والعشرون: أنكم قلتم لا يكون المهر أقلَّ من عشرة دراهم، وذلك زيادة على ما في القرآن (^٣)؛ فإن الله سبحانه أباح استحلال البُضْع بكل ما يسمَّى مالًا، وذلك يتناول القليل والكثير، فزدتم على القرآن بقياسٍ في غاية الضعف، وبخبرٍ في غاية البطلان؛ فإن جاز نسخ القرآن بذلك فلم لا يجوز نسخه بالسنة الصحيحة الصريحة؟ وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخًا.\n_________\n(^١) ت: «يجوز».\n(^٢) ت: «أيضا بالنبيذ».\n(^٣) «على ما في القرآن» ساقطة من ع.","vol":"3","page":241},{"text":"الوجه السادس والعشرون: أنكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله: «الطواف بالبيت صلاة» (^١)، وذلك زيادة على القرآن؛ فإن الله إنما أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة، فكيف لم تجعلوا ذلك نسخًا للقرآن وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين والتغريب في حدّ الزنا نسخًا للقرآن؟\nالوجه السابع والعشرون: أنكم مع الناس (^٢) أوجبتم الاستبراء في جواز وطء المَسْبيَّة بحديثٍ ورد زائدٍ على كتاب الله، ولم تجعلوا ذلك نسخًا له، وهو الصواب بلا شك، فهلّا فعلتم ذلك في سائر الأحاديث الزائدة على القرآن؟\nالوجه الثامن والعشرون: أنكم وافقتم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها بخبر الواحد، وهو زائد على كتاب الله (^٣) قطعًا، ولم يكن ذلك (^٤) نسخًا، فهلّا فعلتم ذلك في خبر القضاء بالشاهد واليمين والتغريب (^٥) ولم تعدُّوه نسخًا؟ وكلّ ما تقولونه في محل الوفاق يقوله لكم منازعوكم في محلّ النزاع حرفًا بحرفٍ.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٩٦٠) والدارمي (١٨٨٩)، وصححه ابن خزيمة (٢٧٣٩) وابن حبان (٣٨٣٦) والحاكم (١/ ٤٥٩) من حديث ابن عباس، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح رفعَه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ورجح النسائي والبيهقي الوقف. انظر: «التلخيص الحبير» (١/ ٢٢٥) و«الإرواء» (١/ ١٥٤).\n(^٢) «مع الناس» ليست في ع.\n(^٣) د: «الكتاب».\n(^٤) «ذلك» ليست في ت.\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":242},{"text":"الوجه التاسع والعشرون: أنكم قلتم: لا يفطر المسافر ولا يقصر في أقل من [٧٥/ب] ثلاثة أيام، والله تعالى قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وهذا يتناول الثلاثة وما دونها، فأخذتم بقياس ضعيف أو أثر (^١) لا يثبت في التحديد بالثلاث، وهو زيادة على القرآن، ولم تجعلوا ذلك نسخًا، فكذلك الباقي.\nالوجه الثلاثون: أنكم منعتم قطع من سرق ما يُسرِع إليه الفساد من الأموال مع أنه سارقٌ حقيقة ولغة وشرعًا بقوله: «لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ» (^٢)، ولم تجعلوا ذلك نسخًا للقرآن وهو زائد عليه.\nالوجه الحادي والثلاثون: أنكم رددتم السنن الثابتة عن رسول الله - ﷺ - في المسح على العمامة (^٣)، وقلتم: إنها زائدة على نصّ الكتاب (^٤) فتكون ناسخة له فلا تُقبل، ثم ناقضتم فأخذتم بأحاديث المسح على الخفين (^٥) وهي زائدة على القرآن، ولا فرقَ بينهما، واعتذرتم بالفرق بأن أحاديث المسح على الخفين متواترة بخلاف المسح على العمامة، وهو اعتذار فاسد، فإن من له اطلاعٌ على الحديث لا يشك في شهرة كل منهما وتعدُّدِ طرقها واختلافِ مخارجها وثبوتها عن النبي - ﷺ - قولًا وفعلًا.\n_________\n(^١) ت: «وأثر».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (٢٠٥) من حديث عمرو بن أمية الضمري - ﵁ -.\n(^٤) ت: «القرآن».\n(^٥) رواه البخاري (٣٨٧) ومسلم (٢٧٢) من حديث جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ -.","vol":"3","page":243},{"text":"الوجه الثاني والثلاثون: أنكم قبلتم شهادة المرأة الواحدة على الرضاع والولادة وعيوب النساء، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولم يصحّ الحديث به صحتَه بالشاهد واليمين، ورُدَّ (^١) ونحوه بأنه زائد على القرآن.\nالوجه الثالث والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - في أنه لا يحرِّم أقلُّ من خمس رضعات (^٢)، ولا تحرِّم الرضعة والرضعتان (^٣)، وقلتم: هي زيادة على القرآن، ثم أخذتم بخبر (^٤) لا يصح بوجهٍ ما في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو تساويها، ولم تَروه زيادة على [٧٦/أ] القرآن، وقلتم: هذا بيان للفظ السارق فإنه مجمل، والرسول بيَّنه بقوله: «لا تُقطع اليدُ في أقلَّ من عشرة دراهم» (^٥). فيا لله العجب! كيف كان هذا بيانًا ولم يكن حديث التحريم بخمس رضعات بيانًا لمجمل قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]! ولا تأتون بعذر في آية القطع إلا كان مثله أو أولى منه في آية الرضاع سواء بسواء (^٦).\n_________\n(^١) في المطبوع: «ورددتم هذا».\n(^٢) رواه مسلم (١٤٥٢) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) رواه مسلم (١٤٥١) من حديث أم الفضل - ﵂ -.\n(^٤) ع: «بحديث».\n(^٥) رواه أحمد (٦٩٠٠) والدارقطني (٣٤٢٨) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، والإسناد ضعيف، فيه الحجاج بن أرطاة متكلم فيه وهو مدلس، وقد عنعن الحديث، ولم يصرح بالتحديث. وانظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٥٥٣ - ٥٥٥).\n(^٦) «بسواء» ليست في ع.","vol":"3","page":244},{"text":"الوجه الرابع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - بالمسح على الجوربين (^١)، وقلتم: هي زائدة على القرآن، وجوَّزتم الوضوء بالخمر المحرمة من نبيذ التمر المسكر بخبر لا يثبت (^٢) وهو خلاف القرآن.\nالوجه الخامس والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - في الصوم عن الميت (^٣) والحج عنه (^٤)، وقلتم: هو زائد على قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ثم جوَّزتم أن تُعمل أعمال الحج كلها عن المغمى عليه، ولم تروه زائدًا على قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. وأخذتم بالسنة الصحيحة وأصبتم في حمل العاقلة الديةَ عن القاتل خطأً (^٥) ولم تقولوا هو زائد على قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، واعتذاركم بأن الإجماع ألجأكم إلى ذلك لا يفيد؛ لأن عثمان البتي ــ وهو من فقهاء التابعين ــ يرى أن (^٦) الدية على القاتل، وليس على العاقلة منها شيء (^٧)، ثم\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٥٩) والترمذي وصححه (٩٩) وابن ماجه (٥٥٩) وأحمد (١٨٢٠٦)، وصححه ابن خزيمة (١٩٨) وابن حبان (١٣٣٨) من حديث المغيرة - ﵁ -، وضعفه آخرون. انظر: «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» (١/ ٨١).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (١٩٥٢) ومسلم (١١٤٧) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) رواه البخاري (١٨٥٢) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) «أن» ليست في ت.\n(^٧) انظر: «المحلى» (١١/ ٢٥٩).","vol":"3","page":245},{"text":"هذا حجة عليكم أن تُجمِع الأمة على الأخذ بالخبر وإن كان زائدًا على القرآن.\nالوجه السادس والثلاثون: أنكم (^١) رددتم السنة الثابتة (^٢) عن رسول الله - ﷺ - في اشتراط المحرم أن يحلّ حيث حُبِس (^٣)، وقلتم: هو زائد على القرآن، فإن الله أمر بإتمام الحج والعمرة، والإحلال خلاف الإتمام، ثم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم لبن الفحل (^٤)، وهو زائد على ما في القرآن [٧٦/ب] قطعًا.\nالوجه السابع والثلاثون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - بالوضوء من مس الفرج (^٥) وأكل لحوم الإبل (^٦)، وقلتم: ذلك زيادة على القرآن؛ لأن الله تعالى إنما ذكر الغائط، ثم أخذتم (^٧) بحديث ضعيف في إيجاب الوضوء من القهقهة (^٨)، وخبر ضعيف في إيجابه من القيء (^٩)، ولم يكن إذ ذاك زائدًا\n_________\n(^١) «أنكم» ليست في ع.\n(^٢) «الثابتة» ليست في ع.\n(^٣) رواه البخاري (٥٠٨٩) ومسلم (١٢٠٧) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) رواه البخاري (٢٦٤٤) ومسلم (١٤٤٥) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٥) رواه أبو داود (١٨١) والترمذي وصححه (٨٢) وأحمد (٢٧٢٩٣) والدارقطني (٥٢٨) وصححه ابن حبان (١١١٦) والحاكم (١/ ١٣٦) من حديث بُسرة بنت صفوان - ﵂ -.\n(^٦) رواه مسلم (٣٦٠) من حديث جابر بن سمرة - ﵁ -.\n(^٧) ع: «أخذوا».\n(^٨) رواه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٠١)، ولا يصح. انظر: «نصب الراية» (١/ ٤٤ - ٥٠).\n(^٩) رواه ابن ماجه (١٢٢١)، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، في روايته عن الحجازيين كلام وهذه منها، والحديث ضعفه البيهقي (١/ ١٤٢)، ورجح جماعة من المتقدمين إرساله، منهم الذهلي وأبو حاتم والدارقطني. انظر: «سنن الدارقطني» (١/ ٢٨٠ - ٢٨٣) و«العلل» (١٤/ ٣٦١).","vol":"3","page":246},{"text":"على ما في القرآن إذ هو قول متبوعكم؛ فمن العجب إذا قال من قلّدتموه قولًا زائدًا على ما في القرآن قبلتموه وقلتم: ما قاله إلا بدليل، وسهُلَ عليكم مخالفة ظاهر القرآن حينئذٍ، وإذا قال رسول الله - ﷺ - قولًا زائدًا على ما في القرآن قلتم: هذا زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا يُنسخ بالسنة، فلم تأخذوا به، واستصعبتم خلاف ظاهر القرآن، فهان خلافُه إذا وافق قول من قلّدتموه، وصعُب خلافُه إذا وافق قول رسول الله - ﷺ -!\nالوجه الثامن والثلاثون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف لا يثبت في إيجاب المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة (^١)، ولم تروه زائدًا على القرآن، ورددتم السنة الصحيحة الصريحة في أمر المتوضئ بالاستنشاق (^٢)، وقلتم: هو (^٣) زائد على القرآن، فهاتوا لنا الفرقَ بين ما يُقبل من السنن الصحيحة وما يُردُّ منها، فإما أن تقبلوها كلها وإن زادت على القرآن، وإما أن تردّوها كلها إذا كانت (^٤) زائدة على القرآن. وأما التحكُّم في قبول ما شئتم منها وردّ ما شئتم، ممّا (^٥) لم يأذن به الله ولا رسوله، ونحن نشهد الله شهادة\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (٤٠٩)، وقال: هذا باطل، ولم يحدث به إلا بركة، وبركة هذا يضع الحديث. وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٨١).\n(^٢) رواه مسلم (٢٣٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) ت: «هذا».\n(^٤) ت: «وإن كانت».\n(^٥) ت: «فما».","vol":"3","page":247},{"text":"يسألنا عنها يوم نلقاه أنا لا نردُّ لرسول الله - ﷺ - سنة واحدة صحيحة أبدًا إلا بسنة صحيحة (^١) مثلها نعلم أنها ناسخة لها.\nالوجه التاسع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الصحيحة عن رسول الله - ﷺ -[٧٧/أ] في القَسْم للبكر سبعًا يفضلها بها على من عنده من النساء وللثيِّب ثلاثًا إذا أعرس بهما (^٢)، وقلتم: هذا زائد على العدل المأمور به في القرآن ومخالف له، فلو قبلناه (^٣) كنا قد نسخنا به القرآن، ثم أخذتم بقياس فاسد واهي (^٤) لا يصح في جواز نكاح الأمة لواجدِ الطَّول غير خائفٍ العنتَ إذا لم تكن تحته حرة، وهو خلاف ظاهر القرآن وزائدٌ عليه قطعًا.\nالوجه الأربعون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - بإسقاط نفقة المبتوتة وسكناها (^٥)، وقلتم: هو مخالف للقرآن، فلو قبلناه (^٦) كان نسخًا للقرآن به، ثم أخذتم بخبر ضعيف لا يصح أن عدة الأمة قُرْءانِ وطلاقها طلقتان (^٧)، مع كونه زائدًا على ما في القرآن قطعًا.\n_________\n(^١) «صحيحة» ليست في ت.\n(^٢) رواه البخاري (٥٢١٤) ومسلم (١٤٦١) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٣) ت: «قبلنا».\n(^٤) كذا في د بإثبات الياء. وفي ت: «واهن».\n(^٥) رواه مسلم (١٤٨٠) من حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ -.\n(^٦) ت: «قبلنا».\n(^٧) رواه أبو داود (٢١٨٩) والترمذي (١١٨٢)، وقال: «هذا حديث غريب»، ورواه ابن ماجه (٢٠٨٠) والحاكم (٢/ ٢٠٥) من حديث عائشة، وفي إسناده مظاهر بن أسلم المخزومي متكلم فيه، وقال البيهقي في «السنن الصغير» (٣/ ١٣٠): إنه حديث أنكره عليه أهل البصرة، وضعَّفه البخاري وغيره من الحفاظ، وكيف يصح ذلك وفي رواية زيد بن أسلم عن القاسم بن محمد أنه سئل عن ذلك فقيل له: أبلغك عن النبي - ﷺ - في هذا؟ فقال: لا.","vol":"3","page":248},{"text":"الوجه الحادي والأربعون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - في تخيير وليِّ الدم بين الدية أو القَوَد أو العفو (^١)، بقولكم: إنها زائدة (^٢) على ما في القرآن، ثم أخذتم بقياسٍ من أفسد القياس أنه لو ضربه بأعظم دبُّوس يوجد حتى ينثر دماغه على الأرض فلا قوَدَ عليه، ولم تروا ذلك مخالفًا لظاهر القرآن، والله تعالى يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].\nالوجه الثاني والأربعون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - بقوله: «لا يُقتَل مسلم بكافر» (^٣)، وقوله: «المؤمنون تتكافأُ دماؤهم» (^٤)، وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وأخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله - ﷺ - بأنه «لا قوَدَ إلا بالسيف» (^٥)، وهو مخالف لظاهر القرآن؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١١٢) ومسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) د: «زيادة».\n(^٣) رواه البخاري (٣٠٤٧) من حديث علي - ﵁ -.\n(^٤) رواه أبو داود (٤٥٣٠) والنسائي (٤٧٣٤) وأحمد (٩٩٣)، وصححه الحاكم (٢/ ١٤١) من طريق آخر. وانظر: «التلخيص الحبير» (٤/ ٢١٧) و«الإرواء» (٤/ ٢٥٠).\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":249},{"text":"الوجه الثالث والأربعون: أنكم أخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله [٧٧/ب]- ﷺ - في (^١) أنه «لا جمعةَ إلا في مصرٍ جامعٍ (^٢)» (^٣)، وهو مخالف لظاهر القرآن قطعًا وزائد عليه، ورددتم الخبر الصحيح الذي لا شكّ في صحته عند أحد من أهل العلم في أن كل بيِّعينِ فلا بيعَ بينهما حتى يتفرقا (^٤)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في وجوب الوفاء بالعقد.\nالوجه الرابع والأربعون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف «لا تُقطع الأيدي في الغزو» (^٥) وهو زائد على القرآن، وعدَّيتموه إلى سقوط الحدود على من فعل أسبابها في دار الحرب، وتركتم الخبر الصحيح الذي لا ريب في صحته في المصرَّاة (^٦)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن من عدة أوجه.\nالوجه الخامس والأربعون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف بل باطل في أنه لا يؤكل الطافي من السمك (^٧)، وهو خلاف ظاهر القرآن؛ إذ يقول تعالى:\n_________\n(^١) «في» ليست في ع.\n(^٢) «جامع» ليست في ت.\n(^٣) إنما ورد عن علي - ﵁ - موقوفًا رواه عبد الرزاق (٥١٧٧) وابن الجعد (٢٩٩٠) وابن أبي شيبة (٥٠٩٨)، وصححه ابن حجر في «الدراية» (١/ ٢١٤)، وأما مرفوعًا فإنه لا يروى في ذلك شيء. انظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (٤/ ٣٢١)، و«نصب الراية» (٢/ ١٩٥).\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) رواه البخاري (٢١٥٠) ومسلم (١٥١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٧) رواه أبو داود (٣٨١٥) وابن ماجه (٣٢٤٧) من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا، وإسناده ضعيف، فيه محمد بن مسلم بن تدرس مدلس ولم يصرح بالتحديث، وذكر النووي في «المجموع» (٩/ ٣٤) أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، واختلف في رفعه ووقفه. وانظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٦٤٤ - ٦٤٨) و«نصب الراية» (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٤).","vol":"3","page":250},{"text":"﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، فصيده ما صِيْدَ منه حيًّا، وطعامه قال أصحاب رسول الله - ﷺ -: هو (^١) ما مات فيه، صحَّ ذلك عن الصدّيق (^٢) وابن عباس (^٣) وغيرهما، ثم تركتم الخبر الصحيح المصرِّح بأن ميتته حلال (^٤) مع موافقته لظاهر القرآن.\nالوجه السادس والأربعون: أنكم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم كل ذي نابٍ من السباع ومِخْلبٍ من الطير (^٥)، وهو زائد على ما في القرآن، ولم تروه ناسخًا، ثم تركتم حديث حِلّ لحوم الخيل الصحيح الصريح (^٦)، وقلتم: هو مخالف لما في كتاب الله زائد عليه، وليس كذلك.\n_________\n(^١) «هو» ليست في ت، ع.\n(^٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٧/ ٨٩)، ووصله عبد الرزاق (٨٦٥٤) وابن أبي شيبة (٢٠١١٥) والدارقطني (٤٧٢٤).\n(^٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٧/ ٨٩)، ووصله سعيد بن منصور (٨٣٣ - التفسير) وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢٠١٢٥) من طريق آخر.\n(^٤) رواه أبو داود (٨٣) والنسائي (٥٩) والترمذي وصححه (٦٩) وابن ماجه (٣٨٦) وأحمد (٧٢٣٣)، وصححه ابن خزيمة (١١١) وابن حبان (١٢٤٣) والبغوي (٢٨١)، ونقل الترمذي في «العلل الكبير» (ص ٤١) تصحيحه عن البخاري.\n(^٥) رواه مسلم (١٩٣٤) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٦) رواه البخاري (٤٢١٩) ومسلم (١٩٤١) من حديث جابر - ﵁ -.","vol":"3","page":251},{"text":"الوجه السابع والأربعون: أنكم أخذتم بحديث المنع من توريث القاتل (^١) مع أنه زائد على القرآن، وحديث عدم القَوَد على قاتلِ ولدِه (^٢) وهو زائد على ما في القرآن، مع أن الحديثين ليسا في الصحة بذاك، وتركتم الأخذ بحديث إعتاق النبي - ﷺ - لصفية [٧٨/أ] وجَعْل عتقِها صداقَها (^٣) وصارت بذلك زوجة (^٤)، وقلتم: هذا خلاف ظاهر (^٥) القرآن، والحديث في غاية الصحة.\nالوجه الثامن والأربعون: أنكم أخذتم بالحديث الضعيف الزائد على ما في القرآن، وهو «كلّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه» (^٦)، فقلتم (^٧): هذا يدل على وقوع طلاق المُكرَه والسكران، وتركتم السنة الصحيحة (^٨) التي لا ريب في صحتها فيمن وجد متاعه بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحقُّ به (^٩)،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (٤٢٠٠) ومسلم (٢/ ١٠٤٥) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٤) ع: «زوجته».\n(^٥) ت: «ظاهر خلاف».\n(^٦) رواه الترمذي (١١٩١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ضعيف، فيه عطاء بن عجلان متكلم فيه، وورد موقوفًا عن علي - ﵁ - رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٧/ ٤٥)، ووصله عبد الرزاق (١١٤١٥) وسعيد بن منصور (١١١٥) وابن الجعد (٢٤٥٦)، وهو الصحيح.\n(^٧) د، ع: «فقالوا».\n(^٨) بعدها في ت: «الصريحة».\n(^٩) رواه البخاري (٢٤٠٢) ومسلم (١٥٥٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":252},{"text":"وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]. والعجب أن ظاهر القرآن مع الحديث متوافقان متطابقان؛ فإن منع البائع من الوصول إلى الثمن وإلى عينِ ماله إطعامٌ له بالباطل الغرماءَ؛ فخالفتم ظاهر القرآن مع السنة الصحيحة الصريحة.\nالوجه التاسع والأربعون: أخذتم بالحديث الضعيف وهو «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (^١)، ولم تقولوا: هو زائد على القرآن في قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وتركتم الحديث الصحيح في بقاء الإحرام بعد الموت وأنه لا ينقطع به (^٢)، وقلتم: هو خلاف ظاهر القرآن في قوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] وخلاف ظاهر قوله - ﷺ -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» (^٣).\nالوجه الخمسون: ردُّ السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - في وجوب الموالاة، حيث أمر الذي ترك لُمعةً من قدمهِ بأن يعيد الوضوء والصلاة (^٤)، وقالوا: هو (^٥) زائد على كتاب الله، ثم أخذوا بالحديث الضعيف الزائد على\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٨٥٠) وأحمد (١٤٦٤٣) والطبراني في «المعجم الأوسط» (٧٥٧٩)، وفي إسناده محمد بن مسلم بن تدرس مدلس وقد عنعنه، والحديث ضعفه ابن حجر، وذكر أن له طرقًا عن الصحابة وكلها معلولة. انظر: «الفتح» (٢/ ٢٤٢) و«التلخيص الحبير» (١/ ٤٢٠).\n(^٢) رواه البخاري (١٢٦٥) ومسلم (١٢٠٦) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٣) رواه مسلم (١٦٣١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) رواه مسلم (٢٤٣) من حديث عمر - ﵁ -.\n(^٥) ت: «هذا».","vol":"3","page":253},{"text":"كتاب الله في أن «أقلّ الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة» (^١).\nالوجه الحادي والخمسون: ردُّ الحديث الثابت عن رسول الله - ﷺ - في أنه (^٢) «لا نكاح إلا بوليّ» (^٣)، وأن «من نكحتْ نفسها فنكاحها باطل» (^٤)، وقالوا: هو زائد على كتاب الله؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ [٧٨/ب] أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (^٥) فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ثم أخذوا (^٦) بالحديث الضعيف الزائد على القرآن قطعًا في اشتراط الشهادة في صحة النكاح. والعجب أنهم استدلُّوا على ذلك بقوله: «لا نكاح إلا بوليٍّ مرشد\n_________\n(^١) رواه الطبراني في «الكبير» (٧٥٨٦) وفي «الأوسط» (٥٩٩)، وفي إسناده العلاء بن كثير متروك، ورماه ابن حبان بالوضع. والحديث ضعفه ابن حجر في «الدراية» (١/ ٨٤)، وحكم بنكارته الألباني في «الضعيفة» (١٤١٤).\n(^٢) ع: «أن».\n(^٣) رواه أبو داود (٢٠٨٥) والترمذي (١١٠١) وابن ماجه (١٨٨١) وأحمد (١٩٥١٨) من حديث أبي موسى الأشعري، وصححه ابن حبان (٤٠٧٧) والحاكم (٢/ ١٧٢) ونقل تصحيحه عن علي ابن المديني ومحمد بن يحيى الذهلي وجماعة. وانظر: «نصب الراية» (٣/ ١٨٣). وذكره الكتاني في «نظم المتناثر» (ص ١٤٧).\n(^٤) رواه أبو داود (٢٠٨٣) والترمذي وحسنه (١١٠٢) وابن ماجه (١٨٧٩) وأحمد (٢٤٢٠٥)، وصححه ابن حبان (٤٠٧٤) والحاكم (٢/ ١٦٨) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٥) في النسخ: «عليهن».\n(^٦) ت: «أخذتم».","vol":"3","page":254},{"text":"وشاهدَيْ عدل» (^١)، ثم قالوا: لا يفتقر إلى حضور الولي ولا عدالة الشاهدين.\nفهذا طرفٌ من بيان تناقض من ردَّ السنن بكونها زائدةً على القرآن فتكون ناسخة فلا تُقبل.\nالوجه الثاني والخمسون: أنكم تجوِّزون الزيادة على القرآن بالقياس الذي أحسنُ أحواله أن يكون للأمة فيه قولان: أحدهما أنه باطل منافٍ للدين، والثاني أنه صحيح مؤخَّر عن الكتاب والسنة؛ فهو في المرتبة الأخيرة، ولا تختلفون في جواز إثبات حكمٍ زائدٍ على القرآن به (^٢)، فهلّا قلتم: إن ذلك يتضمن نسخ الكتاب بالقياس؟\nفإن قيل: قد دلَّ القرآن على صحة القياس واعتباره وإثبات الأحكام به (^٣)، فما خرجنا عن موجب القرآن، ولا زدنا على ما في القرآن إلا بما دلَّنا عليه القرآن.\nقيل: فهلّا قلتم مثل هذا سواء في السنة الزائدة على القرآن، وكان قولكم ذلك في السنة أسعدَ وأصلحَ (^٤) من القياس الذي هو محلُّ آراء المجتهدين وعُرضةٌ للخطأ، بخلاف قول (^٥) من ضُمِنَتْ لنا العصمة في أقواله (^٦)،\n_________\n(^١) رواه الشافعي في «مسنده» (٢٢) موقوفًا عن ابن عباس بهذا اللفظ.\n(^٢) «به» ليست في ت.\n(^٣) «به» ساقطة من ع.\n(^٤) ت، ع: «أصح».\n(^٥) «قول» ليست في د.\n(^٦) في ت بعدها: «وأفعاله».","vol":"3","page":255},{"text":"وفرضَ الله علينا اتباعه وطاعته.\nفإن قيل: القياس بيان لمراد الله ورسوله من النصوص، وأنه أريد بها إثبات الحكم في المذكور في نظيره، وليس ذلك زائدًا على القرآن، بل تفسير له وتبيين.\nقيل: فهلّا قلتم: إن السنة بيان لمراد الله من القرآن، تفصيلًا لما أجمله، وتبيينًا لما سكت عنه، وتفسيرًا لما أبهمه، فإن الله سبحانه أمر بالعدل والإحسان [٧٩/أ] والبر والتقوى، ونهى عن الظلم والفواحش والعدوان والإثم، وأباح لنا الطيبات، وحرّم علينا الخبائث؛ فكل ما جاءت به السنة فإنها تفصيل لهذا المأمور به والمنهيّ عنه، والذي أحلَّ لنا وحرَّم علينا.\nوهذا يتبيَّن بالمثال التاسع عشر: وهو أن النبي - ﷺ - أمر في حديث النعمان بن بشير أن يعدل بين الأولاد في العطية، فقال: «اتقوا الله واعدِلوا بين أولادكم»، وفي الحديث: «إني لا أشهدُ على جَورٍ» فسماه جَورًا، وقال: «إن هذا لا يصلح»، وقال: «أَشْهِدْ على هذا غيري» (^١) تهديدًا له، وإلا فمن الذي (^٢) يطيب قلبه من المسلمين أن يشهد على ما حكم النبي - ﷺ - بأنه جَور وأنه لا يصلح وأنه خلافُ تقوى الله وأنه خلافُ العدل؟ وهذا الحديث هو من تفاصيل العدل الذي أمر الله به في كتابه، وقامت به السماوات والأرض، وانْبنَتْ (^٣) عليه الشريعة؛ فهو أشدُّ موافقةً للقرآن من كل قياس على وجه\n_________\n(^١) تقدم تخريج هذه الأحاديث.\n(^٢) «الذي» ليست في د.\n(^٣) ت، ع: «وأثبتت».","vol":"3","page":256},{"text":"الأرض، وهو محكم الدلالة غاية الإحكام، فردَّ بالمتشابه من قوله: «كلُّ أحدٍ أحقُّ بماله من ولده ووالده والناس أجمعين» (^١)، فكونه أحقَّ به يقتضي جواز تصرفه فيه كما يشاء، وبقياس متشابه على إعطاء الأجانب، ومن المعلوم بالضرورة أن هذا المتشابه من العموم والقياس لا يُقاوِم هذا المحكمَ المبيّن (^٢) غاية البيان.\nالمثال العشرون: ردُّ المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصرَّاة (^٣) بالمتشابه من القياس، وزعمهم أن هذا حديث يخالف الأصول فلا يُقبل. فيقال: الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أمته والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنة؛ فالحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل الباطل، والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله، وكلام (^٤) رسوله، وما عداهما فمردودٌ [٧٩/ب] إليهما؛ فالسنة أصل قائم بنفسه، والقياس فرع، فكيف يُردُّ الأصلُ بالفرع؟ قال الإمام أحمد (^٥): إنما القياس أن تقيس على أصل، فأما أن تجيء إلى الأصل فتهدِمه ثم تقيس، فعلى أي شيء تقيس؟\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور (٢٢٩٣) عن الحسن مرسلًا، ورواه الدارقطني (٤٥٦٨) والبيهقي (١٠/ ٣١٩) عن حبان بن أبي جبلة مرسلًا، وأعلّه البيهقي (١٠/ ٣١٩) بالإرسال، والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٥٩).\n(^٢) ع: «البين».\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) «كلام» ليست في ع.\n(^٥) انظر «العدة» لأبي يعلى (٤/ ١٣٣٦).","vol":"3","page":257},{"text":"وقد تقدّم بيان موافقة حديث المصرّاة للقياس، وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس، وأنه ليس في الشريعة حكم يخالف القياس الصحيح، وأما القياس الباطل فالشريعة كلها مخالفة له. ويا لله العجب! كيف وافق الوضوء بالنبيذ المشتدّ للأصول (^١) حتى قُبِل، وخالف خبر المصرّاة للأصول حتى رُدَّ؟\nالمثال الحادي والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في العرايا بالمتشابه من قوله: «التمر بالتمر مثلًا بمثلٍ سواء بسواء» (^٢)، فإن هذا لا يتناول الرطب بالتمر.\nفإن قيل: فأنتم رددتم خبر النهي عن بيع الرطب بالتمر (^٣) مع أنه محكم صريح صحيح، بحديث العرايا (^٤) وهو متشابه.\nقيل: فإذا كان عندكم محكمًا صحيحًا فكيف رددتموه بالمتشابه من اشتراط المساواة بين التمر والتمر (^٥)؟ فلا بحديث النهي أخذتم، ولا بحديث العرايا، بل خالفتم الحديثين معًا. وأما نحن فأخذنا بالسنن الثلاثة، ونزَّلنا كلَّ سنة على وجهها ومقتضاها، ولم نضرب بعضها ببعض، ولم نخالف شيئًا منها؛ فأخذنا بحديث النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلًا،\n_________\n(^١) ع: «الأصول».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) «والتمر» ليست في ع.","vol":"3","page":258},{"text":"وأخذنا بحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر مطلقًا، وأخذنا بحديث العرايا وخصصنا به عمومَ حديث النهي عن بيع الرطب بالتمر؛ اتباعًا لسنن رسول الله - ﷺ - كلها، وإعمالًا لأدلة الشرع جميعها، فإنها كلها حق، ولا يجوز ضرب الحق بعضه ببعض وإبطال بعضه ببعض، والله الموفق.\n\nالمثال الثاني والعشرون (^١): [٨٠/أ] ردُّ حديث القَسامة الصحيح الصريح المحكم (^٢) بالمتشابه من قوله: «لو يُعطَى الناسُ بدعواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (^٣). والذي شرع الحكم بالقسامة هو الذي شرع أن لا يُعطَى أحد بدعواه المجردة، وكلا الأمرين حق من عند الله، لا اختلاف فيه، ولم يُعطَ في القسامة بمجرد الدعوى، وكيف يليق بمن بهرتْ حكمةُ شرعه العقولَ أن لا يعطي المدّعي بمجرد دعواه عُودًا من أَراكٍ ثم يعطيه بدعوى مجردة دمَ أخيه المسلم؟ وإنما أعطاه ذلك بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقُه فوق تغليب الشاهدين، وهو اللَّوث (^٤) والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولًا في بيت عدوه، فقوَّى الشارع الحكيم (^٥) هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء القتيل الذين يبعد أو يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدمٍ ليس منه بسبيل، ولا يكون فيهم رجل رشيدٌ يراقب الله؟ ولو عُرِض على جميع\n_________\n(^١) ت: «الثاني والخمسون».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (٤٥٥٢) ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٤) ع: «الموت» تحريف.\n(^٥) ع: «الحكم».","vol":"3","page":259},{"text":"العقلاء هذا الحكم والحكم بتحليف العدو الذي وُجِد القتيل في داره بأنه ما قتله لرأوا أن ما (^١) بينهما من العدل كما بين الأرض والسماء، ولو سئل كل سليم الحاسّة (^٢) عن قاتل هذا لقال من وُجِد في داره، والذي يقضى منه العجب أن يُرى قتيل يتشحَّطُ في دمه وعدوه هاربٌ بسكينٍ ملطَّخةٍ بالدم ويقال: القول قوله، فيستحلفه بالله ما قتلَه ويخلّي سبيله، ويقدم ذلك على أحسن الأحكام وأعدلها وألصقها بالعقول والفطر، الذي لو اتفقت العقلاء لم يهتدوا لأحسنَ منه، بل ولا لمثله.\nوأين ما يتضمنه الحكم بالقسامة من حفظ الدماء إلى ما يتضمنه تحليف من لا يشكّ مع القرائن التي تفيد القطع أنه الجاني؟\nونظير هذا إذا رأينا رجلًا من أشراف الناس حاسرَ الرأس بغير عمامة، [٨٠/ب] وآخر أمامه يشتدُّ عدْوًا وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى؛ فإنا ندفع العمامة التي بيده إلى حاسر الرأس ونقبل قوله، ولا نقول لصاحب اليد: القول قولك مع يمينك.\nوقوله - ﷺ -: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم» لا يعارض القسامة بوجهٍ؛ فإنه إنما نفى (^٣) الإعطاء بدعوى مجردة.\nوقوله: «ولكن اليمين على المدَّعى عليه» هو في مثل هذه الصورة حيث لا يكون مع المدعي إلا مجرد الدعوى، وقد دلّ القرآن على رجم المرأة بلعان الزوج إذا نكلَتْ، وليس ذلك إقامةً للحد بمجرد أيمان الزوج، بل بها\n_________\n(^١) «ما» ساقطة من ت.\n(^٢) ت: «الحاسية».\n(^٣) ت: «بقي» تصحيف.","vol":"3","page":260},{"text":"وبنكولها، وهكذا في القسامة إنما يُقبَل فيها باللوث الظاهر والأيمان المتعدّدة المغلَّظة، وهاتان بيِّنتا هذين الموضعين. والبيناتُ تختلف بحسب أحوال المشهود به كما تقدم بأربعة شهود، وثلاثة، بالنص وإن خالفه من خالفه في بينة الإعسار، واثنان، وواحد ويمين، ورجل وامرأتان، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وأربعة أيمان، وخمسون يمينًا، ونكول وشهادة الحال، ووصف المالك اللقطة، وقيام (^١) القرائن، والشَّبه الذي يخبر به القائف، ومعاقد القِمْط، ووجوه الآجُرِّ في الحائط، وكونه معقودًا ببناء أحدهما عند من يقول بذلك؛ فالقسامة مع اللَّوث من أقوى البينات.\n\nالمثال الثالث والعشرون: ردّ السنة الثابتة المحكمة في النهي عن بيع الرطب بالتمر (^٢)، بالمتشابه من قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وبالمتشابه من قياسٍ في غاية الفساد، وهو قولهم: الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين وإما أن يكون جنسًا واحدًا، وعلى التقديرين فلا يُمنع بيع (^٣) أحدهما بالآخر، وأنت إذا نظرتَ إلى هذا القياس رأيته مصادمًا للسنة أعظمَ مصادمةٍ، ومع أنه فاسد [٨١/أ] في نفسه، بل هما جنس واحد أحدهما أزيدُ من الآخر قطعًا بلِينَتِه، فهو أزيدُ أجزاءً من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتمييزها، ولا يمكن أن يُجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به (^٤) عند الكمال؛ إذ هو ظنٌّ وحُسبان، فكان المنع من بيع أحدهما\n_________\n(^١) «قيام» ساقطة من ت، ع.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ع: «مع».\n(^٤) ع: «منه».","vol":"3","page":261},{"text":"بالآخر محضَ القياس لو لم تأتِ به سنة، وحتى لو لم يكن ربًا ولا القياس يقتضيه لكان أصلًا قائمًا بنفسه، يجب التسليم والانقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة (^١). ومن العجب ردُّ هذه السنة بدعوى أنها مخالفة للقياس والأصول، وتحريم بيع الكُسْب (^٢) بالسِّمْسِم ودعوى أن ذلك موافق للأصول، فكلُّ أحدٍ يعلم أن جريان الربا بين التمر والرطب أقربُ إلى الربا نصًّا وقياسًا ومعقولًا من جريانه بين الكُسْب والسمسم.\nالمثال الرابع والعشرون: ردُّ المحكم الصريح الصحيح من السنة بالإقراع بين الأعبد الستة الموصى بعتقهم (^٣)، وقالوا: هو خلاف الأصول، بالمتشابه من رأيٍ فاسد وقياس باطل، بأنهم إما أن يكون كلُّ واحد منهم قد استحقَّ العتق فلا يجوز نقله عنه إلى غيره، أو لم يستحقَّه فلا يجوز أن يُعتق منهم أحد، وهذا الرأي الباطل كما أنه في مصادمة السنة فهو فاسد في نفسه؛ فإن العتق إنما استحقّ في ثلث ماله ليس إلّا، والقياس والأصول تقتضي جمع الثلث في محل واحد. كما إذا أوصى بثلاثة دراهم وهي كل ماله، فلم يجز الورثة، فإنا ندفع إلى الموصى له درهمًا ولا نجعله شريكًا بثلث كل درهم، ونظائر ذلك؛ فهذا المعتق لعبيده (^٤) كأنه أوصى (^٥) بعتق ثلثهم؛ إذ هذا هو الذي يملكه، وفيه صحت الوصية؛ فالحكم بجمع الثلث في اثنين\n_________\n(^١) ع: «للحكمة».\n(^٢) عُصارة الدهن.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) ع: «لعبده».\n(^٥) «أوصى» ساقطة من ع.","vol":"3","page":262},{"text":"منهم (^١) أحسنُ عقلًا وشرعًا وفطرةً من جعْلِ الثلث شائعًا في كل واحدٍ واحدٍ منهم، فحكم رسول الله [٨١/ب]- ﷺ - في هذه المسألة خير من حكم غيره بالرأي المحض.\n\nالمثال الخامس والعشرون: ردُّ السنة الصريحة المحكمة في تحريم الرجوع في الهبة إلا للوالد (^٢)، برأي متشابه فاسد اقتضى عكسَ السنة، وأنه يجوز الرجوع في الهبة لكل أحد إلا لوالد أو لذي رحم مَحْرم أو لزوج أو زوجة أو (^٣) يكون الواهب قد أثيب منها، ففي هذه المواضع الأربعة يمتنع (^٤) الرجوع، وفرَّقوا بين الأجنبي والرحم بأن هبة القريب صلة ولا يجوز قطعها، وهبة الأجنبي تبرُّعٌ وله أن يُمضِيه وأن لا يُمضِيه، وهذا مع كونه مصادمًا للسنة مصادمةً محضة فهو فاسد؛ لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في مِلْكه، وجاز له (^٥) التصرُّف فيها؛ فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه (^٦) منه بغير رضاه، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، وأما الوالد فولده جزء منه، وهو وماله لأبيه، وبينهما من البعضية ما يوجب شدة الاتصال، بخلاف الأجنبي.\n_________\n(^١) ت: «منهما».\n(^٢) رواه أبو داود (٣٥٣٩) والترمذي وصححه (١٢٩٩) وابن ماجه (٢٣٧٧) وأحمد (٢١١٩)، وصححه ابن حبان (٥١٢٣) والحاكم (٢/ ٤٦) من حديث ابن عباس وابن عمر - ﵃ -.\n(^٣) ت: «و».\n(^٤) ع: «تمنع».\n(^٥) «له» ليست في ت.\n(^٦) ت: «الملكية».","vol":"3","page":263},{"text":"فإن قيل: لم نخالفه إلا بنص محكم صريح صحيح، وهو حديث سالم عن أبيه عن النبي - ﷺ -: «من وَهَبَ هبةً فهو أحقُّ بها ما لم يُثَبْ منها» (^١)، قال البيهقي (^٢): قال لنا أبو عبد الله ــ يعني الحاكم ــ: هذا حديث صحيح، إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا. يريد أحمد بن إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي. ورواه الحاكم (^٣) من حديث عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الواهبُ أحقُّ بهبته ما لم يُثَبْ»، وفي كتاب الدارقطني (^٤) من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي - ﷺ - قال: «إذا كانت الهبةُ لذي رحم مَحْرمٍ لم يرجع فيها». وفي «الغَيلانيات» (^٥): ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي [٨١ مكرر/أ] يحيى (^٦) عن محمد بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -: «من وَهَب هبةً فارتجعَ بها فهو أحقُّ بها ما لم يُثَبْ منها، ولكنه كالكلب يعود في قيئه» (^٧).\nفالجواب: أن هذه الأحاديث لا تثبت، ولو ثبتت لم تَحلَّ مخالفتها،\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (٢٩٦٩) والحاكم (٢/ ٥٢) ومن طريقه البيهقي (٦/ ١٨٠ - ١٨١).\n(^٢) لم أقف عليه في كتبه، وهو في «المستدرك» (٢/ ٥٢).\n(^٣) لم أجده في «المستدرك» ولكن أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٦/ ١٨١) من طريقه.\n(^٤) «سنن الدارقطني» (٢٩٧٣)، وأخرجه أيضًا البيهقي (٦/ ١٨١).\n(^٥) لم أجده في «الغيلانيات». والراوي عن ابن أبي يحيى: يحيى بن غيلان عند الدارقطني، وهو غير صاحب «الغيلانيات».\n(^٦) كذا في النسخ: «محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى»، والصواب حذف «محمد بن».\n(^٧) رواه الدارقطني (٢٩٧٥)، وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي متكلم فيه، وبه أعلَّه ابن عبد الهادي وضعّفه في «التنقيح» (٤/ ٢٢٧).","vol":"3","page":264},{"text":"ووجب العمل بها وبحديث «لا يَحلُّ لواهبٍ أن يرجع في هبته» (^١)، ولا يبطل أحدهما بالآخر، ويكون الواهب الذي لا يحلّ له الرجوع: مَن وهب تبرُّعًا محضًا لا لأجل العوض، والواهب الذي له الرجوعُ: مَن وهب ليتعوَّض من هبته ويُثاب منها، فلم يفعل المتّهب، ونَستعمل سنن رسول الله - ﷺ - كلها، ولا نَضرِب بعضها ببعض.\nأما حديث ابن عمر، فقال الدارقطني: لا يثبت مرفوعًا، والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله (^٢). وقال البيهقي (^٣): ورواه علي بن سهل بن المغيرة عن عبيد الله بن موسى ثنا حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله، فذكره (^٤)، وهو غير محفوظ بهذا الإسناد، وإنما يروى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع، وإبراهيم ضعيف. انتهى. وقال الدارقطني: غلط فيه علي بن سهل (^٥). انتهى.\nوإبراهيم بن إسماعيل هذا قال أبو نعيم: لا يساوي حديثه فلْسَين. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. وقال يحيى بن معين: إبراهيم بن إسماعيل المكي (^٦) ليس بشيء (^٧). قال البيهقي: والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) «العلل» (٢/ ٥٧) و«سنن الدارقطني» (٢٩٦٩).\n(^٣) ينظر: «السنن الكبرى» (٦/ ١٨١).\n(^٤) «فذكره» ليست في ت.\n(^٥) انظر: «العلل» (٢/ ٥٨)، والمؤلف صادر عن «التحقيق» لابن الجوزي (٢/ ٢٣١).\n(^٦) «المكي» ليست في ت.\n(^٧) انظر هذه الأقوال في: «الجرح والتعديل» (٢/ ٨٤) و«تاريخ ابن معين» برواية الدوري (٣/ ٦٢).","vol":"3","page":265},{"text":"سالم عن أبيه عن عمر: «من وهَبَ هبةً فلم يُثَبْ منها فهو أحقُّ بها إلا لذي رحم محرم» (^١). قال البخاري: هذا أصح (^٢).\nوأما حديث عبيد الله بن موسى عن حنظلة فلا أراه إلا وهمًا.\nوأما حديث حماد بن سلمة فمن رواية عبد الله بن جعفر الرقّي عن ابن المبارك، وعبد الله هذا ضعيف عندهم (^٣).\nوأما حديث ابن عباس فمحمد بن عبيد الله فيه هو العَرْزَمي، ولا تقوم [٨١ مكرر/ب] به حجة، قال الفلّاس والنسائي: هو متروك الحديث (^٤). وفيه إبراهيم بن يحيى (^٥)، قال مالك ويحيى بن سعيد وابن معين: هو كذاب. وقال الدارقطني: متروك (^٦).\nفإن لم تصحّ هذه الأحاديث لم يُلتفَت إليها، وإن صحَّت وجب حملُها على من وهَبَ للعوض، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور ومن طريقه ابن حزم في «المحلّى» (٩/ ١٢٨) والبيهقي (٦/ ١٨١) موقوفًا على عمر، وقد تقدم تخريجه مرفوعًا.\n(^٢) «السنن الكبرى» (٦/ ١٨١)، وعبارة البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٢٧١).\n(^٣) بل وثّقه الحفاظ، ولم يكن تغيره فاحشًا. انظر: «تهذيب الكمال» (١٤/ ٣٧٦) و«التنقيح» لابن عبد الهادي (٤/ ٢٢٩).\n(^٤) «الجرح والتعديل» (٨/ ٢) و«الضعفاء والمتروكون» للنسائي (ص ٩١).\n(^٥) صوابه «بن أبي يحيى».\n(^٦) انظر هذه الأقوال: في «الكامل» لابن عدي (١/ ٣٥٣) و«تاريخ ابن معين» رواية الدوري (٣/ ١٦٥) و«سنن الدارقطني» (٣٢٥٩).","vol":"3","page":266},{"text":"المثال السادس والعشرون: ردُّ السنة المحكمة في القضاء (^١) بالقافة (^٢)، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: لو ادَّعاه اثنان ألحقناه بهما، وكان هذا مقتضى الأصول.\nونظير هذا المثال السابع والعشرون: ردُّ السنة المحكمة الثابتة (^٣) في جعل الأَمة فِراشًا وإلحاق الولد بالسيد (^٤) وإن لم يدَّعِه، وقالوا: هو خلاف الأصول، والأَمة لا تكون فراشًا. ثم قالوا: لو تزوَّجها وهو بأقصى بُقعةٍ في المشرق وهي بأقصى بُقعةٍ في المغرب وأتتْ (^٥) بولد لستة أشهر لحقه، وإن علمنا بأنهما لم يتلاقيا قطُّ، وهي فِراش بالعقد، فأمته التي يطؤها ليلًا ونهارًا ليست بفراش، وهذه فراش! وهذا مقتضى الأصول، وحكم رسول الله - ﷺ - خلاف الأصول على لازم قولهم (^٦).\nونظير هذا قياسُ الحَدَث على السلام في الخروج من الصلاة بكل واحد منهما، ودعوى أن ذلك موجب الأصول، مع بُعدِ ما بين الحدث والسلام، وترك قياس نبيذ التمر المسكر على عصير العنب المسكر في تحريم قليلِ كلٍّ منهما مع شدة الأُخوَّة بينهما، ودعوى (^٧) أن ذلك خلاف الأصول.\n_________\n(^١) ت: «القضايا».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) د: «الثابتة المحكمة».\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) ت: «فأتت».\n(^٦) «على لازم قولهم» ليست في ع.\n(^٧) «ودعوى» ساقطة من ت.","vol":"3","page":267},{"text":"ونظيره أن الذمي لو منع دينارًا واحدًا من الجزية انتقض عهده، وحلَّ ماله ودمه، ولو حرَّق الكعبة البيت الحرام ومسجدَ رسول الله - ﷺ - وجاهر بسبِّ الله ورسوله أقبحَ سبٍّ على رؤوس المسلمين فعهدُه باقٍ [٨٢/أ] ودمه معصوم، وعدم النقض بذلك مقتضى الأصول، والنقض بمنع الدينار مقتضى الأصول.\nونظيره أيضًا إباحة قراءة القرآن بالعجمية، وأنه مقتضى الأصول، ومَنْع رواية الحديث بالمعنى، وهو خلاف الأصول.\nونظيره إسقاط الحدّ عمن استأجر امرأة ليزني بها أو تَغسِل ثيابه فزنى بها، وأن هذا مقتضى الأصول، وإيجاب الحدّ على الأعمى إذا وجد على فراشه امرأة فظنَّها زوجتَه فبانت أجنبية.\nونظيره أيضًا مَنْع المصلي من الصلاة بالوضوء من ماء يبلغ قناطيرَ مقنطرةً وقعت فيه قطرةُ دمٍ أو بولٍ، وإباحتهم له أن يصلِّي في ثوبٍ رُبعه متلطِّخ بالبول، وإن كان عَذِرَةً فقدر (^١) راحة الكفّ.\nونظيره دعواهم أن الإيمان واحد، والناس فيه سواء، وهو مجرّد التصديق، وليست الأعمال داخلةً في ماهيته، وأن من مات ولم يصلِّ صلاةً قطُّ في عمره مع قدرته وصحة جسمه وفراغه فهو مؤمن، وتكفيرهم من يقول مُسيجِد أو فُقَيِّه بالتصغير أو يقول للخمر أو السماع المحرم: ما أطْيبَه وألذَّه.\n_________\n(^١) ت: «بقدر».","vol":"3","page":268},{"text":"ونظير ذلك أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فقال: «صَدَقوا» سقط عنه الحد بتصديقهم، ولو قال: «كذبوا عليَّ» حُدَّ.\nونظيره أنه لا يصحُّ استئجار دارٍ تُجعل مسجدًا يصلّي فيه المسلمون، وتصحّ إجارتُها كنيسةً يُعبد فيها الصليب والنار.\nونظيره أنه لو قهقه في صلاته بطل وضوؤه، ولو غنَّى في صلاته أو قذَفَ المحصنات أو شهد بالزور فوضوؤه بحاله.\nونظيره أنه لو وقع في البئر فأرة فنجست البئر؛ فإذا نُزِع منها دلو فالدلو والماء نجسان، ثم هكذا إلى تمام كذا وكذا دلوًا، فإذا نزع الدلو الذي قبل الأخير فرشْرَشَ على حيطان البئر [٨٢/ب] نجَّسَها كلها، فإذا جاءت النوبة إلى الدلو الأخير قَشْقَشَ النجاسة كلها من البئر وحيطانها، وطيَّبها (^١) بعد أن كانت نجسة.\nونظيره إنكار كون القرعة التي ثبت فيها ستةُ أحاديث عن رسول الله - ﷺ - (^٢) وفيها آيتان من كتاب الله طريقًا للأحكام الشرعية، وإثبات حِلّ الوطء بشهادة الزور التي يعلم المقدوح (^٣) أنها شهادة زور، وبها فرق الشاهدان بين الرجل والمرأة (^٤).\nونظير هذا إيجاب الاستبراء على السيّد إذا ملك امرأة بِكرًا لا يُوطأ\n_________\n(^١) في المطبوع: «وطينها» خلاف جميع النسخ.\n(^٢) تقدم تخريج بعضها.\n(^٣) د: «المتزوج».\n(^٤) ع: «وامرأته».","vol":"3","page":269},{"text":"مثلُها، مع العلم القطعي ببراءة رحمها، وإسقاطه عمن (^١) أراد وطء الأمة التي وطئها سيدها البارحة ثم اشتراها هو فملَّكها لغيره ثم وكَّله في تزويجها منه، فقالوا (^٢): يحلُّ له وطؤها، وليس بين وطء بائعها ووطئه هو إلا ساعةٌ من نهار.\nونظير هذا في التناقض إباحة نكاح المخلوقة من ماء الزاني مع كونها بعضه، مع تحريم المرضَعَة من لبن امرأته لكون اللبن ثاب بوطئه فقد صار فيه جزء منه. فيا لله العجب! كيف انتهض هذا الجزء اليسير سببًا للتحريم ثم يُباح له وطؤها وهي جزؤه الحقيقي وسُلالته؟ وأين تشنيعكم وإنكاركم لاستمناء الرجل بيده عند الحاجة خوفًا من العَنَت، ثم تجوِّزون له وطء بنته المخلوقة من مائه حقيقة؟\nونظير هذا لو ادَّعى على ذمي حقًّا وأقام به شاهدين عبدين عالمين صالحين مقبولةً شهادتُهما على رسول الله - ﷺ - لم تُقبل شهادتهما عليه، فإن أقام به شاهدين كافرين حرَّين قُبِلت شهادتهما عليه مع كونهما من (^٣) أكذب الخلق على الله وأنبيائه ودينه.\nونظير هذا لو تداعيَا حائطًا لأحدهما [٨٣/أ] عليه خشبتان، وللآخر عليه ثلاث خشبات، ولا بينةَ، فهو كله لصاحب الخشبات الثلاث؛ فلو كان لأحدهما ثلاث خشبات وللآخر مائة خشبة فهو بينهما نصفين.\n_________\n(^١) ع: «ممن».\n(^٢) د: «فقالوا له».\n(^٣) «من» ليست في ت.","vol":"3","page":270},{"text":"ونظير هذا لو اغتصب نصراني رجلًا على ابنته أو امرأته أو حرمته وزنى بها، ثم شدَخَ رأسها بحجرٍ أو رمى بها من أعلى شاهقٍ حتى ماتت، فلا حدَّ عليه ولا قصاص؛ فلو قتله المسلم صاحب الحرمة بقصبة محدَّدةٍ قُتِل به.\nونظير هذا أنه لو أُكرِه على قتل ألفِ مسلمٍ أو أكثر بسَجْنِ شهرٍ (^١) وأَخْذِ شيء من ماله فقَتلَهم فلا قوَدَ عليه ولا دية، حتى إذا أُكرِه بالقتل على عِتق أمته أو طلاق زوجته لزمه حكم العتق والطلاق (^٢)، ولم يكن الإكراه مانعًا من نفوذ حكمنا عليه (^٣)، مع أن الله سبحانه أباح التكلُّم بكلمة الكفر مع الإكراه، ولم يبح قتل المسلم بالإكراه أبدًا.\nونظير هذا إبطال الصلاة بتسبيحِ من نابَه شيء في صلاته، وقد أمر به (^٤) النبي - ﷺ - (^٥)، وتصحيح صلاة من ركع ثم خرَّ ساجدًا من غير أن يقيم صلبه، وقد أبطلها النبي - ﷺ - بقوله: «لا تُجزِئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في ركوعه وسجوده» (^٦)، ودعوى أن ذلك مقتضى الأصول.\nونظيره أيضًا إبطال الصلاة بالإشارة لردّ السلام أو غيره، وقد أشار النبي\n_________\n(^١) ت: «يسجن شهرًا».\n(^٢) د: «الطلاق والعتق».\n(^٣) «عليه» ليست في ع.\n(^٤) «به» ساقطة من ع.\n(^٥) رواه البخاري (١٢١٨) ومسلم (٤٢١) من حديث سهل بن سعد - ﵄ -.\n(^٦) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":271},{"text":"- ﷺ - في صلاته بردِّ السلام (^١)، وأشار الصحابة برؤوسهم تارةً (^٢) وبأكفِّهم تارة (^٣)، وتصحيحها مع ترك الطمأنينة وقد أمر بها النبي - ﷺ - ونفى الصلاة بدونها (^٤)، وأخبر أن صلاة النَّقْر صلاة المنافقين (^٥)، وأخبر حذيفة أن من صلى كذلك لقي الله على غير الفطرة التي فطر الله عليها رسوله - ﷺ - (^٦)، وأخبر النبي - ﷺ - أن من لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده أسوأ الناس سرقةً (^٧)، [٨٣/ب] وهذا يدلُّ على أنه أسوأ حالًا عند الله من سُرَّاق الأموال.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٩٢٧) والترمذي وصححه (٣٦٨) وأحمد (٢٣٨٨٦) من طريق هشام بن سعد عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -. ورواه ابن ماجه (١٠١٧) وابن خزيمة أيضًا وصححه (٨٨٨) وابن حبان (٢٢٥٨) من طريق ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) روى البخاري (٨٦) ومسلم (٩٠٥) عن أسماء أن عائشة أشارت برأسها لها في قصة الكسوف.\n(^٣) روى مسلم (٤٣٠، ٤٣١) عن جابر بن سمرة أنهم كانوا يشيرون بأيديهم عند السلام، فأنكر عليهم ولم يُبطل صلاتهم.\n(^٤) تقدم تخريجه في حديث المسيء صلاته.\n(^٥) رواه مسلم (٦٢٢) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٦) رواه البخاري (٧٩١).\n(^٧) رواه أحمد (١١٥٣٢) وأبو داود الطيالسي (٢٣٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري، وإسناده ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان، وله شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن خزيمة وصححه (٦٦٣)، وصححه الحاكم أيضًا (١/ ٢٢٩)، وله شاهد آخر من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند ابن حبان وصححه (١٨٨٨)، وصححه الحاكم (١/ ٢٢٩).","vol":"3","page":272},{"text":"ونظير هذا قولهم: لو أن رجلًا مسلمًا طاهر البدن عليه جنابة غمس يده في بئرٍ بنية رفع الحدث صارت البئر كلها نجسة، يحرم شرب مائها والوضوء منه والطبخ به (^١)؛ فلو اغتسل فيها مائة نصراني قُلْفٌ (^٢) عابدو الصليب (^٣) أو مائة يهودي فماؤها باقٍ على حاله طاهرٌ مطهِّر يجوز الوضوء به وشربه والطبخ (^٤) به.\nونظيره لو ماتت فأرة في ماء فصُبَّ ذلك الماء في بئر لم يُنزَح منها إلا عشرون دلوًا فقط، وتطهر بذلك، ولو توضأ رجل مسلم طاهر الأعضاء بماء فسقط ذلك الماء في البئر فلا بدَّ أن تُنزح كلها.\nونظير هذا قولهم: لو عقد على أمه أو أخته أو ابنته ووطئها وهو يعلم أن الله حرَّم (^٥) ذلك فلا حدَّ عليه؛ لأن صورة العقد شبهة، ولو رأى امرأة في الظلمة ظنَّها امرأته فوطئها فعليه الحدُّ، ولم يكن ذلك شبهة.\nونظيره قولهم: لو أنه رَشَا شاهدين فشهدا بالزور المحض أن فلانًا طلّق امرأته ففرّق الحاكم بينهما جاز له أن يتزوجها ويطأها حلالًا، بل ويجوز لأحد الشاهدين ذلك؛ فلو حكم حاكم بصحة هذا العقد لم يجز نقض حكمه، ولو حكم حاكم بالشاهد واليمين لنقض (^٦) حكمه وقد حكم به\n_________\n(^١) ت: «منه».\n(^٢) جمع أقلف بمعنى غير المختون.\n(^٣) ع: «الصلبان».\n(^٤) د: «والطبيخ».\n(^٥) ع: «حرم عليه».\n(^٦) ع: «ينقض».","vol":"3","page":273},{"text":"رسول الله - ﷺ - (^١).\nونظير ذلك قولهم: لو تزوَّج امرأة فخرجت مجنونة بَرْصاء من قَرْنِها (^٢) إلى قدمها مُجذَّمةً عمياء مقطوعة الأطراف فلا خيار له، وكذلك إذا وجدت هي الزوج كذلك فلا خيار لها، وإن خرج الزوج من خيار عباد الله (^٣) وأغناهم وأجملهم وأعلمهم وليس له أبوان في الإسلام وللزوجة أبوان في الإسلام فلها الفسخ بذلك.\nونظيره [٨٤/أ] قولهم: يصح نكاح الشِّغار، ويجب فيه مهر المثل، وقد صح نهي رسول الله - ﷺ - عنه وتحريمه إياه، ولا يصح نكاح من أعتق أمة وجعل عِتقَها صداقَها وقد فعله رسول الله - ﷺ -.\nونظيره قولهم: يصح نكاح التحليل، وقد صحّ لعنة رسول الله - ﷺ - لمن فعله من رواية عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب (^٤)، ولا يصح نكاح الأمة لمضطرٍّ خائف العَنَت عادمِ الطَّول إذا كان تحته حرّة ولو كانت عجوزًا شوهاءَ لا تُعِفُّه.\nونظيره قولهم: يجوز بيع الكلب، وقد منع منه رسول الله (^٥) - ﷺ -، وتحريم بيع المدبَّر وقد باعه رسول الله (^٦) - ﷺ -.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ت، ع: «فرقها».\n(^٣) ت: «عبد الله».\n(^٤) تقدم تخريجها.\n(^٥) رواه البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧) من حديث أبي مسعود البدري - ﵁ -.\n(^٦) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":274},{"text":"ونظيره قولهم: للجار أن يمنع جاره أن يَغْرِز خشبةً هو محتاج إلى غَرْزها في حائطه وقد نهاه رسول الله - ﷺ - عن منعه (^١)، وتسليطهم إياه على انتزاع داره كلها منه بالشفعة بعد وقوع الحدود وتصريف الطرق وقد أبطلها رسول الله - ﷺ - (^٢).\nونظيره قولهم: لا يُحكم بالقسامة لأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يحلف الذين وُجِد القتيل في محلّتهم ودارهم خمسين يمينًا ثم يُقضى عليهم بالدية. فيا لله العجب! كيف (^٣) كان هذا وَفْق الأصول وحكمُ رسول الله - ﷺ - خلاف الأصول؟\nونظيره قولهم: لو تزوج امرأة فقالت له امرأة أخرى: أنا أرضعتُك وزَوْجتَك، أو (^٤) قال له رجل: هذه أختك من الرضاعة، جاز له تكذيبها ووطء الزوجة، مع أن هذه هي الواقعة التي أمر رسول الله - ﷺ - عقبة بن الحارث بفراق امرأته لأجل قول الأمة السوداء إنها أرضعتْهما (^٥).\nولو اشترى [٨٤/ب] طعاما أو ماء (^٦) فقال له رجل: هذا ذبيحة مجوسي (^٧) أو نجس لم يسَعْه أن يتناوله، مع أن الأصل في الطعام والماء\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (٢٢١٣)، ومسلم (١٦٠٨) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٣) ت: «فكيف».\n(^٤) ت: «و».\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) «أو ماء» ليست في ع.\n(^٧) ع: «يهودي».","vol":"3","page":275},{"text":"الحلُّ، والأصل في الأبضاع التحريم، ثم قالوا: لو قال المخبر (^١): هذا الطعام والشراب لفلان سرقه أو غصَبَه منه فلان، وسِعَه أن يتناوله.\nونظير هذا قولهم: لو أسلم وتحته أختان وخيَّرناه فطلّق إحداهما كانت هي المختارة، والتي أمسكها هي المفارقة (^٢)، قالوا: لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة، وأصحاب أبي حنيفة تخلَّصوا من هذا، فإنه (^٣) إن عقدَ على الأختين في عقد واحد فسد نكاحهما واستأنف نكاح من شاء منهما، وإن تزوج واحدة بعد واحدة فنكاح الأولى هو الصحيح، ونكاح الثانية فاسد.\nولكن لزمهم نظيره في مسألة العبد إذا تزوّج بدون إذن سيده كان موقوفًا على إجازته، فلو قال له: طلِّقها طلاقًا رجعيًّا، كان ذلك إجازة منه (^٤) للنكاح، فلو قال له: طلِّقها، ولم يقل: رجعيًّا، لم يكن إجازةً للنكاح، مع أن الطلاق في هذا النكاح لا يكون إلّا رجعيًّا إلّا (^٥) بعد الإجازة وقبل الدخول، وأما قبل الإجازة والدخول فلا ينقسم إلى بائن ورجعي.\nالمثال الثامن والعشرون: ردّ السنة الصحيحة الصريحة (^٦) المحكمة في أن من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح (^٧)،\n_________\n(^١) «المخبر» ليست في ع.\n(^٢) «والتي أمسكها هي المفارقة» ساقطة من ع.\n(^٣) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «بأنه».\n(^٤) ت: «منه إجازة».\n(^٥) كذا بتكرار «إلا» في جميع النسخ، والأولى حذف إحداهما.\n(^٦) د، ع: «الصريحة الصحيحة».\n(^٧) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":276},{"text":"بكونها خلاف الأصول، وبالمتشابه من نهيه - ﷺ - عن الصلاة وقت طلوع الشمس (^١)، قالوا: والعامّ عندنا يعارض الخاص؛ فقد تعارض حاظر ومبيح، فقدّمنا الحاظر احتياطًا؛ فإنه يوجب عليه إعادة الصلاة، وحديث الإتمام يجوز له المضيُّ فيها، وإذا تعارضا [٨٥/أ] صرنا إلى النص الذي يوجب الإعادة لتتيقَّن براءة الذمة.\nفيقال: لا ريبَ أن قوله - ﷺ -: «من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمَّ صلاتَه، ومن أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتمَّ صلاتَه» (^٢) حديث واحد، قاله - ﷺ - في وقت واحد (^٣)، وقد وجبت طاعته في شطره؛ فتجب طاعته في الشطر الآخر، وهو محكم (^٤) خاص لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، لا يحتمل غيرَه البتةَ، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي (^٥) عام مجمل قد خُصَّ منه عصرُ يومه بالإجماع، وخُصَّ منه قضاء الفائتة والمَنْسِيّة بالنص (^٦)، وخُصَّ منه ذوات الأسباب بالسنة، كما قضى النبي - ﷺ - سنة الظهر بعد العصر (^٧)، وأقرَّ من قضى سنة الفجر بعد صلاة\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٨٣) ومسلم (٨٢٨) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) رواه البخاري (٥٥٦) ومسلم (٦٠٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) «في وقت واحد» ساقطة من ع.\n(^٤) ع: «حديث محكم».\n(^٥) رواه البخاري (٥٨٨) ومسلم (٨٢٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٦) رواه البخاري (٥٩٧) ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٧) رواه البخاري (١٢٣٣) ومسلم (٨٣٤) من حديث أم سلمة - ﵂ -.","vol":"3","page":277},{"text":"الفجر، وقد أعلمه (^١) أنها سنة الفجر (^٢)، وأمر من صلَّى في رحله ثم جاء مسجدَ جماعة أن يصلِّي معهم وتكون له نافلة، قاله في صلاة الفجر، وهي سبب الحديث (^٣)، وأمر الداخل والإمام يخطب أن يصلِّي تحية المسجد قبل أن يجلس (^٤).\nوأيضًا فإن الأمر بإتمام الصلاة وقد طلعت الشمس فيها (^٥) أمرٌ بإتمام لا بابتداء، والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهيٌ عن ابتدائها لا عن استدامتها؛ فإنه لم يقل: «لا تُتمِّوا الصلاة في هذا الوقت»، وإنما قال: «لا تصلُّوا». وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرَّق النص والإجماع والقياس بينهما؟ فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكامُ الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة؛ فالإحرام ينافي ابتداءَ النكاح والطيب دونَ استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتهما، والحدث ينافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته، وزوال خوف العَنَت ينافي ابتداء النكاح [٨٥/ب] على الأمة دون استدامته عند الجمهور، والزنا من\n_________\n(^١) ت: «أعلم».\n(^٢) رواه أحمد (٢٣٧٦١)، وصححه ابن خزيمة (١١١٦) وابن حبان (٢٤٧١) والحاكم (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥) من حديث قيس بن قَهْد، ويقال: قيس بن عمرو - ﵁ -.\n(^٣) رواه أبو داود (٥٧٥) والنسائي (٨٥٨) والترمذي وصححه (٢١٩)، وأحمد (١٧٤٧٥)، وصححه ابن حزيمة (١٢٧٩) وابن حبان (٢٣٩٥) والحاكم (١/ ٢٤٤) من حديث يزيد بن الأسود - ﵁ -.\n(^٤) رواه البخاري (١١٦٦) ومسلم (٨٧٥) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٥) «فيها» ليست في ت.","vol":"3","page":278},{"text":"المرأة ينافي ابتداء عقد (^١) النكاح (^٢) دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه، والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها، وفَقْد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام، وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء (^٣) ولا ينافيه دوامًا. وحصول الحَجْر بالسَّفَه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه، وطَريانُ ما يمنع الشهادة والفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها في الدوام ويمنعه في الابتداء، والقدرة على التكفير بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداءً لا دوامًا، والقدرة على هَدْي التمتع تمنع الانتقال إلى الصوم ابتداءً لا دوامًا، والقدرة على الماء (^٤)\nتمنع ابتداء التيمم اتفاقًا، وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمم خلافٌ بين أهل العلم، ولا يجوز إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها، ولو غَصَبها بعد العقد من لا يقدر المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة، وخُيِّر المستأجر بين فسخ العقد وإمضائه، ويُمنع أهل الذمة من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا يُمنعون من استدامتها، ولو حلف لا يتزوج أو لا يتطيَّب أو لا يتطهَّر فاستدام ذلك لم يحنث وإن ابتدأه حنث، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يُفرَّق فيها بين الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه.\n_________\n(^١) «عقد» ليست في د.\n(^٢) «النكاح» ليست في ع.\n(^٣) بعدها في د: «دون دوامه»، وكتب «ينافيه دوامًا» في الهامش.\n(^٤) «الماء» ساقطة من ع ..","vol":"3","page":279},{"text":"وأيضًا فهو مستصحب بالأصل.\nوأيضًا فالدفْع أسهل من الرفْع.\nوأيضًا [٨٦/أ] فأحكام التبع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات، والمستدام تابع لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس؟\nفقد تبيَّن أنه لم يتعارض في هذه المسألة عام وخاص ولا نص وقياس، بل النصّ فيها والقياس متفقان، والنص العام لم يتناول مورِدَ (^١) الخاص ولا هو داخل تحت لفظه، ولو قُدّر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته، فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله، بل يتعين إعماله واعتباره، ولا تُضرَب أحاديث رسول الله - ﷺ - بعضها ببعض، وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السنتين (^٢) وإلغاء أحد الدليلين، والله الموفق.\nثم نقول: الصورة التي أبطلتم فيها الصلاة وهي حالة طلوع الشمس وخالفتم السنة، أولى بالصحة من الصورة التي وافقتم فيها السنة؛ فإنه إذا ابتدأ العصر قبل الغروب فقد ابتدأها في وقت نهي، وهو وقت ناقص، بل هو أولى الأوقات بالنقصان، كما جعله النبي - ﷺ - وقت صلاة المنافقين حين تصير الشمس بين قَرْنَي شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار (^٣)، وإنما كان النهي عن الصلاة قبل ذلك الوقت حَريمًا (^٤) له وسدًّا للذريعة، وهذا بخلاف\n_________\n(^١) «مورد» ليست في ت.\n(^٢) ت: «الشيئين».\n(^٣) رواه مسلم (٨٣٢) من حديث عمرو بن عبسة السلمي - ﵁ -.\n(^٤) في المطبوع: «تحريمًا» خلاف النسخ. والحريم من كل شيء: ما تبعه، فحرُم بحرمته من مرافق وحقوق.","vol":"3","page":280},{"text":"من ابتدأ الصلاة قبل طلوع الشمس؛ فإن الكفّار حينئذٍ لا يسجدون لها، بل ينتظرون بسجودها (^١) طلوعها، فكيف يقال: تبطُل صلاة من ابتدأها في وقت تام لا يسجد فيها (^٢) الكفار للشمس، وتصح صلاة من ابتدأها وقت سجود الكفار للشمس سواء، وهو الوقت الذي تكون فيه بين قرني شيطان، فإنه حينئذٍ يقارنها ليقع السجود له كما يقارنها وقت الطلوع ليقع السجود (^٣) له؟ فإذا كان ابتداؤها وقتَ مقارنة الشيطان لها غيرَ مانعٍ من صحتها فلأن تكون استدامتها [٨٦/ب] وقتَ مقارنة الشيطان غيرَ مانع من الصحة بطريق الأولى والأحرى، فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا من أصحِّه. فقد تبيَّن أن الصورة التي خالفتم فيها النص أولى بالجواز قياسًا من الصورة التي وافقتموه فيها.\nوهذا مما حصّلته عن شيخ الإسلام ــ قدس الله روحه ــ وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرّر أن القياس الصحيح هو ما دل عليه النص، وأن من خالف النصّ للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا، وبالله التوفيق.\nومن العجب أنهم قالوا: لو صلَّى ركعة من العصر ثم غربت الشمس صحت صلاته وكان مدركًا لها؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» وهذا شطر الحديث، وشطره\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: «بسجودهم».\n(^٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «فيه».\n(^٣) «السجود» ليست في ع.","vol":"3","page":281},{"text":"الثاني: «ومن أدرك ركعةً من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر» (^١).\nالمثال التاسع والعشرون: ردّ السنة الثابتة المحكمة الصريحة في دفع اللقطة إلى من وصف عِفَاصَها (^٢) ووِعاءها ووِكاءها (^٣)، وقالوا: هو مخالف للأصول، فكيف يُعطَى المدّعي بدعواه من غير بينة؟ ثم لم يَنْشَبوا (^٤) أن قالوا: من ادَّعى لقيطًا عند غيره ثم وصف علاماتٍ في بدنه فإنه يُقضى له به (^٥) بغير بينة، ولم يروا ذلك خلاف الأصول. وقالوا: من ادعى خُصًّا ومعاقدُ قِمْطِه (^٦) من جهته قُضي له به، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادعى حائطًا ووجوهُ الآجُرِّ من جهته قُضي له به، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادعى مالًا على غيره فأنكر ونكَلَ عن اليمين قُضِيَ له بدعواه، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، وإذا ادَّعى الزوجان ما في البيت قُضِي لكل واحد منهما بما يناسبه، ولم يكن ذلك خلاف الأصول.\nونحن نقول: ليس في الأصول ما يُبطِل الحكم بدفع اللقطة إلى واصفها البتةَ، بل هو [٨٧/أ] مقتضى الأصول؛ فإن الظن المستفاد بوصفه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه، وهذا اللفظ عند أبي يعلى الموصلي (٦٣٠٢).\n(^٢) العِفاص: وعاء من جلد أو خرقة أو غير ذلك يكون فيه زاد الراعي. والوِكاء: الخيط الذي يُشدّ به الوعاء.\n(^٣) رواه البخاري (٢٣٧٢) ومسلم (١٧٢٢) من حديث زيد بن خالد - ﵁ -.\n(^٤) أي لم يلبثوا.\n(^٥) «به» ليست في د.\n(^٦) ت، ع: «قمط». وقد سبق شرحه.","vol":"3","page":282},{"text":"أعظم من الظن المستفاد بمجرد النكول، بل وبالشاهدين، فوصفُه بينةٌ ظاهرة على صحة دعواه، لا سيما ولم يعارضه معارض؛ فلا يجوز إلغاء دليل صدقه مع عدم معارضٍ أقوى منه؛ فهذا خلاف الأصول حقًّا (^١) لا موجب السنة.\nالمثال الثلاثون: ردُّ السنة الثابتة المحكمة الصريحة في صحة صلاة من تكلم فيها جاهلًا أو ناسيًا (^٢)، بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: من أكل في رمضان أو شرب ناسيًا (^٣) صحّ صومه (^٤)، مع اعترافهم بأن ذلك على (^٥) خلاف الأصول والقياس، ولكن تبعنا فيه السنة، فما الذي منعكم بتقديم (^٦) السنة الأخرى على القياس والأصول كما قدَّمتم خبر القهقهة في الصلاة والوضوء بنبيذ التمر وآثار الآبار (^٧) على القياس والأصول؟\n\nالمثال الحادي والثلاثون: ردُّ السنة الثابتة المحكمة في اشتراط البائع منفعةَ المبيع مدةً معلومةً (^٨) بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يجوز بيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها بشرط القطع في الحال، مع العلم بأنها لو قُطعت لم تكن مالًا ينتفع به ولا يساوي شيئا البتةَ، ثم لهما أن يتفقا على بقائها (^٩) إلى حين\n_________\n(^١) ع: «مقالا».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) «ناسيًا» ليست في ت.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) «على» ليست في ع.\n(^٦) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «من تقديم».\n(^٧) تقدم تخريجها كلها.\n(^٨) تقدم تخريجه.\n(^٩) ت: «إبقائها».","vol":"3","page":283},{"text":"الكمال، ودعوى أن ذلك موافق للأصول، وهو عين ما نهى عنه النبي - ﷺ - (^١).\nالمثال الثاني والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير النبي - ﷺ - الولد بين أبويه (^٢)، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: إذا زوَّج الوليُّ ــ غير الأب ــ الصغيرةَ صح وكان النكاح لازمًا، فإذا بلغت انقلب جائزًا وثبت لها الخيار بين الفسخ والإمضاء، وهذا وَفْق الأصول، فيا لله العجب! أين في الأصول التي هي كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة المستند (^٣) إلى الكتاب والسنة موافقةُ هذا الحكم للأصول ومخالفة [٨٧/ب] حكم رسول الله - ﷺ - بالتخيير بين الأبوين للأصول؟\n\nالمثال الثالث والثلاثون: ردُّ السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في رجم الزانيين الكتابيين (^٤)، بأنها خلاف الأصول، وسقوط الحد عمن عقد على أُمِّه ووطئها، وأن هذا هو مقتضى الأصول. فيا عجبًا لهذه الأصول التي منعت الحدَّ على من أقامه رسول الله - ﷺ - عليه وأسقطَتْه عمن لم يُسقِطه عنه! فإنه ثبت عنه أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوَّج امرأة أبيه أن يضرب عنقه ويأخذ ماله (^٥)،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه أبو داود (٢٢٧٧) والنسائي (٣٤٩٦) والترمذي (١٣٥٧) وصححه وابن ماجه (٢٣٥١)، وصححه الحاكم (٤/ ٩٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) ع: «مستند».\n(^٤) رواه البخاري (٣٦٣٥) ومسلم (١٦٩٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٥) رواه أبو داود (٤٤٥٧) والنسائي (٣٣٣٢) والترمذي وحسَّنه (١٣٦٢)، وابن ماجه (٢٦٠٧) وأحمد (١٨٥٧٨)، وصححه ابن حبان (٤١١٢) والحاكم (٢/ ١٩١).","vol":"3","page":284},{"text":"فوالله ما رضي له بحد الزاني (^١) حتى حكم عليه بضرب العنق وأخذ المال، وهذا هو الحق المحض؛ فإن جريمته أعظم من جريمة من زنى بامرأة أبيه من غير عقدٍ، فإن هذا ارتكب محظورًا واحدًا، والعاقد عليها ضمَّ إلى جريمة الوطء جريمة العقد الذي حرّمه الله، فانتهك حرمة شرعه بالعقد، وحرمة أُمِّه بالوطء، ثم يقال: الأصول تقتضي سقوط الحدّ عنه! وكذلك حُكْم النبي - ﷺ - برجم اليهوديين هو من أعظم الأصول، فكيف رُدَّ هذا الأصل العظيم بالرأي الفاسد ويقال: إنه مقتضى الأصول؟!\nفإن قيل: إنما حكم رسول الله - ﷺ - بالرجم بما في التوراة إلزامًا لهما بما اعتقدا صحته.\nقيل: هَبْ أن الأمر كذلك، أفحكمَ بحقٍّ يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك؟ فاختاروا أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم.\nالمثال الرابع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الوفاء بالشروط في النكاح (^٢)، وأنها أحقُّ الشروط بالوفاء على الإطلاق، بأنها خلاف الأصول، والأخذ بحديث النهي عن بيع وشرط (^٣) [٨٨/أ] الذي لا يُعلم له إسناد يصح، مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس\n_________\n(^١) ت: «ما أرضى له بحد الزنا».\n(^٢) رواه البخاري (٥١٥١) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -.\n(^٣) رواه الطبراني في «الأوسط» (٤٣٦١) والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ١٢٨) وأبو نعيم في «مسند أبي حنيفة» (ص ١٦٠). وفي إسناده عبد الله بن أيوب القِربي، قال الدارقطني فيه: متروك. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (٤٩١).","vol":"3","page":285},{"text":"ولانعقاد (^١) الإجماع على خلافه، ودعوى أنه موافق للأصول. أما مخالفته للسنة الصحيحة (^٢) فإن جابرًا باع بعيره وشرط ركوبه إلى المدينة (^٣)، والنبي - ﷺ - قال: «من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه (^٤) المبتاع» (^٥)، فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد البيع، وقال: «من باع ثمرةً قد أُبِّرتْ فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع (^٦)» (^٧)، فهذا بيع وشرط ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة. وأما مخالفته للإجماع فالأمة مُجمِعة على جواز اشتراط الرهن والكفيل والضمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ونقد غير نقد البلد، فهذا بيع وشرط متفق عليه، فكيف يُجعل النهي عن بيع وشرط موافقًا للأصول وشروط النكاح التي هي أحقُّ الشروط بالوفاء مخالفةً للأصول (^٨)؟\nالمثال الخامس والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في دفع الأرض بالثلث والربع مزارعةً (^٩)، بأنها خلاف الأصول، والأخذ\n_________\n(^١) ت: «وانعقاد».\n(^٢) بعدها في ت: «الصريحة».\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) ع: «يشترط».\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) «فجعله للمشتري ... المبتاع» ساقطة من ت.\n(^٧) تقدم تخريجه.\n(^٨) «وشروط ... للأصول» ساقطة من ع.\n(^٩) رواه مسلم (١٥٤٨) من حديث رافع بن خديج - ﵁ -.","vol":"3","page":286},{"text":"بالحديث الذي لا يثبت بوجهٍ أنه «نهى عن قَفيزِ الطحَّان» (^١)، وهو: أن يدفع حنطتَه إلى من يطحنها بقفيزٍ منها، أو غَزْلَه إلى من يَنْسِجه ثوبًا بجزء منه، أو زيتونَه إلى من يَعْصِره بجزءٍ منه، ونحو ذلك مما لا غررَ فيه ولا خطرَ ولا قِمارَ ولا جهالةَ ولا أكلَ مالٍ بالباطل، بل هو نظير دفْع ماله إلى من يتَّجر فيه بجزء من الربح، بل أولى؛ فإنه قد لا يربح المال فيذهب عمله مجّانًا، وهذا لا يذهب عمله مجّانًا؛ فإنه (^٢) يطحن الحَبَّ ويَعْصِر الزيتون ويحصل على جزء منه يكون (^٣) به شريكًا لمالكه، فهو أولى بالجواز من المضاربة، فكيف يكون المنع منه موافقًا للأصول والمزارعة التي فعلها رسول الله - ﷺ - وخلفاؤه الراشدون خلافَ الأصول؟\n[٨٨/ب] المثال السادس والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة وعشرون صحابيًّا (^٤) في أن المدينة حرَمٌ يحرم صيدها (^٥)، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول، ومعارضتها بالمتشابه من قوله\n_________\n(^١) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٧١١) والدارقطني (٢٩٨٥) والبيهقي (٥/ ٣٣٩) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه عبد الحق الإشبيلي. وانظر: «الإرواء» (٥/ ٢٩٥).\n(^٢) ت: «لأنه».\n(^٣) ت: «ويكون».\n\n(^٤) منهم علي، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة - ﵃ -. انظر: «شرح معاني الآثار» للطحاوي في باب صيد المدينة (٤/ ١٩١ - ١٩٥)، و«الأحاديث الواردة في فضائل المدينة»، للدكتور صالح بن حامد الرفاعي (ص ٦٢ وما بعدها).\n(^٥) رواه مسلم (١٣٦٢) من حديث جابر - ﵁ -.","vol":"3","page":287},{"text":"- ﷺ -: «أبا عُميرٍ، ما فعل النُّغَير» (^١). ويا لله العجب! أيُّ الأصول التي خالفتْها هذه السنن، وهي من أعظم الأصول؟ وهلّا ردَّ حديث أبي عمير لمخالفته لهذه الأصول؟ ونحن نقول: معاذَ الله أن نردَّ لرسول الله - ﷺ - سنة صحيحة غيرَ معلومة النسخ أبدًا. وحديثُ أبي عمير يحتمل أربعة أوجهٍ قد ذهب إلى كلٍّ منها طائفة:\nأحدها: أن يكون متقدمًا على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخًا.\nالثاني: أن يكون متأخرًا عنها معارضًا لها فيكون ناسخًا.\nالثالث: أن يكون النُّغَر مما صِيد خارجَ المدينة ثم أُدخِل المدينة كما هو الغالب من الصيود.\nالرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره، كما رُخِّص لأبي بردة في التضحية بالعَناق دون غيره (^٢)؛ فهو متشابه كما ترى، فكيف يُجعل أصلًا يُقدَّم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا؟\nالمثال السابع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشَّرات بخمسة أوسُقٍ (^٣)، بالمتشابه من قوله: «فيما سَقَتِ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦١٢٩) ومسلم (٢١٥٠) من حديث أنس - ﵁ -. والنُّغَير تصغير النُّغَر: فرخ العصفور.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (١٤٤٧) ومسلم (٩٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.","vol":"3","page":288},{"text":"السماءُ العشْرُ، وما سُقِي بنَضْحٍ أو غَرْبٍ فنصفُ العشر» (^١). قالوا: وهذا يعمُّ القليلَ والكثير، وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص، وإذا تعارضا قُدِّم الأحوط وهو الوجوب (^٢).\nفيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما [٨٩/أ] بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية؛ فإن طاعة الرسول فرضٌ في هذا وفي هذا. ولا تعارضَ بينهما بحمد الله بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: «فيما سَقَتِ السماء العْشُر» إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين مفرّقًا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبيَّنه نصًّا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير (^٣) ما دلَّ عليه البتةَ إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يتعلَّق فيه بعموم لم يُقصَد. وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصّها من النصوص؟\nويالله العجب! كيف يخصّون عموم القرآن والسنة بالقياس الذي أحسنُ أحواله أن يكون مختلَفًا في الاحتجاج به وهو محلُّ اشتباهٍ واضطراب؟ إذ ما من قياسٍ (^٤) إلا ويمكن معارضتُه بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه، بخلاف السنة الصحيحة الصريحة فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخُّر (^٥)\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٤٨٣) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) ع: «الواجب».\n(^٣) ت: «إلا».\n(^٤) ت: «القياس».\n(^٥) ت: «التأخير».","vol":"3","page":289},{"text":"والمخالفة.\nثم يقال: إذا خصصتم عمومَ قوله: «فيما سَقَتِ السماء العشْرُ» بالقَصَب والحشيش ولا ذكْرَ لهما في النص فهلّا خصصتموه بقوله: «لا زكاةَ في حبٍّ ولا ثَمَرٍ حتى يبلغ خمسةَ أوسُقٍ» (^١)؟ وإذا كنتم تخصّون العموم بالقياس فهلّا خصصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلى القياس وأصحِّه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة (^٢)؟ فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها الله في مال إلا وجعل له نصابًا كالمواشي والذهب والفضة.\nويقال أيضًا: هلَّا أوجبتم الزكاة في قليل كل مال وكثيرِه عملًا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وبقوله - ﷺ -: [٨٩/ب] «ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ لا يؤدِّي زكاتها إلا بُطِحَ لها يوم القيامة بقَاعٍ قَرْقَرٍ» (^٣)، وبقوله: «ما من صاحب ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّي زكاتَها إلا صُفِّحَتْ له يومَ القيامة صَفائحُ من نارٍ» (^٤). وهلَّا كان هذا العموم عندكم مقدّمًا على أحاديث النُّصُب الخاصة؟ وهلَّا قلتم: هناك تعارضُ مُسقِطٍ (^٥) ومُوجِبٍ فقدمنا (^٦) الموجب احتياطًا؟ وهذا في غاية الوضوح، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٩٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(^٢) ت: «الزكاة فيه».\n(^٣) رواه مسلم (٩٨٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وبُطح أي أُلقي على وجهه. والقاع القرقر: المستوي الواسع من الأرض.\n(^٤) رواه مسلم ضمن الحديث السابق.\n(^٥) ت: «سقط».\n(^٦) ت: «فقد قدمنا».","vol":"3","page":290},{"text":"المثال الثامن والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النكاح بما قلَّ من المهر ولو خاتمًا من حديد (^١)، مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وللقياس في جواز التراضي (^٢) بالمعاوضة على القليل والكثير، بأثرٍ لا يثبت وقياسٍ (^٣) من أفسد القياس على قطع يد السارق، وأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به إلى قطع اليد في السرقة؟ وقد تقدَّم مرارًا أن أصحَّ الناس قياسًا (^٤) أهلُ الحديث، وكلَّما كان الرجل إلى الحديث أقربَ كان قياسه أصحَّ، وكلّما كان عن الحديث أبعدَ كان قياسه أفسدَ.\n\nالمثال التاسع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته أختان أنه يخيَّر في إمساك من شاء منهما وتَرْكِ الأخرى، بأنه خلاف الأصول، وقالوا: قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح (^٥) واحدة بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود، ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير، وإن نكحهما معًا فنكاحهما باطل، ولا تخييرَ، وكذلك حديث من أسلم على عَشْرِ نسوة، وربما أوَّلوا التخيير بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات. ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشدَّ الإباء؛ فإنه قال: «أمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرهن»، رواه [٩٠/أ] معمر عن الزهري عن سالم عن\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٠٢٩) ومسلم (١٤٢٥) من حديث سهل بن سعد - ﵄ -.\n(^٢) ع: «الرضا».\n(^٣) ع: «وبقياس».\n(^٤) ع: «أصح القياس قياس».\n(^٥) ت: «يقتضي أن ينكح».","vol":"3","page":291},{"text":"أبيه أن غيلان أسلم فذكره (^١).\nقال مسلم (^٢): هكذا روى معمر هذا الحديث بالبصرة، فإن رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا له بالصحة، أو قال: صار الحديث حديثًا وإلا فالإرسال أولى.\nقال البيهقي (^٣): فوجدنا سفيان بن سعيد الثوري وعبد الرحمن بن محمد المحاربي وعيسى بن يونس ــ وثلاثتهم كوفيون ــ حدّثوا به عن معمر متصلًا، وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير وهو يماني (^٤) وعن الفضل بن موسى وهو خراساني عن معمر متصلًا عن النبي - ﷺ -، فصح الحديث بذلك. وقد روي عن أيوب السختياني عن نافع وسالم عن ابن عمر متصلًا. قال أبو علي الحافظ: تفرد به سوار (^٥) بن مُجشِّر عن أيوب، وسوار بصري ثقة، قال\n_________\n(^١) رواه الترمذي (١١٢٨) وابن ماجه (١٩٥٣) وأحمد (٤٦٠٩)، ووهَّم جمع من الحفاظ معمرًا فيه ورجحوا الإرسال ومنهم البخاري، نقل ذلك عنه الترمذي في «السنن» (١١٢٨) وفي «العلل الكبير» (ص ١٦٤)، ورجّح الحاكم الوصل (٢/ ١٩٣) حيث قال: معمر بن راشد حدث به على الوجهين أرسله مرة، ووصله مرة، والدليل عليه أن الذين وصّلوه عنه من أهل البصرة، فقد أرسلوه أيضًا، والوصل أولى من الإرسال. والحديث صحيح بالمتابعات. انظر: «الإرواء» (٦/ ٢٩١).\n(^٢) رواه عنه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٨٢)، وذكره أيضًا في «مختصر الخلافيات» (٤/ ١٤٥).\n(^٣) في «مختصر الخلافيات» (٤/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٤) د: «يمامي».\n(^٥) كذا في النسخ، والصواب: «سرَّار» كما في «السنن الكبرى» (٧/ ١٨٣) و«التقريب» (٢٢٢٨) وغيرهما.","vol":"3","page":292},{"text":"الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات تقوم الحجة بروايتهم. وقد روى أبو داود (^١) عن فيروز الديلمي قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان، قال: «طلِّقْ أيتَهما (^٢) شئت».\nفهذان الحديثان هما الأصول التي (^٣) يُرَدُّ ما خالفها من القياس، أما أن نقعِّد (^٤) قاعدة ونقول هذا هو الأصل ثم نردّ (^٥) السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة، فلَعَمْر الله لهدْمُ ألفِ قاعدة لم يؤصِّلها الله ورسوله أفرضُ علينا من ردِّ حديث واحد. وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين؛ فإن أنكحة الكفّار لم يتعرّض لها النبي - ﷺ - كيف وقعتْ، وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح أم لم تصادفها فتبطل، وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج؛ فإن كان (^٦) ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرَّهما، ولو كان في الجاهلية قد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك، وإن لم يكن الآن ممن يجوز [٩٠/ب] له الاستمرار لم يُقِرَّ عليه، كما لو أسلم وتحته ذاتُ رحمٍ محرمٍ أو أختان أو أكثر من أربع؛ فهذا هو الأصل الذي أصَّلَتْه سنة رسول الله - ﷺ -، وما خالفه فلا يُلتفت إليه، والله الموفق.\n_________\n(^١) في «السنن» (٢٢٤٣).\n(^٢) ت: «أيهما».\n(^٣) ع: «الأصل الذي».\n(^٤) د: «يقعد».\n(^٥) د: «يرد».\n(^٦) «كان» ساقطة من ع.","vol":"3","page":293},{"text":"المثال الأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يُفرِّق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تُسْلِم معه، بل متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوَّج. هذه سنته المعلومة.\nقال الشافعي (^١):أسلم أبو سفيان بن حرب بمَرِّ الظهران، وهي دار خزاعة، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ورجع إلى مكة، وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضالَّ (^٢)، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة واستقرَّا على النكاح؛ لأن عدتها لم تنقضِ حتى أسلمت، وكان كذلك (^٣) حكيم بن حزام وإسلامه (^٤). وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دارَ الإسلام وظهر حكم رسول الله - ﷺ - بمكة، وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام، وشهد حنينًا وهو كافر، ثم أسلم، فاستقرت عنده امرأته (^٥) بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقضِ ــ يعني ــ عدّتها (^٦). وقد حفظ أهل العلم\n_________\n(^١) في «الأم» (٦/ ٣٩٤ - ٣٩٦).\n(^٢) رواه الطبراني (٧٢٦٤) ومن طريقه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١٤٤)، وإسناده حسن.\n(^٣) ت: «وكذلك كان».\n(^٤) «وإسلامه» ليست في ت.\n(^٥) ت: «امرأته عنده».\n(^٦) انظر: «موطأ مالك» (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٥) وهي مراسيل وبلاغات، والشهرة تقضي على ذلك؛ لكونه معروفًا عند أهل المغازي كابرًا عن كابرٍ. قال الشافعي في «الأم»: ما وصفتُ لك من أمر أبي سفيان وحكيم بن حزام وأزواجهما، وأمر صفوان وعكرمة وأزواجهما أمر معروف عند أهل العلم بالمغازي. وروى البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ١٨٦) عن الشافعي أنه قال: أخبرنا جماعة من أهل العلم من قريش وأهل المغازى وغيرهم عن عدد قبلهم ....","vol":"3","page":294},{"text":"بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجلٍ بمكة فأسلمتْ وهاجرت إلى المدينة، فقدِمَ زوجها وهي في العدة، فاستقرَّا [٩١/أ] على النكاح.\nقال الزهري (^١): لم يبلغني أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرَّقت هجرتُها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدَمَ زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرّق بينها وبين زوجها إذا قدِمَ وهي في عدتها.\nوفي «صحيح البخاري» (^٢) عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبي - ﷺ -: أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه (^٣)؛ فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخطَبْ حتى تحيض وتطهر، فإذا طهُرتْ حلَّ لها النكاح، فإن هاجر زوجُها (^٤) قبل أن\n_________\n(^١) رواه مالك (٢/ ٥٤٤) دون قوله: «وإنه لم يبلغنا ...»، ومن طريقه البيهقي بهذه الزيادة (٧/ ١٨٧). قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٢/ ١٩): هذا الحديث لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير، وابن شهاب إمام أهل السير ... وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.\n(^٢) رقم (٥٢٨٦).\n(^٣) «وأهل عهد ... يقاتلونه» ساقطة من ع.\n(^٤) «زوجها» ليست في د، ع. وهي ثابتة في ت والبخاري.","vol":"3","page":295},{"text":"تنكح رُدَّت إليه.\nوفي «سنن أبي داود» (^١) عن ابن عباس قال: ردّ رسول الله - ﷺ - زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يُحدِث شيئًا بعد ستّ سنين. وفي لفظٍ لأحمد: «ولم يُحدِث شهادةً ولا صداقًا». وعند الترمذي: «ولم يُحدِث نكاحًا». قال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، وقد روي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - ردَّها على أبي العاص بنكاح جديد (^٢).\nقال الترمذي: «في إسناده مقال». وقال الإمام أحمد: «هذا حديث ضعيف، والصحيح أنه أقرَّهما على النكاح الأول». وقال الدارقطني: «هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - ردَّها (^٣) بالنكاح الأول». وقال الترمذي في كتاب «العلل» له: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: «حديث ابن عباس في هذا الباب أصحُّ من حديث عمرو بن شعيب» (^٤).\n_________\n(^١) رقم (٢٢٤٠). ورواه أيضًا الترمذي (١١٤٣) وأحمد (١٨٧٦)، وصححه أحمد تحت رقم (٦٩٣٨)، وصححه أيضًا ابن حبان (٤١٥٩) والحاكم (٣/ ٦٣٨) والضياء المقدسي (٣٦٢). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٧/ ١٠) و«الإرواء» (٦/ ٣٣٩).\n(^٢) رواه الترمذي (١١٤٢) وقال: «في إسناده مقال»، وابن ماجه (٢٠١٠) وأحمد (٦٩٣٨) وضعَّفه، والدارقطني (٣٦٢٥). وانظر: «الإرواء» (٦/ ٣٤١).\n(^٣) «ردّها» ساقطة من ت.\n(^٤) انظر أحكام هؤلاء الأئمة في: «سنن الترمذي» (١١٤٢) و«مسند أحمد» (٦٩٣٨) و«سنن الدارقطني» (٣٦٢٥) و«العلل الكبير» (ص ١٦٦).","vol":"3","page":296},{"text":"فكيف يُجعَل هذا الحديث الضعيف أصلًا تُردُّ به السنة الصحيحة المعلومة ويُجعل خلاف الأصول؟\nفإن قيل: إنما (^١) جعلناها خلاف الأصول لقوله [٩١/ب] تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، ولقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولأن اختلاف الدين مانع من ابتداء النكاح؛ فكان مانعًا من دوامه كالرضاع.\nقيل: لا تخالف السنة شيئًا من هذه الأصول إلا هذا القياس الفاسد؛ فإن هذه الأصول إنما دلّت على تحريم نكاح الكافر والكافرة غير الكتابيينِ، وهذا حق لا خلاف (^٢) فيه بين الأمة، ولكن أين في هذه الأصول ما يوجب تعجيل الفرقة بالإسلام وأن لا تتوقف على انقضاء العدة؟ ومعلوم أن افتراقهما في الدين سبب لافتراقهما في النكاح، ولكن توقُّف السبب على وجود شرطه وانتفاء مانعه لا يخرجه عن السببية، فإذا وُجد الشرط وانتفى المانع عَمِلَ عمله واقتصَّ أثره. والقرآن إنما دلّ على السببية، والسنة دلّت على شرط السبب ومانعه كسائر الأسباب التي فصّلت السنة شروطها وموانعها، كقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا\n_________\n(^١) ع: «اننا».\n(^٢) ع: «اختلاف».","vol":"3","page":297},{"text":"غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ونظائر ذلك؛ فلا يجوز أن يُجعل بيان الشروط والموانع معارضةً لبيان الأسباب والموجبات فتعود السنة كلها أو أكثرها معارضة للقرآن، وهذا محال.\n\nالمثال الحادي والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه (^١)، بأنها خلاف الأصول وهي تحريم الميتة، [٩٢/أ] فيقال: الذي جاء على لسانه تحريم الميتة هو الذي أباح الأجنَّة المذكورة؛ فلو قُدِّر أنها ميتة لكان استثناؤها بمنزلة استثناء السمك والجراد من الميتة، فكيف وليست بميتة؟ فإنها جزء من أجزاء الأم، والذكاة قد أتت على جميع أجزائها، فلا يحتاج أن يفرد كل جزء منها بذكاة، والجنين تابع للأم جزء منها؛ فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة لو لم تَرِد السنة بالإباحة، فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة للقياس والأصول؟\nفإن قيل: فالحديث حجة عليكم؛ فإنه قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، والمراد التشبيه، أي ذكاته كذكاة أمه، وهذا يدلُّ (^٢) على أنه لا يباح إلا بذكاةٍ تُشبِه ذكاة الأم.\n_________\n(^١) ورد فيه عدة أحاديث، منها ما أخرجه أحمد (١١٢٦٠) وأبو داود (٢٨٢٧) والترمذي (١٤٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري، وفي إسناده مجالد بن سعيد، ولكن تابعه يونس بن أبي إسحاق عند أحمد (١١٣٤٣)، وهو ثقة. وحسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٥٨٨٩)، والحديث صحيح. انظر: «إرواء الغليل» (٨/ ١٧٢).\n(^٢) ع: «دليل».","vol":"3","page":298},{"text":"قيل: هذا السؤال شقيقُ قولِ القائل كلمةً تكفي العاقلَ، ولو تأملتم الحديث لم تستحسنوا إيراد هذا السؤال؛ فإن لفظ الحديث هكذا: عن أبي سعيد قال (^١): قلنا: يا رسول الله، ننحرُ الناقة ونذبحُ البقرة والشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه (^٢) أم نأكله؟ قال: «كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمّه». فأباح لهم أكلَه معلّلًا بأن ذكاة الأم ذكاة له؛ فقد اتفق النص والأصل والقياس، ولله الحمد.\n\nالمثال الثاني والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في إشعار الهدي (^٣)، بأنها خلاف الأصول؛ إذ الإشعار مثلة، ولعمرُ الله إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة، وما ضرَّها ذلك شيئًا، والمثلة المحرَّمة هي العدوان الذي لا يكون عقوبة ولا تعظيمًا لشعائر الله؛ فأما شقُّ صفحة (^٤) سَنام البعير المستحبّ أو الواجب ذبحُه ليسيل دمه قليلًا فيظهر شعار الإسلام، وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى الله= فعلى وفق الأصول، وأيُّ كتاب أو سنة (^٥) حرَّم ذلك حتى يكون خلافًا للأصول؟ وقياس الإشعار [٩٢/ب] على المثلة المحرمة من أفسد قياس (^٦) على وجه الأرض؛ فإنه قياس ما يحبه الله ويرضاه على ما يبغضه ويسخطه وينهى (^٧)\n_________\n(^١) «قال» ليست في ت.\n(^٢) د، ت: «أنلقه».\n(^٣) رواه البخاري (١٦٩٨) ومسلم (١٣٢١) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) «صفحة» ليست في ع.\n(^٥) د: «وأي سنة».\n(^٦) ت: «القياس».\n(^٧) ت: «ونهى».","vol":"3","page":299},{"text":"عنه، ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلا تعظيم شعائر الله وإظهارها وعِلْم (^١) الناس بأن هذه قرابين الله ﷿ تُساق إلى بيته، تُذبح له ويُتقرب بها إليه عند بيته كما يُتقرب إليه بالصلاة إلى بيته، عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلّون لها؛ فشُرِع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نُسكهم وصلاتهم لله وحده، وأن يُظهِروا شعائر توحيده غاية الإظهار ليعلو دينه على كل دين؛ فهذه هي (^٢) الأصول الصحيحة (^٣) التي جاءت السنة بالإشعار على وَفْقها، ولله الحمد.\nالمثال الثالث والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن النبي - ﷺ - قال: «لو أن امرأً اطَّلعَ عليك بغير إذنٍ فخذفتَه بحصاة ففقأتَ عينَه ما كان عليك جناح». متفق عليه (^٤)، وفي أفراد مسلم (^٥): «من اطَّلعَ في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يَفْقَؤوا عينَه». وفي «الصحيحين» (^٦) من حديث سهل بن سعد: اطَّلع رجل من جُحرٍ في حجرة رسول الله - ﷺ -، ومعه مِدْرًى يَحُكُّ بها رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنتُ به في عينك، إنما جُعِل الاستئذان من أجْلِ النظر».\n_________\n(^١) في هامش ع: «اعلام».\n(^٢) «هي» ليست في ت.\n(^٣) «الصحيحة» ليست في ع.\n(^٤) رواه البخاري (٦٩٠٢) ومسلم (٢١٥٨/ ٤٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) برقم (٢١٥٨/ ٤٣).\n(^٦) رواه البخاري (٦٢٤١) ومسلم (٢١٥٦).","vol":"3","page":300},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (^١) عن أنس: أن رجلًا اطَّلعَ من بعض حجر رسول الله (^٢) - ﷺ -، فقام إليه بمِشْقَصٍ أو بمشاقص، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يَخْتِلُه ليطعنَه.\nوفي «سنن البيهقي» (^٣) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «من اطَّلعَ على قوم بغير إذنهم فرمَوه فأصابوا عينه فلا ديةَ له [٩٣/أ] ولا قصاصَ».\nفرُدَّت هذه السنن بأنها خلاف الأصول؛ فإنّ الله إنما أباح قَلْعَ العين بالعين، لا بجناية النظر، ولهذا لو جنى عليه بلسانه لم يقطع، ولو استمع عليه بأُذُنه لم يجز له أن يقطع أذنه.\nفيقال: بل هذه السنن من أعظم الأصول؛ فما خالفها فهو خلاف الأصول. وقولكم: إنما شرع الله سبحانه أخْذَ العين بالعين، فهذا حق في القصاص، وأما العضو الجاني المتعدّي الذي لا يمكن دفعُ ضرره وعدوانه إلا برميه، فإن الآية لا تتناوله (^٤) نفيًا ولا إثباتًا، والسنة جاءت ببيان حكمه بيانًا ابتدائيًّا لِما سكت عنه القرآن، لا مخالفًا لما حكم به القرآن، وهذا قسم آخر غير فَقْء العين قصاصًا، وغير دفع الصائل الذي يُدفع بالأسهل فالأسهل؛ إذ المقصود دفع ضررِ صِياله، فإذا اندفع بالعصا لم يدفع بالسيف.\n_________\n(^١) رقم (٢١٥٧)، ورواه البخاري (٦٢٤٢) أيضًا.\n(^٢) د: «النبي».\n(^٣) (٨/ ٣٣٨)، ورواه أيضًا النسائي (٤٨٦٠) وأحمد (٨٩٩٧)، وصححه ابن حبان (٦٠٠٤).\n(^٤) ت: «لا تتناول له».","vol":"3","page":301},{"text":"وأما هذا المتعدي بالنظر المحرّم الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنه إنما يقع على وجه الاختفاء والخَتْل؛ فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم (^١) يتحقّق عدوانه (^٢)، ولا يقع هذا غالبًا إلا على وجه الاختفاء وعدم مشاهدة غير الناظر له؛ فلو كُلِّف المنظور إليه إقامةَ البينة على جنايته تعذَّرت عليه، ولو أمر بدفعه بالأسهل فالأسهل ذهبت جناية عدوانه (^٣) بالنظر إليه وإلى حريمه هدرًا، والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا؛ فكان أحسنُ ما يمكن وأصلحه وأكفُّه لنار الجاني (^٤) ما جاءت به السنة التي لا معارضَ لها ولا دافعَ لصحتها من حذف (^٥) ما هنالك، وإن لم يكن هناك بصرٌ عادٍ لم يضرَّ (^٦) حَذْف الحصاة، وإن كان هناك بصرٌ عادٍ لا يلومَنَّ إلا نفسه (^٧)؛ فهو الذي عرَّضه صاحبه للتلف، فأدناه إلى الهلاك، والحاذف (^٨) ليس بظالم [٩٣/ب] له، والناظر خائن ظالم، والشريعة أكمل وأجلُّ من أن تُضيع (^٩)\nحقَّ هذا الذي قد هُتِكَتْ حرمته وتُحِيله في (^١٠) الانتصار على التعزير بعد إقامة\n_________\n(^١) «لم» ساقطة من ع.\n(^٢) د: «عداوته».\n(^٣) د: «عداوته».\n(^٤) ع: «لثار الجاني». وفي المطبوع: «وأكفه لنا وللجاني». والمثبت من د.\n(^٥) كذا في النسخ بالحاء، وهو صحيح بها وبالخاء في اللغة بمعنى الرمي.\n(^٦) ع: «لم يجز».\n(^٧) ت: «لا يكون إلا من نفسه».\n(^٨) د: «والخاذف».\n(^٩) ت: «تضع» ..\n(^١٠) ت: «على».","vol":"3","page":302},{"text":"البينة؛ فحكم الله فيه بما شرعه على لسان رسوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\n\nالمثال الرابع والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح، بأنها خلاف الأصول، كما في «صحيح مسلم» (^١) عن جابر يرفعه: «لو بعتَ من أخيك ثمرًا فأصابتْه جائحةٌ فلا يَحِلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ (^٢) تأخذُ مال أخيك بغير حق؟». وروى سفيان بن عيينة عن حُميد عن سليمان عن جابر أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح (^٣). فقالوا: هذه خلاف الأصول؛ فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرف فيها، وتَمَّ نقلُ الملك إليه، ولو ربح فيها كان (^٤) الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟ وفي «صحيح مسلم» (^٥) عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - ﷺ - في ثمارٍ ابتاعها، فكثُر دَينه، فقال رسول الله - ﷺ -: «تصدَّقوا عليه»، فتصدّقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال رسول الله - ﷺ -: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». وروى مالك (^٦) عن\n_________\n(^١) رقم (١٥٥٤).\n(^٢) ت: «ثم».\n(^٣) رواه أبو داود (٣٣٧٤) وأحمد (١٤٣٢٠)، وروى مسلم الشطر الأول منه برقم (١٤٣٦) والشطر الثاني برقم (١٥٥٤).\n(^٤) ع: «لكان».\n(^٥) رقم (١٥٥٦).\n(^٦) في «الموطأ» (٢/ ٦٢١)، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٤/ ١١٧) عن عمرة مرسلًا، ووصله أحمد (٢٤٤٠٥)، وصححه ابن حبان (٥٠٣٢) من حديث عائشة - ﵂ -، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني الوصل في «علله» (١٤/ ٤٢٣).","vol":"3","page":303},{"text":"أبي الرِّجال عن أمه عَمْرة أنه سمعها (^١) تقول: ابتاع رجل ثمرَ حائطٍ في زمن رسول الله - ﷺ -، فعالجَه وأقام عليه حتى تبيَّن له النقصان، فسأل ربَّ الحائط أن يضعَ عنه، فحلف لا يفعل، فذهبتْ أمُّ المشتري إلى رسول الله - ﷺ -، فذكرتْ له ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: «تألَّى أن لا يفعلَ خيرًا»، فسمع بذلك ربُّ المال، فأتى إلى رسول الله - ﷺ -[٩٤/أ] فقال: يا رسول الله، هو له.\nوالجواب (^٢) أن وضع الجوائح لا يخالف شيئًا من الأصول الصحيحة، بل هو مقتضى أصول الشريعة، ونحن نبيِّن بحمد الله هذا بمقامين (^٣):\nأما الأول فحديث وضع الجوائح لا يخالف كتابًا ولا سنةً ولا إجماعًا، وهو أصلٌ بنفسه؛ فيجب قبوله، وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النصّ له بالإهدار، كيف وهو فاسد في نفسه؟\nوهذا يتبيّن بالمقام الثاني، وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة فهو مقتضى القياس (^٤) الصحيح؛ فإن المشتري لم يتسلَّم الثمرة ولم يقبضها القبضَ التامَّ الذي يوجب نقلَ الضمان إليه؛ فإن قبضَ كل شيء بحسبه، وقبضُ الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئًا فشيئًا، فهو كقبض المنافع في الإجارة، وتسليمُ الشجرة إليه كتسليم العين المُؤْجَرة من الأرض والعقار والحيوان، وعُلَقُ البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن له سقْيَ الأصل وتعاهُدَه، كما لم تنقطع عُلَقُ المُؤجِر عن العين\n_________\n(^١) ع: «أنها سمعتها»، خطأ ..\n(^٢) ت: «فالجواب».\n(^٣) ت: «هذين المقامين».\n(^٤) ع: «مقتض للقياس».","vol":"3","page":304},{"text":"المستأجرة، والمشتري لم يتسلَّم التسلُّم التام كما لم يتسلم المستأجر التسلُّم التام، فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريطٍ من المشتري لم يحلَّ للبائع إلزامُه بثمن ما أتلفه الله سبحانه منها قبل تمكُّنه من قبضها القبضَ المعتاد.\nوهذا معنى قول النبي - ﷺ -: «أرأيتَ إن منعَ الله الثمرة؟ فبِمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟» (^١)، فذكر الحكم وهو قوله: «فلا يحلُّ له أن يأخذ (^٢) منه شيئًا»، وعلة الحكم وهو قوله: «أرأيتَ إن منع الله الثمرةَ» إلى آخره. وهذا الحكم نصٌّ لا يحتمل التأويل، والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء ولا المعارضة. وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك، ولهذا لو تمكَّن من القبض المعتاد [٩٤/ب] في وقته ثم أخَّره لتفريطٍ منه أو لانتظارِ غلاء السعر كان التلف من ضمانه، ولم تُوضَع عنه الجائحة.\nوأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أُصيب في ثمار ابتاعها فمن باب ردِّ المحكم بالمتشابه؛ فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة، بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها. وإن قُدِّر أن المصيبة كانت بجائحةٍ فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة، بل لعلها جائحة خاصة كسرقة اللصوص التي يمكن (^٣) الاحتراز منها، ومثل هذا لا يكون جائحة تُسقِط الثمن عن المشتري، بخلاف نهب الجيوش والتلف بآفة سماوية. وإن قُدِّر أن الجائحة عامة فليس في الحديث ما يبيِّن أن التلف لم يكن بتفريطه في التأخير، ولو\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ع: «لك أن تأخذ».\n(^٣) ت: «لا يمكن».","vol":"3","page":305},{"text":"قُدِّر أن التلف لم يكن بتفريطه فليس فيه أنه طلب الفسخ وأن توضع عنه الجائحة، بل لعله رضي بالمبيع ولم يطلب الوضع، والحق في ذلك له: إن شاء طلبه، وإن شاء تركه. فأين في الحديث أنه طلب ذلك، وأن النبي - ﷺ - منَعَه منه؟ ولا يتمُّ الدليل إلا بثبوت المقدمتين، فكيف يُعارَض نصُّ قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير معنى واحد وهو نصٌّ فيه بهذا الحديث المتشابه؟ ثم قوله فيه: «ليس لكم إلا ذلك» دليل على أنه لم يبقَ لبائعي الثمار من ذمة المشتري غيرُ ما أخذه (^١)، وعندكم المال كله في ذمته؛ فالحديث حجة عليكم.\nوأما المعارضة بحديث مالك فمن أبطل المعارضات وأفسدِها، فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجهٍ ما؟ وإنما فيه أنه عالجه وأقام عليه حتى تبيَّن له النقصان، ومثل هذا لا يكون سببًا لوضع الثمن، وبالله التوفيق.\nالمثال الخامس والأربعون: [٩٥/أ] ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الإعادة على من صلّى خلف الصف وحده، كما في «المسند» بإسناد صحيح و«صحيحي ابن حبان وابن خزيمة» عن علي بن شيبان أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلِّي خلفَ الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال له: «استقبلْ صلاتَك، فلا صلاةَ لفردٍ خلفَ الصفّ» (^٢).\n_________\n(^١) ع: «أخذوه».\n(^٢) رواه أحمد (١٦٢٩٧) وابن ماجه (١٠٠٣)، وصححه ابن خزيمة (١٥٦٩) وابن حبان (٢٢٠٢). قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حديث ملازم بن عمرو ــ يعني هذا الحديث ــ في هذا أيضًا حسنٌ؟ قال: نعم. انظر: «المغني» (٣/ ١٥٥) و«الإرواء» (٢/ ٣٢٩).","vol":"3","page":306},{"text":"وفي «السنن» و«صحيح ابن حبان وابن خزيمة» عن وابصة بن معبد أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد صلاته (^١).\nوفي «مسند الإمام أحمد» (^٢): سئل رسول الله - ﷺ - عن رجل صلَّى وحدَه خلف الصف (^٣) قال: «يعيد صلاته».\nفردَّت هذه السنن المحكمة بأنها خلاف الأصول، ولعمر الله إنها هي محض الأصول، وما خالفها فهو خلاف الأصول، وردَّت بالمتشابه من حديث ابن عباس حيث أحرم عن يسار النبي - ﷺ -، فأداره إلى يمينه، ولم يأمره باستقبال الصلاة (^٤).\nوهذا من أفسد الردّ؛ فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حال واحد (^٥)، بل لو كبَّر أحدهم وحده ثم كبَّر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذًّا وإن أحرم وحده، فالاعتبار بالمُصافَّة فيما تدرك به الركعة وهو الركوع. وأفسدُ من هذا الردّ ردُّ الحديث بأن الإمام يقف فذًّا، وسنة رسول الله - ﷺ - أجلُّ وأعظمُ في صدور أهلها أن تُعارَض بهذا\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٦٨٢) والترمذي وحسنه (٢٣٠، ٢٣١)، ورواه ابن ماجه (١٠٠٤) وأحمد (١٨٠٠٠)، وذكره ابن خزيمة بدون إسناد (١٥٦٩)، وصححه ابن حبان (٢١٩٨). وانظر: «الإرواء» (٢/ ٣٢٣).\n(^٢) رقم (١٨٠٠٤).\n(^٣) ت، ع: «خلف الصف وحده».\n(^٤) رواه البخاري (١١٧) ومسلم (٧٦٣).\n(^٥) د: «واحدة».","vol":"3","page":307},{"text":"وأمثاله. وأقبحُ من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها؛ فإن هذا هو موقفها المشروع بل الواجب، كما أن موقف الإمام المشروع أن يكون وحده أمام الصف. وأما موقف الفذّ خلف الصف فلم يشرعه رسول الله [٩٥/ب]- ﷺ - البتةَ، بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه، وأخبر أنه لا صلاة له.\nفإن قيل: فهَبْ أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء، فما تصنعون بحديث (^١) أبي بكرة حين ركع دون الصفّ ثم مشى راكعًا حتى دخل في الصف، فقال له النبي (^٢) - ﷺ -: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ» (^٣). ولم يأمره بإعادة الصلاة وقد وقعت منه تلك الركعة فذًّا؟\nقيل: نقبله على الرأس والعينين، ونمسك (^٤) قوله - ﷺ -: «لا تَعُدْ»، فلو فعل أحد ذلك غيرَ عالمٍ بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله - ﷺ - سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي فإمّا أن يجتمع مع الإمام في الركوع في الصف أو لا، فإن جامعَه في الركوع وهو في الصف صحت صلاته؛ لأنه أدرك الركعة وهو غير فذٍّ كما لو أدركها قائمًا، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل في الصف، فقد قيل: تصح صلاته، وقيل: لا تصح له تلك الركعة ويكون فذًّا فيها. والطائفتان احتجُّوا بحديث أبي بكرة.\n_________\n(^١) ت: «في حديث».\n(^٢) ت: «رسول الله».\n(^٣) رواه البخاري (٧٨٣).\n(^٤) ع: «ونمتثل».","vol":"3","page":308},{"text":"والتحقيق أنه قضية عينٍ، يحتمل دخوله في الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام. وحكاية الفعل لا عمومَ لها؛ فلا يمكن أن يُحتَجَّ بها على الصورتين، فهي إذًا مجملة متشابهة، فلا يُترك لها النص المحكم الصريح، فهذا مقتضى الأصول نصًّا وقياسًا، وبالله التوفيق.\n\nالمثال السادس والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز الأذان للفجر قبل دخول وقتها، كما في «الصحيحين» (^١) من حديث سالم بن عبد الله [عن أبيه] (^٢) عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذانَ ابنِ [٩٦/أ] أم مكتوم». وفي «صحيح مسلم» (^٣) عن سمرة عن النبي - ﷺ -: «لا يغرَّنَّكم نداءُ بلال ولا هذا البياضُ حتى ينفجر (^٤) الفجر». وهو في «الصحيحين» (^٥) من حديث ابن مسعود، ولفظه: «لا يمنعنَّ أحدَكم أذانُ بلال من سحوره؛ فإنه يؤذِّن أو ينادي ليرجع قائمكم وينتبه نائمكم». قال مالك (^٦): «لم تَزَلِ الصبحُ يُنادَى لها قبل الفجر».\nفرُدَّتْ هذه السنة لمخالفتها (^٧) الأصولَ والقياس على سائر الصلوات، وبحديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلالًا أذَّن قبل\n_________\n(^١) البخاري (٦١٧) ومسلم (١٠٩٢).\n(^٢) ليست في النسخ، وقد استدركت من «الصحيحين».\n(^٣) رقم (١٠٩٤).\n(^٤) ت: «يفجر».\n(^٥) البخاري (٦٢١) ومسلم (١٠٩٣).\n(^٦) في «الموطأ» (١/ ٧٢).\n(^٧) ع: «بمخالفتها».","vol":"3","page":309},{"text":"طلوع الفجر، فأمره النبي - ﷺ - أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام (^١). ولا تردُّ السنة الصحيحة بمثل ذلك؛ فإنها أصلٌ بنفسها، وقياس وقت الفجر على غيره من الأوقات لو لم يكن فيه إلا مصادمته للسنة لكفى في ردّه، فكيف (^٢) والفرق قد أشار إليه النبي - ﷺ -، وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة والحكمة التي لا تكون في غير الفجر؟ وإذا اختصّ وقتها بأمر لا يكون في سائر الصلوات امتنع الإلحاق.\nوأما حديث حماد عن أيوب فحديث معلول عند أئمة الحديث لا تقوم به حجة. قال أبو داود: لم يروِه عن أيوب إلا حماد بن سلمة (^٣). وقال إسحاق بن إبراهيم بن جبلة (^٤): سألت عليًّا ــ هو ابن المديني ــ عن حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلًالا أذّن بليل فقال له النبي - ﷺ -: «ارجعْ فنادِ (^٥) أن العبد نام». فقال: هو عندي خطأ، لم يتابَع حماد بن سلمة على\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٥٣٢) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٣٩) والدارقطني (٩٥٤)، ونقل ابن حجر اتفاق الأئمة كأحمد والبخاري وأبي حاتم بأن حمادًا أخطأ في رفعه، والصواب وقفه على عمر. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٢/ ٣٣٩) و«التلخيص الحبير» (١/ ٣١٩) و«فتح الباري» (٢/ ١٠٣).\n(^٢) «فكيف» ليست في ت.\n(^٣) «سنن أبي داود» (٥٣٢).\n(^٤) د: «حلبة». ت، ع: «حكيم». وكلاهما تصحيف. والصواب ما أثبته كما في «معرفة السنن والآثار» (٢/ ٢١٣) و«الثقات» لابن حبان (٨/ ١٢٢).\n(^٥) ت: «فنادى».","vol":"3","page":310},{"text":"هذا، إنما روي أن بلالًا كان ينادي بليل (^١). قال البيهقي (^٢): قد تابعه سعيد بن زَرْبيّ، وهو ضعيف (^٣).\nوأما حماد بن سلمة فإنه أحد أئمة المسلمين، حتى قال الإمام أحمد: إذا [٩٦/ب] رأيت الرجل يغمِزُ حماد بن سلمة فاتهِمْه، فإنه كان شديدًا على أهل البدع (^٤).\nقال البيهقي (^٥): إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه، فلذلك ترك البخاري الاحتجاج بحديثه، وأما مسلم فاجتهد في أمره، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيُّره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد دون الاحتجاج به. وإذا كان الأمر كذلك فالاحتياط لمن راقب الله ﷿ أن لا يحتجَّ بما يجد من حديثه مخالفًا لأحاديث الثقات الأثبات، وهذا الحديث من جملتها.\nثم ذكر من طريق الدارقطني عن معمر عن أيوب قال: أذَّن بلال مرةً بليل. قال الدارقطني (^٦): هذا مرسل.\nثم ذكر من طريق إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة\n_________\n(^١) «مختصر الخلافيات» (١/ ٤٦٢) و«معرفة السنن والآثار» (٢/ ٢١٣) و«السنن الكبرى» (١/ ٣٨٣).\n(^٢) في «مختصر الخلافيات» (١/ ٤٦٢).\n(^٣) «مختصر الخلافيات» (١/ ٤٦٢).\n(^٤) انظر: «مختصر الخلافيات» (١/ ٤٦٢) و«السير» (٧/ ٤٥٠).\n(^٥) «مختصر الخلافيات» (١/ ٤٦٢).\n(^٦) «السنن» (٩٥٦).","vol":"3","page":311},{"text":"عن عبد العزيز بن أبي روّاد [عن نافع] عن ابن عمر أن بلالًا قال له النبي - ﷺ -: «ما حملَك على ذلك؟» قال: استيقظتُ وأنا وَسْنانُ، فظننت أن الفجر قد طلع، فأمره النبي - ﷺ - أن ينادي في المدينة أن العبد قد نام، وأقعده إلى جانبه حتى طلع الفجر (^١).\nثم قال (^٢): هكذا رواه إبراهيم عن عبد العزيز (^٣)، وخالفه (^٤) شعيب بن حرب، فقال: عن عبد العزيز عن نافع عن مؤذّن لعمر يقال له مسروح أنه أذّن قبل الصبح، فأمره عمر أن ينادي: ألا إنّ العبد نام (^٥).\nقال أبو داود (^٦): ورواه حماد (^٧) بن زيد عن عبيد الله (^٨) بن عمر عن نافع أو غيره أن مؤذّنًا لعمر يقال له مسروح أو غيره. ورواه الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: كان لعمر مؤذن يقال له مسعود، فذكر [٩٧/أ] نحوه، قال أبو داود: وهذا أصحّ من ذلك. يعني حديث عمر أصح.\nقال البيهقي (^٩): وروي من وجه آخر عن عبد العزيز موصولًا، ولا\n_________\n(^١) رواه البيهقي (١/ ٣٨٣) والزيادة منه.\n(^٢) يعني البيهقي.\n(^٣) رواه البيهقي (١/ ٣٨٣).\n(^٤) ع: «وخالف».\n(^٥) رواه أبو داود (٥٣٣)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٣٨٤)، ورواه الدارقطني (٩٥٥).\n(^٦) في «سننه» (٥٣٣).\n(^٧) ت: «أحمد»، تحريف.\n(^٨) ت: «عبد الله»، خطأ.\n(^٩) كما في «مختصر الخلافيات» (١/ ٣٦٢). ويستمر النقل إلى خمس صفحات.","vol":"3","page":312},{"text":"يصح، رواه عامر بن مدرك عنه عن نافع عن ابن عمر: أن بلالًا أذَّن قبل الفجر، فغضب النبي - ﷺ -، وأمره أن ينادي: إن العبد نام، فوجد بلالٌ وجدًا شديدًا. قال الدارقطني (^١): وَهِم فيه عامر بن مدرك، والصواب عن شعيب بن حرب عن عبد العزيز عن نافع عن مؤذن عمر عن عمر من قوله، وروي عن أنس بن مالك، ولا يصح.\nوروي عن أبي يوسف القاضي عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس: أن بلالًا أذّن قبل الفجر، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يصعد فينادي: ألا إن العبد نام، ففعل، وقال:\nليتَ بلالًا لم تلِدْه أمُّه ... وابتلَّ مِن نَضْحِ دمٍ جبينُه\n\nقال الدارقطني (^٢): تفرّد به أبو يوسف عن سعيد، يعني موصولًا، وغيره يُرسِله عن سعيد عن قتادة عن النبي - ﷺ -، والمرسل أصح.\nورواه الدارقطني (^٣) من طريق محمد بن القاسم الأسدي، ثنا الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس، ثم قال: محمد بن القاسم الأسدي ضعيف جدًّا. وقال البخاري: كذّبه أحمد بن حنبل (^٤).\nوروي عن حميد بن هلال أن بلالًا أذَّن ليلةً بسوادٍ، فأمره النبي - ﷺ - أن\n_________\n(^١) في «سننه» (٩٥٨).\n(^٢) في «السنن» (٩٥٩).\n(^٣) في «سننه» (٩٦١).\n(^٤) «التاريخ الصغير» (٢/ ٣١٢).","vol":"3","page":313},{"text":"يرجع إلى مقامه فينادي: إن العبد نام (^١)، ورواه إسماعيل بن مسلم عن حميد عن أبي قتادة، وحميد لم يلق أبا قتادة؛ فهو مرسل بكل حال.\nوروي عن شداد مولى عِياض قال: جاء بلال إلى النبي - ﷺ - وهو يتسحَّر فقال: لا تؤذِّنْ حتى يطلع الفجر (^٢)، وهذا مرسل. قال أبو داود: شدّاد مولى عِياض لم يدرك بلالًا.\nوروى [٩٧/ب] الحسن بن عُمارة عن طلحة بن مصرّف عن سُويد بن غَفَلة عن بلال قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن لا أؤذّن حتى يطلع الفجر (^٣)، وعن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال مثله، لم يروه هكذا غير الحسن بن عُمارة (^٤)، وهو متروك (^٥)، ورواه الحجاج بن أرطاة عن طلحة وزُبيد عن سويد بن غفلة أن بلالًا لم يؤذّن حتى ينشقّ الفجر (^٦)، هكذا رواه، لم يذكر فيه أمر النبي - ﷺ -، وكلاهما ضعيفان (^٧).\nوروي عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان أن (^٨) النبي - ﷺ - قال لبلال: «لا تؤذِّن» ــ وجمع سفيان أصابعه الثلاث ــ «لا تؤذِّنْ حتى يقول\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (٩٥٧).\n(^٢) رواه أبو داود (٥٣٤) وابن أبي شيبة (٢٢٣٤) والبيهقي (١/ ٣٨٤).\n(^٣) رواه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٢٢).\n(^٤) ت: «أبي عمارة»، خطأ.\n(^٥) انظر: «تهذيب الكمال» (٦/ ٢٦٥) ترجمة (١٢٥٢).\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة (٢٢٣٥) من طريق طلحة.\n(^٧) عود الضمير إلى الحسن بن عمارة وحجاج بن أرطاة.\n(^٨) «أن» ليست في ت.","vol":"3","page":314},{"text":"الفجر هكذا» (^١). وصف سفيان بين السبابتين ثم فرّق بينهما.\nقال (^٢): وروينا عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود ما دلّ على أذان بلال بليل، وأن رسول الله - ﷺ - ذكر معاني تأذينه بالليل، وذلك أولى بالقبول لأنه موصول، وهذا مرسل.\nوروي عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق عن الأسود قال: قالت لي عائشة: كان رسول الله - ﷺ - إذا أوتر (^٣) من الليل رجع إلى فراشه، فإذا أذّن بلال قام؛ وكان بلال يؤذّن إذا طلع الفجر، فإن كان جنبًا اغتسل، وإن لم يكن توضأ ثم (^٤) صلى ركعتين (^٥). وروى الثوري عن أبي إسحاق في هذا الحديث قال: ما كان المؤذّن يؤذّن حتى يطلع الفجر. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود: سألتُ عائشة عن صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل، قالت: كان ينام أول الليل، فإذا كان السحر أوتر (^٦)، ثم يأتي فراشه، فإن كانت له حاجة إلى أهله ألمَّ بهم، ثم ينام، فإذا سمع النداء ــ وربما (^٧) قالت الأذان ــ وثبَ، وربما قالت قام، [٩٨/أ] فإن كان جنبًا أفاض عليه الماء، وربما قالت: اغتسل، وإن لم يكن جنبًا توضّأ ثم خرج للصلاة (^٨). وقال\n_________\n(^١) انظر: «مختصر الخلافيات» (١/ ٤٦٨).\n(^٢) أي البيهقي في المصدر السابق.\n(^٣) د، ت: «أوتى».\n(^٤) ت: «و».\n(^٥) انظر: مختصر الخلافيات (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩).\n(^٦) د: «اوى».\n(^٧) في النسخ هنا وفيما يلي: «وما» بدل «وربما».\n(^٨) رواه البخاري (١١٤٦) ومسلم (٧٣٩) وأبو داود الطيالسي (١٤٨٣) واللفظ له.","vol":"3","page":315},{"text":"زهير بن معاوية عن أبي إسحاق في هذا الحديث: فإذا كان عند النداء الأول وثَبَ (^١).\nقال البيهقي: وفي روايته ورواية شعبة كالدليل على أن هذا النداء كان قبل طلوع الفجر، وهي موافقة لرواية القاسم عن عائشة، وذلك أولى من رواية من خالفهما. وروي عن عبد الكريم عن نافع عن ابن عمر عن حفصة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أذّن المؤذّن صلى الركعتين، ثم خرج إلى المسجد وحرَّم الطعام، وكان لا يؤذّن إلا بعد الفجر (^٢).\nقال البيهقي: هكذا في هذه الرواية، وهو محمول إن صحَّ على الأذان الثاني، والصحيح عن نافع بغير هذا اللفظ، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن حفصة زوج النبي - ﷺ - أنها أخبرته أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح صلّى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة (^٣). والحديث في «الصحيحين» (^٤).\nفإن قيل: عُمدتكم في هذا إنما هو على حديث بلال، ولا يمكن الاحتجاج به؛ فإنه قد اضطرب الرواة فيه هل كان المؤذن بلالًا (^٥) أو ابن أم مكتوم، وليست إحدى الروايتين أولى من الأخرى، فتتساقطان، فروى شعبة\n_________\n(^١) هذا اللفظ عند مسلم (٧٣٩).\n(^٢) رواه أحمد (٢٦٤٣٠) وأبو يعلى (٧٠٣٦) والطبراني (٣٢١).\n(^٣) رواه البخاري (٦١٨) ومسلم (٧٢٣) واللفظ له.\n(^٤) إلى هنا انتهى كلام البيهقي من «مختصر الخلافيات» (١/ ٤٦٢ - ٤٧٠).\n(^٥) ت: «بلال».","vol":"3","page":316},{"text":"عن حبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت عمتي أُنيسة أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنّ (^١) ابن أم مكتوم ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال» (^٢). رواه البيهقي وابن حبان في «صحيحه».\nفالجواب أن هذا الحديث قد رواه ابن عمر وعائشة وابن مسعود وسمرة بن جندب عن النبي - ﷺ -: أن بلالًا يؤذّن بليل (^٣)، وهذا الذي رواه صاحبا «الصحيح»، ولم يختلف عليهم في ذلك. وأما حديث أُنيسة فاختلف عليها على ثلاثة أوجه:\nأحدها: [٩٨/ب] كذلك رواه محمد بن أيوب عن أبي الوليد وأبي عمرو (^٤) عن شعبة (^٥).\nالثاني: كحديث عائشة وابن عمر: أن بلالًا يؤذّن بليل (^٦)، هكذا رواه محمد بن يونس الكُديمي عن أبي الوليد عن شعبة، وكذلك رواه أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق عن شعبة (^٧).\nالثالث: رُوي على الشك: إن بلالًا يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتى\n_________\n(^١) مكان «قال إن» بياض في ت.\n(^٢) رواه النسائي (٦٤٠) وأحمد (٢٧٤٣٩)، وصححه ابن خزيمة (٤٠٥) وابن حبان (٣٤٧٤) والبيهقي (١/ ٣٨٢).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) د، ت: «وابن عمر». والمثبت هو الصواب، كما عند البيهقي (١/ ٣٨٢). وسيأتي.\n(^٥) رواه البيهقي (١/ ٣٨٢).\n(^٦) انظر: «السنن الكبرى» (١/ ٣٨٢).\n(^٧) رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (١٧٦٦).","vol":"3","page":317},{"text":"يؤذن (^١) ابن أم مكتوم، أو قال: إن ابن أم مكتوم يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن بلال (^٢). كذلك رواه سليمان بن حرب وجماعة.\nوالصواب رواية أبي داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق لموافقتها حديث ابن عمر وعائشة، وأما رواية أبي الوليد وأبي عمرو (^٣) فمما انقلب فيها لفظ الحديث، وقد عارضها رواية الشك ورواية الجزم بأن المؤذن بليلٍ هو بلال، وهو الصواب بلا شك، فإن ابن أم مكتوم كان ضرير البصر، ولم يكن له علم بالفجر؛ فكان إذا قيل له: «طلع الفجر» أذَّن. وأما ما ادعاه بعض الناس أن النبي - ﷺ - جعل الأذان نوبًا بين بلال وبين ابن أم مكتوم، وكان كل منهما في نوبته يؤذّن بليلٍ، فأمر النبي - ﷺ - الناس أن يأكلوا ويشربوا حتى يؤذّن الآخر= فهذا كلام باطل على رسول الله - ﷺ -، ولم يجئ في ذلك أثر قطُّ، لا بإسناد (^٤) صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، ولكن هذه طريقة من يجعل غلط الرواة شريعةً ويحملها على السنة، وخبر ابن مسعود وابن عمر وعائشة وسمرة الذي لم يُختلَف عليهم فيه أولى بالصحة، والله أعلم.\nالمثال السابع والأربعون (^٥): ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة\n_________\n(^١) ع: «حتى تسمعوا أذان».\n(^٢) رواه البيهقي (١/ ٣٨٢).\n(^٣) د، ع: «أبي عمر».\n(^٤) ت: «ولا إسناد».\n(^٥) د، ت: «التاسع والأربعون». وهكذا يستمر زيادة رقمين فيما بعد، وقد صحِّح في د في الهوامش بخط مغاير، واعتمدنا هذا التصحيح.","vol":"3","page":318},{"text":"عن النبي - ﷺ - في الصلاة على القبر، كما في «الصحيحين» (^١) من حديث ابن عباس: [٩٩/أ] أن النبي - ﷺ - صلَّى على قبر منبوذٍ، فصفَّهم وتقدّم فكبّر عليه أربعًا. وفيهما (^٢) من حديث أبي هريرة: أنه صلّى على قبر (^٣) امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد. وفي «صحيح مسلم» (^٤) من حديث أنس أن النبي - ﷺ - صلى على قبر امرأة بعدما دُفِنتْ. وفي «سنن» البيهقي والدارقطني (^٥) عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - صلّى على قبرٍ بعد شهر. وفيهما (^٦) عنه: أن (^٧) النبي - ﷺ - صلى على ميت بعد ثلاث. وفي «جامع الترمذي» (^٨): أن النبي - ﷺ - صلّى على أم سعد بعد شهر (^٩).\nفردَّت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: «لا تجلسوا على القبور\n_________\n(^١) رواه البخاري (٨٥٧) ومسلم (٩٥٤).\n(^٢) رواه البخاري (١٣٣٧) ومسلم (٩٥٦).\n(^٣) «قبر» ليست في ع.\n(^٤) رقم (٩٥٥).\n(^٥) رواه الدارقطني (١٨٤٧) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٤٦)، وهي شاذة تفرد بها بشر بن آدم عن أبي عاصم، وخالفه غيره فيها. انظر: «سنن» الدارقطني (١٨٤٧) و«الفتح» (٣/ ٢٠٥) و«الإرواء» (٣/ ١٨٣).\n(^٦) رواه الدارقطني (١٨٤٦) ومن طريقه البيهقي (٤/ ٤٥ - ٤٦)، وهي زيادة شاذة. انظر: «الفتح» (٣/ ٢٠٥) و«الإرواء» (٣/ ١٨٣).\n(^٧) ت: «عن».\n(^٨) رواه الترمذي عن سعيد بن المسيب مرسلًا (١٠٣٨)، وضعفه الألباني في «الإرواء» (٢/ ١٨٦).\n(^٩) «شهر» ليست في ت.","vol":"3","page":319},{"text":"ولا تصلُّوا إليها» (^١). وهذا حديث صحيح، والذي قاله هو النبي الذي صلّى على القبر؛ فهذا قوله وهذا فعله، ولا يناقض أحدهما الآخر؛ فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر؛ فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختصُّ بمكان، بل فعلُها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه (^٢)؛ فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه (^٣)، فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين، ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها، بخلاف سائر الصلوات؛ فإنها لم تُشرع في القبور ولا إليها؛ لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، وقد لعن رسول الله - ﷺ - من فعل ذلك (^٤)، فأين ما لَعن فاعله وحذَّر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: «إن من شرار الناس من تُدرِكهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (^٥) إلى ما فعله - ﷺ - مرارًا متكررةً؟ وبالله التوفيق.\n\nالمثال الثامن والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في النهي عن الجلوس على فراش [٩٩/ب] الحرير، كما في «صحيح البخاري» (^٦) من حديث حذيفة: «نهانا رسول الله - ﷺ - أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن\n_________\n(^١) رواه مسلم (٩٧٢).\n(^٢) رواه البخاري (١٢٤٥) ومسلم (٩٥١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) ت: «نفسه» تصحيف.\n(^٤) رواه البخاري (٤٣٧) ومسلم (٥٣٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) رواه أحمد (٣٨٤٤) والبزار (١٧٢٤) والطبراني (١٠٤١٣)، وصححه ابن خزيمة (٧٨٩) وابن حبان (٢٣٢٥)، وجوّد إسناده ابن تيمية في «الاقتضاء» (٢/ ١٨٦)، وحسنه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٧).\n(^٦) رقم (٥٨٣٧).","vol":"3","page":320},{"text":"نأكل فيها، وعن الحرير والديباج، وأن نجلس عليه»، وقال: «هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» (^١). ولو لم يأتِ هذا النص لكان النهي عن لبسه متناولًا لافتراشه كما هو متناول للالتحاف به، وذلك لُبسٌ لغة وشرعًا، كما قال أنس: «قمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِس» (^٢)، ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي لكان القياس المحض موجبًا لتحريمه، إما قياس المثل أو قياس الأولى؛ فقد دل على تحريم الافتراش النص الخاص واللفظ العام والقياس الصحيح، ولا يجوز ردُّ ذلك كله بالمتشابه من قوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ومن القياس على ما إذا كان الحرير بِطانةَ الفراش دون ظِهارته؛ فإن الحكم في ذلك التحريم على أصح القولين، والفرق على القول الآخر مباشرة الحرير وعدمها كحَشْو الفراش به (^٣)؛ فإن صح الفرق بطل القياس، وإن بطل الفرق منع الحكم. وقد تمسَّك (^٤) بعموم النهي عن افتراش الحرير طائفة من الفقهاء فحرموه على الرجال والنساء، وهذه طريقة الخراسانيين من أصحاب الشافعي، وقابلَهم من أباحه للنوعين (^٥)، والصواب التفصيل وأن من أُبيح له لبسه أبيح له افتراشه ومن حُرِّم عليه حرم عليه، وهذا (^٦) قول الأكثرين، وهي طريقة العراقيين من الشافعية.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٦٣٢) ومسلم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (٣٨٠) ومسلم (٦٥٨).\n(^٣) «به» ليست في ع.\n(^٤) ت: «تمثل».\n(^٥) ت: «إباحة النوعين».\n(^٦) ت: «وهو».","vol":"3","page":321},{"text":"المثال التاسع والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في خَرْص الثمار في الزكاة والعرايا وغيرها إذا بدا صلاحها، كما رواه (^١) الشافعي (^٢) [١٠٠/أ] عن عبد الله بن نافع عن محمد بن صالح التمار عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتّاب بن أَسِيد أن رسول الله - ﷺ - قال في زكاة الكَرْم: «يُخْرَص كما يُخْرَص النخل، ثم تُؤدَّى زكاته زبيبًا كما تُؤدَّى زكاة النخل تمرًا».\nوبهذا الإسناد بعينه: أن رسول الله - ﷺ - كان يبعث من يَخْرُص على الناس (^٣) كرومهم وثمارهم (^٤).\nوقال أبو داود الطيالسي (^٥): ثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت عبد الرحمن بن مسعود بن نِيَار (^٦) يقول: أتانا سهل بن أبي حَثْمة\n_________\n(^١) ع: «روى».\n(^٢) في «مسنده» (٢/ ١٦٢) وأبو داود (١٦٠٣، ١٦٠٤) والنسائي (٢٦١٨) والترمذي (٦٤٤) وابن ماجه (١٨١٩)، والإسناد منقطع؛ قال أبو داود: «سعيد لم يسمع من عتاب شيئًا»، وقد اختلف في وصله وإرساله، وقد صوَّب الإرسال أبوحاتم في «العلل» لابنه (٢/ ٥٨٩). وانظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٣٣١) و«الإرواء» (٣/ ٢٨٣).\n(^٣) ع: «على الناس من يخرص».\n(^٤) تقدم تخريجه في الحديث السابق.\n(^٥) في «مسنده» (١٣٣٠)، ورواه أبو داود (١٦٠٥) والنسائي (٢٤٩١) والترمذي (٦٤٣) وأحمد (١٥٧١٣)، وفي إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار لم يوثقه إلا ابن حبان. انظر: «السلسلة الضعيفة» (٢٥٥٦) و«ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ١١٥).\n(^٦) ت: «عبد الرحمن بن نيار».","vol":"3","page":322},{"text":"إلى مجلسنا، فحدَّثنا أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا خَرصتم فدَعُوا الثلث؛ فإن لم تَدَعوا الثلث فدعوا الربع».\nقال الحاكم (^١): هذا حديث صحيح الإسناد.\nورواه أبو داود في «السنن» (^٢). وروى فيها أيضًا عن عائشة: كان النبي - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، فيَخْرُص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يُخيِّر يهودَ (^٣) فيأخذونه بذلك الخَرْص أم (^٤) يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي تُحصَى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتُفرَّق (^٥).\nوروى الشافعي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب أن رسول الله - ﷺ - قال ليهود خيبر: «أُقِرُّكم على ما أَقرَّكم الله، على أن التمر (^٦) بيننا وبينكم». قال: وكان رسول الله - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة فيخْرُص عليهم ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، وكانوا يأخذونه (^٧).\nوفي «الصحيحين» (^٨) أن رسول الله - ﷺ - خَرَصَ حديقة المرأة وهو\n_________\n(^١) في «المستدرك» (١/ ٤٠٢).\n(^٢) برقم (١٦٠٥).\n(^٣) ع: «اليهود».\n(^٤) ع: «أو».\n(^٥) رواه أبو داود (١٦٠٦، ٣٤١٣)، وإسناده ضعيف؛ لجهالة المخبر بين ابن جريج وابن شهاب. وانظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ١١٥) و«الإرواء» (٣/ ٢٨٠).\n(^٦) ع: «الثمر».\n(^٧) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٧٠٣)، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٣/ ٨٥، ٨٦، ٨/ ٦٢٥) والبيهقي (٤/ ١٢٢). وهو مرسل.\n(^٨) رواه البخاري (١٤٨١) ومسلم (١٣٩٢) من حديث أبي حميد الساعدي - ﵁ -.","vol":"3","page":323},{"text":"ذاهب إلى تبوك، وقال لأصحابه: «اخْرُصوها»، فخرصوها بعشرة أوسُقٍ، فلما قَفَلَ (^١) سألوا المرأة عن تمر الحديقة، فقالت: بلغ عشرة أوسُقٍ.\nوفي «الصحيحين» (^٢) من حديث [١٠٠/ب] زيد بن ثابت: رخَّص رسول الله - ﷺ - لصاحب العرِيَّة أن يبيعها بخَرْصِها تمرًا.\nوصحّ عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه بعث سهل بن أبي حَثْمة على خرص التمر، وقال: إذا أتيتَ أرضًا فاخرُصْها، ودَعْ لهم قدرَ ما يأكلون» (^٣).\nفردَّتْ هذه السنن كلها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، قالوا: والخرص من باب القمار والميسر؛ فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار. وهذا من أبطل الباطل؛ فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع، كالفرق بين البيع والربا والميتة والذكيّ (^٤)، وقد نزَّه الله رسوله وأصحابه عن تعاطي القمار وعن شرعه وإدخاله في الدين.\nويا لله العجب! أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر، ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار ولا يعرفون أن الخرص قمار حتى بيَّنه بعض فقهاء\n_________\n(^١) ع: «قفلوا».\n(^٢) رواه البخاري (٢٣٨٠) ومسلم (١٥٣٩).\n(^٣) رواه البيهقي (٤/ ١٢٤)، وإسناده منقطع لأن بُشيرًا لم يدرك عمر، ولكن وصله الحاكم وصححه (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، ورواه البيهقي (٤/ ١٢٤) عن بشير عن سهل بن أبي حثمة عن عمر.\n(^٤) في المطبوع: «والمذكى». والمثبت من النسخ.","vol":"3","page":324},{"text":"الكوفة؟ هذا واللهِ الباطلُ حقًّا، والله الموفق.\n\nالمثال الخمسون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صفة صلاة الكسوف وتكرار الركوع في كل ركعة، كحديث عائشة وابن عباس وجابر وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، كلهم روى عن النبي - ﷺ - تكرار الركوع في الركعة الواحدة (^١)، فردَّت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: كنتُ يومًا أرمي بأسهُمٍ وأنا بالمدينة، فانكسفت الشمس، فجمعتُ أسهمي وقلت: لأنظرنَّ ماذا أحدث رسول الله - ﷺ - في كسوف الشمس؛ فكنتُ خلف ظهره، فجعل يسبّح ويكبّر ويدعو حتى [١٠١/أ] حُسِر عنها، فصلّى ركعتين وقرأ بسورتين. رواه مسلم في «صحيحه» (^٢). وفي «صحيح البخاري» (^٣) عن أبي بكرة قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فصلَّى ركعتين.\nوهذا لا يناقض رواية من روى أنه ركع في كل ركعة ركوعين، فهي ركعتان تعدَّدَ ركوعهما، كما يُسمَّيان سجدتين مع تعدد سجودهما، كما قال ابن عمر: حفظتُ عن (^٤) رسول الله - ﷺ - سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها (^٥). وكثيرًا ما يجيء في السنن إطلاق السجدتين على الركعتين؛ فسنة رسول الله - ﷺ - يُصدِّق بعضها بعضًا، لا سيَّما والذين رووا تكرار الركوع أكثرُ\n_________\n(^١) سيأتي قريبًا.\n(^٢) رقم (٩١٣).\n(^٣) رقم (١٠٦٢).\n(^٤) ت: «من».\n(^٥) رواه البخاري (١١٨٠) ومسلم (٧٢٩).","vol":"3","page":325},{"text":"عددًا وأجلُّ وأخصُّ برسول الله - ﷺ - من الذين لم يذكروه.\nفإن قيل: ففي حديث أبي بكرة: «فصلَّى ركعتين نحوًا مما تصلُّون»، وهذا صريح في إفراد الركوع.\nقيل: هذا الحديث رواه شعبة عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي بكرة دون الزيادة المذكورة، وهو الذي رواه البخاري في «صحيحه»، وزاد إسماعيل بن عُلية هذه الزيادة (^١)؛ فإن رجَّحنا بالحفظ والإتقان (^٢) فشعبة شعبة، وإن قبلنا الزيادة فرواية من زاد في كل ركعة ركوعًا آخر زائدة (^٣) على رواية من روى ركوعًا واحدًا، فتكون أولى.\nفإن قيل: فما تصنعون بالسنة المحكمة الصريحة من رواية سمرة بن جندب (^٤) والنعمان بن بشير (^٥) وعبد الله بن عمرو (^٦) أنه صلّاها ركعتين\n_________\n(^١) عند ابن حبان (٢٨٣٥)، وكذا زادها يزيد بن زريع عند النسائي في «الكبرى» (٥٠٥) وابن خزيمة (١٣٧٤). ولو حملنا الحديث على معنى «كما تصلُّون صلاة الكسوف» فلا إشكال في هذه الزيادة، وعليه حمله ابن حبان والبيهقي (٣/ ٣٣٢). وانظر «فتح الباري» (٢/ ٥٢٧).\n(^٢) ع: «الاتفاق».\n(^٣) ع: «زيادة».\n(^٤) رواه أبو داود (١١٨٤) والنسائي (١٤٨٤)، وفي إسناده ثعلبة بن عباد، ذكره ابن المديني في عداد المجهولين. انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (٢/ ٦٠٦).\n(^٥) رواه أبو داود (١١٩٣) والنسائي (١٤٨٥) وأحمد (١٨٣٦٥). وتكلم في سماع أبي قلابة من النعمان، واختلف في إسناده. انظر: «نصب الراية» (٢/ ٢٢٨) و«ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٢٤).\n(^٦) رواه أبو داود (١١٩٤) والنسائي (١٤٨٢) وأحمد (٦٤٨٣)، وصححه ابن خزيمة (١٣٨٩) وابن حبان (٢٨٣٨) والحاكم (١/ ٣٢٩). وانظر: «الإرواء» (٢/ ١٢٤).","vol":"3","page":326},{"text":"كل ركعة بركوع، وبحديث قَبِيصة الهلالي عنه - ﷺ -: «وإذا رأيتم ذلك فصلُّوا كإحدى صلاةٍ صليتموها من المكتوبة» (^١)؟ وهذه الأحاديث في «المسند» و«سنن النسائي» وغيرهما.\nقيل: الجواب [١٠١/ب] من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن أحاديث تكرار الركوع أصحُّ إسنادًا وأسلمُ من العلة والاضطراب، ولا سيما حديث عبد الله بن عمرو؛ فإن الذي في «الصحيحين» (^٢) عنه أنه قال: «كُسِفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فنودي أن الصلاة جامعة، فركع النبي - ﷺ - ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جلس حتى جلي عن الشمس». فهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع؛ فلم يبقَ إلا حديث سمرة بن جندب والنعمان بن بشير، وليس منهما شيء في «الصحيح».\nالثاني: أن رواتها من الصحابة أكبر وأكثر وأحفظ وأجلُّ من سمرة والنعمان بن بشير؛ فلا تُردُّ روايتهم بها.\nالثالث: أنها متضمنة لزيادة، فيجب الأخذ بها، وبالله التوفيق.\n\nالمثال الحادي والخمسون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الجهر في صلاة الكسوف، كما في «صحيح البخاري» (^٣) من حديث\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١١٨٥) وأحمد (٢٠٦٠٧)، وأبوقلابة لم يسمع من قبيصة، وفي سنده اضطراب أيضًا. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٢٤).\n(^٢) رواه البخاري (١٠٥١) ومسلم (٩١٠).\n(^٣) الحديث بهذا اللفظ مخرج عند أبي داود (١١٨٨) والدارقطني (١٧٩٠) والحاكم (١/ ٣٣٤) والبيهقي (٣/ ٣٣٦)، وأصل الحديث في الصحيحين، وسيأتي تخريجه بعد حديثين.","vol":"3","page":327},{"text":"الأوزاعي عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قرأ قراءة طويلة يجهر بها في صلاة الكسوف.\nقال البخاري (^١): «تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري».\nقلت: أما حديث سليمان بن كثير ففي «مسند أبي داود الطيالسي» (^٢): ثنا سليمان بن كثير عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي - ﷺ - جهر بالقراءة في صلاة الكسوف.\nوقد تابعه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري، وهو في «الصحيحين» (^٣) أنه سمع ابن شهاب يحدّث عن عروة عن عائشة: كُسِفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فبعث رسول الله - ﷺ - مناديًا أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فتقدَّم رسول الله - ﷺ - فكبَّر وافتتح القرآن، وقرأ [١٠٢/أ] قراءة طويلة يجهر بها، فذكر الحديث.\nقال البخاري: «حديث عائشة في الجهر أصحُّ من حديث سمرة» (^٤).\nقلت: يريد قول سمرة: «صلّى بنا رسول الله - ﷺ - في كسوفٍ، ولم نسمع\n_________\n(^١) في «صحيح» (١٠٦٦).\n(^٢) رقم (١٥٦٩).\n(^٣) رواه البخاري (١٠٦٥) ومسلم (٩٠١).\n(^٤) ذكره عنه الترمذي في «العلل الكبير» (ص ٩٧)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٣٣٦).","vol":"3","page":328},{"text":"له صوتًا» (^١)، وهو أصرح منه بلا شك، وقد تضمَّن زيادة الجهر؛ فهذه ثلاث ترجيحات، والذي رُدّت به هذه السنة المحكمة هو المتشابه من قول ابن عباس: إنه صلّى بالكسوف فقرأ نحوًا من سورة البقرة (^٢). قالوا: فلو سمع ما قرأ لم يقدره بسورة البقرة.\nوهذا يحتمل وجوهًا:\nأحدها: أنه لم يجهر.\nالثاني: أنه جهر ولم يسمعه ابن عباس.\nالثالث: أنه سمعه ولم يحفظ ما قرأ به، فقدره بسورة البقرة؛ فابنُ عباس لم يجمع القرآن في حياة النبي - ﷺ -، وإنما جمعه بعده.\nالرابع: أن يكون نسي ما قرأ به وحفظ قدر قراءته، فقدرها بالبقرة، ونحن نرى الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه. فكيف يقدم هذا اللفظ المجمل على الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا؟\nومن العجب أن أنسًا روى ترك جهر النبي - ﷺ - ببسم الله الرحمن الرحيم (^٣)، ولم يصحّ عن صحابي خلافه، فقلتم: كان صغيرًا يصلِّي خلف\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١١٨٤) والنسائي (١٤٩٥) والترمذي (٥٦٢) وابن ماجه (١٢٦٤) وأحمد (٢٠١٧٨)، وفي إسناده ثعلبة بن عباد مجهول. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٢٢).\n(^٢) رواه البخاري (١٠٥٢) ومسلم (٩٠٧).\n(^٣) رواه البخاري (٧٤٣) ومسلم (٣٩٩).","vol":"3","page":329},{"text":"الصفوف فلم يسمع البسملة، وابنُ عباس أصغرُ سنًّا منه بلا شك، وقدَّمتم عدمَ سماعه للجهر على من سمعه صريحًا، فهلّا قلتم: كان صغيرًا فلعله صلّى خلف الصف فلم يسمعه جهر (^١)؟\nوأعجبُ من هذا قولكم: إن أنسًا كان صغيرًا لم يحفظ تلبية رسول الله - ﷺ -: «لبيك حجًّا وعمرةً»، وقدّمتم قول ابن عمر عليه أنه أفرد الحج (^٢)، وأنس إذ ذاك له عشرون سنة، وابن عمر لم يستكملها وهو بِسنِّ أنس، وقوله: «أفرد الحج» مجمل، وقولُ أنس: سمعته يقول: «لبيك عمرة وحجًّا» (^٣) محكم مبين (^٤) صريح لا يحتمل غير ما يدل عليه، [١٠٢/ب] وقد قال ابن عمر: «تمتَّع رسول الله - ﷺ - بالعمرة إلى الحج، وبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج» (^٥)، فقدَّمتم على حديث أنس ــ الصحيح الصريح المحكم الذي لم يُختلف عليه فيه ــ حديثًا (^٦) ليس مثلَه في الصراحة والبيان، ولم يَذكُر رواية لفظ النبي - ﷺ -، وقد اختُلِف عليه فيه.\nالمثال الثاني والخمسون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الاكتفاء في بول الغلام الذي لم يَطْعَم بالنَّضْح دون الغسل، كما في\n_________\n(^١) ت: «جهرا».\n(^٢) رواه مسلم (١٢٣١).\n(^٣) رواه مسلم (١٢٣٢). وفي ت: «حجا وعمرة».\n(^٤) ع: «بين».\n(^٥) رواه البخاري (١٦٩١) ومسلم (١٢٢٧).\n(^٦) ت: «حديث».","vol":"3","page":330},{"text":"«الصحيحين» (^١) عن أم قيس أنها أتت بابنٍ لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله - ﷺ - في حِجْره، فبال عليه (^٢)، فدعا رسول الله - ﷺ - بماء فنضَحَه ولم يغسِلْه.\nوفي «الصحيحين» (^٣) أيضًا عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويُحنِّكهم، فأُتي بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه ولم يغسله.\nوفي «سنن أبي داود» (^٤) عن أُمامة (^٥) بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي في حِجْر النبي - ﷺ -، فبال عليه، فقالت: الْبَسْ ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسِلَه، فقال: «إنما يُغسَل من بول الأنثى، ويُنضَح من بول الذكر».\nوفي «المسند» (^٦) وغيره عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بول الغلام\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٢٣) ومسلم (٢٨٧).\n(^٢) ع: «على ثوبه».\n(^٣) رواه البخاري (٦٣٥٥) ومسلم (٢٨٦).\n(^٤) رواه أبو داود (٣٧٥) وابن ماجه (٥٢٢)، وصححه ابن خزيمة (٢٨٢) والحاكم (١/ ١٦٦) والبيهقي (٢/ ٤١٤). انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٢/ ٢٢١).\n(^٥) كذا في النسخ، والصواب: «لبابة».\n(^٦) رواه أحمد (٧٥٧) وأبو داود (٣٧٨) والترمذي وحسنه (٦١٠) وابن ماجه (٥٢٥) وصححه ابن خزيمة (٢٨٤) وابن حبان (١٣٧٥) والحاكم (١/ ١٦٥ - ١٦٦) والبيهقي (٢/ ٤١٥)، والضياء (٤٩٦)، وقد اختلف في رفعه ووقفه وإرساله ووصله، ورجح البخاري صحته والدارقطني. انظر: «التنقيح» (١/ ١٣٠) و«الفتح» (١/ ٣٢٦) و«التلخيص الحبير» (١/ ٦٠ - ٦٢) و«صحيح أبي داود» - الأم (٢/ ٢٢٥).","vol":"3","page":331},{"text":"الرضيع يُنضَح، وبول الجارية يُغسَل». قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طَعِما غُسِلا جميعًا. قال الحاكم أبو عبد الله (^١): «هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا الأسود الدؤلي صحّ سماعه عن علي». وقال الترمذي: حديث حسن.\nوفي «سنن أبي داود» (^٢) من حديث أبي السَّمْح خادم النبي - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يُغسَل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام».\nوفي «المسند» (^٣) من حديث أم كُرْز الخزاعية قالت: أُتي النبي - ﷺ - بغلام فبال عليه، فأمر به فنُضِح، [١٠٣/أ] وأُتي بجارية فبالت عليه، فأمر به فغُسِل.\nوعند ابن ماجه (^٤) عن أم كُرز أن النبي - ﷺ - قال: «بول الغلام يُنْضَح، وبول الجارية يُغْسَل».\nوصحّ الإفتاء بذلك عن علي بن أبي طالب وأم سلمة (^٥)، ولم يأتِ عن\n_________\n(^١) في «المستدرك» (١/ ١٦٦).\n(^٢) رواه أبو داود (٣٧٦) والنسائي (٣٠٤) وابن ماجه (٥٢٦)، وصححه ابن خزيمة (٢٨٣) والحاكم (١/ ١٦٦)، وحسّنه البخاري كما نقله ابن حجر في «التلخيص الحبير» (١/ ٦١).\n(^٣) رواه أحمد (٢٧٣٧٠) ومن طريقه الطبراني (٤٠٨)، وفيه انقطاع، عمرو بن شعيب لم يسمع من أم كرز، ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٨٢٤) من حديث عبد الله بن عمرو، وفي إسناده عبد الله بن موسى التيمي متكلم فيه. انظر: «ميزان الاعتدال» (٢/ ٥٠٨) و«التلخيص» (١/ ٦٢).\n(^٤) في «سننه» (٥٢٧)، وفيه انقطاع، وقد سبق بيانه قريبًا.\n(^٥) أثر علي - ﵁ - رواه أبو داود (٣٧٧) وأثر أم سلمة رواه أبو داود (٣٧٩).","vol":"3","page":332},{"text":"صحابي خلافهما.\nفرُدَّتْ هذه السنن (^١) بقياس متشابه على بول الشيخ، وبعموم لم يُرَدْ به هذا الخاصّ، وهو قوله: «إنما يُغسَل الثوب من أربعٍ: من البول والغائط والمني والدم والقيء» (^٢). والحديث لا يثبت؛ فإنه من رواية علي بن زيد بن جُدعان عن ثابت بن حماد. قال ابن عدي (^٣): «لا أعلم رواه عن علي بن زيد غير ثابت بن حماد، وأحاديثه مناكير ومعلومات (^٤)». ولو صحّ وجب العمل بالحديثين، ولا يُضرب أحدهما بالآخر، ويكون البول فيه مخصوصًا ببول الصبي (^٥)، كما خص منه بول ما يؤكل لحمه بأحاديث دون هذه في الصحة والشهرة.\nالمثال الثالث والخمسون: ردّ السنة الثابتة الصحيحة الصريحة (^٦) المحكمة في الوتر بواحدةٍ مفصولة، كما في «الصحيحين» (^٧) عن ابن عمر أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن صلاة الليل فقال: «مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلَّى ركعة واحدة تُوتِر له ما قد صلى».\n_________\n(^١) ت: «السنة».\n(^٢) رواه أبو يعلى (١٦١١).\n(^٣) في «الكامل» (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، وبه أعله البيهقي (١/ ١٤).\n(^٤) كذا في النسخ. وفي «الكامل» «مقلوبات». وفي المطبوع: «معلولات».\n(^٥) في ع بعلامة ظ: «غير الصبي».\n(^٦) «الصحيحة» ليست في ع. و«الصريحة» ليست في ت.\n(^٧) رواه البخاري (٩٩٠) ومسلم (٧٤٩).","vol":"3","page":333},{"text":"وفي «الصحيحين» (^١) أيضًا من حديث عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يصلّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلِّم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة.\nوفي «صحيح مسلم» (^٢) عن أبي مِجْلَز قال: سألت ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ركعة من آخر الليل».\nوقد قال النبي - ﷺ -: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» (^٣). فإذا صلى القاعد (^٤) ركعتين وجب بهذا النص أن تَعدِلَ صلاة القائم ركعة، فلو لم تصح لكانت صلاة القاعد [١٠٣/ب] أتمَّ من صلاة القائم، والاعتماد (^٥) على الأحاديث المتقدمة.\nوصحَّ الوتر بواحدةٍ مفصولة عن عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي أيوب ومعاوية بن أبي سفيان (^٦).\nوقال الحاكم أبو عبد الله: ثنا عبد الله بن سليمان ثنا أحمد بن صالح ثنا عبد الله بن وهب عن سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن\n_________\n(^١) هذا اللفظ عند مسلم (٧٣٦).\n(^٢) رقم (٧٥٣).\n(^٣) بهذا اللفظ عند النسائي (١٦٥٩) من حديث ابن عمرو، وأصله عند مسلم (٧٣٥).\n(^٤) ت: «القائم» خطأ.\n(^٥) ت: «وللاعتماد».\n(^٦) أثر عثمان عند عبد الرزاق (٤٦٥٣)، وأثر سعد في البخاري (٦٣٥٦)، وأثر ابن عمر في «الموطأ» (١٩)، وأثر ابن عباس ومعاوية في البخاري (٣٧٦٤)، وأثر أبي أيوب عند عبد الرزاق (٤٦٣٣).","vol":"3","page":334},{"text":"الفضل عن الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُوتِروا بثلاثٍ تشبّهوا بالمغرب، أوتروا بخمسٍ أو سبعٍ» (^١). رواه ابن حبان والحاكم في «صحيحيهما»، وقال الحاكم: رواته كلهم ثقات.\nوله شاهد آخر بإسناد صحيح: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق ثنا أبي ثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عِراك بن مالك عن أبي هريرة، فذكر مثله سواء، وزاد: «أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو بإحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك» (^٢).\nفردَّتْ هذه السنن (^٣) بحديثين باطلين وقياس فاسد:\nأحدهما: «نهى عن البُتَيراء» (^٤) وهذا لا يُعرف له إسناد لا صحيح ولا ضعيف، وليس في شيء من كتب الحديث المعتمد عليها، ولو صحّ فالبتيراء صفة للصلاة التي قد بُتِر ركوعها وسجودها فلم يُطمَأَنَّ فيها.\nالثاني: حديث يُروى عن ابن مسعود مرفوعًا: «وِتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب». وهذا الحديث وإن كان أصلح من الأول فإنه في\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (١٦٥٠) ووثق رواته كلهم، وابن حبان (٢٤٢٩) والحاكم (١/ ٣٠٤). وانظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٣٠).\n(^٢) رواه الحاكم (١/ ٣٠٤) والبيهقي (٣/ ٣١)، وفي إسناده طاهر بن عمرو له ذكرٌ دون جرح ولا تعديلٍ. انظر: «تاريخ مولد العلماء ووفياتهم» لابن زبر (٢/ ٥٩٦) و«المؤتلف والمختلف» للدارقطني (٢/ ٩٤٩) و«توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين (٣/ ٦٨).\n(^٣) ت: «السنة».\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":335},{"text":"«سنن الدارقطني» (^١)، فهو من رواية يحيى بن زكريا. قال الدارقطني: «يقال له ابن أبي الحواجب، ضعيف، ولم يروِه عن الأعمش مرفوعًا (^٢) غيرُه». ورواه الثوري في [١٠٤/أ] «الجامع» وغيره عن الأعمش موقوفًا على ابن مسعود، وهو الصواب.\nوأما القياس الفاسد فهو أن قالوا: رأينا المغرب وتر النهار، وصلاة الوتر (^٣) وتر الليل، وقد شرع الله سبحانه وتر النهار موصولًا فهكذا وتر الليل.\nوقد صحَّت السنة بالفرق بين الوترين من وجوه كثيرة:\nأحدها: الجمع بين الجهر والسر في وتر النهار دون وتر الليل.\nالثاني: وجوب الجماعة أو مشروعيتها فيه دون وتر الليل.\nالثالث: أنه - ﷺ - فعل وتر الليل على الراحلة (^٤) دون وتر النهار.\nالرابع: أنه قال في وتر الليل إنه ركعة (^٥) واحدة (^٦) دون وتر النهار.\nالخامس: أنه أوتر بتسع وسبع وخمس موصولة (^٧) دون وتر النهار.\n_________\n(^١) رقم (١٦٥٣).\n(^٢) ع: «موقوفًا» خطأ.\n(^٣) ت، د: «المغرب». وكتب فوقها في د: كذا. وصحح في هامشها: لعله «الوتر». وهو الصواب.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) «ركعة» ليست في ت.\n(^٦) تقدم تخريجه.\n(^٧) أما التسع فعند مسلم (٧٤٦)، وأما السبع فعند أبي داود (١٣٤٢) والنسائي (١٧٢١)، وصححه ابن خزيمة (١٠٧٨). وأما الخمس فعند مسلم (٧٣٧). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٥/ ٨٧).","vol":"3","page":336},{"text":"السادس: أنه نهى عن تشبيه وتر الليل بوتر النهار كما تقدم.\nالسابع: أن وتر الليل اسم للركعة وحدها، ووتر النهار اسم لمجموع صلاة المغرب، كما في «صحيح مسلم» (^١) من حديث ابن عمر وابن عباس أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول: «الوتر ركعة من آخر الليل».\nالثامن: أن وتر النهار فرض ووتر الليل ليس بفرض باتفاق الناس.\nالتاسع: أن وتر النهار يُقضى بالاتفاق، وأما وتر الليل فلم يقم على قضائه دليل؛ فإن المقصود منه قد فات، فهو كتحية المسجد ورفع اليدين في محل الرفع والقنوت إذا فات، وقد توقف الإمام أحمد في قضاء الوتر، وقال شيخنا (^٢): لا يقضى؛ لفوات المقصود منه بفوات وقته، قال: وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجعٌ صلّى من النهار اثنتي عشرة ركعة (^٣)، ولم يذكر الوتر.\nالعاشر: أن المقصود [١٠٤/ب] من وتر الليل فِعْلُ ما تقدّمه من الأشفاع كلها وترًا، وليس المقصود منه إيتار الشفع الذي يليه خاصة. وكان الأقيس ما جاءت به السنة أن يكون ركعة مفردة توتر جميع ما قبلها، وبالله التوفيق.\nالمثال الرابع والخمسون: ردّ السنة الصحيحة الصريحة أنه لا يجوز\n_________\n(^١) رقم (٧٥٣).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٩١، ١٩٧).\n(^٣) رواه مسلم (٧٤٦) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"3","page":337},{"text":"التنفُّل إذا أقيمت صلاة الفرض، كما في «صحيح مسلم» (^١) عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». وقال الإمام أحمد في روايته: «إلا التي أُقيمت» (^٢).\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن عبد الله بن مالك ابن بُحَينة أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلّي ركعتين، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - لاثَ به الناس (^٤)، وقال له رسول الله - ﷺ -: «آلصبحَ أربعًا آلصبح أربعًا».\nوفي «صحيح مسلم» (^٥) عن عبد الله بن سَرجِسَ قال: دخل رجل المسجد ورسول الله - ﷺ - في صلاة الصبح، فصلّى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - قال له: «يا فلانُ، بأيّ صلاتَيْك اعتددتَ (^٦)؟ بالتي صلّيتَ وحدَك أو بالتي صلَّيت معنا؟».\nوفي «الصحيحين» (^٧) أن رسول الله - ﷺ - مرَّ برجل، فكلَّمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرف أحَطْنا به نقول: ماذا قال لك رسول الله - ﷺ -؟ قال: قال لي: «يُوشِك أن يصلّي أحدكم الصبحَ أربعًا». وعند مسلم (^٨): «أقيمت\n_________\n(^١) رقم (٧١٠).\n(^٢) «المسند» (٨٦٢٣)، وفي إسناده ابن لهيعة متكلم فيه.\n(^٣) رواه البخاري (٦٦٣) ومسلم (٧١١).\n(^٤) أي اجتمعوا حوله.\n(^٥) رقم (٧١٢).\n(^٦) ع: «اعددت».\n(^٧) بل في «صحيح مسلم» (٧١١/ ٦٥) من حديث عبد الله بن مالك ابن بحينة - ﵁ -. وليس عند البخاري بهذا اللفظ.\n(^٨) رقم (٧١١/ ٦٦).","vol":"3","page":338},{"text":"صلاة الصبح، فرأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي والمؤذّن يقيم الصلاة، فقال: «أتصلِّي الصبح أربعًا؟».\nوقال أبو داود الطيالسي في «مسنده» (^١): ثنا أبو عامر الخزّاز عن ابن أبي مُليكة عن ابن عباس قال: كنت أصلّي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني (^٢) النبي - ﷺ - فقال: «أتصلّي الصبح أربعًا؟». وكان عمر بن الخطاب إذا رأى رجلًا يصلّي وهو يسمع الإقامة ضربه (^٣).\nوقال [١٠٥/أ] حماد بن سلمة: عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أبصر رجلًا يصلّي الركعتين والمؤذّن يقيم، فحَصَبه وقال: «أتصلِّي الصبحَ أربعًا؟» (^٤).\nفردّت هذه السنن كلّها بما رواه حجّاج بن نُصير المتروك عن عبّاد بن كثير الهالك عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وزاد: «إلا ركعتي الصبح» (^٥). فهذه\n_________\n(^١) رقم (٢٨٥٩)، ورواه أيضًا أحمد (٢١٣٠). وفي إسناده صالح بن رستم متكلم عليه، ولكن له شواهد من حديث ابن بحينة وأبي هريرة - ﵄ -، والحديث صححه ابن خزيمة (١١٢٤) وابن حبان (٢٤٦٩) والحاكم (١/ ٣٠٧) والضياء المقدسي (١٠٠). انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٥٨٨).\n(^٢) د، ت: «فحدثني». والمثبت عند الطيالسي.\n(^٣) رواه عبد الرزاق (٣٩٨٨)، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي متكلم فيه.\n(^٤) رواه البيهقي (٢/ ٤٨٣)، ورواه عبد الرزاق (٤٠٠٦) عن معمر عن أيوب به. ورجاله كلهم ثقات، والإسناد صحيح.\n(^٥) رواه البيهقي (٢/ ٤٨٣) وأعلّه بضعف حجَّاج وعباد.","vol":"3","page":339},{"text":"الزيادة كاسمها زيادة في الحديث لا أصلَ لها.\nفإن قيل: فقد كان أبو الدرداء يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلّي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة (^١)، وكان ابن مسعود يخرج من داره لصلاة الفجر ثم يأتي الصلاة فيصلي ركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل معهم في الصلاة (^٢).\nقيل: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في مقابلة أبي الدرداء وابن مسعود، والسنة سالمة لا معارض لها، ومعها أصحُّ قياسٍ يكون؛ فإن وقتها يضيق بالإقامة فلم يقبل غيرها، بحيث لا يجوز لمن حضر أن يؤخّرها ويصلّيها بعد ذلك، والله الموفق.\n\nالمثال الخامس والخمسون: ردُّ السنة الصحيحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعةً لا منفرداتٍ، كما في «المسند» و«السنن» من حديث عبد الرحمن بن خلّاد (^٣) عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث: أن رسول الله - ﷺ - كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذّنًا كان يؤذّن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهلَ دارها». قال عبد الرحمن: فأنا رأيتُ مؤذّنَها شيخًا كبيرًا. وقال الوليد بن جُمَيع: حدثتني جدتي عن أم ورقة أن النبي - ﷺ - أمرها ــ أو أذِن لها ــ أن تؤمَّ أهلَ دارها، وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله - ﷺ - (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٦٤٨٢).\n(^٢) رواه عبد الرزاق (٤٠٢١، ٤٠٢٢). وفي إسناده أبو إسحاق سمع منه معمر بعد الاختلاط.\n(^٣) «بن خلاد» ليست في ت.\n(^٤) رواه أبو داود (٥٩٢) وأحمد (٢٧٢٨٣) والبيهقي (٣/ ١٣٠)، وصححه ابن خزيمة (١٦٧٦). انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (٢/ ٨٢) و«صحيح أبي داود» - الأم (٣/ ١٤٢).","vol":"3","page":340},{"text":"وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان عن مَيْسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية أن عائشة [١٠٥/ب]- ﵂ - أمَّتْ نسوة في المكتوبة، فأمَّتْهن بينهن وسطًا (^١). تابعه ليث عن عطاء عن عائشة (^٢).\nوروى الشافعي عن أم سلمة أنها أمَّتْ نساء فقامت وسطَهن (^٣). ولو لم يكن في المسألة (^٤) إلا عموم قوله - ﷺ -: «تَفْضُل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة» (^٥) لكفى.\nوروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى أنا ابن لهيعة عن الوليد بن أبي الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا خيرَ في جماعة النساء إلا في صلاة أو جنازة» (^٦). والاعتماد على ما تقدم.\n_________\n(^١) رواه أحمد في «العلل» برواية عبد الله (٢/ ٥٥٢) والدارقطني (١٥٠٧) والبيهقي (٣/ ١٣١). وفي إسناده رائطة الحنفية لم يوثقها إلا العجلي في «الثقات» (٢٣٣٥)، وللأثر شواهد ومتابعات سيأتي بعضها. انظر: «تمام المنة» (ص ١٥٣).\n(^٢) رواه البيهقي (١/ ١٣١)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم متكلم فيه لكنه مُتابع بما قبله.\n(^٣) رواه الشافعي في «مسنده» (٣١٥) ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٣١). وفي إسناده حجيرة ذكرها ابن سعد في «الطبقات» (٨/ ٤٨٤) دون جرح أو تعديل، ولكنها توبعت بأم الحسن خيرة عند ابن أبي شيبة (٤٩٨٩).\n(^٤) ع: «السنة».\n(^٥) رواه البخاري (٦٤٥) ومسلم (٦٥٠) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٦) ذكره في «مختصر الخلافيات» (٢/ ٣٠٤)، ورواه أحمد (٢٤٣٧٦) والطبراني في «المعجم الأوسط» (٩٣٥٩)، وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه كلام.","vol":"3","page":341},{"text":"فردّت هذه السنن بالمتشابه من قوله: «لن يُفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة» (^١). وهذا إنما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء، وأما الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا. والعجب أن من خالف هذه السنة جوَّز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين، فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم تُفلِح أخواتها من النساء إذا أمَّتْهن؟\nالمثال السادس والخمسون: ردُّ السنن الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبي - ﷺ - التي رواها عنه خمسة عشر نفسًا من الصحابة (^٢): أنه كان يسلِّم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» (^٣). منهم عبد الله بن مسعود، وسعد (^٤) بن أبي وقاص، وجابر بن سمرة، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، ووائل بن حُجر، وأبو مالك الأشعري، وعدي بن عَمِيْرة (^٥) الضَّمري، وطَلْق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رِمْثة. والأحاديث\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة - ﵁ -.\n(^٢) انظر: «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٦٦ - ٢٧١) و«التلخيص الحبير» (١/ ٤٨٦ - ٤٨٨) و«مجمع الزوائد» (٢/ ١٤٥ - ١٤٧).\n(^٣) هذا حديث عبد الله بن مسعود أخرجه أبو داود (٩٩٦) والنسائي (١٣٢٤) والترمذي (٢٩٥) وابن ماجه (٩١٤) وأحمد (٣٦٩٩)، وصححه ابن خزيمة (٧٢٨) وابن حبان (١٩٩٣). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٤/ ١٥٠).\n(^٤) ت: «سعيد» خطأ.\n(^٥) في جميع النسخ: «عمرة». والمثبت هو الصواب، كما في «الإكمال» (٦/ ٢٧٩) و«الإصابة» (٧/ ١٣٢).","vol":"3","page":342},{"text":"بذلك ما بين صحيح وحسن، فرُدَّ ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحتها:\nأحدها: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان [١٠٦/أ] يسلِّم تسليمةً واحدة. رواه الترمذي (^١).\nوالثاني: حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد أن رسول الله - ﷺ - كان يسلِّم في آخر الصلاة تسليمة (^٢) واحدة: السلام عليكم (^٣).\nالثالث: حديث عبد المهيمن بن عباس عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله - ﷺ - يسلِّم تسليمة واحدة لا يزيد عليها. رواه الدارقطني (^٤).\nالرابع: حديث عطاء بن أبي ميمونة (^٥) عن أبيه عن الحسن عن سمرة بن جندب: كان رسول الله - ﷺ - يسلِّم واحدةً في الصلاة قِبَلَ وجهه؛ فإذا سلَّم عن يمينه سلَّم عن يساره. رواه الدارقطني (^٦).\n_________\n(^١) رقم (٢٩٦)، ورواه أيضًا ابن خزيمة (٧٢٩)، وفي إسناده زهير بن محمد فيه كلام. وقد اختلف في وقفه ورفعه، ورجح أبو حاتم والبزار والدارقطني الوقف. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ٤٣٠) و«العلل» للدارقطني (١٤/ ١٧١) و«التلخيص الحبير» (١/ ٤٨٥ - ٤٨٦).\n(^٢) ع: «بتسليمة».\n(^٣) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٦٦).\n(^٤) في «سننه» (١٣٣٩)، ورواه أيضًا ابن ماجه (٩١٨)، وفي إسناده عبد المهيمن، وسيأتي الكلام عليه (ص ٣٤٦).\n(^٥) ع: «عطاء بن أبي ميمون»، خطأ.\n(^٦) في «السنن» (١٣٣٨).","vol":"3","page":343},{"text":"الخامس: حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسلِّم (^١) مرة واحدة (^٢).\nوهذه الأحاديث لا تقاوِم تلك ولا تقارِبها حتى تُعارَض بها.\nأما حديث عائشة فحديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث (^٣). قال البخاري (^٤): زهير بن محمد من أهل الشام يُروى عنه مناكير. وقال يحيى: ضعيف. والحديث من رواية عمرو بن أبي سلمة عنه. قال الطحاوي (^٥): «وهو وإن كان ثقةً فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعف جدًّا، هكذا قال يحيى بن معين فيما حكى لي عنه غير واحد من أصحابنا منهم علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، وزعم أن فيها تخليطًا كثيرًا». قال (^٦): والحديث أصله موقوف على عائشة، هكذا رواه الحفّاظ.\nفإن قيل (^٧): فإذا ثبت ذلك عن عائشة فبمن نعارضها في ذلك من أصحاب النبي - ﷺ -؟\n_________\n(^١) إلى هنا انتهت نسخة ع.\n(^٢) رواه ابن ماجه (٩٢٠) والطبراني (٦٢٨٥) والبيهقي (٢/ ١٧٩)، وفيه يحيى بن راشد، فيه كلام.\n(^٣) ت: «أهل الحديث».\n(^٤) في «التاريخ الكبير» (٣/ ٤٢٧). وانظر: «سنن الترمذي» (٢٩٦). وفيهما: «زهير بن محمد، أهل الشام يروون عنه مناكير».\n(^٥) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٧٠).\n(^٦) أي الطحاوي في المصدر السابق.\n(^٧) يتابع ابن القيم في نقل كلام الطحاوي من «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٧٠ - ٢٧١).","vol":"3","page":344},{"text":"قيل له: بأبي بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسهل بن سعد الساعدي، وذكر (^١) الأسانيد [١٠٦/ب] عنهم بذلك، ثم قال: فهؤلاء أصحاب رسول الله - ﷺ - أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار ومن ذكرنا معهم يسلِّمون عن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم، على قرب عهدهم برؤية رسول الله - ﷺ -، وحِفْظهم لأفعاله، فما ينبغي لأحدٍ خلافه لو لم يكن رُوي في ذلك عن النبي - ﷺ -، فكيف وقد رُوي عنه ما يوافق فعلهم؟\nوأما حديث سعد بن أبي وقّاص فحديث معلول، بل باطل، والدليل على بطلانه أن الذي رواه هكذا الدراوردي خاصة، وقد خالف في ذلك جميع من رواه عن مصعب بن ثابت كعبد الله بن المبارك ومحمد بن عمرو. ثم قد رواه إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد كما رواه الناس: كان رسول الله - ﷺ - يسلّم عن يمينه حتى يُرى بياض خدّه، وعن يساره حتى يُرى بياض خده. رواه مسلم في «صحيحه» (^٢)؛ فقد صح رواية سعد أن رسول الله - ﷺ - سلَّم تسليمتين ومعه من ذكرنا من الصحابة، وبان بذلك بطلانُ رواية الدراوردي.\nوأما حديث عبد المهيمن بن عباس (^٣) بن سهل عن أبيه عن جده فقال\n_________\n(^١) أي الطحاوي في المصدر السابق.\n(^٢) رقم (٥٨٢).\n(^٣) د، ت: «عياش» تصحيف.","vol":"3","page":345},{"text":"الدارقطني (^١): عبد المهيمن ليس بالقوي، وقال ابن حبان (^٢): بطل الاحتجاج به.\nوأما حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن فمن رواية رَوْح ابنه عنه. قال الإمام أحمد: «منكر الحديث»، وتركه يحيى (^٣).\nوأما حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة فقال يحيى: يحيى بن راشد ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف (^٤).\nوقال أبو عمر بن عبد البر (^٥): روي عن النبي - ﷺ - أنه كان يسلّم تسليمة واحدة من حديث سعد بن أبي وقّاص، [١٠٧/أ] ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس، إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث؛ لأن حديث سعد أخطأ فيه الدراوردي، فرواه على غير ما رواه الناس بتسليمة واحدة، وغيرُه يروي فيه بتسليمتين (^٦). ثم ذكر حديثه عن مصعب بن ثابت أن رسول الله - ﷺ - كان يسلّم في الصلاة تسليمة واحدة. ثم قال: وهذا وهم عندهم وغلطٌ، وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك وغيره عن مصعب بن ثابت عن\n_________\n(^١) «السنن» (١٣٤٢).\n(^٢) في «المجروحين» (٢/ ١٤٩).\n(^٣) انظر: «الجرح والتعديل» (٣/ ٤٩٧) و«المجروحين» (١/ ٣٠٠) و«الضعفاء» لابن الجوزي (١/ ٢٨٨).\n(^٤) انظر: «الكامل» لابن عدي (٩/ ٤٧).\n(^٥) في «الاستذكار» (١/ ٤٨٩ - ٤٩١).\n(^٦) ت: «تسليمتين».","vol":"3","page":346},{"text":"إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: كان يسلّم عن يمينه وعن يساره (^١). وقد روي هذا الحديث عن سعد من طريق مصعب، ثم ساق طرقه بالتسليمتين، ثم ساق من (^٢) طريق ابن المبارك عن مصعب عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسلّم عن يمينه وعن شماله، كأني أنظر إلى صفحة خدِّه. فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث رسول الله - ﷺ -، فقال له إسماعيل بن محمد: أكلَّ حديث رسول الله - ﷺ - سمعتَ؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: لا، قال: فاجعلْ هذا في النصف الذي لم تسمع (^٣).\nقال (^٤): وأما حديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان يسلّم تسليمة واحدة (^٥)، فلم يرفعه أحد إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة، وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يُحتجُّ به، وذُكر ليحيى بن معين هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير (^٦) ضعيفان لا حجة فيهما.\nوأما حديث أنس فلم يأتِ إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس، ولم\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه قريبًا.\n(^٢) «من» ليست في ت.\n(^٣) رواه ابن خزيمة (٧٢٧) وابن حبان (١٩٩٢) والبيهقي (٢/ ١٧٨)، وهو حديث صحيح. انظر: «الإرواء» (٢/ ٨٦).\n(^٤) أي ابن عبد البر، والكلام متصل بما قبله.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) ت: «زهير بن محمد».","vol":"3","page":347},{"text":"يسمع أيوب من أنس عندهم شيئًا (^١).\nقال (^٢): وقد روي عن الحسن مرسلًا أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يسلّمون تسليمة [١٠٧/ب] واحدة (^٣)، ذكره وكيع عن الربيع عنه، قال: والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرًا عن كابرٍ، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد، لأنه (^٤) لا يخفى؛ لوقوعه في كل يوم مرارًا.\nقلت: هذا أصل قد نازعهم فيه الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، لا فرقَ بين عملهم وعمل أهل الحجاز والعراق والشام؛ فمن كانت السنة معهم فهم أهل العمل المتَّبع، وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتباع السنة، ولا تُترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها لتُرِكت السنن وصارت تبعًا لغيرها؛ فإن عَمل بها ذلك الغير عُمِل بها وإلا فلا. والسنة هي العِيار على العمل، وليس العمل عِيارًا على السنة، ولم تُضمَن لنا العصمة قطُّ في عمل مصر من الأمصار دون سائرها، والجدران والمساكن والبقاع لا تأثير لها في ترجيح الأقوال، وإنما التأثير لأهلها وسكّانها.\n_________\n(^١) انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (٣٩) و«العلل» للإمام أحمد رواية المروذي (ص ٤١).\n(^٢) أي ابن عبد البر.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٣٠٨١).\n(^٤) ت: «فإنه».","vol":"3","page":348},{"text":"ومعلوم أن أصحاب رسول الله - ﷺ - شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وظَفِروا (^١) من العلم بما لم يَظفَرْ به مَن بعدهم؛ فهم المقدَّمون في العلم على من سواهم، كما هم المقدَّمون في الفضل والدين، وعملهم هو العمل الذي لا يُخالَف، وقد انتقل أكثرهم عن المدينة، وتفرقوا في الأمصار، بل أكثر علمائهم صاروا إلى الكوفة والبصرة والشام، مثل علي بن أبي طالب وأبي موسى وعبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ومعاذ بن جبل، وانتقل إلى الكوفة والبصرة نحو ثلاثمائة صحابي ونيِّف، وإلى الشام ومصر نحوهم، [١٠٨/أ] فكيف يكون عمل هؤلاء معتبرًا ما داموا في المدينة، فإذا خالفوا غيرهم لم يكن عمل من خالفوه معتبرًا، فإذا فارقوا جدران المدينة كان عمل من بقي فيها هو المعتبر، ولم يكن خلاف ما انتقل عنها معتبرًا؟ هذا من (^٢) الممتنع.\nوليس جعلُ عمل الباقين معتبرًا أولى من جَعْل عمل المفارقين معتبرًا؛ فإن الوحي انقطع بعد رسول الله - ﷺ -، ولم يبقَ إلا كتاب الله وسنة رسوله، فمن كانت السنة معه فعمله هو العمل المعتبر حقًّا. ثم كيف تُترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم؟\nثم يقال: أرأيتم لو استمرَّ عمل أهل مصرٍ من الأمصار التي انتقل الصحابة (^٣) إليها على ما أدّاه إليهم من صار إليهم من الصحابة، ما الفرق بينه\n_________\n(^١) ت: «فظفروا».\n(^٢) «من» ليست في د.\n(^٣) ت: «من الصحابة».","vol":"3","page":349},{"text":"وبين عمل أهل المدينة المستمرّ على ما أدّاه إليهم من بها من الصحابة، والعمل إنما استند إلى قول رسول الله - ﷺ - وفعله؟ فكيف يكون قوله وفعله الذي أدَّاه من بالمدينة موجبًا للعمل دون قوله وفعله الذي أدّاه غيرهم؟ هذا إذا كان النص مع عمل (^١) أهل المدينة، فكيف إذا كان مع غيرهم النص (^٢)، وليس معهم نصٌّ يعارضه، وليس معهم إلا مجرد العمل؟ ومن المعلوم أن العمل لا يقابل النص، بل يقابل العمل بالعمل، ويَسلَم النص عن المعارض.\nوأيضًا فنقول: هل يجوز أن يخفى على أهل المدينة بعد مفارقة جمهور الصحابة لها سنةٌ من سنن رسول الله - ﷺ - ويكون علمها عند من فارقها أم لا؟ فإن قلتم: «لا يجوز»، أبطلتم أكثر السنن التي لم يروِها أهل المدينة، وإن كانت (^٣) من رواية إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، ومن رواية أهل بيت علي عنه، ومن رواية أصحاب معاذ عنه، ومن رواية أصحاب أبي موسى عنه، ومن رواية أصحاب عمرو بن العاص وابنه عبد الله وأبي الدرداء ومعاوية [١٠٨/ب] وأنس بن مالك وعمار بن ياسر وأضعاف هؤلاء، وهذا مما لا سبيل إليه. وإن قلتم: «يجوز أن يخفى على من بقي بالمدينة بعض السنن ويكون علمها عند غيرهم»، فكيف تُترك السنن لعملِ مَن قد اعترفتم بأن السنة قد تخفى عليهم؟\nوأيضًا فإن عمر بن الخطاب كان إذا كتب إليه بعض الأعراب بسنة عن رسول الله - ﷺ - عمل بها، ولو لم يكن معمولًا بها بالمدينة، كما كتب إليه\n_________\n(^١) «عمل» ليست في ت.\n(^٢) ت: «النص مع غيرهم».\n(^٣) د: «كان».","vol":"3","page":350},{"text":"الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله - ﷺ - ورَّث امرأةَ أشيم الضِّبابي (^١) من دية زوجها فقضى به عمر (^٢).\nوأيضًا فإن هذه السنة التي لم يعمل بها أهل المدينة لو جاء من رواها إلى المدينة وعمِل بها لم يكن عملُ (^٣) من خالفه حجةً عليه، فكيف يكون حجة عليه إذا خرج من المدينة؟\nوأيضًا فإن هذا يوجب أن يكون جميع أهل الأمصار تبعًا للمدينة فيما يعملون به، وأنه لا يجوز لهم مخالفتهم في شيء، فإن عملهم إذا قُدِّم على السنة فلأن يقدَّم على عمل غيرهم أولى، وإن قيل إن عملهم نفسه سنة لم يحلَّ لأحد مخالفتهم، ولكن عمر بن الخطاب ومن بعده من الخلفاء لم يأمر أحد منهم أهلَ الأمصار أن لا يعملوا بما عرفوه من السنة وعلَّمهم إياه الصحابة إذا خالف عمل أهل المدينة، وأنهم لا يعملون إلا بعمل أهل المدينة، بل مالك نفسه منع الرشيد من ذلك وقد عزم عليه، وقال له: قد تفرق أصحاب رسول الله - ﷺ - في البلاد، وصار عند كل طائفة علمٌ ليس عند غيرهم، وهذا يدلُّ على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة (^٤)، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولم يقل قطُّ في «موطَّئه» ولا غيره: لا يجوز العمل بغيره، بل يخبر إخبارًا مجرَّدًا أن هذا عمل أهل\n_________\n(^١) ت: «شيم المصابي» تحريف.\n(^٢) رواه أبو داود (٢٩٢٧) والترمذي وصححه (١٤٣٦) وابن ماجه (٢٦٤٢) وأحمد (١٥٧٤٦).\n(^٣) ت: «لم يكن من عمل بها».\n(^٤) «لجميع الأمة» ليست في ت.","vol":"3","page":351},{"text":"بلده؛ فإنه ــ ﵁ وجزاه عن الإسلام خيرًا ــ ادّعى إجماع أهل المدينة في نيف وأربعين مسألة.\n[١٠٩/أ] ثم هي ثلاثة أنواع:\nأحدها: لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم.\nوالثاني: ما خالف أهل المدينة (^١) فيه غيرهم وإن لم يعلم اختلافهم فيه.\nوالثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسِهم. ومن ورعه - ﵁ - لم يقل: إن هذا إجماع الأمة الذي لا يحلّ خلافه.\nوعند هذا فنقول: ما عليه العمل إما أن يُراد به القسم الأول، أو هو والثاني، أو هما والثالث؛ فإن أريد الأول فلا ريبَ أنه حجة يجب اتباعه، وإن أريد الثاني والثالث فأين دليله؟\nوأيضًا فأحقُّ عملِ أهل المدينة أن يكون حجةً العملُ القديم الذي كان في زمن رسول الله - ﷺ - وأصحابه وزمن خلفائه الراشدين، وهذا كعملهم الذي كأنه مُشاهَدٌ بالحس ورأي عينٍ (^٢) في إعطائهم أموالَهم التي قسمها رسول الله - ﷺ - على من شهد معه خيبر، فأعطوها اليهود على أن يعملوها بأنفسهم وأموالهم والثمرة بينهم وبين المسلمين، يُقرّونهم ما أقرَّهم الله ويُخرِجونهم متى شاؤوا (^٣)، واستمرَّ هذا العمل كذلك بلا ريب إلى أن\n_________\n(^١) ت: «فيه أهل المدينة».\n(^٢) ت: «بالعين».\n(^٣) رواه البخاري (٢٣٣٨) ومسلم (١٥٥١) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"3","page":352},{"text":"استأثر الله بنبيه - ﷺ - مدةَ أربعة أعوام، ثم استمرّ مدة خلافة الصديق، وكلهم على ذلك، ثم استمرَّ مدة خلافة عمر، إلى أن أجلاهم قبل أن يُستشهد بعامٍ (^١)؛ فهذا هو العمل حقًّا، فكيف ساغ خلافه وتركُه لعملٍ حادث؟\nومن ذلك عمل الصحابة مع نبيهم - ﷺ - على الاشتراك في الهدي، البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة (^٢)، فيا له من عملٍ ما أحقَّه وأولاه بالاتباع! فكيف يخالف إلى عمل حادث بعده مخالف له؟\nومن ذلك عمل أهل المدينة الذي كأنه رأيُ عينٍ في سجودهم في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] مع نبيهم - ﷺ - وتَبِعهم أبو هريرة، وإنما صحب النبيَّ - ﷺ - ثلاثة أعوام وبعضَ الرابع، وقد أخبر عن عمل الصحابة مع نبيهم في آخر أمره، فهذا والله هو العمل، فكيف [١٠٩/ب] يقدَّم عليه عمل من بعدهم بما شاء الله من السنين ويقال: العمل على ترك السجود؟\nومن ذلك عمل الصحابة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقد قرأ السجدة على المنبر في خطبته يوم الجمعة، ثم نزل عن المنبر فسجد، وسجد معه أهل المسجد، ثم صعِدَ (^٣). فهذا العملُ حقًّا، فكيف يقال: العمل على خلافه ويقدَّم العمل الذي يخالف ذلك عليه؟\n_________\n(^١) قصة الإجلاء ثابتة عند البخاري (٢٣٣٨) ومسلم (١٥٥١)، وأما تاريخ إجلائهم فيدل عليه مرسل ابن المسيب عند عبد الرزاق (١٤٤٦٨).\n(^٢) رواه مسلم (١٣١٨) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٣) رواه البخاري (١٠٧٧).","vol":"3","page":353},{"text":"ومن ذلك عمل الصحابة مع النبي - ﷺ - في اقتدائهم به وهو جالس (^١)، وهذا كأنه رأيُ عينٍ، سواء كانت صلاتهم خلفه قعودًا أو قيامًا، فهذا عمل في غاية الظهور والصحة، فمن العجب أن تُقدَّم عليه رواية جابر الجعفي عن الشعبي ــ وهما كوفيان ــ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يَؤمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا» (^٢)؟ وهذه من أسقط روايات أهل الكوفة.\nومن ذلك أن سليمان بن عبد الملك عامَ حجَّ جمع ناسًا من أهل العلم فيهم عمر بن عبد العزيز وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد وسالم وعبد الله (^٣) ابنا عبد الله بن عمر ومحمد بن شهاب الزهري وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة، فكلهم أمره بالطيب، وقال القاسم: أخبرتني عائشة أنها طيَّبتْ رسول الله - ﷺ - لحِرْمه حين أحرم ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت. ولم يختلِفْ عليه أحد منهم، إلا أن عبد الله بن عبد الله قال: كان عبد الله رجلًا (^٤) جادًّا مُجِدًّا، كان يرمي الجمرةَ، ثم يذبح، ثم يحلق، ثم يركب فيُفِيض قبل أن يأتي منزله. قال سالم: صدق. ذكره النسائي (^٥). فهذا عمل أهل المدينة وفتياهم، فأي عمل بعد ذلك يخالفه يستحق التقديم عليه؟\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٨٨) ومسلم (٤١٢) من حديث عائشة.\n(^٢) رواها الدارقطني (١٤٨٥) والبيهقي (٣/ ٨٠).\n(^٣) كذا في النسخ و«السنن الكبرى» مكبّرًا، وهو صواب. وفي بعض المطبوعات: «عبيد الله». وعبد الله وعبيد الله كلاهما من أبناء عبد الله بن عمر، من رجال «الصحيحين»، وعبد الله كان وصيَّ أبيه، كما في «التقريب».\n(^٤) «رجلًا» ساقطة من د.\n(^٥) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٤١٤٦).","vol":"3","page":354},{"text":"ومن ذلك ما روى البخاري في «صحيحه» (^١) عن قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال: «ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع»، وزارعَ عليٌّ وسعد بن مالك وعبد الله [١١٠/أ] بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين، وعاملَ عمر بن الخطاب الناس على: إنْ (^٢) جاء عمرُ بالبِذْر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبِذْر فلهم كذا وكذا.\nفهذا والله هو العمل الذي يستحقّ تقديمَه على كل عمل خالفه، والذي من جعله بينه وبين الله فقد استوثق. فيا لله العجب! أيُّ عملٍ بعد هذا يقدَّم عليه (^٣)؟ وهل يكون عمل يمكن أن يقال إنه إجماع أظهر من هذا وأصحّ منه؟\nوأيضًا فالعمل نوعان: نوع لم يعارضه نص ولا عمل قبله ولا عملُ مصرٍ آخر غيره، وعمل عارضه واحد من هذه الثلاثة؛ فإن سوَّيتم بين أقسام هذا (^٤) العمل كلها فهي تسوية بين المختلفات التي فرَّق النص والعقلُ بينها، وإن فرّقتم بينها فلا بدَّ من دليل فارقٍ بين ما هو معتبر منها وما هو غير معتبر، ولا تذكرون دليلًا قطُّ إلا كان دليل مَن قدَّم النص أقوى، وكان به أسعد.\nوأيضًا فإنا نقسم عليكم هذا العمل من وجه آخر ليتبين به المقبول من\n_________\n(^١) تعليقًا في (٥/ ١٠) مع «الفتح». وانظر: «تغليق التعليق» (٣/ ٣٠٠).\n(^٢) ط: «على أنه إن». والمثبت موافق لما في النسخ و«صحيح البخاري».\n(^٣) «عليه» ليست في د.\n(^٤) ت، د: «هذه».","vol":"3","page":355},{"text":"المردود، فنقول: عمل أهل المدينة وإجماعهم نوعان؛ أحدهما: ما كان من طريق النقل والحكاية، والثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال.\nفالأول على ثلاثة أضرب:\nأحدها: نقل الشرع مبتدأً من جهة النبي - ﷺ -، وهو أربعة أنواع؛ أحدها: نقل قوله، والثاني: نقل فعله، والثالث: نقل تقريره لهم على أمرٍ شاهدَهم عليه أو أُخبِر به، الرابع: نقلٌ لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله.\nالثاني: نقل العمل المتصل زمنًا بعد زمن من عهده - ﷺ -.\nوالثالث: نقلٌ لأماكنَ وأعيانٍ ومقاديرَ لم تتغير عن حالها.\nونحن نذكر أمثلة هذه الأنواع:\nفأما نقل قوله فظاهر، وهو الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية، وهي أشرف أحاديث [١١٠/ب] أهل الأمصار، ومن تأمَّل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يُتبِعها بأحاديث أهل الأمصار، وهذه كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب (^١) عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وابن شهاب (^٢) عن سالم عن أبيه، وابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ويحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، ومالك عن موسى بن عقبة عن كُريب عن أسامة بن زيد، والزهري\n_________\n(^١) ت: «ابن سهل»، تحريف.\n(^٢) ت: «ابن سهل»، تحريف.","vol":"3","page":356},{"text":"عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب (^١)، وأمثال ذلك.\nوأما نقلُ فعله فكنقلهم أنه توضأ من بئر بُضاعة (^٢)، وأنه كان يخرج كلَّ عيدٍ إلى المصلَّى فيصلِّي به العيد هو والناس (^٣)، وأنه كان يخطبهم قائمًا على المنبر وظهره إلى القبلة ووجهه إليهم (^٤)، وأنه كان يزور قُباءً كلَّ سبتٍ ماشيًا وراكبًا (^٥)، وأنه كان يزورهم في دُورهم (^٦) ويعود مرضاهم (^٧) ويشهد جنائزهم (^٨) ونحو ذلك.\nوأما نقل التقرير فكنَقْلِهم إقرارَه لهم (^٩) على تلقيح النخل، وعلى تجاراتهم التي كانوا يتجرونها (^١٠)، وهي على ثلاثة أنواع: تجارة الضرب في الأرض، وتجارة الإدارة، وتجارة السَّلَم، فلم ينكر عليهم منها تجارة\n_________\n(^١) د: «أيوب» خطأ. وهو أبو أيوب الأنصاري.\n(^٢) رواه أبو داود (٦٦) والنسائي (٣٢٦) والترمذي وحسنه (٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه أحمد وابن معين وابن حزم وابن القطان. انظر: «التلخيص الحبير» (١/ ١٣).\n(^٣) رواه البخاري (٣٢٤) ومسلم (٨٩٠) من حديث أم عطية - ﵂ -.\n(^٤) رواه البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٧) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٥) رواه البخاري (١١٩١) ومسلم (١٣٩٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٦) رواه البخاري (٣٨٠) ومسلم (٦٥٨) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٧) رواه البخاري (١٢٩٥) ومسلم (١٦٢٨) من حديث سعد - ﵁ -.\n(^٨) رواه مسلم (٩٦٥) من حديث جابر بن سمرة - ﵁ -.\n(^٩) ت: «إقرارًا لهم».\n(^١٠) أما تلقيح النخل فعند مسلم (٢٣٦٢) من حديث رافع - ﵁ -، وأما تجاراتهم فقد تقدم تخريجه.","vol":"3","page":357},{"text":"واحدة، وإنما حرّم عليهم فيها الربا الصريح ووسائله المفضية إليه، أو التوسل بتلك المتاجر إلى الحرام، كبيع السلاح لمن يقاتل به المسلم، وبيع العصير لمن يَعصِره خمرًا، وبيع الحرير لمن يلبسه من الرجال، ونحو ذلك مما هو معاونة على الإثم والعدوان.\nوكإقرارهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرّم عليهم فيها الغشّ [١١١/أ] والتوسّل بها إلى المحرَّمات.\nوكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام. وكإقرارهم على المناهدة (^١) في السفر، وكإقرارهم على الخُيَلاء في الحرب (^٢) ولُبسِ الحرير فيه (^٣) وإعلامِ الشجاع منهم بعينه\n_________\n(^١) في جميع النسخ: «المهادنة». وفي هامش نسخة د: «لعله المناهدة، وهو ما تُخرِجه الرفقة من النفقة في السفر. قاله في القاموس». وهو الصواب، ولا معنى للمهادنة في السفر.\n(^٢) أما الإنشاد فرواه البخاري (٤٥٣) ومسلم (٢٤٨٥) من حديث حسان - ﵁ -.\nوأما ذكر أيام الجاهلية فرواه مسلم (٢٣٢٢) من حديث جابر بن سمرة.\nوأما المسابقة على الأقدام فعند أبي داود (٢٥٧٨) وغيره من حديث عائشة - ﵂ -، صححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٢٤).\nوأما المناهدة في السفر فعند البخاري (٢٤٨٦) ومسلم (٢٥٠٠) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.\nوأما إقرار الخيلاء في الحرب فعند أبي داود (٢٦٥٩) من حديث جابر بن عتيك، وصححه ابن حبان (٤٧٦٢) وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» - الأم (٧/ ٤١١).\n(^٣) رواه البخاري (٢٩٢٠) ومسلم (٢٠٧٦) من حديث أنس - ﵁ -.","vol":"3","page":358},{"text":"بعلامة من ريشة أو غيرها.\nوكإقرارهم على لُبس ما نَسَجَه الكفار من الثياب، وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم، وربما كان عليها صورُ ملوكهم، ولم يضرب رسول الله - ﷺ - ولا خلفاؤه مدة حياتهم دينارًا ولا درهمًا، وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار (^١).\nوكإقراره لهم بحضرته على المُزاح المباح، وعلى الشِّبع في الأكل، وعلى النوم في المسجد، وعلى شركة الأبدان (^٢). وهذا كثير من أنواع السنن احتجّ به الصحابة وأئمة الإسلام كلهم.\nوقد احتجّ به جابر في تقرير الرب في زمن الوحي كقوله: «كنا نَعْزِل والقرآن ينزِل» (^٣)، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن. وهذا من كمال فقه الصحابة وعلمهم، واستيلائهم على معرفة طرق الأحكام ومداركها، وهو يدل على أمرين:\n_________\n(^١) أول من أحدث ضربها ونقش عليها عبد الملك بن مروان. انظر: «الطبقات» لابن سعد (٥/ ٢٢٣) و«الأوائل» للعسكري (١/ ٢٥٤). وأما لبس منسوج الكفار فعند مسلم (٢٠٦٩) من حديث أسماء بنت أبي بكر - ﵄ -.\n(^٢) أما المزاح المباح فعند أبي داود (٥٠٠٠) وأحمد (٢٣٩٧١) من حديث عوف بن مالك - ﵁ -، وصححه ابن حبان (٦٦٧٥) والحاكم (٤/ ٤٢٣). وأما الشبع في الأكل ففي البخاري (٥٣٨١) ومسلم (٢٠٣٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وأما النوم في المسجد ففي البخاري (٤٤٠) من حديث ابن عمر - ﵄ -. وأما شركة الأبدان فعند أبي داود (٣٣٨٨) وفيه انقطاع؛ فإن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٣) رواه البخاري (٥٢٠٧) ومسلم (١٤٤٠).","vol":"3","page":359},{"text":"أحدهما: أن أصل الأفعال الإباحة، ولا يحرم منها إلا ما حرّمه الله على لسان رسوله.\nالثاني: أن علم الرب تعالى بما يفعلونه في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه.\nوالفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه في الوجه الأول يكون معفوًّا عنه استصحابًا، وفي الثاني يكون العفو عنه تقريرًا لحكم الاستصحاب. ومن هذا النوع تقريره لهم على أكل الزروع التي تُداس بالبقر، من غير أمر لهم بغَسْلها، وقد علم - ﷺ - أنها لا بدَّ أن تبول وقت الدِّياس.\nومن ذلك تقريره لهم على الوقود في بيوتهم وعلى أطعمتهم بأرواث الإبل وأَخْثاء البقر وأبعار [١١١/ب] الغنم، وقد علم (^١) أن دخانها ورمادها يصيب ثيابهم وأوانِيَهم، ولم يأمرهم باجتناب ذلك، وهو دليل على أحد أمرين ولا بدَّ: طهارة ذلك، أو أن دخان النجاسة ورمادها ليس بنجس (^٢).\nومن ذلك تقريرهم على سجود أحدهم على ثوبه إذا اشتدَّ الحرُّ (^٣)، ولا يقال في ذلك: إنه ربما لم يعلمه؛ لأن الله قد علمه وأقرّهم عليه ولم يأمر رسوله بإنكاره عليهم، فتأمل هذا الموضع.\nومن ذلك تقريرهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك، ولم\n_________\n(^١) ت: «علم الله».\n(^٢) «وهو دليل ... بنجس» ساقطة من ت.\n(^٣) رواه البخاري (٣٨٥) ومسلم (٦٢٠) من حديث أنس - ﵁ -.","vol":"3","page":360},{"text":"يتعرض لكيفية وقوعها (^١)، وإنما أنكر منها ما لا مَسَاغ (^٢) له في الإسلام حين الدخول فيه.\nومن ذلك تقريرهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربا أو غيره، ولم يأمر بردّها، بل جعل لهم بالتوبة ما سلف من ذلك.\nومنه تقرير الحبشة باللعب في المسجد بالحِراب، وتقرير عائشة على النظر إليهم، وهو كتقريره (^٣) النساء على الخروج والمشي في الطرقات وحضور المساجد وسماع الخطب التي كان ينادي بالاجتماع (^٤) لها، وتقريره للرجال على استخدامهن في الطحن والغسل والطبخ والعجن وعلف الفرس والقيام بمصالح البيت (^٥)، ولم يقل للرجال قطُّ (^٦): لا يحلّ لكم ذلك إلا\n_________\n(^١) تقدم تخريج بعضها.\n(^٢) ت: «يساغ».\n(^٣) د: «كتقرير».\n(^٤) ت: «بالإجماع».\n(^٥) أما إقرار عائشة بالنظر إليهم ففي البخاري (٤٥٤) ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة - ﵂ -. وأما خروجهن وحضور المساجد فعند البخاري (٨٦٥) ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر - ﵄ -. وأما حضور الأعياد فرواه البخاري (٩٧٧) ومسلم (٨٨٤) من حديث ابن عباس - ﵄ -. وأما إقرارهن على استخدامهن في الطحن فرواه البخاري (٣١١٣) ومسلم (٢٧٢٧) من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -. وأما العجن فعند البخاري (٢٦٣٧) ومسلم (٢٧٧٠) في قصة حادثة الإفك. وأما علف الفرس فعند البخاري (٥٢٢٤) ومسلم (٢١٨٢) من حديث أسماء بنت أبي بكر. والقيام بمصالح البيت فعند البخاري (٢٤٠٦) ومسلم (٧١٥) من حديث جابر، والغسل في حديث عائشة عند البخاري (٢٣٠)، ومسلم (٢٨٩).\n(^٦) «قط» ليست في د.","vol":"3","page":361},{"text":"بمعاوضتهن أو استرضائهن حين يتركن الأجرة. وتقريره لهم على الإنفاق عليهن بالمعروف من غير تقدير فرضٍ ولا حَبّ ولا خبز، ولم يقل لهم: لا تَبرأ ذِمَمُكم من الإنفاق الواجب إلا بمعاوضة الزوجات من ذلك على الحب الواجب لهن، مع فساد المعاوضة من وجوه عديدة أو بإسقاط الزوجات حقَّهن من الحب، بل أقرَّهم على ما كانوا يعتادون نفقته قبل الإسلام وبعده، وقرَّر وجوبه بالمعروف، وجعله نظير نفقة الرقيق في ذلك (^١).\nومنه [١١٢/أ] تقريرهم على التطوُّع بين أذان المغرب والصلاة وهو يراهم ولا ينهاهم (^٢).\nومنه تقريرهم على بقاء الوضوء وقد خفقَتْ رؤوسهم من النوم في انتظار الصلاة ولم يأمرهم بإعادته (^٣)، وتطرُّقُ احتمالِ كونه لم يعلم ذلك مردود بعلم الله به، وبأن القوم أجلُّ وأعرفُ بالله ورسوله أن لا يخبروه بذلك، وبأن خفاء مثل ذلك على رسول الله - ﷺ - وهو يراهم ويشاهدهم خارجًا إلى الصلاة ممتنع.\nومنه تقريرهم على جلوسهم في المسجد وهم مُجْنِبون إذا توضؤوا (^٤).\n_________\n(^١) رواه الترمذي وصححه (١١٦٣) والنسائي في «السنن الكبرى» (٩١٢٤) من حديث عمرو بن الأحوص - ﵁ -، وحسنه الألباني في «الإرواء» (٧/ ٩٦).\n(^٢) رواه مسلم (٨٣٦) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٣) رواه مسلم (٣٧٦) وأبو داود (٢٠٠) واللفظ له من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (١٥٦٧) من حديث زيد بن أسلم، ورواه سعيد بن منصور في التفسير (٦٤٦) من حديث عطاء بن يسار، وصححه ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٣١٣).","vol":"3","page":362},{"text":"ومنه تقريرهم على مبايعة عُميانهم على مبايعتهم وشرائهم بأنفسهم من غير نهيٍ لهم عن ذلك يومًا ما (^١)، وهو يعلم أن حاجة الأعمى إلى ذلك كحاجة البصير.\nومنه تقريرهم على قبول الهدية التي يخبرهم بها الصبي والعبد والأمة (^٢)، وتقريرهم على الدخول بالمرأة التي يخبرهم بها النساء أنها امرأته (^٣)، بل الاكتفاء بمجرد الإهداء من غير إخبار.\nومنه تقريرهم على قول الشعر وإن تغزَّل أحدهم فيه بمحبوبته، وإن قال فيه ما لو أقرّ به في غيره لوَاخذَه (^٤) به، كتغزُّل كعب بن زهير بسعاد (^٥)،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه من حديث حبان بن منقذ - ﵁ -.\n(^٢) أما إرسال الصبي بالهدية رواه أحمد (١٧٦٧٧) من حديث عبد الله بن بسر - ﵁ - وإسناده حسن. وأما إرسال العبد والأمة فرواه البخاري (٥٢٢٥) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٣) رواه البخاري (٥٢٥٤) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) ت: «لواخذ».\n(^٥) رواه ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٠٣) عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا، ورواه الحاكم (٣/ ٥٧٩) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٢٠٧) من طريق الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير عن أبيه عن جده، ورواه الحاكم (٣/ ٥٨٢) عن موسى بن عقبة مرسلًا. ووصله محمد بن سلّام في «طبقات فحول الشعراء» (١/ ١٠٠) ومن طريقه السبكي في «طبقات الشافعية» (١/ ٢٣٠)، وفي إسناده محمد بن سليمان لم أعرفه، قال العراقي: وهذه القصة رويناها من طرق لا يصح منها شيء، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع. انظر: «تحفة الأحوذي» (٢/ ٢٣٣).","vol":"3","page":363},{"text":"وتغزُّل حسان في شعره وقوله فيه (^١):\nكأن سَبيئةً من بيتِ رأسٍ ... يكون مزاجَها عسلٌ وماءُ\n\nثم ذكر وصف الشراب، إلى أن قال:\nونشربُها فتتركُنا ملوكًا ... وأُسْدًا لا يُنَهْنِهنا (^٢) اللقاءُ\n\nفأقرَّهم على قول ذلك وسماعه؛ لعلمه ببرِّ قلوبهم ونزاهتهم وبُعدهم عن كل دنسٍ وعيب، وأن هذا إذا وقع مقدمةً (^٣) بين يدي ما يحبُّه الله ورسوله من مدح الإسلام وأهله وذم الشرك وأهله والتحريض على الجهاد والكرم والشجاعة فمفسدته مغمورة جدًّا في جنب هذه المصلحة، مع ما فيه من مصلحة (^٤) هزِّ النفوس واستمالة إصغائها وإقبالها على المقصود [١١٢/ب] بعده، وعلى هذا جرت عادة الشعراء بالتغزُّل بين يدي الأغراض التي يريدونها بالقصيد.\nومنه (^٥) تقريرهم على رفع الصوت بالذكر بعد السلام (^٦)، بحيث كان من هو خارج المسجد يعرف انقضاء الصلاة بذلك، ولا ينكره عليهم.\n_________\n(^١) «ديوانه» (ص ٧١).\n(^٢) د، ت: «لا ينههنا».\n(^٣) «مقدمة» ليست في د.\n(^٤) «مصلحة» ليست في ت.\n(^٥) ت: «ومنها».\n(^٦) رواه البخاري (٨٤٢) ومسلم (٥٨٣) من حديث ابن عباس - ﵄ -.","vol":"3","page":364},{"text":"فصل\nوأما نقلهم لتركه فهو نوعان، وكلاهما سنة:\nأحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: «ولم يغسِلْهم ولم يصلِّ عليهم» (^١)، وقوله في صلاة العيد: «لم يكن أذانٌ ولا إقامة ولا نداء» (^٢)، وقوله في جمعه بين الصلاتين: «ولم يسبِّح بينهما ولا على إثْرِ واحدةٍ منهما» (^٣) ونظائره.\nوالثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرتْ هِممُهم ودواعيهم أو أكثرهم (^٤) أو واحد منهم على نقله؛ فحيثُ لم ينقله واحد منهم البتةَ ولا حدَّث به في مجمعٍ أبدًا عُلِم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبلَ المأمومين وهم يؤمِّنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات، وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية، وقوله: «اللهم اهْدِنا فيمن هديتَ» يجهر بها ويقول المأمومون كلهم «آمين». ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة البتةَ وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يُخِلُّ به يومًا واحدًا. وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف. ومن هنا\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٤٣) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (٩٦٠) ومسلم (٨٨٦) من حديث ابن عباس وجابر - ﵃ -.\n(^٣) رواه البخاري (١٦٧٣) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٤) «أو أكثرهم» ليست في ت.","vol":"3","page":365},{"text":"يُعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة؛ فإنَّ تَرْكه - ﷺ - سنة كما أن فِعْله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرقَ.\nفإن قيل: من أين لكم [١١٣/أ] أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟\nفهذا سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هَدْيه وسنته (^١) وما كان عليه، ولو صحّ هذا السؤال وقُبِل (^٢) لاستحبَّ لنا مستحِبٌّ الأذانَ للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا مستحِبّ آخر الغسلَ لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا آخرُ النداءَ بعد الأذان: الصلاة يرحمكم الله، ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا آخر لُبس السواد والطَّرْحة (^٣) للخطيب، وخروجه بالشاويش (^٤) يصيح بين يديه، ورَفْع المؤذّنين أصواتهم كلما ذُكِر اسم الله أو اسم رسوله جماعةً وفرادى، وقال: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟ واستحبَّ آخرُ صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة في رجب، وقال: من أين لكم أن (^٥) إحياءهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟\n_________\n(^١) ت: «سننه».\n(^٢) ت: «وقيل».\n(^٣) أي الطيلسان، وهو كساء يُلقى على الكتف.\n(^٤) شاويش أو جاويش أو جاووش كلمة تركية، من جنود الحرس، وكان من عملهم أن ينشدوا أمام السلطان في مواكبه وحفله. انظر: «تكملة المعاجم العربية» (٢/ ١٣٢).\n(^٥) ت: «هذا أن».","vol":"3","page":366},{"text":"ومن هذا تركه أخذَ الزكاة من الخضراوات والمباطخ (^١) وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة؛ فلا يطالبهم بزكاة، ولا هم يؤدُّونها إليه.\nفصل\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-497> نقل الأعيان وتعيين الأماكن </span>فكنقلهم المدَّ والصاع (^٢)، وتعيين موضع المنبر وموقفه للصلاة والقبر والحجرة ومسجد قباء، وتعيين الروضة والبقيع والمصلى ونحو ذلك، ونقلُ (^٣) هذا جارٍ مجرى نقلِ مواضع المناسك، كالصفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة، ومواضع الإحرام كذي الحليفة والجحفة وغيرهما.\nفصل\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-498> نقل العمل المستمر </span>فكنقل الوقوف والمزارعة، والأذان على المكان المرتفع، والأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان وإفراد الإقامة، والخطبة بالقرآن وبالسنن (^٤) دون الخطبة الصناعية بالتسجيع والترجيع التي لا تُسمن ولا تُغني من [١١٣/ب] جوع؛ فهذا النقل وهذا العمل حجة يجب اتباعها، وسنة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين، وإذا ظفر العالم بذلك (^٥) قرَّت به عينُه، واطمأنَّتْ إليه نفسه.\n_________\n(^١) جمع مَبطَخة، وهي الأماكن التي ينبت فيها البطِّيخ بكثرة.\n(^٢) ت: «الصاع والمد».\n(^٣) د، ت: «وفعل».\n(^٤) ت: «والسنن».\n(^٥) د: «ظفر بذلك العالم».","vol":"3","page":367},{"text":"فصل\nوأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال (^١) فهو معترك النِّزال ومحلُّ الجدال.\nقال القاضي عبد الوهاب (^٢): وقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه ليس بحجة أصلًا، وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، ولا يرجَّح به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر، وهذا قول ابن بُكَير (^٣) وأبي يعقوب الرازي والقاضي أبي بكر (^٤) بن مُنْتاب والطيالسي والقاضي أبي الفرج (^٥) والشيخ أبي بكر الأبهري، وأنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك أو لأحدٍ من معتمدي أصحابه.\nوالوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة فإنه يرجَّح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وبه قال بعض الشافعية (^٦).\n_________\n(^١) هذا النوع الثاني من عمل أهل المدينة الذي سبق ذكره (ص ٣٥٦)، وهنا تفصيل القول فيه.\n(^٢) نقل الزركشي في «البحر المحيط» (٤/ ٤٨٥) كلامه باختصار.\n(^٣) د، ت: «أبي بكير». وفي المطبوع: «أبي بكر». والتصويب من «ترتيب المدارك» (١/ ٥٠). وهو القاضي الفقيه محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي، توفي سنة ٣٠٥. ترجمته في «ترتيب المدارك» (٥/ ١٦).\n(^٤) كذا في النسخ والمطبوع. والصواب: «أبو الحسن». وهو عبيد الله بن المنتاب بن الفضل البغدادي، قاضي المدينة، من تلاميذ إسماعيل بن إسحاق القاضي. ترجمته في «ترتيب المدارك» (٥/ ٢٠١).\n(^٥) ت: «أبو الفرج».\n(^٦) ت: «أصحاب الشافعي».","vol":"3","page":368},{"text":"والثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة وإن لم يحرم خلافه، كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من أصحابنا، وهو الذي عليه كلام أحمد بن المعذَّل (^١) وابن بُكَير وغيرهما، وذكر الشيخ أن في «رسالة مالك إلى الليث بن سعد» ما يدلُّ عليه، وقد ذكر أبو مصعب في «مختصره» مثل ذلك، والذي صرَّح به القاضي أبو الحسين (^٢) بن أبي عمر في «مسألته التي صنّفها على أبي بكر الصَّيرفي» نقضًا لكلامه على أصحابنا في إجماع أهل المدينة، وإلى هذا يذهب جُلُّ أصحابنا المغاربة أو جميعهم.\nفأما (^٣) حال الأخبار من طريق الآحاد فلا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يكون صحبها (^٤) عمل أهل المدينة مطابقًا لها، أو أن يكون عملهم بخلافها، أو أن لا يكون منهم عملٌ أصلًا لا بخلافٍ ولا بوفاقٍ.\nفإن كان عملهم موافقًا لها كان ذلك آكدَ في تصحيحها (^٥) ووجوبِ العمل بها، إذا كان العمل من طريق النقل، وإن كان من طريق الاجتهاد كان مرجِّحًا [١١٤/أ] للخبر على ما ذكرنا من الخلاف.\n_________\n(^١) د: «المعدل». ت: «العدل». والصواب بالذال المعجمة، انظر ترجمته في «ترتيب المدارك» (٤/ ٥ - ١٤).\n(^٢) كذا في النسخ وترتيب المدارك (١/ ٥٠). وجعله في ط: «أبو الحسن». وترجمه بعلي بن ميسرة القاضي، وليس في مصادر ترجمته أن أباه يكنى بأبي عمر، وأن له كتابًا في الردّ على أبي بكر الصيرفي.\n(^٣) ت: «وأما».\n(^٤) ت: «صحتها».\n(^٥) ط: «صحتها».","vol":"3","page":369},{"text":"وإن كان عملهم بخلافه نُظِر: فإن كان العمل المذكور على الصفة التي ذكرناها فإن الخبر يُترك للعمل (^١) عندنا، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وهذا أكبر الغرض بالكلام في هذه المسألة، وهذا كما نقوله في الصاع والمد وزكاة الخُضر وغير ذلك. وإن كان العمل منهم اجتهادًا فالخبر أولى منه عند جمهور أصحابنا، إلا من قال منهم: إن الإجماع من طريق الاجتهاد حجة.\nوإن لم يكن بالمدينة عملٌ يوافق موجبَ (^٢) الخبر أو يخالفه فالواجب المصير إلى الخبر؛ فإنه دليل منفرد عن مُسقِط أو مُعارِض.\nهذا جملة قول أصحابنا في هذه المسألة (^٣).\nوقد تضمَّن ما حكاه أن عملهم الجاري مجرى النقل حجة، فإذا أجمعوا عليه فهو مقدَّم على غيره من أخبار الآحاد، وعلى هذا الحرف بنى المسألة وقرّرها، وقال (^٤): والذي يدلُّ على ما قلناه أنهم إذا أجمعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر (^٥) الذي يحصل به العلم، وينقطع العذر فيه، ويجب ترك أخبار الآحاد له (^٦)؛ لأن المدينة بلدة جمعتْ من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على\n_________\n(^١) ت: «العمل».\n(^٢) ت: «يوافق عمل موجب».\n(^٣) هنا انتهى كلام القاضي عبد الوهاب.\n(^٤) أي القاضي عبد الوهاب.\n(^٥) ت: «معلوم بالمتواتر».\n(^٦) «له» ساقطة من ت.","vol":"3","page":370},{"text":"نقله، فما هذا سبيله إذا ورد خبرُ واحدٍ بخلافه كان حجة على ذلك الخبر وتُرِك له، كما لو رُوِي لنا خبرُ واحدٍ فيما تواتر به نقل جميع الأمة لوجب ترك الخبر للنقل المتواتر من جميعهم.\nفيقال (^١): من المحال عادةً أن يُجمِعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا من عندهم إلى زمن رسول الله - ﷺ - وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته، هذا من أبينِ الباطل؛ وإن وقع ذلك فيما أجمعوا عليه من طريق (^٢) الاجتهاد فإن العصمة لم تُضْمَن لاجتهادهم، فلم يُجمِعوا من طريق النقل ولا العمل المستمرِّ على هذه الشريطة على بطلان خيار المجلس، ولا على التسليمة الواحدة، ولا على القنوت في الفجر قبل الركوع، ولا على ترك الرفع عند الركوع [١١٤/ب] والرفع منه، ولا على ترك السجود في المفصَّل، ولا على ترك الاستفتاح والاستعاذة قبل الفاتحة، ونظائر ذلك، كيف وقدماؤهم الذين نقلوا العلم الصحيح الثابت الذي كأنه رأيُ عينٍ عن النبي - ﷺ - وأصحابه بخلاف ذلك؟ فكيف يقال: إنّ تركه عملٌ مستمرٌّ من عهد رسول الله - ﷺ - وإلى الآن؟ هذا من المحال. بلى نقلهم للصاع والمدّ والوقوف والأحباس (^٣) وترك زكاة الخَضراوات حق، ولم يأتِ عن رسول الله - ﷺ - سنة تخالفه البتةَ، ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك\n_________\n(^١) هذا تعقيب من المؤلف على كلام القاضي عبد الوهاب.\n(^٢) «طريق» ليست في ت.\n(^٣) ت: «الأجاير»، والكلمة في د بدون نقط. وفي المطبوع: «الأخاير». وفي «تهذيب السنن» ط. الفقي (١/ ٦٤): «الأجناس». وكلها تحريف. والصواب ما أثبته، وهو كذلك في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٠٤). والأحباس بمعنى الوقوف.","vol":"3","page":371},{"text":"بحضرة الرشيد لما ناظره مالك وتبيَّن له الحق؛ فلا يُلحَق بهذا عملهم من طريق الاجتهاد، ويُجعل ذلك نقلًا متصلًا عن رسول الله - ﷺ -، وتُترك (^١) له السنن الثابتة، فهذا لون وذاك لون، وبهذا التمييز والتفصيل يزول الاشتباه ويظهر الصواب.\nومن المعلوم أن العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة كان بحسب من فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين على الأسواق، ولم تكن الرعية تخالف هؤلاء، فإذا أفتى المفتون نفَّذه الوالي، وعمِلَ به المحتسب، وصار عملًا، فهذا هو الذي لا يُلتفَت إليه في مخالفة السنن، لا عمل رسول الله - ﷺ - وخلفائه والصحابة فذاك هو السنة، فلا يُخلَط أحدهما بالآخر، فنحن لهذا العمل أشدُّ تحكيمًا، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشدُّ تركًا، وبالله التوفيق.\nوقد كان ربيعة بن أبي (^٢) عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفِّذ فتواه، فتعملُ الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا، كما يطَّرد العمل في بلد أو إقليم ليس فيه إلا قول مالك على قوله وفتواه، ولا يجوِّزون العمل هناك بقول غيره من أئمة الإسلام، فلو عمل به أحد لاشتدَّ نكيرهم (^٣) عليه، وكذلك بلد أو إقليم لم يظهر [١١٥/أ] فيه إلا مذهب أبي حنيفة فإن العمل المستمر عندهم على قوله، وكل طائفة اطَّرد عندهم عملُ من (^٤) وصل إليهم\n_________\n(^١) ت: «نترك».\n(^٢) «أبي» ساقطة من ت.\n(^٣) ت: «تكبرهم».\n(^٤) «من» ليست في د.","vol":"3","page":372},{"text":"قوله ومذهبه لم (^١) يألفوا غيره. ولا فرقَ في هذا العمل بين بلد وبلد (^٢)، والعمل الصحيح ما وافقتْه السنة.\nوإذا أردتَ وضوح ذلك فانظر العمل في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلَّى النبي - ﷺ - وعمل الصحابة به (^٣)، ثم العمل في زمن مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير استفتاح ولا تعوُّذٍ.\nوانظر العمل في زمن الصحابة كعبد الله بن عمر في اعتبار خيار المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد (^٤) ولا يخالفه في ذلك صحابي، ثم العمل به في زمن التابعين وإمامهم وعالمهم سعيد بن المسيّب، يعمل به ويفتي به ولا ينكره عليه منكر، ثم صار العمل في زمن ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ذلك.\nوانظر إلى العمل في زمن رسول الله - ﷺ - والصحابة خلفه وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه (^٥)، ثم العمل في زمن الصحابة بعده حتى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع يديه حَصَبَه (^٦)، وهو\n_________\n(^١) د: «ولم».\n(^٢) الواو ساقطة من ت.\n(^٣) رواه مسلم (٣٩٩).\n(^٤) رواه البخاري (٢١٠٧) ومسلم (١٥٣١).\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) رواه الحميدي في «مسنده» (٦١٥) ومن طريقه البخاري في «جزء رفع اليدين» (١٤). ورواه أيضًا أحمد في «مسائله» برواية ابنه عبد الله (ص ٧٠) والدارقطني (١١١٨). وصحّحه ابن الملقن في «البدر المنير» (٣/ ٤٧٨).","vol":"3","page":373},{"text":"عمل كأنه رأيُ عينٍ، وجمهور التابعين يعمل به بالمدينة وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم، ثم صار العمل بخلافه.\nوانظر إلى العمل الذي كأنه رأيُ عينٍ من صلاة رسول الله - ﷺ - على ابنَيْ بيضاءَ سهيلٍ وأخيه في المسجد والصحابةُ معه، وصلَّت عائشة على سعد بن أبي وقاص في المسجد (^١)، وصُلِّي (^٢) على عمر بن الخطاب في المسجد، ذكره مالك (^٣) عن نافع عن عبد الله.\nقال الشافعي (^٤): ولا نرى أحدًا من الصحابة حضر موتَه فتخلَّف عن جنازته، فهذا عمل مجمع عليه عندكم. قاله لبعض المالكية. وروى هشام عن أبيه أن أبا بكر صُلِّي عليه في المسجد (^٥)، [١١٥/ب] فهذا العمل حقًّا، ولو تُرِكت السنن للعمل لتعطَّلت سنن رسول الله - ﷺ - ودَرستْ رسومها وعَفَتْ آثارها، وكم من عملٍ قد (^٦) اطَّرد بخلاف السنة الصريحة (^٧) على\n_________\n(^١) رواه مسلم (٩٧٣/ ١٠١) من حديث عائشة - ﵂ -، وفيه ذكر صلاة النبي - ﷺ - على ابنَي بيضاء.\n(^٢) د: «وصل».\n(^٣) في «الموطأ» (١/ ٢٣٠).\n(^٤) في كتاب «الأم» (٨/ ٥٧٦).\n(^٥) رواه عبد الرزاق (٦٥٧٦)، ورجاله كلهم ثقات.\n(^٦) «قد» ساقطة من ت.\n(^٧) ت: «الصحيحة».","vol":"3","page":374},{"text":"تقادم الزمان وإلى الآن، وكلَّ وقت تُترك سنة ويُعمل بخلافها ويستمرُّ عليها العمل، فخُذْ يسيرًا من السنة معمولًا به على نوع تقصير، وخُذْ بلا حُسْبانٍ ما شاء الله من سُنَنٍ قد أُهمِلتْ وعُطِّلَ العملُ بها جملة؛ فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تَركتَ السنة!\nفقد تقرَّر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتةَ، وإنما يقع (^١) من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عمل طريقه النقلُ فإنه لا يخالف سنة صحيحة البتةَ.\nفلنرجع إلى الأمثلة التي تُرِك فيها المحكم للمتشابه، فنقول:\n\nالمثال السابع والخمسون: تركُ السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة كقوله في «الصحيحين»: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا فإنه من وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر له» (^٢). ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأمومَ أن يؤمِّن معه ويوافقه في التأمين. وأصرحُ من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كُهيل عن حُجْر بن عَنْبس عن وائل بن حجر قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين»، ورفع بها صوته. وفي لفظ: وطوَّل بها». رواه الترمذي وغيره (^٣)، وإسناده صحيح.\nوقد خالف شعبةُ سفيانَ في هذا الحديث فقال: «وخفَضَ بها\n_________\n(^١) ت: «تقع».\n(^٢) رواه البخاري (٧٨٠) ومسلم (٤١٠/ ٧٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه أبو داود (٩٣٢) والترمذي وحسنه (٢٤٨) وأحمد (١٨٨٤٢)، وصححه الدارقطني (١٢٦٩).","vol":"3","page":375},{"text":"صوته» (^١)، وحكم أئمة الحديث وحفَّاظه (^٢) في هذا لسفيان، فقال الترمذي (^٣): سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصحُّ من حديث شعبة، أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع، فقال: «عن حجر أبي العَنْبس»، وإنما كنيته أبو السكن، وزاد فيه «علقمة بن وائل»، [١١٦/أ] وإنما هو حُجْر بن عَنْبس عن وائل بن حجر، ليس فيه علقمة، وقال: «وخفض بها صوته»، والصحيح أنه جهر بها.\nقال الترمذي (^٤): وسألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة هذا، فقال: حديث سفيان أصحُّ من حديث شعبة، وقد روى العلاء بن صالح عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان.\nوقال الدارقطني (^٥): كذا (^٦) قال شعبة: «وأخفى بها صوته»، ويقال: إنه وهمَ فيه؛ لأن سفيان الثوري (^٧) ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوتَه بآمين، وهو الصواب.\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٨٨٥٤) وأبو داود الطيالسي (١١١٧).\n(^٢) منهم البخاري وأبو زرعة وسيأتي، ومسلم في «التمييز» (ص ١٨٠)، والدارقطني (١٢٧٠)، وحكى البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٢/ ٣٩١) إجماع الحفاظ على ذلك.\n(^٣) في «السنن» (٢٤٨) و«العلل الكبير» (ص ٦٩).\n(^٤) الكلام متصل بما قبله.\n(^٥) في «السنن» (١٢٧٠).\n(^٦) ت: «هكذا».\n(^٧) «الثوري» ليست في ت.","vol":"3","page":376},{"text":"وقال البيهقي (^١): لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان. وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحبَّ إليَّ من شعبة، ولا يعدِلُه عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. وقال شعبة: سفيان أحفظُ مني (^٢)؛ فهذا ترجيح لرواية سفيان.\nوترجيح ثان: وهو متابعة العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل له (^٣).\nوترجيح ثالث: وهو أن أبا الوليد الطيالسي ــ وحسْبُك به ــ رواه عن شعبة بوفاق الثوري في متنه (^٤)، فقد اختلف على شعبة كما ترى. قال البيهقي (^٥): فيحتمل أن يكون تنبَّه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده.\nوترجيح رابع: وهو أن الروايتين لو تقاومتا لكانت رواية الرفع متضمنة لزيادة، وكانت أولى بالقبول.\nوترجيح خامس: وهو موافقتها وتفسيرها لحديث أبي هريرة: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنّ الإمام يقول آمين والملائكة تقول: آمين، فمن وافقَ تأمينُه\n_________\n(^١) كما في «مختصر الخلافيات» (٢/ ٦٤).\n(^٢) انظر لهذه الأقوال: «الجرح والتعديل» (٤/ ٢٢٤) و«الكامل» لابن عدي (١/ ١٥٦) و«سؤالات الآجري» لأبي داود (ص ١٩٥).\n(^٣) رواية العلاء بن صالح عند الترمذي (٢٤٩). وأما رواية محمد بن سلمة فعند الطبراني (١١٣).\n(^٤) كما في «السنن الكبرى» للبيهقي (٢/ ٥٨).\n(^٥) «مختصر الخلافيات» (٢/ ٦٥).","vol":"3","page":377},{"text":"تأمينَ الملائكة غفر له» (^١).\nوترجيح سادس: وهو ما رواه الحاكم (^٢) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا فرغَ من (^٣) قراءة أم القرآن رفع صوتَه بآمين. ولأبي داود بمعناه، وزاد بيانًا فقال: «قال آمين حتى [١١٦/ب] يسمع من يليه من الصف الأول» (^٤). وفي رواية عنه: «كان النبي - ﷺ - إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، يرفع بها صوته، ويأمر بذلك» (^٥).\nوذكر البيهقي عن علي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول آمين إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^٦). وعنده أيضًا عنه: أن النبي - ﷺ - كان إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ رفع صوته بآمين. وعند أبي داود عن بلال أنه (^٧) قال\n_________\n(^١) رواه النسائي (٩٢٧) وأحمد (٧١٨٧، ٧٦٦٠) والدارمي (١٢٨٢) بزيادة «فإن الإمام يقول ...». وصححه ابن خزيمة (٥٧٥) وابن حبان (١٨٠٤). وأصله عند البخاري ومسلم كما تقدم تخريجه.\n(^٢) في «المستدرك» (١/ ٢٢٣)، ورواه أيضًا ابن خزيمة (٥٧١) وابن حبان (١٨٠٦). وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم متكلم فيه، ولكن لحديثه شاهد يتقوى به. انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٤/ ٩٦).\n(^٣) «من» ليست في د، ت.\n(^٤) رواه أبو داود (٩٣٤) وابن ماجه (٨٥٣)، وإسناده ضعيف لجهالة أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، وضعفِ بشر بن رافع. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (١/ ٣٥٥).\n(^٥) رواه الدارقطني (١٢٧٢) وأعلّه بضعف بحر السقاء.\n(^٦) رواه ابن ماجه (٨٥٤). والحديث أعله أبو حاتم والدارقطني. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ١١٤)، و«العلل» للدارقطني (٣/ ١٨٥).\n(^٧) «أنه» ليست في ت.","vol":"3","page":378},{"text":"للنبي - ﷺ -: «لا تسبِقْني بآمينَ» (^١).\nقال الربيع (^٢): سئل الشافعي عن الإمام: هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع بها مَن خلفه أصواتَهم، فقلت: وما الحجة؟ فقال: أخبرنا مالك، وذكر حديث أبي هريرة (^٣) المتفق على صحته، ثم قال: ففي قول رسول الله - ﷺ -: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا» دلالةٌ على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين؛ لأن من خلفه لا يعرفون وقتَ (^٤) تأمينه إلا بأن يسمع تأمينه، ثم بيَّنه ابن شهاب فقال: وكان رسول الله - ﷺ - يقول: آمين (^٥). فقلت للشافعي: فإنا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين، فقال: هذا خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم عن رسول الله - ﷺ -، ولو لم يكن عندنا وعندهم علم إلا هذا الحديث الذي ذكرناه عن مالك فينبغي أن يستدل بأن النبي - ﷺ - كان يجهر بآمين، وأنه أمر الإمام أن يجهر بها، فكيف ولم يزل أهل العلم عليه؟ وروى وائل بن حجر أن النبي - ﷺ - كان يقول آمين يرفع بها صوته، ويحكي مدَّه إياها (^٦) (^٧). وكان أبو هريرة يقول للإمام: لا تَسبِقْني بآمين، وكان يؤذن له (^٨). أخبرنا مسلم بن خالد عن\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٩٣٧)، وأحمد (٢٣٩٢٠)، والحاكم وصححه (١/ ٢١٩) من طرق عن عاصم عن أبي عثمان عن بلال به.\n(^٢) «الأم» (٨/ ٥٤٥، ٥٤٦).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) «وقت» ليست في ت.\n(^٥) رواه مالك في «الموطأ» (١/ ٨٧)، والحديث متفق عليه قد تقدم تخريجه.\n(^٦) «ويحكي مده إياها» ساقطة من ت.\n(^٧) تقدم تخريجه.\n(^٨) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":379},{"text":"ابن جريج عن عطاء: كنتُ أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون آمين، ومن خلفهم آمين، حتى إن للمسجد للجَّةً (^١).\nوقوله: «كان أبو هريرة [١١٧/أ] يقول للإمام لا تسبِقْني بآمين»، يريد ما ذكره البيهقي (^٢) بإسناده عن أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذِّن لمروان بن الحكم، فاشترط أن لا يسبقه بالضالين، حتى يعلم أنه قد وصل الصفّ، فكان مروان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال (^٣) أبو هريرة: «آمين» يمدُّ بها صوته، وقال: إذا وافق تأمينُ أهل الأرض تأمينَ أهل السماء غُفِر لهم.\nوقال عطاء: أدركتُ مائتين من أصحاب رسول الله - ﷺ - في هذا المسجد إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ سُمِعتْ لهم رجَّةٌ بآمين (^٤).\nفردَّ هذا كله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. والذي أُنزِلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوتَه بالتأمين، والذين أُمِروا بها رفعوا به أصواتهم، ولا معارضةَ بين الآية والسنة بوجهٍ ما.\nالمثال الثامن والخمسون: ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، بالمتشابه من قوله: ﴿وَقُومُوا\n_________\n(^١) إلى هنا انتهى كلام الشافعي. وأثر عطاء في إسناده مسلم بن خالد متكلم فيه، ولكنه توبع بعبد الرزاق (٢٦٤٠) وعلقه البخاري بصيغة الجزم (٢/ ٢٦٢ - مع الفتح)، وانظر «تغليق التعليق» (٢/ ٣١٨).\n(^٢) في «السنن الكبرى» (٢/ ٥٨).\n(^٣) ت: «يقول».\n(^٤) رواه البيهقي (٢/ ٥٩).","vol":"3","page":380},{"text":"لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وهذا عجب من العجب، وأعجبُ منه تركها بأن في مصحف عائشة: «وصلاة العصر»، وأعجب منهما تركها (^١) بأن صلاة الظهر تُقام في شدّة الحر، وهي (^٢) في وسط النهار، فأكَّدها الله سبحانه بقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. وأعجب من ذلك تركها بأن المغرب وُسطى بين الثنائية والرباعية؛ فهي أحقُّ بهذا الاسم من غيرها! وأعجب منه تركها بأن صلاة العشاء قبلها صلاة آخر النهار، وبعدها صلاة أول النهار، وهي وسطى بينهما، فهي أحقُّ بهذا الاسم من غيرها. وقول رسول الله - ﷺ - ونصُّه الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا ما دل عليه أولى بالاتباع، والله الموفق.\nالمثال التاسع والخمسون: ترك السنة الصحيحة الصريحة في قول الإمام: «ربنا ولك الحمد»، كما في «الصحيحين» (^٣) من حديث أبي هريرة: [١١٧/ب] كان رسول الله - ﷺ - إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قال: «اللهم ربنا ولك الحمد». وفيهما (^٤) أيضًا عنه: كان رسول الله - ﷺ - يكبّر حين يقوم، ثم يكبّر حين يركع، ثم يقول: «سمع الله لمن حمده»، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: «ربنا ولك الحمد». وفي «صحيح مسلم» عن ابن عمر (^٥) أن النبي - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن\n_________\n(^١) «تركها» ليست في ت.\n(^٢) «وهي» ليست في ت.\n(^٣) رواه البخاري (٧٩٥)، ومسلم (٤٠٩).\n(^٤) رواه البخاري (٧٨٩) ومسلم (٣٩٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) لم أجده عند مسلم من حديث ابن عمر، وإنما هو من حديث عبد الله بن أبي أوفى (٤٧٦).","vol":"3","page":381},{"text":"حمده، اللهمَّ ربنا لك الحمد مِلءَ السماوات ومِلءَ الأرض ومِلءَ ما شئتَ من شيء بعدُ». وعن أبي سعيد أن رسول الله - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات وملءَ الأرض وملءَ ما شئتَ من شيء بعدُ، أهلَ الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد ــ وكلُّنا لك عبد ــ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (^١).\nفرُدَّت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (^٢).\nالمثال الستون: ردُّ السنة الصحيحة المحكمة في إشارة المصلي في التشهد بإصبعه (^٣) كقول ابن عمر: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليمنى (^٤) على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام. رواه مسلم. وعنده أيضًا عنه: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ووضع إصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها (^٥). وعنده أيضًا عن عبد الله بن الزبير: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قعد في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بإصبعه (^٦)، ورواه خُفاف بن\n_________\n(^١) رواه مسلم (٤٧٧).\n(^٢) رواه البخاري (٦٨٩) ومسلم (٤١١) من حديث أنس بن مالك.\n(^٣) ت: «بإصبعه في التشهد».\n(^٤) د: «الأيمن».\n(^٥) الحديثان مخرجان عند مسلم (٥٨٠).\n(^٦) الذي عند مسلم (٥٧٩): «وضع يده على فخذه». ووضع اليدين على الركبتين عند النسائي (١١٦١).","vol":"3","page":382},{"text":"إِيماء بن رَحَضَة (^١) ووائل بن حُجر وعبادة بن الصامت ومالك بن نُمير (^٢) الخزاعي عن أبيه كلُّهم عن النبي - ﷺ - أنه فعل ذلك (^٣).\nوسئل ابن عباس [١١٨/أ] عنه فقال: هو الإخلاص (^٤).\nفردُّوا ذلك كلَّه بحديث لا يصح، وهو ما رواه محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن أبي غطفان المرّي عن أبي هريرة مرفوعًا: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته إشارةً تُفهَم عنه فليعِدْها» (^٥).\n_________\n(^١) كذا ضبطه الحافظ في «الإصابة» (٣/ ٣٠٤). وفي ط: «رخصة» خطأ.\n(^٢) في النسختين د، ت: «بهز» خطأ. والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٣) حديث خُفاف بن إيماء عند أحمد (١٦٥٧٢) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عمران عن مقسم عن رجل من أهل المدينة. وفي إسناده راوٍ لم يسم، وكذلك اضطرب ابن إسحاق فيه سندًا ومتنًا. ورواه أبو يعلى (٩٠٨) من طريق يزيد بن عياض عن عمران عن مقسم عن الحارث. وفي إسناده يزيد بن عياض قال البخاري ومسلم فيه: منكر الحديث. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (١٢/ ٢٦٥).\nأما حديث وائل بن حجر فعند أبي داود (٧٢٦) والنسائي (١٢٦٣) وابن ماجه (٩١٢) وأحمد (١٨٨٥٨)، وصححه ابن خزيمة (٧١٣) وابن حبان (١٩٤٥).\nأما حديث عبادة بن الصامت فعند البيهقي في «مختصر الخلافيات» (٢/ ٩٦).\n\nأما حديث مالك بن نمير فرواه أبو داود (٩٩١) والنسائي (١٢٧٤) وابن ماجه (٩١١)، وفي إسناده مالك بن نمير لايعرف. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (١/ ٣٧١).\n(^٤) رواه عبد الرزاق (٣٢٤٤) وابن أبي شيبة (٨٥١٥)، وروي مرفوعًا عند الحاكم (٤/ ٣٢٠)، وقد حكم الذهبي بنكارته. انظر: «مختصر استدراك الذهبي» (٦/ ٣٠١٧).\n(^٥) رواه أبو داود (٩٤٤) والدارقطني (١٨٦٦، ١٨٦٧).","vol":"3","page":383},{"text":"قال الدارقطني (^١): قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا مجهول، وآخر الحديث زيادة في الحديث، ولعله من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبي - ﷺ - أنه (^٢) كان يشير في الصلاة.\nالمثال الحادي والستون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة في ضَفْر (^٣) رأس المرأة الميتة ثلاثَ ضَفَائر (^٤)، كقوله في «الصحيحين» في غسل ابنته: «اجعلنَ رأسها ثلاثة قرون». قالت أم عطية: ضَفَرنا (^٥) رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها (^٦).\nفردَّ ذلك بأنه يُشبِه زينة الدنيا، وإنما يُرسَل شعرها شُقَّتينِ على ثَديَيْها. وسنة رسول الله - ﷺ - أحقُّ بالإتباع.\nالمثال الثاني والستون: ترك السنة الصحيحة الصريحة التي رواها الجماعة عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: «صليتُ مع رسول الله - ﷺ -، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» (^٧). لم يقل: «على صدره» غير مؤمَّل بن إسماعيل.\n_________\n(^١) في «السنن» (٢/ ٤٥٦) بعد حديث (١٨٦٧)، وكذلك أعلّه أحمد وأبو حاتم. انظر: «مسائل ابن هانئ» (٢/ ١٩١) و«العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ٣٩ - ٤٠).\n(^٢) ت: «والصحيح أن النبي - ﷺ -».\n(^٣) في النسختين د، ت: «ظفر» خطأ.\n(^٤) د، ت: «ظفائر»، خطأ.\n(^٥) د، ت: «ظفرنا».\n(^٦) رواه البخاري (١٢٦٣) ومسلم (٩٣٩) من حديث أم عطية.\n(^٧) رواه ابن خزيمة (٤٧٩) وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٢/ ٢٦٨) والبيهقي (٢/ ٣)، وفي إسناده مؤمل بن إسماعيل متكلم فيه، لكن للحديث متابعات وشواهد يترقى بها. انظر: أصل «صفة الصلاة» (١/ ٢١٥ - ٢١٨).","vol":"3","page":384},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (^١) عنه: أنه رأى النبي - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم كبَّر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده (^٢) اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبَّر فرفع، فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفَّيه». وزاد أحمد وأبو داود: «ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرُّصْغ (^٣) والساعد» (^٤).\nوفي «صحيح البخاري» (^٥) عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: [١١٨/ب] ولا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي - ﷺ -.\nوفي «السنن» عن ابن مسعود أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي - ﷺ - فوضع يده اليمنى على اليسرى (^٦). وقال [علي] (^٧):\n_________\n(^١) رقم (٤٠١).\n(^٢) «يده» ليست في ت.\n(^٣) كذا في النسختين د، ت. وهي لغة في الرسغ معروفة، كما في «لسان العرب» (رصغ) وغيره.\n(^٤) رواه أبو داود (٧٢٧) والنسائي (٨٨٩) وأحمد (١٨٨٧٠) وصححه ابن خزيمة (٤٨٠) وابن حبان (١٨٦٠).\n(^٥) رقم (٧٤٠).\n(^٦) رواه أبو داود (٧٥٥) والنسائي (٨٨٨) وابن ماجه (٨١١)، وصححه النووي في «المجموع» (٣/ ٣١٢)، وحسنه ابن حجر في «الفتح» (٢/ ٢٢٤).\n(^٧) زيادة لازمة، وليست في النسخ.","vol":"3","page":385},{"text":"«من السنة في الصلاة وضع الأكُفّ على الأكُفّ تحت السرّة». رواه أحمد (^١).\nوقال مالك في «موطّئه» (^٢): «وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة»، ثم ذكر حديث سهل بن سعد. وذكر عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنه قال: «من كلام النبوة إذا لم تستحِ فافعلْ ما شئتَ، ووضعُ إحدى اليدين على الأخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور» (^٣).\nوذكر أبو عمر في كتابه (^٤) من حديث الحارث بن غُطَيف أو غُطَيف بن الحارث قال: مهما رأيتُ شيئًا فنسيتُه فإني لم أنسَ أني رأيت رسول الله - ﷺ - واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة (^٥).\nوعن قَبِيصة بن هُلْب (^٦) عن أبيه قال: رأيت النبي - ﷺ - واضعًا يمينه على\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٧٥٦) وأحمد في «مسائله» رواية عبد الله (ص ٧٢) وابنه عبد الله في زوائده على «المسند» (٨٧٥) والدارقطني (١١٠٢) والبيهقي (٢/ ٣١). وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي متكلم فيه، قال النووي في «المجموع» (٣/ ٣١٣): «اتفقوا على تضعيفه» يعني الحديث. انظر: «التنقيح» (٢/ ١٤٧) و«الإرواء» (٢/ ٦٩).\n(^٢) «الموطأ» (١/ ١٥٨).\n(^٣) «الموطأ» (١/ ١٥٨). وفي إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق متكلم فيه. والاستيناء بالسحور أي تأخيره.\n(^٤) «التمهيد» (٢٠/ ٧٣) و«الاستذكار» (٢/ ٢٩٠).\n(^٥) رواه أحمد (٢٢٤٩٧) وابن أبي شيبة (٣٩٥٤).\n(^٦) الاسم غير واضح في د. وفي ت مكانه بياض. والمثبت من «التمهيد».","vol":"3","page":386},{"text":"شماله في الصلاة (^١).\nوقال علي بن أبي طالب: من السنة وضع اليمنى على الشمال في الصلاة (^٢).\nوعنه أيضًا أنه كان إذا قام إلى الصلاة وضع يمينه على رُسْغه، فلا يزال كذلك حتى يركع، إلا أن يُصلِح ثوبه أو يَحُكَّ جسده (^٣).\nوقال علي في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]: إنه وضع اليمين (^٤) على الشمال في الصلاة تحت (^٥) الصدر» (^٦).\nوذكر ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا، ووضع اليمنى على اليسرى (^٧).\n_________\n(^١) رواه الترمذي وحسنه (٢٥٢) وابن ماجه (٨٠٩)، ورواه أحمد (٢١٩٦٧) بزيادة «على صدره». وانظر: أصل «صفة الصلاة» (١/ ٢١٦).\n(^٢) تقدم تخريجه بزيادة: «تحت السرة».\n(^٣) ذكره البخاري (٣/ ٧١ - مع الفتح) معلقًا بصيغة الجزم، ووصله أبو داود مختصرًا (٧٥٧) وابن أبي شيبة بتمامه (٨٨١٤)، وحسنه البيهقي (٢/ ٢٩) وابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٤٤٣).\n(^٤) ت: «اليمنى».\n(^٥) في الروايات: «على صدره». وليس فيها «تحت الصدر».\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة (٣٩٦٢) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٦/ ٤٣٧)، وفي إسناده عقبة بن ظبيان قال عنه أحمد في «العلل» (٢/ ٨٨): «لا أذكره يعني معرفته». ولكن له متابعات وشواهد يحسّن بها. انظر: أصل «صفة الصلاة» (١/ ٢١٧).\n(^٧) رواه ابن أبي شيبة (٣٩٦٧)، وفي إسناده أبو زياد يقول فيه الدارقطني في «سؤالات البرقاني» (٦٠٤): «لا يعرف يترك».","vol":"3","page":387},{"text":"وقال أبو الدرداء: من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة (^١).\nوقال ابن الزبير: صفُّ القدمين ووضع اليد على اليد من السنة (^٢).\nذكر هذه الآثار أبو عمر بأسانيدها، وقال: هي آثار ثابتة، وقال وهب بن بقية: ثنا محمد [١١٩/أ] بن المطّلب عن أبان بن بشير المعلّم ثنا يحيى بن أبي كثير ثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثٌ من النبوة: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة» (^٣).\nوقال سعيد بن منصور: أنا هشيم أنا منصور بن زاذان عن محمد بن أبان الأنصاري عن عائشة قالت: ثلاث من النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (^٤).\nفردَّتْ هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك قال: تركه أحبُّ إليّ. ولا أعلم شيئا قطُّ رُدَّتْ به سواه.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٣٩٥٧).\n(^٢) رواه أبو داود (٧٥٤) والطبراني (٢٩٨)، وفي إسناده زرعة بن عبد الرحمن لم يوثقه إلا ابن حبان، لكن له شواهد تقويه، والأثر صححه الضياء (٢٥٧)، وحسّنه النووي في «خلاصة الأحكام» (١/ ٣٥٧)، وجوّده ابن الملقن في «البدر المنير» (٣/ ٥١٢).\n(^٣) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٠/ ٨٠)، وإسناده ضعيف؛ لجهالة محمد بن المطلب وأبان بن بشير. انظر: «لسان الميزان» (٧/ ٥٠٩، ١/ ٢٢٠).\n(^٤) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» (١٩/ ٢٥١، ٢٠/ ٨٠). وفي إسناده محمد بن أبان، لا يعرف له سماع من عائشة - ﵂ -. انظر: «التاريخ الكبير» (١/ ٣٢).","vol":"3","page":388},{"text":"المثال الثالث والستون: ردّ السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر وأن النبي - ﷺ - كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة (^١)، ثم ينصرف منها والنساء لا يُعرفن من الغَلَس (^٢)، وأن صلاته كانت التغليس حتى توفّاه الله (^٣)، وأنه إنما أسفرَ بها مرةً واحدة (^٤)، وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية (^٥).\nفردَّ (^٦) ذلك بمجمل حديث رافع بن خَديج: «أسْفِروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (^٧). وهذا بعد ثبوته إنما المراد به (^٨) الإسفار بها دوامًا لا ابتداءً، فيدخل (^٩) فيها مغلِّسًا ويخرج منها مُسفِرًا كما كان يفعله - ﷺ -؛ فقوله موافق لفعله لا مناقضٌ له، وكيف يُظنُّ به المواظبة على فعلِ ما الأجرُ الأعظم (^١٠) في خلافه.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٤١) ومسلم (٤٦١) من حديث أبي برزة الأسلمي - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (٣٧٢) ومسلم (٦٤٥) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) رواه أبو داود (٣٩٤)، وصححه ابن خزيمة (٣٥٢) وابن حبان (١٤٤٩)، وحسّنه النووي. انظر: «الإرواء» (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠) و«صحيح أبي داود» - الأم (٢/ ٢٥٠).\n(^٤) تقدم تخريجه في الحديث السابق.\n(^٥) رواه البخاري (٥٧٥) ومسلم (١٠٩٧) من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -.\n(^٦) د: «فردوا».\n(^٧) رواه أبو داود (٤٢٤) والنسائي (٥٤٩) والترمذي وصححه (١٥٤) وأحمد (١٧٢٧٩)، وصححه ابن حبان (١٤٩٠). قال ابن حجر في «الفتح» (٢/ ٥٥): صححه غير واحد. وانظر: «الإرواء» (١/ ٢٨١).\n(^٨) ت: «أن المراد بها».\n(^٩) ت: «فيخرج»، خطأ.\n(^١٠) ت: «أعظم».","vol":"3","page":389},{"text":"المثال الرابع والستون: ردّ السنة الثابتة الصريحة المحكمة في امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق، كما في «صحيح مسلم» (^١) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -: «وقتُ صلاة الظهر ما لم تحضر العصرُ، ووقتُ العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثَوْرُ (^٢) الشفق، ووقت العشاء (^٣) إلى نصف [١١٩/ب] الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس».\nوفي «صحيحه» أيضًا (^٤) عن أبي موسى أن سائلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن المواقيت فذكر الحديث، وفيه: «ثم أمره فأقام المغرب حين وَجَبتِ الشمس، فلما كان في اليوم الثاني قال: ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم قال: الوقت ما بين هذين».\nوهذا متأخر عن حديث جبريل؛ لأنه كان بمكة، وهذا قول وذاك فعل، وهذا يدلّ على الجواز وذاك على الاستحباب، وهذا في «الصحيح» وذاك في «السنن»، وهذا يوافق قوله - ﷺ -: «وقتُ كل صلاةٍ ما لم يدخل وقت التي بعدها» (^٥)، وإنما خُصَّ منه الفجر بالإجماع؛ فما عداها من الصلوات داخل في عمومه، والفعل إنما يدل على الاستحباب فلا يعارض العام ولا الخاص.\n_________\n(^١) رقم (٦١٢).\n(^٢) في النسختين د، ت: «نور». والتصويب من «صحيح مسلم». وثور الشفق: ثورانه وانتشاره.\n(^٣) ت: «صلاة العشاء».\n(^٤) رقم (٦١٤).\n(^٥) رواه مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة - ﵁ - بمعناه.","vol":"3","page":390},{"text":"المثال الخامس والستون: ردُّ السنة الصريحة المحكمة الثابتة في وقت العصر، وأنه إذا صار ظلُّ كل شيء مثله، وأنهم كانوا يصلّونها مع النبي - ﷺ - ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدرَ أربعة أميال والشمس مرتفعة (^١)، وقال أنس: صلّى لنا (^٢) رسول الله - ﷺ - العصر، فأتاه رجل من بني سَلِمَة فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جَزورًا لنا، وإنا نحبُّ أن تحضرها، قال: «نعم»، فانطلق وانطلقنا معه، فوجد الجَزور لم تُنْحَر، فنُحِرت ثم قُطِّعت ثم طُبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس» (^٣). ومحالٌ أن يكون هذا بعد المثلين. وفي «صحيح مسلم» (^٤) عنه: «وقتُ صلاة الظهر ما لم تحضر العصر». ولا معارضَ لهذه السنن، لا في الصحة ولا في الصراحة والبيان.\nفردَّتْ بالمجمل من قوله - ﷺ -: «مثلكم ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أُجراءَ فقال: من يعمل لي إلى نصف [١٢٠/أ] النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي على قيراطينِ قيراطينِ، فعملتم أنتم (^٥)، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقلُّ أجرًا، فقال: هل ظلمتُكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أُوتيه من أشاء» (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٥٠) ومسلم (٦٢١) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٢) كذا في د، ت. وهو موافق لما في «صحيح مسلم». وفي ط: «بنا».\n(^٣) رواه مسلم (٦٢٤).\n(^٤) رواه مسلم (٦١٢).\n(^٥) «أنتم» ليست في ت.\n(^٦) رواه البخاري (٢٢٦٨) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"3","page":391},{"text":"ويا لله العجب! أيُّ دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظلُّ مثلين بنوعٍ من أنواع الدلالة؟ وإنما يدلُّ على أن (^١) من صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصرُ من نصف النهار إلى وقت العصر، وهذا لا ريبَ فيه.\n\nالمثال السادس والستون (^٢): ردّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في المنع من تخليل الخمر، كما في «صحيح مسلم» (^٣) عن أنس: سئل رسول الله - ﷺ - عن الخمر تُتَّخذ خلًّا، قال: «لا».\nوفي «المسند» (^٤) وغيره من حديث أنس قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - وفي حِجْره يتيم، وكان عنده خمر حين حُرِّمت الخمر، فقال: يا رسول الله أصنعُها خلًّا؟ قال: «لا»، فصَبَّها حتى سال الوادي.\nوقال أحمد (^٥): ثنا وكيع ثنا سفيان عن السدّي (^٦) عن أبي هريرة عن أنس: أن أبا طلحة سأل النبي - ﷺ - عن أيتامٍ ورِثُوا خمرًا، فقال: «أهرِقْها»، قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا».\n_________\n(^١) «أن» ساقطة من ت.\n(^٢) بياض في ت مكان العدد.\n(^٣) رقم (١٩٨٣).\n(^٤) لم أجده في «المسند». ورواه أبو عوانة (٧٩٧٦) والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٣٣٣٥) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٧). وفي إسناده أبو حذيفة موسى بن مسعود متكلم فيه، وللحديث طرق يصحح بها، انظر ما بعده.\n(^٥) رواه أحمد (١٢١٨٩) وأبو داود (٣٦٧٥) والترمذي وصححه (١٢٩٤).\n(^٦) ت: «السري» تصحيف.","vol":"3","page":392},{"text":"وروى الحاكم والبيهقي (^١) من حديث أنس أيضًا قال: كان في حِجْر أبي طلحة يتامى، فاشترى لهم خمرًا، فلما أنزل الله تحريم الخمر أتى النبي - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال: أجعلُه خلًّا؟ قال: «لا» (^٢)، فأَهراقَه.\nوفي الباب عن أبي الزبير (^٣) عن جابر (^٤)، وصحَّ ذلك عن عمر بن الخطاب (^٥)، ولا يُعلم له في الصحابة مخالف.\nفرُدَّتْ بحديث مجمل لا يثبت، وهو ما رواه الفرج بن فَضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم سلمة أنها كانت لها شاة تَحلُبها (^٦)، ففقدَها النبي - ﷺ -، فقال: «ما فعلتْ شاتُك؟» فقلت: ماتت، قال: «أفلا انتفعتم بإهابها؟» قلت: إنها ميتة، قال: «فإن (^٧) [١٢٠/ب] دِباغَها يُحِلّ كما يُحِلُّ الخلُّ الخمرَ» (^٨).\n_________\n(^١) لم أجده في «المستدرك». وأخرجه أحمد (١٣٧٣٣) والدارمي (٢١٦١) والبزار (٧٠٠٨) والبيهقي (٦/ ٣٧).\n(^٢) ت: «له».\n(^٣) ت: «أبي هريرة»، تحريف.\n(^٤) رواه البيهقي (٦/ ٣٧)، وفي إسناده أبو جناب ضعيف ويدلس. انظر: «تهذيب الكمال» (٣١/ ٢٨٤) ترجمة (٦٨١٧).\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٧١١١).\n(^٦) في النسختين د، ت: «تحملها». والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٧) ت: «إن».\n(^٨) رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٤١٧) والدارقطني (١٢٥)، وأعله الدارقطني بتفرد الفرج بن فضالة وضعفه، ونقل البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٨/ ٢٢٦) تضعيفه عن سائر أهل العلم بالحديث.","vol":"3","page":393},{"text":"قال الحاكم (^١): تفرَّد به الفرج بن فضالة عن يحيى، والفرج ممن لا يُحتجّ بحديثه، ولم يصحَّ تحليل خلّ الخمر من وجهٍ. وقد فسَّره راويه (^٢) الفرج فقال: يعني أن الخمر إذا تغيّرت فصارت خلًّا حلَّت. فعلى هذا التفسير الذي فسَّره راوي الحديث يرتفع الخلاف.\nوقد قال الدارقطني (^٣): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث عن فَرَج بن فَضالة، ويقول: حدَّث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة. وقال البخاري: الفرج بن فضالة منكر الحديث (^٤).\nوردَّتْ بحديث واهٍ من رواية مغيرة بن زياد (^٥) عن أبي الزبير عن جابر يرفعه: «خيرُ خلِّكم خلُّ خمرِكم» (^٦). ومغيرة هذا يقال له أبو هشام المكفوف صاحب مناكير عندهم، ويقال: إنه حدث عن عطاء بن أبي رباح وأبي الزبير بجملة من المناكير، وقد حدّث عن عبادة بن نُسَي بحديث غريب موضوع (^٧)، فكيف يُعارَض بمثل هذه الرواية الأحاديث الصحيحة\n_________\n(^١) نقله البيهقي عن الحاكم، انظر «مختصر الخلافيات» (٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣).\n(^٢) ت: «روايه».\n(^٣) في «مختصر الخلافيات» (٣/ ٣٧٣) عزاه إلى عمرو بن علي الفلاس. وانظر: «الجرح والتعديل» (٧/ ٨٦) و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (٤٨/ ٢٦٣).\n(^٤) انظر هذه الأقوال في: «الجرح والتعديل» (٧/ ٨٦) و«التاريخ الكبير» (٧/ ١٣٤).\n(^٥) ت: «زيادة».\n(^٦) رواه البيهقي (٦/ ٣٨)، ونقل عن الحاكم: «هذا حديث واهٍ، والمغيرة بن زياد صاحب مناكير». وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٨٥) و«السلسلة الضعيفة» (١١٩٩).\n(^٧) هذا الكلام للحاكم موجود في «تاريخ دمشق» (١٣/ ٦٠)، وتعقبه المزي في «تهذيب الكمال» (٢٨/ ٣٦٣) قائلًا: وفي هذا القول نظر، فإن جماعة من أهل العلم قد وثقوه كما تقدم، ولا نعلم أحدًا منهم قال إنه متروك الحديث، ولعله اشتبه عليه بغيره، فإن أصرم بن حوشب يكنى أبا هشام أيضًا، وهو من الضعفاء المتروكين، فلعله اشتبه عليه به، والله أعلم.","vol":"3","page":394},{"text":"المحفوظة عن رسول الله - ﷺ - في النهي عن تخليل الخمر؟ ولم يزل أهل مدينة رسول الله - ﷺ - ينكرون ذلك.\nقال الحاكم (^١): سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحِيري يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: قدمتُ المدينة أيام مالك، فتقدَّمتُ إلى فامِيٍّ (^٢) فقلت: عندك خلُّ خمر؟ فقال: سبحان الله! في حرم رسول الله - ﷺ -؟ قال: ثم قدمتُ بعد موت مالك، فذكرت ذلك لهم، فلم ينكر عليّ.\nوأما ما روي عن علي - ﵁ - من اصطباغه بخلِّ الخمر، وعن عائشة أنه لا بأس به (^٣)؛ فهو خلُّ الخمر الذي تخلّلْت بنفسها لا باتخاذها.\nالمثال السابع والستون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة في تسبيح المصلّي إذا نابه شيء في صلاته، كما في «الصحيحين» (^٤) من حديث أبي\n_________\n(^١) رواه البيهقي في «مختصر الخلافيات» (٣/ ٣٧٤) عن الحاكم، ورواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٩).\n(^٢) د: «قاض». ت: «قاص». وكلاهما تحريف. والتصويب من «حلية الأولياء» (٦/ ٣١٩) و«مختصر الخلافيات» (٣/ ٣٧٤). والفامي: بائع الحنطة والحمّص.\n(^٣) أثر علي عند عبد الرزاق (١٧١٠٧)، وأثر عائشة عند ابن أبي شيبة (٢٤٥٦٩).\n(^٤) رواه البخاري (١٢٠٣) ومسلم (٤٢٢).","vol":"3","page":395},{"text":"سلمة عن أبي هريرة [١٢١/أ] عن النبي - ﷺ - قال: «التسبيح في الصلاة للرجال، والتصفيق للنساء». وفي «الصحيحين» (^١) أيضًا عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي - ﷺ - ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فذكر الحديث وقال في آخره: فقال رسول الله - ﷺ -: «مالي أراكم أكثرتم التصفيقَ؟ مَن نابَه شيء في صلاته فليسبِّح؛ فإنه إذا سبَّح التفتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء». وذكر البيهقي (^٢) من حديث إبراهيم بن طهمان عن الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا استُؤذِن على الرجل وهو يصلِّي فإذنه التسبيح، وإذا استُؤذِن على المرأة وهي تصلِّي فإذنها التصفيق». قال البيهقي: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات (^٣).\nفردَّت هذه السنن بأنها معارضة لأحاديث تحريم الكلام في الصلاة، وقد تعارض مبيح وحاظر (^٤)، فيقدَّم الحاظر. والصواب أنه لا تعارضَ بين سنن رسول الله - ﷺ - بوجه، وكلٌّ منها له وجه، والذي حرَّم الكلام في الصلاة ومنعَ منه هو الذي شرع (^٥) التسبيح المذكور، وتحريم الكلام كان قبل الهجرة، وأحاديث التسبيح بعد ذلك؛ فدعوى نسخها بأحاديث تحريم الكلام محال. ولا تعارضَ بينهما بوجهٍ ما؛ فإن «سبحان الله» ليس من الكلام الذي مُنِع منه المصلّي، بل هو مما أُمر به أمرَ إيجاب أو استحباب (^٦)،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٨٤) ومسلم (٤٢١).\n(^٢) في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٤٧). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٤٩٧).\n(^٣) «مختصر الخلافيات» (٢/ ١٥١).\n(^٤) د: «حاظر ومبيح».\n(^٥) د: «تشرع».\n(^٦) ت: «واستحباب».","vol":"3","page":396},{"text":"فكيف يُسوَّى بين المأمور والمحظور؟ وهل هذا إلا من أفسدِ قياسٍ واعتبار؟\nالمثال الثامن والستون: ردُّ السنة الثابتة في إثبات سجدات المفصَّل، والسجدة الأخيرة من سورة (^١) الحج، كما روى أبو داود في «السنن» (^٢): حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي ثنا ابن أبي مريم أنا نافع بن يزيد عن الحارث بن سعيد العُتَقِي عن عبد الله بن مُنَين (^٣) عن عمرو بن العاص: أن النبي - ﷺ - أقرأه خمسَ عشرة سجدةً في القرآن، منها ثلاثة في المفصّل، [١٢١/ب] وفي سورة (^٤) الحج سجدتان».\nتابعه محمد بن إسماعيل السلمي عن سعيد بن أبي مريم، وقال ابن وهب: أخبرنا ابن لهيعة عن مِشْرَح بن هَاعَان (^٥) عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فُضِّلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجد فيهما فلا يقرأهما» (^٦).\n_________\n(^١) «سورة» ليست في د.\n(^٢) رقم (١٤٠١). ورواه أيضًا ابن ماجه (١٠٥٧). وفي إسناده الحارث بن سعيد لا يعرف حاله، وعبد الله بن منين متكلم فيه، والحديث ضعفه عبد الحق الإشبيلي وابن القطان. انظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ١٨) و«ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٧٢).\n(^٣) في النسختين د، ت: «منير» تحريف. والتصويب من مصادر التخريج. وانظر: «التقريب».\n(^٤) «سورة» ليست في ت.\n(^٥) ت: «عاهان»، تحريف.\n(^٦) رواه أبو داود (١٤٠٢) والترمذي (٥٧٨) وأحمد (١٧٣٦٤). وفي إسناده ابن لهيعة، فإن تلميذه لم يثبت أخذه عنه قبل الاختلاط، وللشطر الأول من الحديث متابعات وشواهد تقويه. انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٥/ ١٤٥).","vol":"3","page":397},{"text":"وحديث ابن لهيعة يُحتجُّ منه بما رواه عنه العبادلة، كعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ. قال أبو زرعة: كان ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله. وقال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك والمقرئ أصحُّ ممن كتب عنه بعد احتراقها. وقال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقًا. وقد انتقى النسائي هذا الحديث من جملة حديثه، وأخرجه، واعتمده، وقال: ما أخرجتُ من حديث ابن لهيعة قطُّ إلا حديثًا واحدًا أخبرناه هلال بن العلاء ثنا معافى بن سليمان عن موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن ابن لهيعة، فذكره. وقال ابن وهب: حدثني الصادق البارُّ واللهِ عبد الله بن لهيعة. وقال الإمام أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه (^١) وإتقانه؟ وقال ابن عيينة: كان عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة. وقال أحمد بن صالح الحافظ: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلَّابًا للعلم. وقال ابن حبان: كان صالحًا لكنه يدلِّس عن الضعفاء، ثم احترقت (^٢) كتبه، وكان أصحابنا (^٣) يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة ابن وهب وابن المبارك والمقرئ والقعنبي فسماعهم صحيح (^٤).\n_________\n(^١) «وضبطه» ليست في ت.\n(^٢) ت: «اخروقت» تحريف.\n(^٣) ت: «صحابيًا» تحريف.\n(^٤) انظر هذه الأقوال في: «الجرح والتعديل» (٥/ ١٤٧) و«الضعفاء» لابن الجوزي (٢/ ١٣٦) و«الكامل» لابن عدي (٥/ ٢٣٩) و«تاريخ ابن يونس» (١/ ٢٨٢) و«المجروحين» لابن حبان (٢/ ١١).","vol":"3","page":398},{"text":"وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي - ﷺ - في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] (^١)، وصح عنه - ﷺ - أنه سجد [١٢٢/أ] في النجم، ذكره البخاري (^٢).\nفرُدَّت هذه السنن برأي فاسد وحديث ضعيف:\nأما الرأي فهو أن آخر الحج السجود فيها سجود الصلاة لاقترانه بالركوع، بخلاف الأولى؛ فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع، ولهذا لم يكن قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] من مواضع السجدات بالاتفاق.\nوأما الحديث الضعيف فإنه رواه أبو داود (^٣): ثنا محمد بن رافع ثنا أزهر بن القاسم ثنا أبو قدامة عن مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - لم يسجد في شيء من المفصّل (^٤) منذ تحوَّل إلى المدينة.\nفأما الرأي فيدلُّ على فساده وجوه:\n_________\n(^١) رواه مسلم (٥٧٨).\n(^٢) رواه البخاري (١٠٦٧) ومسلم (٥٧٦) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٣) في «السنن» (١٤٠٣)، ورواه أيضًا الطبراني (١١٩٢٤). وفي إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد ومطر الوراق متكلم فيهما، والحديث ضعفه ابن حجر في «الفتح» (٢/ ٥٥٥). وانظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٧٥).\n(^٤) د: «الفصل».","vol":"3","page":399},{"text":"منها: أنه مردود بالنص.\nومنها: أن اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا يخرجه عن كونه سجودًا (^١)، وقد صحّ سجوده - ﷺ - في النجم، وقد قرن السجود فيها بالعبادة كما قرنه بالعبادة في سورة الحج، والركوع لم يزِدْه إلا تأكيدًا.\nومنها: أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولة لسجود الصلاة؛ فإن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] يدخل فيه سجود المصلّين قطعًا، وكيف لا وهو أجلُّ السجود وأفرضه؟ وكيف لا يدخل في قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وفي قوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقد قال قبلُ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] ثم قال: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، فأمره بأن (^٢) يفعل هذا الذي نهاه عنه عدوُّ الله، فإرادة سجود الصلاة بآية السجدة لا تمنع (^٣) كونها سجدة، بل تؤكِّدها وتقويها.\nيوضِّحه أن مواضع السجدات في القرآن نوعان: إخبار وأمر؛ فالإخبار خبر من الله تعالى عن سجود مخلوقاته له عمومًا أو خصوصًا، فسنَّ للتالي والسامع (^٤)\n_________\n(^١) ت: «سجدة». وبعدها في ط وليست في النسخ: «كما أن اقترانه بالعبادة التي هي أعم من الركوع لا يخرجه عن كونه سجدة».\n(^٢) ت: «أن».\n(^٣) ت: «لا يمتنع».\n(^٤) ت: «والمستمع».","vol":"3","page":400},{"text":"وجوبًا أو استحبابًا أن (^١) يتشبه بهم عند تلاوة السجدة أو سماعها، وآيات الأوامر بطريق [١٢٢/ب] الأولى. وهذا لا فرقَ فيه بين أمر وأمر، فكيف يكون الأمر بقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ مقتضيًا للسجود دون الأمر بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]؟ فالساجد إما متشبه بمن أُخبِر عنه، أو ممتثل لما أُمِر به، وعلى التقديرين يُسَنُّ له السجود في آخر الحج كما يُسَنُّ له في أولها؛ فكما سوَّت السنةُ بينهما سوَّى القياسُ الصحيح والاعتبار الحق بينهما. وهذا السجود شرعه الله ورسوله عبوديةً عند تلاوة هذه الآيات واستماعها، وقربةً إليه، وخضوعًا لعظمته، وتذللًا بين يديه، واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكّد ذلك، ويقوّيه، لا يضعفه ويُوهِيه، والله المستعان.\nوأما قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ فإنما لم يكن موضع سجدة؛ لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة بعينها أن تُدِيم العبادة لربها بالقنوت وتصلِّي له بالركوع والسجود؛ فهو خبر عن قول الملائكة لها ذلك، وإعلامٌ من الله لنا أن الملائكة قالت ذلك لمريم. فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات.\nوأما الحديث الضعيف فإنه من رواية أبي قدامة، واسمه الحارث بن (^٢) عبيد قال الإمام أحمد: هو مضطرب الحديث، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الأزدي: ضعيف، وقال ابن حبان: لا\n_________\n(^١) ت: «بأن».\n(^٢) «الحارث بن» ساقطة من ت.","vol":"3","page":401},{"text":"يحتجُّ به إذا انفرد (^١). قلت: وقد أُنكِر عليه هذا الحديث وهو موضع الإنكار؛ فإن أبا هريرة شهد سجوده - ﷺ - في المفصّل في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. ذكره مسلم في «صحيحه» (^٢)، وسجد معه. حتى لو صح خبر أبي قدامة هذا لوجب تقديم خبر أبي هريرة عليه؛ لأنه مُثبِت فمعه زيادة علم، والله أعلم.\n\nالمثال التاسع والستون: [١٢٣/أ] ردُّ السنن الثابتة الصحيحة في سجود الشكر، كحديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - خرج نحو صَدَقتِه، فخرَّ ساجدًا فأطال السجود، ثم قال: «إن جبريل أتاني وبشّرني فقال: إن الله ﷿ يقول لك: من صلَّى عليك صلّيتُ عليه، ومن سلَّم عليك سلّمتُ عليه، فسجدتُ لله شكرًا» (^٣).\nوكحديث سعد بن أبي وقاص في سجوده - ﷺ - شكرًا لربه لما أعطاه ثُلثَ أمته، ثم سجد ثانيةً فأعطاه الثلث الآخر، ثم ثالثةً فأعطاه الثلث الباقي (^٤).\n_________\n(^١) انظر هذه الأقوال في: «العلل» للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٣/ ٢٧) و«الكامل» لابن عدي (٢/ ٤٥٥) و«الضعفاء» للنسائي (ص ٢٩) و«التنقيح» لابن عبد الهادي (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦) و«المجروحين» لابن حبان (١/ ٢٢٤).\n(^٢) رقم (٥٧٨).\n(^٣) رواه أحمد (١٦٦٤) والحاكم (١/ ٥٥٠) والضياء المقدسي (٩٢٦)، وفي إسناده عبد الواحد بن محمد لم يوثقه إلا ابن حبان، والاختلاف على عمرو بن أبي عمر، وللحديث طريق آخر يرتقي به إلى الحسن. انظر: «الإرواء» (٢/ ٢٢٨).\n(^٤) رواه أبو داود (٢٧٧٥) والبيهقي (٢/ ٣٧٠)، وإسناده ضعيف؛ لجهالة يحيى بن الحسن بن عثمان، وشيخه الأشعث. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٣٦٣) و«الضعيفة» (٣٢٣٠).","vol":"3","page":402},{"text":"وكحديث أبي بكرة: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جاءه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا شكرًا (^١) لله ﷿، وأتاه بشيرٌ يبشِّره بظَفَر جندٍ له على عدوهم، فقام وخرَّ ساجدًا (^٢).\nوسجد كعب بن مالك لما بُشِّر بتوبة الله عليه (^٣)، وسجد أبو بكر - ﵁ - حين جاءه قتل مسيلمة (^٤)، وسجد علي - ﵁ - حين وُجِد ذو الثُّدَيَّة (^٥) في الخوارج الذين قتلهم (^٦).\nولا أعلم شيئًا يدفع هذه السنن والآثار مع صحتها وكثرتها غير رأي فاسد، وهو أن نعم الله سبحانه لا تزال واصلةً إلى عبده، فلا معنى لتخصيص بعضها بالسجود.\n_________\n(^١) «شكرًا» ليست في ت.\n(^٢) رواه أبو داود (٢٧٧٤) والترمذي (١٥٧٨) وابن ماجه (١٣٩٤) وأحمد (٢٠٤٥٥)، والحاكم (١/ ٢٧٦). وفي إسناده بكار بن عبد العزيز متكلم فيه. وانظر: «الضعيفة» (٤٣٦).\n(^٣) رواه البخاري (٤٤١٨) ومسلم (٢٧٦٩).\n(^٤) رواه عبد الرزاق (٥٩٦٣) من طريق مسعر عن أبي عون، وإسناده منقطع. ورواه ابن أبي شيبة (٣٣٥١٢) والبيهقي (٢/ ٣٧١) من طريق مسعر عن أبي عون عن رجل، ولم يسم، والأثر ضعفه الألباني في «الإرواء» (٢/ ٢٣٠).\n(^٥) د: «ذا الثدية».\n(^٦) رواه أحمد (٨٤٨)، وفي إسناده طارق بن زياد لم يوثقه إلا ابن حبان، ولكن له متابعان يحسن بهما الأثر. انظر: «الإرواء» (٢/ ٢٣٠).","vol":"3","page":403},{"text":"وهذا من أفسدِ رأيٍ وأبطلِه؛ فإن النعم نوعان: مستمرة ومتجددة، فالمستمرة شكرُها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شُرِع لها سجود الشكر؛ شكرًا لله عليها، وخضوعًا له وذلًّا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها؛ فإن الله لا يحبُّ الفَرِحين ولا الأَشِرين؛ فكان دواء هذا الداء الخضوع والذلّ والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره.\nونظير هذا السجودُ عند الآيات التي يخوِّف الله بها عباده، كما في الحديث: «إذا رأيتم آية (^١) فاسجدوا» (^٢). وقد فَزِع النبي - ﷺ - عند رؤية انكساف [١٢٣/ب] الشمس إلى الصلاة، وأمر بالفَزَع إلى ذكره (^٣)، ومعلوم أن آياته سبحانه لم تزل مُشاهَدةً معلومةً بالحسّ والعقل، ولكن تجدُّدها يُحدِث للنفوس من الرهبة (^٤) والفزع إلى الله (^٥) ما لا تُحدِثه الآيات المستمرة، فتجدُّد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتجدُّد تلك الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلاة.\nولهذا لما بلغ فقيهَ الأمة وترجمانَ القرآن عبد الله بن عباس موتُ ميمونة زوج النبي - ﷺ - خرَّ ساجدًا، فقيل له: أتسجد لذلك؟ فقال: قال رسول\n_________\n(^١) «آية» ليست في ت.\n(^٢) سيأتي تخريجه بعد حديث.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) ت: «الربنه»!\n(^٥) ت: «الآية».","vol":"3","page":404},{"text":"الله - ﷺ -: «إذا رأيتم آية فاسجدوا»، وأيُّ آيةٍ أعظمُ من ذهاب أزواج النبي (^١) - ﷺ - من بين أظهرنا؟ (^٢) فلو لم تأتِ النصوص بالسجود عند تجدُّد النعم لكان هو محض القياس، ومقتضى عبودية الرغبة، كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة، وقد أثنى الله سبحانه (^٣) على الذين يسارعون في الخيرات ويدعونه رَغبًا ورهبًا.\nولهذا فرق الفقهاء بين صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء بأن (^٤) هذه صلاة رهبةٍ وهذه صلاة رغبةٍ، فصلوات الله وسلامه على من جاءت سنته وشريعته بأكملِ ما جاءت به شرائع الرسل وسننُهم.\nالمثال السبعون: ردُّ السنة الثابتة الصحيحة بجواز ركوب المرتهن للدابة المرهونة وشُربه لبنَها بنفقته عليها، كما روى البخاري في «صحيحه» (^٥): ثنا محمد بن مقاتل أنا عبد الله أنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الرَّهن يُركَب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشرَب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقةُ». وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها، ولا أصلح للراهنين منه، وما عداه ففسادٌ ظاهر؛ فإن الراهن قد يغيب [١٢٤/أ] ويتعذَّر على المرتهن مطالبته\n_________\n(^١) د: «رسول الله».\n(^٢) رواه أبو داود (١١٩٧) والترمذي وحسنه (٣٨٩١)، والضياء المقدسي (٣٢٣)، وحسنه البغوي (١١٥٦). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٤/ ٣٥٧).\n(^٣) في سورة الأنبياء: ٩٠.\n(^٤) في النسختين د، ت: «فإن».\n(^٥) رقم (٢٥١٢).","vol":"3","page":405},{"text":"بالنفقة التي تحفظ الرهن، ويشقُّ (^١) عليه أو يتعذّر رفعُه إلى الحاكم وإثباتُ الرهن وإثباتُ غيبة الراهن وإثباتُ أن (^٢) قدر نفقته عليه هي قدر حلبه وركوبه وطلبُه منه الحكمَ له بذلك، وفي هذا من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة؛ فشرع الشارع الحكيم القيِّم بمصالح العباد للمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته، وهذا محض القياس لو لم تأتِ به السنة الصحيحة، وهو يخرج على أصلين:\nأحدهما: أنه إذا أنفق على الرهن صارت النفقة دينًا على الراهن؛ لأنه واجب أدَّاه عنه، ويتعسَّر عليه الإشهاد على ذلك كلَّ وقت واستئذان الحاكم، فجوَّز له الشارع استيفاء دينه من ظَهر الرهن ودَرِّه، وهذا مصلحة محضة لهما، وهي بلا شك أولى من تعطيل منفعة ظَهْرِه وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان ويُفسِده حيث يتعذّر الرفع إلى الحاكم، لا سيما ورَهْن الشاءِ ونحوها إنما يقع غالبًا بين أهل البوادي حيث لا حاكم، ولو (^٣) كان فلم يولِّ الله ولا رسوله الحاكمَ هذا الأمر.\nالأصل الثاني: أن ذلك معاوضة في غَيبة أحد المعاوضين للحاجة والمصلحة الراجحة، وذلك أولى من الأخذ بالشفعة بغير رضا المشتري، لأن الضرر في ترك هذه المعاوضة أعظم من الضرر في ترك الأخذ بالشفعة. وأيضًا فإن المرتهن يريد حفظ الوثيقة لئلّا يذهب ماله، وذلك إنما يحصل ببقاء الحيوان، والطريق إلى ذلك إما النفقةُ عليه، وذلك مأذون فيه عرفًا كما\n_________\n(^١) د: «ويشتطّ».\n(^٢) «أن» ليست في ت.\n(^٣) ت: «فلو».","vol":"3","page":406},{"text":"هو مأذون فيه شرعًا.\nوقد أُجرِي العرفُ مُجرَى النطق في أكثر من مائة موضع:\nمنها: نقد البلد في المعاملات، وتقديم الطعام إلى الضيف، وجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره، والشرب من خوابي [١٢٤/ب] السيل (^١) ومصانعه في الطرق، ودخول الحمّام وإن لم يعقد عقد الإجارة مع الحمَّامي لفظًا (^٢)، وضرب الدابة المستأجَرة إذا حَرَنَتْ في السير، وإيداعها في الخان إذا قَدِمَ بلدة أو ذهب في حاجة، ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها (^٣) إليه من امرأة أو خادم أو ولد، وتوكيل الوكيل لما لا يباشِر مثلَه بنفسه، وجواز التخلّي في دار من أذن له بالدخول إلى داره والشرب من مائه والاتكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق، وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه وأضيافه في الدخول والمبيت والثَّواء (^٤) عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمَّنهم عقد الإجارة لفظًا اعتمادًا على الإذن العرفي، وغَسْل القميص الذي استأجره للُّبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل. ولو وكَّل غائبًا أو حاضرًا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك. ولو اجتاز بحرثِ غيره في الطريق ودَعَتْه الحاجة إلى التخلِّي فيه فله ذلك إذا لم يجد موضعًا سواه، إما لضيقِ الطريق أو لتتابع المارِّين فيها، فكيف بالصلاة فيه والتيمم بترابه؟\n_________\n(^١) د: «السبيل».\n(^٢) ت: «لفظًا مع الحمامي».\n(^٣) د: «بدفع الوديعة».\n(^٤) ت: «والتبوأ».","vol":"3","page":407},{"text":"ومنها: ما لو رأى شاة غيره (^١) تموت فذبحها حفظًا لماليتها عليه كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعًا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ويقول: هذا تصرُّفٌ في ملك الغير، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حُرِّم لما فيه من الإضرار به، وتركُ التصرُّف ها هنا هو الإضرار.\nومنها: لو استأجر غلامًا فوقعت الأَكِلَةُ (^٢) في طَرَفه فتيقَّن أنه إن لم يقطعه سرتْ إلى نفسه فمات، جاز له قطعُه ولا ضمانَ عليه.\nومنها: لو رأى السيل يمرُّ بدار جاره فبادر ونقبَ حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه جاز ذلك، ولم يَضمَن نَقْبَ الحائط.\nومنها: لو قصد العدو مالَ جاره فصالحه ببعضه [١٢٥/أ] دفعًا عن بقيته (^٣) جاز، ولم يَضْمَن ما دفعه إليه (^٤).\nومنها: لو وقعت النار في دار جاره فهدم جانبًا منها على النار لئلا تَسْرِي إلى بقيتها لم يَضْمَن.\nومنها: لو باعه صُبْرةً عظيمة (^٥) أو حطبًا أو حجارةً ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه من الدوابّ والرجال ما ينقلها به، وإن لم يأذن له في ذلك لفظًا.\n_________\n(^١) «غيره» ليست في د.\n(^٢) داء في العضو يأتكل منه.\n(^٣) د: «نفسه» تحريف.\n(^٤) هذه الفقرة ساقطة من ت.\n(^٥) ت: «صبرة طعام».","vol":"3","page":408},{"text":"ومنها: لو جَدَّ (^١) ثماره أو حصدَ زرعه ثم بقي من ذلك ما يُرغَب عنه عادةً جاز لغيره التقاطُه وأخذه، وإن لم يأذن فيه لفظًا.\nومنها: لو وجد هَدْيًا مُشْعَرًا منحورًا ليس عنده أحد جاز له (^٢) أن يقتطع ويأكل منه.\nومنها: لو أتى إلى دار رجل جاز له طَرْقُ حلقة الباب عليه، وإن كان تصرفًا (^٣) في بابه لم يأذن له فيه لفظًا.\nومنها: الاستناد إلى جداره (^٤) والاستظلال به.\nومنها: الاستمداد من مِحْبرته، وقد أنكر أحمد على من استأذنه في ذلك.\nوهذا أكثر من أن نحصره، وعليه يُخرَّج حديث عروة بن الجعد البارقي حيث أعطاه النبي - ﷺ - دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى شاتين بدينار، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بالدينار والشاة الأخرى (^٥)، فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي اعتمادًا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع، ولا إشكالَ بحمد الله في هذا الحديث بوجهٍ ما، وإنما الإشكال في استشكاله؛ فإنه جارٍ على محض القواعد كما عرفته.\n_________\n(^١) ت: «حذ».\n(^٢) «له» ليست في ت.\n(^٣) ت: «تصرف».\n(^٤) ت: «داره».\n(^٥) رواه البخاري (٣٦٤٢).","vol":"3","page":409},{"text":"فصل\nومن هذا: الشرط العرفي كاللفظي، وذلك كوجوب نقد البلد عند (^١) الإطلاق، ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظًا فانصرف العقد بإطلاقه إليه وإن لم يقتضِه (^٢) لفظه.\nومنها: السلامة من العيوب حتى سُوِّغ له الرد بوجود العيب تنزيلًا لاشتراط سلامة المبيع عرفًا منزلةَ اشتراطها لفظًا.\nومنها: وجوب وفاء المُسْلَم (^٣) فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظًا بناء على الشرط [١٢٥/ب] العرفي.\nومنها: لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل أو يَخِيط بالأجرة، أو عجينَه لمن يخبزه (^٤)، أو لحمًا لمن يطبخه، أو حبًّا لمن يطحَنُه، أو متاعًا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصبَ نفسه للأجرة على ذلك وجب له أجرة مثله، وإن لم يشترط معه ذلك لفظًا عند جمهور أهل العلم، حتى عند المنكرين لذلك؛ فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العملُ إلا به.\nبل ليس يقف الإذنُ فيما يفعله الواحد من هؤلاء وغيرهم على صاحب المال خاصة؛ لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا جاز\n_________\n(^١) ت: «على».\n(^٢) ت: «لم يقتضيه».\n(^٣) ت: «السلم».\n(^٤) ت: «يخبزها».","vol":"3","page":410},{"text":"لأحدهم ضمُّ اللقطة وردُّ الآبق وحفظ الضالَّة، حتى إنه يَحْسِب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة ويُنزِّل إنفاقَه عليها منزلةَ إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظًا لمال أخيه وإحسانًا إليه؛ فلو علم المتصرِّف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلًا في حكم الشرع لما أقدمَ على ذلك، ولضاعت مصالح الناس، ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضا، وتعطَّلت حقوق كثيرة، وفسدت أموال عظيمة. ومعلومٌ أن شريعة من بَهَرت العقولَ شريعتُه وفاقت كلَّ شريعة واشتملت على كل مصلحة وعطَّلت كل مفسدة تأبى ذلك كلَّ الإباء.\nوأين هذا من إجازة أبي حنيفة تصرُّف الفضولي ووقفَ العقود تحصيلًا لمصلحة المالك، ومَنْعِ المرتهن من الركوب والحلب بنفقته؟ فيا لله العجب! يكون هذا الإحسان للراهن وللحيوان ولنفسه بحفظ الرهن حرامًا لا اعتبارَ به شرعًا مع إذن الشارع فيه لفظًا وإذن المالك عرفًا، وتصرُّف الفضولي معتبرًا مرتَّبًا عليه حكمه! هذا، ومن المعلوم أنّا في إبراء الذِّمم أحوجُ منا إلى العقود على أولاد الناس وبناتهم وإمائهم [١٢٦/أ] وعبيدهم ودورهم وأموالهم؛ فالمرتهن محسن بإبراء ذمة المالك من الإنفاق على الحيوان، مؤدٍّ لحقّ الله فيه ولحقّ مالكه ولحقّ الحيوان ولحقّ نفسه، متناولٌ ما أذن له فيه الشارع من العوض بالدَّرّ والظَّهر. وقد أوجب الله سبحانه على الآباء إيتاء المراضع أجرهن بمجرد الإرضاع، وإن لم يعقدوا معهن عقد إجارة؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\nفإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بما لو كان الرهن دارًا فخرِبَ بعضها فعَمَرَها ليحفظ الرهن؛ فإنه لا يستحق السكنى عندكم بهذه العمارة، ولا","vol":"3","page":411},{"text":"يرجع بها.\nقيل: ليس كذلك، بل يحتسب له بما أنفقه؛ لأنّ فيه إصلاحَ الرهن، ذكره القاضي وابنه وغيرهما. وقد نصّ الإمام أحمد (^١) في رواية [ابن] أبي حرب الجرجرائي (^٢) في رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه، فاستخرج الماء: لهذا الذي عمِلَ نفقته (^٣) إذا عمِلَ ما يكون منفعة لصاحب القناة. هذا مع أن الفرق بين الحيوان والدار ظاهر؛ لحاجة الحيوان إلى الإنفاق ووجوبه على مالكه، بخلاف عمارة الدار، فإن صحَّ الفرق بطل السؤال، وإن بطل الفرق ثبت الاستواء في الحكم.\nفإن قيل: في هذا مخالفةٌ للأصول من وجهين:\nأحدهما: أنه إذا أدَّى عن غيره واجبًا بغير إذنه كان متطوّعًا، ولم يلزمه القيام له بما أدَّاه عنه.\nالثاني: أنه لو لزمه عوضُه فإنما يلزمه نظير ما أدَّاه، فأما أن يُعاوَض عليه بغير جنس ما أدَّاه بغير اختياره فأصول الشرع تأبى ذلك.\nقيل: هذا هو الذي رُدَّتْ به هذه السنة، ولأجله تأوَّلها من تأوَّلها على أن المراد بها أن النفقة على المالك، فإنه الذي يركب ويشرب، وجعل الحديث دليلًا على جواز تصرُّف الراهن في الرهن بالركوب والحلب وغيره، ونحن\n_________\n(^١) كما في «الروايتين والوجهين» لأبي يعلى (١/ ٣٦٨).\n(^٢) في المصدر السابق: «أبو جعفر محمد بن حرب الجرجاني». وهو خطأ. انظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ٣٣١).\n(^٣) د: «أجر نفقته». والمثبت من ت موافق لما في «الروايتين».","vol":"3","page":412},{"text":"نبيِّن ما في هذين الأصلين من حق وباطل.\nفأما الأصل الأول فقد دلَّ على فساده القرآن والسنة وآثار الصحابة والقياس [١٢٦/ب] الصحيح ومصالح العباد:\nأما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقد تقدم تقرير الدلالة منه. وقد اعترض بعضهم على هذا الاستدلال بأن المراد به أجورهن المسمَّاة فإنه أمرٌ لهم بوفائها، لا أمرٌ لهم بإيتاء ما لم يسمُّوه من الأجرة، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]، وهذا التعاسر إنما يكون حالَ العقد بسبب طلبِها الشططَ من الأجر أو حطَّها عن أجرة المثل. وهذا اعتراض فاسد؛ فإنه ليس في الآية ذكر التسمية، ولا يدلُّ عليها بدلالة من الدلالات الثلاث، أما اللفظيتان فظاهر، وأما اللزومية فلِانفكاكِ التلازم بين الأمر بإيتاء الأجر وبين تقدُّم تسميتِه. وقد سمَّى الله سبحانه ما يؤتيه العامل على عمله أجرًا وإن لم يتقدم له تسمية، كما قال تعالى عن خليله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، ومعلوم أن الأجر (^١) ما يعود إلى العامل عوضًا عن عمله؛ فهو كالثواب الذي يثوب إليه أي يرجع من عمله، وهذا ثابت سواء سُمِّي أو لم يُسَمَّ.\nوقد نصّ الإمام أحمد (^٢) على أنه إذا افتدي الأسير رجع عليه بما غرمه\n_________\n(^١) ت: «الأجرة».\n(^٢) كما في «الروايتين والوجهين» (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦).","vol":"3","page":413},{"text":"عليه، ولم يختلف قوله فيه. واختلف قوله (^١) فيمن قَضَى دَينَ غيره عنه بغير إذنه؛ فنصّ في موضع على أنه يرجع عليه، فقيل له: هو متبرع بالضمان، فقال: وإن كان متبرعًا بالضمان. ونصَّ في موضع آخر على (^٢) أنه لا يرجع، فإنه قال: إذا لم يقل اقضِ عني ديني كان متبرعًا، ونصَّ على أنه يرجع على السيد بنفقة عبده الآبق إذا ردَّه، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى عامله في سَبْي العرب ورقيقهم، وقد كان التجَّار اشتروه فكتب إليه: أيُّما حرٍّ اشتراه التجَّار فاردُدْ عليهم رؤوسَ [١٢٧/أ] أموالهم (^٣).\nوقد قيل: إن جميع الفرق تقول بهذه المسألة وإن تناقضوا ولم يَطْردوها:\nفأبو حنيفة يقول: إذا قضى بعض الورثة دَينَ الميت ليتوصَّل بذلك إلى أخذ حقه من التركة بالقسمة فإنه يرجع على التركة بما قضاه، وهذا واجبٌ قد أدّاه عنه غيرُه بغير إذنه، وقد رجع به. ويقول: إذا بنى صاحب العُلْوِ والسُّفْلِ بغير إذن المالك لزِم الآخرَ غرامةُ ما يخصُّه. وإذا أنفق المرتهن على الرهن في غَيبة الراهن رجع بما أنفق. وإذا اشترى اثنان من واحد عبدًا بألفٍ فغاب أحدهما فأدَّى الحاضرُ جميعَ الثمن ليتسلَّم العبدَ كان له الرجوع.\nوالشافعي يقول: إذا أعار عبدًا لرجلٍ ليرهنَه فرهنه ثم إن صاحب الرهن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٨٩، ٩٠).\n(^٢) «على» ليست في ت.\n(^٣) رواه سعيد بن منصور (٢٨٠٣) والبيهقي (٩/ ١١٢)، وهو مرسل؛ لأن الشعبي لم يدرك عمر.","vol":"3","page":414},{"text":"قضى الدين بغير إذن المستعير وافتكَّ الرهنَ رجع بالحق. وإذا استأجر جِمالًا ليركبها فهربَ الجَمَّال فأنفق المستأجر على الجِمال رجع بما أنفق. وإذا ساقى رجلًا على نخله فهرب العامل فاستأجر صاحبُ النخل من يقوم مقامَه رجع عليه به. واللقيط إذا أنفق عليه أهل المحلَّة ثم استفاد مالًا رجعوا عليه. وإن أذن له في الضمان فضمن ثم أدّى الحق بغير إذنه رجع عليه.\nوأما المالكية والحنابلة فهم أعظم الناس قولًا بهذا الأصل، والمالكية أشدُّ قولًا به.\nومما يوضِّح ذلك أن الحنفية قالوا في هذه المسائل: إن هذه الصور كلها أحوجَتْه إلى استيفاء حقّه أو حفظ ماله؛ فلولا عمارة السُّفْل لم يثبت العُلْو، ولو لم يقضِ الوارث الغرماء لم يتمكَّن مِن أخذ حقه من التركة بالقسمة، ولو لم يحفظ الرهن بالعَلف لتَلِفَ محلُّ الوثيقة، ولو لم يستأجر على الشجر من يقوم مقام العامل لتعطَّلت الثمرة، وحقه متعلق بذلك كله، فإذا أنفق كانت نفقته ليتوصَّل إلى حقه. بخلاف من أدَّى دينَ غيره فإنه [١٢٧/ب] لا حقَّ له هناكَ يتوصَّل إلى استيفائه بالأداء؛ فافترقا. وتبيّن أن هذه القاعدة لا تلزمنا، وأن من أدّى عن غيره واجبًا من دين أو نفقة على قريب أو زوجة فهو إما فضولي وهو جدير بأن يفوت عليه ما فوَّته على نفسه، أو متفضل فحوالته على الله دون من تفضَّل عليه؛ فلا يستحق مطالبته.\nوزادت الشافعية وقالت: لما ضَمِن له المُؤْجِر تحصيلَ منافع الجمال، ومعلوم أنه لا يمكنه استيفاء تلك المنافع إلا بالعلف؛ دخل في ضمانه لتلك المنافع إذنُه له في تحصيلها بالإنفاق عليها ضمنًا وتبعًا، فصار ذلك مستحقًّا عليه بحكم ضمانه عن نفسه لا بحكم ضمان الغير عنه.","vol":"3","page":415},{"text":"يوضّحه أن المؤجر والمساقي قد علما أنه لا بدّ للحيّ من قَوَّام، ولا بدّ للنخيل من سقْيٍ وعملٍ عليها؛ فكأنه قد حصل الإذن فيها في الإنفاق عرفًا، والإذن العرفي يجري مجرى الإذن اللفظي، وشاهده ما ذكرتم من المسائل.\nفيقال: هذا من أقوى الحجج عليكم في مسألة علف المرتهن للرهن، واستحقاقه للرجوع بما غرمه، وهذا نصف المسافة، وبقي نصفها الثاني، وهو المعاوضة عليها بركوبه وشربه، وهي أسهل المسافتين وأقربهما؛ إذ غايتها تسليط الشارع له على هذه المعاوضة التي هي من مصلحة الراهن والمرتهن والحيوان، وهي أولى من تسليط الشفيع على المعاوضة عن الشِّقْص المشفوع لتكميل ملكه وانفراده به، وهي أولى من المعاوضة في مسألة الظفر بغير اختيارِ مَن عليه الحق؛ فإن سبب الحق فيها ليس ثابتًا، والآخذ ظالم في الظاهر، ولهذا منعه النبي - ﷺ - من الأخذ وسماه خائنًا بقوله: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنَك، ولا تخُنْ من خانك» (^١). وأما ههنا فسبب الحق ظاهر، وقد أذن في المعاوضة للمصلحة التي فيها، [١٢٨/ب] فكيف تَمنع هذه المعاوضةَ التي سبب الحق فيها ظاهر وقد أذن فيها الشارع، وتُجوِّز تلك المعاوضة التي سبب الحق فيها غير ظاهر وقد منع منها الشارع؟ فلا نصّ ولا قياس.\nومما يدلُّ على أن من أدّى عن غيره واجبًا أنه يرجع عليه به قولُه تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وليس من جزاء هذا\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٥٣٥) والترمذي وحسنه (١٢٦٤) والبزار (٩٠٠٢)، وصححه الحاكم (٢/ ٤٦)، وفي الباب عن أبي هريرة وأنس - ﵄ -. وانظر: «الإرواء» (٥/ ٣٨١) و«السلسلة الصحيحة» (٤٢٣).","vol":"3","page":416},{"text":"المحسن بتخليصه من أحسن إليه (^١) بأداء دَينه وفكِّ أسْره منه وحلِّ وثاقِه أن يضيع عليه معروفُه وإحسانه، وأن يكون جزاؤه منه بإضاعة ماله ومكافأته عليه بالإساءة، وقد قال النبي - ﷺ -: «مَن أسدى إليكم معروفًا فكافِئوه» (^٢)، وأيُّ معروفٍ فوق معروف هذا الذي افْتكَّ أخاه من أَسْر الدين؟ وأي مكافأة أقبح من إضاعة ماله عليه وذهابه؟ وإذا كانت الهدية التي هي تبرُّعٌ محض قد شُرِعت المكافأة عليها وهي من أخلاق المؤمنين، فكيف يُشرع جواز ترك المكافأة على ما هو من أعظم المعروف؟ وقد عقد الله سبحانه الموالاة بين المؤمنين وجعل بعضهم أولياء بعض، فمن أدّى عن وليّه واجبًا كان نائبَه فيه بمنزلة وكيلِه ووليِّ من أقامه الشرع للنظر في مصالحه لضعفه أو عجزه.\nومما يوضِّح ذلك أن الأجنبي لو أقرض ربَّ الدين قدْرَ دينه وأحاله به (^٣) على المدين ملك ذلك، وأيُّ فرقٍ شرعي أو معنوي بين أن يوفِّيه ويرجع به على المدين أو يُقرِضه ويحتال به على المدين؟ وهل تفرِّق الشريعة المشتملة على مصالح العباد بين الأمرين؟ ولو تعيَّن عليه ذبح هدي أو أضحية فذبحها أجنبي بغير إذنه أجزأَتْ (^٤) وتأدَّى الواجب بذلك، ولم تكن ذبيحة غاصب، وما ذاك إلا لكون الذبح قد وجب عليه فأدَّى هذا\n_________\n(^١) «بتخليصه من أحسن إليه» ساقطة من ت.\n(^٢) رواه أبو داود (١٦٧٢) والنسائي (٢٥٦٧) وأحمد (٥٣٦٥)، وصححه ابن حبان (٣٤٠٨) والحاكم (١/ ٤١٢) من حديث ابن عمر - ﵄ -. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٥٤).\n(^٣) «به» ليست في ت.\n(^٤) ت: «أجزأ».","vol":"3","page":417},{"text":"الواجبَ غيرُه وقام مقام تأديته هو بحكم النيابة عنه شرعًا. وليس الشأن [١٢٨/ب] في هذه المسألة لوضوحها واقتضاء أصول الشرع وفروعه لها، وإنما الشأن فيمن عمِلَ في مال غيره عملًا بغير إذنه ليتوصَّل بذلك العمل إلى حقه، أو فَعَله حفظًا لمال المالك واحترازًا له من الضياع؛ فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله.\nوقد نص عليه الإمام أحمد - ﵁ - في عدة مواضع:\nمنها: أنه إذا حصد زرعه في غَيبته فإنه نص على أنه يرجع عليه بالأجرة. وهذا من أحسن الفقه، فإنه إذا مرض أو غابَ أو حُبِس (^١) فلو ترك زرعه بلا حصاد لهلك وضاع، فإذا علم من يحصده له أنه يذهب عليه عمله ونفقته ضياعًا لم يقدم على ذلك، وفي ذلك من إضاعة المال وإلحاق الضرر بالمالك ما تأباه الشريعة الكاملة؛ فكان من أعظم محاسنها أن أذنت للأجنبي في حصاده والرجوع على مالكه بما أنفق عليه حفظًا لماله ومال المحسن إليه، وفي خلاف ذلك إضاعة لماليهما أو مال أحدهما.\nومنها: ما نص عليه فيمن عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء، قال: لهذا الذي عمِلَ نفقتُه.\nومنها: لو انكسرت سفينته فوقع متاعه في البحر فخلَّصه رجل فإنه لصاحبه، وله عليه أجرُ مثلِه. وهذا أحسن من أن يقال: لا أجر له؛ فلا تطيب نفسه بالتعرُّض للتلَف والمشقة (^٢) الشديدة ويذهب عمله باطلًا أو يذهب\n_________\n(^١) ت: «أو حبس أو غاب».\n(^٢) ت: «المشفقة».","vol":"3","page":418},{"text":"مال الآخر ضائعًا، وكل منهما فساد محض، والمصلحة في خلافه ظاهرة. والمؤمنون يرون قبيحًا أن يذهب عملُ هذا ضائعًا ومال هذا ضائعًا، ويرون من أحسن الحسن أن يَسلَم مال هذا وينجح سعي هذا، والله الموفق.\nالمثال الحادي والسبعون: ردُّ السنة الثابتة الصريحة المحكمة في صحة (^١) ضمان دَين الميت الذي لم يُخلِّف وفاء، كما في «الصحيحين» عن أبي قتادة قال: [١٢٩/أ] أُتِي رسول الله - ﷺ - بجنازة ليصلّي عليها، فقال: «أعليه دين؟» فقالوا: نعم، ديناران، فقال: «أتركَ لهما وفاءً؟» قالوا: لا، قال: «صلُّوا على صاحبكم»، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله، فصلَّى عليه (^٢).\nفردّت هذه السنة برأي لا يقاومها، وهو أن الميت قد خَرِبتْ ذمته؛ فلا يصح ضمان شيء خراب في محل خراب، بخلاف الحي القادر فإن ذمته بصدد العمارة، فصحَّ ضمان دينه وإن لم يكن له (^٣) وفاء في الحال، وأما إذا خلَّف وفاء فإنه يصح الضمان تنزيلًا لذمته بما خلَّفه من الوفاء منزلةَ الحي القادر. قالوا: وأما الحديث فإنما هو إخبار عن ضمان متقدم على الموت؛ فهو إخبار منه بالتزام سابق، لا إنشاء للالتزام حينئذٍ.\n_________\n(^١) «صحة» ليست في د.\n(^٢) رواه النسائي (١٩٦٢) والترمذي (١٠٦٩) وأحمد (٢٢٥٤٣)، وصححه الترمذي وابن حبان (٣٠٥٨). وأخرجه أبو داود (٣٣٤٣) من حديث جابر، وصححه ابن حبان (٣٠٦٤) والحاكم (٢/ ٥٨). وأما البخاري (٢٢٨٩) فرواه من حديث سلمة بن الأكوع بلفظ: «قالوا عليه ثلاثة دنانير». وأخرجه مسلم (١٦١٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) «له» ليست في ت.","vol":"3","page":419},{"text":"وليس في ذلك ما تُردُّ به السنة الصحيحة (^١) الصريحة، ولا يصحّ حملها على الإخبار لوجوه:\nأحدها: أن في بعض ألفاظ الحديث: «فقال أبو قتادة: أنا أتكفَّل به يا رسول الله، فصلى عليه». رواه النسائي (^٢) بإسناد صحيح.\nالثاني: أن في بعض طرق البخاري (^٣): «فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينُه». فقوله: «وعليَّ دينُه» كالصريح في الالتزام أو صريح فيه؛ فإن هذه الواو للاستئناف، وليس قبلها ما يصح أن يُعطف ما بعدها عليه، كما لو قال: صلِّ عليه وأنا ألتزم ما عليه أو وأنا ملتزم ما عليه.\nالثالث: أن الحكم لو اختلف لقال له النبي - ﷺ -: هل ضمِنتَ ذلك في حياته أو بعد موته؟ ولا سيما فإن الظاهر منه الإنشاء، وأدنى الأحوال أن يحتملهما على السواء، فإذا كان أحدهما باطلًا في الشرع والآخر صحيحًا فكيف يُقِرُّه على قول محتمل لحق وباطل ولم يستفصله عن مراده به (^٤)؟\nالرابع: أن القياس يقتضي صحة الضمان وإن لم يُخلِّف وفاء، فإن من صح ضمان دينه إذا خلَّف وفاء صح ضمانه وإن لم يكن له مال كالحي. وأيضًا [١٢٩/ب] فمن صحَّ ضمان دينه حيًّا صح ضمان دينه ميتًا. وأيضًا فإن الضمان لا يوجب الرجوع، وإنما يوجب مطالبة ربّ الدين للضامن، فلا فرق\n_________\n(^١) «الصحيحة» ليست في د.\n(^٢) رقم (٤٦٩٢).\n(^٣) رقم (٢٢٨٩).\n(^٤) «به» ليست في ت.","vol":"3","page":420},{"text":"بين أن يخلّف الميت وفاء أو لم يخلّفه. وأيضًا فالميت أحوجُ إلى ضمان دَينه من الحيّ لحاجته إلى تبريد جلدته ببراءة ذمته وتخليصه من ارتهانه بالدين. وأيضًا فإن ذمة الميت وإن خرِبتْ من وجه ــ وهو تعذُّر (^١) مطالبته ــ لم تخرَبْ من جهة بقاء الحق فيها، وقد قال النبي - ﷺ -: «ليس من ميّتٍ يموت إلا وهو مرتهنٌ بدَينه» (^٢)، ولا يكون مرتهنًا وقد خربت ذمته. وأيضًا فإنه لو (^٣) خرِبت ذمته لبطل الضمان بموته؛ فإن الضامن فرعه، وقد خربت ذمة الأصل، فلما استُدِيم (^٤) الضمان ولم يبطل بالموت عُلِم أن الضمان لا ينافي الموت؛ فإنه لو نافاه ابتداءً لنافاه استدامةً؛ فإن هذا من الأحكام التي لا يفرَّق فيها بين الدوام والابتداء لاتحاد سبب الابتداء والدوام فيها. فظهر أن القياس المحض مع السنة الصحيحة، والله الموفق.\n\nالمثال الثاني والسبعون: ترك السنن الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في جمع التقديم والتأخير بين الصلاتين للعذر، كحديث أنس: «كان رسول الله - ﷺ - إذا ارتحل قبل أن تَزِيغَ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما» (^٥). وفي لفظٍ له: «كان رسول الله (^٦) - ﷺ - إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخَّر الظهر حتى يدخل وقت العصر،\n_________\n(^١) ت: «متعذر».\n(^٢) رواه الدارقطني (٢٩٨٤) والبيهقي (٦/ ٧٣). قال البيهقي: عطاء بن عجلان ضعيف، والروايات في تحمل أبي قتادة دين الميت أصح.\n(^٣) ت: «ولو».\n(^٤) ت: «استدمتم».\n(^٥) رواه البخاري (١١١١) ومسلم (٧٠٤).\n(^٦) د: «النبي».","vol":"3","page":421},{"text":"ثم يجمع بينهما» (^١). وهو في «الصحيحين».\nوكقول معاذ بن جبل: «كان رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زَيْغ الشمس أخَّر الظهر حتى يجمعها مع العصر فيصلّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زَيْغ الشمس صلَّى [١٣٠/أ] الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتى يصلِّيها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجَّل العشاء فصلّاها مع المغرب». وهو في السنن و«المسند» (^٢)، وإسناده صحيح، وعلته واهية (^٣).\nوكقول ابن عباس: «كان النبي - ﷺ - إذا زاغت الشمس في منزله جمعَ بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تَزِغْ في منزله سار، حتى إذا حانت (^٤) العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تَحِنْ (^٥) في منزله ركب، حتى إذا كان العشاء نزل فجمع بينهما» (^٦). وهذا متابع لحديث معاذ، وفي بعض طرق هذا الحديث:\n_________\n(^١) هذا لفظ مسلم (٧٠٤/ ٤٧).\n(^٢) رواه أبو داود (١٢٢٠) والترمذي وقال: حسن غريب (٥٥٣، ٥٥٤) وأحمد (٢٢٠٩٤)، وصححه ابن حبان (١٤٥٨) والبيهقي (٣/ ١٦٢). انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٤/ ٣٨١).\n(^٣) كذا قال، وأشار إلى علته البخاري والترمذي وأبو حاتم وغيرهم. انظر: «تنقيح التحقيق» (٢/ ٥٣٦) ط. المعرفة، والتلخيص الحبير (٢/ ١٠٢) و«المحرر» لابن عبد الهادي (٢/ ٤).\n(^٤) د، ت: «جاءت» هنا وفيما يلي. والتصويب من «المسند».\n(^٥) في النسختين: «لم تجيء». والتصويب من «المسند».\n(^٦) رواه أحمد (٣٤٨٠) والطبراني (١١٥٢٢) والدارقطني (١٤٥٠)، وفي إسناده حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس متكلم فيه، ولكن له شاهد من حديث معاذ، وروي عن ابن عباس من وجه آخر. انظر: «الإرواء» (٣/ ٢٨).","vol":"3","page":422},{"text":"«وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخَّر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر» (^١).\nكقول ابن عمر وقد أخَّر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما ثم أخبر أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك إذا جدَّ به السيرُ (^٢).\nوكلُّ هذه سننٌ في غاية الصحة والصراحة، ولا معارضَ لها؛ فرُدَّت بأنها أخبار آحاد، وأوقات الصلوات ثابتة بالتواتر، كحديث إمامة جبريل للنبي - ﷺ - وصلاته به كلَّ صلاة في وقتها ثم قال: «الوقتُ ما بين هذين» (^٣). فهذا في أول الأمر بمكة، وهكذا فعل النبي - ﷺ - بالسائل في المدينة سواءً، صلَّى به كل صلاة (^٤) في أول وقتها وآخره وقال: «الوقت ما بين هذينِ» (^٥). وقال في حديث عبد الله بن عمرو: «وقتُ صلاة الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط\n_________\n(^١) رواه الشافعي في مسنده (٥٣٠) ومن طريقه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٢٩٣) والبغوي (٤/ ١٩٥). وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى متكلم فيه، وحسين بن عبد الله السابق.\n(^٢) رواه البخاري (١٠٩١) ومسلم (٩٠٣).\n(^٣) رواه أبو داود (٣٩٣) والترمذي (١٤٩) وأحمد (٣٠٨١) من حديث ابن عباس، وإسناده حسن. وفي الباب عن جابر وغيره.\n(^٤) «سواء ... صلاة» ساقطة من ت.\n(^٥) رواه مسلم (٦١٤) من حديث أبي موسى الأشعري.","vol":"3","page":423},{"text":"ثَوْر (^١) الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل» (^٢). وقال: «وقتُ كل صلاة ما لم يدخل وقتُ التي تليها» (^٣). ويكفي قوله للسائل وقد سأله عن المواقيت ثم بيَّنها له بفعله: «الوقتُ [١٢٩/ب] فيما بين (^٤) هذين». فهذا بيان بالقول والفعل.\nوهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة (^٥) في تفصيل الأوقات مجمع عليها بين الأمة، وجميعهم احتجوا بها في أوقات الصلاة، فقدَّمتم عليها أحاديث مجملة محتملة في الجمع غير صريحة فيه؛ يجوز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل، وأن يراد بها الجمع في الوقت، فكيف يُترك الصريح المبين للمجمل (^٦) المحتمل؟ وهل هذا إلا تركٌ للمحكم وأخذٌ بالمتشابه، وهو عين ما أنكرتموه في هذه الأمثلة؟\nفالجواب (^٧) أن يقال: الجميع (^٨) حق؛ فإنه من عند الله، وما كان من عند الله فإنه لا يختلف، فالذي وقَّت هذه المواقيت وبيَّنها بقوله وفعله هو الذي شَرَع الجمع بقوله وفعله؛ فلا يؤخذ ببعض السنة ويُترك بعضها.\n_________\n(^١) د: «نور»، وليست في ت. والتصحيح من «صحيح مسلم». وثور الشفق: ثورانه وانتشاره.\n(^٢) رواه مسلم (٦١٢).\n(^٣) بمعناه عند مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٤) ت: «ما بين».\n(^٥) ت: «صريحة صحيحة».\n(^٦) ت: «المجمل».\n(^٧) ت: «الجواب».\n(^٨) ت: «الجمع».","vol":"3","page":424},{"text":"والأوقات التي بيّنها النبي - ﷺ - بقوله وفعله نوعان بحسب حال أربابها: أوقات السعة والرفاهية، وأوقات العذر والضرورة، ولكل منها أحكام تخصُّها. وكما أن واجبات الصلاة وشروطها تختلف باختلاف القدرة والعجز فهكذا أوقاتها، وقد جعل النبي - ﷺ - وقت النائم والذاكر حين يستيقظ ويذكر، أيّ وقتٍ كان (^١)، وهذا غير الأوقات الخمسة. وكذلك جعل أوقات المعذورين ثلاثة: وقتين مشتركين، ووقتًا مختصًّا؛ فالوقتان المشتركان لأرباب الأعذار هما أربعة لأرباب الرفاهية، ولهذا جاءت الأوقات في كتاب الله نوعين (^٢) خمسة وثلاثة في نحو عشر آيات من القرآن، فالخمسة لأهل (^٣) الرفاهية والسعة، والثلاثة لأرباب الأعذار، وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه وبيان أسبابه، فتوافقت دلالة القرآن والسنة والاعتبار الصحيح الذي هو مقتضى حكمة الشريعة وما اشتملت [١٣١/أ] عليه من المصالح.\nفأحاديث الجمع مع أحاديث الإفراد بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث الشروط والواجبات؛ فالسنة يبيِّن بعضُها بعضًا، لا يُردّ بعضُها ببعض. ومن تأمَّل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحةً في جمع الوقت لا في جمع الفعل، وعَلِم أن جمع الفعل أشقُّ وأصعبُ من الإفراد بكثير؛ فإنه ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدرُ فعلِها فقط، بحيث إذا سلّم منها دخل وقت الثانية فأوقع كل واحدة منهما في وقتها، وهذا أمر (^٤) في غاية العسر\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٩٧) ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٢) ت: «نوعان».\n(^٣) ت: «الأهل و».\n(^٤) ت: «أمره».","vol":"3","page":425},{"text":"والحرج والمشقة، وهو منافٍ لمقصود الجمع، وألفاظ السنة الصريحة تردُّه كما تقدم، وبالله التوفيق.\nالمثال الثالث والسبعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمسٍ متصلة وسبعٍ متصلة، كحديث أم سلمة: «كان رسول الله - ﷺ - يوتر بسبع وبخمس لا يفصِلُ بينهن بسلام ولا كلام». رواه أحمد (^١).\nوكقول عائشة: «كان رسول الله - ﷺ - يصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمسٍ، لا يجلس إلا في آخرهن». متفق عليه (^٢).\nوكحديث عائشة أنه - ﷺ - كان يصلّي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلّم، ثم يقوم فيصلّي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلّم تسليمًا يُسمِعنا، ثم يصلّي ركعتين بعدما يسلّم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسنَّ رسول الله - ﷺ - وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول (^٣)» (^٤). وفي لفظٍ عنها: «فلما أسنَّ وأخذه اللحم أوتر (^٥)\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٦٤٨٦) والنسائي (١٧١٤) وابن ماجه (١١٩٢)، وفي إسناده الحكم لم يسمع من مِقسَم إلا أربعة أحاديث وهذا ليس منها، وقد اختلف عنه فرواه بعضٌ عن الحكم عن مقسم عن أم سلمة، ورواه آخرون عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن أم سلمة - ﵃ -. انظر: «العلل» للدارقطني (١٥/ ٢٠٥).\n(^٢) رواه مسلم (٧٣٧)، والشطر الأول منه عند البخاري (١١٤٠).\n(^٣) ت: «صنيعه في الركعتين». وعند مسلم: «صنيعه الأول».\n(^٤) رواه مسلم (٧٤٦).\n(^٥) ت: «صلى».","vol":"3","page":426},{"text":"بسبع ركعات، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلِّم إلا في السابعة» (^١). وفي لفظٍ: «صلَّى بسبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن» (^٢). وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها.\nفرُدَّتْ [١٣١/ب] بقوله - ﷺ -: «صلاة الليل مثنى مثنى» (^٣). وهو حديث صحيح، ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالسبع والخمس، وسننه (^٤) كلها حق يصدِّق بعضُها بعضًا؛ فالنبي - ﷺ - أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنها مثنى مثنى، ولم يسأله عن الوتر، وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها، وللخمس والسبع والتسع المتصلة، كالمغرب اسم للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس والسبع والتسع بسلامينِ كالإحدى عشرة كان الوتر اسم الركعة المفصولة وحدها، كما قال النبي - ﷺ -: «صلاة الليل مَثنى مَثنى، فإذا خشي الصبحَ أوتر بواحدة تُوتِر له ما صلَّى» (^٥). فاتفق فعله - ﷺ - وقوله، وصدَّق بعضه بعضًا، وكذلك يكون ليس إلّا. وإن حصل تناقضٌ فلا بدَّ من أحد أمرين:\nإمّا أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، أو ليس من كلام رسول الله - ﷺ -، فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخًا فلا تناقضَ ولا\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٣٤٢).\n(^٢) رواه النسائي (١٧١٨).\n(^٣) سيأتي تخريجه.\n(^٤) د: «وسنته».\n(^٥) رواه البخاري (٤٧٢) ومسلم (٧٤٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"3","page":427},{"text":"تضادَّ هناك البتة، وإنما يُؤتى من يُؤتى هناك (^١) من قِبَلِ فهمه وتحكيمه آراء الرجال وقواعد المذهب على السنة؛ فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف، والله المستعان (^٢).\n* * * *\n_________\n(^١) «هناك» ليست في ت.\n(^٢) إلى هنا انتهت نسخة ت.","vol":"3","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>فصل (^١)\nفي تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد</span>\nهذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلطٌ عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليفِ ما لا سبيل إليه ما (^٢) يُعلَم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رُتَب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالحُ كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث= فليست من الشريعة وإن أُدخِلت فيها بالتأويل.\nفالشريعة عدلُ الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلُّه في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله أتمَّ دلالة وأصدقَها، وهي نوره الذي به أبصر المُبصِرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التامّ الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل. فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي لها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصلٌ بها، وكل نقصٍ في الوجود فسببه من إضاعتها. ولولا رسومٌ قد بقيتْ (^٣)، وهي\n_________\n(^١) من هنا بداية نسخة ز، والإحالة إلى أوراقها. وهو بداية النصف الثاني من الكتاب.\n(^٢) د، ز: «وما».\n(^٣) جواب لولا محذوف، يدل عليه قوله الآتي: «خراب الدنيا وطيّ العالم». وقد أثبتوا الجواب هنا في النسخ المطبوعة، وليس في الأصول.","vol":"3","page":429},{"text":"العصمة للناس وقِوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه خرابَ الدنيا وطيَّ العالم رفع إليه ما بقي من رسومها. فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب رَحَى الفلاحِ والسعادة في الدنيا والآخرة.\nونحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل بحول الله وتوفيقه ومعونته بأمثلة صحيحة:\nالمثال الأول: أن النبي - ﷺ - شرع لأمته إيجابًا إنكارَ المنكر (^١) ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكرُ منه وأبغضُ إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يُبغِضه ويمقُت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله - ﷺ - في قتال الأمراء الذين يؤخّرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلُهم؟ فقال: «لا، ما أقاموا الصلاة» (^٢). وقال: «من رأى من أميره ما يكرهه فليصبرْ، ولا ينزِعنَّ يدًا من طاعته» (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد - ﵁ -.\n(^٢) جعل ابن القيم هذين الحديثين حديثًا واحدًا، وليس كذلك؛ فإن الشطر الأول عند مسلم (٥٣٤) من حديث ابن مسعود - ﵁ -، والشطر الثاني عنده (١٨٥٤) من حديث أم سلمة - ﵂ -.\n(^٣) رواه البخاري (٧٠٥٣) ومسلم (١٨٤٩) من حديث ابن مسعود - ﵁ - وتمامه: «فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية» وليس فيه: «ولا ينزعن يدًا من طاعته». وهو جزء من حديث عوف بن مالك الأشجعي الذي رواه مسلم (١٨٥٥)، ولفظه: «ألا من ولي على والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنّ يدًا من طاعة».","vol":"3","page":430},{"text":"ومن تأمَّل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبرُ منه؛ فقد كان رسول الله - ﷺ - يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دارَ إسلامٍ عزم على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك ــ مع قدرته عليه ــ خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال [٢/أ] قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهدٍ بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتّب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-523>إنكار المنكر أربع درجات:</span>\nالأولى: أن يزول ويخلُفه ضدُّه.\nالثانية: أن يقلَّ وإن (^١) لم يَزُلْ بجملته.\nالثالثة: أن يخلُفه ما هو مثله.\nالرابعة: أن يخلُفه ما هو شر منه.\nفالدرجتان الأُوليان (^٢) مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتَهم منه إلى ما هو أحبُّ إلى الله وإلى رسوله، كرمي النُّشَّاب وسِباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفسّاق\n_________\n(^١) «إن» ليست في ز.\n(^٢) د: «الأولتان».","vol":"3","page":431},{"text":"قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاءٍ وتصدية، فإن نقلتَهم عنه إلى طاعة (^١)، وإلّا كان تركُهم على ذلك خيرًا من أن تُفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغِلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المُجون ونحوها وخِفتَ من نقلِه عنها انتقالَه إلى كتب البدع والضلال والسحرة فدَعْه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع.\nوسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرّم الله الخمر لأنها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدُّهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرية وأخذ الأموال، فدَعْهم (^٢).\nفصل\nالمثال الثاني: أن النبي - ﷺ - نهى أن تُقطَع الأيدي في الغزو. رواه أبو داود (^٣). فهذا حدٌّ من حدود الله، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشيةَ أن يترتّب عليه ما هو أبغضُ إلى الله من تعطيله أو تأخيره، من لحوقِ صاحبه بالمشركين حميةً وغضبًا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم. وقد نصَّ أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في\n_________\n(^١) في المطبوع: «طاعة الله فهو المراد»، وليست في النسخ. والكلام مفهوم بدونه.\n(^٢) انظر كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع في «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٤٧٢، ٢٠/ ٥٨، ٢٨/ ١٢٩).\n(^٣) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":432},{"text":"«مختصره» فقال: «ولا يقام الحدُّ (^١) على مسلم في أرض العدو» (^٢). وقد أُتِيَ بُسْر بن أرطاة برجلٍ في الغَزاة قد سرق بُخْتِيَّةً (^٣) فقال: لولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تُقطع الأيدي في الغزو» لقطعتُك، رواه أبو داود (^٤). وقال أبو محمد المقدسي (^٥): وهو إجماع الصحابة، روى سعيد بن منصور في «سننه» (^٦) بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس: «أنْ لا يَجلِدنَّ أميرُ جيشٍ ولا سريّةٍ ولا رجلٌ من المسلمين حدًّا وهو غازٍ حتى يقطعَ الدَّرْبَ قافلًا، لئلا تَلحقَه حميةُ الشيطان فيلحق بالكفار». وعن أبي الدرداء مثل ذلك (^٧).\nوقال علقمة: كنّا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان،\n_________\n(^١) د: «ولا تقام الحدود». والمثبت من ز موافق لما في «المختصر».\n(^٢) «مختصره» بشرحه «المغني» (١٣/ ١٧٢).\n(^٣) في النسخ: «مجنه» محرفًا، والتصويب من مصدر التخريج و«السنن الكبرى» للبيهقي (٩/ ١٠٤) وغيرهما. والبُخْتية من الإبل الخراسانية الطويلة الأعناق.\n(^٤) رقم (٤٤٠٨). وقوَّى الحافظ إسناده في «الإصابة» (١/ ٥٤٠).\n(^٥) أي ابن قدامة في «المغني» (١٣/ ١٧٣، ١٧٤).\n(^٦) رقم (٢٥٠٠). وفي إسناده الأحوص بن حكيم متكلم فيه، وكذلك أبوه حكيم بن عمير لم يسمع من عمر، قال الشافعي: ما روي عن عمر - ﵁ - منكر غير ثابت. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» (٣/ ١٦) و«تهذيب الكمال» (٧/ ١٩٩) و«الأم» للشافعي (٧/ ٣٧٥).\n(^٧) رواه سعيد بن منصور (٢٤٩٩) وابن أبي شيبة (٢٩٤٦٥) .. وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم متكلم فيه، وحميد بن عقبة بن رومان لم يوثقه إلا ابن حبان في «الثقات» (٢٢٢٦).","vol":"3","page":433},{"text":"وعلينا الوليد بن عقبة (^١)، فشرب الخمر، فأردنا أن نحدَّه، فقال حذيفة: أتحدُّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟ (^٢).\nوأُتِيَ سعدُ بن أبي وقاص بأبي مِحْجن يومَ القادسية وقد شرب الخمر، فأَمر به [٢/ب] إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو مِحجن (^٣):\nكفَى حَزَنًا أن تُطْردَ الخيلُ بالقَنَا ... وأُترَكَ مشدودًا عليَّ وثاقِيا\nفقال لابنة خَصَفَة (^٤) امرأة سعد: أطلقيني، ولكِ اللهُ عليَّ إن سلَّمني الله أن أرجعَ حتى أضعَ رجلي في القيد، فإن قُتِلتُ استرحتم منّي، قال: فحلَّتْه، حتى (^٥) التقى الناسَ، وكانت بسعد جراحةٌ فلم يخرج يومئذٍ إلى الناس، قال: وصَعِدوا به فوق العُذَيب (^٦) ينظر إلى الناس، واستعملَ على الخيل خالدَ بن عُرفُطة، فوثب أبو مِحجن على فرس لسعد يقال لها البَلْقاء، ثم أخذ رُمحًا، ثم خرج، فجعل لا يَحمِل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا مَلَكٌ، لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضَّبْرُ ضَبْرُ البَلْقاء (^٧)، والطَّفْرُ\n_________\n(^١) د، ز: «عتبة» تحريف. والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٢) رواه سعيد بن منصور (٢٥٠١) وعبد الرزاق (٩٣٧٢) وابن أبي شيبة (٢٩٤٦٦) ومن طريقه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤/ ١٧٥١)، ورجاله كلهم ثقات.\n(^٣) «ديوانه» (ص ٣٧).\n(^٤) ز: «حفصة»، تحريف.\n(^٥) كذا في النسختين، وفي هامش د: «لعله: حين». وهي كذلك في «المغني».\n(^٦) العُذيب: ماء بين القادسية والمغيثة. انظر: «معجم البلدان» (٤/ ٩٢).\n(^٧) في النسختين د، ز: «والصبر صبر البلقاء»، وهو تصحيف نبَّه على ذلك ابن فتحون في أوهام الاستيعاب، كما في «الإصابة» (١٢/ ٥٨٩). والضَّبْر: العَدْو.","vol":"3","page":434},{"text":"طَفْرُ (^١) أبي مِحجن، وأبو مِحجن في القيد، فلما هُزِمَ العدو رجع أبو مِحجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة خَصَفَة (^٢) سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرِبُ اليومَ رجلًا أبلَى المسلمين (^٣)\nما أبلاهم، فخلَّى سبيله، فقال أبو مِحجن: قد كنتُ أشربها إذ يقام عليَّ الحدُّ وأُطَهَّر منها، فأما إذْ بَهْرَجْتَني فوالله لا أشربُها أبدًا (^٤) (^٥).\nوقوله: «إذ بَهْرَجْتَني» أي أهدرتَني بإسقاط الحدّ عنّي، ومنه «أنّه بَهْرَجَ دمَ ابن الحارث» (^٦) أي أبطله. وليس في هذا ما يخالف نصًّا ولا قياسًا ولا\n_________\n(^١) د: «والظفر ظفر» وكذا في المطبوع، وهو تصحيف. والمثبت من ز، و«الإصابة». والطَّفْر: الوثوب في ارتفاع. وعند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن عبد البر في «الاستيعاب» وابن قدامة في «المغني»: «والطَّعْن طَعْن أبي محجن».\n(^٢) ز: «حفصة»، تحريف.\n(^٣) كذا في د، ز هنا. وفيما يأتي: «للمسلمين». وفي «المغني»: «أبلى الله المسلمين به». وانظر: «الإصابة» (١٢/ ٥٨٩) ..\n(^٤) رواه سعيد بن منصور (٢٥٠٢) وابن أبي شيبة (٣٤٤٣٥).\n(^٥) إلى هنا انتهى النقل عن ابن قدامة في «المغني».\n(^٦) كما في «النهاية» لابن الأثير (١/ ١٦٦)، ولم أجده مسندًا بهذا اللفظ، والمقصود به ما قاله النبي - ﷺ - في خطبة حجة الوداع: «ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أوّلَ دمٍ أضعُ من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل». أخرجه مسلم (١٢١٨) ضمن حديث جابر الطويل في الحج. واسمه آدم كما جاء في «جمهرة أنساب العرب» (ص ٧٠) لا ذباب كما في «المجموع المغيث» (١/ ٢٠٢). فذباب بن الحارث صحابي، وقصة إسلامه مشهورة ولم يُقتل حتى يُبطل دمه. انظر: «طبقات ابن سعد» (١/ ٣٤٢) و«الإصابة» (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧).","vol":"3","page":435},{"text":"قاعدةً من قواعد الشرع ولا إجماعًا، بل لو ادُّعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب. قال الشيخ في «المغني» (^١): «وهذا اتفاق لم يظهر خلافه».\nقلت: وأكثر ما فيه تأخير الحدّ لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحدّ لعارضٍ أمر وردت به الشريعة، كما يؤخَّر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى.\nفإن قيل: فما تصنعون بقول سعد: «والله لا أضرِب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم»، فأسقط عنه الحد؟\nقيل: قد يتمسك بهذا من يقول: لا حدَّ على المسلم في دار الحرب، كما يقوله أبو حنيفة. ولا حجة فيه، والظاهر أن سعدا - ﵁ - اتبع في ذلك سنة الله ﷿؛ فإنه لما رأى تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذْله نفسَه لله ما رأى درأ عنه الحدَّ؛ لأن ما أتى به من الحسنات غَمرتْ هذه السيئة الواحدة وجعلتْها كقطرة نجاسةٍ وقعت في بحر، ولا سيّما وقد شامَ منه مخايلَ التوبة النصوح وقت القتال؛ إذ لا يُظَنُّ في مسلم إصرارُه في ذلك الوقت الذي هو مظِنَّة القدوم على الله وهو يرى الموت.\nوأيضًا فإنه بتسليمه نفسَه ووَضْعِ رجلِه في القيد اختيارًا قد استحق أن يُوهَب له حدُّه كما قال النبي - ﷺ - للرجل الذي قال له: يا رسول الله، أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليّ، فقال: «هل صلَّيتَ معنا هذه الصلاة؟» قال: نعم، قال:\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ١٧٤).","vol":"3","page":436},{"text":"«اذهَبْ فإن الله قد غفر لك حدَّك» (^١). وظهرَ بركةُ هذا العفو والإسقاط في صدق توبته، فقال: «والله لا [٣/أ] أشربها أبدًا ــ وفي رواية: أبدَ الأبدِ (^٢) ــ قد كنت آنَفُ أن أتركَها من أجلِ جَلداتِكم، فأما إذ تركتموني فوالله لا أشربها أبدًا» (^٣). وقد برئ النبي - ﷺ - مما صنع خالد ببني جَذِيمة، وقال: «اللهم إني أبرأُ إليك مما صنعَ خالد» (^٤)، ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام.\nومن تأمّل المطابقة بين الأمر والنهي والثواب والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقهَ هذا الباب.\nوإذا كان الله لا يعذِّب تائبًا فهكذا الحدود لا تُقام على تائب، وقد نصّ الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى.\nوقد روينا في «سنن النسائي» (^٥) من حديث سِماك عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن امرأة وقع عليها [رجلٌ] (^٦) في سواد الصبح ــ وهي تَعمِد إلى\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٨٢٣) ومسلم (٢٧٦٤) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٢) لم أقف على هذه الرواية.\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١٧٠٧٧). وانظر: «الاستيعاب» (٤/ ١٧٤٨) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (٢/ ١٦٧) و«الإصابة» (١٢/ ٥٩٠).\n(^٤) رواه البخاري (٤٣٣٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٥) الكبرى (٧٢٧٠)، ورواه أيضًا ابن الجارود (٨٢٣) والطبراني (١٨) والبيهقي (٨/ ٢٨٤)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩٠٠).\n(^٦) زيادة من النسائي.","vol":"3","page":437},{"text":"المسجد ــ عَكْوَرَةً (^١) على نفسها، فاستغاثت برجل مرَّ عليها، وفرَّ صاحبها، ثم مر عليها ذوو (^٢) عددٍ، فاستغاثتْ بهم، فأدركوا الرجلَ الذي كانت استغاثَتْ به فأخذوه، وسبقَهم الآخر، فجاؤوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتُكِ، وقد ذهب الآخر، قال: فأَتَوا به نبيَّ الله - ﷺ -، فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتدُّ، فقال: إنما كنتُ أغثتُها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذبَ، هو الذي وقع عليَّ، فقال النبي - ﷺ -: «انطلِقوا به فارجُموه». فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلتُ بها الفعلَ، فاعترفَ، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله - ﷺ -: الذي وقع عليها، والذي أغاثَها، والمرأة، فقال: «أما أنتِ فقد غُفِر لكِ»، وقال للذي أغاثَها قولًا حسنًا، فقال عمر: ارجُمِ الذي اعترفَ بالزنى، فأبى رسول الله - ﷺ -؛ فقال: «لا، إنه قد تاب إلى الله». رواه عن محمد بن يحيى بن كثير الحرّاني ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة ثنا أسباط بن نصر عن سِماك، وليس فيه بحمد الله إشكال (^٣).\nفإن قيل: فكيف أمر رسول الله - ﷺ - برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار؟\n_________\n(^١) في النسختين د، ز، والمطبوع: «بمكروه» تحريف، والتصويب من النسائي. والمعنى: عكَرَ عليها أي حمل عليها فتَسنَّمها وغلبَها على نفسها. انظر: «النهاية» (٣/ ٢٨٣).\n(^٢) د: «ذو».\n(^٣) د: «إشكال بحمد الله تعالى».","vol":"3","page":438},{"text":"قيل: هذا من أدلّ الدلائل على اعتبار القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التُّهَم، وهو يُشبِه إقامةَ الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة، وإقامةَ حدّ الزنا بالحبل كما نصَّ عليه عمر (^١)، وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك الصحيح أنه يُقام الحدّ على المتَّهم بالسرقة إذا وُجِد المسروق عنده. فهذا الرجل لما أُدرِك وهو يشتدُّ هربًا وقالت المرأة: هذا هو الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنا منها وأتى إليها وادّعى أنه كان مُغِيثًا لا مُرِيبًا، ولم يرَ أولئك الجماعة غيره، كان في هذا أظهرُ الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يَقْصُر عن الظن المستفاد من شهادة البينة، واحتمال الغلط أو عداوة الشهود كاحتمال الغلط وعداوة المرأة ههنا، بل ظنُّ عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد؛ فنهاية الأمر أن هذا لَوثٌ ظاهر لا يُستبعد ثبوتُ [٣/ب] الحد بمثله شرعًا، كما يُقتل في القسامة باللَّوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع.\nفهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونُها في نفس الأمر قد تقع غيرَ مطابقةٍ (^٢) أمرٌ لا يقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام، والبينة لم تكن موجِبةً بذاتها للحد، وإنما ارتباط الحد بها ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يُقاوِمها أو أقوى منها لم يُلغِه الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلًا كالبينة والإقرار.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٨٢٩) ومسلم (١٦٩١) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٢) بعدها في د: «أو لا ينضبط»، وعليها علامة الحذف.","vol":"3","page":439},{"text":"وأما سقوط الحد عن المعترف فإذا لم يتَّسع له نطاق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - فأحرى أن لا يتَّسع له نطاق كثير من الفقهاء، ولكن اتَّسعَ له نطاق الرؤوف الرحيم، فقال: «إنه قد تاب إلى الله»، وأبى أن يحدَّه. ولا ريبَ أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا واختيارًا خشيةً من الله وحده، وإنقاذًا لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل= أكبرُ من السيئة التي فعلَها، فقاوَمَ هذا الدواء لذلك الداء، وكانت القوة صالحة، فزال المرض، وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدّك، وإنما جعلناه طُهرةً ودواء؛ فإذا تطهَّرتَ بغيره فعفْونا يَسَعُك. فأيُّ حكمٍ أحسنُ من هذا الحكم وأشدُّ مطابقةً للرحمة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق.\nوقد روينا في «مسند النسائي» (^١) من حديث الأوزاعي حدثنا أبو عمّار شدّاد قال: حدثني أبو أمامة أن رجلًا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أصبتُ حدًّا فأَقِمْه عليَّ، فأعرض عنه، ثم قال: إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليّ، فأعرض عنه، ثم قال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، فأعرض عنه، وأُقيمت الصلاة، فلما سلَّم رسول الله - ﷺ - قال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، قال: «هل توضأتَ حين أقبلتَ؟» قال: نعم، قال: «هل صلّيت معنا حين صلّينا؟» قال نعم، قال: «اذهَبْ، فإن الله قد عفا عنك»، وفي\n_________\n(^١) يقصد به «السنن الكبرى» (٧٢٧٤)، ورواه أيضًا أحمد (٢٢٢٨٦)، وصححه ابن خزيمة (٣١١) من حديث أبي أمامة - ﵁ -، وأصله عند مسلم (٢٧٦٥). وفي الباب عن أنس - ﵁ - وقد مضى تخريجه.","vol":"3","page":440},{"text":"لفظٍ: «إن الله قد غَفَر لك ذنبك، أو حدَّك» (^١). ومن تراجم النسائي (^٢) على هذا الحديث «من اعترف بحد ولم يسمه».\nوللناس فيه ثلاث مسالك: هذا أحدها، والثاني أنه خاص بذلك الرجل، والثالث سقوط الحدّ بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك.\nفصل (^٣)\nالمثال الثالث: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أسقط القطعَ عن السارق في عام المجاعة، قال السَّعْدي (^٤): حدثنا هارون بن إسماعيل الخزَّاز (^٥) ثنا علي بن المبارك ثنا يحيى بن أبي كثير حدثني حسَّان بن زاهر أن ابن حُدَير حدّثه عن عمر قال: لا تُقطع اليدُ في عَذْقٍ ولا عامِ سنة (^٦).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٦٥).\n(^٢) في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٧٥).\n(^٣) نقل يوسف بن عبد الهادي أغلب هذا الفصل في «محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب» (١/ ٣٨٠ - ٣٨٤) دون العزو إلى ابن القيم.\n(^٤) هو الإمام الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني صاحب كتاب «الشجرة في أحوال الرجال»، من تلاميذ الإمام أحمد، روى عنه مسائل في جزئين، توفي سنة ٢٥٩. وقد عزا الحافظ ابن حجر هذا الحديث في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٣١) إلى «الجامع» للسعدي الجوزجاني، وجعل بينه وبين هارون شيخَه الإمام أحمد.\n(^٥) في المطبوع: «الخرّاز» تصحيف. وقد ضبطه الحافظ في «التقريب» فقال: الخزاز بمعجمات.\n(^٦) رواه السعدي الجوزجاني كما في «البدر المنير» (٨/ ٦٧٩)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٩١٨٤). وفي إسناده حصين بن حُدَير، ذكره البخاري وابن أبي حاتم دون جرح أو تعديل، وإنما ذكرهما ابن حبان في «الثقات». انظر: «التاريخ الكبير» (٣/ ٤) و«الجرح والتعديل» (٣/ ١٩١) و«الثقات» لابن حبان (٤/ ١٥٧). ورواه عبد الرزاق في «المصنّف» (١٨٩٩٠) وابن أبي شيبة (٢٩١٧٩) عن يحيى بن أبي كثير قال: قال عمر.","vol":"3","page":441},{"text":"قال السعدي (^١): سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العَذْق النخلة، وعام سنة: المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: إيْ لعَمْري، قلت: إن سرق في مجاعةٍ لا تَقطعُه؟ فقال: لا، إذا حملتْه الحاجة على ذلك والناس في مجاعةٍ وشدة.\nقال السعدي (^٢): وهذا على نحو قضية عمر في غِلمان حاطب، حدثنا [٤/أ] أبو النعمان عارِم ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابنِ حاطب أن غِلمةً لحاطب بن أبي بَلْتعة سرقوا ناقة لرجل من مُزينة، فأتى بهم عمرَ، فأقرُّوا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب، فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقةَ رجل من مُزينة وأقرُّوا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير بن الصَّلْت، اذهب فاقطَعْ أيديَهم. فلما قَفَّى بهم ردَّهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتُجِيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرَّم الله عليه حلَّ له لقطعتُ أيديَهم، وَايْمُ اللهِ (^٣) إذ لم أفعلْ لأُغرِّمنَّك غرامةً تُوجِعك، ثم قال: يا مزنيُّ بكَمْ أُريدتْ منك ناقتك؟ قال: بأربع مائة، قال\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٣٦) و«البدر المنير» (٨/ ٦٧٩) و«التلخيص الحبير» (٤/ ١٣١).\n(^٢) الكلام متصل، وانظر المصادر السابقة.\n(^٣) الألف في «ايم» ألف وصل عند أكثر النحويين. وانظر الكلام عليها والوجوه التي تُستعمل بها في «تاج العروس» (يمن).","vol":"3","page":442},{"text":"عمر: اذهبْ فأعطِه ثمانَ مائة» (^١).\nوذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين (^٢) جميعًا؛ ففي «مسائل إسماعيل بن سعيد الشَّالَنْجي» التي شرحها السعدي بكتاب سماه «المترجم» (^٣)، قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمرَ من أكمامه، فقال: فيه الثمنُ مرتين وضَرْبُ نكالٍ. قال: وكلُّ من دَرأْنا عنه الحدّ (^٤) والقَوَدَ أضعفنا عليه الغرم. وقد وافق أحمدَ على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعيُّ.\nوهذا محض القياس، ومقتضى قواعد الشرع؛ فإن السَّنة إذا كانت سنة مَجاعةٍ وشدّةٍ غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يَسلَم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسدُّ به رمقَه، ويجب على صاحب (^٥) المال بذلُ\n_________\n(^١) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٧٤٨)، وفي إسناده يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب لم يدرك عمر؛ فإنه ولد في خلافة عثمان. انظر: «تهذيب الكمال» (٣١/ ٤٣٥).\n(^٢) كذا في النسختين، ولعلها «الفعلين» يعني: درء الحد وإضعاف الغرم، كما في «محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب» ليوسف بن عبد الهادي (١/ ٣٧٣)، حيث نقل كلام ابن القيم في هذا الفصل دون العزو إليه.\n(^٣) قال الخلال ذاكرًا الشالنجي: «عنده مسائل كثيرة ما أحسب أن أحدًا من أصحاب أبي عبد الله (أحمد) روى عنه أحسن مما روى هذا، ولا أشبع ولا أكثر مسائل منه، ولم أجد هذه المسائل عند أحدٍ رواها عنه إلا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني». انظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ١٠٤). وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٤/ ٥٤٥) كتابَ «المترجم»، وقال: فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة.\n(^٤) في هامش د: «الحدود».\n(^٥) ز: «صاحبي».","vol":"3","page":443},{"text":"ذلك له، إما بالثمن أو مجَّانًا (^١)، على الخلاف في ذلك؛ والصحيح وجوب بذله مجّانًا؛ لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع، وهي (^٢) أقوى من كثير من الشُّبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازنتَ بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت، فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة، وشبهة القطع به مرة، وشبهة دعوى مِلْكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحِرز بأكل أو احتلاب من الضرع، وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشُّبه الضعيفة جدًّا إلى هذه الشبهة القوية؟ لا سيَّما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسدُّ رمقَه. وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميّز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحدُّ بمن لا يجب عليه، فدُرِئَ. نعم إذا بانَ السارق لا حاجةَ به وهو مستغنٍ عن السرقة قُطِع.\nفصل\nالمثال الرابع: أن النبي - ﷺ - فرضَ صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أَقِطٍ (^٣)، وهذه كانت غالبَ أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلدٍ أو محلةٍ قُوتُهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قُوتِهم،\n_________\n(^١) د: «ما مجانا».\n(^٢) ز: «وهو».\n(^٣) رواه البخاري (١٥٠٦) ومسلم (٩٨٥) من حديث أبي سعيد - ﵁ -.","vol":"3","page":444},{"text":"كمن قوتُهم الذُّرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتُهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنًا ما كان. هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سَدُّ خَلَّة المساكين يوم العيد ومواساتُهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم. وعلى هذا فيُجزِئ [٤/ب] إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث (^١). وأما إخراج الخبز والطعام فإنه وإن كان أنفعَ للمساكين لقلة المُؤْنة والكُلْفة فيه، فقد يكون الحَبُّ أنفعَ لهم لطول بقائه وأنه يتأتّى منه ما لا يتأتّى من الخبز والطعام، ولا سيَّما إذا كثر الخبز والطعام عند المسكين فإنه يفسد ولا يمكنه حفظه.\nوقد يقال: لا اعتبارَ بهذا، فإن المقصود إغناؤهم في ذلك اليوم العظيم عن التعرُّض للسؤال، كما قال النبي - ﷺ -: «أَغْنُوهم في هذا اليوم عن المسألة» (^٢)، وإنما نص على تلك الأنواع المخرَّجة لأن القوم لم يكونوا يعتادون اتخاذ الأطعمة يوم العيد، بل كان قُوتُهم يوم العيد كقوتهم سائر السنة؛ ولهذا لما كان قوتُهم يومَ عيد النحر من لحوم الضحايا (^٣) أُمِروا أن\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٦١٨) من حديث أبي سعيد - ﵁ -، وزاد ابن عيينة: «صاعًا من دقيق». وذكر أبو داود أن هذه الزيادة من وهم ابن عيينة، وفي الباب عن ابن عباس. انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (٣/ ١٣٠) و«البدر المنير» (٥/ ٦٣٠).\n(^٢) رواه سعيد بن منصور كما في «المغني» (٣/ ٨٨). وفي إسناده أبو معشر متكلم فيه. ورواه ابن وهب في «الجامع» (١٩٨) والدارقطني (٢١٣٣) وابن زنجويه في «الأموال» (٢٣٩٧) بنحوه، وفي إسناده أبو معشر أيضًا، والحديث ضعّفه النووي في «المجموع» (٦/ ١٢٦). وانظر: «الإرواء» (٣/ ٣٣٢).\n(^٣) في د، ز: «الأضاحي». وصُحّح في هامشهما.","vol":"3","page":445},{"text":"يُطعِموا منها القانعَ والمعتَرَّ؛ فإذا كان أهل بلدٍ أو محلةٍ عادتهم اتخاذ الأطعمة يومَ العيد جاز لهم بل شُرِع لهم أن يُواسُوا المساكين من أطعمتهم، فهذا محتمل يسوغ القول به، والله أعلم.\nفصل\nالمثال الخامس: أن النبي - ﷺ - نصّ في المصرَّاة على ردّ صاع من تمرٍ بدل اللبن (^١)، فقيل: هذا حكم عام في جميع الأمصار، حتى في المصر الذي لم يسمع أهله بالتمر قطُّ ولا رأوه؛ فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع التمر، ولا يُجزئهم إخراج صاع من قوتهم. وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة، وجعل هؤلاء التمر في المصرَّاة كالتمر في زكاة التمر لا يجزئ سواه، وجعلوه تعبُّدًا، فعيَّنوه اتباعًا للفظ النص. وخالفهم آخرون، فقالوا: بل يُخرِج في كل موضع صاعًا من قوتِ ذلك البلد الغالب؛ فيخرج في البلاد التي قوتهم البرُّ صاعًا من برٍّ، وإن كان قوتهم الأرز فصاعًا من أرز، وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار أبي المحاسن الروياني وبعضِ أصحاب أحمد، وهو الذي ذكره أصحاب مالك.\nقال القاضي أبو الوليد (^٢): روى ابن القاسم أن الصاع يكون من غالب قوت البلد. قال صاحب «الجواهر» (^٣)، بعد حكاية ذلك: ووجهه أنه ورد في\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) في «المنتقى شرح الموطأ» (٥/ ١٠٦).\n(^٣) «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس (٢/ ٤٧٨).","vol":"3","page":446},{"text":"بعض ألفاظ هذا الحديث: «صاعًا من طعام» (^١)؛ فيحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنه غالب قُوتِ ذلك البلد. انتهى.\nولا ريبَ أن هذا أقربُ إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه، والله أعلم.\nوكذلك حكم ما نصَّ عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها، كنصه على الأحجار في الاستجمار (^٢)، ومن المعلوم أن الخِرَق والقطن والصوف أولى منها بالجواز، وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب (^٣)، والأُشنان أولى منه. هذا فيما عُلِم مقصود الشارع منه، وحصول ذلك المقصود على أتمِّ الوجوه بنظيره وما هو أولى منه.\nفصل\nالمثال السادس: أن النبي - ﷺ - منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر، وقال: «اصنعي ما يصنع الحاجُّ غيرَ أن لا [٥/أ] تطوفي بالبيت» (^٤). فظنَّ من ظنّ أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الإحباس لها حتى تطهر وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك، وتمسَّك بظاهر النص، ورأى منافاة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٢٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه البخاري (١٦٥٠) ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"3","page":447},{"text":"الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام؛ إذ نهيُ الحائض عن الجميع سواء، ومنافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاته لعبادة الصلاة.\nونازعَهم في ذلك فريقان:\nأحدهما صحَّحوا الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعًا من صحته، بل جعلوا الطهارة واجبة تُجبَر بالدم، ويصح الطواف بدونها، كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أنصُّهما عنه. وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباطَ الشرط بالمشروط، بل جعلوها واجبةً من واجباته، وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به، يصح فعلُه مع الإخلال بها ويَجبُرها الدم.\nوالفريق الثاني جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطَها بمنزلة وجوب السترة واشتراطها، بل وبمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتُشترط مع القدرة وتسقط مع العجز. قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظمَ من اشتراطها للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى.\nقالوا: وقد كان في زمن النبي (^١) - ﷺ - وخلفائه الراشدين يحتبس أمراء الحج للحيَّض حتى يطهُرن ويطُفْن، ولهذا قال النبي - ﷺ - في شأن صفية وقد حاضت: «أحابستُنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلْتنفِرْ إذًا» (^٢). وحينئذٍ فكانت الطهارة مقدورةً لها يُمكِنها الطواف بها، فأما في هذه الأزمان\n_________\n(^١) د: «رسول الله».\n(^٢) رواه البخاري (٤٤٠١) ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"3","page":448},{"text":"التي يتعذّر إقامة الركْب لأجل (^١) الحيَّض فلا تخلو من ثمانية أقسام:\nأحدها أن يقال لها: أقيمي بمكة وإن رحَلَ الركْبُ حتى تطهري وتطوفي، وفي هذا من الفساد وتعريضها للمُقَام وحدَها في بلد الغربة مع لحوق غاية الضرر لها ما فيه.\nالثاني أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه.\nالثالث أن يقال: إذا علمتْ أو خشيتْ مجيء الحيض في وقته جاز لها تقديمُه على وقته.\nالرابع أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج وأنها إذا حجَّت أصابها الحيض هناك سقط عنها فرضه، حتى تصير آيسةً، وينقطع حيضها بالكلية.\nالخامس أن يقال: بل تحج، فإذا حاضت ولم يمكنها الطواف ولا المُقام رجعت وهي على إحرامها تمتنع من النكاح ووطء الزوج، حتى تعود إلى البيت فتطوف وهي طاهرة، ولو كان بينها وبينه مسافة سنين، ثم إذا أصابها الحيض في سنة العود رجعت كما هي، ولا تزال كذلك كلَّ عام حتى يصادفَها عامٌ تطهُر فيه.\nالسادس أن يقال: بل تتحلَّل إذا عجزتْ عن المُقام حتى تطهر كما يتحلَّل المُحصَر، مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزِمَها؛ ثم إذا أصابها ذلك أيضًا تحلّلتْ، وهكذا أبدًا حتى يمكنها الطواف طاهرًا.\n_________\n(^١) ز: «لأحد».","vol":"3","page":449},{"text":"السابع أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحجُّ عنها كالمعضوب، وقد أجزأ [٥/ب] عنها الحج، وإن انقطع حيضُها بعد ذلك.\nالثامن أن يقال: بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج، ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات، كما سقط عنها طواف الوداع بالنص (^١)، وكما سقط عنها فرض السترة إذا شَلَّحها (^٢) العبيد أو غيرهم، وكما يسقط عنها فرض طهارة الجنب إذا عجَزتْ عنها لعدم الماء أو مرضٍ بها، وكما يسقط فرض اشتراط طهارة مكان الطواف والسعي إذا فُرِض فيه نجاسة تتعذر إزالتها (^٣)، وكما سقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط فرض القيام والقراءة والركوع والسجود إذا عجز عنه المصلّي، وكما يسقط فرض الصوم عن العاجز عنه عجزًا إلى بَدَلٍ وهو الإطعام، ونظائر ذلك من الواجبات والشروط التي تسقط بالعجز عنها إما إلى بدلٍ أو مطلقًا.\nفهذه ثمانية أقسام لا مزيدَ عليها، ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا القسم الثامن؛ فإن القسم الأول وإن قاله من قاله من الفقهاء (^٤) فلا يتوجَّه ههنا؛ لأن هذا الذي قالوه متوجِّه فيمن أمكنها الطواف فلم تطُفْ، والكلام في امرأة لا يمكنها الطواف ولا المُقام لأجله، وكلام الأئمة والفقهاء هو مطلق كما يتكلّمون في نظائره، ولم يتعرَّضوا لمثل هذه الصورة\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٥٦١) ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) أي عرَّاها.\n(^٣) د: «يتعذر زوالها».\n(^٤) «من الفقهاء» ليست في د.","vol":"3","page":450},{"text":"التي عمَّت بها البلوى، ولم يكن ذلك في زمن الأئمة، بل قد ذكروا أن المُكْرِيَ يلزمه المُقام والاحتباسُ عليها لتطهر ثم تطوف، فإنه كان ممكنًا بل واقعًا في زمنهم، فأفتَوا بأنها لا تطوف حتى تطهر لتمكُّنها من ذلك، وهذا لا نزاعَ فيه ولا إشكال، فأما في هذه الأزمان فغيرُ ممكن. وإيجاب سفرين كاملين في الحج من غير تفريط من الحاج ولا سببٍ صدرَ منه يتضمن إيجابَ حجتين إلى البيت، والله تعالى إنما يوجب حجة واحدة، بخلاف من أفسد الحج فإنه قد فرَّط بفعل المحظور، وبخلاف من ترك طواف الزيارة أو الوقوف بعرفة فإنه لم يفعل ما يتمُّ به حجُّه. وأما هذه فلم تُفرِّط ولم تترك ما أُمِرت به، فإنها لم تؤمر بما لا تقدر عليه، وقد فعلت ما تقدر عليه؛ فهي بمنزلة الجنب إذا عجز عن الطهارة الأصلية والبدلية وصلَّى على حسب حاله، فإنه لا إعادة عليه في أصح الأقوال. وأيضًا فهذه قد لا يمكنها السفر مرة ثانية، فإذا قيل إنها تبقى محرِمةً إلى أن تموت، فهذا ضرر لا يكون مثله في دين الإسلام، بل يُعلم بالضرورة أن الشريعة لا تأتي به.\nفصل\nوأما التقدير الثاني ــ وهو سقوط طواف الإفاضة ــ فهذا مع أنه لا قائلَ به فلا يمكن القول به؛ فإنه ركن الحج الأعظم، وهو الركن المقصود لذاته، والوقوف بعرفة وتوابعه مقدمات له.\nفصل\nوأما التقدير الثالث ــ وهو أن تقدّم طواف الإفاضة على وقته إذا خشيت الحيضَ في وقته ــ فهذا لا يُعلم به قائل، والقول به كالقول بتقديم الوقوف","vol":"3","page":451},{"text":"بعرفة (^١) على يوم عرفة، وكلاهما مما لا سبيلَ إليه.\nفصل\nوأما التقدير الرابع ــ وهو أن يقال: يسقط عنها فرض الحج إذا خشيت ذلك ــ فهذا وإن كان أفقهَ [٦/أ] مما قبله من التقديرات، فإن الحج يسقط بما هو دون هذا من الضرر، كما لو كان بالطريق أو بمكة خوفٌ، أو أخذ خَفارةً مُجحِفة أو غير مُجحِفة على أحد القولين، أو لم يكن لها محرم، ولكنه ممتنع لوجهين:\nأحدهما: أن لازمه سقوط الحج عن كثير من النساء أو أكثرهن؛ فإنهن يخفن من الحيض وخروج الركب قبل الطهر، وهذا باطل؛ فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن بعض شرائطها ولا عن بعض أركانها، وغاية هذه أن تكون عجزَتْ عن شرط أو ركن، وهذا لا يُسقِط المقدور عليه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال - ﷺ -: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم» (^٢). ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان، وما عجز عنه من فروعها أو شروطها سقط عنه؛ والطواف والسعي إذا عجز عنه ماشيًا فعَله راكبًا اتفاقًا، والصبيُّ يفعل عنه وليُّه ما يَعجِز عنه.\nالوجه الثاني: أن يُقال: فالكلام فيمن تكلَّفَتْ وحجَّتْ وأصابها هذا العذر، فما يقول صاحب هذا التقدير حينئذٍ؟ فإما أن يقول: تبقى محرِمةً حتى تعود إلى البيت، أو يقول: تتحلَّلُ كالمُحْصَر.\n_________\n(^١) «بعرفة» ساقطة من د.\n(^٢) رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.","vol":"3","page":452},{"text":"وبالجملة فالقول بعدم وجوب الحج على من تخاف الحيض لا يُعلم به قائل، ولا تقتضيه الشريعة؛ فإنها لا تَسقُط مصلحة الحج التي هي من أعظم المصالح لأجل العجز عن أمرٍ غايتُه أن يكون واجبًا في الحج أو شرطًا فيه؛ فأصول الشريعة تُبطِل هذا القول.\nفصل\nوأما التقدير الخامس ــ وهي أن ترجع وهي على إحرامها ممتنعة من النكاح والوطء إلى أن تعود في العام المقبل، ثم إذا أصابها الحيض رجعت كذلك، وهكذا كل عام ــ فمما تردُّه أصول الشريعة وما اشتملت عليه من الحكمة والمصلحة والرحمة (^١) والإحسان؛ فإن الله لم يجعل على الأمة مثلَ هذا الحرج، ولا ما هو قريب منه.\nفصل\nوأما التقدير السادس ــ وهو أنها تتحلّل كما يتحلّل المُحْصَر ــ فهذا أفقه من التقدير الذي قبله؛ فإن هذه منعَها خوفُ المقام من إتمام النسك، فهي كمن منعها عدوٌّ عن الطواف بالبيت بعد التعريف، ولكن هذا التقدير ضعيف، فإن الإحصار أمر عارض للحاج يمنعُه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكنة من البيت ومن الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة، وإذا جُعِلت هذه كالمحصر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذر الموجب للتحلل بالإحصار إذا كان قائمًا به (^٢) منعَ\n_________\n(^١) ز: «والرحمة والمصلحة».\n(^٢) «به» ليست في ز.","vol":"3","page":453},{"text":"فرْضَ الحج ابتداءً كإحاطة العدو بالبيت وتعذُّر النفقة، وهذه عذرُها لا يُسقِط فرض الحج عليها ابتداءً؛ فلا يكون عروضه موجبًا للتحلّل كالإحصار؛ فلازمُ هذا التقدير أنها إذا علمت أن هذا العذر يصيبها أو غلب على ظنها أن يسقط عنها فرض الحج وهو رجوع إلى التقدير الرابع.\nفصل\nوأما التقدير السابع ــ وهو أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحج عنها إذا خافت الحيض، وتكون كالمعضوب العاجز عن الحج بنفسه ــ فما أحسنَه [٦/ب] من تقدير لو عُرِف به قائل؛ فإن هذه عاجزة عن إتمام نسكها، ولكن هو باطل أيضًا؛ فإن المعضوب الذي تجب عليه الاستنابة هو الذي يكون آيسًا من زوال عذره، فلو كان يرجو زوالَ عذره كالمرض العارض والحبس لم يكن له أن يستنيب، وهذه لا تيأسُ من زوال عذرها؛ لجواز أن تبقى إلى زمن اليأس وانقطاع الدم، أو أن دمها ينقطع قبل سنّ اليأس لعارضٍ بفعلها أو بغيرِ فعلها؛ فليست كالمعضوب حقيقةً ولا حكمًا.\nفصل\nفإذا بطلت هذه التقديرات تعيَّن التقدير الثامن، وهو أن يقال: تطوف بالبيت والحالة هذه، وتكون هذه الضرورة مقتضيةً لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافقها كما تقدم؛ إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز، ولا حرام مع ضرورة.\nفإن قيل: في ذلك محذوران:","vol":"3","page":454},{"text":"أحدهما: دخول الحائض المسجدَ، وقد قال النبي - ﷺ -: «لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ» (^١)، فكيف بأفضل المساجد؟\nالثاني: طوافها في حال الحيض وقد منعها الشارع منه كما منعها من الصلاة، فقال: «اصنَعي ما يصنَعُ الحاجُّ، غير أن لا تطوفي بالبيت» (^٢). فالذي منعها من الصلاة مع الحيض هو الذي منعها من الطواف معه.\nفالجواب عن الأول من أربعة أوجه:\nأحدها: أن الضرورة تُبيح دخول المسجد للحائض والجنب؛ فإنها لو خافت العدوَّ أو من يستكرهها على الفاحشة أو أخذ مالها ولم تجد ملجأً إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض، وهذه تخاف ما هو قريب من ذلك؛ فإنها تخاف إن أقامت بمكة أن يؤخذ مالها إن كان لها مال، وإلا أقامت بغيره (^٣) مضرورةً، وقد تخاف في إقامتها ممن يتعرَّض لها، وليس لها من يدفع عنها.\nالجواب الثاني: أن طوافها بمنزلة مرورها في المسجد، ويجوز للحائض المرور فيه إذا أمِنَت التلويثَ، وهي في دورانها حول البيت بمنزلة\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٣٢) وابن خزيمة (١٣٢٧) من حديث عائشة - ﵂ -. وفي إسناده جسرة بنت دجاجة لم يوثقها إلا ابن حبان في «الثقات» (٢٠٩٧) والعجلي في «الثقات» (٢٠٨٧) والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» - الأم (١/ ٨٦).\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٣) في هامش د: «لعله: بغربة».","vol":"3","page":455},{"text":"مرورها ودخولها من باب وخروجها من آخر؛ فإذا جاز مرورها للحاجة فطوافها للحاجة التي هي (^١) أعظم من حاجة المرور أولى بالجواز.\nيوضحه الوجه الثالث: أن دم الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة، والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجَّمتْ اتفاقًا، وذلك لأجل الحاجة، وحاجة هذه أولى.\nيوضحه الوجه الرابع: أن منعها من دخول المسجد للطواف كمنع الجنب؛ فإن النبي - ﷺ - سوَّى بينهما في تحريم المسجد عليهما، وكلاهما يجوز له الدخول عند الحاجة. وسرُّ المسألة أن قول النبي - ﷺ -: «لا تطوفي بالبيت» هل ذلك لأن الحائض ممنوعة من المسجد والطوافُ لا يكون إلا في المسجد، أو أن عبادة الطواف لا تصح مع الحيض كالصلاة، أو لمجموع الأمرين، أو لكل واحدٍ من الأمرين؟\nفهذه أربعة تقادير، فإن قيل بالمعنى الأول [٧/أ] لم يمنع صحة الطواف مع الحيض، كما قاله أبو حنيفة ومَن وافقه، وكما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وعلى هذا فلا يمتنع الإذن لها في دخول المسجد لهذه الحاجة التي تلتحق بالضرورة، ويُقيَّد بها مطلقُ نهي النبي - ﷺ -، وليس بأول مطلقٍ قُيِّد بأصول الشريعة وقواعدها. وإن قيل بالمعنى الثاني فغايته أن تكون الطهارة شرطًا من شروط الطواف، فإذا عجزتْ عنها سقط اشتراطها، كما لو انقطع دمها وتعذَّر عليها الاغتسال والتيمم، فإنها تطوف على حسب حالها كما تصلِّي بغير طهور.\n_________\n(^١) «هي» ليست في د.","vol":"3","page":456},{"text":"فصل\nوأما المحذور الثاني ــ وهو طوافها مع الحيض والطواف كالصلاة ــ فجوابه من وجوه:\nأحدها: أن يقال: لا ريب أن الطواف تجب فيه الطهارة وستر العورة، كما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يطوف بالبيت عريانٌ» (^١)، وقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وفي «السنن» مرفوعًا وموقوفًا: «الطواف بالبيت صلاةٌ إلا أن الله أباحَ فيه الكلام، فمن تكلَّم فيه فلا يتكلَّم إلا بخير» (^٢)، ولا ريبَ أن وجوب الطهارة وستر العورة في الصلاة آكدُ من وجوبها في الطواف؛ فإن الصلاة بلا طهارة مع القدرة باطلة بالاتفاق، وكذلك صلاة العُريان. وأما طواف الجنب والحائض والمحدِث والعُريان بغير عذر ففي صحته قولان مشهوران، وإن حصل الاتفاق على أنه منهيٌّ عنه في هذه الحال. بل وكذلك أركان الصلاة وواجباتها آكدُ من أركان الحج وواجباته، فإن واجبات الحج إذا تركها عمدًا لم يبطل حجه، وواجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته، وإذا نقصَ من الصلاة ركعةً عمدًا لم تصح، ولو طاف ستة أشواطٍ صح ووجب عليه دم عند أبي حنيفة وغيره، ولو نكسَ الصلاةَ لم تصح، ولو نكسَ الطواف ففيه خلاف، ولو صلَّى محدِثًا لم تصح صلاته، ولو طاف محدِثًا أو جُنبًا صح في أحد القولين، وغاية الطواف أن يُشبَّه بالصلاة.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٦٩) ومسلم (١٣٤٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":457},{"text":"وإذا تبيَّن هذا فغاية هذه إذا طافت مع الحيض للضرورة أن تكون بمنزلة من طافت عريانةً للضرورة؛ فإن نهي الشارع صلوات الله عليه وسلامه عن الأمرين واحد، بل الستارةُ في الطواف آكدُ من وجوه:\nأحدها: أن طواف العريان منهيٌّ عنه بالقرآن والسنة، وطواف الحائض منهيٌّ عنه بالسنة وحدها.\nالثاني: أن كشف العورة حرام في الطواف وخارجه.\nالثالث: أن طواف العريان أقبحُ شرعًا وعقلًا وفطرةً من طواف الحائض والجنب؛ فإذا صح طوافها مع العُرْي للحاجة فصحة طوافها مع الحيض للحاجة أولى وأحرى.\nولا يقال: فيلزمكم على هذا أن تصح صلاتها وصومها مع الحيض للحاجة، فإنّ (^١) هذا سؤال فاسد؛ فإن الحاجة لا تدعوها إلى ذلك بوجه من الوجوه، وقد جعل الله سبحانه صلاتها زمنَ الطهر مُغنِيةً [٧/ب] لها عن صلاتها في الحيض وكذلك صيامها، وهذه لا يُمكِنها تتعوَّض في حال طهرها بغير البيت.\nوهذا يبيِّن سرَّ المسألة وفقهها، وهو أن الشارع قسّم العبادات بالنسبة إلى الحائض إلى قسمين:\nقسم يُمكِنها التعوُّض عنه في زمن الطهر فلم يوجبه عليها في الحيض، بل أسقطه إما مطلقًا كالصلاة، وإما إلى بَدَلِه زمنَ الطهر كالصوم.\n_________\n(^١) د: «قيل».","vol":"3","page":458},{"text":"وقسم لا يُمكِنها التعوُّضُ عنه ولا تأخيره إلى زمن الطهر، فشرعه لها مع الحيض أيضًا، كالإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه، ومن هذا جواز قراءة القرآن لها وهي حائض؛ إذ لا يُمكِنها التعوُّض عنها زمنَ الطهر؛ لأن الحيض قد يمتدُّ بها غالبه أو أكثره، فلو مُنِعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتها، وربما نَسيتْ ما حفظتْه زمنَ طهرِها. وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين (^١) وأحد قولي الشافعي.\nوالنبي - ﷺ - لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديث «لا تقرأ الحائض والجنُب شيئًا من القرآن» (^٢) لم يصح؛ فإنه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث، فإنه من رواية إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر.\nقال الترمذي (^٣): لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عيّاش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه يضعِّف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما (^٤) حديث إسماعيل بن عيّاش عن أهل الشام». انتهى.\n_________\n(^١) ز: «وإحدى الروايتين عن أحمد».\n(^٢) رواه الترمذي (١٣١) من حديث ابن عمر - ﵁ -، وتكلم عليه المؤلف ونقل كلام الحافظ.\n(^٣) في «سننه» (١٣١).\n(^٤) د: «إنما هو». والمثبت موافق لما عند الترمذي.","vol":"3","page":459},{"text":"وقال البخاري أيضًا: إذا حدّث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدّث عن غيرهم ففيه نظر. وقال علي بن المديني: ما كان أحدٌ أعلمَ بحديث أهل الشام من إسماعيل بن عيّاش لو ثبت في حديث أهل الشام، ولكنه خلَّط في حديث أهل العراق، وحدَّثنا عنه عبد الرحمن ثم ضرب على حديثه؛ فإسماعيل عندي ضعيف (^١). وقال عبد الله بن أحمد: عرضتُ على أبي حديثًا حدثناه الفضل بن زياد الطَّسْتي (^٢) ثنا ابن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تقرأ الحائض ولا الجنبُ شيئًا من القرآن»، فقال أبي: هذا باطل، يعني أن إسماعيل وهمَ (^٣).\nوإذا لم يصح الحديث لم يبقَ مع المانعين حجة إلا القياس على الجنب، والفرق الصحيح بينها وبين الجنب مانعٌ من الإلحاق، وذلك من وجوه:\nأحدها: أن الجنب يُمكِنه التطهر متى شاء بالماء أو بالتراب، فليس له عذر في القراءة مع الجنابة بخلاف الحائض.\nوالثاني: أن الحائض يُشرع لها الإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه مع الحيض بخلاف الجنب.\nالثالث: أن الحائض يُشرع لها أن تشهد العيد مع المسلمين وتعتزل\n_________\n(^١) انظر هذه الأقوال في: «تاريخ بغداد» (٧/ ١٨٦).\n(^٢) في المطبوع: «الضبي» تحريف. وترجمة الطستي في «تاريخ بغداد» (١٤/ ٣٢٤) ط. بشار.\n(^٣) انظر: «الضعفاء» للعقيلي (١/ ٩٠).","vol":"3","page":460},{"text":"المصلَّى (^١) بخلاف الجنب.\nوقد تنازع من حرَّم عليها القراءة: هل يباح لها أن تقرأ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال؟ على ثلاثه أقوال:\nأحدها: المنع مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد؛ لأنها بعد انقطاع الدم تصير كالجُنب.\nالثاني: [٨/أ] الجواز مطلقًا، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، قال: وهو ظاهر كلام أحمد.\nوالثالث: إباحته للنُّفَساء وتحريمه على الحائض، وهو اختيار الخلّال.\nفالأقوال الثلاثة في مذهب الإمام (^٢) أحمد، فإذا لم تُمنَع الحائض من قراءة القرآن لحاجتها إليه فعدمُ منعِها في هذه الصورة عن الطواف الذي هي أشدُّ حاجةً إليه بطريق الأولى والأحرى.\nفصل\nهذا إذا كان المنع من طوافها لأجل دخول المسجد أو لأجل الحيض ومنافاته للطواف. وإن قيل بالتقدير الثالث وهو أنه لمجموع الأمرين بحيث إذا انفرد أحدهما لم يستقل بالتحريم، أو بالتقدير الرابع وهو أن كلًّا منهما علة مستقلة= كان الكلام على هذين التقديرين كالكلام على التقديرينِ الأولينِ. وبالجملة فلا يمتنع تخصيص العلة لفوات شرط أو لقيام مانع،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٩٧٤) ومسلم (٨٩٠) من حديث أم عطية - ﵂ -.\n(^٢) «الإمام» ليست في د.","vol":"3","page":461},{"text":"وسواء قيل: إن وجود الشرط وعدم المانع من أجزاء العلة أو هو أمر خارج عنها؛ فالنزاع لفظي، فإن أريد بالعلةِ التامةُ فهما من أجزائها، وإن أريد بها المقتضيةُ كانا خارجين عنها.\nفإن قيل: الطواف كالصلاة، ولهذا تشترط له الطهارة من الحدث، وقد أشار إلى هذا بقوله في الحديث: «الطواف بالبيت صلاة» (^١)، والصلاة لا تشرع ولا تصح مع الحيض، فهكذا شقيقُها ومُشبِهُها، ولأنها عبادة متعلقة بالبيت، فلم تصح مع الحيض كالصلاة، وعكسه الوقوف بعرفة وتوابعه.\nفالجواب: أن القول باشتراط طهارة الحدث للطواف لم يدلَّ عليه نصٌّ ولا إجماع، بل فيه النزاع قديمًا وحديثًا؛ فأبو حنيفة وأصحابه لا يشترطون ذلك، وكذلك الإمام (^٢) أحمد في إحدى الروايتين عنه.\nقال أبو بكر في «الشافي»: باب في الطواف بالبيت غير طاهر، قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب: لا يطوف أحد بالبيت إلا طاهرًا، والتطوع أيسرُ، ولا يقف مشاهدَ الحج إلا طاهرًا. وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه، واختار له أن يطوف وهو طاهر. وقد نصَّ أحمد في إحدى الروايتين عنه على أن الرجل إذا طاف جنبًا ناسيًا صح طوافه ولا دم عليه، وعنه رواية أخرى عليه دم، وثالثة أنه لا يجزئه الطواف.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) «الإمام» ليست في د.","vol":"3","page":462},{"text":"وقد ظنّ بعض أصحابه أن هذا الخلاف عنه إنما هو في المحدِث والجنب، فأما الحائض فلا يصح طوافها قولًا واحدًا. قال شيخنا - ﵁ - (^١): وليس كذلك، بل صرَّح غير واحد من أصحابنا بأن الخلاف عنه في الحيض والجنابة.\nقال (^٢): وكلام أحمد (^٣) يدلّ على ذلك، ويبيِّن أنه كان متوقفًا في طواف الحائض وفي طواف الجنب. قال عبد الملك الميموني في «مسائله»: قلت لأحمد: من طاف طواف الواجب على غير وضوء وهو ناسٍ ثم واقعَ أهلَه، قال: أُخبِرك، مسألة فيها وهمٌ وهم مختلفون، وذكر قول [٨/ب] عطاء والحسن، قلت: ما تقول أنت؟ قال: دَعْها، أو كلمة تُشبِهها.\nوقال الميموني في «مسائله» أيضًا: قلت له: من سعى وطاف على غير طهارة ثم واقع أهلَه، فقال لي: مسألةٌ الناس فيها مختلفون، وذكر قول ابن عمر (^٤)، وما يقول عطاء مما يسهِّل فيها، وما يقول الحسن (^٥)، وأن عائشة قال لها النبي - ﷺ - حين حاضتْ: «افعلي ما يفعلُ الحاج غيرَ أن لا تطوفي\n_________\n(^١) أي شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر كلامه في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٠٧). وعبارة الترضي ليست في ز.\n(^٢) أي شيخ الإسلام، والكلام متصل بما قبله.\n(^٣) ز: «الإمام أحمد».\n(^٤) يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة (١٤٥٨٣) عن ابن عمر - ﵄ - قال: إذا طافت بالبيت، ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة، فلتَسْعَ بين الصفا والمروة. وصححه ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٥٠٥).\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (١٤٥٨٥)، وصححه ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٥٠٥).","vol":"3","page":463},{"text":"بالبيت» (^١). ثم قال لي: إلا أن هذا أمر بُلِيَتْ به، نزل عليها ليس من قِبَلِها. قلت: فمن الناس من يقول عليها الحج من قابلٍ، فقال لي: نعم كذا أكبرُ علمي. قلت: ومنهم من يذهب إلى أن عليها دمًا، فذكر تسهيل عطاء فيها خاصة. قال لي أبو عبد الله أولًا وآخرًا: هي مسألة مشتبهة فيها موضع نظر، فدَعْني حتى أنظر فيها. قال ذلك غيرَ مرة. ومن الناس من يقول: وإن رجع إلى بلده يرجع حتى يطوف. قلت: والنسيان؟ قال: النسيان أهونُ حكمًا بكثير. يريد أهونُ ممن يطوف على غير طهارةٍ متعمدًا. هذا لفظ الميموني (^٢).\nقلت: وأشار أحمد إلى تسهيل عطاء إلى فتواه أن المرأة إذا حاضت في أثناء الطواف فإنها تُتِمُّ طوافها. وهذا تصريح منه أن الطهارة ليست شرطًا في صحة الطواف، وقد قال إسماعيل (^٣) بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فحاضت في الطواف، فأتمَّتْ بها عائشة بقية طوافها هذا (^٤). والناس إنما تلقَّوا منع الحائض من الطواف من حديث عائشة، وقد دلّت أحكام الشريعة على أن الحائض أولى بالعذرِ وتحصيلِ (^٥) مصلحة العبادة التي تفوتها إذا تركتْها مع الحيض من الجنب، ولهذا إذا حاضت في صوم شهري التتابع لم ينقطع\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٠٧).\n(^٣) كذا في النسختين، والصواب: «سعيد».انظر: «المحلى» (٧/ ١٨٠).\n(^٤) ذكره ابن حزم في «المحلى» (٧/ ١٨٠) والزيلعي في «نصب الراية» (٣/ ١٢٨).\n(^٥) د: «تحصل».","vol":"3","page":464},{"text":"تتابعها بالاتفاق، وكذلك تقضي المناسك كلها من أولها إلى آخرها مع الحيض بلا كراهة بالاتفاق سوى الطواف؛ وكذلك تشهد العيد مع المسلمين بلا كراهة، بالنص. وكذلك تقرأ القرآن إما مطلقًا وإما عند خوف النسيان؛ وإذا حاضت وهي معتكفة لم يبطل اعتكافها، بل تُتِمُّه في رحبة المسجد.\nوسرُّ المسألة ما أشار إليه صاحب الشرع بقوله: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم» (^١)، وكذلك قال الإمام أحمد: «هذا أمر بُلِيَتْ به نزلَ عليها، ليس من قِبَلِها». والشريعة قد فرقت بينها وبين الجنب كما ذكرناه؛ فهي أحقُّ بأن تُعذَر من الجنب الذي طاف مع الجنابة ناسيًا أو ذاكرًا؛ فإذا كان فيه النزاع المذكور فهي أحقُّ بالجواز منه؛ فإن الجنب يمكنه الطهارة وهي لا يمكنها، فعذرها بالعجز والضرورة أولى من عذره بالنسيان، فإن الناسي لما أمر به من الطهارة والصلاة يؤمر بفعله إذا ذكره، بخلاف العاجز عن الشرط والركن فإنه لا يؤمر بإعادة العبادة معه إذا قدر عليه؛ فهذه إذا لم يمكنها إلا الطواف على غير طهارة وجب عليها ما تقدر عليه وسقط عنها ما تعجز عنه، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي - ﷺ -: «إذا أمرتُكم [٩/أ] بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم» (^٢). وهذه لا تستطيع إلا هذا، وقد اتَّقَت الله ما استطاعت؛ فليس عليها غير ذلك بالنص وقواعد الشريعة. والمطلق يقيَّد بدون هذا بكثير.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٩٤) ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":465},{"text":"ونصوص أحمد وغيره من العلماء صريحة في أن الطواف ليس كالصلاة في اشتراط الطهارة، وقد ذكرنا نصه في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى رجع فلا شيء عليه، وأختارُ له أن يطوف وهو طاهر، وإن وطئ فحجه ماضٍ ولا شيء عليه. وقد تقدم قول عطاء، ومذهب أبي حنيفة صحة الطواف بلا طهارة.\nوأيضًا فإن الفوارق بين الطواف والصلاة أكثر من الجوامع، فإنه يباح فيه الكلام والأكل والشرب والعمل الكثير، وليس فيه تحريم ولا تحليل (^١)، ولا ركوع ولا سجود، ولا قراءة ولا تشهد، ولا تجب له جماعة، وإنما اجتمع هو والصلاة في عموم كونه طاعة وقربة، وخصوص كونه متعلقًا بالبيت، وهذا لا يعطيه شروط الصلاة كما لا يعطيه واجباتها وأركانها.\nوأيضًا فيقال: لا نسلِّم أن العلة في الأصل كونها عبادة متعلقة بالبيت، ولم تذكروا على ذلك حجة واحدة، والقياس الصحيح ما تبين فيه أن الوصف المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم في الأصل أو دليل العلة؛ فالأول قياس العلة، والثاني قياس الدلالة.\nوأيضًا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلَّقت بالبيت أو لم تتعلق، ولهذا وجبت للنافلة في السفر إلى غير القبلة، ووجبت حين كانت مشروعة إلى بيت المقدس، ووجبت لصلاة الخوف إذا لم يمكن الاستقبال.\nوأيضًا فهذا القياس ينتقض بالنظر إلى البيت؛ فإنه عبادة متعلقة بالبيت.\nوأيضًا فهذا قياس معارَضٌ بمثله، وهو أن يقال: عبادة من شرطها\n_________\n(^١) د: «تحليل ولا تحريم».","vol":"3","page":466},{"text":"المسجد، فلم تكن الطهارة شرطًا فيها كالاعتكاف، وقد قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وليس إلحاق الطائفين بالركَّع السجود أولى من إلحاقهم بالعاكفين، بل إلحاقهم بالعاكفين أشبه؛ فإن المسجد شرط في كل منهما بخلاف الركَّع السجود.\nفإن قيل: الطائف لا بدّ أن يصلّي ركعتي الطواف، والصلاة لا تكون إلا بطهارة.\nقيل: وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قيل بوجوبهما لم تجب الموالاة بينهما وبين الطواف، وليس اتصالهما بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ولو خطب مُحدِثًا ثم توضأ وصلّى الجمعة جاز؛ فجواز طوافه محدِثًا ثم يتوضأ ويصلّي ركعتي الطواف أولى بالجواز، وقد نص الإمام (^١) أحمد على أنه إذا خطب جنبًا جاز.\nفصل\nوإذا ظهر أن الطهارة ليست شرطًا في الطواف، فإما أن تكون واجبة وإما أن تكون سنة، وهما قولان للسلف والخلف، ولكن من يقول هي سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول: عليها دم، والإمام (^٢) أحمد يقول: ليس عليها دم ولا غيره، كما صرَّح به فيمن [٩/ب] طاف جنبًا وهو ناسٍ.\nقال شيخنا (^٣): فإذا طافت حائضًا مع عدم العذر توجَّه القول بوجوب\n_________\n(^١) «الإمام» ليست في د.\n(^٢) «الإمام» من ز.\n(^٣) في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢١٤ - ٢١٦).","vol":"3","page":467},{"text":"الدم عليها، وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال عليها دم؛ والأشبه أنه لا يجب الدم؛ لأن الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة لا مع العجز، فإن لزوم الدم إنما يكون مع ترك المأمور أو فِعْل المحظور، وهذه لم تترك مأمورًا في هذه الحال ولا فعلت محظورًا، فإنها إذا رَمَت الجمرة وقصَّرت حلَّ لها ما كان محظورًا عليها بالإحرام غير النكاح؛ فلم يبقَ بعد التحلل الأول محظورٌ يجب بفعله دم، وليست الطهارة مأمورًا بها مع العجز فيجب بتركها دم.\nفإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض ممكنًا أُمِرت بطواف القدوم وطواف الوداع، فلمّا سقط عنها طواف القدوم والوداع عُلِمَ أن طوافها مع الحيض غير ممكن.\nقيل: لا ريبَ أن النبي - ﷺ - أسقط طواف القدوم عن الحائض، وأمر عائشة لما قدِمتْ وهي متمتعة فحاضت أن تدَعَ أفعال العمرة وتُحرِم بالحج (^١)، فعُلِم أن الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما، والمحظورات لا تُباح إلا في حال الضرورة، ولا ضرورةَ بها إلى طواف القدوم؛ لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد، ولا إلى طواف الوداع؛ فإنه ليس من تمام الحج، ولهذا لا يودِّع المقيم بمكة، وإنما يودِّع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت (^٢). فهذان الطوافان أُمِر بهما القادر عليهما إما أمرَ إيجابٍ فيهما أو في أحدهما أو استحبابٍ كما هي أقوال معروفة، وليس واحد منهما ركنًا يقف صحةُ الحج عليه، بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه. وهذا كما يباح لها الدخول إلى المسجد واللُّبث\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه البخاري (١٧٥٥) ومسلم (١٣٢٧) من حديث ابن عباس - ﵄ -.","vol":"3","page":468},{"text":"فيه للضرورة، ولا يباح لها الصلاة ولا الاعتكاف فيه وإن كان منذورًا، ولو حاضت المعتكفة خرجت من المسجد إلى فنائه فأتمَّت اعتكافها ولم يبطل.\nوهذا يدل على أن منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف، وإنما هو لحرمة المسجد لا لمنافاة الحيض لعبادة الطواف والاعتكاف، ولما كان الاعتكاف يمكن أن يُفعل في رحبة المسجد وفِنائه جُوِّز لها إتمامه فيها لحاجتها، والطواف لا يمكن إلا في المسجد، وحاجتها في هذه الصورة إليه أعظم من حاجتها إلى الاعتكاف، بل لعل حاجتها إلى ذلك أعظم من حاجتها إلى دخول المسجد واللبث فيه لبردٍ أو مطرٍ أو نحوه.\nوبالجملة فالكلام في هذه الحادثة في فصلين؛ أحدهما: في اقتضاء قواعد الشريعة لها لا منافاتها لها، وقد تبين ذلك بما فيه كفاية. والثاني: في أن كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط أو الوجوب إنما هو في حال القدرة والسعة لا في حال الضرورة والعجز. فالإفتاء بها لا ينافي نصَّ الشارع ولا قول الأئمة، وغايةُ المفتي بها أنه يقيِّد مطلقَ كلام الشارع بقواعد شريعته وأصولها، ومطلقَ كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم، فالمفتي بها موافق [١٠/أ] لأصول الشرع وقواعده ولقواعد الأئمة، وبالله التوفيق.\nفصل\nالمثال السابع: أن المطَلِّق في زمن النبي - ﷺ - وزمن خليفته أبي بكر الصديق (^١) وصدرًا من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفمٍ واحد جُعِلَتْ واحدةً، كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس؛ فروى مسلم في\n_________\n(^١) «الصديق» من ز.","vol":"3","page":469},{"text":"«صحيحه» (^١) عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.\nوفي «صحيحه» (^٢) أيضًا عن طاوس أن أبا الصَّهْباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تُجعل واحدةً على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم.\nوفي «صحيحه» (^٣) أيضًا عنه أن أبا الصَّهْباء قال لابن عباس: هاتِ من هَناتِك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابعَ (^٤) الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.\nوفي «سنن أبي داود» (^٥) عن طاوس أن رجلًا يقال له أبو الصهباء كان\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٤٧٢/ ١٥).\n(^٢) رقم (١٤٧٢/ ١٦).\n(^٣) رقم (١٤٧٢/ ١٧).\n(^٤) كذا في النسختين: «تتابع»، وضبطه الجمهور بالمثناة التحتية «تتايع»، وضبطه بعضهم بالموحدة «تتابع». انظر: «شرح النووي على مسلم» (١٠/ ٧٢).\n(^٥) رقم (٢١٩٩)، ورواه من طريقه البيهقي (٧/ ٣٣٨). وفيه ثلاث علل: جهالة الواسطة بين أيوب وطاوس، واختلاط أبي النعمان السدوسي، وكذلك تفرده بقوله: «قبل أن يدخل بها». انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٢٣٣) و«السلسلة الضعيفة» (١١٣٤).","vol":"3","page":470},{"text":"كثير السؤال لابن عباس، فقال: أما علمتَ أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أُجيزهنّ عليهم.\nوفي «مستدرك الحاكم» (^١) من حديث عبد الله بن المؤمَّل عن ابن أبي مُليكة أن أبا الجَوْزاء أتى ابنَ عباس، فقال: أتعلمُ أن ثلاثًا كنَّ يُردَدْن على عهد رسول الله - ﷺ - إلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح». وهذه غير طريق طاوس عن أبي الصهباء.\nوقال الإمام أحمد في «مسنده» (^٢): ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحُصَين عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس، قال: طلّق رُكانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول الله - ﷺ -: «كيف طلّقتَها؟» قال: طلّقتُها ثلاثًا، قال: فقال: «في مجلس واحد؟» قال: نعم، قال: «فإنما تلك (^٣) واحدة، فارْجِعْها إن شئتَ»، قال:\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٦)، و«سنن الدارقطني» (٤٠٣٢). وقال الذهبي في «مختصره» (٢/ ٦٦٢): «فيه عبد الله بن المؤمَّل وقد ضعفوه». لكنه توبع بابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي الصهباء عند مسلم (١٤٧٢/ ١٦).\n(^٢) رقم (٢٣٨٧)، ورواه أيضًا أبو يعلى (٢٥٠٠). والحديث صححه الإمام أحمد كما سيأتي. وانظر: «الإرواء» (٧/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٣) في النسختين د، ز: «تملك». والتصويب من «المسند».","vol":"3","page":471},{"text":"فراجعها. فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر.\nوقد صحّح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسّنه، فقال في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - ردّ ابنتَه على أبي العاص بمهرٍ جديد ونكاحٍ جديد: «هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، لم يسمعه الحجّاج من عمرو بن شعيب، [١٠/ب] وإنما سمعه من محمد بن عُبَيد الله العَرْزَمي (^١)، والعَرْزَمي لا يساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح: الذي رُوِي أن النبي - ﷺ - أقرَّهما على النكاح الأول» (^٢). وإسناده عنده هو إسناد حديث رُكانة بن عبد يزيد (^٣).\nهذا، وقد قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس (^٤). فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس به بأس عند الترمذي؛ فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده ما هو نظيره وأقوى منه؟\nوقال أبو داود (^٥): ثنا أحمد بن صالح ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - ﷺ - عن عكرمة مولى ابن عباس عن\n_________\n(^١) في النسختين د، ز: «العزرمي» خطأ. والتصويب من «المسند».\n(^٢) «مسند أحمد» عند حديث رقم (٦٩٣٨).\n(^٣) انظر: «مسند أحمد» (١٨٧٦).\n(^٤) «سنن الترمذي» (١١٤٣)، وتتمة كلامه: ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قِبَل داود بن الحصين من قبل حفظه.\n(^٥) رقم (٢١٩٦). ورواه أيضًا عبد الرزاق (١١٣٣٤) والبيهقي (٧/ ٣٣٩). وإسناده مسلسل بعلل: جهالة حال علي بن يزيد بن ركانة، وضعف ابنه عبد الله، وفي إسناده اضطراب. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٢٣٨).","vol":"3","page":472},{"text":"ابن عباس قال: طلّق عبد يزيد ــ أبو ركانة وإخوتِه ــ أمَّ ركانة، ونكح امرأة من مُزينة، فجاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: ما يُغنِي عني إلا كما تُغنِي هذه الشعرة ــ لشعرةٍ أخذَتْها من رأسها ــ ففرِّقْ بيني وبينه. فأخذت النبيَّ - ﷺ - حميةٌ، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: «أترون فلانًا يُشبِه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانًا منه كذا وكذا؟»، قالوا: نعم، فقال النبي - ﷺ - لعبد يزيد: «طلِّقْها»، ففعلَ، فقال: «راجِعْ امرأتك أمَّ ركانة وإخوتِه»، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: «قد علمتُ، راجِعْها»، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].\nوقال أبو داود (^١): حديث نافع بن جُبَير وعبد الله بن علي بن يزيد بن رُكانة عن أبيه عن جده أن ركانة طلَّق امرأته فردّها إليه النبي - ﷺ - (^٢) أصح، لأنهم ولد الرجل وأهله وأعلمُ به، وأن ركانة إنما طلق امرأته البتةَ، فجعلها النبي - ﷺ - واحدة.\nقال شيخنا - ﵁ - (^٣): وأبو داود لما لم يروِ في «سننه» الحديثَ الذي في «مسند أحمد» ــ يعني الذي ذكرناه آنفًا ــ فقال: حديث البتّةِ أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلَّق امرأته ثلاثًا، لأنهم أهلُ بيته، ولكن الأئمة\n_________\n(^١) عقب الحديث السابق.\n(^٢) رواه أبو داود (٢٢٠٨) وابن ماجه (٢٠٥١)، وفي إسناده الزبير بن سعيد الهاشمي متكلم فيه، وعلي بن يزيد بن ركانة لم يوثقه إلا ابن حبان، والحديث أعله أحمد وأبو عبيد والبخاري كما سيذكر المؤلف عن شيخه.\n(^٣) في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٥).","vol":"3","page":473},{"text":"الأكابر العارفون بعلل الحديث والفقه كالإمام أحمد (^١) وأبي عبيد (^٢) والبخاري (^٣) ضعَّفوا حديث البتة، وبينوا أنّ رواته قوم مجاهيل لم تُعرف عدالتهم وضبطهم. وأحمد ثبَّتَ حديث الثلاث، وبيّن أنه الصواب، وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة. وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس (^٤) أن ركانة طلَّق امرأته ثلاثًا، وأهلُ المدينة يسمُّون الثلاث البتة (^٥). قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة؟ فضعَّفه (^٦).\nوالمقصود أن عمر بن الخطاب - ﵁ - لم يخْفَ عليه أن هذا هو السنة، وأنه توسعةٌ من الله لعباده؛ إذ جعل الطلاق مرةً بعد مرة، وما كان مرةً بعد مرة لم يملك المكلَّف\nإيقاعَ مرَّاتِه كلها جملة واحدة، كاللعان فإنه لو قال: «أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين» كان مرة واحدة، ولو حلف في القسامة وقال: «أقسم بالله خمسين يمينًا أن هذا [١١/أ] قاتله» كان ذلك يمينًا واحدة، ولو قال المقرُّ بالزنا: «أنا أقرُّ أربع مرات أني زنيت» كان مرة واحدة؛ فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارًا واحدًا. وقال النبي\n_________\n(^١) سيأتي كلام أحمد.\n(^٢) انظر: «سنن ابن ماجه» (٢٠٥١).\n(^٣) انظر: «التاريخ الكبير» (٦/ ٣٠١) و«سنن الترمذي» (١١٧٧) و«العلل الكبير» للترمذي (ص ١٧١).\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) انظر: «مسائل الإمام أحمد» رواية أبي داود (ص ٢٣٦).\n(^٦) انظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٤٧).","vol":"3","page":474},{"text":"- ﷺ -: «من قال في يومٍ (^١) سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطَّتْ عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» (^٢)، فلو قال: «سبحان الله وبحمده مائة مرة» لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرةً بعد مرة. وكذلك قوله: «من سبَّح الله دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمِدَه ثلاثًا وثلاثين، وكبَّره ثلاثًا وثلاثين» (^٣) الحديث؛ لا يكونعاملًا به حتى يقول ذلك مرةً بعد مرة، ولا يجمع الكلَّ بلفظ واحد. وكذلك قوله: «من قال في يومٍ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، كانت له حِرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسي» (^٤)، لا يحصل هذا إلا بقولها مرةً بعد مرة. وهكذا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]. وهكذا قوله في الحديث: «الاستئذان ثلاثَ مرات، فإن أُذِن لك وإلّا فارجِعْ» (^٥)،\nلو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة. وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء، كقوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] إنما هو مرةً بعد مرة، وكذا قول ابن عباس - ﵁ -: «رأى محمد ربَّه بفؤاده مرتين» (^٦) إنما هو مرةً بعد مرة، وكذا قول النبي - ﷺ -:\n_________\n(^١) د: «يومه».\n(^٢) رواه البخاري (٦٤٠٥) ومسلم (٢٦٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.\n(^٣) رواه مسلم (٥٩٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.\n(^٤) رواه البخاري (٣٢٩٣) ومسلم (٢٦٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.\n(^٥) رواه البخاري (٦٢٤٥) ومسلم (٢١٥٣) واللفظ له، من حديث أبي سعيد - ﵁ -.\n(^٦) رواه مسلم (١٧٦).","vol":"3","page":475},{"text":"«لا يُلدغ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين» (^١).\nفهذا المعقولُ من اللغة والعرف، فالأحاديث المذكورة وهذه النصوص المذكورة وقولُه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] كلُّها من باب واحد ومشكاة واحدة، والأحاديث المذكورة تفسِّر المراد من قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، كما أن حديث اللعان تفسير لقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦].\nفهذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله، وهذه لغة العرب، وهذا عُرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله - ﷺ - والصحابة كلهم معه في عصره وثلاثَ سنين من عصر عمر على هذا المذهب؛ فلو عدَّهم العادُّ بأسمائهم واحدًا واحدًا أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها (^٢)، ولو فُرِض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن مُنكِرًا للفتوى به، بل كانوا ما (^٣) بين مُفْتٍ ومقرٍّ بفتيا وساكتٍ غيرِ مُنكِر.\nوهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعًا كما ذكره يونس بن بُكَير عن ابن\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦١٣٣) ومسلم (٢٩٩٨) من حديث أبي هريرة، ولفظهما: «من حجر واحدٍ مرتين». وبلفظ المصنف رواه ابن ماجه (٣٩٨٢، ٣٩٨٣) من حديث أبي هريرة وابن عمر - ﵃ -.\n(^٢) جواب حرف الشرط «لو» مفهوم من السياق. وفي المطبوع: «[لوجد] أنهم كانوا ...»، وما بين المعكوفتين ليس في النسخ.\n(^٣) «ما» ليست في د.","vol":"3","page":476},{"text":"إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: استُشهِد من المسلمين في وقعة اليمامة ألف ومائتا رجلٍ، ومنهم سبعون من القرّاء كلهم قد قرؤوا القرآن، وتوفي في خلافة الصدّيق فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - وعبد الله بن أبي بكر. قال محمد بن إسحاق: فلما أصيب المسلمون من المهاجرين والأنصار باليمامة أصيب فيهم عامة فقهاء المسلمين [١١/ب] وقرّائهم= فزِعَ أبو بكر إلى القرآن، وخاف أن يَهلِك منه طائفة (^١).\nوكل صحابي من لدُنْ خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرار أو سكوت، ولهذا ادّعى بعض أهل العلم (^٢) أن هذا إجماع قديم، ولم تُجمِع الأمة ولله الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يُفتي به قرنًا بعد قرن، وإلى يومنا هذا (^٣)، فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: «إذا قال أنتِ طالق ثلاثًا بفم واحدٍ فهي واحدة» (^٤).\n_________\n(^١) لم أقف على هذه الرواية، وقد روى ابن عائذ عن الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة نحوها. انظر: «إمتاع الأسماع» للمقريزي (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٢) هو داود الظاهري، انظر: «مذاهب الحكام» (ص ٢٨٢) و«المعيار المعرب» (٤/ ٤٢٥). وقال المؤلف في «زاد المعاد» (٥/ ٢٤٧): لو شئنا لقلنا وصدَقْنا: إن هذا كان إجماعًا قديمًا لم يَختلف فيه على عهد الصديق اثنان.\n(^٣) انظر: «تسمية المفتين بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة» للشيخ سليمان بن عبد الله العمير، فقد استوفى ذكرهم.\n(^٤) ذكره أبو داود معلقًا (٢١٩٧) عن حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه معلقًا عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة، وجعله قول عكرمة.","vol":"3","page":477},{"text":"وأفتى أيضًا بالثلاث (^١)، أفتى بهذا وهذا.\nوأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابن وضّاح (^٢)، وعن علي (^٣) وابن مسعود (^٤) روايتان كما عن ابن عباس.\nوأما التابعون فأفتى به عكرمة، رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه (^٥)، وأفتى به طاوس (^٦).\nوأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق، حكاه الإمام أحمد (^٧) وغيره (^٨) عنه، وأفتى به خِلاس بن عمرو (^٩) والحارث العُكْلي.\nوأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه، حكاه\n_________\n(^١) كما في «مصنَّف عبد الرزاق» (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٨) وغيره.\n(^٢) كما حكاه ابن مغيث في «المقنع» (ص ٨٠)، وانظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٦٧).\n(^٣) رواية الثلاث عند ابن أبي شيبة (١٨١٠١)، وذكرها من طريق وكيع ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٧٢). وأما رواية الواحدة فذكرها ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٦٩).\n(^٤) رواية الثلاث عند عبد الرزاق (١١٣٤٣)، وصححها ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٧٢). وأما رواية الواحدة فذكرها ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٦٩).\n(^٥) ذكره أبو داود معلقًا (٢١٩٧).\n(^٦) رواه ابن عبد البر في «الاستذكار» (٦/ ١٠٩).\n(^٧) نقله عنه تلميذه الأثرم. انظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٦٠).\n(^٨) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٨٥) و«الاستذكار» (٦/ ٨).\n(^٩) حكاه عنه بشر بن الوليد عن أبي يوسف عنه. انظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٦٣).","vol":"3","page":478},{"text":"عنهم ابن المغلِّس وابن حزم وغيرهما (^١).\nوأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التِّلِمْسَاني في «شرح تفريع ابن الجلّاب» قولًا لبعض المالكية (^٢).\nوأفتى به بعض الحنفية، حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل (^٣).\nوأفتى به بعض أصحاب الإمام أحمد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، قال (^٤): وكان الجد يفتي به أحيانًا.\nوأما الإمام أحمد نفسه فقد قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر واحدة» بأيّ شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوهٍ خلافَه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث (^٥). فقد صرَّح بأنه إنما ترك القول به لمخالفة راويه له، وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها أن الحديث إذا صح لم يردَّه لمخالفة راويه له، بل الأخذ عنده بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأمة (^٦)، فأخذ بروايته أنه لا يكون طلاقًا، وترك رأيه. وعلى أصله يخرَّج له قول إن الثلاث واحدة؛ فإنه إذا صرَّح بأنه إنما\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٨) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٥٦٩) و«الصواعق المرسلة» (٢/ ٦٢٢).\n(^٢) انظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٦٣).\n(^٣) وحكاه عنه المازري في «المعلم بفوائد مسلم» (٢/ ١٢٦).\n(^٤) «جامع المسائل» (١/ ٣٤٦) و«مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٨٤).\n(^٥) «المغني» لابن قدامة (١٠/ ٣٣٤).\n(^٦) رواه سعيد بن منصور (١٩٤٧) وابن أبي شيبة (١٨٥٦٦).","vol":"3","page":479},{"text":"ترك الحديث لمخالفة الراوي وصرَّح في عدة مواضع أن مخالفة الراوي لا توجب ترك الحديث خُرِّج له في المسألة قولان، وأصحابه يخرِّجون على مذهبه أقوالًا دون ذلك بكثير.\nوالمقصود أن هذا القول قد دلَّ عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم، ولم يأتِ بعده إجماعٌ يُبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر - ﵁ - أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملةً واحدة؛ فرأى من المصلحة عقوبتهم [١٢/أ] بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانتْ منه المرأة وحرمتْ عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاحَ رغبة يراد للدوام لا نكاحَ تحليل، فإنه كان من أشدّ الناس فيه، فإذا علموا ذلك كفُّوا عن الطلاق المحرم (^١)، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي - ﷺ - وعهد الصديق وصدرًا من خلافته كان الأليقَ بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتَّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجًا، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبةً لهم؛ فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق مرةً بعد مرة، ولم يشرعْه كلَّه مرةً واحدةً، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدَّى حدود الله، وظلم نفسه، ولعِبَ بكتاب الله، فهو حقيق أن يُعاقَب، ويُلزَم بما التزمه، ولا يؤهَّل لرخصة (^٢) الله وسعته، وقد صعَّبها على نفسه، ولم يتَّقِ الله ويطلِّقْ كما أمره الله وشرعه له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمةً منه وإحسانًا، ولَبَس على نفسه واختار الأغلظ والأشد.\n_________\n(^١) «المحرم» ليست في ز.\n(^٢) د: «ولا يقر على رخصة». وصحح في الهامش.","vol":"3","page":480},{"text":"فهذا مما تغيَّرت به الفتوى لتغيُّر الزمان، وعلِم الصحابة - ﵃ - حسنَ سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك، فوافقوه على ما ألزم به، وصرَّحوا لمن استفتاهم بذلك، فقال عبد الله بن مسعود: من أتى الأمرَ على وجهه فقد بُيِّن له، ومن لَبَس على نفسه جعلنا عليه لَبْسَه، والله لا تَلْبِسون على أنفسكم ونتحمَّلُه عنكم، هو كما تقولون (^١).\nفلو كان وقوع الثلاث ثلاثًا في كتاب الله وسنة رسوله لكان المطلِّق قد أتى الأمرَ على وجهه، ولما كان قد لَبَس على نفسه، ولما قال النبي - ﷺ - لمن فعل ذلك: «أيُلعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهُرِكم؟» (^٢)، ولَمَا توقَّف عبد الله بن الزبير في الإيقاع وقال للسائل: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهبْ إلى ابن عباس وأبي هريرة. فلما جاء إليهما قال ابن عباس لأبي هريرة: أَفْتِه فقد جاءتك مُعضِلة، ثم أفتياه بالوقوع (^٣).\nفالصحابة - ﵃ - ومقدَّمهم عمر بن الخطاب لما رأوا الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وأرسلوا ما بأيديهم منه ولَبَسوا على أنفسهم ولم يتقوا الله في التطليق الذي شرعه لهم وأخذوا بالتشديد على أنفسهم ولم يقفوا على ما حُدَّ لهم= ألزموهم بما التزموه، وأمضَوا عليهم ما اختاروه لأنفسهم من التشديد الذي وسَّع الله عليهم ما شرعه لهم بخلافه. ولا ريبَ أن من فعل\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه النسائي في «المجتبى» (٣٤٠١) و«السنن الكبرى» (٥٥٦٤)، وإسناده على شرط مسلم، قاله ابن القيم في «زاد المعاد» (٥/ ٢٢٠).\n(^٣) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٥٧١)، ومن طريقه الشافعي في «مسنده» (١١٣). والأثر صححه الألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (٦/ ٤٠٣).","vol":"3","page":481},{"text":"هذا حقيق بالعقوبة بأن ينفَّذ عليه ما أنفذه على نفسه؛ إذ لم يقبل رخصة الله وتيسيره ومهلته، ولهذا قال ابن عباس لمن طلَّق مائة: «عصيتَ ربك وبانتْ منك امرأتك؛ إنك لم تتَّقِ الله فيجعل لك مخرجًا، ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا» (^١). وأتاه رجل فقال: إن عمّي طلق ثلاثًا، فقال: «إن عمَّك عصى الله فأندمَه الله، وأطاع [١٢/ب] الشيطان فلم يجعل له مخرجًا»، فقال: أفلا تُحلِّلها له؟ فقال: من يُخادع الله يَخدعه (^٢).\nفليتدبَّر العالم الذي قصْدُه معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله - ﷺ - وتقواهم ربهم ﵎ في التطليق، فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعًا وقدرًا، فلما ركب الناس الأُحموقةَ، وتركوا تقوى الله، ولَبَسوا على أنفسهم، وطلّقوا على غير ما شرعه الله لهم= أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معهم (^٣) شرعًا وقدرًا إلزامَهم بذلك، وإنفاذَه عليهم، وإبقاءَ الإصْر الذي جعلوه هم في أعناقهم كما جعلوه.\nوهذه أسرارٌ من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمان، فجاء أئمة الإسلام، فمضَوا على آثار الصحابة سالكين مسلكهم، قاصدين رِضَى الله ورسوله وإنفاذ دينه. فمنهم من ترك القول بحديث ابن عباس لظنِّه أنه\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور (١٠٦٤) وأبو داود (٢١٩٧) والبيهقي (٧/ ٣٣٧)، وصححه الألباني في «الإرواء» (٧/ ١٢٠).\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٠٧٧٩) وابن أبي شيبة (٥/ ١١) وسعيد بن منصور (١٠٦٥) والبيهقي (٧/ ٣٣٧)، وصححه صالح آل الشيخ في «التكميل على الإرواء» (ص ١٣١).\n(^٣) كذا في النسختين د، ز. وفي هامش ز: لعله معه.","vol":"3","page":482},{"text":"منسوخ، وهذه طريقة الشافعي. قال (^١): فإن كان معنى قول ابن عباس إن الثلاث كانت تُحسَب على عهد رسول الله - ﷺ - واحدةً معنى أنه بأمر النبي - ﷺ -، فالذي يُشبِه أن يكون ابن عباس قد علم شيئًا فنُسِخ.\nفإن قيل: فما دلَّ على ما وصفتَ؟\nقيل: لا يُشبِه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله - ﷺ - شيئًا ثم يخالفه بشيء ولم يعلمه كان من النبي - ﷺ - فيه خلاف.\nفإن قيل: فلعلّ هذا شيء رُوي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر.\nقيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة (^٢)، وبيع الدينار بالدينارين (^٣)، وبيع أمهات الأولاد (^٤)، فكيف يوافقه في شيء روي عن النبي - ﷺ - خلافه؟\n_________\n(^١) كما في «معرفة السنن والآثار» (١١/ ٣٨). ولم أجده في «الأم».\n(^٢) أما قول عمر فأخرجه عبد الرزاق (١٤٠٢١، ١٤٠٤٧) وابن أبي شيبة (١٧٣٥٢، ١٧٣٥٣، ١٧٣٦٠) وأحمد (١٠٤، ٣٦٨)، وأخرجه مسلم (١٤٠٥/ ١٦ - ١٧) من حديث جابر عنه.\nوأما قول ابن عباس فأخرجه البخاري (٥١١٦) ومسلم (١٤٠٦/ ٣١). وانظر: «فتح الباري» (٩/ ١٧١).\n(^٣) قول عمر عند مالك في «موطئه» رواية أبي مصعب (٢٥٤٤) والنسائي (٤٥٦٨). وأما فتوى ابن عباس عند البخاري (٢١٧٨) ومسلم (١٥٩٦) من حديث أبي سعيد - ﵁ -، وثبت رجوع ابن عباس عنها عند مسلم (١٥٩٤/ ١٠٠) وابن ماجه (٢٢٥٨).\n(^٤) فتوى عمر عند أبي داود (٣٩٥٤) من حديث جابر - ﵄ -، وقد تقدم تخريجه، وأما قول ابن عباس فعند عبد الرزاق (١٣٢١٨).","vol":"3","page":483},{"text":"قال المانعون من لزوم الثلاث: النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا ترك الحديث الصحيح المعصوم لمخالفة (^١) راويه له؛ فإن مخالفته ليست معصومة، وقد قدَّم الشافعي رواية ابن عباس في شأن بَرِيرة (^٢) على فتواه التي تخالفها في كون بيع الأمة طلاقها (^٣).\nوأخذ هو وأحمد وغيرهما بحديث أبي هريرة «من استقاءَ فعليه القضاء» (^٤)، وقد خالفه أبو هريرة وأفتى بأنه لا قضاء عليه (^٥).\nوأخذوا برواية ابن عباس أن النبي - ﷺ - أمر أصحابه أن يَرمُلوا الأشواطَ الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين (^٦)، وصح عنه أنه قال: «ليس الرمل بسنة» (^٧).\nوأخذوا (^٨) برواية عائشة في منع الحائض من الطواف (^٩)، وقد صح\n_________\n(^١) في النسختين د، ز: «مخالفة».\n(^٢) قصة بريرة عند البخاري (٢٥٣٦) ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) مضى تخريجه.\n(^٤) مضى تخريجه.\n(^٥) رواه البخاري (٤/ ١٧٣ - مع الفتح) وذكر أنه أصح. وهذا الأثر داخل في شرط البخاري، وحكمه صريح في الاتصال، ولأجل هذا لم يرقمه الألباني في تعاليق البخاري، بل جعله من موصولاته رقم (٩٠٨). انظر: «تغليق التعليق» (٣/ ١٧٥) و«مختصر صحيح البخاري» للألباني (١/ ٥٦٥).\n(^٦) رواه البخاري (١٦٠٢) ومسلم (١٢٦٦) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٧) رواه أبو داود (١٨٨٥) ولفظه: «قد رمل رسول الله - ﷺ -، وكذبوا ليس بسنة»، وصححه ابن خزيمة (٢٧٧٩) وابن حبان (٣٨١١). وهو عند مسلم (١٢٦٤) دون قوله: «ليس بسنة».\n(^٨) د: «وأخذ».\n(^٩) رواها البخاري (٢٩٤) ومسلم (١٢١١).","vol":"3","page":484},{"text":"عنها أن امرأة حاضت وهي تطوف معها فأتمَّتْ بها عائشة بقية طوافها، رواه سعيد بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بِشْر (^١) عن عطاء، فذكره (^٢).\nوأخذوا برواية ابن عباس في تقديم الرمي والحلق والنحر بعضها على بعض، وأنه لا حرجَ في ذلك (^٣)، وقد أفتى ابن عباس أن فيه دمًا (^٤)، فلم يلتفتوا إلى قوله وأخذوا بروايته.\nوأخذت الحنفية بحديث ابن عباس «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه»، قالوا: وهذا صريح في طلاق المُكرَه، وقد صح عن ابن عباس: ليس لمكرهٍ (^٥) ولا لمضطَهدٍ طلاق (^٦).\nوأخذوا هم والناس بحديث ابن عمر أنه اشترى جملًا شاردًا بأصح سندٍ يكون (^٧).\n_________\n(^١) في النسختين د، ز: «أبي بسر». والتصويب من «المحلَّى» (٧/ ١٨٠). واسمه جعفر بن إياس، كما في «التقريب» و«التهذيب» وغيرهما.\n(^٢) ذكره ابن حزم في المحلى (٧/ ١٨٠).\n(^٣) رواه البخاري (٨٤) ومسلم (١٣٠٧) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (١٥١٨٨) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٣٨)، وأعله ابن حزم وابن حجر بإبراهيم بن مهاجر، وفيه مقال. انظر: «المحلى» (٧/ ١٨٣) و«فتح الباري» (٣/ ٥٧٢).\n(^٥) ز: «للمكره».\n(^٦) حديث ابن عباس المرفوع تقدم تخريجه، وأما قوله الموقوف فعند سعيد بن منصور (١١٤٣) وابن أبي شيبة (١٨٣٣٠)، وفي إسناده عبد الله بن طلحة الخزاعي لم يوثقه سوى ابن حبان في «الثقات» (٧/ ١٢).\n(^٧) رواه ابن أبي شيبة (٢٠٨٩٤).","vol":"3","page":485},{"text":"وأخذ الحنفية والحنابلة بحديث علي وابن عباس: «صلاة الوسطى صلاة العصر» (^١)، وقد ثبت عن علي وابن عباس أنها صلاة الصبح (^٢).\nوأخذ الأئمة الأربعة وغيرهم [١٣/أ] بخبر عائشة في التحريم بلبن الفحل (^٣)، وقد صح عنها خلافه، وأنه كان يَدخُل عليها من أرضعتْه بناتُ إخوتها، ولا يدخُل عليها من أرضعتْه نساءُ إخوتها (^٤).\nوأخذ الحنفية بحديث عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين» (^٥)، وصح عنها أنها أتمَّت الصلاة في السفر، فلم يَدَعوا روايتها لرأيها.\n_________\n(^١) حديث علي عند البخاري (٦٣٩٦) ومسلم (٦٢٧). وأما حديث ابن عباس فعند أحمد (٢٧٤٥) والطبراني (١١٩٠٥).\n(^٢) رواه مالك بلاغًا (١/ ١٣٩)، ووصله من قول ابن عباس عبد الرزاق (٢٢٠٧) وابن أبي شيبة (٨٧١٧)، وصححه ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ١٨٩). وأما قول علي فوصله الطبري من وجه آخر في «تفسيره» (١٥/ ٣٦)، وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم متكلم فيه، وكذلك منقطع، فعبد الرحمن بينه وبين علي - ﵁ - مفاوز. والصحيح عن علي - ﵁ - أنه فسرها بصلاة العصر. انظر: «التمهيد» (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨) و«الاستذكار» (٢/ ١٨٩).\n(^٣) رواه البخاري (٤٧٩٦) ومسلم (١٤٤٥) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) رواه أحمد (٢٦٣٣٠) وأبو داود (٢٠٦١)، وصححه ابن حبان (٤٢١٥).\n(^٥) رواه البخاري (٣٥٠، ١٠٩٠، ٣٩٣٥) ومسلم (٦٨٥/ ١ - ٣) من طرق عن الزهري عن عروة عنها. وأما إتمامها الصلاة في السفر فعند البخاري (١٠٩٠) ومسلم (٦٨٥/ ٣) عقب حديثها: قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان.","vol":"3","page":486},{"text":"واحتجوا بحديث جابر وأبي موسى في الأمر بالوضوء من الضحك في الصلاة، وقد صح عنهما أنهما قالا: لا وضوء من ذلك (^١).\nوأخذ الناس بحديث عائشة في ترك إيجاب الوضوء مما مست النار، وقد صحّ عن عائشة بأصح إسنادٍ إيجابُ الوضوء للصلاة من أكلِ كلِّ ما مسَّت النار (^٢).\nوأخذ الناس بأحاديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة في المسح على الخفين (^٣)، وقد صح عن ثلاثتهم المنعُ من المسح جملة (^٤)؛ فأخذوا بروايتهم وتركوا رأيهم.\nواحتجوا في إسقاط القصاص عن الأب بحديث عمر: «لا يُقتَصُّ لولدٍ من والده»، وقد قال عمر: «لأقصَّنَّ للولد من الوالد» (^٥)؛ فلم يأخذوا برأيه\n_________\n(^١) حديث جابر عند الدارقطني (٦٤٧)، وحكم بنكارته أبو بكر النيسابوري شيخ الدراقطني، وعلته يزيد بن سنان، وابنه محمد ضعفهما الدارقطني، ورجح وقفه. وانظر: «الإرواء» (٢/ ١١٤). وأما حديث أبي موسى ففي «المعجم الكبير» كما في «نصب الراية» (١/ ٤٧). وأما أثر جابر فعلقه البخاري (١/ ٢٨٠ - مع الفتح)، ووصله ابن أبي شيبة (٣٩٢٩). وأثر أبي موسى عند ابن أبي شيبة (٣٩٣٥).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٥٥٠) وأحمد (٢٥٢٨٢، ٢٦٢٩٧). وأما الموقوف فرواه عبد الرزاق (٦٧٤).\n(^٣) حديث عائشة عند الطبراني في «مسند الشاميين» (١٥٠٤) والدارقطني (٧٤٦)، وحديث ابن عباس عند الطبراني (١١٣١٩)، وحديث أبي هريرة عند ابن أبي شيبة (١٨٩٤)، وكلها صحاح ثابتة. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٣٤٥٥).\n(^٤) انظر لأقوالهم: «مصنف ابن أبي شيبة» (١٩٥٦، ١٩٥٩، ١٩٦٤) تباعًا.\n(^٥) أما الحديث المرفوع فرواه أحمد (١٤٧، ١٤٨) والترمذي (١٤٠٠) وابن ماجه (٢٦٦٢) بلفظ: «لا يقاد ...»، والحديث صحيح بالشواهد والمتابعات. انظر: «الإرواء» (٧/ ٢٦٨). وأما قول عمر فلم أجده.","vol":"3","page":487},{"text":"بل بروايته.\nواحتجت الحنفية والمالكية في أن الخلع طلاق بحديثين لا يصحّان عن ابن عباس (^١)، وقد صحّ عن ابن عباس بأصح إسنادٍ يكون أن الخلع فسخٌ لا طلاق (^٢).\nوأخذت الحنفية بحديث لا يصح بل هو من وضع حَرام بن عثمان (^٣) ومبشِّر بن عُبيد الحلَبي، وهو حديث جابر: «لا يكون صداقٌ أقلّ من عشرة دراهم» (^٤)، وقد صح عن جابر جوازُ النكاح بما قلّ أو كثر (^٥).\n_________\n(^١) الحديثان أخرجهما الدارقطني (٤٠٢٥، ٤٠٢٦)، وأعلّ ابن الجوزي الأول بعبّاد بن كثير، وأعلّ الثاني بعمرو بن مسلم. انظر: «التحقيق في مسائل الخلاف» (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١١٧٦٥)، وابن أبي شيبة (٥/ ١١٢)، وانظر: «الفتح» (٩/ ٣٦٩).\n(^٣) ز: «عمار» خطأ. وترجمته في «لسان الميزان» (٣/ ٦). ولم أجد الحديث من طريقه، وقد ذكره ابن حزم في «المحلى» (٩/ ٤٩٥).\n(^٤) رواه الدارقطني عن جابر - ﵁ -\nمرفوعًا (٣٦٠١) وأعلّه بمبشر بن عبيد. قال ابن عدي في «الكامل» (٨/ ١٦٢): هذا الحديث مع اختلاف ألفاظه في المتون واختلاف إسناده باطل لا يرويه إلا مبشر. وانظر: «الإرواء» (٦/ ٢٦٤).\n(^٥) لعله يشير إلى حديث جابر - ﵁ -\nعند مسلم (١٤٠٥): «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث». قال البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٣٧): وقد مضت الدلالة عن رسول الله - ﷺ - أنه حرم نكاح المتعة بعد الرخصة والنسخ، وإنما ورد بإبطال الأجل لا قدر ما كانوا عليه ينكحون من الصداق. والله أعلم.","vol":"3","page":488},{"text":"واحتجوا هم وغيرهم على المنع من بيع أمهات الأولاد بحديث ابن عباس المرفوع (^١)، وقد صح عنه جواز بيعهن (^٢)؛ فقدَّموا روايته التي لم تثبت على فتواه الصحيحة عنه.\nوأخذت الحنابلة وغيرهم بخبر سعيد بن المسيب عن عمر أنه ألحق الولد بأبوين، وقد خالفه سعيد بن المسيّب (^٣)؛ فلم يعتدُّوا بخلافه.\nوصح عن عمر وعثمان ومعاوية أن رسول الله - ﷺ - تمتَّع بالعمرة إلى الحج (^٤)، وصح عنهم النهي عن التمتع (^٥)، فأخذ الناس برواياتهم وتركوا رأيهم.\nوأخذ الناس بحديث أبي هريرة في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه» (^٦). وقد روى سعيد بن منصور في «سننه» عن أبي هريرة أنه قال: ماءانِ لا يُجزِئان في غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام (^٧).\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٢٥١٥). وفي إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي وشريك النخعي متكلم فيهما، والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (٦/ ١٨٥).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١٣٤٧٦) والبيهقي (٧/ ٤١٣).\n(^٤) الذي فيه إقرار عثمان - ﵁ - عند مسلم (١٢٢٣)، وأما البخاري فليس فيه ذلك (١٥٦٣، ١٥٦٩). وأما حديث عمر فعند مسلم (١٢٢٢). وأما حديث معاوية فلم أجده.\n(^٥) قول عثمان عند البخاري (١٥٦٣) ومسلم (١٢٢٣)، وقول عمر ومعاوية عند مسلم (١٢٢٢) و(١٢٢٥) ولاءً.\n(^٦) مضى تخريجه.\n(^٧) رواه أبو عبيد في «الطهور» (٢٤٦)، وابن أبي شيبة (١١٥٦)، وفيه راوٍ مبهم.","vol":"3","page":489},{"text":"وأخذت الحنابلة والشافعية بحديث أبي هريرة في الأمر بغَسْل الإناء من ولوغ الكلب (^١)، وقد صح عن أبي هريرة ما رواه سعيد بن منصور في «سننه» أن أبا هريرة سئل عن الحوض يلَغُ فيه الكلب ويشرب منه الحمار، فقال: لا يحرِّم الماءَ شيء (^٢).\nوأخذت الحنفية بحديث علي: «لا زكاةَ فيما زاد على المائتي درهمٍ حتى يبلغ أربعين درهمًا» (^٣)، مع ضعف الحديث بالحسن بن عُمارة، وقد صح عن علي أن ما زاد على المائتين ففيه الزكاة بحسابه، رواه عبد الرزاق (^٤) عن معمر عن أبي إسحاق السَّبيعي عن عاصم بن ضَمرة عنه.\nوهذا باب يطول تتبعُه، وترى كثيرًا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قولَ من قلّده وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما روى لا في قوله، [١٣/ب] فإذا جاء قول الراوي موافقًا لقول من قلّده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخُه، وإلا كان قدحًا في عدالته، فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا، بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض.\n_________\n(^١) مضى تخريجه.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (١٥١٩).\n(^٣) نقله ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٥٦١) عن الدارقطني. ولم أجده في «سننه».\n(^٤) برقم (٧٠٧٤)، ورواه أبو داود مرفوعًا (١٥٧٢)، وكلاهما صحيح، كما نقله الترمذي عن شيخه البخاري عقب الحديث (٦٢٠). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٥/ ٢٩١).","vol":"3","page":490},{"text":"والذي نَدِينُ الله به ولا يسعُنا غيره وهو القصد في هذا الباب: أن الحديث إذا صح عن رسول الله - ﷺ - ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذُ بحديثه وتركُ كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان لا راويه ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضره وقتَ الفتيا، أو لا يتفطّن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضًا في نفس الأمر، أو يقلّد غيرَه في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه. ولو قُدِّر انتفاء ذلك كله ــ ولا سبيلَ إلى العلم بانتفائه ولا ظنه ــ لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوطَ عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك.\nفصل\nإذا عُرِف هذا فهذه المسألة مما تغيَّرت الفتوى بها بحسب الأزمنة كما عرفت؛ لِما رآه الصحابة من المصلحة؛ لأنهم رأوا مفسدةَ تتابُعِ الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع. ولم يكن باب التحليل الذي لعن رسول الله - ﷺ - فاعلَه مفتوحًا بوجهٍ ما، بل كانوا أشدَّ خلق الله في المنع منه، وتواعد عمر فاعلَه بالرجم، وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره. وأما في هذه الأزمان التي قد شَكَت الفروجُ فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقُبْحِ ما يرتكبه المحلّلون مما هو رَمَدٌ بل عمًى في عين الدين وشَجًى في حلوق المؤمنين، من قبائحَ تُشْمِتُ أعداء الدين به وتَمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه،","vol":"3","page":491},{"text":"بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطابٌ، ولا يحصُرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدُّونها من أعظم الفضائح، قد قلَبتْ من الدين رسمه، وغيَّرتْ منه اسمه، وضَمَّخَ التيسُ المستعار فيها المطلقةَ بنجاسة التحليل، وزعم أنه قد طيَّبها (^١) للحليل.\nفيا لله العجب! أيُّ طِيبٍ أعارها هذا التَّيس الملعون؟ وأيُّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدُّون؟ أترى وقوف الزوج المطلِّق (^٢) أو الولي على الباب، والتيس الملعون قد حلَّ إزارها وكشف النقاب وأخذ في ذلك المُرتَبَع (^٣)، والزوج أو الولي يُناديه: لم يُقدَّم إليك هذا الطعام لِتَشْبع، فقد علمتَ أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون ورب العالمين أنك لستَ معدودًا من الأزواج، ولا للمرأة [١٤/أ] وأوليائها بك رضًى ولا فرح ولا ابتهاج، وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار للضِّراب، الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفَك على الباب؛ فالناس يُظهرون النكاح ويعلنونه فرحًا وسرورًا، ونحن نتواصى بكتمان هذا الداء العُضال ونجعله أمرًا مستورًا؛ بلا نِثارٍ (^٤) ولا دُفٍّ ولا إخوان (^٥) ولا إعلان، بل التواصي بِهُسْ (^٦) ومُسْ والإخفاء والكتمان. فالمرأة تُنكح لدينها وحسبها\n_________\n(^١) د: «أنه وطئها».\n(^٢) د: «والمطلق».\n(^٣) كذا في النسختين د، ز. وفي المطبوع: «المرتع». والمرتبع: المرعى في زمن الربيع.\n(^٤) النِّثار: ما نُثِر في حفلات السرور من حلوى أو نقود.\n(^٥) «إخوان» لغة في «خِوان» أي مائدة طعام. انظر: «غريب الحديث» للخطابي (١/ ٣٧٤).\n(^٦) هُسْ: زجر للغنم وأمر بالسكوت. ومُسْ كأنه إتباع له.","vol":"3","page":492},{"text":"ومالها وجمالها، والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فإنه لا يمسك بعصمتها، بل قد دخل على زوالها.\nوالله سبحانه قد جعل كل واحد من الزوجين سَكنًا لصاحبه، وجعل بينهما مودةً ورحمةً ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شرعه لأجلها العزيزُ الحكيم، فسَلِ التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد ومقصودِه ومصلحتِه أجنبي غريب؟ وسَلْه: هل اتخذ هذه المُصابة حليلةً وفراشًا يأوي إليه؟ ثم سَلْها: هل رضيتْ به قطُّ زوجًا وبعلًا تُعوِّل في نوائبها عليه؟ وسَلْ أولي التمييز والعقول: هل تزوَّجت فلانة بفلان؟ وهل يُعدُّ هذا نكاحًا في شرع أو عقل أو فطرة إنسان؟ وكيف يلعن رسول الله - ﷺ - رجلًا من أمّته نكح نكاحًا شرعيًّا صحيحًا، ولم يرتكب في عقده محرَّمًا ولا قبيحًا؟ وكيف يُشبِّهه بالتيس المستعار، وهو من جملة المحسنين الأبرار؟ وكيف تُعيَّر به المرأة طولَ دهرها بين أهلها والجيران؛ وتظلُّ ناكسةً رأسَها إذا ذُكر ذلك بين النسوان؟\nوسَلِ التيس المستعار: هل حدَّث نفسَه وقتَ هذا العقد الذي هو شقيق النفاق بنفقةٍ أو كسوة أو وزن صداق؟ وهل طَمِعت المصابةُ منه في شيء من ذلك، أو حدَّثت نفسَها به هنالك؟ وهل طلب منها ولدًا نجيبًا واتخذته عشيرًا وحبيبًا؟ وسَلْ عقول العالمين وفِطَرَهم: هل كان خيرُ هذه الأمة أكثرهم تحليلًا، أو كان المحلِّل الذي لعنه الله ورسوله أهداهم سبيلًا؟\nوسَلِ التيس المستعار ومن ابتُلِيتْ به: هل تجمَّل أحد منهما بصاحبه كما يتجمَّل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما رغبة في صاحبه بحسب أو مال أو جمال؟ وسَلِ المرأة: هل تَكره أن يتزوَّج عليها هذا","vol":"3","page":493},{"text":"التيس المستعار أو يتسرَّى، أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أخرى، أو تسأل عن ماله وصنعته أو حسن عشرته وسعة نفقته؟\nوسل التيس المستعار (^١): هل سأل قطُّ عما يسأل عنه من قصد حقيقة النكاح، أو يتوسَّل إلى بيت أحمائه بالهدية والحمولة والنقد الذي يتوسّل به خاطب المِلاح؟ وسَلْه: هل هو أبو يأخذُ أو أبو يُعطي؟ وهل قوله عند إقراءةِ (^٢) أبي جادِ هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حُطِّي؟ وسَلْه عن وليمة عرسه: هل أولَمَ ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحدًا من أصحابه فقضى حقَّه وأتاه؟ [١٤/ب] وسَلْه: هل تحمَّل من كلفة هذا العقد ما يتحمَّله المتزوّجون، أم جاءه كما جرت به عادة الناس الأصحابُ والمهنِّئون؟ وهل قيل له: بارك الله لكما وعليكما وجمعَ بينكما في خير وعافية، أم لعن الله المحلِّل والمحلَّل له لعنة تامة وافية؟\nفصل\nثم سَلْ من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حرّةٍ مَصُونة أنشبَ فيها المحلِّل مخالبَ (^٣) إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان، وكان بعلها منفردًا بوطئها فإذا هو والمحلّل فيها ببركة التحليل شريكان؟ فلعمرُ الله كم أخرج التحليلُ مخدَّرةً من سِترها (^٤) إلى البِغاء، وألقاها بين براثن العُشَراء\n_________\n(^١) «المستعار» ليست في د.\n(^٢) كذا في النسختين د، ز. وهو مصدر بإضافة هاء، مثل إطلالة. وفي المطبوع: «قراءة».\n(^٣) د، ز: «فخالفت»، تحريف. والمثبت من ط.\n(^٤) د: «سرها».","vol":"3","page":494},{"text":"والحُرَفاء (^١)؟ ولولا التحليل لكان منالُ الثريّا دون منالها، والتدرُّع بالأكفان دون التدرُّع بجمالها، وعِناق القَنا دون عِناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها. وسَلْ أهل الخبرة: كم عقَد المحلِّلُ على أمّ وابنتها؟ وكم جمع ماءه في أرحام ما زاد على الأربع وفي رحم الأختين؟ وذلك محرَّم باطل في المذهبين. وهذه المفسدة في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن تُفرَد بالذكر، وهي كموجةٍ واحدة من الأمواج، ومن يستطيع عدَّ أمواج البحر؟ وكم من امرأةٍ كانت قاصرةَ الطرف على بَعْلها، فلما ذاقت عُسيلةَ المحلِّل خرجت على وجهها فلم يجتمع شَمْلُ الإحصان والعفة بعد ذلك بشَمْلِها، وما كان هذا سبيلَه، فكيف يَحتمل أكملُ الشرائع وأحكمُها تحليلَه؟ فصلوات الله وسلامه على من صرَّح بلعنته، وسماه بالتيس المستعار (^٢) من بين فسَّاق أمته، كما شهد به علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن عباس (^٣)، وأخبر عبد الله بن عمر أنهم كانوا يعدُّونه على عهد رسول الله - ﷺ - سِفاحًا (^٤).\nأما ابن مسعود ففي «مسند الإمام أحمد» و«سنن النسائي» و«جامع الترمذي» (^٥) عنه قال: لعن رسول الله - ﷺ - المحلِّل والمحلَّل له. قال\n_________\n(^١) جمع عَشِير وحَرِيف، أي الصديق والقريب.\n(^٢) سيأتي تفصيله في كلام المؤلف.\n(^٣) سيأتي تخريج هذه الطرق.\n(^٤) سيأتي تخريجه.\n(^٥) رواه الترمذي (١١٢٠) وصححه، وهذا لفظه، وسيأتي لفظ أحمد والنسائي. وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري. انظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ٣٤٩).","vol":"3","page":495},{"text":"الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال سفيان الثوري: حدثني أبو قيس الأَودي عن هُزَيل بن شُرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: لعنَ رسول الله - ﷺ - الواشمةَ والمستوشمة، والواصلة والموصولة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكلَ الربا ومُوكِله. رواه النسائي والإمام أحمد (^١).\nوروى الترمذي منه لَعْنَ المحلِّل، وصححه، ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين.\nورواه الإمام أحمد (^٢) من حديث أبي الواصل عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ -: «لُعِن المحلِّل والمحلَّل له».\nوفي «مسند الإمام أحمد» والنسائي (^٣) من حديث الأعمش عن عبد الله بن مُرَّة عن الحارث عن ابن مسعود قال: «آكلُ الربا ومُوكِله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة (^٤)، ولَاوِي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتدُّ [١٥/أ] على عقبيه أعرابيًّا بعد هجرته= ملعونون على لسان محمدٍ - ﷺ - يوم القيامة».\nوأما حديث علي بن أبي طالب ففي «المسند» و«سنن أبي داود»\n_________\n(^١) النسائي (٣١٤٦) وأحمد (٤٢٨٣).\n(^٢) رقم (٤٣٠٨)، وفي إسناده أبو الواصل مجهول، وقد توبع في الحديث الذي قبله.\n(^٣) رواه أحمد (٤٠٩٠) والنسائي (٥١٠٢)، وفي إسناده الحارث الأعور ضعيف. وله متابع، وصححه ابن خزيمة (٢٢٥٠) والحاكم (١/ ٣٨٧).\n(^٤) في مصدري التخريج: «والواشمة والمستوشمة».","vol":"3","page":496},{"text":"والترمذي وابن ماجه (^١) من حديث الشعبي عن الحارث عن علي بن أبي طالب عن النبي - ﷺ - أنه لعنَ المحلِّل والمحلَّل له.\nوأما حديث أبي هريرة ففي «مسند الإمام أحمد» و«مسند أبي بكر بن أبي شيبة» (^٢) من حديث عثمان بن الأخنس عن المقبُري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لعن الله المحلّل والمحلَّل له». قال يحيى بن معين: عثمان بن الأخنس ثقة (^٣). والذي رواه عنه عبد الله بن جعفر القرشي ثقة من رجال مسلم، وثّقه أحمد ويحيى وعلي (^٤) وغيرهم؛ فالإسناد جيد.\nوفي كتاب «العلل» للترمذي (^٥): ثنا محمد بن يحيى ثنا معلّى بن منصور عن عبد الله بن جعفر المَخْرَمي (^٦) عن عثمان بن محمد الأخنسي عن سعيد المقْبُري عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - لعن المحلِّل والمحلَّل له. قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المَخْرَمي صدوق، وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة، وكنت أظنُّ أن عثمان لم يسمع من سعيد\n_________\n(^١) أحمد (٦٣٥) وأبو داود (٢٠٧٦) والترمذي (١١١٩) وابن ماجه (١٩٣٥)، وأعله الترمذي بمجالد، وفيه أيضًا الحارث الأعور.\n(^٢) أحمد (٨٢٨٧)، ورواه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (١٧٣٧٥).\n(^٣) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٦/ ١٦٦).\n(^٤) انظر هذه الأقوال في: «الجرح والتعديل» (٥/ ٢٢) و«تاريخ ابن معين» رواية عثمان الدارمي (ص ١٦٤).\n(^٥) «العلل الكبير» (ص ١٦١) برقم (٢٧٣).\n(^٦) في النسختين د، ز هنا وفيما يأتي: «المخزومي»، تحريف. وانظر: «التقريب» و«التهذيب».","vol":"3","page":497},{"text":"المَقبري. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^١): هذا إسناد جيد.\nوأما حديث جابر بن عبد الله ففي «جامع الترمذي» (^٢) من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - لعن المحلِّل والمحلَّل له. ومجالد وإن كان غيره أقوى منه فحديثه شاهدٌ ومقوٍّ.\nوأما حديث عقبة بن عامر ففي «سنن ابن ماجه» (^٣) عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أُخبِركم بالتيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له». ورواه الحاكم في «صحيحه» من حديث الليث بن سعد عن مِشْرَح بن هَاعَان (^٤) عن عقبة بن عامر، فذكره.\nوقد أُعِلَّ هذا الحديث بثلاث علل:\nإحداها: أن أبا حاتم البستي ضعَّف مِشْرح بن هَاعان (^٥).\nوالعلة الثانية: ما حكاه الترمذي في كتاب «العلل» (^٦) عن البخاري، فقال: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث عبد الله بن صالح حدثني الليث عن مِشْرَح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أُخبِركم بالتَّيس المستعار؟ هو المحِلُّ والمحلَّل له، لعن الله\n_________\n(^١) في «بيان الدليل على إبطال التحليل» (ص ٣٢٠). وفي د بعده: «﵁».\n(^٢) رقم (١١١٩).\n(^٣) برقم (١٩٣٦)، ورواه أيضًا الطبراني (٨٢٥) من حديث عقبة بن عامر، وصححه الحاكم (٢/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٤) في النسختين د، ز: «عاهان». والتصويب من هامشهما.\n(^٥) انظر: «المجروحين» له (٣/ ٢٨).\n(^٦) (ص ١٦١).","vol":"3","page":498},{"text":"المحِلَّ والمحلَّل له». فقال: عبد الله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا، ما أرى الليث سمعه من مِشْرَح بن هَاعان؛ لأن حَيْوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح.\nالعلة الثالثة: ما ذكرها الجوزجاني في «مُتَرجَمِه» (^١) فقال: كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا (^٢).\nفأما العلة الأولى فقال محمد بن عبد الواحد المقدسي (^٣): مِشْرح قد وثّقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد (^٤)، وابن معين أعلم بالرجال من ابن حبان.\nقلت: وهو صدوق عند الحفّاظ، لم يتَّهمه أحدٌ البتةَ، ولا أطلقَ عليه أحد من أهل الحديث [١٥/ب] قطُّ أنه ضعيف، ولا ضعَّفه ابن حبان، وإنما قال: يروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يُتابَع عليها؛ فالصواب تركُ ما انفرد به. وانفردَ ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه.\nوأما العلة الثانية فعبد الله بن صالح قد صرَّح بأنه سمعه من الليث، وكونه لم يُخرِجه وقتَ اجتماع البخاري به لا يضرُّه شيئًا. وأما قوله: «إن حيوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح» فإنه يريد به أن حيوة بن شُريح المصري من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما روى عن بكر بن عمرو عن\n_________\n(^١) «المترجم» اسم كتاب، وقد سبق التعريف به.\n(^٢) انظر: «بيان الدليل» (ص ٣٢١).\n(^٣) الضياء المقدسي في «السنن والأحكام» (٥/ ١٤٤).\n(^٤) (ص ٢٠٤).","vol":"3","page":499},{"text":"مِشْرح، وهذا تعليل قوي، ويؤكِّده أن الليث قال: «قال مشرح» ولم يقل: «حدثنا»، وليس بلازم؛ فإن الليث كان معاصرًا لمِشْرح وهو في بلده، وطلبُ الليثِ للعلم وجمعُه لم يمنعه أن لا يسمع من مِشْرَح حديثَه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد.\nوأما التعليل الثالث فقال شيخ الإسلام (^١): إنكارُ من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد، وإنما هو لتوهُّم انفراده به عن الليث، وظنِّهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهَّم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه كان ذلك شذوذًا فيه وعلةً قادحة، وهذا لا يتوجَّه ههنا لوجهين:\nأحدهما: أنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتب الليث عنه، رويناه من حديث أبي بكر القَطيعي: حدثنا جعفر بن محمد الفِريابي حدثني العباس المعروف بأبي قُرَيق (^٢) ثنا أبو صالح حدثني الليث به، فذكره. ورواه أيضًا الدارقطني في «سننه» (^٣): ثنا أبو بكر الشافعي ثنا إبراهيم بن الهيثم أخبرنا أبو صالح، فذكره.\nالثاني: أن عثمان بن صالح هذا المصري نفسه (^٤) روى عنه البخاري في «صحيحه»، وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي، وقال: هو شيخ\n_________\n(^١) في «بيان الدليل» (ص ٣٢١، ٣٢٢).\n(^٢) في بيان الدليل: «المعروف بابن قريق» وقريق لقب العباس بن إسماعيل بن حماد البغدادي، كما في «الكامل» لابن عدي (٤/ ١١٨)، و«نزهة الألباب» (٢/ ٩٠).\n(^٣) رقم (٣٦١٨).\n(^٤) كذا في النسختين د، ز. وفي بيان الدليل: «ثقة».","vol":"3","page":500},{"text":"صالح سليم الناحية (^١)، قيل له: كان يلقَّن؟ قال: لا (^٢). ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالفه به الثقات، لا ما انفرد به عنهم، فكيف إذا تابعه مثل ابن صالح (^٣) وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثًا عنه؟ وهو ثقة أيضًا، وإن كان قد وقع في بعض حديثه غلط. ومشرح بن هاعان (^٤) قال فيه ابن معين: ثقة (^٥)، وقال فيه الإمام أحمد: هو معروف (^٦)؛ فثبت أن هذا الحديث حديث جيد وإسناده حسن، انتهى (^٧).\nوقال الشافعي (^٨): ليس الشاذ أن ينفرد الثقة عن الناس بحديث، إنما الشاذ أن يخالف ما رواه الثقات.\nوأما حديث عبد الله بن عباس فرواه ابن ماجه في «سننه» (^٩) عنه قال:\n_________\n(^١) في النسختين: «التأدية»، تحريف. والتصويب من «بيان الدليل» و«الجرح والتعديل» (٦/ ١٥٤)، وقد وصف به أبو حاتم أيضًا رجلًا آخر، كما في «الجرح والتعديل» (٥/ ٨٧).\n(^٢) انظر: «الجرح والتعديل» (٦/ ١٥٤) و«تهذيب الكمال» (١٩/ ٣٩١).\n(^٣) في بيان الدليل: «أبي صالح». وكلاهما صواب، فهو أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث.\n(^٤) د، ز: «عاهان». والتصويب من «بيان الدليل».\n(^٥) تقدم توثيقه.\n(^٦) انظر: «الجرح والتعديل» (٨/ ٤٣١).\n(^٧) أي انتهى النقل من كلام شيخ الإسلام.\n(^٨) رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ١٧٨) والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ١١٩).\n(^٩) رقم (١٩٣٤).","vol":"3","page":501},{"text":"«لعن رسول الله - ﷺ - المحلِّل والمحلَّل له». وفي إسناده زَمْعة بن صالح، وقد ضعّفه قوم، ووثّقه آخرون، وأخرج له مسلم في «صحيحه» مقرونًا بآخر (^١)، وعن ابن معين فيه روايتان (^٢).\nوأما [١٦/أ] حديث عبد الله بن عمر ففي «صحيح الحاكم» (^٣) من حديث ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسّان عن عمرو بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوَّجها أخ له من غير مؤامرة بينهما (^٤) ليُحِلَّها لأخيه: هل تَحِلُّ للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعدُّ هذا سِفاحًا على عهد رسول الله - ﷺ -. قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقال سعيد في «سننه» (^٥): حدثنا محمد بن نشيط البصري قال: قال بكر بن عبد الله المزني: لعن المحلل والمحلل له، وكان يسمى في الجاهلية التيس المستعار. وعن الحسن البصري قال: كان المسلمون يقولون: هذا التيس المستعار (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «تهذيب الكمال» (٩/ ٣٨٦).\n(^٢) «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (٣/ ٧٥).\n(^٣) (٢/ ١٩٩). ورواه البيهقي (٧/ ٢٠٨) وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٩٦)، وصححه الحاكم والألباني. انظر: «إرواء الغليل» (٦/ ٣١١).\n(^٤) د: «بينه».\n(^٥) رقم (١٩٩٨). وفي إسناده محمد بن نشيط، ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٢٥٤) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/ ١١٠)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n(^٦) ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٨٢).","vol":"3","page":502},{"text":"فصل\nفسَلْ هذا التيس: هل دخل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، وهل دخل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، وهل دخل في قوله - ﷺ -: «من استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج» (^١)، وهل دخل في قوله - ﷺ -: «تزوَّجوا الودودَ الولودَ، فإني مُكاثِرٌ بكم الأممَ يوم القيامة» (^٢)، وهل دخل في قوله - ﷺ -: «أربعٌ من سنن المرسلين: النكاح، والتعطُّر، والختان» وذكر الرابعة (^٣)، وهل دخل في قوله - ﷺ -: «النكاح سنتي؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (^٤)، وهل دخل في قول ابن عباس: «خير هذه الأمة أكثرها نساء» (^٥)، وهل له نصيب من قوله - ﷺ -:\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٩٠٥) ومسلم (١٤٠٠) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٢) رواه أحمد (١٢٦١٣) والطبراني في «المعجم الأوسط» (٥٠٩٩) من حديث أنس، وصححه ابن حبان (٤٠٢٨). وفي الباب عن ابن عمر ومعقِل بن يَسَار - ﵁ -. انظر: «آداب الزفاف» للألباني (ص ٥٣ - ٥٤).\n(^٣) رواه أحمد (٢٣٥٨١) والترمذي (١٠٨٠) من حديث أبي أيوب. وفي إسناده أبو الشمال، قال فيه أبو زرعة كما في «الجرح والتعديل» (٩/ ٣٩١): لا أعرفه إلا بهذا الحديث ولا أعرف اسمه. والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (١/ ١١٦).\n(^٤) رواه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس بدون زيادة: «النكاح سنتي». وهذه الزيادة عند ابن ماجه (١٨٤٦) من حديث عائشة، وفيه عيسى بن ميمون، متكلم فيه.\n(^٥) رواه البخاري (٥٠٦٩).","vol":"3","page":503},{"text":"«ثلاثةٌّ حق على الله عونُهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتَب يريد الأداء» وذكر الثالث (^١)،\nأم حقٌّ على الله لعنتُه تصديقًا لرسوله فيما أخبر عنه؟\nوسَلْه: هل يلعن الله ورسوله من فعل مستحبًّا أو جائزًا أو مكروهًا أو صغيرةً، أم لعنتُه مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها؟ كما قال ابن عباس: كل ذنب خُتِم بلعنةٍ أو غضبٍ أو عذابٍ أو نارٍ فهو كبيرة (^٢). وسَلْه: هل (^٣) كان في الصحابة محلِّل واحد أو أُقِرَّ رجل منهم على التحليل؟ وسَلْه لأيّ شيء قال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتُهما (^٤).\nوسَلْه: كيف تكون المتعة حرامًا نصًّا مع أن المستمتع له غرض في نكاح الزوجة إلى وقت، لكن لما كان غيرَ داخلٍ على النكاح المؤبَّد كان مرتكبًا للمحرم؟ فكيف يكون نكاح المحلّل الذي إنما قصدُه أن يمسكها ساعة من زمان أو دونها، ولا غرضَ له في النكاح البتةَ، بل قد شرطَ انقطاعه وزواله إذا أخبثَها (^٥) بالتحليل، فكيف يجتمع في عقل أو شرعٍ تحليلُ هذا\n_________\n(^١) رواه أحمد (٧٤١٦) والترمذي (١٦٥٥) والنسائي (٣١٢٠) وابن ماجه (٢٥١٨) من حديث أبي هريرة .. وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٤٠٣٠) والحاكم (٢/ ١٦٠).\n(^٢) رواه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٦٥٢) والبيهقي في «الشعب» (٢٨٦)، وفي إسناده عبد الله بن صالح متكلم فيه.\n(^٣) «هل» ليست في د.\n(^٤) رواه عبد الرزاق (١٠٧٧٧) وسعيد بن منصور (١٩٩٢، ١٩٩٣) وابن أبي شيبة (١٧٣٦٣).\n(^٥) في النسختين د، ز: «إذا خبثها».","vol":"3","page":504},{"text":"وتحريمُ المتعة؟ هذا مع أن المتعة أُبيحت في أول الإسلام، وفعلها الصحابة، وأفتى بها بعضهم (^١) [١٦/ب] بعد موت النبي - ﷺ - (^٢)، ونكاح المحلِّل لم يُبَحْ في ملّة من الملل قطُّ، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم.\nوليس الغرضُ بيانَ تحريم هذا العقد وبطلانه وذكر مفاسده وشره، فإنه يستدعي (^٣) سِفْرًا ضخمًا نختصر فيه الكلام، وإنما المقصود أن هذا شأن التحليل عند الله ورسوله وأصحاب رسوله، فألزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا جمعوها ليكفُّوا عنه إذا علموا أن المرأة تَحرُم به، وأنه لا سبيلَ إلى عودها بالتحليل. فلما تغيَّر الزمان، وبعُدَ العهد بالسنة وآثار القوم، وقامت سوقُ التحليل ونَفَقَتْ في الناس= فالواجب أن يُرَدَّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي - ﷺ - وخليفتَيه (^٤)، من الإفتاء بما يُعطِّل سوقَ التحليل أو يقلِّلها ويخفِّف شرها. وإذا عُرِض على من وفَّقه الله وبصَّره بالهدى وفقَّهه في دينه مسألةُ كون الثلاث واحدة ومسألةُ التحليل ووازنَ بينهما= تبينَ له التفاوت، وعَلم أي المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين.\nفهذه حجج المسألتين قد عُرِضت عليك، وقد أُهدِيت ــ إن قبِلْتها ــ إليك، وما أظنُّ عمى التقليد يزيد (^٥) الأمرَ على ما هو عليه، ولا يَدَعُ التوفيقَ\n_________\n(^١) ز: «بعضهم بها».\n(^٢) تقدم تخريجه من قول ابن عباس - ﵄ -.\n(^٣) ز: «فإنها تستدعي».\n(^٤) د: «خليفته».\n(^٥) كذا في النسخ. ولعل الصواب: «يُريك». وفي المطبوع: «إلا يزيد».","vol":"3","page":505},{"text":"يقودك اختيارًا إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارةً تُطلِع العالمَ على ما وراءها، وبالله التوفيق.\nفصل\nفقد تبيَّن أن أمر مسألة من المسائل التي تمنع التحليل، أفتى بها المفتي، وقد قال بها بعض أهل العلم؛ فهي خير من التحليل، حتى لو أفتى المفتي بحِلِّها (^١) بمجرد العقد من غير وطء، لكان أعذَرَ عند الله من أصحاب التحليل، وإن اشترك كل منهما (^٢) في مخالفة النص؛ فإن النصوص المانعة من التحليل المصرِّحة بلعن فاعله كثيرة جدًّا، والصحابة والسلف مجمعون عليها، والنصوص المشترطة للدخول لا تبلغ مبلغها، وقد اختلف فيها التابعون؛ فمخالفتها أسهلُ من مخالفة أحاديث التحليل، والحق موافقة جميع النصوص، وأن لا يُترَك منها شيء.\nوتأمَّلْ كيف كان الأمر على عهد رسول الله - ﷺ - وعهد أبي بكر الصديق من كون الثلاث واحدةً والتحليل ممنوع منه، ثم صار في بقية خلافة عمر الثلاث ثلاث (^٣) والتحليل ممنوع منه، وعمر من أشدّ الصحابة فيه، وكلهم على مثل قوله فيه، ثم صار في هذه الأزمنة التحليلُ كثيرًا مشهورًا والثلاثُ ثلاث.\nوعلى هذا فيمتنع في هذه الأزمنة معاقبةُ الناس بما عاقبَهم به عمر من\n_________\n(^١) «بحلها» ليست في ز.\n(^٢) د: «كليهما».\n(^٣) كذا في النسختين مرفوعًا، والسياق يقتضي النصب.","vol":"3","page":506},{"text":"وجهين:\nأحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام، لا سيّما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه، فكيف يُعاقَب من لم يرتكب محرمًا عند نفسه؟ الثاني: أن عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدودًا على عهد الصحابة، والعقوبة إذا تضمَّنتْ مفسدةً أكثر من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحبَّ [١٧/أ] إلى الله ورسوله، ولو فرضنا أن التحليل مما أباحته الشريعة ــ ومعاذَ الله ــ لكان المنع منه إذا وصل إلى هذا الحد الذي قد تفاحش قبحه من باب سدّ الذرائع، وتعيَّن على المفتين والقضاة المنعُ منه جملةً، وإن فُرِض أن بعض أفراده جائز؛ إذ لا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر الصديق (^١) وصدر خلافة عمر أولى من الرجوع إلى التحليل، والله الموفق.\nفصل\nالمثال الثامن: ممّا تتغيَّر به الفتوى لتغيُّر العرف والعادة: موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها؛ فمن ذلك أن الحالف إذا حلف «لا ركبتُ دابةً»، وكان في بلدٍ عُرفُهم في لفظ الدابة الحمار خاصةً، اختصَّتْ يمينه به، ولا يحنَث بركوب الفرس ولا الجمل، وإن كان عُرفهم في لفظ الدابة الفرس خاصةً حُمِلت يمينه عليها دون الحمار، وكذلك إن كان الحالف مما (^٢) عادته ركوب نوع خاص من الدوابّ كالأمراء ومن جرى مجراهم\n_________\n(^١) «الصديق» ليست في د.\n(^٢) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «ممن».","vol":"3","page":507},{"text":"حُمِلت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدوابّ؛ فيُفتَى في كل بلد بحسب عُرف أهله، ويُفتَى كل أحد بحسب عادته.\nوكذلك إذا حلف «لا أكلتُ رأسًا» في بلدٍ عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة، لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها، وإن كان عادتهم أكل السمك حَنِثَ بأكل رؤوسها.\nوكذلك إذا حلف «لا اشتريتُ كذا ولا بعتُه، ولا حرثتُ هذه الأرض ولا زرعتُها» ونحو ذلك، وعادته أن لا يباشر ذلك بنفسه كالملوك، حَنِثَ قطعًا بالإذن والتوكيل فيه، فإنه نفس ما حَلَفَ عليه. وإن كان عادته مباشرةَ ذلك بنفسه كآحاد الناس، فإن قصدَ مَنْع نفسه من المباشرة لم يحنَثْ بالتوكيل، وإن قصدَ عدم الفعل والمنع منه جملةً حنِثَ بالتوكيل، وإن أطلق اعتُبِر سببُ اليمين وبِساطُها وما هيَّجَها.\nوعلى هذا إذا أقرَّ الملِكُ أو أغنى أهل البلد لرجلٍ بمال كثير، لم يُقبل تفسيره بالدرهم والرغيف ونحوه مما يُتموَّل، فإن أقرَّ به فقير يُعَدُّ عنده الدرهم والرغيف كثيرًا قُبِلَ منه.\nوعلى هذا إذا قيل له: جاريتك أو عبدك يرتكبان الفاحشة، فقال: ليس كذلك، بل هما حرَّانِ لا أعلم عليهما فاحشة؛ فالحق المقطوع به أنهما لا يعتقانِ بذلك، لا في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ فإنه لم يُرِد ذلك قطعًا، واللفظ مع القرائن المذكورة ليس صريحًا في العتق ولا ظاهرًا فيه، بل ولا محتملًا له، فإخراج عبده أو أمته عن ملكه بذلك غير جائز.","vol":"3","page":508},{"text":"ومن ذلك ما أخبرني به بعض أصحابنا أنه قال لامرأته: إن أذِنتُ لك في الخروج إلى الحمّام فأنتِ طالق، فتهيَّأت للخروج إلى الحمام، فقال لها: اخرجي وأبصِرِي، فاستفتى بعض الناس، فأفتوه بأنها قد طلقتْ منه، فقال للمفتي: بأي شيء أوقعتَ عليَّ الطلاق؟ قال: بقولك لها اخرجي، فقال: إني لم أقل لها ذلك (^١) إذنًا، [١٧/ب] وإنما قلتُه تهديدًا، أي: إنك لا يُمكِنكِ الخروج. وهذا كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فهل هذا إذن لهم أن يعملوا ما شاؤوا؟ فقال: لا أدري، أنت لفظتَ بالإذن، فقال له: ما أردتُ الإذن، فلم يفقه المفتي هذا، وغَلُظَ حجابُه عن إدراكه، وفرَّق بينه وبين امرأته بما لم يأذن الله به (^٢) ورسوله ولا أحد من أئمة الإسلام. وليت شعري هل يقول هذا المفتي: إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] إذنٌ له في الكفر؟ وهؤلاء أبعدُ الناس عن الفهم عن الله ورسوله وعن المطلِّقين مقاصدَهم.\nومن هذا إذا قال العبد لسيده ــ وقد استعمله في عملٍ يَشُقُّ عليه ــ: أعتِقْني من هذا العمل، فقال: أعتقتُك، ولم ينوِ إزالة ملكه عنه، لم يعتق بذلك. وكذلك إذا قال عن امرأته: هذه أختي، ونوى أختي في الدين، لم تحرُمْ بذلك، ولم يكن مظاهرًا. والصريح لم يكن موجِبًا لحكمه لذاته، وإنما أوجبه لأنا نستدلُّ على قصد المتكلم به لمعناه؛ بجريان اللفظ على لسانه اختيارًا؛ فإذا ظهر قصده بخلاف معناه لم يجُزْ أن يلزم بما لم يُرِده، ولا\n_________\n(^١) «ذلك» ليست في ز.\n(^٢) «به» ليست في ز.","vol":"3","page":509},{"text":"التزمه، ولا خطر بباله، بل إلزامه بذلك جنايةٌ على الشرع وعلى المكلَّف. والله سبحانه رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مُكرَهًا لمَّا لم يقصد معناها ولا نواه، وكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مُكرَهًا لا يلزمه شيء من ذلك؛ لعدم نيته وقصده؛ وقد أتى باللفظ الصريح؛ فعُلِم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به.\nوالله سبحانه رفع المؤاخذة عمن حدَّث نفسَه بأمر بغير تلفظٍ أو عمل، كما رفعها عمن تلفَّظ باللفظ من غير قصدٍ لمعناه ولا إرادة، ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقًا من غير قصدٍ لفرح أو دهش أو غير ذلك، كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد، وضرب مثل ذلك بمن فقَدَ راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، فأَيِسَ منها، ثم وجدها فقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» أخطأ من شدّة الفرح (^١)، ولم يؤاخذ (^٢) بذلك.\nوكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ بذلك (^٣)، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب (^٤). ولو استجابه الله تعالى لأهلكه وأهلك من يدعو عليه،\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٤٧/ ٧) بهذا اللفظ من حديث أنس - ﵁ -. وهو في البخاري (٦٣٠٩) بلفظ آخر.\n(^٢) ز: «يؤاخذه».\n(^٣) «بذلك» ليست في ز.\n(^٤) بنحوه قال مجاهد، رواه الطبري في «تفسيره» (١٢/ ١٣٠) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٦/ ١٩٣٢).","vol":"3","page":510},{"text":"ولكنه لا يستجيبه لعلمه بأن الداعي لم يقصده.\nومن هذا رفعُه - ﷺ - حكم الطلاق عمن طلَّق في إغلاق (^١). وقال الإمام أحمد في رواية حنبل: هو الغضب (^٢)، وبذلك فسَّره أبو داود (^٣)، وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية ومقدَّم فقهاء أهل العراق منهم، وهي عنده من لغو اليمين أيضًا، فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق، وحكاه شارح «أحكام» عبد الحق [١٨/أ] عنه، وهو ابن بَزِيْزة الأندلسي، قال: وهذا قول علي وابن عباس (^٤) وغيرهما من الصحابة إن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم. وفي «سنن الدارقطني» (^٥) بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس يرفعه: «لا يمينَ في غضب، ولا عتاقَ فيما لا يملك». وهو وإن لم يثبت رفعه فهو قول ابن عباس (^٦)، وقد فسَّر الشافعي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠) وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) من حديث عائشة، وفيه محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي ضعيف. وانظر: «تنقيح التحقيق» (٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩) و«البدر المنير» (٨/ ٨٤ - ٨٦).\n(^٢) انظر: «الفروع» لابن مفلح (٩/ ١١).\n(^٣) عقب الحديث (٢١٩٣)، ولفظه: الغِلاق أظنه في الغضب.\n(^٤) انظر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ١٣٧).\n(^٥) رقم (٤٣١٩). وفي إسناده سليمان بن أبي سليمان متكلم فيه، وبه أعلَّه ابن عبد الهادي وضعَّفه في «التنقيح» (٥/ ٥٣).\n(^٦) رواه سعيد بن منصور (٧٨٢ - التفسير) والطبري في «تفسيره» (٤/ ٢٦) وابن أبي حاتم (٤/ ١١٩١)، وكذلك ابن المنذر في «الأوسط» (١٢/ ١٧٥) والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٤٩) كلاهما من طريق سعيد بن منصور.","vol":"3","page":511},{"text":"«لا طلاقَ في إغلاق» بالغضب (^١)، وفسَّره مسروق به (^٢).\nفهذا مسروق والشافعي وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسَّروا الإغلاق بالغضب، وهو من أحسن التفسير؛ لأن الغضبان قد أُغلِق عليه باب القصد بشدة غضبه، وهو كالمُكْرَه، بل الغضبان أولى بالإغلاق من المكره؛ لأن المكره قد قصدَ رفْعَ الشر الكثير بالشر القليل (^٣) الذي هو دونه، فهو قاصدٌ حقيقة، ومن ههنا أوقع عليه الطلاقَ من أوقعه. وأما الغضبان فإن انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه عن السكران والمجنون، فإن الغضب غولُ (^٤) العقلِ، يغتالُه كما يغتاله الخمر بل أشدّ، وهو شعبة من الجنون، ولا يشكُّ فقيه النفس في أن هذا لا يقع طلاقه؛ ولهذا قال حبر الأمة الذي دعا له النبي - ﷺ - بالفقه في الدين: «إنما الطلاق عن وَطَرٍ»، ذكره البخاري في «صحيحه» (^٥)، أي عن غرضٍ من المطلِّق في وقوعه. وهذا من كمال فقهه - ﵁ - وإجابةِ الله دعاء رسوله له، إذ الألفاظ إنما يترتّب عليها موجباتُها لقصد اللافظ بها، ولهذا لم يؤاخذنا الله باللغو في أيماننا، ومن اللغو ما قالته أم المؤمنين عائشة وجمهور السلف أنه قول\n_________\n(^١) ذكر المؤلف في «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» (ص ٧) أنه مقتضى كلام الشافعي، فإنه يسمي نذر اللجاج والغضب يمين الغلق ونذرَ الغلق. وانظر: «الأم» (٣/ ٦٥٩).\n(^٢) انظر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ١٣٧).\n(^٣) «القليل» ليست في ز.\n(^٤) الغول: كل شيء يذهب بالعقل.\n(^٥) (٩/ ٣٨٨ - مع الفتح) معلقًا بصيغة الجزم.","vol":"3","page":512},{"text":"الحالف: «لا والله، وبلى والله» (^١)، في عرض كلامه من غير عقدٍ لليمين.\nوكذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق، كقول الحالف في عرض كلامه: عليَّ الطلاقُ لا أفعل، والطلاق يلزمني لا أفعل، من غير قصدٍ لعقد اليمين، بل إذا كان اسم الرب ﷻ لا ينعقد به يمين اللغو فيمينُ الطلاق أولى أن لا ينعقد ولا يكون أعظم حرمة من الحلف بالله. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، وهو الصواب، وتخريجه على نص أحمد صحيح؛ فإنه نصَّ على اعتبار الاستثناء في يمين الطلاق لأنها عنده يمين، ونصَّ على أن اللغو أن يقول: «لا والله، وبلى والله» من غير قصدٍ لعقد اليمين، وقد قال النبي - ﷺ -: «إن الله ينهاكم أن تَحلِفوا بآبائكم» (^٢)، وصح عنه أنه قال: «أفلحَ وأبيه إن صدق» (^٣)، ولا تعارضَ بينهما، ولم يَعقِد النبي - ﷺ - اليمينَ بغير الله قطُّ. وقد قال حمزة للنبي - ﷺ -: «هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي»، وكان نشوانًا (^٤) من الخمر (^٥)، فلم يكفرْ بذلك. وكذلك الصحابي الذي قرأ: «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون» (^٦)، وكان\n_________\n(^١) قول عائشة رواه البخاري (٦٦٦٣). وانظر لأقوال بعض السلف: «سنن سعيد بن منصور» (٧٧٩، ٧٨٠، ٧٨٣ - التفسير)، و«تفسير الطبري» (٤/ ١٤ - ١٨) و«تفسير ابن أبي حاتم» (٢/ ٤٠٨ - ٤١٠).\n(^٢) رواه البخاري (٦١٠٨) ومسلم (١٦٤٦) من حديث عمر - ﵁ -.\n(^٣) رواه مسلم (١١/ ٩) بهذا اللفظ من حديث طلحة بن عبيد الله، وكذلك رواه البخاري (٤٦) ومسلم (١١/ ٨) دون قوله: «وأبيه».\n(^٤) كذا في النسخ، والكلمة ممنوعة من الصرف.\n(^٥) رواه البخاري (٣٠٩١) ومسلم (١٩٧٩) من حديث علي - ﵁ -.\n(^٦) رواه أبو داود (٣٦٧١) والترمذي (٣٠٢٦) وصححه من حديث علي بن أبي طالب. وصححه أيضًا الحاكم (٢/ ٣٠٧).","vol":"3","page":513},{"text":"ذلك قبل تحريم الخمر، [١٨/ب] ولم يعُدْ بذلك كافرًا؛ لعدم القصد، وجريانِ اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه.\nفإيّاك أن تُهمِل قصد المتكلم ونيته وعُرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتُلزِم الحالفَ والمقرَّ والناذر والعاقد ما لم يُلزِمه الله ورسوله به؛ ففقيه النفس يقول: ما أردتَ، ونصفُ الفقيه يقول: ما قلتَ؛ فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال، وقد رفع الله سبحانه المؤاخذة بهذا وهذا، كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال ربهم ﵎: قد فعلتُ (^١).\nفصل\nومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق؛ فإن إلزام الحالف بهما إذا حَنِثَ بطلاق زوجته وعِتْق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة؛ فلا يُحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزامُ الطلاق به أبدًا، وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط، كما في «صحيح البخاري» (^٢) عن نافع قال: طلَّق رجل امرأته البتةَ إن خرجت، فقال ابن عمر: «إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء». فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلَّق\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٢) معلقًا بصيغة الجزم (٩/ ٣٩٢)، ولم يذكر الحافظ مَن وصَله في «الفتح» ولا في «تغليق التعليق» (٤/ ٤٥٦).","vol":"3","page":514},{"text":"بالشرط مطلقًا، وأما من يفصِّل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب؛ فإنهم صحَّ عنهم الإفتاء بالوقوع في صورٍ، وصحَّ عنهم عدم الوقوع في صور، والصواب ما أفتَوا به في النوعين، ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويُترك بعضها.\nفأما الوقوع فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر (^١)، وما رواه الثوري عن الزبير بن عربي (^٢) عن إبراهيم عن ابن مسعود - ﵁ - في رجل قال لامرأته: «إن فعلتْ كذا وكذا فهي طالق»، ففعلتْه، قال: هي واحدة، وهو أحق بها (^٣)، على أنه منقطع. وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالقٌ إلى سَنَةٍ، قال: يستمتع بها إلى سنة (^٤). ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحَّتْ عليه في سؤاله عن ليلة القدر، فقال: «إن عُدتِ سألتِني فأنتِ طالق» (^٥).\nوههنا نكتة لطيفة يحسُن التنبيه عليها، وهي أن أبا ذر سأل النبي - ﷺ - عن ليلة القدر وألحَّ عليه، حتى قال له النبي - ﷺ - في آخر مساءلته: «التمسوها في\n_________\n(^١) انظر التخريج السابق.\n(^٢) كذا في النسخ. وفي «السنن الكبرى»: «الزبير بن عدي»، وهو الصواب، فهو الذي يروي عن إبراهيم.\n(^٣) رواه البيهقي (٧/ ٣٥٦).\n(^٤) ذكره البيهقي (٧/ ٣٥٦) ووصله ابن أبي شيبة بنحوه (١٨١٩٤).\n(^٥) رواه الطبراني في «الدعاء» (١٨٣)، ولكن فيه أن سؤال زوجته له كان عن ساعة إجابة الدعاء يوم الجمعة.","vol":"3","page":515},{"text":"العشر الأواخر، ولا تَسألْني عن شيء بعدها» (^١). ثم حدّث النبي - ﷺ - وحدّث، قال: فاهتبلتُ غفلتَه فقلت: أقسمتُ عليك يا رسول الله بحقّي عليك لتحدِّثنِّي في أيّ العشر هي، قال: فغضِبَ عليَّ غضبًا ما غضِبَ عليَّ من قبلُ ولا من بعدُ، ثم قال: «التمسوها في السبع الأواخر، ولا تسألْني عن شيء بعدُ». ذكره النسائي والبيهقي (^٢). فأصاب أبا ذر من امرأته وإلحاحِها عليه [١٩/أ] ما أوجب غضَبه وقال: إن عُدتِ سألتِني فأنتِ طالق.\nفهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلَّق.\nوأما الآثار عنهم في خلافه فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة فيمن حلفت بأنّ كل مملوكٍ لها حرٌّ إن لم تفرِّق بين عبدها وبين امرأته، أنها تُكفِّر عن يمينها ولا تفرِّق بينهما.\nقال الأثرم في «سننه» (^٣): حدثنا عارِم بن الفضل ثنا معتمِر بن سليمان قال: قال لي أبي: ثنا بكر بن عبد الله قال أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العَجْماء: كل مملوكٍ لها محرَّر، وكل مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي (^٤) نصرانية إنْ لم تُطلِّق امرأتك أو تُفرِّق بينك وبين امرأتك. قال: فأتيتُ زينبَ بنت أم سلمة، وكانت إذا ذُكِرت امرأة بالمدينة فقيهة ذُكِرت\n_________\n(^١) ز: «بعد هذا».\n(^٢) رواه أحمد (٢١٤٩٩) والنسائي في «الكبرى» (٣٤١٣) والبيهقي (٤/ ٣٠٧). وفي إسناده مرثد بن عبد الله الزِّمَّاني، ويقال الذماري، لم يوثقه غير العجلي في «الثقات» (١٥٥٢) وابن حبان في «الثقات» (٥/ ٤٤٠).\n(^٣) ورواه أيضًا عبد الرزاق (١٦٠٠٠). ونقله شيخ الإسلام وتكلم عليه في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٨٨، ١٨٩) و«الرد على السبكي» (١/ ١٨٨ وما بعدها).\n(^٤) «هي» ليست في د.","vol":"3","page":516},{"text":"زينب، قال: فأتيتُها فجاءت معي (^١) إليها، فقالت: في البيت هاروت وماروت؟ فقالت: يا زينب، جعلني الله فداك، إنها قالت: كلُّ مملوك لها محرَّر، وكلُّ مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية! خلِّ بين الرجل وامرأته. فأتيتُ حفصة أم المؤمنين، فأرسلتْ إليها فأتَتْها، فقالت: يا أم المؤمنين، جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حرٌّ، وكل مال لها هَدْي، وهي يهودية ونصرانية، فقالت: يهودية ونصرانية! خلِّ بين الرجل وبين امرأته. قالت: فأتيت عبد الله بن عمر، فجاء معي (^٢) إليها، فقام على الباب فسلَّم، فقالت: بِيَبَا أنتَ وبِيَبَا (^٣)\nأبوك، فقال: أمِن حجارةٍ أنتِ أم من حديدٍ أنتِ أم من أي شيء أنت؟ أفتتْكِ زينبُ وأفتتْكِ أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما، فقالت: يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك، إنها قالت: كلُّ مملوك لها حرٌّ، وكل مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي نصرانية، فقال: يهودية ونصرانية! كفِّري عن يمينكِ، وخلِّي بين الرجل وبين امرأته.\n_________\n(^١) كذا في د، ز. وفي «مجموع الفتاوى» و«الرد على السبكي»: «فجاءت يعني».\n(^٢) كذا في النسختين. وفي المصدرين السابقين: «يعني».\n(^٣) في النسختين: «بينا أنت وبينا»، مصحفًا. وفي المطبوع: «بأبي أنت وبآبائي أبوك» (نقلًا عن مصنف عبد الرزاق)، وفي الجزء الثاني منه تحريف. وفي «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٨٩): «سا أنت وسا أبوك» بدون نقط .. وفي أصل «الرد على السبكي» (١/ ١٨٨): (سى أنت وسى أبوك). وينبغي أن يُقرأ «بِيَبَا» و«بِيَبِي». قال ابن الأنباري في «الزاهر» (١/ ١٦٢ - ط. الرسالة): فيه ثلاث لغات: بِأَبِي وبِيَبِي وبِيَبَا، فمن قال «بأبي» أخرجه على أصله، ومن قال «بِيَبِي» ليَّن الهمزة وأبدلَ منها ياءً، ومن قال «بِيَبَا» توهَّم أنه اسم واحد، فجعل آخِرَه بمنزلة آخرِ سكْرَى وغضبَى وحُبلَى. ومعنى «بأبي أنت»: أفديك بأبي.","vol":"3","page":517},{"text":"وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في «المترجم» له (^١): حدثنا صفوان بن صالح ثنا عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: حدثني جَسْر (^٢) بن الحسن، قال: حدثني بكر بن عبد الله المزني قال: حدثني رُفيع قال: كنت أنا وامرأتي مملوكينِ لامرأة من الأنصار، فحلفَتْ بالهدي والعتاقة أن تفرِّق بيننا، فأتيتُ امرأة من أزواج النبي - ﷺ -، فذكرتُ لها ذلك، فأرسلتْ إليها أن كفِّري يمينَك، فأبَتْ، ثم أتيت زينب ابنة أم سلمة (^٣)، فذكرت لها ذلك (^٤)، فأرسلتْ إليها أن كفِّري يمينك، فأبَتْ (^٥). فأتيتُ ابن عمر، فذكرت ذلك له، فأرسل إليها: أن كفِّري يمينك، فأبَتْ، فقام ابن عمر فأتاها فقال: أرسلتْ إليك فلانةُ زوج النبي - ﷺ - وزينبُ أن تكفِّري يمينك فأبيتِ، قالت: يا أبا عبد الرحمن إني حلفتُ بالهدي والعتاقة، قال: وإن كنتِ قد حلفتِ (^٦).\nوقال الدارقطني (^٧): ثنا أبو بكر النيسابوري ثنا محمد بن يحيى بن\n_________\n(^١) نقل عنه شيخ الإسلام في «الرد على السبكي» (١/ ٣٠٥). وأخرجه أبو العباس الأصم في الثاني من «حديثه» (١٨).\n(^٢) في د، ز والمطبوع: «حسن»، تحريف. وترجمة جَسْر بن الحسن في «الميزان» (١/ ٣٩٨) و«تهذيب التهذيب» (٢/ ٧٨). وفي «التقريب»: أنه مقبول من السابعة.\n(^٣) في النسختين: «زينب أو أم سلمة». والصواب: «زينب ابنة أم سلمة» كما في «الرد على السبكي» (١/ ٢٠٥) وفي الرواية السابقة. وفي المطبوع: «زينب وأم سلمة» خطأ أيضًا.\n(^٤) د: «ذلك لها».\n(^٥) «فأبت» ليست في د.\n(^٦) رجاله كلهم ثقات إلا جسْر بن الحسن وهو مقبول، كما سبق ذكره.\n(^٧) رقم (٤٣٣١).","vol":"3","page":518},{"text":"عبد الله الأنصاري ثنا أشعث ثنا بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع أن [١٩/ب] مولاةً له أرادت أن تفرِّق بينه وبين امرأته فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية وكل مملوكٍ لها حرّ إن لم تفرِّق بينهما، فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة - ﵃ -، فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني (^١) مثل هاروت وماروت؟ فأمروها أن تكفِّر عن يمينها وتخلِّي بينهما.\nوقد رواه البيهقي (^٢) من طريق الأنصاري: ثنا أشعث ثنا بكر عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرِّق بينه وبين امرأته، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل مملوكٍ لها حرّ، وكل مالٍ لها في سبيل الله، وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تُفرِّق بينهما، فسألت عائشةَ وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة، فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفّر عن يمينها وتخلّي بينهما. رواه رَوْح و(^٣) الأنصاري واللفظ له، وحديث رَوْح مختصر. وقال النضْر بن شُمَيل: أنا أشعث عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة في هذه القصة قالوا: تكفّر يمينَها.\nوقال يحيى بن سعيد القطّان (^٤) عن سليمان التيمي ثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع أن ليلى بنت العَجْماء مولاتَه قالت: هي يهودية وهي نصرانية، وكل مملوك لها محرر، وكل مالٍ لها هَدْيٌ، إن لم يُطلِّق امرأتَه إن لم تفرِّق\n_________\n(^١) في النسختين: «تكفري». والتصويب من مصدر التخريج.\n(^٢) في «السنن الكبرى» (١٠/ ٦٦).\n(^٣) الواو ساقطة من ز.\n(^٤) كما في المصدر السابق (١٠/ ٦٦).","vol":"3","page":519},{"text":"بينكما، فذكر القصة، وقال: فأتيتُ ابن عمر فجاء معي فقام بالباب، فلما سلّم قالت: بأبي أنت وأبوك، قال (^١): أمن حجارةٍ أنتِ أم من حديدٍ؟ أتَتْكِ زينبُ وأرسلتْ إليكِ حفصة! قالت: قد حلفتُ بكذا وكذا، قال: كفِّري عن يمينك وخلِّي بين الرجل وامرأته.\nفقد تبيَّن بسياق هذه الطرق انتفاءُ العلة التي أُعِلّ بها حديث ليلى هذا، وهي تفرُّد التيمي فيه بذكر العتق، كذا قال الإمام أحمد: «لم يقل: وكل مملوكٍ لها حرٌّ، إلا التيمي»، وبرئ التيمي من عُهدة التفرد، وقاعدة الإمام أحمد أن ما أفتى به الصحابة لا يُخرَج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه؛ فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه يلزمه القولُ بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته.\nفإن قيل: للحديث علة أخرى، وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به، وقد أشار إليها في رواية الأثرم، فقال الأثرم (^٢): سمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء حين حلفتْ بكذا وكذا وكلّ مملوكٍ لها حرٌّ، فأُفتِيَتْ بكفارة يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته وأيمانٍ، فقال (^٣): أما الجارية فتعتق.\nقلت: يريد به (^٤) ما رواه معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبي حاضر، قال: حلفتْ امرأة من آل ذي أَصْبَح فقالت: مالُها في سبيل الله\n_________\n(^١) «قال» ليست في د، ز. والزيادة من مصدر التخريج.\n(^٢) ذكره شيخ الإسلام في «القواعد النورانية» (ص ٣١٦، ٣١٧) وعنه في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٥٥).\n(^٣) كذا في النسخ و«القواعد» و«الفتاوى». ولعل الصواب: «فقالا» بدليل الأثر التالي.\n(^٤) «به» ليست في د.","vol":"3","page":520},{"text":"وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا، لشيء يكرهه زوجها، فحلف زوجها أن لا يفعله، فسُئل عن ذلك ابن عباس وابن عمر، فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما [٢٠/أ] قولها: «مالي في سبيل الله» فتتصدق بزكاة مالها (^١).\nفقيل (^٢): لا ريبَ أنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك، ولكنه أثر معلول تفرَّد به عثمان هذا، وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادًا وأصحُّ من حديث عثمان، فإن رواته حفّاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان. وأما ابن عباس فقد روي عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: يكفِّر يمينه (^٣). وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة. قال أبو محمد ابن حزم (^٤): وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين وعن ابن عمر أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء: «كل مملوك لها حرّ، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك» كفارة يمين واحدة.\nفإذا صحّ هذا عن الصحابة، ولم يُعلَم لهم مخالف ــ سوى هذا الأثر المعلول أثرِ عثمان بن حاضر (^٥) ــ في قول الحالف: عبدُه حرٌّ إن فعل، أنه\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٥٩٩٨).\n(^٢) جواب «فإن قيل».\n(^٣) ذكره ابن حزم في «المحلى» (٨/ ٨).\n(^٤) في «المحلَّى» (٨/ ٨).\n(^٥) كذا هنا «عثمان بن حاضر»، وهو الصواب، وقد غلَّط الإمام أحمد عبد الرزاق في قوله: «عثمان بن أبي حاضر»، وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب»: وهو وهم. انظر: «تهذيب الكمال» (١٩/ ٣٤٩).","vol":"3","page":521},{"text":"يُجزئه كفارة يمين، ولم يُلزِموه بالعتق المحبوب إلى الله، فأن لا يُلزِموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى. كيف وقد أفتى علي بن أبي طالب الحالفَ بالطلاق أنه لا شيء عليه، ولم يُعرَف له في الصحابة مخالف؟\nقال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي (^١) المعروف بابن بَزِيزة في «شرحه لأحكام عبد الحق» (^٢): الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه، وقد قدَّمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك: هل يلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضَى بالطلاق على من حلف به بحنث (^٣)، ولا يُعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة. هذا لفظه بعينه.\nفهذه فتوى أصحاب رسول الله - ﷺ - في الحلف بالعتق والطلاق، وقد قدّمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلَّق بالشرط، ولا تعارضَ بين ذلك؛ فإن الحالف لم يقصد وقوعَ الطلاق، وإنما قصد منْعَ نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه، فهو كما لو خصَّ منْعَ نفسه بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال، وكما لو قصد منْعَ نفسه بالتزام ما يكرهه من الكفر، فإن كراهته لذلك كله وإخراجه مُخْرَجَ اليمين بما لا يريد وقوعه منَعَ من ثبوت حكمه. وهذه علة صحيحة فيجب طردها في الحلف بالعتق والطلاق إذ لا\n_________\n(^١) كذا في النسختين، وفي المطبوع: «التميمي»، وكذا في ترجمته في «نيل الابتهاج» (ص ١٧٨).\n(^٢) سبق ذكر هذا النص، وسمى كتابه هناك «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام».\n(^٣) سيأتي تخريجها.","vol":"3","page":522},{"text":"فرقَ البتةَ، والعلة متى تخصَّصت بدون فوات شرط أو وجود مانع دلَّ ذلك على فسادها، كيف والمعنى الذي منعَ لزومَ الحج والصدقة والصوم بل لزومَ الإعتاق والتطليق بل لزومَ اليهودية والنصرانية هو في الحلف بالطلاق أولى؟\nأما العبادات المالية والبدنية فإذا منعَ لزومَها قصد اليمين وعدم قصد وقوعها [٢٠/ب] فالطلاق أولى، فكل ما يقال في الطلاق فهو بعينه في صور الإلزام سواء بسواء. وأما الحلف بإلزام التطليق والإعتاق فإذا كان قصدُ اليمين قد منعَ ثلاثة أشياء ــ وهي وجوب التطليق وفعله وحصول أثره وهو الطلاق ــ فلَأن يَقوى على منع واحدٍ من الثلاثة وهو وقوع الطلاق وحده أولى وأحرى. وأما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة وبالفعل تارة وبالقول تارة وبالشك تارة ومع هذا فقصدُ اليمين منَعَ من وقوعه، فلَأن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى. وإذا كان العتق الذي هو أحبُّ الأشياء إلى الله، ويسري في ملك الغير، وله من القوة وسرعة النفوذ ما ليس لغيره، ويحصل بالملك والفعل، قد منَعَ قصدَ اليمين من وقوعه كما أفتى به الصحابة= فالطلاق أولى وأحرى بعدم الوقوع. وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول المكلَّف: «أيمانُ المسلمين تَلزمني» عند من ألزمه بالطلاق، فدخولها في قول رب العالمين: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أولى وأحرى. وإذا دخلت في قول الحالف: «إن حلفتُ يمينًا فعبدي حرٌّ»، فدخولها في قول رسول الله - ﷺ -: «من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها، فليكفِّر عن يمينه ولْيأتِ الذي هو خير» (^١) أولى وأحرى.\n_________\n(^١) رواه النسائي (٣٧٨١) من حديث عبد الله بن عمرو بهذا اللفظ والحديث عند مسلم (١٦٥٠، ١٦٥١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.","vol":"3","page":523},{"text":"وإذا دخلت في قول النبي - ﷺ -: «من حلفَ فقال إن شاء الله، فإن شاء فعل وإن شاء ترك» (^١)،\nفدخولها في قوله: «من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خير وليكفِّر عن يمينه» [أولى وأحرى] (^٢)، فإن الحديث أصح وأصرحُ. وإذا دخلت في قوله: «من حلفَ على يمينٍ فاجرةٍ يقتطعُ بها مالَ امرئ مسلم لقيَ الله وهو عليه غضبانُ» (^٣)، فدخولها في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] أولى بالدخول أو مثله. وإذا دخلت في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فلو حلف بالطلاق كان مُولِيًا، فدخولها في نصوص الأيمان أولى وأحرى، لأن الإيلاء نوع من اليمين؛ فإذا دخل الحلفُ (^٤) بالطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليه، فإن النوع مستلزمٌ الجنسَ ولا ينعكس. وإذا دخلت في قوله: «يمينُك على ما يُصدِّقك به صاحبُك» (^٥)، فكيف لا تدخل في بقية نصوص الأيمان؟ وما الذي أوجب هذا التخصيصَ من غير مخصِّص؟ وإذا\n_________\n(^١) رواه أحمد (٤٥٨١) وأبو داود (٣٢٦٢) والترمذي (١٥٣١) والنسائي (٣٧٩٣) وابن ماجه (٢١٠٥) من حديث ابن عمر. وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٤٣٤٢) ..\n(^٢) ما بين المعكوفتين ليس في د، ز.\n(^٣) رواه البخاري (٢٣٥٦) ومسلم (١٣٨) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n(^٤) ز: «في الحلف».\n(^٥) رواه مسلم (١٦٥٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.","vol":"3","page":524},{"text":"دخلت في قوله: «إياكم وكثرةَ الحَلف في البيع، فإنه يُنفِّق ثم يَمْحَق» (^١)، فهلّا دخلت في غيره من نصوص اليمين؟ وما الفرق المؤثِّر شرعًا أو عقلًا أو لغةً؟ وإذا دخلت في قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ فهلّا دخلت في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؟ وإذا دخلت في قول الحالف «أيمانُ البيعةَ تَلزمُني» وهي [٢١/أ] الأيمان التي رتّبها الحَجَّاج، فلِمَ لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله؟\nفإن كانت (^٢) يمينُ الطلاق يمينًا شرعيةً بمعنى أن الشرع اعتبرها وجب أن تُعطَى حكمَ الأيمان، وإن لم تكن يمينًا شرعيةً كانت باطلة في الشرع، فلا يَلزم الحالفَ بها شيءٌ، كما صحّ عن طاوس، من رواية عبد الرزاق (^٣) عن معمر عن ابن طاوس عنه: ليس الحلف بالطلاق شيئًا. وصحّ عن عكرمة من رواية سُنيد بن داود في «تفسيره» عنه: أنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء (^٤). وصحّ عن شُريح (^٥) قاضي علي وابن مسعود أنها لا يلزم بها طلاق.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٦٠٧) من حديث أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٢) د: «كان».\n(^٣) رقم (١١٤٠١)، ولكن فيه عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه، ومن طريق عبد الرزاق هذا ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢١٣).\n(^٤) ذكره الذهبي في «السير» (٥/ ٣٦) و«ميزان الاعتدال» (٣/ ٩٧) قائلًا: قال سنيد بن داود في «تفسيره»: حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن عاصم الأحول عن عكرمة، في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مائة سوط فامرأته طالق، قال: لا يجلد غلامه، ولا يطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان.\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١١٣٢٢)، وعنه ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢١٢).","vol":"3","page":525},{"text":"وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه، وهو قول بعض أصحاب مالك في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي، كقوله: إن كلَّمتِ فلانًا فأنتِ طالق، فقال: لا تُطلَّق إن كلّمتْه؛ لأن الطلاق لا يكون بيدها إن شاءت طلَّقتْ وإن شاءت أمسكتْ، وهو قول بعض الشافعية في بعض الصور، كقوله: الطلاق يَلزمُني أو لازمٌ لي لا أفعل كذا وكذا، فإن لهم فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه إن نوى وقوع الطلاق بذلك لزمه، وإلا فلا يلزمه، وجعله هؤلاء كناية، والطلاق يقع بالكناية مع النية.\nالوجه الثاني: أنه صريح، فلا يحتاج إلى نيةٍ، وهذا اختيار الرُّوياني، ووجهه أن هذا اللفظ قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية.\nالوجه الثالث: أنه ليس بصريح ولا كناية، ولا يقع به طلاق وإن نواه، وهذا اختيار القفّال في «فتاويه». ووجهه أن الطلاق لا بدَّ فيه من إضافته إلى المرأة، كقوله: أنتِ طالق، أو طلّقتكِ، أو قد طلّقتكِ، أو يقول: امرأتي طالق، أو فلانة طالق، ونحو هذا، ولم توجد هذه الإضافة في قوله: الطلاق يلزمني. ولهذا قال ابن عباس فيمن قال لامرأته: طلِّقي نفسكِ، فقالت: أنتَ طالق، فإنه لا يقع بذلك طلاق، وقال: خَطَّأ الله نَوْءَها (^١)، وتبعه على ذلك الأئمة. فإذا قال «الطلاق يلزمني» لم يكن لازمًا له إلا أن يُضِيفه إلى محلِّه، ولم\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (١٨٣٩٣). والمعنى: لو طلَّقت نفسَها لوقع الطلاق، فحيثُ طلَّقت زوجَها لم يقع، فكانت كمن يُخطئه النَّوء فلا يُمطَر. انظر: «النهاية» لابن الأثير (٥/ ١٢٢، ١٢٣).","vol":"3","page":526},{"text":"يُضِفْه فلا يقع. والمُوقِعون يقولون: إذا التزمه فقد لزمه، ومن ضرورة لزومه إضافتُه إلى المحلّ، فجاءت الإضافة من ضرورة اللزوم.\nولِمن نصرَ قول القفّال أن يقول: إما أن يكون قائل هذا اللفظ قد التزم التطليقَ أو وقوعَ الطلاق الذي هو أثره، فإن كان الأول لم يلزمه لأنه نذرَ أن يطلِّق، ولا تُطلَّق المرأة بذلك، وإن كان قد التزم الوقوع فالتزامه بدون سبب الوقوع ممتنع، وقوله: «الطلاق يلزمني» التزامٌ لحكمه عند وقوع سببه، وهذا حق، فأين في هذا اللفظ وجود سبب الطلاق؟ وقوله: «الطلاق يَلزمني» لا يصلح أن يكون سببًا؛ إذ لم يُضِف فيه الطلاق إلى محلِّه، فهو كما لو قال: «العتق يَلزمني»، ولم يُضِف فيه العتق إلى محلّه بوجه. ونظير هذا أن يقول له: بِعْني أو آجِرْني، فيقول: البيع يلزمني، أو الإجارة [٢١/ب] تلزمني، فإنه لا يكون بذلك موجبًا لعقد البيع والإجارة، حتى يُضِيفهما إلى محلّهما. وكذلك لو قال: «الظهار يلزمني» لم يكن بذلك مظاهرًا حتى يُضيفه إلى محلّه. وهذا بخلاف ما لو قال: «الصوم يلزمني، أو الحج، أو الصدقة» فإن محلّه الذمة، وقد أضافه إليها.\nفإن قيل: وههنا محلُّ الطلاق والعتاق الذمةُ.\nقيل: هذا غلط، بل محلُّ الطلاق والعتاق نفسُ الزوجة والعبد، وإنما الذمة محلُّ وجوب ذلك وهو التطليق والإعتاق، وحينئذٍ فيعود الالتزام إلى التطليق والإعتاق، وذلك لا يوجب الوقوع. والذي يوضح هذا أنه لو قال: «أنا منكِ طالق» لم تُطلَّق بذلك، لإضافة الطلاق إلى غير محلّه، وقيل: تَطلُق إذا نوى طلاقها هي بذلك، تنزيلًا لهذا اللفظ منزلة الكنايات، فهذا كشف سرِّ هذه المسألة.","vol":"3","page":527},{"text":"وممن ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو القاسم ابن يونس (^١) في «شرح التنبيه»، وأكثر أيمان الطلاق بهذه الصيغة، فكيف يحلُّ لمن يؤمن بأنه موقوف بين يدي الله ومسؤول أن يكفِّر أو يجهِّل من يفتي بهذه المسألة، ويسعى في قتله وحَبْسه، ويلبِّس على الملوك والأمراء والعامة أن المسألة مسألة إجماع، ولم يخالف فيها أحد من المسلمين، وهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟ وقد علم الله ورسوله وملائكته وعباده أن هذه المسألة لم تُردَّ بغير الشكاوى إلى الملوك ودعوى الإجماع الكاذب، والله المستعان، وهو عند لسان كل قائل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].\nفصل\nوهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدًا لها مريدًا لموجباتها، كما أنه لا بدّ أن يكون قاصدًا للتكلّم باللفظ مريدًا له، فلا بدَّ من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارًا، وإرادة موجبه ومقتضاه، بل إرادة المعنى آكدُ من إرادة اللفظ؛ فإنه المقصود، واللفظ وسيلة، هو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام.\nقال مالك وأحمد فيمن قال «أنت طالق البتةَ» وهو يريد أن يحلِف على\n_________\n(^١) في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٦١٣): «أبو القاسم عبد الرحمن بن يونس». ولم أجد ترجمته في المصادر، والمعروف بشرح «التنبيه»: أبو الفضل أحمد بن موسى بن يونس الإِرْبِلي ثم المَوْصِلي (ت ٦٢٢). انظر ترجمته في «وفيات الأعيان» (١/ ١٠٨) و«سير أعلام النبلاء» (٢٢/ ٢٤٨) و«طبقات الشافعية» للسبكي (٨/ ٣٩).","vol":"3","page":528},{"text":"شيء، ثم بدا له فترك اليمينَ: لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يُرِد أن يطلّقها. وكذلك قال أصحاب أحمد. وقال أبو حنيفة: لو أراد أن يقول كلامًا فسبق لسانه فقال «أنتِ حرّة» لم تكن بذلك حرة. وقال أصحاب أحمد: لو قال الأعجمي لامرأته «أنت طالق» وهو لا يفهم معنى هذه اللفظة لم تَطلُق؛ لأنه ليس مختارًا للطلاق، فلم يقع طلاقه كالمُكْره. قالوا: فلو نوى موجَبَه عند أهل العربية لم يقع أيضًا؛ لأنه لا يصح منه اختيارُ ما لا يعلمه. وكذلك لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لم يكفر.\nوفي «مصنَّف وكيع»: أن عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها سَمِّني فسمّاها الظبية، فقالت: لا، فقال لها: ما تريدين أن أسمِّيكِ؟ [٢٢/أ] قالت: سَمِّني خَليَّة طالق، قال لها: فأنتِ خليّة طالق، فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلَّقني، فجاء زوجها فقصَّ عليه القصة، فأوجع عمر بن الخطاب رأسها، وقال لزوجها: خُذْ بيدها وأوجع رأسها (^١).\nوهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان، وإن تلفَّظ بصريح الطلاق. وقد تقدّم أن الذي قال لما وجد راحلته: «اللهم أنتَ عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة الفرح (^٢)؛ لم يكفُر بذلك وإن أتى بصريح الكفر؛ لكونه لم يُرِده، والمُكرَه على كلمة الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته، بخلاف المستهزئ والهازل؛ فإنه يلزمه الطلاق والكفر وإن كان هازلًا، لأنه قاصد للتكلم باللفظ، وهزلُه لا يكون عذرًا له، بخلاف المكره والمخطئ والناسي فإنه معذور،\n_________\n(^١) رواه البيهقي (٧/ ٣٤١)، وذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٠٠). وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى متكلم فيه.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":529},{"text":"مأمور بما يقوله أو مأذون له فيه، والهازل غير مأذونٍ له في الهزل بكلمة الكفر والعقود؛ فهو متكلم باللفظ مريدٌ له، ولم يصرِفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل. والهزل لم يجعله الله ورسوله عذرًا صارفًا، بل صاحبه أحقُّ بالعقوبة. ألا ترى أن الله سبحانه عَذَرَ المكره في تكلُّمه بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان، ولم يَعذِر الهازل بل قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، وكذلك رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي.\nفصل\nومن ذلك أنه لو قال: «أنت طالق»، وقال: أردتُ إن كلمتِ رجلًا أو خرجتِ من داري، لم يقع به الطلاق في أحد الوجهين لأصحاب أحمد والشافعي. وكذلك لو قال: أردتُ (^١) إن شاء الله، ففيه وجهان لهم. ونصَّ الشافعي فيما لو قال: «إن كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق» ثم قال: أردتُ به إلى شهر، فكلَّمتْه (^٢) بعد شهر، لم تطلَّق باطنًا. ولا فرقَ بين هذه الصورة والصورتين اللتين قبلها، فإن التقييد بالغاية المنوية كالتقييد بالمشيئة المنوية، وهو أولى بالجواز من تخصيص العام بالنية، كما إذا قال: «نسائي طوالق» واستثنى بقلبه واحدة منهن، فإنه إذا صح الاستثناء بالنية في إخراج ما تناولَه اللفظ صحّ التقييد بالنية بطريق الأولى؛ فإن اللفظ لا دلالة له بوضعه على\n_________\n(^١) «أردت» ليست في ز.\n(^٢) د: «فكلمه».","vol":"3","page":530},{"text":"عموم الأحوال والأزمان، ولو دلّ عليها بعمومه فإخراج بعضها تخصيص للعام، وهذا ظاهر جدًّا، وغايته استعمال العام في الخاص أو المطلق في المقيّد، وذلك غير بِدْعٍ لغةً وشرعًا وعرفًا، وقد قال النبي - ﷺ -: «أما معاوية فصُعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» (^١)، فالصواب قبول مثل هذا فيما بينه وبين الله وفي الحكم أيضًا.\nفصل\nقد عُرِف أن الحلف بالطلاق له صيغتان؛ إحداهما: إن فعلتُ كذا فأنتِ طالق، والثانية: الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، وأن الخلاف في الصيغتين قديمًا وحديثًا. وهكذا [٢٢/ب] الحلف بالحرام له صيغتان؛ إحداهما: إن فعلتُ كذا فأنتِ عليَّ حرام، أو ما أحلَّ الله عليَّ حرام، والثانية: الحرام يلزمني لا أفعلُ كذا، فمن قال في «الطلاق يلزمني» إنه ليس بصريح ولا كناية ولا يقع به شيء، ففي قوله: «الحرام يلزمني» أولى، ومن قال: إنه كناية إن نوى به الطلاق كان طلاقًا وإلّا فلا، فهكذا يقول في «الحرام يلزمني»: إن نوى به التحريم كان كما لو نوى بالطلاق التطليقَ (^٢)، فكأنه التزم أن يحرِّم كما التزم ذاك أن يطلِّق؛ فهذا التزامٌ للتحريم وذاك التزام للتطليق. وإن نوى به ما حرَّم الله عليَّ يلزمني تحريمه= لم يكن يمينًا ولا تحريمًا ولا طلاقًا ولا ظهارًا.\nولا يجوز أن يفرَّق بين المسلم وبين امرأته بغير لفظٍ لم يوضع للطلاق ولا نواه، وتلزمه كفارةُ يمينٍ حرمةً لشدة اليمين؛ إذ ليست كالحلف بالمخلوق التي لا تنعقد ولا هي من لغو اليمين، وهي يمينٌ منعقدة ففيها\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ -.\n(^٢) ز: «والتطليق» خطأ.","vol":"3","page":531},{"text":"كفارة يمين. وبهذا أفتى ابن عباس ورفعه إلى النبي - ﷺ -؛ فصحَّ عنه بأصح إسنادٍ: الحرام يمينٌ يكفِّرها، ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (^١). وهكذا حكم قوله: «إن فعلت كذا فأنتِ عليَّ حرام»، وهذا أولى بكفارة يمينٍ من قوله: «أنتِ عليَّ حرام».\nوفي قوله: «أنتِ عليَّ حرام» أو «ما أحلّ الله عليّ حرام» أو «أنتِ (^٢) عليَّ حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير» مذاهب (^٣):\nأحدها: أنه لغو وباطل لا يترتَّب عليه شيء، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وبه قال مسروق وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي (^٤) وداود وجميع أهل الظاهر وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولَي المالكية اختاره أصبغ بن الفرج.\nوفي «الصحيح» (^٥) عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرَّم امرأته فليس بشيء، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وصح عن مسروق: ما أبالي أحرَّمتُ امرأتي أو قصعةً من ثريد (^٦). وصح عن الشعبي\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ز: «وأنت».\n(^٣) انظر: «المحلَّى» (١٠/ ١٢٤ وما بعدها)، فقد اعتمد عليه المؤلف اعتمادًا كبيرًا، وتصرَّف في ترتيب المذاهب.\n(^٤) سيأتي تخريج هذه الآثار بعد حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٥) رواه البخاري (٥٢٦٦).\n(^٦) رواه عبد الرزاق (١١٣٧٥) وسعيد بن منصور (١٧٠٢)، وابن الجعد (٢٣٨١) واللفظ له.","vol":"3","page":532},{"text":"في تحريم المرأة: لهو أهونُ عليَّ من نعلي (^١). وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرَّمتُ امرأتي أو حرَّمتُ ماء النهر (^٢). وقال حجّاج بن مِنهال (^٣): إن رجلًا جعل امرأته عليه حرامًا، فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن، فقال له حميد: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، وأنت رجل تلعب، فاذهبْ فالْعَبْ (^٤).\nفصل\nالمذهب الثاني: أنها ثلاث تطليقات، وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (^٥)، وقضى فيها عليٌّ بالثلاث في عديّ بن قيس الكِلابي، وقال له: والذي نفسي بيده لئن مَسِسْتَها قبل أن تتزوَّج غيرك لأرجمنَّك (^٦). وحجة\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١١٣٧٨).\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١١٣٧٦).\n(^٣) في «المحلَّى» (١٠/ ١٢٧): «ومن طريق الحجاج بن منهال نا همام بن يحيى أنا قتادة أن رجلًا ...».\n(^٤) ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٢٧) وابن القيم في «زاد المعاد» (٥/ ٢٧٦).\n(^٥) قول علي عند ابن أبي شيبة (١٨٤٨٦) وكذلك قول زيد (١٨٤٩٤)، وقول الحسن عند عبد الرزاق (١١٣٨٢، ١١٣٨٣)، وأما قول ابن عمر فحكاه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٢٤)، وقول ابن أبي ليلى حكاه الشافعي في «الأم» (٨/ ٣٧٣) والطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤١٣) وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٢٤).\n(^٦) رواه عبد الرزاق (١١٣٨١).","vol":"3","page":533},{"text":"هذا القول أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا عليه.\nالمذهب الثالث: أنها بهذا القول حرام عليه، صحّ أيضًا عن أبي هريرة والحسن وخِلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة، ولم يذكر هؤلاء طلاقًا، بل أمروه باجتنابها [٢٣/أ] فقط (^١). وصحّ ذلك أيضًا عن علي (^٢)، فإما أن يكون عنه روايتان، أو يكون أراد تحريم الثلاث.\nوحجة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم ولم يتعرض لعدد الطلاق؛ فحرمت عليه بمقتضى تحريمه.\nالمذهب الرابع: الوقف فيها، صح ذلك عن عليّ أيضًا، وهو قول الشعبي، قال: يقول رجال في «الحلال حرام» إنها حرام حتى تنكح زوجًا غيره، وينسبونه إلى علي، واللهِ ما قال ذلك عليّ، إنما قال: ما أنا بمُحِلّها ولا بمُحَرِّمها عليك، إن شئتَ فتقدَّمْ وإن شئتَ فتأخَّرْ (^٣).\nوحجة هؤلاء أن التحريم ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، إنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به وهو الطلاق، وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عُرف الشرع في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه.\nالمذهب الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو يمين، وهذا\n_________\n(^١) حكاه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٢٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في بداية هذا الفصل.\n(^٣) ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٢٦)، ورواه ابن أبي شيبة (١٨٥٠٩) بنحوه.","vol":"3","page":534},{"text":"قول طاوس والزهري والشافعي ورواية عن الحسن (^١).\nوحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق، فإن نواه به كان طلاقًا، وإن لم ينوِه كان يمينًا، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢].\nالمذهب السادس: أنه إن نوى بها الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدةً فواحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين، وإن لم ينوِ شيئًا فهي كذبة لا شيء فيها. قاله سفيان (^٢)، وحكاه النخعي عن أصحابه (^٣).\nوحجة هذا القول أن اللفظ يحتمل لما نواه من ذلك، فيتبع نيته.\nالمذهب السابع: مثل هذا، إلا أنه إن لم ينوِ شيئًا فهي يمينٌ يكفِّرها، وهو قول الأوزاعي (^٤).\nوحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينًا، وإذا أطلق (^٥) ولم ينو الطلاق كان يمينًا.\n_________\n(^١) قول الحسن رواه عبد الرزاق (١١٣٧٣) وكذلك قول طاوس (١١٣٦٧)، وأما قول الزهري فحكاه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٢٥). وانظر قول الشافعي في «الأم» (٨/ ٣٧٣).\n(^٢) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (١١٣٩٠).\n(^٣) قول النخعي رواه عبد الرزاق (١١٣٧٠).\n(^٤) حكاه الطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤١٣).\n(^٥) د: «فإذا طلق».","vol":"3","page":535},{"text":"المذهب الثامن: مثل هذا أيضًا، إلا أنه إن لم ينوِ شيئًا فواحدة بائنة إعمالًا للفظ التحريم.\nالمذهب التاسع: أن فيه كفارة الظهار، صح ذلك (^١) عن ابن عباس أيضًا وأبي قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن منبِّه وعثمان البَتّي (^٢)، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد.\nوحجة هذا القول أن الله سبحانه جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه (^٣) ظهارًا، وجعله منكرًا من القول وزورًا، فإذا كان التشبيه بالمحرَّمة يجعله مظاهِرًا فإذا صرَّح بتحريمها كان أولى بالظهار.\nوهذا أقيسُ الأقوال وأفقهها، ويؤيّده أن الله لم يجعل للمكلّف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه سبحانه، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتّب عليها التحريم والتحليل، فالسبب إلى العبد، وحكمه إلى الله؛ فإذا قال «أنتِ عليّ كظهر أمي» أو قال «أنتِ عليّ حرام» فقد قال المنكر من القول والزور وكذَبَ، فإن الله لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرامًا، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظَ الكفارتينِ، وهي كفارة الظهار.\n[٢٣/ب] المذهب العاشر: أنها تطليقة واحدة، وهو إحدى الروايتين\n_________\n(^١) «ذلك» ليست في ز.\n(^٢) قول ابن عباس عند عبد الرزاق (١١٣٨٥)، وكذلك قول أبي قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه (١١٣٨٧)، وأما قول عثمان البتي فحكاه الطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤١٣) وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٢٥).\n(^٣) د: «عليها».","vol":"3","page":536},{"text":"عن عمر بن الخطاب (^١)، وقول حماد بن أبي سليمان (^٢) شيخ أبي حنيفة.\nوحجة هذا القول أن مطلق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدُق بأقله، والواحدة متيقنة؛ فحُمِل اللفظ عليها لأنها اليقين؛ فهو نظير التحريم بانقضاء العدة.\nالمذهب الحادي عشر: أنه يُنوَّى (^٣) ما أراده من ذلك في إرادة أصل الطلاق وعدده، وإن نوى تحريمًا بغير طلاق فيمينٌ مكفّرة، وهو قول الشافعي.\nوحجة هذا القول أن اللفظ صالح لذلك كله؛ فلا يتعين واحد منها إلا بالنية، فإن نوى تحريمًا مجرّدًا كان امتناعًا منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين.\nالمذهب الثاني عشر: أنه يُنوَّى أيضًا في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينوِ طلاقًا فهو مُولٍ، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.\nوحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة؛ لاقتضاء التحريم للبينونة وهي صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة فاعتُبِرت دون الكبرى، وعنه رواية أخرى: إن نوى الكذب دُيِّنَ ولم يُقبَل في الحكم، بل يكون مُوليًا، ولا يكون ظهارًا عنده نواه أو لم ينوِه،\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١١٣٩١)، وفي إسناده انقطاع؛ لأن إبراهيم النخعي لم يدرك عمر - ﵁ -.\n(^٢) حكاه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٢٥).\n(^٣) أي: يُوكل إلى نيته ويُحاسَب بمقتضاها.","vol":"3","page":537},{"text":"ولو صرَّح به فقال «أعني به الظهار» لم يكن مظاهرًا.\nالمذهب الثالث عشر: أنه يمين يكفِّره ما يكفِّر اليمين على كل حال، صح ذلك أيضًا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وزيد بن ثابت وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء ومكحول وقتادة والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ونافع والأوزاعي وأبي ثور وخلق سواهم (^١).\nوحجة هذا القول ظاهر القرآن؛ فإن الله سبحانه ذكر فرضَ تحلَّةِ الأيمان عَقيبَ تحريم الحلال، فلا بدّ أن يتناوله يقينًا؛ فلا يجوز جعلُ تحلَّة الأيمان لغير المذكور قبلها ويُخرج المذكور عن حكم التحلّة التي قُصِد ذكرها لأجله.\nالمذهب الرابع عشر: أنه يمين مغلَّظة يتعين فيها عتق رقبة، صح ذلك أيضًا عن ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين (^٢).\nوحجة هذا القول أنه لما كان يمينًا مغلَّظة غلِّظت كفارتها بتحتُّمِ العتق، ووجه تغليظها تضمُّنها تحريمَ ما أحلّ الله وليس إلى العبد، وقول المنكر والزور إن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره مُعتدٍ في إقسامه؛ فغلِّظت كفارته بتحتُّم العتق كما غلِّظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين أو إطعامِ ستين مسكينًا.\nالمذهب الخامس عشر: أنه طلاق، ثم إنها إن كانت غير مدخول بها\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٠/ ١٢٦).\n(^٢) المصدر نفسه (١٠/ ١٢٥).","vol":"3","page":538},{"text":"فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها، وإن كانت مدخولًا بها فهو ثلاث، وإن نوى [٢٤/أ] أقلَّ منها، وهو إحدى الروايتين عن مالك.\nوحجة هذا القول أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يُرتَّب عليه حكمه، وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث.\nوبعدُ ففي مذهب مالك خمسة أقوال:\nهذا أحدها، وهو مشهورها.\nوالثاني: أنه ثلاث بكل حالٍ، نوى الثلاثَ أو لم ينوِها، اختارهُ عبد الملك في «مبسوطه».\nالثالث: أنه واحدة بائنة مطلقا، حكاه ابن خُواز مَنْداد رواية عن مالك.\nالرابع: أنه واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة.\nالخامس: أنه ما نواه من ذلك مطلقًا، سواء قبل الدخول وبعده.\nوقد عرفتَ توجيه هذه الأقوال.\nفصل\nوأما تحرير مذهب الشافعي فإنه إن نوى به الظهار كان ظهارًا، وإن نوى التحريم كان تحريمًا لا يترتب عليه إلا تقدم الكفارة، وإن نوى الطلاق كان طلاقًا وكان ما نواه. وإن أطلق فلأصحابه فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه صريح في إيجاب الكفارة.\nوالثاني: لا يتعلق به شيء","vol":"3","page":539},{"text":"والثالث: أنه في حق الأمة صريح في التحريم الموجب للكفارة وفي حق الحرَّة كناية. قالوا: لأن أصل الآية إنما وردَ في الأمة. قالوا: فلو قال «أنتِ عليَّ حرام» وقال «أردتُ به الظهار والطلاق» فقال ابن الحدّاد: يقال له عيِّنْ أحد الأمرين؛ لأن اللفظة الواحدة لا تصلُح للظهار والطلاق معًا، وقيل: يلزمه ما بدأ به منهما. قالوا: ولو ادعى رجل على رجل حقًّا فأنكره فقال «الحِلُّ عليك حرام، والنية نيتي لا نيتك، ما لي عليك شيء»، فقال: «الحِلُّ عليَّ حرام والنية في ذلك نيتك، ما لَكَ عندي شيء» = كانت النية نية الحالف لا المحلّف؛ لأن النية إنما تكون ممن إليه الإيقاع.\nفصل\nوأما تحرير مذهب الإمام أحمد فهو أنه ظهار بمطلقه وإن لم ينوِه، إلا أن ينوي به الطلاق أو اليمين فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثانية أنه يمين بمطلقه إلا أن ينوي به الطلاق أو الظهار فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثالثة أنه ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يمينًا ولا طلاقًا، كما لو نوى الطلاق واليمين بقوله «أنتِ عليَّ كظهر أمي» فإن اللفظين صريحان في الظهار، فعلى هذه الرواية لو وصلَه بقوله «أعني به الطلاق» فهل يكون طلاقًا أو ظهارًا؟ على روايتين: إحداهما: يكون ظهارًا كما لو قال «أنتِ عليّ كظهر أمي أعني به الطلاق أو التحريم»؛ إذ (^١) التحريم صريح في الظهار. والثانية أنه طلاق لأنه قد صرَّح بإرادته بلفظ يحتمله، وغايته أنه كناية فيه. فعلى هذه الرواية إن قال «أعني به طلاقًا» طلقت واحدة، وإن قال «أعني به الطلاق» فهل تطلَّق ثلاثًا أو واحدة؟ على روايتين، مأخذُهما حمل اللام على الجنس\n_________\n(^١) «إذ» ليست في ز، وهي في هامش د.","vol":"3","page":540},{"text":"أو العموم، هذا تحرير مذهبه وتقريره.\nوفي المسألة [٢٤/ب] مذهب آخر وراء هذا كلِّه، وهو أنه إن أوقع التحريم كان ظهارًا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفَّرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام (^١)، وعليه يدلّ النص والقياس؛ فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبَّه امرأته بالمحرَّمة، وإذا حلف به كان يمينًا من الأيمان كما لو حلف بالتزام الإعتاق والحج والصدقة، وهذا محض القياس والفقه. ألا ترى أنه إذا قال: «لله عليَّ أن أُعتق أو أحج أو أصوم» لزِمه، ولو قال: «إن كلّمتُ فلانًا فللّه عليَّ ذلك» على وجه اليمين فهو يمين، وكذلك لو قال: «هو يهودي أو نصراني» كفَر بذلك، ولو قال: «إن فعلتُ كذا فهو يهودي أو نصراني» كان يمينًا، وطَرْدُ هذا ــ بل نظيره من كل وجه ــ أنه إذا قال: «أنتِ عليّ كظهر أمي» كان ظهارًا؛ فلو قال: «إن فعلت كذا فأنتِ عليّ كظهر أمي» كان يمينًا. وطردُ هذا أيضًا إذا قال: «أنتِ طالق» كان طلاقًا، وإن قال: «إن فعلت كذا فأنت طالق» كان يمينًا. فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنة والميزان، والله الموفِّق.\nفصل\nومن هذه الالتزامات التي لم يُلزِم بها الله ولا رسوله لمن حلف بها: الأيمانُ التي رتّبها الفاجر الظالم الحجاج بن يوسف، وهي أيمان البيعة، وكانت البيعة على عهد رسول الله - ﷺ - بالمصافحة، وبيعة النساء بالكلام، وما\n_________\n(^١) انظر «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧٤، ٧٥).","vol":"3","page":541},{"text":"مسَّتْ يده الكريمة - ﷺ - يد امرأة لا يملكها، فيقول لمن يبايعه: بايعتُك ــ أو أبايعك ــ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، كما في «الصحيحين» (^١) عن ابن عمر: كنا نبايع رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، فيقول: «فيما استطعتَ».\nوفي «صحيح مسلم» (^٢) عن جابر: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذٌ بيده تحت الشجرة، بايعناه على أن لا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت.\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أَثَرةٍ علينا، وعلى أن لا ننازع الأمرَ أهلَه، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.\nوفي «الصحيحين» (^٤) أيضًا عن جُنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدِّثنا ــ أصلحك الله ــ بحديث ينفع الله به سمعتَه من رسول الله - ﷺ -، قال: دعانا رسول الله - ﷺ - فبايعناه، وكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعُسرنا ويُسرنا وأثرةٍ علينا، ولا ننازع الأمر أهله، قال: «إلا أن تروا كفرًا بَواحًا عندكم من الله فيه برهان».\n_________\n(^١) البخاري (٧٢٠٢) ومسلم (١٨٦٧). واللفظ له.\n(^٢) رقم (١٨٥٦).\n(^٣) البخاري (٧١٩٩) ومسلم (١٧٠٩/ ٤١)، واللفظ له.\n(^٤) البخاري (٧٠٥٥، ٧٠٥٦) ومسلم (١٧٠٩/ ٤٢).","vol":"3","page":542},{"text":"وفي «الصحيحين» (^١) [٢٥/أ] عن عائشة - ﵂ - قالت: كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله - ﷺ - يمتحنهن بقول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ إلى آخر الآية [الممتحنة: ١٢]. قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة، وكان رسول الله - ﷺ - إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله - ﷺ -: «انطلقن فقد بايعتكن». ولا والله ما مَسَّتْ يدَ رسول الله - ﷺ - يد امرأة قطُّ، غير أنه يبايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله - ﷺ - على النساء قطُّ إلا بما أمره الله، وما مسَّتْ كفُّ رسول الله - ﷺ - كفَّ امرأة قطُّ، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: «قد بايعتُكن كلامًا».\nفهذه هي البيعة النبوية التي قال الله ﷿ فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، وقال فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].\nفأحدث الحجاج في الإسلام بيعةً غير هذه تتضمن اليمينَ بالله سبحانه والطلاق والعتاق (^٢) وصدقة المال والحج؛ فاختلف علماء الإسلام في ذلك على عدة أقوال، ونحن نذكر تحرير هذه المسألة وكشفها؛ فإن كان مراد الحالف بقوله «أيمانُ البيعة تَلزمني» البيعةَ النبوية التي كان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) البخاري (٥٢٨٨) ومسلم (١٨٦٦/ ٨٨).\n(^٢) ز: «وللعتاق».","vol":"3","page":543},{"text":"يبايع عليها أصحابه لم يلزمه الطلاق والإعتاق ولا شيء مما رتَّبه الحجاج، وإن لم ينوِ تلك البيعة ونوى البيعة الحجَّاجية فلا يخلو: إما أن يذكر في لفظه طلاقًا أو عتاقًا أو حجًّا أو صدقةً أو يمينًا بالله أو لا يذكر شيئًا من ذلك؛ فإن لم يذكر في لفظه شيئًا فلا يخلو: إما أن يكون عارفًا بمضمونها أو لا؛ وعلى التقديرين فإما أن ينوي مضمونها كلَّه أو بعضَ ما فيها أو لا ينوي شيئًا من ذلك، فهذه تقاسيم هذه المسألة.\nفقال الشافعي وأصحابه: إن لم يذكر في لفظه طلاقها وعتاقها وحجها وصدقتها لم يلزمه شيء، نواه أو لم ينوِه، إلا أن ينوي طلاقها وعتاقها فاختلف أصحابه؛ فقال العراقيون: يلزمه الطلاق والعتاق؛ فإن اليمين بهما تنعقد بالكناية مع النية. وقال صاحب «التتمَّة»: لا يلزمه ذلك وإن نواه ما لم يتلفَّظ به؛ لأن الصريح لم يوجد، والكناية إنما يترتب عليها الحكم فيما يتضمن الإيقاع، فأما الالتزام فلا، ولهذا لم يجعل الشافعي الإقرار بالكناية مع النية إقرارًا لأنه التزام. ومن ههنا قال من قال من الفقهاء كالقفال وغيره: إذا قال «الطلاق يلزمني لا أفعل» لم يقع به الطلاق وإن نواه، لأنه كناية، والكناية إنما يترتّب عليها الحكم في غير الالتزامات، ولهذا لا تنعقد اليمين بالله بالكناية مع النية.\nوأما أصحاب الإمام (^١) أحمد فقال أبو عبد الله ابن بطَّة (^٢): كنت عند أبي القاسم الخِرَقي وقد سأله رجل عن أيمان البيعة، فقال: لست أفتي فيها [٢٥/ب] بشيء، ولا رأيت أحدًا من شيوخنا يفتي فيها بشيء. قال: وكان أبي -\n_________\n(^١) «الإمام» من ز.\n(^٢) انظر: «المغنى» (١٣/ ٦١٩) و«القواعد» لابن رجب (ص ٢٤٩).","vol":"3","page":544},{"text":"- ﵀ - ــ يعني أبا علي ــ يهاب الكلام فيها. ثم قال أبو القاسم: إلا أن يلتزم الحالف بها جميعَ ما فيها من الأيمان. فقال له السائل: عرفها أم لم يعرفها؟ قال: نعم.\nووجهُ هذا القول أنه بالتزامه لموجبها صار ناويًا له مع التلفظ، وذلك مقتضى اللزوم، ومتى وُجد سبب اللزوم والوجوب ثبت موجبه وإن لم يعرفه، كما لو قال: إن شفى الله مريضي فثلث مالي صدقة، أو وصَّى به ولم يعرفه، أو قال: أنا مقرٌّ بما في هذا الكتاب، وإن لم يعرفه، أو قال: ما أعطيتَ فلانًا فأنا (^١) ضامن له، أو ما لَكَ عليه فأنا ضامِنُه= صحَّ ولزمه وإن لم يعرفه، أو قال «ضمانُ عهدة هذا المبيع عليَّ» صح ولزمه وإن لم يعرفه.\nوقال أكثر أصحابنا منهم صاحب «المغني» (^٢) وغيره: إن لم يعرفها لم تنعقد يمينُه بشيء مما فيها؛ لأنها ليست بصريحة في القسم، والكناية لا يترتّب عليها مقتضاها إلا بالنية، فمن لم يعرف شيئًا لم يصح أن ينويه. قالوا: وإن عرفها ولم ينوِ عقد اليمين بما فيها لم تصح أيضًا؛ لأنها كناية فلا يلزم حكمها إلا بالنية، وإن عرفها ونوى اليمين بما فيها صحّ في الطلاق والعتاق؛ لأن اليمين بهما تنعقد بالكناية، دون غيرهما؛ لأنها لا تنعقد بالكناية.\nوقالت طائفة من أصحابنا: تنعقد في الطلاق والعتاق وصدقة المال دون اليمين بالله تعالى، فإن الكفارة إنما وجبت فيها لما اشتملت عليه من حرمة الاسم المعظَّم الذي تعظيمه من لوازم الإيمان، وهذا لا يوجد فيما عداه من الأيمان.\n_________\n(^١) د: «أنا».\n(^٢) (١٣/ ٦٢٠)، وانظر: «القواعد» لابن رجب (ص ٢٤٩).","vol":"3","page":545},{"text":"فصل\nوأما أصحاب مالك فليس عن مالك ولا عن قدماء أصحابه فيها قول؛ واختلف المتأخرون، فقال أبو بكر ابن العربي (^١): أجمع هؤلاء المتأخرون على أنه يحنَث فيها بالطلاق في جميع نسائه والعتق في جميع عبيده، وإن لم يكن له رقيق فعليه عتق رقبة واحدة، والمشيُ إلى مكة والحج ولو من أقصى المغرب، والتصدُّق بثلث جميع أمواله، وصيام شهرين متتابعين. ثم قال جُلُّ الأندلسيين: إن كل امرأة له تطلَّق ثلاثًا ثلاثًا (^٢)، وقال القَرَوِيّون: إنما تطلَّق واحدة واحدة، وألزمه بعضهم صومَ سنة إذا كان معتادًا للحلف بذلك. فتأمَّلْ هذا التفاوت العظيم بين هذا القول وقول أصحاب الشافعي.\nفصل\nوهذا اختلافهم فيما لو حلف بأيمان المسلمين أو بالأيمان اللازمة، أو قال: جميع الأيمان تلزمني، أو حلف بأشدِّ ما أخذ أحد على أحد. قالت المالكية (^٣): إنما ألزمناه بهذه المذكورات دون غيرها من كسوة العريان (^٤) وإطعام الجياع والاعتكاف وبناء الثغور ونحوها ملاحظةً لما غلب الحلفُ به عرفًا، فألزمناه به لأنه المسمَّى العرفي، فيقدَّم على المسمى اللغوي، واختص حلفه بهذه المذكورات دون غيرها لأنها هي المشتهرة، ولفظ\n_________\n(^١) انظر: «أحكام القرآن» (٢/ ٧٤٥).\n(^٢) في د: «ثلاثًا» بدون تكرار.\n\n(^٣) انظر: «الفروق» للقرافي (١/ ١٧٦ - ١٧٨). وقد نقل عنه المؤلف<span data-type=\"title\" id=toc-551> مذهب المالكية </span>وأقوالهم بتصرف.\n(^٤) في النسخ: «العميان». وسيأتي قريبًا على الصواب.","vol":"3","page":546},{"text":"الحلف واليمين إنما يستعمل فيها دون غيرها. وليس المدرك أن عادتهم أنهم يفعلون مسمَّياتها، وأنهم يصومون شهرين متتابعين أو يحجون، بل غلبة استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها.\nقالوا: وقد صرَّح الأصحاب [٢٦/أ] بأنه من كثرت عادته بالحلف بصوم سنة لزِمَه صوم سنة، فجعلوا المدرك الحلف اللفظي دون العرف (^١) النقلي (^٢)، قالوا: وعلى هذا لو اتفق في وقت آخر أنه اشتهر حلفهم ونذرهم بالاعتكاف والرباط وإطعام الجائع وكسوة العريان وبناء المساجد دون هذه الحقائق المتقدِّمِ ذكرُها= لكان اللازمُ لهذا الحالف إذا حنِثَ الاعتكافَ وما ذكر معه، دون ما هو مذكور قبلها؛ لأن الأحكام المترتبة على القرائن تدور معها كيفما دارت، وتبطُل معها إذا بطلت، كالعقود في المعاملات والعيوب في الأعراض (^٣) في المبايعات ونحو ذلك، فلو تغيَّرت العادة في النقد والسكَّة إلى سكَّة أخرى لحُمِلَ الثمن في المبيع عند الإطلاق على السكّة والنقد المتجدّد دون ما قبله، وكذلك إذا كان الشيء عيبًا في العادة رُدَّ به المبيع، فإن تغيرت العادة بحيث لم يُعَدَّ عيبًا لم يُردَّ به المبيع.\nقالوا: وبهذا تُعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهذا مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف فيه، وإن وقع الخلاف في تحقيقه: هل وُجد أم لا؟ قالوا: وعلى هذا فليس في عرفنا اليوم الحلف بصوم شهرين متتابعين، فلا تكاد تجد أحدًا يحلف به، فلا تسوغ الفتيا بإلزامه.\n_________\n(^١) د: «العرفي».\n(^٢) كذا في النسختين، وفي «الفروق»: «العرف الفعلي».\n(^٣) د: «الأعواض». والمثبت موافق لما في «الفروق».","vol":"3","page":547},{"text":"قالوا: وعلى هذا أبدًا تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدَّد في العرف فاعتبِرْه، ومهما سقط فألْغِه، ولا تجمُدْ على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجْرِه على عرف بلدك، وسَلْه عن عرف بلده فأَجْرِه عليه وأَفتِه به، دون عُرْف بلدك والمذكورِ في كتبك.\nقالوا: فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين.\nقالوا: وعلى هذه القاعدة تُخرَّج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات؛ فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحًا تستغني عن النية.\nقالوا: وعلى هذه القاعدة فإذا قال «أيمان البيعة تلزمني» خرج ما يلزمه على ذلك، وما جرت به العادة في الحلف عند الملوك المعاصرة إذا لم يكن له نية. فأيُّ شيء جرت به عادة ملوك الوقت في التحليف به في (^١) بيعتهم، واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عرفًا متبادرًا إلى الذهن من غير قرينة= حُمِلت يمينه عليه، وإن لم يكن الأمر كذلك اعتُبِرت نيته أو بساط يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه، انتهى (^٢).\nوهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم\n_________\n(^١) «في» ليست في النسختين، وهي في هامش د و«الفروق».\n(^٢) أي انتهى نقل مذهب المالكية من كتاب «الفروق».","vol":"3","page":548},{"text":"فقد ضلّ وأضلّ، وكانت جنايته على الدين أعظمَ من جناية من طبَّب الناسَ كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم، والله المستعان.\nولم يكن الحلف بالأيمان [٢٦/ب] اللازمة معتادًا على عهد السلف الطيب، بل هي من الأيمان الحادثة المبتدعة التي أحدثها الجهلة الأُول؛ ولهذا قال جماعة من أهل العلم: إنها من الأيمان اللاغية التي لا يلزم بها شيء البتةَ، أفتى بذلك جماعة من العلماء، ومن متأخري من أفتى بها تاج الدين أبو عبد الله الأرموي صاحب كتاب «الحاصل».\nقال ابن بَزِيزة في «شرح الأحكام»: سأله عنها (^١) بعض أصحابنا، فكتب له بخطه تحت الاستفتاء: هذه يمين لاغية، لا يلزم شيء البتةَ، وكتب محمد الأرموي. قال ابن بزيزة: وقفتُ على ذلك بخطه، وثبت عندي أنه خطه.\nثم قال: وقال جماعة من العلماء: لا يلزم فيها شيء سوى كفارة اليمين بالله سبحانه، بناء على أن لفظ اليمين لا ينطلق إلا على اليمين بالله سبحانه، وما عداه التزامات لا أيمانٌ.\nقال: والدليل عليه قوله - ﷺ -: «من كان حالفًا فليحلِفْ بالله أو ليصمُتْ» (^٢). والقائلون بأن فيها كفارة يمين اختلفوا: هل تتعدّد فيها كفارة اليمين بناء على أقلِّ الجمع، أو ليس عليه إلا كفارة واحدة لأنها إنما خرجت\n_________\n(^١) «عنها» ليست في ز.\n(^٢) رواه البخاري (٢٦٧٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"3","page":549},{"text":"مخرج اليمين الواحدة؟ كما أفتى به أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم. وقد كان أبو عمر يفتي بأنه لا شيء فيها البتةَ، حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي (^١)، وعاب ذلك عليه.\nقال: ومن العلماء من رأى أنه يختلف بحسب اختلاف الأحوال والمقاصد والبلاد، فمن حلف بها قاصدًا للطلاق أو العتاق لزِمَه ما ألزمَ نفسَه، ومن لم يعلم مقتضى ذلك ولم يقصده ولم يقيِّده العرف الغالب الجاري لزِمَه فيها كفارة ثلاثة أيمان بالله، بناء على أن أقل الجمع ثلاثة، وبه كان يفتي أبو بكر الطُّرطوشي (^٢)، ومن بعده من شيوخنا الذين حملنا عنهم، ومن شيوخ عصرنا من كان يفتي بها بالطلاق الثلاث بناءً على أنه العرف المستمر الجاري الذي حصل علمه والقصد إليه عند كل حالف بها.\nثم ذكر اختلاف المغاربة: هل يلزم فيها الطلاق الثلاث أم الواحدة؟ ثم قال: والمعتمد عليه فيها الرجوع إلى عرف الناس وما هو المعلوم عندهم في هذه الأيمان، فإذا ثبت فيها عندهم (^٣) شيء وقصدوه وعرفوه واشتهر بينهم وجب أن يحملوا عليه، ومع الاحتمال يُرجع إلى الأصل الذي هو اليمين بالله؛ إذ لا يسمَّى غير ذلك يمينًا، فيلزم الحالف بها كفارة ثلاثة أيمان. قال: وعلى هذا كان يُعوِّل أهل التحقيق والإنصاف من شيوخنا.\nقلت: ولإجزاء الكفارة الواحدة فيها مدركٌ آخر أفقهُ من هذا، وعليه تدلُّ فتاوى الصحابة - ﵃ - صريحًا في حديث ليلى بنت العَجْماء المتقدم،\n_________\n(^١) في «المنتقى» (٤/ ٧، ٨).\n(^٢) في النسختين: «الطرطوثي»، تحريف.\n(^٣) د: «عندهم فيها».","vol":"3","page":550},{"text":"وهذه الالتزامات الخارجة مخرجَ اليمين إنما فيها كفارة يمينٍ بالنص والقياس واتفاق الصحابة كما تقدم، فموجبها كلُّها شيء واحد ولو تعدد المحلوف به، وصار هذا نظيرَ ما لو حلف بكل سورة من القرآن على شيء واحد فعليه كفارة يمين لاتحاد الموجب وإن تعدد السبب، ونظيره ما لو حلف بأسماء الرب تعالى وصفاته فكفارة واحدة، فإذا حلف بأيمان المسلمين [٢٧/أ] أو الأيمان كلها أو الأيمان اللازمة أو أيمان البيعة أو بما يحلف به المسلمون= لم يكن ذلك بأعظمَ ما لو حلف بكل كتاب أنزله الله أو بكل اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله، فإذا أجزأ في هذا كفارةُ يمين مع حرمة هذه اليمين وتأكُّدها فلَأنْ تجزئ الكفارة في هذه الأيمان بطريق الأولى والأحرى، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة الحكيمة التي لم يَطْرق العالمَ شريعةٌ أكمل منها غير ذلك، وكذلك أفتى به أفقه الأمة وأعلمهم بمقاصد الرسول ودينه وهم الصحابة.\nواختلف الفقهاء بعدهم:\nفمنهم: من يُلزِم الحالفَ بما التزمه من جميع الالتزامات كائنًا ما كان.\nومنهم: من لا يُلزِمه بشيء منها البتةَ، لأنها أيمان غير شرعية.\nومنهم: من يُلزِمه بالطلاق والعتاق، ويخيِّره في الباقي بين التكفير والالتزام.\nومنهم: من يحتِّم عليه (^١) التكفير.\nومنهم: من يُلزِمه بالطلاق وحده دون ما عداه.\n_________\n(^١) «عليه» ليست في د.","vol":"3","page":551},{"text":"ومنهم: من يُلزِمه بشرط كون الصيغة شرطًا، فإن كانت صيغة التزام فيمينٌ، كقوله «الطلاق يلزمني» لم يلزمه بذلك.\nومنهم: من يتوقَّف في ذلك ولا يفتي فيه بشيء.\nفالأول قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة.\nوالثاني قول أهل الظاهر وجماعة من السلف.\nوالثالث قول أحمد بن حنبل والشافعي في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه، ومحمد بن الحسن.\nوالرابع قول بعض أصحاب الشافعي، ويُذكَر قولًا له وروايةً عن أحمد.\nوالخامس قول أبي ثور إبراهيم (^١) بن خالد.\nوالسادس قول القفّال من الشافعية وبعض أصحاب أبي حنيفة، ويُحكى عنه نفسه.\nوالسابع قول جماعة من أهل الحديث.\nوقول أصحاب رسول الله - ﷺ - أصحُّ وأفقهُ وأقرب هذه الأقوال إلى الكتاب والسنة، وبالله التوفيق.\nفصل\nالمثال التاسع: الإلزام بالصداق الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة به، وإن لم يسمِّيا أجلًا، بل قال الزوج: مائة مقدّمة ومائة مؤخّرة، فإن المؤخّر\n_________\n(^١) د: «وإبراهيم»، خطأ. فأبو ثور اسمه إبراهيم بن خالد.","vol":"3","page":552},{"text":"لا يستحق المطالبة به إلا بموت أو فرقة. هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد، فإنه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوّجها على العاجل والآجل (^١) لا يحل الآجل (^٢) إلا بموت أو فرقة، واختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وهو قول النخعي والشعبي والليث بن سعد، وله فيه رسالة كتبها إلى مالك ينكر عليه خلاف هذا القول سنذكرها بإسنادها ولفظها. وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأبو عبيد: يبطُل الآجل لجهالة محلّه، ويكون حالًّا. وقال إياس بن معاوية: يصح الآجل، ولا يحلّ الصداق إلا أن يفارقها أو يتزوَّج عليها أو يُخرِجها من بلدها؛ فلها حينئذٍ المطالبةُ به. وقال مكحول والأوزاعي: يحلُّ بعد سنة من وقت الدخول. وقال الشافعي وأبو الخطّاب: تفسُد [٢٧/ب] التسمية ويجب مهر المثل لجهالة العوض بجهالة أجله فترجع إلى مهر المثل.\nوأما مذهب مالك (^٤) فقال عبد الملك: كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شيء من المهر مؤخرًا، وكان مالك يقول: إنما الصداق فيما مضى ناجزٌ كله، فإن وقع منه شيء مؤخَّر فلا أحبُّ أن يطول الأجل في ذلك، وحكى عن ابن القاسم تأخيره إلى السنتين والأربع، وعن ابن وهب إلى السنة، وعنه إن زاد الأجل على أكثر من عشرين سنة فُسِخ، وعن ابن القاسم\n_________\n(^١) ز: «وللآجل».\n(^٢) ز: «للآجل».\n(^٣) انظر «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٧٦).\n(^٤) نقل المؤلف مذهب مالك وأصحابه من «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ١٠٤ - ١٠٥).","vol":"3","page":553},{"text":"إن جاوز الأربعين فسخ، وعنه إلى الخمسين والستين. حكى ذلك كله فضل بن سلمة عن ابن الموَّاز، ثم قال: لأن الأجل الطويل مثل ما لو تزوَّجها إلى موت أو فراق.\nقال عبد الملك: وقد أخبرني أصبغ أنه شهد ابنَ وهب وابن القاسم تذاكرا الأجلَ في ذلك، فقال ابن وهب: أرى (^١) فيه العشر فدون، فما جاوز ذلك فمفسوخ، فقال له ابن القاسم: وأنا معك على هذا، فأقام ابن وهب على رأيه، ورجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى الأربعين وأفسخه فيما فوق ذلك. قال أصبغ: وبه آخذُ ولا أحبُّ ذلك ندبًا (^٢) إلى العشر ونحوها، وقد شهدتُ أشهب زوَّج ابنته وجعل مؤخَّر مهرها إلى اثنتي عشرة (^٣) سنة.\nقال عبد الملك: وما قَصُرَ (^٤) من الأجل فهو أفضل، وإن بَعُدَ لم أفسخه إلا أن يجاوز ما قال ابن القاسم، وإن كانت الأربعون في ذلك كثيرةً جدًّا.\nقال عبد الملك: وإن كان بعض الصداق مؤخّرًا إلى غير أجلٍ فإن مالكًا كان يفسخه قبل البناء ويُمضيه بعده، ويردُّ (^٥) المرأةَ إلى صداق مثلها معجّلًا كله (^٦)، إلا أن يكون صداق مثلها أقلَّ من المعجَّل فلا ينقص منه، أو أكثر من\n_________\n(^١) كذا في النسختين. وفي «عقد الجواهر»: «رأيي».\n(^٢) كذا في النسختين. وفي «عقد الجواهر»: «بدءًا».\n(^٣) في النسختين: «اثني عشرة».\n(^٤) ز: «قضى»، تحريف.\n(^٥) كذا في النسختين. وفي «عقد الجواهر»: «وترد» بفقرة مستقلة، والصواب اتصالها بما قبلها، والضمير في «يردّ» لمالك.\n(^٦) في النسختين: «كليهما». والتصويب من «عقد الجواهر».","vol":"3","page":554},{"text":"المعجّل والمؤجّل فيوفي تمام ذلك، إلا أن يرضى الناكح بأن يجعل المؤخر معجلًا كله مع النقد، فيُمضِي النكاح ولا يفسخ لا قبل البناء ولا بعده، ولا تُردُّ المرأة إلى صداق مثلها. ثم أطالوا بذكر فروع تتعلق بذلك.\nوالصحيح ما عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - من صحة التسمية وعدم تمكين المرأة من المطالبة به إلا بموت أو فرقة، حكاه الليث إجماعًا منهم، وهو محض القياس والفقه، فإن المطلَق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكّة والصفة والوزن، والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلا بالموت أو الفراق، فجرت العادة مجرى الشرط كما تقدّم ذكر الأمثلة بذلك.\nوأيضًا فإن عقد النكاح يخالف سائر العقود، ولهذا نافاه التوقيت المشترط في غيره من العقود على المنافع، بل كانت جهالة مدة بقائه غير مؤثِّرةٍ في صحته، والصداق عوضُه ومقابلُه؛ فكانت جهالة مدته غير مؤثِّرة في صحته، فهذا محض القياس.\nونظير هذا لو آجره كلَّ شهر بدرهم فإنه يصح وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة تبعًا لمدة الإجارة؛ وقد صحّ [٢٨/أ] عن علي بن أبي طالب - ﵁ - (^١) أنه آجَر نفسَه كلّ دلوٍ بتمرة، وأكل النبي - ﷺ - من ذلك التمر (^٢). وقد قال النبي - ﷺ -: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو\n_________\n(^١) ز: «كرم الله وجهه».\n(^٢) رواه أحمد (١١٣٥) من حديث مجاهد عن علي - ﵁ -، وفي إسناده انقطاع؛ لأن مجاهدًا لم يسمع من علي. ورواه ابن ماجه (٢٤٤٦) من حديث ابن عباس - ﵄ -، وفي إسناد حنش متكلم فيه. وانظر: «الإرواء» (٥/ ٣١٣).","vol":"3","page":555},{"text":"حرَّم حلالًا» (^١)، وهذا لا يتضمن واحدًا من الأمرين، فإنّ ما أحلّ الحرام وحرّم الحلال لو فعلاه بدون الشرط لما (^٢) جاز. وقال النبي - ﷺ -: «إن أحقَّ الشروط أن تُوفُوا به ما استحللتم به الفروجَ» (^٣). وأما تلك التقديرات المذكورة فيكفي في عدم اعتبارها عدم دليل واحد يدلُّ عليها، ثم ليس تقديرٌ منها بأولى من تقديرٍ أزيدَ عليه أو أنقصَ منه، وما كان هذا سبيلَه فهو غير معتبر.\nقال الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفَسَوي في كتاب «التاريخ والمعرفة» له (^٤) ــ وهو كتاب جليل غزير العلم جمُّ الفوائد ــ: حدثني يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس.\nسلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، عافانا الله وإياك، وأحسنَ العاقبةَ في الدنيا والآخرة، قد بلغني كتابك تذكر فيه (^٥) من صلاح حالكم الذي يسرُّني، فأدام الله ذلك لكم وأتمَّه بِالْعَون على شكره\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٥٩٤) وفي إسناده كثير بن زيد متكلم فيه. ورواه الطبراني (٣٠) والدارقطني (٢٨٩٢)، واللفظ لهما. وفي إسناده كثير بن عبد الله متكلم فيه، وللحديث شواهد من حديث عائشة وأنس وعمرو ورافع بن خديج وابن عمر - ﵁ -. انظر: «الإرواء» (٥/ ١٤٢).\n(^٢) «لما» ليست في ز.\n(^٣) رواه البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -.\n(^٤) انظر نص الرسالة فيه (١/ ٦٨٧ - ٦٩٥) وفي «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (٤/ ٤٨٧ - ٤٩٧).\n(^٥) «فيه» ليست في ز.","vol":"3","page":556},{"text":"والزيادة من إحسانه.\nوذكرتَ نظرك في الكتب التي بعثتُ بها إليك وإقامتك إياها وختمك عليها بخاتمك، وقد أتتنا فجزاك الله عما قدَّمتَ منها خيرًا، فإنها كتب انتهت إلينا عنك فأحببتُ أن أبلغَ حقيقتها بنظرك فيها.\nوذكرتَ أنه قد أنشطك ما كتبتُ إليك فيه من تقويمِ ما أتاني عنك= إلى ابتدائي بالنصيحة، ورجوتَ أن يكون لها عندي موضع، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون رأيك فينا جميلًا، إلا أني لم أُذاكرك مثلَ هذا.\nوأنه بلغَك أني أُفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأني يَحِقُّ عليَّ الخوف على نفسي لاعتمادِ مَن قبلي على ما أفتيتُهم به، وأن الناس تبعٌ لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن.\nوقد أصبتَ بالذي كتبتَ به من ذلك إن شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي تحبُّ، وما أجد أحدًا قد يُنسَب إليه العلم أكرهَ لشواذِّ الفتيا ولا أشدَّ تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مَضَوا ولا آخَذَ لفتياهم فيما اتفقوا عليه= منّي، والحمد لله رب العالمين لا شريك له.\nوأما ما ذكرتَ من مُقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة، ونزول القرآن عليه بين ظَهْرَي أصحابه، وما علَّمهم الله منه، وأن الناس صاروا به تبعًا لهم فيه (^١) = فكما ذكرتَ.\nوأما ما ذكرتَ من قول الله ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ\n_________\n(^١) «فيه» ليست في ز.","vol":"3","page":557},{"text":"تَجْرِي تَحْتَهَا (^١) الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وإن (^٢) كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاءَ مرضاة الله، فجنَّدوا [٢٨/ب] الأجناد، واجتمع إليهم الناس، فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه، ولم يكتُموهم شيئًا علِموه.\nوكان في كل جندٍ منهم طائفة يعلِّمون لله كتابَ الله وسنة نبيه، ويجتهدون رأيَهم فيما لم يفسِّره لهم القرآن والسنة، ويُقوِّيهم (^٣) عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجنادهم ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه، فلم يتركوا أمرًا فسّره القرآن أو عمل به النبي - ﷺ - أو ائتمروا فيه بعده إلا علَّموهموه.\nفإذا جاء أمر عمِلَ فيه أصحاب رسول الله - ﷺ - بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قُبِضوا لم يأمروهم بغيره، فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يُحدِثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفُهم من أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين لهم.\nمع أن أصحاب رسول الله - ﷺ - قد اختلفوا بعدُ في الفتيا في أشياء كثيرة، ولولا أني قد عرفتُ أن قد علمتَها كتبتُ بها إليك، ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله - ﷺ - سعيد بن المسيب ونظراؤه أشدَّ الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم فحضرتهم بالمدينة وغيرها،\n_________\n(^١) في النسختين و«المعرفة»: «من تحتها»، وهي قراءة ابن كثير، وبها كان يقرأ الشافعي.\n(^٢) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «فإن».\n(^٣) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «ويقومهم».","vol":"3","page":558},{"text":"رأسُهم يومئذٍ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن.\nوكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفتُ وحضرتُ وسمعتُ قولَك فيه، وقولَ ذوي الرأي من أهل المدينة يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر (^١) وكثير بن فرقد وغير كثير ممن هو أسنُّ منه، حتى اضطرَّك ما كرهتَ من ذلك إلى فراق مجلسه.\nوذاكرتُك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعضَ ما نعيب على ربيعة من ذلك، فكنتما من الموافقين فيما أنكرتُ، تكرهان منه ما أكرهه، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة ولنا خاصة، رحمة الله عليه وغفر له، وجزاه بأحسنَ من عمله.\nوكان يكون من ابن شهاب اختلافٌ كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل (^٢) رأيه وعلمه بثلاثة أنواع ينقض بعضها بعضًا، ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك، فهذا الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرتَ تركي إياه.\nوقد عرفت أيضًا عيب إنكاري (^٣) إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلةَ المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا\n_________\n(^١) في النسختين: «عمرو». والصواب ما أثبت. وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني.\n(^٢) د: «فصل».\n(^٣) كذا في النسخ. وفي «المعرفة والتاريخ»: «وقد عرفت مما عبتَ إنكاري».","vol":"3","page":559},{"text":"يعلمه إلا الله، لم يجمع (^١) منهم إمام قطُّ في ليلة مطر، وفيهم أبو عبيدة بن الجرّاح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل ــ وقد بلغنا أن رسول الله - ﷺ - قال: «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» (^٢)، ويُقال: «يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي [٢٩/أ] العلماء برَتْوَةٍ» (^٣) ــ وشُرحبيل بن حَسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح.\nوكان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر، وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين، ونزلها علي بن أبي طالب سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله - ﷺ - فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قطُّ.\nومن ذلك القضاء بشهادة شاهدٍ ويمينِ صاحب الحق، وقد عرفتَ أنه لم يزل يُقضَى بالمدينة به، ولم يقضِ به أصحاب رسول الله - ﷺ - بالشام وبحمص ولا مصر ولا العراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم ولي عمر بن عبد العزيز وكان كما علمتَ في إحياء السنن والجِدّ في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما مضى من\n_________\n(^١) د: «لم يخرج».\n(^٢) رواه أحمد (١٢٩٠٤) والترمذي (٣٧٩١) وابن ماجه (١٥٤، ١٥٥) من حديث أنس، وصححه الترمذي وابن حبان (٧١٣١) والحاكم (٣/ ٤٢٢). والحديث قد اختلف في وصله وإرساله. انظر: «علل الدارقطني» (١٢/ ٢٤٨).\n(^٣) رواه الطبراني في «المعجم الصغير» (٥٥٦) من حديث جابر بن عبد الله، وفي إسناده مندل متكلم فيه، ومحمد بن الوليد العباسي لم أجد له ترجمة، وللحديث شواهد أخرى تقويه. انظر: «السلسلة الصحيحة» (١٠٩١). وفي النسختين: «بربوة»، تصحيف. والرتوة: الخطوة.","vol":"3","page":560},{"text":"أمر الناس، فكتب إليه رُزَيق بن الحكم (^١): إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمينِ صاحب الحق، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة (^٢)، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك؛ فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين. ولم يجمع بين المغرب والعشاء قطُّ ليلة المطر، والسماء تسكُب عليه في منزله الذي كان فيه بخُنَاصِر (^٣) ساكنًا.\nومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صَدُقات النساء أنها متى شاءت أن تتكلم في مؤخر صداقها تكلَّمت فدُفِع إليها، وقد وافق أهلُ العراق أهلَ المدينة على ذلك وأهلُ الشام وأهلُ مصر، ولم يقضِ أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا مَن بعده (^٤) لامرأة بصداقها المؤخَّر إلا أن يفرِّق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقِّها.\nومن ذلك قولهم في الإيلاء: إنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف وإن مرَّت الأربعة الأشهر، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر ــ وهو الذي كان يروى عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر ــ أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر الله في كتابه: لا يحلُّ للمُولِي إذا بلغ الأجل إلا أن يفيء كما أمر الله أو يعزم\n_________\n(^١) كذا في النسختين و«المعرفة». والصواب: «حُكَيم أو حَكِيم»، كما في «التهذيب» وفروعه و«الإكمال» (٤/ ٤٧).\n(^٢) د: «بالمدينة بذلك».\n(^٣) كذا في النسخ. وفي «تاريخ ابن معين»: «بخناصرة». قال في «معجم البلدان» (٢/ ٣٩٠): «خناصرة» بليدة من أعمال حلب تحاذي قنَّسرين نحو البادية.\n(^٤) كذا في النسخ. وفي «المعرفة» و«تاريخ ابن معين»: «بعدهم».","vol":"3","page":561},{"text":"الطلاق (^١)، وأنتم تقولون: إن لبِثَ بعد الأربعة الأشهر التي سمَّى الله في كتابه ولم يوقف لم يكن عليه طلاق، وقد بلغنا أن عثمان بن عفّان وزيد بن ثابت وقَبِيصة بن ذؤيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قالوا في الإيلاء: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة (^٢). وقال سعيد بن المسيّب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابن شهاب: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة، وله الرجعة في العدة (^٣).\nومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملَّك الرجل امرأتَه فاختارت زوجها فهي تطليقة، وإن طلَّقت نفسها ثلاثًا فهي تطليقة (^٤). وقضى بذلك عبد الملك بن مروان، وكان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقوله، وقد كاد الناس يجتمعون على أنها إن اختارت زوجها لم يكن فيه طلاق، وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين كانت له عليها الرجعة، وإن طلَّقت نفسها ثلاثًا بانت [٢٩/ب] منه، ولم تحلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره فيدخل بها\nثم\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٢٩٠) من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) قول عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبي سلمة بن عبد الرحمن عند عبد الرزاق (١١٦٣٨) والدارقطني (٤٠٤٤)، وأما قول قبيصة بن ذؤيب فعند عبد الرزاق (١١٦٥١).\n(^٣) قول أبي بكر بن عبد الرحمن والزهري عند عبد الرزاق (١١٦٥١)، وكذلك قول ابن المسيب (١١٦٥٢).\n(^٤) روى عبد الرزاق (١١٩١٧) عن القاسم بن محمد عن زيد بن ثابت أنه قال في رجل جعل أمر امرأته بيدها فطلقت نفسها ثلاثًا قال: هي واحدة. وروى ابن أبي شيبة (١٨٤٠٢) من طريق جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم عن زاذان عن علي، وفيه: أرسل إلى زيد بن ثابت، فسأله؟ فقال: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة.","vol":"3","page":562},{"text":"يموت أو يطلِّقها، إلا أن يردّ عليها في مجلسه فيقول: إنما ملَّكتُك واحدة، فيُسْتَحلَف ويُخلَّى بينه وبين امرأته.\nومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: أيُّما رجلٍ تزوج أمة ثم اشتراها زوجها فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات (^١). وكان ربيعة يقول ذلك، وإن تزوجت المرأة الحرة عبدًا فاشترتْه فمثل ذلك.\nوقد بُلِّغنا عنكم شيئًا من الفتيا مستكرهًا، وقد كنتُ كتبت إليك في بعضها فلم تُجِبْني في كتابي، فتخوَّفتُ أن تكون استثقلتَ ذلك، فتركتُ الكتاب إليك في شيء مما أنكرتُ وفيما أردتُ (^٢) فيه على (^٣) رأيك. وذلك أنه بلغني أنك أمرتَ زفر بن عاصم الهلالي ــ حين أراد أن يستسقي ــ أن يقدِّم الصلاة قبل الخطبة، فأعظمتُ ذلك؛ لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة يوم الجمعة، إلا أن الإمام إذا دنا فراغُه من الخطبة فدعا حوَّل رداءه ثم نزل فصلّى، وقد استسقى عمر بن عبد العزيز (^٤) وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (^٥) وغيرهما، فكلهم يقدِّم الخطبة والدعاء قبل الصلاة، فاستهتر (^٦) الناس كلهم فعْلَ زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه.\n_________\n(^١) لم أجده بهذا اللفظ في المصادر التي بين أيدينا، وقد روى ابن أبي شيبة (١٨٥٦٤) عنه بلفظ: «بيع الأمة طلاقها».\n(^٢) كذا في النسخ وأصل «المعرفة والتاريخ». وفي المطبوع: «أوردت».\n(^٣) كذا في النسخ. وفي «تاريخ ابن معين»: «علم»، وهو أولى بالسياق.\n(^٤) رواه عبد الرزاق (٤٨٩٨).\n(^٥) رواه الأثرم، انظر: «المغني» لابن قدامة (٣/ ٣٤١).\n(^٦) كذا في بعض النسخ «وتاريخ ابن معين». وفي ز: «فاستهزأ». وفي «المعرفة»: «فأشهر»، وهو الصواب.","vol":"3","page":563},{"text":"ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطَينِ في المال: إنه لا تجب عليهما الصدقة حتى يكون لكل واحدٍ منهما ما تجب فيه الصدقة. وفي كتاب عمر بن الخطاب أنه يجب عليهما الصدقة ويترادَّانِ بالسَّوِية (^١)، وقد كان ذلك يُعمل به في ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم وغيره، والذي حدَّثنا به يحيى بن سعيد، ولم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه، فرحمه الله وغفر له وجعل الجنة مصيره.\nومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل وقد باعه رجل سِلعةً فتقاضى طائفة من ثمنها أو أنفق المشتري طائفة منها= أنه يأخذ ما وجد من متاعه. وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئًا أو أنفق المشتري منها شيئًا فليست بعينها.\nومن ذلك أنك تذكر أن النبي - ﷺ - لم يُعطِ الزبير بن العوام إلا لفرس واحد، والناس كلهم يحدِّثون أنه أعطاه أربعة أسهُمٍ لفرسين ومنَعَه الفرس الثالث (^٢)، والأمة كلهم على هذا الحديث: أهل الشام وأهل مصر وأهل العراق وأهل إفريقية، لا يختلف فيه اثنان؛ فلم يكن ينبغي لك ــ وإن كنتَ سمعتَه من رجل مرضيٍّ ــ أن تخالف الأمة أجمعين.\nوقد تركتُ أشياءَ كثيرة من أشباه هذا، وأنا أُحِبُّ توفيقَ الله إيّاك وطُوْلَ\n_________\n(^١) وهو الكتاب الذي كتبه أبو بكر - ﵁ -، رواه البخاري (٢٤٨٧) من حديث أنس - ﵁ -، ثم أخذه من بعده عمر - ﵁ - وعمل به. كما رواه أبو داود (١٥٦٨) من حديث ابن عمر.\n(^٢) يُنظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، ولم أعثر على رواية فيها منع النبي - ﷺ - الزبير الفرس الثالث. وقد رُوي أنه أحضر أفراسًا يوم خيبر.","vol":"3","page":564},{"text":"بقائك؛ لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضَّيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نَأَتِ الدار؛ فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك فاستيقِنْه. لا تتركِ الكتاب إليَّ بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجةٍ إن كانت لك أو لأحد يُوصَل بك، فإني أُسَرُّ بذلك. كتبتُ إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكْرَ ما أولانا وتمامَ ما أنعم به علينا، والسلام عليك ورحمة الله.\nفإن قيل: فما تقولون فيما لو تجمَّلوا وجعلوه [٣٠/أ] حالًا، وقد اتفقوا على تأخيره في الباطن (^١) كصدُقاتِ النساء في هذه الأزمنة في الغالب: هل للمرأة أن تطالب به قبل الفرقة أو الموت؟\nقيل: هذا ينبني على أصل، وهو إذا اتفقا في السرّ على مهرٍ وسمَّوا في العلانية أكثر منه: هل يؤخذ بالسرّ أو بالعلانية؟ فهذه المسألة مما اضطربت فيها أقوال المتأخرين لعدم إحاطتهم بمقاصد الأئمة، ولا بدَّ من كشف غطائها، ولها في الأصل صورتان:\nإحداهما (^٢): أن يعقدوه في العلانية بألفين مثلًا، وقد اتفقوا قبل ذلك أن المهر ألف وأن الزيادة سُمْعة، من غير أن يعقدوه بالأقل؛ فالذي عليه القاضي ومن بعده من أصحاب أحمد أن المهر هو المسمَّى في العقد، ولا اعتبارَ بما اتفقوا عليه قبل ذلك، وإن قامت به البينة أو تصادقوا عليه، وسواء كان مهر\n_________\n(^١) ز: «في الباطن على تأخيره».\n(^٢) د: «أحدهما». ومن هنا إلى (ص ٥٧١) نقله المؤلف من كتاب «بيان الدليل» (ص ١١٤ - ١١٩)، وقد نصَّ على ذلك في آخره.","vol":"3","page":565},{"text":"العلانية من جنس السر (^١) أو من غير جنسه وأقلّ منه أو أكثر. قالوا: وهو ظاهر كلام أحمد في مواضع.\nقال في رواية ابن بَدِينا في الرجل يُصْدِق صداقًا في السرّ وفي العلانية شيئًا آخر: يؤخذ بالعلانية. وقال في رواية أبي الحارث (^٢): إذا تزوجها في العلانية على شيء وأسرَّ غير ذلك أُخِذ بالعلانية، وإن كان قد أشهد في السرّ بغير ذلك. وقال في رواية الأثرم في رجل أصْدقَ صداقًا سرًّا وصداقًا علانيةً: يؤخذ بالعلانية إذا كان قد أقرَّ به، قيل له: فقد أشهد شهودًا في السر بغيره؟ قال: وإن، أليس قد أقر بهذا (^٣) أيضًا عند شهود؟ يؤخذ بالعلانية.\nقال شيخنا - ﵁ - (^٤): ومعنى قوله «أقرّ به» أي رضي به والتزمه، لقوله سبحانه: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]، وهذا يعمُّ التسميةَ في العقد والاعتراف بعده. ويقال: أقرَّ بالجزية، وأقرَّ للسلطان بالطاعة، وهذا كثير في كلامهم.\nوقال في رواية صالح في الرجل يُعلِن مهرًا ويُخفِي آخر؛ أُخِذ بما يعلن؛ لأن العلانية قد أشهد على نفسه، وينبغي لهم أن يَفُوا له بما كان أسرَّه. وقال في رواية ابن منصور: إذا تزوج امرأة في السرّ بمهرٍ وأعلنوا مهرًا آخر\n_________\n(^١) د: «جنس مهر السر». والمثبت من ز موافق لما في «إبطال التحليل».\n(^٢) في النسختين: «ابن الحارث»، خطأ. والصواب ما أثبت، وهو أبو الحارث أحمد بن محمد الصائغ، روى عن أحمد مسائل كثيرة بضعة عشر جزءًا، ترجمته في «طبقات الحنابلة» (١/ ٧٤).\n(^٣) د: «بها».\n(^٤) «﵁» ليست في ز. والنص في «بيان الدليل» (ص ١١٥).","vol":"3","page":566},{"text":"ينبغي لهم أن يَفُوا، وأما هو فيؤخذ بالعلانية.\nقال القاضي وغيره: فقد أطلق القول بمهر العلانية، وإنما قال: ينبغي لهم أن يَفُوا بما أسرَّه (^١) على طريق الاختيار؛ لئلا يحصل منهم غرور له في ذلك. وهذا القول هو قول الشعبي وأبي قلابة وابن أبي ليلى وابن شُبرمة (^٢) والأوزاعي، وهو قول الشافعي المشهور عنه. وقد نصَّ في موضع على أنه يؤخذ بمهر السر، فقيل: في هذه المسألة قولان، وقيل: بل ذلك في الصورة الثانية كما سيأتي.\nوقال كثير من أهل العلم أو أكثرهم: إذا علم الشهود أن المهر الذي يُظهِره سُمْعة، وأن أصل المهر كذا وكذا، ثم تزوّج وأعلن الذي قال= فالمهر هو السر، والسمعة باطلة. وهذا قول الزهري والحكم بن عُتَيبة (^٣) ومالك والثوري والليث وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق، وعن شريح والحسن كالقولين (^٤). وذكر القاضي عن أبي حنيفة [٣٠/ب] أنه يبطل المهر ويجب\n_________\n(^١) ز: «أسر».\n(^٢) قول أبي قلابة رواه ابن أبي شيبة (١٦٣٦٥). وأما قول الشعبي فرواه عبد الرزاق (١٠٤٤٧) وابن أبي شيبة (١٦٣٦٢). وأما قول ابن أبي ليلى فرواه سعيد بن منصور (١٠٠٣). وأما قول ابن شبرمة فحكاه الطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٨٧).\n(^٣) قول الزهري رواه ابن أبي شيبة (١٦٣٥٩) وكذلك قول الحكم (١٦٣٦٠). وفي د: «الحكم بن عيينة»، تصحيف.\n(^٤) في الأخذ بالعلانية قول الحسن عند عبد الرزاق (١٠٤٤٦)، وقول شريح عند ابن أبي شيبة (١٦٣٦٤). وأما في الأخذ بالسر فقولهما عند ابن أبي شيبة (١٦٣٥٧، ١٦٣٥٨).","vol":"3","page":567},{"text":"مهر المثل، وهو خلاف ما حكاه عنه أصحابه وغيرهم.\nونقل عن أحمد ما يقتضي أن الاعتبار بالسر إذا ثبت أن العلانية تَلجِئةٌ، فقال: إذا كان رجل قد أظهر صداقًا وأسرَّ غير ذلك نُظِر في البينات والشهود، وكان الظاهر أوكدَ، إلا أن تقوم بينة تدفع العلانية. قال القاضي: وقد تأوَّل أبو حفص العكبري هذا على أن بينة السر عدول وبينة العلانية غير عدول، فحكم بالعدول. قال القاضي: وظاهر هذا أنه حكم بنكاح السر إذا لم تقم بينة عادلة بنكاح العلانية.\nوقال أبو حفص: إذا تكافأت البينات وقد شرطوا في السر أن الذي يظهر في العلانية الرياء والسمعة، فينبغي لهم أن يَفُوا له بهذا الشرط ولا يطالبوه بالظاهر؛ لقول النبي - ﷺ -: «المؤمنون على شروطهم» (^١). قال القاضي: وظاهر هذا الكلام من أبي حفص أنه قد جعل للسرّ حكمًا. قال: والمذهب على ما ذكرناه.\nقال شيخنا - ﵁ - (^٢): كلام أبي حفص الأول فيما إذا قامت البينة بأن النكاح عُقِد في السر بالمهر القليل، ولم يثبت نكاح العلانية، وكلامه الثاني فيما إذا ثبت نكاح العلانية، ولكن تشارطوا إنما يظهرون الزيادة على ما اتفقوا عليه للرياء والسمعة.\nقال شيخنا - ﵁ - (^٣): وهذا الذي ذكره أبو حفص أشبه بكلام\nالإمام\n_________\n(^١) تقدم تخريجه، ولا يوجد في لفظ الحديث: «المؤمنون على شروطهم». انظر: «إرواء الغليل» (٥/ ٢٥٠).\n(^٢) «﵁» من د. والنص في «بيان الدليل» (ص ١١٧).\n(^٣) «﵁» من د.","vol":"3","page":568},{"text":"أحمد وأصوله؛ فإن عامة كلامه في هذه المسألة إنما هو إذا اختلف الزوج والمرأة ولم تثبت بينةٌ ولا اعتراف أن مهر العلانية سمعة، بل شهدت البينة أنه تزوجها بالأكثر، وادّعى عليه ذلك، فإنه يجب أن يؤخذ بما أقرَّ به إنشاءً أو إخبارًا؛ فإذا أقام شهودًا يشهدون أنهم تراضوا بدون ذلك [حُكِمَ] (^١) بالبينة الأولى؛ لأن (^٢) التراضي بالأقلِّ في وقت لا يمنع التراضي بما زاد عليه في وقت آخر. ألا ترى أنه قال: آخذُ بالعلانية لأنه قد أشهد على نفسه، وينبغي لهم أن يَفُوا بما كان أسرّه؛ فقوله «لأنه قد أشهدَ على نفسه» دليل على أنه إنما يلزمه في الحكم فقط، وإلا فما (^٣) يجب بينه وبين الله لا يُعلَّل بالإشهاد. وكذلك قوله «ينبغي لهم أن يَفُوا له، وأما هو فيؤخذ بالعلانية» دليل على أنه يحكم عليه به، وأن أولئك يجب عليهم الوفاء. وقوله «ينبغي» يستعمل في الواجب أكثر مما يستعمل في المستحب، ويدل على ذلك أنه قد قال أيضًا في امرأة تزوجت في العلانية على ألف وفي السر على خمسمائة، فاختلفوا في ذلك: فإن كانت البينة في السر والعلانية سواء أُخِذ بالعلانية لأنه أحوط، وهو فرج يؤخذ بالأكثر، وقُيِّدت المسألة بأنهم اختلفوا وأنّ كلاهما (^٤) قامت به بينة عادلة.\nوإنما يظهر ذلك بالكلام في الصورة الثانية: وهو ما إذا تزوَّجها في السر\n_________\n(^١) هنا بياض في النسختين، واستُدرك من «بيان الدليل».\n(^٢) في النسختين: «البينة الأولى أن». والتصويب من «بيان الدليل».\n(^٣) ز: «فيما».\n(^٤) كذا في النسختين بالألف، وهو أسلوب شيخ الإسلام فيما وصل إلينا بخطه من الكتب.","vol":"3","page":569},{"text":"بألفٍ، ثم تزوّجها في العلانية بألفين مع بقاء النكاح الأول، فهنا قال القاضي في «المجرد» و«الجامع»: إن تصادقا على نكاح السر لزم نكاح [٣١/أ] السر بمهر السرّ؛ لأن النكاح المتقدم قد صحّ ولزم، والنكاح المتأخر عنه لا يتعلق به حكم، ويُحمل مطلق كلام أحمد والخرقي على مثل هذه الصورة، وهذا مذهب الشافعي.\nوقال الخرقي (^١): إذا تزوَّجها على صداقين سرّ وعلانية أُخِذ بالعلانية وإن كان السر قد انعقد النكاح به. وهذا منصوص كلام الإمام أحمد في قوله: إن زوِّجت في العلانية على ألف وفي السر على خمسمائة، وعموم كلامه المتقدم يشمل هذه الصورة والتي قبلها. وهذا هو الذي ذكره القاضي في «خلافه»، وعليه أكثر الأصحاب.\nثم طريقته وطريقة جماعة في ذلك أن ما أظهراه زيادة في المهر، والزيادة فيه بعد لزومه لازمة، وعلى هذا فلو كان السر هو الأكثر أخذ به أيضًا، وهو معنى قول الإمام أحمد «أُخِذ بالعلانية» يؤخذ بالأكثر. ولهذا القول طريقة ثانية، وهو أن نكاح السر إنما يصح إذا لم يكتموه على إحدى الروايتين بل أَنَصِّهما؛ فإذا تواصَوا بكتمان النكاح الأول كانت العبرة إنما هي بالثاني (^٢).\nفقد تحرَّر أن الأصحاب مختلفون: هل يؤخذ بصداق العلانية ظاهرًا وباطنًا أو ظاهرًا فقط؟ فيما إذا كان السر تواطؤًا من غير عقد، وإن كان السر عقدًا فهل هي كالتي قبلها أو يؤخذ هنا بالسرّ في الباطن بلا تردد؟ على\n_________\n(^١) في «مختصره» بشرحه «المغني» (١٠/ ١٧٢).\n(^٢) د: «بالنكاح الثاني». والمثبت موافق لما في «بيان الدليل».","vol":"3","page":570},{"text":"وجهين: فمن قال إنه يؤخذ به ظاهرًا فقط وإنهم في الباطن لا ينبغي لهم أن يأخذوا إلا بما اتفقوا عليه لم يرد نقضًا، وهذا قول له شواهد كثيرة. ومن قال إنه يؤخذ به ظاهرًا وباطنًا بنى ذلك على أن المهر من توابع النكاح وصفاته، فيكون ذكره سمعةً كذكره هزلًا، والنكاح جدُّه وهزلُه سواء، فكذلك ذكر ما هو فيه. يحقِّق ذلك أن حِلّ البضع مشروط بالشهادة على العقد، والشهادة وقعت على ما أظهره؛ فيكون وجود (^١) المشهود به شرطًا في الحل.\nهذا كلام شيخ الإسلام في مسألة مهر السر والعلانية في كتاب «إبطال التحليل» نقلته بلفظه.\nولهذه المسألة عدة صور هذه إحداها.\nالثانية (^٢): أن يتفقا في السر على أن ثمن المبيع ألف ويُظهِرا في العلانية أن ثمنه ألفان، فقال القاضي في «التعليق القديم» والشريف أبو جعفر وغيرهما: الثمن ما أظهراه، على قياس المشهور عنه في المهر أن العبرة بما أظهراه، وهو الأكثر. وقال القاضي في «التعليق الجديد» وأبو الخطاب وأبو الحسين وغيرهم من أصحاب القاضي: الثمن ما أسرَّاه، والزيادة سمعة ورياء، بخلاف المهر، إلحاقًا للعوض في البيع بنفس البيع، وإلحاقًا للمهر بالنكاح، وجعلًا الزيادة فيه بمنزلة الزيادة بعد العقد وهي غير لاحقة. وقال أبو حنيفة عكس هذا، بناء على أن تسمية العوض شرط في صحة البيع دون النكاح. وقال صاحباه: العبرة في الجميع بما أسرَّاه.\n_________\n(^١) ز: «وجوب». والمثبت موافق لما في «بيان الدليل».\n(^٢) نقلها المؤلف من «بيان الدليل» (ص ١١٣ - ١١٤).","vol":"3","page":571},{"text":"الصورة الثالثة (^١): أن يتفقا في عقد البيع على أن يتبايعا شيئًا بثمن ذكراه على أنه بيع تَلْجئةٍ لا حقيقةَ له، تخلُّصًا من ظالم يريد أخذه؛ فهذا عقد باطل؛ وإن لم [٣١/ب] يقولا في صلب العقد «قد تبايعناه تلجئةً». قال القاضي: هذا قياس قول أحمد؛ لأنه قال فيمن تزوج امرأة واعتقد أنه يُحِلُّها للأول: لم يصحَّ هذا النكاح، وكذلك إذا باع عنبًا ممن يعتقد أنه يعصره خمرًا. قال: وقد قال أحمد في رواية ابن منصور (^٢): إذا أقرَّ لامرأة بدَينٍ في مرضه ثم تزوّجها ومات وهي وارثة، فهذه قد أقرَّ لها وليست بزوجة، يجوز ذلك، إلا أن يكون أراد تلجئةً فيردُّ. ونحو هذا نقل إسحاق بن إبراهيم والمرُّوذي، وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وهو قياس قول مالك.\nوقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون تلجئةً حتى يقولا في العقد «قد (^٣) تبايعنا هذا العقد تلجئةً».\nومأخذ من أبطله أنهما لم يقصدا العقد حقيقة، والقصد معتبر في صحته، ومأخذ من يصحِّحه أن هذا شرط مقدم على العقد، والمؤثر في العقد إنما هو الشرط المقارن.\nوالأولون منهم من يمنع المقدمة الأولى ويقول: لا فرقَ بين الشرط المتقدم والمقارن، ومنهم من يقول: إنما ذلك في الشرط الزائد على العقد، بخلاف الرافع له فإن الشارط هنا يجعل العقد غير مقصود، وهناك هو مقصود، وقد أطلق عن شرط مقارن.\n_________\n(^١) نقل المؤلف هذه الصورة من «بيان الدليل» (ص ١١٠ - ١١٢).\n(^٢) «مسائله» (٢/ ٥٠٢).\n(^٣) ز: «وقد».","vol":"3","page":572},{"text":"الصورة الرابعة (^١): أن يظهرا نكاحًا تلجئةً لا حقيقةَ له؛ فاختلف الفقهاء في ذلك؛ فقال القاضي وغيره من الأصحاب: إنه صحيح كنكاح الهازل؛ لأن أكثر ما فيه أنه غير قاصد للعقد، بل هازل به، ونكاح الهازل صحيح.\nقال شيخنا (^٢): ويؤيِّد هذا أن المشهور عندنا أنه لو شرط في العقد رفْعَ موجبه، مثل أن يشترط (^٣) أن لا يطأها أو أنها لا تحلُّ له أو أنه لا ينفق عليها ونحو ذلك= صح العقد دون الشرط؛ فالاتفاق على التلجئة حقيقته (^٤) أنهما اتفقا على أن يعقدا عقدًا لا يقتضي موجبه، وهذا لا يبطله.\nقال شيخنا (^٥): ويتخرج في نكاح التلجئة أنه باطل، لأن الاتفاق الموجود قبل العقد بمنزلة المشروط في العقد في أظهر الطريقين لأصحابنا، ولو شرطا في العقد أنه نكاح تلجئةٍ لا حقيقة لكان نكاحًا باطلًا، وإن قيل إنّ فيه خلافًا فإن أسوأ الأحوال أن يكون كما لو شرطا أنها لا تحلُّ له، وهذا الشرط يفسد العقد على الخلاف المشهور.\nالصورة الخامسة: أن يتفقا على أن العقد عقد تحليل، لا نكاح رغبة، وأنه متى دخل بها طلَّقها أو (^٦) فهي طالق، أو أنها متى اعترفت بأنه وصل إليها فهي طالق، ثم يعقداه مطلقًا وهو في الباطن نكاح تحليل لا نكاح رغبة،\n_________\n(^١) نقلها المؤلف من «بيان الدليل» (ص ١١٢، ١١٣).\n(^٢) في المصدر السابق.\n(^٣) د: «يشرط». والمثبت موافق لما في «بيان الدليل».\n(^٤) ز: «حقيقة».\n(^٥) في «بيان الدليل» (ص ١١٣).\n(^٦) د: «وإلا».","vol":"3","page":573},{"text":"فهذا باطل محرم، لا تحلُّ به الزوجة للمطلق، وهو داخل تحت اللعنة، مع تضمُّنٍ لزيادة الخداع كما سماه السلف بذلك، وجعلوا فاعله مخادعًا لله، وقالوا: من يخادع الله يخدعه. وعلى بطلان هذا النكاح نحو ستين دليلًا.\nوالمقصود أن المتعاقدينِ وإن أظهرا خلاف ما اتفقا عليه في الباطن فالعبرة بما أضمراه (^١) واتفقا عليه وقصداه بالعقد، وقد أشهدا الله على ما في قلوبهما فلا [٣٢/أ] ينفعهما تركُ التكلم به حالَ العقد (^٢)، وهو مطلوبهما ومقصودهما.\nالصورة السادسة: أن يحلف الرجل على شيء في الظاهر، وقصده ونيته خلاف ما حلف عليه، وهو غير مظلوم؛ فهذا لا ينفعه ظاهر لفظه، وتكون يمينه على ما يصدِّقه عليه صاحبه اعتبارًا بمقصده ونيته.\nالصورة السابعة: إذا اشترى أو استأجر مُكرَهًا لم يصح، وإن كان في الظاهر قد حصل صورة العقد؛ لعدم قصده وإرادته؛ فدلَّ على أن القصد روح العقد ومصحِّحه ومُبطِله، فاعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ؛ فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تُراد لأجلها، فإذا أُلغِيت واعتُبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره واعتبارًا لما يسوغ إلغاؤه.\nوكيف يقدَّم اعتبار اللفظ الذي قد ظهر كل الظهور أن المراد خلافه؟ بل يُقطع بذلك على المعنى الذي قد ظهر بل قد تيقَّن أنه المراد، وكيف يُنكِر\n_________\n(^١) د: «أظمراه».\n(^٢) د: «حال العقد به».","vol":"3","page":574},{"text":"على أهل الظاهر من يسلك هذا؟ وهل ذلك إلا من أبرد (^١) الظاهرية؟ فإن أهل الظاهر تمسَّكوا بألفاظ النصوص وأجْرَوها على ظواهرها حيث لا يقع القطع بأن المراد خلافها، وأنتم تمسَّكتم بظواهر ألفاظِ غير المعصومين حيث يقع القطع بأن المراد خلافها، فأهل الظاهر أعذرُ منكم بكثير، وكل شبهة تمسَّكتم بها في تسويغ ذلك فأدلة الظاهرية في تمسُّكهم بظواهر النصوص أقوى وأصح.\nوالله تعالى يحبُّ الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلَّى بها الرجل، خصوصًا من نَصبَ نفسه حكمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال تعالى لرسوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف وأن لا يميل أحدهم مع قريبه وذي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل الحق مطلوبه، يسير بسيره وينزل بنزوله، يدين بدين العدل والإنصاف ويُحكِّم الحجة، وما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه فهو العلم الذي قد شمَّر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه، لا يَثْني عِنانَه عنه عذلُ عاذلٍ، ولا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يصدُّه عنه قول قائل.\nومن تدبَّر مصادر الشرع وموارده تبيَّن له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصدٍ منه، كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمُكْرَه والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم، ولم يكفِّر من قال من شدة فرحه براحلته بعد يأسه منها: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» (^٢)، فكيف يعتبر الألفاظ التي يُقطع بأن مراد\n_________\n(^١) في المطبوع: «إيراد»، تحريف.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":575},{"text":"قائلها خلافها؟ ولهذا ألغَى شهادة المنافقين ووصفهم بالخداع والكذب والاستهزاء، وذمَّهم على أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم وأن بواطنهم تخالف ظواهرهم، وذمّ تعالى من يقول ما لا يفعل، وأخبر أن [٣٢/ب] ذلك من أكبر المقت عنده، ولعن اليهود إذ توسَّلوا بصورة عقد البيع على ما حرَّمه عليهم إلى أكل ثمنه، وجعل أكل ثمنه لما كان هو المقصود بمنزلة أكله في نفسه.\nوقد لعن رسول الله - ﷺ - في الخمر عاصرَها ومعتصرها (^١)، ومن المعلوم أن العاصر إنما عصر عنبًا، ولكن لما كانت نيته إنما هي تحصيل الخمر لم ينفعه ظاهر عَصْره، ولم يعصمه من اللعنة لباطن قصدِه ومراده، فعُلِم أن الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها.\nومن لم يُراعِ القصود في العقود وجرى مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعن العاصر، وأن يجوز له عَصْر (^٢) العنب لكل أحد وإن ظهر له أن قصده الخمر، وأن يقضي له بالأجرة لعدم تأثير القصد في العقد عنده. ولقد صرَّحوا بذلك، وجوَّزوا له العصر، وقَضَوا له بالأجرة، وقد روي في أثر مرفوع من حديث ابن بريدة عن أبيه: «من حبسَ العنب أيام القِطاف حتى\n_________\n(^١) رواه الترمذي (١٢٩٥) وابن ماجه (٣٣٨١) من حديث أنس - ﵁ -، قال ابن حجر: رواته ثقات. وفي الباب عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر - ﵁ -. انظر: «التلخيص الحبير» (٤/ ١٣٦) و«السلسلة الصحيحة» (٨٣٩) و«الإرواء» (٥/ ٣٦٤).\n(^٢) ز: «عصير».","vol":"3","page":576},{"text":"يبيعه من يهودي أو نصراني أو من يتخذه خمرًا فقد تقحَّم النارَ على بصيرةٍ» (^١). ذكره أبو عبد الله ابن بطَّة (^٢).\nومن لم يراعِ القصد في العقد لم ير بذلك بأسًا، وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات (^٣) كما هي معتبرة في التقربات والعبادات؛ فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالًا وحرامًا، وصحيحًا وفاسدًا، وطاعة ومعصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة، وصحيحة أو فاسدة.\nودلائل هذه القاعدة تفوت الحصر، فمنها قوله تعالى في حق الأزواج إذا طلَّقوا أزواجهم طلاقًا رجعيًّا: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وذلك نص في أن الرجعة إنما ملَّكها الله سبحانه لمن قصد الصلاح دون مَن قصد الضرار.\nوقوله في الخلع: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فبيَّن سبحانه أن الخلع المأذون فيه والنكاح\n_________\n(^١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٥٣٥٦)، وفي إسناده الحسن بن مسلم المروزي، قال فيه أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (٣/ ٣٦): لا أعرفه، وحديثه يدل على الكذب. وقال الذهبي في «الميزان» (١/ ٥٢٣): أتى بخبر موضوع في الخمر.\n(^٢) لعله ذكره في «تحريم الخمر» له، وهو من كتبه المفقودة.\n(^٣) ز: «العبادات».","vol":"3","page":577},{"text":"المأذون فيه (^١) إنما يباح إذا ظنّا أن يقيما حدود الله.\nوقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، فإنما قدّم الله سبحانه الوصية على الميراث إذا لم يَقصد بها الموصي الضرارَ؛ فإن قصده فللورثة إبطالُها وعدم تنفيذها. وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]، فرفع الإثم عمن أبطل الجنف والإثم من وصية الموصي، ولم يجعلها بمنزلة نص الشارع الذي تحرم مخالفته.\n\nوكذلك الإثم مرفوع عمن أبطل من<span data-type=\"title\" id=toc-560> شروط الواقفين </span>ما لم يكن إصلاحًا، وما كان فيه جنفٌ أو إثم، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يجعل هذا الشرط الباطل المخالف لكتاب الله بمنزلة نص الشارع، ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام، بل قد قال إمام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه: [٣٣/أ] «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرطٍ، كتابُ الله أحقُّ، وشرط الله أوثقُ» (^٢). فإنما ينفذ من شروط الواقفين ما كان لله طاعةً، وللمكلف مصلحةً، وأما ما كان بضد ذلك فلا حرمة له، كشرط التعزُّب والترهُّب المضاد لشرع الله ودينه؛ فإنه سبحانه فتح للأمة باب النكاح بكل طريق، وسدَّ عنهم باب السفاح بكل طريق، وهذا الشرط الباطل مضادٌّ لذلك؛ فإنه يسدُّ على من التزمه باب النكاح، ويفتح له باب الفجور، فإن لوازم البشرية تتقاضاها الطباع أتمَّ تقاضٍ، فإذا سدّ عنها مشروعها فتحت لها\n_________\n(^١) «فيه» ليست في د.\n(^٢) رواه البخاري (٢١٥٥) ومسلم (١٥٠٤/ ٦) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"3","page":578},{"text":"ممنوعها ولا بدّ.\nوالمقصود أن الله سبحانه رفع الإثم عمن أبطل الوصية الجانفة الآثمة، وكذلك هو مرفوع عمن أبطل شروط الواقفين التي هي كذلك، فإذا شرط الواقف القراءة عند القبر كانت القراءة في المسجد أولى وأحبَّ إلى الله ورسوله وأنفعَ للميت، فلا يجوز تعطيلُ الأحبِّ إلى الله، الأنفعِ لعبده، واعتبارُ ضدّه. وقد رام بعضهم الانفصالَ عن هذا بأنه قد يكون قصد الواقف حصول الأجر له باستماعه للقرآن في قبره، وهذا غلط؛ فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة، فإنه عمل اختياري وقد انقطع بموته.\nومن ذلك اشتراطه أن تُصلَّى الصلوات الخمس في المسجد الذي بناه على قبره، فإنه شرط باطل لا يجب، بل لا يحلُّ الوفاء به، وصلاته في المسجد الذي لم يوضع على قبرٍ أحبُّ إلى الله ورسوله، فكيف يُفتَى أو يُقضَى بتعطيل الأحبِّ إلى الله والقيام بالأكره إليه اتباعًا لشرط الواقف الجانف الآثم؟\nومن ذلك أن يشرط عليهم (^١) إيقاد قنديلٍ على قبره أو بناء مسجد عليه؛ فإنه لا يحلُّ تنفيذ هذا الشرط ولا العمل به، فكيف ينفذ شرطٌ لعن رسول الله - ﷺ - فاعله؟\nوبالجملة فشروط الواقفين أربعة أقسام: شروط محرمة في الشرع، وشروط (^٢) مكروهة لله ورسوله، وشروط تتضمن تركَ ما هو أحبُّ إلى الله\n_________\n(^١) ز: «اشتراطه عليه».\n(^٢) «شروط» ليست في ز.","vol":"3","page":579},{"text":"ورسوله، وشروط تتضمن فعل ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله. فالأقسام الثلاثة الأول لا حرمةَ لها ولا اعتبارَ، والقسم الرابع هو الشرط المتَّبَع الواجب الاعتبار، وبالله التوفيق.\nوقد أبطل النبي - ﷺ - هذه الشروط كلها بقوله: «من عملَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (^١) وما ردَّه رسول الله - ﷺ - لم يجز لأحدٍ اعتباره ولا الإلزام به وتنفيذه، ومن تفطَّن لتفاصيل هذه الجملة التي هي من لوازم الإيمان تخلَّص بها من آصار وأغلال في الدنيا، وإثم وعقوبة ونقص ثوابٍ في الآخرة، وبالله التوفيق.\nوتأمَّلْ قول النبي - ﷺ -: «صيد البرّ لكم حلال وأنتم حُرُمٌ ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم» (^٢)، كيف حرّم على المحرِم الأكلَ مما صاده الحلال إذا كان قد صاده لأجله؟ فانظر كيف أثَّر القصد في التحريم ولم يرفعه ظاهر الفعل.\nومن ذلك (^٣) الأثر المرفوع من حديث [٣٣/ب] أبي هريرة: «من تزوَّج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤدِّيه إليها فهو زانٍ، ومن ادَّان دينًا ينوي أن لا يقضِيَه فهو سارق» (^٤)، ذكره أبو حفص بإسناده. فجعل المشتري والناكح إذا قصدا\n_________\n(^١) رواه البخاري معلقًا بهذا اللفظ (١٣/ ٣٨٨ - مع الفتح) ووصله مسلم (١٧١٨/ ١٨) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) رواه أبو داود (١٨٥١) والترمذي (٨٤٦) والنسائي (٢٨٢٧)، وفي إسناده المطلب، قال الترمذي: لا نعرف له سماعًا من جابر. وانظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ١٦٠).\n(^٣) نقله المؤلف من «بيان الدليل» (ص ٩٨، ٩٩).\n(^٤) رواه البزار (٨٧٢١) والدولابي في «الكنى والأسماء» (٥٤٠)، وفي إسناده محمد بن أبان الكوفي، قال البزار فيه: لم يكن بالحافظ، وقد حدث عنه جماعة من الأجلة؛ منهم أبو الوليد وأبو داود وغيرهما. وبه أعلَّه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٣١).","vol":"3","page":580},{"text":"أن لا يؤدِّيا العوض بمنزلة من استحلَّ الفرج والمال بغير عوض، فيكون كالزاني والسارق في المعنى وإن خالفهما في الصورة. ويؤيِّد ذلك ما في «صحيح البخاري» (^١) مرفوعًا: «من أخذَ أموال الناس يريد أداءها أدَّاها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافَها أتلفَه الله».\nفهذه النصوص وأضعافها تدلُّ على أن المقاصد تغيِّر أحكام التصرفات من العقود وغيرها، وأحكام الشريعة تقتضي ذلك أيضًا؛ فإن الرجل إذا اشترى أو استأجر أو اقترض أو نكح ونوى أن ذلك لموكِّله أو لمولِّيه كان له وإن لم يتكلَّم به في العقد، وإن لم ينْوِه له وقع الملك للعاقد. وكذلك لو تملَّك المباحات من الصيد والحشيش وغيرها ونواه لموكِّله وقع الملك له عند جمهور الفقهاء. نعم لا بدَّ في النكاح من تسمية الموكِّل؛ لأنه معقود عليه، فهو بمنزلة السِّلعة في البيع، فافتقر العقد إلى تعيينه لذلك، لأنه معقود عليه (^٢). وإذا كان القول والفعل الواحد يوجب الملك لمالكينِ مختلفين عند تغيُّر النية ثبت أن للنية تأثيرًا في العقود والتصرفات.\nومن ذلك (^٣) أنه لو قضى عن غيره دينًا أو أنفق عليه نفقة واجبة ونحو ذلك ينوي التبرع والهبة لم يملك الرجوع بالبدل، وإن لم ينوِ فله الرجوع إن\n_________\n(^١) رقم (٢٣٨٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.\n(^٢) كذا في النسختين. وفي «بيان الدليل»: «لا لأجل أنه معقود له».\n(^٣) النقل مستمر من «بيان الدليل».","vol":"3","page":581},{"text":"كان بإذنه اتفاقًا، وإن كان بغير إذنه ففيه النزاع المعروف؛ فصورة العقد واحدة، وإنما اختلف الحكم بالنية والقصد.\nومن ذلك (^١) أن الله سبحانه حرَّم أن يدفع الرجل إلى غيره مالًا ربويًّا بمثله على وجه البيع إلا أن يتقابضا، وجوَّز دفعه بمثله على وجه القرض، وقد اشتركا في أن كلًّا منهما يدفع ربويًّا ويأخذ نظيره، وإنما فرَّق بينهما القصدُ؛ فإن مقصود القرض إرفاق المقترض ونفعه، وليس مقصوده المعاوضة والربح، ولهذا كان القرض شقيقَ العارية كما سماه رسول الله - ﷺ - «منيحةَ الورِق» (^٢)، فكأنه أعاره الدراهمَ ثم استرجعها منه، لكن لم يمكن استرجاع العين فاسترجع المثل. وكذلك لو باعه درهمًا بدرهمين كان ربًا صريحًا، ولو باعه إياه بدرهم ثم وهبه درهمًا آخر جاز، والصورة واحدة، وإنما فرَّق بينهما القصدُ، فكيف يمكن أحدًا أن يلغي القصودَ في العقود ولا يجعل لها اعتبارًا؟\nفصل\nفإن قيل: قد أطلتم الكلام في مسألة القصود في العقود، ونحن نحاكمكم إلى القرآن والسنة وأقوال الأئمة، قال الله تعالى حكاية عن نبيه نوح: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١]، فرتَّب الحكم على ظاهر إيمانهم، [٣٤/أ]\n_________\n(^١) كما في «بيان الدليل» (ص ٩٩، ١٠٠).\n(^٢) رواه أحمد (١٨٦٦٥) والترمذي (١٩٥٧) من حديث البراء، وصححه الترمذي وابن حبان (٥٠٩٦).","vol":"3","page":582},{"text":"وردَّ علمَ ما في أنفسهم إلى العليم بالسرائر سبحانه، المتفرد بعلم ذات الصدور وعلْمِ ما في النفوس من علم الغيب، وقد قال تعالى لرسوله: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقد قال النبي - ﷺ -: «إني لم أُومر أن أنقِّب عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونَهم» (^١)، وقد قال النبي - ﷺ -: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله» (^٢). فاكتفى منهم بالظاهر، ووكَلَ سرائرهم إلى الله، وكذلك فعل (^٣) بالذين تخلَّفوا عنه واعتذروا إليه، قَبِلَ منهم علانيتهم، ووكَلَ سرائرهم إلى الله ﷿. وكذلك كانت سيرته في المنافقين: قبول ظاهر إسلامهم، ويكِلُ سرائرهم إلى الله ﷿، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ولم يجعل لنا علمًا بالنيات والمقاصد تتعلق الأحكام الدنيوية بها، فقولنا لا علم لنا به.\nقال الشافعي (^٤): فرض الله سبحانه على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر شيئًا، وأولَى أن لا يتعاطَوا حكمًا على غيب أحدٍ بدلالة ولا ظن؛ لقصور علمهم عن علم أنبيائه الذين فرض عليهم الوقوف عما ورد\n_________\n(^١) جزء من حديث رواه البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤/ ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -\n.\n(^٢) رواه البخاري (١٣٩٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. ورواه مسلم (٢١/ ٣٥) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٣) «فعل» ليست في ز.\n(^٤) في «إبطال الاستحسان» ضمن كتاب «الأم» (٩/ ٥٩ وما بعدها).","vol":"3","page":583},{"text":"عليهم حتى يأتيهم أمره؛ فإنه ﷿ ظاهَرَ عليهم الحجج، فما جعل إليهم الحكم في الدنيا إلا بما ظهر من المحكوم عليه، ففَرضَ على نبيه أن يقاتل أهل الأوثان حتى يسلموا، فتُحْقَن دماؤهم إذا أظهروا الإسلام، وأَعلَمَ أنه لا يعلم صدقَهم بالإسلام إلا الله؛ ثم أطْلعَ الله رسولَه على قوم يظهرون الإسلام ويُسِرُّون غيره، ولم يجعل له أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإسلام، ولم يجعل له أن يقضي عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا؛ فقال لنبيه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، يعني أسلمنا بالقول مخافةَ القتل والسبي. ثم أخبر أنه يجزيهم إن أطاعوا الله ورسوله، يعني إن أحدثوا طاعة رسوله. وقال في المنافقين وهم صنفٌ ثانٍ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ١ - ٢] يعني جُنةً من القتل، وقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٥]، فأمر بقبول ما أظهروا، ولم يجعل لنبيه أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإيمان. وقد أَعلَم الله نبيه أنهم في الدرك الأسفل من النار؛ فجعل سبحانه حكْمَه عليهم على سرائرهم، وحكْمَ نبيه عليهم في الدنيا على علانيتهم: بإظهار التوبة، وما قامت عليه بينة من المسلمين بقوله، وبما أقروا بقوله، وما جحدوا من قول الكفر ما لم يقروا به ولم يقم به بينة عليهم (^١)، وقد كذَّبهم في قولهم في كلّ ذلك، وكذلك أخبر النبي - ﷺ - عن الله.\nأخبرنا مالك (^٢) عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن\n_________\n(^١) ز: «من عليهم».\n(^٢) في «الموطأ» (١/ ١٧١)، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٩/ ٦١). وعبيد الله بن عدي مختلف في صحبته، والحديث جاء موصولًا عند عبد الرزاق (١٨٦٨٨) وأحمد (٢٣٦٧٠)، وصححه ابن حبان (٥٩٧١) والألباني في «الثمر المستطاب» (١/ ٥٤).","vol":"3","page":584},{"text":"عدي بن الخِيَار (^١): أن رجلًا سارَّ النبي - ﷺ -، فلم ندْرِ ما سارَّه حتى جهر رسول الله - ﷺ -، فإذا هو يشاوره في قتل رجل من المنافقين، فقال النبي - ﷺ -: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: بلى، ولا شهادَة له، فقال: «أليس يصلّي؟» قال: بلى، ولا صلاةَ له، فقال النبي - ﷺ -: «أولئك الذين نهاني الله عنهم».\n[٣٤/ب] ثم ذكر (^٢) حديث: «أُمرت أن أقاتلَ الناس»، ثم قال: فحسابهم بصدقهم وكذبهم، وسرائرهم على الله العالم بسرائرهم، المتولّي الحكمَ عليهم دون أنبيائه وحكام خلقه. وبذلك مضت أحكام رسول الله - ﷺ - فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، أَعلَمهم أن جميع أحكامه على ما يُظهِرون، والله يُدِين بالسرائر.\nثم ذكر حديث عُويمر العجلاني في لِعانه امرأتَه (^٣)، ثم قال: فقال النبي - ﷺ - فيما بلغنا: «لولا ما قضى الله لكان لي فيها قضاءٌ غيره» (^٤)، يعني لولا ما\n_________\n(^١) في النسختين: «عن عبيد الله بن يزيد عن عدي بن الخيار»، خطأ. والتصويب من مصادر التخريج.\n(^٢) أي الشافعي في «الأم» (٩/ ٦٢).\n(^٣) قصة عويمر رواها البخاري (٧٣٠٤) ومسلم (١٤٩٢) من حديث سهل بن سعد - ﵄ -.\n(^٤) رواه البخاري (٤٧٤٧) من حديث ابن عباس بنحوه، ومسلم (١٤٩٦) من حديث أنس دون قوله: «لولا ما قضى الله ...».","vol":"3","page":585},{"text":"قضى الله من أن لا يُحكَم على أحد إلا باعترافٍ على نفسه أو بينة، ولم يعرض لشريك ولا للمرأة، وأنفذ الحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب، ثم علم بعدُ أن الزوج هو الصادق.\nثم ذكر حديث رُكانة أنه طلَّق امرأته البتة، وأن النبي - ﷺ - استحلفه ما أردتَ إلا واحدة، فحلف له فردَّها إليه (^١)، قال: وفي ذلك وغيره دليلٌ على أنّ حرامًا على الحاكم أن يقضي أبدًا على أحد من عباد الله إلا بأحسنِ ما يظهر، وإن احتمل ما يظهر غيرَ أحسنِه كانت عليه دلالة على ما يخالف أحسنه.\nوقوله (^٢): بلى لما حكم الله في الأعراب الذين قالوا آمنّا، وعلم الله أن الإيمان لم يدخل قلوبَهم بما أظهروا من الإسلام، ولما حكم في المنافقين الذين علم أنهم آمنوا ثم كفروا، وأنهم كاذبون بما أظهروا من الإيمان بحكم الإسلام، وقال في المتلاعنين: «أبصِروها، فإن جاءت به كذا وكذا فلا أُراه إلا قد صدقَ عليها»، فجاءت به كذلك (^٣)، ولم يجعل له إليها سبيلًا؛ إذ لم يُقرَّا (^٤) ولم تقم عليهما بينة. وأبطل في حكم الدنيا عنهما استعمالَ الدلالة، التي لا توجد في الدنيا دلالة بعد دلالة الله على المنافقين والأعراب أقوى\n_________\n(^١) «إليه» ساقطة من د. والحديث رواه أبو داود (٢٢٠٦)، وأبو داود الطيالسي (١٢٨٤) والدارقطني (٣٩٧٨)، ورجاله كلهم ثقات إلا نافع بن عجير لم يوثقه إلا ابن حبان، وأورده ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. انظر: «الإرواء» (٧/ ١٤٢).\n(^٢) أي قول الشافعي في «الأم» (٩/ ٦٤). والكلام متصل بما قبله.\n(^٣) تقدم تخريجه في قصة عويمر وشريك.\n(^٤) في النسختين: «إذا لم يقر». والمثبت من «الأم»، وهو الموافق لما بعده.","vol":"3","page":586},{"text":"مما أخبر رسول الله - ﷺ - في مولود امرأة (^١) العجلاني على أن يكون، ثم كان كما أخبر به النبي - ﷺ -.\nوالأغلب (^٢) على من سمع الفزاري يقول للنبي - ﷺ -: إن امرأتي ولدت غلامًا أسودَ (^٣) وعرَّض بالقذف= أنه يريد القذف، ثم لم يحدَّه النبي - ﷺ - إذ (^٤) لم يكن التعريض ظاهر قذف، فلم يحكم النبي - ﷺ - بحكم القذف. والأغلب على من سمع قول ركانة لامرأته: «أنتِ طالق البتةَ» أنه قد أوقع الطلاق بقوله أنت طالق، وأن البتةَ إرادة شيء غير الأول أنه أراد الإبْتَات (^٥) بثلاثٍ، ولكنه لما كان ظاهرًا في قوله واحتمل غيره لم يحكم النبي - ﷺ - إلا بظاهر الطلاق واحدةً.\nفمن (^٦) حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم استدلالًا على [أن] (^٧) ما أظهروا خلاف ما أبطنوا بدلالة منهم أو غير دلالة= لم يسلَمْ عندي من خلاف التنزيل والسنة، وذلك أن يقول قائل: من رجع عن الإسلام ممن وُلِد عليه قتلتُه ولم أستتبه، ومن رجع عنه ممن لم يولد عليه استتبتُه، ولم يحكم الله على عباده إلا حكمًا واحدًا، مثل أن يقول: من رجع عن الإسلام ممن\n_________\n(^١) في النسختين والمطبوع: «في قوله وامرأة»، تحريف. والتصحيح من كتاب «الأم».\n(^٢) الكلام مستمر للشافعي.\n(^٣) رواه البخاري (٦٨٤٧) ومسلم (١٥٠٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) ز: «إذا».\n(^٥) ز: «الاثبات»، تصحيف.\n(^٦) الكلام للشافعي، متصل بما قبله.\n(^٧) زيادة من «الأم».","vol":"3","page":587},{"text":"أظهر نصرانية أو يهودية أو دينًا يُظهِر كالمجوسية استتبتُه، فإن أظهر التوبة [٣٥/أ] قبلتُ (^١) منه، ومن رجع إلى دينٍ خفيةً (^٢) لم أستتبه، وكلٌّ قد بدَّل دين الحق ورجع إلى الكفر، فكيف يُستتاب بعضهم ولا يستتاب بعض؟\nفإن قال (^٣): لا أعرف توبة الذي يُسِرُّ دينه، قيل: ولا يعرفها إلا الله، وهذا ــ مع خلافه حكم الله ثم رسوله ــ كلام محال. يُسأل من قال هذا: هل تدري لعل الذي كان أخفى الشرك يصدق بالتوبة، والذي كان أظهر الشرك يكذب بالتوبة (^٤)؟ فإن قال: نعم، قيل: فتدري لعلك قتلتَ المؤمن الصادق الإيمان واستحييت الكاذب بإظهار الإيمان؟ فإن قال: ليس عليَّ إلا الظاهر، قيل: فالظاهر فيهما واحد وقد جعلته اثنين بعلة محالة. والمنافقون على عهد رسول الله - ﷺ - لم يُظهروا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية، بل كانوا يستسرُّون بدينهم، فيقبل منهم ما يظهرون من الإيمان، فلو كان قائل هذا القول حين خالف السنة أحسن أن يقول شيئًا له وجه، ولكنه يخالفها ويعتلُّ بما لا وجه له، كأنه يرى أن اليهودية والنصرانية لا تكون إلا بإتيان الكنائس، أرأيت إذا كانوا ببلادٍ لا كنائسَ فيها أمَا يصلُّون في بيوتهم فتخفى صلاتهم على غيرهم؟\nقال: وما وصفتُ (^٥) من حكم الله ثم حكم رسوله في المتلاعنين يُبطِل\n_________\n(^١) د: «قبل». والمثبت موافق لما في «الأم».\n(^٢) في «الأم»: «يخفيه».\n(^٣) الكلام متصل بما قبله في «الأم».\n(^٤) د، ز: «التوبة». والمثبت موافق لما في «الأم».\n(^٥) ز: «وصف».","vol":"3","page":588},{"text":"حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع، وإذا بطل الأقوى من الدلائل بطل الأضعفُ من الذرائع كلِّها، وبطل الحد في التعريض بالقذف، فإن من الناس من يقول: إذا تشاتم الرجلان فقال أحدهما: «ما أنا بزانٍ ولا أمي زانية» حُدَّ؛ لأنه إذا قاله على المشاتمة فالأغلب أنه إنما يريد به قذفَ أمِّ الذي يشاتم وأبيه (^١). وإن قاله على غير المشاتمة لم أحدَّه إذا قال: «لم أُرِد القذف»، مع إبطال رسول الله (^٢) - ﷺ - حكمَ التعريض في حديث الفزاري الذي ولدت امرأته غلامًا أسود.\nفإن قال قائل: فإن عمر حدَّ في التعريض في مثل هذا (^٣).\nقيل: استشار أصحابه، فخالفه بعضهم (^٤)، ومع من خالفه ما وصفنا من الدلالة. ويبطُل مثله [من] (^٥) قول الرجل لامرأته: «أنت طالق البتة»، لأن الطلاق إيقاع طلاق ظاهر، والبتةُ تحتمل زيادة في عدد الطلاق وغير زيادة، والقول قوله في الذي يحتمل غير الظاهر، حتى لا يُحكم عليه أبدًا إلا بظاهر، ويجعل القول قوله في غير الظاهر.\n_________\n(^١) في النسختين: «قذف أم الذي يشاتمه وأمه». وشطب على «أم» في د. والتصويب من «الأم».\n(^٢) د: «النبي».\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١٣٧٠٣).\n(^٤) يشير إلى ما رواه مالك (٢/ ٨٢٩) وابن أبي شيبة (٢٨٩٦٥) واللفظ له عن عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: استبّ رجلان، فقال أحدهما: ما أمي بزانية، وما أبي بزان، فشاور عمر القوم، فقالوا: مدح أباه وأمه، فقال: لقد كان لهما من المدح غير هذا فضربه. فيه انقطاع؛ لأن عمرة لم تدرك عمر - ﵁ -.\n(^٥) من «الأم».","vol":"3","page":589},{"text":"فهذا يدلُّ على أنه لا يفسُد عقدٌ إلا بالعقد نفسه، ولا يفسُد بشيء تقدَّمه ولا تأخَّره، ولا بتوهُّم، ولا بالأغلب، وكذلك كل شيء لا يفسد إلا بعقده.\nولا تفسد البيوع بأن يقول: هذه ذريعة، وهذه نية سوء، ولو كان (^١) أن تبطل البيوع بأن تكون ذريعة إلى الربا كان اليقين في البيوع بعقد ما لا يحل أولى أن يردّ به من الظن، ألا ترى أن رجلًا لو اشترى سيفًا ونوى بشرائه أن يقتل به مسلمًا كان الشراء حلالًا، وكانت النية بالقتل غير جائزة، ولم يبطل بها البيع، وكذلك لو باع سيفًا من رجل يرى أنه يقتل به رجلًا كان هذا هكذا.\nولو أن رجلًا شريفًا نكح دنيَّة أعجميةً أو شريفةً لو (^٢) نكحتْ دنيًّا أعجميًّا، فتصادقا في الوجهين على أن لم ينوِ واحد منهما [٣٥/ب] أن يثبتا على النكاح أكثر من ليلة= لم يحرم النكاح بهذه النية؛ لأن ظاهر عقده كان صحيحًا، إن شاء الزوج حبَسَها وإن شاء طلَّقها.\nفإذا دلّ الكتاب ثم السنة ثم عامة حكم الإسلام على أن العقود إنما تثبت بظاهر عقدها لا تُفسِدها نية العاقدين، كانت العقود إذا عقدت في الظاهر صحيحة، ولا تفسد بتوهُّم غير عاقدها على عاقدها، سيَّما إذا كان توهمًا ضعيفًا. انتهى كلام الشافعي.\nوقد جعل النبي - ﷺ - الهازل بالنكاح والطلاق والرجعة كالجادّ بها (^٣)،\n_________\n(^١) في «الأم»: «جاز».\n(^٢) في النسختين: «أو». والمثبت من «الأم».\n(^٣) رواه أبو داود (٢١٩٤) والترمذي (١١٨٤) وابن ماجه (٢٠٣٩) والحاكم (٢/ ١٩٧)، وفي إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك متكلم فيه، وللحديث شواهد يتقوى بها. انظر: «الإرواء» (٦/ ٢٢٤).","vol":"3","page":590},{"text":"مع أنه لم يقصد حقائق هذه العقود. وأبلغُ من هذا قوله - ﷺ -: «إنما أقضي بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قطعة من النار» (^١)، فأخبر النبي - ﷺ - أنه يحكم بالظاهر وإن كان في نفس الأمر لا يحل للمحكوم له ما (^٢) حكم له به، وفي هذا كله دلالة على إلغاء المقاصد والنيات في العقود، وإبطال سدّ الذرائع، واتباع ظواهر عقود الناس وألفاظهم، وبالله التوفيق.\nفانظر ملتقى البحرين، ومعترك الفريقين، فقد أبرز كلٌّ منهما حجته، وخاض بحرَ العلم فبلغ منه لُجَّته، وأدلى (^٣) من الحجج والبراهين بما لا يُدفَع، وقال ما هو حقيق بأن يقول له (^٤) أهل العلم: قُلْ يُسمَع، وحجج الله لا تتعارض (^٥)، وأدلة الشرع لا تتناقض، والحق يصدِّق بعضُه بعضًا، ولا يقبل معارضة ولا نقضًا. وحرامٌ على المقلِّد المتعصب أن يكون من هذا الطراز الأول، أو يكون على قوله وبحثه إذا حقَّت الحقائق المعوَّلُ، فليجرِّب المدَّعي ما ليس له، والدعيُّ (^٦) في قوم ليس منهم نفسه وعلمه وما حصَّله،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٤٥٨) ومسلم (١٧١٣) من حديث أم سلمة - ﵂ -.\n(^٢) ز: «فيما».\n(^٣) في النسختين: «وأدل».\n(^٤) «له» ليست في د.\n(^٥) ز: «تعارض».\n(^٦) في المطبوع: «والمدعي».","vol":"3","page":591},{"text":"في الحكم بين الفريقين، والقضاء الفَصْل بين المتغالبين، ولْيُبطِل الحجج والأدلّة من أحد الجانبين، ليسلَم له قول إحدى الطائفتين، وإلا فيلزم حدَّه، ولا يتعدَّى طورَه، ولا يمدُّ إلى العلم الموروث عن رسول الله - ﷺ - باعًا يقصُر عن الوصول إليه، ولا يتَّجر بنقدٍ زائف لا يَرُوج عليه. ولا يتمكَّن من الفصل بين المقالتين إلا من تجرَّد لله مسافرًا بعزْمةٍ وهمَّةٍ إلى مطلع الوحي، مُنزِلًا نفسه منزلةَ من يتلقاه غضًّا طريًّا من في رسول الله - ﷺ -، يَعرِض عليه آراء الرجال ولا يَعرِضه عليها، ويحاكمها إليه ولا يحاكمه إليها.\nفنقول ــ وبالله التوفيق ــ: إن الله تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفًا ودلالةً على ما في نفوسهم، فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئًا عرَّفه بمراده وما في نفسه بلفظه، ورتَّب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ، ولم يرتِّب تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يُرِدْ معانيها ولم يُحِطْ بها علمًا، بل تجاوزَ للأمة عما حدَّثتْ به أنفسَها ما لم تكلَّم به أو تعمل به (^١)، وتجاوزَ لها عما تكلَّمتْ به مخطئةً أو ناسيةً أو مُكرَهةً (^٢) أو غير عالمة به، إذا لم تكن مريدةً لمعنى ما تكلَّمتْ به وقاصدةً إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتَّب الحكم.\nهذه قاعدة الشريعة، وهي من [٣٦/أ] مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته، فإن خواطر القلوب وإرادات النفوس لا تدخل تحت الاختيار، فلو\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦٦٤) ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -\n.\n(^٢) سيأتي تخريجه قريبًا.","vol":"3","page":592},{"text":"ترتَّبت عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرجٍ ومشقّةٍ على الأمة، ورحمة الله سبحانه وحكمته تأبى ذلك. والغلط والسهو والنسيان وسبْقُ اللسان بما لا يريده العبد بل يريد خلافه والتكلُّم به مُكرَهًا وغيرَ عارفٍ لمقتضاه من لوازم البشرية، لا يكاد ينفكُّ الإنسان من شيء منه؛ فلو رُتِّب عليه الحكم لحَرِجت الأمة وأصابها غايةُ العَنَت والمشقة؛ فرفع عنها المؤاخذة بذلك كلّه، حتى الخطأ في اللفظ من شدة الفرح والغضب والسُّكْر كما تقدمت شواهده، وكذلك الخطأ والنسيان والإكراه والجهل بالمعنى وسبق اللسان بما لم يُرِده والتكلُّم في الإغلاق ولغو اليمين؛ فهذه عشرة أشياء لا يؤاخذ الله عبده بالتكلم في حال منها؛ لعدم قصده وعَقْدِ قلبه الذي يؤاخذ به.\nأما الخطأ من شدة الفرح فكما في الحديث الصحيح حديث فرح الربّ بتوبة عبده، وقول الرجل: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة الفرح (^١).\nوأما الخطأ من شدة الغضب فكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله حالَ الغضب، لو أجابه الله لأهلكَ الداعي ومن دعا عليه، فقضي إليه أجله، وقد قال جماعة من الأئمة: الإغلاق الذي منع النبي - ﷺ - من وقوع الطلاق والعتاق فيه هو الغضب (^٢). وهذا كما قالوه؛ فإن للغضب سُكرًا كسكرِ الخمر أو أشدّ.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدم توثيق تفسير الآية وتفسير الإغلاق.","vol":"3","page":593},{"text":"وأما السكران فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فلم يرتِّب على كلام السكران حكمه حتى يكون عالمًا بما يقول؛ ولذلك أمر النبي - ﷺ - رجلًا يَسْتَنكه المقرَّ بالزنا ليعلم هل هو عالم بما يقول أم غير عالم بما يقول، ولم يؤاخذ حمزة بقوله في حال السكر: «هل أنتم إلّا عبيد لأبي»، ولم يكفّر من قرأ في حال سكره في الصلاة: «لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون» (^١).\nوأما الخطأ والنسيان فقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال الله ﷿: «قد فعلتُ» (^٢). وقال النبي - ﷺ -: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه» (^٣).\nوأما المُكْرَه فقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، والإكراه داخل في حكم الإغلاق.\nوأما اللغو فقد رفع الله سبحانه المؤاخذة به حتى يحصل عقد القلب.\n_________\n(^١) تقدم تخريج حديث حمزة والحديث الذي بعده.\n(^٢) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) والطبراني في «المعجم الصغير» (٧٦٥) والدارقطني (٤٣٥١) من حديث ابن عباس، وصححه ابن حبان (٧٢١٩) والحاكم (٢/ ١٩٨).","vol":"3","page":594},{"text":"وأما سبق اللسان بما لم يُرِدْه المتكلم فهو دائر بين الخطأ في اللفظ والخطأ في القصد؛ فهو أولى أن لا يؤاخَذَ به من لغو اليمين، وقد نصّ الأئمة على مسائل من ذلك تقدَّم ذكر بعضها.\nوأما الإغلاق فقد نصّ عليه صاحب [٣٦/ب] الشرع، والواجب حمل كلامه فيه على عمومه اللفظي والمعنوي؛ فكل من أُغلِق عليه باب قصده وعلمه كالمجنون والسكران والمكره والغضبان فقد تكلم في الإغلاق، ومن فسَّره بالجنون أو بالسُّكر أو بالغضب أو بالإكراه فإنما قصد التمثيل لا التخصيص، ولو قدِّر أن اللفظ يختص بنوع من هذه الأنواع لوجب تعميم الحكم بعموم العلة؛ فإن الحكم إذا ثبت لعلةٍ تعدَّى بتعدِّيها وانتفى بانتفائها.\nفصل\nفإذا تمهَّدت هذه القاعدة فنقول: الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونيّاتهم وإراداتهم لمعانيها ثلاثة أقسام:\nأحدها: أن تظهر مطابقة القصد للّفظ، وللظهور مراتب تنتهي إلى اليقين والقطع بمراد المتكلم، بحسب الكلام في نفسه وما يقترن به من القرائن الحالية واللفظية وحال المتكلم به وغير ذلك، كما إذا سمع العاقل العارف باللغة قوله - ﷺ -: «إنكم ستَرَون ربكم عِيانًا، كما ترون القمر ليلةَ البدر ليس دونه سحابٌ، وكما ترون الشمس في الظهيرة صَحْوًا ليس دونها سحاب، لا تُضارُّون في رؤيته إلا كما تُضَارُّون في رؤيتها» (^١)، فإنه لا يستريب ولا يشك\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٥٨١) ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه البخاري مختصرًا (٧٤٣٥) ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير. وفي الباب عن غيرهما من الصحابة - ﵃ - أجمعين.","vol":"3","page":595},{"text":"في مراد المتكلم وأنه رؤية البصر حقيقةً، وليس في الممكن عبارة أوضح ولا أنصُّ من هذه. ولو اقتُرِح على أبلغ الناس أن يعبِّروا عن هذا المعنى بعبارة لا تحتمل غيره لم يقدر على عبارةٍ أوضحَ ولا أنصَّ من هذه، وعامة كلام الله ورسوله من هذا القبيل؛ فإنه مستولٍ على الأمد الأقصى من البيان.\nفصل\nالقسم الثاني: ما يظهر بأن المتكلم لم يُرِدْ معناه، وقد ينتهي هذا الظهور إلى حدّ اليقين بحيث لا يشكُّ فيه السامع، وهذا القسم نوعان؛ أحدهما: أن لا يكون مريدًا لمقتضاه ولا لغيره، والثاني: أن يكون مريدًا لمعنى يخالفه؛ فالأول كالمكره والنائم والمجنون ومن اشتدَّ به الغضب والسكران، والثاني: كالمعرِّض والمورِّي والمُلغِز والمتأوِّل.\nفصل\nالقسم الثالث: هو ظاهر في (^١) معناه ويحتمل عدم إرادة المتكلم له ويحتمل إرادته لغيره، ولا دلالة على واحد من الأمرين، واللفظ دال على المعنى الموضوع له، وقد أتى به اختيارًا.\nفهذه أقسام الألفاظ بالنسبة إلى إرادة معانيها ومقاصدِ المتكلم بها، وعند هذا يقال: إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام أو لم يظهر قصدٌ يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره، والأدلة التي ذكرها الشافعي وأضعافها كلها إنما تدلُّ على ذلك، وهذا حق لا ينازعِ فيه عالم، والنزاع إنما هو في غيره.\n_________\n(^١) «في» ليست في ز.","vol":"3","page":596},{"text":"إذا عُرِف هذا فالواجب حمل كلام الله ورسوله وحمل كلام المكلَّف على ظاهره الذي هو ظاهره، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب، ولا يتمُّ التفهيم والفهم إلا بذلك. ومدَّعي غيرِ ذلك على المتكلم القاصد للبيان والتفهيم كاذبٌ عليه. قال الشافعي (^١): وحديث رسول الله [٣٧/أ]- ﷺ - على ظاهره بتٌّ.\nومن ادعى أنه لا طريق لنا إلى اليقين بمراد المتكلم لأن العلم بمراده موقوف على العلم بانتفاء عشرة أشياء (^٢) = فهو ملبوس عليه ملبِّس على الناس؛ فإن هذا لو صح لم يحصل لأحدٍ العلمُ بكلام متكلم قطُّ، وبطلت فائدة التخاطب، وانتفت خاصية الإنسانية، وصار الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا، ولما عُلِم غرض هذا المصنّف من تصنيفه، وهذا باطل بضرورة الحس والعقل، وبطلانه من (^٣) أكثر من ثلاثين وجهًا مذكورة في غير هذا الموضع (^٤).\nولكن حمل كلام المتكلمين على ظاهره لا ينبغي صرفه عن ذلك لدلالة تدل عليه، كالتعريض ولحن الخطاب والتورية وغير ذلك، وهذا أيضًا مما لا ينازع فيه العقلاء. وإنما النزاع في الحمل على الظاهر حكمًا بعد ظهور مراد المتكلم والفاعل بخلاف ما أظهره؛ فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، وهو: هل الاعتبار بظواهر الألفاظ والعقود وإن ظهرت المقاصد\n_________\n(^١) لم أجد كلامه في مظانه.\n(^٢) هذا قول الرازي في «المحصّل» (ص ٣١).\n(^٣) «من» ليست في د.\n(^٤) ذكرها المؤلف في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٦٣٣ وما بعدها).","vol":"3","page":597},{"text":"والنيات (^١) بخلافها أم للقصود والنيات تأثير يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها؟ وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثّر في صحة العقد وفساده وفي حلّه وحرمته، بل أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثّر في الفعل الذي ليس بعقدٍ تحليلًا وتحريمًا، فيصير حلالًا تارة وحرامًا تارة باختلاف النية والقصد، كما يصير صحيحًا تارة وفاسدًا تارة باختلافها.\nوهذا كالذبح، فإن الحيوان يحلُّ إذا ذُبح لأجل الأكل ويحرم إذا ذُبح لغير الله. وكذلك الحلال يصيد الصيد للمحرِم فيحرم عليه ويصيده للحلال فلا يحرم على المحرم. وكذلك الرجل يشتري الجارية ينوي أن تكون لموكِّله فتحرم على المشتري وينوي أنها له فتحلُّ له، وصورة الفعل والعقد واحدة، وإنما اختلفت النية والقصد. وكذلك صورة القرض وبيع الدرهم بالدرهم إلى أجلٍ صورتُهما واحدة، وهذا قربة صحيحة وهذا معصية باطلة بالقصد. وكذلك عَصْر العنب بنية أن يكون خمرًا معصيةٌ ملعون فاعله على لسان رسول الله - ﷺ - (^٢)، وعَصْره (^٣) بنية أن يكون خلًّا أو دِبْسًا جائز، وصورة الفعل واحدة. وكذلك السلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلمًا حرام باطل لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله فهو طاعة وقربة. وكذلك عقد النذر المعلَّق على شرط ينوي به التقرُّب والطاعة فيلزمه الوفاء بما نَذَرَه، وينوي به الحلف\n_________\n(^١) د: «النيات والمقاصد».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) في النسختين: «وعصيره».","vol":"3","page":598},{"text":"والامتناع فيكون يمينًا مكفّرة. وكذلك تعليق الكفر بالشرط ينوي به اليمين والامتناع فلا يكفر بذلك، وينوي به وقوع الشرط فيكفر، وصورة اللفظ واحدة. وكذلك ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها ينوي بها الطلاق فيكون ما نواه وينوي بها غيره فلا تطلَّق. وكذلك قوله: «أنت عندي مثل [٣٧/ب] أمي» ينوي به الظهار فتحرم عليه، وينوي به أنها مثلها في الكرامة فلا تحرم عليه. وكذلك من أدَّى عن غيره واجبًا ينوي الرجوع ملكه وإن نوى (^١) التبرع لم يرجع.\nوهذه كما أنها أحكام الرب ﵎ في العقود فهي أحكامه تعالى في العبادات والمثوبات والعقوبات؛ فقد اطَّردت سنته بذلك في شرعه وقدره، أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يُحتاج إلى ذكره؛ فإن القربات كلها مبناها على النيات، ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد. ولهذا لو وقع في الماء ولم ينوِ الغسل أو دخل الحمام للتنظيف أو سَبَحَ للتبرُّد لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق، فإنه لم ينوِ العبادة فلم تحصل له، وإنما لامرئ ما نوى. ولو أمسك عن المفطرات عادةً أو اشتغالًا ولم ينوِ القربة لم يكن صائمًا. ولو دار حول البيت يلتمس شيئًا سقط منه لم يكن طائفًا. ولو أعطى الفقير هبةً أو هديةً ولم ينوِ الزكاة لم تُحتَسب زكاة. ولو جلس في المسجد ولم ينوِ الاعتكاف لم يحصل له.\nوهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والامتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب؛ ولهذا لو جامعَ أجنبيةً يظنُّها زوجته لم يأثم بذلك وقد يُثاب بنيته، ولو جامع في ظلمة (^٢) من يظنُّها أجنبية فبانت زوجته أو أمته أثِمَ على ذلك بقصده ونيته\n_________\n(^١) د: «نوع» خطأ.\n(^٢) «في ظلمة» ليست في ز.","vol":"3","page":599},{"text":"للحرام. ولو أكل طعامًا حرامًا يظنُّه حلالًا لم يأثم به، ولو أكله وهو حلالٌ يظنه حرامًا وقد أقدمَ عليه أثِمَ بنيته. وكذلك لو قتل من يظنُّه مسلمًا معصومًا فبان كافرًا حربيًّا أثِمَ بنيته. ولو رمى صيدًا فأصاب معصومًا لم يأثم، ولو رمى معصومًا فأخطأه وأصاب صيدًا أثِمَ، ولهذا كان القاتل والمقتول من المسلمين في النار (^١) لنية كلٍّ منهما قتْلَ صاحبه.\n\nءف<span data-type=\"title\" id=toc-570>النية روح العمل ولبُّه </span>وقِوامُه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي - ﷺ - قد قال كلمتين كَفَتا وشَفَتا وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى» (^٢)، فبيَّن في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بيَّن في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعمُّ العباداتِ والمعاملات والأيمانَ والنذور وسائر العقود والأفعال. وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأن من نوى بعقد النكاح التحليلَ كان محلِّلا، ولا يُخرِجه من ذلك صورة عقد النكاح؛ لأنه قد نوى ذلك، وإنما لامرئ ما نوى؛ فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنص.\nوعلى هذا فإذا نوى بالعَصْر حصولَ الخمر كان له ما نواه، ولذلك استحقَّ اللعنة، وإذا نوى بالفعل التحيُّلَ على ما حرَّمه الله ورسوله كان له ما نواه؛ فإنه قصد المحرَّم وفعلَ مقدورَه في تحصيله، ولا فرقَ في التحيُّل على المحرَّم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعةً له، لا في عقلٍ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١) ومسلم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (٢٥٢٩) ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر - ﵁ -.","vol":"3","page":600},{"text":"ولا في شرع. ولهذا لو نهى الطبيبُ المريضَ عما يؤذيه وحَماه منه فتحيَّل على تناولِه عُدَّ متناولًا لنفس ما نهى عنه. ولهذا مسخ الله سبحانه اليهود قِردةً لما تحيَّلوا على فعل ما حرمه الله عليهم، ولم يعصمهم (^١) من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسَّلوا به إلى ارتكاب محارمه. ولهذا [٣٨/أ] عاقب أصحاب الجنة بأن حَرَمَهم ثمارَها لما توسَّلوا بجَدادِها مُصبِحين إلى إسقاط نصيب المساكين. ولهذا لُعِن اليهود لما أكلوا ثمن ما حُرِّم عليهم أكله (^٢)، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع. وأيضًا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها، فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم الوَدَك، فلما تحيَّلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك.\nقال الخطابي (^٣): في هذا الحديث بطلانُ كل حيلة يحتال بها المتوصِّل (^٤) إلى المحرَّم؛ فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه.\nقال شيخنا (^٥): ووجه الدلالة ما أشار إليه الإمام أحمد أن اليهود لما حرّم الله عليهم الشحوم أرادوا الاحتيالَ على الانتفاع بها على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم، فجَملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون الانتفاع في الظاهر بعين المحرم، ثم مع كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر\n_________\n(^١) في النسختين: «ولم يعصمه».\n(^٢) رواه البخاري (٢٢٢٣) ومسلم (١٥٨٢) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٣) في «معالم السنن» (٥/ ١٢٩).\n(^٤) في «المعالم»: «للتوصُّل».\n(^٥) في «بيان الدليل» (ص ٥٧، ٥٨).","vol":"3","page":601},{"text":"التحريم من هذين الوجهين لعنهم الله على لسان رسوله - ﷺ - على هذا الاستحلال، نظرًا إلى المقصود، وأن حكمة التحريم لا تختلف سواء كان جامدًا أو مائعًا، وبدلُ الشيء يقوم مقامه ويسدُّ مسدَّه، فإذا حرَّم الله الانتفاع بشيء حرَّم الاعتياض عن تلك المنفعة، وأما ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه كالحُمُر (^١) مثلًا فإنه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة لا لمنفعة اللحم المحرَّمة. وهذا معنى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود (^٢) وصحَّحه الحاكم وغيره: «لعنَ الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرَّم على قومٍ أكلَ شيء حرَّم عليهم ثمنَه» يعني ثمنه المقابل لمنفعة الأكل، فإذا كانت فيه منفعة أخرى وكان الثمن في مقابلتها لم يدخل في هذا.\nإذا تبيَّن (^٣) هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلَّقًا بمجرد اللفظ وبظاهرٍ من القول دون مراعاةٍ لمقصودِ الشيء المحرَّم ومعناه وكيفيته لم يستحقُّوا اللعنة لوجهين:\nأحدهما: أن الشحم خرج بجَمْله عن أن يكون شحمًا، وصار وَدَكًا، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك؛ فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سِلعةً بالثمن\n_________\n(^١) جمع حمار. وفي «بيان الدليل»: «كالحمير».\n(^٢) رواه أحمد (٢٢٢١) وأبو داود (٣٤٨٨)، وصححه ابن حبان (٤٩٣٨). ولم أجده في «المستدرك» من حديث ابن عباس. بل رواه الحاكم (٤/ ١٩٤) من حديث أسامة بن زيد وصححه، ولفظه: «لعن الله اليهود، يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها».\n(^٣) الكلام لشيخ الإسلام، وزاد فيه المؤلف وشرحه.","vol":"3","page":602},{"text":"المؤجّل ثم اشتراها بالثمن الحالّ، ولا غرضَ لواحد منهما في السلعة بوجهٍ ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: «دراهمُ بدراهم دخلت بينهما حَرِيرة» (^١)؛ فلا فرقَ بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين بلا حيلة البتةَ، لا في شرع ولا عقل ولا عرف، بل المفسدة التي لأجلها حرِّم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص؛ فمن المستحيل على شريعةِ أحكم الحاكمين أن تحرِّم ما فيه مفسدة وتلعنَ فاعله وتُؤذنه بحربٍ منه ورسوله وتُوعِده أشدَّ الوعيد، ثم تُبيح التحيُّل على حصول ذلك بعينه، سواء مع قيام تلك [٣٨/ب] المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في مَقْتِه ومخادعة الله ورسوله. هذا لا يأتي به شرع؛ فإن الربا على الأرض أسهل وأقلُّ مفسدة من الربا بسُلَّمٍ طويل صعب المراقي (^٢) يترابى المترابيان على رأسه.\nفيا لله العجب! أيُّ مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع؟ فهل صار هذا الذنب العظيم عند الله الذي هو من أكبر الكبائر حسنةً وطاعةً بالخداع والاحتيال؟ ويا لله! كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخُبث إلى الطيب ومن المفسدة إلى المصلحة، وجعله محبوبًا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطًا له؟ ولئن كان الاحتيال يبلغ هذا المبلغ فإنه عند الله ورسوله بمكان وبمنزلة عظيمة، وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق عُراه وأجلِّ أصوله.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٢٠٥٢٧) عن ابن عباس، وعزاه ابن القيم إلى مطيَّن كما سيأتي.\n(^٢) د: «التراقي».","vol":"3","page":603},{"text":"ويا لله العجب! كيف تزول مفسدة التحليل التي أشار رسول الله - ﷺ - بلعن فاعله (^١) مرةً بعد أخرى بتسليف شرطه وتقديمه على صلب العقد وإخلاء صلب العقد من لفظه وقد وقع التواطؤ والتوافق عليه؟ وأيّ غرض للشارع وأيّ حكمة في تقديم الشرط وتسليفه حتى تزول به اللعنة وتنقلب به خمرةُ هذا العقد خلًّا؟ وهل كان عقد التحليل مسخوطًا لله ورسوله لحقيقته ومعناه، أم لعدم مقارنة الشرط له وحصول صورة نكاح الرغبة مع القطع بانتفاء حقيقته وحصول حقيقة نكاح التحليل؟ وهكذا الحيل الربوية؛ فإن الربا لم يكن حرامًا لصورته ولفظه، وإنما كان حرامًا لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع؛ فتلك الحقيقة حيث وُجدت وجد التحريم، في أيّ صورة رُكِّبت وبأي لفظ عُبِّر عنها؛ فليس الشأن في الأسماء وصور العقود، الشأنُ في حقائقها ومقاصدها وما عُقِدت له.\nالوجه الثاني (^٢): أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه، ويلزم مَن راعى الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك، فلما لُعِنوا على استحلال الثمن ــ وإن لم ينصَّ لهم على تحريمه ــ عُلم أن الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة. ونظير هذا أن يقال لرجل: لا تقرَبْ مال اليتيم، فيبيعه ويأخذ عوضه ويقول: لم أقرب ماله. وكمن يقول لرجل: لا تشرب من هذا النهر، فيأخذ بيديه ويشرب من كفَّيه ويقول: لم أشرب منه. وبمنزلة من يقول: لا تضرِبْ زيدًا، فيضربه فوق ثيابه ويقول: إنما ضربت ثيابه. وبمنزلة من يقول: لا تأكل مال\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) انظر: «بيان الدليل» (ص ٥٨).","vol":"3","page":604},{"text":"هذا الرجل فإنه حرام، فيشتري به سلعةً ولا يُعينه ثم ينقده (^١) للبائع ويقول: لم آكل ماله إنما أكلتُ ما اشتريته وقد ملكتُه ظاهرًا وباطنًا. وأمثال هذه الأمور التي لو استعملها الطبيب في معالجة المرضى لزاد مرضهم، ولو استعملها المريض كان مرتكبًا لنفس ما نهاه عنه الطبيب، كمن يقول له الطبيب: لا تأكل اللحم فإنه يزيد في موادِّ المرض، فيدقُّه ويعمل منه هريسة ويقول: لم آكل اللحم، [٣٩/أ] وهذا المثال مطابق لعامة الحيل الباطلة في الدين.\nويا لله العجب! أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين صريحًا وبين إدخال سلعةٍ لم تُقصد أصلًا بل دخولها كخروجها؟ ولهذا لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ولا عيبٍ فيها، ولا يبالي بذلك البتة، حتى لو كانت خرقة مقطَّعة أو أذن جَدْيٍ أو عودًا من حطب أدخلوه محلّلا للربا. ولما تفطَّن المحتالون أن هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر، وأنها ليست مقصودةً بوجه، وأن دخولها كخروجها= لم يبالوا بكونها مما يُتموَّل عادة أو لا يتموَّل، ولم يبالِ بعضهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة، بل لم يبال بعضهم (^٢) بكونها مما يباع أو مما لا يباع كالمسجد والمنارة والقلعة، وكل هذا وقع من أرباب الحيل، وهذا لما علموا أن المشتري لا غرضَ له في السلعة فقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بها التحليل، كأيّ تيسٍ اتفق في باب محلل النكاح.\nوما مَثَلُ مَن وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراعِ المقاصد والمعاني إلا كمثل رجلٍ قيل له: لا تسلِّمْ على صاحب بدعة، فقبَّل يده ورجله ولم يسلِّم\n_________\n(^١) ز: «ينفذه».\n(^٢) ز: «بعضها».","vol":"3","page":605},{"text":"عليه، أو قيل له: اذهبْ فاملأْ هذه الجرَّة، فذهب وملأها ثم تركها على الحوض وقال: لم تقل ائْتِني بها. وكمن قال لوكيله: بعْ هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مائة، ويَلزم مَن وقف مع الظواهر أن يصحِّح هذا البيع ويُلزِم به الموكِّل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألغاها في غير موضع. وكمن أعطاه رجل ثوبًا فقال: والله لا ألبسه لما له (^١) فيه من المنَّة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبِلَه. وكمن قال: والله لا أشرب هذا الشراب، فجعله عقيدًا أو ثَرَدَ فيه خبزًا وأكله.\nويلزم مَن وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحدَّ من فعل ذلك بالخمر، وقد أشار النبي - ﷺ - إلى أن من الأمة من يتناول المحرَّم ويسمِّيه بغير اسمه، فقال: «ليشربنَّ ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها، يُعزَف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يَخسِف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير». رواه أحمد وأبو داود (^٢). وفي «مسند الإمام أحمد» (^٣) مرفوعًا: «يشربُ ناس من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها». وفيه (^٤) عن\n_________\n(^١) «له» ليست في د.\n(^٢) رواه بهذا التمام ابن ماجه (٤٠٢٠) من حديث أبي مالك الأشعري. ورواه أحمد (٢٢٩٠٠) وأبو داود (٣٦٨٨) مختصرًا، وفي إسناده مالك بن أبي مريم لا يعرف إلا برواية حاتم عنه، ولكن له شواهد ومتابعات يصحح بها، وقد صححه ابن حبان (٦٧٥٨) وابن القيم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٦١)، وحسنه ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ٦١). انظر: «تحريم آلات الطرب» (ص ٤٣).\n(^٣) رقم (١٨٠٧٣) ورواه أيضًا النسائي (٥٦٥٨) عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وإسناده صحيح.\n(^٤) «المسند» (٢٢٧٠٩). ورواه ابن ماجه (٣٣٨٥)، وجوَّد إسناده ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٥١).","vol":"3","page":606},{"text":"عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ -: «يشربُ ناسٌ من أمتي الخمرَ باسمٍ يسمُّونها إياه». وفي «سنن ابن ماجه» (^١) من حديث أبي أمامة يرفعه: «لا تذهبُ الليالي والأيام حتى تشربَ طائفة من أمتي الخمر يسمُّونها بغير اسمها».\nقال شيخنا (^٢): وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعًا وموقوفًا من حديث ابن عباس: «يأتي على الناس زمانٌ يُستحلُّ فيه خمسةُ أشياء بخمسة أشياء: يستحلّون الخمر باسمٍ يسمُّونها إيَّاه، والسُّحت بالهدية، والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع» (^٣). وهذا حق؛ فإن استحلال الربا باسم البيع ظاهر، كالحيل الربوية التي صورتها صورة البيع وحقيقتها حقيقة الربا، ومعلوم أن الربا إنما حُرِّم لحقيقته ومفسدته [٣٩/ب] لا لصورته واسمه، فهَبْ أن المرابي لم يسمِّه ربًا وسماه بيعًا فذلك لا يُخرِج حقيقته وماهيته عن نفسها.\nوأما استحلال الخمر باسم آخر فكما استحلّ من استحلّ المسكر من\n_________\n(^١) رقم (٣٣٨٤)، وفي إسناده عبد السلام بن عبد القدوس متكلم فيه، والحديث يشهد له ما قبله كحديث عبادة، وحديث أبي مالك الأشعري. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٩٠).\n(^٢) في «بيان الدليل» (ص ٦٩).\n(^٣) رواه الخطابي في «غريب الحديث» (١/ ٢١٨) عن الأوزاعي مرفوعًا. وإسناده معضل. ورويت بعض جمله في «ترتيب الأمالي الخميسية» للشجري (٢/ ٣٧٤) برقم (٢٨٠٦) من طريق محمد بن كثير القرشي عن داود بن أبي هلال عن الشعبي عن حذيفة مرفوعًا. وفي إسناده محمد بن كثير القرشي، قال أحمد كما في «العلل» رواية ابنه عبد الله (٣/ ٤٣٨): خرقنا حديثه، ولم يرضَه.","vol":"3","page":607},{"text":"غير عصير العنب، وقال: لا أسمِّيه خمرًا وإنما هو نبيذ. وكما يستحلُّها طائفة من المُجَّان إذا مُزِجت ويقولون: خرجت بالمَزْج عن اسم الخمر، كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم الماء المطلق. وكما يستحلّها من يستحلّها إذا اتُّخِذت عقيدًا، ويقول: هذه عقيدٌ لا خمر، ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة؛ فإن إيقاع العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة لا تزول بتبديل الأسماء والصور، وهل هذا إلا من سوء الفهم وعدم الفقه عن الله ورسوله؟\nوأما استحلال السُّحت باسم الهدية فهو أظهر من أن يُذكر، كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما، فإن المرتشي ملعونٌ هو والراشي (^١)؛ لما في ذلك من المفسدة، ومعلوم قطعًا أنهما لا يخرجان عن الحقيقة وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية، وقد علما (^٢) وعلم الله وملائكته ومن له اطلاع على الحيل أنها رشوة.\nوأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسمِّيه ولاة الجور سياسةً وهيبةً وناموسًا وحرمةً للملك فهو أظهر من أن يذكر.\nوأما استحلال الزنا باسم النكاح فهو الزنا بالمرأة التي لا غرض له أن يقيم معها ولا أن تكون زوجته، وإنما غرضه أن يقضي وطَرَه منها أو يأخذ جُعلًا على الفساد بها ويتوصَّل إلى ذلك باسم النكاح وإظهار صورته، وقد\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦٥٣٢) وأبو داود (٣٥٨٠) والترمذي (١٣٣٧) وابن ماجه (٢٣١٣) من حديث عبد الله بن عمرو وصححه الترمذي وابن حبان (٥٠٧٧) والحاكم (٤/ ١٠٢).\n(^٢) في المطبوع: «علمنا» خلاف النسختين. والضمير للراشي والمرتشي.","vol":"3","page":608},{"text":"علم الله ورسوله والملائكة والزوج والمرأة أنه محلِّل لا ناكح، وأنه ليس بزوج، وإنما هو تَيْس مستعار للضِّراب بمنزلة حمار العُشْريين (^١).\nفيا لله العجب! أي فرق في نفس الأمر بين الزنا وبين هذا؟ نعم هذا زنًا بشهود من البشر وذلك زنًا بشهود من الكرام الكاتبين كما صرح به أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقالوا: «لا يزالان زانيينِ وإن مكثا عشرين سنة إذا علم الله أنه إنما يريد أن يُحِلَّها» (^٢)، والمقصود أن هذا المحلل إذا قيل له: هذا زنا، قال: ليس بزنا بل نكاح، كما أن المرابي إذا قيل له: هذا ربا، قال: بل هو بيع، وكذلك كل من استحل محرَّمًا بتغيُّر اسمه وصورته، كمن يستحلّ الحشيشة باسم لُقَيمة الراحة، ويستحلّ المعازف كالطنبور والعود والبربط باسم يسمِّيها به، وكما يسمي بعضهم المغنّي بالحادي والمُطرِب والقوَّال، وكما يسمِّي الديُّوث بالمصلح والموفِّق والمحسِّن (^٣)، ورأيت من يسجد لغير الله من الأحياء والأموات ويسمِّي ذلك وضع الرأس للشيخ؛ قال: ولا أقول: هذا سجود.\nوهكذا الحيل سواء؛ فإن أصحابها يَعمِدون إلى الأحكام فيعلِّقونها بمجرد اللفظ، ويزعمون أن الذي يستحلُّونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم، مع القطع بأن معناه معنى الشيء المحرم؛ فإن الرجل إذا قال لمن له عليه ألف: اجعلْها ألفًا ومائة إلى سنة بإدخال هذه الخرقة وإخراجها صورةً\n_________\n(^١) الذي يُكتَرى للتقفيز على الإناث، كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٩٤). وفي «زاد المعاد» (٥/ ٢٥٧): كحمار العشريين المستعار للضراب.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٠٧٧٨) بنحوه، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ٤٠٣) بهذا اللفظ، وعزاه إلى حسين بن حفص والجوزجاني.\n(^٣) د: «والمحسن والموفق».","vol":"3","page":609},{"text":"لا معنى، لم يكن فرقٌ بين توسطها وعدمه، وكذلك إذا قال: مكِّنيني من نفسكِ أقضِ منكِ وطرًا يومًا أو ساعةً بكذا [٤٠/أ] وكذا، لم يكن فرقٌ بين إدخال شاهدين في هذا أو عدم إدخالهما، وقد تواطآ على قضاء وطر ساعة من زمان.\nولو أوجب تبدُّلُ الأسماء والصور تبدُّلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبدِّلت الشرائع، واضمحلَّ الإسلام، وأي شيء نفع المشركين تسميةُ أوثانهم آلهة وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟ وأي شيء نفعهم تسميةُ الإشراك بالله تقربًا إلى الله؟ وأي شيء نفع المعطِّلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسميةُ ذلك تنزيهًا؟ وأي شيء نفع الغلاةَ في البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونهم من دون الله تسميةُ ذلك تعظيمًا واحترامًا؟ وأي شيء نفع نفاةَ القدر المخرِجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعة (^١) أنبيائه ورسله وملائكته وعباده عن قدرته تسميةُ ذلك عدلًا؟ وأي شيء نفعَهم نفيُهم لصفات كماله تسميةُ ذلك توحيدًا؟ وأي شيء نفع أعداءَ الرسل من الفلاسفة ــ القائلين بأن الله لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا يُحيي الموتى ويبعث من في القبور، ولا يعلم شيئًا من الموجودات، ولا أرسل رسولًا إلى الناس (^٢) أمرهم بطاعته ــ تسميةُ ذلك حكمة؟ وأي شيء نفع أهلَ النفاق تسميةُ نفاقهم عقلًا معيشيًّا وقدْحُهم في عقل من لم ينافق نفاقهم ويُداهِنْ في دين الله؟ وأي شيء نفع المَكَسَة (^٣)\n_________\n(^١) ز: «طاعات».\n(^٢) ز: «إلى الناس رسولًا».\n(^٣) جمع ماكِس، وهو الذي يحصِّل الضرائب.","vol":"3","page":610},{"text":"تسميةُ ما يأخذونه ظلمًا وعدوانًا حقوقًا سلطانيةً، وتسميةُ أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع الله ودينه شرعَ الديوان؟ وأي شيء نفع أهلَ البدع والضلال تسميةُ شبههم الداحضة عند ربهم وعند أهل العلم والإيمان (^١) عقلياتٍ وبراهين؟ وتسمية كثير من المتصوفة الخيالاتِ الفاسدة والشطحاتِ حقائقَ؟ فهؤلاء كلهم حقيقٌ أن يُتلى عليهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].\nفصل\nومما يوضّح ما ذكرناه أن (^٢) القصود في العقود معتبرة، دون (^٣) الألفاظ المجرَّدة التي لم تُقصد بها معانيها وحقائقها أو قُصِد غيرها= أن (^٤) صيغ العقود كبعتُ واشتريت وتزوجت وأجرت إما إخبارات وإما إنشاءات وإما أنها متضمنة للأمرين، فهي إخبارات عما في النفس من المعاني التي تدلّ على العقود، وإنشاءات لحصول العقود في الخارج؛ فلفظها موجب لمعناها في الخارج؛ وهي إخبار عما في النفس من تلك المعاني، ولا بدَّ في صحتها من مطابقة خبرها لمخبرها، فإذا لم تكن تلك المعاني في النفس كانت خبرًا كاذبًا، وكانت بمنزلة قول المنافق: «أشهد أن محمدا رسول الله»، وبمنزلة قوله: «آمنت بالله وباليوم الآخر». وكذلك المحلّل إذا قال «تزوجتُ» وهو لا يقصد بلفظ التزوج المعنى الذي جُعِل له في الشرع كان\n_________\n(^١) د: «والدين». وقد صحح في هامشها. وفي المطبوع: «أهل العلم والدين والإيمان».\n(^٢) في المطبوع: «من أن» خلاف النسختين.\n(^٣) في النسختين: «وان». والمثبت يقتضيه السياق.\n(^٤) «أن» وما بعدها مبتدأ مؤخر، والخبر المقدم: «مما يوضح».","vol":"3","page":611},{"text":"إخبارًا كاذبًا وإنشاء باطلًا؛ فإنا نعلم أن هذه اللفظة لم توضع (^١) في الشرع ولا في العرف ولا في اللغة لمن قصد ردَّ المطلقة إلى زوجها، وليس له قصد في النكاح الذي وضعه الله بين عباده وجعله سبب المودّة والرحمة بين الزوجين، وليس له قصدٌ في توابعه حقيقةً ولا حكمًا، فمن ليس له قصدٌ في الصحبة [٤٠/ب] ولا في العشرة ولا المصاهرة ولا الولد ولا المواصلة ولا المعاشرة والإيواء، بل قصدُه أن يفارق لتعود إلى غيره؛ فالله جعل النكاح سببًا للمواصلة والمصاحبة، والمحلِّل جعله سببًا للمفارقة، فإنه تزوّج ليطلّق؛ فهو مناقض لشرع الله ودينه وحكمته، فهو كاذب في قوله «تزوجتُ» بإظهاره خلاف ما في قلبه، وبمنزلة من قال لغيره: وكّلتُك أو شاركتك أو ضاربتك أو ساقيتك، وهو يقصد رفع هذه العقود وفسخها.\nوقد تقدَّم أن صيغ العقود إخبارات عما في النفس من المعاني التي هي أصل العقود ومبدأ الحقيقة التي بها يصير اللفظ كلامًا معتبرًا؛ فإنها لا تصير كلامًا معتبرًا إلا إذا (^٢) قُرِنت بمعانيها، فتصير إنشاءً للعقود والتصرفات من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها وُجِد، وإخباراتٍ من حيث دلالتها على المعاني التي في النفس؛ فهي تُشبِه في اللفظ أحببتُ وأبغضتُ وكرهتُ، وتُشبِه في المعنى قُمْ واقعُدْ. وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها ــ حقيقةً أو حكمًا ــ ما جُعلت له، وإذا لم يقصد بها ما يناقض معناها، وهذا فيما بينه وبين الله تعالى. وأما في الظاهر فالأمر محمول على الصحة، وإلا لما تمَّ عقدٌ ولا تصرفٌ، فإذا قال «بعتُ»\n_________\n(^١) ز: «هذا اللفظ لم يوضع».\n(^٢) «إذا» ساقطة من ز.","vol":"3","page":612},{"text":"و«تزوجتُ» كان هذا اللفظ دليلًا على أنه قصد معناه المقصود به، وجعله الشارع بمنزلة القاصد وإن كان هازلًا، وباللفظ والمعنى جميعًا يتمُّ الحكم؛ فكلٌّ منهما جزء السبب، وهما مجموعه، وإن كانت العبرة في الحقيقة بالمعنى، واللفظ دليل؛ ولهذا يصار إلى غيره عند تعذُّره.\nوهذا شأن عامة أنواع الكلام، فإنه محمول على معناه المفهوم منه عند الإطلاق، لا سيما الأسماء (^١) الشرعية التي علَّق الشارع بها أحكامها، فإن المتكلم عليه أن يقصد بتلك الألفاظ معانيها، والمستمع عليه أن يحملها على تلك المعاني، فإن لم يقصد المتكلم بها معانيها بل تكلّم بها غيرَ قاصدٍ لمعانيها أو قاصدًا لغيرها أبطل الشارع عليه قصده، فإن كان هازلًا أو لاعبًا (^٢) لم يقصد المعنى ألزمه الشارع المعنى، كمن هزلَ بالكفر والطلاق والنكاح والرجعة، بل لو تكلم الكافر بكلمة الإسلام هازلًا ألزم به وجرت عليه أحكامه ظاهرًا، وإن تكلّم بها مخادعًا ماكرًا محتالًا مُظهِرًا خلافَ ما أبطن لم يُعطِه الشارع مقصوده، كالمحلّل والمرابي بعقد العينة وكل من احتال على إسقاط واجب أو فعلِ محرَّم بعقد أو قول أظهره وأبطن الأمر الباطل. وبهذا يخرج الجواب عن الإلزام بنكاح الهازل وطلاقه ورجعته، وإن لم يقصد حقائق هذه الصيغ ومعانيها.\nونحن نذكر تقسيمًا جامعًا نافعًا في هذا الباب نبين به حقيقة الأمر، فنقول: المتكلم بصيغ العقود إما أن يكون قاصدًا للتكلُّم بها أو لا يكون قاصدًا:\n_________\n(^١) د: «الأحكام».\n(^٢) د: «لاغيا».","vol":"3","page":613},{"text":"فإن لم يقصد التكلم بها كالمكره والنائم والمجنون والسكران والمغلوب على عقله لم يترتَّب عليها شيء، وإن كان في بعض ذلك نزاع وتفصيل فالصواب أن أقوال هؤلاء كلها (^١) هدرٌ كما دل [٤١/أ] عليه الكتاب والسنة والميزان وأقوال الصحابة.\nوإن كان قاصدًا للتكلم بها فإما أن يكون عالمًا بغايتها متصورًا لها، أو لا يدري معناها البتة بل هي عنده كأصواتٍ يَنْعِق بها؛ فإن لم يكن عالمًا بمعناها ولا متصورًا له لم يترتب عليها أحكامها أيضًا، ولا نزاع بين أئمة الإسلام في ذلك. وإن كان متصورًا لمعانيها عالمًا بمدلولها فإما أن يكون قاصدًا لها أو لا؛ فإن كان قاصدًا لها ترتبت أحكامها في حقه ولزمتْه، وإن لم يكن قاصدًا لها فإما أن يقصد خلافها أو لا يقصد لا معناها ولا غير معناها؛ فإن لم يقصد غير التكلم بها فهو الهازل ونذكر حكمه، وإن قصد غير معناها فإما أن يقصد ما يجوز له قصده أو لا:\nفإن قصد ما يجوز له قصده نحو أن يقصد بقوله «أنت طالق» من زوج كان قبلي، أو يقصد بقوله «أَمتي أو عبدي حرٌّ» أنه عفيف عن الفاحشة، أو يقصد بقوله «امرأتي عندي مثل أمي» في الكرامة والمنزلة، ونحو ذلك، لم تلزمه أحكام هذه الصيغ فيما بينه وبين الله تعالى. وأما في الحكم فإن اقترن بكلامه قرينة تدل على ذلك لم يلزمه أيضًا؛ لأن السياق والقرينة بينة تدل على صدقه، وإن لم يقترن بكلامه قرينة أصلًا وادعى ذلك دعوى مجردة لم تُقبل منه.\nوإن قصد بها ما لا يجوز قصده، كالمتكلم بنكحتُ وتزوجتُ يقصد\n_________\n(^١) «كلها» ليست في د.","vol":"3","page":614},{"text":"التحليل، وببعتُ واشتريت يقصد الربا، وبخالعتُها يقصد الحيلة على فعل المحلوف عليه، وبملكتُ يقصد التحيُّل على إسقاط الزكاة أو الشفعة (^١)، وما أشبه ذلك= فهذا لا يحصل له مقصوده الذي قصده وجعل ظاهر اللفظ والفعل وسيلةً إليه؛ فإن في تحصيل مقصوده تنفيذًا للمحرَّم، وإسقاطًا للواجب، وإعانةً على معصية الله، ومناقضةً لدينه وشرعه، فإعانته على ذلك إعانة على الإثم والعدوان. ولا فرقَ بين إعانته على ذلك بالطريق التي وُضِعت مُفضِيةً إليه وبين إعانته بالطريق التي وُضِعت مفضيةً إلى غيره؛ فالمقصود إذا كان واحدًا لم يكن اختلاف الطرق الموصلة إليه بموجبٍ لاختلاف حكمه فيحرم من طريق ويحلُّ بعينه من طريق أخرى.\nوالطرقُ وسائل وهي مقصودة لغيرها، فأيّ فرق بين التوسل إلى الحرام بطريق الاحتيال والمكر والخداع والتوسل إليه بطريق المجاهرة التي يوافق فيها السرُّ الإعلانَ (^٢) والظاهرُ الباطنَ والقصدُ للّفظ، بل سالك هذه الطريق قد تكون عاقبته أسلمَ وخطره أقلَّ من سالك تلك من وجوه كثيرة، كما أن سالك طريق الخداع والمكر عند الناس أمقتُ وفي قلوبهم أوضعُ وهم عنه أشدُّ نفرةً من آتي الأمرِ على وجهه وداخلِه من بابه؛ ولهذا قال أيوب السختياني ــ وهو من كبار التابعين وساداتهم وأئمتهم ــ في هؤلاء: «يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أَتَوا الأمرَ على وجهه كان أسهلَ عليهم» (^٣).\n_________\n(^١) د: «الشفعة أو الزكاة».\n(^٢) ز: «والإعلان».\n(^٣) رواه البخاري (١٢/ ٣٣٦ - مع الفتح) معلقًا بصيغة الجزم بنحوه. وانظر: «تغليق التعليق» (٥/ ٢٦٤).","vol":"3","page":615},{"text":"فصل\nإذا عُرِف هذا فنقول: المكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولم يثبت عليه حكمه لكونه غير قاصد له، وإنما قصد دفع الأذى عن [٤١/ب] نفسه، فانتفى الحكم لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ؛ فعُلِم أن نفس اللفظ ليس مقتضيًا للحكم اقتضاءَ الفعل لأثره، فإنه لو قتل أو غصب أو أتلف أو نجَّس المائع مكرَهًا لم يمكن أن يقال: إن ذلك القتل أو الإتلاف أو التنجيس فاسد أو باطل، كما لو أكل أو شرب أو سَكِر لم يقل: إن ذلك فاسد، بخلاف ما لو حلف أو نذر أو طلّق أو عقد عقدًا حكميًّا. وهكذا المحتال الماكر المخادع؛ فإنه لم يقصد الحكم المقصود بذلك اللفظ الذي احتال به، وإنما قصد معنى آخر فقصد الربا بالبيع والتحليل بالنكاح والحنث بالخلع، بل المكره قصدُه دفع الظلم عن نفسه، وهذا قصده التوسل إلى غرض رديء؛ فالمحتال والمكره يشتركان في أنهما لم يقصدا بالسبب حكمه ولا باللفظ معناه، وإنما قصدا (^١) التوسل بذلك اللفظ وبظاهر ذلك السبب إلى شيء آخر غير حكم السبب، لكن أحدهما راهبٌ قصدُه دفع الضرر، ولهذا يُحمد أو يُعذر على ذلك، والآخر راغبٌ قصدُه إبطال حق وإيثار باطل، ولهذا يُذمّ على ذلك؛ فالمكره يُبطِل حكم السبب فيما عليه وفيما له لأنه لم يقصد واحدًا منهما، والمحتالُ يبطل حكم السبب فيما احتال عليه، وأما فيما سواه فيجب فيه التفصيل.\nوههنا أمر لا بدّ منه، وهو أن من ظهر لنا أنه محتال فكمن ظهر لنا أنه\n_________\n(^١) د: «قصد».","vol":"3","page":616},{"text":"مكره، ومن ادعى أنه إنما قصد الاحتيال فكمن ادعى أنه مكره، وإن كان ظهور أمر المكره أبينَ من ظهور أمر المحتال.\nفصل\nوأما الهازل فهو الذي يتكلم بالكلام من غير قصدٍ لموجبه وحقيقته، بل على وجه اللعب، ونقيضُه الجادُّ فاعلٌ من الجِدّ بكسر الجيم وهو نقيض الهزل، وهو مأخوذ من «جَدَّ فلان» إذا عظُم واستغنى وصار ذا حظٍّ، والهزل: مِن هَزُلَ إذا ضعف وضَؤُل، نُزِّلَ الكلام الذي يراد معناه وحقيقته بمنزلة صاحب الحظّ والبَخْت والغنى، والذي لم يُرَد معناه وحقيقته بمنزلة الخالي من ذلك؛ إذ قِوام الكلام بمعناه، وقِوام الرجل بحظّه وماله، وقد جاء فيه حديث أبي هريرة المشهور عن النبي - ﷺ -: «ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ وهزلهن جِدٌّ: النكاح والطلاق والرجعة». رواه أهل السنن، وحسَّنه الترمذي (^١).\nوفي مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ -: «من نكحَ لاعبًا أو طلَّق لاعبًا أو أعتق لاعبًا فقد جاز» (^٢).\nوقال عمر بن الخطاب: «أربعٌ جائزاتٌ إذا تكلَّم بهن: الطلاق والعتاق والنكاح والنذر» (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ١٨٤) عن الحسن مرسلًا، وفي إسناده سليمان بن أرقم متكلم فيه. وجاء موصولًا عند ابن أبي شيبة (١٨٧١٩) عن الحسن عن أبي الدرداء مرفوعا. والحسن لم يسمع من أبي الدرداء. وروي عنه موقوفًا كما سيأتي.\n(^٣) رواه سعيد بن منصور (١٦١٠) وابن أبي شيبة (١٨٧١٥)، وسعيد بن المسيب أدرك عمر وكان صغيرًا، لكن مراسيله عنه صحيحة كما تقدم.","vol":"3","page":617},{"text":"وقال عليٌّ: «ثلاثٌ لا لعبَ فيهم: الطلاق والعتاق والنكاح» (^١).\nوقال أبو الدرداء: «ثلاثٌ اللعبُ فيهن كالجدّ: الطلاق والنكاح والعتق» (^٢).\nوقال ابن مسعود: «النكاح جِدُّه ولعبُه سواء». ذكر ذلك أبو حفص العُكبَري (^٣).\nفصل (^٤)\nفأما طلاق الهازل فيقع عند الجمهور، وكذلك نكاحه صحيح كما صرَّح به النص، وهذا هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، وحكاه أبو حفص نصًّا عن أحمد، وهو قول أصحابه وقول طائفة من أصحاب الشافعي. وذكر بعضهم أن الشافعي نصَّ على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه. ومذهب مالك الذي [٤٢/أ] رواه ابن القاسم عنه وعليه العمل عند أصحابه أن هَزْل النكاح والطلاق لازم، بخلاف البيع، وروى عنه علي بن زياد أن نكاح الهازل لا يجوز. قال بعض أصحابه: فإن\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٠٢٤٧)، وفي إسناده جابر الجعفي متكلم فيه.\n(^٢) رواه سعيد بن منصور (١٦٠٤) وابن أبي شيبة (١٨٧١٤).\n(^٣) عزا هذه الآثار إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ١٠٥) بقوله: «رواهن أبو حفص العكبري». وروى أثر ابن مسعود عبد الرزاق (١٠٢٤٤) من طريق ابن جريج عن عبد الكريم عنه به. ولا يدرى من عَبد الكريم؛ هل هو ابن مالك أو ابن أبي المخارق؟ وفي كلا الحالين ففيه انقطاع؛ لأنهما لم يدركا ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٤) نقله المؤلف من «بيان الدليل» (ص ١٠٥ وما بعدها).","vol":"3","page":618},{"text":"قام دليل الهزل لم يلزمه عتق ولا نكاح ولا طلاق، ولا شيء عليه من الصداق.\nوأما بيع الهازل وتصرفاته المالية فإنه لا يصح عند القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابه، وهو قول الحنفية والمالكية. وقال أبو الخطاب في «انتصاره»: يصح بيعه كطلاقه. وخرَّجها بعض الشافعية على وجهين، ومن قال بالصحة قاسَ سائر التصرفات على النكاح والطلاق والرجعة.\nوالفقه فيه أن الهازل أتى بالقول غير ملتزمٍ لحكمه، وترتيب الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد، فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أم أبى؛ لأن ذلك لا يقف على اختياره، وذلك أن الهازل قاصد للقول مريدٌ له مع علمه بمعناه وموجبه، وقصدُ اللفظ المتضمن للمعنى قصد لذلك المعنى لتلازمهما، إلا أن يعارضه قصد آخر كالمكره والمخادع المحتال؛ فإنهما قصدَا شيئًا آخر غير معنى القول وموجبه. ألا ترى أن المكره قصد دفع العذاب عن نفسه فلم يقصد السبب ابتداء، والمحلّل قصد إعادتها إلى المطلِّق، وذلك منافٍ لقصده موجب السبب، وأما الهازل فقصد السبب ولم يقصد حكمه ولا ما ينافي حكمه فترتَّب عليه أثره.\nفإن قيل: هذا ينتقض عليكم بلغو اليمين، فإنه لا يترتَّب عليه حكمه.\nقيل: اللاغي لم يقصد السبب، وإنما جرى على لسانه من غير قصدٍ؛ فهو بمنزلة كلام النائم والمغلوب على عقله. وأيضًا فالهزل أمر باطن لا يُعرف إلا من جهة الهازل، فلا يقبل قوله في إبطال حق العاقد الآخر. ومن فرَّق بين البيع وبابه والنكاح وبابه قال: الحديث والآثار تدلّ على أن من","vol":"3","page":619},{"text":"العقود ما يكون جدُّه وهزلُه سواء، ومنها ما لا يكون كذلك، وإلا لقال (^١): العقود كلها أو الكلام كله جدُّه وهزله سواء، وأما من جهة المعنى فإن النكاح والطلاق والرجعة والعتق فيها حقٌّ لله، أما العتق فظاهر، وأما الطلاق فإنه يوجب تحريم البضع، ولهذا تجب إقامة الشهادة فيه وإن لم تطلبها الزوجة، وكذلك في النكاح فإنه يفيد حِلَّ ما كان حرامًا وحرمةَ ما كان حلالًا، وهو التحريم الثابت بالمصاهرة؛ ولهذا لا يستباح إلا بالمهر، وإذا كان كذلك لم يكن للعبد ــ مع تعاطي السبب الموجب لهذه الأحكام ــ أن لا يرتِّب عليها موجباتها، كما ليس له ذلك في كلمات الكفر إذا هَزَل بها كما صرّح به القرآن؛ فإن الكلام المتضمن لحقّ الله لا يمكن قولُه مع رفع ذلك الحق؛ إذ ليس للعبد أن يهزِل مع ربّه ولا يستهزئ بآياته ولا يتلاعب بحدوده.\nوفي حديث أبي موسى: «ما بالُ أقوامٍ يلعبون بحدود الله ويستهزئون [٤٢/ب] بآياته؟» (^٢) في الهازلين. يعني ــ والله أعلم ــ يقولونها لعبًا غير ملتزمين لأحكامها، وحكمها لازم لهم، وهذا بخلاف البيع وبابه؛ فإنه تصرُّف في المال الذي هو محض حق الآدمي، ولهذا يملك بذله بعوض وغير عوض، والإنسان قد يلعب مع الإنسان وينبسط معه، فإذا تكلم على هذا الوجه لم يلزمه حكم الجادّ؛ لأن المزاح معه جائز.\n_________\n(^١) في «بيان الدليل»: «لقيل».\n(^٢) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص ٩٩) بهذا اللفظ. ورواه ابن ماجه (٢٠١٧) وابن حبان (٤٢٦٥) دون قوله: «ويستهزئون بآياته». والحديث ضعَّفه الألباني في «الضعيفة» (٤٤٣١).","vol":"3","page":620},{"text":"وحاصل الأمر أن اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله غير جائز، فيكون جدُّ القول وهزلُه سواء، بخلاف جانب العباد. ألا ترى أن النبي - ﷺ - كان يمزح مع أصحابه ويباسطهم، وأما مع ربه ﵎ فيجِدُّ كلَّ الجِدّ، ولهذا قال للأعرابي يمازحه: «مَن يشتري منّي العبدَ؟» فقال: تجدني رخيصًا يا رسول الله؟ فقال: «بل أنت عند الله غالٍ» (^١). وقصد - ﷺ - أنه عبد الله، والصيغة صيغة استفهام. وهو - ﷺ - كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا (^٢). ولو أن رجلًا قال: «من يتزوَّج أمي أو أختي» لكان من أقبح الكلام، وقد كان عمر - ﵁ - يضرب من يدعو امرأته أخته، وقد جاء في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود (^٣) أن رجلًا قال لامرأته: يا أُخَيَّة (^٤)، فقال النبي - ﷺ -: «أختُك هي؟». وإنما جعل إبراهيم ذلك حاجةً لا مُزاحًا (^٥).\nومما يوضّحه أن عقد النكاح يُشبِه العبادات في نفسه، بل هو مقدَّم على\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٢٦٤٨) والترمذي في «الشمائل» (٢٢٩) من حديث أنس - ﵁ -، وصححه ابن حبان (٥٧٩٠) وابن حجر في «الإصابة» (٢/ ٤٥٢).\n(^٢) رواه أحمد (٨٧٢٣) والترمذي (١٩٩٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وحسنه الترمذي والبغوي (٣٦٠٢).\n(^٣) برقم (٢٢١٠) وهو مرسل، وقد وصله أبو داود في الحديث الذي بعده (٢٢١١)، والحديث في إسناده اضطراب. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٢/ ٢٤٠).\n(^٤) د: «أخته». وفي ز بدون نقط، والمثبت من أبي داود.\n(^٥) إشارة إلى الحديث الذي رواه البخاري (٣٣٥٨) عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، وفيه: «بينا هو (أي إبراهيم) ذاتَ يومٍ وسارةُ، إذ أتى على جبَّار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلًا معه امرأة من أحسن النساء، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي ...».","vol":"3","page":621},{"text":"نفلها، ولهذا يُستحبُّ عقدُه في المساجد، ويُنهى عن البيع فيها، ومن يشرِط له لفظًا بالعربية راعى فيه ذلك إلحاقًا له بالأذكار المشروعة، ومثل هذا لا يجوز الهزل به، فإذا تكلّم به رتّب الشارع عليه حكمه وإن لم يقصده، بحكم ولاية الشارع على العبد، فالمكلَّف قصد السبب، والشارع قصد الحكم، فصارا مقصودين كليهما (^١).\nفصل\n\nوقد ظهر بهذا أن<span data-type=\"title\" id=toc-579> ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة</span>، فإنه - ﷺ - أمر أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله. ولم يُؤمَر أن ينقَّب عن قلوبهم ولا أن يُشقَّ بطونهم، بل يجري عليهم أحكام الله (^٢) في الدنيا إذا دخلوا في دينه، ويجري أحكامه [٤٣/أ] في الآخرة على قلوبهم ونياتهم، فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان، ولهذا قبِلَ إسلام الأعراب، ونفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وأخبر أنه لا ينقُصهم مع ذلك من ثواب طاعتهم لله ورسوله شيئًا، وقبِلَ إسلام المنافقين ظاهرًا، وأخبر أنهم لا ينفعهم يوم القيامة شيئًا، وأنهم في الدرك الأسفل من النار. فأحكام الرب ﷻ جارية على ما يُظهِر العباد، ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه كما تقدم تفصيله.\nوأما قصة المُلاعن فالنبي - ﷺ - إنما قال بعد أن ولدت الغلام على شبه الذي رُمِيَتْ به: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»، فهذا ــ والله\n_________\n(^١) كذا في النسختين. وفي «بيان الدليل»: «فصار الجميع مقصودًا».\n(^٢) ز: «أحكام الله عليهم».","vol":"3","page":622},{"text":"أعلم ــ إنما أراد به لولا حكم الله بينهما باللعان لكان شَبَهُ الولد بمن رُمِيتْ به يقتضي حكمًا آخر غيره، ولكن حكم الله باللعان ألغى حكم هذا الشبه، فإنهما دليلان، وأحدهما أقوى من الآخر؛ فكان العمل به واجبًا. وهذا كما لو تعارض دليل الفراش ودليل الشبه، فإنا نُعمِل دليل الفراش ولا نلتفت إلى الشبه بالنص والإجماع، فأين في هذا ما يُبطِل المقاصد والنيات والقرائن التي لا معارضَ لها؟ وهل يلزم من بطلان الحكم بقرينة قد عارضها ما هو أقوى منها بطلانُ الحكم بجميع القرائن؟ وسيأتي دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وجمهور الأئمة على العمل بالقرائن واعتبارها في الأحكام. وأما إنفاذه للحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب فليس في الممكن شرعًا غيرُ هذا، وهذا شأن عامة المتداعين، لا بدَّ أن يكون أحدهما مُحِقٌّ والآخر مُبطِل (^١)، وينفذ حكم الله عليهما تارةً بإثبات حق المحق وإبطال باطل المبطل، وتارةً بغير ذلك إذا لم يكن مع المحقّ دليل.\nوأما حديث ركانة لما طلّق امرأته البتةَ وأحلفه النبي - ﷺ - أنه إنما أراد واحدةً (^٢)، فمن أعظم الأدلة على صحة هذه القاعدة، وأن الاعتبار في العقود بنيات أصحابها ومقاصدهم وإن خالفت ظواهرَ ألفاظهم؛ فإن لفظ البتة يقتضي أنها قد بتَّتْ منه وانقطع التواصل الذي كان بينهما بالنكاح، وأنه لم يبقَ له عليها رجعة، بل بانت منه البتةَ كما يدل عليه لفظ البتة لغةً وعرفًا، ومع هذا فردَّها عليه، وقَبِلَ قوله أنها واحدة مع مخالفة الظاهر اعتمادًا على قصده ونيته، فلولا اعتبار القصود في العقود لما نفعه قصده الذي يخالف\n_________\n(^١) كذا في النسختين «محق» و«مبطل» مرفوعان. وفي المطبوع بالنصب.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":623},{"text":"ظاهر لفظه مخالفة ظاهرة (^١) بينة. فهذا الحديث أصل لهذه القاعدة، وقد قبِلَ منه في الحكم، وديَّنه فيما بينه وبين الله، فلم يقضِ عليه بما أظهر من لفظه لما أخبره بأن نيته وقصده كان خلاف ذلك.\nوأما قوله (^٢): «إن النبي - ﷺ - أبطل في حكم الدنيا استعمالَ الدلالة التي لا يوجد أقوى منها» يعني دلالة الشبه، فإنما أبطلها بدلالة أقوى منها وهي اللعان، كما أبطلها مع قيام دلالة الفراش، واعتبرها حيثُ لم يعارضها مثلُها ولا أقوى منها في إلحاق الولد بالقافة [٤٣/ب] وهي دلالة الشبه، فأين في هذا إلغاء الدلالات والقرائن مطلقًا؟\nوأما قوله: «إنه لم يحكم في المنافقين بحكم الكفر مع الدلالة التي لا أقوى منها وهي خبر الله سبحانه عنهم وشهادته عليهم»، فجوابه: أن الله سبحانه لم يُجرِ أحكام الدنيا على علمه في عباده، وإنما أجراها على الأسباب التي نصَبَها أدلة عليها، وإن علم سبحانه أنهم مُبطِلون فيها مُظهِرون لخلاف ما يُبطِنون، وإذا أطلع الله رسولَه (^٣) على ذلك لم يكن ذلك مناقضًا لحكمه الذي شرعه ورتّبه على تلك الأسباب، كما رتَّب على المتكلم بالشهادتين حكمَه وأطلع رسولَه وعبادَه المؤمنين على أحوال كثير من المنافقين وأنهم لم يطابق قولُهم اعتقادَهم.\nوهذا كما أجرى حكمه على المتلاعنين ظاهرًا، ثم أطلع رسوله\n_________\n(^١) «ظاهرة» ليست في ز.\n(^٢) أي قول الشافعي الذي سبق ذكره (ص ٥٨٦)، ويستمر المؤلف في مناقشة كلامه في الفقرات الآتية.\n(^٣) ز: «ورسوله».","vol":"3","page":624},{"text":"والمؤمنين على حال المرأة بشَبَه الولد لمن رُمِيتْ به، وكما قال: «إنما أقضي بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيتُ له بشيء من حقِّ أخيه فإنما أقطعُ له قطعةً من النار» (^١). وقد يُطلِعه الله سبحانه على حالِ آخذِ ما لا يحلُّ له أخذه، ولا يمنعه ذلك من إنفاذ الحكم.\nوأما الذي قال: «يا رسول الله، إن امرأتي ولدتْ غلامًا أسودَ» (^٢)، فليس فيه ما يدل على القذف لا صريحًا ولا كنايةً (^٣)، وإنما أخبره بالواقع مستفتيًا عن حكم هذا الولد: أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي - ﷺ - وقرَّب له الحكمَ بالشَّبه الذي ذكره؛ ليكون أذعنَ لقبوله وانشراحِ الصدر له، ولا يقبله على إغماض. فأين في هذا ما يُبطِل حدَّ القذف بقول من يشاتم غيره: «أما أنا فلستُ بزانٍ، وليستْ أمي بزانية»، ونحو هذا من التعريض الذي هو أوجعُ وأنكى من التصريح، وأبلغ في الأذى، وظهوره عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح، فهذا لون وذاك لون، وقد حدَّ عمر بالتعريض في القذف، ووافقه الصحابة - ﵃ -.\nوأما قوله - ﵀ - (^٤): «إنه استشار أصحابه فخالفه بعضهم»، فإنه يريد ما رواه عن مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبَّا في زمن عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزانٍ ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب، فقال قائل: مدح أباه وأمه،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) د: «لا كنايةً ولا صريحًا».\n(^٤) د: «﵁».","vol":"3","page":625},{"text":"وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحدّ، فجلده عمر الحدَّ ثمانين (^١)، وهذا لا يدل على أن القائل الأول خالف عمر؛ فإنه لما قيل له إنه قد كان لأبيه وأمه مدحٌ غير هذا فهم أنه أراد القذف فسكت، وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة.\nوقد صحَّ عن عمر من وجوه أنه حدَّ في التعريض، فروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر كان يحدُّ في التعريض بالفاحشة (^٢)، وروى ابن جريج عن ابن أبي مُليكة عن صفوان وأيوب عن عمر أنه حدَّ في التعريض (^٣). وذكر أبو عمر (^٤) أن عثمان كان يحد في التعريض وذكره ابن أبي شيبة (^٥)، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الحدّ في التعريض (^٦). وهو قول أهل المدينة [٤٤/أ] والأوزاعي، وهو محض القياس، كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية، واللفظ إنما يُراد لدلالته على المعنى؛ فإذا ظهر المعنى غاية الظهور لم يكن في تغيير اللفظ كبير فائدة.\nوأما قوله: «من حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم لم يسلَمْ من خلاف التنزيل والسنة»، فإنه يشير بذلك إلى قبول توبة الزنديق وحَقْن دمه بإسلامه، وقبول توبة المرتدّ وإن وُلِد على الإسلام، وهاتان مسألتان فيهما\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٣٧٠٣).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١٣٧٠٥).\n(^٤) في «الاستذكار» (٢٤/ ١٢٧).\n(^٥) في «المصنّف» (٢٨٩٦٦).\n(^٦) رواه عبد الرزاق (١٣٧١٨، ١٣٧١٩).","vol":"3","page":626},{"text":"نزاع بين الأمة مشهور، وقد ذكر الشافعي الحجة على قبول توبتهما، ومن لم يقبل توبتهما يقول: إنه لا سبيل إلى العلم بها؛ فإن الزنديق قد عُلِم أنه لم يزل مظهرًا للإسلام، فلم يتجدَّد له بإسلامه الثاني حالٌ مخالفةٌ لما كان عليه، بخلاف الكافر الأصلي؛ فإنه إذا أسلم فقد تجدّد له بالإسلام حالٌ لم يكن عليها، والزنديق إنما رجع إلى إظهار الإسلام.\nوأيضًا فالكافر كان معلنًا لكفره غير متستِّرٍ به ولا مُخفٍ له، فإذا أسلم تيقنَّا أنه أتى بالإسلام رغبة فيه لا خوفًا من القتل، والزنديق بالعكس فإنه كان مخفيًا لكفره متستِّرًا به، فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا لم يظهر عليه، فإذا ظهر على لسانه وَاخَذْناه به، فإذا رجع عنه لم يرجع عن أمر كان مُظهِرًا له غير خائف من إظهاره، وإنما رجع خوفًا من القتل.\nوأيضًا فإن الله سبحانه سنَّ في عباده أنهم إذا رأوا بأسه لم ينفعهم الإسلام، وهذا إنما أسلم عند معاينة البأس، ولهذا لو جاءنا من تلقاء نفسه وأقرَّ بأنه قال كذا وكذا وهو تائب منه قبلنا توبته ولم نقتله.\nوأيضًا فإن الله سبحانه سنَّ في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم قُبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، فهو أولى أن لا تُقبل توبته بعد القدرة عليه، وهذا بخلاف الكافر الأصلي؛ فإن أمره كان معلومًا، وكان مُظهِرًا لكفره غير كاتمٍ له، والمسلمون قد أخذوا حِذرهم منه، وجاهروه بالعداوة والمحاربة.\nوأيضًا فإن الزنديق هذا دأبه دائمًا، فلو قُبلت توبته لكان تسليطًا له على","vol":"3","page":627},{"text":"بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد، وكلما قدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه، ولا سيَّما وقد علم أنه أمِنَ بإظهار الإسلام من القتل، فلا يزَعُه خوفه عن المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبَّة الله ورسوله، فلا ينكفُّ عدوانُه عن الإسلام إلا بقتله.\nوأيضًا فإن من سبَّ الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، فجزاؤه القتل حدًّا، والحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا، ولا ريب أن محاربة هذا الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفسادًا (^١)، فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على [٤٤/ب] عشرة دراهم لذمي أو على بدنه ولا تقبل توبته، ولا تأتي بقتل من دأبه الصولُ (^٢) على كتاب الله وسنة رسوله والطعنُ في دينه وتقبل توبته بعد القدرة؟\nوأيضًا فالحدود بحسب الجرائم والمفاسد، وجريمة هذا أغلظُ الجرائم، ومفسدة بقائه بين أظهر المسلمين من أعظم المفاسد.\nوهاهنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها، وهي أن الشارع إنما قبلَ توبة الكافر الأصلي مِن كفرِه بالإسلام لأنه ظاهر لم يعارضه ما هو أقوى منه، فيجب العمل به؛ لأنه مقتضٍ (^٣) لحقن الدم والمعارض منتفٍ. فأما الزنديق فإنه قد أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره بعد القدرة عليه للتوبة والإسلام لا يدلُّ على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه دلالةً قطعية ولا ظنية، أما انتفاء القطع فظاهر، وأما انتفاء الظن فلأن الظاهر إنما يكون دليلًا\n_________\n(^١) د: «وإفساد».\n(^٢) د: «التصول».\n(^٣) في النسختين: «مقتضى».","vol":"3","page":628},{"text":"صحيحًا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه (^١)، فإذا قام دليل على الباطن لم يُلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن يخالفه. ولهذا اتفق الناس على أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف علمه، وإن شهد عنده بذلك العدولُ (^٢)، وإنما يحكم بشهادتهم إذا لم يعلم خلافها. وكذلك لو أقرَّ إقرارًا عُلِم أنه كاذب فيه، مثل أن يقول لمن هو أسنُّ منه «هذا ابني» لم يثبت نسبه ولا ميراثه اتفاقًا. وكذلك الأدلة الشرعية مثل خبر الواحد العدل والأمر والنهي والعموم والقياس إنما يجب اتباعها إذا لم يقم دليل أقوى منها يخالف ظاهرها.\nوإذا عُرف هذا فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته، وتكذيبه واستهانته بالدين، وقَدْحه فيه؛ فإظهاره الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس فيه أكثر ما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة؛ فلا يجوز الاعتماد عليه لتضمُّنه إلغاءَ الدليل القوي وإعمالَ الدليل الضعيف الذي قد ظهر بطلان دلالته، ولا يخفى على المنصف قوةُ هذا النظر وصحةُ هذا المأخذ. وهذا مذهب أهل المدينة: مالك وأصحابه والليث بن سعد، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى (^٣) الروايات عن أحمد نصرها كثير من أصحابه، بل هي أنصُّ الروايات عنه، وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب، وهو قول الشافعي، وعن أبي يوسف روايتان؛ إحداهما: أنه يستتاب، وهي الرواية الأولى عنه، ثم قال آخرًا: أقتلُه\n_________\n(^١) في هامش د: «يخالفه».\n(^٢) د: «بذلك العدول عنده».\n(^٣) ز: «أحد».","vol":"3","page":629},{"text":"من غير استتابة، لكن إن تاب قبل أن يُقدَر عليه قبلت توبته، وهذا هو الرواية الثالثة عن أحمد.\nويا لله العجب! كيف يقاوِم دليلُ إظهاره للإسلام بلسانه بعد القدرة عليه أدلةَ زندقتِه، وتكررها منه مرة بعد مرة، وإظهاره كل وقت للاستهانة بالإسلام والقدح في الدين والطعن فيه في كل مجمع، مع استهانته بحرمات الله واستخفافه [٤٥/أ] بالفرائض وغير ذلك من الأدلة؟ ولا ينبغي لعالمٍ قطُّ أن (^١) يتوقف في قتل مثل هذا، ولا تُترك الأدلة القطعية لظاهرٍ قد تبيَّن عدم دلالته وبطلانها، ولا تسقط الحدود عن أرباب الجرائم بغير موجب.\nنعم لو أنه قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدلُّ على حسن الإسلام وعلى التوبة النصوح، وتكرر ذلك منه= لم يُقتل، كما قاله أبو يوسف وأحمد في إحدى الروايات، وهذا التفصيل أحسنُ الأقوال في المسألة.\nومما يدلُّ على أن توبة الزنديق بعد القدرة لا تَعصِم دمَه قولُه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]، قال السلف في هذه الآية: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ بالقتل (^٢) إن أظهرتم ما في قلوبكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يُبطِنونه من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل؛ فلو قُبلت توبتهم بعد ما ظهرت زندقتهم لم يمكن المؤمنين أن يتربَّصوا بالزنادقة\n_________\n(^١) «أن» ليست في د.\n(^٢) روي هذا عن ابن عباس وقتادة. انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٤٩٧).","vol":"3","page":630},{"text":"أن يصيبهم الله بأيديهم؛ لأنهم كلما أرادوا أن يعذِّبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يصابوا بأيديهم قطُّ. والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، وعند هذا فأصحاب هذا القول يقولون: نحن أسعد بالتنزيل والسنة من مخالفينا في هذه المسألة المشنِّعين علينا بخلافها، وبالله التوفيق.\n\nوأما قوله: «ولا يفسد عقد إلا بالعقد نفسه، لا يفسد بشيء تقدَّمه ولا تأخَّره، ولا بتوهم، ولا أمارة عليه»، يريد أن الشرط المتقدم لا يُفسِد العقد إذا عَرِيَ صلب العقد عن مقارنته، وهذا أصل قد خالفه فيه جمهور أهل العلم (^١)، وقالوا: لا فرقَ بين<span data-type=\"title\" id=toc-582> الشرط المتقدم والمقارن</span>؛ إذ مفسدة الشرط المقارن لم تزُل بتقدمه وإسلافه، بل مفسدته مقارنًا كمفسدته متقدمًا، وأي مفسدة زالت بتقدم الشرط إذا كانا قد علِمَا وعلم الله سبحانه والحاضرون أنهما إنما عقدَا على ذلك الشرط الباطل المحرَّم وأظهرا صورة العقد مطلقًا، وهو مقيَّد في نفس الأمر بذلك الشرط المحرم؟ فإذا اشترطا قبل العقد أن النكاح نكاح تحليلٍ أو متعة أو شغارٍ، وتعاهدا على ذلك، وتواطآ عليه، ثم عقدا على ما اتفقا عليه، وسكتا عن إعادة الشرط في صلب العقد اعتمادًا على تقدم ذكره والتزامه= لم يخرج العقد بذلك عن كونه عقد تحليلٍ ومتعة وشغار حقيقةً.\nوكيف يعجز المتعاقدان اللذان يريدان عقدًا قد حرَّمه الله ورسوله لوصفٍ أن يشترطا قبل العقد إرادةَ ذلك الوصف وأنه هو المقصود، ثم يسكتا عن ذكره في صلب العقد ليتمَّ غرضهما؟ وهل إتمام غرضهما إلا عين تفويت مقصود الشارع؟ وهل هذه القاعدة ــ وهي أن الشرط المتقدم لا يؤثّر\n_________\n(^١) د: «جمهور أهل العلم فيه».","vol":"3","page":631},{"text":"شيئًا ــ إلا فتح لباب الحيل؟ بل هي أصل الحيل وأساسها، وكيف تُفرِّق الشريعة بين متماثلين من كل وجه لافتراقهما في تقدُّم لفظٍ أو تأخُّرِه مع استواء العقدين في الحقيقة والمعنى والقصد؟ وهل هذا إلا من أقرب الوسائل والذرائع إلى حصول ما قصد الشارع عدمه وإبطاله؟ وأين هذه القاعدة من قاعدة سدِّ الذرائع إلى قصد (^١) [٤٥/ب] المحرَّمات؟ ولهذا صرَّح أصحابها ببطلان قاعدة سدّ الذرائع لما علموا أنها مناقضة لتلك؛ فالشارع سدَّ الذرائع إلى المحرمات بكل طريق، وهذه القاعدة (^٢) تُوسع الطرق إليها وتنهجها.\nوإذا تأمل اللبيب هذه القاعدة وجدها ترفع التحريم أو الوجوب مع قيام المعنى المقتضي لهما حقيقة، وفي ذلك تأكيد للتحريم من وجهين: من جهة أن فيها فعلَ المحرم وتركَ الواجب، ومن جهة اشتمالها على التدليس والمكر والخداع والتوسل بشرع الله الذي أحبَّه ورضيَه لعباده إلى نفس ما حرّمه ونهى عنه، ومعلوم أنه لا بدَّ أن يكون بين الحلال والحرام فرقٌ في الحقيقة، بحيث يظهر للعقول (^٣) مضادةُ أحدهما للآخر، والفرق في الصورة غير معتبر ولا مؤثِّر؛ إذ الاعتبار بالمعاني والمقاصد في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت عباراتها أو مواضعها بالتقدم والتأخر والمعنى واحد كان حكمها واحدًا، ولو اتفقت ألفاظها واختلفت معانيها كان حكمها مختلفًا، وكذلك الأعمال. ومن تأمَّل الشريعة حقَّ التأمل علم صحة هذا\n_________\n(^١) «قصد» ليست في د.\n(^٢) ز: «قاعدة».\n(^٣) د: «العقود».","vol":"3","page":632},{"text":"بالاضطرار؛ فالأمر المحتال عليه بتقدُّم الشرط دون مقارنتِه صورتُه صورة الحلال المشروع ومقصودُه مقصود الحرام الباطل، فلا تُراعى الصورة وتُلغى الحقيقة والمقصود، بل مشاركة هذا للحرام صورةً ومعنى وإلحاقه به لاشتراكهما في القصد والحقيقة أولى من إلحاقه بالحلال المأذون فيه لمشاركته له في مجرَّد الصورة.\nفصل\nوقوله: «ولا تفسد البيوع بأن يقال: هذه ذريعة وهذه نية سوء ... إلى آخره»، فإشارة منه إلى قاعدتين، إحداهما: أنه لا اعتبار بالذرائع ولا يُراعى سدّها، والثانية: أن القصود غير معتبرة في العقود، والقاعدة المتقدمة أن الشرط المتقدّم لا يؤثِّر، وإنما التأثير للشرط الواقع في صلب العقد، وهذه القواعد متلازمة؛ فمَن سدَّ الذرائع اعتبر المقاصد وقال: يؤثِّر الشرط متقدمًا ومقارنًا، ومن لم يسدَّ الذرائع لم يعتبر المقاصد ولا الشروط المتقدمة، ولا يمكن إبطال واحدة منها إلا بإبطال جميعها. ونحن نذكر قاعدة سدِّ الذرائع، ودلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والميزان الصحيح عليها.\n* * * *","vol":"3","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>فصل\nفي سدّ الذرائع</span>\nلما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسباب وطرق تُفضِي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرّمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصدَ الغايات، وهي مقصودة قصدَ الوسائل؛ فإذا حرَّم الرب ﵎ شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرِّمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حِماه. ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس [٤٦/أ] به، وحكمتُه تعالى وعلمه يأبى ذلك كلَّ الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعُدَّ متناقضًا، ويحصل من جنده ورعيته (^١) ضدُّ مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسْمَ الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟\nومن تأمَّل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سدَّ الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرَّمها ونهى عنها، والذريعة: ما كان وسيلةً\n_________\n(^١) ز: «رعيته وجنده».","vol":"4","page":3},{"text":"وطريقًا إلى الشيء، ولا بدَّ من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ليزول الالتباس فيه، فنقول:\nالفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان:\nأحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفرش، ونحو ذلك؛ فهذه أفعال وأقوال (^١) وُضِعت مفضيةً لهذه المفاسد ليس لها ظاهر غيرها.\nوالثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب، فيتخذها وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصدٍ منه؛ فالأول كمن يعقد النكاح قاصدًا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدًا به الربا، أو يخالع قاصدًا به الحنث، ونحو ذلك. والثاني كمن يصلّي تطوعًا بغير سبب في أوقات النهي، أو يسبُّ أرباب المشركين بين أظهرهم، أو يصلِّي بين يدي القبر (^٢) لله، ونحو ذلك.\nثم هذا القسم من الذرائع نوعان:\nأحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته.\nوالثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته؛ فهاهنا أربعة أقسام:\nوسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة.\n_________\n(^١) د: «أقوال وأفعال».\n(^٢) ز: «الفقير»، تحريف.","vol":"4","page":4},{"text":"الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قُصِد (^١) بها التوصُّل إلى المفسدة.\nالثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوصُّل إلى المفسدة، مفضية إليها غالبًا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها.\nالرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها.\nفمثال القسم الأول والثاني قد تقدم، ومثال الثالث الصلاة في أوقات النهي، ومسبَّة آلهة المشركين بين ظهرانيهم، وتزيُّن المتوفى عنها في زمن عدتها، وأمثال ذلك. ومثال الرابع النظر إلى المخطوبة والمُسْتامَة (^٢) والمشهود عليها ومن يطؤها ويعاملها، وفعلُ ذوات الأسباب في أوقات النهي، وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر، ونحو ذلك. فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة، وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهةً أو تحريمًا بحسب درجاته في المفسدة. بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟ فنقول:\nالدلالة على المنع من وجوه:\nالوجه الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ [٤٦/ب] ... عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فحرَّم الله سبحانه سبَّ آلهة (^٣)\n_________\n(^١) ز: «لم يقصد».\n(^٢) أي الأَمة التي يُطلَب شراؤها. اسم مفعول من الفعل «استامَ».\n(^٣) «آلهة» ليست في ز.","vol":"4","page":5},{"text":"المشركين ــ مع كون السبّ (^١) غيظًا (^٢) وحميةً لله وإهانةً لآلهتهم ــ لكونه ذريعةً إلى سبِّهم الله سبحانه، وكانت مصلحة ترك مسبَّته سبحانه أرجح من مصلحة سبِّنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز.\nالوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوتَ الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن.\nالوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الآية (^٣) [النور: ٥٨]، أمر سبحانه مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة، لئلا يكون دخولهم هَجْمًا بغير استئذان فيها ذريعةً إلى اطلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة، ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها وإن أمكن في تركه هذه المفسدة، لندورها وقلة الإفضاء إليها، فجعلت كالمقدمة.\nالوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا\n_________\n(^١) في النسختين: «السبب».\n(^٢) في النسختين: «غيضًا»، خطأ.\n(^٣) د: «لأنه».","vol":"4","page":6},{"text":"وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير، لئلا يكون قوله ذريعة إلى التشبُّه باليهود في أقوالهم وخطابهم؛ فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي - ﷺ - ويقصدون بها السبَّ، ويقصدون فاعلًا من الرعونة، فنُهي المسلمون عن قولها سدًّا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي - ﷺ - تشبُّهًا بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون.\nالوجه الخامس: قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤]، فأمر سبحانه أن يُلِينا القول لأعظم أعدائه وأشدِّهم كفرًا وأعتاهم عليه؛ لئلا يكون إغلاظ القول له مع أنه حقيق به ذريعةً إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة، فنهاهما عن الجائز لئلا يترتَّب عليه ما هو أكره إليه سبحانه.\nالوجه السادس: أنه سبحانه نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو والصفح؛ لئلا يكون انتصارهم ذريعةً إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء واحتمال الضَّيم، فمصلحةُ حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة.\nالوجه السابع: أنه سبحانه نهى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها.\nالوجه الثامن: ما رواه حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: «من الكبائر شَتْم الرجل والديه»، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نعم، يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه","vol":"4","page":7},{"text":"فيسبُّ أمه». متفق عليه (^١). ولفظ البخاري: «إن من أكبر الكبائر أن [٤٧/أ] يلعن الرجل والديه»، قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه». فجعل النبي - ﷺ - الرجلَ سابًّا لاعنًا لأبويه بتسبُّبِه إلى ذلك وتوسُّله إليه وإن لم يقصده.\nالوجه التاسع: أن النبي - ﷺ - كان يكفُّ عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة، لئلا يكون ذريعةً إلى تنفير الناس عنه وقولِهم: إن محمدًا يقتل أصحابه (^٢)، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه وممن لم يدخل، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.\nالوجه العاشر: أن الله سبحانه حرَّم الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل، وهذا ليس مما نحن فيه، لكن حرَّم القطرة الواحدة منها (^٣)، وحرَّم إمساكها للتخليل ونجَّسها (^٤) (^٥)، لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحَسْوة، ويتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب، ثم بالغ في سدّ الذريعة فنهى عن الخليطَينِ (^٦)، وعن شرب العصير بعد\n_________\n(^١) البخاري (٥٩٧٣) ومسلم (٩٠).\n(^٢) رواه البخاري (٤٩٠٥) ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٣) رواه أحمد (١٤٧٠٣) وأبو داود (٣٦٨١) والترمذي (١٨٦٥) وابن ماجه (٣٣٩٣)، من حديث جابر. وحسَّنه الترمذي وصححه ابن حبان (٥٣٨٢).\n(^٤) ز: «تجنبها».\n(^٥) رواه مسلم (١٩٨٣) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٦) رواه البخاري (٥٦٠١) ومسلم (١٩٨٦) من حديث جابر - ﵁ -.","vol":"4","page":8},{"text":"ثلاث (^١)، وعن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمَّر النبيذ فيها ولا يعلم به، حسمًا لمادة قربان المسكر، وقد صرَّح - ﷺ - بالعلة في تحريم القليل فقال: «لو رخَّصتُ لكم في هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه» (^٢).\nالوجه الحادي عشر: أنه - ﷺ - حرَّم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن، والسفر بها (^٣) ولو في الحج وزيارة الوالدين، سدًّا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع.\nالوجه الثاني عشر: أن الله سبحانه أمر بغضّ البصر ــ وإن كان إنما يقع على محاسن الخلقة والتفكُّر في صنع الله ــ سدًّا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحذور.\nالوجه الثالث عشر: أن النبي - ﷺ - نهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور، وتشريفها، واتخاذها مساجد، وعن الصلاة إليها وعندها (^٤)، وعن إيقاد المصابيح عليها، وأمر\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٠٠٤) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٢) الحديث رواه البخاري (٥٣) ومسلم (١٧) من حديث ابن عباس - ﵄ -. وأما بيان علة النهي فرواه النسائي (٥٦٤٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وصححه ابن حبان (٥٤٠١).\n(^٣) رواه البخاري (٣٠٠٦) ومسلم (١٣٤١) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٤) أما تجصيص القبور وتشريفها فرواه البخاري (٤٣٥) ومسلم (٥٣١) من حديث عائشة وابن عباس - ﵃ -. وأما اتخاذها مساجد والصلاة إليها فرواه مسلم (٩٧٢) من حديث أبي مرثد الغنوي - ﵁ -. وأما الصلاة عندها فرواه أبو داود (٤٩٢) والترمذي (٣١٧) وابن ماجه (٧٤٥) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه ابن حبان (١٦٩٩). وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو - ﵃ -. انظر: «التلخيص الحبير» (١/ ٥٠٠).","vol":"4","page":9},{"text":"بتسويتها، ونهى عن اتخاذها عيدًا، وعن شدّ الرحال إليها (^١)، لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى اتخاذها أوثانًا والإشراك بها، وحرّم ذلك على من قصده ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدًّا للذريعة.\nالوجه الرابع عشر: أنه - ﷺ - نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها (^٢)، وكان من حكمة ذلك أنهما وقت سجود المشركين للشمس، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدًّا لذريعة المشابهة الظاهرة، التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بُعدِ هذه الذريعة، فكيف بالذرائع القريبة؟\nالوجه الخامس عشر: أنه - ﷺ - نهى عن التشبُّه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، كقوله: «إن اليهود والنصارى لا يَصْبُغون فخالفوهم» (^٣)، وقوله: «إن اليهود؛ لا يصلُّون في نعالهم فخالفوهم» (^٤)، وقوله في عاشوراء: «خالفوا\n_________\n(^١) أما إيقاد المصابيح فسيأتي تخريجه. وأما الأمر بتسوية القبور فرواه مسلم (٩٦٩) عن علي - ﵁ -. وأما النهي عن اتخاذها عيدًا فرواه أحمد (٨٨٠٤) وأبو داود (٢٠٤٢) من حديث أبي هريرة، وصححه النووي في «الأذكار» (ص ١١٥)، وحسنه ابن تيمية في «الاقتضاء» (٢/ ١٧٠) والمصنف في «إغاثة اللهفان» (١/ ١٩١). وأما شدُّ الرحال فرواه البخاري (١١٨٩) ومسلم (١٣٩٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (٥٨٣) ومسلم (٨٢٨) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٣) رواه البخاري (٣٤٦٢) ومسلم (٢١٠٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) رواه أبو داود (٦٥٢) من حديث شداد بن أوس، وصححه ابن حبان (٢١٨٦) والحاكم (١/ ٢٦٠)، وحسنه العراقي كما نقله عنه المناوي في «فيض القدير» (٣/ ٤٣١).","vol":"4","page":10},{"text":"اليهود صوموا يومًا قبله ويومًا بعده» (^١)، وقال: «لا تَشبَّهوا بالأعاجم» (^٢)، وروى الترمذي (^٣) عنه: «ليس منّا من تشبَّه [٤٧/ب] بغيرنا»، وروى الإمام أحمد (^٤) عنه: «من تشبَّه بقوم فهو منهم». وسرُّ ذلك أن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل.\nالوجه السادس عشر: أنه - ﷺ - حرَّم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها (^٥)، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» (^٦)، حتى لو\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢١٥٤) وابن خزيمة (٢٠٩٥) من حديث ابن عباس - ﵄ -، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى متكلم فيه، والحديث جاء موقوفًا عن ابن عباس - ﵄ - عند عبد الرزاق (٧٨٣٩).\n(^٢) رواه البزار (٢٩٧٩) من حديث ابن عباس - ﵄ -، وفي إسناده رشدين بن كُرَيب متكلم فيه. انظر: «ميزان الاعتدال» (٢/ ٥١).\n(^٣) برقم (٢٦٩٥) والطبراني في «الأوسط» (٧٣٨٠) من حديث عبد الله بن عمرو، قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٣٣١): «حديث جيد». وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٢١٩٤).\n(^٤) في «المسند» (٥١١٥) وأبو داود (٤٠٣١) من حديث ابن عمر - ﵄ -. وجوَّد إسناده ابن تيمية في «الاقتضاء» (١/ ٢٦٩)، وصححه العراقي في «تخريج الإحياء» (ص ٣١٨)، وحسّنه ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢٧١).\n(^٥) رواه البخاري (٥١٠٩) ومسلم (١٤٠٨/ ٣٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٦) رواه الطبراني (١١٩٣١) والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١٤٤)، وفي إسناده أبو حريز عبد الله بن الحسين مختلف فيه، والفضيل بن ميسرة في روايته عن أبي حَريز نظر. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (٦٥٢٨).","vol":"4","page":11},{"text":"رضيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة كما علَّل به النبي - ﷺ -.\nالوجه السابع عشر: أنه حرّم نكاح أكثر من أربع (^١) لأن ذلك ذريعة إلى الجور، وقيل: العلة فيه أنه ذريعة إلى كثرة المُؤْنة المفضية إلى أكل الحرام، وعلى التقديرين فهو من باب سدّ الذرائع. وأباح الأربع ــ وإن كان لا يُؤمَن الجور في اجتماعهن ــ لأن حاجته قد لا تندفع بما دونهن؛ فكانت مصلحة الإباحة أرجحَ من مفسدة الجور المتوقعة.\nالوجه الثامن عشر: أن الله سبحانه حرَّم خِطبة المعتدَّة صريحًا، حتى حرم ذلك في عدة الوفاة وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة؛ فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعةً إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها.\nالوجه التاسع عشر: أن الله سبحانه حرَّم عقد النكاح في حال العدة وفي الإحرام، وإن تأخَّر الوطء إلى وقت الحلّ لئلا يتخذ العقد ذريعة إلى الوطء، ولا ينتقض هذا بالصيام؛ فإن زمنه قريب جدًّا، فليس عليه كلفةٌ في صبره بعضَ يومٍ إلى الليل.\nالوجه العشرون: أن الشارع حرَّم الطيب على المُحرِم (^٢) لكونه من أسباب دواعي الوطء، فتحريمه من باب سدّ الذرائع.\nالوجه الحادي والعشرون: أن الشارع اشترط للنكاح شروطًا زائدة على\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":12},{"text":"العقد تقطع عنه شبه السِّفاح، كالإعلان (^١)، والولي (^٢)، ومنع المرأة أن تليه بنفسها، وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة (^٣)؛ لأن في الإخلال بذلك ذريعةً إلى وقوع السفاح بصورة النكاح، وزوال بعض مقاصد النكاح من جحد الفراش، ثم أكَّد ذلك بأن جعل للنكاح حريمًا من العدة تزيد على مقدار الاستبراء، وأثبت له أحكامًا من المصاهرة وحرمتها ومن الموارثة زائدة على مجرد الاستمتاع؛ فعُلِم أن الشارع جعله (^٤) سببًا ووُصلةً بين الناس بمنزلة الرحم، كما جمع بينهما في قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. وهذه المقاصد تمنع شَبَهه بالسِّفاح، وتبيِّن أن نكاح المحلِّل بالسفاح أشبه منه بالنكاح.\nالوجه الثاني والعشرون: أن النبي - ﷺ - نهى أن يجمع الرجل بين سَلَفٍ وبيع (^٥). ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح، وإنما ذاك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعةٌ إلى أن يُقرِضه ألفًا ويبيعه سلعةً تساوي ثمانمائة بألف أخرى؛ فيكون قد أعطاه ألفًا وسلعةً بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٥٤٥١) والترمذي (١٠٨٨) والنسائي (٣٣٦٩) وابن ماجه (١٨٩٦) من حديث محمد بن حاطب. وحسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم (٢/ ١٨٤).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) انظر التخريج قبل السابق.\n(^٤) ز: «جعل».\n(^٥) رواه أحمد (٦٦٧١) وأبو داود (٣٥٠٤) والترمذي (١٢٣٤) والنسائي (٤٦٣١) وابن ماجه (٢١٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -. وصححه الترمذي والحاكم (٢/ ١٧).","vol":"4","page":13},{"text":"الربا، فانظر إلى حمايته الذريعةَ إلى ذلك بكل طريق. وقد احتج بعض المانعين لمسألة [٤٨/أ] مُدّ عَجْوة (^١) بأن قال: إن من جوَّزها يجوِّز أن يبيع الرجل ألفَ دينارٍ في منديل بألف وخمسمائة مفردة، قال: وهذه (^٢) ذريعة إلى الربا، ثم قال: يجوز أن يُقرِضه ألفًا ويبيعه المنديل بخمسمائة. وهذا هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -، وهو من أقرب الذرائع إلى الربا، ويلزم من لم يسدَّ الذرائع أن يخالف النصوص ويجيز ذلك، فكيف يترك أمرًا ويرتكب نظيره من كل وجه؟\nالوجه الثالث والعشرون: أن الآثار المتظاهرة في تحريم العِينة (^٣) عن النبي - ﷺ - (^٤) وعن الصحابة (^٥) تدل على المنع من عود السلعة إلى البائع وإن لم يتواطآ على الربا، وما ذاك إلا سدًّا للذريعة.\nالوجه الرابع والعشرون: أن النبي - ﷺ - منع المُقرِض من قبول الهدية (^٦)،\n_________\n(^١) مسألة مشهورة في الفقه، وهي بيع مالٍ ربوي بربوي آخر من جنسه مع ربوي من غير جنسه (أي غير جنس الربوي المبيع)، ومثلوا لذلك بمدّ عجوة ودرهم.\n(^٢) ز: «وهذا».\n(^٣) هي أن يبيع سلعةً لرجلٍ إلى أجلٍ ثم يبتاعها منه بأقل من ذلك.\n(^٤) رواه أبو داود (٣٤٦٢) من حديث ابن عمر - ﵄ -. والحديث جوّد إسناده ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٠)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١١).\n(^٥) كابن عباس وابن عمر - ﵃ -. انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٢٠٥٢٧، ٢٠٥٢٣).\n(^٦) رواه ابن ماجه (٢٤٣٢) والبيهقي (٥/ ٣٥٠) من حديث أنس - ﵁ -. وفي إسناده عتبة بن حميد الضَبّي متكلم فيه، وإسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين، وكذلك جهالة يحيى الهُنَائي، والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (٥/ ٢٣٦) و«الضعيفة» (١١٦٢).","vol":"4","page":14},{"text":"وكذلك الصحابة (^١)، حتى يحسبها من دينه، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعةً إلى تأخير الدَّين لأجل الهدية فيكون ربًا؛ فإنه يعود إليه ماله، وأخذ الفضل الذي استفاده بسبب القرض.\nالوجه الخامس والعشرون: أن الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية، وهو أصل فساد العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتولية الخَوَنة والضعفاء (^٢) والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يحصيه إلا الله، وما ذاك إلا لأن قبول هدية مَن لم تجرِ عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته، وحبُّك الشيء يُعمي ويُصِمّ، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له مقرونة بسرّية (^٣) وإغماض عن كونه لا يصلح.\nالوجه السادس والعشرون: أن السنة مضت بأنه ليس للقاتل من الميراث شيء (^٤)، إما عمدًا كما قال مالك، وإما مباشرةً كما قال أبو حنيفة، وإما قتلًا مضمونًا بقصاص أو دية أو كفارة، وإما قتلًا بغير حق، وإما قتلًا مطلقًا كما هي أقوال في مذهب الشافعي وأحمد، وسواء قصد القاتل أن يتعجَّل الميراث أو لم يقصده فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع وفاقًا، وما ذاك إلا لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل؛ فسدَّ الشارع الذريعةَ بالمنع.\n_________\n(^١) ز: «أصحابه».\n(^٢) ز: «للضعفاء».\n(^٣) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «بشره».\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":15},{"text":"الوجه السابع والعشرون: أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورَّثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت حيث يتَّهم بقصد حرمانها الميراثَ بلا تردد وإن لم يقصد الحرمان، لأن الطلاق ذريعة، وأما إذا لم يُتَّهم ففيه خلاف معروف مأخذه أن المرض أوجب تعلُّق حقها بماله؛ فلا يمكن من قطعه أو سدًّا للذريعة بالكلية، وإن كان في أصل المسألة خلاف متأخر عن إجماع السابقين.\nالوجه الثامن والعشرون: أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجميع بالواحد وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك؛ لئلا يكون عدم القصاص ذريعةً إلى التعاون على سفك الدماء.\nالوجه التاسع والعشرون: أن النبي - ﷺ -[٤٨/ب] نهى أن تُقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو كما تقدم (^١).\nالوجه الثلاثون: أن النبي - ﷺ - نهى عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين (^٢)، إلا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم، ونهى عن صوم يوم الشك (^٣)، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعةً إلى أن يُلحَق بالفرض ما ليس منه.\n_________\n(^١) (٣/ ٤٣٢).\n(^٢) رواه البخاري (١٩١٤) ومسلم (١٠٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) علَّقه البخاري بصيغة الجزم (٤/ ١٢٠ - مع الفتح)، ووصله أبو داود (٢٣٣٤) والترمذي (٦٨٦) والنسائي (٢١٨٨) وابن ماجه (١٦٤٥) من حديث عمار، وصححه الترمذي وابن خزيمة (١٩١٤) وابن حبان (٣٥٩٥) والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٦/ ٢٣٨).","vol":"4","page":16},{"text":"وكذلك حرَّم صوم يوم (^١) العيد (^٢) تمييزًا لوقت العبادة من غيره، لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب كما فعلت النصارى، ثم أكّد هذا الغرض باستحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور (^٣)، واستحباب تعجيل الفطر يومَ العيد قبل الصلاة (^٤)، وكذلك ندب إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها؛ فكره للإمام أن يتطوع في مكانه (^٥)، وأن يستديم جلوسه مستقبل القبلة (^٦)، كل هذا سدًّا للباب المفضي إلى أن يزاد في الفرض ما ليس منه.\nالوجه الحادي والثلاثون: أنه - ﷺ - كره الصلاة إلى ما قد عُبِد من دون الله تعالى (^٧)، وأحبَّ لمن صلَّى إلى عود أو عمود أو شجرة أو نحوه أن يجعله على أحد حاجبَيْه، ولا يصمُد له صمْدًا (^٨)، قطعًا لذريعة التشبُّه بالسجود إلى غير الله تعالى.\n_________\n(^١) «يوم» ليست في ز.\n(^٢) رواه البخاري (١٩٩٣) ومسلم (١١٣٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه مسلم (١٠٩٨) من حديث سهل بن سعد - ﵄ -. ورواه أيضًا البخاري (١٩٥٧) ولم يذكر تأخير السحور.\n(^٤) رواه البخاري (٩٥٣) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٥) رواه أبو داود (٦١٦) وابن ماجه (١٤٢٨) من حديث المغيرة - ﵁ -. قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة. وللحديث شواهد يتقوى بها. انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (٣/ ١٧٧).\n(^٦) رواه البخاري (٨٥٢) ومسلم (٧٠٧) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٧) رواه البخاري (٤٣١) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٨) رواه أحمد (٢٣٨٢٠) وأبو داود (٦٩٣) من حديث المقداد - ﵁ -. وفيه الوليد بن كامل متكلم فيه، وجهالة المهلب بن حجر، واضطراب في إسناده ومتنه. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (١/ ٢٥٠).","vol":"4","page":17},{"text":"الوجه الثاني والثلاثون: أنه شرع الشفعة وسلّط الشريك على انتزاع الشِّقص من يد المشتري سدًّا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة والقسمة.\nالوجه الثالث والثلاثون: أن الحاكم منهيٌّ عن رفع أحد الخصمين على الآخر وعن الإقبال عليه دونه، وعن مشاورته والقيام له دون خصمه (^١)، لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر وضعفِه عن قيامه بحجته وثقلِ لسانه بها.\nالوجه الرابع والثلاثون: أنه ممنوع من الحكم بعلمه؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى حكمه بالباطل ويقول: حكمتُ بعلمي.\nالوجه الخامس والثلاثون: أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه لئلا يتخذ ذلك ذريعةً إلى بلوغ غرضه من عدوِّه بالشهادة الباطلة.\nالوجه السادس والثلاثون: أن الله سبحانه منع رسوله حيث كان بمكة من الجهر بالقرآن حيث كان المشركون يسمعونه فيسبُّون القرآن ومن أَنزله ومن جاء به ومن أُنزِل عليه.\nالوجه السابع والثلاثون: أن الله سبحانه أوجب الحدود على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع وليس عليها وازع طبعي، والحدود عقوبات لأرباب الجرائم في الدنيا كما جُعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا، ثم إنه سبحانه جعل التائب من الذنب كمن لا ذنبَ له؛ فمن لقيه تائبًا\n_________\n(^١) رواه أبو يعلى (٥٨٦٧) من حديث أم سلمة - ﵄ -. وفي إسناده عباد بن كثير متكلم فيه، والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢١٩٥).","vol":"4","page":18},{"text":"توبةً نصوحًا لم يعذِّبه مما تاب منه، وهكذا في أحكام الدنيا إذا تاب توبة نصوحًا قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه الحدُّ في أصح قولي العلماء، فإذا رُفع إلى الإمام لم تُسقِط توبتُه عنه الحدَّ لئلا يتخذ ذلك ذريعةً إلى تعطيل حدود الله؛ إذ لا يعجز كل من وجب عليه حدٌّ لله تعالى (^١) أن يظهر التوبة ليتخلَّص من العقوبة وإن تاب توبة نصوحًا سدًّا لذريعة [٤٩/أ] السقوط بالكلية.\nالوجه الثامن والثلاثون: أن الشارع أمر بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى، وفي الجمعة وفي (^٢) العيدين والاستسقاء وصلاة الخوف (^٣)، مع كون صلاة الخوف بإمامين أقربَ إلى حصول صلاة (^٤) الأمن، وذلك سدًّا لذريعة التفرق والاختلاف والتنازع، وطلبًا لاجتماع القلوب وتألُّف الكلمة، وهذا من أعظم مقاصد الشرع، وقد سدَّ الذريعة إلى\n_________\n(^١) ز: «وجب عليه الحد».\n(^٢) «في» ليست في ز.\n(^٣) أما حديث الاجتماع في الإمامة الكبرى فعند مسلم (١٨٥٣) من حديث أبي سعيد - ﵄ -.\nوأما حديث الاجتماع في الجمعة فرواه البخاري (٩٠٦) من حديث أنس - ﵁ -.\nوأما حديث صلاة العيدين فرواه البخاري (٩٦٤) ومسلم (٨٨٤) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\nوأما حديث صلاة الاستسقاء فرواه البخاري (١٠١٢) ومسلم (٨٩٤) من حديث عبد الله بن زيد - ﵄ -.\nوأما حديث صلاة الخوف فرواه مسلم (٨٤٠) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٤) «صلاة» ليست في ز.","vol":"4","page":19},{"text":"ما يناقضه بكل طريق، حتى في تسوية الصف في الصلاة (^١)؛ لئلا تختلف القلوب. وشواهد ذلك أكثر من أن تُذكر.\nالوجه التاسع والثلاثون: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم (^٢)، وكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم وليلتها بالقيام (^٣)، سدًّا لذريعة (^٤) اتخاذ شرعٍ لم يأذن به الله من تخصيص زمان أو مكان بما لم يخصَّه به؛ ففي ذلك وقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب.\nالوجه الأربعون: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمَّنت تمييزَهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يُعامَلَ الكافر معاملة المسلم، فسدَّت هذه الذريعة بإلزامهم التميُّز عن المسلمين.\nالوجه الحادي والأربعون: أن النبي - ﷺ - أمر ناجية بن كعب الأسلمي ــ وقد أرسل معه هدْيَه ــ إذا عَطِبَ منه شيء دون المحلِّ أن ينحره، ويَصبُغ نعلَه التي قلَّده بها في دمه، ويخلّي بينه وبين الناس، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧١٧) ومسلم (٤٣٦) من حديث النعمان بن بشير - ﵄ -.\n(^٢) رواه ابن ماجه (١٧٤٣) من حديث ابن عباس - ﵄ -، وفي إسناده داود بن عطاء متكلم فيه. والحديث ضعّفه الألباني في «الضعيفة» (٤٧٢٨). والنهي عن إفراد رجب ثبت عند ابن أبي شيبة (٩٨٥١) عن خَرَشَة بن الحرّ قال: رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب، حتى يضعوها في الجفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية. وانظر: «الإرواء» (٤/ ١١٤).\n(^٣) رواه البخاري (١٩٨٥) ومسلم (١١٤٤/ ١٤٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) ز: «لسد».","vol":"4","page":20},{"text":"من أهل رفقته (^١). قالوا: وما ذاك إلا لأنه لو جاز أن يأكل منه أو يطعم أهل رفقته قبل بلوغ المحلِّ فربما دعاه ذلك إلى أن يقصِّر في عَلْفِها وحفظها، لحصول غرضه من عَطَبها دون المحلّ كحصوله بعد بلوغ المحلّ من أكله هو ورفقته وإهدائهم إلى أصحابهم، فإذا أيِسَ من حصول غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إلى حفظها حتى تبلغ محلَّها وأحسمَ لمادة هذا الفساد، وهذا من ألطف أنواع سدِّ الذرائع.\nالوجه الثاني والأربعون: أن النبي - ﷺ - أمر الملتقط (^٢) أن يشهد على اللقطة (^٣)، وقد علم أنه أمين، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة الطمع والكتمان، فإذا بادر وأشهد كان أحسمَ لمادة الطمع والكتمان، وهذا أيضًا من ألطف أنواعها.\nالوجه الثالث والأربعون: أنه - ﷺ - قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد» (^٤)، وذم الخطيب الذي قال: «من يُطعِ الله ورسولَه فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى» (^٥)، سدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال للذي قال له «ما شاء\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٣٢٥) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٢) د: «اللقيط»، وفي هامشها: «لعله الملتقط».\n(^٣) رواه أحمد (١٧٤٨١) وأبو داود (١٧٠٩) وابن ماجه (٢٥٠٥) من حديث عياض بن حمار - ﵁ -، وصححه ابن حبان (٤٨٩٤).\n(^٤) رواه أحمد (٢٣٢٦٥) أبو داود (٤٩٨٠) من حديث حذيفة - ﵁ -، وصححه العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (ص ١٠٥٥) والألباني في «الصحيحة» (١٣٧).\n(^٥) رواه مسلم (٨٧٠) من حديث عدي بن حاتم - ﵁ -.","vol":"4","page":21},{"text":"الله وشئتَ»: «أجعلتَني لله نِدًّا» (^١)؟ فحسمَ مادة الشرك وسدَّ الذريعة إليه في اللفظ كما سدَّها في الفعل والقصد، فصلوات الله وسلامه عليه أكمل صلاة وأزكاها وأتمَّها.\nالوجه الرابع والأربعون: أنه - ﷺ - أمر المأمومين أن يصلُّوا قعودًا إذا صلَّى إمامهم (^٢) قاعدًا (^٣)، وقد تواتر عنه ذلك، ولم يجئ عنه ما ينسخه، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة مشابهة الكفار [٤٩/ب] حيث يقومون على ملوكهم وهم قعود، كما علَّل به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا التعليل منه يُبطِل قول من قال: إنه منسوخ، مع أن ذلك دعوى لا دليل عليها.\nالوجه الخامس والأربعون: أنه - ﷺ - أمر المصلِّي بالليل إذا نَعَسَ أن يذهب فليرقُد، وقال: «لعله يذهبُ يستغفرُ فيسبُّ نفسَه» (^٤)، فأمره بالنوم لئلا تكون صلاته في تلك الحال ذريعةً إلى سبِّه لنفسه، وهو لا يشعر لغلبة النوم.\nالوجه السادس والأربعون: أن الشارع صلوات الله عليه نهى أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه (^٥)، أو يستام على سَوْمِ أخيه أو يبيع على بيع\n_________\n(^١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٧٨٣) والطبراني (١٣٠٠٥) بلفظ: «جعلت لله ندًا»؛ ورواه النسائي في «الكبرى» (١٠٧٥٩) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢٩٣) بلفظ: «أجعلتني لله عدلًا»، كلهم من حديث ابن عباس - ﵄ -. والحديث حسَّنه العراقي في «تخريج الإحياء» (ص ١٠٥٦) والألباني في «الصحيحة» (١٣٩).\n(^٢) د: «الإمام».\n(^٣) رواه البخاري (٦٨٨، ٦٨٩، ٧٢٢) ومسلم (٤١٢، ٤١١، ٤١٤) من حديث عائشة وأنس وأبي هريرة - ﵃ -. وانفرد مسلم (٤١٣) بروايته من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٤) رواه البخاري (٢١٢) ومسلم (٧٨٦) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٥) رواه البخاري (٥١٤٢) ومسلم (١٤١٢/ ٥٠) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"4","page":22},{"text":"أخيه (^١)، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى التباغض والتعادي؛ فقياس هذا أنه لا يستأجر على إجارته ولا يخطب ولاية أو منصبًا على خطبته، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى وقوع العداوة والبغضاء بينه وبين أخيه.\nالوجه السابع والأربعون: أنه نهى عن البول في الجُحْر (^٢)، وما ذاك إلا لأنه قد يكون ذريعةً إلى خروج حيوان يؤذيه، وقد يكون من مساكن الجن فيؤذيهم بالبول، فربما آذَوه.\nالوجه الثامن والأربعون: أنه نهى عن البَرَاز في قارعة الطريق والظلّ والموارد؛ لأنه ذريعة إلى استجلاب اللعن كما علل به - ﷺ - بقوله: «اتقوا الملاعن الثلاث» (^٣)، وفي لفظ: «اتَّقوا اللاعنينِ»، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلَّى في طريق الناس وظلِّهم» (^٤).\nالوجه التاسع والأربعون: أنه نهاهم إذا أقيمت الصلاة أن يقوموا حتى يَروه قد خرج (^٥)؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى قيامهم لغير الله، وإن كانوا (^٦)\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٧٢٧) ومسلم (١٤١٣/ ٥١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) رواه أحمد (٢٠٧٧٥) وأبو داود (٢٩) والنسائي (٣٤) من حديث عبد الله بن سَرجِس، وفي إسناده قتادة عنعنه، وقد وصفه النسائي بالتدليس. وانظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (١/ ١٩).\n(^٣) رواه أبو داود (٢٦) وابن ماجه (٣٢٨) والحاكم (١/ ١٦٧) من حديث أبي سعيد الحميري عن معاذ - ﵁ -، وأبو سعيد لم يسمع منه. وللحديث شواهد يرتقي بها إلى الحسن. انظر: «الإرواء» (١/ ١٠٠).\n(^٤) رواه مسلم (٢٦٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) رواه البخاري (٦٣٧) ومسلم (٦٠٤) من حديث أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٦) ز: «كان».","vol":"4","page":23},{"text":"إنما يقصدون القيام للصلاة، لكن قيامهم قبل خروج الإمام ذريعة، ولا مصلحة فيها، فنُهوا عنه.\nالوجه الخمسون: أنه نهى أن تُوصَل صلاة بصلاة الجمعة حتى يتكلم أو يخرج لئلا يتخذ ذريعةً إلى تغيير الفرض، وأن يزاد فيه ما ليس منه. قال السائب بن يزيد: صليتُ الجمعة في المقصورة، فلما سلَّم الإمام قمتُ في مقامي فصليتُ، فلما دخل معاوية أرسل إليَّ، فقال: لا تعُدْ لما فعلتَ، إذا صليتَ الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن نبي الله - ﷺ - أمر بذلك أن لا تُوصَل الصلاة حتى يتكلّم أو يخرج (^١).\nالوجه الحادي والخمسون: أنه أمر من صلَّى في رَحْلِه ثم جاء إلى المسجد أن يصلِّي مع الإمام (^٢)، وتكون له نافلة؛ لئلا يتخذ قعوده والناس يصلّون ذريعةً إلى إساءة الظن به، وأنه ليس من المصلّين.\nالوجه الثاني والخمسون: أنه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلا لمصلٍّ أو مسافرٍ (^٣)، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها (^٤)، وما ذاك إلا لأن النوم\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨٨٣).\n(^٢) رواه أحمد (١٧٤٧٤) أبو داود (٥٧٥) والترمذي (٢١٩) والنسائي (٨٥٨) من حديث يزيد بن الأسود، وصححه الترمذي وابن خزيمة (١٢٧٩) وابن حبان (١٥٦٤).\n(^٣) رواه أحمد (٣٩١٧) من حديث خيثمة عن ابن مسعود، وإسناده منقطع، خيثمة لم يسمع من ابن مسعود، وللحديث شواهد يُحسَّن بها. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٤٣٥).\n(^٤) رواه البخاري (٥٤٧) ومسلم (٦٤٧) من حديث أبي بَرْزَة الأسلمي - ﵁ -.","vol":"4","page":24},{"text":"قبلها ذريعة إلى تفويتها، والسمر بعدها ذريعة إلى تفويت قيام الليل، فإن عارضه مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره.\nالوجه الثالث والخمسون: أنه نهى النساء إذا صلَّين مع الرجال أن يرفعن رؤوسهن قبل الرجال (^١)؛ لئلا يكون ذلك ذريعة منهن إلى رؤية عورات الرجال من وراء الأُزُر، كما جاء التعليل بذلك في الحديث.\nالوجه الرابع والخمسون: أنه نهى الرجل أن يتخطّى المسجد الذي يليه إلى غيره، [٥٠/أ] كما رواه بقية عن المُجَاشِع بن عمرو عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: «ليصلِّ أحدكم في المسجد الذي يليه، ولا يتخطَّاه إلى غيره» (^٢). وما ذاك إلا لأنه (^٣) ذريعة إلى هجرِ المسجد الذي يليه وإيحاشِ صدر الإمام، فإن كان الإمام لا يُتِمُّ الصلاة أو يُرمى ببدعة أو يُعلن بفجور فلا بأس بتخطِّيه إلى غيره.\nالوجه الخامس والخمسون: أنه يُنهى الرجل بعد الأذان أن يخرج من المسجد حتى يصلّي؛ لئلا يكون خروجه ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة، كما قال عمار لرجل رآه قد خرج بعد الأذان: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم» (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٦٢) ومسلم (٤٤١) من حديث سهل بن سعد - ﵄ -.\n(^٢) رواه ابن عدي في «الكامل» (٨/ ٢١٨) وتمّام في «فوائده» (١٤١٦). ومجاشع بن عمرو متكلم فيه.\n(^٣) ز: «أنه».\n(^٤) رواه مسلم (٦٥٥) عن أبي هريرة لا عن عمار - ﵄ -. وقول عمار في صوم يوم الشك علَّقه البخاري (٤/ ١١٩).","vol":"4","page":25},{"text":"الوجه السادس والخمسون: أنه نهى عن الاحتباء يوم الجمعة، كما رواه أحمد (^١) في «مسنده» (^٢) من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الاحتباء يوم الجمعة»، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى النوم.\nالوجه السابع والخمسون: أنه نهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا (^٣)، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوُّفهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصوتها وإبداء محاسنها تدعو إليها؛ فأمرها أن تخرج تَفِلةً، وأن لا تتطيب (^٤)، وأن تقف خلف الرجال (^٥)، وأن لا تسبِّح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفِّق ببطن كفِّها على ظهر الأخرى (^٦)، كل ذلك سدًّا للذريعة وحمايةً عن المفسدة.\nالوجه الثامن والخمسون: أنه نهى أن تَنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها (^٧). ولا يخفى أن ذلك سدُّ الذريعة وحماية عن مفسدة (^٨)\n_________\n(^١) ز: «الإمام أحمد».\n(^٢) رقم (١٥٦٣٠)، ورواه أبو داود (١١١٠) والترمذي (٥١٤) وحسنه، وصححه ابن خزيمة (١٨١٥) والحاكم (١/ ٢٨٩). ولفظهم: «الحبوة».\n(^٣) رواه مسلم (٤٤٣) من حديث زينب الثقفية - ﵂ -.\n(^٤) رواه أحمد (٩٦٤٥) أبو داود (٥٦٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وصححه ابن خزيمة (١٦٧٩) وابن حبان (٢٢١٣).\n(^٥) رواه البخاري (٣٨٠) ومسلم (٦٥٨) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٦) رواه البخاري (١٢٠٣) ومسلم (٤٢٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٧) رواه البخاري (٥٢٤٠) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٨) «وحماية عن مفسدة» ساقطة من ز.","vol":"4","page":26},{"text":"وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها في نفسه، وكم ممن أحبّ غيره بالوصف قبل الرؤية.\nالوجه التاسع والخمسون: أنه نهى عن الجلوس بالطرقات، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى النظر المحرَّم، فلما أخبروه أنه لا بدَّ لهم من ذلك قال: «أعطُوا الطريقَ حقَّه»، قالوا: وما حقه؟ قال: «غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام» (^١).\nالوجه الستون: أنه نهى أن يبيت الرجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا مَحرمٍ (^٢)، وما ذاك إلا لأن (^٣) المبيت عند الأجنبية ذريعة إلى المحرَّم.\nالوجه الحادي والستون: أنه نهى أن تباع السِّلَع حيث تباع حتى تُنقل عن مكانها (^٤)، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى جحد البائع البيعَ وعدمِ إتمامه إذا رأى المشتري قد ربح فيها، فيغُرُّه الطمع، وتشحُّ نفسه بالتسليم كما هو الواقع. وأكّد هذا المعنى بالنهي عن ربح ما لم يُضمَن (^٥)، وهذا من محاسن الشريعة وألطفِ بابِ سدّ الذرائع.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٤٦٥) ومسلم (٢١٢١) من حديث أبي سعيد - ﵁ -.\n(^٢) رواه مسلم (٢١٧١) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٣) ز: «أن».\n(^٤) رواه البخاري (٢١٢٣) ومسلم (١٥٢٧) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٥) رواه أحمد (٦٦٧١) وأبو داود (٣٥٠٤) والترمذي (١٢٣٤) والنسائي (٤٦٣١) وابن ماجه (٢١٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وصححه الترمذي والحاكم (٢/ ١٧).","vol":"4","page":27},{"text":"الوجه الثاني والستون: أنه نهى عن بيعتين في بيعة (^١)، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر (^٢)، وهو الذي لعاقدِه أوكسُ البيعتين أو الربا في الحديث الثالث، وذلك سدًّا لذريعة الربا؛ فإنه إذا باعه السلعة بمائة مؤجلة ثم اشتراها منه بمائتين حالَّةٍ (^٣) فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ الربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسِهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى [٥٠/ب] الربا. وأبعدَ كلَّ البعد من حمل الحديث على البيع بمائة مؤجَّلة أو خمسين حالَّة، وليس هاهنا ربًا ولا جهالة ولا غرر ولا قمار ولا شيء من المفاسد؛ فإنه خيَّره بين أيّ الثمنين شاء، وليس هذا بأبعد من تخييره بعد البيع بين الأخذ والإمضاء ثلاثة أيام. وأيضًا فإنه قرنَ بين عقدين كل منهما ذريعة ظاهرة جدًّا إلى الربا، وهما: السلف والبيع، والشرطان في البيع. وهذان العقدان بينهما من النسب والإخاء والتوسل بهما إلى أكل الربا ما يقتضي الجمع بينهما في التحريم، فصلوات الله وسلامه على من كلامه الشفاء والعصمة والهدى والنور.\nالوجه الثالث والستون: أنه أمر أن يفرق بين الأولاد في المضاجع، وأن\n_________\n(^١) رواه أحمد (٩٥٨٤) والترمذي (١٢٣١) والنسائي (٤٦٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وصححه الترمذي وابن حبان (٤٩٧٣) والبغوي (٢١١١).\n(^٢) ولفظه: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع». رواه أبو داود (٣٥٠٤) والترمذي (١٢٣٤) والنسائي (٤٦١١، ٤٦٣٠) وابن ماجه (٢١٨٨) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٣) في هامش د: لعل العبارة فيها تقديم وتأخير، وأن الكلام: «إذا باعه بمائة حالة ثم اشتراها بمائتين مؤجلة».","vol":"4","page":28},{"text":"لا يترك الذكر ينام مع الأنثى في فراش واحد (^١)؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نسج الشيطان بينهما المواصلةَ المحرَّمة بواسطة اتحاد الفراش ولا سيما مع الطول، والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها (^٢) إلى جانبه وهو لا يشعر. وهذا أيضًا من ألطف سدّ الذرائع.\nالوجه الرابع والستون: أنه نهى أن يقول الرجل: خبثَتْ نفسي، ولكن ليقل: لَقِسَتْ نفسي (^٣)، سدًّا لذريعةِ (^٤) اعتياد اللسان للكلام الفاحش، وسدًّا لذريعة اتصاف النفس بمعنى هذا اللفظ؛ فإن الألفاظ تتقاضى معانيها وتطلبها بالمشاكلة والمناسبة التي بين اللفظ والمعنى، ولهذا قلَّ من تجده يعتاد لفظًا إلا ومعناه غالب عليه، فسدَّ رسول الله - ﷺ - ذريعة الخبث لفظًا ومعنى. وهذا أيضًا من ألطف الباب.\nالوجه الخامس والستون: أنه نهى أن يقول الرجل (^٥) لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتايَ وفتاتي، ونهى أن يقول لغلامه: وضِّئْ ربك، أطعِمْ ربك (^٦)، سدًّا لذريعة الشرك في اللفظ والمعنى، وإن كان الرب هاهنا هو المالك كرب الدار ورب الإبل؛ فعدل عن لفظ العبد والأمة إلى لفظ\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦٧٥٦) وأبو داود (٤٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، وصححه الحاكم (١/ ١٩٧)، وحسنه النووي في «خلاصة الأحكام» (١/ ٢٥٢).\n(^٢) «في نومها» ليست في ز.\n(^٣) رواه البخاري (٦١٧٩) ومسلم (٢٢٥٠) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) ز: «للذريعة».\n(^٥) ز: «الرجل أن يقول».\n(^٦) رواه البخاري (٢٥٥٢) ومسلم (٢٢٤٩/ ١٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"4","page":29},{"text":"الفتى والفتاة، ومنع من إطلاق لفظ الرب على السيّد، حمايةً لجانب التوحيد وسدًّا لذريعة الشرك.\nالوجه السادس والستون: أنه نهى المرأة أن تسافر بغير مَحرم (^١)، وما ذاك إلا لأن سفرها بغير محرم قد يكون ذريعةً إلى الطمع فيها والفجور بها.\nالوجه السابع والستون: أنه نهى عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم فيما يحدّثونا به (^٢)؛ لأن تصديقهم قد يكون ذريعةً إلى التصديق بالباطل، وتكذيبهم قد يكون ذريعة إلى التكذيب بالحق، كما علّل به في نفس الحديث (^٣).\nالوجه الثامن والستون: أنه نهى أن يسمِّي عبده بأفلح ونافع ورَباح ويسار (^٤)، لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى ما يُكره من الطِّيرة، بأن يقال: ليس هاهنا يسار ولا رباح ولا أفلح، وإن كان إنما قصد اسم الغلام، ولكن سدَّ ذريعةَ اللفظ المكروه الذي يستوحش منه السامع.\nالوجه التاسع والستون: أنه نهى الرجال عن الدخول على النساء (^٥)، لأنه ذريعة [٥١/أ] ظاهرة.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه البخاري (٤٤٨٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) يشير إلى قوله - ﷺ - في آخر الحديث: «فإن كان حقًّا لم تكذِّبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدِّقوهم». رواه أحمد (١٧٢٢٥) وأبو داود (٣٦٤٤) والطبراني (٨٧٧) من حديث أبي نملة، وصححه ابن حبان (٦٢٥٧) والألباني في «الصحيحة» (٢٨٠٠).\n(^٤) رواه مسلم (٢١٣٦) من حديث سمرة بن جندب - ﵁ -.\n(^٥) رواه البخاري (٥٢٣٢) ومسلم (٢١٧٢) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -.","vol":"4","page":30},{"text":"الوجه السبعون: أنه نهى أن يسمى باسم برَّة (^١)؛ لأنه ذريعة إلى تزكية النفس بهذا الاسم، وإن كان إنما قصد العَلَمية.\nالوجه الحادي والسبعون: أنه نهى عن التداوي بالخمر (^٢) وإن كانت مصلحة التداوي راجحة على مفسدة ملابستها، سدًّا لذريعة قربانها واقتنائها ومحبة النفوس لها، فحسَمَ عليها المادة حتى في تناولها على وجه الدواء، وهذا من أبلغ سدّ الذرائع.\nالوجه الثاني والسبعون: أنه نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث (^٣)؛ لأن ذلك ذريعة إلى حزنه وكسر قلبه وظنّه السوء.\nالوجه الثالث والسبعون: أن الله سبحانه حرَّم نكاح الأمة على القادر على نكاح الحرَّة إذا لم يخشَ العنَتَ؛ لأن ذلك ذريعة إلى إرقاق ولده، حتى لو كانت الأمة من الآيسات من الحبل والولادة لم تحلَّ له سدًّا للذريعة. ومن هذا منع الإمام أحمد الأسير والتاجر أن يتزوّج في دار الحرب خشية تعريض ولده للرقّ، وعلَّله هو بعلة أخرى، وهي أنه قد لا يمكنه منعُ العدو من مشاركته في زوجته.\nالوجه الرابع والسبعون: أنه نهى أن يُورَد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ (^٤): لأن ذلك قد يكون ذريعةً إما إلى إعدائه وإما إلى تأذّيه بالتوهم والخوف، وذلك\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦١٩٢) ومسلم (٢١٤١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) رواه مسلم (١٩٨٤) من حديث سويد بن طارق - ﵁ -.\n(^٣) رواه البخاري (٦٢٨٨) ومسلم (٢١٨٣) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٤) رواه البخاري (٥٧٧١) ومسلم (٢٢٢١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"4","page":31},{"text":"سبب إلى إصابة المكروه له.\nالوجه الخامس والسبعون: أنه نهى أصحابه عن دخول ديار ثمود إلا باكين، خشيةَ أن يصيبهم ما أصابهم (^١)، فجعل الدخول من غير بكاء ذريعة إلى إصابة المكروه.\nالوجه السادس والسبعون: أنه نهى الرجل أن ينظر إلى من فُضِّلَ عليه بالمال (^٢) واللباس (^٣)؛ فإنه ذريعة إلى ازدرائه نعمة الله عليه واحتقارِه بها، وذلك سبب الهلاك.\nالوجه السابع والسبعون: أنه نهى عن إنزاء الحُمُر على الخيل (^٤)؛ وذلك لأنه ذريعة إلى قطع نسل الخيل أو تقليلها، ومن هذا نهيه عن أكل لحومها ــ إن صح الحديث فيه (^٥) ــ إنما كان لأنه ذريعة إلى تقليلها، كما نهاهم في بعض الغزوات عن نحر ظهورهم (^٦) لما كان ذريعة إلى لحوق الضرر بهم\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٩٨٠) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) ز: «في المال».\n(^٣) رواه البخاري (٦٤٩٠) ومسلم (٢٩٦٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) رواه أبو داود (٢٥٦٥) والنسائي (٣٥٨٠) من حديث علي - ﵁ -، وصححه ابن حبان (٤٦٨٢) والألباني في «صحيح أبي داود» - الأم (٧/ ٣١٨)\n(^٥) رواه أبو داود (٣٧٩٠) والنسائي (٤٣٣١) وابن ماجه (٣١٩٨) والدارقطني (٤٧٧٠) من حديث خالد بن الوليد وضعَّفه. وفي إسناده بقية بن الوليد وقد عنعنه، وهو مشهور بتدليس التسوية، وصالح بن يحيى متكلم فيه، وأبوه لم يوثقه إلا ابن حبان. وفي الباب عن جابر - ﵁ - ولا يصح. انظر: «نصب الراية» (٤/ ١٩٦ - ١٩٧).\n(^٦) رواه البخاري (٤٣٦١) ومسلم (١٩٣٥/ ١٩) من حديث جابر - ﵁ -.","vol":"4","page":32},{"text":"بفقد الظهر (^١).\nالوجه الثامن والسبعون: أنه نهى من رأى رؤيا يكرهها أن يتحدّث بها (^٢)؛ فإنه ذريعة إلى انتقالها من مرتبة (^٣) الوجود اللفظي إلى الوجود الخارجي، كما انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظي، وهكذا عامة الأمور تكون في الذهن أولًا ثم تنتقل إلى الذكر ثم تنتقل إلى الحسّ. وهذا من ألطف سدِّ الذرائع وأنفعها، ومن تأمَّلَ عامة الشر رآه متنقلًا في درجات الظهور طبقًا بعد طبقٍ من الذهن إلى اللفظ إلى الخارج.\nالوجه التاسع والسبعون: أنه سئل عن الخمر تُتخذ خلًّا، فقال: لا، مع إذنه في خلِّ الخمر الذي حصل بغير التخليل (^٤)، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة إمساكها بكل طريق، إذ لو أذن في تخليلها لحبسها أصحابها لذلك وكان ذريعة إلى المحذور.\nالوجه الثمانون: [٥١/ب] أنه نهى أن يتعاطى السيف مسلولًا (^٥)، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى الإصابة بمكروه، ولعل الشيطان يُعِينه ويَنزِع في يده، فيقع المحذور ويقرب منه.\nالوجه الحادي والثمانون: أنه أمر المارّ في المسجد بنِبالٍ أن يُمسك\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٥).\n(^٢) رواه البخاري (٣٢٩٢) ومسلم (٢٢٦١) من حديث أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٣) د: «نية».\n(^٤) رواه مسلم (١٩٨٣) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٥) رواه أحمد (١٤٨٨٥) أبو داود (٢٥٨٨) والترمذي (٢١٦٣) من حديث جابر - ﵁ -، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٥٩٤٦) والحاكم (٤/ ٢٩٠).","vol":"4","page":33},{"text":"على نِصالها بيده (^١)، لئلا يكون ذريعةً إلى تأذِّي رجل مسلم بالنِّصال.\nالوجه الثاني والثمانون: أنه حرَّم الشِّياع، وهو المفاخرة بالجماع (^٢)؛ لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشبُّه، وقد لا يكون عند الرجل من يُغنيه من الحلال فيتخطَّى إلى الحرام، ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله، وهم المتحدِّثون بما فعلوه من المعاصي؛ فإن السامع تتحرّك نفسه إلى التشبُّه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله.\nالوجه الثالث والثمانون: أنه نهى عن البول في الماء الدائم (^٣)، وما ذاك إلا لأن تواتر البول فيه ذريعة إلى تنجيسه، وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير (^٤) وبول الواحد والعدد، وهذا أولى من تقييده بما دون القلتين أو بما يمكن نَزْحُه؛ فإن الشارع الحكيم لا يأذن للناس أن يبولوا في المياه الدائمة إذا جاوزت القلتين أو لم يمكن نزحُها، فإن في ذلك من إفساد مياه الناس ومواردهم ما لا تأتي به شريعة، فحكمة شريعته اقتضت المنع من البول فيه قلَّ أو كثر سدًّا لذريعة إفساده.\nالوجه الرابع والثمانون: أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (^٥)؛\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٥٢) ومسلم (٢٦١٥) من حديث أبي موسى - ﵁ -.\n(^٢) رواه أحمد (١١٢٣٥) وأبو يعلى (١٣٩٦) والبيهقي (٧/ ١٩٤) عن أبي سعيد الخدري، وفي إسناده درّاج وروايته عن أبي الهيثم فيها كلام. انظر: «تهذيب الكمال» (٨/ ٤٧٧).\n(^٣) رواه البخاري (٢٣٩) ومسلم (٢٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) ز: «الكثير والقليل».\n(^٥) رواه البخاري (٢٩٩٠) ومسلم (١٨٦٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"4","page":34},{"text":"فإنه ذريعة إلى أن تناله أيديهم، كما عُلِّل به في نفس الحديث (^١).\nالوجه الخامس والثمانون: أنه نهى عن الاحتكار، وقال: «لا يَحتكرُ إلا خاطئ» (^٢)، فإنه ذريعة إلى أن يضيّق على الناس أقواتهم، ولهذا لا يمنع من احتكار ما لا يُضِرُّ بالناس.\nالوجه السادس والثمانون: أنه نهى عن منع فضل الماء (^٣)؛ لئلا يكون ذريعة إلى منع فضل الكلأ كما علِّل به في نفس الحديث، فجعله بمنعه الماءَ مانعًا من الكلأ؛ لأن صاحب المواشي إذا لم يمكنه الشرب من ذلك الماء لم يتمكَّن من المرعى الذي حوله.\nالوجه السابع والثمانون: أنه نهى عن إقامة حد الزنا على الحامل حتى تضع (^٤)، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى قتل ما في بطنها، كما قال في الحديث الآخر: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرتُ فتياني أن يحملوا معهم حُزَمًا من حَطبٍ، فأخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة في الجماعة فأحرِّق عليهم بيوتَهم بالنار» (^٥). فمنعه من تحريق بيوتهم التي عصوا الله فيها بتخلُّفهم عن الجماعة كونُ ذلك ذريعةً إلى عقوبة من لم يجب عليه حضور الجماعة من النساء والأطفال.\n_________\n(^١) والعلة جاءت عند مسلم دون البخاري.\n(^٢) رواه مسلم (١٦٠٥/ ١٣٠) من حديث معمر بن عبد الله العدوي - ﵁ -.\n(^٣) رواه البخاري (٢٣٥٣) ومسلم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) رواه مسلم (١٦٩٥) من حديث بريدة - ﵁ - في قصة الغامدية.\n(^٥) رواه البخاري (٢٤٢٠) ومسلم (٦٥١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - دون ذكر السبب، وهو عند أحمد (٨٧٩٦).","vol":"4","page":35},{"text":"الوجه الثامن والثمانون (^١): أنه نهى عن إدامة النظر إلى المجذَّمين (^٢)، وهذا ــ والله أعلم ــ لأنه ذريعة إلى أن يصابوا بإيذائهم، وهي من ألطف الذرائع، وأهلُ الطبيعة يعترفون به، وهو جارٍ على قاعدة الأسباب. وأخبرني رجل من علمائهم أنه أجلسَ قرابةً له يُكحِّل الناسَ فرمِدَ ثم برئ، فجلس يُكحِّلهم فرمِدَ مرارًا، قال: فعلمتُ أن الطبيعة [٥٢/أ] تنقل، وأنه من كثرة ما يفتح عينيه في أعين الرُّمْدِ نقلت الطبيعة الرمَدَ إلى عينيه، وهذا لا بدَّ معه من نوع استعداد، وقد جُبِلت الطبيعة والنفس على التشبُّه والمحاكاة (^٣).\nالوجه التاسع والثمانون: أن النبي - ﷺ - نهى الرجل أن ينحني لرجلٍ إذا لقيه (^٤)، كما يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم ممن لا علمَ له بالسنة، بل يبالغون إلى أقصى حدِّ الانحناء مبالغةً في خلاف السنة جهلًا، حتى يصير أحدهم بصورة الراكع لأخيه ثم يرفع رأسه من الركوع، كما يفعل إخوانهم من السجود بين يدي شيوخهم الأحياء والأموات؛ فهؤلاء أخذوا من الصلاة سجودها، وأولئك ركوعها، وطائفة ثالثة قيامَها، يقوم (^٥) عليهم الناس وهم\n_________\n(^١) د: «الوجه التسعون»، وهكذا استمر الترقيم إلى آخر الأوجه في د، وأكتفي بالتنبيه عليه هنا.\n(^٢) رواه أحمد (٢٠٧٥) وابن ماجه (٣٥٤٣) من حديث ابن عباس - ﵄ -، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٦٤).\n(^٣) ز: «المحكاة».\n(^٤) رواه أحمد (١٣٠٤٤) والترمذي (٢٧٢٨) من حديث أنس - ﵁ -، وفي إسناده حنظلة بن عبد الله السدوسي متكلم فيه، وللحديث متابعات تقويه. انظر: «السلسلة الصحيحة» (١٦٠).\n(^٥) د: «يقومون».","vol":"4","page":36},{"text":"قعود كما يقومون في الصلاة، فتقاسمت الفرق الثلاثة أجزاء الصلاة. والمقصود أن النبي - ﷺ - نهى عن انحناء الرجل لأخيه سدًّا لذريعة الشرك، كما نهى عن السجود لغير الله (^١)، وكما نهاهم أن يقوموا في الصلاة على رأس الإمام وهو جالس (^٢)، مع أن قيامهم عبادة لله تعالى، فما الظن إذا كان القيام تعظيمًا للمخلوق وعبوديةً له؟ فالله المستعان.\nالوجه التسعون: أنه حرّم التفرُّق في الصرف وبيع الربوي بمثله قبل القبض (^٣)؛ لئلا يُتخذ ذريعةً إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا، فحماهم من قربانه باشتراط التقابض في الحال، ثم أوجب عليهم فيه التماثل، وأن لا يزيد أحد العوضين على الآخر إذا كانا من جنس واحد حتى لا يباع مُدٌّ جيد بمدَّينِ رديئين وإن كانا يساويانه، سدًّا لذريعة ربا النَّساء الذي هو حقيقة الربا، وأنه إذا منعهم من الزيادة مع الحلول حيث تكون الزيادة في مقابلة جودة أو صفة أو سكّة أو نحوها، فمنعهم منها حيث لا مقابلَ لها إلا مجردُ الأجل أولى. فهذه هي حكمة تحريم ربا الفضل التي خفيت على كثير من الناس، حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي حكمة تحريم ربا الفضل، وقد ذكر الشارع هذه الحكمة بعينها، وأنه حرَّمه سدًّا لذريعة ربا النَّساء، فقال في\n_________\n(^١) رواه الترمذي (١١٥٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ - وحسَّنه، وصححه ابن حبان (٤١٦٢) والحاكم (٤/ ١٧١). وفي الباب عن أنس ابن مالك، وعبد الله بن أبى أوفى، ومعاذ بن جبل، وقيس بن سعد، وعائشة بنت أبي بكر الصديق. انظر: «الإرواء» (٧/ ٥٤).\n(^٢) رواه البخاري (٦٨٩) ومسلم (٤١١) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٣) رواه البخاري (٢١٣٤) ومسلم (١٥٨٦) من حديث عمر - ﵁ -.","vol":"4","page":37},{"text":"حديث تحريم ربا الفضل: «فإني أخاف عليكم الرَّمَاءَ» (^١)، والرَّمَاء هو الربا، فتحريم الربا نوعان: نوع حُرِّم لما فيه من المفسدة وهو ربا النسيئة، ونوع حرِّم تحريمَ الوسائل وسدًّا لذرائع؛ فظهرت حكمة الشارع الحكيم وكمال شريعته الباهرة في تحريم النوعين. ويلزم من لم يعتبر الذرائع ولم يأمر بسدِّها أن يجعل تحريم ربا الفضل تعبدًا محضًا لا يُعقل معناه كما صرح بذلك كثير منهم.\nالوجه الحادي والتسعون: أنه أبطل أنواعًا من النكاح الذي يتراضى به الزوجان سدًّا لذريعة الزنا؛ فمنها النكاح بلا ولي (^٢)؛ فإنه أبطله سدًّا لذريعة الزنا؛ فإن الزاني لا يَعجِز أن يقول للمرأة: «أَنكِحيني نفسَكِ بعشرة» ويُشهِد عليها رجلين من أصحابه أو غيرهم، فمنعهما من ذلك سدًّا لذريعة الزنا. ومن هذا تحريم نكاح التحليل (^٣) الذي لا رغبةَ للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجة، بل له وَطَرُ ما يقضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة. [٥٢/ب] ومن ذلك تحريم نكاح المتعة (^٤) الذي يعقد المتمتع فيه على المرأة مدة يقضي وطره منها فيها؛ فحرّم هذه الأنواع كلها سدًّا لذريعة السِّفاح، ولم يُبِح إلا عقدًا مؤبَّدًا يقصد فيه كل من الزوجين\n_________\n(^١) رواه أحمد (٥٨٨٥) من حديث ابن عمر مرفوعًا، وفي إسناده أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي متكلم فيه. وقد ورد موقوفًا عن ابن عمر عند أحمد (١١٠٠٦) وعن عمر عند مالك (٢/ ٦٣٤، ٦٣٥) وابن أبي شيبة (٢٢٩٤٠).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه البخاري (٤٢١٦) ومسلم (١٤٠٧) من حديث علي - ﵁ -.","vol":"4","page":38},{"text":"المقام مع صاحبه ويكون بإذن الولي وحضور الشاهدين أو ما (^١) يقوم مقامهما من الإعلان؛ فإذا تدبرتَ حكمة الشريعة وتأمَّلتَها حقَّ التأمُّل رأيتَ تحريم هذه الأنواع من باب سدِّ الذرائع، وهي من محاسن الشريعة وكمالها.\nالوجه الثاني والتسعون: أنه منع المتصدّق من شراء صدقته ولو وجدها تُباع في السوق (^٢)، سدًّا لذريعة العود فيما خرج عنه لله ولو بعوضه؛ فإن المتصدّق إذا مُنِع من تملُّكِ صدقته بعوضها فتملُّكه إياها بغير عوض أشدُّ منعًا وأفطمُ للنفوس عن تعلقها بما خرجت عنه لله، والصواب ما حكم به النبي - ﷺ - من المنع من شرائها مطلقًا، ولا ريب أن في تجويز ذلك ذريعةً إلى التحيُّل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها، ويرى المسكين أنه قد حصل له شيء ــ مع حاجته ــ فتسمح نفسه بالبيع، والله عالم بالأستار (^٣)، فمن محاسن هذه الشريعة الكاملة سدُّ الذريعة ومنع المتصدِّق من شراء صدقته، وبالله التوفيق.\nالوجه الثالث والتسعون: أنه نهى عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها (^٤)، لئلا يكون ذريعةً إلى أكل مال المشتري بغير حق إذا كانت معرَّضةً للتلف، وقد يمنعها الله، وأكَّد هذا الغرض بأن حكم للمشتري بالجائحة إذا تَلِفتْ بعد الشراء الجائز، كل هذا لئلا يُظلم المشتري ويؤكل ماله بغير حق.\nالوجه الرابع والتسعون: أنه نهى الرجل بعد إصابة ما قُدِّر له أن يقول: لو\n_________\n(^١) ز: «وما».\n(^٢) رواه البخاري (١٤٨٩) ومسلم (١٦٢١) من حديث عمر - ﵁ -.\n(^٣) ز: «بالاسعار». وفي المطبوع: «بالأسرار».\n(^٤) رواه البخاري (٢١٩٤) ومسلم (١٥٣٤) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"4","page":39},{"text":"أني فعلتُ لكان كذا وكذا، وأخبر أن ذلك ذريعة إلى عمل الشيطان (^١)، فإنه لا يُجدِي عليه إلا الحزن والندم وضيقة الصدر والتسخُّط على المقدور واعتقاد أنه كان يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يُضعِف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإذا أعرض القلب عن هذا انفتح له عمل الشيطان، وما ذاك لمجرد لفظ «لو»، بل لِما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان، بل أرشد العبد في هذه الحال إلى ما هو أنفع له، وهو الإيمان بالقدر والتفويض والتسليم للمشيئة الإلهية وأنه ما شاء الله كان ولا بدّ؛ فمن رضي فله الرضى ومن سخِطَ فله السخط، فصلوات الله وسلامه على مَن كلامه شفاء للصدور ونور للبصائر وحياة للقلوب وغذاء للأرواح، فلقد أنعم به على عباده أتمَّ نعمة، ومنَّ عليهم به أعظم منَّة؛ فللّه النعمة وله المنّة والفضل وله الثناء الحسن.\nالوجه الخامس والتسعون: أنه - ﷺ - نهى عن طعام المتباريينِ (^٢)، وهما الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته، إما في التبرعات كالرجلين [٥٣/أ] يصنع كل منهما دعوة يفتخر بها على الآخر ويباريه بها، وإما في المعاوضات كالمتبايعين يُرخِص كلٌّ منهما سِلعته لمنع الناس من الشراء من\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) رواه أبو داود (٣٧٥٤) والطبراني (١١٩٤٢) من حديث ابن عباس - ﵄ -، وصححه الحاكم (٤/ ١٢٨). وقد اختلف في وصله وإرساله عن عكرمة، فذكر أبو داود عن الأكثرين الإرسال، واختاره البغوي في «شرح السنة» (٩/ ١٤٤) والذهبي في «الميزان» ترجمة بقية بن الوليد (١/ ٣٣٤). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٦٢٦).","vol":"4","page":40},{"text":"صاحبه. ونصَّ الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء، وهذا النهي يتضمن سدَّ الذريعة من وجهين؛ أحدهما: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما تفريح لهما وتقوية لقلوبهما وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله ورسوله. والثاني: أن ترك الأكل من طعامهما ذريعة إلى امتناعهما وكفِّهما عن ذلك.\nالوجه السادس والتسعون: أنه سبحانه عاقب الذين حفروا الحفائر يوم الجمعة فوقع فيها السمك يوم السبت فأخذوه يوم الأحد، ومسخهم قردةً وخنازير، وقيل: إنهم نصبوا الشِّباك يوم الجمعة وأخذوا الصيد يوم الأحد. وصورة الفعل الذي فعلوه مخالف لما نُهوا عنه، ولكنهم لما جعلوا الشِّباك والحفائر ذريعة إلى أخذ ما يقع فيها من الصيد يوم السبت نُزِّلوا منزلةَ من اصطاد (^١) فيه؛ إذ صورة الفعل لا اعتبار بها، بل بحقيقته وقصد فاعله، ويلزم من لم يَسُدَّ الذرائع أن لا يحرِّم مثل هذا كما صرّحوا به في نظيره سواء، وهو لو نصب قبل الإحرام شبكةً فوقع فيها صيد وهو محرم جاز له أخذه بعد الحلّ، وهذا جارٍ على قواعد من لم يعتبر المقاصد ولم يسدَّ الذرائع.\nالوجه السابع والتسعون: قال الإمام أحمد: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع السلاح في الفتنة (^٢)، ولا ريبَ أن هذا سدٌّ لذريعة الإعانة على المعصية،\n_________\n(^١) د: «اصّاد»، وكلاهما صواب.\n(^٢) رواه البزار (٣٥٨٩) والطبراني (٢٨٦) والبيهقي (٥/ ٥٢٧) من حديث عمران مرفوعًا، وفي إسناده بحْر السَّقَّاء متكلم فيه، وبه أعله البيهقي، وقد اختلف في وقفه ورفعه، والوقف هو الأصح. انظر: «نصب الراية» (٣/ ٣٩١) و«التلخيص الحبير» (٣/ ٤٢) و«الإرواء» (٥/ ١٣٥).","vol":"4","page":41},{"text":"ويلزم من لم يسدَّ الذرائع أن يجوِّز هذا البيع كما صرّحوا به، ومن المعلوم أن هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان، وفي معنى هذا كل بيع أو إجارة أو معاوضة تُعِين على معصية الله تعالى، كبيع السلاح للكفار والبغاة وقُطَّاع الطريق، وبيع الرقيق لمن يفسق به أو يؤاجره لذلك، وإجارة داره أو حانوته أو خانِه لمن يقيم فيها سوق المعصية، وبيع الشمع أو إجارته لمن يعصي الله عليه، ونحو ذلك مما هو إعانة على ما يُبغضه الله ويُسخطه. ومن هذا عَصْر العنب لمن يتخذه خمرًا وقد لعنه رسول الله - ﷺ - هو والمعتصر معًا، ويلزم مَن لم يسدَّ الذرائع أن لا يلعن العاصر، وأن يجوِّز له أن يعصر العنب لكل أحد، ويقول: القصد غير معتبر في العقد، والذرائع غير معتبرة، ونحن مطالبون بالظواهر، والله يتولَّى السرائر، وقد صرَّحوا بهذا. ولا ريبَ في التنافي بين هذا وبين سنة رسول الله - ﷺ -.\nالوجه الثامن والتسعون (^١): نهيه عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة ــ وإن ظلموا أو جاروا ــ ما أقاموا الصلاة (^٢)، سدًّا لذريعة الفساد العظيم والشر الكثير بقتالهم كما هو الواقع؛ فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم أضعافُ أضعافِ ما هم عليه، والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن. وقال: «إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخِرَ منهما» (^٣) سدًّا لذريعة الفتنة.\n_________\n(^١) هذا الوجه والوجه التالي ليسا في المخطوطات المعتمدة، وقد أثبتناهما من النسخ المطبوعة، ولعلهما مما أضافه المؤلف فيما بعد. ويدل على كونهما من الكتاب تصريح المؤلف الآتي بأن عدد هذه الوجوه تسعة وتسعون مثل عدد أسماء الله الحسنى.\n(^٢) رواه مسلم (١٨٥٤) من حديث أم سلمة - ﵂ -.\n(^٣) رواه مسلم (١٨٥٣) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.","vol":"4","page":42},{"text":"الوجه التاسع والتسعون: جمْعُ عثمان المصحف على حرف واحد من الأحرف السبعة (^١)، لئلا يكون ذريعةً إلى اختلافهم في القرآن، ووافقه على ذلك الصحابة - ﵃ -.\nولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة، تفاؤلًا بأن من أحصى هذه الوجوه وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة؛ إذ يكون قد اجتمع له معرفة أسماء الرب ﷿ ومعرفة أحكامه، ولله وراء ذلك أسماء وأحكام.\nوباب سدّ الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان؛ أحدهما: مقصود لنفسه، [٥٣/ب] والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان؛ أحدهما: ما يكون المنهيُّ عنه مفسدةً في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة؛ فصار سدُّ الذرائع المفضية إلى المحرَّم أحد أرباع الدين.\n* * * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٩٨٤) من حديث أنس - ﵁ -.","vol":"4","page":43},{"text":"فصل\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-587>تجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع </span>مناقضة ظاهرة؛ فإن الشارع يسدُّ الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بِحِيَلِهِ، فأين من يمنع من الجائز خشيةَ الوقوع في المحرَّم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه؟ فهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها تدلُّ على تحريم الحيل والعمل بها والإفتاء في دين الله بها.\nومن تأمل أحاديث اللعن وجد عامتها لمن استحلَّ محارم الله، أو أسقط فرائضه بالحيل، كقوله: «لعن الله المحلِّل والمحلَّل له» (^١)، «لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشحومُ فجَمَلوها وباعوها وأكلوا ثمنها» (^٢)، «لعن الله الراشي والمرتشي» (^٣)، «لعن الله آكلَ الربا ومُوكِله وكاتبه وشاهدَه» (^٤). ومعلوم أن الكاتب والشاهد إنما يكتب ويشهد على الربا المحتال عليه ليتمكن من الكتابة والشهادة بخلاف ربا المجاهرة الظاهر. ولعن في الخمر عشرةً: عاصرَها ومعتصرَها (^٥)، ومعلوم أنه إنما عصَرَ عنبًا. ولعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، وقرن (^٦) بينهما وبين آكل الربا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه مسلم (١٥٩٨/ ١٠٦) من حديث جابر - ﵁ -. ورواه أبو داود (٣٣٣٣) من حديث ابن مسعود - ﵁ - واللفظ له.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) ز: «وفرق»، تحريف.","vol":"4","page":44},{"text":"وموكله، والمحلِّل والمحلَّل له، في حديث ابن مسعود (^١)، وذلك للقدر المشترك بين هؤلاء الأصناف وهو التدليس والتلبيس؛ فإن هذه تُظهِر من الخلقة ما ليس فيها، والمحلل يُظهِر من الرغبة ما ليس عنده، وآكل الربا يستحلُّه بالتدليس والمخادعة فيُظهِر من عقد التبايع ما ليس له حقيقة، فهذا يستحلّ الربا بالبيع، وذاك يستحلّ الزنا باسم النكاح، فهذا يُفسِد الأموال، وذاك يُفسِد الأنساب. وابن مسعود هو راوي هذا الحديث، وهو راوي حديث: «ما ظهر الربا والزنا في قوم إلا أحلُّوا بأنفسهم العقابَ» (^٢).\nوالله سبحانه مسخ الذين استحلُّوا محارمه بالحيل قردةً وخنازير جزاءً من جنس عملهم؛ فإنهم لما مَسخوا شرعه وغيَّروه عن وجهه مسَخَ وجوههم وغيَّرها عن خلقتها. والله ﷾ ذمَّ أهل الخداع والمكر، ومن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وأخبر أن المنافقين يخادعونه وهو خادِعُهم، وأخبر عنهم بمخالفة ظواهرهم لبواطنهم وسرائرهم لعلانيتهم وأقوالهم لأفعالهم.\nوهذا شأن أرباب الحيل المحرَّمة، وهذه الأوصاف منطبقة عليهم؛ فإن المخادعة (^٣) هي الاحتيال والمراوغة بإظهار أمر جائز ليتوصَّل به إلى أمر\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه أحمد (٣٨٠٩) وأبو يعلى (٤٩٨١) وابن حبان (٤٤١٠) من حديث ابن مسعود، وفي إسناده شريك بن عبد الله النخعي متكلم فيه، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة إلا أن للحديث شاهدًا يتقوى به. انظر: «مسند أحمد» ط. الرسالة (٦/ ٣٥٨ - ٣٥٩) و«صحيح ابن حبان» (١٠/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(^٣) من هنا اعتمد المؤلف على كلام شيخه في «بيان الدليل» (ص ٣٠ وما بعدها).","vol":"4","page":45},{"text":"محرَّم يُبْطِنه، ولهذا يقال: «طريقٌ خَيْدَع» إذا كان مخالفًا للقصد لا يُفطَن له، ويقال للسراب: «الخَيْدع» لأنه يَخدع من يراه ويَغُرُّه، وظاهره خلاف باطنه، ويقال للضبّ: «خادع»، وفي المثَل: «أخدعُ من ضَبٍّ» لمراوغته. ويقال: «سوقٌ خادعةٌ» أي متلونة، وأصله الاختفاء والستر، ومنه «المُخْدَع» في البيت (^١).\nفوازِنْ بين قول القائل: آمنا بالله وباليوم الآخر وأشهدُ أن محمدًا [٥٤/أ] رسول الله؛ إنشاءً للإيمان وإخبارًا به، وهو غير مُبطِن لحقيقة هذه الكلمة ولا قاصدٍ له ولا مطمئنٍ به، وإنما قاله متوصلًا به إلى أمنه وحَقْن دمه أو نيل غرض دنيوي، وبين قول المرابي: بعتك هذه السلعة بمائة. وليس لواحد منهما غرض فيها بوجهٍ، وليس مبطنًا لحقيقة هذه اللفظة، ولا قاصدًا له، ولا مطمئنًّا به، وإنما تكلم بها متوصلًا إلى الربا. وكذلك قول المحلل: تزوجتُ هذه المرأة، أو قبلتُ هذا النكاح، وهو غير مبطنٍ لحقيقة النكاح، ولا قاصدٍ له، ولا مريدٍ أن تكون زوجتَه بوجه، ولا هي مريدة لذلك ولا الولي، هل تجد بينهما فرقًا في الحقيقة أو العرف؟\nفكيف يسمَّى أحدهما مخادعًا دون الآخر، مع أن قوله بعتُ واشتريت واقترضت وأنكحت وتزوجت غير قاصدٍ به انتقال الملك الذي وضعت له هذه الصيغة، ولا ينوي النكاح الذي جعلت له هذه الكلمة، بل قصدُه ما ينافي مقصود العقد أو أمر آخر خارج عن أحكام العقد، وهو عود المرأة إلى زوجها المطلق، وعود السلعة إلى البائع بأكثر من ذلك الثمن، بمباشرته لهذه الكلمات التي جعلت لها حقائق ومقاصد، مُظهِرًا لإرادة حقائقها ومقاصدها\n_________\n(^١) شرح هذه الكلمات بنحو ما هنا في «الصحاح» (خدع).","vol":"4","page":46},{"text":"ومُبطِنًا لخلافه؛ فالأول نفاق في أصل الدين، وهذا نفاق في فروعه.\nيوضِّح ذلك ما ثبت عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: إن عمي طلَّق امرأته ثلاثًا، أيُحِلُّها له رجل؟ فقال: من يخادعِ الله يخدعْه (^١). وصح عن أنس وعن ابن عباس أنهما سئلا عن العِينة، فقالا: إن الله لا يخدع، هذا (^٢) مما حرّم الله ورسوله (^٣). فسمَّيا ذلك خداعًا، كما سمّى عثمان وابن عمر نكاح المحلِّل نكاح دُلْسَة (^٤). وقال أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، فلو أَتوا الأمر عِيانًا كان أهون عليّ (^٥). وقال شريك بن عبد الله القاضي في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة (^٦).\nوتلخيص هذا (^٧) أن الحيل المحرَّمة مخادعة لله، ومخادعة الله حرام.\nأما المقدمة الأولى فإن الصحابة والتابعين ــ وهم أعلم الأمة بكلام الله ورسوله ومعانيه ــ سمَّوا ذلك خداعًا، وأما الثانية فإن الله ذمَّ أهل الخداع،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ز: «وهذا».\n(^٣) ذكره المصنف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٨٤) وعزا قول أنس إلى مطيَّن في كتاب البيوع، وقول ابن عباس إلى أبي محمد النخشبي.\n(^٤) روى أثر عثمان - ﵁ - البيهقي (٧/ ٢٠٨)، وأما أثر ابن عمر فلم أقف عليه. وانظر: «بيان الدليل» (ص ٣١) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٤٨١، ٤٨٢).\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) انظر: «بيان الدليل» (ص ٣٢) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٥٨٥).\n(^٧) انظر: «بيان الدليل» (ص ٣٣ وما بعدها).","vol":"4","page":47},{"text":"وأخبر أن خداعهم إنما هو لأنفسهم، وأن في قلوبهم مرضًا، وأنه سبحانه خادعهم، فكل هذا عقوبة لهم.\nومدار الخداع على أصلين؛ أحدهما: إظهار فعل لغير مقصوده الذي جُعِل له. الثاني: إظهار قول لغير مقصوده الذي وُضع له، وهذا منطبق على الحيل المحرمة. وقد عاقب الله سبحانه المتحيلين على إسقاط نصيب المساكين وقت الجداد بجَدِّ حَبِّهم (^١) عليهم وإهلاك ثمارهم، فكيف بالمتحيل على إسقاط فرائض الله وحقوق خلقه؟ ولعن أصحاب السبت ومسخهم قردةً وخنازير على احتيالهم على فعل ما حرّمه عليهم.\nقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ [٥٤/ب] اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥]، قال: رَمَوا الحيتان في السبت، ثم أرجؤوها في الماء، فاستخرجوها بعد ذلك، فطبخوها فأكلوها واللهِ أوخَمَ أَكْلةٍ أُكِلَتْ، أسرعَه في الدنيا عقوبةً وأسرعَه عذابًا في الآخرة، والله ما كانت لحوم تلك الحيتان بأعظمَ عند الله من دماء قوم مسلمين، إلا أنه عجّل لهؤلاء وأخّر لهؤلاء (^٢).\nوقوله: «رمَوها في السبت» يعني احتالوا على وقوعها في الماء يوم السبت، كما بيَّن غيره أنهم حفروا لها حياضًا ثم فتحوها عشيةَ الجمعة، ولم يُرِد أنهم باشروا رميها يوم السبت؛ إذ لو اجترؤوا على ذلك لاستخرجوها.\n_________\n(^١) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «بجنتهم».\n(^٢) رواه الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٥٢٣) من طريق سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن بنحوه. ورواه أيضًا (١٠/ ٥٢٣) من طريق ابن علية عن أيوب عن الحسن.","vol":"4","page":48},{"text":"قال شيخنا (^١): وهؤلاء لم يكفروا بالتوراة وموسى، وإنما فعلوا ذلك تأويلًا واحتيالًا، ظاهره ظاهر الاتقاء وحقيقته حقيقة الاعتداء، ولهذا ــ والله أعلم ــ مُسِخوا قردةً، لأن صورة القرد فيها شَبَهٌ من صورة الإنسان، وفي بعض ما يُذكر من أوصافه شَبَهٌ منه، وهو مخالف له في الحدّ والحقيقة، فلما مَسَخ أولئك المعتدون دينَ الله بحيث لم يتمسّكوا إلا بما يُشبِه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته، مسخهم الله قردةً تُشبِه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة جزاءً وِفاقًا.\nيقوّي (^٢) ذلك أن بني إسرائيل أكلوا الربا وأموال الناس بالباطل، وهو أعظم من أكل الصيد في يوم بعينه، ولم يُعاقَب أولئك بالمسخ كما عوقب به من استحلّ الحرام بالحيلة؛ لأن هؤلاء لما كانوا أعظم جرمًا كانت عقوبتهم أعظم، فإنهم بمنزلة المنافقين، يفعلون ما يفعلون ولا يعترفون بالذنب، بل قد فسدت عقيدتهم وأعمالهم. بخلاف من أكل الربا وأموال الناس والصيد المحرم عالمًا بتحريمه؛ فإنه يقترن بمعصيته اعترافُه بالتحريم وخشيتُه لله واستغفارُه وتوبتُه يومًا ما، واعترافه بأنه مذنب عاصٍ، وانكسار قلبه من ذلِّ المعصية، وإزراؤه (^٣) على نفسه، ورجاؤه لمغفرة ربه له، وعدُّ نفسِه من المذنبين الخاطئين، وهذا كله إيمان يفضي بصاحبه إلى خير، بخلاف الماكر المخادع المحتال على قلب دين الله. ولهذا حذّر النبي - ﷺ - أمته من ارتكاب الحيل، فقال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلُّوا\n_________\n(^١) في «بيان الدليل» (ص ٤٣).\n(^٢) الكلام مستمر لشيخ الإسلام.\n(^٣) في المطبوع: «ازدراؤه»، خلاف النسختين.","vol":"4","page":49},{"text":"محارمَ الله بأدنى الحيل» (^١).\nوقد أخبر سبحانه أنه جعل هذه القرية أو هذه الفعلة التي فعلها بأهلها نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين، فحقيقٌ بمن اتقى الله وخاف نكالَه أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلِّصه من الله ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن لله يومًا تَكِعُّ (^٢) فيه الرجال، وتُنْسَف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتُبلى فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر، ويصير الباطن فيه ظاهرًا، [٥٥/أ] والسرّ علانية، والمستور مكشوفًا، والمجهول معروفًا، ويُحصَّل ويبدو ما في الصدور، كما يُبعثر ويخرج ما في القبور، وتجري أحكام الرب ﷻ هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيضُّ وجوهٌ بما في قلوب أصحابها من النصيحة لله ورسوله وكتابه وما فيها من البرّ والصدق والإخلاص للكبير المتعال، وتسودُّ وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغشّ والكذب والمكر والاحتيال، هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون.\n_________\n(^١) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص ١٠٤، ١٠٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. والحديث حسّن إسناده ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ٥٣) و«مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٢٩)، وكذلك المصنف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٩٦) وابن كثيرفي «التفسير» (٣/ ٤٩٣).\n(^٢) أي تجبُن وتضعف.","vol":"4","page":50},{"text":"وقد فصَّل قوله - ﷺ -: «الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى» (^١) الأمرَ في هذه الحيل وأنواعها، فأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره. وهذا نصٌّ في أن من نوى التحليل (^٢) كان محلِّلا، ومن نوى الربا بعقد التبايع كان مرابيًا، ومن نوى المكر والخداع كان ماكرًا مخادعًا.\nويكفي هذا الحديث وحدَه في إبطال الحيل، ولهذا صدَّر به حافظ الأمة محمد بن إسماعيل البخاري إبطال الحيل (^٣)، والنبي - ﷺ - أبطل ظاهرَ هجرة مهاجر أم قيس بما أبطنه ونواه من إرادة أم قيس. وقد قال - ﷺ -: «البيِّعانِ بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقةَ خيارٍ، ولا يحلُّ له أن يفارقه خشيةَ أن يستقيله» (^٤)، فاستدل به الإمام أحمد وقال: فيه إبطال الحيل (^٥).\nوقد أشكل هذا على كثير من الفقهاء بفعل ابن عمر؛ فإنه كان إذا أراد أن يلزم البيع مشى خطواتٍ (^٦)، ولا إشكال بحمد الله تعالى في الحديث، وهو\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ز: «التحيل».\n(^٣) في «صحيحه» (١٢/ ٣٢٧ - مع الفتح).\n(^٤) رواه بهذا اللفظ الترمذي (١٢٤٧) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ -، وحسَّنه. ورواه أيضًا أبو داود (٣٤٥٦) والنسائي (٤٤٨٣) بنحوه. والحديث رواه أيضًا البخاري (٢١٠٩) من حديث ابن عمر بنحوه. وهو مروي من حديث حكيم بن حزام أيضًا عند البخاري (٢١١٠) ومسلم (١٥٣٢).\n(^٥) كما في «إبطال الحيل» (١٠٨).\n(^٦) رواه البخاري (٢١٠٧) ومسلم (١٥٣١/ ٤٥).","vol":"4","page":51},{"text":"من أظهر الأدلة على بطلان التحيُّل لإسقاط حقِّ من له حق؛ فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه (^١) أثبت خيار المجلس في البيع حكمةً ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضى الذي شرطه الله سبحانه فيه؛ فإن العقد قد يقع بغتةً من غير تَروٍّ ولا نظرٍ في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروَّى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما عيبًا كان خفيًّا. فلا أحسنَ من هذا الحكم، ولا أرفقَ بمصلحة الخلق؛ فلو مكّن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض (^٢) في الحال والمبادرة إلى التفرق، لفاتت مصلحةُ الآخر ومقصودُ الخيار بالنسبة إليه. وهَبْ أنك أنت اخترتَ إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروَّى، فنهوضك حيلة على إسقاط حقّه من الخيار، فلا يجوز حتى يخيِّره؛ فلو فارق المجلس لغير هذا لحاجةٍ أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد [٥٥/ب] إبطال حق أخيه من الخيار لم يدخل في هذا التحريم، ولا يقال: هو ذريعة إلى إسقاط حق الآخر من الخيار؛ لأن باب الذرائع متى فاتت به مصلحة راجحة أو تضمَّن مفسدة راجحة لم يلتفت إليه. فلو منع العاقد من التفرُّق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرار به ومفسدة راجحة؛ فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفقه للحكمة والمصلحة (^٣)، ولله الحمد.\nوتأمَّل قوله: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلُّوا محارمَ الله بأدنى\n_________\n(^١) ز: «عليه وسلامه».\n(^٢) ز: «النهوظ».\n(^٣) ز: «للمصلحة والحكمة».","vol":"4","page":52},{"text":"الحيل» (^١)، أي أسهلها وأقربها، وإنما ذكر أدنى الحيل لأن المطلِّق ثلاثًا مثلًا من أسهل الحيل عليه أن يعطي بعضَ التيوس المستعارة عشرةَ دراهم ويستعيره لينزو على امرأته نزوةً وقد طيَّبها له، بخلاف الطريق الشرعي التي هي نكاح الرغبة فإنها يصعب معها عودُها إلى الأول جدًّا. وكذلك من أراد أن يُقرِض ألفًا بألف وخمسمائة، فمِن أدنى الحيل عليه (^٢) أن يعطيه ألفًا إلا درهمًا باسم القرض ويبيعه خرقةً تساوي درهمًا بخمسمائة، ولو أراد ذلك بالطريق الشرعي لتعذّر عليه. وكذلك حيلة اليهود بنَصْب الشِّباك يوم الجمعة وأخْذِ ما وقع فيها يوم السبت من أسهل الحيل. وكذلك إذابتُهم للشحم وبيعُه وأكلُ ثمنه.\nوقال الإمام أحمد في «مسنده» (^٣): ثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا ضنَّ (^٤) الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، واتّبعوا أذنابَ البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم».\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) «عليه» ليست في د.\n(^٣) رقم (٤٨٢٥)، ورواه الطبراني (١٣٥٨٥) أيضًا. وفي إسناده عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر - ﵄ -. لكنه توبع بعطاء الخراساني عن نافع عند أبي داود (٣٤٦٢) كما سيأتي. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (١١).\n(^٤) ز: «ظن».","vol":"4","page":53},{"text":"ورواه أبو داود (^١) بإسناد صحيح إلى حَيْوة بن شُريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن (^٢) الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعًا حدثه عن ابن عمر.\nقال شيخنا - ﵁ - (^٣): وهذان إسنادان حسنان؛ أحدهما يشدُّ الآخر ويقوّيه. فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، لكن يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر؛ فالإسناد الثاني يبيّن أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر؛ فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحيوة بن شريح كذلك وأفضل. وأما إسحاق أبو (^٤) عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حَيوة بن شريح والليث بن سعد ويحيى بن أيوب وغيرهم.\nقال: وقد روينا من طريق ثالث من حديث السريّ بن سهل الجُنديسابوري (^٥) بإسناد مشهور إليه: حدثنا عبد الله بن رُشَيد ثنا عبد الرحمن عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منّا رجل يرى أنه أحقُّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. ولقد سمعت رسول\n_________\n(^١) رقم (٣٤٦٢) والبزار (٥٨٨٧)، وفي إسناده عطاء الخراساني متكلم فيه، وقد توبع بما قبله.\n(^٢) في النسختين: «إسحاق بن عبد الرحمن» خطأ. والتصويب من «السنن». وانظر «تقريب التهذيب» (٣٤٤، ٤٠١/ ٤).\n(^٣) في «بيان الدليل» (ص ٧٣ وما بعدها).\n(^٤) في النسختين: «بن». والتصويب من «بيان الدليل».\n(^٥) في النسختين: «الجند نيسابوري» تحريف.","vol":"4","page":54},{"text":"الله - ﷺ - يقول: «إذا ضنَّ (^١) الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذنابَ البقر؛ أدخل الله عليهم ذلًّا لا ينزِعه عنهم حتى يتوبوا ويراجعوا دينهم» (^٢). وهذا يبيّن أن للحديث [٥٦/أ] أصلًا عن عطاء.\nوروى محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمُطيَّن في كتاب «البيوع» له عن أنس أنه سئل عن العينة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرّم الله ورسوله.\nوروى أيضًا في كتابه عن ابن عباس قال: اتقوا هذه العِينة، لا تبِعْ دراهم بدراهم وبينهما حريرة.\nوفي رواية: أن رجلًا باع من رجلٍ حريرةً بمائة، ثم اشتراها بخمسين، فسأل ابن عباس عن ذلك، فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة (^٣).\nوسئل ابن عباس عن العينة ــ يعني بيع الحريرة ــ فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله (^٤).\nوروى ابن بطّة بإسناده إلى الأوزاعي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي على الناس زمان يستحلُّون الربا بالبيع» (^٥)، يعني العينة. وهذا المرسل\n_________\n(^١) ز: «ظن».\n(^٢) رواه أبو يعلى (٥٦٥٩) والطبراني (١٣٥٨٥)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وعطاء الخراساني متكلم فيهما.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) ذكره ابن تيمية في بيان الدليل (ص ٧٦) وعزاه إلى الحافظ أبي محمد النخشبي.\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":55},{"text":"صالح للاعتضاد به والاستشهاد، وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي إسحاق السَّبيعي عن امرأته: أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى، فقالت لها أم ولد زيد: إني بعت من زيد غلامًا بثمان مائةٍ نسيئةً، واشتريته بستمائةٍ نقدًا، فقالت: أبلغي زيدًا أن قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إلا أن يتوب، بئسما شريتِ، وبئسما اشتريتِ (^٢).\nرواه الإمام أحمد وعمل به، وهذا حديث فيه شعبة، وإذا كان شعبة في حديث فاشدُدْ يدك به، فمن جعل شعبة بينه وبين الله فقد استوثق لدينه.\nوأيضًا فهذه امرأة أبي إسحاق، وهو أحد أئمة الإسلام الكبار، وهو أعلم بامرأته وبعدالتها، فلم يكن ليروي عنها سنة يحرم بها على الأمة وهي عنده غير ثقة ولا يتكلم فيها بكلمة، بل يُحابيها في دين الله، هذا لا يظن بمن هو دون أبي إسحاق.\nوأيضًا فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلت على عائشة وسمعت منها وروت عنها، ولا يُعرف أحد قدح فيها بكلمة.\nوأيضًا فإن الكذب والفسق لم يكن ظاهرًا في التابعين بحيث تُردُّ به رواياتهم (^٣).\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ٧٧) وابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/ ٦٩)، وساقا إسناده. ولم أجده في مظانّه.\n(^٢) رواه سعيد بن منصور كما في «الكافي» لابن قدامة (٢/ ١٦) وعبد الرزاق (١٤٨١٣) والدارقطني (٣٠٠٣) والبيهقي (٥/ ٣٣٠).\n(^٣) د: «رواياتهم به».","vol":"4","page":56},{"text":"وأيضًا فإن هذه المرأة معروفة، واسمها العالية (^١)، وهي جدة إسرائيل، كما رواه حرب (^٢) من حديث إسرائيل: حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية، يعني جدة إسرائيل؛ فإنه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، والعالية امرأة أبي إسحاق ووالدة يونس (^٣)، وقد حملا عنها هذه السنة، وإسرائيل أعلم بجدته وأبو إسحاق أعلم (^٤) بامرأته.\nوأيضًا فلم يُعرف أحد قطُّ من التابعين أنكر على العالية هذا الحديث ولا قدح فيها من أجله، ويستحيل في العادة أن تروي حديثًا باطلًا ويشتهر في الأمة ولا ينكره عليها منكر.\nوأيضًا فإن في (^٥) الحديث قصةً، وعند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلَّهم على أنه محفوظ. قال أبو إسحاق: حدثتني امرأتي العالية، قالت: دخلت على عائشة في نسوة، فقالت: ما (^٦) حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة، [٥٦/ب] فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جاريةً لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد بيعها فابتعتُها منه\n_________\n(^١) انظر ترجمتها في: «الطبقات الكبرى» (٨/ ٤٨٧) و«الثقات» لابن حبان (٥/ ٢٨٩).\n(^٢) ذكره من طريقه ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ٧٧).\n(^٣) في النسختين: «وجدة يونس»، خطأ. وانظر: «الثقات» (٥/ ٢٨٩).\n(^٤) «أعلم» ليست في ز.\n(^٥) «في» ساقطة من ز.\n(^٦) «ما» ليست في النسختين. والمثبت من «بيان الدليل».","vol":"4","page":57},{"text":"بستمائة درهم نقدًا، فأقبلتْ عليها وهي غضبى، فقالت: بئسما شريتِ، وبئسما اشتريتِ، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب، وأفحمت صاحبتنا فلم تكلّم طويلًا، ثم إنها سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلَتْ عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (^١).\nوأيضًا فهذا الحديث إذا انضمَّ إلى تلك الأحاديث والآثار أفادت بمجموعها الظن الغالب إن لم تفد اليقين.\nوأيضًا فإن آثار الصحابة كما تقدم موافِقةٌ لهذا الحديث، مشتقَّة منه، مفسِّرة له.\nوأيضًا فلو لم يأتِ في هذه المسألة أثر لكان محضُ القياس ومصالح العباد وحكمة الشريعة تحريمها أعظم من تحريم الربا، فإنها ربا مستحلّ بأدنى الحيل.\nوأيضًا فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله، وبالغت في تحريمه، وآذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله، أن تُبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة؟ ولولا أن عند أم المؤمنين - ﵂ - علمًا من رسول الله - ﷺ - لا تستريب فيه ولا تشكُّ بتحريم مسألة العينة لما أقدمتْ على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها، لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة، واستحلال الربا ردة، ولكن عذر زيدٍ أنه لم يعلم أن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":58},{"text":"هذا محرم، كما عُذِر ابن عباس بإباحته بيعَ الدرهم بالدرهمين (^١)، وإن لم يكن قصدها هذا، بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، ويصير بمنزلة من عمل حسنةً وسيئةً بقدرها فكأنه لم يعمل شيئًا، ولو كان هذا اجتهادًا منها لم تمنع زيدًا منه، ولم تحكم ببطلان جهاده، ولم تَدْعُه إلى التوبة؛ فإن الاجتهاد لا يحرِّم الاجتهاد، ولا يُحكَم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، والصحابة ــ ولا سيما أم المؤمنين ــ أعلم بالله ورسوله، وأفقه في دينه من ذلك.\nوأيضًا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم مسألة العِينة (^٢)، وغلَّظوا فيها هذا التغليظ في أوقات ووقائع مختلفة؛ فلم يجئ عن واحد من الصحابة ولا التابعين الرخصة فيها، فيكون إجماعًا.\nفإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومن ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد.\nقيل: لم يقل زيد قطُّ إن هذا حلال، ولا أفتى بها يومًا ما، ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله؛ إذ لعله فعله ناسيًا أو ذاهلًا أو غيرَ متأمل ولا ناظر أو متأولًا أو ذنبًا يستغفر منه ويتوب أو يصرُّ عليه وله حسنات تقاومه، فلا تؤثّر شيئًا. قال بعض السلف (^٣): [أضعفُ] (^٤) العلمِ علم الرؤية، يعني أن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدم تخريجه\n(^٣) بنحوه قال عطاء الخراساني. ذكره ابن عبد البر في «الجامع» (١٤٤٧).\n(^٤) الزيادة من «بيان الدليل» (ص ٧٩) المصدر الذي نقل عنه المؤلف، وبها يستقيم المعنى.","vol":"4","page":59},{"text":"يقول: رأيت فلانًا يفعل كذا وكذا؛ ولعله قد فعله ساهيًا. وقال إياس بن معاوية: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سَلْه [٥٧/أ] يصدقك (^١).\nولم يُذكر عن زيد أنه أقام على هذه المسألة بعد إنكار عائشة، وكثيرًا ما يفعل الرجل الكبير الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة فإذا نُبِّه انتبه. وإذا كان الفعل محتملًا لهذه الوجوه وغيرها لم يجز أن يقدَّم على المحكم، ولم يجز أن يقال: مذهب زيد بن أرقم جواز العِينة، لا سيما وأم ولده قد دخلت على عائشة تستفتيها وأفتَتْها بأخذ رأس مالها، وهذا كله يدل على أنهما لم يكونا جازمين بصحة العقد وجوازه، وأنه مما أباحه الله ورسوله.\nوأيضًا فبيع العينة إنما يقع غالبًا من مضطرٍّ إليها، وإلا فالمستغني عنها لا يَشْغَل ذمته بألف وخمسمائة في مقابلة ألف بلا ضرورة وحاجةٍ تدعو إلى ذلك، وقد روى أبو داود (^٢) من حديث علي: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع المضطرّ، وبيع الغَرر، وبيع الثمرة قبل أن تُدرك.\nوفي «مسند الإمام أحمد» (^٣) عنه قال: سيأتي على الناس زمان عَضوضٌ يَعَضُّ الموسِرُ على ما في يديه، ولم يؤمَرْ (^٤) بذلك، قال الله تعالى:\n_________\n(^١) رواه القاضي وكيع في «أخبار القضاة» (١/ ٣٥٠) والسهمي في «تاريخ جرجان» بنحوه (ص ٢١٣).\n(^٢) رقم (٣٣٨٢). ورواه أيضًا أحمد (٩٣٧) ــ كما سيأتي ــ والبيهقي (٥/ ٨٤) من حديث علي - ﵁ -. وفي إسناده أبو عامر المزني واسمه صالح بن رُستم متكلم فيه، وكذلك فيه راوٍ لم يسم.\n(^٣) تقدم تخريجه آنفًا.\n(^٤) د: «ولم يؤثر»، تصحيف.","vol":"4","page":60},{"text":"﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ويَنْهَدُ الأشرار، ويُستذلُّ الأخيار، ويُبايَعُ (^١) المضطرون، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع المضطرّ، وعن بيع الغَرر، وبيع الثمر قبل أن يطعم.\nوله شاهد من حديث حذيفة عن النبي - ﷺ - رواه سعيد (^٢) عن هُشيم عن كوثر بن حكيم عن مكحول: بلغني عن حذيفة أنه حدّث عن رسول الله - ﷺ -: «إن بعد زمانكم هذا زمانًا عَضوضًا، يعضُّ الموسر على ما في يديه، ولم يُؤمر (^٣) بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، ويَنْهَد شرار خلق الله، يبايعون كلَّ مضطر، ألا إنّ بيعَ المضطرّ حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه، إن كان عندك خير فعُدْ به على أخيك، ولا تزِدْه هلاكًا إلى هلاكه».\nوهذا من دلائل النبوة، فإن عامة العِينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضِنُّ بها (^٤) عليه الموسر بالقرض حتى يربح عليه في المائة ما أحب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو\n_________\n(^١) في النسختين: «ويباع». والتصويب من «المسند».\n(^٢) رواه سعيد بن منصور كما في «المحلى» (٩/ ٢٢) و«بيان الوهم والإيهام» (٢/ ١٥٨) وأبو يعلى كما في «المطالب العالية» (٩٦٧). وفي إسناده كوثر بن حكيم متكلم فيه، وكذلك الانقطاع بين مكحول وحذيفة. قال ابن كثير في «تفسيره» (٦/ ٥٢٣): هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف. وانظر: «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٢/ ١٥٨).\n(^٣) في النسختين: «ولم يؤثر». والتصويب من مصادر التخريج و«بيان الدليل».\n(^٤) ز: «يصرفها»، تحريف.","vol":"4","page":61},{"text":"التورُّق، وإن رجعتْ إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلِّل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، وأخفُّها التورُّق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز، وقال: هو آخِيَةُ الربا (^١). وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه - ﵁ -، فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر.\nوكان شيخنا - ﵁ - يمنع من مسألة التورُّق، ورُوجع فيها وأنا حاضر مرارًا، فلم يرخِّص فيها (^٢)، وقال: المعنى الذي لأجله حُرِّم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها؛ فالشريعة لا تحرّم الضرر الأدنى وتُبيح ما هو أعلى منه. [٥٧/ب] وقد تقدَّم الاستدلال على تحريم العينة بقوله - ﷺ -: «لا يحلُّ سلفٌ وبيع، ولا شرطانِ في بيع» (^٣)، وبقوله: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسُهما أو الربا» (^٤)، وأن ذلك لا يمكن وقوعه إلا على العِينة.\nومما يدلُّ على تحريم الحيل قوله - ﷺ -: «صيدُ البرّ لكم حلال، ما لم تَصيدوه أو يُصَدْ لكم». رواه أهل السنن (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «بيان الدليل» (ص ٨٢). وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٢٠١٥٨) قوله في العِينة إنها أخت الربا.\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٠٢، ٣٠٣، ٤٣١، ٤٣٤، ٤٣٩، ٤٤٦، ٥٠٠، ٥٠٢).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه أبو داود (٣٤٦١)، وابن حبان (٤٩٧٤)، والحاكم (٢/ ٤٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ - وصححاه، وحسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٣٢٦).\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":62},{"text":"ومما يدلُّ على تحريمها ما رواه ابن ماجه في «سننه» (^١) عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منّا يُقرِض أخاه المالَ فيُهدي إليه، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أقرضَ أحدكم قرضًا فأُهدِي إليه أو حمله على الدابة فلا يركَبْها ولا يقبَلْه إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك». رواه من حديث إسماعيل بن عيّاش عن عُتبة بن حُميد الضبّي عن يحيى.\nقال شيخنا (^٢) - ﵁ -: وهذا يحيى بن يزيد الهُنَائي من رجال مسلم، وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائي. قال أبو حاتم مع تشدده: هو صالح الحديث. وقال أحمد: ليس بالقوي (^٣). وإسماعيل بن عيّاش ثقة في حديثه عن الشاميين (^٤).\nورواه سعيد في «سننه» (^٥) عن إسماعيل بن عيّاش، لكن قال: عن يزيد بن أبي إسحاق (^٦) الهُنائي عن أنس عن النبي - ﷺ -. وكذلك رواه البخاري في «تاريخه» (^٧) عن يزيد بن أبي يحيى الهُنائي عن أنس يرفعه: «إذا\n_________\n(^١) رقم (٢٤٣٢). وقد تقدم تخريجه.\n(^٢) في «بيان الدليل» (ص ٢٦٢).\n(^٣) انظر لهذين القولين: «الجرح والتعديل» (٦/ ٣٧٠).\n(^٤) انظر: «تاريخ بغداد» (٧/ ١٨٦) و«تهذيب الكمال» (٣/ ١٦٣).\n(^٥) ومن طريقه البيهقي (٥/ ٣٥٠).\n(^٦) كذا في النسختين، وفي البيهقي و«بيان الدليل»: «يزيد بن أبي يحيى».\n(^٧) الذي وجدته في «التاريخ الكبير» (٨/ ٣١٠): «يحيى بن يزيد أبو يزيد الهنائي، بصري، سمع أنس بن مالك، قاله شعبة. وقال خلف بن خليفة: كنيته أبو نصر. قاله لنا آدم نا شعبة سمع يحيى بن يزيد: قلت لأنس في الرجل يكون له الدين، قال: لا يرتدف خلف دابته. وقال أبو معاوية عن أبي قلابة عن أنس عن النبي - ﷺ -، وهو خطأ».","vol":"4","page":63},{"text":"أقرض أحدكم فلا يأخذ هدية». قال شيخنا (^١): وأظنه هو ذاك، انقلب اسمه.\nوفي «صحيح البخاري» (^٢) عن أبي بُرْدَة بن أبي موسى قال: قدمتُ المدينة، فلقيتُ عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ، فإذا كان لك على رجل حقٌّ فأهدى إليك حِمْلَ تِبْنٍ أو حِملَ شعيرٍ أو حِملَ قَتٍّ فلا تأخذه فإنه ربًا».\nوفي «سنن سعيد» هذا المعنى عن أبي بن كعب (^٣)، وجاء عن ابن مسعود أيضًا (^٤). وأتى رجل عبدَ الله بن عمر فقال: إني أقرضتُ رجلًا بغير معرفة فأهدى إليَّ هدية جَزْلةً، فقال: رُدَّ إليه هديَّتَه أو احْسُبْها له (^٥). وقال سالم بن أبي الجعد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أقرضتُ رجلًا يبيع السمك عشرين درهمًا، فأهدى لي سمكةً قوَّمتُها بثلاثة عشر درهمًا، فقال: خذْ منه سبعةَ دراهم (^٦)، ذكرهما سعيد. وذكر حرب عن ابن عباس: إذا\n_________\n(^١) في «بيان الدليل» (ص ٢٦٣).\n(^٢) رقم (٣٨١٤).\n(^٣) ورواه عبد الرزاق (١٤٦٥٢) والبيهقي (٥/ ٣٤٩)، وفي إسناده كلثوم بن الأقمر، قال ابن المديني فيه: مجهول. انظر: «ميزان الاعتدال» (٣/ ٤١٢).\n(^٤) رواه البيهقي (٥/ ٣٥٠)، وأعلّه بالانقطاع؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن مسعود - ﵁ -.\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٤٦٥٤)، وإسناده منقطع؛ لأن أبا إسحاق السبيعي لم يسمع من ابن عمر - ﵄ -.\n(^٦) رواه البيهقي (٥/ ٣٤٩).","vol":"4","page":64},{"text":"أسلفتَ رجلًا سلفًا فلا تأخذ منه هدية ولا عارية ركوب دابة (^١).\nفنهى النبي - ﷺ - هو وأصحابه المقرِضَ عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء؛ لأن المقصود بالهدية أن يؤخّر الاقتضاء وإن كان لم يشترط ذلك سدًّا لذريعة الربا، فكيف تجوز الحيلة على الربا؟ ومن لم يَسُدَّ الذرائع ولم يُراعِ المقاصد ولم يحرِّم الحيل يبيح ذلك كله، وسنة رسول الله - ﷺ - وهَدْي أصحابه أحقُّ أن يتبع. وقد تقدم تحريمُه السلفَ والبيعَ لأنه يُتخذ حيلةً إلى الربا.\nويدل على تحريم الحيل الحديث الصحيح، وهو قوله - ﷺ -: «لا يُجمَع بين متفرق ولا يُفرَّق بين مجتمع خشيةَ الصدقة» (^٢). وهذا نصٌّ في تحريم الحيلة المفضية إلى [٥٨/أ] إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق، فإذا باع بعض النصاب قبل تمام الحول تحيُّلًا على إسقاط الزكاة فقد فرّق بين المجتمع، فلا تسقط الزكاة عنه بالفرار منها.\nومما يدلُّ على تحريمها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، قال المفسرون من السلف ومن بعدهم: لا تُعطِ عطاء تطلب أكثر منه، وهو أن تُهدِي ليُهدَى إليك أكثر مما أهديتَ.\nوهذا كله يدلُّ على أن صور العقود غير كافية في حِلّها وحصول أحكامها إلا إذا لم يقصد بها قصدًا فاسدًا، وكلُّ ما لو شرطه في العقد كان\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٤٦٥٠) وابن أبي شيبة (٢١٠٥٨).\n(^٢) رواه البخاري (١٤٥٠) من حديث أبي بكر - ﵁ -.","vol":"4","page":65},{"text":"حرامًا فاسدًا فقصده حرام فاسد، واشتراطه إعلان وإظهار للفساد، وقصده ونيته غِشٌّ وخداع ومكر؛ فقد يكون أشدَّ فسادًا من الاشتراط ظاهرًا من هذه الجهة، والاشتراط الظاهر أشدُّ فسادًا منه من جهة إعلان المحرَّم وإظهاره.\nومما يدّل على التحريم أن أصحاب رسول الله - ﷺ - أجمعوا على تحريم هذه الحيل وإبطالها، وإجماعهم حجة قاطعة، بل هي من أقوى الحجج وآكدِها، ومن جعلهم بينه وبين الله فقد استوثق لدينه.\nبيان المقدمة الأولى أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خطب الناس على منبر رسول الله - ﷺ - وقال: «لا أُوتَى بمحلِّلٍ ولا محلَّلٍ له إلا رجمتُهما» (^١). وأقرَّه سائر الصحابة على ذلك، وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا تَحِلُّ بنكاح التحليل (^٢).\nوقد تقدم عن غير واحد من أعيانهم كأُبيّ وابن مسعود وعبد الله بن سلام وابن عمر وابن عباس أنهم نَهَوا المقرِض عن قبول هدية المقترض، وجعلوا قبولها ربًا.\nوقد تقدم عن عائشة وابن عباس وأنس تحريم مسألة العينة، والتغليظ فيها، وأفتى عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة أن المبتوتة في مرض الموت ترِث (^٣)، ووافقهم سائر المهاجرين والأنصار من\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٠٧٧٧)، وابن أبي شيبة (١٧٣٦٣).\n(^٢) قول عثمان رواه البيهقي (٧/ ٢٠٨)، وقول علي وابن عباس عند عبد الرزاق (١٠٨٠٣، ١٠٧٧٩)، وقول ابن عمر عند ابن أبي شيبة (١٧٣٦٥).\n(^٣) أما فتوى عمر وعثمان فرواهما عبد الرزاق (١٢٢٠١، ١٢١٩١)، وأما فتوى علي وأُبي بن كعب فرواهما ابن أبي شيبة (١٩٣٨١، ١٩٣٧٣).","vol":"4","page":66},{"text":"أهل بدر وبيعة الرضوان ومن عداهم.\nوهذه وقائع متعددة لأشخاص متعددة في أزمان متعددة، والعادة توجب اشتهارها وظهورها بينهم، لا سيما وهؤلاء أعيان المفتين من الصحابة الذين كانت تُضبط أقوالهم، ويُنتَهى إلى (^١) فتاويهم، والناس عنق واحد إليهم متلقُّون لفتاويهم، ومع هذا فلم يحفظ عن أحد منهم إلا الإنكار، ولا إباحة الحيل مع تباعد الأوقات وزوال أسباب السكوت. وإذا كان هذا قولهم في التحليل والعينة وهدية المقترض إلى المقرِض فماذا يقولون في التحيُّل لإسقاط حقوق المسلمين، بل لإسقاط حقوق رب العالمين، وإخراجِ الأبضاع والأموال عن مِلك أربابها، وتصحيحِ العقود الفاسدة والتلاعب بالدين؟ وقد صانهم الله سبحانه أن يروا في وقتهم من يفعل ذلك أو يفتي به، كما صانهم عن رؤية الجهمية والمعتزلة [٥٨/ب] والحلولية والاتحادية وأضرابهم، وإذا ثبت هذا عنهم فيما ذكرنا من الحيل فهو دليل على قولهم فيما هو أعظم منها.\nوأما المقدمة الثانية فكلُّ من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله ثم أنصفَ لم يشكَّ أن تقرير هذا الإجماع منهم على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يُدَّعى فيه إجماعهم، كدعوى إجماعهم على عدم وجوب غسل الجمعة، وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد، وعلى الإلزام بالطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وأمثال ذلك. فإذا وازنتَ بين هذا الإجماع وتلك الإجماعات\n_________\n(^١) د: «وتنتهي إليهم».","vol":"4","page":67},{"text":"ظهر لك التفاوتُ، وانضم إلى هذا أن التابعين موافقون لهم على ذلك؛ فإن الفقهاء السبعة وغيرهم من فقهاء المدينة الذين أخذوا عن زيد بن ثابت وغيره متفقون على إبطال الحيل، وكذلك أصحاب عبد الله بن مسعود من أهل الكوفة، وكذلك أصحاب فقهاء البصرة كأيوب وأبي الشعثاء والحسن وابن سيرين، وكذلك أصحاب ابن عباس.\nوهذا في غاية القوة من الاستدلال، فإنه انضمَّ إلى كثرة فتاويهم بالتحريم في أفراد هذا الأصل وانتشارها أن عصرهم انصرم، ورقعة الإسلام متسعة، وقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، وقد اتسعت الدنيا على المسلمين أعظمَ اتساع، وكثر من كان يتعدَّى الحدود، وكان المقتضي لوجود هذه الحيل موجودًا، فلم يُحفظ عن رجل واحد منهم أنه أفتى بحيلة واحدة منها وأمر بها أو دلّ عليها، بل المحفوظ عنهم النهي والزجر عنها؛ فلو كانت هذه الحيل مما يسوغ فيها الاجتهاد لأفتى بجوازها رجل منهم، ولكانت مسألة نزاعٍ كغيرها، بل أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم متفقة على تحريمها والمنع منها، ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسنة في الإنكار.\nقال الإمام أحمد في رواية موسى بن سعيد الدَّنداني (^١): لا يجوز شيء من الحيل (^٢). وقال في رواية الميموني وقد سأله عمن حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، فقال: نحن لا نرى الحيلة (^٣). وقال في رواية بكر بن\n_________\n(^١) ز: «الديرانى» بالراء وبدون نقط. وانظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ٣٣٢) و«الأنساب» (٥/ ٣٤٦).\n(^٢) انظر: «إبطال الحيل» (ص ١١٣) و«طبقات الحنابلة» (١/ ٣٣٢).\n(^٣) انظر: «إبطال الحيل» (ص ١١١) و«طبقات الحنابلة» (١/ ٢١٥).","vol":"4","page":68},{"text":"محمد: إذا حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها فقد صار إلى ذلك الذي حلف عليه بعينه. وقال: من احتال بحيلة فهو حانث (^١). وقال في رواية صالح وأبي الحارث وقد ذكر قول أصحاب الحيل فأنكره (^٢). وقال في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سئل عمن احتال في إبطال الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق امرئ مسلم (^٣). وقال في رواية أبي طالب وغيره في الرجل يحلف وينوي غير ذلك: فاليمين على نية ما يُحلِّفه عليه صاحبه إذا لم يكن مظلومًا، فأما إذا كان مظلومًا حلف على نيته، ولم يكن عليه من نية الذي حَلَّفه شيء (^٤). وقال في رواية عبد الخالق بن منصور: من كان عنده كتاب الحيل في بيته يفتي به فهو كافر بما أنزل الله على محمد - ﷺ - (^٥).\n[٥٩/أ] قلت: والذين ذكروا الحيل لم يقولوا إنها كلها جائز، وإنما أخبروا أن كذا حيلةٌ وطريق إلى كذا، ثم قد تكون الطريق محرمة، وقد تكون مكروهة، وقد يُختلف فيها، فإذا قالوا (^٦):\nالحيلة في فسخ المرأة النكاحَ أن ترتدّ ثم تسلم.\n_________\n(^١) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص ١١١)، وانظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ١٢٠).\n(^٢) انظر «بيان الدليل» (ص ٥٦، ٥٧).\n(^٣) انظر: «بيان الدليل» (ص ٢٨).\n(^٤) لم أقف على هذه الرواية.\n(^٥) انظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ٢١٨) و«بيان الدليل» (ص ١٤٠).\n(^٦) جواب الشرط: «فهذه الحيل ...» بعد صفحتين عند الانتهاء من ذكر الحيل.","vol":"4","page":69},{"text":"والحيلة في سقوط القصاص عمن قتل أم امرأته أن يقتل امرأته إذا كان لها ولد منه.\nوالحيلة في سقوط الكفارة عمن أراد الوطء في رمضان أن يتغدّى ثم يطأ بعد الغداء.\nوالحيلة لمن أرادت (^١) أن تفسخ نكاح زوجها أن تُمكِّن ابنَه من الوقوع عليها.\nوالحيلة لمن أراد أن يفسخ نكاح امرأته ويحرِّمها عليه (^٢) على التأبيد أن يطأ حماتَه أو يقبِّلها.\nوالحيلة لمن أراد سقوط حدّ الزنا عنه أن يَسْكَر ثم يزني.\nوالحيلة لمن أراد سقوط الحج عنه مع قدرته عليه أن يُملِّك مالَه لابنه أو زوجته عند خروج الركْب، فإذا أبعدَ استردَّ ماله.\nوالحيلة لمن أراد حرمانَ وارثه ميراثَه أن يُقِرَّ بماله كله لغيره عند الموت.\nوالحيلة لمن أراد إبطال الزكاة وإسقاط فرضها عنه بالكلية أن يُملِّك مالَه عند الحول لابنه أو امرأته أو أجنبيٍّ ساعةً من زمان ثم يستردّه منه، ويفعل هكذا كلَّ عام، فيبطل فرض الزكاة عنه أبدًا.\nوالحيلة لمن أراد أن يَملِك مال غيره بغير رضاه أن يُفسِده عليه أو يغيِّر\n_________\n(^١) ز: «أراد».\n(^٢) ز: «وتحريمها».","vol":"4","page":70},{"text":"صورته فيملكه، فيذبح شاته، ويشقُّ قميصه، ويطحن حبَّه ويخبزه، ونحو ذلك.\nوالحيلة لمن أراد قتل غيره ولا يُقتَل به أن يضربه بدَبُّوسٍ (^١) أو مِرزَبة (^٢) حديدٍ يَنثُر دماغَه فلا يجب عليه قصاص.\nوالحيلة لمن أراد أن يزني بامرأة ولا يجب عليه الحد أن يستأجرها لكَنْسِ بيته أو لطَيِّ ثيابه أو لغَسْلها أو لنقْلِ متاع من مكان إلى مكان، ثم يزني بها ما شاء مجَّانًا بلا حدّ ولا غرامة، أو يستأجرها لنفس الزنا.\nوالحيلة لمن أراد أن يسقط عنه حدّ السرقة أن يدَّعي أن المال له أو أنّ له فيه شركةً فيسقط القطع عنه بمجرد دعواه، أو يَنْقُب الدار ثم يَدَعُ غلامه أو ابنه أو شريكه يدخل يُخرج المتاع، أو يدعه على ظهر دابة تخرج به، ونحو ذلك.\nوالحيلة لمن أراد سقوط حدّ الزنا عنه بعد أن يشهد به عليه أربعة عدول غير متهمين أن يصدِّقهم، فيسقط عنه الحدُّ بمجرد تصديقهم.\nوالحيلة لمن أراد قطعَ يد غيره ولا يُقطَع بها أن يمسك هو وآخر السكِّين أو السيف ويقطعانها معًا.\nوالحيلة لمن أرادت التخلُّف عن زوجها في السفر أن تُقِرَّ لغيره بدين.\nوالحيلة لمن أراد الصيد في الإحرام أن ينصِبَ الشِّباكَ قبل أن يُحرِم ثم يأخذ ما وقع فيها حالَ إحرامه بعد أن يحلَّ.\n_________\n(^١) عمود على شكل هراوةٍ مُدَمْلكةِ الرأس.\n(^٢) مطرقة كبيرة تُضرب بها الحجارة.","vol":"4","page":71},{"text":"فهذه الحيل وأمثالها لا يحلُّ لمسلمٍ أن يفتي بها في دين الله، ومن استحلَّ الفتيا بها فهو الذي كفَّره الإمام أحمد وغيره من الأئمة، حتى قالوا: إن من أفتى بهذه الحيل فقد قلبَ الإسلام ظهرًا لبطنٍ، ونقضَ عُرى الإسلام عروةً عروةً. وقال بعض أهل الحيل (^١): ما نَقَموا علينا من أنّا عَمَدنا إلى أشياء كانت [٥٩/ب] حرامًا عليهم فاحتلْنا فيها حتى صارت حلالًا. وقال آخر منهم: إنا نحتال للناس منذ كذا وكذا سنة في تحليل ما حرَّم الله عليهم.\nقال أحمد بن زهير بن مروان: كانت امرأة هاهنا بمَروْ أرادت أن تختلع من زوجها، فأبى زوجها عليها، فقيل لها: لو ارتددتِ عن الإسلام لبِنْتِ منه، ففعلتْ، فذكرتُ ذلك لعبد الله بن المبارك، فقال: من وضع هذا الكتاب فهو كافر، ومن سمع به ورضي به فهو كافر، ومن حمله من كُورةٍ إلى كُورةٍ فهو كافر، ومن كان عنده فرضي به فهو كافر.\nوقال إسحاق بن راهويه: عن شقيق بن عبد الملك أن ابن المبارك قال في قصة بنت أبي رَوْح حيث أُمِرت بالارتداد، وذلك في أيام أبي غسَّان، فذكر شيئًا، ثم قال ابن المبارك وهو مغضب: أحدثوا في الإسلام، ومن كان أمر بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو هَوِيه ولم يأمر به فهو كافر. ثم قال ابن المبارك: ما أرى الشيطان كان يُحسِن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم فأشاعها حينئذٍ، أو كان يحسنها ولم يجد من يُمضِيها فيهم حتى جاء هؤلاء.\n_________\n(^١) كما في «بيان الدليل» (ص ١٣٨). والأقوال الآتية كلها نقلها المؤلف منه، وقد عزاها شيخ الإسلام إلى أبي بكر الخلال في «العلم».","vol":"4","page":72},{"text":"وقال إسحاق الطَّالَقاني: قيل يا أبا عبد الرحمن إن هذا الكتاب وضعه إبليس، قال: إبليسٌ من الأبالسة.\nوقال النضْر بن شُمَيل: في كتاب «الحيل» ثلاثمائة وعشرون أو ثلاثون مسألة كلها كفر.\nوقال أبو حاتم الرازي: قال شَرِيك ــ يعني ابن عبد الله قاضي الكوفة ــ وذُكِر له كتاب «الحيل»، فقال: من يُخادع الله يخدَعْه.\nوقال حفص بن غياث: ينبغي أن يُكتب عليه كتاب الفجور.\nوقال إسماعيل بن حماد: قال القاسم بن معن ــ يعني ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قاضي الكوفة ــ: كتابكم هذا الذي وضعتموه في الحيل كتاب الفجور.\nوقال حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: ويلَهم، مَن يخدعون؟ يعني أصحاب الحيل.\nوقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: سمعت يزيد بن هارون يقول: لقد أفتى أصحاب الحيل بشيء (^١) لو أفتى به اليهودي والنصراني كان قبيحًا، [أتى رجل إلى صاحب الحيل] (^٢) فقال: إني حلفتُ أن لا أطلِّق امرأتي بوجه من الوجوه، وإنهم قد بذلوا لي مالًا كثيرًا، فقال له: قبِّلْ أمَّها، فقال يزيد بن هارون: ويلَه، يأمره أن يقبِّل امرأةً أجنبية!\nوقال حُبَيش بن سِندي: سئل أبو عبد الله ــ يعني الإمام أحمد ــ عن\n_________\n(^١) ز: «في شيء».\n(^٢) زيادة من «بيان الدليل» ليستقيم السياق ويظهر مرجع الضمير في «فقال» الثانية.","vol":"4","page":73},{"text":"الرجل يشتري جارية ثم يُعتقها من يومه ويتزوَّجها، أيطؤها من يومه؟ فقال: كيف يطؤها من يومه وقد وطئها ذلك بالأمس؟ هذا من طريق الحيلة. وغضِب وقال: هذا أخبثُ قول.\nوقال رجل للفضيل بن عياض: يا أبا علي، استفتيتُ رجلًا في يمينٍ حلفتُ بها فقال لي: إن فعلتَ كذا حنثتَ، وأنا أحتال لك حتى تفعل ولا تحنثَ. فقال له الفضيل: تعرف الرجل؟ قال: نعم، قال: ارجعْ فاستثبِتْه، فإني أحسبه شيطانًا شُبِّه لك في صورة إنسان (^١).\nوإنما قال هؤلاء الأئمة وأمثالهم هذا الكلام في هذه الحيل لأن فيها الاحتيالَ على تأخير صوم رمضان، وإسقاط [٦٠/أ] فرائض الله تعالى من الحج والزكاة، وإسقاط حقوق المسلمين، واستحلال ما حرَّم الله من الربا والزنا، وأخذ أموال الناس وسَفْك دمائهم، وفسخ العقود اللازمة، والكذب وشهادة الزور وإباحة الكفر، وهذه الحيل دائرة بين الكفر والفسق.\nولا يجوز أن تُنسب هذه الحيل إلى أحد من الأئمة، ومن نسبها إلى أحد منهم فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإسلام، وإن كان بعض هذه الحيل قد تنفُذُ على أصول إمامٍ بحيث إذا فعلها المتحيلُ نفذَ حكمها عنده، ولكن هذا أمرٌ غير الإذن فيها وإباحتها وتعليمها، فإن إباحتها شيء ونفوذها إذا فُعِلتْ شيء، ولا يلزم من كون الفقيه والمفتي لا يُبطِلها أن يبيحَها ويأذنَ فيها، وكثير من العقود يحرِّمها الفقيه ثم يُنفِذها ولا يُبطِلها، ولكن الذي نَدين الله به تحريمها وإبطالها وعدم تنفيذها، ومقابلة أربابها\n_________\n(^١) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص ١١٣، ١١٤)، وعزاه ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ١٤١) إلى ابن بطة في «مسألة خلع اليمين».","vol":"4","page":74},{"text":"بنقيضِ قصودهم موافقةً لشرع الله وحكمته وقدرته.\nوالمقصود أن هذه الحيل لا يجوز أن تُنسب إلى إمام؛ فإن ذلك قدحٌ في إمامته، وذلك يتضمن القدح في الأمة حيث ائتمَّتْ بمن لا يصلح للإمامة، وهذا غير جائز، ولو فُرِض أنه حُكي عن واحد من الأئمة بعضُ هذه الحيل المُجمَع على تحريمها فإما أن تكون الحكاية باطلة، أو يكون الحاكي لم يضبط لفظه فاشتبه عليه فتواه بنفوذها بفتواه بإباحتها مع بُعْدِ ما بينهما، ولو فُرِض وقوعها منه في وقت ما فلا بدَّ أن يكون قد رجع عن ذلك، وإن لم يُحمَل الأمر على ذلك لزم القدح في الإمام وفي جماعة المسلمين المؤتمِّين به، وكلاهما غير جائز.\nولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلُّم بكلمة الكفر لغرضٍ من الأغراض، إلا المُكْرَه إذا اطمأنَّ قلبه بالإيمان. ثم إن هذا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه أشدُّ؛ فإنهم لا يأذنون في كلمات وأفعال دون ذلك بكثير، ويقولون: إنها كفر، حتى قالوا: لو قال الكافر لرجل: إني أريد أن أُسلم، فقال: «اصبِرْ ساعة» فقد كفر، فكيف بالأمر بإنشاء الكفر؟ وقالوا: لو قال: «مُسَيجِد»، أو صغّر لفظ المصحف كفر.\nفعلمت أن هؤلاء المحتالين الذين يفتون بالحيل التي هي كفر أو حرام ليسوا بمقتدين بمذهب أحد من الأئمة، وأن الأئمة أعلم بالله ورسوله ودينه وأتقى له من أن يفتوا بهذه الحيل.\nوقد قال أبو داود في «مسائله» (^١): سمعت أحمد وذكر أصحاب\n_________\n(^١) (ص ٣٦٧).","vol":"4","page":75},{"text":"الحيل: يحتالون لنقض سنن رسول الله - ﷺ -.\nوقال في رواية أبي الحارث الصّائغ (^١) (^٢): هذه الحيل التي وضعوها عَمَدوا إلى السنن واحتالوا لنقضها، والشيء الذي قيل لهم إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلُّوه. قالوا: الرهن لا يحلُّ أن يستعمل، ثم قالوا: يحتال له حتى يستعمل، فكيف يحلُّ بحيلةٍ ما حرَّم الله ورسوله (^٣)؟ وقال - ﷺ -: «لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم، فأذابوها فباعوها وأكلوا أثمانَها» (^٤)، أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحم. [٦٠/ب] وقد لعن رسول الله - ﷺ - المحلِّل (^٥) والمحلَّل له (^٦).\nوقال في رواية ابنه صالح (^٧): عجبتُ مما يقول أرباب الحيل في الحيل في الأيمان، يُبطِلون الأيمان بالحيل وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]. وكان ابن عيينة يشتدُّ عليه أمر هذه الحيل.\n_________\n(^١) في المطبوع: «الصانع»، تحريف. انظر: «تاريخ بغداد» (٥/ ١٢٨) و«طبقات الحنابلة» (١/ ٧٤).\n(^٢) رواها ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص ١١٠) مختصرًا، وذكرها ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ٥٦، ٥٧) كما هنا.\n(^٣) «ورسوله» ليست في ز.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) في النسخ: «الحال».\n(^٦) تقدم تخريجه.\n(^٧) «مسائله» (٢/ ٤٨٦).","vol":"4","page":76},{"text":"وقال في رواية الميموني (^١) وقد سأله: إنهم يقولون في رجل حلف على امرأته وهي على درجة: إن صعدتِ أو نزلتِ فأنتِ طالق، قالوا (^٢): تُحمَل حملًا، فقال: هذا هو الحنثُ بعينه، ليس هذه حيلة، هذا هو الحنث. وقالوا: إذا حلف لا يطأُ بساطًا، يطأُ بساطينِ، وإذا حلف لا يدخل دارًا يُحمل. فأقبل أبو عبد الله يَعجَب.\nوقال أبو طالب (^٣): سمعت أبا عبد الله قال له رجل: في كتاب «الحيل»: إذا اشترى الرجل الأمة فأراد أن يقعَ بها، يُعتقها ثم يتزوجها. فقال أبو عبد الله: سبحان الله، ما أعجبَ هذا! أبطلوا كتاب الله والسنة، جعل الله على الحرائر العدةَ (^٤) من أجل الحمل، فليس من امرأة تُطلَّق أو يموت زوجها إلا تعتدُّ من أجل الحمل، ففرجٌ يوطأ يشتريه ثم يُعتقه على المكان فيتزوجها فيطؤها! فإن كانت حاملًا كيف يصنع؟ يطؤها رجلٌ اليوم ويطؤها الآخر غدًا؟ [هذا] (^٥) نقضٌ للكتاب والسنة، قال النبي (^٦) - ﷺ -: «لا تُوطأ الحاملُ حتى تضعَ، ولا غيرُ الحامل حتى تَحيضَ» (^٧). ولا يدري هي حامل أم لا، سبحان الله، ما أسمجَ هذا!\n_________\n(^١) انظر: «بيان الدليل» (ص ٢٨، ٢٩).\n(^٢) ز: «فقال»، خطأ.\n(^٣) كما في «بيان الدليل» (ص ٢٧٦، ٢٧٧).\n(^٤) د: «العدة على الحرائر».\n(^٥) زيادة من «بيان الدليل».\n(^٦) «النبي» ليست في د.\n(^٧) رواه أبو داود (٢١٥٧) من حديث أبي سعيد، وصححه الحاكم (٢/ ١٩٥) والألباني في «الإرواء» (١/ ٢٠٠).","vol":"4","page":77},{"text":"وقال محمد بن الهيثم (^١): سمعت أبا عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ يحكي عن محمد بن مقاتل (^٢) قال: شهدتُ هشامًا وهو يُقرئ كتابًا، فانتهى بيده إلى مسألة فجازها، فقيل له في ذلك، فقال: دعوه، وكره مكاني، فتطلعتُ في الكتاب، فإذا فيه: لو أن رجلًا لفَّ على ذكر فرجِه (^٣) حريرةً في شهر رمضان ثم جامع امرأته نهارًا فلا قضاء عليه ولا كفارة.\nفصل\nومما يدلّ على بطلان الحيل وتحريمها أن الله سبحانه إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما تتضمن من مصالح عباده في معاشهم ومعادهم؛ فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء الذي لا بدّ لهم منه والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به، فإذا احتال العبد على تحليل ما حرَّم الله وإسقاطِ ما فرض الله وتعطيلِ ما شرع الله كان ساعيًا في دين الله بالفساد من وجوه:\nأحدها: إبطاله ما في الأمر المحتال عليه من حكمة الشارع، ونقضُ حكمته فيه، ومناقضتُه له.\nوالثاني: أن الأمر المحتال به ليس له عنده حقيقة، ولا هو مقصوده، وهو ظاهر المشروع؛ فالمشروع ليس مقصودًا له، والمقصود له هو المحرَّم نفسه، وهذا ظاهرٌ كلَّ الظهور فيما قصد الشارع؛ فإن المرابي مثلًا مقصوده\n_________\n(^١) لم أجد هذه الرواية في مصدر آخر.\n(^٢) ز: «مقاتل بن محمد». والمثبت من د، وهو الصواب. انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» (٣/ ٢٧٥).\n(^٣) كذا في النسختين، وفي المطبوع: «ذكره».","vol":"4","page":78},{"text":"الربا المحرّم، وصورة البيع الجائز غير مقصودة له. وكذلك المتحيِّل على إسقاط الفرائض بتمليك ماله لمن لا يهَبه درهمًا واحدًا حقيقةُ مقصوده إسقاط الفرض، وظاهر الهبة المشروعة غير مقصودة له.\nالثالث: نسبته ذلك إلى الشارع الحكيم وإلى شريعته التي هي غذاءٌ للقلوب ودواؤها وشفاؤها، ولو أن رجلًا [٦١/أ] تحيَّل حتى قلب الدواء والغذاء (^١) إلى ضدّه، فجعل الغذاء دواء والدواء غذاء، إما بتغيير اسمه أو صورته مع بقاء حقيقته= لأهلكَ الناس. فمن عَمَد إلى الأدوية المُسهلة فغيَّر صورتها أو أسماءها وجعلها غذاء للناس، أو عَمَد إلى السموم القاتلة فغيَّر أسماءها وصورتها وجعلها أدويةً، أو إلى الأغذية الصالحة فغيَّر أسماءها وصورها؛ كان ساعيًا بالفساد في الطبيعة، كما أن هذا ساعٍ بالفساد في الشريعة؛ فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء والدواء للأبدان، وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصُوَرها.\nوبيان ذلك على وجه الإشارة أن الله سبحانه إنما حرَّم الزنا والربا وتوابعهما ووسائلهما؛ لما في ذلك من الفساد، وأباح البيع والنكاح وتوابعهما لأن ذلك مصلحة محضة، ولا بدَّ أن يكون بين الحلال والحرام فرق في الحقيقة، وإلا لكان البيع مثل الربا والنكاح مثل الزنا، ومعلوم أن الفرق في الصورة دون الحقيقة مُلغًى عند الله ورسوله وفي فِطَر عباده؛ فإن الاعتبار بالمقاصد والمعاني في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت ومعناها واحد كان حكمها واحدًا، فإذا اتفقت الألفاظ واختلفت المعاني كان حكمها مختلفًا، وكذلك الأعمال إذا اختلفت صورها واتفقت\n_________\n(^١) ز: «الغذاء والدواء».","vol":"4","page":79},{"text":"مقاصدها، وعلى هذه القاعدة يبنى الأمر والنهي والثواب والعقاب. ومن تأمَّل الشريعة علم بالاضطرار صحة هذا؛ فالأمر المحتال به على المحرَّم صورته صورة الحلال، وحقيقته ومقصوده حقيقة الحرام؛ فلا يكون حلالًا، فلا يترتَّب عليه أحكام الحلال فيقع باطلًا، والأمر المحتال عليه حقيقته حقيقة الأمر الحرام وإن لم تكن صورته صورته، فيجب أن يكون حرامًا لمشاركته للحرام في الحقيقة.\nويا لله العجب! أين القياس والنظر في المعاني المؤثّرة وغير المؤثّرة فرقًا وجمعًا؟ والكلام في المناسبات ورعاية المصالح وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه، وإبطال قول من علَّق الأحكام بالأوصاف الطردية التي لا مناسبة بينها وبين الحكم، فكيف يعلِّقه بالأوصاف المناسبة لضدّ الحكم؟ وكيف يعلِّق الأحكام على مجرد الألفاظ والصور الظاهرة التي لا مناسبة بينها وبينها، ويَدَعُ المعاني المناسبة المقتضية لها التي ارتباطُها بها كارتباط العلل العقلية بمعلولاتها؟ والعجب منه كيف ينكر مع ذلك على أهل الظاهر المتمسكين بظواهر كتاب ربهم وسنة نبيهم حيث لا يقوم دليل يخالف الظاهر، ثم يتمسك بظواهر أفعال المكلَّفين وأقوالهم حيث يعلم أن الباطن والقصد بخلاف ذلك؟ ويعلم لو تأمَّل حق التأمُّل أن مقصود الشارع غير ذلك.\nكما يقطع بأن مقصوده من إيجاب الزكاة سدُّ خَلَّة المساكين وذوي الحاجات وحصولُ المصالح التي أرادها بتخصيص هذه الأوصاف من حماية المسلمين والذبّ عن حَوزة الإسلام، [٦١/ب] فإذا أسقطها بالتحيُّل فقد خالف مقصود الشارع وحصل مقصود المتحيِّل، والواجب الذي لا","vol":"4","page":80},{"text":"يجوز غيره أن يحصل مقصود الله ورسوله ويبطل مقاصد المتحيلين المخادعين. وكذلك يعلم قطعًا أنه إنما حرّم الربا لما فيه من الضرر بالمحاويج، وأن مقصوده إزالة هذه المفسدة؛ فإذا أبيح التحيلُ على ذلك كان سعيًا في إبطال مقصود الشارع وتحصيلًا لمقصود المرابي.\nوهذه سبيل جميع الحيل المتوسَّل بها إلى تحليل الحرام وإسقاط الواجب، وبهذه الطريق تبطل جميعًا. ألا ترى أن المتحيِّل لإسقاط الاستبراء مُبطِل لمقصود الشارع من حكمة الاستبراء ومصلحته؛ فالمعين له على ذلك مفوِّتٌ لمقصود الشارع محلِّلٌ لمقصود المتحيِّل. وكذلك التحيُّل على إبطال حقوق المسلمين التي ملَّكَهم إياها الشارع وجعلهم أحقَّ بها من غيرهم إزالةً لضررهم وتحصيلًا لمصالحهم؛ فلو أباح التحيُّلَ لإسقاطها لكان عدم إثباتها للمستحقين أولى وأقلَّ ضررًا من أن يُثبِتها ويوصي بها ويبالغ في تحصيلها ثم يشرع التحيلَ لإبطالها وإسقاطها. وهل ذلك إلا بمنزلة من بنى بناء مشيدًا وبالغ في إحكامه وإتقانه، ثم عاد فنقضَه، وبمنزلة من أمر بإكرام رجل والمبالغة في برِّه والإحسان إليه وأداء حقوقه، ثم أباح لمن أمره أن يتحيل بأنواع الحيل لإهانته وترك حقوقه.\nولهذا يسيء الكفار والمنافقون ومن في قلوبهم المرض الظنَّ بالإسلام والشرع الذي بعث الله به (^١) رسوله، حيث ظنوا أن هذه الحيل مما جاء به الرسول، وعلموا مناقضتها للمصالح مناقضة ظاهرة ومنافاتَها لحكمة الرب وعدله ورحمته وحمايته وصيانته لعباده؛ فإنه نهاهم عما نهاهم عنه حميةً وصيانةً، فكيف يبيح لهم الحيل على ما حماهم عنه؟ وكيف يبيح لهم\n_________\n(^١) «به» ليست في ز.","vol":"4","page":81},{"text":"التحيُّلَ على إسقاط ما فرضه عليهم وعلى إضاعة الحقوق التي أحقَّها عليهم لبعضهم بعضًا لقيام مصالح النوع الإنساني التي لا تتمُّ إلا بما شرعه؟\nفهذه الشريعة شرعَها الذي علم ما في ضمنها من المصالح والحِكم والغايات المحمودة وما في خلافها من ضدّ ذلك، وهذا أمر ثابت لها لذاتها وبائنٌ من أمر الرب ﵎ بها ونهيه عنها، فالمأمور به مصلحة وحُسنٌ في نفسه، واكتسى بأمر الرب تعالى مصلحةً وحسنًا آخر، فازداد حسنًا بالأمر ومحبة الرب وطلبه له إلى حسنه في نفسه، وكذلك المنهيُّ عنه مفسدةٌ في نفسه، وازداد بنهي الرب تعالى عنه وبغضه له وكراهته له (^١) قبحًا إلى قبحه، وما كان هكذا لم يجز أن ينقلب حسنُه قبحًا بتغيُّر الاسم والصورة مع بقاء الماهية والحقيقة.\nألا ترى أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه حرَّم بيع الثمار قبل بُدوِّ صلاحها (^٢) لما فيه من مفسدة التشاجر والتشاحن (^٣)، ولما تؤدي إليه ــ إن منع الله الثمرة ــ من أكلِ مال أخيه [٦٢/أ] بغير حق ظلمًا وعدوانًا، ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بالتحيل على البيع قبل بدوِّ الصلاح؛ فإن الحيلة لا تؤثّر في زوال هذه المفسدة، ولا في تخفيفها، ولا في زوال ذرة منها؛ فمفسدة هذا العقد أمر ثابت له لنفسه، فالحيلة إن لم تزِده فسادًا لم تُزِلْ فسادًا.\nوكذلك شرع الله سبحانه الاستبراء لإزالة مفسدة اختلاط المياه وفساد\n_________\n(^١) «له» ليست في ز.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ز: «التشاحن والتشاجر».","vol":"4","page":82},{"text":"الأنساب وسَقْي الإنسان ماءه زرعَ غيرِه، وفي ذلك من الفساد ما توجب العقول تحريمه لو لم تأت به شريعة، ولهذا فطر الله الناس على استهجانه واستقباحه، ويرون من أعظم الهُجَنِ (^١) أن يقوم هذا عن المرأة ويَخلُفه الآخر عليها، ولهذا حرّم نكاح الزانية وأوجب العِدَد والاستبراء، ومن المعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بالحيلة على إسقاط الاستبراء ولا تَخِفُّ.\nوكذلك شرع الحج إلى بيته لأنه قِوامٌ للناس في معاشهم ومعادهم، ولو عُطِّل البيت الحرام عامًا واحدًا عن الحج لما أُمهل الناس، ولعوجلوا بالعقوبة، وتوعّد مَن ملك الزاد والراحلة ولم يحج بالموت على غير الإسلام (^٢)، ومعلوم أن التحيُّل لإسقاطه لا يُزيل مفسدةَ الترك، ولو أن الناس كلهم تحيَّلوا لترك الحج والزكاة لبطلت فائدة هذين الفرضين العظيمين، وارتفع من الأرض حكمهما بالكلية، وقيل للناس: إن شئتم كلُّكم أن تتحيّلوا لإسقاطهما فافعلوا. فليتصوَّر العبد ما في إسقاطهما من الفساد المضادِّ لشرع الله وإحسانه وحكمته.\nوكذلك الحدود جعلها الله سبحانه زواجرَ للنفوس وعقوبةً ونكالًا وتطهيرًا، فشرعها من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد، بل لا تتمُّ سياسة ملكٍ من ملوك الأرض إلا بزواجرَ وعقوباتٍ لأرباب الجرائم، ومعلوم ما في التحيُّل لإسقاطها من منافاة هذا الغرض وإبطاله، وتسليطِ\n_________\n(^١) جمع هُجْنة: العيب والقبح.\n(^٢) رواه الترمذي (٨١٢) من حديث علي - ﵁ -، وقال: حديث غريب، وأعلّه بهلال بن عبد الله والحارث الأعور.","vol":"4","page":83},{"text":"النفوس الشريرة على تلك الجنايات إذا علمتْ أن لها طريقًا إلى إبطال عقوباتها، وأنها تسقط تلك العقوبات بأدنى الحيل؛ فإنه لا فرق عندها البتةَ بين أن تعلم أنه لا عقوبةَ عليها فيها وبين أن تعلم أن لها عقوبةً وأن لها إسقاطَها بأدنى الحيل.\nولهذا احتاج البلد الذي تظهر فيه هذه الحيل إلى سياسة والٍ أو أميرٍ يأخذ على يد الجُناة ويكفُّ شرَّهم عن الناس إذا لم يمكن أربابَ الحيل أن يقوموا بذلك، وهذا بخلاف الأزمنة والأمكنة التي قام الناس فيها بحقائقِ ما بعث الله به رسوله؛ فإنهم لم يحتاجوا معها إلى سياسة أميرٍ ولا والٍ، كما كان أهل المدينة في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فإنهم كانوا يحدُّون بالرائحة وبالقيء وبالحبل وبظهور المسروق عند السارق، ويقتلون في القسامة، ويعاقبون أهلَ التُّهم، ولا يقبلون الدعوى التي تكذِّبها العادة والعرف، ولا يرون الحيل في شيء من الدين ويعاقبون [٦٢/ب] أربابها، ويحبِسون في التُّهم حتى تتبيَّن حالُ المتَّهم، فإن ظهرت براءته خلَّوا سبيله، وإن ظهر فجوره قرَّروه بالعقوبة اقتداءً بسنة رسول الله - ﷺ - في عقوبة المتهمين وحبسهم؛ فإن رسول الله - ﷺ - حبس في تهمةٍ وعاقب في تهمةٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى مِن ذكرِ ذلك عنه وعن أصحابه ما فيه شفاء وكفاية وبيان لإغناءِ ما جاء به عن كل والٍ وسائسٍ، وأن شريعته التي هي شريعته لا يُحتاج معها إلى غيرها، وإنما يَحتاج إلى غيرها من لم يُحِط بها علمًا أو لم يقم بها عملًا.\nوالمقصود أن ما في ضمن المحرَّمات من المفاسد والمأمورات من المصالح يمنع أن يشرع إليها التحيل بما يبيحها ويسقطها، وأن ذلك مناقضة","vol":"4","page":84},{"text":"ظاهرة. ألا ترى أنه بالغ في لعن المحلِّل للمفاسد الظاهرة والباطنة التي في التحليل التي يَعجِز البشر عن الإحاطة بتفاصيلها؛ فالتحيل على صحة هذا النكاح بتقديم اشتراط التحليل عليه وإخلاء صلبه عنه إن لم يَزِد مفسدتَه فإنه لا يُزِيلها ولا يخفِّفها. وليس تحريمه والمبالغة في لعن فاعله تعبُّدًا لا يُعقل معناه، بل هو معقول المعنى من محاسن الشريعة، بل لا يمكن شريعةَ الإسلام ولا غيرَها من شرائع الأنبياء أن تأتي بحيلة؛ فالتحيُّل على وقوعه وصحته إبطالٌ لغرض الشارع وتصحيحٌ لغرض المتحيِّل المخادع.\nوكذلك الشارع حرَّم الصيد في الإحرام وتوعَّد بالانتقام على من عاد إليه بعد تحريمه، لما فيه من المفسدة الموجبة لتحريمه وانتقام الربّ من فاعله، ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بنَصْب الشِّباك له قبل الإحرام بلحظة، فإذا وقع فيها حالَ الإحرام أخذه بعد الحلِّ بلحظة، فإباحته لمن فعل هذا إبطالٌ لغرض الشارع الحكيم (^١) وتصحيحٌ لغرض المخادع.\nوكذلك إيجاب الشارع الكفارة على من وطئ في نهار رمضان، فيه من المصلحة جَبْر وَهنِ الصوم، وزجر الواطئ، وتكفير جرمه، واستدراك فرطه (^٢)، وغير ذلك من المصالح التي علِمَها من شرعَ الكفارة وأحبَّها ورضيَها، فإباحةُ التحيُّلِ لإسقاطها بأن يتغدَّى قبل الجماع ثم يجامع نقضٌ لغرض الشارع وإبطال له، وإعمالٌ لغرض الجاني المتحيِّل وتصحيح له، ثم إن ذلك جناية على حقّ الله وحقّ العبيد؛ فهو إضاعة للحقَّين وتفويت لهما.\n_________\n(^١) «الحكيم» ليست في ز.\n(^٢) في النسختين: «ممارطه»، والمثبت من هامش د.","vol":"4","page":85},{"text":"وكذلك الشارع شرع حدود الجرائم التي تتقاضاها الطِّباع أشدَّ تقاضٍ، لما في إهمال عقوباتها من مفاسد الدنيا والآخرة، بحيث لا يمكن سياسةَ ملكٍ ما من الملوك أن يخلو عن عقوباتها البتةَ، ولا يقوم مُلكه بذلك، فالإذن في التحيُّل لإسقاطها بصورة العقد وغيره مع وجود تلك المفاسد بعينها أو أعظم منها نقضٌ وإبطال لمقصود الشارع، وتصحيح لمقصود الجاني، وإغراء بالفساد، وتسليط للنفوس على الشر.\nويا لله العجب! كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنا والمبالغة [٦٣/أ] في المنع منه وقتلُ فاعله شرَّ القتلات وأقبحها وأشنعها وأشهرها، ثم يسقط بالتحيل عليه بأن يستأجرها لذلك أو لغيره ثم يقضي غرضه منها؟ وهل يَعجِز عن ذلك زانٍ أبدًا؟ وهل في طباع ولاة الأمر أن يقبلوا قول الزاني: أنا استأجرتُها للزنا، أو استأجرتها لتطوِيَ ثيابي ثم قضيتُ غرضي منها، فلا يحلُّ لك أن تقيم عليَّ الحدَّ؟ وهل ركَّب الله في فِطَر الناس سقوطَ الحدّ عن هذه الجريمة التي هي من أعظم الجرائم إفسادًا للفراش والأنساب بمثل هذا؟ وهل يُسقِط الشارع الحكيم الحدَّ عمن أراد أن ينكح أمه وابنته (^١) وأخته بأن يعقد عليها العقد ثم يطأها بعد ذلك؟ وهل زاده صورةُ العقد المحرم إلا فجورًا وإثمًا واستهزاءً بدين الله وشرعه ولعبًا بآياته؟ فهل يليق به مع ذلك رفعُ هذه العقوبة عنه وإسقاطها بالحيلة (^٢) التي فعلها مضمومةً إلى فعل الفاحشة بأمه وابنته؟ فأين القياس وذكر المناسبات والعلل المؤثّرة والإنكار\n_________\n(^١) ز: «وبنته».\n(^٢) في النسختين: «بالحسنة» مع كتابة «كذا» فوقها، مما يدلُّ على الشك في صحتها. وفي المطبوعات: «بالحيلة»، وهي الصواب كما يدلّ عليها السياق.","vol":"4","page":86},{"text":"على الظاهرية؟ فهل بلغوا في التمسُّك بالظاهر عُشرَ معشارِ هذا؟ والذي يُقضَى منه العجب أن يقال: لا يُعتدُّ بخلاف المتمسكين بظاهر القرآن والسنة، ويُعتدُّ بخلاف هؤلاء، والله ورسوله منزَّهٌ عن هذا الحكم.\nويا لله العجب! كيف يسقط القطع عمن اعتاد سرقة أموال الناس، وكلما مُسِكَ معه المال المسروق قال: هذا مِلكي، والدار التي دخلها داري، والرجل الذي دخلتُ دارَه عبدي؟ قال أرباب الحيل: فيسقط عنه الحدّ بدعوى ذلك، فهل تأتي بهذا سياسةٌ قطُّ جائرة أو عادلة، فضلًا عن شريعة نبي من الأنبياء، فضلًا عن الشريعة التي هي أكمل شريعة طرقت العالم؟\nوكذلك الشارع أوجب الإنفاق الواجب على الأقارب؛ لما في ذلك من قيام مصالحهم ومصالح المنفق، ولما في تركه (^١) من إضاعتهم؛ فالتحيل لإسقاط الواجب بالتمليك في الصورة مناقضةٌ لغرض الشارع، وتتميمٌ لغرض الماكر المحتال، وعودٌ إلى نفس الفساد الذي قصد الشارع إعدامه بأقرب الطرق. ولو تحيَّل هذا المخادع على إسقاط نفقة دوابّه لهلكوا.\nوكذلك ما فرضه الله سبحانه للوارث من الميراث هو حقٌّ له جعله أولى من سائر الناس به، فإباحة التحيُّل لإسقاطه بالإقرار بماله كله للأجنبي وإخراجِ الوارث مضادَّةٌ لشرع الله ودينه، ونقضٌ لغرضه، وإتمامٌ لغرض المحتال، وكذلك تعليم المرأة أن تُقِرَّ بدينٍ لأجنبي إذا أراد زوجها السفر بها.\n_________\n(^١) د: «تركهم».","vol":"4","page":87},{"text":"فصل\nوأكثر هذه الحيل لا تمشي على أصول الأئمة، بل تُناقضها أعظمَ مناقضة.\nوبيانه أن الشافعي - ﵁ - يحرِّم مسألة مُدّ عجوة ودرهم بمدٍّ ودرهم، ويبالغ في تحريمها (^١) بكل طريق خوفًا (^٢) أن تُتّخذ حيلة على نوع ما من ربا الفضل، فتحريمه للحيل الصريحة التي يتوصَّل بها إلى ربا النَّساء أولى [٦٣/ب] من تحريم مُدِّ عجوة بكثير؛ فإن التحيل بمدّ ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخفُّ من التحيل بالعِينة على ربا النَّساء، وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك؟ وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك؟ وأبو حنيفة يحرِّم مسألة العِينة، وتحريمه لها يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مُدِّ عجوة بأن يبيعه خمسة عشر درهمًا بعشرة في خرقة؛ فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مدّ عجوة ويبيح العِينة، وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مُدّ عجوة، ويتوسع فيها، وأصلُ كلٍّ من الإمامين - ﵄ - في أحد البابين يستلزم إبطالَ الحيلة في الباب الآخر، وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم، وكثير من الأقوال المخرَّجة دون هذا.\nفقد ظهر أن الحيل المحرَّمة في الدين تقتضي رفع التحريم مع قيام موجبه ومقتضيه وإسقاط الوجوب مع قيام سببه، وذلك حرام من وجوه:\nأحدها: استلزامها فعلَ المحرَّم وترك الواجب.\n_________\n(^١) ز: «تحريمه».\n(^٢) «خوفا» ساقطة من ز.","vol":"4","page":88},{"text":"والثاني: ما يتضمن من المكر والخداع والتلبيس.\nوالثالث: الإغراء بها والدلالة عليها وتعليمها من لا يُحسِنها.\nوالرابع: إضافتها إلى الشارع وأن أصول شرعه ودينه تقتضيها.\nوالخامس: أن صاحبها لا يتوب منها ولا يعدُّها ذنبًا.\nوالسادس: أنه يخادع الله كما يخادع المخلوق.\nوالسابع: أنه يسلِّط أعداء الدين على القدح فيه وسوءِ الظن به وبمن شرعه.\nوالثامن: أنه يُعمِل فكره واجتهاده في نقض ما أبرمه الرسول وإبطالِ ما أوجبه وتحليلِ ما حرمه.\nوالتاسع: أنه إعانة ظاهرة على الإثم والعدوان، وإنما اختلفت الطريق؛ فهذا يُعِين عليه بحيلة ظاهرُها صحيح مشروع يتوصل بها إليه، وذاك يُعِين عليه بطريقه المفضية إليه بنفسها، فكيف كان هذا مُعِينًا على الإثم والعدوان والمتحيلُ المخادع يُعِين على البر والتقوى؟\nالعاشر: أن هذا ظلم في حق الله وحق رسوله وحق دينه وحق نفسه وحق العبد المعين وحقوق عموم المؤمنين؛ فإنه يُغرِي به ويعلّمه ويدلُّ عليه، والمتوصِّل إليه بطريق المعصية لا يظلم إلا نفسه. ومن تعلَّق به ظلمه من المعينين فإنه لا يزعم أن ذلك دين وشرع ولا يقتدي به الناس، فأين فسادُ أحدهما من الآخر وضررُه من ضرره؟ وبالله التوفيق.\n* * * *","vol":"4","page":89},{"text":"فصل\nقال أرباب الحيل: قد أكثرتم مِن ذمّ الحيل، وأجلبتم بِخَيل الأدلة ورَجِلها وسمينها ومهزولها، فاسمعوا الآن تقريرها واشتقاقها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأئمة الإسلام، وأنه لا يمكن أحدًا إنكارُها.\nقال الله تعالى لنبيه أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فأذن لنبيه أيوب أن يتحلَّل من يمينه بالضرب بالضِّغْث (^١)، وقد كان نذر أن يضربها [٦٤/أ] ضرباتٍ معدودة، وهي في المتعارف الظاهر إنما تكون متفرقة؛ فأرشده سبحانه إلى الحيلة في خروجه من اليمين. فنقيسُ عليه سائر الباب، ونسمِّيه وجوهَ المخارج من المضايق، ولا نُسمِّيه بالحيل التي يَنفُر الناس من اسمها.\nوأخبر تعالى عن نبيه يوسف ﵇ (^٢) أنه جعل صُواعه في رَحْل أخيه ليتوصَّل بذلك إلى أخذه من إخوته، ومدحه بذلك، وأخبر أنه برضاه وإذنه، كما قال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، فأخبر أن هذا كيده لنبيه وأنه بمشيئته، وأنه يرفع درجة عبده بلطيف العلم ودقيقه الذي لا يهتدي إليه سواه، وأن ذلك من علمه وحكمته.\nوقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:\n_________\n(^١) هو كل ما جُمع وقُبض عليه بجُمْع الكفّ ونحوه.\n(^٢) د: «ﷺ».","vol":"4","page":90},{"text":"٥٠]، فأخبر سبحانه أنه مكرَ بمن مكرَ بأنبيائه ورسله، وكثير من الحيل هذا شأنها، يُمكَر بها على الظالم والفاجر ومن يَعْسُر تخليص الحق منه؛ فتكون وسيلةً إلى نصر مظلوم وقهر ظالم ونصر حق وإبطال باطل. والله سبحانه قادر على أخذهم بغير وجه المكر الحسن، ولكن جازاهم بجنس عملهم، وليُعلِم عبادَه أن المكر الذي يُتوصَّل به إلى إظهار الحق ويكون عقوبةً للماكر ليس قبيحًا.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وخداعه لهم أن يُظهِر لهم أمرًا ويُبطِن لهم خلافَه. فما تنكرون على أرباب الحيل الذين يُظهِرون أمرًا يتوصَّلون به إلى باطنٍ غيره اقتداءً (^١) بفعل الله تعالى؟\nوقد روى البخاري في «صحيحه» (^٢) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمرٍ جَنيبٍ، فقال: «أكلُّ تمْرِ خيبَر هكذا؟» قال: إنّا لنأخذُ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاث، فقال: «لا تفعلْ، بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم ابتَعْ بالدراهم جنيبًا»، وقال في الميزان (^٣) مثل ذلك. فأرشده إلى الحيلة على التخلُّص من الربا (^٤) بتوسط العقد الآخر، وهذا أصلٌ في جواز العِينة.\n_________\n(^١) في النسختين د، ز: «افتوا». والمثبت كما في المطبوع.\n(^٢) رقم (٢٣٠٢).\n(^٣) في النسختين: «القرآن». والتصويب من البخاري. قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ٤٨١): أي والموزون مثل ذلك، لا يباع رطل برطلين.\n(^٤) «من الربا» ساقطة من ز.","vol":"4","page":91},{"text":"وهل الحيل إلا معاريض في الفعل على وِزان (^١) المعاريض في القول؟ وإذا كان في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب ففي معاريض الفعل مندوحةٌ عن المحرَّمات وتخلُّصٌ (^٢) من المضايق.\nوقد لقي النبي - ﷺ - طائفةً من المشركين وهو في نفر من أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فقال النبي - ﷺ -: «نحن من ماءٍ»، فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: أحياءُ اليمن كثير، فلعلهم منهم، وانصرفوا (^٣).\nوقد جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: احملني، فقال: «ما عندنا إلا ولدُ ناقةٍ»، فقال: ما أصنع بولد ناقة؟ فقال النبي - ﷺ -: «وهل تَلد الإبلَ إلا النوقُ؟» (^٤).\nوقد رأت امرأة عبد الله بن رواحة عبد الله على جارية له، فذهبتْ وجاءت بالسكّين، فصادفتْه قد قضى حاجته، فقالت: لو وجدتُك على الحال التي كنتَ عليها لوجَأْتُك، فأنكر، فقالت: فاقرأْ إن كنتَ صادقًا، [٦٤/ب] فقال:\n_________\n(^١) د: «وزن».\n(^٢) «عن المحرمات وتخلص» ساقطة من ز.\n(^٣) رواه الواقدي في «المغازي» (١/ ١٨) وابن هشام في «السيرة» (٢/ ١٨٩) والطبري في «التاريخ» (٢/ ٢٧، ٤٣٦) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان، وهو مرسل.\n(^٤) رواه أحمد (١٣٨١٧) وأبو داود (٤٩٩٨) والترمذي (١٩٩١) وأبو يعلى (٣٧٧٦) عن أنس، وصححه الترمذي والبغوي في «شرح السنة» (١٣/ ١٨١) والألباني في «مختصر الشمائل» (٢٠٣).","vol":"4","page":92},{"text":"شهدتُ بأن وعد الله حقٌّ ... وأن النار مَثوى الكافرينا\nوأن العرش فوق الماء طافٍ ... وفوق العرش ربُّ العالمينا\nوتَحمِله ملائكةٌ شِدادٌ ... ملائكةُ الإلهِ مسوّمينا\n\nفقالت: آمنتُ بكتاب الله وكذَّبتُ بصري. فبلغ النبيَّ - ﷺ -، فضحك ولم ينكر عليه (^١). وهذا تحيّلٌ منه بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ليتخلَّص به من مكروه الغيرة.\nوكان بعض السلف إذا أراد أن لا يَطعم طعامَ رجلٍ قال: أصبحتُ صائمًا، يريد أنه أصبح فيما سلف قبل ذلك اليوم صائمًا (^٢).\nوكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه بعض غرمائه وليس عنده ما يعطيه قال: أُعطيك في أحد اليومين إن شاء الله، يريد بذلك يومي الدنيا والآخرة.\nوسأل رجل عن المرّوذي (^٣) وهو في دار أحمد بن حنبل، فكره الخروج إليه، فوضع أحمد إصبعه في كفه وقال: ليس المرّوذي هاهنا، وما يصنع المرّوذي هاهنا؟ (^٤).\n_________\n(^١) رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٢٥٩) والدارقطني (١/ ١٢٠، ١٢١) والبيهقي في «الخلافيات» (٢/ ٣١) من طريق زمعة ين صالح عن سلمة بن وَهْرَام عن عكرمة عن ابن رواحة، وعكرمة لم يلق ابن رواحة، وزمعة ضعيف، وضعف الحديث عبد الحق في «الأحكام الوسطى» (١/ ١٧٤) والنووي في «المجموع» (٢/ ١٥٩) وابن عبد الهادي في «التنقيح» (١/ ٢٤٤).\n(^٢) ز: «فيما سلف صائمًا قبل ذلك».\n(^٣) في المطبوع: «المروزي»، تصحيف.\n(^٤) الخبر في «مناقب الإمام أحمد» (ص ٣٠٢) و«سير أعلام النبلاء» (١١/ ٣١٩). وفيهما أن مهنّا الذي وضع إصبعه وقال: ليس المروذي هاهنا، فضحك أحمد ولم ينكر عليه.","vol":"4","page":93},{"text":"وحضر سفيان الثوري مجلسًا، فلما أراد النهوض منعوه، فحلف أنه يعود، ثم خرج وترك نعله كالناسي لها، فلما خرج عاد وأخذها وانصرف.\nوقد كان لشُريح في هذا الباب فقه دقيق، كما أعجب رجلًا فرسُه وأراد أخذها منه، فقال له شريح: إنها إذا رَبَضَتْ لم تقم حتى تُقام، فقال الرجل: أف أف، وإنما أراد شريح أن الله هو الذي يُقِيمها (^١).\nوباع من رجل ناقةً، فقال له المشتري: كم تحمل؟ فقال: احملْ على الحائط ما شئتَ، فقال: كم تحلب؟ قال: احلُبْ في أيّ إناء شئتَ، قال: كيف سيرها؟ قال: الريح لا تلحق. فلما قبضها المشتري لم يجد شيئًا من ذلك، فجاء إليه وقال: ما وجدتُ شيئًا من ذلك، فقال: ما كَذَبتُك (^٢).\nقالوا: ومن المعلوم أن الشارع جعل العقود وسائلَ وطُرقًا إلى إسقاط الحدود والمأثم، ولهذا لو وطئ الإنسان امرأة أجنبية من غير عقد ولا شبهةٍ لزمه الحدُّ، فإذا عقد عليها عقد النكاح ثم وطئها لم يلزمه الحدُّ، وكان العقد حيلة على إسقاط الحد. بل قد جعل الله سبحانه الأكل والشرب واللباس حيلةً على دفع أذى الجوع والعطش والبرد، والأكْنانَ (^٣) حيلة على دفع أذى الصائل من الحيوان وغيره، وعقد التبايع حيلة على حصول الانتفاع بملك\n_________\n(^١) ذكره الخصاف في «الحيل» (ص ٢).\n(^٢) ذكره ابن حبان في «الثقات» (٦/ ٢٠) بنحوه.\n(^٣) د: «والاكنا». وفي المطبوع: «والاكتفاء»، تحريف. والأكنان جمع كِنّ: كل ما يردُّ الحرّ والبرد من الأبنية والغيران ونحوها.","vol":"4","page":94},{"text":"الغير، وسائر العقود حيلة على التوصُّل إلى ما لا يباح إلا بها، وشرع الرهن حيلة على رجوع صاحب الدين في ماله من عين الرهن إذا أفلس الراهن أو تعذَّر الاستيفاء منه.\nوقد روى سلمة بن صالح عن يزيد الواسطي عن عبد الكريم عن عبد الله ابن بُريدة [عن أبيه] قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أعظم آية في كتاب الله، فقال: «لا أخرج من المسجد حتى أُخبرك»، فقام رسول الله - ﷺ - من مجلسه، فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية [٦٥/أ] قبل أن يُخرِج رِجلَه الأخرى (^١). وقد بنى الخصاف «كتابه في الحيل» (^٢) على هذا الحديث، ووجه الاستدلال به أن من حلف لا يفعل شيئًا فأراد التخلُّص من الحِنْث بفعل بعضه لم يكن حانثًا، فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف ولا يأخذ هذا المتاع فلْيدَعْ بعضه ويأخذ الباقي ولا يحنث، وهذا أصل في بابه في التخلُّص من الأيمان.\nوهذا السلف الطيب قد فتحوا لنا هذا الباب، ونهجوا لنا هذا (^٣) الطريق، فروى قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حقًّا، فقال: لا، فقال: احلِفْ لي بالمشي إلى بيت الله، فقال: يحلف له بالمشي إلى بيت الله، ويعني به مسجد حيِّه (^٤).\n_________\n(^١) رواه الدارقطني (١١٨٣) والبيهقي (١٠/ ٦٢) بهذا الطريق، وسلمة وعبد الكريم ضعيفان، وضعّف الحديث البيهقي والذهبي في «التنقيح» (١/ ١٤٥)، وأشار إلى ضعفه الدارقطني في «الغرائب» (٢/ ٣٢٩). والزيادة من المصادر.\n(^٢) انظر (ص ٢) منه.\n(^٣) ز: «فيها».\n(^٤) رواه الخصاف في «الحيل» (ص ٢) بهذا الإسناد، وقيس ضعيف.","vol":"4","page":95},{"text":"وبهذا الإسناد أنه قال له رجل: إن فلانًا أمرني أن آتي مكانَ كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ قال: يقول: والله ما أُبصِر إلا ما سدَّدني غيري (^١).\nوذكر عبد الملك بن مَيْسرة عن النزَّال بن سَبْرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله ما قالها، وقد سمعناه يقولها، فقلنا: يا أبا عبد الله، سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتَها، وقد سمعناك قلتَها، فقال: إني أشتري ديني بعضَه ببعضٍ مخافةَ أن يذهب كلُّه (^٢).\nوذكر قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم أن رجلًا قال له: إني أنال من رجل شيئًا فيبلغه عني، فكيف أعتذر إليه؟ فقال له إبراهيم: قُل: والله إن الله ليعلم ما قلتُ من ذلك من شيء (^٣).\nوكان إبراهيم يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده وهو مستخفٍ من الحجاج: إن سُئلتم عني فاحلفوا بالله لا تدرون أين أنا، ولا في أيّ موضع أنا، واعْنُوا لا تدرون أين أنا من البيت، وفي أي موضع منه، وأنتم صادقون (^٤).\nوقال مجاهد عن ابن عباس: ما يسُرُّني بمعاريض الكلام حُمْرُ النَّعم (^٥).\n_________\n(^١) انظر التعليق السابق.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٣٣٧٢١) والطبري في «تهذيب الآثار ــ مسند علي» (ص ١٤٣) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٧٩) من طرق عن الأعمش عن ابن ميسرة به، وسنده صحيح.\n(^٣) رواه الخصاف في «الحيل» (ص ٢)، وفيه قيس بن الربيع ضعيف.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) رواه الخصاف (ص ٣) من طريق الحسن بن عمارة، وهو ضعيف جدًّا. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٦٢١) والطبري في «تهذيب الآثار ــ مسند علي» (ص ١٤٥) من طريق منصور عن ابن عباس، وهو منقطع بينهما.","vol":"4","page":96},{"text":"وقد ثبت في الصحيح من حديث حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط ــ وكانت من المهاجرات الأُول ــ أن رسول الله - ﷺ - رخَّص في الكذب في ثلاث: في الرجل يُصلِح بين الناس، والرجل يَكذِب لامرأته، والكذب في الحرب (^١).\nوقال معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه: حدثني نُعيم بن أبي هند عن سُويد بن غَفَلة أن عليًّا لما قتل الزنادقة نظر في الأرض، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: صدق الله ورسوله، ثم قام فدخل بيته، فأكثر الناس في ذلك، فدخلتُ عليه فقلت: يا أمير المؤمنين أشيء عهدَ إليك رسول الله - ﷺ - أم شيء رأيتَه؟ فقال: هل عليَّ من بأسٍ (^٢) أن أنظر إلى السماء؟ قلت: لا، قال: فهل عليَّ من بأسٍ أن أنظر إلى الأرض؟ قلت: لا، قال: فهل عليَّ من بأسٍ أن أقول صدق الله ورسوله؟ قلت: لا، قال: فإني رجل مُكايد (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٦٠٥) وأبو داود (٤٩٢١) والنسائي في «الكبرى» (٨/ ٣٦)، وأعلّه الحافظ في «الفتح» (٥/ ٣٠٠) بالإدراج. وانظر: «الصحيحة» (٥٤٥).\n(^٢) ز: «لي علي بأس».\n(^٣) رواه أحمد بن منيع كما في «إتحاف الخيرة» (٤/ ٧٣) من طريق يزيد بن هارون، والخصاف (ص ٣) من طريق عبد الله بن الفضل وأبي عمر بن سليمان عن سليمان التيمي، وسنده صحيح، صححه الحافظ في «المطالب العالية» (٢/ ٣٦٤) والبوصيري. وأخرجه الطبري في «تهذيب الآثار ــ مسند علي» (ص ٧٩) من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه.","vol":"4","page":97},{"text":"وقال حجاج بن منهال: ثنا أبو عوانة عن أبي مسكين قال: كنت عند إبراهيم وامرأته تعاتبه في جاريته وبيدها مِروحةٌ، فقال: أُشهِدكم أنها لها، فلما خرجنا قال: على [٦٥/ب] مَا شهدتم؟ قلنا: أَشْهَدتَنا أنك جعلت الجارية لها، قال: أما رأيتموني أشير إلى المروحة؟ (^١).\nوقال محمد بن الحسن عن عُمر (^٢) بن ذر عن الشعبي: لا بأس بالحيل فيما يحلّ ويجوز، وإنما الحيل شيء يتخلَّص به الرجل من الحرام، ويخرج به إلى الحلال، فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به، وإنما يُكره من ذلك أن يحتال الرجل في حقّ رجلٍ حتى يُبطِله، أو يحتال في باطل حتى يُوهِم أنه حق، أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة، فأما ما كان على السبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك (^٣).\nقالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، قال غير واحد من المفسرين: مخرجًا مما ضاق على الناس. ولا ريب أن هذه الحيل مخارج مما ضاق على الناس (^٤). ألا ترى أن الحالف يضيق عليه إلزام ما حلف عليه، فيكون له بالحيلة مخرجٌ منه، وكذلك الرجل تشتدُّ به الضرورة إلى نفقة ولا يجد من يُقرِضه فيكون له من هذا الضيق مخرجٌ بالعِينة\n_________\n(^١) رواه الخصاف (ص ٤) بهذا الإسناد، وفيه أبو مسكين حسن الحديث، والبقية ثقات.\n(^٢) في النسختين د، ز: «عمرو»، وكذا في المطبوع. والصواب «عمر». انظر: «تهذيب التهذيب» (٧/ ٤٤٤) و«العلل» لأحمد (٢٠٠٤) ففيه ذكر روايته عن الشعبي. وعمر هذا ثقة.\n(^٣) رواه الخصاف (ص ٤).\n(^٤) «على الناس» ليست في ز.","vol":"4","page":98},{"text":"والتورُّق ونحوهما، فلو لم يفعل ذلك لهلك وهلكت عياله، والله سبحانه لا يشرع ذلك، ولا يَضِيق عنه شرعُه الذي وَسِعَ جميعَ خلقه؛ فقد دار أمره بين ثلاثة لا بدَّ له من واحدٍ منها: إما إضاعة نفسه وعياله، وإما الربا صريحًا، وإما المخرج من هذا الضيق بالحيلة، فأَوجِدُونا أمرًا رابعًا نصير إليه.\nوكذلك الرجل يَنْزَغه الشيطان فيقع به الطلاق فيضيق عليه جدًّا مفارقةُ امرأته وأولاده وخراب بيته، فكيف يُنكَر في حكمة الله ورحمته أن نتحيَّل له بحيلة تُخرِجه من هذا الإصر والغُلّ؟ وهل الساعي في ذلك إلا مأجور غير مأزور كما قاله إمام الظاهرية في وقته أبو محمد بن حزم وأبو ثور وبعض أصحاب أبي حنيفة، وحملوا أحاديث التحريم على ما إذا شُرِط في صلب العقد أنه نكاح تحليل؟\nقالوا: وقد روى عبد الرزاق (^١) عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: أرسلت امرأة إلى رجل، فزوَّجتْه نفسَها ليُحِلَّها لزوجها، فأمره عمر بن الخطاب - ﵁ - أن يقيم معها ولا يطلِّقها، وأوعده أن يعاقبه إن طلَّقها. فهذا أمير المؤمنين قد صحَّح نكاحه، ولم يأمره باستئنافه، وهو حجة في صحة نكاح المحلِّل والنكاح بلا وليّ.\nوذكر عبد الرزاق (^٢) عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان لا يرى بأسًا بالتحليل، إذا لم يعلم أحد الزوجين.\n_________\n(^١) في «المصنف» (١٠٧٨٦، ١٠٧٨٧) وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٨٢)، وابن سيرين لم يدرك عمر.\n(^٢) في «المصنف» (١٠٧٨٢) وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٨٢)، وسنده صحيح.","vol":"4","page":99},{"text":"قال ابن حزم (^١): وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد.\nوصح عن عطاء فيمن نكح امرأة محلِّلًا ثم رغب فيها فأمسكها، قال: لا بأس بذلك (^٢).\nوقال الشعبي: لا بأسَ بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج (^٣).\nوقال الليث بن سعد: إن تزوجها ثم فارقها لترجع إلى زوجها ولم يعلم المطلّق ولا هي بذلك وإنما كان ذلك منه إحسانًا فلا بأس بأن ترجع إلى الأول، فإن بيَّن الثاني ذلك للأول بعد دخوله بها لم يضرَّه (^٤).\nوقال الشافعي وأبو ثور: [٦٦/أ] المحلّل الذي يفسُدُ نكاحه هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه إنما يتزوّجها ليُحِلَّها ثم يطلّقها، فأما من لم يشترط ذلك في عقد النكاح فعقده (^٥) صحيح لا داخلةَ فيه (^٦)، سواء شرط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشرط، نوى ذلك أو لم ينوِه، قال أبو ثور: وهو مأجور.\nوروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل هذا سواء.\nوروى أيضًا عن محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا نوى الثاني\n_________\n(^١) في «المحلى» (١٠/ ١٨٢). ولم أجده مسندًا.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٠٧٨٤) وابن حزم (١٠/ ١٨٢) من طريق ابن جريج، وسنده صحيح.\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١٠٧٨٩) من طريق جابر الجعفي، وهو ضعيف جدًّا.\n(^٤) ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٨٢). وكذلك النصوص الآتية عن الأئمة.\n(^٥) د: «فنكاحه».\n(^٦) أي لا فساد فيه.","vol":"4","page":100},{"text":"وهي تحليلَها للأول لم تحلَّ له بذلك.\nوروى الحسن بن زياد (^١) عن زفر وأبي حنيفة: أنه إن شرطَ عليه في نفس العقد أنه إنما تزوَّجها ليُحِلَّها للأول فإنه نكاح صحيح، ويبطُلُ الشرط، وله أن يقيم معها؛ فهذه ثلاث روايات عن أبي حنيفة.\nقالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذا زوج قد عقدَ بمهر وولي ورضاها وخلوّها من الموانع الشرعية، وهو راغب في ردِّها إلى الأول؛ فيدخل في حديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا نكاحَ إلا نكاحُ رغبةٍ» (^٢)، وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم كما أمر الله بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. والنبي - ﷺ - إنما شرط في عَودها إلى الأول مجرد ذوق العُسَيلة بينهما، وغَيَّا (^٣) الحِلَّ بذلك فقال: «لا، حتى تذوقَ عُسيلته ويذوق عُسيلتها» فإذا تذاوقا العُسيلةَ حلَّت له بالنص (^٤).\nقالوا: وأما نكاح الدُّلسة فنعم هو باطل، ولكن ما هو نكاح الدُّلسة؟ فلعله أراد به أن تدلَّس له المرأةُ بغيرها، أو تدلَّس له أنها انقضتْ عدتها ولم تنقضِ لتستعجلَ عودَها إلى الأول.\n_________\n(^١) د: «عن زياد»، تحريف.\n(^٢) رواه الطبراني (١١/ ٨٠) وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٨٤)، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل، وهو ضعيف. وقال ابن حزم: موضوع. وله شاهد من حديث ابن عمر رواه الحاكم (٢/ ١٩٩) والبيهقي (٧/ ٢٠٨)، وإسناده صحيح. انظر: «إرواء الغليل» (١٨٩٨).\n(^٣) أي جعل الحلَّ موقوفًا عليه.\n(^٤) د: «بالنص له».","vol":"4","page":101},{"text":"وأما لعنه للمحلِّل فلا ريبَ أنه - ﷺ - لم يُرِد كل محلِّل ومحلَّل له؛ فإن الولي محلِّل لما كان حرامًا قبل العقد، والحاكم المزوِّج محلِّل بهذا الاعتبار، والبائع لأمته محلِّل للمشتري وطأها، فإن قلنا: «العام إذا خُصَّ صار مجملًا» بطل الاحتجاج بالحديث، وإن قلنا: «هو حجة فيما عدا محلِّ التخصيص» فذلك مشروط ببيان المراد منه، ولسنا ندري المحلِّل المراد من هذا النص، أهو الذي نوى التحليل أو شرطه قبل العقد أو شرطه في صلب العقد؟ أو الذي أحلَّ ما حرَّمه الله ورسوله؟ ووجدنا كلّ من تزوج مطلقةً ثلاثًا فإنه محلِّل، ولو لم يشترط التحليل ولم ينوِه؛ فإن الحلَّ حصل بعقده ووطئه. ومعلوم قطعًا أنه لم يدخل في النص، فعُلِم أن النص إنما أراد به من أحلَّ الحرام بفعله أو عقده، ونحن وكل مسلم لا نشكُّ في أنه أهلٌ للعنة الله. أما من قصد الإحسان إلى أخيه المسلم ورغب في جمع شَمْله بزوجته، ولمِّ شَعَثِه وشَعَثِ أولاده وعياله؛ فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل، فضلًا عن أن تلحقهم لعنة رسول الله - ﷺ -.\nثم قواعد الفقه وأدلته لا تحرِّم مثل ذلك؛ فإن هذه العقود التي لم يشترط المحرم في صلبها عقودٌ صدرت من أهلها في محلِّها [٦٦/ب] مقرونة بشروطها، فيجب الحكم بصحتها؛ لأن السبب هو الإيجاب والقبول وهما تامّانِ، وأهلية العاقد لا نزاع فيها، ومحلية العقد قابلة، فلم يبقَ إلا القصد المقرون بالعقد، ولا تأثير له في بطلان الأسباب الظاهرة لوجوه:\nأحدها: أن المُعْتانَ (^١) مثلًا إنما قصد الربح الذي وُضعت له التجارة، وإنما لكل امرئ ما نوى، فإذا حصل له الربح حصل له مقصوده، وقد سلك\n_________\n(^١) أي المتعامل بالعِينة.","vol":"4","page":102},{"text":"الطريق المفضية إليه في ظاهر الشرع. والمحلِّل غايته أنه قصد الطلاق ونواه إذا وطئ المرأة، وهو مما ملَّكه الشارع إياه، فهو كما لو نوى المشتري إخراج المبيع عن مِلكه إذا اشتراه، وسرُّ ذلك أن السبب مقتضٍ لتأبُّد الملك، والنية لا تغيِّر موجبَ السبب حتى يقال: إن النية تُوجِب تأقيتَ العقد، وليست هي منافية لموجب العقد، فإن له أن يطلِّق. ولو نوى بعقد الشراء إتلافَ المبيع وإحراقَه أو إغراقَه لم يقدح في صحة البيع، فنية الطلاق أولى.\nوأيضًا فالقصد لا يقدح في اقتضاء السبب لحكمه؛ لأنه خارج عما يتمُّ به العقد، ولهذا لو اشترى عصيرًا ومن نيته أن يتخذه خمرًا، أو جاريةً ومن نيته أن يُكرِهها على البغاء أو يجعلها مغنيةً، أو سلاحًا ومن نيته أن يقتل به معصومًا= فكل ذلك لا أثر له في صحة البيع من جهة أنه منقطع عن السبب؛ فلا يخرج السبب عن اقتضاء حكمه.\nوقد ظهر بهذا الفرقُ بين (^١) هذا القصد وبين الإكراه؛ فإن الرضا شرط في صحة العقد، والإكراه ينافي الرضا، وظهر أيضًا الفرقُ بينه وبين الشرط المقارن؛ فإن الشرط المقارن يقدح في مقصود العقد؛ فغاية الأمر أن العاقد قصد محرمًا، لكن ذلك لا يمنع ثبوتَ الملك، كما لو تزوَّجها ليُضارَّ بها امرأةً له أخرى.\nومما يؤيّد ما ذكرناه أن النية إنما تعمل في اللفظ المحتمل للمنْويّ وغيره، مثل الكنايات، ومثل أن يقول: اشتريتُ كذا؛ فإنه يحتمل أن يشتريه لنفسه ولموكِّله، فإذا نوى أحدهما صح، فإذا كان السبب ظاهرًا متعينًا\n_________\n(^١) ز: «وبين».","vol":"4","page":103},{"text":"لمسببه لم يكن للنية الباطنة أثر في تغيير حكمه.\nيوضحه أن النية لا تؤثّر في اقتضاء الأسباب الحسية والعقلية المستلزمة لمسبباتها، [و] لا تؤثّر النية في تغييرها.\nيوضحه أن النية إما أن تكون بمنزلة الشرط أو لا تكون، فإن كانت بمنزلة الشرط لزم أنه إذا نوى أن لا يبيع ما اشتراه ولا يهبه ولا يتصرف فيه، أو نوى أن يُخرِجه عن ملكه، أو نوى أن لا يطلِّق الزوجة أو يبيت عندها كل ليلة أو لا يسافر عنها، بمنزلة أن يشترط ذلك في العقد، وهو خلاف الإجماع، وإن لم يكن بمنزلة الشرط فلا تأثير له حينئذٍ.\nوأيضًا فنحن لنا ظواهر الأمور، وإلى الله سرائرها وبواطنها؛ ولهذا تقول الرسل لربهم تعالى يوم القيامة إذا سألهم: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، كان [٦٧/أ] لنا ظواهرهم، وأما ما انطوت عليه ضمائرهم وقلوبهم فأنت العالم به.\nقالوا: فقد ظهر عذرنا، وقامت حجتنا، وتبيَّن أنا لم نخرج فيما أصَّلناه ــ من اعتبار الظاهر، وعدم الالتفات إلى القصود في العقود، وإلغاء الشروط المتقدمة الخالي عنها العقدُ، والتحيُّل على التخلُّص من مضايق الأيمان وما حرَّمه الله ورسوله من الربا وغيره ــ عن كتاب ربنا وسنة نبينا وأقوال السلف الطيب.\nولنا بهذه الأصول رهنٌ عند كل طائفة من الطوائف المنكرة علينا.\nفلنا عند الشافعية رهونٌ كثيرة في عدة مواضع، وقد سلَّموا لنا أن الشرط المتقدم على العقد مُلغًى، وسلَّموا لنا أن القصود غير معتبرة في العقود، وسلَّموا لنا جواز التحيُّل على إسقاط الشفعة، وقالوا بجواز التحيُّل على بيع","vol":"4","page":104},{"text":"المعدوم من الثمار فضلًا عما لم يبدُ (^١) صلاحه بأن يُؤْجِره الأرضَ ويُساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء، وهذا نفس الحيلة على بيع الثمار قبل وجودها، فكيف ينكرون علينا التحيُّل على بيعها قبل بدوِّ صلاحها؟ وهل مسألة العينة إلا ملك باب الحيل؟ وهم يُبطلون الشركة بالعروض ثم يقولون: الحيلة في جوازها أن يبيع كلٌّ منهما نصفَ عَرضه لصاحبه، فيصيران شريكين حينئذٍ بالفعل، ويقولون: لا يصح تعليق الوكالة بالشرط، والحيلة على جوازها أن يوكِّله الآن ويعلِّق تصرُّفَه بالشرط. وقولهم في الحيل على عدم الحنث بالمسألة السُّريجية (^٢) معروف، وكل حيلة سواه محلّل بالنسبة إليه؛ فإن هذه المسألة حيلة على أن يحلف دائمًا بالطلاق ويحنَث ولا يقع عليه الطلاق أبدًا.\nوأما المالكية فهم من أشدِّ الناس إنكارًا علينا للحيل، وأصولُهم تخالف أصولَنا في ذلك؛ إذ عندهم أن الشرط المتقدم كالمقارن، والشرط العرفي كاللفظي، والقصود في العقود معتبرة، والذرائع يجب سدُّها، والتغرير الفعلي كالتغرير القولي، وهذه الأصول تسدُّ باب الحيل سدًّا محكمًا. ولكن قد غلقنا (^٣) لهم برهونٍ نطالبهم بفِكاكها أو بموافقتهم لنا على ما أنكروه علينا، فجوَّزوا التحيُّلَ على إسقاط الشفعة، وقالوا: لو\n_________\n(^١) في النسختين: «لم يبدو».\n(^٢) سيأتي ذكر المؤلف لصورتها ومتى حدثت، في فصل مستقل.\n(^٣) في النسختين: «علقنا». والمثبت هو الصواب، وبه يستقيم المعنى. يقال: غَلِقَ الرهنُ، لم يقدر راهِنُه على تخليصه من يد المرتهن في الموعد المشروط، فصار مِلكًا للمرتهن.","vol":"4","page":105},{"text":"تزوَّجها ومِن نيته أن يقيم معها سنةً صح النكاح، ولم تعمل هذه النية في فساده.\nوأما الحنابلة فبيننا وبينهم مُعتَرك النِّزال في هذه المسائل؛ فإنهم هم الذين شنُّوا علينا الغارات، ورمَونا بكل سلاح من الأثر والنظر، ولم يراعُوا لنا حرمة، ولم يُراقبوا (^١) فينا إلًّا ولا ذمَّة.\nوقالوا: لو نصبَ شِباكًا للصيد قبل الإحرام ثم أخذ ما وقع فيها حالَ الإحرام بعد الحل جاز. ويا لله العجب! أيُّ فرقٍ بين هذه الحيلة وحيلة أصحاب السبت على الحيتان؟\nوقالوا: لو نوى الزوج الثاني أن يُحِلَّها للأول ولم يشترط ذلك جاز وحلَّت، لأنه لم يشترط ذلك في العقد. [٦٧/ب] وهذا تصريح بأن النية لا تؤثِّر في العقد.\nوقالوا: لو تزوَّجها ومِن نيته أن يقيم معها شهرًا ثم يطلِّقها صح العقد، ولم تكن نية التوقيت مؤثرةً فيه. وكلامهم في باب المخارج من الأيمان بأنواع الحيل معروف، وعنَّا تلقَّوه، ومنّا أخذوه.\nوقالوا: لو حلف أن لا يشتري منه ثوبًا فاتَّهبه منه وشرط له العوض لا يحنث.\nوقالوا بجواز مسألة التورُّق. وهي شقيقة مسألة العِينة؛ فأيُّ فرق بين مصير السِّلعة إلى البائع وبين مصيرها إلى غيره؟ بل قد يكون عَودُها إلى\n_________\n(^١) كذا في النسختين من باب المفاعلة، وهو صحيح في اللغة. وفي القرآن ورد ثلاثيًّا.","vol":"4","page":106},{"text":"البائع أرفقَ بالمشتري وأقلَّ كلفةً عليه وأرفهَ (^١) لخسارته وتعنِّيه. فكيف يُحرِّمون الضرر اليسير ويُبيحون ما هو أعظم منه والحقيقة في الموضعين واحدة، وهي عشرة بخمسة عشر وبينهما حريرةٌ، رجعتْ في إحدى الصورتين إلى مالكها وفي الثانية إلى غيره؟\nوقالوا: لو حلف بالطلاق لا يزوِّج عبدَه بأمته أبدًا ثم أراد تزويجه بها ولا يحنث، فإنه يبيع العبد والجارية من رجل ثم يزوِّجهما المشتري ثم يستردُّهما منه.\nقال القاضي (^٢): وهذا غير ممتنع على أصلنا؛ لأن عقد النكاح قد وُجِد في حال زوال مِلكه عنهما، ولا يتعلَّق الحنثُ باستدامة العقد بعد أن ملكهما؛ لأن التزويج عبارة عن العقد وقد انقضى، وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامة حكمه.\nوقالوا: لو كان له عليه مال وهو محتاج فأحبَّ أن يدعه له من زكاته، فالحيلة أن يتصدَّق عليه بذلك القدر ثم يقبضه منه. ثم قالوا: فإن كان له شريك فيه (^٣) فخاف أن يُحاصَّه (^٤) فيه، فالحيلة أن يهبَ المطلوب للطالب مالًا بقدر حصة الطالب مما له عليه (^٥)، ويقبضه منه للطالب، ثم يتصدق\n_________\n(^١) في المطبوع: «وأرفع».\n(^٢) أي أبو يعلى. ولم أجد النص في كتبه المعروفة. وانظر: «إغاثة اللهفان» (٢/ ٧١٢).\n(^٣) ز: «فيه شريك».\n(^٤) في المطبوع: «يخاصمه»، تحريف.\n(^٥) د: «عليه له».","vol":"4","page":107},{"text":"الطالب على المطلوب بما وهبه له ويحتسب بذلك من زكاته، ثم يهب المطلوب ماله عليه من الدين، ولا يضمن الطالب لشريكه شيئًا؛ لأن هبة الدَّين لمن في ذمته براءة. وإذا أبرأ أحد الشريكين الغريمَ من نصيبه لم يضمن لشريكه شيئًا، وإنما يضمن إذا حصل الدَّين في ضمانه.\nوقالوا: لو آجرَه الأرضَ بأجرة معلومة وشرطَ عليه أن يؤدِّي خراجَها لم يجز؛ لأن الخراج على المالك لا على المستأجر. والحيلة في جوازه أن يُؤجِره إياها بمبلغ يكون زيادته بقدر الخراج، ثم يأذن له أن يدفع في خراجها ذلك القدر الزائد على أجرتها. قالوا: لأنه متى زاد مقدار الخراج على الأجرة حصلَ ذلك دينًا على المستأجر، وقد أمره أن يدفعه إلى مستحقّ الخراج، وهو جائز.\nقالوا: ونظير هذا أن يُؤجِره دابةً ويشترط علفَها على المستأجر لم يجزْ، والحيلة في جوازه هكذا سواء، يزيد في الأجرة ويوكِّله أن يعلِف الدابة بذلك القدر الزائد.\nوقالوا: لا يصح استئجار الشجرة للثمرة (^١)، والحيلة في ذلك أن يُؤجِره الأرضَ ويساقيه على الثمرة من كل ألف جزءٍ جزءًا مثلًا.\n[٦٨/أ] وقالوا: لو (^٢) وكَّله أن يشتري له جارية معينة بثمن معين دفعه إليه، فلما رآها أراد شراءها لنفسه، وخاف أن يحلِّفه أنه إنما اشتراها بمال الموكِّل له، وهو وكيله، فالوجه أن يَعزِل نفسه عن الوكالة، ثم يشتريها بثمن\n_________\n(^١) ز: «المثمرة».\n(^٢) د: «ولو».","vol":"4","page":108},{"text":"في ذمته، ثم ينقد ما معه من الثمن، ويصير (^١) لموكّله في ذمته نظيره. قالوا: وأما نحن فلا تتأتَّى هذه الحيلة على أصولنا؛ لأن الوكيل لا يملك عزل نفسه إلا بحضرة موكله.\nقالوا: وقد قالت الحنابلة أيضًا: لو أراد إجارة أرض له فيها زرع لم يجز، والحيلة في جوازه أن يبيعه الزرعَ ثم يُؤجِره الأرضَ، فإن أراد بعد ذلك أن يشتري منه الزرع جاز.\nوقالوا: لو شرط ربُّ المال على المضارب ضمانَ مال المضاربة لم يصح، والحيلة في صحته أن يُقرِضه المال في ذمته ثم يقبضه المضارب منه، فإذا قبضه دفعه إلى مالكه الأول مضاربة، ثم يدفعه ربُّ المال إلى المضارب بضاعة، فإن تَوى (^٢) فهو من ضمان المضارب؛ لأنه قد صار مضمونًا عليه بالقرض، فتسليمه إلى رب المال مضاربة كتسليم مالٍ له آخر.\nوحيلة أخرى، وهي أن يُقرِض ربُّ المال المضارب ما يريد دفعه إليه، ثم يُخرِج من عنده درهمًا واحدًا، فيشاركه على أن يعملا بالمالين جميعًا على أن ما رزقه الله فهو بينهما نصفين، فإن عمل أحدهما بالمال بإذن صاحبه فربح كان الربح بينهما على ما شرطاه (^٣)، وإن خسر كان الخسران على قدر المالين، على رب المال بقدر الدرهم وعلى المضارب بقدر رأس المال، وإنما جاز ذلك لأن المضارب هو الملزِم نفسَه الضمانَ بدخوله في القرض.\n_________\n(^١) ز: «ويصيره».\n(^٢) أي هلك.\n(^٣) ز: «شرطا».","vol":"4","page":109},{"text":"وقالوا: لا تجوز المضاربة على العَرض، فإن كان عنده عرضٌ فأراد أن يضارب عليه فالحيلة في جوازه أن يبيعه العرض ويقبض ثمنه فيدفعه إليه مضاربة، ثم يشتري المضارب ذلك المتاع بالمال.\nوقالوا: لو حلَّفتْه امرأته أن كل جارية يشتريها فهي حرة، فالحيلة في جواز الشراء ولا تُعتَق أن يعني بالجارية السفينة ولا تعتق، وإن لم تحضره هذه النية وقتَ اليمين فالحيلة أن يشتريها صاحبه ويهبه إياها ثم يهبه نظير الثمن.\nوقالوا: لو حلَّفتْه أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق، وخاف من هذه اليمين عند من يصحح هذا التعليق، فالحيلة أن ينوي كل امرأة أتزوجها على طلاقك، أي: يكون طلاقك صداقها، أو كل امرأة أتزوجها على رقبتك، أي: تكون رقبتك صداقها، فهي طالق، فلا يحنث بالتزويج على غير هذه الصفة.\nوقالوا: لو أراد أن يصرف دنانير بدراهم ولم يكن عند الصيرفي مبلغ الدراهم وأراد أن يصبر عليه بالباقي لم يجز، والحيلة فيه أن يأخذ ما عنده من الدراهم بقدر صرفه، ثم يُقرِضه إياها فيصرف بها الباقي، فإن لم يعرف (^١) فعل ذلك مرارًا حتى يستوفي [٦٨/ب] صرفه، ويصير ما أقرضه دينًا عليه، لا أنه عوض الصرف.\nوقالوا: لو أراد أن يبيعه دراهم بدنانير إلى أجلٍ لم يجز، والحيلة في ذلك أن يشتري منه متاعًا وينقُده ثمنَه ويقبض المتاع، ثم يشتري البائع منه ذلك المتاع بدنانير إلى أجل، والتأجيل جائز في ثمن المتاع.\n_________\n(^١) كذا في نسختين، وفي هامش ز: «لعله يستغرق». وفي المطبوع: «يوفِ».","vol":"4","page":110},{"text":"وقالوا: لو مات ربُّ المال بعد أن قبض المضارب المال انتقل إلى ورثته، فلو اشترى المضارب به بعد ذلك متاعًا ضَمِنَ؛ لأنه تصرّف بعد بطلان الشركة. والحيلة في تخلُّص المضارب من ذلك أن يشهد ربُّ المال أن حصّته من المال الذي دفعه مضاربة لولده، وأنه مقارض إلى هذا الشريك بجميع ما تركه، وأمره أن يشتري لولده ما أحبَّ في حياته وبعد وفاته. فيجوز ذلك؛ لأن المانع منه كونُه متصرفًا في ملك الغير بغير وكالة ولا ولاية، فإذا أذن له في التصرُّف برئ من الضمان، وإن (^١) كانت هذه الحيلة إنما تتم إذا كان الورثة أولادًا صغارًا.\nوقالوا: لو صالح عن المؤجَّل ببعضه حالًا لم يصح، والحيلة في تصحيحه أن يفسخا العقد الذي وقع على المؤجّل ويجعلاه بذلك القدر الحال.\nوقالوا: لو لبس المتوضئ أحد الخفَّين قبل غَسل الرجل الأخرى ثم غسل الأخرى ولبس عليها لم يجز المسح؛ لأنه لم يلبس على كمال الطهارة، والحيلة في جواز المسح أن يخلع هذه الفردة الثانية ثم يلبسها.\nقالوا: ولو أوصى لرجلٍ بخدمة عبده أو بما في بطن أمته جاز، فلو أراد الورثة شراء خدمة العبد أو ما في بطن الأمة من الموصى له لم يجز، والحيلة في جوازه أن يصالحوه من الموصى به على ما يبذلونه له فيجوز، وإن لم يجز البيع فإن الصلح يجوز فيه ما لا يجوز في البيع.\nقالوا: ولا تجوز الشركة بالعروض، فإن كان لأحدهما عرضٌ يساوي\n_________\n(^١) في نسختين: «فإن». والمثبت يقتضيه السياق.","vol":"4","page":111},{"text":"خمسة آلاف درهم، وللآخر عرضٌ يساوي ألفًا، فأحبَّا أن يشتركا في العرضين، فالحيلة أن يشتري صاحب العرض الذي قيمته خمسة آلاف من الآخر خمسةَ أسداسِ عرضِه بسدسِ عرضِه هو؛ فيصير للذي (^١) يساوي عرضه سدسُ جميع المال، وللآخر (^٢) خمسةُ أسداسه؛ لأن جميع ماليهما ستة آلاف، وقد حصل كل واحد من العرضين بهذه الشركة بينهما أسداسًا، خمسةُ أسداسِه لأحدهما وسدسُه للآخر، فإذا هلك أحدهما هلك على الشركة.\nقالوا: ولا تُقبل شهادة الموكَّل لموكِّله فيما هو وكيلٌ فيه، فلو لم يكن له شاهد غيره وخاف ضياع حقه فالحيلة أن يعزِله حتى يشهد له، ثم يوكِّله بعد ذلك إن أراد.\nقالوا: ولو أعتق عبده في مرضه، وثلثُه يحتمله، وخاف عليه من الورثة أن يجحدوا المال ويرِثوا (^٣) ثلثيه؛ فالحيلة أن يدفع إليه مالًا يشتري نفسَه منه بحضرة شهود، ويشهدون أنه قد أقبضَه المال، وصار العبد حرًّا.\nقالوا: وكذلك الحيلة لو كان لأحد الورثة دينٌ على الموروث، وليست له به بينة، فأراد بيعه العبد بدَينه الذي له عليه فعلَ مثل ذلك سواء.\nقالوا: ولو [٦٩/أ] قال: «أوصيتُ إلى فلان، وإن لم يقبلْ فإلى فلان» وخاف أن تبطل الوصية على مذهب من لا يرى جواز تعليق الولاية بالشرط،\n_________\n(^١) د: «الذي».\n(^٢) د: «والآخر».\n(^٣) في النسختين: «ويرقوا». ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"4","page":112},{"text":"[فالحيلة] (^١) أن يقول: «فلان وفلان وصيّانِ، فإن لم يقبل أحدهما وقبل الآخر فالذي قبِلَ هو الوصي»، فيجوز على قول الجميع؛ لأنه لم يعلِّق الولاية بالشرط.\nقالوا: ولو أراد ذمي أن يُسلِم وعنده خمر كثير، فخاف أن يذهب عليه بالإسلام؛ فالحيلة أن يبادر ببيعها من ذمي آخر ثم يسلم، فإنه يملك تقاضِيَه بعد الإسلام، فإن بادر الآخر وأسلم لم يسقط عنه ذلك. وقد نصّ عليه الإمام أحمد في مجوسي باع مجوسيًّا خمرًا ثم أسلما: يأخذ الثمن، قد وجب له يومَ باعَه.\nقال أرباب الحيل: فهذا رَهنُ الفِرَقِ عندنا بأنهم قالوا بالحيل وأفتوا بها، فماذا يُنكرون علينا بعد ذلك ويُشنعون؟ ومثالنا ومثالهم في ذلك كقوم وجدوا كنزًا فأصاب كل منهم طائفةً منه في يديه، فمستقلٌ ومستكثرٌ، ثم أقبل بعض الآخذين يَنقِمُ على بقيتهم، وما أخذه من الكنز في يديه، فلْيرمِ بما أخذ منه ثم لْينكرْ على الباقين.\nقال المبطلون للحيل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فسبحان الله الذي فرض الفرائض وحرّم المحارم وأوجب الحقوق رعايةً لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وجعل شريعته الكاملة قيامًا للناس، وغذاء لحفظ حياتهم، ودواء لدفع أدوائهم، وظلّه الظليل الذي من استظلَّ به أَمِنَ من الحَرور (^٢)، وحِصنه\n_________\n(^١) زيادة ليستقيم السياق.\n(^٢) أي حرّ الشمس.","vol":"4","page":113},{"text":"الحصين الذي من دخله نجا من الشرور. فتعالى شارعُ هذه الشريعة الفائقة لكل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تُسقِط فرائضه، وتُحِلُّ محارمه، وتُبطِل حقوق عباده، وتفتح للناس أبواب الاحتيال، وأنواع المكر والخداع، وأن يُبيح التوصُّلَ بالأسباب المشروعة إلى الأمور المحرمة الممنوعة، وأن يجعلها مُضغةً (^١) لأفواه المحتالين، عُرضةً لأغراض المخادعين الذين يقولون ما لا يفعلون، ويُظهرون خلاف ما يُبطنون، ويرتكبون العبثَ الذي لا فائدة فيه سوى ضُحْكة الضاحكين وسُخرية الساخرين، فيخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، ويتلاعبون بحدوده كتلاعب المُجَّان، فيحرِّمون الشيء ثم يستحلُّونه إياه بعينه بأدنى الحيل، ويسلكون إليه نفسِه طريقًا تُوهِم أن المراد غيره، وقد علموا أنه هو المراد لا غيره، ويُسقطون الحقوق التي وصَّى الله بحفظها وأدائها بأدنى شيء، ويفرِّقون بين متماثلينِ من كل وجه لاختلافهما في الصورة أو الاسم أو الطريق الموصل إليهما، ويستحلُّون بالحيل ما هو أعظم فسادًا مما يحرّمونه (^٢)، ويُسقطون بها ما هو أعظم وجوبًا مما يوجبونه.\nوالحمد لله الذي نزَّه شريعته عن هذا التناقض (^٣) والفساد، وجعلها كَفيَّةً (^٤) وَفيَّة بمصالح خلقه في المعاش والمعاد، وجعلها من أعظم [٦٩/ب] آياته الدالة عليه، ونصبها طريقًا مُرشدًا لمن سلكه إليه؛ فهو نوره المبين،\n_________\n(^١) في النسختين: «مصبغة». والمثبت يناسق السياق\n(^٢) ز: «يحرّمون».\n(^٣) ز: «النتاقظ».\n(^٤) ز: «كفيلة». و«الكفيّة» بمعنى الكافية.","vol":"4","page":114},{"text":"وحِصنه الحصين، وظلُّه الظليل، وميزانه الذي لا يَعُول (^١). لقد تعرّف بها إلى ألبَّاء عباده غايةَ التعرف، وتحبَّب بها إليهم غايةَ التحبُّب، فآنَسُوا بها (^٢) منه حكمتَه البالغة، وتمت بها عليهم منه نِعمُه السابغة، ولا إله إلا الله الذي في شرعه أعظم آية تدلُّ على تفرُّده بالإلهية وتوحُّده بالربوبية، وأنه الموصوف بصفات الكمال، المستحقّ لنعوت الجلال، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى وله المثل الأعلى، فلا يدخل السوء في أسمائه، ولا النقص والعيب في صفاته، ولا العبث ولا (^٣) الجور في أفعاله، بل هو منزَّه في ذاته وأوصافه وأفعاله وأسمائه عما يضادُّ كمالَه بوجه من الوجوه.\nتبارك اسمه، وتعالى جَدُّه، وبَهرتْ حكمته، وتمَّت نعمته، وقامت على عباده حجته، والله أكبر كبيرًا أن يكون في شرعه تناقض أو اختلاف، فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، بل هي شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبرَّأة من كل نقص، مطهَّرة من كل دَنَس، مسلَّمة لا شِيةَ فيها، مؤسَّسة على العدل والحكمة والمصلحة والرحمة قواعدُها ومبانيها، إذا حرَّمت فسادًا حرَّمت ما هو أولى منه أو نظيره، وإذا رعَتْ صلاحًا رعَتْ ما هو فوقه أو شبيهه؛ فهي صراطه المستقيم الذي لا أَمْتَ (^٤) فيه ولا عِوَج، وملّته الحنيفية السمحة التي لا ضِيقَ فيها ولا حرج، بل هي حنيفية التوحيد سمحة العمل، لم تأمر بشيء فيقول العقل لو نهتْ عنه لكان أوفق، ولم تَنْهَ\n_________\n(^١) أي لا ينقص ولا يزيد.\n(^٢) «بها» ليست في د. وآنسوا بمعنى أبصروا.\n(^٣) «لا» ليست في ز.\n(^٤) العيب والعِوج.","vol":"4","page":115},{"text":"عن شيء فيقول الحِجَا لو أباحته لكان أوفق، بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيِّب، وحرّمت كل خبيث، فأوامرها غذاء ودواء، ونواهيها حِميةٌ وصيانة، وظاهرها زينة لباطنها، وباطنها أجمل من ظاهرها، شعارها الصدق، وقِوامُها الحق، وميزانها العدل، وحكمها الفَصْل، لا حاجة بها البتةَ إلى أن تُكْمَل بسياسة ملكٍ أو رأي ذي رأي أو قياس فقيه أو ذوقِ ذي رياضة أو منامِ ذي دين وصلاح، بل بهؤلاء كلِّهم أعظمُ الحاجة إليها، ومن وُفِّقَ منهم للصواب فلاعتماده وتعويله عليها.\nلقد أكملها الذي أتمَّ نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك، وحيل المتحيّلين، وأقيسة القياسيين، وطرائق الخلافيين، وأين كانت هذه الحيل والأقيسة والقواعد المتناقضة والطرائق القِدَد (^١) وقتَ نزول قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]؟ وأين كانت يومَ قوله - ﷺ -: «لقد تركتُكم على المَحجَّة البيضاءِ ليلُها كنهارِها، لا يَزِيغُ عنها إلا هالكٌ» (^٢)، ويومَ قوله: «ما تركتُ من شيء يُقرِّبكم إلى (^٣) الجنة ويُباعِدكم من النار إلا أعلمتُكموه» (^٤)؟ وأين كانت عند قول أبي ذر: لقد توفي رسول الله - ﷺ -[٧٠/أ] وما طائرٌ يقلِّب جناحَيه في السماء\n_________\n(^١) أي المختلفة.\n(^٢) رواه أحمد (١٧١٤٢) وابن ماجه (٤٣) والحاكم (١/ ٩٦) بنحوه من حديث العرباض بن سارية، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده. انظر: «الصحيحة» (٩٣٧).\n(^٣) ز: «من».\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (٣٥٤٧٣) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٩٨٩١) والبغوي في «شرح السنة» (٤١١١) من حديث ابن مسعود، وفي إسناده انقطاع.","vol":"4","page":116},{"text":"إلا أذكَرَنا منه علمًا (^١)، وعند قول القائل لسلمان: لقد علَّمكم نبيكم كلَّ شيء حتى الخِراءة، فقال: أجل (^٢)؟\nفأين علَّمهم الحيلَ والمخادعة والمكر وأرشدهم إليه ودلّهم عليه؟ كلّا والله، بل حذَّرهموه أشدَّ التحذير، وأوعدهم عليه أشدَّ الوعيد، وجعله منافيًا للإيمان، وأخبر عن لعنة اليهود لما ارتكبوه، وقال لأمته: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلُّوا محارمَ الله تعالى بأدنى الحيل» (^٣)، وأغلقَ أبواب المكر والاحتيال، وسدَّ الذرائعَ، وفصَلَ الحلالَ من الحرام، وبيَّن الحدود، وقسَّم شريعته إلى حلال بيِّن وحرام بيِّن وبرزخٍ بينهما (^٤)؛ فأباح الأول، وحرَّم الثاني، وحضَّ الأمة على اتقاء الثالث خشيةَ الوقوع في الحرام، وقد أخبر الله سبحانه عن عقوبة المحتالين على حِلّ ما حرَّمه عليهم وإسقاطِ ما فرضه عليهم في غير موضع من كتابه.\nقال أبو بكر الآجرِّي (^٥) وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس: لقد مُسِخ اليهود قِردةً بدون هذا.\nوصدقَ واللهِ، لأَكلُ حوتٍ صِيْدَ يوم السبت أهونُ عند الله وأقلّ جرمًا من آكل الربا ــ الذي حرَّمه الله ــ بالحيل والمخادعة، ولكن كما قال الحسن:\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢١٣٦١، ٢١٤٣٩، ٢١٤٤٠)، وفي إسناده انقطاع وضعف، والحديث حسن بشواهده. انظر: «الصحيحة» (١٨٠٣) و«العلل» للدارقطني (٦/ ٢٩٠).\n(^٢) رواه مسلم (٢٦٢).\n(^٣) تقدم.\n(^٤) كما في حديث النعمان بن بشير الذي رواه البخاري (٥٢، ٢٥٠١) ومسلم (١٥٩٩).\n(^٥) كما نقل عنه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٣٨، ٣٩).","vol":"4","page":117},{"text":"عُجِّل لأولئك عقوبةُ تلك الأكلة الوخيمة وأُرجِئتْ عقوبة هؤلاء (^١).\nوقال الإمام أبو يعقوب الجوزجاني (^٢): وهل أصاب الطائفةَ من بني إسرائيل المسخُ إلا باحتيالهم على أمر الله، بأن حَظَروا الحظائر (^٣) على الحيتان في يومِ سَبْتِهم، فمنعوها الانتشارَ يومَها إلى الأحد فأخذوها. وكذلك السلسلة التي كانت تأخذ بعنق الظالم، فاحتال لها صاحب الدرَّة إذ صيَّرها في قصبةٍ ثم دفع القصبة إلى خصمه، وتقدَّم إلى السلسلة ليأخذها فُرِفعتْ (^٤).\nوقال بعض الأئمة (^٥): في هذه الآية مَزجرةٌ عظيمة للمتعاطين الحيلَ على المناهي الشرعية ممن تلبَّس بعلم الفقه وليس بفقيه؛ إذ الفقيه من يخشى الله ﷿ في الربويات، واستعارة التيس الملعون لتحليل المطلقات، وغير ذلك من العظائم والمصائب الفاضحات، التي لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح، فكيف بمن يعلم السرَّ وأخفى الذي يعلم خائنةَ الأعين وما تخفي الصدور؟\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (٣٦٤٧١) والطبري (١٠/ ٥٢٣) وابن أبي حاتم في «التفسير» (٥/ ١٥٩٩)، وإسناده صحيح.\n(^٢) كما في «بيان الدليل» (ص ٣٩). والصواب في كنيته واسمه: أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب، كما في مصادر ترجمته.\n(^٣) كذا في النسختين و«بيان الدليل»، والمعنى واضح. وفي المطبوع: «حفروا الحفائر»، تحريف.\n(^٤) انظر: «تاريخ دمشق» (١٧/ ١٠٣) و«البداية والنهاية» (٢/ ٣٠٨). والخبر من الإسرائيليات عن وهب.\n(^٥) كما في «بيان الدليل» (ص ٣٩).","vol":"4","page":118},{"text":"قال: وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها (^١) أرباب الحيل في كثير من الأبواب، ظهر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بينها وبين هذه الحيل، فإذا عرف قدر الشرع، وعظمة الشارع وحكمته، وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح العباد= تبيَّن له حقيقة الحال، وقطَع بأن الله سبحانه يتنزَّه ويتعالى أن يسوِّغ لعباده نقضَ شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال.\nفصل\nقالوا: ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها، ونبيِّن ما فيه، متحرِّين للعدل والإنصاف، منزِّهين [٧٠/ب] لشريعة الله وكتابه وسنة رسوله عن المكر والخداع والاحتيال المحرّم، ونبيِّن انقسام الحيل والطرق إلى ما هو كفر محض، وفسق ظاهر، ومكروه، وجائز، ومستحبّ، وواجب عقلًا أو شرعًا، ثم نذكر فصلًا نبيِّن فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة، فنقول وبالله التوفيق والمستعان وعليه التُّكلان:\nأما قوله تعالى لنبيه أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، فقال شيخنا - ﵁ - (^٢): الجواب أن هذا ليس مما نحن فيه؛ فإن للفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا قولين (^٣)، يعني إذا حلف ليضربنَّ عبدَه أو امرأته مائة ضربة:\n_________\n(^١) د: «يتعاطاه».\n(^٢) الترضي من د. والكلام الآتي كلُّه من «بيان الدليل» (ص ٣٠٨ وما بعدها).\n(^٣) ز: «قولان».","vol":"4","page":119},{"text":"أحدهما: قول من يقول: موجبها الضرب مجموعًا أو مفرَّقًا، ثم منهم من يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب؛ فعلى هذا تكون هذه (^١) الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق، وليس هذا بحيلة، إنما الحيلة أن يصرف اللفظ عن موجبه عند الإطلاق.\nوالقول الثاني: أن موجبه الضرب المعروف (^٢)، وإذا كان هذا موجبه في شرعنا لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعًا من شرائع من قبلنا؛ لأنا إن قلنا: «ليس شرعًا لنا مطلقًا» فظاهر، وإن قلنا: «هو شرعٌ لنا» فهو مشروط بعدم مخالفته لشرعنا، وقد انتفى الشرط.\nوأيضًا فمن تأمَّل الآية علم أن هذه الفتيا خاصّةُ الحكم؛ فإنها لو كانت عامةَ الحكم في حق كل أحدٍ لم يَخْفَ على نبي كريم موجبُ يمينه، ولم يكن في اقتصاصها علينا كبيرُ عبرةٍ؛ فإنما يُقصُّ ما خرج عن نظائره لنعتبر به ونستدلّ به على حكمة الله فيما قصَّه علينا، أما ما كان هو مقتضى العادة والقياس فلا يُقَصُّ، ويدل على الاختصاص قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]. وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل كما في نظائرها؛ فعُلِم أن الله ﷾ إنما أفتاه بهذا جزاءً له على صبره، وتخفيفًا عن امرأته، ورحمةً بها، لا أن هذا موجب هذه اليمين.\nوأيضًا فإن الله سبحانه إنما أفتاه بهذه الفتيا لئلا يحنَثَ، كما أخبر سبحانه. وهذا يدلُّ على أن كفارة الأيمان لم تكن مشروعةً بتلك الشريعة، بل\n_________\n(^١) «هذه» ليست في د.\n(^٢) كذا في النسختين. وفي «بيان الدليل»: «المفرّق».","vol":"4","page":120},{"text":"ليس في اليمين إلا البر والحنث، كما هو ثابت في نذر التبرُّر في شريعتنا؛ وكما كان في أول الإسلام. قالت عائشة - ﵂ -: لم يكن أبو بكر يحنث في يمين، حتى أنزل الله كفارة اليمين (^١). فدلَّ على أنها لم تكن مشروعة في أول الإسلام، وإذا كان كذلك صار كأنه قد نذر ضرْبَها، وهو نذر لا يجب الوفاء به؛ لما فيه من الضرر عليها، ولا يُغني عنه كفارة يمين؛ لأن تكفير النذر فرع عن تكفير اليمين، فإذا لم تكن كفارة النذر إذ ذاك مشروعةً فكفارة اليمين أولى.\nوقد عُلِم أن الواجب بالنذر يُحتذَى به حذو الواجب بالشرع، وإذا كان الضرب الواجب بالشرع يجب تفريقه إذا كان المضروب [٧١/أ] صحيحًا ويجوز جمعه إذا كان المضروب مريضًا مأيوسًا منه عند الكل أو مريضًا على الإطلاق عند بعضهم، كما ثبتت بذلك السنة عن رسول الله - ﷺ - (^٢) = جاز أن يقام الواجب بالنذر مقام ذلك عند العذر. وقد كانت امرأة أيوب ﵇ ضعيفة عن احتمال مائة ضربةٍ التي حلف أن يضربها إياها، وكانت كريمةً على ربها، فخفَّف عنها برحمته الواجبَ باليمين بأن أفتاه بجمع (^٣) الضربات بالضِّغث كما خفّف عن المريض.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦٢١).\n(^٢) رواها أحمد (٢١٩٣٥) وأبو داود (٤٤٧٢) والنسائي في «الكبرى» (٧٢٦٨) وابن ماجه (٢٥٧٤) عن أبي أمامة بن سهل موصولةً ومرسلة. وانظر: «التلخيص الحبير» (٤/ ٥٩)، وتعليق المحققين على «مسند أحمد» (٣٦/ ٢٦٣ - ٢٦٦).\n(^٣) في النسختين: «بجميع». والمثبت من «بيان الدليل».","vol":"4","page":121},{"text":"ألا ترى أن السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله أنه يُجزئه الثلث (^١)، فأقام الثلث في النذر مقام الجميع رحمةً بالناذر وتخفيفًا عنه، كما أقيم مقامه في الوصية رحمة بالوارث ونظرًا له. وجاءت السنة فيمن نذرت الحج ماشيةً أن تركب وتُهدِي (^٢)، إقامةً لترك بعض الواجب بالنذر مقامَ ترك بعض (^٣) الواجب بالشرع في المناسك عند العجز عنه، كطواف الوداع عن الحائض.\nوأفتى ابن عباس وغيره من نذر ذَبْحَ ابنه بشاة (^٤)، إقامةً لذبح الشاة مقامَ ذبح الابن كما شُرع ذلك للخليل.\nوأفتى أيضًا من نذر أن يطوف على أربع بأن يطوف أسبوعين (^٥)، إقامةً لأحد الأسبوعين مقام طواف اليدين.\n_________\n(^١) رواه مالك (٢/ ٤٨١) وعبد الرزاق (١٦٣٩٧) من حديث أبي لبابة من طريق الزهري مرسلًا، ووصله ابن حبان (٣٣٧١) والبيهقي (٤/ ١٨١)، وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٠/ ٨٣): «ولا يتصل حديث أبي لبابة فيما علمت ولا يستند، وقصته في السير محفوظة». ورواه أبو داود (٣٣١٩ - ٣٣٢١) والبيهقي (١٠/ ٦٧) من حديث كعب بن مالك، وفي إسناده ومتنه اضطراب.\n(^٢) رواه البخاري (١٨٦٦) ومسلم (١٦٤٤) من حديث عقبة بن عامر، إلّا أنهما لم يذكرا الهدي، وجاء ذكره عند أبي داود (٣٢٩٦).\n(^٣) «بعض» ليست في ز.\n(^٤) رواه مالك (٢/ ٤٧٦) وعبد الرزاق (١٥٩٠٤، ١٥٩٠٦) وابن ابي شيبة (١٢٦٥٣) والطبراني (١١/ ١٨٦) والبيهقي (١٠/ ٧٣) من طرق عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١٥٨٩٥) والطبراني (١١/ ١٨٠) من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس.","vol":"4","page":122},{"text":"وأفتى أيضًا هو (^١) وغيره من الصحابة - ﵃ - المريض المأيوس منه والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينًا (^٢)، إقامةً للإطعام مقامَ الصيام.\nوأفتى أيضًا هو (^٣) وغيره من الصحابة: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولدَيْهما أن تفطرا وتُطعِما كل يوم مسكينًا (^٤)، إقامةً للإطعام مقامَ الصيام، وهذا كثير جدًّا.\nوغير مستنكر في واجبات الشريعة أن يخفّف الله سبحانه الشيء منها عند المشقة بفعل ما يشبهه من بعض الوجوه كما في الأبدال وغيرها، ولكن مثل قصة أيوب لا يُحتاج إليها في شرعنا؛ لأن رجلًا لو حلف ليضربنَّ أمته أو امرأته مائة ضربة أمكنه أن يكفّر عن يمينه من غير احتياج إلى حيلة وتخفيف الضرب بجمعه، ولو نذر ذلك فهو نذر معصية، فلا شيء عليه عند طائفة، وعند طائفة عليه كفارة يمين.\nوأيضًا فإن المطلق من كلام الآدميين محمول على ما فسّر به المطلق من كلام الشارع خصوصًا في الأيمان؛ فإن الرجوع فيها إلى عرف الخطاب شرعًا أو عادةً أولى من الرجوع إلى موجب اللفظ في أصل اللغة، والله ﷾ قد قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٥٠٥) عن ابن عباس.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (٧٥٧٠) وابن أبي شيبة (١٢٣٤٦) من طرق عن أنس.\n(^٣) رواه أبو داود (٢٣١٧، ٢٣١٨) والبيهقي (٤/ ٢٣٠) عن ابن عباس.\n(^٤) رواه عبد الرزاق (٧٥٥٨، ٧٥٥٩) والدارقطني (٢٣٨٨ - ٢٣٨٩) والبيهقي (٤/ ٢٣٠) عن ابن عمر.","vol":"4","page":123},{"text":"وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. وفهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من ذلك أنه ضربات متفرقة لا مجموعة، إلا أن يكون المضروب معذورًا عذرًا لا يُرجى زواله؛ فإنه يُضرب ضربًا مجموعًا، وإن كان يرجى زواله فهل يؤخَّر إلى الزوال أو يُقام عليه مجموعًا؟ فيه خلاف بين الفقهاء، فكيف يقال: إن الحالف ليضربنّ موجب يمينه [٧١/ب] هو الضرب المجموع مع صحة المضروب وقوته؟ فهذه الآية هي أقوى ما يعتمد عليه أرباب الحيل، وعليها بَنَوا حيلهم، وقد ظهر بحمد الله أنه لا متمسَّكَ لهم فيها البتةَ.\nفصل\nوأما إخباره سبحانه عن يوسف ﵇ أنه جعل صُواعه في رَحْل أخيه ليتوصَّل بذلك إلى أخذه وكيد إخوته، فنقول لأرباب الحيل أولًا: هل تجوِّزون أنتم مثل هذا حتى يكون حجةً لكم؟ وإلا فكيف تحتجُّون بما لا تجوِّزون فعلَه؟، فإن قلتم: فقد كان جائزًا في شريعته، قلنا: وما ينفعكم إذا لم يكن جائزًا في شرعنا؟\nقال شيخنا (^١) - ﵁ -: ومما قد يُظَنّ أنه من جنس الحيل التي بيَّنا تحريمها وليس من جنسها قصة يوسف، حين كاد الله له في أخذ أخيه كما قصَّ ذلك سبحانه في كتابه، فإن فيها ضروبًا من الحيل الحسنة:\nأحدها: قوله لفتيانه: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢]، فإنه تسبَّب بذلك إلى رجوعهم،\n_________\n(^١) في «بيان الدليل» (ص ٢٠٥ وما بعدها).","vol":"4","page":124},{"text":"وقد ذكروا في ذلك معاني:\nمنها: أنه تخوَّف أن لا يكون عندهم وَرِقٌ يرجعون بها.\nومنها: أنه خشي أن يُضِرَّ أخذُ الثمن بهم.\nومنها: أنه رأى لُؤمًا أخذ الثمن منهم.\nومنها: أنه أراهم كرمَه في ردّ البضاعة ليكون أدعى لهم إلى العود.\nومنها: أنه علم أن أمانتهم تُحوِجهم إلى العود ليردُّوها إليه.\nفهذا المحتال به عمل صالح، والمقصود رجوعهم ومجيء أخيه، وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله، وهو مقصود صالح، وإنما لم يعرِّفهم نفسَه لأسبابٍ أُخر فيها أيضًا منفعة لهم وله ولأبيهم، وتمامٌ لما أراده الله بهم من الخير في البلاء.\nالضرب الثاني: أنه في المرة الثانية لما جهَّزهم بجَهازهم جعل السقاية في رَحْل أخيه، وهذا القدر تضمَّن إيهام أن أخاه سارق، وقد ذكروا أن هذا كان بمواطأةٍ من أخيه ورِضًى منه بذلك، والحق له في ذلك، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ٦٩]، وفيه قولان: أحدهما: أنه عرَّفه أنه يوسف ووطَّنه على عدم الابتئاس بالحيلة التي فعلها في أخذه منهم، والثاني: أنه لم يصرِّح له بأنه يوسف، وإنما أراد أني مكانَ أخيك المفقود، فلا تبتئس بما يعاملك به إخوتك من الجفاء.\nومن قال هذا قال: إنه وضع السقاية في رَحْل أخيه والأخ لا يشعر،","vol":"4","page":125},{"text":"ولكن هذا خلاف المفهوم من القرآن وخلاف ما عليه الأكثرون، وفيه ترويعٌ لمن لم يستوجب الترويع.\nوأما على القول الأول (^١) فقد قال كعب وغيره (^٢): لما قال له إني أنا أخوك، قال: فأنا لا أفارقك. قال يوسف: فقد علمتَ اغتمام والدي بي، فإذا حبستُك ازداد غمُّه، ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهِّرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحتمل، قال: لا أبالي، فافعلْ ما بدا لك فإني لا أفارقك، قال: فإني أدسُّ [٧٢/أ] صاعي هذا في رَحْلك، ثم أنادي عليك بالسرقة ليتهيَّأَ لي ردُّك، قال: فافعل. وعلى هذا فهذا التصرف إنما كان بإذن الأخ ورضاه.\nومثل هذا النوع ما ذكر أهل السير (^٣) عن عدي بن حاتم أنه لما همَّ قومه بالردة بعد رسول الله - ﷺ - كفَّهم عن ذلك، وأمرهم بالتربُّص، وكان يأمر ابنه إذا رعى إبل الصدقة أن يبعد، فإذا جاء خاصمه بين يدي قومه وهمَّ بضربه، فيقومون فيشفعون إليه فيه؛ ويأمره كل ليلة أن يزداد بعدًا، فلما كان ذات ليلة أمره أن يبعد بها جدًّا، وجعل ينتظره بعدما دخل الليل، وهو يلوم قومه على شفاعتهم ومنعهم إياه من ضربه، وهم يعتذرون عن ابنه، ولا ينكرون إبطاءه،\n_________\n(^١) «الأول» ليست في ز.\n(^٢) انظر: «الوسيط» للواحدي (٢/ ٦٢٣) و«تفسير البغوي» (٤/ ٢٦٠) والقرطبي (٩/ ٢٢٩).\n(^٣) ذكره الواقدي في «كتاب الردة» (١/ ٦٣) والدياربكري في «تاريخ الخميس» (٢/ ٢٠٣)، وقال الحافظ في «الفتح» (٨/ ١٠٣): «وذلك مشهور عند أهل العلم بالفتوح».","vol":"4","page":126},{"text":"حتى إذا ابْهارَّ (^١) الليلُ ركب في طلبه فلحقه، واستاق الإبل حتى قدم بها على أبي بكر - ﵁ -. فكانت صدقات طيئ مما استعان بها أبو بكر في قتال أهل الردة.\nوكذلك في الحديث الصحيح (^٢) أن عديًّا قال لعمر - ﵁ -: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أعرفك، أسلمتَ إذ كفروا، ووفيتَ إذ غدروا، وأقبلتَ إذ أدبروا، وعرفتَ إذ أنكروا.\nومثل هذا ما أذن فيه النبي - ﷺ - للوفد الذين أرادوا قتل كعب بن الأشرف أن يقولوا (^٣)، وأذن للحجّاج بن عِلاط عامَ خيبر أن يقول (^٤)، وهذا كله من الاحتيال المباح؛ لكون صاحب الحق قد أذن فيه ورضي به، والأمر المحتال عليه طاعة لله أو أمر مباح.\nالضرب الثالث: أنه ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ\n_________\n(^١) أي انتصف.\n(^٢) رواه البخاري (٤٣٩٤) من حديث عدي بن حاتم.\n(^٣) رواه البخاري (٢٥١٠) ومسلم (١٨٠١) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٤) رواه أحمد (١٢٤٠٩) والنسائي في «الكبرى» (٨٥٩٢) وأبو يعلى (٣٤٧٩) من حديث أنس. وصححه ابن حبان (٤٥٣٠) وابن كثير في «البداية والنهاية» (٤/ ٢١٦).","vol":"4","page":127},{"text":"أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٠ - ٧٦]. وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين:\nأحدهما: أنه من باب المعاريض، وأن يوسف نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه، حيث غيَّبوه عنه بالحيلة التي احتالوا عليه وخانوه فيه، والخائن يسمَّى سارقًا، وهو من الكلام المرموز، ولهذا يسمَّى خَوَنةُ الدواوين لصوصًا.\nالثاني: أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف.\nقال القاضي أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصواع في رحل أخيه، ثم قال بعض الموكّلين وقد فقدوه فلم يُدْرَ (^١) آخِذُه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ على ظنٍّ منهم أنهم كذلك، من غير أمر يوسف لهم بذلك، أو لعل يوسف قد قال للمنادي: هؤلاء سرقوا، وعَنَى أنهم سرقوه من أبيه، والمنادي فَهِمَ سرقة الصُّواع، فصدق يوسف في قوله، وصدق المنادي. وتأمَّلْ حذف المفعول في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ليصح أن يضمن سرقتهم [٧٢/ب] ليوسف فيتمّ التعريض، ويكون الكلام صدقًا. وذكر المفعول في قوله: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ وهو صادق في ذلك، فصدق في الجملتين معًا تعريضًا وتصريحًا. وتأمَّل قول يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾، ولم يقل إلا من سرق، وهو أخصر لفظًا، تحرِّيًا للصدق، فإن الأخ لم يكن سارقًا بوجه، وكان عنده المتاع حقًّا؛\n_________\n(^١) د: «فلم يدري». ز: «فلم ندري». وفي «بيان الدليل»: «ولم يدروا من أخذه».","vol":"4","page":128},{"text":"فالكلام من أحسن المعاريض وأصدقها.\nومثل هذا قول الملَكينِ لداود ﵇: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٢ - ٢٣] أي غلبني في الخطاب، ولكن تخريج هذا الكلام على المعاريض لا يكاد يتأتَّى، وإنما وجهه أنه كلام خرج على ضرب المثال، أي إذا كان كذلك فكيف الحكم بيننا.\nونظير هذا قول الملَك للثلاثة الذين أراد الله أن يبتليهم: «مسكين وغريب وعابر سبيل، وقد تقطَّعت بي الحِبال، ولا بلاغ لي اليومَ إلا بالله ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك هذا المال بعيرًا أتبلَّغُ به في سفري هذا» (^١). وهذا ليس بتعريض، وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال وإيهام أني أنا صاحب هذه القضية، كما أوهم الملَكانِ داود أنهما صاحبا القصة ليتمَّ الامتحان.\nولهذا قال نصر بن حاجب: سئل ابن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله، ويحرِّف القول فيه ليرضيه، لم يأثم في ذلك؟ فقال: ألم تسمع قوله: «ليس بكاذبٍ من أصلحَ بين الناس يكذِب (^٢) فيه» (^٣)، فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم من بعض، وذلك إذا أراد به مرضاة الله، وكره أذى المؤمن، ويندم على ما كان\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٤٦٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) كذا في د، ز. وفي «بيان الدليل»: «فكذب».\n(^٣) أصل الحديث عند البخاري (٢٦٩٢) ومسلم (٢٦٠٥) من حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. وأما هذا اللفظ فقد رواه الطبراني في «الأوسط» (٨٠٥٨) والقطيعي في «جزء الألف دينار» (٣٢٨) والسلفي في «الطيوريات» (١٢٥، ٣٩٣).","vol":"4","page":129},{"text":"منه، ويدفع شرَّه عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعًا في شيء يصيب منهم؛ فإنه لم يرخَّص في ذلك، ورُخِّص له إذا كره مَوجدتَهم وخاف عداوتهم.\nقال حذيفة: إني أشتري ديني بعضَه ببعض مخافةَ أن أُقدِم على ما هو أعظم منه (^١).\nقال سفيان: وقال الملكان: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، أراد معنى سِيّ (^٢) ولم يكونا خصمين فلم يصيرا بذلك كاذبين، وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقال يوسف: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. فبيَّن سفيان أن هذا من المعاريض المباحة.\nفصل\nوقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصُّل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضى مَن عليه الحق.\nقال شيخنا (^٣) - ﵁ -: وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف لم يكن (^٤) يملك حبْسَ أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم (^٥) يوسف\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) في المطبوع و«بيان الدليل»: «شيء»، وهو تحريف. والمثبت هو الصواب كما في النسختين. والسِّيّ: المثل والنظير.\n(^٣) في «بيان الدليل» (ص ٢١١).\n(^٤) «يكن» ليست في ز.\n(^٥) ز: «من ظلمه».","vol":"4","page":130},{"text":"حتى يقال إنه قد اقتصّ منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم تخلُّفه عنده كان يؤذيهم من أجل تأذِّي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنوا (^١) في الميثاق بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقد أحيط بهم، ولم يكن قصد يوسف باحتباس أخيه الانتقام من إخوته؛ فإنه كان أكرمَ من هذا، وكان في [٧٣/أ] ذلك من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء إخوته، وإنما هو أمر أمره الله به ليبلُغَ الكتاب أجلَه، ويتمَّ البلاء الذي استحقَّ به يعقوب ويوسف كمال الجزاء، وتبلغَ حكمة الله التي قضاها لهم نهايتها.\nولو كان يوسف قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل يجوز له أن يسرق أو يخون سرقةً أو خيانةً (^٢) مثل ما سرقَ منه أو خانه إياه؟ وقصة يوسف لم تكن من هذا الضرب.\nنعم، لو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتجّ شبهةٌ، مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضًا؛ فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، وهو أن يُحبس رجل بريء، ويُعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم، ولو قدِّر أن ذلك وقع من يوسف فلا بدّ أن يكون بوحي من الله ابتلاء منه لذلك المعتقل، كما ابتلى إبراهيمَ بذبح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيًا خاصًّا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه، وتكون حكمته في حقّ المبتلَى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله\n_________\n(^١) كذا في النسخ. والسياق يقتضي: «استثنى».\n(^٢) في المطبوع: «من سرقه أو خانه»، خلاف ما في النسختين و«بيان الدليل».","vol":"4","page":131},{"text":"والرضا بقضائه، وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه.\nوهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، فنسب الله سبحانه هذا الكيد إلى نفسه كما نسبه إلى نفسه في قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]، وفي قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وفي قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].\nوقد قيل: إن تسمية ذلك مكرًا وكيدًا واستهزاءً وخداعًا من باب الاستعارة ومجاز المقابلة، نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ونحو قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].\nوقيل ــ وهو أصوب ــ: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه؛ فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقّه، وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له؛ فالأول مذموم والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يُحمد عليه عدلًا منه وحكمةً، وهو سبحانه يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب كما يفعل الظلمة بعباده.\nوأما السيئة فهي فَيْعِلَة مما يسوء، ولا ريبَ أن العقوبة تسوء صاحبها؛ فهي سيئة له حسنة من الحَكَم العدل.","vol":"4","page":132},{"text":"وإذا عُرِف ذلك فيوسف الصديق كان قد كِيدَ غير مرة: أولها أن إخوته كادوا به كيدًا حيث احتالوا في التفريق بينه وبين أبيه. ثم إن امرأة العزيز كادتْه بما أظهرتْ أنه راودها عن نفسه، حتى أُودع السجن. ثم إن النسوة كادوه حتى (^١) استجار بالله [٧٣/ب] من كيدهن فصرفه عنه؛ فقال له يعقوب: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]، وقال الشاهد لامرأة العزيز: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ [يوسف: ٢٨]، وقال تعالى في حق النسوة: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٤]. وقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠].\nفكاد الله سبحانه له أحسنَ كيدٍ وألطفَه وأعدلَه، بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره، وكاد له عوضَ كيدِ المرأة بأن أخرجه من ضيق السجن إلى فضاء الملك، ومكّنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وكادَ له في تصديق النسوة اللاتي كذّبنه وراودنَه حين شهدن ببراءته وعفته، وكاد له في تكذيب امرأة العزيز لنفسها واعترافها بأنها هي التي راودته وأنه من الصادقين؛ فهذه عاقبةُ من صبر على كيد الكائد له بغيًا وعدوانًا.\nفصل\nوكيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين:\n_________\n(^١) في النسختين: «حين». والمثبت من «بيان الدليل».","vol":"4","page":133},{"text":"أحدهما ــ وهو الأغلب ــ: أن يفعل سبحانه فعلًا خارجًا عن قدرة العبد الذي كاد له؛ فيكون الكيد قدرًا محضًا ليس هو من باب لا يسوغ، كما كاد أعداء الرسل بانتقامه منهم بأنواع العقوبات، وكذلك كانت قصة يوسف؛ فإن أكثر ما أمكنه أن يفعل أن ألقى الصُّواع في رحل أخيه، وأن أذن المؤذّن بسرقتهم، فلما أنكروا قال: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي جزاء السارق أو جزاء السُّرَّق، ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤ - ٧٥] أي جزاؤه نفس السارق، يستعبده المسروق منه إما مطلقًا وإما إلى مدة. وهذه كانت شريعة آل يعقوب.\nثم في إعراب هذا الكلام وجهان:\nأحدهما: أن قوله: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ جملة مستقلة قائمة من مبتدأ وخبر، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جملة ثانية كذلك مؤكِّدة للأولى مقرِّرة لها، والفرق بين الجملتين أن الأولى إخبار عن استحقاق المسروق لرقبة السارق، والثانية إخبار أن هذا جزاؤه في شرعنا وحكمنا؛ فالأولى إخبار عن المحكوم عليه، والثانية إخبار عن الحكم، وإن كانا متلازمين، وإن أفادت الثانية معنى الحصر وأنه لا جزاء له غيره.\nوالقول الثاني: أن ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية، والمعنى جزاء السرق أن من وُجد المسروق في رحله كان هو الجزاء، كما تقول: جزاء السرقة من سَرق قُطعت يده، وجزاء الأعمال مَن عمل حسنةً فبعشرٍ أو سيئةً فواحدة، ونظائره.","vol":"4","page":134},{"text":"قال شيخنا (^١) - ﵁ -: وإنما احتمل الوجهين لأن الجزاء قد يراد به نفس الحكم باستحقاق العقوبة، وقد يراد به نفس فعل العقوبة، وقد يراد به نفس الألم الواصل إلى المعاقب؛ والمقصود أن إلهام الله سبحانه لهم هذا الكلام (^٢) كيدٌ كاده ليوسف خارج عن قدرته؛ [٧٤/أ] إذ قد كان يُمكنهم أن يقولوا: لا جزاء عليه حتى يثبت أنه هو الذي سرق؛ فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب ثبوت السرقة، وقد كان يوسف عادلًا لا يأخذهم بغير حجة. وقد كان يمكنهم أن يقولوا: يُفعل به ما يُفعل بالسرَّاق في دينكم، وقد كان من دين ملك مصر ــ كما قاله أهل التفسير ــ أن يُضرب السارق ويُغرم قيمة المسروق مرتين، ولو قالوا ذلك لم يمكنه أن يُلزِمهم ما لا يلزم به غيرهم.\nولهذا قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦]، أي ما كان يمكنه أخذُه في دين ملك مصر؛ إذ لم يكن في دينه طريق له إلى أخذه، وعلى هذا فقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء منقطع، أي لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر، أو يكون متصلًا على بابه، أي إلا أن يشاء الله ذلك فيهيِّئ له سببًا يؤخذ به في دين الملك من الأسباب التي كان الرجل يُعتقل بها، فإذا كان المراد من الكيد فعلًا من الله ــ بأن ييسِّر لعبده المؤمن المظلوم المتوكل عليه أمورًا يحصل بها مقصوده من الانتقام من الظالم ــ كان هذا خارجًا عن الحيل الفقهية؛ فإن كلامنا في الحيل التي يفعلها العبد، لا فيما يفعله الله سبحانه.\n_________\n(^١) في «بيان الدليل» (ص ٢١٥).\n(^٢) د: «هذا الكلام لهم».","vol":"4","page":135},{"text":"بل في قصة يوسف تنبيهٌ على بطلان الحيل، وأن من كاد كيدًا محرَّمًا فإن الله يكيده ويعامله بنقيض قصده وبمثل عمله، وهذه سنة الله في أرباب الحيل المحرَّمة أنه لا يبارك لهم فيما نالوه بهذه الحيل، ويهيِّئ لهم كيدًا على يد من يشاء من خلقه يجزون به من جنس كيدهم وحيلهم.\nوفيها تنبيه على أن المؤمن المتوكِّل على الله إذا كاده الخلق فإن الله يكيد له وينتصر له بغير حولٍ منه ولا قوة.\nوفيها دليل على أن وجود المسروق بيد السارق كافٍ في إقامة الحد عليه، بل هو بمنزلة إقراره، وهو أقوى من البينة، وغاية البينة أن يستفاد منها ظن، وأما وجود المسروق بيد السارق فيستفاد منه اليقين وبهذا جاءت السنة في وجوب الحد بالحَبَل والرائحة في الخمر كما اتفق عليه الصحابة، والاحتجاج بقصة يوسف على هذا أحسن وأوضح (^١) من الاحتجاج بها على الحيل.\nوفيها تنبيه على أن العلم الخفي الذي يُتوصَّل به إلى المقاصد الحسنة مما يرفع الله به درجاتِ العبد؛ لقوله بعد ذلك: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦]، قال زيد بن أسلم وغيره: بالعلم (^٢). وقد أخبر تعالى عن رفعه درجات أهل العلم في ثلاث (^٣) مواضع من كتابه:\n_________\n(^١) د: «حسن وأصح».\n(^٢) رواه ابن وهب في «الموطأ» (٢٧٤) وابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ ١٣٣٥) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٠٦٩)، وإسناده صحيح.\n(^٣) كذا في النسختين بدون هاء.","vol":"4","page":136},{"text":"أحدها: قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بعلم الحجة.\nوقال في قصة يوسف: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦]، فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بالعلم الخفي الذي [٧٤/ب] يتوصَّل به صاحبه إلى المقاصد المحمودة.\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، فأخبر أنه يرفع درجات أهل العلم والإيمان.\nفصل\nالنوع الثاني من كيده لعبده المؤمن: هو أن يلهمه سبحانه أمرًا مباحًا أو مستحبًّا أو واجبًا يوصله به إلى المقصود الحسن؛ فيكون على هذا إلهامه ليوسف أن يفعل ما فعل هو من كيده سبحانه أيضًا، وقد دلّ على ذلك قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، فإنّ فيها تنبيهًا على أن العلم الدقيق الموصل إلى المقصود الشرعي صفة مدح، كما أن العلم الذي يخصم به المُبطِل صفة مدح؛ وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع، لكن لا يجوز أن يراد به الكيد الذي تُستحلُّ به المحرّمات أو تسقط به الواجبات؛ فإن هذا كيدٌ لله، والله هو الذي يكيد الكائد، ومحال أن يشرع الله سبحانه أن يُكاد دينُه. وأيضًا فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يُقصَد به غير مقصوده الشرعي، ومحال أن يشرع الله لعبده أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له.","vol":"4","page":137},{"text":"فهذا هو الجواب عن احتجاج المتحيِّلين بقصة يوسف ﵊، وقد تبيَّن أنها من أعظم الحجج عليهم، وبالله التوفيق.\nفصل\nوأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد: «بع الجمع بالدراهم ثم ابتَعْ بالدراهم جَنيبًا» فما أصحَّه من حديث، ونحن نتلقّاه بالقبول والتسليم. والكلام معكم فيه في مقامين: أحدهما: إبطال استدلالكم به على جواز الحيل، والثاني: بيان دلالته على نقيض مطلوبكم؛ إذ هذا شأن كل دليل صحيح احتج به محتج على باطل؛ فإنه لا بدَّ أن يكون فيه ما يدل على بطلان قوله ظاهرًا أو إيماءً، مع عدم دلالته على قوله.\nفأما المقام الأول (^١) فنقول: غاية ما دلَّ الحديث أن النبي - ﷺ - أمره أن يبيع سِلعته الأولى بثمن ثم يبتاع بثمنها تمرًا آخر، ومعلوم قطعًا أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح؛ فإن النبي - ﷺ - لا يأذن في العقد الباطل؛ فلا بدَّ أن يكون العقد الذي أذن فيه صحيحًا، والشأن كل الشأن في العقد المتنازع فيه؛ فلو سلَّم لكم المنازع صحته لاستغنيتم عن الاستدلال بالحديث، ولا يمكن الاستدلال بالحديث على صحته لأنه ليس بعام؛ فإن قوله: «بع» مطلق لا عام؛ فهذا البيع لو كان صحيحًا متفقًا على صحته لم يكن هناك لفظ عام يحتجُّ به على تناوله له، فكيف وهذا البيع مما قد دلّت السنة الصحيحة وأقوال الصحابة والقياس الصحيح على بطلانه كما تقدم؟ ولو اختلف رجلان في بيع هل هو صحيح أو فاسد، وأراد كل واحد منهما إدخاله في\n_________\n(^١) يأتي المقام الثاني بعد ١٣ صفحة.","vol":"4","page":138},{"text":"هذا اللفظ؛ لم يُمكِنه ذلك حتى يُثبِت أنه بيع صحيح، ومتى أثبت [٧٥/أ] أنه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا المطلق؛ فتبيَّن أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع البتةَ.\nونكتة الجواب أن يقال: الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح، ومن سلَّم لكم أن هذه الصورة التي تواطأ فيها البائع والمشتري على الربا، وجعلا السلعة الدخيلة محلِّلًا له غير مقصودة بالبيع= بيع صحيح؟ وإذا كان الحديث ليس فيه عموم، وإنما هو مطلق، والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرًا بشيء من صورها؛ لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد، والقدر المشترك ليس هو ما يميَّز به كل واحد من الأفراد عن الآخر، ولا هو مستلزمًا له؛ فلا يكون الأمر بالمشترك أمرًا بالمميّز بحال، وإن كان مستلزمًا لبعض تلك القيود لا بعينه، فيكون عامًّا لها على سبيل البدل، لكن ذلك لا يقتضي العموم للأفراد على سبيل الجمع، وهو المطلق في قوله: «بع هذا الثوب»، لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو، ولا بكذا وكذا، ولا بهذه السوق أو هذه؛ فإن اللفظ لا دلالة له (^١) على شيء من شيء من ذلك، إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلًا من جهة وجود تلك الحقيقة، لا من جهة وجود (^٢) تلك القيود. وهذا الأمر لا خلاف فيه، لكن بعض الناس يعتقد أن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الإجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة، وهو خطأ، والصواب أن القيود لا تنافي الأمر ولا تستلزمه، وإن كان لزوم بعضها لزومًا عقليًّا ضرورةَ وقوعِ القدر المشترك في ضمن قيدٍ من تلك القيود.\n_________\n(^١) «له» ليست في ز.\n(^٢) «وجود» ليست في ز.","vol":"4","page":139},{"text":"وإذا تبيَّن هذا فليس في الحديث أمرُه أن يبيع التمر لبائع النوع الآخر ولا لغيره، ولا بحلول ولا بأجل، ولا بنقد البلد ولا بغيره (^١)، ولا بثمن المثل أو غيره، وكل هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ، ولو زعم زاعم أن اللفظ يعمُّ هذا كله كان مبطلًا، لكن اللفظ لا يمنع الإجزاء إذا أتى بها، وإنما استفيد عدم الامتثال إذا بيع بدون ثمن المثل أو بثمن مؤجّل أو بغير نقد البلد من العرف الذي ثبت للبيع المطلق. وكذلك ليس في اللفظ ما يدلُّ على أنه يبيعه من البائع بعينه ولا غيره، كما ليس فيه ما يمنعه، بل كل واحد من الطرفين يحتاج إلى دليل خارج عن اللفظ المطلق؛ فما قام الدليل على إباحته أبيح فعله بالدليل الدال على جوازه لا بهذا اللفظ، وما قام الدليل (^٢) على المنع منه لم يعارض دليل المنع بهذا اللفظ المطلق حتى يطلب الترجيح، بل يكون دليل المنع سالمًا عن المعارضة بهذا، فإن عورض بلفظ عام متناول لإباحته بوضع اللفظ له أو بدليل خاص صحت المعارضة. فتأمَّلْ هذا الموضع الذي كثيرًا ما يَغلَط فيه الناظر والمناظر، وبالله التوفيق.\nوقد ظهر بهذا جوابُ من قال: «لو كان الابتياع من المشتري حرامًا لنهى عنه»، فإن مقصوده - ﷺ - إنما كان بيان الطريق التي بها يحصل اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء، وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيدًا، ولم يتعرض لشروط (^٣) المبيع وموانعه؛ لأن المقصود ذكر الحكم [٧٥/ب] على وجه الجملة، أو لأن المخاطب أُحيل على فهمه وعلمه بأنه\n_________\n(^١) ز: «غيره».\n(^٢) د: «دليل».\n(^٣) ز: «لشرط».","vol":"4","page":140},{"text":"إنما أذن له في بيع يتعارفه الناس، وهو البيع المقصود في نفسه، ولم يؤذن له في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح، وكان القوم أعلم بالله ورسوله وشريعته من أن يفهموا عنه أنه أذن لهم في الحيل الربوية التي ظاهرها بيع وباطنها ربًا، ونحن نشهد بالله أنه كما لم يأذن فيها بوجه لم يفهمها عنه أصحابه بخطابه بوجه.\nوما نظير هذا الاستدلال إلا استدلال بعضهم على جواز أكل ذي الناب والمِخْلَب بقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، واستدلال آخر بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] على جواز نكاح الزانية المُصِرَّة على الزنا، واستدلال آخر على ذلك بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، واستدلال غيره به على صحة نكاح التحليل بذلك، وعلى صحة نكاح المتعة، واستدلال آخر على جواز نكاح المخلوقة من مائه إذا كان زانيًا. ولو أن رجلًا استدلَّ بذلك على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأخذ يعارض به السنة= لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال، بل لو استدل به على كل نكاح حرَّمته السنة لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال. وكذلك قوله: «بع الجمع» لو استدل به مستدل على بيع من البيوع المتنازع فيها لم يكن فيه حجة، وليس الغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال: هذه الصورة غالبة فيُحمَل اللفظ عليها، ولا هو المتعارف عند الإطلاق عرفًا وشرعًا.\nوبالجملة فإرادة هذه الصورة وحدها من اللفظ ممتنع، وإرادتها مع غيرها فرع على عمومه، ولا عمومَ له، وإرادة القدر المشترك بين أفراد البيع إنما ينصرف إلى البيع المعهود عرفًا وشرعًا، وعلى التقديرات كلها لا تدخل","vol":"4","page":141},{"text":"هذه الصورة.\nومما يدلُّ على ذلك أن هذه الصورة لا تدخل في أمر الرجل لعبده وولده ووكيله أن يشتري له كذا، فلو قال: «بع هذه الحنطة العتيقة واشترِ لنا جديدة» لم يفهم السامع إلا بيعًا مقصودًا أو شِرًى مقصودًا (^١)، فثبت أن الحديث ليس فيه إشعار بالحيلة الربوية البتةَ.\nيوضحه أن قوله: «بع كذا واشترِ كذا» أو «بعتُ واشتريتُ» لا يفهم منه إلا البيع الذي يُقصد به نقل ملك المبيع نقلًا مستقرًّا؛ ولهذا لا يفهم منه بيع الهازل ولا المُكرَه، ولا بيع الحيلة، ولا بيع العينة، ولا يعدُّ الناس من اتخذ خَرزةً أو عرضًا يحلِّل به الربا ويبيعه ويشتريه صورة خالية عن حقيقة البيع ومقصودِه تاجرًا، وإنما يسمونه مرابيًا ومتحيلًا، فكيف يدخل هذا تحت لفظ النبي - ﷺ -؟\nيزيده إيضاحًا أن النبي - ﷺ - قال: «من باع بيعتينِ في بيعةٍ فله أوكسُهما أو الربا» (^٢)، ونهى عن بيعتين في بيعة، ومعلوم أنهما متى تواطآ على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة، فلا يكون ما نهى عنه داخلًا فيما [٧٦/أ] أذن فيه.\nيوضحه أيضًا أنه قال: «لا يحلُّ سَلفٌ وبيعٌ، ولا شرطانِ في بيع» (^٣)، وتواطؤهما على أن يبيعه السلعة بثمن ثم يشتري منه غيرها بذلك الثمن\n_________\n(^١) «مقصودًا» ليست في ز.\n(^٢) تقدم.\n(^٣) تقدم.","vol":"4","page":142},{"text":"منطبق على لفظ الحديث؛ فلا يدخل ما أخبر أنه لا يحلُّ تحت ما أذن فيه.\nيوضحه أيضًا أن النبي - ﷺ - قال: «بعِ الجمعَ بالدراهم ثم ابتَعْ بالدراهم جَنيبًا»، وهذا يقتضي بيعًا ينشئه ويبتدئه بعد انقضاء البيع الأول، ومتى واطأه في أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معًا؛ فلا يكون الثاني عقدًا مستقلًّا مبتدأً، بل هو من تتمة العقد الأول عندهما وفي اتفاقهما، وظاهر الحديث أنه أمر بعقدين مستقلَّين لا يرتبط أحدهما بالآخر ولا ينبني عليه.\nولو نزَلنا عن ذلك كله وسلَّمنا أن الحديث عام عمومًا لفظيًّا يدخل تحته صورة الحيلة فهو لا ريبَ مخصوص بصور كثيرة؛ فتخصّ منه هذه الصورة المذكورة بالأدلة المتقدمة على بطلان الحيل وأضعافها، والعام يُخَصُّ بدون مثلها بكثير، فكم قد خُصَّ العموم بالمفهوم وخبر الواحد والقياس وغير ذلك، فتخصيصه (^١) ــ لو فُرِض عمومه ــ بالنصوص والأقيسة وإجماع الصحابة على تحريم الحيل أولى وأحرى، بل واحد من تلك الأدلة التي ذكرناها على المنع من الحيل وتحريمها كافٍ في التخصيص.\nوإذا كنتم قد خصصتم قوله - ﷺ -: «لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له» (^٢) مع أنه عام عمومًا لفظيًّا، فخصصتموه بصورة واحدة وهي ما اشترطا في صلب العقد أنه إنما تزوَّجها ليُحِلَّها ومتى أحلَّها فهي طالق، مع أن هذه الصورة نادرة جدًّا لا يفعلها محلِّل، والصور الواقعة في التحليل أضعاف أضعافِ هذه، فحملتم اللفظ العام عمومًا لفظيًّا ومعنويًّا على أندرِ صورة تكون لو قُدِّر\n_________\n(^١) د: «فتخصه»، ز: «فيخصه». والمثبت يقتضيه السياق.\n(^٢) تقدم.","vol":"4","page":143},{"text":"وقوعها، وأخليتموه عن الصور (^١) الواقعة المستعملة بين المحلِّلين؛ فقوله - ﷺ -: «بع الجمعَ بالدراهم» أولى بالتقييد بالنصوص الكثيرة والآثار والأقيسة الصحيحة التي هي في معنى الأصل، وحملِه على البيع المتعارف المعهود عرفًا وشرعًا، وهذا بحمد الله تعالى في غاية الوضوح، ولا يخفى على منصفٍ يريد الله ورسوله والدار الآخرة، وبالله التوفيق.\nفصل\nومما يوضح فساد حمل الحديث على صورة الحيلة وأن كلام الرسول ومنصبه العالي منزَّه عن ذلك: أن المقصود الذي شرع الله سبحانه له البيع وأحلَّه لأجله هو أن يحصل مِلك الثمن للبائع ويحصل مِلك المبيع للمشتري؛ فيكون كلٌّ منهما قد حصل له مقصوده بالبيع، هذا ينتفع بالثمن وهذا بالسلعة، وهذا إنما يكون إذا قصد المشتري نفس السلعة للانتفاع بها أو التجارة فيها وقصد البائع نفس الثمن، ولهذا يحتاط كلُّ واحد منهما فيما يصير إليه من العرض، هذا في وزن الثمن ونقده ورواجه، وهذا في سلامة السلعة من العيب وأنها تساوي الثمن الذي بذله فيها، [٧٦/ب] فإذا كان مقصود كل منهما ذلك فقد قصدا بالسبب ما شرعه الله له، وأتى بالسبب حقيقة وحكمًا، وسواء حصل مقصوده بعقد أو توقَّف على عقود، مثل أن يكون بيده سلعة وهو يريد أن يبتاع سلعة أخرى لا تباع سلعته لمانع شرعي أو عرفي أو غيرهما فيبيع سلعته ليملك ثمنها، وهذا بيع مقصود وعوضه مقصود، ثم يبتاع بالثمن سلعة أخرى.\n_________\n(^١) ز: «الصورة».","vol":"4","page":144},{"text":"وهذه قصة بلال في تمر خيبر سواء، فإنه إذا باع الجمع بالدراهم فقد أراد بالبيع مِلكَ الثمن، وهذا مقصود مشروع، ثم إذا ابتاع بالدراهم جنيبًا فقد عقد عقدًا مقصودًا مشروعًا؛ فلما كان بائعًا قصد مِلك الثمن حقيقة، ولما كان مبتاعًا قصد مِلك السلعة حقيقة.\nفإن ابتاع بالثمن من غير المشتري منه فهذا لا محذور فيه؛ إذ كلٌّ من العقدين مقصود مشروع، ولهذا يستوفيان حكم العقد الأول من النقد والقبض وغيرهما. وأما إن ابتاع بالثمن من مبتاعه من جنس ما باعه فهذا يُخشى منه أن لا يكون العقد الأول مقصودًا لهما، بل قصدهما بيع السلعة الأولى بالثانية فيكون ربًا بعينه، ويظهر هذا القصد بأنهما يتفقان على صاع بصاعين أولًا ثم يتوصلا [نِ] إلى ذلك ببيع الصاع بدرهم ويشتري به صاعين، ولا يبالي البائع بنقد ذلك الثمن ولا بقبضه ولا بعيب فيه ولا بعدم رواجه، ولا يحتاط لنفسه فيه احتياطَ من قصدُه تملُّك الثمن؛ إذ قد علم هو والآخر أن الثمن بعينه خارج منه عائد إليه، فنقده وقبضه والاحتياط فيه يكون عبثًا.\nوتأمَّلْ (^١) حال باعة الحُلِيَّ عنه، كيف يُخرِج كل حلقة من غير جنسه أو قطعةً ما، ويبيعك إياها بذلك الثمن، ثم يبتاعها منك؟ فكيف لا تسأل عن قيمتها ولا عن وزنها ولا مساواتها للثمن؟ بل قد تساوي أضعافه وقد تساوي بعضه؛ إذ ليست هي القصد، وإنما القصد أمرٌ وراءها، وجُعِلت هي محلِّلًا لذلك المقصود.\n_________\n(^١) ز: «فهامل»، تحريف.","vol":"4","page":145},{"text":"وإذا عُرِف هذا فهو إنما عقد معه العقد الأول ليعيد إليه الثمن بعينه ويأخذ العوض الآخر، وهذا تواطؤٌ منهما حين عقداه على فسخه، والعقد إذا قصد به فسخه لم يكن مقصودًا، وإذا لم يكن مقصودًا كان وجوده كعدمه، وكان توسطه عبثًا.\nومما يوضح الأمر في ذلك أنه إذا جاءه بتمر أو زبيب أو حنطة ليبتاعَ به من جنسه فإنهما يتشارطان ويُراوِضانِ (^١) على سعر أحدهما من الآخر، وأنه مدٌّ بمدٍّ ونصفٍ مثلًا، ثم بعد ذلك يقول: بعتُك هذا بكذا وكذا درهمًا، ثم يقول: بعني بهذه الدراهم كذا وكذا صاعًا من النوع الآخر، وكذلك في الصرف، وليس للبائع ولا للمشتري غرض في الدراهم، والغرض معروف. فأين من يبيعه السلعة بثمن ليشتري به منه من جنسها إلى من (^٢) يبيعه إياها بثمن له غرض في تملُّكه وقبضه؟ وتوسُّط الثمن في الأول عبث محض لا فائدة فيه، فكيف يأمر به الشارع الحكيم مع زيادة [٧٧/أ] التعب والكلفة فيه؟ ولو كان هذا سائغًا لم يكن في تحريم الربا حكمة سوى تضييع الزمان وإتعاب النفوس بلا فائدة؛ فإنه لا يشاء أحد أن يبتاع ربويًّا بأكثر منه من جنسه إلا قال: بعتُك هذا بكذا، وابتعتُ منك هذا بهذا الثمن؛ فلا يَعجِز أحد عن استحلال ما حرَّمه الله قطُّ بأدنى الحيل.\nيوضحه أن الربا نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة، فأما ربا الفضل فيمكنه في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا، ويسمِّي ما شاء، ثم يقول:\n_________\n(^١) كذا في النسختين، وهو صواب. يقال: راوضَه على الأمر: داراه وخاتله حتى يُدخله فيه. وفي المطبوع: «يتراضيان».\n(^٢) في النسختين: «أن». والمثبت يقتضيه السياق.","vol":"4","page":146},{"text":"اشتريتُ منك هذا ــ للذي هو من جنسه ــ بذلك الذي سمّاه، ولا حقيقة له مقصودة. وأما ربا النَّساء فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين صاعًا إلى سنة، وابتعتها منك بخمسمائة حالة أو خمسة عشر صاعًا، ويمكنه ربا الفضل، فلا يشاء مُرْبٍ إلا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو غيرهما، ويحصل مقصوده من الزيادة.\nفيا سبحان الله! أيعود الربا ــ الذي قد عظَّم الله شأنه في القرآن، وأوجب محاربة مستحلِّيه، ولعن آكله وموكِله وشاهديه وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره ــ إلى أن يُستحَلَّ نوعاه بأدنى حيلةٍ لا كلفةَ فيها أصلًا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يُضحك منها ويُستهزأ بها؟ فكيف يستحسن أن يُنسب إلى نبي من الأنبياء فضلًا عن سيد الأنبياء، بل أن يُنسب رب العالمين إلى أن يحرِّم هذه المحرمات العظيمة ويُوعِد عليها بأغلظ العقوبات وأنواع الوعيد، ثم يبيحها بضرب من الحيل والعبث والخداع الذي ليس له حقيقة مقصودة في نفسه للمتعاقدين؟\nوترى كثيرًا من المترابين ــ لما علم أن هذا العقد ليس له حقيقة مقصودة البتةَ ــ قد جعل عنده خرزةَ ذهب، فكل من جاءه يريد أن يبيعه جنسًا بجنسه أكثر منه أو أقلَّ ابتاع منه ذلك الجنس بتلك الخرزة، ثم ابتاع الخرزة بالجنس الذي يريد أن يعطيه إياه، أفيستجيز عاقل أن يقول: إن الذي حرَّم بيع الفضة بالفضة متفاضلًا أحلَّها بهذه الخرزة؟ وكذلك كثير من الفجّار قد أعدَّ سِلعة لتحليل ربا النَّساء، فإذا جاءه من يريد ألفًا بألف ومائتين أدخل تلك السلعة محلِّلا. ولهذا كانت أكثر حيل الربا في بابها أغلظ من حيل التحليل، ولهذا حرَّمها أو بعضها من لم يحرِّم التحليل؛ لأن القصد في البيع معتبر في فِطَر الناس، ولأن الاحتيال في الربا غالبًا إنما يتمُّ بالمواطأة اللفظية أو","vol":"4","page":147},{"text":"العرفية، ولا يفتقر إلى شهادة، ولكن يتعاقدان ثم يشهدان أن له في ذمته دينًا، ولهذا إنما لُعِن شاهداه إذا علما به، والتحليل لا يمكن إظهاره وقت العقد؛ لكون الشهادة شرطًا فيه، والشروط المتقدمة تؤثِّر كالمقارِنة كما تقدم تقريره؛ إذ تقديم (^١) الشرط ومقارنته لا تُخرجه عن كونه عقدَ تحليل وتُدخله في نكاح الرغبة، والقصود معتبرة في العقود.\nفصل\nوجماع الأمر أنه إذا باعه ربويًّا بثمن وهو يريد أن يشتري [٧٧/ب] منه بثمنه من جنسه، فإما أن يواطئه على الشراء منه لفظًا، أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك، أو لا يكون، فإن كان الأول فهو باطل كما تقدم تقريره؛ فإن هذا لم يقصد مِلك الثمن ولا قصَد هذا تمليكَه، وإنما قصد تمليك الثمن بالثمن (^٢)، وجعلا تسمية الثمن تلبيسًا وخداعًا ووسيلةً إلى الربا؛ فهو في هذا العقد بمنزلة التيس الملعون في عقد التحليل، وإن لم تجرِ بينهما مواطأة لكن قد علم المشتري أن البائع يريد أن يشتري منه ربويًّا بربوي فكذلك؛ لأن علمه بذلك ضربٌ من المواطأة، وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرج به عن قصد الربا، وإن قصد البائع الشراء منه بعد البيع ولم يعلم المشتري؛ فقد قال الإمام أحمد هاهنا: لو باع من رجل دنانير بدراهم لم يجز أن يشتري بالدراهم منه ذهبًا إلا أن يمضي ويبتاع بالورِق من غيره ذهبًا فلا يستقيم، فيجوز أن يرجع إلى الذي ابتاع منه الدنانير فيشتري منه ذهبًا. وكذلك كره مالك أن تصرف دراهمك من رجل بدنانير، ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم\n_________\n(^١) ز: «تقدم».\n(^٢) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «المثمن بالمثمن».","vol":"4","page":148},{"text":"غير دراهمك في الوقت أو بعد يوم أو يومين. قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به.\nفوجه ما منعه الإمام أحمد ﵁ أنه متى قصد المشتري منه تلك الدنانير لم يقصد تملك الثمن، ولهذا لا يحتاط في النقد والوزن، ولهذا يقول: إنه متى بدا له بعد القبض والمفارقة أن يشتري منه ــ بأن يطلب من غيره فلا يجد ــ لم يكن في العقد الأول خللٌ، والمتقدمون من أصحابه حملوا هذا المنع منه (^١) على التحريم.\nوقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا لم يكن غرضًا ومواطأةً بينهما لم يحرم، وقد أومأ إليه الإمام أحمد في رواية حرب؛ فإنه قال: قلت لأحمد: اشترى من رجل ذهبًا ثم باعه منه، قال: يبيعه من غيره أعجبُ إلي. وذكر ابن عقيل أن أحمد لم يكرهه في رواية أخرى.\nوكره ابن سيرين للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير (^٢). وهذه المسألة في ربا الفضل كمسائل العِينة في ربا النَّساء، ولهذا عدَّها من الربا الفقهاء السبعة وأكثر العلماء، وهو قول أهل المدينة كمالك وأصحابه، وأهل الحديث كأحمد وأصحابه، وهو مأثور عن ابن عمر (^٣). ففي هذه المسألة قد عاد الثمن إلى المشتري، وحصلا على ربا الفضل أو النَّساء، وفي العينة قد عاد المبيع إلى البائع وأفضى إلى ربا الفضل والنَّساء جميعًا، ثم إن كان في الوصفين لم يقصد الثمن ولا المبيع، وإنما\n_________\n(^١) د: «منه هذا المنع».\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٤٥٩٠).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١٤٥٧٧) والنسائي (٤٥٨٥).","vol":"4","page":149},{"text":"جعل وصلة إلى الربا؛ فهذا الذي لا ريبَ في تحريمه، والعقد الأول هاهنا باطل بلا توقف عند من يُبطل الحيل. وقد صرَّح به القاضي في مسألة العِينة في غير موضع، وحكى أبو الخطاب في صحته وجهين.\nقال شيخنا (^١): [٧٨/أ] والأول هو الصواب، وإنما تردد من تردد من الأصحاب في العقد الأول في مسألة العينة؛ لأن هذه المسألة إنما يُنصَب الخلاف فيها في العقد الثاني بناء على أن الأول صحيح، وعلى هذا التقدير فليست من مسائل الحيل، وإنما هي من مسائل الذرائع. ولها مأخذ آخر يقتضي التحريم عند أبي حنيفة وأصحابه؛ فإنهم لا يحرّمون الحيل ويحرّمون مسألة العِينة، وهو أن الثمن إذا لم يُستوفَ لم يتم العقد الأول؛ فيصير الثاني مبنيًّا عليه، وهذا تعليل خارج عن قاعدة الحيل والذرائع. فصار للمسألة ثلاثة مآخذ، فلما لم يتمحّض تحريمها على قاعدة الحيل توقف في العقد الأول من توقف.\nقال شيخنا (^٢): والتحقيق أنها إذا كانت من الحيل أُعطِيت حكم الحيل، وإلا اعتُبِر فيها المأخذان الآخران، هذا إذا لم يقصد العقد الأول، فإن قصد حقيقته فهو صحيح، لكن ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز أن يشتري منه المبيع بأقل منه من جنسه، ولا يجوز أن يبتاع منه بالثمن ربويًّا لا يباع بالأول نَساءً؛ لأن أحكام العقد الأول لا تتم إلا بالتقابض؛ فإذا لم يحصل كان ذريعة إلى الربا، وإن تقابضا وكان العقد مقصودًا فله أن يشتري منه كما يشتري من غيره، وإذا كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا\n_________\n(^١) في «بيان الدليل» (ص ٢٢٦، ٢٢٧).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٢٢٧).","vol":"4","page":150},{"text":"خداعَ فيها ولا تحريمَ لم يصح أن يلحق بها صورة عقد لم تُقصد حقيقته، وإنما قُصِد التوصل به إلى استحلال ما حرمه الله، والله الموفق.\nوإنما أطلنا الكلام على هذه الحجة لأنها عمدة أرباب الحيل من السنة، كما عمدتهم من الكتاب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾.\nفصل\nفهذا تمام الكلام على المقام الأول، وهو عدم دلالة الحديث على الحيل الربوية بوجه من الوجوه.\nوأما المقام الثاني ــ وهو دلالته على تحريمها وفسادها ــ فلأنه - ﷺ - نهاه أن يشتري الصاع بالصاعين، ومن المعلوم أن الصفة التي في الحيل مقصودة يرتفع سعره لأجلها، والعاقل لا يُخرج صاعين ويأخذ صاعًا إلا لتميُّز ما يأخذه بصفة، أو لغرض له في المأخوذ ليس في المبذول، والشارع حكيم لا يمنع المكلَّفَ مما هو مصلحة له ويحتاج إليه إلا لتضمنه أو لاستلزامه (^١) مفسدة أرجح من تلك المصلحة. وقد خفيت هذه المفسدة على كثير من الناس حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي ما وجه تحريم ربا الفضل والحكمة فيه، وقد تقدَّم أن هذا من أعظم حكمة الشريعة ومراعاة مصالح الخلق، وأن الربا نوعان: ربا نسيئة، وتحريمه تحريم المقاصد؛ وربا فضلٍ، وتحريمه تحريم الذرائع والوسائل؛ فإن النفوس متى ذاقت الربح فيه عاجلًا تسوَّرت منه إلى الربح الآجل، فسدت عليها الذريعة وحمي جانب الحمى، وأيُّ حكمة وحكمٍ أحسنُ من ذلك؟\n_________\n(^١) ز: «استلزامه».","vol":"4","page":151},{"text":"وإذا كان كذلك فالنبي - ﷺ - منع بلالًا من أخذ مدٍّ بمدَّينِ (^١) لئلا يقع في الربا، ومعلوم أنه لو جوز له ذلك [٧٨/ب] بحيلة لم يكن في منعه من بيع مدين بمد فائدةٌ أصلًا، بل كان بيعه كذلك أسهل وأقل مفسدة من مِرْبَط (^٢) الحيلة الباردة التي لا تُغني من المفسدة شيئًا، وقد نبّه على هذا بقوله في الحديث: «لا تفعَلْ، أُوَّهْ، عينُ الربا» (^٣)، فنهاه عن الفعل، والنهي يقتضي المنع بحيلة أو غير حيلة؛ لأن المنهي عنه لا بدّ أن يشتمل على مفسدة لأجلها ينهى عنه، وتلك المفسدة لا تزول بالتحيُّل (^٤) عليها بل تزيد، وأشار إلى المنع بقوله: «عينُ الربا»، فدلّ على أن المنع إنما كان لوجود حقيقة الربا وعينه، وأنه لا تأثير للصورة المجردة مع قيام الحقيقة؛ فلا تُهمِل قوله: «عين الربا»، فتحت هذه اللفظة ما يشير إلى أن الاعتبار بالحقائق، وأنها هي التي عليها المعوَّل، وهي محلُّ التحليل والتحريم، والله سبحانه لا ينظر إلى صورها وعباراتها التي يكسوها إياها العبد، وإنما ينظر إلى حقائقها وذواتها (^٥)، وبالله التوفيق.\nفصل\nوأما تمسكهم بجواز المعاريض وقولهم: «إن الحيل معاريضُ فعلية\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٣١٢) ومسلم (١٥٩٤) عن أبي سعيد الخدري.\n(^٢) كذا في د مهملة، وفي ز: «بربط». وفي المطبوع: «توسط». والمِربط: ما تُربط به الدواب، والمقصود هنا الذريعة والوسيلة.\n(^٣) قاله لبلال كما في الحديث المذكور آنفًا.\n(^٤) ز: «بالحيل».\n(^٥) ز: «دورانها».","vol":"4","page":152},{"text":"على وِزان المعاريض القولية»، فالجواب من وجوه:\nأحدها: أن يقال: ومن سلَّم لكم أن المعاريض إذا تضمَّنت استباحة الحرام وإسقاط الواجبات وإبطال الحقوق كانت جائزة؟ بل هي من الحيل القولية، وإنما تجوز المعاريض إذا كان فيها تخلُّص من ظالم، كما عرَّض الخليل بقوله: «هذه أختي» (^١)، فإذا تضمنت نصْرَ حق أو إبطال باطل كما عرَّض الخليل بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وكما عرَّض الملكان (^٢) لداود بما ضرباه له من المثال الذي نسباه إلى أنفسهما، وكما عرَّض النبي - ﷺ - بقوله: «نحن (^٣) من ماءٍ» (^٤)، وكما كان يُورِّي عن الغزوة بغيرها لمصلحة الإسلام والمسلمين، إذا لم تتضمن مفسدة في دين ولا دنيا، كما عرَّض - ﷺ - بقوله: «إنّا حاملوك على ولدِ الناقة» (^٥)، وبقوله: «إن الجنة لا تدخلها العُجُز» (^٦)، وبقوله: «من يشتري منّي هذا العبدَ» (^٧) يريد عبد الله، وبقوله لتلك المرأة: «زوجُك الذي في\n_________\n(^١) في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري (٣٣٥٧) ومسلم (٢٣٧١).\n(^٢) في النسختين: «الملكين».\n(^٣) «نحن» ليست في ز.\n(^٤) تقدم.\n(^٥) تقدم.\n(^٦) رواه الترمذي في «الشمائل» (٢٣٠) والبيهقي في «البعث» (٣٤٦) من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن البصري مرسلًا. ورواه الطبراني في «الأوسط» (٥٥٤٥) عن سعيد بن المسيب عن عائشة موصولًا. وانظر الكلام عليه في «الصحيحة» (٢٩٨٧).\n(^٧) تقدم.","vol":"4","page":153},{"text":"عينيه بياضٌ» (^١)، وإنما أراد به البياض الذي خلقه الله في عيون بني آدم= فهذه المعاريض ونحوها من أصدق الكلام، فأين في جواز هذه ما يدل على جواز الحيل المذكورة؟\nوقال شيخنا (^٢) - ﵁ -: والذي قِيستْ عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان:\nأحدهما: المعاريض، وهي: أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحًا، ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر، ويكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ مشتركًا بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع إحداهما أو عرفية مع إحداهما أو شرعية مع إحداهما، فيعني أحدَ معنييه ويوهم السامعَ أنه إنما عنى الآخر: إما لكونه لم يعرف إلا ذلك، وإما لكون دلالة الحال تقتضيه، وإما لقرينة حالية أو مقالية يضمُّها إلى اللفظ. أو يكون سبب التوهم كون اللفظ ظاهرًا في معنى فيعني به معنى يحتمله باطنًا: بأن ينوي مجاز اللفظ دون حقيقته، أو ينوي بالعام الخاصَّ أو بالمطلق [٧٩/أ] المقيدَ. أو يكون سبب التوهم كون المخاطب إنما يفهم من اللفظ غير حقيقته لعرف خاص له أو غفلة منه أو جهلٍ أو غير ذلك من الأسباب، مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته؛ فهذا كله إذا كان المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز، كقول الخليل: «هذه أختي»، وقول النبي - ﷺ -: «نحن من ماءٍ»، وقول الصديق\n_________\n(^١) رواه الزبير بن بكّار في كتاب «الفكاهة والمزاح» عن زيد بن أسلم مرسلًا، كما في «تخريج الإحياء» (٣/ ١٢٩). والمرأة يقال لها أم أيمن.\n(^٢) في «بيان الدليل» (ص ١٩٨ وما بعدها).","vol":"4","page":154},{"text":"- ﵁ -: «هادٍ يهديني السبيلَ» (^١)، ومنه قول عبد الله بن رواحة:\nشهدتُ بأن وعد الله حقٌّ ... الأبيات.\nأوهم امرأتَه القرآن (^٢). وقد يكون واجبًا إذا تضمَّن دفع (^٣) ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك.\nوهذا الضرب وإن كان نوعَ حيلةٍ في الخطاب لكنه يفارق الحيل المحرَّمة من الوجه المحتال عليه والوجه المحتال به:\nأما الأول: فلكونه دفعَ ضررٍ غير مستحق، فلو تضمَّن كتمان ما يجب إظهاره من شهادة أو إقرار أو علم أو نصيحة مسلم أو التعريف بصفة معقود عليه في بيع أو نكاح أو إجارة= فإنه غِشٌّ محرم بالنص.\nقال مثنَّى الأنباري: قلت لأحمد بن حنبل: كيف الحديث الذي جاء في المعاريض؟ فقال: المعاريض لا تكون في الشراء والبيع، تكون في الرجل يُصلح بين الناس أو نحو هذا.\nقال شيخنا - ﵁ - (^٤): والضابط أن كلَّ ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان وتدليس، ويدخل في هذا الإقرار بالحق، والتعريض في الحلف عليه، والشهادة على العقود، ووصف المعقود عليه، والفتيا والحديث والقضاء. وكلّ ما حَرُم بيانه فالتعريض فيه جائز، بل واجب إذا\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) تقدم.\n(^٣) ز: «رفع».\n(^٤) في «بيان الدليل» (ص ٢٠٠). والكلام متصل بما قبله.","vol":"4","page":155},{"text":"أمكن ووجب الخطاب، كالتعريض لسائل عن مال معصوم أو نفسه يريد أن يعتدي عليه. وإن كان بيانه جائزًا، أو كتمانه جائزًا؛ فإما أن تكون المصلحة في كتمانه أو في إظهاره أو كلاهما متضمن للمصلحة:\nفإن كان الأول فالتعريض مستحبٌّ، كتورية الغازي عن الوجه الذي (^١) يريد، وتورية الممتنع عن الخروج والاجتماع بمن يصدُّه عن طاعة أو مصلحة راجحة، كتورية أحمد عن المرُّوذي، وتورية الحالف لظالم له أو لمن استحلفه يمينًا لا تجب عليه، ونحو ذلك.\nوإن كان الثاني فالتورية فيه مكروهة، والإظهار مستحب، وهذا في كل موضع يكون البيان فيه مستحبًّا.\nوإن تساوى الأمران وكان كلٌّ منهما طريقًا إلى المقصود لكون ذلك المخاطبِ التعريضُ والتصريحُ بالنسبة إليه سواء= جاز الأمران، كما لو كان يعرف بعدة ألسُنٍ، وخطابه بكل لسان منها يحصل مقصوده، ومثل هذا ما لو كان له غرض مباح في التعريض ولا حذرَ عليه في التصريح، والمخاطب لا يفهم مقصوده، وفي هذا ثلاثة أقوال للفقهاء وهي في مذهب الإمام أحمد:\nأحدها: له التعريض؛ إذ لا يتضمن كتمان حق ولا إضرارًا بغير مستحق.\nوالثاني: ليس له ذلك، فإنه إيهام للمخاطب من غير حاجة إليه، وذلك تغرير، وربما أوقع السامع في [٧٩/ب] الخبر الكاذب، وقد يترتَّب عليه ضررٌ به.\nوالثالث: له التعريض في غير اليمين.\n_________\n(^١) «الذي» ساقطة من ز.","vol":"4","page":156},{"text":"وقال الفضل (^١) بن زياد: سألت أحمد عن الرجل يعارض في كلامه يسألني عن الشيء أكره أن أُخبره به، قال: إذا لم يكن يمينًا فلا بأس، في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب.\nوهذا عند الحاجة إلى الجواب، فأما الابتداء فالمنع فيه (^٢) ظاهر، كما دلّ عليه (^٣) حديث أم كلثوم أنه لم يرخّص فيما يقول الناس إنه كذِبٌ إلا في ثلاث (^٤)، وكلها مما يحتاج إليه المتكلم. وبكلِّ حالٍ فغاية هذا القسم تجهيل السامع بأن يُوقِعه المتكلم في اعتقاد ما لم يُرِده بكلامه، وهذا التجهيل قد تكون مصلحته أرجح من مفسدته، وقد تكون مفسدته أرجح من مصلحته، وقد يتعارض الأمران، ولا ريب أن من كان علمه بالشيء يحمله على ما يكرهه الله ورسوله كان تجهيله به وكتمانه عنه أصلح له وللمتكلم، وكذلك إن كان في علمه مضرَّةٌ على القائل، أو تفوت عليه مصلحة هي أرجح من مصلحة البيان، فله أن يكتمه عن السامع؛ فإن أبى إلا استنطاقه فله أن يعرِّض له.\nفالمقصود بالمعاريض فعلُ واجبٍ أو مستحبٍّ أو مباحٍ أباح الشارع السعي في حصوله، ونصبَ له سببًا يُفضِي إليه؛ فلا يقاس بهذا الحيل التي تتضمن سقوطَ ما أوجبه الشارع وتحليلَ ما حرَّمه، فأين أحد البابين من\n_________\n(^١) في النسختين: «الفضيل»، خطأ، والتصويب من «بيان الدليل» (ص ٢٠٠) المصدر الذي نقل عنه المؤلف هذا المبحث. وانظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٥١).\n(^٢) «فيه» ليست في ز.\n(^٣) «عليه» ليست في ز.\n(^٤) تقدم.","vol":"4","page":157},{"text":"الآخر؟ وهل هذا إلا من أفسد القياس؟ وهو كقياس الربا على البيع والميتة على الذكي (^١).\nفصل\nفهذا الفرق من جهة المحتال عليه، وأما الفرق من جهة المحتال به فإن المعرِّض إنما تكلَّم بحق، ونطقَ بصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لا سيما إن لم ينوِ باللفظ خلاف ظاهره في نفسه، وإنما كان الظهورُ (^٢) من ضَعْفِ فهم السامع وقصورِه في فهم دلالة اللفظ، ومعاريض النبي - ﷺ - ومُزاحه كانت من هذا النوع، كقوله: «نحنُ من ماءٍ»، وقوله: «حاملوكَ على ولدِ الناقة»، و«لا يدخل الجنةَ العُجُز»، و«زوجُك الذي في عينيه بياضٌ» (^٣)، وأكثر معاريض السلف كانت من هذا. ومن هذا الباب التدليس في الإسناد، لكن هذا مكروه لتعلُّقه بالدين وكون البيان في العلم واجبًا، بخلاف ما قصد به دفع ظالم أو دفع ضرر عن المتكلم.\nوالمعاريض نوعان:\nأحدهما: أن يستعمل اللفظ في حقيقته وما وُضِع له، فلا يخرج به عن ظاهره، ويقصد فردًا من أفراد حقيقته، فيتوهَّم السامع أنه قصد غيره: إما لقصور فهمه، وإما لظهور ذلك الفرد عنده أكثر من غيره، وإما لشاهد الحال عنده، وإما لكيفية المخبر وقتَ التكلُّم من ضحك أو غضب أو إشارة ونحو\n_________\n(^١) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «المذكى».\n(^٢) كذا في النسختين و«بيان الدليل»، وفي المطبوع: «عدم الظهور»، وهو يقلب المعنى.\n(^٣) تقدم تخريج هذه الأحاديث قريبًا.","vol":"4","page":158},{"text":"ذلك، وإذا تأملتَ المعاريض النبوية والسلفية وجدت عامتها من هذا النوع.\nوالثاني: أن يستعمل العام في الخاص والمطلق في المقيّد، وهو الذي يسمِّيه المتأخرون الحقيقة والمجاز، وليس يفهم أكثر من المطلق والمقيد؛ فإن لفظ الأسد والبحر والشمس عند الإطلاق له معنى، وعند التقييد له معنى يسمُّونه المجاز، ولم يفرِّقوا بين مقيّد ومقيّد ولا بين قيد وقيد. فإن قالوا: [٨٠/أ] «كل مقيَّدٍ مجاز» لزمهم أن يكون كل كلام مركب مجازًا؛ فإن التركيب يقيده بقيود زائدة على اللفظ المطلق. وإن قالوا: «بعض القيود يجعله مجازًا دون بعض» سُئلوا عن الضابط ما هو، ولن يجدوا إليه سبيلًا.\nوإن قالوا: «يعتبر اللفظ المفرد من حيث هو مفرد قبل التركيب، وهناك يُحكم عليه بالحقيقة والمجاز».\nقيل لهم: هذا أبعد وأشدُّ فسادًا؛ فإن اللفظ قبل العقد والتركيب بمنزلة الأصوات التي يَنْعِق بها ولا تفيد شيئًا، وإنما إفادتها بعد تركيبها، وأنتم قلتم: الحقيقة هي اللفظ المستعمل، وأكثركم يقول: استعمال اللفظ فيما وُضِع له أولًا، والمجاز بالعكس؛ فلا بدّ في الحقيقة والمجاز من استعمال اللفظ فيما وضع له (^١)، وهو إنما يُستعمل بعد تركيبه، وحينئذٍ فتركيبه بعده بقيود يُفهم منها مراد المتكلم، فما الذي جعله مع بعض تلك القيود حقيقةً ومع بعضها مجازًا؟\nوليس الغرض (^٢) إبطال هذا التقسيم الحادث المبتدع المتناقض، فإنه\n_________\n(^١) «فيما وضع له» ليست في ز.\n(^٢) بعدها في ز: «ههنا»، وعليها خط يدلُّ على شطبها.","vol":"4","page":159},{"text":"باطل من أكثر من أربعين وجهًا (^١)، وإنما الغرض التنبيه على نوعَي التعريض، وأنه تارةً يكون مع استعمال اللفظ في ظاهره، وتارةً يكون بإخراجه عن ظاهره، ولا يذكر المعرِّض قرينة تبيِّن مراده، ومن هذا النوع عامة التعريض في الأيمان والطلاق، كقوله: «كل امرأة له فهي طالق» وينوي في بلد كذا وكذا، أو ينوي فلانة. وقوله: «أنتِ طالق» وينوي من زوجٍ كان قبلَه ونحو ذلك؛ فهذا القسم شيء والذي قبله شيء، فأين هذا من قصد المحتال بلفظ العقد أو صورِته ما لم يجعله الشارع مقتضيًا له بوجهٍ بل جعله مقتضيًا لضدِّه؟\nولا يلزم من صلاحية اللفظ له إخبارًا صلاحيتُه له إنشاءً؛ فإنه لو قال: «تزوجتُ» في المعاريض وعنى نكاحًا فاسدًا كان صادقًا كما لو بيَّنه، ولو قال: «تزوجتُ» إنشاء وكان فاسدًا لم ينعقد، وكذلك في جميع الحيل؛ فإن الشارع لم يشرع القرض إلا لمن قصد أن يسترجع مثلَ قرضه، ولم يشرعه لمن قصد أن يأخذ أكثر منه لا بحيلة ولا بغيرها. وكذلك إنما شرع البيع لمن له غرضٌ في تمليك الثمن وتملُّك السلعة، ولم يشرعه قطُّ لمن قصد به ربا الفضل أو النَّساء ولا غرضَ له في الثمن ولا في السلعة، وإنما غرضهما الربا. وكذلك النكاح لم يشرعه إلا لراغب في المرأة، لم يشرعه لمحلِّل. وكذلك الخلع لم يشرعه إلا للمفتدية نفسَها من الزوج تتخلَّص منه من سوء العشرة، ولم يشرعه للتحيُّل على الحِنث قطُّ. وكذلك التمليك لم يشرعه الله\n_________\n(^١) ذكرها المؤلف في «الصواعق المرسلة»، ولم يصل إلينا هذا الجزء من أصله الذي فيه هذا المبحث، وانظر: «مختصر الصواعق» (٢/ ٧٠٠ وما بعدها) [ط. أضواء السلف] ففيه ذكر أكثر من خمسين وجهًا.","vol":"4","page":160},{"text":"سبحانه إلا لمن قصد نفع الغير والإحسان إليه بتمليكه سواء كان محتاجًا أو غيرَ محتاج، ولم يشرعه لإسقاط فرض من زكاة أو حج أو غيرهما قطُّ. وكذلك المعاريض لم يشرعها إلا لمحتاج إليها أو لمن لا يُسقِط بها حقًّا ولا يضرُّ بها أحدًا، ولم يشرعها إذا تضمَّنت إسقاط حق أو إضرارًا لغير مستحق.\nفثبت [٨٠/ب] أن التعريض المباح ليس من المخادعة لله في شيء، وغايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه، ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم المُبطِل جوازُ مخادعة المُحِقّ؛ فما كان من التعريض مخالفًا لظاهر اللفظ كان قبيحًا إلا عند الحاجة، وما لم يكن منها مخالفًا لظاهر اللفظ كان جائزًا إلا عند تضمُّن مفسدة.\nوالمعاريض كما تكون بالقول تكون بالفعل، وتكون بالقول والفعل معًا، مثال ذلك أن يُظهِر المحارب أن يريد وجهًا من الوجوه ويسافر إليه ليحسب العدوُّ أنه لا يريده، ثم يَكُرُّ عليه وهو آمنٌ من قصده، أو يستطرد المبارز بين يدي خصمه ليظنَّ هزيمته ثم يعطف عليه، وهذا من خَدَعاتِ الحرب.\nفصل\nفهذا أحد النوعين الذي قيست عليه (^١) الحيل المحرَّمة.\nوالنوع الثاني (^٢): الكيد الذي شرعه الله للمظلوم أن يكيد به ظالمه ويخدعه به، إما للتوصل إلى أخذ حقِّه منه، أو عقوبةً له، أو لكفِّ شره\n_________\n(^١) د: «عليهما».\n(^٢) سبق النوع الأول قبل ثمان صفحات (١٥٤).","vol":"4","page":161},{"text":"وعدوانه عنه، كما روى الإمام أحمد في «مسنده» (^١): أن رجلًا شكا إلى رسول الله - ﷺ - من جاره أنه يؤذيه، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يطرح متاعه في الطريق، ففعل، فجعل كلّ من مرَّ عليه (^٢) يسأل عن شأن المتاع، فيخبر بأنّ جارَ صاحبه يؤذيه، فيسبُّه ويلعنه، فجاء إليه وقال: رُدَّ متاعك إلى مكانه، فوالله لا أُؤذيك بعد ذلك أبدًا.\nفهذا من أحسن المعاريض الفعلية، وألطف الحيل التي يتوصَّل بها إلى دفع ظلم الظالم. ونحن لا ننكر هذا الجنس، وإنما الكلام في الحيل على استحلال محارم الله، وإسقاط فرائضه، وإبطال حقوق عباده؛ فهذا النوع هو الذي يفوت أفرادُ الأدلة على تحريمه الحصرَ.\nفصل\nوأما قولكم: «جعل العقود حيلًا على التوصُّل إلى ما لا يباح إلا بها ... إلى آخره»، فهذا موضع الكلام في الحيل (^٣) وأقسامها (^٤) إلى أحكامها الخمسة، فنقول:\nليس كل ما يُسمَّى حيلةً (^٥) حرامًا، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ\n_________\n(^١) لم أجده في «المسند». ورواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٢٤) وأبو داود (٥١٥٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وصححه ابن حبان (٥٢٠) والحاكم (٤/ ١٦٥)، وجوَّده ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١٦).\n(^٢) «عليه» ليست في ز.\n(^٣) «في الحيل» ليست في ز.\n(^٤) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «وانقسامها».\n(^٥) زيد في المطبوع بعدها: «يسمى»، ولا حاجة إليها.","vol":"4","page":162},{"text":"مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، أراد بالحيلة التحيُّل على التخلُّص من بين الكفار، وهذه حيلة محمودة يثاب عليها، وكذلك الحيلة على هزيمة الكفار، كما فعل نُعيم بن مسعود يوم الخندق (^١)، أو على تخليص ماله منهم كما فعل الحجّاج بن عِلَاط بامرأته (^٢)، وكذلك الحيلة على قتل رأس من رؤوس أعداء الله كما فعل الذين قتلوا ابن أبي الحُقَيق اليهودي وكعب بن الأشرف وأبا رافع (^٣) وغيرهم؛ فكل هذه حيل محمودة محبوبة لله ومرضية له.\nوالحيلة: مشتقة من التحوُّل، وهي النوع والحالة كالجِلسة والقِعدة والرِّكبة، فإنها بالكسر للحالة وبالفتح للمرَّة، كما قيل: الفَعْلة للمرة، والفِعْلة للحالة، والمَفْعل للموضع، والمِفْعل للآلة. وهي من ذوات الواو، فإنها من التحوُّل من حال يحول، وإنما انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهو قلب مَقِيسٌ مطّرد في كلامهم، نحو ميزان وميقات وميعاد؛ فإنها مفعال من الوزن والوقت والوعد. فالحيلة هي نوع [٨١/أ] مخصوص من التصرف والعمل\n_________\n(^١) رواه البيهقي في «الدلائل» (٣/ ٤٤٥) من طريق ابن إسحاق عن رجل عن عبد الله بن كعب بن مالك، والرجل مبهم، ورواه ابن سعد (٤/ ٢٧٧) من طريق الواقدي، وهو متروك، وقال الألباني في «فقه السيرة» (ص ٣٠٥): «هذه القصة بدون إسناد».\n(^٢) تقدم.\n(^٣) أبو رافع هو ابن أبي الحُقَيق، وخبر قتله رواه البخاري (٤٠٣٩، ٤٠٤٠) عن البراء بن عازب. وخبر قتل كعب بن الأشرف أيضًا رواه البخاري (٤٠٣٧) عن جابر بن عبد الله.","vol":"4","page":163},{"text":"الذي يتحوَّل به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصَّل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطَّن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة؛ فهذا أخص من موضوعها في أصل اللغة، وسواء كان المقصود أمرًا جائزًا أو محرمًا، وأخصُّ من هذا استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعًا أو عقلًا أو عادةً، وهذا هو الغالب عليها في عرف الناس؛ فإنهم يقولون: فلان من أرباب الحيل، ولا تعاملوه فإنه يتحيَّل، وفلان يعلِّم الناسَ الحيلَ، وهذا من استعمال المطلق في بعض أنواعه كالدابة والحيوان وغيرهما.\nوإذا قُسِّمت باعتبارها لغة انقسمت إلى الأحكام الخمسة؛ فإن مباشرة الأسباب الواجبة (^١) حيلة على حصول مسبباتها؛ فالأكل والشرب واللبس والسفر الواجب حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيلة على حصول المعقود عليه، والأسباب المحرَّمة كلها حيلة على حصول مقاصدها منها، وليس كلامنا في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو مورد التقسيم إلى مباح ومحظور؛ فالحيلة جنس تحته التوصُّل إلى فعل الواجب، وترك المحرم، وتخليص الحق، ونصر المظلوم، وقهر الظالم، وعقوبة المعتدي، وتحته التوصُّل إلى استحلال المحرَّم، وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات. ولما قال النبي - ﷺ -: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلُّوا محارمَ الله بأدنى الحيل» (^٢) غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم. وكما يذمُّ الناس\n_________\n(^١) ز: «الواجب».\n(^٢) تقدم.","vol":"4","page":164},{"text":"أربابَ الحيل فهم يذمُّون أيضًا (^١) العاجز الذي لا حيلةَ عنده لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه، فالأول ماكر مخادعٌ، والثاني عاجز مفرِّط، والممدوح غيرهما، وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيِّها وظاهرِها، فيُحسِن التوصّلَ إلى مقاصده المحمودة التي يحبُّها الله ورسوله بأنواع الحيل، ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يُتوصَّل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها أو لا يفعلها ولا يدلُّ عليها.\nوهذه كانت حال سادات الصحابة - ﵃ -، فإنهم كانوا أبرَّ الناس قلوبًا، وأعلمَ الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع، وأتقى لله من أن يرتكبوا منها شيئًا أو يدخلوه في الدين، كما قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: لست بخِبٍّ ولا يخدعني الخِبُّ (^٢). وكان حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن، وكان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكان هو يسأله عن الشر (^٣).\nوالقلب السليم ليس هو الجاهل بالشرّ الذي لا يعرفه، بل الذي يعرفه\n_________\n(^١) د: «أيضًا يذمون».\n(^٢) لم أجده مسندًا عن عمر، وقد عزاه إليه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣٠٢) والمصنف في «الروح» (٢/ ٦٨٣). وهو مرويٌّ عن إياس بن معاوية، رواه ابن قتيبة في «عيون الأخبار» (١/ ٣٩٤) ووكيع في «أخبار القضاة» (١/ ٣٤٨) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٠/ ١٩) والمزي في «تهذيب الكمال» (٣/ ٤١٨)، ولفظ وكيع: «لست بخِبٍّ، والخِبُّ لا يخدعني، ولا يخدع ابنَ سيرين، ويخدع الحسن، ويخدع أبا معاوية بن قرة، ويخدع عمر بن عبد العزيز». وانظر: «البيان والتبيين» (١/ ١٠١) و«الحيوان» (٢/ ٢٧٩) و«العقد الفريد» (٣/ ١١) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (٨/ ٤٢ (.\n(^٣) كما في الحديث الذي رواه البخاري (٣٦٠٦، ٧٠٨٤) ومسلم (١٨٤٧) عن حذيفة.","vol":"4","page":165},{"text":"ولا يريده، بل يريد الخير والبر. والنبي - ﷺ - قد سمَّى الحرب خَدْعة (^١)، ولا ريبَ في انقسام الخداع إلى ما يحبه الله ورسوله وإلى ما يبغضه وينهى عنه، وكذلك المكر ينقسم إلى قسمين: محمود ومذموم؛ فالحيلة والمكر والخديعة تنقسم إلى محمود ومذموم.\nفالحيل المحرَّمة منها ما هو كفر، ومنها ما هو كبيرة، ومنها ما هو صغيرة. وغير [٨٠/ب] المحرَّمة منها ما هو مكروه، ومنها ما هو جائز، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو واجب:\nفالحيلة بالردّة على فسخ النكاح كفر، ثم إنها لا تتأتَّى إلا على قول من يقول بتعجيل الفسخ بالردة، فأما من وقفه على انقضاء العدة فإنها لا يتمُّ لها غرضها حتى تنقضي عدتها؛ فإنها متى علم بردّتها قُتِلتْ، إلا على قول من لا يقتل المرتدة، بل يحبسها حتى تسلم أو تموت.\nوكذلك التحيُّل بالردة على حرمان الوارث كفر، والإفتاء بها كفر، ولا تتمُّ إلا على قول من يرى أن (^٢) مال المرتدّ لبيت المال، فأما على القول الراجح أنه لورثته من المسلمين فلا تتم الحيلة، وهذا القول هو الصواب، فإن ارتداده أعظم من مرض الموت المَخُوف، وهو في هذه الحال قد تعلَّق حق الورثة بماله، فليس له أن يُسقِط هذا التعلق بتبرع، فهكذا المرتد بردته تعلَّق حق الورثة بماله إذ صار مستحقَّ القتل.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٠٣٠) ومسلم (١٧٣٩) عن جابر - ﵁ -. ورواه أيضًا البخاري (٣٠٢٩) ومسلم (١٧٤٠) عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) «أن» ليست في ز.","vol":"4","page":166},{"text":"فصل\nوأما الحيل التي هي من الكبائر: فمثل قتل امرأته إذا قتل حماته وله من امرأته ولد، والصواب أن هذه الحيلة لا تُسقِط عنه القَوَد، وقولهم: «إنه ورث ابنه بعضَ دم أبيه فسقط عنه القَوَد» ممنوع؛ فإن القود وجب عليه (^١) أولًا بقتل أم المرأة، وكان لها أن تستوفيه ولها أن تُسقطه، فلما قتلها قام وليها في هذه الحال مقامها بالنسبة إليها وبالنسبة إلى أمها، ولو كان ابنَ القاتل؛ فإنه لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ميزان عادل على أن الولد لا يستوفي القصاص من والده لغيره. وغاية ما دلَّ عليه الحديث أنه لا يُقاد الوالد بولده (^٢)، على ما فيه من الضعف وفي حكمه من النزاع، ولم يدلَّ على أنه لا يقاد بالأجنبي إذا كان الولد هو مستحق القود، والفرق بينهما ظاهر؛ فإنه في مسألة المنع قد أُقِيد بابنه، وفي هذه الصورة إنما أُقِيد بالأجنبي، وكيف تأتي شريعة أو سياسة عادلة بوجوب القود على من قتل نفسًا بغير حق فإن عاد فقتل نفسًا أخرى بغير حق وتضاعفَ إثمه وجرمه سقط عنه القود؟ بل لو قيل بتحتُّمِ قتله ولا بدَّ إذا قصد هذا كان أقرب إلى العقول والقياس.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-622>من الحيل المحرَّمة التي يكفر من أفتى بها </span>تمكين (^٣) المرأة ابنَ زوجها من نفسها لينفسخ نكاحها حيث صارت موطوءةَ ابنِه، وكذا بالعكس، أو وَطْأَه حماته لينفسخ نكاح امرأته، مع أن هذه الحيلة لا تتمشى إلا على قول من يرى أن حرمة المصاهرة تثبت بالزنا كما تثبت بالنكاح، كما يقوله أبو حنيفة وأحمد\n_________\n(^١) «عليه» ليست في د.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) في النسختين: «تمكن». والمثبت من النسخ المطبوعة.","vol":"4","page":167},{"text":"في المشهور من مذهبه. والقول الراجح أن ذلك لا يحرم كما هو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد ومالك؛ فإن التحريم بذلك موقوف على الدليل، ولا دليلَ من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، وقياسُ السِّفاح على النكاح في ذلك لا يصح لما بينهما من الفروق. والله سبحانه جعل الصِّهر قسيم النسب، وجعل ذلك من نعمه التي امتنَّ بها على عباده، فكلاهما من نعمه وإحسانه؛ فلا يكون الصهر من آثار الحرام وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره، بل إذا كان النسب الذي هو أصل لا يحصل بوطء [٨٢/أ] الحرام فالصهر الذي هو فرع عليه ومُشبَّه به أولى أن لا يحصل بوطء الحرام.\nوأيضًا فإنه لو ثبت تحريم المصاهرة لا تثبت المَحْرَمية التي هي من أحكامه، فإذا لم تثبت المَحْرَمية لم تثبت الحرمة.\nوأيضًا فإن الله سبحانه إنما قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، ومن زنى بها الابن لا تسمَّى حليلةً لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا. وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] إنما المراد به النكاح الذي هو ضد السِّفاح، ولم يأتِ في القرآن النكاح المراد به الزنا قطُّ، ولا الوطء المجرد عن عقد.\nوقد تناظر الشافعي هو وبعض العراقيين في هذه المسألة، ونحن نذكر مناظرته بلفظها.\nقال الشافعي (^١): الزنا لا يحرِّم الحلال، وقال به ابن عباس (^٢).\n_________\n(^١) انظر: «الأم» (٨/ ٧٠، ٦/ ٣٩٨ وما بعدها) بنحوه.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٢٧٦٩) وسعيد بن منصور (١/ ٤٤٠) وابن أبي شيبة (١٦٦٠٦) والبيهقي (٧/ ٢٧٣) من طرق عن ابن عباس.","vol":"4","page":168},{"text":"قال الشافعي: لأن الحرام ضد الحلال، ولا يقاس شيء على ضده. فقال لي قائل: نقول لو قبَّلَتْ امرأةُ الرجلِ ابنَه لشهوة حرمت على زوجها أبدًا، فقلتُ: لِمَ قلتَ ذا والله ﷿ إنما حرَّم أمهاتِ نسائكم ونحو هذا بالنكاح، فلم يجز أن يقاس الحرام بالحلال؟ فقال: أجد جماعًا وجماعًا. قلت: جماعًا حُمِدتْ به وحُصِّنت وجماعًا رُجِمتْ به، أحدهما نقمة والآخر نعمة، وجعله الله سبحانه نسبًا وصِهْرًا وأوجب به حقوقًا، وجعلك مَحْرَمًا لامرأتك وابنتها تسافر بهما، وجعل على الزنا نقمة في الدنيا بالحد وفي الآخرة بالنار، إلا أن يعفو الله، فتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة؟ وقلت له (^١): فلو قال لك وجدتُ المطلقة ثلاثًا تَحِلُّ بجماع زوج وإصابةٍ (^٢)، فأُحِلُّها بالزنا لأنه جماع كجماع، قال: إذًا أُخطِئ؛ لأن الله تعالى أحلها بنكاح زوج وإصابةٍ (^٣). قلت: وكذلك ما حرَّم الله في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج. قال: أفيكون شيء يحرِّمه الحلال ولا يحرِّمه الحرام أقول به؟ قلت: نعم، ينكح أربعًا فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة، أفيحرم عليه إذا زنى بأربعٍ شيءٌ من النساء؟ قال: لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال، قال: فقد ترتدُّ فتحرم على زوجها، قلت: نعم، وعلى جميع الخلق، وأقتلُها وأجعل مالها فيئًا، قال: فقد نجد الحرام يحرم الحلال، قلت: أما في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء فلا. انتهى.\n_________\n(^١) «له» ليست في د.\n(^٢) «وإصابة» ليست في ز.\n(^٣) «وإصابة» ليست في د.","vol":"4","page":169},{"text":"ومما يدل على صحة هذا القول أن أحكام النكاح التي رتبها الله سبحانه عليه من العدّة والإحداد والميراث، والحلّ والحرمة، ولحوق النسب، ووجوب النفقة والمهر، وصحة الخلع والطلاق والظهار والإيلاء، والقصر على أربع، ووجوب القَسْم والعدل بين الزوجات، وملك الرجعة، وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول، وغير ذلك من الأحكام (^١) = لا يتعلق شيء منها بالزنا، وإن اختلف في العدة والمهر.\nوالصواب أنه لا مهرَ لبغيٍّ كما دلت عليه سنة رسول الله - ﷺ - (^٢)، وكما فطر الله سبحانه عقول الناس على استقباحه، فكيف يثبت تحريم المصاهرة من بين هذه الأحكام؟ والمقصود أن هذه الحيلة باطلة شرعًا كما هي محرَّمة في الدين.\nوكذلك الحيلة على إسقاط حدّ السرقة بقول السارق: هذا مِلْكي، وهذه داري، وصاحبها عبدي، من الحيل التي هي إلى المَضْحكة [٨٢/ب] والسخرية والاستهزاء بها أقرب منها إلى الشرع، ونحن نقول: معاذَ الله أن يجعل في فِطَر الناس وعقولهم قبولَ مثل هذا الهذيان البارد المناقض للعقول والمصالح، فضلًا عن أن يَشرع لهم قبوله، وكيف يُظنّ بالله وشرعِه ظن السوء أنه شرع ردّ الحق بالباطل الذي يقطع كل أحد ببطلانه، وبالبهتان الذي يجزم كل حاضر ببهتانه. ومتى كان البهتان والوقاحة والمجاهرة بالزور والكذب مقبولًا في دين من الأديان أو شريعة من الشرائع أو سياسة\n_________\n(^١) ز: «أحكام».\n(^٢) كما في حديث أبي مسعود الأنصاري الذي أخرجه البخاري (٢٢٨٢) ومسلم (١٥٦٧).","vol":"4","page":170},{"text":"أحد من الناس؟ ومن له مُسْكةٌ من عقلٍ وإن بُلِي بالسرقة فإنه لا يرضى لنفسه بدعوى هذا البهت والزور، ويا لله وللعقول! أيعجِزُ سارق قطُّ عن التكلم بهذا البهتان ويتخلّص من قطع اليد؟ فما معنى شَرْعِ قطع يد السارق ثم إسقاطه بهذا الزور والبهتان؟\nوكذلك إذا غصَبَه (^١) شيئًا فادّعاه المغصوبُ منه، فأنكر، فطلب تحليفه، قالوا: فالحيلة في إسقاط اليمين عنه أن يُقِرَّ به لولده الصغير فتسقط عنه اليمين ويفوز بالمغصوب. وهذه حيلة باطلة في الشرع كما هي محرمة في الدين، بل المُقَرُّ له إن كان كبيرًا صار هو الخصم في ذلك، وتوجهتْ عليه اليمين، وإن كان صغيرًا توجهت اليمين على المدعى عليه، فإن نكلَ قُضِي به للمدعي، وغُرم قيمته لمن أقرَّ له به؛ لأنه بنكوله قد فوَّته عليه.\nوكذلك إذا جرح رجلًا، فخشي أن يموت من الجرح، فدفع إليه دواء مسمومًا فقتله، قال أرباب الحيل: يسقط عنه القصاص. وهذا خطأ عظيم، بل يجب عليه القصاص بقتله بالسُّم، كما يجب عليه بقتله بالسيف، ولو أسقط الشارع القتلَ عمن قتل بالسم لما عَجزَ قاتلٌ عن قتل من يريد قتله به آمنًا؛ إذ قد علم أنه لا يجب عليه القَوَد، وفي هذا من فساد العالم ما لا تأتي به شريعة.\nوكذلك إذا أراد إخراج زوجته من الميراث في مرضه، وخاف أن الحاكم يُورِّث المبتوتةَ، قالوا: فالحيلة أن يُقِرَّ أنه كان طلَّقها ثلاثًا. وهذه حيلة محرمة باطلة لا يحل تعليمها، ويفسق من علَّمها المريضَ، ويستحق\n_________\n(^١) كذا في النسختين، وهو صواب. يقال: غَصَبَه مالَه وغَصبَ منه مالَه. وفي المطبوع: «غصب».","vol":"4","page":171},{"text":"عقوبة الله، ومع ذلك فلا تنفذ، فإنه كما هو متَّهم بطلاقها فهو متَّهم بالإقرار بتقدم الطلاق على المرض، وإذا كان الطلاق لا يمنع الميراث بالتهمة فالإقرار لا يمنعه للتهمة، ولا فرقَ بينهما؛ فالحيلة باطلة محرمة.\nوكذلك إذا كان في يده نصاب فباعه أو وهَبَه قبل الحول، ثم استردَّه، قال أرباب الحيل: تسقط عنه الزكاة، بل لو ادعى ذلك لم يأخذ العامل زكاته. وهذه حيلة محرمة باطلة، ولا يُسقِط ذلك عنه فرضَ الله الذي فرضه وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيَّعه وأهملَه، فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مكر وخداع لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة. وقد استقرت سنة الله في خلقه شرعًا وقدرًا على معاقبة العبد بنقيض قصده، كما حَرَمَ القاتلَ الميراثَ، وورَّثَ المطلقةَ في مرض الموت، وكذلك الفارّ من الزكاة لا يُسقِطها عنه فراره، ولا [٨٣/أ] يُعان على قصده الباطل فيتمّ مقصوده ويسقط مقصود الرب سبحانه، وكذلك عامة الحيل إنما يساعد فيها المتحيل على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع.\nوكذلك المجامع في نهار رمضان إذا تغدَّى أو شرب الخمر أولًا ثم جامع، قالوا: لا تجب عليه الكفارة. وهذا ليس بصحيح؛ فإن إضمامه إلى إثم الجماع إثمَ الأكل والشرب لا يناسب التخفيف عنه، بل يناسب تغليظ الكفارة عليه، ولو كان هذا يُسقط الكفارة لم تجب الكفارة (^١) على واطئ اهتدى لجرعة (^٢) ماء أو ابتلاع لُبابةٍ أو أكل زبيبة. فسبحان الله! هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر قبله أو للجناية على زمن الصوم\n_________\n(^١) ز: «كفارة».\n(^٢) ز: «بجرعة».","vol":"4","page":172},{"text":"الذي لم يجعله الله محلًّا للوطء؟ أفترى بالأكل والشرب قبله صار الزمان محلًّا للوطء وانقلبت كراهة الشارع له (^١) محبةً ومنعُه إذنًا؟ هذا من المحال.\nوأفسدُ من هذا قولهم: إن الحيلة في إسقاط الكفارة أن ينوي قبل الجماع قطع الصوم، فإذا أتى بهذه النية فليجامع آمنًا من وجوب الكفارة. ولازمُ هذا القول الباطل أنه لا تجب كفارة على مجامعٍ أبدًا، وإبطال هذه الشريعة رأسًا؛ فإن المجامع لا بدَّ أن يعزِمَ على الجماع قبل فعله، وإذا عزم على الجماع فقد تضمَّنت نيته قطعَ الصوم، فأفطر قبل الفعل بالنية الجازمة للإفطار، فصادفه الجماع وهو مفطر بنية الإفطار السابقة على الفعل، فلم يفطر به، فلا تجب الكفارة، فتأملْ كيف تتضمن الحيل المحرمة مناقضةَ الدين وإبطال الشرائع؟\nوكذلك قالوا: لو أن مُحرِمًا خاف الفوت وخشي القضاء من قابلٍ فالحيلة في إسقاط القضاء أن يكفُر بالله ورسوله في حال إحرامه فيبطل إحرامه، فإذا عاد إلى الإسلام لم يلزمه القضاء من قابلٍ، بناء على أن المرتد كالكافر الأصلي، فقد أسلم إسلامًا مستأنفًا لا يجب عليه فيه قضاء ما مضى. ومن له مُسْكةٌ من علم ودين يعلم أن هذه الحيلة مناقضة لدين الإسلام أشدَّ مناقضة، فهو في شِقٍّ والإسلام في شِقٍّ.\nوكذلك لو وكَّل رجلًا في استيفاء حقه فرفعه إلى الحاكم فأراد أن يحلِّفه بالطلاق أنه لا حقَّ لوكيله قِبَله، فالحيلة في حلفه صادقًا أن يُحضِر\n_________\n(^١) «له» ليست في د.","vol":"4","page":173},{"text":"الموكّل إلى منزله ويدفع إليه حقه ثم يغلق عليه الباب ويمضي مع الوكيل، فإذا حلف أنه لا حقَّ لوكيله قِبَله حلف صادقًا، فإذا رجع إلى البيت فشأنه وشأن صاحب الحق.\nوهذه شرٌّ من حيلة اليهود أصحاب الحيتان، وهذه وأمثالها إنما هي من حيل اللصوص وقُطَّاع الطريق، فما لدين الله ورسوله وإدخالها فيه؟ ولا يُجدِي عليه هذا الفعل في برِّه في اليمين شيئًا، بل هو حانثٌ كلَّ الحنث؛ إذ لم يتمكَّن صاحب الحق من الظفر بحقه، فهو في ذمة الحالف كما هو، وإنما يبرأ منه إذا تمكَّن صاحبه من قبضه وعدَّ نفسَه مستوفيًا لحقه.\nوكذلك لو كان له عُروضٌ (^١) للتجارة فأراد أن يُسقِط زكاتها، قالوا: فالحيلة أن ينوي بها القُنيةَ (^٢) في آخر الحول يومًا أو أقلَّ، ثم ينقض هذه النية ويُعيدها (^٣) للتجارة، فيستأنف [٨٣/ب] بها حولًا، ثم يفعل هكذا في آخر كل حولٍ، فلا تجب عليه زكاتها أبدًا.\nفيا لله العجب! أيروج هذا الخداع والمكر والتلبيس على أحكم الحاكمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور؟ ثم إن هذه الحيلة كما هي مخادعة لله، ومكرٌ بدين الإسلام، فهي باطلة في نفسها، فإنها إنما تصير للقُنية إذا لم يكن من نيته إعادتها للتجارة، فأما وهو يعلم أنه لا يقتنيها البتةَ ولا له حاجة باقتنائها، وإنما أعدَّها للتجارة، فكيف تُتصوَّر منه النية الجازمة للقُنية وهو يعلم قطعًا أنه لا يقتنيها ولا يريد اقتناءها، وإنما هو مجرد\n_________\n(^١) ز: «عرض».\n(^٢) أي اتخاذها لنفسه لا للتجارة.\n(^٣) ز: «يعتدها».","vol":"4","page":174},{"text":"حديث نفسٍ وخاطرٍ أجراه على قلبه، بمنزلة أن يقول بلسانه: «أعددتُها للقنية» وليس ذلك في قلبه؟ أفلا يستحيي من الله من يُسقِط فرائضه بهذا الهوس وحديث النفس؟\nوأعجب من هذا أنه لو كان عنده عينٌ من الذهب والفضة فأراد إسقاط زكاتها في جميع عمره، فالحيلة أن يدفعها إلى محتالٍ مثله أو غيره في آخر الحول ويأخذ منه نظيرها فيستأنف له الحول، ثم في آخره يعود فيستبدل بها مثلها، فإذا هو فعل ذلك لم تجب عليه زكاته ما عاش. وأعظم من هذه البلية إضافة هذا المكر والخداع إلى الرسول، وأن هذا من الدين الذي جاء به.\nومثل هذا وأمثاله منع كثيرًا من أهل الكتاب من الدخول في الإسلام، وقالوا: كيف يأتي رسول بمثل هذه الحيل؟ وأساؤوا ظنَّهم به وبدينه، وتواصَوا بالتمسك بما هم عليه، وظنوا أن هذا هو الشرع الذي جاء به، وقالوا: كيف تأتي بهذا شريعة أو تقوم به مصلحة أو يكون من عند الله؟ ولو أن ملِكًا من الملوك ساس رعيته بهذه السياسة لقدح ذلك في ملكه. قالوا: وكيف يشرع الحكيم الشيء لما في شرعه من المصلحة ويحرِّمه لما في فعله من المفسدة ثم يبيح إبطال ذلك بأدنى حيلة تكون؟ وترى الواحد منهم إذا ناظره المسلم في صحة دين الإسلام إنما يحتج عليه بهذه الحيل، كما هو في كتبهم وكما نسمعه من لفظهم عند المناظرة، فالله المستعان.\nوكذلك قالوا: لو كان له نصاب من السائمة فأراد إسقاط زكاتها، فالحيلة في ذلك أن يَعلِفها يومًا واحدًا ثم يعود إلى السَّوم، وكذلك يفعل في كل حولٍ. وهذه الحيلة باطلة لا تُسقِط عنه وجوبَ الزكاة، بل وكذلك كل حيلة يتحيل بها على إسقاط فرض من فرائض الله أو حق من حقوق عباده لا","vol":"4","page":175},{"text":"يزيد ذلك الفرض إلا تأكيدًا وذلك الحق إلا إثباتًا (^١).\nوكذلك قالوا: إذا علم أن شاهدين يشهدان عليه فأراد أن يبطل شهادتهما، فليخاصمهما قبل الرفع إلى الحاكم. وهذه الحيلة حسنة إذا كانا يشهدان عليه بالباطل، فإذا علم أنهما يشهدان بحق لم تحلَّ له مخاصمتهما، ولا تُسقط هذه المخاصمة شهادتَهما.\nوكذلك قالوا: لا يجوز ضمان البساتين، والحيلة على ذلك أن يُؤجِره الأرضَ ويساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء. وهذه [٨٤/أ] الحيلة لا تتمُّ إذا كان البستان وقفًا وهو ناظره أو كان ليتيم، فإن هذه المحاباة في المساقاة تقدح في نظره ووصيته. وإن قيل: إنها تُغتفر لأجل العقد الآخر وما فيه من محاباة (^٢) المستأجر له، فهذا لا يجوِّز له أن يحابي في المساقاة، لما حصل للوقف واليتيم من محاباة أخرى. وهو نظير أن يبيع له سلعة بربح ثم يشتري له سلعة بخسارة توازن ذلك الربح، هذا إذا لم يُبْنَ (^٣) أحد العقدين على الآخر، فإن بُني عليه كانا عقدين في عقد، وكانا بمنزلة سَلَفٍ وبيع، وشرطين في بيع، وإن شرط أحد العقدين في الآخر فسدَا، مع أن هذه الحيلة لا تتم إلا (^٤) على أصل من لم ير جواز المساقاة أو من خصَّها بالتحيل وحده.\nثم فيها مفسدة أخرى، وهي أن المساقاة عقد جائز، فمتى أراد أحدهما\n_________\n(^١) ز: «ثباتًا».\n(^٢) في النسختين: «المحاباة». والمثبت يقتضيه السياق.\n(^٣) في النسختين: «لم يبنى».\n(^٤) «إلّا» ليست في د.","vol":"4","page":176},{"text":"فسْخَها فسَخَها وتضرر الآخر، ومفسدة ثانية وهو أنه يجب عليه تسليم هذا الجزء من ألف جزء من جميع ثمرة البستان من كل نوع من أنواعه، وقد يتعذّر عليه ذلك أو يتعسّر، إما بأن يأكل الثمرة أو يُهديها كلَّها أو يبيعها على أصولها، فلا يمكنه تسليم ذلك الجزء، وهكذا يقع سواء. ثم قد يكون ذلك الجزء من الألف (^١) يسيرًا جدًّا، فلا يطالب به عادة، فيبقى في ذمته لليتيم ولجهة الوقف. إلى غير ذلك من المفاسد التي في هذه الحيلة.\nوأصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا أفقهَ من ذلك، وأعمق علمًا، وأقلَّ تكلفًا، وأبرَّ قلوبًا، فكانوا يرون ضمان الحدائق بدون هذه الحيلة، كما فعله عمر بن الخطاب ﵁ بحديقة أُسَيد بن حُضَير (^٢)، ووافقه عليه جميع الصحابة، فلم ينكره منهم رجل واحد. وضمان البساتين كما هو إجماع الصحابة فهو مقتضى القياس الصحيح، كما تضمن الأرض لمُغَلّ الزرع فكذلك تضمن الشجر لمُغَلّ الثمر، ولا فرقَ بينهما البتةَ؛ إذ الأصل هنا كالأرض هناك، والمُغَلّ يحصل بخدمة المستأجر والقيام على الشجر كما يحصل بخدمته والقيام على الأرض. ولو استأجر أرضًا ليحرُثَها ويسقيها ويستغلَّ ما يُنبته الله سبحانه فيها من غير بذر منه كان بمنزلة استئجار الشجر من كل وجه، لا فرقَ بينهما البتةَ، فهذا أفقه من هذه الحيلة، وأبعد عن الفساد، وأصلح للناس، وأوفق للقياس، وهو اختيار أبي الوفاء ابن عقيل وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٣) - ﵄ -، وهو الصواب.\n_________\n(^١) ز: «ألف».\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة (٢٣٧٢٣).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٥١، ٢٨٣).","vol":"4","page":177},{"text":"فصل (^١)\nومن هذا الباب الحيلة السُّريجية (^٢) التي حدثت في الإسلام بعد المائة الثالثة، وهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق البتة، بل تسدُّ عليه باب الطلاق بكل وجه، فلا يبقى له سبيل إلى التخلُّص منها، ولا يمكنه مخالعتُها عند من يجعل الخلع طلاقًا، وهي نظير سدِّ الإنسان على نفسه بابَ النكاح بقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فهذا لو صح تعليقه لم يمكنه في الإسلام أن يتزوج امرأةً ما عاش، وذلك لو صح شرعه لم يمكنه أن يطلق امرأة أبدًا.\nوصورة هذه الحيلة أن يقول: كلّما طلقتُك ــ أو كلما وقع عليك طلاقي ــ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا، قالوا: [٨٤/ب] فلا يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك؛ إذ (^٣) لو وقع لزم وقوع ما عُلِّق به وهو الثلاث، وإذا وقعت الثلاث امتنع وقوع هذا المنجَّز، فوقوعه يفضي إلى عدم وقوعه، وما أفضى وجوده إلى عدم وجوده لم يوجد. هذا اختيار أبي العباس ابن سُرَيج، ووافقه عليه جماعة من أصحاب الشافعي، وأبى ذلك جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنبلية وكثير من الشافعية. ثم اختلفوا في وجه إبطال هذا التعليق:\nفقال الأكثرون: هذا التعليق لغو وباطل من القول؛ فإنه يتضمن المحال، وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وهذا محال، فما (^٤) تضمَّنه فهو باطل من\n_________\n(^١) من هنا بداية نسخة ك.\n(^٢) ك: «الشرعية»، تحريف.\n(^٣) ك: «إذا»، خطأ.\n(^٤) ك: «فيما»، خطأ.","vol":"4","page":178},{"text":"القول، فهو بمنزلة قوله: إذا وقع (^١) عليك طلاقي لم يقع، وإذا طلَّقتك لم يقع عليك طلاقي، ونحو هذا من الكلام الباطل، بل قوله: «إذا وقع عليك طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» أدخَلُ في الإحالة والتناقض؛ فإنه في الكلام الأول جعل وقوع الطلاق مانعًا من وقوعه مع قيام الطلاق، وهنا جعل وقوعه مانعًا من وقوعه مع زيادة محالٍ عقلًا وعادةً، فالمتكلم به يتكلم بالمحال قاصدًا (^٢) للمحال، فوجود هذا التعليق وعدمه سواء، فإذا طلَّقها بعد ذلك نفذ طلاقه ولم يمنع منه مانع. وهذا اختيار أبي الوفاء (^٣) ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد وأبي العباس ابن القاصّ من أصحاب الشافعي.\nوقالت فرقة أخرى: بل المحال إنما جاء من تعليق الثلاث على المنجَّز، وهذا محال أن يقع المنجَّز ويقع جميع ما عُلِّق به؛ فالصواب أن يقع المنجَّز وتمام الثلاث من المعلّق، وهذا اختيار القاضي وأبي بكر وبعض الشافعية ومذهب أبي حنيفة. والذين منعوا وقوع الطلاق جملةً قالوا: هو ظاهر كلام الشافعي، فهذا تلخيص الأقوال في هذا التعليق.\nقال المصححون للتعليق: صدر من هذا الزوج طلاقان منجَّز ومعلَّق، والمحلُّ قابل، وهو ممن يملك التنجيز والتعليق (^٤)، والجمع بينهما ممتنع، ولا مزيةَ لأحدهما على الآخر، فتمانعا وتساقطا، وبقيت الزوجية بحالها، وصار كما لو تزوج أختين في عقد واحد فإنه يبطل نكاحهما لهذا الدليل بعينه.\n_________\n(^١) «إذا وقع» ساقطة من ك.\n(^٢) ز: «قاصد».\n(^٣) «أبي الوفاء» ساقطة من ك.\n(^٤) «والتعليق» ساقطة من ك.","vol":"4","page":179},{"text":"وكذلك إذا أعتق أمته في مرض موته، وزوجُها عبد، ولم يدخل بها، وقيمتها مائة، ومهرها مائة، وباقي التركة مائة= لم يثبت لها الخيار؛ لأن إثبات الخيار يقتضي سقوط المهر، وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار، والجمع بينهما لا يمكن، وليس أحدهما أولى من الآخر، لأن طريق ثبوتهما الشرع، فأبقينا النكاح ورفضنا الخيار ولم يسقط المهر، وكل ما أفضى (^١) وقوعه إلى عدم وقوعه فهذه سبيله.\nومثاله في الحس إذا تشاحَّ اثنان في دخول دار، وهما سواء في القوة، وليس لأحدهما على الآخر مزيةٌ توجب تقديمه؛ فإنهما يتمانعان فلا يدخل واحد منهما. وهذا مشتقٌّ من دليل التمانع على التوحيد، وهو أنه يستحيل أن يكون للعالم فاعلان مستقلان بالفعل؛ فإن استقلال كل منهما ينفي استقلال الآخر، فاستقلالهما يمنع استقلالهما، ووِزانُه في هذه المسألة أن [٨٥/أ] وقوعهما يمنع وقوعهما.\nقالوا: وغاية ما في الباب استلزام (^٢) هذا التعليق لدور حكمي يمنع وقوع المعلَّق والمنجَّز، ونحن نريكم من مسائل (^٣) الدور التي يُفضي وقوعها إلى عدم وقوعها كثيرًا: منها (^٤) ما ذكرناه.\nومنها: ما لو وُجِد من أحدهما ريحٌ، وشكَّ كل واحد منهما هل هي منه أو من صاحبه= لم يجز اقتداء أحدهما بالآخر؛ لأن اقتداءه به يُبطل اقتداءه.\n_________\n(^١) ك: «اقتضى»، خطأ.\n(^٢) ك: «استلزم».\n(^٣) ك: «المسائل».\n(^٤) ك: «فمنها».","vol":"4","page":180},{"text":"وكذلك لو كان معهما إناآن أحدهما نجس، فأدَّى اجتهاد كل منهما إلى إناء= لم تجز القدوة بينهما؛ لأنها تُفضي إلى إبطال القدوة. وكذلك إذا اجتهدا في الثوبين والمكانين.\nومنها: لو زوَّج عبدَه حرة وضمِن السيد مهرها ثم باعَها زوجَها قبل الدخول فمَهَرها (^١) = فالبيع باطل؛ لأن صحته تؤدّي إلى فساده، إذ لو صح لبطل النكاح؛ لأنها إذا ملكت زوجَها بطل نكاحها، وإذا بطل سقط مهرها؛ لأن الفرقة من جهتها، وإذا سقط مهرها ــ وهو الثمن ــ بطل البيع والعتق البتةَ، بل إما أن يصح البيع ولا يقع العتق إذ لو وقع العتق لبطل البيع، وإذا بطل بطل العتق؛ فوقوعه يؤدِّي إلى عدم وقوعه، وهذا قول المزني. وقال ابن سُريج: لا يصح بيعه؛ لأنه لو صح لوقع العتق قبله، ووقوع العتق قبله يمنع صحة البيع، فصحة البيع تمنع صحته.\nوكذلك لو قال له: «إذا رهنتُك فأنت حرٌّ قبله بساعة».\nوكذلك لو قال لعبيده ولا مال له سواهم وقد أفلس: «إن حجَرَ الحاكم عليَّ فأنتم أحرار قبل الحجرِ بيوم» لم يصح الحجر؛ لأن صحته تمنع صحته.\nومثله لو قال لعبده: «متى صالحتُ عليك فأنت حرٌّ قبل الصلح»، ومثله لو قال لامرأته: «إن صالحتُ فلانًا وأنتِ امرأتي فأنتِ طالق قبله بساعة» لم يصح الصلح؛ لأن صحته تمنع صحته.\n_________\n(^١) كذا في النسختين ز، د، وهو صواب، والمعنى: باع السيدُ الزوجَ (العبد) للحرة قبل الدخول وأعطاها مهرَها. وفي هامش د: «بمهرها». وفي المطبوع: «بها».","vol":"4","page":181},{"text":"ومثله لو قال لعبده: «متى ضمِنتُ عنك صداقَ امرأتك فأنت حرٌّ قبله إن كنت في حال الضمان مملوكي» ثم ضمِنَ عنه الصداق= لم يصح؛ لأنه لو صح لعتق (^١) قبله، وإذا عتق قبله لم يصادف الضمان شرطه، وهو كونه مملوكه وقت الضمان. وكذلك لا يقع العتق؛ لأن وقوعه يؤدِّي إلى أن لا يصح الضمان عنه، وإذا لم يصح الضمان عنه (^٢) لم يصح العتق، فكلٌّ من الضمان والعتق تؤدّي صحته إلى بطلانه؛ فلا يصح واحد منهما.\nومثله ما لو قال: «إن شاركني في هذا العبد شريكٌ فهو حرٌّ قبلَه بساعة» لم تصح الشركة فيه بعد ذلك؛ لأنها لو صحت لعتق العبد وبطلت الشركة، فصحتها تُفضي إلى بطلانها.\nومثله لو قال: «إن وكَّلتُ إنسانًا ببيع هذا العبد أو رَهْنه أو هبته وكالة صحيحة فهو قبلها بساعةٍ حرٌّ» لم تصح الوكالة؛ لأن صحتها تؤدي إلى بطلانها.\nومثله لو قال لامرأته: «إن وكَّلتُ وكيلًا في طلاقك فأنتِ طالق قبله أو معه (^٣) ثلاثًا» لم يصح توكيله في طلاقها؛ إذ لو صحت الوكالة لطلِّقت في حال الوكالة أو قبلها، فتبطل الوكالة، فصحتها تؤدّي إلى بطلانها.\nوكذلك لو خلَّف الميت ابنًا، فأقرّ بابنٍ آخر للميت، فقال المُقَرُّ به: «أنا ابنه، وأما أنت فلستَ بابنه» لم يُقبل إنكار المقر به؛ لأن قبول قوله يبطل قوله،\n_________\n(^١) ك: «العتق»، خطأ.\n(^٢) «عنه» ساقطة من ك.\n(^٣) ك: «ومعه».","vol":"4","page":182},{"text":"ومن هاهنا قال الشافعي: لو ترك أخًا لأب وأم فأقر [٨٥/ب] الأخ بابنٍ للميت ثبت نسبه ولم يرث؛ لأنه لو ورث لخرج المقرُّ عن أن يكون وارثًا، وإذا لم يكن وارثًا لم يُقبل إقراره بوارث آخر، فتوريث الابن يُفضي إلى عدم توريثه.\nونازعه الجمهور في ذلك، وقالوا: إذا ثبت نسبه ترتّب عليه أحكام النسب، ومنها الميراث، ولا يُفضي توريثه إلى عدم توريثه؛ لأنه بمجرد الإقرار ثبت النسب وترتَّب عليه الميراث، والأخ كان وارثًا في الظاهر، فحين أقرَّ كان هو كل الورثة، وإنما خرج عن الميراث بعد الإقرار وثبوت النسب؛ فلم يكن توريث الابن مُبطِلًا (^١) لكون المقرّ وارثًا حين الإقرار، وإن بطل كونه وارثًا بعد الإقرار وثبوت النسب. وأيضًا فالميراث تابع لثبوت النسب، والتابع أضعف من المتبوع، فإذا ثبت المتبوع الأقوى فالتابع أولى. ألا ترى أن النساء تُقبل شهادتهن منفرداتٍ في الولادة ثم في النسب، ونظائر ذلك كثيرة.\nومن المسائل التي يُفضي ثبوتُها إلى إبطالها: لو أعتقت المرأة في مرضها عبدًا فتزوجها، وقيمته تخرج من الثلث، صحَّ النكاح ولا ميراث له؛ إذ لو ورثها لبطل تبرُّعها له بالعتق؛ لأنه يكون تبرعًا لوارث، وإذا بطل العتق بطل النكاح، وإذا بطل بطل الميراث، وكان توريثه يؤدّي إلى إبطال توريثه. وهذا على (^٢) أصل الشافعي.\nوأما على قول الجمهور فلا يبطل ميراثه ولا عتقه ولا نكاحه؛ لأنه حينَ العتق لم يكن وارثًا، فالتبرع نزل في غير وارث، والعتق المنجَّز يتنجَّز من\n_________\n(^١) ك: «مبطلة».\n(^٢) ك: «وعلى هذا».","vol":"4","page":183},{"text":"حينه، ثم صار وارثًا بعد ثبوت عتقه، وذلك لا يضره شيئًا.\nومن ذلك لو أوصى له بابنه، فمات قبل قبول الوصية، وخلَّف إخوة لأبيه (^١)، فقبلوا الوصية، عَتَقَ على الموصى له ولم يصح ميراثه منه؛ إذ لو ورث لأسقط ميراث الإخوة، وإذا سقط ميراثهم بطل قبولهم للوصية، فيبطل عتقه، لأنه مرتّب على القبول، وكان توريثه مُفضِيًا إلى عدم توريثه.\nوالصواب قول الجمهور أنه يرث، ولا دورَ؛ لأن العتق حصل حال القبول وهم ورثة، ثم ترتَّب على العتق تابِعُه وهو الميراث، وذلك بعد القبول، فلم يكن الميراث مع القبول ليلزم الدور، وإنما ترتَّب على القبول العتق وعلى العتق الميراث؛ فهو مترتّب عليه بدرجتين.\nومن المسائل التي يُفضي ثبوتها إلى بطلانها: لو زوَّج عبدَه امرأةً وجعل رقبته صداقها لم يصح؛ إذ لو صح لملكَتْه وانفسخ النكاح.\nومنها: لو قال لأمته: «متى أكرهتُكِ فأنتِ حرَّة حالَ النكاح (^٢) أو قبله» فأكرهها على النكاح لم يصح؛ إذ لو صح النكاح عتقت، ولو عتقت بطل إكراهها، فيبطل نكاحها.\nومنها: لو قال لامرأته قبل الدخول: «متى استقرَّ مهرك عليَّ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» ثم وطئها لم يستقرَّ مهرها بالوطء؛ لأنه لو استقر لبطل النكاح قبله، ولو بطل النكاح قبله لكان المستقرُّ نصف المهر لا جميعه؛ فاستقراره يؤدّي إلى بطلان استقراره. هذا على قول ابن سُرَيج، وأما على قول المزني\n_________\n(^١) ك: «وحلف أخوه لابنه»، تحريف.\n(^٢) د: «النكال»، تحريف.","vol":"4","page":184},{"text":"فإنه يستقر المهر بالوطء، ولا يقع الطلاق؛ لأنه معلَّق على صفة تقتضي [٨٦/أ] حكمًا مستحيلًا.\nفصل\nومن المسائل التي يؤدِّي ثبوتها إلى نفيها: لو (^١) قال لامرأته: «إن لم أطلِّقك اليوم فأنتِ طالق اليوم» ومضى اليوم ولم يطلِّقها لم تطلَّق؛ إذ لو طلِّقت بمضيِّ اليوم لكان طلاقها مستندًا إلى وجود الصفة وهي عدم طلاقها اليوم، وإذا مضى اليوم ولم يطلِّقها لم يقع الطلاق المعلَّق باليوم.\nومنها: لو (^٢) تزوج أمة ثم قال لها: «إن مات مولاكِ وورثتكِ فأنتِ طالق» أو قال: «إن ملكتكِ فأنتِ طالق» ثم ورثها أو ملكها بغير إرث لا يقع الطلاق؛ إذ لو وقع لم تكن الزوجة في حال وقوعه مِلكًا له؛ لاستحالة وقوع الطلاق في ملكه، فكان وقوعه مفضيًا إلى عدم وقوعه.\nومنها: لو كان العبد بين موسرين فقال كل منهما لصاحبه: «متى أعتقتَ نصيبك فنصيبي حرٌّ قبل ذلك» فأعتق أحدهما نصيبه= لم ينفذ عتقه؛ لأنه لو نفذ لوجب عتق نصيب صاحبه قبله، وذلك يوجب السراية إلى نصيبه، فلا يصادف (^٣) إعتاقه محلًّا، فنفوذ عتقه يؤدِّي إلى عدم نفوذه.\nوالصواب في هذه المسألة بطلان هذا التعليق لتضمُّنه المحالَ، وأيهما عَتَقَ نصيبه صحَّ وسرى إلى نصيب شريكه.\n_________\n(^١) «لو» ساقطة من ك.\n(^٢) ك: «ما لو».\n(^٣) ك: «يصادق»، تحريف.","vol":"4","page":185},{"text":"ومنها: لو قال لعبده: «إن دبَّرتُك فأنت حرٌّ قبله» ثم دبَّره صح التدبير ولم يقع العتق؛ لأن وقوعه يمنع صحة التدبير، وعدم صحته يمنع وقوع العتق، وكانت صحته تفضي إلى بطلانه. هذا على قول المزني، وعلى قول ابن سُريج لا يصح التدبير؛ لأنه لو صح لوقع العتق قبله، وذلك يمنع التدبير، وكان وقوعه يمنع وقوعه.\nونظيره أن يقول لمدبَّره: «متى أبطلتَ تدبيرك فأنت حرٌّ قبله» ثم أبطله بطل ولم يقع (^١) العتق على قول المزني؛ إذ لو وقع لم يصادف (^٢) إبطالُ التدبير محلًّا. وعلى قول ابن سُريج لا يصح إبطال التدبير (^٣)؛ لأنه لو صح إبطاله لوقع (^٤) العتق، ولو وقع العتق لم يصح إبطال التدبير.\nومثله لو قال لمدبَّره: «إن بعتك فأنت حرٌّ قبله». ومثله لو قال لعبده: «إن كاتبتك غدًا فأنت اليوم حرٌّ» ثم كاتَبَه من الغد. ومثله لو قال لمكاتَبه: «إن عجَّزتُك عن كتابتك فأنت حرٌّ قبله».\nومثله لو قال: «متى زنيتَ أو سرقتَ أو وجب عليك حدٌّ وأنت مملوك فأنت حرٌّ قبله» ثم وجد الوصف= وجب الحد ولم يقع العتق المعلَّق به؛ إذ لو وقع لم توجد الصفة، فلم يصح، وكان مستلزمًا لعدم وقوعه.\nومثله أن يقول له: «متى جنيتَ جناية وأنت مملوكي فأنت حرٌّ قبله» ثم جَنَى لم يعتق.\n_________\n(^١) ك: «لم يمنع».\n(^٢) ك: «لم يصادق».\n(^٣) ك: «للتدبير».\n(^٤) ك: «وقع».","vol":"4","page":186},{"text":"ومثله لو قال: «متى بعتك وتمَّ البيع فأنت حرٌّ قبله» (^١) ثم باعه، فعلى قول المزني يصح البيع ولا يقع العتق؛ لأن وقوعه مستلزمٌ عدم وقوعه، وعلى قول ابن سُريج لا يصح البيع؛ لأنه (^٢) يعتق قبله، وعتقه يمنع صحة بيعه.\nومثله لو قال لأمته: «إن صلَّيتِ ركعتين مكشوفة الرأس فأنتِ حرَّة قبل ذلك» فصلَّت مكشوفة الرأس، فعلى (^٣) قول المزني تصح الصلاة دون العتق، وعلى قول ابن سُريج لا تصح الصلاة لأنها لو صحت عتقت [٨٦/ب] قبل ذلك، وإذا عتقت بطلت صلاتها، وكانت صحة صلاتها مستلزمةً لبطلانها.\nومنها: لو زوَّج أمته بحرٍّ، وادعى عليه مهرها قبل الدخول، وادعى الزوج الإعسار، وادعى سيد الأَمة يساره قبل نكاح الأمة بميراث أو غيره= لم تُسمع دعواه؛ إذ لو ثبتت دعواه لبطل النكاح؛ لأنه لا يصح نكاح الأمة مع وجود الطَّول، وإذا بطل النكاح بطل دعوى المهر.\nوكذلك لو تزوج بأمة فادَّعت أن الزوج عنِّين لم تُسمع دعواها؛ إذ لو ثبتت دعواها لزال (^٤) خوف العَنَت الذي هو شرط في نكاح الأمة، وذلك يبطل النكاح، وبطلانه يوجب بطلان الدعوى منها، فلما كانت صحة دعواها تؤدِّي إلى إفسادها أفسدناها.\n_________\n(^١) «ثم جنى ... قبله» ساقطة من ك.\n(^٢) «لأنه» ليست في ك.\n(^٣) ك: «نعلم»، تحريف.\n(^٤) ز: «لزوال» خطأ.","vol":"4","page":187},{"text":"وكذلك المرأة إذا ادَّعت على سيد زوجها أنه باعه إياها بمهرها قبل الدخول لم تصح دعواها؛ لأنها لو صحت لسقط نصف (^١) المهر وبطل البيع في العبد.\nوكذلك لو شهد شاهدان على عتق عبد فحكم بعتقه، ثم ادعى العبد بعد الحكم بحريته على أحد الشاهدين أنه مملوكه= لم تُسمع دعواه؛ لأن تحقيقها يؤدّي إلى بطلان الشهادة على العتق، فتبطل دعوى ملكه للشاهد.\nوكذلك لو سُبِي مراهقٌ من أهل الحرب ولم يعلم بلوغه، فأنكر البلوغ= لم يُستحلف؛ لأن إحلافه يؤدّي إلى إبطال استحلافه، فإنا لو حلّفناه لحكمنا بصغره، والحكم بالصغر يمنع الاستحلاف.\nونظيره: لو ادعى على امرئ (^٢) مراهق ما يوجب القصاص أو قذفًا يوجب الحد أو مالًا من مبايعة أو ضمان أو غير ذلك (^٣)، وادعى أنه بالغ، وأنه يلزمه الحكم بذلك فأنكر الغلام ذلك= فالقول قوله، ولا يمينَ عليه؛ إذ لو حلَّفناه لحكمنا بصغره، والحكم بالصغر يُسقط اليمين عنه، وإذا لم يكن هنا يمينٌ لم يكن ردُّ يمين؛ لأن ردَّ اليمين إنما يكون عند نكول من هو من أهلها.\nوكذلك لو أعتق المريض جارية له قيمتها مائة، وتزوَّج بها في مرض موته،\n_________\n(^١) «نصف» ليست في ك.\n(^٢) في النسختين ز، د: «امر». وفي ك: «ام». ولعل الصواب ما أثبته. وحُذفت الكلمة من المطبوع.\n(^٣) ز: «غيره».","vol":"4","page":188},{"text":"ومهرها مائة، وترك مائتي درهم= فالنكاح صحيح، ولا مهرَ لها، ولا ميراثَ. أما الميراث فلأنها لو ورثت (^١) لبطلت الوصية بعتقها؛ لأن العتق في المرض وصية، وفي بطلان الوصية بطلان الحرية، وفيه بطلان الميراث. وأما سقوط المهر فلأنه لو ثبت لركب السيدَ دينٌ، ولم تخرج قيمتها من الثلث، فيبطل عتقها كلها، فلم يكن للزوج أن ينكحها وبعضها رقيق، فيبطل المهر، فكان ثبوت المهر مؤدّيًا إلى بطلانه. فالحكم بإبطالها مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]، فعيَّر سبحانه من نقض شيئًا بعد أن أثبته؛ فدلَّ على أن (^٢) كل ما كان إثباته مؤديًا إلى نفيه وإبطاله كان باطلًا. فهذا ما احتج به المسرِّجون (^٣).\nقال الآخرون (^٤): لقد أطلتم الخَطْب في هذه المسألة، ولم تأتوا بطائل، وقلتم ولكن (^٥) تركتم مقالًا لقائل، وتأبى قواعد اللغة والشرع (^٦) والعقل لهذه المسائل تصحيحًا، والميزان العادل لها عند الوزن ترجيحًا، وهيهات أن تكون شريعتنا في هذه المسألة مشابهة لشريعة (^٧) أهل الكتاب؛ إذ\n_________\n(^١) ك: «لورثت».\n(^٢) ز، ك: «أنه».\n(^٣) كذا في النسختين، وهو صواب، والمعنى: أتباع ابن سُرَيج. وفي المطبوع: «السُّريجيون».\n(^٤) أي المانعون للتعليق.\n(^٥) ك: «ولكنكم».\n(^٦) ك: «الشرع واللغة».\n(^٧) ز، ك: «لشرع».","vol":"4","page":189},{"text":"يستحيل وقوع الطلاق وسُدَّ دونه الأبواب. [٨٧/أ] وهل هذا إلا تغييرٌ لما عُلِم (^١) بالضرورة من الشريعة، وإلزامٌ لها بالأقوال الشنيعة؟ وهذا أشنعُ مِن سدِّ باب (^٢) النكاح بتصحيح تعليق الطلاق لكل من تزوَّجها في مدة عمره؛ فإنه وإن كان نظيرَ سدِّ باب الطلاق، لكن قد ذهب إليه بعض السلف، وأما هذه المسألة فمما (^٣) حدث في الإسلام بعد انقراض الأعصار المفضَّلة.\nونحن نبيِّن مناقضة هذه المسألة للشرع واللغة والعقل، ثم نجيب عن شُبَهِكم شبهة شبهة.\nأما مناقضتها للشرع فإن الله سبحانه شرع للأزواج - إذا أرادوا استبدال زوجٍ مكانَ زوج والتخلُّص (^٤) من المرأة - الطلاقَ، وجعله بحكمته ثلاثًا توسعةً على الزوج (^٥)؛ إذ لعله يبدو له ويندم (^٦) فيراجعها، وهذا من تمام حكمته ورأفته ورحمته بهذه الأمة، ولم يجعل أنكحتهم كأنكحة النصارى تكون المرأة غُلًّا في عنق الزوج إلى الموت. ولا يخفى ما بين الشريعتين من التفاوت، وأن هذه المسألة منافية لإحداهما منافاةً ظاهرة، ومشتقة من الأخرى اشتقاقًا ظاهرًا، ويكفي هذا الوجه وحده في إبطالها.\nوأما مناقضتها للغة فإنها تضمَّنت كلامًا ينقض بعضه بعضًا، ومضمونه:\n_________\n(^١) في النسخ الثلاث: «علم الله».\n(^٢) ك: «باب سد».\n(^٣) ك: «فيما».\n(^٤) د، ك: «أو التخلص».\n(^٥) د: «للزوج».\n(^٦) «ديندم» ساقطة من ك.","vol":"4","page":190},{"text":"إذا وُجِد الشيء لم يوجد، وإذا وُجِد الشيء اليوم فهو موجود قبل اليوم، أو إذا (^١) فعلتُ الشيء اليوم فقد وقع مني قبل اليوم، ونحو هذا من الكلام المتناقض في نفسه الذي هو إلى المحال أقرب منه إلى الصحيح من المقال.\nوأما مناقضتها لقضايا العقول فلأن الشرط يستحيل أن يتأخَّر وجوده عن وجود المشروط، ويتقدم المشروط عليه في الوجود، هذا مما لا يُعقل عند أحد من العقلاء؛ فإن رتبة الشرط التقدُّم أو المقارنة، والفقهاء وسائر العقلاء معهم مجمعون على ذلك؛ فلو صح تعليق المشروط بشرط متأخر بعده لكان ذلك إخراجًا له عن كونه شرطًا أو جزءَ شرطٍ أو علةً أو سببًا؛ فإن الحكم لا يسبق شرطَه ولا سببَه ولا علّته؛ إذ في ذلك إخراج الشروط والأسباب والعلل عن حقائقها وأحكامها. ولو جاز تقديم الحكم على شرطه لجاز تقديم وقوع الطلاق على إيقاعه؛ فإن الإيقاع سبب، والأسباب تتقدم مسبَّباتِها، كما أن الشروط رتبتُها التقدّم؛ فإذا جاز إخراج هذا عن رتبته جاز إخراج الآخر عن رتبته، فجوَّزوا حينئذٍ تقدُّمَ الطلاق على التطليق، والعتق على الإعتاق، والمِلك على البيع، وحِلّ المنكوحة على عقد النكاح. وهل هذا في الشرعيات إلا بمنزلة تقدُّم الانكسار على الكسر، والسيل على المطر، والشِّبع على الأكل، والولد على الوطء، وأمثال ذلك؟ ولا سيما على أصلِ من يجعل هذه العلل والأسباب علاماتٍ محضة لا تأثيرَ لها، بل هي معرِّفات، والمعرِّف يجوز تأخُّره عن المعرَّف.\nوبهذا يخرج الجواب عن قولكم: «إن الشروط الشرعية معرِّفات\n_________\n(^١) ك: «وإذا».","vol":"4","page":191},{"text":"وأمارات وعلامات، والعلامة يجوز تأخُّرها»؛ فإن هذا وهم وإيهام من وجهين:\nأحدهما: أن الفقهاء [٨٧/ب] مجمعون على أن الشرائط الشرعية لا يجوز تأخُّرها عن المشروط، ولو تأخَّرت لم تكن شروطًا (^١).\nالثاني: أن هذا شرط لغوي، كقوله: «إن كلَّمتُ زيدًا فأنتِ طالق» ونحو ذلك (^٢)، و«إن خرجتِ بغير إذني فأنتِ طالق» ونحو ذلك، والشروط اللغوية أسباب وعلل مقتضية لأحكامها اقتضاءَ المسبَّبات لأسبابها. ألا ترى أن قوله: «إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق» سبب ومسبَّب ومؤثِّر وأثر، ولهذا يقع جوابًا عن العلة، فإذا قال: «لِمَ طلقها؟ (^٣)» قال: لوجود الشرط الذي علَّقتُ عليه الطلاق، فلولا أن وجوده مؤثّر في الإيقاع لما صح هذا الجواب. ولهذا يصح أن يخرجه بصيغة القسم فيقول: «الطلاق يلزمني لا تدخلين الدار»؛ فيجعل إلزامه للطلاق في المستقبل مسببًا عن دخولها الدارَ بالقسم والشرط.\nوقد غلِطَ في هذا طائفة من الناس حيث قسموا الشرطَ إلى شرعي ولغوي (^٤) وعقلي، ثم حكموا عليه بحكم شامل فقالوا: الشرط يجب تقديمه على المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط، ويلزم من انتفائه انتفاء المشروط، كالطهارة للصلاة والحياة للعلم. ثم أوردوا على\n_________\n(^١) ك: «لم يكن شرطًا».\n(^٢) «ونحو ذلك» ليست في ز.\n(^٣) د: «لم أطلقها».\n(^٤) ك: «لغوي وشرعي».","vol":"4","page":192},{"text":"نفوسهم الشرط اللغوي؛ فإنه يلزم من وجوده وجود المشروط، ولا يلزم من انتفائه انتفاؤه؛ لجواز وقوعه بسبب آخر، ولم يُجيبوا (^١) عن هذا الإيراد بطائل.\nوالتحقيق أن الشروط اللغوية أسباب عقلية، والسبب إذا تمَّ لزم من وجوده وجود مسبَّبِه، وإذا انتفى لم يلزم نفي السبب (^٢) مطلقًا؛ لجواز خلف (^٣) سببٍ آخر، بل يلزم انتفاء السبب المعيَّن عن هذا المسبَّب (^٤).\nوأما قولكم: «إنه صدر من هذا الزوج طلاقانِ منجَّز ومعلَّق، والمحلُّ قابل لهما»، فجوابه بالمنع، فإن المحلّ ليس بقابل للمعلَّق؛ فإنه يتضمن المحال، والمحلّ لا يقبل المُحال، نعم هو قابل للمنجَّز وحده، فلا مانع من وقوعه. وكيف تصح دعواكم أن المحلَّ قابل للمعلَّق، ومُنازعكم إنما نازعكم فيه، وقال: ليس المحلُّ بقابلٍ للمعلَّق؟ فجعلتم نفس الدعوى مقدمةً في الدليل.\nوقولكم: «إن الزوج ممن يملك التنجيز والتعليق»، جوابه أنه إنما ملكَ (^٥) التعليق الممكن، فأما التعليق المستحيل فلم يملكه شرعًا ولا عرفًا ولا عادةً.\n_________\n(^١) ك: «ولم يخرجوا».\n(^٢) كذا في النسختين، والمعنى: إذا انتفى وجودُ المسبَّب لم يلزم نفي السَّبب مطلقًا. وفي المطبوع: «المسبب».\n(^٣) «خلف» ساقطة من ك.\n(^٤) ك: «السبب».\n(^٥) ز: «يملك». والمثبت من د، ك.","vol":"4","page":193},{"text":"وقولكم: «لا مزيةَ لأحدهما على الآخر» باطل، بل المزية كل المزية لأحدهما على الآخر (^١)؛ فإن المنجَّز له مزية الإمكان في نفسه، والمعلَّق له مزية الاستحالة والامتناع، فلم يتمانعا ولم يتساقطا، فلم يمنع من وقوع المنجَّز مانعٌ.\nوقولكم: «إنه نظيرُ ما لو تزوَّج أختين (^٢) في عقد»، جوابه أنه تنظير باطل؛ فإنه ليس نكاح إحداهما شرطًا في نكاح الأخرى، بخلاف مسألتنا، فإن المنجَّز شرط في وقوع المعلَّق، وذلك عين المحال.\nوقولكم: «إنه لا مزيةَ لأحد الطلاقين على الآخر» باطل، بل للمنجَّز مزية من عدة أوجه:\nأحدها: قوة التنجيز على التعليق.\nالثاني: أن التنجيز لا خلافَ في وقوع الطلاق به، وأما التعليق ففيه نزاع مشهور بين الفقهاء. والموقعون لم يقيموا على المانعين حجةً توجب المصير [٨٩/أ] إليها، مع تناقضهم فيما يقبل التعليق وما لا يقبله، فمنازعوهم يقولون: الطلاق لا يقبل التعليق كما قلتم أنتم في الإسقاط والوقف والنكاح والبيع، ولم يفرِّق هؤلاء بفرق صحيح، وليس الغرض ذكر تناقضهم، بل الغرض أن للمنجَّز مزية على المعلَّق.\nالثالث: أن المشروط هو المقصود لذاته، والشرط تابع ووسيلة.\nالرابع: أن المنجَّز لا مانع من وقوعه لأهلية الفاعل وقبول المحلّ،\n_________\n(^١) «باطل ... الآخر» ساقطة من ك بسبب انتقال النظر.\n(^٢) «أختين» ساقطة من ك.","vol":"4","page":194},{"text":"والتعليق المحال لا يصلح أن يكون مانعًا من اقتضاء السبب الصحيح أثره.\nالخامس: أن صحة التعليق فرع على مِلك التنجيز، فإذا انتفى ملكه للمنجَّز في هذه المسألة انتفى صحة التعليق، فصحة التعليق تمنع من صحته، وهذه معارضة صحيحة في أصل المسألة فتأمّلْها.\nالسادس: أنه لو قال في مرضه: «إذا أعتقتُ سالمًا فغانمٌ حرٌّ» ثم أعتق سالمًا ولا يخرجان من الثلث، قدِّم عتق المنجَّز على المعلَّق لقوته.\nيوضحه الوجه السابع (^١): أنه لو قال لغيره: «ادخلِ الدار فإذا دخلتَ أخرجتُك» وهو نظيره في القوة؛ فإذا دخل لم يمكنه إخراجه. وهذا المثال وِزَانُ مسألتنا، فإن المعلَّق هو الإخراج والمنجَّز هو الدخول.\nالثامن: أن المنجَّز في حيِّز (^٢) الإمكان، والمعلَّق قد قارنه ما جعله مستحيلًا.\nالتاسع: أن (^٣) وقوع المنجَّز يتوقف على أمر واحد وهو التكلم باللفظ اختيارًا، ووقوع المعلَّق يتوقَّف على التكلمُّ باللفظ ووجودِ الشرط، وما توقف على شيء واحد أقربُ وجودًا مما توقَّف على أمرين.\nالعاشر: أن وقوع المنجَّز (^٤) موافق لتصرف الشارع وملك المالك، ووقوع المعلَّق بخلافه؛ لأن الزوج لم يُملِّكه الشارع ذلك.\n_________\n(^١) «السابع» ليست في ك.\n(^٢) ك: «حين».\n(^٣) «أن» ليست في ك.\n(^٤) «مما توقف ... المنجز» ساقطة من ك.","vol":"4","page":195},{"text":"فهذه عشرة أوجه تدلُّ على مزية المنجَّز وتُبطِل قولكم إنه لا مزيةَ له، والله أعلم.\nفصل\nوأما سائر الصور التي ذكرتموها من صور الدور التي يُفضِي ثبوتها إلى إبطالها، فمنها ما هو ممنوع الحكم لا يسلِّمه لكم منازعكم، وإنما هي مسائل مذهبية يُحتجُّ لها لا يُحتجُّ بها، وهم يفكُّون الدور تارة بوقوع الحكمين معًا وعدم إبطال أحدهما للآخر ويجعلونهما معلولَي علةٍ واحدة ولا دورَ، وتارة يسبق أحد الحكمين للآخر سبْقَ السبب لمسبَّبه ثم يرتَّب (^١) الآخر عليه.\nومنها ما هو مسلَّم الحكم، وثبوت الشيء فيه يقتضي إبطاله، ولكن هذا حجة لهم في إبطال هذا التعليق؛ فإنه لو صح لأفضى ثبوته إلى بطلانه، فإنه لو صح لزم منه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وسبقُها بثلاث يمنع وقوعها، فبطل التعليق من أصله للزوم المحال؛ فهذه الصور التي استشهدتم بها من أقوى حججهم عليكم (^٢) على بطلان التعليق.\nوأدلتكم في هذه المسألة نوعان: أدلة صحيحة وهي إنما تقتضي بطلان التعليق.\nوأما الأدلة التي تقتضي بطلان المنجَّز فليس منها دليل صحيح؛ فإنه طلاق صدَرَ من أهله في محلِّه؛ فوجب الحكم بوقوعه؛ أما أهلية المطلِّق\n_________\n(^١) ك: «ترتب».\n(^٢) «عليكم» ليست في د.","vol":"4","page":196},{"text":"فلأنه زوج مكلَّف مختار، وأما محلية المطلقة فلأنها زوجة والنكاح صحيح، فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وفي سائر نصوص الطلاق؛ [٨٩/ب] إذ لو لم يلحقها طلاق لزم واحد من ثلاثة، وكلها منتفية: إما عدم أهلية المطلِّق، وإما عدم قبول المحلّ، وإما قيام مانعٍ يمنع من نفوذ الطلاق، والمانع مفقود؛ إذ ليس مع مدعي قيامه إلا التعليق المحال الباطل شرعًا وعقلًا، وذلك لا يصلح أن يكون مانعًا.\nيوضحه أن المانع من اقتضاء السبب لمسبَّبه إنما هو وصف ثابت يعارض سببيتَه فيوقفها (^١) عن اقتضائها (^٢)، فأما المستحيل فلا يصح أن يكون مانعًا معارضًا للوصف الثابت، وهذا في غاية الوضوح، ولله الحمد.\nفصل\nقال المسرّجون: لقد ارتقيتم مُرتقًى صعبًا، وأسأتم الظنّ بمن قال بهذه المسألة وهم أئمة علماء لا يُشَقُّ غبارهم، ولا تُغمَز قناتُهم، كيف وقد أخذوها من نصّ الشافعي - ﵀ -، وبنوها على أصوله، ونظَّروا لها النظائر، وأتوا لها بالشواهد؟ فنص الشافعي (^٣) على أنه إذا قال: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر» ثم مات لأكثر من شهر بعد هذا التعليق؛ وقع الطلاق قبل موته بشهر. وهذا إيقاع طلاق في زمن ماضٍ سابقٍ لوجود الشرط وهو موته، فإذا وُجد الشرط تبينَّا وقوعَ الطلاق قبله. وإيضاح ذلك بإخراج الكلام مُخرَجَ\n_________\n(^١) ك: «فيوقعها»، تحريف.\n(^٢) ك: «امضائها».\n(^٣) انظر: «الأم» (٦/ ٦٤٧).","vol":"4","page":197},{"text":"الشرط، كقوله: «إن متُّ ــ أو إذا متُّ ــ فأنتِ طالق قبل موتي بشهر»، ونحن نُلزِمكم بهذه المسألة على هذا الأصل، فإنكم موافقون عليه، وكذا قوله قبل دخوله: «أنتِ طالق طلقةً قبلها طلقة» فإنه يقع بها طلقتان، وإحداهما وقعت في زمن ماضٍ سابق على التطليق.\nوبهذا خرج الجواب عن قوله: «إن الوقوع كما لم يسبق الإيقاع فلا يسبق الطلاق التطليق، فكذا لا يسبق شرطه، فإن الحكم لا يتقدم عليه، ويجوز تقدُّمه (^١) على شرطه وأحدِ سبَبَيْه أو أسبابِه»، فإن الشرط معرِّف محض، ولا يمتنع تقديم المعرَّف عليه. وأما تقديمه على أحد سببيه فكتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين، وتقديمِ الزكاة على الحول بعد ملك النصاب، وتقديم الكفارة على الجرح قبل الزهوق، ونظائره.\nوأما قولكم: «إن الشرط يجب تقدُّمه على المشروط» فممنوع، بل مقتضى الشرط توقُّفُ المشروط على وجوده، وأنه لا يوجد بدونه، وليس مقتضاه تأخُّر المشروط عنه، وهذا يتعلق باللغة والشرع والعقل، ولا سبيلَ لكم إلى نص عن أهل اللغة في ذلك ولا إلى دليل شرعي ولا عقلي، فدعواه غير مسموعة. ونحن لا ننكر أن من الشروط ما يتقدم مشروطه، ولكن دعوى أن ذلك حقيقة الشرط وأنه إن لم يتقدم خرج عن أن يكون شرطًا دعوى لا دليلَ عليها، وحتى لو جاء عن أهل اللغة ذلك لم يلزم مثلُه في الأحكام الشرعية؛ لأن الشروط في كلامهم تتعلق بالأفعال، كقوله: «إن زرتَني أكرمتُك» و«إذا طلعت الشمسُ جئتُك»، فيقتضي الشرط ارتباطًا بين الأول والثاني، فلا يتقدّم المتأخر ولا يتأخّر المتقدم. وأما الأحكام فتقبل التقدُّم\n_________\n(^١) ز، ك: «تقديمه».","vol":"4","page":198},{"text":"والتأخُّر والانتقال، كما لو قال: «إذا متُّ فأنتِ طالق قبل موتي بشهر»، ومعلوم أنه لو قال مثل هذا [٩٠/أ] في الحسيات كان محالًا، فلو قال: «إذا زرتَني أكرمتُك قبل أن تزورني بشهر» كان محالًا، إلا أن يحمل كلامه على معنى صحيح، وهو إذا أردتَ أو عزمتَ على زيارتي أكرمتُك قبلها.\nوسرُّ المسألة أن نقل الحقائق عن مواضعها ممتنع، والأحكام قابلة للنقل والتحويل والتقديم والتأخير، ولهذا لو قال: «أعتِقْ عبدَك عنّي» ففعل؛ وقع (^١) العتق عن القائل، وجعل الملك متقدمًا على العتق حكمًا، وإن لم يتقدم عليه حقيقة.\nوقولكم: «يلزمنا تجويز تقديم الطلاق على التطليق» فذلك غير لازم؛ فإنه إنما يقع بإيقاعه؛ فلا يسبِقُ إيقاعَه، بخلاف الشرط، فإنه لا يوجب وجودَ المشروط، وإنما يرتبط به، والارتباط أعمُّ من السابق والمقارن (^٢) والمتأخر، والأعم لا يستلزم الأخصَّ.\nونكتة الفرق أن الإيقاع موجب للوقوع؛ فلا يجوز أن يسبقه أثره وموجبه، والشرط علامة على المشروط؛ فيجوز أن يكون قبله وبعده، فوِزانُ الشرط وِزانُ الدليل، ووِزانُ الإيقاع وِزانُ العلة، فافترقا.\nوأما قولكم: «إن هذا التعليق يتضمَّن المحال إلى آخره»، فجوابه أن هذا التعليق تضمَّن شرطًا ومشروطًا، وقد تُعقد القضية الشرطية في ذلك للوقوع، وقد تُعقد للإبطال؛ فلا يوجد فيها الشرط ولا الجزاء، بل تعليق (^٣) ممتنع\n_________\n(^١) ك: «فقد وقع».\n(^٢) ك: «المقارب».\n(^٣) ك: «تعلق».","vol":"4","page":199},{"text":"بممتنع، فتصدق الشرطية وإن انتفى كل من (^١) جزأيها، كما نقول: «لو كان مع الله إله آخر لفسد العالم»، وكما في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، ومعلوم أنه لم يقله ولم يعلمه الله، وهكذا قوله: «إن وقع عليكِ طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» قضية عُقدت لامتناع وقوع طرفيها، وهما المنجّز والمعلّق.\nثم نذكر في ذلك قياسًا حرَّره الشيخ أبو إسحاق (^٢) رحمه الله تعالى، فقال: طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر؛ فوجب أن ينفي السابق منهما المتأخر. نظيره أن يقول لامرأته: إن قدم زيد فأنتِ طالق ثلاثًا، وإن قدم عمرو فأنت طالق طلقة، فقدم زيد بكرةً، وعمرو عشيةً. ونكتة المسألة أنا لو أوقعنا الطلاق المباشر لزمنا أن نوقع قبله ثلاثًا، ولو أوقعنا قبله ثلاثًا لامتنع وقوعه في نفسه؛ فقد أدى الحكم بوقوعه إلى الحكم بعدم وقوعه، فلا يقع.\nوقولكم: «إن هذه اليمين تُفضي إلى سدّ باب (^٣) الطلاق، وذلك تغيير للشرع، فإن الله ملَّك الزوجَ الطلاقَ رحمةً به ... إلى آخره»، جوابه أن هذا ليس فيه تغيير للشرع، وإنما هو إتيان بالسبب الذي ضيّق به على نفسه ما وسَّعه الله عليه، وهو هذه اليمين، وهذا ليس تغييرًا للشرع.\nألا ترى أن الله سبحانه وسَّع عليه أمر الطلاق فجعله واحدة بعد واحدة ثلاث مرات لئلا يندم، فإذا ضيَّق على نفسه وأوقعها بفم واحد حصرَ نفسه\n_________\n(^١) «من» ليست في ك.\n(^٢) الشيرازي في كتابه «المهذب» ().\n(^٣) ك: «باب سد».","vol":"4","page":200},{"text":"وضيَّق عليها، ومنعها ما كان حلالًا لها، وربما لم يبقَ له سبيل إلى عودها إليه. وكذلك جعل الله سبحانه الطلاق إلى الرجال، ولم يجعل للنساء فيه حظًّا؛ لنقصان عقولهن وأديانهن، [٩٠/ب] فلو جعله إليهن لكان فيه فساد كبير (^١) تأباه حكمة الرب تعالى ورحمته بعباده (^٢)، فكانت المرأة لا تشاء أن تستبدل بالزوج إلا استبدلت به، بخلاف الرجال؛ فإنهم أكمل عقولًا وأثبتُ، فلا يستبدل بالزوجة إلا إذا عِيلَ صبرُه. ثم إن الزوج قد يجعل طلاق امرأته بيدها، بأن يملِّكها ذلك أو يحلف عليها أن لا تفعل كذا، فتختار طلاقه متى شاءت، ويبقى الطلاق بيدها، وليس في هذا تغيير للشرع؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه هذا الحرج بيمينه وتمليكه.\nونظير هذا ما قاله فقهاء الكوفة قديمًا وحديثًا: أنه لو قال: «كل امرأة أتزوجها فهي طالق» لم يمكنه أن يتزوج بعد ذلك امرأة، حتى قيل: إن أهل الكوفة أطبقوا على هذا القول، ولم يكن في ذلك تغيير للشريعة؛ فإنه هو الذي ضيَّق على نفسه ما وسَّع الله عليه.\nونظير هذا لو قال: «كل عبد أو أمة أملكهما فهما حران» لم يكن له سبيل بعد هذا إلى ملك رقيقٍ أصلًا، وليس في هذا تغيير للشرع، بل هو المضيِّق على نفسه، والضيق والحرج الذي يُدخِله المكلَّف على نفسه لا يلزم أن يكون الشارع (^٣) قد شرعه له، وإن ألزمه به بعد أن ألزم نفسه. ألا ترى أن من كان معه ألف دينار فاشترى بها جارية فأولدها ثم ساءت\n_________\n(^١) ك: «كثير».\n(^٢) ك: «لعباده».\n(^٣) ك: «يلزم الشارع أن يكون».","vol":"4","page":201},{"text":"العشرة بينهما لم يبقَ له طريق إلى الاستبدال بها، وعليه ضرر في إعتاقها أو تزويجها (^١) أو إمساكها، ولا بدَّ له من أحدها.\nثم نقول في معارضة ما ذكرتم: قد يكون في هذه اليمين مصلحة له وغرض صحيح، بأن يكون محبًّا لزوجته شديد الإلف لها، وهو مشفق من أن ينزغ الشيطان بينهما فيقع منه طلاقها من غضبة أو موجدة، أو يحلف يمينًا بالطلاق أو يُبلى بمن يستحلفه بالطلاق ويُضطرّ (^٢) إلى الحنث، أو يُبلى بظالم يُكرهه على الطلاق ويرفعه إلى حاكم ينفذه، أو يُبلى بشاهدَيْ زور يشهدان عليه بالطلاق، وفي ذلك ضرر عظيم (^٣) به، وكان من محاسن الشريعة أن يُجعل له طريقٌ إلى الأمن من ذلك كله، ولا طريقَ أحسن من هذه؛ فما يُنكر من محاسن هذه الشريعة الكاملة أن تأتي بمثل ذلك، ونحن لا ننكر أن في ذلك نوع ضرر عليه، لكن رأى احتماله لدفع ضرر الفراق الذي هو أعظم من ضرر البقاء، وما يُنكَر في الشريعة من دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما؟\nفصل\nقال الموقعون: لقد دعوتم الشُّبَه الجَفَلَى (^٤) إلى وليمة هذه المسألة، فلم تَدَعوا منها داعيًا ولا مجيبًا، واجتهدتم في تقريرها ظانّين إصابة\n_________\n(^١) ك: «تزوجها».\n(^٢) ك: «واضطر».\n(^٣) «عظيم» ليست في ز، ك.\n(^٤) الجفلى: الدعوة العامة للناس دون تخصيص أحد، شَبَّه بها مجموعة الشبهات دون تمييز.","vol":"4","page":202},{"text":"الاجتهاد، وليس كل مجتهد مصيبًا، ونثرتم عليها ما لا يصلح مثله للنِّثار (^١)، وزيَّنتموها بأنواع الحُلِيّ، ولكنه حلي مستعار؛ فإذا استُرِدَّت العارة (^٢) زال الالتباس والاشتباه، وهناك تَسمع بالمُعَيدي خيرٌ من أن تراه (^٣).\nفأما قولكم: «إنا ارتقينا مُرتقًى صعبًا، وأسأنا الظنَّ بمن قال بهذه (^٤) المسألة»، فإن أردتم بإساءة الظن بهم تأثيمًا أو تبديعًا فمعاذَ الله، بل أنتم أسأتم بنا (^٥) الظن. وإن أردتم بإساءة الظن أنا لم نصوِّبهم في هذه المسألة، ورأينا الصواب [٩١/أ] في خلافهم فيها؛ فهذا قدر مشترك بيننا وبينكم في كل ما تنازعنا فيه، بل سائر المتنازعين بهذه المثابة، وقد صرح الأئمة الأربعة بأن الحق في واحد من الأقوال المختلفة، وليست كلها صوابًا.\nوأما قولكم: «إن هذه المسألة مأخوذة من نص الشافعي»، فجوابه من وجهين:\nأحدهما: أنها لو كانت منصوصة له فقوله بمنزلة قول غيره من الأئمة يُحتَجُّ له ولا يُحتجُّ به، وقد نازعه الجمهور فيها، والحجة تَفصِل بين المتنازعين.\nالثاني: أن الشافعي - ﵁ - لم ينصَّ عليها ولا على ما يستلزمها. وغاية ما ذكرتم نصه على صحة قوله: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر»، فإذا مات\n_________\n(^١) ما يُنثَر في حفلات السرور من حلوى أو نقود.\n(^٢) أي العارية.\n(^٣) يضرب مثلًا للذي رؤيته دون السماع به.\n(^٤) ك: «هذه».\n(^٥) «بنا» ليست في ك.","vol":"4","page":203},{"text":"لأكثر من شهر من وقت هذا التعليق تبينَّا وقوع الطلاق.\nوهذا قد (^١) وافقه عليه من يُبطِل هذه المسألة، وليس فيه (^٢) ما يدل على صحة هذه المسألة ولا هو نظيرها، وليس فيه سبق الطلاق لشرطه، ولا هو متضمن للمحال؛ إذ (^٣) حقيقته إذا بقي من حياتي شهر فأنت طالق. وهذا الكلام معقول غير متناقض ليس فيه تقديم الطلاق على زمن التطليق ولا على شرط وقوعه.\nوإنما نظير المسألة المتنازع فيها أن يقول: «إذا متُّ فأنتِ طالق قبل موتي بشهر»، وهذا المحال بعينه، وهو نظير قوله: «إذا وقع عليك طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» أو يقول: «أنتِ طالق عام الأول»، فمسألة الشافعي شيء ومسألة ابن سُريج شيء. ويدل عليه أن الشافعي إنما أوقع عليه الطلاق إذا مات لأكثر من شهر من حين التعليق؛ فلو مات عقيبَ اليمين لم تطلَّق، وكانت (^٤) بمنزلة قوله: «أنت طالق في الشهر الماضي» وبمنزلة قوله: «أنتِ طالق قبل أن أنكحك»، فإن كلا الوقتين ليس بقابلٍ للطلاق؛ لأنها في أحدهما لم تكن محلًّا، وفي الثاني لم تكن فيه طالقًا قطعًا. فقوله: «أنتِ طالق في وقت قد مضى» ولم تكن فيه طالقًا إما إخبار كاذب أو إنشاء (^٥) باطل. وقد قيل: يقع عليه الطلاق ويلغو قوله: «أمسِ»، لأنه أتى بلفظ الطلاق\n_________\n(^١) «قد» ليست في د.\n(^٢) ك: «فيها».\n(^٣) ك: «إن» تحريف.\n(^٤) ك: «وكان».\n(^٥) ك: «وإنشاء».","vol":"4","page":204},{"text":"ثم وصل به ما يمنع وقوعه أو يرفعه، فلا يصلح ويقع لغوًا.\nوكذلك قوله: «أنتِ طالق طلقةً قبلها طلقة» ليس فيه إيقاع الطلقة (^١) الموصوفة بالقبلية في الزمن الماضي ولا تقدُّمها على الإيقاع، وإنما فيه إيقاع طلقتين إحداهما قبل الأخرى؛ فمن ضرورة قوله: «قبلها طلقة» إيقاعُ هذه السابقة أولًا ثم إيقاع الثانية بعدها؛ فالطلقتان إنما وقعتا بقوله: «أنت طالق»، لم تتقدم إحداهما على زمن الإيقاع، وإن تقدمت على الأخرى تقديرًا، فأين هذا من التعليق المستحيل؟\nفإن أبيتم وقلتم: قد وصف الطلقة المنجَّزة بتقدُّمِ مثلها عليها، والسبب هو قوله أنت طالق؛ فقد تقدم وقوع الطلقة المعلَّقة بالقبلية على المنجَّزة، ولما كان هذا نكاح (^٢) صحّ. وهكذا قوله: «إذا وقع عليك طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثا» أكثر ما فيه تقدم الطلاق السابق على المنجَّز، ولكن المحلّ لا يحتملهما (^٣)؛ فتدافعا وبقيت الزوجة [٩١/ب] بحالها، ولهذا لو قال: «إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله واحدةً» صحّ لاحتمال المحلّ لهما.\nفالجواب أنه أوقع (^٤) طلقتين واحدة قبل واحدة، ولم تسبق إحداهما إيقاعَه، ولم يتقدم شرطُ الإيقاع؛ فلا محذورَ، وهو كما لو قال: «بعدها طلقةً» أو «معها طلقة» وكأنه قال: «أنت طالق طلقتين معًا، أو واحدة بعد واحدة» ويلزم من تأخُّر واحدة عن الأخرى سبقُ إحداهما للأخرى، فلا\n_________\n(^١) ك: «للطلقة».\n(^٢) كذا في النسخ الثلاث مرفوعًا.\n(^٣) ز، ك: «لا يحتملها».\n(^٤) ك: «وقع».","vol":"4","page":205},{"text":"إحالة. أما وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فهو محال، وقصده باطل، والتعبير عنه إن كان خبرًا فهو كذب، وإن كان إنشاءً فهو منكر؛ فالتكلم به منكر من القول وزور في إخباره، منكر في إنشائه.\nوأما كون المعلق تمامَ الثلاث فهاهنا لمنازعيكم قولان تقدم حكايتهما، وهما وجهان في مذهب أحمد والشافعي - ﵄ -:\nأحدهما: يصح هذا التعليق ويقع المنجّز والمعلّق، وتصير المسألة على وِزان ما نصَّ عليه الشافعي (^١) من قوله: «إذا مات زيد فأنتِ طالق قبله بشهر» فمات بعد شهر (^٢)، فهكذا إذا قال: «إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله واحدة»، ثم مضى زمن تمكن (^٣) فيه القبلية ثم طلقها، تبينَّا وقوعَ المعلَّق في ذلك الزمان، وهو متأخر عن الإيقاع؛ فكأنه قال: «أنت طالق في الوقت السابق على تنجيز الطلاق أو وقوعه معلَّقًا» فهو تطليق في زمن متأخر.\nوالقول الثاني: أن هذا محال أيضًا، ولا يقع المعلَّق؛ إذ حقيقته: أنتِ طالق في الزمن السابق على تطليقك تنجيزًا أو تعليقًا، فيعود إلى سَبْقِ الطلاق للتطليق وسَبْقِ الوقوع للإيقاع، وهو حكم بتقديم المعلول على علته.\nيوضحه أن قوله: «إذا وقع عليك طلاقي فأنتِ طالق قبله (^٤)» إما أن (^٥)\n_________\n(^١) د: «الشافعي عليه».\n(^٢) ك: «بشهر».\n(^٣) ك: «يمكن».\n(^٤) بعدها في ك: «ثلاثًا».\n(^٥) «أن» ليست في ك.","vol":"4","page":206},{"text":"يريد: طالقٌ قبله بهذا الإيقاع أو بإيقاع متقدم. والثاني ممتنع؛ لأنه لم يسبق هذا الكلامَ منه شيءٌ. والثاني (^١) كذلك؛ لأنه يتضمن: «أنت طالق قبل أن أطلقك»، وهذا عين المحال.\nفهذا كشف حجاب هذه المسألة وسرُّ مأخذها، وقد تبيَّن أن مسألة الشافعي لون وهي لون آخر.\nوأما قولكم: «إن الحكم لا يجوز تقدُّمه على علته، ويجوز تقدُّمه على شرطه كما يجوز تقدُّمه على أحد سببيه ... إلى آخره»، فجوابه أن الشرط إما أن يوجد جزءًا من المقتضي أو يوجد خارجًا عنه، وهما قولان للنظَّار، والنزاع لفظي؛ فإن أريد بالمقتضي التام فالشرط جزء منه، وإن أريد به المقتضي الذي يتوقف اقتضاؤه على وجود شرطه وعدمِ مانعه فالشرط ليس (^٢) جزءًا منه، ولكن اقتضاؤه يتوقف عليه. والطريقة الثانية طريقة القائلين بتخصيص العلة، والأولى (^٣) طريقة المانعين من التخصيص، وعلى التقديرين فيمتنع تأخُّر الشرط عن وقوع المشروط؛ لأنه يستلزم وقوع الحكم بدون سببه التام؛ فإن الشرط إن كان جزءًا من المقتضي فظاهر، وإن كان شرطًا لاقتضائه فالمعلَّق على الشرط لا (^٤) يوجد عند عدمه، وإلا لم يكن شرطًا؛ فإنه لو كان يوجد بدونه لم يكن شرطًا، فلو (^٥) ثبت الحكم قبله\n_________\n(^١) أي الأمر الثاني، وهو المذكور أولًا، أي: طالق قبله بهذا الإيقاع.\n(^٢) «ليس» ساقطة من ك.\n(^٣) ك: «والأول».\n(^٤) «لا» ساقطة من د، ك\n(^٥) ك: «فلم».","vol":"4","page":207},{"text":"لثبت [٩٢/أ] بدون سببه التام، فإن سببه لا يتم إلا بالشرط، فعاد الأمر إلى سَبْق الأثر لمؤثِّره والمعلول لعلته، وهذا محال.\nولهذا لما لم يكن لكم حيلة في دفعه وعلمتم لزومه فررتم إلى ما لا يُجدِي عليكم شيئًا، وهو جَعْل الشرط مجرد علامة ودليل ومعرِّف، وهذا إخراج للشرط عن كونه شرطًا وإبطالٌ لحقيقته؛ فإن العلامة والدليل المعرِّف ليست شروطًا في المدلول المعرَّف، ولا يلزم من نفيها نفيه، فإن الشيء يثبت بدون علامة ومعرِّف له، والمشروط ينتفي لانتفاء شرطه وإن لم يوجد لوجوده.\nوكل العقلاء متفقون على الفرق بين الشرط والأمارة المحضة، وأن حقيقة أحدهما وحكمه دون حقيقة الآخر وحكمه، وإن كان قد يقال: إن العلامة شرط في العلم بالمعلم (^١) والدليل شرط في العلم بالمدلول، فذاك أمر وراء الشرط في الوجود الخارجي، فهذا شيء وذلك شيء آخر، وهذا حق، ولهذا ينتفي العلم بالمدلول عند انتفاء دليله، ولكن هل يقول أحد: إن المدلول ينتفي لانتفاء دليله؟\nفإن قيل: نعم، قد قاله غير واحد، وهو انتفاء الحكم الشرعي لانتفاء دليله.\nقيل: نعم، فإن الحكم الشرعي لا يثبت بدون دليله، فدليله موجِب لثبوته، فإذا انتفى الموجِب انتفى الموجَب، ولهذا يقال: لا موجِب فلا موجَب (^٢).\n_________\n(^١) ك: «بالعلم».\n(^٢) «انتفى ... موجب» ساقطة من ك.","vol":"4","page":208},{"text":"أما شرط اقتضاء السبب لحكمه فلا يجوز اقتضاؤه بدون شرطه، ولو تأخّر الشرط عنه لكان مقتضيًا بدون شرطه، وذلك يستلزم إخراج الشرط عن حقيقته، وهو محال.\nوأما تقديم الحكم على أحد سببيه في الصورة التي ذكرتموها على إحدى (^١) الطريقتين، أو تقديمه على شرط بعد وجود سببه على الطريقة الأخرى؛ فالتنظير به مَغْلَطة؛ فإن الحكم لم يتقدم على سببه ولا شرطه، وهذا محال، وإن وقع تسامح في عبارة الفقهاء، فإن انقضاء الحول مثلًا والحنث والموت بعد الجرح شرط (^٢) للوجوب، ونحن لم نقدِّم الوجوب على شرطه ولا سببه، وإنما قدمنا فعل الواجب. والفرق بين تقدُّم الحكم بالوجوب (^٣)، وبين تقدُّم أداء الواجب، فظهر أن هذا وهم وإيهام.\nوقد ظهر أن تقديم (^٤) شرط علة الحكم وموجِبه على الحكم أمر ثابت عقلًا وشرعًا، ونحن لم نأخذ ذلك عن نص أهل اللغة حتى تطالبونا بنقله، بل ذلك أمر ثابت لذات الشرط وحكمٌ من أحكامه، وليس ذلك متلقًّى من اللغة، بل هو ثابت في نفس الأمر لا يختلف بتقدُّم لفظ ولا تأخُّره، حتى لو قال: «أنتِ طالق إن دخلت الدار» أو قال: «يبعثكِ الله إذا متِّ» و«تجب عليك الصلاة إذا دخل وقتها» ونحو ذلك، فالشرط متقدم عقلًا وطبعًا وشرعًا وإن تأخر لفظًا.\n_________\n(^١) ك: «احد».\n(^٢) ك: «لشرط».\n(^٣) «بالوجوب» ساقطة من ك.\n(^٤) ك: «تقدم».","vol":"4","page":209},{"text":"وأما قولكم: «إن الأحكام تقبل النقل عن مواضعها فتتقدم وتتأخر» فتطويلٌ بلا تحصيل، وتهويلٌ بلا تفضيل، فهل تقبل النقل عن ترتُّبها على (^١) أسبابها وموجباتها بحيث [٩٢/ب] يثبت الحكم بدون سببه ومقتضيه؟ نعم قد يتقدم ويتأخر وينتقل لقيام سبب آخر يقتضي ذلك، فيكون مرتَّبًا على سببه الثاني بعد انتقاله، كما كان مترتِّبًا (^٢) على الأول قبل انتقاله، وفي كل من الموضعين هو مترتِّب على سببه، هذا في حكمه وذاك في محله.\nوأما تنظيركم بنقل الأحكام وتقدُّمها على أسبابها بقوله: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر» وقولكم (^٣): إن نظيره في الحسّيات أن تقول: «إن زرتَني أكرمتُك قبل زيارتِك بشهر» = فوهمٌ أيضًا وإيهامٌ، فإن قوله: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر» إنما تطلَّق إذا مضى شهر بعد هذه اليمين حتى يتبين وقوع الطلاق بعد إيقاعه، فلو مات قبل مضي شهر لم تَطْلُق على الصحيح؛ لأنه يصير بمنزلة أنتِ طالق عامَ الأول. وليس كذلك قوله: «إن زرتَني أكرمتك قبله بشهر»، فإن الطلاق حكم يمكن تقدير وقوعه قبل الموت، والإكرام فعل حسِّي لا يكون إكرامًا بالتقدير، وإنما يكون إكرامًا بالوقوع.\nوأما استشهادكم بقوله: «أعتِقْ عبدك» فهو حجة عليكم؛ فإنه يستلزم تقدُّم المِلك التقديري على العتق الذي هو أثره وموجبه، والمِلك شرطه، ولو جاز تأخُّر الشرط لقدر الملك له (^٤) بعد العتق، وهذا محال؛ فعلم أن\n_________\n(^١) ك: «عن».\n(^٢) ك: «مرتبا».\n(^٣) في النسخ: «وقوله»، والسياق يقتضي «وقولكم». وهي كذلك في المطبوع.\n(^٤) «له» ليست في ز.","vol":"4","page":210},{"text":"الأسباب والشروط يجب تقدمها، سواء كانت محقّقة أو مقدّرة.\nوقولكم: «إن هذا التعليق تضمَّن شرطًا ومشروطًا، والقضية الشرطية قد تُعقد للوقوع وقد تُعقد لنفي الشرط والجزاء ... إلى آخره»، فجوابه أن هذا أيضًا (^١) من الوهم والإيهام؛ فإن القضية الشرطية هي التي يصح الارتباط بين جزأيها، سواء كانا ممكنينِ أو ممتنعينِ، ولا يلزم من صدقها شرطيةً صدقُ جزأيها حَمْليَّتينِ (^٢)؛ فالاعتبار إنما هو بصدقها في نفسها؛ ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] من أصدق الكلام وجُزءَا الشرطيةِ ممتنعان، لكن أحدهما ملزوم للآخر، فقامت القضية الشرطية (^٣) من التلازم الذي بينهما؛ فإن تعدد الآلهة مستلزم لفساد السموات والأرض، فوجود آلهة مع الله ملزوم لفساد السموات والأرض، والفساد لازم، فإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه، فصدقت الشرطية دون مفردَيْها. وأما الشرطية في مسألتنا فهي كاذبة في نفسها؛ لأنها عُقِدت للتلازم بين وقوع الطلاق المنجَّز وسَبْق الطلاق الثلاث عليه، وهذا كذبٌ في الإخبار باطل في الإنشاء؛ فالشرطية نفسها باطلة لا تصح بوجه؛ فظهر أن تنظيرها بالشرطية الصادقة الممتنعة الجزأينِ وهمٌ وإيهامٌ ظاهر لا خفاء به.\n_________\n(^١) ز: «فجوابه أيضًا أن هذا».\n(^٢) في ك والمطبوع: «جملتين»، تحريف. والقضية الحملية في المنطق هي التي لا تحتوي على الشرط والجزاء، بل تقتصر على الموضوع والمحمول أو المسند إليه والمسند، وهي الجملة الخبرية في اصطلاح النحو.\n(^٣) «ممتنعان ... الشرطية» ساقطة من ك.","vol":"4","page":211},{"text":"وأما قياسكم المحرر ــ وهو قولكم: «طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر، فوجب أن ينفي السابق منهما المتأخر، كقوله: إن قدم زيدٌ ... إلى آخره» ــ فجوابه: أنه لما (^١) قدم زيد طَلُقتْ ثلاثًا، فقدم عمرو بعده وهي أجنبية، فلم يصادف (^٢) الطلاق الثاني محلًّا، فهذا معقول شرعًا ولغةً وعرفًا، فأين هذا من تعليقٍ مستحيل شرعًا وعرفًا؟ ولقد وَهَنَتْ كلَّ الوهن مسألةٌ [٩٣/أ] إلى مثل هذا القياس استنادُها، وعليه اعتمادها.\nوأما قولكم: «نكتة المسألة أنا لو أوقعنا المنجَّز لزِمَنا أن نوقع قبله ثلاثًا ... إلى آخره»، فجوابه أن يقال: هذا كلام باطل في نفسه، فلا يلزم من إيقاع المنجَّز إيقاعُ الثلاث (^٣) قبله، لا لغةً ولا عقلًا ولا شرعًا ولا عرفًا. فإن قلتم: لأنه شرط للمعلّق، قِيلَ (^٤): فقد تبين فساد المعلّق بما فيه كفاية.\nثم نَقلِب عليكم هذه النكتة قلبًا أصحَّ منها شرعًا وعقلًا ولغةً، فنقول: إذا أوقعنا المنجَّز لم يُمكِنَّا أن نوقع قبله ثلاثًا قطعًا، وقد وجد سبب وقوع المنجَّز وهو الإيقاع، فيستلزم موجَبه وهو الوقوع، وإذا وقع موجَبه استحال وقوع الثلاث. وهذه النكتة أصح وأقرب إلى الشرع والعقل واللغة، وبالله التوفيق.\nقولكم: «إن المكلَّف أتى بالسبب الذي ضيَّق به على نفسه فألزمناه\n_________\n(^١) «لما» ساقطة من ك.\n(^٢) ك: «يصادق»، تحريف.\n(^٣) ك: «ثلاث».\n(^٤) في المطبوع: «قبله».","vol":"4","page":212},{"text":"حكمه ... إلى آخره»، جوابه أن هذا إنما يصح فيما يملكه من الأسباب شرعًا، فلا بدّ أن يكون السبب مقدورًا مشروعًا، وهذا السبب الذي أتى به غير مقدور ولا مشروع؛ فإن الله سبحانه لم يُملِّكه طلاقًا ينجِّزه تَسبقه ثلاثٌ قبله، ولا ذلك مقدور له؛ فالسبب لا مقدور ولا مأمور، بل هو كلام متناقض فاسد؛ فلا يرتَّب (^١) عليه تغيير (^٢) أحكام الشرع. وبهذا خرج الجواب عما نظَّرتم به من المسائل:\nأما المسألة الأولى ــ وهي إذا طلَّق امرأته ثلاثًا جملةً ــ فهذه مما يُحتجُّ لها لا يُحتجُّ بها، وللناس فيها أربعة أقوال:\nأحدها: الإلزام بها (^٣).\nوالثاني: إلغاؤها جملةً، وإن كان هذا إنما يعرف عن فقهاء الشيعة.\nوالثالث: أنها واحدة، وهذا قول أبي بكر الصديق وجميعِ الصحابة في زمانه، وإحدى الروايتين عن ابن عباس (^٤)، واختيار أعلم الناس بسيرة رسول الله - ﷺ - محمد بن إسحاق (^٥) والحارث العُكْلي وغيره، وهو أحد\n_________\n(^١) ك: «ترتب».\n(^٢) ك: «بغير»، تحريف.\n(^٣) «بها» ليست في ك.\n(^٤) رواها أبو داود عقب الحديث رقم (٢١٩٧). وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (٦/ ٣٣٥) و«السنن الكبرى» للبيهقي (٧/ ٣٣٩).\n(^٥) ذكره عنه الجصاص في «أحكام القرآن» (٢/ ٨٥) وابن عبد البر في «الاستذكار» (٦/ ٨) وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٨) و«جامع المسائل» (١/ ٣٠٧، ٣١١) وابن حجر في «الفتح» (٩/ ٣٦٢).","vol":"4","page":213},{"text":"القولين في مذهب مالك حكاه التِّلِمْساني في «شرح تفريع ابن الجلّاب»، وأحد القولين في مذهب أحمد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.\nوالرابع: أنها واحدة في حقّ التي لم يدخل بها، ثلاث في حقّ المدخول بها، وهذا مذهب إمام أهل خراسان في وقته إسحاق بن راهويه نظير الإمام أحمد والشافعي، ومذهب جماعة من السلف.\nوفيها مذهب خامس، وهو أنها إن كانت منجَّزة وقعتْ، وإن كانت معلَّقة لم تقع، وهو مذهب حافظ الغرب وإمام أهل الظاهر في وقته [أبي] محمد بن حزم.\nولو طولبتم بإبطال هذه الأقوال وتصحيح قولكم بالدليل الذي يَركن إليه العالم لم يُمكِنْكم ذلك. والمقصود أنكم تستدلُّون بما يحتاج إلى إقامة الدليل عليه، والذين يسلِّمون لكم وقوع (^١) الثلاث جملة واحدة فريقان: فريق يقول بجواز إيقاع الثلاث، فقد أتى المكلَّف عنده بالسبب المشروع المقدور فترتَّب عليه مسبَّبه. وفريق يقول: تقع وإن كان إيقاعها محرّمًا، كما يقع الطلاق في الحيض والطهر الذي أصابها فيه وإن كان محرّمًا، لأنه ممكن، بخلاف وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فإنه محال، فأين أحدهما [٩٣/ب] من الآخر؟\nفصل\nوأما نقضكم الثاني بتمليك الرجل امرأتَه الطلاقَ وتضييقه على نفسه بما\n_________\n(^١) ك: «بوقوع».","vol":"4","page":214},{"text":"وسَّع (^١) الله عليه من جعله بيده، فجوابه من وجوه:\nأحدها: أنه بالتمليك لم يخرج الطلاق عن يده، بل هو في يده كما هو، هذا إن قيل إنه تمليك، وإن قيل إنه توكيل فله عزلُها متى شاء.\nالثاني: أن هذه المسألة فيها نزاع معروف بين السلف والخلف؛ فمنهم من قال: لا يصح تمليك المرأة الطلاق ولا توكيلها فيه، ولا يقع الطلاق إلا ممن أخذ بالساق. وهذا مذهب أهل الظاهر، وهو مأثور عن بعض السلف؛ فالنقض بهذه الصورة (^٢) يستلزم إقامة الدليل عليها، والأوهن (^٣) لا يكون دليلًا.\nومن هنا قال بعض أصحاب مالك: إنه إذا علّق اليمين بفعل الزوجة لم تَطلُق إذا حنِث. قال: لأن الله سبحانه ملَّك الزوجَ الطلاق، وجعله بيده رحمةً منه، ولم يجعله إلى المرأة؛ فلو وقع الطلاق بفعلها لكان إليها إن شاءت أن (^٤) تفارقه وإن شاءت أن تقيم معه، وهذا خلاف شرع الله.\nوهذا أحد الأقوال في مسألة تعليق الطلاق بالشرط كما تقدم.\nوالثاني: أنه لغو وباطل، وهذا اختيار أبي عبد الرحمن ابن بنت الشافعي ومذهب أهل الظاهر.\n_________\n(^١) ك: «أوسع».\n(^٢) «وهو مأثور ... الصورة» ساقطة من ك.\n(^٣) ك: «والأدنى».\n(^٤) «أن» ليست في ك.","vol":"4","page":215},{"text":"والثالث: أنه موجب لوقوع الطلاق عند وجود الصفة (^١)، سواء كان يمينًا أو تعليقًا محضًا، وهذا المشهور عند الأئمة الأربعة وأتباعهم.\nوالرابع: أنه إن كان بصيغة (^٢) التعليق لزِم، وإن كان بصيغة القسم والالتزام لم يلزم إلا أن ينويه، وهذا اختيار أبي المحاسن الروياني وغيره.\nوالخامس: أنه إن كان بصيغة التعليق وقع، وإن كان بصيغة القسم والالتزام لم يقع وإن نواه، وهذا اختيار القفّال في «فتاويه».\nوالسادس: أنه إن كان الشرط والجزاء مقصودينِ وقع، وإن كانا (^٣) غير مقصودين ــ وإنما (^٤) حلف به قاصدًا منع الشرط والجزاء ــ لم يقع، ولا كفارةَ فيه، وهذا اختيار بعض أصحاب أحمد.\nوالسابع: كذلك، إلا أن فيه الكفارة إذا خرج مخرجَ اليمين، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵁ -، والذي قبله اختيار أخيه.\nوقد تقدم حكاية قول من حكى إجماع الصحابة أنه إذا حنِثَ فيه لم يلزمه الطلاق، وحكينا لفظه. والمقصود الجواب عن النقض بتمليك المرأة الطلاق أو توكيلها فيه.\nوأما قولكم في النقض الثالث: «إن فقهاء الكوفة صحَّحوا تعليق الطلاق بالنكاح، وهو يسدُّ باب النكاح»، فهذا القول مما أنكره عليهم سائر الفقهاء،\n_________\n(^١) ك: «للصفة».\n(^٢) ك: «أنه كان صيغة».\n(^٣) ك: «كان».\n(^٤) «وإنما» ليست في ك.","vol":"4","page":216},{"text":"وقالوا: هو سدٌّ لباب (^١) النكاح، حتى الشافعي (^٢) نفسه أنكره عليهم بذلك وبغيره من الأدلة.\nومن العجب أنكم قلتم في الرد عليهم: لا يصح هذا التعليق؛ لأنه لم يصادف محلًّا، وهو لا يملك الطلاق المنجَّز فلا يملك المعلَّق؛ إذ كلاهما مستدعٍ لقيام محلّه، ولا محلَّ، فهلَّا قبلتم منهم احتجاجَهم عليكم في المسألة السُّريجية بمثل هذه الحجة؟ وهي أن المحلَّ غير قابل لطلقةٍ مسبوقة بثلاث، وكان هذا الكلام لغوًا [٩٤/أ] وباطلًا فلا (^٣) ينعقد، كما قلتم أنتم في تعليق النكاح بالطلاق: إنه لغو وباطل فلا ينعقد.\nفصل\nوأما النقض الرابع بقوله: «كل عبد أو أمة أملكه فهو حرٌّ»، فهذا للفقهاء فيه قولان، وهما روايتان عن الإمام أحمد:\nإحداهما: أنه (^٤) لا يصح كتعليق الطلاق.\nوالثاني: أنه يصح.\nوالفرق بينه وبين تعليق الطلاق أن مِلك العبد قد شُرِع طريقًا إلى زوال ملكه عنه بالعتق، إما بنفس الملك كمن ملك ذا رَحِمٍ مَحرم، وإما باختيار الإعتاق كمن اشترى عبدًا ليعتقه عن كفارته أو ليتقرب به إلى الله. ولم يشرع\n_________\n(^١) ك: «سد الباب».\n(^٢) ز: «قال الشافعي».\n(^٣) «فلا» ليست في ك.\n(^٤) «أنه» ليست في ز.","vol":"4","page":217},{"text":"الله النكاح طريقًا إلى زوال ملك البضع ووقوع الطلاق، بل هذا يترتب عليه ضدُّ مقصوده (^١) شرعًا وعقلًا وعرفًا، والعتق المترتب على الشراء ترتيبٌ لمقصوده عليه شرعًا وعرفًا، فأين أحدهما من الآخر؟ وكونه قد (^٢) سدَّ على نفسه باب ملك الرقيق فلا يخلو إما أن يعلّق ذلك تعليقًا مقصودًا أو تعليقًا قسميًّا؛ فإن كان مقصودًا فهو قد قصد التقرب إلى الله بذلك، فهو كما لو (^٣) التزم صوم الدهر وسدَّ على نفسه باب الفطر. وإن كان تعليقًا قسميًّا فله سعةٌ بما وسَّع الله عليه من الكفارة، كما أفتى به الصحابة - ﵃ - وقد تقدم.\nفصل\nوأما النقض الخامس بمن معه ألف دينار فاشترى بها جارية وأولدها، فهذا أيضًا نقضٌ فاسد؛ فإنه بمنزلة من أنفقها في شهواته وملاذِّه، وقعد ملومًا محسورًا، أو تزوج بها امرأة وقضى وطَرَه منها ونحو ذلك. فأين هذا من سدِّ باب الطلاق وبقاء المرأة كالغُلِّ في عنقه إلى أن يموت أحدهما؟\nفصل\nقولكم: «قد يكون له في هذه اليمين مصلحةٌ وغرض صحيح، بأن يكون محبًّا لزوجته، ويخشى وقوع الطلاق بالحلف أو غيره، فيسرِّحها»، جوابه أن الشرائع العامة لم تُبْنَ على الصور النادرة، ولو كان لعموم المطلِّقين في هذا مصلحةٌ لكانت حكمةُ أحكم الحاكمين تمنع الرجل من الطلاق بالكلية،\n_________\n(^١) ك: «لمقصوده».\n(^٢) «قد» ليست في د.\n(^٣) «لو» ليست في ك.","vol":"4","page":218},{"text":"وتجعل الرجل في ذلك بمنزلة المرأة لا تتمكن من فراق زوجها، ولكن حكمته سبحانه أولى وأليق من مراعاة هذه المصلحة الجزئية التي في مراعاتها تعطيل مصلحة أكبر منها وأهم. وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما، ودفعُ أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما. وهكذا ما نحن فيه سواء؛ فإن مصلحة تمليك الرجال الطلاقَ أعلى وأكبر من مصلحة سدِّه عليهم، ومفسدةُ سدِّه عليهم أكثر من مفسدة فتحه لهم المُفضِية إلى ما ذكرتم. وشرائع الرب تعالى كلها حِكَم ومصالح وعدل ورحمة، وإنما العبث والجور والشدة في خلافها، وبالله التوفيق.\nوإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة لأنها من أمهات الحيل وقواعدها، والمقصود بيان بطلان الحيل، وأنها لا تتمشَّى على قواعد الشريعة ولا أصول الأئمة، وكثير منها ــ بل أكثرها ــ من توليدات المنتسبين إلى (^١) الأئمة وتفريعهم، الأئمة (^٢) بُرآء منها.\nفصل\nومن الحيل الباطلة: الحيلة على [٩٤/ب] التخلّص من الحنث بالخلع، ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم يعود إلى النكاح. وهذه الحيلة باطلة شرعًا (^٣)، وباطلة على أصول أئمة الأمصار. أما بطلانها شرعًا فإن هذا خلع لم يشرعه الله ولا رسوله، وهو سبحانه لم يمكِّن الزوجَ من فسخ النكاح متى شاء؛ فإنه لازم، وإنما مكَّنه من الطلاق، ولم يجعل له فسخه إلا عند\n_________\n(^١) «إلى» ليست في ك.\n(^٢) ك: «والأئمة».\n(^٣) ز: «على شرعنا».","vol":"4","page":219},{"text":"التشاحن والتباغض إذا خافا أن لا يقيما حدود الله، فشرع لهما التخلُّص بالافتداء؛ وبذلك جاءت السنة. ولم يقع في زمن رسول الله - ﷺ - ولا زمن أصحابه (^١) قطُّ خلع حيلة، ولا في زمن التابعين ولا تابعيهم، ولا نصَّ عليه أحد من الأئمة الأربعة وجعله طريقًا للتخلُّص من الحنث، وهذا من كمال فقههم - ﵃ -، فإن الخلع إنما جعله الشارع مقتضيًا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها، وإنما يكون ذلك مقصودها إذا قصدت أن تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيل، فإذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وقع وليست زوجته فلا يحنث، وهذا إنما حصل تبعًا للبينونة التابعة لقصدها، فإذا خالعها ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة، بل حلّ اليمين، وحلُّ اليمين إنما يحصل (^٢) تبعًا للبينونة لا أنه المقصود بالخلع الذي شرعه الله (^٣)، وأما خلع (^٤) الحيلة فجاءت البينونة فيه لأجل حلّ اليمين، وحلُّ اليمين جاء لأجل البينونة؛ فليس عقد الخلع بمقصود في نفسه للرجل ولا للمرأة، والله تعالى لا يشرع عقدًا لا يقصد (^٥) واحد من المتعاقدين حقيقته، وإنما يقصدان به ضدَّ ما شرع له؛ فإنه شرع لتخلُّص المرأة من الزوج، والمتحيِّل يفعله لبقاء النكاح؛ فالشارع شرعه لقطع النكاح، والمتحيل يفعله لدوام النكاح.\n_________\n(^١) ك: «الصحابة».\n(^٢) ك: «حصل».\n(^٣) في ز زيادة: «ورسوله».\n(^٤) «خلع» ساقطة من ز.\n(^٥) ك: «إلا بقصد».","vol":"4","page":220},{"text":"فصل (^١)\nوالمتأخرون أحدثوا حيلًا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمة موقف بين يدي الله. ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشير على مسلمٍ بها.\nوأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم، تلقَّوها عن المشرقيين، وأدخلوها في مذهبه، وإن كان رحمه الله تعالى يُجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته، كما تقدم حكاية كلامه. فحاشاه ثم حاشاه أن يأمر الناس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا حقيقة له، بل ما يتيقن أن باطنه خلاف ظاهره، ولا يُظَنّ بمن دون الشافعي من أهل العلم والدين أنه يأمر أو يبيح ذلك؛ فالفرق بين أن لا يَعتبر القصدَ في العقد ويُجريه (^٢) على ظاهره وبين أن يسوِّغ عقدًا قد عُلم بناؤه على المكر والخداع وقد علم أن باطنه خلاف ظاهره.\nفوالله ما سوَّغ الشافعي ولا إمام من الأئمة هذا العقد قطُّ، ومن نسب (^٣) ذلك إليه فهم خصماؤه عند الله؛ فالذي سوَّغه (^٤) الأئمة بمنزلة الحاكم\n_________\n(^١) هذا الفصل منقول عن «بيان الدليل» (ص ١٦١ - ١٦٤).\n(^٢) ك: «يحرمه».\n(^٣) ك: «تسبب».\n(^٤) ك: «يسوغه».","vol":"4","page":221},{"text":"يُجرِي الأحكام على [٩٥/أ] ظاهر عدالة الشهود وإن كانوا في الباطن شهود زور، والذي سوَّغه أصحاب الحيل بمنزلة الحاكم يعلم أنهم في الباطن شهود زور كَذَبة وأن ما شهدوا به لا حقيقة له ثم يحكم بظاهر عدالتهم.\nوهكذا في مسألة العِينة: إنما جوَّز الشافعي أن (^١) يبيع السلعة ممن اشتراها منه، جريًا على ظاهر عقود المسلمين وسلامتها من المكر والخداع، ولو قيل للشافعي: «إن المتعاقدين قد تواطآ على ألف بألف ومائتين، وتراوضا على ذلك، وجعلا السِّلعة محللًا للربا» لم يجوِّز ذلك، ولأنكره غاية الإنكار.\nولقد كان الأئمة من أصحاب الشافعي ينكرون على من يَحكي عنه الإفتاء بالحيل، قال الإمام أبو عبد الله ابن بطَّة (^٢): سألت أبا بكر الآجرِّي وأنا وهو في منزله بمكة عن هذا الخلع الذي يفتي به الناس، وهو أن يحلف رجل أن لا يفعل شيئًا، ولا بدَّ له من فعله، فيقال له: اخلع زوجتك وافعلْ ما حلفتَ عليه ثم راجِعْها، واليمين بالطلاق ثلاثًا، وقلت له: إن قومًا يفتون الرجل الذي يحلف بأيمان البيعة ويحنث أن لا شيء عليه، ويذكرون أن الشافعي لم يَرَ على من حلف بأيمان البيعة شيئًا. فجعل أبو بكر يَعجب من سؤالي عن هاتين المسألتين في وقت واحد، ثم قال لي (^٣): منذ كتبتُ العلم وجلست للكلام فيه وللفتوى (^٤) ما أفتيتُ في هاتين المسألتين بحرف، ولقد\n_________\n(^١) ك: «لمن».\n(^٢) في «إبطال الحيل» (ص ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٣) «لي» ليست في ك.\n(^٤) ك: «وللتقوى»، تحريف.","vol":"4","page":222},{"text":"سألت أبا عبد الله الزبيري عن هاتين المسألتين كما سألتني على (^١) التعجب ممن يُقدِم على الفتوى فيهما، فأجابني فيهما بجواب كتبته عنه. ثم قام فأخرج لي كتاب «أحكام الرجعة والنشوز» من كتاب الشافعي، وإذا مكتوب على ظهره بخط أبي بكر: سألتُ أبا عبد الله الزبيري، فقلت له: الرجل يحلف بالطلاق ثلاثًا أن لا يفعل شيئًا، ثم يريد أن يفعله، وقلت له: إن أصحاب الشافعي يفتون فيها بالخلع، يخالع ثم يفعل، فقال الزبيري: ما أعرف هذا من قول الشافعي، ولا بلغني أن له في هذا قولًا معروفًا، ولا أرى من يذكر هذا عنه إلا مُحِيلًا.\nوالزبيري أحد الأئمة الكبار من الشافعية، فإذا كان هذا قوله وتنزيهه للشافعي عن خلع اليمين فكيف بحيل الربا الصريح وحيل التحليل وحيل إسقاط الزكاة والحقوق وغيرها من الحيل المحرمة؟\nفصل (^٢)\nولا بدَّ من أمرين:\nأحدهما أعظم من الآخر، وهو النصيحة لله ورسوله وكتابه ودينه، وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى والبينات، التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه، وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوع تأويل.\nوالثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن\n_________\n(^١) ك: «عن».\n(^٢) اعتمد المؤلف في هذا الفصل على «بيان الدليل» (ص ١٥٣ - ١٦٠).","vol":"4","page":223},{"text":"فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبولَ كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحقُّ في خلافها لا يوجب [٩٥/ب] اطِّراحَ أقوالهم جملةً وتنقُّصَهم والوقيعةَ فيهم؛ فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصدُ السبيل بينهما، فلا يُؤثَّم (^١) ولا يُعصَم، فلا يُسْلَك بهم مسلك الرافضة في علي ولا مسلكهم في الشيخين، بل يُسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثِّمونهم ولا يعصمونهم (^٢)، ولا يقبلون كل أقوالهم ولا يَهدُرونها. فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكًا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة؟\nولا منافاةَ بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله، ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلّة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تُهدَر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين.\nقال عبد الله بن المبارك (^٣): كنت بالكوفة فناظروني في النبيذ المختلَف فيه، فقلت لهم: تعالوا فلْيحتجَّ المحتجُّ منكم عمن شاء من أصحاب النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) ك: «نأثم».\n(^٢) «ولا يعصمونهم» ليست في د.\n(^٣) نقل المؤلف هذه المناظرة عن «بيان الدليل» (ص ١٥٤).","vol":"4","page":224},{"text":"بالرخصة، فإن لم يُبيَّن الردّ عليه عن ذلك الرجل بشدةٍ صحَّت عنه، فاحتجوا فما جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبقَ في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود، وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم يُنتبذ له في الجرِّ الأخضر (^١).\nقال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق، عُدَّ أنَّ ابن مسعود لو (^٢) كان هاهنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي - ﷺ - وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تخشى. فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن، فالنخعي والشعبي ــ وسمَّى عدة معهما ــ كانوا يشربون الحرام (^٣)، فقلت لهم: دعوا عند المناظرة تسمية الرجال، فربَّ رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن تكون منه زلَّة، أفيجوز لأحدٍ أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارًا، قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدًا بيدٍ؟ قالوا: حرام، فقلت: إن هؤلاء رأوه حلالًا، أفماتوا (^٤) وهم يأكلون الحرام؟ فبُهِتوا وانقطعت حجتهم.\nقال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي (^٥)\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٦٩٥١) وابن أبي شيبة (٢٤٣٨٣) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٢٠).\n(^٢) «لو» ليست في ك.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٢٤٣٩٢).\n(^٤) همزة الاستفهام ليست في ك.\n(^٥) «أبي» ليست في ك.","vol":"4","page":225},{"text":"وأنا أُنشِد الشعر، فقال: يا بنيَّ لا تنشد الشعر، فقلت: يا أبَه، كان الحسن يُنشد، وكان ابن سيرين يُنشد، فقال: أي بنيَّ إن أخذتَ بشرِّ ما في الحسن وبشرِّ ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله.\nقال شيخ الإسلام (^١): وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأئمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا وله أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة.\nقلت: وقد قال أبو عمر بن عبد البر في أول «استذكاره» (^٢).\n[٩٦/أ] قال شيخ الإسلام (^٣): وهذا باب واسع لا يُحصى، مع أن ذلك لا يغُضُّ من أقدارهم، ولا يسوغ اتّباعهم فيها، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. قال مجاهد (^٤) والحكم بن عُتَيبة (^٥) ومالك (^٦) وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي\n_________\n(^١) في «بيان الدليل» (ص ١٥٥).\n(^٢) بعدها بياض في النسختين ز، د. وكأن المؤلف أراد أن ينقل عنه، فلم يجد الوقت لمراجعته، فبيَّض له. وانظر هذا المعنى في «الاستذكار» (١/ ١٨٨).\n(^٣) في «بيان الدليل» (ص ١٥٥).\n(^٤) رواه البيهقي في «المدخل» (١/ ١٠٧) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٤١) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٤٥) وابن عبد البر في «الجامع» (١٧٦٢ - ١٧٦٥).\n(^٥) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (١٧٦١) ومن طريقه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٣١٧).\n(^٦) لم أجده مسندًا مع شهرته، وقال الألباني في «أصل صفة الصلاة» (١/ ٢٧): «نسبة هذا إلى مالك هو المشهور عند المتأخرين، وصححه عنه ابن عبد الهادي [ابن المبرد] في «إرشاد السالك» (٢٢٧/أ)». وقد طبع الكتاب، وهو في (ص ٤٠٢).","vol":"4","page":226},{"text":"- ﷺ -. وقال سليمان التيمي (^١): إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله.\nقال ابن عبد البر (^٢): هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا.\nوقد رُوي عن النبي - ﷺ - وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله (^٣):\nفروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول (^٤): «إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمالٍ ثلاثة»، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «إني (^٥) أخاف عليهم من زَلَّة العالم، ومن حكم الجائر، ومن هوى مُتَّبَع» (^٦).\nوقال زياد بن حُدَير: قال عمر: ثلاث يَهدِمْنَ الدين: زلّة عالم (^٧)،\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٢) وابن عبد البر في «الجامع» (١٧٦٧).\n(^٢) في «الجامع» (٢/ ٩٢٧).\n(^٣) نقل المؤلف هذه الآثار من «بيان الدليل» (ص ١٥٥ - ١٥٧). وتقدم تخريجها.\n(^٤) «يقول» ليست في ز.\n(^٥) «إني» ليست في ك.\n(^٦) رواه البزار (٣٣٨٤) والطبراني (١٧/ ١٧) والبيهقي في «المدخل» (٨٣٠) وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٦٥) كلهم بهذا الطريق. وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف متروك، والحديث ضعَّفه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ١٨٩) وابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٥٠) والهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٨٧).\n(^٧) ك: «العالم».","vol":"4","page":227},{"text":"وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مُضِلّون (^١).\nوقال الحسن: قال أبو الدرداء: إن مما أخشى عليكم زلَّة العالم وجدالَ المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن مَنارٌ كأعلام الطريق (^٢).\nوكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم، قلَّما يُخطِئه أن يقول ذلك: الله حَكَم قِسْطٌ، هلك المرتابون، إن وراءكم فِتنًا يكثر فيها المال، ويُفتح فيها القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأتُ القرآن فما أظنُّ أن يتبعوني حتى أبتدعَ لهم غيرَه. فإياكم وما ابُتدِع، فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزَيْغةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقَّوا الحقَّ عمن جاء به، فإنّ على الحق نورًا. قالوا: كيف زَيْغة الحكيم؟ قال: هي كلمة تَرُوعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه، فاحذروا زَيغته، ولا تصدَّنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء ويراجع (^٣) الحقَّ،\n_________\n(^١) رواه الدارمي (٦٧٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٩٤) والبيهقي في «المدخل» (١/ ٤٤٣) وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٦٧،١٨٦٩، ١٨٧٠) من طرق عن زياد بن حدير به. قال ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٦٦٢): هذه طرق يشدّ القوي منها الضعيف، فهي صحيحة من قول عمر. وصححه الألباني في «هداية الرواة» (١/ ١٧٢).\n(^٢) رواه أحمد في «الزهد» (١/ ١٤٣) وأبو نعيم «الحلية» (١/ ٢١٩) وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٦) من طريق الحسن به، وهو منقطع بين الحسن وأبي الدرداء. ينظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٤٤).\n(^٣) ك: «وأن يراجع».","vol":"4","page":228},{"text":"وإن العلم والإيمان مكانَهما إلى يوم القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما (^١).\nوقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاثٍ: زلَّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تَقْطع أعناقكم؟ فأما زلّة العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينَكم وتقولون نصنع مثل ما يصنع فلان، وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسَكم منه فتُعِينوا عليه الشيطانَ. وأما مجادلة منافق بالقرآن فإن للقرآن منارًا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فخذوا، وما لم تعرفوا (^٢) فكِلُوه إلى الله سبحانه. وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم (^٣).\nوعن ابن عباس: ويلٌ للأتباع من عَثَرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئًا برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله - ﷺ - فيترك قوله ثم يمضي الأتباع (^٤). ذكر أبو عمر (^٥) هذه [٩٦/ب] الآثار كلها وغيره.\nفإن (^٦) كنا قد حُذِّرنا زلَّة العالم وقيل لنا: إنها من أخوف ما يُخاف علينا، وأُمِرنا مع ذلك أن لا نرجع عنه، فالواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلَّدها، بل\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (٢٠٧٥٠) والدارمي (٢٠٥) وأبو داود (٤٦١١)، وإسناده صحيح.\n(^٢) ز: «تعرفوه».\n(^٣) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (١٨٧٣)، وإسناده ضعيف. والأثر صحيح من قول معاذ، صححه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٩٧).\n(^٤) رواه البيهقي في «المدخل» (١/ ٤٤٥) وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٧٧) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٣٤٧).\n(^٥) أي ابن عبد البر في «جامع بيان العلم»، وقد سبقت الإحالات إليه.\n(^٦) ك: «فإذا».","vol":"4","page":229},{"text":"يسكت عن ذكرها إن تيقَّن صحتها، وإلا توقَّف في قبولها؛ فكثيرًا ما يُحكَى عن الأئمة ما لا حقيقة له، وكثير من المسائل يُخرِجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعه مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تُفضِي إلى ذلك لما التزمها.\nوأيضًا فلازم المذهب ليس بمذهب، وإن كان لازم النص حقًّا (^١)؛ لأن الشارع لا يجوز عليه التناقض، فلازم قوله حق، وأما من عداه فلا يمتنع عليه أن يقول الشيء ويَخفى عليه لازمُه، ولو علم أن هذا لازمه لما قاله؛ فلا يجوز أن يقال: هذا مذهبه، ويقول ما لم يقله، وكلُّ من له علم بالشريعة وقدرها وبفضل الأئمة ومقاديرهم وعلمهم وورعهم ونصيحتهم للدين تيقَّن أنهم لو شاهدوا أمر هذه الحيل وما أفضَتْ إليه من التلاعب بالدين لقطعوا بتحريمها.\nومما يوضح ذلك أن الذين أفتَوا من العلماء ببعض مسائل الحيل وأخذوا ذلك من بعض قواعدهم لو بلغهم ما جاء في ذلك عن النبي - ﷺ - وأصحابه لرجعوا عن ذلك يقينًا، فإنهم كانوا في غاية الإنصاف، وكان أحدهم يرجع عن رأيه بدون ذلك، وقد صرَّح بذلك غير واحد منهم وإن كانوا كلهم مجمعين على ذلك. قال الشافعي (^٢): إذا صحَّ الحديث عن رسول الله - ﷺ - فاضربوا بقولي الحائط، وهذا وإن كان لسان الشافعي فإنه لسان الجماعة كلهم، ومن الأصول التي اتفق عليها الأئمة أن أقوال أصحاب رسول الله - ﷺ - المنتشرة لا تُترك إلا بمثلها.\nيوضِّح ذلك أن القول بتحريم الحيل قطعي ليس من مسالك الاجتهاد؛\n_________\n(^١) ك: «حق».\n(^٢) سبق توثيقه.","vol":"4","page":230},{"text":"إذ لو كان من مسالك الاجتهاد لم يتكلم الصحابة والتابعون والأئمة في أرباب الحيل بذلك الكلام الغليظ الذي ذكرنا منه اليسير من الكثير. وقد اتفق السلف على أنها بدعة محدثة؛ فلا يجوز تقليد من يفتي بها، ويجب نقضُ حكمه، ولا يجوز الدلالة للمقلِّد على من يفتي بها، وقد نصَّ الإمام أحمد على ذلك كله، ولا خلاف في ذلك بين الأئمة، كما أن المكيين والكوفيين لا يجوز تقليدهم في مسألة المتعة والصرف والنبيذ، ولا يجوز تقليد بعض المدنيين في مسألة الحشوش و[هي] إتيانِ النساء في أدبارهن، بل عند فقهاء الحديث (^١) أن من شرب النبيذ المختلَف فيه حُدَّ، وهذا فوق الإنكار باللسان، بل عند فقهاء أهل المدينة يُفسَّق، ولا تُقبل شهادته.\nوهذا يردُّ قول من قال: لا إنكارَ في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف (^٢) إجماع الأئمة، ولا يُعلم إمام من أئمة الإسلام قال ذلك. وقد نصَّ الإمام أحمد على أن من تزوَّج ابنته من الزنا يُقتَل، والشافعي وأحمد ومالك لا يرون خلاف أبي حنيفة في مَن تزوَّج أمه وابنته أنه يُدرأ عنه [٩٧/أ] الحدُّ بشبهةٍ دارئةٍ للحد، بل عند الإمام أحمد - ﵁ - يُقتل، وعند الشافعي ومالك يُحدُّ حدَّ الزنا في هذا (^٣)، مع أن القائلين بالمتعة والصرف معهم سنة وإن كانت منسوخة، وأرباب الحيل ليس معهم سنة، ولا أثرٌ عن صاحب، ولا قياس صحيح.\nوقولهم: «إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها» ليس بصحيح؛ فإن الإنكار\n_________\n(^١) ك: «فقهاء أهل الحديث».\n(^٢) «خلاف» ليست في ك.\n(^٣) ز، ك: «حد الزاني هذا».","vol":"4","page":231},{"text":"إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا سابقًا (^١) وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله. وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرَّحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء؟ وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغٌ لم يُنكَر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلّدًا (^٢).\nوإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم.\nوالصواب ما عليه الأئمة (^٣) أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، مثل حديث صحيح لا معارضَ له من جنسه فيَسُوغُ ــ إذا عُدِم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به ــ الاجتهادُ، لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها. وليس في قول العالم: «إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، أو لا يَسُوغ فيها الاجتهاد» طعنٌ على من خالفها، ولا نسبةٌ له إلى تعمُّدِ خلاف الصواب.\nوالمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقّنا صحةَ أحد\n_________\n(^١) د: «شائعًا».\n(^٢) ك: «ومقلدا».\n(^٣) ك: «الأمة».","vol":"4","page":232},{"text":"القولين فيها كثير، مثل كون الحامل تعتدُّ بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلِّها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم يُنزِل، وأن ربا الفضل حرام، وأن المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يُقتَل بالكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة، وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعقار، وأن الوقف صحيح لازم، وأن دية الأصابع سواء، وأن يد السارق تُقطَع في ثلاثة دراهم، وأن الخاتم من (^١) الحديد يجوز أن يكون صداقًا، وأن التيمم إلى الكُوعَين بضربة واحدة جائز، وأن صيام الولي عن الميت يُجزِئ عنه، وأن الحاج يلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وأن المُحرِم له استدامة الطيب دون ابتدائه، وأن السنة أن يسلِّم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (^٢). وأن خيار المجلس ثابت في البيع، وأن المصرَّاة يُردُّ معها عوض [٩٦/ب] اللبن صاعًا من تمر، وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة، وأن القضاء جائز بشاهد ويمين، إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل. ولهذا صرَّح (^٣) الأئمة بنقض حكم من حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها.\n_________\n(^١) «من» ليست في ك.\n(^٢) رواه أحمد (٣٦٩٩) وأبو داود (٩٩٦) والترمذي (٢٩٥) والنسائي (١١٤٢) وابن ماجه (٩١٤)، وصححه الطحاوي في «معاني الآثار» (١/ ٢٦٧) وابن خزيمة (٧٢٨) وابن حبان (١٩٩٠) والبيهقي (٢/ ١٧٧) وغيرهم.\n(^٣) د، ك: «يصرح».","vol":"4","page":233},{"text":"وعلى كل حال فلا عذرَ عند الله يوم لقائه لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارضَ لها إذا نبذها وراء ظهره، وقلَّد من نهاه عن تقليده، وقال له: لا يحلُّ لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة، وإذا صح الحديث فلا تعبأْ بقولي. وحتى لو لم يقل له ذلك لكان هذا هو الواجب عليه وجوبًا لا فُسحةَ له فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك لم يسَعْه إلا اتباع الحجة، ولو لم يكن في هذا الباب شيء من الأحاديث والآثار البتةَ، فإن المؤمن يعلم بالاضطرار أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يعلِّم أصحابه هذه (^١) الحيل، ولا يدلُّهم عليها، ولو بلغه عن أحد فعلُ شيء منها لأنكر عليه، ولم يكن أحد من أصحابه يفتي بها ولا يعلِّمها، وذلك مما يقطع به كل من له أدنى اطلاع على أحوال القوم وسيرتهم وفتاويهم. وهذا القدر لا يحتاج إلى دليل أكثر من معرفة حقيقة الدين الذي بعث الله به رسوله.\nفصل\nفلنرجع إلى المقصود، وهو بيان بطلان هذه الحيل على التفصيل، وأنها لا تتمشَّى لا على قواعد الشرع ومصالحه وحكِمَه ولا على أصول الأئمة.\nقال شيخنا (^٢): ومن الحيل الجديدة التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافًا في تحريمها: أن يريد الرجل أن يقف على نفسه وبعد موته على جهات متصلة، فيقول له أرباب الحيل: أَقِرَّ أن هذا المكان الذي بيدك وقفٌ\n_________\n(^١) ك: «هذا».\n(^٢) في «بيان الدليل» (ص ١٤٩ - ١٥٠).","vol":"4","page":234},{"text":"عليك من غيرك، ويعلّمونه الشروط التي يريد إنشاءها، فيجعلها إقرارًا؛ فيعلّمونه الكذب في الإقرار، ويشهدون على الكذب وهم يعلمون، ويحكمون بصحته. ولا يستريب مسلم في أن هذا حرام؛ فإن الإقرار شهادة من الإنسان على نفسه، فكيف يلقّن شهادة الزور (^١) ويشهد عليه بصحتها؟ ثم إن كان وقف الإنسان على نفسه باطلًا في دين الله فقد علَّمتموه حقيقة الباطل؛ فإن الله سبحانه قد علم أن هذا لم يكن وقفًا قبل الإقرار، ولا صار وقفًا بالإقرار الكاذب، فيصير المال حرامًا على من يتناوله إلى يوم القيامة، وإن كان وقف الإنسان على نفسه صحيحًا فقد أغنى الله سبحانه عن تكلُّف الكذب.\nقلت: وإن قيل: إنه (^٢) مسألة خلاف يسوغ فيها الاجتهاد، فإذا وقَفَه على نفسه كان لصحته مساغٌ، لما فيه من الاختلاف السائغ، وأما الإقرار بوقفه من غير إنشاء متقدم فكذب بحتٌ، ولا يجعله ذلك وقفًا اتفاقًا إذا (^٣) أخذ الإقرار على حقيقته، ومعلوم قطعًا أن تقليد الإنسان لمن يفتي بهذا القول ويذهب إليه أقربُ إلى الشرع والعقل من توصُّله إليه بالكذب والزور والإقرار الباطل؛ فتقليد عالم من علماء المسلمين أعذرُ عند الله من تلقين الكذب والشهادة عليه.\nفصل\nولهم حيلة أخرى، وهي أن الذي يريد الوقف يملِّكه لبعض من [٩٨/أ]\n_________\n(^١) ك: «زور».\n(^٢) ك: «إنها».\n(^٣) ز: «فإذا».","vol":"4","page":235},{"text":"يثق به، ثم يقِفُه ذلك المملَّك (^١) عليه بحسب اقتراحه. وهذا لا شك في قبحه وبطلانه؛ فإن التمليك المشروع المعقول أن يرضى المملِّك بنقل المِلك إلى المملَّك بحيث يتصرف فيه بما يجب من وجوه التصرفات، وهنا قد علم الله سبحانه والحفظة الموكَّلون بالعبد ومن يشاهدهم من بني آدم من هذا المملّك أنه لم يرضَ بنقل الملك إلى هذا، ولا خطر له على بالٍ، ولو سأله درهمًا واحدًا فلعله كان لم (^٢) يسمح عليه به، ولم يرضَ بتصرُّفه فيه إلا بوقفه على المملَّك (^٣) خاصة، بل قد ملَّكه إياه بشرط أن يتبرَّع عليه به وقفًا، إما شرط مذكور وإما شرط معهود متواطأ عليه، وهذا تمليك فاسد قطعًا، وليس بهبة ولا صدقة ولا هدية ولا وصية (^٤) ولا إباحة، وليس هذا بمنزلة العمرى والرُّقبى المشروط فيها العود إلى المُعمِر، فإنه هناك ملَّكه التصرُّفَ فيه وشرطَ العودَ، وهنا لم يملِّكه شيئًا، وإنما تكلَّم بلفظ التمليك غير قاصد معناه، والموهوب له يصدِّقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك، بل هو استهزاء بآيات الله وتلاعبٌ بحدوده، وسنذكر إن شاء الله في الفصل الذي بعد هذا الطريقَ الشرعية المُغنِية عن هذه الحيلة الباطلة.\nفصل\nومن الحيل الباطلة: تحيُّلُهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلًا، وقد شرط الواقف أن لا يُؤجِر أكثر من سنتين أو ثلاثًا؛ فيُؤجِره المدةَ الطويلة في\n_________\n(^١) ك: «المملوك».\n(^٢) «لم» ليست في النسخ، وقد زيدت في هامش د.\n(^٣) ك: «الملك».\n(^٤) «وهذا تمليك ... ولا وصية» ساقطة من ز.","vol":"4","page":236},{"text":"عقود متفرقة في مجلس واحد.\nوهذه الحيلة باطلة قطعًا، فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول مدة الإجارة، فإنها مفاسد كثيرة جدًّا، وكم قد ملك من الوقوف بهذه الطريق وخرج عن الوقفية بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنين (^١) بعد سنين، وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقف بالإيجار الطويل، وكم أُوجِر الوقفُ بدون إجارة مثله لطول (^٢) المدة وقبض الأجرة، وكم زادت أجرة الأرض أو العقار أضعافَ ما كانت ولم يتمكَّن الموقوف عليه من استيفائها. وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العدَّ، والواقف إنما قصد دفعها، وخشي منها بالإجارة الطويلة، فصرَّح بأنه لا يُؤجِر أكثر من تلك المدة التي شرطها، فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقدٍ أو عقودٍ مخالَفةٌ صريحة لشرطه، مع ما فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة.\nويا لله العجب! هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد؟ وأي غرض للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدة ثم يجوِّزها في ساعة واحدة، في عقود متفرقة؟ وإذا آجرَه في عقود متفرقة أكثر من ثلاث سنين، أيصح أن يقال: وفَى بشرط (^٣) الواقف ولم يخالفه؟ هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل، وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه، وتعريضٌ لإبطال هذه الصدقة، وأن لا يستمر نفعها، ولا يصل إلى من بعد\n_________\n(^١) في جميع النسخ: «سنينا».\n(^٢) ك: «ولطول».\n(^٣) ك: «شرط».","vol":"4","page":237},{"text":"الطبقة الأولى وما قاربها (^١)، فلا يحلُّ لمفتٍ أن يفتي بذلك، ولا لحاكم أن يحكم به، ومتى حكم به نُقِض حكمه، اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف، بأن يخرب ويتعطّل نفعه [٩٨/ب] فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة، فهنا يتعيَّن مخالفة شرط الواقف تصحيحًا لوقفه واستمرارًا لصدقته، وقد يكون هذا خيرًا من بيعه والاستبدال به، وقد يكون البيع والاستبدال خيرًا من الأجرة (^٢)، والله يعلم المُفسِد من المصلح.\nوالذي يُقضَى منه العجب: التحيلُ على مخالفة شرط الواقف وقصده الذي يقطع بأنه قصده مع ظهور المفسدة، والوقوف مع ظاهر شرطه ولفظه المخالف لقصده وللكتاب (^٣) والسنة ومصلحة الموقوف عليه، بحيث يكون مرضاة الله ورسوله ومصلحة الواقف وزيادة أجره ومصلحة الموقوف عليه وحصول الرفق به مع كون العمل أحبَّ إلى الله ورسوله= لا يغيِّر شرطَ الواقف، ويجري مع ظاهر لفظه، وإن ظهر قصده بخلافه.\nوهل هذا إلا من قلة الفقه؟ بل من عدمه (^٤)، فإذا تحيَّلتم على إبطال مقصود الواقف حيث يتضمن المفاسد العظيمة فهلَّا تحيلتم على مقصوده ومقصود الشارع حيث يتضمن المصالح الراجحة بتخصيص لفظه أو تقييده أو تقديم شرط الله عليه؟ فإن شرط الله أحقُّ وأوثقُ، بل يقولون هاهنا: نصوص الواقف كنصوص الشارع، وهذه جملة من أبطل الكلام، وليس\n_________\n(^١) ك: «قارنها».\n(^٢) ك: «الإجارة».\n(^٣) ز: «لقصد الكتاب». ك: «لقصده الكتاب».\n(^٤) ز: «من قله عدمه».","vol":"4","page":238},{"text":"لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدًا، بل نصوص الواقف يتطرَّق إليها التناقض والاختلاف، ويجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع وإلغاؤها، ولا حرمةَ لها حينئذٍ البتةَ، ويجوز بل يترجح مخالفتها إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله منها وأنفع للواقف والموقوف عليه، ويجوز اعتبارها والعدول (^١) عنها مع تساوي الأمرين، ولا يتعيَّن الوقوف معها. وسنذكر إن شاء الله فيما بعدُ ونبيِّن ما يحلُّ الإفتاء به (^٢) وما لا يحلُّ من شروط الواقفين؛ إذ (^٣) القصد بيان بطلان هذه الحيلة شرعًا وعرفًا ولغةً.\nفصل\nومن الحيل الباطلة: ما لو حلف أن لا يفعل شيئًا، ومثله لا يفعله بنفسه أصلًا، كما لو حلف السلطان أن لا يبيع كذا، ولا يحرث هذه الأرض ولا يزرعها، ولا يُخرِج هذا من بلده، ونحو ذلك، فالحيلة أن يأمر غيره أن يفعل ذلك، ويَبَرُّ (^٤) في يمينه إذا لم يفعله بنفسه.\nوهذا من أبرد الحيل وأسمجِها وأقبحها، وفعل ذلك هو الحنث الذي حلف عليه بعينه، ولا يشكُّ (^٥) في أنه حانث، ولا أحد من العقلاء، وقد علم الله ورسوله والحَفَظَة ــ بل والحالف نفسه ــ أنه إنما حلف على نفي الأمر\n_________\n(^١) ك: «والعدل».\n(^٢) «به» ليست في ك.\n(^٣) ك: «إذا».\n(^٤) ك: «ويبين»، تحريف.\n(^٥) ك: «ولا شك».","vol":"4","page":239},{"text":"والتمكين من ذلك، لا على مباشرته. والحيل إذا أفضَتْ إلى مثل هذا سَمُجَت غاية السماجة، ويلزم أرباب الحيل ــ والظاهر أنهم يقولون ــ أنه (^١) إذا حلف أن لا يكتب لفلان توقيعًا ولا عهدًا ثم أمر كتَّابه أن يكتبوه له، فإنه لا يحنث، سواء كان أميًّا أو كاتبًا، وكذلك إذا حلف أن لا يحفر هذا البئر، ولا يُكرِي هذا النهر، فأمر غيره بحفْره وإكرائه أنه لا يحنث.\nفصل\nومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في الدار هذه السنة، أو لا يأكل هذا الطعام، فليأكل الرغيف [٩٩/أ] ويَدَعْ منه لقمة واحدة، ويسكن السنة كلها إلا يومًا واحدًا، ويأكل الطعام كله إلا القدر اليسير منه ولو أنه لقمة.\nوهذه حيلة باردة باطلة، ومتى فعل ذلك فقد أتى بحقيقة الحنث، وفعل نفس ما حلف عليه، وهذه الحيلة لا تتأتى على قول من يقول: يحنث بفعل بعض المحلوف عليه، ولا على قول من يقول: لا يحنث، لأنه لم يرد مثل هذه الصورة قطعًا، وإنما أراد به إذا أكل لقمة مثلًا من الطعام الذي حلف أنه لا يأكله أو حبَّةً من القِطْف (^٢) الذي حلف على تركه، ولم يُرِد أنه يأكل القطف إلا حبة واحدة منه، وعالم لا يقول هذا.\nثم يَلزم هذا المتحيلَ أن يجوِّز للمكلَّف فعلَ كل ما نهى الشارع عن جملته فيفعله إلا القدر اليسير منه، فإن البرّ والحِنث في الأيمان نظيرُ الطاعة\n_________\n(^١) «أنه» ليست في ك.\n(^٢) العنقود ساعةَ يُقطَف.","vol":"4","page":240},{"text":"والمعصية في الأمر والنهي، ولذلك لا يبرُّ إلا بفعل المحلوف عليه جميعه، لا بفعلِ بعضه، كما لا يكون مطيعًا إلا بفعله جميعه، ويحنث بفعل بعضه كما يعصي بفعل بعضه، فيلزم هذا القائلَ أن يجوِّز للمُحرِم في الإحرام حلقَ تسعة أعشار رأسه، بل وتسعة أعشار العُشر الباقي؛ لأن الله سبحانه إنما نهاه عن حلق رأسه كله لا عن بعضه، كما يفتي لمن حلف لا يحلق رأسه أن يحلقه إلا القدر اليسير منه.\nوتأملْ لو فعل المريض هذا فيما نهاه الطبيب عن تناوله، هل يُعدُّ قابلًا منه؟ أو لو فعل مملوك الرجل أو زوجته أو ولده ذلك فيما نهاهم عنه، هل يكونون مطيعين له أم مخالفين؟ وإذا تحيل أحدهم على نقض غرض الآمر (^١) وإبطاله (^٢) بأدنى الحيل، هل كان يقبل ذلك منه ويحمده عليه أو يعذره؟ وهل يعذر أحدًا (^٣) من الناس يعامله بهذه الحيل؟ فكيف يُعامل هو مَن لا تخفى عليه خافية؟\nفصل\nومن الحيل الباطلة المحرمة: ما لو أراد الأب إسقاط حضانة الأم أن يسافر إلى غير بلدها، فيتبعه الولد.\nوهذه الحيلة مناقضة لما قصده الشارع؛ فإنه جعل الأم أحقَّ بالولد من الأب، مع قرب الدار وإمكان اللقاء كل وقت لو قضى به للأب، وقضى أن لا\n_________\n(^١) ز: «للآمر».\n(^٢) ز: «رابطًا له»، تحريف.\n(^٣) د: «أحد».","vol":"4","page":241},{"text":"تُولَّه والدةٌ على ولدها (^١)، وأخبر أن من فرَّق بين والدةٍ وولدِها فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة (^٢)، ومنع أن تُباع (^٣) الأم دون ولدها والولد دونها، وإن كانا في بلد واحد (^٤)، فكيف يجوز مع هذا التحيلُ على التفريق بينها وبين ولدها تفريقًا تعِزُّ معه رؤيته ولقاؤه ويعِزُّ عليها الصبر عنه وفقده؟ هذا من أمحل المحال، بل قضاء الله ورسوله أحقُّ أن الولد للأم؛ سافر الأب أو أقام، والنبي - ﷺ - قال للأم: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكحِي» (^٥)، فكيف يقال: أنتِ أحقُّ به ما لم تسافري مع الأب؟ وأين هذا في كتاب الله أو سنة رسوله أو فتاوى أصحابه أو القياس الصحيح؟ فلا نص ولا قياس ولا مصلحة.\nفصل\nومن الحيل الباطلة المحرمة: إذا أراد حرمانَ امرأته الميراثَ، أو كانت\n_________\n(^١) رواه البيهقي (٨/ ٥) عن أبي بكر مرفوعًا. وفي إسناده ابن لهيعة، ضعيف.\n(^٢) رواه أحمد (٢٣٤٩٨) والترمذي (١٢٨٣، ١٥٦٦) والدارقطني (٣/ ٦٧) والحاكم (٢/ ٥٥) عن أبي أيوب الأنصاري. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والحديث حسن بمجموع طرقه وشواهده. انظر تعليق المحققين على «المسند».\n(^٣) ز: «تنازع». ك: «ابتاع».\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) رواه أبو داود (٢٢٧٦) والحاكم (٢/ ٢٠٨) والبيهقي (٨/ ٤ - ٥) من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب به، وهذا الإسناد صحيح. وله طرق أخرى عن عمرو. والحديث صححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٣١٧) وابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٥٠) وأحمد شاكر في تحقيق «المسند» (١٠/ ١٧٧)، وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (٢١٨٧).","vol":"4","page":242},{"text":"تركته كلها عبيدًا وإماءً فأراد [٩٩/ب] جعل تدبيرهم من رأس المال، أن يقول في الصورة الأولى: إذا متُّ من مرضي هذا فأنت (^١) طالق قبل مرضي بساعة ثلاثًا، ويقول في الصورة الثانية: إذا متُّ في مرضي هذا فأنتم عُتقاء قبلَه بساعة، وحينئذٍ فيقع الطلاق والعتق في الصحة.\nوهذه حيلة باطلة؛ فإن التعليق إنما وقع منه في حال مرض موته، ولم يقارِنْه أثره، وهو في هذه الحال لو نجَّز العتق والطلاق لكان العتق من الثلث والطلاق غير مانع للميراث، مع مقارنة أثره له، وقوةِ المنجَّز وضعفِ المعلَّق. وأيضًا فالشرط هو موته في (^٢) مرضه، والجزاء المعلَّق عليه هو العتق والطلاق، والجزاء يستحيل أن يسبق شرطه؛ إذ في ذلك إخراج الشرط عن حقيقته وحكمه، وقد تقدَّم تقرير ذلك في الحيلة السُّريجية.\nفصل\nومن الحيل الباطلة المحرمة: إذا كان مع أحدهما دينار رديء ومع الآخر نصف دينار جيد، فأرادا بيع أحدهما بالآخر، قال أرباب الحيل: الحيلة أن يبيعه دينارًا بدينار في الذمة، ثم يأخذ البائع الدينار الذي يريد شراءه (^٣) بالنصف، فيريد الآخر دينارًا عوضه، فيدفع إليه نصف الدينار وفاء، ثم يستقرضه منه، فيبقى له في ذمته نصف دينار، ثم يعيده إليه وفاء عن قرضه، فيبرأ منه، ويفوز كلٌّ منهما بما كان مع الآخر.\n_________\n(^١) ز: «فأنتي».\n(^٢) ك: «من».\n(^٣) ك: «اشتراه».","vol":"4","page":243},{"text":"ومثل هذه الحيلة لو أراد أن يجعل بعض رأس مال السَّلَم دَينًا (^١) يوفيه إياه في وقت آخر، بأن يكون معه نصف دينار ويريد أن يُسلِم إليه دينارًا في كُرِّ (^٢) حنطةٍ، فالحيلة أن يُسلِم إليه دينارًا غير معين، ثم يوفيه نصف الدينار، ثم يعود فيستقرضه منه، ثم يوفيه إياه عما له عليه من الدين، فيتفرقان وقد بقي له في ذمته نصف دينار.\nوهذه الحيلة من أقبح الحيل؛ فإنهما لا يخرجان بها عن بيع دينار بنصف دينار، ولا عن تأخير رأس مال السَّلَم عن مجلس العقد، ولكن توصَّلا إلى ذلك بالقرض الذي جعلا صورته مبيحة لصريح الربا، ولتأخير قبض رأس مال السَّلَم، وهذا غير القرض الذي جاءت به الشريعة، وهو قرض لم يشرعه الله، وإنما اتخذه المتعاقدان تلاعبًا بحدود الله وأحكامه، واتخاذًا لآياته هُزوًا. وإذا كان القرض الذي يجرُّ النفع ربًا عند صاحب الشرع، فكيف بالقرض الذي يجرُّ صريح الربا وتأخير قبض رأس مال السَّلَم؟\nفصل\nومن الحيل الباطلة المحرمة: التحيلُ على إسقاط ما جعله الله سبحانه حقًّا للشريك على شريكه من استحقاق الشفعة دفعًا للضرر، والتحيل لإبطالها مناقض لهذا الغرض، وإبطالٌ لهذا الحكم بطريق التحيل. وقد ذكروا وجوهًا من الحيل.\n_________\n(^١) ك: «دينارا»، تحريف.\n(^٢) الكُر: مكيال لأهل العراق، ستون قفيزًا أو أربعون إردبًّا.","vol":"4","page":244},{"text":"منها: أن يتفقا على مقدار الثمن، ثم عند العقد يَصْبِره صُبْرةً (^١) غير موزونة، فلا يعرف الشفيع ما يدفع، فإذا فعلا ذلك فللشفيع أن يستحلف المشتري أنه لا يعرف قدر الثمن، فإن نكَلَ قضى عليه بنكوله، وإن حلف فللشفيع أخذ الشِّقْص بقيمته.\nومنها: أن يهب الشِّقصَ [١٠٠/أ] للمشتري، ثم يهبه المشتري ما يرضيه.\nوهذا لا يُسقِط (^٢) الشفعة، وهذا بيع وإن لم يتلفَّظا به، فله أن يأخذ الشِّقص بنظير الموهوب.\nومنها: أن يشتري الشِّقص (^٣)، ويضمَّ إليه سكّينًا أو منديلًا بألف درهم، فيصير حصة الشِّقص من الثمن مجهولة.\nوهذا لا يُسقط الشفعة، بل يأخذ الشفيع الشِّقص بقيمته، كما لو استحق أحد العوضين وأراد المشتري أخذ الآخر، فإنه يأخذه بحصته من الثمن إن انقسم (^٤) الثمن عليهما بالأجزاء، وإلا فبقيمته. وهذا الشِّقص مستحقٌّ شرعًا؛ فإن الشارع جعل الشفيع أحق به من المشتري بثمنه، فلا يسقط حقُّه منه بالحيلة والمكر والخداع.\nومنها: أن يشتري الشِّقص بألف دينار، ثم يصارفه عن كل دينار\n_________\n(^١) أي يجعله كُومةً.\n(^٢) ك: «سقط».\n(^٣) «بنظير ... الشقص» ساقطة من ك.\n(^٤) ز: «ان يقسم».","vol":"4","page":245},{"text":"بدرهمين، فإذا أراد أخْذَه أخَذَه بالثمن الذي وقع عليه العقد.\nوهذه الحيلة لا تُسقِط الشفعة، وإذا أراد أخْذه أخَذه بالثمن الذي استقر عليه العقد وتواطأ عليه البائع والمشتري؛ فإنه هو الذي انعقد به العقد، ولا عبرةَ بما أظهراه من الكذب والزور والبهتان الذي لا حقيقة له. ولهذا لو استحقّ المبيع فإن المشتري لا يرجع على البائع بألف دينار، وإنما يرجع عليه بالثمن الذي تواطآ عليه واستقرَّ عليه العقد؛ فالذي يرجع به عند الاستحقاق هو الذي يدفعه الشفيع عند الأخذ. هذا محض العدل الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتابه، ولا تحتمل الشريعة سواه.\nومنها: أن يشتري بائع الشِّقص من المشتري عبدًا قيمته مائة درهم بألف درهم في ذمته، ثم يبيعه الشِّقصَ بالألف.\nوهذه الحيلة لا تُبطل الشفعة، ويأخذ الشفيع الشقص (^١) بالثمن الذي يرجع به المشتري على البائع إذا استحق المبيع، وهو قيمة العبد.\nومنها: أن يشتري الشقص بألفٍ وهو يساوي مائة، ثم يُبرِئه البائع من تسع مائة.\nوهذا لا يُسقط الشفعة، ويأخذه الشفيع بما بقي (^٢) من الثمن بعد الإسقاط، وهو الذي يرجع به إذا استحق المبيع.\nومنها: أن يشتري جزءًا من الشِّقص بالثمن كله، ثم يهب له بقية الشِّقص.\n_________\n(^١) «من المشتري ... الشقص» ساقطة من ك.\n(^٢) ك: «تفي».","vol":"4","page":246},{"text":"وهذا لا يُسقطها، ويأخذ الشفيع الشِّقص كله بالثمن؛ فإن هذه الهبة لا حقيقة لها، والموهوب هو المبيع بعينه، ولا تُغيَّر حقائق العقود وأحكامها التي شُرِعت فيها بتغيُّر العبارة. وليس للمكلَّف أن يغيِّر حكم العقد بتغيير عبارته فقط مع قيام حقيقته، وهذا لو أراد من البائع أن يهبه جزءًا من ألف جزء من الشِّقص بغير عوض لما سمحت نفسه بذلك البتةَ، فكيف يهبه ما يساوي مائة ألف بلا عوض؟ وكيف يشتري (^١) منه الآخر مائة درهم بمائة ألف؟ وهل هذا إلا سَفَهٌ يقدح في صحة العقد؟\nقال الإمام أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأله عن الحيلة في إبطال الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في ذلك، [١٠٠/ب] ولا في إبطال حقِّ مسلم.\nوقال عبد الله بن عمر - ﵄ - في هذه الحيل وأشباهها: من يَخْدع الله يَخْدَعْه، والحيلة خديعة (^٢).\nوقد قال النبي - ﷺ -: «لا تَحِلُّ الخديعة لمسلم» (^٣). والله تعالى ذمَّ\n_________\n(^١) «يشتري» ساقطة من ز.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٠٧٧٩) وسعيد بن منصور (١٠٦٥) والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٥٧) والبيهقي (٧/ ٣٣٧)، كلهم عن ابن عباس، ولم أجده من أثر ابن عمر، ولعله تصحيف من ابن عباس. وقد ذكره ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ٣١) منسوبًا إلى ابن عباس.\n(^٣) رواه أحمد (٤١٢٥) وابن ماجه (٢٢٤١) عن ابن مسعود مرفوعًا، وفيه جابر الجعفي، وهوضعيف جدًّا. ورواه عبد الرزاق (١٤٨٦٥) وابن أبي شيبة (٢١٢٠٧) والبيهقي (٥/ ٣١٧) موقوفًا على ابن مسعود، وصححه البيهقي (٥/ ٣١٧). وقد ضعف الرفعَ الحافظُ في «الفتح» (٤/ ٣٦٧) والبوصيري في «الإتحاف» (٢/ ١٩) من أجل جابر ورجّحا الوقفَ. ولكن كل ذلك بلفظ: «لا تحل الخلابة».","vol":"4","page":247},{"text":"المخادعين، والمتحيل مخادع. ولأن الشفعة شُرعت لدفع الضرر، فلو شُرع التحيل لإبطالها لكان عودًا على مقصود الشريعة بالإبطال، ولَلَحِقَ الضرر الذي قصد إبطاله.\nفصل\nومن الحيل الباطلة: التحيلُ على إبطال القسمة في الأرض القابلة لها، بأن يقف الشريك منها سهمًا من مائة ألف سهم مثلًا على من يريد، فيصير الشريك شريكًا في الوقف، والقسمة (^١) بيع؛ فتبطل.\nوهذه حيلة فاسدة باردة لا تُبطِل حقَّ الشريك من القسمة، وتجوز القسمة ولو وقف حصته كلها؛ فإن القسمة إفراز حق وإن تضمَّنت معاوضة، وهي غير البيع حقيقة واسمًا وحكمًا وعرفًا، ولا يسمَّى القاسم بائعًا لا لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا، ولا يقال للشريكين إذا تقاسما تبايعا، ولا يقال لواحد منهما إنه قد باع مِلكه، ولا يدخل المتقاسمان تحت نص واحد من النصوص المتناولة للبيع، ولا يقال لناظر الوقف إذا أفرز الوقف وقسمه من غيره إنه قد باع الوقف، وللآخر إنه قد اشترى الوقف، وكيف ينعقد البيع بلفظ القسمة ولو كانت بيعًا لوجبت فيها الشفعة؟ ولو كانت بيعًا لما أجبر الشريك عليها إذا طلبها شريكه؛ فإن أحدًا لا يُجبَر على بيع ماله، ويلزم إخراج القرعة، بخلاف البيع، ويتقدر أحد النصيبين فيها بقدر النصيب الآخر إذا تساويا، وبالجملة فهي منفردة عن البيع باسمها وحقيقتها وحكمها.\n_________\n(^١) «وتجوز ... فإن القسمة» ساقطة من ك.","vol":"4","page":248},{"text":"فصل\nومن الحيل الباطلة: التحيلُ على تصحيح المزارعة لمن يعتقد فسادها، بأن يدفع الأرض إلى المزارع ويُؤجِره نصفها مشاعًا مدة معلومة يزرعها ببذره على أن يزرع للمؤجر النصف الآخر ببذره تلك المدة، ويحفظه ويسقيه ويحصده ويُذريه، فإذا فعلا ذلك أخرجا البذر منهما نصفين نصفًا من المالك ونصفًا من المزارع، ثم خلطاه، فتكون الغلّة بينهما نصفين. فإن أراد صاحب الأرض أن يعود إليه ثلثا (^١) الغلة آجره ثلثَ الأرض مدة معلومة على أن يزرع له مدة الإجارة ثلثي الأرض ويخرجان البذر منهما أثلاثًا ويخلطانه (^٢)، وإن أراد المزارع أن يكون له ثلثا البذر استأجر ثلثي الأرض بزرع الثلث الآخر كما تقدم.\nفتأملْ هذه الحيلة الطويلة الباردة المتعبة، وترك الطريق المشروعة التي فعلها رسول الله - ﷺ - حتى كأنها رأي عينٍ، واتفق عليها الصحابة، وصح فعلها عن الخلفاء الراشدين صحة لا يشك (^٣) فيها، كما حكاه البخاري في «صحيحه» (^٤). فما مثل العدول عن طريقة القوم إلى هذه الحيلة الطويلة السمجة إلا بمنزلة من أراد الحج من المدينة على الطريق التي حج فيها رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فقيل له: هذه الطريق (^٥) مسدودة، وإذا أردتَ أن\n_________\n(^١) «ثلثا» ساقطة من ك.\n(^٢) ك: «ويخلطاه».\n(^٣) ك: «لا شك».\n(^٤) انظر: (٥/ ١٠ - مع الفتح).\n(^٥) ك: «طريق».","vol":"4","page":249},{"text":"تحج فاذهبْ إلى الشام ثم منها إلى العراق، ثم حجّ على دَرْب العراق وقد وصلت.\nفيا لله العجب! كيف تُسَدُّ عليه الطريق القريبة السهلة [١٠١/أ] القليلة الخطر التي سلكها رسول الله - ﷺ - وأصحابه ويُدَلُّ على الطريق الطويلة الصعبة المشقة الخطرة التي لم يسلكها رسول الله - ﷺ - ولا أحد من أصحابه؟\nفلله العظيم عظيمُ حمدٍ ... كما أهدى لنا نِعمًا غِزارَا\n\nوهذا شأن جميع الحيل إذ كانت صحيحة جائزة، وأما إذا كانت باطلة (^١) محرمة فتلك لها شأن آخر، وهي طريق إلى مقصد (^٢) آخر غير الكعبة البيت الحرام، وبالله التوفيق.\nفصل\nومن الحيل الباطلة التي لا تُسقط الحق: إذا أراد الابن منعَ الأب الرجوع فيما وهبه إياه أن يبيعه لغيره، ثم يستقيله إيّاه، وكذلك المرأة إذا أرادت منع الزوج من الرجوع في نصف الصداق باعتْه ثم استقالته.\nوهذا لا يمنع الرجوع، فإن المحذور إبطال حق الغير من العين، وهذا لا يُبطل للغير حقًّا، والزائل العائد كالذي لم يزل، ولا سيما إذا كان زواله إنما جعل ذريعة وصورة إلى إبطال حق الغير؛ فإنه لا يبطل بذلك (^٣).\nيوضحه أن الحق كان متعلقًا بالعين تعلُّقًا قدَّم الشارع مستحقَّه على\n_________\n(^١) «باطلة» ليست في د.\n(^٢) د: «مقصود».\n(^٣) «بذلك» ليست في ز.","vol":"4","page":250},{"text":"المالك لقوته، ولا يكون صورة إخراجه عن يد المالك إخراجًا لا حقيقة له أقوى من الاستحقاق الذي أثبت الشارع به انتزاعه من يد المالك، بل لو كان الإخراج حقيقة ثم عاد لَعاد حقُّ الأول من الأخذ لوجود مقتضيه وزوال مانعه، والحكم إذا كان له مقتضي (^١) فمنع مانع من إعماله ثم زال المانع اقتضى المقتضي عمله.\nفصل\nومن الحيل الباطلة المحرمة: إذا أراد أن يخصَّ بعضَ ورثته ببعض الميراث، وقد علم أن الوصية لا تجوز، وأن عطيته في مرضه وصية؛ فالحيلة أن يقول: كنت وهبتُ له كذا وكذا في صحتي، أو يُقِرَّ له بدين، فيتقدم به.\nوهذا باطل، والإقرار للوارث في مرض الموت لا يصح للتهمة عند الجمهور، بل مالك (^٢) يردُّه للأجنبي إذا ظهرت (^٣) التهمة، وقوله هو الصحيح، وأما إقراره أنه كان وهبه إياه في صحته فلا يُقبل أيضًا كما لا يقبل إقراره له بالدين، ولا فرقَ بين إقراره له بالدين أو بالعين.\nوأيضًا فهذا المريض لا يملك إنشاء عقد التبرع المذكور؛ فلا يملك الإقرار (^٤) به، لاتحاد المعنى الموجب لبطلان الإنشاء، فإنه بعينه قائم في الإقرار، وبهذا يزول النقض بالصور التي يملك فيها الإقرار دون الإنشاء،\n_________\n(^١) كذا في النسخ بإثبات الياء.\n(^٢) ز: «ملك».\n(^٣) ز: «إذا ظهر ظهرت».\n(^٤) ك: «إقراره».","vol":"4","page":251},{"text":"فإن المعنى الذي منع من الإنشاء هناك لم يوجد في الإقرار، فتأمَّل هذا الفرق.\nفصل\nومن الحيل الباطلة المحرمة: إذا أراد أن يحابي وارثَه في مرضه أن يبيع أجنبيًّا ــ شفيعُه وارثُه (^١) ــ شِقصًا بدون ثمنه، ليأخذه (^٢) وارثه بالشفعة.\nفمتى قصد ذلك حرمت المحاباة المذكورة، وكان للورثة إبطالها إذا كانت حيلة على محاباة الوارث، وهذا كما يبطل الإقرار له؛ لأنه يتخذ حيلة لتخصيصه.\nوقال أصحابنا: له الأخذ بالشفعة، وهذا لا [١٠١/ب] يستقيم على أصول المذهب، إلا إذا لم يكن حيلة، فأما إذا كان (^٣) حيلة فأصول المذهب تقتضي ما ذكرناه، ومن اعتبر سدَّ الذرائع فأصله يقتضي عدم الأخذ بها وإن لم يقصد الحيلة، فإن قصد التحيُّل امتنع الأخذ لذلك، وإن لم يقصده امتنع سدًّا للذريعة.\nفصل\nومن الحيل الباطلة المحرمة: إذا أوضحَ رأسَه في موضعين وجب عليه عشرة من الإبل، فإذا أراد جعْلَها خمسة فليوضِحْه ثالثةً تخرِق ما بينهما.\nوهذه الحيلة مع أنها محرمة فإنها لا تُسقط ما وجب عليه، فإن العشر\n_________\n(^١) ك: «ووارثه».\n(^٢) ك: «يأخذه».\n(^٣) ك: «كانت».","vol":"4","page":252},{"text":"لا تجب عليه إلا بالاندمال، فإذا فعل ذلك بعد الاندمال فهي موضحة ثالثة، وعليه ديتها، فإن كان قبل الاندمال لم يستقر أَرْشُ الموضحتين الأُولَيين (^١) حتى صار الكل (^٢) واحدة من جانٍ (^٣) واحد، فهو كما لو سَرَتِ الجناية حتى خرقتْ ما بينهما فإنها تصير واحدة.\nوهكذا لو قطع إصبعًا بعد إصبعٍ من امرأة حتى قطع أربعًا؛ فإنه يجب عشرون، ولو اقتصر على الثلاث وجب ثلاثون. وهذا بخلاف ما لو قطع الرابعة بعد الاندمال؛ فإنه يجب فيها عشرٌ، كما لو تعدد الجاني فإنه يجب على كل واحدٍ أرشُ جنايته قبل الاندمال وبعده، وكذلك لو قطع أطراف رجل وجب عليه ديات، فإن اندملت ثم قتله بعد ذلك فعليه مع تلك الديات دية النفس، ولو قتله قبل الاندمال فدية واحدة، كما لو قطعه عضوًا عضوًا حتى مات.\nفصل\nومن الحيل الباطلة الحيل التي فَتَقَتْ (^٤) للسُّرَّاق واللصوص التي لو صحت لم تُقطع يد سارقٍ أبدًا، ولعمَّ الفساد، وتتابع السرّاق في السرقة.\nفمنها: أن ينقُب أحدهما ولا يدخل، ثم يدخل عبده أو شريكه فيخرج المتاع.\n_________\n(^١) ك: «الأولتين».\n(^٢) ك: «لكل».\n(^٣) ك: «جانب».\n(^٤) أي شقَّت الطريق لهم. وفي المطبوع: «فتحت».","vol":"4","page":253},{"text":"ومنها: أن ينزل أحدهما من السطح، فيفتح (^١) الباب من داخلٍ، ويدخل الآخر فيخرج المتاع.\nومنها: أن يدَّعي أنه مِلكه، وأن رب البيت عبده، فبمجرد ما يدّعي ذلك يسقط عنه القطع، ولو كان ربُّ البيت معروف النسب، والناس تعرف أن المال ماله. وأبلغ من هذا أنه لو ادعى العبد السارق أن (^٢) المسروق لسيده وكذَّبه السيد، قالوا: فلا (^٣) قطع عليه، بل يسقط عنه بهذه الدعوى.\nومنها: أن يبلَع الجوهرة أو الدنانير ويخرج بها.\nومنها: أن يغيِّر هيئة (^٤) المسروق بالحِرْز ثم يخرج به (^٥).\nومنها: أن يدّعي أن رب الدار أدخله داره، وفتح له باب داره، فيسقط عنه القطع وإن كذّبه، إلى أمثال ذلك من الأقوال التي حقيقتها أنه لا يجب القطع على سارقٍ البتةَ.\nوكل هذه حيل باطلة لا تُسقِط القطع، ولا تُثير أدنى شبهة، ومحال أن تأتي شريعة بإسقاط عقوبة هذه الجريمة بها، بل ولا سياسة عادلة؛ فإن الشرائع مبنية على مصالح العباد، وفي هذه الحيل أعظم الفساد، ولو أن ملكًا من الملوك وضع عقوبة على جريمة من الجرائم لمصلحة رعيته، ثم أسقطها بأمثال هذه الحيل عُدَّ متلاعبًا.\n_________\n(^١) ك: «ففتح».\n(^٢) «أن» ليست في ك.\n(^٣) ك: «لا».\n(^٤) في النسختين: «قيمة». وأُصلحت بهامش د.\n(^٥) ز: «يده».","vol":"4","page":254},{"text":"فصل\nومن الحيل [١٠٢/أ] الباطلة: الحيلة التي تتضمن إسقاط حدّ الزنا بالكلية، وترفع هذه الشريعةَ من الأرض، بأن يستأجر المرأة لتَطوِيَ له ثيابه، أو تُحوِّل له متاعًا من جانب الدار إلى جانب آخر، أو استأجرها لنفس الزنا، ثم يزني بها؛ فلا يجب عليه الحد.\nوأعظم من هذا كله أنه إذا أراد أن يزني بأمه وأخته أو ابنته أو خالته وعمته ولا يجب عليه الحد فليعقِدْ عليها عقدَ النكاح بشهادة فاسقين، ثم يطؤها ولا حدَّ عليه.\nوأعظم من ذلك أن الرجل المحصن إذا أراد أن يزني ولا يُحدّ فليرتدَّ ثم يسلم، فإنه إذا زنى بعد ذلك فلا حدَّ عليه أبدًا حتى يستأنف نكاحًا أو وطأً جديدًا.\nوأعظم من هذا كله أنه إذا زنى بأمه وخاف من إقامة الحد عليه فليقتلها، فإذا فعل ذلك سقط عنه الحد، وإذا شهد عليه الشهود بالزنا ولم يمكِنْه القدْحُ فيهم فليصدِّقهم، فإذا صدَّقهم سقط عنه الحد.\nولا يخفى أمر هذه الحيل ونسبتها إلى دين الإسلام، هل هي نسبة موافقةٍ أو هي نسبة مناقضةٍ؟\nفصل\nومن الحيل الباطلة: أنه إذا حلف لا يأكل من هذا القمح، فالحيلة أن يطحنَه ويعجِنَه ويأكله خبزًا.\nوطردُ هذه الحيلة الباردة أنه إذا حلف لا يأكل هذه الشاة فليذبحها","vol":"4","page":255},{"text":"وليطبخها ثم يأكلها، وإذا حلف لا يأكل هذه النخلة فليجُذَّ ثمرها ثم يأكله، فإن طردوا ذلك فمن الفضائح الشنيعة، وإن فرَّقوا تناقضوا. فإن قالوا: «الحنطة يمكن أكلها صحاحًا بخلاف الشاة والنخلة، فإنه لا يمكن فيها ذلك»، قيل: والعادة أن الحنطة لا يأكلها صحاحًا (^١) إلا الدوابُّ والطير، وإنما تُؤكل خبزًا، فكلاهما سواء عند الحالف وكل عاقل.\nفصل\nومن الحيل الباطلة المحرمة المضاهية (^٢): ما لو حلف أنه لا يأكل هذا الشحم فالحيلة أن يُذِيبه ثم يأكله.\nوهذا كله تصديق لقول رسول الله - ﷺ -: «لتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم حذْوَ القُذَّة بالقُذَّة»، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» (^٣). وتصديق قوله: «لتأخذَنَّ أمتي ما أخذ الأمم قبلها شِبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ، حتى لو كان فيهم من أتى أمَّه علانيةً لكان فيهم من يفعله» (^٤).\n_________\n(^١) «صحاحًا» ليست في ك.\n(^٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع بعدها زيادة: «للحيلة اليهودية».\n(^٣) رواه البخاري (٣٤٥٦، ٧٣٢٠) ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع».\n(^٤) رواه الترمذي (٢٦٤١) والطبراني (١٣/ ٣٠) والحاكم (١/ ٢١٨) من طريق عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن زياد ضعيف. وضعّفه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣١٦) وعبد الحق في «الأحكام الكبرى» (١/ ٣٠٦). وقال الترمذي: غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني بالشواهد في «الصحيحة» (١٣٤٨).","vol":"4","page":256},{"text":"وهذه الحيلة في الشحوم هي الحيلة اليهودية بعينها، بل أبلغ منها، فإن أولئك لم يأكلوا الشحم بعد إذابته وإنما أكلوا ثمنه.\nفصل\nومن الحيل الباطلة المحرمة لمن أراد أن يتزوَّج بأَمَةٍ وهو قادر على نكاح حرّة: أن يُملِّك ماله لولده ثم يعقد على الأمة ثم يستردّ المال منه.\nوهذه الحيلة لا ترفع المفسدة التي حرَّم الله لأجلها نكاح الأَمَة، ولا تخفِّفها، ولا تجعله عادمًا للطَّول؛ فلا تدخل في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، وهذه الحيلة حيلة على استباحة نفس ما حرَّم الله.\nفصل\nومنها: لو علَّى (^١) الكافر بناءه على مسلم مُنع من ذلك، فالحيلة على جوازه أن يُعلِّيها مسلم ما شاء ثم يشتريها الكافر منه فيسكنها.\nوهذه الحيلة وإن ذكرها بعض الأصحاب فهي مما (^٢) أُدخِلت في المذهب غلطًا محضًا، ولا توافق أصوله ولا فروعه؛ [١٠٢/ب] فالصواب المقطوع به عدم تمكينه (^٣) مِن سُكناها؛ فإن المفسدة لم تكن في نفس البناء، وإنما كانت في ترفُّعه على المسلمين. ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة في الموضعين واحدة (^٤).\n_________\n(^١) أي رفعه وجعله عاليًا.\n(^٢) د. «ما».\n(^٣) ك: «تمكنه».\n(^٤) ك: «واحد».","vol":"4","page":257},{"text":"فصل\nومن الحيل الباطلة: إذا غصَبَه (^١) طعامًا ثم أراد أن يبرأ منه ولا يُعلِمه به، فليدْعُه إلى داره، ثم يقدِّم له ذلك الطعام، فإذا أكله برئ الغاصب.\nوهذه الحيلة باطلة، فإنه لم يملِّكه إياه، ولا مكَّنه من التصرف فيه، فلم يكن بذلك رادًّا لعينِ ماله إليه.\nفإن قيل: ما تقولون لو أهداه إليه فقبله وتصرف فيه وهو لا يعلم أنه ماله؟\nقيل: إن خاف من إعلامه به ضررًا يلحقه منه برئ بذلك، وإن لم يخَفْ ضررًا وإنما أراد المنة عليه ونحو ذلك لم يبرأ، ولا سيما إن كافأه على الهدية فقبل، فهذا لا يبرأ قطعًا.\nفصل\nومن الحيل الباطلة بلا شك: الحيل التي يُفتَى بها مَن حلف لا يفعل الشيء ثم حلف ليفعلنَّه، فيتحيل له حتى يفعله بلا حنث، وذكروا لها صورًا:\nأحدها: أن يحلف لا يأكل هذا الطعام، ثم يحلف هو أو غيره ليأكلنَّه، فالحيلة أن يأكله إلا لقمة منه، فلا يحنث.\nومنها: لو حلف أن لا يأكل هذا الجبن، ثم حلف ليأكلنَّه، قالوا: فالحيلة أن يأكله بالخبز، ويبرّ ولا يحنث.\n_________\n(^١) د: «اغصبه».","vol":"4","page":258},{"text":"ومنها: لو حلف لا يلبس هذا الثوب، ثم حلف هو أو غيره ليلبسنَّه، فالحيلة أن يقطع منه شيئًا يسيرًا ثم يلبسه، فلا يحنث.\nوطردُ قولهم أن يَنْسِل (^١) منه خيطًا ثم يلبسه. ولا يخفى أمر هذه الحيلة وبطلانها (^٢)، وأنها من أقبح الخداع وأسمجه، ولا يتمشَّى على قواعد الفقه ولا فروعه ولا أصول الأئمة؛ فإنه إن كان بتَرْك البعض لا يُعدُّ آكلًا ولا لابسًا فإنه لا يَبرُّ بالحلف ليفعلنّ، فإنه إن عُدَّ فاعلًا وجب أن يحنث في جانب النفي، وإن لم يُعدَّ فاعلًا وجب أن يحنث في جانب الثبوت، فأما أن يُعدَّ فاعلًا بالنسبة إلى الثبوت وغير فاعل بالنسبة إلى النفي فتلاعبٌ.\nفصل\nومنها: الحيل التي تُبطل الظهار والإيلاء والطلاق والعتق بالكلية، وهي مشتقة من الحيلة السُّرَيجية، كقوله: إن تظاهرتُ منكِ أو آليتُ منكِ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا، فلا يمكنه بعد ذلك ظهار ولا إيلاء. وكذلك يقول: إن عَتَقْتُك فأنت حر قبل الإعتاق. وكذلك لو قال: إن بعتُك فأنت حر قبل البيع. وقد تقدم بطلان هذه الحيل كلها.\nفصل\nومن الحيل الباطلة: أن يكون له على رجل مالٌ، وقد أفلس غريمه وأيِسَ مِن أخذه منه، وأراد أن يحسبه من الزكاة، فالحيلة أن يعطيه من الزكاة بقدر ما عليه، فيصير مالكًا للوفاء، فيطالبه حينئذٍ بالوفاء، فإذا وفّاه برئ\n_________\n(^١) أي يَفصِل.\n(^٢) ز، ك: «بطلانه».","vol":"4","page":259},{"text":"وسقطت الزكاة عن الدافع.\nوهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه أو ملَّكه إياه بنية أن يستوفيه من دَينه، فكل هذا لا يُسقط عنه الزكاة، ولا يُعدُّ مخرجًا لها لا شرعًا ولا عرفًا، كما لو [١٠٣/أ] أسقط دينه وحسبه من الزكاة.\nقال مهنَّا (^١): سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دينٌ برهنٍ، وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مالٍ، قال (^٢): يفرِّقه على المساكين، فيدفع إليه رهنه، ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من زكاة ماله، قال (^٣): لا يجزئه ذلك. فقلت له (^٤): فيدفع إليه زكاته، فإن ردَّه (^٥) إليه قضاءً مما له أخذه؟ قال: نعم.\nوقال (^٦) في موضع آخر ــ وقيل له: فإن أعطاه ثم ردَّه إليه؟ ــ قال: إذا كان بحيلة فلا يُعجبني، قيل له: فإن استقرض الذي عليه الدين دراهمَ فقضاه إياها، ثم ردَّها عليه وحسَبَها من الزكاة؟ قال: إذا أراد بهذا إحياء ماله فلا يجوز.\n_________\n(^١) كما في «المغني» (٤/ ١٠٦).\n(^٢) «قال» ليست في ك.\n(^٣) أي الإمام أحمد (أبو عبد الله).\n(^٤) «له» ليست في ز.\n(^٥) ك: «رد».\n(^٦) «المغني» (٤/ ١٠٦).","vol":"4","page":260},{"text":"ومطلق كلامه ينصرف إلى هذا المقيد؛ فيحصل من مذهبه أن دفع (^١) الزكاة إلى الغريم جائز، سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقَّه ثم دفع ما استوفاه إليه، إلا أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز؛ لأن الزكاة حق لله (^٢) وللمستحق، فلا يجوز صرفها إلى الدافع، ويفوز بنفعها العاجل.\nومما يوضح ذلك أن الشارع منعه من أخذها من المستحق بعوضها، فقال: «لا تشترِها ولا تعُدْ في صدقتك» (^٣)، فجعله بشرائها منه بثمنها عائدًا فيها، فكيف إذا دفعها إليه بنيةِ أخْذِها منه؟ قال جابر بن عبد الله: إذا جاء المصَّدق فادفع إليه صدقتك، ولا تشترِها، فإنهم كانوا يقولون: «ابتَعْها» فأقول: إنما هي لله (^٤). وقال ابن عمر: لا تشترِ طَهورَ مالك (^٥).\nوللمنع من شرائه علتان:\nإحداهما: أنه يتخذ ذريعة وحيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأن الفقير يستحيي منه فلا يماكسه في ثمنها، وربما أرخصها ليطمع (^٦) أن يدفع إليه\n_________\n(^١) ك: «يدفع».\n(^٢) ز: «الله».\n(^٣) رواه البخاري (١٤٨٩) ومسلم (١٦٢١) من حديث ابن عمر عن أبيه عمر.\n(^٤) رواه عبد الرزاق (٦٨٩٦) وابن أبي شيبة (١٠٦٠١)، كلاهما من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وإسناد صحيح.\n(^٥) رواه عبد الرزاق (٦٨٩٧) وابن أبي شيبة (١٠٦٠٠)، كلاهما من طريق مسلم بن جبير عن ابن عمر بلفظ «طهرة مالك». ومسلم بن جبير ترجمه أحمد في «العلل» (٢/ ٥١٢) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ٢٥٨) وابن أبي حاتم (٤/ ١٨١) ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/ ٣٩٣).\n(^٦) ز: «ليطمعا».","vol":"4","page":261},{"text":"صدقة أخرى، وربما علم أو توهَّم أنه إن لم يبِعْه إياها استرجعها منه، فيقول: ظفري بهذا الثمن خير من الحرمان.\nالعلة الثانية: قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله بكل طريق، فإن النفس متى طمعت في عوده بوجه ما فآمالُها بعدُ متعلقة به، فلم تطِبْ به نفسًا لله وهي متعلقة به، فقطع عليها طمعها (^١) في العود، ولو بالثمن، ليتمحَّص الإخراج لله، وهذا شأن النفوس الشريفة (^٢) ذوات الأقدار والهمم، أنها إذا أعطت عطاء لم تسمح بالعود فيه بوجه لا بشراء ولا غيره، وتعدُّ ذلك دناءة، ولهذا مثَّل النبي - ﷺ - العائد في هبته بالكلب (^٣) يعود في قيئه (^٤)، لخِسَّته ودناءة نفسه وشُحِّه بما قاءه أن يفوته (^٥).\nفمن محاسن الشريعة منع المتصدق من شراء (^٦) صدقته، ولهذا منع مِن سكنى بلاده التي هاجر منها لله وإن صارت بعد ذلك دارَ إسلام، كما منع النبي - ﷺ - المهاجرين بعد الفتح من الإقامة بمكة فوق ثلاثة أيام (^٧)، لأنهم خرجوا عن ديارهم لله؛ فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه لله، وإن زال\n_________\n(^١) ك: «طمعا».\n(^٢) «الشريفة» ليست في د.\n(^٣) ز: «كالكلب».\n(^٤) رواه مسلم (١٦٢٢) من حديث ابن عباس.\n(^٥) ز: «يعود به».\n(^٦) ك: «شرى».\n(^٧) كما في حديث العلاء بن الحضرمي الذي أخرجه البخاري (٣٩٣٣) ومسلم (١٣٥٢).","vol":"4","page":262},{"text":"المعنى الذي تركوها لأجله.\nفإن قيل: فأنتم تجوِّزون له أن يقضي بها دين المدين، إذا كان المستحق له غيره، فما الفرق بين أن يكون الدين له أو لغيره؟ ويحصل للغريم براءة ذمته [١٠٣/ب] وراحةٌ من ثِقلِ الدَّين في الدنيا ومن حملِه في الآخرة؟ فمنفعته ببراءة ذمته خير له من منفعة الأكل والشرب واللباس، فقد انتفع هو بخلاصه من رِقّ الدين، وانتفع رب المال بتوصُّله إلى أخذ حقه، وصار هذا كما لو أقرضه مالًا ليعمل فيه ويوفِّيه دينه من كسبه.\nقيل: هذه المسألة فيها روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد - ﵁ -:\nإحداهما: أنه لا يجوز له أن يقضي دينه من زكاته، بل يدفع إليه الزكاة ويؤدِّيها هو عن نفسه.\nوالثانية: يجوز له أن يقضي دينه (^١) من الزكاة. قال أبو الحارث (^٢): قلت للإمام أحمد (^٣): رجل عليه ألف، وكان على رجل زكاة ماله ألف، فأداها عن هذا الذي عليه الدين، يجوز هذا من زكاته؟ قال: نعم، ما أرى بذلك بأسًا.\nوعلى هذا فالفرق (^٤) ظاهر؛ لأن الدافع لم ينتفع هاهنا بما دفعه إلى الغريم، ولم يرجع إليه، بخلاف ما إذا دفعه إليه ليستوفيه منه؛ فإنه قد أحيا ماله بماله. ووجه القول بالمنع أنه قد يتخذ ذريعة إلى انتفاعه بالقضاء، مثل\n_________\n(^١) ز، ك: «له دينه».\n(^٢) كما في «المغني» (٩/ ٣٢٥).\n(^٣) د، ك: «لأحمد».\n(^٤) ك: «الفرق».","vol":"4","page":263},{"text":"أن يكون الدين لولده أو لامرأته أو لمن يلزمه نفقته فيستغني عن الإنفاق عليه؛ فلهذا قال الإمام أحمد (^١): أحبُّ إليَّ أن يدفعه إليه حتى (^٢) يقضي هو عن نفسه، قيل: هو محتاج يخاف أن يدفع إليه فيأكله ولا يقضي دينه، قال: فقلْ له يوكِّله حتى يقضيه.\nوالمقصود أنه متى فعل ذلك حيلةً لم تسقط عنه الزكاة؛ فإنه لا يحل له مطالبة المُعْسِر، وقد أسقط الله عنه المطالبة، فإذا توصَّل إلى وجوبها بما يدفعه إليه فقد دفع إليه شيئًا ثم أخذه، فلم يخرج منه شيء، فإنه لو أراد الآخذ التصرُّفَ في المأخوذ وسدَّ خَلَّته منه لما مكَّنه، فهذا هو الذي لا يسقط عنه الزكاة، فأما لو أعطاه عطاء قطع طمعه من عوده إليه وملكه ظاهرًا وباطنًا ثم دفع إليه الآخذ دينه من الزكاة فهذا جائز، كما لو أخذ الزكاة من غيره ثم دفعها إليه، والله أعلم.\nفصل\nومن الحيل الباطلة: التحيلُ على نفس ما نهى عنه الشارع من بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها والحَبّ قبل اشتداده، بأن يبيعه ولا يذكر تبقيته ثم يخلِّيه إلى وقت كماله، فيصح البيع ويأخذه وقتَ إدراكه، وهذا هو نفس ما نهى عنه الشارع إن لم يكن فعله بأدنى الحيل. ووجه هذه الحيلة أن موجب (^٣) العقد القطع، فيصح وينصرف إلى موجبه، كما لو باعها بشرط القطع، ثم القطع\n_________\n(^١) كما في «المغني» (٩/ ٣٢٥).\n(^٢) «حتى» ليست في ك.\n(^٣) ز: «يوجب»، تحريف.","vol":"4","page":264},{"text":"حق لهما لا يعدوهما (^١)، فإذا اتفقا على تركه جاز.\nووجه بطلان هذه الحيلة أن هذا هو الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ - بعينه للمفسدة التي يفضي إليها من التشاحن والتشاجر، فإن الثمار تصيبها العاهات كثيرًا، فيفضي بيعها قبل إكمالها إلى أكل مال المشتري بالباطل، كما علَّل به صاحب الشرع، ومن المعلوم قطعًا أن هذه الحيلة لا ترفع المفسدة، ولا تزيل بعضها.\nوأيضًا فإن الله وملائكته والناس قد علموا أن من اشترى الثمار وهي شِيْصٌ (^٢) لم يمكن أحدًا أن يأكل منها، فإنه لا يشتريها للقطع، [١٠٤/أ] ولو اشتراها لهذا الغرض لكان سفهًا وبيعه مردود، وكذلك الجوز والخوخ والإجَّاص وما أشبهها من الثمار التي لا يُنتفع بها قبل إدراكها، لا يشتريها أحد إلا بشرط التبقية، وإن سكت عن ذكر الشرط بلسانه فهو قائم في قلبه (^٣) وقلب البائع، وفي هذا تعطيل للنص وللحكمة التي نهى الشارع لأجلها؛ أما تعطيل الحكمة فظاهر، وأما تعطيل النص فإنه إنما يحمله على ما إذا باعها بشرط التبقية لفظًا، فلو سكت عن التلفظ بذلك وهو مراده ومراد البائع جاز (^٤)، وهذا تعطيل لما دلَّ عليه النص وإسقاطٌ لحكمته (^٥).\n_________\n(^١) «لا يعدوهما» ليست في ز، ك.\n(^٢) ثمر لم يتم نضجه لسوء تأبيره أو لفساد آخر.\n(^٣) ز، ك: «بقلبه».\n(^٤) ز: «جائز».\n(^٥) ك: «الحكمة».","vol":"4","page":265},{"text":"فصل\nومن الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يبيعه هذه الجاريةَ، ثم أراد أن يبيعها منه، فليبعه منها تسعمائة وتسعة وتسعين سهمًا، ثم يهبه السهم الباقي. وقد تقدم نظير هذه الحيلة الباطلة. وكذلك لو حلف لا يبيعه إياها ولا يهبه إياها ففعل ذلك لم يحنث.\nولو وقعت هذه الحيلة في جارية قد وطئها الحالف اليوم فأراد المالك أن يطأها بلا استبراء، فله حيلتان على إسقاط الاستبراء:\nإحداهما: أن يعتقها ثم يتزوجها.\nوالثانية: أن يُملِّكها لرجل ثم يزوِّجه إياها، فإذا قضى وطره منها ثم أراد بيعها أو وطْأَها بملك اليمين فليشترِها من المُملك فينفسخ نكاحه، فإن (^١) شاء باعها وإن شاء أقام على وطئها.\nوتقدم أن نظير هذه الحيلة لو حلف أن لا يلبس هذا الثوب فلينسِلْ منه خيطًا ثم يلبسه، أو لا يأكل هذا الرغيف فليُخرِج منه لُبابَه ثم يأكله.\nقال غير واحد من السلف (^٢): لو فعل المحلوف عليه على وجهه لكان أخفَّ وأسهلَ من هذا الخداع، ولو قابل العبد أمر الله ونهيه بهذه المقابلة لعُدَّ عاصيًا مخادعًا، بل لو قابل أحد الرعية أمر الملك ونهيه أو العبد أمرَ سيده ونهيه أو المريض أمر الطبيب ونهيه بهذه المقابلة لما عذره (^٣) أحد\n_________\n(^١) ك: «وإن».\n(^٢) انظر: «بيان الدليل» (ص ٤٤).\n(^٣) ك: «أعذره».","vol":"4","page":266},{"text":"قطُّ، ولعدَّه كل أحدٍ (^١) عاصيًا، وإذا تدبَّر العالم في الشريعة أمرَ هذه الحيل لم يخْفَ عليه نسبتُها إليها ومحلُّها منها، والله المستعان.\nفصل\nومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يبيع هذه السلعة بمائة دينار أو ازداد (^٢) عليها؛ فلم يجد من يشتريها بذلك فليبعها بتسعة وتسعين دينارًا، أو مائة جزء من دينار، أو أقل من ذلك، أو يبِعْها (^٣) بدراهم تساوي ذلك، أو يبِعْها بتسعين دينارًا ومنديلًا أو ثوبًا ونحو ذلك.\nوكل هذه حيل باطلة، فإنها تتضمن نفس مخالفته لما نواه وقصده وعقَدَ قلبه عليه، وإذا كانت يمين الحالف على ما يصدِّقه عليه صاحبه ــ كما قال النبي - ﷺ - (^٤) ــ، فيمينه على ما يعلمه الله من قلبه كائنًا من كان؛ فليقل ما شاء، وليتحيل ما شاء، فليست يمينه إلا على ما علمه الله من قلبه. قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فأخبر سبحانه أنه (^٥) إنما يعتبر في الأيمان قصد القلب وكسبه، لا مجرد اللفظ الذي لم يقصده أو لم يقصد معناه؛ على التفسيرين في اللغو، فكيف إذا كان قاصدًا [١٠٤/ب] لضدِّ ما تحيَّل عليه؟\n_________\n(^١) ك: «واحد».\n(^٢) ك: «زاد».\n(^٣) ك: «يبيعها».\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) «أنه» ليست في ك.","vol":"4","page":267},{"text":"فصل\nومن الحيل الباطلة على أن يطأ أمته وإذا حَبِلَتْ منه لم تصر أم ولد، فله (^١) بيعها: أن يملِّكها لولده الصغير، ثم يتزوجها ويطأها، فإذا ولدت منه عتق الأولاد على الولد؛ لأنهم إخوته، ومن ملك أخاه عتق عليه.\nقالوا: فإن خاف أن لا تتمشى هذه الحيلة على قول الجمهور الذين لا يجوِّزون للرجل أن يتزوج بجارية ابنه ــ وهو قول أحمد ومالك والشافعي ــ فالحيلة أن يملِّكها لذي رحم مَحرم منه، ثم يزوجه إياها، فإذا ولدت عتق الولد على ملك ذي الرحم؛ فإذا أراد بيع الجارية فليهَبْها له، فينفسخ النكاح، فإن لم يكن له ذو رحم محرم فليملِّكها أجنبيًّا، ثم يزوِّجه بها، فإن خاف من رِقّ الولد فليعلِّق الأجنبي عتقهم بشرط الولادة، فيقول: كل ولدٍ تَلِدينَه فهو حر، فيكون الأولاد كلهم أحرارًا؛ فإذا أراد بيعها بعد ذلك فليتَّهِبْها من الأجنبي ثم يبِعْها (^٢).\nوهذه الحيلة أيضًا باطلة؛ فإن حقيقة التمليك لم توجد، إذ حقيقته نقل المِلك إلى المملَّك يتصرف فيه كما أحب. هذا هو المِلك المشروع المعقول المتعارف، فأما تمليك لا يتمكَّن فيه المملَّك من التصرف إلا بالتزويج وحده؛ فهو تلبيس لا تمليك؛ فإن المملَّك (^٣) لو أراد وطأها أو الخلوة بها أو النظر إليها لشهوة (^٤) أو التصرف فيها كما يتصرف المالك في\n_________\n(^١) «فله» ليست في ك.\n(^٢) ك: «يبيعها».\n(^٣) ك: «الملك».\n(^٤) ك: «بشهوة».","vol":"4","page":268},{"text":"مملوكه لما أمكنه ذلك؛ فإن هذا تمليكُ تلبيسٍ وخداع ومكر، لا تمليك حقيقةٍ، بل قد علم الله والمملِّك والمملَّك (^١) أن الجارية لسيدها ظاهرًا وباطنًا (^٢)، وأنه لم يطِبْ قلبه بإخراجها عن ملكه بوجه من الوجوه. وهذا التمليك بمنزلة تمليك الأجنبي مالَه كله ليسقط عنه زكاته (^٣) ثم يسترِدّه منه، ومعلوم قطعًا أنه لا حقيقة لهذا التمليك عرفًا ولا شرعًا، ولا يُعدُّ المملَّك (^٤) له على هذا الوجه غنيًّا به، ولا يجب عليه به الحج والزكاة والنفقة وأداء الديون، ولا يكون به واجدًا للطَّول معدودًا في جملة الأغنياء؛ فهذا هو الحقيقة، لا التمليك الباطل الذي هو مكر وخداع وتلبيس.\nفصل\nومن الحيل الباطلة: التحيلُ على ردِّ امرأته بعد أن بانت منه وهي لا تشعر بذلك، وقد ذكر أرباب الحيل وجوهًا كلها باطلة:\nفمنها أن يقول لها: حلفتُ يمينًا واستفتيتُ فقيل لي جدِّد نكاحك؛ فإن كان الطلاق قد وقع وإلا لم يضرَّك، فإذا أجابته قال: اجعلي الأمر إليَّ في تزويجك. ثم يحضر الولي والشهود ويتزوجها، فتصير امرأته بعد البينونة وهي لا تشعر.\nفإن لم يتمكن من هذا الوجه فلينتقل إلى وجه ثان، وهو أن يُظهِر أنه\n_________\n(^١) «والمملك» ساقطة من ك.\n(^٢) د: «باطنًا وظاهرًا».\n(^٣) ك: «زكاة».\n(^٤) ك: «الملك».","vol":"4","page":269},{"text":"يريد سفرًا ويقول: لا آمنُ الموت وأنا أريد أن أكتب لك هذه الدار أو أجعل لك (^١) هذا المتاع صداقًا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن أشهد على ذلك، فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أجعله صداقًا؛ فإذا فعلتْ عقد نكاحها على ذلك وتم الأمر.\nفإن لم يُرِد السفر فليظهر أنه مريض، ثم يقول لها: أريد أن أجعل لك ذلك، وأخاف أن أُقِرَّ لك به فلا يُقبل؛ فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أجعله [١٠٥/أ] صداقًا، فإذا فعلتْ أحضرَ وليَّها وتزوَّجها.\nفإن حذِرَت المرأة من ذلك كله ولم يتمكَّن منه لم يبقَ له إلا حيلة واحدة، وهي أن يحلف بطلاقها، أو يقول: قد حلفتُ بطلاقك أني أتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الأسبوع أو أسافر بك، وأنا أريد أن أتمسك بك ولا أُدخل عليك ضرَّةً ولا تسافرين، فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أخالعكِ وأردّكِ بعد انقضاء اليوم وتتخلَّصي من الضرة والسفر، فإذا فعلتْ أحضرَ الوليَّ والشهود (^٢) ثم ردَّها.\nوهذه الحيلة باطلة؛ فإن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه؛ فلا يجوز نكاحها إلا بإذنها ورضاها، وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني، ولا رضيت به، ولو علمت أنها قد ملكتْ نفسَها وبانت فلعلها لا ترغب في نكاحه، فليس له أن يخدعها على نفسها ويجعلها زوجة له (^٣) بغير رضاها.\n_________\n(^١) ك: «كل».\n(^٢) ز، ك: «الشهود والولي».\n(^٣) ز: «له زوجة».","vol":"4","page":270},{"text":"فإن قيل: فالنبي (^١) - ﷺ - قد جعل جِدَّ النكاح كهزله (^٢)، وغاية هذا أنه هازل.\nقيل: هذا ليس بصحيح، وليس هذا كالهازل؛ فإن الهازل لم يُظهر أمرًا يريد خلافه، بل تكلم باللفظ قاصدًا أن لا يلزمه مُوجَبُه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، وأما هذا فماكر مخادع للمرأة على نفسها، مظهرًا (^٣) أنها زوجته وأن الزوجية بينهما باقية وهي أجنبية محضة؛ فهو (^٤) يمكُر بها ويخادعها بإظهار أنها زوجته وهي في الباطن أجنبية؛ فهو كمن يمكُر برجل يخادعه على أخذ ماله بإظهار أنه يحفظه له ويصونه ممن يذهب به، بل هذا أفحش؛ لأن حرمة البُضْع أعظم من حرمة المال، والمخادعة عليه (^٥) أعظم من المخادعة على المال، والله أعلم.\nفصل\nومن الحيل الباطلة الحيلة على وطء مكاتبته بعد عقد الكتابة، قال أرباب الحيل: الحيلة في ذلك أن يهبها لولده الصغير، ثم يتزوجها وهي على مِلك ابنه، ثم يكاتبها لابنه، ثم يطأها بحكم النكاح، فإن أتت بولد كانوا أحرارًا؛ إذ ولده قد ملَكَهم، فإن عجزت عن الكتابة عادت قِنًّا (^٦) لولده\n_________\n(^١) ز: «النبي». ك: «فإن النبي».\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) كذا في النسخ منصوبًا على أنه حال.\n(^٤) «فهو» ساقطة من ك.\n(^٥) «عليه» ساقطة من ك.\n(^٦) القِنّ: العبد الذي كان أبوه مملوكًا لمواليه، ومثله الأمة.","vol":"4","page":271},{"text":"والنكاح بحاله.\nوهذه الحيلة باطلة على قول الجمهور، وهي باطلة في نفسها؛ لأنه لم يملِّكها لولده تمليكًا حقيقيًّا، ولا كاتبها له حقيقة، بل خداعًا ومكرًا، وهو يعلم أنها أمته ومكاتَبتُه في الباطن وحقيقة الأمر، وإنما أظهر خلاف ذلك توصلًا إلى وطء الفرج الذي حرم عليه بعقد الكتابة، فأظهر تمليكًا لا حقيقة له، وكتابةً عن غيره، وفي الحقيقة إنما هي عن (^١) نفسه، والله يعلم ما تُخفي الصدور.\nفصل\nومن الحيل المحرَّمة الباطلة: الحيل (^٢) التي تُسمَّى حيلة العقارب، ولها صور:\nمنها: أن يوقف داره أو أرضه ويُشهد على وقفها ويكتمه ثم يبيعها، فإذا علم أن المشتري قد سكنها أو استغلَّها بمقدار ثمنها أظهر كتاب الوقف وادعى على المشتري بأجرة المنفعة، فإذا قال له المشتري: أنا وزنتُ الثمن، قال: وانتفعتَ بالدار والأرض (^٣)، فلا تذهب المنفعة مجَّانًا.\nومنها: أن يملِّكها لولده أو امرأته، ويكتم ذلك، ثم يبيعها، ثم يدَّعي بعد ذلك مَن ملَّكها على المشتري، ويعامله تلك المعاملة، وضمَّنه المنافع تضمينَ الغاصب.\n_________\n(^١) «الكتابة ... هي عن» ساقطة من ك.\n(^٢) ك: «الحيلة».\n(^٣) ك: «أو الأرض».","vol":"4","page":272},{"text":"ومنها: أن يُؤجِرها لولده أو امرأته، ثم يؤجرها من شخص آخر، فإن ارتفع الكِرَى [١٠٥/ب] أخرج الإجارة الأولى وفسخ إجارة الثاني، وإن نقص الكِرَى أو استمرَّ أبقاها.\nومنها: أن يَرهَن داره أو أرضه، ثم يبيعها ويأخذ الثمن فينتفع به مدة، فمتى أراد فسخَ البيع واسترجاعَ المبيع أظهر كتاب الرهن.\nوأمثال هذه العقارب التي يأكل بها أشباهُ العقارب أموالَ الناس بالباطل، ويمشِّيها لهم مَن رقَّ علمُه ودينه ولم يراقب الله ولم يخَفْ مقامه، تقليدًا لمن قلَّد قوله في تضمين المقبوض بالعقد الفاسد تضمينَ الغاصب؛ فيجعل قوله إعانة لهذا الظالم المعتدي على الإثم والعدوان، ولا يجعل القول الذي قاله غيره إعانة للمظلوم على البر والتقوى، وكأنه أخذ بشق الحديث وهو: «انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا» (^١)، واكتفى بهذه الكلمة دون ما بعدها، وقد أعاذ الله أحدًا من الأئمة من تجويز الإعانة على الإثم والعدوان، ونصر الظالم، وإضاعة حق المظلوم جهارًا.\nوذلك الإمام وإن قال: «إن المقبوض بالعقد الفاسد يُضمَن ضمانَ المغصوب» فإنه لم يقل: إن المقبوض به على هذا الوجه ــ الذي هو حيلة ومكر وخداع وظلم محض للمشتري وغرور له ــ يوجب تضمينه وضياعَ حقه وأخْذَ ماله كله وإيداعَه في الحبس على ما بقي وإخراجَ الملك من يده، فإن الرجل قد يشتري الأرض أو العقار وتبقى في يده مدة طويلة تزيد أجرتها على ثمنه أضعافًا مضاعفة، فيؤخذ منه العقار، ويُحسب عليه ثمنه من\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٤٤٤، ٦٩٥٢) من حديث أنس بن مالك، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله.","vol":"4","page":273},{"text":"الأجرة، ويبقي الباقي بقدر الثمن مرارًا، فربما أخذ ما فوقه وما تحته وفَضلتْ عليه فضلةٌ، فيجتاح الظالم الماكر ماله ويدَعَه على الأرض. فحاشا (^١) إمامًا واحدًا من أئمة الإسلام أن يكون عونًا لهذا العقرب الخبيث على هذا الظلم والعدوان.\nوالواجب عقوبة مثل هذا العقوبة التي تردعُه عن لَدْغ (^٢) الناس والتحيل على استهلاك أموال الناس، وأن لا يُمكَّن من طلبِ عوض المنفعة. أما على أصل من لا يضمِّن منافع الغصب ــ وهم الجمهور كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أصحهما دليلًا ــ فظاهر، وأما من يضمِّن الغاصب كالشافعي وأحمد في الرواية الثانية فلا يتأتَّى تضمينُ هذا على قاعدته؛ فإنه ليس بغاصب، وإنما استوفى المنفعة بحكم العقد، فإذا تبيَّن أن العقد باطل وأن البائع غرَّه لم يجب عليه ضمان، فإنه إنما دخل على أن ينتفع بلا عوض، وأن يضمن المبيع بثمنه لا بقيمته؛ فإذا تلِفَ المبيع بعد القبض تلِفَ من ضمانه بثمنه، فإذا انتفع به انتفع به (^٣) بلا عوض؛ لأنه على ذلك دخل، ولو قُدِّر وجوب الضمان فإن الغارَّ هو الذي يضمن؛ لأنه تسبَّب إلى إتلاف مال الغير بغروره، وكل من أتلف مال غيره بمباشرة أو سبب فإنه يضمنه.\nولا يقال: المشتري هو الذي باشر الإتلاف، وقد وجد متسبب ومباشر، فيحال الحكم على المباشر؛ فإن هذا غلط محض هاهنا؛ فإن المضمون هو\n_________\n(^١) ك: «فحاش».\n(^٢) ك: «لذع».\n(^٣) «به» ليست في ز.","vol":"4","page":274},{"text":"مال المشتري الذي تلف عليه بالتضمين، وإنما تلف بتسبب الغارّ، وليس هاهنا مباشر يحال عليه الضمان (^١).\nفإن قيل: فهذا إنما يدل على أنا إذا ضمَّنّا المغرور رجع على الغارّ، لا يدلُّ على تضمين الغار أبدًا (^٢).\nقيل: هذا فيه قولان للسلف والخلف، وقد نصَّ الإمام أحمد - ﵁ - على أن [١٠٦/أ] من اشترى أرضًا فبنى فيها أو غرسَ ثم استحقت فللمستحق (^٣) قلْعُ ذلك، ثم يرجع المشتري على البائع بما نقص. ونصَّ في موضع آخر أنه ليس للمستحق قلْعُه إلا أن يضمن نقصه ثم يرجع به على البائع. وهذا أفقهُ النصَّين وأقربهما إلى العدل؛ فإن المشتري غرس وبنى غِراسًا وبناءً مأذونًا فيه، وليس ظالمًا به، فالعِرق ليس بظالم، فلا يجوز للمستحق قلعه حتى يضمن له نقصه، والبائع هو الذي ظلم المستحق ببيعه ماله وغرَّ المشتري ببنائه وغراسه؛ فإذا أراد المستحق الرجوع في عين ماله ضمن للمغرور ما نقص بقلعه ثم رجع به على الظالم، وكان تضمينه له أولى من تضمين المغرور ثم تمكينه من الرجوع على الغارّ.\nونظير هذه المسألة: لو قبض مغصوبًا من غاصبِه ببيع أو عارية أو إيهابٍ (^٤) أو إجارة وهو يظن أنه مالك (^٥) لذلك أو مأذونٌ له فيه، ففيه قولان:\n_________\n(^١) «وإنما تلف ... الضمان» ساقطة من ز.\n(^٢) ز: «ابتداء».\n(^٣) ك: «للمستحق».\n(^٤) كذا في النسختين، وهو مصدر الفعل الرباعي «أوهبَ». وفي المطبوع: «اتهاب».\n(^٥) ك: «ملك».","vol":"4","page":275},{"text":"أحدهما: أن المالك مخيَّر بين تضمين أيهما شاء، وهذا المشهور عند أصحاب الشافعي وأحمد، ثم قال أصحاب الشافعي: إن ضمن المشتري وكان عالمًا بالغصب لم يرجع بما ضمن على الغاصب، وإن لم يعلم نظرت فيما ضمن، فإن التزم ضمانه بالعقد كبدل العين وما نقص منها لم يرجع به على الغاصب؛ لأن الغاصب لم يغرَّه، بل دخل معه على أن يضمنه.\nوهذا التعليل يوجب أنه يرجع بما زاد على ثمن المبيع إذا ضمنه؛ لأنه إنما التزم ضمانه بالثمن لا بالقيمة، فإذا ضمنه إياه بقيمته رجع بما بينهما من التفاوت.\nقالوا: وإن لم يلتزم ضمانه نظرت؛ فإن لم يحصل له في مقابلته منفعة كقيمة الولد ونقصان الجارية بالولادة رجع به على الغاصب، لأنه غرَّه ودخل معه على أنه لا يضمنه، وإن حصلت له به في مقابلته منفعة كالأجرة والمهر وأَرْش البكارة ففيه (^١) قولان:\nأحدهما: يرجع به؛ لأنه غرَّه ولم يدخل معه على أن يضمنه.\nوالثاني: لا يرجع؛ لأنه حصل له في مقابلته منفعة.\nوهذا التعليل أيضًا يوجب على هذا القول أن يرجع بالتفاوت الذي بين المسمَّى ومهر المثل وأجرة المثل اللذين ضمنهما؛ فإنه إنما دخل على الضمان بالمسمَّى لا بعوض المثل، والمنفعة التي حصلت له إنما هي بما التزمه من المسمَّى. ومذهب الإمام أحمد وأصحابه نحو ذلك.\n_________\n(^١) ك: «فعنه».","vol":"4","page":276},{"text":"وعقْدُ الباب عندهم أنه يرجع إذا غُرم على الغاصب بما لم يلتزم ضمانه خاصة، فإذا غُرم وهو مُودعٌ أو متَّهبٌ قيمة العين والمنفعة رجع بهما؛ لأنه لم يلتزم ضمانًا، وإن ضمن وهو مستأجر قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة العين والقدر الزائد على ما بذله من عوض المنفعة.\nوقال أصحابنا: لا يرجع بما ضمنه من عوض المنفعة؛ لأنه دخل على ضمانه، فيقال لهم: نعم دخل على ضمانه بالمسمَّى لا بعوض المثل، وإن كان مشتريًا وضُمن قيمةَ العين والمنفعة؟ فقالوا: يرجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين؛ لأنه التزم ضمان العين ودخل على استيفاء المنفعة بلا عوض.\nوالصحيح أنه يرجع بما زاد من قيمة العين على الثمن الذي بذله، وإن كان مستعيرًا وضمن قيمة العين والمنفعة رجع بما غرمه من ضمان المنفعة؛ لأنه دخل على استيفائها مجانًا، ولم يرجع [١٠٦/ب] بما ضمنه من قيمة العين؛ لأنه (^١) دخل على ضمانها بقيمتها.\nوعن الإمام أحمد رواية أخرى أن ما حصل له منفعة تقابل (^٢) ما غرم كالمهر والأجرة في المبيع وفي الهبة وفي العارية، وكقيمة الطعام إذا قدم له أو وهب منه فأكله فإنه لا يرجع به؛ لأنه استوفى العوض، فإذا غرم عوضه لم يرجع به.\nوالصحيح القول الأول؛ لأنه (^٣) لم يدخل على استيفائه بعوض، ولو\n_________\n(^١) ك: «لا».\n(^٢) ك: «فقابل».\n(^٣) ك: «أنه».","vol":"4","page":277},{"text":"علم أنه يستوفيه بعوضه لم يدخل على ذلك، ولو علم الضيف أن صاحب البيت أو غيره يغرِّمه الطعام لم يأكله، ولو ضمن المالك ذلك كله للغاصب جاز، ولم يرجع على القابض إلا بما لا يرجع به عليه، فيرجع عليه إذا كان مستأجرًا بما غرمه من الأجرة (^١).\nوعلى القول الذي اخترناه إنما يرجع عليه بما التزمه من الأجرة خاصة، ويرجع عليه إذا كان مشتريًا بما غرمه من قيمة العين، وعلى القول الآخر إنما يرجع عليه بما بذله من الثمن، ويرجع عليه إذا كان مستعيرًا بما غرمه من قيمة العين؛ إذ لا مسمَّى هناك، وإذا كان متَّهبًا أو مودعًا لم يرجع عليه بشيء. فإن كان القابض من الغاصب هو المالك فلا شيء له لما استقرَّ (^٢) عليه لو كان أجنبيًّا، وما سواه فعلى الغاصب؛ لأنه لا يجب له على نفسه شيء، وأما ما لا يستقر عليه لو كان أجنبيًّا بل يكون قراره على الغاصب فهو على الغاصب أيضًا هاهنا.\nوالقول الثاني: أنه ليس للمالك مطالبة المغرور ابتداءً، كما ليس له مطالبته قرارًا، وهذا هو الصحيح، ونصّ عليه الإمام أحمد في المُودَع إذا أودعها ــ يعني الوديعة ــ عند غيره من غير حاجة فتلِفتْ، فإنه لا يضمن الثاني إذا لم يعلم، وذلك لأنه مغرور.\nوطَرْد هذا النص أنه لا يطالب المغرور في جميع هذه الصور، وهو الصحيح؛ فإنه مغرور ولم يدخل على أنه مطالب، فلا هو التزم المطالبة ولا الشارع ألزمه بها، وكيف يُطالَب المظلوم المغرور ويُترك الظالم الغارّ؟ ولا\n_________\n(^١) ز: «الأجر». ك: «الاخر».\n(^٢) ك: «يستقر».","vol":"4","page":278},{"text":"سيما إن كان محسنًا بأخذه الوديعة، و﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢]، وهذا شأن الغارّ الظالم.\nوقد قضى عمر بن الخطاب - ﵁ - أن المشتري المغرور بالأمة إذا وطئها ثم خرجت مستحقة، وأخذ منه سيدها المهر، رجع به على البائع لأنه غرَّه (^١).\nوقضى علي أنه لا يرجع به لأنه استوفى عوضه.\nوهاتان الروايتان عن الصحابة هما قولان للشافعي وروايتان عن الإمام أحمد، ومالك أخذ بقول عمر، وأبو حنيفة أخذ بقول علي.\nوقول عمر أفقهُ، لأنه لم يدخل على أنه يستمتع بالمهر، وإنما دخل على الاستمتاع بالثمن وقد بذله. وأيضًا فالبائع ضمن له بعقد البيع سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد، فكما يرجع عليه بقيمة الولد يرجع عليه بالمهر.\nفإن قيل: فما تقولون في أجرة الاستخدام إذا ضمنه إياها المستحق، هل يرجع بها على الغارّ؟\nقلنا: نعم يرجع بها (^٢)، وقد صرّح بذلك القاضي وأصحابه، وقد قضى\n_________\n(^١) رواه مالك (٢/ ٥٢٦) وعبد الرزاق (١٠٦٧٩) وسعيد بن منصور (١/ ٢١٢) والدارقطني (٤/ ٣٩٨)، وصححه الحافظ في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ١٦١)، والشوكاني في «الدراري المضية» (ص ٢١٢).\n(^٢) «يرجع بها» ليست في ك.","vol":"4","page":279},{"text":"أمير المؤمنين أيضًا بأن الرجل إذا وجد امرأته برصاء أو عمياء أو مجنونة فدخل بها فلها الصداق، [١٠٧/أ] ويرجع به على من غرَّه (^١). وهذا محض القياس والميزان الصحيح؛ لأن الولي (^٢) لما لم يُعلِمه وأتلف عليه المهر لزمه غُرمه.\nفإن قيل: هو الذي أتلفه (^٣) على نفسه بالدخول.\nقيل: لو علم أنها كذلك لم يدخل بها، وإنما دخل (^٤) بها بناء على السلامة التي غرَّه (^٥) بها الولي، ولهذا لو علم العيب ورضي به ودخل بها لم يكن هناك فسخ ولا رجوع، ولو كانت المرأة هي التي غرَّته سقط مهرها.\nونكتة المسألة أن المغرور إما محسن وإما معذور، وكلاهما لا سبيل عليه، بل ما يلزم المغرورَ بالتزامه له لا يسقط عنه، كالثمن في المبيع والأجرة في عقد الإجارة.\nفإن قيل: فالمهر قد التزمه، فكيف يرجع به؟\n_________\n(^١) روى عبد الرزاق (١٠٦٧٧) وسعيد بن منصور (١/ ٢٤٥) والدارقطني (٤/ ٣٩٩) والبيهقي (٧/ ٢١٥)، من طرق عن الشعبي عن علي بلفظ: «أيما امرأة نكحت وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن، فزوجها بالخيار ما لم يمسها، إن شاء أمسك، وإن شاء طلق، وإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها». وهذا إسناد صحيح.\n(^٢) ك: «المولى».\n(^٣) د: «أتلف».\n(^٤) ز: «يدخل».\n(^٥) ك: «غرّ».","vol":"4","page":280},{"text":"قيل: إنما التزمه في محلٍّ سليم، ولم يلتزمه (^١) في معيبة ولا أمة مستحقة؛ فلا يجوز أن يلزم به.\nفإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بالنكاح الفاسد؛ فإن النبي - ﷺ - ألزمه فيه بالصداق (^٢) بما استحلَّ من فرجها، وهو لم يلتزمه (^٣) إلا في نكاح صحيح.\nقيل: لما أقدم على الباطل لم يكن هناك مَن غرَّه، بل كان هو الغارّ لنفسه، فلا يذهب استيفاء المنفعة فيه مجّانًا، وليس هناك من يرجع عليه، بلى (^٤) لو فسد (^٥) النكاح بغرور المرأة سقط مهرها، أو بغرور الولي رجع عليه.\nفصل\nومن الحيل المحرَّمة الباطلة: التحيلُ على جواز مسألة العِينة، مع أنها حيلة في نفسها على الربا، وجمهور الأمة على تحريمها.\nوقد ذكر أرباب الحيل لاستباحتها عدة حيل:\nمنها: أن يُحدِث المشتري في السلعة حدثًا ما تنقص به أو تتعيَّب؛ فحينئذٍ يجوز لبائعها أن يشتريها بأقلّ ما (^٦) باعها.\n_________\n(^١) ك: «يلزمه».\n(^٢) ك: «الصداق».\n(^٣) ك: «يلزمه».\n(^٤) ك: «بل».\n(^٥) د: «أفسد».\n(^٦) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «بأقلّ مما».","vol":"4","page":281},{"text":"ومنها: أن تكون السلعة قابلةً للتجزِّي، فيمسك منها جزءًا ما ويبيعه بقيتها.\nومنها: أن يضمَّ البائع إلى السلعة سكّينًا أو منديلًا أو حلقةَ حديدٍ أو نحو ذلك، فيمسكه المشتري، ويبيعه السلعة بما يتفقان عليه من الثمن.\nومنها: أن يهبها المشتري لولده أو زوجته أو من يثق به، فيبيعها الموهوب له من بائعها، فإذا قبض الثمن أعطاه للواهب.\nومنها: أن يبيعه إياها نفسه من غير إحداث شيء ولا هبة لغيره، لكن يضم إلى ثمنها خاتمًا من حديد أو منديلًا أو سكّينًا ونحو ذلك.\nولا ريب أن العينة على وجهها أسهل من هذا (^١) التكليف، وأقلّ مفسدة، وإن كان الشارع قد حرَّم مسألة (^٢) العينة لمفسدةٍ فيها فإن المفسدة لا تزول بهذه الحيلة، بل هي بحالها، وانضمَّ إليها مفسدة أخرى أعظم منها، وهي مفسدة المكر والخداع واتخاذ أحكام الله هُزُوًا، وهي أعظم المفسدتين. وكذلك سائر الحيل، لا تُزيل المفسدة التي حرّم لأجلها، وإنما يضم إليها مفسدة الخداع والمكر. وإن كانت العِينة لا مفسدة فيها فلا حاجة إلى الاحتيال عليها.\nثم إن العِينة في نفسها من أدنى الحيل إلى الربا، فإذا تحيَّل عليها المحتال صارت حيلًا متضاعفة، ومفاسدَ متنوعة، والحقيقة والقصد معلومانِ لله وللملائكة وللمتعاقدَينِ ولمن حضرهما من الناس، فليصنَعْ\n_________\n(^١) «هذا» ليست في ك.\n(^٢) «مسألة» ساقطة من ك.","vol":"4","page":282},{"text":"أرباب الحيل ما شاءوا، وليسلكوا أية طريقٍ سلكوا؛ فإنهم لا يخرجون بذلك [١٠٧/ب] عن بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة، فليدخلوا محلل الربا أو يخرجوه فليس هو المقصود، والمقصود معلوم، والله لا يُخادَع، ولا تَروجُ عليه الحيل، ولا تلبس عليه الأمور.\nفصل\nومن الحيل المحرمة الباطلة: إذا أراد أن يبيع سلعةً بالبراءة من كل عيب، ولم يأمن أن يردَّها عليه المشتري، ويقول: لم يعيَّن لي عيبُ كذا وكذا= أن يوكِّل رجلًا غريبًا لا يعرف في بيعها، ويضمن للمشتري دركَ المبيع، فإذا باعها قبض منه رب السلعة الثمن، فلا يجد المشتري من يرد عليه السلعة.\nوهذا غشٌّ حرام، وحيلة لا تُسقِط المأثم، فإن علم المشتري بصورة الحال فله الردُّ، وإن لم يعلم فهو المفرِّط، حيث لم يضمن الدرك لمعروفٍ يتمكن من مخاصمته، فالتفريط من هذا والمكر والخداع من ذاك (^١).\nفصل\nومن الحيل المحرمة الباطلة: أن يشتري جارية ويريد وطأها بملك اليمين في الحال من غير استبراء، فله عدة حيل:\nمنها: أن يزوِّجه إياها البائعَ قبل أن يبيعها منه، فتصير زوجتَه، ثم يبيعه إياها فينفسخ النكاح، ولا يجب عليه استبراء؛ لأنه ملكَ زوجتَه (^٢)، وقد كان\n_________\n(^١) ك: «ذلك».\n(^٢) «ثم يبيعه ... زوجته» ساقطة من ك.","vol":"4","page":283},{"text":"وطؤها حلالًا له بعقد النكاح (^١)؛ فصار حلالًا بملك اليمين.\nومنها: أن يزوِّجها غيره، ثم يبيعها من الرجل الذي يريد شراءها، فيملكها مزوَّجةً وفرجُها عليه حرام؛ فيؤمر الزوج بطلاقها، فإذا فعل حلَّت للمشتري.\nومنها: أن مشتريها لا يقبضها حتى يزوِّجها من عبده أو غيره، ثم يقبضها بعد التزويج، فإذا قبضها طلَّقها الزوج، فيطؤها سيدها بلا استبراء.\nقالوا: فإن خاف المشتري أن لا يطلّقها الزوج استوثق بأن يجعل الزوجُ أمرَها بيد السيد، فإذا فعل طلَّقها هو ثم وطئها بلا استبراء.\nولا يخفى نسبة هذه الحيل إلى الشرع، ومحلُّها منه، وتضمُّنُها أن بائعها يطؤها بكرةً ويطؤها المشتري عشيةً، وأن هذا مناقض لما قصده الشارع من الاستبراء، ومُبطِل لفائدة الاستبراء بالكلية.\nثم إن هذه الحيل كما هي محرمة فهي باطلة قطعًا؛ فإن السيد لا يحلُّ له أن يزوِّج موطوءته حتى يستبرئها، وإلا فكيف يزوِّجها لمن يطؤها ورَحِمُها مشغول بمائه؟ وكذلك إن أراد بيعها وجب عليه استبراؤها على أصح القولين، صيانةً لمائه، ولا سيما إن لم يأمن وطءَ المشتري لها بلا استبراء، فهاهنا يتعين عليه الاستبراء قطعًا، فإذا زوَّجها حيلةً على إسقاط حكم الله وتعطيل أمره كان نكاحًا باطلًا، لإسقاط ما أوجبه الله من الاستبراء، وإذا طلَّقها الزوج بناء على صحة هذا النكاح الذي هو مكر وخداع واتخاذ لآيات الله هُزُوًا لم يحِلَّ للسيد أن يطأها بدون الاستبراء؛ فإن الاستبراء وجب عليه\n_________\n(^١) ك: «للنكاح».","vol":"4","page":284},{"text":"بحكم الملك المتجدد، والنكاح العارض حالَ بينه وبينه، لأنه لم يكن يحل (^١) له وطؤها، فإذا زال المانع عمل المقتضي عملَه، وزوال (^٢) المانع لا يزيل اقتضاء المقتضي مع قيام سبب الاقتضاء منه.\nوأيضًا فلا يجوز تعطيل الوصف عن موجبه ومقتضاه من غير فوات شرطٍ أو قيام مانعٍ.\nوبالجملة فالمفسدة [١٠٨/أ] التي منع الشارع المشتريَ لأجلها من الوطء بدون الاستبراء لم تَزُلْ بالتحيل والمكر، بل انضمَّ إليها مفاسدُ المكر والخداع والتحيل.\nفيا لله العجبُ من شيء حرم لمفسدة فإذا انضم إليه مفسدة أخرى هي (^٣) أكبر (^٤) من مفسدته بكثير صار حلالًا! فهو بمنزلة لحم الخنزير إذا ذُبِح كان حرامًا، فإن مات حتْفَ أنفِه أو خُنِقَ (^٥) حتى يموت صار حلالًا؛ لأنه لم يذبح. قال الإمام أحمد: هو حرام من وجهين، وهكذا هذه المحرمات إذا احتيل عليها صارت حرامًا من وجهين وتأكَّد تحريمها.\nوالذي يُقضَى منه العجب أنهم (^٦) يجمعون بين سقوط الاستبراء بهذه الحيل وبين وجوب استبراء الصغيرة التي لم توطأ ولا يوطأ مثلها، وبين\n_________\n(^١) «يحل» ليست في د.\n(^٢) ك: «وزال».\n(^٣) «هي» ليست في د.\n(^٤) د، ك: «أكثر».\n(^٥) ك: «حق»، تحريف.\n(^٦) ز، ك: «أنه».","vol":"4","page":285},{"text":"استبراء البِكر التي لم يقرَعْها (^١) فَحْل، واستبراء العجوز الهرِمة التي قد أيِستْ من الحبل والولادة، واستبراء الأمة التي يُقطع ببراءة رحمها، ثم يُسقطونه مع العلم بأن رحمها مشغول، فأوجبتموه حيث لم يوجبه الشارع، وأسقطتموه حيث أوجبه.\nقالوا: وليس هذا بعجيب من تناقضكم، بل أعجبُ منه إنكار كون القُرعة طريقًا لإثبات الحكم مع ورود السنة الصحيحة عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه بها (^٢)، وإثبات حِلِّ الوطء بشهادة شاهدَيْ زورٍ يعلم الزوج الواطئ أنهما شهدَا بالزور على طلاقها حتى يجوز لأحد الشاهدين أن يتزوَّجها فيثبت الحلُّ بشهادتهما!\nوأعجب من ذلك أنه لو كان له أمة هي سُرِّيَّتُه يطؤها كلَّ وقت لم تكن فراشًا له، ولو ولدتْ لم يلحقه الولد، ولو تزوَّج امرأةً ثم قال بحضرة الحاكم والشهود في مجلس العقد: «هي طالقٌ ثلاثًا»، أو كانت بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب= صارت فراشًا بالعقد؛ فلو أتت بعد ذلك بولدٍ (^٣) لأكثر من ستة أشهر لحقه نسبه!\nوأعجبُ من ذلك قولكم: لو منع الذمي دينارًا واحدًا من الجزية وقال: «لا أؤدِّيه» انتقض عهده وحلَّ ماله ودمه، ولو سبَّ الله تعالى ورسوله وكتابه على رؤوسنا أقبحَ سبٍّ، وحرَّق أفضل المساجد على الإطلاق، واستهان بالمصحف بين أيدينا أعظمَ استهانة، وبذل ذلك الدينار= فعهدُه باقٍ ودمُه\n_________\n(^١) كذا في النسخ بالقاف، وله وجه. ويقال بالفاء فَرَعَ البِكرَ: افتضَّها.\n(^٢) «بها» ساقطة من ك.\n(^٣) «بولد» ليست في ز.","vol":"4","page":286},{"text":"معصوم!\nومن العجب تجويز قراءة القرآن بالفارسية، ومنعُ رواية الحديث بالمعنى!\nومن العجب إخراج الأعمال عن (^١) مسمَّى الإيمان وأنه مجرد التصديق، والناس فيه سواء، وتكفيرُ من يقول مُسَيجِد أو فُقَيِّه، أو يصلِّي بلا وضوء، أو يلتذُّ بآلات الملاهي، ونحو ذلك!\nومن العجب إسقاط الحدّ عمن استأجر امرأةً للزنا أو لكَنْسِ بيته فزنى بها، وإيجابه على من وجد امرأة أجنبية على فراشه في الظلمة فجامعها يظنُّها امرأته!\nومن العجب التشديدُ في المياه حتى تُنَجَّس القناطير المقنطرة منها بقطرة بول أو قطرة دم، وتجويزُ الصلاة في ثوبٍ رُبعُه مضمَّخٌ بالنجاسة، فإن كانت مغلَّظةً فبقدر راحة الكفّ!\nومن العجب أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فكذَّب الشهودَ حُدَّ، وإن صدَّقهم سقط عنه الحدُّ!\nومن العجب أنه لا يصح استئجار دارٍ [١٠٨/ب] لتُتَّخذ مسجدًا يُعبد الله فيه، ويصحُّ استئجارها تُجعَل كنيسةً يُعبد فيها (^٢) الصليب أو بيتَ نارٍ تُعبد فيها النار!\nومن العجب أنه لو ضحك في صلاةٍ قهقهةً بطل وضوؤه، ولو غنَّى في\n_________\n(^١) «عن» ليست في ك.\n(^٢) «فيها» ليست في ك.","vol":"4","page":287},{"text":"صلاته أو قذفَ المحصنات أو شهد بالزُّور ونحو ذلك فوضوؤه بحاله!\nومن العجب أنه لو وقع في البئر نجاسة نُزِح منها أَدْلاءٌ (^١) معدودة، فإذا حصل الدلو في البئر تنجَّس وغرفَ الماء نجسًا، وما أصاب حيطانَ البئر من ذلك الماء نجَّسها، وكذلك ما بعده من الدِّلاء إلى أن تنتهي النوبة إلى الدلو الأخير فإنه ينزِل نجسًا ثم يصعد طاهرًا، فيُقَشْقِشُ النجاسة كلَّها من قعر البئر إلى رأسه!\nقال بعض المتكلمين (^٢): ما رأيتُ أكرمَ من هذا الدلو ولا أعقلَ.\nومن العجب أنه لو حلف أنه (^٣) لا يأكل فاكهة حَنِثَ بأكل الجَوز واللَّوز والفُستق، ولو كان يابسًا قد أتت عليه السِّنون، ولا يحنَثُ بأكل الرُّطَب والعنب والرمّان!\nوأعجب من ذلك تعليل هذا بأن هذه الثلاثة من خيار الفاكهة وأعلى أنواعها، فلا تدخل في الاسم المطلق.\nومن العجب أنه لو حلف أن لا يشرب من النيل أو الفرات أو دجلةَ فشرب بكفِّه أو بكوزٍ أو دلوٍ من هذه الأنهار (^٤) لم يحنَثْ، فإذا شرب بفِيْه\n_________\n(^١) كذا في النسخ كأنه جمع دَلْو، ولم أجده في المعاجم. والمعروف في جمعها: أَدْلٍ ودِلاءٌ ودُلِيٌّ ودَلَى، كما في «القاموس».\n(^٢) هو الجاحظ كما في «الانتصار» لأبي الخطاب (١/ ٢٣٤) و«عارضة الأحوذي» (١/ ٨٦) و«بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٥٩).\n(^٣) «أنه» ليست في ك.\n(^٤) ك: «الأنهر».","vol":"4","page":288},{"text":"مثلَ البهائم حنِثَ (^١).\nومن العجب أنه لو نام في المسجد وأُغلِقت (^٢) عليه الأبواب ودعَتْه الضرورة إلى الخلاء، فطاقُ القبلةِ ومحرابُ المسجد أولى بذلك من مؤخَّر المسجد!\nومن العجب أمر هذه الحيل التي لا يزداد بها المنهيُّ عنه إلا فسادًا مضاعفًا، كيف تُباح (^٣) مع تلك المفسدة الزائدة بالمكر والخداع وتحرم بدونها؟ وكيف تنقلب مفاسدها بالحيل صلاحًا، وتصير خمرتُها خلًّا، وخبثها طيبًا؟\nقالوا: فهذا فصل (^٤) في الإشارة إلى بيان فساد هذه الحيل على وجه التفصيل، كما تقدم الإشارة إلى فسادها وتحريمها على وجه الإجمال، ولو تتبعناها حيلةً حيلةً لطال الكتاب، ولكن هذه أمثلة يُحتذَى عليها، والله الموفِّق للصواب.\n* * * *\n_________\n(^١) ذكر المؤلف بعض هذه العجائب في «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٥٧ - ١٠٦٠).\n(^٢) ك: «أو غلقت».\n(^٣) ك: «تباع»، تحريف.\n(^٤) ك: «فعل».","vol":"4","page":289},{"text":"فصل\nقال أرباب الحيل: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، والحيل مخارجُ من المضايق.\n\nوالجواب إنما يتبين بذكر<span data-type=\"title\" id=toc-679> قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها</span>، فنقول: هي أقسام:\nالقسم الأول: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه، بحيث لا يحلُّ بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها محرمًا في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وذلك كالحيل على أخذ أموال الناس وظلمهم في نفوسهم وسَفْك دمائهم وإبطال حقوقهم وإفساد ذات بينهم، وهي من جنس حيل الشياطين على إغواء بني آدم بكل طريق، وهم يتحيلون عليهم ليُوقِعوهم في واحدةٍ من ستة ولا بدَّ:\nفيتحيلون عليهم بكل طريق أن يوقعوهم في الكفر والنفاق على اختلاف أنواعه، فإذا عَمِلت حيلهم في ذلك قرَّت عيونهم.\nفإن عجزتْ حيلهم عن من صحَّت فطرته وتلاها شاهدُ الإيمان من ربه بالوحي الذي أنزله على رسوله أعملوا الحيلة في إلقائه (^١) في البدعة على اختلاف أنواعها وقبول القلب [١٠٩/أ] لها وتهيُّؤه واستعداده. فإن تمَّت حيلُهم كان ذلك أحبَّ إليهم من المعصية، وإن كانت كبيرة (^٢). ثم ينظرون\n_________\n(^١) ك: «إلقائهم».\n(^٢) ك: «كثيرة».","vol":"4","page":290},{"text":"في حال من استجاب (^١) لهم إلى البدعة؛ فإن كان مُطاعًا متبوعًا في الناس أمروه بالزهد والتعبد ومحاسن الأخلاق والشِّيَم، ثم أطاروا له الثناء بين الناس ليصطادوا عليه الجهال ومن لا علم عنده بالسنة، وإن لم يكن كذلك جعلوا بدعته عونًا له على ظلمه أهلَ السنة وأذاهم والنيل منهم، وزيَّنوا (^٢) له أن هذا انتصارٌ (^٣) لما هم عليه من الحق.\nفإن أعجزتْهم هذه الحيلة ومنَّ الله سبحانه على العبد بتحكيم السنة ومعرفتها والتمييز بينها وبين البدعة ألقَوه في الكبائر، وزيَّنوا له فعلَها بكل طريق، وقالوا له: أنت على السنة، وفُسَّاق أهل السنة أولياء الله، وعُبَّاد أهل البدعة أعداء الله، وقبور فسّاق أهل السنة روضة من رياض الجنة، وقبور عبّاد أهل البدع حفرة من حفر النار (^٤)، والتمسك بالسنة يكفِّر الكبائر، كما أن مخالفة السنة تُحبِط الحسنات، وأهل السنة إن قعدتْ بهم أعمالهم قامت بهم عقائدهم، وأهل البدع إذا قامت بهم أعمالهم قعدتْ بهم عقائدهم، وأهل السنة هم الذين أحسنوا الظن بربهم إذ وصفوه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ووصفوه بكل كمال وجلال ونزَّهوه عن كل نقص، والله تعالى عند ظنِّ عبده به، وأهل البدع هم الذين يظنون بربهم ظنَّ السَّوء؛ إذ يعطِّلونه عن صفات كماله وينزِّهونه عنها، وإذا عطَّلوه عنها لزم اتصافه بأضدادها ضرورة؛ ولهذا قال الله تعالى في حق من أنكر صفة واحدة من صفاته وهي صفة العلم ببعض\n_________\n(^١) ز: «المستجاب». ك: «المستحبات». والمثبت من المطبوع.\n(^٢) ز: «ورتبوا».\n(^٣) ز: «انتصارًا».\n(^٤) ك: «حفر أهل النار».","vol":"4","page":291},{"text":"الجزئيات: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]، وأخبر عن الظانّين بالله ظنَّ السَّوء أن ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^١) [الفتح: ٦]، فلم يتواعد بالعقاب أحدًا أعظمَ ممن ظنَّ به ظنَّ السَّوء، وأنت لا تظنّ به ظنّ السّوء، فما لك وللعقاب؟ وأمثال هذا من الحق الذي يجعلونه وُصْلةً لهم، وحيلةً إلى استهانته بالكبائر، وأخْذِه الأمنَ لنفسه.\nوهذه حيلة لا ينجو (^٢) منها إلا الراسخ في العلم، العارف بأسماء الله وصفاته، فإنه كلما كان بالله أعرفَ كان له أشدَّ خشيةً، وكلما كان به أجهلَ كان أشدَّ غرورًا به وأقلَّ خشيةً.\nفإن أعجزتْهم هذه الحيلة وعظُمَ وقار الله في قلب العبد هوَّنوا عليه الصغائر، وقالوا له: إنها تقع مكفَّرةً باجتناب الكبائر حتى كأنها لم تكن، وربما مَنَّوه أنه إذا تاب منها كُتب له مكانَ كل سيئةٍ حسنةٌ، فيقولون له: كثِّر منها ما استطعتَ، ثم اربَحْ مكان كل سيئة حسنةً بالتوبة، ولو قبلَ الموت بساعة.\nفإن أعجزتْهم هذه الحيلة وخلَّص الله عبدَه منها نقلَه (^٣) إلى الفضول من أنواع المباحات والتوسع فيها، وقال له: قد (^٤) كان لداود مائة امرأة إلا\n_________\n(^١) في النسختين: «وأعد لهم عذابًا عظيمًا». وصحح في هامش ز.\n(^٢) ز: «لا ينج».\n(^٣) كذا في النسختين: «نقله» وضمير الفاعل للشيطان. وفي المطبوع: «نقلوه».\n(^٤) «قد» ليست في ك.","vol":"4","page":292},{"text":"واحدةً ثم أراد تكميلها بالمائة، وكان لسليمان ابنِه مائةُ امرأة، وكان للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان - ﵃ - من الأموال ما هو معروف، وكان لعبد الله بن المبارك والليث بن سعد من الدنيا وسعة المال ما لا يُجهل، [١٠٩/ب] ويُنسِيه ما كان لهؤلاء من الفضل، وأنهم لم ينقطعوا عن الله بدنياهم، بل ساروا بها إليه، فكانت طريقًا لهم إلى الله.\nفإن أعجزتْهم هذه الحيلةُ ــ بأن تفتح بصيرة العبد حتى كأنه يشاهد بها الآخرة وما أعدَّ الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته، فأخذ حِذره، وتأهَّب للقاء ربه، واستقصرَ مدة هذه الحياة الدنيا في جنب الحياة الباقية الدائمة ــ نقلَه (^١) إلى الطاعات المفضولة الصغيرة الثواب ليَشْغَلَه (^٢) بها عن الطاعات الفاضلة الكبيرة الثواب، فيعمل حيلتَه في تركه كل طاعة كبيرة إلى ما هو دونها، فيعمل حيلته في تفويت الفضيلة عليه.\nفإن أعجزتْهم هذه الحيلة ــ وهيهات ــ لم يَبْقَ لهم إلا حيلة واحدة، وهي تسليط أهل الباطل والبدع والظلمة عليه يؤذونه، وينفِّرون الناس عنه، ويمنعونهم من الاقتداء به؛ ليفوِّتوا عليه مصلحةَ الدعوة إلى الله ومصلحة الإجابة.\nفهذه مجامع أنواع حيل الشيطان، ولا يُحصِي أفرادَها إلا الله، ومن له مُسكةٌ من العقل يعرف الحيلة التي تمَّت عليه من هذه الحيل، فإن كانت له همة إلى التخلُّص منها، وإلا فيسأل من تمَّتْ عليه، والله المستعان.\n_________\n(^١) كذا في النسختين بصيغة الإفراد. وفي المطبوع: «نقلوه».\n(^٢) في المطبوع: «ليشغلوه».","vol":"4","page":293},{"text":"وهذه الحيل من شياطين الجن نظير حيل شياطين الإنس المجادلين بالباطل ليُدْحِضوا به الحق ويتوصَّلوا به (^١) إلى أغراضهم الفاسدة في الأمور الدينية والدنيوية، وذلك كحيل القرامطة الباطنية على إفساد الشرائع، وحيل الرهبان على أشباه الحمير من عابدي الصليب بما يُموِّهون به عليهم من المخاريق والحيل كالنور المصنوع وغيره مما هو معروف عند الناس، وكحيل أرباب الإشارات من اللاذَن (^٢) والتسيير (^٣) والتغيير (^٤) وإمساك الحيّات ودخول النار في الدنيا قبل الآخرة، وأمثال ذلك من حيل أشباه النصارى التي تَروج على أشباه الأنعام، وكحيل أرباب الدَّكّ (^٥) وخفة اليد التي تخفى على الناظرين (^٦) أسبابها ولا يتفطنون لها، وكحيل السحرة على اختلاف أنواع السحر:\n_________\n(^١) ك: «بهم».\n(^٢) هو شيء من رطوبة يكون على شجرة القيسوس. انظر: «المعتمد» لابن رسول (ص ٤٣٩).\n(^٣) ز: «التستير». وفي ك: الكلمة غير منقوطة. وفي المطبوع: «التيسير».\n(^٤) ز: «التعبير»، تصحيف. انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١١٣).\n(^٥) الدكّ: الشعوذة. انظر لتحقيق هذه الكلمة ومعناها تعليق الدكتور إحسان عباس على «الذخيرة» لابن بسّام (١/ ٥٥٠)، و«تكملة المعاجم العربية» لدوزي (٤/ ٣٨٤)، و«المختار في كشف الأسرار» لعبد الرحمن الجوبري (ص ٦٢، ٦٣، ٧٤). ولابن شهيد الشاعر كتاب بعنوان «كشف الدك وإيضاح الشك»، ذكره ابن خلكان في «الوفيات» (١/ ١١٦) والفقيه عمر الزجال في قصيدته النونية كما في «نفح الطيب» (٥/ ٤٥). وفي «الفهرست» لابن النديم (ص ٣١٢): «كتاب الخفة والدك» من كتب الشعبذة والطلسمات.\n(^٦) ز: «الناظر».","vol":"4","page":294},{"text":"فإن سحر البيان هو من أنواع التحيُّل: إما لكونه بلغ في اللطف والحسن إلى حدِّ استمالة القلوب فأشبهَ السحر من هذا الوجه، وإما لكون القادر على البيان يكون قادرًا على تحسين القبيح وتقبيح الحسن فهو أيضًا يُشبه السحر من هذا الوجه أيضًا.\nوكذلك سحر الوهم أيضًا هو حيلة وهمية، والواقع شاهد بتأثير الوهم والإيهام، ألا ترى أن الخشبة التي يتمكّن الإنسان من المشي عليها إذا كانت قريبة من الأرض لا يتمكّن من المشي عليها إذا كانت على مَهواةٍ (^١) بعيدة القعر؟ والأطباء تنهى صاحب الرُّعاف عن النظر إلى الشيء الأحمر، وتنهى المصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، فإن النفوس خلقت مَطِيّة (^٢) الأوهام، والطبيعة نقَّالة، والأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية.\nوكذلك السحر بالاستعانة بالأرواح الخبيثة إنما هو بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها والاتصاف بهيئاتها الخبيثة؛ ولهذا لا يعمل السحر إلا مع الأنفس الخبيثة المناسبة لتلك الأرواح، [١١٠/أ] وكلما كانت النفس أخبثَ كان سحرها أقوى، وكذلك سحر التمزيجات ــ وهو أقوى ما يكون من السحر ــ أن يمزج بين (^٣) القوى النفسانية الخبيثة الفعالة والقوى الطبيعية المنفعلة.\n_________\n(^١) ك: «مهراة»، تحريف.\n(^٢) في النسختين ز، ك: «بطيه». ولعل الصواب ما أثبت.\n(^٣) «بين» ليست في ك.","vol":"4","page":295},{"text":"والمقصود أن السحر من أعظم أنواع الحيل التي ينال بها الساحر غرضه، وحيل الساحر من أضعف (^١) الحيل وأقواها، ولكن لا تؤثّر تأثيرًا مستقرًّا إلا في الأنفس البطَّالة المنفعلة للشهوات، الضعيفةِ تعلُّقُها بفاطر الأرض والسموات، المنقطعةِ عن التوجه إليه والإقبال عليه؛ فهذه النفوس محلُّ تأثير السحر.\nوكحيل أرباب الملاهي والطرب على استمالة النفوس إلى محبة الصور والوصول إلى الالتذاذ بها؛ فحيلة السماع الشيطاني على ذلك من أدنى الحيل عليه، حتى قيل: أول ما وقع الزنا في العالم فإنما كان بحيلة اليَراع والغناء، لما أراد الشيطان ذلك لم يجد عليه حيلة أدنى من الملاهي.\nوكحيل اللصوص (^٢) والسُّرَّاق على أخذ أموال الناس، وهم أنواع لا تُحصى: فمنهم السُّراق بأيديهم، ومنهم السُّراق بأقلامهم، ومنهم السُّراق بأماناتهم، ومنهم السُّراق بما يُظهِرونه من الدين والفقر والصلاح والزهد وهم في الباطن بخلافه، ومنهم السُّراق بمكرهم وخداعهم وغِشِّهم. وبالجملة فحيل هذا الضرب من الناس من أكثر الحيل، وتليها حيل عُشّاق الصور على الوصول (^٣) إلى أغراضهم فإنها تقع في الغالب خفيةً، وإنما تتمُّ غالبًا على النفوس القابلة المنفعلة الشهوانية.\nوكحيل التتار التي ملكوا بها البلاد وقهروا بها العباد وسفكوا بها الدماء واستباحوا بها الأموال.\n_________\n(^١) «الحيل التي ... أضعف» ساقطة من ك.\n(^٢) ك: «والحيل والنصوص»، تحريف.\n(^٣) ك: «الصول»، خطأ.","vol":"4","page":296},{"text":"وكحيل اليهود وإخوانهم من الرافضة فإنهم بيت المكر والاحتيال، ولهذا ضُرِبت على الطائفتين الذلةُ، وهذه سنة الله في كل مخادعٍ محتال بالباطل.\nثم أرباب هذه الحيل نوعان: نوع يَقصد به حصول مقصوده، ولا يُظهِر أنه حلال، كحيل اللصوص وعُشّاق الصور المحرمة ونحوهما، ونوع يُظهِر صاحبه أن مقصوده خير وصلاح ويُبطِن خلافه.\nوأرباب النوع الأول أسلمُ عاقبةً من هؤلاء؛ فإنهم أَتوا البيوتَ من أبوابها والأمرَ من طريقه ووجهه، وأما هؤلاء فقلَبوا موضوع الشرع والدين، ولما كان أرباب هذا النوع إنما يباشرون الأسباب الجائزة ولا يُظهِرون مقاصدهم أَعضلَ (^١) أمرُهم، وعظُم الخَطْب بهم، وصعُب الاحتراز منهم، وعزَّ على العالم استنقاذُ قتلاهم، فاستُبيحت بحيلهم الفروج، وأُخذت بها الأموال من أربابها فأُعطِيت لغير أهلها، وعُطِّلت بها الواجبات، وضُيِّعت بها الحقوق، وعَجَّت الفروج والأموال والحقوق إلى ربها عجيجًا، وضجَّت مما حلّ بها إليه ضجيجًا.\nولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيل حرام، والإفتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، والحكم بها مع العلم بحالها حرام، والذين جوَّزوا منها ما جوَّزوه من الأئمة لا يجوز أن يُظَنّ بهم أنهم جوَّزوه على وجه الحيلة إلى المحرّم، وإنما [١١٠/ب] جوَّزوا صورة ذلك الفعل. ثم إن المتحيل المخادع المكَّار أخذ صورة ما أفتوا به فتوسَّل به إلى ما مَنعوا منه، وركَّب ذلك\n_________\n(^١) ك: «أعظل»، تصحيف. وأعضل الأمرُ: اشتدَّ واستغلق.","vol":"4","page":297},{"text":"على أقوالهم وفتاواهم (^١)، وهذا فيه الكذبُ عليهم وعلى الشارع.\nمثاله: أن الشافعي رحمه الله تعالى يجوِّز إقرار المريض لوارثه؛ فيتخذه من يريد أن يُوصي لوارثه وسيلةً إلى الوصية له بصورة الإقرار، ويقول: هذا جائز عند الشافعي. وقد كذبَ على الشافعي؛ فإنه لا يجوِّز الوصية للوارث بالتحيل عليها بالإقرار.\nوكذلك الشافعي - ﵁ - يجوِّز للرجل إذا اشترى من غيره سلعة بثمن أن يبيعه إياها بأقلَّ مما اشتراها منه بناءً على ظاهر السلامة، ولا يجوِّز ذلك حيلةً على بيع مائةٍ بمائة وخمسين إلى سنة؛ فالذي يسدُّ الذرائع يمنع ذلك، ويقول: هو يتخذ حيلة على ما حرمه الله ورسوله، فلا يقبل إقرار المريض لوارثه، ولا يصحح هذا البيع، ولا سيما فإن إقرار المرء شهادةٌ على نفسه، فإذا تطرَّق إليها التهمة بطلتْ كالشهادة على غيره. والشافعي يقول: أقبل إقراره إحسانًا للظنّ بالمُقرّ، وحملًا لإقراره على السلامة، ولا سيما عند الخاتمة.\nومن هذا الباب احتيال المرأة على فسخ نكاح الزوج بما يعلِّمه إياها أربابُ المكر والاحتيال، بأن تُنِكر أن تكون أذِنتْ للولي، أو بأن (^٢) النكاح لم يصح؛ لأن الولي أو الشهود جلسوا وقتَ العقد على فراش حرير، أو استندوا إلى وسادة حرير.\nوقد رأيتُ من يستعمل هذه الحيلة إذا طلَّق الزوج امرأته ثلاثًا، وأراد\n_________\n(^١) ك: «فتاويهم».\n(^٢) ك: «وابأن».","vol":"4","page":298},{"text":"تخليصه من عار التحليل وشَنارِه أرشده إلى القدح في صحة النكاح بفسق الولي أو الشهود، فلا يقع الطلاق في النكاح الفاسد. وقد كان النكاح صحيحًا لما كان مقيمًا معها عدة سنين، فلما أوقع الطلاق الثلاث فسد النكاح!\nومن هذا احتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه لم يكن بالغًا وقتَ العقد، أو لم يكن رشيدًا، أو كان محجورًا عليه، أو لم يكن المبيع مِلكًا له ولا مأذونًا له في بيعه.\nفهذه الحيل وأمثالها لا يستريب مسلم في أنها من كبائر الإثم وأقبح المحرمات، وهي من التلاعب بدين الله، واتخاذ آياته هُزُوًا، وهي حرام من جهتها في نفسها لكونها كذبًا وزورًا، وحرام من جهة المقصود بها، وهو إبطال حق وإثبات باطل؛ فهذه ثلاثة أقسام:\nأحدها: أن تكون الحيلة محرمة ويُقصد بها المحرم.\nالثاني: أن تكون مباحة في نفسها ويُقصد بها المحرم؛ فتصير حرامًا تحريمَ الوسائل، كالسفر لقطع الطريق وقتل النفس المعصومة.\nوهذان القسمان تكون الحيلة (^١) فيهما موضوعةً للمقصود الباطل المحرم، ومُفضِيةً إليه، كما هي موضوعة للمقصود الصحيح الجائز ومُفضية إليه؛ فإن السفر طريق صالح لهذا وهذا.\nالثالث: أن تكون الطريق لم تُوضَع للإفضاء إلى المحرم، وإنما وضعت مفضية إلى المشروع، كالإقرار والبيع والنكاح والهبة ونحو ذلك، فيتخذها\n_________\n(^١) «الحيلة» ساقطة من ك.","vol":"4","page":299},{"text":"المتحيل سُلَّمًا وطريقًا إلى الحرام، وهذا مُعترك الكلام في هذا الباب، وهو الذي [١١١/أ] قصدنا الكلام فيه بالقصد الأول.\nالقسم الثاني (^١): أن يُقصد بالحيلة أخذُ حقٍّ أو دفعُ باطلٍ، وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضًا:\nأحدها: أن يكون الطريق محرّمًا في نفسه، وإن كان المقصود به حقًّا:\nمثل أن يكون له على رجلٍ حقٌّ فيجحده، ولا بيِّنةَ له، فيقيم صاحبه شاهدَيْ زورٍ يشهدانِ به، ولا يعلمان ثبوت ذلك الحق.\nومثل أن يطلّق الرجل امرأته ثلاثًا، ويجحد الطلاق، ولا بينةَ لها، فتقيم شاهدينِ يشهدان أنه طلَّقها، ولم يسمعا الطلاق منه.\nومثل أن يكون له على رجلٍ دينٌ، وله عنده وديعة، فيجحد الوديعة، فيجحد هو الدين، أو بالعكس، ويحلف ما له عندي حق، أو ما أودعني شيئًا، وإن كان يُجيز هذا من يُجيز مسألة الظفر.\nومثل أن تدَّعي عليه المرأة كسوة (^٢) أو نفقة ماضية كذبًا وباطلًا، فيُنكر أن تكون مكَّنتْه من نفسها أو سلَّمتْ نفسها إليه، أو يقيم شاهدَيْ زورٍ أنها\n_________\n(^١) في النسخ الخطية والمطبوعة: «القسم الرابع». والصواب ما أثبت، فقد تحدَّث المؤلف عن القسم الأول من الحيل من بداية الفصل إلى هاهنا، وهو ما يُقصَد به إبطال حق وإثبات باطل، وقد قسمه المؤلف إلى ثلاثة أقسام كما رأينا. ويبدأ من هنا الكلام على القسم الثاني من الحيل، وهو ما يُقصَد به أخذُ حقّ أو دفعُ باطل، كما صرَّح به المؤلف، وقد قسَّمه أيضًا إلى ثلاثة أقسام، وفصَّل الكلام عليها.\n(^٢) ك: «المرأة عليه كسوتها».","vol":"4","page":300},{"text":"كانت ناشزًا؛ فلا نفقة لها ولا كسوة.\nومثل أن يقتل رجلٌ وليَّه، فيقيم شاهدَيْ زور ولم يشهدا القتل فيشهدا أنه قتله.\nومثل أن يموت موروثه فيقيم شاهدَيْ زور أنه مات وأنه وارثُه، وهما لا يعلمان ذلك.\nونظائره ممن له حقٌّ لا شاهدَ له به، فيقيم شاهدَ زورٍ يشهد له به؛ فهذا يأثم على الوسيلة دون المقصود. وفي مثل هذا جاء الحديث: «أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتمنَك، ولا تَخُنْ مَن خانَك» (^١).\nفصل\n\nالقسم<span data-type=\"title\" id=toc-686> الثاني: أن تكون الطريق مشروعة، وما يُفضي إليه مشروع</span>، وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مفضيةً إلى مسبباتها، كالبيع والإجارة والمساقاة والمزارعة والوكالة، بل الأسباب محلُّ حكمة (^٢) الله ورسوله، وهي في اقتضائها لمسبباتها شرعًا على وِزانِ الأسباب الحسية في اقتضائها لمسبباتها قدرًا؛ فهذا شرع الرب تعالى وذلك قَدَرُه، وهما خَلْقه وأمره، والله\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٥٣٥) والترمذي (١٢٦٤) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن غريب. وضعَّفه الشافعي وأحمد وأبو حاتم وابن حزم والبيهقي وابن الجوزي. وله شواهد لا تخلوا من مقال. انظر: «البدر المنير» (٧/ ٢٩٧ - ٣٠١) و«التلخيص الحبير» (٣/ ٩٧). وحسّنه الذهبي في «تلخيص العلل» (١٩٧) والمؤلف في «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٠١) والسخاوي في «المقاصد الحسنه» (٤٨). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٤٢٣).\n(^٢) ك: «حكم».","vol":"4","page":301},{"text":"سبحانه له الخلق والأمر، ولا تبديلَ لخلق الله، ولا تغييرَ لحكمه. فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية أحكامَها بل يُجرِيها على سببها وما خلقت له؛ فهكذا الأسباب الشرعية لا يُخرِجها عن سببها وما شُرِعت له، بل هذه سنته أمرًا وشرعًا، وتلك سنته قضاء وقدرًا، وسنته الأمرية قد تُبدَّل وتُغيَّر كما يُعصَى (^١) أمرُه ويُخالَف، وأما سنته القدرية فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا، وكما لا يُعصَى أمره الكوني القدري.\nويدخل في هذا القسم التحيُّلُ على جلب المنافع وعلى دفع المضار، وقد ألهم الله سبحانه ذلك لكل حيوان؛ فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا يهتدي إليه بنو آدم.\nوليس كلامنا ولا كلام السلف في ذم الحيل متناولًا لهذا القسم، بل العاجز من عجَزَ عنه، والكيِّس من كان به أفطَنَ وعليه أقدَرَ، ولا سيّما في الحرب فإنها خدعة. والعجزُ كلُّ العجز ترك هذه الحيلة. والإنسان مندوب إلى الاستعاذة [١١١/ب] بالله من العجز والكسل؛ فالعجز عدم القدرة على الحيلة النافعة، والكسل عدم الإرادة لفعلها؛ فالعاجز لا يستطيع الحيلة، والكسلان لا يريدها. ومن لم يحتَلْ وقد أمكنتْه هذه الحيلةُ أضاع فرصتَه وفرَّط في مصالحه، كما قال (^٢):\nإذا المرءُ لم يَحْتَلْ وقد جَدَّ جِدُّه ... أضاعَ وقاسَى أمرَه وهْوَ مُدْبِرُ\n_________\n(^١) ك: «يقضى»، تصحيف هنا وفيما يأتي.\n(^٢) قاله الشاعر الجاهلي تأبّط شرًّا في قصيدة له، كما في «حماسة أبي تمام» (١/ ٧١) و«الاختيارين» (ص ٢٩٥) و«الأغاني» (٢١/ ١٤٠) وغيرها.","vol":"4","page":302},{"text":"وفي هذا قال بعض السلف (^١): الأمر أمران: أمر فيه حيلة فلا تَعجِزْ عنه، وأمر لا حيلة فيه فلا تَجْزَعْ منه.\nفصل\nالقسم الثالث: أن يحتال على التوصُّل إلى الحق أو على دفع الظلم بطريق مباحة لم تُوضع مُوصِلةً إلى ذلك، بل وُضِعت لغيره، فيتخذها هو طريقًا إلى هذا المقصود الصحيح، أو تكون قد وُضِعت له لكن تكون خفيةً لا يُفطَن لها.\nوالفرق بين هذا القسم والذي قبله أن الطريق في الذي قبله نُصِبْت مُفضِيةً إلى مقصودها ظاهرًا، فسالكها سالك للطريق المعهود. والطريق في هذا القسم نُصِبتْ مُفضِيةً إلى غيره، فيتوصل بها إلى ما لم تُوضَع له؛ فهي في الفعال كالتعريض الجائز في المقال، أو تكون مفضية إليه لكن بخفاء، ونذكر لذلك أمثلةً يُنتفع بها في هذا الباب (^٢).\nالمثال الأول: إذا استأجر منه دارًا مدةَ سنين بأجرة معلومة، فخاف أن يغدر به المُكرِي في آخر المدة ويتسبب إلى فسخ الإجارة: بأن يُظهِر أنه لم تكن له ولايةُ الإيجار (^٣)، أو أن المُؤجَر مِلكٌ لابنه أو امرأته، أو أنه كان مُؤجَرًا قبل إيجاره، ويُبيِّن أن المقبوض أجرة المثل لما استوفاه من المدة\n_________\n(^١) ذكره شيخ الإسلام بلا نسبة في «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٢٠، ١٠/ ٥٠٧) و«جامع الرسائل» (٢/ ١٣٦)، ونسبه في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٣٩) إلى ابن المقفع أو غيره.\n(^٢) ذكر المؤلف أكثر هذه الأمثلة في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٦٦٧ - ٧٦١).\n(^٣) ك: «الإجار».","vol":"4","page":303},{"text":"وينتزع المؤجَر منه؛ فالحيلة في التخلُّص (^١) من هذه الحيلة أن يُضمِّنه (^٢) المستأجر دركَ العين المؤجَرة أو لغيره، فإذا استحقت أو ظهرت الإجارة فاسدةً رجع عليه بما قبضه منه، أو يأخذ إقرار من يخاف منه بأن لا حقَّ له في العين وأن كل دعوى يدّعيها بسببها فهي باطلة، أو يستأجرها منه بمائة دينار مثلًا ثم يصارفه كل دينار بعشرة دراهم، فإذا طالبه بأجرة المثل طالبه هو بالدنانير التي وقع عليها العقد. فإن (^٣) لم يخَفْ من ذلك، ولكن خاف (^٤) أن يغدر به في آخر المدة، فليُقسِط مبلغَ الأجرة على عدد السنين، ويجعل معظمها للسنة التي يخشى غدره فيها.\nوكذلك إذا خاف المُؤجِر أن يغدر المستأجر ويرحل في آخر المدة، فليجعل معظم الأجرة على المدة التي يأمنُ فيها رحيلَه، والقدر اليسير منها لآخر المدة.\nالمثال الثاني: أن يخاف ربُّ الدار غيبة المستأجر، ويحتاج إلى داره فلا يُسلمها أهله إليه، فالحيلة في التخلُّص من ذلك أن (^٥) يُؤجِرها ربها من امرأة المستأجر، ويضمن الزوج أن تردَّ إليه المرأة الدار وتُفرغها متى انقضت المدة، أو تضمن المرأة ذلك إذا استأجر الزوج؛ فمتى استأجر أحدهما وضمِنَ الآخر الردَّ لم يتمكَّن أحدهما من الامتناع.\n_________\n(^١) ك: «التخليص».\n(^٢) ك: «يضمه».\n(^٣) ز: «فإنه».\n(^٤) ز: «يخاف».\n(^٥) ك: «أنه».","vol":"4","page":304},{"text":"وكذلك إن مات المستأجر فجحد ورثته الإجارة، وادَّعَوا أن الدار لهم، نفعَ ربَّ الدار كفالةُ الورثة وضمانُهم ردَّ الدارِ إلى المُؤجِر. فإن خاف المُؤجِر [١١٢/أ] إفلاس المستأجر وعدم تمكُّنه قبضَ الأجرة؛ فالحيلة أن يأخذ منه كفيلًا بأجرة ما سكن أبدًا، ويسمي أجرة كل شهر للضمين، ويشهد عليه بضمانه.\nالمثال الثالث: أن يأذن رب الدار للمستأجر أن يكون في الدار ما يحتاج إليه أو يعلف الدابة بقدر حاجتها، وخاف أن لا يحتسب له ذلك من الأجرة؛ فالحيلة في اعتداده به عليه (^١) أن يقدِّر ما يحتاج إليه الدار أو الدابة، ويسمِّي له قدرًا معلومًا، ويحسبه من الأجرة، ويُشهِد على المُؤجِر أنه قد وكَّله في صرف ذلك القدر فيما تحتاج إليه الدار أو الدابة.\nفإن قيل: فهل تجوِّزون لمن له دَين على رجل أن يوكّله في المضاربة به أو الصدقة به أو إبراء نفسه منه أو أن (^٢) يشتري له شيئًا، ويبرأ المَدِين إذا فعل ذلك؟\nقيل: هذا مما اختُلِف فيه، وفي صورة المضاربة بالدين قولان في مذهب الإمام أحمد:\nأحدهما: أنه لا يجوز ذلك، وهو المشهور؛ لأنه يتضمن قبض الإنسان من نفسه وإبراءه لنفسه من دَين الغريم بفعل نفسه؛ لأنه متى (^٣) أخرج الدين\n_________\n(^١) ك: «باعتداده عليه».\n(^٢) ك: «وأن».\n(^٣) ك: «من»، تحريف.","vol":"4","page":305},{"text":"وضارب به فقد صار المال أمانةً وبرئ منه؛ وكذلك إذا اشترى به شيئًا أو تصدَّق به.\nوالقول الثاني: أنه يجوز، وهو الراجح في الدليل، وليس في الأدلة الشرعية ما يمنع من جواز ذلك، ولا يقتضي تجويزه مخالفةَ قاعدةٍ من قواعد الشرع، ولا وقوعًا في محظور من ربا ولا قِمار ولا بيعِ غرر، ولا مفسدةَ في ذلك بوجهٍ ما؛ فلا يليق بمحاسن الشريعة المنعُ منه، وتجويزه من محاسنها ومقتضاها.\nوقولهم: «إنه يتضمن إبراء الإنسان لنفسه بفعل نفسه» كلام فيه إجمال يوهم أنه هو المستقلُّ بإبراء نفسه، وبالفعل الذي به يبرأ، وهذا إيهام؛ فإنه إنما برِئَ بما أذن له ربُّ الدين من مباشرة الفعل الذي تضمن (^١) براءته من الدين، فأيُّ محذورٍ في أن يفعل فعلًا أذن له فيه رب الدين، ومستحقه يتضمن براءته؟ وكيف يُنكَر أن يقع في الأحكام الضمنية التبعية (^٢) ما لا يقع مثله في المتبوعات (^٣)، ونظائر ذلك أكثر من أن تُذكر؟ حتى لو وكّله أو أذن له أن يُبرِئ نفسه من الدين جاز وملك ذلك، كما لو وكّل المرأةَ أن تطلِّق نفسها؛ فأيُّ فرق بين أن يقول طلِّقي نفسك إن شئت، أو يقول لغريمه: أبرِئْ نفسَك إن شئت؟ وقد قالوا: لو أذن لعبده في التكفير بالمال ملك ذلك على الصحيح، فلو أذن له في الإعتاق ملَكَه، فلو أعتق نفسَه صح على أحد القولين، والقول الآخر لا يصح لمانع آخر، وهو أن الولاء للمُعتِق،\n_________\n(^١) ك: «يتضمن».\n(^٢) في النسختين: «النفعية». والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٣) ز: «المبيوعات»، تصحيف.","vol":"4","page":306},{"text":"والعبد ليس من أهل الولاء، نعم المحذورُ أن يملك إبراء نفسه من الدين بغير رضا ربه وبغير إذنه؛ فهذا هو المخالف لقواعد الشرع.\nفإن قيل: فالدين لا يتعين، بل هو مطلق كلي ثابت في الذمة، فإذا أخرج مالًا فاشترى به أو تصدَّق به (^١) لم يتعين أن يكون هو الدين، ورب الدين لم يعينه، فهو باقٍ على إطلاقه.\nقيل: هو في الذمة مطلق، وكل فردٍ من أفراده طابقَه صح أن يعيَّن عنه ويُجزِئ، وهذا كإيجاب الرب ﷾ الرقبةَ المطلقة في الكفارة فإنها غير [١١٢/ب] معينة، ولكن أيّ رقبة عيَّنها المكلَّف وكانت مطابقة لذلك المطلق تأدَّى بها الواجب. ونظيره هاهنا أن أي فردٍ عيَّنه وكان مطابقًا لما في الذمة تعيَّن وتأدَّى به الواجب. وهذا كما يتعين عند الأداء إلى ربه، وكما يتعين عند التوكيل في قبضه؛ فهكذا يتعين عند توكيله (^٢) لمن هو في ذمته أن يعيِّنه ثم يضارِب (^٣) به أو يتصدق أو يشتري به شيئًا. وهذا محض الفقه وموجب القياس، وإلا فما الفرق بين تعيينه إذا وكَّل الغير (^٤) في قبضه والشِّرَى (^٥) أو التصدُّق به وبين تعيينه إذا وكَّل من هو في ذمته أن يعينه ويضارب أو يتصدق به؟ وهل تحتَ (^٦) التفريقِ فقهٌ أو مصلحة لهما أو\n_________\n(^١) «به» ليست في ز.\n(^٢) في النسختين: «توكله».\n(^٣) ك: «ضارب».\n(^٤) ك: «العين».\n(^٥) كذا في النسختين مقصورًا، ولا غبار عليه.\n(^٦) في المطبوع: «يوجب»، تحريف.","vol":"4","page":307},{"text":"لأحدهما أو حكمةٌ للشارع فتجبُ مراعاتها؟\nفإن قيل: فجوِّزوا على هذا أن يقول له: اجعل الدين الذي عليك رأسَ مال السلم (^١) في كذا وكذا.\nقيل: شرط صحة النقض أمران؛ أحدهما: أن تكون الصورة التي نُقِض بها مساويةً لسائر الصور في المعنى الموجب للحكم. الثاني: أن يكون الحكم فيها معلومًا بنص أو إجماع. وكلا الأمرين منتفٍ هاهنا، فلا إجماع معلوم في المسألة وإن كان قد حُكِي، وليست مما نحن فيه؛ فإن المانع من جوازها رأى أنها من باب بيع الدين بالدين، بخلاف ما نحن فيه، والمجوِّز لها يقول: ليس عن الشارع نصٌّ عام في المنع من بيع الدين بالدين، وغاية ما ورد فيه حديث وفيه ما فيه: أنه «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» (^٢)، والكالئ: هو المؤخَّر، وهذا كما إذا كان رأس مال السلم دينًا في ذمة المسلم، فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق؛ لأنه يتضمن شَغْل الذمتين بغير مصلحة لهما، وأما إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه فاشترى به شيئًا في ذمته فقد سقط الدين من ذمته وخلفه دين آخر واجب، فهذا من باب بيع الساقط بالواجب، فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصَّة. فإن بنى المستأجر أو أنفق على\n_________\n(^١) ك: «سلم».\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٤٤٤٠) وابن أبي شيبة (٢٢٥٦٦) والدارقطني (٣٠٦٠، ٣٠٦١) والحاكم (٢/ ٦٥) من حديث ابن عمر، وضعّفه البيهقي (٥/ ٢٩٠) والنووي في «المجموع» (٩/ ٣٩٩) وابن تيمية في «تفسير آيات أشكلت» (٢/ ٦٣٧) وابن عبد الهادي في «رسالة لطيفة» (٢٢) والذهبي في «تلخيص العلل» (٢٠٠) وابن حجر في «بلوغ المرام» (٢٤٧) وغيرهم. وقال الدارقطني عقيب (٣٠٦١): قال اللغويون: هو النسيئة بالنسيئة.","vol":"4","page":308},{"text":"الدابة، وقال: أنفقتُ كذا وكذا، وأنكر المُؤجِر، فالقول قول المؤجر؛ لأن المستأجر يدَّعي براءة نفسه من الحق الثابت عليه، والقول قول المنكر.\nفإن قيل: فهل ينفعه إشهاد ربّ الدار (^١) أو الدابة على نفسه أنه مصدَّق فيما يدعي إنفاقه؟\nقيل: لا ينفعه ذلك، وليس بشيء، ولا يُصدَّق أنه أنفق شيئًا إلا ببينة؛ لأن مقتضى العقد أن لا يُقبل قوله في الإنفاق، ولكن ينتفع بعد الإنفاق بإشهاد المُؤجِر أنه صادق فيما يدَّعي أنه أنفقه. والفرق بين الموضعين أنه بعد الإنفاق مدّعٍ، فإذا صدَّقه المدَّعى عليه نفعه ذلك، وقبل الإنفاق ليس مدَّعيًا، فلا ينفعه إشهاد المُؤْجِر بتصديقه فيما سوف يدّعيه في المستقبل؛ فهذا شيء وذاك شيء آخر.\nفإن قيل: فما الحيلة على أن يصدَّق المستأجر فيما يدَّعيه من النفقة؟\nقيل: الحيلة أن يُسلِف المستأجر ربَّ الدار أو الحيوان من الأجرة ما يعلم أنه بقدر حاجته، ويُشهِد عليه بقبضه، ثم يدفع رب الدار إلى المستأجر [١١٣/أ] ذلك الذي قبضه منه، ويوكِّله في الإنفاق على داره ودابته، فيصير أمينَه فيصدَّق على ما يدَّعيه إذا كان ذلك نفقة مثله عرفًا، فإن خرج عن العادة لم يُصدَّق به، وهذه حيلة لا يدفع بها حقًّا، ولا يتوصل بها إلى المحرَّم، ولا يُقِيم بها باطلًا.\nالمثال الثالث (^٢): إذا خاف ربُ الدار أو الدابة أن يُعوِّقها عليه المستأجر\n_________\n(^١) ك: «المال».\n(^٢) كذا في النسختين، وقد مضى الثالث، وغُيِّر في المطبوعات بالرابع، وهكذا بزيادة عدد في الأمثلة القادمة. وقد أبقيناه كما في النسختين دون تغيير، ويبدو أنه من المؤلف.","vol":"4","page":309},{"text":"بعد المدة، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول: متى حبستَها بعد انقضاء المدة فأُجرتها كلَّ يومٍ كذا وكذا، فإنه يخاف من حبسها أن يلزمه بذلك.\nالمثال الرابع: لا يجوز استئجار الشمع ليُشعِله، لذهاب عين المستأجر، والحيلة في تجويز هذا العقد أن يبيعه من الشمعة أَواقيَّ معلومةً، ثم يُؤجِره إياها، فإن كان الذي أشعل منها ذلك القدر، وإلا احتسب له بما أذهبه منها. وأحسنُ من هذه الحيلة أن يقول: بعتك من هذه الشمعة كلَّ أوقيةٍ بدرهم، قلَّ المأخوذ منها أو كثر. وهذا جائز على أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا، وهو الصواب المقطوع به، وهو مخرَّجٌ على نص الإمام أحمد في جواز إجارة الدار كل شهر بدرهم، وقد آجَر عليٌّ - ﵁ - نفسَه كلّ دلوٍ بتمرة (^١). ولا محذورَ في هذا أصلًا، ولا يُفضي إلى تنازع ولا تشاحنٍ، بل عمل الناس في أكثر بياعاتهم عليه، ولا يضرُّ جهالة كمية المعقود عليه عند البيع؛ لأن الجهالة المانعة من صحة العقد هي التي تؤدِّي إلى القِمار والغرر، ولا يدري العاقد على أي شيء يدخل، وهذه لا تؤدِّي إلى شيء من ذلك، بل إن أراد قليلًا أخذ والبائع راضٍ، وإن أراد كثيرًا أخذ والبائع راضٍ، والشريعة لا تحرِّم مثل هذا ولا تمنع منه، بل هي أسمحُ من ذلك وأحكمُ.\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦٨٧) والترمذي (٢٤٧٣) وابن ماجه (٢٤٤٦، ٢٤٤٧) من طرق عن علي، وفي كلها ضعف، وقد ضعَّف الحديث وبين علل الطرق الألباني في «الإرواء» (٣١٣).","vol":"4","page":310},{"text":"فإن قيل: لكن في العقد على هذا الوجه محذوران؛ أحدهما: تضمُّنه للجمع بين البيع والإجارة. الثاني: أن مورد عقد الإجارة يذهب عينه أو بعضه بالإشعال.\nقيل: لا محذورَ في الجمع بين عقدين كل منهما جائز بمفرده، كما لو باعه سلعةً وآجرَه داره شهرًا بمائة درهم. وأما ذهاب المستأجر (^١) بالانتفاع فإنما (^٢) لم يجز؛ لأنه لم يتعوّض (^٣) عنه المُؤجِر، وعقد الإجارة يقتضي ردَّ العين بعد الانتفاع، وأما هذا العقد فهو عقد بيع يقتضي ضمانَ المُتلَف بثمنه الذي قدّر له وأجرة انتفاعه بالعين قبل الإتلاف، فالأجرة (^٤) في مقابلة انتفاعه بها مدة بقائها، والثمن في مقابلة ما أذهب منها. فدَعُونا من تقليد آراء الرجال، ما الذي حرّم هذا؟ وأين في كتاب الله وسنة رسوله أو قول الصحابة أو القياس الصحيح الذي يكون فيه الفرع (^٥) مساويًا للأصل ويكون حكم الأصل ثابتًا بالكتاب أو السنة أو الإجماع؟ وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلّد المتعصّب المقرّ على نفسه بما شهد عليه به جميع أهل العلم أنه ليس من جملتهم، فذاك وما اختار لنفسه، وبالله التوفيق.\nالمثال الخامس: أن تشترط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوَّج عليها، ولا يكون هناك [١١٣/ب] حاكم يصحِّح هذا الشرط، أو تخاف أن يرفعها\n_________\n(^١) ك: «ذهاب اجزاء المستأجر».\n(^٢) ك: «قايمًا»، تصحيف.\n(^٣) ك: «لم يتعرض».\n(^٤) في النسختين: «بالأجرة». والمثبت من المطبوعات.\n(^٥) ك: «الفرع فيه».","vol":"4","page":311},{"text":"إلى حاكم يُبطِله، فالحيلة في (^١) تصحيحه أن تُلزِمه عند العقد بأن يقول: «إن تزوجتُ عليكِ امرأة فهي طالق». فهذا الشرط يصح وإن قلنا: «لا يصح تعليق الطلاق بالنكاح»، نص عليه أحمد؛ لأن هذا الشرط لما وجب الوفاء به من منع التزويج بحيث لو تزوَّج فلها الخيار بين المُقام معه ومفارقته جاز اشتراط طلاق من يتزوَّجها عليها (^٢)، كما جاز اشتراط عدم نكاحها.\nفإن لم تتمَّ لها هذه الحيلة فلتأخذ شرطه أنه إن تزوَّج عليها فأمرُها بيدها، أو أمرُ الضرَّة بيدها، ويصح تعليق ذلك (^٣) بالشرط؛ لأنه توكيل على الصحيح، ويصح تعليق الوكالة على الشرط على الصحيح من قولَي العلماء، وهو قول الجمهور ومالك وأبي حنيفة وأحمد - ﵃ -، كما يصح تعليق الولاية على الشرط بالسنة الصحيحة الصريحة.\nولو قيل: «لا يصح تعليق الوكالة بالشرط» لصحَّ تعليق هذا التوكيل الخاص؛ لأنه يتضمن الإسقاط، فهو كتعليق الطلاق والعتق بالشرط، ولا ينتقض هذا بالبراءة فإنه يصح تعليقها بالشرط، وقد فعله الإمام أحمد، وأصوله تقتضي صحته، وليس عنه نص بالمنع. ولو سُلِّم أنه تمليك لم يمنع تعليقه بالشرط كما تعلّق الوصية وأولى؛ فإن الوصية تمليك مال وهذا ليس كذلك.\nفإن لم تتمَّ لها هذه الحيلة فلتتزوَّجْه على مهر مسمًّى على أنه إن أخرجها من دارها فلها مهر مثلها وهو أضعاف ذلك المسمَّى، ويُقرّ الزوج\n_________\n(^١) «في» ليست في ك.\n(^٢) «عليها» ليست في ز.\n(^٣) في النسختين: «بذلك». والمثبت من النسخ المطبوعة.","vol":"4","page":312},{"text":"بأنه مهر مثلها. وهذا الشرط صحيح؛ لأنها لم ترضَ بالمسمَّى إلا بناء على قرارها في دارها، فإذا لم يسلّم لها ذلك وقد شرطت في مقابلته زيادةً جاز، وتكون تلك الزيادة في مقابلة ما فاتها من الغرض (^١) الذي إنما أرخصت المهر ليسلّم لها، فإذا لم يسلِّم انتقلت إلى المهر الزائد.\nوقد صرَّح أبو حنيفة بجواز مثل ذلك مع قولهم (^٢) بأنه لا يصح اشتراط دارها ولا أن يتزوج عليها. وقد أغنى الله سبحانه عن هذه الحيلة بوجوب الوفاء بهذا الشرط الذي هو أحقُّ الشروط أن يُوفَى به وهو مقتضى الشرع والعقد (^٣) والقياس الصحيح، فإن المرأة لم ترضَ ببذل بُضْعها للزوج إلا على هذا الشرط، ولو لم يجب الوفاء به لم يكن العقد عن تراضٍ، وكان إلزامًا لها بما لم تلتزمه (^٤) وبما لم يُلزِمها الله ورسوله به، فلا نص ولا قياس، والله الموفّق.\nالمثال السادس: إذا خاصمته امرأته وقالت: قلْ «كل جاريةٍ أشتريها فهي حرة، وكل امرأةٍ أتزوجها فهي طالق»، فالحيلة في خلاصه أن يقول ذلك ويعني بالجارية السفينة، كقوله (^٥) تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، ويمسك بيده حصاة أو خرقةً ويقول: «فهي طالق» فيردُّ الكنايةَ إليها.\n_________\n(^١) ك: «العوض».\n(^٢) كذا في النسختين بضمير الجمع.\n(^٣) كذا في النسختين: «والعقد»، وهو صواب، وفي النسخ المطبوعة: «والعقل».\n(^٤) ز: «تلزمه».\n(^٥) ز: «لقوله».","vol":"4","page":313},{"text":"فإن تفقَّهت عليه الزوجة وقالت: قل (^١): «كل رقيقة أو أمة» فليقلْ ذلك وليعْنِ: فهي حرَّة الخصالِ غير فاجرة، فإنه لو قال ذلك لم تعتق، كما لو قال له رجل: «غلامك فاجر زانٍ»، فقال: ما أعرفه إلا حرًّا عفيفًا، ولم يُرِد العتق= لم يعتق.\nوإن تفقّهت عليه وقالت: قل: «فهي [١١٤/أ] عتيقة» فليقل ذلك ولينْوِ ضدَّ الجديدة، أي عتيقة في الرقّ.\nفإن تفقّهت وقالت: قل: «فهي معتوقة» أو (^٢) «قد أعتقتُها إن ملكتُها» فليردَّ الكناية (^٣) إلى حصاةٍ بيده أو خرقة، فإن لم تَدَعْه أن يمسك شيئًا فليردَّها إلى نفسه، ويعني أن قد أعتقتُها من النار بالإسلام، أو فهي حرة ليست رقيقة لأحد، ويجعل الكلام جملتين.\nفإن حَصَرتْه وقالت: قل: «فالجارية التي أشتريها (^٤) معتوقة» فليقيِّد ذلك بزمن معين، أو مكان معين في نيته، ولا يحنَث بغيره.\nفإن حَصَرتْه وقالت: «من غير تورية ولا كناية ولا نيةٍ تخالف قولي»، فهذا آخر الشدّ، فلا يمنعه ذلك من التورية والكناية. وإن قال بلسانه: «لا أورِّي (^٥) ولا أَكْني» والتورية والكناية في قلبه، كما لو قال: «لا أستثني» بلسانه ومِن نيته الاستثناء، ثم استثنى= فإنه ينفعه، حتى لو لم ينوِ الاستثناء ثم\n_________\n(^١) في النسختين: «بل». والمثبت من المطبوعات.\n(^٢) ك: «و».\n(^٣) ك: «الكتابة»، تصحيف.\n(^٤) ك: «اشتريتها».\n(^٥) ك: «لا أروي».","vol":"4","page":314},{"text":"عزم عليه واستثنى نفَعَه ذلك بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا معارضَ لها بوجهٍ في غير حديث، كقول الملَك لسليمان: «قل إن شاء الله» (^١)، وقول النبي - ﷺ -: «إلّا الإذْخِر» بعد أن ذكَّره به العباس (^٢)، وقوله: «إن شاء الله» بعد أن قال: «لأغزونَّ قريشًا»، ثلاث مرات، ثم قال بعد الثالثة وسكوته: «إن شاء الله» (^٣).\nوالقرآن صريح في نفع الاستثناء إذا نسيه ولم ينْوِه في أول كلامه ولا أثنائه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وهذا إما أن يختصّ بالاستثناء إذا نسيه كما فسَّره به جمهور المفسرين، أو يعمّه ويعمّ غيرَه وهو الصواب؛ فأما أن يُخرج منه الاستثناء الذي سِيق (^٤) الكلام لأجله ويُردّ إلى غيره فلا يجوز، ولأن الكلام الواحد لا يعتبر في صحته نية كل جملة من جمله وبعضٍ من أبعاضه؛ فالنص والقياس يقتضي نفعَ الاستثناء، وإن خطر له بعد انقضاء الكلام، وهذا هو الصواب المقطوع به.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٢٤٢، ٦٧٢٠) ومسلم (١٦٥٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (١٣٤٩) ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٣) رواه أبو يعلى (٢٦٧٤) وابن حبان (٤٣٤٣) والطحاوي في «مشكل الآثار» (٥/ ١٨٦) من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس موصولًا، وأخرجه أبو داود (٣٢٨٦) وعبد الرزاق (١١٣٠٦، ١٦١٢٣) والبيهقي (١٠/ ٤٨) عن عكرمة مرسلًا، ورجح الإرسال أبو حاتم في «العلل» (١/ ٤٤٠) وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٧٩) وابن حجر في «الدراية» (٢/ ٩٣).\n(^٤) ك: «يسبق».","vol":"4","page":315},{"text":"المثال السابع: لا تصح<span data-type=\"title\" id=toc-696> إجارة الأرض المشغولة بالزرع</span>، فإن أراد ذلك فله حيلتان جائزتان، إحداهما: أن يبيعه الزرعَ ثم يُؤجِره الأرضَ، فتكون الأرض مشغولة بملك المستأجر، فلا يقدح في صحة الإجارة. فإن لم يتمكّن من هذه الحيلة لكون الزرع لم يشتدَّ أو كان زرعًا للغير انتقل إلى الحيلة الثانية، وهي أن يُؤجِره إياها لمدة تكون بعد أخذ الزرع، ويصح هذا بناء على صحة الإجارة المضافة.\nالمثال الثامن: لا تصح إجارة الأرض على أن يقوم المستأجر بالخراج مع الأجرة، أو يكون قيامه به هو أجرتها، ذكره القاضي؛ لأن الخراج مُؤنةٌ تَلزم المالكَ بسبب تمكُّنه من الانتفاع؛ فلا يجوز نقله إلى المستأجر.\nوالحيلة في جوازه أن يسمِّي مقدار الخراج، ويضيفه إلى الأجرة (^١) ــ قلت: ولا يمتنع أن يُؤجِره الأرضَ بما عليها من الخراج إذا كان مقدَّرًا معلومًا لا جهالة فيه ــ فيقول: آجرتُكَها بخراجها تقوم به عنّي، فلا محذورَ في ذلك، ولا جهالةَ، ولا غررَ (^٢)، وأيُّ فرقٍ بين أن يقول آجرتُك كل سنة بمائة أو بالمائة [١١٤/ب] التي عليها كل سنة خراجًا؟\nفإن قيل: الأجرة تُدفع إلى المُؤجِر والخراج إلى السلطان.\nقيل: بل تُدفع الأجرة إلى المُؤجِر أو إلى من أذن له بالدفع إليه، فيصير وكيله في الدفع.\nالمثال التاسع: لا يصح أن يستأجر الدابة بعَلَفها؛ لأنه مجهول. والحيلة\n_________\n(^١) ك: «الآخر»، تصحيف.\n(^٢) ك: «ولا غرور».","vol":"4","page":316},{"text":"في جوازه أن يسمِّي ما يعلم أنها تحتاج إليه من العلف فيجعله أجرة، ثم يوكّله (^١) في إنفاق ذلك عليها.\nوهذه الحيلة غير محتاج إليها على أصلنا؛ فإنا نجوِّز أن يستأجر الظِّئر بطعامها وكسوتها والأجير بطعامه وكسوته، فكذلك إجارة الدابة بعلفها وسَقْيها.\nفإن قيل: عَلَف الدابة على مالكها، فإذا شرطه على المستأجر فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد، فأشبهَ ما لو شرط في عقد النكاح أن تكون نفقة الزوجة على نفسها.\nقيل: هذا من أفسد القياس؛ لأن العلف قد جُعل في مقابلة الانتفاع، فهو نفسه أجرة مغتفرة جهالتها اليسيرة للحاجة، بل الحاجة إلى ذلك أعظم من حاجة استئجار الأجير بطعامه وكسوته؛ إذ يمكن الأجيرَ أن يشتري له بالأجرة ذلك، فأما الدابة فإن كُلِّف ربّها أن يصحبها ليعلفها شقَّ عليه ذلك، فتدعو الحاجة إلى قيام المستأجر عليها، ولا يُظنّ به تفريطُه في علفها لحاجته إلى ظهرها، فهو يعلفها لحاجته وإن لم يمكنها مخاصمته.\nالمثال العاشر: إذا أراد أن يستأجر دارًا أو حانوتًا، ولا يدري مدة مقامه، فإن استأجره سنة فقد يحتاج إلى التحوُّل قبلها.\nفالحيلة أن يستأجر كلَّ شهر بكذا وكذا، فتصح الإجارة وتلزم في الشهر الأول، وتصير جائزة فيما بعده من الشهور، فلكل واحد منهما الفسخُ عقيبَ كل شهر إلى تمام يوم. وهذا قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: الإجارة فاسدة،\n_________\n(^١) ك: «يوكل».","vol":"4","page":317},{"text":"وعن أحمد نحوه. والصحيح الأول.\nفإذا خاف المستأجر أن يتحوّل قبل تمام الشهر الثاني فتلزمه أجرته، فالحيلة أن يستأجرها كلَّ أسبوع بكذا، فإن خاف التحوّل قبل الأسبوع استأجرها كل يوم بكذا، ويصح، ويكون حكم اليوم كحكم الشهر.\nالمثال الحادي عشر: لو وكلَّه أن يشتري له جارية معينة، فلما رآها الوكيل أعجبته وأراد شراءها لنفسه من غير إثم يدخل عليه ولا غدرٍ بالموكِّل= جاز ذلك؛ لأن شراءه إياها لنفسه عزلٌ لنفسه وإخراج لها من الوكالة، والوكيل يملك عزل نفسه في حضور الموكل وغيبته، وإذا عزل نفسه واشترى الجارية لنفسه بماله ملكها، وليس في ذلك بيعٌ على بيع أخيه ولا شِرًى على شِرى أخيه، إلا أن يكون سيدها قد ركنَ إلى الموكِّل وعزم على إمضاء البيع له؛ فيكون شِرى الوكيل لنفسه حينئذٍ حرامًا؛ لأنه شِرًى على شِرى أخيه.\nولا يقال: «العقد لم يتم والشِّرى على شرائه هو أن يطلب من البائع فسخ العقد في مدة الخيار ويعقد معه هو» لعدة أوجهٍ:\nأحدها: أن هذا حملٌ (^١) للحديث على الصورة النادرة، والأكثر خلافها.\nالثاني: أن النبي - ﷺ -[١١٥/أ] قرنَ ذلك بخِطبته على خِطبة أخيه، وذلك إنما يكون قبل عقد النكاح.\n_________\n(^١) ز: «أجمل»، تحريف.","vol":"4","page":318},{"text":"الثالث: أنه نهي أن يسوم على سَوْمِ أخيه (^١)، وذلك أيضًا قبل العقد.\nالرابع: أن المعنى الذي حرَّم الشارع لأجله ذلك لا يختص بحالة الخيار، بل هو قائم بعد الركون والتراضي وإن لم يعقداه كما هو قائم بعد العقد.\nالخامس: أن هذا تخصيص لعموم الحديث بلا موجب، فيكون فاسدًا، فإن شراءه على شراء أخيه متناول لحال الشِّرى وما بعده، والذي غَرَّ من خصَّه بحالة الخيار ظنُّه أن هذا اللفظ إنما يصدُق على من اشترى بعد شراء أخيه، وليس كذلك، بل اللفظ صادق على القسمين.\nالسادس: أنه لو اختص اللفظ بما بعد الشِّرى لوجب تعديته بتعدية علته (^٢) إلى حالة السَّوم.\nوأما على أصل أبي حنيفة فلا يتأتَّى ذلك؛ لأن الوكيل لا يملك عزْلَ نفسه في غيبة الموكِّل، فلو اشتراها لنفسه لكان عزلًا لنفسه في غيبة (^٣) موكله، وهو لا يملكه.\nقالوا: فالحيلة في شرائها لنفسه أن يشتريها بغير جنس الثمن الذي وكّل أن يشتري به، وحينئذٍ فيملكها؛ لأن هذا العقد غير الذي وكّل فيه، فهو بمنزلة ما لو وكّله في شراءِ شاةٍ فاشترى فرسًا؛ فإن العقد يكون للوكيل دون الموكِّل؛ فإن أراد الموكل الاحتراز من هذه الحيلة وأن لا يمكِّن الوكيلَ من\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ك: «عليه»، تصحيف.\n(^٣) «الموكل ... في غيبة» ساقطة من ك.","vol":"4","page":319},{"text":"شِراها لنفسه فليشهد عليه أنه متى اشتراها لنفسه فهي حرة؛ فإن وكَّل الوكيل من يشتريها له انبنى ذلك على أصلين: أحدهما: أن الوكيل هل له أن يوكِّل أم لا؟ والثاني: أن من حلف لا يفعل شيئًا؛ فوكَّل في فعله هل يحنث أم لا؟ وفي الأصلين نزاع معروف.\nفإن وكَّله رجل في بيع جارية ووكّله آخر في شِراها، وأراد هو شِراها لنفسه فالحكم على ما تقدم، غير أن هاهنا أصلًا آخر، وهو أن الوكيل في بيع الشيء هل يملك بيعه نفسَه؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد؛ إحداهما: لا يملك ذلك سدًّا للذريعة؛ لأنه لا يستقصي في الثمن، والثانية: يجوز إذا زاد على ثمنها في النداء لتزول التهمة؛ فعلى هذه الرواية يفعل ذلك من غير حاجة إلى حيلة، والثانية لا يجوز. فعلَى (^١) هذا هل له التحيُّل على ذلك؟ فقيل: له أن يتحيلَ عليه بأن يدفع إلى غيره دراهم ويقول له: اشترِها لنفسك، ثم يتملكها منه. والذي تقتضيه قواعد المذهب أن هذا لا يجوز؛ لأنه تحيلٌ على التوصل إلى فعل محرم، ولأن ذلك ذريعة إلى عدم استقصائه واحتياطه في البيع، بل يسامح في ذلك لعلمه أنها تصير إليه، وأنه هو الذي يزِن الثمن، ولأنه يعرِّض نفسه للتهمة، ولأن الناس يرون ذلك نوعَ غدرٍ ومكر؛ فمحاسن الشريعة تأبى الجواز.\nفإن قيل: فلو وكّله أحدهما في بيعها والآخر في شرائها ولم يُرِد أن يشتريها لنفسه؛ فهل يجوز ذلك؟\nقيل: هذا ينبني على شراء الوكيل في البيع لنفسه؛ فإن أجزناه هناك جاز\n_________\n(^١) ك: «فعل».","vol":"4","page":320},{"text":"هاهنا بطريق الأولى، وإن منعناه هناك، فقال القاضي: لا يجوز أيضًا [١١٥/ب] هاهنا لتضادِّ الغرضين؛ لأن وكيل البيع يستقصي في زيادة الثمن، ووكيل الشِّرى يستقصي في نقصانه؛ فيتضادّان. ولم يذكر غير ذلك. ويتخرَّج الجواز ــ وإن منعنا الوكيلَ من الشراء لنفسه ــ من نصِّ أحمد على جواز كون الوكيل في النكاح وكيلًا من الطرفين، وكونِه أيضًا وليًّا من الطرفين، وأنه يلي بذلك على (^١) إيجابِ العقد وقبوله، ولا ريبَ أن التهمة التي تلحقه (^٢) في الشراء لنفسه أظهرُ من التهمة التي تلحقه في الشراء لموكِّله.\nوالحيلة الصحيحة في ذلك كله أن يبيعها بيعًا بتاتًا ظاهرًا لأجنبي يثق به، ثم يشتريها منه شراء مستقلًّا؛ فهذا لا بأس به، والله أعلم.\nالمثال الثاني عشر: إذا قال الرجل لامرأته: «الطلاق يلزمني لا تقولين لي شيئًا إلا قلتُ لكِ مثله»، فقالت له: «أنتِ طالق ثلاثًا».\nفالحيلة في التخلُّص من أن يقول لها مثل ذلك أن يقول: قلتِ لي: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. قاله أصحاب الشافعي.\nوفي هذه الحيلة نظر لا يخفى؛ لأنه لم يقل لها مثل ما قالت له، وإنما حكى كلامها من غير أن يقول لها نظيره. ولو أن رجلًا سبَّ رجلًا فقال له المسبوب: «أنت قلت لي كذا وكذا» لم يكن قد ردَّ عليه عند أحد لغةً ولا عرفًا؛ فهذه الحيلة ليست بشيء.\nوقالت طائفة أخرى: الحيلة أن يقول لها: «أنتَ طالق ثلاثا» ــ بفتح\n_________\n(^١) «على» ليست في ز.\n(^٢) ك: «تحلقه»، تحريف هنا وفيما يأتي.","vol":"4","page":321},{"text":"التاء ــ فلا تطلَّق. وهذا نظير ما قالت له سواء (^١).\nوهذه وإن كانت أقربَ من الأولى؛ فإن المفهوم المتعارف لغةً وعقلًا وعرفًا (^٢) من الردّ على المرأة أن يخاطبها خطابَ المؤنث، فإذا خاطبها خطابَ المذكر لم يكن ذلك ردًّا ولا جوابًا، ولو فُرِض (^٣) أنه ردٌّ لم يمنع وقوع الطلاق بالمواجهة وإن فتح التاء، كأنه قال: أيها (^٤) الشخص أو الإنسان.\nوقالت طائفة أخرى: الحيلة في ذلك أن يقول: «أنتِ طالق ثلاثًا إن شاء الله»، أو «إن كلَّمتِ السلطان»، أو «إن سافرتِ»، ونحو ذلك؛ فيكون قد قال لها نظير ما قالت، ولا يضره زيادة الشرط.\nوهذه الحيلة أقرب من التي قبلها، ولكن في كون المتكلم بها رادًّا أو مجيبًا نظرٌ لا يخفى؛ لأن الشرط وإن تضمَّنَ زيادة في الكلام لكنه يُخرجه عن كونه نظيرًا لكلامها ومثلًا له، وهو إنما حلف أن يقول لها مثل ما قالت، والجملة الشرطية ليست مثل الجملة الخبرية، بل الشرط يدخل على الكلام التام فيصيِّره ناقصًا يحتاج إلى الجواب، ويدخل على الخبر فيقلبه إنشاء، ويغيِّر صورة الجملة الخبرية ومعناها، ولو قال رجل لغيره: «لعنك الله»، فقال له: «لعنك الله إن بدَّلتَ دينك أو ارتددتَ عن الإسلام» لم يكن سابًّا له. ولو قال له: «يا زان» فقال: «بل أنت زانٍ إن وطئتَ فرجًا حرامًا» لم يكن\n_________\n(^١) ك: «قالتا سواء».\n(^٢) ك: «وفرعا»، تحريف.\n(^٣) ك: «فرض له».\n(^٤) في النسختين: «أيتها». والمثبت من النسخ المطبوعة.","vol":"4","page":322},{"text":"الثاني قاذفًا له. ولو بذلتْ له مالًا على أن يطلقها، فقال: «أنتِ طالق إن كلَّمتِ السلطان»، لم يستحق المال، ولم يكن مطلّقًا.\nوقالت طائفة أخرى: لا حاجة إلى شيء من ذلك، والحالف لم يُدخِل هذه الصورة في عموم كلامه، وإن دخلت فهي من المخصوص بالعرف والعادة والعقل؛ فإنه لم يُرد هذه الصورة قطعًا، ولا خطرتْ بباله، ولا تناولها لفظه؛ فإنه إنما تناول [١١٦/أ] لفظُه القولَ الذي يصح أن يقال له، وقولها: «أنت طالق ثلاثًا» ليس من القول الذي يصح أن يواجه به؛ فهو لغو محض وباطل، وهو بمنزلة قولها: «أنت امرأتي» وبمنزلة قول الأمة لسيدها: «أنتِ أمتي وجاريتي» ونحو هذا من الكلام اللغو الذي لم يدخل تحت لفظ الحالف ولا إرادته، أما عدم دخوله تحت إرادته فلا إشكال فيه، وأما عدم تناول لفظه له فإن اللفظ العام إنما يكون عامًّا فيما يصلح له وفيما سِيق لأجله.\nوهذا أقوى من جميع ما تقدم، وغايته تخصيص العام بالعرف والعادة، وهذا أقرب لغةً وعقلًا وشرعًا من جعْلِ ما تقدم مطابقًا ومماثلًا لكلامها، فتأملْه، والله الموفق.\nالمثال الثالث عشر: إذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم بالحج فيفوته فيلزمه القضاء ودم الفوات؛ فالحيلة أن يُحرِم إحرامًا مطلقًا ولا يعينه؛ فإن اتسع له (^١) الوقت جعله حجًّا أو قِرانًا أو تمتعًا، وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة، ولا يلزمه غيرها.\nالمثال الرابع عشر: إذا جاوز الميقاتَ غيرَ محرم لزمه الإحرام ودم لمجاوزته للميقات غير محرم. والحيلة في سقوط الدم عنه أن لا يحرم من\n_________\n(^١) «له» ليست في ز.","vol":"4","page":323},{"text":"موضعه، بل يرجع إلى الميقات فيحرم منه؛ فإن أحرم من موضعه لزمه الدم، ولا يسقط برجوعه إلى الميقات.\nالمثال الخامس عشر: إذا سُرق له متاع، فقال لامرأته: إن لم تخبريني من أخذه فأنتِ طالق ثلاثًا، والمرأة لا تعلم من أخذه. فالحيلة في التخلُّص من هذه اليمين أن تذكر الأشخاص التي لا يخرج المأخوذ عنهم، ثم تُفرِد كل واحد واحد، وتقول: هو أخذه؛ فإنها تكون مخبرةً عن الآخذ وعن غيره فيَبرُّ في يمينه ولا تطلَّق.\nالمثال السادس عشر: إذا ادَّعت المرأة النفقة والكسوة لمدة ماضية، فقد اختُلِف (^١) في قبول دعواها، فمالك وأبو حنيفة لا يقبلان (^٢) دعواها، ثم اختلفا في مأخذ الرد؛ فأبو حنيفة يُسقطها بمضيِّ الزمان، كما يقوله منازعوه في نفقة القريب، ومالك لا يسمع الدعوى التي يكذِّبها العرف والعادة، ولا يُحلِّف فيها، ولا يقبل فيها بينة، كما لو كان رجلٌ حائز دارٍ (^٣) متصرفًا فيها مدةَ السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى مِلكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، ومع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقًّا، ولا مانع يمنعه من خوف أو شركة في ميراث، ونحو ذلك، ثم جاء بعد تلك المدة (^٤) فادعاها (^٥)\n_________\n(^١) ك: «اختلفت».\n(^٢) ز: «لا يقبلون». وسقطت «لا يقبلان ... فأبو حنيفة» من ك، ب بسبب انتقال النظر.\n(^٣) ك: «دارًا».\n(^٤) ك: «ذلك المدة».\n(^٥) ك، ب: «فادعى».","vol":"4","page":324},{"text":"لنفسه، فدعواه غير مسموعة فضلًا عن إقامة بيّنةٍ.\nقالوا: وكذلك إذا كانت المرأة مع الزوج مدةَ سنين يشاهده الناس والجيران داخلًا بيتَه بالطعام والفاكهة واللحم والخبز، ثم ادَّعت بعد ذلك أنه لم ينفق عليها في هذه المدة؛ فدعواها غير مسموعة، فضلًا عن أن يحلف لها، أو تُسمع لها بينة.\nقالوا: وكل دعوى ينفيها العرف وتكذِّبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة.\nوهذا المذهب [١١٦/ب] هو الذي نَدين الله به، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة سواه، وكيف يليق بالشريعة أن تُسمع مثل هذه الدعوى التي قد علم الله وملائكته والناس أنها كذب وزور؟ وكيف تدَّعي المرأة أنها أقامت مع الزوج ستين سنة أو أكثر لم ينفق عليها فيها (^١) يومًا واحدًا ولا كساها فيها ثوبًا، ويُقبل قولها عليه، ويُلزم بذلك كله، ويقال: الأصل معها؟ وكيف يُعتمد على أصل يكذِّبه العرف والعادة والظاهر الذي بلغ في القوة إلى حدّ القطع؟ والمسائل التي يُقدَّم فيها الظاهر القوي على الأصل أكثر من أن تحصى، ومثل هذا المذهب في القوة مذهب أبي حنيفة، وهو سقوطها بمضيّ الزمان؛ فإن البينة قد قامت بدونها؛ فهي كحق المبيت والوطء.\nولا يُعرف أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - ــ مع أنهم أئمة الناس في الورع والتخلُّص من الحقوق والمظالم ــ قضى لامرأة بنفقة ماضية، أو\n_________\n(^١) «فيها» ليست في ك.","vol":"4","page":325},{"text":"استحل امرأته منها، ولا أخبر النبي - ﷺ - بذلك امرأة واحدة منهن، ولا قال لها: ما مضى من النفقة حق لك عند الزوج؛ فإن شئتِ تُطالبيه (^١)، وإن شئتِ تُحالِليه (^٢)، وقد كان النبي (^٣) - ﷺ - يتعذَّر عليه نفقة (^٤) أهله أيامًا حتى سألْنَه إياها، ولم يقل لهن: هي باقية في ذمتي حتى يوسِّع الله وأقضيكنَّ، ولما وسَّع الله عليه لم يقضِ لامرأة منهن ذلك، ولا قال لها: هذا عوضٌ عما فاتكِ من الإنفاق، ولا سمع الصحابة لهذه المسألة خبرًا. وقول عمر - ﵁ - للغياب: «إما أن تطلِّقوا وإما أن تبعثوا بنفقة ما مضى» (^٥) في ثبوته نظر، وإن قال ابن المنذر: «ثبت عن عمر»، فإنَّ في إسناده ما يمنع ثبوته. ولو قُدِّر صحته فهو حجة عليهم، ودليل على أنهم إذا طلَّقوا لم يلزمهم بنفقة (^٦) ما مضى.\n_________\n(^١) كذا في النسختين، وفي ب: «تطالبينه».\n(^٢) ب: «تجالبينه»، تحريف.\n(^٣) «النبي» ليست في ز.\n(^٤) «نفقة» ليست في ك.\n(^٥) رواه الشافعي في «الأم» (٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨) وابن أبي شيبة (١٩٣٥٨) وعبد الرزاق (١٢٣٤٦) ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٩/ ٦٥)، كلهم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عنه، إلا أنه سقط من إسناد ابن أبي شيبة «ابن عمر». ورواه أيضًا عبد الرزاق (١٢٣٤٧) عن معمر عن أيوب عن نافع عن عمر مرسلًا. واحتج به أبو حاتم في «العلل» (١/ ٤٠٦) وأحمد في «مسائل أبي داود» (ص ١٧٩)، وجودَّ إسناده ابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ٤٣٨)، وصححه الألباني في «الإرواء» (٢١٥٩).\n(^٦) ك، ب: «نفقة».","vol":"4","page":326},{"text":"فإن قيل: وحجةٌ عليكم في إلزامه لهم بها (^١)، وأنتم لا تقولون بذلك.\nقيل: بل نقول به، وإن الأزواج إذا امتنعوا من الواجب عليهم مع قدرتهم عليه لم يَسقط بالامتناع، ولزمهم ذلك. وأما المعذور العاجز فلا يُحفظ عن أحد من الصحابة أنه جعل النفقة دَينًا في ذمته أبدًا.\nوهذا التفصيل هو أحسن ما يقال في هذه المسألة.\nوالمقصود أن (^٢) على هذين المذهبين لا تُسمع الدعوى (^٣)، ويسمعها الشافعي وأحمد بناء على قاعدة الدعاوي، وأن الحق قد ثبت ومستحقّه يُنكِر قبضه، فلا يُقبل قول الدافع عليه إلا ببينة؛ فعلى قولهما يحتاج الزوج إلى طريقٍ تُخلِّصه من هذه الدعوى، ولا ينفعه دعوى النشوز، فإن القول فيه قول المرأة، ولا يخلِّصه دعوى عدم التسليم الموجب للإنفاق لتمكُّن المرأة من إقامة البينة عليه؛ فله حيلتان:\nإحداهما: أن يقيم البينة على نفقته وكسوته لتلك المدة، وللبينة أن تشهد على ذلك بناء على ما علمتْه وتحقَّقتْه بالاستفاضة والقرائن المفيدة للقطع؛ فإن الشاهد يشهد بما علمه بأي طريق علمه، وليس على الحاكم أن يسأل البينة عن مستند التحمُّل، ولا يجب على الشاهد أن يبيِّن مستنده في الشهادة.\nالحيلة الثانية: أن ينكر التمكين الموجب [١١٧/أ] لثبوت المدَّعى به في ذمته، ويكون صادقًا في هذا الإنكار؛ فإن التمكين الماضي لا يوجب عليه ما\n_________\n(^١) «بها» ليست في ك، ب.\n(^٢) «أن» ليست في ك.\n(^٣) ك، ب: «دعوى».","vol":"4","page":327},{"text":"ادَّعتْ به الزوجة إذا كان قد أدَّاه إليها، والتمكين الذي يوجب ما ادَّعتْ به لا حقيقة له؛ فهو صادق في إنكاره.\nالمثال السابع عشر: إذا اشترى ربويًّا بمثله فتعيَّب عنده ثم وجد به عيبًا، فإنه لا يُمكِنه ردُّه للعيب الحادث، ولا يمكنه أخذُ الأَرْش لدخول التفاضل، فالحيلة في استدراك ظُلامته أن يدفع إلى البائع ربويًّا معيبًا (^١) بنظير العيب الذي وجد به المبيع، ثم يسترجع منه الذي دفعه إليه، فإن استهلكه استردَّ منه نظيره. وهذه الحيلة على أصل الشافعي.\nوأما على أصل أبي حنيفة فالحيلة في الاستدراك أن يأخذ عوض العيب من غير جنسه، بناء على أصله في تجويز مسألة «مُدِّ عَجْوة».\nوأما على أصل الإمام أحمد فإن كان البائع علم بالعيب فكتمه لم يمنع العيب الحادث عند المشتري ردَّه عليه، بل لو تلِفَ جميعُه رجع عليه بالثمن عنده. وإن لم يكن من البائع تدليس فإنه يردُّ عليه المبيع ومعه أَرْش العيب الحادث عنده، ويستردُّ العوض، وليس في ذلك محذور، فإنه يبطل العقد؛ فالزيادة ليست زيادة في عوض، فلا يكون ربا (^٢).\nالمثال الثامن عشر: إذا أبرأ الغريم من دَينه في مرض موته، ودينه يخرج من الثلث وهو غير وارث، فخاف المبرأ (^٣) أن يقول الورثة: «لم يُخلف مالًا سوى الدَّين» ويطالبونه بثلثَيْه، فالحيلة أن يُخرِج المريض إلى الغريم مالًا\n_________\n(^١) ز: «معينًا».\n(^٢) ك: «زيادة»، تحريف.\n(^٣) ب: «الميت».","vol":"4","page":328},{"text":"بقدر دَينه فيَهَبه إياه، ثم يستوفيه منه من دينه. فإن عجز عن ذلك ولم يغِبْ عنه الورثة، فالحيلة أن (^١) يقرَّ بأنه شريكه بقدر الدَّين عليه. فإن عجز عن ذلك فالحيلة أن يقرَّ بأنه (^٢) كان قبضه منه أو أبرأه منه في صحته. فإن خاف أن يتعذَّر عليه مطالبته به إذا عُوفي فالحيلة أن يشهد عليه أنه إن ادَّعى عليه أو أي وقت ادَّعى عليه أو متى ادَّعى عليه بكذا وكذا فهو صادق في دعواه، فما لم يدَّعِ عليه بذلك لم يلزمه، وليس لوارثه بعده أن يدَّعي به، فإنه إنما صدق الموروث (^٣) إن ادعى، ولم تحصل دعواه، وإنما ينتقل إلى الورثة ما ادعى به الموروث وصدقه عليه المدَّعي (^٤)، ولم يتحقق ذلك.\nالمثال التاسع عشر: إذا أراد أن يعتق عبده وخاف أن يجحد الورثة المال ويُرِقُّوا ثُلثَيه، فالحيلة أن يبيعه لأجنبي، ويقبض ثمنه منه (^٥)، ثم يهب الثمن للمشتري، ويسأله إعتاق العبد. ولا ينفعه أن يأخذ إقرار الورثة أن العبد يخرج من الثلث؛ لأن الثلث إنما يعتبر عند الموت لا قبله. فإن لم يُرِد تنجيزَ عتقه وأحبَّ تدبيره وخاف من ذلك فالحيلة أن يملِّكه لرجل يثق به، ويعلِّق المشتري عتقه بموت السيد المملّك، فلا يجد الورثة إليه سبيلًا.\nالمثال العشرون: إذا كان لأحد الورثة دينٌ على الموروث وأحبَّ أن يُوفيه إياه ولا بينةَ له به، فإن أقرَّ له به أبطلنا إقراره، وإن أعطاه [١١٧/ب]\n_________\n(^١) ك: «بأن».\n(^٢) ك، ب: «بأن يقر أنه».\n(^٣) ك: «المروث». ب: «المورث».\n(^٤) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «وصدقه المدعى عليه».\n(^٥) «منه» ليست في ك، ب.","vol":"4","page":329},{"text":"عوضَه كان تبرعًا في الظاهر فلباقي (^١) الورثة ردُّه، فالحيلة في خلاصه من دينه أن يقبض الوارث ما له عليه في السرّ، ثم يبيعه سلعة أو دارًا أو عبدًا بذلك الثمن، فيستردّ منه المال، ويدفع إليه تلك السلعة التي هي بقدر دينه.\nفإن قيل: وأي حاجةٍ له إلى ذلك إذا أمكنه أن يعطيه ما له عليه في السر؟\nقيل: بل في ذلك خلاص الوارث من دعوى بقية الورثة واتهامهم له وشكواهم إياه أنه استولى على مال موروثنا وصار إليه بغير حقٍّ، فإذا لم يخرج المال الذي عاينوه عند الموروث عن التركة سلم من تطرُّقِ التهمة والأذى والشكوى.\nالمثال الحادي والعشرون: إذا زوَّج عبده من ابنته (^٢) صح، فإن خاف من انفساخ النكاح بموته حيث تملكه أو بعضه، فالحيلة في بقاء (^٣) النكاح أن يبيعه من أجنبي ويقبض ثمنه أو يهبه إياه، فإن مات بعد ذلك هو أو الأجنبي لم ينفسخ النكاح.\nالمثال الثاني والعشرون: إذا كان مولاه سفيهًا إن زوَّجه طلق وإن شَراه أعتق وإن أهمله فسق، فالحيلة أن يشتري جارية من مال نفسه ويزوِّجه إياها، فإن أعتقها لم ينفذ عتقه، وإن طلّقها رجعت إلى سيدها فلا تطالبه بمهرها.\nالمثال الثالث والعشرون: إذا طلب عبده منه أن يزوِّجه جاريتَه فحلف بالطلاق لا يزوِّجه إياها، فالحيلة على جواز تزويجه بها ولا يحنث: أن\n_________\n(^١) ك: «قلنا في»، تصحيف.\n(^٢) ب: «ابنته من عبده».\n(^٣) كذا في جميع النسخ. وفي المطبوع: «إبقاء».","vol":"4","page":330},{"text":"يبيعهما جميعًا أو يملِّكهما لمن يثق به، ثم يزوِّجهما (^١) المشتري، فإذا فعل ذلك استردَّهما ولا يحنث؛ لأنه لم يزوِّج أحدهما الآخر، وإنما فعل ذلك غيره.\nقال القاضي أبو يعلى: وهذا غير ممتنع على أصلنا؛ لأن الصفة قد وجدت في حال زوال ملكه، فلا يتعلق به حِنث، ولا يتعلق الحنث باستدامة العقد بعد أن ملَّكهما؛ لأن التزويج عبارة عن العقد وقد تقضَّى، وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامته.\nقال: ويفارق هذا إذا حلف على عبده لا دخلَ (^٢) هذه الدار فباعه ودخلها ثم ملكه ودخلها بعد ذلك فإنه يحنث؛ لأن الدخول عبارة عن الكون، وذلك موجود بعد الملك كما كان موجودًا في الملك الأول.\nقال: وقد علَّق أحمد القول في رواية مهنَّا في رجل قال لامرأته: «أنتِ طالق إن رهنتِ كذا وكذا» فإذا هي قد رهنته قبل اليمين، فقال: أخاف أن يكون حنث. قال: وهذا محمول (^٣) على أنه قال: «إن كنتِ رهَنْتِيه» فيحنث؛ لأنه (^٤) حلف على ماضٍ.\nولا يخفى ما في هذا الحمل من مخالفة ظاهر كلام السائل وكلام الإمام أحمد؛ أما كلام السائل فظاهر في أنه إنما أراد رهنًا تُنشِئه بعد اليمين،\n_________\n(^١) ب: «يزوجه إياها».\n(^٢) كذا في النسخ وهو صواب، والضمير يرجع إلى العبد. وفي المطبوع: «لا أدخل»، خطأ.\n(^٣) ك: «مجهول»، تحريف.\n(^٤) ك: «لا»، خطأ.","vol":"4","page":331},{"text":"فإن أداة الشرط تُخلِص الفعل الماضي للاستقبال، فهذا الفعل مستقبل بوضع اللغة والعرف والاستعمال.\nوأما كلام الإمام أحمد فإنه لو فهم من السائل ما حمله عليه القاضي لجزم بالحنث، ولم يقل: «أخاف»، فهو إنما يطلق هذه اللفظة فيما عنده فيه [١١٨/أ] نوع (^١) توقُّفٍ. واستقراء أجوبته يدلُّ على ذلك. وإنما وجه هذا أنه جعل استدامة الرهن رهنًا كاستدامة اللبس (^٢) والركوب والسكنى والجماع والأكل والشرب ونحو ذلك. ولما كان لها شَبَهٌ بهذا وشَبَهٌ باستدامة النكاح والطيب ونحوهما لم يجزم بالحنث، بل قال: أخاف أن يكون قد حنث، والله أعلم.\nالمثال الرابع والعشرون: هل تصح الشركة بالعروض والفلوس إن قلنا هي عروض والنقود المغشوشة؟ على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد، فإن جوَّزنا الشركة بها لم يُحتَجْ إلى حيلة، بل يكون رأس المال قيمتها وقت العقد، وإن لم نجوِّز الشركة فالحيلة على أن يصيرا شريكين فيها أن يبيع كل واحد منهما صاحبه نصف عرضه بنصف عرضه مشاعًا، فيصير كل منهما شريكًا لصاحبه في عرضه، ويصير عرض كل واحد منهما بينهما نصفين، ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف.\nهذا إذا كان قيمة العرضين سواء، فإذا كانا متفاوتينِ ــ بأن يساوي أحدهما مائة والآخر مائتين ــ فالحيلة أن يبيع صاحب العرض الأدنى ثُلثَي عرضه بثُلثِ عرض صاحبه كما تقدم، فيكون العرضان بينهما أثلاثًا، والربح على قدر\n_________\n(^١) «نوع» ليست في ك.\n(^٢) ك: «الرهن».","vol":"4","page":332},{"text":"الملكين (^١) عند الشافعي وعند أحمد على ما شرطاه. ولا تمتنع هذه الحيلة على أصلنا فإنها لا تُبطِل حقًّا، ولا تُثبِت باطلًا، ولا تُوقِع في محرَّم.\nالمثال الخامس والعشرون: إذا كان له عليه ألف درهم فأراد أن يصالحه على بعضها فلها ثمانُ صورٍ؛ فإنه إما أن يكون مقرًّا أو منكرًا، وعلى التقديرين فإما أن تكون حالَّةً أو مؤجلةً، ثم الحلول والتأجيل إما أن يقع في المصالح عنه أو في المصالح به، وإنما تتبين أحكام هذه المسائل بذكر صورها وأصولها.\nالصورة الأولى: أن يصالحه من ألف حالة قد أقرَّ بها على خمسمائة حالة؛ فهذا صلح (^٢) على الإقرار، وهو صحيح على أحد القولين، باطل على القول الآخر؛ فإن الشافعي لا يصحح الصلح إلا على الإقرار، والخرقي ومن وافقه من أصحاب الإمام أحمد لا يصححه إلا على الإنكار، وابن أبي موسى وغيره يصححونه على الإقرار والإنكار، وهو ظاهر النص، وهو الصحيح؛ فالمبطلون له مع الإقرار يقولون: هو هضمٌ للحق؛ لأنه إذا أقرَّ له فقد لزمه ما أقرَّ به، فإذا بذل له دونه فقد هضمه حقَّه، بخلاف المنكر فإنه يقول: إنما افتديتُ يميني والدعوى عليَّ بما بذلتُه (^٣)، والآخذ يقول: أخذتُ بعض حقي. والمصححون له يقولون: إنما يمكن الصلح مع الإقرار لثبوت الحق به؛ فتمكن المصالحة على بعضه، وأما مع الإنكار فأيُّ شيء ثبت حتى يصالح عليه؟ فإن قلتم: «صالحه عن الدعوى واليمين وتوابعهما»، فإن هذا\n_________\n(^١) ز: «المالين».\n(^٢) ز: «أصلح»، خطأ.\n(^٣) ك، ب: «ما بذلته».","vol":"4","page":333},{"text":"لا تجوز المعاوضة عليه، ولا هو مما يقابل بالأعواض، فهذا أصل.\nوالصواب جواز الأمرين للنص والقياس والمصلحة؛ فإن الله تعالى أمرنا بالوفاء بالعقود ومراعاة العهود، وأخبر (^١) النبي - ﷺ - أن المسلمين على شروطهم، [١١٨/ب] وأخبر أن الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا (^٢). وقول من منع الصلح على الإقرار: «إنه هَضْمٌ للحق» ليس كذلك، وإنما الهضم أن يقول: لا أقرُّ لك حتى تهبَ لي كذا وتضع عني كذا، وأما إذا أقرَّ له ثم صالحه ببعض ما أقرَّ به فأيُّ هضمٍ هناك؟ وقول من منع الصلح على الإنكار: «إنه يتضمن المعاوضة عما لا تصح المعاوضة عليه»، فجوابه أنه افتداءٌ لنفسه من الدعوى واليمين وتكليف إقامة البينة، كما تفتدي المرأة نفسها من الزوج بمالٍ تبذله له (^٣)، وليس هذا\n_________\n(^١) ك، ب: «أمر». والمثبت من ز.\n(^٢) رواه أبو داود (٣٥٩٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وإسناده حسن، ولفظه: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا». وزاد سليمان: «المسلمون على شروطهم» اهـ. وروى أحمد (٨٧٨٤) وابن حبان (٥٠٩١) الشطر الأول فقط، وروى الدارقطني (٢٨٩٠) والحاكم (٢/ ٤٩) الشطرين دون قوله: «إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا». وله شواهد، منها: ما رواه الترمذي (١٣٥٢) والحاكم (٤/ ١٠١) من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جدّه، وصححه الترمذي، وفيه كثير بن عبد الله ضعيف، وأبوه فيه لين. وعلق البخاري شطره الأول في «صحيحه» قبل الحديث رقم (٢٢٧٤). وانظر: «القواعد النورانية» (٢٢٠)، و«البدر المنير» (٦/ ٥٥٢ - ٥٥٤)، و«الإرواء» (١٣٠٣)، و«السلسلة الصحيحة» (٢٩١٥).\n(^٣) «له» ليست في ك.","vol":"4","page":334},{"text":"بمخالفٍ لقواعد الشرع، بل حكمة الشرع (^١) وأصوله وقواعده ومصالح المكلَّفين تقتضي ذلك.\nفهاتان صورتان: صلح عن الدين الحالّ ببعضه حالًّا مع الإقرار ومع الإنكار.\nالصورة الثالثة: أن يصالح عنه ببعضه مؤجلًا مع الإقرار والإنكار، فهاتان صورتان أيضًا، فإن كان مع الإنكار ثبت التأجيل، ولم تكن له المطالبة به قبل الأجل؛ لأنه لم يثبت له قبله دَينٌ فيقال: لا يقبل التأجيل. وإن كان مع الإقرار ففيه ثلاثه أقوال للعلماء، وهي في مذهب الإمام أحمد:\nأحدها: لا يصح الإسقاط ولا التأجيل، بناء على أن الصلح لا يصح مع الإقرار وعلى أن الحالَّ لا يتأجل.\nوالثاني: أنه يصح الإسقاط دون التأجيل، بناء على صحة الصلح مع الإقرار.\nوالثالث: أنه يصح الإسقاط والتأجيل، وهو الصواب، بناء على تأجيل القرض والعارية، وهو مذهب أهل المدينة، واختيار شيخنا (^٢).\nوإن كان الدين مؤجلًا فتارةً يصالحه على بعضه مؤجلًا مع الإقرار والإنكار، فحكمه ما تقدم. وتارةً يصالحه ببعضه حالًّا مع الإقرار والإنكار، فهذا للناس فيه ثلاثة أقوال أيضًا:\nأحدها: أنه لا يصح مطلقًا، وهو المشهور عن مالك؛ لأنه يتضمن بيع\n_________\n(^١) «بل حكمة الشرع» ليست في ز.\n(^٢) كما في «الفروع» (٦/ ٤٢٣) و«الاختيارات» للبعلي (ص ١٩٨).","vol":"4","page":335},{"text":"المؤجل ببعضه حالًّا، وهو عين الربا، وفي الإنكار المدعي يقول: هذه المائة الحالَّة عوضٌ عن مائتين مؤجلة، وذلك لا يجوز، وهذا قول ابن عمر (^١).\nوالقول الثاني: يجوز، وهو قول ابن عباس (^٢)، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى (^٣) وغيره، واختارها شيخنا؛ لأن هذا عكس الربا؛ فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهنا يضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربًا لا حقيقة ولا لغةً ولا عرفًا، فإن الربا الزيادة وهي منتفية هاهنا، والذين حرَّموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: إما أن تُربِي وإما أن تَقضِي (^٤) وبين قوله: عجِّلْ لي وأهبُ لك مائة، فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نصَّ في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح.\nوالقول الثالث: يجوز ذلك في دَين الكتابة، ولا يجوز في غيره، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. قالوا: لأن ذلك يتضمن تعجيلَ العتق المحبوب\n_________\n(^١) رواه مالك (٢/ ٦٧٢) وعبد الرزاق (١٤٣٥٤، ١٤٣٥٩) والبيهقي (٦/ ٢٨) من طرق عن ابن عمر.\n(^٢) رواه عبد الرزاق (١٤٣٦٠، ١٤٣٦١، ١٤٣٦٢) وابن أبي شيبة (٢٢٦٦٥) والطحاوي في «مشكل الآثار» (١١/ ٦١)، والبيهقي (٦/ ٢٨).\n(^٣) في «الإرشاد» (ص ١٩١).\n(^٤) كان الربا في الجاهلية بهذه الطريقة، كما روى مالك في «الموطأ» (٢/ ٦٧٢) عن زيد بن أسلم.","vol":"4","page":336},{"text":"إلى الله، والمكاتَب عبد ما بقي عليه درهم (^١)، ولا ربا بين العبد وبين سيده؛ فالمكاتب وكسبه للسيد، فكأنه أخذ بعض كسبه وترك له بعضه. ثم تناقضوا فقالوا: لا يجوز أن يبيعه درهمًا بدرهمين؛ [١١٩/أ] لأنه في المعاملات معه كالأجنبي سواء.\nفيا لله العجب! ما الذي جعله معه كالأجنبي في هذا الباب من أبواب الربا، وجعله معه (^٢) بمنزلة العبد القِنّ (^٣) في الباب الآخر؟ فهذه صورة هذه المسائل وأصولها ومذاهب العلماء فيها، وقد تبيَّن أن الصواب جوازها كلها؛ فالحيلة على التوصل إليها حيلة على أمر جائز ليست على حرام.\nفصل\nفالحيلة على الصلح على الإنكار عند من يمنعه أن يجيء رجل أجنبي فيقول للمدَّعي (^٤): أنا أعلم أن ما في يد المدَّعَى عليه لك، وهو يعلم أنك صادق في دعواك، وأنا وكيله، فصالِحْني على كذا، فينقلب حينئذٍ صلحًا على الإنكار.\nثم ينظر، فإن كان فعل ذلك بإذن المدَّعى عليه رجع بما دفعه إلى المدعي، وإن كان بغير إذنه لم يرجع عليه. وإن دفع المدعى عليه المال إلى الأجنبي وقال: «صالِحْ عني بذلك» جاز أيضًا.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٩٢٦) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وهو حديث حسن. وقد روي موقوفًا عن جماعة من الصحابة.\n(^٢) «كالأجنبي ... معه» ساقطة من ك بسبب انتقال النظر.\n(^٣) أي كامل العبودة.\n(^٤) ك: «المدعي»، خطأ.","vol":"4","page":337},{"text":"فصل\nوالحيلة في جواز الصلح على الإقرار عند من يمنعه أن يبيعه سلعة ويُحابيه فيها بالقدر الذي اتفقا على إسقاطه بالصلح.\nفصل\nوالحيلة في الصلح عن الحال ببعضه مؤجلًا حتى يلزم التأجيل أن يُبرِئه من الحال، ويقرّ أنه لا يستحق عليه إلا المؤجّل، والحيلة في الصلح عن المؤجل ببعضه حالًّا أن يتفاسخا العقد الأول، ثم يجعلانه بذلك القدر الحالّ، فإذا اشترى منه سلعة أو استأجر منه دابة أو خالعَتْه على عوض مؤجل فسخا العقدَ ثم (^١) جعلا عوضَه ذلك القدر الحالّ. فإن لم يمكن فيه الفسخُ كالدية وغيرها فالحيلة في جواز ذلك أن (^٢) يعاوض على الدين بسلعة أو شيء غير جنسه، وذلك جائز؛ لأن غاية ما فيه بيع الدين ممن هو في ذمته، فإن أتلفَ له مثليًّا لزِمه مثلُه دينًا عليه، فإن صالح عليه بأكثر من جنسه لم يجز؛ لأنه ربا، وإن كان المتلف متقوّمًا لزمه قيمتُه، فإن صالح عليه بأكثر من قيمته فإن كان من جنسها لم يجز ذلك، وإن كان من غير جنسها جاز؛ إذ هو تبعٌ (^٣) للقيمة، وهي (^٤) دينٌ بذلك العوض، وهو جائز.\nالمثال السادس والعشرون: إذا وكّله في شراء جارية بألف، فاشتراها\n_________\n(^١) «ثم» ليست في ك.\n(^٢) «أن» ساقطة من ك.\n(^٣) في المطبوع: «بيع».\n(^٤) ك، ب: «وهو».","vol":"4","page":338},{"text":"الوكيل، وقال: أذنتَ لي في شرائها بألفين وقد فعلتُ (^١)، فالقول قول الوكيل، ولا يلزمه الألفانِ، ولا يملك الجاريةَ والوكيلُ مقرٌّ أنها للموكل، وأنه لا يحلُّ له وطؤها، والألف الزائدة دين عليه، ولا يمكن الوكيلَ بيعُها ولا التصرفُ فيها؛ لأنه معترف أنها مِلك للموكِّل، وأن الألف الأخرى في ذمته والوكيل ضامن لها.\nفالحيلة في ملك الوكيل لها أن يقول له الموكّل: إن كنتُ أذنت لك في اشترائها بألفين فقد بعتُكها بألفين. فيقول: قد اشتريتها منك، فيملكها حينئذٍ، ويتصرف فيها. وهذا قول المزني وأكثر أصحاب الشافعي، ولا يضر تعليق البيع بصورة الشرط؛ فإنه لا يمكن صحته إلا على هذا (^٢) الشرط، فهو كما لو (^٣) قال: «إن كانت ملكي فقد بعتُكها بألفينِ» ولا يلتفت إلى نصفِ فقيهٍ يقول: هذا تعليق للبيع بالشرط فيبطل، كما لو قال: إن قدم زيد فقد بعتُك كذا، بل هذا نظير قوله: إن كنتَ جائز التصرف [١١٩/ب] فقد بعتك كذا، وإن أعطيتَني ثمن هذا المبيع فقد بعتُكه، ونحو ذلك.\nالمثال السابع والعشرون: إذا أودعه وديعة وأشهد عليه (^٤) فتَلِفَتْ من غير تفريطه لم يضمن، فإذا ادَّعى عليه قَبْض الوديعة فأنكر فأقام البينة عليه ضمن، فإن ادعى التلف بعد ذلك لم يُقبل منه؛ لأنه معترف أنه غير أمين له،\n_________\n(^١) بعدها زيادة في ب: «وقال الموكل: بل بألف». وليست في ز، ك. وهي مفهومة من السياق.\n(^٢) «البيع بصورة ... على هذا» ساقطة من ك.\n(^٣) «لو» ليست في ك، ب.\n(^٤) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «عليها».","vol":"4","page":339},{"text":"وقد قامت البينة على قبضه ماله فيضمنه، ولا ينفعه تكذيب البينة. فالحيلة في سقوط الضمان أن يقول: ما لك عندي شيء، فإن حلَّفه حلف صادقًا، فإن أقام البينة بالوديعة فليصدِّق البينة، ويقول: صدقتْ فيما شهدتْ به، ويدَّعي التلف بغير تفريط؛ فإن كذَّب البينة لزمه الضمان، ولا ينفعه دعوى التلف.\nالمثال الثامن والعشرون: إذا رهن عنده رهنًا، ولم يثق بأمانته، وخاف أن يدّعي هلاكه ويذهب به، فالحيلة في أن يجعله مضمونًا عليه أن يُعِيره إياه أولًا، فإذا قبضه رهنَه منه بعد ذلك؛ فإن تلف كان من ضمانه؛ لأن طريانَ الرهن على العارية لا يُبطل حكمها؛ لأن المرتهن يجوز له الانتفاع بها بعد الرهن كما كان ينتفع بها قبله، ولو بطل لم يجز له الانتفاع.\nالمثال التاسع والعشرون: اختلف الناس في العارية: هل توجب الضمان إذا لم يفرِّط المستعير؟ على أربعة أقوال:\nأحدها: توجب الضمان مطلقًا، وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه.\nالثاني: لا توجب الضمان، ويد المستعير يد أمانة، وهو قول أبي حنيفة.\nالثالث: أنه (^١) إن كان التلف بأمر ظاهر كالحريق وأخذ السيل وموت الحيوان وخراب الدار لم يضمن، وإن كان بأمر لا يطلع عليه (^٢) كدعوى سرقة الجوهرة والمنديل والسكّين ونحو ذلك ضمن، وهو قول مالك.\nالرابع: أنه إن شرط نفي ضمانها لم يضمن، وإن أطلق ضمن. وهذا\n_________\n(^١) «أنه» ليست في ك.\n(^٢) «عليه» ليست في النسخ. وهي في المطبوع.","vol":"4","page":340},{"text":"إحدى الروايتين عن أحمد.\nوالقول بعدم الضمان قوي متَّجه، وإن كنا لا نقبل قوله في دعوى التلف؛ لأنه ليس بأمينه، لكن إذا صدَّقه المالك في التلف بأمر لا يُنسب (^١) فيه إلى تفريط فعدم التضمين أقوى.\nفالحيلة في سقوط الضمان أن يشترط نفيه، فإن خاف أن لا يفي له بالشرط فله حيلة أخرى، وهي أن يشهد عليه أنه متى ادّعى عليه بسبب هذه العين ما يوجب الضمان فدعواك باطلة.\nفإن لم يصعد (^٢) معه هذه الحيلة أو خاف من ورثته بعده الدعوى فله حيلة ثالثة، وهي أن يستأجر العين منه بأقل شيء للمدة التي يريد الانتفاع بها، أو (^٣) يستأجرها منه بأجرة مثلها ويشهد عليه (^٤) أنه قبض الأجرة أو أبرأه منها، فإن تلفتْ بعد ذلك لم يضمنها، وليست هذه الحيلة مما تحلِّل حرامًا أو تحرِّم حلالًا (^٥).\nالمثال الثلاثون: اختلف الناس في تأجيل القرض والعارية إذا أجَّلها؛ فقال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وأبو حنيفة: لا يتأجل شيء من ذلك بالتأجيل، وله المطالبة متى شاء، وقال مالك: يتأجَّل بالتأجيل، فإن أطلق ولم يؤجِّل ضُرِب له أجل مثله. وهذا هو الصحيح لأدلة كثيرة مذكورة في\n_________\n(^١) ك: «مسبب».\n(^٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «لم يسعد».\n(^٣) «يستأجر ... أو» ساقطة من ز.\n(^٤) «عليه» ليست في ك، ب.\n(^٥) ك، ب: «ما تحرم حلالًا ولا تحلل حرامًا».","vol":"4","page":341},{"text":"موضعها.\nوعلى هذا القول فالمستقرض والمستعير أمينٌ (^١) من غدر المقرِض غنيٌّ عن الحيلة للزوم الأجل، وعلى القول الأول فالحيلة في لزوم التأجيل أن يشهد عليه أنه لا يستحقُّ ما عليه من الدين إلى مدة كذا وكذا، [١٢٠/أ] ولا يستحق المطالبة بتسليم العين إلى مدة كذا وكذا، فإن أراد (^٢) حيلة غير هذه فليستأجر منه العين إلى تلك المدة ثم يُبرِئه من الأجرة كما تقدم. وأما القرض فالحيلة في تأجيله أن يشتري من المُقرِض شيئًا ما بمبلغ القرض ثم يكتبه مؤجلًا من ثمن مبيع قبضه المشتري؛ فإنه لا يتمكن من المطالبة به قبل الأجل، وهذه حيلة على أمر جائز لا يُبطِل بها حقًّا (^٣) فلا تُكره.\nالمثال الحادي والثلاثون: إذا رهنه رهنًا بدين، وقال: «إن (^٤) وفَّيتُك الدينَ إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك (^٥) بما عليه» صح ذلك، وفعله الإمام أحمد، وقال أصحابنا: لا يصح، وهو المشهور من مذاهب (^٦) الأئمة الثلاثة، واحتجوا بقوله: «لا يَغلَق الرَّهنُ» (^٧). ولا حجةَ لهم فيه؛ فإن هذا كان موجبه\n_________\n(^١) كذا في النسخ وهو صواب بمعنى «مأمون». وفي المطبوع: «آمن».\n(^٢) ز: «أرادوا».\n(^٣) ك: «حق».\n(^٤) «إن» ليست في ك.\n(^٥) «لك» ليست في ك.\n(^٦) ك: «مذهب».\n(^٧) رواه ابن ماجه (٢٤٤١) وابن حبان (٥٩٣٤) والدارقطني (٢٩٢٠ - ٢٩٢٥، ٢٩٢٧) والحاكم (٢/ ٥١) من طرق عن أبي هريرة مرفوعًا. وقد صححه ابن عبد البر وعبد الحق الإشبيلي، وحسّنه ابن حزم. ورواه مالك (٢/ ٧٢٨) والشافعي في «الأم» (٤/ ٣٤٦، ٣٨٣) وعبد الرزاق (١٥٠٣٣) وأبو داود في «المراسيل» (ص ١٧٠ - ١٧١) والدارقطني (٢٩٢٦) والبيهقي (٦/ ٤٤) مرسلًا، ورجّح الإرسال أبو داود والبزار والدارقطني وابن القطان وابن عبد الهادي. انظر: «نصب الراية» (٤/ ٣١٩ - ٣٢١) و«التلخيص الحبير» (٣/ ٣٦).","vol":"4","page":342},{"text":"في الجاهلية أن المرتهن يتملَّك الرهن بغير إذن المالك إذا لم يُوفِّه؛ فهذا هو غَلَقُ الرهن الذي أبطله النبي - ﷺ -. وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند الحلول فلم يُبطله كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا مفسدة (^١)\nظاهرة، وغاية ما فيه أنه بيع عُلِّق على شرط، ونعم فكان ماذا؟ وقد تدعو الحاجة والمصلحة إلى هذا من المتراهنين، ولا يحرم عليهما ما لم يحرِّمه الله ورسوله، ولا ريبَ أن هذا خير للراهن والمرتهن من تكليفه الرفعَ إلى الحاكم، وإثباته الرهن، واستئذانه في بيعه، والتعب الطويل الذي لا مصلحة فيه سوى الخسارة والمشقة، فإذا اتفقا على أنه له بالدين عند الحلول كان أصلح لهما وأنفع وأبعد من الضرر والمشقة والخسارة، والحيلة في جواز ذلك بحيث لا يحتاج إلى حاكم أن يملِّكه العين التي يريد أن يرهنها منه، ثم يشتريها منه بالمبلغ الذي يريد استدانته، ثم يقول: إن وفَّيتك الثمن إلى كذا وكذا وإلا فلا بيعَ بيننا، فإن وفَّاه وإلا انفسخ البيع وعادت السلعة إلى ملكه. وهذه حيلة حسنة محصِّلة لغرضهما (^٢) من غير مفسدةٍ، ولا تضمُّنٍ لتحريم ما أحلَّ الله، ولا تحليل ما حرَّم.\nالمثال الثاني والثلاثون: إذا كان عليه دَين مؤجل فادَّعى به صاحبه فأقرَّ به فالصحيح المقطوع به أنه لا يؤاخَذ به قبل أجله؛ لأنه إنما أقرَّ به على هذه\n_________\n(^١) ب: «مصلحة»، تحريف ..\n(^٢) ك: «لغرضها».","vol":"4","page":343},{"text":"الصفة، فإلزامه به (^١) على غير ما أقرَّ به إلزامٌ بما لم يقرَّ به. وقال بعض أصحاب أحمد والشافعي: يكون مقرًّا بالحق مدَّعيًا لتأجيله، فيؤاخَذ بما أقرَّ به، ولا تُسمع منه دعوى الأجل إلا ببينة.\nوهذا في غاية الضعف، فإنه إنما أقرَّ به إقرارًا مقيدًا لا مطلقًا؛ فلا يجوز أن يُلغى التقييد ويُحكم عليه بحكم الإقرار المطلق، كما لو قال: له عليَّ ألفٌ إلا خمسين، أو له عليَّ ألف من ثمن مبيع لم أقبِضْه، أو له عليَّ ألفٌ من نقدِ كذا وكذا ومعاملةِ كذا وكذا؛ فيلزمهم في هذا ونحوه أن يُبطِلوا هذه التقييدات كلها، ويُلزِمونه بألف كاملة من النقد الغالب، ولا يُقبل قوله: إنها من ثمن مبيع لم أقبضه.\nومما يبيِّن بطلان هذا القول أن إقرار المرء [١٢٠/ب] على نفسه شهادة منه على نفسه، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]. ولو شهد عليه شاهدان بألف مؤجَّلة لم يحكم بها عليه قبل الأجل اتفاقًا، فهكذا إذا أقرَّ بها مؤجلة.\nفالحيلة في خلاصه من الإلزام بهذا القول الباطل أن يقول: لا يلزمني توفيةُ ما تدَّعيه عليَّ أو أداؤه إليك إلى مدة كذا وكذا، ولا (^٢) يزيد على هذا.\nفإن ألحَّ عليه وقال: «لي عليك كذا أم ليس لي عليك شيء؟» ولا بدَّ من أن يجيب (^٣) بأحد الجوابين، فالحيلة في خلاصه أن يقول: إن ادعيتَها مؤجَّلةً فأنا مقرٌّ بها، وإن ادعيتَها حالَّةً فأنا منكر.\n_________\n(^١) «به» ليست في ك.\n(^٢) ك: «أو لا».\n(^٣) ك: «يحنث»، تصحيف.","vol":"4","page":344},{"text":"وكذلك لو كان قد قضاه الدين وخاف أن يقول: كان له عليَّ وقضيتُه، فيجعله الحاكم مقرًّا بالحق مدعيًا لقضائه؛ فالحيلة أن يقول: ليس له عليَّ شيء، أو لا يلزمني أداء (^١) ما يدَّعيه، فإن ألحَّ عليه لم يكن له جواب غير هذا. على أن القول الصحيح أنه لا يكون مقرًّا بالحق مدعيًا لقضائه (^٢)، بل منكرًا الآن (^٣) لثبوته في ذمته، فكيف يلزم به؟\nفإن قيل: هو أقرَّ (^٤) بثبوت سابق وادَّعى قضاءً طارئًا عليه.\nقيل: لم يُقرَّ بثبوت مطلق، بل بثبوت مقيد بقيد وهو الزمن الماضي، ولم يُقرَّ بأنه ثابت الآن في ذمته؛ فلا يجوز إلزامه به الآن استنادًا إلى إقراره به في الزمن الماضي؛ لأنه غير منكرٍ ثبوتَه في الماضي، وإنما هو منكر لثبوته الآن، فكيف يُجعل مقرًّا بما هو منكرٌ له؟\nوقياسهم هذا الإقرار على قوله: «له عليَّ ألفٌ لا يلزمني ولا يثبت في ذمتي» قياس باطل، فإنه كلام متناقض لا يُعقل، وأما هذا فكلام معقول، وصدقه فيه ممكن، ولم يُقرَّ بشغل ذمته الآن بالمدَّعى به، فلا يجوز شَغْل ذمته به بناء على إقراره بشَغْلها في الماضي. وما نظير هذا إلا قول الزوج: «كنت طلقتُ امرأتي وراجعتُها»، فهل يُجعل بهذا مطلِّقًا الآن؟ وقول القائل: «كنتُ فيما مضى كافرًا ثم أسلمتُ»، فهل يُجعل بهذا الكلام كافرًا الآن؟ وقول القائل: «كنتُ عبدًا فأعتقني مولاي»، هل يجعل بهذا الكلام رقيقًا؟\n_________\n(^١) ك، ب: «إذا».\n(^٢) «لقضائه» ليست في ك.\n(^٣) ز: «الا ان».\n(^٤) ز: «أقرب»، تحريف.","vol":"4","page":345},{"text":"فإن طردوا الحكم في هذا كله، وطلَّقوا على الزوج، وكفَّروا المعترف بنعمة الله عليه وأنه كان كافرًا فهداه الله وأمروه أن يجدِّد إسلامه، وجعلوا هذا قِنًّا= قيل لهم: فاطردوا ذلك فيمن قال: كانت هذه الدار أو هذا البستان أو هذه الأرض أو هذه الدابة لفلان ثم اشتريتُها منه، فأخرِجوها من ملكه بهذا الكلام، وقولوا: قد أقرَّ بها لفلان ثم ادَّعى اشتراءها، فيُقبل إقراره ولا تُقبل دعواه، فمن جرتْ هذه الكلمة على لسانه وقال الواقعَ فأخرِجوا ملكه من يده. وكذلك إذا قالت المرأة: كنت مزوَّجةً لفلانٍ ثم طلَّقني، اجعلوها بمجرد هذا الكلام زوجته، والكلام بآخره، فلا يجوز أن يؤخذ منه بعضه ويُلغى بعضه، ويقال: قد لزمك حكم ذلك البعض، وليس علينا من بقية كلامك؛ فإن هذا يرفع حكم الاستثناء [١٢١/أ] والتقييدات جميعها، وهذا لا يخفى فساده.\nثم إن هذا على أصل من لا يقبل الجواب إلا على وَفْق الدعوى يحول بين الرجل وبين التخلُّص (^١) من ظلم المدعي، ويُلجِئه إلى أن يقرَّ له بما يتوصل به إلى الإضرار به وظلمه، أو إلى أن يكذِب. بيانُه: أنه إذا استدان منه ووفَّاه، فإن قال: «ليس له عليَّ شيء» لم تقبلوا منه؛ لأنه لم يجب على نفي الدعوى، وإن قال: «كنت استدنتُ منه ووفَّيتُه» لم تسمعوا منه آخر كلامه وسمعتم منه أوله، وإن قال: «لم أستدِنْ منه» كان (^٢) كاذبًا. فقد ألجأتموه إلى أن يظلم أو يكذب ولا بدَّ.\nفالحيلة لمن بُلِيَ بهذا القول أن يستعمل التورية، ويحلف ما استدان\n_________\n(^١) ك، ب: «التخليص».\n(^٢) في المطبوع: «وكان»، خطأ؛ فهو جواب الشرط.","vol":"4","page":346},{"text":"منه، وينوي أن تكون «ما» موصولة، فإذا قال: «والله إني ما استدنتُ منه» أي إني الذي استدنتُ منه، وينفعه تأويله بالاتفاق إذا كان مظلومًا، كما لا ينفعه إذا كان ظالمًا بالاتفاق.\nالمثال الثالث والثلاثون: إذا كان عليه دين فأعسرَ به فادَّعى عليه به (^١)، فإن أنكره (^٢) كان كاذبًا، وإن أقرَّ له به ألزمه إياه، وإن جحده أقام به البينة، فإن ادعى الإعسار بعد ذلك فإن المدَّعي قد ظهر للحاكم كذبُه في جحده الحقَّ، فهكذا هو كاذب في دعوى الإعسار؛ فالحيلة في تخليصه أن يقول: لا يلزمني توفية ما يدَّعيه عليَّ ولا أداؤه، فإن طالبه الحاكم بجواب يطابق السؤال فله أن يورِّي كما تقدم، ويحلف على ذلك، فإن خشي من إقامة البينة فهنا تَعِزُّ عليه الحيلة، ولم يبقَ له إلا تحليفُ المدَّعي أنه لا يعلم عجزه عن الوفاء، أو إقامة البينة بأنه عاجز عن الوفاء، فإن حلف المدَّعي ولم تقم له بينة بالعجز لم يبقَ له حيلة غير الصبر.\nالمثال الرابع والثلاثون: إذا تداعيا عينًا هي في يد أحدهما فهي لصاحب اليد، فإن أقام الآخر بينة حُكِم له ببينته؛ فإن أقام كل واحد منهما بينة؛ فقال الشافعي: بينةُ صاحب اليد أولى؛ لأن البينتين قد تعارضتا، وسلمت اليدُ عن معارض. وقال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه: بينة الخارج أولى؛ لأن معها زيادةَ علمٍ خفيتْ على بينة صاحب اليد فإنها تستند إلى ظاهر اليد (^٣)، وبينة الخارج تستند إلى سبب خفي على بينة الداخل فتكون أولى. فالحيلة في\n_________\n(^١) «به» ليست في ك، ب.\n(^٢) ك: «فأنكره».\n(^٣) «اليد» ليست في ز. وفي ك، ب: «صاحب اليد».","vol":"4","page":347},{"text":"تقديم بينة الخارج عند من يقدِّم بينة الداخل: أن يدَّعي الخارج (^١) أنه في يد الداخل (^٢) غصبًا أو عاريةً أو وديعةً أو ببيعٍ فاسد، ثم تشهد البينة على وَفْق ما ادعاه، فحينئذٍ تُقدَّم بينة الخارج على الصحيح عندهم.\nالمثال الخامس والثلاثون: الحيلة المخلصة من لدغ العقارب، وذلك إذا اشترى الماكر المخادع من رجل (^٣) دارًا أو بستانًا أو سلعةً، وأشهد عليه بالبيع، ثم مضى إلى البيت أو الحانوت ليأتيه بالثمن، فأقرَّ بجميع ما في يده لولده أو لامرأته، فلا يصل البائع إلى أخذ الثمن، فالحيلة له (^٤) أن يبيعه بحضرة الحاكم أو يمضي بعد البيع معه إليه ليثبت له التبايع، ثم يسأله قبل مفارقته أن يَحجُر على المشتري في ماله ويَقِفَه [١٢١/ب] حتى يُسلِم إليه الثمن؛ لئلا يتلف ماله أو يتبرع به فيتعذّر عليه الوصول إلى حقه. ويلزم الحاكم إجابته إذا خشي ذلك من المشتري؛ لأن فيه إعانةً لصاحب الحق على التوصل إلى حقه.\nفإن تعذَّرت عليه هذه الحيلة ولدغَتْه العقرب وادَّعى الإعسار (^٥) عند\n_________\n(^١) «عند من ... الخارج» ليست في ك.\n(^٢) ك: «الخارج»، خطأ.\n(^٣) «من رجل» ليست في ك، ب.\n(^٤) «له» ليست في ك، ب.\n(^٥) بعدها في المطبوع زيادة لا توجد في النسخ، والنصّ سليم بدونها، وهي: فللبائع الفسخ إذا لم يكن عالمًا بعسرته وقتَ العقد ولا راضيًا بها، فإن الإعسار عيب في محل الحق، فيثبت له خيار الفسخ كما لو كان العيب بالعوض، ولهذا إذا احتال على من يظنه موسرًا فبانَ معسرًا، فله فسخ الحوالة والرجوع على المحيل، لوجود العيب في محل الحق الذي لم يرض به المحتال. وإذا كان النبي - ﷺ - قد ملَّك البائع الرجوع في عين ماله إذا أفلس المشتري، فكذلك إذا بان مفلسًا، مع أن الحديث نصٌّ في تمليكه الفسخ إذا عرض له الإفلاس، وليس فيه اشتراط حجر الحاكم، ولا دلَّ عليه بوجهٍ، ولا له أصل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة للناس، فمن أين لكم أنه لا يملك الفسخ حتى يحجر عليه الحاكم؟ وحكمُ سيد الحكّام بالرجوع في عين المال وفسخ البيع أولى بالاعتبار والمراعاة من آحاد الناس، فإذا كان سيد الحكّام قد حكم له بالفسخ والرجوع لم يجز أن يقال: لا رجوع لك حتى يحكم حاكم بالفلس والإعسار. فإن قيل: إنما شرطنا ذلك ليتحقق ثبوت فلسه، قيل: لو تحقق ثبوت فلسه بحيث أن لا يشك فيه ولم يحكم به حاكم لم تمكّنوه من الفسخ، وهذا مخالف للسنة والقياس المحض كما تقدم، إذ العيب في محل العوض كالعيب في العوض. فإن سأل الحاكم الحجر عليه وفعل ذلك رجع عليه في عين ماله عند الجمهور».","vol":"4","page":348},{"text":"الجمهور سأل الحاكمَ الحجْرَ عليه، فإن (^١) فعل ذلك رجع عليه في عين ماله.\nفإن كانت العقرب داهيةً بأن غيَّر العين المبيعة أو ملَّكها لولده أو زوجته أو كان الحاكم لا يرى رجوع البائع في عين المبيع إذا أفلس المشتري؛ فالحيلة أن يتوصل إلى إبطال العقد بإقرار سابق على البيع أن المبيع لولده أو لزوجته أو يرهنه أو يبيعه لمن يثق به، ويقدِّم تاريخ ذلك على بيع العقرب، وله أن يتوصل بهذه الحيلة وإن كانت مكرًا وخداعًا؛ فإن المكر والخداع حسن إذا كان على وجه المقابلة لا على وجه الظلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]، وقال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (^٢) [آل عمران: ٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وأخبر سبحانه أنه كاد ليوسف في مقابلة كيد إخوته، وقد تقدم (^٣) ذلك.\n_________\n(^١) ك، ز: «و».\n(^٢) هذه الآية ليست في ك.\n(^٣) (٤/ ٩٠، ١٣٢).","vol":"4","page":349},{"text":"المثال السادس والثلاثون: إذا تحيَّل المكَّار المخادع على سقوط نفقة القريب بالمماطلة، وقال: إنها تسقط بمضيِّ الزمان فلا تبقى دينًا عليَّ، فتركها آمنًا من إلزامه بها لما مضى، فالحيلة للمنفق عليه أن يرفعه إلى الحاكم ليفرضها عليه، ثم يستأذنه في الاستدانة عليه بقدرها، فإذا فعل ألزمه الحاكم بقضاء ما استدانه المنفق عليه. فإن فرضها عليه ولم يستأذنه في الاستدانة (^١) ومضى الزمان فهل تستقرُّ عليه بذلك؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، والأكثرون منهم صرَّحوا بسقوطها مطلقًا فُرِضت أو لم تُفرض، ومنهم من قال: إن فُرضت لم تسقط.\nفإن لم يمكنه الرفع إلى الحاكم فليقل له: اشفَعْ لي إلى فلان يُنفق عليَّ أو يعطيني ما أحتاج إليه، فإذا فعل فقد لزم الشافع؛ لأن ذلك حق أدَّاه المشفوع عنده عن الشفيع بإذنه، فإن أنفق عليه الغير بغير إذنه ناويًا للرجوع فله الرجوع في أصح المذهبين، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين، وهكذا كل من أدَّى (^٢) عن غيره واجبًا بغير إذنه. بل لا يُشترط (^٣) أن يكون واجبًا على (^٤) المنصوص من مذهب مالك وأحمد، فإن أحمد نصَّ في رواية الجرجرائي على رجوع مَن عمَّر قناةَ غيرِه بغير إذنه، وهو مذهب مالك.\nولو أن القريب استدان وأنفق على نفسه ثم أحال بالدين على من تلزمه نفقته لزمه أن يقوم له به؛ لأنه أحال على من له عليه حق، ولا يقال: قد\n_________\n(^١) «المنفق عليه ... الاستدانة» ساقطة من ك.\n(^٢) ك: «ادعى»، تحريف.\n(^٣) ك، ب: «بلا شرط».\n(^٤) ز: «عن».","vol":"4","page":350},{"text":"سقطتْ بمضيِّ الزمان فلم تُصادِف (^١) الحوالة محلًّا؛ لأنها إنما تسقط بمضيِّ الزمان إذا لم يكن المنفَق عليه قد استدان على المنفِق، بل تبرَّع له (^٢) غيره أو تكلَّف أو صبر. فأما إذا استدان عليه بقدر نفقته الواجبة عليه فهنا لا وجهَ لسقوطها، وإن كان الأصحاب وغيرهم [١٢٢/أ] قد أطلقوا السقوط فتعليلهم يدلُّ على ما قلناه، فتأملْه.\nالمثال السابع والثلاثون (^٣): إذا استنبط في ملكه أو أرضٍ استأجرها عينَ ماءٍ ملَكَه، ولم يملك بيعَه لمن يسوقه إلى أرضه أو يسقي به بهائمَه، بل يكون أولى به من كل أحد، وما فضلَ منه لزمه بذلُه لبهائمِ غيره وزرْعِه. والحيلة على جواز المعاوضة أن يبيعه نصفَ العين أو ثلثها أو يُؤجِره ذلك؛ فيكون الماء بينه وبينه على حسب ذلك، ويدخل الماء تبعًا لملك العين أو منفعتها. ولا تدخل هذه الحيلة تحت النهي عن بيع الماء، فإنه لم يبعه، وإنما باع العين، ودخل الماء تبعًا، والشيء قد يستتبع ما لا يجوز أن يُفردَ (^٤) وحده.\nالمثال الثامن والثلاثون: إذا باع عبده من رجل وله غرض أن لا يكون إلا عنده أو عند بائعه، فالحيلة في ذلك أن يشهد عليه أنه إن باعه فهو أحقُّ به بالثمن، فهذا يجوز على نص أحمد، وهو قول عبد الله بن مسعود (^٥)، ولا\n_________\n(^١) ك: «تصادق»، تحريف.\n(^٢) «له» ليست في ك.\n(^٣) ك: «السادس والثلاثون». وهو رقم مكرر فيها، وهكذا يستمر فيما بعد، فلا نشير إليه، ونثبت ما في ز.\n(^٤) ك: «يفرده».\n(^٥) سيأتي تخريجه.","vol":"4","page":351},{"text":"محذورَ في ذلك. وقول المانعين: «إنه يخالف مقتضى العقد» فنعم يخالف مقتضى العقد المطلق، وجميع الشروط اللازمة تخالف مقتضى العقد المطلق، ولا تخالف مقتضى العقد المقيَّد، بل هي مقتضاه.\nفإن لم تصعد (^١) معه هذه الحيلة فله حيلة أخرى، وهي أن يقول له في مدة الخيار: إما أن تقول: «متى بعتُه فهو حرٌّ» وإلا فسختُ البيع، فإذا قال ذلك فمتى باعه عتق عليه بمجرد الإيجاب قبل قبول المشتري على ظاهر المذهب؛ فإن الذي علّق عليه العتق هو الذي يملكه البائع وهو الإيجاب، وذلك بيعٌ حقيقة، ولهذا يقال: «بعتُه العبد فاشتراه» فكما أن الشِّرى هو قبول المشتري، فكذلك البيع هو إيجاب البائع، ولهذا يقال: البائع والمشتري، قال الشاعر (^٢):\nوإذا تُباع كريمةٌ أو تُشتَرى ... فسِواك بائعُها وأنتَ المشترِي\n\nهذا منصوص أحمد.\nفإن لم تصعد معه هذه الحيلة فليقلْ له في مدة الخيار: «إما أن تقول متى بعتُك فأنت حرٌّ قبله بساعة، وإما أن أفسخ»، فمتى قال ذلك لم يمكنه بيعه البتةَ.\nالمثال التاسع والثلاثون: إذا كان للموكِّل عند وكيله شهادة تتعلق بما هو وكيلٌ فيه لم تُقبل، فإن أراد قبولها فليعزِلْه أو ليعزِلْ نفسه قبل الخصومة ثم يقيم الشهادة، فإذا تمَّت عاد فوكَّله. وليس في هذه الحيلة محذور؛ فلا تكون محرَّمة.\n_________\n(^١) في المطبوع: «تسعد» خلاف النسخ.\n(^٢) هو ابن المولى، كما في «الحماسة» لأبي تمام (٢/ ٣٧٧) و«معجم الشعراء» للمرزباني (ص ٣٤٢) و«وفيات الأعيان» (٦/ ٣٢٥).","vol":"4","page":352},{"text":"المثال الأربعون: إذا توضَّأ ولبس إحدى خفَّيه قبل غسل رجله الأخرى، ثم غسل رجله الأخرى وأدخلها الخفَّ، جاز له المسح على أصح القولين، وفيه قول آخر أنه لا يجوز؛ لأنه لم يلبس الأولى على طهارة كاملة؛ فالحيلة في جواز المسح أن ينزع خفَّ الرِّجل الأولى ثم يلبسه. وهذا نوعُ عبثٍ لا غرضَ للشارع فيه، ولا مصلحة للمكلَّف؛ فالشرع لا يأمر به.\nالمثال الحادي والأربعون: إذا استُحْلِف على شيء، فأحبَّ أن يحلف ولا يحنث؛ فالحيلة أن [١٢٢/ب] يحرِّك لسانه يقول: «إن شاء الله»، وهل يُشترط أن يُسمِعها نفسه؟ فقيل: لا بدّ أن يُسمِع نفسه. وقال شيخنا: هذا لا دليل عليه، بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلمًا، وإن لم يَسمَعْه نفسُه، وهكذا حكم الأقوال الواجبة والقراءة الواجبة.\nقلت: وكان بعض السلف يُطبِق شفتَيه ويحرِّك لسانه بلا إله إلا الله ذاكرًا، وإن لم يُسمِع نفسَه؛ فإنه لا حظَّ للشفتين في حروف هذه الكلمة، بل كلها حلقية لسانية (^١)؛ فيمكن الذاكرَ أن يحرِّك لسانَه بها ولا يُسمِع نفسَه ولا أحدًا (^٢) من الناس، ولا تراه العين يتكلم، وكذلك التكلُّم (^٣) بقول: «إن شاء الله» يمكن مع إطباق الفم؛ فلا يسمعه أحد ولا يراه، وإن أطبق أسنانه وفتح شفتيه أدنى شيء سمعته أذناه بجملته.\nالمثال الثاني والأربعون: إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها، ثم قتل\n_________\n(^١) «لسانية» ليست في ك.\n(^٢) في النسختين: «أحد».\n(^٣) «التكلم» ليست في ك.","vol":"4","page":353},{"text":"الولد لزمه القصاص، وكذلك إن قتلها فلولدها القصاص (^١) إذا بلغ. فإن أراد إسقاط القصاص عن نفسه؛ فالحيلة أن يكذِّب نفسه، ويقرَّ بأنه ابنه؛ فيسقط القصاص في الموضعين. وفي جواز هذه الحيلة نظر.\nالمثال الثالث والأربعون: إذا كان له عليه حق وقد أبرأه منه ولا بينةَ له بالإبراء ثم عاد فادّعاه؛ فإن قال: «قد أبرأني منه» لم يكن مقرًّا، كما لو قال: «كان له عليَّ وقضيتُه». وعلى القول الآخر يكون مقرًّا به مدَّعيًا للإبراء؛ فيكلف البينة؛ فالحيلة على التخلُّص أن يقول: قد أبرأتَني من هذه الدعوى؛ فإذا قال ذلك لم يكن مقرًّا بالمدعى به؛ فإذا سأل إحلاف خصمه أنه لم يُبرِئه من الدعوى مَلكَ (^٢) ذلك؛ فإن لم يحلف صرفَهما، وإن حلف طُولب بالجواب، ولا يسمع منه بعد ذلك أنه أبرأه من الدعوى. فإن قال: «أبرأني من الحق» ففيه الخلاف المذكور، وإن قال: «لا شيء عندي» اكتفى منه بهذا الجواب عند الجمهور؛ فإن طالبه الحاكم بالجواب على وَفْق الدعوى فالحيلة أن يجيب (^٣) ويورِّي كما تقدم.\nالمثال الرابع والأربعون: إذا خاف المضارب أن يسترجع ربُّ المال منه المال فقال: «قد ربحتُ ألفًا» لم يكن له الاسترجاع؛ لأنه قد صار شريكًا؛ فإن كان قال ذلك حيلةً، ولم يربح، فقال بعد ذلك: «كذبتُ» لم يُسمع منه؛ فالحيلة في تخلُّصه أن يدَّعي خسارتها بعد ذلك أو تلَفَها (^٤) فيُقْبل قوله مع يمينه.\n_________\n(^١) «وكذلك ... القصاص» ليست في ك.\n(^٢) ك، ب: «ملكه».\n(^٣) ك: «يحنث»، تصحيف. ب: «يحلف»، تحريف.\n(^٤) ك: «وأتلفها»، خطأ.","vol":"4","page":354},{"text":"المثال الخامس والأربعون: إذا وقف وقفًا وجعل النظر فيه لنفسه مدةَ حياته ثم من (^١) بعدِه لغيره، صح ذلك عند الجمهور، وهو اتفاق من الصحابة؛ فإن عمر - ﵁ - كان يلي صدقته، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة، والنبي - ﷺ - لما أشار على عمر بوقف أرضه (^٢) لم يقل له (^٣) لا يصح ذلك حتى تُخرِجها عن يدك ولا تَلِي نظَرَها، وأيُّ غرضٍ للشارع في ذلك؟ وأيُّ مصلحةٍ للواقف أو الموقوف عليه؟ بل المصلحة خلاف ذلك؛ لأنه أخبرُ بماله، وأقومُ بعمارته ومصالحه وحفظه من الغريب الذي ليست خِبرته وشفقته كخبرة صاحبه [١٢٣/أ] وشفقته، ويكفي في صحة الوقف إخراجه عن ملكه، وثبوت نظره ويده عليه كثبوت نظر الأجنبي ويده، ولا سيما إن كان متبرعًا، فأيُّ مصلحةٍ في أن يقال له: «لا يصح وقفُك حتى تجعله في يدِ من لستَ (^٤) على ثقةٍ من حفظه والقيامِ بمصالحه وإخراجِ نظرك عنه؟».\nفإن قيل: إخراجه لله يقتضي رفْعَ يده عنه بالكلية كالعتق.\nقيل: بالعتق خرج العبد عن أن يكون مالًا، وصار محرَّمًا (^٥) محضًا، فلا تثبت عليه يدُ أحدٍ. وأما الوقف فإنه لا بدَّ من ثبوت اليد عليه لحفظه والقيام\n_________\n(^١) «من» ليست في ك.\n(^٢) رواه البخاري (٢٧٣٧) ومسلم (١٦٣٢) من حديث ابن عمر.\n(^٣) «له» ليست في ك.\n(^٤) ك: «ليست»، تحريف.\n(^٥) كذا في النسخ، وهو صحيح. وفي المطبوع: «محررًا».","vol":"4","page":355},{"text":"بمصالحه، وأحقُّ ما يثبت (^١) عليه يدُ أشفقِ الناس عليه وأقومِهم بمصالحه، وثبوتُ يده ونظره لا ينافي وقفه لله، فإنه وقفَه لله وجعلَ نظره عليه ويده لله، فكلاهما قربة وطاعة، فكيف يُحرَم ثوابَ هذه القربة ويقال له: لا يصلح (^٢) لك قربةُ الوقف إلا بحرمان قربة النظر والقيام بمصالح الوقف؟ فأيُّ نص وأيُّ قياس وأيُّ مصلحة وأيُّ غرضٍ للشارع أوجب ذلك؟ بل أي صاحب قال ذلك؟\nفإن احتاج الواقف إلى ذلك في موضع لا يحكم فيه إلا بقول من يُبطِل الوقف إذا لم يخرجه عن يده وإذا شرط النظر لنفسه، فالحيلة في ذلك أن يفوِّض النظر إلى من يثق به ويجعل إليه تفويضَ النظر لمن شاء، فيقبل الناظر ذلك، ويصحُّ الوقف ويلزم، ثم يفوِّضه الناظر إليه، فإنه قد صار أجنبيًّا بمنزلة سائر الناس. فهذه حيلة صحيحة يتوصَّل بها إلى حق، فهي جائزة. وكذلك لو جعل النظر فيه للحاكم ثم فوَّضه الحاكم إليه، فإن خاف أن لا يفوِّضه الحاكم إليه فليملِّكه لمن يثق به، ويَقِفُه ذلك على ما يريد المملك، ويشترط (^٣) أن يكون نظره له، وأن يكون تحت يده.\nالمثال السادس والأربعون: إذا وقف على نفسه ثم على غيره صح في أصحّ (^٤) الروايتين عن الإمام أحمد، وهو قول أبي يوسف (^٥) وهو قول\n_________\n(^١) ز: «ثبت».\n(^٢) في المطبوع: «يصح».\n(^٣) ك: «ويشرط».\n(^٤) في المطبوع: «إحدى».\n(^٥) بعدها في المطبوع زيادة: «وعليه عمل الحنفية». وليست في النسخ.","vol":"4","page":356},{"text":"بعض (^١) الشافعية، وممن اختاره أبو عبد الله الزبيري. وعند الفقهاء الثلاثة لا يصح.\nالمانعون من صحته قالوا: يمتنع كون الإنسان معطيًا من نفسه لنفسه؛ ولهذا لا يصح أن يبيع نفسَه ولا يهب نفسَه ولا يُؤجِر مالَه من نفسه، فكذا لا يصح وقفه على نفسه.\nقال المجوِّزون: الوقف شبيهُ العتق والتحرير من حيث إنه يمتنع نقل الملك في رقبته، ولهذا لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معيَّن اتفاقًا، ولا إذا كان على معيَّن على أحد القولين، وأشبهُ شيء به أم الولد. وإذا كان مثل التحرير لم يكن الواقف مملِّكًا لنفسه، بل يكون مُخرِجًا للملك عن نفسه ومانعًا لها (^٢) من التصرف في رقبته مع انتفاعه بالعين كأم الولد.\nوهذا إذا قلنا بانتقال رقبة الوقف إلى الله تعالى ظاهر؛ فإن الواقف أخرج رقبة الوقف لله، وجعل نفسه أحد المستحقين للمنفعة مدةَ حياته، فإن لم يكن أولى من البطون المرتبة فلا يكون دون بعضهم، فهذا محض القياس.\nوإن [١٢٣/ب] قلنا: الوقف ينتقل إلى الموقوف عليهم بطنًا بعد بطنٍ يتلقَّونه من الواقف، فالطبقة الأولى أحد الموقوف عليهم، ومعلوم أن أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه أو باع من مال الشركة جاز على المختار لاختلاف (^٣) حكم الملكين، فلأن يجوز أن ينقل ملكه المختصّ إلى طبقاتٍ موقوفٍ عليها هو أحدها أولى؛ لأنه في كلا الموضعين نقل مِلْكه المختصّ إلى\n_________\n(^١) «بعض» ليست في ك.\n(^٢) «لها» ليست في ك.\n(^٣) ك: «لا خلاف»، خطأ.","vol":"4","page":357},{"text":"مِلكٍ مشترك له فيه نصيب، بل في الشركة الملكُ الثاني من جنس الأول يملك به التصرف في الرقبة، وفي الوقف ليس من جنسه فيكون أولى بالجواز.\nيؤيِّده أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة، كما وقف عثمان بئر رُومةَ وجعل دَلْوه فيها كدِلاء المسلمين (^١)، وكما يصلِّي المرء في المسجد الذي وقَفَه، ويشرب من السقاية التي وقَفَها، ويُدفن في المقبرة التي سَبَّلها، أو يمرُّ في الطريق التي فتحها، وينتفع بالكتاب الذي وقَفَه، ويجلس على البساط والحصير اللذين وقفهما، وأمثال ذلك، فإذا جاز للواقف أن يكون موقوفًا عليه في الجهة العامة جاز مثله في الجهة الخاصة، لاتفاقهما في المعنى، بل الجواز هنا أولى من حيث إنه موقوف عليه بالتعيين، وهناك دخل في الوقف بشمول الاسم له (^٢).\nوتقليد هذا القول خير (^٣) من الحيلة الباردة التي يملِّك الرجل فيها مالَه لمن لا تطيب نفسُه أن يُعطيه درهمًا ثم يقفه ذلك المملَّك على المملِّك؛ فإن هذه الحيلة تضمَّنت أمرين:\nأحدهما: لا حقيقة له، وهو انتقال الملك إلى المملّك.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٧٠٣) والنسائي (٣٦٠٨) من طريق يحيى بن أبي الحجاج المنقري عن أبي مسعود الجريري عن ثمامة بن حزن، وفيه يحيى لين الحديث، وتابعه هلال بن حِقّ في «زوائد مسند أحمد» (٥٥٥) وهو مقبول ذكره ابن حبان في «الثقات»، وعلَّقه البخاري جزمًا (٥/ ٢٩ - مع الفتح)، وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (١٥٩٤).\n(^٢) «له» ليست في ك.\n(^٣) بعدها زيادة «له» في ك، ولا حاجة إليها.","vol":"4","page":358},{"text":"والثاني: اشتراطه عليه أن يَقِفَه على هذا الوجه، أو إذنه (^١) له فيه. وهذا في المعنى توكيلٌ له في الوقف، كما أن اشتراطه حَجْرٌ عليه في التصرف بغير الوقف؛ فصار وجود هذا التمليك وعدمه سواءً، لم يملكه المملك ولا يمكنه التصرف فيه، ولو مات قبل وقفه لم يحلَّ لورثته أخذُه، ولو أنه أخذه ولم يقِفْه على صاحبه ولم يردَّه إليه عُدَّ ظالمًا غاصبًا (^٢)، ولو تصرَّف فيه صاحبه بعد هذا التمليك لكان تصرفه فيه نافذًا كنفوذه قبله، هذا فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك في الحكم إن قامتْ بينة بأنهما (^٣) تواطآ على ذلك وأنه إنما وهبه إياه بشرط أن يقِفَه عليه أو أقرَّ له بذلك.\nفإن قيل: فهل عندكم أحسنُ من هذه الحيلة؟\nقيل: نعم، أن يقفَه على الجهات التي يريد؛ ويستثني غلَّته ومنفعتَه لنفسه (^٤) مدةَ حياته أو مدةً معلومة. وهذا جائز بالسنة الصحيحة والقياس الصحيح، وهو مذهب فقهاء أهل الحديث؛ فإنهم يجوِّزون أن يبيع الرجل الشيء أو يهبَه أو يُعتقَ العبد ويستثني بعضَ منفعة ذلك مدةً. ويجوِّزون أن يقف الشيءَ على غيره ويستثني بعضَ منفعته مدةً معلومة أو إلى حين موته. ويستدلُّون بحديث جابر (^٥)، وبحديث عِتق أم سلمة سَفِينةَ (^٦)، وبحديث\n_________\n(^١) ك، ب: «وإذنه».\n(^٢) ك، ب: «عاصيًا».\n(^٣) ز: «لأنهما».\n(^٤) «لنفسه» ليست في ز.\n(^٥) هو حديث شراء النبي - ﷺ - لبعير جابر، وقد تقدم.\n(^٦) رواه أحمد (٢١٩٢٧، ٢٦٧١١) وأبوداود (٣٩٣٢) والنسائي في «الكبرى» (٤٩٧٦، ٤٩٧٧، ١١٧٤٦) وابن ماجه (٢٥٢٦) كلهم من طريق سعيد بن جمهان عن سفينة، وهذا إسناد حسن من أجل سعيد، وصححه الحاكم (٢/ ٢١٤)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (١٧٥٢).","vol":"4","page":359},{"text":"عِتق [١٢٤/أ] صفية (^١)، وبآثارٍ صحاح كثيرة (^٢) عن الصحابة لم يُعلَم فيهم من خالفها، ولهذا القول (^٣) قوة في القياس.\nفإن قيل: فلو عدل إلى الحيلة الأولى فما حكمها في نفس الأمر؟ وما حكم الموقوف عليه إذا علم بالحال، هل يطيب له تناولُ الوقف أم لا؟\nقيل: لا يمنع ذلك صحةَ الوقف ونفوذه، ويطيب للموقوف عليه تناولُ الوقف؛ فإن المقصود مقصود صحيح شرعي وإن كانت الطريق إليه غير مشروعة. وهذا كما إذا أعتق العبد أو طلَّق المرأة وجحد (^٤) ذلك، فأقام العبد أو المرأة شاهدين لم يعلما ذلك فشهدَا به، وسِعَ العبد أن يتصرفَ لنفسه والمرأةَ أن تتزوج.\nوفقهُ المسألة: أن هذا الإذن والتوكيل في الوقف وإن حصل في ضمن عقدٍ فاسد فإنه لا يفسد بفساد العقد، كما لو فسدت الشركة أو المضاربة لم يفسد تصرفُ الشريك والعامل لما تضمَّنه العقد الفاسد من الإذن، بل هذا أولى من وجهين:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) «كثيرة» ليست في ك، ب.\n(^٣) ك، ب: «اللفظ».\n(^٤) ز: «أو جحد».","vol":"4","page":360},{"text":"أحدهما: أن الاتفاق يلزمهما قبل التمليك إذنٌ صحيح ووكالة صحيحة في الباطن لم يَرِدْ بعدها ما ينافيها.\nوأيضًا فإنما بطل عقد الهبة لكونه شرَطَ على الموهوب له أن لا يتصرف فيه إلا بالوقف على الواهب، ومعلوم أن التصرف في العين لا يتوقف على الملك، بل يصح بطريق الوكالة وبطريق الولاية؛ فلا يلزم من إبطال الملك بطلانُ الإذن الذي تضمَّنه الشرط؛ لأن للإذن مستندًا غير الملك.\nفإن قيل: إذا بطل الملك ينبغي أن يبطل التصرف الذي هو من توابعه.\nقيل: لا يلزم ذلك؛ لأن التصرف في مثل هذه الصورة ليس من توابع الملك الحقيقي، وإنما هو من توابع الإذن والتوكيل.\nيوضِّحه أن هذه الحيل التي لا حقيقةَ لها يجب أن تُسلَب الأسماءَ التي أُعِيرتْها وتُعطَى الأسماءَ الحقيقية، كما سُلِب منها ما يُسمَّى بيعًا ونكاحًا وهديةً هذه الأسماء، وأُعطِي اسم الربا والسِّفاح والرشوة (^١)؛ فكذلك هذه الهبة تُسلَب اسمَ الهبة وتُسمَّى إذنًا وتوكيلًا، ولا سيما فإن صحة الوكالة لا تتوقف على لفظ مخصوص، بل تصح بكل لفظ يدلُّ على الوكالة؛ فهذه الحيلة في الحقيقة توكيلٌ للغير أن يقفَ على الموكّل؛ فمن اعتقد صحة وقف الإنسان على نفسه اعتقد جواز هذا الوقف، ومن اعتقد بطلانه وبطلان الحيل المُفضِية إلى الباطل فإنه عنده يكون منقطع الابتداء، وفيه من الخلاف ما هو مشهور. فمن أبطله رأى أن الطبقة الثانية ومن بعدها تبعٌ للأولى، فإذا لم يصح في المتبوع ففي التابع أولى أن لا يصح، ولأن الواقف\n_________\n(^١) «والرشوة» ليست في ك.","vol":"4","page":361},{"text":"لم يرضَ أن تصير الثانية إلا بعد الأولى، فلا يجوز أن يلزم بما لم يرضَ به؛ إذ لا بدَّ في صحة التصرف من رضا المتصرف وموافقة الشرع؛ فعلى هذا هو باقٍ على ملك الواقف.\nفإذا مات فهل يصح الوقف حينئذٍ؟ يحتمل وجهين. ويكون مأخذهما أن ذلك كما لو قال: «هو وقفٌ بعد موتي» فيصح، أو أنه وقف معلَّقٌ على شرط، [١٢٤/ب] وفيه وجهان: فإن قيل بصحته كان من الثلث، وفي الزائد يقف على إجازة الورثة. وإن قيل ببطلانه كان ميراثًا. ومن رأى صحته قال: قد أمكن تصحيح تصرف العاقل الرشيد بأن يصحّح الوقف ويصرِفه في الحال إلى الجهة التي يصح الوقف عليها، وتُلغَى الجهة التي لا تصح فتُجعَل كالمعدومة. وقيل على هذا القول: بل (^١) يصرف مصرفَ الوقف المنقطع، فإذا مات الواقف صُرِفَ مصرفَ الجهة الصحيحة.\nفإن قيل: فما تقولون لو سلك حيلةً غيرَ هذا كلِّه وأسهلَ منه وأقرب؟ وهي أن يقرَّ أن ما في يده من العقار وقفٌ عليه انتقل إليه من جائز الملك جائز الوقف، ثم بعده على كذا وكذا، فما حكمُ (^٢) هذه الحيلة في الباطن، وحكمُ من علم بها من الموقوف عليهم؟\nقيل: هذه الحيلة إنما قصد المتكلم بها إنشاء الوقف، وإن أظهر (^٣) أنه قصدَ بها الإخبار؛ فهي إنشاء في الباطن إخبار في الظاهر، فهي كمن أقرَّ\n_________\n(^١) «التي لا تصح ... بل» ساقطة من ك.\n(^٢) «جائز الملك ... فما حكم» ساقطة من ك.\n(^٣) ك: «ظهر».","vol":"4","page":362},{"text":"بطلاقٍ أو عتاقٍ ينوي به الإنشاء. والوقف ينعقد بالصريح وبالكناية مع النية وبالفعل مع النية عند الأكثرين، وإذا (^١) كان مقصودُه الوقفَ على نفسه، وتكلَّم بقوله: «هذا وقف عليَّ»، وميَّزه بفعله عن ملكه= صار وقفًا؛ فإن الإقرار يصح أن يكون كنايةً عن الإنشاء مع النية، فإذا قصده به صح، كما أن لفظ الإنشاء يجوز أن يقصد به الإخبار، وإذا أراد به الإخبار دُيِّنَ، فكلٌّ من الأمرين صالح لاستعماله في الآخر، فقد يقصد بالإقرار الإخبار عما مضى، وقد يقصد به الإنشاء، وإنما ذكر بصيغة الإخبار لغرضٍ من الأغراض.\nيوضِّح ذلك أن صيغ العقود قد قيل: هي إنشاءات، وقيل: إخبارات؛ والتحقيق أنها متضمنة للأمرين؛ فهي إخبار عن المعاني التي في القلب، وقصدُ تلك المعاني إنشاء؛ فاللفظ خبر والمعنى إنشاء، فإذا أخبر أن هذا وقفٌ عليه وهو يعلم أن غيره لم يَقِفْه عليه وإنما مقصوده أن يصير وقفًا بهذا الإخبار فقد اجتمع لفظ الإخبار وإرادة الإنشاء، فلو كان أخبر عن هذه الإرادة لم يكن هناك ريبٌ أنه أنشأ الوقف، لكن لما كان لفظه إخبارًا عن غير ما عناه، والذي عناه لم يُنشِئْ له لفظًا صارت المسألة محتملة، ونشأت الشبهة؛ ولكن هذه النية مع هذا اللفظ الصالح للكناية مع الفعل الدال على الوقف يقوم مقام التكلُّم باللفظ الذي ينشأ به الوقف (^٢)، والله أعلم.\nالمثال السابع والأربعون: لو باع غيره دارًا أو عبدًا أو سِلعةً؛ واستثنى منفعةَ المبيع مدةً معلومة= جاز كما دلت عليه النصوص والآثار والمصلحة والقياس الصحيح؛ فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا الشرط\n_________\n(^١) ك: «واذ».\n(^٢) «يقوم ... الوقف» ساقطة من ك.","vol":"4","page":363},{"text":"فيُبطِله عليه؛ فالحيلة في تخلُّصه من ذلك أن يواطئه قبل البيع على أن يُؤجِره إياه تلك المدةَ بمبلغٍ معين؛ ويقرَّ بقبض الأجرة، ثم يبيعه إياه، ثم يستأجره كما اتفقا عليه، ويقرّ له بقبض الأجرة. وهذه حيلة صحيحة جائزة لا تتضمن تحليلَ حرامٍ ولا تحريمَ حلالٍ.\nالمثال الثامن والأربعون: المطلقة البائن لا نفقةَ [١٢٥/أ] لها ولا سكنى بسنة رسول الله - ﷺ - الصحيحة الصريحة التي لا معارضَ لها، بل هي موافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس، وهي مذهب فقهاء الحديث. فإن خاف المطلِّق أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوبَ النفقة والسكنى أو السكنى وحدها؛ فالحيلة في تخليصه أن يعلِّق طلاقها على البراءة الصحيحة من ذلك، فيقول: إن صحَّتْ براءتكِ لي من النفقة والسكنى أو من دعوى ذلك فأنتِ طالق؛ فلا يُمكِنها بعد ذلك أن تدَّعي بهما البتة.\nوله حيلة أخرى، وهي أن يخالعها على نظير ما يعلم أنه يفرض عليه للنفقة والسكنى أو أكثر منه، فإذا ادَّعت بذلك (^١) وفرضه عليه الحاكم صار لها عليه مثل الذي له عليها، فإما أن يأخذ منها ويعطيها وإما أن يتقاصَّا.\nالمثال التاسع والأربعون: إذا اشترى سلعة من رجل غريب فخاف أن تستحق أو تظهر معيبةً ولا يعرفه؛ فالحيلة أن يقيم له وكيلًا يخاصمه إن ظهر ذلك، فإن خاف أن يعزل البائع الوكيلَ فالحيلة أن يشتريها (^٢) من الوكيل نفسه ويضمِّنه دركَ المبيع.\n_________\n(^١) ك: «بعد ذلك».\n(^٢) ك، ب: «يشتري بها».","vol":"4","page":364},{"text":"المثال الخمسون: إذا دفع إليه مالًا يشتري به متاعًا من بلد (^١) غير بلده فاشتراه، وأراد تسليمه إليه وإقامته في تلك البلد، فإن أودعه غيره ضمن؛ لأنه لم يأذن له ربه، وإن وكَّل غيره في دفعه إليه ضمن أيضًا، وإن استأجر من يُوصله إليه ضمن؛ لأنه لم يأتمن غيره عليه؛ فالحيلة في إيصاله إلى ربه أن يُشهد عليه قبل الشراء أو بعده أن يعمل في المال برأيه، وأن يوكل فيه وأن (^٢) يودع إذا رأى المصلحة في ذلك كله، فإن أبى ذلك الموكل وقال: «لا يوافيني به غيرُك» فقد ضاقت عليه الحيلة، فليُخرِج نفسه من الوكالة، فتصير يده يدَ مُودَع، فلا تلزمه مُؤنةُ ردِّ الوديعة، بل مؤنةُ ردِّها على صاحبها، فإن أحبَّ أخْذَ ماله أرسل من يأخذه أو جاء هو في طلبه.\nفإن قيل: فلو لم يعزل نفسه أكان مؤنةُ الردِّ عليه؟\nقيل: لما دخل معه في عقد الوكالة فقد التزم له أن يُسلِّم إليه المال، فيلزمه ما التزم به، فإذا أخرج (^٣) نفسَه من الوكالة بقي كالمُودَع المحض، فإن كان وكيلًا بجُعْلٍ فهو كالأجير فمؤنةُ الردِّ عليه، ولا يملك إخراج نفسه من الوكالة قبل توفية العمل كالأجير (^٤).\nالمثال الحادي والخمسون: إذا أراد الذمّي أن يُسلِم وعنده خمر، فخاف إن أسلم يجب عليه إراقتها ولا يجوز له بيعها، فالحيلة أن يبيعها من ذمي آخر بثمن معين أو في ذمته، ثم يُسلِم ويتقاضاه الثمن، ولا حرجَ عليه\n_________\n(^١) «بلد» ليست في ك، ب.\n(^٢) «أن» ليست في ك.\n(^٣) ك: «خرج».\n(^٤) ك: «توفية الأجر».","vol":"4","page":365},{"text":"في ذلك؛ فإن تحريمها عليه بالإسلام كتحريمها بالكتاب بعد أن لم تكن حرامًا، وفي الحديث: «إن الله يُعرِّض بالخمر، فمن كان عنده منها شيءٌ فلْيبِعْه» (^١).\nفإن قيل: فلو أسلم من اشتراها ولم يؤدِّ ثمنها هل يسقط عنه؟\nقيل (^٢): لا يسقط؛ لثبوته في ذمته قبل الإسلام.\nفإن قيل: فلو أسلم إليه في خمرٍ ثم أسلما [١٢٥/ب] أو أحدهما.\nقيل: ينفسخ العقد، ويُردُّ إليه رأس ماله.\nفإن قيل: فلو أراد أن يشتري منه خمرًا ثم عزم على الإسلام، وخاف أن يلزمه بثمنها، فهل له حيلة في التخلُّص من ذلك؟\nقيل: الحيلة أن لا يتملكها بالشراء بل بالقرض، فإذا اقترضها منه ثم أسلما أو أحدهما لم يجب عليه ردُّ بدل القرض؛ فإن موجب القرض ردُّ المثل (^٣)، وقد تعذَّر بالإسلام.\nالمثال الثاني والخمسون: إذا اشترى دارًا أو أرضًا قد وقعت الحدود وصُرِّفت (^٤) الطرق بينها (^٥) وبين جاره فلا شفعة فيها، وإن كانت الحدود لم تقع ولم تُصرَّف الطرق بل طريقهما واحدة ففيها الشفعة. هذا أصح الأقوال\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٥٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٢) «فلو أسلم ... قيل» ساقطة من ك.\n(^٣) ك: «فإن وجب القرض والمثل»، تحريف.\n(^٤) أي بُيِّنت مصارف الطرق وشوارعها.\n(^٥) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «بينه». وضمير المؤنث للدار أو الأرض.","vol":"4","page":366},{"text":"في شفعة الجوار، وهو مذهب أهل البصرة، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخ الإسلام وغيره. فإن خاف المشتري أن يرفعه الجار إلى حاكم يرى الشفعة وإن صُرِّفت الطرق فله التحيُّل على إبطالها بضربٍ (^١) من الحيل:\nأحدها: أن يشتريها منه بألف دينار ويكاتبه على ذلك، ثم يعطيه عوضَ كل دينارٍ درهمين أو نحو ذلك.\nوثانيها: أن يهبَ منه الدار أو الأرض ثم يهبه ثمنها.\nوثالثها: أن يقول المشتري للشفيع إن شئتَ بعتُكها (^٢) بما اشتريتُها به أو بأقلَّ من ذلك أو أصبر عليك بالثمن، فيجيبه إلى ذلك فتسقط شفعته.\nورابعها: أن يتصادق البائع والمشتري على شرط أو صفة تُفسِد البيع، كأجل مجهول أو خيار مجهول أو إكراه أو تلجئة ونحو ذلك، ثم يقرّها البائع في يد المشتري، ولا يكون للشفيع سبيلٌ عليها.\nوخامسها: أن يشترط الخيار مدة طويلة، فإن صح لم يكن له أن يأخذ قبل انقضائه، وإن بطل لم يكن له أن يأخذ ببيع فاسد.\nوسادسها: أن يهب له تسعة أعشار الدار أو الأرض، ويبيعه العُشر الباقي بجميع الثمن.\nوسابعها: أن يوكِّل الشفيعَ في بيع داره أو أرضه، فيقبل الوكالة ويبيع، أو يوكِّله المشتري في الشراء له.\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «بضروب».\n(^٢) «وثالثها ... بعتكها» ساقطة من ك.","vol":"4","page":367},{"text":"وثامنها: أن يزِن له الثمن الذي اتفقا عليه سرًّا (^١) ثم يجعله صُبرةً غير معلومة ويبيعه الدار بها.\nوتاسعها: أن يقرّ البائع بسهمٍ من ألف سهمٍ للمشتري فيصير شريكه، ثم يبيعه باقي الدار، فلا يجد جاره إليها (^٢) سبيلًا؛ لأن حق الشريك مقدَّمٌ على حق الجار (^٣).\nوعاشرها: أن يتصدَّق عليه ببيت من الدار، ثم يبيعه باقيها بجميع الثمن، فيصير شريكًا، فلا شفعة لجاره.\nوحادي عشرها: أن يأمر غريبًا أو مسافرًا بشرائها، فإذا فعل دفعها إليه ثم وكَّله بحفظها، ويُشهِد على الدفع (^٤) إليه وتوكيله حتى لا يخاصمه الشفيع.\nوثاني عشرها: أن يجيء المشتري إلى الجار قبل البيع فيشتري منه داره ويرغِّبه في الثمن أضعافَ ما تساوي، ويشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام، ثم (^٥) في (^٦) مدة الخيار يمضي ويشتري تلك الدار التي يريد شراءها، فإذا تمَّ العقد بينهما فسخ البيع الأول، ولا يستحقُّ جاره عليه شفعة؛ لأنه حين البيع لم يكن [١٢٦/أ] جارًا، وإنما طرأ له الجوار بعد البيع.\n_________\n(^١) ز: «شراء».\n(^٢) ك: «إليه».\n(^٣) ك، ب: «الجوار».\n(^٤) ز: «الدافع».\n(^٥) «ثم» ليست في ز.\n(^٦) «في» ليست في ك.","vol":"4","page":368},{"text":"وثالث عشرها: أن يُؤجِر المشتري لبائع الدار عبدَه أو ثوبَه شهرًا بسهمٍ من الدار، فيصير شريكه، ثم بعد يومين أو ثلاثة يشتري منه بقيتها؛ فلا يكون لجاره عليه سبيل.\nورابع عشرها: أن يشتريها بثمن مؤجَّلٍ أضعاف ما تساوي، فإن الجار لا يأخذها بذلك الثمن، فإذا رغب عنها صالحه من ذلك الثمن على ما يساويه حالًا من غير جنسه.\nفإن قيل: فأنتم قد بالغتم في الإنكار على من احتال ببعض هذه الوجوه على إسقاط الشفعة، وذكرتم تلك الآثار، فنَكِيْلُ لكم بالكيل الذي كِلْتم به لنا.\nقلنا: لا سواء نحن وأنتم في ذلك؛ فإنا ذكرنا هذه الوجوه تحيُّلًا على إبطال ما أبطله رسول الله - ﷺ - بقوله: «فإذا وقعتِ الحدودُ وصُرِّفتِ الطُّرقُ فلا شفعةَ» (^١)، فلما أبطل الشفعة تحيّلْنا على تنفيذ حكمه وأمره بكل طريق؛ فكنّا في هذه الحيل منفِّذين لأمره. وأما أنتم فأبطلتم بها ما أثبته بحكمه وقضائه بالشفعة فيما لم يقسم، وأنه لا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤذِن شريكَه، فإذا حرم عليه البيع قبل استئذانه فما الظن بالتحيل على إسقاط شفعته؟ فتوصَّلتم أنتم بهذه الحيل إلى إسقاط ما أثبته، وتوصَّلنا نحن بها إلى إسقاط ما أسقطه وأبطله، فأيُّ الفريقين أحقُّ بالصواب، وأتبعُ لمقصود الرسول - ﷺ -؟ والله المستعان.\nالمثال الثالث والخمسون: يصح تعليق الوكالة بالشرط، كما يصح تعليق\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٢١٣، ٢٢١٤) من حديث جابر - ﵁ -.","vol":"4","page":369},{"text":"الولاية بالشرط، كما صحت به السنة، بل تعليق الوكالة أولى بالجواز؛ فإن الولي وكيل وكالةً عامة، فإنه إنما يتصرف نيابةً عن المُولِّي، فوكالته أعم من وكالة الوكيل في الشيء المعين، فإذا صح تعليقها فتعليق (^١) الوكالة الخاصة أولى بالصحة. وقال الشافعي: لا يصح؛ فإذا دعت الحاجة إلى ذلك فالحيلة في جوازه أن يوكّله مطلقًا ثم يعلِّق التصرف على شرط فيصح. ولا يظهر فرقٌ فقهي بين امتناع هذا وجواز هذا، والمقصود من التوكيل التصرف، والتوكيل وسيلة إليه؛ فإذا صح تعليق الغاية فتعليق الوسيلة أولى بالصحة.\nالمثال الرابع والخمسون: إذا رُفِع (^٢) إلى الإمام وادُّعِيَ عليه أنه زنى، فخاف إن أنكر أن تقوم عليه البينة فيُحدّ؛ فالحيلة (^٣) في إبطال شهادتهم أن يقرَّ إذا سئل مرة واحدة، ولا يزيد عليها؛ فلا تُسمع البينة مع الإقرار. وليس للحاكم ولا للإمام أن يقرِّره تمامَ النصاب، بل إذا سكت لم يَعرِض له.\nفإن كان الإمام ممن يرى وجوب الحدّ بالمرة الواحدة؛ فالحيلة أن يرجع عن إقراره فيسقط عنه الحدُّ؛ فإذا خاف (^٤) من إقامة البينة عليه أقرَّ أيضًا ثم رجع، وهكذا أبدًا. وهذه الحيلة جائزة؛ فإنه يجوز له دفع الحدِّ عن نفسه، وأن يُخلدِ إلى التوبة، كما قال النبي - ﷺ - للصحابة لما فرَّ ماعز من الحد: «هلَّا تركتموه يتوبُ فيتوبُ الله عليه» (^٥)، فإذا فرَّ من الحد إلى التوبة فقد أحسن.\n_________\n(^١) ز: «بتعليق»، خطأ.\n(^٢) ك: «وقع»، تحريف.\n(^٣) ز: «الحيلة».\n(^٤) «خاف» ساقطة من ك.\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":370},{"text":"المثال الخامس والخمسون: إذا حلف لغادر أو جاسوس أو سارق أن لا يخبر به أحدًا، ولا يدلّ عليه؛ فأراد التخلُّص [١٢٦/ب] من هذه اليمين وأن لا يُخفيه؛ فالحيلة أن يسأل عن أقوام هو من جملتهم؛ فإذا سئل عن غيره قال: لا، فإذا انتهت النوبة إليه سكت؛ فإنه لا يحنث ولا يأثم بالستر عليه وإيوائه.\nوسئل أبو حنيفة - ﵀ - عن هذه المسألة بعينها، قال له السائل: نزل بي اللصوص؛ فأخذوا مالي واستحلفوني بالطلاق أن لا أُخبر أحدًا بهم؛ فخرجتُ فرأيتهم يبيعون متاعي في السوق جهرةً. فقال له: اذهبْ إلى الوالي فقل له يجمع أهل المحلَّة أو السِّكَّة الذين هم فيهم ثم يُحضِرهم ثم يسألك (^١) عنهم واحدًا واحدًا؛ فإذا سألك عمن ليس منهم، فقل: ليس منهم، وإذا سألك عمن هو منهم فاسكتْ. ففعل الرجل؛ فأخذ الوالي متاعه منهم، وسلَّمه إليه (^٢). فلو عُمِلت هذه الحيلة مع مظلوم لم تنفع، وحنث الحالف؛ فإن المقصود الدفع عنه، وبالسكوت قد أعانَ عليه، ولم يدفع عنه.\nالمثال السادس والخمسون: ما سئل عنه أبو حنيفة - ﵀ - عن امرأة قال لها زوجها: أنت طالق إن سألتِني الخلعَ إن لم أخلعك، وقالت المرأة: كل مملوك لي حرٌّ إن لم أسألك الخلعَ اليوم؛ فجاء الزوج إلى أبي حنيفة فقال: أَحضِر المرأة؛ فأحضرها، فقال لها أبو حنيفة: سليه الخلعَ، فقالت: سألتك أن تخلعني (^٣)، فقال له: قل لها قد خلعتُك على ألف درهم تُعطينها، فقال\n_________\n(^١) ك: «سألك».\n(^٢) ذكرها محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الحيل ضمن كتاب «الأصل» (٩/ ٤٧٤).\n(^٣) ك، ب: «الخلع أن تخلعني».","vol":"4","page":371},{"text":"ذلك، فقال لها قولي: لا أقبل، فقالت ذلك، فقال: قومي مع زوجك فقد برَّ كل واحدٍ منكما ولم يحنَثْ في شيء، ذكرها محمد بن الحسن في كتاب «الحيل» (^١) له.\nوإنما تتمُّ هذه الحيلة على الوجه الذي ذكره؛ فلو قالت له: «أسألك الخلعَ على ألف درهم حالَّةً أو إلى شهرٍ» فقال: «قد خلعتك على ذلك» وقع الخلع؛ بخلاف ما إذا قالت له (^٢): «اخلعني» قال: «خلعتك على ألف» فإن هذا لا يكون خلعًا حتى تقبل وترضى، وهي لم ترضَ بالألف؛ فلا يقع الخلع.\nفإن قيل: فكيف يبرأ إذا لم يقع الخلع؟\nقيل: هو إنما حلف على فعله لا على قبولها؛ فإذا قال: «قد خلعتك على ألفٍ» فقد وُجِد الخلع من جهته؛ فانحلَّت يمينه، ولم يقف حِلُّ اليمين على قبولها، كما إذا حلف لا يبيع، فباع، ولم يقبل المشتري، ولا نيةَ له؛ فإنه يحنث.\nالمثال السابع والخمسون: ما ذكره محمد في كتابه (^٣) أيضًا عنه أنه أتاه أخوان قد تزوَّجا بأختين؛ فزُفَّتْ كل امرأة منهما إلى زوج أختها؛ فدخل بها ولم يعلم، ثم علم الحال لما أصبحا؛ فذكرا له ذلك، وسألاه المخرج، فقال لهما: كلٌّ منكما راضٍ بالتي دخل بها؟ فقال: نعم، فقال: ليطلِّق كلٌّ منكما امرأته التي عقد عليها تطليقةً؛ ففعلا، فقال: ليعقِدْ كلٌّ منكما على المرأة التي\n_________\n(^١) ضمن كتاب «الأصل» (٩/ ٤٤٤).\n(^٢) «له» ليست في ز.\n(^٣) كتاب «الأصل» (٩/ ٤٤٤).","vol":"4","page":372},{"text":"دخل بها، ففعلا، فقال: ليمضِ كلٌّ منكما (^١) إلى أهله.\nوهذه الحيلة في غاية اللطف؛ فإن المرأة التي دخل بها كلٌّ منهما قد وطئها بشبهة؛ فله أن ينكحها في عدتها؛ فإنه لا يصان ماؤه عن مائه، وأمره أن يطلِّق واحدة فإنه لم يدخل بالتي طلَّقها فالواحدة تُبِينها، ولا عدةَ عليها منه، فللآخر أن يتزوَّجها.\nالمثال الثامن والخمسون: إذا تزوَّجت المرأة فخافت (^٢) أن يسافر عنها الزوج ويَدَعها، أو يسافر بها ولا تريد الخروج من دارها، أو أن يتزوَّج عليها أو يتسرَّى، أو يشرب [١٢٧/أ] المسكر، أو يضربها من غير جُرمٍ، أو تبيَّن فقيرًا وقد ظنته غنيًّا، أو مَعيبًا وقد ظنته سليمًا، أو أميًّا وقد ظنته قارئًا، أو جاهلًا وقد ظنته عالمًا، ونحو ذلك، فلا يُمكنها التخلُّص؛ فالحيلة لها في ذلك كله أن تشترط عليه أنه متى وُجِد شيء من ذلك فأمرُها بيدها، إن شاءت أقامت معه (^٣) وإن شاءت فارقتْه، وتُشهِد عليه بذلك. فإن خافتْ أن لا تشترط ذلك بعد لزوم العقد فلا يمكنها إلزامه بالشرط فلا تأذن لوليها أن يزوِّجها منه إلا على هذا الشرط، فيقول: زوَّجتكما على أن أمرها بيدها إن كان الأمر كيت وكيت؛ فمتى كان الأمر كذلك ملكتْ تطليقَ نفسها. ولا بأس بهذه الحيلة، فإن المرأة تتخلص بها من نكاح من لم ترضَ بنكاحه (^٤)، وتستغني بها عن رفع أمرها إلى الحاكم ليفسخ بالغيبة والإعسار وغيرهما. والله أعلم.\n_________\n(^١) «على المرأة ... منكما» ساقطة من ز.\n(^٢) ك: «فخاف».\n(^٣) «معه» ليست في ك.\n(^٤) ك، ب: «نكاحه».","vol":"4","page":373},{"text":"المثال التاسع والخمسون: يصح ضمان ما لم يجب كقوله: «ما أعطيتَ لفلان فهو عليَّ» عند الأكثرين، كما دلَّ عليه القرآن في قول (^١) مؤذِّن يوسف: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، والمصلحة تقتضي ذلك، بل قد تدعو إليه الحاجة أو الضرورة. وعند الشافعي لا يجوز، وسلَّم جوازه إذا تبين سبب وجوبه كدرك المبيع.\nوالحيلة في جوازه على هذا القول أنه إذا رضي بأن يلتزم عنه مقدارًا لم يجب عليه بعد أن يقرَّ المضمون عنه به للدافع ثم يضمنه عنه الضامن. فإن خشي المقرُّ أن يطالبه المقرُّ له بذلك ولا يدفعه إليه، فالحيلة أن يقول: هو عليَّ من ثمن مبيعٍ لم أقبضه. فإن تحرَّج من الإخبار بالكذب فالحيلة أن يبيعه ما يريد أخذه منه بالمبلغ الذي التزم الضامن أداءه، فإذا صار في ذمته ضمنه عنه.\nوهكذا الحكم إذا زوَّج ابنه أو عبده أو أجيره وضمن للمرأة نفقتها وكسوتها، فالصحيح في هذا كله جواز الضمان، والحاجة تدعو إليه، ولا محذورَ فيه، وليس بعقد معاوضةٍ فتؤثِّر فيه الجهالة، وعقود الالتزام (^٢) لا تؤثِّر فيها الجهالة كالنذر، ثم يمكن رفع الجهالة بأن يحدَّ له حدًّا فيقول: من درهمٍ إلى كذا وكذا.\nفإن قيل: ما بين الدرهم والغاية مجهول لا يدري كم (^٣) يلزمه منه.\n_________\n(^١) ز: «قوله عن».\n(^٢) ك: «الأكثر ام»، تحريف.\n(^٣) ك: «لم».","vol":"4","page":374},{"text":"قيل: لا يقدح ذلك في جواز الالتزام؛ لأنه يتبين في الآخرة (^١) كم هو الواجب منه، ثم لو أقرَّ بذلك فقال: «له عليَّ ما بين درهمٍ إلى ألف» صح؛ فهكذا إذا قال: «ضمِنتُ عنه ما بين درهمٍ إلى ألف».\nفإن قيل: الضامن فرعٌ على المضمون عنه، فإذا كان الأصل لم يثبت في ذمته شيء فعلى أي شيء ينبني الضمان ويتفرَّع؟\nقيل: إنما يصير ضامنًا إذا ثبت في ذمة المضمونِ عنه، وإلا في الحال فليس هو ضامنًا. وإن صح أن يقال: «هو ضامن بالقوة» ففي الحقيقة هو ضمان معلَّق على شرط، وذلك جائز، والله أعلم.\nالمثال الستون: إذا سبق لسانه بما يؤاخَذ به في الظاهر ولم يُرِد معناه، أو أراده ثم [١٢٧/ب] رجع عنه وتاب منه، أو خاف أن يَشهد عليه به شهودُ زورٍ ولم يتكلم به، فرُفِع إلى الحاكم وادُّعِي عليه به، فإن أنكر شهدوا عليه، وإن أقرَّ حكم عليه، ولا سيما إن كان لا يرى قبول التوبة من ذلك؛ فالحيلة في الخلاص أن لا يُقرَّ به ولا يُنكر، فيشهد عليه الشهود، بل يكفيه في الجواب أن يقول: «إن كنتُ قلته فقد رجعتُ عنه، وأنا تائب إلى الله منه»، وليس للحاكم بعد ذلك أن يقول: لا أكتفي منك بهذا الجواب، بل لا بدَّ من الإقرار أو الإنكار، فإن هذا جواب كافٍ (^٢) في مثل هذه الدعوى، وتكليفُه بعد ذلك خُطَّة الخَسْف بالإقرارِ وقد يكون كاذبًا فيه، أو الإنكارِ وقد تاب منه بينه وبين الله تعالى، فيشهد عليه الشهود= ظلمٌ وباطل؛ فلا يحلُّ للحاكم أن يسأله بعد هذا هل وقع منه ذلك أو لم يقع.\n_________\n(^١) ك: «الأجرة».\n(^٢) ك: «كان»، تحريف.","vol":"4","page":375},{"text":"بل أبلغُ من هذا لو شهد عليه بالردّة فقال: «لم أزلْ أشهد أن لا إله لا الله وأن محمدًا رسول الله منذ عقلتُ وإلى الآن» لم يُستكشَف عن شيء، ولم يُسأل لا هو (^١) ولا الشهود عن سبب ردّته، كما ذكره الخرقي في «مختصره» (^٢) وغيرُه من أصحاب الشافعي، فإذا ادُّعي عليه بأنه قال كذا وكذا فقال: «إن كنتُ قلته فأنا تائبٌ إلى الله منه» أو «قد تبتُ منه» اكتُفِي منه (^٣) بهذا الجواب، ولم يُكشَف عن شيء بعد ذلك.\nفإن قيل: هذا تعليق للتوبة أو الإسلام بالشرط، ولا يصح تعليقه بشرط.\nقيل: هذا من قلة فقه مُورِده؛ فإن التوبة لا تصح إلا على هذا الشرط، تلفَّظ به أو لم يتلفَّظ به (^٤)، وكذلك تجديد الإسلام لا يصح إلا بشرط أن يوجد ما يناقضه، فتلفُّظه بالشرط تأكيدٌ لمقتضى عقدِ التوبة والإسلام. وهذا كما إذا قال: «إن كان (^٥) هذا ملكي فقد بعتُك إياه» فهل يقول أحد: إن هذا بيع معلَّق بشرط فلا يصح؟ وكذلك إذا قال: «إن كانت هذه امرأتي فهي طالق» لا يقول أحد: إنه طلاق معلَّق، ونظائره أكثر من أن تُذكر.\nوقد شرع الله لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي - ﷺ - لضُباعة بنت الزبير وقد شكت إليه\n_________\n(^١) ك: «إلا هو»، خطأ.\n(^٢) انظر: «المختصر» مع شرحه «المغني» (١٢/ ٢٨٦، ٢٨٧).\n(^٣) «اكتفي منه» ليست في ك.\n(^٤) «به» ليست في ز.\n(^٥) «كان» ليست في ك.","vol":"4","page":376},{"text":"وقتَ الإحرام، فقال: «حُجِّي واشترِطي على ربكِ فقولي: إن حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حبستَني، فإن لكِ ما شرطتِ على ربك» (^١). فهذا شرطٌ مع الله في العبادة، وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه، ويفيد شيئين: جواز التحلل، وسقوط الهدي.\nوكذلك الداعي بالخِيَرة يشترط على ربه في دعائه، فيقول: «اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا (^٢) لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدُرْه لي ويسِّره لي» (^٣)، فيعلِّق طلب الإجابة بالشرط لحاجته إلى ذلك لخفاء المصلحة عليه.\nوكذلك النبي - ﷺ - اشترط على ربه أيُّما رجلٍ سبَّه أو لعنَه وليس لذلك (^٤) بأهل أن يجعلها كفارةً له وقربةً يقرِّبه بها إليه (^٥)، وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق.\nوكذلك المصلِّي [١٢٨/أ] على الميت شُرع له تعليق الدعاء بالشرط، فيقول: اللهم أنت أعلمُ بسرِّه وعلانيته، إن كان محسنًا فتقبَّل حسناتِه، وإن\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٠٨٩) ومسلم (١٢٠٧) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) في النسخ: «خير».\n(^٣) كما في حديث الاستخارة عند البخاري (١١٦٢، ٦٣٨٣، ٧٣٩٠) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٤) ك: «كذلك»، خطأ.\n(^٥) ورد في هذا الباب عدة أحاديث أقربها إلى لفظ المؤلف حديث أبي هريرة عند البخاري (٦٣٦١) ومسلم (٢٦٠١/ ٩٠).","vol":"4","page":377},{"text":"كان مسيئًا فتجاوزْ عن سيئاته (^١)؛ فهذا طلبٌ للتجاوز عنه بشرطه، فكيف يُمنع تعليق التوبة بالشرط؟ وقال شيخنا: كان يُشكل عليَّ أحيانًا حالُ من أصلي عليه من الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله - ﷺ - في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرطَ الشرطَ، أو قال: علِّق الدعاء بالشرط.\nوكذلك أرشد أمته - ﷺ - إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط، فقال: «لا يتمنَّى أحدكم الموتَ لِضرٍّ نزل به، ولكن ليقلْ: اللهم أَحيِني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (^٢). وكذلك قوله في الحديث الآخر: «وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فتوفَّني إليك غيرَ مفتونٍ» (^٣).\nوقال: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا» (^٤).\nوتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة؛ فلا يستغني عنه المكلَّف. وقد صح تعليق النذر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب (^٥)، وتعليق الضمان\n_________\n(^١) رواه مالك (١/ ٢٢٧) من دعاء أبي هريرة في صلاة الجنازة، وإسناده صحيح، وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ١٥٩). وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٤٧١) من دعاء أنس بعد الدفن، وإسناده صحيح.\n(^٢) رواه البخاري (٥٦٧١، ٦٣٥١، ٧٢٣٣) ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٣) رواه الترمذي (٣٢٣٥) وابن خزيمة في «التوحيد» (٥٥) من حديث معاذ بن جبل، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ونقل تصحيحه عن البخاري.\n(^٤) تقدم.\n(^٥) في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ...﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].","vol":"4","page":378},{"text":"بالشرط بنص القرآن (^١)، وتعليق النكاح بالشرط (^٢) في تزويج موسى بابنة صاحب مدين وهو من أصح نكاحٍ على وجه الأرض، ولم يأتِ في شريعتنا ما ينسخه، بل أتت مقرِّرةً له، كقوله - ﷺ -: «إنّ أحقَّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفروج» (^٣)، فهذا صريح في أن حل الفرج بالنكاح قد يعلَّق على شرط، ونصَّ الإمام أحمد على جواز تعليق النكاح بالشرط، وهذا هو الصحيح، كما يعلق الطلاق والجعالة والنذر وغيرها من العقود.\nوعلَّق أمير المؤمنين عمر - ﵁ - عقد المزارعة بالشرط، فكان يدفع أرضه إلى من يعمل عليها على أنه إن جاء عمر بالبذر فله كذا وإن جاء العامل بالبذر (^٤) فله كذا، ذكره البخاري (^٥)، ولم يخالفه صاحب.\nونصَّ الإمام أحمد على جواز تعليق البيع بالشرط في قوله: إن بعت هذه الجارية فأنا أحقُّ بها بالثمن، واحتج بأنه قول ابن مسعود (^٦). ورهنَ\n_________\n(^١) في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].\n(^٢) «بالإجماع ... بالشرط» ساقطة من ك.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) ك: «بالنذر»، تصحيف.\n(^٥) في «صحيحه» (٥/ ١٠ - مع الفتح) معلقًا، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٨١٧١) والبيهقي (٦/ ١٣٥)، قال الحافظ في «التغليق» (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤): «هذان خبران مرسلان يتقوى أحدهما بالآخر».\n(^٦) رواه مالك (٢/ ٦١٦) وعبد الرزاق (١٤٢٩١) وأبو يوسف (٨٤٤) كلهم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، وفيه انقطاع بين عبيد الله وابن مسعود. انظر: «جامع التحصيل» (ص ٢٣٢).","vol":"4","page":379},{"text":"الإمام أحمد نعله وقال للمرتهن: إن جئتك بالحق إلى كذا وإلا فهو لك. وهذا بيعٌ بشرط، فقد فعله وأفتى به.\nوكذلك تعليق الإبراء بالشرط، نصَّ على جوازه فعلًا منه، فقال لمن اغتابه ثم استحلَّه: «أنت في حلٍّ إن لم تَعُد»، فقال له الميموني: قد اغتابك وتحلِّله؟ فقال: ألم ترني قد اشترطتُ عليه أن لا يعود؟ والمتأخرون من أصحابه يقولون: لا يصح تعليق الإبراء بالشرط، وليس ذلك موافقًا لنصوصه ولا لأصوله.\nوقد علَّق النبي - ﷺ - ولاية الإمارة بالشرط (^١)، وهذا تنبيه على تعليق ولاية الحكم وكل ولاية، وعلى تعليق الوكالة الخاصة والعامة. وقد علَّق أبو بكر تولية عمر - ﵁ - بالشرط (^٢)، ووافقه عليه سائر الصحابة فلم ينكره منهم رجل واحد.\nوقال النبي - ﷺ -: «من باع نخلًا قد أُبِّرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها [١٢٨/ب] المبتاع» (^٣)، فهذا اشتراطٌ خلاف مقتضى العقد المطلق، وقد\n_________\n(^١) فقد أمَّر في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، وقال: «إن قُتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة». رواه البخاري (٤٢٦١) عن عبد الله بن عمر.\n(^٢) حيث أملى على عثمان بن عفان قبل وفاته: «إني استخلفتُ عليكم بعدي عمر بن الخطاب ... فإن عدلَ فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدَّل فلكلِّ امرئ ما اكتسب من الإثم، والخير أردتُ ولا أعلم الغيب». انظر: «طبقات ابن سعد» (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) رواه البخاري (٢٢٠٤، ٢٢٠٦، ٢٧١٦) ومسلم (١٥٤٣/ ٧٧ - ٧٩) من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه أيضًا البخاري (٢٣٧٩) ومسلم (١٥٤٣/ ٨٠) من حديث سالم عن ابن عمر مرفوعًا مع الجزء الثاني المتعلق بالعبد، الآتي ذكره.","vol":"4","page":380},{"text":"جوَّزه الشارع (^١).\nوقال: «من باع عبدًا وله مالٌ فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» (^٢). وفي «السنن» (^٣) عنه: «من أعتق عبدًا وله مالٌ فمال العبد له، إلا أن يشترطه السيد».\nوفي «السنن» و«المسند» (^٤) عن سَفِينة قال: كنت مملوكًا لأم سلمة، فقالت: أعتقتك، واشترطتُ عليك أن تخدم رسول الله - ﷺ - ما عشتَ، فقلتُ: إن لم تشترطي عليَّ ما فارقتُ رسول الله - ﷺ - ما عشتُ، فأعتقتْني واشترطتْ عليَّ.\n_________\n(^١) «اشتراط ... الشارع» ساقطة من ك.\n(^٢) جزء من الحديث السابق.\n(^٣) رواه أبو داود (٣٩٦٢) والنسائي في «الكبرى» (٤٩٦١) وابن ماجه (٢٥٢٩) من طريق عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشج، عن نافع، عن ابن عمر.\nوالحديث صححه ابن حزم في «المحلى» (٩/ ٢١٥) وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ٣٩٣) والألباني في «الإرواء» (١٧٤٩). ولكن عبيد الله بن أبي جعفر قد تفرد في الحديث بلفظة: «من أعتق»، والمشهور في حديث ابن عمر: «مَن باع» كما في الحديث المتفق عليه. وقد ضعف هذه اللفظة أبو حاتم في «العلل» (١١٨٣)، وأحمد بن حنبل وتبعه ابن قدامة في «المغني» (١٤/ ٣٩٧، ٤٥٧) وابن القيم في «تهذيب السنن» (٢/ ٤٥٦، ٣/ ٤٥).\n(^٤) رواه أحمد (٢١٩٢٧، ٢٦٧١١) وأبو داود (٣٩٣٢) والنسائي في «الكبرى» (٤٩٧٦، ٤٩٧٧، ١١٧٤٦) وابن ماجه (٢٥٢٦) وغيرهم من طريق سعيد بن جمهان عن سفينة به. وإسناده حسن من أجل سعيد هذا، وصححه الحاكم (٢/ ٢١٣، ٣/ ٦٠٦)، وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (١٧٥٢).","vol":"4","page":381},{"text":"وذكر البخاري في «صحيحه» (^١) عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطتَ.\nوقال البخاري في باب الشروط في القرض (^٢): وقال ابن عمر وعطاء: إذا أجَّله في القرض جاز.\n_________\n(^١) (٥/ ٣٢٢، ٩/ ٢١٧ - مع الفتح) معلقًا. ورواه سعيد بن منصور (٦٦٢، ٦٨٠) وعبد الرزاق (٦/ ٢٢٧) وابن أبي شيبة (١٦٧٠٦، ٢٢٤٦٤) والبيهقي (٧/ ٢٤٩) كلهم من طريق إسماعيل بن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن غنم، وهذا إسناد صحيح، صححه الألباني في «الإرواء» (١٨٩٣)، وضعفه ابن حزم من أجل إسماعيل (٨/ ٤١٤) ولكن الأئمة وثّقوه، وهو من احتج به الشيخان. وقد علقه بالجزم البخاري (باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح).\nوقد أخرج البيهقي (٧/ ٢٤٩) عن عمر ما يخالف هذا بلفظ «أن رجلا تزوج امرأة على عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - وشرط لها أن لا يخرجها فوضع عنه عمر بن الخطاب - ﵁ - الشرط وقال: المرأة مع زوجها»، وإسناده صحيح، صححه الألباني في «الإرواء» (٦/ ٣٠٤)، وجوَّد إسناده الحافظ في «الفتح» (٩/ ١٨٩). وقال البيهقي عن هذه الرواية: «الرواية الأولى أشبه بالكتاب والسنة وقول غيره من الصحابة - ﵃ -».\n(^٢) (٥/ ٣٥٣ - مع الفتح). وأثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٢١٠) من طريق حجاج عن عطاء بلفظ: «كان ابن عمر يستقرض، فإذا خرج عطاؤه أعطاه خيرًا منها»، وسنده ضعيف من أجل عنعنة حجاج، وأخرج ابن ابي شيبة (٢٣٢١٨) من طريق هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة، عن عطاء بن يعقوب، قال: استسلف مني ابن عمر ألف درهم فقضاني دراهم أجود من دراهمي، فقال: ما كان فيها من فضل، فهو نائل مني إليك، أتقبله؟ قلت: نعم. وهذا إسناد صحيح، ومثله في «الموطأ» (٢/ ٦٨١) بإسناد صحيح. وأثر عطاء أخرجه عبد الرزاق كما في «تغليق التعليق» (٣/ ٣٢٢)، وليس في المطبوع من المصنّف من طريق ابن جريج عن عطاء.","vol":"4","page":382},{"text":"وقال في باب ما يجوز من الاشتراط والثُّنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم (^١): وقال ابن عون عن ابن سيرين قال: قال رجلٌ لكَرِيِّه: أَرحِلْ (^٢) رِكابَك، فإن لم أرحَلْ معك يومَ كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرطَ على نفسه طائعًا غيرَ مُكْرهٍ فهو عليه (^٣). وقال أيوب عن ابن سيرين: إن رجلًا باع طعامًا وقال: إن لم آتِك الأربعاءَ فليس بيني وبينك بيعٌ (^٤)، فقال للمشتري: أنت أخلفتَه، فقضى عليه (^٥).\nوقال في باب الشروط في المهر (^٦): وقال المِسْوَر: سمعت رسول الله - ﷺ - ذكر صِهْرًا له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسنَ، فقال: «حدَّثني فصَدَقني، ووعدني فوَفَى لي». ثم ذكر فيه حديث: «أحقُّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفُروجَ» (^٧).\nوقال في كتاب الحرث (^٨): وعاملَ عمرُ الناسَ على إن جاء عمر بالبذر\n_________\n(^١) (٥/ ٣٥٤ - مع الفتح).\n(^٢) كذا في النسخ، وهو الصواب. وفي المطبوع نقلًا عن طبعة البخاري مع «الفتح»: «أدخِلْ» وهو بعيد. ومعنى «أرْحِل رِكابَك»: ضَعْ على الإبل رحالَها للسفر.\n(^٣) رواه سعيد بن منصور كما في «تغليق التعليق» (٣/ ٤١٥) من طريق هشيم عن ابن عون.\n(^٤) «بيع» ليست في ك.\n(^٥) رواه سعيد بن منصور كما في «تغليق التعليق» (٣/ ٤١٥) من طريق سفيان عن أيوب، وهذا الإسناد في غاية الصحة.\n(^٦) «صحيح البخاري» (٥/ ٣٢٢ - مع الفتح).\n(^٧) رقم (٢٧٢١).\n(^٨) (٥/ ١٠ - مع الفتح).","vol":"4","page":383},{"text":"من عنده فله (^١) الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا (^٢).\nوهذا صريح في جواز: «إن خِطْتَه اليومَ فلك كذا، وإن خِطْتَه غدًا فلك كذا»، وفي جواز: «بعتُكه بعشرةٍ نقدًا أو بعشرين نسيئةً»، فالصواب جواز هذا كله للنص والآثار والقياس.\nوقال جابر: بعتُ رسولَ الله - ﷺ - بعيرًا، واشترطتُ حُملانَه إلى أهلي (^٣).\nوروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فرُّوخ عن نافع بن عبد الحارث عاملِ عمرَ على مكة أنه اشترى من صفوان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف درهم، واشترط عليه نافع إن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرضَ فلصفوانَ أربعُ مائة درهم (^٤).\nومن هاهنا قال أحمد: لا بأس ببيع العربون؛ لأن عمر فعله، وأجاز هذا البيعَ والشرطَ فيه مجاهد (^٥) ومحمد بن سيرين (^٦) وزيد بن أسلم (^٧)\n_________\n(^١) ز: «فلهم» وكذا في المطبوع. والمثبت من ك والبخاري.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (٢٧١٨).\n(^٤) رواه عبد الرزاق (٩٢١٣) وابن أبي شيبة (٢٣٦٦٢) والبيهقي (٦/ ٣٤) كلهم من طريق ابن فروخ.\n(^٥) رواه ابن أبي شيبة (٢٣٦٥٨) من طريق ابن عيينة عن ابن أبي نجيح، وهو إسناد صحيح.\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة (٢٣٦٥٩، ٢٣٦٦٣) من طريق يزيد، عن هشام، عن ابن سيرين، وهو إسناد صحيح.\n(^٧) رواه ابن أبي شيبة (٢٣٦٥٦) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم مرسلًا، ورواه عبد الرزاق كما في «التمهيد» (٢٤/ ١٧٩) من طريق الأسلمي عن زيد مرسلًا.","vol":"4","page":384},{"text":"ونافع بن عبد الحارث، وقال أبو عمر (^١): وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله - ﷺ -. وذكر الإمام أحمد أن محمد بن مَسلمة الأنصاري اشترى من نَبطيٍّ حُزمةَ حطبٍ، واشترط عليه حمْلَها إلى قصر سعد (^٢). واشترى عبد الله بن مسعود جارية من امرأته وشرطتْ عليه أنه إن باعها فهي لها بالثمن (^٣). وفي ذلك اتفاقهما على صحة البيع والشرط، ذكره الإمام أحمد وأفتى به.\nوالمقصود أن للشروط عند الشارع شأنًا ليس عند كثير من [١٢٩/أ] الفقهاء؛ فإنهم يُلغون شروطًا لم يُلغِها الشارع، ويُفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضي فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله؛ ليس لهم ضابط مطَّرد منعكس يقوم عليه دليل؛ فالصواب الضابط الشرعي الذي دلَّ عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف حكمه فهو لازم.\nيوضِّحه أن الالتزام بالشرط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يَبطُل منه إلا ما خالف حكم الله، بل الشرط (^٤) في حقوق العباد أوسعُ من النذر في حق الله،\n_________\n(^١) في «التمهيد» (٢٤/ ١٧٩) و«الاستذكار» (٦/ ٢٦٤) ط. دار الكتب العلمية. وزاد ابن عبد البر بعد ذكر قول زيد بن أسلم: وهذا لا يُعرف عن النبي - ﷺ - من وجهٍ يصح.\n(^٢) رواه إسحاق بن راهويه كما في «المطالب العالية» (٢/ ٣٨٤) ضمن قصة طويلة، وفي إسناده انقطاع.\n(^٣) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٦١٦) من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود، وفيه انقطاع بين عبيد الله وابن مسعود.\n(^٤) ز: «الشروط».","vol":"4","page":385},{"text":"والالتزام به أوسع من الالتزام بالنذر.\nوإنما بُسِط القول في هذا؛ لأن باب الشروط يدفع أكثر حيل المتحيلين، ويجعل للرجل مخرجًا مما يخاف منه ومما (^١) يضيق عليه؛ فالشرط الجائز بمنزلة العقد، بل هو عقد وعهد، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧].\nوهاهنا قضيتان كلّيتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله.\nإحداهما: أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائنًا ما كان.\nوالثانية: أن كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه، وهو ما يجوز بذلُه وفعلُه بدون الشرط، فهو لازم بالشرط.\nولا يُستثنى من هاتين القضيتين شيء (^٢)، وقد دلَّ عليهما كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الصحابة، ولا يُعبأ (^٣) بالنقض (^٤) بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية، فإنه لا يهدم قاعدة من قواعد الشرع؛ فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين، فكل طاعةٍ جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر، وكذلك كل شرطٍ جاز بذله بدون الاشتراط لزم بالشرط، فمقاطعُ\n_________\n(^١) «ومما» ليست في ك.\n(^٢) «فهو لازم ... شيء» ساقطة من ك.\n(^٣) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «ولا تعبأ».\n(^٤) ز: «بالبعض»، تصحيف.","vol":"4","page":386},{"text":"الحقوق عند الشروط.\nوإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد وليس بمشروط، فكيف الوعد المؤكَّد بالشرط؟ بل ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخُلف والخيانة والغدر، وبالله التوفيق.\nالمثال الحادي والستون: إذا باعه جاريةً معيبة وخاف من ردِّها عليه بالعيب فليبيِّن له من (^١) عيبها ويشهد أنه دخل عليه، فإن خاف ردَّها بعيب آخر لا يعلمه البائع فليعيِّن له عيوبًا يدخل في حكمها وأنه رضي بها كذلك، فإن كان العيب غير متصور ولا داخلٍ في جملة تلك العيوب فليقل: «وأنك رضيتَ بها بجملة ما فيها من العيوب التي تُوجِب الردّ» مقتصرًا على ذلك. ولا يقلْ: «وأنك أسقطتَ حقَّك من الردّ»، ولا: «أبرأتَني من كل دعوى تُوجب الردَّ»، ولا يبيعها بشرط البراءة من كل عيب؛ فإن هذا لا يُسقط الرد عند كثير من الفقهاء، وهي مسألة البيع بالبراءة من العيوب.\nوللشافعي فيها ثلاثة أقوال؛ أحدها: صحة البيع والشرط، والثاني: صحة البيع وفساد الشرط وأنه لا يبرأ من شيء من العيوب، والثالث: أنه يبرأ من العيوب الباطنة في الحيوان خاصة دون غيرها.\nوالمشهور من مذهب مالك (^٢) جواز العقد والشرط، وأنه يبرأ من جميع العيوب. وهل يعمُّ ذلك جميعَ المبيعات أو [١٢٩/ب] يخصّ بعضها؟\n_________\n(^١) «من» ليست في ك.\n(^٢) ما ذكره المؤلف هنا من مذهب مالك وأصحابه أكثره منقول من «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٨٠ وما بعدها).","vol":"4","page":387},{"text":"فذكر ابن حبيب عن مالك وابن وهب أنه يعمُّ جميعَ المبيعات عرضًا كان المبيع أو حيوانًا. وعنه أنه يختص ببعض المبيعات.\nواختُلف عنه في تعيينه، فالذي في «الموطأ» (^١) عنه أنه يختصُّ بالحيوان ناطقًا كان أو بهيمًا. والذي في «التهذيب» (^٢) اختصاصه بناطق الحيوان.\nقالوا: وعلى المذهب في صحة ذلك مطلقًا، فبيع السلطان وبيع الميراث إذا علم أنه ميراثٌ جاري (^٣) مجرى بيع البراءة وإن لم يشترط، وعلى هذا فإذا قال: أبيعك بيع الميراث لا قيام بعيب صحَّ ذلك ويكون بيع براءة؛ وفي الميراث لا يحتاج إلى ذكره.\nقالوا: وإذا قلنا إن البراءة تنفع فإنما منفعتها في امتناع الرد بعيب لم يعلم به البائع؛ وأما ما علم به البائع فإن شرط البراءة لا يمنع ردَّ المشتري به إذا لم يكن عالمًا به وقتَ العقد؛ فإذا ادعى المشتري علم البائع فأقرَّ أو نكلَ بعد توجُّه اليمين عليه توجَّه الرد عليه.\nقالوا: ولو ملك شيئًا ثم باعه قبل أن يستعمله بشرط البراءة لم ينفعه ذلك، حتى يستعمله ويستبرئه ثم يبيعه بشرط البراءة.\nقال في «التهذيب» (^٤): في التجَّار يَقدَمون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة ولم\n_________\n(^١) (٢/ ٦١٤).\n(^٢) (٣/ ٣٨٠) للبراذعي.\n(^٣) كذا بإثبات الياء في جميع النسخ، وهو جائز في العربية.\n(^٤) انظر: «المدونة» (٤/ ٣٤٩).","vol":"4","page":388},{"text":"تطُلْ إقامة الرقيق عندهم: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلًا، لا تنفعهم البراءة.\nوقال عبد الملك وغيره: لا يشترط استعلامه ولا طولُ مقامه عنده، بل تنفعه البراءة كما تنفعه مع الطول والاستعلام.\nقالوا: وإذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه فأدخله في جملة عيوب ليست موجودة، وتبرَّأ منها كلها، لم يبرأ منه حتى يُفرده بالبراءة ويعيِّن موضعه وجنسه ومقداره بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول.\nقالوا: وكذلك لو أراه العيب وشاهده لم يبرأ منه، إذا كان ظاهره لا يستلزم الإحاطة بباطنه وباطنُه فيه فساد آخر، كما إذا أراه دَبَرَةَ (^١) البعير وشاهدها وهي مُنْغِلةٌ مفسدة، فلم يذكر له ما فيها من نَغَلٍ وغيره، ونظائر ذلك.\nقالوا: وكذلك لو أخبره أن به إباقًا أو سرقةً، وهو إباقٌ بعيدٌ أو سرقة عظيمة والمشتري يظنه يسيرًا، لم يبرأ حتى يبيّن له ذلك.\nقال أبو القاسم بن الكاتب: لا يختلف قول مالك في أن بيع السلطان بيع براءة على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميت بيع براءة أيضًا وإن لم يشترطها. قال: وإنما كان كذلك؛ لأنه حكم منه بالبيع، وبيع البراءة مختلف فيه، فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء لم تُردَّ قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما (^٢) حكم به.\n_________\n(^١) الدَّبَرة: قرحة الدابة.\n(^٢) في النسخ: «فما». والتصويب من «عقد الجواهر».","vol":"4","page":389},{"text":"وردّ ذلك عليه المازري وغيره، وقالوا: السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلافٍ ولا وفاق، ولا قصد إلى حكمه يرفع النزاع، وقد حكى بعض الشيوخ الخلاف في بيع البراءة ولو تولّاه السلطان بنفسه. قال: وذلك لأن سحنون قال: وكان قول مالك القديم أن بيع السلطان وبيع الوارث لا قيامَ فيه بعيبٍ ولا بعهدة. قال: وهذا يدل على أن له قولًا آخر خلاف هذا. قال: ويدل عليه أن ابن القاسم [١٣٠/أ] قال: إذا بيع عبد على مفلس فإن للمشتري أن يردَّه بالعيب (^١)، قال: والصواب أن بيع السلطان وبيع الورثة كغيرهما.\nقال المازري: أما بيع الورثة لقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه فإن فيه الخلاف المشهور. قال: وأما ما باعوه لأنفسهم للانفصال من شركة بعضهم لبعض فملتحق ببيع الرجل مالَ نفسه بالبراءة، وكذلك من باع للإنفاق على مَن (^٢) في ولايته.\nقلت: وقول المازري: «إن بيع السلطان لا تعرُّضَ فيه لحكمٍ» مبني على أصل، وهو أن الحاكم إذا عقد بنفسه عقدًا مختلَفًا فيه هل يكون بمنزلة حكمه به فيسوغ تنفيذه ولا يسوغ رده، أو لا يكون حكمًا منه به (^٣) فيسوغ لحاكمٍ آخر خلافُه؟ وفي هذا الأصل قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره. فهذا تقرير مذهب مالك في هذه المسألة.\nوأما مذهب أبي حنيفة: فإنه يصحِّح البيع والشرط، ولا يمكن المشتري\n_________\n(^١) في النسختين: «بالبيع». والتصويب من «عقد الجواهر».\n(^٢) «من» ليست في ك.\n(^٣) «فيسوغ ... منه به» ساقطة من ب.","vol":"4","page":390},{"text":"من الردّ بعد اشتراط (^١) البراءة العامة، سواء علم البائع العيب أو لم يعلمه، حيوانًا كان المبيعُ أو غيره، وتناظر في هذه المسألة أبو حنيفة وابن أبي ليلى، فقال ابن أبي ليلى: لا يبرأ إلا من عيب أشار إليه ووضع يده عليه (^٢)، فقال أبو حنيفة: فلو أن امرأة من قريش باعت عبدًا زنجيًّا على ذَكَرِه عيبٌ أفتضع أصبعها على ذَكَرِه؟ فسكت ابن أبي ليلى.\nوأما مذهب الإمام أحمد فعنه ثلاث روايات (^٣):\nإحداهن: أنه لا يبرأ بذلك، ولا يسقط حقُّ المشتري من الردّ بالعيب إلا من عيبٍ عيَّنه وعلم به المشتري.\nوالثانية: أنه يبرأ مطلقًا.\nوالثالثة: أنه يبرأ من كل عيبٍ لم يعلمه، ولا يبرأ من كل عيب عَلِمه حتى يعلم به المشتري.\nفإن صححنا البيع والشرط فلا إشكال، وإن أبطلنا الشرط فهل يبطل البيع أو يصح ويثبت الردّ؟ فيه وجهان، وإذا أثبتنا الردَّ وأبطلنا الشرط فللبائع الرجوع بالتفاوت الذي نقص من ثمن السلعة بالشرط الذي لم يسلم له؛ فإنه إنما باعها بذلك الثمن بناء على أن المشتري لا يردُّها عليه بعيب، ولو علم\n_________\n(^١) ك: «اشتراطه».\n(^٢) ذكر الشافعي في «اختلاف العراقيين» ضمن «الأم» (٨/ ٢٢٥) هذه المسألة، ونقل عن ابن أبي ليلى أنه كان يقول: لا يبرأ من ذلك حتى يسمي العيوب كلها بأسمائها، ولم يذكر أن يضع يده عليها.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٦٤، ٢٦٥).","vol":"4","page":391},{"text":"أن المشتري يتمكَّن من ردِّها لم يبعها بذلك الثمن؛ فله الرجوع بالتفاوت. وهذا هو العدل وقياس أصول الشريعة؛ فإن المشتري كما يرجع بالأَرْش عند فوات غرضه من سلامة المبيع فهكذا البائع يرجع بالتفاوت عند فوات غرضه من الشرط الذي أبطلناه عليه.\nوالصحيح في هذه المسألة ما جاء عن الصحابة؛ فإن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدًا بشرط البراءة بثمان مائة درهم، فأصاب به زيدٌ عيبًا، فأراد ردَّه على ابن عمر، فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: تَحلِف أنك لم تعلم بهذا العيب، فقال: لا، فردَّه عليه، فباعه ابن عمر بألف درهم. ذكرها الإمام أحمد وغيره (^١). وهذا اتفاقٌ منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة، واتفاقٌ من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب لم ينفعه شرط البراءة، وعلى أن المدَّعى عليه متى نكَلَ عن اليمين قُضي عليه بالنكول، ولم تُردَّ اليمين على المدعي. لكن هذا فيما إذا كان المدعى عليه منفردًا بمعرفة الحال، فإذا لم يحلف مع كونه عالمًا بصورة الحال قضي عليه بالنكول، وأما [١٣٠/ب] إذا كان المدعي هو المنفرد بالعلم بالحال أو كان مما لا يخفى عليه علمها رُدَّت عليه اليمين:\nفمثال الأول قضية ابن عمر هذه، فإنه هو العالم بأنه هل كان يعلم العيب\n_________\n(^١) رواه صالح عن أبيه في «مسائله» (٢/ ٣٩)، وعبد الله بن أحمد في «مسائله» (ص ٢٧٦)، ورواه أيضًا مالك (٢/ ٦١٣) وعبد الرزاق (١٤٧٢٢) وابن أبي شيبة (٢١٢٠١، ٢١٥٠٤، ٢٢٢٢٦) والبيهقي (٥/ ٣٢٨) من طريق يحيى بن سعيد، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر بنحوه، وليس فيه ذكر زيد بن ثابت، وإسناده صحيح.","vol":"4","page":392},{"text":"أو لا يعلمه، بخلاف زيد بن ثابت، فإنه لا يعلم علم ابن عمر بذلك، ولا عدم علمه، فلا يُشرَع ردُّ اليمين (^١) عليه.\nومثال الثاني: إذا ادعى على وارث ميت أنه أقرض مورثه (^٢) مائة درهم أو باعه سِلعةً ولم يقبضه ثمنها أو أودعه (^٣) وديعة والوارث غائب لا يعلم ذلك، وسأل إحلافه، فنكل عن اليمين، لم يُقْضَ عليه بالنكول، ورُدَّت اليمين على المدعي؛ لأنه منفرد بعلم ذلك، فإذا لم يحلف لم يُقْضَ له.\nومثال الثالث: إذا ادعى عليه أنه باعه أو آجرَه فنكلَ عن اليمين، حلف المدعي وقُضِي له، فإن لم يحلف لم يُقضَ له بنكول المدعى عليه؛ لأنه عالم بصحة ما ادعاه، فإذا لم يحلف ولم يقم له (^٤) بينة لم يكن مجردُ نكولِ خصمِه مصححًا لدعواه.\nفهذا التحقيق أحسن ما قيل في مسألة النكول وردِّ اليمين، وعليه تدلُّ آثار الصحابة ويزول عنها الاختلاف، ويكون هذا في موضعه وهذا في موضعه.\nوعرف حذيفة (^٥) جملًا له فادَّعاه، فنكلَ المدَّعى عليه، وتوجهت اليمين على حذيفة، فقال: أتُراني أترك جملي؟ فحلف بالله أنه ما باع ولا\n_________\n(^١) ك: «الثمن»، تحريف.\n(^٢) ك: «موروثه».\n(^٣) «مئة درهم ... أودعه» ساقطة من ك.\n(^٤) «له» ليست في ك.\n(^٥) «حذيفة» ساقطة من ك.","vol":"4","page":393},{"text":"وهبَ (^١).\nوقد ثبت تحليف المدَّعي إذا أقام شاهدًا واحدًا، والشاهد أقوى من النكول، فتحليفه مع النكول أولى. وقد شرع الله ورسوله تحليف المدَّعي في أيمان القسامة؛ لقوة جانبه باللَّوث، فتحليفه (^٢) مع النكول أولى. وكذلك شرع تحليف الزوج في اللعان، وكذلك شرع تحليف المدعي إذا كان شاهد الحال يصدِّقه، كما إذا تداعيا متاع البيت أو تداعى النجّار والخيّاط آلة كل منهما، فإنه يُقضى لمن تدلُّ الحال على صحة دعواه مع يمينه. وقد رُوي في حديث مرفوع أن النبي - ﷺ - ردَّ اليمين على طالب الحق، ذكره الدارقطني وغيره (^٣).\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٦٠٥٥) وابن أبي شيبة (٢٠٩٧٨) والدارقطني (٤٥٩٦) والبيهقي (١٠/ ١٧٩) من طريق حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن الحسن بن صالح عن الأسود بن قيس عن حسان بن ثمامة قال: زعموا أن حذيفة عرف جملًا له سُرق، فخاصم فيه إلى قاضي المسلمين، فصارت على حذيفة يمين في القضاء، فأراد أن يشتري يمينه فقال: لك عشرة دراهم، فأبى، فقال: لك عشرون، فأبى، قال: فلك ثلاثون، فأبى، فقال لك أربعون، فأبى، فقال حذيفة: أتركُ جملي؟ فحلف أنه جمله ما باعه ولا وهبه. رجاله ثقات غير حسان، لم أجد له ترجمة.\n(^٢) ز: «فيحلفه».\n(^٣) رواه الدارقطني (٤٤٩٠) والحاكم (٤/ ١٠٠) والبيهقي (١٠/ ١٨٤) من طريق محمد بن مسروق عن إسحاق بن الفرات عن ليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر. وهذا الإسناد ضعيف من أجل محمد بن مسروق، ضعفه البيهقي وعبد الحق في «الأحكام الوسطى» (٦/ ٢٨٨) وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٣/ ٢١٩) وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٥٤٣)، وابن حجر في «التلخيص» (٤/ ١٥٩٤)، وغيرهم.","vol":"4","page":394},{"text":"وهذا محض الفقه والقياس؛ فإنه إذا نكَلَ قوِيَ جانب المدَّعي وظُنّ صدقه، فشُرِع اليمين في حقه؛ فإن اليمين إنما شُرعت في جانب المدَّعى عليه لقوة جانبه بالأصل. فإذا شهد الشاهد الواحد ضعُف هذا الأصل، ولم تتمكن قوته من الاستقلال، فقوِيَ جانب المدعي باليمين. وهكذا إذا نكلَ ضعُف أصل البراءة، ولم يكن النكول مستقلًّا بإثبات الدعوى؛ لجواز أن يكون لجهله بالحال، أو لتورُّعه عن اليمين، أو للخوف من عاقبة اليمين، أو لموافقة قضاء وقدرٍ؛ فيظنّ الظانّ أنه بسبب اليمين، أو لترفُّعه (^١) عن ابتذاله باستحلاف خصمه له مع علمه بأنه لو حلف كان صادقًا، وإذا احتمل نكولُه هذه الوجوه لم يكن مستقلًّا؛ بل غايته أن يكون مقوِّيًا لجَنْبة المدعي فيُردُّ (^٢) اليمين عليه. ولم تكن هذه المسألة مقصودةً، وإنما جرَّ إليها الكلام في أثر ابن عمر وزيد في مسألة البراءة.\nوقد عُلم حكم هذا الشرط، وأين ينتفع به البارُّ، وأين لا ينتفع به.\nوإن (^٣) قيل: فهل ينفعه أن يشترط على [١٣١/أ] المشتري أنه متى ردَّه فهو حرٌّ أم لا ينفعه؟ وإذا خاف توكيله في الردّ استوثقَ منه بقوله: «متى رددته أو وكَّلت في رده»، فإن خاف من ردِّ الحاكم عليه حيث يردُّه بالشرع فلا يكون المشتري هو الرادّ ولا وكيله، بل الحاكم المنفِّذ للشرع، فاستوثق منه بقوله: «إذا ادَّعيت رده فهو حرٌّ»، فهنا تصعب الحيلة على الردّ، إلا على مذهب أبي ثور وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد ــ وهو إجماع\n_________\n(^١) ز: «لرفعه».\n(^٢) ك، ب: «فرد».\n(^٣) ك، ب: «فان».","vol":"4","page":395},{"text":"الصحابة ــ أن تعليق العتق متى قصد به الحضّ أو المنع فهو يمينٌ، حكمه حكم اليمين بالحج والصوم والصدقة، وحكمُ ما لو قال: «إن رددته فعليَّ أن أُعتقه» بل أولى بعدم (^١) العتق، فإن هذا نذر قربة، ولكن إخراجه مُخرَجَ اليمين منع لزوم الوفاء به، مع أن الالتزام به أكثر من الالتزام بقوله: «فهو حرٌّ»، فكلُّ ما في التزام قوله: «فهو حرٌّ» فهو داخل في التزام: «فعليَّ أن أُعتقه» ولا ينعكس، فإن قوله: «فعليَّ أن أُعتقه» يتضمَّن وجوبَ الإعتاق وفعلَ العتق ووقوعَ الحرية. فإذا منع قصد الحضّ أو المنع وقوع ثلاثة أشياء فلأن يمنع وقوع واحد منها أولى وأحرى. وهذا لا جواب عنه.\nوهو مما يبيِّن (^٢) فضل فقه الصحابة، وأن بين فقههم وفقهِ مَن بعدهم كما بينهم وبينهم، وحتى لو لم يصح ذلك عنهم لكان هذا محضَ القياس ومقتضى قواعد الشرع وأصوله من أكثر من عشرين وجهًا لا تخفى على متحرٍّ (^٣) تتبعُها. ويكفي قول فقيه الأمة وحَبْرها وترجمان القرآن ابن عباس: «العتق ما ابتُغِي به وجهُ الله، والطلاق ما كان عن وَطَرٍ» (^٤)، فتأمَّلْ هاتين الكلمتين الشريفتين الصادرتين عن علمٍ قد رسخ أسفله، وبَسَقَ (^٥) أعلاه، وأينعَتْ ثمرته، وذُلِّلت للطالب قطوفُه، ثم حكِّم الكلمتين (^٦) على أيمان\n_________\n(^١) ك: «يقدم»، تحريف.\n(^٢) ك: «بين».\n(^٣) ك: «مستحر». وفي المطبوع: «متبحر».\n(^٤) علَّقه البخاري (٩/ ٣٨٨ - مع الفتح)، ولم أجد مَن وصله. انظر: «تغليق التعليق» (٤/ ٤٥٥).\n(^٥) في النسخ: «سبق»، والمثبت من المطبوع. وبَسَق: زاد ارتفاعه.\n(^٦) كذا في النسخ وهو صواب، وفي المطبوع: «احكم بالكلمتين».","vol":"4","page":396},{"text":"الحالفين بالعتق والطلاق، هل تجد الحالف بهذا ممن يبتغي به (^١) وجه الله والتقرُّب إليه بإعتاق هذا العبد؟ وهل تجد الحالف بالطلاق ممن له وَطَرٌ في طلاق زوجته؟ فرضي الله عن حَبْر الأمة، لقد شَفَتْ كلمتاه هاتان الصدورَ، وطبَّقتا المفصلَ، وأصابتا المَحَزَّ، وكانتا برهانًا على استجابة دعوة رسول الله - ﷺ - له أن يعلِّمه الله التأويل ويفقِّهه في الدين (^٢).\nولا (^٣) يُوحِشنَّك من قد أقرَّ على نفسه هو وجميع أهل العلم أنه ليس من أولي العلم، فإذا ظَفِرتَ برجل من أولي العلم طالبٍ للدليل مُحكِّم له متبعٍ للحق حيث كان وأين كان ومع من كان زالت الوحشة وحصلت الألفة، ولو خالفك فإنه يخالفك ويعذرك، والجاهل الظالم يخالفك بلا حجة ويكفِّرك أو يبدِّعك بلا حجة، وذنبك رغبتُك عن طريقته الوخيمة وسيرتِه الذميمة، فلا تغترَّ بكثرة هذا الضرب، فإن الآلاف المؤلَّفة منهم لا يُعدَلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد (^٤) من أهل العلم يُعدَل بمِلْء الأرض منهم.\nواعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالِم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض. قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبتُ معاذًا باليمن، فما فارقته حتى واريتُه في التراب [١٣١/ب] بالشام، ثم صحبتُ مِن بعده أفقهَ الناس عبد الله بن مسعود، فسمعته يقول: عليكم\n_________\n(^١) «به» ليست في ز، ب.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) قبلها في النسختين: «فان». وكُتب عليها «كذا». ولعلها خطأ من ناسخ الأصل، بقي كما هي.\n(^٤) ك: «واحد».","vol":"4","page":397},{"text":"بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سيَلي عليكم ولاة يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلُّوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلُّوا معهم فإنها لكم نافلة. قال: قلتُ يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثون (^١)، قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضُّني عليها ثم تقول لي (^٢): صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي نافلة. قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنتُ أظنُّك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، الجماعة (^٣) ما وافق الحق وإن كنتَ وحدَك. وفي لفظ آخر: فضرب على فخذي وقال: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله ﷿.\nوقال نُعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعةُ فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن يفسدوا، وإن كنت وحدَك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ. ذكرهما البيهقي (^٤) وغيره.\n_________\n(^١) في النسخ: «تحدثوه». والمثبت من المصادر.\n(^٢) «لي» ليست في ك.\n(^٣) «الجماعة» ليست في ك، ب.\n(^٤) في «المدخل» كما عزاه إليه أبو شامة في «الباعث» (ص ٩١). وسياق الخبرين موافق لما عند أبي شامة. وقد رواهما ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٦/ ٤٠٨ - ٤٠٩) من طريق البيهقي، وذكرهما أيضًا المزي في «تهذيب الكمال» (٢٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥) في ترجمة عمرو بن ميمون الأودي. وقد روى الأثر الأول أحمد (٢٢٠٢٠) وأبو داود (٤٣٢) وابن حبان (١٤٨١) بنحوه إلى قوله: «وصلوا معهم فإنها لكم نافلة»، دون محل الشاهد من القصة.","vol":"4","page":398},{"text":"وقال بعض أئمة الحديث وقد ذُكر له السواد الأعظم، فقال: تدري مَن السواد الأعظم؟ هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه (^١).\nفمسخ المتخلفون (^٢) الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور، وجعلوهم (^٣) عِيارًا على السنة، وجعلوا السنة بدعةً، والمعروف منكرًا، لقلة أهله وتفرُّدهم في الأعصار والأمصار، وقالوا: من شذَّ شذَّ الله به في النار. وما عرف المتخلفون أن الشاذَّ ما خالف الحق وإن كان عليه الناس كلهم إلا واحدًا منهم فهم الشاذُّون.\nوقد شذَّ الناس كلهم زمنَ أحمد بن حنبل إلا نفرًا يسيرًا (^٤)؛ فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذٍ والمفتون والخليفة وأتباعه (^٥) كلهم هم الشاذُّون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة. ولما لم يَحْمِل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك ووُلاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحدَه على الحق؟ فلم يتَّسع علمه لذلك؛ فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل. فلا إله إلا الله، ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة! وهي السبيل المَهْيَع لأهل السنة والجماعة حتى يَلْقَوا ربَّهم، مضى عليها سلفهم، وينتظرها خلفهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا\n_________\n(^١) انظر: «حلية الأولياء» (٩/ ٢٣٩) و«السير» (١٢/ ١٩٧). والقائل إسحاق بن راهويه.\n(^٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «المختلفون».\n(^٣) ك: «وجعلهم».\n(^٤) ز: «نفر يسير».\n(^٥) ز: «تباعه». وهو جمع تابعٍ على وزن فُعَّال. والأَتباع جمع تَبَع.","vol":"4","page":399},{"text":"عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (^١).\nالمثال الحادي والستون (^٢): إذا وقعت الفرقة البائنة بين الزوجين لم تَجب لها عليه نفقة ولا سكنى بسنة (^٣) رسول الله - ﷺ - الصحيحة الصريحة (^٤)، فإن خاف أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب ذلك عليه (^٥) فالحيلة أن يتغيَّب مدةَ العدة، فإذا رفعتْه بعد ذلك لم يحكم بها عليه؛ لأنها تسقط عنه (^٦) بمضيِّ الزمان، كما يقوله الأكثرون في نفقة القريب، وكما هو متفق عليه في نفقة العبد والحيوان البهيم. ولا كراهةَ في هذه الحيلة؛ لأنها وسيلة إلى إسقاط ما أسقطه الله ورسوله، بخلاف الحيلة على إسقاط ما أوجبه الله، فهذه لون وتلك لون.\nفإن لم [١٣٢/أ] تُمكِنه الغَيبةُ وأمكنه أن يرفعها إلى حاكم يحكم بسقوط ذلك فعل. والحيلة في أن يتوصل إلى حكم الحاكم بذلك أن يُنشئ الطلاق أو يُقرّ به بحضرته، ثم يسأله الحكمَ بما يراه من سقوط النفقة والسكنى بهذه\n_________\n(^١) بعد الآية بياض في ز.\n(^٢) كذا في ك: «المثال الحادي والستون». وهو تكرار للرقم السابق، ويستمر إلى ما بعد في النسختين، فلم نغيِّره. وفي ز هنا بياض.\n(^٣) ك: «لسنة».\n(^٤) يشير بذلك إلى قصة فاطمة بنت قيس، رواها البخاري (٥٣٢١، ٥٣٢٢) ومسلم (١٤٨٠).\n(^٥) «عليه» ليست في ك.\n(^٦) ك، ب: «عنده».","vol":"4","page":400},{"text":"الفرقة، مع علمه باختلاف العلماء في ذلك.\nفإن بَدَرَتْه (^١) إلى حاكمٍ يرى وجوبها فقد ضاقت عليه وجوه الحيل، ولم يبقَ له إلا حيلة واحدة، وهي دعواه أنها كانت بانتْ منه قبلَ ذلك بمدةٍ تزيد على انقضاء عدتها، وأنه نسي سببَ البينونة. وهذه الحيلة تدخل في قسم التوصُّل إلى الجائز بالمحظور، كما تقدم نظائره.\nالمثال الثاني والستون: اختلف الفقهاء في الضمان، هل هو تعدد لمحل الحق وقيامٌ للضمين (^٢) مقام المضمون عنه أو هو استيثاقٌ بمنزلة الرهن؟ على قولين، وهما روايتان عن مالك، يظهر أثرهما في مطالبة الضامن مع التمكُّن من مطالبة المضمون عنه. فمن قال بالقول الأول ــ وهم الجمهور ــ قالوا: لصاحب الحق مطالبةُ من شاء منهما على السواء. ومن قال بالقول الثاني قال: ليس له مطالبةُ الضامن إلا (^٣) إذا تعذَّر عليه (^٤) مطالبة المضمون عنه.\nواحتجَّ هؤلاء بثلاث حُجج:\nإحداها: أن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يُصار إليها إلا عند تعذُّر الأصول، كالتراب في الطهارة، والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل. وقد اطَّرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث، لا يلي فرعٌ مع أصله ولا يرِث معه.\n_________\n(^١) أي سبقتْه المرأة.\n(^٢) ك، ب: «الضمين».\n(^٣) «إلّا» ليست في ك.\n(^٤) «عليه» ليست في ك.","vol":"4","page":401},{"text":"الحجة الثانية: أن الكفالة تَوثِقةٌ وحفظٌ للحق، فهي جارية مجرى الرهن، ولكن ذاك رهن عينٍ، وهي رهن ذمةٍ، أقامها الشارع مقامَ رهنِ الأعيان للحاجة إليها واستدعاء المصلحة لها، والرهن لا يُستوفى منه إلا مع تعذُّر الاستيفاء من الراهن، فكذا الضَّمين. ولهذا كثيرًا ما يقترن الرهن والضمين لتَواخِيهما وتَشابُههما وحصولِ الاستيثاق بكل منهما.\nالحجة الثالثة: أن الضامن في الأصل لم يُوضع لتعدد محلِّ الحق كما لم يوضع لنقله، وإنما وُضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التَّوَى والهلاك، ويكون له محلٌّ يرجع إليه عند تعذُّر الاستيفاء من محله الأصلي (^١)، ولم يَنصِب الضامنُ نفسَه لأن يطالبه المضمونَ له مع وجود الأصيل ويَسْرَتِه والتمكُّن من مطالبته. والناس يستقبحون هذا، ويعدُّون فاعلَه متعديًا، ولا يعذرونه بالمطالبة، حتى إذا تعذَّر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عونًا له عليه. وهذا أمرٌ مستقر في فِطر الناس ومعاملاتهم، بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كُمِّه (^٢) وهو متمكِّن من (^٣) مطالبته لاستقبحوا ذلك غايةَ الاستقباح.\nوهذا القول في [١٣٢/ب] القوة كما ترى، وهو رواية ابن القاسم في الكتاب (^٤) عن مالك. ولا ينافي هذا قولَ النبي - ﷺ -: «الزعيم غارمٌ» (^٥) فإنه لا\n_________\n(^١) ك، ب: «الأصل».\n(^٢) ك: «كم».\n(^٣) ك: «في».\n(^٤) أي «المدونة» (٥/ ٢٦٢).\n(^٥) رواه أحمد (٢٢٢٩٤) وأبو داود (٣٥٦٥) والترمذي (١٢٦٥) وابن ماجه (٢٣٩٨) من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي، وإسناده صحيح. حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٣١٩) والبوصيري في «مصباح الزجاجة» (٢/ ٤٢). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٦١٠).","vol":"4","page":402},{"text":"عمومَ له، ولا يدلُّ على أنه غارم في جميع الأحوال، ولهذا لو أدَّى الأصيل لم يكن غارمًا، ولحديث أبي قتادة في ضمان دَين الميت لتعذُّر مطالبة الأصيل (^١).\nولا يصح الاحتجاج بأن الضمان مشتقٌّ من «الضم»، فاقتضى لفظه ضمَّ إحدى الذمتين إلى الأخرى لوجهين:\nأحدهما: أن الضمّ من المضاعف، والضمان من «الضمن»، فمادتهما مختلفة ومعناهما مختلف وإن تشابها لفظًا ومعنًى في بعض الأمور.\nالثاني: أنه لو كان مشتقًّا من «الضم» فالضمُّ قدر مشترك بين ضمٍّ يطالب معه استقلالًا أو بدلًا، والأعمُّ لا يستلزم الأخصَّ.\nوإذا عُرِف هذا فأراد الضامن الدخول على هذا، فالحيلة أن يعلِّق الضمان بالشرط فيقول: إن تَوِيَ (^٢) المال على الأصيل (^٣) فأنا ضامن له. ولا يمتنع تعليق الضمان بالشرط، وقد صرَّح القرآن بتعليقه بالشرط، وهو محضُ القياس؛ فإنه التزامٌ، فجاز تعليقه بالشرط كالنذر، والمؤمنون عند شروطهم\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٢٥٧٢، ٢٢٥٧٣، ٢٢٦٥٧) والترمذي (١٠٦٩) والنسائي (١٩٦٠) وابن ماجه (٢٤٠٧) عن أبي قتادة، وصححه الترمذي وابن حبان (٣٠٥٨). وروى البخاري (٢٢٨٩) عن سلمة بن الأكوع، وفيه: «قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دَينه، فصلَّى عليه».\n(^٢) أي ضاع وهلك.\n(^٣) ز: «الأصل».","vol":"4","page":403},{"text":"إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا (^١)، وهذا ليس واحدًا منهما، ومقاطعُ الحقوق عند الشروط.\nفإن خاف من قاصرٍ في الفقه غيرِ راسخ في حقائقه فليقل: «ضمِنتُ لك هذا الدين عند تعذُّر استيفائه ممن هو عليه»، فهذا ضمان مخصوص بحالة مخصوصة فلا يجوز إلزامه (^٢) به في غيرها، كما لو ضمن الحال مؤجلًا أو ضمنه في مكان دون مكان.\nفإن خاف من إفساد هذا أيضًا فليُشهِد عليه أنه لا يستحق المطالبة له به إلا عند تعذُّر مطالبة الأصيل، وأنه متى طالبه أو ادَّعى عليه به مع قدرته على الأصيل كانت دعواه باطلة، والله أعلم.\nالمثال الثالث والستون: قد تدعو الحاجة إلى أن يكون عقد الإجارة مبهمًا (^٣) غير معين، مثاله أن يقول له: إن ركبتَ هذه الدابة إلى أرض كذا فلك عشرة، وإن ركبتَها إلى أرض كذا فلك خمسة عشر. أو يقول: إن خِطْتَ هذا القميصَ اليوم فلك درهم، وإن خِطْتَه غدًا فنصف درهم، وإن زرعتَ هذه الأرضَ حنطةً فأجرتُها مائة، أو شعيرًا فأجرتُها خمسون، ونحو ذلك؛ فهذا كله جائز صحيح، لا يدلُّ على بطلانه كتاب (^٤) ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، بل هذه الأدلة تقتضي صحته، وإن كان فيه نزاع متأخر.\n_________\n(^١) حديث تقدم تخريجه.\n(^٢) ك: «التزامه».\n(^٣) ك، ب: «منهما».\n(^٤) ك: «الكتاب».","vol":"4","page":404},{"text":"فالثابت عن الصحابة الذي لا يُعلم عنهم فيه نزاعٌ جوازُه، كما ذكره البخاري في «صحيحه» (^١) عن عمر أنه دفع أرضه إلى من يزرعها وقال: إن جاء عمر بالبَذْر من عنده فله كذا، وإن جاءوا بالبَذْر فلهم كذا. ولم يخالفه صحابي واحد، ولا محذورَ في ذلك ولا خطَرَ ولا غررَ، ولا أكلَ مالٍ [١٣٣/أ] بالباطل، ولا جهالةَ تعود إلى العمل ولا إلى العوض، فإنه لا يقع إلا معينًا، والخِيَرة إلى الأجير؛ أيَّ ذلك أحبَّ أن يستوفي فعلَ، فهو كما لو قال له: أيَّ ثوبٍ أخذتَه من هذه الثياب فثمنُه (^٢) كذا، أو أيَّ دابةٍ ركبتَها فأجرتُها كذا، أو أجرةُ هذه الفرس كذا (^٣) وأجرة هذا الحمار كذا، فأيَّهما شئتَ فخُذْه، أو ثمنُ هذا الثوب مائة وثمنُ هذا مائتان، ونحو ذلك مما ليس فيه غررٌ ولا جهالة ولا ربا ولا ظلم، فكيف تأتي الشريعة بتحريمه؟ وعلى هذا فلا يُحتاج إلى حيلة على فعله.\nوكثير من المتأخرين من أتباع الأئمة يُبطِل هذا العقد، فالحيلة على جوازه أن يقول: استأجرتُك لتَخِيْطَه اليومَ بدرهم، فإن خِطته غدًا فلك أجرةُ مثله نصف درهم. وكذا يقول: آجرتُك هذه الدابةَ إلى أرض كذا بعشرة، فإن ركبتَها إلى أرض كذا وكذا فعليك أجرةُ مثلها كذا وكذا. فإن خاف أن يكون يده يدَ عدوانٍ ضامنة فليقل: فإذا انقضت المسافة الأولى فهي أمانة عندك. هذا عند من لم يصحح الإجارة المضافة، ومن صحّحها فالحيلة عنده أن يقول: فإذا قطعتَ هذه المسافة فقد آجرتُكها إلى مسافة كذا وكذا، فإذا\n_________\n(^١) (٥/ ١٠ - مع الفتح).\n(^٢) ك، ب: «قيمته».\n(^٣) «فأجرتها ... الفرس كذا» ساقطة من ك.","vol":"4","page":405},{"text":"انتهتْ آجرتُكها إلى مسافة كذا وكذا (^١). فإن خشي المستأجر أن ينقضي شغله قبل ذلك فيبقى عقدُ الإجارة لازمًا له وقد فرغ شغله، فالحيلة أن يقول: إذا انقضت المسافة أو المدة فقد وكَّلتُك في إجارتها لمن شئتَ، فليُؤْجِرها لغيره ثم يستأجرها منه. فإن خاف أن لا تتم هذه الحيلة على أصلِ من لا يجوِّز تعليق الوكالة بالشرط فليوكِّله في الحال وكالةً غير معلقة، ثم يعلِّق تصرفَه بالشرط، فيقول: أنت وكيلي في إجارتها، فإذا انقضت المدة فقد أذنتُ لك في إجارتها (^٢).\nوقال القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال الحيل»: إن احتال في إجازة هذا الشرط فقال: استأجِرْها إلى دمشق بكذا، ومن دمشق إلى الرملة بكذا، ومن الرملة إلى مصر بكذا، جاز؛ لأنه إذا سمَّى لكل من المسافتين أجرة معلومة فكل واحدة منهما كالمعقود عليه على حاله، فلا يمنع صحة العقد.\nقلت: ولكن لا تنفعه هذه الحيلة إذا انقضى غرضه عند المسافة الأولى، ويبقى عقد الإجارة لازمًا له فيما وراءها، فيصير كما لو استأجرها إلى مصر فانقضى غرضه في الرملة، فما الذي أفاده تعدُّد العقود، فوجود هذه الحيلة وعدمها سواء، فالوجه ما ذكرناه، والله أعلم.\nالمثال الرابع والستون: يجوز بيع المَقَاثِئ (^٣) والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صلاحُها، كما تُباع الثمار في رؤوس الأشجار، ولا يمنع من صحة\n_________\n(^١) «وكذا» ليست في ك، ب.\n(^٢) «فإذا انقضت ... إجارتها» ساقطة من ك، ب.\n(^٣) جمع المقْثأة: الأرض التي يُزرع فيها القثّاء وينبت. والمؤلف يقصد هنا المحاصيل الزراعية من القثاء ونحوه.","vol":"4","page":406},{"text":"البيع تلاحقُ المبيع شيئًا بعد شيء، كما لم يمنع ذلك صحةَ بيع التُّوت والتِّين وسائرِ ما يخرج شيئًا بعد شيء. هذا محض القياس، وعليه تقوم مصالح بني آدم، ولا بدّ [١٣٣/ب] لهم منه. ومن منع بيعَ ذلك إلا لقطةً لقطةً فمع أن ذلك متعذِّر في الغالب لا سبيلَ إليه، أو هو في غاية الحرج والعسر، فهو مجهول لا ينضبط، ولا ما هي اللقطة المبيعة أهي الكبار والصغار والمتوسط أو بعض ذلك؟ وتكون المَقْثَأَة كبيرةً جدًّا لا يمكن أخذُ اللقطة الواحدة إلا في أيام متعددة، فيحدث كل يوم لقطةٌ أخرى تختلط بالمبيع ولا يمكن تمييزها منه، ولا سبيلَ إلى الاحتراز من ذلك إلا أن يجمع دوابَّ المصرِ كلها في يوم واحد، ومَن أمكَنه من القطَّافين، ثم يقطع الجميع في يوم واحد ويعرِّضه للتلف والضياع. وحاشا أكمل الشرائع ــ بل غيرها من الشرائع ــ أن تأتي بمثل هذا. وإنما هذا من الأغلاط الواقعة بالاجتهاد، وأين حرَّم الله ورسوله على الأمة ما هم أحوجُ الناس إليه ثم أباح لهم نظيره؟ فإن كان هذا غررًا فبيع الثمار المتلاحقة الأجزاء غررٌ، وإن لم يكن ذلك غررًا فهذا مثله.\nوالصواب أن كليهما ليس غررًا لغةً ولا عرفًا ولا شرعًا؛ ودعوى أن ذلك غررٌ دعوى بلا برهان، فإن ادَّعى ذلك على اللغة طُولب بالنقل، ولن يجد إليه سبيلًا، وإن ادَّعى ذلك على العرف فالعرف شاهدٌ بخلافه، وأهل العرف لا يعدُّون ذلك غررًا، وإن ادَّعاه على الشرع طُولب بالدليل الشرعي.\nفإن بُلِي بمن يقول: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا» فالحيلة في الجواز أن يشتري ذلك بعُروقِه، فإذا استوفى ثمرته تصرَّف في العروق بما يريد. والمانعون يجوِّزون هذه الحيلة. ومن المعلوم أن العروق غير مقصودة، وإنما المقصود الثمرة، فإن امتنع البيع لأجل الغرر فالغرر لم يزل","vol":"4","page":407},{"text":"بملك العروق، وهذا في غاية الظهور، وبيع ذلك كبيع الثمار. وهو قول أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا (^١).\n\nالمثال الخامس والستون: تجوز<span data-type=\"title\" id=toc-759> قسمة الدَّين المشترك </span>بميراث أو عقد أو (^٢) إتلافٍ، فينفرد كل من الشريكين بحصته، ويختصُّ بما قبضه، سواء كان في ذمة واحدة أو في ذمم متعددة؛ فإن الحق لهما، فيجوز أن يتفقا على قسمته وعلى بقائه مشتركًا، ولا محذورَ في ذلك. بل هذا أولى بالجواز من قسمة المنافع بالمهايأة بالزمان أو بالمكان، ولا سيما فإن المهايأة بالزمان تقتضي تقدُّمَ أحدهما على الآخر، وقد تُسلَّم المنفعة إلى نَوبة الشريك، وقد تَتْوى.\nوالدين في الذمة يقوم مقامَ العين، ولهذا تصحُّ المعاوضة عليه من الغريم وغيره، وتجب على صاحبه زكاته إذا تمكَّن من قبضه، ويجب عليه الإنفاق على أهله وولده ورقيقه منه، ولا يُعدُّ فقيرًا مُعدِمًا، فاقتسامه يجري مجرى اقتسام الأعيان والمنافع؛ فإذا رضي كل من الشريكين أن يختصَّ بما يخصُّه من الدين فينفرد هذا برجل يطالبه، [١٣٤/أ] وهذا برجل يطالبه، أو ينفرد هذا بالمطالبة بحصته، وهذا بالمطالبة بحصته، لم يَهدِمَا بذلك قاعدة من قواعد الشريعة، ولا استحلَّا ما حرَّم الله، ولا خالفا نصَّ كتابٍ ولا سنة ولا قولَ صاحب ولا قياسًا شهد له الشرع بالاعتبار، وغاية ما يقدَّر (^٣) عدم\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٤٧، ٢٩/ ٢٢٧، ٤٨٤، ٤٨٧).\n(^٢) «أو» ليست في ز.\n(^٣) ك، ب: «يصدر».","vol":"4","page":408},{"text":"تكافؤ الذمم، ووقوع التفاوت فيها، وأن (^١) ما في الذمة لم يتعين فلا يُمكِن قسمته (^٢)، وهذا لا يمنع تراضيهما (^٣) بالقسمة مع التفاوت؛ فإن الحق لا يعدوهما. وعدمُ تعيُّن ما في الذمة لا يمنع القسمة فإنه يتعيَّن تقديرًا، ويكفي في إمكان (^٤) القسمة التعيين بوجهٍ؛ فهو معيَّن تقديرًا، ويتعيَّن بالقبض تحقيقًا.\nوأما قول أبي الوفاء ابن عقيل: «لا تختلف الرواية عن أحمد في عدم جواز قسمة الدين في الذمة الواحدة، واختلفت الرواية عنه في جواز قسمته إذا كان في الذمتين، فعنه فيه روايتان» فليس كذلك، بل عنه في كلٍّ من الصورتين روايتان، وليس في أصوله ما يمنع جواز القسمة، كما ليس في أصول الشريعة ما يمنعها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على الجواز.\nوأما من منع من القسمة فقد تشتدُّ الحاجة إليها، فيحتاج إلى التحيُّل عليها، فالحيلة أن يأذن لشريكه أن يقبض من الغريم ما يخصُّه، فإذا فعل لم يكن لشريكه محاصَّتُه (^٥) فيه بعد الإذن، على الصحيح من المذهب كما صرَّح به الأصحاب. وكذلك لو قبض حصته ثم استهلكها قبل المحاصَّة لم يضمن لشريكه شيئًا، وكان المقبوض من ضمانه خاصةً. وذلك أنه لما أذن لشريكه في قبض ما يخصُّه فقد أسقط حقَّه من المحاصَّة، فيختصُّ الشريك\n_________\n(^١) ك، ب: «ولأن».\n(^٢) ك: «قسمه».\n(^٣) ك: «راضيهما».\n(^٤) ك: «انكار»، تحريف.\n(^٥) في المطبوع: «أن يخاصمه»، خطأ.","vol":"4","page":409},{"text":"بالمقبوض. وأما إذا استهلك الشريك ما قبضه فإنه لا يضمن لشريكه حصته منه قبل المحاصة؛ لأنه لم يدخل في ملكه، ولم يتعين له بمجرد قبض الشريك له؛ ولهذا لو وفَّى شريكه نظيره لم يقل انتقل إلى القابض الأول ما كان ملكًا للشريك، فدلَّ على أنه إنما يصير ملكًا له بالمحاصَّة لا بمجرد قبض الشريك.\nومن الأصحاب من فرَّق بين كون الدين بعقد، وبين كونه بإتلافٍ أو إرثٍ، ووجهُ الفرق أنه إذا كان بعقد فكأنه عقد مع الشريكين، فلكل منهما أن يطالب بما يخصُّه، بخلاف دين الإرث والإتلاف، والله أعلم.\n\nالمثال السادس والستون: اختلف الفقهاء في جواز<span data-type=\"title\" id=toc-760> بيع المغيَّبات في الأرض </span>من البصل والثوم والجَزَر واللِّفْت والفُجْل والقُلْقاس ونحوها، على قولين:\nأحدهما: المنع من بيعه كذلك؛ لأنه مجهول غير مشاهد، والورق لا يدل على باطنه، بخلاف ظاهر الصُّبرة. وعند أصحاب هذا القول لا يُباع حتى يُقلع.\nوالقول الثاني: يجوز بيعه كذلك على ما جرت به عادة أصحاب الحقول. وهذا قول أهل المدينة، [١٣٤/ب] وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا (^١).\nوهو الصواب المقطوع به، فإن في المنع من بيع ذلك حتى يُقلَع أعظمَ الضرر والحرج والمشقة، مع ما فيه من الفساد الذي لا تأتي به شريعة؛ فإنه\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٦ - ٣٧، ٢٢٧ - ٢٢٨، ٤٨٤ وما بعدها).","vol":"4","page":410},{"text":"إن قَلَعه (^١) كله في وقت واحد تعرَّض للتلف والفساد. وإن قيل: «كلما أردتَ بيع شيء منه فاقلَعْه» كان فيه من الحرج والعسر ما هو معلوم، وإن قيل: «اتركْه في الأرض حتى (^٢) يفسد، ولا تَبِعْه فيها» فهذا لا (^٣) تأتي به شريعة. وبالجملة فالمُفتون بهذا القول لو بُلُوا بذلك في حقولهم أو ما هو وقفٌ عليهم ونحو ذلك= لم يُمكِنهم إلا بيعُه في الأرض ولا بدَّ، أو إتلافُه وعدم الانتفاع به.\nوقول القائل: «إن هذا غَررٌ ومجهول» فهذا ليس حظَّ الفقيه، ولا هو من (^٤) شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدُّوه قِمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك. وإنما حظ الفقيه: يحلُّ كذا لأن الله أباحه، ويحرُم كذا لأن الله حرَّمه، وقال الله وقال رسوله، وقال الصحابة. وأما أن هذا يرى هذا خطرًا وقمارًا وغررًا (^٥) فليس من شأنه، بل أربابه أخبرُ بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يُرجَع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا (^٦) أم لا، وكونِ هذا البيع مُربِحًا أم لا، وكونِ هذه السلعة نافقةً في (^٧) وقت كذا وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلُهم\n_________\n(^١) ك: «علقه»، تحريف.\n(^٢) «حتى» ليست في ك.\n(^٣) «لا» ساقطة من ك.\n(^٤) «من» ليست في ك.\n(^٥) ك: «غررًا وقمارًا».\n(^٦) في النسخ: «عيب» مرفوعًا.\n(^٧) «في» ليست في ك.","vol":"4","page":411},{"text":"بالنسبة إلى باقي (^١) الأحكام الشرعية.\nفإن بُلِيتَ بمن يقول: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا»، فالحيلة في الجواز أن يستأجر منه الأرضَ المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها، ويقرُّ له إقرارًا مشهودًا به أن ما في باطن الأرض له لا حقَّ للمُؤجِر فيه. ولكن عكس هذه الحيلة لو أصابته آفة لم يتمكَّن من وضع الجائحة عنه، بخلاف ما إذا اشتراه بعد بدوِّ صلاحه، فإنه كالثمرة على رؤوس الشجر، إن أصابته آفة وضعتْ عنه الجائحة. وهذا هو الصواب في المسألتين: جواز بيعه، ووضع الجوائح فيه، والله أعلم.\nالمثال السابع والستون: اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقتَ العقد (^٢)، وصورتها: البيع ممن يعامله من خبَّاز ولحَّام وسمَّان وغيرهم، يأخذ منه كلَّ يوم شيئًا معلومًا ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع، ويعطيه ثمنه؛ فمنعه الأكثرون، وجعلوا القبضَ به غيرَ ناقلٍ بذلك (^٣)، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد.\nهذا، وكلُّهم ــ إلا من شدَّد على نفسه ــ يفعل ذلك، ولا يجد منه بدًّا، وهو يفتي ببطلانه، وأنه باقٍ على ملكِ الدافع (^٤)، ولا يُمكِنه التخلُّص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قلَّ ثمنها أو كثُر، وإن كان ممن\n_________\n(^١) في المطبوع: «ما في»، تحريف. ك: «إلى مثلها في».\n(^٢) ك: «وقت بيع العقد».\n(^٣) في المطبوع: «للملك» خلاف ما في النسخ.\n(^٤) في المطبوع: «البائع».","vol":"4","page":412},{"text":"شرطَ الإيجاب [١٣٥/أ] والقبول؛ فلا بدَّ مع المساومة أن يقرِن (^١) بها الإيجاب والقبول لفظًا.\nوالقول الثاني ــ وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصرٍ ومصرٍ ــ جواز البيع بما ينقطع به السعر، وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخنا (^٢). وسمعته يقول: هو أطيبُ لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوةٌ بالناس آخذُ بما يأخذ به غيري.\nقال: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركُه، بل هم واقعون فيه، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماعِ الأمة ولا قولِ صاحب ولا قياسٍ صحيح ما يحرِّمه، وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل، وأكثرهم يجوِّز عقدَ الإجارة بأجرة المثل، كالطبَّاخ (^٣) والغَسّال والخبّاز والملّاح وقيِّم الحمَّام والمُكارِي، والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمّام؛ فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعًا بثمن المثل؛ فيجوز كما تجوز المعاوضة بعوض المثل في هذه الصورة وغيرها؛ فهذا هو القياس الصحيح، ولا تقوم مصالح الناس إلا به.\nفإن بُلِيتَ بالقائل: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا»، فالحيلة في الجواز (^٤) أن يأخذ ذلك قرضًا في ذمته؛ فيجب للدافع عليه مثله، ثم يعاوضه عليه بثمن معلوم؛ فإنه بيعٌ للدَّين من الغريم وهو جائز.\n_________\n(^١) ك: «يقرب»، تحريف.\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٢٣١ - ٢٣٣، ٣٤/ ١٢٧).\n(^٣) في النسخ: «كالنكاح»، تحريف. وانظر: «بدائع الفوائد» (٤/ ١٣٦٥، ١٤٢٤).\n(^٤) ك: «في جواز».","vol":"4","page":413},{"text":"ولكن في هذه الحيلة آفة، وهو أنه قد يرتفع السعر فيطالبه بالمثل فيتضرَّر الآخذ، وقد ينخفض فيعطيه المثلَ فيتضرَّر الأول؛ فالطريق الشرعية التي لم يحرِّمها الله ورسوله أولى بهما، والله أعلم.\nالمثال الثامن والستون: إذا كان له عليه دَينٌ، وله وقفٌ من غلَّة دار أو بستان، فوكَّل صاحبَ الدين أن يستوفي ذلك من دينه جاز؛ فإن خاف أن يحتال عليه ويعزِله عن الوكالة؛ فليجعلها حوالةً على من في ذمته عوض ذلك المُغَلّ. فإن لم يكن قد آجرَ الدار أو الأرض لأحدٍ؛ فالحيلة أن يستأجرها منه صاحب الدَّين بعوضٍ في ذمته، ثم يقاصّه بدينه من ذلك العوض. فإن أراد أن يكون هو وكيله في استيفاء دينه من تلك المنافع لا بطريق الإجارة، ولا بطريق الحوالة، بل بطريق الوكالة في قبض ما يصير إليه من غلَّة ذلك الوقف، وخاف عزْلَه (^١)؛ فالحيلة أن يأخذ إقراره أن الواقف شرطَ أن يقضي ما عليه من الدين أولًا، ثم يصرف إليه بعد الدين كذا وكذا، وأنه وجب لفلانٍ ــ وهو الغريم ــ عليه من الدين كذا وكذا، وأنه يستحقُّه من مُغلِّ هذا الوقف مقدمًا به على سائر مصارف الوقف، وأنه لا ينتقل إلى (^٢) الموقوف شيء قبل قضاء الدين، وأن ولاية أمر هذا الوقف إلى فلان حتى يستوفي دينه؛ فإذا استوفاه فلا ولايةَ له عليه، وإن حكم حاكم بذلك كان أوفق (^٣).\n_________\n(^١) ز: «عزله له».\n(^٢) في المطبوع: «من».\n(^٣) ك: «أوثق».","vol":"4","page":414},{"text":"المثال التاسع والستون: إذا كان له عليه دَين فقال: «إن متَّ قبلي فأنت في حلٍّ، وإن متُّ قبلك [١٣٥/ب] فأنت في حلٍّ» صح وبرئ في الصورتين؛ فإن إحداهما وصية، والأخرى إبراء معلَّق بالشرط، ويصح<span data-type=\"title\" id=toc-763> تعليق الإبراء بالشرط </span>لأنه إسقاط، كما يصح تعليق العتق والطلاق، وقد نصَّ (^١) الإمام أحمد في الإحلال من العِرض والمال مثله.\nوقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: إذا قال: «إن متُّ قبلك فأنت في حلٍّ» هو إبراء صحيح؛ لأنه وصية، وإن قال: «إن متَّ قبلي فأنت في حلٍّ» لم يصح؛ لأنه تعليقٌ للإبراء بالشرط. ولم يُقيموا شبهةً فضلًا عن دليل صحيح على امتناع تعليق الإبراء بالشرط، ولا يدفعه نصٌّ ولا قياس ولا قول صاحب؛ فالصواب صحة الإبراء في الموضعين؛ وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة.\nفإن بُلِي بمن يقول: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا»، فالحيلة أن يُشهِد عليه أنه لا يستحقُّ عليه شيئًا (^٢) بعد موته من هذا الدين، ولا في تركته، وإن شاء كتب الفصلين في سجلٍّ واحد، وضمنه الوصية له به إن مات ربُّ الدين، وإن مات المدين فلا حقَّ له به قبله، فيصح حينئذٍ مستندًا إلى ظاهر الإقرار، وهو إبراء في المعنى.\nالمثال السبعون: لو غلِطَ المضارب أو الشريك وقال: «ربحتُ ألفًا» ثم أراد الرجوع لم يُقبل منه؛ لأنه إنكار بعد إقرار. ولو أقام بينةً على الغلط\n_________\n(^١) ز: «نص عليه».\n(^٢) ز: «شيء».","vol":"4","page":415},{"text":"فالصحيح أنها تُقبل، وقيل: لا تُقبل لأنه مكذِّب لها؛ فالحيلة في استدراكه ما غلِطَ فيه بحيث تُقبل منه أن يقول: خسرتُها بعد أن ربحتُها، فالقول قوله في ذلك، ولا يلزمه الألف. وهكذا الحيلة في استدراك كل أمينٍ لظُلامتِه، كالمودع إذا ردَّ الوديعة التي دُفِعت إليه ببينة، ولم يشهد على ردِّها، فهل يُقبل قوله في الردّ؟ فيه قولان هما روايتان عن الإمام أحمد. فإذا خاف أن لا يُقبل قوله فالحيلة في تخلُّصه أن يدَّعي تلَفَها من غير تفريط، فإن حلَّفه على ذلك فليحلِف مورِّيًا متأوِّلًا أن تلَفَها من عنده خروجها من تحت يده، ونظائر ذلك، والله أعلم.\nالمثال الحادي والسبعون: إن استغرقت الديون مالَه لم يصحَّ تبرُّعُه بما يُضِرُّ بأرباب الديون، سواء حَجَرَ عليه الحاكم أو لم يحجُرْ عليه. هذا مذهب مالك، واختيار شيخنا (^١)، وعند الثلاثة يصحُّ تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف.\nوالصحيح هو القول الأول، وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره، بل هو (^٢) مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأن حق الغرماء قد تعلَّق بماله؛ ولهذا يحجُر عليه الحاكم، ولولا تعلُّق حق الغرماء بماله لم يَسَعِ الحاكمَ الحجرُ عليه، فصار كالمريض مرضَ الموت؛ لما تعلَّق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرُّع بما زاد على الثلث، فإن في تمكينه من التبرُّع بماله إبطال حقّ الورثة منه، وفي تمكين هذا [١٣٦/أ] المِدْيان (^٣) من التبرع إبطال حقوق\n_________\n(^١) انظر: «الاختيارات» للبعلي (ص ٢٠٢).\n(^٢) «هو» ليست في ك.\n(^٣) ك: «الديان»، تحريف. والمديان: من يُقرِض أو يقترض كثيرًا.","vol":"4","page":416},{"text":"الغرماء، والشريعة لا تأتي بمثل هذا؛ فإنها إنما جاءت بحفظ (^١) حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسدِّ الطرق المُفضِية إلى إضاعتها، وقال النبي - ﷺ -: «مَن أخذَ أموالَ الناس يريد أداءها أدَّاها الله عنه، ومن أخذَها يريدُ إتلافَها أتلَفَه الله» (^٢).\nولا ريبَ أن هذا التبرع إتلافٌ لها، فكيف ينفُذُ تبرعُ مَن (^٣) دعا رسول الله - ﷺ - على فاعله؟\nوسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد أنه كان يُنكِر هذا المذهب ويضعِّفه. قال: إلى أن بُلِيَ بغريمٍ تبرَّع قبل (^٤) الحجر عليه، فقال: والله مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة. وتبويب البخاري وترجمته واستدلاله يدلُّ على اختياره هذا المذهبَ، فإنه قال في باب من ردَّ أمر السفيه والضعيف وإن لم يكن حجَرَ عليه الإمام (^٥): ويُذكر عن جابر أن النبي - ﷺ - ردَّ على المتصدِّق قبل النهي ثم نهاه (^٦).\n_________\n(^١) ك: «بحفض».\n(^٢) رواه البخاري (٢٣٨٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) «من» ليست في ك، ب.\n(^٤) «قبل» ليست في ك.\n(^٥) (٥/ ٧١ - مع الفتح).\n(^٦) رواه الدارمي (١٧٠٠) وأبو داود (١٦٧٣) وأبو يعلى (٢٠٨٤، ٢٢٢٠) وابن خزيمة (٢٤٤١) وابن حبان (٣٣٧٢) عن جابر، وفيه عنعنة ابن إسحاق، ضعفه بها النووي في «المجموع» (٦/ ٢٣٦) وابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ٤١٥) والألباني في «الإرواء» (٨٩٨).","vol":"4","page":417},{"text":"فتأمَّلْ هذا الاستدلال، قال عبد الحق (^١): أراد به ــ والله أعلم ــ حديث جابر في بيع المدبَّر.\nثم قال البخاري في هذا الباب نفسه: وقال مالك: إذا كان لرجلٍ على رجلٍ مالٌ، وله عبدٌ، لا شيء له غيره، فأعتقه، لم يجز عتقُه. ثم ذكر (^٢) حديث: «من أخذَ أموالَ الناس يريد أداءَها أدَّاها الله عنه، ومن أخذَها يريد إتلافَها أتلَفَه الله».\nوهذا الذي حكاه عن مالك هو في كتب أصحابه، قال ابن الجلّاب (^٣): ولا يجوز هبة المفلس ولا عتقُه ولا صدقتُه إلا بإذن غُرمائه، وكذلك المِدْيان الذي لم يُفلسه غرماؤه في عتقه وهبته وصدقته.\nوهذا القول هو الذي لا نختار غيره، وعلى هذا فالحيلة لمن تبرَّع غريمه بهبةٍ أو صدقة أو وقف أو عتق، وليس في ماله سعة له لدينه: أن يرفعه إلى حاكمٍ يرى بطلان هذا التبرع، ويسأله الحكمَ ببطلانه. فإن لم يكن في بلده حاكمٌ يحكم بذلك، فالحيلة أن يأخذ عليه إذا خاف منه ذلك الضمينَ أو الرهنَ، فإن بادر الغريم وتبرَّع قبل ذلك فقد ضاقت الحيلة على صاحب الحق، ولم يبقَ له غيرُ أمر واحد، وهو التوصُّل إلى إقراره بأن ما في يده أعيان أموال الغرماء، فيمتنع التبرُّع بعد الإقرار، فإن قدّم تاريخ الإقرار بطل التبرع المتقدّم أيضًا. وليست هذه حيلةً على إبطال حق ولا تحقيقِ باطل، بل\n_________\n(^١) في «الجمع بين الصحيحين» (٤/ ٤٢٦)، ونقله الحافظ في «الفتح» (٥/ ٧٢) مع التعقيب عليه، وبسط الكلام عليه في «النكت على ابن الصلاح» (١/ ٣٥٤ - ٣٦١).\n(^٢) لم يذكر البخاري الحديث في هذا الباب، بل رواه قبله بأبواب برقم (٢٣٨٧).\n(^٣) في «التفريع» (٢/ ٢٥٤).","vol":"4","page":418},{"text":"على إبطال جورٍ وظلم؛ فلا بأس بها، والله أعلم.\nالمثال الثاني والسبعون: إذا كان له عليه (^١) دينٌ، ولا بينةَ له به ويخاف أن يجحده، أو له بينةٌ ويخاف أن يمطُلَه، فالحيلة أن يستدين منه بقدر دَينه إن أمكن، ولا يضرُّه أن يعطيه به رهنًا أو كفيلًا، فإذا ثبت له في ذمته نظيرُ دينه قاصَّه [١٣٦/ب] به، وإن لم يرضَ على أصح المذاهب، فإن حَذِر غريمه من ذلك، وأمكنه أن يشتري منه سلعة، ولا يعيّن الثمن، ويُخرِج النقد فيضعه بين يديه، فإذا قبض السلعة وطلب منه الثمن قاصَّه بالدين الذي عليه، وبكل حالٍ فطريق الحيلة أن يجعل له عليه (^٢) من الدين نظيرَ ما له.\nالمثال الثالث والسبعون: إذا خاف العَنَت، ولم يجد طَوْلَ حُرَّة، وكَرِه رِقَّ أولاده، فالحيلة في عتقهم أن يشترط على السيد أن ما ولدته زوجته منه من الولد فهم أحرار، فكل ولدٍ تلده بعد ذلك منه فهو حرٌّ. ويصح تعليق العتق بالولادة لو قال لأَمته: كل ولدٍ تلدينه فهو حرٌّ. قال ابن المنذر (^٣): لا أحفظ فيه خلافًا.\nفإن قيل: فهل تجوِّزون نكاح الأمة بدون الشرطين إذا أمنَ رِقَّ ولده بهذا التعليق؟\nقيل: هذا محلُّ اجتهاد، ولا تأباه أصول الشريعة، وليس فيه إلا أن الولد يثبت عليه الولاء للسيد، وهو شعبة من الرقّ، ومثل هذا هل ينتهض سببًا\n_________\n(^١) «عليه» ليست في ز.\n(^٢) «عليه» ليست في ز.\n(^٣) في كتاب «الإجماع» (ص ١٧٦) و«الإقناع» (٢/ ٥٩٩).","vol":"4","page":419},{"text":"لتحريم نكاح الأمة؟ أو يقال ــ وهو أظهر ــ: إن الله سبحانه منعَ من نكاح الإماء لأنهن في الغالب لا يُحجَبن حَجْبَ الحرائر، وهنّ في مهنة ساداتهن وحوائجهم (^١)، وهن بَرْزَاتٌ (^٢) لا مخدَّرات؟ وهذه كانت عادة العرب في إمائهم (^٣) وإلى اليوم، فصان الله سبحانه للأزواج أن تكون زوجاتهم بهذه المثابة، مع ما يتبع ذلك من رِقِّ الولد، وأباحه لهم عند الضرورة إليه كما أباح الميتة والدم ولحمَ الخنزير عند المخمصة، وكل هذا منعٌ منه سبحانه لنكاح (^٤) غير المُحْصَنة، ولهذا شرطَ سبحانه في نكاحهن أن يكنَّ ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: غير زانيةٍ مع من كان، ولا زانية مع خِدْنِها وعشيقها دون غيره، فلم يُبِح لهم نكاحَ الإماء إلا بأربعة شروط: عدم الطَّول، وخوفُ العَنَت، وإذنُ سيدها، وأن تكون عفيفةً غير فاجرة فجورًا عامًّا ولا خاصًّا، والله أعلم.\nالمثال الرابع والسبعون: إذا لم تُمكِّنه أَمتُه من نفسها حتى يُعتِقها ويتزوَّجها، وهو لا يريد إخراجها عن ملكه، ولا تصبر نفسُه عنها؛ فالحيلة أن يبيعها أو يهبَها لمن يثق به، ويُشهِد عليه من حيث لا تعلم هي، والبيع أجودُ لأنه لا يحتاج إلى قبض، ثم يُعتقها، ثم يتزوجها، فإذا فعل استردَّها من المشتري من حيث لا تعلم الجارية، فانفسخ النكاح، فيطؤها بمِلك اليمين، ولا عدةَ عليها.\n_________\n(^١) ك: «وحوائجهن». والمثبت من ز، ب.\n(^٢) جمع بَرْزة: المرأة التي تجالس الرجال وتبرز لهم.\n(^٣) في النسخ: «إمائهن».\n(^٤) في المطبوع: «كنكاح»، خطأ.","vol":"4","page":420},{"text":"المثال الخامس والسبعون: إذا أراده من لا يُمكن (^١) ردُّه على بيع جاريته منه، فالحيلة في خلاصه أن يفعل ما ذكرناه سواء، ويُشهِد على عتقها ونكاحها، ثم يستقيله البيعَ، فيطؤها بملك اليمين في الباطن، وهي زوجته في الظاهر. ويجوز هذا لأنه يدفع به عن نفسه، ولا يسقط به [١٣٧/أ] حقُّ ذي حقٍّ. وإن شاء احتال بحيلة أخرى، وهي إقراره بأنها وَضعتْ منه ما يتبينُ به خَلْق الإنسان، فصارت بذلك أمَّ ولد لا يمكن نقلُ الملك فيها، فإن أحبَّ دفعَ التهمة عنه، وأنه قصد بذلك التحيل فليبعْها لمن يثق به، ثم يُواطئ المشتريَ على أن يدَّعي عليه أنها وضعتْ في مِلكه ما فيه صورة إنسان (^٢)، ويقرّ بذلك، فينفسخ البيع، ويكتب بذلك محضرًا، فإنه يمتنع بيعها بعد ذلك.\nالمثال السادس والسبعون: إذا أراد أن يبيع الجارية من رجلٍ بعينه، ولم تَطِبْ نفسُه أن تكون عند غيره، فله في ذلك أنواع من الحيل:\nأحدها: أن يشترط عليه أنه إن باعها فهو أحقُّ بها بالثمن، كما اشترطت ذلك امرأة عبد الله بن مسعود عليه، ونص الإمام أحمد على جواز البيع والشرط في رواية علي بن سعيد، وهو الصحيح.\nفإن لم تتمَّ له هذه الحيلة لعدم من ينفِّذها له، فليشترط عليه أنك إن بعتَها لغيري فهي حرَّة، ويصح هذا الشرط، وتعتق عليه إن باعها لغيره، إما بمجرد الإيجاب عند صاحب «المغني» (^٣) وغيره، وإما بالقبول، فيقع العتق\n_________\n(^١) في المطبوع: «لا يملك». والمثبت من النسخ.\n(^٢) ك: «الإنسان».\n(^٣) (٦/ ٢٧، ٣٢٤).","vol":"4","page":421},{"text":"عقيبَه وينفسخ البيع عند صاحب «المحرر» (^١).\nوهذه طريقة القاضي، قال في كتاب «إبطال الحيل»: إذا قال: «إن بعتُك هذا العبد فهو حرٌّ»، وقال المشتري: «إن اشتريتُه فهو حرٌّ»، فباعه، عتقَ على البائع؛ لأنه ليس له عند دخوله في ملك الآخر حالُ استقرارٍ حتى يعتق عليه بيمينه (^٢) التابعة؛ لأن خيار المجلس ثابتٌ للبائع، فمِلْك المشتري غير مستقر. وقولُ صاحب «المحرّر» (^٣): «وانفسخ البيع» تقريرٌ لهذه الطريقة، وأنه إنما يعتق بالقبول، ويعتق في مدة الخيار على أحد الوجوه الثلاثة.\nفإن لم تتمَّ له هذه الحيلة عند من لا يصحِّح هذا التعليق، ويقول إذا اشتراها ملكها، ولا تعتق بالشرط في ملك الغير كما يقوله أبو حنيفة، فله حيلة أخرى، وهي أن يقول: إذا بعتُها فهي حرة قبل البيع، فيصحُّ هذا التعليق، فإذا باعها حكمنا بوقوع العتق قبل البيع على أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد - ﵄ -.\nفإن لم تتمَّ له هذه الحيلة عند من لا يصحِّح هذا التعليق فله حيلة أخرى، وهي أن يقول: إذا اشتريتُها فهي مدبَّرة، فيصح هذا التعليق، ويمتنع بيعها عند أبي حنيفة، فإن التدبير عنده جارٍ مجرى العتقِ المعلَّق بصفة، فإذا اشتراها صارت مدبَّرة، ولم يُمكِنْه بيعُها عنده.\nفإن لم تتمَّ له هذه الحيلة على قول من لا يجوِّز تعليقَ التدبير بصفة،\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٧).\n(^٢) في المطبوع: «بنيته». والمثبت من النسخ.\n(^٣) (١/ ٢٧٧).","vol":"4","page":422},{"text":"فالحيلة أن يأخذ البائع إقرار المشتري بأنه دبَّر هذه الجارية بعد ما اشتراها، وأنه جعلها حرةً بعد موته.\nفإن لم تتمَّ له هذه الحيلة على قول من يجوِّز بيع المدبَّر ــ وهو الإمام أحمد، ومن قال بقوله ــ فالحيلة أن [١٣٧/ب] يُشهِد عليه قبل أن يبيعها منه أنه كان تزوَّجها من سيدها تزويجًا صحيحًا، وأنها ولدتْ منه ولدًا، ثم اشتراها بعد ذلك فصارتْ أمَّ ولده، فلا يمكنه بيعُها.\nفإن لم تتمَّ له هذه الحيلة على قول من يعتبر في كونها أمَّ ولدٍ أن تحمل وتضع في ملكه، ولا يكفي أن تلد منه في غير ملكه ــ كما هو ظاهر مذهب أحمد والشافعي ــ فقد ضاقت عليه وجوهُ الحيل، ولم يبق له إلا حيلةٌ واحدة، وهي أن يتراضى سيدُ الجارية والمشتري برجلٍ ثقةٍ عدلٍ بينهما، فيبيعها هذا العدل بطريق الوكالة عن سيدها بزيادةٍ على ثمنها الذي اتفقا عليه، ويزيد ما شاء، ويقبض منه الثمن الذي اتفقا عليه، فإن أراد المشتري بيعَها طالبه بباقي الثمن الذي أظهره. ولو لم يُدخِلا بينهما ثالثًا بل اتفقا على ذلك فقال: «أبيعكها بمائة دينارٍ، وآخذُ منك أربعين، فإن بعتَها طالبتُك بباقي الثمن، وإن لم تَبِعْها لم أطالبك» جاز، لكن في توسُّطِ العدلِ الذي يثق به المشتري كاتبِه (^١) وصاحبِه تطييبٌ لقلبه، وأمانٌ له من مطالبة البائع له بالثمن الكثير.\nالمثال السابع والسبعون: إذا طلب منه ولده أو عبده أن يزوِّجه، وخاف أن يَلحقه ضرر بالزوجة ويأمره بطلاقها فلا يقبل، فالحيلة أن يقول له: لا\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «كأبيه».","vol":"4","page":423},{"text":"أزوِّجك إلا أن تجعل أمرَ الزوجة بيدي، فإن وثِقَ منه بذلك الوعد قال له بعد التزويج: «أمرها بيدك». وإن لم يثق منه به، وخاف أنه إذا قبِلَ العقد لا يفي له بما وعده، فالحيلة أن لا يأذن له حتى يعلِّق ذلك بالنكاح، فيقول: «إن تزوَّجتَها فأمرها بيدك». ويصح هذا التعليق على مذهب أهل المدينة وأهل العراق. فإن أراد أن يكون ذلك مُجمعًا عليه فليكتب في كتاب الصداق: «وأقرَّ الزوجُ المذكور أن أمرَ المرأة المذكورة بيد السيد أو الأب». فإذا وقع ما يحذَره منها تمكَّن حينئذٍ من التطليق عليه، والله أعلم. لكن قد يُخرجه عن الوكالة بعد ذلك فلا يتمُّ مراده، فالحيلة أن يشترط عليه أنه متى أخرجه عن الوكالة فهي طالق (^١).\nالمثال الثامن والسبعون: إذا دبَّر عبده أو أمته جاز له بيعه، ويبطُل تدبيره، فإن خاف أن يرفعه العبد إلى حاكم لا يرى بيعَ المدبَّر فيحكم عليه بالمنع من بيعه، فالحيلة أن يقول: «إن متُّ وأنت في ملكي فأنتَ حرٌّ بعد موتي»، فإذا قال ذلك تمَّ له الأمر كما أراد، فإن أراد بيعه ما دام حيًّا فله ذلك، وإن مات وهو في ملكه عتق عليه.\nوالفرق بين أن يقول: «أنت حرٌّ بعد موتي» وبين أن يقول: «إن متُّ وأنت في ملكي فأنت حرٌّ بعد موتي» أن هذا تعليق للعتق بصفة، وذلك لا يمنع بيع العبد، كما لو قال: «إن دخلتَ الدار فأنت حرٌّ» فله بيعه قبل وجود الصفة، بخلاف [١٣٨/أ] قوله: «أنت حرٌّ بعد موتي» فإنه جزم بحريته في ذلك الوقت. ونظيرُ هذا أنه لو قال له (^٢): «إن متَّ قبلي فأنت في حلٍّ من الدَّين الذي عليك»\n_________\n(^١) «لكن ... طالق» ساقطة من ك.\n(^٢) «له» ليست في ك.","vol":"4","page":424},{"text":"فهو إبراء معلَّق بصفة، ولو قال له: «أنتَ في حلٍّ بعد موتي» (^١) صح، ولم يكن تعليقًا للإبراء بالشرط. ونظيره لو قال: «إن متُّ فداري وقفٌ» فإنه تعليق للوقف بالشرط، ولو قال: «هي وقفٌ بعد موتي» صح، والله أعلم.\nالمثال التاسع والسبعون: لو أن رجلين ضمِنَا رجلًا بنفسه، فدفعه أحدهما إلى الطالب، برئ الذي لم يدفع، وهذا بمنزلة رجلين ضمنا لرجل مالًا فدفعه إليه أحدهما فإنهما يبرآن جميعًا؛ لأن المضمون هو إحضار واحد، فإذا سلَّمه أحدهما فقد وجد الإحضار المضمون فبرِئَا جميعًا.\nقال القاضي: وربما ألزمه بعض القضاة الضمانَ بنفس المطلوب، ولا يجعل دفع الآخر براءةً للذي لم يدفع؛ فالحيلة أن يضمنا للطالب هذا الرجل بنفسه، على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعًا بريئان، فيتخلَّص على قول الكل، أو يشهدا أن كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع هذا الرجل إلى الطالب والتبرُّؤ (^٢) إليه، فإذا دفعه أحدهما برِئَا جميعًا منه؛ لأنه إذا كان كل منهما وكيلَ صاحبه كان تسليمه كتسليم موكِّله.\nالمثال الثمانون: قال القاضي في كتاب «إبطال الحيل»: إذا كان لرجلين على امرأةٍ مال، وهما شريكان، فتزوَّجها أحدهما على نصيبه من المال الذي عليها، لم يضمن لصاحبه شيئًا من المهر؛ لأنه لم يجعل نصيبه في ضمانه، فصار كما لو أبرأه، وربما ضمَّنه بعض الفقهاء؛ فالحيلة فيه أن يهبَ لها نصيبَه مما عليها، ثم يتزوَّجها بعد ذلك على مقدار ما وهبها، ثم تهب المرأة للزوج المهر الذي تزوَّجها عليه؛ لأن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من\n_________\n(^١) في جميع النسخ: «موتك». والمثبت من المطبوع.\n(^٢) في النسخ: «والتبرى».","vol":"4","page":425},{"text":"المال المشترك لا يضمن؛ لكونه متبرعًا، فإذا تزوجها بعد ذلك على مهر، ووهبتْه له حصل مقصوده، وتخلَّص من أقاويل المختلفين.\nالمثال الحادي والثمانون: لو حلف رجل بالطلاق أنه لا يضمن عن أحدٍ شيئًا، فحلف آخر بالطلاق لا بدَّ أن تضمَن عني؛ فالحيلة في أن يضمن عنه ولا يحنث: أنه يشاركه ويشتري متاعًا بينه وبين شريكه.\nقال القاضي: فإنه يضمن عن شريكه نصف الثمن، ولا يحنث الحالف في يمينه؛ لأن المحلوف عليه عقد الضمان، وما يلزمه في مسألتنا لا يلزمه بعقد الضمان، وإنما يلزمه بالوكالة؛ لأن كل واحدٍ من الشريكين وكيلُ صاحبه فيما يشتريه، فلهذا لم يحنث في يمينه. فإن كانت بحالها، ولم يكن بينه وبين المحلوف عليه شركة، لكنه وكَّله المحلوف عليه فاشتراها، لم يحنث أيضًا لما بيّنا.\nالمثال الثاني والثمانون: [١٣٨/ب] شريكان شركةَ عنانٍ ضمنَا عن رجل مالًا بأمره على أنه إن أدَّى المالَ أحد الشريكين رجع به على شريكه، وإن أدّاه الآخر فشريكه منه بريء. وللمسألة أربع صور:\nأحدها (^١): أن يقولا: أيُّنا أدّاه رجع به على شريكه.\nالثانية: عكسه.\nالثالثة: أن يقول إن أدَّيتُه أنا رجعتُ به عليك، ولا ترجع به عليَّ إن أديتَه.\nالرابعة: عكسه.\n_________\n(^١) كذا في النسخ.","vol":"4","page":426},{"text":"فالصورة الأولى والثانية لا تحتاج إلى حيلة، وأما الثالثة والرابعة فالحيلة في جوازهما أن يضمَنَ أحد الشريكين عن المَدِين ما عليه لصاحبه، ثم يجيء شريكه فيضمن ما لصاحب الحق عليهما، فإذا أدَّى هذا الشريك المالَ رجع به على شريكه والأصيل، وإذا أدّاه شريكه والأصيل لم يرجعا على الشريك بشيء؛ لأن شريكه قد صار صاحب الأصل (^١) هاهنا، فلو رجع عليه لرجع هو عليه، فمن حيث يثبت يسقط، فلا معنى للرجوع عليه.\nالمثال الثالث والثمانون: لا بأس للمظلوم أن يتحيَّل على مسبَّة الناس لظالمه (^٢)، والدعاء عليه، والأخذ من عِرضه، وإن لم يفعل ذلك بنفسه؛ إذ لعل ذلك (^٣) يردعه، ويمنعه من الإقامة على ظلمه. وهذا كما لو أخذ ماله فلبس أرَثَّ الثياب بعد أحسنها، وأظهر البكاء والنحيب والتأوُّه، أو آذاه في جواره فخرج من داره، وطرح متاعه على الطريق، أو أخذ دابتَه فطرح حِمْلَه على الطريق وجلس يبكي، ونحو ذلك، فكل هذا مما يدعو الناس إلى لعن الظالم له (^٤) وسبِّه والدعاء عليه. وقد أرشد النبي - ﷺ - المظلومَ بأذى جارِه له إلى نحو ذلك، ففي «السنن» و«مسند الإمام أحمد» من حديث أبي هريرة: أن رجلًا شكَا إلى النبي - ﷺ - من جاره، فقال: «اذهب فاصبِرْ»، فأتاه مرتين أو ثلاثًا، فقال: «اذهبْ فاطرحْ متاعَك في الطريق»، فطرح متاعه في الطريق،\n_________\n(^١) ك: «الأصيل».\n(^٢) ك: «لمظالمه»، خطأ.\n(^٣) «ذلك» ساقطة من ز.\n(^٤) «له» ليست في ك.","vol":"4","page":427},{"text":"فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل (^١) الناس يلعنونه: فعلَ الله به وفعلَ، فجاء إليه جاره فقال له: ارجعْ لا ترى مني شيئًا تكرهه. هذا لفظ أبي داود (^٢).\nالمثال الرابع والثمانون: ما ذُكِر (^٣) في مناقب أبي حنيفة (^٤) - ﵀ - أن رجلًا أتاه بالليل فقال: أدرِكْني قبل الفجر، وإلا طلَّقتُ امرأتي، فقال: وما ذاك؟ قال: تركَتِ الليلةَ كلامي، فقلت لها: إن طلع الفجر ولم تكلِّميني فأنتِ طالق ثلاثًا، وقد توسلتُ إليها بكل أمر أن تكلِّمني فلم تفعل. فقال: اذهبْ فمُرْ مؤذن المسجد أن ينزل فيؤذِّن قبل الفجر، فلعلها إذا سمعتْه أن تكلِّمك، واذهبْ إليها وناشِدْها أن تكلِّمك قبل أن يؤذِّن المؤذن، ففعل الرجل، وجلس يناشدها، وأذَّن المؤذن، فقالت: قد طلع الفجر وتخلَّصتُ منك، فقال: قد كلَّمتِني قبل الفجر وتخلَّصت من اليمين. وهذا من أحسن الحيل.\n[١٣٩/أ] المثال الخامس والثمانون: قال بِشر بن الوليد (^٥): كان في جوار أبي حنيفة فتى يَغشَى مجلسَه، فقال له يومًا: إني أريد التزوُّج بامرأة، وقد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي، وقد تعلَّقتُ بالمرأة، فقال له: أعطِهم\n_________\n(^١) ك: «فيجعل».\n(^٢) رقم (٥١٥٣). ورواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٢٤) وأبو يعلى (٦٦٣٠) من حديث أبي هريرة، وإسناده حسن، وصححه ابن حبان (٥٢٠) والحاكم (٤/ ١٦٦). وهو في «المسند» من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام (١٦٤٠٨) ولم يسق لفظه، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٥٩٢٨)، وهو ضعيف.\n(^٣) ك: «ذكره».\n(^٤) (ص ١١٤ - ١١٥) للموفق.\n(^٥) كما في المصدر السابق (ص ١٣٠ - ١٣١).","vol":"4","page":428},{"text":"ما طلبوا منك، ففعل، فلما عقد العقد جاء إليه فقال: قد طلبوا منّي المهر، فقال: احتلْ واقترِضْ وأعطِهم، ففعل، فلما دخل بأهله قال: إني أخاف المطالبين بالدين، وليس عندي ما أُوفّيهم، فقال: أظهِرْ أنك تريد سفرًا بعيدًا، وأنك تريد الخروج بأهلك، ففعل، واكترى جمالًا، فاشتد ذلك على المرأة وأوليائها، فجاؤوا إلى أبي حنيفة - ﵁ -، فسألوه، فقال: له أن يذهب بأهله حيث شاء، فقالوا: نحن نُرضِيه ونردُّ إليه ما أخذنا منه، ولا يسافر. فلما سمع الزوج طمِعَ وقال: لا والله حتى يزيدوني، فقال له: إن رضيتَ بهذا، وإلا أقرَّت المرأة أن عليها دينًا لرجل، فلا يمكنك أن تُخرِجها حتى توفِّيه، فقال: بالله؟! لا يسمع أهل (^١) المرأة ذلك منك (^٢)، أنا أرضى بالذي أعطيتُهم.\nالمثال السادس والثمانون: قال القاضي أبو يعلى: إذا كان لرجلٍ على رجل ألفُ درهم، فصالحه منها على مائة درهم يؤدِّيها إليه في شهر كذا، فإن لم يفعل وأخَّرها إلى شهر آخر فعليه مائتان، فهو جائز. وقد أبطله قوم آخرون.\nقال (^٣): أما جواز الصلح من ألف على (^٤) مائة فالوجه فيه أن التسعمائة لا يستفيدها بعقد الصلح، وإنما استفادها بعقد المداينة، وهو العقد السابق؛ فعُلِم أنها ليست مأخوذة على وجه المعاوضة، وإنما هي على طريق الإبراء عن بعض حقه.\n_________\n(^١) «أهل» ليست في ز.\n(^٢) ك: «منك ذلك».\n(^٣) ك، ب: «قالوا».\n(^٤) ك، ب: «إلى».","vol":"4","page":429},{"text":"قال: ويفارق هذا إذا كانت له ألف مؤجَّلة فصالحه على تسعمائة حالّة أنه لا يجوز؛ لأنه استفاد هذه التسعمائة بعقد الصلح؛ لأنه لم يكن مالكًا لها (^١) حالّة، وإنما كان يملكها مؤجلةً، فلهذا لم يصح.\nوأما جوازه على الشرط المذكور ــ وهو أنه إن لم يفعل فعليه مائتان ــ فلأن المُصالِح إنما علَّق فسخ البراءة بالشرط، والفسخ يجوز تعليقه بالشرط؛ وإن لم يجز تعليق البراءة بالشرط، ألا ترى أنه لو قال: «أبيعك هذا الثوب بشرط أن تنقُدني الثمنَ اليوم، فإن لم تَنقُدني الثمنَ اليوم فلا بيعَ بيننا» أنه إذا لم ينقد الثمن في يومه انفسخ العقد بينهما، كذلك هاهنا. ومن لم يجوِّز ذلك يقول: هذا تعليق براءة المال بالشرط، وذلك لا يجوز.\nقال: والوجه في جواز هذا الصلح على مذهب الجميع أن يعجِّل ربُّ المال حَطَّ ثمانمائة يحطُّها على كل حال، ثم يصالح المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة يؤدّيها إليه في شهر كذا على أنه إن أخَّرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما، فإذا فعل هذا فقد استوثق [١٣٩/ب] في قول الجميع؛ لأنه متى صالحه على مائتين وقد حطَّ عنه الباقي، يصير كأنه لم يكن عليه من الدين إلا مائتا درهم، ثم صالحه من المائتين الباقيتين على مائة يؤدِّيها إليه في شهر كذا، فإن أخَّرها فلا صلح بينهما، فيكون على (^٢) قول الجميع فسخُ العقد معلقًا بترك النقد، وذلك جائز على ما بيناه في البيع.\nفإن أراد أن يكاتب عبدَه على ألف درهم يؤدِّيها إليه في سنتين فإن لم يفعل فعليه ألفٌ أخرى، فهي كتابة فاسدة؛ لأنه علَّق إيجاب المال بخطرٍ،\n_________\n(^١) ك: «مالكها».\n(^٢) «على» ليست في ك.","vol":"4","page":430},{"text":"وتعليق المال بالأخطار لا يجوز. والحيلة في جوازه أن يكاتبه على ألفي درهم، ويكتب عليه بذلك كتابًا، ثم يصالحه بعد ذلك على ألف درهم يؤدِّيها إليه في سنتين فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، فيكون تعليقًا للفسخ بخطر، وذلك جائز على ما قدّمنا من مسألة البيع؛ فإن كان السيد كاتبَ عبده على ألفي درهم إلى سنتين فأراد العبد أن يصالح سيده على النصف يعجِّلها له؛ فإن ذلك جائز عندنا، ويُبطِله غيرنا. انتهى كلامه (^١).\nالمثال السابع والثمانون: قال القاضي: إذا اشترى رجل من رجل دارًا بألف درهم؛ فجاء الشفيع يطلب الشفعة؛ فصالحه المشتري على أن أعطاه نصف الدار بنصف الثمن، جاز؛ لأن الشفيع صالَح على بعض حقِّه، وذلك جائز كما لو صالح من ألفٍ على خمسمائة. فإن صالحه على بيت من الدار بحصَّته من الثمن لم يجُزْ؛ لأنه صالحَ على شيء مجهول؛ لأن ما يأخذه الشفيع يأخذه على وجه المعاوضة، وحصة المبيع من الثمن مجهولة، وجهالة العوض تمنع صحة العقد.\nفالحيلة حتى يسلَّم البيت للشفيع والدار للمشتري أن يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن مسمًّى، ثم يسلِّم الشفيع للمشتري ما بقي من الدار، وشراء الشفيع لهذا البيت تسليم للشفعة، ومساومته بالبيت تسليم للشفعة؛ لأنه إذا اشتراه بثمن مسمًّى كان عوض البيت معلومًا، ودخوله في شراء البيت تسليم للشفعة فيما بقي من الدار، وذلك جائز؛ والحيلة أن يأخذ البيت بهذا الثمن المسمى من غير أن يكون مسلِّمًا للشفعة حتى يجب له البيت أن يبدأ المشتري فيقول للشفيع: هذا البيت ابتعتُه لك بكذا وكذا\n_________\n(^١) أي كلام أبي يعلى.","vol":"4","page":431},{"text":"درهمًا، فيقول الشفيع: قد رضيتُ واستوجبتُ؛ لأن المشتري متى (^١) ابتدأ بقوله: «هذا البيت لك بكذا» لم يكن الشفيع مسلِّمًا للشفعة.\nالمثال الثامن والثمانون (^٢): تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع إليه أرضَه ويقول: اغرِسْها من الأشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفين (^٣). وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه، والربح بينهما نصفين، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها، والزرع بينهما، [١٤٠/أ] وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه، والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها، والدَّر والنسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره، والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابتَه يعمل عليها، والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها، وسهمُها بينهما، وكما يدفع إليه قَناةً (^٤) يستنبط ماءها، والماء بينهما، ونظائر ذلك. فكل ذلك شركة صحيحة قد دلَّ على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة، ولا معنى صحيح يوجب فسادها.\nوالذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنُّوا ذلك كله من باب الإجارة، فالعوض مجهول فيفسد. ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها، والمضاربةَ للإجماع، دون ما عدا ذلك، ومنهم من خصّ الجواز\n_________\n(^١) ك، ب: «من».\n(^٢) هنا بياض في ز.\n(^٣) كذا في النسخ منصوبًا، وله وجه. وفي المطبوع: «نصفان».\n(^٤) مجرى للماء.","vol":"4","page":432},{"text":"بالمضاربة، ومنهم من جوَّز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحّان، وجوّزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدَّر والنَّسل.\nوالصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها؛ فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريكَ المالك، هذا بماله، وهذا بعمله، وما رزق الله فهو بينهما. وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة، حتى قال شيخ الإسلام (^١): هذه المشاركات أحلُّ (^٢) من الإجارة. قال: لأن المستأجر يدفع ماله، وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل، فيفوز المُؤجِر بالمال والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة؛ فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا في الحرمان، وهذا غاية العدل؛ فلا تأتي الشريعة بحلِّ الإجارة وتحريم هذه المشاركات.\nوقد أقرّ النبي - ﷺ - المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام، وضاربَ أصحابه في حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا كأنه رأيُ عينٍ، ثم لم ينسخه، ولم ينْهَ عنه، ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم، يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٠٨ وما بعدها، ٢٨/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٢) أي أولى بأن يكون حلالًا.","vol":"4","page":433},{"text":"ولم يُنقل عن رجل واحد منهم المنعُ إلا فيما منع منه النبي - ﷺ -، وهو ما قال الليث بن سعد (^١): إذا نظر ذو البصر بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز. ولو لم تأتِ [١٤٠/ب] هذه النصوص والآثار؛ فلا حرام إلا ما حرَّمه الله ورسوله، والله ورسوله لم يحرِّم شيئًا من ذلك.\nوكثير من الفقهاء يمنعون ذلك (^٢)، فإذا بُلِي الرجل بمن يحتجُّ في التحريم بأنه «هكذا في الكتاب وهكذا قالوا»، ولا بدَّ له مِن فعل ذلك؛ إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به؛ فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدِّي به إليه (^٣)، فإنها حيل تؤدِّي إلى فعل ما أباحه الله ورسوله، ولم يحرِّمه على الأمة. وقد تقدم ذكر الحيلة على جواز المساقاة والمزارعة.\nونظيرها في الاحتيال على المغارسة أن يُؤاجِره الأرضَ يَغرِس فيها ما شاء من الأشجار لمدة كذا وكذا سنة بخدمتها، وغرس كذا وكذا من الأشجار فيها؛ فإن اتفقا بعد ذلك أن يجعلا لكل منها غِراسًا معينًا مقررًا جاز، وإن أحبَّا أن يكون الجميع (^٤) شائعًا بينهما؛ فالحيلة أن يقرَّ كل منهما للآخر أن جميع ما في هذه الأرض من الغراس فهو بينهما نصفين، أو غير ذلك.\nوالحيلة في جواز المشاركة على البقر والغنم بجزء من دَرِّها ونَسْلها: أن يستأجره للقيام عليها كذا وكذا سنة للمدة التي يتفقان عليها بنصف\n_________\n(^١) كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٠٨، ٢٥/ ٦٢، ٣٠، ١٠٤، ١١٧، ٢٢٨).\n(^٢) ك: «من ذلك».\n(^٣) ك، ب: «تؤديه إليه».\n(^٤) «الجميع» ليست في ك، ب.","vol":"4","page":434},{"text":"الماشية أو ثلثها، على حسب ما يجعل له من الدَّر والنسل، ويقرّ له بأن هذه الماشية بينهما نصفين أو أثلاثًا، فيصير دَرُّها ونسلها بينهما على حسب ملكَيْهما. فإن خاف ربّ الماشية أن يدّعي عليه العامل بملك نصفها حيث أقرَّ له به، فالحيلة أن يبيعه ذلك النصف بثمن في ذمته، ثم يسترهنه على ذلك الثمن، فإن ادَّعى الملك بعد هذا طالبه بالثمن، فإن ادَّعى الإعسار اقتضاه من الرهن.\nوالحيلة في جواز قَفِيز الطحّان أن يملِّكه جزءًا من الحبّ أو الزيتون، إما ربعه أو ثلثه أو نصفه، فيصير شريكه فيه، ثم يطحنه أو يعصره فيكون بينهما على حسب ملكَيْهما فيه، فإن خاف أن يملّكه ذلك فيملِكه عليه ولا يُحدِث فيه عملًا؛ فالحيلة أن يبيعه إياه بثمن في ذمته، فيصير شريكه فيه، فإذا عمل فيه سلَّم إليه حصته وأبرأه من الثمن. فإن خاف الأجير أن يطالبه بالثمن ويتسلَّم الجميع ولا يعطيه أجرته؛ فالحيلة في أمنه من ذلك أن يُشهِد عليه أن الأصل مشترك بينهما قبل العمل، فإذا حدثَ فيه العمل فهو على الشركة.\nوهكذا الحيلة في جميع هذا الباب، وهي حيلة جائزة؛ فإنها لا تتضمَّن إسقاطَ حق، ولا تحريمَ حلال، ولا تحليلَ حرام. والله أعلم.\nالمثال التاسع والثمانون: إذا أخرجَ (^١) المتسابقان في النضال معًا جاز في أصح القولين، والمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز. وعلى القول بجوازه فأصح القولين أنه لا يحتاج إلى محلِّل، كما هو مقتضى المنقول عن الصديق (^٢)\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وهو صواب. وفي المطبوع: «خرج».\n(^٢) رواه الترمذي (٣١٩١، ٣١٩٣) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٥/ ٢٧٠٤) والحاكم (٢/ ٤١٠) من طرق عن أبي بكر في الرهان في غلبة الروم. وصححه ابن خزيمة في «التوحيد» (١٦٦) والحاكم وابن القيم في «الفروسية» (ص ٢٠٧)، ووثق رجاله الحافظ في «الإصابة» (٣/ ٥٧٩).","vol":"4","page":435},{"text":"وأبي عبيدة بن الجراح (^١)، واختيار شيخنا (^٢) [١٤١/أ] وغيره. والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة أنه لا يجوز إلا بمحلِّل، على تفاصيلَ لهم في المحلِّل وحكمه، قد ذكرناها في كتابنا الكبير في «الفروسية الشرعية»، وذكرنا فيه وفي كتاب «بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلِّل السباق والنضال» (^٣) بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا، وبيَّنا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، وعدم الدلالة منه على تقدير صحته (^٤).\nوالمقصود هنا بيان وجه الحيلة على الاستغناء عنه عند من يَقنع بـ «هكذا قالوا وهكذا في الكتاب»؛ فالحيلة على تخلُّص المتسابقينِ المخرجينِ منه أن يملِّكا العوضين لثالثٍ يثقان به، ويقول الثالث: أيكما سبق فالعوضانِ له، وإن جئتما معًا فالعوضان بينكما؛ فيجوز هذا العقد. وهذه الحيلة ليست حيلة على جوازِ محرَّم، ولا تتضمن إسقاطَ حق، ولا تدخل\n_________\n(^١) رواه أحمد (٣٤٤) وابن أبي شيبة (٣٤٢٣٣، ٣٤٥٢٥) وابن حبان (٤٧٦٦) والطبراني (١/ ١٥٥) من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، وقال الهيثمي (٦/ ٢١٦): رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٢).\n(^٣) لم يصلنا. انظر: «ابن قيم الجوزية ــ حياته، آثاره، موارده» للشيخ بكر أبو زيد (ص ٢٢٣ - ٢٢٥).\n(^٤) انظر: «الفروسية» (ص ١٦٩ وما بعدها).","vol":"4","page":436},{"text":"في مأثم؛ فلا بأس بها، والله أعلم.\nالمثال التسعون: يجوز اشتراط الخيار في البيع فوق ثلاث على أصح قولَي العلماء، وهو مذهب الإمام أحمد ومالك. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز، وقد تدعو الحاجة إلى جوازه؛ لكون المبيع لا يمكنه استعلامه (^١) في ثلاثة أيام؛ أو لِغَيبة من يشاوره ويثق برأيه، أو لغير ذلك. والقياس المحض جوازه كما يجوز تأجيل الثمن فوق ثلاث، والشارع لم يمنع من الزيادة على الثلاثة، ولم يجعلها حدًّا فاصلًا بين ما يجوز من المدة وما (^٢) لا يجوز، وإنما ذكرها في حديث حَبَّان بن مُنقِذ (^٣) وجعلها له بمجرد البيع، وإن لم يشترطها؛ لأنه كان يُغلَب في البيوع، فجعل له ثلاثًا في كل سلعة يشتريها، سواء شرط ذلك أو لم يشرطه، هذا ظاهر الحديث، فلم يتعرض للمنع من الزيادة على الثلاث بوجه من الوجوه.\nفإن أراد الجواز على قول الجميع؛ فالمخرج أن يشترط الخيار ثلاثًا، فإذا قارب انقضاءُ الأجل فسخَه ثم اشترط ثلاثًا، وهكذا حتى تنقضي المدة التي اتفقا عليها. وليست هذه الحيلة محرَّمة؛ لأنها لا تدخل في باطل، ولا تخرج من حق، وهذا بخلاف الحيلة على إيجار الوقف مائة سنة، وقد شرط الواقف أن لا يُؤجِر أكثر من سنة واحدة، فتحيَّل على إيجاره أكثر منها بعقودٍ متفرقة في ساعة واحدة كما تقدم.\n_________\n(^١) ك: «استعماله»، تحريف.\n(^٢) ك، ب: «وبين ما».\n(^٣) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":437},{"text":"المثال الحادي والتسعون: إذا أراد أن يُقرِض رجلًا مالًا ويأخذ (^١) منه رهنًا، فخاف أن يهلك الرهن فيسقط من دينه بقدره عند حاكم يرى ذلك، فالمَخْرج له أن يشتري العين التي يريد ارتهانها بالمال الذي يُقرِضه، ويُشهِد عليه أنه لم يقبضه، فإن وثِقَ بكونه عند البائع تركه عنده، فإن تلِفَ تلِفَ من ضمانه، وإن بقي تمكَّن مِن أخذه منه متى شاء، وإن ردَّ عليه المال أقاله البائع.\nوأحسن من هذه الحيلة أن يستودع العينَ قبل القرض، ثم يُقرِضه وهي عنده؛ [١٤١/ب] فهي في الظاهر وديعة، وفي الباطن رهن، فإن تلِفَت لم يسقط بهلاكها شيء من حقه.\nفإن خاف الراهن أنه إذا وفَّاه حقَّه لم يُقِلْه البيع، فالمَخْرج له أن يشترط عليه الخيار إلى المدة التي يعلم أنه يوفِّيه فيها على قول أبي يوسف ومحمد ومالك وأحمد.\nفإن خاف المرتهن أن يستحقَّ الرهن أو بعضه، فالمَخْرج له أن يضمِّن دركَ الرهنِ غيرَ الراهن، أو يُشِهد على من يخشى دعواه الاستحقاق بأنه متى ادَّعاه كانت دعواه باطلة، أو يضمِّنه الدركَ نفسه.\nالمثال الثاني والتسعون: إذا بدا الصلاح في بعض الشجرة جاز بيع جميعها، وكذلك يجوز بيع ذلك النوع كله في البستان. وقال شيخنا (^٢): يجوز بيع البستان كله تبعًا لما بدا صلاحه، سواء كان من نوعه أو لم يكن،\n_________\n(^١) ك: «ويأخذه».\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٨٢).","vol":"4","page":438},{"text":"تقارب إدراكُه وتلاحقُه أم تباعد، وهو مذهب الليث بن سعد. وعلى هذا فلا حاجة إلى الاحتيال (^١) على الجواز.\nوقالت الحنفية: إذا خرج بعض الثمرة دون بقيتها، أو خرج الجميع وبعضه قد بدا صلاحه دون بعض، لا يجوز البيع؛ للجمع بين الموجود والمعدوم والمتقوّم وغيره، فتصير حصّة (^٢) الموجود المتقوّم مجهولةً فيفسد البيع. وبعض الشيوخ كان يفتي بجوازه في الثمار والباذنجان ونحوها، جعلًا للمعدوم تبعًا للموجود. وأفتى محمد بن الحسن بجوازه في الورد لسرعة تلاحُقِه. قال شمس الأئمة السرخسي (^٣): والأصح المنع.\nقالوا: فالحيلة في الجواز أن يشتري الأصول، وهذا قد لا يتأتَّى غالبًا. قالوا: فالحيلة أيضًا أن يشتري الموجود الذي بدا صلاحه بجميع الثمن، ويُشهِد عليه أنه قد أباح له ما يحدث من (^٤) بعدُ. وهذه الحيلة أيضًا قد تتعذَّر أو قد ترجع في الإباحة، وإن جُعلت هبةً فهبة المعدوم لا تصح.\nوإن ساقاه على الثمرة من كل ألف (^٥) جزء على جزء ــ مثلًا ــ لم تصح المساقاة عندهم، وتصح عند أبي يوسف ومحمد.\nوإن آجره الشجرةَ لأخذِ ثمرِها لم تصح عندهم وعند غيرهم؛ فالحيلة إذًا أن يبيعه الثمرة الموجودة ويُشهِد عليه أن ما يحدث بعدها فهو حادث\n_________\n(^١) ز: «احتيال».\n(^٢) ك، ب: «جهة».\n(^٣) في «المبسوط» (١٢/ ١٩٧).\n(^٤) «من» ليست في ز.\n(^٥) «ألف» ليست في ز.","vol":"4","page":439},{"text":"على مِلك المشتري، لا حقَّ للبائع فيه، ولا يذكر سبب الحدوث. ولهم حيلة أخرى فيما إذا بدت الثمار أن يشتريها بشرط القطع، أو يشتريها ويطلق، ويكون القطع موجبَ العقد، ثم يتفقان على التبقية إلى وقت الكمال.\nولا ريبَ أن المَخْرج ببيعها إذا بدا صلاحُ بعضها أو بإجارة الشجر أو بالمساقاة أقربُ إلى النص والقياس وقواعد الشرع من ذلك، كما تقدم تقريره.\nالمثال الثالث والتسعون: إذا وكَّله أن يشتري له بضاعة، وتلك البضاعة عند الوكيل، وهي رخيصة تساوي أكثر مما اشتراها به، ولا تسمح نفسه أن يبيعها بما اشتراها به؛ فالحيلة أن يبيعها [١٤٢/أ] بما تساويه بيعًا تامًّا صحيحًا لأجنبي، ثم إن شاء اشتراها من الأجنبي لموكِّله. ولكن تدخل هذه الحيلة سدّ الذرائع؛ إذ قد يتخذ ذلك ذريعةً إلى أن يبيعها بأكثر مما تساوي، فيكون قد غشَّ الموكِّل. ويظهر هذا إذا اشتراها بعينها دون غيرها؛ فيكون قد غرَّ (^١) الموكِّل، فإن كان الموكِّل لو اطلع على الحال لم يكره ذلك ولم يَرَه غرورًا فلا بأس به، وإن كان لو اطلع عليه لم يَرْضَه لم يجز، والله أعلم.\nالمثال الرابع والتسعون: إذا اشترى منه دارًا، وخاف احتيال البائع عليه بأن يكون قد ملَّكها لبعض ولده، فيتركها في يده مدة ثم يدَّعيها عليه، ويحسب سكناها بثمنها، كما يفعله المخادعون الماكرون؛ فالحيلة أن يحتاط لنفسه بأنواع من الحيل:\nمنها: أن يضمن من يخاف منه الدرك.\n_________\n(^١) ك، ب: «غش».","vol":"4","page":440},{"text":"ومنها: أن يُشهِد عليه أنه إن ادَّعى هو أو وكيله في الدار دعوى كانت باطلة، وكل بينة يقيمها زُور.\nومنها: أن يضمن الدركَ لرجل معروف يتمكَّن من مطالبته.\nومنها: أن يجعل ثمنها أضعافَ ما اشتراها به، فإن استحقّت رجع عليه بالثمن الذي أشهد به. مثاله: أن يتفقا على أن الثمن ألف، فيشتريها بعشرة آلاف، ثم يبيعه بالعشرة آلاف سلعة (^١)، ثم يشتريها منه بألفٍ، وهي الثمن، فيأخذ الألف ويشهد عليه أن الثمن عشرة آلاف، وأنه قبضه، وبرئ منه المشتري، فإن استحقَّت رجع عليه بالعشرة آلاف. وبالجملة فمقابلة الفاسد بالفاسد والمكر بالمكر والخداع بالخداع قد يكون حسنًا بل مأمورًا به، وأقلُّ درجاته (^٢) أن يكون جائزًا كما تقدم بيانه.\nالمثال الخامس والتسعون: إذا اشترى العبد نفسَه من سيده بمال يؤدّيه إليه، فأدَّى إليه معظمه، ثم جحد السيد أن يكون باعه نفسه، وللسيد في يد العبد مال أذِنَ له في التجارة؛ فالحيلة أن يشهد العبد في السرّ أن المال الذي في يده لرجل أجنبي، فإن وفَى له سيده بما عاقده عليه وفَى له العبد، وسلَّمه ماله، وإن غدر به تمكَّن العبد من الغدر به، وإخراجِ المال عن يده.\nوهذه الحيلة لا تتأتَّى على أصل من يمنع مسألة الظفر، ولا على قول من يجيزها، فإن السيد إذا ظلمه بجحدِه حقَّه لم يكن له أن يظلمه بمنعِه مالَه، وأن يحول بينه وبينه فيقابل الظلم بالظلم، ولا يرجع إليه منه فائدة، ولكن\n_________\n(^١) ك: «سعلة».\n(^٢) ك: «الدرجات».","vol":"4","page":441},{"text":"فائدة هذه الحيلة أن السيد متى علم بصورة الحال، وأنه متى جحده البيع حالَ بينه وبين ماله بالإقرار الذي يظهره منعَه ذلك من جحود البيع، فيكون بمنزلة رجل أمسك ولد غيره ليقتله، فظفِرَ هو بولده قبل القتل فأمسكه، وأراه أنه إن قتل ولده قتل هو ولده أيضًا، ونظائر ذلك.\nوكذلك إن كان السيد هو الذي يخاف من (^١) العبد أن لا يقرَّ له بالمال ويقرَّ به لغيره يتواطآن عليه؛ فالحيلة أن يبدأ السيد فيبيع العبد لأجنبي في [١٤٢/ب] السرّ، ويُشهِد على بيعه، ثم يبيع العبد من نفسه، فإذا قبض المال فأظهر العبد إقرارًا بأن (^٢) ما في يده لأجنبي أظهر السيد أن بيعه لنفسه كان باطلًا، وأن فلانًا الأجنبي قد اشتراه، فإذا علم العبد أن عتقه يبطُل، ولا يحصل مقصوده، امتنع من التحيُّل على إخراج مال السيد عنه إلى أجنبي.\nونظير هذه الحيلة إذا أراد ظالم (^٣) أخذَ دارِه بشراء أو غيره؛ فالحيلة أن يملِّكها لمن يثِقُ به، ثم يُشهِد على ذلك، وأنها خرجت عن ملكه، ثم يُظهِر أنه وقفها على الفقراء والمساكين. ولو كان في بلده حاكم يرى صحة وقف الإنسان على نفسه، وصحةَ استثناء الغلَّة له مدةَ حياته، وصحةَ وقفه لها بعد موته، فحكم له بذلك= استغنى عن هذه الحيلة.\nوحيل هذا الباب ثلاثة أنواع: حيلة على دفع الظلم والمكر حتى لا يقع، وحيلة على رفعه (^٤) بعد وقوعه، وحيلة على مقابلته بمثله حيث لا يمكن رفعه.\n_________\n(^١) «من» ليست في ك.\n(^٢) ك: «أن».\n(^٣) ك: «الحاكم».\n(^٤) ك: «دفعه».","vol":"4","page":442},{"text":"فالنوعان الأولان جائزان، وفي الثالث تفصيل، فلا يمكن القول بجوازه على الإطلاق، ولا بالمنع منه على الإطلاق، بل إن كان المتحيَّلُ به حرامًا لحق (^١) الله لم يجز مقابلته بمثله، كما لو جرَّعه الخمرَ أو زنى بحرمته. وإن كان حرامًا لكونه ظلمًا له في ماله، وقدَرَ على ظلمه بمثل ذلك فهي مسألة الظفر.\nوقد توسَّع فيها قوم حتى أفرطوا، وجوَّزوا قَلْع الباب، ونَقْب الحائط، وخَرْق السقف، ونحو ذلك؛ لمقابلته بأخذ نظير ماله. ومنعها قوم بالكلية، وقالوا: لو كان له عنده وديعة أو له عليه دين لم يجز له أن يستوفي منه قدْرَ حقِّه إلا بإعلامه به. وتوسَّط آخرون وقالوا: إن كان سبب الحق ظاهرًا كالزوجية والأبوة والبنوة وملك اليمين الموجب للإنفاق، فله أن يأخذ قدْرَ حقِّه من غير إعلامه، وإن لم يكن ظاهرًا كالقرض وثمن المبيع ونحو ذلك، لم يكن له الأخذُ إلا بإعلامه. وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وعليه تدلُّ السنة دلالة صريحة؛ والقائلون به أسعدُ بها، وبالله التوفيق.\nوإن كان بهتًا له وكذبًا عليه أو قذفًا له أو شهادةً عليه بالزور لم يجز له مقابلته بمثله، وإن كان دعاءً عليه أو لعنًا أو مسبةً فله مقابلته بمثله على أصح القولين، وإن منعه كثير من الناس. وإن كان إتلافَ مالٍ له، فإن كان محترمًا كالعبد والحيوان لم يجز له مقابلته بمثله، وإن كان غيرَ محترمٍ فإن خاف تعدِّيه فيه لم يجز له مقابلته بمثله، كما لو حرَّق داره لم يجز له أن يحرِّق داره، وإن لم يتعدَّ فيه ــ بل كان يفعل به نظيرَ ما فعل به سواء، كما لو قطع شجرته أو كسر إناءه أو فتح قفصًا عن طائره أو حلَّ وِكاءَ مائعٍ له أو أرسل\n_________\n(^١) ز: «بحق».","vol":"4","page":443},{"text":"الماء على مسطاحِه (^١) فذهب بما فيه ونحو ذلك، وأمكنه مقابلته بمثل ما فعل سواء ــ فهذا محلُّ اجتهادٍ، لم يدلَّ على المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، بل الأدلة (^٢) المذكورة تقتضي جوازه، كما تقدم بيانه في أول الكتاب.\nوكان شيخنا - ﵁ -[١٤٣/أ] يرجِّح هذا ويقول (^٣): هو أولى بالجواز من إتلاف طرفه بطرفه، والله أعلم.\nالمثال السادس والتسعون: الضمان والكفالة من العقود اللازمة، ولا يمكن الضامنَ والكفيلَ أن يتخلَّص متى شاء، ولا سيما عند من يقول: إن الكفالة توجب ضمان المال إذا تعذَّر إحضارُ المكفول به مع بقائه، كما هو مذهب الإمام أحمد ومن وافقه.\nوطريق التخلص من وجوه:\nأحدهما: أن يوقِّتها بمدة، فيقول: ضمنتُه أو تكفَّلتُ به شهرًا أو جمعةً، ونحو ذلك، فيصح.\nالثاني: أن يقيِّدها بمكان دون مكان، فيقول: ضمنتُه أو تكفَّلتُ به ما دام في هذا البلد أو في هذا السوق.\nالثالث: أن يعلِّقها على شرط، فيقول: ضمنتُ أو كفلتُ إن رضي فلان،\n_________\n(^١) في «تاج العروس» (سطح) أن المسطاح لغة في المِسْطَح: الموضع الذي يُبسَط فيه التمر ويجفف. وذكر الروياني في «بحر المذهب» (٣/ ١١٠) أن أهل بغداد يسمون الجرين: المسطاح.\n(^٢) ك: «الأدلة الصحيحة».\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٣٢ - ٣٣٣).","vol":"4","page":444},{"text":"أو يقول: ضمنتُ ما عليه إن كفلَ فلان بوجهه، ونحو ذلك.\nالرابع: أن يشرط (^١) في الضمان أنه لا يطالبه حتى يتعذَّر مطالبة الأصيل، فيجوز هذا الشرط، بل هو حكم الضمان في أشهر الروايتين عن مالك؛ فلا يطالب الضامن حتى يتعذَّر مطالبة الأصيل وإن لم يشرطه، حتى لو شرطَ أن يأخذ من أيهما شاء كان الشرط باطلًا عند ابن القاسم وأصبغ.\nالخامس: أن يقول: كفلتُ بوجهه على أني بريء مما عليه، فلا يلزمه ما عليه إذا لم يحضره، بل يلزم بإحضاره إذا تمكَّن منه.\nالسادس: أن يطالب المضمون عنه بأداء المال إلى ربه؛ ليبرأ هو من الضمان إذا كان قد ضمن بإذنه، ويكون خصمًا في المطالبة، وهذا مذهب مالك. فإن ضمِنَه بغير إذنه لم يكن له مطالبته بأداء المال إلى ربه، فإن أدَّاه عنه فله مطالبته به حينئذٍ.\nالمثال السابع والتسعون: إذا كان له داران فاشترى منه إحداهما على أنها (^٢) إن استحقت فالدار الأخرى له بالثمن، فهذا جائز؛ إذ غايته تعليق البيع بالشرط، وليس في شيء من (^٣) الأدلة الشرعية ما يمنع صحته. وقد نصّ الإمام أحمد على جوازه فيمن باع جارية، وشرط على المشتري أنه إن باعها فهو أحقُّ بها بالثمن، وفعله بنفسه لما رهنَ نعله وشرطَ للمرتهن أنه إن جاءه بفِكاكها إلى وقت كذا، وإلا فهي له بما عليها، ونصَّ على جواز تعليق النكاح\n_________\n(^١) ك: «يشترط».\n(^٢) «أنها» ليست في ك.\n(^٣) «شيء من» ليست في ك، ب.","vol":"4","page":445},{"text":"بالشرط فالبيع أولى، ونص على جواز تعليق التولية بالشرط كما نصَّ عليه صاحب الشرع نصًّا لا يجوز مخالفته، وقد تقدَّم تقرير ذلك.\nوكثير من الفقهاء يُبطِل البيع المذكور، فالحيلة في جوازه عند الكل أن يشتري منه المشتري الدار الأخرى التي لا يريد شراءها، ويقبضها منه، ثم يشتري بها الدار التي يريد شراءها ويسلِّمها إليه، ويتسلَّم داره، فإن استحقت هذه الدار عليه رجع في ثمنها، وهو الدار الأخرى. وهذه حيلة لطيفة جائزة لا تتضمن إبطالَ حق، ولا دخولًا في باطل، وهي مثال لما كان من جنسها من هذا النوع مما يخاف استحقاقه، ويشترط على البائع [١٤٣/ب] أخذ ما يقابله من حيوان (^١) أو رقيق أو غير ذلك.\nالمثال الثامن والتسعون: رجل أراد أن يشتري جارية أو سلعة من رجل غريب، فلم يأمن أن تستحق أو تخرج مَعيبةً فلا يمكنه الرجوع ولا الردّ، فإن قال له البائع: «أنا أوكّل من تعرفه فيما تدَّعي به من (^٢) عيب أو رجوع» لم يأمن أن يحتال عليه ويعزِله فيذهب حقه، فالحيلة في التوثُّق أن يكون الوكيل هو الذي يتولى البيع بنفسه، ويضمن له صاحب السلعة الدركَ، ويكون وكيلًا لهذا الذي تولى البيع، فيمكن المشتريَ حينئذٍ مطالبةُ هذا الذي تولَّى البيع بنفسه ويأمن ما يحذره.\nالمثال التاسع والتسعون: رجل قال لغيره: «اشترِ هذه الدار أو هذه السلعة من فلان بكذا وكذا، وأنا أربحك فيها كذا وكذا»، فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها، ولا يتمكَّن من الرد؛ فالحيلة أن يشتريها على أنه\n_________\n(^١) ك: «جواز»، تصحيف.\n(^٢) «من» ليست في ك.","vol":"4","page":446},{"text":"بالخيار ثلاثة أيام أو أكثر، ثم يقول للآمر: قد اشتريتُها بما ذكرتَ، فإن أخذها منه، وإلا تمكَّن من ردِّها على البائع بالخيار. فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خيارًا أنقصَ من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع؛ ليتسع له زمن الردّ إن ردّت عليه.\nالمثال الموفي مئة: إذا اشترى منه جارية أو سلعة ثم اطلع على عيب بها، فخاف إن ادَّعى أنه اشتراها بكذا وكذا أن ينكر البائعُ قبضَ الثمن، ويسألَ الحاكمَ الحكمَ عليه بإقراره أو ينكر البيع ويسأله تسليمَ الجارية إليه؛ فالحيلة التي تخلِّصه أن يردَّها عليه فيما بينه وبينه، ثم يدَّعي عليه عند الحاكم باستحقاق ثمنها، ولا يعيَّن السبب، فإن أقرَّ فلا إشكال، وإن أنكر لم يَلزم المشتريَ الثمنُ، فإما أن يقيم عليه بينةً أو يحلِّفه.\nالمثال الحادي بعد المائة: إذا كان له عليه مال حالٌّ فأبى أن يقرَّ له به حتى يصالحه على بعضه أو يؤجّله، ولا بينةَ له، فأراد حيلة يتوصَّل بها إلى أخذ ماله كله حالًا، ويبطل الصلح والتأجيل، فالحيلة له أن يواطئ رجلًا يدَّعي (^١) عليه بالمال الذي له على فلان عند حاكم، فيقرّ له به، ويصح إقراره بالدين الذي له على الغير، فإنه قد يكون المال مضاربةً فيصير ديونًا على الناس، فلو لم يصح إقراره به له لضاع ماله.\nوأما قول أبي عبد الله بن حَمدان في «الرعاية»: «ولو قال: دَيني الذي على زيد لعمرو احتمل الصحة، والبطلانُ أظهر» = فهذا إنما هو فيما إذا أضاف الدين إليه ثم قال: هو لعمرو، فيصير نظير ما لو قال: مِلكي كله\n_________\n(^١) ز: «غيره».","vol":"4","page":447},{"text":"لعمرو، أو داري هذه له، فإن هذا لا يصح إقرارًا على أحد الوجهين للتناقض، ويصح هبةً. فأما إذا قال: «هذا الدين الذي على زيد لعمرو يستحقُّه دوني» صح ذلك قولًا واحدًا، كما لو قال: «هذه الدار له، أو هذا الثوب له» على أن الصحيح صحة الإقرار ولو أضاف الدينَ أو العينَ إلى نفسه، ولا تناقض؛ لأن الإضافة تصدُق مع كونه ملكًا للمقرّ له، فإنه يصح أن يقال: هذه دار [١٤٤/أ] فلان، إذا كان ساكنها بالأجرة، ويقول المضارب: دَيني على فلان، وهذا الدين لفلان، يعني أنه يستحقّ المطالبةَ به والمخاصمةَ فيه، فالإضافة تصدُق بدون هذا، ثم يأتي صاحب المال إلى من هو في ذمته، فيصالحه على بعضه أو يؤجِّله، ثم يجيء المقرّ له فيدَّعي على من عليه المال بجملته حالًا، فإذا أظهر كتاب الصلح والتأجيل قال المقرُّ له: هذا باطل، فإنه تصرّف فيما لا يملك المصالح، فإن كان الغريم إنما أقرَّ باستحقاق غريمه الدينَ مؤجّلًا أو بذلك القدر منه فقط بطلت (^١) هذه الحيلة.\n\nونظير هذه الحيلة حيلة<span data-type=\"title\" id=toc-790> إيداع الشهادة</span>، وصورتها أن يقول له الخصم: لا أقرُّ لك حتى تُبرِئني من نصف الدين أو ثلثه، وتُشهِد (^٢) عليك أنك لا تستحقّ عليَّ بعد ذلك شيئًا، فيأتي صاحب الحق إلى رجلين فيقول: اشْهَدَا أني على طلب حقي كله من فلان، وأني لم أُبرِئه من شيء منه، وأني أريد أن أُظهِر مصالحته على بعضه لأتوصَّل بالصلح إلى أخذ بعض حقي، وأني إذا أَشهدتُ أني لا أستحق عليه سوى ما صالحني عليه فهو إشهاد باطل، وأني\n_________\n(^١) ز: «فطلب»، تحريف.\n(^٢) كذا في النسخ، وهو الصواب. وفي المطبوع: «وأشهد»، خطأ.","vol":"4","page":448},{"text":"إنما أُشهِد على ذلك توصلًا إلى أخذ بعض حقي. فهذه تعرف بمسألة إيداع الشهادة؛ فإذا فعل ذلك جاز له أن يدَّعي بقاءه على حقه، ويقيم الشهادة بذلك.\nهذا مذهب مالك، وهو مطَّرد على قياس مذهب أحمد وجارٍ على أصوله، فإن له التوصل إلى حقه بكل طريق جائزة، بل لا يقتضي المذهب غير ذلك، فإن هذا مظلوم توصَّل إلى حقِّه بطريق لم يُسقِط بها حقًّا لأحد، ولم يأخذ بها ما لا يحلُّ له أخذه؛ فلا خرجَ بها من حق، ولا دخلَ بها في باطل.\nونظير هذا أن يكون للمرأة على رجل حق، فيجحده ويأبى أن يقرَّ به حتى تُقرَّ له بالزوجية، فطريق الحيلة أن تُشهِد على نفسها أنها ليست امرأة فلان، وأني أريد أن أُقِرَّ له بالزوجية إقرارًا كاذبًا لا حقيقة له؛ لأتوصَّل بذلك إلى أخذ مالي عنده، فاشْهدوا أن إقراري بالزوجية باطل أتوصَّل به إلى أخذ حقي.\nونظيره أيضًا أن ينكر نسب أخيه، ويأبى أن يقرَّ له به حتى يشهد أنه لا يستحق في تركة أبيه شيئًا، وأنه قد أبرأه من جميع ما له في ذمته منها، أو أنه وهب له جميع ما يخصُّه منها، أو أنه قبضه أو اعتاض عنه ونحو ذلك، فيُودِع الشهادةَ عدلين أنه باقٍ على حقه، وأنه يُظهِر ذلك الإقرار توصلًا إلى إقرار أخيه بنسبه، وأنه لم يأخذ من ميراث أبيه شيئًا، ولا أبرأ أخاه، ولا عاوضه، ولا وهبه.\n\nوهذا يُشبِه<span data-type=\"title\" id=toc-791> إقرار المضطَهَد </span>الذي قد اضطُهِد ودُفِع عن حقه حتى يُسقِط حقًّا آخر، والسلف كانوا يسمُّون مثل هذا مضطهدًا، كما قال حماد بن سلمة:","vol":"4","page":449},{"text":"ثنا حُميد عن الحسن أن رجلًا تزوج امرأة، وأراد سفرًا، فأخذه أهلُها، فجعلها طالقًا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهرٍ، فجاء الأجل، ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه [١٤٤/ب] إلى عليّ (^١) فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا، فردَّها عليه (^٢).\nومعلوم أنه لم يكن هناك إكراه بضرب ولا أخْذِ مال، وإنما طالبوه بما يجب لها عليه من نفقتها، وذلك ليس بإكراه، ولكن لما تعنَّتوه باليمين جعله مضطهدًا؛ لأنه عقدَ اليمين ليتوصَّل إلى قصده من السفر، فلم يكن حلفه عن اختيار، بل هو كالمحمول عليه.\nوالفرق بينه وبين المكْرَه أن المكره قاصد لدفع (^٣) الضرر باحتمال ما أُكرِه عليه، وهذا قاصد للوصول إلى حقه بالتزام ما طلب منه، وكلاهما غير راضٍ ولا مؤثرٍ لما التزمه، وليس له وَطَرٌ فيه.\nفتأملْ هذا ونزِّله على قواعد الشرع ومقاصده، وهذا ظاهر جدًّا في أن علي بن أبي طالب لم يكن يرى الحلف بالطلاق مُوقِعًا للطلاق إذا حنِثَ به، وهو قول شريح وطاوس وعكرمة وأهلِ الظاهر وأبي عبد الرحمن الشافعي، وهو أجلُّ أصحابه على الإطلاق. قال بعض الحفَّاظ: ولا يُعلم لعليٍّ مخالف من الصحابة، وسيأتي الكلام في المسألة، إن شاء الله، إذ المقصود أن من أقرَّ أو حلفَ أو وهبَ أو صالحَ لا عن رِضًى منه، ولكن منع حقه إلا بذلك، فهو\n_________\n(^١) بعدها في ز فقط: «كرم الله وجهه».\n(^٢) ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢١٢) بهذا اللفظ، وهوضعيف لعدم سماع الحسن من علي، وسيأتي بلفظ آخر.\n(^٣) ك: «قاصدًا رفع».","vol":"4","page":450},{"text":"بالمكره أشبهُ منه بالمختار، ومثل هذا لا يلزمه ما عقده من هذه العقود.\nومن له قدمٌ راسخ في الشريعة، ومعرفة بمصادرها ومواردها، وكان الإنصاف أحبَّ إليه من التعصب والهوى، والعلم والحجة آثرَ عنده من التقليد، لم يكد يخفى عليه الصواب، والله الموفق.\nوهذه المسألة من نفائس هذا الكتاب، والجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءةً، ولا الهدى إلا ضلالةً.\nفقلْ للعيونِ الرُّمْدِ للشمسِ أعيُنٌ ... سواكِ تراها في مَغيبٍ ومَطلعِ\nوسامِحْ نفوسًا بالقُشور قد ارتضَتْ ... وليس لها لِلُّب من مُتطلّعِ (^١)\n\nالمثال الثاني بعد المائة: اختلف الفقهاء هل يملك البائع حبْسَ السلعة على ثمنها؟ وهل يملك المستأجر حبْسَ العين بعد العمل على الأجرة؟ على ثلاثة أقوال:\nأحدها: يملكه في الموضعين، وهو قول مالك وأبي حنيفة (^٢).\nوالثاني: لا يملكه في الموضعين، وهو المشهور من مذهب أحمد عند أصحابه.\nوالثالث: يملك حبْسَ العين المستأجرة على عملها، ولا يملك حبْسَ المبيع على ثمنه. والفرق بينهما أن العمل يجري مجرى الأعيان، ولهذا يقابل بالعوض؛ فصار كأنه شريك (^٣) لمالك العين بعمله، فأثر عمله قائم\n_________\n(^١) لم أجد البيتين فيما بين يديّ من المصادر، وهما أشبه بشعر المؤلف.\n(^٢) بعدها في المطبوع: «وهو المختار». وليست في النسخ.\n(^٣) ز: «شريكًا».","vol":"4","page":451},{"text":"بالعين؛ فلا يجب عليه تسليمه قبل أن يأخذ عوضه. بخلاف المبيع؛ فإنه قد (^١) دخل في ملك المشتري، وصار الثمن في ذمته، ولم يبق للبائع تعلقٌ بالعين.\nومن سوَّى بينهما قال: الأجرة قد صارت في الذمة، ولم يشترط رهن العين عليها، فلا يملك حبسها. وعلى هذا فالحيلة في الحبس في الموضعين حتى يصل إلى [١٤٥/أ] حقه: أن يشترط عليه رهن العين المستأجرة على أجرتها، فيقول: رهنتُك هذا الثوب على الأجرة (^٢)، وهي كذا وكذا. وهكذا في المبيع يَشرط على المشتري رهْنَه على ثمنه حتى يسلِّمه إليه، ولا محذورَ في ذلك أصلًا، ولا معنى، ولا مأخذٌ قويّ يمنع صحة هذا الشرط والرهن، وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهْنَ عينٍ أخرى على الثمن جاز، فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه؟\nولا فرقَ بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين. وقد نصّ الإمام أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه، وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله. وقال القاضي وأصحابه: لا يصح، وعلَّله ابن عقيل بأن المشتري رهن ما لا يملك، فلم يصح، كما لو شرط أن يرهنه عبدًا لغيره يشتريه ويرهنه. وهذا تعليل باطل؛ فإنه إنما حصل الرهن بعد ملكه، واشتراطُه قبل الملك لا يكون بمنزلة رهن الملك.\nوالفرق بين هذه المسألة وبين اشتراط رهن عبد زيد: أن اشتراط (^٣)\n_________\n(^١) «قد» ليست في ك.\n(^٢) ك: «أجرته».\n(^٣) ز: «اشترط».","vol":"4","page":452},{"text":"رهنِ عبد زيد غررٌ (^١) قد يمكن وقد لا يمكن، بخلاف اشتراط رهن المبيع على ثمنه، فإنه إن تمَّ العقد صار المبيع رهنًا، وإن لم يتمَّ تبينَّا أنه لا ثمن يحبس عليه الرهن، فلا غررَ البتةَ؛ فالمنصوص أفقهُ وأصحُّ.\nوهذا على أصل من يقول: «للبائع حبسُ المبيع على ثمنه» ألزمُ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي وبعض أصحاب الإمام أحمد. وهو الصحيح ــ وإن كان خلاف منصوص أحمد ــ لأن عقد البيع يقتضي استواءهما في التسلُّم والتسليم، ففي إجبار (^٢) البائع على التسليم قبل حضور الثمن وتمكينِه من قبضه إضرارٌ به، فإذا ملكَ حبْسَه على ثمنه من غير شرطٍ فلأن يملكه مع الشرط أولى وأحرى. فقول القاضي وأصحابه مخالف لنصِّ أحمد وللقياس. فإن شرطَ أن يقبض المشتري المبيع ثم يرهنه على ثمنه عند بائعه فأولى بالصحة.\nوقال ابن عقيل في «الفصول»: الرهن أيضًا باطلٌ؛ لأنهما شرطَا رهنه قبل ملكه، وقد عرفتَ ما فيه. وعلَّله أيضًا بتعليل آخر فقال: إطلاق البيع يقتضي تسليم الثمن من غير المبيع، والرهن يقتضي استيفاءه من عينه إن كان عينًا أو ثمنه إن كان عرضًا، فتضادَّا.\nوهذا التعليل أقوى من الأول، وهو الذي أوجب له القول ببطلان الرهن قبل القبض وبعده، فيقال: المحذور من التضادّ إنما هو التدافع، بحيث يدفع كل من المتضادَّينِ المتنافيينِ الآخرَ، فأما إذا لم يدفع أحدهما الآخر فلا محذور، والبائع إنما يستحق ثمن المبيع، وللمشتري أن يؤدّيه إياه من عين\n_________\n(^١) «غرر» ليست في ك، ب.\n(^٢) ك: «خيار»، تحريف.","vol":"4","page":453},{"text":"المبيع ومن غيره، فإن له أن يبيعه ويقبضه ثمنه منه. وغاية عقد الرهن أن يُوجب ذلك، فأيُّ تدافعٍ وأيُّ تنافٍ هنا؟\nوأما قوله: «إطلاق العقد يقتضي التسليم للثمن من غير المبيع»، فيقال: بل إطلاقه يقتضي تسليم الثمن من أي جهة شاء المشتري، حتى لو باعه قفيزَ حنطةٍ بقفيزِ حنطة وسلَّمه إليه، [١٤٥/ب] ملكَ أن يوفِّيه إياه ثمنًا كما استوفاه مبيعًا، كما لو اقترض منه ذلك ثم وفّاه إياه بعينه.\nثم قال ابن عقيل: وقد قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه (^١): إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب، ولا يكون رهنًا إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع الرهنَ. فظاهرُ هذا أنه إن شرط كونَ المبيع رهنًا في حال العقد صحَّ. قال: وليس هذا الكلام على ظاهره ومعناه إلا أن يشرط عليه في نفس البيع رهنًا غير المبيع؛ لأن اشتراط رهنه (^٢) اشتراطُ تعويقٍ للتسليم في المبيع.\nقلت: ولا يخفى منافاة ما قاله لظاهر كلام الإمام أحمد، فإن كلام أحمد المستثنى والمستثنى منه في صورة حَبْس المبيع على ثمنه، فقال: «هو غاصب إلا أن يكون شرطَ عليه في نفس البيع الرهنَ» أي: فلا يكون غاصبًا بحبس السلعة بمقتضى شرطه. ولو كان المراد ما حمله عليه لكان معنى الكلام إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب إلا أن يكون قد شرط له رهنًا آخر غير المبيع يسلِّمه إليه. وهذا كلام لا يرتبط أوله بآخره، ولا يتعلَّق به، فضلًا عن أن يدخل في الأول ثم يستثنى منه، ولهذا جعله أبو البركات ابن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٠٣).\n(^٢) ز: «اشتراطه رهن». والمثبت من ك، ب.","vol":"4","page":454},{"text":"تيمية نصًّا في صحة هذا الشرط، ثم قال (^١): وقال القاضي: لا يصح.\nوأما قوله: «إن اشتراط رهن المبيع تعويقٌ للتسليم في المبيع»، فيقال: واشتراط التعويق إذا كان لمصلحة البائع، وله فيه غرض صحيح، وقد قدم عليه المشتري فأي محذور فيه؟ ثم هذا يبطل (^٢) باشتراط البائع (^٣) الخيارَ؛ فإن فيه تعويقًا للمشتري عن التصرف في المبيع، وباشتراط المشتري تأجيلَ الثمن؛ فإن فيه تعويقًا للبائع عن تسلُّمه أيضًا، ويبطل على أصل الإمام أحمد وأصحابه باشتراط البائع انتفاعَه بالمبيع مدةً يستثنيها؛ فإن فيه تعويقًا للتسليم، ويبطل أيضًا ببيع العين المُؤجَرة.\nفإن قيل: إذا شرطَ (^٤) أن يكون رهنًا قبل قبضه تدافعَ موجب البيع والرهن، فإن موجب الرهن أن يكون تلفُه من ضمان مالكه؛ لأنه أمانة في يد المرتهن، وموجب البيع أن يكون تلفُه قبل التمكُّن من قبضه من ضمان البائع، فإذا تلِفَ هذا الرهن قبل التمكُّن من قبضه، فمن ضمان أيهما يكون؟\nقيل: هذا السؤال أقوى من السؤالين المتقدمين، والتدافع فيه أظهر من التدافع في التعليل الثاني، وجواب هذا السؤال أن الضمان قبل التمكُّن من القبض كان على البائع، ولا يُزيل هذا الضمان إلا تمكُّنُ المشتري من القبض، فإذا لم يتمكن من قبضه فهو مضمون على البائع كما كان، وحبسه إياه على ثمنه لا يُدخِله في ضمان المشتري ويجعله مقبوضًا له كما لو حبسه بغير شرط.\n_________\n(^١) في «المحرر» (١/ ٣١٤).\n(^٢) ك، ب: «يبطلها».\n(^٣) «البائع» ليست في ك.\n(^٤) ك: «اشترط».","vol":"4","page":455},{"text":"فإن قيل: فأحمد رحمه الله تعالى قد قال: «إنه إذا حبسه على ثمنه كان غاصبًا إلا أن يشترط عليه الرهن»، وهذا يدل على أنه فرّق في ضمانه بين أن يحبسه بشرط أو يحبسه بغير شرط، وعندكم هو مضمون عليه في [١٤٦/أ] الحالين، وهو خلاف النص.\nفالجواب: أن الإمام أحمد - ﵀ - إنما جعله غاصبًا بالحبس، والغاصب عنده يضمن العين بقيمتها أو مثلها، ثم يستوفي الثمن أو بقيته من المشتري، وأما إذا تلِفَ قبل قبضه فهو من ضمان البائع، بمعنى أنه ينفسخ العقد فيه، ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن، وإن كان قد قبضه منه أعاده إليه، فهذا الضمان شيء، وضمان الغاصب شيء آخر.\nفإن قيل: فكيف يكون رهنًا وضمانُه على المرتهن؟\nقيل: لم يضمنه المرتهن من حيث هو رهن، وإنما ضمِنَه من حيث كونه مبيعًا لم يتمكَّن مشتريه من قبضه، فحقُّ توفيتِه بعدُ على بائعه.\nفإن قيل: فما تقولون لو حبس البائع السلعة لاستيفاء حقِّه منها، وهذا يكون في صور:\nأحدها (^١): أن يبيعه دارًا له فيها متاع لا يمكن نقله في وقت واحد.\nوالثانية: أن يستثني البائع الانتفاعَ بالمبيع مدة معلومة على أصلكم، أو نحو ذلك، فإذا تلِفتْ في يد البائع قبل تمكُّن المشتري من القبض في هاتين الصورتين هل تكون من ضمانه أو من ضمان البائع؟\n_________\n(^١) كذا في النسخ.","vol":"4","page":456},{"text":"الثالثة: أن يشترط الخيار ويمنعه من تسليم المبيع قبل انقضاء الخيار.\nقيل: الضمان في هذا كله على البائع؛ لأنه لم يدخل تحت يد المشتري، ولم يتمكَّن من قبضه، فلا يكون مضمونًا عليه.\nفإن قيل: فهل يكون من ضمانه بالثمن أو بالقيمة؟\nقيل: بل يكون مضمونًا عليه بالقيمة (^١)، بمعنى أن العقد ينفسخ بتلفه؛ فلا يلزم المشتريَ تسليمُ الثمن.\nالمثال الثالث بعد المائة: إقرار المريض لوارثه بدين باطلٌ عند الجمهور؛ للتهمة، فلو كان له عليه دين ويريد أن تبرأَ ذمتُه منه قبل الموت، وقد علم أن إقراره له باطل، فكيف الحيلة في براءة ذمته ووصولِ صاحب الدين إلى ماله؟ فهاهنا وجوه:\nأحدها: أن يأخذ إقرار باقي الورثة بأن هذا الدين على الميت؛ فإن الإقرار إنما بطل لحقّهم، فإذا أقرُّوا به لزِمَهم.\nفإن لم تتمَّ هذه الحيلة فله وجه ثانٍ، وهو أن يأتي برجل أجنبي يثِقُ به يقرُّ له بالمال، فيدفعه الأجنبي إلى ربه.\nفإن لم تتم هذه الحيلة فله وجه ثالث، وهو أن يشتري منه سلعة بقدر دينه، ويقرّ المريض بقبض الثمن منه، أو يقبض منه الثمن بمحضر الشهود ثم يدفعه إليه سرًّا.\nفإن لم تتم هذه الحيلة فليجعل الثمن وديعة عنده، فيكون أمانة فيُقبل\n_________\n(^١) ك: «بالثمن».","vol":"4","page":457},{"text":"قوله في تلفه، ويتأول أو يدَّعي ردَّه إليه، والقول قوله.\nوله وجه آخر، وهو أن يُحضِر الوارث شيئًا ثم يبيعه من موروثه بحضرة الشهود، ويسلِّمه إليه فيقبضه ويصير ماله، ثم يهبه الموروثُ لأجنبي ويقبضه (^١) منه، ثم يهبه الأجنبي للوارث، فإذا فعلت هذه الحيلة ليصلَ المريض إلى براءة ذمته، والوارث إلى أخذ دينه= جاز ذلك، وإلا فلا.\nالمثال [١٤٦/ب] الرابع بعد المائة: إذا أحاله بدينه على رجل، فخاف أن يتْوَى ماله على المحال عليه، فلا يتمكَّن من الرجوع على المُحِيل؛ لأن الحوالة تحوِّل الحقَّ وتنقلُه، فله ثلاث حيل:\nإحداها: أن يقول: أنا لا (^٢) أحتال، ولكن أكون وكيلًا لك في قبضه، فإذا قبضه فإن استنفقه ثبت له ذلك في ذمة الوكيل، وله في ذمة الموكِّل نظيره، فيتقاصَّان. فإن خاف الموكِّل أن يدَّعي الوكيل ضياع المال من غير تفريط فيعود يطالبه بحقه، فالحيلة له أن يأخذ إقراره بأنه متى ثبت قبضه منه فلا شيء له على الموكل، وما يدَّعي عليه بسبب هذا الحق أو من جهته فدعواه باطلة، وليس هذا إبراءً معلَّقًا بشرط حتى يتوصَّل إلى إبطاله، بل هو إقرار بأنه لا يستحقُّ عليه شيئًا في هذه الحالة.\nالحيلة الثانية: أن يشترط عليه أنه إن تَوِي المال رجع عليه، ويصح هذا الشرط على قياس المذهب؛ فإن المحتال إنما قبل الحوالة على هذا الشرط، فلا يجوز أن يلزم بها بدون الشرط، كما لو قَبِل عقد البيع بشرط الرهن أو\n_________\n(^١) ك، ب: «ويقبض».\n(^٢) «لا» ليست في ز.","vol":"4","page":458},{"text":"الضمين أو تأجيل أو الخيار، أو قبل عقد الإجارة بشرط الضمين للأجرة أو تأجيلها، أو قبل عقد النكاح بشرط تأجيل الصداق، أو قبل عقد الضمان بشرط تأجيل الدين الحال على الضامن (^١)، أو قبل عقد الكفالة بشرط أن لا يلزمه من المال الذي عليه شيء، أو قبل عقد الحوالة بشرط ملاءة المحال عليه وكونه غير محجوب (^٢) ولا مماطل، وأضعاف أضعاف ذلك من الشروط التي لا تُحِلُّ حرامًا، ولا تُحرِّم حلالًا، فإنها جائزٌ اشتراطها لازمُ الوفاءِ بها، كما تقدم تقريره نصًّا وقياسًا.\nوقد صرّح أصحاب أبي حنيفة بصحة هذا الشرط في الحوالة، فقالوا ــ واللفظ للخصَّاف (^٣) ــ: يجوز أن يحتال الطالب بالمال على غريم المطلوب على أن (^٤) هذا الغريم إن لم يوفِّ الطالبَ هذا المالَ إلى كذا وكذا فالمطلوب ضامنٌ لهذا المال على حاله، وللطالب أخذُه بذلك، وتقع الحوالة على هذا الشرط، فإن وفَّاه الغريم إلى الأجل الذي يشترطه، وإلا رجع إلى المطلوب وأخذَه بالمال. ثم حكى عن شيخه قال: قلت: وهذا جائز؟ قال: نعم.\nالحيلة الثالثة: أن يقول طالب الحق للمحال عليه: اضمَنْ لي هذا الدين الذي على غريمي، ويرضى منه بذلك بدلَ الحوالة، فإذا ضمِنَه تمكَّن من مطالبة أيهما شاء. وهذه من أحسنِ الحيل وألطفِها.\n_________\n(^١) ك: «المضمون عنه».\n(^٢) كذا في جميع النسخ. وفي المطبوع: «محجور».\n(^٣) في كتابه «الحيل» (ص ٣٠ - ٣١).\n(^٤) «أن» ليست في ز.","vol":"4","page":459},{"text":"المثال الخامس بعد المائة: إذا كان له عليه دينٌ حالٌّ، فاتفقا على تأجيله، وخاف من عليه الدين أن لا يفي له بالتأجيل؛ فالحيلة في لزومه أن يفسخ العقد الذي هو سبب الدين الحالّ، ثم يعقده عليه مؤجلًا، فإن كان عن ضمان أو كان بدلَ مُتلَفٍ أو عن دية وقد حلّت أو نحو ذلك؛ فالحيلة في لزوم التأجيل أن يبيعه سلعةً بمقدار هذا الدين، ويؤجِّل عليه ثمنَها، ثم يبيعه المدين تلك السلعة بالدين الذي [١٤٧/أ] أجَّله عليه أولًا، فيبرأ منه، ويثبت في ذمته نظيرُه مؤجَّلًا.\nفإن خاف صاحب الحق أن لا يفي له من عليه بأدائه عند كل نجم كما أجَّله؛ فالحيلة أن يشرط عليه أنه إن حلَّ نجمٌ ولم يؤدِّه قسطَه فجميع المال عليه حال، فإذا نجمه على هذا الشرط جاز، وتمكَّن من مطالبته به حالا ومنجمًا عند من يرى لزوم تأجيل الحال ومن لا يراه، أما من لا يراه فظاهر، وأما من يراه فإنه يجوز تأجيله بهذا الشرط، كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة، والله أعلم.\nالمثال السادس بعد المائة: إذا أراد المريض الذي لا وارثَ له أن يوصي بجميع أمواله (^١) في أبواب البر، فهل له ذلك؟ على قولين، أصحهما: أنه يملك ذلك؛ لأنه إنما منعه الشارع فيما زاد على الثلث وكان له ورثة، فمن لا وارثَ له لا يُعتَرض عليه فيما صنع في ماله.\nفإن خاف أن يُبطِل ذلك حاكم لا يراه، فالحيلة أن يقرَّ لإنسانٍ يثق بدِينه وأمانته بدَين يحيط بماله كله، ثم يوصيه إذا أخذ ذلك المال أن يضعه في\n_________\n(^١) ك، ب: «ماله».","vol":"4","page":460},{"text":"الجهات التي يريد.\nفإن خاف المقرّ له أن يلزم بيمين باستحقاقه لما أقرَّ له به المريض، اشترى منه المريض عَرضًا من العروض بماله كله، ويسلّم العرض، فإذا حلف المقرُ له حلف بارًّا.\nفإن خاف أن يصح فيأخذه البائع بثمن العرض، فالحيلة له أن يشتريَ بشرط الخيار سنة، فإن مات بطل الخيار، وإن عاش فسخ العقد.\nفإن كان المال أرضًا أو عقارًا أو أراد أن يُوقِفه جميعَه على قوم يستغلُّونه ولا يمكن إبطاله، فالحيلة أن يقرَّ أن واقفًا وقف ذلك جميعه عليه ومِن بعده على الجهات التي يعيّنها، ويُشهِد على إقراره بأن هذا العقار في يده على جهة الوقف من واقفٍ كان ذلك العقار مِلكًا له إلى حين الوقف، أو يقرَّ بأن واقفًا معينًا وقفه على تلك الجهات، وجعله ناظرًا عليه، فهو في يده على هذا الوجه.\nوكذلك الحيلة إذا كان له بنت أو أم أو وارث بالفرض لا يستغرق ماله، ولا عصبةَ له، ويريد أن لا يتعرَّض له السلطان، فله أنواع من المخارج:\nمنها: أن يبيع الوارث تلك الأعيان، ويقرَّ بقبض الثمن منه، وإن أمكنه أن يُشهِد على قبضه بأن يحضر الوارث مالًا يقبضه إياه، ثم يُعيده إليه سرًّا، فهو أولى.\nومنها: أن يشتري المريض من الوارث سلعة بمقدار التركة من الثمن، ويُشهِد على الشراء، ثم يعيد إليه تلك السلعة، ويرهنه المال كلَّه على الثمن، فإذا أراد السلطان مشاركته قال: وَفُّوني حقّي ثم خُذوا ما فضلَ.","vol":"4","page":461},{"text":"ومنها: أن يبيع ذلك لأجنبي يثِقُ به، ويقرّ بقبض الثمن منه، أو يقبضه بحضرة الشهود، ثم يأذن للأجنبي في تمليكه للوارث أو وقفِه عليه.\nومنها: أن يقرَّ لأجنبي يثق به بما يريد، ثم يأمره بدفع ذلك إلى الوارث.\nولكن في هذه الحيل وأمثالها [١٤٧/ب] أمران مَخُوفان، أحدهما: أنه قد يصح فيحال بينه وبين ماله. والثاني: أن الأجنبي قد يدَّعي ذلك لنفسه، ولا يسلِّمه إلى الوارث، فلا خلاصَ من ذلك إلا بوجه واحد، وهو أن يأخذ إقرار الأجنبي، ويُشهِد عليه في مكتوب ثانٍ: أنه متى ادَّعى لنفسه أو لمن يخاف أن يواطئه على المريض أو وارثِه هذا المالَ أو شيئًا منه أو حقًّا من حقوقه كانت دعواه باطلة، وإن أقام به بينةً فهي بينة زورٍ، وأنه لا حقَّ له قِبَل فلان بن فلان ولا وارثِه بوجهٍ ما. ويُمسك الكتابَ عنده، فيأمن هو والوارث ادعاءَ ذلك لنفسه، والله أعلم.\nالمثال السابع بعد المائة: رجل يكون له الدين، ويكون عليه الدين، فيوكِّل وكيلًا في اقتضاء ديونه، ثم يتوارى عن غريمه، فلا يمكنه اقتضاء دينه منه، فأراد الغريم ممن له الدين على هذا الرجل حيلة يقتضي بها دَينَه منه، ولا يضرُّه تَواري من عليه الدين.\nفالحيلة أن يأتي هذا الذي له الدين إلى من عليه الدين، فيقول له: وكَّلتُك بقبض مالي على فلان وبالخصومة فيه، ووكَّلتُك أن تجعل ماله عليك قصاصًا بمالي (^١) عليه، وأجزتُ أمرَك في ذلك وما عملتَ فيه من شيء، فيقبل الوكيل، ويُشهِد على الوكالة على هذا الوجه شهودًا، ثم يُشهِدهم\n_________\n(^١) ز: «بمال».","vol":"4","page":462},{"text":"الوكيل أنه قد جعل الألف درهم التي لفلانٍ عليه قصاصًا بالألف التي لموكِّله على فلان، فيصير الألف قصاصًا، ويتحوَّل ما كان للرجل المتواري على هذا الوكيل للرجل الذي وكَّله.\nوهذه الحيلة جائزة؛ لأن الموكِّل أقام الوكيل مقامَ نفسه، والوكيل يقول: مطالبتي لك بهذا الدين كمطالبة موكِّلي به (^١)، فأنا أطالبك بألفٍ، وأنت تطالبني به، فاجعل الألف الذي تطالبني به عوضًا عن الألف الذي أطالبك به، ولو كانت الألف لي لحصلت المقاصَّة، إذ لا معنى لقبضك للألف مني ثم أدائها إليَّ. وهذا بعينه فيما إذا طالبتُك بها لموكِّلي؛ أنا أستحقُّ عليك أن تدفع إليَّ الألف، وأنت تستحقُّ عليَّ أن أدفع إليك ألفًا، فنتقاصُّ في الألفين (^٢).\nالمثال الثامن بعد المائة: رجل له على رجلٍ مال، فغاب الذي عليه المال، فأراد الرجل أن يثبت ماله عليه، حتى يحكم له الحاكم عليه وهو غائب، فليرفعه إلى حاكم يرى الحكم على الغائب. فإن كان حاكم البلد لا يرى الحكم على الغائب، فالحيلة أن يجيء رجل فيضمن لهذا الذي له المال جميعَ مالهِ على الرجل الغائب، ويسمّيه وينسبه، ولا يذكر مبلغ المال، بل يقول: ضمنتُ له جميعَ ما صح أنَّ له في ذمته، ويُشهِد على ذلك، ثم يقدِّمه إلى القاضي، فيقرّ الضامن بالضمان، ويقول: لا أعرف له على فلان شيئًا، فيسأل القاضي المضمونَ له: هل لك بينة؟ فيقول: نعم، فيأمره بإقامتها، فإذا\n_________\n(^١) «به» ليست في ك، ب.\n(^٢) ك: «بالألفين».","vol":"4","page":463},{"text":"شهدت ثبت الحق على الغائب، وحكم على الضمين بالمال، وجعله خصمًا عن الغائب؛ [١٤٨/أ] لأنه قد ضمِنَ ما عليه، ولا ينفُذ حكمه على الضامن بثبوت المال على وجه الضمان حتى يحكم على الغائب المضمونِ عنه بالثبوت؛ لأنه هو الأصل، والضامن فرعه، وثبوت الفرع بدون أصله ممتنع.\nوهو جائز على أصل أهل العراق، حيث يجوِّزون الحكم على الغائب إذا اتصل القضاء بحاضر محكوم عليه كوكيل الغائب، وكما لو ادَّعى أنه اشترى من غائب شفعة، فإنه يقضي عليه بالبيع وبالشفعة على المدعي، وكهذه المسألة، وكما لو ادَّعت زوجةُ غائبٍ أن له عند فلان وديعةً، فإنه يفرض لها بما في يديه.\nالمثال التاسع بعد المائة: ليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن إلا بإذن الراهن، فإن أذن له كان إباحةً أو عاريةً، له الرجوع فيها متى شاء، ويُقضى له بالأجرة من حين الرجوع في أحد الوجهين؛ فالحيلة في انتفاع المرتهن بالرهن آمنًا من الرجوع ومن الأجرة أن يستأجره منه للمدة التي يريد الانتفاع به فيها، ثم يُبرِئه من الأجرة، أو يقرّ بقبضها، ويجوز أن يردَّ عقد الإجارة على عقد الرهن ولا يُبطِله، كما يجوز أن يرهنه ما استأجره، فيُرَدُّ كلٌّ من العقدين على الآخر، وهو في يده أمانة في الموضعين، وحقُّه متعلق به فيهما، إلا أن الانتفاع بالمرهون مع الإجارة، والرهن بحاله.\nالمثال العاشر بعد المائة: إذا كان له على رجلٍ مال، وبالمال رهن، فادّعى صاحب الرهن به عند الحاكم (^١)، فخاف المرتهن أن يقرّ بالرهن،\n_________\n(^١) ز: «حاكم».","vol":"4","page":464},{"text":"فيقول الراهن: قد أقررتَ بأن (^١) لي رهنًا في يدك، وادّعيتَ الدين، فينزعه من يده، ولا يقرّ له بالدين. فقد ذكروا له حيلة تُحرِز (^٢) حقَّه، وهي أن لا يقرَّ له حتى يقرّ له صاحبه بالدين، فإن ادَّعاه وسأل إحلافه أنكر وحلف، وعرَّض في يمينه بأن ينوي أن هذا ليس له قبل ملكه، أو إذا باعه، أو ليس له عاريًا عن تعلُّق الحق به، ونحو ذلك.\nوأحسن من هذه الحيلة أن يفصِّل في جواب الدعوى فيقول: إن ادَّعيتَه رهنًا في يدي على ألفٍ لي عليك فأنا مقرٌّ به، وإن ادعيتَه على غير هذا الوجه فلا أقرُّ لك، وينفعه هذا الجواب، كما قالوا فيما إذا ادعى عليه ألفًا، فقال: إن ادَّعيتَها من ثمن مبيع لم أقبضه منك فأنا مقرٌّ، وإلا فلا، وهذا مثله سواء.\nفإن كان الغريم هو المدعي للمال فخاف الراهن أن يقرَّ بالمال فيجحد المرتهن الرهن فيلزم الراهنَ المالُ، ويذهب رهنه، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول: إن ادَّعيتَ هذا المال وأنك تستحقُّه من غير رهنٍ لي عندك فلا أقرُّ به، وإن ادَّعيتَه (^٣) مع كوني رهنتُك به كذا وكذا فأنا مقرٌّ به، ولا يزيد على هذا.\nوقالت الحنفية: الحيلة أن يقرَّ منه بدرهم فيقول: لك عليَّ درهم، ولي عندك رهن [١٤٨/ب] كذا وكذا، فإذا سأل الحاكم المدَّعيَ عن الرهن، فإما أن يقرَّ به، وإما أن ينكر، فإن أقرّ به فليقرّ له خصمه بباقي دينه، وإن أنكره وحلف عليه وسِعَ الآخرَ أن يجحد باقيَ الدين ويحلف عليه إن كان الرهن\n_________\n(^١) في النسخ: «بأنه».\n(^٢) ك، ب: «تجوز».\n(^٣) ك: «ادعيت».","vol":"4","page":465},{"text":"بقدر الدين أو أكثر منه، وإن كان أقلَّ منه لزمه أن يعطيه ما زاد على قيمة الرهن من حقه. قالوا: لأن الرهن إن كان قد تلفَ بغير تفريطه سقط ما يقابله من الدين، وإن كان قد فرط فيه صارت قيمته دينًا عليه، فيكون قصاصًا بالدين الذي له.\nوهذا بناء على أصلين لهم: أحدهما: أن الرهن (^١) مضمون على المرتهن بأقلِّ الأمرين من قيمته أو قدر الدين. والثاني: جواز الاستيفاء في مسألة الظفر.\nالمثال الحادي عشر بعد المائة: إذا قال لامرأته: «إن لم أطأْكِ الليلةَ فأنت طالق ثلاثًا» فقالت: «إن وطئتَني الليلةَ فأَمتي حرَّة»، فالمَخْلص من ذلك أن تبيعه الجارية، فإذا وطئها بعد ذلك لم تعتق؛ لأنها خرجت من ملكها، ثم تستردُّها.\nفإن خافت أن يطأ الجارية على قول من لا يرى على الرجل استبراء الأمة التي يشتريها من امرأةٍ كما ذهب إليه بعض الشافعية والمالكية، فالحيلة أن تستردَّها منه عقيبَ الوطء فإن خافت أن لا يرد إليها الجارية ويقيم على ملكها فلا تصل إليها، فالحيلة لها أن تشترط عليه أنه إن لم يرد الجارية إليها عقيبَ الوطء فهي حرة.\nفإن خافت أن يملِّكها لغيره تلجئةً فلا يصح تعليق عتقها، فالحيلة لها أن تشترط عليه أنه إن لم يردَّها إليها عقيب الوطء فهي طالق، فهنا تضيق عليه الحيلُ في استدامة ملكها، ولم يجد بدًّا من مفارقة إحداهما.\n_________\n(^١) ك: «الدين».","vol":"4","page":466},{"text":"المثال الثاني عشر بعد المائة: إذا أراد الرجل أن يخالع امرأته الحاملَ على سكناها ونفقتها جاز ذلك، وبرئ منهما (^١). هذا منصوص أحمد.\nوقال الشافعي: لا يصح الخلع، ويجب مهر المثل، واحتج له بأن النفقة لم تجب بعدُ فإنها إنما تجب بعد الإبانة، فقد خالعها بمعدومٍ، فلا يصح، كما لو خالعها على عوض شيء يُتلِفه عليها. وهذا اختيار أبي بكر عبد العزيز.\nوقال أصحاب أبي حنيفة: إذا خالعها على أن لا سكنى لها ولا نفقة فلا نفقةَ لها، وتستحقّ عليه السكنى. قالوا: لأن النفقة حقٌّ لها، وقد أسقطته، والسكنى حقٌّ للشارع فلا تسقط بإسقاطها، فيلزمه إسكانها.\nقالوا: فالحيلة على سقوط الأجرة عنه أن يشرط الزوج في (^٢) الخلع أن لا يكون عليه مُؤنة السكنى، وأن مُؤنتها تَلزم المرأةَ في مالها، وتجب أجرة المسكن (^٣) عليها.\nفإن قيل: لو أبرأت المرأة زوجها عن (^٤) النفقة قبل أن تصير دينًا في ذمته لم يصح، ولو شرط في عقد الخلع براءة الزوج عن (^٥) النفقة صح.\nقيل: الفرق بينهما أن الإبراء إذا شرط في الخلع [١٤٩/أ] كان إبراءً\n_________\n(^١) ز: «منها».\n(^٢) ك: «أن».\n(^٣) ك: «السكنى».\n(^٤) ك: «من».\n(^٥) ك: «من».","vol":"4","page":467},{"text":"بعوض، والإبراء بعوضٍ استيفاء لما وقعت البراءة عنه؛ لأن العوض قائم مقام ما وقعت البراءة عنه، والاستيفاء يجوز قبل الوجوب بدليل ما لو تسلَّفتْ نفقةَ شهرٍ جملة. وأما الإبراء من النفقة في غير الخلع (^١) قبل ثبوتها فهو إسقاط لما لم يجب، فلا يسقط، كما لو أسقطت حقَّها من القَسْم فإن لها أن ترجع فيه متى شاءت.\nوأما قول صاحب «المحرر» (^٢): «وقيل: إن أوجبنا نفقة الزوجة بالعقد صح، وإلا فهو خلعٌ بمعدوم، وقد بينّا حكمه»، يعني إن قلنا: إن نفقة الحامل نفقة زوجة (^٣)، وإن النفقة لها من أجل الحمل، وإنها تجب بالعقد، فيكون خلعًا بشيء ثابت، وإن قلنا: إن النفقة إنما تجب بالتمكين فقد زال التمكين بالخلع، وصارت النفقة نفقة قريب، فالخلع بنفقة الزوجة حينئذٍ خلعٌ بمعدوم. هذا أقربُ ما يتوجَّه به كلامه، وفيه ما فيه، والله أعلم.\nالمثال الثالث عشر بعد المائة: إذا وقع الطلاق الثلاث بالمرأة، وكان دينها ودين وليها وزوجها المطلق أعزَّ عليهم من التعرُّض للعنة الله ومَقْته بالتحليل، الذي لا يُحِلُّها ولا يُطيِّبها بل يزيدها خبثًا، فلو أنها أخرجت من مالها ثمنَ مملوك فوهبته لبعض من تثق به فاشترى به مملوكًا ثم خطبها على مملوكه فزوَّجها منه فدخل بها المملوك ثم وهبَه إياها (^٤) انفسخ النكاح،\n_________\n(^١) «في غير الخلع» ليست في ز.\n(^٢) (٢/ ٤٦).\n(^٣) ك، ب: «زوج».\n(^٤) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «وهبها إياه».","vol":"4","page":468},{"text":"ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منويٌّ ممن تؤثِّر نيتُه وشرطه، وهو الزوج؛ فإنه لا أثر لنية الزوجة ولا الولي، وإنما التأثير لنية الزوج الثاني (^١)، فإنه إذا نوى التحليل كان محللًا فيستحقُّ اللعنة، ثم يستحقُّها الزوج المطلّق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل. فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضرّ ذلك العقد شيئًا. وقد علم النبي - ﷺ - من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه، ولم يجعل ذلك مانعًا من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني، فقال: «حتى تذوقي عُسَيلتَه ويذوق عُسَيلتكِ» (^٢).\nوقد صرَّح أصحابنا بأن ذلك يُحِلُّها، فقال صاحب «المغني» (^٣) فيه: «فإن تزوَّجها مملوك ووطئها أحلَّها، وبذلك قال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفًا».\nقلت: وهذه الصورة غير الصورة التي منع منها الإمام أحمد، فإنه منع من حلِّها إذا كان الزوج المطلق قد اشترى العبد وزوَّجه بها بإذن وليها ليُحِلَّها، فهذه حيلة لا تجوز عنده، وأما هذه المسألة فليس للزوج الأول ولا للثاني فيها نية، ومع هذا فيُكْره؛ لأنها نوع حيلة.\nالمثال الرابع عشر بعد المائة: قال عبد الله بن أحمد في «مسائله» (^٤): سألتُ أبي عن رجل قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أجامعكِ اليوم، وأنتِ\n_________\n(^١) «الزوجة ... الزوج الثاني» ليست في ك.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) (١٠/ ٥٥١).\n(^٤) (ص ٣٦١).","vol":"4","page":469},{"text":"طالق [١٤٩/ب] إن اغتسلتُ منكِ اليوم، فقال: يصلِّي العصر ثم يجامعها، فإذا غابت الشمس اغتسل إن لم يكن أراد بقوله «اغتسلتُ» المجامعةَ.\nونظير هذا أيضًا ما نصَّ (^١) في رجلٍ قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أطأكِ في رمضان، فسافر مسيرةَ أربعة أيام أو ثلاثة ثم وطئها، فقال: لا يعجبني؛ لأنها حيلة، ولا يعجبني الحيلة (^٢) في هذا، ولا في غيره.\nقال القاضي (^٣): إنما كره الإمام أحمد هذا لأن السفر الذي يبيح الفطر لا بدَّ أن يكون سفرًا مقصودًا مباحًا، وهذا لا يقصد به غير حلِّ اليمين.\nقال الشيخ أبو محمد المقدسي (^٤): والصحيح أن هذا تنحلُّ به اليمين، ويُباح له الفطر فيه؛ لأنه سفر بعيد مباح لقصدٍ صحيح، وإرادة حلِّ يمينه من المقاصد الصحيحة. وقد أَبحنا لمن له طريقان: قصيرة لا يقصر فيها وبعيدة= أن يسلك البعيدة؛ ليقصر فيها الصلاة ويفطر، مع أنه لا قصدَ له سوى الترخُّص (^٥)، فهاهنا أولى.\nقلت: ويؤيد اختيارَ الشيخ ــ قدَّس الله روحه ــ ما رواه الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه» (^٦): أبنا الأزهري أبنا سهل بن أحمد ثنا محمد بن\n_________\n(^١) في المصدر السابق (ص ٣٣٤).\n(^٢) «ولا يعجبني الحيلة» ساقطة من ك، ب.\n(^٣) كما في «المغني» (١٠/ ٥٤٦).\n(^٤) في «المغني» (١٠/ ٥٤٦).\n(^٥) ز: «الرخص». والمثبت من النسخ الأخرى موافق لما في «المغني».\n(^٦) (٢/ ٤١١). ومحمد بن محمد بن الأشعث عنده نسخة مكذوبة عن علي، انظر: «الكامل» (٧/ ٥٦٥).","vol":"4","page":470},{"text":"محمد بن الأشعث الكوفي حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم حدثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن علي في رجلٍ حلفَ فقال: امرأته طالق ثلاثًا إن لم يطأها في شهر رمضان نهارًا، قال: يسافر ثم يجامعها نهارًا.\nالمثال الخامس عشر بعد المائة: في المخارج من الوقوع في التحليل الذي لعن رسول الله - ﷺ - من غير وجهٍ فاعلَه والمطلِّقَ المحلَّلَ (^١) له، فأيُّ قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله - ﷺ - كان أعذرَ عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن عليه، ومَباءتِه باللعنة؛ فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرةٌ بين ما دلَّ عليه الكتاب والسنة أو أحدهما، أو أفتى به الصحابة بحيث لا يُعرف عنهم فيه خلاف، أو أفتى به بعضهم، أو هو خارج على أقوالهم، أو هو قول جمهور الأمة (^٢) أو بعضهم، إمّا من الأئمة الأربعة أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام. ولا تَخرج هذه التي نذكرها عن ذلك، فلا يكاد يُوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر. ولا ريبَ أن من نصحَ الله ورسوله وكتابه ودينه، ونصحَ نفسَه ونصحَ عباده، أن أيًّا منها ارتكب فهو أولى من التحليل.\nالمخرج الأول: أن يكون المطلِّق أو الحالف زائل العقل إما بجنون أو إغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر يُعذَر به أو لا يُعذَر أو وسوسة، وهذا\n_________\n(^١) ك: «المحل».\n(^٢) ك: «الأئمة».","vol":"4","page":471},{"text":"المخلص مجمع عليه بين الأمة إلا في شرب مسكر لا يُعذَر به (^١)، فإن المتأخرين من الفقهاء اختلفوا فيه، والثابت عن الصحابة الذي لا يُعلم فيه خلاف بينهم أنه لا يقع طلاقه.\nقال البخاري في «صحيحه» (^٢): باب الطلاق في الإغلاق [١٥٠/أ] والمُكْرَه والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك، لقول النبي - ﷺ - «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى»، وتلا الشعبي ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وما لا يجوز من إقرار الموسوس، وقال النبي - ﷺ - للذي أقرَّ على نفسه: «أبكَ جنونٌ» (^٣). وقال علي: بقَرَ حمزةُ خَواصرَ شارِفَيّ (^٤) فطفِقَ النبي - ﷺ - يلوم حمزة، فإذا حمزة قد ثَمِل محمرَّةٌ عيناه، ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيدٌ لآبائي؟ فعرف النبي - ﷺ - أنه قد ثَمِل، فخرج وخرجنا معه (^٥). وقال عثمان: ليس لمجنونٍ ولا لسكرانَ طلاقٌ (^٦). وقال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس\n_________\n(^١) ز: «فيه».\n(^٢) (٩/ ٣٨٨ - مع الفتح).\n(^٣) رواه البخاري (٦٨١٥، ٦٨٢٥، ٧١٦٧) ومسلم (١٦٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) الشارف: المسنّ من الإبل. وبقَرَ: شقَّ.\n(^٥) روى هذه القصة البخاري (٣٠٩١، ٤٠٠٣) ومسلم (١٩٧٩).\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة (١٨٢٠٩) وسعيد بن منصور (١١١٢) والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٢/ ٢٤٣) والبيهقي (٧/ ٣٥٩) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبان بن عثمان، عن عثمان. وإسناده صحيح، وقد علقه البخاري بصيغة الجزم كما ذكره المصنف هنا، وصححه العيني (٢٠/ ٢٥٢).","vol":"4","page":472},{"text":"بجائز (^١). وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس (^٢).\nهذا لفظ الترجمة، ثم ساق بقية الباب، ولا يُعرف عن رجل من الصحابة أنه خالف عثمان وابن عباس في ذلك، ولذلك (^٣) رجع الإمام أحمد إلى هذا القول بعد أن كان يفتي بنفوذ طلاقه.\nفقال أبو بكر عبد العزيز (^٤) في كتاب «الشافي» و«الزاد»: قال أبو عبد الله في رواية الميموني: قد كنت أقول إن طلاق السكران يجوز، حتى تبيَّنتُه، فغلب عليَّ أنه لا يجوز طلاقه؛ لأنه لو أقرَّ لم يلزمه، ولو باع لم يجزْ بيعه. قال: وأُلزمه الجنايةَ، وما كان من غير ذلك فلا يَلزَمُه. قال أبو بكر: وبهذا أقول.\nوفي «مسائل الميموني»: سألت أبا عبد الله عن طلاق السكران، فقال: أكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه الطلاق. قلت: أليس كنت مرة تخاف أن يلزمه؟ قال: بلى ولكن أكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه؛ لأني رأيته ممن لا يعقل. قلت: السكر شيء أدخلَه على نفسه، فلذلك يلزمه، قال: قد يشرب\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١١٤٠٨) وابن أبي شيبة (١٨٣٣١) وسعيد بن منصور (١١٤٣) والبيهقي (٧/ ٣٨٥) من طرق عن ابن عباس، وإسناده صحيح، وقد علقه البخاري بالجزم.\n(^٢) لم أجده، وبيَّض له الحافظ في «تغليق التعليق» (٤/ ٤٥٥). وفي ز: «المسوس»، خطأ.\n(^٣) ك، ب: «وكذلك».\n(^٤) غلام الخلّال المتوفى سنة ٣٦٣. له «الشافي» و«زاد المسافر».","vol":"4","page":473},{"text":"الرجل البَنْج (^١) أو الدواء فيذهب عقلُه، قلت: فبيعه وشراؤه وإقراره؟ قال: لا يجوز.\nوقال في رواية أبي الحارث: أرفعُ شيءٍ فيه حديث الزهري عن أبان بن عثمان عن عثمان: ليس لمجنونٍ ولا سكرانَ طلاقٌ (^٢).\nوقال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلةً واحدة، والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين: حرَّمها عليه، وأحلَّها لغيره، فهذا خير من هذا، وأنا أتَّقي جميعًا.\nوممن ذهب إلى القول بعدم نفوذ طلاق السكران من الحنفية: أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي، وحكاه صاحب «النهاية» (^٣) عن أبي يوسف وزفر.\nومن الشافعية: المزني وابن سُريج وجماعة ممن اتبعهما، وهو الذي اختاره الجويني في «النهاية» (^٤). والشافعي نصَّ على وقوع طلاقه، ونصَّ في أحد قوليه على أنه لا يصح ظهاره. فمن أتباعه من نقلَ من الظهار قولًا إلى الطلاق، وجعلَ المسألة على قولين، ومنهم من قرَّر حكم النصين، ولم يفرِّق بطائلٍ.\n_________\n(^١) جنس نباتات طبية مخدّرة من الفصيلة الباذنجانية.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) «نهاية المطلب» (١٤/ ١٦٨). وليس فيه ذكر زفر.\n(^٤) المصدر نفسه.","vol":"4","page":474},{"text":"والصحيح أنه لا عبرةَ بأقواله من طلاق، ولا عتاق، ولا بيع، [١٥٠/ب] ولا هبة، ولا وقف، ولا إسلام، ولا ردّة، ولا إقرار؛ لبضعة عشر دليلًا ليس هذا موضع ذكرها (^١)، ويكفي منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وأمرُ النبي - ﷺ - باستنكاه ماعز لما أقرَّ بالزنا بين يديه، وعدمُ أمرِ النبي - ﷺ - حمزة بتجديد إسلامه لما قال في سكره: «أنتم عبيد لآبائي»، وفتوى عثمان وابن عباس، ولم يخالفهما أحد من الصحابة، والقياس الصحيح المحض على زائل العقل بدواء أو بَنْجٍ أو مسكر هو فيه معذور، ومقتضى قواعد الشريعة؛ فإن السكران لا قصدَ له؛ فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغي ومَن جَرى اللفظُ على لسانه من غير قصدٍ له. وقد صرَّح أصحاب أبي حنيفة بأنه لا يقع طلاق الموسوس، وقالوا: لا يقع طلاق المعتوه، وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون.\nفصل\nالمخرج الثاني: أن يطلِّق أو يحلف في حال غضب شديد قد حال بينه وبين كمال قصده وتصوره؛ فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقُه ولا وقفُه، ولو بَدرتْ منه كلمة الكفر في هذا الحال لم يكفر، وهذا نوع من الغلق والإغلاق الذي منع رسول الله - ﷺ - وقوعَ الطلاق والعتاق فيه، نصَّ على ذلك الإمام أحمد وغيره.\nقال أبو بكر عبد العزيز في كتاب «زاد المسافر» له: باب في الإغلاق\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٠٦ - ١٠٩) و«زاد المعاد» (٥/ ١٩٠ - ١٩٥).","vol":"4","page":475},{"text":"في الطلاق، قال أحمد في رواية حنبل: وحديث عائشة - ﵂ - سمعت النبيَّ - ﷺ - يقول: «لا طلاقَ ولا عتاقَ في إغْلاقٍ» (^١) يعني الغضب. وبذلك فسَّره أبو داود في «سننه» (^٢) عقيبَ ذكره الحديث، فقال: والغلاق أظنُّه في الغضب.\nوقسَّم شيخ الإسلام ابن تيمية الغضب إلى ثلاثة أقسام (^٣):\nقسم يُزيل العقل كالسكر، فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب.\nوقسم يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصوُّر ما يقول وقصْدِه، فهذا يقع معه الطلاق.\nوقسم يشتدُّ بصاحبه، ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبُّت والتروِّي ويُخرِجه عن حال اعتداله، فهذا محلُّ اجتهاد.\nوالتحقيق أن الغَلَق يتناول كلَّ من انغلق عليه طريقُ قصْدِه وتصوُّره، كالسكران والمجنون والمُبَرْسَم والمُكْرَه والغضبان، فحال هؤلاء كلهم حال إغلاق، والطلاق إنما يكون عن وَطَرٍ؛ فيكون عن قصدٍ من المطلِّق وتصوُّرٍ لما يقصده، فإن تخلَّف أحدهما لم يقع طلاقه. وقد نصَّ مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه فيمن قال لامرأته: «أنتِ طالق ثلاثًا» ثم قال: أردتُ أن أقول: إن كلَّمتِ فلانًا، أو خرجتِ من بيتي بغير إذني، ثم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رقم (٢١٩٣).\n(^٣) نحوه في «زاد المعاد» (٥/ ١٩٦) و«إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» (ص ٢٠ - ٢١).","vol":"4","page":476},{"text":"بدا لي فتركتُ اليمين، ولم أُرِد التنجيز في الحال= أنه (^١) لا تطلَّق عليه. وهذا هو الفقه بعينه؛ لأنه لم يُرِد التنجيز، ولم [١٥١/أ] يُتمَّ اليمين.\nوكذلك لو أراد أن يقول: «أنت طاهر»، فسبق لسانه فقال: «أنتِ طالق» لم يقع طلاقه، لا في الحكم الظاهر، ولا فيما بينه وبين الله ﷿، نصَّ عليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين، والثانية: لا يقع فيما بينه وبين الله، ويقع في الحكم. وهذا إحدى الروايتين عن أبي يوسف.\nوقال ابن أبي شيبة (^٢): حدثنا محمد بن مروان عن عُمارة سئل جابر بن زيد عن رجل غلِطَ بطلاق امرأته، فقال: ليس على المؤمن غلطٌ. حدثنا وكيع عن إسرائيل [عن جابر] عن عامر في رجل أراد أن يتكلم في شيء فغلِطَ، فقال الشعبي: ليس بشيء.\nفصل\nالمخرج الثالث: أن يكون مُكرَهًا على الطلاق أو الحلف به عند جمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول أحمد ومالك والشافعي وجميع أصحابهم، على اختلاف بينهم في حقيقة الإكراه وشروطه.\nقال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: يمين المستكْرَه إذا ضُرِب، ابنُ عمر وابنُ الزبير لم يرياه شيئًا (^٣).\n_________\n(^١) مفعول «نصَّ» قبل ثلاثة أسطر.\n(^٢) في «المصنّف» (١٨٥٤١، ١٨٥٤٢). والزيادة بين المعكوفتين منه.\n(^٣) رواه مالك (٢/ ٥٨٧) وعبد الرزاق (١١٤١٠ - ١١٤١٣) والبيهقي (٧/ ٣٥٨) من طرق عنهما، والأثر صحيح.","vol":"4","page":477},{"text":"وقال في رواية أبي الحارث: إذا طلَّق المكره لم يلزمه الطلاق، إذا فُعِل به كما فُعِل بثابت بن الأحنف فهو مكره؛ لأن ثابتًا عصروا رجلَه حتى طلَّق، فأتى ابن عمر وابن الزبير فلم يريا ذلك شيئًا (^١). وكذا قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].\nوقال الشافعي (^٢): قال الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وللكفر أحكام، فلما وضعها الله تعالى عنه سقطتْ أحكام الإكراه عن القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه.\nوفي «سنن ابن ماجه» و«سنن البيهقي» (^٣) من حديث بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -: «إن الله وَضَع عن أمتي» ــ وقال البيهقي: «تجاوز لي عن أمتي ــ الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».\nوفي «الصحيحين» (^٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) هو الأثر المذكور في رواية أبي طالب.\n(^٢) في كتاب «الأم» (٤/ ٤٩٦).\n(^٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) وابن حبان (٧٢١٩) والحاكم (٢/ ٢١٦) والبيهقي (٧/ ٣٥٦)، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال البيهقي: «جوَّد إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات، ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يذكر في إسناده عبيد بن عمير». وانظر: «الصحيحة» (٢٨).\n(^٤) البخاري (٦٦٦٤) ومسلم (١٢٧).","vol":"4","page":478},{"text":"«إن الله تجاوز لأمتي ما تُوسوِس به صدورُها، ما لم تعملْ به أو تتكلَّمْ به». زاد ابن ماجه (^١): «وما استُكْرِهوا عليه».\nوقال الشافعي (^٢): روى حماد بن سلمة عن حُميد عن الحسن أن عليًّا - ﵁ - قال: لا طلاق لمُكْرَهٍ (^٣).\nوذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أن (^٤) ابن عباس لم يُجِز طلاق المكره (^٥).\nوذكر أبو عبيد (^٦) عن علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وعبد الله بن عبيد بن عمير أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائز.\nوقال ابن أبي شيبة (^٧): حدثنا [هُشَيم عن] عبد الله بن طلحة (^٨) عن أبي يزيد المديني عن ابن عباس قال: ليس لمكْرَهٍ ولا مضطَهَدٍ طلاقٌ.\n_________\n(^١) رقم (٢٠٤٤).\n(^٢) في كتاب «الأم» (٨/ ٤٣٣).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١١٤١٤) وابن أبي شيبة (١٨٣٣١) والبيهقي (٧/ ٣٥٧) من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن، وهو ضعيف لعدم سماع الحسن من علي.\n(^٤) في النسخ: «أو». والمثبت من المطبوع.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) في «غريب الحديث» (٣/ ٣٢٣). وتقدم تخريج أكثر هذه الآثار.\n(^٧) في «المصنَّف» (١٨٣٣٠) ومنه الزيادة بين معكوفتين.\n(^٨) في النسخ: «بن أبي طلحة». والمثبت من «المصنف»، وهو الصواب.","vol":"4","page":479},{"text":"وحدثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر (^١) عن ثابت مولى أهل المدينة عن ابن عمر وابن الزبير كانا لا يريان طلاقَ المكره شيئًا (^٢).\nحدثنا وكيع عن الأوزاعي عن رجل عن عمر بن الخطاب [١٥١/ب]- ﵁ - أنه لم يره شيئًا (^٣).\nقلت: قد اختُلِف على عمر، فقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثني عبد الملك بن قُدامة بن إبراهيم الجمحي عن أبيه أن رجلًا تدلَّى يَشتارُ عسلًا (^٤) في زمن عمر - ﵁ -، فجاءته امرأته فوقفت على الحبل، فحلفتْ لتقطعنَّه أو لتطلِّقني ثلاثًا، فذكَّرها الله والإسلامَ، فأبتْ إلا ذلك، فطلَّقها ثلاثًا. فلما ظهر أتى عمر، فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليها، فقال: ارجعْ إلى أهلك، فليس هذا بطلاق (^٥). تابعه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك، وهو المشهور عن عمر.\nوقال أبو عبيد (^٦): حدثني يزيد عن عبد الملك بن قدامة عن أبيه عن\n_________\n(^١) في المطبوع: «عمير» خلاف ما في جميع النسخ و«المصنَّف».\n(^٢) «المصنَّف» (١٨٣٣٣).\n(^٣) المصدر السابق (١٨٣٣٤).\n(^٤) أي يجتني عسلًا.\n(^٥) رواه سعيد بن منصور (١١٢٨) والبيهقي (٧/ ٣٥٧) من طريق أبي قدامة بن إبراهيم، عن عمر، وهو منقطع بين قدامة وعمر، قاله الحافظ في «التلخيص» (٣/ ٢١٦).\n(^٦) في «غريب الحديث» (٣/ ٣٢٢) وهو منقطع. انظر: «مسند الفاروق» (١/ ٤١٦). ورواه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٠٣) من طريق سعيد بن منصور (١١٢٩): نا فرج بن فضالة حدثني عمرو بن شراحيل المعافري أن امرأة سلَّتْ سيفًا فوضعته على بطن زوجها وقالت: والله لأنفذنك أو لتطلقني، فطلقها ثلاثًا، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فشتمها وسألها عما حملها عليه، فقالت: بُغضي إياه، فأمضى طلاقها. وهو منقطع أيضًا. وضعَّف ابن حزم (٨/ ٣٣٢) إمضاء طلاق المكره عن عمر.","vol":"4","page":480},{"text":"عمر بهذا، لكنه قال: فرُفِع إلى عمر فأبانَها منه.\nقال أبو عبيد (^١): وقد رُوي عن عمر خلافه.\nولم يصحَّ عن أحد من الصحابة تنفيذُ طلاق المكره سوى هذا الأثر عن عمر (^٢)، وقد اختُلِف فيه عنه، والمشهور أنه ردَّها إليه، ولو صحَّ «فأبانَها منه» لم يكن صريحًا في الوقوع، بل لعله رأى من المصلحة التفريقَ بينهما، وأنهما لا يتصافيانِ بعد ذلك، فألزمه بإبانتها.\nولكنْ الشعبي (^٣) وشريح (^٤) وإبراهيم (^٥) يجيزون طلاق المكره، حتى\n_________\n(^١) في «غريب الحديث» (٣/ ٣٢٣).\n(^٢) قال ابن حزم في «المحلى» (٨/ ٣٣٢): «وصح إجازة طلاق المكره أيضًا عن ابن عمر. وروي عن عمر وعلي ولم يصح عنهما».\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (١٨٣٤٣) وسعيد بن منصور (١١٣٥) من طريق سيار، عن الشعبي، قال: قيل له: إنهم يزعمون أنك لا ترى طلاق المكره شيئا، فقال: أنتم تكذبون عليّ ...، وإسناده صحيح. وله طريق آخر عند عبد الرزاق (١١٤١٩).\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (١٨٣٤٧) من طريق عبد الله بن المبارك، عن رجل قد سماه، عن ابن سيرين، عن شريح، وهو ضعيف لإبهام الرجل. وصحح ابن حزم (٨/ ٣٣٢) عنه عدمَ الاعتداد.\n(^٥) رواه عبد الرزاق (١١٤١٩) وابن أبي شيبة (١٨٠٤٩) وسعيد بن منصور (١١٣٤) من طريق مغيرة والأعمش، عن إبراهيم: طلاق المكره جائز. وإسناده صحيح. وكان إبراهيم يعلّله بقوله كما نقله عنه الأعمش في نفس هذا الأثر: إنما هو شيء افتدى به نفسه. وروى سعيد بن منصور (١١٤٧) أنه كان يرى طلاق السلطان واللصوص جائزًا.","vol":"4","page":481},{"text":"قال إبراهيم: لو وُضِع السيف على مَفرِقه ثم طلَّق لأجزتُ طلاقه (^١).\nوفي المسألة مذهب ثالث: قال ابن أبي شيبة (^٢): حدثنا ابن إدريس عن حُصين عن الشعبي في الرجل يُكْره على أمر من أمر العتاق أو الطلاق، فقال: إذا أكرهه السلطان جاز، وإذا أكرهه اللصوصُ لم يجز.\nولهذا القول غَورٌ وفقهٌ دقيق لمن تأمَّله.\nفصل\nواختلفوا في المكره يظنُّ أن الطلاق يقع به فينويه، هل يلزمه؟ على قولين، وهما وجهان للشافعية. فمن ألزمه رأى أن النية قد قارنت (^٣) اللفظ، وهو لم يكره على النية، فقد أتى بالطلاق المنويّ اختيارًا فلزِمه. ومن لم يُلزِمه رأى أن لفظ المكره لغو لا عبرةَ به، فلم يبقَ إلا مجرد النية، وهي لا تستقلُّ بوقوع الطلاق.\nفصل\nواختُلِف فيما لو أمكنه التورية فلم يُورِّ، والصحيح أنه لا يقع به طلاق\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة (١٨٠٤٥) من طريق حفص بن غياث، عن ليث، عن حماد، عن إبراهيم، فيه ليث وهو ابن أبي سليم، وفيه لين.\n(^٢) في «المصنَّف» (١٨٣٥٠). ورواه أيضًا عبد الرزاق (١١٤٢٢) وسعيد بن منصور (١١٣٦، ١١٣٧) من طرق عن حُصين عنه. وإسناده صحيح.\n(^٣) ك: «قاربت»، تصحيف.","vol":"4","page":482},{"text":"وإن تركها؛ فإن الله سبحانه لم يوجب التورية على من أكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، مع أن التورية هناك أولى.\nولأن المكره إنما لم (^١) يعتبر لفظه لأنه غير قاصدٍ لمعناه، ولا مريد لموجبه، وإنما تكلم به فداءً لنفسه من ضرر الإكراه، فصار تكلُّمه باللفظ لغوًا بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصدَ له، فسواءٌ ورَّى أو لم يُورِّ.\nوأيضا فاشتراط التورية إبطال لرخصة التكلُّم مع الإكراه، ورجوع إلى القول بنفوذ طلاق المكره؛ فإنه لو ورَّى بغير إكراه لم يقع طلاقه، فالتأثير إذًا إنما هو للتورية لا للإكراه، وهذا باطل.\nوأيضًا فإن المورِّي إنما لم يقع طلاقه مع قصده للتكلُّم باللفظ؛ لأنه لم يقصد مدلوله، وهذا المعنى بعينه [١٥٢/أ] ثابت في الإكراه، فالمعنى الذي منع من النفوذ في التورية هو الذي منع من (^٢) النفوذ في الإكراه.\nفصل\nالمخرج الرابع: أن يستثني في يمينه أو طلاقه، وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء:\nفقال الشافعي وأبو حنيفة: يصح الاستثناء في الإيقاع والحلف، فإذا قال: «أنتِ طالق إن شاء الله» أو «أنتِ حرة إن شاء الله» أو «إن كلَّمتِ فلانًا فأنتِ طالق إن شاء الله» (^٣) أو «الطلاقُ يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاء الله» أو «إن\n_________\n(^١) «لم» ليست في ك.\n(^٢) «من» ليست في ك.\n(^٣) «إن شاء الله» ليست في ز.","vol":"4","page":483},{"text":"كلَّمتُ فلانًا فأنتِ طالقٌ إن شاء الله» (^١) أو «أنتِ عليَّ حرام أو الحرام يلزمني إن شاء الله» نفعه الاستثناء، ولم يقع به طلاق في ذلك كله.\nثم اختلفا في الموضع الذي يُعتبر فيه الاستثناء، فاشترط أصحاب أبي حنيفة اتصالَه بالكلام فقط، سواء نواه من (^٢) أوله أو قبل الفراغ من كلامه أو بعده.\nوقال أصحاب الشافعي: إن عقَدَ اليمين ثم عنَّ له الاستثناء لم يصحّ، وإن عنَّ الاستثناء في أثناء اليمين فوجهان؛ أحدهما: يصح، والثاني لا يصح، وإن نوى الاستثناء مع عقد اليمين صحَّ وجهًا واحدًا.\nوقد ثبت بالسنة الصحيحة أن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام قال: لأطوفنَّ الليلةَ على كذا وكذا امرأة، تحملُ كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك الموكَّل به: قلْ إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي - ﷺ -: «والذي نفسي بيده، لو قالها لقاتلوا في سبيل الله فُرسانًا أجمعون» (^٣). وهذا صريح في نفع الاستثناء المقصود بعد عقد اليمين.\nوثبت في «السنن» عنه - ﷺ - أنه قال: «والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا»، ثم سكت قليلًا ثم قال: «إن شاء الله». ثم لم يغزُهم. رواه أبو داود (^٤).\n_________\n(^١) تكررت هذه الجملة في النسخ. ولعل «كلمت» الأولى بصيغة الخطاب والثانية بصيغة التكلم.\n(^٢) «أصحاب ... نواه من» ساقطة من ك.\n(^٣) رواه البخاري (٢٨١٩، ٦٦٣٩) ومسلم (١٦٥٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) برقم (٣٢٨٥، ٣٢٨٦). وتقدم تخريجه.","vol":"4","page":484},{"text":"وفي «جامع الترمذي» (^١) من حديث ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من حلف على يمينٍ فقال إن شاء الله فلا حِنْثَ عليه». وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].\nفهذه النصوص الصحيحة لم يُشترط في شيء منها البتَّةَ (^٢) في صحةِ الاستثناء ونفْعِه أن ينويَه مع الشروع في اليمين ولا قبلها، بل حديث سليمان صريح في خلافه. وكذلك حديث «لأغزونَّ قريشًا»، وحديث ابن عمر يتناول (^٣) لكل من قال إن شاء الله بعد يمينه، نوى الاستثناء قبل الفراغ أو لم ينوِه. والآية دالة على نفع الاستثناء (^٤) مع النسيان أظهر دلالة. ومَن شَرَط النية قبل الفراغ لم يكن لذكر الاستثناء بعد النسيان عنده تأثير.\nوأيضًا فالكلام بآخره، وهو كلام متصل بعضه ببعض، فلا معنى\n_________\n(^١) رقم (١٥٣١). ورواه أيضًا أحمد (٤٥١٠، ٤٥٨١، ٥٠٩٣) والدارمي (٢٣٨٨) وأبو داود (٣٢٦١) والنسائي (٣٧٩٣) وابن ماجه (٢١٠٦) مرفوعًا، وأخرجه مالك (٢/ ٤٧٧) وعبد الرزاق (١٦١١١ - ١٦١١٤) والبيهقي (١٠/ ٤٦) موقوفًا. قال الترمذي: «وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وهكذا روي عن سالم، عن ابن عمر موقوفًا. ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه، وأحيانًا لا يرفعه»، ورجح الوقف أحمد كما في «التتبع» للدارقطني (ص ١٣) والبخاري كما في «العلل الكبير» (ص ٢٧٢) والبيهقي. وانظر تعليق محققي «المسند» على الحديث (٨٠٨٨).\n(^٢) ز: «النية».\n(^٣) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «متناول».\n(^٤) «قبل الفراغ ... الاستثناء» ساقطة من ك.","vol":"4","page":485},{"text":"لاشتراط النية في أجزائه وأبعاضه.\nوأيضًا فإن الرجل قد يستحضر بعد فراغه من الجملة ما يرفع بعضها، ولا يذكر ذلك في حال تكلُّمه بها، فيقول: لزيدٍ عندي ألف درهم، ثم في الحال يذكر أنه قضاه منها مائةً فيقول: إلا مائة، فلو اشترط نية (^١) الاستثناء [١٥٢/ب] قبل الفراغ لتعذَّر عليه استدراك ذلك، وأُلجِئ إلى الإقرار بما لا يلزمه والكذب فيه. وإذا كان هذا في الإخبار فمثله في الإنشاء سواء؛ فإن الحالف قد يبدو له فيعلِّق اليمين بمشيئة الله، وقد يَذهَل في أول كلامه عن قصد الاستثناء، أو يَشْغله شاغل عن نيته، فلو لم ينفعه الاستثناء حتى يكون ناويًا له من أول يمينه لفاتَ مقصودُ الاستثناء، وحصل الحرج الذي رفعه الله سبحانه عن الأمة به. ولما قال لرسوله إذا نسيه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وهذا متناولٌ لذكره إذا نسي الاستثناء قطعًا، فإنه سبب النزول، ولا يجوز إخراجه وتخصيصه؛ لأنه مراد قطعًا.\nوأيضًا فإن صاحب هذا القول إن طردَه لزمه أن لا يصحَّ مخصِّصٌ من صفة أو بدل أو غاية أو استثناء بإلّا ونحوها حتى ينويه المتكلم من أول كلامه؛ فإذا قال: «له عليَّ ألف درهم (^٢) مؤجَّلة إلى سنة» هل يقول عالم: إنه لا يصح وصفها بالتأجيل حتى يكون منويًّا من أول الكلام؟\nوكذلك إذا قال: «بعتُك هذا بعشرةٍ» فقال: «اشتريتُه على أن لي الخيار ثلاثة أيام» يصح هذا الشرط وإن لم ينوِه من أول كلامه، بل عنَّ له الاشتراط عقيب القبول.\n_________\n(^١) ك: «فيه».\n(^٢) «درهم» ليست في ز.","vol":"4","page":486},{"text":"ومثله لو قال: «وقفتُ داري على أولادي أو غيرهم بشرط كونهم فقراء أو مسلمين أو متأهلين، وعلى أنه من مات منهم فنصيبه لولده أو للباقين» صح ذلك، وإن عنَّ له ذكرُ هذه الشروط بعد تلفُّظه بالوقف. ولم يقل أحد: لا (^١) تُقبَل منه هذه الشروط إلا أن يكون قد نواها قبل الوقف أو معه، ولم يقع في زمن من الأزمنة سؤالُ الواقفين عن ذلك.\nوكذلك لو قال: «له عليَّ مائة درهم إلا عشرة» فإنه يصح الاستثناء وينفعه، ولا يقول له الحاكم: إن كنتَ نويتَ الاستثناء من أول كلامك لزمك تسعون، وإن كنت إنما نويتَه بعد الفراغ لزمك مائة، ولو اختلف الحال لبيَّن له الحاكم ذلك، ولساغَ له أن يسأله بل يحلِّفه أنه نوى ذلك قبل الفراغ إذا طلب المقرُّ له ذلك.\nوكذلك لو ادَّعى عليه أنه باعه أرضًا فقال: نعم بعتُه هذه الأرض إلا هذه البقعة، لم يقل أحد: إنه قد أقرَّ ببيع الأرض جميعها إلا أن يكون قد نوى استثناء البقعة في أول كلامه.\nوقد قال النبي - ﷺ - عن مكة: «إنه لا يُختلَى خَلاها»، فقال له (^٢) العباس: إلا الإِذْخِر، فسكت رسول الله - ﷺ -، ثم قال: «إلا الإذْخِر» (^٣). وقال في أَسْرى بدر: «لا ينفَلِتْ (^٤) أحدٌ منهم إلا بفداءٍ أو ضربةِ عنقٍ»، فقال له ابن مسعود:\n_________\n(^١) «لا» ساقطة من ك.\n(^٢) «له» ليست في ز.\n(^٣) رواه البخاري (١٣٤٩، ١٨٣٣ ومواضع أخرى) ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس.\n(^٤) في النسخ: «لا ينقلب». والتصويب من مصادر التخريج.","vol":"4","page":487},{"text":"إلا سُهيل بن بيضاء، فقال: «إلا سُهيل بن بَيضاء» (^١). ومعلوم أنه لم ينوِ واحدًا من هذين الاستثناءين في أول كلامه، بل أنشأه لما ذكِّر به، كما أخبر عن سليمان بن داود صلى الله عليهما وسلَّم أنه لو أنشأ بعد أن ذكَّره به الملك نفعه ذلك.\nوشبهة من اشترط ذلك أنه إذا لم ينوِ الاستثناء [١٥٣/أ] من أول كلامه فقد لزمه موجبُ كلامه، فلا يُقبل منه (^٢) رفعُه ولا رفعُ بعضِه بعد لزومه. وهذه الشبهة لو صحت لما نفع الاستثناء في طلاق ولا عتاق ولا إقرار البتةَ، نواه أولًا أو لم ينوِه؛ لأنه إذا لزمه موجبُ كلامه لم يُقبل منه رفعُه ولا رفعُ بعضِه بالاستثناء. وقد طرد هذا بعض الفقهاء فقالوا: لا يصح الاستثناء في الطلاق؛ توهُّمًا لصحة هذه الشبهة.\nوجوابها: أنه إنما يلزمه موجبُ كلامه إذا اقتصر عليه، فأما إذا وصله بالاستثناء أو الشرط، ولم يقتصر على ما دونه، فإن موجب كلامه ما دلَّ عليه سياقه وتمامه، من تقييدٍ باستثناء أو صفة أو شرطٍ أو بدلٍ أو غايةٍ، فتكليفُه نيةَ\n_________\n(^١) رواه أحمد (٣٦٣٢) والترمذي (١٧١٤، ٣٠٨٤) وابن أبي شيبة (٣٧٨٤٥) والحاكم (٣/ ٢٢) والبيهقي (٦/ ٣٢١) من طريق أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، واختلف الأئمة في حديث أبي عبيدة عن عبد الله، فأعلَّه الترمذي بالانقطاع، وحمله على الاتصال ابن المديني ويعقوب بن شيبة. انظر: «شرح العلل» (١/ ٥٤٤)، وصحح الحديث ابن العربي في «أحكام القرآن» (١/ ٣٩٠) والحافظ في «الإصابة» (٢/ ٩١). وقال ابن رجب في «الفتح» (٧/ ٣٤٢): «وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن أحاديثه عنه صحيحة تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه قاله ابن المديني وغيره».\n(^٢) في المطبوع: «منع»، تحريف.","vol":"4","page":488},{"text":"ذلك التقييد من أول الكلام (^١)، وإلغاؤه إن لم ينوِه أولًا تكليفُ ما لا يكلِّفه (^٢) الله به ولا رسوله، ولا يتوقَّف صحة الكلام عليه، وبالله التوفيق.\nفصل\nوقال مالك: لا يصح الاستثناء في إيقاعهما، ولا الحلفِ بهما (^٣)، ولا الظهار، ولا الحلف به، ولا النذر، ولا في شيء من الأيمان، إلا في اليمين بالله تعالى وحده.\nوأما الإمام أحمد فقال أبو القاسم الخرقي (^٤): وإذا استثنى في الطلاق والعتاق فأكثر الروايات عن أبي عبد الله أنه توقَّف عن الجواب، وقد قطع في مواضعَ أخر (^٥) أنه لا ينفعه الاستثناء:\nفقال في رواية ابن منصور (^٦): من حلف فقال «إن شاء الله» لم يحنث، وليس له استثناء في الطلاق ولا العتاق.\nوقال في رواية أبي طالب: إذا قال: «أنت طالق إن شاء الله» لم (^٧) تطلق.\nوقال في رواية [أبي] الحارث: إذا قال لامرأته: «أنت طالق إن شاء الله»\n_________\n(^١) ك: «كلامه».\n(^٢) ك، ب: «لم يكلفه».\n(^٣) «بهما» ليست في ز.\n(^٤) في «مختصره» بشرحه «المغني» (١٣/ ٤٨٨).\n(^٥) ك، ب: «في موضع».\n(^٦) هو الكوسج، انظر: «مسائله» (١/ ٦٢٠).\n(^٧) «لم» ليست في ك، ب.","vol":"4","page":489},{"text":"الاستثناء إنما يكون في الأيمان. قال الحسن وقتادة وسعيد بن المسيب (^١): ليس له ثُنيا في الطلاق. وقال قتادة: قوله: «إن شاء الله» قد شاء الله الطلاق حين أذن فيه.\nوقال في رواية حنبل (^٢): من حلف فقال «إن شاء الله» لم يحنث، وليس له استثناء في الطلاق والعتاق. قال حنبل: لأنهما ليسا من الأيمان.\nوقال صاحب «المغني» (^٣) وغيره: وعنه ما يدلُّ على أن الطلاق لا يقع، وكذلك العتاق.\nفعلى هذا يكون عنه في المسألة ثلاث روايات: الوقوع، وعدمه، والتوقف فيه.\nوقد قال في رواية الميموني: إذا قال لامرأة: «أنت طالق يومَ أتزوَّجُ بك إن شاء الله» ثم تزوَّجها لم يلزمه شيء. ولو قال لأمة: «أنتِ حرة يومَ أشتريكِ إن شاء الله» صارت حرة.\n_________\n(^١) صححه عنهم ابنُ حزم في «المحلى» (١٠/ ٢١٧). ووصله ابن أبي شيبة (١٨٣٢٨) عن قتادة عن الحسن بإسناد صحيح، وبنحوه روى عبد الرزاق (١١٣٢٩). وروى ابن أبي شيبة (١٨٣٢٧) عن قتادة بنحوه. ولم أجده مسندًا عن سعيد بن المسيب، بل روى ابن أبي شيبة (١٨٣٢٠) عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن أن «له ثنياه قدَّم الطلاق أو أخّره»، ولكن في إسناده عبّاد بن العوام، حديثه مضطرب. وروى عبد الرزاق (١١٣٣٠) عن معمر عن قتادة الأثر الآتي، بلفظ: لا يقع عليها الطلاق، وقد شاء الله الطلاق حين أحلّه.\n(^٢) كما في «المغني» (١٣/ ٤٨٨).\n(^٣) (١٠/ ٤٧٢).","vol":"4","page":490},{"text":"فلعل أبا حامد الإسفراييني وغيره ممن حكى عن أحمد الفرق بين «أنت طالق إن شاء الله» فلا تطلق، و«أنتِ حرة إن شاء الله» فتعتق، استند إلى (^١) هذا النص. وهذا من غلطه على أحمد، بل هذا تفريق منه بين صحة تعليق العتق على المِلك وعدم صحة تعليق الطلاق على النكاح، وهذا قاعدة مذهبه. والفرق عنده أن المِلك [١٥٣/ب] قد شُرع سببًا لحصول العتق، كملك ذي الرحم المحرم، [وقد يعقد البيع سببًا لحصول العتق اختيارًا، كشراء من يريد عتقه في كفارة أو قُربة أو فداء كشراء قريبه، ولم يشرع الله النكاح سببًا لإزالته البتة؛ فهذا فقهه وفرقه] (^٢).\nفقد أطلق القول بأنه لا ينفع الاستثناء في إيقاع الطلاق والعتاق، وتوقّف في أكثر الروايات عنه، فتخرج المسألة على وجهين صرَّح بهما الأصحاب. وذكروا وجهًا ثالثًا، وهو أنه إن قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة لم تَطلُق، وإن قصد التبرُّك أو التأدُّب طَلُقَت، وقيل عن أحمد: يقع العتق دون الطلاق، ولا يصح هذا التفريق عنه، بل هو خطأ عليه.\nقال شيخنا (^٣): قد رُوي في الفرق حديث موضوع على معاذ بن جبل يرفعه.\nفلو علَّق الطلاق على فعل يقصد به الحضّ أو المنع كقوله «أنتِ طالق إن كلمتِ فلانًا إن شاء الله» فروايتان منصوصتان عن الإمام أحمد:\n_________\n(^١) «إلى» ليست في ك، ب.\n(^٢) ما بين المعكوفتين لا يوجد في النسخ. وهو في المطبوعات، والسياق يقتضيه.\n(^٣) لم أجد الكلام على حديث معاذ هذا في مؤلفاته المطبوعة. وسيأتي ذكره والكلام عليه عند المؤلف.","vol":"4","page":491},{"text":"إحداهما: ينفعه الاستثناء، ولا تطلُق إن كلَّمتْ فلانًا، وهو قول أبي عبيد؛ لأنه بهذا التعليق قد صار حالفًا، وصار تعليقه يمينًا باتفاق الفقهاء، فصحَّ استثناؤه فيها؛ لعموم النصوص المتناولة للاستثناء في الحلف واليمين.\nوالثانية: لا يصحُّ الاستثناء، وهو قول مالك كما تقدم؛ لأن الاستثناء إنما ينفع في الأيمان المكفَّرة، فالتكفير والاستثناء متلازمان، ويمين الطلاق والعتاق لا يكفَّران، فلا ينفع فيهما الاستثناء.\nومن هنا خرَّج شيخنا على المذهب إجزاء التكفير فيهما؛ لأن أحمد - ﵁ - نصَّ على أن الاستثناء إنما يكون في اليمين المكفرة، ونصَّ على أن الاستثناء ينفع في اليمين بالطلاق والعتاق، فيُخرّج من نصه إجزاء الكفارة في اليمين بهما. وهذا تخريج في غاية الظهور والصحة، ونصُّ أحمد على الوقوع لا يُبطِل صحة هذا التخريج، كسائر نصوصه ونصوص غيره من الأئمة التي يُخرَّج منها على مذهبه خلافُ ما نصَّ عليه. وهذا أكثر وأشهر من أن يُذكر.\nومن أصحابه من قال: إن أعاد الاستثناء إلى الفعل نفعه قولًا واحدًا، وإن أعاده إلى الطلاق فعلى روايتين. ومنهم من جعل الروايتين على اختلاف حالين، فإن أعاده إلى الفعل نفعه، وإن أعاده إلى قوله «أنتِ طالق» لم ينفعه.\nوإيضاح ذلك أنه إذا قال: «إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق إن شاء الله» فإنه تارةً يريد «فأنتِ طالق إن شاء الله طلاقَك»، وتارةً يريد «إن شاء الله» تعليق اليمين بمشيئة الله، أي: إن شاء الله عقْدَ هذه اليمين فهي معقودة. فيصير كقوله: «والله لأقومنَّ إن شاء الله»، فإذا قام علمنا أن الله قد شاء القيام، وإن لم يقم علمنا أن الله لم يشأ قيامه، فلم يوجد الشرط فلم يحنث. [فيُنقَل هذا","vol":"4","page":492},{"text":"بعينه إلى الحلف بالطلاق] (^١)؛ فإنه إذا قال: «الطلاق يلزمني لأقومنَّ إن شاء الله لي القيام» فلم يقم لم يشأ الله له القيام، فلم يوجد الشرط فلم يحنث. فهذا الفقهُ بعينه.\nفصل\nفإن قال: «أنت طالق إلا أن يشاء الله»، فاختلف الذين يصحِّحون [١٥٤/أ] الاستثناء في قوله «أنت طالق إن شاء الله» هاهنا: هل ينفعه الاستثناء ويمنع وقوع الطلاق أو لا ينفعه؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب الشافعي. والصحيح عندهم: أنه لا ينفعه الاستثناء ويقع الطلاق، والثاني: ينفعه الاستثناء ولا تطلَّق. وهو قول أصحاب أبي حنيفة.\nوالذين لم يصحِّحوا الاستثناء احتجوا بأنه أوقع الطلاق وعلَّق رفعه بمشيئةٍ لم تُعلم؛ إذ المعنى قد وقع عليك الطلاق إلا أن يشاء الله رَفْعه، وهذا يقتضي وقوعًا منجَّزًا ورفعًا معلَّقًا بالشرط.\nوالذين صحَّحوا (^٢) الاستثناء قولهم أفقه؛ فإنه لم يوقع طلاقًا منجَّزًا، وإنما أوقع طلاقًا معلَّقًا على المشيئة، فإن معنى كلامه: أنت طالق إذا شاء الله طلاقَكِ، فإن شاء عدَمَه لم تطلَّقي، بل لا تطلَّقين إلا بمشيئته، فهو أدخلُ (^٣) في الاستثناء من قوله «إن شاء الله»، فإنه جعل مشيئة الله بطلاقها (^٤) شرطًا\n_________\n(^١) ما بين المعكوفتين لا يوجد في النسخ، وهو في المطبوعات.\n(^٢) ك: «يصححون».\n(^٣) في المطبوع: «داخل» خلاف النسخ.\n(^٤) ك: «لطلاقها».","vol":"4","page":493},{"text":"فيه، وهاهنا أضافَ إلى ذلك جَعْلَه عدمَ مشيئته مانعًا من طلاقها.\nوالتحقيق أن كل واحد من الأمرين يستلزم الآخر؛ فقوله: «إن شاء الله» يدل على الوقوع عند وجود المشيئة صريحًا، وعلى انتفاء الوقوع عند انتفائها لزومًا، وقوله: «إلا أن يشاء الله» يدل على عدم الوقوع عند عدم المشيئة صريحًا، وعلى الوقوع عندها لزومًا، فتأمله. فالصورتان سواء، كما سوى بينهما أصحاب أبي حنيفة وغيرهم من الشافعية.\nوقولهم: «إنه أوقع الطلاق وعلّق رفعَه بمشيئةٍ لا تُعلم»، فهذا بعينه يحتجُّ به عليهم من قال: إن الاستثناء لا ينفع في الإيقاع بحال؛ فإن صحَّت هذه الحجة بطل الاستثناء في الإيقاع جملةً، وإن لم تصحَّ لم يصحَّ الفرق، وهو لم يُوقِعه مطلقًا، وإنما علَّقه بالمشيئة نفيًا وإثباتًا كما قررناه؛ فالطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع.\nوعلى هذا فإذا قال: «إن شاء الله»، وهو لا يعلم معناها أصلًا، فهل ينفعه هذا الاستثناء؟ قال أصحاب أبي حنيفة: إذا قال «أنت طالق إن شاء الله»، ولا يدري أي شيء «إن شاء الله» لا يقع الطلاق. قالوا: لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع، فعِلمه وجهلُه سواء. قالوا: ولهذا لما كان سكوت البكر رضًى استوى فيه العلم والجهل، حتى لو زوَّجها أبوها فسكتَتْ وهي لا تعلم أن السكوت رضًى صحّ النكاح، ولم يُعتبر جهلها.\nثم قالوا: فلو قال لها «أنت طالق» فجرى على لسانه من غير قصدٍ «إن شاء الله» وكان قصده إيقاع الطلاق لم يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وُجِد حقيقةً، والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعًا.","vol":"4","page":494},{"text":"وهذا القول في طرفٍ، وقول من يشترط نية الاستثناء في أول الكلام أو قبلَ الفراغ منه في طرف آخر، وبينهما أكثر من بُعْدِ المشرقين.\nفلو قال: «أنت طالق إن لم يشأ الله، أو ما لم يشأ الله» فهل يقع الطلاق في الحال أو لا يقع؟ على قولين، وهما وجهان في مذهب أحمد:\nفمن أوقعه احتجَّ بأن كلامه تضمَّن أمرين: محالًا وممكنًا، فالممكن التطليق (^١)، والمحال وقوعه على هذه الصفة، وهو إذا لم يشأه الله، فإنه ما شاء الله وجب وقوعه، فيلغو هذا التقييد [١٥٤/ب] المستحيل، ويَسلَم أصل الطلاق فينفذ.\nوالوجه الثاني: لا يقع، ولهذا القول مأخذان:\nأحدهما: أن تعليق الطلاق على الشرط المحال يمنع من وقوعه؛ كما لو قال: «أنت طالق إن جمعتِ بين الضدَّين» أو «إن (^٢) شربتِ ماءَ الكُوز» ولا ماء فيه؛ لعدم وقوع شرطه، فهكذا إذا قال: «أنت طالق إن لم يشأ الله» فهو تعليق للطلاق على شرط مستحيل، وهو عدم مشيئة الله، فلو طلِّقت لطلِّقت بمشيئته، وشرطُ وقوعِ الطلاق عدمُ مشيئته.\nوالمأخذ الثاني ــ وهو أفقه ــ: أنه (^٣) استثناء في المعنى، وتعليق على المشيئة، والمعنى إن لم يشأ الله عدم طلاقك؛ فهو كقوله «إلا أن يشاء الله» سواء كما تقدم بيانه.\n_________\n(^١) في النسخ: «النطق». والمثبت من المطبوعات.\n(^٢) «إن» ليست في ز.\n(^٣) ز: «من أنه».","vol":"4","page":495},{"text":"فصل\nقال المُوقِعون: قال إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني: حدثنا خالد بن يزيد بن أسد القَسْري حدثنا جُميع بن عبد الحميد الجعفي عن عطية العَوفي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر قال: كنّا معاشرَ أصحاب رسول الله - ﷺ - نرى الاستثناء جائزًا في كل شيء إلا في الطلاق والعتاق (^١).\nقالوا: وروى أبو حفص ابن شاهين بإسناده عن ابن عباس قال: إذا قال الرجل لامرأته: «أنت طالق إن شاء الله» فهي طالق (^٢)، وكذلك روي عن أبي بُردة (^٣).\nقالوا: ولأنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح، كقوله «أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا».\nقالوا: ولأنه إنشاء حكم في محل، فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح.\nقالوا: ولأنه إزالة ملكٍ فلم يصح تعليقه على مشيئة الله، كما لو قال: أبرأتُك إن شاء الله.\nقالوا: ولأنه تعليق على ما لا سبيلَ إلى العلم به، فلم يمنع وقوع\n_________\n(^١) لم أجد له إسنادًا غير ما ذكر المؤلف، قال الذهبي في «التنقيح» (٩/ ١٦٧): «قلت: أين إسناده؟». وهذا إسناد ضعيف من أجل العوفي وخالد وجُميع، وسيأتي الكلام عليه عند المؤلف بعد تسع صفحات.\n(^٢) لم أجده. وروى محمد بن الحسن في كتاب «الأصل» (٩/ ٤٤٦) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء عن ابن عباس عدم وقوع الطلاق بالاستثناء، وإسناده ضعيف جدًّا من أجل العرزمي.\n(^٣) لم أجده.","vol":"4","page":496},{"text":"الطلاق، كما لو قال: أنت طالق إن شاءت السموات والأرض.\nقالوا: وإن كان لنا سبيل إلى العلم بالشرط صحّ الطلاق لوجود شرطه، ويكون الطلاق حينئذٍ معلَّقًا على شرط تحقَّقَ وجوده بمباشرة الآدمي سببه، قال قتادة: قد شاء الله حينئذٍ أن تطلّق.\nقالوا: ولأن الله سبحانه وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعًا وقدرًا؛ فإذا أتى بها المكلَّف فقد أتى بما شاءه الله؛ فإنه لا يكون شيء قطُّ إلا بمشيئة الله، والله ﷿ يشاء الأمور بأسبابها؛ فإذا شاء تكوينَ شيء وإيجادَه شاء سببه؛ فإذا أتى المكلَّف بسببه فقد أتى بمشيئة الله، ومشيئة السبب مشيئةٌ للمسبب، فإنه لو لم يشأ وقوع الطلاق (^١) لم يُمكِن المكلَّفَ أن يأتي به؛ فإن ما لم يشأ الله يمتنع وجوده، كما أن ما شاءه وجب وجوده.\nقالوا: وهذا في القول نظير المشيئة في الفعل، فلو قال: «أنا أفعل كذا إن شاء الله تعالى» وهو متلبس في الفعل (^٢) صحَّ ذلك، ومعنى كلامه أن فِعلي هذا إنما هو بمشيئة الله، كما لو قال حالَ دخوله الدار: «أنا أدخلها إن شاء الله» أو قال من تخلَّص من شر: «تخلصتُ (^٣) إن شاء الله»، وقد قال يوسف لأبيه وإخوته: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] في حال دخولهم، والمشيئة راجعة إلى الدخول المقيَّد بصيغة الأمر؛ فالمشيئة متناولة لهما جميعًا.\nقالوا: ولو أتى بالشهادتين ثم قال عقيبَهما: «إن شاء الله» أو قال: «أنا\n_________\n(^١) ك، ب: «طلاق».\n(^٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «بالفعل».\n(^٣) ك: «تخلص».","vol":"4","page":497},{"text":"مسلم إن [١٥٥/أ] شاء الله» فإن ذلك لا يؤثّر في صحة إسلامه شيئًا، ولا يجعله إسلامًا معلَّقًا على شرط.\nقالوا (^١): ومن المعلوم قطعًا أن الله قد شاء تكلُّمه بالطلاق، فقوله بعد ذلك: «إن شاء الله» تحقيق لما قد عُلم قطعًا أن الله شاءه، فهو بمنزلة قوله: «إن كان الله أباح الطلاق أوأذِنَ فيه»، ولا فرقَ بينهما، وهذا بخلاف قوله: «أنت طالق إن كلَّمتِ فلانًا»، فإنه شرط في طلاقها ما يمكن وجوده وعدمه؛ فإذا وجد الشرط وقع ما علّق به، ووجود الشرط في مسألة المشيئة إنما يعلم بمباشرة العبد سببه؛ فإذا باشره عُلِم أن الله شاءه.\nقالوا: وأيضًا فالكفارة أقوى من الاستثناء؛ لأنها ترفع حكم اليمين، والاستثناء يمنع عقدها، والرافع أقوى من المانع. وأيضًا فإنها تؤثِّر متصلة ومنفصلة، والاستثناء لا يؤثِّر مع الانفصال، ثم الكفارة مع قوتها لا تؤثِّر في الطلاق والعتاق؛ فأن لا يؤثِّر فيه الاستثناء أولى وأحرى.\nقالوا: وأيضًا فقوله: «إن شاء الله» إن كان استثناءً فهو رافع لجملة المستثنى منه، فلا يرتفع، وإن كان شرطًا فإما أن يكون معناه: إن كان الله قد شاء طلاقك، أو إن شاء الله أن أُوقِع عليك في المستقبل طلاقًا غير هذا؛ فإن كان المراد هو الأول فقد شاء الله طلاقها بمشيئته لسببه، وإن كان المراد هو (^٢) الثاني فلا سبيلَ للمكلَّف إلى العلم بمشيئته سبحانه، فقد علَّق الطلاق بمشيئة مَن لا سبيلَ إلى العلم بمشيئته؛ فيلغو التعليق، ويبقى أصل الطلاق فينفذ.\n_________\n(^١) «قالوا» ليست في ك.\n(^٢) «الأول ... المراد هو» ساقطة من ك.","vol":"4","page":498},{"text":"قالوا: ولأنه علَّق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن، فوجب نفوذه، كما لو قال: «أنت طالق إن علِمَ الله» أو «إن قدَّر الله» أو «إن سمع» أو «إن رأى».\nيوضحه: أنه حذف مفعول المشيئة، ولم ينوِ مفعولًا معينًا؛ فحقيقة لفظه: أنت طالق إن كان لله مشيئة، أو إن شاء أي شيء كان، ولو كانت نيته إن شاء الله هذا الحادث المعيّن ــ وهو الطلاق ــ لم يمنع جعلَ المشيئة المطلقة التي هذا الحادثُ فردٌ من أفرادها شرطًا في الوقوع. ولهذا لو سئل المستثني عما أراد لم يُفصِح بالمشيئة الخاصة، بل لعلها لا تخطُر بباله، وإنما تكلم بهذا اللفظ بناء على ما اعتاده الناس من قول هذه الكلمة عند اليمين والنذر والوعد.\nقالوا: ولأن الاستثناء إنما بابه الأيمان، كقوله: «من حلفَ فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعلَ وإن شاء ترك» (^١)، وليس له دخول في الأخبار ولا في الإنشاءات، فلا يقال: «قام زيد إن شاء الله»، ولا «قُمْ إن شاء الله»، ولا «لا تَقُمْ إن شاء الله»، ولا «بعتُ وقبلتُ إن شاء الله». وإيقاع الطلاق والعتاق (^٢) من إنشاء العقود التي لا تُعلَّق على الاستثناء؛ فإن زمن الإنشاء مقارن له؛ فعقود الإنشاءات تُقارنها أزمنتها؛ فلهذا لا تعلَّق بالشروط.\nقالوا: والذي يكشف سرَّ المسألة أن هذا الطلاق المعلَّق على المشيئة إما أن يريد به طلاقًا ماضيًا أو مقارنًا للتكلُّم به أو مستقبلًا؛ فإن أراد الماضي أو المقارن [١٥٥/ب] وقع؛ لأنه لا يعلَّق على الشرط، وإن أراد المستقبل\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) «والعتاق» ليست في ك.","vol":"4","page":499},{"text":"ــ ومعنى كلامه: إن شاء الله أن تكوني (^١) في المستقبل طالقًا فأنت طالق ــ وقع أيضًا؛ لأن مشيئة الله طلاقَها الآن يوجب طلاقها في المستقبل؛ فيعود معنى الكلام إلى أني إن طلَّقتك الآن بمشيئة الله فأنت طالق، وقد طلَّقها بمشيئته، فتطلَّق. فهاهنا ثلاث دعاوٍ: إحداها: أنه طلّقها، والثانية: أن الله شاء ذلك، والثالثة: أنها قد طُلِّقت؛ فإن صحّت الدعوى الأولى صحت الأخريانِ، وبيان صحتها أنه تكلم بلفظ صالح للطلاق، فيكون طلاقًا، وبيان الثانية: أنه حادث؛ فيكون بمشيئة الله، فقد شاء الله طلاقَها فتطلَّق. فهذا غاية ما تمسَّك به المُوقِعون.\nقال المانعون: أنتم معاشرَ المُوقِعين قد ساعدتمونا على صحة تعليق الطلاق بالشرط، ولستم ممن يُبطله كالظاهرية وغيرهم كأبي عبد الرحمن الشافعي، فقد كفيتمونا نصفَ المؤنة، وحملتم عنا كُلفةَ الاحتجاج لذلك، فبقي الكلام معكم في صحة هذا التعليق المعيّن، هل هو صحيح أم لا؟\nفإن ساعدتمونا على صحة التعليق قَرُبَ الأمر وقطعنا نصف المسافة الباقية. ولا ريبَ أن التعليق صحيح؛ إذ لو كان محالًا لما صحَّ تعليق اليمين والوعد والنذر وغيرها بالمشيئة، ولكان ذلك لغوًا لا يفيد، وهذا بيّن البطلان عند جميع الأمة، فصح التعليق حينئذٍ، فبقي بيننا وبينكم منزلة أخرى، وهي أنه هل وجود هذا الشرط ممكن أم لا؟\nفإن ساعدتمونا على الإمكان ــ ولا ريبَ في هذه المساعدة ــ قرُبَت المسافة جدًّا، وحصلت المساعدةُ على أنه طلاق معلَّق صح تعليقه على شرط ممكن، فبقيت منزلة أخرى، وهي أن تأثير الشرط وعمله يتوقَّف على\n_________\n(^١) ك، ب: «يكون»، خطأ.","vol":"4","page":500},{"text":"الاستقبال أم لا يتوقف عليه بل يجوز تأثيره في الماضي والحال والاستقبال؟\nفإن ساعدتمونا على توقُّف تأثيره على الاستقبال، وأنه لا يصح تعلُّقه بماضٍ ولا حال ــ وأنتم بحمد الله على ذلك مساعدون ــ بقي بيننا وبينكم منزلة واحدة، وهي أنه هل لنا سبيلٌ إلى العلم بوقوع هذا الشرط فيترتَّب المشروط عليه عند وقوعه، أم لا سبيلَ لنا إلى ذلك البتةَ فيكون التعليق عليه تعليقًا على ما لم يجعل الله لنا طريقًا إلى العلم به؟ فهاهنا معترك النزال، ودعوة الأبطال، فنَزالِ نَزالِ.\nفنقول: من أقبح القبائح وأبينِ الفضائح، التي تشمئزُّ منها قلوب المؤمنين، وتُنكِرها فِطَرُ العالمين، ما تمسَّك به بعضكم، وهذا لفظه بل حروفه، قال (^١): لنا أنه علَّق الطلاق بما لا سبيلَ لنا إليه، فوجب أن يقع؛ لأن أصله الصفات المستحيلة، مثل قوله: «أنت طالق إن شاء الحَجر» أو «إن شاء الميّت» أو «إن شاء هذا المجنون المطبق الآن».\nفيا لك من قياسٍ ما أفسدَه! وعن طريقِ الصواب ما أبعدَه! وهل يستوي في عقل أو رأي أو نظر أو قياسٍ مشيئةُ الرب ﷻ ومشيئةُ الحجر [١٥٦/أ] والميّت والمجنون عند أحد من عقلاء الناس؟\nوأقبحُ من هذا ــ والله المستعان، وعليه التُّكلان، وعياذًا به من الخذلان، ونَزَغات الشيطان ــ تمسُّكُ بعضهم بقوله: علَّق الطلاق بمشيئة من لا تُعلم مشيئته فلم يصح التعليق، كما لو قال: «أنت طالق إن شاء إبليس».\n_________\n(^١) القائل برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز البخاري (ت ٦١٦) في كتابه «الذخيرة البرهانية» وهو مخطوط، وأصله «المحيط البرهاني»، وليس فيه هذا اللفظ.","vol":"4","page":501},{"text":"فسبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك، وعياذًا بوجهك الكريم، من هذا الخذلان العظيم. ويا سبحانَ الله! لقد كان لكم في نصرة هذا القول غِنًى عن هذه الشبهة الملعونة، وفي ضروب الأقيسة وأنواع المعاني والإلزامات فسحةٌ ومتَّسَع. ولله شرف نفوس الأئمة الذين رفع الله قدرهم، وشادَ في العالمين ذكْرَهم، حيث يأنَفون لنفوسهم ويرغبون بها عن أمثال هذه الهَذَيانات التي تَسْوَدُّ بها الوجوه قبل الأوراق، وتُحِلُّ بقمرِ الإيمان المُحاقَ.\nوعند هذا فنقول: علَّق الطلاق بمشيئة مَن جميع الحوادث مستندة إلى مشيئته، وتُعلَم مشيئته عند وجود كل حادث أنه إنما وقع بمشيئته، فهذا التعليق من أصحِّ التعليقات، فإذا أنشأ المعلّق طلاقًا في المستقبل تبينَّا وجودَ الشرط بإنشائه فوقع؛ فهذا أمر معقول شرعًا وفطرةً وقدرًا، وتعليق مقبول.\nيبيِّنه أن قوله: «إن شاء الله» لا يريد به إن شاء الله طلاقًا ماضيًا قطعًا، بل إما أن يريد به هذا الطلاق الذي تلفَّظ به أو طلاقًا مستقبلًا غيره، فلا يصح أن يراد به هذا الملفوظ؛ فإنه لا يصح تعليقه بالشرط؛ إذ الشرط إنما يؤثِّر في الاستقبال، فحقيقة هذا التعليق: أنت طالق إن شاء الله طلاقك في المستقبل، ولو صرَّح بهذا لم تَطْلُق حتى يُنشئ لها طلاقًا آخر.\nونقرِّره بلفظ آخر فنقول: علَّقه بمشيئة مَن له مشيئة صحيحة معتبرة، فهو أولى بالصحة من تعليقه بمشيئة آحاد الناس. يبيِّنه أنه لو علَّقه بمشيئة رسول الله - ﷺ - في حياته لم يقع في الحال، ومعلوم أن ما شاءه الله فقد شاءه رسوله؛ ولو كان التعليق بمشيئة الله موجبًا للوقوع في الحال لكان التعليق بمشيئة رسوله في حياته كذلك، وبهذا يبطُل ما عوَّلتم عليه.","vol":"4","page":502},{"text":"وأما قولكم: «إن الله سبحانه قد شاء الطلاق حين تكلَّم المكلَّف به»، فنعم إذًا؛ لكن شاء الطلاق المُطلَق أو المعلَّق؟ ومعلوم أنه لم يقع منه طلاق مطلق، بل الواقع منه طلاق معلَّق على شرط، فمشيئة الله سبحانه له لا تكون مشيئة للطلاق المطلق، فإذا طلَّقها بعد هذا علمنا أن الشرط قد وُجد، وأن الله قد شاء طلاقها فطلُقتْ. وعند هذا فنقول: لو شاء الله أن يطلِّق العبد لأنطقه بالطلاق مطلقًا من غير تعليق ولا استثناء، فلما أنطقه به مقيدًا بالتعليق والاستثناء علمنا أنه لم يشأ له الطلاق المنجَّز، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.\nومما يوضِّح هذا الأمر أن مشيئة اللفظ لا تكون مشيئة للحكم حتى يكون اللفظ صالحًا للحكم، ولهذا لو تلفَّظ المُكرَه أو زائل العقل أو الصبي أو المجنون بالطلاق فقد شاء الله منهم وقوع هذا اللفظ، ولم يشأ وقوع الحكم، فإنه لم [١٥٦/ب] يرتِّب على ألفاظ هؤلاء أحكامَها؛ لعدم إرادتهم لأحكامها، فهكذا المعلِّق طلاقَه بمشيئة الله مريدًا أن لا يقع طلاقه، وإن كان الله قد شاء له التلفُّظ بالطلاق، وهذا في غاية الظهور لمن أنصف.\nويزيده وضوحًا أن المعنى الذي منع الاستثناء عقْدَ اليمين لأجله هو بعينه في الطلاق والعتاق؛ فإنه إذا قال: «والله لأفعلنَّ اليوم كذا إن شاء الله» فقد التزم فعْلَه في اليوم إن شاء الله له ذلك، فإن فَعَلَه فقد علمنا مشيئة الله له، وإن لم يفعله علمنا أن الله لم يشأه؛ إذ لو شاءه لوقع ولا بدَّ، ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله للعبد أن يشاءه (^١) فقط، فإن العبد قد يشاء الفعل ولا يقع، فإن مشيئته ليست مُوجِبة ولا تلزمه، بل لا بدَّ من مشيئة الله له أن يفعل،\n_________\n(^١) ك: «ان شاءه».","vol":"4","page":503},{"text":"وقد قال سبحانه في المشيئة الأولى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقال في المشيئة الثانية: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦].\nوإذا كان تعليق الحلف بمشيئته سبحانه يمنع من انعقاد اليمين، وكذلك تعليق الوعد، فإذا قال: «أفعلُ إن شاء الله» ولم يفعل لم يكن مُخلِفًا، كما لا يكون في اليمين حانثًا. وهكذا إذا قال: «أنت طالق إن شاء الله» فإن طلَّقها بعد ذلك علمنا أن الله قد شاء الطلاق فوقع، وإن لم يطلِّقها تبينَّا أن الله لم يشأ الطلاق فلا تطلُق، فلا فرق في هذا بين اليمين والإيقاع، فإن كلًّا منهما (^١) إنشاءٌ وإلزامٌ معلَّق بالمشيئة.\nقالوا: وأما الأثران اللذان ذكرتموهما عن الصحابة فما أحسنَهما لو ثبتا، ولكن كيف بثبوتهما وعطية ضعيف، وجُميع بن عبد الحميد مجهول، وخالد بن يزيد ضعيف؟ قال ابن عدي (^٢): أحاديثه لا يتابع عليها. وأثر ابن عباس لا يُعلم حال إسناده حتى يُقبل أو يردّ.\nعلى أن هذه الآثار مقابَلةٌ بآثار أخر لا تثبت أيضًا:\nفمنها: ما رواه البيهقي في «سننه» (^٣) من حديث إسماعيل بن عياش عن\n_________\n(^١) ك: «كلاهما».\n(^٢) في «الكامل» (٣/ ١٦).\n(^٣) أي «الكبرى» (٧/ ٣٦١). ورواه أيضًا عبد الرزاق (١١٣٣١) والدارقطني (٤/ ٣٥). وإسناده ضعيف من أجل حميد، وللانقطاع بين مكحول ومعاذ، ضعفه البيهقي وابن الجوزي في «العلل» (٢/ ١٥٥) وابن القطان في «بيان الوهم» (٣/ ١٧٠) وابن عبد الهادي في «التنقيح (٣/ ٢٢٢) وابن حجر في «المطالب العالية» (٨/ ٤٠١).","vol":"4","page":504},{"text":"حُميد بن مالك عن مكحول عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا معاذُ، ما خلق الله شيئًا على وجه الأرض أبغضَ إليه من الطلاق، وما خلق الله شيئًا على وجه الأرض أحبَّ إليه من العتاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حرٌّ إن شاء الله، فهو حرٌّ، ولا استثناء له، وإذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فله استثناؤه، ولا طلاقَ عليه».\nثم ساقه من طريق محمد بن مصفَّى حدثنا معاوية بن حفص عن حميد بن (^١) مالك اللخمي حدثني مكحول عن معاذ بن جبل - ﵁ - سئل رسول الله - ﷺ - عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فقال: «له استثناؤه»، فقال رجل: يا رسول الله، وإن قال لغلامه: أنت حرٌّ إن شاء الله؟ قال: «يعتق؛ لأن الله يشاء العتق، ولا يشاء الطلاق».\nثم ساق من طريق إسحاق بن أبي نَجيح (^٢) عن عبد العزيز بن أبي روّاد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قال لامرأته أنتِ [١٥٧/أ] طالقٌ إن شاء الله، أو لغلامه أنت حرٌّ إن شاء الله، أو عليه المشي إلى بيت الله إن شاء الله؛ فلا شيء عليه» (^٣).\n_________\n(^١) ز: «عن»، خطأ.\n(^٢) كذا في النسخ، والصواب: «إسحاق بن أبي يحيى» وهو الكعبي كما بيَّنه البيهقي. هالِكٌ يأتي بالمناكير عن الأثبات، كما ذكر الذهبي في «الميزان» (١/ ٢٠٥) وأورد هذا الحديث من مناكيره.\n(^٣) رواه ابن عدي (٢/ ٦٩٤) والبيهقي (٧/ ٣٦١) وابن الجوزي في «العلل» (٢/ ١٥٤) من طريق إسحاق بن أبي يحيى، عن عبد العزيز بن أبي رواد به، وإسناده ضعيف من أجل إسحاق، وضعّف الحديث ابن الجوزي.","vol":"4","page":505},{"text":"ثم ساق من طريق الجارود بن يزيد عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا في الطلاق وحده أنه لا يقع (^١).\nولو كنا ممن يفرح بالباطل ــ ككثير من المصنِّفين الذين يفرح أحدهم بما وجده مؤيِّدًا لقوله ــ لفرحنا بهذه الآثار، ولكن ليس فيها غُنية؛ فإنها كلها آثار باطلة موضوعة على رسول الله - ﷺ -.\nأما الحديث الأول ففيه عدة بلايا:\nإحداها: حُميد بن مالك، ضعفه أبو زرعة (^٢) وغيره.\nالثانية: أن مكحولًا لم يلقَ معاذًا. قال أبو زرعة: مكحول عن معاذ منقطع.\nالثالثة: أنه قد اضطرب فيه حميد هذا الضعيف؛ فمرة يقول: عن مكحول عن معاذ، ومرة يقول: عن مكحول عن خالد بن معدان عن معاذ، وهو منقطع أيضًا، وقيل: مكحول عن مالك بن يُخامِر عن معاذ. قال البيهقي: ولم يصح.\nالرابعة: أن إسماعيل بن عيَّاش ليس ممن يُقبل تفرُّدُه بمثل هذا؛ ولهذا\n_________\n(^١) رواه ابن عدي (٢/ ٥٩٥) وابن الجوزي في «العلل» (٢/ ١٥٤). وفيه الجارود متهم، وضعف الحديث ابن عدي وابن الجوزي وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٢٢١).\n(^٢) انظر: «الضعفاء» له (٣/ ٨٠٣)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٣/ ٢٢٨).","vol":"4","page":506},{"text":"لم يذهب أحد من الفقهاء إلى هذا الحديث. وما حكاه أبو حامد الإسفراييني عن أحمد من القول به فباطل عنه لا يصح البتةَ، وكل من حكاه عن أحمد فمستنده حكاية أبي حامد الإسفراييني أو من تلقَّاها عنه.\nوأما الأثر الثاني، فإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، حتى انتهى أمره إلى الكذاب إسحاق بن نَجيح المَلَطي (^١).\nوأما الأثر الثالث، فالجارود بن يزيد قد ارتقى من حد الضعف إلى حد الترك (^٢).\nوالمقصود أن الآثار من الطرفين لا مُستراحَ فيها.\nفصل\nوأما قولكم: «إنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصحّ، كقوله: أنتِ طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا»، فما أبردَها من حجة! فإن الاستثناء لم يرفع حكم الطلاق بعد وقوعه، وإنما منعَ من انعقاده (^٣) منجَّزًا، بل انعقد معلَّقًا، كقوله: «أنت طالق إن شاء فلان» فلم يشأ فلان؛ فإنها لا تطلُق، ولا يقال: إن هذا استثناء رفعَ جملةَ الطلاق.\n_________\n(^١) هذا من أوهام المؤلف، فالصواب أن المذكور في الإسناد «إسحاق بن أبي يحيى» كما سبق، ولكن المؤلف ذكره هناك باسم «إسحاق بن أبي نجيح»، وظنّه هنا «إسحاق بن نجيح الملطي»، وكلاهما خطأ. وترجمة الملطي في «الميزان» (١/ ٢٠٠).\n(^٢) ترجمته في «الميزان» (١/ ٣٨٤).\n(^٣) ك: «وقع منع انعقاده».","vol":"4","page":507},{"text":"وأما قولكم: «إنه إنشاء حكم في محلّ، فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح» فأبردُ من الحجة التي قبلها؛ فإن البيع والنكاح لا يصح تعليقهما بالشرط، بخلاف الطلاق.\nوأما قولكم: «إزالة ملكٍ؛ فلا يصح تعليقه على مشيئة الله كالإبراء» فكذلك أيضًا؛ فإن الإبراء لا يصح تعليقه على الشرط مطلقًا عندكم، سواء كان الشرط مشيئة الله أو غيرها، فلو قال: «أبرأتُك إن شاء زيد» لم يصح، ولو قال: «أنت طالق إن شاء زيد» صح.\nوأما قولكم: «إنه تعليق على ما لا سبيلَ إلى العلم به» فليس كذلك، بل هو تعليق على (^١) ما لنا سبيلٌ إلى علمه؛ فإنه إذا أوقعه في المستقبل علمنا وجود الشرط قطعًا، وأن الله قد شاءه.\nوأما قولكم: «إن الله قد شاءه بتكلّم المطلّق به» فالذي شاءه الله إنما هو طلاق معلَّق، والطلاق المنجَّز لم يشأه الله؛ إذ لو شاءه لوقع ولا بدَّ، فما شاءه الله لا يوجب وقوع الطلاق في الحال، [١٥٧/ب] وما يوجب وقوعه في الحال لم يشأه الله.\nوأما قولكم: «إن الله سبحانه وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعًا وقدرًا» فنعم وضع سبحانه المنجَّز لإيقاع المنجَّز، والمعلَّق لوقوعه عند وقوع ما علّق به.\nوقولكم: «لو لم يشأ الطلاق لم يأذن للمكلَّف في التكلُّم به» فنعم، شاء المعلّق وأذِنَ فيه، والكلام في غيره.\n_________\n(^١) «على» ليست في ك.","vol":"4","page":508},{"text":"وقولكم: «إن هذا نظير قوله وهو متلبسٌ بالفعل: أنا أفعلُ إن شاء الله» فهذا فصل النزاع في المسألة، فإذا أراد بقوله: «أنت طالق إن شاء الله هذا التطليقَ الذي صدَرَ منّي» لزمه الطلاق قطعًا لوجود الشرط، وليس كلامنا فيه، وإنما كلامنا فيما إذا أراد «إن شاء الله طلاقًا مستقبلًا» أو أَطْلَق ولم يكن له نية، فلا ينبغي النزاع في القسم الأول، ولا يُظَنّ أن أحدًا من الأئمة ينازع فيه؛ فإنه تعليق على شرط مستقبل ممكن فلا يجوز إلغاؤه، كما لو صرَّح به فقال: «إن شاء الله أن أطلِّقك غدًا فأنتِ طالق»، إلا أن يستروحوا إلى ذلك المسلك الوخيم أنه علَّق الطلاق بالمستحيل فلغَا التعليقُ، كمشيئة الحجر والميت. وأما إذا أطلقَ ولم يكن له نية فيُحمل مطلق كلامه على مقتضى الشرط لغةً وشرعًا وعرفًا، وهو اقتضاؤه للوقوع في المستقبل.\nوأما استدلالكم بقول يوسف لأبيه وإخوته: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فلا حجة فيه؛ فإن الاستثناء إن عاد إلى الأمر المطلوب دوامه واستمراره فظاهر، وإن عاد إلى الدخول المقيَّد به فمن أين لكم أنه قال لهم هذه المقالة حال الدخول أو بعده؟ ولعله إنما قالها عند تلقِّيه لهم، ويكون دخولهم عليه في منزل اللقاء، فقال لهم حينئذٍ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، فهذا محتمل. وإن كان إنما قال لهم ذلك بعد دخولهم عليه في دار مملكته فالمعنى: ادخلوها دخولَ استيطانٍ واستقرارٍ آمنين إن شاء الله.\nوأما قولكم: «إنه لو أتى بالشهادتين ثم قال إن شاء الله أو قال أنا مسلم إن شاء الله صح إسلامه في الحال» فنعم إذًا؛ فإن الإسلام لا يقبل التعليق بالشرط، فإذا علَّقه بالشرط تنجَّز، كما لو علَّق الردة بالشرط فإنها تتنجَّز، وأما الطلاق فإنه يصح تعليقه بالشرط.","vol":"4","page":509},{"text":"وأما قولكم: «إنه من المعلوم قطعًا أن الله قد شاء تكلُّمه بالطلاق، فقوله بعد ذلك إن شاء الله تحقيقٌ لما عُلِم أن الله قد شاءه» قد تقدم جوابه، وهو أن الله إنما شاء الطلاق المعلَّق، فمن أين لكم أنه شاء المنجَّز؟ ولم تذكروا عليه دليلًا.\nوقولكم: «إنه بمنزلة قوله أنت طالق إن كان الله أذن في الطلاق أو أباحه، ولا فرقَ بينهما» فما أعظمَ الفرقَ بينهما وأَبْيَنَه (^١) حقيقةً ولغةً! وذلك ظاهرٌ عن تكلُّف بيانه؛ فإن بيان الواضحات نوع من العِيِّ، بل نظير ذلك أن يقول: أنت طالق إن كان الله قد شاء تلفُّظي بهذا اللفظ؛ فهذا يقع قطعًا.\nوأما قولكم: «إن الكفّارة أقوى من الاستثناء؛ لأنها ترفع حكم اليمين، والاستثناء يمنع عَقْدها، وإذا لم تدخل الكفارة في الطلاق والعتاق فالاستثناء أولى» فما أدْهَشَها (^٢) من شبهةٍ! [١٥٨/أ] وهي عند التحقيق لا شيء؛ فإن الطلاق والعتاق إذا وقعا لم تؤثِّر فيهما الكفارة شيئًا، ولا يمكن حلُّهما بالكفارة، بخلاف الأيمان فإن حلَّها بالكفارة ممكن، وهذا تشريع شرعه شارع الأحكام هكذا، فلا يمكن تغييره؛ فالطلاق والعتاق لا يقبل الكفارة، كما لم تقبلها سائر العقود كالوقف والبيع والهبة والإجارة والخلع، فالكفارة مختصة بالأيمان، وهي من أحكامها التي لا تكون لغيرها.\nوأما الاستثناء فيُشرع في أعمَّ من اليمين، كالوعد والوعيد والخبر عن\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وهو الصواب. و«أبين» معطوف على «أعظم». وفي المطبوع: «وبينه».\n(^٢) كذا في النسخ، صيغة التعجب من دَهَشَ بمعنى حيَّر. وفي المطبوع: «أوهنها».","vol":"4","page":510},{"text":"المستقبل، كقول النبي - ﷺ -: «وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» (^١)، وقوله عن أمية بن خَلَف: «بل أنا أقتلُه إن شاء الله» (^٢)، وكذا الخبر عن الحال نحو «أنا مؤمن إن شاء الله»، ولا تدخل الكفارة في شيء من ذلك، فليس بين الاستثناء والتكفير تلازمٌ. بل تكون الكفارة حيث لا استثناء، والاستثناء حيث لا كفارة، والكفارة شُرِعت تحلَّةً لليمين بعد عقدها، والاستثناء شُرِع لمعنى آخر، وهو تأكيد التوحيد، وتعليق الأمور بمشيئة من لا يكون شيء إلا بمشيئته؛ فشُرِع للعبد أن يفوِّض الأمر الذي عزم عليه وحلفَ على فعْلِه أو تركِه إلى مشيئة الله؛ ويَعقِد نطقه بذلك، فهذا شيء، والكفارة شيء آخر.\nوأما قولكم: «إن الاستثناء إن كان رافعًا فهو رافعٌ لجملة المستثنى منه فلا يرتفع» فهذا كلام عارٍ عن التحقيق؛ فإن هذا ليس باستثناء بأداة «إلا» وأخواتها التي يخرج بها بعض المذكور ويبقى بعضه حتى يلزم ما ذكرتم، وإنما هو شرط ينتفي المشروط عند انتفائه كسائر الشروط. ثم كيف يقول هذا القائل في قوله: «أنتِ طالق إن شاء زيد اليوم» ولم يشأ؟ فموجب دليله أن هذا لا يصح.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، ورواه أيضًا (٩٧٤) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) رواه عبد الرزاق في «التفسير» (٣/ ٦٨) متصلًا من طريق عثمان الجزَري عن مِقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس، وعثمان ضعيف. ورواه عبد الرزاق في «المصنف» (٩٧٣١) مرسلًا دون ذكر ابن عباس، وله شاهد مرسل عند ابن هشام في «السيرة» (٣/ ٣٢) عن صالح بن عبد الرحمن، وشاهد آخر عند البيهقي في «الدلائل» (٣/ ٢١١) من مرسل الزهري.","vol":"4","page":511},{"text":"فإن قيل: فلو أخرجه بأداة «إلا» فقال: «أنت طالق إلا أن يشاء الله» كان رفعًا لجملة المستثنى منه.\nقيل: هذه مَغْلَطَة (^١) ظاهرة؛ فإن الاستثناء هاهنا ليس إخراج جملة ما تناوله المذكور ليلزم ما ذكرت، وإنما هو تقييد لمطلق الكلام الأول بجملة أخرى مخصِّصة لبعض أحوالها، أي: أنت طالق في كل حالة إلا حالة واحدة، وهي حالة لا يشاء الله فيها الطلاق، فإذا لم يقع منه طلاق بعد هذا عَلِمْنا بعدم وقوعه أن الله سبحانه لم يشأ الطلاق؛ إذ لو شاءه لوقع. ثم ينتقض هذا بقوله «إلا أن يشاء زيد» و«إلا أن تقومي» ونحو ذلك؛ فإن الطلاق لا يقع إذا لم يشأه زيد وإذا لم تَقُم.\nوسُمِّي هذا التعليقُ بمشيئة الله استثناءً في لغة الشارع، كقوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ١٨]، أي: لم يقولوا إن شاء الله؛ فمن حلف فقال «إن شاء الله» فقد استثنى؛ فإن الاستثناء استفعال من ثَنَيْتُ الشيء، فالمستثني بإلّا قد عاد على كلامه فثَنَى آخرَه على أوله بإخراج ما أدخله أولًا في لفظه. وهكذا التقييد بالشرط سواء؛ فإن المتكلم به قد ثَنَى آخر كلامه على أوله فقيَّد به ما أطلقه أولًا، وأما تخصيص الاستثناء بإلا وأخواتها فعُرفٌ خاص للنحاة.\nوقولكم: «إن كان [١٥٨/ب] شرطًا ومرادُه به إن كان الله قد شاء طلاقك فينفذ لمشيئة الله بمشيئته لسببه، وهو الطلاق المذكور، وإن أراد به إن شاء الله أن أطلِّقك في المستقبل فقد علَّقه بما لا سبيلَ إلى العلم به، فيلغو التعليق\n_________\n(^١) كذا في النسخ وهو صواب. وغيَّره في المطبوع إلى «مغالطة».","vol":"4","page":512},{"text":"ويبقى أصل الطلاق»، فهذا هو أكبر عمدة المُوقِعين، ولا ريبَ أنه إن أراد بقوله أنت طالق إن كان الله قد شاء تكلُّمي بهذا اللفظ أو شاء طلاقك بهذا اللفظ طلُقتْ، ولكن المستثني لم يُرِد هذا، بل ولا خطَرَ على باله، فبقي القسم الآخر، وهو أن يريد إن شاء الله وقوع الطلاق عليك فيما يأتي، فهذا تعليق صحيح معقول يمكن العلم بوجود ما علّق عليه بوجود سببه، كما تقدم بيانه.\nوأما قولكم: «إنه علّق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن، فوجب نفوذُه، كما لو قال: أنت طالق إن علِمَ الله أو إن قدَّر أو سمِعَ ــ إلى آخره» فما أبطَلَها من حجة! فإنها لو صحَّت لبطلَ حكم الاستثناء في الأيمان لِما ذكرتموه بعينه، ولَما نفع الاستثناء في موضع واحد، ومعلوم أن المستثني لم يخطر هذا على باله، وإنما أراد تفويضَ الأمر إلى مشيئة الله وتعليقه به، وأنه إن شاءه نفذَ، وإن لم يشأه لم يقع، ولذلك كان مستثنيًا، أي: وإن كنت قد التزمتُ اليمين أو الطلاق أو العتاق فإنما ألتزمُه بعد مشيئة الله وتبعًا لها، فإن شاءه فهو سبحانه ينفذه بما يُحدثِه من الأسباب، ولم يُرِد المستثني إن كان لله مشيئة أو علمٌ أو سمعٌ أو بصرٌ فأنت طالق، ولم يخطر ذلك بباله البتةَ.\nيوضحه: أن هذا مما لا يقبل التعليق، ولا سيما بأداة «إنْ» التي هي للجائز الوجود والعدم، ولو شكّ في هذا لكان ضالًّا، بخلاف المشيئة الخاصة، فإنها يمكن أن تتعلَّق بالطلاق وأن لا تتعلَّق به، وهو شاكٌّ فيها كما يشكُّ العبد فيما يمكن أن يفعله الله به وأن لا يفعله هل شاءه أم لا؟ فهذا هو المعقول الذي في فِطَرِ الحالفين والمستثنين.\nوحذفُ مفعول المشيئة لم يكن لِما ذكرتم، وهو عدم إرادة مفعول","vol":"4","page":513},{"text":"معين، بل للعلم به، ودلالةِ الكلام عليه ومعنَى (^١) إرادته؛ إذ المعنى: إن شاء الله طلاقك فأنت طالق، كما لو قال: «والله لأسافرنَّ إن شاء الله» أي: إن شاء سفري، وليس مراده إن كان لله صفة هي المشيئة؛ فالذي قدَّرتموه من المشيئة المطلقة هو الذي لم يخطر ببال الحالف والمطلِّق، وإنما الذي لم يخطر بباله سِواه هو المشيئة المعينة الخاصة.\nقولكم: «إن المستثني لو سئل عما أراد لم يُفصِح بالمشيئة الخاصة، بل تكلم بلفظ الاستثناء بناء على ما اعتاده الناس من التكلُّم بهذا اللفظ» كلام غير سديد، فإنه لو صحَّ لما نفع الاستثناء في يمين قطُّ، ولهذا نقول: إن قصَدَ التحقيق والتأكيد بذكر المشيئة تنجَّز الطلاق، ولم يكن ذلك استثناء.\nقولكم: «إن الاستثناء بابه الأيمان» إن أردتم به اختصاصَ الأيمان به فلم تذكروا على ذلك دليلًا. وقوله - ﷺ -: «من حلفَ فقال إن شاء الله فقد استثنى»، وفي لفظ آخر: «من حلفَ [١٥٩/أ] فقال إن شاء الله فهو بالخيار؛ إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل» (^٢) فحديث حسن، ولكن لا يوجب اختصاص الاستثناء بالمشيئة باليمين، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وهذا ليس بيمين.\nويُشرع الاستثناء في الوعد والوعيد والخبر عن المستقبل، كقوله: غدًا أفعلُ إن شاء الله، وقد عتبَ الله على رسوله - ﷺ - حيث قال لمن سأله من أهل\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «وتعين».\n(^٢) اللفظ الأول لأبي داود (٣٢٦١)، والثاني ملفق من لفظ أحمد والبيهقي (٧/ ٣٦١). وقد تقدم تخريج الحديث مستوفى (ص ٤٨٥)، ولفظه هناك: «مَن حلف على يمين فقال: إن شاء الله [فقد استثنى] فلا حنث عليه»، وهو لفظ الترمذي (١٥٣١).","vol":"4","page":514},{"text":"الكتاب عن أشياء: «غدًا أُخبِركم»، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحيُ عنه شهرًا، ثم نزل عليه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (^١) أي: إذا نسيتَ ذكْرَه بالاستثناء عقيبَ كلامك فاذكُره به إذا ذكرتَ. هذا معنى الآية، وهو الذي أراده ابن عباس بصحة الاستثناء المتراخي، ولم يقل ابن عباس قطُّ ولا مَن هو دونه: إن الرجل إذا قال لامرأته: «أنت طالق» أو لعبده: «أنت حر» ثم قال بعد سنة «إن شاء الله» = إنها لا تطلُق ولا يُعتق العبد. وأخطأَ من نقلَ ذلك عن ابن عباس، أو عن أحد من أهل العلم البتةَ، ولم يفهموا مراد ابن عباس. والمقصود أن الاستثناء لا يختصُّ باليمين، لا شرعًا ولا عرفًا ولا لغةً، وإن أردتم بكونِ بابه الأيمان كثرتَه فيها؛ فهذا لا ينفي دخوله في غيرها.\nقولكم: «إنه لا يدخل في الإخبارات ولا في الإنشاءات، فلا يقال: قام زيد إن شاء الله، ولا قُمْ إن شاء الله، ولا بعتُ إن شاء الله، فكذا لا يدخل في قوله: أنت طالق إن شاء الله» فليس هذا بتمثيل صحيح، والفرق بين البابين أن الأمور الماضية قد عُلم أنها وقعت بمشيئة الله، والشرط إنما يؤثّر في الاستقبال، فلا يصح أن يقول: قمت أمسِ إن شاء الله، فلو أراد الإخبار عن وقوعها بمشيئة الله أتى بغير صيغة الشرط، فيقول: فعلتُ كذا بمشيئة الله وعونه وتأييده، ونحو ذلك، بخلاف قوله: غدًا أفعلُ إن شاء الله. وأما قوله: «قُمْ إن شاء الله» و«لا تقُمْ إن شاء الله» فلا فائدة في هذا الكلام؛ إذ قد عُلِم أنه لا يفعل إلا بمشيئة الله، فأيُّ معنى لقوله: إن شاء الله لك القيام فقُمْ، وإن لم\n_________\n(^١) لم أجده مسندًا، وذكره مقاتل في «التفسير» (٢/ ٥٧٦) وابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٥٥) وابن جرير (١٥/ ٢٢٨).","vol":"4","page":515},{"text":"يشأه فلا تقم؟\nنعم لو أرادَ بقوله قُمْ أو لا تقُمْ الخبرَ، وأخرجه مُخرَجَ الطلب تأكيدًا، أي: تقوم إن شاء الله، صحَّ ذلك، كما إذا قال: مُتْ على الإسلام إن شاء الله، ولا تمُتْ إلا على توبة إن شاء الله، ونحو ذلك. وكذا إذا أراد بقوله «قم إن شاء الله» ردَّ المشيئة إلى معنى خبري، أي: ولا تقوم إلا أن يشاء الله؛ فهذا صحيح مستقيم لفظًا ومعنى. وأما «بعتُ إن شاء الله، واشتريتُ إن شاء الله» فإن أراد به التحقيق صح وانعقد العقد، وإن أراد به التعليق لم يكن المذكور إنشاء، وتنافَى الإنشاء والتعليق؛ إذ زمنُ الإنشاء يقارن وجود معناه، وزمنُ وقوع المعلَّق يتأخَّر عن التعليق، فتنافَيَا.\nوأما قولكم: «إن هذا الطلاق المعلَّق على المشيئة إما أن يريد طلاقًا ماضيًا أو مقارنًا أو مستقبلًا ــ إلى آخره» فجوابه [١٥٩/ب] ما قد تقدَّم مرارًا أنه إن أراد به ردَّ المشيئة إلى هذا اللفظ المذكور، وأن الله إن كان قد شاءه فأنت طالق= طلقتْ، ولا ريبَ أن المستثني لم يُرِد هذا، وإنما أراد أن لا يقع الطلاق، فردّه إلى مشيئة الله، وأن الله إن شاءه بعد هذا وقع، فكأنه قال: لا أريد طلاقك، ولا أرَبَ لي فيه إلا أن يشاء الله ذلك فينفُذُ رضيتُ أم سخطتُ، كما قال نبي الله شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: نحن لا نعود في ملتكم، ولا نختار ذلك، إلا أن يشاء الله ربنا شيئًا فينفُذ ما شاءه. وكذلك قال إبراهيم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] أي: لا يقع بي من مَخُوفٍ من جهة آلهتكم أبدًا، إلا أن يشاء ربي شيئا فينفُذ ما شاءه. فردَّ الأنبياء ما أخبروا أنه لا يكون إلى مشيئة الرب تعالى وإلى علمه استدراكًا","vol":"4","page":516},{"text":"واستثناءً، أي: لا يكون ذلك أبدًا، ولكن إن شاءه الله كان، فإنه سبحانه عالم بما لا نعلمه نحن من الأمور التي تقتضيها حكمته وحمده (^١).\nفصل\nفالتحقيق في المسألة أن المستثني إما أن يقصد بقوله: «إن شاء الله» التحقيق أو التعليق؛ فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق، وإن قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلَّق. هذا هو الصواب في المسألة، وهو اختيار شيخنا (^٢) وغيره من الأصحاب. وقال أبو عبد الله ابن حمدان في «رعايته»: قلت: إن قصد التأكيد والتبرك وقع، وإن قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة فلا، وهذا قول آخر غير الأقوال الأربعة المحكية في المسألة، وهو أنه إنما ينفعه الاستثناء إذا قصد التعليق وكان جاهلًا باستحالة العلم بمشيئة الله تعالى، فلو علم استحالة العلم بمشيئته سبحانه لم ينعقد الاستثناء. والفرق بين علمه بالاستحالة وجهله بها أنه إذا جهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علَّق الطلاق بما هو ممكن في ظنّه فيصح تعليقه، وإذا لم يجهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علّقه على محال يعلم استحالته فلا يصح التعليق، وهذا أحد الأقوال في تعليقه بالمحال.\nقلت: وقولهم: «إن العلم بمشيئة الربّ محال» خطأ محض، فإن مشيئة الرب تُعلم بوقوع الأسباب التي تقتضي مسبباتها؛ فإن مشيئة المسبّب مشيئة لحكمه، فإذا أوقع عليها بعد ذلك طلاقًا علمنا أن الله قد شاء طلاقها.\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «وحده».\n(^٢) في «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٤٤).","vol":"4","page":517},{"text":"فهذا تقرير الاحتجاج من الجانبين، ولا يخفى ما تضمَّنه من رجحان أحد القولين، والله أعلم.\nفصل\nوقد قدّمنا اختلاف الفقهاء في اشتراط نية الاستثناء وزمنها، وأن أضيقَ الأقوال قول من يشترط النية من أول الكلام، وأوسع منه قول من يشترطها قبل فراغه، وأوسع منه قول من يجوِّز إنشاءها بعد الفراغ من الكلام، كما يقوله أصحاب أحمد وغيرهم.\nوأوسعُ منه قول من يجوِّزه بالقرب، ولا يشترط اتصاله بالكلام، كما نص عليه أحمد في رواية المرُّوذي فقال: حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: «والله لأغزونَّ قريشًا، [١٦٠/أ] والله لأغزونَّ قريشًا، والله لأغزونَّ قريشًا» ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله» (^١)، إذا هو استثنى بالقرب، ولم يخلط كلامه بغيره.\nوقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألتُ أحمد بن حنبل عن الاستثناء في اليمين، فقال: من استثنى بعد اليمين فهو جائز، على مثل فعل النبي - ﷺ - إذ قال «والله لأغزونَّ قريشًا» ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله» ولم يطل ذلك. قال: ولا أقول فيه بقول هؤلاء، يعني من لم يرَ ذلك إلا متصلًا. هذا لفظ الشالنجي في «مسائله».\nوأوسعُ من ذلك قول من قال: ينفعه الاستثناء ويصحُّ ما دام في\n_________\n(^١) تقدم.","vol":"4","page":518},{"text":"المجلس، نصَّ عليه الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه، وهو قول الأوزاعي كما سنذكره.\nوأوسعُ منه من وجهٍ قولُ من لا يشترط النية بحال، كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة. وقال صاحب «الذخيرة» (^١) في كتاب الطلاق في الفصل السادس عشر منه: ولو قال لها: «أنتِ طالق إن شاء الله» ولا يدري أي شيء «إن شاء الله» لا يقع الطلاق؛ لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع، فعلمه وجهلُه يكون سواء، ولو قال لها: «أنتِ طالق» فجرى على لسانه من غير قصد «إن شاء الله» وكان قصدُه إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وُجِد حقيقة، والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعًا.\nوقال الجُوزجاني في «مترجمه» (^٢): حدثني صفوان ثنا عمر قال: سئل الأوزاعي - ﵁ - عن رجل حلف: والله لأفعلنَّ كذا وكذا، ثم سكت ساعة لا يتكلَّم ولا يحدِّث نفسه بالاستثناء، فيقول له إنسان إلى جنبه: قلْ إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، أيكفِّر يمينَه؟ فقال: أراه قد استثنى.\nوبهذا الإسناد عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل وصلَه قريبُه بدراهم فقال: والله لا آخذُها، فقال قريبه: والله لتأخذنَّها، فلما سمعه قال: «والله لتأخذنَّها» استثنى في نفسه فقال: إن شاء الله، وليس بين قوله «والله لا آخذها» وبين قوله «إن شاء الله» كلام إلا انتظاره ما يقول قريبه، أيكفِّر يمينَه إن هو أخذها؟ فقال: لم يحنث؛ لأنه قد استثنى.\n_________\n(^١) «الذخيرة البرهانية» مخطوط، وانظر أصله «المحيط البرهاني» (٤/ ٤٩٥).\n(^٢) سبق التعريف بهذا الكتاب والنقل عنه عند المؤلف.","vol":"4","page":519},{"text":"ولا ريبَ أن هذا أفقهُ وأصحُّ من قول من اشترط نيته مع الشروع في اليمين؛ فإن هذا القول موافق للسنة الصحيحة فعلًا من النبي - ﷺ - وحكايةً عن أخيه سليمان أنه لو قال: «إن شاء الله» بعدما حلف وذكَّره الملَك كان نافعًا له، وموافقًا (^١) للقياس ومصالح العباد ومقتضى الحنيفية السمحة. ولو اعتبر ما ذكر من اشتراط النية في أول الكلام والاتصال الشديد لزالت رخصة الاستثناء، وقلَّ من انتفع بها إلا من قد درسَ على هذا القول وجعله منه على بالٍ.\nوقد ضيَّق بعض المالكية (^٢) في ذلك فقال: لا يكون الاستثناء نافعًا إلا وقد أراده صاحبه قبل أن يتمِّم اليمين، كما قال بعض الشافعية. وقال ابن الموَّاز (^٣): شرط نفعه أن يكون مقارنًا، ولو لآخر حرفٍ من حروف اليمين.\nولم يشترط مالك شيئًا من ذلك، بل قال [١٦٠/ب] في «موطئه» ــ وهذا لفظ رواية عبد الله بن يوسف (^٤) ــ: أحسن ما سمعتُ في الثُّنيا في اليمين أنها لصاحبها ما لم يقطَعْ كلامه، وما كان نَسَقًا يتبع بعضه بعضًا قبل أن يسكت، فإذا سكتَ وقطع كلامه فلا ثُنيا له. انتهى.\nولم أرَ عن أحدٍ من الأئمة قطُّ اشتراطَ النية مع الشروع ولا قبل الفراغ، وإنما هذا من تصرُّف الأتباع.\n_________\n(^١) كذا بالنصب في النسختين ز، ك. والأولى الرفع عطفًا على «موافق للسنة».\n(^٢) هو القاضي أبو إسحاق كما في «عقد الجواهر الثمينة» (١/ ٥١٩).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) وكذا في رواية يحيى بن يحيى الليثي (٢/ ٤٧٧).","vol":"4","page":520},{"text":"فصل\nوهل من شرط الاستثناء أن يتكلَّم به، أو ينفع إذا كان في قلبه وإن لم يتلفَّظ به؟ فالمشهور من مذاهب الفقهاء أنه لا ينفعه حتى يتلفَّظ به، ونصَّ عليه (^١) أحمد فقال في رواية ابن منصور (^٢): لا يجوز له أن يستثني في نفسه حتى يتكلَّم به.\nوقد قال أصحاب أحمد (^٣) وغيرهم: لو قال: «نسائي طوالق» واستثنى بقلبه «إلا فلانة» صحَّ استثناؤه، ولم تَطْلُق. ولو قال: «نسائي الأربع طوالق» واستثنى بقلبه «إلا فلانة» لم ينفعه. وفرّقوا بينهما بأن الأول ليس نصًّا في الأربع، فجاز تخصيصه بالنية، بخلاف الثاني.\nويلزمهم على هذا الفرق أن يصحَّ تقييده بالشرط بالنية؛ لأن غايته أنه تقييدُ مطلق؛ فعملُ النية فيه أولى من عملها في تخصيص العام؛ لأن العام متناول للأفراد وضعًا، والمطلق لا يتناول جميع الأحوال بالوضع، فتقييده بالنية أولى من تخصيص العام بالنية. وقد قال صاحب «المغني» (^٤) وغيره: إذا قال: «أنت طالق»، ونوى بقلبه من غير نطق: إن دخلت الدار أو بعد شهر، أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى. وهل يُقبل في الحكم؟ على روايتين، وقد قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن حلف لا يدخل الدار وقال: «نويت شهرًا»: قُبِل منه، أو قال: «إذا دخلت دار فلان فأنت طالق»\n_________\n(^١) «عليه» ليست في ك.\n(^٢) هو الكوسج، انظر: «مسائله» (١/ ٦٢٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٠١ - ٤٠٢).\n(^٤) (١٠/ ٤٠٢).","vol":"4","page":521},{"text":"ونوى تلك الساعة أو ذلك اليوم قُبلت نيته. قال: والرواية الأخرى لا تُقبل؛ فإنه قال: إذا قال لامرأته: [«أنت طالق»] (^١)، ونوى في نفسه «إلى سنةٍ» تطلَّق، ليس ينظر إلى نيته. وقال: إذا قال: «أنت طالق» وقال: نويت إن دخلت الدار، لا يصدَّق.\nقال الشيخ (^٢): ويمكن أن يُجمع بين هاتين الروايتين بأن يُحمل قوله في القبول على أنه يدين، وقوله في عدم القبول على الحكم؛ فلا يكون بينهما اختلاف.\nقال: والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها ــ يعني مسألة «نسائي طَوالق» وأراد بعضهن ــ أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير، وإرادة الشرط من غير ذكره غير شائع، وهو قريب من الاستثناء، ويمكن أن يقال: هذا كلُّه من جملة التخصيص. انتهى كلامه.\nوقد تضمَّن أن الحالف إذا أراد الشرط دُيِّن وقُبِل في الحكم في إحدى الروايتين، ولا يفرِّق فقيه ولا محصِّلٌ بين الشرط بمشيئة الله حيث يصح وينفع وبين غيره من الشروط، وقد قال الإمام أحمد في رواية حرب (^٣): إن كان مظلومًا فاستثنى في نفسه رجوتُ أنه يجوز إذا خاف على نفسه. ولم ينصَّ على خلاف هذا في المظلوم، وإنما (^٤) أطلق القول، وخاصُّ كلامِه ومقيَّده يقضي على مطلقه وعامّه؛ فهذا مذهبه.\n_________\n(^١) ما بين المعكوفتين ليس في النسخ، وهو في «المغني».\n(^٢) أي ابن قدامة، والكلام متصل.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٨٦).\n(^٤) «وإنما» ليست في ك.","vol":"4","page":522},{"text":"[١٦١/أ] فصل\nوهل يُشترط أن يسمع نفسه أو يكفي تحرُّك لسانه بالاستثناء، وإن كان بحيث لا يسمعه؟ فاشترط أصحاب أحمد وغيرهم أنه لا بدَّ وأن يكون بحيث يسمعه هو أو غيره. ولا دليلَ على هذا من لغةٍ ولا عرفٍ ولا شرعٍ، وليس في المسألة إجماع.\nقال أصحاب أبي حنيفة ــ واللفظ لصاحب «الذخيرة» (^١) ــ: وشرط الاستثناء أن يتكلَّم بالحروف سواء كان مسموعًا أو لم يكن، عند الشيخ أبي الحسن الكرخي. وكان الفقيه أبو جعفر يقول: لا بدَّ وأن يسمع نفسه، وبه كان يفتي الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل.\nوكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول (^٢)، وبالله التوفيق.\nوهذا بعض ما يتعلَّق بمخرج الاستثناء، ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب.\nفصل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>المخرج الخامس: أن يفعل المحلوفَ عليه ذاهلًا</span>، أو ناسيًا، أو مخطئًا، أو جاهلًا، أو مُكرَهًا، أو متأولًا، أو معتقدًا أنه لا يحنَث به تقليدًا لمن أفتاه بذلك، أو مغلوبًا على عقله، أو ظنًّا منه أن امرأته طلِّقت فيفعل المحلوف عليه بناءً على أن المرأة أجنبية فلا يؤثِّر فعلُ المحلوف عليه في طلاقها شيئًا.\n_________\n(^١) انظر أصله «المحيط البرهاني» (٤/ ٤٩٤).\n(^٢) انظر: «الاختيارات» للبعلي (ص ٣٧٢).","vol":"4","page":523},{"text":"فمثال الذهول أن يحلف أنه لا يفعل شيئًا هو معتاد لفعله، فيغلب عليه الذهول والغفلة فيفعله.\nوالفرق بين هذا وبين الناسي أن الناسي يكون قد غابت عنه اليمين بالكلية، فيفعل المحلوف عليه ذاكرًا له عامدًا لفعله، ثم يتذكر أنه كان قد حلف على تركه. وأما الغافل والذاهل واللاهي فليس بناسٍ ليمينه، ولكنه لَهِيَ عنها أو ذَهَل، كما يذهَل الرجل عن الشيء في يده أو حِجْره بحديثٍ أو نظرٍ إلى شيء أو نحوه كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ٨ - ١٠].\nيقال (^١): لَهِيَ عن الشيء يلهَى كغَشِي يغشَى إذا غفل عنه، ولَها به يلهو إذا لعب. وفي الحديث: «فلَهِيَ رسولُ الله - ﷺ - بشيء كان في يديه» (^٢) أي اشتغل به، ومنه الحديث الآخر: «إذا استأثَر الله بشيء فَالْهَ عنه» (^٣). وسئل الحسن عما يجده الرجل من البِلَّة بعد الوضوء والاستنجاء، فقال: «الْهَ عنه» (^٤). وكان ابن الزبير إذا سمع صوتَ الرعد لَهِي عن حديثه (^٥). وقال\n_________\n(^١) اعتمد المؤلف في شرح هذه المادة وذكر شواهدها على «النهاية» لابن الأثير (٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣).\n(^٢) لم أجده مسندًا، وهو من حديث سهل بن سعد في «النهاية» (٤/ ٢٨٣).\n(^٣) لم أجده مسندًا. وهو في «النهاية» (٤/ ٢٨٣).\n(^٤) رواه أبو عبيد في «غريب الحديث» (٤/ ٣٠٣).\n(^٥) رواه أبو عبيد في المصدر السابق (٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣). ورواه بدون لفظ الشاهد مالك (٢/ ٩٩٢) والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٢٣) وأبو داود في «الزهد» (٣٧١) وابن أبي شيبة (٢٩٨٢٤) والبيهقي (٣/ ٣٦٢) من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن هذا لوعيدٌ لأهل الأرض شديد. وإسناده صحيح، صححه النووي في «المجموع» (٥/ ٩٣) وابن الملقن في «تحفة المحتاج» (ص ٥٦٧) والعيني في «العلم الهيب» (٤١٣).","vol":"4","page":524},{"text":"عمر - ﵁ - لرجل بعثه بمال إلى أبي عبيدة ثم قال للرسول: «تَلَهَّ عنه ثم انظُرْ ماذا يصنع به» (^١). ومنه قول كعب بن زهير (^٢):\nوقال كلُّ صديقٍ كنتُ آمُلُه ... لا أُلهِينَّك إنّي عنك مشغول\nأي لا أَشْغَلُك عن شأنك وأمرك. وفي «المسند» (^٣): «سألتُ ربّي أن لا يعذِّب اللاهينَ من أمتي»، وهم البُلْه الغافلون الذين لم يتعمَّدوا الذنوب، وقيل: هم الأطفال الذين لم يقترِفوا ذنبًا.\nفصل\nوأما الناسي فهو ضربان: ناسٍ لليمين، وناسٍ للمحلوف عليه. فالأول ظاهر، والثاني: كما إذا حلف على شيء ففعله وهو ذاكر ليمينه، لكن نسي أن\n_________\n(^١) ذكره ابن الأثير في «النهاية» (٤/ ٢٨٣).\n(^٢) في قصيدته المشهورة ضمن «ديوانه» (ص ١٩). وفيه: «لا أُلْفِينَّك». وبرواية المؤلف في «النهاية» (٤/ ٢٨٣) وعنه في «لسان العرب» (لها).\n(^٣) لم أجده في «مسند أحمد»، ورواه أبو يعلى (٣٥٧٠، ٣٦٣٦، ٤١٠١، ٤١٠٢) والبغوي في «الجعديات» (٢٩٠٦) وابن بشران في «الأمالي» (١٥٦١) والضياء في «المختارة» (٢٦٣٩) من طريقين عن أنس. وضعَّفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٤) والمؤلف في «طريق الهجرتين» (ص ٨٦٠)، وحسّنه الألباني في «الصحيحة» (١٨٨١).","vol":"4","page":525},{"text":"هذا هو المحلوف عليه بعينه، وهذا كما لو حلف لا يأكل طعام كذا وكذا، فأُنْسِيَه، ثم أكله وهو ذاكرٌ ليمينه، ثم ذكر أن هذا هو الذي حلف عليه؛ فهذا إن كان يعتقد أنه غير المحلوف عليه ثم بان [١٦١/أ] أنه هو فهو خطأ. وإن لم يخطر بباله كونُه المحلوفَ عليه ولا غيرَه فهو نسيان.\nوالفرق بين الجاهل بالمحلوف عليه والمخطئ أن الجاهل قصد الفعل ولم يظنَّه المحلوفَ عليه، والمخطئ لم يقصده، كما لو رمى طائرًا فأصاب إنسانًا.\nوالمُكْرَه نوعان: أحدهما: له فعل اختياري لكن محمول عليه، والثاني: مُلْجَأٌ لا فعَلَ له، بل هو آلة محضة.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-822>المتأوّل </span>كمن يحلف أنه لا يكلِّم زيدًا وكاتبُه يعتقد أن مكاتبته ليست تكلُّمًا، وكمن يحلف أنه لا يشرب خمرًا فشرب نبيذًا مختلَفًا فيه متأولًا، وكمن حلَف لا يُرابِي فباع بالعِينة، أو لا يطأ فرجًا حرامًا فوطئ في نكاح تحليلٍ مختلفٍ فيه، ونحو ذلك. والتأويل ثلاث درجات: قريب وبعيد ومتوسط، ولا تنحصر أفراده.\nوالمعتقد أنه لا يحنث بفعله تقليدًا سواء كان المفتي مصيبًا أو مخطئًا، كمن قال لامرأته: إن خرجتِ من بيتي فأنت طالق، أو الطلاق يلزمني لا تخرجين من بيتي، فأفتاه مفتٍ بأن هذه اليمين لا يلزم بها الطلاق بناءً على أن الطلاق المعلَّق لغوٌ كما يقوله بعض أصحاب الشافعي كأبي عبد الرحمن الشافعي وبعض أهل الظاهر كما صرَّح به صاحب «المحلى»، فقال (^١):\n_________\n(^١) «المحلى» (١٠/ ٢١٣).","vol":"4","page":526},{"text":"والطلاق بالصفة عندنا كالطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-823>المغلوب على عقله </span>كمن يفعل المحلوف عليه في حال سُكْر أو جنون أو زوالِ عقلٍ بشرب دواء أو بَنْج أو غضب شديد ونحو ذلك.\nوالذي يظن أن امرأته طلُقت فيفعل المحلوف عليه بناءً على أنه لا يؤثِّر في الحنث، كما إذا قال: إن كلَّمتِ فلانًا فأنتِ طالق ثلاثًا، ثم قال: إن فعلتُ كذا فامرأتي طالق ثلاثًا، فقيل له: إن امرأتك قد كلَّمتْ فلانًا، فاعتقد صدقَ القائل وأنها قد بانت منه، ففعل المحلوف عليه بناءً على أن العصمة قد انقطعت، ثم بان له أن المخبر كاذب.\nوكذلك لو قيل له: قد كلَّمتْ فلانًا، فقال: طلُقتْ مني ثلاثًا، ثم بان أنها لم تكلِّمه. ومثل ذلك لو قيل له: إن امرأتك قد مُسِكَتْ تشرب الخمر مع فلان، فقال: هي طالق ثلاثًا، ثم ظهر كذبُ المخبر، وأن ذلك لم يكن منه شيء. فاختلف الفقهاء في ذلك اختلافًا لا ينضبط.\nفنذكر أقوال من أفتى بعدم الحنث في ذلك؛ إذ هو الصواب بلا ريب، وعليه تدل الأدلة الشرعية ألفاظها وأقيستها واعتبارها، وهو مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن البر والحنث في اليمين نظير الطاعة (^١) والمعصية في الأمر والنهي، ولو فعل المكلَّف ذلك في أمر الشارع ونهيه لم يكن عاصيًا، فأولى في باب اليمين أن لا يكون حانثًا.\nيوضِّحه أنه إنما عقد يمينه على فعلِ ما يملكه، والنسيان والجهل والخطأ والإكراه غير داخل تحت قدرته، فما فعله في تلك الأحوال لم\n_________\n(^١) ك، ب: «الإطاعة».","vol":"4","page":527},{"text":"يتناوله يمينه، ولم يقصد منع نفسه منه.\nيوضِّحه أن الله سبحانه قد رفع (^١) المؤاخذة عن المخطئ والناسي والمكره، فإلزامه بالحنث أعظمُ مؤاخذةً لما تجاوز الله عن المؤاخذة به، كما أنه سبحانه لما تجاوز للأمة عما حدَّثتْ به أنفسها [١٦٢/أ] لم تتعلق به المؤاخذة في الأحكام.\nيوضِّحه أن فعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به، ولهذا هو عفْوٌ لا يكون به مطيعًا ولا عاصيًا.\nيوضِّحه أن الله سبحانه إنما رتّب الأحكام على الألفاظ؛ لدلاتها على قصدِ المتكلم بها وإرادتِه، فإذا تيقَّنَّا أنه قصد كلامها، ولم يقصد معانيها، ولم يقصد مخالفة ما التزمه ولا الحنث، فإن الشارع لا يُلزِمه بما لم يقصده، بل قد رفع المؤاخذة عنه بما لم يقصده من ذلك.\nيوضِّحه أن اللفظ دليل على القصد، فاعتُبِر لدلالته عليه، فإذا علمنا يقينًا خلافَ المدلول لم يجزْ أن نجعله دليلًا على ما تيقّنا خلافه.\nوقد رفع الله المؤاخذة عن قتل المسلم المعصوم بيده مباشرةً إذا لم يقصد قتله بل قتله خطأً، ولم يُلزِمه شيئًا من ديته، بل حمَّلها غيرَه، فكيف يؤاخذه بالخطأ والنسيان في باب الأيمان؟ هذا من الممتنع على الشارع.\nوقد رفع النبي - ﷺ - المؤاخذة عمن أكل أو شرب في نهار رمضان ناسيًا لصومه (^٢)، مع أن أكله وشربه فعلٌ لا يمكن تداركُه، فكيف يؤاخِذه بفعل\n_________\n(^١) ك: «دفع».\n(^٢) كما في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري (١٩٣٣) ومسلم (١١٥٥).","vol":"4","page":528},{"text":"المحلوف عليه ناسيًا ويطلّق عليه امرأته ويُخرِب بيته ويشتِّت شَمْلَه وشمْلَ أولاده وأهله، وقد عفا له عن الأكل والشرب في نهار الصوم ناسيًا؟\nوقد عفا عمّن أكل أو شرب في نهار الصوم عمدًا غير ناسٍ لمَّا تأوَّل الخيط الأبيض والأسود بالحبلين المعروفين، فجعل يأكل حتى تبينَا له وقد طلع النهار، وعفا له عن ذلك (^١)، ولم يأمره بالقضاء لتأويله، فما بال الحالف المتأول لا يُعفَى له عن الحنث، بل يخرب بيته، ويفرِّق بينه وبين حبيبته، ويشتِّت شملَه كل مشتَّت؟\nوقد عفا عن المتكلم في صلاته عمدًا، ولم يأمره بالإعادة لما كان جاهلًا بالتحريم لم يتعمَّد مخالفة حكمه، فألغى كلامه، ولم يجعله مُبطِلًا للصلاة، فكيف لا يَقتِدي به ويُلغي قولَ الجاهل وفعلَه في باب الأيمان ولا يُحنِّثه كما لم يؤثِّمه الشارع؟\nوإذا كان قد عفا عمن قدَّم شيئًا أو أخَّره من أعمال المناسك من الحلق والرمي والنحر نسيانًا فلم يؤاخذه بترك ترتيبها نسيانًا، فكيف يحنث من قدَّم ما حلف على تأخيره أو أخَّر ما حلف على تقديمه ناسيًا أو جاهلا؟\nوإذا كان قد عفا عمن حمل القذَرَ في الصلاة ناسيًا أو جاهلًا به، فكيف يؤاخذ الحالف ويحنث به؟ وكيف تكون أوامر الرب تعالى ونواهيه دون ما التزمه الحالف بالطلاق والعتاق؟ وكيف يحنِّث الشارعُ من لم يتعمَّد الحنث؟ وهل هذا إلا بمنزلة تأثيمه مَن لم يتعمد الإثم وتكفيره من لم يتعمد\n_________\n(^١) كما في حديث عدي بن حاتم الذي رواه البخاري (١٩١٦) ومسلم (١٠٩٠)، وحديث سهل بن سعد الذي رواه البخاري (١٩١٧) ومسلم (١٠٩١).","vol":"4","page":529},{"text":"الكفر؟ وكيف يُطلّق أو يُعتق على من لم يتعمَّد الطلاق والعتاق، ولم يطلّق على الهازل إلا لتعمُّده فإنه تعمَّد الهزل ولم يُرِد حكمه، وذلك ليس إليه بل إلى الشارع، فليس الهازل معذورًا، بخلاف الجاهل والمخطئ والناسي.\nوبالجملة فقواعد الشريعة وأصولها تقتضي أن [١٦٢/ب] لا يحنث الحالف (^١) في جميع ما ذكرنا، ولا يطَّرِد على القياس ويَسْلَم من التناقض إلا هذا القول.\nوأما تحنيثه في جميع ذلك فإن صاحبه وإن سَلِم من التناقض لكن قوله مخالف لأصول الشريعة وقواعدها وأدلتها.\nومن حنَّث في بعض ذلك دون بعض تناقضَ، ولم يطَّرد له قول، ولم يَسْلَم له دليل عن المعارضة.\nوقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك؛ ففيه (^٢) ثلاث روايات:\nإحداها: أنه لا يحنَث في شيء من الأيمان بالنسيان ولا الجهل بفعل المحلوف عليه، سواء كانت من الأيمان المكفَّرة أو غيرها. وعلى هذه الرواية فيمينه باقية لم تنحلَّ بفعل المحلوف عليه مع النسيان والجهل؛ لأن اليمين كما لم تتناول حالة الجهل والنسيان بالنسبة إلى الحنث لم تتناولها بالنسبة إلى البر؛ إذ لو كان فاعلًا للمحلوف عليه بالنسبة إلى البر لكان فاعلًا له بالنسبة إلى الحنث.\n_________\n(^١) ك، ب: «الحانث».\n(^٢) ك، ب: «فعنه».","vol":"4","page":530},{"text":"وهذه الرواية اختيار شيخ الإسلام (^١) وغيره، وهي أصح قولَي الشافعي اختاره جماعة من أصحابه.\nوالثانية: يحنَث في الجميع، وهي مذهب أبي حنيفة ومالك.\nوالثالثة: يحنَث في اليمين التي لا تكفّر كالطلاق والعتاق، ولا يحنث في اليمين المكفَّرة، وهي اختيار القاضي وأصحابه.\nوالذين حنَّثوه مطلقًا نظروا إلى صورة الفعل، وقالوا: قد وُجدت المخالفة.\nوالذين فرَّقوا قالوا: الحلف بالطلاق والعتاق من باب التعليق على الشرط، فإذا وُجد الشرط وجد المشروط، سواء كان مختارًا لوجوده أو لم يكن.\nكما لو قال: «إن قدم زيد فأنت طالق» فإن فعل المحلوف عليه في حال جنونه، فهل هو كالنائم فلا يحنث أو كالناسي فيجري فيه الخلاف؟ على وجهين في مذهب الإمام أحمد والشافعي، أصحهما أنه كالنائم لأنه غير مكلَّف.\nولو حلف على من يقصد منعه كعبده وزوجته وولده وأجيره، ففعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا، فهو كما لو حلف على فعل نفسه ففعله ناسيًا أو جاهلًا، هو على الروايات الثلاث (^٢)، وكذلك هو على القولين في مذهب الشافعي، فإن منعه لمن يمتنع بيمينه كمنعه لنفسه؛ فلو حلف لا يسلِّم على زيد، فسلَّم على جماعة هو فيهم ولم يعلم، فإن لم نحنِّث الناسي فهذا أولى\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٣٠٨).\n(^٢) ك: «الثلاثة».","vol":"4","page":531},{"text":"بعدم الحنث لأنه لم يقصده، والناسي قد قصد التسليم عليه، وإن حنَّثنا الناسي هل يحنث هذا؟ على روايتين:\nإحداهما: يحنث لأنه بمنزلة الناسي؛ إذ هو جاهل بكونه معهم.\nوالثانية ــ وهي أصح ــ: أنه لا يحنث، قاله أبو البركات (^١) وغيره.\nوهذا يدّل على أن الجاهل أعذرُ من الناسي، وأولى بعدم الحنث. وصرَّح به أصحاب الشافعي في الأيمان، ولكن تناقضوا كلهم في جعل الناسي في الصوم أولى بالعذر من الجاهل، ففطَّروا الجاهلَ دون الناسي. وسوَّى شيخنا بينهما، وقال (^٢): الجاهل أولى بعدم الفطر من الناسي. فسَلِم من التناقض.\nوقد سوَّوا بين الجاهل والناسي فيمن حمل النجاسة في الصلاة ناسيًا أو جاهلًا [١٦٣/أ] ولم يعلم حتى فرغ منها، فجعلوا الروايتين والقولين في الصورتين. وقد سوَّى الله سبحانه بين المخطئ والناسي في عدم المؤاخذة، وسوَّى بينهما النبي - ﷺ - في قوله: «إن الله تجاوزَ لي عن أمتي الخطأَ والنسيانَ» (^٣)، فالصواب التسوية بينهما.\nفصل\n\nوأما إذا<span data-type=\"title\" id=toc-825> فعل المحلوف عليه مُكرَهًا </span>فعن أحمد روايتان منصوصتان، إحداهما: يحنث في الجميع، والثانية: لا يحنث في الجميع، وهما قولان\n_________\n(^١) في «المحرر» (٢/ ٨١).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٩ - ٥٧٣).\n(^٣) تقدم.","vol":"4","page":532},{"text":"للشافعي. وخرَّج أبو البركات (^١) رواية ثالثة أنه يحنث في اليمين (^٢) بالطلاق والعتاق دون غيرهما من الأيمان، مِن نصِّه على الفرق في صورة الجاهل والناسي.\nفإن أُلجِئ وحُمِل أو فُتح فمه وأُوجِرَ (^٣) ما حلف أن لا يشربه: فإن لم يقدر على الامتناع لم يحنث، وإن قدر على الامتناع فوجهان. وإذا لم يحنث فاستدام ما أُلجِئ عليه كما لو أُلجِئ دخولَ دارٍ حلفَ أن لا يدخلها، فهل يحنث؟ فيه وجهان. ولو حلف على غيره ممن يقصد منعه على ترك فعلٍ ففعلَه مُكرَهًا أو مُلجَأً فهو على هذا الخلاف سواء.\nفصل\nأما المتأوِّل فالصواب أنه لا يحنث كما لم يأثم في الأمر والنهي، وقد صرَّح به الأصحاب فيما لو حلف أن لا يفارق غريمَه حتى يقبض حقَّه فأحاله به، ففارقه يظنُّ أن ذلك قبض، وأنه برَّ في يمينه، فحكوا فيه الروايات الثلاث. وطَرْد هذا كلّ متأول ظنَّ أنه لا يحنث بما فعله؛ فإن غايته أن يكون جاهلًا بالحنث، وفي الجاهل الرواياتُ الثلاث.\nوإذا ثبت هذا في حق المتأول فكذلك في حق المقلد أو (^٤) أولى، فإذا حلف بالطلاق أن لا يكلِّم فلانًا أو لا يدخل داره فأفتاه مفتٍ بعدم وقوع\n_________\n(^١) في «المحرر» (٢/ ٨١).\n(^٢) في المطبوع: «باليمين» خلاف النسخ.\n(^٣) أي صُبَّ في حلقه.\n(^٤) سقطت من المطبوع «أو».","vol":"4","page":533},{"text":"الطلاق في هذه اليمين، اعتقادًا لقول علي بن أبي طالب (^١) وطاوس (^٢) وشُريح (^٣)، أو اعتقادًا لقول أبي حنيفة والقفّال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط، أو اعتقادًا لقول أشهب ــ وهو أجلُّ أصحاب مالك ــ إنه إذا علّق الطلاق بفعل الزوجة لم يحنث بفعلها، أو اعتقادًا لقول أبي عبد الرحمن الشافعي أجل أصحاب الشافعي إن الطلاق المعلَّق لا يصح، كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلّق، وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر= لم يحنث (^٤) في ذلك كله، ولم يقع الطلاق.\nولو فُرض فساد هذه الأقوال كلها فإنه إنما فعل المحلوف عليه متأولًا مقلّدًا ظانًّا أنه لا يحنث به، فهو أولى بعدم الحنث من الجاهل والناسي، وغاية ما يقال (^٥): إنه مفرِّط حيث لم يستقصِ، ولم يسأل غيرَ من أفتاه، وهذا بعينه يقال في الجاهل: إنه مفرِّط حيث لم يبحثْ ولم يسأل عن المحلوف عليه، فلو صحَّ هذا الفرق لبطل عذر الجاهل البتةَ. كيف والمتأول مطيع لله مأجور إما أجرًا واحدًا أو أجرين؟ والنبي - ﷺ - لم يؤاخذ خالدًا في تأويله حين\n_________\n(^١) تقدم. وسيأتي الكلام عليه عند المصنف.\n(^٢) رواه عبد الرزاق كما في «المحلى» (١٠/ ٢١٣) من طريق ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئا، قلت: كان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري. وإسناده صحيح.\n(^٣) رواه عبد الرزاق (١١٣٢٢) من طريق هشيم عن ابن سيرين عن شريح.\n(^٤) سياق الكلام: «فإذا حلف بالطلاق ... لم يحنث». وقد طال الفصل بين الشرط والجزاء بذكر أقوال الفقهاء.\n(^٥) بعدها في المطبوع زيادة «في الجاهل»، وليست في النسخ، ولا يقتضيها السياق، فسيأتي ذكر الجاهل.","vol":"4","page":534},{"text":"قتل بني جَذِيمة بعد إسلامهم (^١). [١٦٣/ب] ولم يؤاخذ أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله لأجل التأويل (^٢). ولم يؤاخذ من أكل نهارًا في الصوم عمدًا لأجل التأويل (^٣). ولم يؤاخذ أصحابه حين قتلوا من سلَّم عليهم وأخذوا غُنَيْمتَه لأجل التأويل (^٤). ولم يؤاخذ المستحاضة بتركها الصومَ والصلاة لأجل التأويل (^٥). ولم يؤاخذ عمر حين ترك الصلاة لما أجنبَ في السفر ولم يجدْ ماء لأجل التأويل (^٦). ولم يؤاخذ مَن تمعَّكَ في التراب كتمعُّك الدابة وصلَّى لأجل التأويل (^٧).\nوهذا أكثر من أن يُستقصى.\nوأجمع أصحاب رسول الله - ﷺ - على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدرٌ في قتالهم في الفتنة، قال الزهري: وقعت الفتنةُ وأصحابُ رسول الله - ﷺ - كلهم متوافرون، فأجمعوا على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدرٌ، أنزلوهم منزلةَ الجاهلية (^٨).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٣٣٩، ٧١٨٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٢) رواه البخاري (٤٢٦٩، ٦٨٧٢) ومسلم (٩٦) من حديث أسامة بن زيد - ﵁ -.\n(^٣) كما في حديثي سهل بن سعد وعدي بن حاتم المتفق عليهما، وقد سبق ذكرهما.\n(^٤) رواه البخاري (٤٥٩١) ومسلم (٣٠٢٥) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٥) رواه أحمد (٢٧١٤٤، ٢٧٤٧٤، ٢٧٤٧٥) وأبو داود (٢٨٧) والترمذي (١٢٨) وابن ماجه (٦٢٧) من طريق عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش. وصححه أحمد والبخاري والترمذي. انظر: «العلل الكبير» (ص ٦٠) والتعليق عليه.\n(^٦) كما في حديث عمّار بن ياسر الذي أخرجه البخاري (٣٣٨) ومسلم (٣٦٨).\n(^٧) كما في الحديث السابق. وعمار هو الذي فعل ذلك.\n(^٨) رواه ابن أبي شيبة (٢٨٥٤٢) والخلال في «السنة» (١/ ١٥١ - ١٥٣) والبيهقي (٨/ ١٧٤، ١٧٥) من طرق عن الزهري.","vol":"4","page":535},{"text":"ولم يؤاخذ النبي - ﷺ - عمر بن الخطاب - ﵁ - حين رمى حاطب بن أبي بَلْتَعة المؤمن البدريَّ بالنفاق لأجل التأويل (^١). ولم يؤاخذ أُسَيد بن حُضَير بقوله لسعد سيد الخزرج: «إنك منافق تُجادِل عن المنافقين» لأجل التأويل (^٢). ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدُّخْشُم: «ذاك منافقٌ، نرى وجهَه (^٣) وحديثَه إلى المنافقين» لأجل التأويل (^٤). ولم يؤاخذ عمرَ بن الخطاب - ﵁ - حين ضرب صدر أبي هريرة حتى وقع على الأرض، وقد ذهب للتبليغ عن رسول الله - ﷺ - بأمره، فمنعه عمر وضربه وقال: «ارجِعْ»، وأقرَّه رسول الله - ﷺ - على فعله، ولم يؤاخذه لأجل التأويل (^٥).\nوكما رفع مؤاخذة التأثيم في هذه الأمور وغيرها رفع مؤاخذة الضمان في الأموال والقضاء في العبادات، فلا يحلُّ لأحدٍ أن يفرِّق بين رجل وامرأته لأمرٍ يخالف مذهبه وقوله الذي قلّد فيه بغير حجة إذا كان الرجل قد تأوَّل وقلَّد من أفتاه بعدم الحنث، ولا يحلُّ له أن يحكم عليه بأنه حانثٌ في حكم الله ورسوله، ولم يتعمَّد الحنث، بل هذا فِريةٌ على الله ورسوله وعلى الحالف، وإذا وصل الهوى إلى هذا الحدّ فصاحبه تحت الدرك، وله مقامٌ وأيُّ مقامٍ بين يدي الله يومَ لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلَّده، والله المستعان.\n_________\n(^١) روى هذه القصة البخاري (٣٠٠٧ ومواضع أخرى) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -.\n(^٢) رواه البخاري (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة - ﵂ - الطويل في قصة الإفك.\n(^٣) عند البخاري: «وُدَّه».\n(^٤) رواه البخاري (١١٨٦) من حديث عتبان بن مالك.\n(^٥) رواه مسلم (٣١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - ضمن قصة.","vol":"4","page":536},{"text":"وإذا قال الرجل لامرأته: «أنتِ طالق ثلاثًا لأجل كلامكِ لزيد وخروجكِ من بيتي» فبانَ أنها لم تكلِّمه ولم تخرج من بيته= لم تَطْلُق، صرَّح به الأصحاب. قال ابن أبي موسى في «الإرشاد» (^١): فإن قال: «أنتِ طالق أن دخلتِ الدار» بنصب الألف، والحالف من أهل اللسان، فإن كان تقدَّم لها دخولٌ إلى تلك الدار قبل اليمين طلُقتْ في الحال؛ لأن ذلك للماضي من الفعل دون المستقبل، وإن كانت لم تدخلها قبل اليمين بحال لم تَطْلُقْ، وإن دخلت الدار بعد اليمين، إذا كان الحالف قصدَ بيمينه الفعلَ الماضي دون المستقبل، لأنّ ذلك يَعني: إن كنتِ دخلتِ الدار فأنتِ طالق. وإن كان الحالف جاهلًا باللسان. [١٦٤/أ] وإنما أراد باليمين الدخول المستقبل، فمتى دخلت الدار بعد اليمين طلقتْ بما حلف به قولًا واحدًا. وإن كان تقدَّم لها دخول الدار قبل اليمين فهل يحنث بالدخول الماضي أم لا؟ على وجهين أصحهما لا يحنَث.\nوالمقصود أنه إذا (^٢) عُلِّل الطلاق بعلة ثم تبيَّن انتفاؤها فمذهب أحمد أنه لا يقع به الطلاق، وعند شيخنا (^٣) لا يشترط ذِكْره التعليلَ بلفظه، ولا فرقَ عنده بين أن يطلِّقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة، فإذا تبيَّن انتفاؤها لم يقع به الطلاق. وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره. فإذا قيل له: امرأتك قد شربتْ مع فلان وباتَتْ عنده، فقال: اشهدوا عليَّ أنها طالق ثلاثًا، ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمةً\n_________\n(^١) (ص ٢٩٩).\n(^٢) «إذا» ليست في ك.\n(^٣) انظر: «الاختيارات» للبعلي (ص ٣٧٧).","vol":"4","page":537},{"text":"تصلِّي، فإن هذا الطلاق لا يقع به قطعًا. وليس بين هذا وبين قوله «إن كان الأمر كذلك فهي طالق ثلاثًا» فرقٌ البتةَ، لا عند الحالف ولا في العرف ولا في الشرع، فإيقاع الطلاق بهذا وهمٌ محض؛ إذ يُقطَع بأنه لم يُرِد طلاق من ليست كذلك، وإنما أراد طلاقَ من فعلَتْ ذلك.\nوقد أفتى جماعة من الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي ــ منهم الغزالي والقفَّال وغيرهما ــ الرجل يمرُّ على المَكَّاس (^١) برقيقٍ له، فيطالبه بمَكْسهم، فيقول: «هم أحرار» ليتخلَّص من ظلمه، ولا غرضَ له في عتقهم= أنهم لا يعتقون. وبهذا أفتينا نحن تجَّارَ اليمن لما قدِموا منها ومرُّوا على المكّاسين فقالوا لهم ذلك.\nوقد صرَّح أصحاب الشافعي (^٢) في باب الكتابة بما إذا دفع إليه العوض فقال: «اذهبْ فأنت حرٌّ» بناء على أنه قد سلّم له العوض، فظهر العوض مستحقًّا ورجع به عليه صاحبه= أنه لا يعتق. وهذا هو الفقه بعينه.\nوصرَّحوا (^٣) أن الرجل لو علَّق طلاق امرأته بشرطٍ، فظنّ أن الشرط قد وقع فقال: «اذهبي فأنتِ طالق» وهو يظن أن الطلاق قد وقع بوجود الشرط، فبان أن الشرط لم يوجد= لم يقع الطلاق. ونص على ذلك شيخنا (^٤)\n_________\n(^١) الذي يأخذ الضريبة من التجّار.\n(^٢) انظر: «روضة الطالبين» (١٢/ ٢٤٧) و«الفتاوى الكبرى الفقهية» لابن حجر الهيتمي (٣/ ٥٧).\n(^٣) انظر: «حاشية الجمل على شرح منهج الطلاب» (٥/ ٤٦٧).\n(^٤) انظر: «الاختيارات» للبعلي (ص ٣٧٧).","vol":"4","page":538},{"text":"قدَّس الله روحه (^١).\nومن هذا القبيل: لو قال «حلفتُ بطلاق امرأتي ثلاثًا أن لا أفعلَ كذا» وكان كاذبًا ثم فعَلَه= لم يحنث، ولم تطلَّق عليه امرأته. قال الشيخ في «المغني» (^٢): إذا قال: حلفتُ، ولم يكن حلفَ، فقال الإمام أحمد: هي كذبةٌ ليس عليه يمين. وعنه: عليه الكفارة؛ لأنه أقرَّ على نفسه. والأول هو المذهب لأنه حكمٌ فيما بينه وبين الله تعالى، فإذا كذبَ في الخبر به [لم يلزمه حكمه]، كما لو قال: «ما صلّيتُ» وقد صلَّى.\nقلت: قال أبو بكر عبد العزيز: باب القول في إخبار الإنسان بالطلاق واليمينِ كاذبًا. قال في رواية الميموني: إذا قال: «قد حلفتُ بيمين» ولم يكن حلفَ فعليه كفارة يمين، فإن قال: «قد حلفتُ بالطلاق» ولم يكن حلف يلزمه الطلاق، ويرجع إلى نيته في الواحدة والثلاث. وقال في رواية محمد بن الحكم في الرجل يقول: قد حلفتُ، ولم يكن حلفَ: فهي كذبةٌ ليس عليه [١٦٤/ب] يمين. فاختلف أصحابنا على ثلاثة طرق:\nإحداها: أن المسألة على روايتين.\nوالثانية وهي طريقة أبي بكر، قال عقيب حكاية الروايتين: قال عبد العزيز في الطلاق: يلزمه، وفيما يكون (^٣) من الأيمان: لا يلزمه.\nوالطريقة الثالثة: أنه حيثُ ألزمه أراد به في الحكم، وحيث لم يُلزِمه\n_________\n(^١) «قدس الله روحه» ليست في ك، ب.\n(^٢) (١٣/ ٥٠٤). والزيادة بين المعكوفتين منه ليستقيم السياق.\n(^٣) في المطبوع: «لا يكون»، خطأ.","vol":"4","page":539},{"text":"يعني فيما بينه وبين الله. وهذه الطريقة أفقهُ وأطردُ على أصول مذهبه، والله أعلم.\nفصل\nوأما مذهب مالك في هذا الفصل فالمشهور فيه التفريق بين النسيان والجهل والخطأ وبين الإكراه والعجز، ونحن نذكر كلام أصحابه في ذلك.\nقالوا (^١): من حلف أن لا يفعل حنِثَ بحصول الفعل، عمدًا أو سهوًا أو خطأً، واختار أبو القاسم السُّيُوري ومن تبعه من محققي الأشياخ أنه لا يحنث إذا نسي اليمين، وهذا اختيار القاضي أبي بكر ابن العربي.\nقالوا: ولو أكره لم يحنث.\nفصل\n\nفي<span data-type=\"title\" id=toc-827> تعذُّر فعل المحلوف عليه وعجز الحالف عنه</span>.\nقال أصحاب مالك (^٢): من حلف على شيء ليفعلنَّه، فحِيلَ بينه وبين فعله، فإن أجَّل أجلًا فامتنع الفعل لعدم المحلّ وذهابه، كموت العبد المحلوف على ضربه، أو الحمامة المحلوف على ذبحها= فلا حنثَ عليه بلا خلاف منصوص. وإن امتنع الفعل لسبب مَنْعِ الشرعِ، كمن حلفَ ليطأنَّ زوجته أو أمتَه فوجدها حائضًا، فقيل: لا شيء عليه.\nقلت: وهذا هو الصواب، لأنه إنما حلف على وطءٍ يملكه، ولم يقصد\n_________\n(^١) كما في «عقد الجواهر الثمينة» (١/ ٥٤٠).\n(^٢) المصدر نفسه (١/ ٥٤١، ٥٤٢).","vol":"4","page":540},{"text":"الوطء الذي لم يملِّكه الشارع إياه، فإن قصده حنث. وهكذا في صورة العجز الصوابُ أنه لا يحنث؛ فإنه (^١) إنما حلف على شيء يدخل تحت قدرته، ولم يلتزم فعْلَ ما لا يقدر عليه، فلا تدخل حالة العجز تحت يمينه، وهذا بعينه قد قالوه في المُكْرَه والناسي والمخطئ، والتفريق تناقض ظاهر؛ فالذي يليق بقواعد أحمد وأصوله أنه لا يحنث في صورة العجز، سواء كان العجز لمنع شرعي أو منع كوني قدري، كما هو قوله فيما لو كان العجز لإكراهِ مكرِهٍ، ونصه على خلاف ذلك لا يمنع أن يكون عنده رواية مخرَّجة من أصوله المذكورة، وهذا من أظهر التخريج.\nفلو وطئ مع الحيض وعصى فهل يتخلَّص من الحنث؟ فيه وجهان في مذهب أحمد ومالك، أحدهما: يتخلَّص وإن أثِمَ بالوطء، كما لو حلف بالطلاق ليشربنَّ هذا الخمر فشربه فإنه لا تطلَّق عليه زوجته. والثاني: لا يبرُّ؛ لأنه إنما حلف على فعل وطء مباح، فلا تتناول يمينُه المحرَّم. فيقال: إذا كان إنما حلف على وطء مأذون فيه شرعًا لم تتناول يمينه المحرَّم فلا يحنث بتركه بعين ما ذكرتم من الدليل، وهذا ظاهر. وحرفُ المسألة أن يمينه لم تتناول المعجوز عنه لا شرعًا ولا قدرًا، فلا يحنث بتركه.\nوإن كان الامتناع بمنع ظالمٍ كالغاصب والسارق أو غيرِ ظالم كالمستحق، فهل يحنث أم لا؟ قال أشهب: لا يحنث، وهو الصواب لما ذُكر. وقال غيره من أصحاب [١٦٥/أ] مالك: يحنث؛ لأن المحلَّ باقٍ، وإنما حِيلَ بينه وبين الفعل فيه، وللشافعي في هذا الأصل قولان.\n_________\n(^١) ك، ب: «لأنه».","vol":"4","page":541},{"text":"قال أبو محمد الجويني: ولو حلف ليشربنَّ ما في هذه الإداوة غدًا فأُرِيقَ قبل الغد بغير اختياره فعلى قولي الإكراه، قال: والأولى أن لا يحنث، وإن حنَّثنا المُكْرَه لعجزِه عن الشرب وقدرةِ المكره على الامتناع.\nفجعل الشيخ أبو محمد العاجز أولى بالعذر من المكره، وسوَّى غيره بينهما، ولا ريبَ أن قواعد الشريعة وأصولها تشهد لهذا القول؛ فإن الأمر والنهي من الشارع نظير الحض والمنع في اليمين، وكما أن أمره ونهيه مَنوطٌ بالقدرة فلا واجبَ مع عجزٍ ولا حرامَ مع ضرورةٍ، فكذلك الحضّ والمنع في اليمين إنما هو مقيَّد بالقدرة.\nيوضحه أن الحالف يعلم سرَّ نفسه أنه لم يلتزم فعل المحلوف عليه مع العجز عنه، وإنما التزمه مع قدرته عليه، ولهذا لم يحنث المغلوب على الفعل بنسيان أو إكراه، ولا من لا قصد له إليه كالمغمى عليه وزائل العقل، وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية، وهو مقتضى أصول الإمام أحمد، وإن كان المنصوص عنه خلافه، فإنه قال في رواية ابنه صالح (^١): إذا حلف أن يشرب هذا الماء الذي في هذا الإناء فانصبَّ فقد حنث، ولو حلف أن يأكل رغيفًا فجاء كلب فأكله فقد حنث؛ لأن هذا لا يقدر عليه.\nوقال في رواية جعفر بن محمد: إذا حلف الرجل (^٢) على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي منه ماله، فهرب منه مخاتلةً، فإنه يحنث.\n_________\n(^١) «مسائله» (٢/ ٣٢٣).\n(^٢) ك، ب: «رجل».","vol":"4","page":542},{"text":"وهذا وأمثاله من نصوصه بناء على قوله في المكره والناسي والجاهل «إنه يحنث» كما نص عليه، فإنه قال في رواية أبي الحارث: إذا حلف أن لا يدخل الدار فحُمِل كرهًا فأُدخِل فإنه يحنث (^١). وكذلك نصَّ على حنث الناسي والجاهل، فقد جعل الناسي والجاهل والمكره والعاجز بمنزلة.\nونصَّ في رواية أبي طالب: إذا حلف لا يدخل الدار فحُمل كرهًا فأُدخِل فلا شيء عليه.\nوقد قال في رواية أحمد بن القاسم: والذباب يدخل حلق الصائم، والرجل يرمي بالشيء فيدخل حلقَ (^٢) الآخر، وكل أمر غلب عليه فليس عليه قضاء ولا غيره.\nوتواترت نصوصه فيمن أكل في رمضان أو شرب ناسيًا فلا قضاء عليه؛ فقد سوَّى بين الناسي والمغلوب، وهذا محض القياس والفقه، ومقتضى ذلك التسوية بينهما في باب الأيمان كما نصَّ عليه في المُكْرَه، فتخرج مسألة العاجز والمغلوب على روايتين، بل المغلوب والعاجز أولى بعدم الحنث من الناسي والجاهل، كما تقدَّم بيانه، وبالله التوفيق.\nفصل\nالمخرج السادس: أخْذُه بقول من يقول: إن التزام الطلاق لا يلزم، ولا\n_________\n(^١) في المطبوع: «لا يحنث»، وهو خطأ مخالف لما في النسخ وللسياق. وقد كتب الناسخ في ز «لا» ثم شطب عليه.\n(^٢) ك، ب: «في حلق».","vol":"4","page":543},{"text":"يقع به طلاق إذا (^١) حنِث، وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام، كقوله: «الطلاق يلزمني، أو [١٦٥/ب] لازمٌ لي، أو ثابت عليَّ، أو حقٌّ عليَّ، أو متعينٌ عليَّ أو واجبٌ عليَّ إن فعلتُ، أو إن لم أفعلْ». وهذا مذهب أبي حنيفة، وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه، وبه أفتى القفَّال في قوله: «الطلاق يلزمني». ونحن نذكر كلامهم بحروفه.\nقال صاحب «الذخيرة» (^٢) من الحنفية: لو قال لها: «طلاقكِ عليَّ واجب، أو لازم، أو فرض، أو ثابت»، ذكر أبو الليث خلافًا بين المتأخرين؛ فمنهم من قال: يقع واحدة رجعية نوى أو لم ينوِ، ومنهم من قال: لا يقع نوى أو لم ينوِ، ومنهم من قال: في قوله: «واجب» يقع بدون النية، وفي قوله: «لازم» لا يقع وإن نوى. وعلى هذا الخلاف إذا قال: «إن فعلتِ كذا فطلاقكِ عليّ واجب، أو قال: لازم، أو ثابت» ففعلتْ. وذكر القدوري في «شرحه» أن على قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكلّ، وعند أبي يوسف إن نوى الطلاق يقع في الكلّ، وعن محمد أنه يقع في قوله «لازم» ولا يقع في قوله «واجب». ثم ذكر من اختار من المشايخ الوقوعَ ومن اختار عدمه، فقال: وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني يفتي بعدم الوقوع في الكل.\nوقال القفال في «فتاويه»: إذا قال: «الطلاق يلزمني» فليس بصريح ولا كناية، حتى لا يقع به وإن نواه. ولهذا القول مأخذان:\nأحدهما: أن الطلاق لا بدّ فيه من الإضافة إلى المرأة، ولم تتحقق الإضافة هاهنا، ولهذا لو قال: «أنا منك طالق» لم تطلُق، ولو قال لها: «طلِّقي\n_________\n(^١) في المطبوع: «ولا».\n(^٢) انظر «المحيط البرهاني» (٤/ ٣٩٥).","vol":"4","page":544},{"text":"نفسكِ» فقالت: «أنت طالق» لم تَطْلُق.\nوالمأخذ الثاني ــ وهو مأخذ أصحاب أبي حنيفة ــ: أنه التزام بحكم الطلاق، وحكمه لا يلزمه إلا بعد وقوعه، وكأنه قال: «فعليَّ أن أطلِّقك»، وهو لو صرح بهذا لم تطلُق بغير خلاف؛ فهكذا المصدر.\nوسرُّ المسألة أن ذلك التزام لأن يطلِّق أو التزامٌ لطلاق واقع؛ فإن كان الالتزام لأن يطلِّق لم تطلُق، وإن كان التزامًا لطلاق واقع فكأنه قال: «إن فعلتِ كذا فأنت طالق طلاقًا يلزمني» طلُقت إذا وُجد الشرط. ولمن رجَّح هذا أن يحيل فيه على العرف؛ فإن الحالف لا يقصد إلا هذا، ولا يقصد التزام التطليق، وعلى هذا فيظهر أن يقال: إن نوى بذلك التزام التطليق لم تطلُق، وإن نوى وقوع الطلاق طلُقت، وهذا قول أبي يوسف وقول جمهور أصحاب الشافعي. ومن جعله صريحًا في وقوع الطلاق حكَّم فيه العرفَ وغلبةَ استعمال هذا اللفظ في وقوع الطلاق، وهذا قول أبي المحاسن الروياني. والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي، حكاها شارح «التنبيه» وغيره.\nوفي المسألة قولان آخران، وهما للحنفية:\nأحدهما: أنه إن قال: «فالطلاق عليَّ واجب» يقع، نواه أو لم ينوه، وإن قال: «فالطلاق لي لازم» لا يقع، نواه أو لم ينوِه. ووجه هذا الفرق أن قوله «لازم» التزام لأن يطلِّق؛ فلا تطلُق بذلك، وقوله «واجب» إخبار عن وجوبه عليه، ولا يكون واجبًا إلا وقد وقع. ولمن سوَّى بينهما أن يقول: هو إيجابٌ للتطليق، أو إخبار عن وقوع الطلاق، ولا ريبَ أن [١٦٦/أ] اللفظ محتمل لهما كاحتمال قوله: «الطلاق يلزمني» سواء. وهذا هو الصواب، والفرق تحكُّم.","vol":"4","page":545},{"text":"والثاني: قول محمد بن الحسن، وهو عكس هذا القول، أن الطلاق يقع بقوله: «الطلاق لي لازم، أو يلزمني»، ولا يقع بقوله: «هو عليَّ واجب». وعلى هذا الخلاف قوله: «إن فعلتُ كذا فالعتق يلزمني، أو فعليَّ العتقُ، أو فالعتق لازم لي، أو واجب عليَّ».\nفصل\nالمخرج السابع: أخْذُه بقول أشهب من أصحاب مالك، بل هو أفقههم على الإطلاق، فإنه قال: إذا قال الرجل لامرأته: «إن كلَّمتِ زيدًا، أو خرجتِ من بيتي بغير إذني» ونحو ذلك مما يكون من فعلها «فأنت طالق»، وكلّمتْ زيدًا أو خرجتْ من بيته تقصِد أن يقع عليها (^١) الطلاق= لم تطلُق. حكاه أبو الوليد ابن رشد في كتاب الطلاق من كتاب «المقدِّمات» (^٢) له.\nوهذا القول هو الفقه بعينه، ولا سيما على أصول مالك وأحمد في مقابلة العبد بنقيض قصده، كحرمان القاتل ميراثَه من المقتول، وحرمان الموصى له وصيةَ مَن قتلَه بعد الوصية، وتوريث امرأة من طلَّقها في مرض موته فرارًا من ميراثها، وكما يقوله مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما ــ وقبلهما عمر بن الخطاب - ﵁ - ــ فيمن تزوَّج في العدة وهو يعلم: يفرَّق بينهما، ولا تحلُّ له أبدًا (^٣)، ونظائر ذلك كثيرة. فمعاقبة المرأة هاهنا بنقيض قصْدِها هو محض الفقه والقياس، ولا ينتقض هذا على أشهب بمسألة\n_________\n(^١) ز: «عليه».\n(^٢) «المقدمات الممهدات» (١/ ٥٧٦).\n(^٣) رواه مالك (٢/ ٥٣٦) وعبد الرزاق (١٠٥٣٩ - ١٠٥٤٤) وسعيد بن منصور (١/ ٢١٩) وابن أبي شيبة (٢٨٥٥٣) من طرق عن عمر، وإسناد مالك صحيح.","vol":"4","page":546},{"text":"المخيَّرة ومَن جعلَ طلاقها بيدها؛ لأن الزوج قد ملَّكها ذلك وجعله بيدها، بخلاف الحالف فإنه لم يقصد طلاقها بنفسه، ولا جعله بيدها باليمين، حتى لو قصد ذلك فقال: «إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالق» أو «إن أبرأتِني من جميع حقوقك فأنتِ طالق» فأعطتْه أو أبرأتْه طلُقتْ.\nولا ريبَ أن هذا الذي قاله أشهب أفقهُ من القول بوقوع الطلاق؛ فإن الزوج إنما قصد حضَّها ومنعها، ولم يقصد تفويض الطلاق إليها، ولا خطرَ ذلك بقلبه، ولا قصد وقوع الطلاق عند المخالفة. ومكانُ أشهب من العلم والإمامة غير مجهول؛ فذكر أبو عمر ابن عبد البر في كتاب «الانتقاء» (^١) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: أشهب أفقهُ من ابن القاسم مائة مرة. وأنكر ابن كنانة (^٢) ذلك وقال: ليس عندنا كما قال محمد، وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلِّمه. قال أبو عمر: أشهب شيخه، وابن القاسم شيخه، وهو أعلمُ بهما لكثرة مجالسته لهما وأخذِه عنهما.\nفصل\nالمخرج الثامن: أخْذُه بقول من يقول إن الحلف بالطلاق لا يلزم، ولا يقع على الحانث به (^٣) طلاق، ولا يلزمه كفارة ولا غيرها. وهذا مذهب خلقٍ من السلف والخلف، صح ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (^٤).\n_________\n(^١) (ص ٥٢).\n(^٢) كذا في جميع النسخ، فأثبتُّه كذلك وهو تحريف «ابن لُبابة» واسمه محمد بن عمر بن لبابة، كما في «الانتقاء». وترجمته في «ترتيب المدارك» (٥/ ١٥٣ - ١٥٧).\n(^٣) «به» ليست في ك.\n(^٤) تقدم.","vol":"4","page":547},{"text":"قال بعض فقهاء المالكية وأهل الظاهر: ولا يُعرف لعليٍّ في ذلك مخالف من الصحابة. هذا لفظ أبي القاسم التميمي في «شرح أحكام عبد الحق» (^١)، وقاله قبله أبو محمد ابن حزم (^٢). وصح ذلك عن طاوس أجلِّ أصحاب ابن عباس [١٦٦/ب] وأفقهِهم على الإطلاق.\nقال عبد الرزاق في «مصنفه» (^٣): أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئًا. قلت: أكان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري.\nوهذا أصحُّ إسنادٍ عمن هو من أجلِّ التابعين وأفقهِهم، وقد وافقه أكثر من أربعمائة عالم ممن بنى فقهه على نصوص الكتاب والسنة دون القياس، ومن آخرهم أبو محمد بن حزم، قال في كتابه «المحلى» (^٤): مسألة: واليمين بالطلاق لا يلزم، سواء برَّ أو حنِثَ، لا يقع به طلاق، ولا طلاقَ إلا كما أمر الله ﷿، ولا يمينَ إلا كما شرع الله ﷿ على لسان رسوله. ثم قرّر ذلك، وساق اختلاف الناس في ذلك، ثم قال (^٥): فهؤلاء علي بن أبي طالب وشُريح وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يُعرف لعلي في ذلك (^٦) مخالفٌ من الصحابة - ﵃ -.\n_________\n(^١) تقدم التعريف بالكتاب والمؤلف.\n(^٢) في «المحلى» (١٠/ ٢١٢).\n(^٣) رقم (١١٢٩٨).\n(^٤) (١٠/ ٢١١).\n(^٥) (١٠/ ٢١٣).\n(^٦) ز: «في ذلك لعلي».","vol":"4","page":548},{"text":"قلت: أما أثر علي فرواه حماد بن سلمة (^١) عن حميد عن الحسن أن رجلًا تزوَّج امرأة، وأراد سفرًا، فأخذه أهل امرأته، فجعلها طالقًا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل، ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه إلى علي، فقال علي - ﵁ -: اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا، فردَّها عليه.\nولا متعلَّق لهم بقوله «اضطهدتموه» لأنه لم يكن هناك إكراه، فإنهم إنما طالبوه بحق نفقتها فقط، ومعلومٌ أن ذلك ليس بإكراه على الطلاق ولا على اليمين، وليس في القصة أنهم أكرهوه بالقتل أو بالضرب أو بالحبس وأخذ المال على اليمين حتى يكون يمينَ مُكْرَه، والسائلون لم يقولوا لعلي شيئًا من ذلك البتة، وإنما خاصموه في حكم اليمين فقط، فنزَّل علي - ﵁ - ذلك منزلةَ المضطهد حيث لم يُرِد طلاق امرأته، وإنما أراد التخلُّص إلى سفره بالحلف، فالحالف والمضطهد كل منهما لم يُرِد طلاق امرأته، فالمضطهد محمول على الطلاق تكلَّم به ليتخلَّص من ضرر الإكراه، والحالف حلف به ليتوصَّل إلى غرضه من الحضّ أو المنع أو التصديق أو التكذيب، ولو اختلف حال الحالف بين أن يكون مكرهًا أو مختارًا لسأله علي - ﵁ - عن الإكراه وشروطه وحقيقته، وبأيِّ شيء أُكرِه، وهذا ظاهر بحمد الله، فارضَ للمقلِّد بما رضي لنفسه.\nوأما أثر شُريح ففي «مصنف عبد الرزاق» (^٢) عن هشام بن حسّان عن محمد بن سيرين عن شريح أنه خوصم إليه في رجل طلَّق امرأته إن أحدث\n_________\n(^١) ومن طريقه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢١٢). وتقدم هذا الأثر.\n(^٢) رقم (١١٣٢٢). وفيه: «عن هشيم»، خطأ. وما عند المؤلف موافق لما في «المحلى» (١٠/ ٢١٢). وقد تقدم هذا الأثر.","vol":"4","page":549},{"text":"في الإسلام حدثًا، فاكترى بغلًا إلى حمام أَعْينَ، فتعدَّى به إلى أصبهان، فباعه واشترى به خمرًا، فقال شريح: إن شئتم شهدتم عليه أنه طلَّقها، فجعلوا يردِّدون عليه القصة ويردِّد (^١) عليهم. فلم يَرَه حدثًا.\nولا متعلَّقَ بقول الراوي ــ إما محمد وإما هشام ــ: «فلم يره حدثًا»، فإنما ذلك ظنٌّ منه.\nقال أبو محمد (^٢): وأيُّ حدثٍ أعظم ممن تعدَّى (^٣) من حمام أعين، وهو على مسيرة أميالٍ يسيرة من الكوفة إلى أصبهان ثم باع بغْلَ [١٦٧/أ] مسلمٍ ظلمًا واشترى به خمرًا؟\nقلت: والظاهر أن شريحًا لما ردَّ عليه (^٤) المرأةَ ظنَّ مَن شاهد القصة أنه لم يرَ ذلك حدثًا؛ إذ لو رآه حدثًا لأوقع عليها الطلاق، وشريح إنما ردَّها لأنه علم أنه لم يقصد طلاق امرأته، وإنما قصد اليمين فقط، فلم يُلزِمه بالطلاق، فقال الراوي وفهِمَ (^٥): فلم يرَ ذلك حدثًا، وشريح أفقهُ في دين الله أن لا يرى مثلَ هذا حدثًا.\nوممن رُوي عنه عدم وقوع الطلاق على الحالف إذا حنث: عكرمة\n_________\n(^١) في النسختين: «ويرد». والمثبت من «المصنف» و«المحلى».\n(^٢) أي ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢١٢، ٢١٣).\n(^٣) في «المحلى»: «أو ما نعلم في الإسلام أكثر ممن تعدى ...».\n(^٤) في المطبوع: «ردت عليه» خلاف النسخ. والضمير في «ردّ» لشريح.\n(^٥) كذا في النسخ، وهو صواب. والمعنى أن الراوي فهم هذا فعبَّر عنه بقوله: «فلم ير ذلك حدثًا». وفي المطبوع: «فيهم».","vol":"4","page":550},{"text":"مولى ابن عباس، كما ذكره سُنيد بن داود في «تفسيره» في أول سورة النور عنه بإسناده أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق أنه لا يكلِّم أخاه، فكلَّمه، فلم يرَ ذلك طلاقًا، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨].\nومن تأمَّل المنقول عن السلف في ذلك وجده أربعة أنواع: صريح في عدم الوقوع، وصريح في الوقوع، وظاهر في عدم الوقوع، وتوقُّف عن الطرفين. فالمنقول عن طاوس وعكرمة صريح في عدم الوقوع، وعن علي وشُريح ظاهر في ذلك، وعن ابن عيينة صريح في التوقُّف.\nوأما التصريح بالوقوع فلا يؤثَر عن صحابي واحد إلا فيما هو محتمل لإرادة الوقوع عند الشرط، كالمنقول عن أبي ذر (^١)، بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق، ولهذا ذهب إليه أبو ثور وقال: القياس أن الطلاق مثله، إلا أن تجمع الأمة عليه، فتوقَّف في الطلاق لتوهُّم الإجماع.\nوهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق، وهو ظنُّهم الإجماعَ (^٢) على الوقوع، مع اعترافهم أنه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضي الوقوع، وإذا تبيَّن أنه ليس في المسألة إجماع تبيَّن أن لا دليل أصلًا يدل على الوقوع، والأدلة الدالة على عدم الوقوع في غايةٍ من القوة والكثرة، وكثير منها لا\n_________\n(^١) رُوي عنه في العتق المؤجَّل، فقاس الإمام أحمد الطلاق المؤجَّل عليه، كما في «المسائل» رواية صالح (٣/ ١٣٠). وأثر أبي ذر رواه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (١٧٨٩٦) أنه قال لغلامٍ له: هو عتيقٌ إلى الحول.\n(^٢) «وهذا عذر ... الإجماع» ساقطة من ك.","vol":"4","page":551},{"text":"سبيل إلى دفعه، فكيف يجوز معارضتها (^١) بدعوى إجماع قد عُلم بطلانه قطعًا؟ فليس بأيدي الموقعين آية من كتاب الله ولا أثرٌ عن رسول الله ولا عن أصحابه ولا قياس صحيح. والقائلون بعدم الوقوع لو لم يكن معهم إلا الاستصحاب الذي لا يجوز الانتقال عنه إلا لما هو أقوى منه لكان كافيًا، فكيف ومعهم الأقيسة التي أكثرها من باب قياس الأَولى؟ والباقي من القياس المساوي، وهو قياس النظير على نظيره، والآثار والعمومات والمعاني الصحيحة والحِكَم والمناسبات التي شهد لها الشرع بالاعتبار ما (^٢) لم يدفعهم منازعوهم عنه بحجة أصلًا؟\nوقولهم وسطٌ بين قولين متباينين غايةَ التباين:\nأحدهما: قول من يعتبر التعليق فيُوقِع به الطلاقَ على كل حال، سواء كان تعليقًا قسميًّا يقصد به الحالف منع الشرط والجزاء أو تعليقًا شرطيًّا يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط.\nوالثاني قول من يقول: [١٦٧/ب] إن هذا التعليق كله لغوٌ (^٣) لا يصح بوجهٍ مَّا، ولا يقع الطلاق به البتةَ، كما سنذكره في المخرج الذي بعد هذا إن شاء الله.\nفهؤلاء توسَّطوا بين الفريقين، وقالوا: يقع الطلاق في صورة التعليق المقصود به وقوع الجزاء، ولا يقع في صورة التعليق القسمي، وحجتهم\n_________\n(^١) ك، ب: «معارضته».\n(^٢) ك، ب: «وما».\n(^٣) ك، ب: «لغو كله».","vol":"4","page":552},{"text":"قائمة على الفريقين، وليس لأحدٍ منهما حجة صحيحة عليهم، بل كلُّ حجة صحيحة احتج بها الموقعون فإنما تدلُّ على الوقوع في صورة التعليق المقصود، وكلُّ حجة احتج بها المانعون صحيحة فإنما تدلُّ على عدم الوقوع في صورة التعليق القسمي، فهم قائلون بمجموع حجج الطائفتين، وجامعون للحق الذي مع الفريقين، ومعارضون قولَ كلٍّ من الفريقين وحججَهم بقول الفريق الآخر وحججِهم.\nفصل\nالمخرج التاسع: أخْذُه بقول من يقول: إن الطلاق المعلَّق بالشرط لا يقع، ولا يصح تعليق الطلاق كما لا يصح تعليق النكاح. وهذا اختيار أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز الشافعي أحد أصحاب الشافعي الجِلَّة أو أجلّهم، وكان الشافعي يُكرِمه ويُجِلُّه ويَكْنِيه ويعظِّمه وأبا ثورٍ، وكانا يكرمانه، وكان بصره ضعيفًا، فكان الشافعي يقول: لا تدفعوا إلى أبي عبد الرحمن الكتابَ يعارض به فإنه يخطئ (^١). وذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات أصحاب الشافعي (^٢)، ومحلُّ الرجل من العلم والتضلُّع (^٣) منه لا يُدفَع، وهو في العلم بمنزلة أبي ثور وتلك الطبقة، وكان رفيقَ أبي ثور، وهو أجلُّ من جميع أصحاب الوجوه من المنتسبين إلى الشافعي، فإذا نُزِلَ بطبقته إلى طبقة أصحاب الوجوه كان قوله وجهًا، وهو أقلُّ درجاته.\nوهذا مذهب لم ينفرد به، بل قد قال به غيره من أهل العلم، قال أبو\n_________\n(^١) انظر: «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٠٠).\n(^٢) من كتابه «طبقات الفقهاء» (ص ١٠٢).\n(^٣) في النسخ: «والتظلع»، خطأ.","vol":"4","page":553},{"text":"محمد ابن حزم في «المحلَّى» (^١): والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين، كل ذلك لا يلزم وبالله التوفيق، ولا يكون طلاقًا إلا كما أمر الله ﷿ وعلَّمه، وما عداه فباطلٌ وتعدٍّ لحدود الله ﷿.\nوهذا القول وإن لم يكن قويًّا في النظر فإن الموقعين للطلاق لا يُمكِنهم إبطالُه البتةَ لتناقضهم، فإن أصحابه يقولون لهم: قولنا في تعليق الطلاق بالشرط كقولكم في تعليق الإبراء والهبة والوقف والبيع والنكاح سواء، فلا يمكنكم (^٢) البتةَ أن تفرِّقوا بين ما صحَّ تعليقه من عقود التبرُّعات والمعاوضات والإسقاطات بالشروط وما لا يصحُّ تعليقه، فلا تُبطِلوا قول منازعيكم في صحة تعليق الطلاق بالشرط بشيء إلا كان هو بعينه حجةً عليكم في إبطال قولكم في منع صحة تعليق الإبراء والهبة والوقف والنكاح، فما الذي أوجب إلغاءَ هذا التعليق وصحةَ ذلك التعليق؟\nفإن فرَّقتم بالمعاوضة وقلتم: «إن عقود المعاوضات لا تقبل التعليق بخلاف غيرها» انتقض عليكم طردًا بالجِعالة (^٣) وعكسًا بالهبة والوقف؛ فانتقض عليكم [١٦٨/أ] الفرق طردًا وعكسًا.\nوإن فرَّقتم بالتمليك والإسقاط فقلتم: «عقود التمليك لا تقبل التعليق، بخلاف عقود الإسقاط» انتقض أيضًا طرده بالوصية، وعكسه بالإبراء؛ فلا طرد ولا عكس.\n_________\n(^١) (١٠/ ٢١٣).\n(^٢) ك، ب: «فلا يمكنهم».\n(^٣) ما يُجعل على العمل من أجر.","vol":"4","page":554},{"text":"وإن فرَّقتم بالإدخال في ملكه والإخراج عن ملكه فصححتم التعليق في الثاني دون الأول انتقض أيضًا فرقكم؛ فإن الهبة والإبراء إخراجٌ عن ملكه ولا يصح تعليقهما عندكم.\nوإن فرَّقتم بما يحتمل الغَرَر وما لا يحتمله، فما يحتمل الغرر والأخطار يصح تعليقه بالشرط كالطلاق والعتق والوصية، وما لا يحتمله لا يصح تعليقه كالبيع والنكاح والإجارة= انتقض عليكم بالوكالة، فإنها لا تقبل التعليق عندكم وتحتمل الخطر؛ ولهذا يصح أن يوكِّله في شِرى عبدٍ، ولا يذكر قدره ولا وصفه ولا سنَّه ولا ثمنه، بل يكفي ذكر جنسه فقط، وأن يوكله في شِرى دار، ويكتفي بذكر محلّها وسكنها فقط، وأن يوكِّله في التزوُّج بامرأة فقط، ولا يزيد على كونها امرأة، ولا يذكر له جنس مهرها ولا قدره ولا وصفه، وأيُّ خطرٍ فوق هذا؟ ومع ذلك منعتم من تعليقها بالشرط، وطَرْدُ هذا الفرق يوجب عليكم صحة تعليق النكاح بالشرط، فإنه يحتمل من الخطر ما لا يحتمل غيره من العقود، فلا يشترط فيه رؤية الزوجة ولا صفتها، ولا تعيين (^١) العوض جنسًا ولا قدرًا ولا وصفًا، ويصح مع جهالته وجهالة المرأة، ولا يُعلَم عقد يحتمل من الخطر ما يحتمله؛ فهو أولى بصحة التعليق من الطلاق والعتاق إن صح هذا الفرق.\nوقد نصَّ الشافعي على صحة تعليقه فيما لو قال: «إن كانت جاريتي ولدت بنتًا (^٢) فقد زوَّجتُكها» (^٣). وهذا وإن لم يكن تعليقًا على شرط\n_________\n(^١) ك، ب: «يعتبر»، تصحيف.\n(^٢) ك، ب: «ابنة».\n(^٣) انظر: «روضة الطالبين» (٧/ ٤٠).","vol":"4","page":555},{"text":"مستقبل، وليس بمنزلة قوله: «متى ولدت جارية فقد زوَّجتكها» لأن هذا فيه خطر ليس في صورة النص، فهذا فرق صحيح، ولكن لم يوفُّوه حقَّه، ولم يطرد فقهه، فلو قال: «إن كان أبي مات وورثتُ منه هذا المتاع فقد بعتُكَه» أبطلتموه، وقلتم: هو بيع معلَّق على شرط، والبطلان هاهنا في غاية البعد من الفقه، ولا معنى تحته، ولا خَطَر هناك ولا غررَ البتة.\nوقد نصَّ الإمام أحمد على صحة تعليق النكاح على الشرط، قال صاحب «المستوعب» (^١): وأما إذا علَّق انعقاد النكاح على شرط مثل أن يقول: «زوَّجتُك إذا جاء رأس الشهر، أو إذا رضيتْ أمُّها» ففيه روايتان: إحداهما يبطل النكاح من أصله، والأخرى يصح.\nوذكر في هذا الفصل أنه إذا تزوَّجها بشرط الخيار، وإن جاءها بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلا نكاح بينهما، ففيه روايتان؛ إحداهما: يبطل النكاح من أصله، والثانية: يبطل الشرط ويصح العقد، نصَّ عليه في رواية الأثرم (^٢). وقد ذكر القاضي عنه رواية أنه إذا تزوَّجها بشرط الخيار يصح العقد والشرط جميعًا.\nفصار عنه ثلاث روايات: [١٦٨/ب] صحة العقد والشرط، وبطلانهما، وصحة العقد وفساد الشرط، ولكن هذا فيما إذا شرط الخيار أو إن جاءها بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلا نكاح بينهما.\nوأما إذا قال: «زوَّجتُك إن رضيتْ أمها» فنصَّ على صحة العقد إذا\n_________\n(^١) لم أجد النصّ في النسخة المطبوعة منه، فليس فيها كتاب النكاح.\n(^٢) كما في «شرح الزركشي» (٣/ ٢٤٠).","vol":"4","page":556},{"text":"رضيتْ أمُّها، وقال: هو نكاح. وقال في رواية عبد الله وصالح وحنبل (^١): نكاح المتعة حرام، وكل نكاح فيه وقت أو شرط فاسد.\nوالمقصود أن المفرِّقين بين ما يقبل التعليق بالشروط وما لا يقبله إلى الآن لم يستقرَّ لهم ضابط في الفرق، فمن قال من أهل الظاهر وغيرهم إن الطلاق لا يصح تعليقه بالشروط لم يتمكن من الردِّ عليه مَن قوله مضطرب فيما يعلَّق وما لا يعلَّق، ولا يُرَدُّ عليه بشيء (^٢) إلا تمكَّن من ردِّه عليهم بمثله أو أقوى منه، وإن ردُّوا عليه بمخالفته لآثار الصحابة ردَّ عليهم بمخالفة النصوص المرفوعة في صور عديدة قد تقدَّم ذكرُ بعضها، وإن فرَّقوا طالبَهم بضابط ذلك أولًا وبتأثير الفرق شرعًا ثانيًا، فإن الوصف الفارق لا بدَّ أن يكون مؤثرًا كالوصف الجامع؛ فإنه لا يصح تعليق الأحكام جمعًا وفرقًا بالأوصاف التي لم يُعلم أن الشارع اعتبرها، فإنه وضْعُ شرعٍ لم يأذن به الله.\nوبالجملة فليس بطلان هذا القول أظهرَ في الشريعة من بطلان التحليل، بل العلم بفساد نكاح التحليل أظهر من العلم بفساد هذا القول، فإذا جاز التقرير على التحليل وترك إنكاره ــ مع ما فيه من النصوص والآثار التي اتفق عليها أصحاب رسول الله - ﷺ - على المنع منه ولَعْن فاعله وذمِّه ــ فالتقرير (^٣) على هذا القول أجوزُ وأجوزُ (^٤)، هذا ما لا يستريب فيه عالم منصف، وإن\n_________\n(^١) انظر: «كتاب الروايتين والوجهين» (٢/ ١٠٦)، و«الهداية» للكلوذاني (ص ٣٩٣)، و«الكافي» لابن قدامة (٣/ ٥٩).\n(^٢) ك، ب: «شيء».\n(^٣) ك: «فالتفريق».\n(^٤) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «أجود وأجوز».","vol":"4","page":557},{"text":"كان الصواب في خلاف القولين جميعًا، ولكن أحدهما أقل خطأ، وأقربُ إلى الصواب، والله أعلم.\nفصل\nالمخرج العاشر: مخرج زوال السبب، وقد كان الأَولى تقديمه على هذا المخرج لقوته وصحته، فإن الحكم يدور مع علته وسببه وجودًا وعدمًا، ولهذا إذا علَّق الشارع حكمًا بسبب أو علة زال الحكم بزوالهما، كالخمر علّق بها حكم التنجيس ووجوب الحدّ لوصف الإسكار، فإذا زال عنها وصارت خلًّا زال الحكم، وكذلك وصف الفسق علّق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية، فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علّق عليه، وكذلك السَّفَه والصِّغر والجنون والإغماء تزول الأحكام المعلَّقة عليها بزوالها. والشريعة مبنية على هذه القاعدة، فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله؛ لأن يمينه تعلَّقت به لذلك (^١) الوصف، فإذا زال الوصف زال تعلُّق اليمين، فإذا دُعي إلى شرابٍ (^٢) مُسكرٍ ليشربه فحلف أن لا يشربه، فانقلب خلًّا فشرِبه لم يحنث، فإنَّ منْعَ نفسِه منه نظيرُ منْعِ الشارع، فإذا زال منْعُ الشارع بانقلابه خلًّا وجب أن يزول منْعُ نفسه بذلك، [١٦٩/أ] والتفريق بين الأمرين تحكُّمٌ محض لا وجهَ له؛ فإذا كان التحريم والتنجيس ووجوب الإراقة ووجوب الحد وثبوت الفسق قد زال بزوال سببه فما المُوجِب لبقاء المنع في صورة اليمين وقد زال سببه؟ وهل يقتضي محضُ الفقه إلا زوالَ حكم اليمين؟\n_________\n(^١) ز: «كذلك»، خطأ.\n(^٢) ك: «شرب».","vol":"4","page":558},{"text":"يوضِّحه أن الحالف يعلم مِن نفسه أنه لم يمنعها من شرب غير (^١) المسكر، ولم يخطر بباله، فإلزامُه ببقاء حكم اليمين وقد زال سببها إلزامٌ بما لم يلتزمه هو ولا ألزمَه به الشارع.\nوكذلك لو حلف على رجلٍ أن لا يقبل له قولًا ولا شهادةً لما يعلم من فسقه، ثم تاب وصار من خيار الناس؛ فإنه يزول حكم المنع باليمين كما يزول حكم المنع من ذلك بالشرع.\nوكذلك إذا حلف أن لا يأكل هذا الطعام أو لا يلبس هذا الثوب أو لا يكلِّم هذه المرأة ولا يطأها لكونه لا يحلُّ (^٢) له ذلك، فملك الطعامَ والثوب وتزوَّج المرأة، فأكله ولبس الثوب ووطئ المرأة لم يحنث؛ لأن المنع بيمينه كالمنع بمنع الشارع، ومنعُ الشارع يزول بزوال الأسباب التي ترتَّب عليها المنع؛ فكذلك منع الحالف.\nوكذلك إذا حلف «لا دخلتُ هذه الدار»، وكان سبب يمينه أنها تُعمل فيها المعاصي ويُشرب (^٣) الخمر؛ فزال ذلك وعادت مَجمعًا للصالحين وقراءة القرآن والحديث. أو قال: «لا أدخل هذا المكان» لأجلِ ما رأى فيه من المنكر، فصار بيتًا من بيوت الله تُقام فيه الصلوات (^٤) = لم يحنث بدخوله.\n_________\n(^١) «غير» ساقطة من ك.\n(^٢) في النسخ: «لا تحل».\n(^٣) ك، ب: «ويشرب فيها».\n(^٤) ك: «الصلاة».","vol":"4","page":559},{"text":"وكذلك إذا حلف لا يأكل لفلان طعامًا، وكان سبب اليمين أنه يأكل الربا، ويأكل أموال الناس بالباطل؛ فتاب وخرج من المظالم وصار طعامه من كَسْب يده أو تجارة مباحة= لم يحنث بأكل طعامه، ويزول حكم منع اليمين كما يزول حكم منع الشارع.\nوكذلك لو حلف لا بايعتُ فلانًا، وسبب يمينه كونه مفلسًا أو سفيهًا؛ فزال الإفلاس والسفه؛ فبايعه= لم يحنث.\nوأضعاف أضعاف هذه المسائل، كما إذا اتِّهم بصحبة مُريب فحلف لا صاحبتُه، فزالت الريبة وخلَفَها ضدُّها فصاحبَه= لم يحنث. وكذلك لو حلف المريض لا يأكل لحمًا أو طعامًا، وسبب يمينه كونه يزيد في مرضه، فصحَّ وصار الطعام نافعًا له= لم يحنث بأكله.\nوقد صرَّح الفقهاء بمسائل من هذا الجنس:\nفمنها: لو حلف لوالٍ أن لا أفارقَ البلد إلا بإذنك، فعُزِل ففارق البلد بغير إذنه، لم يحنث.\nومنها: لو حلف على زوجته لا تخرجين من بيتي إلا بإذني، أو لعبده لا تخرُج إلا بإذني، ثم طلَّق الزوجة وعتق العبد، فخرجَا بغير إذنه، لم يحنث، ذكره أصحاب الإمام أحمد.\nقال صاحب «المغني» (^١): لأن قرينة الحال تنقلُ حكمَ الكلام إلى نفسها، وهو إنما يملك منْعَ الزوجة والعبد مع ولايته عليهما؛ فكأنه قال: ما دمتما في مِلْكي. ولأن السبب يدلُّ على النية في الخصوص كدلالته عليها\n_________\n(^١) (١٣/ ٥٤٦).","vol":"4","page":560},{"text":"في العموم.\nوكذلك إذا حلف لقاضٍ أن لا أرى منكرًا إلا رفعتُه إليك، فعُزِل، لم يحنث بعدم الرفع إليه بعد العزل.\nوكذلك إذا حلف لامرأته أن لا أبيت خارجَ بيتك، أو خارجَ هذه الدار، فماتت أو طلَّقها، لم يحنث إذا بات خارجها.\nوكذلك [١٦٩/ب] إذا حلف على ابنه أن لا يبيت خارج البيت لخوفه عليه من الفسَّاق؛ لكونه أمرد، فالتحى وصار شيخًا، لم يحنث بمبيته خارجَ الدار.\nوهذا كله مذهب مالك وأحمد؛ فإنهما يعتبران النية في الأيمان وبساط (^١) اليمين وسببها وما هيَّجها؛ فيحملان اليمين على ذلك.\nوقال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب الأيمان من كتابه «الكافي في مذهب مالك» (^٢): والأصل في هذا الباب مراعاةُ ما نَوى الحالف؛ فإن لم تكن له نيةٌ نظر إلى بِساط قصته وما أثاره على الحلف، ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في نفوس أهل وقته.\nوقال صاحب «الجواهر» (^٣): المقتضِيات للبرّ والحِنْث أمور:\nالأول: النية إذا كانت مما يصلُح أن يراد اللفظ بها، سواء كانت مطابقةً له أو زائدةً فيه أو ناقصةً عنه بتقييدِ مُطلَقه وتخصيصِ عامِّه.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولا غبار عليه، وسيأتي معناه. وفي المطبوع: «ومناط».\n(^٢) (١/ ٤٥٢).\n(^٣) «عقد الجواهر الثمينة» (١/ ٥٢٥).","vol":"4","page":561},{"text":"الثاني: السبب المثير لليمين يُتعرَّف (^١) منه، ويعبَّر عنه بالبِساط أيضًا، وذلك أن القاصد لليمين لا بدَّ أن تكون له نية، وإنما يذكرها في بعض الأوقات وينساها في بعضها؛ فيكون المحرِّك على اليمين ــ وهو البِساط ــ دليلًا عليها، لكن قد يظهر مقتضى المحرّك ظهورًا لا إشكالَ فيه، وقد يخفى في بعض الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة.\nوكذلك أصحاب الإمام أحمد صرَّحوا باعتبار النية وحَمْل اليمين على مقتضاها، فإن عُدِمَتْ رُجِعَ إلى سبب اليمين وما هيَّجها، فحُمِل اللفظ عليه؛ لأنه دليلٌ على النية.\nحتى صرح أصحاب مالك (^٢) فيمن دفن مالًا ونسيَ مكانه فبحث عنه فلم يجده، فحلفَ على زوجته أنها هي التي أخذتْه، ثم وجده، لم يحنثْ. قالوا: لأن قصْدَه ونيتَه إنما هو إن كان المال قد ذهب فأنتِ التي أخذتِه. فتأمَّلْ كيف جعلوا القصد والنية في قوة الشرط، وهذا هو محض الفقه.\nونظير هذا ما لو دُعِي إلى طعام فظنَّه حرامًا فحلف لا أطعمه، ثم ظهر أنه حلالٌ لا شبهةَ فيه، فإنه لا يحنث بأكله؛ لأن يمينه إنما تعلَّقتْ به إن كان حرامًا، وذلك قصده.\nومثله لو مرَّ به رجل فسلَّم عليه، فحلف لا يردُّ ﵇ لظنِّه أنه مبتدع أو ظالم أو فاجر، فظهر أنه غير ذلك الذي ظنَّه، لم يحنث بالردِّ عليه.\n_________\n(^١) في «عقد الجواهر»: «لتُعرف».\n(^٢) انظر المصدر السابق (١/ ٥٣١).","vol":"4","page":562},{"text":"ومثله لو قدِّمت له دابةٌ ليركبها، فظنَّها قَطُوفًا (^١) أو جَمُوحًا (^٢) أو متعسِّرة الركوب فحلف لا يركبها، فظهرتْ بخلاف ذلك، لم يحنث بركوبها.\nوقال أبو القاسم الخرقي في «مختصره» (^٣): ويُرجَع في الأيمان إلى النية؛ فإن لم ينوِ شيئًا رجع إلى سبب اليمين وما هيَّجها.\nوقال أصحاب الإمام أحمد: إذا دُعِي إلى غداء فحلف أن لا يتغدَّى، أو قيل له (^٤) اقعد فحلف أن لا يقعد، اختصَّتْ يمينُه بذلك الغداء وبالقعود في ذلك الوقت؛ لأن عاقلًا لا يقصد أن لا يتغدَّى أبدًا ولا يقعد أبدًا.\nثم قال صاحب «المغني» (^٥): إن كان له نية فيمينه على ما نوى، وإن لم تكن له نية فكلام أحمد يقتضي روايتين؛ إحداهما: أن اليمين محمولة على العموم؛ لأن أحمد سُئل عن رجل حلف أن لا يدخل بلدًا لظلمٍ رآه فيه فزال الظلم، قال أحمد: النذر يُوفي به، يعني لا يدخله. ووجهُ ذلك أن لفظ الشارع إذا كان عامًّا لسبب خاصٍّ وجبَ الأخذُ بعموم اللفظ دون خصوص السبب، كذلك يمين الحالف.\nونازعه في ذلك شيخنا، فقال (^٦): إنما منعه أحمد من دخول البلد بعد\n_________\n(^١) من قَطَفَت الدابة: أبطأتْ.\n(^٢) من جَمَح، أي: عَتَتْ عن أمر صاحبها حتى غلبتْه.\n(^٣) انظره بشرحه «المغني» (١٣/ ٥٤٣، ٥٤٥).\n(^٤) «له» ليست في ز.\n(^٥) (١٣/ ٥٤٥).\n(^٦) لم أجد كلامه هذا في كتبه المطبوعة.","vol":"4","page":563},{"text":"زوال الظلم؛ لأنه نذر لله أن لا يدخلها، وأكَّد نذره باليمين، والنذر قربة، فقد نذر التقرُّب إلى الله بهجران ذلك البلد؛ فيلزمه الوفاء بما نذره.\nهذا هو الذي فهمه الإمام أحمد، وأجاب به السائل حيث قال: «النذر يُوفي به»؛ ولهذا منع النبي - ﷺ - المهاجرين من الإقامة بمكة بعد قضاء نُسكهم فوق ثلاثة أيام (^١)؛ لأنهم تركوا ديارهم لله، فلم يكن لهم العود فيها، وإن زال السبب الذي تركوها لأجله. وذلك نظير مسألة ترك البلد للظلم والفواحش التي فيه إذا نذره الناذر. فهذا سِرُّ جوابه، وإلا فمذهبه الذي عليه نصوصه وأصوله: اعتبارُ النية والسبب في اليمين، وحمْلُ كلام الحالف على ذلك، وهذا في نصوصه أكثر من أن نذكره، فلينظر فيها.\nوأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقال في كتاب «الذخائر» (^٢) في كتاب الأيمان: الفصل السادس في تقييد الأيمان المطلقة بالدلالة، إذا أرادت المرأة الخروج من الدار فقال الزوج: «إن خرجتِ فأنت طالق»، فجلست ساعة ثم خرجت، لا تطلَّق. وكذلك لو (^٣) أراد رجل أن يضربه فحلف آخر أن ضربَه (^٤)، فهذا على تلك الضربة، حتى لو مكث ساعة ثم ضربه لا يحنث، ويسمَّى هذا يمين الفور، وهذا لأن الخرجة التي قصد والضربة التي قصد هي المقصودة بالمنع منها عرفًا وعادةً؛ فيتعين ذلك بالعرف والعادة. وإذا دخل الرجل على رجلٍ فقال: تعالَ تغدَّ معي، فقال: والله لا أتغدَّى،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) انظر أصله «المحيط البرهاني» (٦/ ٩٠).\n(^٣) ك، ب: «إذا».\n(^٤) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «أن لا يضربه».","vol":"4","page":564},{"text":"فذهب إلى بيته وتغدَّى مع أهله لا يحنث. وكذلك إذا قال الرجل لغيره: كُلْ مع فلان، فقال: والله لا آكل.\nثم ذكر تقرير ذلك بأنه جواب لقول الآمر له، والجواب كالمعاد في السؤال؛ فإنه يتضمن ما فيه. قال: وليس كابتداء اليمين؛ لأن كلامه لم يخرج جوابًا بالتقييد، بل خرج ابتداءً وهو مطلق عن القيد، فينصرف إلى كل غداء. قال: وإذا قال لغيره: كلِّم لي زيدًا اليوم في كذا، فقال: والله لا أكلِّمه، فهذا يختصُّ باليوم؛ لأنه خرج جوابًا عن الكلام السابق. وعلى هذا إذا قال: ائْتِني اليوم، فقال: امرأته طالق إن أتاك.\nوقد صرَّح أصحاب أبي حنيفة بأن النية تعمل في اللفظ لتعيين ما احتمله اللفظ؛ فإذا تعيَّن باللفظ ولم يكن اللفظ محتملًا لما نوى لم تؤثِّر النية فيه؛ فإنه حينئذٍ يكون الاعتبار بمجرد النية، ومجرد النية لا أثر لها في إثبات الحكم؛ فإذا احتملها اللفظ فعيَّنتْ بعض محتملاتِه أثَّرت حينئذٍ.\nقالوا: ولهذا لو قال: «إن لبستُ ثوبًا أو أكلتُ طعامًا أو شربتُ شرابًا أو كلَّمتُ امرأةً فامرأته (^١) طالق»، ونوى ثوبًا أو طعامًا أو شرابًا أو امرأةً معينًا، دُيِّنَ فيما بينه وبين الله، وقُبِلت نيته بغير خلاف، ولو حذف المفعول واقتصر على الفعل فكذلك عند أبي يوسف في رواية عنه والخصَّاف، وهو قول الشافعي وأحمد [١٧٠/ب] ومالك.\nوالمقصود أن النية تؤثِّر في اليمين تخصيصًا وتعميمًا، وإطلاقًا وتقييدًا، والسبب يقوم مقامها عند عدمها، ويدلُّ عليها، فيؤثِّر ما تؤثِّره. وهذا هو الذي\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «فامرأتي».","vol":"4","page":565},{"text":"يتعين الإفتاء به، ولا يُحمل الناس على ما يُقطَع أنهم لم يريدوه بأيمانهم، فكيف إذا عُلم قطعًا أنهم أرادوا خلافه؟ والله أعلم.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-834>التعليل يجري مجرى الشرط</span>، فإذا قال: «أنتِ طالق لأجل خروجكِ من الدار» فبان أنها لم تخرج، لم تطلَّق قطعًا، صرَّح به صاحب «الإرشاد» (^١) فقال: وإن قال: «أنتِ طالق أن دخلتِ الدار» ــ بنصب الألف ــ والحالف من أهل اللسان، ولم يتقدم لها دخول قبل اليمين بحال، لم تَطْلُق، ولم يذكر فيه خلافًا. وقد قال الأصحاب (^٢) وغيرهم: إنه إذا قال «أنتِ طالق» وقال: «أردتُ الشرط» دُيِّن؛ فكذلك إذا قال: «لأجل كلامكِ زيدًا، أو خروجكِ من داري بغير إذني (^٣)» فإنه يديَّن، ثم إن تبيَّن أنها لم تفعل لم يقع الطلاق. ومن أفتى بغير هذا فقد وهمَ على المذهب، والله أعلم.\nفصل\nالمخرج الحادي عشر: خلع اليمين عند من يجوِّزه كأصحاب الشافعي وغيرهم، وهذا وإن كان غير جائز على قول أهل المدينة وقول الإمام أحمد وأصحابه كلهم، فإذا دَعَت الحاجة إليه أو إلى التحليل كان أولى من التحليل من وجوه عديدة:\nأحدها: أن الله سبحانه شرع الخلع رفعًا لمفسدة المشاقَّة الواقعة بين الزوجين، وتخلُّص كل منهما من صاحبه؛ فإذا شرع الخلع رفعًا لهذه\n_________\n(^١) (ص ٢٩٩).\n(^٢) انظر: «الهداية» (ص ٤٣٢) و«المغني» (١٠/ ٤٤٦).\n(^٣) ك، ب: «بإذنه».","vol":"4","page":566},{"text":"المفسدة التي هي بالنسبة إلى مفسدة التحليل كتَفْلَةٍ في بحر فتسويغُه لدفع مفسدة التحليل أولى.\nيوضحه الوجه الثاني: أن الحيل المحرَّمة إنما منع منها لما تتضمَّنه من الفساد الذي اشتملت عليه تلك المحرَّمات التي يُتحيَّل عليها بهذه الحيل، وأما حيلة ترفع مفسدة هي من أعظم المفاسد فإن الشارع لا يحرِّمها.\nيوضحه الوجه الثالث: أن هذه الحيلة تتضمَّن مصلحة بقاء النكاح المطلوب للشارع بقاؤه، ودفْعَ مفسدةِ التحليل التي بالغ الشارع كل المبالغة في دفعه والمنع منه ولعْن أصحابه، فحيلةٌ تحصِّل المصلحة المطلوبَ إيجادُها وتدفع المفسدةَ المطلوبَ إعدامُها لا يكون ممنوعًا منها.\nالوجه الرابع: أن ما حرَّمه الشارع فإنما حرَّمه لما يتضمَّنه من المفسدة الخالصة أو الراجحة، فإذا كانت مصلحة خاصة أو راجحة لم يحرِّمه البتةَ، وهذا الخلع مصلحته أرجح من مفسدته.\nالوجه الخامس: أن غاية ما في هذا الخلع اتفاق الزوجين ورضاهما بفسخ النكاح لغيرِ شقاقٍ واقع بينهما، وإذا وقع الخلع من غير شقاقٍ صحَّ، وكان غايته الكراهة؛ لما فيه من مفسدة المفارقة، وهذا الخلع أريد به لَمُّ شَعَثِ النكاح بحصول عقدٍ بعده يتمكَّن الزوجان فيه من المعاشرة بالمعروف، وبدونه لا يتمكَّنانِ من ذلك، بل إما خراب البيت وفراق الأهل، وإما التعرُّض للعنةِ من لا يقوم للعنتهِ شيء، وإما التزام ما حلف عليه وإن كان فيه فساد دنياه وأخراه، كما إذا حلف [١٧١/أ] ليقتلنَّ ولده اليوم، أو ليشربنَّ هذا الخمر، أو ليطأنَّ هذا الفرج الحرام، أو حلف أنه لا يأكل ولا يشرب ولا يستظلُّ بسقفٍ ولا يُعطي فلانًا حقَّه، ونحو ذلك، فإذا دار الأمرُ بين مفسدة","vol":"4","page":567},{"text":"التزام المحلوف عليه أو مفسدة الطلاق وخراب البيت وشَتَات الشمل أو مفسدة التزام لعنة الله بارتكاب التحليل وبين ارتكاب الخلع المخلِّص من ذلك جميعِه لم يَخْفَ على العاقل أيُّ ذلك أولى.\nالوجه السادس: أنهما لو اتفقا على أن يطلِّقها من غير شقاقٍ بينهما، بل ليأخذ غيرها، لم يمنع من ذلك، فإذا اتفقا على الخلع ليكون سببًا إلى دوام اتصالهما كان أولى وأحرى.\nويوضحه الوجه السابع: أن الخلع إن قيل «إنه طلاق» فقد اتفقا على الطلاق بعوضٍ لمصلحة لهما في ذلك، فما الذي يحرِّمه؟ وإن قيل «إنه فَسْخ» فلا ريبَ أن النكاح من العقود اللازمة، والعقد اللازم إذا اتفق المتعاقدان على فسخه ورفعه لم يُمنعا من ذلك، إلا أن يكون العقد حقًّا لله، والنكاح محضُ حقِّهما، فلا يُمنعان من الاتفاق على فسخه.\nالوجه الثامن: أن الآية اقتضت جواز الخلع إذا خاف الزوجان أن لا يقيما حدود الله، فكان الخلع طريقًا إلى تمكُّنهما من إقامة حدود الله، وهي حقوقه الواجبة عليهما في النكاح، فإذا كان الخلع مع استقامة الحال طريقًا إلى إقامة حدوده التي تُعطَّل ولا بدَّ بدون الخلع تعيَّن الخلعُ طريقًا إلى إقامتها.\nفإن قيل: لا يتعيَّن الخلع طريقًا، بل هاهنا طريقان آخران، أحدهما: مفارقتهما (^١)، والثاني: عدم إلزام الطلاق بالحنث إذا أخرجه مُخرجَ اليمين إما بكفارة أو بدونها، كما هي ثلاثة أقوال للسلف معروفة صرَّح بها\n_________\n(^١) ز: «مفارقتها».","vol":"4","page":568},{"text":"أبو محمد ابن حزم (^١) وغيره.\nقيل: نعم هذان طريقان، ولكن إذا أحكم سدّهما غاية الإحكام، ولم يُمكِنْه سلوكُ أحدهما، وأيَّهما سلكَ ترتَّب عليه غاية الضرر في دينه ودنياه= لم يحرم عليه ــ والحالة هذه ــ سلوكُ طريق الخلع، وتعيَّن في حقِّه طريقان: إما طريق الخلع، وإما سلوك طريق أرباب اللعنة.\nوهذه المواضع وأمثالها لا تحتملها إلا العقول الواسعة التي لها (^٢) إشراف على أسرار الشريعة ومقاصدها وحِكَمها، وأما عقلٌ لا يتسع لغير تقليد من اتفق له تقليده وترك أقوال جميع أهل العلم لقوله فليس الكلام معه.\nالوجه التاسع: أن غاية ما منع المانعين من صحة هذا الخلع أنه حيلة، والحيل باطلة؛ ومنازعوهم ينازعونهم في كلتا المقدمتين، فيقولون: الاعتبار في العقود بصورها دون نيّاتها ومقاصدها، فليس لنا أن نسأل الزوج إذا أراد خلْعَ امرأته: ما أردتَ بالخلع؟ وما السبب الذي حملَك عليه؟ هل هو المشاقَّة أو التخلُّص من اليمين؟ بل نُجرِي حكم التخالع على ظاهره، ونَكِلُ سرائر الزوجين إلى الله.\nقالوا: ولو ظهر لنا قصد الحيلة فالشأن في المقدمة الثانية، فليس كل حيلةٍ باطلةٌ محرَّمة، وهل هذا الفصل الطويل الذي نحن فيه إلا في أقسام [١٧١/ب] الحيل؟ والحيلة المحرَّمة الباطلة هي التي تتضمَّن تحليل ما حرَّمه\n_________\n(^١) في «المحلَّى» (١٠/ ٢١٣).\n(^٢) ز: «لا لها».","vol":"4","page":569},{"text":"الله أو تحريمَ ما أحلَّه الله أو إسقاطَ ما أوجبه؟ وأما حيلة تتضمَّن الخلاصَ من الآصار والأغلال والتخلُّصَ من لعنة الكبير المتعال فأهلًا بها من حيلةٍ وبأمثالها، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، والمقصود تنفيذ أمر الله ورسوله بحسب الإمكان، والله المستعان.\nالوجه العاشر: أنه ليس القول ببطلان خلع اليمين أولى من القول بلزوم الطلاق للحالف به غير القاصد له، فهلُمَّ نُحاكمكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وأقوال أصحابه وقواعد الشريعة، وإذا وقع التحاكم تبيَّن أن القول بعدم لزوم الطلاق للحالف به أقوى أدلةً، وأصح أصولًا، وأطرد قياسًا، وأوفق لقواعد الشرع، وأنتم معترفون بهذا شئتم أو أبيتم، فإذا ساغ لكم العدول عنه إلى القول المتناقض المخالف للقياس ولِما أفتى به الصحابة ولِما تقتضيه قواعد الشريعة وأصولها، فلَأَنْ يسوغ لنا العدول عن قولكم ببطلان خلع اليمين إلى ضدِّه تحصيلًا لمصلحة الزوجين ولَمًّا لِشَعَثِ النكاح وتعطيلًا لمفسدة التحليل وتخلُّصًا لامرأَينِ مسلمَين من لعنة الله ورسوله= أولى وأحرى، والله أعلم.\nفصل\nالمخرج الثاني عشر: أخْذُه بقول من يقول «الحلف بالطلاق من الأيمان الشرعية التي تدخلها الكفارة»، وهذا أحد الأقوال في المسألة، حكاه أبو محمد ابن حزم في كتاب «مراتب الإجماع» له، فقال (^١): واختلفوا فيمن حلف بشيء غير أسماء الله أو بنَحْر ولده أو هديه أو نَحْر أجنبي أو\n_________\n(^١) (ص ١٨٤).","vol":"4","page":570},{"text":"بالمصحف أو بالقرآن أو بنذرٍ أخرجه مُخرجَ اليمين أو بأنه مخالف لدين الإسلام أو بطلاق أو بظهارٍ أو تحريمِ شيء من ماله. ثم ذكر صورًا أخرى، ثم قال: فاختلفوا في جميع هذه الأمور، أفيها كفارة أم لا؟ ثم قال: واختلفوا في اليمين بالطلاق، أهو طلاق فيلزم، أم هو يمين فلا يلزم؟ فقد حكى في كونه طلاقًا لازمًا أو يمينًا لا يلزم قولين، وحكى قبل ذلك هل فيه كفارة أم لا؟ على قولين، واختار هو أن لا يلزم، ولا كفارة فيه. وهذا اختيار شيخنا أبي محمد ابن تيمية أخي شيخ الإسلام.\nقال شيخ الإسلام (^١): والقول بأنه يمين مكفَّرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في الحلف بالعتق، بل بطريق الأولى؛ فإنهم إذا أفتوا من قال: «إن لم أفعلْ فكلُّ مملوكٍ لي حرٌّ» بأنه يمين تكفَّر، فالحالف بالطلاق أولى. قال: وقد علَّق القول به أبو ثور، فقال: إن لم تجمع الأمة على لزومه فهو يمين تكفَّر، وقد تبيَّن أن الأمة لم تُجمِع على لزومه.\nوحكاه شيخ الإسلام عن جماعة من العلماء الذين سَمَتْ هِممُهم وشرُفت نفوسُهم فارتفعتْ عن حضيضِ التقليد المحض إلى أوج النظر والاستدلال، ولم يكن مع خصومه ما يردُّون به عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان، فلم يكن له بردِّ هذه الحجة قِبَلٌ، وأما ما سواها فبيَّن فساد جميع حججهم، ونقضَها [١٧٢/أ] أبلغ نقْضٍ، وصنَّف في المسألة ما بين مطوَّلٍ\n_________\n(^١) لم أجد النص في كتبه المطبوعة، وسيأتي عند المؤلف أن شيخ الإسلام صنَّف في هذه المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة. وآخر ما وُجِدَ ونُشِر من مؤلفاته: «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» في مجلدين، وهو الجزء الثاني من الكتاب. وانظر منه (١/ ٧، ١٥٤).","vol":"4","page":571},{"text":"ومتوسطٍ ومختصرٍ ما يقارب ألفَيْ ورقة، وبلغت الوجوه التي استدلَّ بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس وقواعد إمامه خاصةً وغيرِه من الأئمة زهاءَ أربعين دليلًا، وصار إلى ربه وهو مقيم عليها، داعٍ إليها، مباهلٌ لمنازعيه، باذلٌ نفسَه وعِرضَه وأوقاتَه لمستفتيه؛ فكان يفتي في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فُتيا؛ فعُطِّلتْ لفتاواه مصانعُ التحليل، وهُدِّمتْ صوامعه وبِيَعُه، وكَسَدتْ سوقه، وتقشَّعتْ سحائب اللعنة عن المحلّلين والمحلَّل لهم من المطلّقين، وقامت سوقُ الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية، وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام للطالبين، وخرج من حَبْسِ تقليد المذهب المعيَّن مَن كَرُمت عليه نفسُه من المتبصِّرين.\nفقامت قيامةُ أعدائه وحُسَّاده ومَن لا يتجاوز ذكرُ أكثرهم بابَ داره أو محلَّته، وهجَّنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غايةَ التهجين، فمن استخفُّوه من الطَّغام وأشباهِ الأنعام قالوا: هذا قد رفع الطلاق بين المسلمين، وكثَّر أولاد الزنا في العالمين، ومن صادفوا عنه مُسكةَ عقلٍ ولُبٍّ قالوا: هذا قد أبطل الطلاق المعلَّق بالشرط، وقالوا لمن تعلَّقوا به من الملوك والولاة: هذا قد حلَّ بيعةَ السلطان من أعناق الحالفين. ونسوا أنهم هم الذين حلُّوها بخلع اليمين، وأما هو فصرَّح في كتبه أن أيمان الحالفين لا تغيِّر شرائعَ الدين، فلا يحلُّ لمسلمٍ حلُّ بيعة السلطان بفتوى أحد من المفتين، ومن أفتى بذلك كان من الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين.\nولعَمْرُ الله لقد مُنِيَ من هذا بما مُنِيَ به مَن سلف من الأئمة المَرضيِّين، فما أشبه الليلةَ بالبارحة للناظرين! فهذا مالك بن أنس توصَّل أعداؤه إلى","vol":"4","page":572},{"text":"ضربه بأن قالوا للسلطان: إنه يحلُّ عليك أيمانَ البيعة بفتواه أن يمين المُكْره لا تنعقد، وهم يحلفون مُكرَهين غير طائعين، فمنعه السلطان، فلم يمتنع لِما أخذه الله من الميثاق على من آتاه علمًا أن يبيِّنه للمسترشدين. ثم تلاه على أَثرِه محمد بن إدريس الشافعي، فوَشَى به أعداؤه إلى الرشيد أنه يحلُّ أيمان البيعة بفتواه أن اليمين بالطلاق قبل النكاح لا تنعقد، ولا تطلُق إن تزوَّجها الحالف، وكانوا يحلِّفونهم في جملة الأيمان «وإن كلّ امرأة أتزوَّجها فهي طالق». وتلاهما على آثارهما شيخ الإسلام فقال حُسَّاده: هذا ينقض عليكم أيمانَ البيعة. فما فَتَّ ذلك في عضد أئمة الإسلام، ولا ثَنَى عنه عَزَماتِهم في الله وهِمَمَهم، ولا صدَّهم ذلك عما أوجب الله سبحانه عليهم اعتقادَه والعملَ به من الحقّ الذي أدَّاهم إليه اجتهادهم، بل مَضَوا لسبيلهم، وصارت أقوالهم أعلامًا يَهتدي بها المهتدون، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].\n[١٧٢/ب] فصل\nومن له اطلاع وخبرةٌ وعناية بأقوال العلماء يعلم أنه لم يزل في الإسلام من عصر الصحابة مَن يفتي في هذه المسألة بعدم اللزوم، وإلى الآن.\nفأما الصحابة فقد ذكرنا فتاواهم في الحالف (^١) بالعتق بعدم اللزوم، وأن الطلاق أولى منه، وذكرنا فتوى علي بن أبي طالب - ﵁ - بعدم لزوم اليمين بالطلاق، وأنه لا مخالفَ له من الصحابة.\nوأما التابعون فذكرنا فتوى طاوس بأصحِّ إسناد عنه، وهو من أجلِّ\n_________\n(^١) ك، ب: «الحلف».","vol":"4","page":573},{"text":"التابعين، وأفتى عكرمة ــ وهو من أغزرِ أصحاب ابن عباس علمًا ــ على ما أفتى به طاوس سواء. قال سُنَيد بن داود في «تفسيره» المشهور في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١]: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن سليمان التَّيمي عن أبي مِجْلَز في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: النذور في المعاصي (^١).\nحدثنا عبَّاد بن عبَّاد المهلَّبي عن عاصم الأحول عن عكرمة في رجلٍ قال لغلامه: «إن لم أجلدْك مائةَ سوطٍ فامرأته طالق»، قال: لا يجلد غلامه ولا تُطلَّق امرأته، هذا من خطوات الشيطان (^٢).\nوأما من بعد التابعين فقد حكى المعتنون بمذاهب العلماء كأبي محمد ابن حزم وغيره ثلاثةَ أقوال للعلماء في ذلك، وأهل الظاهر لم يزالوا متوافرين على عدم لزوم الطلاق للحالف به، ولم يزل منهم الأئمة والفقهاء والمصنِّفون والمقلِّدون لهم، وعندنا بأسانيد صحيحة لا مَطعنَ فيها عن جماعة من أهل العلم الذين هم أهله في عصرنا وقبله أنهم كانوا يفتون بها أحيانًا، فأخبرني صاحبنا الصادق محمد بن شَهْوان (^٣) قال: أخبرني شيخنا\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور (٢٤٢ - التفسير) وابن جرير (٣/ ٣٩) من طريق سليمان التيمي عن أبي مجلز، والأثر صحيح.\n(^٢) نقله عن سنيد بن داود ابنُ كثير في «تفسيره» (٢/ ٣٤) ط. دار ابن الجوزي.\n(^٣) لم أجد ترجمته. وفي «الدرر الكامنة» (٣/ ٤٤٠): محمد بن الرشيد بن شهوان بدر الدين الدمشقي المتوفى سنة ٧٠١. وهو غير المقصود به.","vol":"4","page":574},{"text":"الذي قرأت عليه القرآن ــ وكان من أصدق الناس ــ الشيخ محمد المحلي (^١) قال: أخبرني شيخنا الإمام خطيب جامع دمشق عز الدين الفاروثي (^٢) قال: كان والدي يرى هذه المسألة، ويفتي بها ببغداد.\nوأما أهل المغرب فتواتر عمن يعتني بالحديث ومذاهب السلف منهم أنه كان يفتي بها، وأُوذِي بعضهم على ذلك وضُرب، وقد ذكرنا فتوى القفَّال في قوله «الطلاق يلزمني» أنه لا يقع به طلاقٌ وإن نواه، وذكرنا فتاوى أصحاب أبي حنيفة في ذلك، وحكايتهم إياه عن الإمام نصًّا، وذكرنا فتوى أشهب من المالكية فيمن قال لامرأته «إن خرجتِ من داري أو كلَّمتِ فلانًا ــ ونحو ذلك ــ فأنتِ طالق» ففعلتْ لم تَطْلُق.\nولا يختلف عالمان متحلِّيان بالإنصاف أن اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطّاب بل وشيخهما أبي يعلى، فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالِهم وجوهًا يُفتَى بها في الإسلام ويَحكم بها الحكّام فلاختيارات شيخ الإسلام أسوةٌ بها إن لم تَرْجَحْ (^٣) عليها، والله المستعان وعليه التُّكلان.\n* * * *\n_________\n(^١) ز: «محمد النحل». وفي المطبوع: «محمد بن المحلي»، والمثبت من ك.\n(^٢) في المطبوع: «الفاروقي»، تحريف. وهو أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي، توفي سنة ٦٩٤. له ترجمة في «الوافي بالوفيات» (٦/ ٢١٩) و«طبقات الشافعية» للسبكي (٨/ ٦) وغيرهما.\n(^٣) ك، ب: «تترجح».","vol":"4","page":575},{"text":"فصل\n[١٧٣/أ] في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوي الصحابية\nوأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قُربها إلى الصواب بحسب قُرب أهلها من عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وأن فتاوى الصحابة أولى أن يُؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين، وهلمَّ جرًّا. وكلَّما كان العهد بالرسول - ﷺ - أقربَ كان الصواب أغلبَ، وهذا حكم (^١) بحسب الجنس لا بحسب كل فرد فرد من المسائل، كما أن عصر التابعين وإن كان أفضلَ من عصر تابعيهم، فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص، ولكنِ المفضَّلون في العصر المتقدم أكثر من المفضَّلين في العصر المتأخر، وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم؛ فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين.\nولعله لا يَسَعُ المفتيَ والحاكمَ عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلِّدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه، ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم (^٢)، بل يترك قول ابن المبارك والأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم، بل لا يلتفت إلى قول ابن أبي ذئب والزهري والليث بن سعد وأمثالهم، بل لا يَعدُّ قول سعيد بن المسيّب والحسن والقاسم وسالم\n_________\n(^١) ك: «الحكم».\n(^٢) «وأمثالهم» ليست في ك، ب.","vol":"4","page":576},{"text":"وعطاء وطاوس وجابر بن زيد وشُريح وأبي وائل وجعفر بن محمد وأضرابهم مما يَسُوغ الأخذ به، بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلَّده على فتوى أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعُبادة بن الصامت وأبي موسى الأشعري وأضرابهم، فلا يدري ما عُذره غدًا عند الله إذا سوَّى بين أقوال أولئك وفتاويهم وأقوال هؤلاء وفتاويهم، فكيف إذا رجَّحها عليها؟ فكيف إذا عيَّن الأخذَ بها حكمًا وإفتاءً، ومنعَ الأخذَ بقول الصحابة، واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين (^١) لها، وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام؟\nبالله لقد أخذ بالمثل المشهور «رَمَتْنِي بدائِها وانْسَلَّتْ» (^٢)، وسمَّى ورثة الرسول باسمه هو، وكساهم أثوابَه، ورماهم بدائه، وكثير من هؤلاء يصرخ ويصرِّح ويقول ويُعلِن أنه يجب على الأمة كلِّهم الأخذُ بقول من قلَّدناه دينَنا، ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة. وهذا كلامٌ من أخذ به وتقلَّده ولَّاه الله ما تولَّى، ويَجزيه عليه يوم القيامة الجزاء الأوفى. والذي نَدينُ الله به ضدُّ هذا القول، والردُّ عليه، فنقول (^٣):\nإذا قال الصحابي قولًا فإما أن يخالفه صحابي آخر أو لا يخالفه، فإن\n_________\n(^١) ك، ب: «من المتأخرين»، خطأ. فالمعنى: من خالفَ المتأخرين مؤيِّدًا لأقوال السلف.\n(^٢) انظر: «الأمثال» لأبي عبيد (ص ٧٣).\n(^٣) اعتمد المؤلف في هذا المبحث على كلام شيخه في «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥٢٩ وما بعدها) الطبعة الثانية.","vol":"4","page":577},{"text":"خالفه مثله لم يكن [١٧٣/ب] قول أحدهما حجةً على الآخر، وإن خالفه أعلمُ منه كما إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضُهم غيرَهم من الصحابة في حكمٍ، فهل يكون الشِّقُّ الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجةً على الآخرين؟ فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد. والصحيح أن الشقّ الذي فيه الخلفاء أو بعضهم أرجحُ وأولى أن يؤخذ به من الشقّ الآخر، فإن كان الأربعة في شِقٍّ فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شِقٍّ فالصواب فيه أغلب، وإن كانوا اثنين واثنين فشِقُّ أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب، فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر.\nوهذه جملة لا يعرف تفصيلَها إلا مَن له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم، ويكفي في ذلك معرفةُ رجحان قول الصديق في الجدّ والإخوة، وكون الطلاق الثلاث بفم واحدٍ مرةً واحدةً وإن تلفَّظ فيه بالثلاث، وجواز بيع أمهات الأولاد. وإذا نظر العالم المنصف في أدلة هذه المسائل من الجانبين تبيَّن له أن جانب الصديق أرجح، وقد تقدم بعض ذلك في مسألة الجدّ والطلاق الثلاث بفم واحد، ولا يُحفظ للصدّيق خلافُ نصٍّ واحد أبدًا، ولا يُحفظ له فتوى ولا حكمٌ مأخذُها ضعيف أبدًا، وهو تحقيقًا لكون خلافته خلافةَ نبوةٍ.\nفصل\nوإن لم يخالف الصحابيَّ (^١) صحابيٌّ آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع، وقال شِرْذِمةٌ\n_________\n(^١) ك، ب: «الصحابة»، خطأ.","vol":"4","page":578},{"text":"من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجًة.\nوإن لم يشتهر قوله أو لم يُعلَم هل اشتهر أم لا، فاختلف الناس: هل يكون حجة أم لا؟ فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة. هذا قول جمهور الحنفية، صرَّح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة نصًّا (^١)، وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرُّفُه في «موطئه» دليل عليه، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه (^٢) واختيارُ جمهور أصحابه، وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مُقِرُّون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة (^٣).\nوفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًّا؛ فإنه لا يُحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة، وغاية ما تعلَّق به مَن نقل ذلك أنه يحكي أقوالًا للصحابة في الجديد ثم يخالفها، ولو كانت عنده حجة لم يخالفها. وهذا تعلُّقٌ ضعيف جدًّا، فإن مخالفة المجتهد الدليلَ المعيَّن لما هو أقوى في نظره منه لا يدلُّ على أنه لا يراه دليلًا من حيث الجملة، بل خالف دليلًا لدليلٍ أرجحَ عنده منه.\nوقد تعلَّق بعضهم بأنه يراه في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة موافقًا لها لا يعتمد عليها وحدها كما يفعل بالنصوص (^٤)، بل يعضدها بضروب من\n_________\n(^١) انظر: «أخبار أبي حنيفة» للصَّيْمَري (ص ٢٤).\n(^٢) انظر: «العدة» لأبي يعلى (٤/ ١١٧٨ وما بعدها).\n(^٣) انظر: «التبصرة» لأبي إسحاق الشيرازي (ص ٣٩٥).\n(^٤) ك: «بالمنصوص».","vol":"4","page":579},{"text":"الأقيسة؛ فهو تارةً يذكرها ويصرِّح بخلافها، وتارةً يوافقها ولا يعتمد عليها [١٧٤/أ] بل يعضدها بدليل آخر. وهذا أيضًا تعلُّقٌ أضعفُ من الذي قبله؛ فإنَّ تظافُرَ الأدلة وتعاضدها وتناصرها من عادة أهل العلم قديمًا وحديثًا، ولا يدل ذِكْرهم دليلًا ثانيًا وثالثًا على أن ما ذكروه قبله ليس بدليل.\nوقد صرَّح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابي حجة يجب المصير إليه، فقال (^١): المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما: ما أُحدِث يخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا، فهذه البدعة الضلالة. والربيع إنما أخذ عنه بمصر، وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالةً، وهذا فوق كونه حجة.\nوقال البيهقي في كتاب «مدخل السنن» (^٢) له: باب ذكر أقاويل الصحابة إذا تفرقوا. قال الشافعي: أقاويل الصحابة إذا تفرَّقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو (^٣) كان أصح في القياس، وإذا قال الواحد منهم القول لا يُحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلاف صرتُ إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتابًا ولا سنةً ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناه يُحكم له بحكمه أو وُجِد معه قياس.\nقال البيهقي (^٤): وقال في كتاب «اختلافه مع مالك» (^٥): ما كان الكتاب\n_________\n(^١) رواه البيهقي في «المدخل» (١/ ٢٢٦).\n(^٢) (١/ ٤٣). وقول الشافعي هذا بصورة حوار في «الرسالة» (ص ٥٩٦ وما بعدها).\n(^٣) ز: «إذا». والمثبت موافق لما في «الرسالة» و«المدخل».\n(^٤) في «المدخل» (١/ ٤٣). والكلام متصل بما قبله.\n(^٥) ضمن كتاب «الأم» (٨/ ٧٦٣، ٧٦٤).","vol":"4","page":580},{"text":"والسنة (^١) موجودين فالعذر على من سمعه مقطوع إلا بإتيانه (^٢)، فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل الصحابة أو واحد منهم (^٣)، ثم كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان إذا صرنا إلى التقليد أحبَّ إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدلُّ على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة؛ لأن قول الإمام مشهور بأنه يلزم الناس، ومن لزِم قولُه الناسَ كان أشهرَ ممن يفتي الرجل أو النفر وقد يأخذ بفتياه ويدعها، وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ولا يُعنَى العامة بما قالوا عنايتَهم بما قال الإمام، وقد وجدنا الأئمة ينتدبون فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا فيه، ويقولون فيخبرون بخلاف قولهم، فيقبلون من المخبر، ولا يستنكفون عن أن يرجعوا لتقواهم الله وفضلهم. فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله - ﷺ - في الدين في موضع الأمانة أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع مَن بعدهم.\nقال الشافعي (^٤) - ﵁ -: والعلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة، الثانية: ثم الإجماع فيما ليس كتابًا (^٥) ولا سنة. الثالثة: أن يقول صحابي فلا يُعلَم له مخالف من الصحابة. الرابعة: اختلاف الصحابة. الخامسة: القياس.\n_________\n(^١) في النسخ و«المدخل»: «أو السنة». والمثبت من المصدر السابق.\n(^٢) كذا في النسخ. وفي «المدخل» و«الأم»: «باتباعهما».\n(^٣) في النسخ و«المدخل»: «واحدهم». والمثبت من المصدر السابق.\n(^٤) في المصدر السابق (٨/ ٧٦٤)، والكلام متصل بما قبله. وهو في «المدخل» (١/ ٤٤).\n(^٥) كذا في النسخ، وفي «الأم» و«المدخل»: «ليس فيه كتاب».","vol":"4","page":581},{"text":"هذا كله كلامه في الجديد. قال البيهقي (^١) بعد أن ذكر هذا: وفي «الرسالة القديمة» للشافعي ــ بعد ذكر الصحابة وتعظيمهم ــ قال: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورعٍ وعقل، وأمرٍ استُدرك به علم، وآراؤهم لنا أحمدُ وأولى بنا من رأينا (^٢). ومن [١٧٤/ب] أدركْنا ممن نَرضى أو حُكِي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنةً إلى قولهم إن اجتمعوا أو قولِ بعضهم إن تفرَّقوا، وكذا نقول، ولم نخرج من أقوالهم كلهم.\nقال (^٣): وإذا قال الرجلان منهم في شيء قولين نظرتُ، فإن كان قول أحدهما أشبهَ بالكتاب والسنة أخذتُ به، لأن معه شيئًا قويًّا؛ فإن لم يكن على واحد من القولين دلالةٌ بما وصفتُ كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان أرجح عندنا من أحدٍ لو خالفهم غير إمام.\nقال البيهقي (^٤): وقال في موضع آخر: فإن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر أو عمر أو عثمان أحبَّ إليَّ من قول غيرهم، فإن اختلفوا صرنا إلى القول الذي عليه دلالة، وقلَّما يخلو اختلافهم من ذلك، وإن اختلفوا بلا دلالة نظرنا إلى الأكثر، فإن تكافَؤوا نظرنا أحسن أقاويلهم مخرجًا عندنا، وإن وجدنا للمفتين في زماننا أو قبله اجتماعًا في شيء تبعناه، فإذا نزلت نازلةٌ لم نجد فيها واحدة من هذه الأمور فليس إلا اجتهاد الرأي.\n_________\n(^١) في «المدخل» (١/ ٤٤، ٤٥). وانظر: «مناقب الشافعي» (١/ ٤٤٢، ٤٤٣).\n(^٢) في «المدخل» و«المناقب»: «آرائنا».\n(^٣) الكلام متصل بما قبله في «المدخل».\n(^٤) في «المدخل» (١/ ٤٥). وبعضه في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٤٣).","vol":"4","page":582},{"text":"فهذا كلام الشافعي بنصّه، ونحن نشهد بالله أنه لم يرجع عنه، بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه. وقد قال في الجديد في قتل الراهب (^١): إنه القياس عنده، ولكن تركَه (^٢) لقول أبي بكر الصديق - ﵁ -. فقد أخبرنا أنه ترك القياس الذي هو دليل عنده لقول الصاحب، فكيف يترك موجب الدليل لغير دليل؟\nوقال (^٣): وفي الضلع بعير، قلته تقليدًا لعمر.\nوقال في موضع آخر (^٤): قلته تقليدًا لعثمان.\nوقال في الفرائض (^٥): هذا مذهب تلقَّيناه عن زيد.\nولا تستوحِشْ من لفظة «التقليد» في كلامه، وتظنَّ أنها تنفي كون قوله حجةً بناءً على ما تلقَّيتَه من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول الغير بغير حجة، فهذا اصطلاح حادث، وقد صرَّح الشافعي في موضع من كلامه بتقليد خبر الواحد فقال (^٦): قلت هذا تقليدًا للخبر.\nوأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي. قال نعيم بن حماد (^٧):\n_________\n(^١) في كتاب «الأم» (٥/ ٥٨١).\n(^٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «أتركه».\n(^٣) «الأم» (٨/ ٦٥١). وفيه: «وأنا أقول بقول عمر».\n(^٤) المصدر نفسه (٨/ ٢٢٥). وفيه: «ذهبنا إلى هذا تقليدًا».\n(^٥) المصدر نفسه (٥/ ١٧٤). وفيه: «هذا قول زيد بن ثابت، وعنه قبلنا أكثر الفرائض».\n(^٦) لم أجده في كتاب «الأم».\n(^٧) رواه من طريقه البيهقي في «المدخل» (١/ ٤٦)، وروى نحوه أبو حمزة السكري عن الإمام أبي حنيفة كما في «الانتقاء» لابن عبد البر (ص ١٤٤ - ١٤٥).","vol":"4","page":583},{"text":"حدثنا ابن المبارك قال: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي - ﷺ - فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم.\nوذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر المتكلمين إلى أنه ليس بحجة، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن خالف القياس فهو حجة، وإلا فلا. قالوا: لأنه إذا خالف القياس لم يكن إلا عن توقيفٍ، وعلى هذا فهو حجة وإن خالفه صحابي آخر.\nوالذين قالوا «ليس بحجة» قالوا: لأن الصحابي مجتهد من المجتهدين يجوز عليه الخطأ، فلا يجب تقليده، ولا يكون قوله حجةً كسائر المجتهدين. ولأن الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعمُّ تقليدَ الصحابة (^١) ومن دونهم. ولأن التابعي إذا أدرك عصر الصحابة اعتُدَّ بخلافه [١٧٥/أ] عند أكثر الناس، فكيف يكون قول الواحد حجة عليه؟ ولأن الأدلة قد انحصرتْ في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقولُ الصحابي ليس واحدًا منها. ولأن امتيازه بكونه أفضلَ وأعلمَ وأتقَى لا يوجب وجوبَ اتباعه على مجتهد آخر من علماء التابعين بالنسبة إلى من بعدهم.\nفنقول: الكلام في مقامين، أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة، الثاني: في الجواب عن شبه النُّفاة.\n_________\n(^١) في النسخ: «الصحابي». والمثبت يقتضيه السياق. وهو كذلك في «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥٣١).","vol":"4","page":584},{"text":"فأما الأول فمن وجوه (^١):\nأحدها (^٢): ما احتجَّ به مالك، وهو قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. فوجه الدليل (^٣) أن الله تعالى أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولًا فاتبعهم متبعٌ عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محمودًا على ذلك وأن يستحقَّ الرضوان، ولو كان اتباعهم تقليدًا محضًا كتقليد بعض المفتين لم يستحقَّ من اتبعهم الرضوانَ إلا أن يكون عاميًّا، فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذٍ.\nفإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، وهو سلوك سبيل الاجتهاد؛ لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد، والدليل عليه قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، ومن قلَّدهم لم يتبعهم بإحسان، لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودًا لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان. وأيضًا فيجوز أن يُراد به اتباعهم في أصل الدين، وقوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم، ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان، وإن أساؤوا؛ لقوله: «وما يُدرِيك أن الله قد اطَّلعَ على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غَفرتُ\n_________\n(^١) اعتمد المؤلف في بيانها على كلام شيخه في «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥٣٢ وما بعدها).\n(^٢) سيأتي الوجه الثاني بعد ٩ صفحات، وبعدها الوجوه الأخرى.\n(^٣) ك والمطبوع: «الدلالة». والمثبت من ز موافق لما في «تنبيه الرجل العاقل».","vol":"4","page":585},{"text":"لكم» (^١). وأيضًا فالثناء على من اتبعهم كلهم، وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه. وأيضًا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه، وإنما يدلُّ على جواز تقليدهم، وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء، أو تقليد الأعلم كقول طائفة أخرى. أما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه.\nفالجواب من وجوه:\nأحدها: أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه، أحدها: أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ونحوه= لا يتوقَّف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل.\nالثاني: أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال والاجتهاد لم يكن فرقٌ بين السابقين وبين جميع الخلائق؛ لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبع فيه كل أحد، فمن قال قولًا بدليل صحيح وجب موافقته فيه.\nالثالث: أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا تجوز، [١٧٥/ب] فإن لم تجُزْ فهو المطلوب، وإن جازت مخالفتهم فقد خُولفوا في خصوص الحكم واتُّبِعوا في جنس (^٢) الاستدلال، فليس جَعْل\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي - ﵁ -.\n(^٢) ك: «حسن». المطبوع: «أحسن». كلاهما تحريف. والمثبت موافق لما في «تنبيه الرجل».","vol":"4","page":586},{"text":"من فعلَ ذلك متبعًا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جَعْلِه مخالفًا لمخالفته في عين الحكم.\nالرابع: أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعًا لهم أصلًا، بدليل أن من خالف مجتهدًا من المجتهدين في مسألة بعد اجتهاده لا يصح أن يقال «اتبعَه»، وإن أطلق ذلك فلا بدَّ من تقييده بأن يقال: اتبعَه في الاستدلال أو الاجتهاد.\nالخامس: أن الاتباع افتعال من التَّبَع (^١)، وكونُ الإنسان تابعًا لغيره نوعُ افتقارٍ إليه ومشْيٍ خلفه، وكل واحدٍ من المجتهدين المستدلّين ليس تبعًا للآخر ولا مفتقرًا إليه بمجرد ذلك، حتى يستشعرَ موافقتَه والانقيادَ له، ولهذا لا يصح أن يقال لمن وافق رجلًا في اجتهاده أو فتواه اتفاقًا: إنه متَّبعٌ له.\nالسادس: أن الآية قُصِد بها مدحُ السابقين والثناء عليهم، وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين، وبتقدير أن لا يكون قولهم موجبًا للموافقة ولا مانعًا من المخالفة ــ بل إنما يتبع القياس مثلًا ــ لا يكون لهم هذا المنصب، ولا يستحقُّون هذا المدح والثناء.\nالسابع: أن من خالفهم في خصوص الحكم فلم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلُّوا به على ذلك الحكم، فلا يكون متبعًا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة، وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد، لا سيما وتلك الصفة العامة لا اختصاصَ لها به؛ لأن ما يَنفِي الاتباع أخصُّ مما يُثبِته. وإذا وُجِد الفارق الأخصّ والجامع الأعمُّ ــ وكلاهما مؤثِّر ــ كان التفريق رعايةً\n_________\n(^١) في المطبوع: «اتبع» خلاف جميع النسخ و«التنبيه».","vol":"4","page":587},{"text":"للفارق أولى من الجمع رعايةً للجامع.\nوأما قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ فليس المراد به أن يجتهد، وافق أو خالف؛ لأنه إذا خالف لم يتبعهم فضلًا عن أن يكون بإحسان، ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباعٌ لهم، لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول، فلا بدَّ مع ذلك أن يكون المتبع محسنًا بأداء الفرائض واجتناب المحارم؛ لئلّا يقع الاغترار بمجرد الموافقة قولًا.\nوأيضًا فلا بدَّ أن يُحسِن المتبع لهم القولَ فيهم، ولا يقدحُ فيهم اشتراطُ (^١) اللهِ ذلك، لعلمه بأن سيكون أقوام ينالون منهم. وهذا مثل قوله بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠].\nوأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح؛ لأن الاتباع عام، ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعًا لهم على الإطلاق لكنّا متَّبعين للمؤمنين من أهل الكتابين (^٢)، ولم يكن فرقٌ بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها.\nوأيضًا فإنه إذا قيل «فلان يتبع فلانًا، واتبع فلانًا، وأنا متبعٌ فلانًا»، ولم يقيَّد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يتأتَّى [١٧٦/أ] فيها الاتباع؛ لأن من اتبعه في حال وخالفه في حالٍ أخرى لم يكن\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وهو فاعل «لا يقدح». وفي «تنبيه الرجل»: «اشترط».\n(^٢) ز: «أهل الكتاب». والمثبت من ك موافق لما في «تنبيه الرجل».","vol":"4","page":588},{"text":"وصفُه بأنه متبع بأولَى من وصفِه بأنه مخالف؛ ولأن الرضوان حكمٌ تعلَّق باتباعهم، فيكون الاتباع سببًا له؛ لأن الحكمَ المعلَّق بما هو مشتقٌّ يقتضي أن ما منه الاشتقاق سبب، وإذا كان اتباعهم سببًا للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده، [إذ] (^١) لا اختصاصَ للاتباع بحالٍ دون حالٍ؛ ولأن الاتباع يُؤذِن بكون الإنسان تبعًا لغيره وفرعًا عليه، وأصول الدين ليست كذلك؛ ولأن الآية تضمَّنت الثناء عليهم وجعلهم أئمة لمن بعدهم، فلو لم يتناول إلا اتباعَهم في أصول الدين والشرائع (^٢) لم يكونوا أئمةً في ذلك، لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم.\nفصل\nوأما قولهم «إن الثناء على من اتبعهم كلهم»، فنقول: الآية اقتضَتْ الثناءَ على من اتبع كلَّ واحدٍ واحدٍ (^٣) منهم، كما أن قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] يقتضي حصول الرضوان لكلِّ واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] وكذلك في قوله: ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾، لأنه حكم عُلِّق عليهم في هذه الآية، فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين.\nوأيضًا فإن الأصل في الأحكام المعلَّقة بأسماء عامة ثبوتُها لكل فردٍ فردٍ من تلك المسمَّيات، كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، وقوله: ﴿لَقَدْ\n_________\n(^١) زيادة من «تنبيه الرجل». وفي المطبوع: «و». وليست في النسخ.\n(^٢) في المطبوع: «دون الشرائع» خلاف النسخ و«التنبيه».\n(^٣) «واحد» الثانية ساقطة من ك والمطبوع.","vol":"4","page":589},{"text":"رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].\nوأيضًا فإن الأحكام المعلَّقة على المجموع يُؤتَى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، فإن لفظ «الأمة» ولفظ «سبيل المؤمنين» لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة وأفراد المؤمنين، بخلاف لفظ «السابقين»، فإنه يتناول كل فرد من السابقين.\nوأيضًا فالآية تعمُّ اتباعَهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن؛ فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتَّبع آحادهم فيما وُجِد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين. أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال «اتبع السابقين» لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرةً وهذا مرةً. وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا؛ فإن اتباعهم هناك قولُ (^١) بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسويغ كل واحد من الأقوال لمن أدَّى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضًا. أما إذا قال الرجل قولًا، ولم يخالفه غيره فلا يُعلم أن السابقين سوَّغوا خلافَ ذلك القول.\nوأيضًا فالآية تقتضي اتباعَهم مطلقًا، فلو فرضنا أن الطالب عَثَرعلى نصّ\n_________\n(^١) في المطبوع: «قبول» خلاف النسخ وأصل «تنبيه الرجل».","vol":"4","page":590},{"text":"يخالف قول الواحد (^١) منهم فقد علمنا أنه لو ظَفِر بذلك النصّ لم يَعدِلْ عنه. أما إذا رأينا رأيًا فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي.\n[١٧٦/ب] وأيضًا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه كلُّهم لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد عُلِم أنه من دين الإسلام بالاضطرار؛ لأن السابقين الأولين خلقٌ عظيم، ولم يُعلَم أنهم اجتمعوا إلا على ذلك؛ فيكون هذا الوجه هو الذي قبله، وقد تقدم بطلانه؛ إذ الاتباع في ذلك غير مؤثِّر.\nوأيضًا فجميع السابقين قد مات منهم أناسٌ في حياة رسول الله - ﷺ -، وحينئذٍ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله - ﷺ -، ثم لو فرضنَا أحدًا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين، فحاصله أن التابعين لا يُمكِنهم اتباعُ جميع السابقين.\nوأيضًا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذّر، فكيف يتبعون كلَّهم في شيء لا يكاد يُعلَم؟\nوأيضًا فإنهم إنما استحقُّوا منصبَ الإمامة والاقتداء بهم بكونهم هم السابقين، وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم، فوجب أن يكون كلٌّ منهم إمامًا للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة.\nفصل\nوأما قوله: «ليس فيها ما يوجب اتباعهم»، فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام؛ فلا يكون اتباعهم قولًا بغير علم، بل قولًا بعلم، وهو المقصود،\n_________\n(^١) ك، ب: «أحد».","vol":"4","page":591},{"text":"وحينئذٍ فسواء سُمِّي (^١) تقليدًا أو اجتهادًا.\nوأيضًا فإن كان تقليد العالم للعالم حرامًا ــ كما هو قول الشافعية والحنابلة ــ فاتباعهم ليس بتقليد لأنه مَرضيٌّ، وإن كان تقليدهم جائزًا أو كان تقليدهم مستثنًى من التقليد المحرَّم فلم يقل أحد إنّ تقليد العلماء من موجبات الرضوان؛ فعُلِم أن تقليدهم خارج عن هذا، لأن تقليد العالم وإن كان جائزًا فتركُه إلى قول غيره أو إلى اجتهادٍ جائزٌ أيضًا بالاتفاق، والشيء المباح لا يستحقُّ به الرضوان.\nوأيضًا فإن رضوان الله غايةُ المطالب، لا يُنال إلا بأفضل الأعمال، ومعلوم أن التقليد الذي يجوز خلافه ليس بأفضل الأعمال، بل الاجتهاد أفضلُ منه، فعُلِم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألةٍ (^٢) اختلفوا فيها هم ومَن بعدهم، وأن اتباعهم دون مَن بعدهم هو الموجب لرضوان الله؛ فلا ريبَ أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه بلا شك، ومسائل الاجتهاد لا يتخيَّر الرجل فيها بين القولين.\nوأيضًا فإن الله أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان، والتقليد وظيفة العامة، فأما العلماء فإما أن يكون مباحًا لهم أو محرَّمًا؛ إذ الاجتهاد أفضلُ منه لهم بغير خلاف، أو هو واجب عليهم، فلو أُريد باتباعهم التقليدُ الذي يجوز خلافه لكان للعامة في ذلك النصيبُ الأوفى، وكان حظُّ علماء الأمة من هذه الآية أبخسَ الحظوظ، ومعلومٌ أن هذا فاسد.\n_________\n(^١) في المطبوع: «يسمى» خلاف النسخ و«التنبيه».\n(^٢) ك: «المسألة».","vol":"4","page":592},{"text":"وأيضًا فالرضوان عمَّن اتبعهم دليلٌ على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ؛ فإنه لو كان خطأً لكان غاية صاحبه [١٧٧/أ] أن يُعفَى له عنه، فإن المخطئ إلى أن يُعفَى عنه أقربُ منه إلى أن يُرْضَى عنه، وإذا كان صوابًا وجب اتباعه؛ لأن خلاف الصواب خطأ، والخطأ يحرُم اتباعه إذا عُلِم أنه خطأ، وقد عُلِم أنه خطأ بكونِ الصواب خلافه.\nوأيضًا فإذا كان اتباعهم موجِب الرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجِب الرضوان؛ لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده ولا عدمه؛ لأنه يبقى عديم الأثر في ذلك الجزاء، وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق هو ما يوجبه، وهذا المطلوب.\nوأيضًا فإنّ طلب رضوان الله واجب؛ لأنه إذا لم يُوجَد رضوانه فإما سخطه أو عفوه، والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة، وذلك لا يُباح مباشرته إلا بالنصّ، وإذا كان رضوانه إنما هو في اتباعهم، واتباعُ رضوانه واجب= كان اتباعهم واجبًا.\nوأيضًا فإنه إنما أثنى على المتَّبع بالرضوان، ولم يصرِّح بالوجوب؛ لأن إيجاب الاتباع يدخل فيه الاتباعُ في الأفعال، ويقتضي تحريمَ مخالفتهم مطلقًا، فيقتضي ذمَّ المخطئ، وليس كذلك. أما الأقوال فلا وجهَ لمخالفتهم فيها بعدما ثبت أن فيها رضا الله ﷿.\nوأيضًا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا الله لم يكن رضا الله في ضدِّه، بخلاف الأفعال فقد يكون رضا الله في الأفعال المختلفة وفي الفعل والترك بحسب قصدَينِ وحالَينِ. أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك، فإذا ثبت أن في قولهم رضوان الله تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو؛ فوجب","vol":"4","page":593},{"text":"اتباعه.\nفإن قيل: السابقون هم الذين صلَّوا إلى القبلتين، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم، فما الدليل على اتباع مَن أسلم بعد ذلك؟\nقيل: إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود، على أنه لا قائلَ بالفرق، وكلُّ الصحابة سابقٌ بالنسبة إلى من بعدهم.\nفصل\nالوجه الثاني (^١): قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١]، هذا قصَّه الله سبحانه عن صاحب ياسين على سبيل الرِّضا بهذه المقالة، والثناءِ على قائلها، والإقرارِ له عليها، وكل واحدٍ من الصحابة لم يسألنا أجرًا، وهم مهتدون بدليل قوله تعالى خطابًا لهم: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، و«لعلَّ» من الله واجب. وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٦ - ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قَاتَلوا (^٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وكلٌّ منهم قاتلَ في\n_________\n(^١) من الأدلة الدالة على وجوب اتباع قول الصحابة.\n(^٢) كذا في النسخ. وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر. انظر: «التيسير» (ص ٢٠٠) و«السبعة» لابن مجاهد (ص ٦٠٠). وسيأتي في كلام المؤلف «قاتل» بناءً عليها.","vol":"4","page":594},{"text":"سبيل الله وجاهد إما بيده أو بلسانه، فيكون الله قد هداهم، ومن هداه فهو مهتدٍ، فيجب اتباعه بالآية.\nالوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، وكلٌّ من الصحابة منيبٌ إلى الله فيجب [١٧٧/ب] اتباعُ سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبرِ سبيله، والدليل على أنهم منيبون إلى الله سبحانه أن الله سبحانه قد هداهم، وقد قال: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].\nالوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، فأخبر سبحانه أن من اتبع الرسول يدعو إلى الله على بصيرة (^١)، ومن دعا إلى الله على بصيرة وجب اتباعه؛ لقوله فيما حكاه عن الجنّ ورضِيَه: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]، ولأن من دعا إلى الله على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالمًا به، والدعاء إلى أحكام الله دعاء إلى الله؛ لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى وأذِنَ، والصحابة قد اتبعوا الرسول - ﷺ -، فيجب إجابتُهم (^٢) إذا دَعَوا إلى الله.\nالوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، قال [ابن عباس] (^٣): هم أصحاب محمد - ﷺ - (^٤).\n_________\n(^١) «على بصيرة» ليست في ز.\n(^٢) في المطبوع: «اتباعهم» خلاف النسخ والتنبيه.\n(^٣) هنا بياض في النسخ وأصل «التنبيه».\n(^٤) رواه البزار (١٤٩٢) مختصرًا، والطبري (١٠/ ٤) وابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٠٦) من طريق الحكم عن السدي عن أبي مالك، والحَكَم متروك.","vol":"4","page":595},{"text":"والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وحقيقة الاصطفاء: افتعال من التصفية، فيكون قد صفَّاهم من الأكدار، والخطأ من الأكدار، فيكونون مصفَّينَ منه. ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا لأن الحق لم يَعْدُهم، فلا يكون قول بعضهم كدرًا؛ لأن مخالفة الكدر وبيانه يُزيل كونَه كدرًا بخلاف ما إذا قال بعضهم قولًا ولم يخالف فيه، فلو كان قولًا باطلا ولم يردَّه رادٌّ لكان حقيقة الكدر، وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي - ﷺ - في بعض أموره، فإنها لا تُخرِجه عن حقيقة الاصطفاء.\nالوجه السادس: أن الله تعالى شهد لهم بأنهم (^١) أوتوا العلم بقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. واللام في «العلم» ليست للاستغراق، وإنما هي للعهد، أي العلم الذي بعث الله به نبيه - ﷺ -، وإذا كانوا قد أُوتوا هذا العلمَ كان اتباعهم واجبًا.\nالوجه السابع: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، شهِدَ لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يُفْتِ فيها إلا من أخطأ منهم= لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن المنكر؛ إذ الصواب معروف بلا شك،\n_________\n(^١) ك، ب: «أنهم».","vol":"4","page":596},{"text":"والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا كان هذا باطلًا عُلِمَ أن خطأ من تكلَّم (^١) منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع، وذلك يقتضي أن قوله حجة.\nالوجه الثامن: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، قال غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد - ﷺ - (^٢). ولا ريبَ أنهم أئمة الصادقين، وكل صادقٍ بعدهم فبهم يأتمُّ في صدقه، بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم، ومعلوم أن من خالفهم [١٧٨/أ] في شيء وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه، وحينئذٍ فيصدق عليه أنه ليس معهم، فتنتفي عنه المعية المطلقة، وإن ثبت له قِسطٌ من المعية فيما وافقهم فيه، فلا يَصدُق عليه أنه معهم بهذا القسط.\nوهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق والمنتهب بحيث لا يستحقُّ اسمَ المؤمن، وإن لم ينتفِ عنه مطلقُ الاسم الذي يستحقُّ لأجله أن يقال: معه شيء من إيمان. وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان من فقهٍ وعلمٍ، وإن قيل: معه شيء من العلم.\nففرقٌ بين المعية المطلقة ومطلق المعية، ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني، فإن الله سبحانه لم يُرِد منّا أن نكون معهم في شيء من الأشياء، وأن\n_________\n(^١) في النسخ: «يعلم». والتصويب من «التنبيه».\n(^٢) انظر: «تفسير الطبري» (١٢/ ٦٧، ٦٨) وابن أبي حاتم (٦/ ١٩٠٦) و«الدر المنثور» (٧/ ٥٨١).","vol":"4","page":597},{"text":"نحصل من المعية ما يصدُق عليه الاسم. وهذا غلط عظيم في فهم مراد الربّ تعالى من أوامره؛ فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يُرِدْ منا أن نأتي من ذلك بأقلِّ ما يُطلَق عليه الاسم، وهو مطلق الماهية المأمور بها، بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك. وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدَّم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء.\nالوجه التاسع: قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أخبر أنه جعلهم أمةً خِيارًا عَدْلًا، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلُها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله سبحانه يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه، ولهذا نوَّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم؛ لأنه سبحانه لما اتخذهم شهداء أَعلَمَ خلْقَه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلِّي عليهم وتدعوَ لهم وتستغفر لهم.\nوالشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدقٍ، فيخبر بالحق مستندًا إلى علمه به، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقًا من غير علمه به، وقد يعلمه ولا يخبر به؛ فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم. فلو كان علمُهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالِفةً لحكم الله ورسوله، ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله، إما مع اشتهار فتوى الأول أو","vol":"4","page":598},{"text":"بدون اشتهارها= كانت هذه الأمة العدلُ الخيارُ قد أصفقَتْ (^١) على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين: قسمًا (^٢) أفتى بالباطل، وقسمًا سكت عن الحق، وهذا من المستحيل، فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى مَن بعدهم قطعًا، ونحن نقول لِما (^٣) خالف أقوالهم: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه.\nالوجه العاشر: أن (^٤) قوله ﵎: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ [١٧٨/ب] وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ٧٨]، فأخبر سبحانه أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من «اجتبى الشيءَ يجتبيه» (^٥) إذا ضمَّه إليه وحازَه إلى نفسه، فهم المجتَبَون الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله وخاصَّته وصفوتَه من خلقه بعد النبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم سبحانه أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده، فيبذلوا له أنفسهم، ويُفرِدوه بالمحبة والعبودية، ويختاروه وحده إلهًا معبودًا محبوبًا على كل ما سواه كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحدَه إلههم ومعبودهم الذي يتقرَّبون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم وإرادتهم (^٦) ومحبتهم، فيُؤثِرونه في كل حال على ما سواه، كما\n_________\n(^١) أي اجتمعت وأطبقت.\n(^٢) ك، ب: «قسم» في الموضعين.\n(^٣) في المطبوع: «لمن» خلاف النسخ.\n(^٤) «أن» ليست في ك.\n(^٥) ك، ب: «جبى الشيء يجبيه».\n(^٦) «وإرادتهم» ليست في ز.","vol":"4","page":599},{"text":"اتخذهم عبيدَه وأولياءه وأحبابه، وآثرهم بذلك على من سواهم.\nثم أخبرهم سبحانه أنه يسَّر عليهم دينه (^١) غايةَ التيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتةَ لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده سبحانه وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام؛ فيكون تعلُّق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره (^٢).\nثم أخبر سبحانه أنه نوَّه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم، وسمّاهم عباده المسلمين قبل أن يُظهرهم، ثم نوَّه بهم وسمّاهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناءً بهم، ورفعةً لشأنهم، وإعلاءً لقدرهم. ثم أخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس؛ فيكونون مشهودًا لهم بشهادة الرسول شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم، فكان هذا التنويه وإشادة (^٣) الذكر لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين الحكمتين العظيمتين. والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده سبحانه فمن المحال أن يَحرِمهم كلَّهم الصوابَ في مسألة، فيفتي فيها بعضهم بالخطأ، ولا يفتي فيها غيره بالصواب، ويَظفر فيها بالهدى مَن بعدهم، والله المستعان.\nالوجه الحادي عشر: قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أخبر عن\n_________\n(^١) ك، ب: «دينهم».\n(^٢) ز: «بغيرهم».\n(^٣) ز: «وإشارة».","vol":"4","page":600},{"text":"المعتصمين به أنهم قد هُدوا إلى الحق؛ فنقول: الصحابة معتصمون بالله فهم مهديُّون، فاتباعهم واجب. أما المقدمة الأولى فتقريرها من وجوه، أحدها: قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، ومعلومٌ كمال تولِّي الله سبحانه لهم ونصره إيّاهم أتمَّ نصرة، وهذا يدلُّ على أنهم اعتصموا به أتمَّ اعتصام، فهم مَهديُّون بشهادة الربّ لهم بلا شك، واتباع المهديّ واجب شرعًا وعقلًا وفطرةً بلا شك. وما يَرِد على هذا الوجه من أن المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه.\nالوجه الثاني عشر: قوله ﵎ عن أصحاب موسى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [١٧٩/أ] وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فأخبر سبحانه أنه جعلهم أئمةً يأتمُّ بهم مَن بعدهم لصبرهم ويقينهم؛ إذ بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، فإن الداعي إلى الله لا يتمُّ له أمره إلا بتيقُّنهِ للحق الذي يدعو إليه، وبصيرتِه به، وصبرِه على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاقِّ الدعوة، وكفِّ النفس عما يُوهِن عزمَه ويُضعِف إرادته، فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره سبحانه.\nومن المعلوم أن أصحاب محمد - ﷺ - أحقُّ وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى، فهم أكمل يقينًا وأعظم صبرًا من جميع الأمم، فهم أولى بمنصب هذه الإمامة. وهذا أمر ثابت لهم بلا شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم، وشهادة الرسول لهم بأنهم (^١) خير القرون، وأنهم خِيَرة الله وصفوته. ومن المحال على مَن هذا شأنهم أن يُخطئوا كلهم الحقَّ، ويَظفر به\n_________\n(^١) ز: «بأنه».","vol":"4","page":601},{"text":"المتأخرون، ولو كان هذا ممكنًا لانقلبت الحقائق، وكان المتأخرون أئمةً لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم، وهذا كما أنه محال حِسًّا وعقلًا فهو محال شرعًا، وبالله التوفيق.\nالوجه الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، وإمام بمعنى قدوة، وهو يصلح للواحد والجمع كالأمَّة والأسوة. وقد قيل: هو جمعُ آمٍّ (^١)، كصاحب وصِحاب، وراجل ورِجال، وتاجر وتِجار. وقيل: هو مصدر كقِتال وضِراب، أي ذَوي إمامٍ. والصواب الوجه الأول، فكلُّ من كان من المتقين وجب عليه أن يأتمَّ بهم، والتقوى واجبة، فالائتمام بهم واجب، ومخالفتهم فيما أفتَوا به مخالف للائتمام بهم. وإن قيل: «نحن نأتمُّ بهم في الاستدلال وأصول الدين» فقد تقدَّم مِن جواب هذا ما فيه كفاية.\nالوجه الرابع عشر (^٢): ما ثبت عن النبي - ﷺ - في الصحاح من وجوه متعددة أنه قال: «خيرُ القرون القرنُ الذي بُعِثتُ فيهم، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم» (^٣). فأخبر - ﷺ - أن خير القرون قرنه مطلقًا، وذلك يقتضي\n_________\n(^١) في المطبوع: «آمم» خلاف جميع النسخ التي فيها الكلمة بميم واحدة، وهي مشددة بإدغام الميمين، ولا يجوز فكّها، مثل ضالّ وحاجّ وشابّ وحارّ وغيرها.\n(^٢) عاد المؤلف إلى النقل من «تنبيه الرجل العاقل» بعد ما أضاف ستة أدلة أو وجوه من القرآن، من الوجه الثامن إلى الثالث عشر.\n(^٣) رواه البخاري (٢٦٥١) ومسلم (٢٥٣٥) من حديث عمران بن حصين، ورواه أيضًا البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣) من حديث ابن مسعود، ورواه مسلم (٢٥٣٤) من حديث أبي هريرة نحوه.","vol":"4","page":602},{"text":"تقدُّمَهم (^١) في كل باب من أبواب الخير، وإلا لكانوا خيرًا من بعض الوجوه، فلا يكونون خيرَ القرون مطلقًا. فلو جاز أن يُخطئ الرجل منهم في حكمٍ وسائرُهم لم يُفتوا بالصواب، وإنما ظَفِرَ بالصواب مَن بعدهم، وأخطأوه هم لزِم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن.\nثم هذا يتعدَّد في مسائل عدة؛ لأن من يقول «قول الصحابي ليس بحجة» يجوز عنده أن يكون مَن بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها (^٢) الصحابي قولًا ولم يخالفه صحابيٌّ آخر، وفات هذا الصواب للصحابة (^٣)، ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العدَّ والإحصاء، فكيف يكونون خيرًا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم [١٧٩/ب] بالصواب فيما يفوق العدَّ والإحصاء مما (^٤) أخطؤوا فيه؟ ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكملُ الفضائل وأشرفها، فيا سبحان الله! أيُّ وصمةٍ أعظمُ من أن يكون الصدّيق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عُبادة بن الصامت وأضرابهم قد أخبر عن حكم الله أنه كيتَ وكيتَ في مسائل كثيرة، وأخطأ في ذلك (^٥)، ولم يشتمل قَرنهم على ناطقٍ بالصواب في تلك المسائل، حتى نَبَغَ من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة، وأصابوا الحق\n_________\n(^١) في المطبوع: «تقديمهم» خلاف النسخ و«تنبيه الرجل».\n(^٢) «فيها» ليست في ك.\n(^٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «الصحابة».\n(^٤) في النسخ: «ما». والمثبت من «التنبيه».\n(^٥) في النسخ: «فيه ذلك». والمثبت من «التنبيه».","vol":"4","page":603},{"text":"الذي أخطأه أولئك الأئمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.\nالوجه الخامس عشر: ما روى مسلم في «صحيحه» (^١) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: صلَّينا المغرب مع رسول الله - ﷺ - وقلنا: لو جلسنا حتى نصلِّي معه العشاء، فجلسنا، فخرج علينا فقال: «ما زِلْتم هاهنا؟» فقلنا: يا رسول الله، صلَّينا معك المغربَ ثم قلنا: نجلس حتى نصلّي معك العشاء. قال: «أحسنتم وأصبتم»، ورفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجومُ أَمَنةٌ للسماء، فإذا ذهبتِ النجومُ أتى السماءَ ما تُوعد، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهبَ أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدون». ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبةَ أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء، ومن المعلوم أن هذا التشبيه يُعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم هم بنبيهم - ﷺ -، ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم. وأيضًا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنةً لهم وحِرزًا من الشر وأسبابه، فلو جاز أن يُخطئوا فيما أفتوا به ويَظفر به مَن بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحِرزًا لهم، وهذا من المحال.\nالوجه السادس عشر: ما رواه أبو عبد الله ابن بطَّة (^٢) من حديث الحسن\n_________\n(^١) رقم (٢٥٣١).\n(^٢) لم أجد النصّ في «الإبانة» (فضائل الصحابة)، فالمطبوع ناقص. وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» (٥٧٢) والبزار (١٣/ ٢١٩) وأبو يعلى (٢٧٦٢) من طريق إسماعيل عن الحسن به، قال الحافظ في «المطالب» (١٧/ ٨٨): تفرد به إسماعيل، وليس بالحافظ. وروي عن الحسن مرسلًا كما سيأتي من كلام المصنف.","vol":"4","page":604},{"text":"عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن مَثَلَ أصحابي في أمتي كمَثَلِ الملح في الطعام، لا يصلُح الطعام إلا بالملح». قال الحسن: قد (^١) ذهب مِلْحُنا فكيف نَصلُح؟\nوروى ابن بطَّة (^٢) أيضًا بإسنادين إلى عبد الرزاق أخبرنا مَعمر عمن سمع الحسن يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «مَثلُ أصحابي في الناس كمَثَلِ الملح في الطعام». ثم يقول الحسن: هيهات! ذهب مِلحُ القوم.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا حُسين بن علي الجعفي عن أبي موسى ــ يعني إسرائيل ــ عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَثَلُ أصحابي كمَثَلِ الملح في الطعام». قال: يقول الحسن: هل يَطيب الطعامُ إلا بالملح؟ ويقول الحسن: فكيف بقومٍ ذهبَ ملحُهم؟\nووجه الاستدلال أنه شبَّه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاحُ الطعام به، فلو جاز أن يُفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من يفتي بالصواب ويَظفر به مَن بعدهم لكان مَن [١٨٠/أ] بعدهم مِلْحًا لهم، وهذا محال. يوضِّحه أن الملح كما أن به صلاحَ الطعام؛ فالصواب به صلاح الأنام، فلو أخطأوا فيما أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملحٍ يُصلِحه، فإذا أفتى مَن بعدهم بالحق كان قد أصلح خطأهم فكان مِلْحًا لهم.\n_________\n(^١) ك، ب: «فقد».\n(^٢) ذكره في «الشرح والإبانة» (ص ١١٣) بدون إسناد. وهو في «مصنف عبد الرزاق» (٢٠٣٧٧).\n(^٣) في «فضائل الصحابة» (١٧٣٠). ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٣٣٠٧٢) بنفس الإسناد نحوه، وهو صحيح.","vol":"4","page":605},{"text":"الوجه السابع عشر: ما روى البخاري في «صحيحه» (^١) من حديث الأعمش قال: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفقَ مِثلَ أحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه». وفي لفظ (^٢): «فوالذي نفسي بيده». وهذا خطابٌ منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مُسلِمة الحديبية والفتح، فإذا كان مُدُّ أحد أصحابه ونصيفُه أفضلَ عند الله من مِثلِ أحدٍ ذهبًا من مِثلِ خالد وأضرابه من الصحابة، فكيف يجوز أن يَحرِمَهم الله الصوابَ في الفتاوى ويَظفر به مَن بعدهم؟ هذا من أبينِ المحال.\nالوجه الثامن عشر: ما روى الحميدي حدثنا محمد بن طلحة قال: حدثني عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عُوَيم بن ساعدة عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله اختارني، واختار لي أصحابًا، فجعل لي منهم وزراءَ وأنصارًا وأصهارًا» الحديث (^٣). ومن المحال أن يَحرِم الله الصوابَ مَن اختارهم لرسوله وجعلهم وزراءه وأنصاره وأصهاره، ويُعطِيَه مَن بعدهم في شيء من الأشياء.\n_________\n(^١) رقم (٣٦٧٣). وأخرجه مسلم (٢٥٤١) بهذا الطريق نحوه.\n(^٢) عند مسلم (٢٥٤٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه ابن ابي عاصم في «السنة» (١٠٠٠) والطبراني (١٧/ ٤٣٩) والحاكم (٣/ ٦٣٢) من طريق محمد بن طلحة التيمي به، وهذا إسناد ضعيف من أجل محمد بن طلحة، وجهالة عبد الرحمن. انظر: «المدخل» للبيهقي (١/ ٥٠) و«مجمع الزوائد» (١٠/ ١٧).","vol":"4","page":606},{"text":"الوجه التاسع عشر: ما روى (^١) أبو داود الطيالسي (^٢) حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود - ﵁ - قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلبَ محمدٍ خيرَ قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح.\nومن المحال أن يُخطئ الحقَّ في حكم الله خيرُ قلوب العباد بعد رسول الله - ﷺ - ويَظفَر به مَن بعدهم. وأيضًا فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون كلُّهم فإما أن يكونوا قد رأوه حسنًا أو يكونوا رأوه قبيحًا، فإن كانوا رأوه حسنًا فهو حسنٌ عند الله، وإن كانوا رأوه قبيحًا ولم يُنكِروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد، وكان مَن أنكره بعدهم خيرًا منهم وأعلمَ، وهذا من أبين المحال.\nالوجه العشرون: ما رواه الإمام أحمد (^٣) وغيره عن ابن مسعود - ﵁ - قال: من كان متأسِّيًا فليتأسَّ بأصحاب رسول الله - ﷺ -؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه\n_________\n(^١) ك: «رواه».\n(^٢) في «مسنده» (٢٤٣). وأخرجه أيضًا أحمد (٣٦٠٠) والبزار (٥/ ٢١٢) وإسناده حسن من أجل عاصم، وصححه المصنف في «الفروسية» (ص ٢٩٩)، وقال ابن تيمية في «منهاج السنة» (٢/ ٧٧): إسناده معروف، وحسنه الحافظ في «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ٤٣٥) والسخاوي في «المقاصد الحسنة» (٤٣٥).\n(^٣) لم أجده في «المسند» وغيره من مؤلفاته. وقد أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٨٠٨) والهروي في «ذم الكلام» (ص ١٨٨) وأبو نعيم (١/ ٣٠٥) من طرقٍ عن ابن مسعود يقوِّي بعضها بعضًا.","vol":"4","page":607},{"text":"الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، وأقومَها هَدْيًا، وأحسَنها حالًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامةِ دينه، فاعرِفوا لهم فضلَهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم.\nومن المحال أن يَحرِم الله أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلفًا، وأقومَها هديًا، الصوابَ [١٨٠/ب] في أحكامه، ويوفِّق له مَن بعدهم.\nالوجه الحادي والعشرون: ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان أنه قال: يا معشرَ القراء، خُذوا طريقَ من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا (^١).\nومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق مَن سبقَ إلى كل خير على الإطلاق.\nالوجه الثاني والعشرون: ما قاله جُندب بن عبد الله لفرقةٍ دخلت عليه من الخوارج، فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله، فقال: أنتم؟ قالوا: نحن، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: يا أخابثَ (^٢) خلقِ الله، في اتّباعنا تختارون الضلالة أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟! اخرجوا عني (^٣).\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٨٠)، ولم أجده من حديث حذيفة عند الطبراني في كتبه، وهو عنده في «الكبير» (٩/ ١٣٥) من حديث ابن مسعود بنحوه. وأصله في البخاري (٧٢٨٢) من حديث حذيفة بلفظ: «يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا».\n(^٢) في المطبوع: «أخابيث» خلاف النسخ.\n(^٣) لم أجده إلّا في «تنبيه الرجل العاقل» (ص ٥٤٨) بدون إسناد.","vol":"4","page":608},{"text":"ومن المعلوم أن من جوَّز أن تكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمَن بعدهم، وخالفَهم فيها= فقد اتبع الحقَّ في غير سنتهم، وقد دعاهم إلى كتاب الله؛ فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق، وكفى ذلك إزراءً على نفوسهم وعلى الصحابة.\nالوجه الثالث والعشرون: ما رواه الترمذي (^١) من حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظةً بليغة ذَرَفتْ منها العيون، ووَجِلتْ منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع، فماذا تعهَدُ إلينا؟ فقال: «عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد حبشيٌّ كأنّ رأسَه زبيبة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدَثاتِ الأمور، فإن كل محدثة [بدعة، وكل بدعة] (^٢) ضلالة»، وهذا حديث حسن، إسناده لا بأس به.\nفقَرَنَ سنة خلفائه بسنته، وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعضَّ عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفْتَوا به وسَنُّوه للأمة، وإن لم يتقدَّم من نبيهم فيه شيء، وإلا كان ذلك سنتَه، ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علَّق ذلك بما سنَّه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنُّوا ذلك وهم خلفاء في آنٍ واحد، فعُلِم أن ما سنَّه كل\n_________\n(^١) رقم (٢٦٧٦). ورواه أيضًا أحمد (١٧١٤٤، ١٧١٤٥) وأبو داود (٤٦٠٧) وابن ماجه (٤٢). وإسناده صحيح، صححه البزار كما في «جامع بيان العلم» (٢/ ٩٢٤) والترمذي وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٩٩) والذهبي في «تاريخ الإسلام» (٣٠/ ٤٠٨) والعيني في «نخب الأفكار» (٢/ ١٤٦).\n(^٢) ما بين المعكوفتين ليس في جميع النسخ، وزيد من مصادر التخريج والنسخ المطبوعة.","vol":"4","page":609},{"text":"واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين.\nورواه الإمام أحمد في «مسنده» (^١) من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضَمْرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي سمع العرباض بن سارية (^٢)، فذكر نحوه.\nالوجه الرابع والعشرون: ما رواه الترمذي (^٣) من حديث الثوري عن عبد الملك بن عمير عن هلال مولى رِبْعِي بن حِرَاش عن رِبْعِي عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اقتدُوا باللَّذَينِ من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهَدْي عمَّار، وتمسَّكوا بعهدِ ابن أم عبد». قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووجه الاحتجاج به ما تقدم في تقرير المتابعة.\nالوجه الخامس والعشرون: ما رواه مسلم في «صحيحه» (^٤) من حديث عبد الله بن رَباح عن أبي قتادة أن النبي - ﷺ - قال: «إن يُطِع القومُ أبا بكر وعمر يَرشُدوا». [١٨١/أ] وهو في حديث الميضأة الطويل، فجعل الرشد معلّقًا\n_________\n(^١) رقم (١٧١٤٢).\n(^٢) «بن سارية» ليست في ك.\n(^٣) رقم (٣٧٩٩). وكذلك رواه أحمد (٢٣٢٧٦، ٢٣٤١٩). ورواه بدون واسطة مولى رِبعي: أحمد (٢٣٢٤٥) والترمذي (٣٦٦٢) وابن ماجه (٩٧) والحاكم (٣/ ٧٥) والبيهقي (٨/ ١٥٣). وله شواهد، انظر: «البدر المنير» (٩/ ٥٧٨) و«التلخيص الحبير» (٤/ ٤٦٠). والحديث ضعفه البزار كما في «التلخيص الحبير» وابن حزم في «الإحكام» (٢/ ٢٥٠)، وحسنه العقيلي (٥/ ٣٠٨) وابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٣١٢) والذهبي في «التاريخ» (٣/ ٢٥٧)، وصححه ابن حبان والحاكم وابن العربي في «العواصم» (ص ٢٥٢)، والحديث حسن إن شاء الله.\n(^٤) رقم (٦٨١).","vol":"4","page":610},{"text":"بطاعتهم (^١)، فلو أفتَوا بالخطأ في حكمٍ وأصابه مَن بعدهم لكان الرشد في خلافهما (^٢).\nالوجه السادس والعشرون: أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر وعمر في شأن تأمير القَعْقاع بن حكيم (^٣) والأقرع بن حابس: «لو اتفقتما على شيء لم أخالِفْكما» (^٤). فهذا رسول الله - ﷺ - يخبر أنه لا يخالفهما لو اتفقا، ومن يقول قولهما ليس بحجة يجوِّز مخالفتهما، وبعض غُلاتهم يقول: لا يجوز الأخذُ بقولهما ويجب الأخذ بقول إمامنا الذي قلَّدناه، وذلك موجود في كتبهم.\nالوجه السابع والعشرون: أن النبي - ﷺ - نظر إلى أبي بكر وعمر فقال: «هذان السمع والبصر» (^٥). أي هما منّي بمنزلة السمع والبصر، أو هما من\n_________\n(^١) في المطبوع: «بطاعتهما» خلاف النسخ.\n(^٢) ك، ب: «خلافها».\n(^٣) كذا عند المؤلف، والصواب القعقاع بن معبد كما في البخاري، وسيأتي. أما القعقاع بن حكيم فليس صحابيًا، بل هو من ثقات التابعين من رجال مسلم، مترجم في «تهذيب التهذيب» (٨/ ٣٨٣).\n(^٤) ذكره بهذا اللفظ شيخ الإسلام في «منهاج السنة» (٦/ ١٢٩، ٨/ ٢٩٥) و«جامع الرسائل» (١/ ٢٦٧). وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١٧٩٩٤) من حديث عبد الرحمن بن غَنْم أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورةٍ ما خالفتكما». وفي إسناده شهر بن حوشب ضعيف. وعبد الرحمن بن غنم له صحبة. أما الخلاف بين أبي بكر وعمر بشأن تأمير القعقاع أو الأقرع، فقد رواه البخاري (٤٣٦٧، ٤٨٤٧)، وليس عنده قول النبي - ﷺ -.\n(^٥) رواه أحمد في «الفضائل» (٦٨٦) والترمذي (٣٦٧١) والحاكم (٣/ ٦٩) من طريق عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن حنطب، وهو مرسل، وله شواهد. وحسنه الذهبي في «تلخيص المستدرك»، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٨١٤).","vol":"4","page":611},{"text":"الدين بمنزلة السمع والبصر، ومن المحال أن يُحرَم سمعُ الدين وبصرُه الصوابَ ويَظْفَر به من بعدهما.\nالوجه الثامن والعشرون: ما رواه أبو داود وابن ماجه (^١) من حديث ابن إسحاق عن مكحول عن غُضَيف بن الحارث عن أبي ذر قال (^٢): مرَّ فتًى على عمر - ﵁ -، فقال عمر: نعم الفتى، قال: فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى استغفِرْ لي، فقال: يا أبا ذر، أَستغفر لك وأنت صاحب رسول الله - ﷺ -؟ قال: استغفِرْ لي، قال: لا أو تُخبرنَّ (^٣)، قال: إنك مررتَ على عمر فقال: نعم الفتى، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله جعلَ الحقَّ على لسانِ عمر وقلبِه». ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألةٍ أفتى بها مَن جعلَ الله الحقَّ على لسانِه وقلبِه حظَّه (^٤)، ولا ينكره عليه أحد من الصحابة، ويكون الصوابُ فيها حظَّ مَن بعده، هذا من أبينِ المحال.\n_________\n(^١) عند أبي داود (٢٩٦٢) وابن ماجه (١٠٨) الجزء المرفوع بهذا الإسناد دون القصة. ورواه أحمد (٢١٤٥٧، ٢١٥٤٢) والحاكم (٣/ ٨٦ - ٨٧) والبيهقي في «المدخل» (٦٦) بهذا الإسناد مع القصة. وصححه الترمذي والحاكم وابن تيمية في «منهاج السنة» (٦/ ٦٣).\n(^٢) كذا في النسخ: «عن أبي ذر قال»، فيوهم أن «مرَّ فتى ...» قولُه، والواقع أنه قول غُضَيف، وهو الفتى المذكور كما في مصادر التخريج. والمؤلف روى القصة بالمعنى.\n(^٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «تخبرني».\n(^٤) «حظَّه» خبر «يكون».","vol":"4","page":612},{"text":"الوجه التاسع والعشرون: ما رواه مسلم في «صحيحه» (^١) من حديث عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «قد كان فيمن خَلا من الأمم أناسٌ مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فهو عمر». وهو في «المسند» والترمذي (^٢) وغيرهما من حديث أبي هريرة.\nوالمحدَّث: هو المكلَّم الذي يُلقي الله في رُوْعِه الصوابَ يحدِّثه به المَلَك عن الله، ومن المحال أن يختلف هذا ومَن بعده في مسألة ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه؛ فإن ذلك يستلزم أن يكون ذلك الغير هو المحدَّث بالنسبة إلى هذا الحكم دون أمير المؤمنين، وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق: إما على لسان عمر، وإما على لسان غيره منهم، وإنما المحال أن يفتي أمير المؤمنين المحدَّث بفتوى أو يحكم بحكم ولا يقول أحد من الصحابة غيره ويكون خطأ، ثم يوفَّق له مَن بعدهم فيصيب الحق ويخطئه الصحابة.\nالوجه الثلاثون: ما رواه الترمذي من حديث بكر بن عمرو عن مِشْرَح بن هَاعان عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمر» (^٣). وفي لفظ: «لو لم أُبعَثْ فيكم لبُعِثَ فيكم\n_________\n(^١) رقم (٢٣٩٨). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٤٢٨٥) والترمذي (٣٦٩٣).\n(^٢) «المسند» (٨٤٦٨). وهو عند الترمذي (٣٦٩٣) من حديث عائشة - ﵂ - كما سبق. وأخرجه البخاري (٣٦٨٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وهو حديث واحد وقع الخلاف فيه من بعض الرواة. انظر: «فتح الباري» (٧/ ٥٠) و«العلل» للدارقطني (١٤/ ٣١١، ٣١٢).\n(^٣) رواه أحمد (١٧٤٠٥) والترمذي (٣٦٨٦) والطبراني (١٧/ ٢٩٨) والحاكم (٣/ ٨٥) وهذا إسناد حسن من أجل مشرح، وصححه الحاكم وابن تيمية في «منهاج السنة» (٦/ ٦٨)، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٣٢٧).","vol":"4","page":613},{"text":"عمر» (^١). قال الترمذي: حديث حسن. ومن المحال أن يختلف مَن هذا شأنه ومن بعده من (^٢) [١٨١/ب] المتأخرين في حكم من أحكام الدين ويكون حظُّ عمر منه الخطأَ وحظُّ ذلك المتأخر منه الصوابَ.\nالوجه الحادي والثلاثون: ما روى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن عليًّا - ﵁ - قال: ما كنَّا نُبعِد أن السكينة تَنْطِق على لسان عمر (^٣). ومن المحال أن يكون مَن بعده مِن المتأخرين أسعدَ بالصواب منه في أحكام الله ﷿. ورواه عمرو بن ميمون وزِرّ (^٤) عن علي.\n_________\n(^١) رواه ابن عدي (٤/ ١٥١١) وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ٣٢٠) وابن عساكر (٤٤/ ١١٤). وفي إسناده عبد الله بن واقد، وهومتروك، وضعفه ابن عدي وابن الجوزي وابن عساكر.\n(^٢) «من» ليست في ز.\n(^٣) رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على «فضائل الصحابة» (٣١٠، ٤٧٠) وابن أبي شيبة (٣٢٦٣٧) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٣٢٨) بهذا الإسناد، وصححه ابن تيمية في «منهاج السنة» (٦/ ٥٧)، وحسَّنه الهيثمي (٩/ ٧٠) والشوكاني في «در السحابة» (١٠١).\n(^٤) في النسخ المخطوطة والمطبوعة: «عن زر»، وهو خطأ، والصواب: «وزِرّ»، فكلٌّ منهما يروي هذا عن علي، ورواية عمرو عن علي أخرجها الطبراني في «المعجم الأوسط» (٥٥٤٩) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ٣٦٩، ٣٧٠). قال البيهقي بعد روايته: «تابعه زرّ بن حبيش والشعبي عن علي». ورواية زرّ عن علي أخرجها عبد الرزاق في «المصنّف» (٢٠٣٨٠) وعبد الله بن أحمد في زيادات «فضائل الصحابة» (٥٢٢).","vol":"4","page":614},{"text":"الوجه الثاني والثلاثون: ما رواه واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: ما رأيتُ عمر إلا وكأنَّ بين عينيه ملَكًا يسدِّده (^١). ومعلوم قطعًا أن هذا أولى بالصواب ممن ليس بهذه المثابة.\nالوجه الثالث والثلاثون: ما رواه الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: والله لو أنّ علْمَ عمر وُضِع في كِفَّة ميزانٍ وجُعِل علم أهل الأرض في كِفَّةٍ لرجَحَ علمُ عمر. فذكرتُ ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: قال عبد الله: والله إني لأحسبُ عمر ذهبَ بتسعة أعشارِ العلم (^٢). ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شيء من الأشياء.\nالوجه الرابع والثلاثون: ما رواه ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن شيء وكان في القرآن أو السنة قال به، وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه (^٣). فهذا ابن عباس ــ واتباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف، حتى يخالف لِما قام عنده من الدليل أكابرَ الصحابة ــ يجعل قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول الله ورسوله، ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة.\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في «تثبيت الإمامة» (٨٨) والطبراني (٨٨٣٢) والبيهقي في «المدخل» (٦٩)، وإسناده صحيح، صححه ابن تيمية في «منهاج السنة» (٦/ ٥٧).\n(^٢) تقدم تخريجه (٣/ ١٥٩).\n(^٣) رواه الدارمي (١٦٨) وابن أبي شيبة (٢٣٤٤٨) والحاكم (١/ ١٢٧) والبيهقي (١٠/ ١١٥) من طريق ابن عيينة به، وإسناده صحيح.","vol":"4","page":615},{"text":"الوجه الخامس والثلاثون: ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رضيتُ لأمتي ما رضيَ لها ابنُ أم عبدٍ» (^١). كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زائدة عن منصور، والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي - ﷺ - مرسلًا (^٢). ولكن قد روى جعفر بن عون عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حُريث عن أبيه قال: قال النبي - ﷺ - لعبد الله بن مسعود: «اقْرَأْ» (^٣) قال: أَقرأُ وعليك أُنزِل؟ قال: «إني أحِبُّ أن أَسمعه من غيري»، فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فاضَتْ عينَا رسولِ الله - ﷺ - وكفَّ عبد الله، فقال (^٤) رسول الله - ﷺ -: «تكلَّم» (^٥) فحمد الله في أول كلامه، وأثنى على الله، وصلَّى على النبي - ﷺ -، وشهد شهادة الحق، وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، ورضيتُ لكم ما رضي [الله ورسوله. فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٣/ ٣١٧، ٣١٨) بهذا الإسناد. وهو معلول، وسيأتي كلام المؤلف عليه.\n(^٢) رواه هكذا أحمد في «فضائل الصحابة» (١٥٣٦) وابن أبي شيبة (٣٢٨٩٦) والطبراني في «الكبير» (٨٤٥٨) والحاكم (٣/ ٣١٨)، ورواه البزار (٥/ ٣٥٤) والطبراني في «الأوسط» (٦٨٧٥) من طريق عمرو بن أبي قيس عن منصور بن المعتمر عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود مرفوعًا. ولكن البزار رجّح الإرسال، وكذا البيهقي في «المدخل» (١/ ٩٩).\n(^٣) بعدها في المطبوع: «عليّ». وليست في النسخ و«المستدرك».\n(^٤) كذا في النسخ و«المستدرك». وفي المطبوع: «فقام».\n(^٥) في النسخ: «وتكلم»، والصواب أنه صيغة أمر بحذف الواو كما في «المستدرك».","vol":"4","page":616},{"text":"«رضيتُ لكم ما رضي] (^١)\nلكم ابن أم عبد» (^٢).\nومن قال: «ليس قوله بحجة، وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف له» لم يرضَ للأمة ما رضِيَه له (^٣) ابنُ أم عبد ولا ما رضِيَه رسول الله - ﷺ -.\nالوجه السادس والثلاثون: ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مُضرِّب قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة: «قد بعثتُ إليكم [١٨٢/أ] عمار بن ياسر أميرًا، وابن مسعود معلِّمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد - ﷺ - من أهل بدر، فاقتدُوا بهما، واسمعوا قولهما، وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي» (^٤).\nفهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود ويسمعوا قولهما، ومن لم يجعل قولهما حجةً يقول: لا يجب الاقتداء بهما ولا سماعُ أقوالهما إلا فيما أجمعتْ عليه الأمة، ومعلومٌ أن ذلك لا اختصاصَ لهما به، بل لا فرقَ فيه بينهما وبين غيرهما من سائر الأمة.\nالوجه السابع والثلاثون: ما قاله عُبادة بن الصامت وغيره: بايعنا رسول الله - ﷺ - على أن نقولَ بالحق حيث كنّا، ولا نخافَ في الله لومة لائم (^٥).\n_________\n(^١) زيادة من «المستدرك» ليستقيم السياق، وليست في النسخ المخطوطة والمطبوعة ..\n(^٢) رواه الحاكم (٣/ ٣١٩) بهذا الطريق وصححه، والمسعودي ضعيف، وأوله في «الصحيحين» انظر: البخاري (٤٥٨٢، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥) ومسلم (٨٠٠).\n(^٣) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «لهم».\n(^٤) رواه الحاكم (٣/ ٣٨٨) من طريق سفيان عن أبي إسحاق به، وصححه الحاكم وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٦٧٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧١٩٩، ٧٢٠٠) ومسلم (١٧٠٩).","vol":"4","page":617},{"text":"ونحن نشهد بالله أنهم وَفَوا بهذه البيعة، وقالوا بالحق، وصَدَعوا به، ولم تأخذهم فيه لومةُ لائم، ولم يكتموا شيئًا منه مخافةَ سوطٍ ولا عصًا ولا أميرٍ ولا والٍ، كما هو معلوم لمن تأمَّله من هَدْيهم وسيرتهم، فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة (^١)، وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة (^٢)، وأنكر ابن عمر على الحجّاج مع سطوته وبأسه (^٣)، وأنكر على عمرو بن سعيد وهو أمير على المدينة (^٤). وهذا كثير جدًّا من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل، لم يخافوا سَوطهم ولا عقوبتهم، ومَن بعدهم لم تكن لهم هذه المنزلة، بل كانوا يتركون كثيرًا من الحقّ خوفًا من ولاة الظلم وأمراء الجور، فمن المحال أن يوفَّق هؤلاء للصواب ويُحرَمه أصحاب رسول الله - ﷺ -.\nالوجه الثامن والثلاثون: ما ثبت في «الصحيح» (^٥) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - رقِيَ المنبر فقال: «إنّ عبدًا خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله». فبكى أبو بكر وقال: بل نَفْدِيك بآبائنا\n_________\n(^١) كما رواه البخاري (٩٥٦) ومسلم (٨٨٩) عن أبي سعيد وهو الخدري.\n(^٢) كما رواه مسلم (١٥٨٧).\n(^٣) أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (١٢/ ٢٢٦) والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٣٣٩) بإسناد صحيح. وأخرج ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٨٤) القصة التي فيها إنكاره على الحجاج وهو يخطب، وإسناده حسن. وانظر «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٢٣٠).\n(^٤) الذي أنكر على عمرو بن سعيد هو أبو شُريح، كما أخرجه البخاري (١٠٤) ومسلم (١٣٥٤).\n(^٥) البخاري (٤٦٦، ٣٦٥٤) ومسلم (٢٣٨٢).","vol":"4","page":618},{"text":"وأمهاتنا. فعجبنا لبكائه أن يخبر النبي - ﷺ - عن رجلٍ خُيِّر فكان المخيَّر رسول الله - ﷺ -. وكان أبو بكر أعلَمَنا به، فقال النبي - ﷺ -: «إن أمنَّ الناس علينا في صحبته وذاتِ يده أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكنْ أخوَّة الإسلام ومودَّتُه، لا يبقى في المسجد بابٌ إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر».\nومن المعلوم أن فوتَ الصواب في الفتوى لِأعلمِ الأمة برسول الله - ﷺ - ولجميع الصحابة معه وظَفَرَ فلانٍ وفلان من المتأخرين به من أمحل المحال، ومن لم يجعل قوله حجةً يجوِّز ذلك، بل يحكم بوقوعه، والله المستعان.\nالوجه التاسع والثلاثون: ما رواه زائدة عن عاصم عن زِرٍّ عن عبد الله قال: لما قُبِض رسول الله - ﷺ - قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر، فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله - ﷺ - أمر أبا بكر أن يؤمَّ الناس؟ قالوا: بلى، قال: فأيُّكم تَطِيْب نفسُه أن يتقدَّم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدَّم أبا بكر (^١).\nونحن نقول لجميع المفتين: أيُّكم تَطيب نفسُه أن يتقدَّم أبا بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلَّدتموه بغيرها؟ ولا سيما من قال [١٨٢/ب] من زعمائكم: إنه يجب تقليد من قلَّدناه دينَنا، ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق - ﵁ -.\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٣٣، ٣٧٦٥، ٣٨٤٢) والنسائي (٧٧٧) والحاكم (٣/ ٦٧) والبيهقي (٨/ ١٥٢)، وإسناده حسن من أجل عاصم، وصحّحه ابن المديني كما في «مسند الفاروق» (٢/ ٥٣١)، وحسَّنه الذهبي في «تهذيب السنن الكبرى» (٦/ ٣٢٥٣) والحافظ في «الفتح» (١٢/ ١٥٩).","vol":"4","page":619},{"text":"اللهم إنا نُشهِدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك، ونعوذ بك أن نَطيبَ (^١) به نفسًا.\nالوجه الأربعون: ما ثبت في «الصحيح» (^٢) من حديث الزهري عن حمزة بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله - ﷺ - قال: «بينا أنا نائم إذْ أُتِيتُ بقَدَحِ لبنٍ، فقيل لي: اشربْ، فشربتُ منه، حتى إني لأرى الرِّيَّ يجري في أظفاري، ثم أعطيتُ فَضْلي عمر»، قالوا: فما أوَّلتَ ذلك؟ قال: «العلم».\nومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فُتيا أو حكمٍ لا يُعلَم أن أحدًا من الصحابة خالفه فيه، وقد شهد له رسول الله - ﷺ - بهذه الشهادة.\nالوجه الحادي والأربعون: ما ثبت في «الصحيح» (^٣) من حديث عبيد الله (^٤) بن أبي يزيد عن ابن عباس - ﵁ - أنه وَضع للنبي - ﷺ - وضوءًا، فقال: «مَن وَضع هذا؟» قالوا: ابن عباس، فقال: «اللهم فقِّهه في الدين». وقال عكرمة (^٥): ضمَّني إليه رسول الله - ﷺ - فقال: «اللّهمَّ علِّمه الحكمةَ».\nومن المستبعد جدًّا بل الممتنع أن يفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله - ﷺ - بدعوة مستجابة قطعًا أن يفقِّهه في الدين ويعلِّمه الحكمة ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على خطأ، ويفتي واحدٌ من المتأخرين بعده بخلاف فتواه ويكون الصواب معه، فيظفر به هو\n_________\n(^١) في المطبوع: «تطيب».\n(^٢) البخاري (٨٢، ٣٦٨١) ومسلم (٢٣٩١).\n(^٣) البخاري (١٤٣) ومسلم (٢٤٧٧).\n(^٤) في المطبوع: «عبد الله»، خطأ.\n(^٥) أي: عن ابن عباس. وقد أخرجه البخاري (٣٧٥٦، ٧٢٧٠).","vol":"4","page":620},{"text":"ومقلِّدوه، ويُحْرَمه ابن عباس والصحابة.\nالوجه الثاني والأربعون: أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديثٌ عن النبي - ﷺ - ولا اختلافٌ بين الصحابة، وإنما قال بعضهم فيها قولًا وأفتى بفُتيا، ولم يُعلَم أن قوله وفتياه اشتهر في الباقين ولا أنهم خالفوه، وحينئذٍ فنقول: من تأمَّل المسائل الفقهية والحوادث الفروعية، وتدرَّب بمسالكها، وتصرَّف في مداركها، وسلك سُبُلَها ذُلُلًا، وارتوى من مَوْرِدها عَلَلًا ونَهَلًا= عَلِم قطعًا أن كثيرًا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يُوثَق (^١) فيها بظاهر مراد، أو قياسٍ صحيح ينشرح له الصدر ويثلَج له الفؤاد، بل تتعارض فيها الظواهر والأقيسة على وجهٍ يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظنّ رجحانٌ بيِّن، لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول وأوفرِها، فإذا تلدَّدوا وتوقَّفوا، ولم يتقدَّموا ولم يتأخّروا= لم يكن ذلك وفي المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة؛ فإذا وُجِد فيها قولٌ لأصحاب رسول الله - ﷺ - والذين هم سادات الأمة وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، ونسبةُ مَن بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين= كان (^٢) الظنُّ ــ والحالة هذه ــ بأن الصواب في جهتهم والحقُّ في جانبهم من أقوى الظنون، وهو أقوى من الظنّ المستفاد من كثير من الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقل منصف، وكان الرأي الذي [١٨٣/أ] يوافق رأيَهم هو الرأي السَّداد الذي لا رأيَ سواه.\n_________\n(^١) ز: «لا يوفق».\n(^٢) جواب «فإذا وُجِد ...».","vol":"4","page":621},{"text":"وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظنٌّ راجح، ولو استند إلى استصحابٍ أو قياس علةٍ أو دلالةٍ أو شَبَهٍ أو عمومٍ مخصوص أو محفوظٍ مطلق أو واردٍ على سبب؛ فلا شك أن الظنَّ الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يُخالَف أرجحُ من كثير من الظنون المستندة إلى هذه الأمور أو أكثرها، وحصولُ الظن الغالب في القلب ضروريٌّ لحصول (^١) الأمور الوجدانية، ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك.\nالوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولًا أو حكم بحكمٍ أو أفتى بفُتيا فله مداركُ ينفرد بها عنّا، ومداركُ نشاركه فيها، فأما ما يختصّ به فيجوز أن يكون سمعه من النبي - ﷺ - شِفاهًا أو من صحابي آخر عن رسول الله - ﷺ -، فإن ما انفردوا به من العلم عنّا أكثرُ من أن يُحاط به، فلم يروِ كلٌّ منهم كلَّ ما سمع، وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة إلى ما رووه؟ فلم يروِ عنه صدِّيق الأمة مائةَ حديث، وهو لم يغِبْ عن النبي - ﷺ - في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بُعِث بل قبل المبعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به - ﷺ - وبقوله وفعله وهَدْيه وسيرته. وكذلك جِلَّة الصحابة روايتُهم قليلة جدًّا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه، ولو رووا كلَّ ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافًا مضاعفًا (^٢)، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير. فقول القائل «لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي - ﷺ - لذكره» قولُ من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) في المطبوع: «كحصول» خلاف النسخ.\n(^٢) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «مضاعفة».","vol":"4","page":622},{"text":"ويعظِّمونها ويُقِلُّونها خوفَ الزيادة والنقص، ويحدِّثون بالشيء سمعوه من النبي - ﷺ - مرارًا، ولا يصرِّحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول الله - ﷺ -.\nفتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج (^١) عن ستة أوجه:\nأحدها: أن يكون سمعها من النبي - ﷺ -.\nالثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه.\nالثالث: أن يكون فهِمَها من آية من كتاب الله فهمًا خفي علينا.\nالرابع: أن يكون قد اتفق عليها مَلَؤهم، ولم يُنقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.\nالخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنّا، أو لقرائنَ حالية اقترنتْ بالخطاب، أو لمجموع أمورٍ فهموها على طول الزمان: من رؤية النبي - ﷺ - ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته، وسماع كلامه، والعلم بمقاصده، وشهود تنزيل الوحي، ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فَهِمَ ما لا نفهمه نحن. وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.\nالسادس: أن يكون فهِمَ ما لم يُرِدْه الرسول - ﷺ -، وأخطأ في فهمه، والمراد غيرُ ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة. [١٨٣/ب] ومعلومٌ قطعًا أن وقوع احتمالٍ من خمسةٍ أغلبُ على الظن من وقوع احتمال واحد معين، هذا ما لا يشك فيه عاقل، وذلك يفيد ظنًّا غالبًا قويًّا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوالِ مَن بعده، وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعيِّن، ويكفي العارفَ هذا الوجهُ.\n_________\n(^١) «تخرج» ساقطة من ك.","vol":"4","page":623},{"text":"فصل\nهذا فيما انفردوا به عنّا، وأما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريبَ أنهم كانوا أبرَّ قلوبًا، وأعمقَ علمًا، وأقلَّ تكلُّفًا، وأقربَ إلى أن يوفَّقوا فيها لما لم نوفَّق له نحن؛ لِما خصَّهم الله به من توقُّد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلة المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الربّ؛ فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فِطَرهم وعقولهم، ولا حاجةَ بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد أُغْنُوا (^١) عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران: أحدهما: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعدُ الناس بهاتين المقدّمتين، وأحظَى الأمةِ بها (^٢)، فقواهم متوفرة مجتمعة عليها (^٣).\nوأما المتأخرون فقُواهم متفرقة، وهِمَمُهم متشعبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قُوى أذهانهم شعبةً، والأصول وقواعدها قد أخذت (^٤) منها شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنِّفيهم وشيوخهم على اختلافه (^٥) وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى\n_________\n(^١) كذا في النسخ وهو صواب. وفي المطبوع: «غنوا».\n(^٢) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «بهما».\n(^٣) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «عليهما».\n(^٤) ز: «أخذ».\n(^٥) كذا في النسخ، والضمير يرجع للكلام. وفي المطبوع: «اختلافهم».","vol":"4","page":624},{"text":"غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية ــ إن كان لهم هِمَمٌ وتُسافر (^١) إليها ــ وصلوا إليها بقلوب وأذهانٍ قد كلَّتْ من السير في غيرها، وأوهنَ قُواها مواصلةُ السُّرَى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب تلك القوة.\nوهذا أمرٌ يحسُّ به الناظر في مسألة إذا استعمل قُوى ذهنه في غيرها، ثم صار إليها، وافاها بذهنٍ كالٍّ وقوةٍ ضعيفة، وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة تَضعُف قوتُه عند العمل المشروع، كمن استفرغ قوته في السماع الشيطاني، فإذا جاء قيام الليل قام إلى وِرْده بقوة كالَّةٍ وعزيمة باردة، وكذلك من صرفَ قوى حبِّه وإرادته إلى الصور أو المال أو الجاه، فإذا طالبَ قلْبَه بمحبة الله فإن انجذب (^٢) معه انجذب بقوة ضعيفة قد استفرغها في محبة غيره، فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس، فإذا جاء إلى كلام الله ورسوله جاء بفكرة كالَّةٍ، فأعطى بحسب ذلك.\nوالمقصود أن الصحابة أغناهم الله سبحانه عن ذلك كلِّه، فاجتمعت قواهم على تَينِكَ المقدمتين فقط، هذا إلى ما خُصُّوا به من قوى الأذهان وصفائها [١٨٤/أ] وصحتها، وسرعة إدراكها وكماله، وكثرة المعاون، وقلة المعاوق (^٣)، وقرب العهد بنور النبوة، والتلقّي من تلك المشكاة النبوية، فإذا كان هذا حالَنا وحالَهم فيما تميَّزوا به علينا وما شاركناهم فيه، فكيف نكون\n_________\n(^١) الواو ليست في ك.\n(^٢) ك: «اتخذت» في الموضعين.\n(^٣) كذا في النسخ. ولم أجد الفعل «عاوقَ» في المعاجم، وإنما يُستعمل ثلاثيًّا (عاقَ) أو رباعيًّا (عوَّق)، واسم الفاعل منه: عائق ومعوِّق.","vol":"4","page":625},{"text":"نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلَّدناه أسعدَ بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟ ومن حدَّث نفسَه بهذا فلْيُعْرِها (^١) من العلم والدين، والله المستعان.\nالوجه الرابع والأربعون: أن النبي - ﷺ - قال: «لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق» (^٢). وقال علي - ﵁ -: لن تخلو الأرض من قائمٍ لله بحُججه لكي لا تَبطُلَ حجج الله وبيناته (^٣). فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم، ولا يكون في العصر ناطقٌ بالصواب في ذلك الحكم، لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم؛ لأنهم بين ساكتٍ ومخطئ، ولم يكن في الأرض قائمٌ لله بحججه في ذلك الأمر، ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر، حتى نبغتْ نابغةٌ فقامت بالحجة وأمرتْ بالمعروف ونهتْ عن المنكر، وهذا خلاف ما دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع.\nالوجه الخامس والأربعون: أنهم إذا قالوا قولًا أو بعضهم ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتدئًا لذلك القول ومبتدعًا له، وقد قال النبي - ﷺ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (^٤). وقولُ من جاء بعدهم يخالفهم من محدثات الأمور، فلا يجوز اتباعهم.\n_________\n(^١) ك: «فليعزها». والمعنى: فلينزعْ عنها العلم والدين.\n(^٢) رواه مسلم (١٩٢٠) من حديث ثوبان. وروي عن غيره من الصحابة، انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٧٠، ١١٠٨، ١٩٥٦).\n(^٣) هذا جزء من وصيته لكُميل بن زياد، وقد تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":626},{"text":"وقال عبد الله بن مسعود: اتَّبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفِيتم، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (^١).\nوقال أيضًا: إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتَّبع ولا نبتدع، ولن نَضِلَّ ما تمسَّكنا بالأثر (^٢).\nوقال أيضًا: إياكم والتبدُّع، وإياكم والتنطُّع، وإياكم والتعمُّق، وعليكم بالعتيق (^٣).\nوقال أيضًا: أنا لغير الدجّال أخوفُ عليكم من الدجّال، أمور تكون من كبرائكم، فأيُّما مُرَيَّةٍ أو رُجَيْلٍ أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول، فالسمت الأول، فإنّا اليومَ على السنة (^٤).\nوقال أيضًا: إياكم والمحدثاتِ؛ فإن شرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة\n_________\n(^١) رواه وكيع في «الزهد» (٣١٥) وأحمد في «الزهد» (١٦٢) والدارمي (٢١١) وأبو خيثمة في «العلم» (٥٤)، وإسناده صحيح، صححه الألباني.\n(^٢) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٣٨١) واللالكائي في «السنة» (١٠٥، ١٠٦) من طريقين يقوّي أحدهما الآخر.\n(^٣) رواه عبد الرزاق (٢٠٤٦٥) والدارمي (١٤٥) والطبراني (٨٨٤٥) والبيهقي في «المدخل» (٣٨٧) من طريق أبي قلابة عن ابن مسعود، وهو منقطع بين أبي قلابة وابن مسعود، وله شاهد موصول عند البيهقي في «المدخل» (٣٨٨)، وإسناده صحيح.\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة (٣٧١٥٩) والدارمي (٢١٩) من طريق واصل، عن امرأة يقال لها: عائذة، وعائذة مجهولة، ولكن صح عنه بلفظ: «إنكم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول»، أخرجه المروزي في «السنة» (٨٠) وغيره بإسناد صحيح.","vol":"4","page":627},{"text":"ضلالة (^١).\nوقال أيضًا: اتَّبعْ ولا تبتدعْ، فإنك لن تَضِلَّ ما أخذتَ بالأثر (^٢).\nوقال ابن عباس: كان يقال: عليك بالاستقامة والأثر، وإيّاك والتبدُّع (^٣).\nوقال شُريح: إنما أَقتفي الأثر، فما وجدتُ قد سبقَنا إليه غيرُكم حدَّثتُكم به (^٤).\nوقال إبراهيم النخعي: لو بلغني عنهم ــ يعني الصحابة ــ أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظُفْرًا ما جاوزتُه به، وكفى على قومٍ وزْرًا أن تخالف أعمالُهم أعمالَ أصحاب نبيهم (^٥).\nوقال عمر بن عبد العزيز: إنه لم يبتدع الناسُ بدعةً إلا وقد مضى فيها ما هو دليل وعبرةٌ منها، والسنة ما استنَّها إلا من عَلِم ما في خلافها من الخطأ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٢٧٧) الفقرة الثانية منه موقوفًا. ورواه مطولًا عبد الرزاق (٢٠٠٧٦، ٢٠١٩٨) والبزار (٢٠٥١، ٢٠٥٥، ٢٠٥٦) والطبراني (٨٥١٨، ٨٥٢١، ٨٥٢٣) وغيرهم.\n(^٢) لم أجده بهذا اللفظ عنه، وتقدم ما يقاربه. وأخرجه الدارمي (٢٠٤) عن شُريح بهذا اللفظ.\n(^٣) رواه الدارمي (١٤١) وابن وضاح في «البدع» (٦١) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٧٣) من طريق زمعة بن صالح عن عثمان بن حاضر الأزدي، وزمعة ضعيف، وله شاهد من طريق أبي حذيفة عن سفيان عند المروزي في «السنة» (٨٣)، وأبو حذيفة ضعيف أيضًا. ويقوي أحدهما الآخر.\n(^٤) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (١٤٥٥)، وإسناده صحيح.\n(^٥) رواه الدارمي (٢٢٤) بنحوه. وفيه «إزراءً» بدل «وزرًا».","vol":"4","page":628},{"text":"والزلل والحُمْق والتعمُّق، فارضَ لنفسك ما رضي القوم (^١).\nوقال أيضًا: قِفْ حيثُ وقف القوم، وقُلْ [١٨٤/ب] كما قالوا، واسكتْ عما (^٢) سكتوا؛ فإنهم عن علمٍ وَقَفوا، وببصرٍ نافذٍ (^٣) كَفُّوا، وهم على كشفِها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدثَ بعدهم فما أحدثه إلا من سلكَ غيرَ سبيلهم ورغِبَ بنفسه عنهم، وإنهم لهم السابقون، ولقد تكلَّموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مَقْصَر، ولا فوقهم مَحْسَر، ولقد قصَّر عنهم قوم فجَفَوا، وطمحَ آخرون عنهم فغَلَوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم (^٤).\nوقال أيضًا كلامًا كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة يستحسنونه ويحدِّثون به دائمًا، قال: سنَّ رسول الله - ﷺ - ووُلاةُ الأمر بعده سُننًا الأخذُ بها تصديقٌ لكتاب الله، واستكمالٌ لطاعته، وقوةٌ على دينه، ليس لأحدٍ تغييرُها ولا تبديلُها ولا النظر في رأيِ من خالفها، فمن اقتدى بما سنُّوا اهتدى، ومن استنصر بها منصورٌ، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولَّى وأَصْلاه جهنَّمَ وساءتْ مصيرًا (^٥).\n_________\n(^١) رواه أحمد في «الزهد» (١٧٠٩) وأبو داود (٤٦١٢) وابن وضاح في «البدع» (٧٤) والفريابي في «القدر» (٤٤٦)، وإسناده صحيح.\n(^٢) ك: «كما». والمثبت من ز موافق لما في «تنبيه الرجل».\n(^٣) في المطبوع: «ناقد»، تصحيف.\n(^٤) هو تتمة الأثر السابق، وهو كما هنا في «تنبيه الرجل» (ص ٥٤٩).\n(^٥) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (٧٦٦) والآجري في «الشريعة» (٩٢، ١٣٩، ٦٩٨) وابن بطة في «الإبانة» (٢٣٠، ٢٣١) واللالكائي (١٣٤) وغيرهم.","vol":"4","page":629},{"text":"ومن هنا أخذ الشافعي الاحتجاجَ بهذه الآية على أن الإجماع حجة (^١).\nوقال الشعبي: عليكَ بآثارِ مَن سلفَ وإن رفضَك الناس، وإيَّاك وآراءَ الرجال وإن زَخْرفوها لك بالقول (^٢).\nوقال أيضًا: ما حدَّثوك به عن أصحاب محمد - ﷺ - فخُذْه، وما حدَّثوك به عن رأيهم (^٣) فانبِذْه في الحُشِّ (^٤).\nقال الأوزاعي: اصبِرْ نفسَك على السنة، وقِفْ حيث وقفَ القوم، واسلُكْ سبيلَ سلَفِك الصالح، فإنه يَسَعُك ما وسِعَهم، وقُلْ بما قالوا، وكُفَّ عما كَفُّوا، ولو كان هذا خيرًا ما خُصِصْتم به دون أسلافكم؛ فإنهم لم يُدَّخَرْ عنهم خيرٌ خُبِئ لكم دونهم لفضلٍ عندكم، وهم أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين اختارهم له وبعثَه فيهم، ووصفهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ...﴾ الآية [الفتح: ٢٩] (^٥).\n_________\n(^١) كما في «أحكام القرآن» للشافعي (١/ ٣٩، ٤٠) و«قواطع الأدلة» (٣/ ٢٠٢).\n(^٢) رواه الآجري في «الشريعة» (١٢٧) والهروي في ذم الكلام (١٢٠) وابن عبد البر في «الجامع» (٢٠٧٧)، عن الأوزاعي، ولم أجده عن الشعبي إلا في «تنبيه الرجل» (ص ٥٥٠).\n(^٣) ك، ب: «رأي».\n(^٤) رواه عبد الرزاق (٢٠٤٧٦) وأبو نعيم (٤/ ٣١٩) وابن عبد البر في «الجامع» (١٤٣٨).\n(^٥) رواه الآجري في «الشريعة» (٢٩٤) واللالكائي (٣١٥) والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص ٧) وغيرهم.","vol":"4","page":630},{"text":"الوجه السادس والأربعون: أنه لم يزلْ أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله من فتاوى الصحابة وأقوالهم، ولا ينكره منكِرٌ، وتصانيف العلماء شاهدة بذلك، ومناظراتهم ناطقةٌ به.\nقال بعض علماء المالكية: أهل الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله، وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاتهم، ويمتنع ــ والحالة هذه ــ إطباقُ هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاجَ به ولا نَصَبَه دليلًا للأمة، فأيّ كتابٍ شئتَ من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدتَ فيه الاستدلال بأقوال الصحابة، ووجدتَ ذلك طِرازَها وزينتَها، ولم تجد فيها قطُّ ليس قول أبي بكر وعمر حجةً، ولا يُحتَجُّ بأقوال أصحاب رسول الله - ﷺ - وفتاويهم، ولا ما يدلُّ على ذلك.\nوكيف يَطِيب قلبُ عالمٍ يُقدِّم على أقوال من وافقَ ربَّه تعالى في غير حكمٍ، فقال وأفتى بحضرة الرسول، ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظًا ومعنى= قولَ متأخرٍ بعده ليس له هذه الرتبة ولا يُدانِيها؟ وكيف يظنُّ أحد أن الظنَّ [١٨٥/أ] المستفاد من آراء المتأخرين أرجحُ من الظنِّ المستفاد من فتاوى السابقين الأولين، الذين شاهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التأويل، وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم، وينزل على رسول الله - ﷺ - وهو بين أظهرهم؟ قال جابر: «والقرآن ينزل على رسول الله - ﷺ - وهو يعرف تأويلَه، فما عَمِلَ به من شيء عَمِلنا به» في حديث حجة الوداع (^١). فمستندُهم في معرفة مراد الربّ تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعلِ رسوله وهَدْيه الذي\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢١٨) ضمن حديث جابر الطويل.","vol":"4","page":631},{"text":"هو يفصِّل القرآن ويفسِّره، فكيف يكون أحد من الأمة بعدَهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء؟ هذا عينُ المحال.\nفإن قيل: فإذا كان هذا حكْمَ أقوالهم في أحكام الحوادث، فما تقولون في أقوالهم في تفسير القرآن؟ هل هي حجة يجب المصيرُ إليها؟\nقيل: لا ريبَ أن أقوالهم في التفسير أصوبُ من أقوال مَن بعدهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع، قال أبو عبد الله الحاكم في «مستدركه» (^١): وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع. ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولًا فلنا أن نقول لذلك القول: هذا قول رسول الله - ﷺ -، أو قال رسول الله - ﷺ -.\nوله وجه آخر، وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله - ﷺ - بيَّن لهم معانيَ القرآن وفسَّره لهم، كما وصفه الله سبحانه بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبيَّن لهم القرآن بيانًا شافيًا كافيًا. وكان إذا أشكل على أحدٍ منهم معنًى سأله عنه فأوضحه له، كما سأله الصدِّيق عن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فبيَّن له المراد (^٢)، وكما\n_________\n(^١) كذا نقله المؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٢٥) و«حادي الأرواح» (٢/ ٦٧٩) و«تحفة المودود» (ص ٢١). والذي في «المستدرك» (٢/ ٢٥٨): «ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديثٌ مسند». وانظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص ٥٩).\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":632},{"text":"سأله الصحابة عن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] فبيَّن لهم معناها (^١)، وكما سألتْه أمُّ سلمة عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فبيَّن لها أنه العرض (^٢)، وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على آية الصيف التي في آخر (^٣) السورة (^٤)، وهذا كثير جدًّا. فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارةً ينقلونه عنه بلفظه، وتارةً بمعناه، فيكون ما فسَّروهُ بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارةً بلفظها، وتارةً بمعناها. وهذا أحسنُ الوجهين، والله أعلم.\nفإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالًا في التفسير تُخالف الأحاديثَ المرفوعة الصحاح، وهذا كثير، كما فسَّر ابن مسعود الدخانَ بأنه الأثر الذي حصل عن الجوع الشديد والقحط (^٥)، وقد صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه دخانٌ يأتي قبلَ يوم القيامة يكون من أشراط الساعة مع الدابَّة والدجّال وطلوع الشمس من مغربها (^٦).\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) الذي في «الصحيحين» أن التي سألت هي عائشة لا أم سلمة، انظر: البخاري (١٠٣) ومسلم (٢٨٧٦).\n(^٣) ك، ب: «أول»، خطأ.\n(^٤) رواه مسلم (١٦١٧).\n(^٥) رواه البخاري (٤٧٧٤) ومسلم (٢٧٩٨).\n(^٦) ورد في هذا الباب عدة أحاديث، منها حديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم (٢٩٠١).","vol":"4","page":633},{"text":"وفسَّر عمر بن الخطاب قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] بأنها للبائنة والرجعية، حتى قال: لا نَدَعُ كتابَ ربِّنا لقول امرأة (^١)، مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا التفسير (^٢).\nوفسَّر علي بن أبي طالب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ [١٨٥/ب] أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أنها عامَّة في الحامل والحائل (^٣)، فقال: تعتدُّ أبعدَ الأجلين (^٤). والسنة الصحيحة بخلافه (^٥).\nوفسَّر ابن مسعود قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] بأن الصفة لنسائكم الأولى والثانية؛ فلا تحرُمُ أمُّ المرأة حتى يدخل بها (^٦). والصحيح خلاف قوله، وأن أمَّ المرأة تحرم بمجرد العقد على ابنتها، والصفة راجعة إلى قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، وهو قول جمهور الصحابة (^٧).\n_________\n(^١) كما رواه مسلم (١٤٨٠/ ٤٦).\n(^٢) كما في حديث فاطمة بنت قيس الذي رواه مسلم (١٤٨٠/ ٣٦).\n(^٣) أي المرأة التي لا تحمل.\n(^٤) رواه عبد الرزاق (١١٧١٤)، وسعيد بن منصور (١٥١٦)، وابن أبي شيبة (١٧٣٨٦) من طرق عن علي.\n(^٥) كما في حديث سُبيعة الأسلمية الذي رواه البخاري (٥٣١٩) ومسلم (١٤٨٤).\n(^٦) تقدم.\n(^٧) انظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٥٥٦).","vol":"4","page":634},{"text":"وفسَّر ابن عباس السِّجِلَّ بأنه كاتب النبي - ﷺ - يسمى السِّجِلّ (^١). وذلك وهم، وإنما السجلُّ الصحيفة المكتوبة، واللام مثلها في قوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وفي قول الشاعر:\nفخرَّ صريعًا لليدينِ وللفمِ (^٢)\n\nأي يَطوي السماءَ كما يُطوَى السجلُّ على ما فيه من الكتاب.\nوهذا كثيرٌ جدًّا، فكيف يكون تفسير الصحابي حجةً في حكم المرفوع؟\nقيل: الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه سواء، وصورة المسألة هنا كصورتها هناك سواء بسواء، وصورتها أن لا يكون في المسألة نصٌّ يخالفه، ويقول في الآية قولًا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة، سواء عُلِم اشتهارُه أو لم يُعلم، وما ذُكِر من هذه الأمثلة قد فُقِد فيه الأمران، وهو نظير ما رُوي عن بعضهم من الفتاوى التي تخالف النص وهم (^٣) مختلفون فيها سواء.\nفإن قيل: لو كان قوله حجةً بنفسه لما أخطأ، ولكان معصومًا؛ لتقوم\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٩٣٥) والنسائي في «الكبرى (١٠/ ١٨٧) والطبراني (١٢/ ١٧٠)، والبيهقي (١٠/ ١٢٦). وضعفه ابن جرير (١٧/ ١١٠) وابن تيمية في «الرد على السبكي» (١/ ٢٦٨، ٢٦٩)، ونقل ذلك عنه المصنف في «تهذيب السنن» (٢/ ٣٢٥) وابن كثير في «البداية والنهاية» (٨/ ٣٤٠). وأغرب ابن حجر فصححه في «الإصابة» (٤/ ٢٢٥).\n(^٢) هذا شطر بيت لجابر بن حُنَي التغلبي في «المفضليات» (ص ٢١٢) وبيت آخر لحرب بن مسعر في «الأشباه والنظائر» للخالديين (١/ ٦)، وبيت آخر اختُلف في قائله، انظر: «فصل المقال» لأبي عبيد البكري (ص ٣١٣).\n(^٣) ك، ب: «أوهم».","vol":"4","page":635},{"text":"الحجة بقوله، فإذا كان يفتي بالصواب تارةً وبغيره أخرى، وكذلك تفسيره، فمن أين لكم أن هذه الفتوى المعيّنة والتفسير المعيّن من قسم الصواب؟ إذ صورة المسألة أنه لم يَقُم على المسألة دليل غير قوله، وقوله منقسم، فما الدليل على أن هذا القول المعيَّن من أحد القسمين ولا بدَّ؟\nقيل: الأدلة المتقدمة تدلُّ على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة، وهو أنه من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويُمسِك الباقون عن الصواب فلا يتكلَّمون به، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلَّم فيها غيرهم بالصواب، والمحذور (^١) إنما هو خلوُّ عصرِهم عن ناطقٍ بالصواب واشتمالُه على ناطقٍ بغيرِه فقط؛ فهذا هو المحال. وبهذا خرج الجواب عن قولكم: لو كان قول الواحد منهم حجةً لما جاز عليه الخطأ، فإن قوله لم يكن بمجرده حجة، بل بما انضاف إليه مما تقدَّم ذكرُه من القرائن.\nفإن قيل: فبعض ما ذكرتم من الأدلّة يقتضي أن التابعي إذا قال قولًا ولم يخالفه صحابي ولا تابعي أن يكون قوله حجة.\nفالجواب: أن التابعين انتشروا انتشارًا لا ينضبط لكثرتهم، وانتشرت المسائل في عصرهم؛ فلا يكاد يغلب على الظنِّ عدمُ المخالف لما أفتى به الواحد منهم، فإن فُرِض ذلك فقد اختلف السلف في ذلك:\nفمنهم من يقول: يجب اتباع التابعي فيما أفتى به ولم يخالفه فيه صحابي ولا تابعي، وهذا قول بعض الحنابلة والشافعية. وقد صرَّح الشافعي\n_________\n(^١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «والمحظور».","vol":"4","page":636},{"text":"في موضع (^١) بأنه قاله تقليدًا لعطاء. وهذا من كمال علمه وفقهه - ﵁ -، فإنه لم يجد في المسألة غير قول عطاء، فكان قوله عنده أقوى ما وُجِد في المسألة. وقال في موضع آخر (^٢): وهذا يخرج على معنى قول عطاء.\nوالأكثرون يفرِّقون بين الصحابي والتابعي، ولا يخفى ما بينهما من الفروق. على أن في الاحتجاج بتفسير التابعي عن الإمام أحمد روايتين، ومن تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي.\nفإن قيل: فما تقولون في قوله إذا خالف القياس؟\nقيل: من يقول بأن قوله ليس بحجة فلهم قولان فيما إذا خالف القياس:\nأحدهما: أنه أولى أن لا يكون حجة؛ لأنه قد خالف حجة شرعية، وهو ليس بحجة في نفسه.\nوالثاني: أنه حجة في هذه الحال، ويُحمَل على أنه قاله توقيفًا، ويكون بمنزلة المرسَل الذي عمِلَ به مُرسِلُه.\nوأما من يقول إنه حجة فلهم أيضًا قولان:\nأحدهما: أنه حجة وإن خالف القياس، بل هو مقدَّم على القياس، والنصُّ مقدَّم عليه، فتُرتَّب الأدلة عندهم: القرآن، ثم السنة، ثم قول الصحابة، ثم القياس.\n_________\n(^١) انظر: «الأم» (٣/ ٣٤٨، ٣٨٤، ٤٢٥، ٤٦٨، ٤٧٣) بمعناه، وليس فيها لفظ التقليد.\n(^٢) المصدر نفسه (٣/ ٦٥٨، ٦٥٩).","vol":"4","page":637},{"text":"والثاني: ليس بحجة؛ لأنه قد خالفه دليل شرعي، وهو القياس؛ فإنه لا يكون حجةً إلا عند عدم المعارض.\nوالأولون يقولون: قول الصحابي أقوى من المعارض الذي خالفه من القياس؛ لوجوه عديدة، والأخذُ بأقوى الدليلين متعيِّن، وبالله التوفيق.\n* * * *","vol":"4","page":638},{"text":"فصل\nولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى:\nالفائدة الأولى: أسولة (^١) السائلين لا تخرج عن أربعة أنواع لا خامس لها:\nالأول: أن يسأل عن الحكم، فيقول: ما حكم كذا وكذا.\nالثاني: أن يسأل عن دليل الحكم.\nالثالث: أن يسأل عن وجه دلالته.\nالرابع: أن يسأل عن الجواب عن معارضه.\nفإن سأل عن الحكم فللمسؤول حالتان. إحداهما: أن يكون عالمًا به. والثانية أن يكون جاهلًا به. فإن كان جاهلًا به حرُم عليه الإفتاءُ بلا علم، فإن فعَل فعليه إثمه وإثم المستفتي. فإن كان يعرف في المسألة ما قاله الناس ولم يتبيَّن له الصواب من أقوالهم، فله أن يذكر له ذلك، فيقول: فيها اختلاف بين العلماء، ويحكيه إن أمكنه للسائل.\nوإن كان عالمًا بالحكم فللسائل حالتان:\nإحداهما: أن يكون قد حضره وقتَ العمل وقد احتاج إلى السؤال، فيجب على المفتي المبادرة على الفور إلى جوابه، فلا يجوز له تأخير بيان الحكم له عن وقت الحاجة.\nوالحالة الثانية: أن يكون قد سأل عن الحادثة قبل وقوعها، فهذا لا\n_________\n(^١) ب: «أسئلة»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":3},{"text":"يجب على المفتي أن يجيبه عنها. وقد كان السلف الطيب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول للسائل: هل كانت أو وقعت؟ فإن قال: لا، لم يجبه، وقال: دعنا في عافية (^١). وهذا لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلا عند الضرورة، فالضرورة تبيحه كما تبيح الميتةَ عند الاضطرار. وهذا إنما هو في مسألة لا نصّ فيها ولا إجماع، فإن كان فيها [١٨٦/ب] نص أو إجماع فعليه تبليغه بحسب الإمكان. فمن سُئل عن علمٍ فكتَمه ألجمَه الله يوم القيامة بلجام من نار (^٢). هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى؛ فإن لم يأمن غائلتها، وخاف من ترتُّب شرٍّ أكبر من الإمساك عنها، أمسك عنها ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما.\nوقد أمسك النبيُّ - ﷺ - عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم، لأجل حِدْثانِ عهدِ قريش بالإسلام (^٣)، وأنَّ ذلك ربما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه.\nوكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجوابَ عما سأل عنه، وخاف المسؤول أن يكون فتنةً له، أمسك عن جوابه. قال ابن عباس - ﵄ - لرجل\n_________\n(^١) انظر ما يأتي في الفائدة الثامنة والثلاثين.\n(^٢) يشير إلى الحديث المروي عن أبي هريرة وغيره. رواه عن أبي هريرة أحمد (٧٥٧١، ومواضع أخرى)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) وحسنه، وابن ماجه (٢٦٦). صححه ابن حبان (٩٥) والحاكم (١/ ١٠١). وهو عند الحاكم (١/ ١٠٢) وغيره عن ابن عمرو أيضًا، وعند ابن ماجه عن أنس (٢٦٤) وأبي سعيد (٢٦٥)، وعند الطبراني من حديث ابن عباس (١١/ ٥، ١٤٥) وابن عمرو (١٣/ ٢٠، ١٤/ ٣٢) وابن مسعود (١٠/ ١٠٢، ١٢٨). «المقاصد الحسنة» (١١٣٥).\n(^٣) كما جاء في حديث عائشة الذي رواه البخاري (١٥٨٣) ومسلم (١٣٣٣).","vol":"5","page":4},{"text":"سأله عن تفسير آية: وما يؤمِنُك أني لو أخبرتُك بتفسيرها كفرتَ به؟ (^١)، أي جحدتَه، وأنكرته، وكفرت به. ولم يرد أنك تكفر بالله ورسوله.\nالفائدة الثانية: يجوز للمفتي أن يعدِل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له منه، ولا سيما إذا تضمَّن ذلك بيانَ ما سأل عنه؛ وذلك من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه. وقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. فسألوه عن المنفق، فأجابهم بذكر المصرف، إذ هو أهمُّ مما سألوا عنه. ونبَّههم عليه بالسياق، مع ذكره لهم في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] وهو ما سهل عليهم إنفاقه، ولا يضرُّهم إخراجه.\nوقد ظنَّ بعضهم أن من ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيًّا، ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان. فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمامُ مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت أكبر عباداتهم (^٢) وهو الحج. فإن كانوا قد سألوا عن السبب، فقد أجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه. وإن كانوا إنما\n_________\n(^١) نقله المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٤٢٦) أيضًا. وقد رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٧٨). وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٨/ ٢١٠) إلى عبد بن حميد وابن الضريس أيضًا. انظر: «فضائل القرآن» لابن الضريس (ص ٢٦).\n(^٢) في المطبوع: «أكبر عبادة من عباداتهم»، وفي الطبعات السابقة: «أكبر عبادتهم».","vol":"5","page":5},{"text":"سألوا عن حكمة ذلك، فقد أجيبوا عن عين ما سألوا عنه. ولفظ سؤالهم محتمل، فإنهم قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقًا، ثم يأخذ في الزيادة حتَّى يتمَّ، ثم يأخذ في النقص؟\nالفائدة الثالثة: يجوز للمفتي أن يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه، وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده. ومن عاب ذلك فلقلَّة علمه وضيق عطَنه وضعف نصحه. وقد ترجم البخاري على ذلك في «صحيحه» (^١) فقال: «باب من أجاب السائلَ بأكثر مما سأله (^٢) عنه (^٣)»، ثم ذكر حديث ابن عمر - ﵄ -: ما يلبس المحرم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا يلبس القُمُص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا الخِفاف؛ إلَّا أن لا يجد نعلين، فليلبس الخفَّين وليقطعهما أسفلَ من الكعبين». فسئل رسول الله - ﷺ - عما يلبس المحرم، فأجاب عما لا يلبس، وتضمَّن ذلك الجوابَ عما يلبس؛ فإن ما لا يلبس محصور، وما يلبسه غير محصور، فذكر لهم النوعين، وبيَّن لهم حكمَ لُبسِ الخفِّ عند عدم النعل.\nوقد سألوه عن الوضوء بماء البحر، فقال لهم: «هو الطهورُ ماؤه الحِلُّ [١٨٧/أ] ميتته» (^٤).\nالفائدة الرابعة: من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء\n_________\n(^١) في آخر كتاب العلم (١٣٤)، وقد سبق الحديث.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «سأل»، وما أثبت من النسخ الخطية موافق لما في «الصحيح».\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، ولم يرد في «الصحيح»، وأخشى أن يكون سهوًا، إذ لا معنى له في الجملة.\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"5","page":6},{"text":"فمنَعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه= أن يدلَّه على ما هو عوض له منه، فيسُدَّ عليه بابَ المحظور، ويفتح له (^١) بابَ المباح.\nوهذا لا يتأتَّى إلا من عالم ناصح مشفق، قد تاجر اللهَ وعاملَه بعلمه. فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليلَ عما يضرُّه، ويصِفُ له ما ينفعه؛ فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان.\nوفي الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما بعث الله من نبيٍّ إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم» (^٢).\nوهذا شأن خلفاء الرسل (^٣) وورثتهم من بعدهم. ورأيت شيخنا قدَّس الله روحَه يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمَّل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها (^٤).\nوقد منع النبيُّ - ﷺ - بلالًا أن يشتري صاعًا من التمر الجيِّد بصاعين من الرديء، ثم دلَّه على الطريق المباح، فقال: «بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم اشترِ بالدراهم جَنيبًا» (^٥)، فمنعه من الطريق المحرَّم، وأرشده إلى الطريق المباح.\n_________\n(^١) «له» ساقط من ك.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) في المطبوع: «خلف الرسل»، وفي الطبعات السابقة: «خلق الرسل»، وكلاهما تحريف.\n(^٤) وقال في «مدارج السالكين» (٢/ ٢٧٩): «ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه في ذلك أمرًا عجبًا ...» ثم وصف منهجه في الإفتاء.\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":7},{"text":"ولما سأله [عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس] (^١) أن يستعملهما في الزكاة (^٢)، ليصيبا ما يتزوَّجان به= منَعَهما من ذلك، وأمرَ مَحْمِية بن جَزْء ــ وكان على الخُمْس ــ أن يعطيهما ما ينكحان به (^٣)؛ فمنَعهما من الطريق المحرَّم، وفتح لهم الطريقَ (^٤) المباح. وهذا اقتداء منه بربِّه ﵎، فإنه يسأله عبدُه الحاجةَ، فيمنعه إياها، ويعطيه ما هو أصلح له وأنفع منها. وهذا غاية الكرم والحكمة.\nالفائدة الخامسة: إذا أفتى المفتي للسائل بشيء ينبغي له أن ينبِّهه ــ على وجه الاحتراز ــ مما قد يذهب إليه الوهمُ منه من خلاف الصواب. وهذا باب لطيف من أبواب العلم والنصح والإرشاد.\nومثال هذا: قوله - ﷺ -: «لا يُقتَل مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهد في عهده» (^٥).\n_________\n(^١) في موضع ما بين المعقوفين بياض في ز، ولم يترك ناسخا (ك، ب)، بياضًا بل وصلا الكلام. والمثبت من المطبوع.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «جباية الزكاة»، زادوا لفظ «جباية» دون داع.\n(^٣) رواه مسلم (١٠٧٢) من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث.\n(^٤) ك: «باب الطريق»، وكذا في المطبوع.\n(^٥) رواه أبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٣٥، ٤٧٤٥، ٤٧٤٦) من حديث علي بن أبي طالب. صححه الشافعي في «الأم» (٩/ ١٣٥)، والحاكم (٢/ ١٤١)، وابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/ ٤٦٠) و«المحرر» (١١٢٠). ورواه أيضًا أحمد (٦٦٩٠، ومواضع أخرى بنفس الإسناد) وأبو داود (٢٧٥١) من حديث ابن عمرو. ورواه ابن ماجه (٢٦٦٠) عن ابن عباس؛ والطبراني (٢٠/ ٢٠٦)، والبيهقي (٨/ ٣٠) عن معقل بن يسار؛ وأبو يعلى (٤٧٥٧)، والدارقطني (٣٢٤٩)، والبيهقي (٨/ ٢٩) عن عائشة.","vol":"5","page":8},{"text":"فتأمَّلْ كيف أتبع الجملة الأولى بالثانية رفعًا لتوهُّم إهدار دماء الكفار مطلقًا، وإن كانوا في عهدهم. فإنه لما قال: «لا يُقتَل مؤمن بكافر» فربما ذهب الوهم إلى أن دماءهم هدَرٌ، ولهذا لو قتل أحدَهم مسلمٌ لم يُقتَل به، فرفع هذا التوهُّمَ بقوله: «ولا ذو عهد في عهده». ولقد خفيت هذه اللطيفة الحسنة على من قال: يُقتَل المسلمُ بالكافر المعاهد، وقدَّر في الحديث: ولا ذو عهد في عهده بكافر (^١).\nومنه قوله - ﷺ -: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلُّوا إليها» (^٢). فلما كان نهيُه عن الجلوس عليها نوعَ تعظيمٍ لها عقَّبه بالنهي عن المبالغة في تعظيمها حتى تُجعَل قبلة (^٣).\nوهذا بعينه مشتقٌّ من القرآن، كقوله تعالى لنساء نبيِّه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فنهاهن عن الخضوع بالقول، فربما ذهب الوهم إلى الإذن في الإغلاظ في القول والتجاوز، فرفَع هذا التوهُّمَ بقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (^٤).\nومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ [١٨٧/ب] آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ\n_________\n(^١) وانظر أيضًا ما يأتي في فتاوى النبي - ﷺ -.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) ذكر هذا المعنى مرة أخرى في فتاوى النبي - ﷺ -.\n(^٤) نبَّه على هذا المعنى في «الصواعق المرسلة» (١/ ٣٩٣) أيضًا.","vol":"5","page":9},{"text":"أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^١) [الطور: ٢١]. لما أخبر سبحانه بإلحاق الذرّية ــ ولا عمل لهم ــ بآبائهم في الدرجة، فربما توهَّم متوهِّمٌ أن يحطَّ الآباء إلى درجة الذريّة، فرفع هذا التوهم بقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي ما نقصنا من الآباء شيئًا من أجور أعمالهم، بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم، ولم نحطَّهم إلى درجتهم بنقص أجورهم. ولما كان الوهم قد يذهب إلى أنه يفعل ذلك بأهل النار، كما يفعله بأهل الجنة، قطع هذا الوهم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] (^٢).\nومن هذا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]. فلما كان ذكرُ ربوبية (^٣) البلدة الحرام قد يُوهِم الاختصاصَ عقَّبه بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾.\nومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. فلما ذكر كفايته للمتوكِّل عليه، فربما أوهم ذلك تعجيلَ الكفاية وقتَ التوكل، فعقَّبه بقوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أي وقتًا لا يتعدَّاه، فهو يسوقه إلى وقته الذي قدَّره له. فلا\n_________\n(^١) في النسخ الثلاث في الآية ﴿وأتبعناهم ذرياتهم﴾ ثم ﴿بهم ذرياتهم﴾، وهي قراءة أبي عمرو. انظر: «الإقناع» لابن الباذش (٢/ ٧٧٣).\n(^٢) وانظر أيضًا: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١١٠٩) و«التبيان» (ص ٤٢١) و«الصواعق» (١/ ٣٩٢).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ربوبيته».","vol":"5","page":10},{"text":"يستعجل المتوكل ويقول: قد توكَّلتُ، ودعوتُ، فلم أر شيئًا، ولم تحصل لي الكفاية. فالله بالغٌ أمرَه في وقته الذي قدَّره له.\nوهذا كثير جدًّا في القرآن والسنة، وهو باب لطيف من أبواب فهم النصوص.\nالفائدة السادسة: ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجرَّدًا عن دليله ومأخذه؛ فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم. ومن تأمَّلَ فتاوى النبي - ﷺ - الذي قولُه حجةٌ بنفسه رآها مشتملةً على التنبيه على حكمة الحُكم، ونظيره، ووجه مشروعيته.\nوهذا كما سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر فقال: «أينقصُ الرُّطَبُ إذا جفَّ؟» قالوا: نعم. فزجَر عنه (^١). ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف، ولكن نبَّههم على علة التحريم وسببه.\nومن هذا: قوله لعُمَر، وقد سأله عن قبلة امرأته وهو صائم، فقال: «أرأيت لو تمضمضتَ ثم مججتَه، أكان يضرُّ شيئًا؟» قال: لا. فنبَّه على أن مقدمة المحظور لا يلزم أن تكون محظورة، فإن غاية القبلة أنها مقدمة الجماع، فلا يلزم من تحريمه تحريم مقدمته، كما أن وضع الماء في الفم مقدِّمةُ شربه، وليست المقدِّمة محرَّمة (^٢).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) وانظر: «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٣٧).","vol":"5","page":11},{"text":"ومن هذا: قوله - ﷺ -: «لا تُنكَح المرأة على عمَّتها، ولا على خالتها؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» (^١). فذكر لهم الحكم، ونبَّههم على علة التحريم.\nومن ذلك قوله لأبي النعمان بن بشير وقد خصَّ بعض ولده بغلامٍ نحَلَه إياه، فقال: «أيسرُّك أن يكونوا لك في البِرِّ سواء؟» قال: نعم. قال: «فاتقوا الله واعدِلوا بين أولادكم». وفي لفظ: «إن هذا لا يصلح». وفي لفظ: «إني لا أشهد على جَور». وفي لفظ: «أشهِدْ على هذا غيري» تهديدًا، لا إذنًا، فإنه لا يأذن في الجَور قطعًا. وفي لفظ: «رُدَّه» (^٢). والمقصود أنه نبَّه (^٣) على علّة الحكم.\nومن هذا: قوله - ﷺ - لرافع بن خَديج، وقد قال له: إنَّا لاقو العدوِّ غدًا، [١٨٨/أ] وليس معنا مُدًى، أفنذبح بالقَصَب؟ فقال: «ما أنهرَ الدمَ وذُكِر اسمُ الله عليه فكُلْ، ليس السنَّ والظُّفرَ. وسأحدِّثك عن ذلك، أما السنُّ فعَظْم، وأما الظُّفر فمُدَى الحبشة» (^٤). فنبَّه على علَّة المنع من التذكية بهما، بكون أحدهما عظمًا؛ وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام، إما لنجاسة بعضها، وإما لتنجيسه على مؤمني الجن؛ ولكون الآخر مُدَى الحبشة، ففي التذكية بها تشبُّهٌ بالكفار.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) تقدَّم تخريج الحديث. وقد استقصى المصنف ألفاظ الحديث وتكلَّم على المسألة في «تهذيب السنن» (٢/ ٥٤٥ - ٥٤٨)، و«تحفة المودود» (ص ٣٣٤ - ٣٣٦).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «نبَّهه».\n(^٤) رواه البخاري (٢٤٨٨) ومسلم (١٩٦٨).","vol":"5","page":12},{"text":"ومن ذلك: قوله: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمُر الإنسية، فإنها رجس» (^١).\nومن ذلك: قوله في الثمرة تصيبها الجائحة: «أرأيتَ إن منع الله الثمرةَ، فبِمَ يأكل أحدُكم مالَ أخيه بغير حَقٍّ؟» (^٢). وهذا التعليل بعينه ينطبق على من استأجر أرضًا للزراعة، فأصابت (^٣) الزرعَ آفة سماوية لفظًا ومعنًى، فيقال للمؤجِّر: أرأيت إن منع الله الزرعَ فبِمَ تأكل مالَ أخيك بغير حقٍّ؟ وهذا هو الصواب الذي ندين الله به في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\nوالمقصود أن الشارع مع كون قوله حجةً بنفسه يُرشد الأمةَ إلى علل الأحكام ومداركها وحِكَمها، فورَثته من بعده كذلك.\nومن ذلك: نهيُه عن الخَذْف (^٥) وقال: «إنه يفقأ العينَ، ويكسِرُ السِّنَّ» (^٦).\nومن ذلك: إفتاؤه للعاضِّ يدَ غيره بإهدار دية ثنيته لما سقطت بانتزاع المعضوض يدَه مِن فيه. ونبَّه على العلة بقوله: «أيدَعُ يدَه في فيك تقضَمُها\n_________\n(^١) تقدَّم غير مرة.\n(^٢) تقدَّم أيضًا.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فأصاب».\n(^٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٢٤٤).\n(^٥) هو رميك بحصاة أو نواة ونحوهما تجعلها بين سبَّابتيك أو الإبهام والسبابة.\n(^٦) رواه البخاري (٦٢٢٠) ومسلم (١٩٥٤) من حديث عبد الله بن مغفل.","vol":"5","page":13},{"text":"كما يقضَمُ الفحلُ». وهذا من أحسن التعليل وأبينه، فإن العاضَّ لما صال على المعضوض جاز له أن يرُدَّ صياله عنه بانتزاع يده من فمه. فإذا أدىَّ ذلك إلى إسقاط ثناياه كان سقوطُها بفعلٍ مأذونٍ فيه من الشارع، فلا يقابَل بالدية.\nوهذا كثير جدًّا في السنَّة (^١). فينبغي للمفتي أن ينبِّه السائلَ على علة الحكم ومأخذه إن عرف ذلك، وإلا حرم عليه أن يفتي بلا علم.\nوكذلك أحكام القرآن، يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها، كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فأمر سبحانه نبيَّه أن يذكر لهم علّةَ الحكم قبل الحكم.\nوكذلك قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].\nوكذلك قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].\nوقال في جزاء الصيد: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nالفائدة السابعة: إذا كان الحكمُ مستغربًا جدًّا مما لم تألفه النفوس وإنما ألِفَتْ خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطِّئ قبله ما يكون مُؤْذِنًا به (^٢) كالدليل عليه والمقدِّمة بين يديه. فتأمَّلْ ذكرَه سبحانه قصةَ زكريا وإخراجَ الولد منه بعد\n_________\n(^١) وقد ذكر المصنف أحاديث أخرى في (١/ ٣٩٢ وما بعدها).\n(^٢) أثبت في المطبوع: «ما كان مأذونًا به»، ولا معنى له.","vol":"5","page":14},{"text":"انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السنَّ الذي لا يولد (^١) لمثله في العادة. فذكر (^٢) قصته مقدمةً بين يدي قصة المسيح ووِلادِه (^٣) من غير أب؛ فإن النفوس لما أنِسَت (^٤) بولدٍ من [١٨٨/ب] بين شيخين كبيرين لا يُولد لهما عادةً سهُل عليها التصديقُ بولادة ولدٍ من غير أب. وكذلك ذكر سبحانه قبل قصة المسيح موافاةَ مريم رزقَها في غير وقته وغير إبّانه. وهذا الذي شجَّع نفسَ زكريا وحرَّكها لطلب الولد، وإن كان في غير إبَّانه.\nوتأمَّلْ قصةَ نسخ القبلة، لمَّا كانت شديدةً على النفوس جدًّا كيف وطَّأ سبحانه قبلها عدةَ موطِّئات:\nمنها: ذكر النسخ.\nومنها: أنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله.\nومنها: أنه على كلِّ شيء قدير، وأنه بكلِّ شيء عليم؛ فعمومُ قدرته وعلمه صالحٌ لهذا الأمر الثاني كما كان صالحًا للأول.\nومنها: تحذيرهم الاعتراضَ على رسولهم (^٥)، كما اعترض مَن قبلهم على موسى، بل أمرَهم بالتسليم والانقياد.\n_________\n(^١) بعده في النسخ المطبوعة: «فيه» بين معقوفين في بعضها.\n(^٢) ز، ك: «فيذكر».\n(^٣) الوِلاد مصدر كالولادة. وفي النسخ المطبوعة: «ولادته».\n(^٤) ضبط في النسخ المطبوعة: «آنست» من الإيناس، والصواب ما أثبت.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «رسوله».","vol":"5","page":15},{"text":"ومنها: تحذيرهم الإصغاءَ (^١) إلى اليهود، وأن لا تستخفَّهم شُبَهُهم، فإنهم يودُّون أن يردُّوهم كفارًا من بعد ما تبيَّن لهم الحق.\nومنها: إخباره أن دخول الجنة ليس بالتهوُّد ولا بالتنصُّر، وإنما هو بإسلام الوجه والقصد والعمل والنية (^٢) لله، مع متابعة أمره.\nومنها: إخباره سبحانه عن سعته، وأنه حيث ولَّى المصلِّي وجهَه فثَمَّ وجهُه تعالى، فإنه واسع عليم، فذكر الإحاطتين الذاتية والعلمية، فلا يتوهَّمون أنهم في القبلة الأولى لم يكونوا مستقبلين وجهَه ﵎، ولا في الثانية، بل حيثما توجَّهوا فثمَّ وجهُه تعالى.\nومنها: أنه ﷾ حذَّر نبيَّه - ﷺ - عن اتباع أهواء الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بل أمر أن يتبع هو وأمته ما أوحي إليه، فيستقبلونه بقلوبهم وحده.\nومنها: أنه ذكر عظمةَ بيته الحرام، وعظمةَ بانيه وملَّته، وسفَّه مَن يرغب عنها، وأمَر باتباعها، فنوَّه بالبيت وبانيه وملته. وكلُّ هذا توطئة بين يدي التحويل، مع ما في ضمنه من المقاصد الجليلة والمطالب السنيَّة.\nثم ذكر فضل هذه الأمة، وأنهم الأمة الوسط العدل الخيار، فاقتضى ذلك أن يكون نبيُّهم - ﷺ - أوسطَ الأنبياء وخيارَهم. وكتابهم كذلك، ودينهم كذلك، وقبلتهم التي يستقبلونها كذلك. فظهرت المناسبة شرعًا وقدرًا في أحكامه\n_________\n(^١) في النسخ: «بالإصغاء»، ولعله سبق قلم. وكذا في الطبعات القديمة. وأثبت في المطبوع: «من الإصغاء». وقد سبق آنفًا: «تحذيرهم الاعتراضَ» فعدَّاه بنفسه.\n(^٢) ك، ب: «والنية والعمل».","vol":"5","page":16},{"text":"تعالى الأمرية والقدرية، وظهرت حكمته الباهرة، وتجلت للعقول الزكية المستنيرة بنور ربِّها ﵎ (^١).\nوالمقصود: أن المفتي جدير بأن (^٢) يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يُؤلَف مقدماتٍ تُؤنس به، وتدلّ عليه، وتكون توطئةً بين يديه. وبالله التوفيق.\nالفائدة الثامنة: يجوز للمفتي والمناظِر أن يحلِف على ثبوت الحكم عنده، وإن لم يكن حَلِفُه موجِبًا لثبوته عند السائل والمنازع؛ ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ويقين مما قال (^٣)، وأنه غيرُ شاكٍّ فيه. فقد تناظر رجلان في مسألة، فحلَف أحدُهما على ما يعتقده، فقال له منازعه: لا يثبت الحكمُ بحلفك، فقال: إني لم أحلف لأُثبِت (^٤) الحكمَ عندك، ولكن لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي، وأن شبهتك لا تُغبِّر (^٥) عندي في وجه يقيني بما أنا جازم به.\nوقد أمر الله [١٨٩/أ] نبيَّه - ﷺ - أن يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به\n_________\n(^١) وانظر: «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٨٢ - ١٥٨٨)، و«زاد المعاد» (٣/ ٦٠ - ٦٢).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أن».\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».\n(^٤) في ك: «إذ لم أحلف لا يثبت»، فوقع تحريف في موضعين. وفي الطبعات القديمة: «ليثبت»، وأثبت في المطبوع: «لأجل تثبيت». والظاهر أن كليهما تغيير في المتن.\n(^٥) ب: «تعتبر»، وفي (ك) والنسخ المطبوعة: «تغيِّر»، وكلاهما تصحيف ما أثبت من ز. قوله: «لا تغبِّر في وجه يقيني» أي لا تؤثِّر فيه.","vol":"5","page":17},{"text":"في ثلاثة (^١) مواضع من كتابه:\nأحدها: قوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].\nوالثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (^٢).\nوالثالث: قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].\nوقد أقسم النبيُّ - ﷺ - على ما أخبر به من الحقِّ في أكثر من ثمانين موضعًا (^٣)، وهي موجودة في الصحاح والمساند (^٤). وقد كان الصحابة - ﵃ - يحلفون على الفتاوى والرواية، فقال علي بن أبي طالب لابن عباس في متعة النساء: إنك امرؤ تائه، فانظر ما تفتي به في متعة النساء، فوالله وأشهد (^٥) بالله لقد نهى عنها رسولُ الله - ﷺ - (^٦).\nولما ولي عمر - ﵁ - حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنَّ رسولَ الله - ﷺ - أحلَّ المتعةَ ثلاثًا، ثم حرَّمها ثلاثًا. فأنا أُقسم بالله قسمًا، لا أجد أحدًا من المسلمين متمتِّعًا إلا رجمتُه، إلا أن يأتي بأربعة من المسلمين\n_________\n(^١) في النسخ: «ثلاث».\n(^٢) في النسخ المطبوعة زيادة: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾.\n(^٣) ومثله في «زاد المعاد» (١/ ١٥٦) و(٣/ ٢٦٩).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «المسانيد».\n(^٥) في مصدر النقل: «أو أشهد»، يعني: أو قال: أشهد بالله.\n(^٦) نقله ابن أبي يعلى في كتابه «المسائل التي حلف عليها أحمد بن حنبل» (ص ٨٢) من كتاب ابن بطة في تحريم نكاح المتعة.","vol":"5","page":18},{"text":"يشهدون أن رسول الله - ﷺ - أحلَّها بعد أن حرَّمها (^١).\nوقد حلف الشافعيُّ في بعض أجوبته، فقال محمد بن الحكم: سألتُ الشافعيَّ عن المتعة كان يكون فيها طلاق أو ميراث أو نفقة أو شهادة؟ فقال: لا، والله ما أدري (^٢).\nوقال يزيد بن هارون: من قال: القرآن مخلوق أو شيء منه مخلوق، فهو ــ والله ــ عندي زنديق (^٣).\nوسئل عن حديث جرير في الرؤية (^٤)، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، مَن كذَّب به ما هم إلا زنادقة (^٥).\nوأما الإمام أحمد - ﵁ - فإنه حلف على عدة مسائل من فتاويه:\nقيل: أيزيد الرجل في الوضوء على ثلاث مرات؟ فقال: لا والله، إلا\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (١٩٦٣)، وتمَّام في «الفوائد» (٧٥٢) واللفظ أقرب إلى لفظه ــ ومن طريقه الضياء المقدسي (١/ ٣٣١). وإسناده حسن لأجل أبان بن أبي حازم. وانظر: «مسند الفاروق» لابن كثير (١/ ٤٠٠) و«أنيس الساري» (٣/ ١٨٢٥).\n(^٢) نقله ابن أبي يعلى في كتابه المذكور (ص ٨٤) من كتاب ابن بطة أيضًا.\n(^٣) رواه عبد الله في «السنة» (٥٠)، والآجري في «الشريعة» (١٦٩) عنه. وهو حسن لأجل محمد بن إسماعيل الواسطي. وانظر: «المسائل التي حلف عليها أحمد» (ص ٨٦).\n(^٤) رواه البخاري (٥٥٤) ومسلم (٦٣٣).\n(^٥) رواه نفطويه بإسناده عن يزيد بن هارون. انظر: «المسائل التي حلف عليها أحمد» (ص ٨٥).","vol":"5","page":19},{"text":"رجل مبتلى. يعني: بالوسواس (^١).\nوسئل: يُخلِّل (^٢) الرجل لحيته إذا توضأ؟ فقال: إي والله (^٣).\nوسئل: يكون الرجل في الجهاد بين الصفَّين يبارز عِلْجًا بغير إذن الإمام، فقال: لا والله (^٤).\nوقيل له: أتكره الصلاة في المقصورة؟ فقال: إي والله (^٥). قلت: وهذا لما كانت المقصورة تُحمَى للأمراء وأتباعهم.\nوسئل: أيؤجر الرجلُ على بغضِ من خالف حديثَ رسول الله - ﷺ -؟ فقال: إي والله (^٦).\nوسئل: من قال: القرآن مخلوق، كافر؟ قال (^٧): إي والله (^٨).\nوسئل: هل صحَّ عندك في النبيذ حديث؟ فقال: والله ما صحَّ عندي حديث واحد إلا على التحريم (^٩).\n_________\n(^١) انظر «المسائل» المذكورة (ص ١٩).\n(^٢) في المطبوع: «أيخلِّل»، وفي الطبعات السابقة: «عن تخلُّل». وفي مصدر النقل كما أثبت من النسخ.\n(^٣) المصدر السابق (ص ٢١).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٢٢).\n(^٥) المصدر السابق (ص ٢٤).\n(^٦) المصدر السابق (ص ٢٥).\n(^٧) في النسخ المطبوعة: «فقال».\n(^٨) المصدر السابق (ص ٢٦). وانظر: «مسائل الكوسج» (٩/ ٤٧٦٦).\n(^٩) المصدر السابق (ص ٢٧).","vol":"5","page":20},{"text":"وسئل: يكره (^١) الخضاب بالسواد؟ فقال: إي والله (^٢).\nوسئل عن الرجل يؤمُّ أباه، ويصلِّي الأبُ خلفه. فقال: إي والله (^٣).\nوسئل: هل يكره النفخ في الصلاة؟ فقال: إي والله (^٤).\nوسئل عن المرأة تستلقي على قفاها وتنام، يكره ذلك؟ فقال: إي والله (^٥).\nوسئل عن تزوُّج الرجل المسلم الأمةَ من أهل الكتاب، فقال: لا والله (^٦).\nوسئل عن الرجل يرهَن جاريتَه، فيطؤها وهي مرهونة، فقال: لا والله (^٧).\nوسئل عن حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قضى في رجل استسقى قومًا، وهو عطشان، فلم يسقُوه، فمات؛ فأغرمهم عمرُ الديةَ (^٨): تقول أنت كذا؟ قال: إي والله (^٩).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أيكره».\n(^٢) المصدر السابق (ص ٣٢). وانظر: «مسائل الكوسج» (٩/ ٤٨٧٦).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٢٨).\n(^٤) المصدر السابق (ص ٣١).\n(^٥) المصدر السابق (ص ٣٥). والمسألة في النسخ المطبوعة مؤخَّرة على المسألة الآتية. وانظر: «مسائل الكوسج» (٩/ ٤٨٧٠).\n(^٦) المصدر السابق (ص ٣٤).\n(^٧) المصدر السابق (ص ٣٦).\n(^٨) رواه ابن أبي شيبة (٢٨٤٧٨). وفيه أشعث، ضعيف، والحسن لم يلق عمر.\n(^٩) «المسائل» المذكورة (ص ٣٥).","vol":"5","page":21},{"text":"وسئل عن الرجل إذا حُدَّ في القذف، ثم قذَف زوجتَه؛ يلاعنها؟ فقال: إي والله (^١).\nوسئل: يضرب (^٢) الرجلُ رقيقَه؟ [١٨٩/ب] فقال: إي والله (^٣).\nذكر هذه المسائل القاضي أبو علي الشريف (^٤).\nوقال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح (^٥): والله لقد أعطيتُ المجهودَ من نفسي، ولَوددتُ أني أنجو من هذا الأمر كفافًا لا عليَّ ولا لي.\nوقال في روايته أيضًا (^٦): والله لقد تمنَّيتُ الموتَ في الأمر الذي كان، وإني لأتمنَّى الموتَ في هذا، وهذا (^٧) فتنة الدنيا.\nوقال إسحاق بن منصور لأحمد: يكره الخاتم من ذهب أو حديد؟ فقال: إي والله (^٨).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٣٨).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أيضرب».\n(^٣) «المسائل» المذكورة (ص ٣٨).\n(^٤) قاله ابن أبي يعلى في «المسائل» (ص ٣٨) والقاضي أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي (٣٤٥ - ٤٢٨) صاحب «الإرشاد».\n(^٥) في «المحنة»، ومنه نقله ابن أبي يعلى في «المسائل» (ص ٣٩).\n(^٦) في «المحنة». انظر: «المسائل» (ص ٤٠).\n(^٧) في «المسائل»: «هذا أو ذاك».\n(^٨) «المسائل» (ص ٤٢) من «كتاب اللباس» لأبي يعلى. وانظر: «مسائل الكوسج» (٩/ ٤٨٤٩).","vol":"5","page":22},{"text":"وقال إسحاق أيضًا: قلت لأحمد: يؤجَر الرجلُ يأتي أهلَه، وليس له شهوة في النساء؟ فقال: إي والله، يحتسب الولد، وإن لم يُرِد الولد، إلا أنه يقول: هذه امرأة شابَّة (^١).\nوقال له محمد بن عوف: يا أبا عبد الله، يقولون: إنك وقفتَ على عثمان! فقال: كذبوا والله عليَّ. إنما حدَّثتهم بحديث ابن عمر: كنَّا نُفاضِل بين أصحاب رسول الله - ﷺ -، نقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (^٢)، فيبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ -، فلا ينكره. ولم يقل النبي - ﷺ -: لا تَخايَروا بعد هؤلاء. فمن وقف على عثمان ولم يربِّع بعليٍّ فهو على غير السنة (^٣).\nوسئل أحمد عن المقام (^٤) بالثغر أفضل من المقام بمكة؟ فقال: إي والله (^٥).\nوذكر أبو أحمد بن عدي في «الكامل» (^٦): أن أيوب بن إسحاق بن سَافِري قال: سألت أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، ابنُ إسحاق إذا\n_________\n(^١) «المسائل» (ص ٤٤). وانظر: «مسائل الكوسج» (٩/ ٤٧٦٧).\n(^٢) في النسخ بعده: «ثم علي»، وكذا في النسخ المطبوعة. وهو خطأ بدلالة السياق نفسه. وحديث ابن عمر رواه البخاري (٣٦٩٧).\n(^٣) «المسائل» (ص ٤٦). وانظر: «مسائل الكوسج» (٩/ ٤٧٤٩).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «هل المقام».\n(^٥) «المسائل» (ص ٤٩).\n(^٦) في «المسائل»: «كتاب الجرح والتعديل». ولم يرد كلام أحمد هذا في مطبوعة «الكامل». نقله الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/ ٢٤٥)، والمزي في «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٤٢٢)، والذهبي في «السير» (٧/ ٤٦) عن ابن سافري عن أحمد.","vol":"5","page":23},{"text":"انفرد بحديثٍ تقبلُه؟ قال (^١): لا والله. إني رأيته يحدِّث عن جماعة بالحديث (^٢)، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا (^٣).\nوقال صالح بن أحمد: قلتُ لأبي: نقتُل (^٤) الحيَّةَ والعقربَ في الصلاة؟ فقال: إي والله (^٥).\nوقال أيضًا: قلتُ لأبي: تجهرَ (^٦) بآمين؟ فقال: إي والله، الإمام وغير الإمام (^٧).\nوقال أيضًا: قلتُ لأبي: يفتح على الإمام؟ قال: إي والله (^٨).\nوقال الميموني: قلت لأحمد: ونحن نحتاج في رمضان أن نبيِّت الصومَ من الليل؟ فقال: إي والله (^٩).\n_________\n(^١) ب: «فقال»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في «المسائل»: «الحديث الواحد».\n(^٣) «المسائل» (ص ٥١).\n(^٤) ك، ب: «تقتل».\n(^٥) «المسائل» (ص ٥٤) عن كتاب «الشافي» لأبي بكر.\n(^٦) ب: «يجهر»، وكذا في «مسائل الكوسج».\n(^٧) المصدر السابق (ص ٥٨)، وقد نقلها من رواية الكوسج، لا صالح كما ذكر المصنف. وهي في «مسائل الكوسج» (٢/ ٥٤٧).\n(^٨) «المسائل» (ص ٥٩)، وهي أيضًا فيها من رواية الكوسج، وانظر «مسائله» (٢/ ٦٠٧).\n(^٩) «المسائل» (ص ٦٠).","vol":"5","page":24},{"text":"وقال الميموني أيضًا: تباع الفرسُ من الحبس (^١) إذا عطِبَت أو إذا فسدت؟ فقال: إي والله (^٢).\nوقال الميموني أيضًا: قلت لأحمد: هل ثبت عن النبي - ﷺ - في العقيقة شيء؟ فأملى علي: إي والله. في غير حديث عن النبي - ﷺ -: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» (^٣).\nوقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء؟ قال: إي والله (^٤).\nوقال الكوسج أيضًا: قلت لأحمد: قال سفيان: تجزئه تكبيرة إذا نوى بها افتتاح الصلاة. قال أحمد: إي والله، تجزئه إذا نوى، ابن عمر (^٥) وزيد (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «الفرس الحبيس».\n(^٢) «المسائل» (ص ٦١).\n(^٣) «المسائل» (ص ٥٥). والحديث رواه أحمد (٢٤٠٢٨، ٢٥٢٥٠، ٢٦١٣٤)، والترمذي (١٥١٣)، وابن ماجه (٣١٦٣) من حديث عائشة. صححه الترمذي وابن حبان (٥٣١٠)، وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم. وانظر للشواهد والمتابعات: «إرواء الغليل» (١١٦٦) وتعليق محققي «المسند».\n(^٤) «المسائل» (ص ٥٧). وانظر: «مسائل الكوسج» (٢/ ٦٢٢).\n(^٥) كذا في (ز، ك) والنسخ المطبوعة وإحدى نسخ «مسائل الكوسج» (٢/ ٧١٢). وقبله في مصدر النقل (ص ٦٣): «قاله». وقد حذف من ب: «ابن عمر وزيد».\n(^٦) رواه ابن أبي شيبة (٢٥٢٠) وابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٨٠) من طريق معمر عن ابن عمر وزيد بن ثابت، قالا: «إذا أدرك الرجل القوم ركوعًا، فإنه يجزئه تكبيرة واحدة». وإسناده صحيح.","vol":"5","page":25},{"text":"وقال أيضًا: قلت لأحمد: المؤذِّن يجعل إصبعيه في أذنيه؟ قال: إي والله (^١).\nوقال أيضًا: قلت لأحمد: سئل سفيان عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرَّك، [قال:] (^٢) ما أرى بأسًا أن يُشَقَّ بطنُها (^٣). قال أحمد: بئس والله ما قال ــ يردِّد ذلك ــ سبحان الله، بئس ما قال! (^٤).\nوقال أيضًا: قلت لأحمد: تجوز شهادة رجل وامرأتين في الطلاق؟ قال أحمد: لا والله (^٥).\nوقال أيضًا: قلت لأحمد: المرجئ إذا كان داعيًا؟ قال: إي والله يُجفَى ويُقصَى (^٦).\nوقال أبو طالب: قلتُ لأحمد: رجلٌ قال: القرآن كلام الله، ليس بمخلوق، ولكن لفظي هذا به مخلوق. قال: من قال هذا فقد [١٩٠/أ] جاء بالأمر كلِّه، إنما هو كلام الله على كلِّ حال. والحجة فيه حديث أبي بكر ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] فقيل له: هذا مما جاء به صاحبك؟\n_________\n(^١) «المسائل» (ص ٦٤). وانظر: «مسائل الكوسج» (٢/ ٤٩٢).\n(^٢) من مصدر النقل.\n(^٣) انظر: «الأوسط» (٥/ ٣٦٥).\n(^٤) «المسائل» (ص ٦٥). وانظر: «مسائل الكوسج» (٣/ ١٤١٨ - ١٤١٩).\n(^٥) «المسائل» (ص ٦٧). وانظر: «مسائل الكوسج» (٤/ ١٧٤٩).\n(^٦) «المسائل» (ص ٦٨). عن «الرابع من السنَّة لأبي بكر الخلال» (٤/ ٥٣). وانظر: «مسائل الكوسج» (٩/ ٤٧٤٦).","vol":"5","page":26},{"text":"فقال: لا والله، ولكنه كلام الله (^١)، هذا وغيره، وإنما (^٢) هو كلام الله. قلت: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] هذا الذي قرأتُ الساعةَ كلام الله؟ قال: إي والله هو كلام الله. ومن قال: «لفظي بالقرآن مخلوق» فقد جاء بالأمر كلِّه (^٣).\nوقال الفضل بن زياد: سألتُ أبا عبد الله عن حديث ابن شُبْرُمة عن الشعبي في رجلٍ نذَر أن يطلِّق امرأته، فقال له الشعبي: أوفِ بنذرك (^٤)، أترى ذلك؟ فقال: لا والله (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ١٣)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١١٦)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٤٠٤)، وابن بطة في «الإبانة» (٥/ ٢٧١)، وإسناده حسن لأجل عبد الرحمن بن أبي الزناد.\n(^٢) السياق في «المسائل»: «هذا وغيره إنما ...».\n(^٣) هذه الرواية عن أحمد نقلت في «المسائل» (ص ٦٩) عن «السادس من السنة لأبي بكر الخلال».\n(^٤) رواه سعيد بن منصور (٢١٧٢) من طريق هشيم عن ابن شبرمة، قال: كنت مع الشعبي، فأتاه رجل، فقال له: إنه نذر أن يطلق امرأته. فقال الشعبي: «كفر يمينك، ولا تطلق امرأتك». قلت في نفسي: إن رددت على الشيخ قوله، إن في ذلك لما فيه، وإن أنا سكت ليدخلن علي ما لا أحب، فقلت: يا أبا عمرو، إن الطلاق معصية، وقد قال ما قال. فانتبه، فقال: علي بالرجل. فأتي به، فقال: «نذرك في عنقك إلى يوم القيامة إلا أن تطلق امرأتك». وإسناده صحيح.\n(^٥) «المسائل» (ص ٧١) عن «مسائل الفضل بن زياد»، وقد نقلها في ترجمة الفضل في «طبقات الحنابلة» (٢/ ١٩٢) أيضًا.","vol":"5","page":27},{"text":"وقال الفضل أيضًا: سمعتُ أبا عبد الله وذكر يحيى بن سعيد القطان، فقال: لا والله، ما أدركنا مثلَه (^١).\nوذكر أحمد في «رسالته إلى مسدَّد»: ولا عين تطرِف بعد النبي - ﷺ - خيرٌ (^٢) من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف خيرٌ من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف خيرٌ من عثمان، ولا بعد عثمان عين تطرف خيرٌ من علي بن أبي طالب - ﵁ -. ثم قال أحمد: هم والله الخلفاء الراشدون المهديون (^٣).\nوقال الميموني: قلت لأحمد: جابر الجعفي؟ قال: كان يرى التشيع. قلت: يتهم (^٤) في حديثه بالكذب؟ قال: إي والله (^٥).\nقال القاضي (^٦): فإن قيل: كيف استجاز الإمام أحمد أن يحلف في مسائل مختلَفٍ فيها؟ قيل: أما مسائل الأصول فلا يسوغ فيها اختلاف فهي إجماع، وأما الفروع فإنه لما غلب على ظنه صحةُ ذلك حلف عليه، كما لو وجد في دفتر أبيه أنَّ له على فلان دينًا جاز له أن يدَّعيه، لغلبة الظن بصدقه. قلت (^٧): ويحلفَ عليه.\n_________\n(^١) «المسائل» (ص ٧٢)، و«طبقات الحنابلة» (٢/ ١٩٣).\n(^٢) في النسخ: «نظرت بعد ... خيرًا» هنا وفيما يأتي. والتصحيح من مصدر النقل وغيره.\n(^٣) «المسائل» (ص ٧٣). وانظر: «طبقات الحنابلة» (٢/ ٤٣١)، و«المقصد الأرشد» (٣/ ٢٨)، و«مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص ٢٢٨).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «قد يتهم». والمثبت من النسخ موافق لما في مصدر النقل.\n(^٥) «المسائل» (ص ٧٤).\n(^٦) هو ابن أبي يعلى جامع المسائل المذكورة (ص ٨٩ - ٩٠).\n(^٧) القائل ابن القيم.","vol":"5","page":28},{"text":"قال: فإن قيل أليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار، قيل: لأن اليمين هناك عند الحاكم، والنية نية الخصم (^١).\nقلت: ولم يمنع أحمد اليمين لهذا، بل شفعة الجوار عنده مما يسوغ القول بها. وفيها أحاديث صحاح لا تُرَدّ، ولهذا اختلف قوله فيها، فمرةً نفاها، ومرةً أثبتها، ومرةً فصَل بين أن يشتركا في حقوق الملك كالطريق والماء وغيره، وبين أن لا يشتركا في شيء من ذلك فلا يثبت. وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه، وبه تجتمع الأحاديث. وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب فقهاء البصرة (^٢)، ولا يُختار (^٣) غيرُه.\nوقد روى أحمد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم حلفوا في الرواية والفتوى وغيرها تحقيقًا وتأكيدًا للخبر، لا إثباتًا له باليمين (^٤).\nوقد قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].\nوقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. وكذلك أقسم بكلامه كقوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢]،\n_________\n(^١) في «المسائل»: «نية الحاكم».\n(^٢) انظر ما تقدم في المجلد الثاني والمجلد الثالث من هذا الكتاب.\n(^٣) ب: «نختار»، وكذا في المطبوع. ولم ينقط في (ز، ك). وفي الطبعات السابقة كما أثبت.\n(^٤) انظر: «المسائل» (ص ٩١، ٩٧).","vol":"5","page":29},{"text":"﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]. وأما إقسامه بمخلوقاته التي هي آيات دالَّة عليه [١٩٠/ب] فكثيرٌ جدًّا.\nالفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النصِّ مهما أمكنه، فإنه يتضمَّن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمِّن للدليل عليه في أحسن بيان، وقولُ الفقيه المعيَّن ليس كذلك.\nوقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرَّون ذلك غاية التحرِّي، حتى خلفت من بعدهم خلوفٌ رغبوا عن النصوص، واشتقُّوا لهم ألفاظًا غير ألفاظ النصوص؛ فأوجب ذلك هجرَ النصوص، ومعلومٌ أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان. فتولَّد من هجرانِ ألفاظ النصوص، والإقبالِ على الألفاظ الحادثة، وتعليقِ الأحكام بها= على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله.\nفألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب. ولما كانت هي عصمة الصحابة (^١) وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصحَّ من علوم مَن بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقلُّ من خطأ مَن بعدهم. ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك، وهلمَّ جرًّا. ولما استحكم هجرانُ النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومُهم في مسائلهم وأدلّتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «عصمة عهدة الصحابة»، وكلمة «عهدة» مقحمة لا معنى لها هنا.","vol":"5","page":30},{"text":"وقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله - ﷺ - كذا وفعل كذا؛ ولا يعدِلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلًا قطُّ (^١)، فمن تأمَّل أجوبتهم وجدها شفاءً لما في الصدور. فلما طال العهد وبعُد الناس من نور النبوة صار هذا عيبًا عند المتأخرين: أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه: قال الله، وقال رسوله (^٢).\nأما أصول دينهم، فصرَّحوا في كتبهم أن قول الله ورسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتجُّ بكلام الله ورسوله فيها الحشويةُ والمجسِّمة والمشبِّهة (^٣). وأما فروعهم، فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعضَ المختصرات التي لا يُذكَر فيها نصٌّ عن الله، ولا عن رسوله (^٤)، ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلَّدوه دينهم. بل عمدتُهم فيما يُفتون ويقضُون به، وينقلون به الحقوق، ويبيحون به الفروج والدماء والأموال، على قول ذلك المصنِّف. وأجلُّهم عند نفسه وزعيمُهم عند بني جنسه مَن يستحضر لفظ الكتاب، ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه. فالحلال ما أحلَّه ذلك الكتاب، والحرام ما حرَّمه، والواجب ما أوجَبه، والباطل ما أبطَله، والصحيح ما صحَّحه!\nهذا، وأنَّى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان! فقد دُفِعنا إلى أمرٍ تضِجُّ منه الحقوقُ إلى الله ضجيجًا، وتعِجُّ منه الفروجُ والأموال والدماء إلى ربِّها\n_________\n(^١) «قطُّ» خاص بالزمان الماضي. وقد سبق نحوه في كلام المؤلف.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «رسول الله».\n(^٣) انظر كلامهم والردّ عليه في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٦٣٢) وغيره.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «رسول الله - ﷺ -».","vol":"5","page":31},{"text":"عجيجًا، تُبدَّل فيه الأحكام، ويُقلَب الحلالُ بالحرام (^١)، ويُجعل فيه المعروفُ في أعلى (^٢) مراتب المنكرات، والمنكرُ الذي لم يشرعه الله ورسوله من أفضل القرُبات. الحقُّ فيه غريب، وأغرَبُ منه من يعرفه! وأغرَبُ منهما من يدعو إليه، وينصح به نفسَه [١٩١/أ] والناسَ! قد فلَق له (^٣) فالقُ الإصباح صبحَه عن غياهب الظلمات، وأبان له (^٤) طريقَه المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات، وأراه بعين قلبه ما كان عليه رسولُ الله - ﷺ - وأصحابه، مع ما عليه أكثرُ الخلق من البدع المضلَّات. رُفِع له علَمُ الهداية فشمَّر إليه، ووضَح له الصراطُ المستقيمُ فقام واستقام عليه. وطوبى له من وحيدٍ على كثرة السكان، غريبٍ على كثرة الجيران، بين أقوامٍ رؤيتُهم قذى العيون، وشجى الحلوق، وكربُ النفوس، وحُمَّى الأرواح، وغمُّ الصدور، ومرضُ القلوب.\nوإن أنصفتَهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبتَه منهم فأين الثريَّا من يد الملتمس! قد انتكست قلوبُهم، وعمي عليهم مطلوبُهم. رضُوا بالأماني، وابتلُوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقاشق الهذَيان! ولا والله ما ابتلَّت من وَشَلِه (^٥)\n_________\n(^١) في المطبوع: «فيه الحلال بالحرام»، وفي الطبعات السابقة: «فيه الحلال والحرام».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فيه المعروف أعلى».\n(^٣) يعني: لهذا الداعي إلى الحق، الناصح نفسَه والناسَ. وفي النسخ المطبوعة: «بهم»، وهو خطأ.\n(^٤) في المطبوع: «لهم»، وهو ساقط من الطبعات السابقة.\n(^٥) الوشل: الماء القليل.","vol":"5","page":32},{"text":"أقدامُهم، ولا زكت به عقولُهم وأحلامُهم، ولا ابيضَّت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامُهم، ولا ضحكت بالهدى والحقِّ منه وجوهُ الدفاتر إذ بُلَّت بمداده أقلامُهم. أنفقوا في غير شيءٍ نفائسَ الأنفاس، وأتعبوا أنفسَهم وحيَّروا مَن خلفهم من الناس. ضيَّعوا الأصول، فحُرِموا الوصول. وأعرضوا عن الرسالة، فوقعوا في مهامه (^١) الحيرة وبيداء الضلالة.\nوالمقصود: أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتمِّ بيان وأحسن تفسير. ومن رام إدراكَ الهدى ودين الحق من غير مشكاتها فهو عليه عسيرٌ غيرُ يسير.\nفصل\nالفائدة العاشرة: ينبغي للمفتي الموفَّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقارُ الحقيقي الحالي، لا العلمي المجرَّد، إلى مُلهِم الصواب، ومعلِّم الخير، وهادي القلوب=أن يُلهِمه الصوابَ، ويفتح له طريقَ السَّداد، ويدلَّه على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة. فمتى قرَع هذا البابَ فقد قرَع بابَ التوفيق. وما أجدَرَ مِن فضلِ ربِّه (^٢) أن لا يَحْرمه إياه. فإذا وجَد مِن قلبه (^٣) هذه الهمّةَ، فهي طلائعُ بشرى التوفيق، فعليه أن يوجِّه وجهَه ويحدِّق نظرَه إلى منبع الهدى، ومعدن الصواب، ومطلع الرشد؛ وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة= فيستفرغَ وسعَه في تعرُّف حكم تلك النازلة منها. فإن ظفِر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله.\n_________\n(^١) في المطبوع: «نهاية»، تحريف.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أمَّل فضلَ ربِّه»، وكأنَّ بعضهم أنكر السياق فزاد لفظ «أمَّل»!\n(^٣) في المطبوع: «قبله»، والذي غيَّره صواب محض.","vol":"5","page":33},{"text":"فإن العلم نورُ الله، يقذفه الله (^١) في قلب عبده. والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد، ولا بد أن تُضْعِفه.\nوشهدتُ شيخَ الإسلام ــ قدَّس الله روحه ــ إذا غشِيَتْه (^٢) المسائل واستعصَتْ عليه فرَّ منها إلى الاستغفار والتوبة والاستعانة (^٣) بالله، واللَّجَأ إليه، واستنزالِ الصواب من عنده، والاستفتاحِ من خزائن رحمته. فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع (^٤) عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه (^٥) بأيتهن يبدأ. ولا ريب أن من وُفِّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبُه في [١٩١/ب] ميادينه حقيقةً وقصدًا؛ فقد أُعطي حظَّه من التوفيق، ومَن حُرِمَه فقد مُنِعَ الطريقَ والرفيق. فمتى أُعِينَ مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحقِّ فقد سُلِكَ به الصراط المستقيم. وذلك فضل الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\nالفائدة الحادية عشرة (^٦): إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم (^٧) النازلةُ، فإما أن يكون عالمًا بالحقِّ فيها، أو غالبًا على ظنِّه بحيث قد استفرغ وسعَه في\n_________\n(^١) لم يرد لفظ الجلالة في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أعيته».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «التوبة والاستغفار والاستغاثة».\n(^٤) ك: «يتابع» بإهمال حرف المضارع.\n(^٥) «إليه» ساقط من ك.\n(^٦) في النسخ الثلاث: «الحادية عشر» إلى «التاسعة عشر» بتذكير «عشر». ولا يبعد أن يكون السهو قد وقع في أصل المؤلف، كما في مسودة «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٢٩).\n(^٧) في المطبوع: «بالحاكم أو المفتي». وفي الطبعات السابقة كما أثبت من النسخ.","vol":"5","page":34},{"text":"طلبه ومعرفته، أو لا. فإن لم يكن عالمًا بالحقِّ فيها ولا غلب على ظنِّه لم يحِلَّ له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم. ومتى أقدم على ذلك فقد تعرَّض لعقوبة الله، ودخل تحت قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فجعل القولَ عليه بلا علمٍ أعظمَ المحرَّمات الأربع التي لا تباح بحال، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر. ودخل تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]. ودخل في قول النبي - ﷺ -: «من أُفتِيَ بغير علمٍ فإنما إثمُه على من أفتاه» (^١)، وكان أحد القضاة الثلاثة الذين ثلثاهم في النار.\nوإن كان قد عرف الحقَّ في المسألة علمًا أو ظنًّا غالبًا لم يحِلَّ له أن يفتي ولا يقضي بغيره بالإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام. وهو أحد القضاة الثلاثة، والمفتين الثلاثة، والشهود الثلاثة. وإذا كان من أفتى أو حكَم أو شهِد بغير علم مرتكبًا لأعظم الكبائر، فكيف بمن (^٢) أفتى أو حكم أو شهد بما يعلم خلافه؟\nفالحاكم والمفتي والشاهد كلٌّ منهم مخبِرٌ عن حكم الله. فالحاكم مخبِر منفِّذ، والمفتي مخبر غير منفِّذ، والشاهد مخبر عن الحكم الكوني القدري المطابق للحكم الديني الأمري. فمن أخبر منهم عما يعلم خلافه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أول الكتاب.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «من».","vol":"5","page":35},{"text":"فهو كاذبٌ على الله عمدًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، ولا أظلم ممن كذَب على الله وعلى دينه.\nوإن أخبروا بما لم يعلموا فقد كذَبوا على الله جهلًا، وإن أصابوا في الباطن، وأخبروا بما لم يأذن الله لهم في الإخبار به. وهم أسوأ حالًا من القاذف إذا رأى الفاحشة وحده، فأخبر بها؛ فإنه كاذب عند الله، وإن أخبر بالواقع، فإن الله لم يأذَن له في الإخبار بها إلا إذا كان رابع أربعة. فإذا (^١) كان كاذبًا عند الله في خبر يطابق (^٢) لمخبره حيث لم يأذن له في الإخبار به، [فكيف بمن أخبر عن حكمه بما لم يعلم] (^٣) أن الله حكَم به، ولم يأذن له في الإخبار به (^٤)؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢]. والكذبُ على الله يستلزم التكذيبَ بالحق والصدق. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فإن».\n(^٢) كذا في النسخ الثلاث، وليس بعيدًا من أسلوب المؤلف. وقد سبق (٢/ ٥٠١): «يتضمن لمساواة». وفي النسخ المطبوعة: «مطابق».\n(^٣) ما بين المعقوفين ساقط من ز.\n(^٤) «فكيف بمن أخبر ...» إلى هنا ساقط من (ك، ب) لانتقال النظر.","vol":"5","page":36},{"text":"وهؤلاء (^١) الآيات وإن كانت في حقِّ المشركين والكفار، فإنها متناولة لمن كذَب على الله في توحيده ودينه، وأسمائه وصفاته وأفعاله. [١٩٢/أ] ولا تتناول المخطئَ المأجورَ إذا بذلَ اجتهادَه (^٢) واستفرغ وسعَه في إصابة حكم الله وشرعه، فإن هذا هو الذي فرضه الله عليه، فلا يتناول المطيعَ لله وإن أخطأ. وبالله التوفيق.\nالفائدة الثانية عشرة: حكمُ الله ورسوله يظهر على أربعة ألسنة: لسان الراوي، ولسان المفتي، ولسان الحاكم، ولسان الشاهد. فالراوي يظهر على لسانه لفظُ حكم الله ورسوله، والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبطه من لفظه، والحاكمُ يظهر على لسانه الإخبارُ بحكمه (^٣) وتنفيذُه، والشاهدُ يظهر على لسانه الإخبارُ بالسبب الذي يثبت حكمَ الشارع.\nوالواجب على هؤلاء الأربعة أن يخبروا بالصدق المستند إلى العلم، فيكونون عالمين بما يخبرون به، صادقين في الإخبار به. وآفة أحدهم الكذب والكتمان، فمتى كتَم الحقَّ أو كذَب فيه فقد حادَّ (^٤) الله سبحانه في شرعه ودينه. وقد أجرى الله سنته بالمَحْقِ (^٥) عليه بركةَ علمه ودينه ودنياه إذا فعل ذلك، كما أجرى عادته سبحانه في المتبايعَين إذا كتما وكذبا أن يمحق\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وهذه». ولفظ «الآيات» بعد «هؤلاء» ساقط من (ك، ب).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «جهده».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «بحكم الله».\n(^٤) كذا ورد في ز مضبوطًا بتشديد الدال. وفي المطبوع: «خان».\n(^٥) في حاشية ب: «بأن يمحق» مع علامة «ظ»، وفي النسخ المطبوعة: «أن يمحق». وما أثبت من النسخ الخطية صواب محض.","vol":"5","page":37},{"text":"بركةَ بيعهما. ومن التزم الصدقَ والبيانَ منهم في مرتبته بورك له في علمه ووقته ودينه ودنياه، وكان مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليمًا. فبالكتمان يعزل الحقَّ عن سلطانه، وبالكذب يقلبه عن وجهه، والجزاء من جنس العمل؛ فجزاءُ أحدهم أن يعزله الله عن سلطان المهابة والكرامة والمحبة والتعظيم الذي يُلبِسُه أهلَ الصدق والبيان، ويُلبِسَه ثوبَ الهوان والمقت والخزي بين عباده. فإذا كان يومُ اللقاء (^١) جازى الله سبحانه من يشاء من الكاذبين الكاتمين بطمس الوجوه وردِّها على أدبارها، كما طمسوا وجهَ الحقِّ، وقلبوه عن وجهه، جزاءً وفاقًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\nالفائدة الثالثة عشرة: لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحلَّ كذا أو حرَّمه أو أوجبه أو أحبَّه (^٢) أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك، مما نصَّ الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته. وأما ما وجده في كتابه الذي تلقَّاه عمن قلَّده دينَه، فليس له أن يشهد على الله ورسوله به، ويغُرَّ الناس بذلك، ولا علمَ له بحكم الله ورسوله.\nقال غير واحد من السلف: ليحذَر أحدكم أن يقول: أحلَّ الله كذا، أو حرَّم (^٣) كذا، فيقول الله له: كذبتَ، لم أُحِلَّ كذا، ولم أُحرِّمه (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «القيامة». وكان في ك: «القيامة اللقاء»، ثم ضرب على «القيامة».\n(^٢) «أو أحبه» ساقط من ك.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «حرَّم الله».\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"5","page":38},{"text":"وثبت في «صحيح مسلم» (^١) من حديث بُريدة بن الحُصَيب أن رسول الله - ﷺ - قال: «وإذا حاصرتَ حصنًا فسألوك أن تُنْزِلَهم على حكم الله ورسوله، فلا تُنْزِلْهم على حكم الله ورسوله، فإنك لا تدري أتصيب حكمَ الله فيهم أم لا؛ ولكن أَنزِلْهم على حكمك وحكم أصحابك».\nوسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسًا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومةٌ حكمَ فيها أحدهم بقول زفر. فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال [١٩٢/ب]: هذا حكمُ الله. فقلت له: صار قولُ زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به (^٢) الأمة؟ قل: هذا حكمُ زفر وقوله (^٣)، لا تقل: هذا حكمُ الله. أو نحو هذا من الكلام.\nالفائدة الرابعة عشرة: المفتي إذا سئل عن مسألة فإما أن يكون قصدُ السائل فيها معرفةَ ما (^٤) حكَم الله به ورسولُه (^٥) ليس إلا، وإما أن يكون قصدُه معرفةَ ما قاله الإمام الذي شهَر المفتي نفسَه باتباعه وتقليده دون غيره من الأئمة، وإما أن يكون مقصوده معرفةَ ما ترجَّح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها؛ لاعتقاده علمه ودينه وأمانته (^٦)، فهو يرضى بتقليده (^٧) هو،\n_________\n(^١) برقم (١٧٣١).\n(^٢) ك: «وألزبه».\n(^٣) «وقوله» ساقط من النسخ المطبوعة، وفيها بعد ذلك: «ولا تقل» بالواو.\n(^٤) «ما» من ك، ب.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «معرفة حكم الله ورسوله».\n(^٦) في المطبوع: «ودينه وإمامته».\n(^٧) في النسخ المطبوعة: «تقليده».","vol":"5","page":39},{"text":"وليس له غرضٌ في قول إمام بعينه. فهذه أجناس الفتيا التي ترِد على المفتين.\nففرضُ المفتي في القسم الأول أن يجيب بحكم الله ورسوله إذا عرفه وتيقَّنه، لا يسعُه غير ذلك. وأما في القسم الثاني، فإذا عرف قولَ الإمام نفسِه وسِعَه أن يخبر به. ولا يحِلُّ له أن ينسب إليه القولَ ويُطلق عليه أنه قولُه بمجرَّد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه، فإنه قد اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم. فليس كلُّ ما في كتبهم منصوصًا عن الأئمة، بل كثيرٌ منه يخالف نصوصهم، وكثيرٌ منه لا نصَّ لهم فيه، وكثير منه مخرَّجٌ (^١) على فتاويهم (^٢)، وكثير منه أفتوا به بلفظه أو بمعناه. فلا يحِلُّ لأحد أن يقول: «هذا قول فلان ومذهبه» إلا أن يعلم يقينًا أنه قوله ومذهبه، فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدي الله سبحانه!\nوأما القسم الثالث، فإنه يسعه أن يخبر المستفتي بما عنده في ذلك، وما (^٣) يغلب على ظنه أنه الصواب، بعد بذل جهده واستفراغ وسعه. ومع هذا فلا يلزم المستفتي الأخذُ بقوله، وغايته أنه يسوغ له الأخذُ به.\nفليُنزل المفتي نفسَه في منزلة من هذه المنازل الثلاث، وليقم بواجبها؛ فإن الدين دين الله، واللهُ سبحانه ــ ولا بدَّ ــ سائلُه عن كلِّ ما أفتى به. وهو موقوف (^٤)\n_________\n(^١) ب: «تخرَّج»، وفي النسخ المطبوعة: «يخرَّج». ورسمها في ز يحتمل ما أثبت.\n(^٢) «وكثير منه لا نصَّ ... فتاويهم» ساقط من ك.\n(^٣) في المطبوع: «ما» دون الواو، وفي الطبعات السابقة: «مما».\n(^٤) الكلمة غير محررة في ز، ك. وفي النسخ المطبوعة: «موقرة»، تحريف.","vol":"5","page":40},{"text":"عليه، ومحاسب (^١) ولا بدَّ. والله المستعان.\nالفائدة الخامسة عشرة: ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي السائلَ بمذهبه الذي يقلِّده، وهو يعلم أن مذهبَ غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصحُّ دليلًا، فتحمله الرياسة على أن يتقحَّم (^٢) الفتوى بما يغلب على ظنِّه أن الصواب في خلافه= فيكون خائنًا لله ورسوله وللسائل، وغاشًّا له. والله لا يهدي كيد الخائنين، وحرَّم الجنّةَ على من لقيه وهو غاشٌّ للإسلام وأهله. والدين النصيحة، والغِشُّ مضادٌّ للدين كمضادَّة الكذب للصدق، والباطل للحق.\nوكثيرًا ما ترِد المسألة نعتقد فيها خلافَ المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده. فنحكي المذهب، ثم نحكي المذهب الراجح ونرجِّحه، ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يؤخذ به. وبالله التوفيق.\nالفائدة السادسة عشرة: لا يجوز للمفتي الترويج (^٣)، وتخيير السائل (^٤)، وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه [١٩٣/أ] أن يبيِّن بيانًا مُزيلًا للإشكال، متضمِّنًا لفصل الخطاب، كافيًا في حصول المقصود، لا يحتاج معه إلى غيره. ولا يكون كالمفتي الذي سُئل عن مسألة (^٥) المواريث، فقال: تُقسَم (^٦) بين\n_________\n(^١) ز: «ويحاسب».\n(^٢) ب: «يقتحم»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) روَّج كلامه: زيَّنه وأبهمه، فلا تعلم حقيقته.\n(^٤) انظر الفائدة الحادية والخمسين.\n(^٥) بعده في النسخ المطبوعة: «في».\n(^٦) لم ينقط حرف المضارع في ز.","vol":"5","page":41},{"text":"الورثة على فرائض الله ﷿. وكَتبَه فلان.\nوسئل آخر عن صلاة الكسوف، فقال: يصلِّي (^١) على حديث عائشة؛ وإن كان هذا أعلم من الأول.\nوسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال: أما أهل الإيثار فيُخرِجون المالَ كلَّه، وأما غيرُهم فيُخرِج القدرَ الواجب عليه! أو كما قال.\nوسئل آخر عن مسألة، فقال: فيها قولان، ولم يزد.\nقال أبو محمد بن حزم (^٢): وكان عندنا مفتٍ إذا سئل عن مسألة لا يفتي فيها حتى يتقدَّمه من يكتب، فيكتب هو: جوابي فيها مثل جواب الشيخ. فقُدِّر أن مفتيين اختلفا في جواب، فكتب تحت جوابهما: جوابي مثل جواب الشيخين. فقيل له: إنهما قد تناقضا. فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا!\nوكان في زماننا رجلٌ مشار إليه في الفتوى (^٣)، وهو مقدَّم في مذهبه، وكان نائبُ السلطان يرسل إليه في الفتاوي، فيكتب: يجوز كذا، أو يصح كذا، أو ينعقد بشرطه. فأرسل إليه يقول له: تأتينا فتاوٍ منك فيها: يجوز، أو ينعقد، أو يصح بشرطه. ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن تبيِّن شرطه، وإما أن لا تكتب ذلك.\nوسمعت شيخنا يقول: كلُّ أحد يُحسِن أن يفتي بهذا الشرط، فإنه (^٤) أيُّ مسألة وردت عليه يكتُب فيها: يجوز بشرطه، أو يصح بشرطه، أو يقبل\n_________\n(^١) لم ينقط حرف المضارع في ز.\n(^٢) في «الإحكام في أصول الإحكام» (٦/ ٧٧) والنقل بالمعنى.\n(^٣) ز: «بالفتوى».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «فإن».","vol":"5","page":42},{"text":"بشرطه، ونحو ذلك. وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدةً أصلًا، سوى حيرة السائل وتبلُّده (^١).\nوكذلك قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم (^٢). فيا سبحان الله! والله لو كان الحاكم شريحًا وأشباهَه لما كان مردُّ أحكام الله ورسوله إلى رأيه، فضلًا عن حكام زماننا. فالله المستعان.\nوسئل بعضهم عن مسألة، فقال: فيها خلاف. فقيل له: كيف يعمل المفتَى (^٣)؟ فقال: يختار له القاضي أحد المذهبين (^٤).\nقال أبو عمرو بن الصلاح (^٥): كنت عند أبي السعادات بن الأثير الجزري، فحُكي له عن بعض المفتين أنه سئل عن مسألة، فقال: فيها قولان. فأخذ يُزري عليه، وقال: هذا حَيَدٌ عن الفتوى، ولم يخلِّص السائل من عَمايته، ولم يأت بالمطلوب.\nقلت: وهذا فيه تفصيل، فإن المفتي المتمكّنَ من العلم المضطلعَ به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازَع فيها، فلا يُقدِم على الجزم بغير علم، وغايةُ ما يمكنه أن يذكر الخلاف فيها للسائل.\n_________\n(^١) تبلَّد: تردَّد متحيِّرًا. وفي المطبوع: «وتنكُّده»، ولعله تصحيف.\n(^٢) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص ١٣٣).\n(^٣) في مصدر النقل: «المستفتي».\n(^٤) المصدر السابق. والمسؤول أبو حامد محمد بن يونس الإِرْبِلي شيخ المَوْصِل (ت ٦٠٨).\n(^٥) في كتابه المذكور (ص ١٣١) وقارِن ما نقله المصنف بما ورد فيه.","vol":"5","page":43},{"text":"وكثيرًا ما يُسأل الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن المسألة (^١) فيقول: فيها قولان، أو قد اختلفوا فيها. وهذا كثير في أجوبة الإمام أحمد لسعة علمه وورعه. وهو كثير في كلام الإمام الشافعي، يذكر المسألة، ثم يقول: فيها قولان. وقد اختلف أصحابه هل يضاف القولان اللذان يحكيهما إلى مذهبه وينسبان إليه أم لا؟ على طريقين.\nوإذا اختلف علي وابن مسعود، أو ابن عمر وابن عباس، أو زيد وأُبيّ وغيرهم [١٩٣/ب] من الصحابة، ولم يتبيَّن للمفتي القول الراجح من أقوالهم، فقال: هذه مسألة اختلف فيها فلان وفلان من الصحابة، فقد انتهى إلى ما يقدِر عليه من العلم.\nقال أبو إسحاق الشِّيرازي (^٢): سمعتُ شيخَنا أبا الطيِّب الطبري يقول: سمعتُ أبا العباس الخُضَري يقول: كنتُ جالسًا عند أبي بكر بن داود الظاهري، فجاءته امرأة، فقالت: ما تقول في رجلٍ له زوجة، لا هو ممسكها ولا هو (^٣) مطلقها. فقال لها: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، ويُبْعَث على التطلب والاكتساب. وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق، ولا يُحمَل على الطلاق. فلم تفهم المرأة قوله، فأعادت المسألة. فقال: يا هذه أجبتُك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طَلِبتِك، ولستُ بسلطان فأُمضي، ولا قاضٍ فأقضي، ولا زوجٍ فأُرضي؛ انصرِفي.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «مسألة».\n(^٢) في «طبقات الفقهاء» (ص ١٧٥ - ١٧٦) وقد يكون النقل من «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص ١٣٢ - ١٣٣).\n(^٣) «هو» ساقط من ز، وكذا في مصدر النقل والنسخ المطبوعة.","vol":"5","page":44},{"text":"الفائدة السابعة عشرة: إذا سئل عن مسألةٍ فيها شرطُ واقف لم يحِلَّ له أن يُلزِم بالعمل به، بل ولا يسوِّغه على الإطلاق، حتى ينظر في ذلك الشرط. فإن كان يخالف حكمَ الله ورسوله فلا حرمة له، ولا يحِلُّ له تنفيذه، ولا تسويغُ (^١) تنفيذه. وإن لم يخالف حكمَ الله ورسوله (^٢) فلينظر: هل فيه قربة أو رجحانٌ عند الشارع أم لا؟ فإن لم يكن فيه قربة ولا رجحان لم يجب التزامُه، ولم يحرَّم، فلا تضرُّ مخالفته. وإن كان فيه قربة وهو راجح على خلافه، فلينظر: هل يفوت بالتزامه والتقيُّد (^٣) به ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله وأرضى له، وأنفع للمكلَّف، وأعظم تحصيلًا لمقصود الواقف من الأجر؟ فإن فات ذلك بالتزامه لم يجب التزامه ولا التقيُّد به قطعًا، وجاز العدولُ بل استُحِبَّ (^٤) إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله، وأنفع للمكلَّف، وأكثر تحصيلًا لمقصود الواقف. وفي جواز التزام شرط الواقف في هذه الصورة تفصيل سنذكره إن شاء الله.\nوإن كان قربة وطاعة (^٥)، ولم يفُت بالتزامه ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله منه، وتساوى هو وغيره في تلك القربة، ويحصل غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره طريقين موصلين إلى مقصوده ومقصود الشارع من كلِّ وجه= لم يتعيَّن عليه التزام الشرط، بل له العدول عنه إلى ما هو أسهل عليه،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «يسوغ».\n(^٢) «فلا حرمة له ...» إلى هنا ساقط من ب.\n(^٣) ب: «التقييد» هنا وفيما يأتي، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «يستحب».\n(^٥) يعني: في الشرط. وفي النسخ المطبوعة: «فيه قربة وطاعة».","vol":"5","page":45},{"text":"وأرفق به. وإن ترجَّح موجَب الشرط وكان قصدُ القربة والطاعة فيه أظهرَ وجب التزامه.\nفهذا هو القول الكلي في شروط الواقفين، وما يجب التزامه منها، وما يسوغ، وما لا يجب. ومن سلك غير هذا المسلك تناقَض أظهر تناقض، ولم يثبت له قدمٌ يعتمد عليه.\nفإذا شرَط الواقفُ أن يصلّي الموقوفُ عليه في هذا المكان المعيَّن الصلوات الخمس ولو كان وحده، وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين= لم يجب عليه الوفاء بهذا الشرط، بل ولا يحِلُّ له التزامُه إذا فاتته الجماعة؛ فإن الجماعة إما شرطٌ لا تصح الصلاة بدونها، وإما واجبة يستحقُّ تاركها العقوبة، وإن صحَّت صلاته؛ وإما سنة [١٩٤/أ] مؤكدة يقاتَل تاركُها. وعلى كلِّ تقدير فلا يحِلُّ التزامُ شرطٍ يُخِلُّ بها.\nوكذلك إذا شرَط الواقفُ العزوبيةَ وتركَ التأهُّل لم يجب الوفاء بهذا الشرط (^١) ولا التزامه، بل من التزمه رغبةً عن السنة فليس من الله ورسوله في شيء. فإن النكاح عند الحاجة إليه إما فرضٌ يعصي (^٢) تاركه، وإما سنّةٌ الاشتغالُ بها (^٣) أفضلُ من صيام النهار وقيام الليل وسائر أوراد التطوعات، وإما سنّةٌ يثاب فاعلُها كما يثاب فاعلُ السنن والمندوبات. وعلى كلِّ تقدير\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بل».\n(^٢) أثبت في المطبوع: «يعاقب».\n(^٣) النسخ الخطية: «به»، وكذا في المطبوع. وكأنه أعاد الضمير على المقصود وهو النكاح. ولكن لم يقل في الجملة التالية: «يثاب فاعله»، فالظاهر أن «به» من خطأ النسَّاخ. وفي الطبعات القديمة كما أثبت.","vol":"5","page":46},{"text":"فلا يجوز اشتراط تعطيله وتركه (^١)، إذ يصير مضمونُ هذا الشرط أنه لا يستحقُّ تناولَ الوقف إلا من عطَّل ما فرض الله عليه وخالَف سنة رسول الله - ﷺ -، ومَن فعَلَ ما فرضه الله عليه وقام بالسنَّة لم يحِلَّ له أن يتناول من هذا الوقف شيئًا؛ ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والإلزام به من مضادَّة الله ورسوله. وهو أقبح من اشتراطه تركَ الوتر والسنن الراتبة، وصيام الاثنين والخميس، والتطوع بالليل؛ بل أقبح من اشتراطه تركَ ذكرِ الله بكرةً وعشيًّا ونحو ذلك.\nومن هذا (^٢): اشتراطه أن يصلّي الصلوات في التربة المدفون بها ويدَعَ المسجد. وهذا (^٣) مضادٌّ لدين الإسلام أعظمَ مضادَّة، فإن رسول الله - ﷺ - لعن المتّخذين قبور أنبيائهم مساجد (^٤). فالصلاة في المقبرة معصية لله ورسوله، باطلة عند كثير من أهل العلم، لا يقبلها الله ولا تُبرئ الذمة (^٥)؛ فكيف يجوز التزامُ شرط الواقف لها، وتعطيلُ شرط الله ورسوله؟ فهكذا يُغيَّر (^٦) الدين لولا أن الله سبحانه يقيم له من يبيِّن أعلامه، ويدعو إليه.\nومن ذلك: اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على القبر. فلا يحِلُّ للواقف\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أو تركه».\n(^٢) في المطبوع: «ذلك».\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «أيضًا».\n(^٤) رواه البخاري (٤٣٥) ومسلم (٥٣١) من حديث عائشة وعبد الله بن عباس.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «ولا تبرأ الذمة بفعلها»، ولعلّ الخطأ في قراءة الفعل أدّت إلى زيادة «بفعلها».\n(^٦) ك: «فهذا يغير» وكذا في المطبوع. وفي الطبعات السابقة: «فهذا تغيير».","vol":"5","page":47},{"text":"شرطُ ذلك (^١)، ولا للحاكم تنفيذه، ولا للمفتي تسويغه، ولا للموقوف عليه فعله والتزامه؛ فقد لعن رسولُ الله - ﷺ - المتَّخذين السُّرُجَ على القبور (^٢)، فكيف يحِلُّ للمسلم أن يُلزم أو يسوِّغ فعلَ ما لعَن رسولُ الله (^٣) - ﷺ - فاعلَه؟\nوحضرتُ بعضَ قضاة الإسلام يومًا، وقد جاءه كتابُ وقفٍ على تُربة ليثبته، وفيه: «وأنه يُوقِد على القبر كلَّ ليلة قنديلًا (^٤)»، فقلت له: كيف يحِلُّ لك أن تُثبت هذا الكتابَ وتحكُمَ بصحته، مع علمك بلعنة رسول الله - ﷺ - للمتخذين السُّرُجَ على القبور؟ فأمسك عن إثباته، وقال: الأمر كما قلتَ. أو كما قال.\nومن ذلك: أن يشترط القراءةَ عند قبره دون البيوت التي أذن الله أن تُرفَع ويُذكَر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغدو والآصال. والناس لهم فيها (^٥) قولان: أحدهما: أن القراءة لا تصل إلى الميت، فلا فرق بين أن يقرأ عند القبر أو\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «اشتراط ذلك».\n(^٢) رواه الطيالسي (٢٨٥٦)، أحمد (٢٠٣٠، ٢٦٠٣، ٢٩٨٤، ٣١١٨)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣)، وابن ماجه (١٥٧٥)، من حديث ابن عباس. وفيه باذام أبو صالح مولى أم هانئ، ضعيف يرسل. وفي إسناد ابن أبي شيبة (٧٥٤٩، ١١٨١٤): «... عن محمد بن جحادة، قال: سمعت أبا صالح يحدث بعد ما كبر، عن ابن عباس». ونقل ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩) تضعيف هذا الحديث عن عبد الحق والمنذري والنووي وغيرهم. وكذلك ضعف الألباني زيادة «السرج». انظر: «إرواء الغليل» (٧٦١) و«السلسلة الضعيفة» (٢٢٥).\n(^٣) ك: «لعن الله ورسول الله».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «قنديل».\n(^٥) لم يرد «فيها» في ز، ك.","vol":"5","page":48},{"text":"بعيدًا منه عند هؤلاء. والثاني: أنها تصل، ووصولُها فرعُ حصول الثواب للقارئ، ثم ينتقل منه إلى الميت. فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل الجُعْل، لم يُقصَد (^١) به التقرب إلى الله= لم يحصُل له ثواب، فكيف ينتقل عنه إلى الميِّت، وهو فرعه؟ فما زاد بمجيئه إلى التربة إلا العناء والتعب؛ بخلاف ما إذا قرأ لله (^٢) في المسجد أو غيره في مكان يكون أسهلَ عليه، وأعظمَ [١٩٤/ب] لإخلاصه، ثم جعَل ثوابَ ذلك للميِّت= وصل إليه.\nوذاكرتُ مرةً بهذا المعنى بعضَ الفضلاء، فاعترف به، وقال: لكن بقي شيء آخر، وهو أن الواقف قد يكون قصَد انتفاعَه بسماع القرآن على قبره، ووصولَ بركة ذلك إليه. فقلت له: انتفاعُه بسَماع القرآن مشروطٌ بحياته، فلما مات انقطع عملُه كلُّه. واستماعُ القرآن من أفضل الأعمال الصالحة، وقد انقطع بموته، ولو كان ذلك ممكنًا لكان السلف الطيب من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم أولى بهذا الحظ العظيم، لمسارعتهم إلى الخير وحرصِهم عليه، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. فالذي لا شكَّ فيه أنه لا يجب حضورُ التربة، ولا تتعيَّن القراءة عند القبر.\nونظير هذا ما لو وقف وقفًا يتصدَّق به عند القبر، كما يفعل كثير من الجهال، فإنَّ في ذلك من تعنية الفقير وإتعابه وإزعاجه من موضعه إلى الجبَّانة (^٣) في حال الحرّ والبرد والضعف حتَّى يأخذ تلك الصدقة عند القبر\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ولم يقصد»، بزيادة واو العطف بين معقوفين، ولا داعي لها.\n(^٢) «لله» لم يرد في ز.\n(^٣) هي المقبرة.","vol":"5","page":49},{"text":"مما (^١) لعله أن يُحبِط أجرها، ويمنع انعقاده بالكلّية.\nومن هذا لو شرَط واقفُ الخانقاه وغيرها على أهلها أن لا يشتغلوا بكتابة العلم وسماع الحديث والاشتغال بالفقه، فإن هذا شرط باطل مضادٌّ لدين الإسلام، لا يحلُّ تنفيذه ولا التزامه، ولا يستحق من قام به شيئًا من الوقف (^٢)؛ فإن مضمون هذا الشرط أن الوقف المعيَّن إنما يستحقُّه مَن ترَك ما يجب عليه من العلم النافع، وجهِل أمرَ الله ورسوله ودينه، وجهِل أسماءه وصفاته وسنة نبيه - ﷺ - وأحكام الثواب والعقاب. ولا ريب أن هذا الصنف شرار (^٣) خلق الله، وأمقتهم عند الله ورسوله، وهم خاصَّة الشيطان وأولياؤه وحزبه ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].\nومن ذلك إن شرَطَ (^٤) الواقف أن لا يُقرأ في ذلك المكان شيءٌ من آيات الصفات وأحاديث الصفات، كما أمر به بعضُ أعداء الله من الجهمية لبعض الملوك، وقد وقف مسجدًا لله. ومضمون هذا الشرط المضادِّ لما بعث الله به رسوله أن يعطَّل أكثرُ آيات القرآن عن التلاوة والتدبر والتفهم، وكثيرٌ من السنة أو أكثرُها عن أن تُذكَر أو تُروى أو تُسمَع أو يُهتدى بها، ويقام سوقُ التجهُّمِ والكلامِ المبتدَع المذموم، الذي هو كفيل بالبدع والضلالة والشك والحيرة.\n_________\n(^١) نقل في حاشية المطبوع أن في نسخة: «ما»، وهو أشبه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «هذا الوقف».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «من شرار».\n(^٤) ب: «أن يشرط». وفي النسخ المطبوعة: «أن يشترط».","vol":"5","page":50},{"text":"ومن ذلك أيضًا: أن يقف مكانًا إمَّا مسجدًا (^١) أو مدرسةً أو رباطًا على طائفة معيَّنة من الناس دون غيرهم، كالعجم مثلًا أو الروم أو الترك أو غيرهم. وهذا من أبطل الشروط، فإن مضمونه أن أقارب رسول الله - ﷺ - وذرية المهاجرين والأنصار لا يحِلُّ لهم أن يصلُّوا في هذا المسجد، ولا ينزلوا في هذا الرباط أو المدرسة أو الخانقاه. بل لو أمكن أن يكون أبو بكر وعمر وأهلُ بدر وأهلُ بيعة الرضوان بين أظهرنا حرُم عليهم النزولُ بهذا المكان الموقوف.\nوهذه الشروط والاشتغال بها والاعتداد بها من أسمَج الهذيَان، ولا تصدر من قلب طاهر، ولا ينفِّذها مَن شمَّ روائحَ العلم الذي بعث الله به رسولَه.\nوكذلك لو شرَط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفةً من أهل البدع [١٩٥/أ] كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية، والمبتدعين في أعمالهم كأصحاب الإشارات واللَّاذَن (^٢) والتسيير (^٣) والتغيير (^٤) وأكل الحيات وأصحاب النار، وأشباه الذئاب المشتغلين بالأكل والشرب والرقص= لم يصح هذا الشرط، وكان غيرُهم أحقَّ بالمكان منهم، وشروطُ الله أحقُّ. فهذه\n_________\n(^١) ك، ب: «مكانًا مسجدًا». وفي النسخ المطبوعة: «أو مسجدًا».\n(^٢) سبق تفسيره.\n(^٣) في ز هنا بالثاء ثم السين دون أسنان ثم الباء، ومن قبل ثبت فيه: «التسيير». وفي ك: «الثيبر». وفي ب: «التيسير»، وكذا في المطبوع وذكر في تعليقه أن في (ق): «الستر». ولم يتبين لنا صواب الكلمة.\n(^٤) في النسخ الخطية: «العنبر»، ولعل الصواب ما أثبتنا هنا ومن قبل استئناسًا بما ورد في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١١٣).","vol":"5","page":51},{"text":"الشروط وأضعافها وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى إنما أمَر بالتعاون على البرِّ والتقوى، وهو ما شرعه على لسان رسوله (^١)، دون ما لم يشرعه، فكيف بما شُرِع خلافَه!\nوالوقف إنما يصح على القُرَب والطاعات، ولا فرق في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه؛ فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف، فإذا اشترط أن يكون المصروف (^٢) قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا. ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن أئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسانُ صدق ما يخالف ذلك البتة. بل نشهد بالله ولله أن الأئمة لا تخالف ما ذكرناه، وأن هذا نفس قولهم، وقد أعاذهم الله من غيره. وإنما يقع الغلط الكثير (^٣) من المنتسبين إليهم في فهم أقوالهم، كما وقع لبعض من نصَب نفسَه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء (^٤) في رجل وقَف وقفًا على أهل الذمة، هل يصحُّ ويتقيَّد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقيُّد (^٥) الاستحقاق بذلك الوصف، وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة. فأنكر ذلك شيخُنا عليه غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين. وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «رسول الله - ﷺ -».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «المصرف».\n(^٣) في المطبوع: «لكثير»، وفي الطبعات السابقة: «من كثير».\n(^٤) هكذا السياق في النسخ الخطية والمطبوعة.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «وتقييد».","vol":"5","page":52},{"text":"الصليب وقولهم إن المسيح ابن الله شرطٌ لاستحقاق الوقف، حتَّى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دينَ الإسلام لم يحِلَّ له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون حلُّ تناوله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله، والكفر بدين الإسلام. ففرقٌ بين كون وصف الذمة مانعًا من صحة الوقف، وبين كونه مقتضيًا. فغلُظَ طبعُ هذا المفتي، وكثُفَ فهمُه، وغلُظَ حجابُه عن ذلك، ولم يميِّز.\nونظير هذا أن يقف على الأغنياء، فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيًّا أو ذا قرابة، فلا يكون الغنى مانعًا. ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى، فيستحق ما دام غنيًّا، فإذا افتقر واضطُرَّ إلى ما يقيم أوَدَه حرُم عليه تناولُ الوقف؛ فهذا لا يقوله إلا من حُرِم التوفيقَ، وصحِبه الخذلان. ولو رأى رسول الله - ﷺ - أحدًا من الأئمة يفعل ذلك لاشتدَّ إنكارُه وغضبُه عليه، ولَمَا أقرَّه البتة. وكذلك لو رأى رجلًا من أمته قد وقف على من يكون من الرجال عزَبًا غير متأهِّل، فإذا تأهَّلَ حرُم عليه تناولُ الوقف= لاشتدَّ غضبُه ونكيرُه عليه. بل دينُه يخالف هذا، فإنه كان إذا جاءه مالٌ أعطى العزبَ حظًّا، وأعطى الآهل حظَّين (^١). وأخبر أن ثلاثةً حقٌّ على الله [١٩٥/ب] عونُهم، فذكَر منهم الناكحَ يريد العفافَ (^٢)، وملتزم هذا الشرط حقٌّ عليه عدمُ إعانة الناكح.\nومن هذا: أن يشترط أنه لا يستحقُّ الوقفَ إلا مَن ترك الواجبَ عليه من طلب النصوص ومعرفتها، والتفقُّهِ في متونها، والتمسُّكِ بها، إلى الأخذ\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٣٩٨٦، ٢٤٠٠٤) وأبو داود (٢٩٥٣) من حديث عوف بن مالك. صححه ابن حبان (٤٨١٦) والحاكم (٢/ ١٤٠).\n(^٢) تقدَّم تخريجه.","vol":"5","page":53},{"text":"بقول فقيه معيَّن يترك لقوله قولَ من سواه، بل يترك النصوصَ لقوله. فهذا شرطٌ من أبطَل الشروط، وقد صرَّح أصحابُ الشافعي وأحمد بأن الإمام إذا شرَط على القاضي أن لا يقضي إلا بمذهب معيَّن بطل الشرطُ، ولم يجُز له التزامه. وفي بطلان التولية قولان مبنيَّان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة.\nوطردُ هذا: أن المفتي متى شُرِط عليه أن لا يفتي إلا بمذهب معيَّن بطل الشرط. وطردُه أيضًا: أن الواقف متى شرَط على الفقيه أن لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب معيَّن بحيث يهجُر له كتابَ الله وسنةَ رسوله، وفتاوى الصحابة ومذاهب العلماء= لم يصحَّ هذا الشرط قطعًا، ولا يجب التزامه، بل ولا يسوغ.\nوعقدُ هذا الباب وضابطُه: أن المقصود إنما هو التعاون على البرِّ والتقوى، وأن يطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، وأن يقدَّم من قدَّمه الله ورسولُه، ويؤخَّر من أخّره الله ورسوله، ويُعتبَر ما اعتبره الله ورسوله، ويُلغى ما ألغاه الله ورسوله. وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين، فكما أنه لا يوفَى من النذور إلا بما كان طاعةً لله ورسوله، فلا يلتزم (^١) من شروط الواقفين إلا ما كان طاعةً الله ورسوله.\nفإن قيل: الواقف إنما نقل ماله لمن قام بهذه الصفة، فهو الذي رضي بنقل ماله إليه، ولم يرضَ بنقله إلى غيره، وإن كان أفضل منه. فالوقف يجري مجرى الجِعالة، فإذا بذل الجاعلُ ماله لمن يعمل عملًا لم يستحقَّه من عمل\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «يلزم».","vol":"5","page":54},{"text":"غيره، وإن كان بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض.\nقيل: هذا منشأ الوهم والإيهام في هذه المسألة، وهو الذي قام بقلوب ضعَفة المتفقِّهين، فالتزموا وألزموا من الشروط بما غيرُه أحبُّ إلى الله، وأرضى له منه، بإجماع الأمة بالضرورة المعلومة من الدين.\nوجواب هذا الوهم أن الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده، إما محرَّمًا أو مكروهًا أو مباحًا أو مستحبًّا راجحًا (^١)، لينال غرضه الذي بذل فيه ماله. وأما الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقرِّبه إلى الله وثوابه، فهو لما علم أنه لم يبق له تمكُّنٌ من بذل ماله في أغراضه أحبَّ أن يبذله فيما يقرِّبه إلى الله وما هو أنفع له في الدار الآخرة. ولا يشك عاقل أن هذا غرض الواقفين، بل ولا يشك واقف أن هذا غرضه. والله ﷾ ملَّكه المال لينتفع به في حياته، وأذِن له أن يحبسه لينتفع به بعد وفاته، فلم يملِّكه أن يفعل به بعد موته ما كان يفعل به في حياته، بل حجَر عليه فيه، وملَّكه ثُلُثَه يوصي به بما يجوز ويسوغ أن يوصي به، حتى إن حاف (^٢) أو جار أو أثم في وصيته ساغ (^٣) بل وجب على الموصَى والورثة ردُّ ذلك الجور والحيف (^٤) والإثم، ورفَع سبحانه الإثم عمن يردُّ ذلك الحيف والإثم، [١٩٦/أ] من الورثة والأوصياء. فهو سبحانه لم يملِّكه أن يتصرَّف في ماله بتحبيس أصله (^٥) إلا على وجهٍ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أو واجبًا».\n(^٢) ك: «إن أجنف». وفي ب: «إذا أجنف»، وفي المطبوع: «خاف»، تصحيف.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «جاز».\n(^٤) ك، ب: «الجنف».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «في تحبيس ماله بعده».","vol":"5","page":55},{"text":"يقرِّبه إليه، ويُدنيه من رضاه، لا على أيِّ وجه أراد. ولم يأذن الله ولا رسوله للمكلَّف أن يتصرَّف في تحبيس ماله بعده على أيِّ وجه أراده أبدًا. فأين في كلام الله ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن لصاحب المال أن يقف ما أراد على من أراد، ويشرط ما أراد، ويجب على الحكام والمفتين أن ينِّفذوا وقفه، ويُلزموا بشروطه؟\nوأما ما قد لهِج به بعضُهم من قوله «نصوص (^١) الواقف كنصوص الشارع»، فهذا يراد به معنى صحيح ومعنى باطل. فإن أريد أنها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد مطلقها بمقيَّدها وتقديم خاصِّها على عامِّها، والأخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فهذا حقٌّ من حيث الجملة. وإن أريد أنها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها فهذا من أبطل الباطل، بل يبطل منها ما لم يكن طاعة لله ورسوله، وما غيرُه أحبُّ إلى الله وأرضى له ولرسوله منه، وينفَّذ منها ما كان قربة وطاعة، كما تقدَّم.\nولما نذر أبو إسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس، ولا يجلس، ولا يتكلَّم= أمره النبيُّ - ﷺ - أن يجلس في الظل، ويتكلَّم، ويتمَّ صومه (^٢). فألزمه بالوفاء بالطاعة، ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة.\nوهكذا (^٣) أخت عقبة بن عامر لما نذرت الحجَّ ماشيةً مكشوفةَ الرأس\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «شروط».\n(^٢) رواه البخاري (٦٧٠٤) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٣) في المطبوع: «وكذا».","vol":"5","page":56},{"text":"أمرَها أن تختمر، وتركَب، وتحُجَّ، وتُهدي بدَنة (^١). فهكذا الواجب على أتباع الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يعتمدوا في شروط الواقفين. وبالله التوفيق.\nالفائدة الثامنة عشرة: ليس للمفتي أن يطلق الجوابَ في مسألةٍ فيها تفصيل، إلا إذا علِم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع. بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل استفصله، كما استفصل النبيُّ - ﷺ - ماعزًا لما أقرَّ بالزنا: هل وجد منه مقدِّماته أو حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنون، فيكون إقراره غير معتبَر أم هو عاقل؟ فلما علِم عقلَه استفصله بأن أمَر باستنكاهه، ليعلم هل هو سكران أم صاح؟ فلما علم أنه صاحٍ استفصله: هل أحصن أم لا؟ فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد (^٢).\nومن هذا: قوله لمن سألته: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال: «نعم إذا رأت الماء» (^٣). فتضمَّن هذا الجوابُ الاستفصالَ بأنها يجب عليها الغسل في حال، ولا يجب عليها في حال.\n_________\n(^١) أصل الحديث عند البخاري (١٨٦٦) ومسلم (١٦٤٤) من حديث أبي الخير عن عقبة بن عامر، ولفظه عندهما: «لتمش ولتركب» بدون زيادة. ورواه أيضًا أحمد (١٧٧٩٣) من حديث عكرمة عن عقبة بن عامر، وفيه زيادة: «ولتهد بدنة»، وهو كذلك عند أحمد (٢٢٧٨، ٢٨٣٤)، وأبو داود (٣٢٩٦) من حديث عكرمة عن ابن عباس، وإسنادهما صحيح. وانظر: «فتح الباري» (٤/ ٨٠، ١١/ ٥٨٦، ٥٨٧) و«معرفة السنن والآثار» (١٤/ ٢٠٦ - ٢٠٨) و«التلخيص الحبير» (٦/ ٣١٤٥، ٣١٤٦).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) رواه البخاري (١٣٠) ومسلم (٣١٣) من حديث أم سلمة.","vol":"5","page":57},{"text":"ومن ذلك أن أبا النعمان بن بشير سأل رسول الله - ﷺ - أن يشهد على غلامٍ نحَلَه ابنَه، فاستفصله، وقال: «أكلَّ ولدِك نحلتَه كذلك؟» فقال: لا، فأبى أن يشهد (^١). وتحت هذا الاستفصال: أن ولدك إن كانوا اشتركوا في النَّحْل صلح ذلك، وإلا لم يصلح (^٢).\nومن ذلك: أن ابن أم مكتوم استفتاه: هل يجد له رخصة أن يصلِّي في بيته؟ فقال له (^٣): «هل تسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «فأجِبْ» (^٤). فاستفصله بين أن يسمع النداء [١٩٦/ب] أو لا يسمعه.\nومن ذلك أنه لما استفتي عن رجلٍ وقع على جارية امرأته، فقال: إن كان استكرهها فهي حرَّة وعليه مثلُها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلُها (^٥).\nوهذا كثير في فتاويه - ﷺ -.\nفإذا سئل المفتي عن رجلٍ دفع ثوبه إلى قصَّار يقصُره، فأنكر القصار الثوبَ ثم أقرَّ به، هل يستحق الأجرةَ على القِصارة أم لا؟ فالجواب بالإطلاق خطأٌ نفيًا وإثباتًا، والصواب التفصيل. فإن كان قصَره قبل جحوده (^٦) فله أجرة القِصارة، لأنه قصَره لصاحبه. وإن كان قصَره بعد\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «صحَّ ذلك وإلا لم يصح».\n(^٣) «له» لم يرد في ز والنسخ المطبوعة.\n(^٤) رواه مسلم (٦٥٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «الجحود».","vol":"5","page":58},{"text":"جحوده فلا أجرة له لأنه قصَره لنفسه.\nوكذلك إذا سئل عن رجلٍ حلَف يفعل كذا (^١)، ففعَلَه، لم يجُز له أن يفتي بحِنثه حتَّى يستفصله: هل كان ثابتَ العقل وقتَ فعلِه أم لا؟ وإذا كان ثابتَ العقل فهل كان مختارًا في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختارًا فهل استثنى عقيبَ يمينه أم لا؟ وإذا لم يستثنِ فهل فعَل المحلوفَ عليه عالمًا ذاكرًا مختارًا أم كان ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا؟ وإذا كان عالمًا مختارًا فهل كان المحلوفُ عليه داخلًا في قصده ونيته، أو قصَد عدمَ دخوله، فخصَّصه بنيته، أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه؟ فإنَّ الحِنثَ يختلف باختلاف ذلك كلِّه. ورأينا من مفتي العصر من بادر إلى التحنيث، فاستفصلنا (^٢)، فوجدناه غيرَ حانث في مذهب من أفتاه؛ وقع ذلك مرارًا. فخطر المفتي عظيم، فإنه موقِّع عن الله ورسوله، زاعمٌ أن الله أمَر بكذا، وحرَّم كذا، وأوجب كذا.\nومن ذلك: أن يستفتيه عن الجمع بين الظهر والعصر مثلًا: هل يجوز له أن يفرِّق بينهما؟ فجوابه بتفصيل المسألتين، وأن الجمع إن كان في وقت الأولى لم يجُز التفريق، وإن كان في وقت الثانية جاز.\nومن ذلك أنه لو قال له: إن لم تُحرِقْ هذا المتاع أو تَهدِمْ هذه الدار أو\n_________\n(^١) كذا في ز، ك. يعني: «لا يفعل»، وكثيرًا ما يحذفون «لا» من جواب القسم إذا كان منفيًّا لعدم اللبس، فإنه لو كان مثبتًا وجب توكيده بالنون «ليفعلن». ومنه قول امرئ القيس من قصيدة في ديوانه (ص ٣٢):\nفقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي\nيعني: لا أبرح. وفي ب والنسخ المطبوعة: «لا يفعل كذا وكذا».\n(^٢) في المطبوع: «فاستفصلناه».","vol":"5","page":59},{"text":"تُتلف هذا المال، وإلا (^١) قتلتُك، ففعل: هل يضمن أم لا؟ جوابه بالتفصيل، فإن كان المال المكرَه على إتلافه للمُكرِه لم يضمن، وإن كان لغيره ضمِنَه.\nوكذلك لو سأله عن (^٢) المظاهِر إذا وطئ في أثناء الكفارة: هل يلزمه الاستئناف أو يبني؟ فجوابه بالتفصيل أنه إن (^٣) كفَّر بالصيام فوطئ في أثنائه لزمه الاستئناف، وإن كفَّر بالإطعام لم يلزمه الاستئناف، وله البناء؛ فإنَّ حكمَ تتابع الصوم وكونه قبل المسيس قد انقطع به (^٤)، بخلاف الإطعام.\nوكذلك لو سأله عن المكفِّر بالعتق إذا أعتق عبدًا مقطوعةً إصبعُه، فجوابه بالتفصيل: إن كان إبهامًا لم يُجْزئه، وإلا أجزأه. فلو قال له: مقطوعَ الإصبعين، وهما الخنصر والبنصر؛ فجوابه بالتفصيل أيضًا: إن كانا من يد واحدة لم يُجزئه، وإن كانت كلُّ إصبع من يدٍ أجزأه.\nوكذلك لو سأله عن فاسقٍ التقط لُقَطةً أو لقيطًا، هل يقرُّ في يده؟ فجوابه بالتفصيل. تقرُّ اللقطة دون اللقيط، لأنها كسبٌ، فلا يُمنَع منه الملتقط. وثبوتُ يده على اللقيط ولاية، وليس من أهلها.\nولو قال له: اشتريتُ سمكةً، فوجدت في جوفها مالًا، ما أصنع به؟ فجوابه: إن كان لؤلؤةً [١٩٧/أ] أو جوهرةً فهو للصياد، لأنه ملَكه بالاصطياد،\n_________\n(^١) وقعت «وإلا» في غير موقعها، والمعنى على حذفها، وكان أسلوبًا دارجًا في زمن المؤلف. انظر ما علَّقت من قبل (١/ ٣٥٣).\n(^٢) «عن» ساقطة من النسخ المطبوعة.\n(^٣) بعدها في النسخ المطبوعة زيادة: «كان».\n(^٤) «به» ساقط من النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":60},{"text":"ولم تطِب نفسه لك به. وإن كان خاتمًا أو دينارًا فهو لُقَطة يجب تعريفها كغيرها.\nوكذلك لو قال له: اشتريتُ حيوانًا، فوجدتُ في جوفه جوهرةً؛ فجوابه: إن كان (^١) شاةً فهي لُقَطة للمشتري، يلزمه تعريفُها حولًا، ثم هي له بعده. وإن كان سمكة أو غيرها من دوابِّ البحر فهي مِلكٌ للصياد. والفرق واضح.\nومن ذلك: لو سأله عن عبدٍ التقط لُقَطةً، فأنفقها: هل تتعلَّق بذمته أو برقبته؟ فجوابه: أنه إن أنفقها قبل التعريف حولًا فهي في رقبته، وإن أنفقها بعد حول التعريف فهي في ذمته يتبع بها بعد العتق. نصَّ عليهما (^٢) الإمام أحمد مفرِّقًا بينهما، لأنه قبل الحول ممنوع منها، فإنفاقُه لها جنايةٌ منه عليها؛ وبعد الحول غير ممنوع منها بالنسبة إلى مالكها، فإذا أنفقها في هذه الحال فكأنه أنفقها بإذن مالكها، فتتعلَّق بذمته كديونه.\nومن ذلك: لو سأله عن رجل جعَل جُعْلًا لمن ردَّ عليه لُقَطتَه، فهل يستحقُّه من ردَّها؟ فجوابه: إن التقطها قبل بلوغ قول الجاعل لم يستحقَّه، لأنه لم يلتقطها لأجل الجُعْل، وقد وجب عليه ردُّها بظهور مالكها. وإن التقطها بعد أن بلغه الجُعْلَ استحقَّه.\nومن ذلك: أن يسأل فيقول: هل يجوز للوالدين أن يتملَّكا مالَ ولدهما، أو يرجعان (^٣) فيما وهباه؟ فالجواب أن ذلك للأب، دون الأم.\n_________\n(^١) في المطبوع: «كانت» هنا وفيما يأتي. وفي الطبعات السابقة هنا: «كانت»، وفيما يأتي: «كان».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «عليها». وانظر: «الهداية» لأبي الخطاب (ص ٣٣٠).\n(^٣) ب: «يرجعا».","vol":"5","page":61},{"text":"وكذلك إذا شهد له اثنان من ورثته غير الأب والابن بالجرح، فالجواب فيه تفصيل: فإن شهدا قبل الاندمال لم تُقبَل للتهمة، وإن شهدا بعده قُبلت لعدم التهمة.\nومن ذلك: إذا سئل عن رجل ادَّعى نكاحَ امرأة، فأقرَّت له؛ هل يُقبَل إقرارُها أم لا؟ جوابه بالتفصيل: إن ادَّعى زوجيَّتَها وحدَه قُبِل إقرارها، وإن ادعاها معه آخَرُ لم يُقبَل.\nومن ذلك: لو سئل عن رجل مات، فادَّعى ورثته شيئًا من تركته، وأقاموا شاهدًا، حلَف كلٌّ منهم يمينًا مع الشاهد، فإن حلف بعضُهم استحقَّ قدرَ نصيبه من المدَّعَى؛ وهل يشاركه من لم يحلِف في قدر حصَّته التي انتزعها بيمينه، أو لا يشاركه؟ فالجواب فيه تفصيل: إن كان المدَّعَى دَينًا لم يشاركه وينفرد الحالف بقدر حصته، وإن كان عينًا شاركه من لم يحلف؛ لأن الدَّين غير متعيِّن، فمن حلَف فإنما ثبت بيمينه مقدارُ حصته من الدَّين لا غيره، ومن لم يحلف لم يثبت له حقّ. وأما العين فكلُّ واحد من الورثة يُقِرُّ أن كلَّ جزء منها مشترك بين جماعتهم، وحقوقهم متعلِّقة بعينه، فالمخلص مشترك بين جماعتهم، والباقي غصبٌ على جماعتهم (^١).\nومن ذلك: إذا سئل عن رجل استعدى على خصمه ولم يحرِّر الدعوى، هل يحضره الحاكم؟ الجواب بالتفصيل: إن استعدى على حاضر في البلد أحضره لعدم المشقة، وإن كان غائبًا لم يُحضِره حتى يحرِّرها.\nومن ذلك: لو سئل عن رجل قطَع عضوًا من صيد، وأفلَتَ، هل يحِلُّ\n_________\n(^١) كذا ورد النص في النسخ الخطية والمطبوعة.","vol":"5","page":62},{"text":"أكلُ العضو؟ الجواب بالتفصيل: إن كان صيدًا بحريًّا حلَّ أكلُه، وإن كان برِّيًّا لم يحِلَّ.\nومن ذلك: لو سئل عن تاجر أهل الذمة، هل يؤخذ منه العُشر؟ [١٩٧/ب] فالجواب بالتفصيل: إن كان رجلًا أُخِذ منه (^١). وإن كانت امرأةً، ففيها تفصيل: إن تجرَت (^٢) إلى أرض الحجاز أُخِذ منها العُشْر، وإن تجَرت إلى غيرها لم يؤخذ منها شيء، لأنها تُقَرُّ في غير أرض الحجاز بلا جزية.\nومن ذلك: لو سئل عن ميِّتٍ مات، فطلب الأبُ ميراثه، ولم يُعلَم من هم (^٣) الورثة غيرُه؛ كم يُعطى الأب؟ فالجواب بالتفصيل: إن كان الميِّت ذكرًا أعطي الأبُ أربعةً من سبعة وعشرين سهمًا، لأن غاية ما يمكن أن يقدَّر معه: زوجة وأم وابنتان، فله أربعةٌ بلا شك من سبعة وعشرين. وإن كان الميِّت أنثى فله سهمان من خمسة عشر (^٤)، لأن أكثر ما يمكن أن يقدَّر معه: زوج وأم وابنتان، فله سهمان من خمسة عشر قطعًا.\nفإن قال السائل: مات ميِّت، وترك ثلاثَ بنات ابنُ بعضهن أسفل من بعض، مع العليا جدُّها. قال المفتي: إن كان الميِّت ذكرًا فالمسألة محال، لأن جدَّ العليا نفس الميِّت. وإن كان الميت أنثى فجدُّ العليا إما أن يكون زوجَ الميتة أو لا يكون كذلك، فإن كان زوجَها فله الربع، وللعليا النصف، وللوسطى السدس تكملة الثلثين، والباقي للعصبة.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «العشر».\n(^٢) ما عدا ز: «اتجرت» هنا وفيما بعد.\n(^٣) لم يرد «هم» في ب.\n(^٤) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «قطعًا».","vol":"5","page":63},{"text":"فلو قال السائل: ميِّتٌ خلَّف ابنتين وأبوين (^١)، ولم تُقسَم التركة حتى ماتت إحداهما وخلَّفت من خلَّفت. قال المفتي: إن كان الميت ذكرًا فمسألته من ستة، للأبوين سهمان، ولكلِّ بنت سهمان. فلما ماتت إحداهما خلَّفت جدَّةً وجدًّا وأختًا لأب، فمسألتها من ستة، وتصح من ثمانية عشر، وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف، فترد إلى تسعة، ثم تضربها في ستة تكون أربعة وخمسين، ومنها تصح. وإن كان الميت أنثى ففريضتها أيضًا من ستة، ثم ماتت إحدى البنتين عن سهمين، وخلَّفت جدّةً وجدًّا من أم وأختًا لأب، فلا شيء للجدّ، وللجدّة السدس، وللأخت النصف، والباقي للعصبة. فمسألتها من ستة، وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في المسألة الأولى تكن ثمانية عشر.\nوالمقصود: التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملًا. وبالله التوفيق. فكثيرًا ما يقع غلطُ المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد عليه المسائل في قوالب متنوعة جدًّا، فإن لم يتفطَّن لحقيقة السؤال وإلا هلَك (^٢) وأهلَك. فتارةً تورد عليه المسألتان صورتُهما واحدة وحكمُهما مختلف: صورةُ الصحيح (^٣) والجائزِ صورةُ الباطل والمحرَّم، ويختلفان بالحقيقة، فيذهل بالصورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرَّق الله ورسوله بينه.\nوتارةً تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة، وحقيقتهما واحدة،\n_________\n(^١) في النسخ الثلاث: «أبوين وابنتين». ولكن في ز فوقهما علامة التقديم والتأخير.\n(^٢) نبهت آنفًا في هذه المسألة نفسها على استعمال «وإلا» في غير موقعها. وهنا مثله، فالمعنى: «فإن لم يتفطَّن هلك وأهلك».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فصورة الصحيح».","vol":"5","page":64},{"text":"وحكمهما واحد؛ فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة، فيفرِّق بين ما جمع الله بينه.\nوتارةً تورد عليه المسألة مجملةً تحتها عدة أنواع، فيذهب وهمُه إلى واحد منها، أو يشِذّ عنه المسؤول (^١) عنه منها، فيجيب بغير الصواب. وتارةً تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالبٍ مزخرَف ولفظٍ حسن، فيبادر إلى تسويغها، وهي من أبطل الباطل، وتارةً بالعكس؛ فلا إله إلا الله، كم هاهنا من مزلَّة أقدام، ومحلِّ أوهام!\nوما دعا مُحِقٌّ إلى حقٍّ إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليِّه من الإنس في [١٩٨/أ] قالبٍ تنفِر عنه خفافيشُ البصائر وضعفاءُ العقول وهم أكثر الناس. وما حذَّر أحد من باطلٍ إلا أخرجه الشيطان على لسان وليِّه من الإنس في قالبٍ مزيَّف مزخرَف يستخِفُّ به عقولَ ذلك الضرب من الناس، فيستجيبون له. وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور، لا يتجاوزها إلى الحقائق، فهم محبوسون في سجن الألفاظ، مقيَّدون بقيود العبارات، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣].\nوأذكر لك من هذا مثالًا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يُلزَم أهلُ الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ويذهل عن المسؤول».","vol":"5","page":65},{"text":"فقامت لذلك قيامتهم، وعظُم عليهم. وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرَّت به عيون المسلمين. فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوَّروا فُتيا يتوصَّلون بها إلى إزالة هذا الغِيَار (^١)، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباسٍ غير لباسهم المعتاد وزيٍّ غير زيِّهم المألوف، فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرَّأ عليهم بسببه السفهاء والذُّعَّار (^٢)\nوآذَوهم غاية الأذى، وطُمِع (^٣) بذلك في إهانتهم، والتعدِّي عليهم. فهل يسوغ للإمام ردُّهم إلى زيِّهم الأول، وإعادتُهم إلى ما كانوا عليه، مع حصول التميُّز بعلامةٍ يُعرَفون بها؟ وهل ذلك (^٤) مخالفة للشرع أم لا؟ فأجابهم مَن مُنِع التوفيقَ وصُدَّ عن الطريق بجواز ذلك، وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه.\nقال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم، ويجب إبقاؤهم على الزيِّ الذي يتميزون به عن المسلمين. فذهبوا، ثم غيَّروا الفُتيا،\n_________\n(^١) الغِيار: علامة أهل الذمة.\n(^٢) كذا بالذال في ز، ب. قال الصفدي في «تصحيح التصحيف» (ص ٢٦٠): «تقول العامة للصوص: ذُعّار، بالذال معجمة، والصواب: دُعَّار بالدال المهملة ...». وقد ورد «الزُّعَّار» بالزاي أيضًا في هذا السياق. نقل الطبري في تاريخه (٨/ ٤٩٦) قول بعضهم:\n\nآلى الأميرُ وقولُه وفعالُه ... حقٌّ بجمع معاشر الزُّعَّار\nيعني: أهل الشرّ والشغب. وانظر: «تكملة دوزي» (٥/ ٣٢٥). وفي المطبوع: «الرَّعاع»، وفي الطبعات السابقة: «الرعاة».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فطمع».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «في ذلك».","vol":"5","page":66},{"text":"ثم جاؤوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم. فذهبوا، ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعيَّنة، وإن خرجت في عدة قوالب. ثم ذهب إلى السلطان، وتكلَّم عنده بكلام عجِبَ منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم، ولله الحمد.\nونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى. فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه أن صوَّروا فتوى فيما يحدُث ليلة النصف في الجامع، وأخرجوها في قالب حسن، حتى استخفُّوا عقل بعض المفتين، فأفتاهم بجوازه. وسبحان الله، كم تُوُصِّل بهذه الطرق إلى إبطال حقٍّ، وإثبات باطل! وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال، وأهلُ النقد منهم الذين يعبُرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عُشْرَ معشار غيرهم، ولا قريبًا من ذلك. فالله المستعان.\nالفائدة التاسعة عشرة: إذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه أن يذكر موانعَ الإرث، فيقول: بشرط أن لا يكون [١٩٨/ب] كافرًا ولا رقيقًا ولا قاتلًا. وإذا سئل عن فريضة فيها أخ وجب عليه أن يقول: إن كان لأبٍ فله كذا، وإن كان لأمٍّ فله كذا. وكذلك إذا سئل عن الأعمام وبنيهم وبني الإخوة وعن الجدِّ والجدَّة فلا بد من التفصيل.\nوالفرق بين الموضعين أن السؤال المطلق في الصورة الأولى يدل على الوارث الذي لم يقم به مانع من الميراث، كما لو سئل عن رجل باع أو آجرَ أو تزوَّج أو أقرَّ لم يجب عليه أن يذكر موانع الصحة من الجنون والإكراه ونحوهما إلا حيث يكون الاحتمال متساويًا.","vol":"5","page":67},{"text":"ومن تأمَّل أجوبة النبي - ﷺ - رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة إلى الاستفصال، ويتركه حيث لا يحتاج إليه، ويحيل فيه مرةً على ما عُلِم من شرعه ودينه من شروط الحكم وتوابعه. بل هذا كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].\nولا يجب على المتكلِّم والمفتي أن يستوعب شرائط الحكم وموانعه كلَّها عند ذكر حكم المسألة، ولا ينفع السائلَ (^١) والمتعلِّمَ قولُه «بشرطه، وعدم موانعه» ونحو ذلك، فلا بيانَ أتمُّ من بيان الله ورسوله، ولا هديَ أكملُ من هدي الصحابة والتابعين. وبالله التوفيق.\nالفائدة العشرون: لا يجوز للمقلِّد أن يفتي في دين الله بما هو مقلِّد فيه وليس على بصيرة فيه، سوى أنه قولُ من قلَّده دينَه. هذا إجماع من السلف كلِّهم، وصرَّح به أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم (^٢).\nقال أبو عمرو بن الصلاح (^٣): قطع أبو عبد الله الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الرُّوياني صاحب «بحر المذهب» وغيرهما بأنه لا يجوز للمقلِّد أن يفتي بما هو مقلِّد فيه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «والمتكلم».\n(^٢) ز: «وصرَّح به الإمام أحمد والشافعي وغيرهم». وكذا في النسخ المطبوعة بعد تصحيح «وغيرهم».\n(^٣) في «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١٠١).","vol":"5","page":68},{"text":"قال (^١): وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في «شرحه لرسالة الشافعي» عن شيخه أبي بكر القفال المروزي أنه يجوز لمن حفِظ مذهبَ صاحبِ مذهبٍ ونصوصَه أن يفتي به، وإن لم يكن عارفًا بغوامضه وحقائقه. وخالفه الشيخ أبو محمد وقال: لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبِّحرًا فيه عالمًا بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز للعامِّي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها. وإذا كان متبحِّرًا فيه جاز أن يفتي به.\nوقال أبو عمرو (^٢): من قال: لا يجوز له أن يفتي بذلك، معناه: لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى غيره (^٣)، ويحكيه عن إمامه الذي قلَّده. فعلى هذا من عددناه في أصناف المفتين المقلِّدين ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقام المفتين، وأدَّوا عنهم، فعُدُّوا منهم. وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلًا: مذهب الشافعي كذا وكذا، ومقتضى مذهبه كذا وكذا، وما أشبه ذلك. ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامه، فإن كان ذلك اكتفاءً منه بالمعلوم عن الصريح فلا بأس.\nقلت: ما ذكره أبو عمرو حسن، إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرُم عليه أن يقول: «مذهب [١٩٩/أ] الشافعي» لما لا يعلم أنه نصُّه الذي أفتى به، أو يكون شهرته بين أهل المذهب شهرةً لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصِّه، كشهرة مذهبه في الجهر بالبسملة، والقنوت في الفجر، ووجوب تبييت النيَّة\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وقال»، وهو خطأ. وانظر: «أدب المفتي» (ص ١٠٢) بعد الكلام السابق.\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٠٣).\n(^٣) «إلى غيره» لم يرد في مصدر النقل.","vol":"5","page":69},{"text":"للفرض (^١) من الليل، ونحو ذلك. فأما مجرَّدُ ما يجد في كتبِ مَن انتسب إلى مذهبه من الفروع، فلا يسعه أن يضيفها إلى نصِّه ومذهبه بمجرَّد وجودها في كتبهم. فكم فيها من مسألة لا نصَّ له فيها البتة ولا ما يدل عليه! وكم فيها من مسألة نصُّه على خلافها! وكم فيها من مسألة اختلف المنتسبون إليه في إضافتها إلى مقتضى نصِّه ومذهبه! فهذا يضيف إلى مذهبه إثباتها، وهذا يضيف إليه نفيها، فلا ندري كيف يسع المفتي عند الله أن يقول: هذا مذهب الشافعي، وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة؟\nوأما قول الشيخ أبي عمرو: «إن هذا المفتي يقول (^٢): هذا مقتضى مذهب الشافعي (^٣)» فلعمرُ الله لا يُقبَل ذلك من كلِّ من نصَب نفسه للفتيا حتى يكون عالمًا بمآخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جمعًا وفرقًا، ويعلم أن ذلك الحكم مطابق لأصوله وقواعده. بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها إذا أخبر أن هذا مقتضى مذهبه كان له حكمُ أمثاله ممَّن قال بمبلغ علمه، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعَها.\nوبالجملة، فالمفتي مخبِرٌ عن الحكم الشرعي، وهو إما مخبِر عما فهمه عن الله ورسوله، وإما مخبِر (^٤) عما فهمه من كتابه (^٥) أو نصوص من قلَّده دينَه. وهذا لون، وهذا لون. فكما لا يسع الأولَ أن يخبر عن الله ورسوله إلا\n_________\n(^١) يعني: من الصوم. وفي النسخ المطبوعة: «للصوم في الفرض».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «لهذا المفتي أن يقول».\n(^٣) بعده في النسخ المطبوعة: «مثلًا».\n(^٤) العبارة «عن الحكم الشرعي ... مخبر» ساقطة من (ك، ب) لانتقال النظر.\n(^٥) ما عدا ز: «كتاب».","vol":"5","page":70},{"text":"بما علمِه، فكذا لا يسع الثاني أن يخبر عن إمامه الذي قلَّده دينَه إلا بما يعلمه. وبالله التوفيق.\nالفائدة الحادية والعشرون: إذا تفقَّه الرجل، وقرأ كتابًا من كتب الفقه أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف، والاستنباط والترجيح؛ فهل يسوغ تقليده في الفتوى؟\nفيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والجواز عند عدم المجتهد ولا يجوز مع وجوده، والجواز إن كان مُطَّلِعًا على مأخذِ من يفتي بقولهم، والمنع إن لم يكن مطَّلعًا.\nوالصواب فيه: التفصيل. وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصُّلُ إلى عالم يهديه السبيل لم يحِلَّ له استفتاءُ مثل هذا، ولا يحِلُّ لهذا أن ينصب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم. وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيرُه، بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه، فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يُقدِم على العمل بلا علم، أو يبقى مرتبكًا في حيرته، مترددًا في عماه وجهالته؛ بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها.\nونظير هذه المسألة: إذا لم يجد السلطان من يولِّيه إلا قاضيًا عاريًا عن شروط القضاء لم يعطِّل البلد عن قاض، ووَلَّى الأمثل فالأمثل.\nونظير هذا: لو كان الفسق هو الغالب على أهل ذلك البلد (^١)، وإن لم تُقبَل شهادةُ بعضهم على بعض [١٩٩/ب] وشهادتُه له تعطَّلت الحقوق وضاعت قُبِلَ شهادةُ الأمثل فالأمثل.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «تلك البلد».","vol":"5","page":71},{"text":"ونظيرها: لو غلب الحرام والشبهة (^١) حتى لم يجد الحلال المحض فإنه يتناول الأمثل بالأمثل.\nونظيرها (^٢): لو شهد بعضُ النساء على بعض بحقٍّ في بدن أو عرض أو مال، وهن منفردات، بحيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس، قُبِلت شهادةُ الأمثل فالأمثل منهن قطعًا. ولا يضيع الله ورسوله حقَّ المظلوم، ولا يعطِّل إقامة دينه في مثل هذه الصورة أبدًا.\nبل قد نبَّه الله تعالى على القبول في مثل هذه الصورة، بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورةٍ أنزلت في القرآن، ولم ينسخها شيء البتة، ولا نسخ هذا الحكمَ كتابٌ ولا سنّةٌ، ولا أجمعت الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه. فالشريعة شُرِعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان، وأيُّ مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسبابَ تلك الحقوق شاهدان حرَّان ذكران عدلان؟\nبل إذا قلتم: تقبل شهادة الفساق حيث لا عدل، وينفَّذ حكم الجاهل والفاسق (^٣) إذا خلا الزمان عن قاض عالم عادل، فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعُهن عن رجل، أو شهادة العبيد إذا خلا جمعُهم عن حرٍّ، أو شهادة الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعُهم عن مسلم؟\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «الحرام المحض أو الشبهة».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ونظير هذا».\n(^٣) ب: «الفاسق والجاهل».","vol":"5","page":72},{"text":"وقد قبل ابن الزبير شهادةَ الصبيان بعضهم على بعض في تجارُحهم (^١)، ولم ينكره عليه أحد من الصحابة. وقال به مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه حيث يغلب على الظن صدقُهم بأن يجيؤوا (^٢) قبل أن يُخَبَّبُوا (^٣) أو يتفرَّقوا إلى بيوتهم. وهذا هو الصواب (^٤)، وبالله التوفيق.\nوكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرَّج على وجهين. فقد منع كثيرٌ منهم الفتوى والحكم بالتقليد، وجوَّزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد، كما قال أبو إسحاق بن شَاقْلا ــ وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد: إن المفتي ينبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث، ثم يفتي ــ: فقال لي رجلٌ: فأنت تحفظ هذا؟ قلت (^٥): إن لم أحفظ هذا، فأنا أفتي بقول من كان يحفظه (^٦). وقال أبو الحسن بن بشار من كبار أصحابنا:\n_________\n(^١) رواه مالك (٢/ ٧٢٦)، وعبد الرزاق (١٤٤٩٤، ١٤٤٩٥)، وابن أبي شيبة (٢١٤٣٣) من طريقين عن ابن الزبير، وإسناده صحيح، صححه ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢٢/ ٧٨).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «يجيبوا». ورسمها في (ز، ك) بنبرة واحدة بعد الجيم.\n(^٣) ز: «يختبوا». وفي ك: «يحيبوا» دون نقط الباء. وفي ب: «يجيئوا». وفي النسخ المطبوعة: «يجتنبوا»، وكلُّ ذلك تصحيف ما أثبت. انظر: «المدونة» (٤/ ٢٦) و«الاستذكار» (٧/ ١٢٤). وخبَّبَه: خدعه وأفسده.\n(^٤) وانظر: «الطرق الحكمية» (١/ ٤٥٤) و«بدائع الفوائد» (٤/ ١٣١٩).\n(^٥) السياق في النسخ المطبوعة: «فقال له الرجل: أنت تحفظ هذا؟ فقال». وأخشى أن يكون من تصرف بعض الناشرين.\n(^٦) تقدم قول ابن شاقلا في أول الكتاب.","vol":"5","page":73},{"text":"ما ضرَّ رجلًا (^١) عنده ثلاث مسائل أو أربع (^٢) من فتاوى الإمام أحمد يستند إلى هذه السارية ويقول: قال أحمد بن حنبل.\nالفائدة الثانية والعشرون: إذا عرف العامِّيُّ حكمَ حادثة بدليلها، فهل له أن يفتي به، ويسوغ لغيره تقليده فيه؟ ففيه ثلاثة أوجه للشافعية وغيرهم:\nأحدها: الجواز، لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم، وإن تميَّز العالمُ عنه بقوة يتمكَّن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له، فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله.\nوالثاني: لا يجوز له ذلك مطلقًا، لعدم أهليته للاستدلال، وعدم علمه بشروطه وما يعارضه، ولعله يظن دليلًا ما ليس بدليل.\nوالثالث: إن كان الدليل كتابًا أو سنةً جاز له الإفتاء. وإن كان غيرهما لم يجز، لأن القرآن والسنة [٢٠٠/أ] خطاب لجميع المكلفين، فيجب على المكلَّف أن يعمل بما وصل إليه من كتاب ربِّه وسنة نبيه، ويجوز له أن يرشد غيره إليه ويدلَّه عليه.\nالفائدة الثالثة والعشرون: ذكر أبو عبد الله بن بطَّة في «كتابه في\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «رجل» بالرفع، ولكن سياق قوله في «العدَّة» للقاضي (٥/ ١٥٩٨) و«الفروع» (١١/ ١٠٥) وغيرهما: «ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد خمس مسائل ...» يؤيد ما أثبت من النسخ المطبوعة. وأبو الحسن بن بشار (ت ٣١٣) ممن حدَّث عن صالح وعبد الله ابني الإمام أحمد. انظر ترجمته في «طبقات الحنابلة» (٣/ ١٠٨).\n(^٢) في المطبوع بعدها زيادة: «مسائل».","vol":"5","page":74},{"text":"الخلع» (^١) عن الإمام أحمد أنه قال: لا ينبغي للرجل أن ينصِب نفسَه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. الثانية: أن يكون له حلم (^٢) ووقار وسكينة. الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضَغه الناس. الخامسة: معرفة الناس.\nوهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحلِّه من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه.\nفأما النية، فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعملُ تابع لها (^٣)، يصحُّ بصحتها، ويفسد بفسادها. وبها يُستجلَب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان. وبحسبها\n_________\n(^١) يعني: كتاب «الردِّ على من أفتى في الخلع»، ومنه نقله القاضي في «العدَّة» (٥/ ١٥٩٩). وأورده ابن بطة في كتاب «إبطال الحيل» (ص ٨٠ - ٨١) أيضًا. وانظر: «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (٣/ ١٠٨) وفيها جميعًا أن ابن بطة رواه بسنده عن «العباس بن الحسين القنطري، حدثنا محمد بن الحجاج، قال: كتب أحمد بن حنبل عني كلامًا. قال العباس: وأملاه علينا». وهذا يدل على أن الكلام الآتي لمحمد بن الحجاج، لا الإمام أحمد، كما ذكر المؤلف هنا، وقبله ابن عقيل في كتابه «الواضح في أصول الفقه» (٥/ ٤٦٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «علم وحلم»، وزيادة «علم» خطأ هنا. ثم لم ترد هذه الزيادة في النسخ الخطية ولا في مصادر النقل المذكورة، ولا في تفسير المؤلف لهذه الخصلة فيما يأتي.\n(^٣) في المطبوع بعده زيادة: «وعليها يبنى»، وفي الطبعات السابقة: «يبنى عليها».","vol":"5","page":75},{"text":"تفاوتت (^١) الدرجات في الدنيا والآخرة. فكم بين مريدٍ بالفتوى وجهَ الله ورضاه والقربَ منه وما عنده، ومريدٍ بها وجهَ المخلوق ورجاءَ منفعته وما يناله منه تحقيقًا (^٢) أو طمعًا! فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة، وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب. هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، ورسوله هو المطاع. وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع، وهو المشار إليه، وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما، فالله المستعان.\nوقد جرت عادة الله التي لا تبدَّل وسنته التي لا تحوَّل: أن يُلبِس المخلصَ، من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه؛ ويُلبِس المرائي اللابسَ ثوبَي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به. فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء.\nوأما قوله: «أن يكون له حلم ووقار وسكينة»، فليس صاحبُ العلم والفتيا إلى شيء أحوجَ منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوةُ علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمُه كالبدن العاري من اللباس.\nقال (^٣) بعض السلف: ما قُرن شيءٌ إلى شيء أحسنُ من علم إلى حلم (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «تتفاوت».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «تخويفًا»، ويبدو أنه تحريف من بعض النساخ أو الناشرين.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وقال».\n(^٤) رواه أبو خيثمة في «العلم» (٨١)، والدارمي (٥٩٦)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٤٨٨) عن عطاء بلفظ: «ما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم»، وإسناده صحيح. وروي من قول سليمان بن موسى عند ابن أبي شيبة (٢٦١٣٨).","vol":"5","page":76},{"text":"والناس هاهنا أربعة أقسام: فخيارهم من أوتي العلم والحلم (^١). وشرارهم من عَدِمهما. الثالث: من أوتي علمًا بلا حلم. الرابع: عكسه.\nفالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله. وضدُّه: الطيش والعجلة والحدَّة والتسرُّع وعدم الثبات. فالحليم لا يستفزُّه البَدَوات (^٢)، ولا يستخفُّه الذين لا يعلمون، ولا يُقَلقله (^٣) أهلُ الطيش والخفة والجهل. بل هو وقور ثابت ذو أناة، يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها. وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفَّه دواعي الغضب والشهوة. فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشرّ والصلاح والفساد، [٢٠٠/ب] وبالحلم يتمكَّن من تثبيت نفسه عند الخير، فيؤثره، ويصبر عليه؛ وعند الشرِّ فيصبر عنه. فالعلم يعرِّفه رشدَه، والحلم يثبِّته عليه.\nوإذا شئت أن ترى بصيرًا بالخير والشرِّ لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته. وإذا شئت أن ترى صابرًا على المشاقِّ لا بصيرةَ له رأيته. وإذا شئت أن ترى من لا صبر له ولا بصيرة رأيته. وإذا شئت أن ترى بصيرًا صابرًا لم تكد. فإذا رأيتَه فقد رأيتَ إمامَ هدًى حقًّا، فاستمسِكْ بغَرْزه!\nوالوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته. ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها، نشير إلى ذلك إشارةً بحسب علومنا القاصرة، وأذهاننا الجامدة، وعباراتنا الناقصة. ولكن نحن أبناء الزمان، والناسُ بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكلِّ زمان دولة ورجال.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «الحلم والعلم».\n(^٢) يعني الآراء المختلفة التي تظهر له.\n(^٣) أي لا يحرِّكه ويزعجه. وفي النسخ المطبوعة: «يقلقه».","vol":"5","page":77},{"text":"فالسكينة فعيلة من السكون، وهو طمأنينة القلب واستقراره. وأصلها في القلب، ويظهر أثرها على الجوارح. وهي عامَّة وخاصَّة. فسكينةُ الأنبياء ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ أخصُّ مراتبها وأعلى أقسامها، كالسكينة التي حصلت لإبراهيم الخليل وقد أُلقي في المنجنيق مسافرًا إلى ما أضرَم له أعداءُ الله من النار. فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك السفر!\nوكذلك السكينة التي حصلت لموسى، وقد غشِيَه فرعون وجنوده من ورائهم، والبحر أمامهم، وقد استغاث بنو إسرائيل: يا موسى إلى أين تذهب بنا؟ هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون خلفنا! وكذلك السكينة التي حصلت له وقتَ تكليم الله له نِداءً ونِجاءً (^١) كلامًا حقيقةً، سمعه حقيقةً بأذنه. وكذلك السكينة التي حصلت له، وقد رأى العصا ثعبانًا مبينًا. وكذلك السكينة التي نزلت عليه، وقد رأى حبالَ القوم وعصيَّهم كأنها (^٢) تسعى، فأوجس خيفةً في نفسه (^٣).\nوكذلك السكينة التي حصلت لنبيِّنا - ﷺ -، وقد أشرف عليه وعلى صاحبه عدوُّهما (^٤)، وهما في الغار، فلو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لرآهما. وكذلك السكينة التي نزلت عليه في مواقفه العظيمة، وأعداءُ الله قد أحاطوا به كيوم بدر، ويوم حنين، ويوم الخندق، وغيره. فهذه السكينة أمرٌ فوق عقول\n_________\n(^١) في المطبوع: «إيحاء».\n(^٢) ز: «كأنهم» وفي ب: «أنها».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «في نفسه خيفة».\n(^٤) في النسخ الخطية: «عدوهم».","vol":"5","page":78},{"text":"البشر، وهي من أعظم معجزاته عند أرباب البصائر؛ فإن الكذَّاب ــ ولا سيما على الله ــ أقلقُ ما يكون، وأخوف ما يكون، وأشدُّه اضطرابًا، في مثل هذه المواطن. فلو لم يكن للرسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم.\nوأما الخاصَّة، فتكون لأتباع الرسل بحسب متابعتهم، وهي سكينة الإيمان، وهي سكينة تسكِّن القلوب عن الريب والشك. ولهذا أنزلها الله على المؤمنين في أصعب المواطن أحوجَ ما كانوا إليها عند القلق والاضطراب الذي لم يصبر عليه مثلُ عمر بن الخطاب - ﵁ -، وذلك يوم الحديبية. قال تعالى يذكر نعمته عليهم بإنزالها أحوجَ ما كانوا إليها ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [٢٠١/أ] وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤]. فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم والجنود الداخلة فيهم، وهي السكينة (^١)، وقال بعد ذلك (^٢): ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. لمَّا علِم الله سبحانه ما في قلوبهم من القلق والاضطراب، لِما منَعهم كفارُ قريش من دخول بيت الله، وحبسوا الهَدْيَ عن محِلِّه، واشترطوا عليهم تلك الشروط الجائرة الظالمة، فاضطربت قلوبهم\n_________\n(^١) الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ .... وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وما بعدها إلى «وهي السكينة» وقعت في النسخ المطبوعة قبل «عند القلق والاضطراب» لانتقال النظر فيما يبدو.\n(^٢) «وقال بعد ذلك» لم يرد في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":79},{"text":"وقلِقت، ولم تطق الصبر= فعلِم تعالى ما فيها، فثبَّتها (^١) بالسكينة رحمةً منه ورأفةً ولطفًا، وهو اللطيف الخبير. وتحتمل الآية وجهًا آخر، وهو أنه سبحانه علِمَ ما في قلوبهم من الإيمان والخير ومحبته ومحبة رسوله، فثبَّتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها.\nوالظاهر أن الآية تعُمُّ الأمرين، وأنه (^٢) علِمَ ما في قلوبهم مما يُحتاج (^٣) معه إلى إنزال السكينة، وما في قلوبهم من الخير الذي هو سببُ إنزالها.\nثم قال بعد ذلك: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦]. لمَّا كانت حميةُ الجاهلية توجب من الأقوال والأعمال ما يناسبها جعل الله في قلوب أوليائه سكينةً تقابل حميةَ الجاهلية، وفي ألسنتهم كلمةَ التقوى مقابِلةً لما توجبه حميةُ الجاهلية من كلمة الفجور. فكان حظُّ المؤمنين السكينةَ في قلوبهم، وكلمةَ التقوى على ألسنتهم؛ وحظُّ أعدائهم حميةَ الجاهلية في قلوبهم، وكلمةَ الفجور والعدوان على ألسنتهم. فكانت هذه السكينة وهذه الكلمة جندًا من جند الله أيَّد بهما (^٤) رسولَه والمؤمنين في مقابلة جند الشيطان الذي في قلوب أوليائه وألسنتهم.\n_________\n(^١) لعل المصنف - ﵀ - ذهل عن قوله: «لمَّا علم» في بداية كلامه، فأدخل الفاء على جواب لمَّا.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وهو أنه».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «يحتاجون».\n(^٤) ز: «بها»، وكذا في النسخ المطبوعة مع زيادة لفظ الجلالة بعدها: «بها الله».","vol":"5","page":80},{"text":"وثمرة هذه السكينة: الطمأنينة للخبر تصديقًا وإيقانًا، وللأمر تسليمًا وإذعانًا؛ فلا تدع شبهةً تعارض الخبر، ولا إرادةً تعارض الأمر. بل لا تمرُّ (^١) معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة (^٢) مرورَ الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها العبد، ليقوى إيمانه، ويعلو عند الله ميزانه، بمدافعتها وردِّها وعدم السكون إليها؛ فلا يظنَّ المؤمن أنها لنقصِ درجته عند الله.\nفصل\n\nومنها:<span data-type=\"title\" id=toc-876> السكينة عند القيام بوظائف العبودية</span>، وهي التي تورث الخضوع والخشوع وغضَّ الطرف وجمعيةَ القلب على الله تعالى بحيث يؤدِّي عبوديته بقلبه وبدنه. والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها، وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب. وقد رأى النبيُّ - ﷺ - رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلبُ هذا لخشعت جوارحُه» (^٣).\nفإن قلت: قد ذكرتَ أقسامها، ونتيجتها، وثمرتها، وعلامتها؛ فما أسبابها الجالبة لها؟ قلت: سببها استيلاء مراقبة العبد لربِّه ﷻ حتى كأنه يراه. وكلما اشتدَّت هذه المراقبة أوجبَتْ له من الحياء، والسكينة، والمحبَّة،\n_________\n(^١) ب: «فلا تمر»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) زيد بعدها في النسخ المطبوعة: «من»!\n(^٣) رواه الحكيم الترمذي (١٣١٠، ١٤١٤) من حديث أبي هريرة، وفيه سليمان بن عمرو ضعيف جدًّا. ضعف الحديث ابنُ رجب في «الخشوع في الصلاة» (ص ٣٣)، والزيلعي في «تخريج كشاف» (٢/ ٣٩٩)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ١٥١). وانظر: «السلسلة الضعيفة» (١١٠).","vol":"5","page":81},{"text":"والخضوع [٢٠١/ب] والخشوع، والخوف والرجاء= ما لا يحصل بدونها. فالمراقبة أساس الأعمال القلبية كلِّها، وعمودُها الذي قيامها به. ولقد جمع النبيُّ - ﷺ - أصول أعمال القلب وفروعها كلَّها في كلمة واحدة، وهي قوله في الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه». فتأمَّلْ كلَّ مقام من مقامات الدين، وكلَّ عمل من أعمال القلوب، كيف تجد هذا أصلَه ومنبعَه؟\nوالمقصود: أن العبد محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في أصل الإيمان، ليثبت قلبه ولا يزيغ؛ وعند الوساوس والخطرات القادحة في أعمال الإيمان، لئلا تقوى وتصير همومًا وغمومًا وإراداتٍ ينقص بها إيمانه؛ وعند أسباب المخاوف على اختلافها، ليثبت قلبُه ويسكن جأشُه؛ وعند أسباب الفرح، لئلا يطمَح به مركبُه (^١)، فيجاوزَ الحدَّ الذي لا يُعبَر، فينقلب ترَحًا وحزنًا ــ وكم ممن أنعم الله عليه بما يُفرِحه، فجمَح به مركبُ الفرح، وتجاوزَ الحدَّ، فانقلب ترحًا عاجلًا! ولو أُعِين بسكينة تعدِل فرحَه لأريد به الخير وبالله التوفيق ــ وعند هجوم الأسباب المؤلمة على اختلافها لظاهره وباطنه (^٢)، فما أحوجَه إلى السكينة حينئذ! وما أنفعها له، وأجداها عليه، وأحسن عاقبتها! والسكينة في هذه المواطن علامة على الظفر، وحصول المحبوب، واندفاع المكروه؛ وفقدُها علامة على ضدِّ ذلك، لا يخطئ هذا ولا هذا. والله المستعان.\nوأما قوله: «أن يكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى معرفته»، أي مستظهرًا مضطلعًا بالعلم، متمكِّنًا منه، غير ضعيف فيه. فإنه إذا كان ضعيفًا قليلَ\n_________\n(^١) ك، ب: «مركوبه».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الظاهرة والباطنة».","vol":"5","page":82},{"text":"البضاعة غيرَ مضطلع به أحجَم عن الحقِّ في موضع ينبغي فيه الإقدام، لقلة علمه بمواضع الإقدام والإحجام. فهو يُقدِم في غير موضعه، ويُحجِم في غير موضعه، ولا بصيرة له بالحق، ولا قوة له على تنفيذه. فالمفتي محتاج إلى قوة في العلم، وقوة في التنفيذ، فإنه لا ينفع تكلُّمٌ بحقٍّ لا نفاذ له.\n\nوأما قوله: «الرابعة:<span data-type=\"title\" id=toc-879> الكفاية </span>وإلا مضَغَه الناس»، فإنه إذا لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس، وإلى الأخذ مما في أيديهم؛ فلا يأكل منهم شيئًا إلا أكلوا من لحمه وعرضه أضعافَه. وقد كان لسفيان الثوري شيء من مال، وكان لا يتهوَّر (^١) في بذله، ويقول: لولا ذلك لتمندَلَ بنا هؤلاء (^٢). فالعالم إذا مُنِح غنًى فقد أُعِينَ على تنفيذ علمه، وإذا أُحْوِجَ (^٣) إلى الناس فقد مات علمه وهو ينظر.\nوأما قوله: «الخامسة (^٤):<span data-type=\"title\" id=toc-880> معرفة الناس»</span> فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم. فإن لم يكن فقيهًا فيه، فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يطبِّقْ أحدَهما على الآخر= وإلا (^٥) كان ما يُفسِد أكثرَ مما يُصلِح، فإنه إذا لم\n_________\n(^١) ك، ب: «ينهو»، تحريف. وفي النسخ المطبوعة: «يتروَّى»، وهو ضدّ المقصود!\n(^٢) رواه ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (٧٠)، والدينوري في «المجالسة» (٢٤٢٧)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٨١)، والبيهقي في «المدخل» (٥٤٩)، وإسناده صحيح.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «احتاج».\n(^٤) ز، ك: «الخامس».\n(^٥) «وإلا» هذه أفسدت السياق، ولا يستقيم إلا بحذفها. وقد سبق التنبيه على استعمالها الملحون في زمن المؤلف (١/ ٣٥٣).","vol":"5","page":83},{"text":"يكن (^١) له معرفةٌ بالناس تصوَّر له الظالمُ بصورة المظلوم وعكسه، والمحِقُّ بصورة المبطِل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصوَّر له الزنديق في صورة الصدِّيق، والكاذبُ في صورة الصادق، ولبِس كلُّ مبطلٍ ثوبي زورٍ (^٢) تحتهما (^٣) الإثم والكذب والفجور؛ وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميِّز هذا من هذا. بل ينبغي له أن يكون فقيهًا في معرفة مكر الناس (^٤) وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان والعوائد والأحوال، [٢٠٢/أ] وذلك كلُّه من دين الله، كما تقدَّم بيانه. وبالله التوفيق.\nالفائدة الرابعة والعشرون: في كلماتٍ حُفِظت عن الإمام أحمد في أمر الفتيا، سوى ما تقدَّم آنفًا:\nقال في رواية ابنه صالح: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا بالسنن (^٥).\nوقال في رواية أبي الحارث: لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة (^٦).\n_________\n(^١) بعده في النسخ المطبوعة: «فقيهًا في الأمر». وأخشى أن يكون من زيادة بعض الناشرين أو النساخ.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ثوب زور».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «تحتها»!\n(^٤) ز: «معرفة الناس».\n(^٥) سبق في أول الكتاب بأتمَّ من هذا.\n(^٦) سبق في أول الكتاب أيضًا.","vol":"5","page":84},{"text":"وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدَّم، وإلا فلا يفتي (^١).\nوقال في رواية يوسف بن موسى: واجبٌ (^٢) أن يتعلَّم رجلٌ (^٣) كلَّ ما تكلَّم (^٤) فيه الناس.\nوقال في رواية ابنه عبد الله (^٥)، وقد سأله عن الرجل يريد أن يسأل (^٦) عن أمر (^٧) دينه، مما يُبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مصره من أصحاب الرأي، وأصحاب الحديث لا يحفظون، ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي؛ فلمن يسأل؟ لهؤلاء، أو لأصحاب الحديث على قلَّة معرفتهم؟ فقال: يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث خير من الرأي (^٨).\n_________\n(^١) تقدَّم أيضًا.\n(^٢) ب: «وجب».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «الرجل».\n(^٤) حرف المضارع مهمل في النسخ. وفي مطبوعة «العدَّة» (٥/ ١٥٩٥): «يكلِّم الناس فيه».\n(^٥) انظر: «مسائله» (ص ٤٣٨). وقد ذكره المصنف في أول الكتاب أيضًا، ولكن نقلًا من كتب ابن حزم.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «يسأله»، وهو خطأ.\n(^٧) لفظ «أمر» ساقط من ب. وفي ك: «أمره دينه».\n(^٨) في «مسائل عبد الله»، وكذا في «العدَّة» (٥/ ١٥٩٦) ومنه في «المسودة» (ص ٥١٥): «خير من رأي أبي حنيفة». نعم، في «الواضح» لابن عقيل (١/ ٢٨٣): «... من رأي أهل الرأي».","vol":"5","page":85},{"text":"وقال في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادي، وقد سمع رجلًا يسأله: إذا حفظ الرجلُ مائة ألف حديث يكون فقيهًا؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، وحرَّكها. قال حفيده أحمد بن جعفر بن محمد: فقلت لجدِّي: فكم (^١) كان يحفظ أحمد؟ فقال: أجاب عن ستمائة ألف (^٢).\nوقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنَّفة، فيها قول رسول الله - ﷺ - و[اختلاف] (^٣) الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصرٌ بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف؛ فيجوز أن يعمل بما شاء، ويتخيَّر منها (^٤)، فيفتي به، ويعمل به؟ قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح؛ يسأل عن ذلك أهلَ العلم.\nوقال أبو داود: سمعت أحمد وسئل عن مسألة، فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة. وما أحصي ما سمعتُ أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلافُ من العلم، فيقول: لا أدري (^٥). وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتيا أحسن فتيا منه، كان أهونَ عليه أن يقول: لا أدري، من يحسن\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «كم».\n(^٢) بعده في المطبوع زيادة: «حديث». وقد تقدَّم تخريج هذه الرواية في أول الكتاب.\n(^٣) ما بين المعقوفين من «مسائل عبد الله» (ص ٤٣٨) و«العدَّة» (٥/ ١٦٠١) وغيرهما. وقد تقدَّم بهذا اللفظ في أول الكتاب.\n(^٤) ز: «فيها».\n(^٥) «مسائل أبي داود» (ص ٣٦٧). وقد تقدَّم الجزء الثاني من قول الإمام أحمد.","vol":"5","page":86},{"text":"هذا (^١)؟ سَلِ العلماءَ (^٢).\nوقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك، فقال: لا تقلِّد دينَك أحدًا من هؤلاء. ما جاء عن النبي - ﷺ - وأصحابه فخُذْ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر (^٣).\nوقال إسحاق بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» فقال: يفتي بما لم يسمع (^٤).\nوقال أيضًا (^٥): قلت لأبي عبد الله: يطلب الرجل الحديثَ بقدر ما يظن أنه قد انتفع به. قال: العلم لا يعدِله شيء.\nوجاءه رجل يسأل عن شيء، فقال: لا أجيبك في شيء. ثم قال: قال عبد الله بن مسعود: إنَّ كلَّ من يفتي الناس في كلِّ ما يستفتونه [٢٠٢/ب] لمجنون. قال الأعمش: فذكرتُ ذلك للحكم (^٦)، فقال: لو حدَّثتَني به قبل اليوم ما أفتيتُ في كثير مما كنتُ أفتي به (^٧).\nقال ابن هانئ (^٨): وقيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قرية، فيسأل عن\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «مثل هذا»، زادوا كلمة «مثل».\n(^٢) المصدر السابق (ص ٣٦٨)، وقد تقدَّم بعضه.\n(^٣) المصدر السابق (ص ٣٦٩)، وقد تقدَّم.\n(^٤) سبق في أول الكتاب مع تخريج الحديث.\n(^٥) في «مسائله» (ص ٤٣٧).\n(^٦) هو الحكم بن عتيبة الكندي الفقيه عالم أهل الكوفة (ت ١١٥). «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٢٠٨).\n(^٧) المصدر السابق (ص ٤٣٥). وانظر: «إبطال الحيل» لابن بطة (ص ١٢٨).\n(^٨) في «مسائله» أيضًا (ص ٤٣٦).","vol":"5","page":87},{"text":"الشيء الذي فيه اختلاف. قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنَّة، وما لم يوافق الكتابَ والسنَّة أمسك عنه. قيل له: أفتخاف عليه؟ قال: لا. قيل له: ما كان من كلام إسحاق بن راهويه وما كان وُضع في الكتاب وكلام أبي عبيد ومالك، ترى النظر فيه؟ فقال: كلُّ كتاب ابتُدِع فهو بدعة، أو كلُّ كتاب محدَث فهو بدعة. وأما ما كان عن مناظرة يخبر الرجلُ بما عنده، وما يسمع من الفتيا، فلا أرى به بأسًا. قيل له: فكتاب أبي عبيد «غريب الحديث»؟ قال: ذلك شيء حكاه عن قوم أعراب. قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن تُكتَب؟ قال: المنكر أبدًا منكر!\n\nالفائدة الخامسة والعشرون: في<span data-type=\"title\" id=toc-882> دلالة العالم للمستفتي على غيره</span>. وهو موضع خطر جدًّا، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك، فإنه متسبِّب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه، أو القول عليه بلا علم. فهو (^١) معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى؛ فلينظر الإنسان إلى من يدلُّ عليه، وليتَّق الله ربَّه.\nوكان شيخنا ــ قدَّس الله روحه ــ شديد التجنب لذلك. ودللتُ مرةً بحضرته على مفتٍ أو مذهبٍ، فانتهرني، وقال: ما لك وله؟ دعه (^٢). ففهمتُ من كلامه أنك لتبوء (^٣) بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه. ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد.\n_________\n(^١) ب: «والقول عليه بلا علم، وهو».\n(^٢) زاد في المطبوع بعده: «عنك»!\n(^٣) في النسخ الثلاث: «لا تبوا»!","vol":"5","page":88},{"text":"قال أبو داود في «مسائله» (^١): قلت لأحمد: الرجل يَسأل عن المسألة، فأدلُّه على إنسان يسأله؟ فقال: إذا كان ــ يعني الذي أُرْشِدَ إليه ــ يتَّبع (^٢) ويفتي بالسنة. فقيل لأحمد: إنه يريد الاتباع، وليس كلُّ قوله يصيب. فقال أحمد: ومن يصيب في كلِّ شيء؟ قلت له: فرأي مالك؟ فقال: لا تتقلد في مثل هذا بشيء.\nقلت: وأحمد كان يدلّ على أهل المدينة، ويدلّ على الشافعي، ويدلّ على إسحاق. ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه في أنه لا يُستفتَى أهلُ الرأي المخالفون لسنة رسول الله - ﷺ -؛ وبالله التوفيق؛ ولا سيَّما كثيرٌ من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره (^٣)!\nوقد رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. قال: ولَبعضُ من يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق (^٤).\nقال بعض العلماء (^٥): فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدامَ من لا علم عنده على الفتيا، وتوثُّبَه عليها، ومدَّ باعِ التكلُّف إليها، وتسلُّقَه بالجهل\n_________\n(^١) (ص ٣٧٥).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «متَّبعًا»، وفي «المسائل» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٣) كأن المصنف بعدما كتب «وبالله التوفيق» بدا له أن يزيد «ولاسيما ... وغيره». وقد يكون زاده في طرّة مسودته، وكان موضعه قبل «وبالله التوفيق»، فأخطأ الناسخ.\n(^٤) رواه الفسوي (١/ ٦٧٠)، وابن عبد البر في «الجامع» (٢٤١٠)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١٠٣٩) من طريق مالك، قال: أخبرني رجل، وفيه إبهام الرجل.\n(^٥) لعله يقصد ابن حمدان الحنبلي. انظر كتابه «صفة الفتوى» (ص ١١).","vol":"5","page":89},{"text":"والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة. وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، وليس (^١) له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب. لا يبتدئ (^٢) جوابًا بإحسان، وإن ساعد القدر ففتواه (^٣): كذلك يقول فلان بن فلان (^٤). [٢٠٣/أ]\nيمدُّون للإفتاء باعًا قصيرةً ... وأكثرُهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ\n\nوكثير منهم نصيبهم مثلُ ما حكاه أبو محمد بن حزم، قال (^٥): كان عندنا مفتٍ قليلُ البضاعة، فكان لا يفتي حتى يتقدَّمه من يكتب الجواب، فيكتب تحته: جوابي مثلُ جواب الشيخ. فقُدِّر أن اختلف مفتيان في جواب، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين. فقيل له: إنهما قد تناقضا، فقال: وأنا أيضًا تناقضتُ كما تناقضا!\nوقد أقام الله سبحانه لكلِّ عالم ورئيس وفاضل من يُظهِر مماثلته، ويرى الجهال ــ وهم الأكثرون ــ مساجلته ومشاكلته، وأنه يجري معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفرسَي رِهان، ولا سيما إذا طوَّل الأردان، وأرخى\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فليس».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ولا يبدي».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فتواه» دون فاء الجواب. وفي ك بعده: «يقول». وفي ب: «تقول».\n(^٤) ترك بعده في ز سطرًا في أول الصفحة بياضًا، وقال في أول السطر: «كذا». وفي ك ترك نصف سطر أو يزيد بياضًا.\n(^٥) في «الإحكام» (٦/ ٧٧) بنحوه، وقد تقدَّم في الفائدة السادسة عشرة.","vol":"5","page":90},{"text":"الذَّنَب الطويل (^١) وراءه كذنَب الأتان، وهذَر (^٢) باللسان، وخلا له الميدان الطويل من الفرسان.\nفلو لبِس الحمارُ ثيابَ هذا (^٣) ... لقال الناس: يا لك من حمار!\n\nوهذا الضرب إنما يُستفتَون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية. قد غرَّهم عكوفُ من لا علم عنده عليهم، ومسارعةُ مَن أجهلُ منهم إليهم. تعِجُّ منهم الحقوق إلى الله عجيجًا، وتضِجُّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا.\nفمَن أقدَم بالجرأة على ما ليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس استحقَّ اسم الذم، ولم يحِلَّ قبولُ فتياه ولا قضائه. هذا حكم دين الإسلام.\nوإن رغِمَتْ أنوفٌ من أناس ... فقل: يا ربِّ لا تُرغِمْ سواها\n\nالفائدة السادسة والعشرون في حكم<span data-type=\"title\" id=toc-883> كذلكة المفتي:</span> ولا يخلو من حالين: إما أن يعلم صوابَ جوابِ مَن تقدَّمه بالفتيا، أو لا يعلم. فإن علِم صوابَ جوابه فله أن يُكَذْلِكَ. وهل الأولى له (^٤) الكذلكة، أو الجواب المستقل؟ فيه تفصيل. فلا يخلو المبتدئ إما أن يكون أهلًا أو متسلِّقًا متعاطيًا ما ليس له بأهل. فإن كان الثاني فتركُ (^٥) الكذلكة أولى مطلقًا، إذ في كذلكته\n_________\n(^١) يعني: طرف عمامته. وفي النسخ المطبوعة: «الذوائب الطويلة».\n(^٢) الذال مهملة في غ.\n(^٣) كذا في النسخ الثلاث. يقصد ثياب هذا الرجل الذي وصفه. وفي النسخ المطبوعة: «ثياب خَزٍّ»، وهي الرواية، والظاهر أن المصنف تصرَّف فيها. انظر: «الأمثال المولدة» للخوارزمي (ص ٣٣٨) و«التمثيل والمحاضرة» (ص ٣٤٥).\n(^٤) «له» ساقط من ب.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «فتركه».","vol":"5","page":91},{"text":"تقريرٌ له على الإفتاء، وهو كالشهادة له بالأهلية.\nوكان بعض أهل العلم يضرب على فتوى من كتَب وليس بأهل. فإن لم يتمكَّن من ذلك خوف الفتنة (^١)، فقد قيل: لا يكتب معه في الورقة، ويردُّ السائل. وهذا نوع تحامل. والصواب أنه يكتب في الورقة الجواب، ولا يأنف من الإخبار بدين الله الذي يجب عليه الإخبار به، لكتابة من ليس بأهل؛ فإن هذا ليس عذرًا عند الله ورسوله وأهل العلم في كتمان الحق. بل هذا نوع رياسة وكبر، والحقُّ لله ﷿، فكيف يجوز أن يعطِّل حقَّ الله ويكتم دينَه لأجل كتابة من ليس بأهل؟\nوقد نصَّ الإمام أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازةَ، فرأى فيها منكرًا لا يقدر على إزالته= أنه لا يرجع. ونصَّ على أنه إذا دُعي إلى وليمة عرسٍ، فرأى فيها منكرًا لا يقدر على إزالته= أنه يرجع. فسألتُ شيخنا عن الفرق، فقال: لأن الحق في الجنازة للميت، فلا يترك حقَّه لما فعله الحيُّ من المنكر. [٢٠٣/ب] والحقُّ (^٢) في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقَّه من الإجابة (^٣).\nوإن كان المبتدئ بالجواب أهلًا للإفتاء، فلا يخلو إما أن يعلم المُكَذلِكُ صوابَ جوابه، أو لا يعلم. فإن لم يعلم صوابه لم يجُز له أن يُكَذلِك تقليدًا له، إذ لعله أن يكون قد غلط، ولو نُبِّه لرجع، وهو معذور؛ وليس المُكذلك معذورًا، بل مفتٍ بغير علم. ومن أفتى بغير علم فإثمه على\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «منه».\n(^٢) ضبط في ز برفع «الحق» ونصبه، وكتب فوقه: «معًا».\n(^٣) انظر: «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٢٥١).","vol":"5","page":92},{"text":"من أفتاه، وهو أحد المفتين الثلاثة الذين هم (^١) في النار.\nوإن علِم أنه قد أصاب، فلا يخلو إما أن تكون المسألة ظاهرةً لا يخفى وجهُ الصواب فيها بحيث لا يُظَنُّ بالمكذلك أنه قلَّده فيما لا يعلم، أو تكون خفيّةً. فإن كانت ظاهرةً فالأولى الكذلكة، لأنه إعانة على البر والتقوى، وشهادة للمفتي بالصواب، وبراءة من الكبر والحمية. وإن كانت خفيةً بحيث يُظَنُّ بالمكذلك أنه وافقه تقليدًا محضًا، فإن أمكنه إيضاح ما أشكله الأول أو زيادة بيان، أو ذكرُ قيدٍ، أو تنبيهٌ على أمرٍ أغفله= فالجواب المستقلّ أولى. وإن لم يمكنه ذلك فإن شاء كَذْلَكَ، وإن شاء أجاب استقلالًا.\nفإن قيل: ما الذي يمنعه من الكذلكة إذا لم يعلم صوابه تقليدًا له، كما قلَّد المبتدئ مَن فوقه؟ فإذا أفتى الأول بالتقليد المحض فما الذي يمنع المكذلك من تقليده؟\nقيل: الجواب من وجوه:\nأحدها: أن الكلام في المفتي الأول أيضًا. فقد نصَّ الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة على أنه لا يحِلُّ للرجل أن يفتي بغير علم، وحكي في ذلك الإجماع. وقد تقدَّم ذكر ذلك مستوفًى.\nالثاني: أن هذا الأول وإن جاز له التقليد للضرورة، فهذا المُكَذْلِك المتكلِّف لا ضرورة له إلى تقليده؛ بل هذا من بناء الضعيف على الضعيف. وذلك لا يسوغ، كما لا تسوغ الشهادة على الشهادة، وكما لا يجوز المسح\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية، والصواب: «ثلثاهم» كما في النسخ المطبوعة. وانظر ما سبق في الفائدة الحادية عشرة.","vol":"5","page":93},{"text":"على الخفين على طهارة التيمم، ونظائرُ ذلك (^١).\nالثالث: أن هذا لو ساغ لصار الناس كلُّهم مفتين، إذ ليس هذا بجواز تقليد المفتي أولى من غيره. وبالله التوفيق.\nالفائدة السابعة والعشرون: يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له؛ وإن لم يجز أن يشهد له، ولا يقضي له. والفرق بينهما أن الإفتاء يجري مجرى الرواية، فكأنه حكم عامٌّ، بخلاف الشهادة والحكم فإنه يخصُّ المشهودَ له والمحكومَ له. ولهذا يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه، ويدخل في حكم الفتوى التي يفتي بها، ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه (^٢) فيفتي أباه أو ابنه أو صديقه بشيء، ويفتي غيرهم بضدِّه محاباةً. بل هذا يقدح في عدالته، إلا أن يكون ثَمَّ سببٌ يقتضي التخصيص غير المحاباة. ومثال هذا: أن يكون في المسألة قولان: قول بالمنع وقول بالإباحة، فيفتي ابنه وصديقه بقول الإباحة، والأجنبيَّ بقول المنع.\nفإن قيل: فهل (^٣) يجوز له أن يفتي نفسه؟\nقيل: نعم، إذا كان له أن يفتي غيره. وقد قال النبيُّ - ﷺ -: «استفتِ قلبَك ... وإن أفتاك المفتون» (^٤). فيجوز له أن يفتي نفسه بما يفتي به غيره، ولا يجوز\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «كثيرة»!\n(^٢) في النسخ الخطية: «نفسه»، والمثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «هل».\n(^٤) رواه بهذا اللفظ أحمد (١٨٠٠١، ١٨٠٠٦)، والدارمي (٢٥٧٥)، وأبو يعلى (١٥٨٦، ١٥٨٧) من حديث وابصة بن معبد. وفيه الزبير أبو عبد السلام، ضعيف، ولعله هو الذي كذبه الدارقطني، لم يسمع من أيوب بن عبد الله بن مكرز الراوي عن وابصة كما جاء مصرَّحًا عند أحمد (١٨٠٠٦)، وعند ابن المنذر في «الأوسط»: «حدثني أصحاب أيوب ... عن أيوب». انظر: تعليق محققي «المسند». وله شاهد صحيح رواه أحمد (١٧٧٤٢)، والطبراني (٢٢/ ٢١٩) من حديث أبي ثعلبة الخشني.","vol":"5","page":94},{"text":"له أن يفتي نفسه بالرخصة، وغيرَه بالمنع. ولا يجوز له إذا كان في المسألة قولان: [٢٠٤/أ] قول بالجواز وقول بالمنع، أن يختار لنفسه قولَ الجواز، ولغيره قولَ المنع. وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه: يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها الجواز، والثاني المنع، والثالث التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم وعليه العمل.\nالفائدة الثامنة والعشرون: لا يجوز للمفتي أن يعمل بما يشاء (^١) من الأقوال والوجوه، من غير نظر في الترجيح، ولا يعتدّ به، بل يكتفي في العمل بمجرَّد كون ذلك قولًا قاله إمام، أو وجهًا ذهب إليه جماعة، فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال: حيث رأى القول وفقَ إرادته وغرضه عمِلَ به، فإرادتُه وغرضُه هو العِيار (^٢)، وبها الترجيح؛ وهذا حرامٌ باتفاق الأمة (^٣).\nوهذا مثلُ ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي (^٤) عن بعض أهل زمانه\n_________\n(^١) في المطبوع: «شاء» هنا وفيما يأتي.\n(^٢) في المطبوع: «المعيار»، وهما بمعنى.\n(^٣) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١٢٥).\n(^٤) في كتابه «التبيين لسنن المهتدين»، ومنه نقل الشاطبي في «الموافقات» (٥/ ٩٠). أما المؤلف فهو صادر عن «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١٢٥).","vol":"5","page":95},{"text":"ممن نصب نفسه للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومةٌ أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه. قال: وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضرُّه، وكان غائبًا فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتَوه بالرواية الأخرى التي توافقه. قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يُعتدُّ بهم في الإجماع أنه لا يجوز.\nوقد قال مالك في اختلاف الصحابة - ﵃ -: «مخطئ، ومصيب؛ فعليك بالاجتهاد» (^١).\nوبالجملة، فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهِّي والتخيُّر وموافقة الغرض، فيطلبَ القولَ الذي يوافق غرضَه وغرضَ من يحابيه، فيعمل به، ويفتي ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضدِّه. وهذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر. والله المستعان (^٢).\nالفائدة التاسعة والعشرون: المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام:\nأحدها (^٣): العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة. فهو\n_________\n(^١) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٠٦). والمؤلف صادر عن «أدب المفتي».\n(^٢) في (ك، ب) بعده زيادة: «وعليه التكلان».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «أحدهم».","vol":"5","page":96},{"text":"المجتهد في أحكام النوازل، يقصد (^١) فيها موافقةَ الأدلة الشرعية حيث كانت. ولا ينافي اجتهادُه تقليدَه لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلِّد من هو أعلم منه في بعض الأحكام. وقد قال الشافعي في موضع من الحج: قلته تقليدًا لعطاء (^٢). فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي - ﷺ -: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مائة سنة مَن يجدِّد لها دينها» (^٣) وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب: لن تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجته (^٤).\nفصل\nالنوع الثاني: مجتهد مقيَّد في مذهب من ائتمَّ به. فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومآخذه وأصوله، عارف بها، متمكِّن من التخريج عليها وقياس ما لم ينُصَّ من ائتمَّ به عليه على منصوصه، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل؛ لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتَّبه وقرَّره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا.\nوقد ادَّعى هذه المرتبة [٢٠٤/ب] من الحنابلة القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي بن أبي موسى في «شرح الإرشاد» الذي له، ومن الشافعية\n_________\n(^١) تصحف في ك، ب إلى «بقصده».\n(^٢) تقدَّم غير مرَّة.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) تقدم أيضًا.","vol":"5","page":97},{"text":"خلق كثير (^١). وقد اختلفت الحنفية في أبي يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل، والشافعية في المزني وابن سريج وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزي، والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب، والحنابلة في ابن حامد (^٢) والقاضي: هل كان هؤلاء مستقلِّين بالاجتهاد، أو متقيِّدين بمذاهب أئمتهم؟ على قولين. ومن تأمَّل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علِمَ أنهم لم يكونوا مقلِّدين لأئمتهم في كلِّ ما قالوه، وخلافُهم لهم أظهر من أن يُنكَر، وإن كان منهم المستقِلّ والمستكثر. ورتبة هؤلاء دون رتبة الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد.\nفصل\nالنوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرِّر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها؛ لكن لا يتعدَّى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نصَّ إمامه لم يعدِل عنه إلى غيره البتة. وهذا شأن أكثر المصنِّفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف. وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية، لكونه مجتزئًا (^٣) بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، قد (^٤) اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه الإمام استنباطَ الأحكام ومؤنةَ استخراجها من\n_________\n(^١) انظر: «صفة الفتوى» لابن حمدان (ص ١٧).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أبي حامد»، تصحيف.\n(^٣) ز: «مجتزي».\n(^٤) ب: «وقد».","vol":"5","page":98},{"text":"النصوص. وقد يرى إمامَه ذكر حكمًا بدليله، فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له.\nوهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق، والكتب المطوَّلة والمختصرة. وهؤلاء لا يدَّعون الاجتهاد، ولا يُقِرُّون بالتقليد. وكثير منهم يقول: اجتهدنا في المذاهب، فرأينا أقربها إلى الحقِّ مذهب إمامنا. وكلٌّ منهم يقول ذلك عن إمامه، ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره. ومنهم من يغلو فيوجب اتباعه، ويمنع من اتباع غيره.\nفيا لله العجب من اجتهادٍ نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلَّدهم أعلمَ من غيره، وأحقَّ بالاتباع من سواه، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائرٌ معه؛ وقعد بهم عن الاجتهاد في كلام الله ورسوله، واستنباط الأحكام منه، وترجيح ما يشهد له النص، مع استيلاء كلام الله ورسوله على غاية البيان، وتضمُّنه لجوامع الكلم، وفصلهِ للخطاب، وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب. فقعدت بهم هممهم واجتهادهم عن الاجتهاد فيه، ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلمَ الأمة وأولاها بالصواب، وأقوالِه في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب! فالله (^١) المستعان.\nفصل\nالنوع الرابع: طائفة تفقَّهت في مذاهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرَّت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه. فإن ذكروا الكتاب والسنة يومًا ما في مسألة فعلى وجه التبرُّك والفضيلة، لا على وجه\n_________\n(^١) ك، ب: «والله».","vol":"5","page":99},{"text":"الاحتجاج والعمل. وإذا رأوا حديثًا صحيحًا مخالفًا لقول من انتسبوا إليه أخذوا بقوله، وتركوا الحديث. وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وغيرهم من الصحابة - ﵃ - قد أفتوا بفتيا، [٢٠٥/أ] ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم وتركوا فتاوى الصحابة قائلين: الإمام أعلم بذلك منَّا، ونحن قد قلَّدناه فلا نتعدَّاه ولا نتخطَّاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منَّا.\nومن عدا هؤلاء فمتكلِّف متخلِّف، قد ربأ (^١) بنفسه عن رتبة المشتغلين، وقصَّر عن درجة المحصِّلين، فهو مُكَذْلِكٌ مع المكذلكين. وإن ساعد القدر، واستقلَّ بالجواب قال: يجوز بشرطه، ويصح بشرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم؛ ونحو ذلك من الأجوبة التي يُحسنها كلُّ جاهل، ويستحيي منها كلُّ فاضل.\nففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم، وفتاوى النوع الثاني من جنس توقيعات نوَّابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم. ومن عداهم فمتشبِّع بما لم يُعْطَ، متشبِّه بالعلماء، محاكٍ للفضلاء. وفي كلِّ طائفة من الطوائف متحقِّق بفنِّه (^٢)، ومحاكٍ له متشبِّه به، والله المستعان.\nالفائدة الثلاثون: إذا كان الرجل مجتهدًا في مذهب إمام، ولم يكن\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «دنا»، تصحيف.\n(^٢) ك: «ففنه». وفي ب: «نفيه». وفي النسخ المطبوعة: «بغيه». ولعل الصواب ما أثبت من ز.","vol":"5","page":100},{"text":"مستقلًّا بالاجتهاد، فهل له أن يفتي بقول (^١) ذلك الإمام؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد:\nأحدهما: الجواز، ويكون متبعه مقلِّدًا للميت، لا له، وإنما له مجرَّد النقل عن الإمام.\nوالثاني: لا يجوز له أن يفتي، لأن السائل مقلِّد له، لا للميِّت، وهو لم يجتهد له، والسائل يقول (^٢): أنا أقلِّدك فيما تفتيني به.\nوالتحقيق: أن هذا فيه تفصيل. فإن قال له السائل: أريد (^٣) حكم الله في هذه المسألة، أو أريد الحقَّ، أو ما يخلِّصني ونحو ذلك= لم يسعه إلا أن يجتهد له في الحق، ولا يسعه أن يفتيه بمجرَّد تقليد غيره، من غير معرفة بأنه حق أو باطل. وإن قال له: أريد أن أعرف في هذه النازلة قول الإمام ومذهبه، ساغ له الإخبار به، ويكون ناقلًا له، ويبقى الدَّرَك (^٤) على السائل. فالدرك في الوجه الأول على المفتي، وفي الثاني على المستفتي.\nالفائدة الحادية والثلاثون: هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجِب لصحة العمل بها؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي. فمن منعه قال: يجوز تغيُّر اجتهاده لو كان حيًّا، فإنه كان يجدِّد النظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبًا وإما استحبابًا، على النزاع\n_________\n(^١) ب: «بمذهب».\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».\n(^٣) في المطبوع: «أنا أريد».\n(^٤) أي التبعة.","vol":"5","page":101},{"text":"المشهور، ولعله لو جدَّد النظر لرجع عن قوله الأول.\nوالثاني: الجواز، وعليه عملُ جميع المقلِّدين في أقطار الأرض. وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات، ومن منع منهم تقليدَ الميت فإنما هو شيء يقوله بلسانه، وعملُه في فتاويه وأحكامه بخلافه. والأقوال لا تموت بموت قائليها (^١)، كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها.\nالفائدة الثانية والثلاثون: الاجتهاد حالةٌ تقبل التجزِّي (^٢) والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم، مقلِّدًا في غيره، أو في باب من أبوابه؛ كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض [٢٠٥/ب] وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك؛ فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوِّغةً له الإفتاء بما لا يعلم في غيره.\nوهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحُّها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.\nفحجة الجواز: أنه قد عرف الحقَّ بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب؛ فحكمه في ذلك النوع (^٣) حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع.\n_________\n(^١) في النسخ الخطية والمطبوعة: «قائلها»، ومقتضى قوله: «رواتها وناقليها» ما أثبت.\n(^٢) مصدر تجزَّى بتسهيل الهمزة، والأصل: التجزُّؤ، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) لم ترد كلمة «النوع» في ز.","vol":"5","page":102},{"text":"وحجة المنع: تعلُّق أبواب الشرع وأحكامه بعضِها ببعض، فالجهلُ ببعضها مظنَّة للتقصير في الباب والنوع الذي (^١) عرفه. ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعِدَد (^٢) وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلَّق به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه.\nومن فرَّق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومستحقِّها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال وغيرها، وعدم تعلُّقاتها (^٣). وأيضًا فإن عامة أحكام المواريث قطعية، وهي منصوص عليها في كتاب الله (^٤).\nفإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين، هل له أن يفتي بهما؟\nقيل: نعم يجوز في أصحِّ القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد. وهل هذا إلا من التبليغ عن الله ورسوله (^٥)؟ وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيرًا، ومنعُ هذا من الإفتاء بما علِمَ خطأ محض. وبالله التوفيق.\nالفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «قد».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «والعِدَّة».\n(^٣) ب: «تعلقها بها».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «في الكتاب والسنة».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «وعن رسوله».","vol":"5","page":103},{"text":"عاص. ومن أقرَّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا.\nقال أبو الفرج بن الجوزي (^١): ويلزم وليَّ الأمر منعُهم كما فعل بنو أمية. وهؤلاء بمنزلة من يدلُّ الركبَ وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطُبّ الناس؛ بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلِّهم. وإذا تعيَّن على ولي الأمر منعُ من لم يحسن التطبُّب من مداواة المرضى (^٢)، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟\nوكان شيخنا - ﵁ - شديد الإنكار على هؤلاء. فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلتَ محتسبًا على الفتوى؟ فقلتُ له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟\nوقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي - ﷺ - مرفوعًا: «من أُفتيَ بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه» (^٣).\nوفي «الصحيحين» (^٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - عن النبي - ﷺ -: «أن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساءَ جُهَّالًا؛ فسئلوا، فأفتَوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا».\n_________\n(^١) في «تعظيم الفتيا» فيما يظهر، ولكن في نسختيه اللتين طبع عنهما سقطًا.\n(^٢) في النسخ الخطية: «المرض»، والمثبت من المطبوعة.\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) تقدَّم في أول الكتاب.","vol":"5","page":104},{"text":"وفي أثر مرفوع ذكره أبو الفرج (^١) وغيره [٢٠٦/أ]: «من أفتى الناسَ بغير علم لعنته ملائكةُ السماء وملائكةُ الأرض».\nوكان مالك - ﵀ - يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له من (^٢) قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها (^٣).\nوسئل عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف. أما سمعتَ قول الله ﷿: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]؟ فالعلم كلُّه ثقيل، وخاصةً ما يسأل عنه يومَ القيامة (^٤).\nوقال: ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهلٌ لذلك. وقال: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسَه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه. وما أفتيتُ حتى سألتُ ربيعة ويحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، ولو نهياني انتهيت. قال: وإذا كان أصحاب رسول الله - ﷺ - تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحد منهم\n_________\n(^١) في «تعظيم الفتيا» (ص ٥٧). وقد رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١٠٤٣)، وابن عساكر (٢٠/ ٥٢) من طريق عبد الله بن أحمد بن عمر، قال: حدثني أبي، حدثني عبد الله، حدثنا سيدي علي بن موسى الرِّضا، حدثني موسى بن جعفر، حدثني جعفر بن محمد، حدثني علي بن الحسين عن الحسين، حدثنا علي بن أبي طالب. قال الذهبي في «الميزان» (٢/ ٣٩٠): هذه نسخة موضوعة.\n(^٢) «من» ساقطة من النسخ المطبوعة.\n(^٣) «أدب المفتي والمستفتي» (ص ٨٠)، «صفة الفتوى» (ص ٨).\n(^٤) انظر المصدرين السابقين.","vol":"5","page":105},{"text":"عن مسألة حتى يأخذ رأيَ صاحبه، مع ما رُزِقوا من السداد والتوفيق والطهارة؛ فكيف بنا الذين غطَّت الذنوب والخطايا قلوبنا؟ وكان - ﵀ - إذا سئل عن مسألة فكأنه واقف بين الجنة والنار (^١).\nوقال عطاء بن أبي رباح (^٢): أدركت أقوامًا إن كان أحدُهم لَيُسأل عن الشيء (^٣) فيتكلَّم وإنه لَيُرعَد (^٤).\nوسئل النبيُّ - ﷺ -: أي البلاد شرٌّ؟ فقال: «لا أدري حتى أسأل جبريل». فسأله، فقال: «أسواقها» (^٥).\nوقال الإمام أحمد: من عرَّض نفسه للفتيا فقد عرَّضها لأمر عظيم، إلا أنه قد تلجئ الضرورة (^٦).\n_________\n(^١) «صفة الفتوى» (ص ٨ - ٩).\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وقد ورد في «صفة الفتوى» ــ وهو مصدر النقل هنا ــ: «وقال عطاء»، فظن المؤلف أنه ابن أبي رباح، وإنما هو ابن السائب كما ترى في تخريج قوله.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «شيء».\n(^٤) رواه الفسوي (٢/ ٧١٨)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١٠٨٥) من طريق سفيان عن عطاء بن السائب، وسفيان قديم السماع عن عطاء.\n(^٥) «صفة الفتوى» (ص ٩). وقد رواه ابن حبان (١٥٩٩)، والحاكم (٢/ ٧)، والبيهقي (٣/ ٦٥) من طريق جرير عن عطاء، وجرير روى عنه بعد الاختلاط. وله شاهد حسن من حديث جبير بن مطعم رواه أحمد (١٦٧٤٤)، وأبو يعلى (٧٤٠٣)، والطبراني (١٥٤٥، ١٥٤٦)، والحاكم (٢/ ٧) من حديث جبير بن مطعم. وأصل الحديث في مسلم (٦٧١).\n(^٦) رواه الأثرم. انظر: «صفة الفتوى» (ص ١٠). وقد رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٢٩) بإسناده عن الأثرم عن الإمام أحمد.","vol":"5","page":106},{"text":"وسئل الشعبيُّ عن شيء (^١)، فقال: لا أدري. فقيل (^٢): ألا تستحيي من قولك لا أدري، وأنت فقيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] (^٣).\nوقال بعض أهل العلم (^٤): تعلَّمْ «لا أدري»، فإنك إن قلتَ: «لا أدري» علَّموك حتى تدري. وإن قلت: «أدري» سألوك حتى لا تدري.\nوقال عُقبة (^٥) بن مسلم: صحبتُ ابن عمر أربعة وثلاثين شهرًا، فكان كثيرًا ما يُسأَل، فيقول: لا أدري (^٦).\nوكان سعيد بن المسيب لا يكاد يُفتي فتيا ولا يقول شيئًا إلا قال: اللهم سلِّمني، وسلِّم مني (^٧).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «مسألة».\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».\n(^٣) «صفة الفتوى» (ص ٩). وقد رواه ابن أبي الدنيا في «الإشراف» (٢٥٨)، وفيه محمد بن مزاحم، لم يسمع من الشعبي. ورواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١١٢٣) وابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (٢٦) من طريق أحمد بن عبيد، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد؛ ثلاثتهم ضعفاء.\n(^٤) نقله في «صفة الفتوى» (ص ٩) عن أبي الذَّيَّال. وقد رواه ابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (ص ٨٩).\n(^٥) في النسخ الخطية: «عتبة»، تصحيف.\n(^٦) «صفة الفتوى» (ص ١٠). وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» (٥٢)، والفسوي (١/ ٤٩٠، ٤٩٣)، وابن عبد البر في «الجامع» (١٥٨٥)، وإسناده صحيح.\n(^٧) «صفة الفتوى» (ص ١٠). وقد رواه البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٥١١)، وابن سعد (٥/ ١٣٦)، وأبو نعيم (٢/ ١٦٤)، وإسناده صحيح.","vol":"5","page":107},{"text":"وسئل الشافعي عن مسألة، فسكت. فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري: الفضلُ في سكوتي أو في الجواب (^١).\nوقال ابن أبي ليلى: أدركتُ مائةً وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ -، يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتّى ترجعَ إلى الأول. وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يُسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه (^٢).\nوقال أبو حَصِين (^٣) الأسدي: إن أحدهم لَيفتي في المسألة، لو وردَتْ على عمر بن الخطاب لجمَع لها أهلَ بدر (^٤).\nوسئل القاسم بن محمد عن شيء، فقال: إني لا أحسنه. فقال له السائل: إني جئت إليك (^٥) لا أعرف غيرك. فقال له القاسم: لا تنظر إلى\n_________\n(^١) «صفة الفتوى» (ص ١٠). وانظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ٧٩).\n(^٢) «صفة الفتوى» (ص ٧). وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» (٥٨)، والدارمي (١٣٧)، وأبو خيثمة في «العلم» (٢١) من طريق سفيان، عن عطاء بن السائب. وإسناده صحيح.\n(^٣) في النسخ الخطية: «الحسين»، والصواب ما أثبت من مصادر التخريج.\n(^٤) «صفة الفتوى» (ص ٧). رواه ابن بطة في «الحيل» (٧٢)، والبيهقي في «المدخل» (٨٠٣)، ابن عساكر (٣٨/ ٤١٠)، وإسناده صحيح.\n(^٥) أثبت في المطبوع: «دفعت إليك». وقال في التعليق: «كذا في (ق) ومصادر التخريج»، مع أن في «صفة الفتوى» (ص ٨) ــ وهو مصدر النقل ــ كما أثبتنا من النسخ الخطية. نعم، في «جامع بيان العلم» ومنه في «أدب المفتي» (ص ٧٨) كما ذكر هو.","vol":"5","page":108},{"text":"طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أُحسِنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: والله لأن يُقطَع لساني أحبُّ إليَّ من أن أتكلَّم بما لا علم لي به.\n[٢٠٦/ب] وكتب سلمان إلى أبي الدرداء، وكان بينهما مؤاخاة: بلغني أنك قعدت طبيبًا فاحذر أن تكون متطبِّبًا أو تقتل مسلمًا! فكان ربما جاءه الخصمان، فيحكم بينهما، ثم يقول: ردُّوهما عليَّ، متطبِّب والله، أَعِيدا عليَّ قضيتكما (^١).\nالفائدة الرابعة والثلاثون: إذا نزلت بالعامِّيِّ نازلة، وهو في مكان لا يجد من يسأله عن حكمها، ففيه طريقان للناس:\nإحداهما (^٢): أنه (^٣) له حكم ما قبل الشرع، على الخلاف في الحظر والإباحة والوقف؛ لأن عدم المرشد في حقِّه بمنزلة عدم المرشد بالنسبة إلى الأمة.\nوالطريقة الثانية: أنه يخرَّج على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة عند المجتهد، هل يعمل بالأخفِّ، أو بالأشدِّ، أو يتخيَّر؟ والصواب أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويتحرَّى الحق بجهده ومعرفة مثله. وقد نصب الله تعالى على الحق أماراتٍ كثيرةً، ولم يسوِّ الله سبحانه بين ما يحبه وبين ما\n_________\n(^١) رواه مالك (٢/ ٧٦٩)، وأحمد في «الزهد» (٨٣٩)، وأبو نعيم (١/ ٢٠٥)، من طرق عن سلمان، وكلها منقطعة.\n(^٢) ز: «أحدهما»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «أن».","vol":"5","page":109},{"text":"يسخطه من كلِّ وجه، بحيث لا يتميَّز هذا من هذا. ولا بد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق، مؤثِرة له، ولا بد أن يقوم لها عليه بعضُ الأمارات المرجِّحة، ولو بمنام أو بإلهام. فإن قُدِّر ارتفاعُ ذلك كلِّه، وعُدِمت في حقِّه جميعُ الأمارات، فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة، ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلَّفًا بالنسبة إلى غيرها؛ فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكُّن من العلم والقدرة. والله أعلم.\nالفائدة الخامسة والثلاثون: الفتيا أوسع من الحكم والشهادة، فيجوز فتيا العبد والحر، والمرأة والرجل، والقريب (^١) والأجنبي، والأمّي والقارئ، والأخرس بكتابته والناطق، والعدو والصديق. وفيه وجه أنه لا تُقبَل فتيا العدو، ولا من لا تُقبَل شهادته له كالشهادة. والوجهان في الفتيا كالوجهين في الحكم، وإن كان الخلاف في الحاكم أشهر.\nوأما فتيا الفاسق فإن أفتى غيرَه لم تُقبَل فتواه، وليس للمستفتي أن يستفتيه. وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يستفتي غيره.\nوفي جواز استفتاء مستور الحال وجهان، والصواب جواز استفتائه وإفتائه.\nقلت: وكذلك الفاسق، إلا أن يكون معلنًا بفسقه داعيًا إلى بدعته، فحكمُ استفتائه حكمُ إمامته وشهادته. وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز. فالواجب شيء، والواقع شيء. والفقيه من يطبِّق بين الواقع والواجب، وينفِّذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يُلقي العداوة\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «البعيد»!","vol":"5","page":110},{"text":"بين الواجب والواقع. فلكلِّ زمان حكمٌ، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. وإذا عمَّ الفسوق وغلب على أهل الأرض، فلو مُنِعت (^١) إمامةُ الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعُطِّلت الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبطلت أكثر الحقوق. ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح، وهذا عند القدرة والاختيار. وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل، فليس إلا الاصطبار، والقيام بأضعف مراتب الإنكار.\n[٢٠٧/أ] الفائدة السادسة والثلاثون: لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما تجوز الفتيا (^٢) به، ووجوبها إذا تعيَّنت. ولم يزل أمر السلف والخلف على هذا، فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور، والذين لا يجوِّزون قضاء الجاهل. فالقاضي مفتٍ، ومثبت، ومنفِّذ لما أفتى به.\nوذهب بعض الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي إلى أنه يُكره للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به، دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها (^٣).\nواحتجَّ أرباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم، ولا يمكن نقضُه وقت المحاكمة. قالوا: ولأنه قد يتغيَّر اجتهاده وقت الحكومة، أو تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء؛ فإن أصرَّ على فتياه والحكم\n_________\n(^١) ب: «اتبعت»، وفي المطبوع: «امتنعت»، والصواب ما أثبت من ز، وكذا في الطبعات القديمة.\n(^٢) ب: «يجوز الإفتاء»، وكذا في المطبوع. وفي الطبعات السابقة كما أثبت من ز، ك.\n(^٣) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٠٨) و«صفة الفتوى» (٢٩).","vol":"5","page":111},{"text":"بموجبها حكَم بخلاف ما يعتقد صحته، وإن حكَم بخلافها طرق الخصمُ إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكُم بخلاف ما يعتقده ويفتي به.\nولهذا قال شريح: أنا أقضي لكم، ولا أفتي (^١). حكاه ابن المنذر (^٢)، واختار كراهية الفتوى في مسائل الأحكام.\nوقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني (^٣): لأصحابنا في فتواه في مسائل الأحكام جوابان.\nأحدهما: أنه ليس له أن يفتي فيها، لأن لكلام الناس عليه مجالًا، ولأحد الخصمين عليه مقالًا. والثاني: له ذلك، لأنه أهل له.\nالفائدة السابعة والثلاثون: فتيا الحاكم ليست حكمًا منه، فلو (^٤) حكم غيرُه بخلاف ما أفتى به لم يكن نقضًا لحكمه. ولا هي كالحكم، ولهذا يجوز أن يفتي الحاضرَ والغائبَ ومن يجوز حكمه له ومن لا يجوز. ولهذا لم يكن في حديث هند (^٥) دليل على الحكم على الغائب، لأنه - ﷺ - إنما أفتاها فتوى مجرَّدة، ولم يكن ذلك حكمًا على الغائب، فإنه لم يكن غائبًا عن البلد، وكانت مراسلته وإحضاره ممكنة، ولا طلب البينة على صحة دعواها. وهذا ظاهر بحمد الله.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق (١٦٩٢١) والطحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ٩٦) من طريقين ضعيفين عن عطاء بن السائب.\n(^٢) في «الإقناع» (٢/ ٥١٤). وانظر: «أدب المفتي» (ص ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٣) في بعض تعاليقه. ونقل منها ابن الصلاح في «أدب المفتي» (ص ١٠٨).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «ولو».\n(^٥) رواه البخاري (٢٢١١) ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"5","page":112},{"text":"الفائدة الثامنة والثلاثون: إذا سأل المستفتي عن مسألة لم تقع، فهل تستحَبُّ إجابته، أو تُكرَه، أو يخيَّر؟ فيه ثلاثة أقوال. وقد حكي عن كثير من السلف (^١) أنه كان لا يتكلَّم فيما لم يقع. وكان بعض السلف إذا سأله الرجل عن مسألة قال: هل كان ذلك؟ فإن قال: نعم، تكلَّف له الجواب، وإلا قال: دعنا في عافية (^٢).\nوقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلَّم في مسألة ليس لك فيها إمام (^٣).\nوالحقُّ: التفصيل. فإن كان في المسألة نصٌّ من كتاب الله أو سنَّةٍ عن رسول الله - ﷺ - أو أثرٍ عن الصحابة لم يُكرَه الكلام فيها. وإن لم يكن فيها نصٌّ ولا أثر، فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدَّرةً لا تقع لم يُستحَبَّ له الكلام فيها. وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرضُ السائل الإحاطةُ بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت= استُحِبَّ له الجواب بما يعلم، لا سيما إن كان السائل يتفقَّه بذلك، ويعتبر بها نظائرها، ويفرِّع عليها. فحيث كانت مصلحة الجواب راجحةً كان هو الأولى. والله أعلم.\n\nالفائدة التاسعة [٢٠٧/ب] والثلاثون:<span data-type=\"title\" id=toc-901> لا يجوز للمفتي تتبُّعُ الحيل </span>المحرَّمة والمكروهة، ولا تتبُّع الرخص لمن أراد نفعه. فإن تتبَّعَ ذلك فسَقَ، وحرُم استفتاؤه وإن (^٤) حسن قصدُه في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة\n_________\n(^١) في «صفة الفتوى» (ص ٣٠): «بعض السلف».\n(^٢) تقدم في الفائدة الأولى.\n(^٣) تقدم في أول الكتاب.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «فإن».","vol":"5","page":113},{"text":"لتخليص (^١) المستفتي بها من حرجٍ جاز ذلك، بل استُحِبَّ. وقد أرشد الله سبحانه نبيَّه أيوب إلى التخلُّص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا، فيضرب به المرأة ضربة واحدة (^٢).\nوأرشد النبيُّ - ﷺ - بلالًا إلى بيع التمر بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرًا آخر، فيتخلَّص من الربا (^٣). فأحسنُ المخارج ما خلص من المآثم، وأقبحُ الحيل ما أوقع في المحارم، أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحقِّ اللازم. وقد ذكرنا من النوعين ما لعلك لا تظفر بجملته في غير هذا الكتاب. والله الموفق للصواب.\nالفائدة الأربعون في حكم رجوع المفتي عن فتياه:\nإذا أفتى المفتي بشيءٍ ثم رجع عنه، فإن علِم المستفتي برجوعه ولم يكن عمِل بالأول فقيل: يحرُم عليه العمل به (^٤). وعندي في المسألة تفصيل، وأنه لا يحرم عليه الأول بمجرَّد رجوع المفتي، بل يتوقَّف حتى يسأل غيرَه. فإن أفتاه بموافقة الأول استمرَّ على العمل به، وإن أفتاه بموافقة الثاني، ولم يُفْتِه أحدٌ بخلافه، حرُم عليه العمل بالأول. وإن لم يكن في البلد إلا مفتٍ واحد سأله عن رجوعه عما أفتاه به، فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرُم عليه. وإن رجع لخطأٍ بان له، وأن ما أفتاه به لم يكن صوابًا، حرُم عليه العمل بالأول.\n_________\n(^١) ب: «ليخلص»، وكذا في المطبوع.\n(^٢) انظر: «أدب المفتي» (ص ١١١) و«صفة الفتوى» (ص ٣٢).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٠٩) و«صفة الفتوى» (ص ٣٠).","vol":"5","page":114},{"text":"هذا إذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي. فإن كان رجوعه لمجرَّد ما بان له أن ما أفتى به (^١) خلافُ مذهبه لم يحرُم على المستفتي ما أفتاه به أولًا، إلا أن تكون المسألة إجماعية. فلو تزوَّج بفتواه ودخل، ثم رجع المفتي، لم يحرُم عليه إمساك امرأته إلا بدليل شرعي يقتضي تحريمها. ولا يجب عليه مفارقتها بمجرَّد رجوعه، ولا سيَّما إن كان إنما رجع لكونه تبيَّن له أن ما أفتى به خلافُ مذهبه، وإن وافق مذهب غيره. هذا هو الصواب.\nوأطلق بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وجوبَ مفارقتها عليه، وحكوا في ذلك وجهين، ورجَّحوا وجوب المفارقة. قالوا: لأن المرجوع عنه ليس مذهبًا له، كما لو تغيَّر اجتهادُ من قلَّده في القبلة في أثناء الصلاة، فإنه يتحوَّل مع الإمام في الأصح (^٢).\nفيقال لهم: المستفتي قد دخل بامرأته دخولًا صحيحًا سائغًا، ولم يقُمْ ما يوجب مفارقته لها من نصٍّ ولا إجماع، فلا يجب عليه مفارقتها بمجرَّد تغيُّر اجتهاد المفتي. وقد رجع عمر بن الخطاب - ﵁ - عن القول بالتشريك، وأفتى بخلافه، ولم يأخذ المال من الذين شرَّك بينهم أولًا (^٣).\nوأما قياسكم ذلك على من تغيَّر اجتهاده في معرفة القبلة، فهو حجة عليكم؛ فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الأول، ويلزمه التحوُّل ثانيًا لأنه مأمور بمتابعة الإمام. بل نظير مسألتنا: ما لو تغيَّر اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة، فإنه لا تلزمه الإعادة، ويصلِّي الثانية بالاجتهاد الثاني.\n_________\n(^١) ك، ب: «أفتاه به»، وكذا في المطبوع.\n(^٢) انظر المصدرين المذكورين.\n(^٣) تقدَّم تخريجه.","vol":"5","page":115},{"text":"وأما قول أبي عمرو بن الصلاح (^١)، وأبي عبد الله بن حمدان (^٢) من أصحابنا: «إذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب [٢٠٨/أ] إمام معيَّن، فإذا رجع لكونه بان له قطعًا أنه خالف في فتواه نصَّ مذهب إمامه، فإنه يجب نقضُه، وإن كان ذلك في محل الاجتهاد؛ لأن نصَّ مذهب إمامه في حقِّه كنصِّ الشارع في حقِّ المفتي المجتهد المستقل»؛ فليس كما قالا. ولم ينصَّ على هذه المسألة أحد من الأئمة، ولا تقتضيها أصول الشريعة. ولو كان نصُّ إمامه بمنزلة نصِّ الشارع لَحرُم عليه وعلى غيره مخالفته، وفسَقَ بخلافه.\nولم يوجب أحد من الأئمة نقضَ حكم الحاكم ولا إبطالَ فتوى المفتي بكونه خلاف قول زيد أو عمرو، ولا يُعلَم أحدٌ سوَّغ النقضَ بذلك من الأئمة والمتقدمين من أتباعهم، وإنما قالوا: يُنقَض من حكم الحاكم ما خالف نصَّ كتاب أو سنة أو إجماع الأمة، ولم يقل أحد: يُنقَض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان. وينقض من فتوى المفتي ما ينقض من حكم الحاكم، فكيف يسوغ نقضُ أحكام الحكام وفتاوى أهل العلم بكونها خالفت قولَ واحدٍ من الأئمة، ولا سيَّما إذا وافقت نصًّا عن رسول الله - ﷺ - أو فتاوى الصحابة؟ أيسوغ نقضُها لمخالفة قول فلان وحده، ولم يجعل الله ولا رسوله ولا أحد من الأئمة قولَ فقيه من الأمة بمنزلة نصِّ الله ورسوله بحيث يجب اتباعُه ويحرُم خلافه؟\n_________\n(^١) في «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١٠٩ - ١١٠).\n(^٢) في «صفة الفتوى» (ص ٣١).","vol":"5","page":116},{"text":"فإذا بان للمفتي أنه خالف إمامه ووافق قول الأئمة الثلاثة لم يجب على الزوج أن يفارق امرأته، ويخرِّب بيتَه، ويشتِّت شملَه وشملَ أولاده، بمجرَّد كون المفتي ظهر له أن ما أفتى به خلافُ نصِّ إمامه. ولا يحِلُّ له أن يقول له: «فارِقْ أهلَك» بمجرَّد ذلك، ولا سيما إن كان النص مع قول الثلاثة.\nوبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن نتكلَّف بيانه.\nفإن قيل: فما تقولون لو تغيَّر اجتهاد المفتي، فهل يلزمه إعلام المستفتي؟\nقيل: اختُلِف في ذلك. فقيل: لا يلزمه إعلامه، فإنه عمل أولًا بما يسوغ له، فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثمًا، فهو في سعة من استمراره. وقيل: بل يلزمه إعلامه، لأن ما رجع عنه قد اعتقد بطلانه، وبان له أنَّ ما أفتاه (^١) ليس من الدين، فيجب عليه إعلامه؛ كما جرى لعبد الله بن مسعود حين أفتى رجلًا بحِلِّ أم امرأته التي فارقها قبل الدخول، ثم سافر إلى المدينة وتبيَّن له خلاف هذا القول، فرجع إلى الكوفة، وطلب الرجل (^٢)، وفرَّق بينه وبين أهله (^٣). وكما جرى للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استُفتي في مسألة، فأخطأ فيها، ولم يعرف الذي أفتاه (^٤)، فاستأجر مناديًا ينادي أن الحسن بن زياد استُفْتي يومَ (^٥) كذا وكذا في مسألة، فأخطأ. فمن كان أفتاه الحسن بن زياد\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده: «به».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «هذا الرجل».\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «به».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «في يوم» بزيادة «في».","vol":"5","page":117},{"text":"بشيء فليرجع إليه. ثم لبث أيامًا لا يُفتي حتى وجد (^١) صاحبَ الفتوى، فأعلمه أنه قد أخطأ، وأن الصواب خلاف ما أفتاه به (^٢).\nقال القاضي أبو يعلى في «كفايته» (^٣): من أفتى بالاجتهاد ثم تغيَّر اجتهاده لم يلزمه إعلامُ المستفتي بذلك إن كان قد عمل به، وإلا أعلَمه.\nوالصواب: التفصيل. فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعًا بكونه (^٤) خالف نصَّ الكتاب أو السنة التي لا معارض لها، أو خالف إجماعَ الأمة، وجب عليه (^٥) إعلام المستفتي. وإن كان [٢٠٨/ب] إنما ظهر له أنه خالف مجرَّدَ مذهبه أو نصَّ إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتي.\nوعلى هذا تُخرَّج قصة ابن مسعود، فإنه لما ناظر الصحابةَ في تلك المسألة بيَّنوا له أن صريح الكتاب يحرِّمها، لكون الله أبهمها فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وظنَّ عبد الله أن قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] راجع إلى الأول والثاني. فبيَّنوا له أنه إنما يرجع إلى أمهات\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «جاء»، وفي مصادر التخريج كما أثبت من النسخ الخطية هنا وفيما سبق.\n(^٢) «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١١٠). وقد رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١٢٠٩) ــ وعنه ابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (٣٤) ــ من طريق علي بن محمد النخعي، عن محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد، عن أبيه، وفيه مَن لا أعرف.\n(^٣) نقله منه ابن حمدان في «صفة الفتوى» (ص ٣١).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «لكونه».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «الأمة فعليه».","vol":"5","page":118},{"text":"الربائب خاصّةً، فعرَف أنه الحقُّ، وأن القول بحِلِّها خلافُ كتاب الله، ففرَّق بين الزوجين. ولم يفرِّق بينهما بكونه تبيَّن له أن ذلك خلاف قول زيد أو عمرو. والله أعلم.\nالفائدة الحادية والأربعون: إذا عمل المستفتي بفتيا مفتٍ في إتلاف نفس أو مال، ثم بان خطؤه.\nفقال (^١) أبو إسحاق الإسفراييني من الشافعية: يضمن المفتي إن كان أهلًا للفتوى وخالف القاطعَ. وإن لم يكن أهلًا فلا ضمان عليه، لأن المستفتي قصَّر في استفتائه وتقليده (^٢). ووافقه على ذلك أبو عبد الله بن حمدان في كتاب «أدب المفتي والمستفتي» (^٣) له، ولم أعرف هذا لأحد من الأصحاب قبله. ثم حكى وجهًا آخر في تضمين من ليس بأهل، قال: لأنه تصدَّى لما ليس له بأهل، وغرَّ من استفتاه بتصدِّيه لذلك.\nقلت: خطأ المفتي كخطأ الحاكم والشاهد، وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم في النفس أو الطرف. فعن الإمام أحمد في ذلك روايتان (^٤)، إحداهما: أنه في بيت المال، لأنه يكثر منه الحكم (^٥) فلو حملته العاقلة لكان\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «قال».\n(^٢) نقله عن أبي إسحاق أبو عمرو ابن الصلاح في «أدب المفتي» (ص ١١١).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «آداب ...». وهو مطبوع بعنوان «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» (ص ٣١).\n(^٤) انظر: «الهداية» لأبي الخطاب (ص ٥٣٥).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «ذلك الحكم».","vol":"5","page":119},{"text":"ذلك إضرارًا عظيمًا بهم. والثانية: أنه على عاقلته، كما لو كان الخطأ بسبب غير الحاكم. وأما خطؤه في المال فإذا حكَم بحقٍّ، ثم بان كفرُ الشهود أو فسقُهم، نُقِض حكمُه، ثم رجع المحكوم عليه ببدل المال على المحكوم له. وكذلك إن (^١) كان الحكم بقود رجع أولياء المقتول ببدله على المحكوم له.\nوإن (^٢) كان الحكمُ بحقٍّ لله (^٣) بإتلاف مباشر أو بالسِّراية، ففيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن الضمان على المزكِّين، لأن الحكم إنما وجب بتزكيتهم.\nوالثاني: يضمنه الحاكم، لأنه لم يتثبت، بل فرَّط في المبادرة إلى الحكم، وترك البحث والسؤال.\nوالثالث: أن للمستحقِّ تضمين أيهما شاء، والقرارُ على المزكِّين، لأنهم ألجؤوا الحاكمَ إلى الحكم. فعلى هذا إن لم يكن ثمَّ تزكية، فعلى الحاكم.\nوعن أحمد رواية أخرى: أنه لا ينقض بفسقهم، فعلى هذا لا ضمان (^٤). وعلى هذا إذا استفتى الإمام أو الوالي مفتيًا، فأفتاه، ثم بان (^٥) خطؤه فحكمُ المفتي مع الإمام حكمُ المزكِّين مع الحاكم.\nوإن عمل المستفتي بفتواه، من غير حكم حاكم ولا إمام، فأتلف نفسًا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «إذا».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وكذلك إن»، و«كذلك» زائدة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «بحق الله».\n(^٤) انظر: «المحرر» (٢/ ٢١١).\n(^٥) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».","vol":"5","page":120},{"text":"أو مالًا؛ فإن كان المفتي أهلًا فلا ضمان عليه، والضمان على المستفتي. وإن لم يكن أهلًا فعليه الضمان، لقول النبي - ﷺ -: «من تطبَّب ولم يُعرَف منه طبٌّ فهو ضامن» (^١). وهذا يدل على أنه إذا عُرِف منه طبٌّ وأخطأ لم يضمن. والمفتي أولى بعدم الضمان من الحاكم والإمام، لأن المستفتي مخيَّر بين قبول فتواه وردِّها، فإن قوله لا يلزم، بخلاف حكم الإمام والحاكم (^٢).\nوأما خطأ الشاهد، فإما أن يكونوا شهودًا بمال أو طلاق أو عتق أو حدٍّ أو قود، فإن بان خطؤهم قبل الحكم بذلك لم يحكم به (^٣). [٢٠٩/أ] فإن (^٤) بان بعد الحكم باستيفاء القوَد وقبل استيفائه لم يستوفَ قطعًا. وإن بان بعد استيفائه فعليهم دية ما تلف، ويتقسَّط الغرم على عددهم. وإن بان خطؤهم قبل الحكم بالمال لغَتْ شهادتهم ولم يضمنوا. وإن بان بعد الحكم به نُقِض حكمه، كما لو شهدوا بموت رجلٍ باستفاضة، فحكم الحاكم بقَسْمِ ميراثه، ثم بانت حياته، فإنه يُنقَض حكمه.\nوإن بان خطؤهم في شهادة الطلاق من غير جهتهم، كما لو شهدوا أنه\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٥٨٦)، والنسائي (٤٨٣٠)، وابن ماجه (٣٤٦٦) من طريق الوليد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وقال أبو داود: هذا لم يروه إلا الوليد، لا ندري هو صحيح أم لا. وقوَّى الدارقطني وابن حجر الإرسالَ. انظر: «سنن الدارقطني» (٣٤٣٩) و«بلوغ المرام» (٣٥٧). وهو ثابت عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز من قوله عند ابن أبي شيبة (٢٨١٦٤) وانظر ما بعده.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الحاكم والإمام».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «قبل الحكم لم يحكم بذلك».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «وإن».","vol":"5","page":121},{"text":"طلَّق يوم كذا وكذا، وظهر للحاكم أنه في ذلك اليوم كان محبوسًا لا يصل إليه أحد، أو كان مغمًى عليه= فحكمُ ذلك حكمُ ما لو بان كفرهم أو فسقهم، فيُنقَض (^١) حكمُه، وتُرَدُّ المرأة إلى الزوج ولو تزوجت بغيره؛ بخلاف ما إذا قالوا: رجعنا عن الشهادة، فإن رجوعهم إن كان قبل الدخول ضمنوا نصفَ المسمَّى، لأنهم قرَّروه عليه، ولا تعود إليه الزوجة إذا كان الحاكم قد (^٢) حكم بالفرقة. وإن رجعوا بعد الدخول، ففيه روايتان، إحداهما: أنهم لا يغرمون شيئًا، لأن الزوج استوفى المنفعة بالدخول، فاستقرَّ عليه عوضُها. والثانية: يغرمون المسمَّى كلَّه، لأنهم فوَّتوا عليه البُضْعَ بشهادتهم. وأصلها (^٣) أن خروج البضع من يد الزوج هل هو متقوِّم أم لا (^٤)؟\nوأما شهود العتق فإن بان خطؤهم تبيَّنَّا أنه لا عتق. وإن قالوا: رجعنا غرموا للسيِّد قيمة العبد.\nالفائدة الثانية والأربعون: ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو همٍّ مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغلِ قلب مستولٍ عليه، أو حال مدافعة الأخبثين. بل متى أحسَّ من نفسه بشيء (^٥) من ذلك يُخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبُّته وتبيُّنه (^٦) أمسك عن الفتوى. فإن\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فإنه ينقض».\n(^٢) لم يرد «قد» في ز.\n(^٣) يعني: المسألة. وفي النسخ المطبوعة: «وأصلهما».\n(^٤) وانظر: «بدائع الفوائد» (ص ١١١٤).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «شيئًا».\n(^٦) المطبوع: «اعتداله وطمأنينته وتثبيته».","vol":"5","page":122},{"text":"أفتى في هذه الحال (^١) بالصواب صحَّت فتياه (^٢).\nولو حكم في هذه الحال (^٣) فهل ينفذ حكمه أو لا ينفذ؟ فيه ثلاثة أقوال: النفوذ، وعدمه، والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ، وبين أن يكون سابقًا على فهم الحكومة فلا ينفذ. والثلاثة في مذهب الإمام أحمد (^٤).\nالفائدة الثالثة والأربعون: لا يجوز له أن يفتي في الأقارير والأيمان والوصايا وغيرها، مما يتعلَّق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ، دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلِّمين بها، فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية. فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضلَّ (^٥).\nفلفظ «الدينار» عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة اسم لاثني عشر درهمًا، و«الدرهم» عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش. فإذا أقرَّ له بدراهم، أو حلَف لَيعطينَّه (^٦) إياها، أو أصدقها امرأةً (^٧) = لم يجُز للمفتي ولا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «الحالة».\n(^٢) انظر: «أدب المفتي» (ص ١١٣) و«صفة الفتوى» (ص ٣٤).\n(^٣) في المطبوع: «في مثل هذه الحالة».\n(^٤) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٦).\n(^٥) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١١٥) و«صفة الفتوى» (ص ٣٦).\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «ليعطيه»، وهو خطأ.\n(^٧) في المطبوع: «امرأته».","vol":"5","page":123},{"text":"للحاكم أن يلزمه بالخالصة. فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجُز له أن يُلزم المستحقَّ بالمغشوشة.\nوكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق. فلو جرى عرفُ أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ «الحرية» في العفة دون العتق، فإذا قال أحدهم عن مملوكه: «إنه حرٌّ» أو عن جاريته: «إنها حرَّة»، وعادتُه استعمال ذلك [٢٠٩/ب] في العفة، لم يخطر بباله غيرُها= لم يعتِق بذلك قطعًا، وإن كان اللفظ صريحًا عند مَن ألِفَ استعماله في العتق.\nوكذلك إذا جرى عرفُ طائفة في الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره، فإذا قالت: «اسمح لي»، فقال: «سمحتُ لك»، فهذا صريح في الطلاق عندهم. وقد تقدَّم الكلام في هذا الفصل مشبعًا، وأنه لا يسوغ أن يُقبَل تفسيرُ من قال: «لفلان عليَّ مال جليل أو عظيم» بدانق أو درهم ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المفسِّر من الأغنياء المكثرين أو الملوك (^١).\nوكذلك لو أوصى له بقوس في محلَّة لا يعرفون إلا أقواس النَّدْف (^٢) أو الأقواس العربية أو أقواس الرِّجل (^٣)، أو حلف لا يشَمُّ الريحان في محلٍّ لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي، أو حلف لا يركب دابة في موضعٍ عرفُهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس، أو حلف لا يأكل ثمرًا في بلدٍ عرفهُم في\n_________\n(^١) انظر ما سبق في «المثال الثامن مما تتغير به الفتوى لتغير العرف والعادة».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «البندق». وقوس الندف غير قوس البندق. انظر: «المغني» (٨/ ٥٧٠).\n(^٣) انظر وصفها في «الفروسية المحمدية» (ص ٣٨٠ - ٣٨١).","vol":"5","page":124},{"text":"الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره، أو حلف لا يلبس ثوبًا في بلدٍ عرفُهم من (^١) الثياب القُمُص وحدها دون الأردية والأُزُر والجِباب ونحوها= تقيَّدت يمينُه بذلك وحده في جميع هذه الصور، واختصَّت بعرفه دون موضوع اللفظ لغةً أو في عرف غيره.\nبل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلُّم بالعربية ولا يفهمها: «قل لي: أنتِ طالق ثلاثًا»، وهو لا يعلم ما (^٢) موضوع هذه الكلمة، فقال لها= لم تطلُق قطعًا في حكم الله ورسوله.\nوكذلك لو قال الرجل لآخر: «أنا عبدك ومملوكك» على جهة (^٣) الخضوع له كما يقوله الناس لم يستبح ملكَ رقبته بذلك. ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له بيعُ هذا القائل وملكُ رقبته بمجرَّد هذا اللفظ.\nوهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل، فيغرُّ الناسَ، ويكذب على الله ورسوله، ويغيِّر دينه، ويحرِّم ما لم يحرِّمه الله، ويوجب ما لم يوجبه الله. والله المستعان.\nالفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيُّل [على] (^٤) إسقاط واجب، أو تحليل محرَّم، أو مكر أو خداع= أن يعين\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «في».\n(^٢) «ما» ساقطة من النسخ المطبوعة.\n(^٣) في المطبوع: «على سبيل».\n(^٤) من النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":125},{"text":"المستفتي فيها، أو يرشده (^١) إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصَّل به إلى مقصده. بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم. ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذِرًا فطِنًا، فقهُه (^٢) في أحوال الناس وأمورهم يوازن فقهَه (^٣) في الشرع؛ وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ.\nوكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم! فالغِرُّ ينظر إلى ظاهرها، ويقضي بجوازه. وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها. فالأول يروج عليه زغَلُ المسائل، كما يروج على الجاهل بالنقد زغلُ الدراهم. والثاني يُخرج زيفها، كما يُخرج الناقد زيف النقود.\nوكم من باطل يُخرِجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حقٍّ! وكم من حقٍّ يُخرِجه بتهجينه وسوء [٢١٠/أ] تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك؛ بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يستغني عن الأمثلة. بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع كلَّها وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة، وكسَوها ألفاظًا يقبلها بها من لم يعرف حقيقتها، ولقد أحسن القائل (^٤):\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ويرشده».\n(^٢) ز: «فقيه»، تصحيف.\n(^٣) في المطبوع: «فقيهًا بأحوال الناس وأمورهم يؤازره فقهٌ»، وفي الطبعات السابقة: «... فقهُه». والصواب ما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٤) هو ابن الرومي. انظر: «ديوانه» (٣/ ١١٤٤). وهي ثلاثة أبيات ذكرت في «وفيات الأعيان» (١/ ٣٣) وغيره دون عزو.","vol":"5","page":126},{"text":"تقول هذا جنيُّ النحل تمدحه ... وإن تشأ قلتَ ذا قيءُ الزنابير (^١)\nمدحًا وذمًّا وما جاوزتَ وصفهما ... والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير (^٢)\n\nورأى بعض الملوك كأن أسنانه قد سقطت، فعبَّرها له معبِّرٌ بموت أهله وأقاربه؛ فأقصاه وطرَده. واستدعى آخر، فقال له: لا عليك، تكون أطولَ أهلِك عمرًا؛ فأعطاه وأكرمه وقرَّبه (^٣). فاستوفى المعنى، وغيَّر له العبارة، وأخرج المعنى في قالب حسن.\nوالمقصود أنه لا يحِلُّ له أن يفتي بالحيل المحرَّمة، ولا يعين عليها، ولا يدل عليها؛ فيضادَّ الله في أمره. قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].\n_________\n(^١) «جنيُّ النحل» كذا في النسخ الخطية، و«مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٩٧)، و«الصواعق المرسلة» (٣/ ٩٤٤). وفي النسخ المطبوعة: «جناء النحل»، وهو خطأ. ولعل بعضهم قرأ «جَنَى النحل» فرأى الوزن مكسورًا، فغيَّره. والرواية: «مُجاج النحل».\n(^٢) هذا البيت ملفَّق من بيتين، فالشطر الأول عجزه:\nسحرُ البيان يُرِي الظلماءَ كالنورِ\nوهو آخر الأبيات الثلاثة. والشطر الثاني صدره في «الديوان» وهو أول الأبياتِ:\nفي زُخرف القول ترجيحٌ لقائله\n(^٣) انظر: «الإشارات» لغرس الدين ابن شاهين (ص ٨٧٣).","vol":"5","page":127},{"text":"وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (^١) [البقرة: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣].\nوقال تعالى في حقِّ أرباب الحيل المحرَّمة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦].\nوفي «صحيح مسلم» (^٢) عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ملعون من ضارَّ مسلمًا أو مكَر به».\nوقال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلُّوا محارمَ الله بأدنى الحِيَل» (^٣).\nوقال: «المكر والخديعة في النار» (^٤).\nوفي «سنن ابن ماجه» (^٥) وغيره عنه - ﷺ -: «ما بال أقوام يلعبون بحدود\n_________\n(^١) ز، ك: «وما يخادعون إلا أنفسهم»، وهي قراءة أبي عمرو والحرميين من السبعة. انظر: «الإقناع» لابن الباذش (٢/ ٥٩٧).\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. ولم يرد الحديث في «صحيح مسلم». وإنما رواه الترمذي (١٩٤١) وقال: حديث غريب.\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) رواه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٥٨٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٢٦٨) من حديث قيس بن سعد. وقال ابن الملقن في «التوضيح» (١٤/ ٣٥٩) والحافظ في «الفتح» (٤/ ٣٥٦): وإسناده لا بأس به. وله شواهد، انظر: «الصحيحة» (١٠٥٧).\n(^٥) برقم (٢٠١٧) ورواه ابن حبان (٤٢٦٥)، والبيهقي (٧/ ٣٢٢) من حديث أبي موسى الأشعري، وفيه مؤمَّل، ضعيف. لكن تابعه أبو حذيفة عند البيهقي (٧/ ٣٢٢). قال البزار (٨/ ١١٦): «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى إلا الثوري، ورواه عن الثوري مؤمَّل وأبو حذيفة». وحسنه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (٥١٢) والمؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٠٣).","vol":"5","page":128},{"text":"الله، ويستهزئون بآياته: طلَّقتُكِ راجعتُكِ، طلَّقتُكِ راجعتُكِ!». وفي لفظ (^١): «خلعتُكِ راجعتُك، خلعتُك راجعتُك».\nوفي «الصحيحين» (^٢) عنه - ﷺ -: «لعن الله اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم، فجمَلوها، وباعوها، وأكلوا أثمانها».\nوقال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان (^٣).\nوقال ابن عباس: من يخادع الله يخدَعْه (^٤).\nوقال بعض السلف: ثلاثٌ من كنَّ فيه كنَّ عليه: المكر، والبغي، والنَّكث. وقال تعالى (^٥): ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] (^٦).\n_________\n(^١) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص ٩٩).\n(^٢) البخاري (٢٢٢٣) ومسلم (١٥٨٢)، وقد سبق مرتين.\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) كذا في النسخ، ولعل الصواب حذف الواو كما في «سنن سعيد بن منصور» و«شعب الإيمان» وغيرهما. وأثبت في المطبوع: «وقرأ»، كما جاء في «ذم البغي».\n(^٦) رواه سعيد بن منصور (١٠٥٧ - التفسير) من طريق فرَج بن فَضالة، حدثني ربيعة بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، أنه سمع قاصًّا في مسجد منى يقول ...، بأتم من هذا. وفيه: «ثم قال: ثلاث خلال لا يعذبكم الله ما عملتم بهن: الشكر والدعاء والاستغفار. ثم قرأ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]. ورواه ابن أبي الدنيا في «ذم البغي» (٣٤) عن محمد بن كعب القرظي من قوله، وفيه عقبة، لا يعرف. ولعله تصحيف شعبة إذ لم أجد في طبقته من يروي عن بديل بن ميسرة ويروي عنه موسى بن إسماعيل. ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨١) عن مكحول من قوله نحوه. ورواه أيضًا في «أخبار أصبهان» (٢/ ٧٠) ــ ومن طريقه الخطيب في «تاريخه» ــ عن أنس مرفوعًا، وحكم الحافظان الذهبي وابن حجر عليه بالنكارة. «الميزان» (٤/ ٩١، ٩٢) و«اللسان» (٨/ ٢٩).","vol":"5","page":129},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١): هذه الحيل التي وضعها هؤلاء: عمدوا إلى السنن، فاحتالوا في نقضها. أتوا إلى الذي قيل لهم إنه حرام، فاحتالوا فيه حتى حلَّلوه.\nوقال (^٢): ما أخبثهم! [٢١٠/ب]ــ يعني أصحاب الحيل ــ يحتالون لنقض سنن رسول الله - ﷺ -.\nوقال (^٣): من احتال بحيلة فهو حانث.\nوقال (^٤): إذا حلف على شيء، ثم احتال بحيلة، فصار إليها، فقد صار إلى الذي حلف عليه بعينه.\nوقد تقدَّم بسطُ الكلام في هذه المسألة مستوفًى (^٥) فلا حاجة إلى إعادته.\n_________\n(^١) في رواية أبي الحارث الصائغ. وقد تقدمت.\n(^٢) في رواية أبي داود، وقد تقدمت أيضًا.\n(^٣) في رواية بكر بن محمد، وقد تقدمت أيضًا.\n(^٤) في رواية بكر بن محمد أيضًا، وقد تقدمت.\n(^٥) (٤/ ٤٧ وما بعدها).","vol":"5","page":130},{"text":"الفائدة الخامسة والأربعون: في أخذه (^١) الأجرة والهدية والرزق على الفتوى، فهذه (^٢) ثلاث صور مختلفة السبب والحكم.\nفأما أخذه الأجرة، فلا يجوز له لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليه؛ كما لو قال له: لا أعلِّمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة، أو سئل عن حلال أو حرام، فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة= فهذا حرام قطعًا، ويلزمه ردُّ العوض، ولا يملكه.\nوقال بعض المتأخرين (^٣): إن أجاب بالخطِّ، فله أن يقول للسائل: لا يلزمني أن أكتب لك خطِّي إلا بأجرة؛ وله أخذُ الأجرة. وجعَلَه بمنزلة أجرة الناسخ، فإنه يأخذ الأجرة على خطِّه، لا على جوابه، وخطُّه قدر زائد على جوابه.\nوالصحيح: خلاف ذلك، وأنه يلزمه الجواب مجّانًا لله بلفظه وخطِّه، ولكن لا يلزمه الورق ولا الحبر.\nوأما الهدية، ففيها تفصيل. فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه، أو من لا يعرف أنه مفتٍ، فلا بأس بقبولها؛ والأولى أن يكافئ عليها. وإن كانت بسبب الفتوى، فإن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيرَه ممن لا يُهدي له لم يجُز له قبول هديته. وإن كان لا فرق بينه وبين غيره عنده في الفتيا، بل يفتيه بما يفتي به الناس، كُرِه له قبول الهدية لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء.\n_________\n(^١) ك، ب: «أخذ»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فيه»!\n(^٣) هو أبو حاتم القزويني الشافعي. انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١١٤).","vol":"5","page":131},{"text":"وأما أخذ الرزق من بيت المال، فإن كان محتاجًا إليه جاز له ذلك. وإن كان غنيًّا عنه، ففيه وجهان. وهذا فرع متردِّد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم، فمن ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عامٌّ، فله الأخذ. ومن ألحقه بعامل اليتيم منَعه من الأخذ. وحكمُ القاضي في ذلك حكمُ المفتي، بل القاضي أولى بالمنع. والله أعلم.\nالفائدة السادسة والأربعون: إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى، فإن ذكرها وذكر مستندها، ولم يتجدَّد له ما يوجب تغيُّرَ اجتهاده أفتى بها من غير نظر ولا اجتهاد. وإن ذكرها ونسي مستندها، فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي (^١). أحدهما: أنه يلزمه تجديد النظر، لاحتمال تغيُّر اجتهاده وظهور ما كان خافيًا عنه. والثاني: لا يلزمه تجديد النظر، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. وإن ظهر له ما يغيِّر اجتهاده لم يجُز له البقاء على القول الأول، ولا يجب عليه نقضه. ولا يكون اختلافه مع نفسه قادحًا في علمه، بل هذا من كمال علمه وورعه. ولأجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر.\nوسمعت شيخنا رحمه الله تعالى يقول: حضرتُ عقدَ مجلسٍ عند نائب السلطان في وقفٍ، أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين. فقُرئ (^٢) جوابه الموافق للحقِّ، فأخرج بعض الحاضرين جوابه الأول، وقال: هذا جوابك\n_________\n(^١) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١١٧)، و«صفة الفتوى» (ص ٣٧)، و«المسودة» (ص ٥٤٢).\n(^٢) كذا رسمها في النسخ الخطية، وفي النسخ المطبوعة: «قرأ».","vol":"5","page":132},{"text":"[٢١١/أ] بضِّد هذا، فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجَم الحاكم. فقلت: هذا من علمه ودينه، أفتى أولًا بشيء، ثم تبيَّن له الصواب، فرجع إليه؛ كما يفتي إمامه بقول، ثم يتبيَّن له خلافه، فيرجع إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه. وكذلك سائر الأئمة. فسُرَّ القاضي بذلك، وسُرِّي عنه.\nالفائدة السابعة والأربعون: قول الشافعي رحمه الله تعالى: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنَّة رسول الله - ﷺ -، فقولوا بسنَّة رسول الله - ﷺ - ودَعُوا ما قلته» (^١)، وكذلك قوله: «إذا صحَّ الحديث عن النبي - ﷺ -، وقلتُ أنا قولًا، فأنا راجعٌ عن قولي، قائلٌ (^٢) بذلك الحديث» (^٣)، وقوله: «إذا صحَّ الحديث عن رسول الله - ﷺ -، فاضربوا بقولي الحائطَ» (^٤)، وقوله: «إذا رويتُ حديثًا عن رسول الله - ﷺ - ولم أذهب إليه، فاعلموا أنَّ عقلي قد ذهب» (^٥)، وغير ذلك من كلامه في هذا المعنى= صريحٌ في مدلوله، وأن مذهبه ما دلَّ عليه الحديث (^٦)، لا قول له غيره. ولا يجوز أن ينسب إليه ما خالف الحديث، ويقال: هذا مذهب الشافعي. ولا يحِلُّ الإفتاء بما خالف الحديثَ على أنه مذهب الشافعي، ولا الحكم به. صرَّح بذلك جماعة من أئمة أتباعه، حتى\n_________\n(^١) انظر: «أدب المستفتي» (ص ١١٧) و«صفة الفتوى» (ص ٣٧).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وقائل».\n(^٣) «أدب المستفتي» (ص ١١٩) و«صفة الفتوى» (ص ٣٨).\n(^٤) تقدَّم مرتين.\n(^٥) تقدَّم أيضًا.\n(^٦) انظر: «صفة الفتوى» (ص ٣٨).","vol":"5","page":133},{"text":"كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألةً من كلامه: قد صحَّ الحديث بخلافها. اضرب على هذه المسألة، فليست مذهبه.\nوهذا هو الصواب قطعًا، ولو لم ينصَّ عليه؛ فكيف إذا نصَّ عليه، وأبدى فيه وأعاد، وصرَّح به (^١) بألفاظ كلُّها صريحة في مدلولها؟ فنحن نشهد بالله أن مذهبه وقوله الذي لا قول له سواه ما وافق الحديث، دون ما خالفه؛ وأن من نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه، ولا سيما إذا ذكر هو ذلك الحديث، وأخبر أنه إنما خالفه لضعفٍ في سنده أو لعدم بلوغه له من وجهٍ يثق به، ثم ظهر للحديث سندٌ صحيحٌ لا مطعن فيه، وصحَّحه أئمة الحديث من وجوه لم تبلغه= فهذا لا يشكُّ عالم ولا يماري في أنه مذهبه قطعًا.\nوهذا كمسألة الجوائح (^٢)، فإنه علَّل حديث سفيان بن عيينة بأنه كان ربما ترك ذكر الجوائح. وقد صحَّ الحديث من غير طريق سفيان صحةً لا مرية فيها ولا علة ولا شبهة بوجه؛ فمذهبُ الشافعي وضعُ الجوائح. وبالله التوفيق.\nوقد صرَّح بعض أئمة الشافعية بأن مذهبه أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وأن وقت المغرب يمتدُّ إلى [مغيب] (^٣) الشفق، وأن من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه، وأن أكل لحوم الإبل ينقض الوضوء. وهذا بخلاف الفطر بالحجامة، وصلاة المأموم قاعدًا إذا صلَّى إمامُه كذلك؛ فإن الحديث\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فيه».\n(^٢) تقدَّم الكلام عليها مع تخريج الحديث.\n(^٣) من النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":134},{"text":"وإن صحَّ في ذلك فليس بمذهب له (^١)، فإنه (^٢) رواه وعرف صحته، ولكن خالفه لاعتقاده نسخَه. وهذا شيء، وذاك شيء. ففي هذا القسم يقع النظر في النسخ وعدمه، وفي الأول يقع النظر في صحة الحديث وثقة السند، فاعرفه.\nالفائدة الثامنة والأربعون: [٢١١/ب] إذا كان عند الرجل «الصحيحان»، أو أحدهما، أو كتاب من سنن رسول الله - ﷺ - موثوق بما فيه= فهل له أن يفتي بما يجده فيه؟ فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك، لأنه قد يكون منسوخًا، أو له معارض، أو يُفهَم من دلالته خلافُ ما يدل عليه، أو يكون أمرَ ندبٍ فيفهم منه الإيجاب، أو يكون عامًّا له مخصِّص، أو مطلقًا له مقيِّد. فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسأل أهل الفقه والفتيا.\nوقالت طائفة: بل له أن يعمل به، ويفتي به. بل يتعيَّن عليه، كما كان الصحابة يفعلون، إذا بلغهم الحديث عن رسول الله - ﷺ - وحدَّث به بعضهم بعضًا بادروا إلى العمل به من غير توقُّف ولا بحث عن معارض، ولا يقول أحد منهم قط (^٣): هل عمل بهذا فلان وفلان؟ ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه أشدَّ الإنكار. وكذلك التابعون. وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم، وطول العهد بالسنَّة وبُعد الزمان وعتقها، لا يسوغ تركُ [العملِ بها والأخذُ] بغيرها (^٤). ولو كانت سنن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بمذهبه».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فإن الشافعي قد».\n(^٣) لاحظ استعمال «قط» لغير الزمان الماضي، وقد تقدم مثله.\n(^٤) ب: «ترك الأخذ بعينها»، ولعله تصحيح ما ورد في (ز، ك)، وما بين المعقوفين اقتراح لبعض قراء ك. وفي النسخ المطبوعة: «تركُ الأخذ بها والعمل بغيرها».","vol":"5","page":135},{"text":"لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان (^١) لكان قول فلان وفلان عِيارًا على السنن، ومزكِّيًا لها، وشرطًا في العمل بها؛ وهذا من أبطل الباطل. وقد أقام الله الحجة برسوله، دون آحاد الأمة. وقد أمر النبيُّ - ﷺ - بتبليغ سنته، ودعا لمن بلَّغها (^٢)؛ فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة، وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان.\nقالوا: والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة، بل ولا شطرها! فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ أقلُّ بكثير من وقوع الخطأ في تقليد من يصيب ويخطئ، ويجوز عليه التناقض والاختلاف، ويقول القولَ ويرجع عنه، ويُحكى عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال. ووقوعُ الخطأ في فهم كلام المعصوم أقلُّ بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعيَّن. فلا يُفرَض احتمالُ خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعافُ أضعافِ أضعافِه حاصلٌ لمن أفتى بتقليد من لا يُعلَم خطؤه من صوابه.\nوالصواب في هذه المسألة: التفصيل؛ فإن كانت دلالة الحديث ظاهرةً بينةً لكلِّ من سمعه لا تحتمل غير المراد، فله أن يعمل به، ويفتي به، ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أو إمام، بل الحجةُ قول رسول الله - ﷺ -، وإن\n_________\n(^١) ب: «وفلان».\n(^٢) رواه أحمد (٤١٥٧)، والترمذي (٢٦٥٧، ٢٦٥٨)، وابن ماجه (٢٣٢) من حديث ابن مسعود. صححه الترمذي، وابن حبان (٦٨٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣٨٦)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٢١/ ٢٧٦)، وغيرهم.","vol":"5","page":136},{"text":"خالفه من خالفه. وإن كانت دلالته خفيَّةً لا يتبيَّن له المراد منها لم يجُز له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهَّمه مرادًا، حتَّى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه.\nوإن كانت دلالةً (^١) ظاهرةً، كالعامِّ على أفراده، والأمر على الوجوب، والنهي على التحريم؛ فهل له العمل والفتوى به؟ يخرَّج على أصلٍ، وهو العمل بالظواهر قبل البحث عن المُعارض. وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: الجواز، والمنع، والفرق بين العامِّ (^٢) فلا يُعمَل به قبل البحث عن المخصِّص، والأمرِ [٢١٢/أ] والنهيِ فيُعمَل به قبل البحث عن المعارض. وهذا كلُّه إذا كان ثَمَّ نوعُ أهليّةٍ، ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية. وإذا لم تكن ثمة أهليةٌ قطُّ ففرضُه ما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقولُ النبيِّ - ﷺ -: «ألَّا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاءُ العِيِّ السؤال» (^٣). وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أو كلام شيخه، وإن علا صُعُدًا (^٤) فمن كلام إمامه؛ فلَأن يجوزَ اعتمادُ الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله - ﷺ - أولى بالجواز. وإذا قُدِّر أنه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «دلالته».\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده: «والخاص». أثبته الشيخ محمد محيي الدين بين معقوفين، وقال في تعليقه: «زيادة في نسخة، ولا داعي لها». قلت: بل أخطأ مَن زادها إذ لم يفهم السياق ولم يدر أن المعطوف هو «الأمر والنهي». وقد أثبتها في المطبوع أيضًا، ونقل تعليق الشيخ، وقال: «ما بين المعقوفتين سقط من (ت)، و(ط)، و(ق)»!\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «وصعد».","vol":"5","page":137},{"text":"فتوى المفتي فيسأل من يُعرِّفه معناه، كما يسأل من يُعرِّفه معنى جواب المفتي. وبالله التوفيق.\nالفائدة التاسعة والأربعون: هل للمنتسب إلى تقليد إمام معيَّن أن يفتي بقول غيره؟\nلا يخلو الحال (^١) من أمرين: إما أن يُسأل عن مذهب ذلك الإمام فقط، فيقال له: ما مذهب الشافعي مثلًا في كذا وكذا؟ أو يُسأل عن حكم الله الذي أدَّاه إليه اجتهاده. فإن سئل عن مذهب ذلك الإمام لم يكن له أن يخبره بغيره إلا على وجه الإضافة إليه. وإن سئل عن حكم الله من غير أن يقصد السائلُ قولَ فقيه معيَّن، فهاهنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه، لا يسعه غير ذلك. فإن لم يتمكَّن منه وخاف أن يؤذَى ترَكَ الإفتاءَ في تلك المسألة، ولم يكن (^٢) له أن يفتي بما لا يعلم أنه صواب؛ فكيف بما يغلب على ظنِّه أن الصواب في خلافه؟ ولا يسع الحاكمَ والمفتيَ غيرُ هذا البتة، فإن الله سائلهما عن رسوله وما جاء به، لا عن الإمام المعيَّن وما قاله. وإنما يُسأل الناس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول - ﷺ -؛ فيقال له في قبره: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ ويوم القيامة يناديهم (^٣) ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ\n_________\n(^١) «الحال» ساقط من ب.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «خاف أن يؤدِّي إلى ترك ... ولم يكن». صحَّف بعضهم «يُؤذَى» فزاد «إلى» ثم حذف واو العطف قبل «لم يكن». وفي المطبوع أثبت الصواب في الحاشية.\n(^٣) كذا في النسخ والطبعات القديمة، وقد ضمَّن المصنف كلامه جزءًا من الآية، فغيَّره الشيخ عبد الرحمن الوكيل إلى «يوم يناديهم»، وقال: «والصواب ما أثبتُّه» وتابعه في المطبوع.","vol":"5","page":138},{"text":"الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. ولا يُسأل أحدٌ قطُّ عن إمام ولا شيخ ولا متبوع غيره، بل يُسأل عمن اتبعه وائتمَّ به غيره، فلينظر بماذا يجيب؟ وليُعِدَّ للجواب صوابًا، وكأنْ قَدْ (^١).\nوسمعتُ شيخنا - ﵀ - يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنفية فقال: أستشيرك في أمر. قلت: ما هو؟ قال: أريد أن أنتقل عن مذهبي. قلتُ له: ولم؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرًا تخالفه. واستشرتُ في هذا بعضَ أئمة أصحاب الشافعي، فقال لي: ولو رجعتَ عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، وقد تقرَّرت المذاهب، ورجوعك غير مفيد. وأشار عليَّ بعضُ مشايخ التصوف بالافتقار إلى الله، والتضرُّع إليه، وسؤال الهداية لما يحبُّه ويرضاه. فماذا تشير به أنت عليَّ؟ قال: فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام: قسمٌ الحقُّ فيه ظاهرٌ بيِّن موافقٌ للكتاب والسنة، فاقضِ به، وأفتِ به طيِّبَ النفس منشرحَ الصدر. وقسمٌ مرجوحٌ، ومخالِفُه معه الدليل، فلا تُفْتِ\n_________\n(^١) يعني: وكأن قد متَّ، وقُبِرتَ، وسئلتَ. فأعِدَّ جوابَك! قال النابغة الذبياني من قصيدته المشهورة (ديوانه: ٨٩):\nأفِد الترحُّل غير أنَّ ركابنا ... لمّا تزُل برحالنا وكأنْ قدِ\n\nيعني: وكأن قد زالت. فهذا الأسلوب يدل على شدة القرب. وقد تقدَّم في هذا الكتاب نفسه قول المصنف: «... ولابد من أحد الجوابين، وكأن قد». ولكن خفي السياق هنا على بعض الناشرين ــ فيما يظهر ــ فقرأ «وكان قد» موصولًا بما بعده: «وسمعتُ شيخنا»، فأشكل عليه، فحذف وغيَّر وأثبت: «وقد سمعت شيخنا»، وتابعه كلُّ من جاء بعده حتى محقق المطبوع الذي أثبت الصواب في الحاشية!","vol":"5","page":139},{"text":"به، ولا تحكم به، وادفعه عنك. وقسمٌ من مسائل الاجتهاد التي الأدلَّةُ فيها متجاذبة، فإن شئت [٢١٢/ب] أن تفتي به، وإن شئت أن تدفعه عنك. فقال: جزاك الله خيرًا، أو كما قال.\nوقالت طائفة أخرى، منهم أبو عمرو بن الصلاح (^١)، وأبو عبد الله بن حمدان (^٢): من وجد حديثًا يخالف مذهبه، فإن كملت آلة الاجتهاد فيه مطلقًا، أو في مذهب إمامه، أو في ذلك النوع، أو في تلك المسألة؛ فالعملُ بذلك الحديث أولى. وإن لم تكمل آلته، ووجد في قلبه حزازةً من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفيه عنه (^٣) جوابًا شافيًا؛ فلينظر: هل عمِل بذلك الحديث إمامٌ مستقِلّ أم لا؟ فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذرًا له في ترك مذهب إمامه في ذلك. والله أعلم.\nالفائدة الخمسون: هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجَّح عنده؟\nفإن كان سالكًا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل أين كان ــ وهذا هو المتَّبِع للإمام حقيقةً ــ فله أن يفتي بما ترجَّح عنده من قول غيره. وإن كان مجتهدًا متقيِّدًا بأقوال ذلك الإمام لا يعدوها إلى غيرها، فقد قيل: ليس له أن يفتي بغير قول إمامه. فإن أراد ذلك حكاه عن قائله حكاية محضة.\n_________\n(^١) في «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١٢١).\n(^٢) في «صفة الفتوى» (ص ٣٨).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «لمخالفته عنده». وفي «أدب المفتي» كما أثبت من النسخ الخطية.","vol":"5","page":140},{"text":"والصواب: أنه إذا ترجَّح عنده قولُ غير إمامه بدليل راجح، فلا بد أن يخرِّج على أصول إمامه وقواعده، فإن الأئمة متفقة على أصول الأحكام. ومتى قال بعضهم قولًا مرجوحًا فأصوله تردُّه وتقتضي القول الراجح. فكلُّ قول صحيح فهو يخرَّج على قواعد الأئمة بلا ريب. فإذا تبيَّن لهذا المجتهد المقيَّد رجحانُ هذا القول وصحةُ مأخذه خرَّج على قواعد إمامه، فله أن يفتي به. وبالله التوفيق.\nوقد قال القفال: لو أدَّى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة قلت: مذهب الشافعي كذا، لكني أقول بمذهب أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما سألني (^١) عن مذهب الشافعي، فلا بدَّ أن أعرِّفه أن الذي أفتيته به غير مذهبه (^٢). فسألتُ شيخنا قدَّس الله روحه عن ذلك، فقال: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معيَّن عند الواقعة التي سأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتيَ أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه.\nالفائدة الحادية والخمسون: إذا اعتدل عند المفتي قولان ولم يترجَّح له أحدُهما على الآخر، فقال القاضي أبو يعلى: له أن يفتي بأيهما شاء، كما يجوز له أن يعمل بأيهما شاء. وقيل: بل يخيِّر المستفتي فيقول له: أنت مخيَّر بينهما، لأنه إنما يفتي بما يراه، والذي يراه هو التخيير. وقيل: بل يفتيه بالأحوط من القولين (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «يسألني».\n(^٢) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٢٢) و«صفة الفتوى» (ص ٣٩).\n(^٣) انظر: «صفة الفتوى» (ص ٤٢).","vol":"5","page":141},{"text":"قلت: الأظهر أنه يتوقَّف، ولا يفتيه بشيء حتى يتبيَّن له الراجح منهما، لأن أحدهما خطأ، فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب، وليس له أن يخيِّره بين الخطأ والصواب. وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمران: خطأ وصواب، ولم يتبيَّن له [٢١٣/أ] أحدهما= لم يكن له أن يُقْدِم على أحدهما، ولا يخيِّره. وكما لو استشاره في أمر، فتعارض عنده الخطأ والصواب من غير ترجيح، لم يكن له أن يشير بأحدهما، ولا يخيِّره. وكما لو تعارض عنده طريقان: مُهلِكة ومُوصِلة، ولم يتبيَّن له طريق الصواب، لم يكن له الإقدام ولا التخيير. فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف. والله أعلم.\nالفائدة الثانية والخمسون: أتباع الأئمة يفتون كثيرًا بأقوالهم القديمة التي رجعوا عنها.\nوهذا موجود في سائر الطوائف. فالحنفية يفتون بلزوم المنذورات (^١) التي مخرَجُها مخرجُ اليمين كالحج والصدقة والصوم (^٢)، وقد حكوا هم عن أبي حنيفة أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير (^٣). والحنابلة يفتي كثير منهم بوقوع طلاق السكران، وقد صرَّح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع كما تقدَّم حكايته. والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة التثويب، وامتداد وقت المغرب، ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير، وعدم استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين، وغير ذلك من\n_________\n(^١) ك، ب: «المندوبات»، تصحيف.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «والصوم والصدقة».\n(^٣) في «المبسوط» للسرخسي (٨/ ١٣٦) أنه رجع عنه قبل موته بسبعة أيام.","vol":"5","page":142},{"text":"المسائل، وهي أكثر من عشرين مسألة (^١). ومن المعلوم أن القول الذي صرَّح بالرجوع عنه لم يبق مذهبًا له، فإذا أفتى المفتي به، مع نصِّه على خلافه لرجحانه عنده، ولم يُخرجه (^٢) ذلك عن التمذهب بمذهبه= فما الذي يحرِّم عليه أن يفتي بقول غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم إذا ترجَّح عنده؟\nفإن قيل: الأول قد كان مذهبًا له مرَّةً، بخلاف ما لم يقل به قط.\nقيل: هذا فرق عديم التأثير، إذ ما قال به وصرَّح بالرجوع عنه بمنزله ما لم يقله. وهذا كلُّه مما يبيِّن أن أهل العلم لا يتقيدون بالتقليد المحض الذي يهجرون لأجله قولَ كلِّ من خالف من قلَّدوه. وهذه طريقة ذميمة وخيمة، حادثة في الإسلام، مستلزمة لأنواع من الخطأ ومخالفة الصواب. والله أعلم.\nالفائدة الرابعة والخمسون (^٣): يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص، وإن وافق مذهبه.\nومثاله: أن يُسأل عن رجل صلَّى من الصبح ركعةً ثم طلعت الشمس، هل يُتِمُّ صلاته أم لا؟ فيقول: لا يتمُّها. ورسول الله - ﷺ - يقول: «فليُتِمَّ\n_________\n(^١) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٢٨) و«صفة الفتوى» (ص ٤٣).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «لم يخرجه» دون الواو قبله، حذفوها إذ توهموا أنه جواب إذا، مع أن جوابها: «فما الذي يحرِّم».\n(^٣) كذا وقع في ز، ك، ثم «الخامسة والخمسون» وهلم جرًّا إلى آخرها، وهي «الفائدة السبعون». فلا أدري أسقطت فائدة هنا في النسخ أم سها المؤلف نفسه في الترقيم، كما سها في «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٥٥) وغيره. وفي ب: «الثالثة والخمسون»، و«الرابعة والخمسون» وهكذا إلى آخرها وهي «التاسعة والستون».","vol":"5","page":143},{"text":"صلاته» (^١).\nومثل أن يُسأل عمن مات عليه صيام: هل يصوم عنه وليُّه؟ فيقول: لا يصوم عنه وليُّه. وصاحبُ الشرع - ﷺ - يقول (^٢): «من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه» (^٣).\nومثل أن يُسأل عن رجل باع متاعه، ثم أفلس المشتري، فوجده بعينه؛ هل هو أحقُّ به؟ فيقول: ليس أحقَّ به. وصاحب الشرع يقول: «فهو أحقُّ به» (^٤).\nومثل أن يُسأل عن رجلٍ أكل في رمضان أو شرب ناسيًا، هل يُتِمُّ صومه؟ فيقول: لا يتمّ صومه. وصاحب الشرع يقول: «فليتمَّ صومه» (^٥).\nومثل أن يُسأل عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع، هل هو حرام؟ فيقول: ليس بحرام. ورسول الله - ﷺ - يقول: «أكلُ كلِّ ذي ناب من السباع حرام» (^٦).\nومثل [٢١٣/ب] أن يُسأل عن الرجل: هل له منعُ جاره من غَرْزِ خشبةٍ في جداره؟ فيقول: له أن يمنعه. وصاحبُ الشرع يقول «لا يمنعه» (^٧).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ب: «قال».\n(^٣) رواه البخاري (١٩٥٢) ومسلم (١١٤٧) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) تقدَّم تخريجه.\n(^٦) تقدَّم تخريجه.\n(^٧) تقدَّم تخريجه.","vol":"5","page":144},{"text":"ومثل أن يسأل: هل تُجزئ صلاةُ من لا يقيم صلبه من ركوعه وسجوده؟ فيقول: تجزئه صلاته. وصاحبُ الشرع - ﷺ - يقول: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجلُ فيها صلبَه بين ركوعه وسجوده» (^١).\nومثل أن يُسأل (^٢) عن مسألة التفضيل بين الأولاد في العطية: هل يصلح (^٣) أو لا يصلح؟ وهل هو جور أم لا؟ فيقول: يصلح، وليس بجور. وصاحب الشرع يقول: «إن هذا لا يصلح» (^٤) ويقول: «لا تُشْهِدني على جور» (^٥).\nومثل أن يسأل عن الواهب: هل يحِلُّ له أن يرجع في هبته؟ فيقول: نعم، يحِلُّ له (^٦) إلا أن يكون والدًا أو قرابةً، فلا يرجع. وصاحب الشرع يقول: «لا يحِلُّ لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالدَ فيما يهب لولده» (^٧).\nومثل أن يُسأل عن رجل له شرك في أرض أو دار أو بستان: هل يحِلُّ له (^٨) أن يبيع حصته قبل إعلام شريكه بالبيع وعرضها عليه؟ فيقول: نعم،\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أو يسأل» في موضع «ومثل أن يسأل».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «يصح» هنا وفيما يأتي خلافًا للنسخ الخطية.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) تقدَّم تخريجه.\n(^٦) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «أن يرجع».\n(^٧) تقدَّم تخريجه.\n(^٨) ك، ب: «هل له».","vol":"5","page":145},{"text":"يحِلُّ له أن يبيع قبل إعلامه. وصاحب الشرع يقول: «من كان له شرك في أرض أو رَبْعة أو حائط لا يحِلُّ له أن يبيع حتى يؤذِنَ شريكه» (^١).\nومثل أن يُسأل عن قتل المسلم بالكافر، فيقول: نعم، يُقتَل المسلم بالكافر. وصاحب الشرع يقول: «لا يُقتَل مسلمٌ بكافر» (^٢).\nومثل أن يُسأل عمن زرع في أرض قومٍ بغير إذنهم، فهل الزرع له أم لصاحب الأرض؟ فيقول: الزرع له. وصاحب الشرع يقول: «من زرَع في أرض قومٍ بغير إذنهم فليس له من الزرع شيءٌ، وله نفقته» (^٣).\nومثل أن يُسأل: هل يصح تعليق الولاية بالشرط؟ فيقول: لا يصح. وصاحب الشرع يقول: «أميركم زيد، فإن قُتِل فجعفر، فإن قُتِل فعبد الله بن رواحة» (^٤).\nومثل أن يُسأل: هل يحِلُّ القضاء بالشاهد واليمين؟ فيقول: لا يجوز. وصاحب الشرع قضى بالشاهد واليمين (^٥).\nومثل أن يُسأل عن الصلاة الوسطى: هل هي صلاة العصر أم لا؟ فيقول: ليست العصر. وقد قال صاحب الشريعة: «صلاة الوسطى صلاة العصر».\nومثل أن يُسأل عن يوم الحجِّ الأكبر: هل هو يوم النحر أم لا؟ فيقول:\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) تقدَّم تخريجه.\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) تقدَّم تخريجه.","vol":"5","page":146},{"text":"ليس يوم النحر. وقد قال رسول الله - ﷺ -: «يوم الحج الأكبر يوم النحر» (^١).\nومثل أن يُسأل: هل يجوز الوتر بركعة واحدة؟ فيقول: لا يجوز الوتر بركعة واحدة. وقد قال رسول الله - ﷺ -: «فإذا خشيتَ الصبح فأَوتِرْ بواحدة» (^٢).\nومثل أن يُسأل: هل يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فيقول: لا يسجد (^٣). وقد سجد فيهما (^٤) رسول الله - ﷺ - (^٥).\nومثل أن يُسأل عن رجل عضَّ يدَ رجل، فانتزعها مِن فيه، فسقطت أسنانه؛ فيقول: له ديتها. وقد قال رسول الله - ﷺ -: «لا دية له» (^٦).\nومثل أن يُسأل عن رجل اطلَّع في بيت رجل، فخذَفه، ففقأ عينه: هل\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٩٤٥)، وابن ماجه (٣٠٥٨)، والحاكم (٢/ ٣٣١) من حديث ابن عمر. ورواه الترمذي (٩٥٧، ٣٠٨٨) من حديث علي، ورواه أيضًا (٩٥٨، ٣٠٨٩) موقوفًا عليه، ورجَّح الوقف. ورواه الطحاوي في «مشكل الآثار» (١٤٥٨) من حديث أبي بكرة من طريق ابن عون عن ابن سيرين، ولكن أصحاب ابن عون وابن سيرين رووه بدون هذه الزيادة. وهو عند البخاري (٣١٧٧) ومسلم (١٣٤٧) عن أبي هريرة موقوفًا.\n(^٢) رواه البخاري (٤٧٣) ومسلم (٧٤٩) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٣) في ب بعده: «فيها». وفي ك: «فيهما»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) ز، ب: «فيها».\n(^٥) رواه مسلم (٥٧٨/ ١٠٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٦) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":147},{"text":"عليه جناح؟ فيقول: نعم عليه جناح، [٢١٤/أ] وتلزمه دية عينه. وقد قال رسول الله - ﷺ - إنه لو فعل ذلك لم يكن عليه جناح (^١).\nومثل أن يُسأل عن رجل اشترى شاة أو بقرة أو ناقة، فوجدها مصرَّاة، فهل له ردُّها وردُّ صاعٍ من تمر معها، أم لا؟ فيقول: لا يجوز له ردُّها وردُّ الصاع من التمر معها. وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إن سخِطَها ردَّها وصاعًا من تمر» (^٢).\nومثل أن يُسأل عن الزاني البكر: هل عليه مع الجلد تغريب؟ فيقول: لا تغريب عليه، وصاحب الشرع يقول: «عليه جلد مائة وتغريب عام» (^٣).\nومثل أن يُسأل عن الخضراوات: هل فيها زكاة؟ فيقول: يجب فيها الزكاة. وصاحب الشرع يقول: «لا زكاة في الخضراوات» (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٨٨٨) ومسلم (٢١٥٨) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) تقدَّم غير مرَّة.\n(^٣) تقدَّم أيضًا.\n(^٤) رواه الترمذي (٦٣٨) من حديث معاذ، من طريق عيسى بن طلحة عنه. وفيه الحسن بن عمارة، ضعيف، وبه ضعفه الترمذي، وقال: «وليس يصح في هذا الباب عن النبي - ﷺ - شيء، وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي - ﷺ - مرسلًا». وهذا المرسل رواه عبد الرزاق (٧١٨٥). ورواه البزار (٣/ ١٥٦) عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعًا، وقال عقِبه: «وهذا الحديث رواه جماعة عن موسى بن طلحة مرسلًا، ولا نعلم أحدًا قال فيه: عن موسى عن أبيه، إلا الحارث بن نبهان عن عطاء بن السائب. ولا نعلم روى عطاء عن موسى بن طلحة عن أبيه، إلا هذا الحديث». وانظر: «علل الدارقطني» (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥) و«العلل المتناهية» (٢/ ٤٩٨).","vol":"5","page":148},{"text":"أو يُسأل عما دون خمسة أوسُق: هل فيه زكاة؟ فيقول: نعم، تجب فيه الزكاة. وصاحب الشرع يقول: «لا زكاة فيما دون خمسة أوسق» (^١).\nأو يُسأل عن امرأة أنكحَتْ نفسَها بدون إذن وليِّها، فيقول: نكاحها صحيح. وصاحب الشرع يقول: «فنكاحها باطل» (^٢).\nأو يُسأل عن المحلِّل والمحلَّل له: هل يستحِقَّان اللعنة؟ فيقول: لا يستحقَّان اللعنة. وقد لعنهما رسول الله - ﷺ - في غير وجه (^٣).\nأو يُسأل: هل يجوز إكمال عِدَّة شعبان ثلاثين يومًا ليلة الإغمام، فيقول: لا يجوز إكماله ثلاثين يومًا. وقد قال رسول الله - ﷺ -: «فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا عدَّة شعبان ثلاثين يومًا» (^٤).\nأو يُسأل عن المطلَّقة المبتوتة: هل لها نفقة وسكنى؟ فيقول: نعم، لها النفقة والسكنى. وصاحبُ الشرع يقول: «لا نفقة لها ولا سكنى» (^٥).\nأو يُسأل عن الإمام: هل يُستحَبُّ له أن يسلِّم في الصلاة تسليمتين؟ فيقول: يُكرَه ذلك، أو لا يُستحَبُّ (^٦). وقد روى خمسة عشر نفسًا عن النبي - ﷺ - أنه كان يسلِّم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «باطل باطل باطل» ثلاث مرات. والحديث قد تقدَّم تخريجه.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه البخاري (١٩٠٩) ومسلم (١٠٨١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) تقدَّم تخريجه.\n(^٦) يعني أو يقول: لا يستحب. وفي ك: «ولا يستحب»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":149},{"text":"عليكم ورحمة الله (^١).\nأو يُسأل عمن رفَع يديه عند الركوع والرفع (^٢) عنه: هل صلاته مكروهة أو ناقصة (^٣)؟ فيقول: نعم، تُكرَه صلاته، أو هي ناقصة؛ وربما غلا، فقال: باطلة. وقد روى بضعة وعشرون نفسًا عن النبي - ﷺ - أنه كان يرفع يديه عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند الرفع منه، بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها (^٤).\nأو يُسأل عن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام: هل يجزئ فيه الرشُّ أم يجب الغسل؟ فيقول: لا يجزئ فيه الرشُّ. وصاحب الشرع يقول: «يُرَشُّ من بول الغلام» (^٥). ورشَّه بنفسه ولم يغسله (^٦).\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) ز، ب: «أو الرفع».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «أو هي ناقصة» بزيادة «هي».\n(^٤) تقدَّم بعضها، وللمؤلف - ﵀ - كتاب مفرد في المسألة: «رفع اليدين في الصلاة»، وقد طُبع ضمن مشروعنا هذا.\n(^٥) بهذا اللفظ رواه أبو داود (٣٧٦)، والنسائي (٣٠٤)، وابن ماجه (٥٢٦) من حديث أبي السمح، وفيه يحيى بن الوليد الطائي، فيه لين. وله شاهد صحيح من حديث علي عند أحمد (٥٦٣، ٧٥٧، ١١٤٨، ١١٤٩) والترمذي (٦١٠) وابن ماجه (٥٢٥)، وفيه: «ينضح عليه». ورواه أبو داود (٣٧٧) موقوفًا عليه، ولا يضر. انظر: «فتح الباري» (١/ ٣٢٦) و«العلل الكبير» (ص ٤٤). وأصله في «الصحيحين».\n(^٦) «ولم يغسله» ساقط من النسخ المطبوعة. وانظر في رشِّ النبي - ﷺ - من بول الغلام حديث أم قيس بنت مِحصَن في «صحيح البخاري» (٢٢٣) و«صحيح مسلم» (٢٨٧).","vol":"5","page":150},{"text":"أو يُسأل عن التيمم: هل يكفي بضربة واحدة إلى الكُوعين، فيقول: لا يكفي ولا يجزئ. وصاحب الشرع قد نصَّ على أنه يكفي نصًّا صريحًا صحيحًا (^١) لا مدفع له (^٢).\nأو يُسأل عن بيع الرُّطَب بالتمر: هل يجوز؟ فيقول: نعم، يجوز. وصاحبُ الشرع يُسأل عنه فيقول: «لا آذن» (^٣).\nأو يُسأَل عن رجلٍ أعتق ستةَ عبيد لا يملك غيرَهم عند موته: هل تكمل الحرية في اثنين منهم، أو يعتِقُ من كلِّ واحد سدسُه؟ فيقول: لا يجوز تكميل الحرية (^٤) في اثنين منهم. وقد أقرع بينهم رسول الله - ﷺ -، فكمَّل الحرية في اثنين، وأرقَّ [٢١٤/ب] أربعةً (^٥).\nأو يُسأل عن القرعة: هل هي جائزة أم باطلة؟ فيقول: بل (^٦) هي باطلة، وهي من أحكام الجاهلية. وقد أقرَعَ رسولُ الله - ﷺ -، وأمرَ بالقرعة في غير موضع.\nأو يُسأل عن الرجل يصلِّي خلف الصفِّ وحده: هل له صلاة أم لا (^٧)؟ وهل يؤمر بالإعادة؟ فيقول: نعم، له صلاة، ولا يؤمر بالإعادة. وقد قال\n_________\n(^١) ب: «صحيحًا صريحًا»، وكذا في المطبوع.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «لا تكمل الحرية».\n(^٥) تقدَّم تخريجه.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «لا بل».\n(^٧) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «صلاة له».","vol":"5","page":151},{"text":"صاحب الشريعة: «لا صلاة له»، وأمره بالإعادة (^١).\nأو يُسأل: هل للرجل رخصة في ترك الجماعة من غير عذر؟ فيقول: نعم له رخصة. ورسول الله - ﷺ - يقول: «لا أجد لك رخصة» (^٢).\nأو يُسأل عن رجل أسلف رجلًا مالَه وباعه سلعةً: هل يحِلُّ ذلك؟ فيقول: نعم يحِلُّ ذلك. وصاحبُ الشرع يقول: «لا يحِلُّ سلف وبيع» (^٣).\nونظائر ذلك كثيرة جدًّا. وقد كان السلف الطيِّب يشتدُّ نكيرهم وغضبهم على من عارض حديثَ رسول الله - ﷺ - برأي أو قياس أو استحسان، أو قول أحد من الناس كائنًا من كان؛ ويهجرون فاعل ذلك. وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوِّغون غيرَ الانقياد له والتسليم والتلقِّي بالسمع والطاعة. ولا يخطر بقلوبهم التوقُّف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان. بل كانوا عاملين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وبقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) رواه بهذا اللفظ أحمد (١٥٤٩٠)، وأبو داود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢)، من حديث ابن أبي مكتوم، فيه أبو رزين ــ مسعود بن مالك الأسدي ــ لم يسمع منه. انظر: «جامع التحصيل» (ص ٣٤٣) و«تهذيب التهذيب» (١٠/ ١١٩). ومع ذلك صححه ابن خزيمة (١٤٨٠)، والحاكم (١/ ٢٤٧)، وحسنه النووي في «المجموع» (٤/ ١٩١)، وابن الملقن في «تحفة المحتاج» (ص ٤٣٢). وأصل الحديث في مسلم (٦٥٣) من حديث أبي هريرة: «أتى النبيَّ - ﷺ - رجل أعمى ...».\n(^٣) تقدَّم تخريجه.","vol":"5","page":152},{"text":"مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وبقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وأمثالها. فدُفِعنا إلى زمانٍ إذا قيل لأحدهم: «ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال كذا وكذا» يقول: من قال بهذا؟ ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث، ويجعل جهله بالقائل به حجةً له في مخالفته وتركِ العمل به. ولو نصَح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحِلُّ له دفعُ سنن رسول الله - ﷺ - بمثل هذا الجهل. وأقبح من ذلك عذره في جهله، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة. وهذا سوءُ ظنٍّ بجماعة المسلمين، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله - ﷺ -. وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع، وهو جهلُه وعدمُ علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة. والله المستعان.\nولا يُعرَف إمامٌ من أئمة الإسلام البتة قال: لا يُعمَل (^١) بحديث رسول الله - ﷺ - حتى يُعرَف مَن عمل به. فإن جهِل مَن بلغه الحديث مَن عمِلَ به لم يحِلَّ له أن يعمل به، كما يقول هذا القائل.\nالفائدة الخامسة والخمسون: إذا سئل عن تفسير آية من كتاب الله أو سنةٍ عن رسول الله (^٢) - ﷺ -، فليس له أن يُخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نِحلته وهواه. ومَن فعل ذلك استحقَّ المنعَ من الإفتاء، والحجرَ عليه. وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرَّح به أئمة الإسلام [٢١٥/أ] قديمًا وحديثًا.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «لا نعمل»، وكذا «حتى نعرف» فيما يأتي.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «سنة رسول الله».","vol":"5","page":153},{"text":"قال أبو حاتم الرازي: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: الأصل قرآن أو سنَّة. فإن لم يكن، فقياسٌ عليهما. وإذا اتصل الحديث عن رسول الله - ﷺ - وصحَّ الإسناد منه (^١)، فهو المنتهى. والإجماع أكبر من الخبر الفرد (^٢). والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبهَ منها ظاهرَه أولاها به. وإذا (^٣) تكافأت الأحاديث فأصحُّها إسنادًا أولاها. وليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطعَ ابن المسيِّب (^٤). ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال لأصل: لم؟ وكيف؟ وإنما يقال للفرع: لم؟ فإذا صحَّ قياسُه على الأصل صحَّ، وقامت به الحجة. رواه الأصمُّ عن أبي حاتم (^٥).\nوقال أبو المعالي الجويني في «الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية» (^٦): ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرَّبِّ تعالى. والذي نرتضيه\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «به».\n(^٢) ك: «المفرد». وأثبت في المطبوع: «المنفرد» لأنه «كذا عند أبي حاتم»!\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فإذا».\n(^٤) ك، ب: «سعيد بن المسيب»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) ز: «ابن أبي حاتم»، والظاهر أنه سهو. ولم أقف على رواية الأصم، ولكن نقله ابن أبي حاتم في «مناقب الشافعي» (ص ١٧٧ - ١٧٨). ونقله المؤلف في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٤٢) من كتاب «الكفاية» للخطيب (ص ٤٣٧). وانظر: «الفقيه والمتفقه» له (١/ ٥٣٣).\n(^٦) المطبوعة بعنوان «العقيدة النظامية ...» (ص ٣٢ - ٣٤). وقد نقل النص الذهبي أيضًا في «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٤٧٣ - ٤٧٤).","vol":"5","page":154},{"text":"رأيًا، وندين الله به عقدًا (^١): اتباعُ سلف الأمة. فالأول (^٢) الاتباع، وترك الابتداع. والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة. وقد درَج صحبُ الرسول - ﷺ - ورضي عنهم على تركِ التعرُّضِ لمعانيها ودركِ ما فيها. وهم صفوة الإسلام، والمستقلُّون بأعباء الشريعة. وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملَّة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها. ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. وإذا انصرم (^٣) عصرُهم وعصرُ التابعين لهم على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتَّبَع. فحقٌّ على ذي الدين أن يعتقد تنزُّهَ (^٤) الباري عن صفات المحدَثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرَّبِّ تعالى. وعند إمام القُرَّاء وسيِّدهم الوقوفُ على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ من العزائم، ثم الابتداء بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (^٥) [آل عمران: ٧]. ومما استُحْسِن من كلام مالك إذ (^٦)\nسئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\n_________\n(^١) في مطبوعة «النظامية»: «عقلًا»، وهو تحريف.\n(^٢) كذا في النسخ و«النظامية». وفي «السير» والنسخ المطبوعة: «فالأولى».\n(^٣) ب: «تصَّرم»، وكذا في «السير».\n(^٤) كذا في النسخ و«النظامية». وفي النسخ المطبوعة: «تنزيه».\n(^٥) زيد في النسخ المطبوعة: «يقولون آمنا به».\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «أنه»، وكذا في مطبوعة «النظامية» ..","vol":"5","page":155},{"text":"فلتُجْرَ آيةُ الاستواء والمجيء، وقولُه: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقولُه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقولُه: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وما صحَّ من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا. انتهى كلامه.\nوقال أبو حامد الغزالي: الصواب للخلَف: سلوكُ مسلك [السلف] (^١) في الإيمان المرسل والتصديق المجمل وما قاله الله ورسوله، بلا بحث وتفتيش (^٢).\nوقال في كتاب «التفرقة» (^٣): الحقُّ: الاتباع والكفُّ عن تغيير الظاهر (^٤) رأسًا، والحذرُ عن ابتداع (^٥) تأويلات لم تصرِّح بها الصحابة، وحسمُ باب السؤال رأسًا، والزجرُ عن الخوض في الكلام والبحث. إلى أن قال: ومن الناس من يبادر إلى [٢١٥/ب] التأويل ظنًّا لا قطعًا. فإن كان فتحُ هذا الباب والتصريح به يؤدِّي إلى تشويش قلوب العوامِّ بُدِّع صاحبُه. وكلُّ ما لم يؤثر عن السلف ذكرُه وما يتعلَّق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من يغيِّر الظواهر بغير برهان قاطع.\n_________\n(^١) لفظ «السلف» ساقط من النسخ الثلاث، وقد أثبت من النسخ المطبوعة.\n(^٢) أثبت في المطبوع: «ولا تفتيش».\n(^٣) انظره ضمن «مجموعة رسائل الإمام الغزالي» (ص ٢٦٣ - ٢٦٤)، وقد نقله المؤلف بتصرف.\n(^٤) في المطبوع: «الظواهر».\n(^٥) ب: «اتباع» وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت من (ك، ز) موافق لما في مصدر النقل.","vol":"5","page":156},{"text":"وقال أيضًا (^١): كلُّ ما لم يحتمل التأويل في نفسه، وتواتَر نقلُه ولم يُتصوَّر أن يقوم على خلافه برهانٌ= فمخالفته تكذيب محض. وما تطرَّق إليه احتمالُ تأويل ولو بمجاز بعيد، فإن كان برهانه قاطعًا وجب القول به. وإن كان البرهان يفيد ظنًّا غالبًا ولا يعظُم ضررُه في الدين فهو بدعة. وإن عظم ضررُه في الدين فهو كفر.\nقال (^٢): ولم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه المجادلات، بل شدَّدوا القول على من يخوض في الكلام، ويشتغل بالبحث (^٣) والسؤال.\nوقال أيضًا (^٤): الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف، والإيمان الراسخ إيمانُ العوامِّ الحاصلُ في قلوبهم في الصِّبا بتواتر السماع، وبعد البلوغ بقرائن يتعذَّر التعبيرُ عنها.\nقال (^٥): وقال شيخنا أبو المعالي: يحرص الإمامُ ما أمكنه على جمع عامَّة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك. انتهى.\nوقد اتفقت الأئمة الأربعة على ذمِّ الكلام وأهله. وكلام الإمام الشافعي ومذهبه فيهم معروف عند جميع أصحابه، وهو أنهم يُضرَبون ويُطاف بهم في قبائلهم وعشائرهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على\n_________\n(^١) في (ص ٢٦٦).\n(^٢) في (ص ٢٧٠).\n(^٣) ز: «في البحث».\n(^٤) في (ص ٢٧٠).\n(^٥) لم أجده في الكتاب المطبوع ضمن مجموعة الرسائل.","vol":"5","page":157},{"text":"الكلام (^١).\nوقال: لقد اطلعتُ من أهل الكلام على شيءٍ ما كنتُ أظنُّه. وقال: لأن يُبتلى العبدُ بكلِّ شيء نُهي عنه غير الكفر أيسَرُ من أن يُبتلَى بالكلام (^٢).\nوقال لحفص الفرد: أنا أخالفك في كلِّ شيء حتى في قول لا إله إلا الله. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي يُرى في الآخرة، والذي كلَّم موسى تكليمًا. وأنت تقول: لا إله إلا الله الذي لا يُرى في الآخرة ولا يتكلَّم (^٣).\nوقال البيهقي في «مناقبه» (^٤): ذكر الشافعيُّ إبراهيمَ بن إسماعيل بن عُليَّة، فقال: أنا مخالف له في كلِّ شيء، وفي قوله: لا إله إلا الله. لست أقول كما يقول. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلَّم موسى من وراء حجاب، وذاك يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلامًا أسمَعَه موسى من وراء حجاب.\nوقال في أول خطبة «رسالته» (^٥): «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسَه، وفوق ما يصفه به الواصفون من خلقه». وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنه يتعالى ويتنَّزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصِفْ به نفسه.\n_________\n(^١) انظر: «مناقب الشافعي» للبيهقي (١/ ٤٦٢).\n(^٢) انظر المصدر السابق (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤).\n(^٣) لم أقف عليه. أما مناظرة الشافعي لحفص الفرد في خلق القرآن فهي مشهورة.\n(^٤) (١/ ٤٠٩).\n(^٥) النص في «الرسالة» المطبوعة (ص ٨): «... يصفه به خلقُه». وقبله: «ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته».","vol":"5","page":158},{"text":"وقال أبو نصر أحمد بن محمد بن حامد (^١) السِّجزي: سمعتُ أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد؟ فقال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وتوحيدُ أهل الباطل: الخوضُ في الأعراض والأجسام، وإنما بُعِث رسول الله - ﷺ - بإنكار ذلك (^٢).\nوقال بعض أهل العلم: كيف لا يخشى الكذبَ على الله ورسوله من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]؟ قال الحسن: هي والله [٢١٦/أ] لكلِّ واصفٍ كذبًا إلى يوم القيامة (^٣). وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]؟ قال ابن عيينة: هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة (^٤).\nوقد نزَّه سبحانه نفسه عن كلِّ ما يصفه به خلقُه إلا المرسلين، فإنهم إنما يصفونه بما أذِن لهم أن يصفوه به، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا\n_________\n(^١) كذا في النسخ الثلاث ومصادر التوثيق. وفي النسخ المطبوعة: «خالد».\n(^٢) رواه عن أبي نصر السجزي أبو عبد الرحمن السلمي في «ردِّه على أهل الكلام» كما في «منتخب أبي الفضل المقرئ» (ص ٨٦ - ٨٧). ومن طريق السلمي في «الحجة» للتيمي (ص ١٠٧) و«ذم الكلام وأهله» للهروي (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٣٦٣٦٩)، والبيهقي في «الشعب» (٤٥٦٣) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن الحسن، وإسناده صحيح.\n(^٤) لم أجده مسندًا، وقد عزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٦٥) إلى أبي الشيخ.","vol":"5","page":159},{"text":"يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩ - ١٦٠].\nويكفي المتأولين كلامَ الله ورسوله بالتأويلات التي لم يُرِدها ولم يدلَّ عليها كلامُ الله أنهم قالوا برأيهم على الله، وقدَّموا آراءهم على نصوص الوحي، وجعلوا آراءهم (^١) عيارًا على كلام الله ورسوله. ولو علموا أيَّ بابِ شرٍّ فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة، وأيَّ بناءٍ للإسلام هدموا بها، وأيَّ معاقل وحصون استباحوها= لكان أحدُهم أن يخِرَّ (^٢) من السماء إلى الأرض أحبُّ إليه من أن يتعاطى شيئًا من ذلك.\nوكلُّ (^٣) صاحبِ باطلٍ قد جعل ما تأوَّله المتأولون عذرًا له فيما تأوَّله هو، وقال: ما الذي حرَّم عليَّ التأويل وأباحه لكم؟ فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد ــ وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات، بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين ــ وقالوا: كيف نحن نعاقَب على تأويلنا وتؤجَرون أنتم على تأويلكم؟ قالوا: ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر من نصوصه بالمعاد، ودلالة النصوص عليها أبيَن، فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرَها، ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد؟\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وجعلوها».\n(^٢) ز: «وكان أحدهم لأن يخِرَّ». وفي ك، ب: «وكان ... أن يخرّ». وكذا في نسخ أخرى كما يظهر من تعليق المطبوع، فلا يبعد أن يكون جواب لو قد سقط من النسخ، وعليه كان عطفُ هذه الجملة: «وكان أحدهم ...».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فكلّ».","vol":"5","page":160},{"text":"وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة. وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم. وكذلك القرامطة والباطنية طردت البابَ، وطمَّت (^١) الواديَ على القَريِّ، وتأولت الدينَ كلَّه!\nفأصلُ خراب الدنيا والدين (^٢) إنما هو من التأويل الذي لم يُرِده الله ورسوله بكلامه، ولا دلَّ على (^٣) أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دُخِل إليها. وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟\nوليس هذا مختصًّا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد، حتَّى دخلها (^٤) التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا ربُّ العباد.\n_________\n(^١) كذا ورد الفعل في النسخ الخطية والمطبوعة بتعديته إلى «الوادي». ونحوه في كتاب «الروح» (٢/ ٧٢٤): «وجاءت طائفة الاتحادية، فطمُّوا الواديَ على القَري». والمثل: «طمَّ الوادي على القري»، أي جرى سيله، فدفن القريَّ وأتى عليه. والقري: مجرى الماء في الروضة. فالوادي هو الذي يطُمُّ. ولا يقال: طممتُه على الشيء، فلا يصح «طمَّ فلانٌ الواديَ على القري». وانظر تعليقي على كتاب «الروح». ويضرب المثل عند تجاوز الشرِّ حدَّه. انظر: «مجمع الأمثال» (١/ ٢٨٢).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الدين والدنيا».\n(^٣) ك، ب: «عليه» وكذا في النسخ المطبوعة، والصواب ما أثبت من ز.\n(^٤) ما عدا ز: «دخل عليها».","vol":"5","page":161},{"text":"وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد - ﷺ - في الكتب المتقدِّمة، ولكن سلَّطوا عليها التأويلاتِ فأفسدوها ــ كما أخبر سبحانه عنهم ــ من التحريف والتبديل والكتمان. فالتحريف: تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يُرِدها المتكلم (^١)، والتبديل: تبديل لفظ بلفظ آخر. والكتمان: جحدُه. وهذه الأدواء الثلاثة منها غُيِّرت الأديان والملل. وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما [٢١٦/ب] تطرَّقوا إلى فساده (^٢) بالتأويل بما لا يكاد يوجد (^٣) مثلُه في شيء من الأديان، ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل.\nوكذلك زنادقة الأمم جميعهم إنما تطرَّقوا إلى إفساد ديانات الرسل بالتأويل، ومن بابه دخلوا، وعلى أساسه بنَوا، وعلى نقطه خطُّوا.\nوالمتأولون أصناف عديدة، بحسب الباعث لهم على التأويل، وبحسب قصور أفهامهم ووفورها. وأعظمُهم توغُّلًا في التأويل الباطل مَن فسد قصدُه وفهمُه، فكلَّما ساء قصدُه وقصَر فهمُه كان تأويله أشدَّ انحرافًا. فمنهم من يكون تأويله لنوع هوًى من غير شبهة، بل يكون على بصيرة من الحق. ومنهم من يكون تأويله لنوع شبهةٍ عرضت له أخفَتْ عليه الحقَّ (^٤). ومنهم من يجتمع له الأمران: الهوى في القصد، والشبهة في العلم.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بها».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «إفساده».\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «قط».\n(^٤) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «ومنهم من يكون تأويله لنوع هدى من غير شبهة، بل يكون على بصيرة من الحق». قلت: أولًا: لفظ «هدى» في هذه الزيادة تحريف «هوى»، ثم هذه العبارة هي السابقة بعينها قبل سطر، فلا معنى لتكرارها.","vol":"5","page":162},{"text":"وبالجملة، فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل. وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصِفِّين والحَرَّة وفتنة ابن الزبير وهلمَّ جرًّا بالتأويل. وإنما دخل أعداء الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية من باب التأويل. فما امتُحِن الإسلام بمحنة قطُّ إلا وسببها التأويل، فإنَّ محنته إمَّا من المتأولين، وإما أن يسلَّط عليهم الكفارُ، بسبب ما ارتكبوا من التأويل، وخالفوا فيه (^١) ظاهرَ التنزيل، وتعلَّلوا بالأباطيل.\nفما الذي أراق دماءَ بني جَذيمة ــ وقد أسلموا ــ غيرُ التأويل حتى رفع رسولُ الله - ﷺ - يديه وتبرَّأ إلى الله من فعل المتأوِّل بقتلهم وأخذ أموالهم؟ (^٢).\nوما الذي أوجب تأخُّرَ الصحابة - ﵃ - يومَ الحديبية عن موافقة رسول الله - ﷺ - غيرُ التأويل، حتى اشتدَّ غضبه لتأخُّرهم عن طاعته، حتى رجعوا عن ذلك التأويل؟\nوما الذي سفَكَ دمَ أمير المؤمنين عثمان ظلمًا وعدوانًا وأوقع الأمة فيما أوقعها فيه حتى الآن غيرُ التأويل؟\nوما الذي سفَك دمَ عليٍّ - ﵁ - وابنه الحسين وأهل بيته غيرُ التأويل؟\nوما الذي أراق دمَ عمار بن ياسر وأصحابه غيرُ التأويل؟\nوما الذي أراق دمَ [ابن] (^٣) الزبير وحُجْر بن عدي وسعيد بن جبير\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «في»، ولعل الصواب ما أثبت. وفي النسخ المطبوعة: «وخالفوا ظاهر التنزيل».\n(^٢) تقدَّم غير مرة.\n(^٣) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ الخطية.","vol":"5","page":163},{"text":"وغيرهم من سادات الأمة غيرُ التأويل؟\nوما الذي أريقت عليه دماء العرب في فتنة أبي مسلم غيرُ التأويل؟\nوما الذي جرَّد الإمامَ أحمد بين العقابين وضرب السياط حتى عجَّت الخليقة إلى ربِّها غيرُ التأويل؟\nوما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي وخلَّد خلقًا من العلماء في السجون حتى ماتوا غيرُ التأويل؟\nوما الذي سلَّط سيوفَ التتار على دار الإسلام حتى ردُّوا أهلها غيرُ التأويل؟\nوهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟\nوهل فُتِح بابُ التأويل إلا مضادّةً ومناقضةً لحكم الله في تعليمه عبادَه البيان الذي امتنَّ (^١) في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه؟ فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين. وهل فرقٌ بين دفع [٢١٧/أ] حقائق ما أخبرت به الرسل عن الله وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له، وبين ردِّه وعدم قبوله؟ ولكن هذا ردُّ جحود ومعاندة، وذاك ردُّ خداع ومصانعة!\nقال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمَّى بـ «الكشف عن مناهج الأدلة» (^٢)، وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة، إلى أن قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة زيد بعده لفظ الجلالة: «امتن الله».\n(^٢) (ص ١٤٨ - ١٤٩).","vol":"5","page":164},{"text":"قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (^١) [آل عمران: ٧] وهؤلاء أهل الجدل والكلام. وأشدُّ ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرًا مما ظنُّوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أمر الله (^٢) به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم. ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجِزًا من جهة الوضوح والبيان، فما أبعد (^٣) من مقصد الشارع مَن قال فيما ليس بمتشابه: إنه متشابه، ثم أوَّل ذلك المتشابه بزعمه، وقال لجميع الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل! مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا: إن ظاهره متشابه.\nثم قال (^٤): وبالجملة، فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تُؤُمِّلت وُجِدت ليس يقوم عليها برهان.\nإلى أن قال (^٥): ومثالُ مَن أوَّلَ شيئًا من الشرع وزعم أن ما أوَّله هو الذي قصده الشرعُ مثالُ مَن أتى إلى دواءٍ قد ركَّبه طبيب ماهر، ليحفظ صحة جميع الناس أو الأكثر، فجاء رجل، فلم يلائمه ذلك الدواء الأعظم، لرداءة\n_________\n(^١) في النسخ: «وأما».\n(^٢) كذا في النسخ. وفي «الكشف»: «أتى الله»، فأثبت ذلك في المطبوع بدلًا مما في النسخ الخطية.\n(^٣) أثبت في المطبوع: «فإذا ما أبعد» كما جاء في «الكشف»، وزعم أن ما في النسخ غير مستقيم.\n(^٤) في (ص ١٤٩).\n(^٥) في (ص ١٤٩ - ١٥٠).","vol":"5","page":165},{"text":"مزاجٍ كان به ليس يعرض إلا للأقلِّ من الناس، فزعم أن بعض تلك الأدوية التي (^١) صرَّح باسمه (^٢) الطبيبُ الأول في ذلك الدواء العامِّ المنفعة لم يُرِد به ذلك الدواء العامَّ الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواءً آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة. فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركَّب الأعظم، وجعل فيه بدله الدواءَ الذي ظنَّ أنه قصده الطبيب، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول. فاستعمل الناس ذلك الدواء المركَّب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأوِّل، ففسدت أمزجة كثير من الناس. فجاء آخرون، فشعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركَّب، فراموا إصلاحه بأن بدَّلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوعٌ من المرض غير النوع الأول.\nفجاء ثالث، فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني، فعرض من ذلك للناس (^٣) نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين. فجاء متأول رابع، فتأول دواءً آخر غير الأدوية المتقدمة؛ فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة.\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، و«درء التعارض» (٦/ ٢٢٠)، وكذا في مطبوعة «الكشف» نفسه، وهو غريب! فإن الصواب: «الذي»، وهو صفة لكلمة «بعض»، والعائد: الضمير المذكر في «باسمه». وكذا في «مختصر الصواعق» (١/ ١٥٢).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «باسمها»، والظاهر أن بعض الناشرين غيَّر ما في النسخة من أجل «التي» غير ناظر إلى تذكير الدواء المقصود من ذلك الدواء العامّ المركَّب في سائر الكلام الآتي.\n(^٣) ب: «للناس من ذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت من (ز، ك) موافق لما في مصدر النقل.","vol":"5","page":166},{"text":"فلما طال الزمان بهذا الدواء المركَّب الأعظم، وسلَّط الناس التأويل على أدويته، وغيَّروها وبدَّلوها= عرض منه للناس أمراض شتَّى، حتى فسدت [٢١٧/ب] المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حقِّ أكثر الناس. وهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة (^١) مع الشريعة، وذلك أن كلَّ فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه هو الذي قصده صاحبُ الشرع، حتى تمزَّق الشرعُ كلَّ ممزَّق، وبعد جدًّا عن موضوعه (^٢) الأول.\nولما علم صاحبُ الشرع صلوات الله وسلامه عليه أن مثل هذا يعرض ــ ولا بدَّ ــ في شريعته قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة» (^٣)، يعني بالواحدة: التي سلكت ظاهر الشرع، ولم تؤوِّله.\nوأنت إذا تأمَّلتَ ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبيَّنتَ أن هذا المثال صحيح.\nوأول من غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية. ثم جاء أبو حامد، فطمَّ الوادي على القَريِّ (^٤).\n_________\n(^١) أثبت في المطبوع: «الطريقة»، وأحال على «الكشف». وفي الطبعة التي بين يديَّ كما هنا وفي «درء التعارض» (٦/ ٢٢١) و«الصواعق» (٢/ ٤١٥).\n(^٢) ب: «موضعه»، وكذا في طبعة «الكشف»، ولعله تحريف. وفي «درء التعارض» (٦/ ٢٢٢) و«الصواعق» (٢/ ٤١٦) كما أثبت من (ز، ك).\n(^٣) رواه أحمد (١٢٢٠٨، ١٢٤٧٩)، وابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس، والحديث حسن بشواهده. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٠٣) وتعليق محققي «المسند».\n(^٤) سبق هذا المثل قريبًا.","vol":"5","page":167},{"text":"هذا كلامه بلفظه (^١).\nولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين وما نال الأممَ قديمًا وحديثًا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدَّة أسفار (^٢). والله المستعان.\nالفائدة السادسة والخمسون: لا يجوز له (^٣) العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئنَّ نفسه، وحاك في صدره من فتواه (^٤)، وتردَّد فيها، لقوله - ﷺ -: «استفتِ نفسَك ... وإن أفتاك الناس وأفتَوك» (^٥)، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولًا. ولا تخلِّصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي - ﷺ -: «من قضيتُ له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار» (^٦).\nوالمفتي والقاضي في هذا سواء. فلا يظنَّ (^٧) المستفتي أن مجرَّدَ فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه، إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء\n_________\n(^١) نقله المؤلف في «الصواعق» (٢/ ٤٠٤ - ٤١٧) بأطول مما هنا. وانظر: «درء التعارض» (٦/ ٢١٢ - ٢٢٢).\n(^٢) وقال في «شفاء العليل» (ص ٨٢): «وسنفرد إن شاء الله كتابًا نذكر فيه جناية المتأويلن على الدنيا والدين». وانظر: «ابن قيم الجوزية» للشيخ بكر أبو زيد (ص ٢٤٨).\n(^٣) «له» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٤) ب: «قبوله»، وكذا في النسخ المطبوعة. والظاهر أنه تصحيف ما أثبت من ز.\n(^٥) تقدَّم تخريجه.\n(^٦) تقدَّم تخريجه.\n(^٧) في النسخ المطبوعة: «ولا يظن».","vol":"5","page":168},{"text":"تردَّد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكِّه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهلَ المفتي، أو محاباتَه في فتواه، أو عدمَ تقيُّده (^١) بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرُّخَص المخالفة للسنة وغير ذلك، من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها. فإن كان عدمُ الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل ثانيًا وثالثًا حتى تحصل له الطمأنينة (^٢). فإن لم يجد فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة.\nفإن كان في البلد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر، فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل؟ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد. فمن جوَّز ذلك رأى أنه يُقبَل قولُه إذا كان وحده، فوجود من هو أفضل منه لا يمنع من قبول قوله كالشاهد. ومن منع استفتاءه قال: المقصود حصول ما يغلِّب على الظن الإصابة، وغلبةُ الظن بفتوى الأعلم أقوى، فيتعيَّن. والحقُّ: التفصيل بأن المفضول إن ترجَّح بديانة [٢١٨/أ] وورع وتحرٍّ (^٣) للصواب، وعدِمَ ذلك الفاضلُ، فاستفتاء المفضول جائز إن لم يتعيَّن. وإن استويا فاستفتاءُ الأعلم أولى (^٤). والله أعلم.\nالفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف المفتي لسان السائل، أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي، أجزأ ترجمةُ واحد بينهما، لأنه خبر محض\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «تقييده».\n(^٢) انظر: «صفة الفتوى» (ص ٥٦).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «أو ورع أو تحرٍّ».\n(^٤) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١٣٤).","vol":"5","page":169},{"text":"فيكتفَى فيه بواحد، كأخبار الديانات (^١). وطردُ هذا الاكتفاء بترجمة الواحد في الجرح والتعديل، والرسالة، والدعوى، والإقرار والإنكار بين يدي الحاكم، والتعريف، في إحدى الروايتين. وهي مذهب أبي حنيفة، واختارها أبو بكر إجراءً لها مجرى الخبر (^٢).\nوالرواية الثانية: لا يقبل في هذه المواضع أقلُّ من اثنين، إجراءً لها مجرى الشهادة، وسلوكًا بها سبيلها، لأنها تُثبت الإقرار عند الحاكم، وتُثبت عدالة الشهود وجرحهم، فافتقرت إلى العدد؛ كما لو شهد على إقراره شاهد واحد، فإنه لا يكتفى به. وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال، فإنه خبر محض، فافترقا.\nالفائدة الثامنة والخمسون: إذا كان السؤال محتملًا لصور عديدة، فإن لم يعلم (^٣) الصورةَ المسؤولَ عنها لم يُجب عن صورة واحدة منها. وإن علم الصورة المسؤول عنها فله أن يخصَّها بالجواب، ولكن يقيِّد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها، فيقول: إن كان الأمر كيت وكيت، أو كان المسؤول عنه كذا وكذا، فالجواب كذا (^٤). وله أن يُفرد كلَّ صورة بجواب، فيفصِّل الأقسام المحتملة، ويذكر حكمَ كلِّ قسم.\nومنع بعضهم من ذلك لوجهين. أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحِيَل، وفتحُ بابٍ لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء. الثاني: أنه سبب\n_________\n(^١) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «والطب».\n(^٢) يعني: أبا بكر عبد العزيز غلام الخلال. انظر: «المغني» (١٤/ ٨٤).\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «المفتي».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «كذا وكذا».","vol":"5","page":170},{"text":"لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامِّي، فيضيع مقصوده (^١).\nوالحقُّ: التفصيل. فيكره حيث استلزم ذلك، ولا يكره ــ بل يستحَبُّ ــ إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان، وإزالة لبس. وقد فصَّل النبيُّ - ﷺ - في كثير من أجوبته بقوله: إن كان كذا فالأمر كذا، كقوله في الذي وقع على جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حُرَّة، وعليه لسيدتها مثلُها، وإن كانت مطاوعتَه (^٢) فهي [له، وعليه لسيدتها مثلُها] (^٣).\nالفائدة التاسعة والخمسون، وهي مما ينبغي التفطن له: إن رأى المفتي خلال السطور بياضًا يحتمل أن يُلحَق به ما يُفسد الجواب فليحترز منه، فربما دخل من ذلك عليه مكروه. فإما أن يأمره (^٤) بكتابة غير الورقة، وإما أن يخُطَّ على البياض أو يشغله بشيء، كما يحترز منه كُتَّابُ الوثائق والمكاتيب (^٥).\nوبالجملة، فليكن حذرًا فطنًا، ولا يُحسن ظنه بكلِّ أحد. وهذا الذي حمل بعضَ المفتين على أنه كان يقيِّد السؤال عنده في ورقة، ثم يجيب في ورقة السائل. ومنهم من كان [٢١٨/ب] يكتب السؤال في ورقة من عنده، ثم\n_________\n(^١) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٣٥) و«صفة الفتوى» (ص ٥٧).\n(^٢) كذا في النسخ. وقد سبق الحديث غير مرة بلفظ «طاوعته».\n(^٣) في موضع ما بين المعقوفين بياض في النسخ الثلاث. وقد أكمل الحديث في النسخ المطبوعة مع زيادة: «وهذا كثير في فتاويه - ﷺ -» أخذًا مما سبق في الفائدة الثامنة عشرة فيما أظن.\n(^٤) ك: «يلزمه». وفي النسخ المطبوعة: «يأمر».\n(^٥) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٣٧) و«صفة الفتوى» (ص ٥٨).","vol":"5","page":171},{"text":"يكتب الجواب. وليس شيء من ذلك بلازم، والاعتماد على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع والعادة.\nالفائدة الستون: إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه، فينبغي له أن يشاوره (^١). ولا يستقلَّ بالجواب ذهابًا بنفسه، وارتفاعًا بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم. وهذا من الجهل، فقد أثنى سبحانه على المؤمنين بأنَّ أمرهم شورى بينهم، وقال لنبيِّه - ﷺ -: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nوقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب - ﵁ -، فيستشير لها من حضر من الصحابة، وربما جمعهم وشاورهم، حتى كان يشاور ابنَ عباس وهو إذ ذاك أحدَثُ القوم سنًّا. وكان يشاور عليًّا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم (^٢)، ولا سيَّما إذا قصَد بذلك تمرينَ أصحابه، وتعليمهم، وشحذ أذهانهم.\nقال البخاري في «صحيحه» (^٣): «باب إلقاء العالمِ المسألةَ على أصحابه» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٣٨) و«صفة الفتوى» (ص ٥٨).\n(^٢) رواه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (١٩٣)، والبيهقي في «المدخل» (٨٠٣)، وهو ثابت عنه في غير قصة، وتقدم البعض.\n(^٣) في كتاب العلم قبل الحديث (٦١).\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. ولفظ الباب في «الصحيح»: «باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم» ولم ترد إشارة إلى اختلاف في اللفظ في النسخ المذكورة في الطبعة الأميرية (١/ ٢٢).","vol":"5","page":172},{"text":"وأولى ما ألقى عليهم: المسألة التي سئل عنها. هذا ما لم يعارِض ذلك مفسدةٌ من إفشاء سرِّ السائل أو تعريضه للأذى، أو مفسدة لبعض الحاضرين، فلا ينبغي له أن يرتكب ذلك.\nوكذلك الحكم في عابر الرؤيا. فالمفتي والمعبِّر والطبيب يطَّلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطَّلع عليه غيرهم، فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره.\nالفائدة الحادية والستون: حقيق بالمفتي أن يُكثِر الدعاء بالحديث الصحيح: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (^١) وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك. وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: «يا معلِّمَ إبراهيم (^٢)»، ويُكثر الاستعانة (^٣) بذلك اقتداءً بمعاذ بن جبل - ﵁ - (^٤) حيث قال لمالك بن يُخامِر السَّكسَكي عند موته، وقد رآه يبكي، فقال: والله ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنتُ أتعلَّمهما منك. فقال معاذ بن جبل - ﵁ -: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. اطلب العلم عند أربعة: عند\n_________\n(^١) رواه مسلم (٧٧٠) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) في ز بعده: «علِّمني»، ولكن فوقه حرف الحاء، يعني: محذوف.\n(^٣) ك، ب: «الاستغاثة»، وكذا في المطبوع.\n(^٤) ذكره ابن رُشيِّق في رسالته «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام: ص ٢٨٣). وانظر: «العقود الدرية» (ص ٣٨ - ٣٩).","vol":"5","page":173},{"text":"عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري ــ وذكر الرابع ــ (^١)، فإن عجز عنه هؤلاء، فسائرُ أهل الأرض عنه أعجَز، فعليك بمعلِّم إبراهيم (^٢).\nوكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] (^٣).\nوكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله (^٤).\nوكان مالك يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله (^٥).\nوكان بعضهم يقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٥ - ٢٨] (^٦).\nوكان بعضهم يقول: اللهم وفِّقني، واهدِني، وسدِّدني، واجمع لي بين\n_________\n(^١) هو عبد الله بن سلام، كما سبق.\n(^٢) تقدم في أول الكتاب.\n(^٣) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٤٠) و«صفة الفتوى» (ص ٦٠).\n(^٤) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٤٠) و«صفة الفتوى» (ص ٥٩ - ٦٠). وقد روى الترمذي (٣٦٠١)، وابن أبي شيبة (٣٠٤٤٧) من طريق هشام بن الغاز، عن مكحول، قال: من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه، دفع الله عنه سبعين بابًا من الضر، أدناها الفقر. وإسناده صحيح.\n(^٥) انظر: «ترتيب المدارك» (١/ ١٩٢). وفي «أدب المفتي» و«صفة الفتوى» كما ذكر عن مكحول.\n(^٦) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١٤٠).","vol":"5","page":174},{"text":"الصواب والثواب، وأعِذني من الخطأ والحرمان (^١).\nوكان بعضهم يقرأ الفاتحة. وجرَّبنا نحن ذلك (^٢)، فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة.\nوالمعوَّل في ذلك كلِّه على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجُّه في الاستمداد من المعلِّم الأول معلِّم الرسل والأنبياء فإنه لا يرُدُّ مَن صدَق في [٢١٩/أ] التوجه إليه لتبليغ دينه، وإرشاد عبيده ونصيحتهم، والتخلُّص من القول عليه بلا علم. فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يعدَم أجرًا، إن فاته أجران. والله المستعان.\nوسئل الإمام أحمد، فقيل له: ربما اشتدَّ علينا الأمر من جهتك، فلمن نسأل بعدك؟ فقال: سلُوا عبد الوهاب الورَّاق، فإنه أهل أن يوفَّق للصواب (^٣).\nواقتدى الإمام أحمد بقول عمر بن الخطاب: اقربوا (^٤) من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون؛ فإنهم تجلى لهم أمور صادقة، وذلك لقرب قلوبهم من الله. وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء، وكان نورُ كشفِه للحقِّ أتمَّ وأقوى. وكلما بعد من الله كثرت عليه المعارضات، وضَعُف نورُ كشفه للصواب، فإن العلم نور يقذفه الله في\n_________\n(^١) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١٤١). وأخرج مسلم (٢٧٣٥) مرفوعًا: «قل اللهم اهدني وسدِّدني، واذكر بالهدى هدايتَك الطريق، والسداد سدادَ السهم».\n(^٢) في المطبوع: «ذلك نحن».\n(^٣) انظر: «طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٠٢)، «العدَّة» (٥/ ١٥٧٢).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «اقتربوا».","vol":"5","page":175},{"text":"القلب، يفرِّق به العبد بين الخطأ والصواب (^١).\nوقال مالك للشافعي - ﵄ - في أول ما لقيه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية (^٢).\nوقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ومن الفرقان: النور الذي يفرِّق به العبدُ بين الحق والباطل، وكلما كان قلبه أقرب إلى الله كان فرقانه أتمَّ. وبالله التوفيق.\nالفائدة الثانية والستون: قد تكرَّر لكثير من أهل الإفتاء الإمساكُ عما يفتون بها مما يعلمون أنه الحق، إذا خالف غرضَ السائل ولم يوافقه. وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنه كتَب له، وإلا دلَّه على مفتٍ أو مذهبٍ يكون غرضه عنده. وهذا غير جائز على الإطلاق، بل لا بدَّ فيه من تفصيل:\nفإن كان المسؤول عنه من مسائل العلم والسنة والمسائل العمليات (^٣) التي فيها نصٌّ عن رسول الله - ﷺ - لم يسَع المفتيَ تركُه إلى غرض السائل، بل لا يسعه توقفُه في الإفتاء به على غرض السائل، بل ذلك إثم عظيم. وكيف يسعه من الله أن يقدِّم غرضَ السائل على الله ورسوله؟\nوإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب أعِنَّتَها الأقوال\n_________\n(^١) لم أجده، وهو أبعد شيء من كلام عمر بن الخطاب أو غيره من الصحابة، وإنما هو من كلام بعض المتصوفة، ولا أدري كيف ذهب ذلك على المصنف.\n(^٢) «مناقب الشافعي» (١/ ١٠٤).\n(^٣) ز: «العلميات». وفي النسخ المطبوعة: «أو من المسائل ...».","vol":"5","page":176},{"text":"والأقيسة، فإن لم يترجَّح له قول منها لم يسَعْ له أن يرجِّح بغرض (^١) السائل. وإن ترجَّح له قول منها وظنَّ أنه الحق فأولى بذلك، فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسعه عند الله. فإن عرفه المفتي أفتاه به سواءً وافق غرضَه أو خالفه. ولا يسعه ذلك أيضًا إذا علم أن السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة، فيجعل استفتاءه تنفيذًا لغرضه، لا تعبُّدًا لله بأداء حقِّه. ولا يسعه أن يدلَّه على غرضه أين كان، بل ولا يجب عليه أن يفتي هذا الضربَ من الناس؛ فإنهم لا يستفتون ديانةً، وإنما يستفتون توصُّلًا إلى حصول أغراضهم بأيِّ طريق اتفق (^٢). فلا يجب على المفتي مساعدتهم، فإنهم لا يُربُّون (^٣) الحقَّ، بل يُربُّون أغراضهم (^٤). ولهذا إذا وجدوا أغراضهم في أيِّ مذهب اتفق اتبعوه في ذلك الموضع، وتمذهبوا به، كما يفعله أرباب الخصومات بالدعاوى عند الحكام. ولا يقصد أحدهم حاكمًا بعينه، بل أيُّ حاكم نفذ غرضه عنده صار إليه.\nوقال شيخنا مرةً: أنا مخيَّر بين [٢١٩/ب] إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليَّ، بخلاف من يسأل عن دينه. وقد قال الله تعالى لنبيِّه في\n_________\n(^١) في المطبوع: «لغرض».\n(^٢) ك، ب: «وافق»، وكذا في المطبوع.\n(^٣) كذا في ز، ب هنا وفي الجملة التالية، وقد ضبط في ز بضم الراء والباء. فإن صح، فلعله من قولهم: يُربُّون العلَم، أي يقومون به. وفي ك: «يرون» في الموضعين. وفي النسخ المطبوعة: «يريدون».\n(^٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بأي طريق وافق».","vol":"5","page":177},{"text":"حقِّ من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه، لا لالتزامه لدينه - ﷺ - من أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢]. فهؤلاء لما لم يلتزموا دينه لم يلزمه الحكمُ بينهم. والله أعلم.\nالفائدة الثالثة والستون: عاب بعضُ الناس ذكرَ الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالعيب (^١)! بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكرُ كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذكرُ قول الله ورسوله إلا طراز الفتاوى؟ وقولُ المفتي ليس بموجِب للأخذ به، فإذا ذكر الدليلَ فقد حرُم على المستفتي أن يخالفه، وبرِئ هو من عهدة الفتوى بلا علم.\nوقد كان رسول الله - ﷺ - يُسأَل عن المسألة، فيضرب لها الأمثال، ويشبِّهها بنظائرها. هذا، وقوله وحده حجة، فما الظنُّ بمن ليس قوله بحجَّة، ولا يجب الأخذ به! وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ (^٢) قبول قوله، وهيهات أن يسوغ بلا حجة!\nوقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا سئل أحدُهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها، فيقول: قال الله كذا، وقال رسول الله - ﷺ - كذا، أو فعل كذا؛ فيُشفَى السائل، ويبلِّغ القائل. وهذا كثير جدًّا في فتاويهم لمن تأمَّلها. ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم، فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه، وعلمه\n_________\n(^١) في المطبوع: «بالمعيب».\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».","vol":"5","page":178},{"text":"يأبى أن يتكلَّم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل.\nثم طال الأمد، وبعد العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم، إلى أن صار بعضهم يجيب بـ «نعم» أو «لا» فقط، ولا يذكر للجواب دليلًا ولا مأخذًا، ويعترف بقصوره وفضلِ من يفتي بالدليل.\nثم نزلنا درجةً أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمِّه. ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى ما حالهم في الفتاوى! والله المستعان.\nالفائدة الرابعة والستون: هل يجوز للمستفتي تقليد الميت إذا علم عدالته وأنه مات عليها من غير أن يسأل الحي؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي، أصحُّهما: له ذلك، فإن المذاهب لا تبطل بموت أصحابها، ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن أئمتهم، ولم يسُغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم. وأيضًا لو بطلت أقوالهم بموتهم لم يُعتدَّ بهم في الإجماع والنزاع (^١). ولهذا لو شهد الشاهدان، ثم ماتا بعد الأداء وقبل الحكم بشهادتهما، لم تبطل شهادتهما. وكذلك الراوي لا تبطل روايته بموته، فكذلك المفتي لا تبطل فتواه بموته.\nومن قال: تبطل فتواه بموته قال: أهليته زالت بموته. ولو عاش لوجب عليه تجديد الاجتهاد، ولأنه قد يتغيَّر اجتهاده.\nوممن حكى الوجهين في المفتي: أبو الخطاب (^٢) فقال: إن مات\n_________\n(^١) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٦٠)، و«صفة الفتوى» (ص ٧٠ - ٧١).\n(^٢) في «التمهيد في أصول الفقه» (٤/ ٣٩٤). ونقل عنه في «صفة الفتوى».","vol":"5","page":179},{"text":"المفتي قبل عمل المستفتي، فله [٢٢٠/أ] العملُ بها. وقيل: لا يعمل بها. والله أعلم.\nالفائدة الخامسة والستون: إذا استفتاه عن (^١) حكم حادثة، فأفتاه، وعمل بقوله، ثم وقعت له مرة ثانية؛ فهل له أن يعمل بتلك الفتوى الأولى أم يلزمه الاستفتاء مرة ثانية؟\nفيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي (^٢). فمن لم يُلزمه بذلك قال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فله أن يعمل بالفتوى وإن أمكن تغيُّر اجتهاده (^٣)، كما أن له أن يعمل بها بعد مدة من وقت الإفتاء وإن جاز تغيُّر اجتهاده.\nومن منعه من ذلك قال: ليس على ثقة من بقاء المفتي على اجتهاده الأول، فلعله أن يرجع عنه، فيكون المستفتي قد عمل بما هو خطأ عند من استفتاه. ولهذا رجَّح بعضُهم العمل بقول الميت على قول الحي، واحتجُّوا بقول ابن مسعود: من كان منكم مستنًّا فليستَنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة (^٤).\nالفائدة السادسة والستون: هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين، ويسأل الأعلم والأديَن، أم لا يلزمه ذلك؟\n_________\n(^١) ب: «في»، وكذا في المطبوع.\n(^٢) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٦٧) و«صفة الفتوى» (ص ٨٢).\n(^٣) في المطبوع: «تغير الاجتهاد».\n(^٤) تقدَّم تخريجه.","vol":"5","page":180},{"text":"فيه مذهبان (^١) كما سبق، وبيَّنَّا مأخذهما. والصحيح أنه يلزمه، لأنه المستطاع من تقوى الله تعالى المأمور بها كلُّ أحد. وتقدَّم أنه إذا اختلف عليه مفتيان: أورع، وأعلم (^٢)، فأيُّهما يجب تقليده؟ فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها.\nوهل يلزم العامِّيَّ أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان:\nأحدهما: لا يلزمه. وهو الصواب المقطوع به، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يُوجِب الله ورسوله (^٣) على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، فيقلِّدَه دينَه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرَّأةً، مبرَّأً أهلُها من هذه النسبة. بل لا يصح للعامِّيِّ مذهبٌ ولو تمذهب به. فالعامّي لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوعُ نظر واستدلال وبصر (^٤) بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب، وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهَّل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك، لم يصِرْ كذلك بمجرَّد القول؛ كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب، لم يصِر كذلك بمجرَّد قوله.\nيوضِّحه أن القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متَّبع لذلك الإمام، سالك طريقه، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة\n_________\n(^١) ب: «وجهان».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أحدهما أورع والآخر أعلم».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ولا رسوله».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «واستدلال ويكون بصيرًا».","vol":"5","page":181},{"text":"والاستدلال. فأما مع جهله وبعده جدًّا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه، فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجرَّدة والقول الفارغ من [كلِّ] (^١) معنى؟ فالعامِّيّ (^٢) لا يُتصوَّر أن يصحَّ له مذهب، ولو تصوِّر ذلك لم يلزمه ولا لغيره. ولا يلزم أحدًا قطُّ أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة (^٣) بحيث يأخذ أقواله كلَّها، ويدع أقوال غيره.\nوهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبةً، وأجلُّ قدرًا، وأعلم بالله ورسوله، من أن يُلزموا الناس بذلك. وأبعَدُ منه قولُ من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب [٢٢٠/ب] عالم من العلماء. وأبعَدُ منه قولُ من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة.\nفيالله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله - ﷺ - ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملةً إلا مذاهبَ أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء! وهل قال ذلك أحد من الأئمة، أو دعا إليه، أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة. لا يختلف الواجب ولا يتبدَّل. وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال، فذلك أيضًا تابع لما أوجبه الله ورسوله.\n_________\n(^١) من النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «والعامي».\n(^٣) ب: «الأئمة».","vol":"5","page":182},{"text":"ومن صحَّح للعامي مذهبًا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده. وهذا الذي قاله هؤلاء لو صحَّ للزم منه تحريمُ استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريمُ تمذهبه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدلّ فسادُها على فساد ملزوماتها. بل يلزم منه أنه إذا رأى نصَّ رسول الله - ﷺ - أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه= أن يترك النص وأقوال الصحابة، ويقدِّم عليها قول من انتسب إليه.\nوعلى هذا، فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيَّد بالأربعة (^١) بإجماع الأمة، كما لم يجب (^٢) على العالم أن يتقيَّد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، بل إذا صحَّ الحديث وجب عليه العمل به حجازيًّا كان أو عراقيًّا أو شاميًّا أو بصريًّا (^٣) أو يمنيًّا.\nوكذلك لا يجب على الإنسان التقيُّد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءةُ رسمَ المصحف الإمام، وصحَّت في العربية، وصحَّ سندها= جازت القراءة بها، وصحَّت الصلاة بها اتفاقًا. بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان، وقد قرأ بها رسولُ الله - ﷺ - أو الصحابة (^٤) بعده، جازت القراءة بها، ولم تبطل الصلاة بها على أصحِّ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بأحد من الأئمة الأربعة».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «لا يجب».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «مصريًّا».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «والصحابة».","vol":"5","page":183},{"text":"الأقوال. والثاني تبطل الصلاة بها. وهاتان روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد. والثالث: إن قرأ بها في ركن لم يكن مؤدِّيًا لفرضه، وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة. وهذا اختيار أبي البركات ابن تيمية (^١)، قال: لأنه لم يتحقق الإتيان بالركن في الأول ولا الإتيان بالمبطل في الثاني.\nولكن ليس له أن يتبع رُخَصَ المذاهب، وأخذَ غرضه من أيِّ مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحقِّ بحسب الإمكان.\nالفائدة السابعة والستون: فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر، فهل يأخذ بأغلظ الأقوال، أو بأخفِّها، أو يتخيَّر، أو يأخذ بقول الأعلم أو الأورع، أو يعدل إلى مفتٍ آخر، فينظر من يوافق من الأولين، فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرَّى ويبحث عن [٢٢١/أ] الراجح بحسبه؟ فيه سبعة مذاهب (^٢)، أرجحها السابع؛ فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين، كما تقدَّم. وبالله التوفيق.\nالفائدة الثامنة والستون: إذا استفتى، فأفتاه المفتي، فهل تصير فتواه موجبةً على المستفتي العملَ بها بحيث يكون عاصيًا إن لم يعمل بها أو لا يوجب عليه العمل؟\nفيه أربعة أوجه لأصحابنا وغيرهم (^٣):\nأحدها: أنه لا يلزمه العمل بها إلا أن يلتزمه هو.\n_________\n(^١) نقله عنه شيخ الإسلام. انظر: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٣٩٨).\n(^٢) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٦٤ - ١٦٥) و«صفة الفتوى» (ص ٨٠ - ٨١).\n(^٣) انظر: «أدب المفتي» (ص ١٦٦ - ١٦٧) و«صفة الفتوى» (ص ٨١ - ٨٢).","vol":"5","page":184},{"text":"والثاني: أنه يلزمه إذا شرع في العمل، فلا يجوز له حينئذ الترك.\nوالثالث: أنه إن وقع في قلبه صحة فتواه وأنها حقٌّ لزمه العمل بها.\nوالرابع: أنه إذا لم يجد مفتيًا آخر لزمه الأخذ بفتياه، فإن فرضه التقليد وتقوى الله ما استطاع، وهذا هو المستطاع في حقِّه، وهو غاية ما يقدر عليه. وإن وجد مفتيًا آخر، فإن وافق الأول فأبلغ في لزوم العمل. وإن خالفه، فإن استبان له الحق في إحدى الجهتين لزمه العمل به. وإن لم يستبن له الصواب فهل يتوقَّف، أو يأخذ بالأحوط، أو يتخيَّر، أو يأخذ بالأسهل؟ فيه وجوه تقدَّمت.\nالفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظه، إذا عرف أنه خطُّه، أو أعلَمَه به من يسكن إلى قوله. ويجوز له قبول قول الرسول: إن هذا خطُّه، وإن كان عبدًا أو امرأةً أو صبيًّا أو فاسقًا؛ كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول الدار اعتمادًا على القرائن والعرف.\nوكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتاب الوقف (^١) على كتاب أو رباط، أو خان ونحوه (^٢)، فيدخله، وينتفع به. وكذا يجوز له الاعتماد على ما يجده بخطِّ أبيه في برنامجه (^٣) أن له على فلان كذا وكذا، فيحلف على الاستحقاق. وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خطِّ الزوج أنه أبانها، فلها أن\n_________\n(^١) ك، ب: «كتابة الوقف»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أو نحوه».\n(^٣) «البرنامج»: الورقة الجامعة للحساب. معرَّب عن «برنامَك» بالكاف الفارسية. وبالفارسية الحديثة: برنامه.","vol":"5","page":185},{"text":"تتزوَّج بناءً على الخط. وكذا الوصي والوارث يعتمد على خطِّ الموصي، فينفِّذ ما فيه، وإن لم يشهد شاهدان. وكذا إذا كتب الراوي إلى غيره حديثًا جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به، ويرويه بناءً على الخط إذا تيقَّن ذلك كلَّه.\nهذا عمل الأمة قديمًا وحديثًا من عهد نبيِّها (^١) - ﷺ - وإلى الآن، وإن أنكره من أنكره. ومن العجب أن من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره، ليس معه فيما يفتي به ويقضي به إلا مجرَّد كتابٍ قيل: إنه كتاب فلان، فهو يقضي به ويفتي به (^٢)، ويُحِلُّ ويحرِّم، ويقول: هكذا في الكتاب. والله الموفِّق (^٣). وقد كان رسول الله - ﷺ - يرسل كتبه إلى الملوك وإلى الأمم يدعوهم إلى الإسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه. وهذا أظهر من أن ينكر. وبالله التوفيق.\nالفائدة السبعون: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء، فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟\nفيه ثلاثة أوجه (^٤):\nأحدها: يجوز. وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم، فإنهم كانوا يُسألون عن حوادث لم تقع قبلهم، فيجتهدون فيها. وقد قال النبي - ﷺ -: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (^٥). وهذا يعُمُّ ما\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «نبينا».\n(^٢) «به» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وكأن ما بعده أضافه المؤلف فيما بعد ونسي أن يحذف «والله الموفق» من هنا. وقد سبق مثل ذلك.\n(^٤) انظر: «صفة الفتوى» (ص ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٥) رواه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص.","vol":"5","page":186},{"text":"اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قولَ من قبله، وما [٢٢١/ب] عرف فيه أقوالًا، واجتهد في الصواب منها. وعلى هذا درج السلف والخلف. والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث. ومن له مباشرة لفتاوى الناس يعلم أن المنقول، وإن اتسع غاية الاتساع، فإنه لا يفي بوقائع العالم جميعًا. وأنت إذا تأملت الواقعَ (^١) رأيت مسائل كثيرة واقعة، وهي غير منقولة، ولا يُعرف فيها كلامٌ لأئمة المذاهب ولا لأتباعهم.\nوالثاني: لا يجوز له الإفتاء، ولا الحكم، بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل. قال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلَّم في مسألة ليس لك فيها إمام (^٢).\nوالثالث: يجوز ذلك في مسائل الفروع، لتعلُّقها بالعمل، وشدة الحاجة إليها، وسهولة خطرها. ولا يجوز في مسائل الأصول.\nوالحق: التفصيل، وأن ذلك يجوز، بل يستحبُّ أو يجب عند الحاجة وأهليَّة المفتي والحاكم. فإن عُدِم الأمران لم يجُز، وإن وُجد أحدهما دون الآخر احتمل الجواز، والمنع، والتفصيل؛ فيجوز للحاجة دون عدمها. والله أعلم.\n- - - -\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «الوقائع».\n(^٢) تقدَّم توثيقه.","vol":"5","page":187},{"text":"فصل\nونختم (^١) الكتاب بذكر فصولٍ يسيرٍ قدرُها، عظيمٍ أمرُها، من فتاوى إمام المفتين ورسول ربِّ العالمين، تكون روحًا لهذا الكتاب، ورَقْمًا على حُلَّة (^٢) هذا التأليف:\nفصحَّ عنه - ﷺ - أنه سئل عن رؤية المؤمنين ربَّهم ﵎، فقال: «هل تضارُّون في رؤية الشمس صحوًا في الظهيرة، ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. فقال: «هل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا، ليس دونه سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنكم ترونه كذلك». متفق عليه (^٣).\nوسئل: كيف نراه، ونحن ملءُ الأرض، وهو واحد؟ فقال: «أنبِّئكم عن ذلك في آلاء الله: الشمس والقمر آية منه صغيرة، ترونهما ويريانكم ساعةً واحدةً لا تضارُّون في رؤيتهما. ولَعَمْرُ إلهك لهو أقدَرُ على أن يراكم وترونه». ذكره أحمد (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ولنختم».\n(^٢) يعني: وشيًا عليها. وفي ك، ب: «جلة» بالجيم، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف ظاهر.\n(^٣) البخاري (٤٥٨١)، مسلم (١٨٢) من حديث أبي سعيد.\n(^٤) كذا قال. بل رواه عبد الله في «زوائد المسند» (٢٦/ ١٢٤) ضمن حديث طويل (١٦٢٠٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٦٤٩)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٢/ ٤٦٠)، والطبراني (١٩/ ٤٧٧)، والدارقطني في «الرؤية» (١٩١) مختصرًا، والحاكم (٤/ ٥٦١). وفيه دَلْهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي، ضعيف، وأبوه مجهول. ضعفه الذهبي في «العلو» (١/ ٢٧٦)، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٣٣٩): «هذا حديث غريب جدًّا، وألفاظه في بعضها نكارة». ومع ذلك حسن إسناده ابن حجر في «الإصابة» (٩/ ٢٧١) والألباني في «الصحيحة» (٢٨١٠)، وصححه المصنف في «زاد المعاد» (٣/ ٦٧٧) وذكر أنه حديث كبير خارج من مشكاة النبوة، ورواه الأئمة ولم ينكروه، وذكرقول ابن منده بأنه لا ينكره إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة. وانظر: «حادي الأرواح» (١/ ٥٣٦) و«مختصر الصواعق» (٣/ ١١٨٣ - ١١٨٦).","vol":"5","page":188},{"text":"وصحَّ عنه - ﷺ - أنه سئل عن مسألة القدر (^١)، وما يعمل الناس فيه، أمر قد قُضي وفُرِغ منه أم أمر يُستأنف؟ فقال: «بل أمرٌ قد قضي وفُرغ منه». فسئل حينئذ: ففيم العمل؟ فأجاب بقوله: «اعملوا، فكُلٌّ ميسَّر لما خُلِق له. أما من كان من أهل السعادة فسيُيَسَّر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فيُيَسَّر لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ إلى آخر الآيتين [الليل: ٥ - ١٠]. ذكره مسلم (^٢).\nوصح عنه - ﷺ - أنه سئل عما يكتمه الناس في ضمائرهم، هل يعلمه الله؟ فقال: «نعم». ذكره مسلم (^٣).\nوصح عنه - ﷺ - أنه سئل: أين كان ربنا قبل أن تخلق السموات والأرض؟\n_________\n(^١) في حاشية ز بخط ناسخها: «صوابه: عن ساعة القدر».\n(^٢) قوله: «اعملوا ...» إلخ رواه البخاري (٤٩٤٩) ومسلم (٢٦٤٧) من حديث علي - ﵁ -، ولكن لم أقف عليه بالسياق الذي أورده المصنف.\n(^٣) برقم (٩٧٤/ ١٠٣) من حديث عائشة في قصة البقيع. وفيه أن قوله «نعم» من قول عائشة، وهو عند أحمد (٢٥٨٥٥) والنسائي (٣٩٦٣، ٣٩٦٤) من قول النبي - ﷺ -. قال النووي في «شرحه» (٧/ ٤٤): هكذا في الأصول ــ أي أصول صحيح مسلم ــ وهو صحيح، وكأنها لما قالت: «مهما يكتم الناس يعلمه الله» صدقت نفسها، فقالت: «نعم».","vol":"5","page":189},{"text":"فلم ينكر على السائل، وقال: «كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء». ذكره أحمد (^١).\nوصحَّ عنه - ﷺ - أنه سئل عن مبدأ تخليق هذا العالم، فأجاب بأن قال: «كان الله، ولم يكن شيءٌ غيرُه. وكان عرشه على الماء. وكَتب في الذكر كلَّ شيء». ذكره البخاري (^٢).\nوصحَّ عنه - ﷺ - أنه سئل: أين يكون الناس يوم تبدَّل الأرض؟ فقال: «على الصراط». وفي لفظ آخر: «هم في الظلمة دون الجسر». فسئل: من أول الناس إجازة؟ فقال: «فقراء المهاجرين» ذكره مسلم (^٣). ولا تنافي بين [٢٢٢/أ] الجوابين فإن الظلمة أول الصراط، فهناك مبدأ التبديل؛ وتمامُه وهم على الصراط.\nوسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] فقال: «ذاكِ العرض». ذكره مسلم (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن أول طعام يأكله أهل الجنة؟ فقال: «زيادة كبد الحوت». فسئل - ﷺ -: ما غذاؤهم على أثره؟ فقال: «ينحَر لهم ثورُ الجنة الذي كان يأكل\n_________\n(^١) في «المسند» (١٦١٨٨، ١٦٢٠٠). ورواه الترمذي (٣١١٩)، وابن ماجه (١٨٢) من حديث أبي رزين العقيلي. وفيه وكيع بن حدس، ضعيف. ضعف الحديث ابن قتيبة في «مختلف الحديث» (٤١٥) وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٣/ ٦١٧).\n(^٢) برقم (٣١٩١) من حديث عمران بن حصين.\n(^٣) قوله: «على الصراط» رواه مسلم (٢٧٩١) من حديث عائشة، واللفظ الآخر من حديث ثوبان (٣١٥).\n(^٤) من حديث عائشة - ﵂ - (٢٨٧٦).","vol":"5","page":190},{"text":"من أطرافها». فسئل - ﷺ -: ما شرابهم عليه (^١)؟ قال (^٢): «من عينٍ فيها تسمَّى سلسبيلًا». ذكره مسلم (^٣).\nوسئل - ﷺ -: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: «نورٌ أنَّى أراه!». ذكره مسلم (^٤). فذكر الجواب (^٥) ونبَّه على المانع من الرؤية، وهو النور الذي هو حجاب الرَّبِّ ﵎، الذي لو كشفه لم يقم له شيء.\nوسئل - ﷺ -: يا رسول الله، كيف يجمعنا ربُّنا بعدما تُمزِّقنا الرياح والبلى والسباع؟ فقال للسائل: «أنبِّئك بمثل ذلك في آلاء الله: الأرضُ أشرفتَ عليها وهي مَدَرة بالية، فقلتَ: لا تحيا أبدًا. ثم أرسل ربُّك عليها السماء، فلم تلبث عليك إلا أيامًا، ثم أشرفتَ عليها وهي شَرْبة (^٦) واحدة! ولَعَمْرُ إلهِك لهو أقدَرُ\n_________\n(^١) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «فيها».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فقال».\n(^٣) من حديث ثوبان (٣١٥).\n(^٤) من حديث أبي ذر (١٧٨).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «الجواز».\n(^٦) ذكر الصغاني في «العباب» (١/ ٣٢٤ طبعة باكستان) أربع روايات: شُرْبة وشَرْبة وشَرَبَة وشَرْية. قال: «فالأولى والثانية أي كثير الماء، فمن حيث أردت أن تشرب شربت. والثالثة المراد بها الحوض في أصل النخلة. والرابعة: الحنظلة، أي أن الأرض تخضرُّ بالنبات، فتصير في اخضرار الحنظلة ونضارتها». وقال ابن قتيبة في «غريب الحديث» (١/ ٥٣٤): «ووصف الأرض بالنبات في هذا أشبه بالمعنى من اللفظين الأولين» يعني الشَّرْبة والشَّرَبَة. وانظر: «منال الطالب» لابن الأثير (ص ٢٣٨). وضبطت في مطبوعة «المسند»: «شَرَبَّة»، بتشديد الباء دون إشارة إلى ما في النسخ الخطية.","vol":"5","page":191},{"text":"على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ -: يا رسول الله ما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ فقال: «تُعرَضون عليه باديةً له صفحاتكم، لا تخفى عليه خافية منكم. فيأخذ ربُّك ﷿ بيده غَرفةً من الماء، فينضح بها قِبَلَكم، فلعمرُ إلهك ما يخطئ وجهَ واحدٍ منكم منها قطرة. فأما المسلم فتدع وجهَه مثل الرَّيطة البيضاء، وأما الكافر فتخْطِمه (^٢) بمثل الحميم الأسود». ذكره أحمد (^٣).\nوسئل - ﷺ -: بم نبصر وقد حبس الشمس والقمر؟ فقال للسائل: «بمثل بصرك ساعتَك هذه. وذلك مع طلوع الشمس. وذلك في يومٍ أشرقت فيه الأرض، ثم واجهته الجبال».\nفسئل - ﷺ -: بم نجزى من حسناتنا وسيئاتنا؟ فقال: «الحسنة بعشرة أمثالها، والسيئة بمثلها أو يعفو».\nفسئل - ﷺ -: علامَ نطَّلع من الجنة؟ فقال: «على أنهار من عسل مصفًى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغيَّر طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لَعمرُ إلهك مما تعلمون وخيرٌ من مثله معه، وأزواج مطهرة». فسئل - ﷺ -: ألنا فيها أزواج؟ فقال: «الصالحات للصالحين، تلَذُّوا بهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويَلذُّوا بكم (^٤)، غير أن لا توالد». ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) من حديث لقيط بن عامر. وهو من زيادات عبد الله بن أحمد. وقد تقدَّم.\n(^٢) يعني: فتصيب أنفه. انظر: «النهاية» (٢/ ٥٠).\n(^٣) من الحديث السابق.\n(^٤) كذا في النسخ. وفي مطبوعة «المسند»: «تلذُّونهم ... ويلذَذْن بكم»، وفي بعض نسخه: «تلذُّونهن»، «وتلذُّون بهن». وفي النسخ المطبوعة: «تلذونهن»، «ويلذونكم».\n(^٥) من حديث لقيط السابق.","vol":"5","page":192},{"text":"وسئل - ﷺ - عن كيفية إتيان الوحي إليه، فقال: «يأتيني أحيانًا مثل صلصلة الجرس، وهو أشدُّه عليَّ، فيُفصَم عنِّي، وقد وعيتُ ما قال. وأحيانًا يتمثَّل لي الملكُ رجلًا». متفق عليه (^١).\nوسئل - ﷺ - عن شبه الولد بأبيه تارةً، وبأمِّه تارةً، فقال: «إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له. وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل فالشبه لها». متفق عليه (^٢).\nوأما ما رواه مسلم في «صحيحه» (^٣) أنه قال: «إذا علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذكَرَ الرجلُ بإذن الله، وإذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل آنَثَ بإذن الله»، فكان شيخنا يتوقَّف في كون هذا اللفظ [٢٢٢/ب] محفوظًا، ويقول: المحفوظ هو اللفظ الأول (^٤).\nوالإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي، وإنما هو بأمر الربِّ ﵎ للملَك أن يخلقه كما يشاء. ولهذا جُعِل مع الرزق والأجل والسعادة والشقاوة (^٥).\nقلت: فإن كان هذا اللفظ محفوظًا، فلا تنافيَ بينه وبين اللفظ الأول،\n_________\n(^١) البخاري (٢) ومسلم (٢٣٣٣) من حديث عائشة.\n(^٢) انظر: حديث أنس في «صحيح البخاري» (٣٩٣٨) وحديث أم سليم في «صحيح مسلم» (٣١١)، ولفظ الأخير: «فمن أيهما علا أو سبق ...».\n(^٣) من حديث ثوبان (٣١٥).\n(^٤) ذكر المصنف قول شيخه في «الطرق الحكمية» (٢/ ٥٨٤) وأشار إليه في «التبيان» (ص ٥١١) أيضًا.\n(^٥) يعني: في حديث ابن مسعود، الذي رواه البخاري (٣٣٣٢) ومسلم (٢٦٤٥).","vol":"5","page":193},{"text":"ويكون سبقُ الماء سببًا للشَّبه، وعلوُّه على ماء الآخر سببًا للإذكار والإيناث (^١). والله أعلم.\nوسئل - ﷺ - عن أهل الدار من المشركين، يبيَّتون، فيصاب من ذراريِّهم ونسائهم، فقال: «هم منهم». حديث صحيح (^٢). ومراده - ﷺ - بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان، لا التبعية في عقاب الآخرة، فإن الله سبحانه لا يعذِّب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه.\nوسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، فقال: «إنما هو جبريل ﵇. لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرَّتين». ذكره مسلم (^٣).\nولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠ - ٣١] سئل: يا رسول الله، أيكرَّر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواصِّ الذنوب؟ فقال: «نعم، لَيكرَّرنَّ عليكم حتى تؤدُّوا إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه». فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد! (^٤).\nوسئل - ﷺ -: كيف يُحشَر الكافر على وجهه؟ فقال: «أليس الذي أمشاه\n_________\n(^١) وانظر: «التبيان» (ص ٥١٠ - ٥١٤)، و«تحفة المودود» (٣٩٤ - ٣٩٧)، و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ٧٣٤ - ٧٣٨).\n(^٢) رواه البخاري (٣٠١٢) ومسلم (١٧٤٥) من حديث الصعب بن جثَّامة.\n(^٣) من حديث عائشة - ﵂ - (١٧٧).\n(^٤) رواه أحمد (١٤٣٤)، والحميدي (٦٠)، والترمذي (٣٢٣٦) من حديث الزبير بن العوام. صححه الترمذي والحاكم (٢/ ٤٣٥).","vol":"5","page":194},{"text":"في الدنيا على رجليه قادرًا (^١) أن يُمْشِيه في الآخرة على وجهه؟» (^٢).\nوسئل - ﷺ -: هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة؟ فقال: «أمَّا في ثلاث مواطن فلا يذكر أحدٌ أحدًا: حيث يوضع الميزان، حتَّى يَعلم أيثقل ميزانه أم يخفُّ. وحيث يتطاير الكتب، حتَّى يعلم كتابه في يمينه أو في شماله (^٣)، أو من وراء ظهره. وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم، [على] (^٤) حافتيه كلاليب وحَسَك، يحبس الله به من شاء (^٥) من خلقه، حتى يعلم أينجو أم لا ينجو» (^٦).\nوسئل - ﷺ -: يا رسول الله، الرجلُ يحبُّ القومَ، ولمَّا يعمل بأعمالهم؟ فقال: «المرء مع من أحبَّ» (^٧).\nوسئل - ﷺ - عن الكوثر، فقال: «هو نهرٌ أعطانيه ربِّي في الجنة، هو أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل. فيه طيورٌ أعناقها كأعناق الجُزُر». قيل: يا رسول الله، إنها لناعمة! قال: «آكِلُها أنعَمُ منها» (^٨).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «قادر».\n(^٢) رواه البخاري (٤٧٦٠) ومسلم (٢٨٠٦) من حديث أنس بن مالك.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «من يمينه أو من شماله».\n(^٤) ما بين المعقوفين من النسخ المطبوعة.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «يشاء».\n(^٦) رواه أحمد (٢٤٦٩٦) مختصرًا، وأبو داود (٤٧٥٥)، والحاكم (٤/ ٥٧٨) من حديث عائشة - ﵂ - من طرق لا تخلو من الضعف.\n(^٧) رواه البخاري (٦١٦٨) ومسلم (٢٦٤٠) من حديث ابن مسعود.\n(^٨) رواه أحمد (١٣٣٠٦، ١٣٤٧٥، ومواضع)، والترمذي (٢٥٤٧)، والحاكم (٢/ ٥٣٧) من حديث أنس. والحديث صحيح لغيره. انظر: «الصحيحة» (٢٥١٤).","vol":"5","page":195},{"text":"وسئل عن أكثر ما يُدخِل الناسَ النارَ، فقال: «الأجوفان: الفم، والفرج». وعن أكثر ما يُدخلهم الجنة، فقال: «تقوى الله، وحسن الخلق» (^١).\nوسئل - ﷺ - عن المرأة تتزوج الرجلين والثلاثة، مع من تكون منهم يوم القيامة؟ فقال: «تُخَيَّر، فتكون مع أحسنهم خُلقًا» (^٢).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الذنب أعظم؟ فقال: «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلَقَك». قيل: ثم ماذا؟ قال: «أن تقتل ولدك خشيَة أن يطعَم معك». قيل: ثم ماذا؟ قال: «أن تُزاني (^٣) بحليلة جارك» (^٤).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ فقال: «الصلاة على وقتها». وفي لفظ: «لأول وقتها». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «برُّ الوالدين» (^٥).\n_________\n(^١) رواه أحمد (٩٦٩٦، ٩٠٩٦، ٧٩٠٧)، والترمذي (٢٠٠٤)، وابن ماجه (٤٢٤٦) من حديث أبي هريرة. صححه الترمذي، وابن حبان (٤٧٦)، والحاكم (٤/ ٣٢٤).\n(^٢) رواه البزار (٦٦٣١) والطبراني (٢٣/ ٢٢٢) من حديث أنس عن أم حبيبة، وفيه عبيد بن إسحاق، قال البخاري في «التاريخ الأوسط» (٤/ ٩٦٤): منكر الحديث، وقال ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٣٤٨): عامة ما يرويه منكر. ورواه أيضًا الطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٣٦٨) و«الأوسط» (٣١٤١) من حديث أم سلمة، وفيه سليمان بن أبي كريمة، ضعفه أبو حاتم وابن عدي، وقال ابن عدي (٣/ ٢٦٢): وهذا الحديث أيضًا منكر. انظر: «مجمع الزوائد» ط. دار المنهاج (١٤/ ٤٢٢ - ٤٢٣، ١٥/ ٤٥).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «تزني».\n(^٤) رواه البخاري (٤٤٧٧) ومسلم (٨٦) من حديث ابن مسعود.\n(^٥) رواه البخاري (٥٢٧) ومسلم (٨٥) من حديث ابن مسعود.","vol":"5","page":196},{"text":"وسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، [٢٢٣/أ] وبين عيسى وموسى ﵉ ما بينهما، فقال: «كانوا يسمُّون بأنبيائهم وبالصالحين قبلهم» (^١).\nوسئل - ﷺ - عن أول أشراط الساعة، فقال: «نارٌ تحشُر الناس من المشرق إلى المغرب». وهذه إحدى مسائل عبد الله بن سلام الثلاث. والمسألة الثانية: ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ والثالثة: سببُ شبَه الولد بأبيه وأمه. فولَّدها الكذَّابون، وجعلوها كتابًا مستقلًّا سمَّوه «مسائل عبد الله بن سلام» (^٢). وهي هذه الثلاثة في «صحيح البخاري» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن الإسلام، فقال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجُّ البيت» (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت» (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن الإحسان، فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢١٣٥) من حديث المغيرة بن شعبة.\n(^٢) وقد وضعه أحمد بن عبد الله الجويباري الهروي الكذاب. وللبيهقي رسالة في بيان وضعه، نشرها مشهور بن حسن آل سلمان ضمن المجموعة الثانية من «مجموعة أجزاء حديثية».\n(^٣) من حديث أنس (٣٣٢٩).\n(^٤) من حديث جبريل الذي رواه البخاري (٥٠) ومسلم (٩) عن أبي هريرة.\n(^٥) من حديث جبريل السابق.","vol":"5","page":197},{"text":"فإنه يراك» (^١).\nوسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فقال: «هم الذين يصومون، ويصلُّون، ويتصدَّقون ويخافون أن لا يُقبَل منهم» (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (^٣) الآية [الأعراف: ١٧٢]، فقال: «إن الله تعالى خلق آدم، ثم مسح ظهره (^٤) بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقتُ هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال: «إن الله إذا خلق العبدَ للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنة، فيدخله الجنة. وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل النار، فيدخل النار» (^٥).\n_________\n(^١) من الحديث السابق.\n(^٢) رواه الحميدي (٢٧٧)، وإسحاق بن راهويه (١٦٤٣)، وأحمد (٢٥٢٦٣، ٢٥٧٠٥)، والترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٨)، من حديث عائشة. وفيه عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني لم يدرك عائشة. وله شواهد ومتابع قوّى بها الألباني في «الصحيحة» (١٦٢)، وضعَّف الجميعَ محققو «المسند».\n(^٣) ز: «ذرياتهم» على قراءة أبي عمرو. وهي قراءة نافع وابن عامر أيضًا. انظر: «الإقناع» لابن الباذش (٢/ ٦٥١).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «على ظهره» هنا وفيما يأتي.\n(^٥) رواه مالك (٢/ ٨٩٨)، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في «الكبرى» (١١١٢٦) من حديث مسلم بن يسار الجهني عن عمر. صححه ابن حبان (٦١٦٦)، وابن منده في «الرد على الجهمية» (٤٩)، والحاكم (١/ ٢٧). ورجح الدارقطني الوصلَ في «العلل» (٢/ ٢٢٢).","vol":"5","page":198},{"text":"وسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متَّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصَّة نفسِك، ودع العوامَّ (^١)» (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن الأدوية والرُّقَى، هل ترُدُّ من القدر شيئًا؟ فقال: «هي من القدر» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عمن يموت من أطفال المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وليس هذا قولًا (^٤) بالتوقُّف كما ظنَّه بعضهم، ولا قولًا بمجازاة الله\n_________\n(^١) ب: «أمر العوام»، وهو لفظ ابن ماجه. وفي النسخ المطبوعة: «عنك أمر العوام». وسيأتي الحديث مرة أخرى.\n(^٢) جزء حديث رواه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤)، من حديث أبي ثعلبة الخشني، من طريق عتبة بن أبي حكيم عن عمرو بن جارية اللخمي عن أبي أمية الشعباني. وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه ابن حبان (٣٨٥). وله شاهد صحيح ــ للقدر المذكور ــ من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (٧٠٦٣) وأبي داود (٤٣٤٢) وابن ماجه (٣٩٥٧).\n(^٣) رواه أحمد (١٥٤٧٢ - ١٥٤٧٤)، والترمذي (٢١٤٨)، وابن ماجه (٣٤٣٧) من طريق ابن أبي خزامة عن أبيه، والصحيح: عن أبي خزامة عن أبيه كما هو عند الترمذي (٢٠٦٥) ــ وصوبه ــ وأحمد (١٥٤٧٥) والبيهقي (٩/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، وأبو خزامة مجهول. وله شاهد عند الحاكم (١/ ٣٢، ٤/ ١٩٩)، لكنه خطأ.\n(^٤) في النسخ: «قولنا» هنا وفيما بعد. ولعله سبق قلم.","vol":"5","page":199},{"text":"لهم على ما يعلمه منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا. بل هو جوابٌ فصلٌ، وأن الله سبحانه يعلم ما هم عاملوه، وسيجازيهم على معلومه فيهم، بما يظهر منهم يوم القيامة، لا على مجرَّد علمه؛ كما صرَّحت به سائر الأحاديث، واتفق عليه أهل الحديث أنهم يُمتَحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار (^١).\nوسئل - ﷺ - عن سبأ: هل هو أرض أم امرأة؟ فقال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولَد عشرةً من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة. فأما الذين تشاءموا، فلَخْم وجُذام وغسان وعاملة. وأما الذين [٢٢٣/ب] تيامنوا، فالأزد والأشعرون (^٢) وحمير وكِندة ومذحِج وأنمار». فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ فقال: «الذين منهم خَثعم وبَجِيلة» (^٣).\n_________\n(^١) قد أفاض المؤلف الكلام على هذه المسألة في «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١١٣٧ - ١١٥٨) و«طريق الهجرتين» (٢/ ٨٦٤ - ٨٧٧) و«تهذيب السنن» (٣/ ٢٠٦). وانظر: «الروح» (١/ ٢٦٦).\n(^٢) كذا في النسخ. وهو صواب محض. وبهذا اللفظ رواه ابن أبي شيبة في «مسنده» (٧١٣) والإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (١٦١٦). وفي النسخ المطبوعة: «والأشعريون».\n(^٣) رواه عبد الله في «زوائد المسند» (٢٤٠٠٩/ ٨٧، ٨٩، ٩٠)، أبو داود (٣٩٨٨)، والترمذي (٣٢٢٢)، من حديث فروة بن مسيك المرادي الغُطَيفي، وفيه أبو سبرة النخعي ــ وهو عبد الله بن عابس ــ فيه لين. حسنه الترمذي، وابن عبد البر في «الاستيعاب» (٣/ ١٢٦١)، وابن كثير في تفسير سورة «سبأ»، وصححه الحاكم (٢/ ٤٢٤). وله شاهد حسن من حديث ابن عباس عند أحمد (٢٨٩٨) وفيه ابن لهيعة، ورواية أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ عنه صحيحة، ولكن وقع عند الحاكم (٢/ ٤٢٣): «عبد الله بن عياش» بدل «عبد الله بن لهيعة»، وهو صدوق يغلط.","vol":"5","page":200},{"text":"وسئل عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، فقال - ﷺ -: «هي الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو تُرى له» (^١).\nوسئل عن أفضل الرقاب، يعني في العتق، فقال: «أنفَسُها عند أهلها، وأغلاها ثمنًا» (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن أفضل الجهاد، فقال: «من عُقِرَ جوادُه، وأريق دمُه» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن أفضل الصدقة، فقال: «أن تتصدَّق، وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى» (^٤).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الكلام أفضل؟ فقال: «ما اصطفى الله للملائكة: سبحان\n_________\n(^١) رواه الطيالسي (٥٨٤)، وأحمد (٢٢٦٨٧، ٢٢٦٨٨، ٢٢٧٤٠)، والدارمي (٢١٨٢)، والترمذي (٢٢٧٥)، وابن ماجه (٣٨٩٨)، من حديث عبادة بن الصامت، وأبو سلمة لم يسمع منه. ورواه أحمد (٢٢٧٦٧) من طريق حميد بن عبد الرحمن اليزني عن عبادة، وهو حسن إن سمع من عبادة. وله شاهد من حديث أبي الدرداء عند ابن أبي شيبة (٣١٠٩٢) والترمذي (٢٢٧٣) وحسنه، وفيه رجل مبهم. والحديث بمعناه عند مسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس بدون السؤال. وانظر: «الصحيحة» (١٧٨٦).\n(^٢) رواه البخاري (٢٥١٨) ومسلم (٨٤) من حديث أبي ذر الغفاري.\n(^٣) رواه الطيالسي (١٧٧٧)، وأحمد (٢٣٦٨)، والدارمي (٢٤٣٧)، من حديث جابر بن عبد الله. صححه ابن حبان (٤٦٣٩) وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٨٥).\n(^٤) رواه البخاري (١٤١٩) ومسلم (١٠٣٢) من حديث أبي هريرة.","vol":"5","page":201},{"text":"الله وبحمده» (^١).\nوسئل - ﷺ -: متى وجبت لك النبوة؟ وفي لفظ: متى كنتَ نبيًّا؟ فقال: «وآدمُ بين الروح والجسد» (^٢). هذا هو اللفظ الصحيح. والعوامُّ يروونه: «بين الماء والطين». قال شيخنا (^٣): وهذا باطل، وليس بين الماء والطين مرتبة، واللفظ المعروف ما ذكرناه.\nوذكر الإمام أحمد في «مسنده» (^٤) أن أعرابيًّا سأله: يا رسول الله، أخبِرْنا (^٥) عن الهجرة، إليك أينما كنتَ، أم لقوم خاصَّةً، أم إلى أرض معلومة، أم إذا متَّ انقطعَتْ؟ فسأل ثلاث مرات، ثم جلس. فسكت رسول الله - ﷺ - يسيرًا، ثم قال: «أين السائل؟». قال: ها هو ذا حاضر يا رسول الله. قال:\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٣١) من حديث أبي ذر الغفاري.\n(^٢) رواه أحمد (٢٠٥٩٦)، والطحاوي «شرح مشكل الآثار» (٥٩٧٧)، والطبراني (٢٠/ ٣٥٣)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ١٢٩) من حديث ميسرةَ الفجر - ﵁ -، من طريق عبد الله بن شقيق. صححه الحاكم (٢/ ٦٠٨)، واختاره الضياء (٩/ ١٤٣). ورواه أيضًا أحمد (١٦٦٢٣، ٢٣٢١٢) من طريق عبد الله بن شقيق عن رجل، وصحح إسنادَه ابن حجر. وانظر للتفصيل: «الإصابة» (١٠/ ٣٦١) طبعة هجر، و«الصحيحة» (١٨٥٦).\n(^٣) انظر: «جامع المسائل» (٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، و«مجموع الفتاوى» (٢/ ١٤٧، ٢٣٨)، (١٨/ ١٢٥، ٣٦٩، ٣٨٠).\n(^٤) برقم (٧٠٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا الطيالسي (٢٣٩١)، ومن طريقه البزار (٢٤٣٤). وفيه حنان بن خاجة، مجهول الحال. انظر: «بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٣٥) و«الضعيفة» (٢٣٨٣).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «أخبرني».","vol":"5","page":202},{"text":"«الهجرة أن تهجُرَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة؛ ثم أنت مهاجر وإن متَّ بالحضَر (^١)». فقام آخر، فقال: يا رسول الله، أخبِرني عن ثياب أهل الجنة، أتُخلَق خَلقًا أو (^٢) تُنسَج نَسجًا؟ قال: فضحك بعض القوم. فقال رسول الله - ﷺ -: «تضحكون من جاهلٍ يسأل عالمًا؟». فأَسكتَ (^٣) رسولُ الله - ﷺ - ساعة، ثم قال: «أين السائل عن ثياب أهل الجنة؟». قال: ها هو ذا يا رسول الله. قال: «لا، بل تنشقُّ عنها ثمارُ الجنة» ثلاث مرات.\nوسئل - ﷺ -: أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ وفي لفظ آخر: هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: «إي والذي نفسي بيده، إنَّ الرجل لَيُفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء» (^٤). قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي (^٥): رجال\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «في الحضر».\n(^٢) غيِّر في ب إلى «أم». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فاستلبث».\n(^٤) ذكره الضياء المقدسي في «صفة الجنة» (ص ١٢٨)، والمؤلف صادر عنه. ورواه البزار (١٧/ ٣١١)، والطبراني في «الأوسط» (٧١٨، ٥٢٦٧) و«الصغير» (٧٩٥) وقال: تفرَّد به الجعفي، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٣٧٣)، من حديث أبي هريرة، من طريق حسين الجعفي عن زائدة عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عنه. عدّه أبو حاتم وأبو زرعة في «العلل» (٢١٢٩) خطأً من قِبل حسين، وذكرا أن الصواب: هشام بن حسان عن زيد العمي عن ابن عباس. وبهذا الإسناد رواه هناد بن السري في «الزهد» (٨٨)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٣٧٤)، وأبو يعلى (٢٤٣٦)، وفيه زيد العمي، ضعيف. ومع ذلك صححه الألباني في «الصحيحة» (٣٦٧).\n(^٥) في «صفة الجنة» (ص ١٢٨).","vol":"5","page":203},{"text":"إسناده عندي على شرط الصحيح.\nوسئل: أنطأ في الجنة؟ فقال: «نعم، والذي نفسي بيده، دَحْمًا دَحْمًا، فإذا قام عنها رجعَتْ مطهَّرةً بِكْرًا» (^١). ورجالُ إسناده شرطُ (^٢) «صحيح ابن حبان».\nوفي «معجم الطبراني» أنه سئل: هل يتناكح أهل الجنة؟ فقال: «بذكَرٍ لا يَملُّ، وشهوةٍ لا تنقطع، دحمًا دحمًا» (^٣).\nقال الجوهري (^٤): الدحم: الدفع الشديد.\nوفيه أيضًا أنه سئل - ﷺ -: أيجامع أهل الجنة؟ فقال: «دحمًا دحمًا، ولكن لا منيَّ ولا منيّة» (^٥).\n_________\n(^١) «صفة الجنة» للمقدسي (ص ١٣١). رواه ابن حبان (٧٤٠٢، ٧٤٠٣)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٣٩٣)، من حديث أبي هريرة، وإسناده حسن لأجل درّاج. وله شاهد عند الطبراني في «الصغير» (٢٤٩)، وأبي نعيم (٣٩٢)، وفيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي، كذاب. ضعفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٤٨).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «على شرط».\n(^٣) «صفة الجنة» للمقدسي (ص ١٣٢). رواه الطبراني (٨/ ١٦٠، ١٧٢)، أبو نعيم في «صفة الجنة» (٣٦٨)، بإسنادين من حديث أبي أمامة. وفي أحدهما إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي شيخ الطبراني، غير معتمد، وسليمان الخبائري، متروك؛ وفي الآخر هاشم بن زيد ضعيف. ورواه أبو نعيم (٣٦٦) بإسناد آخر، فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وعمارة بن راشد الكناني، فيهما لين. ضعف الحديث العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٢٣٣) والذهبي في «الميزان» (٢/ ٥٦٢).\n(^٤) في «الصحاح» (٥/ ١٩١٧ - دحم).\n(^٥) «صفة الجنة» للمقدسي (ص ١٣٢). رواه الطبراني (٨/ ٩٦)، من حديث أبي أمامة، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك، ضعيف. ورواه أبو نعيم في «صفة الجنة» (٣٦٩) من طريق آخر، وفيه عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد الألهاني، روايته عنه خاصة ضعيفة. والحديث ضعفه ابن عساكر (١٦/ ٢٩٦)، وابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٢/ ٦٥)، والذهبي في «الميزان» (١/ ٦٤٥).","vol":"5","page":204},{"text":"وسئل - ﷺ -: أينام أهل الجنة؟ فقال: «النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون» (^١).\nوسئل - ﷺ -: هل في الجنة خيل؟ فقال: «إن دخلتَ الجنة أُتيتَ بفرسٍ من ياقوتةٍ له جناحان، فحُمِلتَ عليه، فطار بك في الجنة حيث شئتَ» (^٢).\nوسئل - ﷺ -[٢٢٤/أ]: هل في الجنة إبل؟ فلم يقل للسائل مثل ما قال للأول. قال (^٣): «إن يُدخِلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسُك\n_________\n(^١) «صفة الجنة» للمقدسي (ص ١٣٤). رواه الطبراني في «الأوسط» (٩١٩)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (٩٠)، والبيهقي في «الشعب» (٤٤١٦) من حديث جابر. وله طرق وشاهد، انظر: «الصحيحة» (١٠٨٧)، وصححه ابن حزم في «الأصول والفروع» (ص ١٨٨).\n(^٢) «صفة الجنة» للمقدسي (ص ١٤٤). رواه الترمذي (٢٥٤٤) وضعفه، والطبراني (٤/ ١٨٠) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «صفة الجنة» (٤٢٣)، من حديث أبي أيوب الأنصاري، وفيه أبو سورة، منكر الحديث. وله شاهد عند ابن قانع في «معجم الصحابة» (١١٠٣)، وفيه عبد الرحمن بن ساعدة، مجهول. والصواب فيه الإرسال، انظر: «علل ابن أبي حاتم» (٢٢١٣) وتعليق المحققين عليه. وله شاهد آخر عند أحمد والترمذي من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه، وفيه المسعودي، مختلط. انظر التخريج التالي.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «بل قال». زادوا لفظ «بل».","vol":"5","page":205},{"text":"ولذَّت (^١) عينُك» (^٢).\nوفي «معجم الطبراني»: أن أم سلمة - ﵁ - سألته، فقالت: يا رسول الله، أَخبِرني عن قول الله ﷿: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]، قال: «حور: بيض. عِين: ضخام العيون. شُفْرُ (^٣) الحوراء بمنزلة جناح النسر». قلت: أخبرني عن قول الله ﷿: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ (^٤) [الطور: ٢٤]، فقال: «صفاؤهن صفاء الدُّرِّ الذي في الأصداف الذي لم تمسَّه الأيدي». قلت: أخبرني عن قوله ﷿: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، قال: «خيرات الأخلاق، حسان الوجوه». قلت: أخبرني عن قوله ﷿: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، قال: «رقّتهن كرقّة الجلد الذي رأيتِ في داخل البيضة مما يلي القشرة». قلت: أخبرني يا رسول الله عن قوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾\n_________\n(^١) في ك: «وات»، وفي ب: «ورأت». وفي النسخ المطبوعة: «وقرّت»، والصواب ما أثبت من ز.\n(^٢) «صفة الجنة» (ص ١٤٥). رواه الطيالسي (٨٠٦)، وأحمد (٢٢٩٨٢)، والترمذي (٢٥٤٣) من حديث سليمان بن بريدة بن الحصيب عن أبيه، وفيه المسعودي مختلط، ويزيد بن هارون سمع منه بعد الاختلاط، وكذلك قد اختلف فيه على علقمة بن مرثد. وانظر: تعليق محققي «المسند».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «شعر»، تصحيف.\n(^٤) في النسخ الثلاث: ﴿كأنهن لؤلؤ مكنون﴾. والآية الواردة في «المعجم الكبير» من سورة الطور كما أثبت. وكذا في «حادي الأرواح» (١/ ٤٩٧). ولما كان سياق الحديث في صفات الحور استبدل بها ــ فيما أظن ــ في النسخ المطبوعة قوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣].","vol":"5","page":206},{"text":"[الواقعة: ٣٧]، قال: «هن اللواتي قُبضن في دار الدنيا عجائزَ رُمْصًا (^١) شُمْطًا، خلقهن الله بعد الكِبر، فجعلهن عذارى، عُرُبًا: متعشِّقات محبَّبات (^٢)، أترابًا: على ميلاد واحد». قلت: يا رسول الله، نساءُ الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: «بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظِّهارة على البِطانة».\nقلت: يا رسول الله، وبم ذاك؟ قال: «بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله، ألبس الله وجوهَهن النورَ وأجسادهن الحرير، بيض الألوان، خُضر الثياب، صُفر الحُليّ، مجامرُهن الدُّرُّ، وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كنَّا له وكان لنا!». قلت: يا رسول الله، المرأة منَّا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة، ثم تموت، فتدخل الجنة ويدخلون معها= من يكون زوجها؟ قال: «يا أم سلمة، إنها تخيَّر، فتختار أحسنَهم خُلُقًا، فتقول: يا ربِّ، إنَّ هذا كان أحسنهم معي خلقًا في دار الدنيا، فزوِّجنيه. يا أم سلمة ذهب حسنُ الخلق بخير الدنيا والآخرة» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\n_________\n(^١) جمع رمصاء. وهي التي اجتمع في مؤق عينها الرمَص، وهو وسخ أبيض جامد.\n(^٢) ب: «محبات»، وما أثبت من ز، ك موافق لما في «المعجم الكبير» و«حادي الأرواح». وفي النسخ المطبوعة: «متحببات».\n(^٣) «صفة الجنة» للمقدسي (ص ١١٤). رواه الطبراني (٢٣/ ٣٦٧) والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ١٣٨). وفيه سليمان بن أبي كريمة، ضعيف. ضعف الحديث العقيلي، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١١٢).","vol":"5","page":207},{"text":"وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، أين الناس يومئذ؟ قال: «على جسر جهنم» (^١).\nوسئل عن الإيمان، فقال: «إذا سرَّتك حسناتك، وساءتك سيئاتك، فأنت مؤمن» (^٢).\nوسئل عن الإثم، فقال: «إذا حاك في قلبك شيء، فدَعْه» (^٣).\nوسئل عن البر والإثم، فقال: «البِرُّ: ما اطمأنَّ إليه القلب، واطمأنت إليه النفس. والإثم: ما حاك في القلب وتردَّد في الصدر» (^٤).\nوسأله عمر: هل نعمل في شيء نأتنِفُه (^٥)، أم في شيء قد فُرِغ منه؟ قال: «بل في شيء قد فُرِغ منه». قال: ففيم العمل؟ قال: «يا عمر، لا يُدرَك ذاك (^٦) إلا بالعمل». قال: إذن نجتهد يا رسول الله (^٧).\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٤٨٥٦)، والترمذي (٣٢٥٤)، والنسائي في «الكبرى» (١١٣٨٩)، من حديث ابن عباس عن عائشة - ﵄ -. صححه الترمذي، والحاكم (٢/ ٤٣٧)، وابن الملقن في «التوضيح» (١٩/ ٧٨).\n(^٢) رواه عبد الرزاق (٢٠١٠٤)، وأحمد (٢٢١٦٦)، من حديث أبي أمامة. صححه ابن حبان (١٧٦)، والحاكم (١/ ١٤). وانظر: تعليق محققي «المسند».\n(^٣) جزء من الحديث السابق.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «نستأنفه». وفي «صحيح ابن حبان» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «ذلك».\n(^٧) رواه ابن حبان (١٠٨) من حديث ابن عمر عن أبيه. ورواه الطيالسي (٦٢)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٠٣)، والترمذي (٢١٣٥)، وأبو يعلى (٥٤٦٣)، بنحوه. صححه الترمذي وابن حبان.","vol":"5","page":208},{"text":"وكذلك سأله سُراقة بن جُعْشُم، فقال: يا رسول الله، أخبِرنا عن أمرنا كأننا ننظر إليه، أبما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير، أم بما يستأنف؟ فقال: «لا، بل بما جرت [٢٢٤/ب] به الأقلام، وثبتت به المقادير». قال: ففيم العمل إذن؟ قال: «اعملوا، فكلٌّ ميسَّر». قال سراقة: فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل مني الآن! (^١).\nفصل\nوسئل - ﷺ - عن الوضوء بماء البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه، الحِلُّ (^٢) ميتته» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن وضوئه (^٤) من بئر بضاعة ــ وهي بئرٌ يلقى فيها الحِيَض والنتن ولحوم الكلاب ــ فقال: «الماء طهور لا ينجِّسه شيء» (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من الدَّوابِّ والسِّباع، فقال: «إذا (^٦) كان الماء قلَّتين لم ينجِّسه شيء» (^٧).\n_________\n(^١) رواه بهذا اللفظ ابن حبان (٣٣٧). وأصله عند مسلم (٢٦٤٨).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «والحِل».\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الوضوء».\n(^٥) تقدَّم تخريجه.\n(^٦) ك: «إن».\n(^٧) رواه أحمد (٤٨٠٣)، وأبو داود (٦٣، ٦٤، ٦٥)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٥٢)، وابن ماجه (٥١٧، ٥١٨) من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه. صححه الترمذي، والطبري في «مسند ابن عباس» (٢/ ٧٣٦)، وابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (١٢٤٩)، والخطابي في «معالم السنن» (١/ ٣٠)، والحاكم (١/ ١٣٢)، والنووي في «المجموع» (١/ ١١٥)، وابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٤٠٤)، والعيني في «نخب الأفكار» (١/ ١٢٠)، وجوّد إسناده ابن معين عند الدوري (١/ ٢١٧). وفصَّل الكلام فيه البيهقي في «الخلافيات» (٣/ ١٤٦ - ١٧٨). وبعضهم أعلوه بالاضطراب والوقف والإرسال، ولكن الراجح صحة الحديث. وانظر: «البدر المنير» (١/ ٤٠٤ - ٤٢١).","vol":"5","page":209},{"text":"وسأله أبو ثعلبة فقال: إنَّا بأرض قومٍ أهلِ كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال: «إن لم تجدوا غيرَها فارحَضُوها بالماء، واطبخوا فيها، واشربوا» (^١).\nوفي «الصحيحين» (^٢): إنا بأرض قومٍ أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرَها، فاغسلوها، ثم كلُوا فيها».\nوفي «المسند» و«السنن» (^٣): أفتِنا في آنية المجوس إذا اضطُرِرنا إليها، فقال: «إذا اضطُررتم إليها فاغسِلوها بالماء، واطبخوا فيها».\nوفي «الترمذي» (^٤): سئل - ﷺ - عن قدور المجوس، فقال: «أَنقوْها\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧٧٣٧)، وأبو داود (٣٨٣٩)، والترمذي (١٥٦٠)، من حديث أبي ثعلبة. صححه الترمذي، والحاكم (١/ ١٤٣)، والألباني في «الإرواء» (١/ ٧٥).\n(^٢) البخاري (٥٤٧٨) ومسلم (١٩٣٠).\n(^٣) رواه أحمد (٦٧٢٥)، وأبو داود (٢٨٥٧)، والبيهقي (٩/ ٢٣٧)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. حسنه ابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٤٥٠)، والألباني في «الإرواء» (١/ ٧٦).\n(^٤) (١٥٦٤، ١٨٠١)، وتقدم الكلام عليه.","vol":"5","page":210},{"text":"غَسلًا، واطبخوا فيها».\nوسئل - ﷺ - عن الرجل يخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا» (^١).\nوسئل - ﷺ - عن المذي، قال: «يجزئ منه الوضوء». فقال له السائل: فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ فقال: «يكفيك أن تأخذ كفًّا من ماء، فتنضَح به ثوبَك حيث ترى أنه أصاب منه» (^٢). صحَّحه الترمذي.\nوسئل - ﷺ - عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: «ذاك المَذْي، وكلُّ فحل يَمذي. فتغسِلُ من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضَّأْ وضوءَك للصلاة» (^٣).\nوسألته فاطمة بنت أبي حُبيش، فقالت: إني امرأة أُستحاضُ، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك عِرقٌ، وليس بحَيضة. فإذا أقبلت حَيضتك فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلِّي» (^٤).\nوسئل عنها أيضًا، فقال النبيُّ - ﷺ -: «تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) رواه أبو داود (٢١٠)، والترمذي (١١٥)، وابن ماجه (٥٠٦)، من حديث سهل بن حُنَيف. صححه الترمذي، وابن خزيمة (٢٩١)، وابن حبان (١١٠٣).\n(^٣) رواه أحمد (١٩٠٠٧)، وأبو داود (٢١١)، وابن الجارود (٧)، من حديث حَرَام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، فيه ضعف من أجل حرام، ولكن له شواهد. انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (١/ ٣٨١ - ٣٨٣).\n(^٤) رواه البخاري (٢٢٨) ومسلم (٣٣٣) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"5","page":211},{"text":"تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كلِّ صلاة، وتصوم، وتصلِّي» (^١).\nوسئل - ﷺ - عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ». وسئل - ﷺ - عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «نعم، توضأ من لحوم الإبل». وسئل - ﷺ - عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: «نعم، صلُّوا فيها». وسئل - ﷺ - عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: «لا» (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل لقي امرأةً لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا (^٣) إلا قد أتاه منها، غير أنه لم يجامعها. فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. فقال له النبيُّ صلى الله [٢٢٥/أ] عليه وسلم: «توضَّأ، ثم صلِّ». فقال معاذ: فقلت: يا رسول الله، أله خاصَّةً أم للمؤمنين عامَّةً؟ فقال: «بل للمؤمنين عامَّة» (^٤).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٩٧)، والترمذي (١٢٦)، وابن ماجه (٦٢٥)، من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جدِّه. فيه أبو اليقظان، وبه ضعفه الدارقطني في «سؤالات البرقاني» (١٠) وقال عن حديثه: يُخرج، رواه الناس قديمًا. وكذلك ضعف إسناده ابن حجر في «التلخيص الحبير» ط. أضواء السلف (٢/ ٤٦١). ولكنه صحيح بشواهده. انظر: «الإرواء» (٢٠٧، ٢١١٨، ٢١١٩) و«صحيح أبي داود - الأم» (٢/ ٣٠)، و«البدر المنير» (٣/ ١٢٥ - ١٣١).\n(^٢) رواه مسلم (٣٦٠) من حديث جابر بن سمرة.\n(^٣) في النسخ الخطية والمطبوعة: «شيء»، والتصحيح من «المسند».\n(^٤) رواه أحمد (٢٢١١٢)، وعبد بن حميد (١١٠)، والترمذي (٣١١٣)، من حديث معاذ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ. وبه أعلّ الترمذي وابن عبد البر في «الاستذكار» (١/ ٣٢٥)، ورجح الترمذي الإرسال. وأصل الحديث في البخاري (٥٢٦، ٤٦٨٧) ومسلم (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود.","vol":"5","page":212},{"text":"وسألته أم سليم، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم، إذا رأت الماء». فقالت أم سلمة: أوتحتلم المرأة؟ فقال: «تربت يداكِ، فبمَ يشبهها ولدُها؟» (^١). وفي لفظ (^٢) أن أمَّ سليم سألت نبيَّ الله - ﷺ - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله - ﷺ -: «إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل».\nوفي «المسند» (^٣): أن خولة بنت حكيم سألت النبي - ﷺ - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال: «ليس عليها غسل حتى تنزل، كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل».\nوسأله علي بن أبي طالب عن المَذْي، فقال: «من المذي الوضوء، ومن المني الغسل». وفي لفظ: «إذا رأيت المذي فتوضَّأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت فَضْخَ الماءِ (^٤) فاغتسل». ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٠) ومسلم (٣١٣).\n(^٢) رواه مسلم (٣١١) من حديث أنس عن أم سليم.\n(^٣) برقم (٢٧٣١٢). ورواه أيضًا إسحاق بن راهويه (٢١٤٧) وابن ماجه (٦٠٢) من حديث خولة بنت حكيم، وفيه زيد بن جدعان، ضعيف. ضعفه مغلطاي في «شرح ابن ماجه» (٢/ ٢٦٥). وله شواهد يتقوى بها. انظر: «الصحيحة» (٢١٨٧).\n(^٤) يعني: دفق المني.\n(^٥) في «المسند» (٨٦٨، ١٠٢٨، ١٠٢٩، ١٢٣٨)، والترمذي (١١٤)، وابن ماجه (٥٠٤) من حديث علي. صححه الترمذي وابن حبان (١١٠٤). وأصل الحديث في البخاري (١٣٢) ومسلم (٣٠٣).","vol":"5","page":213},{"text":"وسئل - ﷺ - عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا، فقال: «يغتسل». وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولم يجد البلل، فقال: «لا غسل عليه». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ - عن الرجل يجامع أهله ثم يُكسِل، وعائشة جالسة، فقال: «إني أفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل». ذكره مسلم (^٢).\nوسألته أم سلمة، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أشُدُّ ضَفْرَ رأسي، أفأنقُضه لغسل الجنابة؟ فقال: «لا، إنما يكفيك أن تَحْثِي على رأسك ثلاثَ حَثَيات، ثم تفيضين عليك الماء». ذكره مسلم (^٣). وعند أبي داود (^٤): «واغمزي (^٥) قُرونَك عند كلِّ حَفنة».\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: يا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنةً، فكيف نفعل إذا مُطِرنا؟ فقال: «أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟». قلت: بلى يا رسول الله، قال: «هذه بهذه». وفي لفظ: «أليس بعده ما هو أطيب\n_________\n(^١) في «المسند» (٢٦١٩٥)، وأبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، وابن ماجه (٦١٢)، من حديث عائشة، وفيه عبد الله بن عمر العمري، ضعيف. ضعف الحديث الترمذي، والخطابي في «معالم السنن» (١/ ٦٨)، والنووي في «المجموع» (٢/ ١٤٢).\n(^٢) برقم (٣٥٠) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) برقم (٣٣٠).\n(^٤) برقم (٢٥٢)، وفيه أسامة بن زيد، قد وهِم فيه. انظر: تعليق محققي «مسند أحمد» على (٢٦٤٧٧).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «اغمزي» دون الواو.","vol":"5","page":214},{"text":"منه؟». قلت: بلى، قال: «فإن هذا يذهب بذاك». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ -، فقيل له: إنا نريد المسجد، فنطأ الطريق النجسة، فقال: «الأرض يطهِّر بعضُها بعضًا». ذكره ابن ماجه (^٢).\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ فقال: «تحُتُّه، ثم تقرُصه [بالماء] (^٣)، ثم تنضَحه، ثم تصلي فيه». متفق عليه (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن فأرة وقعت في سمن، فقال: «ألقُوها وما حولها، وكلوا سمنكم». ذكره البخاري. ولم يصح عنه (^٥) التفصيل بين الجامد والمائع (^٦).\nوسألته - ﷺ - ميمونة (^٧) عن شاة ماتت، فألقوا إهابها، فقال: «هلا أخذتم\n_________\n(^١) برقم (٢٧٤٥٢). ورواه أيضًا أبو داود (٣٨٤)، وابن ماجه (٥٣٣) من حديث امرأة من بني عبد الأشهل. ومن أعله بجهالة المرأة فليس بصحيح، لأنها صحابية. انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (٢/ ٢٣٧).\n(^٢) برقم (٥٣٢). ورواه أيضًا ابن عدي (١/ ٢٣٦)، والبيهقي (٢/ ٤٠٦) من حديث أبي هريرة، وفيه إبراهيم بن إسماعيل اليشكري، ضعيف. وضعف الحديث ابن عدي، والبيهقي، والبوصيري في «الزوائد» (١/ ١٣٣).\n(^٣) ما بين المعقوفين من «الصحيحين».\n(^٤) البخاري (٢٢٧) ومسلم (٢٩١) من حديث أسماء.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «فيه».\n(^٦) تقدَّم الحديث مرتين مع إنكار التفصيل.\n(^٧) كذا في النسخ الخطية. واللفظ الآتي من حديث سودة. وانظر حديث ميمونة في «المسند» (٢٦٨٥٢).","vol":"5","page":215},{"text":"مَسْكَها (^١)!» فقالت: نأخذ مَسْكَ شاةٍ قد ماتت؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: «إنما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وإنكم لا تطعمونه إن تدبُغوه تنتفعوا به». فأرسلت إليها، فسلخَتْ مَسْكَها، فدبغته، فاتخذت منه قِربةً، حتى تخرَّقت عندها. ذكره أحمد (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن جلود الميتة، فقال: «ذكاؤها [٢٢٥/ب] دباغها». ذكره النسائي (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن الاستطابة، فقال: «أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجران للصفحتين، وحجر للمَسْرَبة؟» (^٤). حديث حسن.\n_________\n(^١) أي جلدها.\n(^٢) برقم (٣٠٢٦). ورواه أبو يعلى (٢٣٣٤، ٢٣٦٤)، وابن حبان (١٢٨٠، ١٢٨١)، والطبراني (١١٧٦٥، ١١٧٦٦)، والبيهقي (١/ ١٨) من حديث سودة، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، ولكنه توبع. انظر: تعليق محققي «المسند». وروى البخاري (٦٦٨٦) طرفًا منه.\n(^٣) برقم (٤٢٤٤). ورواه أيضًا أحمد (٢٥٢١٤) والدارقطني (١٠٦) وابن حبان (١٢٩٠) من حديث عائشة، وفيه شريك النخعي، سيئ الحفظ، لكنه توبع. انظر تعليق محققي «المسند» ومحقق «الخلافيات» للبيهقي (١/ ٢١٩). صححه ابن حبان، والنووي في «المجموع» (١/ ٢١٨)، وابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٦٠٨).\n(^٤) رواه الدارقطني (١٥٣)، والطبراني (٦/ ١٢١)، والبيهقي (١/ ١١٤)، من حديث أُبَيّ بن العباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده. حسنه الدارقطني، وأقره البيهقي.","vol":"5","page":216},{"text":"وعن مالك (^١) مرسلًا: «أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟». ولم يزد.\nوسأله سُراقة عن التغوُّط، فأمره أن يتنكَّب القبلة، ولا يستقبلها، ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح؛ وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث (^٢) حثَيات من تراب. ذكره الدارقطني (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن الوضوء، فقال: «أَسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». ذكره أبو داود (^٤).\nوسأله - ﷺ - عمرو بن عَبَسة، فقال: كيف الوضوء؟ قال: «أما الوضوء فإنك إذا توضَّأتَ، فغسلت كفَّيك، فأنقيتهما= خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك. فإذا مضمضتَ (^٥)، واستنشقت، وغسلت وجهك ويديك\n_________\n(^١) في «الموطأ» (١/ ٢٨)، والحميدي (٤٣٣)، من حديث هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا. وفصّل القول فيه البيهقي في «الخلافيات» (٢/ ٧٩)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١/ ٢٣٠) و«التمهيد» (٢٢/ ٣١٠)، ورجحا الإرسال.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «بثلاث».\n(^٣) برقم (١٥٤) من حديث عائشة. ورواه أيضًا ابن عدي (٦/ ٤١٩). وفيه مبشر بن عبيد، متروك، قاله الدارقطني. وضعف الحديث ابن عدي وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٣٣٠).\n(^٤) برقم (١٤٢، ١٤٣) من حديث لقيط بن صبرة. ورواه أيضًا أحمد (١٦٣٨٤)، والترمذي (٧٨٨). وعند أحمد (١٦٣٨١)، والنسائي (١٥٠)، وابن ماجه (٤٤٨)، الطرف الأول منه. صححه الترمذي، وابن خزيمة (١٥٠، ١٦٨)، وابن حبان (١٠٥٤، ١٠٨٧، ٤٥١٠).\n(^٥) ك، ب: «تمضمضت»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «سنن النسائي» ما أثبت من ز.","vol":"5","page":217},{"text":"إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك= اغتسلتَ من عامَّة خطاياك كيوم ولدتك أمك». ذكره النسائي (^١).\nوسأله - ﷺ - أعرابيٌّ عن الوضوء، فأراه ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوضوء. فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدَّى وظلم». ذكره أحمد (^٢).\nوسأل النبيَّ - ﷺ - أعرابيٌّ، فقال: يا رسول الله، الرجل منَّا يكون في الصلاة فيكون منه الرويحة، ويكون في الماء قِلَّة، فقال: «إذا فسا أحدكم فليتوضأ. ولا تأتوا النساء في أعجازهن، فإن الله لا يستحيي من الحقِّ». ذكره الترمذي (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن المسح على الخفين، فقال: «للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يومًا وليلة» (^٤).\n_________\n(^١) برقم (١٤٧) من حديث عمرو بن عبسة، وكذلك رواه أحمد (١٧٠١٩). صححه ابن خزيمة، والحاكم (١/ ١٣١). وأصله في «صحيح مسلم» (٨٣٢).\n(^٢) (٦٦٨٤)، والنسائي (١٤٠)، وابن ماجه (٤٢٢)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. صححه ابن خزيمة (١٧٤).\n(^٣) برقم (١١٦٤). ورواه أحمد (٢٤٠٠٩/ ٣٣ و٣٤)، وأبو داود (٢٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٧٤ - ٨٩٧٧) من حديث علي بن طلق اليمامي. حسنه الترمذي. وله شواهد، انظر: نزهة الألباب (٤/ ١٨٦٨ - ١٨٧٩)، وتعليق محققي «المسند».\n(^٤) رواه الترمذي (٩٥) من حديث خزيمة بن ثابت بهذا السياق. وفيه أبو عبد الله الجدلي، قال البخاري: لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح، لأنه لا يعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت. انظر: «العلل الكبير» (ص ٥٥ - ٥٧). وله شاهد صحيح رواه مسلم (٢٧٦) من حديث عائشة عن علي - ﵄ -. وفي الباب عن عدة من الصحابة، انظر: «نزهة الألباب» (١/ ٣٣٤ - ٣٤٣).","vol":"5","page":218},{"text":"وسأله - ﷺ - أُبيّ بن عُمارة (^١)، فقال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ فقال: «نعم». قال: يومًا؟ قال: «ويومين». قال: وثلاثة أيام؟ قال: «نعم، وما شئت». ذكره أبو داود (^٢). فطائفة من أهل العلم أخذت بظاهره وجوَّزوا المسح بلا توقيت. وطائفة قالت: هذا مطلق، وأحاديث التوقيت مقيَّدة، والمقيد يقضي على المطلق (^٣).\nوسأله - ﷺ - أعرابي، فقال: أكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر، ويكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال: «عليك بالتراب». ذكره أحمد (^٤).\nوسأله - ﷺ - أبو ذر: إني أعزُب (^٥) عن الماء، ومعي أهلي، فتصيبني الجنابة، فقال: «إن الصعيد طهورٌ ما لم تجد الماء، عشرَ حِجج. فإذا وجدت الماء فأمِسَّه بشَرتَك» (^٦) حديث حسن.\n_________\n(^١) في النسخ: «ابن أبي عمارة» مع علامة الإشكال: «ظ» عليه في ز.\n(^٢) برقم (١٥٨). ورواه أيضًا ابن ماجه (٥٥٧)، والطبراني (١/ ٢٠٢)، والحاكم (١/ ١٧٠). وإسناده مسلسل بثلاثة مجاهيل. ضعف الحديث أبو داود، والدارقطني (٧٦٥). انظر: «نصب الراية» (١/ ١٧٧).\n(^٣) وانظر: «تهذيب السنن» للمؤلف (١/ ١٠٩).\n(^٤) برقم (٧٧٤٧) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا عبد الرزاق (٩١١) والبيهقي (١/ ٢١٦)، وفيه المثنى بن الصباح، ضعيف. وبه أعلّه البيهقي، وابن دقيق العيد في «الإمام» (٣/ ١٢٧)، وابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (١/ ٣٦٩)، والهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٦٦).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «أغرب» بالغين والراء.\n(^٦) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":219},{"text":"وسأله - ﷺ - عليُّ بن أبي طالب، فقال: انكسرت إحدى زَنديَّ؛ فأمره أن يمسح على الجبائر. ذكره ابن ماجه (^١).\nوقال ثوبان: استفتوا النبيَّ - ﷺ - عن الغسل من الجنابة، فقال: «أما الرجل فلينشُر رأسه، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر. وأما المرأة، فلا عليها أن لا تنقضه. لِتغرِفْ على رأسها ثلاثَ غَرفات بكفَّيها (^٢)» ذكره أبو داود (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: إني اغتسلت من الجنابة، وصلّيت الصبح. ثم أصبحت، فرأيتُ قدرَ موضع الظفر لم يُصبه [٢٢٦/أ] ماء. فقال: «لو كنتَ مسحتَ عليه بيدك أجزأك». ذكره ابن ماجه (^٤).\nوسألته - ﷺ - امرأة عن الحيض، فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرها\n_________\n(^١) برقم (٦٥٧). ورواه أيضًا عبد الرزاق (٦٢٣)، والدارقطني (٨٧٨)، والبيهقي (١/ ٢٢٨)، وفيه عمرو بن خالد، وضاع كذاب. وضعف الحديث أحمد في «العلل» (٣/ ١٦)، وأبو حاتم في «العلل» (١/ ٤٦)، والدارقطني، والبيهقي، وابن حزم في «المحلي» (٢/ ٧٥) وغيرهم. انظر لآثار السلف في جواز المسح عليها: «مصنف عبد الرزاق» (١/ ١٦٠ - باب المسح على العصائب والجروح)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٣٥ - في المسح على الجبائر)، و«الأوسط» لابن المنذر (٢/ ١٤٢).\n(^٢) ب: «تكفيها»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.\n(^٣) برقم (٢٥٥)، والطبراني في «مسند الشاميين» (١٦٨٦). صححه الألباني. انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (٢/ ٧، ٨) فله فيه بحث لطيف.\n(^٤) برقم (٦٦٤) من حديث علي، وفيه محمد بن عبيد الله، ضعيف. وضعف الحديث البيهقي في «الخلافيات» (٣/ ١٦)، والذهبي في «الميزان» (٣/ ٦٣٦)، والبوصيري في «الزوائد» (١/ ١٤٥).","vol":"5","page":220},{"text":"فتَطهَّر فتُحِسن الطهور، ثم تصبُّ على رأسها، فتدلُكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصبُّ عليها الماء، ثم تأخذ فِرْصةً ممسَّكةً (^١)، فتطهَّر بها» (^٢).\nوسألته - ﷺ - عن غسل الجنابة، فقال: «تأخذ ماءً، فتَطهَّر، فتُحسن الطهور، ثم تصبُّ الماء على رأسها، فتدلُكه حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تُفيض الماءَ عليها» (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل: ما يحِلُّ لي من امرأتي، وهي حائض؟ فقال: «تشُدُّ عليها إزارَها، ثم شأنَك بأعلاها». ذكره مالك (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن مواكلة الحائض، فقال: «واكِلْها». ذكره الترمذي (^٥).\nوسئل - ﷺ -: كم تجلس النفساء؟ فقال: «تجلس أربعين يومًا، إلا أن ترى\n_________\n(^١) الفِرصة: قطعة من صوف أو قطن. والممسَّكة: المطيبة بالمسك.\n(^٢) رواه البخاري (٣١٤) ومسلم (٣٣٢) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) من حديث عائشة - ﵂ - السابق عند مسلم (٣٣٢).\n(^٤) في «الموطأ» (١/ ٥٧) مرسلًا. ورواه موصولًا أبو داود (٢١٢)، والبيهقي (١/ ٣١٢) من حديث حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري بمعناه، فيه هارون بن محمد بن بكار، صدوق. ويشهد له ما رواه البخاري (٣٠٣) ومسلم (٢٩٤) من حديث ميمونة.\n(^٥) برقم (١٣٣). ورواه أحمد (١٩٠٠٧، ١٩٠٠٨)، وأبو داود (٢١٢)، وابن ماجه (٦٥١)، من حديث حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد. والحديث صحيح. انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (٢٠٦، ٢٠٧).","vol":"5","page":221},{"text":"الطهر قبل ذلك». ذكره الدارقطني (^١).\nوسأله - ﷺ - ثوبان عن أحبِّ الأعمال إلى الله، فقال - ﷺ -: «عليك بكثرة السجود لله ﷿، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجةً وحطَّ عنك بها (^٢) خطيئة». ذكره مسلم (^٣).\nوسأله عبد الله بن سعد: أيُّما أفضل: الصلاة في بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ فقال: «ألا ترى إلى بيتي، ما أقربه من المسجد؟ فلأن أصلِّي في بيتي أحبُّ إليَّ من أن أصلِّي في المسجد، إلا أن تكون صلاةً مكتوبةً». ذكره ابن ماجه (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن صلاة الرجل في بيته، فقال: «نوِّروا بيوتكم». ذكره ابن ماجه (^٥).\n_________\n(^١) برقم (٨٦٦) من حديث أم سلمة. وفيه عبد الرحمن العرزمي عن أبيه، وكلاهما ضعيف؛ ومُسَّة، مجهولة. ورواه أبو داود (٣١١)، والترمذي (١٣٩)، وابن ماجه (٦٤٨) والدارقطني (٨٦٢) من طريق مُسَّة أيضًا بدون السؤال، أعلَّه بها البخاري في «العلل الكبير» (١/ ١٩٣)، وابن حزم (٢/ ٢٠٤)، وعبد الحق في «الوسطى» (١/ ٢١٨)، وغيرهم.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «بها عنك». وفي «الصحيح» كما أثبت من النسخ.\n(^٣) برقم (٤٨٨).\n(^٤) برقم (١٣٧٨). ورواه أيضًا أحمد (١٩٠٠٧) بأتم منه، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٨٦٥). صححه ابن خزيمة (١٢٠٢)، والبوصيري (١/ ٢٤٦).\n(^٥) برقم (١٣٧٥) من حديث عمر، وهو السائل. ورواه أيضًا الطيالسي (٤٩)، وأحمد (٨٦)، وغيرهما. ومدار الحديث على عاصم بن عمرو البجلي، وقد اختُلِف عليه؛ تارة يروي عن عمر، ولم يلقه، وتارة عن عُمير مولى عمر، ضعيف، وتارة عن رجل عن القوم الذين سألوا عمر. انظر: «علل الدارقطني» (٢/ ١٩٦). وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٢٣٧).","vol":"5","page":222},{"text":"وسئل - ﷺ -: متى يصلِّي الصبي؟ فقال: «إذا عرف يمينه من شماله، فمُروه بالصلاة» (^١).\nوسئل - ﷺ - عن قتل رجل مخنَّث يتشبَّه بالنساء، فقال: «إنّي نُهيتُ عن قتل المصلِّين». ذكره أبو داود (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن وقت الصلاة، فقال للسائل: «صلِّ معنا هذين اليومين». فلما زالت الشمس أمرَ بلالًا، فأذَّن، ثم أمره فأقام الظهر. ثم أمره، فأقام العصر، والشمسُ مرتفعة بيضاء نقية. ثم أمره، فأقام المغرب حين غابت الشمس. ثم أمره، فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أمره، فأقام الفجر حين\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٩٧) من حديث امرأة معاذ بن عبد الله الجهني عن رجل يذكر عن رسول الله - ﷺ - أنه سئل عن ذلك، فيه جهالة الرجل هذا، وأيضًا فيه هشام بن سعد، ضعيف. وقال أبو زرعة في «علل ابن أبي حاتم» (٥٤٢) عن شاهد لحديثنا هذا من رواية الزهري عن أنس: الصحيح عن الزهري قَطْ قوله. انظر: «البدر المنير» (٣/ ٢٤١). ... لكنه ثابت عن ابن عمر وابن سيرين من قولهما كما رواه ابن أبي شيبة (٣٥٠٤، ٣٥١٤) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٤٤٨).\n(^٢) برقم (٤٩٢٨)، ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٢٤) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا أبو يعلى (٦١٢٦)، والدارقطني (١٧٥٨). وفيه أبو يسار وأبو هاشم، قال الدارقطني في «العلل» (١١/ ٢٣٠): «مجهولان، ولا يثبت الحديث». وروي مثل هذا من حديث أبي سعيد الخدري عند الطبراني في «الأوسط» (٥٠٥٨)، وفيه الخَصِيب بن جحدر، كذاب. انظر: «لسان الميزان» (٣/ ٣٥٩، ٣٦٠)، وقال العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٢٦٤) أحاديثه مناكير لا أصل لها، ثم ذكر حديثه هذا.","vol":"5","page":223},{"text":"طلع الفجر. فلما كان اليوم الثاني أمره، فأبرَدَ بالظهر. وصلَّى العصر والشمسُ مرتفعة، أخَّرها فوق الذي كان. وصلَّى المغرب قبل أن يغيب الشفق. وصلَّى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل. وصلَّى الفجر، فأسفر بها. ثم قال: «أين السائل عن وقت الصلاة؟». فقال الرجل: أنا يا رسول الله - ﷺ -. فقال: «وقتُ صلاتكم بين (^١) ما رأيتم». ذكره مسلم (^٢).\nوسئل - ﷺ -: هل من ساعةٍ أقربُ إلى الله من الأخرى؟ قال: «نعم، أقرَبُ ما يكون الربُّ ﷿ من العبد جوفَ الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكُنْ» (^٣).\nوسئل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة الوسطى، فقال: «هي صلاة العصر» (^٤).\nوسئل - ﷺ -: هل في ساعات الليل والنهار ساعةٌ تُكرَه الصلاةُ فيها؟ فقال: «نعم، إذا صلَّيتَ الصبحَ فدع الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلعُ بين قرنَي شيطان. ثم صلِّ، فإن الصلاة محضورة متقبَّلة، حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فدع الصلاة، فإن تلك الساعة تُسجَر جهنَّمُ،\n_________\n(^١) في المطبوع: «ما بين»، وقال: «هو في الصحيح»!\n(^٢) برقم (٦١٣).\n(^٣) رواه الترمذي (٣٥٧٩) هذا القدر، والنسائي (٥٧٢) بأتم منه، من حديث عمرو بن عبسة. صححه الترمذي وابن خزيمة (١١٤٧)، والحاكم (١/ ٣٠٩). ورواه أحمد (١٧٠٢٦) بأتم من هذا، والنسائي (٥٨٤)، وابن ماجه (١٣٦٤) مختصرًا، بإسناد فيه اضطراب، غير أن فيه يزيد بن طلق، مجهول، وعبد الرحمن بن البيلماني، ضعيف.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.","vol":"5","page":224},{"text":"وتُفتَح فيها أبوابها، حتى ترتفع الشمس عن حاجبك [٢٢٦/ب] الأيمن. فإذا زالت الشمس فالصلاة محضورة متقبَّلة حتى تصلِّي العصر، ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس». ذكره ابن ماجه (^١). وفيه دليل على تعلُّق النهي بفعل صلاة الصبح لا بوقتها.\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن، فعلِّمني ما يجزئني. فقال: «قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». فقال: يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟ فقال: «قل اللهم ارحمني، وعافِني، واهدني، وارزقني». فقال بيده هكذا، وقبَضها. فقال رسول الله - ﷺ -: «أمَّا هذا فقد ملأ يديه من الخير». ذكره أبو داود (^٢).\nوسأله - ﷺ - عمران بن حصين ــ وكان به بواسير ــ عن الصلاة، فقال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك». ذكره البخاري (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل: أقرأ خلف الإمام أو أُنصِت؟ قال: «بل أَنصِتْ، فإنه\n_________\n(^١) برقم (١٢٥٢) من حديث أبي هريرة، والسائل صفوان بن المعطَّل. ورواه أيضًا البزار (١٥/ ١٦٨)، وابن حبان (١٥٤٢)، والبيهقي (٢/ ٤٥٥). وإسناده حسن، حسنه البوصيري في «الزوائد» (١/ ٢٢٩). وله شاهد صحيح عند ابن وهب في «الجامع» ط. دار الوفاء (٣٣١)، ومن طريقه ابنُ خزيمة (١٢٧٥) وأبو يعلى (٦٥٨١)، ثم من طريق أبي يعلى ابنُ حبان (١٥٥٠).\n(^٢) برقم (٨٣٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. ورواه أيضًا أحمد (١٩١١٠)، وابن خزيمة (٥٤٤). وفيه يزيد أبو خالد الدالاني وإبراهيم السكسكي، فيهما لين. وله شاهد يتقوى به. انظر: «أصل صفة الصلاة» (١/ ٣٢٤).\n(^٣) برقم (١١١٧).","vol":"5","page":225},{"text":"يكفيك». ذكره الدارقطني (^١).\nوسأله - ﷺ - حطَّابةٌ (^٢)، فقالوا: يا رسول الله، إنَّا لا نزال سَفْرًا، فكيف نصنع بالصلاة؟ فقال: «ثلاث تسبيحات ركوعًا، وثلاث تسبيحات سجودًا». ذكره الشافعي مرسلًا (^٣).\nوسأله - ﷺ - عثمان بن أبي العاص، فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بين صلاتي وبين قراءتي يَلْبِسُها عليَّ. فقال: «ذاك شيطان يقال له خِنْزَب (^٤)، فإذا أحسستَه فتعوَّذ بالله، واتفِلْ على يسارك ثلاثًا». قال: ففعلتُ ذلك، فأذهبه الله. ذكره مسلم (^٥).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: أصلِّي في ثوبي الذي آتي فيه أهلي؟ قال: «نعم، إلا أن ترى فيه شيئًا، فتغسلَه» (^٦).\n_________\n(^١) (١٢٤٨). رواه أيضًا ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٢٦٣)، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» (٤١٢). قال الدارقطني عقب الحديث: «تفرد به غسان وهو ضعيف، وقيس ومحمد بن سالم ضعيفان، والمرسل الذي قبله (١٢٤٧) أصح منه، والله أعلم».\n(^٢) وهم الذين يحتطبون.\n(^٣) من طريقه في «معرفة السنن» (٢/ ٤٤٧، ٤٤٨). ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٥٨٠) والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٨٦)، وهو مرسل صحيح. وانظر: «أصل صفة الصلاة» (٢/ ٦٥٦).\n(^٤) كذا ضبط في ز، وفيه لغات أخرى ذكرها النووي في «شرح مسلم» (١٤/ ١٩٠).\n(^٥) برقم (٢٢٠٣).\n(^٦) رواه أحمد (٢٠٨٢٥، ٢٠٩٢٠، ٢٠٩٢١)، وابن ماجه (٥٤٢)، وأبو يعلى (٧٤٦٠)، وابن حبان (٢٣٣٣)، من حديث جابر بن سمرة. ولكن رجح الوقف أحمد عقب (٢٠٨٢٥) وأبو حاتم في «العلل» لابنه (١/ ١٩٢). وله شاهد صحيح من حديث معاوية بن أبي سفيان عن أخته أم حبيبة من فعل النبي - ﷺ - عند أحمد (٢٦٧٦٠، ٢٧٤٠٤)، وابن خزيمة (٧٧٦)، وغيرهما.","vol":"5","page":226},{"text":"وسأله - ﷺ - معاوية بن حَيدة: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». قال: قلت: يا رسول الله، الرجل يكون مع الرجل، قال: «إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل». قال: قلت: فالرجل يكون خاليًا، قال: «الله أحقُّ أن يُستحيا منه». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ - عن الصلاة في الثوب الواحد، قال: «أوكلُّكم يجد ثوبين؟». متفق عليه (^٢).\nوسأله - ﷺ - سلمة بن الأكوع: يا رسول الله، إني أكون في الصيد، فأصلِّي وليس عليَّ إلا قميص واحد. فقال: «فازرُرْه، وإن لم تجد إلا شوكةً». ذكره أحمد. وعند النسائي: إني أكون في الصيف، وليس عليَّ إلا قميص (^٣).\n_________\n(^١) برقم (٢٠٠٣٤). ورواه أيضًا أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٢٣)، وابن ماجه (١٩٢٠)، من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. حسنه الترمذي، وابن حجر في «هُدى الساري» (ص ٢٠)، وصححه الحاكم (٤/ ١٧٩)، والمؤلف في «تهذيب السنن» (٣/ ٥٤).\n(^٢) البخاري (٣٦٥) ومسلم (٥١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه أحمد (١٦٥٢٠)، وأبو داود (٦٣٢)، والنسائي في «الكبرى» (٨٤٣) من حديث سلمة بن الأكوع، من طريق عطاف عن موسى بن إبراهيم عن سلمة، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٢٩٧): هذا لا يصح، وفي حديث القميص نظر. وانظر: «تغليق التعليق» (٢/ ٢٠١).","vol":"5","page":227},{"text":"وسأله - ﷺ - رجل: يا رسول الله، أصلِّي في الفِراء؟ قال: «فأين الدِّباغ» (^١).\nوسئل - ﷺ - عن الصلاة في القوس والقَرَن، فقال: «اطرح القَرَن، وصلِّ في القوس». ذكره الدارقطني (^٢). والقَرَن بالتحريك: الجَعْبة.\nوسألته أم سلمة: هل تصلِّي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ فقال: «إذا كان الدرع سابلًا يغطِّي ظهورَ (^٣) قدميها». ذكره أبو داود (^٤).\nوسأله - ﷺ - أبو ذر عن أول مسجد وُضِع في الأرض، قال: «المسجد الحرام». فقال: ثم أيُّ؟ قال: «المسجد الأقصى». فقال: كم بينهما؟ قال:\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٩٠٦٠)، وابن أبي شيبة (٢٥٢٦١)، والبيهقي (١/ ٢٤) من حديث أبي ليلى الأنصاري، وفيه علي بن هاشم ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فيهما لين. والحديث ضعفه الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢١٨)، والبوصيري في «الإتحاف» (٢/ ١٢٢).\n(^٢) برقم (١٤٨٦) من حديث سلمة بن الأكوع. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٦٣١٨)، والطبراني (٧/ ٢٨)، والحاكم (١/ ٣٣٥)، والبيهقي (٣/ ٢٥٥). ومدار الحديث على عقبة بن خالد وموسى بن محمد، وكلاهما ضعيفان. وضعف الحديث البيهقي، وابن القطان في «بيان الوهم» (٥/ ٥٣٧)، والهيثمي في «المجمع» (٢/ ٥٧).\n(^٣) ب: «ظهر»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «السنن» كما أثبت من (ز، ك).\n(^٤) برقم (٦٣٩) من حديث أم سلمة. ورواه أيضًا الدارقطني (١٧٨٥)، والحاكم (١/ ٢٥٠). وفيه أُمُّ محمدِ بن زيد بن المهاجر بن قُنفُذ، وهي أم حرام، لا تُعرَف. والصواب الوقف، قاله أبو داود، والدارقطني، وابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ٣٩٧)، كما رواه مالك (١/ ١٤٢)، ومن طريقه وأبوداود (٦٣٨) وغيرهما.","vol":"5","page":228},{"text":"«أربعون عامًا، ثم الأرض لك مسجد، حيث أدركتك الصلاةُ فصَلِّ». متفق عليه (^١).\nوذكر الحاكم [٢٢٧/أ] في «مستدركه» (^٢) أن جعفر بن أبي طالب سأله عن الصلاة في السفينة فقال: «صلِّ فيها قائمًا إلا أن تخاف الغرق».\nوسئل - ﷺ - عن مسح الحصى في الصلاة، فقال: «واحدةً، أو دَعْ» (^٣).\nوسأله - ﷺ - جابر عن ذلك، فقال: «واحدة، ولَأن تُمسِك عنها خيرٌ لك من مائة ناقة كلُّها سودُ الحَدَق (^٤)».\nقلت (^٥): المسجد كان مفروشًا بالحصباء، فكان أحدهم يمسحه بيديه لموضع سجوده، فرخَّص النبيُّ في مسحة واحدة، وندبهم إلى تركها.\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٢٥) ومسلم (٥٢٠).\n(^٢) (١/ ٢٧٥)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٥٥). حسنه البيهقي، وصححه الحاكم، والألباني في «أصل صفة الصلاة» (١/ ١٠١).\n(^٣) رواه أحمد (٢١٤٤٦)، وعبد الرزاق (٢٤٠٣)، وابن خزيمة (٩١٦)، من حديث أبي ذر، وفيه ابن أبي ليلى (وهو محمد)، ضعف. ورواه الطيالسي (٤٧٢) وعبد الرزاق (٢٤٠٤) بدون زيادة «أوْ دَعْ»، من طريق سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي ذر. وقال الطيالسي عقبه: «وقال سفيان عن الأعمش عن مجاهد عن ابن أبي ليلى (وهو عبد الرحمن) عن أبي ذر عن النبي - ﷺ -»، قال عنه الدارقطني في «العلل» (١١١١) إنه أصح من الأول، وقال محققو «المسند» (٣٥/ ٣٥٢) إنه على شرط الشيخين. وانظر: «الإرواء» (٢/ ٩٨، ٩٩).\n(^٤) ز، ك: «الحلق»، تصحيف.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «فقلت»، وهو خطأ.","vol":"5","page":229},{"text":"والحديث في «المسند» (^١).\nوسئل - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يصلِّي أحدنا في منزله الصلاةَ، ثم يأتي المسجد، وتقام الصلاةُ، أفأصلِّي معهم؟ فقال: «لك سهمُ جَمْعٍ». ذكره أبو داود (^٣).\nوسأله - ﷺ - أبو ذرٍّ عن الكلب الأسود يقطع الصلاة دون الأحمر والأصفر، فقال: «الكلب الأسود شيطان» (^٤).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، إني صلَّيتُ، فلم أدر أشفعت أم (^٥) أوترت. فقال رسول الله - ﷺ -: «إياكم أن يتلعَّب بكم الشيطان في صلاتكم،\n_________\n(^١) (١٤٢٠٤، ١٤٥١٤). ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٧٩١١)، وعبد بن حميد (١١٤٥)، وابن خزيمة (٨٩٧)، وفيه شرحبيل بن سعد، ضعيف. ويغني عنه ما رواه البخاري (١٢٠٧) ومسلم (٥٤٦) ــ وهو عند أحمد (١٥١١) ــ من حديث معيقيب، ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: «إن كنت فاعلًا فواحدة».\n(^٢) رواه البخاري (٧٥١) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) برقم (٥٧٨) من حديث أبي أيوب الأنصاري. ورواه مالك (١/ ١٣٣) ــ ومن طريقه البيهقي (٢/ ٣٠٠)، والطبراني (٤/ ١٥٨)، وفيه رجل من بني أسد، مبهم، وعفيف السهمي، فيه لين.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «أو».","vol":"5","page":230},{"text":"من صلَّى، فلم يدر أشفَع أم أوتر، فليسجد سجدتين، فإنهما تمام صلاته». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ -: لأيِّ شيء [سمِّي] (^٢) يوم الجمعة؟ فقال: «لأن فيها طُبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعةٌ من دعا الله فيها استُجيب له» (^٣).\nوسئل أيضًا عن ساعة الإجابة، فقال: «حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها» (^٤).\nولا تنافي بين الحديثين، لأن ساعة الإجابة، وإن كانت آخر ساعة بعد العصر، فالساعةُ التي تقام فيها الصلاة أولى أن تكون ساعة الإجابة، كما أن المسجد الذي أُسِّس على التقوى هو مسجد قباء، ومسجدُ رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) رواه أحمد (٤٥٠، ٤٥١)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٢٨٥)، وأورده البخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ٣٥٥)، وفيه يزيد بن أبي كبشة، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) ما بين المعقوفين من «المسند»، وهو ساقط من النسخ الثلاث. ولعل من أسقط ظنَّه تكرارًا للفظ السابق «شيء» لتشابههما في الرسم. وفي النسخ المطبوعة أثبتوا مكانه «فضلت»!\n(^٣) رواه أحمد (٨١٠٢) من حديث أبي هريرة، وفيه علي بن أبي طلحة، فيه لين، ولم يسمع من أبي هريرة. انظر: «إتحاف المهرة» (١٥/ ٤٢٧).\n(^٤) رواه عبد بن حميد (٢٩١)، والترمذي (٤٨٩)، وابن ماجه (١١٣٨)، من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وكثير ضعيف جدًّا. وضعف الحديث ابن عبد البر في «التمهيد» (١٩/ ٢١)، والنووي في «المجموع» (٤/ ٥٥٠)، والحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٨٦).","vol":"5","page":231},{"text":"أولى بذلك منه. وهذا (^١) أولى مِن جَمْع مَن جمعَ (^٢) بينهما بتنقُّلها، فتأمل!\nوسئل - ﷺ -: يا رسول الله، أخبِرنا عن الجمعة (^٣)، ما فيها من الخير؟ فقال: «فيه خمسُ خلال: فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبِط آدم إلى الأرض، وفيه توفَّى الله آدم. وفيه ساعةٌ لا يسأل الله العبدُ فيها شيئًا إلا أعطاه إياه، ما لم يسأل إثمًا أو قطيعةَ رحم. وفيه تقوم الساعة، فما من ملكٍ مقرَّبٍ ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا حجر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة». ذكره أحمد والشافعي (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن صلاة الليل، فقال: «مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتِرْ بواحدة». متفق عليه (^٥).\nوسأله أبو أمامة: بكم أُوتِر؟ قال: «بواحدة». قال: إني أطيق أكثر من\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وهو».\n(^٢) ز: «أولى من جمع بينهما»، وكذا في النسخ المطبوعة. والظاهر أن بعض النساخ ظن «من جمع» مكررًا، فحذفه.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «يوم الجمعة».\n(^٤) رواه الشافعي في «الأم» (٢/ ٤٣٤)، وأحمد (٢٢٤٥٧)، وابن ماجه (١٠٨٤)، من حديث سعد بن عبادة، وفيه ثلاثة فيهم لين. وله شاهد صحيح من حديث أبي هريرة، رواه مالك (١/ ١٠٨) ــ ومن طريقه الشافعي في «الأم» (٢/ ٤٣٤) ــ، وأحمد (١٠٣٠٣)، وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٩١)، والنسائي (١٧٦٦)، وابن حبان (٢٧٧٢)، والحاكم (١/ ٢٧٨، ٢٧٩)، والبيهقي (٣/ ٢٥٠، ٢٥١). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٥) تقدَّم في الفائدة الثالثة والخمسين.","vol":"5","page":232},{"text":"ذلك. قال: «ثلاث» (^١)، ثم قال: «بخمس»، ثم قال: «بسبع» (^٢).\nوفي «الترمذي» (^٣): أنه سئل عن الشفع والوتر، فقال: «هي الصلاة، بعضها شَفْع وبعضها وتر».\nوفي «سنن الدارقطني» (^٤) أنَّ رجلًا سأله عن الوتر، [٢٢٧/ب] فقال: «افصِلْ بين الواحدة والثنتين بالسلام».\nوسئل - ﷺ -: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت». ذكره أحمد (^٥).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ القيام أفضل؟ قال: «نصف الليل، وقليل فاعله» (^٦).\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وضبط في ز بجرِّ «ثلاثٍ».\n(^٢) رواه الدارقطني (١٦٤٨) من حديث أبي أمامة، وفيه معتمر، لم أجد من ترجم له، وأبو غالب متكلم فيه.\n(^٣) برقم (٣٣٥٣) من حديث عمران بن حصين. ورواه أيضًا أحمد (١٩٩١٩). وفيه جهالة الرواي عن عمران بن حصين. وضعف الحديث ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٦/ ٣٩٦) والحافظ في «الفتح» (٨/ ٥٧٢).\n(^٤) برقم (١٦٧٧، ١٦٧٨) من حديث عبد الله بن عمر من طريقين عن ابن لهيعة. وفي الثاني الراوي عنه أبو الأسود، وكان راوية عن ابن لهيعة، لعله من أجل ذلك قوّاه الحافظ في «فتح الباري» (٢/ ٥٥٨).\n(^٥) (١٤٢٣٣، ١٥٢١٠) من حديث جابر. ورواه أيضًا الترمذي (٣٨٧)، وابن ماجه (١٤٢١). وصححه الترمذي، وابن خزيمة (١١٥٥)، وابن حبان (١٧٥٨). ورواه مسلم (٧٥٦) بدون ذكر السؤال.\n(^٦) رواه ابن المبارك في «الزهد» (١٢١٧)، وابن نصر المروزي في «مختصر قيام الليل» (ص ٩٣)، وأحمد (٢١٥٥٥)، والنسائي في «الكبرى» (١٣١٠)، والطبراني في «الأوسط» (٢٦٢٤)، والبيهقي (٣/ ٤) من حديث أبي ذر. مداره على مهاجر أبي خالد، فيه لين. ورواه مسلم (١١٦٣/ ٢٠٣) وغيره من حديث أبي هريرة، بدون زيادة: «وقليل فاعله».","vol":"5","page":233},{"text":"وسئل - ﷺ -: هل من ساعة أقرب إلى الله من الأخرى؟ قال: «نعم، جوف الليل الأوسط». ذكره النسائي (^١).\nفصل\nوسئل - ﷺ - عن موت الفجاءة، فقال: «راحة للمؤمن، وأَخْذةُ أَسَفٍ للفاجر». ذكره أحمد (^٢).\nولهذا لم يكره أحمد موت الفجاءة في إحدى الروايتين عنه. وقد روي عنه كراهتها. وروى في «مسنده» (^٣) أن رسول الله - ﷺ - مرَّ بجدار أو حائط مائل، فأسرع المشيَ، فقيل له في ذلك، فقال: «إني أكره موتَ الفَوات». ولا\n_________\n(^١) برقم (٥٨٤) من حديث عمرو بن عبسة. ورواه أيضًا أحمد (١٧٠٢٦)، وابن ماجه (١٢٥١، ١٣٦٤). وفيه طلق بن يزيد، مجهول، وعبد الرحمن بن البَيْلماني، ضعيف. ولفظ أحمد والنسائي: «جوف الليل الآخر».\n(^٢) برقم (٢٥٠٤٢) من حديث عائشة - ﵂ -. ورواه أيضًا البيهقي (٣/ ٣٧٩)، وفي «شعب الإيمان» (٩٧٤٠) فيه عبيد الله بن الوليد، متروك، وعبد الله بن عبيدالله بن عُمير لم يسمع من عائشة. وله شواهد لا تخلو من ضعف، والحديث لا يثبت. انظر: «العلل» للدارقطني (٥/ ٢٧٢)، و«العلل المتناهية» (١٤٦٣)، و«الضعيفة» (٦٦٣).\n(^٣) برقم (٨٦٦٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. ورواه أبو يعلى (٦٦١٢)، والبيهقي في «الشعب» (١٢٩٧). وفيه إبراهيم بن الفضل، منكر الحديث. والحديث ضعفه العقيلي (١/ ٦١)، وابن حبان في «المجروحين» (١/ ١٠٥)، وابن عدي (١/ ٣٧٥)، والبيهقي، وابن الجوزي في «العلل» (١٤٩٢)، والذهبي في «الميزان» (١/ ١٩، ٥٢).","vol":"5","page":234},{"text":"تنافي بين الحديثين، فتأمَّلْه.\nوسئل: تمرُّ بنا جنازة الكافر، أفنقوم لها؟ قال: «نعم، إنكم لستم تقومون لها، إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس». ذكره أحمد (^١).\nوقام لجنازة يهودية، فسئل عن ذلك، فقال: «إن للموت فزعًا، فإذا رأيتم جنازةً فقوموا» (^٢).\nوسئل عن امرأة أوصت أن يعتق عنها رقبة مؤمنة، فدعا بالرقبة، فقال: «من ربُّك؟». قالت: الله. قال: «من أنا؟». قالت: رسول الله. قال: «أعتِقْها فإنها مؤمنة». ذكره أبو داود (^٣).\nوسأله - ﷺ - عمر - ﵁ -: هل تُرَدُّ إلينا عقولُنا في القبر وقت السؤال؟\n_________\n(^١) برقم (٦٥٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا ابن حبان (٣٠٥٣)، والحاكم (١/ ٣٥٧) من طريق ربيعة بن سيف، فيه لين. وصحح الحديث ابن حبان والحاكم، وحسنه العيني في «نخب الأفكار» (٧/ ٢٧٥)، وأحمد شاكر في «تحقيق المسند» (١٠/ ٧٩). وأصل القيام للجنازة رواه البخاري (١٣١١) ومسلم (٩٦٠).\n(^٢) رواه أحمد (١٤٨١٢)، وأبو داود (٣١٧٤)، والنسائي (١٩٢٢)، من حديث جابر بن عبد الله. والحديث صحيح. أصله عند البخاري (١٣١١) ومسلم (٩٦٠)، وعندهما أنه كان جنازة يهودي. ورواه أحمد (١٩٧٠٧)، وأبو داود (٣١٧٥)، والنسائي (١٩٢٣) من حديث علي ــ واللفظ للنسائي: «إنما قام رسول الله - ﷺ - لجنازة يهودية، ثم لم يعُد بعد ذلك». وأصله عند مسلم (٩٦٢).\n(^٣) برقم (٣٢٨٣) من حديث الشريد بن سويد الثقفي. ورواه أيضًا أحمد (١٧٩٤٥)، والنسائي (٣٦٥٣). وفيه محمد بن عمرو، حسن الحديث. والحديث صححه ابن حبان (١٨٩)، والذهبي في «العلو» (٢٧)، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٣١٦١).","vol":"5","page":235},{"text":"فقال: «نعم، كهيئتكم اليوم». ذكره أحمد (^١).\nوسئل عن عذاب القبر، فقال: «نعم، عذاب القبر حقٌّ» (^٢).\nفصل\nوسئل - ﷺ - عن صدقة الإبل، قال: «ما من صاحبِ إبل لا يؤدِّي حقَّها ــ ومن حقِّها حَلَبُها يوم وردها ــ إلا إذا كان يومُ القيامة بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ (^٣) أوفرَ ما كانت، لا يفقِد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها وتعضُّه بأفواهها، كلَّما مرَّ عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضَى بين العباد، فيرَى سبيلَه إما إلى الجنة وإما إلى النار».\nوسئل - ﷺ - عن البقر، فقال: «ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدِّي حقَّها، إلا إذا كان يومُ القيامة بُطِح لها بقاعٍ قرقرٍ، لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقصاء (^٤) ولا جلحاء (^٥) ولا عضباء (^٦)، تنطَحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها. كلَّما مرَّت أولاها رُدَّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار».\nوسئل - ﷺ - عن الخيل فقال: «الخيل ثلاثة، هي لرجلٍ وِزْرٌ، ولرجل سِتْر،\n_________\n(^١) برقم (٦٦٠٣) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا ابن حبان (٣١١٥). وفيه حيي بن عبد الله، ضعيف.\n(^٢) رواه البخاري (١٣٧٢) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) أي أُلقي صاحبُ المال على وجهه لتلك الإبل في مكان مستوٍ.\n(^٤) ملتوية القرنين.\n(^٥) لا قرن لها.\n(^٦) مكسورة القرن.","vol":"5","page":236},{"text":"ولرجلٍ أجر. فأما الذي له أجر، فرجلٌ ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مَرْج أو روضة، فما أصابت في طِيَلِها (^١) ذلك من المَرْج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنه انقطع طِيَلُها فاستنَّت شَرَفًا أو شَرَفَين (^٢) كانت له آثارها وأرواثها حسنات. ولو أنها مرَّت بنهر، فشربت منه، ولم يُرد أن يسقيها [٢٢٨/أ] كانت له حسنات، فهي لذلك الرجل أجر. ورجلٌ ربطها تغنِّيًا وتعفُّفًا، ثم لم ينسَ حقَّ الله في رقابها ولا في ظهورها، فهي لذلك الرجل سِتْر. ورجل ربَطها فخرًا ورياءً ونِواءً (^٣) لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر».\nوسئل - ﷺ - عن الحُمُر؛ فقال: «ما أُنزل (^٤) عليَّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذَّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. ذكره مسلم (^٥).\nوسألته - ﷺ - أم سلمة فقالت: إني ألبس أوضاحًا (^٦) من ذهب، أكنز هو؟ قال: «ما بلغ أن تؤدَّى زكاته، فزُكِّي، فليس بكنز». ذكره مالك (^٧).\n_________\n(^١) الطِّيَل والطِّوَل: الحبل الطويل الذي شُدَّ أحد طرفيه في يد الفرس، والآخر في وتد أو غيره.\n(^٢) أي جرت شوطًا أو شوطين.\n(^٣) يعني: مناوأة.\n(^٤) ك، ب: «أنزل الله تعالى».\n(^٥) برقم (٩٨٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٦) جمع وَضَح، وهو نوع من الحلي.\n(^٧) لم أجده في «الموطَّأ»، ولكنه عنده بنحوه عن ابن عمر وأبي هريرة موقوفًا عليهما (١/ ٢٥٦). والحديث رواه أبو داود (١٥٦٤) من حديث أم سلمة، وفيه عتاب بن بشير، فيه لين، وعطاء لم يسمع من أم سلمة. ورواه أيضًا الطبراني (٢٣/ ٢٨١)، والدارقطني (١٩٥٠)، والحاكم (١/ ٣٩٠) ــ ومن طريقه البيهقي (٤/ ٨٢) ــ بإسناد كلهم ثقات، غير أنه منقطع كما سلف. ورواه ابن عبد البر في «الاستذكار» (٩/ ١٢٦) مستشهدًا به، وقال: وإن كان في إسناده مقال، فإنه يشهد بصحته ما قدمنا ذكره، أي من آثار الصحابة. وانظر: «التمهيد» (١٧/ ١٤٦). وحسنه ابن القطان (٥/ ٣٦٣)، وابن الملقن في «التوضيح» (١٠/ ٤٣٩). وحسّن الألباني المرفوع منه، انظر: «الصحيحة» (٥٥٩).","vol":"5","page":237},{"text":"وسئل - ﷺ -: أفي المال حقٌّ سوى الزكاة؟ قال: «نعم، ثم قرأ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]». ذكره الدارقطني (^١).\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إنَّ لي حُلِيًّا، وإن زوجي خفيف ذات اليد، وإن لي ابن أخ، أفيجزئ عنِّي أن أجعل زكاة الحُلِيِّ فيهم؟ قال: «نعم» (^٢).\n_________\n(^١) برقم (١٩٥٢) من حديث فاطمة بنت قيس. وفيه أبو بكر الهذلي، قال الدارقطني: متروك، ولم يأتي به غيره. ورواه أيضًا الترمذي (٦٥٩، ٦٦٠)، وفيه شريك النخعي، فيه لين، وأبو حمزة ميمون الأعور، ضعيف. وضعف الحديث الترمذي، والزيلعي في «تخريج الكشاف» (١/ ١٠٧).\n(^٢) أصله ما رواه البخاري (١٤٦٦) ومسلم (١٠٠٠) من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود، والسائلة زينبُ وامرأةٌ أخرى أنصاريةٌ، وفيه: «نعم، لها أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة». وبلفظ المؤلف رواه الدارقطني (١٩٥٨) من حديث عبد الله بن مسعود، وقال: «هذا وهْم، والصواب عن إبراهيم عن عبد الله، هذا مرسل موقوف». ورواه موقوفًا من طريق إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عبدُ الرزاق (٧٠٥٦)، والبيهقي (٤/ ١٣٩) وقال: «وقد روي هذا مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، وليس بشيء»، وليس فيه ذكر الزوج.","vol":"5","page":238},{"text":"وذكر ابن ماجه (^١) أن أبا سيَّارة سأله فقال: إنّ لي نحْلًا، فقال: «أدِّ العشر». فقلت: يا رسول الله، احمِها لي، فحماها لي.\nوسأله - ﷺ - العباس عن تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول، فأذِن له في ذلك. ذكره أحمد (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن زكاة الفطر، فقال: «هي على كلِّ مسلم، صغيرأو كبير، حرّ أو عبد، صاعًا من تمر أو شعير (^٣) أو أَقِط» (^٤).\nوسأله - ﷺ - أصحاب الأموال فقالوا: إن أصحاب الصدقة يعتدُون علينا،\n_________\n(^١) برقم (١٨٢٣) من حديث أبي سيارة المُتَعِيّ. ورواه أيضًا أحمد (١٨٠٦٩)، وعبد الرزاق (٦٩٧٣)، وابن أبي شيبة (١٠١٤٥)، والبيهقي (٤/ ١٢٦). أعلَّه البخاري بأن سليمان بن موسى لم يلق أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ -. انظر: «العلل الكبير» (ص ١٠٧). وقد روي عدة أحاديث في زكاة العسل، لا تخلو من ضعف. وقد ذكرها المؤلف في «زاد المعاد» (٢/ ١٢ - ١٧) مع الكلام عليها. قال البخاري في «العلل الكبير»: وليس في زكاة العسل شيءٌ يصِحّ.\n(^٢) برقم (٨٢٢) من حديث علي بن أبي طالب. ورواه أيضًا أبو داود (١٦٢٤)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥)، والراجح فيه الإرسال. قاله أبو حاتم في «العلل» (٦٢٣)، وأبو داود، والدارقطني في «العلل» (٣/ ١٨٨)، والبيهقي (٤/ ١١١). وجواز التعجيل مأثور عن السلف، انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (١٠١٩٥) وما بعده.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «صغيرًا أو كبيرًا، حرًّا أو عبدًا». وكذا: «أو صاعًا من شعير». وفي «سنن الدارقطني» ما أثبتنا من النسخ الخطية.\n(^٤) أصله عند البخاري (١٥٠٣) ومسلم (٩٨٥) من حديث ابن عمر. وبلفظ المؤلف رواه الدارقطني (٢٠٦٨) من حديث علي بن الحسين. ضعفه الزيلعي (٢/ ٤١١) بجهالة بعض الرواة.","vol":"5","page":239},{"text":"أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدُون علينا؟ قال: «لا». ذكره أبو داود (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأَخبِرني كيف أنفق؟ وكيف أصنع (^٢)؟ فقال: «تُخرج الزكاة من مالك، فإنها طُهْرة تطهِّرك، وتصِلُ بها رحمك وأقاربك، وتعِرفُ حقَّ السائل والجار والمسكين». فقال: يا رسول الله أقلِلْ فيَّ (^٣)، قال: «فآتِ ذا القربى حقَّه والمسكين وابن السبيل ولا تبذِّر تبذيرًا» (^٤). فقال: حسبي. وقال: يا رسول الله إذا أدَّيتُ الزكاة إلى رسولك فقد برئتُ منها إلى الله ورسوله؟ قال رسول الله: «نعم، إذا أدَّيتَها إلى رسولي فقد برئت منها، ولك أجرُها، وإثمُها على من بدَّلها». ذكره أحمد (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن الصدقة على أبي رافع مولاه، فقال: «إنَّا آل محمد، لا\n_________\n(^١) برقم (١٥٨٧) من حديث بشير بن الخصاصيَّة، ورواه أيضًا عبد الرزاق (٦٨١٨)، والبيهقي (٤/ ١٠٤)، وفيه ديسم، مجهول. وله شاهد من حديث جرير بن عبد الله البجلي عند مسلم (٩٨٩) وأبي داود (١٥٨٩)، وغيرهما.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أمنع»، تصحيف.\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وضبط في (ز، ك) بتشديد الياء. وفي «المسند» و«المستدرك»: «لي».\n(^٤) كذا في النسخ و«المسند» وغيره. وقد ضمَّن النبي - ﷺ - الآية الكريمة. وفيها: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ...﴾. وقد أثبتوا في النسخ المطبوعة نصَّ الآية.\n(^٥) (١٢٣٩٤) من حديث أنس بن مالك. ورواه أيضًا الحاكم (٢/ ٣٦٠)، والبيهقي (٤/ ٩٧)، وسعيد بن أبي هلال لم يسمع من أنس. انظر: «تهذيب التهذيب» (٤/ ٩٤).","vol":"5","page":240},{"text":"تحِلُّ لنا الصدقة، وإنَّ مولى القوم من أنفسهم». ذكره أحمد (^١).\nوسأله - ﷺ - عمر عن أرضه بخيبر، واستفتاه ما يصنع فيها، وقد أراد أن يتقرَّب بها إلى الله. فقال: «إن شئتَ حبستَ أصلَها، وتصدَّقت بها». ففعَل (^٢).\nوتصدَّق عبد الله بن زيد بحائط له، فأتى (^٣) أبواه، فقالا: يا رسول الله إنها كانت قيِّمَ وجوهِنا (^٤)، ولم يكن لنا مالٌ غيره. فدعا عبدَ الله، فقال: «إن الله قد قبِل منك صدقتك، ورُدَّها على أبويك». فتوارثناها (^٥) بعد ذلك، ذكره النسائي (^٦).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الصدقة أفضل؟ فقال: «المنيحة: أن يمنح أحدكم [٢٢٨/ب] الدرهمَ، أو ظهرَ الدابة، أو لبنَ الشاة، أو لبنَ البقرة». ذكره\n_________\n(^١) برقم (٢٣٨٧٢، ٢٧١٨٢) من حديث أبي رافع. ورواه أيضًا أبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٦)، والنسائي (٢٦١٢). صححه الترمذي، وابن خزيمة (٢٣٤٤)، وابن حبان (٣٢٩٣)، والحاكم (١/ ٤٠٤)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ٣٨٨).\n(^٢) رواه البخاري (٢٧٣٧) ومسلم (١٦٣٢).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فأتاه».\n(^٤) يعني: «قوام عيشنا» كما في «سنن الدارقطني» (٤٤٥١).\n(^٥) في النسخ الخطية والمطبوعة: «فتوارثاها»، والصواب من «سنن الدارقطني».\n(^٦) في «الكبرى» (٦٢١٩) مختصرًا من حديث عبد الله بن زيد. ورواه الدارقطني (٤٤٤٩) ــ وعنه صدر المصنف ــ، والحاكم (٣/ ٣٦، ٤/ ٣٤٨). وهو منقطع، قاله الدارقطني. وانظر: «إتحاف المهرة» (٦/ ٦٥٢).","vol":"5","page":241},{"text":"أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ - مرةً عن هذه المسألة، فقال: «جُهْدُ المُقِلّ، وابدأ بمن تعُول». ذكره أبو داود (^٢).\nوسئل - ﷺ - مرةً أخرى عنها، فقال: «أن تتصدَّق، وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى» (^٣).\nوسئل مرة أخرى عنها فقال: «سقيُ الماء» (^٤).\nوسئل - ﷺ - مرةً (^٥) أخرى عنها، فقال: [...] (^٦).\nوسأله - ﷺ - سُراقة بن مالك عن الإبل تغشى حياضَه: هل له من أجرٍ في سقيها؟ فقال: «نعم، في كلِّ كبد حرَّى أجرٌ». ذكره أحمد (^٧).\n_________\n(^١) برقم (٤٤١٥) من حديث ابن مسعود. ورواه أيضًا أبو يعلى (٥١٢١)، وفيه إبراهيم، وهو الهجري، ضعيف.\n(^٢) برقم (١٦٧٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. ورواه أيضًا أحمد (٨٧٠٢). صححه ابن خزيمة (٢٤٤٤)، وابن حبان (٣٣٤٦)، والحاكم (١/ ٤١٤).\n(^٣) تقدَّم قريبًا.\n(^٤) رواه أحمد (٢٢٤٥٩)، والنسائي (٣٦٦٤)، من حديث سعد بن عبادة، والحسن لم يدرك سعد. ورواه أبو داود (١٦٨١) من طريق أبي إسحاق عن رجل عن سعد. وكذلك رواه (١٦٨١) من طريق سعيد بن المسيب والحسن عن سعد، بدون قصة أم سعد، وابن المسيب كذلك لم يلق سعدًا. وانظر للتفصيل: تعليق محققي «المسند».\n(^٥) لفظ «مرَّة» ساقط من ك.\n(^٦) في النسخ الثلاث هنا بياض، وهو في ز بقدر تسع كلمات. وكتب فوق «فقال» بخط صغير: «كذا».\n(^٧) برقم (١٧٥٨١) من حديث سراقة. ورواه أيضًا ابن ماجه (٣٦٨٦)، وابن حبان (٥٤٢)، والبيهقي (٤/ ١٨٦)، والحاكم (٣/ ٦١٩) من أوجه مختلفة ومتعارضة، ومع ذلك صححه الألباني في «الصحيحة» (٢١٥٢). وانظر: تعليق محققي «المسند».","vol":"5","page":242},{"text":"وسألته (^١) - ﷺ - امرأتان عن الصدقة على أزواجهما، فقال: «لهما أجران (^٢): أجر القرابة، وأجر الصدقة». متفق عليه (^٣).\nوعند ابن ماجه (^٤): أتجزئ عني من النفقة الصدقةُ على زوجي وأيتامٍ في حِجْري؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لها أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة».\nوسألته - ﷺ - أسماء، فقالت: ما لي مالٌ إلا ما أدخل عليَّ الزبيرُ، أفأتصدَّق؟ فقال: «تصدَّقي، ولا تُوعي فيُوعَى عليك». متفق عليه (^٥).\nوسأله - ﷺ - مملوك: أتصدَّق من مال مولاي بشيء؟ فقال: «نعم، والأجر بينكما نصفان». ذكره مسلم (^٦).\nوسأله - ﷺ - عمر - ﵁ - عن شِرى (^٧) فرس تصدَّق به، فقال (^٨): «لا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وسأله».\n(^٢) «أجران» ساقط من ك.\n(^٣) البخاري (١٤٦٦) ومسلم (١٠٠٠) من حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود، والمرأتان: هي وامرأة أنصارية، وقد سألتا عن طريق بلال.\n(^٤) من حديث زينب امرأة عبد الله (١٨٣٤)، إسناده صحيح. وأصله في الصحيحين كما سبق ولكن من سؤال بلال.\n(^٥) البخاري (٢٥٩٠) ومسلم (١٠٢٩).\n(^٦) من حديث عمير مولى آبي اللحم (١٠٢٥).\n(^٧) في النسخ المطبوعة: «شراء».\n(^٨) ك: «فقال له»، وكذا في المطبوع.","vol":"5","page":243},{"text":"تشتره، ولا تعُدْ في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته (^١) كالعائد في قيئه». متفق عليه (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن المعروف، فقال: «لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تعطي صِلةَ الحبل، ولو أن تعطي شِسْعَ النعل، ولو أن تنزِع (^٣) من دلوك في إناء المستقي (^٤)، ولو أن تنحِّي الشيءَ من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهُك إليه منطلق (^٥)، ولو أن تلقى أخاك فتسلِّم عليه، ولو أن تؤنس الوَحْشان (^٦) في الأرض». ذكره أحمد (^٧).\nفللَّه ما أجلَّ هذه الفتاوى، وما أحلاها، وما أنفعها، وما أجمعها لكلِّ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «هبته»، وهو خطأ.\n(^٢) البخاري (١٤٩٠) ومسلم (١٦٢٠).\n(^٣) كذا في النسخ الثلاث، وبعض نسخ «المسند» كما ذكر محققه. وفي النسخ المطبوعة: «تفرغ».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «المستسقي» كما في مطبوعة «المسند».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «طلق». وفي «المسند» كما أثبت من النسخ.\n(^٦) هو الحزين المغتمَّ.\n(^٧) رواه أحمد (١٥٩٥٥) من حديث أبي تميمة الهجيمي عن رجل عن النبي - ﷺ -. وفيه سعيد بن إياس الجريري، سمع منه ابن علية بعد الاختلاط. وله شاهد رواه النسائي في «الكبرى» (٩٦١١ - ٩٦١٤، ٩٦١٦)، وابن حبان (٥٢٢) من طرق عدة، من حديث سليم بن جابر أبي جري الهجيمي، ولعله هو الرجل المبهم في حديث أحمد. وإسناد ابن حبان صحيح، وله شواهد. وقد أطال الألباني نفسه في بيان صحة الحديث. انظر: «الصحيحة» (٣٤٢٢).","vol":"5","page":244},{"text":"خير! فوالله لو أن الناس صرفوا هممَهم إليها لأغنتهم عن فتاوى فلان وفلان، والله المستعان.\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: إني تصدَّقتُ على أمِّي بعبد، وإنها ماتت، فقال: «وجبت صدقتك، وهو لك بميراثك». ذكره الشافعي (^١).\nوسألته - ﷺ - امرأة فقالت: إني تصدَّقتُ على أمِّي بجارية، وإنها ماتت، فقال: «وجب أجرك (^٢)، وردَّها عليك الميراث». ذكره مسلم (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: إن أمِّي توفِّيت، أفينفعها إن تصدَّقتُ (^٤) عنها؟ قال: «نعم». ذكره البخاري (^٥).\nوسأله آخر، فقال: إن أمِّي افتُلِتَتْ نفسُها (^٦)، وأظنُّها لو تكلَّمت تصدَّقت، فهل لها أجر إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: «نعم». متفق عليه (^٧).\nوسأله - ﷺ - آخر، فقال: إن أبي مات ولم يُوصِ، أفينفعه أن أتصدَّق عنه؟ قال: «نعم». ذكره مسلم (^٨).\n_________\n(^١) في «الأم» (٥/ ١١٧) من حديث بريدة بن الحصيب، وإسناده حسن. وله شاهد حسن رواه أحمد (٦٧٣١) وابن ماجه (٢٣٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو، ولكن بإهداء الحديقة. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٤٠٩).\n(^٢) ك، ب: «وجبت صدقتك».\n(^٣) برقم (١١٤٩) من حديث بريدة.\n(^٤) ك، ب: «أن أتصدَّق».\n(^٥) برقم (٢٧٥٦) من حديث ابن عباس.\n(^٦) أي ماتت فجأة. و«نفسها» يضبط بضم السين وفتحها.\n(^٧) البخاري (١٣٨٨) ومسلم (١٠٠٤) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٨) برقم (١٦٣٠) من حديث أبي هريرة.","vol":"5","page":245},{"text":"وسأله - ﷺ - حكيم بن حِزام فقال: يا رسول الله، أمورٌ كنت أتحنَّث بها في الجاهلية من صلة (^١) وعتاقة وصدقة، هل لي فيها أجر؟ فقال (^٢): «أسلمتَ على ما سلَف (^٣) لك من خير». متفق عليه (^٤).\nوسألته - ﷺ - عائشة - ﵂ - عن ابن جُدْعان، وأنه كان في الجاهلية يصل الرَّحِم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ فقال: «لا ينفعه. إنه لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين». ذكره مسلم (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن الغِنى الذي يحرِّم المسألة، فقال: «خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب». ذكره أحمد (^٦).\nولا ينافي هذا جوابَه للآخر (^٧): «ما يغدِّيه أو يعشِّيه» (^٨)، فإن هذا غنى اليوم، وذاك غنى العام بالنسبة إلى حال ذلك السائل. والله أعلم.\n_________\n(^١) ز، ك: «صلاة»، والتصحيح من ب.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «قال».\n(^٣) ك، ب: «أسلفت».\n(^٤) البخاري (١٤٣٦) ومسلم (١٢٣).\n(^٥) برقم (٢١٤).\n(^٦) برقم (٣٦٧٥) من حديث ابن مسعود. ورواه أيضًا أبو داود (١٦٢٦)، والترمذي (٦٤٩)، والنسائي (٢٥٩٢)، وابن ماجه (١٨٤٠)، وفيه حكيم بن جبير، ضعيف. والحديث ضعفه شعبة كما في «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٢٤)، والبزار (٥/ ٢٩٤)، وأبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٣/ ٢٠١)، وابن حبان في «المجروحين» (١/ ٢٩٩).\n(^٧) ك، ب: «الآخر».\n(^٨) رواه أحمد (١٧٦٢٥) وأبو داود (١٦٢٩) من حديث سهل ابن الحنظلية. صححه ابن حبان (٥٤٥، ٣٣٩٤).","vol":"5","page":246},{"text":"وسأله - ﷺ - عمر - ﵁ -، وقد أرسل إليه بعطاء، فقال: أليس أخبرتنا أنَّ خيرًا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئًا؟ فقال: «إنما ذلك عن المسألة (^١)، فأما ما كان عن غير مسألة فإنما هو رزقٌ رزَقكه الله». فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل أحدًا شيئًا، ولا يأتيني شيء من غير مسألة إلا أخذته. ذكره مالك (^٢).\nفصل\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الصوم أفضل؟ فقال: «شعبان لتعظيم رمضان». قيل: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة في رمضان (^٣)». ذكره الترمذي (^٤).\nوالذي في الصحيح أنه سئل: أيُّ الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: «شهر الله الذي تدعونه المحرَّم». قيل: فأيُّ الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: «الصلاة في جوف الليل» (^٥).\n_________\n(^١) ك: «من»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) (٢/ ٩٩٨) من طريق عطاء مرسلًا. وروى البخاري (٧١٦٣) ومسلم (١٠٤٥) من حديث عمر بمعناه.\n(^٣) ك: «صدقة رمضان»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «جامع الترمذي» كما أثبت من (ز، ب).\n(^٤) برقم (٦٦٣)، وأبو يعلى (٣٤٣١)، من حديث أنس. وفيه صدقة بن موسى، ضعيف. ضعفه الترمذي، والألباني في «الإرواء» (٨٨٩).\n(^٥) رواه مسلم (١١٦٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. ولفظه: «صيام شهر الله المحرَّم». وما ذكره المؤلف لفظ «مسند أحمد» (٨/ ١٢٩) و«سنن ابن ماجه» (١٧٤٢).","vol":"5","page":247},{"text":"قال شيخنا (^١): ويحتمل أن يريد بشهر الله المحرَّم أول العام، وأن يريد به الأشهر الحرم. والله أعلم.\nوسألته - ﷺ - عائشة - ﵂ -، فقالت: يا رسول الله، دخلتَ عليَّ وأنت صائم، ثم أكلت حَيْسًا. فقال: «نعم، إنما منزلة من صام في غير رمضان أو قضى رمضان في التطوع بمنزلة رجلٍ أخرج صدقةً من ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخِل بما شاء فأمسكه». ذكره النسائي (^٢).\nودخل - ﷺ - على أم هانئ فشرِب، ثم ناوَلَها فشربت، فقالت: إني كنت صائمة. فقال: «الصائم المتطوِّع أميرُ نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر». ذكره أحمد (^٣).\nوذكر الدارقطني (^٤) أن أبا سعيد صنع طعامًا، فدعا النبيَّ - ﷺ - وأصحابه، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: «صنع لك أخوك\n_________\n(^١) في «شرح العمدة» (٣/ ٤٥٣).\n(^٢) برقم (٢٣٢٣)، وابن ماجه (١٧٠١)، فيه شريك النخعي، سيئ الحفظ، وطلحة بن يحيى، قال البخاري: منكر الحديث. وفي رواية ابن ماجه السائل مجاهد والمسؤول عائشة.\n(^٣) برقم (٢٦٨٩٣) من حديث أم هانئ، وفيه جعدة وهو ابن ابن أم هانئ. قال البخاري في «التاريخ» (٢/ ٢٣٩): لا يعرف إلا بحديث فيه نظر. وله شاهد رواه الترمذي (٧٣١، ٧٣٢) وقال: في إسناده مقال. والنسائي في «الكبرى» (٣٢٩٥) وقال: وهذا الحديث مضطرب، ثم فصل القول فيه.\n(^٤) (٢٢٣٩) من حديث أبي سعيد، وقال هذا مرسل. انظر للتفصيل: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٣/ ٣٣٠ - ٣٣٤)، و«البدر المنير» (٨/ ٢٦ - ٢٩). حسنه الألباني بمجموع طرقه في «الإرواء» (١٩٥٢).","vol":"5","page":248},{"text":"طعامًا، وتكلَّف لك أخوك. أفطِرْ، وصُمْ يومًا (^١) مكانه».\nوذكر أحمد (^٢) أن حفصة أهديت لها شاة، فأكلت منها هي وعائشة، وكانتا صائمتين، فسألتا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: «أبدِلا يومًا مكانَه».\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: قد اشتكت (^٣) عيني، أفأكتحل (^٤) وأنا صائم؟ قال: «نعم». ذكره الترمذي (^٥).\nوذكر الدارقطني (^٦) أنه سئل: أفريضةٌ الوضوءُ من القيء؟ فقال: «لا، لو كان فريضةً لوجدتَه في القرآن».\nوفي إسناد الحديثين مقال.\n_________\n(^١) زادوا في النسخ المطبوعة بعده: «آخر».\n(^٢) برقم (٢٥٠٩٤، ٢٦٠٠٧) من حديث عائشة. ورواه أيضًا الترمذي (٧٣٥) والنسائي في «الكبرى» (٣٢٧٩)، والبيهقي (٤/ ٢٨٠). وفيه سفيان بن حسين، حديثه عن الزهري ضعيف. والحديث ضعفه الترمذي والنسائي والبيهقي. وانظر: «السنن الكبرى» للنسائي (٣/ ٣٦٢ - ذكر الاختلاف على الزهري في هذا الحديث).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «اشتكيت». وفي «جامع الترمذي» كما أثبت من النسخ الثلاث.\n(^٤) ك: «فأكتحل».\n(^٥) برقم (٧٢٥) من حديث أنس. وفيه أبو عاتكة، ضعيف. ضعفه الترمذي، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٣٤)، وابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٣/ ٢٤٧) وقال: «هذا الحديث انفرد به الترمذي، وإسناده واهٍ جدًا».\n(^٦) (٥٩٥، ٢٢٧٢) من حديث ثوبان. وكذلك رواه البيهقي في «الخلافيات» (٢/ ٣٥١). فيه عتبة بن السكن، منكر الحديث ومتروكه، قاله الدارقطني. وقال البيهقي: «هذا حديث منكر».","vol":"5","page":249},{"text":"وسأله - ﷺ - عمر بن أبي سلَمة، أيقبِّل الصائم؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: «سل هذه» لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك (^١). قال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر. فقال له رسول الله - ﷺ -: «إنِّي لأتقاكم لله، وأخشاكم له». ذكره مسلم (^٢).\nوعند الإمام أحمد أنَّ رجلًا قبَّل امرأتَه وهو صائم في رمضان، فوجِد من ذلك وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته، فسألت أمَّ سلمة عن ذلك، فأخبرتها أن رسول الله - ﷺ - كان يفعله. فأخبرت زوجَها، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله - ﷺ -، إن الله يُحِلُّ لرسوله ما شاء. ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله - ﷺ -، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «ما هذه المرأة؟». فأخبرته أم سلمة، فقال: «ألَّا أخبرتيها أني أفعل ذلك». قالت: قد أخبرتُها، فذهبت إلى زوجها، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله - ﷺ -. إن الله يُحِلُّ لرسوله ما شاء. فغضِب رسول الله - ﷺ -، وقال: «والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده». ذكره مالك والشافعي وأحمد (^٣) - ﵃ - (^٤).\n_________\n(^١) ك، ب: «يفعله».\n(^٢) برقم (١١٠٨).\n(^٣) في النسخ المطبوعة قدِّم أحمد على الشافعي.\n(^٤) رواه مالك (١/ ٢٩١)، ومن طريقه الشافعي (معرفة السنن - ٦/ ٢٧٧)، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلًا. ورواه أيضًا عبد الرزاق (٧٤١٢) عن ابن جريج عن زيد عن عطاء عن رجل من الأنصار، وقد عنعن ابنُ جُرَيج. ورواه مختصرًا أحمد (٢٦٤٩٨، ٢٦٦٤٦) من حديث أم سلمة، وفيه: أنها كانت هي ورسول الله - ﷺ - يغتسلان من إناء واحد من الجنابة وكان يقبلها وهو صائم. إسناده صحيح، وقال الهيثمي (٣/ ١٦٦): رجاله رجال الصحيح.","vol":"5","page":250},{"text":"وذكر أحمد (^١) أن شابًّا سأله، فقال: أُقبِّل وأنا صائم؟ قال: «لا». وسأله شيخ: أقبِّل وأنا صائم؟ قال: «نعم». ثم قال: «إن الشيخ يملك نفسه».\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله أكلتُ وشربتُ ناسيًا وأنا صائم، فقال: «أطعمَك الله وسقاك». ذكره أبو داود (^٢).\nوعند الدارقطني (^٣) فيه بإسناد صحيح: «أتِمَّ صومَك، فإن الله أطعمك وسقاك. ولا قضاء عليك». وكان أول يوم من رمضان.\nوسألته - ﷺ - عن ذلك امرأة أكلت معه، فأمسكت، فقال: «ما لكِ؟». فقالت: كنت صائمةً، فنسيتُ. فقال ذو اليدين: الآن بعد ما شبعتِ! فقال النبيُّ (^٤) - ﷺ -: «أتِمِّي صومَكِ، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليك». ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) برقم (٦٧٣٩، ٧٠٥٥) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا أبو داود (٢٣٨٧)، وابن ماجه (١٦٨٨)، بأسانيد كلها ضعيفة. انظر: «مصباح الزجاجة» (١/ ٣٠١)، و«الصحيحة» (١٦٠٦).\n(^٢) برقم (٢٣٩٨) من حديث أبي هريرة. وكذلك رواه البيهقي (٤/ ٢٢٩). صححه ابن حبان (٣٥٢٢). وأصله عند البخاري (١٩٣٣، ٦٦٦٩) ومسلم (١١٥٥) من حديث أبي هريرة بدون السؤال.\n(^٣) (٢٢٤٩، ٢٢٥٠) من حديث أبي هريرة، من طريق ابن خزيمة «صاحب الصحيح». وفيه الحكم بن عبد الله، قال ابن خزيمة: وأنا أبرأ من عهدته، وقال الدارقطني: ضعيف الحديث.\n(^٤) لفظ: «النبي» لم يرد في النسخ المطبوعة.\n(^٥) برقم (٢٧٠٦٩) من حديث أم إسحاق مولاة أم حكيم بنت دينار. ورواه أيضًا الطبراني (٢٥/ ٤١١)، وفيه بشار بن عبد الملك ضعيف، وأم حكيم مجهولة. ضعفه الزيلعي (٢/ ٤٤٦).","vol":"5","page":251},{"text":"وسئل - ﷺ - عن الخيط الأبيض والخيط الأسود، فقال: «هو بياض النهار وسواد الليل». ذكره النسائي (^١).\nونهاهم عن الوصال، وواصَلَ، فسألوه عن ذلك، فقال: «إني لستُ كهيئتكم، إنِّي يُطعِمني ربِّي ويَسقيني». متفق عليه (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنُب، أفأصوم (^٣)؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم». فقال: لستَ مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر. فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمَكم بما أتَّقي». ذكره مسلم (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن الصوم في السفر، فقال: «إن شئتَ صمتَ، وإن شئتَ أفطرتَ». وسأله - ﷺ - حمزة بن عمرو، فقال: إني أجد بي (^٥) قوةً على الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال: «هي رخصة الله (^٦)، فمن أخذ بها فحسَنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه». ذكرهما مسلم (^٧).\n_________\n(^١) برقم (٢١٦٩) من حديث عدي بن حاتم. ورواه أيضًا البخاري (٤٥١٠) ومسلم (١٠٩٠).\n(^٢) البخاري (١٩٦٤) ومسلم (١١٠٥) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) ز: «فأصوم».\n(^٤) برقم (١١١٠) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «فيَّ».\n(^٦) لفظ الجلالة ساقط من (ك، ب).\n(^٧) الأول من حديث عائشة - ﵂ - (١١٢١/ ١٠٣) والثاني من حديث حمزة بن عمرو (١١٢١/ ١٠٧).","vol":"5","page":252},{"text":"وسئل - ﷺ - عن تقطيع قضاء رمضان، فقال: «ذلك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دَينٌ قضى الدرهم والدرهمين، [٢٣٠/أ] ألم يكن ذلك قضاء؟ فالله أحقُّ أن يعفو ويغفر». ذكره الدارقطني (^١)، وإسناده حسن.\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إنَّ أمِّي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: «أرأيت لو كان على أمِّكِ دَين فقضَيتيه (^٢)، أكان يؤدِّي ذلك عنها؟». قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمِّكِ». متفق عليه (^٣).\nوعند أبي داود (^٤) أنّ امرأةً ركبت البحر، فنذرت إنِ اللهُ ﷿ نجَّاها أن تصوم شهرًا. فنجَّاها الله، فلم تصم حتى ماتت. فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله - ﷺ -، فأمرها أن تصوم عنها.\nوسألته - ﷺ - حفصة، فقالت: إني أصبحتُ أنا وعائشة صائمتين\n_________\n(^١) رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٩٢٠٦) ــ ومن طريقه الدارقطني (٢٣٣٣)، ثم من طريقه البيهقي (٤/ ٢٥٩) ــ عن يحيى بن سليم عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر مرسلًا. حسنه الدارقطني وقال: «وقد وصله غير أبي بكر (أي ابن أبي شيبة) عن يحيى بن سليم، إلا أنه جعله عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر، ولا يثبت متصلًا»، ثم أسنده (٢٣٣٤). وضعفه البيهقي، وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٢/ ٣٤٣).\n(^٢) ز: «فقضيته». والمثبت من غيرها موافق لما في مطبوعة «صحيح مسلم».\n(^٣) من حديث ابن عباس. علَّق البخاري أوله (١٩٥٣)، ورواه مسلم (١١٤٨).\n(^٤) برقم (٣٣٠٨) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا الطيالسي (٢٧٥٢)، وأحمد (١٨٦١). صححه ابن خزيمة (٢٠٥٤)، والنووي في «المجموع» (٦/ ٣٦٩)، وابن دقيق العيد في «الاقتراح» (٩٨)، وأحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٣/ ٢٦٠).","vol":"5","page":253},{"text":"متطوعتين، فأُهدي لنا طعامٌ، فأفطرنا عليه، فقال رسول الله - ﷺ -: «اقضيا مكانه» (^١). ذكره أحمد (^٢).\nولا ينافي هذا قوله: «الصائم المتطوِّع أميرُ نفسه» (^٣)، فإنَّ القضاء أفضل.\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: هلكتُ، وقعتُ على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله - ﷺ -: «هل تجد رقبةً تُعتِقها (^٤)؟». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: لا. قال: «هل تجد إطعامَ ستِّين مسكينًا؟». قال: لا. قال: «اجلس». فبينا نحن على ذلك، إذ أُتيَ النبيُّ - ﷺ - بعَرَقٍ فيه تمر ــ والعَرَق: المِكْتَل الضخم (^٥) ــ فقال: «أين السائل؟». قال: أنا. قال: «خذ هذا، فتصدَّقْ به». فقال الرجل: أعلى أفقَرَ منِّي يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها ــ يريد الحَرَّتين ــ أهلُ بيت أفقَرُ من أهل بيتي. فضحك النبيُّ - ﷺ - حتى بدت أنيابه. ثم قال: «أطعِمْه أهلَك». متفق عليه (^٦).\nوسأله - ﷺ - رجل: أيَّ شهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان؟ فقال: «إن كنتَ صائمًا بعد رمضان فصُم المحرَّم، فإنه شهرٌ فيه تاب الله (^٧) على قوم،\n_________\n(^١) ب: «يومًا مكانه». وفي النسخ المطبوعة: «مكانه يومًا».\n(^٢) تقدَّم قريبًا.\n(^٣) تقدَّم في أول الفصل.\n(^٤) ك، ب: «فتعتقها».\n(^٥) لفظ: «الضخم» ساقط من ك.\n(^٦) البخاري (١٩٣٦، ٦٧٠٩) ومسلم (١١١١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٧) ك: «تاب الله فيه».","vol":"5","page":254},{"text":"ويتوب على قوم آخرين (^١)». ذكره أحمد (^٢).\nوسئل - ﷺ -: يا رسول الله، لم نَرَك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ فقال: «ذاك شهرٌ يغفُل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ (^٣) تُرفَع فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحِبُّ أن يُرفَع عملي وأنا صائم». ذكره أحمد (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذاك يومٌ وُلِدتُ فيه، وفيه أُنزِل عليَّ (^٥)». ذكره مسلم (^٦).\nوسأله - ﷺ - أسامة، فقال: يا رسول الله، إنك تصوم لا تكاد تُفطر، وتفطر\n_________\n(^١) ك: «ويتوب على آخرين». ب: «ويتوب فيه على آخرين».\n(^٢) برقم (١٣٢٢، ١٣٣٥) من حديث علي بن أبي طالب. ورواه أيضًا الترمذي (٧٤١)، والبزار (٢/ ٢٧٩). وفيه عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد، كلاهما ضعيف. وضعف الحديث ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٤٩٨)، وأحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٢/ ٣٣٨).\n(^٣) لفظ: «شهر» ساقط من ك.\n(^٤) برقم (٢١٧٥٣) من حديث أسامة بن زيد الطويل. ورواه أيضًا النسائي (٢٧٥٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٥٤٠)، وفيه ثابت بن قيس، حسن الحديث. والحديث اختاره الضياء (١٣٢٠، ١٣٥٦)، وصححه ابن حجر في «فتح الباري» (٤/ ٢٣٦) في أثناء ذكر صيام الاثنين والخميس، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (١٨٩٨) و«الإرواء» (٤/ ١٠٣).\n(^٥) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «القرآن».\n(^٦) برقم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة الأنصاري.","vol":"5","page":255},{"text":"حتى لا تكاد تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك، وإلا صمتَهما. قال: أيّ يومين؟ قال: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذانك يومان تُعرَض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين، فأُحِبُّ أن يُعرَض عملي وأنا صائم». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ - فقيل: يا رسول الله، إنك تصوم الاثنين والخميس. فقال: «إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكلِّ مسلم إلا مهتجرين»، يقول: «حتَّى يصطلحا». ذكره ابن ماجه (^٢).\nوسئل - ﷺ -: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر؟ [٢٣٠/ب] قال: «لا صام ولا أفطر» أو قال: «لم يصم ولم يفطر». قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: «ويطيق ذلك أحد؟». قال: كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: «ذاك صوم داود». قال: كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: «وددتُ أني طُوِّقتُ ذلك». ثم قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاث من كلِّ شهر، ورمضان إلى رمضان= هذا صيام الدهر كلِّه. صيامُ يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده. وصيامُ يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي بعده». ذكره مسلم (^٣).\n_________\n(^١) برقم (٢١٧٥٣)، وقد تقدَّم قبل حديث.\n(^٢) برقم (١٧٤٠) من حديث أبي هريرة. وفيه محمد بن رفاعة، فيه لين. وأصل الحديث في مسلم (٢٥٦٥) بلفظ «تُعرَض الأعمال في كلِّ يوم خميس واثنين، فيغفر الله ﷿ في ذلك اليوم، لكل امرئٍ لا يُشرِك بالله شيئًا، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء. فيقال: اركُوا هذين حتى يصطلحا، اركُوا هذين حتى يصطلحا».\n(^٣) برقم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة.","vol":"5","page":256},{"text":"وسأله - ﷺ - رجل: أصوم يومَ الجمعة ولا أكلِّم أحدًا؟ فقال: «لا تصُمْ يوم الجمعة إلا في أيامٍ هو أحدُها، أو في شهر. وأمَّا أن لا تكلِّم أحدًا، فلَعمري أن تكلِّم بمعروف أو تنهى عن منكر خيرٌ من أن تسكت». ذكره أحمد (^١).\nوسأله - ﷺ - عمر - ﵁ - فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ فقال: «اذهب، فاعتكف يومًا» (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن ليلة القدر، أفي رمضان أو في غيره؟ قال: «بل في رمضان». فقيل: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قُبِضوا رُفِعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة». قيل: في أيِّ رمضان هي؟ قال: «التمِسوها في العشر الأول، أو العشر (^٣) الآخر». فقيل: في أيِّ العشرين؟ قال: «ابتغوها في العشر الأواخر. لا تسألَنَّ (^٤) عن شيء بعدها». فقال: أقسمتُ عليك بحقِّي عليك لمَّا أخبرتَني في أيِّ العشر هي؟ فغضِب غضبًا شديدًا، وقال: «التمسوها في السبع الأواخر. لا تسألَنَّ عن شيء\n_________\n(^١) برقم (٢١٩٥٤) من حديث بشير ابن الخصاصية. ورواه أيضًا عبد بن حميد (٤٢٨)، والبيهقي في «الشعب» (٧١٧١). وفيه ليلى امرأة بشير ابن الخصاصية، اختلف في صحبتها، ذكرها ابن حبان في الصحابة، فقال: يقال لها: صحبة، ثم ذكرها في ثقات التابعين. انظر: «الإصابة» (١٣/ ٢٥٤، ١٤/ ١٨٦). والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٩٤٥).\n(^٢) رواه البخاري (٢٠٣٢، ٢٠٤٢، ٦٦٩٧) ومسلم (١٦٥٦) من حديث ابن عمر.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «في العشر».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «لا تسألني».","vol":"5","page":257},{"text":"بعدها». ذكره أحمد (^١)، والسائل أبو ذَرٍّ.\nوعند أبي داود (^٢) أنه - ﷺ - سئل عن ليلة القدر فقال: «في كلِّ رمضان».\nوسئل عنها أيضًا، فقال: «كم الليلة؟». فقال السائل: ثنتان وعشرون. قال: «هي الليلة». ثم رجع، فقال: «أو القابلة». يريد ثلاثًا وعشرين. ذكره أبو داود (^٣).\nوسأل - ﷺ - عبد الله بن أُنَيس: متى نلتمس هذه الليلة المباركة؟ فقال: «التمسوها هذه الليلة»، وذلك مساء ليلة ثلاث وعشرين (^٤).\nوسألته - ﷺ - عائشة - ﵂ -: إن وافقتها فبم أدعو؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ، فاعفُ عنِّي». حديث صحيح (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) برقم (١٣٨٧) من حديث ابن عمر، والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٨٤)، والبيهقي (٤/ ٣٠٧)، ورجح الثلاثة الوقفَ.\n(^٣) برقم (١٣٧٩) من حديث عبد الله بن أنيس. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» (٣٣٨٧) والبيهقي (٤/ ٣٠٩). وفيه ضمرة بن عبد الله بن أنيس، لم يوثقه إلا ابن حبان، وروى عنه الثقات. وتابعه مثيله عبد الله بن عبد الله بن خبيب عند ابن نصر المروزي في «قيام الليل» (ص ١١٠) وأحمد (١٦٠٤٦)، فيتقوّى. صححهما ابن خزيمة (٢٠٠ و٢١٨٥، ٢١٨٦) ولاءً. انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (١٢٤٨).\n(^٤) رواه أحمد (١٦٤٠٦)، وهو الحديث السابق.\n(^٥) رواه أحمد (٢٥٣٨٤)، والترمذي (٣٥٢٢)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٦٤٢)، وابن ماجه (٣٨٥٠) من حديث عائشة. صححه الترمذي، والحاكم (١/ ٥٢٩)، والألباني في «الصحيحة» (٣٣٣٧). وانظر: تعليق محققي «المسند».","vol":"5","page":258},{"text":"فصل\nوسألته - ﷺ - عائشة - ﵂ -، فقالت: نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ قال: «لكنَّ أفضل الجهاد وأجمله حجٌّ مبرورٌ». ذكره البخاري (^١). وزاد أحمد (^٢): «هو لكُنَّ (^٣) جهاد».\nوسألته - ﷺ - امرأة: ما يعدل حَجَّةً معك؟ فقال: «عمرة في رمضان». ذكره أحمد (^٤)، وأصله في «الصحيح» (^٥).\nوسألته - ﷺ - أم معقل، فقالت: يا رسول الله، [٣١/أ] إنَّ عليَّ حَجَّةً، وإنَّ لأبي معقل بَكْرًا. فقال أبو معقل: صدقَتْ، قد جعلتُه في سبيل الله. فقال: «أعطِها فَلْتَحُجَّ عليه، فإنه في سبيل الله». فأعطاها البكر، فقالت: يا رسول الله، إنِّي امرأة قد كبرتْ سنِّي وسقِمتُ، فهل من عمل يجزئ عني من حَجَّتي؟ فقال: «عمرة في رمضان تجزئ حجَّة (^٦)». ذكره أبو داود (^٧).\n_________\n(^١) برقم (١٥٢٠).\n(^٢) في «المسند» (٢٤٤٢٤)، وفيه يزيد يعني ابن عطاء، فيه لين.\n(^٣) ك، ب: «لكن هو».\n(^٤) برقم (٢٨٠٨) من حديث عبد الله بن عباس، لكن بدون السؤال. وبسياق المؤلف رواه أبو داود (١٩٩٠)، وابن خزيمة (٣٠٧٧)، والبيهقي (٦/ ١٦٤). صححه ابن خزيمة (٣٠٧٧)، والحاكم (١/ ٤٨٣)، والنووي في «المجموع» (٦/ ٢١٢).\n(^٥) انظر: حديث ابن عباس في «صحيح البخاري» (١٧٨٢، ١٨٦٣) ومسلم (١٢٥٦).\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «عن حجة»، وفي «سنن أبي داود» كما أثبت من النسخ.\n(^٧) برقم (١٩٨٨) وأحمد (٤٥/ ٧١) من طريق إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف. ينظر للتفصيل تعليق شعيب الأرناؤوط على «المسند».","vol":"5","page":259},{"text":"وسأله - ﷺ - رجل، فقال: إني أُكري في هذا الوجه، وكان الناس يقولون: ليس لك حجٌّ، فسكت رسول الله - ﷺ -، فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فأرسل إليه رسولُ الله - ﷺ - وقرأها عليه، وقال: «لك حجٌّ». ذكره أبو داود (^١).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الحجِّ أفضل؟ قال: «العَجُّ والثَّجُّ». فقيل: ما الحاج؟ قال: «الشَّعِثُ التَّفِل». قال: ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة». ذكره الشافعي (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: «لا. وإن تعتمر فهو أفضل». قال الترمذي (^٣): صحيح.\n_________\n(^١) برقم (١٧٣٣) من حديث ابن عمر. ورواه أيضًا أحمد (٦٤٣٤). وصححه الحاكم (١/ ٤٤٨). وانظر: «صحيح أبي داود - الأم» (١٥٢٣).\n(^٢) في «الأم» (٣/ ٢٨٩، ٢٩٠) من حديث ابن عمر. ورواه أيضًا الترمذي (٨١٢)، وابن ماجه (٢٨٩٦)، والدارقطني (٢/ ٢١٥). انظر للتفصيل: «نصب الراية» (٣/ ٧). والحديث ضعيف من جميع الطرق، ضعفه البيهقي (٤/ ٣٣٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٣/ ٤٦٢)، وابن عبد الهادي في «رسالة لطيفة» (٢٩)، وابن حجر في «البلوغ» (١٩٩)، والألباني في «الإرواء» (٩٨٨).\n(^٣) برقم (٩٣١) من حديث جابر بن عبد الله. ورواه أحمد (١٤٣٩٧)، وأبو يعلى (١٩٣٨)، والدارقطني (٢٧٢٤). وفيه الحجاج بن أرطاة، ضعيف. وضعَّف الحديث البيهقي (٤/ ٣٤٩)، والحافظ في «الفتح» (٣/ ٥٩٧). وانظر: «نصب الراية» (٣/ ١٥٠).","vol":"5","page":260},{"text":"وعند أحمد أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: «لا. وأن تعتمروا خير لكم» (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرَّحل، والحجُّ مكتوبٌ علينا، أفأحُجُّ عنه؟ قال: «أنت أكبر ولده؟». قال: نعم. قال: «أرأيتَ لو كان على أبيك دينٌ، فقضيته عنه، أكان ذلك يُجزئ عنه؟». قال: نعم. قال: «فحُجَّ عنه». ذكره أحمد (^٢).\nوسأله - ﷺ - أبو رَزِين فقال: إنَّ أبي شيخ كبير لا يستطيع الحجَّ ولا العمرة ولا الظَّعْنَ، فقال له: «حُجَّ عن أبيك، واعتمِرْ» (^٣). قال الدارقطني (^٤): إسناده كلُّهم ثقات.\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: إن أبي مات ولم يحجَّ، أفأحجُ عنه؟ فقال: «أرأيت إن كان على أبيك دَين، أكنتَ قاضيه؟». قال: نعم قال: «فدَين الله أحقُّ» ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) وهو الحديث السابق.\n(^٢) تقدَّم تخريجه.\n(^٣) رواه أحمد (١٦١٨٤، ومواضع)، وأبو داود (١٨١٠)، والترمذي (٩٣٠)، والنسائي (٢٦٢١)، وابن ماجه (٢٩٠٦)، من حديث أبي رَزِين. صححه الترمذي، وابن خزيمة (٢٠٤٠)، وابن حبان (٣٩٩١)، والدارقطني (٢٧١٠)، والحاكم (١/ ٤٨١).\n(^٤) في «السنن» (٢٧١٠) دون لفظ «إسناده». وفي النسخ المطبوعة: «رجال إسناده ...».\n(^٥) برقم (٢٣٣٦) من حديث ابن عباس، لكن بذكر الأم دون الأب، وإسناده صحيح. وبسياق المؤلف رواه النسائي (٢٦٣٩)، وفيه الحكم بن أبان، فيه لين. وله شاهد صححه ابن حبان (٣٩٩٢). وصحح الحديث ابن حزم في «حجة الوداع» (٤٦٤).","vol":"5","page":261},{"text":"وسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إنَّ أمي ماتت ولم تحجَّ، أفأحجُّ عنها؟ قال: «نعم، حُجِّي عنها». حديث صحيح (^١).\nوعند الدارقطني (^٢) أنَّ رجلًا سأله، فقال: هلك أبي ولم يحُجَّ، قال: «أرأيتَ لو كان على أبيك دَين، فقضيتَه، أيُقبَل منك؟» قال: نعم. قال: «فاحجُجْ عنه». وهو يدل على أن السؤال والجواب إنما كانا عن القبول والصحة، لا عن الوجوب. والله أعلم.\nوأفتى - ﷺ - رجلًا سمعه يقول: لبيَّك عن شُبْرُمة، قريبٍ له، فقال: «أحججتَ عن نفسك؟» قال: لا. قال: «حُجَّ عن نفسك، ثم حُجَّ عن شبرمة». ذكره الشافعي وأحمد (^٣).\nوسألته امرأة عن صبيٍّ رفعته إليه، فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم، ولك أجر». ذكره مسلم (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١١٤٩) من حديث بريدة. وقد تقدَّم جزء منه.\n(^٢) برقم (٢٦١١) من حديث أنس. وكذلك رواه الطبراني في «الأوسط» (١/ ٣٨) وقال: لم يروه عن ثابت إلا عباد بن راشد. قال عنه الحافظ: صدوق له أوهام.\n(^٣) رواه الشافعي في «الأم» (٣/ ٣٠٧) موقوفًا على ابن عباس، وذكره أحمد مرفوعًا محتجًّا به في «مسائله» رواية صالح (٢/ ١٣٩)، ورواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، والدارقطني (٢٦٤٢)، وصححه ابن خزيمة (٣٠٣٩) وابن حبان (٣٩٨٨). وصوَّب أحمد وابن المنذر الوقفَ كما في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٥١٢)، ورجّح الدارقطني الإرسال كما في «علله» (٣٨٧٤). وانظر: «معرفة السنن والآثار» (٧/ ٢٨ وما بعدها)، و«إرواء الغليل» (٩٩٤).\n(^٤) برقم (١٣٣٦) من حديث ابن عباس.","vol":"5","page":262},{"text":"وسأله رجل، فقال: إن أختي نذرت أن تحُجَّ، وإنها ماتت، فقال النبي - ﷺ -: «لو كان عليها دَين أكنت قاضيَه؟» قال: نعم. قال: «فاقض الله فهو أحقُّ بالقضاء». متفق عليه (^١).\nوسئل: ما يلبس المحرم في إحرامه؟ فقال: «لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا البُرْنُس، ولا السراويل، ولا ثوبًا مسَّه وَرْسٌ ولا زعفران، ولا الخفَّين، إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين» متفق عليه (^٢).\n[٢٣١/ب] وسأله - ﷺ - رجل عليه جبَّة، وهو مضمَّخ (^٣) بالخَلوق، فقال: أحرمتُ بعمرة، وأنا كما ترى، فقال: «انزع عنك الجبَّة، واغسل عنك الصفرة». متفق عليه. وفي بعض طرقه: «واصنع في عمرتك ما تصنع في حجَّتك» (^٤).\nوسأله - ﷺ - أبو قتادة عن الصيد الذي صاده وهو حلال، فأكل أصحابه منه وهم مُحْرِمون، فقال: «هل معكم منه شيء؟»، فناوله العضد، فأكلها وهو مُحرم. متفق عليه (^٥).\nوسئل - ﷺ - عما يقتل المُحْرِم، فقال: «الحية، والعقرب، والفُوَيْسِقة،\n_________\n(^١) لم يروه مسلم. وإنما رواه البخاري (٦٦٩٩) من حديث ابن عباس.\n(^٢) البخاري (٥٨٠٦) ومسلم (١١٧٧) من حديث ابن عمر.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «متضمخ».\n(^٤) رواه البخاري (١٥٣٦) ومسلم (١١٨٠) من حديث يعلى بن أمية.\n(^٥) البخاري (٢٥٧٠) ومسلم (١١٩٦).","vol":"5","page":263},{"text":"والكلب العقور، والسبع العادي». زاد أحمد: «ويُرمى بالغراب ولا يُقتل» (^١).\nوسألته - ﷺ - ضُباعة بنت الزبير، فقالت: إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال النبي - ﷺ -: «حُجِّي واشترِطي أنَّ محِلِّي حيث حبستَني». ذكره مسلم (^٢).\nواستفتته أمُّ سلمة في الحجِّ، وقالت: إني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» (^٣).\nوسألته - ﷺ - عائشة، فقالت: يا رسول الله ألا أدخل البيت، فقال: «ادخلي الحِجْرَ، فإنه من البيت» (^٤).\nواستفتاه - ﷺ - عروة بن مضرِّس، فقال: يا رسول الله جئتُ من جبلي طيئ، أذللتُ (^٥) مطيتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من حَبْل (^٦) إلا وقفت عليه،\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٠٩٩٠)، وأبو داود (١٨٤٨)، والبيهقي (٩/ ٣١٦). وفيه يزيد بن أبي زياد، ضعيف. وثبت قتل الغراب للمحرم عند عبد الرزاق (٨٣٨٥)، وعند النسائي (٢٨٢٩) «الغراب الأبقع». وأصل الحديث عند البخاري (١٨٢٩) ومسلم (١١٩٨).\n(^٢) برقم (١٢٠٧).\n(^٣) رواه البخاري (٤٦٤) ومسلم (١٢٧٦).\n(^٤) رواه الطيالسي (١٥٦٢)، والنسائي (٢٩١١)، وأبو عوانة (٣١٦٤)، من حديث عائشة بهذا اللفظ. صححه الألباني في «الإرواء» (١١٠٦). وأصل الحديث عند البخاري (١٥٨٤) ومسلم (١٣٣٣). انظر لطرق الحديث وألفاظه «الإرواء».\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وكذا في مطبوعة «المعجم الكبير» للطبراني (٣٨٧). ويبدو أنه تصحيف «أكللتُ»، وهي الرواية المشهورة. ويروى: «أنضيت».\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «جبل»، تصحيف. والحبل: المستطيل من الرمل. وقيل: الضخم منه. انظر: «النهاية في غريب الحديث» (١/ ٣٣٣)، و«جامع الترمذي» عقب (٨٩١).","vol":"5","page":264},{"text":"هل لي من حجٍّ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من أدرك معنا هذه الصلاة ــ يعني صلاة الفجر ــ وأتى عرفاتَ قبل ذلك ليلًا أو نهارًا تمَّ حجُّه وقضى تفثَه». حديث صحيح (^١).\nواستفتاه - ﷺ - ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحجُّ؟ فقال: «الحجُّ عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر [ليلةَ جَمْعٍ فقد تمَّ حجُّه. أيام منًى ثلاثة، فمن تعجَّلَ في يومين فلا إثم عليه] (^٢)، ومن تأخَّر فلا إثم عليه»، ثم أردف رجلًا خلفه ينادي بهن. ذكره أحمد (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: لم أشعر فحلقتُ قبل أن أذبح، فقال: «اذبح ولا حرَج». وسأله - ﷺ - آخر، فقال: لم أشعر فنحرتُ قبل أن أرمي، فقال: «ارمِ ولا حرج». فما سئل النبيُّ - ﷺ - عن شيء قدِّم ولا أخِّر إلا قال:\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٨٣٠٠)، وأبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي (٣٠٣٩)، وابن ماجه (٣٠١٦)، من حديث عروة بن مُضرِّس الطائي. صححه الترمذي، وابن خزيمة (٢٨٢٠)، وابن حبان (٣٨٥٠)، والحاكم (١/ ٤٦٣)، وابن حزم في «حجة الوداع» (١٨٠)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٣/ ٥٨٢).\n(^٢) ما بين المعقوفين من «المسند»، ويبدو أنه سقط في النقل. وفي النسخ المطبوعة مكانه: «تمَّ حجُّه» فقط.\n(^٣) برقم (١٨٧٧٤) من حديث عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي. ورواه أيضًا أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦)، وابن ماجه (٣٠١٥). صححه ابن خزيمة (٢٨٢٢)، وابن حبان (٣٨٩٢)، والحاكم (١/ ٤٦٤).","vol":"5","page":265},{"text":"«افعل ولا حرج». متفق عليه (^١).\nوعند أحمد (^٢): فما سئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها إلا قال: «افعل ولا حرج». وفي لفظ: حلقت قبل أن أنحر، قال: «اذبح ولا حرج». وسأله - ﷺ - آخر قال: حلقتُ ولم أرم، قال: «ارمِ ولا حرج». وفي لفظ: أنه سئل عمن ذبح قبل أن يحلق أو حلق قبل أن يذبح قال: «لا حرج». وكان (^٣) الناس يأتونه، فمن قائلٍ: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، وأخَّرت شيئًا وقدَّمت شيئًا، فكان يقول: «لا حرج إلا على رجلٍ اقترض عِرضَ مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حَرِجَ وهَلَك». ذكره أبو داود (^٤).\nوأفتى - ﷺ - كعب بن عُجْرة أن يحلِقَ رأسه وهو مُحْرم لأذى القَمْل: أن ينسُك بشاة، أو يطعم ستة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام (^٥). وأفتى - ﷺ - من أهدى بدنةً أن يركبها (^٦). متفق عليهما (^٧).\n_________\n(^١) البخاري (٨٣) ومسلم (١٣٠٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(^٢) برقم (٦٤٨٤). وهو عند البخاري (١٧٣٦) ومسلم (٢٤١٨).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وقال: كان» بزيادة «قال».\n(^٤) برقم (٢٠١٥) من حديث أسامة بن شريك. صححه ابن خزيمة (٢٧٧٤)، وأعلَّه الدارقطني (٢٥٦٥) والبيهقي (٥/ ١٤٦) بتفرد جرير عن الشيباني بقوله: «سعيت قبل أن أطوف».\n(^٥) رواه البخاري (١٨١٤) ومسلم (١٢٠١).\n(^٦) رواه البخاري (١٦٨٩) ومسلم (١٣٢٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٧) ك، ب: «متفق عليه». والصواب ما أثبت من ز.","vol":"5","page":266},{"text":"وسأله - ﷺ - ناجية الخُزاعي: ما يصنع بما عَطِب من الهدي؟ فقال: «انحَرْها، واغمِسْ نعلها في دمها، واضرب به صفحتها (^١)، وخلِّ بينها وبين الناس فيأكلوها، ولا [٢٣٢/أ] يأكل منه هو ولا أحد من أهل رُفقته» (^٢).\nوسأله عمر فقال: إني أَهدَيتُ نجيبًا، فأُعطيتُ بها ثلاثمائة دينار، فأبيعها فأشتري بها بُدْنًا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا، انحرها إياها» (^٣).\nوسأله - ﷺ - زيد بن أرقم: ما هذه الأضاحي؟ فقال: «سنة أبيكم إبراهيم». قالوا (^٤): فما لنا منها؟ قال: «بكلِّ شعرة حسنة». قالوا: يا رسول الله فالصوف؟ قال: «بكلِّ شعرة من الصوف حسنة». ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «صفحاتها».\n(^٢) رواه أحمد (١٨٩٤٣)، وأبو داود (١٧٦٢)، والترمذي (٩١٠)، وابن ماجه (٣١٠٦)، من حديث ناجية الخزاعي. صححه الترمذي، وابن خزيمة (٢٥٧٧)، وابن حبان (٤٠٢٣)، والحاكم (١/ ٤٤٧).\n(^٣) رواه أبو داود (١٧٥٦)، وابن خزيمة (٢٩١١)، والبيهقي (٥/ ٢٤١). وفيه جهم بن الجارود عن سالم، والحديث ضعيف لجهالة جهم والانقطاع بينه وبين سالم. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (٣٠).\n(^٤) ك، ب: «فقالوا». وفي النسخ المطبوعة: «قال».\n(^٥) رواه أحمد (١٩٢٨٣)، وابن ماجه (٣١٢٧)، والحاكم (٢/ ٣٨٩)، والبيهقي (٩/ ٢٦١) من حديث زيد بن أرقم. وفيه عائذ الله المُجاشعي وأبو داود نُفيع بن الحارث الأعمى الكوفي، ضعيفان. وضعّف الحديث البخاري عند البيهقي، والعقيليُّ (٣/ ٤١٥)، وابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٩٨)، وابن حجر في «الإتحاف» (٤/ ٥٩٧)، والبوصيري في «المصباح» (٢/ ١٥٦).","vol":"5","page":267},{"text":"وسأله - ﷺ - علي بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر، فقال: «يوم النحر». ذكره الترمذي (^١).\nوعند أبي داود (^٢) بإسناد صحيح أن رسول الله - ﷺ - وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجَّة التي حجَّ فيها، فقال: «أي يوم هذا؟». قالوا: يوم النحر. فقال: «هذا يوم الحجِّ الأكبر».\nوقد قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]. وإنما أذَّن المؤذِّن بهذه البراءة يوم النحر، وثبت في «الصحيح» عن أبي هريرة أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر (^٣).\nوأفتى - ﷺ - أصحابه بجواز فسخهم الحجَّ إلى العمرة، ثم أفتاهم باستحبابه، ثم أفتاهم بفعله حتمًا. ولم ينسخه شيء بعده. والذي ندين الله به أن القول بوجوبه أقوى وأصحُّ من القول بالمنع منه. وقد صح عنه صحةً لا شك فيها أنه قال: «من لم يكن أهدى فَلْيُهِلَّ بعمرة، ومن كان أهدى فَلْيُهِلَّ بحجٍّ مع عمرة» (^٤). وأما ما فعله هو فإنه صحَّ عنه أنه قرَن بين الحج والعمرة\n_________\n(^١) برقم (٩٥٧)، وقد تقدم.\n(^٢) برقم (١٩٤٥) من حديث ابن عمر، وقد تقدم.\n(^٣) رواه البخاري (٤٦٥٦) ومسلم (١٣٤٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) رواه أحمد (١٤٩٤٤) من حديث جابر. من طريق قطن، بلفظ قريب من لفظ المصنف، ولم أعرفه. قال محققو «المسند»: لعله محرَّف عن فطر وهو ابن خليفة. ويغني عنه ما في البخاري (١٦٩١).","vol":"5","page":268},{"text":"من بضعة وعشرين وجهًا. رواه عنه ستة عشر نفسًا من أصحابه (^١). ففعل القِرانَ، وأمر بفعله من ساق الهدي، وأمر بفسخه إلى التمتُّع من لم يسُق الهدي. وهذا من فعله وقوله كأنه رأي عين. وبالله التوفيق.\nوسأله - ﷺ - رجل: أرأيتَ إن لم أجد إلا منيحةً أنثى، أفأضحِّي بها؟ قال: «لا، ولكن خُذ من شعرك وأظفارك، وتقُصُّ (^٢) شاربك، وتحلِق عانتك. فذلك (^٣) تمام أضحيتك عند الله». ذكره أبو داود (^٤).\nوالمنيحة: الشاة التي أعطاه إياها غيرُه لينتفع بلبنها، فمنعت من التضحية بها لأنها ليست ملكه. وإن كان قد منحها هو غيره وقتًا معلومًا لزم الوفاء له بذلك، فلا يضحِّي بها أيضًا.\nوأمر رسول الله - ﷺ - سبعةً من أصحابه كانوا معه، فأخرج كلُّ واحد منهم درهمًا، فاشتروا أضحية، فقالوا: يا رسول الله لقد أغلينا بها. فقال النبي - ﷺ -: «إنَّ أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها». فأمر رسول الله - ﷺ - فأخذ رَجُلٌ برِجْلٍ، ورجلٌ برِجْلٍ، ورجُلٌ بيد، ورجُلٌ بيد، ورجُلٌ بقَرْن، ورجُلٌ بقَرْن، وذبحها\n_________\n(^١) انظر: «تهذيب السنن» (١/ ٣١١) و«زاد المعاد» (٢/ ١٠٢ - ١١١).\n(^٢) في النسخ: «بعض»، وبتشديد الضاد في ك. والظاهر أنه تصحيف ما أثبت من «السنن». وفي النسخ المطبوعة: «قصَّ».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وذلك».\n(^٤) برقم (٢٧٨٩) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا أحمد (٦٥٧٥). صححه ابن حبان (٥٩١٤)، والحاكم (٤/ ٢٢٣)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» - (٤٨٢) لأجل جهالة عيسى بن هلال، وللاضطراب.","vol":"5","page":269},{"text":"السابع، وكبَّروا عليها جميعًا. ذكره أحمد (^١).\nنزل هؤلاء النفر منزلة أهل البيت الواحد في إجزاء الشاة عنهم، لأنهم كانوا رفقة واحدة.\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: إنَّ عليَّ بدنة، وأنا موسِرٌ بها، ولا أجدها فأشتريها. فأفتاه النبي - ﷺ - أن يبتاع سبعَ شياهٍ، فيذبحهن. ذكره أحمد (^٢).\nوسأله - ﷺ - زيد بن خالد عن جَذَعٍ من المعز، فقال: «ضحِّ به». ذكره أحمد (^٣).\nوسأله - ﷺ - أبو بُردة بن نِيار عن شاة ذبحها يوم العيد فقال: «أَقَبْل الصلاة؟»، قال [٢٣٢/ب]: نعم. قال: «تلك شاةُ لحمٍ». قال: عندي عَنَاقٌ\n_________\n(^١) برقم (١٥٤٩٤) من حديث أبي الأشدِّ السلمي عن أبيه عن جده. ورواه أيضًا الحاكم (٤/ ٢٣١)، والبيهقي (٥/ ٢٦٨)، وأبو الأشد أبوه في عداد المجاهيل. وضعف الحديث الحافظ في «الإتحاف» (١٦/ ٨١٤) والألباني في «الضعيفة» (١٦٧٨).\n(^٢) برقم (٢٨٣٩، ٢٨٥١) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا ابن ماجه (٣١٣٦)، والبيهقي (٥/ ١٦٩)، وفيه ابن جريج، مدلس ولم يصرِّح بالتحديث، وفيه عطاء الخراساني، يهِم كثيرًا ولم يلقَ ابن عباس. ضعف الحديث ابن القطان في «بيان الوهم» (٢/ ٣٩٤)، والضياء المقدسي في «السنن والأحكام» (٤/ ١٢٠)، والألباني في «الإرواء» (١٠٦٢).\n(^٣) برقم (٢١٦٩٠) من حديث زيد بن خالد الجهني. ورواه أيضًا أبو داود (٢٧٩٨)، وابن حبان (٥٨٩٩). وفيه عُمَارة بن عبد الله بن طُعمَة، ذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٢٦٠) وروى عنه جمعٌ. وحسن الحديث النووي في «المجموع» (٨/ ٣٩٥)، وابن حجر في «موافقة الخبر» (٢/ ١٣). وانظر: «فتح الباري» (١٠/ ١٤، ١٥).","vol":"5","page":270},{"text":"جَذَعة هي أحبُّ إليَّ (^١) من مُسِنَّة. قال: «تجزئ عنك، ولن تجزئ عن أحد بعدك». ذكره أحمد (^٢). وهو صحيح صريح في أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ، سواء دخل وقتها أو لم يدخل. وهذا الذي ندين الله به قطعًا، ولا يجوز غيره.\nوفي «الصحيحين» (^٣) من حديث جُنْدَب بن سفيان البَجَلي عنه - ﷺ -: «من كان ذبَح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى. ومن لم يكن ذبح حتى صلَّينا فليذبح باسم الله».\nوفي «الصحيحين» (^٤) من حديث أنس عنه - ﷺ - أنه قال: «من كان ذبح قبل الصلاة فَلْيُعِدْ». ولا قول لأحد مع رسول الله - ﷺ -.\nوسأله - ﷺ - أبو سعيد، فقال: اشتريتُ كبشًا أضحِّي به، فعدا الذئب، فأخذ أَلْيَتَه، فقال: «ضحِّ به». ذكره أحمد (^٥).\nوأفتى - ﷺ - من أراد الخروج إلى بيت المقدس للصلاة أن يصلِّي في مكة. ذكره أحمد (^٦).\n_________\n(^١) ك، ب: «إلينا».\n(^٢) (٢٧/ ١٥، ٣٠/ ٦٢٥)، وقد تقدَّم.\n(^٣) البخاري (٩٨٥) ومسلم (١٩٦٠).\n(^٤) البخاري (٩٥٤) ومسلم (١٩٦٢).\n(^٥) برقم (١١٢٧٤) من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه أيضًا الطيالسي (٢٣٥١) وابن ماجه (٣١٤٦)، وفيه جابر الجعفي، ضعيف. وضعف الحديث الذهبي في «الميزان» (٤/ ١٦)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٣٢٠ - ٣٢٢).\n(^٦) برقم (٢٤٠٠٩/ ١) من حديث الأرقم بن أبي الأرقم، وفيه يحيى بن عمران وعبد الله بن عثمان بن الأرقم، في عداد المجاهيل. ورواه أيضًا الحاكم (٣/ ٥٠٤)، والضياء (١٣٠٠ - ١٣٠٢). انظر للطرق والاختلاف فيها: تعليق محققي «مسند أحمد».","vol":"5","page":271},{"text":"وسأله - ﷺ - آخر يوم فتح مكة، فقال: إني نذرتُ إن فتح الله عليك مكة أن أصلِّي في بيت المقدس، فقال: «صلِّ هاهنا». ثم سأله، فقال: «شأنك إذن». ذكره أبو داود (^١).\nوسأله - ﷺ - أبو ذر: أيُّ مسجد وُضِع في الأرض أولَ؟ قال: «المسجد الحرام». قال: ثم أيٌّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قال: كم بينهما؟ قال: «أربعون عامًا». متفق عليه (^٢).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ المسجدين أُسِّس على التقوى؟ قال: «مسجدكم هذا» يريد مسجد المدينة. ذكره مسلم (^٣). وزاد الإمام أحمد (^٤): «وفي ذلك خير كثير». يعني مسجد قباء.\nفصل\nوسئل: أيُّ آية في القرآن أعظم؟ فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾\n_________\n(^١) برقم (٣٣٠٥) من حديث جابر. ورواه أيضًا أحمد (١٤٩١٩)، والدارمي (٢٣٣٩)، وأبو يعلى (٢١١٦، ٢٢٢٤). صححه الحاكم (٤/ ٣٠٤)، وابن عبد الهادي في «المحرر» (٧٧٣)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٠٩).\n(^٢) تقدَّم في فتاوى الصلاة.\n(^٣) برقم (١٣٩٨) من حديث أبي سعيد.\n(^٤) (١١٨٦٤) من حديث أبي سعيد. ورواه أيضًا الترمذي (٣٢٣). صححه الترمذي، وابن حبان (١٦٢٦)، والحاكم (١/ ٤٨٧).","vol":"5","page":272},{"text":"[البقرة: ٢٥٥]. ذكره أبو داود (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: ضربتُ خِبائي على قبر، وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا قبرُ إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. فقال النبيُّ - ﷺ -: «هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر». ذكره الترمذي (^٢)، وقال ابن عبد البر: هو صحيح (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: أقرئني سورة جامعة. فأقرأه ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] حتى فرغ منها، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدًا. ثم أدبر الرجل فقال النبي - ﷺ -: «أفلح الرُّويجِلُ» مرتين.\n_________\n(^١) برقم (٤٠٠٣) من حديث واثلة بن الأسقع. ورواه أيضًا البخاري في «التاريخ» (٨/ ٤٣٠)، والطبراني (١/ ٣٣٤). وفيه مولى لابن الأسقع، مجهول. ضعفه به الهيثمي في «المجمع» (٦/ ٣٢١). وله شاهد رواه مسلم (٨١٠) من قصة أُبَيّ.\n(^٢) برقم (٢٨٩٠) من حديث ابن عباس. ورواه ايضًا الطبراني (١٢/ ١٣٥)، والبيهقي في «الشعب» (٢٥١٠). وفيه يحيى بن عمرو، ضعيف. ضعف الحديث ابن عدي في «الكامل» (٩/ ٣٧)، والبيهقي في «الدلائل» (٧/ ٤١). وله شواهد وطرق، انظر: «العلل» للدارقطني (٥/ ٥٤)، و«الصحيحة» (١١٤٠).\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة ولم أقف على قول ابن عبد البر. ولما أورد المصنف هذا الحديث في كتاب «الروح» (١/ ٢٣٥) ذكر قولَ الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، ثم نقل حديثًا عن «مسند عبد بن حميد»، ثم قال: «قال أبو عمر بن عبد البر: وصحَّ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إن سورة ثلاثين آية شفعت في صاحبها حتى غُفِر له» الحديث. فأخشى أن يكون المقصود هنا هذا الحديث وقد سقط سهوًا.","vol":"5","page":273},{"text":"ذكره أبو داود (^١).\nوسأله - ﷺ - رجلٌ فقال: إني أحبُّ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فقال: «حبُّك إياها أدخلك الجنة» (^٢).\nوقال له عُقبة بن عامر: أقرأ سورة هود وسورة يوسف؟ فقال: «لن تقرأ شيئًا أبلغ عند الله من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]». ذكره النسائي (^٣).\nوفي الترمذي (^٤) عنه أنه - ﷺ - سئل: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال:\n_________\n(^١) برقم (١٣٩٩) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا أحمد (٦٥٧٥)، والنسائي في «الكبرى» (٧٩٧٣، ١٠٤٨٤)، وابن حبان (٧٧٣). وفيه عيسى بن هلال، مجهول.\n(^٢) رواه أحمد (١٢٤٣٢) والترمذي (٢٩٠١) من حديث أنس. صححه الترمذي، وابن حبان (٧٩٤)، والحاكم (١/ ٢٤٠)، وابن تيمية في «جامع الرسائل» (٢/ ٢٥٧)، وحسنه الألباني في «أصل صفة الصلاة» (١/ ٤٠١).\n(^٣) برقم (٩٥٣) من حديث عقبة بن عامر الجهني. ورواه أيضًا أحمد (١٧٣٤١، ١٧٤٥٥). وعند غير النسائي بقراءة «الفلق» فقط، وعند غير الحاكم «أَقرِئْني» بدل «أقرأ». صححه ابن حبان (٧٩٥)، والحاكم (٢/ ٥٤٠)، والألباني في «صحيح الموارد» (١٤٨٧).\n(^٤) برقم (٢٩٤٨) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا الطبراني (١٢/ ١٦٨)، والحاكم (١/ ٥٦٨)، كلهم من طريق صالح المرِّي مرفوعًا. ورواه الدارمي (٣٥١٩) من طريق صالح المرِّي مرسلًا، وصالح ضعيف. وضعف الحديث الترمذي ورجح الإرسال، والذهبي في «السير (٤/ ٥١٦)، وابن مفلح في «الآداب» (٢/ ٣٠٢).","vol":"5","page":274},{"text":"«الحالُّ المرتحِل». وفهم من هذا بعضهم (^١) أنه إذا فرغ من ختم القرآن قرأ فاتحة الكتاب وثلاث آيات من سورة البقرة، لأنه حلَّ بالفراغ وارتحل بالشروع. وهذا لم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا استحبَّه أحد من الأئمة. والمراد بالحديث: الذي كلَّما حلَّ من غزاة ارتحل في أخرى، أو كلما حلَّ من عمل ارتحل إلى غيره تكميلًا له كما كمَّل الأول. وأما هذا [٢٣٣/أ] الذي يفعله بعض القراء فليس مراد الحديث قطعًا. وبالله التوفيق.\nوقد جاء تفسيرُ الحديث متصلًا به: «أن يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حلَّ ارتحل»، وهذا له معنيان، أحدهما: أنه كلما حلَّ من سورة أو جزء ارتحل في غيره. والثاني: أنه كلما حلَّ من ختمة ارتحل في أخرى.\nوسئل عن أهل الله: من هم؟ فقال: «هم أهل القرآن، أهل الله وخاصَّته». ذكره أحمد (^٢).\nوسأله - ﷺ - عبد الله بن عمرو بن العاص: في كم أقرأ القرآن؟ فقال: «في شهر» فقال: أطيق أفضل من ذلك. فقال: «في عشرين». فقال: أطيق أفضل من ذلك. فقال: «في خمس عشرة». فقال: أطيق أفضل من ذلك: قال: «في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بعضهم من هذا».\n(^٢) برقم (١٢٢٩٢) من حديث أنس. ورواه أيضًا الطيالسي (٢٢٣٨)، وابن ماجه (٢١٥)، والبزار (١٣/ ٥٢٠)، والنسائي في «الكبرى» (٧٩٧٧). وفيه بديل، حسن الحديث. صححه الحاكم (١/ ٥٥٦)، والمنذري في «الترغيب» (٢/ ٣٠٣)، والبوصيري في «الزوائد» (١/ ٢٩)، وحسنه العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٦٣).","vol":"5","page":275},{"text":"عشر (^١)». فقال: أطيق أفضل من ذلك. قال: «في خمس». قال: أطيق أفضل من ذلك. قال: «لا يفقه القرآن من قرأه في أقلَّ من ثلاث». ذكره أحمد (^٢).\nواختلف رجلان في آيةٍ كلٌّ منهما أخذها عن رسول الله - ﷺ -، فسألاه عنها، فقال لكل منهما: «هكذا أُنزلت». ثم قال: «أُنزل القرآن على سبعة أحرف». متفق عليه (^٣).\nوسئل - ﷺ -: أي المجاهدين أعظم أجرًا؟ قال: «أكثرهم ذكرًا لله». قيل: فأيُّ الصائمين أعظم أجرًا؟ قال: «أكثرهم لله ذكرا». ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كلّ ذلك يقول: «أكثرهم لله ذكرًا». فقال أبو بكر لعمر - ﵄ -: ذهب الذاكرون بكلِّ خير، فقال رسول الله - ﷺ -: «أجَلْ». ذكره أحمد (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن المُفْردين الذين هم أهل السَّبق، فقال: «الذاكرون الله كثيرًا» (^٥). وفي لفظ: «المستهتَرون (^٦) بذكر الله. يضع الذكر عنهم أثقالهم،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «عشرة».\n(^٢) برقم (٦٥٤٦). وأصل الحديث عند البخاري (٥٠٥٢) ومسلم (١١٥٩).\n(^٣) البخاري (٢٤١٩) ومسلم (٨١٨) من حديث عمر - ﵁ -.\n(^٤) برقم (١٥٦١٥) من حديث معاذ بن أنس. وكذلك رواه الطبراني (٢٠/ ٤٠٧)، والبيهقي في «الشعب» (٥٥٤). وفيه ابن لهيعة وزبان، فيهما لين. ضعفه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٧٤) والبوصيري في «الإتحاف» (٦/ ٣٨).\n(^٥) رواه مسلم (٢٦٧٦) من حديث أبي هريرة.\n(^٦) رسمه في النسخ يشبه «المستهدون»، وفي النسخ المطبوعة: «المشتهرون»، وكلاهما تصحيف ما أثبت من «جامع الترمذي» وغيره.","vol":"5","page":276},{"text":"فيأتون يوم القيامة خِفافًا». ذكره الترمذي (^١).\nوسئل عن رياض الجنة، فقال: «حِلَقُ الذكر» (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن أهل الكرم الذين يقال لهم يوم القيامة: سيُعلَم أهلُ الجمع مِن أهلِ الكرم. فقال: «هم أهل الذكر في المساجد». ذكره أحمد (^٣).\nوسئل: ما (^٤) غنيمة مجالس الذكر؟ فقال: «غنيمة مجالس الذكر: الجنة». ذكره أحمد (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن قوم غزوا، فقالوا: ما رأينا أفضل غنيمةً ولا أسرع رجعةً\n_________\n(^١) برقم (٣٥٩٦) من حديث أبي هريرة. وعند أحمد (٨٢٩٠): «الذين يهترون في ذكر الله». صححه ابن حبان (٨٥٨)، والحاكم (١/ ٤٩٥).\n(^٢) رواه أحمد (١٢٥٢٣)، والترمذي (٣٥١٠)، وأبو يعلى (٣٤٣٢)، وأبو نعيم (٦/ ٢٢٨)، من حديث أنس، من طرق لا تخلو من ضعف. انظر للتفصيل: «السلسلة الصحيحة» (٢٥٦٢).\n(^٣) (١١٦٥٢، ١١٧٢٢) من حديث أبي سعيد. ورواه أيضًا أبو يعلى (١٠٤٦)، وابن حبان (٨١٦). وفيه دراج، روايته عن أبي الهيثم خاصة ضعيفة. ضعفه الألباني في «ضعيف الموارد» (٢٩٣).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «عن».\n(^٥) برقم (٦٦٥١، ٦٧٧٧) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه ابن لهيعة، فيه لين، وراشد المعافري، مجهول. وله شاهد عند الطبراني (٢١/ ٣٦)، وفيه رشدين، ضعيف. وحسنه بهما الألباني في «الصحيحة» (٣٣٣٥). وحسنه أيضا المنذري في «الترغيب» (٢/ ٣٣٤)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨١).","vol":"5","page":277},{"text":"منهم. فقال: «أدلُّكم على قوم أفضل غنيمةً (^١) وأسرع رجعةً: قوم شهدوا صلاةَ الصبح، ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس، فأولئك أسرع رجعةً وأفضل غنيمةً». ذكره الترمذي (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن خيار الناس، فقال: «الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله». ذكره أحمد (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن خير الأعمال وأزكاها عند الله، وأرفعها في الدرجات. فقال: «ذكرُ الله». ذكره أحمد (^٤).\nوسئل - ﷺ -: أي الدعاء أسمع؟ فقال: «جوفَ الليل الآخر، ودُبُرَ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «منهم».\n(^٢) برقم (٣٥٦١) من حديث عمر بن الخطاب. وفيه حماد بن أبي حميد، ضعيف. والحديث ضعفه الترمذي وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٦٥٨). وله شاهد عند أبي يعلى (٦٥٥٩) من حديث أبي هريرة، إسناده حسن لأجل حاتم بن إسماعيل وحميد بن صخر. وشاهد آخر عند أحمد (٦٦٣٨) من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه ابن لهيعة. فالحديث حسن إن شاء الله.\n(^٣) برقم (٢٧٥٩٩) من حديث أسماء بنت يزيد. ورواه أيضًا البخاري في «الأدب المفرد» (٣٢٣) وابن ماجه (٤١١٩). وفيه شهر بن حوشب، ضعيف. وله شواهد صححه بها الألباني. انظر: «الصحيحة» (٢٨٤٩).\n(^٤) برقم (٢١٧٠٢) من أبي الدرداء. ورواه أيضًا الترمذي (٣٣٧٧) وابن ماجه (٣٧٩٠). اختُلف في رفعه ووقفه، واتصاله وإرساله. انظر: «جامع الترمذي». ورواه مالك (١/ ٢١١) موقوفًا. ورجح الحافظ الوقف والإرسال. انظر: «نتائج الأفكار» (١/ ٩٥) و«علل ابن أبي حاتم» (٢٠٣٩).","vol":"5","page":278},{"text":"الصلوات المكتوبات». ذكره أحمد (^١).\nوقال: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدُّ». قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: «سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة». ذكره الترمذي (^٢).\nوسئل - ﷺ -: بأي شيء يختم الدعاء؟ فقال: «بآمين». ذكره أبو داود (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن تمام النعمة، فقال: «الفوز بالجنة، والنجاة من [٢٣١/ب] النار». ذكره الترمذي (^٤). فنسأل الله تمام نعمته بالفوز بالجنة والنجاة من النار.\n_________\n(^١) لم أجده عند أحمد. وقد رواه عبد الرزاق (٣٩٤٨)، والترمذي (٣٤٩٩)، والنسائي في «الكبرى» (٩٨٥٦) من حديث أبي أمامة. وفيه عنعنة ابن جريج، والانقطاع بين ابن سابط وأبي أمامة. وضعَّف الحديث ابن القطان في «بيان الوهم» (٢/ ٣٨٥)، والحافظ في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٤٧).\n(^٢) برقم (٣٥٩٤) من حديث أنس. وفيه يحيى بن اليمان، صدوق يخطئ كثيرًا، وقد تفرد بهذا اللفظ. ورواه أحمد (١٢٥٨٤)، وأبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢)، من حديث أنس، دون مسألة العافية. صححه ابن خزيمة (٤٢٥ - ٤٢٧)، وابن حبان (١٦٩٦)، وحسنه العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٤٠٣).\n(^٣) برقم (٩٣٨) من حديث أبي زهير النميري. ورواه أيضًا البخاري في «التاريخ الكبير» (٩/ ٣٢) والطبراني (٢٢/ ٧٥٦). وفيه صُبيح بن محرز الحمصي، مجهول.\n(^٤) برقم (٣٥٢٧) من حديث معاذ بن جبل. ورواه أيضًا أحمد (٢٢٠٥٦) والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٤٦)، وفيه إياس الجريري، قد أمن اختلاطه لأن سفيان قد سمع منه قبل الاختلاط. وفيه أبو الورد بن ثمامة، قال ابن سعد: كان معروفًا قليل الحديث. وذكر أحمد في «العلل» (١/ ١٧٢) أن الجريري حدَّث عنه أحاديث حسانًا. انظر: «الضعيفة» (٣٤١٦، ٤٥٢٠).","vol":"5","page":279},{"text":"وسئل - ﷺ - عن الاستعجال المانع من إجابة الدعاء، فقال: «يقول: قد دعوتُ، قد دعوتُ، فلم أرَ يستجيب (^١) لي؛ فيستحسِرُ عند ذلك، ويدَعُ الدعاء». ذكره مسلم (^٢). وفي لفظ: «يقول قد سألتُ، قد سألتُ، فلم أُعطَ شيئًا» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن الباقيات الصالحات، فقال: «التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله». ذكره أحمد (^٤).\nوسأله - ﷺ - الصديق - ﵁ - أن يعلِّمه دعاءً يدعو به في صلاته، فقال: «قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». متفق عليه (^٥).\nوسأله - ﷺ - الأعرابيُّ الذي علَّمه أن يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فلم يستجب». وفي «الصحيح» كما أثبت من النسخ.\n(^٢) برقم (٢٧٣٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) رواه الترمذي (٣٦٠٤/ ٤) من حديث أبي هريرة. فيه يحيى بن عبيد الله، ضعيف جدًا.\n(^٤) برقم (١١٧١٣)، ورواه النسائي في «الكبرى» (١٠٦١٧)، وابن حبان (٨٤٠)، والحاكم (١/ ٥١٢)، من حديث أبي سعيد الخدري. وفيه دراج، روايته عن أبي الهيثم خاصة ضعيفة. وله شواهد، انظر: «الدعاء للطبراني» (١٥٩٥، ١٥٩٨، ١٥٩٩). والحديث حسنه ابن القطان في «بيان الوهم» (٤/ ٣٧٧)، والمنذري في «الترغيب» (٢/ ٣٥٥)، والحافظ في «الأمالي المطلقة» (٢٢١). وانظر: «الصحيحة» (٣٢٦٤).\n(^٥) البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥).","vol":"5","page":280},{"text":"له، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله ربِّ العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم». فقال: هذا لربِّي، فما لي؟ فقال: «قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني (^١)؛ فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك». ذكره مسلم (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن رياض الجنة، فقال: «المساجد»، فسئل - ﷺ - عن الرتع فيها، فقال: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». ذكره الترمذي (^٣).\nواستفتاه - ﷺ - رجل، فقال: لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا فعلِّمني ما يجزئني. قال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». قال: يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟ قال: «قل: اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني». فقال هكذا بيده، وقبضها. فقال رسول الله - ﷺ -: «أمّا هذا، فقد ملأ يده من الخير». ذكره أبو داود (^٤).\nومرَّ - ﷺ - بأبي هريرة (^٥) وهو يغرس غرسًا، فقال: «ألا أدلُّك على غِراسٍ خيرٍ لك من هذا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ يُغْرَسْ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة بعده: «وعافني».\n(^٢) برقم (٢٦٩٦) من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(^٣) برقم (٣٥١٨) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا محمد بن عاصم في «جزئه» (٣٥). وفيه حميد المكي، ضعيف. والحديث ضعَّفه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٦).\n(^٤) برقم (٨٣٢)، وقد تقدم.\n(^٥) ك، ب: «على أبي هريرة».","vol":"5","page":281},{"text":"لك بكلِّ واحدةٍ شجرةٌ في الجنة». ذكره ابن ماجه (^١).\nوسئل - ﷺ -: كيف يكسِبُ أحدُنا كلَّ يوم ألفَ حسنة؟ قال: «يسبِّحُ مائة تسبيحة، يُكتَبُ له ألفُ حسنة أو يُحَطُّ عنه ألفُ خطيئة». ذكره مسلم (^٢).\nوأفتى - ﷺ - من قال له: لدغتني عقرب، بأنه لو قال حين أمسى: «أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق» لم تضرَّه. ذكره مسلم (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل أن يعلِّمه تعوُّذًا يتعوذ به، فقال: «قل: اللهم إني أعوذ بك من شرِّ سمعي، وشرِّ بصري، وشرِّ لساني، وشرِّ قلبي، وشرِّ مَنيِّي (^٤)»، يعني الفرْج. ذكره النسائي (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن كيفية الصلاة عليه، فقال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد». متفق عليه (^٦).\n_________\n(^١) برقم (٣٨٠٧). ورواه أيضًا الحاكم (١/ ٥١٢). وفيه عيسى بن سنان، ضعيف. وله شواهد، انظر: «الصحيحة» (١٠٥، ٢٨٨٠). وانظر لعلل بعض الشواهد: «علل ابن أبي حاتم» (٢٠٠٥).\n(^٢) برقم (٢٦٩٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(^٣) برقم (٢٧٠٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) في النسخ الثلاث: «هَني»، ولكن في مصادر التخريج كلها ما أثبت. ونقل النسائي عن سعد بن أوس قال: «والمني ماؤه».\n(^٥) برقم (٥٤٤٤) من حديث شَكَل بن حميد. ورواه أيضًا أحمد (١٥٥٤١)، وأبو داود (١٥٥١)، والترمذي (٣٤٩٢) وحسنه. صححه الحاكم (١/ ٥٣٢).\n(^٦) البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة.","vol":"5","page":282},{"text":"وقال له - ﷺ - معاذ: يا رسول الله، أخبِرني بعمل يُدخلني الجنة ويُباعدني من النار. قال: «لقد سألتَ عن عظيم! وإنه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه: تعبُد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، [٢٣٢/أ] وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجُّ البيت». ثم قال: «ألا أدلُّك على أبواب الخير؟». قلت: بلى يا رسول الله. قال: «الصوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل». ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذِروة سنامه؟ رأسُ الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد (^١)». ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كلِّه؟». قلت: بلى يا رسول الله. قال: «كُفَّ عليك هذا» وأشار إلى لسانه. قلت: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخَذون بما نتكلَّم به؟ فقال: «ثكلتك أمُّك يا معاذ! وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟» (^٢). حديث صحيح.\nوسأله - ﷺ - أعرابي، فقال: دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه دخلت الجنة. قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». فقال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فلما ولَّى قال النبي - ﷺ -: «من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل\n_________\n(^١) زيد في النسخ المطبوعة: «في سبيل الله».\n(^٢) رواه أحمد (٢٢٠١٦)، والترمذي (٢٦٢١)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٢١٤)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، من حديث معاذ بن جبل، وأبو وائل شقيق بن سلمة لم يسمع منه. وبيّن الدارقطني طرق الحديث في «العلل» (٦/ ٧٣ - ٧٩)، ورجح أنه حديث شهر بن حوشب، وهوضعيف. وهو الذي رحجه الألباني في «الإرواء» (٤١٣) دون قوله: «ذروة سنامه الجهاد».","vol":"5","page":283},{"text":"الجنة فلينظر إلى هذا». متفق عليه (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل آخر، فقال: أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويباعدني من النار. فقال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصل الرحم». متفق عليه (^٢).\nوسأله أعرابي، فقال: علِّمني عملًا يدخلني الجنة. فقال: «لئن كنتَ أقصرتَ الخطبة لقد أعرضتَ المسألة. أعتِق النسمة، وفُكَّ الرقبة». قال: أوليسا واحدًا؟ قال: «لا، عتقُ النسمة أن تفرَّد (^٣) بعتقها، وفكُّ الرقبة أن تعين في عتقها. والمنحةُ الوَكوف (^٤)، والفيءُ على ذي الرحم الظالم. فإن لم تُطِق ذلك فأطعمِ الجائع، واسقِ الظمآن، وَأْمُرْ بالمعروف، وَانْهَ عن المنكر. فإن لم تُطِق ذلك فكُفَّ لسانك إلا من خير». ذكره أحمد (^٥).\nوسأله - ﷺ - رجل: ما الإسلام؟ فقال: «أن يُسلم (^٦) قلبُك لله، وأن يَسلم المسلمون من لسانك ويدك». قال: فأيُّ الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان». قال: وما الإيمان؟ قال: «تؤمنُ بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت». قال: فأيُّ الإيمان أفضل؟ قال: «الهجرة». قال: وما الهجرة؟ قال:\n_________\n(^١) البخاري (١٣٩٧) ومسلم (١٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) البخاري (١٣٩٦) ومسلم (١٣) من حديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «تنفرد».\n(^٤) الوَكوف: الغزيرة اللبن.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) في النسخ الخطية: «تُسلم» بالتاء، ولكن في «المسند» كما أثبت.","vol":"5","page":284},{"text":"«أن تهجر السوءَ». قال: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: «الجهاد». قال: وما الجهاد؟ قال: «أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم». قال: فأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: «من عُقِر جوادُه وأهريقَ دمُه. ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما: حجَّة مبرورة أو عمرة». ذكره أحمد (^١).\nوسئل: أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال: «الإيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة مبرورة تفضُل سائرَ العمل كما بين مطلع الشمس ومغربها». ذكره أحمد (^٢).\nوسئل - ﷺ - أيضًا: أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال: «أن تحِبَّ لله، وتُبغض لله، وتُعْمِل لسانَك في ذكر الله». قال السائل: وماذا يا رسول الله؟ قال: «وأن تحِبَّ للناس ما تحِبُّ لنفسك، وأن تقول خيرًا أو تصمُتَ» (^٣).\n_________\n(^١) برقم (١٧٠٢٧) من حديث عمرو بن عبسة. ورواه أيضًا عبد الرزاق (٢٠١٠٧) ومن طريقه عبد بن حميد (٣٠١). وفيه أبو قلابة لم يدرك عمرًا.\n(^٢) برقم (١٩٠١٠) من حديث ماعز (غير الأسلمي). ورواه أيضًا البخاري في «التاريخ» (٨/ ٣٧) والطبراني (٢٠/ ٨١١). وفيه أبو سعيد إياس الجريري، ووهيب وشعبة سمعا منه قبل الاختلاط. وثق رجاله المنذري في «الترغيب» (٢/ ١٦٦)، والهيثمي في «المجمع» (٣/ ٢٠٧)، والحافظ في «الإصابة» (٣/ ٣٣٧).\n(^٣) رواه أحمد (٢٢١٣١، ٢٢١٣٣) من حديث معاذ بن أنس الجهني عن معاذ بن جبل. والصحيح أنه من حديث معاذ بن أنس كما رواه أحمد (١٥٦١٧، ١٥٦٣٨) والطبراني (٢٠/ ٤٢٥، ٤٢٦). وعلى كل حال، فيه زبان عن سهل بن معاذ، وزبان ضعيف، وروايته عن سهل ضعيفة خاصة. ورواه البيهقي في «الشعب» (٥٧٣)، وفيه مجهول. انظر للتفصيل: «المتجر الرابح» (٢٨٢)، و«مجمع الزوائد» (١/ ٦٦، ٩٤)، و«الإصابة» (١/ ٨٩).","vol":"5","page":285},{"text":"واختلف نفر من الصحابة في أفضل الأعمال، فقال بعضهم: سقاية الحاج، وقال بعضهم: عمارة المسجد الحرام، وقال بعضهم: الحج، وقال بعضهم: الجهاد (^١) في سبيل الله. فاستفتى عمر في ذلك رسول الله [٢٣٢/ب]- ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٠] (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، شهدتُ أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصلَّيتُ الخمس، وأدَّيتُ زكاة مالي، وصمتُ شهر رمضان. فقال: «من مات على هذا كان مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء يوم القيامة هكذا ــ ونصَب أصابَعه ــ ما لم يعُقَّ والديه». ذكره أحمد (^٣).\nوسأله - ﷺ - آخر، فقال: أرأيتَ إذا صلَّيتُ المكتوبة، وصمتُ رمضان، وأحللتُ الحلال، وحرَّمتُ الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا= أدخل الجنة؟\n_________\n(^١) «وقال بعضهم: الجهاد» ساقط من ك.\n(^٢) رواه مسلم (١٨٧٩) من حديث النعمان بن بشير، وليس فيه ذكر الحج ولا في غيره من المصادر.\n(^٣) برقم (٢٤٠٠٩/ ٨١) من حديث عمرو بن مرّة الجهني. فيه ابن لهيعة، وفيه لين. وله شاهد عند ابن خزيمة (٢٢١٢)، وابن حبان (٣٤٣٨) دون قوله: «ما لم يعق والديه»، صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والمنذري في «الترغيب» (٣/ ٣٠١)، والهيثمي (٨/ ١٥٠).","vol":"5","page":286},{"text":"قال: «نعم». قال: والله لا أزيد على ذلك (^١) شيئًا. ذكره مسلم (^٢).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الأعمال خير؟ قال: «أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف». متفق عليه (^٣).\nوسأله - ﷺ - أبو هريرة، فقال: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرَّت عيني، فأَنبِئْني عن كلِّ شيء. فقال: «كلُّ شيء خُلِق من ماء». قال: أنبئني عن أمر إذا أخذتُ به دخلتُ الجنة. قال: «أَفشِ السلام، وأَطعِمِ الطعام، وصِلِ الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام». ذكره أحمد (^٤).\nوسأله - ﷺ - آخر، فشكا إليه قسوة قلبه، فقال: «إذا أردتَ أن يلين قلبُك فأطعِمِ المسكينَ وامسَحْ رأسَ اليتيم» (^٥).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «طول القيام». قيل: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «جُهْد المُقِلّ». قيل: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر ما حرَّم الله عليه». قيل: فأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: «من جاهد المشركين بماله ونفسه». قيل: فأيُّ القتل أشرف؟ قال: «من أُهْرِيقَ دمُه وعُقِرَ جوادُه». ذكره\n_________\n(^١) ك، ب: «على هذا».\n(^٢) برقم (١٥) من حديث جابر.\n(^٣) البخاري (١٢) ومسلم (٣٩) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(^٤) برقم (٧٩٣٢، ٨٢٩٥، ١٠٣٩٩) من حديث أبي هريرة. صححه ابن حبان (٥٠٨، ٢٥٥٩)، والحاكم (٤/ ١٢٩). انظر: «الإرواء» (٧٧٧).\n(^٥) رواه أحمد (٧٥٧٦، ٩٠١٨)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (٥٠٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٢١٤)، والبيهقي (٤/ ٦٠)، من حديث أبي هريرة، من طرق لا تخلو من ضعف. انظر للتفصيل: «الصحيحة» (٨٥٤).","vol":"5","page":287},{"text":"أبو داود (^١).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحج مبرور» (^٢).\nوسأله - ﷺ - أبو ذر، فقال: من أين أتصدَّق وليس لي مال؟ قال: «إن من أبواب الصدقة: التكبير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكةَ عن طريق الناس والعظمَ والحجرَ، وتهدي الأعمى، وتُسمِع الأصمَّ والأبكم حتى يفقه، وتدلّ المستدِلَّ على حاجة له قد علمتَ مكانها، وتسعى بشدَّة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدَّة ذراعيك مع الضعيف= كلُّ ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك. ولك من جماعك لزوجتك أجرٌ». فقال أبو ذر: كيف (^٣) يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أرأيتَ لو كان لك ولد ورجوتَ أجرَه، فمات، أكنت تحتسب به؟». قلت: نعم. قال: «أنتَ خلقتَه؟». قلتُ: بل الله خلقه. قال: «فأنت هديته؟». قلتُ: بل الله هداه. قال: «فأنت كنتَ رزقتَه؟». قلتُ: بل الله كان يرزقه. قال: «فكذلك، فضعه (^٤) في حلاله، وجنِّبه حرامَه، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء الله أماته، ولك أجرٌ». ذكره\n_________\n(^١) برقم (١٣٢٥) من حديث عبد الله بن حُبشي الخثعمي. ورواه أيضًا أحمد (١٥٤٠١) والدارمي (١٤٦٤). قال الدارقطني في «الإلزامات» (١٠٢): هو على رسم الشيخين. وحسنه الحافظ في «نتائج الأفكار» (٢/ ١٠٥) و«الإصابة» (٢/ ٢٨٥).\n(^٢) هو جزء من الحديث المتقدم.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فكيف».\n(^٤) رسمه في النسخ يحتمل قراءة «تضعه».","vol":"5","page":288},{"text":"أحمد (^١).\nوسأل - ﷺ - أصحابَه يومًا: «من أصبح منكم [٢٣٣/أ] اليوم صائما؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «من اتبع منكم اليوم جنازةً؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن (^٢) أطعم منكم اليوم مسكينًا؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟». قال أبو بكر: أنا. قال رسول الله - ﷺ -: «ما اجتمعن في رجل إلا دخل الجنة». ذكره مسلم (^٣).\nوسئل - ﷺ -: يا رسول الله، الرجلُ يعمل العملَ، فيُسِرُّه، فإذا اطُّلِعَ عليه أعجبه. فقال: «له أجران: أجرُ السِّرِّ، وأجرُ العلانية». ذكره الترمذي (^٤).\nوسأله - ﷺ - أبو ذر: يا رسول الله، أرأيتَ الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجلُ بشرى المؤمن». ذكره مسلم (^٥).\nوسأله - ﷺ - رجل: أيُّ العمل أفضل؟ فقال: «الإيمان بالله، وتصديقٌ به، وجهادٌ في سبيله». قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله. قال: «السماحة،\n_________\n(^١) برقم (٢١٤٨٤) من حديث أبي ذر. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» (٨٩٧٨)، والبيهقي في «الشعب» (١٠٦٥٧). وأبو سلّام ممطور لم يلق أبا ذر. انظر: «تهذيب الكمال» (٢٨/ ٤٨٦). ومع ذلك صححه الألباني في «الصحيحة» (٥٧٥).\n(^٢) ك: «من»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) برقم (١٠٢٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) برقم (٢٣٨٤) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا الطيالسي (٢٥٥٢) وابن ماجه (٤٢٢٦). ورجَّح الترمذي والدارقطني في «العلل» (٨/ ١٨٤) وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٥٧) الإرسالَ.\n(^٥) برقم (٢٦٤٢).","vol":"5","page":289},{"text":"والصبر». قال: أريد أهون من ذلك، قال: «لا تتَّهِمِ الله تعالى في شيء قُضي لك». ذكره أحمد (^١).\nوسأله - ﷺ - عُقبة عن فواضل الأعمال، فقال: «يا عقبة، صِلْ مَن قطعك، وأعطِ مَن حرمك، وأعرِضْ عمن ظلمك». ذكره أحمد (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل: كيف لي أن أعلم إذا أحسنتُ أني قد أحسنتُ، وإذا أسأتُ أني قد أسأت؟ فقال: «إذا قال جيرانك: إنك قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا قالوا: قد أسأتَ فقد أسأتَ». ذكره ابن ماجه (^٣).\nوعند الإمام أحمد (^٤): «إذا سمعتهم يقولون: قد أحسنتَ، فقد أحسنت. وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأتَ، فقد أسأتَ».\n_________\n(^١) برقم (٢٢٧١٧) من حديث عبادة بن الصامت، وفيه ابن لهيعة، فيه لين. ورواه أيضًا البخاري في «خلق الأفعال» (١٦٣) مختصرًا، وفيه سويد بن إبراهيم، ضعيف. وللحديث شواهد يتقوى بها. انظر: «الصحيحة» (٣٣٣٤).\n(^٢) برقم (١٧٣٣٤) من حديث عقبة بن عامر، وفيه علي بن يزيد الألهاني، ضعيف، ومعان بن رفاعة، فيه لين. ورواه ابن أبي الدنيا في «المكارم» (٢٠) من طريق آخر، وفيه إسماعيل بن عياش الشامي، وقد روى عن غير بلديّه. وله شواهد، انظر: «إتحاف المهرة» (١١/ ٢٣٠، ٢٣٥، ٢٣٩)، و«الصحيحة» (٨٩١). وصححه الألباني.\n(^٣) برقم (٤٢٢٢)، وكذلك البيهقي (١٠/ ١٢٥)، من حديث كلثوم الخزاعي، تابعي، فالحديث مرسل. انظر: «الاستيعاب» (٦٣٣) و«الإصابة» (٥/ ٤٦٢).\n(^٤) برقم (٣٨٠٨) من حديث ابن مسعود. ورواه أيضًا ابن ماجه (٤٢٢٣). صححه ابن حبان (٥٢٥)، والبوصيري في «المصباح» (٢/ ٣٤٣)، حسنه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ١١٢)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (٢/ ٢٦٨).","vol":"5","page":290},{"text":"فصل\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الكسب أفضل؟ قال: «عملُ الرجل بيده، وكلُّ بيع مبرور». ذكره أحمد (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: إنَّ لي مالًا وولدًا، وإنَّ أبي يريد أن يجتاح مالي. قال: «أنت ومالُك لأبيك. إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئًا». ذكره أبو داود وأحمد (^٢).\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إنَّا كَلٌّ على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، فما يحِلُّ لنا من أموالهم؟ قال: «الرَّطْب تأكُلْنَه وتُهدينه». ذكره أبو داود (^٣)، وقال عقبه: «الرَّطْب: [الخبز والبقل والرُّطَب] (^٤)». يعني به: ما يفسُد إذا بقي.\nوسئل - ﷺ -: إنَّا نأخذ على كتاب الله أجرًا، فقال: «إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه\n_________\n(^١) برقم (١٧٢٦٥) من حديث رافع بن خديج. ورواه أيضًا البزار (٩/ ١٨٣)، والحاكم (٢/ ١٠)، والبيهقي (٥/ ٢٦٣) متصلًا ومرسلًا. ورجح البخاري (كما قال البيهقي)، والبيهقي، وأبو حاتم في «العلل» ٠٢/ ٤٤٣) الإرسال.\n(^٢) تقدَّم تخريجه.\n(^٣) برقم (١٦٨٦) من حديث سعد الأنصاري (غير ابن أبي وقاص. انظر: «تهذيب التهذيب»: ٣/ ٤٨٦). ورواه أيضًا عبد بن حميد (١٤٧)، والحاكم (٤/ ١٤)، والبيهقي من طرق. أعلَّه بالاضطراب أبو حاتم في «العلل» (٢/ ٣٠٥)، والدارقطني في «العلل» (٤/ ٣٨٢).\n(^٤) ما بين المعقوفين زدته من «السنن»، فهو ما قاله أبو داود عقب الحديث، ولا أرى أن ما ورد في النسخ «يعني ... بقي» يكون من كلام أبي داود في نسخة من السنن تخالف المطبوع. والظاهر أن قول أبي داود سقط من نسخ كتابنا لانتقال النظر. والعبارة «يعني ... بقي» من كلام ابن القيم، وهو مأخوذ من «معالم السنن» (٢/ ٧٩).","vol":"5","page":291},{"text":"أجرًا كتابُ الله». ذكره البخاري (^١) في قصة الرقية.\nوسئل - ﷺ - عن أموال السلطان، فقال: «ما آتاك الله منها من غير مسألة ولا إشراف فكُلْه وتموَّلْه». ذكره أحمد (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن أجرة الحجام، فقال: «أعلِفْه ناضحَك وأطعِمْه رقيقَك». ذكره مالك (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل عن عَسْب الفحل، فنهاه، فقال: إنَّا نُطْرِقُ الفحلَ، فنُكْرَم، فرخَّص له في الكرامة. حديث حسن، ذكره الترمذي (^٤).\nونهى عن القُسَامة بضم القاف، فسئل عنها، فقال: «الرجل يكون على الفئام من الناس، فيأخذ من حظِّ هذا وحظِّ هذا». ذكره أبو داود (^٥).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» (^٦).\n_________\n(^١) برقم (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٢) (٢١٦٩٩) من حديث أبي الدرداء. وفيه إبهام الراوي عن أبي الدرداء. وله شاهد عند البخاري (٧١٦٤) ومسلم (١٠٤٥).\n(^٣) (٢/ ٩٧٤)، وكذلك أحمد (٣٩/ ٩٦)، وأبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٨٠) من حديث ابن محيصة أخي حارثة عن أبيه، إلا أن مالكًا رواه بدون ذكر الأب، وهو خطأ. وهو مع ذكر الأب مرسل. ذكره مفصلًا ابن عبد البر في «التمهيد» (١١/ ٧٧).\n(^٤) برقم (١٢٧٧)، وقد تقدَّم تخريجه.\n(^٥) رواه أبو داود (٢٧٨٤) ومن طريقه البيهقي (٦/ ٣٥٦) من حديث عطاء بن يسار مرسلًا. وله شاهد رواه أبو داود (٢٧٨٣) ومن طريقه البيهقي (٦/ ٣٥٦) من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه الزبير بن عثمان، مجهول.\n(^٦) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":292},{"text":"وسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: يا رسول الله إني أُحِبُّ الصلاة معك، قال: «قد علمتُ أنك تحبِّين الصلاة [٢٣٣/ب] معي. وصلاتُكِ في بيتكِ خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي». فأمرَتْ، فبُنِيَ لها مسجدٌ في أقصى شيء من بيتها وأظلمه (^١)، فكانت تصلِّي فيه حتى لقيت الله (^٢).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ البقاع شرٌّ؟ قال: «لا أدري حتى أسأل جبريل». فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل. فجاء، فقال: «خير البقاع المساجد، وشرُّها الأسواق» (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ الخطية والمطبوعة: «وأظلم»، والصواب ما أثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) رواه أحمد (٢٧٠٩٠) من حديث أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي. صححه ابن خزيمة (١٦٨٩) وابن حبان (٢٢١٧). وحسنه الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٥٠). وله شاهد عند الطبراني (٢٥/ ٣٥٦) والبيهقي (٣/ ١٣٢). انظر: «مجمع الزوائد» (٢/ ٣٤)، وأشار ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٤١٤) إلى التحسين.\n(^٣) رواه ابن حبان (١٥٩٩)، والحاكم (١/ ٩٠)، والبيهقي (٣/ ٦٥)، من حديث ابن عمر. وفي إسناده ضعف لأن جرير بن عبد الحميد سمع من عطاء بن السائب بعد الاختلاط. وروى نحوه أحمد (١٦٧٤٤)، والبزار (١٢٥٢ - كشف الأستار)، وأبو يعلى (٧٤٠٣)، من حديث جبير بن مطعم. وفيه زهير بن محمد له مناكير، وعدّ الذهبي في «تلخيص المستدرك» (٢/ ٧) هذا الحديث منها. وفيه أيضًا عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، ضعيف. وفيه أن جبريل سأل الله ﷿ لا ميكائيل. وله شاهد عند مسلم (٦٧١) من حديث أبي هريرة، بلفظ: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها».","vol":"5","page":293},{"text":"وقال: «في الإنسان ستون وثلاثمائة مَفْصِل، عليه أن يتصدَّق عن كلِّ مفصل صدقة». فسألوه: من يطيق ذلك؟ قال: «النُّخاعةُ تراها في المسجد فتَدفنها، أو الشيءُ فتنحِّيه عن الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضحى تجزئانك (^١)» (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن الصلاة قاعدًا، فقال: «من صلَّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلَّى قاعدًا فله نصفُ أجر القائم، ومن صلَّى نائمًا فله نصف أجر القاعد» (^٣).\nقلت: وهذا له محملان، أحدهما: أن يكون في النافلة عند من يجوِّزها مضطجعًا. والثاني: على المعذور، فيكون له بالفعل النصف، والتكميل بالنية.\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: ما يمنعني أن أتعلَّم القرآن إلا خشية أن لا أقوم به. فقال: «تعلَّم القرآن، واقرأه، وارقُدْ؛ فإنَّ مثل القرآن لمن تعلَّمه، فقرأه، وقال به= كمثَلِ جِرابٍ محشوٍّ مسكًا يفوح ريحه على كلِّ مكان. ومن تعلَّمه، ورقَد وهو في جوفه، كمثل جِرابٍ وُكِيَ على مسك» (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «يجزئانك»، وفي مصادر التخريج غير ابن حبان: «تجزئك».\n(^٢) رواه أحمد (٢٣٠٣٧) من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي. ورواه أيضًا أبو داود (٥٢٤٢). صححه ابن خزيمة (١٢٢٦)، وابن حبان (١٦٤٢)، والألباني في «الإرواء» (٤٦١).\n(^٣) رواه البخاري (١١١٥) من حديث عمران بن حصين.\n(^٤) رواه الترمذي (٢٨٧٦)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٩٦)، وابن ماجه (٢١٧)، من حديث أبي هريرة. وفيه عطاء مولى أبي أحمد، لا يعرف، وقد تفرد به. انظر: «مسند البزار» (١٥/ ١٠٨). ورجَّح الترمذي والنسائي الإرسال.","vol":"5","page":294},{"text":"وقال عن رجل من أصحابه توفِّي: «ليته مات في غير مولده». فسئل: لم ذلك؟ فقال: «إن الرجل إذا مات في غير مولده قِيسَ له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة» (^١). ذكر هذه الأحاديث أبو حاتم ابن حبَّان في «صحيحه».\nوسئل - ﷺ -: أيغني الدواء شيئًا؟ فقال: «سبحان الله، وهل أنزل الله ﵎ من داء في الأرض إلا جعل له شفاء» (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن الرُّقَى والأدوية: هل ترُدُّ من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن رجلٍ من المسلمين طعن رجلًا من المشركين في الحرب، فقال: خذها، وأنا الغلام الفارسي (^٤)، فقال: «لا بأس في ذلك،\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦٦٥٦)، والنسائي (١٢٣٨)، وابن ماجه (١٦١٤)، وابن حبان (٢٩٣٤) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه حيي بن عبد الله المعافري، صدوق. صححه ابن حبان (٢٩٣٤) وأحمد شاكر في «تحقيق المسند» (١٠/ ١٤١)، وحسنه الألباني في «أحاديث مشكلة الفقر» (٣٦).\n(^٢) رواه أحمد (٣٨/ ٢٢٧) من حديث رجل من الأنصار. صححه الألباني. انظر للشواهد والتفصيل: «الصحيحة» (٥١٧).\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب في هذا الحديث: «الغلام الغفاري». أما الذي قال: «خذها وأنا الغلام الفارسي» فهو أبو عقبة الفارسي الذي كان مولى بني معاوية من الأنصار، وضرب رجلًا من المشركين يوم أحد. ولما بلغت كلمته النبي - ﷺ - قال: «هلَّا قلتَ: خذها وأنا الغلام الأنصاري». وقد رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٣٧/ ١٩٣) وأخشى أن يكون المصنف ذكر القصتين هنا، فسقطت هذه لانتقال النظر من أجل كلمة «الغلام» وهما المقصودان بقوله عقب الحديث: «ذكرهما أحمد». أما أن يقصد الحديث الأخير والحديث السابق عن الرقى فهو بعيد، فإن حديث الشفاء الذي قبلهما في «المسند» أيضًا، فكان ينبغي أن يقول: «ذكرها أحمد». والله أعلم.","vol":"5","page":295},{"text":"يُحمَد ويؤجر» (^١). ذكرهما أحمد.\nوسأله - ﷺ - رجل أن يعلِّمه ما ينفعه، فقال: «لا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تُفرغ من دلوك في إناء المستقي، ولو أن تكلِّم أخاك ووجهُك منبسط إليه. وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، ولا يحبُّها الله. وإن امرؤ شتَمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلَم منه، فإن أجره لك، ووباله على من قاله» (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن لحوم الحُمُر الأهلية، فقال: «لا تحِلُّ لمن شهد أني رسول الله» ذكره أحمد (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، كيف نصنع (^٤) معهم؟ فقال: «صلِّ الصلاةَ لوقتها، ثم صلِّ معهم، فإنها لك نافلة». حديث صحيح (^٥).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧٦٢٢)، وأبو داود (٤٠٨٩)، وابن ماجه (٢٧٨٤) من حديث سهل ابن الحنظلية. وفيه قيس بن بشر وأبوه، في عداد المجاهيل.\n(^٢) رواه أحمد (٢٠٦٣٣)، والبخاري في «التاريخ» (٢/ ٢٠٦)، من حديث أبي جُرَيّ الهُجيمي. صححه ابن حبان (٥٢٢)، والألباني في «صحيح الموارد» (١٢١١).\n(^٣) برقم (١٧٧٤١) من حديث أبي ثعلبة الخشني. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» (٤٨٣٤). وفيه بقية بن الوليد، يدلس تدليس التسوية، وقد عنعن.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «يصنع».\n(^٥) رواه مسلم (٦٤٨) من حديث أبي ذر.","vol":"5","page":296},{"text":"وسألته - ﷺ - امرأة صفوان بن المعطَّل السُّلَمي، فقالت: إنه يضربني إذا صلَّيتُ، ويفطِّرني إذا صمتُ، ولا يصلِّي صلاة الفجر حتى [٢٣٤/أ] تطلع الشمس. فسأله عما قالت امرأته، فقال: أمَّا قولها: يضربني إذا صليتُ، فإنها تقرأ بسُورتي، وقد نهيتها عنها (^١). فقال - ﷺ -: «لو كانت سورةً واحدةً لكفتِ الناسَ». وأما قولها: يفطِّرني إذا صمتُ، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابٌّ ولا أصبر. فقال رسول الله - ﷺ - يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها». قال: وأما قولها: لا أصلِّي حتى تطلع الشمس، فإنَّا أهلُ بيتٍ لا نكاد أن نستيقظ حتى تطلع الشمس. فقال: «صلِّ إذا استيقظتَ». ذكره ابن حبان (^٢).\nقلت: ولهذا صادف أمَّ المؤمنين في قصة الإفك، لأنه كان في آخر الناس. ولا ينافي هذا الحديث قوله في حديث الإفك: «والله ما كشفتُ كنَفَ أنثى قطُّ» (^٣)، فإنه إلى ذلك الوقت لم يكشف كنَفَ أنثى قطُّ، ثم تزوَّج بعد ذلك (^٤).\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية وفي «صحيح ابن حبان» الذي نقل منه المصنف. وفي «شرح مشكل الآثار» (٥/ ٢٨٦): «تقوم بسورتي التي أقرأ بها، فتقرأ بها». وأثبتوا في النسخ المطبوعة: «بسورتين وقد نهيتها عنهما»، ونحوه في «المسند» (١٨/ ٢٢٣) و«المستدرك». وفي «السنن»: «بسورتيَّ وقد نهيتها».\n(^٢) برقم (١٤٨٨) من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه أيضًا أحمد (١١٧٥٩)، وأبو داود (٢٤٥٩)، وأبو يعلى (١٠٣٧). صححه ابن حبان، والحاكم (١/ ٤٣٦)، والحافظ في «الإصابة» (٣/ ٣٥٧).\n(^٣) رواه البخاري (٤٧٥٧) ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) انظر تعليق الذهبي على قول صفوان: «إنا أهل بيت لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس» في «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٥٥٠) إذ يشكُّ في كونه صفوان بن المعطل الذي جعله النبي - ﷺ - على ساقة الجيش.","vol":"5","page":297},{"text":"وسئل - ﷺ - عن قتل الوزَغ، فأمر بقتله. ذكره ابن حبان (^١).\nوسئل - ﷺ - عن رجل نذَر أن يمشي إلى الكعبة، فجعل يُهادَى بين رجلين، فقال: «إنَّ الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسَه»، وأمره أن يركب (^٢).\nواستفتاه - ﷺ - رجل في جار له يؤذيه، فأمره بالصبر، ثلاث مرات، فقال له في الرابعة: «اطرَحْ متاعَك في الطريق». ففعل، فجعل الناس يمرُّون به ويقولون: ما له؟ ويقول: آذاه جاره، فجعلوا يقولون: لعنه الله. فجاءه جارُه فقال: رُدَّ متاعَك، والله لا أؤذيك أبدًا. ذكره أحمد وابن حبان (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: إني أذنبت ذنبًا كبيرًا، فهل لي من توبة؟ فقال له: «ألك والدان؟» قال: لا. قال: «فلك خالة؟» قال: نعم. قال: «فبَرَّها (^٤)». ذكره ابن حبان (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن رجل قد أوجب، فقال: «أعتقِوا عنه رقبةً يُعتِق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النار». ذكره ابن حبان أيضًا (^٦).\n_________\n(^١) برقم (٥٦٣١) من حديث أم شريك. وهو عند مسلم (٢٢٣٧/ ١٤٣).\n(^٢) رواه البخاري (١٨٦٥) ومسلم (١٦٤٢) من حديث أنس.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) بفتح الباء، فعل أمر من بَرَّ فلانًا يبَرُّه أي أحسن إليه.\n(^٥) برقم (٤٣٥) من حديث ابن عمر، وكذلك أحمد (٤٦٢٤)، والترمذي (١٩٠٤/م ١)، والحاكم (٤/ ١٥٥)، من طريق محمد بن خازم عن محمد بن سوقة متصلًا. ورواه الترمذي (١٩٠٤/م ٢) من طريق ابن عيينة مرسلًا، ورجَّح الإرسال، لأن ابن عيينة أوثق من ابن خازم، وابن خازم مضطرب الحديث في غير الأعمش.\n(^٦) برقم (٤٣٠٧) من حديث واثلة بن الأسقع. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» (٤٨٧٢) من طريق عبد الله بن الديلمي. ورواه أيضًا أحمد (١٦٠١٢)، وأبو داود (٣٩٦٤)، والنسائي في «الكبرى» (٤٨٧١) من طريق الغريف بن عياش. وفيه اضطراب على أوجه. انظر: «التلخيص الحبير» (٤/ ٣٨) و«الضعيفة» (٩٠٧).","vol":"5","page":298},{"text":"«أوجب»: أي استوجب النار بذنب عظيم ارتكبه.\nوسأله رجل، فقال: إنَّ أبوَيَّ قد هلكا، فهل بقي من بعد موتهما شيء؟ فقال: «نعم، الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهودهما (^١) من بعدهما، وإكرامُ صديقهما، وصلةُ رحمهما التي لا رحم لك إلا من قبلهما». قال الرجل: ما أكثرَ (^٢) هذا وأطيبه! قال: «فاعمل به» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن رجل شدَّ على رجل من المشركين ليقتله، فقال: إني مسلم، فقتَلَه. فقال فيه قولًا شديدًا، فقال: إنما قاله تعوُّذًا من السيف، فقال: «إنَّ الله حرَّم عليَّ أن أقتل مؤمنًا». حديث صحيح (^٤).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، أخبِرْنا بخيرنا من شرِّنا. فقال:\n_________\n(^١) ك: «عودهما»، سبق قلم. وفي النسخ المطبوعة: «عقودهما». وفي «صحيح ابن حبان» ــ واللفظ هنا له ــ كما أثبت من ز.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ألذ»، ولعله تحريف.\n(^٣) رواه أحمد (١٦٠٥٩)، وأبو داود (٥١٤٢)، وابن ماجه (٣٦٦٤)، وابن حبان (٤١٨) ــ واللفظ له ــ، من حديث أبي أُسيد الساعدي، وفيه علي بن عبيد، مجهول. ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٥٩٧).\n(^٤) رواه أحمد (١٧٠٠٨)، وأبو يعلى (٦٨٢٩)، وابن حبان (٥٩٧٢) ــ واللفظ له ــ، من حديث عقبة بن مالك. صححه ابن حبان (٥٩٧٢)، والحاكم (١/ ١٨). ووثق رجاله الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٧)، وأحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٥٥٣).","vol":"5","page":299},{"text":"«خيركم من يُرجى خيرُه ويؤمن شرُّه. وشرُّكم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرُّه». ذكره ابن حبان (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل: ما الذي بعثك الله به؟ فقال: «الإسلام». قال: وما الإسلام؟ قال: «أن تُسْلِم قلبَك لله، وأن توجِّه وجهَك لله، وأن تصلِّي الصلاة المكتوبة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران (^٢)، لا يقبل الله من عبدٍ توبةً أشرَكَ بعد إسلامه». ذكره ابن حبان أيضًا (^٣).\nوسأله - ﷺ - الأسود بن [٢٣٤/ب] سريع (^٤)، فقال: أرأيتَ إن لقيتُ رجلًا من المشركين فقاتلني، فضرب إحدى يديَّ بالسيف، فقطَعَها، ثم لاذ منِّي بشجرة، فقال: أسلمتُ لله، أفأقتله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تقتله». فقلت: يا رسول الله، إنه قطع إحدى يَديَّ، ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال: «لا تقتله، فإنك إن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال». حديث صحيح (^٥).\n_________\n(^١) برقم (٥٢٧) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا أحمد (٨٨١٢)، والترمذي (٢٢٦٣). صححه الترمذي وابن حبان.\n(^٢) توضيحه في الرواية الأخرى عند أحمد (٣٣/ ٢٣٧): «وكلُّ مسلمٍ على مسلمٍ محرَّم، أخوان نصيران».\n(^٣) برقم (١٦٠) من حديث معاوية بن حيدة جدِّ بهز بن حكيم. ورواه أيضًا عبد الرزاق (٢٠١١٥)، وأحمد (٢٠٠٢٢)، وابن ماجه (٢٥٣٦). صححه ابن حبان، والحاكم، والعراقي في «تخريج الإحياء» (٢/ ٢٤٢).\n(^٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، والصواب: المقداد بن الأسود.\n(^٥) رواه البخاري (٤٠١٩) ومسلم (٩٥) من حديث المقداد بن الأسود.","vol":"5","page":300},{"text":"وسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله مررتُ برجل فلم يُضِفْني ولم يَقْرِني، أفأَحْتَكِم؟ قال: «بل اقْرِه». ذكرهما ابن حبان (^١). وقوله: «أحتكم» أي أُعامله إذا مرَّ بي بمثل ما عاملني به.\nوسأله - ﷺ - أبو ذر، فقال: الرجل يحبُّ القومَ، ولا يستطيع أن يعمل بعملهم. قال: «يا أبا ذر، أنت معَ من أحببت». قال: فإني أُحِبُّ الله ورسوله. قال: «أنت يا أبا ذر مع من أحببتَ» (^٢).\nوسأله - ﷺ - ناس من الأعراب، فقالوا: أفتِنا في كذا، أفتِنا في كذا، أفتِنا في كذا، أفتِنا في كذا. فقال: «أيها الناس، إن الله قد وضع عنكم الحرج، إلا امرأً (^٣) اقترض من عِرض أخيه فذلك الذي حرِجَ وهلَكَ». قالوا: أفنتداوى يا رسول الله؟ قال: «نعم، إن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له دواءً، غيرَ داءٍ واحدٍ». قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: «الهرم (^٤)». قالوا: فأيُّ الناس أحبُّ إلى الله يا رسول الله؟ قال: «أحبُّ الناس إلى الله أحسَنُهم خُلُقًا». ذكره أحمد وابن حبان (^٥).\n_________\n(^١) ذكر هذا الحديث برقم (٣٤١٠) من حديث مالك بن نضلة والد أبي الأحوص عوف. ورواه أيضًا أحمد (١٥٨٨٨، ١٥٨٩١) مطولًا، والترمذي (٢٠١١) مختصرًا. صححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم (١/ ٢٤)، وابن حجر في «الأمالي المطلقة» (٣٠).\n(^٢) رواه أحمد (٢١٣٧٩)، والدارمي (٢٨٢٩)، وأبو داود (٥١٢٦)، وابن حبان (٥٥٦) واللفظ له. صححه ابن حبان، ووثَّق رجاله الحافظ في «الفتح» (١٠/ ٥٧٥).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «إلا من».\n(^٤) ز: «الذم»، وفي ك، ب: «الدم»، وكلاهما تحريف.\n(^٥) رواه ابن حبان (٤٨٦) من حديث أسامة بن شريك بسياق المؤلف مطولًا. ورواه مختصرًا أحمد (١٨٤٥٤)، والترمذي (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، وابن حبان (٦٠٦١). صححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم (٤/ ٣٩٩)، والبوصيري في «المصباح» (٢/ ٢٥٠). وقد سبق بعض أجزاء الحديث.","vol":"5","page":301},{"text":"وسأله - ﷺ - عدي بن حاتم، فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان يفعل ويفعل. فقال: «إنَّ أباك أراد أمرًا، فأدركه» يعني الذكر. قال: قلت: يا رسول الله، إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرُّجًا. قال: «لا تدَعْ شيئًا ضارعتَ (^١) النصرانيةَ فيه». قال: قلت: إني أرسل كلبي المعلَّم، فيأخذ صيدًا فلا أجد ما أذبح به إلا المَرْوة والعصا. قال: «أَمِرِ (^٢) الدمَ بما شئت، واذكر اسم الله». ذكره ابن حبان (^٣).\nوسألته - ﷺ - عائشة عن ابن جُدعان وما كان يفعل في الجاهلية من صلة الرحم وحسن الجوار وقِرى الضيف، هل ينفعه؟ فقال: «لا، لأنه لم يقُلْ يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (^٤).\nوسأله - ﷺ - سفيان بن عبد الله الثقفي أن يقول له قولًا لا يسأل عنه أحدًا بعده، فقال: «قل: آمنتُ بالله، ثم استقِمْ» (^٥).\n_________\n(^١) في النسخ الخطية والمطبوعة: «ضارع»، والمثبت من مصادر التخريج.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أهرق» خلافًا لما في النسخ وفي مصدر النقل وهو «صحيح ابن حبان». وقد ضبط فيه اللفظ هكذا من أمار، وضبط في «المسند» وغيره «أمِرَّ» من الإمرار، ويرى الخطابي أن الصواب: «اِمْرِ» من مَرَى يمري. انظر: «معالم السنن» (٤/ ٢٨٠) و«غريب الخطابي» (٣/ ٢٣٤) ولكن جاء في «سنن أبي داود»: «أمْرِرْ».\n(^٣) برقم (٣٣٢) من حديث عدي بن حاتم. ورواه مختصرًا أحمد (١٨٢٥٠)، وأبو داود (٢٨٢٤)، والنسائي (٤٣٠٤). صححه ابن حبان (٣٣٢)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٢٥١).\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) رواه مسلم (٣٨).","vol":"5","page":302},{"text":"وسئل - ﷺ -: من أكرم الناس؟ قال (^١): «أتقاهم لله». قالوا: لسنا عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟ خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقِهوا» (^٢).\nوسألته - ﷺ - امرأة فقالت: إني نذرتُ إن ردَّك الله سالمًا أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ. فقال: «إن (^٣) نذرتِ فافعلي، وإلا فلا». قالت: إني كنتُ نذرتُ، فقعد رسول الله - ﷺ -، فضربت بالدُّفِّ. حديث صحيح (^٤). وله وجهان:\nأحدهما: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح تطييبًا لقلبها وجبرًا وتأليفًا لها على زيادة الإيمان وقوته وفرحها بسلامة رسول الله - ﷺ -.\nوالثاني: أن يكون هذا النذر قربةً لما تضمَّنه من السرور والفرح [٢٣٥/أ] بقدوم رسول الله - ﷺ - سالمًا مؤيدًا منصورًا على أعدائه، قد أظهره الله وأظهر دينه. وهذا من أفضل القُرَب، فأُمِرت بالوفاء به.\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا، فقال: «لا أجر له». فأعظَمَ ذلك الناسُ، فقالوا\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فقال».\n(^٢) رواه البخاري (٣٣٥٣) ومسلم (٢٣٧٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) ب: «إن كنت»، وكذا في النسخ المطبوعة وبعض مصادر التخريج.\n(^٤) رواه أحمد في «المسند» (٢٣٠١١، ٢٢٩٨٩) و«فضائل الصحابة» (٤٨٠)، والترمذي (٣٦٩٠)، من حديث بريدة بن الحصيب. صححه الترمذي وابن حبان (٤٣٨٦). وقوَّاه الذهبي في «المهذب» (٨/ ٤٠٥٤)، ووثق رجاله ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٦٤٧). انظر: «الإرواء» (٢٥٨٨).","vol":"5","page":303},{"text":"للرجل: أعِدْ لرسول الله - ﷺ -، فلعلك لم تُفهمه. فقال الرجل: يا رسول الله، رجلٌ يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي من عرض الدنيا. فقال: «لا أجر له». فأعظم ذلك الناس، فقالوا: أعِدْ لرسول الله - ﷺ -، فأعاد. فقال: «لا أجر له» (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: أُقاتل أو أُسلِم؟ فقال: «أسْلِمْ ثم قاتِلْ». فأسلم، ثم قاتل، فقُتِل، فقال النبي - ﷺ -: «هذا عمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا» (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل: ما أكثرُ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسانه، ثم قال: «هذا» (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: قل [لي] (^٤) قولًا ينفعني الله به، وأَقلِلْ لعلِّي أعقله. قال: «لا تغضَبْ». فعاد (^٥) مرارًا. كلَّ ذلك يقول له: «لا تغضب» (^٦).\n_________\n(^١) رواه أحمد (٧٩٠٠) وأبو داود (٢٥١٦) من حديث أبي هريرة. وفيه ابن مِكْرَز، مجهول، ضعفه به المزي في «تهذيب الكمال» (٢/ ٤١٩). وله شاهد عند الحاكم (٢/ ٣٧١). انظر للشواهد والكلام عليها «الصحيحة» (٥٢). والحديث صححه ابن حبان (٤٦٣٧) والحاكم (٢/ ٨٥)، وحسنه العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ٣٨٤).\n(^٢) رواه البخاري (٢٨٠٨) ومسلم (١٩٠٠) نحوه من حديث البراء.\n(^٣) رواه أحمد (١٥٤١٧، ١٥٤١٨)، والترمذي (٢٤١٠)، وابن ماجه (٣٩٧٢)، من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي. وفيه محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، حسن الحديث. صححه الترمذي، وابن حبان (٥٦٩٨ - ٥٧٠٠)، والحاكم (٤/ ٣١٣).\n(^٤) ما بين المعقوفين من مصادر التخريج وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «فردَّد».\n(^٦) رواه أحمد (١٥٩٦٤) من حديث جارية بن قدامة، والحديث فيه اختلاف، بيَّنه الحافظ في «الإصابة» (١/ ٥٥٦). صححه ابن حبان (٥٦٨٩، ٥٦٩٠) والحاكم (٣/ ٦١٥)، وابن عبد البرفي «التمهيد» (٧/ ٢٤٦). وحسنه الحافظ في «المطالب» (٣/ ١٤٧).","vol":"5","page":304},{"text":"وسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إنَّ لي ضرَّةً، فهل عليَّ جناح إن استكثرتُ من زوجي بما لا يعطيني؟ فقال: «المتشبِّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبَي زُور» (^١).\nوكلُّ هذه الأحاديث في «الصحيح».\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: إن شرائع الإسلام قد كثُرت علي، فأوصِني بشيء أتشبَّث به، فقال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله». ذكره أحمد (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، أُرْسِلُ ناقتي، وأتوكَّل (^٣)؟ فقال: «بل (^٤) اعقِلْها وتوكَّلْ». ذكره ابن حبان والترمذي (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٢١٩) ومسلم (٢١٣٠) من حديث أسماء.\n(^٢) من حديث عبد الله بن بُسْر (١٧٦٩٨)، والترمذي (٣٣٧٥)، وابن ماجه (٣٧٩٣)، وابن حبان (٨١٤)، والحاكم (١/ ٤٩٥) من طريق عمرو بن قيس. وسنده صحيح، صححه ابن حبان والحاكم، وحسنه ابن مفلح في «الآداب» (١/ ٤٢٥)، والحافظ في «نتائج الأفكار» (١/ ٩٣).\n(^٣) زيد بعده في النسخ المطبوعة: «على الله».\n(^٤) لم ترد «بل» في ك، ب.\n(^٥) رواه الترمذي (٢٥١٧) من حديث أنس، من طريق عمرو بن علي الفلاس، ونقل عنه عقبه: قال يحيى (القطان): وهذا عندي منكر. ورواه ابن حبان (٧٣١) من حديث عمرو بن أمية الضمري عن أبيه. صححه ابن حبان، والحاكم (٣/ ٦٢٣). وقال الزرقاني في «مختصر المقاصد الحسنة» (١١٣): «صحيح من حديث عمرو بن أمية الضمري، ضعيف من حديث أنس».","vol":"5","page":305},{"text":"وقال له - ﷺ - رجل: ليس عندي يا رسول الله ما أتزوَّج به. قال: «أوَليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن (^١). أليس معك ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن (^٢). أليس معك ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن. أليس معك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن. أليس معك آية الكرسي؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن. تزوَّج، تزوَّج، تزوَّج» ثلاث مرات. ذكره أحمد (^٣).\nوسأله - ﷺ - معاذ، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن كان (^٤) علينا أمراء لا يستنُّون بسنتك ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر (^٥) في أمرهم؟ فقال: «لا طاعة لمن لم يُطِعِ الله» (^٦).\n_________\n(^١) كذا في النسخ الخطية ومصدر النقل وهو «المسند». وفي النسخ المطبوعة: «ثلث القرآن» كما في «جامع الترمذي» وغيره. ولعله من تصرف بعض الناشرين.\n(^٢) في النسخ المطبوعة بعده: «قال»، وكذا فيما يأتي بعد «ربع القرآن».\n(^٣) برقم (١٣٣٠٩) من حديث أنس. ورواه أيضًا الترمذي (٢٨٩٥) والبيهقي في «الشعب» (٢٢٨٥). وفيه سلمة بن وردان، منكر الحديث. انظر للطرق والكلام عليه: «الصحيحة» (٥٨٦) و«الضعيفة» (١٣٤٢).\n(^٤) ز: «كانت».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «تأمرنا». وفي «المسند» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٦) رواه أحمد (١٣٢٢٥)، وأبو يعلى (٤٠٤٦)، والبخاري في «التاريخ» (٦/ ٣٣٢)، من حديث أنس بن مالك عن معاذ بن جبل. وفيه عمرو بن زينب، مجهول. ويغني عنه ما رواه البخاري (٧٢٥٧) ومسلم (١٨٤٠) من حديث علي بن أبي طالب. ولمزيد من الشواهد، انظر تعليق محققي «المسند».","vol":"5","page":306},{"text":"وسأله - ﷺ - أنس أن يشفع له، فقال: «إني فاعل». قال: فأين أطلبك يوم القيامة؟ قال: «اطلبني أولَ ما تطلبني على الصراط». قلت: فإذا لم ألقك على الصراط؟ قال: «فأنا على الميزان». قلت: فإن لم ألقك عند الميزان. قال: «فأنا عند الحوض، لا أخطئ هذه الثلاث مواطنَ يوم القيامة» (^١). ذكرهما أحمد.\nوسأله - ﷺ - الحجاج بن عِلاط، فقال: إنَّ لي بمكة مالًا، وإنَّ لي بها أهلًا، وإنِّي أريد أن آتيهم، فأنا في حِلٍّ إن أنا نلتُ منك أو قلت شيئًا؟ فأذِن له رسول الله - ﷺ - أن يقول ما شاء. ذكره أحمد (^٢).\nوفيه دليل على أن الكلام إذا لم يُرد به قائلُه معناه، إما لعدم قصده (^٣)، أو لعدم علمه به، أو أنه أراد به غيرَ معناه= لم يلزمه ما لم يُرده بكلامه. وهذا هو دين الله [٢٣٥/ب] الذي أرسل به رسوله. ولهذا لم يلزم المُكرَهَ على التكلُّم بالكفر الكفرُ، ولم يلزم زائلَ العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلَّم به، ولم يلزم الحجاجَ بن عِلاط حكمُ ما تكلَّم به؛ لأنه أراد به غير معناه، ولم يعقد قلبه عليه. وقد قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وفي الآية الأخرى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٢٨٢٥)، والترمذي (٢٤٣٣)، والضياء المقدسي (٧/ ٢٤٦). قال الترمذي: حسن غريب. وقال محققو «المسند»: رجاله رجال الصحيح، ومتنه غريب.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ك، ب: «قصده له»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":307},{"text":"قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. فالأحكام في الدنيا والآخرة مرتَّبةٌ على ما كسبه القلب، وعقد عليه، وأراده من معنى كلامه.\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: يا رسول الله، إنَّ نساءً أسعدْننا في الجاهلية (^١)، يعني في النَّوح، أفَنُسعِدهن في الإسلام؟ قال: «لا إسعادَ في الإسلام، ولا شِغارَ في الإسلام، ولا عَقْرَ في الإسلام، ولا جَلَبَ في الإسلام (^٢)، [ولا جَنَبَ] (^٣)، ومن انتهب فليس منَّا». ذكره أحمد (^٤).\nوالإسعاد: إسعاد المرأة في مصيبتها بالنَّوح.\nوالشغار: أن يزوِّج الرجلُ ابنته على أن يزوِّجَه الآخرُ ابنته.\nوالعَقْر: الذبح على قبور الموتى.\nوالجَلَب: الصياح على الفرس في السباق.\nوالجَنَب: أن يجنُب فرسًا فإذا أعيَتْ فرسُه انتقل إلى تلك في المسابقة.\n_________\n(^١) في المطبوع: «في الجاهلية أسعدتنا». وفي «المسند» كما أثبت.\n(^٢) «ولا جلب في الإسلام» ساقط من ك، ب.\n(^٣) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ الخطية والمطبوعة، بدليل تفسيره بعد إيراد الحديث.\n(^٤) برقم (١٣٠٣٢) من حديث أنس. ورواه أيضًا النسائي (١٨٥٢) وابن حبان (٣١٤٦)، كلهم من طريق معمر عن ثابت. ورواية معمر عن ثابت ضعيفة. قال البخاري في «العلل الكبير» للترمذي (ص ٢٨٣ - ٢٨٤): لا أعلم أحدًا رواه عن ثابت غير معمر. وبمثله قال الدارقطني في «أطراف الأفراد» (١/ ١٧٢). وقال أبو حاتم في «العلل» (١٠٩٦): منكر جدًّا. واعتمده ابن عبد الهادي في «المحرر» (٥٣٤).","vol":"5","page":308},{"text":"وسأله - ﷺ - بعض الأنصار، فقالوا: قد كان لنا جملٌ نَسْني (^١) عليه، وإنه قد استصعَبَ علينا، ومنعنا ظهرَه، وقد عطِش الزرع والنخل. فقال لأصحابه: «قوموا». فقاموا. فدخل الحائط، والجمل في ناحيته، فمشى النبيُّ - ﷺ - نحوه، فقالت الأنصار: يا نبيَّ الله إنه قد صار مثل الكَلْب الكَلِب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال: «ليس عليَّ منه بأس». فلما نظر الجملُ إلى رسول الله - ﷺ - أقبل نحوه حتى خرَّ ساجدًا بين يديه. فأخذ رسول الله - ﷺ - بناصيته أذلَّ ما كان قطُّ حتى أدخَلَه في العمل. فقال له أصحابه (^٢): يا نبيَّ الله، هذا بهيمة لا تعقل، تسجد لك؛ ونحن نعقل، فنحن أحقُّ أن نسجد لك. قال: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر. ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حقِّه عليها. والذي نفسي بيده، لو كان من قدمه إلى مَفْرِق رأسه يتبجَّس (^٣) بالقَيح والصديد ثم استقبلته تلحَسُه ما أدَّتْ حقَّه». ذكره أحمد (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ الخطية والمطبوعة: «نسير»، وهو تصحيف ما أثبت من «المسند» (١٢٦١٤). وفي أول الحديث فيه: «كان أهل بيت من الأنصار لهم جملٌ يسنُون عليه ...». والواوي أشهر من اليائي. ويسنون عليه، أي يسقون عليه.\n(^٢) ك: «الصحابة»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) أثبت في المطبوع: «تتبجَّس» من «المسند»، وذهب عليه أنه فيه صفة للقرحة.\n(^٤) برقم (١٢٦١٤) من حديث أنس. ورواه أيضًا أبو نعيم في «الدلائل» (٢٨٧)، والضياء (١٨٩٥). وفيه خلف بن خليفة، وكان قد اختلط. وله شاهد مختصر عند الترمذي (١١٦١)، وابن حبان (٤١٦٢) .. حسَّنه المنذري في «الترغيب» (٣/ ٩٩)، وابن كثير في «البداية» (٦/ ١٤١). وقال محققو «المسند»: «صحيح لغيره دون قوله: «والذي نفسي بيده لو كان من قدمه ... حقَّه». وهذا الحرف تفرَّد به حسين المرُّوذي عن خلف بن خليفة، وخلف كان قد اختلط قبل موته».","vol":"5","page":309},{"text":"فأخذ المشركون مع مريديهم بسجود الجمل لرسول الله - ﷺ -، وتركوا قوله: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر»! وهؤلاء شرٌّ من الذين يتَّبعون المتشابه ويدَعُون المحكم.\nوسئل - ﷺ -، فقيل له: إن أهل الكتاب يتخفَّفون، ولا ينتعلون. يعني: في الصلاة. قال: «فتخفَّفُوا (^١)، وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب». قالوا: فإن أهل الكتاب يقصُّون عثانينهم، ويوفِّرون سِبالهم. فقال: «قُصُّوا سِبالَكم، ووفِّروا عثانينكم، وخالفوا أهلَ الكتاب». ذكره أحمد (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا نبيَّ الله، مررتُ بغارٍ فيه شيءٌ من ماء، فحدَّثتُ نفسي بأن أقيم فيه، فيقوتني ما فيه من ماء، وأصيبُ ما حوله من البقل، وأتخلَّى عن الدنيا. فقال النبي - ﷺ -: «إني لم أُبعَث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بُعِثْتُ بالحنيفية السمحة. والذي نفسُ محمد بيده، لَغَدوةٌ أو رَوحةٌ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولَمَقامُ أحدكم في الصفِّ خيرٌ من صلاته ستين سنة» (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «يتحفون ... فتحفوا» بإهمال الحاء. وفي الطبعات القديمة: «يحتفون ... فاحتفوا». وفي المطبوع: «يحتفون ... فتحفوا». والصواب ما أثبت من «المسند» وغيره. و«يتخفَّفون» أي يلبسون الخفّ. فإن صح ما في النسخ فهو: «يتخفَّون فتخَفَّوا»، مثل تظنَّى من تظنَّن، وتقضَّى من تقضَّض. قلب الحرف الأخير ياءً لتوالي الأمثال.\n(^٢) برقم (٢٢٢٨٣) من حديث أبي أمامة. ورواه أيضًا الطبراني (٨/ ٢٣٦)، والبيهقي في «الشعب» (٥٩٨٧). وفيه زيد بن يحيى، حسن الحديث. انظر: «مجمع الزوائد» (٥/ ١٣١).\n(^٣) رواه أحمد (٢٢٢٩١) والطبراني (٨/ ٢١٦) من حديث أبي أمامة. وفيه معان بن رفاعة وعلي بن يزيد، فيهما لين. ضعفه الهيثمي (٥/ ٢٧٩)، والعيني في «عمدة القاري» (١٤/ ١٢٩).","vol":"5","page":310},{"text":"فصل\n[٢٣٦/أ] وأخبرهم أن الله ﷾ حرَّم عليهم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (^١)، فسألوه، وقالوا: أرأيت شحوم الميتة، فإنه يُطلى بها السفن، ويُدهَن بها الجلود، ويستصبح بها الناس. فقال: «هو حرام». ثم قال: «قاتَل الله اليهود، فإن الله لما حرَّم عليهم شحومها جمَلوه (^٢)، ثم باعوه وأكلوا ثمنه» (^٣).\nوفي قوله: «هو حرام» قولان، أحدهما: أن هذه الأفعال حرام. والثاني: أن البيع حرام وإن كان المشتري يشتريه لذلك. والقولان مبنيَّان على أن السؤال منهم هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع أو وقع عن الانتفاع (^٤) المذكور؟ والأول اختيار شيخنا (^٥). وهو الأظهر، لأنه لم يخبرهم أولًا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه، وإنما أخبرهم عن تحريم البيع، فأخبروه أنهم يتبايعونه (^٦) لهذا الانتفاع. فلم يرخِّص لهم في البيع،\n_________\n(^١) أثبت في المطبوع: «الأنصاب» خلافًا لما في النسخ وفي «الصحيحين».\n(^٢) أي أذابوه واستخرجوا دهنه.\n(^٣) رواه البخاري (٢٢٣٦) ومسلم (١٥٨١) من حديث جابر.\n(^٤) «أو وقع عن الانتفاع» سقط من ز لانتقال النظر، فصار النص: «... لهذا الانتفاع المذكور» فلما استدرك الساقط في بعض النسخ الخطية أو المطبوعة زيد بعد ذلك «أو وقع عن الانتفاع المذكور»، فتكررت كلمة «المذكور» في النسخ المطبوعة.\n(^٥) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٦٦٤).\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «يبتاعونه».","vol":"5","page":311},{"text":"ولم ينههم عن الانتفاع المذكور. ولا تلازم بين جواز البيع وحِلِّ المنفعة. والله أعلم.\nوسأله - ﷺ - أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال: «أَهْرِقْها». قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: «لا». حديث صحيح (^١). وفي لفظ: أن أبا طلحة قال: يا رسول الله، إني اشتريتُ خمرًا لأيتامٍ في حِجْري، فقال: «أهرِقِ الخمرَ، واكسِر الدِّنَان» (^٢).\nوسأله - ﷺ - حكيم بن حزام، فقال: الرجل يأتيني ويريد مني البيع، وليس عندي ما يطلب؛ أفأبيع منه، ثم أبتاع من السوق؟ قال: «لا تبِعْ ما ليس عندك». ذكره أحمد (^٣).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٢١٨٩)، وأبو داود (٣٦٧٥)، وأبو يعلى (٤٠٥١)، والدارقطني (٤/ ٢٦٥)، والبيهقي (٦/ ٣٧) من حديث أنس. صححه النووي في «المجموع» (٢/ ٥٧٥) وابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٦٣٠).\n(^٢) رواه الترمذي (١٢٩٣)، والطبراني (٥/ ٩٩)، والدارقطني (٤/ ٢٦٥) من حديث أنس عن أبي طلحة. وفيه ليث بن أبي سليم، ضعيف. وله شاهد مختصر عند الطحاوي في «مشكل الآثار» (٣٣٣٩)، وفيه قيس بن الربيع، ضعيف أيضًا.\n(^٣) برقم (١٥٣١١) من حديث حكيم بن حزام. ورواه أيضًا أبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢)، والنسائي (٤٦١٣)، وابن ماجه (٢١٨٧). وفيه يوسف بن ماهك لم يسمع من حكيم بن حزام، قاله أحمد (جامع التحصيل- ص ٣٧٧)، وأشار إليه البخاري في «التاريخ الكبير» (٥/ ١٥٨)، وكذلك ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/ ١٢٦). انظر للطرق: «نصب الراية» (٤/ ٣٢). وصححه ابن حبان (٤٩٨٣)، والنووي في «المجموع» (٩/ ٢٥٩)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٤٨٨)، والحافظ في «التلخيص» (٣/ ٥).","vol":"5","page":312},{"text":"وسأله - ﷺ - أيضًا، فقال: إني أبتاع هذه البيوع، فما يحِلُّ لي منها، وما يحرُم عليَّ منها؟ قال: «يا ابن أخي لا تبيعنَّ شيئًا حتى تقبضه». ذكره أحمد (^١).\n\nوعند النسائي (^٢): ابتعتُ طعامًا من طعام الصدقة، فربحتُ فيه قبل أن أقبضه. فأتيت رسول الله - ﷺ -، فذكرت له ذلك، فقال: «لا تبعه حتى تقبضه».\nوسئل - ﷺ - عن الإشقاح الذي إذا وُجِد جاز بيعُ الثمار، فقال: «تحمارُّ، وتصفارُّ، ويؤكل منها». متفق عليه (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: ما الشيء الذي لا يحِلُّ منعُه (^٤)؟ قال: «الماء». قال: ما الشيء الذي لا يحِلُّ منعه؟ قال: «الملح». قال: ثم ماذا؟ قال: «النار» (^٥). ثم سأله - ﷺ -: ما الشيء الذي لا يحِلُّ منعه؟ قال: «أن تفعل الخيرَ\n_________\n(^١) عن حكيم بن حزام (٤٦٠٣)، والطبراني (٣/ ١٩٧)، وابن حبان (٤٩٨٥)، من طريق عطاء عن حكيم. انظر: «إرواء الغليل» (١٢٩٢).\n(^٢) رواه البخاري (٢١٩٦) ومسلم (١٥٣٦) من حديث جابر بن عبد الله، ولفظه: «قال: قلت لسعيد: ما تشقح؟ قال: تحمار ...». فالسائل سليم بن حيان، والمجيب سعيد بن ميناء الراوي عن جابر. وانظر: «فتح الباري» (٤/ ٣٩٧).\n(^٣) ك، ب: «بيعه».\n(^٤) لم أجد ذكر النار في هذا الحديث في «سنن أبي داود» وغيرها. نعم، ذكرت في حديث عائشة في «سنن ابن ماجه» (٢٤٧٤).\n(^٥) برقم (١٥٣١٦) من حديث حكيم بن حزام. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» (٦١٥١)، وابن حبان (٤٩٨٣). وفيه عبد الله بن عصمة بين يوسف بن ماهك وحكيم بن حزام، وعبد الله ضعيف. وانظر الحديث السابق.","vol":"5","page":313},{"text":"خيرٌ لك». ذكره أبو داود (^١).\nوسئل أن يُحْجَر على رجل يُغْبَن في البيع لضعفٍ في عُقْدته (^٢)، فنهاه عن البيع، فقال: لا أصبر عنه. فقال: «إذا بايعتَ فقل: لا خلابة. وأنت في كلِّ سلعة ابتعتَها بالخيار ثلاثًا» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن رجل ابتاع غلامًا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا، فردَّه عليه. فقال البائع: يا رسول الله قد استغلَّ غلامي، فقال: «الخراج بالضمان». ذكره أبو داود (^٤).\n_________\n(^١) برقم (١٦٦٩). ورواه أيضًا أحمد (٢٥/ ٢٩٣)، وابن ماجه (٢٤٧٤)، والدارمي (٢٦٥٥) من حديث أبي بهيسة، والحديث ضعيف. انظر: «بيان الوهم» (٣/ ٢٦٢)، و«تحفة الأشراف» (١١/ ٢٢٩)، و«التلخيص الحبير» (٣/ ٦٥)، و«الضعيفة» (١٢٠).\n(^٢) يعني: في عقله.\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) رواه أبو داود (٣٥١٠) من حديث عائشة. قال البخاري في «العلل الكبير» للترمذي (ص ٢٠٣): إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي، ومسلم ذاهب الحديث.\nورواه أيضًا أحمد (٢٤٢٢٤، ٢٥٩٩٩) وأبو داود (٣٥٠٨، ٣٥٠٩) والترمذي (١٢٨٥) والنسائي (٤٤٩٠) وابن ماجه (٢٢٤٢). وفيه مخلد بن خفاف، قال البخاري في «العلل الكبير» (ص ٢٠٢): «لا أعرف له غير هذا الحديث، وهذا حديث منكر»، وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/ ٣٤٧): «وليس هذا بإسناد تقوم به الحجة ... غير أني أقول به لأنه أصلح من أراء الرجال».\nورواه الترمذي (١٢٨٦) من طريق عمر بن علي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، واستغربه البخاري وضعفه. انظر: «العلل الكبير» (ص ٢٠٣). وقال أحمد كما في «العلل المتناهية» (٢/ ٥٩٧): لا أرى لهذا الحديث أصلًا.\nوذكر الطحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ٢١) أن العلماء تلقوا هذا الخبر بالقبول. ويؤيده تفسير الترمذي لقوله: «الخراج بالضمان» عقب الحديث. ويشهد له ما روي من آثار السلف، انظر: «مصنف عبدالرزاق» (٨/ ١٧٦ - باب: الضمان مع النماء) و«مصنف ابن أبي شيبة» (٢١٥٣٨ وبعده - في الرجل يشتري العبد أو الدار فيستغلها). وانظر لمن يقول به من الأئمة: «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ٢٤٣).","vol":"5","page":314},{"text":"وسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إني امرأة أبيع وأشتري، فإذا أردت أن أبتاع الشيءَ سُمْتُ به أقلَّ مما أريد، ثم زدت حتى أبلغ الذي أريد. وإذا أردتُ أن أبيع الشيء سُمْتُ به أكثرَ من الذي أريد، ثم وضعتُ حتى أبلغ الذي أريد. فقال: «لا تفعلي. إذا أردتِ أن تبتاعي شيئًا فاستامي به الذي تريدين، أُعطيتِ أو مُنعتِ. وإذا أردتِ أن تبيعي شيئًا فاستامي به الذي تريدين، أُعطيتِ [٢٣٦/ب] أو مُنعتِ». ذكره ابن ماجه (^١).\nوسأله - ﷺ - بلال عن تمر رديء باع منه صاعين بصاع جيد، فقال: «أَوَّهْ، عينُ الربا، لا تفعل. ولكن إذا أردت أن تشتري فبعِ التمر بيعًا آخرَ، ثم اشتر بالثمن». متفق عليه (^٢).\nوسأله - ﷺ - البراء بن عازب، فقال: اشتريتُ أنا وشريكي شيئًا يدًا بيدٍ ونسيئةً، فسألنا النبيَّ - ﷺ -، فقال: «أما ما كان يدًا بيدٍ فخذوه، وما كان نسيئةً\n_________\n(^١) برقم (٢٢٠٤). ورواه أيضًا الطبراني (٨/ ٤١٨)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٧٨١٧)، من حديث قَيْلَة. والحديث ضعيف، ضعفه المزي في «تحفة الأشراف» (١٢/ ٤٧٧)، والبوصيري في «المصباح» (٢/ ١٣)، والألباني في «الضعيفة» (٢١٥٦).\n(^٢) البخاري (٢٣١٢) ومسلم (١٥٩٤) من حديث أبي سعيد، وقد تقدَّم.","vol":"5","page":315},{"text":"فذروه». ذكره البخاري (^١). وهو صريح في تفريق الصفقة. وعند النسائي (^٢) عن البراء قال: كنت وزيد بن أرقم تاجرين على عهد رسول الله - ﷺ -، فسألناه عن الصرف، فقال: «إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئةً فلا يصلح».\nوسأله - ﷺ - فَضالة بن عُبيد عن قلادة اشتراها يوم خيبر باثني عشر دينارًا فيها ذهَب وخَرَز، ففصَّلها، فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فقال: «لا تباع حتى تُفصَّل». ذكره مسلم (^٣).\nوهو يدل على أن مسألة «مُدُّ عَجْوة» (^٤) لا تجوز إذا كان أحد العوضين فيه ما في الآخر وزيادة، فإنه صريح الربا. والصواب أن المنع مختصٌّ بهذه الصورة التي جاء فيها الحديث وما شابهها من الصور.\nوسئل - ﷺ - عن بيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل، فقال: «لا بأس إذا كان يدًا بيد». ذكره أحمد (^٥).\nوسأله - ﷺ - ابن عمر، فقال: أشتري الذهب بالفضة؟ فقال: «إذا أخذتَ واحدًا منهما فلا يفارِقْك صاحبُك، وبينك وبينه لَبْسٌ». وفي لفظ: كنت أبيع الإبل، وكنت آخذ الذهب من الفضة، والفضة من الذهب، والدنانير من الدراهم، والدراهم من الدنانير؛ فسألت النبي - ﷺ -، فقال: «إذا أخذتَ أحدهما، وأعطيتَ الآخر، فلا يفارِقْك صاحبُك، وبينك وبينه لَبْسٌ». ذكره\n_________\n(^١) برقم (٢٤٩٧).\n(^٢) برقم (٤٥٧٦)، وهو في البخاري (٢٠٦٠، ٢٠٦١).\n(^٣) برقم (١٥٩١).\n(^٤) سبقت أكثر من مرة.\n(^٥) من حديث ابن عمر (١٠/ ١٢٥). وقد تقدَّم جزء منه.","vol":"5","page":316},{"text":"ابن ماجه (^١).\nوتفسير هذا ما في اللفظ الذي عند أبي داود (^٢) عنه: قلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع (^٣)، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير. آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه. فقال: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء». ذكره أحمد (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن اشتراء التمر بالرُّطَب، فقال: «أينقص الرُّطَب إذا يبس؟». قالوا: نعم. فنهى عن ذلك. ذكره أحمد والشافعي ومالك - ﵁ - (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن رجل أسلف في نخل، فلم يُخرِجْ تلك السنَة، فقال: «اردد عليه ماله». ثم قال: «لا تُسلِفوا في النخل حتى يبدو صلاحه» (^٦).\n_________\n(^١) برقم (٢٢٦٢) من حديث عبد الله بن عمر. والأول لفظ أحمد (٤٨٨٣). ورواه أيضًا الترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٤٥٨٣)، من طريق سماك، والصواب وقفه. رجح الوقف الترمذي، والدارقطني في «العلل» (١٣/ ١٨٤)، والبيهقي (٥/ ٢٨٤)، وابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/ ٢٦).\n(^٢) برقم (٣٣٥٤). ورواه أيضًا أحمد (٦٢٣٩)، والترمذي (١٢٤٥)، وابن ماجه (٢٢٦٢). والصواب فيه الوقف. انظر الحديث السابق، و«نصب الراية» (٤/ ٣٤)، و«بيان الوهم» (٤/ ٥٤).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «بالنقيع». وفي «السنن» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٤) انظر التخريج السابق.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) رواه أحمد (٥٠٦٧)، وأبو داود (٣٤٦٧) واللفظ له، والبيهقي (٦/ ٢٤)، من حديث ابن عمر، وفيه رجل نجراني مبهم. ضعفه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٣٠١)، وعبد الحق في «الأحكام الوسطى» (٣/ ٢٧٧)، والحافظ في «الفتح» (٤/ ٤٣٣).","vol":"5","page":317},{"text":"وفي لفظ (^١): أن رجلًا أسلَمَ في حديقة نخلٍ قبل أن يُطلِع النخلُ، فلم يُطِلع النخلُ شيئًا ذلك العام، فقال المشتري: هو لي حتى يُطلِع، وقال البائع: إنما بعتك النخل هذه السنة. فاختصما إلى النبي - ﷺ -، فقال للبائع: «أخذ من نخلك شيئًا؟». قال: لا. قال: «فبم تستحِلُّ ماله؟ اردد عليه ماله». ثم قال: «لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه».\nوهو حجة لمن لم يجوِّز السلم إلا في موجود الجنس حالَ العقد، كما يقوله الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي.\n[٢٣٧/أ] وسأله - ﷺ - رجل، فقال: إن بني فلان قد أسلموا ــ لقوم (^٢) من اليهود ــ وإنهم قد جاعوا، فأخاف أن يرتدُّوا. فقال النبي - ﷺ -: «من عنده؟». قال رجل من اليهود: عندي كذا وكذا ــ لشيءٍ سمَّاه ــ أراه قال: ثلاثمائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط بني فلان. فقال رسول الله - ﷺ -: «بسعر كذا وكذا، وليس من حائط بني فلان». ذكره ابن ماجه (^٣).\nفصل\nوسأله - ﷺ - حمزة بن عبد المطلب فقال: اجعلني على شيء أعيش به، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا حمزة، نفسٌ تُحييها أحبُّ إليك، أم نفسٌ تُميتها؟».\n_________\n(^١) لابن ماجه (٢٢٨٤). وانظر التخريج السابق.\n(^٢) في النسخ الخطية: «القوم»، وهو خطأ.\n(^٣) برقم (٢٢٨١) من حديث عبد الله بن سلام. وفيه الوليد بن مسلم، وصرح بالسماع، فالحديث صحيح. صححه ابن حبان (٢٨٨)، والحاكم (٣/ ٦٠٤)، وثق رجاله الحافظ في «الإصابة» (٢/ ٥٠١)، وحسنه المزي في «تهذيب الكمال» (٣/ ٣٤٧).","vol":"5","page":318},{"text":"فقال: نفسٌ أحييها. قال: «عليك نفسَك». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ -: ما عملُ الجنة؟ قال: «الصدق، فإذا صدَق العبدُ برَّ، وإذا برَّ آمن، وإذا آمن دخل الجنة» (^٢).\nوسئل - ﷺ -: ما عمل النار (^٣)؟ قال: «الكذب، إذا كذَب العبدُ فجَر، وإذا فجَر كفَر، وإذا كفَر دخل النار» (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن أفضل الأعمال؟ فقال: «الصلاة». قيل: ثمَّ مَه؟ قال: «الصلاة» ثلاث مرات. فلما غلب عليه قال: «الجهاد في سبيل الله». قال الرجل: فإن لي والدين. قال: «آمرك بالوالدين خيرًا». قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا، لأجاهدنَّ ولأتركهما (^٥). فقال: «أنت أعلم». ذكره أحمد (^٦).\nوسئل - ﷺ - عن الغُرف التي في الجنة، يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، لمن هي؟ قال: «لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله\n_________\n(^١) برقم (٦٦٣٩) من حديث عبدالله بن عمرو. وفيه ابن لهيعة، فيه لين. وضعف الحديث المنذري في «الترغيب» (٣/ ١٨١)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٠٢).\n(^٢) رواه أحمد (٦٦٤١) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه ابن لهيعة، فيه لين. وضعف به الحديث الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٩٢).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «أهل النار»، ولعله تصرف من بعض الناشرين.\n(^٤) من الحديث السابق.\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي مطبوعة «المسند»: «ولأتركنَّهما».\n(^٦) رواه أحمد (٦٦٠٢) وابن حبان (١٧٢٢) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه ابن لهيعة. وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٨١٩): منكر.","vol":"5","page":319},{"text":"قائمًا والناس نيام» (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل: أرأيت إن جاهدتُ بنفسي ومالي، فقُتِلتُ صابرًا محتسبًا مقبلًا غيرَ مدبر، أدخل الجنة؟ قال: «نعم». فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا. قال: «إلا إن متَّ وعليك دَينٌ ليس (^٢) عندك وفاؤه» (^٣).\nوأخبرهم بتشديدٍ أُنزِل، فسألوه عنه، فقال: «الدَّين. والذي نفسي بيده، لو أن رجلًا قُتِل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قُتل في سبيل الله، ما دخل الجنةَ حتى يُقضى دينُه» (^٤).\nذكرهما أحمد.\nوسأله - ﷺ - رجل عن أخيه مات وعليه دَين، فقال: «هو محبوس بدَينه، فاقضِ عنه». فقال: يا رسول الله، قد أدَّيتُ عنه إلا دينارين ادَّعتْهما امرأةٌ وليس لها بينة. فقال: «أعطِها فإنها مُحِقّة». ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وليس».\n(^٣) رواه أحمد (١٤٤٩٠)، والبزار (١٣٣٧ - كشف الأستار)، وأبو يعلى (١٨٥٧) من حديث جابر بن عبد الله. وفيه عبد الله بن عقيل، حسن الحديث. وحسن الحديث الهيثمي (٤/ ١٢٧). وله شاهد عند مسلم (١٨٨٥).\n(^٤) رواه أحمد (٢٢٤٩٣)، والنسائي (٤٦٨٤)، والطبراني (١٩/ ٥٦٠)، والحاكم (٢/ ٢٥) من حديث محمد بن عبد الله بن جحش. وفيه مولاه أبو كثير، لم يوثقه غير ابن حبان، وروى عنه ثلاثة من الثقات. وقال الحافظ في «التقريب» (٨٣٢٥): ثقة، وقال في «الفتح» (١/ ٤٧٩): روى عنه جماعةٌ، لكن لم أجد فيه تصريحًا بتعديل.\n(^٥) برقم (٢٠٠٧٦) من حديث سعد بن الأطول. ورواه أيضًا ابن ماجه (٢٤٣٣) وأبو يعلى (١٥١٠)، وفيه عبد الملك أبو جعفر، وهو مجهول. ورواه البخاري في «التاريخ» (٤/ ٤٥) والبيهقي (١٠/ ١٤٢)، من طريق الجريري، قد اختلط، لكن رواه حماد قبل ذلك. وحسن الحديث البوصيري في «الإتحاف» (٣/ ٣٦٩)، والألباني في «الإرواء» (١٦٦٧). وانظر للشواهد: تعليق محققي «المسند».","vol":"5","page":320},{"text":"وفيه دليل على أن الوصي إذا علم ثبوتَ (^١) الدَّين على الميت جاز له وفاؤه وإن لم تقم به بينة.\nوسألوه - ﷺ - أن يسعِّر لهم، فقال: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق. وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتُها إياه في دم أو مال». ذكره أحمد (^٢).\nفصل\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: أرضي ليس لأحد فيها شَرِكةٌ ولا قِسْمةٌ إلا الجار. فقال: «الجار أحقُّ بصَقَبه». ذكره أحمد (^٣).\nوالصواب العمل بهذه الفتوى إذا اشتركا في طريق أو حقٍّ من حقوق الملك (^٤).\nوسئل - ﷺ -: [٢٣٧/ب] أيُّ الظلم أعظم؟ قال: «ذراع من الأرض ينتقصه من حقِّ أخيه. وليست حصاةٌ من الأرض أخَذَها إلا طُوِّقَها يوم القيامة إلى\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بثبوت».\n(^٢) (١٢٥٩١) من حديث أنس. ورواه أيضًا أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠). صححه الترمذي وابن حبان (٤٩٣٥).\n(^٣) برقم (١٩٤٦١) من حديث الشريد بن سويد، واللفظ للنسائي (٤٧٠٣)، وقد تقدَّم.\n(^٤) سبق الكلام عليه مع ذكر أقوال الفقهاء والترجيح.","vol":"5","page":321},{"text":"قعر الأرض، ولا يعلم قعرَها إلا الذي خلقها». ذكره أحمد (^١).\nوأفتى - ﷺ - في شاة ذُبحت بغير إذن صاحبها وقُدِّمت إليه= أن تُطْعَم الأسارى. ذكره أبو داود (^٢).\nفصل\nوأفتى - ﷺ - بأنَّ ظهرَ الرهن يُركَب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنَ الدَّرِّ يُشرَب بنفقته إذا كان مرهونًا؛ وعلى الذي يركب ويشرب: النفقة. ذكره البخاري (^٣).\nوأخذ أحمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى، وهو الصواب (^٤).\nوأفتى - ﷺ - بأن الرَّهن لا يُغلَق من صاحبه الذي رهَنه. له غُنْمه، وعليه غُرْمه. حديث حسن (^٥).\nوأفتى - ﷺ - في رجلٍ أصيب في ثمار ابتاعها، فكثُر دينُه؛ فأمر أن يتصدَّق عليه، فلم يُوفِ ذلك دينَه، فقال للغرماء: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا\n_________\n(^١) برقم (٣٧٦٧، ٣٧٧٣)، والطبراني (١٠/ ٢١٦)، من حديث عبدالله بن مسعود. وفيه ابن لهيعة، فيه لين، وأيضًا أبو عبدالرحمن الحُبُلي لم يسمع من ابن مسعود. انظر: تعليق أحمد شاكر على «المسند» (٣٧٦٧)، و«الضعيفة» (٦٧٦٢).\n(^٢) برقم (٣٣٣٢) وقد تقدَّم.\n(^٣) برقم (٢٥١٢) وقد تقدَّم.\n(^٤) سبق الكلام على المسألة.\n(^٥) تقدَّم تخريجه.","vol":"5","page":322},{"text":"ذلك». ذكره مسلم (^١).\nوأفتى - ﷺ - من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحقُّ به من غيره. متفق عليه (^٢).\nفصل\nوسألته - ﷺ - امرأة عن حُليٍّ لها تصدَّقت به، فقال لها: «لا يجوز لامرأة عطيةٌ في مالها إلا بإذن زوجها» (^٣).\nوفي لفظ: «لا يجوز للمرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجُها عصمتَها». ذكره أهل السنن (^٤).\nوعند ابن ماجه (^٥): أن خَيْرةَ امرأة كعب بن مالك أتته بحُلِيٍّ، فقالت:\n_________\n(^١) برقم (١٥٥٦) وقد تقدم.\n(^٢) البخاري (٢٤٠٢) ومسلم (١٥٥٩)، وقد سبق غير مرة.\n(^٣) رواه أحمد (٦٧٢٧)، وأبو داود (٣٥٤٧)، والنسائي (٣٧٥٧)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وإسناده صحيح، صححه البيهقي (٦/ ٦٠)، وابن الملقن في «تحفة المحتاج» (٢/ ٢٦١)، وحسنه البوصيري في «الإتحاف» (١/ ٤٦١).\n(^٤) رواه أحمد (٧٠٥٨)، وأبو داود (٣٥٤٦)، والنسائي (٣٧٥٦)، وابن ماجه (٢٣٨٨) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وإسناده صحيح، صححه البيهقي (٦/ ٦٠)، وأحمد شاكر في «تحقيق المسند» (١٢/ ١٨). وانظر الحديث السابق.\n(^٥) برقم (٢٣٨٩) من حديث خيرة امرأة كعب بن مالك. ورواه أيضًا الطبراني (٢٤/ ٦٥٤). وفيه عبد الله بن يحيى بن كعب بن مالك وأبوه، في عداد المجاهيل. ضعف الحديث الحافظ في «الإصابة» (٨/ ١٢٤)، والبوصيري في «المصباح» (٢/ ٤٠). وضعفه الطحاوي وابن عبد البر. انظر: «الصحيحة» (٨٢٥).","vol":"5","page":323},{"text":"تصدَّقتُ بهذا. فقال: «هل استأذنتِ كعبًا؟». فقالت: نعم. فبعث إلى كعب، فقال: «هل أذِنتَ لخيرة أن تتصدَّق بحُليِّها هذا؟». فقال: نعم. فقبله رسول الله - ﷺ -.\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: ليس لي مال، ولي يتيم. فقال: «كُلْ من مال يتيمك غيرَ مسرف، ولا مبذِّر، ولا متأثِّل مالًا، ومن غير أن تقيَ مالَك ــ أو قال: تفدي مالَك ــ بماله» (^١).\nولما نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] عزلوا أموال اليتامى، حتى جعل الطعامُ يفسُد، واللحمُ يُنْتِن. فسألوا عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فنزلت ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ذكره أحمد وأهل السنن (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن لُقَطة الذهب والورق، فقال: «اعرِفْ وِكاءها وعِفاصَها، ثم عرِّفها سنةً. فإن لم تعرف فاستنفِقها، ولتكن وديعةً عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدِّها إليه». فسئل - ﷺ - عن ضالَّة الإبل. قال: «ما لك ولها؟ دَعْها، فإن معها حذاءها وسقاءها، ترِد الماءَ، وتأكل الشجر حتى يجدها\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦٧٤٧)، وأبو داود (٢٨٧٢)، والنسائي (٣٦٦٨)، وابن ماجه (٢٧١٨)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وإسناده صحيح، وقال الحافظ في «العجاب» (٢/ ٨٣٣): رجاله إلى عمرو ثقات. وصححه أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (١١/ ١٩٢)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (١٤٥٦).\n(^٢) رواه أحمد (٣٠٠٠)، وأبو داود (٢٨٧١)، والنسائي (٣٦٧٠)، من حديث عبدالله بن عباس. وفيه عطاء بن السائب، قد اختلط. والراجح فيه الإرسال، رجحه الحافظ في «الفتح» (٥/ ٤٦٣) وفي «العجاب» (١/ ٥٥٠).","vol":"5","page":324},{"text":"ربُّها». فسئل - ﷺ - عن الشاة. فقال: «خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب». متفق عليه (^١).\nوفي لفظ لمسلم (^٢): «فإن جاء صاحبها فعرِّف عِفاصَها وعددَها ووِكاءَها، فأعطها إياه، وإلا فهي لك».\nوفي لفظ لمسلم (^٣): «ثم كُلْها، فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه».\nوقال أُبيُّ بن كعب: وجدتُ صُرَّةً على عهد النبي (^٤) - ﷺ -، فيها مائة دينار. فأتيتُ بها النبيَّ - ﷺ -، فقال: «عرِّفها حولًا». فعرَّفتها حولًا، ثم أتيتُه بها، فقال: «عرِّفها حولًا». فعرَّفتها [٢٣٨/أ] ثم أتيته بها، فقال: «عرِّفها حولًا». فعرَّفتُها حولًا (^٥)، ثم أتيته (^٦) الرابعة، فقال: «اعرف عِدَّتها ووكاءها ووعاءها، فإن جاء صاحبُها، وإلا فاستمتِع بها». فاستمتعتُ (^٧). متفق عليه (^٨)، واللفظ للبخاري.\nوسأله - ﷺ - رجل من مُزَينة عن الضالَّة من الإبل، قال: «معها حذاؤها\n_________\n(^١) البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢) من حديث زيد بن خالد الجهني. وقد تقدَّم الجزء الأول منه والكلام على اللقطة غير مرة.\n(^٢) برقم (١٧٢٢/ ٦).\n(^٣) برقم (١٧٢٢/ ٧).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «رسول الله».\n(^٥) «حولًا» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٦) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «بها».\n(^٧) هنا أيضًا زيد في النسخ المطبوعة: «بها».\n(^٨) البخاري (٢٤٣٧) ومسلم (١٧٢٣).","vol":"5","page":325},{"text":"وسقاؤها، تأكل الشجر، وترِدُ الماء، فدَعْها حتى يأتيها باغيها». قال: الضالَّة من الغنم؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها». قال: الحريسة (^١) التي توجد في مراتعها؟ قال: «فيها ثمنُها مرتين، وضربُ نكال. وما أُخِذ من عَطَنه (^٢)، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المِجَنّ». قال: يا رسول الله، فالثمار وما أُخذ منها في أكمامها؟ قال: «ما أخَذ بفمه، فلم يتخذ خُبْنةً (^٣)، فليس عليه شيء. وما احتمَل فعليه ثمنُه مرتين وضربًا ونكالًا. وما أُخِذ من أجرانه (^٤) ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المِجَنّ». قالوا: يا رسول الله، فاللقطة يجدها في سبيل العامرة؟ قال: «عرِّفها حولًا، فإن وجدتَ باغيها فأدِّها إليه، وإلا فهي لك». قال: ما يوجد في الخَرِب العاديِّ؟ قال: «فيه وفي الرِّكاز الخُمْس». ذكره أحمد وأهل السنن (^٥).\nوالإفتاء بما فيه متعيِّن، وإن خالفه من خالفه؛ فإنه لم يعارضه ما يوجب تركه.\nوأفتى بأن من وجد لقطة فليُشْهِد ذوي عدل، وليحفَظْ عِفاصَها ووِكاءها. ثم لا يكتُمْ ولا يُغيِّبْ، فإن جاء ربُّها فهو أحقُّ بها، وإلا فهو مال الله\n_________\n(^١) يعني الشاة المسروقة من المرعى.\n(^٢) في النسخ الخطية: «وطنه»، والتصحيح من «المسند».\n(^٣) أي لم يأخذه في ثوبه.\n(^٤) الأجران جمع الجَرين وهو موضع تجفيف التمر.\n(^٥) رواه أحمد (٦٦٨٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بهذا الطول. ورواه مختصرًا مقتصرًا على بعض ألفاظه أبو داود (١٧٠٨)، والترمذي (١٢٨٩) وحسنه، وابن ماجه (٢٥٩٦). وإسناده صحيح، صححه ابن خزيمة (٢٣٢٧)، والحاكم (٢/ ٦٥). ولبعضه شاهد عند البخاري (٦١١٢).","vol":"5","page":326},{"text":"يؤتيه من يشاء (^١).\nوسئل - ﷺ - عن رجل جلس لحاجته، فأخرج جُرَذٌ من جُحْر دينارًا، ثم أخرج آخر (^٢)، حتى أخرج سبعة عشر دينارًا، ثم أخرج طرفَ خرقةٍ حمراء. فأتى بها السائلُ رسولَ الله - ﷺ -، فأخبره خبرَها، وقال: خذ صدقتها. قال: «ارجع بها، لا صدقة فيها، بارك الله لك فيها». ثم قال: «لعلك أهويتَ بيدك في الجُحر». قلت (^٣): لا، والذي أكرمك بالحق. فلم يَفْنَ آخرُها حتى مات (^٤).\nوقوله ــ والله أعلم ــ: «لعلك أهويتَ بيدك في الجُحْر»، إذ لو فعل ذلك لكان في حكم الرِّكاز. وإنما ساق الله هذا المال إليه بغير فعل منه، أخرجته له الأرض، بمنزلة ما يخرج من المباحات. ولهذا ــ والله أعلم ــ لم يجعله لقطة، إذ لعله علِم أنه من دفن الكفار.\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٨٣٣٦)، وأبو داود (١٧٠٩)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٧٦)، وابن ماجه (٢٥٠٥)، من حديث عِيَاض بن حمار. صححه ابن حبان (٤٨٩٤)، وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ١٠٨)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ١٥٣)، والحافظ في «مختصر البزار» (١/ ٥٤٢).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ثم أخرج آخر» مرة أخرى.\n(^٣) القائل والسائل: المقداد بن عمرو، والحديث روته ضباعة بنت الزبير، وكانت تحت المقداد.\n(^٤) رواه أبو داود (٣٠٨٧)، وابن ماجه (٢٥٠٨)، والطبراني (٢٠/ ٦١١)، والبيهقي (٤/ ١٥٥)، من حديث ضُباعة بنت الزبير. وفيه موسى بن يعقوب الزمعي، مختلف فيه، وقريبة وكريمة، مجهولتان. ضعف الحديث الحافظ في «النكت الظراف» (٨/ ٥٤).","vol":"5","page":327},{"text":"فصل\nوأهدى له - ﷺ - عياض بن حمار إبلًا قبل أن يُسلِم، فأبى أن يقبلها، وقال: «إنَّا لا نقبل زَبْدَ المشركين». قال: قلتُ (^١): وما زبدُ المشركين؟ قال: رِفْدُهم وهديتهم (^٢). ذكره أحمد (^٣).\nولا ينافي هذا قبوله هديةَ أُكَيْدِر وغيره من أهل الكتاب، لأنهم أهل كتاب، فقبِل (^٤) هديتَهم، ولم يقبل هدية المشركين.\nوسأله - ﷺ - عبادة بن الصامت، فقال: رجل أهدى إليَّ قوسًا ممن كنتُ أعلِّمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. فقال: «إن كنتَ تحبُّ أن تطوَّقَ طوقًا من نار فاقبلها» (^٥).\nولا ينافي هذا قوله: «إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله» (^٦) في قصة\n_________\n(^١) يوهم هذا السياق أن السائل عياض والمجيب هو النبي - ﷺ -. ويتبين من رواية ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٦/ ٥١٦) أن السائل ابن عون والمجيب هو الحسن البصري.\n(^٢) في «المسند» دون واو العطف.\n(^٣) برقم (١٧٤٨٢)، وكذلك أبو داود (٣٠٥٧)، والترمذي (١٨١) من حديث عياض بن حمار. صححه الترمذي، والطبري في «مسند علي» (٢٠٩)، وابن دقيق العيد في «الاقتراح» (١٠٠)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ١٢٥).\n(^٤) ز: «فتقبل».\n(^٥) رواه أحمد (٢٢٦٨٩)، وأبو داود (٣٤١٦)، وابن ماجه (٢١٥٧)، والحاكم (٢/ ٤١) من حديث عبادة بن الصامت. وفي طرق الحديث اختلاف واضطراب، ضعف الحديث ابن المديني كما نقل البيهقي (٦/ ١٢٥)، والبيهقي، والحافظ في «التلخيص» (٤/ ٧). وانظر: «علل ابن أبي حاتم» (٢/ ٧٤) و«الصحيحة» (٢٥٦).\n(^٦) ذكره البخاري وقد تقدَّم.","vol":"5","page":328},{"text":"الرقية، لأن تلك جعالة على الطب، فطبَّه بالقرآن، فأخذ الأجرَ (^١) على الطب، لا على تعليم القرآن. وهاهنا منعه من أخذ الأجرة على تعليم القرآن، فإن الله تعالى قال لنبيه: ﴿قُلْ لَا [٢٤٠/ب] أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢١]. فلا يجوز أخذ الأجرة على تبليغ الإسلام والقرآن.\nوسأله - ﷺ - أبو النعمان بن بشير أن يشهد على غلامٍ نحَلَه لابنه، فلم يشهد، وقال: «لا تُشْهِدْني على جَور». وفي لفظ: «إن هذا لا يصلح». وفي لفظ: «أكلَّ ولدك نحلتَه مثلَ هذا؟». قال: لا. قال: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم». وفي لفظ: «فارجعه». وفي لفظ: «أشهِدْ على هذا غيري». متفق عليه (^٢).\nوهذا أمرُ تهديد قطعًا، لا أمرُ إباحة، لأنه سمَّاه جورًا وخلاف العدل، وأخبر أنه لا يصلح، وأمر بردِّه. ومحالٌ مع هذا أن يأذن (^٣) في الإشهاد على ما هذا شأنه. وبالله التوفيق.\nوسأله - ﷺ - سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، فقال: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال (^٤)، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدَّق بثلثي\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «الأجرة».\n(^٢) البخاري (٢٥٨٦) ومسلم (١٦٢٣) وقد تقدَّم غير مرة.\n(^٣) يعني في قوله: «أشهد على هذا غيري». وفي ك، ب: «يأذن الله»، وفي النسخ المطبوعة: «يأذن الله له». والصواب ما أثبت من ز.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «رجل ذو مال» بزيادة «رجل»، ولم ترد الزيادة في «الصحيحين».","vol":"5","page":329},{"text":"مالي؟ قال: «لا». قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: «لا». قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفَّفون الناس، وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجِرتَ بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» متفق عليه (^١).\nوسأله - ﷺ - عمرو بن العاص فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى أن يُعتَق عنه مائةُ رقبة، فأعتق ابنُه هشامٌ خمسين، وبقيت عليه خمسون رقبة، أفأُعتِق عنه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إنه لو كان مسلمًا، فأعتقتم عنه، أو تصدَّقتم عنه، أو حججتم عنه، بلغه ذلك». ذكره أبو داود (^٢).\nفصل\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: إن ابن ابني مات، فما لي من ميراثه؟ فقال: «لك السدس». فلما أدبر دعاه، فقال: «لك سدس آخر». فلما ولَّى دعاه وقال: «إن السدس الآخر طُعْمَة». ذكره أحمد (^٣).\nوسأله - ﷺ - عمر بن الخطاب - ﵁ - عن الكلالة، فقال: «يكفيك من\n_________\n(^١) البخاري (١٢٩٥) ومسلم (١٦٢٨).\n(^٢) رواه أبو داود (٢٨٨٣)، والبيهقي (٦/ ٢٧٩)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وفيه الوليد بن مَزْيَد عن الأوزاعي، فإسناده حسن.\n(^٣) برقم (١٩٨٤٨) من حديث عمران بن حصين. ورواه أيضًا أبو داود (٢٨٩٦) والترمذي (٢١٠٤). وفي سماع الحسن عن عمران اختلاف. صححه الترمذي، وضعف بالانقطاع بينهما ابن المديني وأبو داود كما في «المحرر» (٣٤٣)، وابن عدي في «الكامل» (٩/ ١٨٢)، وابن حزم (٩/ ٢٩١).","vol":"5","page":330},{"text":"ذلك (^١) الآية التي أنزلت في الصيف في آخر سورة النساء». ذكره مالك (^٢).\nوسأله - ﷺ - جابر: كيف أقضي في مالي، ولا يرثني إلا كلالة؟ فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. ذكره البخاري (^٣).\nوسأله - ﷺ - تميم الداري: يا رسول الله، ما السنَّة في الرجل من المشركين يُسلم على يد رجل من المسلمين؟ فقال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته». ذكره أبو داود (^٤).\nوسألته - ﷺ - امرأة فقالت: كنت تصدَّقتُ على أمي بوليدة، وإنها ماتت وتركت الوليدة. قال: «قد وجب أجرك، ورجعَتْ إليك في الميراث». ذكره أبو داود (^٥). وهو ظاهر جدًّا في القول بالرد، فتأمله.\nوسئل - ﷺ - عن الكلالة، فقال: «ما خلا الولد والوالد». ذكره أبو عبد الله المقدسي في «أحكامه» (^٦).\n_________\n(^١) في ز بعده زيادة: «ما نزل في».\n(^٢) في «الموطأ» وقد تقدَّم.\n(^٣) برقم (٥٦٥١).\n(^٤) برقم (٢٩١٨) من حديث تميم الداري. ورواه أيضًا أحمد (١٦٩٤٤)، والترمذي (٢١١٢)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٧٨)، وابن ماجه (٢٧٥٢). وعبد الله بن موهب لم يدرك تميمًا. ضعف الحديث البخاري في «التاريخ» (٥/ ١٩٨ - ١٩٩)، والترمذي، والأوزاعي، والخطابي، وابن المنذر. انظر: «فتح الباري» (١٢/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٥) برقم (١٦٥٦). وقد سبق نقله من «صحيح مسلم» (١١٤٩).\n(^٦) برقم (٥٣١٥) عن البراء قال: سألت رسول الله - ﷺ - ــ أو سئل ــ عن الكلالة فقال. قال المقدسي: رواه أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل بإسناد ثقات.","vol":"5","page":331},{"text":"وسألته - ﷺ - امرأة سعد، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد، قُتِل معك يوم أحد، وإنَّ عمَّهما أخذ جميعَ ما ترك أبوهما، وإن المرأة لا تُنكَح إلا على مالها. فسكت النبيُّ - ﷺ - حتى أنزلت آية الميراث. فدعا رسول الله - ﷺ - أخا سعد بن الربيع، فقال: «أعطِ ابنتي سعد ثلثي ميراثه، وأعطِ امرأته الثمن، وخذ أنت ما بقي». [٢٤١/أ] ذكره أحمد (^١).\nوسئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف. وأْتِ ابنَ مسعود فسيتابعني. فسئل ابن مسعود وأُخْبِرَ بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي - ﷺ -: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأخت. ذكره البخاري (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: عندي ميراث رجل من الأزد، ولست أجد أزديًّا أدفعه إليه، فقال: «اذهب، فالتمس أزديًّا حولًا». فأتاه بعد الحول، فقال: يا رسول الله، لم أجد أزديًّا أدفعه إليه. قال: «فانطلق فانظُر أول خزاعيٍّ تلقاه فادفعه إليه». فلما ولَّى قال: «عليَّ بالرجل». فلما جاءه قال: «انظر كُبْرَ خزاعة (^٣)\n_________\n(^١) برقم (١٤٧٩٨) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ لابن ماجه كما صرَّح الضياء المقدسي في كتابه المذكور آنفًا (٥٣١٧) ومنه ينقل المصنف. وقد رواه أيضًا أبو داود (٢٨٩٢)، والترمذي (٢٠٩٢)، وابن ماجه (٢٧٢٠). صححه الترمذي، والحاكم (٤/ ٣٣٤)، وحسنه الألباني (١٦٧٧).\n(^٢) برقم (٦٧٣٦).\n(^٣) يعني أقعدهم في النسب. وهو أن ينتسب إلى جدِّه الأكبر بآباء أقلَّ عددًا من باقي عشيرته. انظر: «النهاية في غريب الحديث» (٤/ ١٤١). وأثبت في المطبوع: «كبير خزاعة»، وكذا في ب.","vol":"5","page":332},{"text":"فادفعه إليه». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ - عن رجل مات ولم يدع وارثًا إلا غلامًا له كان أعتقه، فقال رسول الله - ﷺ -: «هل له أحد؟». قالوا: لا، إلا غلامًا له كان أعتقه، فجعل رسول الله - ﷺ - ميراثه له. ذكره أحمد وأهل السنن (^٢). وهو حسن (^٣). وبهذه الفتوى نأخذ.\nوأفتى - ﷺ - بأن «المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنَتْ عليه». ذكره أحمد وأهل السنن (^٤). وهو حديث حسن (^٥)، وبه نأخذ.\nوأفتى - ﷺ - بأن «المرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه (^٦). فإذا قتل أحدُهما صاحبه عمدًا لم\n_________\n(^١) برقم (٢٢٩٤٤) من حديث بريدة. واللفظ لأبي داود (٢٩٠٣) كما صرَّح المقدسي في «أحكامه» (٥٣٣٦)، ثم نقل قول النسائي: والحديث منكر. وقد تقدَّم مختصرًا.\n(^٢) رواه أحمد (١٩٣٠)، وأبو داود (٢٩٠٥)، والترمذي (٢١٠٦)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٧٦)، وابن ماجه (٢٧٤١)، من حديث ابن عباس. وفيه عَوْسَجَة، لا يُعرَف. والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (١٦٦٩).\n(^٣) قاله الترمذي. وانظر: «أحكام المقدسي» (٥٣٣٧).\n(^٤) رواه أحمد (١٦٠٠٤) من حديث واثلة بن الأسقع. ورواه أيضًا أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٢٧)، وابن ماجه (٢٧٤٢). وفيه عمر بن رؤبة، ضعيف. والحديث ضعفه ابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ١٣٢)، والذهبي في «التنقيح» (٢/ ١٦٤)، والألباني في «الإرواء» (١٥٧٦).\n(^٥) كذا قال. وقد نقل المقدسي (٥٣٣٨) قول الترمذي: «حديث حسن غريب».\n(^٦) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «عمدًا».","vol":"5","page":333},{"text":"يرث من ديته وماله شيئًا. وإن قتل أحدُهما صاحبه خطأً ورث من ماله ولم يرث من ديته». ذكره ابن ماجه (^١)، وبه نأخذ.\nوأفتى - ﷺ - بأنه «أيُّما رجلٍ عاهرٍ بحُرَّة أو أمة، فالولد ولد زنا، لا يرِث ولا يورث». ذكره الترمذي (^٢).\nوقضى - ﷺ - في ولد المتلاعنين أنه يرث أمَّه وترثه أمُّه، ومن قذفها (^٣) جُلِد ثمانين، ومن دعاه ولد زنا جُلِد ثمانين. ذكره أحمد (^٤)\n_________\n(^١) برقم (٢٧٣٦) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا الدارقطني (٤٠٧٤، ٤٠٧٥)، والبيهقي (٦/ ٢٢١). وفيه محمد بن سعيد، اختلف فيه. قال الدارقطني إنه الثقفي ثقة، وتبعه البيهقي، وهو صدوق. ونصّ المزي في «تهذيب الكمال» (٢١/ ٣٦٧) أنه محمد بن سعيد (ووقع في بعض نسخ ابن ماجه عمرو بن سعيد، وهو خطأ)، مجهول. ورواه عبد الرزاق (١٧٧٧٤) من طريق ابن جريج مرسلًا، وقد عنعن. ونقل البيهقي عن الشافعي أنه لا يثبت. وقال بعض الحفاظ: منكر. انظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٣/ ١٢٢).\n(^٢) برقم (٢١١٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو، وفيه ابن لهيعة، وقد روى عنه قتيبة، فأُمِن اختلاطه. ورواه أيضًا أحمد (٦٦٩٩)، وأبو داود (٢٢٦٥)، وابن ماجه (٢٧٤٥)، وعندهم فيه محمد بن راشد المكحولي وسليمان بن موسى الأشدق، كلاهما صدوق. فالحديث صحيح لغيره إن شاء الله. والحديث حسَّنه البوصيري في «الزوائد» (٢/ ١٠٤).\n(^٣) ك: «قفالها»، وفي ب: «نفاها»، وهما تصحيف «قفاها» أي قذفها.\n(^٤) رواه أحمد (٧٠٢٨) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وفيه ابن إسحاق وقال: وذكر عمرو بن شعيب ...، وهو مدلس، فهو منقطع. انظر: «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٨٣).","vol":"5","page":334},{"text":"وأبو داود (^١). وعند أبي داود: وجعل ميراث ولد الملاعنة لأمه، ولورثتها من بعدها (^٢).\nوسأله - ﷺ - الشَّريد بن سُويَد، فقال: إن أمي أوصت أن تُعتَق عنها رقبةٌ مؤمنةٌ، وعندي جارية سوداء نوبية، فأُعتِقها (^٣) عنها؟ فقال: «ائتِ بها». فقال لها: «من ربُّكِ؟». قالت: الله، قال: «من أنا؟». قالت (^٤): رسول الله - ﷺ -. قال: «أعتِقْها فإنها مؤمنة». ذكره أهل السنن (^٥).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: عليَّ عتقُ رقبة مؤمنة، وأتاه بجارية سوداء أعجمية، فقال لها: «أين الله؟». فأشارت إلى السماء بإصبعها السبَّابة. فقال لها: «من أنا». فأشارت بإصبعها إلى رسول الله، وإلى السماء، أي أنت رسول الله. فقال: «أعتِقْها». ذكره أحمد (^٦).\n_________\n(^١) لم يخرج أبو داود هذا الحديث، والمقدسي (٥٣٧٠) أيضًا ــ ومنه النقل ــ لم يذكر أبا داود مع أحمد.\n(^٢) رواه أبو داود (٢٩٠٨) والبيهقي (٦/ ٢٥٩)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وفيه عيسى بن موسى، وأعلَّ البيهقي به الحديث، وفيه العلاء بن الحارث، قد اختلط. ورواه أيضًا الدارمي (٣٠١٠) وأبو داود (٢٩٠٧) من طريق مكحول مرسلًا.\n(^٣) ك، ب: «أفأعتقها»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «المسند» كما أثبت من ز.\n(^٤) زاد في المطبوع بعده: «أنت».\n(^٥) رواه أبو داود (٣٢٨٣)، والنسائي (٣٦٥٣)، وأحمد (١٧٩٤٥)، من حديث الشريد بن سويد. صححه ابن حبان (١٨٩). وانظر الحديث القادم.\n(^٦) برقم (٧٩٠٦) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا أبو داود (٣٢٨٤) وابن خزيمة في التوحيد (١٢٣، ١٢٤) من طريق المسعودي على وجهين، وهو مختلط. انظر للطرق والكلام على هذا الحديث مفصَّلًا: «الصحيحة» (٣١٦١، ٧/ ٤٥٦ - ٤٨٠).","vol":"5","page":335},{"text":"وسأله معاوية بن الحكم السُّلَمي، فقال: كانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبلَ أُحُد والجوَّانية (^١)، فاطلعتُ ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها. وأنا رجلٌ من بني آدم آسَفُ كما يأسفون، فصككتُها صَكَّةً. فعظَّم (^٢) عليَّ ذاك رسولُ الله - ﷺ -[٢٤١/ب]، فقلت: أفلا أُعتِقها؟ فقال: «ائتني بها». فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء. قال: «من أنا؟». قالت: أنت رسول الله. قال: «أَعتِقْها فإنها مؤمنة» (^٣).\nقال الشافعي: فلما وصفت الإيمان وأن ربها ﵎ في السماء، قال: «أَعتِقْها فإنها مؤمنة»، فقد سأل رسول الله - ﷺ -: «أين الله» (^٤).\nوسأل - ﷺ -: «أين الله؟» فأجاب من سأله بأن الله في السماء، فرضي جوابه، وعلم به أنه حقيقة الإيمان لربِّه. وأجاب هو - ﷺ - من سأله: أين الله؟ ولم ينكر هذا السؤال عليه. وعند الجَهْمي أن السؤال بأين الله كالسؤال بما لونه؟ وما طعمه؟ وما جنسه؟ وما أصله؟ ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة.\nوسألته - ﷺ - ميمونةُ أمُّ المؤمنين، فقالت: أشَعَرْتَ أني أعتقتُ وليدتي؟\n_________\n(^١) في المطبوع: «نجد الجوانية». وفي الطبعات القديمة: «نجد والجوابية». والصواب ما أثبت من (ز، ك) وكذا في «صحيح مسلم» وغيره من كتب الحديث. والجوانية: موضع في شمالي المدينة بقرب أحد. انظر: شرح النووي (٥/ ٢٣).\n(^٢) كذا في ز مع ضبط «فعظَّم»، وهو صحيح. وفي ك، ب: «فعظم ذلك على» وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) تقدم الحديث مختصرًا مع تعليق الشافعي عليه.\n(^٤) تقدَّم قول الشافعي (٣/ ٢٠٨). وقد نقله المؤلف في «زاد المعاد» (٥/ ٣٠٨) و«الصواعق المرسلة» (٤/ ١٣٠١) أيضًا.","vol":"5","page":336},{"text":"قال: «لو أعطيتِها أخوالَكِ كان أعظمَ لأجرك». متفق عليه (^١).\nوسأله - ﷺ - نفر من بني سُليم عن صاحبٍ لهم قد أوجب، يعني النار بالقتل، فقال: «أعتِقُوا عنه يُعتِق الله بكلِّ عضو منه عضوًا من النار». ذكره أبو داود (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل: كم أعفو عن الخادم؟ فصمَتَ عنه. ثم قال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ فقال: «اعفُ عنه كلَّ يوم سبعين مرة». ذكره أبو داود (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن ولد الزنا، فقال: «لا خير فيه. نعلان أجاهد فيهما في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أُعتِق ولدَ الزنا». ذكره أحمد (^٤).\nوسأله - ﷺ - سعد بن عبادة فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر، أفيجزئ عنها\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٩٢) ومسلم (٩٩٩).\n(^٢) برقم (٣٩٦٤) وقد تقدم.\n(^٣) برقم (٥١٦٤) من حديث ابن عمر. ورواه أيضًا أحمد (٥٦٣٥)، والترمذي (١٩٤٩، ١٩٥٤)، والبخاري في «التاريخ» (٧/ ٤). وبيَّن البخاري والترمذي اختلاف الرواة، وضعفه البخاري، وقال الترمذي: حسن غريب، وفيه الانقطاع. انظر «السنن الكبرى» للبيهقي (٨/ ١٠)، وتعليق محققي «المسند».\n(^٤) برقم (٢٧٦٢٤) من حديث ميمونة بنت سعد. ورواه أيضًا ابن ماجه (٢٥٣١)، والحاكم (٤/ ٤١). وفيه زيد بن جبير، ضعيف جدًا، وأبو يزيد الضَّنِّي، مجهول. والحديث ضعفه ابن حزم في «المحلى» (٩/ ٢٠٩)، والبوصيري في «المصباح» (٢/ ٢٩٨)، والألباني في «الضعيفة» (٤٦٩١).","vol":"5","page":337},{"text":"أن أُعتِق عنها؟ قال: «أعتِقْ عن أمك». ذكره أحمد (^١).\nوعند مالك (^٢): إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أُعتِقَ عنها؟ فقال: «نعم».\nواستفتته - ﷺ - عائشة، فقالت: إني أردت أن أشتري جارية فأُعتِقها، فقال أهلها: نبيعكها على أنَّ ولاءَها لنا، فقال: «لا يمنعكِ ذلك، إنما الولاء لمن أعتَق». والحديث في الصحيح (^٣).\nفقالت طائفة: يصح الشرط والعقد، ويجب الوفاء به. وهو خطأ.\nوقالت طائفة: يبطل العقد والشرط، وإنما صح عقد عائشة لأن الشرط لم يكن في صلب العقد، وإنما كان متقدِّمًا عليه، فهو بمنزلة الوعد لا يلزم الوفاء به. وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله، فالنبيُّ - ﷺ - لم يعلِّل به، ولا أشار في الحديث إليه بوجه ما. والشرط المتقدِّم كالمقارِن.\nوقالت طائفة: في الكلام إضمارٌ تقديره: اشترطي لهم الولاء، أو لا تشترطيه، فإن اشتراطه لا يفيد شيئًا؛ لأن الولاء لمن أعتق. وهذا أقرب من الذي قبله مع مخالفته لظاهر اللفظ.\nوقالت طائفة: اللام بمعنى على، أي اشترطي عليهم الولاء؛ فإنك أنتِ\n_________\n(^١) برقم (٢٣٨٤٦) من حديث سعد بن عبادة. ورواه أيضًا النسائي (٣٦٥٦) والطبراني (٦/ ١٨). وفيه سليمان بن كثير، روايته عن الزهري ضعيفة. وتابعه سفيان عند الحاكم (٣/ ٢٥٤). وأصل الحديث عند البخاري (٢٧٦١) ومسلم (١٦٣٨).\n(^٢) في «الموطأ» (٢/ ٧٧٩)، وسعيد بن منصور (٤١٨)، والبيهقي (٦/ ٢٧٩)، من حديث سعد بن عبادة، وهو منقطع بين القاسم بن محمد وبينه، وبه أعله البيهقي.\n(^٣) رواه البخاري (٤٥٦) ومسلم (١٥٠٤).","vol":"5","page":338},{"text":"التي تُعتقين، والولاء لمن أعتق. وهذا وإن كان أقلَّ تكلُّفًا مما تقدَّم، ففيه إلغاء الاشتراط. فإنها لو لم تشترطه لكان الحكم كذلك.\nوقالت طائفة: هذه الزيادة ليست من كلام النبي - ﷺ -، بل هي من قول هشام بن عروة. وهذا جواب الشافعي نفسه (^١).\nوقال شيخنا (^٢): بل الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبيُّ - ﷺ - باشتراط الولاء تصحيحًا لهذا الشرط، ولا إباحةً له، ولكن عقوبةً لمشترطه، إذ أبى أن يبيع جاريةً للعِتق (^٣) إلا باشتراط ما يخالف حكم الله [٢٤٢/أ] تعالى وشرعه. فأمَرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله، لأن (^٤) الشروط الباطلة لا تغيِّر شرعه، وإنَّ مَن شرَط ما يخالف دينه لم يجُز أن يوفَى له بشرطه، ولا يبطُل البيع به. وإنَّ مَن عَرف فساد الشرط وشَرطَه أُلغي اشتراطُه ولم يُعتبر. فتأمَّل هذه الطريقة وما قبلها من الطرق. والله تعالى أعلم.\nفصل\nوسئل - ﷺ -: أيُّ النساء خير؟ فقال: «التي تسُرُّه إذا نظر، وتُطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله». ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) نحوه في «زاد المعاد» (٥/ ١٥٠). وانظر: «الأم» للشافعي (٨/ ٧٩).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٣٧ - ٣٤٠).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «للمعتق».\n(^٤) أثبت في المطبوع: «في أن»!\n(^٥) برقم (٧٤٢١، ٩٦٥٨) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا النسائي (٣٢٣١) والحاكم (٢/ ١٦١). وفيه محمد بن عجلان قد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. والحديث ضعفه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٣١٧).","vol":"5","page":339},{"text":"وسئل - ﷺ -: أيُّ المال يُتَّخَذ؟ فقال: «ليتخذ أحدُكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجةً مؤمنةً تُعين أحدكم على أمر الآخرة». ذكره أحمد والترمذي وحسَّنه (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: إني أصبتُ امرأةً ذاتَ حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوَّجها؟ قال: «لا». ثم أتاه الثانية، فنهاه. ثم أتاه الثالثة، فقال: «تزوَّجوا الودود الولود (^٢)، فإني مُكاثِرٌ بكم الأمم» (^٣).\nوسأله - ﷺ - أبو هريرة - ﵁ -\n، فقال: إني رجل شابّ، وإني أخاف الفتنة، ولا أجد ما أتزوج به، أفلا أختصي؟ قال: فسكت عني. ثم قلت، فسكت عني. ثم قال: «يا أبا هريرة، جفَّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختصِ على ذلك أو ذَرْ». ذكره البخاري (^٤).\nوسأله - ﷺ - آخر، فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أختصي. قال: «خِصاءُ\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٢٤٣٧) واللفظ له، والترمذي (٣٠٩٤)، وابن ماجه (١٨٥٦)، من حديث ثوبان. وسالم بن أبي الجعد لم يلق ثوبان. والحديث ضعفه البخاري كما ذكره الترمذي، والحافظ في «الكاف الشاف» (١٢٨)، وأعلَّه الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٢/ ٦٨) بالاضطراب.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الولود الودود».\n(^٣) رواه أبو داود (٢٠٥٠) والنسائي (٣٢٢٧) من حديث معقل بن يسار. وفيه المستلم، حسن الحديث. صححه ابن حبان (٤٠٥٦)، والحاكم (٢/ ١٦٢). انظر للشواهد: «البدر المنير» (٧/ ٤٩٥)، و«الصحيحة» (٢٣٨٣)، و«الإرواء» (١١١٨).\n(^٤) برقم (٥٠٧٦).","vol":"5","page":340},{"text":"أمتي الصيامُ». ذكره أحمد (^١).\nوسأله - ﷺ - ناس من أصحابه، فقالوا: ذهب أهل الدُّثور بالأجور. يصلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون بفضول أموالهم. قال: «أوليس قد جعل الله لكم ما تَصَدَّقون به؟ إنَّ بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلة صدقة. وأمرٌ بمعروف صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة. وفي بُضْع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو (^٢) وضَعَها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضَعها في الحلال كان له أجر». ذكره مسلم (^٣).\nوأفتى - ﷺ - من أراد أن يتزوج امرأة بأن ينظر إليها (^٤).\nوسأله - ﷺ - المغيرة بن شعبة عن امرأة خطبها، فقال: «اذهب، فانظر إليها، فإنه أجدر أن يُؤْدَمَ بينكما». فأتى أبويها، فأخبرهما بقول رسول الله - ﷺ -، فكأنهما كرها ذلك. فسمعت ذلك المرأةُ، وهي في خِدْرها، فقالت: إن كان رسول الله - ﷺ - أمَرك أن تنظر، فانظر، وإلا فإني أنشُدك! كأنها عظَّمت ذلك عليه. قال: فنظرتُ إليها، فتزوجتُها. فذكر من موافقتها له. ذكره أحمد\n_________\n(^١) برقم (٦٦١٢)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٨٥٥) من حديث عبدالله بن عمرو. وفيه ابن لهيعة، فيه لين. والحديث ضعَّفه ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٢/ ٦٥٠) والبوصيري في «الإتحاف» (١/ ٤٢٢). انظر للشواهد والكلام عليها: «الصحيحة» (١٨٣٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «لو كان» بزيادة «كان».\n(^٣) برقم (١٠٠٦).\n(^٤) رواه مسلم (١٤٢٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"5","page":341},{"text":"وأهل السنن (^١).\nوسأله - ﷺ - جرير عن نظرة الفجاءة، فقال: «اصرِفْ بصرَك». ذكره مسلم (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: عوراتنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال (^٣): «إن استطعت أن لا يرينَّها أحد [٢٤٢/ب] فلا يرينَّها». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «الله أحقُّ أن يُستَحيا منه». ذكره أهل السنن (^٤).\nوسأله - ﷺ - رجل أن يزوِّجه امرأةً، فأمره أن يُصْدِقَها شيئًا ولو خاتمًا من حديد. فلم يجده، فقال: «ما معك من القرآن؟». قال: معي سورة كذا وسورة كذا. قال: «تقرؤهن عن ظهر قلبك؟». قال: نعم. قال: «اذهب، فقد ملَّكتكها بما معك من القرآن». متفق عليه (^٥).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٨١٣٧)، والترمذي (١٠٨٧)، وابن ماجه (١٨٦٦)، من حديث المغيرة بن شعبة. ورواه ابن ماجه (١٨٦٥) من حديث أنس بن مالك قصة المغيرة بن شعبة. صححه ابن حبان (٤٠٤٣)، والحاكم (٢/ ١٦٥)، والألباني في «التعليقات الرضية» (٢/ ١٥٤).\n(^٢) برقم (٢١٥٩). واللفظ لأحمد (١٩١٩٧).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فقال».\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) البخاري (٥٠٢٩) ومسلم (١٤٢٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي.","vol":"5","page":342},{"text":"واستأذنته - ﷺ - أمُّ سلمة في الحِجامة، فأمر أبا طيبة أن يحجُمَها. قال (^١): حسبتُ أنه كان أخاها من الرضاعة، أو غلامًا لم يحتلم. ذكره مسلم (^٢).\nوأمر - ﷺ - أم سلمة وميمونة أن يحتجبا من ابن أم مكتوم، فقالتا: أليس (^٣) أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ قال: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟». ذكره أهل السنن، وصحَّحه الترمذي (^٤).\nفأخذت طائفة بهذه الفتوى، وحرَّمت على المرأة نظرها إلى الرجل. وعارضت طائفة أخرى هذا الحديث بحديث عائشة في «الصحيحين» (^٥) أنها كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد. وفي هذه المعارضة نظر، إذ لعل قصة الحبشة كانت قبل نزول الحجاب. وخصَّت طائفةٌ أخرى ذلك بأزواج النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) يعني: جابرًا راوي الحديث.\n(^٢) برقم (٢٢٠٦) من حديث جابر - ﵁ -\n.\n(^٣) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «هو».\n(^٤) رواه أحمد (٢٦٥٣٧)، وأبو داود (٤١١٢) واحتجّ به، والترمذي (٢٧٧٨)، والنسائي (٣٥٩)، من حديث أم سلمة. وفيه نبهان مولى أم سلمة، لم يوثقه غير ابن حبان. صححه الترمذي، وابن حبان (٥٥٧٥، ٥٥٧٦)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٧/ ٥١٢). وقال ابن حجر: «وإسناده قوي، وأكثر ما علِّل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان؛ وليست بعلة قادحة. فإنّ مَن يعرِّفه الزهري ويصِفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحدٌ لا تُرَدّ روايتُه». انظر: «فتح الباري» (٩/ ٣٣٧). وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٥٩٥٨). ولابن عبدالبر كلام لطيف يُرجَع إليه، انظر: «التمهيد» (١٩/ ١٥٥) و«الاستذكار» (١٨/ ٧٩).\n(^٥) البخاري (٩٨٨) ومسلم (٨٩٢).","vol":"5","page":343},{"text":"وسألته - ﷺ - عائشة - ﵁ - عن الجارية يُنكِحها أهلُها، أتُسْتأمر أم لا؟ فقال: «نعم، تُستأمر». قالت عائشة - ﵁ -: فإنها تستحيي. فقال رسول الله (^١) - ﷺ -: «فذلك إذنها إذا هي سكتت». متفق عليه (^٢).\nوبهذه الفتوى نأخذ، وأنه لا بد من استئمار البكر.\nوقد صحَّ عنه - ﷺ -: «الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليها، والبِكْرُ تُستَأمر في نفسها، وإذنها صُماتها». وفي لفظ: «والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنُها صُماتها» (^٣).\nوفي «الصحيحين» (^٤) عنه - ﷺ -: «لا تُنكَح البكر حتى تُستأذن». قالوا: وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت».\nوسألته - ﷺ - جاريةٌ بِكْرٌ، فقالت: إن أباها زوَّجها وهي كارهة، فخيَّرها النبي - ﷺ - (^٥).\nفقد أمر باستئذان البكر، ونهى عن نكاحها (^٦) بدون إذنها، وخيَّر - ﷺ - من\n_________\n(^١) لم يرد لفظ «رسول الله» في النسخ المطبوعة.\n(^٢) البخاري (٦٩٤٦) ومسلم (١٤٢٠/ ٦٥) واللفظ له.\n(^٣) كلا اللفظين في «صحيح مسلم» (١٤٢١) من حديث ابن عباس - ﵄ -.\n(^٤) البخاري (٥١٣٦) ومسلم (١٤١٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) رواه أحمد (٢٤٦٩)، وأبو داود (٢٠٩٦)، والنسائي في «الكبرى» (٥٣٦٦)، وابن ماجه (١٨٧٥)، من حديث ابن عباس. ورواه أبو داود (٢٠٩٧) والبيهقي (٧/ ١١٧) عن عكرمة مرسلًا، وهو المحفوظ. رجح الإرسال أبو داود، والبيهقي، وأبو حاتم في «العلل» (١/ ٤١٧)، والدارقطني في «السنن» (٣٥٦٠).\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «إنكاحها».","vol":"5","page":344},{"text":"نُكِحت، ولم تُستأذن= فكيف بالعدول عن ذلك كلِّه ومخالفته بمجرَّد مفهوم قوله: «الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليها»؟ كيف ومنطوقه صريح في أن هذا المفهوم الذي فهمه من قال: تُنكَح بغير اختيارها، غيرُ مراد؟ فإنه قال عقيبه: «والبكر تستأذن في نفسها».\nبل هذا احتراز منه - ﷺ - من حملِ كلامه على ذلك المفهوم، كما هو المعتاد في خطابه، كقوله: «لا يُقتَل مسلمٌ بكافر، ولا ذو عهد في عهده» (^١)، فإنه لما نفى قتل المسلم بالكافر أوهمَ ذلك إهدارَ دم الكافر، وأنه لا حرمة له، فرفَع هذا الوهم بقوله: «ولا ذو عهد في عهده». ولما كان الاقتصار على قوله: «ولا ذو عهد» يوهم أنه لا يُقتَل إذا ثبت له العهدُ من حيث الجملة رفَع هذا الوهمَ بقوله: «في عهده»، وجعل ذلك قيدًا لعصمة العهد فيه.\nوهذا كثير في كلامه - ﷺ - لمن تأمَّله، كقوله: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها» (^٢). فإن نهيه عن الجلوس عليها لما كان ربما يوهم [٢٤٣/أ] التعظيم المحذور رفَعه بقوله: «ولا تصلُّوا إليها».\nوالمقصود: أن أمره باستئذان البكر، ونهيه عن نكاحها بدون إذنها، وتخييرها حيث لم تستأذن= لا معارض له، فيتعين القول به. وبالله التوفيق.\nوسئل - ﷺ - عن صداق النساء، فقال: «هو ما اصطلح عليه أهلوهم». ذكره الدارقطني (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه والكلام عليه.\n(^٢) تقدَّم أيضًا.\n(^٣) برقم (٣٥٩٢) من حديث أبي سعيد. ورواه أيضًا البيهقي (٧/ ٢٣٩). وفيه أبو هارون العبدي، ضعيف جدًّا. والحديث ضعفه به البيهقي.","vol":"5","page":345},{"text":"وعنده (^١) مرفوعًا: «أنكِحُوا اليتامى». قيل: يا رسول الله، ما العلائق بينهم؟ قال: «ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيبٌ (^٢) من أراك».\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إن أبي زوَّجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيستَه. فجعَل الأمرَ إليها، فقالت: قد أجزتُ ما صنَع أبي، ولكن أردتُ أن يعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء. ذكره أحمد والنسائي (^٣).\nولما هلك عثمان بن مظعون ترك ابنة له، فزوَّجها عمُّها قُدامة من عبد الله بن عمر، ولم يستأذنها. فكرهت نكاحه، وأحبَّت أن يتزوجها المغيرة بن شعبة. فنزعها من ابن عمر، وزوَّجها المغيرة، وقال: إنها يتيمة ولا تُنكَح إلا بإذنها. ذكره أحمد (^٤).\n_________\n(^١) برقم (٣٦٠٠) من حديث ابن عباس. فيه عبدالرحمن البيلماني، ضعيف جدًا، وقد اختلف عليه، انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٧/ ٢٣٩). والحديث ضعفه ابن القطان في «بيان الوهم» (٢/ ١٤٩)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٨٠)، والحافظ في «التلخيص» (٣/ ١٩٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «قضيبًا»، وفي «السنن» ما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٣) رواه أحمد (٢٥٠٤٣)، والنسائي (٣٢٦٩)، وابن ماجه (١٨٧٤)، من حديث عائشة. قال الدارقطني في «السنن» (٣٥٥٧): هذه كلها مراسيل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا. ووافقه البيهقي (٧/ ١١٨).\n(^٤) برقم (٦١٣٦) من حديث ابن عمر. ورواه أيضًا ابن ماجه (١٨٧٨)، والدارقطني (٣٥٤٦ - ٣٥٤٩)، والبيهقي (٧/ ١٢) وفيه ابن إسحاق، قد عنعن. وتابعه ابن ابي ذئب عند الدارقطني (٣٥٤٥) والحاكم (٢/ ١٦٧)، والحديث بهما صحيح، صححه الحاكم.","vol":"5","page":346},{"text":"وسأله - ﷺ - مرثَد الغَنَوي، فقال: يا رسول الله، أَنكِحُ عَنَاقًا (^١)، وكانت بغيًّا بمكة؟ فسكت عنه، فنزلت الآية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فدعاه، فقرأها عليه وقال: «لا تنكِحْها» (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل آخر عن نكاح امرأة يقال لها أمُّ مهزول، كانت تسافح، فقرأ عليه رسول الله - ﷺ - الآية. ذكره أحمد (^٣).\nوأفتى - ﷺ - بأن الزاني المجلود لا ينكِحُ إلا مثلَه (^٤).\nفأخذ بهذه الفتاوى التي لا معارض لها الإمام أحمد ومن وافقه. وهي من محاسن مذهبه، فإنه لم يجوِّز أن يكون الرجل زوج قَحْبة. ويعضد مذهبَه بضعة وعشرون دليلًا قد ذكرناها في موضع آخر (^٥).\n_________\n(^١) كذا في النسخ و«جامع الترمذي». وفي غيره: «عناقَ» ممنوعًا من الصرف.\n(^٢) رواه أبو داود (٢٠٥١)، والترمذي (٣١٧٧) وحسنه، والنسائي (٣٢٢٨)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. صححه الحاكم (٢/ ٥٥٤)، والألباني في «الإرواء» (١٨٨٦).\n(^٣) (٦٤٨٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وكذلك النسائي في «الكبرى» (١١٢٩٥)، وفيه الحضرمي بن لاحق، لا بأس به. وثَّق رجاله الهيثمي (٧/ ٧٦)، وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (١٨٨٦).\n(^٤) رواه أحمد (٨٣٠٠) وأبو داود (٢٠٥٢) من حديث أبي هريرة. وصححه الحاكم (٢/ ١٦٦) والألباني في «التعليقات الرضية» (٢/ ١٧٧).\n(^٥) في المطبوع: «مواضع أخر». ولم أقف على الموضع الذي أحال المؤلف عليه في كتبه المطبوعة، ولكن ذكر جملة من الأدلة في «زاد المعاد» (٥/ ١٠٤ - ١٠٥). وانظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"5","page":347},{"text":"وأسلم قيس بن الحارث، وتحته ثمان نسوة، فسأل النبيَّ - ﷺ - عن ذلك، فقال: «اختر منهن أربعًا» (^١).\nوأسلم غيلان وتحته عشر نسوة، فأمره - ﷺ - أن يأخذ منهن أربعًا (^٢).\nذكرهما أحمد. وهما كالصريح في أن الخيرة إليه بين الأوائل والأواخر.\nوسأله - ﷺ - فَيروز الدَّيلمي فقال: أسلمتُ، وتحتي أختان. فقال: «طلِّق أيتهما شئتَ». ذكره أحمد (^٣).\nوسأله - ﷺ - نَضْرة (^٤) بن أكثم، فقال: نكحتُ امرأة بكرًا في سِتْرها، فدخلت عليها، فإذا هي حبلى. فقال النبي - ﷺ -: «لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولدُ عبدٌ لك. فإذا ولدَتْ فاجلدوها» وفرَّق بينهما. ذكره أبو داود (^٥).\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور (١٨٦٣)، أبو داود (٢٢٤١)، وابن ماجه (١٩٥٢)، وأبو يعلى (٦٨٧٢)، والدارقطنيُّ (٣٦٩٠)، والبيهقي (٧/ ١٨٣)، من حديث الحارث بن قيس أو قيس بن الحارث. وفيه محمد بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، وحميضة، قال فيه البخاري: فيه نظر. والحديث ضعفه البخاري كما ذكره العقيلي في «الضعفاء» (١/ ٢٩٩)، وابن القطان في «بيان الوهم» (٣/ ١٦٨).\n(^٢) تقدم تخريجه والكلام عليه.\n(^٣) (٢٩/ ٥٧٤) وقد تقدَّم.\n(^٤) كذا في ز، ب. وهو أحد الأقوال في اسم السائل. وفي غيرهما: «بصْرة». وانظر الأقوال الأخرى في «تهذيب السنن» (١/ ٤٥١).\n(^٥) برقم (٢١٣١) عن رجل من الأنصار من أصحاب النبي - ﷺ -. ورواه أيضًا الدارقطني (٣٦١٦)، والحاكم (٢/ ١٨٣)، والبيهقي (٧/ ١٧). والراجح الإرسال، رجَّح الإرسال أبو داود، وأبو حاتم في «العلل» (١/ ٤١٨)، وأشار إلى ذلك الدارقطني والبيهقي. وانظر كلام المؤلف على إسناد الحديث في «تهذيب السنن» (١/ ٤٥١ - ٤٥٢).","vol":"5","page":348},{"text":"ولا يشكل من هذه الفتوى إلا حكم (^١) عبودية الولد (^٢). والله أعلم.\nوأسلمت امرأة على عهده - ﷺ -، فتزوجت. فجاء زوجها، فقال: يا رسول الله، إني كنت أسلمتُ وعلِمَتْ بإسلامي. فانتزعها رسول الله - ﷺ - من زوجها الآخر، وردَّها إلى الأول. ذكره أحمد وابن حبان (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقًا حتى مات، فقضى لها على صداق نسائها، وعليها العدة، ولها الميراث. ذكره أحمد [٢٤٣/ب] وأهل السنن، وصححه الترمذي وغيره (^٤). وهذه فتوى لا معارض لها، فلا سبيل إلى العدول عنها.\nوسئل - ﷺ - عن امرأة تزوَّجت، ومرضت، فتمعَّط (^٥) شَعرُها، فأرادوا أن\n_________\n(^١) في ز: «حصل» مع علامة الإشكال ــ وهي حرف الظاء ــ فوقها. ورسمها في ك يشبه «قيل» بإهمال الحرفين. وحذفت الكلمة في ب. وفي المطبوع: «جعل»، وفي غيره: «مثل». وما أثبت قراءة ظنية.\n(^٢) وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ٩٦ - ٩٧) و«تهذيب السنن» (١/ ٤٥٤).\n(^٣) رواه أحمد (٢٩٧٢)، وابن حبان (٤١٥٩) بسياق آخر، من حديث ابن عباس. وكذلك رواه أبو داود (٢٢٣٩)، وابن ماجه (٢٠٠٨). وفيه سماك، روايته عن عكرمة مضطربة. والحديث ضعفه ابن دقيق العيد في «الإلمام» (٢/ ٦٤٧)، وشيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٣٧)، والألباني في «الإرواء» (١٩١٨).\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) أي تناثر وتساقط.","vol":"5","page":349},{"text":"يصِلُوه، فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة». متفق عليه (^١).\nوسئل - ﷺ - عن العزل، فقال (^٢): «أو إنكم لتفعلون؟ ــ قالها ثلاثًا ــ ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي (^٣) كائنة». متفق عليه (^٤). ولفظ مسلم (^٥): «لا عليكم أن لا تفعلوا. ما كتبَ الله ﷿ خلقَ نسمةٍ هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون».\nوسئل - ﷺ - أيضًا عن العزل، فقال: «ما من كلِّ الماء يكون الولد. وإذا أراد الله خَلْقَ شيءٍ لم يمنعه شيء» (^٦).\nوسأله - ﷺ - آخر، فقال: إن لي جاريةً، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تَحمِل، وأنا أريد ما يريد الرجال (^٧)، وإن اليهود تحدِّث أن العزل موءودة الصغرى (^٨). فقال: «كذبت اليهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعتَ أن\n_________\n(^١) البخاري (٥٩٣٤) ومسلم (٢١٢٣) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «قال».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وهي».\n(^٤) البخاري (٥٢١٠) ومسلم (١٤٣٨) من حديث أبي سعيد.\n(^٥) برقم (١٤٣٨/ ١٢٥).\n(^٦) رواه مسلم (١٤٣٨/ ١٣٣) من حديث أبي سعيد نفسه. وكذلك رواه أحمد (١١٤٦٢).\n(^٧) ك، ب: «الرجل».\n(^٨) كذا في النسخ و«سنن أبي داود». وفي النسخ المطبوعة: «صغرى». وفي «المسند» وغيره: «الموءودة الصغرى» على الجادّة.","vol":"5","page":350},{"text":"تَصرفه» (^١).\nذكرهما أحمد وأبو داود (^٢).\nوسأله - ﷺ - آخر فقال: عندي جارية، وأنا أعزل عنها. فقال رسول الله - ﷺ -: «إن ذلك لن يمنع (^٣) شيئًا أراده الله (^٤)». فجاء الرجل، فقال لرسول الله - ﷺ -: إن الجارية التي كنتُ ذكرتُها لك حمَلتْ، فقال: «أنا عبد الله ورسوله». ذكره مسلم (^٥).\nوعنده (^٦) أيضًا: إن لي جارية هي خادمنا (^٧) وسانيتنا (^٨)، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل. فقال: «اعزِلْ عنها إن شئتَ، فإنه سيأتيها ما قُدِّر\n_________\n(^١) رواه أحمد (١١٢٨٨)، وأبو داود (٢١٧١)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠٣٤) من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه أبو مطيع، مجهول. وهو عند النسائي في «الكبرى» (٩٠٣٦) بإسناد آخر صحيح. وله شاهد عند الترمذي (١١٣٦، ١١٣٧) من حديث جابر وصححه. وشاهد آخر عند النسائي في «الكبرى» (٩٠٣٥) من حديث أبي هريرة. وانظر للشواهد: «الكبرى» للنسائي (٨/ ٢٢٢ - العزل وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك). والحديث صححه ابن القيم في «زاد المعاد» (٥/ ١٣١)، ووثَّق رجالَه الحافظ في «بلوغ المرام» (٣٠٦).\n(^٢) كذا قال. والحديث السابق ليس في «السنن».\n(^٣) ك، ب: «لم يمنع». وفي النسخ المطبوعة: «لا يمنع».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «إذا أراد الله». وفي «الصحيح» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٥) برقم (١٤٣٩) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٦) برقم (١٤٣٩/ ١٣٤) من حديث جابر أيضًا.\n(^٧) في المطبوع: «خادمتنا». وفي «الصحيح» كما أثبت من النسخ.\n(^٨) يعني: تسقي لنا.","vol":"5","page":351},{"text":"لها». فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حملت، فقال: «أخبرتك (^١) أنه سيأتيها ما قُدِّر لها».\nوسأله - ﷺ - آخر عن ذلك، فقال: «لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقتَه على صخرةٍ لأخرجه الله منها، وليخلقنَّ الله ﷿ نفسًا هو خالقها». ذكره أحمد (^٢).\nوسأله - ﷺ - آخر، فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال: «لِم تفعل ذلك؟». فقال: أُشفِق على ولدها. فقال رسول الله - ﷺ -: «لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارسَ والرومَ». وفي لفظ: «إن كان كذلك فلا. ما ضرَّ (^٣) ذلك فارسَ والرومَ». ذكره مسلم (^٤).\nفصل\nوسألته - ﷺ - امرأة من الأنصار عن التجبية، وهي وطء المرأة في قُبلها من ناحية دبرها. فتلا عليها قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «قد أخبرتك» كما في «الصحيح».\n(^٢) برقم (١٢٤٢٠) من حديث أنس، وكذلك البزار (٧٣٤١). وفيه أبو عمرو مبارك الخياط، مجهول، ولم يوثقه إلا ابن حبان. والحديث حسنّه الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٢٩٦)، ومال الحافظ إلى تقويته في «الفتح» (٩/ ٢١٨)، والصنعاني في «السبل» (٣/ ٢٣٠). وحسنه الألباني بالشواهد في «الصحيحة» (١٣٣٣).\n(^٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. ولفظ «الصحيح»: «... لذلك ... ضار». و«ضار» من الضَّير.\n(^٤) برقم (١٤٤٣) من حديث سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد.","vol":"5","page":352},{"text":"[البقرة: ٢٢٣] صِمامًا واحدًا (^١)». ذكره أحمد (^٢).\nوسأله - ﷺ - عمر - ﵁ -، فقال: يا رسول الله هلكتُ! قال: «وما أهلكك؟». قال: حوَّلتُ رَحْلي البارحة. فلم يردَّ عليه شيئًا. فأوحى الله إلى رسوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ «أَقْبِلْ وأَدْبِرْ، واتقوا الحيضة والدبر». ذكره أحمد والترمذي (^٣).\nوهذا هو الذي أباحه الله ورسوله، وهو الوطء من الدبر، لا في الدبر. وقد قال: «ملعونٌ مَن أتى امرأته في دبرها» (^٤). وقال: «مَن أتى حائضًا أو\n_________\n(^١) يعني: مسلكًا واحدًا هو الفرج.\n(^٢) برقم (٢٦٦٠١) من حديث أم سلمة. ورواه أيضًا مختصرًا الترمذي (٢٩٧٩) وأبو يعلى (٦٩٧٢) بدون السؤال. وفيه عبد الله بن عثمان بن خيثم، صدوق. فالحديث حسن. صححه العيني في «نخب الأفكار» (١٠/ ٤٤٦). وله شاهد عن جابر عند مسلم (١٤٣٥).\n(^٣) رواه أحمد (٢٧٠٣)، والترمذي (٢٩٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٢٩)، من حديث ابن عباس. وفيه يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة، كلاهما صدوق مع لين فيهما. وقال الترمذي: حسن غريب. وصححه ابن حبان (٤٢٠٢)، وابن جرير في «التفسير» (٢/ ٥٢٦)، والحافظ في «الفتح» (٨/ ١٩١).\nونقل الحافظ عن البخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري أنه لا يثبت شيء في تحريم الدبر، ثم عقبه بقوله: «قلت: لكن طرقها كثيرة، فمجموعها صالح للاحتجاج به، ويؤيد القول بالتحريم أنا لو قدمنا أحاديث الإباحة للزم أنه أبيح بعد أن حرم، والأصل عدمه». ثم ذكر بعض الأحاديث التي سيذكرها المؤلف.\n(^٤) رواه أحمد (٩٧٣٣)، وأبو داود (٢١٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٦٦)، من حديث أبي هريرة. وفيه الحارث بن مخلد، مجهول. والحديث ضعفه ابن القطان في «بيان الوهم» (٥/ ٧٦١)، والذهبي في «الميزان» (٤/ ١٠٣)، والحافظ في «التلخيص» (٣/ ١٢٠) و«البلوغ» (٣٠٢).","vol":"5","page":353},{"text":"امرأةً في دبرها، أو كاهنًا فصدَّقه= فقد كفَر بما أُنزِل على محمد» (^١). وقال: «إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» (^٢). وقال: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأةً في [٢٤٤/أ] الدبر» (^٣).\nوقال في الذي يأتي امرأته في دبرها: «هي اللوطية الصغرى» (^٤). وهذه الأحاديث جميعها ذكرها\n_________\n(^١) رواه أحمد (٩٢٩٠)، وأبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩) من حديث أبي هريرة. وفيه حكيم الأثرم وأبو تميمة الهجيمي، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ١٧): «هذا حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة». وقال البزار (١٦/ ٢٩٤) بعد ما روى الحديث: «وحكيم منكر الحديث لا يحتج بحديث له إذا انفرد، وهذا مما تفرَّد به». وانظر: «الضعفاء» للعقيلي (٢/ ١٨٣).\n(^٢) رواه أحمد (٢١٨٧٤)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٣٤ - ٨٩٣٩)، وابن ماجه (١٩٢٤)، والبيهقي (٧/ ١٩٧ - ١٩٨) من حديث خزيمة بن ثابت. وفيه هرمي بن عبدالله، مستور. ورواه أحمد (٢١٨٥٨) والنسائي في «الكبرى» (٨٩٣٣)، والبيهقي (٧/ ١٩٧)، من طريق عمارة بن خزيمة بن ثابت. قال البيهقي بإثره: «مدار هذا الحديث على هرمي بن عبد الله، وليس لعمارة بن خزيمة فيه أصل إلا من حديث ابن عيينة، وأهل العلم بالحديث يرونه خطأ، والله أعلم». والحديث ضعفه أبو حاتم في «العلل» (١/ ٤٠٣)، والبيهقي، والحافظ في «التلخيص» (٣/ ١٧٩).\n(^٣) رواه الترمذي (١١٦٥)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٥٢)، وابن حبان (٤٢٠٣)، من حديث ابن عباس. وفيه أبو خالد الأحمر، ليس بحجة. وقال الترمذي: حسن غريب .. والراجح فيه الوقف. انظر: «التلخيص الحبير» (٣/ ١٨١).\n(^٤) رواه أحمد (٦٧٠٦) والنسائي في «الكبرى» (٨٩٧٤ - ٨٩٥١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ولكن الراجح الوقف، رجحه البخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ٣٠٣)، والنسائي، والدارقطني في «العلل» (٦/ ٢٩١)، والحافظ في «التلخيص» (٣/ ١٨١).","vol":"5","page":354},{"text":"أحمد في «المسند».\nوسئل - ﷺ -: ما حقُّ المرأة على الزوج؟ قال: «أن يُطعمها إذا طعِم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه ولا يقبِّح، ولا يهجُر إلا في البيت». ذكره أحمد وأهل السنن (^١).\nفصل\nوسألته - ﷺ - عائشة (^٢)، فقالت؛ إن أفلح أخا أبي القُعَيس استأذن عليَّ، وكانت امرأته أرضعتني، فقال: «ائذني له، إنه عمُّكِ». متفق عليه (^٣).\nوسأله - ﷺ - أعرابي، فقال: إني كانت لي امرأة، فتزوجتُ عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحُدْثَى (^٤) رضعةً أو رضعتين. فقال: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان». ذكره مسلم (^٥).\nوسألته سهلة بنت سهيل، فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقَل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أنَّ في نفس أبي حذيفة من\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٠٠١١)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٢٦)، وابن ماجه (١٨٥٠) واللفظ له، من حديث معاوية بن حيدة القشيري. وفيه حكيم بن معاوية، صدوق. صححه ابن حبان (٤١٧٥) والحاكم (٢/ ١٨٩).\n(^٢) في النسخ المطبوعة زيادة: «أم المؤمنين».\n(^٣) البخاري (٤٧٩٦) ومسلم (١٤٤٥).\n(^٤) أي الجديدة. وفي النسخ المطبوعة: «الحدثاء»، خلافًا لما في النسخ الخطية و«صحيح مسلم» وغيره.\n(^٥) برقم (١٤٥١) من حديث أم الفضل.","vol":"5","page":355},{"text":"ذلك شيئًا. فقال: «أرضعيه تحرُمي عليه، ويذهبِ الذي في نفس أبي حذيفة». فرجعت، فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة. ذكره مسلم (^١).\nفأخذ (^٢) طائفة من السلف بهذه الفتوى، منهم عائشة. ولم يأخذ بها أكثر أهل العلم، وقدَّموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرَّم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين، لوجوه:\nأحدها: كثرتها وانفراد حديث سالم.\nالثاني: أن جميع أزواج النبي - ﷺ - خلا عائشة في شِقِّ المنع.\nالثالث: أنه أحوط.\nالرابع: أن رضاع الكبير لا يُنبت لحمًا ولا يُنْشِز (^٣) عظمًا، فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحريم.\nالخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصًّا بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته.\nالسادس: أن رسول الله - ﷺ - دخل على عائشة، وعندها رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه وغضب، فقالت: إنه أخي من الرضاعة. فقال: «انظرن مَن\n_________\n(^١) برقم (١٤٥٣) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فأخذت».\n(^٣) في النسخ الخطية والمطبوعة: «ينشر»، وهو تصحيف ما أثبت. وفي الكلام إشارة إلى حديث ابن مسعود: «لا يحرِّم من الرضاع إلا ما أنبت اللحمَ وأنشزَ العظمَ»، رواه أحمد (٤١١٤) وغيره.","vol":"5","page":356},{"text":"إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة». متفق عليه، واللفظ لمسلم (^١).\nوفي قصة سالم مسلك آخر، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإن سالمًا كان قد تبنَّاه أبو حذيفة وربَّاه، ولم يكن له منه (^٢) ومن الدخول على أهله بدٌّ. فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك، فالقولُ به مما يسوغ فيه الاجتهاد. ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه كان شيخنا يجنح (^٣). والله أعلم.\nوسئل - ﷺ - أن ينكح ابنة حمزة، فقال: «لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة. ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». ذكره مسلم (^٤).\nوسأله - ﷺ - عقبة بن الحارث فقال: تزوجت امرأةً، فجاءت أمة سوداء فقالت: أرضعتكما، وهي كاذبة. فأعرض عنه. فقال: إنها كاذبة. فقال: «كيف بها، وقد زعمت أنها (^٥) أرضعتكما؟ دعها عنك». ففارَقها، ونكحت (^٦) غيرَه. ذكره مسلم (^٧). وللدارقطني (^٨): «دعها عنك، فلا خير لك فيها».\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٤٧) ومسلم (١٤٥٥).\n(^٢) في المطبوع: «منه بدٌّ» بزيادة «بُدّ»!\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٦٠) و«زاد المعاد» (٥/ ٥٢٧) وقد بسط المصنف فيه الكلام على المسألة.\n(^٤) من حديث علي (١٤٤٦) وأم سلمة (١٤٤٨). وانظر الحديث المتفق عليه عن ابن عباس. رواه البخاري (٥١٠٠) ومسلم (١٤٤٧).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «بأنها».\n(^٦) ك، ب: «أنكحت». وفي المطبوع: «ونكحها غيره».\n(^٧) بل رواه البخاري (٥١٠٤) وقد تقدَّم.\n(^٨) (٤٣٧٣) من طريق يزيد بن هارون، وإسناده صحيح.","vol":"5","page":357},{"text":"وسأله - ﷺ - رجل فقال: ما يُذهِب عني مذمة الرضاع؟ [٢٤٤/ب] فقال: «غرَّةُ عبدٍ أو أَمةٍ». ذكره الترمذي وصححه (^١). والمذِمَّة بكسر الذال (^٢): من الذمام، لا من الذمّ الذي هو نقيض المدح. والمعنى: أن للمرضعة على المرضع حقًّا وذِمامًا، فيُذهبه عبد أو أمة، فيعطيها إياه.\nوسئل - ﷺ -: ما الذي يجوز من الشهود في الرضاع؟ فقال: «رجل أو امرأة». ذكره أحمد (^٣).\nفصل\nمن فتاويه - ﷺ - في الطلاق\nثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه سأله عن طلاق ابنه امرأته وهي حائض، فأمَر بأن يراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أن يطلِّق بعدُ يطلِّق (^٤).\n_________\n(^١) برقم (١١٥٣)، ورواه أحمد (١٥٧٣٣) وأبو داود (٢٠٦٤) والنسائي (٣٣٢٩) وغيرهم من طريق حجاج بن حجاج بن مالك الأسلمي، وحجاج مجهول، وأبوه صحابي. والحديث ضعَّفه الألباني في «ضعيف أبي داود - الأم» (١٠/ ٢٠٠). وانظر: «علل الدارقطني» (٣٨٣١).\n(^٢) وقيل بفتحها أيضًا. انظر: «النهاية لابن الأثير» (٢/ ١٦٩).\n(^٣) برقم (٤٩١٠) من حديث عبدالله بن عمر، وفيه: «رجل وامرأة». ورواه أيضًا عبد الرزاق (١٣٩٨٢) وابن أبي شيبة (٣٧٢٩٢). وفيه محمد بن عثيم وابن البيلماني، كلاهما ضعيف. والحديث ضعفه البيهقي (٧/ ٤٦٤)، والخطيب في «موضح الأوهام» (٢/ ٣٦٣)، وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٥٤٦).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «فليطلق». والحديث رواه البخاري (٥٣٣٢) ومسلم (١٤٧١) عن ابن عمر.","vol":"5","page":358},{"text":"وسأله - ﷺ - رجل، فقال: إنَّ امرأتي ... وذكر من بَذائها، فقال: «طلِّقها». فقال: إنَّ لها صحبةً وولدًا. قال: «مُرْها وقُلْ لها، فإن يكن فيها خير فستفعل. ولا تضرب ظعينتَك ضربَك أمتَك». ذكره أحمد (^١).\nوسأله - ﷺ - آخر فقال: إن امرأتي لا تردُّ يدَ لامس. قال: «غيِّرها (^٢) إن شئت». وفي لفظ: «طلِّقْها». قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي. قال: «استمتع (^٣) بها» (^٤).\nفعورض بهذا الحديثِ المتشابهِ الأحاديثُ المحكمةُ الصريحةُ في المنع من تزويج البغايا، واختلفت مسالك المحرِّمين لذلك فيه. فقالت طائفة: المراد باللامس: ملتمِسُ الصدقة، لا ملتمِسُ الفاحشة. وقالت طائفة: بل هذا في الدوام غير مؤثر، وإنما المانع ورود العقد على زانية، فهذا هو الحرام. وقالت طائفة: بل هذا من التزام أخفِّ المفسدتين لدفع أعلاهما. فإنه لما أمر بمفارقتها خاف أن لا يصبرَ عنها، فيواقعَها حرامًا. فأمره حينئذ\n_________\n(^١) برقم (١٦٣٨٤) من حديث لقيط بن صبرة، وكذلك أبو داود (١٤٣). صححه ابن حبان (١٠٥٤)، والحاكم (١/ ١٤٨)، وابن جرير في «مسند عمر» (١/ ٤١٠).\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وأخشى أن يكون مصحفًا عن «غرِّبْها»، وهو اللفظ الوارد في «سنن أبي داود» وغيره.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فاستمتع».\n(^٤) رواه أبو داود (٢٠٤٩)، والنسائي في «المجتبى» (٣٤٦٥) وفي «الكبرى» (٥٣٢١، ٥٦٢٩)، والبيهقي (٧/ ١٥٥)، من حديث ابن عباس. ضعفه أحمد كما في «الموضوعات» لابن الجوزي (٢/ ٢٧٢)، والنسائي، والبيهقي في «السنن الصغرى» (٣/ ٣٧).","vol":"5","page":359},{"text":"بإمساكها، إذ مواقعتها بعقد النكاح (^١) أقلُّ فسادًا من مواقعتها بالسفاح. وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف لا يثبت.\nوقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية. وإنما فيه أنها لا تمتنع ممن لمَسها أو وضعَ يده عليها أو نحو ذلك، فهي تعطي اللَّيان لذلك. ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى، ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها لداعي الفاحشة، فأمَره بفراقها تركًا لما يريبه إلى ما لا يريبه. فلما أخبره بأن نفسه تتبعها، وأنه لا صبر له عنها، رأى مصلحةَ إمساكها أرجحَ من مفارقتها لما يكره من عدم انقباضها عمن يلمسها (^٢) = فأمرَه بإمساكها. وهذا لعله أرجح المسالك (^٣). والله أعلم.\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إن زوجي طلَّقني ــ تعني (^٤): ثلاثًا ــ وإني تزوجتُ زوجًا غيره. وقد دخل بي، فلم يكن معه إلا مثلُ هُدْبة الثوب، فلم يقرَبني إلا هنةً واحدةً، ولم يصل مني إلى شيء. أفأحِلُّ لزوجي الأول؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تحِلِّين لزوجك الأول حتى يذوق الآخَرُ عسيلتَك وتذوقي عسيلتَه». متفق عليه (^٥).\nوسئل - ﷺ - أيضًا عن الرجل يطلِّق امرأته ثلاثًا، فيتزوَّجها الرجل، فيغلق الباب، ويُرخي الستر، ثم يطلِّقها قبل أن يدخل بها. قال: «لا تحِلُّ للأول\n_________\n(^١) ك: «بعد النكاح». وفي النسخ المطبوعة: «بعد عقد النكاح».\n(^٢) ك، ب: «عن تلمُّسها».\n(^٣) وانظر: «روضة المحبين» (ص ٢٠١).\n(^٤) ما عدا ز: «يعني»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) البخاري (٥٢٦٥) ومسلم (١٤٣٣) من حديث عائشة - ﵂ -، وقد سبق.","vol":"5","page":360},{"text":"حتى يجامعها الآخر». ذكره النسائي (^١).\nوسئل - ﷺ -[٢٤٥/أ] عن التَّيس المستعار، فقال: «هو المحلِّل». ثم قال: «لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له». ذكره ابن ماجه (^٢).\nوسألته - ﷺ - امرأة عن كفر المنعَمين، فقال: «لعل إحداكن أن تطول أَيْمَتُها بين أبويها (^٣) وتعنُس (^٤) فيرزقها الله زوجًا، ويرزقها منه مالًا وولدًا، فتغضَب الغضبةَ، فتقول: ما رأيتُ منه يومَ خيرٍ (^٥) قطُّ». ذكره أحمد (^٦).\nوسئل - ﷺ - عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: «أيُلعَب بكتاب الله، وأنا بين أظهركم؟». حتى قام رجل، فقال: يا\n_________\n(^١) برقم (٣٤١٥) من حديث عمر - ﵁ -. ورواه أحمد (٤٧٧٦) والبيهقي (٧/ ٣٧٥)، وفيه رزين بن سليمان أو رزين بن سليمان أو سالم بن رزين، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ١٣): «ولا تقوم الحجة بسالم بن رزين، ولا برزين، لأنه لا يدرى سماعه من سالم، ولا من ابن عمر». وقال الذهبي في «الميزان» (٢/ ٤٨): لا يعرف. والحديث ضعفه أيضًا النسائي. ولكن معناه ثابت في «الصحيحين» كما ذكر المصنف.\n(^٢) برقم (١٩٣٦) من حديث عقبة بن عامر، وقد تقدَّم.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «بين يدي أبويها»، وفي «المسند» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٤) ز: «تعيش» مصحفًا دون واو العطف. وتصحف في ك أيضًا.\n(^٥) كذا في النسخ الخطية. وفي النسخ المطبوعة و«المسند»: «يومًا خيرًا».\n(^٦) برقم (٢٧٥٦١) من حديث أسماء بنت يزيد إحدى نساء بني عبدالأشهل. ورواه أيضًا الحميدي (٣٦٦) والطبراني (٢٤/ ٤١٨). وفيه شهر بن حوشب، فيه لين. ورواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٠٨٠)، وفيه مهاجر، روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان. والحديث صححه بمجموعهما الألباني في «الصحيحة» (٨٢٣).","vol":"5","page":361},{"text":"رسول الله ألا أقتلُه؟ ذكره النسائي (^١).\nوطلقَّ رُكانةُ بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدًا، فسأله رسول الله - ﷺ -: «كيف طلَّقتها؟». فقال: طلَّقتها ثلاثًا. فقال: «في مجلس واحد؟». فقال: نعم. قال: «إنما تلك واحدة (^٢) فارجعها إن شئت». قال: فراجَعها، فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كلِّ طهر. ذكره أحمد (^٣)، قال: حدثنا سعد بن إبراهيم قال: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، فذكره. وأحمد يصحِّح هذا الإسناد، ويحتج به، وكذلك الترمذي.\nوقد قال عبد الرزاق: أخبرنا (^٤) ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع (^٥) مولى رسول الله - ﷺ -، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلَّق عبدُ يزيد أبو ركانةَ وإخوتِه أمَّ ركانة، ونكح امرأةً من مُزَينة، فجاءت النبيَّ - ﷺ -، فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرةٍ أخذَتها من رأسها؛ ففرِّق بيني\n_________\n(^١) برقم (١٥٦٤) من طريق مخرمة عن أبيه عن محمود بن لبيد. فيه انقطاع بين مخرمة وأبيه، واختلف في صحبة محمود بن لبيد. والحديث ضعفه النسائي في «الكبرى» (٥٥٦٤)، وابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٦٧)، والحافظ في «الفتح» (٩/ ٢٧٥).\n(^٢) في النسخ الخطية: «تملك واحدة»، والمثبت من «المسند».\n(^٣) من حديث ابن عباس (٤/ ٢١٥) وقد تقدَّم مع الكلام الآتي على إسناده.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «أنبأنا».\n(^٥) ك: «بني رافع»، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من (ز، ب) و«مصنف عبد الرزاق».","vol":"5","page":362},{"text":"وبينه. فأخذت النبيَّ - ﷺ - حميَّة (^١)، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: «أترون أن فلانًا يُشبِه (^٢) منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانًا منه كذا وكذا؟». قالوا: نعم. قال النبي - ﷺ - لعبد يزيد: «طلِّقْها». ففعل، فقال: «راجِعْ امرأتَك أمَّ ركانة وإخوتِه». فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله. قال: «قد علمتُ، راجِعْها». وتلا ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (^٣). قال أبو داود (^٤): حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد الرزاق، فذكره.\nفهذه طريقة أخرى متابعة لابن إسحاق. والذي يخاف من ابن إسحاق التدليس، وقد قال: «حدَّثني». وهذا مذهبه. وبه أفتى ابن عباس في إحدى الروايتين عنه. صحَّ عنه ذلك، وصحَّ عنه إمضاء الثلاث موافقة لعمر - ﵁ - (^٥).\nوقد صح عنه - ﷺ - أن الثلاث كانت واحدة في عهده، وعهد أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر - ﵄ - (^٦). وغايةُ ما يقدَّر مع بُعده أن الصحابة كانوا على ذلك، ولم يبلغه. وهذا وإن كان كالمستحيل فإنه يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصدِّيق بذلك، وقد أفتى هو - ﷺ - به. فهذه فتواه\n_________\n(^١) لفظ «حمية» ساقط من النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «حميته».\n(^٢) ز، ك: «شبه»، وبتنوين الهاء في ز.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) برقم (٢١٩٦).\n(^٥) تقدم تخريج الروايتين.\n(^٦) تقدم تخريجه.","vol":"5","page":363},{"text":"وعمل أصحابه كأنه أخذ باليد، ولا معارض لذلك.\nورأى عمر - ﵁ - أن يحمل الناسَ على إنفاذ الثلاث عقوبةً وزجرًا لهم لئلا يرسلوها جملةً. وهذا اجتهاد منه - ﵁ -، غايته أن يكون سائغًا لمصلحة رآها، ولا يُوجِب تركَ ما أفتى به رسول الله - ﷺ -، وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته. وإذا (^١) ظهرت الحقائق فليقل امرؤ ما شاء! وبالله التوفيق.\nوسئل [٢٤٥/ب]- ﷺ - عن رجلٍ (^٢) قال: إن تزوجتُ فلانة فهي طالق ثلاثًا، فقال: «تزوَّجْها، فإنه لا طلاق إلا بعد النكاح» (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فقال: «طلَّق ما لا يملِك» (^٤). ذكرهما الدارقطني.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «فإذا».\n(^٢) كذا في النسخ الثلاث. وفي النسخ المطبوعة: «وسأله - ﷺ - رجلٌ»، وهو أوفق لسياق الحديث.\n(^٣) رواه الدارقطني (٣٩٨٧) وابن الجوزي في «التحقيق» (٩/ ١٣٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني. وفيه علي بن قرين، ضعيف جدًّا. وضعف الحديث المزي وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٢٠٨)، وابن الملقن في «التوضيح» (٢٥/ ٢٥٦)، والحافظ في «الإصابة» (٤/ ٢٩)، وابن قطلوبغا في «الدر المنظوم» (١٨٤).\n(^٤) برقم (٣٩٣٧)، وكذلك العقيلي (٢/ ٣٤٦) وابن الجوزي (٩/ ١٣٥) من حديث ابن عمر. وفيه أبو خالد الواسطي، وضاع. ضعفه العقيلي، والمزي وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٢٠٨)، والذهبي في التنقيح (٢/ ٢٠٤)، والحافظ في «الفتح» (٩/ ٢٩٦).","vol":"5","page":364},{"text":"وسأله - ﷺ - عبد، فقال: إن مولاتي زوَّجتني، وتريد أن تفرِّق بيني وبين امرأتي. فحمِد الله، وأثنى عليه، وقال: «ما بال أقوام يزوِّجون عبيدهم إماءهم، ثم يريدون أن يفرِّقوا بينهم؟ ألا إنما يملك الطلاقَ مَن أخذ بالساق». ذكره الدارقطني (^١).\nوسأله - ﷺ - ثابت بن قيس: هل يصلح أن يأخذ بعض مال امرأته ويفارقها؟ قال: «نعم». قال: فإني قد أصدَقتُها حديقتين، وهما بيدها. فقال النبيُّ - ﷺ -: «خذهما، وفارقها». ذكره أبو داود (^٢).\nوكانت قد شكته إلى النبي - ﷺ -، وتحبُّ فراقه كما ذكره البخاري (^٣): أنها قالت: يا رسول الله، ثابتُ بن قيس ما أعيب عليه في خلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال: «أترُدِّين عليه حديقته؟». قالت: نعم. فقال رسول الله - ﷺ -: «اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة».\nوعند ابن ماجه (^٤): إني أكره الكفر في الإسلام، ولا أطيقه بغضًا. فأمره\n_________\n(^١) برقم (٣٩٩١) من حديث ابن عباس، وكذلك البيهقي (٧/ ٣٦٠). وفيه أبو الحجاج وموسى بن أيوب، كلاهما ضعيف. ورواه ابن ماجه (٢٠٨١) من طريق ابن لهيعة، فيه لين. وضعَّف الحديث البيهقي. وانظر: «العلل المتناهية» (٢/ ٦٤٦).\n(^٢) برقم (٢٢٢٨) من حديث عائشة - ﵂ -. ورواه أبو داود (٢٢٢٧) وعبد الرزاق (١١٧٦٢). صححه ابن حبان (٤٢٨٠). انظر للطرق والكلام عليه: «صحيح أبي داود- الأم» (١٩٣٠).\n(^٣) من حديث ابن عباس (٥٢٧٣).\n(^٤) برقم (٢٠٥٦) من حديث ابن عباس، وكذلك البيهقي (٧/ ٣١٣). أعله البيهقي بالإرسال. انظر: «الإرواء» (٢٠٣٦).","vol":"5","page":365},{"text":"النبيُّ - ﷺ - أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد.\nوعند النسائي (^١): أن النبي - ﷺ - أفتاها أن تتربَّص حيضة واحدة.\nوعند أبي داود (^٢): أن النبيَّ - ﷺ - أمرها أن تعتدَّ حيضةً (^٣) واحدة.\nوأفتى النبي - ﷺ - أن المرأة إذا ادَّعت طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد عدل استُحْلِف زوجُها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكَل فنكوله بمنزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه. ذكره ابن ماجه (^٤) من رواية عمرو بن أبي سلَمة التِّنِّيسي (^٥). وقد روى له مسلم في «صحيحه» (^٦).\nفصل\nوسئل - ﷺ - عن رجل ظاهَر من امرأته، ثم وقع عليها قبل أن يكفِّر. قال:\n_________\n(^١) برقم (٣٤٩٧) من حديث الربيع بنت معوذ. ورواه أيضًا ابن ماجه (٢٠٥٨) والطبراني (٢٤/ ٦٧٢). والحديث صحيح، وقد سبق قول المؤلف إنه له طرق يصدق بعضها بعضًا.\n(^٢) برقم (٢٢٢٩) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا الترمذي (١١٨٨)، والدارقطني (٣٦٣٣، ٤٠٢٦)، والبيهقي (٧/ ٤٥٠). وفيه عمرو بن مسلم، ضعيف. ورواه عبد الرزاق (١١٨٥٨) والدارقطني (٤٠٢٧) مرسلًا، رجَّحه أبو داود.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «بحيضة».\n(^٤) برقم (٢٠٣٨) من حديث عبد الله بن عمرو، وكذلك الدارقطني (٤٠٤٨، ٤٣٤٠). ضعفه أبو حاتم في «العلل» لابنه (١٢٩٩)، والضياء في «السنن والأحكام» (٥/ ٢٦٧)، والألباني في «الضعيفة» (٢٢١١).\n(^٥) «التنيسي» ساقط من النسخ المطبوعة. وقد حاكى ناسخ ز صورة الكلمة كما كانت في أصله بإهمال حروفها، وكتب فوقها: «كذا».\n(^٦) انظر الحديث (١١٥٩). وفي «تهذيب الكمال» (٢٢/ ٥١) أنه روى له الجماعة.","vol":"5","page":366},{"text":"«وما حملك على ذلك، يرحمك الله؟». قال: رأيتُ خلخالَها في ضوء القمر. قال: «لا تقرَبْها حتى تفعل ما أمَرك الله ﷿» (^١). صحيح (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلَّم جلدتموه، أو قتَل قتلتموه، أو سكتَ سكتَ على غيظ! فقال: «اللهم افتح»، وجعل يدعو؛ فنزلت آية اللعان. فابتلي به ذلك الرجلُ من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله - ﷺ - فتلاعنا. ذكره مسلم (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: إن امرأتي ولدت على فراشي غلامًا أسودَ، وإنَّا أهلُ بيت لم يكن فينا أسود قطُّ. قال: «هل لك من إبل؟». قال: نعم، قال: «فما ألوانها؟». قال: حُمْر (^٤). قال: «هل فيها أورَقُ (^٥)؟». قال: نعم. قال: «فأنَّى كان ذلك؟» قال: عسى أن يكون نزعه عِرقٌ. قال: «فلعل ابنك هذا نزعَه عِرْق». متفق عليه (^٦).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٢٢٥)، والترمذي (١١٩٩)، والنسائي (٣٤٥٧)، وابن ماجه (٢٠٦٥)، من حديث ابن عباس. ورواه عبد الرزاق (١١٥٢٥) والنسائي (٣٤٥٨) مرسلًا. ورجَّح النسائي الإرسال، وابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ١٥٧). وصحح الوصل الترمذي والحاكم (٢/ ٢٠٤).\n(^٢) كذا في النسخ الثلاث. وفي النسخ المطبوعة: «حديث صحيح».\n(^٣) من حديث عبد الله بن مسعود (١٤٩٥).\n(^٤) ك: «سود حمر».\n(^٥) كذا في ز، ك، وضبط في ز بضم القاف. وفي النسخ المطبوعة: «من أورق» كما في «الصحيحين».\n(^٦) البخاري (٥٣٠٥) ومسلم (١٥٠٠) من حديث أبي هريرة، واللفظ الوارد هنا لابن ماجه (٢٠٠٢). وقد تقدَّم الحديث.","vol":"5","page":367},{"text":"وحكَم بالفرقة بين المتلاعنين، وأن لا يجتمعا أبدًا، وأخذِ المرأةِ صداقَها، وانقطاعِ نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمه، ووجوبِ الحدِّ على من قذَفه أو قذَف أمَّه، وسقوطِ الحدِّ عن الزوج، وأنه لا يلزمه نفقة ولا كسوة ولا سكنى بعد الفرقة (^١).\nوسأله - ﷺ - سلَمة بن صخر البياضي، فقال: ظاهرتُ من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان. [٢٤٦/أ] فبينا (^٢) هي تخدُمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن نزوتُ عليها. فقال: «أنت بذاك يا سلمة؟». فقلت: أنا بذاك، فأنا صابر لأمر الله ﷿، فاحكم فيَّ بما أراك الله. قال: «حرِّرْ رقبةً». قلت: والذي بعثك بالحق ما أملِك رقبةً غيرَها، وضربتُ صفحةَ رقبتي! قال: «فصُمْ شهرين متتابعين». فقلت: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيام؟ قال: «فأطعِمْ وَسْقًا من تمرٍ بين ستِّين مسكينًا». قلت: والذي بعثك بالحق (^٣)، لقد بِتنا وحشَين (^٤) ما لنا من طعام. قال: «فانطلِقْ إلى صاحب صدقة بني زُرَيق، فليدفعها إليك. فأطعِمْ ستين مسكينًا وَسْقًا من تمر، وكُلْ أنت وعيالك بقيتَها». فرجعتُ إلى قومي، فقلت: وجدتُ عندكم الضيقَ وسوءَ الرأي، ووجدت عند رسول الله - ﷺ - السعةَ وحسنَ الرأي، وأمر لي بصدقتكم. ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) كما في حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود (٢٢٥٦).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فبينما».\n(^٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «نبيًّا».\n(^٤) يعني: جائعين.\n(^٥) برقم (١٦٤٢١) من حديث سلمة بن صخر. ورواه أبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (٣٣١٠)، وابن ماجه (٢٠٦٢). أعله البخاري بالانقطاع بين سليمان بن يسار وسلمة بن صخر كما ذكره الترمذي، وابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ١٥٢).","vol":"5","page":368},{"text":"وسألته - ﷺ - خولة بنت مالك، فقالت: إن زوجها أوس بن الصامت ظاهَر منها، وشكته إلى رسول الله - ﷺ -، ورسولُ الله - ﷺ - يجادلها فيه ويقول (^١): «اتقي الله، فإنه ابن عمُّكِ». فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (^٢) الآيات [المجادلة: ١]. فقال: «يُعتِقُ رقَبةً». قالت: لا يجد. قال: «فيصوم شهرين متتابعين». قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام. قال: «فليطعِم ستين مسكينًا». قالت: ما عنده من شيء يتصدَّق به. فأُتيَ ساعتَه بعَرَقٍ (^٣) من تمر. قلتُ (^٤): يا رسول الله، فإني أعينه (^٥) بعَرَقٍ آخر. قال: «قد أحسنتِ! اذهبي، فأطعِمي بها عنه ستِّين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمِّك». ذكره أحمد وأبو داود (^٦).\nولفظ أحمد: قالت: فيَّ ــ واللهِ ــ وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدرَ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بقوله».\n(^٢) في النسخ المطبوعة زيادة: ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾.\n(^٣) العرَق: ستون صاعًا، كما جاء في «سنن أبي داود».\n(^٤) كذا في النسخ وفات المؤلف أن يغيره إلى «قالت».\n(^٥) ك، ب: «لأعينه». وفي النسخ المطبوعة: «إني أعينه».\n(^٦) رواه أحمد (٢٧٣١٩)، وأبو داود (٢٢١٤)، وابن حبان (٤٢٧٩)، والبيهقي (٧/ ٣٨٩) من حديث خولة بنت ثعلبة. وفيه معمر بن عبد الله، لا يُعرَف. وله شاهد عند البيهقي (٧/ ٣٨٩)، وشاهد آخر من طريق أبي حمزة الثمالي، ضعيف. والحديث صححه ابن حبان، وحسنه الحافظ في «الفتح» (٩/ ٤٣٣). وانظر: «الإرواء» (٢٠٨٧).","vol":"5","page":369},{"text":"سورة المجادلة. قالت: كنتُ عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقُه وضجِر. قالت: فدخل عليَّ يومًا، فراجعتُه بشيء، فغضب، فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي. ثم خرج، فجلس في نادي قومه ساعةً، ثم دخل عليَّ، فإذا هو يريدني عن نفسي. قالت: قلتُ: كلَّا! والذي نفسُ خُوَيلة بيده، لا تخلصُ إليَّ، وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكم. قالت: فواثبَني، فامتنعتُ منه، فغلبتُه بما تغلب المرأةُ الشيخَ الضعيفَ، فألقيتُه عنِّي. ثم خرجتُ إلى بعض جاراتي، فاستعرتُ منها ثيابها، ثم خرجتُ حتى جئتُ رسولَ الله - ﷺ -، فجلستُ بين يديه، فذكرتُ له ما لقيتُ منه. فجعلتُ أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: «يا خويلةُ، ابنُ عمِّكِ شيخ كبير، فاتقي الله فيه». قالت: فوالله ما برحتُ حتى نزل القرآن. فتغشَّى رسولَ الله - ﷺ - ما كان يتغشَّاه، ثم سُرِّيَ عنه، فقال: «يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك». ثم قرأ عليَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤]. قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: «مُريه فليُعتِقْ رقبةً». وذكر نحو ما تقدم.\nوعند ابن ماجه (^١): أنها قالت: يا رسول الله أكَلَ شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إذا كبِرت (^٢) سنِّي، وانقطع ولدي ــ ظاهَر منِّي. اللهم إني أشكو إليك. فما برحت حتى نزل جبرائيل ﵇ بهؤلاء الآيات.\n_________\n(^١) برقم (٢٠٦٣) من حديث عائشة - ﵂ -. صححه الحاكم (٢/ ٤٨١)، والألباني في «الإرواء» (٢٠٨٧).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «كبر». وفي «السنن» كما أثبت من النسخ الخطية.","vol":"5","page":370},{"text":"فصل\nفي فتاويه - ﷺ - في العِدَد\nثبت أن سُبَيعة الأسلمية سألته، وقد مات زوجها ووضعت حملَها بعد موته. [٢٤٦/ب] قالت: فأفتاني رسول الله - ﷺ - أني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي (^١). وعند البخاري (^٢) أنها سئلت، كيف أفتاها رسول الله - ﷺ -؟ قالت: أفتاني إذا وضعتُ أن أنكِح.\nوكانت أم كلثوم بنت عُقبة عند الزبير بن العوام، فقالت له، وهي حامل: طيِّب نفسي بتطليقة. فطلَّقها تطليقةً، ثم خرج إلى الصلاة. فرجع، وقد وضعت. فقال لها: خدعتِني (^٣) خدَعكِ الله! ثم أتى النبيَّ - ﷺ -، فسأله عن ذلك، فقال: «سبق الكتابُ أجلَه، اخطُبْها إلى نفسها». ذكره ابن ماجه (^٤).\nوسألته - ﷺ - فُريعة بنت مالك، فقالت: إن زوجي خرج في طلبِ أعبُدٍ له أبَقُوا، حتَّى إذا كان بطرف القَدُوم (^٥) لحِقَهم، فقتلوه. فسألته أن ترجع إلى أهله، وقالت: إن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه، ولا نفقةً. فقال لها رسول الله - ﷺ -: «نعم». قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنت في الحُجرة ــ أو في المسجد ــ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) برقم (٥٣١٩).\n(^٣) ك، ب: «خدعتيني»، وكذا في النسخ المطبوعة. ولفظ ابن ماجه: «فقال: ما لها؟ خدعَتْني خدَعها الله!».\n(^٤) برقم (٢٠٢٦) من طريق ميمون بن مهران عن الزبير، وهو منقطع بينهما. ورواه البيهقي (٧/ ٤٢١) من طريق ميمون عن أم كلثوم، وهو منقطع كذلك، والله أعلم بالصواب. ومع ذلك صححه الألباني في «الإرواء» (٢١١٧).\n(^٥) في «النهاية في غريب الحديث» (٤/ ٢٧): موضع على ستة أميال من المدينة.","vol":"5","page":371},{"text":"ناداني رسول الله - ﷺ -، أو أمرَ بي، فنُوديتُ له، فقال: «كيف قلتِ؟». فرددتُ عليه القصة التي ذكرتُ له، فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتابُ أجلَه». قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشرًا. فلما كان عثمان أرسل إليَّ، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتَّبعه، وقضى به. حديث صحيح ذكره أهل السنن (^١).\nوأفتى - ﷺ - امرأةَ ثابت بن قيس بن شمَّاس، و[هي] (^٢) جميلةُ بنت عبد الله بن أُبَيّ لما اختلعت من زوجها، فأمرها النبي - ﷺ - أن تتربَّص حيضة واحدة، وتلحق بأهلها. ذكره النسائي (^٣). وعند أبي داود والترمذي عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي - ﷺ - أن تعتد حيضة (^٤).\nوعند الترمذي (^٥) عن الرُّبَيِّع بنت معوِّذ أنها اختلعت على عهد النبي الله - ﷺ - فأمرها النبيُّ - ﷺ - ــ أو أُمِرَت ــ أن تعتدَّ بحيضة. قال الترمذي: حديث الربيع الصحيح أنها أُمِرت أن تعتدَّ بحيضة.\n_________\n(^١) رواه مالك (١/ ٥٩١)، وأحمد (٤٥/ ٢٨)، وأبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٧)، والنسائي (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٠٣١). صححه الذهلي كما في «البدر المنير» (٨/ ٢٤٧)، والترمذي، وابن حبان (٤٢٩٢)، والحاكم (٢/ ٢٠٨)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ٢٧)، وابن الملقن، وابن القطان في «بيان الوهم» (٥/ ٣٩٣).\n(^٢) زيادة لازمة من «سنن النسائي» فإن جميلة هي امرأة ثابت. وقد سبق النص على الصواب.\n(^٣) برقم (٣٤٩٧) وقد تقدم.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) برقم (١١٨٥) من طريق سليمان بن يسار، وسنده صحيح، صححه الترمذي، وتقدم الكلام على الحديث.","vol":"5","page":372},{"text":"وعند النسائي وابن ماجه ــ واللفظ له ــ عن الرُّبَيِّع قالت: اختلعتُ من زوجي، ثم جئتُ عثمان، فسألتُ: ماذا عليَّ من العِدَّة؟ فقال: لا عِدَّة عليك إلا أن يكون حديثَ عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضةً. قالت: وإنما تبِع في ذلك قضاءَ رسول الله - ﷺ - في مريم المَغَاليَّة، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه (^١).\nفصل\nواختصم إليه - ﷺ - سعد بن أبي وقاص وعبد بن زَمْعة في الغلام، فقال سعد: هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهِد إليَّ أنه ابنه. انظر إلى شبَهه. وقال عبد بن زمعة: هو أخي، وُلِد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله - ﷺ - إلى شبَهه. فرأى شبَهًا بيِّنًا بعتبة، فقال: «هو لك يا عبد. الولد للفراش، وللعاهر الحجر. واحتجبي منه يا سودة». فلم ير سودةَ (^٢) قطُّ. متفق عليه (^٣).\nوفي لفظ البخاري (^٤): «هو أخوك يا عبد».\nوعند النسائي (^٥): «واحتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ».\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) كذا في ز مضبوطًا. وفي ك، ب: «فلم تره سودة»، وكذا في النسخ المطبوعة. وهو لفظ آخر عند البخاري (٢٢١٨).\n(^٣) البخاري (٦٧٦٥) ومسلم (١٤٥٧) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) برقم (٤٣٠٣).\n(^٥) برقم (٣٤٨٥) من حديث عبد الله بن الزبير. ورواه أيضًا الدارقطني (٤٥٨٩)، وأبو يعلى (٦٨١٣)، والبيهقي (٦/ ٨٧). وفيه يوسف بن الزبير، لا يعرف. وضعفه البيهقي، وحسنه الحافظ في «الفتح» (١٢/ ٣٨).","vol":"5","page":373},{"text":"وعند الإمام أحمد (^١): «أما الميراث فله. وأما أنتِ فاحتجبي منه فإنه ليس لكِ بأخ».\nفحكَم وأفتى بالولد لصاحب الفراش عملًا بموجب الفراش، وأمر سودة أن تحتجب منه عملًا بشبَهه بعتبة، وقال: «ليس لكِ بأخ» للشَّبَه (^٢)، وجعله أخًا في [٢٤٧/أ] الميراث. فتضمنت فتواه - ﷺ - أن الأمَة فراش، وأن الأحكام تتبعَّض في العين الواحدة عملًا بالاشتباه كما تتبعَّض في الرضاعة، وثبوتُها يثبت بها الحرمة والمَحْرَمية، دون الميراث والنفقة؛ وكما في ولد الزنا، هو ولدٌ في التحريم، وليس ولدًا في الميراث. ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر. فيتعيَّن الأخذ بهذا الحكم والفتوى (^٣). وبالله التوفيق.\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفِّي عنها زوجُها، وقد اشتكت عينها، أفنكحُلها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا» مرتين أو ثلاثًا. متفق عليه (^٤).\n_________\n(^١) في «المسند» (١٦١٢٧). ورواه أيضًا عبد الرزاق (١٣٨٢٠)، وأبو يعلى (٦٨١٣). وهو منقطع بين مجاهد والزبير، والصحيح أنه بينهما يوسف بن الزبير. وضعفه الخطابي في «معالم السنن» (٣/ ٢٨٠)، والنووي كما في «الفتح» (١٢/ ٣٧). وانظر تعليق محققي «المسند».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «للشبهة»، تصحيف.\n(^٣) قد سبق طرف من الكلام على الحديث، وقد أفاض القول عليه وعلى المسألة في «تهذيب السنن» (١/ ٥٦٥ - ٥٦٨) و«زاد المعاد» (٥/ ٣٦٧ - ٣٧٢). وانظر أيضًا «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٤٥) و«بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٣٨) و«الطرق الحكمية» (٢/ ٥٨٨).\n(^٤) البخاري (٥٣٣٦) ومسلم (١٤٨٨) من حديث أم سلمة - ﵂ -.","vol":"5","page":374},{"text":"ومنع - ﷺ - المرأة أن تُحِدَّ على ميِّت فوق ثلاث، إلا على زوج فإنها تُحِدُّ أربعة أشهر وعشرًا؛ ولا تكتحل، ولا تطيَّب، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا. ورخَّص لها في طهرها إذا اغتسلت في نُبْذةٍ من قُسْطٍ أو أظفار. متفق عليه (^١).\nوعند أبي داود والنسائي (^٢): «ولا تختضب».\nوعند النسائي (^٣): «ولا تمتشط».\nوعند أحمد (^٤): «لا تلبَس المعصفَر من الثياب، ولا الممشَّقة (^٥)، ولا الحُلِيَّ، ولا تختضب، ولا تكتحل».\nوجعلت أم سلمة - ﵂ - على عينها (^٦) صَبِرًا لما توفي أبو سلمة، فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ قالت: إنما هو صَبِرٌ ليس فيه طيب. قال: «إنه يشُبُّ\n_________\n(^١) البخاري (٥٣٤٢) ومسلم (٩٣٨) من حديث أم عطيّة - ﵂ -.\n(^٢) رواه أبو داود (٢٣٠٢) من طريق هشام بن حسان، وهو إسناد الشيخين لهذا الحديث. وعند النسائي (٣٥٣٦) من طريق عاصم، عن حفصة، وإسناده صحيح أيضًا.\n(^٣) برقم (٣٥٣٤) من طريق هشام عن حفصة أي بإسناد الشيخين.\n(^٤) برقم (٢٦٥٨١)، وأبو داود (٢٣٠٤)، والنسائي (٣٥٣٥)، من حديث أم سلمة. صححه ابن حبان (٤٣٠٦)، وحسنه ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٢٣٧)، والحافظ في «التلخيص» (٣/ ٢٣٨).\n(^٥) هي المصبوغة بالمِشْق، وهو طين أحمر يصبغ به الثوب. وفي ك: «الشقة»، تحريف. وفي النسخ المطبوعة: «الشقة الممشَّقة»!\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «عينيها»، وفي «السنن» كما أثبت من الخطية.","vol":"5","page":375},{"text":"الوجهَ فلا تجعليه إلا بالليل. ولا تمتشطي بالطِّيب ولا بالحناء، فإنه خضاب». قلت: بأيِّ شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسِّدر تغلِّفين به رأسَك». ذكره النسائي. وعند أبي داود: «فلا تجعليه إلا بالليل وتنزِعيه (^١) بالنهار» (^٢).\nوسألته - ﷺ - خالة جابر بن عبد الله، وقد طُلِّقت: هل تخرج تَجُدُّ نخلَها (^٣)؟ فقال: «فجُدِّي نخلَك، فإنك عسى أن تتصدَّقي أو تفعلي معروفًا». ذكره مسلم (^٤).\nفصل\nفي فتواه - ﷺ - في نفقة المعتدة وكسوتها\nثبت أن فاطمة بنت قيس طلَّقها زوجُها البتة، فخاصمته في السكنى والنفقة إلى رسول الله - ﷺ -. قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة. وفي «السنن» أن النبي - ﷺ - قال: «يا بنت آل قيس، إنما السكنى والنفقة على من\n_________\n(^١) كذا في «السنن» بحذف النون للتخفيف.\n(^٢) رواه أبو داود (٢٣٠٥)، والنسائي (٣٥٣٧) من حديث أم حكيم بن أسيد عن أمها. وفيه المغيرة بن الضحاك، مجهول. والحديث ضعفه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٧٧)، وعبد الحق في «الأحكام» (٣/ ٢٢٣)، والمنذري كما في «التلخيص الحبير» (٣/ ٢٣٩).\n(^٣) جدَّ النخلَ: قطع ثمرَه. وفي ز: «تجذّ» و«فجُذِّي» فيما يأتي بالذال المعجمة. وهما بمعنًى، ولكن الرواية في «صحيح مسلم» بالمهملة.\n(^٤) برقم (١٤٨٣).","vol":"5","page":376},{"text":"كانت له رجعة». ذكره أحمد (^١). وعنده (^٢) أيضًا: «إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة. فإذا لم يكن له عليها رجعة، فلا نفقة ولا سكنى».\nوفي «صحيح مسلم» (^٣) عنها: طلَّقني زوجي ثلاثًا، فلم يجعل لي رسول الله - ﷺ - سكنى ولا نفقة.\nوفي رواية لمسلم (^٤) أيضًا: أن أبا عمرو بن حفص خرج مع علي (^٥) إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته بتطليقة بقيت من طلاقها، وأمر عياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام أن ينفقا عليها، فقالا: والله ما لها نفقة، إلا أن تكون حاملًا. فأتت النبيَّ - ﷺ -، فذكرت له قولهما، فقال: «لا نفقة لكِ». فاستأذنته في الانتقال، فأذن لها، فقالت له: أين يا رسول الله؟ فقال: «عند ابن أم مكتوم». وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يراها. فلما مضت عدَّتُها أنكحها\n_________\n(^١) في «المسند» (٢٧٣٤١). وهو عند مسلم (١٤٨٠/ ٤٠).\n(^٢) برقم (٢٧١٠٠)، وكذلك عبد الرزاق (١٢٠٢٦) والحميدي (٣٦٧). وفيه مجالد عن الشعبي، ومجالد ضعيف. وتابعه زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي، وهو كثير التدليس عن الشعبي. وتابعه سعيد بن يزيد عند الطبراني (٢٤/ ٩٤٨)، وفي سنده بكر بن بار، ضعيف. وتابعه جابر الجعفي عند الدارقطني (٣٩٥٢)، وهو ضعيف أيضًا. فزيادة قوله: «إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة» ضعيفة. انظر تعليق محققي «المسند».\n(^٣) برقم (١٤٨٠/ ٤٢).\n(^٤) برقم (١٤٨٠/ ٤١).\n(^٥) ك، ب: «مع معلى»، تحريف طريف.","vol":"5","page":377},{"text":"النبي - ﷺ - أسامةَ بن زيد. فأرسل إليها مروانُ قَبيصةَ بن ذؤيب يسألها عن الحديث، فحدَّثته. فقال: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا [٢٤٧/ب] الناس عليها. فقالت فاطمة حين بلغها قولُ مروان: بيني وبينكم القرآن، قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ الآية [الطلاق: ١]. قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأيُّ أمر يحدُث بعد الثلاث؟\nوأفتى النبي - ﷺ - بأن للنساء على الرجال رزقهن وكسوتهن بالمعروف. ذكره مسلم (^١).\nوسئل - ﷺ -: ما تقول في نسائنا؟ فقال: «أطعِموهن مما تأكلون، واكسُوهن مما تلبسون. ولا تضربوهن، ولا تقبِّحوهن». ذكره مسلم (^٢).\nوسألته - ﷺ - هند امرأة أبي سفيان، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم. قال: «خذي ما يكفيكِ وولدَك بالمعروف». متفق عليه (^٣).\n_________\n(^١) برقم (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله في وصف حجة النبي - ﷺ -.\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب أن الحديث في «سنن أبي داود» (٢١٤٤) عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه كما ذكر المصنف في «زاد المعاد» (٥/ ٤٣٨). وهو أيضًا في «السنن الكبرى» للنسائي (٩١٠٦)، و«الأوسط» للطبراني (١٦٥٧)، و«السنن الكبرى» للبيهقي (٧/ ٢٩٥)، من طريق سفيان بن حسين عن داود الوراق عن سعيد بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية القشيري. انظر: «صحيح أبي داود - الأم» (١٨٦١).\n(^٣) البخاري (٢٢١١) ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"5","page":378},{"text":"فتضمنت هذه الفتوى أمورًا:\nأحدها: أن نفقة الزوجة غير مقدَّرة، بل المعروف ينفي تقديرَها، ولم يكن تقديرُها معروفًا في زمن رسول الله - ﷺ - ولا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم (^١).\nالثاني: أن نفقة الزوجة من جنس نفقة الولد كلاهما بالمعروف.\nالثالث: انفراد الأب بنفقة أولاده.\nالرابع: أن الزوج أو الأب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه، فللزوجة والأولاد أن يأخذوا قدر كفايتهم بالمعروف.\nالخامس: أن المرأة إذا قدَرت على أخذ كفايتها من مال زوجها لم يكن لها إلى الفسخ سبيل.\nالسادس: أن ما لم يقدِّره الله ورسوله من الحقوق الواجبة، فالمرجعُ فيه إلى العرف.\nالسابع: أن ذمَّ الشاكي لخصمه بما هو فيه حالَ الشكاية لا يكون غِيبةً، فلا يأثم به ولا سامعُه بإقراره عليه.\nالثامن: أن من منع الواجب عليه، وكان سبب ثبوته ظاهرًا، فلمستحقِّه أن يأخذ بيده إذا قدرَ عليه؛ كما أفتى به النبيُّ - ﷺ - هندًا، وأفتى به الضيفَ إذا لم يَقْرِه مَن نزل عليه كما في «سنن أبي داود» (^٢) عنه - ﷺ - أنه قال: «ليلةُ\n_________\n(^١) وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ٤٣٧).\n(^٢) برقم (٣٧٥٠) من حديث أبي كريمة. ورواه أيضًا أحمد (١٧١٧٢)، وابن ماجه (٣٦٧٧)، والبيهقي (٩/ ١٩٧). صححه النووي في «المجموع» (٩/ ٥٧)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٠٨)، والحافظ في «التلخيص» (٤/ ١٥٩).","vol":"5","page":379},{"text":"الضيف حقٌّ على كلِّ مسلم. فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دَينًا عليه، إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه». وفي لفظ: «من نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه. فإن لم يقْرُوه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه» (^١).\nوإن كان سببُ الحق خفيًّا لم يجُز له ذلك، كما أفتى به (^٢) النبي - ﷺ - في قوله: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخُن مَن خانك» (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل: من أحقُّ الناس بحسن صَحابتي؟ قال: «أمُّك». قال: ثم من؟ قال: «أمُّك». قال: ثم من؟ قال: «أمُّك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك». متفق عليه (^٤). زاد مسلم: «أدناك، فأدناك» (^٥).\nقال الإمام أحمد: للأم ثلاثة أرباع البِرِّ. وقال أيضًا: الطاعة للأب، وللأم ثلاثة أرباع البِرِّ (^٦).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧١٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٤)، والطبراني (٢٠/ ٦٦٨)، من حديث المقدام بن معدي كرب. والحديث صحيح. انظر للشواهد والطرق: «الصحيحة» (٢٢٠٤) و«الإرواء» (٢٥٩١).\n(^٢) «به» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٣) تقدم مرتين.\n(^٤) البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) كذا في النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «ثم أدناك ...». ولفظ الصحيح: «ثم أدناكَ أدناكَ».\n(^٦) نقلهما المصنف في «تهذيب السنن» (٣/ ٤٢٣) أيضًا. والقول الأول أخرجه هناد بن السري في «الزهد» (٢/ ٤٧٦) عن منصور بن المعتمر أنه كان يقال: «للأم ...».","vol":"5","page":380},{"text":"وعند الإمام أحمد (^١) قال: «ثم الأقرب فالأقرب».\nوعند أبي داود أن رجلًا سأل النبيَّ - ﷺ -: من أبَرُّ؟ قال: «أمَّك، وأباك، وأختك، وأخاك، ومولاك، ومولاك الذي يلي ذاك؛ حقٌّ واجبٌ، ورحِمٌ موصولة» (^٢).\nفصل في الحضانة (^٣)\nقضى رسول الله - ﷺ - فيها خمس قضايا:\nإحداها: قضى بابنة حمزة لخالتها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» (^٤). فتضمَّن هذا القضاء أن الخالة مقام الأم في الاستحقاق، وأن [٢٤٨/أ] تزوُّجها لا يُسقِط حضانتها إذا كانت جارية (^٥).\nالقضية الثانية: أن رجلًا جاء بابن له صغير لم يبلغ، فاختصم فيه هو وأمه، ولم تُسلم الأم. فأجلسَ رسولُ الله - ﷺ - الأبَ هاهنا، وأجلس الأم\n_________\n(^١) في «مسنده» (٣٣/ ٢٣٠) من حديث بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده.\n(^٢) رواه أبو داود (٥١٤٠)، والبخاري في «التاريخ الكبير (٧/ ٢٣٠)، والبيهقي (٤/ ١٧٩) من حديث كليب بن منفعة عن جدِّه. وأعلَّه أبو حاتم بالإرسال في «العلل» (٢١٢٤).\n(^٣) في المطبوع أثبت «فصل فتاوى في الحضانة وفي مستحقها» بين معقوفين.\n(^٤) رواه البخاري (٢٦٩٩) من حديث البراء بن عازب.\n(^٥) وانظر: «زاد المعاد» (٣/ ٣٣١).","vol":"5","page":381},{"text":"هاهنا، ثم خيَّر الصبي، وقال: «اللهم اهدِه». فذهب إلى أبيه (^١). ذكره أحمد (^٢).\nالقضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم، وأبت امرأته أن تُسلِم، فأتت النبيَّ - ﷺ -، وقالت: ابنتي فطيم أو شبهه، وقال رافع: ابنتي. فقال له (^٣) رسول الله - ﷺ -: «اقعد ناحيةً»، وقال لها: «اقعدي ناحيةً». فأقعد الصبيةَ بينهما، ثم قال: «ادعواها». فمالت إلى أمها. فقال النبيُّ - ﷺ -: «اللهم اهدِها». فمالت إلى أبيها، فأخذها. ذكره أحمد (^٤).\nالقضية الرابعة: جاءته امرأة، فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني (^٥) من بئر أبي عِنَبة، وقد نفعني. فقال رسول الله - ﷺ -: «استَهِما\n_________\n(^١) في النسخ الخطية: «أمِّه»، ولعله سبق قلم كان في الأصل أو تحريف من النساخ. والصواب ما أثبت من مصادر التخريج. والجدير بالذكر أن هذه القضية وتاليتها قضية واحدة.\n(^٢) برقم (٢٣٧٥٩) من حديث عبدالحميد الأنصاري عن أبيه عن جده رافع بن سنان. ورواه أيضًا أبو داود (٢٢٤٤)، والنسائي (٣٤٩٥). وفيه عبد الحميد بن سلمة، ويقال: عبد الحميد بن جعفر، وقيل: هما اثنان. انظر: «نصب الراية» (٣/ ٢٧٠). وقال الحافظ في «التلخيص» (٤/ ٣٣): وفي سنده اختلاف كثير وألفاظ مختلفة. ورجح ابن القطان رواية عبد الحميد بن جعفر. وقال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال. وانظر: «بيان الوهم» (٣/ ٥١٤).\n(^٣) «له» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٤) رواه أحمد (٢٣٧٥٧)، وأبو داود (٢٢٤٤)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٥٢)، من طريق عبد الحميد بن جعفر. انظر الحديث السابق.\n(^٥) في النسخ الخطية: «سقى لي»، والمثبت من «السنن».","vol":"5","page":382},{"text":"عليه». فقال زوجها: من يحاقُّني (^١) في ولدي؟ فقال النبيُّ - ﷺ -: «هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت». فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. ذكره أبو داود (^٢).\nالقضية الخامسة: جاءته - ﷺ - امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سِقاءً، وحِجْري له حِواءً. وإن أباه طلَّقني، وأراد أن ينزعه مني. فقال لها: «أنتِ أحقُّ به ما لم تنكِحي». ذكره أبو داود (^٣).\nفعلى هذه القضايا الخمسة (^٤) تدور الحضانة. وبالله التوفيق.\nفصل\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-971>من فتاويه - ﷺ - في باب الدماء والجنايات:</span>\nسئل - ﷺ - عن الآمر والقاتل، فقال: «قُسمت النار سبعين جزءًا، فللآمر تسع وستون، وللقاتل جزء». ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) أي: يخاصمني، كما ورد في رواية أخرى.\n(^٢) برقم (٢٢٧٧) ومن حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا أحمد (٧٣٥٢)، والترمذي (١٣٥٧)، والنسائي (٣٤٩٦)، وابن ماجه (٢٣٥١). صححه الترمذي، والحاكم (٤/ ٩٧)، والألباني في «الإرواء» (٢١٩٢، ٢١٩٣).\n(^٣) برقم (٢٢٧٦) وقد تقدم.\n(^٤) كذا في النسخ الثلاث، وهو سائغ في العربية، وفي النسخ المطبوعة: «الخمس».\n(^٥) في «المسند» (٢٣٠٦٦) عن مرثد بن عبد الله عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -. وفيه ابن إسحاق، مدلس، وقد عنعن؛ ضعفه به الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٩٩). وله شاهد عند الطبرني (٢٢/ ٩٨٠)، وفيه حسين الهاشمي، ضعيف. وانظر للشواهد: تعليق محققي «المسند». وضعَّفه الألباني في «الضعيفة» (٤٠٥٥).","vol":"5","page":383},{"text":"وجاءه رجل، فقال: إن هذا قتل أخي. قال: «اذهب، فاقتله كما قتل أخاك». فقال له الرجل: اتق الله، واعفُ عنِّي، فإنه أعظم لأجرك وخيرٌ لك يوم القيامة. فخلَّى عنه. فأُخبِرَ النبيُّ، فسأله، فأخبَره بما قال له. قال: «أما، إنه خير مما هو صانع بك يوم القيامة، يقول: يا ربِّ سَلْ هذا فيمَ قتلني؟» (^١).\nوجاءه - ﷺ - رجل بآخر قد ضربَ ساعدَه بالسيف، فقطعها من غير مَفْصِل. فأمر له بالدية، فقال: أريد القصاص. قال (^٢): «خذ الديةَ، بارك الله لك فيها». ولم يقضِ له بالقصاص. ذكره ابن ماجه (^٣).\nوأفتى - ﷺ - بأنه إذا أمسك الرجلُ الرجلَ وقتله الآخر يُقتَل الذي قتَل ويُحبَس الذي أمسَك. ذكره الدارقطني (^٤).\nورُفِع إليه - ﷺ - يهوديٌّ قد رضَّ رأسَ جاريةٍ بين حجَرين، فأمر به أن يُرَضَّ رأسُه بين حجرين. متفق عليه (^٥).\n_________\n(^١) رواه النسائي (٤٧٣١) من حديث بريدة. وفيه بشير بن المهاجر، ضعيف.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فقال».\n(^٣) برقم (٢٦٣٦)، وكذلك الطبراني (٢/ ٢٦٠)، والبيهقي (٨/ ٦٥)، من طريق دهثم بن قُرَّان عن نِمْران بن جارية عن أبيه، ودهثم ضعيف، ونمران مجهول. والحديث ضعفه البيهقي، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٧/ ١٨٩)، وابن القطان في «بيان الوهم» (١/ ٣٣٦). انظر: «الإرواء» (٢٢٣٥).\n(^٤) برقم (٣٢٧٠) من حديث ابن عمر، وكذلك البيهقي (٨/ ٥٠). ورواه الدارقطني (٣٢٦٨) عن سعيد بن المسيب مرسلًا. ورجح البيهقي الإرسال، وصحح ابن القطان الوصل في «بيان الوهم» (٥/ ٤١٥)، وابن التركماني في «الجوهر النقي» (٨/ ٥٠)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٣٦٢).\n(^٥) البخاري (٢٤١٣) ومسلم (١٦٧٢) وقد تقدَّم.","vol":"5","page":384},{"text":"وقضى - ﷺ - أن شبه العَمْد مغلظ مثل العَمْد، ولا يقتل صاحبه. ذكره أبو داود (^١).\nوقضى - ﷺ - في الجنين يسقط من الضربة بغُرَّة عبد أو أمة. ذكره أبو داود أيضًا (^٢).\nوقضى - ﷺ - في قتيل الخطأ (^٣) شبه العمد بمائة من الإبل: أربعون منها في بطونها أولادها. ذكره أبو داود (^٤).\nوقضى - ﷺ - أن لا يُقتَل مسلمٌ بكافر. متفق عليه (^٥).\nوقضى صلى الله [٢٤٨/ب] عليه وسلم أن لا يقتل الوالد بالولد. ذكره الترمذي (^٦).\n_________\n(^١) برقم (٤٥٦٥) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا أحمد (٦٧١٨). وفيه سليمان الأشدق، حسن الحديث. وتابعه ابن إسحاق عند أحمد (٧٠٣٣)، وقد عنعن. وله شاهد عند البيهقي (٨/ ٤٥)، وفيه تدليس الوليد وابن جريج. انظر: «نصب الراية» (٤/ ٣٣٢).\n(^٢) برقم (٤٥٧٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. والحديث عند البخاري (٥٧٥٨) ومسلم (١٦٨١).\n(^٣) ب: «قتل الخطأ»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) برقم (٤٥٤٧، ٤٥٤٩). ورواه أيضًا أحمد (٦٥٣٣)، والنسائي (٤٧٩١، ٤٧٩٥)، وابن ماجه (٢٦٢٧، ٢٦٢٨)، والبيهقي (٨/ ٤٤، ٤٥، ٦٨) من طرق مختلفة متباينة. بيَّن الاختلاف أبو داود والنسائي والبيهقي. وانظر: «طبقات السبكي» (٣/ ١١٢ - ١١٦) و«الإرواء» (٢١٩٧).\n(^٥) كذا قال. وإنما رواه البخاري من حديث علي (١١١)، وقد سبق.\n(^٦) برقم (١٤٠١) وقد تقدم.","vol":"5","page":385},{"text":"وقضى - ﷺ - أن يعقل المرأةَ عصَبتُها من كانوا، ولا يرثون عنها إلا ما فضَل عن ورثتها. وإن قُتِلت فعقلُها بين ورثتها، فهم يقتلون قاتلها. ذكره أبو داود (^١).\nوقضى - ﷺ - أن الحامل إذا قتَلت عمدًا لم تُقتَل حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفِّل ولدَها؛ وإن زنت حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفِّل ولدَها. ذكره ابن ماجه (^٢).\nوقضى - ﷺ - أن من قُتِل له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إما أن يُفدَى، وإما أن يُقتَل. متفق عليه (^٣).\nوقضى - ﷺ - أنَّ من أصيب بدم أو خَبْل ــ والخَبْلُ: الجِراح ــ فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: أن يقتُل، أو يعفو، أو يأخذ الدية. فمن فعل شيئًا من ذلك، فعاد، فإن له نار جهنم خالدًا فيها مخلَّدًا\n_________\n(^١) برقم (٤٥٦٤) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا النسائي (٤٨٠١) وابن ماجه (٢٦٤٧). وفيه محمد بن راشد وسليمان الأشدق، كلاهما صدوق مع لين فيهما. وتابع محمدَ بن راشد عن سليمان ابنُ إسحاق عند أحمد (٧٠٩٢)، وقد عنعن. وقال النسائي في «الكبرى» (٦/ ٣٥٥): هذا حديث منكر، وسليمان بن موسى ليس بالقوي في الحديث، ولا محمد بن راشد.\n(^٢) برقم (٢٦٩٤) من حديث معاذ بن جبل وأبي عبيدة وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس. وفيه ابن لهيعة وابن أنعم الإفريقي، وفي كليهما ضعف. والحديث ضعفه الضياء في «السنن والأحكام» (٥/ ٣٥٨)، والبوصيري في «المصباح» (٢/ ٩٤)، والألباني في «الإرواء» (٢٢٢٥). ولبعضه شاهد عند مسلم (١٦٩٥).\n(^٣) البخاري (٢٤٣٤) ومسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"5","page":386},{"text":"أبدًا (^١). يعني قتَل بعد عفوه وأخذِ الدية، أو قتَل غيرَ الجاني.\nوقضى - ﷺ - أن لا يقتصَّ من جُرح حتى يبرأ صاحبه. ذكره أحمد (^٢).\nوقضى - ﷺ - في الأنف إذا أُوعِبَ جدعًا بالدية، وإذا جُدِعت أرنبته بنصف الدية (^٣).\nوقضى - ﷺ - في العين بنصف العقل (^٤) خمسين من الإبل، أو عِدْلها ذهبًا أو وَرِقًا، أو مائة بقرة، أو ألف شاة، وفي الرجل نصفُ العقل، وفي اليد نصفُ العقل؛ والمأمومةُ ثلثُ العقل، والمُنقِّلة خمسَ عشرةَ من الإبل، والموضحةُ خمسٌ من الإبل، والأسنانُ خمسٌ خمسٌ. ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٦٣٧٥)، وأبو داود (٤٤٩٦)، وابن ماجه (٢٦٢٣)، من حديث أبي شريح الخزاعي. وفيه سفيان بن أبي العوجاء، ضعيف. وضعَّف هذا اللفظ ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٦٤)، والمزي في «تهذيب الكمال» (٧/ ٣٦٨)، والذهبي في «الميزان» (٢/ ١٧٠). ورواه أبو داود (٤٥٠٤)، والترمذي (١٤٠٦) من طريق سعيد المقبري عن أبي شريح، ولكن بالتخيير بين القتل والدية. صححه الترمذي. انظر: «نصب الراية» (٤/ ٣٥١)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٣/ ٢٦٧).\n(^٢) في «المسند» (٧٠٣٤) وقد سبق تخريجه.\n(^٣) رواه أحمد (٧٠٣٤) من طريق ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب، وقد عنعن. ورواه أبو داود (٤٥٦٤) من طريق سليمان بن موسى عن عمرو به. حسنه الألباني في «التعليقات الرضية» (٣/ ٣٨٠).\n(^٤) في المطبوع: «بنصف الدية» كالطبعات السابقة، ثم زاد بين المعقوفين: «العقل»!\n(^٥) برقم (٧٠٣٣)، وكذلك أبو داود (٤٥٦٤)، والترمذي (١٣٩٠)، والنسائي (٤٨٥٣)، وابن ماجه (٢٦٥٥)، والبيهقي (٨/ ٨٣) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وصححه أحمد وحسنه أبو زرعة وأبو حاتم والدارمي كما ذكره البيهقي، وابن حبان (٦٥٥٩)، وحسنه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٧/ ٣٣٨)، وصححه ابن عساكر (٢٢/ ٣٠٥).","vol":"5","page":387},{"text":"وقضى - ﷺ - في دية أصابع اليدين والرجلين بعشر عشر. صححه الترمذي (^١).\nوقضى (^٢) - ﷺ - أن الأسنان سواء، الثنية والضِّرس سواء. ذكره أبو داود (^٣).\nوقضى - ﷺ - في العين العوراء السَّادَّةِ لمكانها إذا طُمِسَت بثلث الدية، وفي اليد الشَّلَّاء إذا قطعت ثلثُ ديتها. ذكره أبو داود (^٤).\nوقضى - ﷺ - في اللسان بالدية، وفي الشفتين بالدية، وفي البيضتين بالدية، وفي الذَّكر بالدية، وفي الصلب بالدية، وفي العينين بالدية؛ وفي الرِّجل\n_________\n(^١) برقم (١٣٩١) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا ابن الجارود (٧٨٠). صححه الترمذي، وابن القطان (٥/ ٤٠٨)، والألباني في «الإرواء» (٢٢٧١).\n(^٢) هذه الفقرة مقدَّمة على سابقتها في النسخ المطبوعة.\n(^٣) برقم (٤٥٥٩) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا ابن ماجه (٢٦٥٠) والبيهقي (٨/ ٩٠). صححه ابن عبد الهادي في «المحرر» (٣٩٤)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٤٥٧)، والألباني في «الإرواء» (٢٢٧٧).\n(^٤) برقم (٤٥٦٧) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، من طريق مروان دون ذكر «العوراء». ورواه النسائي (٤٨٤٠) ــ وهذا لفظه ــ، والدارقطني (٣٢٤١)، والطبراني في «مسند الشاميين» (١٥٢١) من طريق محمد بن عائذ بذكر العوراء. قال الألباني في «الإرواء» (٧/ ٣٢٨): «وهذا إسناد حسن إن كان حدث به قبل الاختلاط ...». وانظر: «تنقيح التحقيق» (٤/ ٥٠٤).","vol":"5","page":388},{"text":"الواحدة نصف الدية، وأن الرَّجل يقتل بالمرأة. ذكره النسائي (^١).\nوقضى - ﷺ - أن مَن قُتِل خطأً فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنتَ مخاض، وثلاثون بنتَ لبون، وثلاثون حِقَّةً، وعشرة بني لبون ذكر (^٢). ذكره النسائي (^٣).\nوعند أبي داود (^٤): «عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بنتَ مخاض، وعشرون بنتَ لبون، وعشرون ابنَ مخاض ذكر».\nوقضى - ﷺ - أن من قتل متعمدًا دُفِع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حِقّة، وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة.\n_________\n(^١) برقم (٤٨٥٣) من حديث عمرو بن حزم. وراه أيضًا الدارمي (٢٤١١)، وابن حبان (٦٥٥٩)، والحاكم (١/ ٣٩٧)، من طريق الحكم بن موسى موصولا. ولكن الراجح فيه الإرسال، رجحه النسائي، وأبو حاتم في «العلل» (١/ ٢٢٢)، وأبو داود في «المراسيل» (٢٥٧). وانظر: «ميزان الاعتدال» (٢/ ٢٠٠).\n(^٢) كذا في النسخ الخطية، وفي «سنن النسائي»: «ذكور». وفي المطبوع: «ابن لبون [ذكر]»، وفي الطبعات السابقة: «ابن لبون» فقط!\n(^٣) برقم (٤٨٠١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه أيضًا أحمد (٦٦٦٣)، وأبو داود (٤٥٤١)، وابن ماجه (٢٦٣٠). صححه أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (١٠/ ١٤٦)، وحسنه الألباني في «صحيح النسائي» (٤٨١٥).\n(^٤) برقم (٤٥٤٥) من حديث ابن مسعود. ورواه الترمذي (١٣٨٦)، والنسائي (٤٨٠٢)، وابن ماجه (٢٦٣١). وفيه الحجاج بن أرطاة، ضعيف ومدلس، وخشف بن مالك، مجهول. والراجح فيه الوقف، رجحه أبو داود، والترمذي، والدارقطني في «العلل» (٥/ ٤٩)، وابن الملقن في «خلاصة البدر» (٢/ ٢٦٨).","vol":"5","page":389},{"text":"وما صالحوا (^١) عليه فهو لهم. ذكره الترمذي وحسَّنه (^٢).\nوقضى - ﷺ - على أهل الإبل بمائة [من الإبل] (^٣)، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلَل مائتي حُلَّة. ذكره أبو داود (^٤).\nوقضى - ﷺ - أن عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلثَ من ديتها. ذكره النسائي (^٥).\n_________\n(^١) ك: «صولحوا»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «جامع الترمذي» كما أثبت من (ز، ب).\n(^٢) برقم (١٣٩١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه أيضًا أحمد (٦٧١٧) وابن ماجه (٢٦٢٦)، وفيه محمد بن راشد وسليمان الأشدق، كلاهما صدوق على لين فيهما. ورواه أحمد (٧٠٣٣)، وفيه ابن إسحاق وقد عنعن. وحسنه الألباني في «الإرواء» (٢١٩٩).\n(^٣) ما بين المعقوفين من «السنن»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) برقم (٤٥٤٢، ٤٥٤٣، ٤٥٤٤)، وكذلك البيهقي (٨/ ٧٧، ٧٨) من طرق مختلفة. ضعفه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٩٨)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٧/ ٣٤٢)، وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٢٨٠).\n(^٥) برقم (٤٨٠٥) من حديث عمرو بن شعيب عن جده. ورواه أيضًا عبد الرزاق (١٧٧٥٦) والدارقطني (٣١٢٨). وفيه إسماعيل بن عياش، ضعيف في غير بلديّه وابن جريج مكي، وكذلك فيه عنعنة ابن جريج. ضعفه النسائي في «الكبرى» (٦/ ٣٥٧)، والذهبي في «التنقيح» (٢/ ٢٤٤)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٤٤٣).","vol":"5","page":390},{"text":"وقضى - ﷺ - أن عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين. ذكره النسائي (^١).\n\nوعند الترمذي (^٢): ديةُ (^٣) عقلِ الكافر نصفُ عقل المؤمن، حديث [٢٤٩/أ] حسن يصحِّح مثلَه أكثرُ أهل الحديث.\nوعند أبي داود (^٤): كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائة دينار، ثمانية (^٥) آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم. فلما كان عمر رفَع ديةَ المسلمين، وترَك ديةَ أهل الذمة، لم يرفعها فيما رفع من الدية.\nوقضى - ﷺ - في جنينِ امرأةٍ ضربتها أخرى بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أمةٍ، ثم إن المرأة\n_________\n(^١) برقم (٤٨٠٦) وفيه محمد بن راشد سليمان الأشدق، وإسناده حسن لأجلهما. وانظر الحديث القادم.\n(^٢) برقم (١٤١٣ م). ورواه أيضًا أحمد (٦٧١٦)، وأبو داود (٤٥٤٢، ٤٥٨٣)، والنسائي (٤٨٠٧)، وابن ماجه (٢٦٤٤)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والحديث صحيح، صححه أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (١٠/ ١٦٨).\n(^٣) كذا في النسخ الخطية، وفي متن «الجامع» مع شرحه «تحفة الأحوذي». وقد حذف لفظ الدية في النسخ المطبوعة. وفي «الجامع» بتحقيق بشار: «... نصف دية عقل المؤمن».\n(^٤) رواه أبو داود (٤٥٤٢) والبيهقي (٨/ ٧٧) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وفيه عبد الرحمن بن عثمان، ضعيف. والحديث ضعفه ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٤٤١)، والألباني في «التعليقات الرضية» (٣/ ٣٧٣).\n(^٥) كذا في النسخ الخطية، و«السنن الكبرى» للبيهقي (٨/ ١٣٥) ومنه نقل المصنف وهكذا في «تهذيب السنن» (٣/ ١٤٩). وفي مطبوعة «سنن أبي داود»: «أو ثمانية». وفي النسخ المطبوعة من كتابنا هذا: «وثمانية»!","vol":"5","page":391},{"text":"التي قضى عليها بالغُرّة توفيت، فقضى - ﷺ - أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عَصَبتها. متفق عليه (^١).\nوقضى - ﷺ - في امرأتين قتلت إحداهما الأخرى ولكلٍّ منهما زوج [وولد] (^٢) بالدية على عاقلة القاتلة، وبرَّأ زوجَها (^٣) وولدَها. فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا يا رسول الله، فقال - ﷺ -: «لا، ميراثها لزوجها وولدها». ذكره أبو داود (^٤).\nوجاءه - ﷺ - عبدٌ صارخًا فقال: ما لك؟ قال: سيدي رآني أقبِّل جاريةً له، فجَبَّ مذاكيري. فقال: «عليَّ بالرجل!». فطُلِبَ، فلم يُقدَر عليه، فقال: «اذهب، فأنت حُرٌّ». قال: على من نُصرتي يا رسول الله؟ قال: «على كلِّ مؤمن، أو مسلم». ذكره ابن ماجه (^٥).\nوقضى (^٦) - ﷺ - بإبطال دية العاضِّ لما انتزع المعضوضُ يدَه من فيه،\n_________\n(^١) البخاري (٦٧٤٠) ومسلم (١٦٨١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) زدت ما بين المعقوفين من «السنن» لمقتضى السياق. والظاهر أنه قد سقط من النسخ سهوًا. وكذا هو ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وميراثها لزوجها»، ولعله تصرف من بعض الناشرين. وفي «السنن» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٤) برقم (٤٥٧٥) من حديث جابر بن عبدالله. ورواه أيضًا ابن ماجه (٢٦٤٨) وأبو يعلى (١٨٢٣). وفيه مجالد، ضعيف، وله شاهد قد تقدم.\n(^٥) برقم (٢٦٨٠)، وكذلك أحمد (٦٧١٠)، وأبو داود (٤٥١٩)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. صححه أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (١٠/ ١٧٩).\n(^٦) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «رسول الله».","vol":"5","page":392},{"text":"فأسقط ثنيتَه. متفق عليه (^١).\nوقضى - ﷺ - بأن من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فخذفوه، ففقَؤوا عينه بأنه لا جناح عليهم. متفق عليه (^٢). وعند مسلم: «فقد حلَّ لهم أن يفقَؤوا عينه».\nوعند الإمام أحمد (^٣) في هذا الحديث: «فلا دية له ولا قصاص».\nوقضى - ﷺ - أنه لا دية في المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقِّلة. ذكره ابن ماجه (^٤).\nوجاءه - ﷺ - رجل يقود آخر بنِسْعة (^٥)، فقال: هذا قتَل أخي. فقال: «كيف قتلتَه؟». قال: كنتُ أنا وهو نختبط (^٦) من شجرة، فسبَّني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قَرنه، فقتلتُه. فقال: «هل لك من شيء تؤدِّيه عن نفسك؟». قال: ما لي إلا كسائي وفأسي. قال: «فترى قومك يشترونك؟». قال: أنا أهوَن على\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٦٥) ومسلم (١٦٧٣)، وقد تقدَّم.\n(^٢) البخاري (٦٩٠٢) ومسلم (٢١٥٨)، وقد سبق.\n(^٣) برقم (٨٩٩٧) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا النسائي (٤٨٦٠). صححه ابن حبان (٦٠٠٤) والمؤلف في «زاد المعاد» (٢/ ٣٩٢).\n(^٤) من حديث العباس بن عبد المطلب (٢٦٣٧)، وأبو يعلى (٦٧٠٠)، والبيهقي (٨/ ٦٥) من طريق رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وضعف الحديث البيهقي، والضياء في «السنن والأحكام» (٥/ ٣٧١)، والبوصيري في «المصباح» (٢/ ٨٥).\n(^٥) النِّسْعة: سير مضفور من جلد يجعل زمامًا للبعير وغيره.\n(^٦) في النسخ الخطية: «نحتطب»، والمثبت من «الصحيح». اختبط الشجرة أي ضربها بالعصا ليسقط ورقها.","vol":"5","page":393},{"text":"قومي من ذلك. فقال: «دونك صاحبَك». فانطلَق به. فلما ولَّى قال رسول الله - ﷺ -: «إنْ قتَله فهو مثلُه». فرجَع، فقال: يا رسول الله بلغني أنك قلتَ: «إن قتَلَه فهو مثلُه»، وأخذتُه بأمرك. فقال: «أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟». قال: يا نبيَّ الله ــ لعلَّه قال (^١) ــ بلى! فرمى بنسعته، وخلَّى سبيله. ذكره مسلم (^٢).\nوقد أشكل هذا الحديث على من لم يُحِط بمعناه، ولا إشكال فيه. فإن قوله - ﷺ -: «إن قتله فهو مثله» لم يُرِد به أنه مثله في الإثم، وإنما عنى به أنه إن قتله لم يبق عليه إثمُ القتل؛ لأنه قد استوفى منه في الدنيا، فيستوي هو والولي في عدم الإثم. أما الولي فإنه قتله بحقٍّ، وأما هو فلكونه قد اقتُصَّ منه. وأما قوله: «تبوء بإثمك وإثم صاحبك»، فإثم الولي مظلمته بقتل أخيه، وإثم المقتول إراقة دمه. وليس المراد أنه يحمل خطاياك وخطايا أخيك. والله أعلم.\nوهذه غير قصة الذي (^٣) دُفِع إليه (^٤) وقد قتَل، فقال: والله ما أردت قتله. فقال: أما إنه إن كان صادقًا فقتَله دخل النار. فخلَّاه الرجل. صحَّحه الترمذي (^٥). وإن كانت هي القصة، فتكون هذه علّةَ كونه إن قتله فهو مثلُه في المأثم. [٢٤٩/ب] والله أعلم.\n_________\n(^١) «لعله قال» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٢) برقم (١٦٨٠) من حديث وائل بن حجر.\n(^٣) في النسخ الخطية: «التي»، سبق قلم.\n(^٤) يعني: إلى ولي المقتول.\n(^٥) برقم (١٤٠٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. ورواه أيضًا أبو داود (٤٤٩٨)، والنسائي (٤٧٢٢)، وابن ماجه (٢٦٩٠). صححه الترمذي كما ذكر المصنف.","vol":"5","page":394},{"text":"فصل\nوأقرَّ - ﷺ - القسامة على ما كانت عليه قبل الإسلام، وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود. ذكره مسلم (^١).\nوقضى - ﷺ - في شأن مُحَيِّصة بأن يُقسِم خمسون من أولياء القتيل على رجل من المتهمين به، فيُدْفَع برُمَّته إليه، فأبوا. فقال: «تُبْرئكم يهود بأيمانِ خمسين». فأبوا، فوداه رسول الله - ﷺ - بمائة من عنده. متفق عليه (^٢). وعند مسلم: بمائة من إبل الصدقة.\nوعند النسائي (^٣): فقسَم رسولُ الله - ﷺ - ديته عليهم، وأعانهم بنصفها.\nوقضى - ﷺ - أنه لا تجني نفس على أخرى، ولا يجني والد على ولده، ولا ولد على والده (^٤). والمراد أنه لا يؤخذ بجنايته، فلا تزر وازرة وزر أخرى.\nوقضى - ﷺ - أن من قُتل في عِمِّيَّا أو رِمِّيَّا (^٥) يكون بينهم بحجر أو سوط\n_________\n(^١) برقم (١٦٧٠) عن ميمونة عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - من الأنصار.\n(^٢) البخاري (٦١٤٢) ومسلم (١٦٦٩) من حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حَثْمَة.\n(^٣) برقم (٤٧٢٠) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقال النسائي في «الكبرى» (٦/ ٣٢٤): لا نعلم أن أحدًا تابع عمرو بن شعيب على هذه الرواية، ولا سعيد بن عبيد على روايته، عن بشير بن يسار. وحكم بشذوذه الألباني في «ضعيف النسائي».\n(^٤) رواه أحمد (١٦٠٦٤)، والترمذي (٣٠٩٦)، وابن ماجه (٢٦٦٩)، من حديث عمرو بن الأحوص، وإسناده صحيح. انظر للشواهد: «التلخيص الحبير» (٤/ ٣١). صححه الترمذي، والألباني في «الصحيحة» (١٩٧٤) و«الإرواء» (٢٣٠١).\n(^٥) من العَمى والرَّمي. أي يترامى القوم، فيوجد بينهم قتيل لا يدرى قاتله، فيعمى أمره ولا يتبيَّن.","vol":"5","page":395},{"text":"فعقلُه عقلُ خطأ. ومن قتَل عمدًا فقَوَدُ يدَيه، فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ذكره أبو داود (^١).\nوقضى - ﷺ - أن المعدِنَ جُبارٌ، والعجماء جُبار، والبئر جُبار. متفق عليه (^٢).\nوفي قوله: «المعدنُ جُبارٌ» قولان:\nأحدهما: أنه إذا استأجر من يحفر له معدِنًا فسقط عليه، فقتله، فهو جُبار. ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: «البئر جبار، والعجماء جبار».\nوالثاني: أنه لا زكاة فيه. ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: «وفي الرِّكاز الخُمْس». ففرَّق بين المعدن والركاز، فأوجب الخُمس في الركاز، لأنه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب؛ وأسقطها عن المعدن، لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه. والله أعلم.\n_________\n(^١) برقم (٤٥٤٠) من حديث ابن عباس. وهو أيضًا عند النسائي (٤٧٨٩)، وابن ماجه (٢٦٣٥)، والدارقطني (٣١٤٠)، من طريق سليمان والحسن بن عمارة عن عمرو بن دينارموصولًا، والحسن ضعيف، وسليمان صالح. ورواه عبد الرزاق (١٧٢٠٠)، وأبو داود (٤٥٣٩)، والدارقطني (٣١٤١)، من طريق سفيان وابن جريج عن عمرو بن دينار مرسلًا، وهو الراجح، رجحه مقبل الوادعي في «الأحاديث المعلة» (٢١٤).\n(^٢) البخاري (١٤٩٩) ومسلم (١٧١٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"5","page":396},{"text":"فصل\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمائة شاة وخادم؛ وإني سألت رجالًا من أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلدَ مائة وتغريبَ عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله: المائة والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلدُ مائة وتغريبُ عام. واغدُ يا أُنَيسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجُمْها». فاعترفت، فرجَمها. متفق عليه (^١).\nوقضى - ﷺ - فيمن زنى، ولم يُحْصَن بنفي عام وإقامة الحدِّ عليه. ذكره البخاري (^٢).\nوقضى - ﷺ - أن الثيب بالثيب جلدُ مائة ثم الرجم، والبكر بالبكر جلدُ مائة ثم نفي سنة. ذكره مسلم (^٣).\nوجاءه اليهود، فقالوا: إن رجلًا منهم وامرأةً زنيا. فقال لهم: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟». فقالوا: نفضحهم ويُجلَدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم! إن فيها الرجم. فأتَوا بالتوراة، فنشَروها. فوضع أحدُهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفعَ يده، فإذا آيةُ الرجم. فقالوا: صدَق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمرَ\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٩٥) ومسلم (١٦٩٧) وقد تقدم.\n(^٢) برقم (٦٨٣٣) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) برقم (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت.","vol":"5","page":397},{"text":"بهما فرُجِما. متفق عليه (^١).\nولأبي داود (^٢) أن رجلًا منهم وامرأةً زَنَيا، فقالوا: اذهبوا به إلى هذا النبي، فإنه بُعِث بالتخفيف. فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبِلناها منه، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: إنها فتيا نبيٍّ من أنبيائك. فأتَوه وهو جالس في المسجد في الصحابة، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل [٢٥٠/أ] وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلِّمهم بكلمة حتى أتى بيتَ مِدْراسهم، فقام على الباب، فقال: «أنشُدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذ أُحْصِن؟». قالوا: يُحمَّم (^٣)، ويُجبَّه، ويُجلَد. والتجبيه: أن يُحمَل الزانيان على حمار، وتُقابَل أقفيتُهما، ويطاف بهما. فسكت شابٌّ منهم، فلما رآه النبي - ﷺ - سكَت ألَظَّ به النِّشْدةَ (^٤)، فقال: اللهم إذ نشدتَنا فإنَّا نجد في التوراة الرجم. فقال النبي - ﷺ -: «فما أولُ ما ارتخصتم أمرَ الله؟». قال: زنى ذو قرابةِ ملِكٍ من ملوكنا، فأُخِّر عنه الرجم. ثم زنى رجل في أسرةٍ من الناس، فأراد رجمَه، فحال قومه دونه، وقالوا: لا يُرجَم صاحبُنا حتى تجيء بصاحبك فترجُمَه. فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم. فقال النبي - ﷺ -: «فإني أحكم بما في التوراة» فأمر بهما، فرُجِما.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٦٣٥) ومسلم (١٦٩٩) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.\n(^٢) برقم (٤٤٥٠، ٤٤٥١) والبيهقي (٨/ ٢٤٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، من طريق رجل من مزينة، وهو مبهم. ضعَّفه الخطابي في «معالم السنن» (٣/ ٢٨٢)، والحافظ في «الفتح» (١٢/ ١٧٧). وله شاهد عند مسلم (١٧٠٠).\n(^٣) أي يُسوَّد.\n(^٤) يعني: ألحَّ عليه في القسم. وقد تحرَّف في الطبعات القديمة إلى: «نظر إليه وأنشد» وصُحح في المطبوع.","vol":"5","page":398},{"text":"وعند أبي داود (^١) أيضًا أنه دعا بالشهود، فجاءه أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المُكحُلة.\nوسأله - ﷺ - ماعز بن مالك أن يطهِّره، وقال: إني قد زنيت. فأرسل إلى قومه: «هل تعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟». قالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا فيما نرى. فأقرَّ أربع مرات، فقال له في الخامسة: «أنِكتَها؟». قال: نعم. قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟». قال: نعم. قال: «كما يغيب المِرودُ في المكحلة، والرِّشاءُ في البئر؟». قال: نعم. قال: «فهل تدري ما الزنا؟». قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. قال: «فما تريد بهذا القول؟». قال: أريد أن تطهِّرني. فأمر رجلًا فاستنكهه. ثم أمرَ به، فرُجِم، ولم يُحفَر له. فلما وجد مسَّ الحجارة فرَّ يشتدُّ حتى مرَّ برجل معه لَحْيُ جملٍ، فضربه، وضربه الناس حتى مات. فقال النبي - ﷺ -: «هلا تركتموه وجئتموني به!» (^٢).\n_________\n(^١) برقم (٤٤٥٢) من حديث جابر بن عبد الله. ورواه أيضًا الحميدي (١٢٩٤)، وأبو يعلى (٢١٣٦)، والدارقطني (٤/ ١٦٩)، كلهم من طريق مجالد موصولًا، وهو ضعيف. ورواه أبو داود (٤٤٥٣) مرسلًا. وضعفه البوصيري في «الإتحاف» (٤/ ٢٤٨) بمجالد. وقال الدارقطني: تفرد به مجالد عن الشعبي وليس بالقوي. وقال ابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٥٥١): الذي تفرد به مجالد من الزيادة في الحد لم يتابع عليه، ومجالد لا يحتج بما انفرد به.\n(^٢) لم أهتد إلى سياق المؤلف، وأشبه أن يكون ملفقًا من عدة روايات؛ خاصة ما رواه النسائي. انظر ما رواه أبو داود (٤٤٢٨)، والنسائي في «الكبرى» (٧١٢٦، ٧١٢٧)، وابن حبان (٤٤٣٩)، من حديث أبي هريرة. وفيه ابن عم أبي هريرة، مجهول. ونقل الحافظ عن البخاري في «التهذيب» قوله: لا أراه محفوظا. ولبعضه شاهد عند مسلم (١٦٩٤، ١٦٩٥). وانظر: «الإرواء» (٢٣٢٢، ٢٣٥٤).","vol":"5","page":399},{"text":"وفي بعض طرق هذه القصة أنه - ﷺ - قال له: «شهدتَ على نفسك أربعَ مرات. اذهبوا به، فارجموه» (^١).\nوفي بعضها: فلما شهد على نفسه أربع مرَّات دعاه النبي - ﷺ - قال: «أبك جنون؟». قال: لا. قال: «هل أحصَنتَ؟». قال: نعم. قال: «اذهبوا به، فارجموه» (^٢).\nوفي بعض طرقها أنه - ﷺ - سمع رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدَعْه نفسُه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب. فسكت عنهما، ثم سار ساعةً حتى مرَّ بجيفةِ حمار شائل برجليه، فقال: «أين فلان وفلان؟». فقالا: نحن ذان يا رسول الله. فقال: «انزِلا، وكُلا من جِيفة هذا الحمار». فقالا: يا نبيَّ الله، مِن هذا (^٣)؟ قال: «فما نلتما من عِرض أخيكما آنفًا أشدُّ من أكلٍ منه (^٤). والذي نفسي بيده، إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» (^٥).\nوفي بعض طرقها: أنه - ﷺ - قال له: «لعلك رأيت في منامك، لعلك\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٤٢٦) من حديث ابن عباس. وفيه أن ماعزًا جاء بنفسه واعترف، وعند مسلم (١٦٩٣) أن النبي - ﷺ - سأله فاعترف.\n(^٢) رواه البخاري (٦٨٢٥) ومسلم (١٦٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «من يأكل هذا» بزيادة «يأكل» كما في «سنن أبي داود» (٤٤٢٨) وغيرها.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية و«السنن». وفي النسخ المطبوعة: «أشدُّ أكلًا منه».\n(^٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور.","vol":"5","page":400},{"text":"استُكْرِهْت» (^١).\nوكلُّ هذه الألفاظ صحيحة.\nوفي بعضها: أنه أمرَ، فحُفِرت له حفيرة. ذكره مسلم (^٢)، وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر. وإن كان مسلم قد روى له في الصحيح، فالثقة قد يغلط، على أن أحمد وأبا حاتم الرازي قد تكلَّما فيه. وإنما حصل الوهم من حفرة الغامدية، فسرَى إلى ماعز. [٢٥٠/ب] والله أعلم.\nوجاءته - ﷺ - الغامدية، فقالت: إني قد زنيتُ، فطهِّرني. وإنه ردَّها، فقالت: تردُّني (^٣) كما رددتَ ماعزًا، فوالله إني لحبلى! فقال: «اذهبي حتى تلدي». فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، فقالت: هذا قد ولدتُه. فقال: «اذهبي، فأرضعيه حتى تفطميه». فلما فطمته أتته به، وفي يده كِسْرة من خبز، فقالت: هذا قد فطمتُه وأكلَ الطعام. فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمَر بها، فحُفِر لها إلى صدرها، وأمرَ الناسَ فرجموها. ويُقْبِلُ (^٤) خالدُ بن الوليد بحجرٍ، فرمى رأسَها، فتنضَّح (^٥) الدمُ على وجهه، فسبَّها. فسمع نبيُّ\n_________\n(^١) لم أجده بهذا اللفظ. نعم، روي هذا من قول علي لشَراحة الهمدانية التي قالت له: إني زنيت، فقال لها: لعلكِ غَيْرَى، لعلكِ رأيتِ ... إلخ. رواه الإمام أحمد في «المسند» (١١٨٥).\n(^٢) برقم (١٦٩٥/ ٢٣).\n(^٣) في النسخ: «رددها، فقالت: ترددني». والمثبت من «صحيح مسلم».\n(^٤) في «صحيح مسلم»: «فيقبل». وفي النسخ المطبوعة: «فأقبل».\n(^٥) كذا في النسخ و«الصحيح». وفي النسخ المطبوعة: «فنضح».","vol":"5","page":401},{"text":"الله - ﷺ - سبَّه إياها، فقال: «مهلًا يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ له». ثم أمر بها، فصلَّى عليها، ودفنت. ذكره مسلم (^١).\nوجاءه - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله إني أصبتُ حدًّا، فأقِمْه عليَّ، ولم يسأله عنه. وحضرت الصلاة، فصلَّى مع النبيِّ - ﷺ -، فقام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله إني أصبتُ حدًّا، فأقِمْ فيَّ كتابَ الله. قال: «أليس قد صليتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فإن الله قد غفر لك ذنبك». أو قال: «حدَّك». متفق عليه (^٢).\nوقد اختلف في وجه هذا الحديث. فقالت طائفة: أقرَّ بحدٍّ لم يسمِّه، فلم يجب على الإمام استفساره. ولو سمَّاه لحدَّه كما حدَّ ماعزًا. وقالت طائفة: بل غُفِر له (^٣) بتوبته، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى، كما تسقط (^٤) عن المحارب. وهذا هو الصواب.\nوسأله - ﷺ - رجل فقال: أصبتُ من امرأة قبلة، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. فقال الرجل: ألي هذه؟ فقال: «بل لمن عمل بها من أمتي». متفق\n_________\n(^١) برقم (١٦٩٥/ ٢٣) من حديث بريدة.\n(^٢) البخاري (٦٨٢٣) ومسلم (٢٧٦٤) من حديث أنس، وقد تقدَّم مع الكلام عليه.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «غفر الله له».\n(^٤) في المطبوع: «سقطت».","vol":"5","page":402},{"text":"عليه (^١).\nوقد استدل به من يرى أن التعزير ليس بواجب، وأن للإمام إسقاطه. ولا دليل فيه، فتأمله.\nوخرجت امرأة تريد الصلاة، فتجلَّلَها رجل، فقضى حاجته منها، فصاحت وفرَّ. ومرَّ عليها غيرُه، فأخذوه، فظنت أنه هو، وقالت: هذا الذي فعل بي. فأتوا به النبيَّ - ﷺ -، فأمَر برجمه. فقام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: أنا صاحبها. فقال لها النبيُّ - ﷺ -: اذهبي، فقد غفر الله لك. وقال للرجل قولًا حسنًا. فقالوا: ألا ترجُم صاحبها؟ فقال: «لا، لقد تاب توبةً لو تابها أهلُ المدينة لَقُبِل منهم». ذكره أحمد وأهل السنن كلهم (^٢). ولا فتوى ولا حكم أحسن من هذا.\nفإن قيل: كيف أمر (^٣) برجم البريء؟ قيل: لو أنكر لم يرجمه، ولكن لما أُخِذَ، وقالت: هو هذا، ولم ينكِر، ولم يحتجَّ عن نفسه، فاتفق مجيءُ القوم به في صورة المريب، وقولُ المرأة: هذا هو، وسكوتُه سكوتَ المريب. وهذه\n_________\n(^١) البخاري (٤٦٨٧) ومسلم (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود.\n(^٢) رواه أحمد (٢٧٢٤٠) من حديث وائل بن حجر الحضرمي، وإسناده صحيح. وعند البيهقي (٨/ ٢٨٤) من طريق أسباط بن نصر ــ وفيه لين ــ بذكر العفو وعدم الرجم. ورواه أبو داود (٤٣٧٩) والترمذي (١٤٥٤) ــ من طريق محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة ــ بذكر الرجم. قال الذهبي في «المهذب» (٧/ ٣٤٢٣) عن طريق عدم الرجم: منكر. وقال المؤلف في «الطرق الحكمية» (٥٣): إسناده على شرط مسلم، وقع في متنه اضطراب. وصحح الترمذي رواية الرجم، وهو يوافق الروايات الأخر.\n(^٣) في المطبوع: «أمرهم».","vol":"5","page":403},{"text":"القرائن أقوى من قرائن حدِّ المرأة بلعان الرجل وسكوتها. فتأمله.\nوللَّوث تأثير في الدماء والحدود والأموال. أما الدماء ففي القسامة. وأما الحدود ففي اللعان. وأما الأموال ففي قصة الوصية في السفر، فإن الله سبحانه حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين خانا (^١) وغدرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما، ويُقضَى لهم. وهذا هو الحكم الذي لا حكم غيره، فإن اللوث إذا أثَّر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس بالحدِّ، فلأن يَعمَل (^٢) في المال بطريق الأولى والأحرى.\nوقد حكم به نبيُّ الله سليمان بن داود في النسب، مع اعتراف [٢٥١/أ] المرأة أنه ليس بولدها، بل هو ولد الأخرى، فقال لها: «هو ابنك» (^٣). ومن تراجم النسائي (^٤) على قصته: «التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعلُ، ليستبين به الحق». ثم ترجم عليه ترجمة أخرى، فقال: «الحكم بخلاف ما يعترف به المحكومُ عليه (^٥)، إذا تبيَّن للحاكم أن الحقَّ غيرُ ما اعترف به». وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا. ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة، فقال: «نقضُ الحاكم ما حكم به مَن هو مثلُه أو أجلُّ منه».\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ظلما».\n(^٢) زيد في النسخ المطبوعة بعده: «به»، إذ قرأ بعضهم: «يُعمَل» مبنيًّا للمجهول.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) في «السنن الكبرى» (٥/ ٤٠٩، ٤١٠) وقد سبقت الترجمتان الأوليان.\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة هنا، وفي «الطرق الحكمية» (١/ ٩) و«عُدَّة الصابرين» (ص ٥٢١). وفي «السنن»: «المحكوم له»، وكذا تقدَّم على الصواب في أول الكتاب.","vol":"5","page":404},{"text":"قلت: وفيه ردٌّ لقول من قال: يكون ابنهما (^١) إجراءً للنسب مجرى المال. وفيه أنَّ حكمَ الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن. وفيه نوع لطيف عجيب شريف من أنواع العلم النافع، وهو الاستدلال بقدر الله على شرعه. فإن سليمان - ﷺ - استدلَّ بما قدَّره الله وخلَقه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة بحيث أبت أن يُشَقَّ الولد، على أنه ابنها، وقوَّى هذا الاستدلال رِضا الأخرى بأن يُشَقَّ الولد، وقالت: نعم، شُقَّه. وهذا قول لا يصدر من أم، وإنما يصدر من حاسد يريد أن يتأسَّى بصاحب النعمة في زوالها عنه كما زالت عنه هو. ولا أحسنَ من هذا الحكم وهذا الفهم! وإذا لم يكن مثلُ هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس. وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك.\n\nوجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء (^٢)، فقال ابن عقيل:<span data-type=\"title\" id=toc-976> العمل بالسياسة </span>هو الحزم، ولا يخلو منه إمام. وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال (^٣) يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول - ﷺ -، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردتَ ما نطق به الشرع (^٤)، فغلطٌ\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «بينهما».\n(^٢) نقلها المصنف في «الطرق الحكمية» (١/ ٢٨) من كتاب «الفنون» لابن عقيل. ونقلها أيضًا في «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٨٧).\n(^٣) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «بحيث».\n(^٤) يعني: «لا سياسة إلا ما نطق به الشرع»، كما في «الطرق الحكمية».","vol":"5","page":405},{"text":"وتغليطٌ للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمَثْل (^١) ما لا يجحده عالم بالسِّير (^٢). ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف (^٣) كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة. وكذلك تحريقُ علي الزنادقةَ في الأخاديد (^٤)، ونفيُ عمر نصرَ بن حجَّاج (^٥).\nقلت (^٦): هذا موضعٌ مزِلَّة أقدام، ومضِلَّة أفهام، وهو مقام ضَنْكٌ ومعترك صعب، فرَّط فيه طائفة، فعطَّلوا الحدود، وضيَّعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعةَ قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد. وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطرق التي يُعرَف بها المُحِقُّ من المبطل، وعطَّلوها مع علمهم وعلمِ الناس (^٧) أنها أدلَّة حقٍّ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع. والذي أوجبَ لهم ذلك نوعُ تقصيرٍ في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها. فلما رأى ولاةُ الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، فأحدثوا (^٨)\n_________\n(^١) كذا في «بدائع الفوائد». وفي «الطرق الحكمية»: «التمثيل». والمَثْل هو التمثيل.\n(^٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «البدائع» و«الطرق الحكمية»: «بالسنن».\n(^٣) رواه البخاري (٤٩٨٧) من حديث أنس.\n(^٤) رواه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) كلام ابن عقيل. وتعقيب المؤلف عليه إلى آخر الأمثلة ورد بيسير من الاختلاف في اللفظ في «بدائع الفوائد» (١٠٨٧ - ١٠٩٢) و«الطرق الحكمية» (١/ ٢٩ - ٤٨).\n(^٧) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «بها».\n(^٨) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة بالفاء، وهو جواب «لما».","vol":"5","page":406},{"text":"لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم. فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة، وإحداثِ هؤلاء ما أحدثوه من أوضاعِ سياستهم= شرٌّ طويلٌ، وفسادٌ عريضٌ؛ وتفاقم الأمر، وتعذَّر استدراكه. [٢٥١/ب] وأفرط فيه طائفة أخرى، فسوَّغت منه ما يناقِضُ حكَم الله ورسوله.\nوكلا الطائفتين (^١) أُتِيَتْ من قِبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله. فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل (^٢)، قامت به السموات والأرض. فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأيِّ طريق كان؛ فثمَّ (^٣) شرعُ الله ودينُه ورضاه وأمرُه. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، وأبطل (^٤) غيرَه من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل والحق (^٥)، وقيام الناس بالقسط، فأيُّ طريق استُخْرِج بها الحقُّ ومعرفةُ العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها. والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد؛ ولكن نبَّه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها. ولن تجد\n_________\n(^١) كذا وقع في النسخ الخطية والمطبوعة و«البدائع» و«الطرق الحكمية» موضعَ «كلتا الطائفتين». وانظر تعليقي على «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٠٥).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «العدل الذي»، كما في «البدائع» و«الطرق الحكمية».\n(^٣) ب: «فذلك من» موضع «فثم»، وكذا في المطبوع.\n(^٤) يعني: ولم يبطل. وفي «البدائع»: «ونفى». وفي ب: «ويُبطِلْ». ولعله إصلاح من بعض الناسخين، وكذا في المطبوع.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «الحق والعدل».","vol":"5","page":407},{"text":"طريقًا من الطرق المثبتة للحقِّ إلا وفي شرعه (^١) سبيلٌ للدلالة عليها. وهل يُظَنُّ بالشريعة الكاملة خلافُ ذلك؟\nولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها. وتسميتها «سياسة» أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلًا فهي من الشرع. فقد حبَس رسولُ الله - ﷺ - في تهمة، وعاقَب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتَّهَم (^٢). فمن أطلق كلَّ متَّهَم، وخلَّى سبيله، أو حلَّفه، مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، ونَقْبِ الدور، وتواترِ السرقات ــ ولا سيما وجودُ المسروق (^٣) معه ــ وقال: لا آخذه إلا بشاهدَي عدل، أو إقرارِ اختيارٍ وطَوعٍ= فقولُه مخالفٌ للسياسة الشرعية.\nوكذلك منعُ النبيِّ - ﷺ - الغالَّ من الغنيمة سهمَه (^٤)، وتحريقُ الخلفاء الراشدين متاعَه (^٥)، ومنعُ المسيء على أميره سَلَبَ قتيله (^٦)، وأخذُه شطرَ\n_________\n(^١) ك: «وهي شرعه»، تصحف «في» إلى «هي»، فأثبتوا في الطبعات القديمة: «وهي شِرْعة وسبيل»، أصلحوا بزيادة الواو. وفي المطبوع: «وفي شِرْعة سبيل». والصواب ما أثبت.\n(^٢) رواه أحمد (٢٠٠١٩)، وأبو داود (٣٦٣٠)، والترمذي (١٤١٧)، والنسائي (٤٨٧٥)، من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وصححه الحاكم (٤/ ١١٤)، والمؤلف في «الزاد» (٥/ ٥)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (٢٣٩٧).\n(^٣) في المطبوع: «مع وجود المسروق».\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) تقدم أيضًا.","vol":"5","page":408},{"text":"مال مانع الزكاة (^١)، وإضعافُه الغُرْمَ على سارق ما لا قطع فيه، وعقوبتُه بالجلد (^٢)، وإضعافُه الغرم على كاتم الضالَّة (^٣)، وتحريقُ عمر بن الخطاب حانوت الخمار (^٤)، وتحريقُه قريةً يباع فيها الخمر (^٥)، وتحريقُه قصرَ سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن رعيته (^٦)، وحلقُه رأس نصر بن\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢٠٠١٦)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٢٤٤٤)، والبيهقي (٤/ ١٠٥)، من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، بلفظ: «من أبى فإنا آخذوها، وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا». صححه أحمد وعلي بن المديني كما في «تهذيب السنن» (١/ ٢٦٦)، وابن عبد الهادي في «التنقيح» (٢/ ٢٥٧)، والمؤلف في «الطرق الحكمية» (٢٢٦). وضعفه الشافعي كما في «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٢/ ٢٥٧)، وابن حبان في «المجروحين» (١/ ٢٢٢)، وابن حزم في «المحلى» (٦/ ٥٧).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٥/ ٥٦)، وابن زنجويه في «الأموال» (٤١٠) من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، وإسناده صحيح. ورواه عبد الرزاق (١٠٠٥١، ١٧٠٣٥) من طريق نافع عن صفية. ورواه عبد الرزاق (١٧٠٣٩)، وأبو عبيد في «الأموال» (٢٦٧)، وابن زنجويه (٤٠٩)، من طريق نافع عن ابن عمر.\n(^٥) وكذا نسب تحريق القرية المذكورة إلى عمر في «الطرق الحكمية» (١/ ٣٩) و«بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٩٠) ولعله سهو، فإنه مروي عن علي. رواه عنه أبو عبيد في «الأموال» (٢٦٨)، وابن زنجويه في «الأموال» (٤١١)، وابن حزم في «المحلى» (٩/ ٩)، من طريق عمر المكتب، عن حذلم، عن ربيعة بن زكاء. ولا يعرف في ربيعة جرح ولا تعديل، ولا يدرى عمر وحذلم.\n(^٦) تقدم تخريجه ..","vol":"5","page":409},{"text":"حجاج ونفيُه (^١)، وضربُه صَبيغًا بالدِّرَّة لما تتبَّع المتشابه، فسأل عنه (^٢)؛ إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فسارت سنةً إلى يوم القيامة، وإن خالفها من خالفها.\nولقد حدَّ أصحابُ النبي - ﷺ - في الزنا بمجرَّد الحَبَل (^٣)، وفي الخمر بالرائحة والقيء (^٤). وهذا هو الصواب، فإن دليل القيء والرائحة والحبَل على الشرب والزنا أولى (^٥) من البينة قطعًا، فكيف يُظَنُّ بالشريعة إلغاءُ أقوى الدليلين؟ ومن ذلك: تحريقُ الصدِّيقِ اللوطيَّ (^٦)، وإلقاء علي - ﵁ - له من شاهق على رأسه (^٧). ومن ذلك: تحريق عثمان المصاحفَ المخالفة\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) رواه الدارمي (١٤٦)، والآجري في «الشريعة» (١٥٣)، وابن بطة في «الإبانة» (٧٨٩)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (١١٣٨)، من طريق سليمان بن يسار عن عمر، وهو منقطع.\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) تقدَّم أيضًا.\n(^٥) في حاشية ز أن في نسخة: «أدلُّ».\n(^٦) رواه ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (١٤٠)، والآجري في «ذم اللواط» (٢٩)، والخرائطي في «مساوي الأخلاق» (٤٢٨)، والبيهقي (٨/ ٢٣٢). وأعلَّه بالانقطاع البيهقي، والألباني في «التعليقات الرضية» (٣/ ٢٨٤).\n(^٧) وقد عزا المصنف هذا القول في «زاد المعاد» (٥/ ٣٧) إلى أبي بكر، فقال: «وقال ابن القصار وشيخنا: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله. فقال أبو بكر الصديق: يُرمَى من شاهق. وقال علي - ﵁ -: يُهدَم عليه حائط. وقال ابن عباس: يقتلان بالحجارة». وقد رواه ابن أبي شيبة (٢٨٣٣٧)، وابن المنذر في «الأوسط» (١٢/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، والآجري في «ذم اللواط» (٣٠)، عن ابن عباس قال: «ينظر أعلى بيتٍ في القرية فيُرمى منكَّسًا، ثم يُتبع بالحجارة». أما عليّ فروى ابن أبي شيبة (٢٨٩٢٧)، وابن المنذر (١٢/ ٥٠٧)، والآجري (٣٣) أنه رجمه.","vol":"5","page":410},{"text":"للمصحف الذي جمع الناسَ عليه، وهو الذي بلسان قريش (^١). ومن ذلك: تحريق الصدِّيق للفجاءة السُّلَميِّ (^٢). ومن ذلك: اختيار عمر - ﵁ - للناس إفرادَ الحجِّ، وأن يعتمروا في غير أشهر الحج (^٣)، فلا يزال البيت الحرام معمورًا بالحجاج والمعتمرين.\nومن ذلك [٢٥٢/أ] منع عمر - ﵁ - الناسَ من بيع أمهات الأولاد، وقد باعوهن في حياة رسول الله - ﷺ - وحياة أبي بكر - ﵁ - وأرضاه (^٤). ومن ذلك: إلزامه بالطلاق الثلاث لمن أوقعه بفم واحد عقوبةً له، كما صرَّح هو به (^٥)، وإلا فقد كان على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرًا من إمارته هو يجعل واحدةً (^٦)؛ إلى أضعاف أضعاف ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة، وهي مشتقَّة من أصول الشريعة وقواعدها.\nوتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى نقل وعقل (^٧). وكلُّ ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل= كلُّ ذلك ينقسم إلى\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه.\n(^٢) انظر: «تاريخ الطبري» (٢/ ٣٥٣) و«تاريخ الإسلام» (٣/ ١١٨).\n(^٣) تقدَّم تخريجه.\n(^٤) تقدَّم تخريجه.\n(^٥) ب: «بذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٦) تقدَّم تخريجه.\n(^٧) ما عدا ز: «عقل ونقل».","vol":"5","page":411},{"text":"قسمين: صحيح، وفاسد. فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدُّها ومنافيها. وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي (^١) - ﷺ - بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يُحْوِج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجتُهم إلى من يبلِّغهم عنه ما جاء به. فلرسالته عمومان محفوظان (^٢) لا يتطرق إليهما تخصيص: عمومٌ بالنسبة إلى المرسل إليه، وعمومٌ بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه مَن بُعِثَ إليه في أصول الدين وفروعه. فرسالته كافية شافية عامَّة، لا تُحْوِج إلى سواها. ولا يتمُّ الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلَّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به.\nوقد توفي رسول الله - ﷺ -، وما طائرٌ يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذكَّر الأمَّةَ (^٣) منه علمًا. وعلَّمهم كلَّ شيء حتى آداب التخلِّي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «رسالته».\n(^٢) أثبت في المطبوع من إحدى النسخ: «عمومات محفوظات» مع إثبات «إليهما» في نعته، ومع ذكر عمومين فقط فيما بعد!\n(^٣) كذا في ز، ك مع تشديد الكاف من «ذكَّر». ونحوه في حديث أبي ذر في «مسند أحمد» (٢١٤٣٩): «إلا ذكَّرَنا منه علمًا»، وفي (٢١٣٦١): «أذكرنا». وفي ب: «ذكر للأمة»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":412},{"text":"ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجنَّ، والنار والجنة، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأيُ عين. وعرَّفهم معبودَهم وإلهَهم أتمَّ تعريف، حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله. وعرَّفهم الأنبياءَ وأممهم، وما جرى لهم، وما جرى عليهم معهم، حتى كأنهم كانوا بينهم. وعرَّفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرِّفه نبيٌّ لأمته قبله. وعرَّفهم - ﷺ - من أحوال الموت، وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرِّف به نبيٌّ غيره. وكذلك عرَّفهم - ﷺ - من أدلَّة التوحيد والنبوة والمعاد، والرَّدِّ على جميع فِرَق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة إلى (^١) مَن بعده، اللهم إلا إلى من يبلِّغه إياه، ويبيِّنه، ويوضِّح منه ما خفي عليه.\nوكذلك عرَّفهم - ﷺ - من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرُق النصر والظفر ما لو علموه وعملوه (^٢) [٢٥٢/ب] ورعَوه حقَّ رعايته لم يقُمْ لهم عدوٌّ أبدًا. وكذلك عرَّفهم - ﷺ - من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها، وما يتحرَّزون به من كيده ومكره، وما يدفعون به شرَّه= ما لا مزيد عليه. وكذلك عرَّفهم - ﷺ - من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه. وكذلك عرَّفهم - ﷺ - من أمور معاشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة.\nوبالجملة، فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمَّته، ولم يُحْوِجهم الله إلى أحد سواه. فكيف يُظَنُّ أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالمَ شريعةٌ أكملُ\n_________\n(^١) «إلى» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٢) «وعملوه» ساقط من ك. وفي النسخ المطبوعة: «وعقلوه».","vol":"5","page":413},{"text":"منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تُكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقولٍ خارجٍ عنها؟ ومن ظنَّ ذلك فهو كمن ظنَّ أن بالناس حاجةً إلى رسول آخر بعده. وسببُ هذا كلِّه خفاءُ ما جاء به على من ظنَّ ذلك، وقلةُ نصيبه من الفهم الذي وفَّق الله له أصحابَ نبيِّه، الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدُنا إليكم.\nوقد كان عمر - ﵁ - يمنع من الحديث عن رسول الله - ﷺ - خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن (^١)، فكيف لو رأى اشتغالَ الناس بآرائهم وزَبَدِ أفكارهم وزُبالةِ أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان.\nقال تعالى (^٢): ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (^٣) [النحل: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\nوكيف يشفي ما في الصدور كتابٌ لا يفي هو وما تُبيِّنه السنة بعُشْر معشار الشريعة؟ أم كيف يشفي ما في الصدور كتابٌ لا يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، أو عامَّتُها\n_________\n(^١) رواه ابن عساكر (٤٧/ ١٤٢)، والحافظ في «الإصابة» (١/ ٦٩).\n(^٢) ب: «وقد قال الله تعالى»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في النسخ الثلاث: «وأنزلنا عليك».","vol":"5","page":414},{"text":"ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يُعلَم انتفاؤها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.\nويا لله العجب! كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى الله بنيانها من القواعد، وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع؟ أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص، أم كانوا على خلاف ذلك، حتى جاء المتأخرون، فكانوا أعلمَ منهم، وأهدى وأضبط للشريعة منهم، وأعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع (^١) عليه منهم؟ فوالله لأن نلقى الله (^٢) بكلِّ ذنبٍ ما خلا الإشراكَ به (^٣) خيرٌ من أن نلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل.\nفصل\n\nوهذه نبذة يسيرة من<span data-type=\"title\" id=toc-978> كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية:</span>\nقال في رواية المرُّوذي (^٤) وابن منصور: المخنَّث ينفى لأنه لا يقع منه (^٥) إلا الفساد والتعرض له. وللإمام نفيُه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خاف به عليهم حبَسَه (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «وما يمتنع» بزيادة «ما».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «يلقى الله عبده»، زادوا «عبده» لما صحفوا «نلقى»، و«نلقاه» فيما يأتي إلى «يلقى» و«يلقاه».\n(^٣) «به» ساقط من النسخ المطبوعة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة بالزاي كما في ب.\n(^٥) في ز، ك: «منهم»، والمثبت من ب و«بدائع الفوائد».\n(^٦) ورد قول الإمام أحمد هذا وما يليه في «بدائع الفوائد» (٣/ ١١٢١ - ١١٢٢) بعنوان «فوائد من السياسة الشرعية نصَّ عليها الإمام أحمد». وانظر رواية المروذي مختصرة في «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (١/ ٢٧٩).","vol":"5","page":415},{"text":"وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرًا في نهار رمضان، [٢٥٣/أ] (^١) أو أتى شيئًا نحو هذا: أُقيمَ عليه الحدُّ (^٢)، وغُلِّظ عليه، مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث.\nوقال في رواية حرب: إذا أتت المرأةُ المرأةَ تُعاقبان وتُؤدَّبان.\nوقال أصحابنا: إذا رأى الإمامُ تحريقَ اللوطي بالنار فله ذلك، لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر - ﵁ - أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلًا (^٣) يُنكَح كما تُنكَح المرأة، فاستشار أصحابَ النبي - ﷺ -، وفيهم علي بن أبي طالب، وكان أشدَّهم قولًا، فقال: إن هذا الذنب لم تعصِ (^٤) به أمةٌ من الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم، أرى أن يُحرَّقوا بالنار. فأجمع رأي أصحاب رسول الله - ﷺ - على أن يُحرَّقوا بالنار. فكتب أبو بكر - ﵁ - إلى خالد بن الوليد أن يُحرَّقوا، فحرَّقهم (^٥). ثم حرَّقهم ابن الزبير، ثم حرَّقهم هشام بن عبد الملك (^٦).\n_________\n(^١) الكراسة الأخيرة من الأصل (ز) من هنا مكتوبة بخط متأخر. وسنشير إلى هذه التكملة بالرمز (خز). وقد وفق الله سبحانه بالعثور على الكراسة الساقطة ضمن مجموع، فتستمر الإشارة إليها برمز الأصل (ز).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الحدُّ عليه».\n(^٣) خز: «رجل»، يعني: «وُجِد ... رجل».\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «تعص اللهَ» بزيادة لفظ الجلالة.\n(^٥) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٦) نقل المصنف التحريق عنهما في «روضة المحبين» (ص ٥٠٨) عن الآجري. انظر كتابه «ذم اللواط» (ص ٥٨). وانظر: «الطرق الحكمية» (١/ ٣٩) و«بدائع الفوائد».","vol":"5","page":416},{"text":"ونصَّ الإمام أحمد فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته. وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب، وإلا أعاد العقوبة.\nوصرَّح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حُرِّم خلوةُ بعضهن ببعض. وصرَّحوا بأن من أسلم وتحته أختان فإنه يُجبَر على اختيار إحداهما. فإن أبى ضُرِب حتى يختار. قالوا: وهكذا كلُّ من وجب عليه حقٌّ، فامتنع من أدائه، فإنه يُضرَب حتى يؤدِّيه (^١).\nوأما كلام مالك وأصحابه في ذلك، فمشهور.\nوأبعَدُ الناس من الأخذ بذلك الشافعي رحمه الله تعالى مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع، وقد ذكرنا منها كثيرًا في غير هذا الكتاب (^٢).\nمنها: جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف، وإن لم يرها ولم يشهد عدلان أنها امرأته، بناء على القرائن.\nومنها: قبول الهدية التي يوصلها إليه صبيٌّ أو عبد أو كافر، وجواز أكلها والتصرف فيها، وإن لم يشهد عدلان أن فلانًا أهدى لك كذا، بناءً على القرائن. ولا يشترط تلفظه ولا تلفظ الرسول بلفظ الهبة والهدية.\n_________\n(^١) انظر ما نقله صاحب «الإنصاف» (٣٠/ ١٠٩) عن شيخ الإسلام.\n(^٢) لعل المقصود «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» (١/ ٤٨ - ٦٣).","vol":"5","page":417},{"text":"ومنها: جواز تصرُّفه في بابه بقرع حلقته ودقِّه عليه، وإن لم يستأذنه في ذلك.\nومنها: استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه وإنزالهم عنده مدة، وإن لم يستأذنه نطقًا، وإن تضمَّن ذلك تصرُّفَهم في منفعة الدار وإشغالهم الكنيفَ وإضعافهم (^١) السُّلَّمَ ونحوه.\nومنها: جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرِّح له بالإذن لفظًا.\nومنها: جواز شربه من الإناء وإن لم يقدِّمه إليه، ولا يستأذنه.\nومنها: جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه.\nومنها: جواز (^٢) الاستناد إلى وسادته.\nومنها: أخذُ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره، وإن لم يصرِّح بتمليكه له.\nومنها: انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها، وإن لم يستأذنها نطقًا؛ إلى أضعاف أضعاف ذلك.\nوهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب. وهي اعتمادٌ (^٣) على القرائن التي تفيد القطع تارةً، والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارةً؟\n_________\n(^١) في حاشية ك: «وإصعادهم»، كأنه اقتراح بعض القراء.\n(^٢) لم يرد «جواز» في ز، خز.\n(^٣) ب: «الاعتماد»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":418},{"text":"وهذا باب واسع قد (^١) تقدَّم التنبيه عليه مرارًا، لا يستغني (^٢) عنه المفتي والحاكم.\nفصل\nفلنرجع إلى فتاوى رسول الله - ﷺ -، وذكرِ طرفٍ من فتاويه في الأطعمة.\nوسئل - ﷺ - عن الثوم: أحرام هو؟ فقال: «لا، ولكني أكرهه من أجل رائحته». ذكره مسلم (^٣).\nوسأله - ﷺ - أبو أيوب: هل [٢٥٣/ب] يحِلُّ لنا البصل؟ فقال: «بلى، ولكن (^٤) يغشاني ما لا يغشاكم». ذكره أحمد (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن الضب، أحرام هو (^٦)؟ فقال: «لا، ولكن لم يكن بأرض\n_________\n(^١) ك: «وقد»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ولا يستغني».\n(^٣) برقم (٢٠٥٣) من حديث أبي أيوب الأنصاري.\n(^٤) ك: «ولكني». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) في «المسند» (٢٣٥٠٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري، من طريق جابر بن سمرة. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» (٦٥٩٦) ولكن فيه ذكر الثوم دون البصل. ورواه الترمذي (١٨٠٧) وصححه، من حديث جابر بن سمرة قصة أبي أيوب، بذكر الثوم. ورواه ابن ماجه (٣٣٦٤) من حديث أم أيوب الأنصارية بذكر الثوم، صححه ابن خزيمة (١٦٧١) وابن حبان (٢٠٩٣)، ولكن عندهما: «بعض البقول». وورد النهي عن البصل عند البخاري (٨٥٥) ومسلم (٥٦٤).\n(^٦) لم يرد «هو» في ز، خز.","vol":"5","page":419},{"text":"قومي، فأجدني أَعافُه». متفق عليه (^١).\nوسئل - ﷺ - عن السَّمْن والجُبْن والفِرَاء، فقال: «الحلال ما أحلَّه الله في كتابه، والحرام ما حرَّمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه». ذكره ابن ماجه (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن الضبع، فقال: «أوَ يأكل الضبعَ أحد؟». وسئل - ﷺ - عن الذئب، فقال: «أوَ يأكل الذئبَ أحدٌ فيه خير؟». ذكره الترمذي (^٣). وعند ابن ماجه: قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال: «ومن يأكل الضبع؟».\nوإن صحَّ حديث جابر (^٤) في إباحة الضبع، فإن في القلب منه شيئًا، كأنَّ هذا الحديث يدل على ترك أكله تقذُّرًا أو تنزُّهًا. والله أعلم.\nوسألته - ﷺ - عائشة - ﵂ -، فقالت: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا أنتم، وكلُوا». ذكره البخاري (^٥).\n_________\n(^١) البخاري (٥٣٩١) ومسلم (١٩٤٦) من حديث خالد بن الوليد.\n(^٢) برقم (٣٣٦٧) وقد تقدم.\n(^٣) برقم (١٧٩٢)، وابن ماجه (٣٢٣٥، ٣٢٣٧)، والطبراني (٤/ ١٠٢)، من حديث خزيمة بن جَزْء. وفيه عبد الكريم، ضعيف. والحديث ضعفه البخاري في «التاريخ» (٣/ ٢٠٦)، والترمذي، وابن حزم في «المحلى» (٧/ ٤٠٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ١٦١)، وغيرهم.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) برقم (٢٠٥٧).","vol":"5","page":420},{"text":"وسأله - ﷺ - اليهود، فقالوا: إنَّا نأكل (^١) ما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى آخر الآية [الأنعام: ١٢١].\nهكذا ذكره أبو داود (^٢)، وأن الذي سأل هذا السؤال هم اليهود. والمشهور في هذه القصة أن المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال، وهو الصحيح. ويدل عليه كون السورة مكية، وكون اليهود يحرِّمون الميتة كما يحرِّمها المسلمون، فكيف يوردون هذا السؤال، وهم يوافقون على هذا الحكم؟ ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فهذا سؤال مجادلٍ في ذلك، واليهود لم تكن تجادل في هذا.\nوقد رواه الترمذي (^٣) بلفظ ظاهره أن بعض المسلمين سأل هذا السؤال، ولفظه: أتى ناسٌ إلى النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله، أنأكل مما نقتل، ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى\n_________\n(^١) خز: «أنأكل»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) برقم (٢٨١٩)، والطبري في «التفسير» (٥/ ٣٢٨)، والبيهقي (٩/ ٢٤٠) من حديث ابن عباس، من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه موصولًا. وعطاء مختلط يرفع الأحاديث عن سعيد بن جبير. ورواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٤/ ١٣٧٨) مرسلًا، وضعفه ابن كثير في «التفسير» (٢/ ١٧٧).\n(^٣) برقم (٣٠٦٩) من حديث ابن عباس. من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير كالحديث السابق، وهو مختلط. ورواه أبو داود (١٨١٨) وابن ماجه (٣١٧٣)، من طريق سماك عن عكرمة، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة. وقال الترمذي: حسن غريب.","vol":"5","page":421},{"text":"قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١٢١]. وهذا لا يناقض كون المشركين هم الذين أوردوا السؤال (^١)؛ فسأل عنه المسلمون رسول الله - ﷺ -. ولا أحسب قوله: «إن اليهود سألوا عن ذلك» إلا وهمًا من أحد الرواة. والله أعلم.\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، إني إذا أصبتُ اللحم انتشرتُ للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرَّمتُ عليَّ اللحم. فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]. ذكره الترمذي (^٢).\nوسأله - ﷺ - أبو ثعلبة الخُشَني، فقال: إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال - ﷺ -: «إن لم تجدوا غيرها فارحَضُوها (^٣)، واطبخوا فيها، واشربوا». قال: قلت: يا رسول الله، ما يحِلُّ لنا، وما يحرُم علينا؟ قال: «لا تأكلوا لحم الحُمُر الإنسية، ولا يحِلُّ أكلُ كلِّ ذي ناب من السباع». ذكره أحمد (^٤). وقد ثبت\n_________\n(^١) ك: «هذا السؤال»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) برقم (٣٠٥٤) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا الطبري في «التفسير» (١٠/ ٥٢٠)، والطبراني (١١/ ٣٥٠)، من طريق عثمان بن سعد موصولًا، وهو ضعيف. ورواه الطبري (١٠/ ٥١٤، ٥١٥) مرسلًا، وهو الصواب. وهو الذي أشار الترمذي إلى ترجيحه.\n(^٣) أي اغسلوها.\n(^٤) في «المسند» (١٧٧٣٧) وقد تقدم.","vol":"5","page":422},{"text":"عنه في «صحيح مسلم» (^١) من حديث أبي هريرة أنه قال: «أكلُ كُلِّ ذي ناب من السباع حرام». وهذان اللفظان يبطلان [تأويل] (^٢) من تأوَّل نهيَه عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع بأنه نهي كراهة، فهو (^٣) تأويل فاسد قطعًا. وبالله التوفيق.\nوسئل - ﷺ -: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: «لو طعنتَ في فخذها لأجزأ عنك» [٢٥٤/أ]. ذكره أبو داود (^٤)، وقال: هذا ذكاة المتردِّي. وقال يزيد بن هارون: هذا للضرورة (^٥). وقيل: هو في غير المقدور عليه (^٦).\nوسئل - ﷺ - عن الجنين يكون في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة: أنلقيه أم\n_________\n(^١) برقم (١٩٣٣) وقد سبق.\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق، وفي النسخ المطبوعة: «قول»، ولم توضع في المطبوع بين معقوفين، كأنها وردت في النسخ المعتمدة فيه.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «فإنه».\n(^٤) برقم (٢٨٢٥) من حديث أبي العشراء الدارمي عن أبيه. ورواه أيضًا أحمد (١٨٩٤٧)، والترمذي (١٤٨١)، والنسائي (٤٤٠٨)، وابن ماجه (٣١٨٤). وأبو العشراء وأبوه، في عداد المجاهيل، وضعفه أحمد كما في «المغني» (١٣/ ٣٠٣)، والبخاري في «التاريخ» (٢/ ٢٢)، والبيهقي (٩/ ٢٧٨)، وابن القطان في «بيان الوهم» (٣/ ٥٨٢)، والنووي في «المجموع» (٩/ ١٢٤). وانظر: «العلل الكبير» للترمذي (ص ٢٦٠).\n(^٥) ذكره الترمذي.\n(^٦) قاله الخطابي في «معالم السنن» (٤/ ٢٨٠).","vol":"5","page":423},{"text":"نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه». أخرجه (^١) أحمد (^٢). وهذا يبطل تأويل من تأوَّلَ الحديث أنه يذكَّى كما تذكَّى أمُّه، ثم يؤكل؛ فإنه أمرهم بأكله، وأخبر أنه ذكاة أمه ذكاة له. وهذا لأنه جزء من أجزائها، فلم يحتج إلى أن يُفرَد بذبح، كسائر أجزائها.\nوسأله - ﷺ - رافع بن خَديج، فقال: إنَّا لاقو العدوِّ غدًا، وليست معنا مُدًى، فنذكِّي باللِّيط (^٣)؟ فقال النبي - ﷺ -: «ما أنهر الدمَ وذُكِر اسمُ الله عليه فكُلْ، إلا ما كان من سنٍّ أو ظُفر، فإن السِّنَّ عظم، والظُّفر مُدَى الحبشة». متفق عليه (^٤). واللِّيطة: الفِلْقَة من القصَب.\nوسأله - ﷺ - عدي بن حاتم، فقال: إنَّ أحدنا لَيصيب الصيدَ وليس معه سكِّين، أيذبح بالمروة وشِقَّة العصا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «أمِرَّ الدمَ، واذكر اسمَ الله». ذكره أحمد (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن شاة حلَّ بها الموت، فأخذت جاريةٌ حجرًا، فذبحتها به، فأمر النبي - ﷺ - بأكلها. ذكره البخاري (^٦).\nوسئل - ﷺ - عن شاة نيَّبَ فيها الذئبُ، فذبحوها بمروة، فرخَّص لهم في\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «ذكره».\n(^٢) في «المسند» (١١٢٦٠) وقد تقدم.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «أفنذكي بالليطة»، وفي «صحيح مسلم» كما أثبت من النسخ.\n(^٤) البخاري (٢٤٨٨) ومسلم (١٩٦٨).\n(^٥) برقم (١٨٢٦٢ - ١٨٢٦٤) من حديث عدي بن حاتم. ورواه أيضًا أبو داود (٢٨٢٤)، والنسائي (٤٣٠٤)، وابن ماجه (٣١٧٧). وفيه مُرَيّ بن قطري، لا يعرف.\n(^٦) برقم (٢٣٠٤) من حديث كعب بن مالك.","vol":"5","page":424},{"text":"أكلها. ذكره النسائي (^١).\nوسئل - ﷺ - عن أكل الحوت الذي جزَر عنه البحرُ (^٢)، فقال: «كلوا رزقًا أخرجه الله لكم، وأطعمونا إن كان معكم». متفق عليه (^٣).\nوسأله - ﷺ - أبو ثعلبة الخشني، فقال: إنَّا بأرض صَيد، أصيد بقوسي وبكلبي المعلَّم وبكلبي الذي ليس بمعلَّم، فما يصلح لي؟ فقال: «ما صدتَ بقوسك، فذكرتَ اسم الله عليه، فكُلْ. وما صدتَ بكلبك المعلَّم، فذكرتَ اسم الله عليه، فكُلْ. وما صدتَ بكلبك غير المعلَّم، فأدركتَ ذكاته، فكُلْ». متفق عليه (^٤). وهو صريح في اشتراط التسمية لحِلِّ الصيد، ودلالتُه على ذلك أصرح من دلالته على تحريم صيد غير المعلَّم.\nوسأله - ﷺ - عدي بن حاتم، فقال: إنِّي أُرسل كلابي المعلَّمة، فيمسكن عليَّ، وأذكر اسم الله. فقال: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرتَ اسم الله، فكُلْ ما أمسك عليك». قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يَشْرَكها كلبٌ ليس منها». قلت: فإني أرمي بالمِعراض الصيدَ، فأصيب. فقال: «إذا\n_________\n(^١) برقم (٤٤٠٧) من حديث زيد بن ثابت. ورواه أيضًا أحمد (٢١٥٩٧) وابن ماجه (٣١٧٦)، من طريق شعبة عن حاضر بن المهاجر. وحاضر هذا مجهول، ولكن يقوي أمره رواية شعبة عنه، ويؤيد معناه ما تقدم عند المصنف. وصحح الحديث ابن حبان (٥٨٨٥) والحاكم (٤/ ١١٣).\n(^٢) ما عدا ز: «البحر عنه».\n(^٣) البخاري (٤٣٦٢) ومسلم (١٩٣٥) من حديث جابر.\n(^٤) البخاري (٥٤٧٨) ومسلم (١٩٣٠).","vol":"5","page":425},{"text":"رميتَ بالمعراض (^١) فخزَق (^٢) فكُلْه، وإن أصابه بعَرضه فلا تأكله». متفق عليه (^٣).\nوفي بعض ألفاظ هذا الحديث: «إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسَكَ على نفسه. وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل، فإنك إنما سمَّيتَ على كلبك، ولم تسمِّ على غيره» (^٤).\nوفي بعض ألفاظه: «إذا أرسلتَ كلبك المكلَّب فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركتَه حيًّا، فاذبحه. وإن أدركته قد قَتلَ، ولم يأكل منه، فكُلْه، فإنَّ أخذَ الكلب ذكاتُه» (^٥).\nوفي بعض ألفاظه: «إذا رميتَ بسهمك فاذكر اسم الله». وفيه: «فإن غاب عنك اليومين أو الثلاثة، ولم تجد فيه إلا أثرَ سهمِك فكُلْ إن شئت. فإن وجدتَه غريقًا في الماء، فلا تأكل فإنك لا تدري الماءُ قتَلَه أو سهمُك» (^٦).\nوسأله - ﷺ - أبو ثعلبة الخشني فقال: يا رسول الله، إن لي كلابًا مكلَّبةً فأفتِني في صيدها. فقال: «إن كانت لك كلاب مكلَّبة، فكُلْ مما أمسكَتْ\n_________\n(^١) قال النووي في «شرحه» (١٣/ ٧٥): «هي خشبة ثقيلة أو عصًا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة. هذا هو الصحيح في تفسيره».\n(^٢) أي نفذ.\n(^٣) البخاري (٥٤٧٧) ومسلم (١٩٢٩/ ١).\n(^٤) رواه مسلم (١٩٢٩/ ٢ - ٣).\n(^٥) رواه مسلم (١٩٢٩/ ٦)، إلا قوله: «فإن أخْذَ الكلب ذكاتُه» فهي برقم (١٩٢٩/ ٤).\n(^٦) رواه أحمد (١٩٣٨٨) والبيهقي (٩/ ٢٤٢)، بذكر يوم أو يومين. وهو في حديث أبي ثعلبة عند مسلم (١٩٣١) بذكر ثلاثة أيام، كما سيأتي.","vol":"5","page":426},{"text":"عليك». فقال: يا رسول الله، ذكيٌّ وغيرُ ذكي؟ قال [٢٥٤/ب]: «ذكيٌّ وغيرُ ذكي». قال: وإن أكل منه؟ قال: «وإن أكل منه». قال: يا رسول الله، أفتِني في قوسي. قال: «كُلْ ما أمسكَتْ عليك قوسُك». قال: ذكيٌّ وغيرُ ذكي؟ قال: «ذكيٌّ وغيرُ ذكي». قال: وإن تغيَّب عني؟ قال: «وإن تغيَّب عنك، ما لم يصِلَّ ــ يعني يتغير ــ أو تجِدْ فيه أثرًا غيرَ أثر سهمك». ذكره أبو داود (^١).\nولا يناقض هذا قوله لعدي بن حاتم: «وإن أكل (^٢) فلا تأكل»، فإن حديث عدي فيما أكَلَ منه حالَ صيده؛ إذ يكون ممسكًا على نفسه. وحديث أبي ثعلبة فيما أكل منه بعد ذلك، فإنه يكون قد أمسَك على صاحبه، ثم أكَل منه بعد ذلك. وهذا لا يحرُم، كما لو أكل مما ذكَّاه صاحبُه.\nوسئل - ﷺ - عن الذي يدرك صيدَه بعد ثلاث، فقال: «كُلْه ما لم يُنْتِنْ». ذكره مسلم (^٣).\nوسأله - ﷺ - أهلُ بيت كانوا بالحَرَّة (^٤) محتاجين، ماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم، فرخَّص لهم في أكلها، فعصمَتْهم بقيةَ شتائهم. ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) برقم (٢٨٥٧) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عند جده. ورواه أيضًا أحمد (٦٧٢٥) ــ وهذا لفظه ــ، والدارقطني (٤٧٩٧)، والبيهقي (٩/ ٢٣٧). انظر للطرق والحكم عليها: «علل الدارقطني» (٦/ ٣٢٢) و«التنقيح لابن عبد الهادي» (٣/ ٤٥٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «أكل منه»، وفي بعضها أثبت «منه» بين معقوفين.\n(^٣) برقم (١٩٣١/ ١٠) عن أبي ثعلبة.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «في الحرة».\n(^٥) برقم (٢٠٨١٥) من حديث جابر بن سمرة. ورواه أيضًا الطيالسي (١٦٥٣) وأبو يعلى (٧٤٤٨)، من طريق شريك عن سمالك، وشريك سيئ الحفظ. ورواه أحمد أيضًا (٢٠٨٢٤)، وأبو يعلى (٧٤٤٥)، والحاكم (٤/ ١٢٥)، من طريق أبي عوانة عن سماك، فالحديث حسن.","vol":"5","page":427},{"text":"وعند أبي داود (^١) أن رجلًا نزل الحرَّةَ (^٢) ومعه أهله وولده. فقال رجل: إنَّ ناقةً لي ضلَّت (^٣)، فإن وجدتَها فأمسِكْها. فوجدها، فلم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت امرأته: انحَرْها، فأبى، فنفَقت. فقالت: اسْلُخْها حتى نُقَدِّد شحمَها ولحمَها نأكلُه (^٤). فقال: حتى أسأل رسول الله - ﷺ -. فأتاه، فسأله، فقال: «هل عندك غنًى يغنيك؟». قال: لا. قال: «فكلوه». قال: فجاء صاحبها، فأخبره الخبر، فقال: هلا كنتَ نحرتَها! قال: استحييتُ منك. وفيه دليل على جواز إمساك الميتة للمضطر.\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: من الطعام طعام نتحرَّج (^٥) منه. فقال: «لا يختلجنَّ في نفسك شيءٌ ضارعتَ فيه النصرانية». ذكره أحمد (^٦). ومعناه\n_________\n(^١) برقم (٣٨١٦)، وكذلك أحمد (٢٠٩٠٣)، من حديث جابر بن سمرة، من طريق حماد بن سلمة عن سماك، والحديث حسن. انظر الحديث السابق.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «بالحرة». وفي «السنن» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «إنَّ لي ناقة قد ضلت» خلافًا للسنن ولما في النسخ التي بين أيدينا.\n(^٤) في «السنن»: «ونأكله».\n(^٥) خز، ب: «يتحرج».\n(^٦) برقم (٢١٩٦٥) من حديث هُلْب الطائي. ورواه أيضًا أبو داود (٣٧٨٤)، والترمذي (١٥٦١)، وابن ماجه (٢٨٣٠)، من طريق سماك عن قبيضة، وقبيصة مجهول. ورواه ابن حبان (٣٣٢)، والطبراني (١٧/ ٢٥١)، من طريق سماك عن مُرَيّ بن قطري، ومُرَيّ مجهول. ولعله من تخليط سماك.","vol":"5","page":428},{"text":"ــ والله أعلم ــ النهي عما شابه طعامَ النصارى. يقول: لا تشُكَّنَّ فيه، بل دَعْه. فأجابه بجوابٍ عامٍّ، وخصَّ النصارى دون اليهود، لأن النصارى لا يحرِّمون شيئًا من الأطعمة، بل يبيحون ما دبَّ ودرَج من الفيل إلى البعوض.\nوسأله - ﷺ - عُقبة بن عامر، فقال: إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يَقْرُوننا، فما ترى؟ فقال: «إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا. فإن لم يفعلوا فخُذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم». ذكره البخاري (^١).\nوعند الترمذي (^٢): إنا نمُرُّ بقوم، فلا يضيِّفوننا، ولا يؤدُّون ما لنا عليهم من الحق، ولا نحن نأخذ منهم. فقال: «إن أبوا إلا أن تأخذوا قِرًى فخذوه» (^٣).\nوعند أبي داود (^٤): «ليلة الضيف حقٌّ على كلِّ مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دَينًا عليه، إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه». وعنده أيضًا: «من نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لم يَقْرُوه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه» (^٥).\nوهو دليل على وجوب الضيافة، وعلى أخذ الإنسان نظيرَ حقِّه ممن هو\n_________\n(^١) برقم (٦١٣٧) ومسلم (١٧٢٧).\n(^٢) برقم (١٥٩٣) من حديث عقبة بن عامر. وفيه ابن لهيعة، وقد رواه عنه قتبية فأُمِن اختلاطه. حسنه الترمذي، ثم ذكر متابعة الليث بن سعد لابن لهيعة. فالحديث حسن، ويقوّيه ما تقدم عند المصنف.\n(^٣) لفظ الترمذي: «أن تأخذوا كَرْهًا فخذوا».\n(^٤) برقم (٣٧٥٠) وقد تقدَّم.\n(^٥) برقم (٤٦٠٤) وقد تقدم أيضًا.","vol":"5","page":429},{"text":"عليه إذا أبى دفعه. وقد استُدِلَّ به في مسألة الظفر، ولا دليل فيه، لظهور سبب الحق هاهنا، فلا يتهم الآخذ، كما تقدَّم في قصة هند مع أبي سفيان.\nوسأله - ﷺ - عوف بن مالك، فقال: الرجلُ أمُرُّ به، فلا يَقْريني ولا يضيِّفني، ثم يمُرُّ بي، أفأجزيه؟ قال: «لا، بل اِقْرِه». قال: ورآني ــ يعني النبي - ﷺ - ــ رثَّ الثياب، فقال: «هل لك من مال؟». قال: قلت: من كلِّ المال قد أعطاني الله: من الإبل والغنم. [٢٥٥/أ] قال: «فَلْيُرَ عليك». ذكره الترمذي (^١).\nوسئل - ﷺ - عن جائزة الضيف، فقال: «يومه وليلته. والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة. ولا يحِلُّ له أن يثوِيَ عنده حتى يُحْرِجَه». متفق عليه (^٢).\nفصل\nوسئل - ﷺ - عن العقيقة، وكأنه (^٣) كره الاسم، وقال: «من وُلِد له مولود فأحبَّ أن ينسُكَ عنه فليفعل». ذكره أحمد (^٤).\n_________\n(^١) برقم (٢٠٠٦) وقد تقدم.\n(^٢) البخاري (٦١٣٥) ومسلم (٤٨) من حديث أبي شريح الكعبي.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «وكان»، وعلَّق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في نشرته: «ولعله «وكأنه» كما فيما يليه». قلت: وهو الثابت في نسخنا الخطية.\n(^٤) برقم (٦٨٢٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه أيضًا أبو داود (٢٨٤٢)، والنسائي (٤٢١٢)، من طرق عن داود بن قيس عن عمرو بن شعيب موصولًا. ورواه أبو داود (٢٨٤٢)، والبيهقي (٩/ ٣١٢) من طريق القعنبي عن داود بن قيس عن عمرو بن شعيب مرسلًا. انظر: «التمهيد» (٤/ ٣٠٤)، و«تهذيب السنن» (٢/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و«الفتح» (٥/ ٥٩٢).","vol":"5","page":430},{"text":"وعنده (^١) أيضًا: أنه سئل - ﷺ - عن العقيقة، فقال: «لا يحب الله العقوق» كأنه كره الاسم. قالوا: يا رسول الله، إنما نسألك عن أحدنا يولد له (^٢). قال: «من وُلِد (^٣) له فأحَبَّ أن ينسُك عنه فلينسُكْ. عن الغلام شاتان متكافئتان (^٤)، وعن الجارية شاة».\nفصل\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال (^٥): إنِّي لا أروَى من نفَس واحدة (^٦). قال: «فأَبِنِ القَدَحَ عن فيك، ثم تنفَّسْ». قال: فإني أرى القذاة فيه. قال: «فأَهْرِقْها». ذكره مالك (^٧).\nوعند الترمذي (^٨) أنه - ﷺ - نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء. قال: «أَهْرِقْها». قال: إني لا أروى من نفَس واحد (^٩). قال: «فأَبِنِ القدَحَ إذن عن فيك». حديث صحيح.\n_________\n(^١) (٦٧١٣) وهو الحديث السابق.\n(^٢) في خز بخط متأخر زيادة «ولد»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) في خز أيضًا: «يولد»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٤) ك: «شاتين مكافئتين»، وفي النسخ المطبوعة: «... متكافئتين».\n(^٥) لم يرد «فقال» في ز، خز.\n(^٦) ز: «واحد»، وكذا في مطبوعة «الموطأ».\n(^٧) في «الموطأ» (٢/ ٩٢٥) من حديث أبي سعيد. ورواه أيضًا أحمد (١١٢٠٣، ١١٥٤١)، والترمذي (١٨٨٧). صححه الترمذي، وابن حبان (٥٣٢٧)، والحاكم (٤/ ١٣٩).\n(^٨) انظر الحاشية السابقة.\n(^٩) في النسخ المطبوعة: «واحدة». وفي «الجامع» كما أثبت من النسخ الخطية.","vol":"5","page":431},{"text":"وسئل - ﷺ - عن البِتْع، فقال: «كلُّ شراب أسكَرَ فهو حرام». متفق عليه (^١).\nوسأله - ﷺ - أبو موسى، فقال: يا رسول الله، أفتِنا في شرابين كنَّا نصنعهما باليمن: البِتْع وهو من العسل يُنبَذ حتى يشتدَّ، والمِزْر وهو من الذرة والشعير يُنبَذ حتى يشتدَّ، فقال: «كلُّ مسكِر حرام». متفق عليه (^٢).\nوسأله - ﷺ - طارق بن سويد عن الخمر، فنهاه أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء» (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل من اليمن عن شراب بأرضهم يقال له: المِزْر، فقال: «أمسكر هو؟». قال: نعم. فقال رسول الله - ﷺ -: «كلُّ مسكرٍ حرام، وإنَّ على الله عهدًا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخَبال». قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عرَق أهل النار» أو قال: «عُصارة أهل النار» (^٤).\nوسأله - ﷺ - رجل من عبد القيس، فقال: يا رسول الله، ما ترى في شراب نصنعه في أرضنا من ثمارنا؟ فأعرض عنه، حتى سأله ثلاث مرات (^٥)، حتى قام يصلِّي. فلما قضى صلاته قال: «لا تشربه، ولا تسقِه أخاك المسلم. فوالذي نفسي بيده ــ أو والذي يحلف به ــ لا يشربه رجل ابتغاءَ لذة سُكرٍ (^٦)،\n_________\n(^١) البخاري (٥٥٨٥) ومسلم (٢٠٠١) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) البخاري (٤٣٤٣) ومسلم (٢٠٠١).\n(^٣) رواه مسلم (١٩٨٤).\n(^٤) رواه مسلم (٢٠٠٢) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٥) م، ب: «مرار».\n(^٦) ك: «مسكرٍ». وفي خز: «سكره»، وكذا في «الأشربة» و«مصنف ابن أبي شيبة».","vol":"5","page":432},{"text":"فيسقيه الله الخمرَ يوم القيامة». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ - عن الخمر تُتَّخذ خَلًّا، قال: «لا». ذكره مسلم (^٢).\nوسأله - ﷺ - أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال: «أَهْرِقْها». قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا». ذكره أحمد (^٣).\nوفي لفظ: أن يتيمًا كان في حِجْر أبي طلحة، فاشترى له خمرًا، فلما حُرِّمت الخمر سئل النبيُّ - ﷺ -: أتُتَّخَذ (^٤) خلًّا؟ قال: «لا» (^٥).\nوسأله - ﷺ - قوم، فقالوا: إنا ننتبذ نبيذًا نشربه على غدائنا وعشائنا. وفي رواية: على طعامنا. فقال: «اشربوا واجتنبوا كلَّ مسكِر». فأعادوا عليه، فقال: «إن الله ينهاكم عن قليلِ ما أسكَر وكثيرِه». ذكره الدارقطني (^٦).\nوسأله - ﷺ - عبد الله بن فيروز الديلمي (^٧)، فقال: إنَّا أصحابُ أعناب\n_________\n(^١) في «الأشربة» (٣٢) من حديث طلق بن علي السحيمي اليمامي. وكذلك رواه ابن أبي شيبة (٢٤٢١٢)، والطبراني (٨/ ٣٣٧). وفيه خلدة ابنة طلق، مجهولة. ومع ذلك وثق رجاله الهيثمي (٥/ ٧٠).\n(^٢) برقم (١٩٨٣) من حديث أنس.\n(^٣) (١٢١٨٩) وقد تقدم.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «سأل ... أيتخذها». وفي «سنن الدارقطني» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٥) رواه الدارقطني (٤٧٠٤) من حديث أنس، وقد تقدم.\n(^٦) برقم (٤٦٧١) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه سعيد بن مسلمة، وهو ضعيف.\n(^٧) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، ولعله سهو من المؤلف، فإن السائل فيروز الديلمي وهو الصحابي، والحديث من رواية عبد الله عن أبيه.","vol":"5","page":433},{"text":"وكرْم، وقد نزل تحريم الخمر [٢٥٥/ب]، فما نصنع بها؟ قال: «تتخذونه زبيبًا». قال: نصنع بالزبيب ماذا؟ قال: «تُنقِعونه على غدائكم، وتشربونه على عشائكم. وتُنقِعونه على عشائكم، وتشربونه على غدائكم». قال: قلتُ: يا رسول الله، نحن ممن قد علمتَ، ونحن بين ظهراني من قد علمتَ، فمن وليُّنا؟ قال: «الله ورسوله». قال: حسبي يا رسول الله (^١).\nفصل\nفي طرف من فتاويه - ﷺ - في الأيمان والنذور\nسأله (^٢) سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، إني حلفتُ باللات والعزَّى، وإن العهد كان قريبًا. فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثلاثًا، ثم انفُثْ عن يسارك ثلاثًا، ثم تعوَّذْ، ولا تَعُدْ». ذكره أحمد (^٣).\nولما قال - ﷺ -: «من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه حرَّم الله عليه الجنَّةَ، وأوجب له النار» سألوه: وإن كان يسيرًا (^٤)، قال: «وإن كان قضيبًا من أراك». ذكره مسلم (^٥).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٨٤٠٢)، وأبو داود (٣٧١٠)، والنسائي (٥٧٣٥)، والطبراني (١٨/ ٣٢٩)، من حديث فيروز الديلمي. وإسناده صحيح.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وسأله».\n(^٣) برقم (١٥٩٠) من حديث سعد بن أبي وقاص. ورواه أيضًا النسائي (٣٧٧٦) وابن ماجه (٢٠٩٧). صححه ابن حبان (٤٣٦٥)، وأحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٣/ ٩١)، ومقبل في «الصحيح المسند» (٣٧٥).\n(^٤) ك، ب: «شيئًا يسيرًا»، وكذا في «الصحيح» والنسخ المطبوعة.\n(^٥) برقم (١٣٧) من حديث أبي أمامة.","vol":"5","page":434},{"text":"وأعتَمَ رجلٌ عند النبي - ﷺ -، ثم رجع إلى أهله، فوجد الصِّبْية قد ناموا، فأتاه أهله بطعام، فحلف: لا يأكل، من أجل الصِّبية. ثم بدا له، فأكل، فأتى رسولَ الله - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال: «من حلف على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها فَلْيأتِها، وَلْيكفِّرْ عن يمينه». ذكره مسلم (^١).\nوسأله - ﷺ - مالك بن نَضْلة (^٢) فقال: يا رسول الله، أرأيت ابنَ عمٍّ لي آتيه أسأله، فلا يعطيني ولا يصِلني، ثم يحتاج إليَّ، فيأتيني، فيسألني، وقد حلفتُ أن لا أعطيه، ولا أصِلَه. قال: فأمرني أن آتيَ الذي هو خيرٌ، وأكفِّرَ عن يميني (^٣).\nوخرج سويد بن حنظلة ووائل بن حجر يريدان رسول الله - ﷺ - مع قومهما، فأخذ وائلًا عدوٌّ له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا أنه أخوهم، وحلف سويد أنه أخوه، فخلَّوا سبيله. فسأل رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: «أنتَ أبرُّهم وأصدقُهم، المسلم أخو المسلم». ذكره أحمد (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن رجل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ويصوم ولا يفطر بنهاره، ولا يستظِلَّ، ولا يتكلَّم. فقال: «مروه فَلْيستظِلَّ، وَلْيقعُدْ،\n_________\n(^١) برقم (١٦٥٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) ك: «فضالة»، تصحيف.\n(^٣) رواه أحمد (١٧٢٢٨) والنسائي (٣٧٨٨) وابن ماجه (٢١٠٩). وإسناده صحيح، صححه الألباني في «الإرواء» (٢٠٨٤)، ومقبل في «الصحيح المسند» (١١١٠).\n(^٤) برقم (١٦٧٢٦) من حديث سويد بن حنظلة. ورواه أيضًا أبو داود (٣٢٥٦) وابن ماجه (٢١١٩)، من طريق إبراهيم بن عبد الأعلى عن جدته، وهي مجهولة.","vol":"5","page":435},{"text":"وَلْيتكلَّمْ، وَلْيُتِمَّ صومه». ذكره البخاري (^١).\nوفيه دليل على تفريق الصفقة في النذر، وأن من نذر قُربةً وغير قُربة صَحَّ النذر في القربة، وبطل في غير القربة. وهكذا الحكم في الوقف سواء.\nوسأله - ﷺ - عمر - ﵁ -، فقال: إني نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام، فقال: «أوفِ بنذرك». متفق عليه (^٢).\nوقد احتجَّ به من يرى جواز الاعتكاف من غير صوم. ولا حجة فيه، لأن في بعض ألفاظ الحديث: «أن أعتكف يومًا، أو قال: ليلةً» (^٣). ولم يأمره بالصوم، إذ الاعتكاف المشروع إنما هو اعتكاف الصائم، فيُحمَل اللفظ المطلق على المشروع.\nوسئل - ﷺ - عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً غيرَ مختمرة، فأمَرها أن تركَب، وتختمر، وتصوم ثلاثة أيام. ذكره أحمد (^٤).\nوفي «الصحيحين» (^٥) عن عقبة (^٦) قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً، فأمرتني أن أستفتي لها رسولَ الله - ﷺ -، فاستفتيته، فقال: «لِتَمْشِ وَلْتَركَبْ».\n_________\n(^١) برقم (٦٧٠٤) من حديث ابن عباس.\n(^٢) البخاري (٢٠٣٢) ومسلم (١٦٥٦)، وقد تقدَّم.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «أو ليلة».\n(^٤) من حديث عقبة بن عامر الجهني، وقد تقدم.\n(^٥) البخاري (١٨٦٦) ومسلم (١٦٤٤).\n(^٦) خز: «عقبة بن عامر»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":436},{"text":"وعند الإمام أحمد (^١) أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبي - ﷺ -[٢٥٦/أ]: «إنَّ الله لغنيٌّ عن مشي أختك. فَلْتركَبْ، وَلْتُهْدِ بدَنة».\nونظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس، فقال: «ما شأنك؟». قال: نذرتُ أن لا أزال في الشمس حتى تفرُغَ (^٢). فقال رسول الله - ﷺ -: «ليس هذا نذرًا، إنما النذرُ فيما ابتُغِيَ به وجهُ الله». ذكره أحمد (^٣).\nورأى (^٤) شيخًا يهادي بين ابنيه، فقال: «ما بال هذا؟». فقالوا: نذَر أن يمشي. فقال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لَغنيٌّ» (^٥) وأمَره أن يركَب. متفق عليه (^٦).\nونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت، فقال: «ما بال القِرَان؟». قالوا: يا رسول الله، نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين. فقال: «ليس هذا نذرًا،\n_________\n(^١) برقم (٢١٣٤) وقد تقدم.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «يفرغ رسول الله - ﷺ - من الخطبة». وفي «المسند» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٣) برقم (٦٩٧٥) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه الطبراني في «الأوسط» (١٤٣٢). وفيه عبد الرحمن بن الحارث وعبد الله بن نافع المدني، وهما ضعيفان. وله متابعة عند الخطيب (٦/ ٤٨) من طريق آدم عن عبد الرحمن بن أبي زياد، ورواية أهل بغداد عن عبد الرحمن ضعيفة، وهي منها. وأصله عند البخاري (٦٧٠٤).\n(^٤) بعده في خز: «رسول الله - ﷺ -» وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) في ك: «لغني» قبل «عن»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٦) البخاري (١٨٦٥) ومسلم (١٦٤٢) من حديث أنس.","vol":"5","page":437},{"text":"إنما النذر فيما ابتُغِيَ به وجهُ الله». ذكره أحمد (^١).\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إنَّ أُمِّي توفِّيت وعليها نذر صيام، فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: «ليصُمْ عنها الوليُّ». ذكره ابن ماجه (^٢).\nوصحَّ عنه - ﷺ - أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه» (^٣).\nفطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يصام عنه النذر والفرض. وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض.\nوفصَّلت طائفة، فقالت: يصام عنه النذر، دون الفرض الأصلي. وهذا قول ابن عباس وأصحابه، والإمام أحمد وأصحابه. وهو الصحيح، لأن فرض الصيام جارٍ مجرى الصلاة، فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يُسْلِم أحد عن أحد، فكذلك الصيام. وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه، وهذا محض الفقه.\n_________\n(^١) برقم (٦٧١٤) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه الفاكهي في «أخبار مكة» (١/ ٢٣٧) من طريقي عبد الرحمن بن أبي زياد وعبد الرحمن بن الحارث، وهما ضعيفان، والحديث السابق يدل على عدم ضبطهما. وله شاهد عند الطبراني في «الأوسط» (٧٤٨١) من طريق محمد بن كريب، وهو ضعيف. وحسنه الحافظ في «الفتح» (٣/ ٥٦٤)، وصححه أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (١١/ ٧)، وفيه نظر. والله أعلم بالصواب.\n(^٢) برقم (٢١٣٣) من حديث جابر بن عبد الله. وفيه ابن لهيعة، وفيه لين. والحديث ضعّفه البوصيري في «المصباح» (١/ ٣٦٦). انظر: «صحيح البخاري» (١٩٥٢، ١٩٥٣)، و«صحيح مسلم» (١١٤٨).\n(^٣) رواه البخاري (١٩٥٢) ومسلم (١١٤٧) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"5","page":438},{"text":"وطردُ هذا أنه لا يُحَجُّ عنه، ولا يُزكَّى عنه إلا إذا كان معذورًا بالتأخير، كما يُطعِم الوليُّ عمن أفطر في رمضان لعذر. فأما المفرِّط من غير عذر أصلًا، فلا ينفعه أداءُ غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرَّط فيها، وكان هو المأمورَ بها ابتلاءً وامتحانًا دون الولي. فلا تنفع توبةُ أحد عن أحد، ولا إسلامُه عنه، ولا أداءُ الصلاة عنه، ولا غيرِها من فرائض الله التي فرَّط فيها حتى مات. والله أعلم.\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إني نذرتُ أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ. فقال: «أوفي بنذرك». قالت: إني نذرتُ أن أذبح بمكان كذا وكذا: مكانٍ كان (^١) يذبح فيه أهلُ الجاهلية. قال: «لصنم؟». قالت: لا. قال: «لوثن؟». قالت: لا. قال: «أوفي بنذرك». ذكره أبو داود (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببُوَانةَ. فقال النبي - ﷺ -: «كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبَد؟». قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟». قالوا: لا. قال: «أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء بالنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». ذكره أبو داود (^٣).\n_________\n(^١) «كان» من ز، ك. وكذا في «السنن».\n(^٢) برقم (٣٣١٢) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه الحارث بن عبيد، ضعيف. والجزء الأول رواه أحمد (٢٣٠١١)، والترمذي (٣٦٩٠)، صححه الترمذي وابن حبان (٤٣٨٦)، وقد تقدَّم.\n(^٣) برقم (٣٣١٣) من حديث ثابت بن الضحاك. ورواه أيضًا الطبراني (٢/ ٧٥)، والبيهقي (١٠/ ٨٣). صححه الجوزقاني في «الأباطيل» (٢/ ٢٠٢)، وشيخ الإسلام في «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٤٩٠)، وابن عبد الهادي في «الصارم المنكي» (ص ٤٩٣)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥١٨)، وهو شاهد لبعض الحديث السابق.","vol":"5","page":439},{"text":"فصل\nفي طرف من فتاويه - ﷺ - في الجهاد\nسئل عن قتال الأمراء الظلمة، فقال: «لا، ما أقاموا الصلاة». وقال: «خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلُّون عليهم (^١) ويُصلُّون عليكم. وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». ثم قال - ﷺ -: «ألا، من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزِعنَّ يدًا من طاعته». ذكره [٢٥٦/ب] مسلم (^٢).\nوقال: «يُستعمَل عليكم أمراء، فتعرفون، وتنكرون. فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلِم. ولكن من رضي وتابع». قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلَّوا». ذكره مسلم (^٣). وزاد أحمد (^٤): «ما صلَّوا الخمسَ».\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: أرأيتَ إن كان علينا أمراءُ يمنعونا (^٥) حقَّنا\n_________\n(^١) ك: «ويصلُّون عليكم وتصلون عليهم»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «الصحيح» كما أثبت من النسخ الأخرى.\n(^٢) برقم (١٨٥٥) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.\n(^٣) برقم (١٨٥٤) من حديث أم سلمة.\n(^٤) برقم (٢٦٥٢٨) من حديث أم سلمة. ورواه أيضًا أبو يعلى (٦٩٨٠) وأبو عوانة في «مسنده» (٤/ ٤٢٦)، وإسناده صحيح.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «يمنعوننا»، وكذا «ويسألوننا». وفي «الجامع» كما أثبت من النسخ الخطية.","vol":"5","page":440},{"text":"ويسألونا حقَّهم؟ قال: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم». ذكره الترمذي (^١).\nوقال: «إنها ستكون بعدي أثَرةٌ وأمورٌ تنكرونها». قالوا: فما تأمرنا من أدرك ذلك؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم». متفق عليه (^٢).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: دُلَّني على عمل يعدِلُ الجهاد. قال: «لا أجده». ثم قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدَك، فتقوم ولا تفتُر، وتصوم ولا تُفطر؟». قال: ومن يستطيع ذلك؟ فقال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتُر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله». ذكره مسلم (^٣).\nوسئل - ﷺ -: أي الناس أفضل؟ فقال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله». قال: ثم من؟ قال: «رجل في شِعْب من الشِّعاب يتقي الله ويدَعُ الناسَ من شرِّه». متفق عليه (^٤).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن قُتِلتُ في سبيل الله وأنا\n_________\n(^١) برقم (٢١٩٩) من حديث ثابت بن الضحاك، وصححه. وهو عند مسلم (١٨٤٦) بلفظ أتم.\n(^٢) البخاري (٣٦٠٣) ومسلم (١٨٤٣) من حديث ابن مسعود.\n(^٣) كذا في النسخ. والحديث رواه البخاري (٢٧٨٥) ومسلم (١٨٧٨) عن أبي هريرة، واللفظ هنا مركَّب من الروايتين.\n(^٤) البخاري (٢٧٨٦) ومسلم (١٨٨٨) من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"5","page":441},{"text":"صابرٌ محتسبٌ مقبلٌ غيرُ مدبر، يكفِّر الله عنِّي خطاياي؟ قال: «نعم، فكيف قلتَ (^١)؟». فردَّ عليه كما قال، فقال: «نعم، فكيف قلت؟». فرد عليه القول أيضًا، قال: أرأيت يا رسول الله، إن (^٢) قُتِلتُ في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غيرَ مدبر، يكفِّر الله عني خطاياي؟ قال: «نعم، إلا الدَّين، فإن جبريل سارَّني بذلك». ذكره أحمد (^٣).\nوسئل - ﷺ -: ما بال المؤمنين يُفتَنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنةً». ذكره النسائي (^٤).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الشهداء أفضل عند الله تعالى؟ فقال: «الذين يُلْقَون في الصفِّ لا يَلْفِتُون وجوهَهم حتى يُقتَلوا. أولئك ينطلقون (^٥) في الغرف العلى\n_________\n(^١) خز: «ثم قال كيف قلت»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) النسخة (ك) من هنا إلى آخرها بخط حديث، وسيكون رمزها (خك).\n(^٣) برقم (٨٠٧٥، ٨٣٧١) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا مالك (٢/ ٤٦١)، والنسائي (٣١٥٦). وإسناده صحيح، حسنه البوصيري في «الإتحاف» (٣/ ٣٧٣)، وصححه مقبل في «الصحيح المسند» (١٣٦٤).\n(^٤) برقم (٢٠٥٣)، وكذلك ابن أبي عاصم في «الجهاد» (٢٣٠)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٦/ ٣١٣٠) من طريق راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -. حسنه ابن القطان في «بيان الوهم» (٥/ ٧٤٣)، وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ٥٠).\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وكذا في نسخ «المسند»، وأثبت في طبعة الرسالة منه: «يتلبَّطون» من هامش إحدى النسخ و«جامع المسانيد» وقال: وهي الرواية كما في مصادر التخريج، وعليها شرح ابن الأثير في «النهاية» فقال: أي يتمرغون.","vol":"5","page":442},{"text":"من الجنة، ويضحك إليهم ربُّك تعالى. وإذا ضحك ربُّك إلى عبدٍ في الدنيا فلا حساب عليه». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل رياءً؛ أيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله». متفق عليه (^٢).\nوعند أبي داود (^٣) أن أعرابيًّا أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليُحْمَد، ويقاتل ليغنَم، ويقاتل ليُرَى مكانُه؛ فمَن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: يا رسول الله، رجلٌ (^٤) يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عَرَضًا من عَرَض الدنيا (^٥). فقال: «لا أجر له». فأعظمَ ذلك الناسُ وقالوا للرجل: عُدْ لرسول الله - ﷺ -، فإنك لم تفهِّمه. فقال: يا رسول الله، رجلٌ يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا،\n_________\n(^١) برقم (٢٢٤٧٦) من حديث نُعيم بن همَّار. ورواه أيضًا سعيد بن منصور (٢٥٦٦)، وابن أبي شيبة (١٩٦٩٩)، وأبو يعلى (٦٨٥٥)، وفيه إسماعيل بن عياش، وقد روى من أهل بلده. وثَّق رواته البوصيري في «الإتحاف» (٥/ ١٥٩)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٥٥٨). وانظر: «التاريخ الكبير» (٨/ ٩٥).\n(^٢) البخاري (٧٤٥٨) ومسلم (١٩٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري.\n(^٣) برقم (٢٥١٧). ورواه أيضًا أحمد (١٩٥٩٦)، وإسناده صحيح. وأصله عند البخاري (٢٨١٠) ومسلم (١٩٠٤).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الرجل». وفي «السنن» كما أثبت من النسخ.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «أعراض الدنيا». وفي «السنن» كما أثبت من النسخ.","vol":"5","page":443},{"text":"فقال: «لا أجر له». فقالوا للرجل: عُدْ لرسول الله - ﷺ -. فقال له الثالثة، فقال: «لا أجر له». ذكره أبو داود (^١).\nوعند النسائي (^٢) أنه سئل - ﷺ -، فقيل: أرأيتَ رجلًا غزا يلتمس الأجر [٢٥٧/أ] والذكر، ما له؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا شيء له». فأعادها ثلاث مرار، يقول رسول الله - ﷺ -: «لا شيء له». ثم قال: «إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا (^٣) وابتُغِيَ به وجهُه».\nوسألته - ﷺ - أم سلمة، فقالت: يا رسول الله، يغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية [النساء: ٣٢]. ذكره أحمد (^٤).\n_________\n(^١) برقم (٢٥١٦) من حديث أبي هريرة، وقد تقدم.\n(^٢) برقم (٣١٤٠) من حديث أبي أمامة الباهلي، وإسناده صالح للتحسين. وله شاهد عند الطبراني في «المعجم الكبير» (٨/ ١٤٠) وفي «الأوسط» (١١١٢). وفيه هود بن عطاء، لا يحتج به. والحديث حسنه العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ١١٢) وابن حجر في «الفتح» (٦/ ٢٨). وانظر: «الصحيحة» (٥٢).\n(^٣) خز: «كان خالصًا له»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «السنن» ما أثبت من النسخ الأخرى.\n(^٤) برقم (٢٦٧٣٦) من حديث أم سلمة. ورواه أيضًا الترمذي (٣٠٢٢)، والحاكم (٢/ ٣٠٦). وهو منقطع بين مجاهد وأم سلمة، وبه أعله الترمذي. وصححه الحاكم إن كان سمع منها. وأحمد شاكر حاول إثبات الاتصال بينهما في «تحقيق الطبري» (٨/ ٢٦٣). ولبعضه شاهد عند ابن أبي حاتم في «التفسير» (٣/ ٩٣٥)، وإسناده حسن.","vol":"5","page":444},{"text":"وسئل - ﷺ - عن الشهداء، فقال: «من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد». ذكره مسلم (^١).\nفصل\nفي ذكر طرف من فتاويه - ﷺ - في الطب\nسأله - ﷺ - أعرابي، فقال: يا رسول الله، أنتداوى؟ قال: «نعم، فإن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً، علِمَه مَن علِمَه، وجَهِله من جَهِله». ذكره أحمد (^٢).\nوفي «السنن» أن الأعراب قالت: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: «نعم، عبادَ الله تداوَوْا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً، أو دواءً، إلا داءً واحدًا». قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: «الهرم» (^٣).\nوسئل - ﷺ -، فقيل له: أرأيتَ رُقًى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتقاةً نتَّقيها؛ هل ترُدُّ من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله». ذكره الترمذي (^٤).\nوسئل - ﷺ -: هل يغني الدواء شيئًا؟ فقال: «سبحان الله، وهل أنزل الله تعالى من داءٍ في الأرض إلا جعل له شفاءً». ذكره أحمد (^٥).\n_________\n(^١) برقم (١٩١٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) برقم (١٨٤٥٥) من حديث أسامة بن شريك. وفيه مصعب بن سلام، ضعيف.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) برقم (٢٠٦٥) وقد تقدم.\n(^٥) برقم (٢٣١٥٦) من حديث رجل من الأنصار بإسناد صحيح. انظر: تعليق محققي «المسند».","vol":"5","page":445},{"text":"وسئل - ﷺ - عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمته، فقال: «هم الذين لا يستَرْقُون، ولا يتطيَّرون، ولا يكتَوُون، وعلى ربِّهم يتوكلون». متفق عليه (^١).\nوسأله - ﷺ - آل عمرو بن حزم، فقالوا: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيتَ عن الرُّقَى (^٢). قال: فعرَضوا عليه. فقال: «ما أرى بأسًا، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل». ذكره مسلم (^٣).\nواستفتاه عثمان بن أبي العاص، وشكا إليه وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال: «ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله (^٤) وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر». ذكره مسلم (^٥).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل. الرجل يبتلى على حسَب دينه، فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك، وإن كان صُلبَ الدين ابتلي على حسَب ذلك. فما يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على وجه الأرض، وما عليه خطيئة». ذكره أحمد، وصححه\n_________\n(^١) البخاري (٥٧٠٥) ومسلم (٢٢٠) من حديث ابن عباس.\n(^٢) بعده في خز، خك: «قال: اعرضوا عليَّ رقاكم»، وكذا في الطبعات القديمة. وهو جزء من حديث آخر سيأتي.\n(^٣) برقم (٢١٩٩) من حديث جابر.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «بعزَّة الله». وفي «صحيح مسلم» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٥) برقم (٢٢٠٢/ ٦٧).","vol":"5","page":446},{"text":"الترمذي (^١).\nوذكر ابن ماجه (^٢) أنه سئل: أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأنبياء». قلت: يا رسول الله، ثم من؟ قال: «ثم الصالحون. إن كان أحدُهم لَيُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءةَ يجوبُها (^٣). وإن كان أحدهم لَيفرحُ بالبلاء، كما يفرح أحدكم بالعافية (^٤)».\nوسأله - ﷺ - رجل: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال: «كفارات». قال أبو سعيد الخدري (^٥): وإن قلَّت؟ قال: «وإن شوكةٌ فما فوقها». فدعا أبو سعيد على [٢٥٧/ب] نفسه أن لا يفارقه الوعكُ حتى يموت،\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٤٨١)، والترمذي (٢٤٠٣)، والنسائي في «الكبرى» (٧/ ٤٦)، وابن ماجه (٤٠٢٣)، من حديث سعد بن أبي وقاص. صححه الترمذي، وابن حبان (٢٩٠٠)، والحاكم (١/ ٤١)، وأحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٣/ ٤٥). وانظر: «الصحيحة» (١٤٤).\n(^٢) برقم (٤٠٢٤) من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه أيضًا البخاري في «الأدب المفرد» (٥١٠)، وأبو يعلى (١٠٤٥)، والحاكم (١/ ٤٠). وإسناده صحيح. ورواه أحمد (١١٨٩٣) وعبد بن حميد (٩٦٠)، وفيه رجل مبهم، والصحيح أنه عطاء بن يسار كما عند ابن ماجه. والحديث صححه البوصيري في «المصباح» (٢/ ٣٠٢).\n(^٣) أي يقطع وسطها ويدخل رأسه فيها. وفي النسخ المطبوعة: «تحويه». والظاهر أن بعض الناشرين لما قرأ ما في نسخته «يحويها»، فأشكل عليه غيَّره إلى «تحويه»!\n(^٤) «بالعافية» من ب، وقد وقع مكانها بياض في غيرها.\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة هنا وفيما يأتي، وهو وهْمٌ. فالسائل السؤال المذكور والقائل: «وإن قلَّت» ثم الداعي على نفسه بالوعك المستمر هو أُبيُّ بن كعب. أما أبو سعيد فهو راوي الحديث فحسب.","vol":"5","page":447},{"text":"وأن لا يشغلَه عن حجٍّ ولا عن عمرة، ولا جهادٍ في سبيل الله، ولا صلاةٍ مكتوبة في جماعة. فما مسَّه إنسانٌ إلا وجد حرَّه حتى مات. ذكره أحمد (^١).\nوقال أسامة: شهدت الأعراب يسألون النبيَّ - ﷺ -: أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال: «عبادَ الله، وضع الله تعالى الحرجَ، إلا من اقترض من عِرْضِ أخيه شيئًا، فذلك الحرج (^٢)». فقالوا: يا رسول الله، هل علينا من جناح أن نتداوى؟ قال: «تداوَوا عبادَ الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع معه شفاءً إلا الهرم». قالوا: يا رسول الله، ما خيرُ ما أُعطي العبد؟ قال: «حسنُ الخلق». ذكره ابن ماجه (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن الرُّقى، فقال: «اعرضوا عليَّ رُقاكم». ثم قال: «لا بأس بما ليس فيه شرك». ذكره مسلم (^٤).\nوسأله - ﷺ - طبيب عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهى النبيُّ - ﷺ - عن قتلها. ذكره أهل السنن (^٥).\n_________\n(^١) برقم (١١١٨٣) من حديث أبي سعيد. ورواه أيضًا أبو يعلى (٩٩٥). صححه ابن حبان (٢٩٢٨)، والحاكم (٤/ ٣٠٨)، والحافظ في «الإصابة» (١/ ٢٠)، وحسنه العراقي في «تخريج الإحياء» (٤/ ٣٥٧)، ووثق رجاله الهيثمي (٢/ ٣٠١).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «فذلك هو الحرج»، وفي «السنن»: «فذاك الذي حرِج».\n(^٣) برقم (٣٤٣٦) عن أسامة بن شريك، وقد تقدم.\n(^٤) برقم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.\n(^٥) رواه أحمد (١٥٧٥٧)، وأبو داود (٣٨٧١)، والنسائي (٤٣٥٥) من حديث عبد الرحمن بن عثمان. وفيه سعيد بن خالد، حسن الحديث. والحديث صححه العيني في «عمدة القاري» (٢١/ ١٥٩) والألباني في «صحيح الترغيب» (٢٩٩١).","vol":"5","page":448},{"text":"وشكا إليه - ﷺ - الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف القَمْلَ، فأفتاهم بلبس قميص الحرير. ذكره البخاري في «صحيحه» (^١).\nوأفتى - ﷺ - أن من تطبَّب، ولم يُعرَف منه طِبٌّ، فهو ضامن (^٢). وهو يدل بمفهومه على أنه إذا كان طبيبًا وأخطأ في تطبيبه، فلا ضمان عليه.\nوشكا إليه - ﷺ - المشاةُ في طريق الحج تعبَهم وضعفَهم عن المشي، فقال لهم: «استعينوا بالنَّسَل (^٣)، فإنه يقطع عنكم الأرضَ وتخِفُّون له». قال (^٤): ففعلنا، فخفَفْنا له (^٥). والنَّسَل: العَدْوُ مع تقارب الخُطا. ذكر أبو مسعود الدمشقي (^٦) هذا الحديث في مسلم، وليس فيه، وإنما هو زيادة في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم (^٧) في صفة حج النبي - ﷺ -، وإسناده حسن.\nوسألته - ﷺ - أسماء بنت عميس، فقالت: يا رسول الله، إنَّ ولدَ جعفر تُسرع إليهم العَين، أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم، فإنه لو كان شيءٌ سابَقَ القدرَ\n_________\n(^١) برقم (٢٩٢٠) من حديث أنس، وقد تقدم.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) كذا ضبط بفتح السين في ز، ويجوز بسكونها.\n(^٤) يعني: جابر بن عبد الله.\n(^٥) رواه أبو يعلى (١٨٨٠) من حديث جابر بن عبد الله. صححه ابن خزيمة (٢٥٣٦)، وابن حبان (٢٧٠٦)، والحاكم (١/ ٤٤٣)، والألباني في «الصحيحة» (٢٥٧٤).\n(^٦) يعني: في كتابه «الأجوبة عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم»، ولم يرد هذا الحديث في المطبوع منه.\n(^٧) برقم (١٢١٨).","vol":"5","page":449},{"text":"لسبقته العين». ذكره أحمد (^١).\nوعند مالك (^٢) عن حميد بن قيس المكي قال: دُخِلَ على رسول الله - ﷺ - بابنَي جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما: «ما لي أراهما ضارعَين؟». فقالت: إنه لَتُسرِعُ إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنَّا لا ندري ما يوافقك من ذلك. فقال: «استرقُوا لهما، فإنه لو سبق شيءٌ القدرَ لسبقته العينُ».\nوسئل - ﷺ - عن النُّشْرة، فقال: «هي من عمل الشيطان». ذكره أحمد وأبو داود (^٣). والنُّشْرة: حلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان: حلُّ سحرٍ بسحرٍ مثلِه، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمله، فيتقرَّب إليه الناشر والمنتشر بما يحِبُّ، فيُبطل عملَه عن المسحور. والثاني: النُّشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب. وعلى النوع المذموم يُحمَل قول الحسن: لا يحُلُّ السحرَ إلا ساحرٌ (^٤).\nفصل\nوسئل - ﷺ - عن الطاعون فقال: «عذابًا كان يبعثه الله على مَن كان قبلكم،\n_________\n(^١) برقم (٢٧٤٧٠)، والترمذي (٢٠٦٤)، وابن ماجه (٣٥١٠). صححه الترمذي وابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ٢٦٦). وانظر: «الصحيحة» (١٢٥٢).\n(^٢) (٢/ ٩٣٨) معضلًا، والحديث السابق شاهد له.\n(^٣) برقم (١٤١٣٥) من حديث جابر بن عبد الله. ورواه أيضًا أبو داود (٣٨٦٨) والبيهقي (٩/ ٣٥١). ورجَّح البيهقي الإرسال، وقال ابن أبي حاتم: هو قول الحسن (٢٣٩٣). وانظر: «الأحاديث المعلة» للوادعي (٩٤).\n(^٤) ذكره ابن بطال في «شرح صحيح البخاري» (٩/ ٤٤٥).","vol":"5","page":450},{"text":"فجعله الله رحمةً للمؤمنين. ما من عبد يكون في بلد، ويكون (^١) فيه، فيمكث، لا يخرج صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له= إلا كان له مثلُ أجرِ شهيد». ذكره [٢٥٨/أ] البخاري (^٢).\nوسأله - ﷺ - فروة بن مُسَيك، فقال: يا رسول الله، إنَّا بأرض يقال لها: أَبْيَنُ (^٣)، وهي ريفنا ومِيرَتنا، وهي وَبِئَة. أو قال: وباها (^٤) شديد. فقال رسول الله - ﷺ -: «دعها عنك، فإنَّ من القَرَفِ التَّلَفَ (^٥)» (^٦).\nوفيه دليل على نوع شريف من أنواع الطب، وهو استصلاح التربة والهواء، كما ينبغي استصلاح الماء والغذاء؛ فإنَّ بصلاح هذه الأربعة (^٧) صلاحَ البدن واعتدالَه.\nوقال - ﷺ -: «لا طيرة، وخيرُها الفأل». قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال:\n_________\n(^١) يعني: الطاعون. وكذا وقع في النسخ، وفي «الصحيح»: «بلد يكون» دون الواو بينهما.\n(^٢) رقم (٦٦١٩) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) ضبط في ز بكسر الباء وسكون الياء، وهو خطأ.\n(^٤) كذا في النسخ، والوباء يقصر ويُمَدّ.\n(^٥) قال أبو عبيد في «غريب الحديث» (٥/ ٣٥٤): يقول: إذا قارفتم الوباء كان منه التلف. والقِراف: المخالطة.\n(^٦) رواه أحمد (١٥٧٤٢)، وأبو داود (٣٩٢٣)، وعبد الرزاق (٢٠١٦٢) من حديث فروة بن مسيك. وفيه يحيى بن عبد الله، مجهول. والحديث ضعفه البوصيري في «الإتحاف» (٤/ ٤٠٦) والألباني في «الضعيفة» (١٧٢٠).\n(^٧) بعده في ب زيادة: «يكون»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":451},{"text":"«الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم». متفق عليه (^١).\nوفي لفظ لهما (^٢): «لا عدوى، ولا طيرة. ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة».\nولما قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة» قال له رجل: أرأيت البعير يكون به الجَرَبُ، فتجرَب الإبل. قال: «ذاك القدر. فمَن أجرب الأول؟». ذكره أحمد (^٣).\nولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب، بل فيه إثبات القدر، وردُّ الأسباب كلِّها إلى الفاعل الأول؛ إذ لو كان كلُّ سبب مستندًا إلى سببٍ قبله، لا إلى غايةٍ= لزم التسلسلُ في الأسباب، وهو ممتنع. فقطع النبيُّ - ﷺ - التسلسلَ بقوله: «فمن أعدى الأول» (^٤)، إذ لو كان الأول قد جَرِب بالعدوى، والذي قبله كذلك، لا إلى غاية= لزم التسلسل الممتنع.\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: يا رسول الله، دارٌ سكنَّاها، والعدد كثير، [والمال] (^٥) وافر؛ فقلَّ العدد، وذهب المال. فقال: «دعُوها ذميمةً». ذكره\n_________\n(^١) البخاري (٥٧٥٥) ومسلم (٢٢٢٣) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) البخاري (٥٧٧٦) ومسلم (٢٢٢٤) من حديث أنس.\n(^٣) برقم (٤٧٧٥) من حديث ابن عمر. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٦٩٢١) وابن ماجه (٨٦). وفيه الكلبي، ضعيف. والحديث ضعفه البوصيري في «المصباح» (١/ ٥٣)، وانظر: «الصحيحة» (٧٨٢).\n(^٤) رواه البخاري (٥٧١٧) ومسلم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة.\n(^٥) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ الخطية، واستدركناه من «الموطأ».","vol":"5","page":452},{"text":"مالك مرسلًا (^١).\nوهذا موافق لقوله - ﷺ -: «إن كان الشؤم في شيء، فهو في ثلاثة: في الفرس، والدار (^٢)، والمرأة». وهو إثبات لنوع خفي من الأسباب، لا يطلع عليه أكثر الناس، ولا يعلم إلا بعد وقوع مسبَّبه. فإن من الأسباب ما تُعلَم سببيته قبل وقوع مسبَّبه وهي الأسباب الظاهرة، ومنها ما لا تُعلَم سببيته (^٣) إلا بعد وقوع مسبَّبه وهي الأسباب الخفية. ومنه قول الناس: فلان مشؤوم الطَّلْعة، ومدوَّر الكعب (^٤)، ونحوه. فالنبي - ﷺ - أشار إلى هذا النوع، ولم يبطله.\nوقوله: «إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة» تحقيقٌ لحصول الشؤم منها (^٥)، وليس نفيًا لحصوله من غيرها، كقوله: «إن كان في شيء تتداوَون به شفاءٌ ففي شَرْطةِ مِحْجَم، أو شربة عسل، أو لذعةٍ بنار. ولا أُحِبُّ الكيَّ». ذكره البخاري (^٦).\n_________\n(^١) رواه مالك (٢/ ٩٧٢) من طريق يحيى بن سعيد مرسلًا. ورواه أبو داود (٣٩٢٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٤٤)، والبيهقي (٨/ ١٤٠) من طريق عكرمة بن عمار. وإسناده حسن، وصححه ابن عبد البر «التمهيد» (٢٤/ ٦٨).\n(^٢) خك: «في الدار»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) هنا في النسخ: «يعلم سببه» خلافًا لما سبق. وأثبت في المطبوع كذا في الموضعين. والصواب ما أثبتنا، وكذا في الطبعات القديمة مع تذكير الفعل.\n(^٤) من أمثال المولدين. انظر: «مجمع الأمثال» للميداني (٣/ ٣٦٦).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «فيها».\n(^٦) برقم (٥٦٨٣) من حديث جابر بن عبد الله. ورواه أيضًا مسلم (٢٢٠٥).","vol":"5","page":453},{"text":"وقال: «من ردَّته الطِّيَرَةُ من حاجته فقد أشرك». قالوا: يا رسول الله، وما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول: اللهم لا طيرَ إلا طيرُك، ولا خيرَ إلا خيرُك». ذكره أحمد (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>ذكر فصول من فتاويه - ﷺ - في أبواب متفرقة</span>\nسأله - ﷺ - رجل، فقال: إنِّي أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: «هل لك من أمٍّ؟». قال: لا. قال: «فهل لك من خالة؟». قال: نعم. قال: «فبَرَّها». ذكره الترمذي وصححه (^٢).\nوقال ابن عباس - ﵄ -: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتدَّ ولحق بالمشركين، ثم ندِم، فأرسل إلى قومه: سَلُوا لي رسول الله - ﷺ -: هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى النبي - ﷺ -، فقالوا: هل له من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ [٢٥٨/ب] قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]. فأرسل إليه، فأسلم. ذكره النسائي (^٣).\n_________\n(^١) برقم (٧٠٤٥) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه ابن لهيعة، فيه لين. وانظر: «الصحيحة» (١٠٦٥).\n(^٢) من حديث ابن عمر، وقد تقدم. و«بَرَّ» فعل أمر من بَرَّ يبَرُّ.\n(^٣) برقم (٤٠٦٨) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا أحمد (٢٢١٨). صححه ابن حبان (٤٤٧٧)، والحاكم (٢/ ١٤٢)، وابن دقيق العيد في «الاقتراح» (١٠٥)، والألباني في «الصحيحة» (٣٠٦٦).","vol":"5","page":454},{"text":"وسئل - ﷺ - عن رجل أوجب، فقال: «أعتِقُوا عنه». ذكره أحمد (^١). وقوله: «أوجَبَ» أي فعل ما يستوجب النار.\nوسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، قال: «كانوا يخذِفون أهلَ الطريق، ويسخَرون منهم. وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه». ذكره أحمد (^٢).\nوسئل - ﷺ -: أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نعم». قيل (^٣): أيكون بخيلًا؟ قال: «نعم». قيل: أيكون كذَّابًا؟ قال: «لا». ذكره مالك (^٤).\nوسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إنَّ لي ضرَّةً، فهل عليَّ جناحٌ إن تشبَّعتُ من زوجي غيرَ الذي يعطيني؟ فقال: «المتشبِّع بما لم يُعْطَ كلابسِ ثوبَيْ زُور». متفق عليه (^٥). وفي لفظ (^٦): أقول إن زوجي أعطاني ما لم يعطني.\n_________\n(^١) من حديث واثلة بن الأسقع (١٦٠١٢)، وقد سبق.\n(^٢) برقم (٢٦٨٩١) من حديث أم هانئ. ورواه الترمذي (٣١٩٠)، والطبراني (٢٤/رقم ١٠٠٠)، والحاكم (٢/ ٤٠٩). وفيه باذام مولى أم هانئ، ضعيف. والحديث ضعفه الحافظ في «الإتحاف» (١٨/ ١٥).\n(^٣) في خز: «قال» في موضع «قيل» هنا وفيما يأتي. وفي خك: «قالوا» هنا، ثم «قال». وفي النسخ المطبوعة: «قالوا» في الموضعين.\n(^٤) في «الموطأ» (٢/ ٩٩٠) عن صفوان بن سليم معضلًا. قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢٧/ ٣٥٤): لا أحفظ هذا الحديث مسندًا من وجه ثابت، وهو حديث حسن مرسل. وأعلَّه بالإرسال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (١/ ٤٧).\n(^٥) البخاري (٥٢١٩) ومسلم (٢١٣٠) من حديث أسماء، وقد سبق.\n(^٦) رواه مسلم (٢١٢٩) من حديث عائشة.","vol":"5","page":455},{"text":"وسأله - ﷺ - رجل، فقال: هل أكذب (^١) امرأتي؟ فقال: «لا خير في الكذب». فقال: يا رسول الله، أَعِدُها، وأقول لها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا جناح». ذكره مالك (^٢).\nوقال - ﷺ -: «اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل». فقيل له: كيف نتَّقيه، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ فقال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم». ذكره أحمد (^٣).\nوقال - ﷺ -: «إنَّ أخوَفَ ما أخاف على أمتي: الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء. يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جُزِيَ الناسُ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟». ذكره أحمد (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن الأخسرين أعمالًا يوم القيامة، فقال: «هم الأكثرون\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «أكذب على»، وزيادة «على» خطأ هنا.\n(^٢) في «الموطأ» (٢/ ٩٨٩) عن صفوان بن سليم، وهو معضل. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٦/ ٢٤٧): هذا الحديث لا أحفظه بهذا اللفظ عن النبي - ﷺ - مسندًا. وأعلَّه بالإرسال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٤٩).\n(^٣) برقم (١٩٦٠٦) من حديث أبي موسى. ورواه أيضًا الطبراني في «الأوسط» (٣٥٠٣). وفيه عبد الملك العرزمي، مجهول. وله شاهد عند أبي يعلى (٥٨) من طريق ليث، وهو ضعيف. انظر: «العلل للدارقطني» (١/ ١٩١، ١٤/ ١٩١)، و«العلل المتناهية» (٢/ ٨٢٤)، و«مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٢٧)، و«الإتحاف للبوصيري» (٦/ ٥١٢).\n(^٤) برقم (٢٦٣٦٠) من حديث محمود بن لبيد، وهو مختلف في صحبته. وله شاهد من حديث رافع، انظر: «الإتحاف» للحافظ (١٣/ ١٥٢) و«الصحيحة» (٩٥١).","vol":"5","page":456},{"text":"أموالًا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا (^١) ــ من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله ــ وقليلٌ ما هم» (^٢).\nولما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك عليهم، وقالوا: يا رسول الله، أيُّنا (^٣) لم يظلِمْ نفسَه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «ليس ذلك. إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]». متفق عليه (^٤).\nوخرج عليهم (^٥)، وهم يتذاكرون المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوَفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟». قالوا: بلى! قال: «الشرك الخفي (^٦): أن يقوم الرجل فيصلِّي، فيزيِّن صلاته لما يَرى من نظرِ رجلٍ آخر». ذكره ابن ماجه (^٧).\nوسئل رسول الله - ﷺ - عن طاعة الأمير الذي أمرَ أصحابَه، فجمعوا حطَبًا،\n_________\n(^١) زادوا بعده في النسخ المطبوعة: «إلى»، ولم ترد هذه الزيادة في «الصحيحين» ولا في النسخ الخطية.\n(^٢) رواه البخاري (٦٢٦٨) ومسلم (٩٩٠) من حديث أبي ذر.\n(^٣) ما عدا ز: «وأينا»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «الصحيحين» كما أثبت من ز.\n(^٤) البخاري (٣٤٢٩) ومسلم (١٢٧) من حديث ابن مسعود.\n(^٥) في المطبوع بعده زيادة: «رسول الله - ﷺ -».\n(^٦) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «قالوا: وما الشرك؟ قال». والظاهر أنه تصرف ناشر.\n(^٧) برقم (٤٢٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري. صححه الطبري في «مسند عمر» (٢/ ٧٩٤)، وحسنه البوصيري في «المصباح» (٢/ ٣٣٩). وانظر: «صحيح الترغيب» (٢٧).","vol":"5","page":457},{"text":"وأضرموه (^١) نارًا؛ وأمرَهم بالدخول فيها. فقال - ﷺ -: «لو دخلوها لما (^٢) خرجوا منها. إنما الطاعة في المعروف». وفي لفظ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». وفي لفظ: «مَن أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه» (^٣).\nفهذه فتوى عامة لكلِّ من أمره أميرٌ بمعصية الله كائنًا من كان، ولا تخصيص فيها البتة.\nولما قال - ﷺ -: «إن من أكبر الكبائر شتمَ الرجل والديه». سألوه: كيف يشتُم الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ أبا الرجل وأمَّه، فيسُبُّ أباه وأمَّه». متفق عليه (^٤).\nوللإمام أحمد (^٥): «إن أكبر الكبائر عقوق الوالدين». قيل: وما عقوق الوالدين؟ قال: «يسُبُّ أبا الرجل وأمَّه، فيسُبُّ أباه وأمَّه».\n[٢٥٩/أ] وهو صريح في اعتبار الذرائع، وطلب الشرع لسدِّها. وقد تقدمت شواهدُ هذه القاعدة بما فيه كفاية.\nوقال - ﷺ -: «ما تقولون في الزنا؟». فقالوا: حرام. فقال: «لَأَنْ يزنيَ الرجل بعَشْرِ نسوةٍ أيسَرُ عليه من أن يزني بامرأة جاره. ما تقولون في السرقة؟». قالوا: حرام. قال: «لَأَنْ يسرقَ الرجل من عشرة أبيات أيسَرُ من أن\n_________\n(^١) خك: «فأضرموه»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) خك: «ما»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) تقدم تخريج الحديث بألفاظه الثلاثة.\n(^٤) البخاري (٣١٤١) ومسلم (٩٠) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(^٥) برقم (٧٠٠٤) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه أيضًا أبو داود (٥١٤١)، والترمذي (١٩٠٢) وصححه. وأصله عند البخاري (٥٩٧٣) ومسلم (٩٠).","vol":"5","page":458},{"text":"يسرق من جاره (^١)». ذكره أحمد (^٢).\n\nوقال - ﷺ -: «أتدرون ما<span data-type=\"title\" id=toc-994> الغيبة</span>؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرُك أخاك بما يَكرَه». قيل: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه». ذكره مسلم (^٣).\nوللإمام أحمد ومالك (^٤): أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: ما الغيبة؟ فقال: «أن تذكر من المرء ما يَكرَه أن يسمَع». فقال: يا رسول الله، إن (^٥) كان حقًّا؟ فقال رسول الله: «إذا قلت باطلًا، فذلك البهتان».\n\nوسئل - ﷺ - عن<span data-type=\"title\" id=toc-995> الكبائر</span>، فقال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وقتل النفس (^٦)، والفرار يوم الزحف، ويمين الغَموس، وقتلُ الإنسان ولده خشية أن يطعم معه، والزنا بحليلة جاره، والسحر، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات». وهذا مجموع من أحاديث (^٧).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «من بيت جاره»، زادوا كلمة «بيت»!\n(^٢) برقم (٢٣٨٥٤) من حديث المقداد بن الأسود. ورواه أيضًا البخاري في «الأدب المفرد» (١٠٣) والطبراني (٢٠/ ٦٠٥). وفيه أبو ظبية الكلاعي، حسن الحديث. ووثق رجاله المنذري في «الترغيب» (٣/ ٣١٨)، والهيثمي (٨/ ١٧١). انظر: «الصحيحة» (٦٥).\n(^٣) برقم (٢٥٨٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) رواه مالك (٢/ ٩٨٧) من طريق مطلب بن عبد الله، وهو مرسل. أما الإمام أحمد فرواه (٨٩٨٥، ٩٠٠٩) عن أبي هريرة باللفظ الذي سبق آنفًا عن «صحيح مسلم».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «وإن»، وكذا في بعض نسخ «الموطأ»، وفي بعضها: «فإن».\n(^٦) في النسخ المطبوعة: «النفس التي حرَّم الله».\n(^٧) أما الشرك وقتل النفس والعقوق وقول الزور، فقد سبق من حديث أنس. وكذا سبق قتل الولد والزنا بحليلة الجار من حديث ابن مسعود. واليمين الغموس وردت في حديث عبد الله بن عمرو، رواه البخاري (٦٦٧٥). وسائر الكبائر المذكورة وردت مع غيرها في حديث أبي هريرة. رواه البخاري (٢٧٦٦) ومسلم (٨٩).","vol":"5","page":459},{"text":"فصل\nومن الكبائر: ترك الصلاة، ومنع الزكاة، وترك الحج مع الاستطاعة، والإفطار في رمضان بغير عذر، وشرب الخمر، والسرقة، والزنا، واللواط، والحكم بخلاف الحق، وأخذ الرِّشا (^١) على الأحكام، والكذب على النبي - ﷺ -، والقول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وجحود ما وصف به نفسه ووصفه به رسولُه، واعتقاد أن كلامه وكلام رسوله لا يستفاد منه يقين أصلًا، وأن ظاهر كلامه وكلام رسوله باطل وخطأ، بل كفر وتشبيه وضلال؛ وترك ما جاء به لمجرَّد قول غيره، وتقديم الخيال المسمَّى بالعقل والسياسة الظالمة والعوائد (^٢) الباطلة والآراء الفاسدة والأذواق (^٣) والكشوفات الشيطانية على ما جاء به، ووضعُ المكوس، وظلم الرعايا، والاستئثار بالفيء، والكبرُ، والفخر، والعُجب، والخيلاء، والرياء والسمعة، وتقديم خوفِ الخلق على خوف الخالق، ومحبتهِ على محبة الخالق، ورجائه على رجائه؛ وإرادةُ العلو في الأرض والفساد وإن لم ينل ذلك، ومسبَّةُ الصحابة، وقطع الطريق، وإقرار الرجل الفاحشة في أهله وهو يعلم، والمشي بالنميمة، وترك التنزه من البول، وتخنُّثُ الرجل، وترجُّلُ المرأة، ووصل شعر المرأة وطلبها ذلك، وطلب الوصل كبيرة، وفعله كبيرة،\n_________\n(^١) جمع الرشوة بكسر الراء، والضم لغة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «العقائد»، تحريف.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «الإدراكات»، تحريف.","vol":"5","page":460},{"text":"والوشم والاستيشام، والوشر والاستيشار، والنمص والتنمُّص (^١)، والطعن في النسب، وبراءة الرجل من أبيه، وبراءة الأب من ابنه، وإدخال المرأة على زوجها ولدًا من غيره، والنياحة، ولطم الخدود، وشقُّ الثياب، وحلق المرأة شعرها عند المصيبة بالموت وغيره، وتغيير منار الأرض وهو أعلامها، وقطيعة الرحم، والجور في الوصية، وحرمان الوارث حقَّه من الميراث، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والتحليل، واستحلال [٢٥٩/ب] المطلقة به، والتحيُّلُ على إسقاط ما أوجب الله، وتحليل ما حرَّم الله، وهو استباحة محارمه وإسقاط فرائضه بالحيل؛ وبيعُ الحُرِّ، وإباق المملوك من سيده، ونشوز المرأة على زوجها، وكتمان العلم عند الحاجة إلى إظهاره، وتعلُّمُ العلم للدنيا والمباهاة والجاه والعلو على الناس، والغدرُ، والفجور في الخصام، وإتيان المرأة في دبرها وفي محيضها، والمنُّ بالصدقة وغيرها من عمل الخير، وإساءة الظن بالله، واتهامه في أحكامه الكونية والدينية، والتكذيب بقضائه وقدره واستوائه على عرشه، وأنه القاهر فوق عباده، وأن رسوله (^٢) عُرِج به إليه، وأنه رفع المسيح إليه، وأنه يصعد إليه الكلم الطيب، وأنه كتب كتابًا فهو عنده على عرشه، وأن رحمته تغلب غضبه، وأنه ينزل كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطرُ الليل، فيقول: من يستغفرني فأغفر له؟ وأنه كلَّم موسى تكليمًا، وأنه تجلَّى للجبل فجعله دكًّا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأنه نادى آدم وحواء، ونادى موسى، وينادي نبيَّنا يوم القيامة، وأنه خلق آدم بيديه، وأنه يقبض سماواته بإحدى يديه والأرض باليد الأخرى يوم القيامة.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «والتنميص» ..\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «رسول الله - ﷺ -».","vol":"5","page":461},{"text":"فصل\nومنها: الاستماع إلى حديث قوم لا يحبُّون استماعه، وتخبيب المرأةِ على زوجها والعبدِ على سيده، وتصوير صور الحيوان سواء كان لها ظل أو لم يكن، وأن يري عينيه في المنام ما لم ترياه، وأخذ الربا وإعطاؤه والشهادة عليه وكتابته، وشرب الخمر وعصرها واعتصارها وحملها وبيعها وأكل ثمنها، ولعن من لم يستحقَّ اللعن، وإتيان الكهنة والمنجِّمين والعرافين والسحرة وتصديقهم والعمل بأقوالهم، والسجود لغير الله، والحلف بغيره كما قال (^١) - ﷺ -: «من حلَف بغير الله فقد أشرك» (^٢). وقد قصَّر ما شاء أن يقصِّر من قال: إن ذلك مكروه! وصاحبُ الشرع يجعله شركًا، فرتبته فوق رتبة الكبائر. واتخاذُ القبور مساجد، وجعلُها أوثانًا وأعيادًا يسجدون لها تارة، ويصلُّون إليها تارة، ويطوفون بها تارة، ويعتقدون أن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في بيوت الله التي شُرِع أن يُدعَى فيها ويُعبَد، ويصلَّى له ويُسْجَد.\nومنها: معاداة أولياء الله، وإسبال الثياب من الإزار والسراويل والعمامة\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «قال النبي». وفي ب: «قال رسول الله».\n(^٢) من حديث ابن عمر. رواه أحمد (٥٣٧٥) وأبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) وحسنه. وأعلَّه بالانقطاع الطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/ ٣٠٠)، والبيهقي (١٠/ ٢٩). ولكن صحح الحديث ابن حبان (٤٣٥٨)، والحاكم (١/ ١٨)، وشيخ الإسلام في «المستدرك على الفتاوى» (١/ ٢٨)، والمؤلف في «الوابل الصيب» (١٨٩)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٩)، وابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ٤٣١)، والألباني في «الصحيحة» (٢٠٤٢).","vol":"5","page":462},{"text":"وغيرها، والتبختر في المشي، واتباع الهوى (^١) وطاعة الشح، والإعجاب بالنفس، وإضاعة من تلزمه مؤنتُه ونفقتُه من أقاربه وزوجته ورقيقه ومماليكه، والذبح لغير الله، وهجر أخيه المسلم سَنَةً، كما في «صحيح الحاكم» (^٢) من حديث أبي خراش السُّلَمي (^٣) عن النبي - ﷺ -: «مَن هجَر أخاه سنةً، فهو كقتله». وأما هجره فوق ثلاثة أيام، فيحتمل أنه من الكبائر، ويحتمل أنه دونها. والله أعلم.\nومنها: الشفاعة في إسقاط حدود الله، لحديث ابن عمر يرفعه: «من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله، فقد ضادَّ الله في أمره». رواه أحمد وغيره بإسناد جيد (^٤).\n_________\n(^١) زيد بعده في النسخ المطبوعة خطأ: «وطاعة الهوى».\n(^٢) (٤/ ١٦٣) من حديث أبي خراش السلمي. ورواه أيضًا أحمد (١٧٩٣٥) وأبو داود ٤٩١٥). صححه الحاكم، والنووي في «رياض الصالحين» (٥١٥)، والعراقي في «تخرج الإحياء» (٢/ ٢٢٣)، والحافظ في «الإصابة» (١/ ٣١٦)، والألباني في «الصحيحة» (٩٢٨).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «الهذلي السلمي»، وكذا في خك. وزيادة «الهذلي» خطأ محض، فإن أبا خراش الهذلي الشاعر المخضرم غير أبي خراش المذكور هنا. وهو حدرد بن أبي حدرد الأسلمي. واسم أبي حدرد سلامة بن عمير بن أبي سلامة بن سعد بن مُسَاب بن الحارث بن عبس بن هوازن بن أسلم. وأخو حدرد عبد الله بن أبي حدرد، وأخته أم الدرداء الكبرى خيرة بنت أبي حدرد، وابن أخيه القعقاع بن عبد الله= كلهم من الصحابة. وأخشى أن تكون نسبة «السلمي» أيضًا وهمًا قديمًا. انظر: «نسب معد واليمن الكبير» (٢/ ٤٦٠) و«جمهرة أنساب العرب» ابن حزم (ص ٢٤١).\n(^٤) رواه أحمد (٥٣٨٥) وأبو داود (٣٥٩٧) من حديث عبد الله بن عمر. وإسناده حسن، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٢٧)، وابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٥٨)، والألباني في «الصحيحة» (٤٣٧).","vol":"5","page":463},{"text":"ومنها: تكلُّم الرجل بالكلمة من سَخَط الله، لا يُلقي لها بالًا.\nومنها: أن يدعو إلى بدعة أو ضلالة أو تركِ سنَّة. بل هذا من أكبر الكبائر، وهو مضادَّةٌ لرسول الله - ﷺ -.\nومنها: ما رواه الحاكم [٢٦٠/أ] في «صحيحه» (^١) من حديث المستورد بن شداد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أكل بمسلم أكلةً أطعمه الله بها أكلةً من نار جهنم يوم القيامة. ومن قام بمسلم مقامَ سُمْعةٍ أقامه الله يوم القيامة مقامَ رياء وسمعة. ومن اكتسى بمسلم ثوبًا كساه الله ثوبًا من نار يوم القيامة».\nومعنى الحديث أنه توصَّل إلى ذلك وتوسَّل إليه بأذى أخيه المسلم، من كذبٍ عليه، أو سخريةٍ به (^٢)، أو همزه، أو لمزه، وعيبه (^٣)، والطعن عليه، والازدراء به، والشهادة عليه بالزور، والنَّيل من عرضه عند عدوه، ونحو ذلك مما كثيرٌ من الناس واقعٌ في وسطه، والله المستعان.\n_________\n(^١) (٤/ ١٢٧). ورواه أيضًا أحمد (١٨٠١١) وأبو يعلى (٦٨٥٨). وفيه ابن جريج، وقد عنعن. وفيه وقاص بن ربيعة، لم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ورواه أبو داود (٤٨٨١) من طريق بقية، وقد عنعن، وفيه وقاص أيضًا. ورواه ابن المبارك في «الزهد» (٧٠٧) مرسلًا. وصححه الألباني بمجموع الطرق في «الصحيحة» (٩٣٤).\n(^٢) «به» من ز. ويقرأ ما في غيرها: «أو سَخَرٍ به».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «همزة أو لمزة أو غيبة»، تصحيف.","vol":"5","page":464},{"text":"ومنها: التبجُّح والافتخار بالمعصية بين أصحابه وأشكاله، وهو الإجهار الذي لا يعافي الله صاحبه، وإن عافى مَن ستَرَ نفسَه.\nومنها: أن يكون له وجهان ولسانان، فيأتي القومَ بوجه ولسان، ويأتي غيرَهم بوجه ولسان آخر.\nومنها: أن يكون فاحشًا بذيئًا يتركه الناس ويحذَرونه اتقاءَ فُحْشِه.\nومنها: مخاصمة الرجل في باطل يعلم أنه باطل، ودعواه ما ليس له وهو يعلم أنه ليس له.\nومنها: أن يدعي أنه من آل بيت رسول الله - ﷺ - وليس منهم، أو يدعي أنه ابن فلان وليس بابنه. وفي «الصحيحين» (^١): «من ادَّعى إلى غير أبيه، فالجنَّةُ عليه حرام».\nوفيهما (^٢) أيضًا: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كافر».\nوفيهما (^٣) أيضًا: «ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفَر (^٤). ومن ادَّعى ما ليس له فليس منَّا، وَلْيتبوَّأ مقعده من النار. ومن دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدوُّ الله، وليس كذلك= إلا حارَ عليه (^٥)».\n_________\n(^١) البخاري (٤٣٢٦) ومسلم (٦٣) من حديث سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة.\n(^٢) البخاري (٦٧٦٨) ومسلم (٦٢) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) البخاري (٣٥٠٨، ٦٠٤٥) ومسلم (٦١) من حديث أبي ذر.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «وقد كفر». وفي «الصحيحين» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٥) في طرّة ز: «يعني: رجع عليه».","vol":"5","page":465},{"text":"فمن الكبائر: تكفير من لم يكفِّره الله ورسوله. وإذا كان النبي - ﷺ - قد أمر بقتال الخوارج، وأخبر أنهم شرُّ قتلى تحت أديم السماء، وأنهم يمرُقون من الإسلام كما يمرُق السَّهمُ من الرَّمِيَّة، ودينُهم تكفيرُ المسلمين بالذنوب= فكيف مَن كفَّرهم بالسنَّة (^١) ومخالفة آراء الرجال لها، وتحكيمها والتحاكم إليها؟\nومنها: أن يُحدِث حدثًا في الإسلام، أو يؤوي مُحْدِثًا وينصره ويعينه (^٢).\nوفي «الصحيحين» (^٣): «من أحدثَ حدَثًا أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا».\nومن أعظم الحدث: تعطيل كتاب الله وسنة رسوله، وإحداث ما خالفهما، ونصرُ من أحدث ذلك والذَّبُّ عنه، ومعاداة من دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nومنها: إحلال شعائر الله في الحرم والإحرام، كقتل الصيد واستحلال القتال في حرم الله.\nومنها: لبس الحرير والذهب للرجال، واستعمال أواني الذهب والفضة للرجال.\n_________\n(^١) أي بسبب اتباعهم السنة.\n(^٢) ز: «أو يعينه».\n(^٣) البخاري (١٨٧٠) ومسلم (١٣٧٠) من حديث علي بن أبي طالب.","vol":"5","page":466},{"text":"وقد صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الطِّيَرة شرك» (^١)، فيحتمل أن تكون (^٢) من الكبائر ويحتمل (^٣) أن تكون دونها.\nومنها: الغلول من الغنيمة.\nومنها: غشُّ الإمام والوالي الرعيَّةَ (^٤).\nومنها: أن يتزوج ذاتَ مَحْرَم (^٥) منه، أو يقع على بهيمة.\nومنها: المكر بأخيه المسلم ومخادعته ومضارَرَته (^٦). وقد قال - ﷺ -: «ملعونٌ من مكَر بمسلم أو ضارَّ به» (^٧).\nومنها: الاستهانة بالمصحف وإهدار حرمته، كما يفعله من لا يعتقد أن فيه كلام الله تعالى، من وَطْئه [٢٦٠/ب] برجله ونحو ذلك.\nومنها: أن يُضِلَّ أعمى عن الطريق. وقد لعن رسول الله - ﷺ - من فعل ذلك (^٨)، فكيف بمن أضلَّ عن طريق الله أو صراطه المستقيم؟\n_________\n(^١) رواه أحمد (٣٦٨٧)، وأبو داود (٣٩١٠)، والترمذي (١٦١٤)، وابن ماجه (٣٥٣٨)، من حديث ابن مسعود. صححه الترمذي، وابن حبان (٦١٢٢)، والحاكم (١/ ١٧)، وابن دقيق العيد في «الاقتراح» (١٢٥). وانظر: «الصحيحة» (٤٢٩).\n(^٢) خز، خك: «يكون» هنا وفي الجملة التالية، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٣) «يحتمل» ساقط من النسخ المطبوعة، وكذا من خك.\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «لرعيته»، والظاهر أنه تصرف من بعض الناشرين.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «ذات رحم محرم» بزيادة «رحم»!\n(^٦) كذا في جميع النسخ بفكّ الإدغام. وفي النسخ المطبوعة: «مضارته».\n(^٧) تقدم تخريجه.\n(^٨) رواه أحمد (٢٩١٣)، وأبو يعلى (٢٥٣٩)، وابن حبان (٤٤١٨) من حديث ابن عباس. وإسناده صحيح، وثَّق رجاله الهيثمي (١/ ١٠٨)، وصححه أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٤/ ٣٢٧)، والألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٦٨٥).","vol":"5","page":467},{"text":"ومنها: أن يسِمَ إنسانًا أو دابةً في وجهها. وقد لعن رسول الله - ﷺ - مَن فعل ذلك (^١).\nومنها: أن يحمل السلاح (^٢) على أخيه المسلم، فإن الملائكة تلعنه (^٣).\nومنها: أن يقول ما لا يفعل. قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣].\nومنها: الجدال في كتاب الله ودينه بغير علم.\nومنها: إساءة المَلَكة برقيقه. في الحديث: «لا يدخل الجنةَ سيِّئُ المَلكة» (^٤).\nومنها: أن يمنع المحتاجَ فضلَ ما لا يحتاج إليه، مما لم تعمل يداه.\nومنها: القمار. وأما اللعب بالنَّرْد فهو من الكبائر، لتشبيه لاعبه بمن صبَغ يدَه في لحم الخنزير ودمه؛ ولا سيَّما إذا أكل المالَ به، فحينئذ يتمُّ التشبيه (^٥)،\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢١١٦) من حديث جابر.\n(^٢) ز، ب: «بالسلاح»، فإن صحَّ فلعل المؤلف سبق إلى خاطره معنى الإشارة بالسلاح.\n(^٣) رواه مسلم (٢٦١٦) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) رواه أحمد (٣١)، والترمذي (١٩٤٦)، وابن ماجه (٣٦٩١)، من حديث أبي بكر الصديق. وفيه فرقد، ضعيف. ورواه عبد الرزاق (٢٠٩٩٣) من طريق فرقد مرسلًا. والحديث ضعفه الترمذي.\n(^٥) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «به». ولعلها كانت مستدركة في طرة بعض النسخ فأخطأ الناقل موضعَها، كما في خك. وموضعها الصحيح بعد لفظ «المال» فيما يأتي.","vol":"5","page":468},{"text":"فإنَّ اللَّعِبَ بمنزلة غمس اليد، وأكلَ المال به (^١) بمنزلة أكل لحم الخنزير.\nومنها: ترك الصلاة في الجماعة، وهو من الكبائر. وقد عزم رسول الله - ﷺ - على تحريق المتخلِّفين عنها، ولم يكن ليحرِّق مرتكبَ صغيرة. وقد صحَّ عن ابن مسعود أنه قال: ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الجماعة إلا منافق معلومٌ نفاقُه (^٢). وهذا فوق الكبيرة.\nومنها: تركُ الجمعة. وفي «صحيح مسلم» (^٣): «لَينتهيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجمعاتِ، أو لَيَخْتِمُ (^٤) الله على قلوبهم، ثم لَيكونُنَّ من الغافلين».\nوفي «السنن» بإسناد جيد (^٥): «من ترك ثلاثَ جُمَعٍ تهاوُنًا طبَع الله على قلبه» (^٦).\n_________\n(^١) «به» ساقط من خز، وكذا من النسخ المطبوعة.\n(^٢) ب: «معلوم النفاق»، وكذا في النسخ المطبوعة و«صحيح مسلم» (٦٥٤). وفي خز، خك: «النفاقه»، وكأنه تحريف سماعي.\n(^٣) برقم (٨٦٥) من حديث ابن عمر وأبي هريرة - ﵁ -.\n(^٤) كذا في النسخ الخطية و«المعجم الأوسط» للطبراني (٤٠٦). وفي «الصحيح» وغيره: «ليختمنَّ». وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٥) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «عن النبي - ﷺ - قال».\n(^٦) رواه أحمد (١٥٤٩٨)، وأبو داود (١٠٥٢)، والترمذي (٥٠٠)، والنسائي (١٣٦٩)، وابن ماجه (١٢٢٥)، من حديث أبي الجعد الضمري. صححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٤/ ٥٨٣)، والألباني في «صحيح الترغيب» (٧٢٧). وانظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٥٢).","vol":"5","page":469},{"text":"ومنها: أن يقطع ميراث وارثه من تركته، أو يدلَّه على ذلك، ويعلِّمَه من الحيل ما يُخرجه به من الميراث.\nومنها: الغلو في المخلوق حتى يتعدَّى به منزلته. وهذا قد يرتقي من الكبيرة إلى الشرك. وقد صحَّ عنه (^١) - ﷺ - أنه قال: «إياكم والغلوَّ، فإنما (^٢) هلك من كان قبلكم بالغلو» (^٣).\nومنها: الحسد. وفي «السنن»: أنه يأكل الحسنات كما تأكل النارُ الحطَب (^٤).\nومنها: المرور بين يدي المصلي. ولو كان صغيرةً لم يأمر النبي - ﷺ - بقتال فاعله، ولم يجعل وقوفه عن حوائجه ومصالحه أربعين عامًا ــ كما في «مسند البزار» (^٥) ــ خيرًا له من مروره بين يديه (^٦). والله أعلم.\n_________\n(^١) ب، خز: «عن النبي». حك: «عن رسول الله»، وكذا في النسخ المطبوعة.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «وإنما»، وكذا في خك.\n(^٣) رواه أحمد (١٨٥١)، والنسائي (٣٠٥٧)، وابن ماجه (٣٠٢٩)، من حديث عبد الله بن عباس. وإسناده صحيح، صححه ابن حبان (٣٨٧١)، والحاكم (١/ ٤٦٦)، وشيخ الإسلام في «اقتضاء الصراط» (١/ ٣٢٧)، والألباني في «الصحيحة» (١٢٨٣).\n(^٤) رواه أبو داود (٤٩٠٣) من حديث أبي هريرة، من طريق إبراهيم بن أبي أسيد عن جده، وجده مجهول. ورواه ابن ماجه (٤٢١٠) من طريق عيسى بن أبي عيسى، وهو ضعيف. وانظر للشواهد والكلام عليها: «الضعيفة» (١٩٠١، ١٩٠٢).\n(^٥) رواه البزار (٩/ ٢٣٩) من حديث زيد بن خالد الجهني، وهو خطأ. انظر لشذوذه: «نصب الراية» (٢/ ٧٩)، و«التلخيص الحبير» (١/ ٦٨٢)، و«الضعيفة» (٦٩١١). وأصل الحديث عند البخاري (٥٠٩) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٦) العبارة السابقة «كما في مسند البزار» وضعت في ب هنا، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":470},{"text":"وهذا (^١)<span data-type=\"title\" id=toc-998> فصل مستطرد من فتاويه - ﷺ </span>-، فارجع إليها\nوسئل - ﷺ - عن الهجرة، فقال: «إذا أقمتَ الصلاة وآتيتَ الزكاة، فأنت مهاجِر، وإن مُتَّ بالحَضرَمة»، يعني: أرضًا باليمامة. ذكره أحمد (^٢).\nوسأله - ﷺ - عبد الله بن حَوالة أن يختار له بلادًا يسكنها، فقال: «عليك بالشام، فإنها خِيرَةُ الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده. فإن أبيتم فعليكم بيَمَنِكم، واسقُوا من غُدُرِكم؛ فإن الله توكَّلَ لي بالشام وأهله». ذكره أبو داود بإسناد صحيح (^٣).\nوسأله معاوية بن حَيْدة جدُّ بَهْز بن حكيم، فقال: يا رسول الله أين تأمرني؟ قال: «هاهنا»، ونحا بيده نحو الشام. ذكره الترمذي وصححه (^٤).\nوسألته - ﷺ - اليهود عن الرعد: ما هو؟ فقال: «ملَك من الملائكة موكَّلٌ بالسحاب، معه مخاريقُ من نار يسوقه به (^٥) حيث شاء الله». قالوا: فما هذا\n_________\n(^١) حذف «وهذا» في النسخ المطبوعة.\n(^٢) (٦٨٩٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وقد تقدم.\n(^٣) برقم (٢٤٨٣). ورواه أيضًا أحمد (١٧٠٠٥) من طريق بقية، وقد صرح بالسماع. وله متابعات رواها أحمد (٢٠٣٥٦)، وابن حبان (٧٣٠٦)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١١١٤)، والحاكم (٤/ ٥١٠). وصححه الذهبي في «تاريخ الإسلام» (١/ ٣٧٨)، والمؤلف كما ترى، والألباني في «فضائل الشام ودمشق» (٩). وقال ابن رجب في «فضائل الشام» (٣/ ١٨١): له طرق كثيرة.\n(^٤) برقم (٢١٩٢ م). ورواه أيضًا أحمد (٢٠٠٣١)، والنسائي في «الكبرى» (١١٣٦٧). صححه الترمذي، والحاكم (٤/ ٥٦٤)، والألباني في «فضائل الشام ودمشق» (١٣).\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وهو يناسب لفظ أحمد: «مخراق». وفي «جامع الترمذي»: «بها» يعني: بالمخاريق.","vol":"5","page":471},{"text":"الصوت الذي نسمَع؟ قال: «زَجْرُه (^١) السحابَ حتى تنتهي حيث أُمِرَتْ». قالوا: صدقتَ. ثم قالوا: فأخبِرنا عما حرَّم إسرائيلُ على نفسه. قال: «اشتكى عِرْقَ النَّسَا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا لحومَ الإبل [٢٦١/أ] وألبانَها، فلذلك حرَّمها على نفسه». قالوا: صدقتَ. ذكره الترمذي وحسَّنه (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: «إن الله لم يلعن قومًا قطُّ فمسَخهم، فكان لهم نسلٌ، حتى يهلكهم؛ ولكن هذا خلقٌ كان، فلما غضب الله على اليهود مسَخَهم [و] (^٣) جعَلَهم مثلهم» ذكره أحمد (^٤).\nوقال: «فيكم المغرِّبون». قالت (^٥) عائشة: وما المغرِّبون؟ قال: «الذين\n_________\n(^١) يعني: زجر الملك للسحاب. وفي ز: «زجرة».\n(^٢) (٣١٢٨) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا أحمد (٢٤٨٣)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠٢٤). إسناده فيه لين، وقصة الرعد منكرة، وأصل الحديث ثابت دونها من وجه آخر. انظر: تعليق محققي «المسند». ولقصة الرعد شاهد مرفوع من حديث جابر عند الطبراني في «الأوسط» (٧٧٣١)، ولكنه خبر باطل كما قال الحافظ في «اللسان» (٨/ ٥٦٩).\n(^٣) من «المسند» (٣٧٦٨) وفي المواضع الأخرى: «فجعلهم». وفي الطبعات القديمة: «فلما كتب الله على اليهود مَسْخَهم جعلهم»، وضعوا «كتب» مكان «غضب» لإقامة العبارة. وفي المطبوع: «فلما غضب ... مَسْخَهم جعلهم»!\n(^٤) برقم (٣٧٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ورواه أيضًا أبو يعلى (٥٣١٤)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٣٢٧٢). وفيه أبو الأعين، ضعيف. والحديث ضعفه أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٥/ ٢٨١، ٦/ ٤١). وأصل الحديث عند مسلم (٢٦٦٣).\n(^٥) خك: «فقالت»، وكذا في النسخ المطبوعة.","vol":"5","page":472},{"text":"يشترك فيهم الجن» ذكره أبو داود (^١). وهذا من مشاركة الشيطان (^٢) للإنس في الأولاد. وسُمُّوا «مغرِّبين» لبعد أنسابهم وانقطاعهم عن أصولهم. ومنه قولهم: «عنقاء مُغْرِب» (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل، فقال: أين أتَّزر؟ فأشار إلى عظم ساقه، وقال: «هاهنا اتَّزِرْ. فإن أبيت (^٤)، فهاهنا أسفلَ من ذلك. فإن أبيت فهاهنا فوق الكعبين. فإن أبيت فإنَّ الله لا يحبُّ كلَّ مختال فخور». ذكره أحمد (^٥).\nوسأله - ﷺ - أبو بكر الصديق - ﵁ -، فقال: إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهَده. فقال: «إنك لستَ ممن يفعله خُيَلاء». ذكره البخاري (^٦).\nوقال: «من جرَّ إزاره خيلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يُرْخِين شبرًا». فقالت: إذن تنكشفَ أقدامهن. قال: «يُرخين ذراعًا، لا يزدن عليه» (^٧).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٥١٠٧) من حديث عائشة. وفيه عنعنةُ ابن جريج، وضعفُ أبيه، وجهالةُ أم حميد.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «الشياطين».\n(^٣) انظر: «معالم السنن» (٤/ ١٤٦).\n(^٤) في ز: «قال أبيت قال»، و«قال» الثانية كتبت بحرف صغير فوق تاء «أبيت». والظاهر أن «قال» الأولى سبق قلم أو تصحيف «فإن»، فزيدت «قال» الثانية لإصلاح العبارة. وكذا في خز والنسخ المطبوعة.\n(^٥) (١٥٩٥٥)، وقد تقدم.\n(^٦) برقم (٣٦٦٥).\n(^٧) رواه مالك (٢/ ٩١٥) وأبو داود (٤١١٧) من حديث أم سلمة. صححه ابن حبان (٥٤٥١). ورواه أحمد (٢٦٥١١)، وأبو داود (٤١١٨)، والنسائي (٥٣٣٩)، وابن ماجه (٣٥٨٠). صححه أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٧/ ٧). وانظر: «فتح الباري» (١٠/ ٢٧٠).","vol":"5","page":473},{"text":"وسألته - ﷺ - امرأة، فقالت: إن ابنتي أصابتها الحَصْبةُ، فامَّرَقَ (^١) شَعرُها، أفأصِل فيه؟ فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة». متفق عليه (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن إتيان الكهان، قال: «فلا تأتهم (^٣)» (^٤).\nوسئل - ﷺ - عن الطيرة، قال: «ذلك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصُدَّنَّهم» (^٥).\nوسئل - ﷺ - عن الخط، فقال: «كان نبيٌّ من الأنبياء يخُطُّ، فمن وافق خطَّه فذاك» (^٦).\nوسئل - ﷺ - عن الكهان أيضًا، فقال: «ليسوا بشيء». فقال (^٧): إنهم\n_________\n(^١) تمرَّق الشعر وامَّرَق: تناثر وسقط عن مرض أو غيره. وكذا في النسخ و«صحيح البخاري» (٥٩٤١). وفي النسخ المطبوعة: «فتمزَّق»، وعلَّق محقق المطبوع: «في (ك): «فامزق» بدل «فتمزق»، والمثبت من سائر الأصول ومصادر التخريج». قلت: «فامزق»، تصحيف، ولعل نقطة الزاي كانت علامة الإهمال في بعض النسخ، فصحفها بعضهم.\n(^٢) البخاري (٥٩٤١) ومسلم (٢١٢٣) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) خز، خك: «لا تأتهم». وفي ب: «فقال: لا تأتهم». والمثبت من ز، وكذا في «الصحيح».\n(^٤) رواه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السُلَمي.\n(^٥) من الحديث السابق. وفي النسخ المطبوعة: «فلا يردنَّهم». وفي «الصحيح» كما أثبت من النسخ الخطية.\n(^٦) من الحديث السابق.\n(^٧) يعني السائل. وقد زيدت كلمة «السائل» هنا في ب والنسخ المطبوعة.","vol":"5","page":474},{"text":"يحدِّثونا (^١) أحيانًا بالشيء، فيكون. فقال: «تلك الكلمة من الحقِّ، يخطَفها الجنِّيُّ، فيقذفها في أذن وليِّه (^٢)، فيخلِطون معها مائة كذبة». متفق عليه (^٣).\nوسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، فقال: «هي الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح أو تُرَى له». ذكره أحمد (^٤).\nوسألته - ﷺ - خديجة عن ورَقة بن نوفل، فقالت: إنه كان صدَّقك، ومات قبل أن تظهر. فقال: «أُرِيتُه في المنام وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك» (^٥).\nوسأله - ﷺ - رجل رأى في المنام كأنَّ رأسَه ضُرِبَ، فتدَحْرَج؛ فاشتدَّ في أثره. فقال: «لا تحدِّثْ (^٦) بتلعُّبِ الشيطان بك في منامك». ذكره مسلم (^٧).\nوسألته - ﷺ - أمُّ العلاء، فقالت: رأيت لعثمان بن مظعون عينًا تجري.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «يحدثوننا». وفي «صحيح البخاري» (٥٧٦٢) كما أثبت من النسخ.\n(^٢) زادوا بعده في النسخ المطبوعة: «من الإنس».\n(^٣) البخاري (٥٧٦٢) ومسلم (٢٢٢٨) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٤) برقم (٢٢٦٨٨) من حديث عبادة بن الصامت، وقد تقدم.\n(^٥) رواه أحمد (٢٤٣٦٧) من حديث عائشة - ﵂ -. وفيه ابن لهيعة، فيه لين. ورواه الترمذي (٢٢٨٨)، وفيه عثمان بن عبد الرحمن، ضعيف.\n(^٦) في النسخ المطبوعة بعده: «الناسَ»، وكذا في «الصحيح» (٢٢٦٨/ ١٥).\n(^٧) برقم (٢٢٦٨) من حديث جابر.","vol":"5","page":475},{"text":"يعني: بعد موته. فقال: «ذاك عمله يجري له» (^١).\nوذكر أبو داود (^٢) أن معاذًا سأله، فقال: بم أقضي؟ قال: «بكتاب الله». قال: فإن لم أجد؟ قال: «فبسنَّة رسول الله - ﷺ -». قال: فإن لم أجد؟ قال: «استَدِقَّ الدنيا، وعظِّم في عينك ما عند الله، واجتهِدْ رأيك، فسيسدُّدك الله بالحق»، وقوله: «استدقَّ الدنيا» أي: استَصْغِرْها، واحتَقِرْها.\n[٢٦١/ب] وسأله - ﷺ - دحية الكلبي، فقال: ألا أحمل لك حمارًا على فرس، فتُنْتَجَ لك بغلًا، فتركبَها؟ فقال: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون». ذكره أحمد (^٣).\nولما نزل التشديد في أكل مال اليتيم عزلوا طعامَهم من طعام الأيتام وشرابَهم من شرابهم، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم (^٤).\nوسألته - ﷺ - عائشة - ﵂ - عن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم (٧٠١٨).\n(^٢) برقم (٣٥٩٢) باللفظ المشهور، وقد تقدم. أما هذا اللفظ الوارد هنا فنقله المؤلف مع تفسيره من «جامع الأصول» (١٠/ ١٧٧) وقد أحال ابن الأثير على أبي داود، ولكن لا يوجد في المطبوع من «سننه».\n(^٣) رواه أحمد (١٨٧٩٣) من حديث دحية الكلبي. وهو منقطع بين الشعبي وبينه. ورواه أبو داود (٢٥٦٥) والنسائي (٣٥٨٠). وإسناده صحيح، صححه ابن حبان (٤٦٦٣) والنووي في «المجموع» (٦/ ١٧٨)، والحافظ في «تخرج المشكاة» (٤/ ٣٥).\n(^٤) تقدَّم تخريجه.","vol":"5","page":476},{"text":"مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (^١) [آل عمران: ٧] فقال: «إذا رأيتم الذين يتَّبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى الله، فاحذروهم». متفق عليه (^٢).\nوسئل - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]. فقال: «كانوا يُسمُّون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قومهم» (^٣).\nوفي الترمذي (^٤) أنه سئل - ﷺ - عن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] كم كانت الزيادة؟ قال: «عشرون ألفًا».\nوسأله - ﷺ - أبو ثعلبة عن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٥]. قال (^٥): «ائتمروا بالمعروف، وانتهُوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شحًّا مطاعًا، وهوًى متَّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بنفسك، ودع عنك العوامَّ؛ فإنَّ من ورائكم أيامَ الصبر، الصبرُ فيهن مثلُ القبض على الجمر، للعامل فيهن مثلُ أجر خمسين يعملون مثل\n_________\n(^١) في ب، خك زيادة: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «الصحيحين» إلى آخر الآية.\n(^٢) البخاري (٤٥٤٧) ومسلم (٢٦٦٥).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) برقم (٣٢٢٩) من حديث أبيّ بن كعب. ورواه أيضًا الطبري (١٠/ ٥٣٢). وفيه رجل عن أبي العالية، والرجل مبهم. قال الترمذي: حديث غريب. وضعَّف إسناده الألباني في «ضعيف سنن الترمذي» (١/ ٤٠٧).\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «فقال».","vol":"5","page":477},{"text":"عملكم». ذكره أبو داود (^١).\nوسئل - ﷺ -: متى وجبت لك النبوة؟ فقال: «وآدم بين الروح والجسد». صحَّحه الترمذي (^٢).\nوسئل - ﷺ -: ما كان بدء أمرك؟ فقال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى. ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصورَ الشام». ذكره أحمد (^٣).\nوسأله - ﷺ - أبو هريرة: يا رسول الله، ما أولُ ما رأيتَ من النبوة؟ فقال: «إنِّي لفي صحراءَ (^٤) ابنُ عشرين سنةً (^٥) وأشهُر، وإذا بكلامٍ فوق رأسي، وإذا\n_________\n(^١) برقم (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨) وصححه، وابن حبان (٣٨٥) من حديث أبي ثعلبة الخشني. ورواه ابن ماجه (٤٠٤١) والبيهقي (١٠/ ٩١)، وفيه عتبة بن أبي حكيم، وهو مختلف فيه. انظر: «الصحيحة» (٩٥٧).\n(^٢) برقم (٣٦٠٩) عن أبي هريرة، وقد تقدم. وقد وقع في بعض نسخ «جامع الترمذي» المطبوعة: «هذا حديث حسن غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه». ولكن وقع في نسخة الكروخي الخطية (ق ٢٤٦): «هذا حديث حسن صحيح غريب ...»، وكذلك في طبعتي مكتبة المعارف ودار الصديق.\n(^٣) برقم (٢٢٢٦١) من حديث أبي أمامة. ورواه أيضًا الطيالسي (١٢٣٦) وابن سعد (١/ ١٠٢) في «الطبقات». وفيه الفرج بن فضالة، ضعيف. وحسنه الهيثمي (٨/ ٢٢٢)، وقال: له شواهد تقويه. وحسنه شيخ الإسلام في «الرد على البكري» (٦١)، وابن كثير في «البداية» (٢/ ٢٩٩). وانظر للشواهد: «الصحيحة» (٣٧٣، ١٥٤٦).\n(^٤) في النسخ المطبوعة: «الصحراء».\n(^٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وكذا نقل السيوطي في «الدر المنثور» (١٥/ ٤٩٦) من زوائد عبد الله بن أحمد في «المسند»، وفي بعض نسخ «الدر»: «زوائد الزهد»، ولم أجده فيه. وقد غُيِّر في متن طبعة هجَر إلى «عشر سنين» كما في «مصدر التخريج» خلافًا لجميع نسخ الكتاب! والحديث في «زوائد المسند» كما سيأتي في تخريجه، لكن في المطبوع منه أيضًا: «عشر سنين» دون إشارة إلى خلاف في النسخ.","vol":"5","page":478},{"text":"برجلٍ يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلقٍ (^١) قطُّ، وأرواحٍ لم أجدها لخلقٍ قطُّ، وثيابٍ لم أرها على أحدٍ (^٢) قطُّ. فأقبلا يمشيان حتى أخذ كلٌّ منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسًّا. فقال أحدهما لصاحبه: أضجِعْه، فأضجعاني بلا قَصْر ولا هَصْر (^٣). فقال أحدهما لصاحبه: افلِقْ صدرَه، فحوى أحدُهما صدري (^٤)، ففلَقه فيما أرى بلا دم ولا وجع. فقال له: أخرِج الغِلَّ والحسدَ، فأخرج شيئًا كهيئة العَلَقة، ثم نبَذها، فطرَحها. فقال (^٥) له: أدخِل الرأفة والرحمة، فإذا مثلُ الذي أخرَج شبهُ الفضة. ثم هزَّ إبهام رجلي اليمنى، فقال: اغدُ سليمًا! فرجعتُ بها رقّةً على الصغير، ورحمةً على الكبير». ذكره أحمد (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: «لأحد».\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «خلق».\n(^٣) يعني: من غير حبس وقهر ولا كسر وإمالة.\n(^٤) كذا في النسخ. وفي «المسند»: «فهوى أحدهما إلى صدري».\n(^٥) في النسخ المطبوعة: «ثم قال»، وكذا في خك.\n(^٦) بل هو من زيادات ابنه عبد الله من حديث أُبيّ بن كعب برقم (٢١٢٦١). ورواه الضياء المقدسي (١٢٦٤)، وابن عساكر (١/ ٣٧٥)، من طريق معاذ بن محمد عن أبيه عن جده، وهم مجاهيل .. ورواه ابن حبان (٧١٥٥) والحاكم (٣/ ٥١٠) مختصرًا من طريق محمد بن معاذ. وحسَّنه البوصيري في «الإتحاف» (٧/ ١٥)، وضعَّفه الألباني في «الصحيحة» (٤/ ٦٠، ١٥٤٥).","vol":"5","page":479},{"text":"وسئل - ﷺ -: أي الناس خير؟ قال: «القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث». ذكره مسلم (^١).\nوسئل - ﷺ - عن أحبِّ الناس (^٢) إليه، فقال: «عائشة». فقيل: من (^٣) الرجال؟ فقال: «أبوها». فقيل: ثم من؟ قال: «عمر بن الخطاب» (^٤).\nوسأله - ﷺ - عليٌّ والعباس: أيُّ أهلِك أحبُّ إليك؟ قال: «فاطمة بنت محمد». [٢٦٣/أ] قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك؟ قال: «أحبُّ أهلي إليَّ من أنعم الله عليه وأنعمتُ عليه: أسامة بن زيد». قالا: ثم من؟ قال: «علي بن أبي طالب». قال العباس: يا رسول الله، جعلتَ عمَّك آخرهم! قال: «إنَّ عليًّا سبقك بالهجرة». ذكره الترمذي، وحسَّنه (^٥).\nوفي الترمذي (^٦) أيضًا أنه - ﷺ - سئل: أيُّ أهل بيتك أحبُّ إليك؟ قال: «الحسن والحسين».\n_________\n(^١) برقم (٢٥٣٦) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «النساء».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «ومن».\n(^٤) رواه البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤) من حديث عمرو بن العاص.\n(^٥) برقم (٣٨١٩) من حديث أسامة بن زيد. ورواه أيضًا الطحاوي في «مشكل الآثار» (١٣/ ٣٢٣) والحاكم (٣/ ٥٩٦). وفيه عمر بن أبي سلمة، ضعيف. والحديث حسَّنه الترمذي وقال: وكان شعبة يضعف عمر بن أبي سلمة. وضعَّفه عبد الحق في «الأحكام الكبرى» (٤/ ٤١٤).\n(^٦) برقم (٣٧٧٢) من حديث أنس. ورواه أيضًا البخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ٣٧٧) وأبو يعلى (٤٢٩٤). وفيه يوسف بن إبراهيم، ضعيف. والحديث ضعفه ابن عدي في «الكامل» (٨/ ٥٠٥).","vol":"5","page":480},{"text":"وسئل - ﷺ -: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ فقال: «الحبُّ في الله، والبغضُ في الله». ذكره أحمد (^١).\nوسئل - ﷺ - عن امرأة كثيرة الصلاة والصيام والصدقة غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: «هي في النار». فقيل: إن فلانة تُذكَر (^٢) صلاتها (^٣) وصيامها وصدقتها، ولا تؤذي جيرانها بلسانها. فقال: «هي في الجنة». ذكره أحمد (^٤).\nوسألته - ﷺ - عائشة، فقالت: إن لي جارين، فإلى أيِّهما أُهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا». ذكره البخاري (^٥).\nونهاهم عن الجلوس بالطرقات إلا بحقِّها، فسئل عن حقِّ الطريق، فقال: «غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر» (^٦).\nسأله - ﷺ - رجل، فقال: إنَّ لي مالًا وولدًا، وإنَّ أبي اجتاحَ مالي. فقال:\n_________\n(^١) من حديث أبي ذر (٢١٣٠٣)، وقد تقدم.\n(^٢) ز، ب: «فذكر»، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت من خز، خك أقرب إلى لفظ «المسند».\n(^٣) في النسخ المطبوعة: «قلة صلاتها» بزيادة لفظ «قلة». ولفظ «المسند»: «يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها ...».\n(^٤) برقم (٩٦٧٥) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا البخاري في «الأدب المفرد» (١١٩). صححه ابن حبان (٥٧٦٤)، والحاكم (٤/ ١٦٦)، والألباني في «الصحيحة» (١٩٠).\n(^٥) برقم (٢٢٥٩).\n(^٦) رواه البخاري (٢٤٦٥) ومسلم (٢١٢١) من حديث أبي سعيد.","vol":"5","page":481},{"text":"«أنت ومالُك لأبيك. إنَّ أولادكم من أطيَبِ كَسْبِكم، فكلُوا من كسب أولادكم». ذكره أبو داود (^١).\nوسأله - ﷺ - رجل عن الهجرة والجهاد معه، فقال: «ألك والدان؟». قال: نعم. قال: «فارجع إلى والديك، فأحسِنْ صحبتَهما». ذكره مسلم (^٢).\nوسأله - ﷺ - آخر عن ذلك، فقال: «ويحَك، أحيَّةٌ أمُّك؟». قال: نعم. قال: «ويحك! الزَمْ رِجْلَها، فثَمَّ الجنة». ذكره ابن ماجه (^٣).\nوسأله - ﷺ - رجل من الأنصار، فقال: هل بقي عليَّ من برِّ أبوَيَّ شيءٌ بعد موتهما؟ قال: «نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحِمَ لك إلا من قِبَلهما؛ فهو الذي بقي عليك من برِّهما بعد موتهما». ذكره أحمد (^٤).\nوسئل - ﷺ -: ما حقُّ الوالدين على الولد؟ فقال: «هما جنَّتُك ونارُك». ذكره ابن ماجه (^٥).\n_________\n(^١) برقم (٣٥٣٠) وقد تقدم.\n(^٢) برقم (٢٥٤٩).\n(^٣) برقم (٢٧٨١) من حديث معاوية بن جاهمة السُّلَمي. ورواه أيضًا أحمد (١٥٥٣٨)، والنسائي (٣١٠٤)، والحاكم (٢/ ١٠٤) من طرق مختلفة عن ابن جريج. انظر: «علل الدارقطني» (٧/ ٧٧)، والبيهقي (٩/ ٢٦).\n(^٤) برقم (١٦٠٥٩) من حديث أبي أُسَيد. ورواه أيضًا أبو داود (٥١٤٢)، وابن ماجه (٣٦٦٤)، وابن حبان (٤١٨). وفيه علي بن عبيد، مجهول. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الأدب المفرد» (٥).\n(^٥) برقم (٣٦٦٢) من حديث أبي أمامة. وفيه علي بن يزيد الألهاني، ضعيف. والحديث ضعَّفه البوصيري في «المصباح» (٢/ ٢٤٠)، والألباني في «ضعيف الترغيب» (١٤٧٦).","vol":"5","page":482},{"text":"وسأله - ﷺ - رجل، فقال: إن لي قرابةً، أصِلُهم ويقطعوني، وأُحسِن ويسيئون، وأعفو (^١) ويظلمون (^٢)؛ أفأكافئهم؟ قال: «لا، إذن تكونون (^٣) جميعًا، ولكن خذ الفضل، وصِلْهم، فإنه لن يزال معك ظهيرٌ من الله ما كنتَ على ذلك». ذكره أحمد (^٤).\nوعند مسلم (^٥): «لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ (^٦)، ولن يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم (^٧) ما دمتَ على ذلك».\nوسئل - ﷺ -: ما حقُّ المرأة على الزوج؟ فقال (^٨): «يطعمها إذا طعِم، ويكسوها إذا لبِس، ولا يضرب لها وجهًا، ولا يقبِّح، ولا يهجُر إلا في البيت». ذكره أبو داود (^٩).\n_________\n(^١) خز، خك: «وأحسن إليهم ... وأعفو عنهم»، وكذا في النسخ المطبوعة. والظاهر أن الزيادة من بعض النسَّاخ، واللفظ الوارد هنا بنصه في «المسند» (٦٧٠٠).\n(^٢) في النسخ المطبوعة: «ويسيئوني ... ويظلموني» إلا المطبوع ففيه: «ويسيئون».\n(^٣) كذا في جميع النسخ إلا أن في ز: «يكونون». وفي النسخ المطبوعة: «تكونوا»، ولعله تصرف من بعض الناشرين. وفي «المسند»: «تُترَكون» دون إشارة إلى نسخة أخرى. فإن صح ما جاء هنا فلعل المعنى: تكونون مجتمعين، أي لا يبقى فرق بينكم.\n(^٤) برقم (٦٧٠٠، ٦٩٤٢) من حديث عمرو بن العاص. وفيه الحجاج بن أرطاة، ضعيف مدلس، وقد عنعن.\n(^٥) برقم (٢٥٢٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٦) الملُّ: الرماد الحارّ. أي كأنما تُطعمهم الرماد الحار.\n(^٧) «عليهم» من ز.\n(^٨) في النسخ المطبوعة: «قال»، وكذا في خك.\n(^٩) برقم (٢١٤٤)، وقد تقدَّم.","vol":"5","page":483},{"text":"وسأله - ﷺ - رجل، فقال: أستأذِنُ على أمِّي؟ قال: «نعم»، فقال: إنِّي معها في البيت. فقال: «استأذِنْ عليها». فقال: إني خادمها. قال: «استأذِنْ عليها. أتحب أن تراها عريانة؟». قال: لا. [٢٦٣/ب] قال: «استأذِنْ عليها». ذكره مالك (^١).\nوسئل عن الاستئناس في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧]، قال: «يتكلَّم الرجلُ بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة، ويتنحنح، ويُؤذِنَ أهلَ البيت». ذكره ابن ماجه (^٢).\nوعطَس رجل، فقال: ما أقول يا رسول الله؟ قال: «قل: الحمد لله». فقال\n_________\n(^١) في «الموطأ» (٢/ ٩٦٣)، وكذلك البيهقي (٧/ ٩٧)، من طريق عطاء بن يسار مرسلًا. وأعلَّه بالإرسال أبو داود في «المراسيل» (ص ٣٣٦)، والبيهقي، وابن عبد البر في «التمهيد» (١١/ ٢٢٩)، وابن القطان في «أحكام النظر» (ص ١٣٠)، وابن حجر في «هداية الرواة» (٤/ ٣٢٦).\nقال الحافظ في «الفتح» (١١/ ٢٥: «من طريق علقمة: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: ما على كلِّ أحيانها تريد أن تراها. ومن طريق مسلم بن نذير بالنون مصغرًا: سأل رجل حذيفة: أستأذن على أمِّي؟ قال: إن لم تستأذن عليها رأيتَ ما تكره. ومن طريق موسى بن طلحة: دخلتُ مع أبي على أمي، فدخل واتبعته، فدفع في صدري وقال: تدخل بغير إذن؟ ومن طريق عطاء: سألت ابن عباس: أستأذن على أختي؟ قال: نعم. قلت: إنها في حِجْري. قال: أتحب أن تراها عريانة؟ وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة».\n(^٢) برقم (٣٧٠٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٦١٨٧). وفيه أبو سورة، عنده مناكير، خاصة عن أبي أيوب. والحديث ضعفه الحا فظ في «فتح الباري» (١١/ ١٠).","vol":"5","page":484},{"text":"القوم: ما نقول له يا رسول الله؟ قال: «قولوا له: يرحمك الله». قال: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: «قل لهم: يهديكم الله ويصلح بالكم». ذكره أحمد (^١).\n\nآخر الكتاب (^٢)\n_________\n(^١) برقم (٢٤٤٩٦) من حديث عائشة. ورواه أيضًا إسحاق بن راهويه (٩٩٤). وأبو يعلى (٤٩٤٦). وفيه أبو معشر ضعيف، وشيخه عبد الله بن نجي لا يعرف. وأعلَّ الحديث بهذا اللفظ الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٥٧)، والعيني في «نخب الأفكار» (١٤/ ٥٠) = بضعف أبي معشر.\nوأما أصل الحديث في تشميت العاطس، ففي البخاري (٦٢٢٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) جاء في خاتمة الأصل (ز): «نجزت هذه المجلَّدة والتي قبلها على يد (في الأصل: على يد على) أفقر عباد الله (في الأصل: عباده الله) وأحوجهم إلى رحمته، المعترف بالزلل والتقصير، الراجي عفوَ اللطيف الخبير، المسكين الضعيف: محمد بن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن علي بن حاتم بن عمر بن يوسف بن أحمد بن محمد الحرَّاني أصلًا، البعلي مولدًا، ثم الطرابلسي منشأً ومسكنًا، الأنصاري، الحنبلي، عفا الله تعالى عن ذنوبه، وعن سائر المسلمين، ورحم الله والديه وأموات المسلمين. ووافق الفراغ من نسخ هذه لنفسه في يوم الجمعة الغرَّاء قبل الصلاة في السادس والعشرين من شهر صفر المبارك من عام تسعين وسبعمائة، أحسن الله تعالى خاتمته. وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلَّم تسليمًا. حسبنا الله ونعم الوكيل».\n\nوتحتها ما نصه: «عورض بالأصل المنقول منه، فصح حسب الطاقة، وبالله المستعان».","vol":"5","page":485}]}